######OpenITI# #META# Author: الشوكاني #META# Title: فتح القدير #META# Date: ت 1250 ه #META# Tafsir_type: أمهات التفاسير #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1] # اختلف أهل العلم هل هي آية مستقلة في أول كل سورة كتبت في أولها، أو هي ~~كذلك في الفاتحة فقط دون غيرها، أو أنها ليست بآية في الجميع وإنما كتبت ~~للفصل؟ والأقوال وأدلتها مبسوطة في موضع الكلام على ذلك. وقد اتفقوا على ~~أنها بعض آية في سورة النمل. وقد جزم قراء مكة، والكوفة بأنها آية من ~~الفاتحة ومن كل سورة. وخالفهم قراء المدينة، والبصرة، والشام، فلم ~~يجعلوها آية لا من الفاتحة ولا من غيرها من السور، قالوا وإنما كتبت ~~للفصل والتبرك. وقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه { بسم الله ~~الرحمن الرحيم }. وأخرجه الحاكم في المستدرك. وأخرج ابن خزيمة في صحيحه ~~عن أم سلمة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة في أول الفاتحة ~~في الصلاة وغيرها آية». وفي إسناده عمرو بن هارون البلخي، وفيه ضعف، وروى ~~نحوه الدارقطني مرفوعا عن أبي هريرة. وكما وقع الخلاف في إثباتها وقع ~~الخلاف في الجهر بها في الصلاة. وقد أخرج النسائي في سننه، وابن خزيمة، ~~وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة «أنه صلى فجهر ~~في قراءته بالبسملة، وقال بعد أن فرغ إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم»، وصححه الدارقطني، والخطيب، والبيهقي، وغيرهم. وروى أبو ~~داود، والترمذي عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفتتح ~~الصلاة ب { بسم الله الرحمن الرحيم } قال الترمذي وليس إسناده بذلك. وقد ~~أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس بلفظ «كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يجهر ب { بسم الله الرحمن الرحيم } ، ثم قال صحيح. وأخرج البخاري ~~في صحيحه عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~كانت قراءته مدا، ثم قرأ { بسم الله الرحمن الرحيم } يمد بسم الله، ~~ويمد الرحمن، ويمد الرحيم. وأخرج أحمد في المسند، وأبو داود ms0001 في ~~السنن، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في مستدركه عن أم سلمة أنها قالت ~~«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته { بسم الله الرحمن ~~الرحيم الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين } ~~وقال الدارقطني إسناده صحيح. واحتج من قال بأنه لا يجهر بالبسملة في ~~الصلاة بما في صحيح مسلم عن عائشة قالت «كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة ب { الحمد لله رب العالمين }. ~~وفي الصحيحين عن أنس قال «صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، ~~وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون ب { الحمد لله رب العالمين }. # ولمسلم لا يذكرون { بسم الله الرحمن الرحيم } في أول قراءة، ولا في ~~آخرها. وأخرج أهل السنن نحوه عن عبد الله بن مغفل. وإلى هذا ذهب ~~الخلفاء الأربعة، وجماعة من الصحابة. وأحاديث الترك، وإن كانت أصح، ولكن ~~الإثبات أرجح مع كونه خارجا من مخرج صحيح، فالأخذ به أولى، ولا سيما مع ~~إمكان تأويل الترك، وهذا يقتضي الإثبات الذاتي، أعني كونها قرآنا ~~والوصفي أعني الجهر بها عند الجهر بقراءة ما يفتتح بها من السور في ~~الصلاة. ولتنقيح البحث، والكلام على أطرافه استدلالا، وردا، ~~وتعقبا، ودفعا، ورواية، ودراية موضع غير هذا. ومتعلق " الباء " ~~محذوف، وهو أقرأ، أو أتلو لأنه المناسب لما جعلت البسملة مبدأ له، فمن ~~قدره متقدما كان غرضه الدلالة بتقديمه على الاهتمام بشأن الفعل، ومن ~~قدره متأخرا كان غرضه الدلالة بتأخيره على الاختصاص، مع ما يحصل في ضمن ~~ذلك من العناية بشأن الاسم، والإشارة إلى أن البداية به أهم، لكون ~~التبرك حصل به، وبهذا يظهر رجحان تقدير الفعل متأخرا في مثل هذا ~~المقام، ولا يعارضه قوله تعالى # اقرأ باسم ربك الذى خلق # العلق 1 لأن ذلك المقام مقام القراءة، فكان الأمر بها أهم، وأما الخلاف ~~بين أئمة النحو في كون المقدر اسما أو فعلا فلا يتعلق بذلك كثير فائدة. ~~و " الباء " للاستعانة أو للمصاحبة، ورجح الثاني الزمخشري. واسم أصله ~~سمو، حذفت لامه، ولما كان من الأسماء ms0002 التي بنوا أوائلها على السكون زادوا ~~في أوله الهمزة إذا نطقوا به لئلا يقع الابتداء بالساكن، وهو اللفظ ~~الدال على المسمى ومن زعم أن الاسم هو المسمى كما قاله أبو عبيدة، ~~وسيبويه، والباقلاني، وابن فورك، وحكاه الرازي عن الحشوية والكرامية ~~والأشعرية، فقد غلط غلطا بينا، وجاء بما لا يعقل، مع عدم ورود ما ~~يوجب المخالفة للعقل لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا من لغة العرب، بل ~~العلم الضروري حاصل بأن الاسم الذي هو أصوات مقطعة، وحروف مؤلفة، غير ~~المسمى الذي هو مدلوله، والبحث مبسوط في علم الكلام. وقد ثبت في الصحيحين ~~من حديث أبي هريرة # " إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة " # ، وقال الله عز وجل # ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها # الأعراف 180 وقال تعالى # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما ~~تدعوا فله الأسمآء الحسنى # الإسراء 110 فله الأسماء الحسنى . والله علم لذات الواجب الوجود لم ~~يطلق على غيره، وأصله إله حذفت الهمزة، وعوضت عنها أداة التعريف، ~~فلزمت. وكان قبل الحذف من أسماء الأجناس، يقع على كل معبود بحق، أو باطل، ~~ثم غلب على المعبود بحق، كالنجم، والصعق، فهو قبل الحذف من الأعلام ~~الغالبة، وبعده من الأعلام المختصة. { والرحمن الرحيم } اسمان مشتقان من ~~الرحمة على طريق المبالغة، ورحمن أشد مبالغة من رحيم. # وفي كلام ابن جرير ما يفهم حكاية الاتفاق على هذا، ولذلك قالوا رحمن ~~الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا. وقد تقرر أن زيادة البناء تدل على زيادة ~~المعنى. وقال ابن الأنباري، والزجاج إن الرحمن عبراني، والرحيم ~~عربي. وخالفهما غيرهما. والرحمن من الصفات الغالبة لم يستعمل في غير ~~الله عز وجل. وأما قول بني حنيفة في مسيلمة رحمن اليمامة، فقال في ~~الكشاف إنه باب من تعنتهم في كفرهم. قال أبو علي الفارسي الرحمن اسم ~~عام في جميع أنواع الرحمة، يختص به الله تعالى، والرحيم إنما هو في جهة ~~المؤمنين، قال الله تعالى # وكان بالمؤمنين رحيما # الأحزاب 43 وقد ورد في فضلها أحاديث. منها ما أخرجه سعيد ms0003 بن منصور في ~~سننه، وابن خزيمة في كتاب البسملة والبيهقي عن ابن عباس، قال استرق ~~الشيطان من الناس أعظم آية من القرآن { بسم الله الرحمن الرحيم }. وأخرج ~~نحوه أبو عبيد، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان عنه أيضا. وأخرج ~~الدارقطني بسند ضعيف عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " كان جبريل إذا جاءني بالوحي أول ما يلقي علي { بسم الله الرحمن ~~الرحيم } ". # وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره، والحاكم في المستدرك، وصححه البيهقي في ~~شعب الإيمان عن ابن عباس أن عثمان بن عفان سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن { بسم الله الرحمن الرحيم } ، فقال # " هو اسم من أسماء الله، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين ~~سواد العين، وبياضها من القرب ". # وأخرج ابن جرير وابن عدي في الكامل، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، ~~وابن عساكر في تاريخ دمشق، والثعلبي بسند ضعيف جدا عن أبي سعيد الخدري، ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن عيسى ابن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب لتعلمه، فقال له المعلم ~~اكتب { بسم الله الرحمن الرحيم } ، فقال له عيسى وما بسم الله الرحمن ~~الرحيم؟ قال المعلم لا أدري، فقال له عيسى الباء بهاء الله، والسين سناه، ~~والميم مملكته، والله إله الآلهة، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، ~~والرحيم رحيم الآخرة " # وفي إسناده إسماعيل بن يحيى، وهو كذاب. وقد أورد هذا الحديث ابن الجوزي ~~في الموضوعات. وأخرج ابن مردويه والثعلبي عن جابر قال لما نزلت { بسم ~~الله الرحمن الرحيم } هرب الغيم إلى المشرق، وسكنت الريح، وهاج ~~البحر، وأصغت البهائم بآذانها، ورجمت الشياطين من السماء، وحلف ~~الله بعزته وجلاله ألا تسمى على شيء إلا بارك فيه. وأخرج أبو نعيم، ~~والديلمي عن عائشة قالت لما نزلت { بسم الله الرحمن الرحيم } ضجت الجبال ~~حتى سمع أهل مكة دويها فقالوا سحر محمد الجبال، فبعث الله دخانا ~~حتى أظل على أهل مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من قرأ { بسم الله الرحمن الرحيم ms0004 } موقنا سبحت معه الجبال إلا ~~أنه لا يسمع ذلك منها " # وأخرج الديلمي عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من قرأ { بسم الله الرحمن الرحيم } كتب الله له بكل حرف أربعة آلاف ~~حسنة، ومحا عنه أربعة آلاف سيئة، ورفع له أربعة آلاف درجة " # وأخرج الخطيب في الجامع عن أبي جعفر محمد بن علي قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " { بسم الله الرحمن الرحيم } مفتاح كل كتاب " # وهذه الأحاديث ينبغي البحث عن أسانيدها، والكلام عنها بما يتبين بعد ~~البحث إن شاء الله. وقد شرعت التسمية في مواطن كثيرة، قد بينها الشارع ~~منها عند الوضوء، وعند الذبيحة، وعند الأكل، وعند الجماع وغير ذلك. ### || [1.2-7] # { الحمد لله } الحمد هو الثناء باللسان على الجميل الإختياري، ~~وبقيد الاختيار فارق المدح، فإنه يكون على الجميل، وإن لم يكن الممدوح ~~مختارا كمدح الرجل على جماله، وقوته، وشجاعته. وقال صاحب الكشاف إنهما ~~أخوان، والحمد أخص من الشكر موردا، وأعم منه متعلقا. فمورد الحمد ~~اللسان فقط، ومتعلقه النعمة، وغيرها، ومورد الشكر اللسان، والجنان، ~~والأركان، ومتعلقه النعمة وقيل إن مورد الحمد كمورد الشكر، لأن كل ~~ثناء باللسان لا يكون من صميم القلب مع موافقة الجوارح ليس بحمد بل ~~سخرية واستهزاء. وأجيب بأن اعتبار موافقة القلب، والجوارح في الحمد لا ~~يستلزم أن يكون موردا له بل شرطا. وفرق بين الشرط، والشطر، وتعريفه ~~لاستغراق أفراد الحمد، وأنها مختصة بالرب سبحانه وتعالى، على معنى أن ~~حمد غيره لا اعتداد به، لأن المنعم هو الله عز وجل، أو على أن حمده هو ~~الفرد الكامل، فيكون الحصر ادعائيا. ورجح صاحب الكشاف أن التعريف هنا ~~هو تعريف الجنس لا الاستغراق، والصواب ما ذكرناه. وقد جاء في الحديث # " اللهم لك الحمد كله " # وهو مرتفع بالابتداء وخبره الظرف وهو { لله }. وأصله النصب على المصدرية ~~بإضمار فعله، كسائر المصادر التي تنصبها العرب، فعدل عنه إلى الرفع ~~لقصد الدلالة على الدوام، والثبات المستفاد من الجمل الاسمية دون الحدوث، ~~والتجدد اللذين تفيدهما الجمل الفعلية، واللام ms0005 الداخلة على الاسم الشريف ~~هي لام الاختصاص. قال ابن جرير الحمد ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه ~~أمر عباده أن يثنوا عليه، فكأنه قال قولوا الحمد لله ثم رجح اتحاد الحمد، ~~والشكر مستدلا على ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب ~~يوقعون كلا من الحمد، والشكر مكان الآخر. قال ابن كثير وفيه نظر لأنه ~~اشتهر عند كثير من العلماء المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على ~~المحمود بصفاته اللازمة، والمتعدية. والشكر لا يكون إلا على المتعدية ~~ويكون بالجنان، واللسان، والأركان، انتهى. ولا يخفى أن المرجع في مثل هذا ~~إلى معنى الحمد في لغة العرب لا إلى ما قاله جماعة من العلماء المتأخرين، ~~فإن ذلك لا يرد على ابن جرير، ولا تقوم به الحجة هذا إذا لم يثبت للحمد ~~حقيقة شرعية، فإن ثبتت وجب تقديمها. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال قال عمر قد علمنا سبحان الله، ولا إله إلا الله، فما الحمد لله؟ ~~فقال علي كلمة رضيها لنفسه. وروى ابن أبي حاتم أيضا عن ابن عباس أنه ~~قال الحمد لله كلمة الشكر، وإذا قال العبد الحمد لله قال شكرني عبدي. ~~وروى هو وابن جرير، عن ابن عباس أيضا أنه قال الحمد لله هو الشكر لله، ~~والاستخذاء له، والإقرار له بنعمه، وهدايته، وابتدائه، وغير ذلك. # وروى ابن جرير عن الحكم بن عمير، وكانت له صحبة، قال قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " إذا قلت الحمد لله رب العالمين، فقد شكرت الله، فزادك " # وأخرج عبد الرزاق في المصنف، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والخطابي ~~في الغريب، والبيهقي في الأدب، والديلمي في مسند الفردوس عن عبد الله ~~بن عمرو بن العاص، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # " الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده " # وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال ~~«الصلاة شكر والصيام شكر، وكل خير تفعله شكر، وأفضل الشكر الحمد». وأخرج ~~الطبراني في الأوسط بسند ms0006 ضعيف عن النواس بن سمعان قال «سرقت ناقة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال # " لئن ردها الله علي لأشكرن ربي فرجعت، فلما رآها قال الحمد لله " # فانتظروا هل يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم صوما أو صلاة، فظنوا ~~أنه نسي فقالوا يا رسول الله قد كنت قلت لئن ردها الله علي لأشكرن ~~ربي، قال # " ألم أقل الحمد لله؟ " # - وقد ورد في فضل الحمد أحاديث. منها ما أخرجه أحمد، والنسائي، والحاكم ~~وصححه، والبخاري في الأدب المفرد عن الأسود بن سريع، قال «قلت يا رسول ~~الله ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي تبارك وتعالى؟ فقال # " أما إن ربك يحب الحمد " # وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي عن جابر ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله " # وأخرج ابن ماجه والبيهقي بسند حسن عن أنس قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطى أفضل ~~مما أخذ " # وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والقرطبي في تفسيره عن أنس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " لو أن الدنيا كلها بحذافيرها في يد رجل من أمتي، ثم قال الحمد لله، ~~لكان الحمد أفضل من ذلك " # قال القرطبي معناه لكان إلهامه الحمد أكبر نعمة عليه من نعم الدنيا، ~~لأن ثواب الحمد لا يفنى، ونعيم الدنيا لا يبقى. وأخرج البيهقي في شعب ~~الإيمان عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما من عبد ينعم عليه بنعمة إلا كان الحمد أفضل منها " # وأخرج عبد الرزاق في المصنف نحوه، عن الحسن مرفوعا. وأخرج مسلم ~~والنسائي، وأحمد عن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان " # الحديث. وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، والترمذي وحسنه، وابن مردويه عن ~~رجل من بني سليم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ms0007 # " سبحان الله نصف الميزان، والحمد لله تملأ الميزان، والله أكبر تملأ ~~ما بين السماء، والأرض، والطهور نصف الإيمان، والصوم نصف الصبر " # وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، ولا إله إلا الله ليس لها ~~دون الله حجاب حتى تخلص إليه " # وأخرج البيهقي عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " التأني من الله، والعجلة من الشيطان، وما شيء أكثر معاذير من ~~الله، وما شيء أحب إلى الله من الحمد " # وأخرج ابن شاهين في السنة والديلمي عن أبان بن أنس قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " التوحيد ثمن الجنة، والحمد ثمن كل نعمة، ويتقاسمون الجنة بأعمالهم " # وأخرج أهل السنن وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله، فهو أقطع " # وأخرج ابن ماجه في سننه عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حدثهم # " أن عبدا من عباد الله قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، ~~وعظيم سلطانك. فلم يدر الملكان كيف يكتبانها، فصعدا إلى السماء، فقالا ~~يا ربنا إن عبدا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها؟ قال الله وهو أعلم ~~بما قال عبده ماذا قال عبدي؟ قالا يا رب إنه قال لك الحمد كما ينبغي ~~لجلال وجهك، وعظيم سلطانك. فقال الله لهما اكتباها كما قال عبدي حتى ~~يلقاني، وأجزيه بها ". # وأخرج مسلم عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، فيحمده عليها، أو يشرب الشربة ~~فيحمده عليها " # { رب العلمين } قال في الصحاح الرب اسم من أسماء الله تعالى، ~~ولا يقال في غيره إلا بالإضافة. وقد قالوه في الجاهلية للملك. وقال في ~~الكشاف الرب المالك. ومنه قول صفوان لأبي سفيان لأن يربني رجل من ~~قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن. ms0008 ثم ذكر نحو كلام الصحاح. ~~قال القرطبي في تفسيره والرب السيد، ومنه قوله تعالى # اذكرني عند ربك # يوسف 42، وفي الحديث # " أن تلد الأمة ربها " # ، والرب المصلح، والمدبر، والجابر، والقائم قال والرب المعبود. ومنه قول ~~الشاعر # أرب يبول الثعلبان برأسه لقد هان من بالت عليه الثعالب # و { العالمين } جمع العالم، وهو كل موجود سوى الله تعالى، قاله قتادة. # وقيل أهل كل زمان عالم، قاله الحسين بن الفضل. وقال ابن عباس العالمون ~~الجن، والإنس، وقال الفراء، وأبو عبيد العالم عبارة عمن يعقل، وهم أربعة ~~أمم الإنس، والجن، والملائكة، والشياطين. ولا يقال للبهائم عالم، لأن هذا ~~الجمع إنما هو جمع ما يعقل. حكى هذه الأقوال القرطبي في تفسيره، وذكر ~~أدلتها، وقال إن القول الأول أصح هذه الأقوال لأنه شامل لكل مخلوق ~~وموجود. دليله قوله تعالى # قال فرعون وما رب العلمين * قال رب ~~السموات والأرض وما بينهما # الشعراء 23، 24 وهو مأخوذ من العلم، والعلامة لأنه يدل على موجده، كذا ~~قال الزجاج وقال العالم كل ما خلقه الله في الدنيا، والآخرة، انتهى. ~~وعلى هذا يكون جمعه على هذه الصيغة المختصة بالعقلاء تغليبا للعقلاء على ~~غيرهم. وقال في الكشاف ساغ ذلك لمعنى الوصفية فيه، وهي الدلالة على معنى ~~العلم. وقد أخرج ما تقدم من قول ابن عباس عنه الفريابي، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه. وأخرجه عبد بن ~~حميد، وابن جريح عن مجاهد. وأخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير. وأخرج ابن ~~جبير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى { رب العالمين } قال ~~إله الخلق كله السموات كلهن، ومن فيهن. والأرضون كلهن، ومن فيهن، ومن ~~بينهن مما يعلم ومما لا يعلم. { الرحمن الرحيم } قد تقدم ~~تفسيرهما. قال القرطبي وصف نفسه تعالى بعد رب العالمين بأنه الرحمن ~~الرحيم، لأنه لما كان في اتصافه برب العالمين ترهيب، قرنه بالرحمن ~~الرحيم لما تضمن من الترغيب، ليجمع في صفاته بين الرهبة منه والرغبة ~~إليه، فيكون أعون على طاعته، وأمنع، كما قال تعالى ms0009 # نبىء عبادى أنى أنا الغفور الرحيم * وأن عذابى ~~هو العذاب الاليم # الحجر 49، 50 وقال # غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب # غافر 3. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم ~~الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد " # انتهى. وقد أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { الحمد لله رب ~~العلمين } قال ما وصف من خلقه، وفي قوله { الرحمن الرحيم } ، قال ~~مدح نفسه. ثم ذكر بقية الفاتحة { ملك يوم الدين } قرىء " ملك ~~" ، و " مالك " ، و " ملك " بسكون اللام، و " ملك " بصيغة الفعل. وقد ~~اختلف العلماء أيما أبلغ ملك، أو مالك؟ فقيل إن ملك أعم، وأبلغ من ~~مالك، إذ كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا، ولأن أمر الملك نافذ على ~~المالك في ملكه حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك، قاله أبو عبيد، ~~والمبرد، ورجحه الزمحشري. # وقيل مالك أبلغ لأنه يكون مالكا للناس، وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرفا، ~~وأعظم. وقال أبو حاتم إن مالكا أبلغ في مدح الخالق من ملك، وملك أبلغ في ~~مدح المخلوقين من مالك، لأن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك، وإذا ~~كان الله تعالى مالكا كان ملكا. واختار هذا القاضي أبو بكر بن العربي. ~~والحق أن لكل واحد من الوصفين نوع أخصية لا يوجد في الآخر فالمالك يقدر ~~على ما لا يقدر عليه الملك من التصرفات بما هو مالك له بالبيع، والهبة، ~~والعتق، ونحوها، والملك يقدر على ما لا يقدر عليه المالك من التصرفات ~~العائدة إلى تدبير الملك، وحياطته، ورعاية مصالح الرعية، فالمالك أقوى من ~~الملك في بعض الأمور، والملك أقوى من المالك في بعض الأمور. والفرق بين ~~الوصفين بالنسبة إلى الرب سبحانه، أن الملك صفة لذاته، والمالك صفة ~~لفعله. و { يوم الدين } ، يوم الجزاء من الرب سبحانه لعباده كما قال # وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم ~~الدين ms0010 * يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والامر ~~يومئذ لله # الإنفطار 17 19 وهذه الإضافة إلى الظرف على طريق الاتساع كقولهم يا ~~سارق الليلة أهل الدار، ويوم الدين وإن كان متأخرا فقد يضاف اسم الفاعل ~~وما في معناه إلى المستقبل كقولك هذا ضارب زيدا غدا. وقد أخرج الترمذي ~~عن أم سلمة «أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقرأ ملك بغير ألف. وأخرج ~~نحوه ابن الأنباري عن أنس. وأخرج أحمد والترمذي عن أنس أيضا «أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يقرءون مالك بالألف». ~~وأخرج نحوه سعيد بن منصور، عن ابن عمر مرفوعا، وأخرج نحوه أيضا وكيع في ~~تفسيره وعبد بن حميد، وأبو داود وعن الزهري يرفعه مرسلا. وأخرجه أيضا ~~عبد الرزاق في تفسيره وعبد بن حميد، وأبو داود عن ابن المسيب مرفوعا ~~مرسلا. وقد روي هذا من طرق كثيرة، فهو أرجح من الأول. وأخرج الحاكم ~~وصححه عن أبي هريرة. «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ مالك يوم ~~الدين» وكذا رواه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود مرفوعا. وأخرج ابن ~~جرير، والحاكم وصححه عن ابن مسعود، وناس من الصحابة أنهم فسروا يوم الدين ~~بيوم الحساب. وكذا رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس. وأخرج عبد ~~الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة قال { يوم الدين } يوم يدين ~~الله العباد بأعمالهم. { إياك نعبد وإياك نستعين } ~~قراءة السبعة، وغيرهم بتشديد الياء، وقرأ عمر بن فايد بتخفيفها مع الكسر ~~وقرأ الفضل والرقاشي بفتح الهمزة، وقرأ أبو السوار الغنوي «هياك» في ~~الموضعين وهي لغة مشهورة. # والضمير المنفصل هو «إيا» وما يلحقه من الكاف، والهاء، والياء هي حروف ~~لبيان الخطاب، والغيبة، والتكلم، ولا محل لها من الإعراب كما ذهب إليه ~~الجمهور، وتقديمه على الفعل لقصد الاختصاص، وقيل للاهتمام، والصواب أنه ~~لهما، ولا تزاحم بين المقتضيات. والمعنى نخصك بالعبادة، ونخصك بالإستعانة ~~لا نعبد غيرك، ولا نستعينه، والعبادة أقصى غايات الخضوع، والتذلل، قال ~~ابن كثير وفي الشرع عبارة ms0011 عما يجمع كمال المحبة، والخضوع، والخوف، وعدل ~~عن الغيبة إلى الخطاب لقصد الالتفات، لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى ~~آخر كان أحسن تطرية لنشاط السامع، وأكثر إيقاظا له كما تقرر في علم ~~المعاني. والمجيء بالنون في الفعلين لقصد الإخبار من الداعي عن نفسه، وعن ~~جنسه من العباد، وقيل إن المقام لما كان عظيما لم يستقل به الواحد ~~استقصارا لنفسه، واستصغارا لها، فالمجىء بالنون لقصد التواضع، لا ~~لتعظيم النفس. وقدمت العبادة على الإستعانة لكون الأولى وسيلة إلى ~~الثانية، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب، وإطلاق الإستعانة لقصد ~~التعميم. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إياك ~~نعبد } يعني إياك نوحد ونخاف يا ربنا لا غيرك، { وإياك نستعين } على ~~طاعتك وعلى أمورنا كلها. وحكى ابن كثير عن قتادة، أنه قال في { إياك نعبد ~~وإياك نستعين } يأمركم أن تخلصوا له العبادة، وأن تستعينوه على أمركم. ~~وفي صحيح مسلم من حديث المعلى بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها ~~لعبدي، ولعبدي ما سأل، إذا قال { العبد الحمد لله رب العالمين } قال ~~حمدني عبدي، وإذا قال { الرحمن الرحيم } قال أثنى علي عبدي، فإذا قال { ~~مالك يوم الدين } قال مجدني عبدي، فإذا قال { إياك نعبد، وإياك نستعين } ~~قال هذا بيني، وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال { اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم، ولا الضالين } قال ~~هذا لعبدي ولعبدي ما سأل " # وأخرج أبو القاسم البغوي، والباوردي، معا في معرفة الصحابة، والطبراني ~~في الأوسط، وأبو نعيم في الدلائل عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة قال «كنا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فلقي العدو فسمعته يقول # " يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين " # ، قال فلقد رأيت الرجال تصرع فتضربها الملائكة من بين يديها ومن ~~خلفها». { اهدنا الصراط المستقيم } قرأه الجمهور بالصاد، ~~وقرأ السراط ms0012 بالسين، والزراط بالزاي والهداية قد يتعدى فعلها بنفسه كما ~~هنا، وكقوله # وهدينه النجدين # البلد 10 وقد يتعدى بإلى كقوله # اجتبه وهداه إلى صرط مستقيم # النحل 121، # فاهدوهم إلى صرط الجحيم # الصافات 23، # وإنك لتهدى إلى صرط مستقيم # الشورى 52 وقد يتعدى باللام كقوله # الحمد لله الذى هدانا لهذا # الأعراف 43 # إن هذا القرءان يهدى للتى هى أقوم # الإسراء 9 قال الزمخشري أصله أن يتعدى باللام أو بإلى. انتهى. وهي ~~الإرشاد، أو التوفيق، أو الإلهام، أو الدلالة. وفرق كثير من ~~المتأخرين بين معنى المتعدى بنفسه، وغير المتعدى، فقالوا معنى الأول ~~الدلالة، والثاني الإيصال. وطلب الهداية من المهتدي معناه طلب الزيادة ~~كقوله تعالى # والذين اهتدوا زادهم هدى # محمد 17 # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # العنكبوت 69 والصراط الطريق، قال ابن جرير أجمعت الأمة من أهل التأويل ~~جميعا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وهو ~~كذلك في لغة جميع العرب. قال ثم تستعير العرب الصراط فتستعمله فتصف ~~المستقيم باستقامته، والمعوج باعوجاجه. وقد أخرج الحاكم وصححه وتعقبه ~~الذهبي عن أبي هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { اهدنا ~~الصراط المستقيم } بالصاد». وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والبخاري ~~في تاريخه عن ابن عباس «أنه قرأ الصراط بالسين». وأخرج ابن الأنباري عن ~~ابن كثير أنه كان يقرأ " السراط " بالسين. وأخرج أيضا عن حمزة أ { اهدنا ~~الصراط المستقيم } يقول ألهمنا دينك الحق. وأخرج ابن جرير عنه، وابن ~~المنذر نحوه. وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم ~~وصححه عن جابر بن عبد الله أنه قال «هو دين الإسلام، وهو أوسع مما بين ~~السماء، والأرض». وأخرج نحوه ابن جرير عن ابن عباس. وأخرج نحوه أيضا عن ~~ابن مسعود، وناس من الصحابة. وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في ~~شعب الإيمان عن النواس بن سمعان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبي ms0013 الصراط سوران فيهما ~~أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول يا ~~أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا، ولا تفرقوا، وداع يدعو من فوق الصراط، ~~فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنك ~~إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة ~~محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق واعظ ~~الله تعالى في قلب كل مسلم. " # قال ابن كثير بعد إخراجه وهو إسناد حسن صحيح. وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، ~~وابن المنذر، وأبو بكر بن الأنباري، والحاكم، وصححه، والبيهقي في شعب ~~الإيمان عن ابن مسعود أنه قال «هو كتاب الله». وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن عساكر، عن أبي العالية ~~قال هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده. # وأخرج الحاكم وصححه عن أبي العالية، عن ابن عباس مثله. وروي القرطبي، عن ~~الفضيل بن عياض، أنه قال الصراط المستقيم طريق الحج، قال وهذا خاص، ~~والعموم أولى. انتهى. وجميع ما روي في تفسير هذه الآية ما عدا هذا ~~المروي، عن الفضيل يصدق بعضه على بعض، فإن من اتبع الإسلام أو القرآن أو ~~النبي، فقد اتبع الحق. وقد ذكر ابن جرير نحو هذا، فقال والذي هو أولى ~~بتأويل هذه الآية عندي أن يكون معنيا به، وفقنا للثبات على ما ~~ارتضيته، ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول، وعمل، وذلك هو الصراط ~~المستقيم، لأن من وفق إليه ممن أنعم الله عليه من النبيين، والصديقين، ~~والشهداء، والصالحين، فقد وفق للإسلام وتصديق الرسل، والتمسك بالكتاب، ~~والعمل بما أمره الله به، والانزجار عما زجره عنه، واتباع منهاج النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ومنهاج الخلفاء الأربعة، وكل عبد صالح، وكل ذلك من ~~الصراط المستقيم. انتهى. { صراط الذين أنعمت عليهم ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين } انتصب { صراط } على ~~أنه بدل من الأول، وفائدته التوكيد لما فيه من التثنية، والتكرير، ويجوز ~~أن يكون ms0014 عطف بيان، وفائدته الإيضاح، والذين أنعم الله عليهم هم المذكورون ~~في سورة النساء حيث قال # ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصلحين وحسن أولئك رفيقا * ذلك ~~الفضل من الله وكفى بالله عليما # النساء 69 70 وأطلق الإنعام ليشمل كل إنعام، و { غير المغضوب عليهم } ~~بدل من { الذين أنعمت عليهم } على معنى أن المنعم عليهم هم الذين ~~سلموا من غضب الله، والضلال، أو صفة له على معنى أنهم جمعوا بين ~~النعمتين نعمة الإيمان، والسلامة من ذلك، وصح جعله صفة للمعرفة مع ~~كون { غير } لاتتعرف بالإضافة إلى المعارف، لما فيها من الإبهام، لأنها ~~هنا غير مبهمة لاشتهار المغايرة بين الجنسين.والغضب في اللغة قال القرطبي ~~الشدة، ورجل غضوب أي شديد الخلق، والغضوب الحية الخبيثة لشدتها. قال ~~ومعنى الغضب في صفة الله إرادة العقوبة، فهو صفة ذاته، أو نفس العقوبة، ~~ومنه الحديث # " إن الصدقة لتطفىء غضب الرب " # ، فهو صفة فعله. قال في الكشاف هو إرادة الانتقام من العصاة، وإنزال ~~العقوبة بهم، وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على من تحت يده، ~~والفرق بين { عليهم } الأولى، و { عليهم } الثانية، أن الأولى في محل نصب ~~على المفعولية، والثانية في محل رفع على النيابة عن الفاعل. و«لا» في ~~قوله { ولا الضالين } تأكيد للنفي المفهوم من غير، والضلال في لسان العرب ~~قال القرطبي هو الذهاب عن سنن القصد، وطريق الحق، ومنه ضل اللبن في ~~الماء، أي غاب، ومنه # أءذا ضللنا فى الأرض # السجدة 10 أي غبنا بالموت، وصرنا ترابا. # وأخرج وكيع، وأبو عبيد، وسعيد بن منصور، وعبد ابن حميد، وابن المنذر عن ~~عمر بن الخطاب أنه كان يقرأ " صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم، ~~وغير الضالين " وأخرج أبو عبيد، وعبد بن حميد أن عبد الله بن الزبير قرأ ~~كذلك. وأخرج الأنباري، عن الحسن أنه كان يقرأ «عليهمي» بكسر الهاء، ~~والميم، وإثبات الياء. وأخرج ابن الأنباري عن الأعرج، أنه كان يقرأ ~~«عليهمو» بضم الهاء، والميم، وإلحاق الواو. وأخرج ms0015 أيضا عن ابن كثير، أنه ~~كان يقرأ «عليهمو» بكسر الهاء، وضم الميم مع إلحاق الواو. وأخرج أيضا عن ~~أبي إسحاق، أنه قرأ «عليهم» بضم الهاء، والميم من غير إلحاق واو. وأخرج ~~ابن داود عن عكرمة، والأسود أنهما كانا يقرآن كقراءة عمر السابقة. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { صراط الذين ~~أنعمت عليهم } يقول طريق من أنعمت عليهم من الملائكة، ~~والنبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين الذين أطاعوك، وعبدوك. وأخرج ~~ابن جرير عن ابن عباس أنهم المؤمنون. وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس ~~في قوله { صراط الذين أنعمت عليهم } قال النبيون { ~~غير المغضوب عليهم } قال اليهود { ولا الضالين } قال ~~النصارى. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله. وأخرج أيضا عن سعيد بن جبير ~~مثله. وأخرج عبد الرزاق، وأحمد في مسنده، وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~والبغوي، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن عبد الله بن شقيق قال أخبرني من سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى على فرس له، وسأله رجل من ~~بني القين، فقال من المغضوب عليهم يا رسول الله؟ " قال اليهود " ، قال ~~فمن الضالون؟ قال " النصارى ". وأخرجه ابن مردويه عن عبد الله بن شقيق، ~~عن أبي ذر قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره. وأخرجه وكيع، ~~وعبد بن حميد، وابن جرير، عن عبد الله بن شقيق قال «كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يحاصر أهل وادي القرى، فقال له رجل إلى آخره، ولم يذكر ~~فيه أخبرني من سمع النبي كالأول، وأخرجه البيهقي في الشعب عن عبد الله ~~بن شقيق، عن رجل من بني القين، عن ابن عم له أنه قال «أتيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم» فذكره. وأخرجه سفيان بن عيينة، في تفسيره، وسعيد بن ~~منصور، عن إسماعيل بن أبي خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " المغضوب عليهم اليهود، والضالون النصارى " # وأخرجه أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وابن ms0016 حبان في صحيحه عن عدي بن حاتم قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " إن المغضوب عليهم هم اليهود، وإن الضالين النصارى " # وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن حبان، والحاكم وصححه، والطبراني عن ~~الشريد قال «مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا جالس هكذا، ~~وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري، واتكأت على ألية يدي فقال # " أتقعد قعدة المغضوب عليهم؟ " # قال ابن كثير بعد ذكره لحديث عدي بن حاتم وقد روي حديث عدي هذا من طرق، ~~وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها. انتهى. والمصير إلى هذا التفسير النبوي ~~متعين، وهو الذي أطبق عليه أئمة التفسير من السلف. قال ابن أبي حاتم ~~لا أعلم خلافا بين المفسرين في تفسير المغضوب عليهم باليهود، والضالين ~~بالنصارى. ويشهد لهذا التفسير النبوي آيات من القرآن، قال الله تعالى في ~~خطابه لبني إسرائيل في سورة البقرة # بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بمآ أنزل ~~الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشآء ~~من عباده فبآءو بغضب على غضب وللكافرين ~~عذاب مهين # البقرة 90. وقال في المائدة # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ~~من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة ~~والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا ~~وأضل عن سوآء السبيل # المائدة 60 وفي السيرة عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه لما خرج هو، وجماعة ~~من أصحابه إلى الشام يطلبون الدين الحنيف قال اليهود إنك لن تستطيع ~~الدخول معنا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله، فقال أنا من غضب الله أفر، ~~وقالت له النصارى إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من سخط ~~الله، فقال لا أستطيعه، فاستمر على فطرته، وجانب عبادة الأوثان. - فائدة ~~في مشروعية التأمين بعد قراءة الفاتحة - اعلم أن السنة الصحيحة الصريحة ~~الثابتة تواترا، قد دلت على ذلك، فمن ذلك ما أخرجه أحمد، وأبو داود، ~~والترمذي عن وائل بن حجر قال «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { ~~غير المغضوب عليهم، ولا الضالين } ، # " فقال آمين مد بها ms0017 صوته " # ولأبي داود «رفع بها صوته» وقد حسنه الترمذي. وأخرجه أيضا النسائي، ~~وابن أبي شيبة، وابن ماجه، والحاكم وصححه، وفي لفظ من حديثه أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال # " رب اغفر لي آمين " # أخرجه الطبراني، والبيهقي. وفي لفظ أنه قال # " آمين ثلاث مرات " # أخرجه الطبراني. وأخرج وكيع، وابن أبي شيبة، عن أبي ميسرة قال «لما أقرأ ~~جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب فبلغ، ولا الضالين قال ~~«قل آمين، فقال آمين». وأخرج ابن ماجه عن علي قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا قال، # " ولا الضالين قال آمين " # وأخرج مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن أبي موسى قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " إذا قرأ " # يعني الإمام { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } # " فقولوا آمين يحبكم الله " # وأخرج البخاري ومسلم، وأهل السنن، وأحمد، وابن أبي شيبة، وغيرهم عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إذا أمن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر ~~له ما تقدم من ذنبه " # ، وأخرج أحمد، وابن ماجه، والبيهقي بسند قال السيوطي صحيح عن عائشة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام، والتأمين " # وأخرج ابن عدي من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن اليهود قوم حسد، حسدوكم على ثلاثة إفشاء السلام، وإقامة الصف، ~~وآمين " # وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث معاذ مثله. وأخرج ابن ماجه بسند ضعيف ~~عن ابن عباس قال # " ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على آمين، فأكثروا من قول آمين " # ووجه ضعفه أن في إسناده طلحة بن عمرو، وهو ضعيف. وأخرج الديلمي عن أنس ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من قرأ { بسم الله الرحمن الرحيم } ثم قرأ فاتحة الكتاب ثم قال آمين ~~لم يبق مقرب ملك في السماء إلا استغفر له " # وأخرج أبو داود عن بلال، أنه قال «يا رسول الله لا ms0018 تسبقني بآمين»، ومعنى ~~آمين استجب. قال القرطبي في تفسيره معنى آمين عند أكثر أهل العلم اللهم ~~استجب لنا، وضع موضع الدعاء. وقال في الصحاح معنى آمين كذلك فليكن. وأخرج ~~جويبر في تفسيره عن الضحاك عن ابن عباس مثله. وأخرج وكيع، وابن أبي ~~شيبة في المصنف عن هلال بن يساف، ومجاهد قالا آمين اسم من أسماء الله. ~~وأخرج ابن أبي شيبة عن حكيم بن جبير مثله. وقال الترمذي معناه لا تخيب ~~رجاءنا. وفيه لغتان، المد على وزن فاعيل كياسين. والقصر على وزن يمين، ~~قال الشاعر في المد # يا رب لا تسلبني حبها أبدا ويرحم الله عبدا قال ~~آمينا # وقال آخر # آمين آمين لا أرضى بواحدة حتى أبلغها ألفين آمينا # قال الجوهري وتشديد الميم خطأ. وروي عن الحسن، وجعفر الصادق، والحسين بن ~~فضل التشديد، من أم إذا قصد أي نحن قاصدون نحوك، حكى ذلك القرطبي. قال ~~الجوهري وهو مبني على الفتح مثل أين، وكيف لاجتماع الساكنين، وتقول منه ~~أمن فلان تأمينا. وقد اختلف أهل العلم في الجهر بها، وفي أن الإمام ~~يقولها أم لا؟ وذلك مبين في مواطنه. ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1] # { الم } قال القرطبي في تفسيره اختلف أهل التأويل في الحروف التي في ~~أوائل السور، فقال الشعبي، وسفيان الثوري، وجماعة من المحدثين هي سر ~~الله في القرآن، ولله في كل كتاب من كتبه سر، فهي من المتشابه الذي ~~انفرد الله بعلمه، ولا نحب أن نتكلم فيها، ولكن نؤمن بها، وتمر كما ~~جاءت، وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق، وعلي ابن أبي طالب، قال وذكر ~~أبو الليث السمرقندي عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، أنهم قالوا الحروف ~~المقطعة من المكتوم الذي لايفسر، وقال أبو حاتم لم نجد الحروف في القرآن ~~إلا في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله عز وجل. وقال جمع من العلماء ~~كثير بل نحب أن نتكلم فيها، ونلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي ~~تتخرج عليها. واختلفوا في ذلك على أقوال عديدة، فروي عن ابن عباس، وعلي ~~أيضا أن ms0019 الحروف المقطعة في القرآن اسم الله الأعظم إلا أنا لا نعرف ~~تأليفه منها. وقال قطرب، والفراء، وغيرهما هي إشارة إلى حروف الهجاء ~~أعلم الله بها العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي التي بناء ~~كلامهم عليها ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم. ~~قال قطرب كانوا ينفرون عند استماع القرآن، فلما نزل { الم، } و # المص # الأعراف 1 استنكروا هذا اللفظ، فلما أنصتوا له صلى الله عليه وسلم أقبل ~~عليهم بالقرآن المؤتلف ليثبته في أسماعهم، وآذانهم، ويقيم الحجة عليهم. ~~وقال قوم روي أن المشركين لما أعرضوا عن القرآن بمكة قالوا # وقالوا لا تسمعوا لهذا القرءان والغوا فيه # فصلت 26 فأنزلها استغربوها، فيفتحون أسماعهم، فيسمعون القرآن بعدها، ~~فتجب عليهم الحجة. وقال جماعة هي حروف دالة على أسماء أخذت منها، وحذفت ~~بقيتها، كقول ابن عباس، وغيره الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من ~~محمد. وذهب إلى هذا الزجاج، فقال وذهبوا إلى أن كل حرف منها يؤدي عن ~~معناه!. وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة كقوله فقلت لها قفى، فقالت قاف ~~أي وقفت. وفي الحديث # " من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة " # قال شقيق هو أن يقول فقرة في اقتل اق، كما قال صلى الله عليه وسلم # " كفى بالسيف شا " # أي شافيا، وفي نسخة شاهدا. وقال زيد بن أسلم هي أسماء للسور. وقال ~~الكلبي هي أقسام أقسم الله بها لشرفها وفضلها وهي من أسمائه. ومن أدق ما ~~أبرزه المتكلمون في معاني هذه الحروف ما ذكره الزمخشري في الكشاف، فإنه ~~قال وأعلم أنك إذا تأملت ما أورده الله عز سلطانه في الفواتح من هذه ~~الأسماء وجدتها نصف أسامي حروف المعجم أربعة عشر سواء وهي الألف، واللام، ~~والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والطاء، ~~والسين، والحاء، والقاف، والنون في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم، ~~ثم إذا نظرت في هذه الأربعة عشر، وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف. # بيان ذلك أن فيها من المهموسة نصفها الصاد، والكاف، ms0020 والهاء، والسين، ~~والحاء، ومن المجهورة نصفها الألف، واللام، والميم، والراء، والعين، ~~والطاء، والقاف، والياء، والنون، ومن الشديدة نصفها الألف، والكاف، ~~والطاء، والقاف، ومن الرخوة نصفها اللام، والميم، والراء، والصاد، ~~والهاء، والعين، والسين، والحاء، والياء، والنون، ومن المطبقة نصفها ~~الصاد، والطاء،ومن المنفتحة نصفها الألف، والام، والميم، والراء، والكاف، ~~والهاء، والعين، والسين، والحاء، والقاف، والياء، والنون، ومن المستعلية ~~نصفها القاف، والصاد، والطاء، ومن المنخفضة نصفها الألف واللام والميم، ~~والراء، والكاف، والهاء، والتاء، والعين، والسين، والحاء، والنون، ومن ~~حروف القلقة نصفها القاف، والطاء، ثم إذا استقريت الكلم، وتراكيبها رأيت ~~الحروف التي ألغى الله ذكرها من هذه الأجناس المعدودة مكنوزة بالمذكورة ~~منها، فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته، وقد علمت أن معظم الشيء وجله ~~ينزل منزلة كله، وهو المطابق للطائف التنزيل، واختصاراته، فكأن الله عز ~~اسمه عدد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم إشارة إلى ما ذكرت ~~من التبكيت لهم، وإلزام الحجة إياهم، وما يدل على أنه تعمد بالذكر من ~~حروف المعجم أكثرها، وقوعا في تراكيب الكلم، ان الألف، واللام لما ~~تكاثر، وقوعهما فيها جاءتا في معظم هذه الفواتح مكررتين، وهي فواتح سورة ~~البقرة، وآل عمران، والروم، والعنكبوت، ولقمان، والسجدة، والأعراف، ~~والرعد، ويونس، وإبراهيم، وهود، ويوسف، والحجر. انتهى. وأقول هذا التدقيق ~~لا يأتي بفائدة يعتد بها، وبيانه أنه إذا كان المراد منه إلزام الحجة، ~~والتبكيت كما قال، فهذا متيسر بأن يقال لهم هذا القرآن هو من الحروف التي ~~تتكلمون بها ليس هو من حروف مغايرة لها، فيكون هذا تبكيتا، وإلزاما ~~يفهمه كل سامع منهم من دون إلغاز، وتعمية، وتفريق لهذه الحروف، في فواتح ~~تسع وعشرين سورة، فإن هذا مع ما فيه من التطويل الذي لا يستوفيه سامعه ~~إلا بسماع جميع هذه الفواتح، هو أيضا مما لا يفهمه أحد من السامعين، ولا ~~يتعقل شيئا منه فضلا عن أن يكون تبكيتا له وإلزاما للحجة أيا كان، ~~فإن ذلك هو أمر وراء الفهم مترتب عليه، ولم يفهم السامع هذا، ولا ذكر أهل ~~العلم عن فرد ms0021 من أفراد الجاهلية الذين وقع التحدي لهم بالقرآن، أنه بلغ ~~فهمه إلى بعض هذا فضلا عن كله. ثم كون هذه الحروف مشتملة على النصف من ~~جميع الحروف التي تركبت لغة العرب منها، وذلك النصف مشتمل على أنصاف تلك ~~الأنواع من الحروف المتصفة بتلك الأوصاف هو أمر لا يتعلق به فائدة ~~لجاهلي، ولا إسلامي، ولا مقر، ولا منكر، ولا مسلم، ولا معارض، ولا يصح ~~أن يكون مقصدا من مقاصد الرب سبحانه، الذي أنزل كتابه للإرشاد إلى ~~شرائعه، والهداية به. # وهب أن هذه صناعة عجيبة، ونكتة غريبة، فليس ذلك مما يتصف بفصاحة، ولا ~~بلاغة حتى يكون مفيدا أنه كلام بليغ، أو فصيح، وذلك لأن هذه الحروف ~~الواقعة في الفواتح ليست من جنس كلام العرب حتى يتصف بهذين الوصفين، ~~وغاية ما هناك أنها من جنس حروف كلامهم، ولا مدخل لذلك فيما ذكر. وأيضا ~~لو فرض أنها كلمات متركبة بتقدير شيء قبلها، أو بعدها لم يصح وصفها بذلك، ~~لأنها تعمية غير مفهومة للسامع إلا بأن يأتي من يريد بيانها بمثل ما يأتي ~~به من أراد بيان الألغاز، والتعمية، وليس ذلك من الفصاحة، والبلاغة في ~~ورد، ولا صدر بل من عكسهما، وضد رسمهما، وإذا عرفت هذا، فاعلم أن من تكلم ~~في بيان معاني هذه الحروف جازما بأن ذلك هو ما أراده الله عز وجل، فقد ~~غلط أقبح الغلط، وركب في فهمه ودعواه أعظم الشطط، فإنه إن كان تفسيره لها ~~بما فسرها به راجعا إلى لغة العرب، وعلومها فهو كذب بحت، فإن العرب لم ~~يتكلموا بشيء من ذلك، وإذا سمعه السامع منهم كان معدودا عنده من ~~الرطانة، ولا ينافي ذلك أنهم قد يقتصرون على أحرف، أو حروف من الكلمة ~~التي يريدون النطق بها، فإنهم لم يفعلوا ذلك إلا بعد أن تقدمه ما يدل ~~عليه، ويفيد معناه، بحيث لا يلتبس على سامعه كمثل ما تقدم ذكره. ومن هذا ~~القبيل ما يقع منهم من الترخيم، وأين هذه الفواتح الواقعة في أوائل السور ~~من هذا؟ وإذا تقرر لك أنه ms0022 لا يمكن استفادة ما ادعوه من لغة العرب، ~~وعلومها لم يبق حينئذ إلا أحد أمرين الأول التفسير بمحض الرأي الذي ورد ~~النهي عنه، والوعيد عليه، وأهل العلم أحق الناس بتجنبه، والصد عنه، ~~والتنكب عن طريقه، وهم أتقى لله سبحانه من أن يجعلوا كتاب الله سبحانه ~~ملعبة لهم يتلاعبون به، ويضعون حماقات أنظارهم، وخزعبلات أفكارهم ~~عليه. الثاني التفسير بتوقيف عن صاحب الشرع، وهذا هو المهيع الواضح، ~~والسبيل القويم، بل الجادة التي ما سواها مردوم، والطريقة العامرة التي ~~ما عداها معدوم، فمن وجد شيئا من هذا، فغير ملوم أن يقول بملء فيه، ~~ويتكلم بما وصل إليه علمه، ومن لم يبلغه شيء من ذلك فليقل لا أدري، أو ~~الله أعلم بمراده، فقد ثبت النهي عن طلب فهم المتشابه، ومحاولة الوقوف ~~على علمه مع كونه ألفاظا عربية، وتراكيب مفهومة، وقد جعل الله تتبع ذلك ~~صنيع الذين في قلوبهم زيغ، فكيف بما نحن بصدده؟ فإنه ينبغي أن يقال فيه ~~إنه متشابه المتشابه على فرض أن للفهم إليه سبيلا، ولكلام العرب فيه ~~مدخلا، فكيف وهو خارج عن ذلك على كل تقدير. # وانظر كيف فهم اليهود عند سماع { ألم } فإنهم لما لم يجدوها على نمط لغة ~~العرب فهموا أن الحروف المذكورة رمز إلى ما يصطلحون عليه من العدد الذي ~~يجعلونه لها، كما أخرج ابن إسحاق، والبخاري في تاريخه، وابن جرير بسند ~~ضعيف عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله قال «مر أبو ياسر بن أخطب في ~~رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يتلو فاتحة سورة ~~البقرة { الم * ذلك الكتاب لا ريب } فأتى أخاه حيي بن ~~أخطب في رجال من اليهود فقال تعلمون، والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما ~~أنزل عليه { آلم. ذلك الكتاب } ، فقال أنت سمعته؟ فقال نعم، فمشى ~~حيي في أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا ~~محمد ألم تذكر أنك تتلو، فيما أنزل عليك { الم * ذلك الكتاب } قال # " بلى " # ، قالوا أجاءك بهذا جبريل من عند الله؟ ms0023 قال # " نعم " # قالوا لقد بعث الله قبلك الأنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ~~ملكه، وما أجل أمته غيرك، فقال حيي بن أخطب وأقبل على من كان معه ~~الألف، واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى، وسبعون سنة، ~~أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه، وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟ ثم ~~أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يا محمد هل مع هذا غيره؟ ~~قال # " نعم " # ، قال وما ذاك؟ قال # " { المص } " # ، قال هذه أثقل، وأطول الألف، واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، ~~والصاد تسعون، فهذه إحدى وستون ومائة سنة، هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال # " نعم " # ، قال وما ذاك؟ قال # " { الر } " # قال هذه أثقل، وأطول الألف، واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، هذه ~~إحدى وثلاثون سنة ومائتان، فهل مع هذا غيره؟ قال # " نعم { المر } " # قال فهذه أثقل، وأطول الألف، واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، ~~والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون سنة ومائتان، ثم قال لقد لبس علينا ~~أمرك يا محمد حتى ما ندري قليلا أعطيت أم كثيرا، ثم قاموا، فقال أبو ~~ياسر لأخيه حيي، ومن معه من الأحبار ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد ~~كله إحدى وسبعون وإحدى وستون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ~~ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع وثلاثون سنة، فقالوا لقد تشابه علينا أمره، ~~فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم # هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ~~هن أم الكتاب وأخر متشابهات # آل عمران 7 فانظر ما بلغت إليه أفهامهم من هذا الأمر المختص بهم من عدد ~~الحروف، مع كونه ليس من لغة العرب في شيء، وتأمل أي موضع أحق بالبيان من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الموضع، فإن هؤلاء الملاعين قد ~~جعلوا ما فهموه عند سماع { الم * ذلك الكتاب } من ذلك العدد ~~موجبا للتثبيط عن الإجابة له، والدخول في شريعته، فلو كان لذلك معنى ~~يعقل، ومدلول يفهم، لدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ظنوه بادىء ~~بدء حتى لا يتأثر ms0024 عنه ما جاءوا به من التشكيك على من معهم. # فإن قلت هل ثبت عن رسول الله في هذه الفواتح شيء يصلح للتمسك به؟ قلت لا ~~أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم في شيء من معانيها، بل غاية ~~ما ثبت عنه هو مجرد عدد حروفها، فأخرج البخاري في تاريخه، والترمذي وصححه ~~والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا ~~أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف " # وله طرق عن ابن مسعود. وأخرج ابن أبي شيبة، والبزار بسند ضعيف عن عوف بن ~~مالك الأشجعي نحوه مرفوعا. فإن قلت هل روي عن الصحابة شيء من ذلك بإسناد ~~متصل بقائله أم ليس إلا ما تقدم من حكاية القرطبي عن ابن عباس وعلي؟ قلت ~~قد روى ابن جرير والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن ابن مسعود أنه قال ~~{ آلم } أحرف اشتقت من حروف اسم الله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله { آلم } ، و { حم } ، و { ن } قال ~~اسم مقطع. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن حاتم، وابن مردويه، ~~والبيهقي في كتاب الأسماء عن ابن عباس أيضا في قوله { الم } ، { والمص ~~} ، { وآلر } ،، و { المر } و { كهعيص } ، و { وطه } ، و { طسم } ، و { ~~وطس } و { ويس } ، و { وص } ، و { وحم } ، و { تعملون ق } ، و { ~~ن } ، قال هو قسم أقسمه الله، وهو من أسماء الله. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~مسعود في قوله { آلم } قال هي اسم الله الأعظم. وأخرج عبد بن حميد عن ~~الربيع بن أنس في قوله { آلم } قال ألف مفتاح اسمه الله، ولام مفتاح اسمه ~~لطيف وميم مفتاح اسمه مجيد. وقد روي نحو هذه التفاسير عن جماعة من ~~التابعين فيهم عكرمة والشعبي والسدي وقتادة ومجاهد والحسن. فإن قلت ~~هل يجوز الاقتداء بأحد من الصحابة؟ قال في تفسير شيء من هذه الفواتح ~~قولا صح إسناده إليه. ms0025 قلت لا لما قدمنا، إلا أن يعلم أنه قال ذلك عن علم ~~أخذه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن قلت هذا مما لا مجال للاجتهاد ~~فيه، ولا مدخل للغة العرب، فلم لا يكون له حكم الرفع؟ قلت تنزيل هذا ~~منزلة المرفوع، وإن قال به طائفة من أهل الأصول وغيرهم، فليس مما ينشرح ~~له صدور المنصفين، ولا سيما إذا كان في مثل هذا المقام، وهو التفسير ~~لكلام الله سبحانه، فإنه دخول في أعظم الخطر بما لا برهان عليه صحيح إلا ~~مجرد قولهم إنه يبعد من الصحابي كل البعد أن يقول بمحض رأيه فيما لا مجال ~~فيه للاجتهاد، وليس مجرد هذا الاستبعاد مسوغا للوقوع في خطر الوعيد ~~الشديد. # على أنه يمكن أن يذهب بعض الصحابة إلى تفسير بعض المتشابه، كما نجده ~~كثيرا في تفاسيرهم المنقولة عنهم ويجعل هذه الفواتح من جملة المتشابه، ~~ثم ها هنا مانع آخر، وهو أن المروي عن الصحابة في هذا مختلف متناقض فإن ~~عملنا بما قاله أحدهم دون الآخر كان تحكما لا وجه له، وإن عملنا بالجميع ~~كان عملا بما هو مختلف متناقض، ولا يجوز. ثم ها هنا مانع غير هذا ~~المانع، وهو أنه لو كان شيء مما قالوه مأخوذا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لاتفقوا عليه ولم يختلفوا كسائر ما هو مأخوذعنه، فلما اختلفوا في ~~هذا علمنا أنه لم يكن مأخوذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لو كان ~~عندهم شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا لما تركوا حكايته عنه ~~ورفعه إليه، لا سيما عند اختلافهم واضطراب أقوالهم في مثل هذا الكلام ~~الذي لا مجال للغة العرب فيه ولا مدخل لها. والذي أراه لنفسي ولكل من ~~أحب السلامة واقتدى بسلف الأمة ألا يتكلم بشيء من ذلك، مع الاعتراف بأن ~~في إنزالها حكمة لله عز وجل لا تبلغها عقولنا ولا تهتدي إليها أفهامنا، ~~وإذا انتهيت إلى السلامة في مداك فلا تجاوزه، وسيأتي لنا عند تفسير قوله ~~تعالى # منه آيت محكمت هن ms0026 أم الكتب وأخر ~~متشبهت # آل عمران 7 كلام طويل الذيول، وتحقيق تقبله صحيحات الأفهام وسليمات ~~العقول. ### || [2.2] # الإشارة بقوله { ذلك } إلى الكتاب المذكور بعده.قال ابن جرير قال ابن ~~عباس { ذلك الكتاب } هذا الكتاب وبه قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ~~والسدي ومقاتل وزيد بن أسلم وابن جريج، وحكاه البخاري عن أبي عبيدة. ~~والعرب قد تستعمل الإشارة إلى البعيد الغائب مكان الإشارة إلى القريب ~~الحاضر كما قال خفاف # أقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافا أنني أنا ذلكا # أي أنا هذا، ومنه قوله تعالى # ذلك عالم الغيب والشهدة العزيز الرحيم # السجدة 6 # وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على قومه # الأنعام 83 # تلك آيت الله نتلوها عليك # البقرة 252، وآل عمران 108، والجاثية 6 # ذلكم حكم الله يحكم بينكم # الممتحنة 10 وقيل إن الإشارة إلى غائب، واختلف في ذلك الغائب، فقيل هو ~~الكتاب الذي كتب على الخلائق بالسعادة والشقاوة، والأجل والرزق { لا ~~ريب فيه } أي لا مبدل له، وقيل ذلك الكتاب الذي كتبه الله على نفسه ~~في الأزل أن رحمته سبقت غضبه، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لما قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه، فهو موضوع عنده إن رحمتي ~~تغلب غضبي " # وفي رواية «سبقت». وقيل الإشارة إلى ما قد نزل بمكة، وقيل إلى ما في ~~التوراة والإنجيل، وقيل إشارة إلى قوله قبله { آلم } ، ورجحه الزمخشري، ~~وقد وقع الاختلاف في ذلك إلى تمام عشرة أقوال حسبما حكاه القرطبي وأرجحها ~~ما صدرناه، واسم الإشارة مبتدأ، و { الكتاب } صفته، والخبر { لا ريب ~~فيه } ، ومن جوز الابتداء ب { آلم } جعل { ذلك } مبتدأ ثانيا، وخبره { ~~الكتاب } أو هو صفته، والخبر { لا ريب فيه } ، والجملة خبر المبتدأ. ~~ويجوز أن يكون المبتدأ مقدرا، وخبره { آلم } ، وما بعده. والريب مصدر، ~~وهو قلق النفس واضطرابها، وقيل إن الريب الشك. قال ابن أبي حاتم لا أعلم ~~في هذا خلافا. وقد يستعمل الريب في التهمة والحاجة، حكى ذلك القرطبي. ~~ومعنى هذا النفي العام، أن ms0027 الكتاب ليس بمظنة للريب لوضوح دلالته وضوحا ~~يقوم مقام البرهان المقتضى لكونه لا ينبغي الارتياب فيه بوجه من الوجوه، ~~والوقف على { فيه } هو المشهور. وقد روي عن نافع وعاصم الوقف على { لا ~~ريب } ، قال في الكشاف ولا بد للواقف من أن ينوي خبرا، ونظيره قوله ~~تعالى # قالوا لا ضير # الشعراء 50 وقول العرب لا بأس، وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز، والتقدير ~~لا ريب فيه فيه هدى. والهدى مصدر. قال الزمخشري وهو الدلالة الموصلة إلى ~~البغية بدليل وقوع الضلال في مقابلته انتهى. ومحله الرفع على الابتداء ~~وخبره الظرف المذكور قبله على ما سبق. قال القرطبي الهدى هديان هدى دلالة ~~وهو الذي يقدر عليه الرسل وأتباعهم، قال الله تعالى # ولكل قوم هاد # الرعد 7 وقال # وإنك لتهدى إلى صرط مستقيم # الشورى 52 فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه، وتفرد ~~سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق، فقال لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم # إنك لا تهدى من أحببت # القصص 56 فالهدى على هذا يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب، ومنه قوله ~~تعالى # أولئك على هدى من ربهم # البقرة 5 وقوله # ولكن الله يهدى من يشاء # القصص 56 انتهى. والمتقين من ثبتت لهم التقوى. قال ابن فارس وأصلها في ~~اللغة قلة الكلام. وقال في الكشاف المتقي في اللغة اسم فاعل من قولهم ~~وقاه فاتقى، والوقاية الصيانة، ومنه فرس واق، وهذه الدابة تقي من ~~وجاورها إذا أصابها ضلع من غلظ الأرض ورقة الحافر، فهو يقي حافره أن ~~يصيبه أدنى شيء يؤلمه. وهو في الشريعة الذي يقي نفسه تعاطى ما يستحق به ~~العقوبة من فعل أو ترك. انتهى. وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن ~~مسعود أن { الكتاب } القرآن، { لا ريب فيه } لا شك فيه. وأخرج ابن إسحاق ~~وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لا ريب فيه } قال لا شك ~~فيه. وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي حاتم، عن أبي الدرداء قال الريب ~~الشك. وأخرج عبد ابن حميد عن قتادة ms0028 مثله، وكذا ابن جرير عن مجاهد. وأخرج ~~ابن جرير عن ابن مسعود في قوله { هدى للمتقين } قال نور ~~للمتقين، وهم المؤمنون. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير وابن أبي حاتم، عن ~~ابن عباس في قوله { هدى للمتقين } أي الذين يحذرون من الله ~~عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته في التصديق بما جاء منه، ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل أنه قيل له من المتقون؟ فقال قوم ~~اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة. وأخرج ابن أبي الدنيا ~~عن أبي هريرة أن رجلا قال له ما التقوى؟ قال هل وجدت طريقا ذا شوك؟ قال ~~نعم، قال فكيف صنعت؟ قال إذا رأيت الشوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه، ~~قال ذاك التقوى. وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال تمام التقوى أن ~~يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة حين يترك بعض ما يرى أنه حلال ~~خشية أن يكون حراما يكون حجابا بينه وبين الحرام. وقد روى نحو ما قاله ~~أبو الدرداء عن جماعة من التابعين. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في ~~تاريخه والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي ~~في الشعب عن عطية السعدي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به ~~البأس " # فالمصير إلى ما أفاده هذا الحديث واجب ويكون هذا معنى شرعيا للمتقي ~~أخص من المعنى الذي قدمنا عن صاحب الكشاف زاعما أنه المعنى الشرعي. ### || [2.3] # هو وصف للمتقين كاشف. والإيمان في اللغة التصديق، وفي الشرع ما سيأتي. ~~والغيب في كلام العرب كل ما غاب عنك. قال القرطبي واختلف المفسرون في ~~تأويل الغيب هنا، فقالت فرقة الغيب في هذه الآية هو الله سبحانه، وضعفه ~~ابن العربي. وقال آخرون القضاء والقدر. وقال آخرون القرآن وما فيه من ~~الغيوب. وقال آخرون الغيب كل ما أخبر به الرسول مما لا تهتدي إليه العقول ~~من أشراط ms0029 الساعة، وعذاب القبر، والحشر والنشر، والصراط، والميزان، ~~والجنة، والنار. قال ابن عطية وهذه الأقوال لا تتعارض بل يقع الغيب على ~~جميعها، قال وهذا هو الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل حين قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم # " فأخبرني عن الإيمان؟ قال أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ~~واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره، وشره، قال صدقت " # انتهى. وهذا الحديث هو ثابت في الصحيح بلفظ «أن تؤمن بالله، وملائكته، ~~وكتبه، ورسله، والقدر خيره، وشره». وقد أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، ~~وابن منده، وأبو نعيم، كلاهما في معرفة الصحابة عن تويلة بنت أسلم قالت ~~«صليت الظهر، أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيليا، فصلينا ~~سجدتين، ثم جاءنا من يخبرنا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل ~~البيت، فتحول الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، فصلينا السجدتين ~~الباقيتين، ونحن مستقبلون البيت الحرام، فبلغ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال أولئك قوم آمنوا بالغيب». وأخرج البزار، وأبو يعلى، والحاكم ~~وصححه عن عمر بن الخطاب، قال «كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال # " أنبئوني بأفضل أهل الإيمان إيمانا؟ " # فقالوا يا رسول الله الملائكة، قال # " هم كذلك، ويحق لهم، وما يمنعهم، وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم ~~بها " # قالوا يا رسول الله الأنبياء الذين أكرمهم الله برسالته، والنبوة، قال # " هم كذلك، ويحق لهم، وما يمنعهم، وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم ~~بها " # قالوا يا رسول الله الشهداء الذين استشهدوا مع الأنبياء، قال # " هم كذلك، وما يمنعهم، وقد أكرمهم الله بالشهادة " # قالوا فمن يا رسول الله؟ قال # " أقوام في أصلاب الرجال يأتون من بعدي يؤمنون بي، ولم يروني، ويصدقوني ~~ولم يروني، يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان ~~إيمانا " # وفي إسناده محمد بن أبي حميد، وفيه ضعف. وأخرج الحسن بن عرفة في حزبه ~~المشهور، والبيهقي في الدلائل عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحو الحديث الأول، ms0030 وفي إسناده ~~المغيرة بن قيس البصري، وهو منكر الحديث. # وأخرج نحوه الطبراني عن ابن عباس مرفوعا، والإسماعيلي عن أبي هريرة ~~مرفوعا أيضا، والبزار عن أنس مرفوعا. وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده عن ~~عوف بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يا ليتني قد لقيت إخواني. قالوا يا رسول الله ألسنا إخوانك؟ قال بلى، ~~ولكن قوم يجيئون من بعدكم يؤمنون بي إيمانكم ويصدقوني تصديقكم وينصروني ~~نصركم، فيا ليتني قد لقيت إخواني " # وأخرج نحوه ابن عساكر في الأربعين السباعية من حديث أنس، وفي إسناده أبو ~~هدبة، وهو كذاب، وزاد فيه «ثم قرأ النبي # الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة # البقرة 3 الآية». وأخرج أحمد، والدارمي، والبارودي، وابن قانع معا في ~~معجم الصحابة، والبخاري في تاريخه، والطبراني، والحاكم عن أبي جمعة ~~الأنصاري قال «قلت يا رسول الله هل من قوم أعظم منا أجرا آمنا بك، ~~واتبعناك؟ قال # " ما يمنعكم من ذلك، ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء؟ بل ~~قوم يأتون من بعدكم يأتيهم كتاب الله بين لوحين فيؤمنون بي، ويعملون بما ~~فيه أولئك أعظم منكم أجرا " # وأخرج أحمد، وابن أبي شيبة، والحاكم، عن أبي عبد الرحمن الجهني قال ~~«بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع راكبان، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " كنديان أو مذحجيان حتى أتيا، فإذا رجلان من مذحج، فدنا أحدهما ~~ليبايعه، فلما أخذ بيده قال يا رسول الله أرأيت من جاءك فآمن بك، واتبعك، ~~وصدقك فماذا له؟ قال طوبى له فمسح على زنده، وانصرف، ثم جاء الآخر حتى ~~أخذ بيده ليبايعه فقال يا رسول الله أرأيت من آمن بك، وصدقك، واتبعك، ~~ولم يرك؟ قال طوبى له ثم طوبى له، ثم مسح على زنده، وانصرف " # وأخرج الطيالسي، وأحمد، والبخاري في تاريخه، والطبراني، والحاكم عن أبي ~~أمامة الباهلي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " طوبى لمن رآني، وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي، ولم يرني سبع مرات " # وأخرج أحمد، وابن ms0031 حبان، عن أبي سعيد «أن رجلا قال يا رسول الله طوبى ~~لمن رآك، وآمن بك؟ قال # " طوبى لمن رآني، وآمن بي، وطوبى، ثم طوبى، ثم طوبى لمن آمن بي، ولم ~~يرني " # وأخرج الطيالسي، وعبد بن حميد، عن ابن عمر نحوه. وأخرج أحمد، وأبو يعلى، ~~والطبراني من حديث أنس نحو حديث أبي أمامة الباهلي المتقدم. وأخرج سفيان ~~بن عيينة، وسعيد بن منصور، وأحمد بن منيع في مسنده، وابن أبي حاتم، وابن ~~الانباري، والحاكم وصححه عن ابن مسعود، أنه قال والذي لا إله غيره ما ~~آمن أحد أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ # الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه # إلى قوله # المفلحون # البقرة 1 5 وللتابعين أقوال، والراجح ما تقدم من أن الإيمان الشرعي ~~يصدق على جميع ما ذكر هنا، قال ابن جرير والأولى أن تكونوا موصوفين ~~بالإيمان بالغيب قولا، واعتقادا، وعملا. قال وتدل الخشية لله في معنى ~~الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله، ~~وكتبه، ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل. وقال ابن كثير إن الإيمان الشرعي ~~المطلوب لا يكون إلا اعتقادا، وقولا، وعملا، هكذا ذهب إليه أكثر ~~الأئمة، بل قد حكاه الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد، وغير واحد ~~إجماعا أن الإيمان قول، وعمل، ويزيد وينقص. وقد ورد فيه آيات كثيرة. ~~انتهى. { ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } هو معطوف على { يؤمنون } ~~والإقامة في الأصل الدوام والثبات. يقال قام الشيء أي دام وثبت. وليس من ~~القيام على الرجل، وإنما هو من قولك قام الحق. أي ظهر وثبت. قال الشاعر # وقامت الحرب بنا على ساق # وقال آخر # وإذا يقال أقيموا لم تبرحوا حتى تقيم الخيل سوق طعان # وإقامة الصلاة أداؤها بأركانها، وسننها، وهيئاتها في أوقاتها. والصلاة ~~أصلها في اللغة الدعاء من صلى يصلي إذا دعا. وقد ذكر هذا الجوهري، وغيره. ~~وقال قوم هي مأخوذة من الصلا، وهو عرق في وسط الظهر، ويفترق عند العجب. ~~ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل لأنه يأتي في الحلبة، ورأسه عند صلوى ~~السابق، فاشتقت منه ms0032 الصلاة لأنها ثانية للإيمان فشبهت بالمصلي من الخيل، ~~وإما لأن الراكع يثني صلويه، والصلا مغرز الذنب من الفرس، والاثنان ~~صلوان، والمصلي تالي السابق لأن رأسه عند صلوه. ذكر هذا القرطبي في ~~تفسيره. وقد ذكر المعنى الثاني في الكشاف هذا المعنى اللغوي. وأما المعنى ~~الشرعي، فهو هذه الصلاة التي هي ذات الأركان، والأذكار. وقد اختلف أهل ~~العلم هل هي مبقاة على أصلها اللغوي أو موضوعة وضعا شرعيا ابتدائيا. ~~فقيل بالأول، وإنما جاء الشرع بزيادات هي الشروط والفروض الثابتة فيها. ~~وقال قوم بالثاني. والرزق عند الجمهور ما صلح للانتفاع به حلالا كان أو ~~حراما خلافا للمعتزلة، فقالوا إن الحرام ليس برزق، وللبحث في هذه ~~المسألة موضع غير هذا. والإنفاق إخراج المال من اليد، وفي المجيء ب " من ~~" التبعيضية ههنا نكتة سرية هي الإرشاد إلى ترك الإسراف. وقد أخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم وابن إسحاق عن ابن عباس في قوله { يقيمون ~~الصلوة } قال الصلوات الخمس { ومما رزقنهم ينفقون } ~~قال زكاة أموالهم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أن إقامة الصلاة المحافظة ~~على مواقيتها ووضوئها، وركوعها، وسجودها { ومما رزقنهم ~~ينفقون } قال أنفقوا في فرائض الله التي افترض عليهم في طاعته ~~وسبيله. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~مسعود في قوله { ومما رزقنهم ينفقون } قال هي نفقة الرجل ~~على أهله. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال كانت النفقات قربات يتقربون بها ~~إلى الله عز وجل على قدر ميسورهم وجهدهم حتى نزلت فرائض الصدقات في سورة ~~براءة هن الناسخات المبينات. واختار ابن جرير أن الآية عامة في الزكاة ~~والنفقات وهو الحق من غير فرق بين النفقة على الأقارب وغيرهم وصدقة الفرض ~~والنفل وعدم التصريح بنوع من الأنواع التي يصدق عليها مسمى الإنفاق يشعر ~~أتم إشعار بالتعميم. ### || [2.4] # قيل هم مؤمنو أهل الكتاب، فإنهم جمعوا بين الإيمان بما أنزل الله على ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزله على من قبله وفيهم نزلت. وقد رجح هذا ~~ابن جرير، ونقله ms0033 السدي في تفسيره عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من ~~الصحابة، واستشهد له ابن جرير بقوله تعالى # وإن من أهل الكتب لمن يؤمن بالله وما ~~أنزل إليكم وما أنزل إليهم # آل عمران 119 وبقوله تعالى # الذين ءاتينهم الكتب من قبله هم به ~~يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا ءامنا به إنه ~~الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين * ~~أولئك يؤتون أجرهم مرتين # الآية القصص 52 54. والآية الأولى نزلت في مؤمني العرب. وقيل الآيتان ~~جميعا في المؤمنين على العموم. وعلى هذا فهذه الجملة معطوفة على الجملة ~~الأولى صفة للمتقين بعد صفة، ويجوز أن تكون مرفوعة على الاستئناف، ويجوز ~~أن تكون معطوفة على المتقين فيكون التقدير هدى للمتقين وللذين يؤمنون بما ~~أنزل إليك. والمراد بما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو القرآن. ~~وما أنزل من قبله هو الكتب السالفة. والإيقان إيقان العلم بانتفاء الشك ~~والشبهة عنه، قاله في الكشاف. والمراد أنهم يوقنون بالبعث والنشور وسائر ~~أمور الآخرة من دون شك. والآخرة تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأول، وهي صفة ~~الدار كما في قوله تعالى # تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون ~~علوا فى الارض ولا فسادا # القصص 83 وفي تقديم الظرف مع بناء الفعل على الضمير المذكور إشعار ~~بالحصر، وأن ما عدا هذا الأمر الذي هو أساس الإيمان ورأسه ليس بمستأهل ~~للإيقان به، والقطع بوقوعه. وإنما عبر بالماضي مع أنه لم ينزل إذ ذاك إلا ~~البعض لا الكل تغليبا للموجود على ما لم يوجد، أو تنبيها على تحقق ~~الوقوع كأنه بمنزلة النازل قبل نزوله. وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى { والذين يؤمنون بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك } أي يصدقونك بما جئت به من ~~الله، وما جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم، ولا يجحدون ما ~~جاءوهم به من ربهم { وبالأخرة هم يوقنون } إيمانا بالبعث، ~~والقيامة، والجنة، والنار، والحساب، والميزان، أي لا هؤلاء الذين يزعمون ~~أنهم آمنوا بما ms0034 كان قبلك ويكفرون بما جاء من ربك. وأخرج عبد بن حميد عن ~~قتادة نحوه. والحق أن هذه الآية في المؤمنين كالتي قبلها، وليس مجرد ذكر ~~الإيمان بما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وما أنزل إلى من قبله ~~بمقتض لجعل ذلك وصفا لمؤمني أهل الكتاب، ولم يأت ما يوجب المخالفة لهذا ~~ولا في النظم القرآني ما يقتضي ذلك. وقد ثبت الثناء على من جمع بين ~~الأمرين من المؤمنين في غير آية. فمن ذلك قوله تعالى # يأيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله ورسوله ~~والكتب الذى نزل على رسوله والكتب الذى ~~أنزل من قبل # النساء 136 وكقوله # وقولوا ءامنا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم # العنكبوت 46، وقوله # آمن الرسول بما انزل إليه من ربه والمؤمنون كل ءامن ~~بالله وملئكته وكتبه ورسله لا نفرق بين ~~أحد من رسله # البقرة 285، وقال # والذين ءامنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين ~~أحد منهم # النساء 152. ### || [2.5] # هذا كلام مستأنف استئنافا بيانيا، كأنه قيل كيف حال هؤلاء الجامعين ~~بين التقوى والإيمان بالغيب والإتيان بالفرائض والإيمان بما أنزل على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى من قبله من الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام فقيل { أولئك على هدى } ويمكن أن يكون هذا خبرا عن ~~الذين يؤمنون بالغيب الخ فيكون متصلا بما قبله. قال في الكشاف ومعنى ~~الاستعلاء في قوله { على هدى } مثل لتمكنهم من الهدى، واستقرارهم ~~عليه وتمسكهم به، شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه، ونحوه هو على ~~الحق وعلى الباطل. وقد صرحوا بذلك في قوله جعل الغواية مركبا وامتطى ~~الجهل واقتعد غارب الهوى انتهى. وقد أطال المحققون الكلام على هذا بما لا ~~يتسع له المقام، واشتهر الخلاف في ذلك بين المحقق السعد والمحقق الشريف. ~~واختلف من بعدهم في ترجيح الراجح من القولين، وقد جمعت في ذلك رسالة ~~سميتها الطود المنيف في ترجيح ما قاله السعد على ما قاله الشريف فليرجع ~~إليها من أراد أن يتضح له المقام ويجمع بين أطراف الكلام على التمام. قال ~~ابن جرير إن معنى { أولئك على ms0035 هدى من ربهم } على نور ~~من ربهم وبرهان واستقامة وسداد بتسديد الله إياهم وتوفيقه لهم، و { ~~المفلحون } أي المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم ~~وإيمانهم بالله وكتبه ورسله. هذا معنى كلامه. والفلاح أصله في اللغة ~~الشق والقطع، قاله أبو عبيد ويقال الذي شقت شفته أفلح، ومنه سمي ~~الأكار فلاحا لأنه شق الأرض بالحرث، فكأن المفلح قد قطع المصاعب حتى ~~نال مطلوبه. قال القرطبي وقد يستعمل في الفوز والبقاء وهو أصله أيضا في ~~اللغة، فمعنى { أولئك هم المفلحون } الفائزون بالجنة ~~والباقون. وقال في الكشاف المفلح الفائز بالبغية، كأنه الذي انفتحت له ~~وجوه الظفر ولم تستغلق عليه. انتهى. وقد استعمل الفلاح في السحور، ومنه ~~الحديث الذي أخرجه أبو داود «حتى كاد يفوتنا الفلاح مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم». قلت وما الفلاح؟ قال السحور. فكأن معنى الحديث أن ~~السحور به بقاء الصوم فلهذا سمي فلاحا. وفي تكرير اسم الإشارة دلالة على ~~أن كلا من الهدى والفلاح مستقل بتميزهم به عن غيرهم، بحيث لو انفرد ~~أحدهما لكفى تميزا على حاله. وفائدة ضمير الفصل الدلالة على اختصاص ~~المسند إليه بالمسند دون غيره. وقد روى السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ~~ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة أن ~~الذين يؤمنون بالغيب هم المؤمنون من العرب، الذين يؤمنون بما أنزل إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أنزل إلى من قبله هم، والمؤمنون من ~~أهل الكتاب ثم جمع الفريقين فقال { أولئك على هدى من ~~ربهم وأولئك هم المفلحون } وقد قدمنا الإشارة إلى ~~هذا، وإلى ما هو أرجح منه كما هو منقول عن مجاهد وأبي العالية والربيع ~~بن أنس وقتادة. # وأخرج ابن أبي حاتم من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " قيل يا رسول الله إنا نقرأ من القرآن فنرجو ونقرأ فنكاد أن نيأس أو ~~كما قال فقال ألا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟ " # قالوا بلى يا رسول الله، قال ms0036 # " { الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } ~~إلى قوله { لمفلحون } هؤلاء أهل الجنة " # قالوا إنا نرجو أن نكون هؤلاء، ثم قال # " { إن الذين كفروا سواء عليهم } إلى قوله { عظيم } ~~هؤلاء أهل النار " # قالوا ألسنا هم يا رسول الله؟ قال # " أجل " # وقد ورد في فضل هذه الآيات الشريفة أحاديث. منها ما أخرجه عبد الله بن ~~أحمد في زوائد المسند والحاكم والبيهقي عن أبي بن كعب قال «كنت عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أعرابي فقال يا نبي الله إن لي أخا ~~وبه وجع فقال # " وما وجعه؟ " # قال به لمم، قال # " فائتني به، فوضعه بين يديه، فعوذه النبي بفاتحة الكتاب وأربع آيات ~~ومن أول سورة البقرة، وهاتين الآيتين " # وإلهكم إله وحد # البقرة 163 وآية الكرسي وثلاث آيات من آخر سورة البقرة، وآية من آل ~~عمران # شهد الله أنه لا إله إلا هو # آل عمران 18، وآية من الأعراف # إن ربكم الله # الأعراف 54، وآخر سورة المؤمنين # فتعلى الله الملك الحق # المؤمنون 116 - 118، وآية من سورة الجن # وأنه تعلى جد ربنا # الجن 3، وعشر آيات من أول الصافات، وثلاث آيات من آخر سورة الحشر، و # قل هو الله أحد # الأخلاص 1 والمعوذتين، فقام الرجل كأنه لم يشتك قط». وأخرج نحوه ابن ~~السني في عمل اليوم والليلة من طريق عبد الرحمن بن أبي يعلى عن رجل عن ~~أبي مثله. وأخرج الدارمي وابن الضريس عن ابن مسعود قال من قرأ أربع آيات ~~من أول سورة البقرة وآية الكرسي وآيتين بعد آية الكرسي وثلاثا من آخر ~~سورة البقرة، لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان، ولا شيء يكرهه في أهله ولا ~~ماله، ولا تقرأ على مجنون إلا أفاق. وأخرج الدارمي وابن المنذر ~~والطبراني عنه قال «من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك ~~البيت شيطان تلك الليلة حتى يصبح أربع من أولها، وآية الكرسي، وآيتان ~~بعدها، وثلاث خواتمها أولها متصل # لله ما فى السموات # البقرة 284. وأخرج سعيد بن منصور، والدارمي، والبيهقي عن المغيرة بن ms0037 ~~سبيع، وكان من أصحاب عبد الله بن مسعود بنحوه. وأخرج الطبراني والبيهقي ~~عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا مات أحدكم فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره، وليقرأ عند رأسه ~~بفاتحة البقرة وعند رجليه بخاتمة سورة البقرة " # وقد ورد في ذلك غير هذا. ### || [2.6-7] # ذكر سبحانه فريق الشر بعد الفراغ من ذكر فريق الخير، قاطعا لهذا ~~الكلام عن الكلام الأول، معنونا له بما يفيد أن شأن جنس الكفرة عدم ~~إجداء الإنذار لهم، وأنه لا يترتب عليهم ما هو المطلوب منهم من الإيمان، ~~وأن وجود ذلك كعدمه. و { سواء } اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف ~~بالمصادر، " والهمزة وأم " مجردتان لمعنى الاستواء غير مراد بهما ما هو ~~أصلهما من الاستفهام، وصح الابتداء بالفعل والإخبار عنه بقوله سواء، ~~هجرا لجانب اللفظ إلى جانب المعنى، كأنه قال الإنذار وعدمه سواء، كقولهم ~~تسمع بالمعيدي خير من أن تراه أي سماعك. وأصل الكفر في اللغة الستر ~~والتغطية، قال الشاعر # في ليلة كفر النجوم غمامها # أي سترها، ومنه سمي الكافر كافرا لأنه يغطي بكفره ما يجب أن يكون عليه ~~من الإيمان. والإنذار الإبلاغ والإعلام. قال القرطبي واختلف العلماء في ~~تأويل هذه الآية، فقيل هي عامة ومعناها الخصوص فيمن سبقت عليه كلمة ~~العذاب، وسبق في علم الله أنه يموت على كفره. أراد الله تعالى أن يعلم ~~الناس أن فيهم من هذا حاله دون أن يعين أحدا. وقال ابن عباس والكلبي ~~نزلت في رؤساء اليهود حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظرائهما. وقال ~~الربيع بن أنس نزلت فيمن قتل يوم بدر من قادة الأحزاب، والأول أصح، فإن ~~من عين أحدا فإنما مثل بمن كشف الغيب بموته على الكفر انتهى. وقوله { ~~لا يؤمنون } خبر مبتدأ محذوف أي هم لا يؤمنون، وهي جملة مستأنفة ~~لأنها جواب سؤال مقدر كأنه قيل هؤلاء الذين استوى حالهم مع الإنذار وعدمه ~~ماذا يكون منهم؟ فقيل لا يؤمنون أي هم لا يؤمنون. وقال في الكشاف إنها ~~جملة مؤكدة للجملة الأولى، ms0038 أو خبر لأن والجملة قبلها اعتراض. انتهى. ~~والأولى ما ذكرناه، لأن المقصود الإخبار عن عدم الاعتداد بإنذارهم، وأنه ~~لا يجدي شيئا بل بمنزلة العدم، فهذه الجملة هي التي وقعت خبرا لأن، وما ~~بعدها من عدم الإيمان متسبب عنها لا أنه المقصود. وقد قال بمثل قول ~~الزمخشري القرطبي. وقال ابن كيسان إن خبر إن { سواء } ، وما بعده يقوم ~~مقام الصلة. وقال محمد بن يزيد المبرد { سواء } رفع بالابتداء، وخبره { ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم } ، والجملة خبر " إن ". والختم مصدر ختمت الشيء، ~~ومعناه التغطية على الشيء، والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء، ومنه ختم ~~الكتاب، والباب، وما يشبه ذلك حتى لا يوصل إلى ما فيه، ولا يوضع فيه ~~غيره. والغشاوة الغطاء، ومنه غاشية السرج، والمراد بالختم والغشاوة هنا ~~هما المعنويان لا الحسيان، أي لما كانت قلوبهم غير واعية لما وصل إليها، ~~والأسماع غير مؤدية لما يطرقها من الآيات البينات إلى العقل على وجه ~~مفهوم، والأبصار غير مهدية للنظر في مخلوقاته وعجائب مصنوعاته جعلت ~~بمنزلة الأشياء المختوم عليها ختما حسيا، والمستوثق منها استيثاقا ~~حقيقيا، والمغطاة بغطاء مدرك، استعارة أو تمثيلا، وإسناد الختم إلى ~~الله قد احتج به أهل السنة على المعتزلة، وحاولوا دفع هذه الحجة بمثل ما ~~ذكره صاحب الكشاف، والكلام على مثل هذا متقرر في مواطنه. # وقد اختلف في قوله تعالى { وعلى سمعهم } هل هو داخل في حكم ~~الختم، فيكون معطوفا على القلوب؟ أو في حكم التغشية، فقيل إن الوقف على ~~قوله { وعلى سمعهم } تام، وما بعده كلام مستقل، فيكون الطبع ~~على القلوب والأسماع، والغشاوة على الأبصار كما قاله جماعة، وقد قرىء " ~~غشوة " بالنصب. قال ابن جرير يحتمل أنه نصبها بإضمار فعل تقديره ~~وجعل على أبصارهم غشاوة، ويحتمل أن يكون نصبها على الإتباع على محل { ~~وعلى سمعهم } ، كقوله تعالى # وحور عين # الواقعة 22 وقول الشاعر # علفتها تبنا وماء باردا # وإنما وحد السمع مع جمع القلوب والأبصار لأنه مصدر يقع على القليل ~~والكثير والعذاب هو ما يؤلم، وهو مأخوذ من الحبس والمنع، يقال في ms0039 اللغة ~~أعذبه عن كذا حبسه ومنعه، ومنه عذوبة الماء لأنها حبست في الإناء حتى ~~صفت. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير وابن مردويه ~~والبيهقي عن ابن عباس في قوله { سواء عليهم ءأنذرتهم } قال ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص أن يؤمن جميع الناس، ويتابعوه على ~~الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر ~~الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول. وأخرج ~~ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس أيضا في تفسير الآية ~~أنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق، فكيف ~~يسمعون منك إنذارا وتحذيرا، وقد كفروا بما عندهم من علمك { ختم ~~الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصرهم ~~غشوة }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية ~~في قوله { إن الذين كفروا } قال نزلت هاتان الآيتان في قادة ~~الأحزاب، وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا # إبراهيم 28 قال فهم الذين قتلوا يوم بدر، ولم يدخل القادة في الإسلام ~~إلا رجلان أبو سفيان والحكم بن العاص. وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله ~~{ ءأنذرتهم أم لم تنذرهم } قال أوعظتهم أم لم تعظهم. ~~وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في هذه الآية قال أطاعوا الشيطان فاستحوذ ~~عليهم، فختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة فهم لا ~~يبصرون هدى، ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال الختم على قلوبهم وعلى ~~سمعهم والغشاوة على أبصارهم. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال ختم الله ~~على قلوبهم وعلى سمعهم فلا يعقلون ولا يسمعون، وجعل على أبصارهم يعني ~~أعينهم غشاوة فهم لا يبصرون. وروى ذلك السدي عن جماعة من الصحابة. وأخرج ~~ابن جرير، عن ابن جريج قال الختم على القلب والسمع، والغشاوة على البصر، ~~قال ms0040 الله تعالى # فإن يشإ الله يختم على قلبك # الشورى 24 وقال # وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره ~~غشوة # الجاثية 23. قال ابن جرير في معنى الختم والحق عندي في ذلك ما صح نظيره ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر إسنادا متصلا بأبي هريرة، قال ~~قال رسول الله # " إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كان نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع ~~واستعتب صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تغلق قلبه " # فذلك الران الذي قال الله # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # المطففين 14. وقد رواه من هذا الوجه الترمذي وصححه، والنسائي. ثم قال ~~ابن جرير فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذنوب إذا تتابعت على ~~القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله سبحانه ~~والطبع، فلا يكون إليها مسلك، ولا للكفر منها مخلص، فذلك هو الختم الذي ~~ذكره الله في قوله { ختم الله على قلوبهم وعلى ~~سمعهم } نظير الطبع، والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية ~~والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها، فلذلك لا ~~يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم إلا بعد فض خاتمه، ~~وحل رباطه عنها. ### || [2.8-9] # ذكر سبحانه في أول هذه السورة المؤمنين الخلص، ثم ذكر بعدهم الكفرة ~~الخلص، ثم ذكر ثالثا المنافقين وهم الذين لم يكونوا من إحدى الطائفتين، ~~بل صاروا فرقة ثالثة لأنهم وافقوا في الظاهر الطائفة الأولى، وفي الباطن ~~الطائفة الثانية، ومع ذلك فهم أهل الدرك الأسفل من النار. وأصل ناس أناس ~~حذفت همزته تخفيفا، وهو من النوس، وهو الحركة، يقال ناس ينوس أي تحرك، ~~وهو من أسماء الجموع جمع إنسان وإنسانة على غير لفظه، واللام الداخلة ~~عليه للجنس، و " من " تبعيضية أي بعض الناس، و " من " موصوفة أي ومن ~~الناس ناس يقول. والمراد باليوم الآخر الوقت الذي لا ينقطع، بل هو دائم ~~أبدا. والخداع في أصل اللغة الفساد، حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي، وأنشد # أبيض ms0041 اللون رقيق طعمه طيب الريق إذا الريق خدع # وقيل أصله الإخفاء، ومنه مخدع البيت الذي يحرز فيه الشيء، حكاه ابن ~~فارس، وغيره. والمراد من مخادعتهم لله أنهم صنعوا معه صنع المخادعين، وإن ~~كان العالم الذي لا يخفى عليه شيء لا يخدع. وصيغة فاعل تفيد الاشتراك في ~~أصل الفعل، فكونهم يخادعون الله والذين آمنوا يفيد أن الله سبحانه والذين ~~آمنوا يخادعونهم. والمراد بالمخادعة من الله أنه لما أجرى عليهم أحكام ~~الإسلام مع أنهم ليسوا منه في شيء، فكأنه خادعهم بذلك كما خادعوه بإظهار ~~الإسلام وإبطان الكفر مشاكلة لما وقع منهم بما وقع منه. والمراد بمخادعة ~~المؤمنين لهم هو أنهم أجروا عليهم ما أمرهم الله به من أحكام الإسلام ~~ظاهرا، وإن كانوا يعلمون فساد بواطنهم، كما أن المنافقين خادعوهم بإظهار ~~الإسلام وإبطان الكفر. والمراد بقوله تعالى { وما يخدعون إلا ~~أنفسهم } الإشعار بأنهم لما خادعوا من لا يخدع كانوا مخادعين ~~لأنفسهم، لأن الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن. وأما من عرف ~~البواطن فمن دخل معه في الخداع فإنما يخدع نفسه وما يشعر بذلك، ومن هذا ~~قول من قال من خادعته فانخدع لك فقد خدعك. وقد قرأ نافع وابن كثير وأبو ~~عمرو { يخادعون } في الموضعين، وقرأ حمزة وعاصم والكسائي وابن عامر في ~~الثاني { يخدعون }. والمراد بمخادعتهم أنفسهم أنهم يمنونها الأماني ~~الباطلة، وهي كذلك تمنيهم. قال أهل اللغة شعرت بالشيء فطنت. قال في ~~الكشاف والشعور علم الشيء علم حس، من الشعار ومشاعر الإنسان حواسه. ~~والمعنى أن لحوق ضرر ذلك لهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس ~~له. والمراد بالأنفس هنا ذواتهم لا سائر المعاني التي تدخل في مسمى النفس ~~كالروح والدم والقلب. وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس أنهم المنافقون من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم. # وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود أنه قال والمراد بهذه الآية المنافقون. ~~وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة مثله. وأخرج ابن المنذر عن ابن ~~سيرين قال لم يكن ms0042 عندهم شيء أخوف من هذه الآية { ومن الناس من ~~يقول ءامنا بالله وباليوم الأخر وما هم ~~بمؤمنين }. وأخرج ابن سعد عن حذيفة أنه قيل له ما النفاق؟ قال أن ~~يتكلم بالإسلام ولا يعمل به. وأخرج أحمد بن منيع في مسنده بسند ضعيف عن ~~رجل من الصحابة، «أن قائلا من المسلمين قال يا رسول الله ما النجاة ~~غدا؟ # " قال لا تخادع الله " # قال وكيف نخادع الله؟ قال # " أن تعمل بما أمرك الله به تريد به غيره، فاتقوا الرياء فإنه الشرك ~~بالله فإن المرائي ينادي يوم القيامة على رؤوس الخلائق بأربعة أسماء يا ~~كافر يا فاجر يا خاسر يا غادر، ضل عملك وبطل أجرك فلا خلاق لك اليوم عند ~~الله، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع، وقرأ آيات من القرآن " # فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صلحا # الكهف 110 الآية، و # إن المنفقين يخدعون الله # النساء 142 الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن وهب قال سألت ابن زيد عن قوله ~~{ يخدعون الله والذين ءامنوا } قال هؤلاء المنافقون ~~يخادعون الله ورسوله والذين آمنوا أنهم مؤمنون بما أظهروه. وعن قوله { ~~وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون } أنهم ضروا ~~أنفسهم بما أضمروا من الكفر والنفاق. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج في ~~قوله { يخدعون الله } قال يظهرون لا إله إلا الله يريدون أن ~~يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم وفي أنفسهم غير ذلك. ### || [2.10] # المرض كل ما يخرج به الإنسان عن حد الصحة، من علة أو نفاق أو تقصير في ~~أمر، قاله ابن فارس. وقيل هو الألم، فيكون على هذا مستعارا للفساد الذي ~~في عقائدهم إما شكا ونفاقا، أو جحدا وتكذيبا، وتقديم الخبر للإشعار ~~بأن المرض مختص بها، مبالغة في تعلق هذا الداء بتلك القلوب، لما كانوا ~~عليه من شدة الحسد، وفرط العداوة. والمراد بقوله { فزادهم الله ~~مرضا } الإخبار بأنهم كذلك بما يتجدد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من النعم، ويتكرر له من منن الله الدنيوية والدينية. ويحتمل أن يكون ~~دعاء عليهم ms0043 بزيادة الشك وترادف الحسرة وفرط النفاق. والأليم المؤلم أي ~~الموجع، و«ما» في قوله { بما كانوا يكذبون } مصدرية أي ~~بتكذيبهم وهو قولهم # آمنا بالله وباليوم الآخر # البقرة 8 والقراء مجمعون على فتح الراء من قوله { مرض } ، إلا ما رواه ~~الأصمعي عن أبي عمرو أنه قرأ بإسكان الراء، وقرأ حمزة وعاصم، والكسائي { ~~يكذبون } بالتخفيف، والباقون بالتشديد. وقد أخرج ابن إسحاق وابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى { فى قلوبهم مرض ~~} قال شك { فزادهم الله مرضا } قال شكا. وأخرج عنه ابن جرير ~~وابن أبي حاتم في قوله { فى قلوبهم مرض } قال النفاق { ~~ولهم عذاب أليم } قال نكال موجع { بما كانوا يكذبون ~~} قال يبدلون ويحرفون. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود مثل ما قاله ابن ~~عباس أولا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال كل شيء في القرآن ~~أليم، فهو الموجع. وأخرج أيضا عن أبي العالية مثله. وأخرج ابن جرير عن ~~الضحاك مثله أيضا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { فى ~~قلوبهم مرض } أي ريبة وشك في أمر الله { فزادهم الله ~~مرضا } ريبة وشكا { ولهم عذاب أليم بما كانوا ~~يكذبون } قال إياكم والكذب فإنه باب النفاق. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~زيد قال هذا مرض في الدين، وليس مرضا في الأجساد وهم المنافقون. والمرض ~~الشك الذي دخل في الإسلام. وروي عن عكرمة وطاوس أن المرض الرياء. ### || [2.11-12] # { إذا } في موضع نصب على الظرف والعامل فيه { قالوا } المذكور بعده. ~~وفيه معنى الشرط. والفساد ضد الصلاح، وحقيقته العدول عن الاستقامة إلى ~~ضدها. فسد الشيء يفسد فسادا وفسودا فهو فاسد وفسيد. والمراد في الآية ~~لا تفسدوا في الأرض بالنفاق، وموالاة الكفرة، وتفريق الناس عن الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، فإنكم إذا فعلتم ذلك فسد ما في الأرض ~~بهلاك الأبدان وخراب الديار وبطلان الزرائع كما هو مشاهد عند ثوران الفتن ~~والتنازع. و { إنما } من أدوات القصر، كما هو مبين في علم المعاني. ~~والصلاح ضد الفساد. لما نهاهم الله عن ms0044 الفساد الذي هو دأبهم أجابوا بهذه ~~الدعوى العريضة، ونقلوا أنفسهم من الاتصاف بما هي عليه حقيقة وهو الفساد، ~~إلى الاتصاف بما هو ضد لذلك وهو الصلاح، ولم يقفوا عند هذا الكذب البحت ~~والزور المحض حتى جعلوا صفة الصلاح مختصة بهم خالصة لهم، فرد الله عليهم ~~ذلك أبلغ رد لما يفيده حرف التنبيه من تحقق ما بعده، ولما في إن من ~~التأكيد، وما في تعريف الخبر مع توسيط ضمير الفصل من الحصر المبالغ فيه ~~بالجمع بين أمرين من الأمور المفيدة له، وردهم إلى صفة الفساد التي هم ~~متصفون بها في الحقيقة ردا مؤكدا مبالغا فيه بزيادة على ما تضمنته ~~دعواهم الكاذبة من مجرد الحصر المستفاد من { إنما }. وأما نفي الشعور ~~عنهم فيحتمل أنهم لما كانوا يظهرون الصلاح مع علمهم أنهم على الفساد ~~الخالص، ظنوا أن ذلك ينفق على النبي صلى الله عليه وسلم، وينكتم عنه ~~بطلان ما أضمروه، ولم يشعروا بأنه عالم به، وأن الخبر يأتيه بذلك من ~~السماء، فكان نفي الشعور عنهم من هذه الحيثية لا من جهة أنهم لا يشعرون ~~بأنهم على الفساد. ويحتمل أن فسادهم كان عندهم صلاحا لما استقر في ~~عقولهم من محبة الكفر وعداوة الإسلام. وقد أخرج ابن جرير عن ابن مسعود ~~أنه قال الفساد هنا هو الكفر والعمل بالمعصية. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إنما نحن مصلحون } أي ~~إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. وأخرج ابن جرير ~~عن مجاهد في تفسير هذه الآية قال إذا ركبوا معصية فقيل لهم لا تفعلوا كذا ~~قالوا إنما نحن على الهدى. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~سلمان أنه قرأ هذه الآية فقال لم يجىء أهل هذه الآية بعد. قال ابن جرير ~~يحتمل أن سلمان أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فسادا من ~~الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لا أنه عنى أنه لم يمض ممن ~~تلك صفته أحد انتهى. ms0045 ويحتمل أن سلمان يرى أن هذه الآية ليست في المنافقين ~~بل يحملها على مثل أهل الفتن التي يدين أهلها بوضع السيف في المسلمين ~~كالخوارج وسائر من يعتقد في فساده أنه صلاح لما يطرأ عليه من الشبه ~~الباطلة. ### || [2.13] # أي وإذا قيل للمنافقين آمنوا كما آمن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من ~~المهاجرين والأنصار، أجابوا بأحمق جواب وأبعده عن الحق والصواب، فنسبوا ~~إلى المؤمنين السفه استهزاءا واستخفافا فتسببوا بذلك إلى تسجيل الله ~~عليهم بالسفه بأبلغ عبارة وآكد قول. وحصر السفاهة وهي رقة الحلوم وفساد ~~البصائر، وسخافة العقول فيهم، مع كونهم لا يعلمون أنهم كذلك، إما حقيقة ~~أو مجازا، تنزيلا لإصرارهم على السفه منزلة عدم العلم بكونهم عليه، ~~وأنهم متصفون به. ولما ذكر الله هنا السفه ناسبه نفي العلم عنهم لأنه لا ~~يتسافه إلا جاهل، والكاف في موضع نصب لأنها نعت لمصدر محذوف، أي إيمانا ~~كإيمان الناس. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وإذا ~~قيل لهم ءامنوا كما ءامن الناس } أي صدقوا كما صدق ~~أصحاب محمد أنه نبي ورسول، وأن ما أنزل عليه حق، { قالوا أنؤمن ~~كما آمن السفهاء } يعنون أصحاب محمد، { ألا إنهم هم ~~السفهاء } يقول الجهال { ولكن لا يعلمون } يقول لا ~~يعقلون. وروي عن ابن عساكر في تاريخه بسند واه أنه قال آمنوا كما آمن ~~الناس أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله { ~~كما آمن السفهاء } قال يعنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وأخرج عن الربيع وابن زيد مثله. وروى الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس ~~أنها نزلت في شأن اليهود أي إذا قيل لهم، يعني اليهود { ءامنوا كما آمن ~~الناس } عبد الله بن سلام، وأصحابه { قالوا أنؤمن كما آمن ~~السفهاء }. ### || [2.14-15] # { لقوا } أصله لقيوا، نقلت الضمة إلى القاف، وحذفت الياء، لالتقاء ~~الساكنين. ومعنى لقيته ولاقيته استقبلته قريبا. وقرأ محمد بن السميفع ~~اليماني، وأبو حنيفة " لاقوا " ، وأصله لاقيوا تحركت الياء وانفتح ما ~~قبلها فانقلبت ألفا، ثم حذفت ms0046 الألف لالتقاء الساكنين. وخلوت بفلان وإليه ~~إذا انفردت به. وإنما عدي بإلى، وهو يتعدى بالباء فيقال خلوت به لا خلوت ~~إليه لتضمنه معنى ذهبوا وانصرفوا. والشياطين جمع شيطان على التكسير. وقد ~~اختلف كلام سيبويه في نون الشيطان، فجعلها في موضع من كتابه أصلية، وفي ~~آخر زائدة، فعلى الأول هو من شطن، أي بعد عن الحق، وعلى الثاني من شط، ~~أي بعد أو شاط أي بطل، وشاط، أي احترق، وأشاط إذا هلك قال الشاعر # وقد يشيط على أرماحنا البطل # أي يهلك. وقال آخر # وأبيض ذي تاج أشاطت رماحنا لمعترك بين الفوارس أقتما # أي أهلكت. وحكي سيبويه أن العرب تقول تشيطن فلان إذا فعل أفعال ~~الشياطين. ولو كان من شاط لقالوا تشيط، ومنه قول أمية بن أبي الصلت # أيما شاطن عصاه عكا ه ورماه في السجن والأغلال # وقوله { إنا معكم } معناه مصاحبوكم في دينكم، وموافقوكم عليه. ~~والهزؤ السخرية واللعب. قال الراجز # قد هزئت مني أم طيسله قالت أراه معدما لا مال له # قال في الكشاف وأصل الباب الخفة، من الهزء، وهو القتل السريع، وهزأ يهزأ ~~مات على المكان. عن بعض العرب مشيت فلغبت فظننت لأهزأن على مكاني. ~~وناقته تهزأ به، أي تسرع وتخف. انتهى. وقيل أصله الانتقام. قال الشاعر # قد استهزءوا منهم بألفي مدجج سراتهم وسط الصحاصح جثم # فأفاد قولهم { إنا معكم } أنهم ثابتون على الكفر، وأفاد قولهم { ~~إنما نحن مستهزءون } ردهم للإسلام ورفعهم للحق، وكأنه جواب ~~سؤال مقدر ناشىء من قولهم { إنا معكم } أي إذا كنتم معنا فما بالكم إذا ~~لقيتم المسلمين وافقتموهم؟ فقالوا إنما نحن مستهزءون بهم في تلك ~~الموافقة، ولم تكن بواطننا موافقة لهم ولا مائلة إليهم، فرد الله ذلك ~~عليهم بقوله { الله يستهزىء بهم } أي ينزل بهم الهوان ~~والحقارة وينتقم منهم ويستخف بهم انتصافا منهم لعباده المؤمنين، وإنما ~~جعل سبحانه ما وقع منه استهزاء مع كونه عقوبة ومكافأة مشاكلة. وقد كانت ~~العرب إذا وضعت لفظا بإزاء لفظ جوابا له وجزاء ذكرته بمثل ذلك اللفظ ~~وإن كان مخالفا له ms0047 في معناه. وورد ذلك في القرآن كثيرا، ومنه # وجزاء سيئة سيئة مثلها # الشورى 40 # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # البقرة 194 والجزاء لا يكون سيئة. والقصاص لا يكون اعتداء لأنه حق، ومنه # ومكروا ومكر الله # آل عمران 54 و # إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا # الطارق 15 16 # يخدعون الله والذين ءامنوا # البقرة 9 # يخدعون الله وهو خادعهم # النساء 142 # تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك # المائدة 116. وهو في السنة كثير كقوله صلى الله عليه وسلم # " إن الله لا يمل حتى تملوا " # وإنما قال { الله يستهزىء بهم } لأنه يفيد التجدد وقتا بعد ~~وقت، وهو أشد عليهم وأنكأ لقلوبهم، وأوجع لهم من الاستهزاء الدائم ~~الثابت، المستفاد من الجملة الإسمية، لما هو محسوس من أن العقوبة الحادثة ~~وقتا بعد وقت، والمتجددة حينا بعد حين، أشد على من وقعت عليه من ~~العذاب الدائم المستمر لأنه يألفه، ويوطن نفسه عليه. والمد الزيادة. ~~قال يونس بن حبيب يقال مد في الشر، وأمد في الخير، ومنه # وأمددنكم بأمول وبنين # الإسراء 6 # وأمددنهم بفكهة ولحم # الطور 22. وقال الأخفش مددت له إذا تركته، وأمددته إذا أعطيته. وقال ~~الفراء واللحياني مددت فيما كانت زيادته من مثله، يقال مد النهر، ومنه # والبحر يمده من بعده سبعة أبحر # لقمان 27 وأمددت فيما كانت زيادته من غيره، ومنه # يمددكم ربكم بخمسة ءالاف من الملئكة # آل عمران 125 والطغيان مجاوزة الحد، والغلو في الكفر، ومنه # إنا لما طغى الماء # الحاقة 11 أي تجاوز المقدار الذي قدرته الخزان. وقوله في فرعون # إنه طغى # طه 24، 43 أي أسرف في الدعوى حيث قال # أنا ربكم الأعلى # النازعات 24. والعمه والعامه الحائر المتردد، وذهبت إبله لعمهى إذا لم ~~يدر أين ذهبت، والعمه في القلب كالعمى في العين. قال في الكشاف العمه مثل ~~العمى، إلا أن العمى في البصر والرأي، والعمه في الرأي خاصة انتهى. ~~والمراد أن الله سبحانه يطيل لهم المدة ويمهلهم كما قال # إنما نملى لهم ليزدادوا إثما # آل عمران 178. قال ms0048 ابن جرير { في طغينهم يعمهون } في ~~ضلالهم وكفرهم الذي قد غمرهم يترددون حيارى ضلالا يجدون إلى المخرج منه ~~سبيلا، لأن الله قد طبع على قلوبهم وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى ~~وأغشاها، فلا يبصرون رشدا ولا يهتدون سبيلا. وقد أخرج الواحدي والثعلبي ~~بسند واه، لأن فيه محمد بن مروان وهو متروك، عن ابن عباس قال نزلت هذه ~~الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه، وذكر قصة وقعت لهم مع أبي بكر وعمر ~~وعلي رضي الله عنهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال كان رجال من ~~اليهود إذا لقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أو بعضهم قالوا إنا على ~~دينكم { وإذا خلوا إلى شيطينهم } وهم إخوانهم قالوا { ~~إنا معكم } على مثل ما أنتم عليه { إنما نحن ~~مستهزءون } بأصحاب محمد { الله يستهزىء بهم } قال يسخر ~~بهم للنقمة منهم { ويمدهم في طغينهم } قال في كفرهم { ~~يعمهون } قال يترددون. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عنه ~~بمعناه وأطول منه. # وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عنه بنحو الأول. وأخرج ابن ~~جرير، عن ابن مسعود في قوله { وإذا خلوا إلى شيطينهم } ~~قال رؤسائهم في الكفر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك قال { وإذا ~~خلوا } أي مضوا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة نحو ما قاله ~~ابن مسعود، وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله { ويمدهم } قال ~~يملي لهم { في طغينهم يعمهون } قال في كفرهم يتمادون. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحو ما قاله ابن ~~مسعود في تفسير يعمهون. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر عن مجاهد { يمدهم } يزيدهم { في طغينهم ~~يعمهون } قال يلعبون ويترددون في الضلالة. وأخرج أحمد في المسند عن ~~أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " نعوذ بالله من شياطين الإنس والجن " # فقلت يا رسول الله وللإنس شياطين؟ قال # " نعم ". ### || [2.16] # قال سيبويه صحت الواو في { اشتروا } فرقا بينها وبين ms0049 الواو ~~الأصلية في نحو # وألو استقموا # الجن 16. وقال الزجاج حركت بالضم كما يفعل في نحن. وقرأ يحيى بن ~~يعمر بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين. وقرأ أبو السماك العدوي ~~بفتحها لخفة الفتحة. وأجاز الكسائي همز الواو. والشراء هنا مستعار ~~للاستبدال أي استبدلوا الضلالة بالهدى كقوله تعالى # فاستحبوا العمى على الهدى # فصلت 17 فإما أن يكون معنى الشراء المعاوضة، كما هو أصله حقيقة فلا، لأن ~~المنافقين لم يكونوا مؤمنين، فيبيعوا إيمانهم، والعرب قد تستعمل ذلك في ~~كل من استبدل شيئا بشيء. قال أبو ذؤيب # فإن تزعميني كنت أجهل فيكمو فإني شريت الحلم بعدك ~~بالجهل # وأصل الضلالة الحيرة، والجور عن القصد، وفقد الاهتداء، وتطلق على ~~النسيان، ومنه قوله تعالى # قال فعلتها إذا وأنا من الضالين # الشعراء 20، وعلى الهلاك كقوله # وقالوا أءذا ضللنا فى الأرض # السجدة 10 وأصل الربح الفضل. والتجارة صناعة التاجر، وأسند الربح إليها ~~على عادة العرب في قولهم ربح بيعك وخسرت صفقتك، وهو من الإسناد المجازي، ~~وهو إسناد الفعل إلى ملابس للفاعل، كما هو مقرر في علم المعاني. والمراد ~~ربحوا وخسروا. والاهتداء قد سبق تحقيقه أي وما كانوا مهتدين في شرائهم ~~الضلالة، وقيل في سابق علم الله. وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس قال { اشتروا الضللة بالهدى } أي ~~الكفر بالإيمان. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال أخذوا الضلالة وتركوا ~~الهدى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال آمنوا ~~ثم كفروا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~قتادة قال استحبوا الضلالة على الهدى، قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى ~~إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة ~~إلى البدعة. ### || [2.17-18] # { مثلهم } مرتفع بالابتداء، وخبره إما الكاف في قوله { كمثل } ~~لأنها اسم أي مثل، مثل كما في قول الأعشى # أتنتهون ولن تنهى ذوى شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل # وقول امرىء القيس # ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا تصوب فيه العين ms0050 طورا وترتقى # أراد مثل الطعن وبمثل ابن الماء، ويجوز أن يكون الخبر محذوفا، أي مثلهم ~~مستنير كمثل، فالكاف على هذا حرف. والمثل الشبه، والمثلان المتشابهان و { ~~الذى } موضوع موضع الذين أي كمثل الذين استوقدوا، وذلك موجود في كلام ~~العرب، كقول الشاعر # وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد # ومنه # وخضتم كالذي خاضوا # التوبة 69 ومنه # والذى جاء بالصدق وصدق به أولئك هم ~~المتقون # الزمر 33. ووقود النار سطوعها وارتفاع لهيبها، و { استوقد } بمعنى أوقد ~~مثل استجاب بمعنى أجاب، فالسين والتاء زائدتان، قاله الأخفش. ومنه قول ~~الشاعر # وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب # أي يجبه. والإضاءة فرط الإنارة، وفعلها يكون لازما ومتعديا. و { ما ~~حوله } قيل ما زائدة. وقيل هي موصولة في محل نصب على أنها مفعول أضات ~~وحوله منصوب على الظرفية، و { ذهب } من الذهاب، وهو زوال الشيء. و { ~~*تركهم } أي أبقاهم { ظلمت } جمع ظلمة. وقرأ الأعمش بإسكان اللام ~~على الأصل. وقرأ أشهب العقيلي بفتح اللام، وهي عدم النور. و { صم } ~~وما بعده خبر مبتدأ محذوف أي هم. وقرأ ابن مسعود " صما بكما عميا " ~~بالنصب على الذم، ويجوز أن ينتصب بقوله { تركهم }. والصمم الانسداد، يقال ~~قناة صماء إذا لم تكن مجوفة،. وصممت القارورة إذا سددتها، وفلان أصم ~~إذا انسدت خروق مسامعه. والأبكم الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا فهم، فهو ~~الأخرس. وقيل الأخرس والأبكم واحد. والعمى ذهاب البصر. والمراد بقوله { ~~فهم لا يرجعون } أي إلى الحق، وجواب لما في قوله { فلما ~~أضاءت } ، قيل هو { ذهب الله بنورهم } وقيل محذوف تقديره ~~طفئت فبقوا حائرين. وعلى الثاني فيكون قوله { ذهب الله بنورهم ~~} كلاما مستأنفا أو بدلا من المقدر. ضرب الله هذا المثل للمنافقين ~~لبيان أن ما يظهرونه من الإيمان مع ما يبطنونه من النفاق لا يثبت لهم به ~~أحكام الإسلام، كمثل المستوقد الذي أضاءت ناره ثم طفئت، فإنه يعود إلى ~~الظلمة، ولا تنفعه تلك الإضاءة اليسيرة، فكان بقاء المستوقد في ظلمات لا ms0051 ~~يبصر كبقاء المنافق في حيرته وتردده. وإنما وصفت هذه النار بالإضاءة مع ~~كونها نار باطل، لأن الباطل كذلك تسطع ذوائب لهب ناره لحظة ثم تخفت. ومنه ~~قولهم «للباطل صولة ثم يضمحل» وقد تقرر عند علماء البلاغة أن لضرب ~~الأمثال شأنا عظيما في إبراز خفيات المعاني، ورفع أستار محجبات الدقائق ~~ولهذا استكثر الله من ذلك في كتابه العزيز، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يكثر من ذلك في مخاطباته، ومواعظه. # قال ابن جرير إن هؤلاء المضروب لهم المثل هاهنا لم يؤمنوا في وقت من ~~الأوقات، واحتج بقوله تعالى # ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الأخر ~~وما هم بمؤمنين # البقرة 8. وقال ابن كثير إن الصواب أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم ~~وكفرهم، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سلبوه وطبع على ~~قلوبهم كما يفيده قوله تعالى # ذلك بأنهم ءامنوا ثم كفروا فطبع على ~~قلوبهم فهم لا يفقهون # المنافقون 3. قال ابن جرير وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد كما قال # رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذى ~~يغشى عليه من الموت # الأحزاب 19 أي كدوران عيني الذي يغشى عليه من الموت، وقال تعالى # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا # الجمعة 5. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله تعالى { مثلهم كمثل الذى استوقد نارا } قال هذا ~~مثل ضربه الله للمنافقين كانوا يعتزون بالإسلام فيناكحهم المسلمون ~~ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله العز كما سلب صاحب ~~النار ضوءه { وتركهم في ظلمت لا يبصرون } يقول في ~~عذاب { صم بكم عمى } فهم لا يسمعون الهدى، ولا يبصرونه ولا ~~يعقلونه. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله { ~~مثلهم كمثل الذى استوقد نارا } قالوا إن ناسا دخلوا ~~في الإسلام عند مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ثم نافقوا، فكان ~~مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد نارا فأضاءت ما حوله من قذى وأذى ~~فأبصره حتى ms0052 عرف ما يتقي، فبينما هو كذلك إذا طفئت ناره فأقبل لا يدري ما ~~يتقي من أذى. فكذلك المنافق كان في ظلمة الشرك، فأسلم فعرف الحلال من ~~الحرام، والخير من الشر، فبينما هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من ~~الحرام ولا الخير من الشر، فهم صم بكم هم الخرس، فهم لا يرجعون إلى ~~الإسلام. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { كمثل الذى ~~استوقد نارا } قال ضربه الله مثلا للمنافق، وقوله { ذهب ~~الله بنورهم } قال أما النور فهو إيمانهم الذي يتكلمون به، وأما ~~الظلمة فهو ضلالهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس مثله. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد نحوه. وأخرجا أيضا عن قتادة نحوه. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة، والحسن والسدي، والربيع بن أنس نحو ما ~~تقدم. ### || [2.19-20] # عطف هذا المثل على المثل الأول بحرف الشك لقصد التخيير بين المثلين أي ~~مثلوهم بهذا أو هذا، وهي وإن كانت في الأصل للشك، فقد توسع فيها حتى صارت ~~لمجرد التساوي من غير شك وقيل إنها بمعنى الواو، قاله الفراء وغيره، ~~وأنشد # وقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تقاها أو عليها ~~فجورها # وقال آخر # نال الخلافة أو كانت له قدرا كما أتى ربه موسى على ~~قدر # والمراد بالصيب المطر، واشتقاقه من صاب يصوب إذا نزل. قال علقمة # فلا تعدلي بيني وبين معمر سقتك روايا الموت حيث ~~تصوب # وأصله صيوب، اجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ~~ياء وأدغمت، كما فعلوا في ميت وسيد. والسماء في الأصل كل ما علاك ~~فأظلك. ومنه قيل لسقف البيت سماء. والسماء أيضا المطر سمي بها لنزوله ~~منها، وفائدة ذكر نزوله من السماء مع كونه لا يكون إلا منها أنه لا يختص ~~نزوله بجانب منها دون جانب، وإطلاق السماء على المطر واقع كثيرا في كلام ~~العرب، فمنه قول حسان # ديار من بني الحسحاس قفر تعفيها الدوامس والسماء # وقال آخر # إذا نزل السماء بأرض قوم # والظلمات قد تقدم تفسيرها، وإنما ms0053 جمعها إشارة إلى أنه انضم إلى ظلمة ~~الليل ظلمة الغيم. والرعد اسم لصوت الملك الذي يزجر السحاب. وقد أخرج ~~الترمذي من حديث ابن عباس قال «سألت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الرعد ما هو؟ قال # " ملك من الملائكة بيده مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله " # قالوا فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال # " زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر " # قالت صدقت» الحديث بطوله، وفي إسناده مقال. قال القرطبي وعلى هذا ~~التفسير أكثر العلماء، وقيل هو اضطراب أجرام السحاب عند نزول المطر منها، ~~وإلى هذا ذهب جمع من المفسرين تبعا للفلاسفة، وجهلة المتكلمين، وقيل غير ~~ذلك، والبرق مخراق حديد بيد الملك الذي يسوق السحاب، وإليه ذهب كثير من ~~الصحابة، وجمهور علماء الشريعة للحديث السابق. وقال بعض المفسرين تبعا ~~للفلاسفة إن البرق ما ينقدح من اصطكاك أجرام السحاب المتراكمة من الأبخرة ~~المتصعدة المشتملة على جزء ناري يتلهب عند الاصطكاك. وقوله { يجعلون ~~أصبعهم فى ءاذانهم } جملة مستأنفة لا محل لها كأن قائلا ~~قال فكيف حالهم عند ذلك الرعد؟ فقيل يجعلون أصابعهم في آذانهم. وإطلاق ~~الإصبع على بعضها مجاز مشهور، والعلاقة الجزئية والكلية لأن الذي يجعل في ~~الأذن إنما هو رأس الإصبع لا كلها. والصواعق- ويقال الصواقع- هي قطعة نار ~~تنفصل من مخراق الملك الذي يزجر السحاب عند غضبه وشدة ضربه لها، ويدل ~~على ذلك ما في حديث ابن عباس الذي ذكرنا بعضه قريبا وبه قال كثير من ~~علماء الشريعة. # ومنهم من قال إنها نار تخرج من فم الملك. وقال الخليل هي الواقعة ~~الشديدة من صوت الرعد، يكون معها أحيانا قطعة نار تحرق ما أتت عليه. ~~وقال أبو زيد الصاعقة نار تسقط من السماء في رعد شديد. وقال بعض المفسرين ~~تبعا للفلاسفة ومن قال بقولهم إنها نار لطيفة تنقدح من السحاب إذا اصطكت ~~أجرامها. وسيأتي في سورة الرعد إن شاء الله في تفسير الرعد والبرق ~~والصواعق ماله مزيد فائدة وإيضاح. ونصب { حذر الموت } على أنه ~~مفعول لأجله. وقال الفراء ms0054 منصوب على التمييز، والموت ضد الحياة. ~~والإحاطة، الأخذ من جميع الجهات حتى لا تفوت المحاط به بوجه من الوجوه. ~~وقوله { يكاد البرق يخطف أبصرهم } جملة مستأنفة، كأنه ~~قيل فكيف حالهم مع ذلك البرق؟ ويكاد يقارب. والخطف الأخذ بسرعة، ومنه سمي ~~الطير خطافا لسرعته. وقرأ مجاهد { يخطف } بكسر الطاء، والفتح أفصح. ~~وقوله { كلما أضاء لهم مشوا فيه } كلام مستأنف كأنه قيل ~~كيف تصنعون في تارتي خفوق البرق، وسكونه؟ وهو تمثيل لشدة الأمر على ~~المنافقين بشدته على أهل الصيب، { ولو شاء الله لذهب ~~بسمعهم وأبصرهم } بالزيادة في الرعد، والبرق { إن ~~الله على كل شىء قدير } وهذا من جملة مقدوراته سبحانه. وقد ~~أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال { أو ~~كصيب } هو المطر ضرب مثله في القرآن { فيه ظلمت } يقول ~~ابتلاء { ورعد وبرق } تخويف { يكاد البرق يخطف ~~أبصرهم } يقول يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين { ~~كلما أضاء لهم مشوا فيه } يقول كلما أصاب المنافقون من ~~الإسلام عزا اطمأنوا، فإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر ~~كقوله # ومن الناس من يعبد الله على حرف # الحج 11 الآية. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود، وناس من الصحابة قالوا ~~كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله فيه رعد شديد، ~~وصواعق، وبرق، فجعلا كلما أصابهما الصواعق يجعلان أصابعهما في آذانهما من ~~الفرق أن تدخل الصواعق في مسامعهما فتقتلهما، وإذا لمع البرق مشيا في ~~ضوئه وإذا لم يلمع لم يبصرا قاما مكانهما لا يمشيان، فجعلا يقولان ليتنا ~~قد أصبحنا، فنأتي محمدا فنضع أيدينا في يده، فأصبحا فأتياه فأسلما، ~~ووضعا أيديهما في يده، وحسن إسلامهما، فضرب الله شأن هذين المنافقين ~~الخارجين مثلا للمنافقين الذين بالمدينة، وكان المنافقون إذا حضروا مجلس ~~النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقا من كلام النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم شيء، أو يذكروا بشيء، فيقتلوا، كما ms0055 كان ~~ذلك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما، وإذا أضاء لهم مشوا ~~فيه أي فإذا كثرت أموالهم، وأولادهم، وأصابوا غنيمة، وفتحا مشو فيه، ~~وقالوا إن دين محمد صلى الله عليه وسلم حينئذ صدق، واستقاموا عليه، كما ~~كان ذانك المنافقان يمشيان إذا أضاء لهم البرق، وإذا أظلم عليهم قاموا، ~~فكانوا إذا هلكت أموالهم، وأولادهم، وأصابهم البلاء قالوا هذا من أجل دين ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وارتدوا كفرا كما قام المنافقان حين أظلم ~~البرق عليهما. # وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال { أو كصيب } قال هو، المطر وهو ~~مثل للمنافق في ضوئه، يتكلم بما معه من كتاب الله مراآة الناس، فإذا خلا، ~~وحده عمل بغيره، فهو في ظلمة ما أقام على ذلك. وأما الظلمات فالضلالات. ~~وأما البرق فالإيمان، وهم أهل الكتاب، وإذا أظلم عليهم فهو رجل يأخذ بطرف ~~الحق لا يستطيع أن يجاوزه. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~عن ابن عباس أيضا نحو ما سلف. وقد روي تفسيره بنحو ذلك عن جماعة من ~~التابعين. واعلم أن المنافقين أصناف، فمنهم من يظهر الإسلام، ويبطن ~~الكفر، ومنهم من قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيحين، ~~وغيرهما # " ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه، واحدة منهن كان فيه ~~خصلة من النفاق حتى يدعها من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن ~~خان " # وورد بلفظ " أربع " ، وزاد «وإذا خاصم فجر». وورد بلفظ «وإذا عاهد غدر». ~~وقد ذكر ابن جرير ومن تبعه من المفسرين أن هذين المثلين لصنف واحد من ~~المنافقين. ### || [2.21-22] # لما فرغ سبحانه من ذكر المؤمنين، والكافرين، والمنافقين أقبل عليهم ~~بالخطاب التفاتا للنكتة السابقة في الفاتحة. و " يا " حرف نداء، ~~والمنادى " أي " وهو اسم مفرد مبني على الضم، و " ها " حرف تنبيه مقحم ~~بين المنادى، وصفته. قال سيبويه كأنك كررت «يا» مرتين، وصار الاسم بينهما ~~كما قالوا ها هو ذا. وقد تقدم الكلام في تفسير الناس، والعبادة، وإنما ~~خص نعمة الخلق، وامتن بها ms0056 عليهم لأن جميع النعم مترتبة عليها، وهي أصلها ~~الذي لا يوجد شيء منها بدونها، وأيضا، فالكفار مقرون بأن الله هو ~~الخالق # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # الزخرف 87 فامتن عليهم بما يعترفون به، ولا ينكرونه. وفي أصل معنى ~~الخلق، وجهان أحدهما التقدير، يقال خلقت الأديم للسقاء إذا قدرته قبل ~~القطع. قال زهير # ولأنت تفرى ما خلقت وبع ض القوم يخلق ثم لا يفرى # الثاني الإنشاء، والإختراع، والإبداع. و " لعل " أصلها الترجي، والطمع، ~~والتوقع، والإشفاق، وذلك مستحيل على الله سبحانه، ولكنه لما كانت ~~المخاطبة منه سبحانه للبشر كان بمنزلة قوله لهم افعلوا ذلك على الرجاء ~~منكم، والطمع، وبهذا قال جماعة من أئمة العربية منهم سيبويه. وقيل إن ~~العرب استعملت " لعل " مجردة من الشك بمعنى لام " كي ". والمعنى هنا ~~لتتقوا، وكذلك ما وقع هذا الموقع، ومنه قول الشاعر # وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف ووثقتم لنا ~~كل موثق # فلما كففنا الحرب كانت عهودكم كشبه سراب في ~~الملأ متألق # أي كفوا عن الحرب لنكف، ولو كانت " لعل " للشك لم يوثقوا لهم كل موثق، ~~وبهذا قال جماعة منهم قطرب. وقيل إنها بمعنى التعرض للشيء كأنه قال ~~متعرضين للتقوى. و { جعل } هنا بمعنى صير لتعديه إلى المفعولين، ومنه ~~قول الشاعر # وقد جعلت أرى الإثنين أربعة والأربع اثنين لما هدني الكبر # و { فراشا } أي وطاء يستقرون عليها. لما قدم نعمة خلقهم أتبعه بنعمة ~~خلق الأرض فراشا لهم، لما كانت الأرض التي هي مسكنهم، ومحل استقرارهم من ~~أعظم ما تدعو إليه حاجتهم، ثم أتبع ذلك بنعمة جعل السماء كالقبة المضروبة ~~عليهم، والسقف للبيت الذي يسكنونه كما قال # وجعلنا السماء سقفا محفوظا # الأنبياء 32. وأصل البناء وضع لبنة على أخرى، ثم امتن عليهم بإنزال ~~الماء من السماء. وأصل ماء موه، قلبت الواو لتحركها، وانفتاح ما قبلها ~~ألفا فصار ماه، فاجتمع حرفان خفيفان، فقلبت الهاء همزة. والثمرات جمع ~~ثمرة. والمعنى أخرجنا لكم ألوانا من الثمرات، وأنواعا من النبات، ليكون ~~ذلك متاعا لكم إلى حين. والأنداد جمع ند، وهو المثل ms0057 والنظير. وقوله { ~~وأنتم تعلمون } جملة حالية، والخطاب للكفار، والمنافقين. # فإن قيل كيف وصفهم بالعلم، وقد نعتهم بخلاف ذلك حيث قال # ولكن لا يعلمون # البقرة 13 # ولكن لا يشعرون # البقرة 12 # وما كانوا مهتدين # البقرة 16 # صم بكم عمى # البقرة 18. فيقال إن المراد أن جهلهم، وعدم شعورهم لا يتناول هذا، أي ~~كونهم يعلمون أنه المنعم دون غيره من الأنداد، فإنهم كانوا يعلمون هذا، ~~ولا ينكرونه كما حكاه الله عنهم في غير آية. وقد يقال المراد، وأنتم ~~تعلمون، وحدانيته بالقوة، والإمكان لو تدبرتم، ونظرتم. وفيه دليل على ~~وجوب استعمال الحجج، وترك التقليد. قال ابن فورك المراد وتجعلون لله ~~أندادا بعد علمكم الذي هو نفي الجهل بأن الله واحد. انتهى. وحذف مفعول ~~تعلمون للدلالة على عدم اختصاص ما هم عليه من العلم بنوع واحد من الأنواع ~~الموجبة للتوحيد. وقد أخرج البزار، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في ~~الدلائل عن ابن مسعود قال ما كان { يا ايها الذين آمنوا } فهو أنزل ~~بالمدينة، وما كان { يذهبكم يا أيها الناس } فهو أنزل بمكة. ~~وروى نحو ذلك عنه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، والطبراني في الأوسط، ~~والحاكم وصححه. وروى نحوه أبو عبيد، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن ~~المنذر من قول علقمة. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن مردويه، ~~وابن المنذر عن الضحاك مثله. وكذا أخرج أبو عبيد عن ميمون بن مهران. ~~وأخرج نحوه أيضا ابن أبي شيبة، وابن مردويه عن عروة، وعكرمة. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أيها الناس } قال هي ~~للفريقين جميعا من الكفار والمؤمنين. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في ~~قوله { لعلكم } يعني " كي ". وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ~~عون بن عبد الله بن عتبة قال لعل من الله واجب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن مسعود، وناس من الصحابة في قوله # الذى جعل لكم الارض فراشا # البقرة 22 أي تمشون عليها وهي المهاد والقرار # والسماء بناء # البقرة 22 ms0058 قال كهيئة القبة وهي سقف الأرض وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ~~الحسن أنه سئل المطر من السماء أم من السحاب؟ قال من السماء. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن كعب قال السحاب غربال المطر، ولولا السحاب حين ~~ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض، والبذر. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ عن خالد بن معدان قال المطر ماء يخرج من تحت العرش، ~~فينزل من سماء إلى سماء حتى يجتمع في سماء الدنيا، فيجتمع في موضع يقال ~~له الأبزم، فتجيء السحاب السود، فتدخله، فتشربه مثل شرب الإسفنجة، ~~فيسوقها الله حيث يشاء. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة قال ~~ينزل الماء من السماء السابعة، فتقع القطرة منه على السحاب مثل البعير. # وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن خالد بن يزيد قال المطر منه من ~~السماء، ومنه ما يستقيه الغيم من البحر، فيعذبه الرعد والبرق. وأخرج ~~ابن أبي الدنيا في كتاب المطر عن ابن عباس قال إذا جاء القطر من السماء ~~تفتحت له الأصداف، فكان لؤلؤا. وأخرج الشافعي في الأم، وابن أبي الدنيا ~~في كتاب المطر، وأبو الشيخ في العظمة عن المطلب بن حنطب أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " ما من ساعة من ليل، ولا نهار إلا والسماء تمطر فيها، يصرفه الله ~~حيث يشاء " # وأخرج ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ عن ابن عباس قال ما نزل مطر من السماء ~~إلا ومعه البذر، أما لو أنكم بسطتم نطعا لرأيتموه. وأخرج ابن أبي ~~الدنيا، وأبو الشيخ عن ابن عباس قال المطر. مزاجة من الجنة، فإذا كثر ~~المزاج عظمت البركة، وإن قل المطر، وإذا قل المزاج قلت البركة، وإن كثر ~~المطر. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله ~~يصرفه حيث يشاء، وينزل مع المطر كذا وكذا من الملائكة يكتبون حيث يقع ذلك ~~المطر، ومن يرزقه، ومن يخرج منه مع كل قطرة. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، ~~وابن أبي حاتم ms0059 عن ابن عباس في قوله { فلا تجعلوا لله أندادا ~~} أي لا تشركوا به غيره من الأنداد التي لا تضر، ولا تنفع { وأنتم ~~تعلمون } أنه لا رب لكم يرزقكم غيره. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس { أندادا } قال أشباها. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~مسعود { أندادا } قال أكفاء من الرجال يطيعونهم في معصية الله. وأخرج ~~عبد بن حميد عن قتادة { أندادا } قال شركاء. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، ~~والبخاري في الأدب المفرد، والنسائي، وابن ماجه، وأبو نعيم في الحلية عن ~~ابن عباس قال «قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله وشئت، قال # " جعلتني لله ندا ما شاء الله وحده " # وأخرج ابن سعد عن قتيلة بنت صيفى قالت «جاء حبر من الأحبار إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون، قال # " وكيف؟ " # قال يقول أحدكم لا والكعبة فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " من حلف، فليحلف برب الكعبة " # فقال يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله ندا، قال # " وكيف ذلك " # قال يقول أحدكم ما شاء الله وشئت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، فمن ~~قال منكم # " ما شاء الله قال ثم شئت " # وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي ~~عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان " # وأخرج أحمد، وابن ماجه، والبيهقي، وابن مردويه عن طفيل بن سخبرة «أنه ~~رأى فيما يرى النائم كأنه مر برهط من اليهود فقال أنتم نعم القوم لولا ~~أنكم تزعمون أن عزيرا ابن الله، فقالوا وأنتم نعم القوم لولا أنكم ~~تقولون ما شاء الله، وشاء محمد. ثم مر برهط من النصارى فقال أنتم نعم ~~القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله، قالوا وأنتم نعم القوم لولا ~~أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبح أخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ms0060 فخطب، فقال # " إن طفيلا رأى رؤيا، وإنكم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم، فلا ~~تقولوها، ولكن قولوا ما شاء الله وحده لا شريك له " # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب ~~النمل على صفا سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول والله حياتك يا فلان ~~وحياتي، وتقول لولا كلبه هذا لأتانا اللصوص، ولولا القط في الدار لأتى ~~اللصوص، وقول الرجل ما شاء الله وشئت، وقول الرجل لولا الله وفلان، هذا ~~كله شرك. وأخرج البخاري، ومسلم عن ابن مسعود قال «قلت يا رسول الله أي ~~الذنب أعظم؟ # " قال أن تجعل لله ندا، وهو خلقك " # الحديث. ### || [2.23-24] # { فى ريب } أي شك { مما نزلنا على عبدنا } أي القرآن أنزله على محمد ~~صلى الله عليه وسلم. والعبد مأخوذ من التعبد، وهو التذلل. والتنزيل ~~التدريج، والتنجيم. وقوله { فاتوا } الفاء جواب الشرط، وهو أمر معناه ~~التعجيز. لما احتج عليهم بما يثبت الوحدانية، ويبطل الشرك، عقبه بما هو ~~الحجة على إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما يدفع الشبهة في كون ~~القرآن معجزة، فتحداهم بأن يأتوا بسورة من سوره. والسورة الطائفة من ~~القرآن المسماة باسم خاص، سميت بذلك، لأنها مشتملة على كلماتها كاشتمال ~~سور البلد عليها. و«من» في قوله { من مثله } زائدة لقوله { فأتوا ~~بسورة مثله }. والضمير في { مثله } عائد على القرآن عند جمهور أهل العلم. ~~وقيل عائد على التوراة والإنجيل، لأن المعنى فأتوا بسورة من كتاب مثله ~~فإنها تصدق ما فيه. وقيل يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى من ~~بشر مثل محمد أي لا يكتب، ولا يقرأ. والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر، أو ~~القائم بالشهادة، أو المعاون، والمراد هنا الآلهة. ومعنى { دون } أدنى ~~مكان من الشيء، واتسع فيه حتى استعمل في تخطي الشيء إلى شيء آخر، ومنه ما ~~في هذه الآية، وكذلك قوله تعالى # لا يتخذ المؤمنون الكفرين أولياء من دون ~~المؤمنين # آل عمران 28 وله معان أخر، منها التقصير عن الغاية، والحقارة، يقال هذا ~~الشيء ms0061 دون أي حقير، ومنه # إذا ما علا المرء رام العلا ويقنع بالدون من كان دونا # والقرب يقال هذا دون ذاك أي أقرب منه، ويكون إغراء، تقول دونك زيدا أي ~~خذه من أدنى مكان { من دون الله } متعلق بادعوا أي ادعوا الذين ~~يشهدون لكم من دون الله إن كنتم صادقين فيما قلتم، من أنكم تقدرون على ~~المعارضة، وهذا تعجيز لهم، وبيان لانقطاعهم. والصدق خلاف الكذب، وهو ~~مطابقة الخبر للواقع، أو للاعتقاد أولهما على الخلاف المعروف في علم ~~المعاني { فإن لم تفعلوا } يعني فيما مضى { ولن تفعلوا ~~} أي تطيقوا ذلك، فيما يأتي، وتبين لكم عجزكم عن المعارضة { فاتقوا ~~النار } بالإيمان بالله، وكتبه، ورسله، والقيام بفرائضه، واجتناب ~~مناهيه، وعبر عن الإتيان بالفعل، لأن الإتيان فعل من الأفعال لقصد ~~الاختصار، وجملة { لن تفعلوا } لا محل لها من الإعراب، لأنها اعتراضية، و ~~" لن " للنفي المؤكد لما دخلت عليه، وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآن ~~قبل وقوعها لأنها لم تقع المعارضة من أحد من الكفرة في أيام النبوة، ~~وفيما بعدها، وإلى الآن. والوقود بالفتح الحطب، وبالضم التوقد أي ~~المصدر، وقد جاء فيه الفتح. والمراد بالحجارة الأصنام التي كانوا ~~يعبدونها لأنهم قرنوا أنفسهم بها في الدنيا، فجعلت وقودا للنار معهم. # ويدل على هذا قوله تعالى # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # الأنبياء 98 أي حطب جهنم. وقيل المراد بها حجارة الكبريت، وفي هذا من ~~التهويل مالا يقدر قدره من كون هذه النار تتقد بالناس، والحجارة، فأوقدت ~~بنفس ما يراد إحراقه بها. والمراد بقوله { أعدت } جعلت عدة ~~لعذابهم، وهيئت لذلك. وقد كرر الله سبحانه تحدي الكفار بهذا في مواضع ~~في القرآن، منها هذا، ومنها قوله تعالى في سورة القصص # قل فأتوا بكتب من عند الله هو أهدى منهما ~~أتبعه إن كنتم صدقين # القصص 49 وقال في سورة سبحان # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا # الإسراء 88 وقال في سورة هود # أم يقولون ms0062 افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن ~~كنتم صدقين # هود 13 في سورة يونس # وما كان هذا القرءان أن يفترى من دون الله ~~ولكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل الكتاب لا ~~ريب فيه من رب العلمين * أم يقولون افتراه ~~قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صدقين # يونس 37 - 38. وقد وقع الخلاف بين أهل العلم هل وجه الإعجاز في القرآن ~~هو كونه في الرتبة العلية من البلاغة الخارجة عن طوق البشر، أو كان العجز ~~عن المعارضة للصرفة من الله سبحانه لهم عن أن يعارضوه، والحق الأول، ~~والكلام في هذا مبسوط في مواطنه. وقد أخرج أحمد، والبخاري، ومسلم، ~~والنسائي، والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " ما من نبي من الأنبياء إلا أعطى ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان ~~الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم ~~القيامة " # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { وإن كنتم فى ريب } ~~قال هذا قول الله لمن شك من الكفار فيما جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ~~قتادة في قوله { وإن كنتم فى ريب } قال في شك { مما ~~نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله } قال من ~~مثل القرآن حقا، وصدقا لا باطل فيه، ولا كذب. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم، عن مجاهد { فأتوا بسورة من مثله } قال مثل القرآن { ~~وادعوا شهداءكم } قال ناس يشهدون لكم إذا أتيتم بها أنها مثله. ~~وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ~~شهداءكم } قال أعوانكم على ما أنتم عليه { فإن لم تفعلوا ~~ولن تفعلوا } فقد بين لكم الحق. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ~~قتادة { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا } يقول لن تقدروا على ~~ذلك، ولن تطيقوه. # وأخرج عبد بن حميد، ms0063 عن مجاهد أنه كان يقرأ كل شيء في القرآن، " وقودها " ~~برفع الواو الأولى، إلا التي في السماء ذات البروج # النار ذات الوقود # البروج 5 - بنصب الواو- وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الكبير، ~~والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال إن الحجارة التي ذكرها الله في القرآن في ~~قوله # وقودها الناس والحجارة # البقرة 24 حجارة من كبريت خلقها الله عنده كيف شاء. وأخرج ابن جرير، عن ~~ابن عباس مثله. وأخرج ابن جرير أيضا عن عمرو بن ميمون مثله أيضا. وأخرج ~~ابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس قال «تلا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هذه الآية { وقودها الناس والحجارة } قال # " أوقد عليها ألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى ~~اسودت، فهي سوداء مظلمة لا يطفأ لهبها " # وأخرج ابن أبي شيبة، والترمذي، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة ~~مرفوعا مثله. وأخرج أحمد، ومالك، والبخاري، ومسلم عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، قالوا يا ~~رسول الله إن كانت لكافية؟ قال، فإنها قد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا ~~كلهن مثل حرها " # وأخرج الترمذي وحسنه عن أبي سعيد مرفوعا نحوه. وأخرج ابن ماجه، والحاكم ~~وصححه عن أنس مرفوعا، نحوه أيضا. وأخرج مالك في الموطأ، والبيهقي في ~~البعث عن أبي هريرة قال أترونها حمراء مثل ناركم هذه التي توقدون، إنها ~~لأشد سوادا من القار. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ~~ابن عباس في قوله { أعدت للكفرين } قال أي لمن كان مثل ما ~~أنتم عليه من الكفر. ### || [2.25] # لما ذكر تعالى جزاء الكافرين عقبه بجزاء المؤمنين ليجمع بين الترغيب، ~~والترهيب، والوعد، والوعيد كما هي عادته سبحانه في كتابه العزيز، لما في ~~ذلك من تنشيط عباده المؤمنين لطاعاته، وتثبيط عباده الكافرين عن معاصيه. ~~والتبشير الإخبار بما يظهر أثره على البشرة، وهي ms0064 الجلدة الظاهرة، من ~~البشر، والسرور. قال القرطبي أجمع العلماء على أن المكلف إذا قال من ~~بشرني من عبيدي، فهو حر، فبشره واحد من عبيده، فأكثر، فإن أولهم يكون ~~حرا دون الثاني، واختلفوا إذا قال من أخبرني من عبيدي بكذا، فهو ~~حر، فقال أصحاب الشافعي يعم لأن كل واحد منهم مخبر، وقال علماؤنا لا ~~لأن المكلف إنما قصد خبرا يكون بشارة، وذلك مختص بالأول. انتهى. والحق ~~أنه إن أراد مدلول الخبر عتقوا جميعا، وإن أراد الخبر المقيد بكونه ~~بشارة عتق الأول، فالخلاف لفظي. والمأمور بالتبشير قيل هو النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وقيل هو كل أحد كما في قوله صلى الله عليه وسلم # " بشر المشائين " # وهذه الجمل، وإن كانت مصدرة بالإنشاء، فلا يقدح ذلك في عطفها على ما ~~قبلها، لأن المراد عطف جملة وصف ثواب المطيعين على جملة، وصف عقاب ~~العاصين من دون نظر إلى ما اشتمل عليه الوصفان من الأفراد المتخالفة ~~خبرا، وأنشاء. وقيل إن قوله { وبشر } معطوف على قوله # فاتقوا النار # البقرة 24، وليس هذا بجيد. و { الصلحات } الأعمال المستقيمة. ~~والمراد هنا الأعمال المطلوبة منهم المفترضة عليهم، وفيه رد على من يقول ~~إن الإيمان بمجرده يكفي، فالجنة تنال بالإيمان، والعمل الصالح. والجنات ~~البساتين، وإنما سميت جنات لأنها تجن من فيها أي تستره بشجرها، وهو اسم ~~لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنات كثيرة. والأنهار جمع نهر، وهو ~~المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر، والمراد الماء الذي يجري فيها، ~~وأسند الجري إليها مجازا، والجاري حقيقة هو الماء كما في قوله تعالى # واسئل القرية # يوسف 82 أي أهلها وكما قال الشاعر # ونبئت أن النار بعدك أوقدت واستب بعدك يا كليب ~~المجلس # والضمير في قوله { من تحتها } عائد إلى الجنات لاشتمالها على ~~الأشجار، أي من تحت أشجارها. وقوله { كلما رزقوا } وصف آخر ~~للجنات، أو هو جملة مستأنفة كأن سائلا قال كيف تمارها. و { من ثمرة ~~} في معنى من أي ثمرة أي نوع من أنواع الثمرات؟ والمراد بقوله { هذا ~~الذى رزقنا من قبل } أنه ms0065 شبيهه، ونظيره، لا أنه هو، لأن ذات ~~الحاضر لا تكون عين ذات الغائب لاختلافهما، وذلك أن اللون، يشبه اللون، ~~وإن كان الحجم، والطعم، والرائحة، والماوية مختلفة. والضمير في " به " ~~عائد إلى الرزق، وقيل المراد أنهم أتوا بما يرزقونه في الجنة متشابها، ~~فما يأتيهم في أول النهار يشابه الذي يأتيهم في آخره، فيقولون هذا الذي ~~رزقنا من قبل، فإذا أكلوا وجدوا له طعما غير طعم الأول. # و { متشبها } منصوب على الحال. والمراد بتطهير الأزواج أنه لا ~~يصيبهن ما يصيب النساء من قذر الحيض، والنفاس، وسائر الأدناس التي لا ~~يمتنع تعلقها بنساء الدنيا. والخلود البقاء الدائم الذي لا ينقطع، وقد ~~يستعمل مجازا فيما يطول، والمراد هنا الأول. وقد أخرج ابن ماجه، وابن ~~أبي الدنيا في صفة الجنة، والبزار، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والبيهقي، ~~وابن مردويه، عن أسامة بن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ألا هل مشمر للجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، ~~وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة، ~~وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة خضراء " # الحديث. والأحاديث في وصف الجنة كثيرة جدا ثابتة في الصحيحين، وغيرهما. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه، ~~والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنهار الجنة تفجر من تحت جبال مسك " # وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو حاتم، وأبو الشيخ، وابن حبان، والبيهقي في ~~البعث وصححه عن ابن مسعود نحوه، موقوفا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي ~~مالك في قوله { تجرى من تحتها الانهر } قال يعني المساكن ~~تجري أسفلها أنهارها. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود وناس من الصحابة في ~~قوله { كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا } قال أتوا ~~بالثمرة في الجنة، فنظروا إليها { قالوا هذا الذى رزقنا ~~من قبل } في الدنيا { وأتوا به متشبها } في اللون ~~والمرأى، وليس يشبه الطعم. وأخرج عبد بن حميد، عن علي بن زيد، ms0066 وقتادة ~~نحوه. وأخرج مسدد في مسنده، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبى حاتم، عن ~~ابن عباس قال ليس في الدنيا مما في الجنة شيء إلا الأسماء. وأخرج عبد بن ~~حميد، عن عكرمة قال قولهم { من قبل } معناه هذا مثل الذي كان بالأمس. ~~وأخرج ابن جرير عن يحي بن أبي كثير، نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، عن مجاهد قال { متشبها } في اللون مختلفا في ~~الطعم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن الحسن في قوله { متشبها ~~} قال خيار كله يشبه بعضه بعضا لا رذل فيه، ألم تروا إلى ثمار الدنيا ~~كيف ترذلون بعضه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة مثله. وأخرج ~~الحاكم وصححه، وابن مردويه، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله # " ولهم فيها أزوج مطهرة " # قال # " من الحيض، والغائط، والبزاق، والنخامة ". # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال من القذر، ~~والأذى. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود قال لا يحضن، ولا يحدثن، ولا ~~يتنخمن. وقد روى نحو هذا عن جماعة من التابعين. وقد ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في صفات أهل الجنة في الصحيحين، وغيرهما من طريق جماعة من ~~الصحابة أن أهل الجنة لا يبصقون، ولا يتمخطون، ولا يتغوطون. وثبت أيضا ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة في الصحيحين، وغيرهما من ~~صفات نساء أهل الجنة مالا يتسع المقام لبسطه، فلينظر في دواوين الإسلام، ~~وغيرها. وأخرج ابن جرير، وابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله ~~{ وهم فيها خلدون } أي خالدون أبدا، يخبرهم أن الثواب ~~بالخير، والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~عن سعيد بن جبير في قوله { وهم فيها خلدون } يعني لا يموتون. ~~وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال # " يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم يا أهل ~~النار لا ms0067 موت، ويا أهل الجنة لا موت، كل هو خالد فيما هو فيه " # وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة نحوه. وأخرج الطبراني، والحاكم وصححه ~~من حديث معاذ نحوه. وأخرج الطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم من حديث ابن ~~مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لو قيل لأهل النار إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا لفرحوا ~~بها، ولو قيل لأهل الجنة إنكم ماكثون عدد كل حصاة لحزنوا، ولكن جعل لهم ~~الأبد ". ### || [2.26-27] # أنزل الله هذه الآية ردا على الكفار لما أنكروا ما ضربه سبحانه من ~~الأمثال كقوله # مثلهم كمثل الذى استوقد نارا # البقرة 17 وقوله # أو كصيب من السماء # البقرة 19 فقالوا الله أجل، وأعلا من أن يضرب الأمثال. وقال الرازي إنه ~~تعالى لما بين بالدليل كون القرآن معجزا أورد ها هنا شبهة أوردها ~~الكفار قدحا في ذلك، وأجاب عنها، وتقرير الشبهة أنه جاء في القرآن ذكر ~~النحل، والعنكبوت، والنمل، وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء ~~فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلا عن كونه معجزا. وأجاب الله ~~عنها بأن صغر هذه الأشياء لا تقدح في الفصاحة إذا كان ذكرها مشتملا على ~~حكمة بالغة. انتهى. ولا يخفاك أن تقرير هذه الشبهة على هذا الوجه، وإرجاع ~~الإنكار إلى مجرد الفصاحة لا مستند له، ولا دليل عليه، وقد تقدمه إلى ~~شيء من هذا صاحب الكشاف، والظاهر ما ذكرناه أولا لكون هذه الآية جاءت ~~بعقب المثلين اللذين هما مذكوران قبلها، ولا يستلزم استنكارهم لضرب ~~الأمثال بالأشياء المح كذا في الكشاف، وتبعه الرازي في مفاتيح الغيب. ~~وقال القرطبي أصل الاستحياء الانقباض عن الشيء، والامتناع منه خوفا من ~~مواقعة القبيح، وهذا محال على الله. انتهى. وقد اختلفوا في تأويل ما في ~~هذه الآية من ذكر الحياء فقيل ساغ ذلك لكونه، واقعا في الكلام المحكي عن ~~الكفار، وقيل هو من باب المشاكلة كما تقدم، وقيل هو جار على سبيل ~~التمثيل. قال في الكشاف مثل تركه تخييب العبد، وأنه لا يرد يديه صفرا ms0068 ~~من عطائه لكرمه بترك من يترك رد المحتاج إليه حياء منه. انتهى. وقد قرأ ~~ابن محيصن، وابن كثير في رواية عنه «يستحي» بياء واحدة، وهي لغة تميم، ~~وبكر بن وائل، نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى الحاء، فسكنت، ثم استثقلت ~~الضمة على الثانية فسكنت، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين. وضرب المثل ~~اعتماده وصنعه. و«ما» في قوله { ما بعوضة } إبهامية أي موجبة ~~لإبهام ما دخلت عليه حتى يصير أعم مما كان عليه، وأكثر شيوعا في ~~أفراده، وهي في موضع نصب على البدل من قوله { مثلا } و { بعوضة } ~~نعت لها لإبهامها، قاله الفراء، والزجاج، وثعلب، وقيل إنها زائدة، وبعوضة ~~بدل من مثل. ونصب بعوضة في هذين الوجهين ظاهر، وقيل إنها منصوبة بنزع ~~الخافض، والتقدير أن يضرب مثلا ما بين بعوضة، فحذف لفظ بين. وقد روي هذا ~~عن الكسائي، وقيل إن يضرب بمعنى يجعل، فتكون بعوضة المفعول الثاني. وقرأ ~~الضحاك، وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤية بن العجاج «بعوضة» بالرفع، وهي لغة ~~تميم. قال أبو الفتح وجه ذلك أن «ما» اسم بمنزلة الذي، وبعوضة رفع على ~~إضمار المبتدأ، ويحتمل أن تكون «ما» استفهامية كأنه قال تعالى { ما ~~بعوضة فما فوقها } حتى لا يضرب المثل به، بل له أن يمثل بما هو ~~أقل من ذلك بكثير، والبعوضة فعولة من بعض إذا قطع، يقال بعض وبضع بمعنى، ~~والبعوض البق، الواحدة بعوضة، سميت بذلك لصغرها، قاله الجوهري، وغيره. # وقوله { فما فوقها } قال الكسائي، وأبو عبيدة، وغيرهما فما فوقها ~~والله أعلم ما دونها أي أنها فوقها في الصغر كجناحها. قال الكسائي، وهذا ~~كقولك في الكلام أتراه قصيرا، فيقول القائل، أو فوق ذلك أي أقصر مما ~~ترى. ويمكن أن يراد، فما زاد عليها في الكبر. وقد قال بذلك جماعة. قوله { ~~فأما الذين ءامنوا } " أما " حرف فيه معنى الشرط، وقدره ~~سيبويه بمهما يكن من شيء، فكذا. وذكر صاحب الكشاف أن فائدته في الكلام ~~أنه يعطيه فضل توكيد، وجعل تقدير سيبويه دليلا على ذلك. والضمير في { ~~أنه } راجع إلى المثل. و { الحق ms0069 } الثابت، وهو المقابل للباطل، ~~والحق، واحد الحقوق، والمراد هنا الأول. وقد اختلف النحاة في { ماذا } ~~فقيل هي بمنزلة اسم واحد بمعنى أي شيء أراد الله، فتكون في موضع نصب ~~بأراد. قال ابن كيسان وهو الجيد. وقيل «ما» اسم تام في موضع رفع ~~بالابتداء، و «ذا» بمعنى الذي، وهو خبر المبتدأ مع صلته، وجوابه يكون على ~~الأول منصوبا وعلى الثاني مرفوعا. والإرادة نقيض الكراهة، وقد اتفق ~~المسلمون على أنه يجوز إطلاق هذا اللفظ على الله سبحانه. و { مثلا } ~~قال ثعلب منصوب على القطع، والتقدير أراد مثلا. وقال ابن كيسان هو منصوب ~~على التمييز الذي وقع موقع الحال، وهذا أقوى من الأول. وقوله { يضل ~~به كثيرا ويهدي به كثيرا } هو كالتفسير للجملتين السابقتين ~~المصدرتين بأما، فهو خبر من الله سبحانه. وقيل هو حكاية لقول الكافرين ~~كأنهم قالوا ما مراد الله بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة، ~~وإلى هدى؟ وليس هذا بصحيح، فإن الكافرين لا يقرون بأن في القرآن شيئا ~~من الهداية، ولا يعترفون على أنفسهم بشيء من الضلالة. قال القرطبي ولا ~~خلاف أن قوله { وما يضل به إلا الفسقين } من كلام الله ~~سبحانه. وقد أطال المتكلمون الخصام في تفسير الضلال المذكور هنا، وفي ~~نسبته إلى الله سبحانه. وقد نقح البحث الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب ~~في هذا الموضع تنقيحا نفيسا، وجوده وطوله، وأوضح فروعه، وأصوله، ~~فليرجع إليه فإنه مفيد جدا. وأما صاحب الكشاف، فقد اعتمد ها هنا على ~~عصاه التي يتوكأ عليها في تفسيره، فجعل إسناد الإضلال إلى الله سبحانه ~~بكونه سببا، فهو من الإسناد المجازي إلى ملابس للفاعل الحقيقي،.وحكى ~~القرطبي عن أهل الحق من المفسرين أن المراد بقوله { يضل } يخذل. # والفسق الخروج عن الشيء، يقال فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها. والفأرة ~~من جحرها ذكر معنى هذا الفراء. وقد استشهد أبو بكر بن الأنباري في كتاب ~~الزاهر له على معنى الفسق بقول رؤبة بن العجاج # يهوين في نجد وغورا غائرا فواسقا عن قصدها جوائر # قد زعم ابن الأعرابي أنه ms0070 لم يسمع قط في كلام الجاهلية، ولا في شعرهم ~~فاسق، وهذا مردود عليه، فقد حكى ذلك عن العرب، وأنه من كلامهم جماعة من ~~أئمة اللغة كابن فارس، والجوهري، وابن الأنباري، وغيرهم. وقد ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " خمس فواسق " # الحديث. وقال في الكشاف الفسق الخروج عن القصد، ثم ذكر عجز بيت رؤبة ~~المذكور، ثم قال والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة. ~~انتهى. وقال القرطبي والفسق في عرف الاستعمال الشرعي الخروج من طاعة الله ~~عز وجل، فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان. انتهى. وهذا هو ~~أنسب بالمعنى اللغوي، ولا وجه لقصره على بعض الخارجين دون بعض. قال ~~الرازي في تفسيره واختلف أهل القبلة هل هو مؤمن، أو كافر؟ فعند أصحابنا ~~أنه مؤمن، وعند الخوارج أنه كافر، وعند المعتزلة لا مؤمن، ولا كافر، ~~واحتج المخالف بقوله تعالى # بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان # الحجرات 11 وقوله # إن المنفقين هم الفسقون # التوبة 67 وقوله # حبب إليكم الإيمن وزينه فى قلوبكم وكره ~~إليكم الكفر والفسوق والعصيان # الحجرات 7 وهذه المسألة طويلة مذكورة في علم الكلام. انتهى. وقوله { ~~الذين ينقضون } في محل نصب وصفا للفاسقين. والنقض إفساد ما أبرم ~~من بناء، أو حبل، أو عهد، والنقاضة ما نقض من حبل الشعر. والعهد قيل هو ~~الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرجهم من ظهره، وقيل هو وصية الله إلى ~~خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من ~~معصيته في كتبه على ألسن رسله، ونقضهم ذلك ترك العمل به، وقيل بل نصب ~~الأدلة على، وحدانيته بالسموات، والأرض، وسائر مخلوقاته، ونقضه ترك النظر ~~فيه، وقيل هو ما عهده إلى الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس. والميثاق ~~العهد المؤكد باليمين مفعال من الوثاقة وهي الشدة في العقد، والربط، ~~والجمع المواثيق، والمياثيق، وأنشد ابن الأعرابي # حمى لا يحل الدهر إلا بإذننا ولا نسأل الأقوام ~~عهد المياثق # واستعمال النقض في إبطال العهد على ms0071 سبيل الاستعارة، والقطع معروف، ~~والمصدر في الرحم القطيعة، وقطعت الحبل قطعا، وقطعت النهر قطعا. و«ما» ~~في قوله { ما أمر الله به } في موضع نصب ب { يقطعون } ، و { ~~أن يوصل } في محل نصب بأمر. ويحتمل أن يكون بدلا من " ما " ، أو من ~~الهاء في " به ". # واختلفوا ما هو الشيء الذي أمر الله بوصله، فقيل الأرحام، وقيل أمر أن ~~يوصل القول بالعمل، وقيل أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه، فقطعوه ~~بتصديق بعضهم، وتكذيب البعض الآخر، وقيل المراد به حفظ شرائعه، وحدوده ~~التي أمر في كتبه المنزلة، وعلى ألسن رسله بالمحافظة عليها، فهي عامة، ~~وبه قال الجمهور، وهو الحق. والمراد بالفساد في الأرض الأفعال، والأقوال ~~المخالفة لما أمر الله به، كعبادة غيره، والإضرار بعباده، وتغيير ما أمر ~~بحفظه، وبالجملة، فكل ما خالف الصلاح شرعا أو عقلا، فهو فساد. والخسران ~~النقصان، والخاسر، هو الذي نقص نفسه من الفلاح، والفوز، وهؤلاء لما ~~استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، كان عملهم، فسادا لما نقصوا ~~أنفسهم من الفلاح، والربح. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن ~~مسعود، وناس من الصحابة قال لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين قوله # مثلهم كمثل الذى استوقد نارا # البقرة 17 وقوله # أو كصيب من السماء # البقرة 19 قال المنافقون الله أعلا وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل ~~الله { إن الله لا * يستحى أن يضرب مثلا } الآية. ~~وأخرج الواحدي في تفسيره عن ابن عباس قال إن الله ذكر آلهة المشركين، ~~فقال # وإن يسلبهم الذباب شيئا # الحج 73 وذكر كيد الآلهة، فجعله كبيت العنكبوت، فقالوا أرأيت حيث ذكر ~~الله الذباب، والعنكبوت، فيما أنزل من القرآن على محمد أي شيء كان يصنع ~~بهذا؟ فأنزل الله { إن الله لا يستحي } وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة نحو قول ابن ~~عباس. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال لما نزلت # ا يأيها الناس ضرب مثل # الحج 73 قال المشركون ما هذا من الأمثال، فيضرب؟ فأنزل الله ms0072 هذه الآية. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله تعالى { فأما ~~الذين ءامنوا فيعلمون أنه الحق } قال يؤمن به ~~المؤمن، ويعلمون أنه الحق من ربهم، ويهديهم الله به، ويعرفه الفاسقون ~~فيكفرون به. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود، وناس من الصحابة في قوله { ~~يضل به كثيرا } يعني المنافقين { ويهدي به كثيرا } ~~يعني المؤمنين { وما يضل به إلا الفسقين } قال هم ~~المنافقون. وفي قوله { ينقضون عهد الله من بعد ميثقه ~~} قال هو ما عهد إليهم في القرآن، فأقروا به، ثم كفروا، فنقضوه. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { وما يضل به إلا ~~الفسقين } يقول يعرفه الكافرون، فيكفرون به. وأخرج ابن جرير، عن ~~قتادة قال فسقوا، فأضلهم الله بفسقهم. وأخرج البخاري، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعد بن أبي وقاص قال الحرورية هم الذين ينقضون ~~عهد الله من بعد ميثاقه، وكان يسميهم الفاسقين. # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة قال ~~ما نعلم الله أوعد في ذنب ما أوعد في نقض هذا الميثاق، فمن أعطى عهد ~~الله، وميثاقه من ثمرة قلبه، فليوف به الله. وقد ثبت عن رسول الله في ~~أحاديث ثابتة في الصحيح وغيره من طريق جماعة من الصحابة النهي عن نقض ~~العهد، والوعيد الشديد عليه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في ~~قوله { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } قال الرحم ~~والقرابة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { ويفسدون فى ~~الأرض } قال يعملون فيها بالمعصية. وأخرج ابن المنذر عن مقاتل في قوله ~~{ أولئك هم الخسرون } يقول هم أهل النار. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام ~~مثل خاسر، ومسرف، وظالم، ومجرم، وفاسق، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه ~~إلى الإسلام، فإنما يعني به الذم. ### || [2.28] # كيف مبنية على الفتح لخفته، وهي في موضع نصب ب { تكفرون } ، ويسأل بها ms0073 ~~عن الحال، وهذا الاستفهام هو للإنكار عليهم، والتعجب من حالهم، وهي ~~متضمنة لهمزة الاستفهام، والواو في { وكنتم } للحال، و " قد " مقدرة ~~كما قال الزجاج والفراء، وإنما صح جعل هذا الماضي حالا لأن الحال ليس هو ~~مجرد قوله { كنتم أمواتا } بل هو وما بعده إلى قوله { ترجعون } كما ~~جزم به صاحب الكشاف كأنه قال كيف تكفرون وقصتكم هذه؟ أي وأنتم عالمون ~~بهذه القصة، وبأولها، وآخرها. والأموات جمع ميت، واختلف المفسرون في ~~ترتيب هاتين الموتتين، والحياتين فقيل إن المراد { كنتم أموتا } ~~قبل أن تخلقوا، أي معدومين لأنه يجوز إطلاق اسم الموت على المعدوم ~~لاجتماعهما في عدم الاحساس { فأحيكم } أي خلقكم { ثم ~~يميتكم } عند انقضاء آجالكم { ثم يحييكم } يوم القيامة. وقد ~~ذهب إلى هذا جماعة من الصحابة، فمن بعدهم. قال ابن عطية وهذا القول هو ~~المراد بالآية، وهو الذي لا محيد للكفار عنه، وإذا أذعنت نفوس الكفار ~~بكونهم كانوا معدومين، ثم أحياء في الدنيا، ثم أمواتا فيها لزمهم ~~الإقرار بالحياة الأخرى. قال غيره والحياة التي تكون في القبر على هذا ~~التأويل في حكم حياة الدنيا. وقيل إن المراد كنتم أمواتا في ظهر آدم ثم ~~أخرجكم من ظهره كالذر، ثم يميتكم موت الدنيا، ثم يبعثكم. وقيل { كنتم ~~* أموتا } أي نطفا في أصلاب الرجال { ثم يحييكم } حياة ~~الدنيا. { ثم يميتكم } بعد هذه الحياة { ثم يحييكم } في ~~القبور { ثم يميتكم } في القبر { ثم يحييكم } الحياة ~~التي ليس بعدها موت. قال القرطبي فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات، وثلاث ~~إحياءات، وكونهم موتى في ظهر آدم، وإخراجهم من ظهره، والشهادة عليهم غير ~~كونهم نطفا في أصلاب الرجال، فعلى هذا يجيء أربع موتات وأربع إحياءات. ~~وقد قيل إن الله تعالى أوجدهم قبل خلق آدم كالبهائم، وأماتهم، فيكون على ~~هذا خمس موتات، وخمس إحياءات، وموتة سادسة للعصاة من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم كما ورد في الحديث # " ولكن ناسا أصابتهم النار بذنوبهم، فأماتهم الله إماتة، حتى إذا كانوا ~~فحما أذن في الشفاعة فجيء بهم، " # إلى أن قال # " فينبتون نبات ms0074 الحبة في حميل السيل " # وهو في الصحيح من حديث أبي سعيد. وقوله { ثم إليه ترجعون } ~~أي إلى الله سبحانه، فيجازيكم بأعمالكم. وقد قرأ يحيى بن يعمر، وابن أبي ~~إسحاق، ومجاهد، وسلام، ويعقوب بفتح حرف المضارعة، وقرأ الجماعة بضمه. قال ~~في الكشاف عطف الأول بالفاء، وما بعده بثم، لأن الإحياء الأول قد تعقب ~~الموت بغير تراخ، وأما الموت، فقد تراخى عن الإحياء، والإحياء الثاني ~~كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخيا ظاهرا، وإن أريد به ~~إحياء القبر، فمنه يكتسب العلم بتراخيه، والرجوع إلى الجزاء أيضا متراخ ~~عن النشور. # انتهى. ولا يخفاك أنه إن أراد بقوله أن الإحياء الأول قد تعقب الموت ~~أنه وقع على ما هو متصف بالموت، فالموت الآخر وقع على ما هو متصف ~~بالحياة، وإن أراد أنه وقع الإحياء الأول عند أول اتصافه بالموت بخلاف ~~الثاني، فغير مسلم، فإنه وقع عند آخر أوقات موته، كما وقع الثاني عند آخر ~~أوقات حياته، فتأمل هذا. وقد أخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة ~~في قوله تعالى { وكنتم أموتا } الآية، قال لم تكونوا شيئا، ~~فخلقكم { ثم يميتكم ثم يحييكم } يوم القيامة. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس نحوه. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، عن قتادة نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال يميتكم، ~~ثم يحييكم في القبر، ثم يميتكم. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله ~~{ وكنتم أموتا } قال حين لم تكونوا شيئا، ثم أماتهم، ثم أحياهم ~~يوم القيامة، ثم يرجعون إليه بعد الحياة. وأخرج ابن جرير، عن عبد الرحمن ~~بن زيد بن أسلم قال خلقهم من ظهر آدم، فأخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم، ثم ~~خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة. والصحيح الأول. ### || [2.29] # قال ابن كيسان { خلق لكم } أي من أجلكم، وفيه دليل على أن الأصل ~~في الأشياء المخلوقة الإباحة، حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل، ~~ولا فرق بين الحيوانات، وغيرها مما ms0075 ينتفع به من غير ضرر، وفي التأكيد ~~بقوله { جميعا } أقوى دلالة على هذا. وقد استدل بهذه الآية على ~~تحريم أكل الطين، لأنه تعالى خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض. وقال ~~الرازي في تفسيره إن لقائل أن يقول إن في جملة الأرض ما يطلق عليه أنه في ~~الأرض، فيكون جامعا للوصفين، ولا شك أن المعادن داخلة في ذلك، وكذلك ~~عروق الأرض، وما يجري مجرى البعض لها ولأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على ~~نفي الحكم عما عداه. انتهى. وقد ذكر صاحب الكشاف ما هو أوضح من هذا فقال ~~فإن قلت هل لقول من زعم أن المعنى خلق لكم الأرض، وما فيها وجه صحة؟ قلت ~~إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء كما تذكر السماء، ويراد ~~الجهات العلوية جاز ذلك، فإن الغبراء، وما فيها واقعة في الجهات السفلية. ~~انتهى. وأما التراب، فقد ورد في السنة تحريمه، وهو أيضا ضار، فليس مما ~~ينتفع به أكلا، ولكنه ينتفع به في منافع أخرى، وليس المراد منفعة خاصة ~~كنفعة الأكل، بل كل ما يصدق عليه أنه ينتفع به بوجه من الوجوه، و { ~~جميعا } منصوب على الحال. والاستواء في اللغة الاعتدال، والاستقامة، ~~قاله في الكشاف، ويطلق على الارتفاع، والعلو على الشيء، قال تعالى # فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك # المؤمنون 28 وقال # لتستووا على ظهوره # الزخرف 13 وهذا المعنى هو المناسب لهذه الآية. وقد قيل إن هذه الآية من ~~المشكلات. وقد ذهب كثير من الأئمة إلى الإيمان بها، وترك التعرض ~~لتفسيرها، وخالفهم آخرون. والضمير في قوله { فسواهن } مبهم يفسره ~~ما بعده كقولهم زيد رجلا، وقيل إنه راجع إلى السماء لأنها في معنى ~~الجنس، والمعنى أنه عدل خلقهن، فلا اعوجاج فيه. وقد استدل بقوله { ثم ~~استوى } على أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء. وكذلك الآية التي في ~~" حم السجدة ". وقال في النازعات # أأنتم أشد خلقا أم السماء بنها # النازعات 28 فوصف خلقها، ثم قال # والأرض بعد ذلك دحها # النازعات 30 فكأن السماء على هذا ms0076 خلقت قبل الأرض، وكذلك قوله تعالى # الحمد لله الذى خلق السموات والأرض # الأنعام 1 وقد قيل إن خلق جرم الأرض متقدم على السماء، ودحوها متأخر. ~~وقد ذكر نحو هذا جماعة من أهل العلم، وهذا جمع جيد لا بد من المصير ~~إليه، ولكن خلق ما في الأرض لا يكون إلا بعد الدحو، والآية المذكورة هنا ~~دلت على أنه خلق ما في الأرض قبل خلق السماء، وهذا يقتضي بقاء الإشكال، ~~وعدم التخلص عنه بمثل هذا الجمع. # وقوله { سبع سموات } فيه التصريح بأن السموات سبع، وأما الأرض، ~~فلم يأت في ذكر عددها إلا قوله تعالى # ومن الارض مثلهن # الطلاق 12 فقيل أي في العدد، وقيل أي في غلظهن، وما بينهن. وقال ~~الداودي إن الأرض سبع، ولكن لم يفتق بعضها من بعض. والصحيح أنها سبع ~~كالسموات. وقد ثبت في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم # " من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه الله من سبع أرضين " # وهو ثابت من حديث عائشة، وسعيد بن زيد. ومعنى قوله تعالى { سواهن } ~~سوى سطوحهن بالإملاس، وقيل جعلهن سواء. قال الرازي في تفسيره فإن ~~قيل فهل يدل التنصيص على سبع سموات أي فقط؟ قلنا الحق أن تخصيص العدد ~~بالذكر لا يدل على نفي الزائد، والله أعلم. انتهى. وفي هذا إشارة إلى ما ~~ذكره الحكماء من الزيادة على السبع. ونحن نقول إنه لم يأتنا عن الله، ولا ~~عن رسوله إلا السبع، فنقتصر على ذلك، ولا نعمل بالزيادة إلا إذا جاءت من ~~طريق الشرع، ولم يأت شيء من ذلك، وإنما أثبت لنفسه سبحانه أنه بكل شيء ~~عليم، لأنه يجب أن يكون عالما بجميع ما ثبت أنه خالفه. وقد أخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله تعالى { هو الذى خلق لكم ~~ما فى الأرض جميعا } قال سخر لكم ما في الأرض جميعا كرامة من ~~الله، ونعمة لابن آدم، وبلغة، ومنفعة إلى أجل. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن مجاهد ms0077 في قوله ~~{ هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا } قال سخر لكم ما ~~في الأرض جميعا { ثم استوى إلى السماء } قال خلق الأرض قبل ~~السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان فذلك قوله { ثم استوى إلى ~~السماء فسواهن سبع سموات } يقول خلق سبع سموات بعضهن ~~فوق بعض، وسبع أرضين بعضهن فوق بعض. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء، والصفات عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس ~~من الصحابة في قوله { هو الذى خلق لكم ما فى الأرض } ~~الآية، قالوا إن الله كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئا قبل الماء، ~~فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا، فارتفع فوق الماء، فسما ~~عليه فسماه سماء، ثم انبس الماء، فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها سبع ~~أرضين في يومين الأحد، والاثنين، فخلق الأرض على حوت، وهو الذي ذكره في ~~قوله # ن والقلم # القلم 1 والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، ~~والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في ~~السماء، ولا في الأرض، فتحرك الحوت، فاضطرب، فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها ~~الجبال فقرت، فذلك قوله تعالى # وألقى فى الأرض رواسى أن تميد بكم # لقمان 10 وخلق الجبال فيها، وأقوات أهلها، وسخرها، وما ينبغي لها في ~~يومين في الثلاثاء، والأربعاء، وذلك قوله # أئنكم لتكفرون بالذى خلق الارض # فصلت 9 إلى قوله # وبرك فيها # فصلت 10 يقول أنبت شجرها # وقدر فيها أقوتها # فصلت 10 يقول أقوات أهلها # فى أربعة أيام سواء للسائلين # فصلت 10 يقول من سأل، فهكذا الأمر، # ثم استوى إلى السماء وهى دخان # فصلت 11 وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، فجعلها سماء واحدة، ثم ~~فتقها فجعلها سبع سموات في يومين في الخميس والجمعة وإنما سمي يوم الجمعة ~~لأنه جمع فيه خلق السموات، والأرض # وأوحى فى كل سماء أمرها # فصلت 12 قال خلق في كل أسماء خلقها، من الملائكة، والخلق الذي فيها، من ~~البحار وجبال البرد، ms0078 وما لا يعلم، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها ~~زينة، وحفظا من الشياطين، فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش. ~~وأخرج البيهقي في الأسماء، والصفات، عن عباس في قوله { ثم استوى ~~إلى السماء } يعني صعد أمره إلى السماء، فسواهن يعني خلق سبع ~~سموات، قال أجرى النار على الماء، فبخر البحر، فصعد في الهواء، فجعل ~~السموات منه. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة في ~~الصحيح قال «أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي، فقال # " خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر ~~يوم الأثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث ~~فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة بعد العصر " # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق عند أهل السنن، وغيرهم، عن ~~جماعة من الصحابة أحاديث في وصف السموات، وأن غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة ~~عام، وما بين كل سماء إلى سماء خمسمائة عام، وأنها سبع سموات، وأن الأرض ~~سبع أرضين، وكذلك ثبت في وصف السماء آثار عن جماعة من الصحابة، وقد ذكر ~~السيوطي في الدر المنثور بعض ذلك في تفسير هذه الآية، وإنما تركنا ذكره ~~ها هنا لكونه غير متعلق بهذه الآية على الخصوص، بل هو متعلق بما هو أعم ~~منها. ### || [2.30] # { إذ } من الظروف الموضوعة للتوقيت، وهي للمستقبل، وإذا للماضي، وقد ~~توضع إحداهما موضع الأخرى. وقال المبرد هي مع المستقبل للمضي، ومع ~~الماضي للاستقبال. وقال أبو عبيدة إنها هنا زائدة. وحكاه الزجاج وابن ~~النحاس وقالا هي ظرف زمان ليست مما يزاد، وهي هنا في موضع نصب بتقدير ~~اذكر، أو بقالوا. وقيل هو متعلق ب { خلق لكم } البقرة 29، وليس بظاهر، ~~والملائكة جمع ملك بوزن فعل، قاله ابن كيسان. وقيل جمع ملأك بوزن ~~مفعل، قاله أبو عبيدة، من لأك إذا أرسل، والألوكة الرسالة. قال لبيد # وغلام أرسلته أمه بألوك فبذلنا ما سأل # وقال عدي بن زيد # أبلغ النعمان عني مألكا أنه قد طال ms0079 حبسي وانتظاري # ويقال ألكني أي أرسلني. وقال النضر بن شميل لا اشتقاق لملك عند العرب، ~~والهاء في الملائكة تأكيد لتأنيث الجمع، ومثله الصلادمة، والصلادم الخيل ~~الشداد واحدها صلدم. وقيل هي للمبالغة، كعلامة ونسابة و { جاعل } ~~هنا من جعل المتعدي إلى مفعولين. وذكر المطرزي أنه بمعنى خالق، وذلك ~~يقتضي أنه متعد إلى مفعول واحد، والأرض هنا هي هذه الغبراء، ولا يختص ~~ذلك بمكان دون مكان، وقيل إنها مكة. والخليفة هنا معناه الخالف لمن كان ~~قبله من الملائكة، ويجوز أن يكون بمعنى المخلوف، أي يخلفه غيره قيل هو ~~آدم. وقيل كل من له خلافة في الأرض، ويقوى الأول قوله { خليفة } دون ~~خلائف، واستغنى بآدم عن ذكر من بعده. قيل خاطب الله الملائكة بهذا الخطاب ~~لا للمشورة، ولكن لاستخراج ما عندهم. وقيل خاطبهم بذلك لأجل أن يصدر منهم ~~ذلك السؤال، فيجابون بذلك الجواب، وقيل لأجل تعليم عباده مشروعية ~~المشاورة لهم. وأما قولهم { أتجعل فيها من يفسد فيها } ~~فظاهره أنهم استنكروا استخلاف بني آدم في الأرض، لكونهم مظنة للإفساد في ~~الأرض، وإنما قالوا هذه المقالة قبل أن يتقدم لهم معرفة ببني آدم، بل قبل ~~وجود آدم، فضلا عن ذريته، لعلم قد علموه من الله سبحانه بوجه من الوجوه، ~~لأنهم لا يعلمون الغيب قال بهذا جماعة من المفسرين. وقال بعض المفسرين إن ~~في الكلام حذفا، والتقدير إني جاعل في الأرض خليفة يفعل كذا وكذا، ~~فقالوا { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } وقوله { ~~يفسد } قائم مقام المفعول الثاني. والفساد ضد الصلاح. وسفك الدم ~~صبه، قاله ابن فارس، والجوهري، ولا يستعمل السفك إلا في الدم. وواحد ~~الدماء دم، وأصله دمى حذف لامه، وجملة { ونحن نسبح بحمدك } حالية. ~~والتسبيح في كلام العرب التنزيه، والتبعيد من السوء على وجه التعظيم. قال ~~الأعشى # أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر # و { بحمدك } في موضع الحال، أي حامدين لك، وقد تقدم معنى الحمد. # والتقديس التطهير، أي ونطهرك عما لا يليق بك مما نسبه إليك الملحدون، ~~وافتراه الجاحدون. وذكر في ms0080 الكشاف " أن معنى التسبيح، والتقديس واحد، وهو ~~تبعيد الله من السوء، وأنهما من سبح في الأرض والماء، وقدس في الأرض إذا ~~ذهب فيها، وأبعد. وفي القاموس، وغيره من كتب اللغة ما يرشد إلى ما ~~ذكرناه، والتأسيس خير من التأكيد خصوصا في كلام الله سبحانه. ولما كان ~~سؤالهم واقعا على صفة تستلزم إثبات شيء من العلم لأنفسهم، أجاب الله ~~سبحانه عليهم بقوله { إني أعلم ما لا تعلمون } وفي هذا ~~الإجمال ما يغني عن التفصيل لأن من علم ما لا يعلم المخاطب له كان حقيقا ~~بأن يسلم له ما يصدر عنه، وعلى من لا يعلم أن يعترف لمن يعلم، بأن أفعاله ~~صادرة على ما يوجبه العلم، وتقتضيه المصلحة الراجحة، والحكمة البالغة. ~~ولم يذكر متعلق قوله { تعلمون } ليفيد التعميم، ويذهب السامع عند ~~ذلك كل مذهب، ويعترف بالعجز ويقر بالقصور. وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن ~~حميد، وابن المنذر، عن ابن عباس، قال إن الله أخرج آدم من الجنة قبل أن ~~يخلقه، ثم قرأ { إني جاعل فى الارض خليفة } وأخرج الحاكم ~~وصححه عنه أيضا نحوه وزاد. وقد كان فيها قبل أن يخلق بألفي عام الجن بنو ~~الجان، فأفسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، فلما أفسدوا في الأرض بعث الله ~~عليهم جنودا من الملائكة، فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فلما قال ~~الله { إني جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها ~~من يفسد فيها ويسفك الدماء } كما فعل أولئك الجان، فقال ~~الله { إني أعلم ما لا تعلمون } وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن ~~عمر مثله. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس أطول منه. وأخرج ابن جرير، وابن ~~عساكر، عن ابن مسعود، وناس من الصحابة قال لما فرغ الله من خلق ما أحب ~~استوى على العرش، فجعل إبليس على ملك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من ~~الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجنة وكان إبليس ~~مع ملكه خازنا، فوقع في صدره كبر، وقال ما أعطاني الله هذا إلا لمزية ~~لي. فاطلع الله على ذلك منه، ms0081 فقال للملائكة { إني جاعل فى الأرض ~~خليفة } قالوا ربنا، وما يكون ذلك الخليفة؟ قال يكون له ذرية يفسدون ~~في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضا، قالوا ربنا { أتجعل فيها ~~من يفسد فيها ويسفك الدماء } قال { إني أعلم ما ~~لا تعلمون } وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس نحوه. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في الآية قال قد علمت الملائكة، ~~وعلم الله، أنه لا شيء أكره عند الله من سفك الدماء، والفساد في الأرض. # وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس قال إياكم والرأي، فإن الله رد الرأي ~~على الملائكة، وذلك أن الله قال { إني جاعل فى الأرض خليفة } ~~قالت الملائكة { أتجعل فيها من يفسد فيها } قال { إني ~~أعلم ما لا تعلمون }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن ~~عساكر، عن أبي سابط أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " دحيت الأرض من مكة وكانت الملائكة تطوف بالبيت فهي أول من طاف به، وهي ~~الأرض التي قال الله { إني جاعل فى الارض خليفة } " # قال ابن كثير وهذا مرسل في سنده ضعف، وفيه مدرج، وهو أن المراد بالأرض ~~مكة، والظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك. انتهى. وأخرج عبد الرزاق، ~~وعبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة قال التسبيح، والتقديس المذكور في ~~الآية هو الصلاة. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التوبة، عن أنس قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن أول من لبى الملائكة " # قال الله تعالى { إني جاعل فى الأرض خليفة قالوا ~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } قال ~~فرادوه، فأعرض عنهم، فطافوا بالعرش ست سنين يقولون لبيك لبيك اعتذارا ~~إليك، لبيك لبيك نستغفرك، ونتوب إليك ". وثبت في الصحيح من حديث أبي ذر ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " أحب الكلام إلى الله ما اصطفاه لملائكته سبحان ربي، وبحمده " # وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود، وناس من الصحابة في قوله { ونقدس ~~لك } قال نصلي لك. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ms0082 قال التقديس ~~التطهير. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله { ونقدس ~~لك } قال نعظمك ونكبرك. وأخرجا عن أبي صالح قال نعظمك ونمجدك. وأخرج ~~عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله ~~{ أعلم ما لا تعلمون } قال علم من إبليس المعصية، وخلقه لها. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في تفسيرها قال كان في علم الله ~~أنه سيكون من الخليقة أنبياء، ورسل، وقوم صالحون، وساكنوا الجنة. وأخرج ~~أحمد، وعبد بن حميد، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي في الشعب عن عبد الله ~~بن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن آدم لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة أي رب { أتجعل ~~فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } الآية، قالوا ربنا ~~نحن أطوع لك من بني آدم قال الله لملائكته هلموا ملكين من الملائكة حتى ~~يهبطا إلى الأرض فننظر كيف يعملان؟ فقالوا ربنا هاروت وماروت، قال فاهبطا ~~إلى الأرض، فتمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر " # وذكر القصة. وقد ثبت في كتب الحديث المعتبرة أحاديث من طريق جماعة من ~~الصحابة في صفة خلقه سبحانه لآدم وهي موجودة فلا نطول بذكرها. ### || [2.31-33] # { آدم } أصله أأدم بهمزتين، إلا أنهم لينوا الثانية، وإذا حركت قلبت ~~واو، كما قالوا في الجمع أوادم، قاله الأخفش. واختلف في اشتقاقه فقيل من ~~أديم الأرض، وهو وجهها. وقيل من الأدمة، وهي السمرة. قال في الكشاف وما ~~آدم إلا اسم عجمي، وأقرب أمره أن يكون على فاعل كآزر، وعازر، وعابر، ~~وشالخ، وفالغ، وأشباه ذلك. و { الأسماء } هي العبارات، والمراد أسماء ~~المسميات، قال بذلك أكثر العلماء، وهو المعنى الحقيقي للاسم. والتأكيد ~~بقوله { كلها } يفيد أنه علمه جميع الأسماء، ولم يخرج عن هذا شيء ~~منها كائنا ما كان. وقال ابن جرير إنها أسماء الملائكة وأسماء ذرية آدم، ~~ثم رجع هذا، وهو غير راجح. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أسماء الذرية. ~~وقال الربيع بن خيثم أسماء الملائكة. واختلف ms0083 أهل العلم هل عرض على ~~الملائكة المسميات، أو الأسماء؟ والظاهر الأول لأن عرض نفس الأسماء غير ~~واضح. وعرض الشيء إظهاره، ومنه عرض الشيء للبيع. وإنما ذكر ضمير ~~المعروضين تغليبا للعقلاء على غيرهم. وقرأ ابن مسعود «عرضهن» وقرأ ~~أبي «عرضها» وإنما رجع ضمير " عرضهم " إلى مسميات مع عدم تقدم ذكرها ~~لأنه قد تقدم ما يدل عليها، وهو أسماؤها. قال ابن عطية والذي يظهر أن ~~الله علم آدم الأسماء، وعرض عليه مع ذلك الأجناس أشخاصا، ثم عرض تلك ~~على الملائكة، وسألهم عن أسماء مسمياتها التي قد تعلمها آدم، فقال لهم ~~آدم هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا. قال الماوردي فكان الأصح توجه العرض ~~إلى المسمين. ثم في زمن عرضهم قولان أحدهما أنه عرضهم بعد أن خلقهم. ~~الثاني أنه صورهم لقلوب الملائكة، ثم عرضهم. وأما أمره سبحانه للملائكة ~~بقوله { أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صدقين } فهذا ~~منه تعالى لقصد التبكيت لهم مع علمه بأنهم يعجزون عن ذلك. والمراد { إن ~~كنتم صدقين } أن بني آدم يفسدون في الأرض فأنبؤني، كذا قال ~~المبرد،. وقال أبو عبيد، وابن جرير إن بعض المفسرين قال معنى { إن ~~كنتم صدقين } إذ كنتم، قالا وهذا خطأ. ومعنى { أنبئوني } ~~أخبروني. فلما قال لهم ذلك اعترفوا بالعجز، والقصور { سبحنك لا ~~علم لنا إلا ما علمتنا }. وسبحان منصوب على المصدرية عند ~~الخليل وسيبويه، وقال الكسائي هو منصوب على أنه منادى مضاف، وهذا ضعيف ~~جدا. والعليم للمبالغة والدلالة على كثرة المعلومات. والحكيم صيغة ~~مبالغة في إثبات الحكمة له. ثم أمر الله سبحانه آدم أن يعلمهم بأسمائهم ~~بعد أن عرضهم على الملائكة فعجزوا، واعترفوا بالقصور، ولهذا قال سبحانه { ~~ألم أقل لكم } الآية. قال فيما تقدم # أعلم ما لا تعلمون # البقرة 30 ثم قال هنا { أعلم غيب السموات والأرض } ~~تدرجا من المجمل إلى ما هو مبين بعض بيان، ومبسوط بعض بسط، وفي اختصاصه ~~بعلم غيب السموات، والأرض رد لما يتكلفه كثير من العباد من الإطلاع على ~~شيء من علم الغيب كالمنجمين، والكهان، وأهل الرمل، والسحر، والشعوذة. ms0084 # والمراد بما يبدون، وما يكتمون ما يظهرون، ويسرون كما يفيده معنى ذلك ~~عند العرب، ومن فسره بشيء خاص فلا يقبل منه ذلك إلا بدليل. وقد أخرج ~~الفريابي، وابن سعد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن ~~عباس، قال إنما سمي آدم، لأنه خلق من أديم الأرض. وأخرج نحوه عبد بن ~~حميد، وابن جرير، عن سعيد بن جبير. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { وعلم ءادم الاسماء كلها } ~~قال علمه اسم الصحفة، والقدر، وكل شيء. وأخرج ابن جرير، عنه نحوه. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عنه في تفسير الآية قال عرض عليه أسماء ولده ~~إنسانا إنسانا، والدواب، فقيل هذا الجمل، هذا الحمار، هذا الفرس. وأخرج ~~الحاكم في تاريخه، وابن عساكر، والديلمي عن عطية بن بشر مرفوعا في قوله ~~{ وعلم ءادم الأسماء كلها } قال علم الله آدم في تلك ~~الأسماء ألف حرفة من الحرف، وقال له قل لأولادك، ولذريتك إن لم تصبروا عن ~~الدنيا، فاطلبوها بهذه الحرف، ولا تطلبوها بالدين، فإن الدين لي وحدي ~~خالصا، ويل لمن طلب الدنيا بالدين ويل له. وأخرج الديلمي عن أبي رافع ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " مثلت لي أمتي في الماء والطين، وعلمت الأسماء كلها كما علم آدم ~~الأسماء كلها " # وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في تفسير الآية قال أسماء ذريته أجمعين { ~~ثم عرضهم } قال أخذهم من ظهره. وأخرج عن الربيع بن أنس قال أسماء ~~الملائكة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال هي هذه الأسماء التي ~~يتعارف بها الناس { ثم عرضهم } يعني عرض أسماء جميع الأشياء التي ~~علمها آدم من أصناف الخلق. { فقال أنبئونى } يقول أخبروني { ~~بأسماء هؤلاء إن كنتم صدقين } إن كنتم تعلمون أني لم ~~أجعل في الأرض خليفة { قالوا سبحنك } تنزيها الله من أن يكون ~~يعلم الغيب أحد غيره تبنا إليك { لا علم لنا } تبرؤا منهم من علم ~~الغيب { إلا ما علمتنا } كما علمت آدم. وأخرج ms0085 ابن جرير، عن ~~مجاهد قال عرض أصحاب الأسماء على الملائكة. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس ~~في قوله { إنك أنت العليم الحكيم } قال العليم الذي قد كمل ~~في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمه. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود، ~~وناس من الصحابة في قوله { إن كنتم صدقين } أن بني آدم يفسدون ~~في الأرض، ويسفكون الدماء { وأعلم ما تبدون } قال قولهم { ~~أتجعل فيها من يفسد فيها } ، { وما كنتم تكتمون ~~} يعني ما أسر إبليس في نفسه من الكبر. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال ~~{ ما تبدون } ما تظهرون { وما كنتم تكتمون } يقول أعلم ~~السر كما أعلم العلانية. ### || [2.34] # " إذ " متعلق بمحذوف تقديره واذكر إذ قلنا. وقال أبو عبيدة " إذ " ~~زائدة، وهو ضعيف. وقد تقدم الكلام في الملائكة، وآدم. السجود معناه في ~~كلام العرب التذلل والخضوع. وغايته وضع الوجه على الأرض. قال ابن فارس ~~سجد إذا تطامن، وكل ما سجد، فقد ذل، والإسجاد إدامة النظر. وقال أبو عمر ~~وسجد إذا طأطأ رأسه. وفي هذه الآية فضيلة لآدم عليه السلام عظيمة حيث ~~أسجد الله له ملائكته. وقيل إن السجود كان لله ولم يكن لآدم، وإنما كانوا ~~مستقبلين له عند السجود، ولا ملجىء لهذا، فإن السجود للبشر قد يكون ~~جائزا في بعض الشرائع بحسب ما تقتضيه المصالح. وقد دلت هذه الآية على أن ~~السجود لآدم، وكذلك الآية الأخرى أعني قوله # فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ~~سجدين # الحجر 29 وقال تعالى # ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا # يوسف 100 فلا يستلزم تحريمه لغير الله في شريعة نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم أن يكون كذلك في سائر الشرائع. ومعنى السجود هنا هو وضع الجبهة ~~على الأرض، وإليه ذهب الجمهور. وقال قوم هو مجرد التذلل، والانقياد. وقد ~~وقع الخلاف هل كان السجود من الملائكة لآدم قبل تعليمه الأسماء أم بعده؟ ~~وقد أطال البحث في ذلك البقاعي في تفسيره. وظاهر السياق أنه وقع التعليم، ~~وتعقبه الأمر بالسجود، وتعقبه إسكانه الجنة، ثم ms0086 إخراجه منها، وإسكانه ~~الأرض. وقوله { إلا إبليس } استثناء متصل لأنه كان من الملائكة ~~على ما قاله الجمهور. وقال شهر بن حوشب، وبعض الأصوليين كان من ~~الجن الذين كانوا في الأرض. فيكون الاستثناء على هذا منقطعا. ~~واستدلوا على هذا بقوله تعالى # لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # التحريم 6 وبقوله تعالى # إلا إبليس كان من الجن # الكهف 50 والجن غير الملائكة، وأجاب الأولون بأنه لا يمتنع أن يخرج ~~إبليس عن جملة الملائكة، لما سبق في علم الله من شقائه عدلا منه # لا يسأل * عما يفعل # الأنبياء 23 وليس في خلقه من نار ولا تركيب الشهوة فيه حين غضب عليه ما ~~يدفع بأنه من الملائكة وأيضا على تسليم ذلك لا يمتنع أن يكون الاستثناء ~~متصلا، تغليبا للملائكة الذين هم ألوف مؤلفة على إبليس الذي هو فرد ~~واحد بين أظهرهم. ومعنى { أبى } امتنع من فعل ما أمر به. والاستكبار ~~الاستعظام للنفس، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم # " أن الكبر بطر الحق، وغمط الناس " # وفي رواية «غمص» بالصاد المهملة { وكان من الكفرين } أي من ~~جنسهم. قيل إن { كان } هنا بمعنى صار. وقال ابن فورك إنه خطأ ترده ~~الأصول. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال كانت السجدة لآدم، ~~والطاعة لله. # وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال سجدوا كرامة من الله أكرم بها آدم. ~~وأخرج ابن عساكر عن إبراهيم المزني قال إن الله جعل آدم كالكعبة. وأخرج ~~ابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن ابن عباس قال كان إبليس ~~اسمه عزازيل، وكان من أشراف الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة، ثم أبلس ~~بعد. وروى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال إنما سمي إبليس ~~لأن الله أبلسه من الخير كله أي آيسه منه. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، ~~وابن الأنباري، عنه، قال كان إبليس قبل أن يرتكب المعصية من الملائكة ~~اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادا، ~~وأكثرهم علما، فذلك ms0087 دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون جنا. وأخرج ابن ~~المنذر، والبيهقي في الشعب عنه قال كان إبليس من خزان الجنة، وكان يدبر ~~أمر سماء الدنيا. وأخرج محمد بن نصر عن أنس قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إن الله أمر آدم بالسجود، فسجد، فقال لك الجنة، ولمن سجد من ولدك، ~~وأمر إبليس بالسجود، فأبى أن يسجد، فقال لك النار، ولمن أبى من ولدك أن ~~يسجد " # وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله { وكان من الكفرين } ~~قال جعله الله كافرا لا يستطيع أن يؤمن. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن ~~كعب القرظي، قال ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر، والضلالة، وعمل بعمل ~~الملائكة، فصيره إلى ما ابتدىء إليه خلقه من الكفر قال الله { وكان ~~من الكفرين }. ### || [2.35-39] # { اسكن } أي اتخذ الجنة مسكنا وهو محل السكون. وأما ما قاله بعض ~~المفسرين من أن في قوله { اسكن } تنبيها على الخروج لأن السكنى لا تكون ~~ملكا، وأخذ ذلك من قول جماعة من العلماء أن من أسكن رجلا منزلا له، ~~فإنه لا يملكه بذلك، وإن له أن يخرجه منه، فهو معنى عرفي، والواجب الأخذ ~~بالمعنى العربي، إذا لم تثبت في اللفظ حقيقة شرعية. و { أنت } تأكيد ~~للضمير المستكن في الفعل، ليصح العطف عليه، كما تقرر في علم النحو، أنه ~~لا يجوز العطف على الضمير المرفوع المستكن إلا بعد تأكيده بمنفصل. وقد ~~يجيء العطف نادرا بغير تأكيد كقول الشاعر # قلت إذا أقبلت وزهر تهادى كنعاج الملا تعسفن رملا # وقوله { وزوجك } أي حواء، وهذه هي اللغة الفصيحة زوج بغير هاء، ~~وقد جاء بها قليلا كما في صحيح مسلم من حديث أنس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع إحدى نسائه، فمر به رجل، فدعاه ~~وقال يا فلان هذه زوجتي فلانة " # الحديث، ومنه قول الشاعر # وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي كساع إلى أسد الشرى يستميلها # و { رغدا } بفتح المعجمة، وقرأ النخعي، وابن وثاب بسكونها، والرغد ~~العيش الهنيء الذي لا عناء فيه، وهو ms0088 منصوب على الصفة لمصدر محذوف. و { ~~حيث } مبنية على الضم، وفيها لغات كثيرة مذكورة في كتب العربية. ~~والقرب الدنو، قال في الصحاح قرب الشيء بالضم يقرب قربا أي دنا، ~~وقربته بالكسر أقربه قربانا أي دنوت منه، وقربت أقرب قرابة ~~مثل كتبت أكتب كتابة إذا سرت إلى الماء، وبينك، وبينه ليلة. والاسم ~~القرب. قال الأصمعي قلت لأعرابي ما القرب؟ قال سير الليل لورود الغد. ~~والنهي عن القرب فيه سد للذريعة، وقطع للوسيلة، ولهذا جاء به عوضا عن ~~الأكل، ولا يخفى أن النهي عن القرب لا يستلزم النهي عن الأكل، لأنه قد ~~يأكل من ثمر الشجرة من هو بعيد عنها إذا يحمل إليه، فالأولى أن يقال ~~المنع من الأكل مستفاد من المقام. والشجر ما كان له ساق من نبات الأرض، ~~وواحده شجرة، وقرىء بكسر الشين، وبالياء المثناة من تحت مكان الجيم. وقرأ ~~ابن محيصن «هذي» بالياء بدل الهاء وهو الأصل. واختلف أهل العلم في تفسير ~~هذه الشجرة، فقيل هي الكرم. وقيل السنبلة، وقيل التين، وقيل الحنطة، ~~وسيأتي ما روى عن الصحابة، فمن بعدهم في تعيينها. وقوله { فتكونا } ~~معطوف على { تقربا } في الكشاف، أو نصب في جواب النهي، وهو الأظهر. ~~والظلم أصله وضع الشيء في غير موضعه. والأرض المظلومة التي لم تحفر قط، ~~ثم حفرت، ورجل ظليم شديد الظلم. والمراد هنا { فتكونا من ~~الظلمين } لأنفسهم بالمعصية، وكلام أهل العلم في عصمة الأنبياء، ~~واختلاف مذاهبهم في ذلك مدون في مواطنه، وقد أطال البحث في ذلك الرازي ~~في تفسيره في هذا الموضع، فليرجع إليه، فإنه مفيد. # وأزلهما من الزلة، وهي الخطيئة، أي استزلهما، وأوقعهما فيها. وقرأ ~~حمزة «فأزالهما» بإثبات الألف من الإزالة، وهي التنحية، أي نحاهما. وقرأ ~~الباقون بحذف الألف. قال ابن كيسان هو من الزوال، أي صرفهما عما كانا ~~عليه من الطاعة إلى المعصية. قال القرطبي وعلى هذا تكون القراءتان بمعنى، ~~إلا أن قراءة الجماعة أمكن في المعنى يقال منه أزللته فزل و { عنها ~~} متعلق بقوله { أزلهما } على تضمينه معنى أصدر، أي أصدر الشيطان ms0089 زلتهما ~~عنها، أي بسببها، يعني الشجرة. وقيل الضمير للجنة، وعلى هذا، فالفعل مضمن ~~معنى أبعدهما أي أبعدهما عن الجنة. وقوله { فأخرجهما } تأكيد ~~لمضمون الجملة الأولى أي أزلهما، إن كان معناه زال عن المكان، وإن لم يكن ~~معناه كذلك، فهو تأسيس، لأن الإخراج فيه زيادة على مجرد الصرف، والإبعاد، ~~ونحوهما لأن الصرف عن الشجرة، والإبعاد عنها قد يكون مع البقاء في الجنة، ~~بخلاف الإخراج لهما عما كانا فيه من النعيم، والكرامة، أو من الجنة، ~~وإنما نسب ذلك إلى الشيطان لأنه الذي تولى إغواء آدم حتى أكل من الشجرة. ~~وقد اختلف أهل العلم في الكيفية التي فعلها الشيطان في إزلالهما، فقيل ~~إنه كان ذلك بمشافهة منه لهما، وإليه ذهب الجمهور، واستدلوا على ذلك ~~بقوله تعالى # وقاسمهما إني لكما لمن النصحين # الأعراف 21 والمقاسمة ظاهرها المشافهة. وقيل لم يصدر منه إلا مجرد ~~الوسوسة، وقيل غير ذلك مما سيأتي في المروي عن السلف. وقوله { اهبطوا ~~} خطاب لآدم وحواء، وخوطبا بما يخاطب به الجمع لأن الاثنين أقل الجمع ~~عند البعض من أئمة العربية، وقيل إنه خطاب لهما، ولذريتهما لأنهما لما ~~كانا أصل هذا النوع الانساني جعلا بمنزلته، ويدل على ذلك قوله { ~~بعضكم لبعض عدو } فإن هذه الجملة الواقعة حالا مبينا ~~للهيئة الثابتة للمأمورين بالهبوط تفيد ذلك. والعدو خلاف الصديق، وهو من ~~عدا إذا ظلم، ويقال ذئب عدوان، أي يعدو على الناس، والعدوان الظلم الصراح ~~وقيل إنه مأخوذ من المجاوزة، يقال عداه إذا جاوزه، والمعنيان متقاربان، ~~فإن من ظلم، فقد تجاوز. وإنما أخبر عن قوله { بعضكم } بقوله { ~~عدو } مع كونه مفردا لأن لفظ بعض، وإن كان معناه محتملا للتعدد، ~~فهو مفرد فروعي جانب اللفظ، وأخبر عنه بالمفرد، وقد يراعى المعنى، فيخبر ~~عنه بالمتعدد. وقد يجاب بأن { عدو } وإن كان مفردا، فقد يقع موقع ~~المتعدد كقوله تعالى # وهم لكم عدو # الكهف 50 وقوله # يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو # المنافقون 4 قال ابن فارس العدو اسم جامع للواحد، والاثنين، والثلاثة. ~~والمراد بالمستقر موضع الاستقرار، ومنه # أصحب الجنة ms0090 يومئذ خير مستقرا # الفرقان 24 وقد يكون بمعنى الاستقرار، ومنه # إلى ربك يومئذ المستقر # القيامة 12 فالآية محتملة للمعنيين، ومثلها قوله # جعل لكم الأرض قرارا # غافر 64 والمتاع ما يستمتع به من المأكول، والمشروب، والملبوس، ونحوها. ~~واختلف المفسرون في قوله { إلى حين } فقيل إلى الموت، وقيل إلى قيام ~~الساعة. وأصل معنى الحين في اللغة الوقت البعيد، ومنه # هل أتى على الإنسن حين من الدهر # الإنسان 1 والحين الساعة، ومنه # أو تقول حين ترى العذاب # الزمر 58 والقطعة من الدهر، ومنه # فذرهم فى غمرتهم حتى حين # المؤمنون 54 أي حتى تفنى آجالهم، ويطلق على السنة، وقيل على ستة أشهر، ~~ومنه # تؤتى أكلها كل حين # إبراهيم 25 ويطلق على الصباح، والمساء، ومنه # حين تمسون وحين تصبحون # الروم 17 وقال الفراء الحين حينان حين لا يوقف على حده، ثم ذكر الحين ~~الآخر، واختلافه بحسب اختلاف المقامات كما ذكرنا. وقال ابن العربي الحين ~~المجهول لا يتعلق به حكم، والحين المعلوم سنة. ومعنى تلقي آدم للكلمات ~~أخذه لها، وقبوله لما فيها، وعمله بها، وقيل فهمه لها، وفطانته لما ~~تضمنته. وأصل معنى التلقي الاستقبال، أي استقبل الكلمات الموحاة إليه. ~~ومن قرأ بنصب «آدم» جعل معناه استقبلته الكلمات. وقيل إن معنى تلقي تلقن. ~~ولا وجه له في العربية. واختلف السلف في تعيين هذه الكلمات وسيأتي. ~~والتوبة الرجوع، يقال تاب العبد إذا رجع إلى طاعة مولاه، وعبد تواب كثير ~~الرجوع، فمعنى تاب عليه رجع عليه بالرحمة، فقبل توبته، أو وفقه ~~للتوبة. واقتصر على ذكر التوبة على آدم دون حواء مع اشتراكهما في الذنب ~~لأن الكلام من أول القصة معه، فاستمر على ذلك، واستغنى بالتوبة عليه عن ~~ذكر التوبة عليها لكونها تابعة له، كما استغنى بنسبة الذنب إليه عن نسبته ~~إليها في قوله # وعصى ءادم ربه فغوى # طه 121. وأما قوله { قلنا اهبطوا } بعد قوله { قلنا ~~اهبطوا } ، فكرره للتوكيد، والتغليظ. وقيل إنه لما تعلق به حكم غير ~~الحكم الأول كرره، ولا تزاحم بين المقتضيات. فقد يكون التكرير للأمرين ~~معا. وجواب ms0091 الشرط في قوله { فإما يأتينكم منى هدى } هو ~~الشرط الثاني مع جوابه قاله سيبويه. وقال الكسائي إن جواب الشرط الأول، ~~والثاني قوله { فلا خوف } واختلفوا في معنى الهدى المذكور، فقيل هو ~~كتاب الله. وقيل التوفيق للهداية. والخوف هو الذعر، ولا يكون إلا في ~~المستقبل. وقرأ الزهري، والحسن وعيسى بن عمار، وابن أبي إسحاق، ويعقوب ~~«فلا خوف» بفتح الفاء، والحزن ضد السرور. قال اليزيدي حزنه لغة قريش، ~~وأحزنه لغة تميم. وقد قرىء بهما. وصحبة أهل النار لها بمعنى الاقتران، ~~والملازمة. وقد تقدم ذكر تفسير الخلود. وقد أخرج أبو الشيخ، وابن ~~مردويه، عن أبي ذر قال # " قلت يا رسول الله أرأيت آدم نبيا كان؟ قال نعم كان نبيا رسولا كلمه ~~الله، قال له { يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة } " # وأخرج ابن أبي شيبة، والطبراني، عن أبي ذر قال «قلت يا رسول الله، من ~~أول الأنبياء؟ قال # " آدم " # قلت نبي؟ قال # " نعم ". # قلت ثم من؟ قال # " نوح وبينهما عشرة آباء " # وأخرج أحمد، والبخاري في تاريخه، والبيهقي في الشعب نحوه من حديث أبي ذر ~~مرفوعا وزاد «كم كان المرسلون؟ قال # " ثلثمائة وخمسة عشر جما غفيرا " # وأخرج ابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي، عن ~~أبي أمامة الباهلي، أن رجلا قال «يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال # " نعم " # قال كم بينه وبين نوح؟ قال # " عشرة قرون " # قال كم بين نوح، وبين إبراهيم؟ قال # " عشرة قرون " # قال يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال # " مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا " # قال يا رسول الله كم كانت الرسل من ذلك؟ قال # " ثلثمائة وخمسة عشر جما غفيرا " # وأخرج أحمد، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه من حديث أبي أمامة ~~نحوه، وصرح بأن السائل أبو ذر. وأخرج عبد بن حميد، والحاكم وصححه عن ابن ~~عباس قال ما سكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. وأخرج ~~عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي عنه، قال «ما غابت الشمس ~~من ذلك اليوم حتى أهبط من الجنة». وأخرج ms0092 الفريابي، وأحمد في الزهد، وعبد ~~بن حميد، وابن المنذر عن الحسن قال لبث آدم في الجنة ساعة من نهار، تلك ~~الساعة مائة وثلاثون سنة من أيام الدنيا. وقد روي تقدير اللبث في الجنة ~~عن سعيد بن جبير بمثل ما تقدم، عن ابن عباس كما رواه أحمد في الزهد. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي، وابن عساكر، عن ابن عباس، وابن ~~مسعود، وناس من الصحابة قالوا لما سكن آدم الجنة كان يمشي فيها وحشا ليس ~~له زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ، وإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها ~~الله من ضلعه. وأخرج البخاري، ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " استوصوا بالنساء خيرا، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء من ~~الضلع رأسه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته تركته، وفيه عوج " # وروى أبو الشيخ، وابن عساكر، عن ابن عباس قال إنما سميت حواء لأنها أم ~~كل حي. وأخرج ابن عدي، وابن عساكر، عن النخعي قال لما خلق الله آدم، وخلق ~~له زوجه بعث إليه ملكا، وأمره بالجماع ففعل، فلما فرغ قالت له حواء يا ~~آدم هذا طيب زدنا منه. وأخرج ابن جرير، وابن عساكر، عن ابن مسعود، وناس ~~من الصحابة قال الرغد الهنيء. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال الرغد سعة المعيشة. ~~وأخرجا عنه في قوله { وكلا منها رغدا حيث شئتما } قال لا ~~حساب عليكم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~وابن عساكر من طرق، عن ابن عباس قال الشجرة التي نهى الله عنها آدم ~~السنبلة وفي لفظ البر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم، عنه قال هي الكرم. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود مثله. وأخرج ~~أبو الشيخ، عنه قال هي اللوز. وأخرج ابن جرير، عن بعض الصحابة قال هي ~~التينة. وروى مثله أبو الشيخ عن مجاهد وابن أبي حاتم عن قتادة. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عن ms0093 وهب بن منبه قال هي البر. وأخرج أبو الشيخ، عن ~~أبي مالك قال هي النخلة. وأخرج أبو الشيخ، عن يزيد بن عبد الله بن ~~قسيط قال هي الأترج. وأخرج أحمد في الزهد، عن شعيب الجبائي قال هي ~~تشبه البر، وتسمى الدعة، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~عن ابن عباس في قوله { فأزلهما } قال فأغواهما. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن عاصم بن بهدلة قال { فأزلهما } فنحاهما. وأخرج أبو داود ~~في المصاحف، عن الأعمش قال قراءتنا في البقرة مكان { فأزلهما } " فوسوس ~~". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة قالوا ~~أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة، فمنعته الخزنة، فأتى الحية، وهي دابة ~~لها أربع قوائم، كأنها البعير، وهي كأحسن الدواب، فكلمها أن تدخله في ~~فمها حتى تدخل به إلى آدم، فأدخلته في فمها، فمرت الحية على الخزنة ~~فدخلت، ولا يعلمون لما أراد الله من الأمر، فكلمه من فمها فلم يبال ~~بكلامه، فخرج إليه فقال # يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا ~~يبلى # طه 120 وحلف لهما بالله # إني لكما لمن النصحين # الأعراف 21 فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حواء، فأكلت، ثم قالت يا آدم ~~كل، فإني قد أكلت، فلم يضرني، فلما أكلا # بدت لهما سوءتهما وطفقا يخصفان عليهما من ~~ورق الجنة # الأعراف 22. وقد أخرج قصة الحية، ودخول إبليس معها، عبد الرزاق، وابن ~~جرير، عن ابن عباس. وأخرج ابن سعد، وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن ~~المنذر والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي بن كعب عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال # " إن آدم كان رجلا طوالا كأنه نخلة سحوق طوله ستون ذراعا كثير شعر ~~الرأس، فلما ركب الخطيئة بدت له عورته " # الحديث. وأخرج ابن منيع، وابن المنذر، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، ~~والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس. قال قال الله لآدم ما حملك على أن أكلت ~~من الشجرة التي نهيتك عنها؟ قال يا رب زينته لي حواء، قال فإني عاقبتها ms0094 ~~بألا تحمل إلا كرها، ولا تضع إلا كرها، وأدميتها في كل شهر مرتين. # وأخرج البخاري، والحاكم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها " # وقد ثبتت أحاديث كثيرة عن جماعة من الصحابة في الصحيحين، وغيرهما في ~~محاجة آدم، وموسى، وحج آدم موسى بقوله أتلومني على أمر قدره الله علي ~~قبل أن أخلق؟ وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~عن ابن عباس في قوله { قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو } ~~قال آدم، وحواء، وإبليس، والحية { ولكم فى الأرض مستقر } ~~قال القبور { ومتع إلى حين } قال الحياة. وروى نحو ذلك عن ~~مجاهد، وأبي صالح وقتادة. كما أخرجه عن الأول، والثاني أبو الشيخ، وعن ~~الثالث عبد بن حميد. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن مسعود في قوله { ولكم ~~فى الأرض مستقر } قال القبور { ومتع إلى حين } قال ~~إلى يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال أهبط آدم بالصفا، ~~وحواء بالمروة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن ~~عباس قال أول ما أهبط الله آدم إلى أرض الهند وفي لفظ «بدجنى أرض ~~الهند». وأخرج ابن أبي حاتم عنه أنه أهبط إلى أرض بين مكة، والطائف. ~~وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه، والبيهقي عنه، قال قال علي بن أبي طالب ~~أطيب ريح الأرض الهند، هبط بها آدم، فعلق شجرها من ريح الجنة. وأخرج ابن ~~سعد، وابن عساكر، عن ابن عباس قال أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، فجاء في ~~طلبها حتى أتى جمعا، فازدلفت إليه حواء، فلذلك سميت المزدلفة، واجتمعا ~~بجمع. وأخرج الطبراني، وأبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " أنزل آدم عليه السلام بالهند، فاستوحش، فنزل جبريل، فنادى بالأذان، ~~فلما سمع ذكر محمد قال له ومن محمد هذا؟ قال هذا آخر، ولدك من الأنبياء " # وقد روى عن جماعة من الصحابة أن آدم أهبط إلى أرض ms0095 الهند، منهم جابر ~~أخرجه ابن أبي الدنيا، وابن المنذر، وابن عساكر، ومنهم ابن عمر أخرجه ~~الطبراني. وأخرج ابن عساكر، عن علي قال قال النبي صلى الله عليه وسلم # " إن الله لما خلق الدنيا لم يخلق فيها ذهبا، ولا فضة، فلما أهبط آدم، ~~وحواء أنزل معهما ذهبا، وفضة، فسلكه ينابيع في الأرض، منفعة لأولادهما من ~~بعدهما، وجعل ذلك صداقا لحواء فلا ينبغي لأحد أن يتزوج إلا بصداق " # وأخرج ابن عساكر بسند ضعيف، عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " هبط آدم، وحواء عريانين جميعا عليهم ورق الجنة، قعد يبكي، ويقول لها ~~يا حواء قد آذاني الحر، فجاءه جبريل بقطن، وأمرها أن تغزل، وعلمها، وأمر ~~آدم بالحياكة، وعلمه " # وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أنس مرفوعا «أول من حاك آدم عليه ~~السلام». وقد روى عن جماعة من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم حكايات في ~~صفة هبوط آدم من الجنة، وما أهبط معه، وما صنع عند وصوله إلى الأرض، ولا ~~حاجة لنا ببسط جميع ذلك. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي ~~الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، عن ابن عباس في قوله { فتلقى ءادم من ربه كلمات ~~} قال أي رب ألم تخلقني بيدك؟ قال بلى، قال أي رب ألم تنفخ في من روحك؟ ~~بلى قال بلى. قال أي رب ألم تسبق إلي رحمتك قبل غضبك؟ قال بلى. قال أي ~~رب ألم تسكني جنتك؟ قال بلى. قال أي رب أرأيت إن تبت وأصلحت أراجعي ~~أنت إلى الجنة؟ قال نعم. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن عساكر بسند ~~ضعيف، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " لما أهبط الله آدم إلى الأرض قام وجاه الكعبة فصلى ركعتين " # الحديث. وقد روى نحوه بإسناد لا بأس به أخرجه الأزرقي في تاريخ مكة، ~~والطبراني في الأوسط، والبيهقي في الدعوات، وابن عساكر من حديث بريدة ~~مرفوعا. وأخرج الثعلبي عن ابن عباس في قوله { فتلقى ءادم من ~~ربه كلمات } قال ms0096 قوله # ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخسرين # الأعراف 23. وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جرير عنه مثله. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان ~~عن محمد بن كعب القرظي في قوله { فتلقى ءادم من ربه ~~كلمات } مثله وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن مجاهد مثله. ~~وأخرج عبد بن حميد عن الحسن، والضحاك مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قيل له ما الكلمات التي تلقى آدم من ~~ربه؟ قال علم شأن الحج، فهي الكلمات. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن ~~زيد في قوله { فتلقى ءادم من ربه كلمات } قال لا إله ~~إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءا، وظلمت نفسي، فاغفر لي إنك أنت خير ~~الغافرين، لا إله إلا أنت سبحانك، وبحمدك، رب عملت سوءا، وظلمت نفسي، ~~فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت سبحانك، وبحمدك رب عملت ~~سوءا، وظلمت نفسي، فتب علي إنك أنت التواب الرحيم. # وأخرج نحوه البيهقي في شعب الإيمان، وابن عساكر، عن أنس. وأخرج نحوه ~~هنا، وفي الزهد عن سعيد بن جبير. وأخرج نحوه ابن عساكر من طريق جويبر، عن ~~الضحاك، عن ابن عباس. وأخرج نحوه الديلمي في مسند الفردوس بسند ضعيف عن ~~علي مرفوعا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله { ~~فإما يأتينكم منى هدى } قال الهدى الأنبياء، والرسل، ~~والبيان. وأخرج ابن الأنباري، في المصاحف عن أبي الطفيل قال قرأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { فمن تبع * هدى } بتثقيل الياء، ~~وفتحها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله { فلا خوف ~~عليهم } يعني في الآخرة { ولا هم يحزنون } يعني لا يحزنون ~~للموت. ### || [2.40-42] # اعلم أن كثيرا من المفسرين جاءوا بعلم متكلف، وخاضوا في بحر لم يكلفوا ~~سباحته، واستغرقوا أوقاتهم في فن لا يعود عليهم بفائدة، بل أوقعوا ~~أنفسهم في التكلف بمحض الرأي المنهي عنه ms0097 في الأمور المتعلقة بكتاب الله ~~سبحانه، وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية، ~~المسرودة على هذا الترتيب الموجود في المصاحف، فجاءوا بتكلفات، وتعسفات ~~يتبرأ منها الإنصاف، ويتنزه عنها كلام البلغاء، فضلا عن كلام الرب ~~سبحانه، حتى أفردوا ذلك بالتصنيف، وجعلوه المقصد الأهم من التأليف، كما ~~فعله البقاعي في تفسيره، ومن تقدمه، حسبما ذكر في خطبته، وإن هذا لمن ~~أعجب ما يسمعه من يعرف أن هذا القرآن ما زال ينزل مفرقا على حسب ~~الحوادث المقتضية لنزوله، منذ نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى أن قبضه الله - عز وجل - إليه، وكل عاقل فضلا، عن عالم، لا ~~يشك أن هذه الحوادث المقتضية نزول القرآن متخالفة باعتبار نفسها، بل قد ~~تكون متناقضة، كتحريم أمر كان حلالا، وتحليل أمر كان حراما، وإثبات ~~أمر لشخص أو أشخاص يناقض ما كان قد ثبت لهم قبله، وتارة يكون الكلام مع ~~المسلمين، وتارة مع الكافرين، وتارة مع من مضى، وتارة مع من حضر، وحينا ~~في عبادة، وحينا في معاملة، ووقتا في ترغيب، ووقتا في ترهيب، وآونة في ~~بشارة، وآونة في نذارة، وطورا في أمر دنيا، وطورا في أمر آخرة، ومرة في ~~تكاليف آتية، ومرة في أقاصيص ماضية، وإذا كانت أسباب النزول مختلفة هذا ~~الاختلاف، ومتباينة هذا التباين الذي لا يتيسر معه الائتلاف، فالقرآن ~~النازل فيها هو باعتباره نفسه مختلف كاختلافها، فكيف يطلب العاقل ~~المناسبة بين الضب، والنون، والماء والنار، والملاح، والحادي؟ وهل هذا ~~إلا من فتح أبواب الشك، وتوسيع دائرة الريب على من في قلبه مرض، أو كان ~~مرضه مجرد الجهل، والقصور، فإنه إذا وجد أهل العلم يتكلمون في التناسب ~~بين جميع آي القرآن، ويفردون ذلك بالتصنيف، تقرر عنده أن هذا أمر لا بد ~~منه، وأنه لا يكون القرآن بليغا معجزا إلا إذا ظهر الوجه المقتضى ~~للمناسبة، وتبين الأمر الموجب للارتباط، فإن وجد الاختلاف بين الآيات، ~~فرجع إلى ما قاله المتكلمون في ذلك، فوجده تكلفا محضا، وتعسفا بينا ~~انقدح في قلبه ما كان ms0098 عنه في عافية، وسلامة، هذا على فرض أن نزول القرآن ~~كان مترتبا على هذا الترتيب الكائن في المصحف فكيف، وكل من له أدنى علم ~~بالكتاب، وأيسر حظ من معرفته يعلم علما يقينا أنه لم يكن كذلك، ومن شك ~~في هذا، وإن لم يكن مما يشك فيه أهل العلم، رجع إلى كلام أهل العلم ~~العارفين بأسباب النزول، المطلعين على حوادث النبوة، فإنه ينثلج صدره، ~~ويزول عنه الريب، بالنظر في سورة من السور المتوسطة، فضلا عن المطولة ~~لأنه لا محالة يجدها مشتملة على آيات نزلت في حوادث مختلفة، وأوقات ~~متباينة لا مطابقة بين أسبابها وما نزل فيها في الترتيب، بل يكفي المقصر ~~أن يعلم أن أول ما نزل # اقرأ باسم ربك الذى خلق # العلق 1 وبعده # يأيها المدثر # المدثر 1 # يأيها المزمل # المزمل 1 وينظر أين موضع هذه الآيات، والسور في ترتيب المصحف؟ وإذا كان ~~الأمر هكذا، فأي معنى لطلب المناسبة بين آيات نعلم قطعا أنه قد تقدم ~~في ترتيب المصحف ما أنزله الله متأخرا، وتأخر ما أنزله الله متقدما، ~~فإن هذا عمل لا يرجع إلى ترتيب نزول القرآن، بل إلى ما وقع من الترتيب ~~عند جمعه، ممن تصدى لذلك من الصحابة، وما أقل نفع مثل هذا، وأنزر ثمرته، ~~وأحقر فائدته، بل هو عند من يفهم ما يقول، وما يقال له من تضييع الأوقات، ~~وإنفاق الساعات في أمر لا يعود بنفع على فاعله، ولا على من يقف عليه من ~~الناس، وأنت تعلم أنه لو تصدى رجل من أهل العلم للمناسبة بين ما قاله رجل ~~من البلغاء من خطبه، ورسائله وإنشاءاته، أو إلى ما قاله شاعر من الشعراء ~~من القصائد التي تكون تارة مدحا، وأخرى هجاء، وحينا نسيبا، وحينا ~~رثاء، وغير ذلك من الأنواع المتخالفة، فعمد هذا المتصدي إلى ذلك ~~المجموع، فناسب بين فقره ومقاطعه، ثم تكلف تكلفا آخر، فناسب بين ~~الخطبة التي خطبها في الجهاد، والخطبة التي خطبها في الحج، والخطبة التي ~~خطبها في النكاح، ونحو ذلك، وناسب بين الإنشاء الكائن في ms0099 العزاء، ~~والإنشاء الكائن في الهناء وما يشابه ذلك، لعد هذا المتصدي لمثل هذا ~~مصابا في عقله، متلاعبا بأوقاته، عابثا بعمره الذي هو رأس ماله. وإذا ~~كان مثل هذا بهذه المنزلة وهو ركوب الأحموقة في كلام البشر، فكيف تراه ~~يكون في كلام الله سبحانه الذي أعجزت بلاغته بلغاء العرب، وأبكمت فصاحته ~~فصحاء عدنان، وقحطان؟ وقد علم كل مقصر وكامل أن الله سبحانه وصف هذا ~~القرآن بأنه عربي، وأنزله بلغة العرب، وسلك فيه مسالكهم في الكلام، وجرى ~~به مجاريهم في الخطاب. وقد علمنا أن خطيبهم كان يقوم المقام الواحد فيأتي ~~بفنون متخالفة، وطرائق متباينة فضلا عن المقامين، فضلا عن المقامات، ~~فضلا عن جميع ما قاله ما دام حيا، وكذلك شاعرهم. ولنكتف بهذا التنبيه ~~على هذه المفسدة التي تعثر في ساحتها كثير من المحققين، وإنما ذكرنا ~~هذا البحث في هذا الموطن لأن الكلام هنا قد انتقل مع بني إسرائيل بعد أن ~~كان قبله مع أبي البشر آدم عليه السلام، فإذا قال متكلف كيف ناسب هذا ما ~~قبله؟ قلنا لا كيف # فدع عنك نهبا صيح في حجراته وهات حديثا ما حديث ~~الرواحل # قوله { يا بنى إسرءيل } اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو يعقوب بن ~~إبراهيم عليهم السلام، ومعناه عبد الله لأن " إسر " في لغتهم هو العبد، " ~~وإيل " هو الله، قيل إن له اسمين. وقيل إسرائيل لقب له، وهو اسم عجمي غير ~~منصرف. وفيه سبع لغات إسرائيل بزنة إبراهيم، وإسرائيل بمدة مهموزة ~~مختلسة رواها ابن شنبوذ، عن ورش، وإسرائيل بمدة بعد الياء من غير، همز ~~وهي قراءة الأعمش، وعيسى بن عمر، وقرأ الحسن من غير همز، ولا مد، ~~وإسرائل بهمزة مكسورة. وإسراءل بهمزة مفتوحة، وتميم يقولون إسرائين. ~~والذكر هو ضد الإنصات، وجعله بعض أهل اللغة مشتركا بين ذكر القلب ~~واللسان. وقال الكسائي ما كان بالقلب، فهو مضموم الذال، وما كان باللسان، ~~فهو مكسور الذال. قال ابن الأنباري والمعنى في الآية اذكروا شكر نعمتي، ~~فحذف الشكر اكتفاء بذكر النعمة، وهي اسم جنس، ومن جملتها أنه جعل ms0100 منهم ~~أنبياء، وأنزل عليهم الكتب، والمن والسلوى، وأخرج لهم الماء من الحجر، ~~ونجاهم من آل فرعون وغير ذلك. والعهد قد تقدم تفسيره. واختلف أهل العلم ~~في العهد المذكور في هذه الآية ما هو؟ فقيل هو المذكور في قوله تعالى # خذوا ما ءاتينكم بقوة # البقرة 63 وقيل هو ما في قوله # ولقد أخذ الله ميثق بنى إسرءيل وبعثنا ~~منهم اثنى عشر نقيبا # المائدة 12 وقيل هو قوله # وإذ أخذ الله ميثق الذين أوتوا الكتب # آل عمران 187. وقال الزجاج هو ما أخذ عليهم في التوراة من اتباع محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وقيل هو أداء الفرائض، ولا مانع من حمله على جميع ~~ذلك. ومعنى قوله { أوف بعهدكم } أي بما ضمنت لكم من الجزاء، ~~والرهب، والرهبة الخوف، ويتضمن الأمر به معنى التهديد، وتقديم معمول ~~الفعل يفيد الاختصاص كما تقدم في # إياك نعبد # الفاتحة 5 وإذا كان التقديم على طريقة الإضمار، والتفسير، مثل زيدا ~~ضربته { وإيى فارهبون } كان أوكد في إفادة الاختصاص، ولهذا ~~قال صاحب الكشاف وهو أوكد في إفادة الاختصاص من # إياك نعبد # الفاتحة 5 وسقطت الياء من قوله { فارهبون } لأنها رأس آية و { ~~مصدقا } حال من «ما» في قوله { ما أنزلت } أو من ضميرها المقدر ~~بعد الفعل، أي أنزلته. وقوله { أول كافر به } إنما جاء به ~~مفردا، ولم يقل كافرين حتى يطابق ما قبله لأنه وصف لموصوف محذوف مفرد ~~اللفظ، متعدد المعنى نحو فريق، أو فوج. وقال الأخفش، والفراء إنه محمول ~~على معنى الفعل لأن المعنى أول من كفر. وقد يكون من باب قولهم هو، أظرف ~~الفتيان، وأجمله، كما حكى ذلك سيبويه، فيكون هذا المفرد قائما مقام ~~الجمع، وإنما قال { أول } مع أنه قد تقدمهم إلى الكفر به كفار قريش لأن ~~المراد أول كافر به من أهل الكتاب لأنهم العارفون بما يجب للأنبياء، وما ~~يلزم من التصديق، والضمير في " به " عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~أي لا تكونوا أول كافر بهذا النبي مع كونكم قد وجدتموه مكتوبا عندكم في ~~التوراة، ms0101 والإنجيل، ميسرا به في الكتب المنزلة عليكم، وقد حكى الرازي في ~~تفسيره في هذا الموضع ما وقف عليه من البشارات برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الكتب السابق. # وقيل إنه عائد إلى القرآن المدلول عليه بقوله { بما أنزلت } وقيل ~~عائد إلى التوراة المدلول عليها بقوله { لما معكم } وقوله { ولا ~~تشتروا بآيتي } أي بأوامري ونواهي { ثمنا قليلا } أي ~~عيشا نزرا، ورئاسة لا خطر لها، جعل ما اعتاضوه ثمنا، وأوقع الاشتراء ~~عليه، وإن كان الثمن هو المشترى به، لأن الاشتراء هنا مستعار للاستبدال، ~~أي لا تستبدلوا بآياتي ثمنا قليلا، وكثيرا ما يقع مثل هذا في كلامهم، ~~وقد قدمنا الكلام عليه في تفسير قوله تعالى # اشتروا الضللة بالهدى # البقرة 16، ومن إطلاق اسم الثمن على نيل عرض من أعراض الدنيا قول الشاعر # إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها فما أصبت بترك الحج ~~من ثمن # وهذه الآية، وإن كانت خطابا لبني إسرائيل، ونهيا لهم، فهي متناولة ~~لهذه الأمة بفحوى الخطاب، أو بلحنه، فمن أخذ من المسلمين رشوة على إبطال ~~حق أمر الله به، أو إثبات باطل نهى الله عنه، أو امتنع من تعليم ما علمه ~~الله، وكتم البيان أخذ الله عليه ميثاقه به، فقد اشترى بآيات الله ثمنا ~~قليلا، وقوله { وإيى فاتقون } الكلام فيه كالكلام في قوله ~~تعالى { وإيى فارهبون } البقرة 40 وقد تقدم قريبا. واللبس ~~الخلط، يقال لبست عليه الأمر ألبسه إذا خلطت حقه بباطله، وواضحه بمشكله، ~~قال الله تعالى # وللبسنا عليهم ما يلبسون # الأنعام 9 قالت الخنساء # ترى الجليس يقول الحق تحسبه رشدا وهيهات فانظر ما به التبسا صدق ~~مقالته واحذر عداوته والبس عليه أمورا مثل ما لبسا # وقال العجاج # لما لبسن الحق بالتجني غنين فاستبدلن زيدا مني # ومنه قول عنترة # وكتيبة لبستها بكتيبة حتى إذا التبست نفضت لها يدي # وقيل هو مأخوذ من التغطية أي لا تغطوا الحق بالباطل، ومنه قول الجعدي # إذا ما الضجيع ثنى جيدها تثنت عليه وكانت لباسا # وقول الأخطل # فوقد لبست لهذا الأمر أعصره حتى تجلل ms0102 رأسي الشيب فاشتعلا # والأول أولى. والباطل في كلام العرب الزائل، ومنه قو لبيد # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وبطل الشيء يبطل بطولا أو بطلانا، وأبطله غيره، ويقال ذهب دمه بطلا ~~أي هدرا، والباطل الشيطان، وسمي الشجاع بطلا لأنه يبطل شجاعة صاحبه، ~~والمراد به هنا خلاف الحق. # والباء في قوله بالباطل يحتمل أن تكون صلة، وأن تكون للاستعانة ذكر ~~معناه في الكشاف، ورجح الرازي في تفسيره الثاني. وقوله { وتكتموا ~~} يجوز أن يكون داخلا تحت حكم النهي، أو منصوبا بإضمار أن، وعلى الأول ~~يكون كل واحد من اللبس، والكتم منهيا عنه، وعلى الثاني يكون المنهي عنه ~~هو الجمع بين الأمرين، ومن هذا يلوح رجحان دخوله تحت حكم النهي، وأن كل ~~واحد منهما لا يجوز فعله على انفراده، والمراد النهي عن كتم حجج الله ~~التي أوجب عليهم تبليغها، وأخذ عليهم بيانها، ومن فسر اللبس أو الكتمان ~~بشيء معين، ومعنى خاص، فلم يصب أن أراد أن ذلك هو المراد دون غيره، لا إن ~~أراد أنه مما يصدق عليه. وقوله { وأنتم تعلمون } جملة حالية، ~~وفيه أن كفرهم كفر عناد لا كفر جهل، وذلك أغلظ للذنب، وأوجب للعقوبة، ~~وهذا التقييد لا يفيد جواز اللبس، والكتمان مع الجهل لأن الجاهل يجب عليه ~~أن لا يقدم على شيء حتى يعلم بحكمه خصوصا في أمور الدين، فإن التكلم ~~فيها، والتصدي للإصدار، والإيراد في أبوابها إنما أذن الله به لمن كان ~~رأسا في العلم فردا في الفهم، وما للجهال، والدخول فيما ليس من شأنهم، ~~والقعود في غير مقاعدهم. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~عن ابن عباس في قوله { معى بنى إسرءيل } قال للأحبار من اليهود ~~{ اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم } أي بلائي ~~عندكم، وعند آبائكم لما كان نجاهم به من فرعون، وقومه { وأوفوا ~~بعهدى } الذي أخذت في أعناقكم للنبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم { ~~أوف بعهدكم } أنجز لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه، واتباعه بوضع ما ~~كان عليكم من الإصر، والأغلال { وإيى فارهبون } أن ms0103 أنزل بكم ~~ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات { وءامنوا بما ~~أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر ~~به } وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم { وتكتموا الحق ~~وأنتم تعلمون } أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي، وبما ~~جاءكم به وأنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم، وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه في قوله { أوفوا * بعهدى } يقول ما ~~أمرتكم به من طاعتي، ونهيتكم عنه من معصيتي في النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وغيره { أوف بعهدكم } يقول أرض عنكم، وأدخلكم الجنة. وأخرج ابن ~~المنذر، عن ابن مسعود مثله. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد في قوله { ~~أوفوا * بعهدى } قال هو الميثاق الذي أخذه عليهم في سورة المائدة # لقد أخذنا * الله ميثق بنى إسرءيل # المائدة 12 الآية. # وأخرج عبد بن حميد عن قتادة نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال أوفوا ~~لي بما افترضت عليكم أوف لكم بما وعدتكم. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، ~~عن الضحاك نحوه. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله { وإيى ~~فارهبون } قال فاخشون. وأخرج عبد بن حميد، وابن جريج، عن مجاهد في ~~قوله { وءامنوا بما أنزلت } قال القرآن { مصدقا لما ~~معكم } قال التوراة والإنجيل. وأخرج ابن جريج، عن ابن جرير في قوله { ~~أول كافر به } قال بالقرآن. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في ~~الآية قال يقول يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت على محمد مصدقا لما ~~معكم لأنهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة، والإنجيل { ولا ~~تكونوا أول كافر به } أي أول من كفر بمحمد { ولا ~~تشتروا بآيتي } يقول لا تأخذا عليه أجرا، قال وهو مكتوب عندهم ~~في الكتاب الأول يابن آدم علم مجانا كما علمت مجانا. وأخرج أبو الشيخ ~~عنه قال لا تأخذ على ما علمت أجرا، إنما أجر العلماء، والحكماء، ~~والحلماء على الله. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله { ولا ~~تلبسوا الحق بالبطل } قال لا تخلطوا الصدق بالكذب { ~~وتكتموا الحق } قال ms0104 لا تكتموا الحق، وأنتم قد علمتم أن محمدا ~~رسول الله. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { ولا تلبسوا } ~~الآية، قال لا تلبسوا اليهودية، والنصرانية بالإسلام { وتكتموا ~~الحق } قال كتموا محمدا وهم يعلمون أنه رسول الله يجدونه مكتوبا ~~عندهم في التوراة، والإنجيل. وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن زيد بن ~~أسلم قال الحق التوراة، والباطل الذي كتبوه بأيديهم. ### || [2.43-46] # قد تقدم الكلام في تفسير إقامة الصلاة، واشتقاقها، والمراد هنا الصلاة ~~المعهودة، وهي صلاة المسلمين، على أن التعريف للعهد، ويجوز أن تكون ~~للجنس، ومثلها الزكاة. والإيتاء الإعطاء، يقال آتيته. أي أعطيته. والزكاة ~~مأخوذة من الزكاء، وهو النماء، زكا الشيء إذا نما، وزاد، ورجل زكي، أي ~~زائد الخير، وسمي إخراج جزء من المال زكاة، أي زيادة مع أنه نقص منه ~~لأنها تكثر بركته بذلك، أو تكثر أجر صاحبه. وقيل الزكاة مأخوذة من ~~التطهير، كما يقال زكا فلان أي طهر. والظاهر أن الصلاة، والزكاة، والحج، ~~والصوم، ونحوها قد نقلها الشرع إلى معان شرعية هي المرادة بما هو مذكور ~~في الكتاب والسنة منها. وقد تكلم أهل العلم على ذلك بما لا يتسع المقام ~~لبسطه. وقد اختلف أهل العلم في المراد بالزكاة هنا، فقيل المراد ~~المفروضة، لاقترانها بالصلاة. وقيل صدقة الفطر، والظاهر أن المراد ما هو ~~أعم من ذلك. والركوع في اللغة الانحناء، وكل منحن راكع، قال لبيد # أخبر أخبار القرون التي مضت أدب كأني كلما قمت راكع # وقيل الانحناء يعم الركوع والسجود، ويستعار الركوع أيضا للانحطاط في ~~المنزلة، قال الشاعر # لا تهين الفقير علك أن تركع يوما والدهر قد رفعه # وإنما خص الركوع بالذكر هنا لأن اليهود لا ركوع في صلاتهم. وقيل لكونه ~~كان ثقيلا على أهل الجاهلية. وقيل إنه أراد بالركوع جميع أركان الصلاة. ~~والركوع الشرعي هو أن ينحني الرجل، ويمد ظهره وعنقه، ويفتح أصابع يديه، ~~ويقبض على ركبتيه، ثم يطمئن راكعا، ذاكرا بالذكر المشروع. وقوله { مع ~~الراكعين } فيه الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد، وقد ~~ورد في ذلك من ms0105 الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما ما هو ~~معروف. وقد أوجب حضور الجماعة بعض أهل العلم، على خلاف بينهم في كون ذلك ~~عينا أو كفاية، وذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة مرغب فيها، وليس بواجب. ~~وهو الحق للأحاديث الثابتة الصحيحة عن جماعة من الصحابة، من أن صلاة ~~الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة، أو بسبع وعشرين درجة. وثبت في ~~الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم # " الذي يصلي مع الإمام أفضل من الذي يصلي وحده، ثم ينام " # والبحث طويل الذيول كثير النقول. والهمزة في قوله { أتأمرون ~~الناس بالبر } للاستفهام مع التوبيخ للمخاطبين، وليس المراد ~~توبيخهم على نفس الأمر بالبر، فإنه فعل حسن مندوب إليه، بل بسبب ترك فعل ~~البر المستفاد من قوله { وتنسون أنفسكم } مع التطهر بتزكية ~~النفس، والقيام في مقام دعاة الخلق إلى الحق إيهاما للناس، وتلبيسا ~~عليهم، كما قال أبو العتاهية # وصفت التقي حتى كأنك ذو تقى وريح الخطايا من ثيابك تسطع # والبر الطاعة، والعمل الصالح. والبر سعة الخير والمعروف. والبر الصدق. ~~والبر ولد الثعلب. والبر سوق الغنم. ومن إطلاقه على الطاعة قول الشاعر # لا هم رب أن بكرا دونكا يبرك الناس ويفجرونكا # أي يطيعونك، ويعصونك. والنسيان بكسر النون هو هنا بمعنى الترك، أي ~~وتتركون أنفسكم، وفي الأصل خلاف الذكر، والحفظ، أي زوال الصورة التي كانت ~~محفوظة عن المدركة، والحافظة. والنفس الروح، ومنه قوله تعالى # الله يتوفى الأنفس حين موتها # الزمر 42 يريد الأرواح. وقال أبو خراش # نجا سالم، والنفس منه بشدقه # والنفس أيضا الدم، ومنه قولهم سالت نفسه، قال الشاعر # تسيل على حد السيوف نفوسنا وليس على غير الظبات تسيل # والنفس الجسد، ومنه # نبئت أن بني سحيم أدخلوا أبياتهم تأمور نفس المنذر # والتأمور البدن. وقوله { وأنتم تتلون الكتب } جملة حالية ~~مشتملة على أعظم تقريع، وأشد توبيخ، وأبلغ تبكيت أي كيف تتركون البر الذي ~~تأمرون الناس به؟ وأنتم من أهل العلم العارفين بقبح هذا الفعل، وشدة ~~الوعيد عليه، كما ترونه في الكتاب الذي تتلونه، والآيات التي تقرءونها من ms0106 ~~التوراة. والتلاوة القراءة، وهي المراد هنا، وأصلها الإتباع يقال تلوته ~~إذا تبعته، وسمي القارىء تاليا، والقراءة تلاوة لأنه يتبع بعض الكلام ~~ببعض على النسق الذي هو عليه. وقوله { أفلا تعقلون } استفهام ~~للإنكار عليهم، والتقريع لهم، وهو أشد من الأول، وأشد. وأشد ما قرع ~~الله في هذا الموضع من يأمر بالخير، ولا يفعله من العلماء، الذين هم غير ~~عاملين بالعلم، فاستنكر عليهم أولا أمرهم للناس بالبر مع نسيان أنفسهم ~~في ذلك، الأمر الذي قاموا به في المجامع، ونادوا به في المجالس إيهاما ~~للناس بأنهم مبلغون عن الله ما تحملوه من حججه، ومبينون لعباده ما أمرهم ~~ببيانه، وموصلون إلى خلقه ما استودعهم، وائتمنهم عليه، وهم أترك الناس ~~لذلك، وأبعدهم من نفعه، وأزهدهم فيه، ثم ربط هذه الجملة بجملة أخرى، ~~جعلها مبينة لحالهم، وكاشفة لعوارهم، وهاتكة لأستارهم، وهي أنهم فعلوا ~~هذه الفعلة الشنيعة، والخصلة الفظيعة على علم منهم، ومعرفة بالكتاب الذي ~~أنزل عليهم، وملازمة لتلاوته، وهم في ذلك كما قال المعري # وإنما حمل التوراة قارئها كسب الفوائد لا حب التلاوات # ثم انتقل معهم من تقريع إلى تقريع، ومن توبيخ إلى توبيخ فقال إنكم لو لم ~~تكونوا من أهل العلم، وحملة الحجة، وأهل الدراسة لكتب الله، لكان مجرد ~~كونكم ممن يعقل حائلا بينكم وبين ذلك ذائدا لكم عنه زاجرا لكم منه، ~~فكيف أهملتم ما يقتضيه العقل بعد إهمالكم لما يوجبه العلم؟ والعقل في أصل ~~اللغة المنع، ومنه عقال البعير لأنه يمنعه عن الحركة، ومنه العقل في ~~الدية لأنه يمنع ولي المقتول عن قتل الجاني. # والعقل نقيض الجهل، ويصح تفسير ما في الآية هنا بما هو، أصل معنى العقل ~~عند أهل اللغة أي أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المزرية؟ ويصح ~~أن يكون معنى الآية أفلا تنظرون بعقولكم التي رزقكم الله إياها حيث لم ~~تنتفعوا بما لديكم من العلم؟ وقوله { واستعينوا بالصبر } ~~الصبر في اللغة الحبس، وصبرت نفسي على الشيء حبستها. ومنه قول عنترة # فصبرت عارفة لذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلع # والمراد ms0107 هنا استعينوا بحبس أنفسكم عن الشهوات، وقصرها على الطاعات على ~~دفع ما يرد عليكم من المكروهات. وقيل الصبر هنا هو خاص بالصبر على تكاليف ~~الصلاة. واستدل هذا القائل بقوله تعالى # وأمر أهلك بالصلوة واصطبر عليها # طه 132، وليس في هذا الصبر، الخاص بهذه الآية ما ينفي ما تفيده الألف ~~واللام الداخلة على الصبر من الشمول كما أن المراد بالصلاة هنا جميع ما ~~تصدق عليه الصلاة الشرعية من غير فرق بين فريضة، ونافلة. واختلف المفسرون ~~في رجوع الضمير في قوله { وإنها لكبيرة } فقيل إنه راجع إلى ~~الصلاة، وإن كان المتقدم هو الصبر، والصلاة، فقد يجوز إرجاع الضمير إلى ~~أحد الأمرين المتقدم ذكرهما. كما قال تعالى # والله ورسوله أحق أن يرضوه # التوبة 62 إذا كان أحدهما داخلا تحت الآخر بوجه من الوجوه، ومنه قول ~~الشاعر # إن شرخ الشباب والشعر الأس ود ما لم يعاض كان جنونا # ولم يقل ما لم يعاضا بل جعل الضمير راجعا إلى الشباب لأن الشعر الأسود ~~داخل فيه، وقيل إنه عائد إلى الصلاة من دون اعتبار دخول الصبر تحتها لأن ~~الصبر هو عليها، كما قيل سابقا، وقيل إن الضمير راجع إلى الصلاة وإن كان ~~الصبر مرادا معها، لكن لما كانت آكد، وأعم تكليفا، وأكثر ثوابا كانت ~~الكناية بالضمير عنها، ومنه قوله # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله # التوبة 34 كذا قيل. وقيل إن الضمير راجع إلى الأشياء المكنوزة، ومثل ذلك ~~قوله تعالى # وإذا رأوا تجرة أو لهوا انفضوا إليها # الجمعة 11 فأرجع الضمير هنا إلى الفضة والتجارة لما كانت الفضة أعم ~~نفعا وأكثر وجودا، والتجارة هي الحاملة على الانفضاض. والفرق بين هذا ~~الوجه وبين الوجه الأول أن الصبر هناك جعل داخلا تحت الصلاة، وهنا لم ~~يكن داخلا وإن كان مرادا، وقيل إن المراد الصبر والصلاة، ولكن أرجع ~~الضمير إلى أحدهما استغناء به عن الآخر، ومنه قوله تعالى # وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية # المؤمنون 50 أي ابن مريم آية وأمه آية. ومنه قول الشاعر # ومن يك أمسى ms0108 بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب # وقال آخر # لكل هم من الهموم سعة والصبح والمساء لا فلاح معه # وقيل رجع الضمير إليهما بعد تأويلهما بالعبادة. # وقيل رجع إلى المصدر المفهوم من قوله { واستعينوا } وهو ~~الاستعانة. وقيل رجع إلى جميع الأمور التي نهى عنها بنو إسرائيل. ~~والكبيرة التي يكبر أمرها، ويتعاظم شأنها على حاملها لما يجده عند ~~تحملها، والقيام بها من المشقة، ومنه # كبر على المشركين ما تدعوهم إليه # الشورى 13. والخاشع هو المتواضع، والخشوع التواضع. قال في الكشاف ~~والخشوع الإخبات والتطامن، ومنه الخشعة للرملة المتطامنة، وأما الخضوع ~~فاللين والانقياد، ومنه خضعت بقولها إذا لينته. انتهى. وقال الزجاج ~~الخاشع الذي يرى أثر الذل والخشوع عليه كخشوع الدار بعد الأقوى، ومكان ~~خاشع لا يهتدى إليه، وخشعت الأصوات، أي سكنت، وخشع ببصره إذا غضه، ~~والخشعة قطعة من الأرض رخوة. وقال سفيان الثوري سألت الأعمش عن الخشوع، ~~فقال يا ثوري أنت تريد أن تكون إماما للناس، ولا تعرف الخشوع؟! ليس ~~الخشوع بأكل الخشن، ولبس الخشن، وتطأطؤ الرأس، لكن الخشوع أن ترى الشريف، ~~والدنيء في الحق سواء، وتخشع لله في كل فرض افترض عليك. انتهى. وما أحسن ~~ما قاله بعض المحققين في بيان ماهيته إنه هيئة في النفس يظهر منها في ~~الجوارح سكون، وتواضع. واستثنى سبحانه الخاشعين مع كونهم باعتبار استعمال ~~جوارحهم في الصلاة، وملازمتهم لوظائف الخشوع الذي هو روح الصلاة، ~~وإتعابهم لأنفسهم إتعابا عظيما في الأسباب الموجبة للحضور، والخضوع ~~لأنهم لما يعلمونه من تضاعف الأجر، وتوفر الجزاء، والظفر بما وعد الله به ~~من عظيم الثواب، تسهل عليهم تلك المتاعب، ويتذلل لهم ما يرتكبونه من ~~المصاعب، بل يصير ذلك لذة لهم خالصة، وراحة عندهم محضة، ولأمر ما هان على ~~قوم ما يلاقونه من حر السيوف عند تصادم الصفوف، وكانت الأمنية عندهم طعم ~~المنية حتى قال قائلهم # ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي # والظن هنا عند الجمهور بمعنى اليقين، ومنه قوله تعالى # إنى ظننت أنى ملق حسابيه # الحاقة 20، وقوله # وظنوا أنهم ms0109 مواقعوها # الكهف 53 ومنه قول دريد بن الصمة # فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم بالفارسي المسود # وقيل إن الظن في الآية على بابه، ويضمر في الكلام بذنوبهم، فكأنهم ~~توقعوا لقاءه مذنبين، ذكره المهدوي والماوردي، والأول أولى. وأصل الظن ~~الشك مع الميل إلى أحد الطرفين، وقد يقع موقع اليقين في مواضع، منها هذه ~~الآية. ومعنى قوله { ملقوا ربهم } ملاقوا جزائه، والمفاعلة هنا ~~ليست على بابها، ولا أرى في حمله على أصل معناه من دون تقدير المضاف ~~بأسا. وفي هذا مع ما بعده من قوله { وأنهم إليه رجعون } ~~إقرارا بالبعث، وما وعد الله به في اليوم الآخر. وقد أخرج ابن أبي حاتم ~~عن مجاهد في قوله { واركعوا } قال صلوا. وأخرج ابن أبي حاتم أيضا ~~عن مقاتل في قوله { واركعوا مع الراكعين } قال أمرهم أن ~~يركعوا مع أمة محمد، يقول كونوا منهم ومعهم. # وأخرج عبد ابن حميد عن قتادة في قوله تعالى { أتأمرون الناس ~~بالبر } الآية، قال أولئك أهل الكتاب كانوا يأمرون الناس بالبر، ~~وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، ولا ينتفعون بما فيه. وأخرج الثعلبي ~~والواحدي عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية في يهود أهل المدينة، كان الرجل ~~منهم يقول لصهره، ولذي قرابته، ولمن بينه وبينه رضاع من المسلمين اثبت ~~على الدين الذي أنت عليه، وما يأمرك به هذا الرجل، يعنون محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، فإن أمره حق، وكانوا يأمرون الناس بذلك، ولا يفعلونه. وأخرج ~~ابن جرير عنه في قوله { أتأمرون الناس بالبر } قال بالدخول ~~في دين محمد. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في الآية ~~قال تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة، والعهد من التوراة، ~~وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسلي؟ وأخرج عبد الرزاق، ~~وابن أبي شيبة، وابن جرير، والبيهقي، عن أبي الدرداء في الآية قال لا ~~يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه، ~~فيكون لها أشد مقتا. وأخرج أحمد وابن أبي شيبة، وعبد ms0110 بن حميد، والبزار، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، وابن حبان، وابن ~~مردويه، والبيهقي عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت ~~رجعت، فقلت لجبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء خطباء من أمتك كانوا يأمرون الناس ~~بالبر، وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون " # وثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد، قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول # " يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق به أقتابه، فيدور بها ~~كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار، فيقولون يا فلان ما لك؟ ما ~~أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر؟ فيقول «كنت آمركم ~~بالمعروف، ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر، وآتيه " # وفي الباب أحاديث منها عن جابر مرفوعا عند الخطيب، وابن النجار، وعن ~~الوليد بن عقبة مرفوعا عند الطبراني، والخطيب بسند ضعيف، وعند عبد الله ~~بن أحمد في زوائد الزهد عنه موقوفا، ومعناها جميعا أنه يطلع قوم من أهل ~~الجنة على قوم من أهل النار، فيقولون لهم بما دخلتم النار، وإنما دخلنا ~~الجنة بتعليمكم؟ قالوا إنا كنا نأمركم، ولا نفعل. وأخرج الطبراني، ~~والخطيب في الاقتضاء، والأصبهاني في الترغيب بسند جيد عن جندب بن عبد ~~الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " مثل العالم الذي يعلم الناس الخير، ولا يعمل به كمثل السراج يضيء ~~للناس، ويحرق نفسه " # وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عنه نحوه. وأخرج ~~الطبراني، والخطيب في الاقتضاء عن أبي برزة مرفوعا نحوه. وأخرج ابن قانع ~~في معجمه، والخطيب في الاقتضاء عن سليك مرفوعا نحوه. وأخرج ابن سعد، ~~وابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال «ويل للذي لا يعلم ~~مرة، ولو شاء الله لعلمه، وويل للذي يعلم، ولا يعمل سبع مرات». وأخرج ~~أحمد في الزهد عن عبد الله بن مسعود مثله، وما أحسن ما أخرجه ابن ~~مردويه، والبيهقي في ms0111 شعب الإيمان، وابن عساكر عن ابن عباس أنه جاءه رجل ~~فقال يا ابن عباس إني أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، قال أو ~~بلغت ذلك؟ قال أرجو، قال فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب الله، ~~فافعل، قال وما هن؟ قال قوله عز وجل # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم # البقرة 44 أحكمت هذه الآية؟ قال لا، قال فالحرف الثاني، قال قوله تعالى # لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله ~~أن تقولوا ما لا تفعلون # الصف 2، 3 أحكمت هذه الآية؟ قال لا، قال فالحرف الثالث؟ قال قول العبد ~~الصالح شعيب # ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهكم عنه # هود 88 أحكمت هذه الآية؟ قال لا، قال فابدأ بنفسك. وأخرج عبد بن حميد، ~~عن قتادة في قوله تعالى { واستعينوا بالصبر والصلوة } ~~قال إنهما معونتان من الله، فاستعينوا بهما. وقد أخرج ابن أبي الدنيا في ~~كتاب الصبر، وأبو الشيخ في الثواب، والديلمي في مسند الفردوس عن علي، ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الصبر ثلاثة فصبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية " # وقد وردت أحاديث كثيرة في مدح الصبر والترغيب فيه، والجزاء للصابرين، ~~ولم نذكرها هنا، لأنها ليست بخاصة بهذه الآية، بل هي واردة في مطلق ~~الصبر، وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور ها هنا منها شطرا صالحا، وفي ~~الكتاب العزيز من الثناء على ذلك، والترغيب فيه الكثير الطيب. وأخرج ~~أحمد، وأبو داود، وابن جرير عن حذيفة، قال «كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» وأخرج أحمد، والنسائي، وابن حبان، عن صهيب، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " كانوا يعني الأنبياء، يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة " # وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن عساكر، عن أبي الدرداء مرفوعا نحو حديث ~~حذيفة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، والحاكم، والبيهقي في شعب ~~الإيمان، عن ابن عباس، أنه كان في مسير له، فنعى إليه ابن له، فنزل فصلى ~~ركعتين ثم استرجع، فقال ms0112 فعلنا كما أمرنا الله فقال { واستعينوا ~~بالصبر والصلوة }. # وقد روى عنه نحو ذلك سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي ~~لما نعى إليه أخوه قثم. وقد روى نحو ذلك عن جماعة من الصحابة، والتابعين، ~~وأخرج ابن جرير، عن الضحاك في قوله { وإنها لكبيرة } قال ~~لثقيلة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إلا ~~على الخشعين } قال المؤمنين حقا. وأخرج ابن جرير عن أبي ~~العالية في قوله { إلا على الخشعين } قال الخائفين. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال كل ظن في القرآن، فهو ~~يقين، ولا يتم هذا في مثل قوله # إن الظن لا يغنى من الحق شيئا # النجم 28 وقوله # إن بعض الظن إثم # الحجرات 12 ولعله يريد الظن المتعلق بأمور الآخرة، كما رواه ابن جرير عن ~~قتادة قال ما كان من ظن الآخرة، فهو علم. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية ~~في قوله { وأنهم إليه رجعون } قال يستيقنون أنهم يرجعون ~~إليه يوم القيامة. ### || [2.47-50] # قوله { يبنى إسرءيل اذكروا نعمتي التى أنعمت ~~عليكم } قد تقدم تفسيره، وإنما كرر ذلك سبحانه توكيدا للحجة عليهم، ~~وتحذيرا لهم من ترك اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قرنه بالوعيد، ~~وهو قوله { واتقوا يوما } ، وقوله { وأنى فضلتكم } ~~معطوف على مفعول اذكروا أي اذكروا نعمتي، وتفضيلي لكم على العالمين، قيل ~~المراد بالعالمين عالم زمانهم، وقيل على جميع العالمين بما جعل، فيهم من ~~الأنبياء. وقال في الكشاف على الجم الغفير من الناس كقوله # باركنا فيها للعلمين # الأنبياء 71 يقال رأيت عالما من الناس يراد الكثرة. انتهى. قال الرازي ~~في تفسيره وهذا ضعيف لأن لفظ العالم مشتق من العلم، وهو الدليل، وكل ما ~~كان دليلا على الله كان علما، وكان من العالم، وهذا تحقيق قول ~~المتكلمين العالم كل موجود سوى الله، وعلى هذا لا يمكن تخصيص لفظ العالم ~~ببعض المحدثات. انتهى. وأقول هذا الاعتراض ساقط، أما أولا، فدعوى ~~اشتقاقه من العلم لا برهان عليه، وأما ثانيا فلو سلمنا ms0113 صحة هذا الاشتقاق ~~كان المعنى موجودا بما يتحصل معه مفهوم الدليل على الله الذي يصح إطلاق ~~اسم العلم عليه، وهو كائن في كل فرد من أفراد المخلوقات التي يستدل بها ~~على الخالق، وغايته أن جميع العالم يستلزم أن يكونوا مفضلين على أفراد ~~كثيرة من المحدثات وأما أنهم مفضلون على كل المحدثات في كل زمان، فليس في ~~اللفظ ما يفيد هذا، ولا في اشتقاقه ما يدل عليه، وأما من جعل العالم أهل ~~العصر، فغايته أن يكونوا مفضلين على أهل عصور، لا على أهل كل عصر، فلا ~~يستلزم ذلك تفضيلهم على أهل العصر الذين، فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم، ~~ولا على ما بعده من العصور، ومثل هذا الكلام ينبغي استحضاره عند تفسير ~~قوله تعالى # إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما ~~لم يؤت أحدا من العالمين # المائدة 20 وعند قوله تعالى # ولقد اخترنهم على علم على العلمين # الدخان 32 وعند قوله تعالى # إن الله اصطفى آدم ونوحا وءال إبرهيم وءال ~~عمرن على العلمين # آل عمران 33 فإن قيل إن التعريف في العالمين يدل على شموله لكل عالم. ~~قلت لو كان الأمر هكذا لم يكن ذلك مستلزما لكونهم أفضل من أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم لقوله تعالى # كنتم خير أمة أخرجت للناس # آل عمران 110 فإن هذه الآية ونحوها تكون مخصصة لتلك الآيات. وقوله { ~~واتقوا يوما } أمر معناه الوعيد، وقد تقدم معنى التقوى. والمراد ~~باليوم يوم القيامة أي عذابه. وقوله { لا تجزى نفس عن نفس ~~شيئا } في محل نصب صفة ليوم، والعائد محذوف. قال البصريون في هذا ~~وأمثاله تقديره فيه. # وقال الكسائي هذا خطأ، بل التقدير لا تجزيه لأن حذف الظرف لا يجوز، ~~ويجوز حذف الضمير وحده. وقد روى عن سيبويه، والأخفش، والزجاج جواز ~~الأمرين. ومعنى { لا تجزي } لا تكفي، وتقضي، يقال جزا عني هذا الأمر ~~يجزي، أي قضى، واجتزأت بالشيء أجتزيء، أي اكتفيت، ومنه قول الشاعر # فإن الغدر في الأقوام عار وإن الحر يجزي بالكراع # والمراد أن هذا اليوم ms0114 لا تقضي نفس عن نفس شيئا، ولا تكفي عنها، ومعنى ~~التنكير التحقير، أي شيئا يسيرا حقيرا، وهو منصوب على المفعولية، أو ~~على أنه صفة مصدر محذوف، أي جزاء حقيرا. والشفاعة مأخوذة من الشفع، وهو ~~الاثنان، تقول استشفعته أي سألته أن يشفع لي، أي يضم جاهه إلى جاهك عند ~~المشفوع إليه، ليصل النفع إلى المشفوع له، وسميت الشفعة شفعة لأنك تضم ~~ملك شريكك إلى ملكك. وقد قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، تقبل بالمثناة الفوقية ~~لأن الشفاعة مؤنثة، وقرأ الباقون بالياء التحتية لأنها بمعنى الشفيع. قال ~~الأخفش الأحسن التذكير. وضمير { منها } يرجع إلى النفس المذكورة ثانيا ~~أي إن جاءت بشفاعة شفيع، ويجوز أن يرجع إلى النفس المذكورة أولا أي إذا ~~شفعت لم يقبل منها. والعدل بفتح العين الفداء، وبكسرها المثل. يقال عدل، ~~وعديل للذي ماثل في الوزن والقدر. وحكى ابن جرير أن في العرب من يكسر ~~العين في معنى الفدية. والنصر العون، والأنصار الأعوان، وانتصر الرجل ~~انتقم، والضمير، أي هم، يرجع إلى النفوس المدلول عليها بالنكرة في سياق ~~النفي، والنفس تذكر وتؤنث. وقوله { إذ نجينكم } متعلق بقوله { ~~اذكروا } والنجاة النجوة من الأرض، وهي ما ارتفع منها، ثم سمي كل ~~فائز ناجيا. وآل فرعون قومه، وأصل آل أهل بدليل تصغيره على أهيل. وقيل ~~غير ذلك، وهو يضاف إلى ذوي الخطر. وقال الأخفش إنما يقال في الرئيس ~~الأعظم نحو آل محمد. ولا يضاف إلى البلدان، فلا يقال من آل المدينة. وقال ~~الأخفش قد سمعناه في البلدان قالوا آل المدينة. واختلفوا هل يضاف إلى ~~المضمر أم لا. فمنعه قوم وسوغه آخرون، وهو الحق، ومنه قول عبد المطلب # وانصر على آل الصلي ب وعابديه اليوم آلك # وفرعون قيل هو اسم ذلك الملك بعينه. وقيل إنه اسم لكل ملك من ملوك ~~العمالقة كما يسمى من ملك الفرس كسرى، ومن ملك الروم قيصر، ومن ملك ~~الحبشة النجاشي. واسم فرعون موسى المذكور هنا قابوس، في قول أهل الكتاب. ~~وقال وهب اسمه الوليد بن مصعب بن الريان. قال المسعودي لا ms0115 يعرف لفرعون ~~تفسير بالعربية. وقال الجوهري إن كل عات يقال له فرعون، وقد تفرعن وهو ذو ~~فرعنة أي دهاء ومكر. وقال في الكشاف تفرعن فلان إذا عتا وتجبر. # ومعنى قوله { يسومونكم } يولونكم، قاله أبو عبيدة، وقيل يذيقونكم، ~~ويلزمونكم إياه، وأصل السوم الدوام، ومنه سائمة الغنم لمداومتها الرعي، ~~ويقال سامه خطة خسف إذا أولاه إياها. وقال في الكشاف أصله من سام السلعة ~~إذا طلبها، كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب، ويريدونكم عليه. انتهى. { ~~وسوء العذاب } أشده، وهو صفة مصدر محذوف، أي يسومونكم سوما سوء ~~العذاب، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا، وهذه الجملة في محل رفع على أنها ~~خبر لمبتدأ مقدر، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال أي سائمين لكم. ~~وقوله { يذبحون } وما بعده بدل من قوله { يسومونكم } وقال ~~الفراء إنه تفسير لما قبله، وقرأه الجماعة بالتشديد، وقرأ ابن محيصن ~~بالتخفيف. والذبح في الأصل الشق، وهو فرى أوداج المذبوح، والمراد بقوله ~~تعالى { ويستحيون نساءكم } يتركونهن أحياء ليستخدموهن، ~~ويمتهنوهن وإنما أمر بذبح الأبناء، واستحياء البنات، لأن الكهنة أخبروه ~~بأنه يولد مولود يكون هلاكه على يده، وعبر عن البنات باسم النساء لأنه ~~جنس يصدق على البنات. وقالت طائفة إنه أمر بذبح الرجال، واستدلوا بقوله { ~~نساءكم } والأول أصح بشهادة السبب. ولا يخفى ما في قتل الأبناء، ~~واستحياء البنات للخدمة ونحوها، من إنزال الذل بهم، وإلصاق الإهانة ~~الشديدة بجميعهم لما في ذلك من العار. والإشارة بقوله { وفى ذلكم } ~~إلى جملة الأمر، والبلاء يطلق تارة على الخير، وتارة على الشر، فإن أريد ~~به هنا الشر كانت الإشارة بقوله { وفى ذلكم بلاء } إلى ما حل ~~بهم من النقمة بالذبح ونحوه، وإن أريد به الخير كانت الإشارة إلى النعمة ~~التي أنعم الله عليهم بالإنجاء، وما هو مذكور قبله من تفضيلهم على ~~العالمين. وقد اختلف السلف ومن بعدهم في مرجع الإشارة، فرجح الجمهور ~~الأول، ورجح الآخرون الآخر. قال ابن جرير وأكثر ما يقال في الشر بلوته ~~أبلوه بلاء، وفي الخير أبلية إبلاء وبلاء، قال زهير # جزى الله بالإحسان ما ms0116 فعلا بكم وأبلاهما خير البلاء ~~الذي يبلو # قال فجمع بين اللغتين لأنه أراد، فأنعم عليهما خير النعم، التي يختبر ~~بها عباده. وقوله { وإذ فرقنا } متعلق بما تقدم من قوله { ~~اذكروا } وفرقنا فلقنا، وأصل الفرق الفصل، ومنه فرق الشعر، وقرأ ~~الزهري «فرقنا» بالتشديد، والباء في قوله { بكم } قيل هي بمعنى ~~اللام، أي لكم. وقيل هي الباء السببية، أي فرقناه بسببكم. وقيل إن الجار ~~والمجرور في محل الحال، أي فرقناه متلبسا بكم، والمراد ها هنا أن فرق ~~البحر كان بهم، أي بسبب دخولهم فيه، أي لما صاروا بين الماءين صار الفرق ~~بهم. وأصل البحر في اللغة الاتساع، أطلق على البحر الذي هو مقابل البر، ~~لما فيه من الاتساع بالنسبة إلى النهر، والخليج، ويطلق على الماء المالح، ~~ومنه أبحر الماء إذا ملح، قال نصيب # وقد عاد ماء الأرض بحرا فزادني إلى مرضي أن أبحر المشرب ~~العذب # وقوله { فأنجينكم } أي أخرجناكم منه. { وأغرقنا آل فرعون } ~~فيه. وقوله { وأنتم تنظرون } في محل نصب على الحال، أي حال كونكم ~~ناظرين إليهم بأبصاركم. وقيل معناه وأنتم تنظرون، أي ينظر بعضكم إلى ~~البعض الآخر من السالكين في البحر، وقيل نظروا إلى أنفسهم ينجون، وإلى آل ~~فرعون يغرقون. والمراد بآل فرعون هنا هو وقومه وأتباعه. وقد أخرج ابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا تلا { اذكروا ~~نعمتي التى أنعمت عليكم } قال مضى القوم، وإنما يعني ~~به أنتم، وأخرج ابن جرير عن سفيان بن عيينة قال في قوله { اذكروا ~~نعمتي } هي أيادي الله، وأيامه. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال ~~نعمة الله التي أنعم بها على بني إسرائيل، فيما سمى، وفيما سوى ذلك، ~~فجر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن، والسلوى، وأنجاهم من عبودية آل ~~فرعون. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة في قوله { وأنى ~~فضلتكم على العلمين } قال فضلوا على العالم الذي كانوا ~~فيه، ولكل زمان عالم. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وابن جرير عن أبي ms0117 العالية في قوله { فضلتكم على ~~العلمين } قال بما أعطوا من الملك، والرسل، والكتب على من كان في ~~ذلك الزمان، فإن لكل زمان عالما. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ~~{ لا تجزى نفس عن نفس شيئا } قال لا تغني نفس مؤمنة عن ~~نفس كافرة من المنفعة شيئا. وأخرج ابن جرير، عن عمرو بن قيس الملائي، ~~عن رجل من بني أمية من أهل الشام أحسن الثناء عليه، قال «قيل يا رسول ~~الله ما العدل؟ قال # " العدل الفدية " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس نحوه. قال ابن أبي حاتم وروى ~~عن أبي مالك، والحسن، وسعيد بن جبير وقتادة، والربيع بن أنس نحو ذلك. ~~وأخرج عبد الرزاق عن علي في تفسير الصرف، والعدل قال التطوع والفريضة. ~~قال ابن كثير وهذا القول غريب هاهنا، والقول الأول أظهر في تفسير هذه ~~الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال قالت الكهنة لفرعون إنه يولد في ~~هذا العام مولود يذهب بملكه، فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل، وعلى ~~كل مائة عشرة، وعلى كل عشر رجلا، فقال انظروا كل امرأة حامل في المدينة، ~~فإذا وضعت حملها، فإن كان ذكرا فاذبحوه، وإن كان أنثى، فخلوا عنها، وذلك ~~قوله { يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم } وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن أبي العالية في قوله { يسومونكم سوء العذاب } قال ~~إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة. # فقالت له الكهنة إنه سيولد العام بمصر غلام يكون هلاكك على يديه، فبعث ~~في أهل مصر نساء قوابل، فإذا ولدت امرأة غلاما أتى به فرعون فقتله، ~~ويستحيي الجواري. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~بلاء من ربكم عظيم } يقول نقمة. وأخرج وكيع عن مجاهد نحوه. ~~وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { وإذ فرقنا بكم البحر ~~} فقال إي والله لفرق البحر بينهم حتى صار طريقا يبسا يمشون فيه، ~~فأنجاهم الله، وأغرق آل فرعون عدوهم. وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من ~~حديث ابن عباس قال «قدم رسول الله ms0118 صلى الله عليه وسلم المدينة، فرأى ~~اليهود يصومون يوم عاشوراء فقال # " ما هذا اليوم؟ " # قالوا هذا يوم صالح نجى الله فيه بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " نحن أحق بموسى منكم، فصامه، وأمر بصومه " # وقد أخرج الطبراني، وأبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير أن هرقل كتب ~~إلى معاوية يسأله عن أمور، منها عن البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة، ~~فكتب معاوية إلى ابن عباس، فأجابه عن تلك الأمور وقال وأما البقعة التي ~~لم تصبها الشمس إلا ساعة من نهار فالبحر الذي أفرج عن بني إسرائيل. ولعله ~~سيأتي إن شاء الله تعالى زيادة على ما هنا عند تفسير قوله تعالى # أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق ~~كالطود العظيم # الشعراء 63. ### || [2.51-54] # قرأ أبو عمرو " وعدنا " بغير ألف، ورجحه أبو عبيدة، وأنكر «واعدنا» قال ~~لأن المواعدة إنما تكون من البشر، فأما من الله فإنما هو التفرد بالوعد ~~على هذا وجدنا القرآن كقوله # وعدكم وعد الحق # إبراهيم 22 وقوله # وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين # الأنفال 7 ومثله، قال أبو حاتم ومكي وإنما قالوا هكذا نظرا إلى أصل ~~المفاعلة، أنها تفيد الاشتراك في أصل الفعل، وتكون من كل واحد من ~~المتواعدين، ونحوهما، ولكنها قد تأتي للواحد في كلام العرب كما في قولهم ~~داويت العليل، وعاقبت اللص، وطارقت النعل، وذلك كثير في كلامهم. وقرأه ~~الجمهور { واعدنا } قال النحاس وهي أجود، وأحسن، وليس قوله # وعد الله الذين ءامنوا # المائدة 9، النور 55 من هذا في شيء لأن واعدنا موسى إنما هو من باب ~~الموافاة، وليس هو من الوعد والوعيد في شيء، وإنما هو من قولك موعدك يوم ~~الجمعة، وموعدك موضع كذا والفصيح في هذا أن يقال، واعدته. قال الزجاج ~~واعدنا بالألف ها هنا جيد لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة، فمن ~~الله سبحانه وعد، ومن موسى قبول. قوله { أربعين ليلة } قال ~~الزجاج التقدير تمام أربعين ليلة، وهي عند أكثر المفسرين ذو القعدة، وعشر ~~من ذي الحجة، ms0119 وإنما خص الليالي بالذكر دون الأيام لأن الليلة أسبق من ~~اليوم فهي قبله في الرتبة. ومعنى قوله { ثم اتخذتم العجل } ~~أي جعلتم العجل إلها من بعده، أي من بعد مضي موسى إلى الطور. وقد ذكر ~~بعض المفسرين أنهم عدوا عشرين يوما، وعشرين ليلة. وقالوا قد اختلف ~~موعده، فاتخذوا العجل، وهذا غير بعيد منهم، فقد كانوا يسلكون طرائق من ~~التعنت خارجة عن قوانين العقل، مخالفة لما يخاطبون به، بل ويشاهدونه ~~بأبصارهم، فلا يقال كيف تعدون الأيام، والليالي على تلك الصفة، وقد صرح ~~لهم في الوعد بأنها أربعون ليلة، وإنما سماهم ظالمين لأنهم أشركوا بالله، ~~وخالفوا موعد نبيهم عليهم السلام، والجملة في موضع نصب على الحال. وقوله ~~{ من بعد ذلك } أي من بعد عبادتكم العجل، وسمي العجل عجلا، ~~لاستعجالهم عبادته كذا قيل، وليس بشيء لأن العرب تطلق هذا الاسم على ولد ~~البقر. وقد كان جعله لهم السامري على صورة العجل. وقوله { لعلكم ~~تشكرون } أي لكي تشكروا ما أنعم الله به عليكم، من العفو عن ذنبكم ~~العظيم الذي وقعتم فيه. وأصل الشكر في اللغة الظهور، من قولهم دابة شكور ~~إذ ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف. قال الجوهري الشكر الثناء ~~على المحسن بما أولاك من المعروف، يقال شكرته وشكرت له، وباللام أفصح، ~~وقد تقدم معناه، والشكران خلاف الكفران. والكتاب التوراة بالإجماع من ~~المفسرين. # واختلفوا في الفرقان، وقال الفراء، وقطرب المعنى آتينا موسى التوراة، ~~ومحمدا الفرقان. وقد قيل إن هذا غلط، أوقعهما فيه أن الفرقان مختص ~~بالقرآن، وليس كذلك، فقد قال تعالى # ولقد ءاتينا موسى وهرون الفرقان # الأنبياء 48 وقال الزجاج إن الفرقان هو الكتاب، أعيد ذكره تأكيدا. وحكى ~~نحوه عن الفراء، ومنه قول عنترة # حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم # وقيل إن الواو صلة، والمعنى آتينا موسى، الكتاب الفرقان، والواو قد تزاد ~~في النعوت كقول الشاعر # إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم # وقيل المعنى أن ذلك المنزل جامع بين كونه كتابا وفارقا بين ms0120 الحق، ~~والباطل، وهو كقوله # ثم ءاتينا موسى الكتب تماما على الذى أحسن ~~وتفصيلا لكل شىء # الأنعام 154 وقيل الفرقان الفرق بينهم، وبين قوم فرعون، أنجى هؤلاء، ~~وأغرق هؤلاء. وقال ابن زيد الفرقان انفراق البحر. وقيل الفرقان الفرج من ~~الكرب. وقيل إنه الحجة والبيان بالآيات التي أعطاها الله من العصا، ~~واليد، وغيرهما، وهذا أولى، وأرجح، ويكون العطف على بابه، كأنه قال آتينا ~~موسى التوراة، والآيات التي أرسلناه بها معجزة له. قوله { يا قوم } ~~القوم يطلق تارة على الرجال دون النساء، ومنه قول زهير # وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء # ومنه قوله تعالى # لا يسخر قوم من قوم # الحجرات 11، ثم قال # ولا نساء من نساء # الحجرات 11، ومنه # ولوطا إذ قال لقومه # الأعراف 80 أراد الرجال، وقد يطلق على الجميع كقوله تعالى # إنا أرسلنا نوحا إلى قومه # نوح 1 والمراد هنا بالقوم عبدة العجل. والباريء الخالق. وقيل إن ~~الباريء هو المبدع المحدث، والخالق هو المقدر الناقل من حال إلى حال. ~~وفي ذكر البارىء هنا إشارة إلى عظيم جرمهم، أي فتوبوا إلى الذي خلقكم، ~~وقد عبدتم معه غيره. والفاء في قوله «فتوبوا» للسببية أي لتسبب التوبة عن ~~الظلم، وفي قوله { فاقتلوا } للتعقيب، أي اجعلوا القتل متعقبا ~~للتوبة. قال القرطبي وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عبدة العجل بأن ~~يقتل نفسه بيده. قيل قاموا صفين، وقتل بعضهم بعضا. وقيل وقف الذين عبدوا ~~العجل، ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم. وقوله { فتاب ~~عليكم } قيل في الكلام حذف أي فقتلتم أنفسكم، { فتاب عليكم } أي على ~~الباقين منكم. وقيل هو جواب شرط محذوف، كأنه قال فإن فعلتم، فقد تاب ~~عليكم. وأما ما قاله صاحب الكشاف من أنه يجوز أن يكون خطابا من الله لهم ~~على طريقة الالتفات، فيكون التقدير ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم ~~بارئكم، فهو بعيد جدا كما لا يخفى. وقد أخرج ابن جرير عن أبي العالية ~~في قوله { أربعين ليلة } قال ذا القعدة، وعشرا من ذي الحجة. ms0121 # وقد أخرج ابن جرير عنه في قوله { من بعد ذلك } قال من بعد ما ~~اتخذتم العجل. وأخرج عبد ابن حميد، وابن جرير عن مجاهد في قوله { وإذ ~~ءاتينا موسى الكتب والفرقان } قال الكتاب هو الفرقان، ~~فرق بين الحق والباطل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس قال ~~الفرقان جماع اسم التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن. وأخرج ابن جرير ~~عنه قال أمر موسى قومه عن أمر ربه أن يقتلوا أنفسهم، واختبأ الذين عكفوا ~~على العجل، فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل فأخذوا الخناجر ~~بأيديهم، وأصابتهم ظلمة شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضا، فانجلت الظلمة ~~عنهم عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت ~~له توبة. وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال قالوا لموسى ما توبتنا؟ قال ~~يقتل بعضكم بعضا، فأخذوا السكاكين، فجعل الرجل يقتل أخاه، وأباه، وابنه، ~~لا يبالي من قتل حتى قتل منهم سبعون ألفا، فأوحى الله إلى موسى مرهم، ~~فليرفعوا أيديهم، وقد غفر لمن قتل، وتيب على من بقي. وقد أخرج عبد بن ~~حميد عن قتادة، وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير عن الزهري، نحوا مما ~~سبق. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله { إلى بارئكم } ~~قال خالقكم. ### || [2.55-57] # قوله { وإذ قلتم } هذه الجملة معطوفة على التي قبلها، وظاهر ~~السياق أن القائلين هذه المقالة هم قوم موسى. وقيل هم السبعون الذين ~~اختارهم. وذلك أنهم لما سمعوا كلام الله قالوا له بعد ذلك هذه المقالة، ~~فأرسل الله عليهم نارا فأحرقتهم، ثم دعا موسى ربه، فأحياهم كما قال ~~تعالى هنا { ثم بعثنكم من بعد موتكم } وسيأتي ذلك في ~~الأعراف إن شاء الله. والجهرة المعاينة، وأصلها الظهور، ومنه الجهر ~~بالقراءة، والمجاهرة بالمعاصي، ورأيت الأمر جهرة وجهارا أي غير مستتر ~~بشيء، وهي مصدر واقع موقع الحال، وقرأ ابن عباس «جهرة» بفتح الهاء، وهي ~~لغتان مثل زهرة، وزهرة، ويحتمل أن يكون على هذه القراءة جمع جاهر. ~~والصاعقة قد تقدم تفسيرها، وقرأ عمر، وعثمان وعلي ms0122 «الصعقة» وهي قراءة ~~ابن محيصن، والمراد بأخذ الصاعقة إصابتها إياهم. { وأنتم تنظرون ~~} في محل نصب على الحال، والمراد من هذا النظر الكائن منهم أنهم نظروا ~~أوائل الصاعقة النازلة بهم الواقعة عليهم. لا آخرها الذي ماتوا عنده، ~~وقيل المراد بالصاعقة الموت، واستدل عليه بقوله { ثم بعثنكم ~~من بعد موتكم } ولا موجب للمصير إلى هذا التفسير، لأن المصعوق ~~قد يموت كما في هذه الآية، وقد يغشى عليه، ثم يفيق كما في قوله تعالى # وخر موسى صعقا فلما أفاق # الأعراف 143 ومما يوجب بعد ذلك قوله { وأنتم تنظرون } فإنها ~~لو كانت الصاعقة عبارة عن الموت لم يكن لهذه الجملة كبير معنى، بل قد ~~يقال إنه لا يصح أن ينظروا الموت النازل بهم، إلا أن يكون المراد نظر ~~الأسباب المؤثرة للموت. والمراد بقوله { ثم بعثنكم } الإحياء ~~لهم لوقوعه بعد الموت، وأصل البعث الإثارة للشيء من محله، يقال بعثت ~~الناقة، أي أثرتها، ومنه قول امرىء القيس # وإخوان صدق قد بعثت بسحرة فقاموا جميعا بين غاث ونشوان # وقول عنترة # وصحابة شم الأنوف بعثتهم ليلا وقد مال الكرى بطلاها # وإنما عوقبوا بأخذ الصاعقة لهم لأنهم طلبوا ما لم يأذن الله به من رؤيته ~~في الدنيا. وقد ذهبت المعتزلة ومن تابعهم إلى إنكار الرؤية في الدنيا ~~والآخرة، وذهب من عداهم إلى جوازها في الدنيا، والآخرة، ووقوعها في ~~الآخرة. وقد تواترت الأحاديث الصحيحة بأن العباد يرون ربهم في الآخرة، ~~وهي قطعية الدلالة، لا ينبغي لمنصف أن يتمسك في مقابلها بتلك القواعد ~~الكلامية التي جاء بها قدماء المعتزلة، وزعموا أن العقل قد حكم بها، دعوى ~~مبنية على شفا جرف هار، وقواعد لا يغتر بها إلا من لم يحظ من العلم ~~النافع بنصيب، وسيأتيك إن شاء الله بيان ما تمسكوا به من الأدلة ~~القرآنية، وكلها خارج عن محل النزاع، بعيد من موضع الحجة، وليس هذا موضع ~~المقال في هذه المسألة. # قوله { وظللنا عليكم الغمام } أي فعلناه كالظلة، والغمام ~~جمع غمامة كسحابة، وسحاب، قاله الأخفش قال الفراء ويجوز غمائم. وقد ذكر ~~المفسرون ms0123 أن هذا جرى في التيه بين مصر، والشام لما امتنعوا من دخول مدينة ~~الجبارين. والمن قيل هو الترنجبين. قال النحاس هو بتشديد الراء، وإسكان ~~النون، ويقال الطرنجبين بالطاء، وعلى هذا أكثر المفسرين، وهو طل ينزل ~~من السماء على شجر، أو حجر، ويحلو، وينعقد عسلا، ويجف جفاف الصمغ، ذكر ~~معناه في القاموس، وقيل إن المن العسل، وقيل شراب حلو، وقيل خبز الرقاق، ~~وقيل إنه مصدر يعم جميع ما من الله به على عباده، من غير تعب، ولا ~~زرع، ومنه ما ثبت في صحيح البخاري، ومسلم، من حديث سعيد بن زيد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم # " أن الكمأة من المن الذي أنزل على موسى " # وقد ثبت مثله من حديث أبي هريرة عند أحمد، والترمذي، ومن حديث جابر، ~~وأبي سعيد، وابن عباس عند النسائي. والسلوى قيل هو السماني، كحبارى، ~~طائر يذبحونه، فيأكلونه. قال ابن عطية السلوى طير بإجماع المفسرين، وقد ~~غلط الهذلي فقال # وقاسمهما بالله جهدا لأنتما ألذ من السلوى إذا ما أشورها # ظن أن السلوى العسل. قال القرطبي ما ادعاه من الإجماع لا يصح. وقد قال ~~المؤرج أحد علماء اللغة، والتفسير إنه العسل. واستدل ببيت الهذلي، وذكر ~~أنه كذلك بلغة كنانة، وأنشد # لو شربت السلوان ما سلوت ما بي غنا عنك وإن غنيت # وقال الجوهري والسلوى العسل. قال الأخفش السلوى لا واحد له من لفظه مثل ~~الخير والشر، وهو يشبه أن يكون واحده سلوى. وقال الخليل واحده سلواة، ~~وأنشد # وإني لتعروني لذكراك سلوة كما انتفض السلواة من سلكه القطر # وقال الكسائي السلوى واحدة، وجمعه سلاوى. وقوله { كلوا } أي قلنا لهم ~~كلوا، وفي الكلام حذف، والتقدير قلنا كلوا فعصوا، ولم يقابلوا النعم ~~بالشكر، فظلموا أنفسهم، وما ظلمونا، فحذف هذا لدلالة { ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون } عليه، وتقديم الأنفس هنا يفيد ~~الاختصاص. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله { حتى نرى الله جهرة } قال علانية. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم عن أنس قال هم السبعون الذين ms0124 اختارهم موسى { ~~فأخذتكم الصعقة } قال ماتوا { ثم بعثنكم من ~~بعد موتكم } قال فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم. وأخرج عبد ~~بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله { ثم بعثنكم } نحوه. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { وظللنا عليكم ~~الغمام } قال غمام أبرد من هذا، وأطيب، وهو الذي يأتي الله فيه يوم ~~القيامة، وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر، وكان معهم في التيه. # وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وظللنا ~~عليكم الغمام } قال كان هذا الغمام في البرية ظلل عليهم الغمام ~~من الشمس، وأطعمهم المن، والسلوى حين برزوا إلى البرية، فكان المن يسقط ~~عليهم في محلتهم سقوط الثلج أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، يسقط ~~عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فيأخذ الرجل قدر ما يكفيه يومه ذلك، ~~فإن تعدى ذلك فسد ما يبقى عنده، حتى إذا كان يوم سادسه يوم جمعته أخذ ما ~~يكفيه ليوم سادسه، ويوم سابعه فبقي عنده، لأنه كان يوم عيد لا يشخص فيه ~~لأمر المعيشة، ولا لطلبة شيء، وهذا كله في البرية. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن أبي حاتم عن عكرمة قال المن شيء أنزل الله عليهم مثل الطل، ~~والسلوى طير أكبر من العصفور. وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~أبي حاتم عن مجاهد، قال المن صمغة، والسلوى طائر. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم عن السدي قال قالوا يا موسى كيف لنا بما ها هنا أين الطعام؟ ~~فأنزل الله عليهم المن، فكان يسقط على الشجرة الترنجبين. وأخرجوا عن وهب ~~أنه سئل ما المن؟ قال خبز الرقاق، مثل الذرة، أو مثل النوى. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال المن شراب كان ينزل عليهم مثل ~~العسل، فيمزجونه بالماء، ثم يشربونه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس قال كان المن ينزل عليهم بالليل على الأشجار، فيغدون إليه ~~فيأكلون منه ما شاءوا، والسلوى طائر يشبه السماني، كانوا يأكلون ms0125 منه ما ~~شاءوا. وأخرج ابن جرير عنه نحوه. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود وناس من ~~الصحابة، في السلوى مثله. وقد روى نحو ذلك عن جماعة من التابعين، ومن ~~بعدهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وما ظلمونا } قال ~~نحن أعز من أن نظلم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~{ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } قال يضرون. ### || [2.58-59] # قال جمهور المفسرين القرية هي بيت المقدس. وقيل إنها أريحاء قرية من قرى ~~بيت المقدس، وقيل من قرى الشام. وقوله { كلوا } أمر إباحة، و { ~~رغدا } كثيرا واسعا، وهو نعت لمصدر محذوف، أي أكلا رغدا، ويجوز أن ~~يكون في موضع الحال، وقد تقدم تفسيره. والباب الذي أمروا بدخوله هو باب ~~في بيت المقدس يعرف اليوم بباب حطة. وقيل هو باب القبة التي كان يصلي ~~إليها موسى وبنو إسرائيل. والسجود قد تقدم تفسيره وقيل هو هنا الانحناء، ~~وقيل التواضع والخضوع، واستدلوا على ذلك بأنه لو كان المراد السجود ~~الحقيقي الذي هو وضع الجبهة على الأرض لامتنع الدخول المأمور به لأنه لا ~~يمكن الدخول حال السجود الحقيقي. وقال في الكشاف إنهم أمروا بالسجود عند ~~الانتهاء إلى الباب شكرا لله، وتواضعا. واعترضه أبو حيان في النهر ~~الماد، فقال لم يؤمروا بالسجود، بل هو قيد في وقوع المأمور به، وهو ~~الدخول، والأحوال نسب تقييدية، والأوامر نسب إسنادية. انتهى. ويجاب عنه ~~بأن الأمر بالمقيد أمر بالقيد، فمن قال اخرج مسرعا، فهو أمر بالخروج على ~~هذه الهيئة، فلو خرج غير مسرع كان عند أهل اللسان مخالفا للأمر، ولا ~~ينافي هذا كون الأحوال نسبا تقييدية، فإن اتصافها بكونها قيودا مأمورا ~~بها هو شيء زائد على مجرد التقييد. وقوله { حطة } بالرفع في قراءة ~~الجمهور على إضمار مبتدأ، قال الأخفش وقرئت «حطة» نصبا على معنى احطط ~~عنا ذنوبنا حطة، وقيل معناها الاستغفار ومنه قول الشاعر # فاز بالحطة التي أمر الله بها ذنب عبده مغفورا # وقال ابن فارس في المجمل { حطة } كلمة أمروا بها، ولو قالوها ms0126 لحطت ~~أوزارهم. قال الرازي في تفسيره أمرهم بأن يقولوا ما يدل على التوبة وذلك ~~لأن التوبة صفة القلب، فلا يطلع الغير عليها، وإذا اشتهر، وأخذ بالذنب، ~~ثم تاب بعده لزمه أن يحكي توبته لمن شاهد منه الذنب لأن التوبة لا تتم ~~إلا به. انتهى. وكون التوبة لا تتم إلا بذلك لا دليل عليه، بل مجرد عقد ~~القلب عليها يكفي، سواء اطلع الناس على ذنبه أم لا. وربما كان التكتم ~~بالتوبة على وجه لا يطلع عليها إلا الله - عز وجل - أحب إلى الله، ~~وأقرب إلى مغفرته، وأما رفع ما عند الناس من اعتقادهم بقاءه على المعصية، ~~فذلك باب آخر. وقوله { نغفر لكم } قرأ نافع بالياء التحتية ~~المضمومة، وقرأه ابن عامر بالتاء الفوقية المضمومة، وقرأه الباقون ~~بالنون، وهي أولى. والخطايا جمع خطيئة بالهمز، وقد تكلم علماء العربية في ~~ذلك بما هو معروف في كتب الصرف، وقوله { وسنزيد المحسنين } أي ~~نزيدهم إحسانا على إحسانهم المتقدم، وهو اسم فاعل من أحسن، وقد ثبت في ~~الصحيح «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الإحسان فقال # " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # وقوله { فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل ~~لهم } قيل إنهم قالوا حنطة. وقيل غير ذلك، والصواب أنهم قالوا حبة في ~~شعرة كما سيأتي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله { ~~فأنزلنا على الذين ظلموا } هو من وضع الظاهر موضع المضمر ~~لنكتة، كما تقرر في علم البيان، وهي هنا تعظيم الأمر عليهم وتقبيح فعلهم، ~~ومنه قول عدي بن زيد # لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا # فكرر الموت في البيت ثلاثا تهويلا لأمره، وتعظيما لشأنه. وقوله { ~~رجزا } بكسر الراء في قراءة الجميع إلا ابن محيصن، فإنه قرأ بضم ~~الراء. والرجز العذاب، والفسق قد تقدم تفسيره. وقد أخرج عبد الرزاق، ~~وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ادخلوا هذه ~~القرية } قال بيت المقدس. وأخرج بن جرير عن ابن زيد قال هي ms0127 أريحاء ~~قرية من بيت المقدس. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله { ادخلوا الباب } ~~قال باب ضيق { سجدا } قال ركعا. وقوله { حطة } قال مغفرة، ~~فدخلوا من قبل أستاهم، وقالوا حنطة استهزاء. قال فذلك قوله تعالى { ~~فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم } ~~وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال الباب هو أحد أبواب بيت المقدس، وهو يدعى ~~باب حطة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني في الكبير، وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال قيل لهم { ادخلوا ~~الباب سجدا } فدخلوا مقنعي رءوسهم، وقالوا حنطة حبة حمراء فيها ~~شعيرة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير وابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله { ~~وادخلوا الباب سجدا } قال طأطئوا رءوسكم. { وقولوا ~~حطة } قال قولوا لا إله إلا الله. وأخرج البيهقي في الأسماء، ~~والصفات عن ابن عباس في قوله { قولوا حطة } قال لا إله إلا الله. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال كان الباب قبل القبلة. وأخرج البخاري، ومسلم ~~وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا، وقولوا حطة، فبدلوا، فدخلوا ~~يزحفون على أستأهم، وقالوا حبة في شعرة " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس وأبي هريرة، قالا قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدا يزحفون على أستاههم، وهم ~~يقولون حنطة في شعيرة " # ، والأول أرجح لكونه في الصحيحين. وقد أخرجه معهما من أخرج هذا الحديث ~~الآخر أعني ابن جرير، وابن المنذر. وأخرج ابن أبي شيبة، عن علي قال إنما ~~مثلنا في هذه الأمة كسفينة نوح، وكباب حطة في بني إسرائيل. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال كل شيء في كتاب الله من الرجز يعني ~~العذاب. وأخرج مسلم، وغيره من حديث أسامة بن زيد وسعد بن مالك وخزيمة بن ~~ثابت، قالوا قال رسول الله صلى ms0128 الله عليه وسلم # " وإن الطاعون رجز، وبقية عذاب عذب به أناس من قبلكم، فإذا كان بأرض، ~~وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا بلغكم أنه بأرض، فلا تدخلوها ". ### || [2.60-61] # الاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس المطر. ومعناه في اللغة طلب ~~السقيا. وفي الشرع ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفته من الصلاة ~~والدعاء. والحجر يحتمل أن يكون حجرا معينا، فتكون اللام للعهد، ويحتمل ~~أن لا يكون معينا، فتكون للجنس، وهو أظهر في المعجزة وأقوى للحجة. وقوله ~~{ فانفجرت } الفاء مترتبة على محذوف، تقديره فضرب، فانفجرت، ~~والانفجار الانشقاق وانفجر الماء انفجارا تفتح، والفجرة موضع تفتح ~~الماء. قال ابن عطية ولا خلاف أنه كان حجرا مربعا يخرج من كل جهة ثلاث ~~عيون إذا ضربه موسى سالت العيون، وإذا استغنوا عن الماء جفت. والمشرب ~~موضع الشرب، وقيل هو المشروب نفسه، وفيه دليل على أنه يشرب من كل عين قوم ~~منهم لا يشاركهم غيرهم. قيل كان لكل سبط عين من تلك العيون لا يتعداها ~~إلى غيرها، والأسباط ذرية الاثني عشر من أولاد يعقوب. وقوله { كلوا } ~~أي قلنا لهم كلوا المن والسلوى، واشربوا الماء المتفجر من الحجر، وعثا ~~يعثي عثيا، وعثا يعثو عثوا، وعاث يعيث عيثا، لغات بمعنى أفسد. وقوله { ~~مفسدين } حال مؤكدة. قال في القاموس عثي كرمي، وسعى ورضي، عيثا، ~~وعيوثا، وعيثانا، وعثا يعثو عثوا أفسد وقال في الكشاف " ~~العثي أشد الفساد. فقيل لهم لا تمادوا في الفساد في حال فسادكم لأنهم ~~كانوا متمادين فيه ". انتهى. قوله { لن نصبر على طعام وحد ~~} تضجر منهم بما صاروا فيه من النعمة، والرزق الطيب، والعيش المستلذ، ~~ونزوع إلى ما ألفوه قبل ذلك من خشونة العيش # إن الشقي بالشقاء مولع لا يملك الرد له إذا أتى # ويحتمل أن لا يكون هذا منهم تشوقا إلى ما كانوا فيه، ونظرا لما صاروا ~~إليه من العيشة الرافهة، بل هو باب من تعنتهم، وشعبة من شعب تعجرفهم كما ~~هو دأبهم، وهجيراهم في غالب ما قص علينا من أخبارهم. وقال الحسن ms0129 ~~البصري إنهم كانوا أهل كراث، وأبصال، وأعداس، فنزعوا إلى عكرهم، أي أصلهم ~~عكر السوء، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم، فقالوا { لن ~~نصبر على طعام وحد } والمراد بالطعام الواحد هو المن ~~والسلوى، وهما، وإن كانا طعامين لكن لما كانوا يأكلون أحدهما بالآخر ~~جعلوهما طعاما واحد. وقيل لتكررهما في كل يوم، وعدم وجود غيرهما معهما، ~~ولا تبدلة بهما. و " من " في قوله { مما تنبت } تخرج. قال الأخفش ~~زائدة، وخالفه سيبويه، لكونها لا تزاد في الكلام الموجب. قال النحاس ~~وإنما دعا الأخفش إلى هذا لأنه لم يجد مفعولا ليخرج فأراد أن يجعل " ما ~~" مفعولا. والأولى أن يكون المفعول محذوفا دل عليه سياق الكلام، أي ~~تخرج لنا مأكولا. # وقوله { من بقلها } بدل من " ما " بإعادة الحرف. والبقل كل نبات ~~ليس له ساق، والشجر ما له ساق. قال في الكشاف " البقل ما أنبتته الأرض من ~~الخضر، والمراد به أطايب البقول التي يأكلها الناس كالنعناع، والكرفس، ~~والكراث، وأشباهها ". انتهى. والقثاء بكسر القاف، وفتحها. والأولى قراءة ~~الجمهور، والثانية قراءة يحيى بن وثاب، وطلحة بن مصرف، وهو معروف. ~~والفوم قيل هو الثوم، وقد قرأه ابن مسعود بالثاء. وروي نحو ذلك عن ابن ~~عباس، وقيل الفوم الحنطة، وإليه ذهب أكثر المفسرين، كما قال القرطبي. ~~وقد رجح هذا ابن النحاس. وقال الجوهري الثوم الحنطة، وممن قال بهذا ~~الزجاج، والأخفش، وأنشد # قد كنت أحسبني كأغنى واحد ترك المدينة عن زراعة ~~فوم # وقال بالقول الأول الكسائي، والنضر بن شميل، ومنه قول أمية بن أبي ~~الصلت # كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة فيها الفراديس والفومات ~~والبصل # أي الثوم، وقال حسان # وأنتم أناس لئام الأصول طعامكم الفوم والحوقل # يعني الثوم والبصل، وقيل الفوم السنبلة. وقيل الحمص. وقيل الفوم كل حب ~~يخبز. والعدس والبصل معروفان. والاستبدال وضع الشيء موضع الآخر و { ~~أدنى } قال الزجاج إنه مأخوذ من الدنو. أي القرب، والمراد أتضعون ~~هذه الأشياء التي هي دون موضع المن والسلوى اللذين هما خير منها من جهة ~~الاستلذاذ، والوصول من عند الله بغير واسطة أحد ms0130 من خلقه، والحل الذي لا ~~تطرقه الشبهة، وعدم الكلفة بالسعي له، والتعب في تحصيله. وقوله { ~~اهبطوا مصرا } أي انزلوا، وقد تقدم معنى الهبوط. وظاهر هذا أن ~~الله أذن لهم بدخول مصر. وقيل إن الأمر للتعجيز لأنهم كانوا في التيه، ~~فهو مثل قوله تعالى # كونوا حجارة أو حديدا # الإسراء 50، وصرف مصر هنا مع اجتماع العلمية، والتأنيث لأنه ثلاثي ساكن ~~الوسط، وهو يجوز صرفه مع حصول السببين، وبه قال الأخفش والكسائي. وقال ~~الخليل، وسيبويه إن ذلك لا يجوز، وقالا إنه لا علمية هنا لأنه أراد مصرا ~~من الأمصار، ولم يرد المدينة المعروفة، وهو خلاف الظاهر. وقرأ الحسن، ~~وأبان بن تغلب، وطلحة بن مصرف بترك التنوين، وهو كذلك في مصحف أبي، وابن ~~مسعود. ومعنى ضرب الذلة، والمسكنة إلزامهم بذلك، والقضاء به عليهم قضاء ~~مستمرا لا يفارقهم، ولا ينفصل عنهم، مع دلالته على أن ذلك مشتمل عليهم ~~اشتمال القباب على من فيها، ومنه قول الفرزدق يهجو جريرا # ضربت عليك العنكبوت بوزنها وقضى عليك به الكتاب ~~المنزل # وهو ضرب من الهجاء بليغ، كما أنه إذا استعمل في المديح كان في منزلة ~~رفيعة، ومنه قول الشاعر # إن المروءة والشجاعة والندى في قبة ضربت على ابن ~~الحشرج # وهذا الخبر الذي أخبرنا الله به هو معلوم في جميع الأزمنة، فإن اليهود ~~أقمأهم الله أذل الفرق، وأشدهم مسكنة، وأكثرهم تصاغرا، لم ينتظم لهم ~~جمع، ولا خفقت على رءوسهم راية، ولا ثبتت لهم ولاية، بل ما زالوا عبيد ~~العصى في كل زمن، وطروقة كل فحل في كل عصر، ومن تمسك منهم بنصيب من المال ~~وإن بلغ في الكثرة أي مبلغ فهو متظاهر بالفقر مترد بأثواب المسكنة ~~ليدفع عن نفسه أطماع الطامعين في ماله، إما بحق كتوفير ما عليه من ~~الجزية، أو بباطل كما يفعله كثير من الظلمة من التجرؤ على الله بظلم من ~~لا يستطيع الدفع عن نفسه. ومعنى { باءوا } رجعوا، يقال باء بكذا، أي رجع ~~به، وباء إلى المباءة، أي رجع إلى المنزل، والبواء الرجوع، ويقال هم في ~~هذا ms0131 الأمر بواء، أي سواء يرجعون فيه إلى معنى واحد، وباء فلان بفلان إذا ~~كان حقيقا بأن يقبل به لمساواته له، ومنه قول الشاعر # ألا تنتهي عنا ملوك وتتقي محاربنا لا يبوأ الدم بالدم # والمراد في الآية أنهم رجعوا بغضب من الله، أو صاروا أحقاء بغضبه. وقد ~~تقدم تفسير الغضب، والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم من حديث الذلة ~~وما بعده بسبب كفرهم بالله، وقتلهم لأنبيائه بغير حق يحق عليهم اتباعه ~~والعمل به، ولم يخرج هذا مخرج التقييد حتى يقال إنه لا يكون قتل الأنبياء ~~بحق في حال من الأحوال لمكان العصمة، بل المراد نعي هذا الأمر عليهم ~~وتعظيمه، وأنه ظلم بحت في نفس الأمر. ويمكن أن يقال أنه ليس بحق في ~~اعتقادهم الباطل، لأن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لم يعارضوهم في ~~مال ولا جاه، بل أرشدوهم إلى مصالح الدين. والدنيا، كما كان من شعيا ~~وزكريا ويحيى، فإنهم قتلوهم، وهم يعلمون ويعتقدون أنهم ظالمون، وتكرير ~~الإشارة لقصد التأكيد، وتعظيم الأمر عليهم، وتهويله، ومجموع ما بعد ~~الإشارة الأولى والإشارة الثانية هو السبب لضرب الذلة وما بعده. وقيل ~~يجوز أن تكون الإشارة الثانية إلى الكفر والقتل، فيكون ما بعدها سببا ~~للسبب وهو بعيد جدا. والاعتداء تجاوز الحد في كل شيء. وقد أخرج ابن ~~جرير، عن ابن عباس في قوله { وإذ استسقى موسى لقومه } ~~قال ذلك في التيه، ضرب لهم موسى الحجر، فصار فيها اثنتا عشرة عينا من ~~ماء، لكل سبط منهم عين يشربون منها. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة ومجاهد ~~وابن أبي حاتم عن جويبر نحو ذلك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { ولا تعثوا فى الأرض } قال لا تسعوا في الأرض ~~فسادا. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي ~~مالك قال يعني لا تمشوا بالمعاصي. # وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال لا تسيروا في الأرض مفسدين. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله ms0132 { لن نصبر على ~~طعام وحد } قال المن والسلوى، واستبدلوا به البقل، وما حكى معه. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله { وفومها } قال الخبز، وفي لفظ البر، وفي لفظ الحنطة. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عنه قال الفوم الثوم. وأخرج ابن جرير، عن الربيع بن أنس مثله. ~~وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن ابن مسعود أنه قرأ «وثومها» وروى ~~ابن أبي الدنيا عن ابن عباس أنه قال قراءتي قراءة زيد، وأنا آخذ ببضعة ~~عشر حرفا من قراءة ابن مسعود هذا أحدها «من بقلها وقثائها وثومها». ~~وأخرج ابن جرير، عن مجاهد في قوله { الذى هو أدنى } قال أردأ. ~~وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة في قوله { اهبطوا مصرا } قال مصرا ~~من الأمصار. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية أنه مصر فرعون. وأخرج نحوه ~~ابن أبي داود، وابن الأنباري عن الأعمش. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~في قوله { وضربت عليهم الذلة } قال هم أصحاب الجزية. وأخرج ~~عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة والحسن قال ضربت عليهم الذلة، والمسكنة أي ~~يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية قال ~~المسكنة الفاقة. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله { وباءوا بغضب ~~من الله } قال استحقوا الغضب من الله. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ~~في قوله { وباءوا } قال انقلبوا. وأخرج أبو داود الطيالسي، وابن أبي ~~حاتم عن ابن مسعود قال كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلثمائة نبي، ثم ~~يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار. ### || [2.62] # قيل إن المراد بالذين آمنوا المنافقون، بدلالة جعلهم مقترنين باليهود، ~~والنصارى، والصابئين، أي آمنوا في الظاهر، والأولى أن يقال إن المراد ~~الذين صدقوا النبي صلى الله عليه وسلم، وصاروا من جملة أتباعه، وكأنه ~~سبحانه أراد أن يبين أن حال هذه الملة الإسلامية وحال من قبلها من سائر ~~الملل يرجع إلى شيء واحد، وهو أن من آمن منهم بالله، واليوم الآخر، وعمل ~~صالحا استحق ms0133 ما ذكره الله من الأجر، ومن فاته ذلك فاته الخير كله، ~~والأجر دقه وجله. والمراد بالإيمان هاهنا هو ما بينه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من قوله لما سأله جبريل عن الإيمان فقال # " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره " # ولا يتصف بهذا الإيمان إلا من دخل في الملة الإسلامية، فمن لم يؤمن ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولا بالقرآن، فليس بمؤمن، ومن آمن بهما صار ~~مسلما مؤمنا، ولم يبق يهوديا ولا نصرانيا ولا مجوسيا.p>> وقوله { ~~هادوا } معناه صاروا يهودا، قيل هو نسبة لهم إلى يهوذا بن يعقوب ~~بالذال المعجمة، فقلبتها العرب دالا مهملة، وقيل معنى هادوا تابوا ~~لتوبتهم عن عبادة العجل، ومنه قوله تعالى # إنا هدنا إليك # الأعراف 156 أي تبنا. وقيل إن معناه السكون، والموادعة. وقال في الكشاف ~~إن معناه دخل في اليهودية. والنصارى قال سيبويه مفرده نصران ونصرانة ~~كندمان وندمانة، وأنشد شاهدا على ذلك قول الشاعر # تراه إذا زار العشا متخففا ويضحي لديه وهو نصران شامس # p>> وقال الآخر # فكلتاهما خرت وأسجد رأسها كما سجدت نصرانة لم ~~تحنف # p>> قال ولكن لا يستعمل إلا بياء النسب، فيقال رجل نصراني وامرأة ~~نصرانية. وقال الخليل واحد النصارى نصري، وقال الجوهري ونصران قرية ~~بالشام تنسب إليها النصارى، ويقال ناصرة، وعلى هذا، فالياء للنسب. وقال ~~في الكشاف إن الياء للمبالغة كالتي في أحمري، سموا بذلك لأنهم نصروا ~~المسيح. والصابيئن جمع صابيء. وقيل صاب. وقد اختلف فيه القراء، فهمزوه ~~جميعا إلا نافعا، فمن همزه جعله من صبأت النجوم إذا طلعت، وصبأت ثنية ~~الغلام إذا خرجت. ومن لم يهمزه جعله من صبا يصبو إذا مال. والصابىء في ~~اللغة من خرج، ومال من دين إلى دين، ولهذا كانت العرب تقول لمن أسلم قد ~~صبأ، وسموا هذه الفرقة صابئة لأنها خرجت من دين اليهود، والنصارى، وعبدوا ~~الملائكة. وقوله { من ءامن بالله } في موضع نصب بدلا من الذين ~~آمنوا وما بعده، وقد تقدم معنى الإيمان، ويكون خبر إن قوله { فلهم ~~أجرهم } ويجوز أن ms0134 يكون قوله «من آمن بالله» في محل رفع على أنه ~~مبتدأ خبره قوله «فلهم أجرهم» وهما جميعا خبر إن، والعائد مقدر في ~~الجملة الأولى، أي من آمن منهم، ودخلت الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى ~~الشرط. # وقد تقدم تفسير قوله تعالى # فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون # البقرة 38 p>> وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سلمان قال سألت النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم، فذكرت من صلاتهم، وعبادتهم، فنزلت { ~~إن الذين ءامنوا والذين هادوا } الآية. وأخرج الواحدي ~~عن مجاهد نحو ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في ذكر السبب ~~بنحو ما سبق، وحكى قصة طويلة. وأخرج أبو داود في الناسخ، والمنسوخ، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { إن الذين ءامنوا ~~والذين هادوا } قال فأنزل الله بعد هذا # ومن يبتغ غير الإسلم دينا فلن يقبل منه وهو ~~فى الاخرة من الخسرين # آل عمران 85. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن علي قال إنما سميت اليهود ~~لأنهم قالوا # إنا هدنا إليك # الأعراف 156. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال نحن أعلم من أين سميت ~~اليهود باليهودية من كلمة موسى عليه السلام { إنا هدنا إليك } ~~ولم تسمت النصارى بالنصرانية؟ من كلمة عيسى عليه السلام # كونوا أنصر الله # الصف 17 وأخرج أبو الشيخ نحوه. وأخرج ابن جرير عن قتادة إنما تسموا ~~نصارى بقرية يقال لها ناصرة. وأخرج ابن سعد في طبقاته، وابن جرير، عن ابن ~~عباس قال إنما سميت النصارى لأن قرية عيسى كانت تسمى ناصرة. وأخرج عبد ~~الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال الصابئون فرقة بين ~~اليهود. والنصارى، والمجوس، ليس لهم دين. وأخرج عبد الرزاق، عنه قال قال ~~ابن عباس، فذكر نحوه. وقد روى في تفسير الصابئين غير هذا. ### || [2.63-66] # قوله { وإذ أخذنا } هو في محل نصب بعامل مقدر، هو اذكروا، كما ~~تقدم غير مرة. وقد تقدم تفسير الميثاق، والمراد أنه أخذ سبحانه عليهم ~~الميثاق بأن ms0135 يعملوا بما شرعه لهم في التوراة، وبما هو أعم من ذلك، أو ~~أخص. والطور اسم الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام، وأنزل عليه ~~التوراة فيه. وقيل هو اسم لكل جبل بالسريانية. وقد ذكر كثير من المفسرين ~~أن موسى لما جاء بني إسرائيل من عند الله بالألواح قال لهم اسم خذوها، ~~والتزموها. فقالوا لا، إلا أن يكلمنا الله بها كما كلمك. فصعقوا، ثم ~~أحيوا، فقال لهم خذوها، والتزموها، فقالوا لا، فأمر الله الملائكة ~~فاقتلعت جبلا من جبال فلسطين، طوله فرسخ في مثله، وكذلك كان عسكرهم، ~~فجعل عليهم مثل الظلة، وأتوا ببحر من خلفهم، ونار من قبل وجوههم، وقيل ~~لهم خذوها، وعليكم الميثاق أن لا تضيعوها، وإلا سقط عليكم الجبل، فسجدوا ~~توبة لله، وأخذوا التوراة بالميثاق. p>> قال ابن جرير عن بعض العلماء لو ~~أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق. قال ابن عطية والذي لا يصح سواه أن ~~الله سبحانه اخترع وقت سجودهم الإيمان، لا أنهم آمنوا كرها، وقلوبهم غير ~~مطمئنة. انتهى. وهذا تكلف ساقط حمله عليه المحافظة على ما قد ارتسم ~~لديه من قواعد مذهبية قد سكن قلبه إليها كغيره، وكل عاقل يعلم أنه لا سبب ~~من أسباب الإكراه أقوى من هذا، أو أشد منه، ونحن نقول أكرههم الله على ~~الإيمان، فآمنوا مكرهين، ورفع عنهم العذاب بهذا الإيمان، وهو نظير ما ثبت ~~في شرعنا من رفع السيف عمن تكلم بكلمة الإسلام، والسيف مصلت قد هزه ~~حامله على رأسه، وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن ~~قتل من تكلم بكلمة الإسلام معتذرا عن قتله بأنه قالها تقية، ولم تكن عن ~~قصد صحيح # " أأنت فتشت عن قلبه " # وقال # " لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس " # وقوله { خذوا } أي وقلنا لهم { خذوا ما ءاتينكم بقوة } ~~والقوة الجد والاجتهاد. والمراد بذكر ما فيه أن يكون محفوظا عندهم ~~ليعملوا به.p>> قوله { ثم توليتم } أصل التولي الإدبار عن ~~الشيء، والإعراض بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والأديان ~~والمعتقدات ms0136 اتساعا ومجازا، والمراد هنا إعراضهم عن الميثاق المأخوذ ~~عليهم، وقوله { من بعد ذلك } أي من بعد البرهان لهم، والترهيب ~~بأشد ما يكون، وأعظم ما تجوزه العقول، وتقدر الأفهام، وهو رفع الجبل فوق ~~رءوسهم كأنه ظلة عليهم. وقوله { فلولا فضل الله عليكم } ~~بأن تدارككم بلطفه، ورحمته، حتى أظهرتم التوبة لخسرتم. # والفضل الزيادة. قال ابن فارس في المجمل الفضل الزيادة، والخير، ~~والإفضال الإحسان. انتهى. والخسران النقصان، وقد تقدم تفسيره. p>> والسبت ~~في أصل اللغة القطع لأن الأشياء تمت فيه وانقطع العمل. وقيل هو مأخوذ من ~~السبوت، وهو الراحة، والدعة. وقال في الكشاف " السبت مصدر سبتت اليهود، ~~إذا عظمت يوم السبت ". انتهى. وقد ذكر جماعة من المفسرين أن اليهود ~~افترقت فرقتين ففرقة اعتدت في السبت أي جاوزت ما أمرها الله به من العمل ~~فيه، فصادوا السمك الذي نهاهم الله عن صيده فيه، والفرقة الأخرى انقسمت ~~إلى فرقتين. ففرقة جاهرت بالنهي، واعتزلت، وفرقة لم توافق المعتدين، ولا ~~صادوا معهم، لكنهم جالسوهم، ولم يجاهروهم بالنهي، ولا اعتزلوا عنهم، ~~فمسخهم الله جميعا، ولم تنج إلا الفرقة الأولى فقط، وهذه من جملة المحن ~~التي امتحن الله بها هؤلاء الذين بالغوا في العجرفة، وعاندوا أنبياءهم، ~~وما زالوا في كل موطن يظهرون من حماقاتهم، وسخف عقولهم، وتعنتهم نوعا من ~~أنواع التعسف، وشعبة من شعب التكلف، فإن الحيتان كانت في يوم السبت كما ~~وصف الله سبحانه بقوله # إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا ~~يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم # الأعراف 163 فاحتالوا لصيدها، وحفروا الحفائر، وشقوا الجداول فكانت ~~الحيتان تدخلها يوم السبت، فيصيدونها يوم الأحد، فلم ينتفعوا بهذه الحيلة ~~الباطلة. والخاسىء المبعد، يقال خسأته، فخسأ، وخسيء، وانخسأ أبعدته، ~~فبعد. ومنه قوله تعالى # ينقلب إليك البصر خاسئا # الملك 4 أي مبعدا. وقوله # اخسئوا فيها # المؤمنون 108 أي تباعدوا تباعد سخط، ويكون الخاسىء بمعنى الصاغر. ~~والمراد هنا كونوا بين المصير إلى أشكال القردة مع كونهم مطرودين صاغرين، ~~فقردة خبر الكون، وخاسئين خبر آخر، وقيل إنه صفة لقردة، والأول أظهر.p>> ~~واختلف في ms0137 مرجع الضمير في قوله { فجعلناها } وفي قوله { لما ~~بين يديها وما خلفها } فقيل العقوبة. وقيل الأمة، وقيل ~~القرية. وقيل القردة. وقيل الحيتان. والأول أظهر. p>> والنكال الزجر ~~والعقاب، والنكل القيد لأنه يمنع صاحبه، ويقال للجام الدابة نكل لأنه ~~يمنعها. والموعظة مأخوذة من الاتعاظ، والانزجار، والوعظ التخويف. وقال ~~الخليل الوعظ التذكير بالخير. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال الطور ~~الجبل الذي أنزلت عليه التوراة، وكان بنو إسرائيل أسفل منه. وأخرج نحوه ~~عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه عن ابن عباس قال الطور ما أنبت من الجبال، وما لم ينبت، فليس ~~بطور. وأخرج ابن جرير عنه في قوله { خذوا ما ءاتينكم ~~بقوة } قال أي بجد. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن أبي العالية ~~في قوله { واذكروا ما فيه } قال اقرءوا ما في التوراة، واعملوا ~~به. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير، عن ابن عباس في قوله { لعلكم ~~تتقون } قال لعلكم تنزعون عما أنتم عليه. # p>> وأخرج ابن جرير عنه قال { ولقد علمتم } أي عرفتم { واعتدوا ~~} يقول اجترءوا في السبت بصيد السمك، فمسخهم الله قردة بمعصيتهم، ولم يعش ~~مسيخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. وأخرج ابن المنذر ~~عنه قال القردة والخنازير من نسل الذين مسخوا. وأخرج ابن المنذر عن الحسن ~~قال انقطع ذلك النسل. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال ~~مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله لهم كقوله # كمثل الحمار يحمل أسفارا # الجمعة 5 وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في الآية، قال أحلت ~~لهم الحيتان، وحرمت عليهم يوم السبت، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، فكان ~~فيهم ثلاثة أصناف، وذكر نحو ما قدمناه عن المفسرين. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~عن ابن عباس قال صار شباب القوم قردة، والمشيخة صاروا خنازير. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { خسئين } قال ذليلين. وأخرج ابن ~~المنذر عنه في قوله ms0138 { خسئين } قال صاغرين. وأخرج ابن جرير، عن ~~مجاهد مثله. p>> وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ~~فجعلنها نكلا لما بين يديها } من القرى { وما ~~خلفها } من القرى { وموعظة للمتقين } الذين من بعدهم ~~إلى يوم القيامة. وأخرج ابن جرير عنه { فجعلناها } يعني الحيتان { ~~نكلا لما بين يديها وما خلفها } من الذنوب التي ~~عملوا قبل وبعد. وأخرج ابن جرير عنه { فجعلناها } قال جعلنا تلك ~~العقوبة، وهي المسخة { نكلا } عقوبة { لما بين يديها } ~~يقول ليحذر من بعدهم عقوبتي { وما خلفها } يقول للذين كانوا معهم { ~~وموعظة } قال تذكرة، وعبرة للمتقين. ### || [2.67-71] # قيل إن قصة ذبح البقرة المذكورة هنا مقدم في التلاوة، ومؤخر في المعنى، ~~على قوله تعالى # وإذ قتلتم نفسا # البقرة 72 ويجوز أن يكون قوله { قتلتم } مقدما في النزول، ويكون الأمر ~~بالذبح مؤخرا، ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب تلاوتها، فكأن الله ~~أمر بذبح البقرة حتى ذبحوها، ثم وقع ما وقع من أمر القتل، فأمروا أن ~~يضربوه ببعضها هذا على فرض أن الواو تقتضي الترتيب، وقد تقرر في علم ~~العربية أنها لمجرد الجمع، من دون ترتيب، ولامعية، وسيأتي في قصة القتل ~~تمام الكلام، والبقرة اسم للأنثى، ويقال للذكر ثور، وقيل إنها تطلق ~~عليهما، وأصله من البقر، وهو الشق لأنها تشق الأرض بالحرث، قال الأزهري ~~البقر اسم جنس، وجمعه باقر، وقد قرأ عكرمة، ويحيى بن يعمر { إن * ~~البقر تشبه علينا } وقوله { هزوا } الهزو هنا اللعب ~~والسخرية. وقد تقدم تفسيره. وإنما يفعل ذلك أهل الجهل لأنه نوع من العبث ~~الذي لا يفعله العقلاء، ولهذا أجابهم موسى بالاستعاذة بالله سبحانه من ~~الجهل. p>> وقوله { قالوا ادع لنا ربك } هذا نوع من أنواع ~~تعنتهم المألوفة، فقد كانوا يسلكون هذه المسالك في غالب ما أمرهم الله ~~به، ولو تركوا التعنت والأسئلة المتكلفة، لأجزأهم ذبح بقرة من عرض ~~البقر، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم كما سيأتي بيانه. والفارض المسنة، ~~ومعناه في اللغة الواسع. قال في الكشاف وكأنها سميت فارضا لأنها فرضت ~~سنها أي قطعتها وبلغت ms0139 آخرها. انتهى. ويقال للشيء القديم فارض، ومنه قول ~~الراجز # يا رب ذي ضغن علي فارض له قرو كقرو الحائض # أي قدي. وقيل الفارض التي قد ولدت بطونا كثيرة فيتسع جوفها، والبكر ~~الصغيرة التي لم تحمل، وتطلق في إناث البهائم وبني آدم على ما لم يفتحله ~~الفحل، وتطلق أيضا على الأول من الأولاد، ومنه قول الراجز # يا بكر بكرين ويا صلب الكبد أصبحت مني كذراع من ~~عضد # p>> والعوان المتوسطة بين سني الفارض والبكر، وهي التي قد ولدت بطنا، ~~أو بطنين ويقال هي التي قد ولدت مرة بعد مرة، والإشارة بقوله { بين ~~ذلك } إلى الفارض، والبكر، وهما وإن كانتا مؤنثتين، فقد أشير إليهما ~~بما هو للمذكر على تأويل المذكور، كأنه قال بين ذلك المذكور. وجاز دخول ~~بين المقتضية لشيئين لأن المذكور متعدد. وقوله { فافعلوا } تجديد ~~للأمر وتأكيد له، وزجر لهم عن التعنت، فلم ينفعهم ذلك، ولا نجع فيهم، بل ~~رجعوا إلى طبيعتهم، وعادوا إلى مكرهم، واستمروا على عادتهم المألوفة، ~~فقالوا { ادع لنا ربك }.p>> واللون واحد الألوان، وجمهور ~~المفسرين على أنها كانت جميعها صفراء. قال بعضهم حتى قرنها، وظلفها. # وقال الحسن. وسعيد بن جبير إنها كانت صفراء القرن. والظلف فقط، وهو خلاف ~~الظاهر. والمراد بالصفرة هنا الصفرة المعروفة. وروى عن الحسن أن صفراء ~~معناه سوداء، وهذا من بدع التفاسير ومنكراتها، وليت شعري كيف يصدق على ~~اللون الأسود الذي هو أقبح الألوان أنه يسر الناظرين، وكيف يصح وصفه ~~بالفقوع الذي يعلم كل من يعرف لغة العرب أنه لا يجزي على الأسود بوجه من ~~الوجوه، فإنهم يقولون في وصف الأسود حالك، وحلكوك، ودجوجى وغربيب. قال ~~الكسائي يقال فقع لونها يفقع فقوعا إذا خلصت صفرته. وقال في الكشاف " ~~الفقوع أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه ". ومعنى { تسر النظرين ~~} تدخل عليهم السرور إذا نظروا إليها إعجابا بها، واستحسانا للونها. ~~قال وهب كانت كأن شعاع الشمس يخرج من جلدها. p>> ثم لم ينزعوا عن ~~غوايتهم، ولا ارعووا من سفههم وجهلهم، بل عادوا إلى تعنتهم فقال { ادع ms0140 ~~لنا ربك يبين لنا ما هى إن البقر تشبه ~~علينا } أي أن جنس البقر يتشابه عليهم لكثرة ما يتصف منها بالعوان ~~الصفراء الفاقعة، ووعدوا من أنفسهم بالاهتداء إلى ما دلهم عليه، ~~والامتثال لما أمروا به. p>> والذلول التي لم يذللها العمل، أي هي غير ~~مذللة بالعمل، ولا ريضة به. وقوله { تثير } في موضع رفع على الصفة ~~لبقرة، أي هي بقرة لا ذلول مثيرة، وكذلك قوله { ولا تسقى الحرث ~~} في محل رفع لأنه وصف لها، أي ليست من النواضح التي يسنى عليها لسقي ~~الزروع، وحرف النفي الآخر توكيد للأول، أي هي بقرة غير مذللة بالحرث، ~~ولا بالنضح، ولهذا قال الحسن كانت البقرة وحشية. وقال قوم إن قوله { تثير ~~} فعل مستأنف، والمعنى إيجاب الحرث لها، والنضح بها. والأول أرجح لأنها ~~لو كانت مثيرة ساقية، لكانت مذللة ريضة، وقد نفى الله ذلك عنها. p>> ~~وقوله { مسلمة } مرتفع على أنه من أوصاف البقرة، ويجوز أن يكون ~~مرتفعا على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي هي مسلمة. والجملة في محل رفع على ~~أنها صفة، والمسلمة هي التي لا عيب فيها. وقيل مسلمة من العمل، وهو ~~ضعيف لأن الله سبحانه قد نفى ذلك عنها، والتأسيس خير من التأكيد، ~~والإفادة أولى من الإعادة. والشية أصلها وشية حذفت الواو كما حذفت من ~~يشي، وأصله يوشى، ونظيره الزنة، والعدة، والصلة، وهي مأخوذة من وشي الثوب ~~إذا نسج على لونين مختلفين، وثور موشى في وجهه، وقوائمه سواد. والمراد أن ~~هذه البقرة خالصة الصفرة ليس في جسمها لمعة من لون آخر. فلما سمعوا هذه ~~الأوصاف التي لا يبقى بعدها ريب، ولا يخالج سامعها شك، ولا تحتمل الشركة ~~بوجه من الوجوه، أقصروا من غوايتهم، وانتبهوا من رقدتهم، وعرفوا بمقدار ~~ما أوقعهم فيه تعنتهم من التضييق عليهم { قالوا الئن جئت ~~بالحق } أي أوضحت لنا الوصف، وبينت لنا الحقيقة التي يجب الوقوف ~~عندها، فحصلوا تلك البقرة الموصوفة بتلك الصفات { فذبحوها } ~~وامتثلوا الأمر الذي كان يسرا، فعسروه، وكان واسعا فضيقوه { وما ~~كادوا يفعلون } ما أمروا به ms0141 لما وقع منهم من التثبط، والتعنت، ~~وعدم المبادرة. # فكان ذلك مظنة للاستبعاد، ومحلا للمجىء بعبارة مشعرة بالتثبط الكائن ~~منهم. وقيل إنهم ما كادوا يفعلون لعدم وجدان البقرة المتصفة بهذه ~~الأوصاف، وقيل لارتفاع ثمنها. وقيل لخوف انكشاف أمر المقتول، والأول ~~أرجح. وقد استدل جماعة من المفسرين والأصوليين بهذه الآية على جواز النسخ ~~قبل إمكان الفعل. وليس ذلك عندي بصحيح لوجهين الأول أن هذه الأوصاف ~~المزيدة بسبب تكرر السؤال هي من باب التقييد للمأمور به، لا من باب ~~النسخ، وبين البابين بون بعيد كما هو مقرر في علم الأصول. الثاني أنا ~~لو سلمنا أن هذا من باب النسخ لا من باب التقييد لم يكن فيه دليل على ما ~~قالوه، فإنه قد كان يمكنهم بعد الأمر الأول أن يعمدوا إلى بقرة من عرض ~~البقر فيذبحونها، ثم كذلك بعد الوصف بكونها جامعة بين الوصف بالعوان، ~~والصفراء، ولا دليل يدل على أن هذه المحاورة بينهم، وبين موسى عليه ~~السلام واقعة في لحظة واحدة، بل الظاهر أن هذه الأسئلة المتعنتة كانوا ~~يتواطؤون عليها، ويديرون الرأي بينهم في أمرها، ثم يوردونها، وأقل ~~الأحوال الاحتمال القادح في الاستدلال. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن عبيدة السلماني قال ~~كان رجل من بني إسرائيل عقيما لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن ~~أخيه وارثه، فقتله ثم احتمله ليلا، فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح ~~يدعيه عليهم حتى تسلحوا، وركب بعضهم إلى بعض، فقال ذو الرأي منهم علام ~~يقتل بعضكم بعضا، وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى، فذكروا ذلك له، فقال ~~{ إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } الآية، قال فلو ~~لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شددوا، فشدد عليهم حتى ~~انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجدوها عند رجل ليس له بقرة ~~غيرها، فقال والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهبا، فأخذوها بملء جلدها ~~ذهبا، فذبحوها فضربوه ببعضها، فقام فقالوا من قتلك؟ فقال هذا، لابن ~~أخيه، ثم ms0142 مال ميتا، فلم يعط من ماله شيئا، ولم يورث قاتل بعده. وأخرج ~~ابن أبي الدنيا في كتاب «من عاش بعد الموت» عن ابن عباس أن القتيل وجد ~~بين قريتين وأن البقرة كانت لرجل كان يبر أباه، فاشتروها بوزنها ذهبا. ~~وأخرج ابن جرير، عنه، نحوا من ذلك، ولم يذكر ما تقدم في البقرة. # وقد روى في هذا قصص مختلفة لا يتعلق بها كثير فائدة. وأخرج البزار، عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن بني إسرائيل لو أخذوا أدنى بقرة لأجزأهم، أو لأجزأت عنهم " # وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " لولا أن بني إسرائيل قالوا { وإنا إن شاء الله لمهتدون ~~} ما أعطوا أبدا، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر، فذبحوها لأجزأت عنهم، ~~ولكنهم شددوا، فشدد الله عليهم " # وأخرج نحوه الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر عن عكرمة يبلغ به النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وأخرجه ابن جرير، عن ابن جريج يرفعه. وأخرجه ابن ~~جرير، عن قتادة يرفعه أيضا، وهذه الثلاثة مرسلة. وأخرج نحوه ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، عن ابن عباس. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~من طرق عن ابن عباس قال الفارض الهرمة، والبكر الصغيرة، والعوان النصف. ~~وأخرج نحوه عن مجاهد. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في ~~قوله { عوان بين ذلك } قال بين الصغيرة، والكبيرة، وهي أقوى ما ~~يكون، وأحسنه. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه أيضا في قوله { ~~صفراء فاقع لونها } قال شديدة الصفرة، تكاد من صفرتها تبيض. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عمر في قوله { صفراء } قال صفراء الظلف { ~~فاقع لونها } قال صافي. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن ~~جرير عن قتادة قال { فاقع لونها } أي صاف { تسر ~~النظرين } أي تعجب. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير ~~عن الحسن في قوله { صفراء فاقع لونها } قال سوداء شديدة ~~السواد. وأخرج ابن ms0143 جرير عن أبي العالية في قوله { لا ذلول } أي لم ~~يذلها العمل { تثير الأرض } يعني ليست بذلول، فتثير الأرض { ولا ~~تسقى الحرث } يقول ولا تعمل في الحرث { مسلمة } قال من ~~العيوب. وأخرج نحوه عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد. وقال { لأشية فيها ~~} لا بياض فيها ولا سواد. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس { مسلمة } ~~لا عوار فيها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { قالوا الئن ~~جئت بالحق } قالوا الآن بينت لنا { فذبحوها وما كادوا ~~يفعلون } وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب في قوله { وما كادوا ~~يفعلون } لغلاء ثمنها. ### || [2.72-74] # قد تقدم ما ذكرناه في قصة ذبح البقرة، فيكون تقدير الكلام { وإذا * ~~قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما ~~كنتم تكتمون } فقال موسى لقومه { إن الله يأمركم أن ~~تذبحوا بقرة } إلى آخر القصة، وبعدها { فقلنا اضربوه ~~ببعضها } الآية. وقال الرازي في تفسيره اعلم أن وقوع القتل لا بد أن ~~يكون متقدما لأمره تعالى بالذبح، فأما الإخبار عن وقوع ذلك القتل، وعن ~~أنه لا بد أن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة، فلا يجب أن يكون متقدما على ~~الإخبار عن قصة البقرة، فقول من يقول هذه القصة يجب أن تكون متقدمة في ~~التلاوة على الأولى، خطأ لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على ~~الأولى في الوجود، فأما التقدم في الذكر، فغير واجب لأنه تارة يقدم ذكر ~~السبب على ذكر الحكم، وأخرى على العكس من ذلك، فكأنهم لما وقعت تلك ~~الواقعة أمرهم الله بذبح البقرة، فلما ذبحوها قال وإذ قتلتم نفسا من ~~قبل، ونسب القتل إليهم بكون القاتل منهم. وأصل ادارأتم تدارأتم، ثم ~~أدغمت التاء في الدال، ولما كان الابتداء بالمدغم الساكن لا يجوز زادوا ~~ألف الوصل، ومعنى ادارأتم اختلفتم وتنازعتم لأن المتنازعين يدرأ بعضهم ~~بعضا، أي يدفعه، ومعنى { مخرج } مظهر أي ما كتمتم بينكم من أمر ~~القتل، فالله مظهره لعباده، ومبينه لهم، وهذه الجملة معترضة بين أجزاء ~~الكلام، أي فادارأتم فيها فقلنا. واختلف في تعيين البعض ms0144 الذي أمروا أن ~~يضربوا القتيل به، ولا حاجة إلى ذلك مع ما فيه من القول بغير علم، ~~ويكفينا أن نقول أمرهم الله بأن يضربوه ببعضها، فأي بعض ضربوا به، فقد ~~فعلوا ما أمروا به، وما زاد على هذا، فهو من فضول العلم، إذ لم يرد به ~~برهان. قوله { كذلك يحيىالله الموتى } في الكلام حذف، ~~والتقدير { فقلنا اضربوه ببعضها } فأحياه الله { كذلك * ~~يحيى * الله الموتى } أي إحياء كمثل هذا الإحياء. { ~~ويريكم ءايته } أي علاماته، ودلائله الدالة على كمال قدرته، ~~وهذا يحتمل أن يكون خطابا لمن حضر القصة، ويحتمل أن يكون خطابا ~~للموجودين عند نزول القرآن. والقسوة الصلابة واليبس، وهي عبارة عن خلوها ~~من الإنابة، والإذعان لآيات الله، مع وجود ما يقتضى خلاف هذه القسوة من ~~إحياء القتيل، وتكلمه، وتعيينه لقاتله، والإشارة بقوله { من بعد ~~ذلك } إلى ما تقدم من الآيات الموجبة للين القلوب ورقتها. قيل «أو» ~~في قوله { أو أشد قسوة } بمعنى الواو كما في قوله تعالى # آثما أو كفورا # الأنسان 24 وقيل هي بمعنى بل، وعلى أن «أو» على أصلها، أو بمعنى الواو، ~~فالعطف على قوله { كالحجارة } أي هذه القلوب هي كالحجارة أو هي ~~أشد قسوة منها، فشبهوها بأي الأمرين شئتم، فإنكم مصيبون في هذا ~~التشبيه، وقد أجاب الرازي في تفسيره عن وقوع «أو» ههنا مع كونها للترديد، ~~أي لا يليق لعلام الغيوب بثمانية أوجه، وإنما توصل إلى أفعل التفضيل ~~بأشد مع كونه يصح أن يقال وأقسى من الحجارة، لكونه أبين وأدل على فرط ~~القسوة، كما قاله في الكشاف. # وقرأ الأعمش «أو أشد» بنصب الدال، وكأنه عطفه على الحجارة، فيكون أشد ~~مجرورا بالفتحة. وقوله { وإن من الحجارة } إلى آخره، قال في ~~الكشاف إنه بيان لفضل قلوبهم على الحجارة في شدة القسوة، وتقرير لقوله { ~~أو أشد قسوة }. انتهى. وفيه أن مجيء البيان بالواو غير مألوف، ~~ولا معروف، والأولى جعل ما بعد الواو تذييلا أو حالا. التفجر التفتح، ~~وقد سبق تفسيره. وأصل { يشقق } يتشقق أدغمت التاء في الشين، وقد ~~قرأ الأعمش «يتشقق» ms0145 على الأصل. وقرأ ابن مصرف " ينشق " بالنون. والشق ~~واحد الشقوق، وهو يكون بالطول، أو بالعرض، بخلاف الانفجار، فهو الانفتاح ~~من موضع واحد مع اتساع الخرق. والمراد أن الماء يخرج من الحجارة من مواضع ~~الانفجار، والانشقاق، ومن الحجارة ما يهبط أي ينحط من المكان الذي هو ~~فيه إلى أسفل منه من الخشية لله التي تداخله، وتحل به. وقيل إن الهبوط ~~مجاز عن الخشوع منها، والتواضع الكائن فيها، انقيادا لله عز وجل، فهو ~~مثل قوله تعالى # لو أنزلنا هذا القرءان على جبل لرأيته ~~خشعا متصدعا من خشية الله # الحشر 21 وقد حكى ابن جرير عن فرقة أن الخشية للحجارة مستعارة، كما ~~استعيرت الإرادة للجدار، وكما قال الشاعر # لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال ~~الخشع # وذكر الجاحظ أن الضمير في قوله { وإن منها } راجع إلى القلوب لا ~~إلى الحجارة، وهو فاسد، فإن الغرض من سياق هذا الكلام هو التصريح بأن ~~قلوب هؤلاء بلغت في القسوة، وفرط اليبس الموجبين لعدم قبول الحق، والتأثر ~~للمواعظ إلى مكان لم تبلغ إليه الحجارة، التي هي أشد الأجسام صلابة، ~~وأعظمها صلادة، فإنها ترجع إلى نوع من اللين، وهي تفجرها بالماء، وتشققها ~~عنه، وقبولها لما توجبه الخشية لله من الخشوع، والانقياد، بخلاف تلك ~~القلوب، وفي قوله { وما الله بغفل عما تعملون } من ~~التهديد، وتشديد الوعيد ما لا يخفى، فإن الله عز وجل إذا كان عالما بما ~~يعملونه مطلعا عليه غير غافل عنه كان لمجازاتهم بالمرصاد. وقد أخرج عبد ~~بن حميد، وابن جرير عن مجاهد في قوله { وإذ قتلتم نفسا ~~فادارأتم فيها } قال اختلفتم فيها { والله مخرج ما ~~كنتم تكتمون } قال ما تغيبون. وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي في ~~شعب الإيمان، عن المسيب بن رافع قال «ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا ~~أظهرها الله، وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وتصديق ~~ذلك في كتاب الله { والله مخرج ما كنتم تكتمون } » ~~وأخرج أحمد، والحاكم وصححه عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى ms0146 الله عليه ~~وسلم # " لو أن رجلا عمل عملا في صخرة صماء لا باب لها، ولا كوة خرج عمله ~~إلى الناس كائنا ما كان " # وأخرج البيهقي من حديث عثمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من كانت له سريرة صالحة، أو سيئة أظهر الله منها رداء، يعرف به " # ورواه البيهقي أيضا بنحوه من قول عثمان قال والموقوف أصح. وأخرج أبو ~~الشيخ، والبيهقي عن أنس مرفوعا، حديثا طويلا في هذا المعنى ومعناه أن ~~الله يلبس كل عامل عمله حتى يتحدث به الناس، ويزيدون، ولو عمله في جوف ~~بيت إلى سبعين بيتا على كل بيت باب من حديد، وفي إسناده ضعف. وأخرج ابن ~~عدي من حديث أنس أيضا مرفوعا «إن الله مرد كل امرىء رداء عمله». ~~ولجماعة من الصحابة، والتابعين كلمات تفيد هذا المعنى. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { فقلنا ~~اضربوه ببعضها } قال ضرب بالعظم الذي يلي الغضروف. وأخرج عبد بن ~~حميد، عن قتادة أنهم ضربوه بفخذها. وأخرج مثله ابن جرير، عن عكرمة. وأخرج ~~نحوه عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد. وأخرج ابن جرير عن السدي قال ضرب ~~بالبضعة التي بين الكتفين. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ في العظمة، عن ~~وهب بن منبه قصة طويلة في ذكر البقرة، وصاحبها لا حاجة إلى التطويل ~~بذكرها، وقد استوفاها في الدر المنثور. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ~~عن قتادة في قوله { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك } قال من ~~بعد ما أراهم الله من إحياء الموتى، ومن بعد ما أراهم من أمر القتيل { ~~فهى كالحجارة أو أشد قسوة } ثم عذر الله الحجارة، ولم ~~يعذر شقي بني آدم فقال { وإن من الحجارة لما يتفجر ~~منه الأنهر } إلى آخر الآية. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، عن ابن عباس قال أي من الحجارة لألين من قلوبكم عما تدعون إليه ~~من الحق. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن ms0147 عباس قال ~~«إن الحجر ليقع على الأرض ولو اجتمع عليه فئام من الناس ما استطاعوه، ~~وأنه ليهبط من خشية الله». ### || [2.75-77] # قوله { أفتطمعون } هذا الاستفهام فيه معنى الإنكار، كأنه آيسهم ~~من إيمان هذه الفرقة من اليهود. والخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~أو له ولهم. و { يؤمنوا لكم } أي لأجلكم، أو على تضمين آمن معنى ~~استجاب، أي أتطمعون أن يستجيبوا لكم. والفريق اسم جمع لا واحد له من ~~لفظه. و { كلام الله } أي التوراة. وقيل إنهم سمعوا خطاب الله ~~لموسى حين كلمه، وعلى هذا فيكون الفريق هم السبعون الذين اختارهم موسى، ~~وقرأ الأعمش { كلم الله }. والمراد من التحريف أنهم عمدوا إلى ما سمعوه ~~من التوراة، فجعلوا حلاله حراما، أو نحو ذلك مما فيه موافقة لأهوائهم ~~كتحريفهم صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسقاط الحدود عن أشرافهم، ~~أو سمعوا كلام الله لموسى فزادوا فيه، ونقصوا، وهذا إخبار عن إصرارهم على ~~الكفر، وإنكار على من طمع في إيمانهم، وحالهم هذه الحال أي ولهم سلف ~~حرفوا كلام الله، وغيروا شرائعه، وهم مقتدون بهم، متبعون سبيلهم. ومعنى ~~قوله { من بعد ما عقلوه } أي من بعد ما فهموه بعقولهم مع كونهم ~~يعلمون أن ذلك الذي، فعلوه تحريف مخالف لما أمرهم الله به من بليغ شرائعه ~~كما هي، فهم وقعوا في المعصية عالمين بها، وذلك أشد لعقوبتهم، وأبين ~~لضلالهم. { وإذا لقوا الذين ءامنوا } يعني أن المنافقين ~~إذا لقوا الذين آمنوا { قالوا ءامنا وإذا خلا بعضهم ~~إلى بعض } أي إذا خلا الذين لم ينافقوا بالمنافقين قالوا لهم ~~عاتبين عليهم { أتحدثونهم بما فتح الله عليكم } أي ~~حكم عليكم من العذاب، وذلك أن ناسا من اليهود أسلموا، ثم نافقوا، فكانوا ~~يحدثون المؤمنين من العرب بما عذب به آباؤهم، وقيل إن المراد ما فتح ~~الله عليهم في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم معنى ~~خلا. والفتح عند العرب القضاء، والحكم، والفتاح القاضي بلغة اليمن. ~~والفتح النصر، ومن ذلك قوله تعالى # يستفتحون على الذين كفروا ms0148 # البقرة 89 وقوله # إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح # الأنفال 19 ومن الأول # ثم يفتح بيننا بالحق # سبأ 26 # وأنت خير الفاتحين # الأعراف 89 أي الحاكمين، ويكون الفتح بمعنى الفرق بين الشيئين، والمحاجة ~~إبراز الحجة، أي لا تخبروهم بما حكم الله به عليكم من العذاب، فيكون ذلك ~~حجة لهم عليكم، فيقولون نحن أكرم على الله منكم، وأحق بالخير منه. ~~والحجة، الكلام المستقيم، وحاججت فلانا، فحججته أي غلبته بالحجة. { ~~أفلا تعقلون } ما فيه الضرر عليكم من هذا التحدث الواقع منكم ~~لهم. ثم وبخهم الله سبحانه { أولا * يعلمون أن الله يعلم ~~ما يسرون وما يعلنون } من جميع أنواع الإسرار وأنواع ~~الإعلان، ومن ذلك إسرارهم الكفر، وإعلانهم الإيمان. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال ثم قال الله لنبيه، ~~ومن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم { أفتطمعون أن يؤمنوا ~~لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلم الله } ~~وليس قوله يسمعون التوراة كلهم قد سمعها، ولكنهم الذين سألوا موسى رؤية ~~ربهم، فأخذتهم الصاعقة فيها. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في ~~قوله { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } الآية، قال هم اليهود ~~كانوا يسمعون كلام الله، ثم يحرفونه من بعد ما سمعوه، ووعوه. وأخرج عبد ~~بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله { أفتطمعون أن يؤمنوا ~~لكم } الآية، قال الذين يحرفونه، والذين يكتبونه هم العلماء منهم، ~~والذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم هؤلاء كلهم يهود. وأخرج ابن جرير، عن ~~السدى في قوله { يسمعون كلم الله } قال هي التوراة حرفوها. ~~وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، عن ابن عباس في قوله { وإذا لقوا ~~الذين ءامنوا قالوا ءامنا } أي بصاحبكم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ولكنه إليكم خاصة { وإذا خلا بعضهم إلى بعض } ~~قالوا لا تحدثوا العرب بهذا، فقد كنتم تستفتحون به عليهم، وكان منهم { ~~ليحاجوكم به عند ربكم } أي تقرون بأنه نبي، وقد علمتم ~~أنه قد أخذ عليكم الميثاق باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كان ~~ينتظر، ونجد في كتابنا اجحدوه ولا تقروا ms0149 به. وأخرج ابن جرير، عنه أن هذه ~~الآية في المنافقين من اليهود وقوله { بما فتح الله عليكم } ~~يعني بما أكرمكم به. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي قال نزلت ~~هذه الآية في ناس من اليهود آمنوا، ثم نافقوا، وكانوا يحدثون المؤمنين من ~~العرب بما عذبوا به، فقال بعضهم لبعض أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من ~~العذاب لتقولوا نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم. وقد أخرج ~~ابن جرير، عن ابن زيد أن سبب نزول الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن " # فكان اليهود يظهرون الإيمان، فيدخلون ويرجعون إلى قومهم بالأخبار، وكان ~~المؤمنون يقولون لهم أليس قد قال الله في التوراة كذا وكذا؟ فيقولون نعم، ~~فإذا رجعوا إلى قومهم { قالوا أتحدثونهم بما فتح الله ~~عليكم } الآية». وروى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، عن مجاهد، أن سبب نزول هذه الآية «أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قام لقوم قريظة تحت حصونهم فقال # " يا إخوان القردة، والخنازير، ويا عبدة الطاغوت " # فقالوا من أخبر هذا الأمر محمدا؟ ما خرج هذا الأمر إلا منكم { ~~أتحدثونهم بما فتح الله عليكم } » أي بما حكم الله ~~ليكون لهم حجة عليكم. # وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة أن السبب في نزول الآية «أن امرأة من اليهود ~~أصابت فاحشة، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبتغون منه الحكم رجاء ~~الرخصة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عالمهم، وهو ابن صوريا فقال ~~له # " احكم " # قال فجبوه والتجبية يحملونه على حمار ويجعلون وجهه إلى ذنب الحمار، فقال ~~رسول اصلى الله عليه وسلم # " أبحكم الله حكمت؟ " # قال لا، ولكن نساءنا كن حسانا، فأسرع فيهن رجالنا، فغيرنا الحكم، ~~وفيه نزل { وإذا خلا بعضهم إلى بعض } الآية» وأخرج عبد ~~بن حميد، عن قتادة في قوله { وإذا لقوا الذين ءامنوا ~~قالوا ءامنا } قال هم اليهود، وكانوا إذا لقوا الذين إمنوا قالوا ~~آمنا، فصانعوهم بذلك ليرضوا عنهم { وإذا خلا ms0150 بعضهم إلى ~~بعض } نهى بعضهم بعضا أن يحدثوا بما فتح الله عليهم، وبين لهم في ~~كتابه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ونعته، ونبوته، وقالوا إنكم إذا، ~~فعلتم ذلك احتجوا بذلك عليكم عند ربكم { أفلا تعقلون } أو لا ~~يعلمون أن الله يعلم وما يسرون إذا خلا بعضهم إلى بعض من كفرهم بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، وتكذيبهم به، وهم يجدونه مكتوبا عندهم. واخرج ابن ~~جرير، عن أبي العالية في قوله { أولا * يعلمون أن الله ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون } يعني من كفرهم بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، ولكذبهم، وما يعلنون حين قالوا للمؤمنين آمنا، وقد قال ~~بمثل هذا جماعة من السلف. ### || [2.78-82] # قوله { منهم } أي من اليهود. والأمي منسوب إلى الأمة الأمية، التي ~~هي على أصل، ولادتها من أمهاتها، لم تتعلم الكتابة، ولا تحسن القراءة ~~للمكتوب، ومنه حديث # " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " # وقال أبو عبيدة إنما قيل لهم أميون لنزول الكتاب عليهم، كأنهم نسبوا إلى ~~أم الكتاب، فكأنه قال ومنهم أهل الكتاب. وقيل هم نصارى العرب. وقيل هم ~~قوم كانوا أهل كتاب فرفع كتابهم لذنوب ارتكبوها وقيل هم المجوس، وقيل غير ~~ذلك. والراجح الأول. ومعنى { لا يعلمون الكتب إلا ~~أمانى } أنه لا علم لهم به إلا ما هم عليه من الأماني التي ~~يتمنونها، ويعللون بها أنفسهم. والأماني جمع أمنية، وهي ما يتمناه ~~الإنسان لنفسه، فهؤلاء لا علم لهم بالكتاب الذي هو التوراة لما هم عليه ~~من كونهم لا يكتبون، ولا يقرءون المكتوب. والاستثناء منقطع، أي لكن ~~الأماني ثابتة لهم من كونهم مغفورا لهم بما يدعونه لأنفسهم من الأعمال ~~الصالحة، أو بما لهم من السلف الصالح في اعتقادهم. وقيل الأماني ~~الأكاذيب، كما سيأتي عن ابن عباس. ومنه قول عثمان بن عفان ما تمنيت منذ ~~أسلمت، أي ما كذبت، حكاه عنه القرطبي في تفسيره، وقيل الأماني التلاوة، ~~ومنه قوله تعالى # إلا إذا تمنى ألقى الشيطن فى أمنيته # الحج 52 أي إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته، أي لا ms0151 علم لهم إلا مجرد ~~التلاوة من دون تفهم وتدبر، ومنه قول كعب بن مالك # تمنى كتاب الله أول ليلة وأخره لاقى حمام المقادر # وقال آخر # تمنى كتاب الله آخر ليلة تمني داود الزبور على رسل # وقيل الأماني التقدير. قال الجوهري يقال مني له، أي قدر، ومنه قول ~~الشاعر # لا تأمنن وإن أمسيت في حرم حتى تلاقي ما يمني لك الماني # أي يقدر لك المقدر. قال في الكشاف " والاشتقاق من مني إذا قدر لأن ~~المتمني يقدر في نفسه، ويجوز ما يتمناه، وكذلك المختلق، والقارىء يقدران ~~كلمة كذا بعد كذا ". انتهى. و«إن» في قوله { وإن هم إلا ~~يظنون } نافية، أي ما هم. والظن هو التردد الراجح بين طرفي الاعتقاد ~~الغير الجازم. كذا في القاموس. أي ما هم إلا يترددون بغير جزم، ولا يقين، ~~وقيل الظن هنا بمعنى الكذب. وقيل هو مجرد الحدس، لما ذكر الله سبحانه أهل ~~العلم منهم بأنهم غير عاملين بل يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه، وهم ~~يعلمون، ذكر أهل الجهل منهم بأنهم يتكلمون على الأماني، ويعتمدون على ~~الظن، الذي لا يقفون من تقليدهم على غيره، ولا يظفرون بسواه. # والويل الهلاك. وقال الفراء الأصل في الويل وي، أي حزن كما تقول وي ~~لفلان أي حزن له، فوصلته العرب باللام، قال الخليل ولم نسمع على بنائه ~~إلا ويح، وويس، وويه، وويك، وويب، وكله متقارب في المعنى، وقد فرق بينها ~~قوم، وهي مصادر لم ينطق العرب بأفعالها، وجاز الابتداء به، وإن كان نكرة ~~لأن فيه معنى الدعاء. والكتابة معروفة، والمراد أنهم يكتبون الكتاب ~~المحرف، ولا يبينون، ولا ينكرونه على فاعله. وقوله { بأيديهم } ~~تأكيد لأن الكتابة لا تكون إلا باليد، فهو مثل قوله # ولا طائر يطير بجناحيه # الأنعام 38 وقوله # يقولون بأفوههم # آل عمران 167 وقال ابن السراج هو كناية عن أنه من تلقائهم. دون أن ينزل ~~عليهم. وفيه أنه قد دل على أنه من تلقائهم قوله { يكتبون ~~الكتب } فإسناد الكتابة إليهم يفيد ذلك. والاشتراء الاستبدال، وقد ~~تقدم الكلام عليه، ووصفه ms0152 بالقلة لكونه فانيا لا ثواب فيه، أو لكونه ~~حراما لا تحل به البركة، فهؤلاء الكتبة لم يكتفوا بالتحريف، ولا ~~بالكتابة لذلك المحرف، حتى نادوا في المحافل بأنه من عند الله، لينالوا ~~بهذه المعاصي المتكررة هذا الغرض النزير، والعوض الحقير. وقوله { ~~مما يكسبون } قيل من الرشا ونحوها. وقيل من المعاصي. وكرر الويل ~~تغليظا عليهم، وتعظيما لفعلهم، وهتكا لأستارهم { وقالوا } أي ~~اليهود { لن تمسنا النار } الآية. وقد اختلف في سبب نزول الآية ~~كما سيأتي بيانه. والمراد بقوله { قل أتخذتم عند الله ~~عهدا } الإنكار عليهم لما صدر منهم من هذه الدعوى الباطلة أنها لن ~~تمسهم النار إلا أياما معدودة أي لم يتقدم لكم مع الله عهدا بهذا، ولا ~~أسلفتم من الأعمال الصالحة ما يصدق هذه الدعوى حتى يتعين الوفاء بذلك، ~~وعدم إخلاف العهد، أي إن اتخذتم عند الله عهدا، فلن يخلف الله عهده { أم ~~تقولون على الله مالا تعلمون }. قال في الكشاف، " و«أم» إما أن تكون ~~معادلة بمعنى، أي الأمرين كائن على سبيل التقرير لأن العلم واقع بكون ~~أحدهما، ويجوز أن تكون منقطعة ". انتهى. وهذا توبيخ لهم شديد. قال الرازي ~~في تفسيره العهد في هذا الموضع يجري مجرى الوعد، وإنما سمي خبره سبحانه ~~عهدا لأن خبره أوكد من العهود المؤكدة. وقوله { بلى } إثبات بعد ~~النفي أي بلى تمسكم، لا على الوجه الذي ذكرتم من كونه أياما معدودة، ~~والسيئة المراد بها الجنس هنا، ومنه قوله تعالى # وجزاء سيئة سيئة مثلها # الشورى 40 # من يعمل سوءا يجز به # النساء 123 ثم أوضح سبحانه أن مجرد كسب السيئة لا يوجب الخلود في النار، ~~بل لا بد أن تكون سيئة محيطة به. قيل هي الشرك، وقيل الكبيرة، وتفسيرها ~~بالشرك أولى لما ثبت في السنة تواترا من خروج عصاة الموحدين من النار، ~~ويؤيد ذلك كونها نازلة في اليهود، وإن كان الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب، وقد قرأ نافع { خطياته } بالجمع، وقرأ الباقون بالإفراد، وقد تقدم ~~تفسير الخلود. # وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، عن ابن عباس في ms0153 قوله { ومنهم ~~أميون لا يعلمون الكتب } قال لا يدرون ما فيه { وإن ~~هم إلا يظنون } قال وهم يجحدون، نبوتك بالظن. وأخرج ابن جرير ~~عنه قال الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله الله ولا كتابا أنزله الله، ~~فكتبوا كتابا بأيديهم، ثم قالوا لقوم سفلة جهال هذا من عند الله. وقد ~~أخبر أنهم يكتبون بأيديهم، ثم سماهم أميين لجحودهم كتب الله ورسله. وأخرج ~~ابن جرير، عن النخعي قال منهم من لا يحسن أن يكتب. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { إلا أمانى } قال ~~الأحاديث. وأخرج ابن جرير عنه أنها الكذب. وكذا روى مثله عبد بن حميد، عن ~~مجاهد، وزاد { وإن هم إلا يظنون } قال إلا يكذبون. وأخرج ~~النسائي، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله { فويل للذين ~~يكتبون الكتب } قال نزلت في أهل الكتاب. وأخرج أحمد، ~~والترمذي، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وصححه عن أبي سعيد، ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره " # وأخرج ابن جرير من حديث عثمان مرفوعا قال # " الويل جبل في النار " # وأخرج البزار، وابن مردويه، من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا أنه حجر ~~في النار. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { فويل ~~للذين يكتبون الكتب بأيديهم } قال هم أحبار اليهود، ~~وجدوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم مكتوبة في التوراة أكحل، أعين، ربعة، ~~جعد الشعر، حسن الوجه، فلما وجدوه في التوراة محوه حسدا، وبغيا، ~~فأتاهم نفر من قريش، فقالوا تجدون في التوراة نبيا أميا؟ فقالوا نعم، ~~نجده طويلا، أزرق، سبط الشعر. فأنكرت قريش، وقالوا ليس هذا منا. وأخرج ~~ابن جرير عنه في قوله { ثمنا قليلا } قال عرضا من عرض الدنيا { ~~فويل لهم } قال فالعذاب عليهم من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك ~~الكذب { وويل لهم مما يكسبون } يقول مما يأكلون به ~~الناس السفلة، وغيرهم. وقد ذكر صاحب الدر المنثور آثارا عن جماعة ms0154 من ~~السلف أنهم كرهوا بيع المصاحف مستدلين بهذه الآية، ولادلالة فيها على ~~ذلك، ثم ذكر اثارا عن جماعة منهم أنهم جوزوا ذلك ولم يكرهوه. وأخرج ~~ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والواحدي، ~~عن ابن عباس أن اليهود كانوا يقولون مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما ~~نعذب بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا في النار، وإنما هي سبعة ~~أيام معدودة، ثم ينقطع العذاب، فأنزل الله في ذلك { وقالوا لن ~~تمسنا النار } الآية. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال وجد أهل الكتاب ~~مسيرة ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين، فقالوا لن تعذب أهل النار إلا قدر ~~أربعين، فإذا كان يوم القيامة ألجموا في النار، فساروا فيها حتى انتهوا ~~إلى سقر، وفيها شجرة الزقوم إلى آخر يوم من الأيام المعدودة، فقال لهم ~~خزنة النار يا أعداء الله، زعمتم أنكم لن تعذبوا في النار إلا أياما ~~معدودة، فقد انقضى العدد وبقي الأمد، فيأخذون في الصعود يرهقون على ~~وجوههم. وأخرج ابن جرير عنه أن اليهود قالوا لن تمسنا النار إلا أربعين ~~ليلة مدة عبادة العجل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم، عن عكرمة قال اجتمعت يهود يوما، فخاصموا النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات، أربعين يوما، ثم يخلفنا ~~فيها ناس، وأشاروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم،ورد يديه على رأسه «كذبتم بل أنتم خالدون ~~مخلدون فيها لا نخلفكم فيها، إن شاء الله أبدا، ففيهم نزلت هذه الآية { ~~وقالوا لن تمسنا النار } » وأخرج ابن جرير، عن زيد بن أسلم ~~مرفوعا نحوه. وأخرج أحمد، والبخاري، والدارمي، والنسائي، من حديث أبي ~~هريرة «أن النبي سأل اليهود في خيبر # " من أهل النار؟ " # فقالوا نكون فيها يسيرا، ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " اخسئوا، والله لا نخلفكم فيها أبدا " # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ms0155 مجاهد في قوله { قل أتخذتم ~~عند الله عهدا } أي موثقا من الله بذلك أنه كما تقولون. وأخرج ~~ابن جرير، عن ابن عباس أنه فسر العهد هنا بأنهم قالوا لا إله إلا الله، ~~لم يشركوا به ولم يكفروا. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة في قوله { أم ~~تقولون على الله ما لا تعلمون } قال قال القوم الكذب ~~والباطل. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { بلى من كسب ~~سيئة } قال الشرك. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة وقتادة مثله. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة في قوله { وأحطت به خطيئته } ~~قال أحاط به شركه، وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم في قوله { بلى من كسب سيئة } أي من عمل مثل أعمالكم، ~~وكفر بمثل ما كفرتم حتى يحيط كفره بماله من حسنة { فأولئك ~~أصحب النار هم فيها خلدون * والذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحات } أي من آمن بما كفرتم به، وعمل بما تركتم من ~~دينه، فلهم الجنة خالدين فيها. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة في قوله { ~~وأحطت به خطيئته } قال هي الكبيرة الموجبة لأهلها النار. وأخرج ~~وكيع، وابن جرير، عن الحسن أنه قال كل ما وعد الله عليه النار، فهو ~~الخطيئة. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن الربيع بن ~~خيثم قال هو الذي يموت على خطيئته قبل أن يتوب. وأخرج مثله ابن جرير عن ~~الأعمش. ### || [2.83-86] # قد تقدم تفسير الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل. وقال مكي إن الميثاق ~~الذي أخذه الله عليهم هنا هو ما أخذه الله عليهم في حياتهم، على ألسن ~~أنبيائهم، وهو قوله { لا تعبدون إلا الله } وعبادة الله ~~إثبات توحيده، وتصديق رسله، والعمل بما أنزل في كتبه. قال سيبويه إن قوله ~~{ لا تعبدون إلا الله } هو جواب قسم، والمعنى، استحلفناهم، ~~والله لا تعبدون إلا الله. وقيل هو إخبار في معنى الأمر. ويدل عليه قراءة ~~أبي، وابن مسعود «لا تعبدوا» على النهي، ويدل عليه أيضا ما عطف عليه من ms0156 ~~قوله { وقولوا وأقيموا وآتوا } وقال قطرب، والمبرد إن قوله { لا ~~تعبدون } جملة حالية، أي أخذنا ميثاقهم موحدين أو غير معاندين. قال ~~القرطبي وهذا إنما يتجه على قراءة ابن كثير، وحمزة والكسائي «يعبدون» ~~بالياء التحتية. وقال الفراء، والزجاج وجماعة إن معناه أخذنا ميثاقكم بأن ~~لا تعبدوا إلا الله، وبأن تحسنوا بالوالدين، وبأن لا تسفكوا الدماء. ثم ~~حذف " أن " ، فارتفع الفعل لزوالها. قال المبرد هذا خطأ لأن كل ما أضمر ~~في العربية، فهو يعمل عمله مظهرا. وقال القرطبي ليس بخطأ بل هما وجهان ~~صحيحان، وعليهما أنشد # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت ~~مخلدي # بالنصب لقوله أحضر، وبالرفع. والإحسان إلى الوالدين معاشرتهما بالمعروف، ~~والتواضع لهما، وامتثال أمرهما، وسائر ما أوجبه الله على الولد لوالديه ~~من الحقوق. والقربى مصدر كالرجعى، والعقبى، هم القرابة، والإحسان بهم ~~صلتهم، والقيام بما يحتاجون إليه بحسب الطاقة، وبقدر ما تبلغ إليه ~~القدرة. واليتامى جمع يتيم، واليتيم في بني آدم من فقد أبوه. وفي سائر ~~الحيوانات من فقدت أمه. وأصله الانفراد يقال صبي يتيم، أي منفرد من ~~أبيه، والمساكين جمع مسكين، وهو من أسكنته الحاجة وذللته، وهو أشد فقرا ~~من الفقير عند أكثر أهل اللغة، وكثير من أهل الفقه. وروى عن الشافعي أن ~~الفقير أسوأ حالا من المسكين. وقد ذكر أهل العلم لهذا البحث أدلة ~~مستوفاة في مواطنها. ومعنى قوله { وقولوا للناس حسنا } أي قولوا ~~لهم قولا حسنا، فهو صفة مصدر محذوف، وهو مصدر كبشرى. وقرأ حمزة، ~~والكسائي «حسنا» بفتح الحاء، والسين، وكذلك قرأ زيد بن ثابت، وابن ~~مسعود. قال الأخفش هما بمعنى واحد، مثل البخل، والبخل، والرشد، ~~والرشد، وحكى الأخفش أيضا «حسنى» بغير تنوين على فعلى. قال النحاس ~~وهذا لا يجوز في العربية، لا يقال من هذا شيء إلا بالألف، واللام نحو ~~الفضلى، والكبرى، والحسنى، وهذا قول سيبويه. وقرأ عيسى، بن عمر «حسنا» ~~بضمتين والظاهر أن هذا القول الذي أمرهم الله به لا يختص بنوع معين، بل ~~كل ما صدق عليه أنه حسن شرعا كان ms0157 من جملة ما يصدق عليه هذا الأمر، وقد ~~قيل إن ذلك هو كلمة التوحيد. # وقيل الصدق. وقيل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وقيل غير ذلك. ~~وقوله { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } قد تقدم تفسيره، وهو خطاب لبني ~~إسرائيل، فالمراد الصلاة التي كانوا يصلونها، والزكاة التي كانوا ~~يخرجونها. قال ابن عطية وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها، فتنزل النار على ~~ما يقبل، ولا ينزل على ما لا يقبل. وقوله { ثم توليتم } قيل ~~الخطاب للحاضرين منهم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم مثل سلفهم ~~في ذلك، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب. وقوله { إلا قليلا } ~~منصوب على الاستثناء، ومنهم عبد الله بن سلام، وأصحابه. وقوله { ~~وأنتم معرضون } في موضع النصب على الحال، والإعراض، والتولي ~~بمعنى واحد، وقيل التولي بالجسم، والإعراض بالقلب. وقوله { لا ~~تسفكون } الكلام فيه كالكلام في لا تعبدون، وقد سبق. وقرأ طلحة بن ~~مصرف، وشعيب بن أبي حمزة بضم الفاء، وهي لغة. وقرأ أبو نهيك بضم ~~الياء، وتشديد الفاء، وفتح السين، والسفك الصب، وقد تقدم، والمراد أنه ~~لا يفعل ذلك بعضهم ببعض، والدار المنزل الذي فيه أبنية المقام، بخلاف ~~منزل الارتحال. وقال الخليل كل موضع حله قوم، فهو دار لهم، وإن لم يكن ~~فيه أبنية وقيل سميت دارا لدورها على سكانها، كما يسمى الحائط حائطا ~~لإحاطته على ما يحويه. وقوله { ثم أقررتم } من الإقرار أي حصل ~~منكم الاعتراف بهذا الميثاق المأخوذ عليكم، في حال شهادتكم على أنفسكم ~~بذلك، قيل الشهادة هنا بالقلوب، وقيل هي بمعنى الحضور أي أنكم الآن ~~تشهدون على أسلافكم بذلك. وكان الله سبحانه قد أخذ في التوراة على بني ~~إسرائيل أن لا يقتل بعضهم بعضا، ولا ينفيه، ولا يسترقه. وقوله { ثم ~~أنتم هؤلاء } أي أنتم هؤلاء المشاهدون الحاضرون تخالفون ما أخذه ~~الله عليكم في التوراة، فتقتلون أنفسكم إلى آخر الآية. وقيل { إن هؤلاء } ~~منصوب بإضمار أعني، ويمكن أن يقال منصوب بالذم، أو الاختصاص، أي أذم، أو ~~أخص. وقال القتيبي إن التقدير يا هؤلاء قال النحاس هذا خطأ ms0158 على قول ~~سيبويه لا يجوز. وقال الزجاج هؤلاء بمعنى الذين، أي ثم أنتم الذين ~~تقتلون. وقيل هؤلاء مبتدأ، وأنتم خبره مقدم، وقرأ الزهري { تقتلون } ~~مشددا، فمن جعل قوله { أنتم هؤلاء } مبتدأ، وخبرا جعل قوله { ~~تقتلون } بيانا لأن معنى قوله { أنتم هؤلاء } أنهم على حالة ~~كحالة أسلافهم من نقض الميثاق، ومن جعل هؤلاء منادى، أو منصوبا بما ~~ذكرنا جعل الخبر تقتلون وما بعده. وقوله { تظهرون } بالتشديد، ~~وأصله تتظاهرون أدغمت التاء في الظاء لقربها منها في المخرج، وهي قراءة ~~أهل مكة. # وقرأ أهل الكوفة «تظاهرون» مخففا بحذف التاء الثانية، لدلالة الأولى ~~عليها. وأصل المظاهرة المعاونة، مشتقة من الظهر لأن بعضهم يقوي بعضا، ~~فيكون له كالظهر، ومنه قول الشاعر # تظاهرتم من كل أوب ووجهة على واحد لا زلتم قرن واحد # ومنه قوله تعالى # وكان الكفر على ربه ظهيرا # الفرقان 55 وقوله # والملئكة بعد ذلك ظهير # التحريم 4. و { أسارى } حال. قال أبو عبيد، وكان أبو عمرو يقول ما صار ~~في أيديهم، فهو أسارى، وما جاء مستأسرا، فهو الأسرى. ولا يعرف أهل اللغة ~~ما قال أبو عمرو، وإنما هذا كما تقول سكارى، وسكرى. وقد قرأ حمزة «أسرى». ~~وقرأ الباقون { أسارى } ، والأسرى جمع أسير، كالقتلى جمع قتيل، والجرحى ~~جمع جريح. قال أبو حاتم ولا يجوز أسارى. وقال الزجاج يقال أسارى كما يقال ~~سكارى. وقال ابن فارس يقال في جمع أسير أسرى وأسارى. انتهى. فالعجب من ~~أبي حاتم حيث ينكر ما ثبت في التنزيل. وقرأ به الجمهور، والأسير مشتق من ~~السير، وهو القيد الذي يشد به المحمل، فسمي أسيرا لأنه يشد وثاقه، ~~والعرب تقول قد أسرقتبه أي شده، ثم سمي كل أخيذ أسيرا، وإن لم يؤخذ. ~~وقوله { تفدوهم } جواب الشرط، وهي قراءة حمزة، ونافع، والكسائي، ~~وقرأ الباقون «تفدوهم». والفداء هو ما يؤخد من الأسير ليفك به أسره، ~~يقال فداه، وفاداه إذا أعطاه فداءه. قال الشاعر # قفى فادى أسيرك إن قومي وقومك ما أرى لهم اجتماعا # وقوله { وهو محرم عليكم إخراجهم } الضمير للشأن وقيل ~~مبهم تفسره الجملة التي ms0159 بعده، وزعم الفراء أن هذا الضمير عماد، واعترض ~~عليه بأن العماد لا يكون في أول الكلام. و { إخراجهم } مرتفع ~~بقوله { محرم } ساد مسد الخبر، وقيل بل مرتفع بالابتداء، ومحرم ~~خبره. قال المفسرون كان الله سبحانه قد أخذ على بني إسرائيل أربعة عهود ~~ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أسراهم، فأعرضوا عن كل ما ~~أمروا به إلا الفداء، فوبخهم الله على ذلك. بقوله { أفتؤمنون ~~ببعض الكتب وتكفرون ببعض }. والخزي الهوان. قال ~~الجوهري والخزي بالكسر يخزي خزيا إذا ذل وهان، وقد وقع هذا الجزاء الذي ~~وعد الله به الملاعين اليهود موفرا، فصاروا في خزي عظيم، بما ألصق بهم ~~من الذل، والمهانة بالقتل، والأسر، وضرب الجزية، والجلاء، وإنما ردهم ~~الله يوم القيامة إلى أشد العذاب لأنهم جاءوا بذنب شديد، ومعصية فظيعة. ~~وقد قرأ الجمهور " يردون " بالياء التحتية. وقرأ الحسن بالفوقية على ~~الخطاب. وقد تقدم تفسير قوله { وما الله بغفل عما ~~يعملون } وكذلك تفسير { أولئك الذين اشتروا } وقوله ~~{ فلا يخفف } إخبار من الله سبحانه بأن اليهود لا يزالون في عذاب ~~موفر لازم لهم بالجزية، والصغار، والذلة والمهانة، فلا يخفف عنهم ذلك ~~أبدا ما داموا، ولا يوجد لهم ناصر يدفع عنهم، ولا يثبت لهم نصر في ~~أنفسهم على عدوهم. # وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ~~وإذ أخذنا ميثق بنى إسرءيل } قال يؤنبهم أي ميثاقكم. ~~وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله { وقولوا للناس حسنا } قال ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وروى البيهقي في الشعب عن علي في قوله ~~{ وقولوا للناس } قال يعني الناس كلهم، ومثله روى عبد بن حميد، ~~وابن جرير، عن عطاء. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { ثم توليتم } قال أي تركتم ذلك كله. وأخرج ابن ~~جرير عنه أنه قال معناه أعرضتم عن طاعتي إلا قليلا منكم، وهم الذين ~~اخترتهم لطاعتي. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله { لا ~~تسفكون دماءكم } لا يقتل بعضكم بعضا ms0160 { ولا تخرجون ~~أنفسكم من ديركم } لا يخرج بعضكم بعضا من الديار { ثم ~~أقررتم } بهذا الميثاق { وأنتم تشهدون } وأنتم شهود. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ثم أقررتم ~~} أن هذا حق من ميثاقي عليكم { ثم أنتم هؤلاء تقتلون ~~أنفسكم } أي أهل الشرك حتى تسفكوا دماءهم معهم { وتخرجون ~~فريقا منكم من ديرهم } قال تخرجونهم من ديارهم معهم { ~~تظهرون عليهم بالإثم والعدون } فكانوا إذا كان بين ~~الأوس، والخزرج حرب خرجت معهم بنو قينقاع مع الخزرج، والنضير، وقريظة مع ~~الأوس، وظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى يسافكوا دماءهم، ~~فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم تصديقا لما في التوراة { وإن ~~يأتوكم أسرى تفدوهم } وقد عرفتم أن ذلك عليكم في دينكم ~~{ وهو محرم عليكم } في كتابكم لإخراجهم { أفتؤمنون ~~ببعض الكتب وتكفرون ببعض } أتفادونهم مؤمنين بذلك، ~~وتخرجونهم كفرا بذلك. وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله { أولئك ~~الذين اشتروا الحيوة الدنيا بالأخرة } قال استحبوا ~~قليل الدنيا على كثير الآخرة. ### || [2.87-88] # الكتاب التوراة، والتقفية الإتباع، والإرداف، مأخوذة من القفا، وهو مؤخر ~~العنق، تقول استقفيته إذا جئت من خلفه، ومنه سميت قافية الشعر لأنها تتلو ~~سائر الكلام. والمراد أن الله سبحانه أرسل على أثره رسلا جعلهم تابعين ~~له، وهم أنبياء بني إسرائيل المبعوثون من بعده. و { البينت } ~~الأدلة التي ذكرها الله في " آل عمران " ، و " المائدة ". والتأييد ~~التقوية. وقرأ مجاهد وابن محيصن { آيدناه } بالمد، وهما لغتان. وروح ~~القدس من إضافة الموصوف إلى الصفة أي الروح المقدسة. والقدس الطهارة، ~~والمقدس المطهر، وقيل هو جبريل أيد الله به عيسى، ومنه قول حسان # وجبريل أمين الله فينا وروح القدس ليس به خفاء # قال النحاس وسمي جبريل روحا، وأضيف إلى القدس لأنه كان بتكوين الله له ~~من غير ولادة. وقيل القدس، هو الله عز وجل، وروحه جبريل، وقيل المراد ~~بروح القدس الاسم الذي كان عيسى يحيى به الموتى، وقيل المراد به ~~الإنجيل. وقيل المراد به الروح المنفوخ فيه، أيده الله به لما فيه من ~~القوة. ms0161 وقوله { بما لا تهوى أنفسكم } أي بما لا يوافقها، ~~ويلائمها، وأصل الهوى الميل إلى الشيء. قال الجوهري وسمي الهوى هوى لأنه ~~يهوي بصاحبه إلى النار. وبخهم الله سبحانه بهذا الكلام المعنون بهمزة ~~التوبيخ فقال { أفكلما جاءكم رسول } منكم { بما لا } ~~يوافق ما تهوونه استكبرتم عن إجابته، احتقارا للرسل، واستبعادا ~~للرسالة. والفاء في قوله { أفكلما } للعطف على مقدر، أي آتيناكم يا بني ~~إسرائيل من الأنبياء ما آتيناكم، أفكلما جاءكم رسول. وفريقا منصوب ~~بالفعل الذي بعده، والفاء للتفصيل، ومن الفريق المكذبين عيسى ومحمد، ومن ~~الفريق المقتولين يحيى وزكريا. والغلف جمع أغلف، المراد به هنا الذي ~~عليه غشاوة تمنع من وصول الكلام إليه، ومنه غلفت السيف، أي جعلت له ~~غلافا. قال في الكشاف هو مستعار من الأغلف الذي لم يختن كقوله # قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه # فصلت 5 وقيل إن الغلف جمع غلاف مثل حمار وحمر أي قلوبنا أوعية للعلم، ~~فما بالها لا تفهم عنك، وقد وعينا علما كثيرا، فرد الله عليهم ما ~~قالوه فقال { بل لعنهم الله بكفرهم } وأصل اللعن في كلام ~~العرب الطرد، والإبعاد، ومنه قول الشماخ # ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذئب كالرجل اللعين # أي كالرجل المطرود. والمعنى أبعدهم الله من رحمته، و { قليلا } نعت ~~لمصدر محذوف، أي إيمانا قليلا { ما يؤمنون } و«ما» زائدة، وصف ~~إيمانهم بالقلة لأنهم الذين قص الله علينا من عنادهم، وعجرفتهم، وشدة ~~لجاجهم، وبعدهم عن إجابة الرسل ما قصه، ومن جملة ذلك أنهم يؤمنون ببعض ~~الكتاب، ويكفرون ببعض. # وقال معمر المعنى لا يؤمنون إلا قليلا مما في أيديهم، ويكفرون بأكثره، ~~وعلى هذا يكون { قليلا } منصوبا بنزع الخافض. وقال الواقدي معناه لا ~~يؤمنون قليلا، ولا كثيرا. قال الكسائي تقول العرب مررنا بأرض قل ما ~~تنبت الكراث، والبصل، أي لا تنبت شيئا. وقد أخرج ابن عساكر عن ابن عباس ~~في قوله { ولقد ءاتينا موسى الكتب } يعني به التوراة ~~جملة، واحدة مفصلة محكمة { وقفينا من بعده بالرسل } يعني ~~رسولا يدعى أشمويل بن بابل، ورسولا يدعى منشابيل، ورسولا ms0162 يدعي شعياء، ~~ورسولا يدعى حزقيل، ورسولا يدعى أرمياء، وهو الخضر، ورسولا يدعى داود، ~~وهو أبو سليمان، ورسولا يدعى المسيح عيسى ابن مريم، فهؤلاء الرسل ~~ابتعثهم الله، وانتخبهم من الأمة بعد موسى، فأخذنا عليهم ميثاقا غليظا ~~أن يؤدوا إلى أمتهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وصفة أمته. وأخرج ابن ~~إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله { وآتينا عيسى ابن مريم ~~البينات } قال هي الآيات التي وضع على يديه من إحياء الموتى، وخلقه من ~~الطين كهيئة الطير، وإبراء الأسقام. والخبر بكثير من الغيوب، وما ورد ~~عليهم من التوراة، والإنجيل الذي أحدث الله إليه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ~~في قوله { وأيدنه } قال قويناه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عنه قال روح من القدس الاسم الذي كان عيسى يحيى به ~~الموتى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد قال القدس الله تعالى. وأخرج عن ~~الربيع بن أنس مثله. وأخرج عن ابن عباس قال القدس الطهر. وأخرج عن السدي ~~قال القدس البركة. وأخرج عن إسماعيل بن أبي خالد أن روح القدس جبريل. ~~وأخرج عن ابن مسعود مثله. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن جابر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال # " روح القدس جبريل " # وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " اللهم أيد حسان بروح القدس " # وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله { فريقا } قال طائفة. ~~وأخرج عن ابن عباس قال إنما سمي القلب لتقلبه. وأخرج الطبراني في الأوسط ~~عنه أنه كان يقرأ { قلوبنا غلف } مثقلة أي كيف نتعلم، وقلوبنا غلف ~~للحكمة أي أوعية للحكمة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله { ~~وقالوا قلوبنا غلف } مملوءة علما لا تحتاج إلى علم محمد، ولا ~~غيره. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله { ~~قلوبنا غلف } قال في غطاء. وروى ابن إسحاق، وابن جرير عنه أنه قال # في أكنة # فصلت 5. وأخرج ابن جرير عنه أنه قال هي القلوب المطبوع ms0163 عليها. وأخرج ~~وكيع عن عكرمة، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة قال هي التي لا تفقه. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص، وابن جرير عن حذيفة قال ~~القلوب أربعة قلب أغلف، فذلك قلب الكافر، وقلب مصفح، فذلك قلب المنافق، ~~وقلب أجرد فيه مثل السراج، فذلك قلب المؤمن، وقلب فيه إيمان، ونفاق، فمثل ~~الإيمان كمثل شجرة يمدها ماء طيب، ومثل المنافق كمثل قرحة يمدها القيح، ~~والدم. وأخرج أحمد بسند جيد، عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على ~~غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد، فقلب المؤمن سراجه فيه ~~نوره، وأما القلب الأغلف، فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس، فقلب المنافق ~~عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح، فقلب فيه إيمان، ونفاق، فمثل الإيمان ~~فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها ~~القيح، فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه " # وأخرج ابن أبي حاتم عن سلمان الفارسي مثله سواء موقوفا. وأخرج عبد ~~الرزاق، وابن جرير، عن قتادة في قوله { فقليلا ما يؤمنون } ~~قال لا يؤمن منهم إلا قليل. ### || [2.89-92] # { ولما جاءهم } يعني اليهود { كتاب } يعني القرآن، و { ~~مصدق } وصف له، وهو في مصحف أبي منصور، ونصبه على الحال، وإن كان ~~صاحبها نكرة، فقد تخصصت بوصفها بقوله { من عند الله } وتصديقه لما ~~معهم من التوراة، والإنجيل أنه يخبرهم بما فيهما، ويصدقه، ولا يخالفه، ~~والاستفتاح الاستنصار، أي كانوا من قبل يطلبون من الله النصر على ~~أعدائهم، بالنبي المنعوت في آخر الزمان الذي يجدون صفته عندهم في ~~التوراة، وقيل الاستفتاح هنا بمعنى الفتح، أي يخبرونهم بأنه سيبعث، ~~ويعرفونهم بذلك. وجواب «لما» في قوله { ولما جاءهم كتب } ~~قيل هو قوله { فلما جاءهم ما عرفوا } وما بعده، وقيل هو ~~محذوف، أي كذبوا، أو نحوه، كذا قال الأخفش، والزجاج. وقال المبرد إن ~~جواب «لما» الأولى هو قوله { كفروا ms0164 } وأعيدت «لما» الثانية لطول ~~الكلام، واللام في الكافرين للجنس. ويجوز أن تكون للعهد، ويكون هذا من ~~وضع الظاهر موضع المضمر. والأول أظهر. و«ما» في قوله { بئسما } ~~موصولة، أو موصوفة، أي بئس الشيء، أو شيئا { اشتروا به ~~أنفسهم } قاله سيبويه. وقال الأخفش «ما» في موضع نصب على التمييز ~~كقولك بئس رجلا زيد. وقال الفراء بئسما بجملته شيء واحد ركب كحبذا. ~~وقال الكسائي «ما»، و«اشتروا» بمنزلة اسم واحد قائم بنفسه، والتقدير بئس ~~اشتراؤهم أن يكفروا. وقوله { أن يكفروا } في موضع رفع على الابتداء ~~عند سيبويه، وخبره ما قبله. وقال الفراء، والكسائي إن شئت كان في موضع ~~خفض بدلا من الهاء في به، أي اشتروا أنفسهم بأن يكفروا، وقال في الكشاف ~~إن «ما» نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس، بمعنى شيئا اشتروا به أنفسهم، ~~والمخصوص بالذم أن يكفروا، واشتروا بمعنى باعوا. وقوله { بغيا } أي ~~حسدا. قال الأصمعي البغي مأخوذ من قولهم قد بغى الجرح إذا فسد، وقيل ~~أصله الطلب، ولذلك سميت الزانية بغيا. وهو علة لقوله { اشتروا } ~~وقوله { أن ينزل } علة لقوله { بغيا } أي لأن ينزل. والمعنى ~~أنهم باعوا أنفسهم بهذا الثمن البخس حسدا، ومنافسة { أن ينزل ~~الله من فضله على من يشاء من عباده } وقرأ ابن كثير، ~~وأبو عمرو، ويعقوب، وابن محيصن «أن ينزل» بالتخفيف. { فباءوا } أي رجعوا، ~~وصاروا أحقاء { بغضب على غضب } وقد تقدم معنى باءوا، ومعنى ~~الغضب. قيل الغضب، الأول لعبادتهم العجل، والثاني لكفرهم بمحمد. وقيل ~~كفرهم بعيسى، ثم كفرهم بمحمد. وقيل كفرهم بمحمد، ثم البغي عليه وقيل غير ~~ذلك. والمهين مأخوذ من الهوان، قيل وهو ما اقتضى الخلود في النار. وقوله ~~{ بما أنزل الله } هو القرآن، وقيل كل كتاب، أي صدقوا بالقرآن، ~~أو صدقوا بما أنزل الله من الكتب { قالوا نؤمن } أي نصدق { ~~بما أنزل علينا } أي التوراة. # وقوله { ويكفرون بما وراءه } قال الفراء بما سواه. وقال أبو ~~عبيدة بما بعده. قال الجوهري وراء بمعنى خلف، وقد يكون بمعنى قدام، وهي ~~من الأضداد. ومنه قوله تعالى # وكان وراءهم ملك # الكهف ms0165 79 أي قدامهم، وهذه الجملة، أعني { ويكفرون } في محل النصب على ~~الحال، أي قالوا نؤمن بما أنزل علينا حال كونهم كافرين بما وراءه، مع كون ~~هذا الذي هو وراء ما يؤمنون به هو الحق. وقوله { مصدقا } حال مؤكدة، ~~وهذه أحوال متداخلة أعني قوله { ويكفرون } وقوله { وهو الحق ~~} وقوله { مصدقا } ثم اعترض الله سبحانه عليهم، لما قالوا نؤمن بما ~~أنزل علينا، بهذه الجملة المتشملة على الاستفهام المفيد للتوبيخ، أي إن ~~كنتم تؤمنون بما أنزل عليكم، فكيف تقتلون الأنبياء، وقد نهيتم عن قتلهم، ~~فيما أنزل عليكم؟ وهذا الخطاب، وإن كان مع الحاضرين من اليهود، فالمراد ~~به أسلافهم، ولكنهم لما كانوا يرضون بأفعال سلفهم كانوا مثلهم. واللام في ~~قوله { ولقد } جواب لقسم مقدر. والبينات يجوز أن يراد بها التوراة، ~~أو التسع الآيات المشار إليها بقوله تعالى # ولقد ءاتينا موسى تسع ءايت بينات # الإسراء 101 ويجوز أن يراد الجميع، ثم عبدتم العجل بعد النظر في تلك ~~البينات حال كونكم ظالمين بهذه العبادة الصادرة منكم، عنادا بعد قيام ~~الحجة عليكم. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة في قوله { ~~ولما جاءهم كتب من عند الله مصدق لما معهم } قال ~~هو القرآن { مصدق لما معهم } من التوراة، والإنجيل. وأخرج ابن ~~إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو نعيم، والبيهقي كلاهما في الدلائل ~~من طريق عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري قال حدثني أشياخ منا قالوا لم ~~يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منا لأن معنا ~~يهود، وكانوا أهل كتاب، وكنا أصحاب وثن، وكانوا إذا بلغهم منا ما ~~يكرهون قالوا إن نبيا ليبعث الآن قد أظل زمانه نتبعه، فنقتلكم معه قتل ~~عاد وإرم، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم اتبعناه، وكفروا به، ~~ففينا والله، وفيهم أنزل الله { وكانوا من قبل يستفتحون ~~على الذين كفروا } وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس، وابن ~~مسعود، وناس من الصحابة قالوا كانت العرب تمر باليهود، فيؤذونهم، وكانوا ~~يجدون محمدا في التوراة، فيسألون ms0166 الله أن يبعثه نبيا، فيقاتلون معه ~~العرب، فلما جاء محمد كفروا به حين لم يكن من بني إسرائيل. وقد روى نحو ~~هذا، عن ابن عباس من غير وجه بألفاظ مختلفة، ومعانيها متقاربة. وروى عن ~~غيره من السلف نحو ذلك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله ~~{ بئسما اشتروا به أنفسهم } قال هم اليهود كفروا بما ~~أنزل الله، وبمحمد صلى الله عليه وسلم بغيا، وحسدا للعرب { فباءو ~~بغضب على غضب } قال غضب الله عليهم مرتين بكفرهم بالإنجيل، ~~وبعيسى، وبكفرهم بالقرآن، وبمحمد. # وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ~~بغيا أن ينزل الله } أي أن الله جعله من غيرهم { فباءو ~~بغضب } بكفرهم بهذا النبي { على غضب } كان عليهم بما صنعوه من ~~التوراة. وأخرج ابن جرير، عن عكرمة نحوه. وأخرج أيضا عن مجاهد معناه. ~~وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله { ويكفرون بما وراءه } ~~قال بما بعده. وأخرج ابن جرير عن السدي قال بما وراءه أي القرآن. ### || [2.93-96] # قد تقدم تفسير أخذ الميثاق، ورفع الطور. والأمر بالسماع معناه الطاعة ~~والقبول، وليس المراد مجرد الإدراك بحاسة السمع، ومنه قولهم «سمع الله ~~لمن حمده» أي قبل وأجاب، ومنه قول الشاعر # دعوت الله حتى خفت أن لا يكون الله يسمع ما أقول # أي يقبل، وقولهم في الجواب { سمعنا } هو على بابه، وفي معناه أي ~~سمعنا قولك بحاسة السمع، وعصيناك، أي لا نقبل ما تأمرنا به، ويجوز أن ~~يكونوا أرادوا بقولهم «سمعنا» ما هو معهود من تلاعبهم، واستعمالهم ~~المغالطة في مخاطبة أنبيائهم، وذلك بأن يحملوا قوله تعالى { *اسمعوا } ~~على معناه الحقيقي أي السماع بالحاسة، ثم أجابوا بقولهم { سمعنا } أي ~~أدركنا ذلك بأسماعنا، عملا بموجب ما تأمر به، ولكنهم لما كانوا يعلمون ~~أن هذا غير مراد لله عز وجل، بل مراده بالأمر سماع الأمر بالطاعة ~~والقبول لم يقتصروا على هذه المغالطة بل ضموا إلى ذلك ما هو الجواب عندهم ~~فقالوا { وعصينا }. وفي قوله { واشربوا } تشبيه بليغ، أي جعلت ms0167 ~~قلوبهم لتمكن حب العجل منها كأنها تشربه، ومثله قول زهير # فصحوت عنها بعد حب داخل والحب يشربه فؤادك داء # وإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل لأن شرب الماء يتغلغل في ~~الأعضاء حتى يصل إلى باطنها، والطعام يجاوزها، ولا يتغلغل فيها، والباء ~~في قوله { بكفرهم } سببية أي كان ذلك بسبب كفرهم عقوبة لهم، ~~وخذلانا. وقوله { قل بئسما يأمركم به إيمنكم } أي ~~إيمانكم الذي زعمتم أنكم تؤمنون بما أنزل عليكم، وتكفرون بما وراءه، فإن ~~هذا الصنع، وهو قولكم { سمعنا وعصينا } في جواب ما أمرتم به في ~~كتابكم، وأخذ عليكم الميثاق به مناد عليكم بأبلغ نداء بخلاق ما زعمتم، ~~وكذلك ما وقع منكم من عبادة العجل، ونزول حبه من قلوبكم منزلة الشراب هو ~~من أعظم ما يدل على أنكم كاذبون في قولكم # نؤمن بما أنزل علينا # البقرة 91 لا صادقون، فإن زعمتم أن كتابكم الذي آمنتم به أمركم بهذا، ~~فبئسما يأمركم به إيمانكم بكتابكم، وفي هذا من التهكم بهم ما لا يخفى. ~~وقوله { قل إن كانت لكم الدار الأخرة } هو رد عليهم لما ~~ادعوا أنهم يدخلون الجنة، ولا يشاركهم في دخولها غيرهم، وإلزام لهم بما ~~يتبين به أنهم كاذبون في تلك الدعوى، وأنها صادرة منهم لا عن برهان، و { ~~خالصة } منصوب على الحال، ويكون خبر كان هو عند الله، أو يكون خبر ~~كان هو خالصة، ومعنى الخلوص أنه لا يشاركهم فيها غيرهم، إذا كانت اللام ~~في قوله { من دون الناس } للجنس، أو لا يشاركهم فيها المسلمون، إن ~~كانت اللام للعهد. # وهذا أرجح لقولهم في الآية الأخرى # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصرى # البقرة 111 وإنما أمرهم بتمني الموت لأن من اعتقد أنه من أهل الجنة كان ~~الموت أحب إليه من الحياة، ولما كان ذلك منهم مجرد دعوى أحجموا، ولهذا ~~قال سبحانه { ولن يتمنوه أبدا } ، و«ما» في قوله { بما ~~قدمت أيديهم } موصولة، والعائد محذوف، أي بما قدمته من الذنوب ~~التي يكون فاعلها غير آمن من العذاب، بل غير ms0168 طامع في دخول الجنة، فضلا ~~عن كونه قاطعا بها، فضلا عن كونها خالصة له مختصة به، وقيل إن الله ~~سبحانه صرفهم عن التمني ليجعل ذلك آية لنبيه صلى الله عليه وسلم. والمراد ~~بالتمني هنا هو اللفظ بما يدل عليه، لا مجرد خطوره بالقلب، وميل النفس ~~إليه، فإن ذلك لا يراد في مقام المحاجة، ومواطن الخصومة، ومواقف التحدي. ~~وفي تركهم للتمني أو صرفهم عنه معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فإنهم قد كانوا يسلكون من التعجرف، والتجرؤ على الله، وعلى أنبيائه ~~بالدعاوى الباطلة، في غير موطن ما قد حكاه عنهم التنزيل، فلم يتركوا ~~عادتهم هنا إلا لما قد تقرر عندهم من أنهم إذا فعلوا ذلك التمني نزل بهم ~~الموت، إما لأمر قد علموه، أو للصرفة من الله عز وجل. وقد يقال ثبت النهي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني الموت، فكيف أمره الله أن يأمرهم ~~بما هو منهي عنه في شريعته؟ ويجاب بأن المراد هنا إلزامهم الحجة، وإقامة ~~البرهان على بطلان دعواهم. وقوله { والله عليم بالظلمين } ~~تهديد لهم، وتسجيل عليهم بأنهم كذلك. واللام في قوله { ولتجدنهم ~~} جواب قسم محذوف، وتنكير حياة للتحقير، أي أنهم أحرص الناس على أحقر ~~حياة، وأقل لبث في الدنيا، فكيف بحياة كثيرة، ولبث متطاول؟ وقال في ~~الكشاف إنه أراد بالتنكير حياة مخصوصة، وهي الحياة المتطاولة، وتبعه في ~~ذلك الرازي في تفسيره. وقوله { ومن الذين أشركوا } قيل هو ~~كلام مستأنف، والتقدير ومن الذين أشركوا ناس { يود أحدهم } وقيل ~~إنه معطوف على الناس أي أحرص الناس، وأحرص من الذين أشركوا، وعلى هذا ~~يكون قوله { يود أحدهم } راجعا إلى اليهود بيانا لزيادة حرصهم ~~على الحياة، ووجه ذكر { الذين أشركوا } بعد ذكر { الناس } مع كونهم ~~داخلين فيهم الدلالة على مزيد حرص المشركين من العرب، ومن شابههم من ~~غيرهم. فمن كان أحرص منهم، وهم اليهود كان بالغا في الحرص إلى غاية لا ~~يقادر قدرها. وإنما بلغوا في الحرص إلى هذا الحد الفاضل على حرص ~~المشركين لأنهم يعلمون بما يحل ms0169 بهم من العذاب في الآخرة، بخلاف المشركين ~~من العرب، ونحوهم، فإنهم لا يقرون بذلك، وكان حرصهم على الحياة دون حرص ~~اليهود. # والأول، وإن كان فيه خروج من الكلام في اليهود إلى غيرهم من مشركي العرب ~~لكنه أرجح لعدم استلزامه للتكليف، ولا ضير في استطراد ذكر حرص المشركين ~~بعد ذكر حرص اليهود. وقال الرازي إن الثاني أرجح ليكون ذلك أبلغ في إبطال ~~دعواهم، وفي إظهار كذبهم في قولهم إن الدار الآخرة لنا لا لغيرنا. انتهى. ~~ويجاب عنه بأن هذا الذي جعله مرجحا قد أفاده قوله تعالى { ~~ولتجدنهم أحرص الناس على الحياة } ولا يستلزم استئناف ~~الكلام في المشركين، أن لا يكونوا من جملة الناس، وخص الألف بالذكر لأن ~~العرب كانت تذكر ذلك عند إرادة المبالغة. وأصل سنة سنهة، وقيل سنوة. ~~واختلف في الضمير في قوله { وما هو بمزحزحه } فقيل هو راجع ~~إلى أحدهم، والتقدير وما أحدهم بمزحزحه من العذاب أن يعمر، وعلى هذا يكون ~~قوله { أن يعمر } فاعلا لمزحزحه. وقيل هو لما دل عليه يعمر من ~~مصدره، أي وما التعمير بمزحزحه، ويكون قوله { أن يعمر } بدلا منه. وحكى ~~الطبري عن فرقة أنها قالت هو عماد. وقيل هو ضمير الشأن. وقيل «ما» هي ~~الحجازية، والضمير اسمها، وما بعده خبرها، والأول أرجح، وكذلك الثاني، ~~والثالث ضعيف جدا لأن العماد لا يكون إلا بين شيئين، ولهذا يسمونه ضمير ~~الفصل، والرابع فيه أن ضمير الشأن يفسر بجملة سالمة عن حرف جر كما حكاه ~~ابن عطية عن النحاة. والزحزحة التنحية، يقال زحزحته، فتزحزح أي نحيته ~~فتنحى، وتباعد، ومنه قول ذي الرمة # يا قابض الروح عن جسم عصى زمنا وغافر الذنب زحزحني ~~عن النار # والبصير العالم بالشيء الخبير به، ومنه قولهم فلان بصير بكذا أي خبير ~~به، ومنه قول الشاعر # فإن تسألوني بالنساء فإنني بصير بأدواء النساء ~~طبيب # وقد أخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة في قوله { وأشربوا فى ~~قلوبهم العجل } قال أشربوا حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم. وأخرج ~~ابن جرير، عن أبي العالية، أن اليهود ms0170 لما قالوا # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصرى # البقرة 111، نزل قوله تعالى { قل إن كانت لكم الدار ~~الاخرة } الآية. وأخرج ابن جرير، مثله عن قتادة. وأخرج البيهقي، في ~~الدلائل عن ابن عباس، أن قوله { خالصة من دون الناس } يعني ~~المؤمنين { فتمنوا الموت } فقال لهم رسول الله # " إن كنتم في مقالتكم صادقين، فقولوا " اللهم أمتنا " ، فوالذي نفسي ~~بيده لا يقولها رجل منكم إلا غص بريقه، فمات مكانه " # وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ~~فتمنوا الموت } أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ~~ذلك، ولو تمنوه يوم قال ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات. # وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر وأبو نعيم عنه قال «لو تمنى ~~اليهود الموت لماتوا». وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه نحوه. وأخرج ~~البخاري، وغيره من حديثه مرفوعا «لو أن اليهود تمنوا لماتوا، ولرأوا ~~مقاعدهم من النار». وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه في قوله { ~~ولتجدنهم أحرص الناس على حيوة } قال اليهود { ~~ومن الذين أشركوا } قال وذلك أن المشركين لا يرجون بعثا بعد ~~الموت، فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي قد عرف ماله من الخزي بما ضيع ما ~~عنده من العلم { وما هو بمزحزحه } قال بمنحيه. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم عنه في قوله { ~~يود أحدهم لو يعمر ألف سنة } قال هو قول الأعاجم ~~إذا عطس أحدهم «ده هزار رسال» يعني عش ألف سنة. ### || [2.97-98] # هذه الآية قد أجمع المفسرون على أنها نزلت في اليهود. قال ابن جرير ~~الطبري وأجمع أهل التأويل جميعا أن هذه الآية نزلت جوابا على اليهود إذ ~~زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم. ثم اختلفوا ما كان سبب ~~قولهم ذلك؟ فقال بعضهم إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم ~~وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر نبوته، ثم ذكر روايات في ذلك ~~ستأتي ms0171 آخر البحث إن شاء الله. والضمير في قوله { فإنه } يحتمل، ~~وجهين الأول أن يكون لله، ويكون الضمير في قوله { نزله } لجبريل، ~~أي فإن الله سبحانه نزل جبريل على قلبك، وفيه ضعف كما يفيده قوله { ~~مصدقا لما بين يديه }. الثاني أنه لجبريل، والضمير في { ~~نزله } للقرآن، أي فإن جبريل نزل القرآن على قلبك، وخص القلب بالذكر لأنه ~~موضع العقل، والعلم. وقوله { بإذن الله } أي بعلمه، وإرادته، ~~وتيسيره، وتسهيله، و { ما بين يديه } هو التوراة كما سلف، أو ~~جميع الكتب المنزلة، وفي هذا الدليل على شرف جبريل، وارتفاع منزلته، وأنه ~~لا وجه لمعاداة اليهود له، حيث كان منه ما ذكر من تنزيل الكتاب على قلبك، ~~أو من تنزيل الله له على قلبك، وهذا هو وجه الربط بين الشرط، والجواب، أي ~~من كان معاديا لجبريل منهم، فلا وجه لمعاداته له، فإنه لم يصدر منه إلا ~~ما يوجب المحبة دون العداوة، أو من كان معاديا له، فإن سبب معاداته أنه ~~وقع منه ما يكرهونه من التنزيل، وليس ذلك بذنب له، وإن نزهوه، فإن هذه ~~الكراهة منهم له بهذا السبب ظلم، وعدوان لأن هذا الكتاب الذي نزل به هو ~~مصدق لكتابهم، وهدى، وبشرى للمؤمنين. ثم أتبع سبحانه هذا الكلام بجملة ~~مشتملة على شرط، وجزاء يتضمن الذم لمن عادى جبريل بذلك السبب، والوعيد ~~الشديد له فقال { من كان عدوا لله وملئكته ورسله ~~وجبريل وميكل فإن الله عدو للكفرين } ~~والعداوة من العبد هي صدور المعاصي منه لله، والبغض لأوليائه، والعداوة ~~من الله للعبد هي تعذيبه بذنبه، وعدم التجاوز عنه، والمغفرة له، وإنما خص ~~جبريل، وميكائيل بالذكر بعد ذكر الملائكة لقصد التشريف لهما، والدلالة ~~على فضلهما، وأنهما، وإن كانا من الملائكة، فقد صارا باعتبار ما لهما من ~~المزية بمنزلة جنس آخر أشرف من جنس الملائكة، تنزيلا للتغاير الوصفي ~~منزلة التغاير الذاتي كما ذكره صاحب الكشاف، وقرره علماء البيان. وفي ~~جبريل عشر لغات ذكرها ابن جرير الطبري، وغيره، وقد قدمنا الإشارة إلى ~~ذلك. وفي ميكائيل ست لغات، وهما اسمان ms0172 عجميان، والعرب إذا نطقت بالعجمي ~~تساهلت فيه. # وحكى الزمخشري عن ابن جني أنه قال العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه. ~~وقوله { للكفرين } من وضع الظاهر موضع المضمر، أي فإن الله عدو ~~لهم، لقصد الدلالة على أن هذه العداوة موجبة لكفر من وقعت منه. وقد أخرج ~~أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو نعيم، ~~والبيهقي عن ابن عباس قال «حضرت عصابة من اليهود النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقالوا يا أبا القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا ~~نبي، قال # " سلوني عما شئتم " # فسألوه، وأجابهم، ثم قالوا فحدثنا من وليك من الملائكة، فعندها ~~نجامعك، أو نفارقك، فقال # " وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه " # قالوا فعندها نفارقك، لو كان وليك سواه من الملائكة لاتبعناك، وصدقناك، ~~قال # " فما يمنعكم أن تصدقوه؟ " # قالوا هذا عدونا. فعند ذلك أنزل الله الآية. وأخرج نحو ذلك ابن أبي ~~شيبة في المصنف، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الشعبي عن عمر بن الخطاب في ~~قصة جرت له معهم، وإسنادها صحيح، ولكن الشعبي لم يدرك عمر وقد رواها ~~عكرمة وقتادة، والسدي، وعبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن عمر. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، والنسائي، وغيرهم، عن أنس قال «سمع ~~عبد الله بن سلام بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يخترف، فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي؟ ~~ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى ~~أبيه، أو إلى أمه؟ فقال # " أخبرني بهن جبريل آنفا " # فقال جبريل؟ قال # " نعم " # قال ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية { من كان عدوا ~~لجبريل فإنه نزله على قلبك } قال # " أما أول أشراط الساعة، فنار تخرج من المشرق، فتحشر الناس إلى المغرب، ~~وأما أول ما يأكل أهل الجنة، فزيادة كبد حوت، وأما ما ينزع الولد إلى ~~أبيه أو أمه، فإذا سبق ماء الرجل ms0173 ماء المرأة نزع إليه الولد، وإذا سبق ~~ماء المرأة ماء الرجل نزع إليها " # قال أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله» وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس في قوله { فإنه نزله على قلبك ~~بإذن الله } يقول فإن جبريل نزل القرآن بأمر الله يشدد به فؤادك، ~~ويربط به على قلبك { مصدقا لما بين يديه } يقول لما قبله من ~~الكتب التي أنزلها والآيات، والرسل الذين بعثهم الله. وقد ذكر السيوطي في ~~هذا الموضع من تفسيره «الدر المنثور» أحاديث كثيرة واردة في جبريل، ~~وميكائيل، وليست مما يتعلق بالتفسير حتى نذكرها. ### || [2.99-103] # الضمير في قوله { إليك } للنبي صلى الله عليه وسلم أي أنزلنا إليك ~~علامات واضحات دالة على نبوتك. وقوله { إلا الفسقون } قد تقدم ~~تفسيره، والظاهر أن المراد جنس الفاسقين، ويحتمل أن يراد اليهود لأن ~~الكلام معهم، والواو في قوله { أو كلما } للعطف دخلت عليها همزة ~~الاستفهام كما تدخل على الفاء، ومن ذلك قوله تعالى # أفحكم الجهلية يبغون # المائدة 50 # أفأنت تسمع الصم # الزخرف 40 # أفتتخذونه وذريته # الكهف 50 وكما تدخل على ثم، ومن ذلك قوله تعالى # أثم إذا ما وقع # يونس 51 وهذا قول سيبويه. وقال الأخفش الواو زائدة. وقال الكسائي إنها " ~~أو " حركت الواو تسهيلا. قال ابن عطية وهذا كله متكلف، والصحيح قول ~~سيبويه، والمعطوف عليه محذوف، والتقدير أكفروا بالآيات البينات، وكلما ~~عاهدوا. قوله { نبذ فريق } قال ابن جرير أصل النبذ الطرح، ~~والإلقاء، ومنه سمى اللقيط منبوذا، ومنه سمي النبيذ، وهو التمر، والزبيب ~~إذا طرحا في الماء، قال أبو الأسود # نظرت إلى عنوانه فنبذته كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا # وقال آخر # إن الذين أمرتهم أن يعدلوا نبذوا كتابك واستحل المحرما # وقوله { وراء ظهورهم } أي خلف ظهورهم، وهو مثل يضرب لمن يستخف ~~بالشيء، فلا يعمل به، تقول العرب اجعل هذا خلف ظهرك، ودبر أذنك، وتحت ~~قدمك أي اتركه، واعرض عنه، ومنه ما أنشده الفراء # تميم بن زيد لا تكونن حاجتي بظهر فلا يعيا علي جوابها # وقوله { كتب الله ms0174 } أي التوراة لأنهم لما كفروا بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم، وبما أنزل عليه بعد أن أخذ الله عليهم في التوراة الإيمان به، ~~وتصديقه، واتباعه، وبين لهم صفته، كان ذلك منهم نبذا للتوراة، ونقضا ~~لها، ورفضا لما فيها، ويجوز أن يراد بالكتاب هنا القرآن، أي لما جاءهم ~~رسول من عند الله مصدق لما معهم من التوراة نبذوا كتاب الله الذي جاء به ~~هذا الرسول، وهذا أظهر من الوجه الأول. وقوله { كأنهم لا ~~يعلمون } تشبيه لهم بمن لا يعلم شيئا، مع كونهم يعلمون علما ~~يقينا من التوراة بما يجب عليهم من الإيمان بهذا النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ولكنهم لما لم يعملوا بالعلم بل عملوا عمل من لا يعلم من نبذ كتاب ~~الله وراء ظهورهم، كانوا بمنزلة من لا يعلم. قوله { واتبعوا ما ~~تتلو الشيطين } معطوف على قوله { نبذوا } أي نبذوا كتاب الله، ~~واتبعوا ما تتلوا الشياطين من السحر ونحوه. قال الطبري اتبعوا بمعنى ~~فعلوا. ومعنى { تتلو } تتقوله، وتقرؤه و { على ملك سليمن } ~~على عهد ملك سليمان، قاله الزجاج، وقيل المعنى في ملك سليمان يعني في ~~قصصه، وصفاته، وأخباره. # قال الفراء تصلح «على»، وفي «في» هذا الموضع، والأول أظهر، وقد كانوا ~~يظنون أن هذا هو علم سليمان، وأنه يستجيزه، ويقول به، فرد الله ذلك ~~عليهم، وقال { وما كفر سليمن ولكن الشياطين ~~كفروا } ولم يتقدم أن أحدا نسب سليمان إلى الكفر، ولكن لما نسبته ~~اليهود إلى السحر صاروا بمنزلة من نسبه إلى الكفر لأن السحر يوجب ذلك، ~~ولهذا أثبت الله سبحانه كفر الشياطين فقال { ولكن الشياطين ~~كفروا } أي بتعليمهم. وقوله { يعلمون الناس السحر } في ~~محل نصب على الحال، ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر بعد خبر. وقرأ ~~ابن عامر، والكوفيون سوى عاصم «ولكن الشياطين» بتخفيف لكن، ورفع ~~الشياطين، والباقون بالتشديد والنصب. والسحر هو ما يفعله الساحر من ~~الحيل والتخيلات التي تحصل بسببها للمسحور ما يحصل من الخواطر الفاسدة ~~الشبيهة بما يقع لمن يرى السراب فيظنه ماء، وما يظنه راكب السفينة، ms0175 أو ~~الدابة من أن الجبال تسير، وهو مشتق من سحرت الصبي إذا خدعته. وقيل أصله ~~الخفاء، فإن الساحر يفعله خفية. وقيل أصله الصرف لأن السحر مصروف عن ~~جهته. وقيل أصله الاستمالة لأن من سحرك، فقد استمالك. وقال الجوهري السحر ~~الأخذة، وكل ما لطف مأخذه ودق، فهو سحر. وقد سحره يسحره، سحرا. ~~والساحر العالم، وسحره أيضا بمعنى خدعه. وقد اختلف هل له حقيقة أم لا؟ ~~فذهبت المعتزلة، وأبو حنيفة إلى أنه خدع لا أصل له، ولا حقيقة. وذهب من ~~عداهم إلى أن له حقيقة مؤثرة. وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم، سحره ~~لبيد بن الأعصم اليهودي، حتى كان يخيل إليه أنه يأتي الشيء ولم يكن قد ~~أتاه، ثم شفاه الله سبحانه، والكلام في ذلك يطول. وقوله { وما أنزل ~~على الملكين } أي ويعلمون الناس ما أنزل على الملكين، فهو معطوف ~~على السحر، وقيل هو معطوف على قوله «ما تتلو الشياطين» أي واتبعوا ما ~~أنزل على الملكين. وقيل إن «ما» في قوله { وما أنزل على ~~الملكين } نافية، والواو عاطفة على قوله { وما كفر ~~سليمن } وفي الكلام تقديم، وتأخير، والتقدير وما كفر سليمان، وما ~~أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت، ~~وماروت، فهاروت، وماروت بدل من الشياطين في قوله { ولكن ~~الشياطين كفروا } ذكر هذا ابن جرير، وقال فإن قال لنا قائل وكيف ~~وجه تقديم ذلك؟ قيل وجه تقديمه أن يقال واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ~~ملك سليمان، وما كفر سليمان وما أنزل الله على الملكين، ولكن الشياطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فيكون معنيا بالملكين ~~جبريل وميكائيل لأن سحرة اليهود، فيما ذكر، كانت تزعم أن الله أنزل السحر ~~على لسان جبريل وميكائيل، إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك، وأخبر ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرأ سليمان ~~مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ~~ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان أحدهما هاروت، والآخر ms0176 ماروت، ~~فيكون هاروت وماروت، على هذا التأويل ترجمة عن الناس وردا عليهم. # انتهى. وقال القرطبي في تفسيره، بعد أن حكى معنى هذا الكلام، ورجح أن ~~هاروت وماروت بدل من الشياطين، ما لفظه هذا أولى ما حملت عليه الآية، ~~وأصح ما قيل فيها، ولا يلتفت إلى سواه، فالسحر من استخراج الشياطين ~~للطافة جوهرهم، ودقة أفهامهم، وأكثر ما يتعاطاه من الإنس النساء، وخاصة ~~في حال طمثهن، قال الله # ومن شر النفثت فى العقد # الفلق 4 ثم قال إن قيل كيف يكون اثنان بدلا من جمع، والبدل إنما يكون ~~على حد المبدل؟ ثم أجاب عن ذلك بأن الاثنين قد يطلق عليهما الجمع، أو ~~أنهما خصا بالذكر دون غيرهما لتمردهما، ويؤيد هذا أنه قرأ ابن عباس ~~والضحاك والحسن «الملكين» بكسر اللام، ولعل وجه الجزم بهذا التأويل مع ~~بعده، وظهور تكلفه، تنزيه الله سبحانه أن ينزل السحر إلى ارضه، فتنة ~~لعباده على ألسن ملائكته. وعندي أنه لا موجب لهذا التعسف المخالف لما هو ~~الظاهر، فإن لله سبحانه أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن بنهر طالوت، ~~ولهذا يقول الملكان { إنما نحن فتنة } قال ابن جرير وذهب كثير ~~من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض، فكان ~~من أمرهما ما كان، وبابل قيل هي العراق، وقيل نهاوند، وقيل نصيبين. وقيل ~~المغرب وهاروت وماروت اسمان أعجميان لا ينصرفان. وقوله { وما ~~يعلمان من أحد حتى يقولا } قال الزجاج تعليم إنذار من ~~السحر لا تعليم دعاء إليه، قال وهو الذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر، ~~ومعناه أنهما يعلمان على النهي، فيقولان لهم لا تفعلوا كذا. و«من» في ~~قوله { من أحد } زائدة للتوكيد، وقد قيل إن قوله { يعلمان } من الإعلام ~~لا من التعليم، وقد جاء في كلام العرب تعلم بمعنى أعلم، كما حكاه ابن ~~الأنباري، وابن الأعرابي، وهو كثير من أشعارهم كقول كعب بن مالك # تعلم رسول الله أنك مدركي وأن وعيدا منك كالأخذ ~~باليد # وقال القطامي # تعلم أن بعد الغي رشدا وأن لذلك الغي انقشاعا ms0177 # وقوله { إنما نحن فتنة } هو على ظاهره، أي إنما نحن ابتلاء، ~~واختبار من الله لعباده. وقيل إنه استهزاء منهما لأنهما إنما يقولانه لمن ~~قد تحققا ضلاله. وفي قولهما { فلا تكفر } أبلغ إنذار، وأعظم تحذير، ~~أي أن هذا ذنب يكون من فعله كافرا، فلا تكفر، وفيه دليل على أن تعلم ~~السحر كفر، وظاهره عدم الفرق بين المعتقد، وغير المعتقد، وبين من تعلمه ~~ليكون ساحرا، ومن تعلمه ليقدر على دفعه. # وقوله { فيتعلمون } فيه ضمير يرجع إلى قوله «من أحد» قال ~~سيبويه التقدير، فهم يتعلمون، قال ومثله # كن فيكون # يس 82 وقيل هو معطوف على موضع ما يعلمان لأنه وإن كان منفيا، فهو يتضمن ~~الإيجاب. وقال الفراء هي مردودة على قوله «يعلمون الناس السحر» أي يعلمون ~~الناس، فيتعلمون، وقوله { ما يفرقون به بين المرء ~~وزوجه } في إسناد التفريق إلى السحرة، وجعل السحر سببا لذلك دليل ~~على أن للسحر تأثيرا في القلوب بالحب والبغض، والجمع، والفرقة، والقرب، ~~والبعد. وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الساحر لا يقدر على أكثر مما ~~أخبر الله به من التفرقة لأن الله ذكر ذلك في معرض الذم للسحر، وبين ما ~~هو الغاية في تعليمه، فلو كان يقدر على أكثر من ذلك لذكره. وقالت طائفة ~~أخرى إن ذلك خرج مخرج الأغلب، وأن الساحر يقدر على غير ذلك المنصوص عليه، ~~وقيل ليس للسحر تأثير في نفسه أصلا لقوله تعالى { وما هم بضارين ~~به من أحد إلا بإذن الله } والحق أنه لا تنافي بين قوله ~~{ فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء ~~وزوجه } وبين قوله { وما هم بضارين به من أحد إلا ~~بإذن الله } فإن المستفاد من جميع ذلك أن للسحر تأثيرا في نفسه، ~~ولكنه لا يؤثر ضررا إلا فيمن أذن الله بتأثيره فيه، وقد أجمع أهل العلم ~~على أن له تأثيرا في نفسه، وحقيقة ثابتة، ولم يخالف في ذلك إلا ~~المعتزلة، وأبو حنيفة كما تقدم، وقوله { ويتعلمون ما ~~يضرهم ولا ينفعهم } فيه تصريح بأن السحر لا يعود على صاحبه ~~بفائدة، ms0178 ولا يجلب إليه منفعة بل هو ضرر محض، وخسران بحت، واللام في قوله ~~{ ولقد } جواب قسم محذوف، وفي قوله { لمن اشتراه } للتأكيد ~~و«من» موصولة، وهي في محل رفع على الابتداء، والخبر قوله { ماله فى ~~الأخرة من خلق } وقال الفراء إنها شرطية للمجازاة. وقال الزجاج ~~ليس هذا بموضع شرط، ورجح أنها موصولة كما ذكرنا. والمراد بالشراء هنا ~~لاستبدال أي من استبدل ما تتلوا الشياطين على كتاب الله. والخلاق النصيب ~~عند أهل اللغة، كذا قال الزجاج. والمراد بقوله { ما شروا به ~~أنفسهم } أي باعوها. وقد أثبت لهم العلم في قوله { ولقد ~~علموا } ونفاه عنهم في قوله { لو كانوا يعلمون } واختلفوا ~~في توجيه ذلك، فقال قطرب، والأخفش إن المراد بقوله { ولقد علموا ~~} الشياطين، والمراد بقوله { لو كانوا يعلمون } الإنس. وقال ~~الزجاج إن الأول للملكين، وإن كان بصيغة الجمع، فهو مثل قولهم الزيدان ~~قاموا، والثاني المراد به علماء اليهود. وإنما قال { لو كانوا ~~يعلمون } لأنهم تركوا العمل بعلمهم. # وقوله { ولو أنهم ءامنوا } أي بالنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وما جاء به من القرآن، { واتقوا } ما وقعوا فيه من السحر، والكفر. ~~واللام في قوله { لمثوبة } جواب " لو " ، والمثوبة الثواب. وقال ~~الأخفش إن الجواب محذوف، والتقدير، ولو أنهم آمنوا، واتقوا لأثيبوا، فحذف ~~لدلالة قوله { لمثوبة } عليه. وقوله { لو كانوا يعلمون } هو ~~إما للدلالة على أنه لا علم لهم، أو لتنزيل علمهم مع عدم العمل منزلة ~~العدم. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس «قال ~~ابن صوريا للنبي صلى الله عليه وسلم يا محمد ما جئتنا بشيء يعرف، وما ~~أنزل الله عليك من آية بينة، فأنزل الله تعالى في ذلك { ولقد ~~أنزلنا إليك ءايت بينت وما يكفر بها إلا ~~الفسقون } وقال مالك بن الصيف، حين بعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وذكرهم ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد والله ما ~~عهد إلينا في محمد، ولا أخذ علينا شيئا، فأنزل الله { أوكلما ~~عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل ms0179 أكثرهم لا ~~يؤمنون } الآية. وأخرج ابن جرير عنه في قوله { آيات بينات } ~~يقول فأنت تتلوه عليهم وتخبرهم به غدوة، وعشية، وبين ذلك، وأنت عندهم ~~أمي لم تقرأ الكتاب، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه، ففي ذلك عبرة ~~لهم، وحجة عليهم { لو كانوا يعلمون }. وأخرج ابن جرير، عن ~~قتادة في قوله { نبذة } نقضه. وأخرج أيضا عن السدي في قوله { مصدق ~~لما معهم } قال لما جاءهم محمد عارضوه بالتوراة، واتفقت التوراة، ~~والقرآن، فنبذوا التوراة، وأخذوا بكتاب آصف، وسحر هاروت وماروت، كأنهم لا ~~يعلمون بما في التوراة من الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وتصديقه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والحاكم وصححه، عن ابن عباس قال إن الشياطين كانوا يسترقون السمع من ~~السماء، فإذا سمع أحدهم بكلمة حق كذب معها ألف كذبة، فأشربتها قلوب ~~الناس، واتخذوها دواوين، فأطلع الله على ذلك سليمان بن داود، فأخذها، ~~فدفنها تحت الكرسي. فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق، فقال ألا أدلكم ~~على كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه الممنع؟ قالوا نعم، فأخرجوه ~~فإذا هو سحر، فتناسختها الأمم، وأنزل الله عذر سليمان، فيما قالوا من ~~السحر، فقال { واتبعوا ما تتلو الشيطين على ملك ~~سليمن } الآية. وأخرج النسائي وابن أبي حاتم عنه قال كان آصف كاتب ~~سليمان، وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه ~~تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرا ~~وكفرا، وقالوا هذا الذي كان سليمان يعمل بها، فأكفره جهال الناس، وسبوه، ~~ووقف علماؤهم، فلم يزل جهالهم يسبونه حتى أنزل الله على محمد { ~~واتبعوا ما تتلو الشيطين } الآية، وأخرج ابن جرير، عنه ~~قال كان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يأتي شيئا من شأنه أعطى ~~الجرادة، وهي امرأته، خاتمه، فلما أراد الله أن يبتلي سليمان بالذي ~~ابتلاه به أعطى الجرادة ذات يوم خاتمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، ~~فقال لها هاتي خاتمي، فأخذه، فلبسه، فلما لبسه دانت له ms0180 الشياطين، والجن، ~~والإنس، فجاء سليمان، فقال هاتي خاتمي، فقالت له كذبت لست سليمان، فعرف ~~أنه بلاء ابتلى به، فانطلقت الشياطين، فكتبت في تلك الأيام كتبا فيها ~~سحر، وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها، فقرءوها على الناس، ~~وقالوا إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب، فبرىء الناس من سليمان، ~~وأكفروه حتى بعث الله محمدا، وأنزل عليه { وما كفر سليمن ~~ولكن الشياطين كفرو } وأخرج ابن جرير، عنه في قوله { ~~وما تتلو } قال ما تتبع. # وأخرج أيضا عن عطاء في قوله { ما تتلوا } قال نراه ما تحدث. وأخرج ~~أيضا عن ابن جريج في قوله { على ملك سليمن } يقول في ملك ~~سليمان. وأخرج أيضا عن السدي في قوله { وما أنزل على ~~الملكين } قال هذا سحر آخر خاصموه به، فإن كلام الملائكة، فيما ~~بينهم إذا علمته الإنس، فصنع، وعمل به كان سحرا. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وما أنزل على ~~الملكين } قال لم ينزل الله السحر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن علي ~~قال هما ملكان من ملائكة السماء. وأخرج نحوه ابن مردويه من وجه آخر عنه ~~مرفوعا. وأخرج البخاري في تاريخه، وابن المنذر عن ابن عباس { وما ~~أنزل على الملكين } يعني جبريل وميكائيل { ببابل ~~هروت ومروت } يعلمان الناس السحر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد ~~الرحمن، بن أبزي أنه كان يقرؤها وما أنزل على الملكين داود، وسليمان. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال هما علجان من أهل بابل. وأخرج البيهقي ~~في شعب الإيمان من حديث، ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أشرفت الملائكة على الدنيا، فرأت بني آدم يعصون، فقالت يا رب ما أجهل ~~هؤلاء، ما أقل معرفة هؤلاء بعظمتك؟ فقال الله لو كنتم في محلاتهم ~~لعصيتموني، قالوا كيف يكون هذا، ونحن نسبح بحمدك، ونقدس لك؟ قال فاختاروا ~~منكم ملكين، فاختاروا هاروت وماروت، ثم أهبطا إلى الأرض، وركبت، فيهما ~~شهوات بني آدم، ومثلت لهما امرأة، فما عصما حتى واقعا المعصية، ms0181 فقال الله ~~اختارا عذاب الدنيا، أو عذاب الآخرة، فنظر أحدهما لصاحبه قال ما تقول؟ ~~قال أقول إن عذاب الدنيا ينقطع، وإن عذاب الآخرة لا ينقطع، فاختارا عذاب ~~الدنيا، فهما اللذان ذكر الله في كتابه { وما أنزل على ~~الملكين } الآية " # وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر، أنه كان يقول أطلعت الحمراء بعد، فإذا ~~رآها قال لا مرحبا، ثم قال إن ملكين من الملائكة هاروت وماروت سألا الله ~~أن يهبطهما إلى الأرض، فأهبطا إلى الأرض فكانا يقضيان بين الناس، فإذا ~~أمسيا تكلما بكلمات، فعرجا بها إلى السماء، فقيض لهما امرأة من أحسن ~~النساء، وألقيت عليهما الشهوة، فجعلا يؤخرانها، وألقيت في أنفسهما، فلم ~~يزالا يفعلان حتى وعدتهما ميعادا، فأتتهما للميعاد فقالت علماني الكلمة ~~التي تعرجان بها، فعلماها الكلمة فتكلمت بها فعرجت إلى السماء، فمسخت ~~فجعلت كما ترون، فلما أمسيا تكلما بالكلمة، فلم يعرجا، فبعث إليهما إن ~~شئتما فعذاب الآخرة، وإن شئتما، فعذاب الدنيا إلي أن تقوم الساعة على أن ~~تلقيا الله، فإن شاء عذبكما، وإن شاء رحمكما، فنظر أحدهما إلي صاحبه، ~~فقال بل نختار عذاب الدنيا ألف ألف ضعف، فهما يعذبان إلى يوم القيامة. ~~وقد رويت هذه القصة عن ابن عمر بألفاظ، وفي بعضها أنه يروي ذلك ابن عمر ~~عن كعب الأحبار. كما أخرجه عبد الرزاق، وابن شيبة وعبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب من طريق الثوري، عن موسى ~~بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب قال ذكرت الملائكة أعمال بني آدم، ~~وما يأتون من الذنوب، فقيل لو كنتم مكانهم لأتيتم مثل ما يأتون، فاختاروا ~~منكم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت، فقال لهما إني أرسل إلى بني آدم ~~رسلا، فليس بيني، وبينكم رسول. انزلا لا تشركا بي شيئا، ولا تزنيا، ولا ~~تشربا الخمر، قال كعب فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى ~~استعملا جميع ما نهيا عنه. قال ابن كثير وهذا أصح، يعني من الإسنادين ~~اللذين ذكرهما قبله. وأخرج عبد بن حميد، وابن ms0182 جرير، وأبو الشيخ في ~~العظمة، والحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب، قال إن هذه الزهرة تسميها ~~العرب الزهرة، والعجم أناهيد، وذكر نحو الرواية السابقة عن ابن عمر، ~~عند الحاكم. قال ابن كثير وهذا الإسناد رجاله ثقات، وهو غريب جدا. وقد ~~أخرج عبد بن حميد، والحاكم وصححه عن ابن عباس، قال كانت الزهرة امرأة. ~~وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عنه أن المرأة التي فتن بها الملكان ~~مسخت، فهي هذه الكوكبة الحمراء يعني الزهرة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عنه، فذكر قصة طويلة، وفيها ~~التصريح بأن الملكين شربا الخمر، وزنيا بالمرأة، وقتلاها. وأخرج ابن ~~جرير، عن ابن مسعود، وابن عباس هذه القصة، وقالا إنها أنزلت إليهما ~~الزهرة في صورة امرأة، وأنهما وقعا في الخطيئة. # وقد روي في هذا الباب قصص طويلة وروايات مختلفة استوفاها السيوطي في ~~الدر المنثور. وذكر ابن كثير في تفسيره بعضها، ثم قال وقد روى في قصة ~~هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد، والسدي، والحسن البصري، ~~وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم، ~~وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين، والمتأخرين. وحاصلها راجع في ~~تفصليها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل ~~الإسناد، إلى الصادق المصدوق المعصوم، الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق ~~القرآن إجمال القصة من غير بسط، ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في ~~القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال. انتهى. وقال ~~القرطبي بعد سياق بعض ذلك قلنا هذا كله ضعيف، وبعيد عن ابن عمر، غيره لا ~~يصح منه شيء، فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم أمناء الله على ~~وحيه، وسفراؤه إلى رسله # لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون # التحريم 6، ثم ذكر ما معناه أن العقل يجوز وقوع ذلك منهم، لكن وقوع ~~هذا الجائز لا يدرى إلا بالسمع، ولم يصح. انتهى. وأقول هذا مجرد استبعاد. ~~وقد ورد الكتاب العزيز في هذا ms0183 الموضع بما تراه، ولا وجه لإخراجه عن ظاهره ~~بهذه التكلفات، وما ذكره من أن الأصول تدفع ذلك، فعلى فرض، وجود هذه ~~الأصول، فهي مخصصة بما وقع في هذه القصة، ولا وجه لمنع التخصيص، وقد كان ~~إبليس يملك المنزلة العظيمة، وصار أشر البرية، وأكفر العالمين. وأخرج ~~ابن جرير، عن قتادة في قوله { إنما نحن فتنة } قال بلاء. ~~وأخرج البزار بإسناد صحيح، والحاكم وصححه عن ابن مسعود، قال «من أتى ~~ساحرا، أو كاهنا، وصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد». وأخرج ~~البزار عن عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من تطير، أو تطير له، أو تكهن، تكهن له أو سحر، أو سحر له، ومن ~~عقد عقدة، ومن أتى كاهنا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد " # وأخرج عبد الرزاق، عن صفوان بن سليم، قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " من تعلم شيئا من السحر قليلا، أو كثيرا كان آخر عهده من الله " # وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله { من خلق } قال قوام. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، عنه قال { من خلق } من نصيب، وكذا روى ابن جرير، عن ~~مجاهد. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن الحسن { ما له فى الأخرة ~~من خلق } قال ليس له دين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ~~السدي في قوله { ولبئس ما شروا به } قال باعوا. وأخرج عبد ~~الرزاق، وابن جرير، عن قتادة في قوله { لمثوبة } قال ثواب. ### || [2.104-105] # قوله { راعنا } أي راقبنا، واحفظنا، وصيغة المفاعلة تدل على أن معنى ~~{ راعنا } ارعنا ونرعاك، واحفظنا ونحفظك، وارقبنا ونرقبك، ويجوز أن ~~يكون من أرعنا سمعك، أي فرغه لكلامنا، وجه النهي عن ذلك أن هذا اللفظ كان ~~بلسان اليهود سبا، قيل إنه في لغتهم بمعنى اسمع لا سمعت وقيل غير ذلك، ~~فلما سمعوا المسلمين يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم راعناطلبا منه أن ~~يراعيهم من المراعاة، اغتنموا الفرصة، وكانوا يقولون للنبي صلى الله عليه ~~وسلم كذلك مظهرين ms0184 أنهم يريدون المعنى العربي، مبطنين أنهم يقصدون السب ~~الذي هو معنى هذا اللفظ في لغتهم وفي ذلك دليل على أنه ينبغي تجنب ~~الألفاظ المحتملة للسب، والنقص، وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى ~~المفيد للشتم سدا للذريعة ودفعا للوسيلة، وقطعا لمادة المفسدة، ~~والتطرق إليه، ثم أمرهم الله بأن يخاطبوا النبي صلى الله عليه وسلم بما ~~لا يحتمل النقص، ولا يصلح للتعريض، فقال { وقولوا انظرنا } أي ~~أقبل علينا، وانظر إلينا، فهو، من باب الحذف، والايصال، كما قال الشاعر # ظاهرات الجمال والحسن ينظر ن كما ينظر الأراك ~~الظباء # أي إلى الأراك. وقيل معناه انتظرنا وتأن بنا، ومنه قول الشاعر # فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أم جندب # وقرأ الأعمش " انظرنا " بقطع الهمزة، وكسر الظاء، بمعنى أخرنا ~~وأمهلنا، حتى نفهم عنك، ومنه قول الشاعر # أبا هند فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبرك اليقينا # وقرأ الحسن " رعنا " بالتنوين، وقال الراعن من القول السخري. منه. ~~انتهى. وأمرهم بعد هذا النهي، والأمر بأمر آخر وهو قوله { واسمعوا } ~~أي اسمعوا ما أمرتم به ونهيتم عنه، ومعناه أطيعوا الله في ترك خطاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم بذلك اللفظ، وخاطبوه ما أمرتم به، ويحتمل أن يكون ~~معناه اسمعوا ما يخاطبكم به الرسول من الشرع، حتى يحصل لكم المطلوب بدون ~~طلب للمراعاة، ثم توعد اليهود بقوله { وللكفرين عذاب أليم ~~} ويحتمل أن يكون وعيدا شاملا لجنس الكفرة. قال ابن جرير والصواب من ~~القول عندنا في ذلك أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم { رعنا } لأنها كلمة كرهها الله أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم نظير الذي ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " لا تقولوا للعنب الكرم، ولكن قولوا الحبلة، ولا تقولوا عبدي، ولكن ~~قولوا فتاي " # وما أشبه ذلك. وقوله { ما يود الذين كفروا من أهل ~~الكتب } الآية، فيه بيان شدة عداوة الكفار للمسلمين حيث لا يودون ~~إنزال الخير عليهم من الله سبحانه. # ثم رد الله سبحانه ذلك عليهم، فقال { والله يختص ms0185 برحمته ~~من يشاء } الآية. وقوله { أن ينزل } في محل نصب على المفعولية، ~~و«من» في قوله { من خير } زائدة، قاله النحاس، وفي الكشاف أن «من» ~~في قوله { من أهل الكتب } بيانية، وفي قوله { من خير } ~~مزيدة لاستغراق الخير، وفي قوله { من ربكم } لابتداء الغاية، وقد ~~قيل بأن الخير الوحي. وقيل غير ذلك، والظاهر أنهم لا يودون أن ينزل على ~~المسلمين أي خير كان، فهو لا يختص بنوع معين، كما يفيده وقوع هذه النكرة ~~في سياق النفي، وتأكيد العموم بدخول «من» المزيدة عليها، وإن كان بعض ~~أنواع الخير أعظم من بعض، فذلك لا يوجب التخصيص. والرحمة قيل هي القرآن. ~~وقيل النبوة. وقيل جنس الرحمة من غير تعيين كما يفيد ذلك الإضافة إلى ~~ضميره تعالى { والله ذو الفضل العظيم } أي صاحب الفضل ~~العظيم، فكيف لا تودون أن يختص برحمته من يشاء من عباده. وقد أخرج سعيد ~~بن منصور في سننه، وأحمد في الزهد، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، ~~والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود أن رجلا أتاه، فقال اعهد إلى، فقال ~~إذا سمعت الله يقول فأوعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهي عنه. ~~وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن ابن عباس قال { رعنا } بلسان اليهود ~~السب القبيح، وكان اليهود يقولون ذلك لرسول الله سرا، فلما سمعوا ~~أصحابه يقولون ذلك أعلنوا بها، فكانوا يقولون ذلك، ويضحكون، فيما بينهم، ~~فأنزل الله الآية. وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عنه أنه قال المؤمنون بعد ~~هذه الآية من سمعتموه يقولها، فاضربوا عنقه. فانتهت اليهود بعد ذلك. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن السدي قال كان رجلان من اليهود مالك بن ~~الصيف، ورفاعة بن زيد، إذا لقيا النبي صلى الله عليه وسلم قالا له، وهما ~~يكلمانه راعنا سمعك، واسمع غير مسمع، فظن المسلمون أن هذا شيء كان أهل ~~الكتاب يعظمون به أنبياءهم، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ~~الآية. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي صخر قال كان رسول الله ~~صلى ms0186 الله عليه وسلم إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين، فقالوا ~~ارعنا سمعك، فأعظم الله رسوله أن يقال له ذلك، وأمرهم أن يقولوا { ~~انظرنا } ليعزروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويوقروه. وأخرج عبد ~~بن حميد، وابن جرير، وأبو نعيم، عن قتادة أن اليهود كانت تقول ذلك ~~استهزاء، فكره الله للمؤمنين أن يقولوا كقولهم، وأخرج ابن حاتم، عن ~~مجاهد قال الرحمة القرآن والإسلام. ### || [2.106-107] # النسخ في كلام العرب على وجهين أحدهما النقل، كنقل كتاب من آخر، وعلى ~~هذا يكون القرآن كله منسوخا، أعنى من اللوح المحفوظ، فلا مدخل لهذا ~~المعنى في هذه الآية، ومنه # إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون # الجاثية 29 أي نأمر بنسخه. الوجه الثاني الإبطال، والإزالة. وهو المقصود ~~هنا. وهذا الوجه الثاني ينقسم إلى قسمين عند أهل اللغة. أحدهما إبطال ~~الشيء، وزواله، وإقامة آخر مقامه، ومنه نسخت الشمس الظل إذا أذهبته، وحلت ~~محله، وهو معنى قوله { ما ننسخ من ءاية } وفي صحيح مسلم # " لم تكن نبوة قط إلا تناسخت " # أي تحولت من حال إلى حال. والثاني إزالة الشيء دون أن يقوم مقامه آخر ~~كقولهم نسخت الريح الأثر، ومن هذا المعنى # فينسخ الله ما يلقى الشيطن # الحج 52 أي يزيله. وروي عن أبي عبيد أن هذا قد كان يقع في زمن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فكانت تنزل عليه السورة، فترفع، فلا تتلى، ولا تكتب. ~~ومنه ما روي عن أبي، وعائشة، أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة في ~~الطول. قال ابن فارس النسخ نسخ الكتاب، والنسخ أن تزيل أمرا كان من قبل ~~يعمل به، ثم تنسخه بحادث غيره، كالآية تنزل بأمر، ثم تنسخ بأخرى، وكل شيء ~~خلف شيئا، فقد انتسخه، يقال نسخت الشمس الظل، والشيب الشباب، وتناسخ ~~الورثة أن يموت ورثة بعد ورثة، وأصل الميراث قائم، وكذا تناسخ الأزمنة ~~والقرون. وقال ابن جرير { ما ننسخ } ما ننقل من حكم آية إلى غيره، ~~فنبدله، ونغيره، وذلك أن نحول الحلال حراما، والحرام حلالا، والمباح ~~محظورا، والمحظور ms0187 مباحا، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحظر ~~والإطلاق والمنع، والإباحة، فأما الأخبار، فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ، ~~وأصل النسخ من نسخ الكتاب، وهو نقله من نسخة أخرى، فكذلك معنى نسخ الحكم ~~إلى غيره إنما هو تحويله إلى غيره وسواء نسخ حكمها، أو خطها، إذ هي في ~~كلتي حالتيها منسوخة. انتهى. وقد جعل علماء الأصول مباحث النسخ من جملة ~~مقاصد ذلك الفن، فلا نطول بذكره، بل نحيل من أراد الاستشفاء عليه. وقد ~~اتفق أهل الإسلام على ثبوته سلفا، وخلفا، ولم يخالف في ذلك أحد إلا من ~~لا يعتد بخلافه ولا يؤبه لقوله. وقد اشتهر عن اليهود، أقمأهم الله ~~إنكاره، وهم محجوجون بما في التوراة أن الله قال لنوح عليه السلام عند ~~خروجه من السفينة إني قد جعلت كل دابة مأكلا لك، ولذريتك، وأطلقت ذلك ~~لكم كنبات العشب ما خلا الدم، فلا تأكلوه، ثم وقد حرم الله ذلك على موسى ~~عليه السلام وعلى بني اسرائيل كثيرا من الحيوان، وثبت في التوراة أن آدم ~~كان يزوج الأخ من الأخت، وقد حرم الله ذلك على موسى عليه السلام، وعلى ~~غيره. # وثبت فيها أن إبراهيم عليه السلام أمر بذبح ابنه، ثم قال الله له لا ~~تذبحه، وبأن موسى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل، ثم أمرهم ~~برفع السيف عنهم، ونحو هذا كثير في التوراة الموجودة بأيديهم. وقوله { ~~أو ننسها } قرأ أبو عمرو، وابن كثير بفتح النون، والسين، والهمز، ~~وبه قرأ عمر، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد وأبي بن كعب، وعبيد بن عمير ~~والنخعي، وابن محيصن، ومعنى هذه القراءة نؤخرها عن النسخ، من قولهم نسأت ~~هذا الأمر إذا أخرته. قال ابن فارس ويقولون نسأ الله في أجلك، وأنسأ الله ~~أجلك. وقد انتسأ القوم إذا تأخروا، وتباعدوا، ونسأتهم أنا أخرتهم. وقيل ~~معناه نؤخر نسخ لفظها أي نتركه في أم الكتاب، فلا يكون. وقيل نذهبها عنكم ~~حتى لا تقرأ، ولا تذكر، وقرأ الباقون { ننسها } بضم النون من النسيان ~~الذي بمعنى الترك، أي نتركها، ms0188 فلا نبدلها، ولا ننسخها، ومنه قوله تعالى # نسوا الله فنسيهم # التوبة 67 أي تركوا عبادته، فتركهم في العذاب. واختار هذه القراءة أبو ~~عبيد، وأبو حاتم، وحكى الأزهري أن معناه نأمر بتركها يقال أنسيته الشيء، ~~أي أمرته بتركه، ونسيته تركته، ومنه قول الشاعر # إن علي عقبة أقضيها لست بناسيها ولا منسيها # أي ولا آمر بتركها. وقال الزجاج إن القراءة بضم النون لا يتوجه فيها ~~معنى الترك، لا يقال أنسى بمعنى ترك قال وما روى علي بن أبي طلحة، عن ~~ابن عباس { أو ننسها } قال نتركها لا نبدلها، فلا يصح، والذي عليه ~~أكثر أهل اللغة، والنظر أن معنى { أو ننسها } نبح لكم تركها، من نسي ~~إذا ترك، ثم تعديه. ومعنى { نأت بخير منها أو مثلها } ~~نأت بما هو أنفع للناس منها في العاجل والآجل، أو في أحدهما، أو بما هو ~~مماثل لها من غير زيادة، ومرجع ذلك إلى إعمال النظر في المنسوخ والناسخ، ~~فقد يكون الناسخ أخف، فيكون أنفع لهم في العاجل، وقد يكون أثقل وثوابه ~~أكثر، فيكون أنفع لهم في الآجل، وقد يستويان، فتحصل المماثلة. وقوله { ~~ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } يفيد أن ~~النسخ من مقدوراته، وأن إنكاره إنكار للقدرة الإلهية، وهكذا قوله { ~~ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض } ~~أي له التصرف في السموات والأرض بالإيجاد، والاختراع، ونفوذ الأمر في ~~جميع مخلوقاته، فهو أعلم بمصالح عباده، وما فيه النفع لهم من أحكامه التي ~~تعبدهم بها، وشرعها لهم. وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال، والأزمنة، ~~والأشخاص، وهذا صنع من لا ولي لهم غيره، ولا نصير سواه، فعليهم أن ~~يتلقوه بالقبول، والامتثال، والتعظيم، والإجلال. # وقد أخرج ابن أبي حاتم، والحاكم في الكنى، وابن عدي، وابن عساكر، عن ابن ~~عباس، قال كان مما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بالليل، ~~وينساه بالنهار، فأنزل الله { ما ننسخ من ءاية أو ننسها ~~نأت بخير منها أو مثلها } وفي إسناده الحجاج الرقي ~~ينظر فيه. وأخرج الطبراني، عن ابن عمر، قال «قرأ ms0189 رجلان من الأنصار سورة ~~أقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانا يقرآن بها، فقاما يقرآن ذات ~~ليلة يصليان، فلم يقدرا منها على حرف، فأصبحا غاديين على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال # " إنها مما نسخ، أو نسي، فالهوا عنها " # وفي إسناده سليمان بن أرقم، وهو ضعيف. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس، في قوله " ما ~~ننسخ من ءاية أو ننسأها " يقول ما نبدل من آية، أو نتركها لا ~~نبدلها { ننسها نأت بخير منها أو مثلها } يقول خير ~~لكم في المنفعة، وأرفق بكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه أنه قال ننسأها ~~نؤخرها. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عن ابن مسعود في قوله { ما ننسخ من ءاية } قال ~~نثبت خطها ونبدل حكمها " أو ننساها " قال نؤخرها. وأخرج عبد بن حميد، ~~وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، عن قتادة في قوله { نأت بخير ~~منها أو مثلها } يقول فيها تخفيف فيها رخصة فيها أمر، فيها نهي. ~~وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف، وأبو ~~ذر الهروى في فضائله، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف «أن رجلا كانت معه ~~سورة، فقام من الليل فقام بها، فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرأ بها، فلم ~~يقدر عليها، وقام آخر، فلم يقدر عليها، فأصبحوا، فأتوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فاجتمعوا عنده، فأخبروه، فقال # " إنها نسخت البارحة " # وقد روى نحوه عنه من وجه آخر. وقد ثبت في البخاري، وغيره عن أنس، أن ~~الله أنزل في الذين قتلوا في بئر معونة «أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا ~~فرضى عنا، وأرضانا» ثم نسخ، وهكذا ثبت في مسلم، وغيره عن أبي موسى قال ~~كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول، والشدة ببراءة، فأنسيتها، غير أني حفظت ~~منها «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا، ولا يملأ ~~جوفه إلا التراب» وكنا نقرأ سورة ms0190 نشبهها بإحدى المسبحات، أولها # سبح لله ما فى السموات # الحديد 1، الحشر 1، الصف 1 فأنسيناها، غير أني حفظت منها «يا أيها الذين ~~آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألوا عنها يوم ~~القيامة» وقد روى مثل هذا من طريق جماعة من الصحابة، ومنه آية الرجم كما ~~رواه عبد الرزاق، وأحمد، وابن حبان، عن عمر. ### || [2.108-110] # { أم } هذه هي المنقطعة التي بمعنى بل، أي بل تريدون، وفي هذا توبيخ، ~~وتقريع، والكاف في قوله { كما سئل } في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، ~~أي سؤالا مثل ما سئل موسى من قبل، حيث سألوه أن يريهم الله جهرة، وسألوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم أن يأتي بالله، والملائكة قبيلا. وقوله { ~~سوآء } هو الوسط من كل شيء قاله أبو عبيدة، ومنه قوله تعالى # فى سواء الجحيم # الصافات 55 ومنه قول حسان يرثي النبي صلى الله عليه وسلم # يا ويح أصحاب النبي ورهطه بعد المغيب في سواء ~~الملحد # وقال الفراء السواء القصد، أي ذهب عن قصد الطريق، وسمته أي طريق طاعة ~~الله. وقوله تعالى { ود كثير من أهل الكتب } فيه إخبار ~~المسلمين بحرص اليهود على فتنتهم، وردهم عن الإسلام، والتشكيك عليهم في ~~دينهم. وقوله { لو يردونكم } في محل نصب على أنه مفعول للفعل ~~المذكور. وقوله { من عند أنفسهم } يحتمل أن يتعلق بقوله { ود ~~} أي ودوا ذلك من عند أنفسهم، ويحتمل أن يتعلق بقوله { حسدا } أي ~~حسدا ناشئا من عند أنفسهم، وهو علة لقوله { ود }. والعفو ترك المؤاخذة ~~بالذنب. والصفح إزالة أثره من النفس، صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه، ~~وقد ضربت عنه صفحا إذا أعرضت عنه، وفيه الترغيب في ذلك، والإرشاد إليه، ~~وقد نسخ ذلك بالأمر بالقتال، قاله أبو عبيدة. وقوله { حتى يأتى ~~الله بأمره } هو غاية ما أمر الله سبحانه به من العفو والصفح أي ~~افعلوا ذلك إلى أن يأتي إليكم الأمر من الله سبحانه في شأنهم بما يختاره ~~ويشاؤه، وما قد قضى به في سابق علمه، وهو قتل من قتل منهم، ms0191 وإجلاء من ~~أجلى، وضرب الجزية على من ضربت عليه، وإسلام من أسلم. وقوله { وأقيموا ~~الصلاة } حث من الله سبحانه لهم على الاشتغال بما ينفعهم ويعود عليهم ~~بالمصلحة، من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. وتقديم الخير الذي يثابون ~~عليه حتى يمكن الله لهم، وينصرهم على المخالفين لهم. وقد أخرج ابن إسحاق، ~~وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، أنه قال قال رافع بن حريملة، ~~ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا محمد ائتنا بكتاب ينزل ~~علينا من السماء نقرؤه، أو فجر لنا أنهارا نتبعك، ونصدقك، فأنزل ~~الله في ذلك { أم تريدون أن تسئلوا رسولكم } الى قوله ~~{ سواء السبيل } وكان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد ~~اليهود حسدا للعرب، إذ خصهم الله برسوله، وكانا جاهدين في رد الناس عن ~~الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما { ود كثير من أهل ~~الكتب } الآية. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن السدي قال سألت العرب ~~محمدا صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالله فيروه جهرة، فنزلت هذه ~~الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال قال رجل لو كانت ~~كفاراتنا كفارات بني إسرائيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " ما أعطاكم الله خير، كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها ~~مكتوبة على بابه، وكفارتها، فإن كفرها كانت له خزايا في الدنيا، ~~وإن لم يكفرها كانت له خزيا في الآخرة. وقد أعطاكم الله خيرا من ذلك ~~قال { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه } النساء 10 الآية، ~~والصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن، فأنزل الله { أم ~~تريدون أن تسئلوا رسولكم } " # الآية. وأخرج ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~مجاهد قال سألت قريش محمدا صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا، ~~فقال # " نعم، وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم " # فأبوا ورجعوا، فأنزل الله { أم تريدون أن تسئلوا ~~رسولكم كما سئل موسى من قبل } أن يريهم الله ms0192 جهرة. ~~وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله { ومن يتبدل الكفر ~~بالإيمن } قال يتبدل الشدة بالرخاء. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ~~في قوله { فقد ضل سواء السبيل } قال عدل عن السبيل. وأخرج ~~أبو داود، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل عن كعب بن ~~مالك، قال كان اليهود، والمشركون من أهل المدينة يؤذون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأصحابه أشد الأذى، فأمر الله بالصبر على ذلك، والعفو ~~عنهم، وأنزل الله { ود كثير من أهل الكتب } وفي ~~الصحيحين، وغيرهما عن أسامة بن زيد، قال كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأصحابه يعفون عن المشركين، وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون ~~على الأذى، قال الله تعالى # ولتسمعن من الذين أوتوا الكتب من قبلكم ~~ومن الذين أشركوا أذى كثيرا # آل عمران 186 وقال { ود كثير من أهل الكتب لو ~~يردونكم } الآية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول في ~~العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم بقتل، فقتل الله به من قتل من ~~صناديد قريش. وأخرج ابن جرير، عن الربيع بن أنس في قوله { من عند ~~أنفسهم } قال من قبل أنفسهم { من بعد ما تبين لهم ~~الحق } يقول إن محمدا رسول الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ~~قتادة، نحوه وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في ~~الدلائل عن ابن عباس في قوله { فاعفوا واصفحوا } وقوله # وأعرض عن المشركين # الأنعام 106 ونحو هذا في العفو عن المشركين قال نسخ ذلك كله بقوله # قتلوا الذين لا يؤمنون بالله # التوبة 29 الآية، وقوله # اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # التوبة 5. وأخرج ابن جرير، عن السدي نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ~~بن جبير في قوله { وما تقدموا لأنفسكم من خير } يعنى من ~~الأعمال من الخير في الدنيا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي ~~العالية في قوله { تجدوه عند الله } قال تجدوا ثوابه. ### || [2.111-113] # قوله { هودا } قال الفراء يجوز أن يكون هودا بمعنى ms0193 يهوديا، وأن يكون ~~جمع هائد. وقال الأخفش إن الضمير المفرد في كان هو باعتبار لفظ " من " ، ~~والجمع في قوله { هودا } باعتبار معنى " من " ، قيل في هذا الكلام حذف، ~~وأصله وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، وقالت النصارى لن ~~يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا. هكذا قال كثير من المفسرين، وسبقهم إلى ~~ذلك بعض السلف، وظاهر النظم القرآني أن طائفتي اليهود، والنصارى وقع منهم ~~هذا القول، وأنهم يختصون بذلك دون غيرهم، ووجه القول بأن في الكلام حذفا ~~ما هو معلوم من أن كل طائفة من هاتين الطائفتين تضلل الأخرى، وتنفي عنها ~~أنها على شيء من الدين فضلا عن دخول الجنة كما في هذا الموضع، فإنه قد ~~حكى الله عن اليهود أنها قالت ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست ~~اليهود على شيء، والأماني قد تقدم تفسيرها، والإشارة بقوله تلك إلى ما ~~تقدم لهم من الأماني التي آخرها أنه لا يدخل الجنة غيرهم، وقيل إن ~~الإشارة إلى هذه الأمنية الآخرة، والتقدير أمثال تلك الأمنية أمانيهم، ~~على حذف المضاف ليطابق أمانيهم، قوله { هاتوا } أصله هاتيوا حذفت ~~الضمة لثقلها، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ويقال للمفرد المذكر هات، ~~وللمؤنث هاتي، وهو صوت بمعنى أحضر، والبرهان الدليل الذي يحصل عنده ~~اليقين. قال ابن جرير طلب الدليل هنا يقتضي إثبات النظر، ويرد على من ~~ينفيه. وقوله { إن كنتم صدقين } أي في تلك الأماني المجردة، ~~والدعاوي الباطلة، ثم رد عليهم، فقال { بلى من أسلم } وهو ~~إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة، أي ليس كما يقولون بل يدخلها من ~~أسلم وجهه لله. ومعنى أسلم استسلم، وقيل أخلص. وخص الوجه بالذكر لكونه ~~أشرف ما يرى من الإنسان. ولأنه موضع الحواس الظاهرة. وفيه يظهر العز ~~والذل، وقيل إن العرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء، وأن المعنى هنا الوجه ~~وغيره. وقيل المراد بالوجه هنا المقصد، أي من أخلص مقصده وقوله { وهو ~~محسن } في محل نصب على الحال، والضمير في قوله { وجهه } { ~~وله } باعتبار لفظ من، وفي قوله ms0194 { عليهم } باعتبار معناها. وقوله ~~{ من } إن كانت الموصولة، فهي فاعل لفعل محذوف أي بلى يدخلها من أسلم. ~~وقوله { فله } معطوف على { من أسلم } وإن كانت " من " شرطية، فقوله { ~~فله } هو الجزاء، ومجموع الشرط، والجزاء رد على أهل الكتاب، وإبطال لتلك ~~الدعوى. وقوله { وقالت اليهود } وما بعده فيه أن كل طائفة تنفي ~~الخير عن الأخرى، ويتضمن ذلك إثباته لنفسها تحجرا لرحمة الله سبحانه. # قال في الكشاف إن الشيء هو الذي يصح ويعتد به، قال وهذه مبالغة عظيمة ~~لأن المحال والمعدوم يقع عليهما اسم الشيء، وإذا نفي إطلاق اسم الشيء ~~عليه، فقد بولغ في ترك الاعتداد به إلى ما ليس بعده، وهكذا قولهم أقل من ~~لا شيء. وقوله { وهم يتلون الكتب } أي التوراة، والإنجيل، ~~والجملة حالية، وقيل المراد جنس الكتاب، وفي هذا أعظم توبيخ، وأشد تقريع ~~لأن الوقوع في الدعاوى الباطلة، والتكلم بما ليس عليه برهان هو وإن كان ~~قبيحا على الإطلاق لكنه من أهل العلم، والدراسة لكتب الله أشد قبحا، ~~وأفظع جرما، وأعظم ذنبا. وقوله { كذلك قال الذين لا ~~يعلمون } المراد بهم كفار العرب، الذين لا كتاب لهم قالوا مثل مقالة ~~اليهود اقتداء بهم لأنهم جهلة لا يقدرون على غير التقليد لمن يعتقدون ~~أنه من أهل العلم. وقيل المراد بهم طائفة من اليهود، والنصارى، وهم الذين ~~لا علم عندهم، ثم أخبرنا سبحانه بأنه المتولى لفصل هذه الخصومة التي وقع ~~فيها الخلاف عند الرجوع إليه، فيعذب من يستحق التعذيب، وينجي من يستحق ~~النجاة. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله { وقالوا لن ~~يدخل الجنة } الآية، قال قالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان ~~يهوديا، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا { تلك ~~أمانيهم } قال أماني يتمنونها على الله بغير حق { قل هاتوا ~~برهنكم } قال حجتكم { إن كنتم صدقين } بما تقولونه أنه ~~كما تقولون { بلى من أسلم وجهه لله } يقول أخلص لله. ~~وأخرج ابن جرير، عن مجاهد في قوله { قل هاتوا برهنكم } قال ~~حجتكم، وأخرج ابن أبي ms0195 حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله { بلى من ~~أسلم وجهه } قال أخلص دينه. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، عن ابن عباس قال لما قدم وفد نجران من النصارى على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، أتتهم أحبار اليهود، فتنازعوا عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال رافع بن حريملة ما أنتم على شيء وكفر بعيسى ~~والإنجيل، فقال له رجل من أهل نجران ما أنتم على شيء، وجحد نبوة موسى، ~~وكفر بالتوراة، قال فأنزل الله في ذلك { وقالت اليهود ليست ~~النصرى على شىء وقالت النصرى ليست اليهود ~~على شىء وهم يتلون الكتب } أي كل يتلو في كتابه تصديق ~~من كفر به. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج قال قلت لعطاء من هؤلاء الذين لا ~~يعلمون؟ قال هم أمم كانت قبل اليهود والنصارى. وأخرج ابن جرير عن السدي ~~قال هم العرب قالوا ليس محمد على شيء. ### || [2.114-115] # هذا الاستفهام فيه أبلغ دلالة على أن هذا الظلم متناه، وأنه بمنزلة لا ~~ينبغي أن يلحقه سائر أنواع الظلم أي لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله، ~~واسم الاستفهام في محل رفع على الابتداء، وأظلم خبره. وقوله { أن ~~يذكر فيها اسمه } قيل هو بدل من مساجد. وقيل إنه مفعول له ~~بتقدير كراهية أن يذكر. وقيل إن التقدير من أن يذكر، ثم حذف حرف الجر ~~لطول الكلام وقيل إنه مفعول ثان لقوله { منع } والمراد بمنع المساجد ~~أن يذكر فيها اسم الله منع من يأتي إليها للصلاة، والتلاوة، والذكر، ~~وتعليمه. والمراد بالسعي في خرابها هو السعي في هدمها، ورفع بنيانها، ~~ويجوز أن يراد بالخراب تعطيلها عن الطاعات التي وضعت لها، فيكون أعم من ~~قوله { أن يذكر فيها اسمه } فيشمل جميع ما يمنع من الأمور التي ~~بنيت لها المساجد، كتعلم العلم وتعليمه، والقعود للاعتكاف، وانتظار ~~الصلاة، ويجوز أن يراد ما هو أعم من الأمرين من باب عموم المجاز، كما قيل ~~في قوله تعالى # إنما يعمر مسجد الله # التوبة 18. وقوله { ما كان لهم أن ms0196 يدخلوها إلا ~~خائفين } أي ما كان ينبغي لهم دخولها إلا حال خوفهم، وفيه إرشاد ~~للعباد من الله عز وجل أنه ينبغي لهم أن يمنعوا مساجد الله من أهل الكفر ~~من غير فرق بين مسجد ومسجد، وبين كافر وكافر، كما يفيده عموم اللفظ، ولا ~~ينافيه خصوص السبب، وأن يجعلوهم بحالة إذا أرادوا الدخول كانوا على وجل ~~وخوف، من أن يفطن لهم أحد من المسلمين، فينزلون بهم ما يوجب الإهانة، ~~والإذلال، وليس فيه الإذن لنا بتمكينهم من ذلك حال خوفهم، بل هو كناية عن ~~المنع لهم منا عن دخول مساجدنا، والخزي قيل هو ضرب الجزية عليهم، ~~وإذلالهم، وقيل غير ذلك، وقد تقدم تفسيره. والمشرق موضع الشروق. والمغرب ~~موضع الغروب، أي هما ملك لله، وما بينهما من الجهات، والمخلوقات، فيشمل ~~الأرض كلها. وقوله { فأينما تولوا } أي أي جهة تستقبلونها، ~~فهناك وجه الله، أي المكان الذي يرتضى لكم استقباله، وذلك يكون عند ~~التباس جهة القبلة التي أمرنا بالتوجه إليها بقوله سبحانه # فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره # البقرة 150 قال في الكشاف والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد ~~الحرام، أو في بيت المقدس، فقد جعلت لكم الأرض مسجدا، فصلوا في أي بقعة ~~شئتم من بقاعها، وافعلوا التولية فيها، فإن التولية ممكنة في كل مكان، لا ~~تختص أماكنها في مسجد دون مسجد، ولا في مكان دون مكان. انتهى. وهذا ~~التخصيص لا وجه له، فإن اللفظ أوسع منه. # وإن كان المقصود به بيان السبب، فلا بأس. وقوله { إن الله وسع ~~عليم } فيه إرشاد إلى سعة رحمته. وأنه يوسع على عباده في دينهم، ولا ~~يكلفهم ما ليس في وسعهم. وقيل واسع بمعنى أنه يسع علمه كل شيء كما قال # وسع كل شىء علما # طه 98، وقال الفراء الواسع الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء. وقد أخرج ابن ~~إسحاق، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، أن قريشا منعوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله { ومن ms0197 أظلم ~~ممن منع مسجد الله }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~عنه قال هم النصارى، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. وأخرج ~~ابن جرير، عن السدي قال هم الروم كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت ~~المقدس. وفي قوله { أولئك ما كان لهم أن يدخلوها ~~إلا خائفين } قال فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن ~~يضرب عنقه، وقد أخيف بأداء الجزية، فهو يؤديها. وفي قوله { لهم فى ~~الدنيا خزى } قال أما خزيهم في الدنيا، فإنه إذا قام المهدي، ~~وفتحت القسطنطينية قتلهم، فذلك الخزي. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ~~قتادة أنهم الروم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن كعب أنهم النصارى لما أظهروا ~~على بيت المقدس حرقوه. وأخرج ابن جرير، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ~~قال هم المشركون حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن البيت يوم ~~الحديبية. وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي صالح قال ليس للمشركين أن يدخلوا ~~المسجد إلا خائفين. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير عن قتادة في قوله { ~~لهم فى الدنيا خزى } قال يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. ~~وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن ~~ابن عباس، قال أول ما نسخ من القرآن، فيما ذكر لنا، والله أعلم شأن ~~القبلة، قال الله تعالى { ولله المشرق والمغرب } الآية، ~~فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى نحو بيت المقدس، وترك البيت ~~العتيق، ثم صرفه الله إلى البيت العتيق، ونسخها فقال # ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام # البقرة 149، وأخرج ابن المنذر، عن ابن مسعود نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وعبد بن حميد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وغيرهم عن ابن عمر قال # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته تطوعا أينما توجهت به ~~" # ،ثم قرأ ابن عمر هذه الآية { فأينما * تولوا فثم وجه ~~الله } وقال في هذا أنزلت هذه الآية. وأخرج نحوه عنه ابن جرير، ~~والدارقطني، والحاكم وصححه وقد ثبت في ms0198 صحيح البخاري من حديث جابر، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنه كان يصلي على راحلته قبل المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل ~~واستقبل القبلة، وصلى ". # وروى نحوه من حديث أنس مرفوعا أخرجه ابن أبي شيبة، وأبو داود. وأخرج ~~عبد بن حميد، والترمذي وضعفه، وابن ماجه وابن جرير وغيرهم عن عامر بن ~~ربيعة قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة سوداء مظلمة، ~~فنزلنا منزلا، فجعل الرجل يأخذ الأحجار، فيعمل مسجدا، فيصلي فيه، فلما ~~أن أصبحنا إذا نحن قد صلينا على غير القبلة، فقلنا يا رسول الله لقد ~~صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة، فأنزل الله { ولله المشرق ~~والمغرب } الآية، فقال # " مضت صلاتكم " # وأخرج الدارقطني، وابن مردويه، والبيهقي عن جابر مرفوعا نحوه، إلا أنه ~~ذكر أنهم خطوا خطوطا. وأخرج نحوه ابن مردويه بسند ضعيف، عن ابن عباس ~~مرفوعا. وأخرج نحوه أيضا سعيد بن منصور، وابن المنذر عن عطاء يرفعه، ~~وهو مرسل. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { فثم وجه الله } ~~قال قبلة الله أينما توجهت شرقا أو غربا. وأخرج ابن أبي شيبة، والترمذي ~~وصححه وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ما بين المشرق والمغرب قبلة " # وأخرج ابن أبي شيبة، والدارقطني، والبيهقي، عن ابن عمر مثله. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، والبيهقي عن عمر نحوه. ### || [2.116-118] # قوله { وقالوا } هم اليهود والنصارى، وقيل اليهود أي قالوا # عزير ابن الله # التوبة 30 وقيل النصارى أي # قالوا المسيح ابن الله # التوبة 30 وقيل هم كفار العرب أي قالوا الملائكة بنات الله. وقوله { ~~سبحنه } قد تقدم تفسيره، والمراد هنا تبرؤ الله تعالى عما نسبوه ~~إليه من اتخاذ الولد. وقوله { بل له ما في السموات ~~والأرض } رد على القائلين بأنه اتخذ ولدا، أي بل هو مالك لما في ~~السموات، والأرض، وهؤلاء القائلون داخلون تحت ملكه، والولد من جنسهم لا ~~من جنسه، ولا يكون الولد إلا من جنس الوالد. والقانت المطيع الخاضع، أي ~~كل من في السموات ms0199 والأرض مطيعون له، خاضعون لعظمته، خاشعون لجلاله. ~~والقنوت في أصل اللغة أصله القيام. قال الزجاج فالخلق قانتون، أي قائمون ~~بالعبودية، إما إقرارا، وإما أن يكونوا على خلاف ذلك، فأثر الصنعة بين ~~عليهم، وقيل أصله الطاعة، ومنه # والقنتين والقنتت # الأحزاب 35 وقيل السكون، ومنه قوله # وقوموا لله قنتين # البقرة 238 ولهذا قال زيد بن أرقم كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت { ~~وقوموا لله قنتين } فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام. ~~وقيل القنوت الصلاة، ومنه قول الشاعر # قانتا لله يتلو كتبه وعلى عمد من الناس اعتزل # والأولى أن القنوت لفظ مشترك بين معان كثيرة، قيل هي ثلاثة عشر معنى، ~~وهي مبنية، وقد نظمها بعض أهل العلم، كما أوضحت ذلك في شرحي علم المنتقى. ~~وبديع فعيل للمبالغة، وهو خبر مبتدأ، محذوف، أي هو بديع سمواته، وأرضه، ~~أبدع الشيء أنشأه لا عن مثال، وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له مبدع. ~~وقوله { وإذا قضى أمرا } أي أحكمه، وأتقنه. قال الأزهري قضى في ~~اللغة على وجوه مرجعها الى انقطاع الشيء، وتمامه، قيل هو مشترك بين معان، ~~يقال قضى بمعنى خلق، ومنه # فقضاهن سبع سموات # فصلت 12 وبمعنى أعلم، ومنه # وقضينا إلى بنى إسرءيل فى الكتب # الإسراء 4 وبمعنى أمر، ومنه # وقضى ربك ألا لا تعبدوا إلا إياه # الإسراء 23 وبمعنى ألزم، ومنه قضى عليه القاضي، وبمعنى أوفاه، ومنه # فلما قضى موسى الأجل # القصص 29 وبمعنى أراد ومنه # فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون # غافر 68، والأمر واحد الأمور. وقد ورد في القرآن على أربعة عشر معنى ~~الأول الدين، ومنه # حتى جاء الحق وظهر أمر الله # التوبة 48 الثاني بمعنى القول، ومنه # فإذا جاء أمرنا # المؤمنون 27 الثالث العذاب، ومنه قوله # لما قضى الأمر # إبراهيم 22 الرابع عيسى، ومنه # فإذا قضى أمرا # مريم 35 أي أوجد عيسى عليه السلام. الخامس القتل، ومنه # فإذا جاء أمر الله # غافر 78 السادس فتح مكة، ومنه # فتربصوا حتى يأتى الله بأمره # التوبة 24. السابع قتل بني قريظة، وإجلاء النضير، ms0200 ومنه # فاعفوا واصفحوا حتى يأتى الله بأمره # البقرة 109، الثامن القيامة، ومنه # أتى أمر الله # النحل 1 التاسع القضاء، ومنه # يدبر الأمر # يونس 3، العاشر الوحي، ومنه # يتنزل الأمر بينهن # الطلاق 12 الحادي عشر أمر الخلائق، ومنه # ألا إلى الله تصير الأمور # الشورى 53 الثاني عشر النصر، ومنه # هل لنا من الأمر من شىء # البقرة 154. الثالث عشر الذنب، ومنه # فذاقت وبال أمرها # الطلاق 9 الرابع عشر الشأن، ومنه # وما أمر فرعون برشيد # هود 97 هكذا أورد هذه المعاني بأطول من هذا بعض المفسرين، وليس تحت ذلك ~~كثير فائدة، وإطلاقه على الأمور المختلفة لصدق اسم الأمر عليها. وقوله { ~~فإنما يقول له كن فيكون } الظاهر في هذا المعنى الحقيقي، ~~وأنه يقول سبحانه هذا اللفظ، وليس في ذلك مانع، ولا جاء ما يوجب تأويله، ~~ومنه قوله تعالى # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # يس 82 وقال تعالى # إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # النحل 40 وقال # وما أمرنا إلا وحدة كلمح بالبصر # القمر 50 ومنه قول الشاعر # إذا ما أراد الله أمرا فإنما يقول له كن قوله فيكون # وقد قيل إن ذلك مجاز، وأنه لا قول، وإنما هو قضاء يقضيه، فعبر عنه ~~بالقول، ومنه قول الشاعر، وهو عمر بن حممة الدوسي # فأصبحت مثل النسر طار فراخه إذا رام تطيارا ~~يقال له قع # وقال آخر # قالت جناحاه لساقيه الحقا ونجيا لحكمكما أن يمزقا # والمراد بقوله { وقال الذين لا يعلمون } اليهود، وقيل ~~النصارى، ورجحه ابن جرير لأنهم المذكورون في الآية وقيل مشركو العرب، و ~~" لولا " حرف تحضيض، أي هلا { يكلمنا الله } بنبوة محمد، ~~فنعلم أنه نبي، { أو تأتينا } بذلك علامة على نبوته. والمراد ~~بقوله { قال الذين من قبلهم } قيل هم اليهود، والنصارى، في ~~قول من جعل الذين لا يعلمون كفار العرب، أو الأمم السالفة، في قول من جعل ~~الذين لا يعلمون اليهود، والنصارى، أو اليهود في قول من جعل الذين لا ~~يعلمون النصارى { تشبهت } أي في التعنت، والاقتراح، وقال ms0201 الفراء { ~~تشبهت } في اتفاقهم على الكفر، { قد بينا الآيت ~~لقوم يوقنون } أي يعترفون بالحق، وينصفون في القول، ويذعنون ~~لأوامر الله سبحانه لكونهم مصدقين له سبحانه مؤمنين بآياته متبعين لما ~~شرعه لهم. وقد أخرج البخاري من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " قال الله تعالى «كذبني ابن آدم وشتمني، فأما تكذيبه إياي، فيزعم أني ~~لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي، فقوله لي ولد، فسبحاني أن ~~اتخذ صاحبة، أو ولدا " # وأخرج نحوه أيضا من حديث أبي هريرة، وفي الباب أحاديث. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { سبحنه } قال تنزيه الله ~~نفسه عن السوء. # وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عن موسى بن طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ~~التسبيح أن يقول الإنسان سبحان الله، قال # " برأه الله من السوء ". # وأخرجه الحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي من طريق طلحة بن يحيى بن ~~طلحة عن أبيه عن جده طلحة بن عبيد الله، قال سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن تفسير سبحان الله، فقال # " تنزيه الله من كل سوء ". # وأخرجه ابن مردويه، عنه من طريق أخرى مرفوعا. وأخرج أحمد، وعبد بن ~~حميد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، ~~والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، والضياء في المختارة، عن أبي ~~سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت، فهو الطاعة " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله { كل له ~~قنتون } قال مطيعون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية ~~في قوله { بديع السموات والأرض } يقول ابتدع خلقهما، ولم ~~يشركه في خلقهما أحد. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس قال قال رافع بن حريملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا محمد، ~~إن كنت رسولا من ms0202 الله كما تقول، فقل لله، فليكلمنا حتى نسمع كلامه، ~~فأنزل الله في ذلك { وقال الذين لا يعلمون } الآية. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة أنهم كفار العرب. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، عن مجاهد قال هم النصارى، والذين من قبلهم يهود. ### || [2.119-121] # قوله { بشيرا ونذيرا } يحتمل أن يكون منصوبا على الحال، ويحتمل ~~أن يكون مفعولا له، أي أرسلناك لأجل التبشير، والإنذار. وقوله { ولا ~~تسئل } قرأه الجمهور بالرفع مبنيا للمجهول، أي حال كونك غير مسؤول، ~~وقرىء بالرفع مبنيا للمعلوم. قال الأخفش ويكون في موضع الحال عطفا على ~~{ بشيرا ونذيرا } أي حال كونك غير سائل عنهم لأن علم الله بكفرهم ~~بعد إنذارهم يغني عن سؤاله عنهم، وقرأ نافع { ولا تسئل } بالجزم ~~أي لا يصدر منك السؤال عن هؤلاء، أو لا يصدر منك السؤال عمن مات منهم على ~~كفره، ومعصيته تعظيما لحاله، وتغليظا لشأنه، أي أن هذا أمر فظيع، وخطب ~~شنيع، يتعاظم المتكلم أن يجريه على لسانه، أو يتعاظم السامع أن يسمعه. ~~قوله { ولن ترضى عنك اليهود } الآية، أي ليس غرضهم، ومبلغ ~~الرضا منهم ما يقترحونه عليك من الآيات، ويوردونه من التعنتات، فإنك لو ~~جئتهم بكل ما يقترحون، وأجبتهم عن كل تعنت لم يرضوا عنك، ثم أخبره بأنهم ~~لن يرضوا عنه حتى يدخل في دينهم ويتبع ملتهم، والملة اسم لما شرعه الله ~~لعباده في كتبه على ألسن أنبيائه، وهكذا الشريعة، ثم رد عليهم سبحانه، ~~فأمره بأن يقول لهم { إن هدى الله هو الهدى } الحقيقي، لا ~~ما أنتم عليه من الشريعة المنسوخة، والكتب المحرفة ثم أتبع ذلك بوعيد ~~شديد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن اتبع أهواءهم وحاول رضاهم وأتعب ~~نفسه في طلب ما يوافقهم. ويحتمل أن يكون تعريضا لأمته، وتحذيرا لهم أن ~~يوافقوا شيئا من ذلك، أو يدخلوا في أهوية أهل الملل، ويطلبوا رضا أهل ~~البدع. وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب، وتتصدع منه ~~الأفئدة، ما يوجب على أهل العلم الحاملين لحجج الله سبحانه، والقائمين ms0203 ~~ببيان شرائعه، ترك الدهان لأهل البدع المتمذهبين بمذاهب السوء، ~~التاركين للعمل بالكتاب والسنة، المؤثرين لمحض الرأي عليهما فإن غالب ~~هؤلاء، وإن أظهر قبولا، وأبان من أخلاقه لينا لا يرضيه إلا اتباع ~~بدعته، والدخول في مداخله، والوقوع في حبائله، فإن فعل العالم ذلك بعد أن ~~علمه الله من العلم ما يستفيد به أن هدى الله هو ما في كتابه، وسنة ~~رسوله، لا ماهم عليه من تلك البدع التي هي ضلالة محضة، وجهالة بينة، ورأي ~~منهار، وتقليد على شفا جرف هار، فهو إذ ذاك ما له من الله من ولي، ولا ~~نصير، ومن كان كذلك، فهو مخذول لا محالة، وهالك بلا شك، ولا شبهة. وقوله ~~{ الذين ءاتينهم الكتب } قيل هم المسلمون، والكتاب هو ~~القرآن، وقيل من أسلم من أهل الكتاب. # والمراد بقوله { يتلونه } أنهم يعلمون بما فيه، فيحلون حلاله، ~~ويحرمون حرامه، فيكون من تلاه يتلوه إذا اتبعه، ومنه قوله تعالى # والقمر إذا تلها # الشمس 2 أي اتبعها، كذا قيل، ويحتمل أن يكون من التلاوة أي يقرءونه حق ~~قراءته لا يحرفونه، ولا يبدلونه. وقوله { الذين ءاتينهم ~~الكتب } مبتدأ وخبره { يتلونه } أو الخبر قوله { أولئك ~~} مع ما بعده. وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، عن محمد بن كعب القرظي، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ليت شعري ما فعل أبواي " # فنزل { إنا أرسلنك بالحق بشيرا ونذيرا ولا ~~تسئل عن أصحب الجحيم } فما ذكرهما حتى توفاه الله. قال ~~السيوطي هذا مرسل ضعيف الإسناد، ثم رواه من طريق ابن جرير، عن داود بن ~~أبي عاصم مرفوعا، وقال هو معضل الإسناد ضعيف لا تقوم به، ولا بالذي قبله ~~حجة. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال { الجحيم } ما عظم من ~~النار. وأخرج الثعلبي عن ابن عباس قال إن يهود المدينة، ونصارى نجران ~~كانوا يرجون أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبلتهم، فلما صرف الله ~~القبلة إلى الكعبة شق ذلك عليهم، وأيسوا منه أن يوافقهم على دينهم. ~~فأنزل ms0204 الله { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصرى } ~~الآية. وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله { الذين ءاتينهم ~~الكتب } قال هم اليهود والنصارى. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله { يتلونه حق ~~تلاوته } قال يحلون حلاله، ويحرمون حرامه، ولا يحرفونه عن مواضعه. ~~وأخرجوا عنه أيضا قال يتبعونه حق اتباعه، ثم قرءوا # والقمر إذا تلها # الشمس 2 يقول اتبعها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمر بن الخطاب، قال في ~~قوله { يتلونه حق تلاوته } إذا مر بذكر الجنة سأل الله ~~الجنة، وإذا مر بذكر النار تعوذ بالله من النار. وأخرج الخطيب في كتاب ~~الرواة بسند فيه مجاهيل، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ~~{ يتلونه حق تلاوته } قال # " يتبعونه حق اتباعه " # ،وكذا قال القرطبي في تفسيره أن في إسناده مجاهيل، قال لكن معناه صحيح، ~~وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير من طرق، عن ابن مسعود في تفسيره هذه الآية ~~مثل ما سبق عن ابن عباس في قوله يحلون حلاله إلى آخره. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن زيد بن أسلم قال يتكلمون به كما أنزل، ولا يكتمونه. وأخرج عبد ~~بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في هذه الآية قال هم أصحاب محمد، ثم حكى ~~نحو ذلك عن عمر بن الخطاب. وأخرج وكيع، وابن جرير عن الحسن في قوله { ~~يتلونه حق تلاوته } قال يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ~~ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه. ### || [2.122-125] # قوله { يا بني إسرائيل } إلى قوله { ولا هم ينصرون } قد سبق مثل هذا في ~~صدر السورة، وتقدم تفسيره، ووجه التكرار الحث على اتباع الرسول النبي ~~الأمي، ذكر معناه ابن كثير في تفسيره. وقال البقاعي في تفسيره إنه لما ~~طال المدى في استقصاء تذكيرهم بالنعم، ثم في بيان عوارهم، وهتك أستارهم، ~~وختم ذلك بالترهيب لتضييع أديانهم بأعمالهم، وأحوالهم، وأقوالهم، أعاد ما ~~صدر به قصتهم من التذكير بالنعم، والتحذير من حلول النقم يوم تجمع ~~الامم، ويدوم فيه الندم لمن زلت به القدم، ms0205 ليعلم أن ذلك، فذلكة القصة، ~~والمقصود بالذات الحث على انتهاز الفرصة. انتهى. وأقول ليس هذا بشيء، ~~فإنه لو كان سبب التكرار ما ذكره من طول المدى، وأنه أعاد ما صدر به ~~قصتهم لذلك لكان الأولى بالتكرار، والأحق بإعادة الذكر هو قوله سبحانه # يبنى إسرءيل اذكروا نعمتي التى أنعمت ~~عليكم وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم وإيى ~~فارهبون # البقرة 40 فإن هذه الآية مع كونها أول الكلام معهم والخطاب لهم في هذه ~~السورة، هي أولى بأن تعاد، وتكرر لما فيها من الأمر بذكر النعم، والوفاء ~~بالعهد، والرهبة لله سبحانه، وبهذا تعرف صحة ما قدمناه لك عند أن شرع ~~الله سبحانه في خطاب بني إسرائيل من هذه السورة فراجعه، ثم حكى البقاعي ~~بعد كلامه السابق عن الحوالي أنه قال كرره تعالى إظهارا لمقصد التئام ~~آخر الخطاب بأوله، وليتخذ هذا الإفصاح، والتعليم أصلا، لما يمكن بأن ~~يرد من نحوه في سائر القرآن حتى كان الخطاب إذا انتهى إلى غاية خاتمه ~~يجب أن يلحظ القلب بذاته تلك الغاية، فيتلوها ليكون في تلاوته جامعا ~~لطرفي الثناء، وفي تفهيمه جامعا لمعاني طرفي المعنى. انتهى. وأقول لو ~~كان هذا هو سبب التكرار لكان الأولى به ما عرفناك. وأما قوله وليتخذ ذلك ~~أصلا لما يرد من التكرار في سائر القرآن فمعلوم أن حصول هذا الأمر في ~~الأذهان، وتقرره في الأفهام، لا يختص بتكرير آية معينة يكون افتتاح هذا ~~المقصد بها، فلم تتم حينئذ النكتة في تكرير هاتين الآيتين بخصوصهما، ولله ~~الحكمة البالغة التي لا تبلغها الأفهام، ولا تدركها العقول، فليس في تكلف ~~هذه المناسبات المتعسفة إلا ما عرفناك به هنالك فتذكر. قوله { وإذ ~~ابتلى } الابتلاء الامتحان والاختبار، أي ابتلاه بما أمره به، و { ~~إبراهيم } معناه في السريانية أب رحيم، كذا قال الماوردي، قال ابن ~~عطية ومعناه في العربية ذلك. قال السهيلي وكثيرا ما يقع الاتفاق بين ~~السرياني، والعربي. وقد أورد صاحب الكشاف هنا سؤالا في رجوع الضمير إلى ~~إبراهيم مع كون رتبته التأخير، وأجاب عنه بأنه قد تقدم لفظا، فرجع ms0206 ~~إليه، والأمر في هذا أوضح من أن يشتغل بذكره، أو ترد في مثله الأسئلة، أو ~~يسود وجه القرطاس بإيضاحه. # قوله { بكلمت } قد اختلف العلماء في تعيينها، فقيل هي شرائع ~~الإسلام، وقيل ذبح ابنه، وقيل أداء الرسالة، وقيل هي خصال الفطرة، وقيل ~~هي قوله { إنى جعلك للناس إماما } وقيل بالطهارة كما ~~سيأتي بيانه. قال الزجاج وهذه الأقوال ليست بمتناقضة لأن هذا كله مما ~~ابتلى به إبراهيم. انتهى. وظاهر النظم القرآني أن الكلمات هي قوله { ~~قال إنى جعلك } وما بعده، ويكون ذلك بيانا للكلمات، وسيأتي عن ~~بعض السلف ما يوافق ذلك، وعن آخرين ما يخالفه. وعلى هذا، فيكون قوله { ~~قال إنى جعلك للناس } مستأنفا كأنه قيل ماذا قال له. وقال ابن ~~جرير ما حاصله إنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ذلك، وجائز أن يكون ~~بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين، إلا بحديث أو ~~إجماع، ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة الذي يجب ~~التسليم له، ثم قال فلو قال قائل إن الذي قاله مجاهد، وأبو صالح، والربيع ~~بن أنس أولى بالصواب يعني أن الكلمات هي قوله { إنى جعلك ~~للناس إماما } وقوله # وعهدنا إلى إبرهيم # البقرة 125 وما بعده، ورجح ابن كثير أنها تشمل جميع ما ذكر، وسيأتي ~~التصريح بما هو الحق بعد إيراد ما ورد عن السلف الصالح. وقوله { ~~فأتمهن } أي قام بهن أتم قيام، وامتثل أكمل امتثال. والإمام هو ~~ما يؤتم به، ومنه قيل للطريق إمام، وللبناء إمام، لأنه يؤتم بذلك، أي ~~يهتدي به السالك، والإمام لما كان هو القدوة للناس، لكونهم يأتمون به، ~~ويهتدون بهديه، أطلق عليه هذا اللفظ. وقوله { ومن ذريتى } يحتمل أن ~~يكون ذلك دعاء من إبراهيم، أي واجعل من ذريتي أئمة، ويحتمل أن يكون هذا ~~من إبراهيم بقصد الاستفهام، وإن لم يكن بصيغته أي ومن ذريتي ماذا يكون يا ~~رب؟ فأخبره أن فيهم عصاة، وظلمة، وأنهم لا يصلحون لذلك، ولا يقومون به، ~~ولا ينالهم عهد الله سبحانه. والذرية ms0207 مأخوذة من الذر لأن الله أخرج ~~الخلق من ظهر آدم حين أشهدهم على أنفسهم كالذر، وقيل مأخوذة من ذرأ الله ~~الخلق يذرؤهم إذا خلقهم. وفي الكتاب العزيز # فأصبح هشيما تذروه الرياح # الكهف 45 قال في الصحاح ذرت الريح السحاب وغيره تذروه وتذريه ذروا ~~وذريا، أي نسفته، وقال الخليل إنما سموا ذرية لأن الله تعالى ذرأها على ~~الأرض كما ذرأ الزارع البذر. واختلف في المراد بالعهد، فقيل الإمامة، ~~وقيل النبوة، وقيل عهد الله أمره. وقيل الأمان من عذاب الآخرة، ورجحها ~~الزجاج، والأول أظهر كما يفيده السياق. وقد استدل بهذه الآية جماعة من ~~أهل العلم على أن الإمام لا بد أن يكون من أهل العدل، والعمل بالشرع، كما ~~ورد لأنه إذا زاغ عن ذلك كان ظالما. # ويمكن أن ينظر إلى ما يصدق عليه اسم العهد، وما تفيده الإضافة من ~~العموم، فيشمل جميع ذلك اعتبارا بعموم اللفظ من غير نظر إلى السبب، ولا ~~إلى السياق، فيستدل به على اشتراط السلامة من وصف الظلم في كل من تعلق ~~بالأمور الدينية. وقد اختار ابن جرير أن هذه الآية، وإن كانت ظاهرة في ~~الخبر أنه لا ينال عهد الله بالإمامة ظالما، ففيها إعلام من الله ~~لإبراهيم الخليل أنه سيوجد من ذريته من هو ظالم لنفسه. انتهى. ولا يخفاك ~~أنه لا جدوى لكلامه هذا. فالأولى أن يقال إن هذا الخبر في معنى الأمر ~~لعباده أن لا يولوا أمور الشرع ظالما، وإنما قلنا إنه في معنى الأمر لأن ~~أخباره تعالى لا يجوز أن تتخلف. وقد علمنا أنه قد نال عهده من الإمامة، ~~وغيرها كثيرا من الظالمين. قوله { وإذ جعلنا البيت } هو ~~الكعبة غلب عليه كما غلب النجم على الثريا، و { مثابة } مصدر من ثاب ~~يثوب مثابا، ومثابة، أي مرجعا يرجع الحجاج إليه بعد تفرقهم عنه، ومنه ~~قول ورقة بن نوفل في الكعبة # مثاب لأفناء القبائل كلها تخب إليها اليعملات ~~الذوابل # وقرأ الأعمش «مثابات» وقيل المثابة من الثواب، أي يثابون هنالك. وقال ~~مجاهد المراد أنهم لا يقضون منه أوطارهم، ms0208 قال الشاعر # جعل البيت مثابات لهم ليس منه الدهر يقضون الوطر # قال الأخفش ودخلت الهاء لكثرة من يثوب إليه، فهي كعلامة ونسابة. وقال ~~غيره هي للتأنيث، وليست للمبالغة. وقوله { وأمنا } هو اسم مكان أي ~~موضع أمن. وقد استدل بذلك جماعة من أهل العلم على أنه لا يقام الحد على ~~من لجأ إليه، ويؤيد ذلك قوله تعالى # ومن دخله كان ءامنا # آل عمران 97 وقيل إن ذلك منسوخ. وقوله { واتخذوا من مقام ~~إبرهيم مصلى } قرأ نافع، وابن عامر بفتح الخاء على أنه فعل ماض ~~أي جعلنا البيت مثابة للناس، وأمنا، واتخذوه مصلى. وقرأ الباقون على ~~صيغة الأمر عطفا على { اذكروا } المذكور أول الآيات، أو على " اذكروا " ~~المقدر عاملا في قوله { وإذ } ويجوز أن يكون على تقدير القول، أي ~~وقلنا اتخذوا. والمقام في اللغة موضع القيام، قال النحاس، هو من قام ~~يقوم، يكون مصدرا واسما للموضع، ومقام من أقام، وليس من هذا قول الشاعر # وفيهم مقامات حسان وجوهها وأندية ينتابها القول والفعل # لأن معناه أهل مقامات. واختلف في تعيين المقام على أقوال، أصحها أنه ~~الحجر الذي يعرفه الناس، ويصلون عنده ركعتي الطواف، وقيل المقام الحج ~~كله، روى ذلك عن عطاء، ومجاهد، وقيل عرفة، والمزدلفة، روي عن عطاء أيضا، ~~وقال الشعبي الحرم كله مقام إبراهيم، وروى عن مجاهد. # وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في قوله { وإذ ~~ابتلى إبرهيم ربه } قال ابتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس ~~وخمس في الجسد. في الرأس قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق ~~الرأس، وفي الجسد تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل ~~مكان الغائط، والبول بالماء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر ~~عنه نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن ~~مردويه، وابن عساكر عنه قال ما ابتلى أحد بهذا الدين، فقام به كله إلا ~~إبراهيم. وقرأ هذه الآية فقيل له ما الكلمات؟ قال ms0209 سهام الإسلام ثلاثون ~~سهما عشرة في براءة # التئبون العبدون # إلى آخر الآية التوبة 112، وعشرة في أول سورة { قد أفلح } و { سأل سائل ~~} المعارج 1 # والذين يصدقون بيوم الدين # الآيات المعارج 26، وعشرة في الأحزاب # إن المسلمين # إلى آخر الآية الأحزاب 35، فأتمهن كلهن فكتب له براءة قال ~~تعالى # وإبرهيم الذى وفى # النجم 37. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~والحاكم عنه قال منهن مناسك الحج. وأخرج ابن جرير عنه قال الكلمات { ~~إنى جعلك للناس إماما } و { وإذ يرفع إبرهيم ~~القواعد } والآيات في شأن المناسك، والمقام الذي جعل لإبراهيم، ~~والرزق الذي رزق ساكنو البيت، وبعث محمد في ذريتهما. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن جرير، عن مجاهد في قوله { وإذا ابتلى إبرهيم ~~ربه بكلمت } قال ابتلي بالآيات التي بعدها. وأخرجا أيضا، عن ~~الشعبي مثله. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال الكلمات ~~التي ابتلي بهن إبراهيم، فأتمهن فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم، ~~ومحاجته نمروذ في الله حين وقفه على ما وقفه عليه، من خطر الأمر الذي فيه ~~خلافهم، وصبره على قذفهم إياه في النار، ليحرقوه في الله، والهجرة بعد ~~ذلك من وطنه، وبلاده حين أمره بالخروج عنهم، وما أمره به من الضيافة، ~~والصبر عليها، وما ابتلى به من ذبح ولده، فلما مضى على ذلك كله قال ~~الله له { أسلم قال أسلمت لرب العلمين }. وأخرج عبد ~~بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن قال ابتلاه بالكوكب، فرضي ~~عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس، فرضي عنه، وابتلاه ~~بالهجرة، فرضي عنه، وابتلاه بالختان، فرضي عنه، وابتلاه بابنه، فرضي عنه. ~~وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله { فأتمهن } قال فأداهن. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من فطرة إبراهيم السواك " # قلت وهذا على تقدير أن إسناده إلى عطاء صحيح، فهو مرسل لا تقوم به ~~الحجة، ولا يحل الاعتماد على مثله في تفسيره كلام الله سبحانه، وهكذا لا ~~يحل ms0210 الاعتماد على مثل ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مجاهد قال من فطرة ~~إبراهيم غسل الذكر والبراجم، ومثل ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عنه ~~قال ست من فطرة إبراهيم قص الشارب، والسواك، والفرق، وقص الأظفار، ~~والاستنجاء، وحلق العانة، قال ثلاثة في الرأس وثلاثة في الجسد. # وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح، وغيره من طريق ~~جماعة من الصحابة مشروعية تلك العشر لهذه الأمة، ولم يصح عن النبي أنها ~~الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم. وأحسن ما روي عنه ما أخرجه الترمذي، ~~وحسنه عن ابن عباس قال " كان النبي صلى الله عليه وسلم يقص، أو يأخذ من ~~شاربه ". قال " وكان خليل الرحمن إبراهيم يفعله ". ولا يخفاك أن فعل ~~الخليل له لا يستلزم أنه من الكلمات التي ابتلى بها، وإذا لم يصح شيء عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا جاءنا من طريق تقوم بها الحجة تعيين ~~تلك الكلمات لم يبق لنا إلا أن نقول إنها ما ذكره الله سبحانه في كتابه ~~بقوله { قال إنى جعلك } إلى آخر الآيات، ويكون ذلك بيانا ~~للكلمات، أو السكوت، وإحالة العلم في ذلك على الله سبحانه، وأما ما روي ~~عن ابن عباس، ونحوه من الصحابة، ومن بعدهم في تعيينها، فهو أولا أقوال ~~صحابة لا تقوم بها الحجة فضلا عن أقوال من بعدهم، وعلى تقدير أنه لا ~~مجال للاجتهاد في ذلك، وأن له حكم الرفع، فقد اختلفوا في التعيين ~~اختلافا يمتنع معه العمل ببعض ما روى عنهم دون البعض الآخر، بل اختلفت ~~الروايات عن الواحد منهم كما قدمنا عن ابن عباس، فكيف يجوز العمل بذلك؟ ~~وبهذا تعرف ضعف قول من قال إنه يصار إلى العموم، ويقال تلك الكلمات هي ~~جميع ما ذكر هنا، فإن هذا يستلزم تفسير كلام الله بالضعيف، والمتناقض، ~~وما لا تقوم به الحجة. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس، { قال إنى ~~جعلك للناس إماما } يقتدى بدينك، وهديك، وسنتك { قال ~~ومن ذريتى } إماما لغير ذريتي { قال لا ينال ms0211 عهدي ~~الظلمين } أن يقتدي بدينهم، وهديهم، وسنتهم. وأخرج الفريابي، وابن ~~أبي حاتم، عنه قال قال الله لإبراهيم { إنى جعلك للناس ~~إماما قال ومن ذريتى } فأبى أن يفعل، ثم قال { لا ينال ~~عهدي الظلمين }. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~عن قتادة قال هذا عند الله يوم القيامة لا ينال عهده ظالم، فأما في ~~الدنيا، فقد نالوا عهده، فوارثوا به المسلمين، وغازوهم، وناكحوهم، فلما ~~كان يوم القيامة قصر الله عهده، وكرامته على أوليائه. # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في تفسير الآية أنه قال لا أجعل ~~إماما ظالما يقتدى به، وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في الآية قال يخبره أنه إن كان في ذريته ظالم لا ينال عهده، ولا ~~ينبغي له أن يوليه شيئا من أمره. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، عنه أنه قال ليس لظالم عليك عهد في معصية الله. وقد أخرج وكيع، ~~وابن مردويه من حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { لا ~~ينال عهدي الظلمين } قال # " لا طاعة إلا في المعروف " # ، وإسناده عند ابن مردويه هكذا قال حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد، ~~حدثنا أحمد بن عبد الله بن سعد الأسدي، حدثنا سليم بن سعيد الدامغاني، ~~حدثنا وكيع عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره. وأخرج عبد بن حميد، من حديث عمران ~~بن حصين، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول # " لا طاعة لمخلوق في معصية الله " # وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، أنه قال في تفسير الآية ليس للظالم عهد، ~~وإن عاهدته فانقضه. قال ابن كثير وروى عن مجاهد، وعطاء، ومقاتل، وابن ~~حبان نحو ذلك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ~~في قوله { مثابة للناس وأمنا } قال يثوبون إليه، ثم يرجعون. ~~وأخرج ابن جرير، عنه أنه قال لا يقضون منه وطرا يأتونه، ms0212 ثم يرجعون إلى ~~أهليهم، ثم يعودون إليه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~والبيهقي عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في ~~قوله { وأمنا } قال أمنا للناس. وأخرج البخاري، وغيره من حديث أنس، ~~عن عمر بن الخطاب قال وافقت ربي في ثلاث ووافقني ربي في ثلاث، قلت يا ~~رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت { واتخذوا من ~~مقام إبرهيم مصلى } وقلت يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن ~~البر، والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة، فقلت لهن # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزوجا خيرا ~~منكن # التحريم 5 فنزلت كذلك، وأخرجه مسلم، وغيره مختصرا من حديث ابن عمر عنه. ~~وأخرج مسلم، وغيره من حديث جابر # " أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعا، حتى إذا ~~فرغ عمد إلى مقام إبراهيم، فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ { واتخذوا من ~~مقام إبرهيم مصلى } " # وفي مقام إبراهيم عليه السلام أحاديث كثيرة مستوفاة في الأمهات، وغيرها، ~~والأحاديث الصحيحة تدل على أن مقام إبراهيم هو الحجر الذي كان إبراهيم ~~يقوم عليه لبناء الكعبة لما ارتفع الجدار، أتاه إسماعيل به ليقوم فوقه، ~~كما في البخاري من حديث ابن عباس، وهو الذي كان ملصقا بجدار الكعبة، ~~وأول من نقله عمر بن الخطاب كما أخرجه عبد الرزاق، والبيهقي، بإسناد ~~صحيح، وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق مختلفة. # وأخرج ابن أبي حاتم من حديث جابر في وصف حج النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال # " لما طاف النبي صلى الله عليه وسلم قال له عمر هذا مقام إبراهيم؟ " # قال # " نعم ". # وأخرج نحوه ابن مردويه. ### || [2.125-128] # قوله { عهدنا } معناه هنا أمرنا أو أوجبنا. وقوله { أن طهرا } ~~في موضع نصب بنزع الخافض، أي بأن طهرا قاله الكوفيون، وقال سيبويه هو ~~بتقدير أي المفسرة أي أن طهرا، فلا موضع لها من الإعراب، والمراد ~~بالتطهير قيل من الأوثان، وقيل ms0213 من الآفات، والريب. وقيل من الكفار. وقيل ~~من النجاسات، وطواف الجنب، والحائض، وكل خبيث. والظاهر أنه لا يختص بنوع ~~من هذه الأنواع، وأن كل ما يصدق عليه مسمى التطهير، فهو يتناوله، إما ~~تناولا شموليا أو بدليا. والإضافة في قوله { بيتى } للتشريف ~~والتكريم، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق، وأهل المدينة، وهشام، وحفص «بيتي» ~~بفتح الياء، وقرأ الآخرون بإسكانها. والطائف الذي يطوف به. وقيل الغريب ~~الطارىء على مكة. والعاكف المقيم وأصل العكوف في اللغة اللزوم، والإقبال ~~على الشيء، وقيل هو المجاور دون المقيم من أهلها، والمراد بقوله { ~~والركع السجود } المصلون، وخص هذين الركنين بالذكر لأنهما أشرف ~~أركان الصلاة. وقوله { وإذ قال إبرهيم } ستأتي الأحاديث ~~الدالة على أن إبراهيم هو الذي حرم مكة، والأحاديث الدالة على أن الله ~~حرمها يوم خلق السموات والأرض، والجمع بين هذه الأحاديث في هذا البحث. ~~وقوله { بلدا آمنا } أي مكة، والمراد الدعاء لأهله من ذريته وغيرهم ~~كقوله # عيشة راضية # الحاقة 21 أي راض صاحبها. وقوله { من ءامن } بدل من قول أهله، أي ~~ارزق من آمن من أهله دون من كفر. وقوله { ومن كفر } الظاهر أن هذا ~~من كلام الله سبحانه ردا على إبراهيم حيث طلب الرزق للمؤمنين دون ~~غيرهم، أي وارزق من كفر، فأمتعه بالرزق قليلا، ثم أضطره إلى عذاب النار، ~~ويحتمل أن يكون كلاما مستقلا بيانا لحال من كفر، ويكون في حكم الإخبار ~~عن حال الكافرين بهذه الجملة الشرطية، أي من كفر، فإني أمتعه في هذه ~~الدنيا بما يحتاجه من الرزق، { ثم أضطره } بعد هذا التمتيع { ~~إلى عذاب النار } فأخبر سبحانه أنه لا ينال الكفرة من الخير إلا ~~تمتيعهم في هذه الدنيا، وليس لهم بعد ذلك إلا ما هو شر محض، وهو عذاب ~~النار وأما على قراءة من قرأ { فأمتعه } بصيغة الأمر، وكذلك قوله { ~~ثم أضطره } بصيغة الأمر، فهي مبنية على أن ذلك من جملة كلام ~~إبراهيم، وأنه لما فرغ من الدعاء للمؤمنين دعا للكافرين بالإمتاع قليلا، ~~ثم دعا عليهم بأن يضطرهم إلى عذاب النار. ومعنى { أضطره ms0214 } ألزمه ~~حتى صيره مضطرا لذلك لا يجد عنه مخلصا، ولا منه متحولا. قوله { ~~وإذ يرفع } هو حكاية لحال ماضية استحضارا لصورتها العجيبة. ~~والقواعد الأساس، قاله أبو عبيدة والفراء. وقال الكسائي هي الجدر. # والمراد برفعها رفع ما هو مبني فوقها لا رفعها في نفسها، فإنها لم ~~ترتفع، لكنها لما كانت متصلة بالبناء المرتفع فوقها صارت كأنها مرتفعة ~~بارتفاعه، كما يقال ارتفع البناء، ولا يقال ارتفع أعالي البناء، ولا ~~أسافله. قوله { ربنا تقبل منا } في محل الحال بتقدير القول، ~~أي قائلين ربنا. وقرأ أبي، وابن مسعود «وإذ يرفع إبراهيم القواعد من ~~البيت وإسماعيل، ويقولان ربنا تقبل منا». وقوله { واجعلنا ~~مسلمين لك } أي اجعلنا ثابتين عليه، أو زدنا منه. قيل المراد ~~بالإسلام هنا مجموع الإيمان، والأعمال. وقوله { ومن ذريتنا } أي ~~واجعل من ذريتنا، و«من» للتبعيض، أو للتبيين. وقال ابن جرير إنه أراد ~~بالذرية العرب خاصة، وكذا قال السهيلي. قال ابن عطية وهذا ضعيف لأن دعوته ~~ظهرت في العرب وغيرهم من الذين آمنوا به. والأمة الجماعة في هذا الموضع، ~~وقد تطلق على الواحد، ومنه قوله تعالى # إن إبرهيم كان أمة قنتا لله # النحل 120 وتطلق على الدين، ومنه # إنا وجدنا ءاباءنا على أمة # الزخرف 22 وتطلق على الزمان، ومنه # وادكر بعد أمة # يوسف 45. وقوله { وأرنا مناسكنا } هي من الرؤية البصرية. وقرأ ~~عمر بن عبد العزيز، وقتادة، وابن كثير، وابن محيصن، وغيرهم «أرنا» بسكون ~~الراء، ومنه قول الشاعر # أرنا إداوة عبد الله يملؤها من ماء زمزم إن ~~القوم قد ظمئوا # والمناسك جمع نسك، وأصله في اللغة الغسل، يقال نسك ثوبه إذا غسله. وهو ~~في الشرع اسم للعبادة، والمراد هنا مناسك الحج. وقيل مواضع الذبح. وقيل ~~جميع المتعبدات. وقوله { وتب علينا } قيل المراد بطلبهما للتوبة ~~التثبيت لأنهما معصومان لا ذنب لهما. وقيل المراد تب على الظلمة منا. وقد ~~أخرج ابن جرير، عن عطاء قال { وعهدنا إلى إبرهيم } أي ~~أمرناه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أن طهرا بيتى ~~} قال من الأوثان. وأخرج أيضا ms0215 عن مجاهد، وسعيد بن جبير مثله، وزادوا ~~الريب، وقول الزور، والرجس. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة ~~نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال إذا كان قائما، فهو من ~~الطائفين، وإذا كان جالسا، فهو من العاكفين، وإذا كان مصليا، فهو من ~~الركع السجود. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن عمر بن الخطاب أنه ~~سئل عن الذين ينامون في المسجد فقال هم العاكفون. وقد ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال # " إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، فلا ~~يصاد صيدها، ولا يقطع عضاهها " # كما أخرجه أحمد، ومسلم، والنسائي، وغيرهم من حديث جابر. وقد روي هذا ~~المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق جماعة من الصحابة، منهم رافع ~~بن خديج عند مسلم، وغيره، ومنهم أبو قتادة عند أحمد، ومنهم أنس عند ~~الشيخين، ومنهم أبو هريرة عند مسلم، ومنهم علي بن أبي طالب عند الطبراني ~~في الأوسط، ومنهم أسامة بن زيد عند أحمد، والبخاري، ومنهم عائشة عند ~~البخاري. # وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " إن الله حرم مكة يوم خلق السموات، والأرض، وهي حرام إلى يوم القيامة ~~" # أخرجه البخاري تعليقا، وابن ماجه من حديث صفية بنت شيبة. وأخرجه ~~الشيخان، وغيرهما من حديث ابن عباس. وأخرجه الشيخان، وأهل السنن من حديث ~~أبي هريرة، وفي الباب أحاديث غير ما ذكرنا، ولا تعارض بين هذه الأحاديث، ~~فإن إبراهيم عليه السلام لما بلغ الناس أن الله حرمها، وأنها لم تزل ~~حرما، آمنا نسب إليه أنه حرمها، أي أظهر للناس حكم الله فيها، وإلى ~~هذا الجمع ذهب ابن عطية، وابن كثير. وقال ابن جرير إنها كانت حراما، ولم ~~يتعبد الله الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم، فحرمها، وتعبدهم بذلك. ~~انتهى. وكلا الجمعين حسن. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن محمد بن ~~مسلم الطائفي قال بلغني أنه لما دعا إبراهيم للحرم فقال { وارزق ~~أهله من الثمرت } نقل الله الطائف من فلسطين. ms0216 وأخرج نحوه ابن ~~أبي حاتم، والأزرقي، عن الزهري. وأخرج نحوه أيضا الأزرقي عن بعض ولد ~~نافع بن جبير بن مطعم. وقد أخرج الأزرقي نحوها مرفوعا من طريق محمد بن ~~المنكدر. وأخرج أيضا عن محمد بن كعب القرظي قال دعا إبراهيم للمؤمنين، ~~وترك الكفار، ولم يدع لهم بشيء، قال الله { ومن كفر فأمتعه } ~~الآية. وأخرج نحوه سفيان بن عيينة، عن مجاهد. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { من ءامن بالله } قال ~~كأن إبراهيم احتجرها على المؤمنين دون الناس فأنزل الله { ومن كفر ~~} أيضا فأنا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أخلق خلقا لا أرزقهم؟ أمتعهم ~~قليلا، ثم أضطرهم إلى عذاب النار، ثم قرأ ابن عباس # كلا نمد هؤلاء وهؤلاء # الآية الإسراء 20. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال ~~قال أبي بن كعب في قوله { ومن كفر } أن هذا من قول الرب. وقال ~~ابن عباس هذا من قول إبراهيم يسأل ربه أن من كفر، فأمتعه قليلا. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال القواعد أساس البيت، وأخرج أحمد، وعبد بن ~~حميد، والبخاري، وابن جرير، وغيرهم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قصة ~~مطولة، وآخرها في بناء البيت. قال فعند ذلك رفع إبراهيم القواعد من ~~البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء ~~جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام عليه، وهو يبني، وإسماعيل يناوله ~~الحجارة، وهما يقولان { ربنا تقبل منا إنك أنت ~~السميع العليم }. # وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ~~في قوله { وإذ يرفع إبرهيم القواعد } قال القواعد التي ~~كانت قواعد البيت قبل ذلك. وقد أكثر المفسرون في تفسير هذه الآية من نقل ~~أقوال السلف في كيفية بناء البيت، ومن أي أحجار الأرض بني، وفي أي زمان ~~عرف، ومن حجه؟ وما ورد فيه من الأدلة الدالة على فضله، أو فضل بعضه ~~كالحجر الأسود. وفي الدر المنثور من ذلك مالم يكن في غيره، فليرجع إليه، ms0217 ~~وفي تفسير ابن كثير بعض من ذلك، ولما لم يكن ما ذكروه متعلقا بالتفسير ~~لم نذكره. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سلام بن أبي مطيع في هذه الآية { ~~ربنا واجعلنا مسلمين لك } قال كانا مسلمين، ولكن سألاه ~~الثبات. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الكريم، قال مخلصين. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { ومن ذريتنا } قال يعنيان ~~العرب. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال قال إبراهيم ~~رب، أرنا مناسكنا، فأتاه جبريل، فأتى به البيت، فقال ارفع القواعد، فرفع ~~القواعد، وأتم البنيان، ثم أخذ بيده، فأخرجه، فانطلق به نحو منى، فلما ~~كان عند العتبة، فإذا إبليس قائم عند الشجرة، فقال كبر وارمه، فكبر ~~ورماه، فذهب إبليس حتى أتى الجمرة الوسطى، ففعل به إبراهيم كما فعل في ~~الأولى، ثم كذلك في الجمرة الثالثة، ثم أخذ جبريل بيد إبراهيم حتى أتى به ~~المشعر الحرام فقال هذا المشعر الحرام، ثم ذهب حتى أتى به عرفات، قال وقد ~~عرفت ما أريتك؟ قالها ثلاثا، قال نعم. قال فأذن في الناس بالحج، قال ~~وكيف أؤذن؟ قال قل ياأيها الناس، أجيبوا ربكم ثلاث مرات، فأجاب العباد ~~لبيك اللهم لبيك، فمن أجاب إبراهيم يومئذ من الخلق، فهو حاج. وأخرج ابن ~~جرير من طريق ابن المسيب، عن علي قال لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال ~~قد فعلت أي رب، فأرنا مناسكنا أبرزها لنا علمناها، فبعث الله ~~جبريل، فحج به. وفي الباب آثار كثيرة عن السلف من الصحابة، ومن بعدهم ~~تتضمن أن جبريل أرى إبراهيم المناسك، وفي أكثرها أن الشيطان تعرض له كما ~~تقدم عن مجاهد. وقد أخرج ابن خزيمة، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي ~~في الشعب، عن ابن عباس نحو ذلك، وكذلك أخرج عنه أحمد، وابن أبي حاتم، ~~والبيهقي. ### || [2.129-132] # الضمير في قوله { وابعث فيهم } راجع إلى الأمة المسلمة المذكورة ~~سابقا. وقرأ أبي «وابعث في آخرهم» ويحتمل أن يكون الضمير راجعا إلى ~~الذرية. وقد أجاب الله لإبراهيم عليه السلام هذه الدعوة، فبعث ms0218 في ذريته { ~~رسولا منهم } وهو محمد صلى الله عليه وسلم. وقد أخبر عن نفسه بأنه ~~دعوة إبراهيم كما سيأتي تخريج ذلك إن شاء الله، ومراده هذه الدعوة. ~~والرسول هو المرسل. قال ابن الأنباري يشبه أن يكون أصله ناقة مرسال، ~~ورسلة إذا كانت سهلة السير ماضية أمام النوق. ويقال جاء القوم أرسالا، ~~أي بعضهم في أثر بعض، والمراد بالكتاب القرآن. والمراد بالحكمة المعرفة ~~بالدين، والفقه في التأويل، والفهم للشريعة، وقوله { يزكيهم } أي ~~يطهرهم من الشرك، وسائر المعاصي. وقيل إن المراد بالآيات ظاهر الألفاظ، ~~والكتاب معانيها، والحكمة الحكم، وهو مراد الله بالخطاب، والعزيز الذي لا ~~يعجزه شيء قاله ابن كيسان. وقال الكسائي العزيز الغالب. { ومن ~~يرغب } في موضع رفع على الابتداء، والاستفهام للإنكار. وقوله { ~~إلا من سفه نفسه } في موضع الخبر. وقيل هو بدل من فاعل يرغب، ~~والتقدير وما يرغب عن ملة إبراهيم أحد إلا من سفه نفسه. قال الزجاج سفه ~~بمعنى جهل، أي جهل أمر نفسه، فلم يفكر فيها. وقال أبو عبيدة المعنى أهلك ~~نفسه. وحكى ثعلب، والمبرد أن سفه بكسر الفاء يتعدى كسفه بفتح الفاء ~~مشددة. قال الأخفش { سفه نفسه } أي فعل بها من السفه ما صار به ~~سفيها، وقيل إن نفسه منتصب بنزع الخافض. وقيل هو تمييز، وهذان ضعيفان ~~جدا، وأما سفه بضم الفاء، فلا يتعدى قاله المبرد، وثعلب. والاصطفاء ~~الاختيار، أي اخترناه في الدنيا، وجعلناه في الآخرة من الصالحين، فكيف ~~يرغب عن ملته راغب؟ وقوله { إذ قال له } يحتمل أن يكون متعلقا ~~بقوله { اصطفيناه } أي اخترناه وقت أمرنا له بالإسلام، ويحتمل أن يتعلق ~~بمحذوف هو اذكر. قال في الكشاف كأنه قيل اذكر ذلك الوقت ليعلم أنه ~~المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله، والضمير في قوله { ووصى ~~بها } راجع إلى الملة أو إلى الكلمة أي أسلمت لرب العالمين. قال ~~القرطبي وهو أصوب لأنه أقرب مذكور، أي قولوا أسلمنا. انتهى. والأول أرجح ~~لأن المطلوب ممن بعده هو إتباع ملته لا مجرد التكلم بكلمة الإسلام، ~~فالتوصية بذلك أليق بإبراهيم، ms0219 وأولى بهم. ووصى وأوصى بمعنى، وقرىء بهما، ~~وفي مصحف عثمان { وأوصى } وهي قراءة أهل الشام، والمدينة، وفي مصحف عبد ~~الله بن مسعود { ووصى } وهي قراءة الباقين. { ويعقوب } معطوف ~~على إبراهيم أي وأوصى يعقوب بنيه كما أوصى إبراهيم بنيه. وقرأ عمر بن ~~فايد الأسواري، وإسماعيل ابن عبد الله المكي، بنصب يعقوب، فيكون داخلا ~~فيمن أوصاه إبراهيم. # قال القشيري وهو بعيد، لأن يعقوب لم يدرك جده إبراهيم، وإنما ولد بعد ~~موته. وقوله { يا بني } هو بتقدير " أن ". وقد قرأ أبي، وابن مسعود، ~~والضحاك بإثباتها. قال الفراء ألغيت " أن " ، لأن التوصية كالقول، وكل ~~كلام رجع إلى القول جاز فيه دخول " أن " وجاز فيه إلغاؤها. وقيل إنه على ~~تقدير القول أي قائلا يا بني. روى ذلك عن البصريين. وقوله { اصطفى ~~لكم الدين } أي اختاره لكم، والمراد ملته التي لا يرغب عنها إلا من ~~سفه نفسه، وهي الملة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله { ~~فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } فيه إيجاز بليغ. ~~والمراد الزموا الإسلام، ولا تفارقوه حتى تموتوا. وقد أخرج ابن أبي حاتم ~~عن أبي العالية في قوله { ومن يرغب عن ملة إبرهيم } قال ~~رغبت اليهود والنصارى عن ملته، واتخذوا اليهودية، والنصرانية بدعة ليست ~~من الله تركوا ملة إبراهيم الإسلام، وبذلك بعث الله نبيه محمدا صلى الله ~~عليه وسلم بملة إبراهيم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن أبي مالك في قوله { ولقد اصطفياه } قال اخترناه. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ووصى بها إبرهيم ~~بنيه } قال وصاهم بالإسلام، ووصى يعقوب بنيه بمثل ذلك. وأخرج الثعلبي، ~~عن فضيل بن عياض في قوله { فلا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون } أي محسنون بربكم الظن. ### || [2.133-141] # قوله { أم كنتم شهداء } أم هذه قيل هي المنقطعة. وقيل هي ~~المتصلة. وفي الهمزة الإنكار المفيد للتقريع، والتوبيخ، والخطاب لليهود، ~~والنصارى الذين ينسبون إلى إبراهيم، وإلى بنيه أنهم على اليهودية، ~~والنصرانية، فرد الله ذلك عليهم، وقال لهم أشهدتم يعقوب، ms0220 وعلمتم بما ~~أوصى به بنيه، فتدعون ذلك عن علم، أم لم تشهدوا بل أنتم مفترون. ~~والشهداء جمع شاهد، ولم ينصرف لأن فيه ألف التأنيث التي لتأنيث الجماعة، ~~والعامل في { إذ } الأولى معنى الشهادة، و { إذ } الثانية بدل من الأولى، ~~والمراد بحضور الموت حضور مقدماته. وإنما جاء بما دون من في قوله { ما ~~تعبدون } لأن المعبودات من دون الله غالبها جمادات كالأوثان، ~~والنار، والشمس، والكواكب، ومعنى { من بعدى } أي من بعد موتي. وقوله ~~{ إبرهيم وإسمعيل وإسحق } عطف بيان لقوله { آبائك ~~} وإسماعيل، وإن كان عما ليعقوب لأن العرب تسمى العم أبا، وقوله { ~~إلها } بدل من إلهك، وإن كان نكرة، فذلك جائز، ولا سيما بعد تخصيصه ~~بالصفة التي هي قوله { وحدا } فإنه قد حصل المطلوب من الإبدال بهذه ~~الصفة. وقيل إن إلها منصوب على الاختصاص، وقيل إنه حال. قال ابن عطية ~~وهو قول حسن لأن الغرض الإثبات حال الوحدانية. وقرأ الحسن، ويحيى بن ~~يعمر، وأبو رجاء العطاردي «وإله أبيك» فقيل أراد إبراهيم وحده. ويكون ~~قوله { وإسمعيل } عطفا على أبيك، وكذلك { إسحق } وإن كان ~~هو أباه حقيقة، وإبراهيم جده، ولكن لإبراهيم مزيد خصوصية، وقيل إن قوله ~~«أبيك» جمع كما روى عن سيبويه أن أبين جمع سلامة، ومثله أبون، ومنه قول ~~الشاعر # فلما تبين أصواتنا بكين وقد بننا بالأبينا # وقوله { ونحن له مسلمون } جملة حالية أي نعبده حال إسلامنا ~~له، وجوز الزمخشري أن تكون اعتراضية على ما يذهب إليه من جواز وقوع ~~الجمل الاعتراضية آخر الكلام. والإشارة بقوله { تلك } إلى إبراهيم، ~~وبنيه، ويعقوب، وبنيه، و { أمة } بدل منه، وخبره { قد خلت } أو ~~أمة خبره، وقد خلت نعت لأمة، وقوله { لها ما كسبت ولكم ما ~~كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون } بيان لحال ~~تلك الأمة، وحال المخاطبين بأن لكل من الفريقين كسبه، لا ينفعه كسب غيره، ~~ولا يناله منه شيء، ولا يضره ذنب غيره، وفيه الرد على من يتكل على عمل ~~سلفه، ويروح نفسه بالأماني الباطلة، ومنه ما ورد في الحديث # " من بطأ به عمله لم ms0221 يسرع نسبه " # والمراد أنكم لا تنتفعون بحسناتهم، ولا تؤاخذون بسيئاتهم، ولا تسألون ~~عن أعمالهم، كما لا يسألون عن أعمالكم، ومثله # ولا تزر وازرة وزر أخرى # الزمر 7 # وأن ليس للإنسن إلا ما سعى # النجم 39. ولما ادعت اليهود، والنصارى أن الهداية بيدها، والخير مقصور ~~عليها رد الله ذلك عليهم بقوله { بل ملة إبرهيم } أي قل يا ~~محمد هذه المقالة، ونصب { ملة } بفعل مقدر، أي نتبع. وقيل التقدير نكون ~~ملة إبراهيم، أي أهل ملته. وقيل بل نهتدي بملة إبراهيم، فلما حذف حرف ~~الجر صار منصوبا. وقرأ الأعرج، وابن أبي عبلة «ملة» بالرفع أي بل الهدى ~~ملة إبراهيم. والحنيف المائل عن الأديان الباطلة إلى دين الحق، وهو في ~~أصل اللغة الذي تميل قدماه كل واحدة إلى أختها. قال الزجاج، وهو منصوب ~~على الحال، أي نتبع ملة إبراهيم حال كونه حنيفا. وقال علي بن سليمان هو ~~منصوب بتقدير أعني، والحال خطأ كما لا يجوز جاءني غلام هند مسرعة. وقال ~~في الكشاف هو حال من المضاف إليه كقولك رأيت وجه هند قائمة، وقال قوم ~~الحنف الاستقامة، فسمى دين إبراهيم حنيفا لاستقامته، وسمي معوج الرجلين ~~أحنف تفاؤلا بالاستقامة، كما قيل للديغ سليم، وللمهلكة مفازة. وقد ~~استدل من قال بأن الحنيف في اللغة المائل لا المستقيم بقول الشاعر # إذا حول الظل العشى رأيته حنيفا ومن قرن الضمن يتضر # أي إن الحرباء تستقبل القبلة بالعشي، وتستقبل المشرق بالغداة، وهي قبلة ~~النصارى، ومنه قول الشاعر # والله لولا حنف في رجله ما كان في رجالكم من مثله # وقوله { وما كان من المشركين } فيه تعريض باليهود لقولهم # عزير ابن الله # التوبة 30 وبالنصارى لقولهم # المسيح ابن الله # التوبة 30 أي أن إبراهيم ما كان على هذه الحالة التي أنتم عليها من ~~الشرك بالله، فكيف تدعون عليه أنه كان على اليهودية، أو النصرانية. ~~وقوله { قولوا ءامنا بالله } خطاب للمسلمين، وأمر لهم بأن ~~يقولوا هذه المقالة، وقيل إنه خطاب للكفار بأن يقولوا ذلك، حتى يكونوا ~~على الحق، والأول أظهر. والأسباط أولاد يعقوب، وهم ms0222 اثنا عشر ولدا، ولكل ~~واحد منهم من الأولاد جماعة، والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ~~العرب، وسموا الأسباط من السبط، وهو التتابع، فهم جماعة متتابعون، وقيل ~~أصله من السبط بالتحريك، وهو الشجر، أي هم في الكثرة بمنزلة الشجر، وقيل ~~الأسباط حفدة يعقوب أي أولاد أولاده لا أولاده لأن الكثرة إنما كانت فيهم ~~دون أولاد يعقوب في نفسه، فهم أفراد لا أسباط. وقوله { لا نفرق ~~بين أحد منهم } قال الفراء معناه لا نؤمن ببعضهم، ونكفر ببعضهم ~~كما فعلت اليهود، والنصارى. قال في الكشاف وأحد في معنى الجماعة، ولذلك ~~صح دخول بين عليه. وقوله { فإن ءامنوا بمثل ما ءامنتم ~~به } هذا الخطاب للمسلمين أيضا أي فإن آمن أهل الكتاب، وغيرهم بمثل ما ~~آمنتم به من جميع كتب الله ورسله، ولم يفرقوا بين أحد منهم، فقد اهتدوا، ~~وعلى هذا، فمثل زائدة كقوله # ليس كمثله شىء # الشورى 11 وقول الشاعر # فصيروا مثل كعصف مأكول # وقيل إن المماثلة وقعت بين الإيمانين، أي فإن آمنوا بمثل إيمانكم. وقال ~~في الكشاف إنه من باب التبكيت لأن دين الحق واحد لا مثل له، وهو دين ~~الإسلام، قال أي فإن حصلوا دينا آخر مثل دينكم مساويا له في الصحة، ~~والسداد، فقد اهتدوا، وقيل إن الباء زائدة مؤكدة. وقيل إنها للاستعانة. ~~والشقاق أصله من الشق، وهو الجانب، كأن كل واحد من الفريقين في جانب غير ~~الجانب الذي فيه الآخر. وقيل إنه مأخوذ من فعل ما يشق، ويصعب، فكل واحد ~~من الفريقين يحرص على فعل ما يشق على صاحبه، ويصح حمل الآية على كل واحد ~~من المعنيين، وكذلك قول الشاعر # وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق # وقوله الآخر # إلى كم تقتل العلماء قسرا وتفخر بالشقاق ~~وبالنفاق # وقوله { فسيكفيكهم الله } وعد من الله تعالى لنبيه أنه سيكفيه من عانده، ~~وخالفه من المتولين، وقد أنجز له وعده بما أنزله من بأسه بقريظة، ~~والنضير، وبني قينقاع. وقوله { صبغة الله } قال الأخفش، وغيره أي ~~دين الله، قال وهي منتصبة على البدل ms0223 من ملة. وقال الكسائي هي منصوبة على ~~تقدير اتبعوا، أو على الإغراء، أي الزموا، ورجح الزجاج الانتصاب على ~~البدل من ملة، كما قاله الفراء. وقال في الكشاف إنها مصدر مؤكد منتصب عن ~~قوله { بالله آمنا } كما انتصب و { عبد الله } عما تقدمه، وهي ~~فعلة من صبغ كالجلسة من جلس، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ، والمعنى ~~تطهير الله، لأن الإيمان تطهير النفوس. انتهى. وبه قال سيبويه، أي كونه ~~مصدرا موكدا. وقد ذكر المفسرون أن أصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون ~~أولادهم في الماء، وهو الذي يسمونه المعمودية، ويجعلون ذلك تطهيرا لهم، ~~فإذا فعلوا ذلك قالوا الآن صار نصرانيا حقا، فرد الله عليهم بقوله { ~~صبغة الله } أي الإسلام، وسماه صبغة استعارة، ومنه قول بعض شعراء ~~همدان # وكل أناس لهم صبغة وصبغة همدان خير الصبغ صبغنا على ذاك ~~أولادنا فأكرم بصبغتنا في الصبغ # وقيل إن الصبغة الاغتسال لمن أراد الدخول في الإسلام بدلا من معمودية ~~النصارى، ذكره الماوردي. وقال الجوهري صبغة الله دينه. وهو يؤيد ما تقدم ~~عن الفراء. وقيل الصبغة الختان. وقوله { قل أتحاجوننا فى ~~الله } أي أتجادلوننا في الله أي في دينه، والقرب منه، والحظوة عنده، ~~وذلك كقولهم # نحن أبناء الله وأحباؤه # المائدة 18 وقرأ ابن محيصن «أتحاجونا» بالإدغام لاجتماع المثلين. وقوله ~~{ وهو ربنا وربكم } أي نشترك نحن، وأنتم في ربوبيته لنا ~~وعبوديتنا له، فكيف تدعون أنكم أولى به منا وتحاجوننا في ذلك. # وقوله { لنا أعملنا ولكم أعملكم } أي لنا أعمال، ~~ولكم أعمال، فلستم بأولى بالله منا، وهو مثل قوله تعالى # فقل لى عملى ولكم عملكم أنتم بريئون مما ~~أعمل وأنا برىء مما تعملون # يونس 41. وقوله { ونحن له مخلصون } أي نحن أهل الإخلاص ~~للعبادة دونكم، وهو المعيار الذي يكون به التفاضل، والخصلة التي يكون ~~صاحبها أولى بالله سبحانه من غيره، فكيف تدعون لأنفسكم ما نحن أولى به ~~منكم، وأحق؟ وفيه توبيخ لهم، وقطع لما جاءوا به من المجادلة، والمناظرة. ~~وقوله { أم يقولون } قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص { ~~تقولون ms0224 } بالتاء الفوقية، وعلى هذه القراءة تكون " أم " هاهنا معادلة ~~للهمزة في قوله { أتحاجوننا } أي أتحاجوننا في الله أم تقولون إن ~~هؤلاء الأنبياء على دينكم، وعلى قراءة الياء التحتية تكون أم منقطعة، أي ~~بل يقولون. وقوله { قل أنتم أعلم أم الله } فيه تقريع، ~~وتوبيخ أي أن الله أخبرنا بأنهم لم يكونوا هودا ولا نصارى، وأنتم تدعون ~~أنهم كانوا هودا أو نصارى، فهل أنتم أعلم أم الله سبحانه؟ وقوله { ~~ومن أظلم } استفهام أي لا أحد أظلم { ممن كتم شهدة ~~عنده من الله } يحتمل أن يريد بذلك الذم لأهل الكتاب، بأنهم ~~يعلمون أن هؤلاء الأنبياء ما كانوا هودا، ولا نصارى، بل كانوا على الملة ~~الإسلامية، فظلموا أنفسهم بكتمهم لهذه الشهادة بل بادعائهم لما هو مخالف ~~لها، وهو أشد في الذنب ممن اقتصر على مجرد الكتم الذي لا أحد أظلم منه، ~~ويحتمل أن المراد أن المسلمين لو كتموا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم ~~منهم، ويكون المراد بذلك التعريض بأهل الكتاب، وقيل المراد هنا ما كتموه ~~من صفة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي قوله { وما الله بغفل ~~عما تعملون } وعيد شديد، وتهديد ليس عليه مزيد، وإعلام بأن الله ~~سبحانه لا يترك عقوبتهم على هذا الظلم القبيح، والذنب الفظيع، وكرر قوله ~~سبحانه { تلك أمة قد خلت } إلى آخر الآية لتضمنها معنى ~~التهديد، والتخويف الذي هو المقصود في هذا المقام. وقد أخرج ابن أبي حاتم ~~عن أبي العالية في قوله { أم كنتم شهداء } يعني أهل الكتاب. ~~وأخرج أيضا عن الحسن في قوله { أم كنتم شهداء } قال يقول لم ~~يشهد اليهود، ولا النصارى، ولا أحد من الناس يعقوب إذ أخذ على بنيه ~~الميثاق إذ حضره الموت أن لا تعبدوا إلا الله، فأقروا بذلك، وشهد عليهم ~~أن قد أقروا بعبادتهم أنهم مسلمون. وأخرج عن ابن عباس أنه كان يقول ~~الجد أب، ويتلو الآية. وأخرج أيضا عن أبي العالية في الآية قال سمي ~~العم أبا. وأخرج أيضا نحوه عن محمد بن كعب. # وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن ms0225 المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ~~قال قال عبد الله بن صوريا الأعور للنبي صلى الله عليه وسلم ما الهدى إلا ~~ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله ~~فيهم { وقالوا كونوا هودا } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن مجاهد في قوله { حنيفا } قال متبعا. وأخرجا أيضا، عن ابن ~~عباس في قوله { حنيفا } قال حاجا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن ~~كعب قال الحنيف المستقيم. وأخرج أيضا، عن خصيف قال الحنيف المخلص. وأخرج ~~أيضا عن أبي قلابة قال الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى ~~آخرهم. وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " بعثت بالحنيفية السمحة " # وأخرج أحمد أيضا، والبخاري في الأدب المفرد، وابن المنذر، عن ابن عباس ~~قال «قيل يا رسول الله أي الأديان أحب إلى الله؟ قال الحنيفية السمحة». ~~وأخرج الحاكم في تاريخه، وابن عساكر، من حديث أسعد بن عبد الله بن مالك ~~الخزاعي مرفوعا مثله. وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن ابن ~~عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر في ~~الأولى منهما الآية التي في البقرة { قولوا ءامنا بالله } كلها ~~وفي الآخرة # آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون # آل عمران 52. وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة قال كان أهل الكتاب ~~يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، " # الآية. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال الأسباط بنو يعقوب، كانوا اثني ~~عشر رجلا كل واحد منهم ولد أمة من الناس. وروى نحوه ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم عن السدي، وحكاه ابن كثير في تفسيره عن أبي العالية، والربيع، ~~وقتادة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ~~ابن عباس قال لا تقولوا، فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به، فإن الله لا مثل ~~له، ولكن قولوا، فإن آمنوا بالذي آمنتم به، ms0226 وأخرج ابن أبي داود، في ~~المصاحف، والخطيب في تاريخه عن أبي جمرة قال كان ابن عباس يقرأ " فإن ~~آمنوا بالذي آمنتم به " وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله { ~~فإنما هم فى شقاق } قال فراق. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس في قوله { صبغة الله } قال دين الله. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال فطرة الله التي فطر الناس عليها. وأخرج ~~ابن مردويه، والضياء في المختارة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " إن بني إسرائيل قالوا يا موسى هل يصبغ ربك؟ فقال اتقوا الله، فناداه ~~ربه يا موسى، سألوك هل يصبغ ربك؟ فقل نعم. أنا أصبغ الألوان، الأحمر ~~والأبيض والأسود والألوان كلها في صبغتي " # وأنزل الله على نبيه { صبغة الله ومن أحسن من الله ~~صبغة }. وأخرجه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس ~~موقوفا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة قال إن ~~اليهود تصبغ أبناءها يهودا، والنصارى تصبغ أبناءها نصارى، وإن صبغة الله ~~الإسلام، ولا صبغة أحسن من صبغة الإسلام، ولا أطهر، وهو دين الله الذي ~~بعث به نوحا، ومن كان بعده من الأنبياء. وأخرج ابن النجار في تاريخ ~~بغداد عن ابن عباس في قوله { صبغة الله } قال البياض. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أتحاجوننا } قال أتخاصموننا. ~~وأخرج ابن جرير، عنه قال أتجادلوننا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ~~قتادة في قوله { ومن أظلم ممن كتم شهدة } الآية قال ~~أولئك أهل الكتاب كتموا الإسلام، وهم يعلمون أنه دين الله، واتخذوا ~~اليهودية، والنصرانية، وكتموا محمدا، وهم يعلمون أنه رسول الله. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، عن الحسن نحوه. ~~وأخرج ابن جرير، عن قتادة، والربيع في قوله { تلك أمة قد خلت ~~} قال يعني إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط. ### || [2.142-143] # قوله { سيقول } هذا إخبار من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم ms0227 ~~وللمؤمنين، بأن السفهاء من اليهود، والمنافقين سيقولون هذه المقالة عند ~~أن تتحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. وقيل إن { سيقول } بمعنى ~~قال، وإنما عبر عن الماضي بلفظ المستقبل للدلالة على استدامته، واستمرار ~~عليه، وقيل إن الإخبار بهذا الخبر كان قبل التحول إلى الكعبة، وأن فائدة ~~ذلك أن الإخبار بالمكروه إذا وقع قبل وقوعه كان فيه تهوين لصدمته، وتخفيف ~~لروعته، وكسرا لسورته. والسفهاء جمع سفيه، وهو الكذاب البهات ~~المعتقد خلاف ما يعلم، كذا قال بعض أهل اللغة. وقال في الكشاف هم خفاف ~~الأحلام، ومثله في القاموس. وقد تقدم في تفسير قوله # إلا من سفه نفسه # البقرة 130 ما ينبغي الرجوع إليه، ومعنى { ما ولهم } ما صرفهم { ~~عن قبلتهم التى كانوا عليها } وهي بيت المقدس. فرد ~~الله عليهم بقوله { قل لله المشرق والمغرب } فله أن يأمر ~~بالتوجه إلى أي جهة شاء. وفي قوله { يهدى من يشآء } إشعار بأن ~~تحويل القبلة إلى الكعبة من الهداية للنبي صلى الله عليه وسلم، ولأهل ~~ملته إلى الصراط المستقيم p>>وقوله { وكذلك جعلنكم } أي مثل ~~ذلك الجعل جعلناكم، قيل معناه وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة ~~وسطا. والوسط الخيار، أو العدل، والآية محتملة للأمرين، ومما يحتملهما ~~قول زهير # هم وسط ترضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى ~~الليالي بمعظم # p>>ومثله قول الآخر # أنتم أوسط حي علموا بصغير الأمر أو إحدى الكبر # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير الوسط هنا بالعدل كما سيأتي، ~~فوجب الرجوع إلى ذلك، ومنه قول الراجز # لا تذهبن في الأمور مفرطا لا تسألن إن سألت شططا # وكن من الناس جميعا وسطا # p>>ولما كان الوسط مجانبا للغلو، والتقصير كان محمودا، أي هذه الأمة ~~لم تغل غلو النصارى في عيسى، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم، ~~ويقال فلان أوسط قومه وواسطتهم أي خيارهم. وقوله { لتكونوا شهداء ~~على الناس } أي يوم القيامة تشهدون للأنبياء على أممهم، أنهم قد ~~بلغوهم ما أمرهم الله بتبليغه إليهم، ويكون الرسول شهيدا على أمته ~~بأنهم قد فعلوا ما ms0228 أمر بتبليغه إليهم، ومثله قوله تعالى # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # النساء 41، قيل إن قوله { عليكم } يعني لكم، أي يشهد لهم بالإيمان. ~~وقيل معناه يشهد عليكم بالتبليغ لكم. قال في الكشاف لما كان الشهيد ~~كالرقيب والمهيمن على المشهود له جيء بكلمة الاستعلاء، ومنه قوله تعالى # والله على كل شىء شهيد # المجادلة 9 # كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شىء شهيد # المائدة 117. انتهى. وقالت طائفة معنى الآية يشهد بعضكم على بعض بعد ~~الموت. وقيل المراد لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا، فيما لا يصح إلا ~~بشهادة العدول، وسيأتي من المرفوع ما يبين معنى الآية إن شاء الله. وإنما ~~أخر لفظ «على» في شهادة الأمة على الناس، وقدمها في شهادة الرسول عليهم، ~~لأن الغرض كما قال صاحب الكشاف في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي ~~الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم. p>>وقوله { وما جعلنا ~~القبلة التى كنت عليها } قيل المراد بهذه القبلة هي بيت ~~المقدس، أي ما جعلناها إلا لنعلم المتبع والمنقلب، ويؤيد هذا قوله { ~~كنت عليها } إذا كان نزول هذه الآية بعد صرف القبلة إلى الكعبة. ~~وقيل المراد الكعبة، أي ما جعلنا القبلة التي أنت عليها الآن بعد أن كانت ~~إلى بيت المقدس إلا لذلك الغرض، ويكون { كنت } بمعنى الحال، وقيل ~~المراد بذلك القبلة التي كان عليها قبل استقبال بيت المقدس، فإنه كان ~~يستقبل في مكة الكعبة، ثم لما هاجر توجه إلى بيت المقدس تألفا لليهود، ~~ثم صرف إلى الكعبة. وقوله { إلا لنعلم } قيل المراد بالعلم هنا ~~الرؤية، وقيل المراد إلا لتعلموا أنا نعلم بأن المنافقين كانوا في شك، ~~وقيل ليعلم النبي وقيل المراد لنعلم ذلك موجودا حاصلا، وهكذا ما ورد ~~معللا بعلم الله سبحانه لا بد أن يؤول بمثل هذا كقوله # وليعلم الله الذين ءامنوا ويتخذ منكم شهداء # آل عمران 140. وقوله { وإن كانت لكبيرة } أي ما كانت إلا ~~كبيرة، كما قاله الفراء في " أن " و " إن " أنهما بمعنى ما وإلا. وقال ~~البصريون ms0229 هي الثقيلة خففت، والضمير في كانت راجع إلى ما يدل عليه قوله { ~~وما جعلنا القبلة التى كنت عليها } من التحويلة، أو ~~التولية، أو الجعلة، أو الردة، ذكر معنى ذلك الأخفش، ولا مانع من أن ~~يرجع الضمير إلى القبلة المذكورة أي وإن كانت القبلة المتصفة بأنك كنت ~~عليها لكبيرة إلا على الذين هداهم الله للإيمان، فانشرحت صدورهم لتصديقك، ~~وقبلت ما جئت به عقولهم. وهذا الاستثناء مفرغ، لأن ما قبله في قوة ~~النفي، أي أنها لا تخف، ولا تسهل إلا على الذين هدى الله. وقوله { وما ~~كان الله ليضيع إيمنكم } قال القرطبي اتفق العلماء على ~~أنها نزلت فيمن مات، وهو يصلي إلى بيت المقدس، ثم قال فسمى الصلاة ~~إيمانا لاجتماعها على نية، وقول، وعمل، وقيل المراد ثبات المؤمنين على ~~الإيمان عند تحويل القبلة، وعدم ارتيابهم كما ارتاب غيرهم. والأول يتعين ~~القول به، والمصير إليه لما سيأتي من تفسيره صلى الله عليه وسلم للآية ~~بذلك. والرءوف كثير الرأفة، وهي أشد من الرحمة. قال أبو عمرو بن العلاء ~~الرأفة أكبر من الرحمة، والمعنى متقارب. # وقرأ أبو جعفر بن يزيد بن القعقاع «لروف» بغير همز، وهي لغة بني أسد، ~~ومنه قول الوليد بن عتبة # وشر الغالبين فلا تكنه يقاتل عمه الروف الرحيم # p>>وقد أخرج البخاري ومسلم، وغيرهما عن البراء أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان أول ما نزل المدينة نزل على أخواله من الأنصار وأنه صلى إلى ~~بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل ~~البيت، وأن أول صلاة صلاها العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى ~~معه، فمر على أهل المسجد، وهم راكعون فقال أشهد بالله لقد صليت مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم قبل الكعبة، فداروا كما هم قبل البيت، وكانت اليهود ~~قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس، وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل ~~البيت أنكروا ذلك، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت ~~رجال، وقتلوا، فلم ندر ما ms0230 يقول فيهم، فأنزل الله { وما كان الله ~~ليضيع إيمنكم إن الله بالناس لرءوف رحيم } ~~وله طرق أخر، وألفاظ متقاربة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والبيهقي عن ابن عباس قال إن أول ما نسخ في القرآن القبلة. وأخرج ~~ابن أبي شيبة، وأبو داود في ناسخه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين ~~يديه، وبعد ما تحول إلى المدينة ستة عشر شهرا، ثم صرفه الله إلى ~~الكعبة. وفي الباب أحاديث كثيرة بمضمون ما تقدم. وكذلك وردت أحاديث في ~~الوقت الذي نزل فيه استقبال القبلة، وفي كيفية استدارة المصلين لما بلغهم ~~ذلك، وقد كانوا في الصلاة، فلا نطول بذكرها. p>>وأخرج سعيد بن منصور، ~~وأحمد، والنسائي، والترمذي وصححه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، ~~والإسماعيلي في صحيحه، والحاكم وصححه عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قوله { وكذلك جعلنكم أمة وسطا } قال ~~عدلا. وأخرج ابن جرير، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. ~~وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس مثله. وأخرج أحمد، والبخاري، والترمذي، ~~والنسائي، وغيرهم، عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يدعى نوح يوم القيامة، فيقال له هل بلغت؟ فيقول نعم، فيدعى قومه، ~~فيقال لهم هل بلغكم؟ فيقولون ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيقال ~~لنوح من يشهد لك؟ فيقول محمد وأمته فذلك قوله { وكذلك ~~جعلنكم أمة وسطا } قال والوسط العدل، فتدعون، ~~فتشهدون له بالبلاغ، وأشهد عليكم. " # وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي سعيد نحوه. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " أنا وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق، ما من الناس أحد ~~إلا ود أنه منا، وما من نبي كذبه قومه إلا، ونحن نشهد أنه بلغ رسالة ~~ربه " # p>>وأخرج ابن جرير، عن أبي سعيد في قوله ms0231 { وكذلك جعلنكم ~~أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } بأن الرسل قد ~~بلغوا { ويكون الرسول عليكم شهيدا } بما عملتم، وأخرج ~~البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن أنس قال مروا بجنازة، فأثنوا عليها خيرا، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " وجبت وجبت وجببت " # ومروا بجنازة فأثنى عليها شرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " وجبت وجبت وجبت " # فسأله عمر فقال # " من أثنيتم عليه خيرا، وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرا، وجبت له ~~النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء ~~الله في الأرض " # زاد الحكيم الترمذي ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { وكذلك ~~جعلنكم أمة وسطا } الآية، وفي الباب أحاديث منها عن جابر ~~مرفوعا عند ابن المنذر، والحاكم وصححه، ومنها عن عمر مرفوعا عند ابن ~~أبي شيبة وأحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، ومنها عن أبي زهير الثقفي ~~مرفوعا عند أحمد وابن ماجه والطبراني، والدارقطني في الإفراد، والحاكم ~~في المستدرك، والبيهقي في السنن، ومنها عن أبي هريرة مرفوعا عند ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، ومنها عن سلمة بن الأكوع مرفوعا عند ابن أبي شيبة، ~~وابن جرير، والطبراني. p>>وأخرج ابن جرير عن عطاء في قوله تعالى { وما ~~جعلنا القبلة التى كنت عليها } قال يعني بيت المقدس { ~~إلا لنعلم } قال نبتليهم لنعلم من يسلم لأمره. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { إلا ~~لنعلم } قال لنميز أهل اليقين من أهل الشك { وإن كانت ~~لكبيرة } يعني تحويلها على أهل الشرك، والريب. وأخرج ابن جرير عن ~~ابن جريج قال بلغني أن ناسا ممن أسلم رجعوا، فقالوا مرة ها هنا، ومرة ها ~~هنا. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~حبان، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن عباس، قال لما وجه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى القبلة، قالوا يا رسول الله، فكيف بالذين ماتوا، وهم ~~يصلون إلى بيت المقدس، فأنزل الله { وما كان الله ليضيع ~~إيمنكم }. وقد تقدم حديث ms0232 البراء. وفي الباب أحاديث كثيرة، وآثار ~~عن السلف. ### || [2.144-147] # قوله { قد نرى تقلب وجهك } قال القرطبي في تفسيره قال ~~العلماء هذه الآية مقدمة في النزول على قوله { سيقول السفهاء } ~~، ومعنى { قد } تكثير الرؤية، كما قاله صاحب الكشاف، ومعنى { تقلب ~~وجهك } تحول وجهك إلى السماء، قاله قطرب. وقال الزجاج تقلب عينيك في ~~النظر إلى السماء، والمعنى متقارب. وقوله { فلنولينك } هو إما ~~من الولاية، أي فلنعطينك ذلك، أو من التولي، أي فلنجعلنك متوليا إلى ~~جهتها، وهذا أولى لقوله { فول وجهك شطر المسجد الحرام ~~}. والمراد بالشطر هنا الناحية والجهة، وهو منتصب على الظرفية ومنه قول ~~الشاعر # أقول لأم زنباع أقيمي صدور العيس شطر بني تميم # p>>ومنه أيضا قول الآخر # ألا من مبلغ عمرا رسولا وما تغني الرسالة شطر عمرو # وقد يراد بالشطر النصف، ومنه «الوضوء شطر الإيمان»، ومنه قول عنترة # إني امرؤ من خير عبس منصبا شطري وأحمي سائري ~~بالمنصل # p>>قال ذلك لأن أباه من سادات عبس، وأمه أمة، ويرد معنى البعض مطلقا. ~~ولا خلاف أن المراد بشطر المسجد هنا الكعبة، وقد حكى القرطبي الإجماع على ~~أن استقبال عين الكعبة فرض على المعاين، وعلى أن غير المعاين يستقبل ~~الناحية، ويستدل على ذلك بما يمكنه الاستدلال به، والضمير في قوله { ~~أنه الحق } راجع إلى ما يدل عليه الكلام من التحويل إلى جهة ~~الكعبة، وعلم أهل الكتاب بذلك إما لكونه قد بلغهم عن أنبيائهم، أو وجدوا ~~في كتب الله المنزلة عليهم أن هذا النبي يستقبل الكعبة، أو لكونهم قد ~~علموا من أنبيائهم، أو كتبهم أن النسخ سيكون في هذه الشريعة، فيكون ذلك ~~موجبا عليهم الدخول في الإسلام، ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم. قوله ~~{ وما الله بغفل عما يعملون } قد تقدم معناه. وقرأ ~~ابن عامر، وحمزة، والكسائي " تعملون " بالمثناة الفوقية على مخاطبة أهل ~~الكتاب، أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقرأ الباقون بالياء التحتية. ~~وقوله { ولئن أتيت } هذه اللام هي موطئة للقسم، والتقدير والله ~~لئن أتيت. وقوله { ما تبعوا } جواب القسم المقدر. قال الأخفش ms0233 ~~والفراء أجيب " لئن " بجواب و " لو " لأن المعنى ولو أتيت، ومثله قوله ~~تعالى # ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا # الروم 51 أي ولو أرسلنا. وإنما قالا هكذا لأن " لئن " هي ضد " لو " ، ~~وذلك أن " لو " تطلب في جوابها المضي، والوقوع، و " لئن " تطلب في ~~جوابها الاستقبال. وقال سيبويه إن معنى " لئن " يخالف معنى لو، فلا تدخل ~~إحداهما على الأخرى، فالمعنى ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية لا ~~يتبعون قبلتك. # قال سيبويه ومعنى { ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا ~~} ليظللن. انتهى. وفي هذه الآية مبالغة عظيمة، وهي متضمنة للتسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وترويح خاطره، لأن هؤلاء لا تؤثر فيهم كل آية، ~~ولا يرجعون إلى الحق، وإن جاءهم بكل برهان فضلا عن برهان واحد، وذلك ~~أنهم لم يتركوا اتباع الحق لدليل عندهم، أو لشبهة طرأت عليهم، حتى ~~يوازنوا بين ما عندهم، وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقلعوا عن ~~غوايتهم عند وضوح الحق، بل كان تركهم للحق تمردا، وعنادا مع علمهم ~~بأنهم ليسوا على شيء، ومن كان هكذا، فهو لا ينتفع بالبرهان أبدا. وقوله ~~{ وما أنت بتابع قبلتهم } هذا الإخبار ممكن أن يكون بمعنى ~~النهي من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم أي لا تتبع يا محمد ~~قبلتهم، ويمكن أن يكون على ظاهره، دفعا لأطماع أهل الكتاب، وقطعا لما ~~يرجونه من رجوعه صلى الله عليه وسلم إلى القبلة التي كان عليها. وقوله { ~~وما بعضهم بتابع قبلة بعض } فيه إخبار بأن اليهود، ~~والنصارى مع حرصهم على مبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم لما عندهم ~~مختلفون في دينهم، حتى في هذا الحكم الخاص الذي قصه الله سبحانه على ~~رسوله، فإن بعضهم لا يتابع الآخر في استقبال قبلته. قال في الكشاف " وذلك ~~أن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى تستقبل مطلع الشمس ". انتهى. ~~وقوله { ولئن اتبعت أهواءهم } إلى آخر الآية، فيه من ~~التهديد العظيم، والزجر البليغ ما تقشعر له الجلود، وترجف منه الأفئدة، ~~وإذا كان الميل إلى أهوية المخالفين لهذه ms0234 الشريعة الغراء، والملة الشريفة ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو سيد ولد آدم يوجب عليه أن يكون ~~- وحاشاه - من الظالمين، فما ظنك بغيره من أمته، وقد صان الله هذه الفرقة ~~الإسلامية بعد ثبوت قدم الإسلام، وارتفاع مناره عن أن يميلوا إلى شيء من ~~هوى أهل الكتاب، ولم تبق إلا دسيسة شيطانية، ووسيلة طاغوتية، وهي ميل بعض ~~من تحمل حجج الله إلى هوى بعض طوائف المبتدعة، لما يرجوه من الحطام ~~العاجل من أيديهم، أو الجاه لديهم إن كان لهم في الناس دولة، أو كانوا من ~~ذوي الصولة، وهذا الميل ليس بدون ذلك الميل، بل اتباع أهوية المبتدعة ~~تشبه اتباع أهوية أهل الكتاب، كما يشبه الماء الماء، والبيضة البيضة، ~~والتمرة التمرة وقد تكون مفسدة اتباع أهوية المبتدعة أشد على هذه الملة ~~من مفسدة اتباع أهوية أهل الملل، فإن المبتدعة ينتمون إلى الإسلام، ~~ويظهرون للناس أنهم ينصرون الدين، ويتبعون أحسنه، وهم على العكس من ذلك، ~~والضد لما هنالك، فلا يزالون ينقلون من يميل إلى أهويتهم من بدعة إلى ~~بدعة، ويدفعونه من شنعة إلى شنعة، حتى يسلخوه من الدين، ويخرجوه منه، وهو ~~يظن أنه منه في الصميم، وأن الصراط الذي هو عليه هو الصراط المستقيم، ~~هذا إن كان في عداد المقصرين، ومن جملة الجاهلين، وإن كان من أهل العلم ~~والفهم المميزين بين الحق، والباطل كان في اتباعه لأهويتهم ممن أضله الله ~~على علم، وختم على قلبه، وصار نقمة على عباد الله، ومصيبة صبها الله على ~~المقصرين لأنهم يعتقدون أنه في علمه وفهمه لا يميل إلا إلى حق، ولا يتبع ~~إلا الصواب، فيضلون بضلاله، فيكون عليه إثمه، وإثم من اقتدى به إلى يوم ~~القيامة. # نسأل الله اللطف، والسلامة، والهداية وقوله { الذين آتينهم ~~الكتب يعرفونه } قيل الضمير لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي ~~يعرفون نبوته. روي ذلك عن مجاهد وقتادة وطائفة من أهل العلم. وقيل ~~يعرفون تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة، بالطريق التي قدمنا ~~ذكرها، وبه قال جماعة من المفسرين، ورجح ms0235 صاحب الكشاف الأول. وعندي أن ~~الراجح الآخر كما يدل عليه السياق الذي سيقت له هذه الآيات. وقوله { ~~ليكتمون الحق } هو عند أهل القول الأول نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وعند أهل القول الثاني استقبال القبلة. وقوله { الحق من ~~ربك } يحتمل أن يكون المراد به الحق الأول، ويحتمل أن يراد به جنس ~~الحق على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ وخبره قوله { من ربك } أي الحق هو ~~الذي من ربك لا من غيره. وقرأ علي بن أبي طالب { الحق } بالنصب على أنه ~~بدل من الأول، أو منصوب على الإغراء، أي الزم الحق. وقوله { فلا ~~تكونن من الممترين } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~والامتراء الشك، نهاه الله سبحانه عن الشك في كونه الحق من ربه، أو في ~~كون كتمانهم الحق مع علمهم، وعلى الأول هو تعريض للأمة، أي لا يكن أحد من ~~أمته من الممترين، لأنه صلى الله عليه وسلم لا يشك في كون ذلك هو الحق من ~~الله سبحانه. وقد أخرج ابن ماجه عن البراء قال صلينا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرا، وصرفت القبلة إلى ~~الكعبة بعد دخوله إلى المدينة بشهرين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا صلى إلى بيت المقدس أكثر تقليب وجهه في السماء، وعلم الله من قلب ~~نبيه أنه يهوى الكعبة، فصعد جبريل، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتبعه بصره، وهو يصعد بين السماء، والأرض ينظر ما يأتيه به، فأنزل الله { ~~قد نرى تقلب وجهك في السماء } الآية، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " يا جبريل كيف حلنا في صلاتنا إلى بيت المقدس؟ " # فأنزل الله { وما كان الله ليضيع إيمنكم }. وأخرجه ~~الطبراني من حديث معاذ مختصرا لكنه قال سبعة عشر شهرا. وأخرج عبد ~~الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني في الكبير، والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو في قوله تعالى { ~~فلنولينك قبلة ترضاها } قال قبلة إبراهيم ms0236 نحو الميزاب. ~~وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ~~البراء في قوله { فول وجهك شطر المسجد الحرام } قال ~~قبله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن علي مثله. وأخرج أبو داود في ناسخه، ~~وابن جرير، والبيهقي عن ابن عباس قال { شطره } نحوه. وأخرج البيهقي، ~~عن مجاهد مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن أبي ~~العالية قال { شطر المسجد الحرام } تلقاءه، وأخرج ابن جرير، ~~عن ابن عباس قال # " البيت كله قبلة، وقبلة البيت الباب. وأخرج البيهقي في سننه عنه، ~~مرفوعا قال البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم ~~قبلة لأهل الأرض في مشارقها، ومغاربها من أمتي، " # وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { وإن الذين أوتوا ~~الكتب } قال أنزل ذلك في اليهود. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس ~~في قوله { ليعلمون أنه الحق } قال يعني بذلك القبلة. وأخرج ~~أبو داود في ناسخه، وابن جرير عن أبي العالية نحوه. وأخرج ابن جرير عن ~~السدي في قوله { وما بعضهم بتابع قبلة بعض } يقول ما ~~اليهود بتابعي قبلة النصارى، ولا النصارى بتابعي قبلة اليهود. وأخرج عبد ~~الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ~~الذين ءاتينهم الكتب } قال اليهود والنصارى { ~~يعرفونه } أي قال يعرفون رسول الله في كتابهم { كما يعرفون ~~أبناءهم }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عنه في قوله { ~~يعرفونه } أي يعرفون أن البيت الحرام هو القبلة. وأخرج ابن جرير عن ~~الربيع مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله { وإن ~~فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون } قال ~~يكتمون محمدا، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة، والإنجيل. وأخرج ~~أبو داود، في ناسخه، وابن جرير، عن أبي العالية قال قال الله لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم { الحق من ربك فلا تكونن من ~~الممترين } يقول لا تكونن في شك يا محمد أن الكعبة ms0237 هي قبلتك، ~~وكانت قبلة الأنبياء من قبلك. ### || [2.148-152] # قوله { ولكل } بحذف المضاف إليه لدلالة التنوين عليه أي لكل أهل دين ~~وجهة، والوجهة فعلة من المواجهة، وفي معناها الجهة، والوجه، والمراد ~~القبلة أي أنهم لا يتبعون قبلتك، وأنت لا تتبع قبلتهم { ولكل ~~وجهة } إما بحق، وإما بباطل، والضمير في قوله { هو موليها } ~~راجع إلى لفظ كل. والهاء في قوله { موليها } هي المفعول الأول، ~~والمفعول الثاني محذوف أي موليها وجهه. والمعنى أن لكل صاحب ملة قبلة ~~صاحب القبلة موليها وجهه، أو لكل منكم يا أمة محمد قبلة يصلي إليها من ~~شرق، أو غرب، أو جنوب، أو شمال إذا كان الخطاب للمسلمين، ويحتمل أن يكون ~~الضمير لله سبحانه، وإن لم يجر له ذكر، إذ هو معلوم أن الله فاعل ذلك، ~~والمعنى أن لكل صاحب ملة قبلة الله موليها إياه. وحكى الطبري أن قوما ~~قرءوا «ولكل وجهة» بالإضافة، ونسب هذه القراءة أبو عمرو الداني إلى ابن ~~عباس. قال في الكشاف والمعنى وكل وجهة الله موليها، فزيدت اللام لتقدم ~~المفعول كقولك لزيد ضربت، ولزيد أبوه ضاربه. انتهى. وقرأ ابن عباس، وابن ~~عامر «مولاها» على ما لم يسم فاعله. قال الزجاج والضمير على هذه القراءة ~~لواحد أي ولكل واحد من الناس قبلة الواحد مولاها أي مصروف إليها. وقوله { ~~فاستبقوا الخيرات } أي إلى الخيرات على الحذف، والإيصال أي ~~بادروا إلى ما أمركم الله من استقبال البيت الحرام كما يفيده السياق، وإن ~~كان ظاهره الأمر بالاستباق إلى كل ما يصدق عليه أنه خير كما يفيده العموم ~~المستفاد من تعريف الخيرات، والمراد من الاستباق إلى الاستقبال الاستباق ~~إلى الصلاة في أول وقتها. ومعنى قوله { أينما تكونوا * يأت ~~بكم الله } أي في أي جهة من الجهات المختلفة تكونوا يأت بكم الله ~~للجزاء يوم القيامة، أو يجمعكم جميعا، ويجعل صلاتكم في الجهات المختلفة ~~كأنها إلى جهة واحدة، وقوله { ومن حيث خرجت } كرر سبحانه هذا ~~لتأكيد الأمر باستقبال الكعبة، وللاهتمام به، لأن موقع التحويل كان معتنى ~~به في نفوسهم، وقيل وجه التكرير ms0238 أن النسخ من مظان الفتنة، ومواطن ~~الشبهة، فإذا سمعوه مرة بعد أخرى ثبتوا، واندفع ما يختلج في صدورهم، ~~وقيل إنه كرر هذا الحكم لتعدد علله، فإنه سبحانه ذكر للتحويل ثلاث علل ~~الأول ابتغاء مرضاته، والثانية جرى العادة الإلهية أن يولى كل أهل ملة، ~~وصاحب دعوة جهة يستقل بها، والثالثة دفع حجج المخالفين، فقرن بكل علة ~~معلولها، وقيل أراد بالأول ول وجهك شطر الكعبة إذا صليت تلقاءها، ثم قال ~~وحيثما كنتم معاشر المسلمين في سائر المساجد بالمدينة، وغيرها، فولوا ~~وجوهكم شطره، ثم قال { ومن حيث خرجت } يعني وجوب الاستقبال في ~~الأسفار، فكان هذا أمر بالتوجه إلى الكعبة في جميع المواطن من نواحي ~~الأرض. # وقوله { لئلا يكون للناس عليكم حجة } قيل معناه ~~لئلا يكون لليهود عليكم حجة إلا للمعاندين منهم القائلين ما ترك قبلتنا ~~إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه فعلى هذا المراد بالذين ظلموا ~~المعاندون من أهل الكتاب، وقيل هم مشركو العرب، وحجتهم قولهم راجعت ~~قبلتنا، وقيل معناه لئلا يكون للناس عليكم حجة لئلا يقولوا لكم قد أمرتم ~~باستقبال الكعبة، ولستم ترونها. وقال أبو عبيدة إن إلا ها هنا بمعنى ~~الواو أي والذين ظلموا، فهو استثناء بمعنى الواو، ومنه قول الشاعر # ما بالمدينة دار غير واحدة دار الخليفة إلا دار مروانا # كأنه قال إلا دار الخليفة ودار مروان، وأبطل الزجاج هذا القول، وقال إنه ~~استثناء منقطع أي لكن الذين ظلموا منهم، فإنهم يحتجون، ومعناه إلا من ظلم ~~باحتجاجه، فيما قد وضح له كما تقول مالك علي حجة إلا أن تظلمني أي مالك ~~علي حجة البتة، ولكنك تظلمني، وسمي ظلمه حجة لأن المحتج بها سماه حجة، ~~وإن كانت داحضة. وقال قطرب يجوز أن يكون المعنى لئلا يكون للناس عليكم ~~حجة إلا على الذين ظلموا، فالذين بدل من الكاف، والميم في عليكم. ورجح ~~ابن جرير الطبري أن الاستثناء متصل، وقال نفى الله أن يكون لأحد حجة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه في استقبالهم الكعبة، والمعنى لا حجة ~~لأحد عليكم إلا ms0239 الحجة الداحضة حيث قالوا ما ولاهم، وقالوا إن محمدا تحير ~~في دينه، وما توجه إلى قبلتنا إلا أنا أهدى منه. وغير ذلك من الأقوال ~~التي لم تنبعث إلا من عابد وثن، أو من يهودي، أو منافق. قال والحجة ~~بمعنى المحاجة التي هي المخاصمة، والمجادلة، وسماها تعالى حجة، وحكم ~~بفسادها حيث كانت من ظالم. ورجح ابن عطية أن الاستثناء منقطع، كما قال ~~الزجاج. قال القرطبي وهذا على أن يكون المراد بالناس اليهود، ثم استثنى ~~كفار العرب كأنه قال لكن الذين ظلموا في قولهم رجع محمد إلى قبلتنا، ~~وسيرجع إلى ديننا كله. وقوله { فلا تخشوهم } يريد الناس أي لا ~~تخافوا مطاعنهم، فإنها داحضة باطلة لا تضركم. وقوله { ولاتم ~~نعمتى عليكم } معطوف على { لئلا يكون } أي ولأن أتم ~~قاله الأخفش، وقيل هو مقطوع عما قبله في موضع رفع بالابتداء، والخبر ~~مضمر، والتقدير ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتي قاله الزجاج، وقيل ~~معطوف على علة مقدرة كأنه قيل واخشوني لأوفقكم، ولأتم نعمتي عليكم. ~~وإتمام النعمة الهداية إلى القبلة، وقيل دخول الجنة. وقوله { كما ~~أرسلنا } الكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف. والمعنى ولأتم ~~نعمتي عليكم إتماما مثل ما أرسلنا قاله الفراء، ورجحه ابن عطية. # وقيل الكاف في موضع نصب على الحال، والمعنى ولأتم نعمتي عليكم في هذه ~~الحال، والتشبيه واقع على أن النعمة في القبلة كالنعمة في الرسالة. وقيل ~~معنى الكلام على التقديم والتأخير أي فاذكروني كما أرسلنا قاله الزجاج. ~~وقوله { فاذكرونى أذكركم } أمر وجوابه، وفيه معنى المجازاة. ~~قال سعيد بن جبير ومعنى الآية اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب، والمغفرة ~~حكاه عنه القرطبي في تفسيره، وأخرجه عنه عبد بن حميد، وابن جرير، وقد روى ~~نحوه مرفوعا كما سيأتي. وقوله { واشكروا لي } قال الفراء شكر لك ~~وشكرت لك. والشكر معرفة الإحسان، والتحدث به، وأصله في اللغة الطهور. ~~وقد تقدم الكلام فيه. وقوله { ولا تكفرون } نهى، ولذلك حذفت نون ~~الجماعة، وهذه الموجودة في الفعل هي نون المتكلم، وحذفت الياء لأنها رأس ~~آية، وإثباتها حسن في غير القرآن. ms0240 والكفر هنا ستر النعمة لا التكذيب، وقد ~~تقدم الكلام فيه. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~{ ولكل وجهة هو موليها } قال يعني بذلك أهل الأديان، يقول ~~لكل قبلة يرضونها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال في تفسير هذه الآية ~~صلوا نحو بيت المقدس مرة، ونحو الكعبة مرة أخرى. وأخرج أبو داود في ~~ناسخه، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله { فاستبقوا ~~الخيرات } يقول لا تغلبن على قبلتكم. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في ~~قوله { فاستبقوا الخيرات } قال الأعمال الصالحة. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن أبي العالية في قوله { فاستبقوا الخيرات } يقول ~~فسارعوا في الخيرات { أينما تكونوا * يأت بكم الله ~~جميعا } قال يوم القيامة. وأخرج ابن جرير، من طريق السدي، عن ابن ~~عباس، وابن مسعود، وناس من الصحابة قال لما صرف النبي صلى الله عليه وسلم ~~نحو الكعبة بعد صلاته إلى بيت المقدس قال المشركون من أهل مكة تحير على ~~محمد دينه، فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم أهدى منه سبيلا، ويوشك أن ~~يدخل في دينكم، فأنزل الله { لئلا يكون للناس عليكم ~~حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم ~~واخشونى } وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله { ~~لئلا يكون للناس عليكم حجة } قال يعني بذلك أهل ~~الكتاب حين صرف نبي الله إلى الكعبة قالوا اشتاق الرجل إلى بيت أبيه، ~~ودين قومه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد قال حجتهم قولهم قد ~~أحب قبلتنا، وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة، ~~ومجاهد في قوله { إلا الذين ظلموا منهم } قال الذين ظلموا ~~منهم مشركو قريش أنهم سيحتجون بذلك عليكم، واحتجوا على نبي الله ~~بانصرافه إلى البيت الحرام، وقالوا سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، ~~فأنزل الله في ذلك كله # تكفرون يأيها الذين ءامنوا استعينوا بالصبر ~~والصلوة إن الله مع الصبرين # البقرة 153. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله { كما ~~أرسلنا فيكم ms0241 رسولا منكم } يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله { ~~كما أرسلنا فيكم رسولا منكم } يقول كما فعلت فاذكروني. ~~وأخرج أبو الشيخ، والديلمي من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " فاذكرونى أذكركم } يقول اذكروني يا معشر العباد بطاعتي ~~أذكركم بمغفرتي ". # وأخرج الديلمي، وابن عساكر مثله مرفوعا من حديث أبي هند الداري وزاد # " فمن ذكرني، وهو مطيع، فحق علي أن أذكره بمغفرتي، ومن ذكرني، وهو لي ~~عاص، فحق علي أن أذكره بمقت ". # وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس يقول الله ذكرى لكم خير من ذكركم لي. ~~وقد ورد في فضل ذكر الله على الإطلاق، وفضل الشكر أحاديث كثيرة. ### || [2.153-157] # لما فرغ سبحانه من إرشاد عباده إلى ذكره، وشكره، عقب ذلك بإرشادهم إلى ~~الاستعانة بالصبر، والصلاة، فإن من جمع بين ذكر الله، وشكره، واستعان ~~بالصبر، والصلاة على تأدية ما أمر الله به، ودفع ما يرد عليه من المحن، ~~فقد هدى إلى الصواب، ووفق إلى الخير، وإن هذه المعية التي أوضحها ~~الله بقوله { إن الله مع الصبرين } فيها أعظم ترغيب ~~لعباده سبحانه إلى لزوم الصبر على ما ينوب من الخطوب، فمن كان الله معه ~~لم يخش من الأهوال، وإن كانت كالجبال. وأموات، وأحياء مرتفعان على أنهما ~~خبران لمحذوفين، أي لا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله هم أموات، بل هم ~~أحياء، ولكن لا تشعرون بهذه الحياة عند مشاهدتكم لأبدانهم، بعد سلب ~~أرواحهم لأنكم تحكمون عليها بالموت في ظاهر الأمر بحسب ما يبلغ إليه ~~علمكم الذي هو بالنسبة إلى علم الله كما يأخذ الطائر في منقاره من ماء ~~البحر، وليسوا كذلك في الواقع، بل هم أحياء في البرزخ. وفي الآية دليل ~~على ثبوت عذاب القبر، ولا اعتداد بخلاف من خالف في ذلك، فقد تواترت به ~~الأحاديث الصحيحة، ودلت عليه الآيات القرآنية، ومثل هذه الآية قوله تعالى # ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أموتا ms0242 ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون # آل عمران 169. والبلاء أصله المحنة، ومعنى نبلوكم نمتحنكم لنختبركم، هل ~~تصبرون على القضاء أم لا؟ وتنكير شيء للتقليل، أي بشيء قليل من هذه ~~الأمور. وقرأ الضحاك " بأشياء ". والمراد بالخوف ما يحصل لمن يخشى من ~~نزول ضرر به من عدو أو غيره، وبالجوع المجاعة التي تحصل عند الجدب، ~~والقحط، وبنقص الأموال ما يحصل فيها بسبب الجوائج، وما أوجبه الله فيها ~~من الزكاة، ونحوها. وبنقص الأنفس الموت والقتل في الجهاد، وبنقص الثمرات ~~ما يصيبها من الآفات، وهو من عطف الخاص على العام، لشمول الأموال للثمرات ~~وغيرها، وقيل المراد بنقص الثمرات موت الأولاد. وقوله { وبشر ~~الصبرين } أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يقدر على ~~التبشير. وقد تقدم معنى البشارة. والصبر أصله الحبس، ووصفهم بأنهم ~~المسترجعون عند المصيبة لأن ذلك تسليم ورضا. والمصيبة واحدة المصائب، وهي ~~النكبة التي يتأذى بها الإنسان، وإن صغرت. وقوله { إنا لله ~~وإنا إليه رجعون } فيه بيان أن هذه الكلمات ملجأ للمصابين، ~~وعصمة للممتحنين، فإنها جامعة بين الإقرار بالعبودية لله، والاعتراف ~~بالبعث، والنشور. ومعنى الصلوات هنا المغفرة، والثناء الحسن. قاله ~~الزجاج. وعلى هذا، فذكر الرحمة القصد التأكيد. وقال في الكشاف " الصلاة ~~الرحمة، والتعطف، فوضعت موضع الرأفة، وجمع بينها، وبين الرحمة كقوله # رأفة ورحمة # الحديد 27 # رءوف رحيم # التوبة 117، 128، النور 20، الحشر 20 والمعنى عليهم رأفة بعد رأفة، ~~ورحمة بعد رحمة ". انتهى. وقيل المراد بالرحمة كشف الكربة، وقضاء الحاجة. ~~و { المهتدون } قد تقدم معناه. وإنما وصفوا هنا بذلك لكونهم فعلوا ~~ما فيه الوصول إلى طريق الصواب من الاسترجاع، والتسليم. وأخرج الحاكم، ~~والبيهقي في الدلائل، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال غشي على عبد ~~الرحمن بن عوف في وجعه غشية ظنوا أنه قد فاضت نفسه فيها، حتى قاموا من ~~عنده، وجللوه ثوبا، وخرجت أم كلثوم بنت عقبة امرأته إلى المسجد تستعين ~~بما أمرت به من الصبر، والصلاة، فلبثوا ساعة، وهو في غشيته، ثم أفاق. ~~وأخرج ابن منده في المعرفة، عن ابن عباس ms0243 قال قتل عمير بن الحمام ببدر، ~~وفيه وفي غيره نزلت { ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل ~~الله أموات } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال { ~~فى سبيل الله } في طاعة الله في قتال المشركين. وقد وردت أحاديث ~~أن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر تأكل من ثمار الجنة. فمنها عن كعب بن ~~مالك مرفوعا عند أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه. وروي أن ~~أرواح الشهداء تكون على صور طيور بيض، كما أخرجه عبد الرزاق، عن قتادة ~~قال بلغنا، فذكر ذلك. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير عنه أيضا بنحوه، ~~وروى أنها على صور طيور خضر، كما أخرجه ابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب ~~الإيمان عن أبي العالية. وأخرجه ابن أبي شيبة في البعث، والنشور عن كعب. ~~وأخرجه هناد بن السري عن هذيل. وأخرجه عنه عبد الرزاق في المصنف عن ~~عبد الله بن كعب بن مالك مرفوعا، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن عطاء ~~في قوله { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع } قال ~~هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم، والطبراني، والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله { ~~ولنبلونكم } الآية، قال أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دار بلاء، ~~وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر، وبشرهم فقال { وبشر ~~الصبرين } وأخبر أن المؤمن إذا سلم لأمر الله ورجع واسترجع عند ~~المصيبة كتب الله له ثلاث خصال من الخير الصلاة من الله، والرحمة، وتخفيف ~~سبيل الهدى. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفا ~~صالحا يرضاه " # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن رجاء بن ~~حيوة في قوله { ونقص من الثمرات } قال يأتي على الناس زمان لا ~~تحمل النخلة فيه إلا تمرة. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس قال ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم # " أعطيت أمتي شيئا لم يعطه أحد من الأمم، أن يقولوا ms0244 عند المصيبة { إنا ~~لله، وإنا إليه راجعون } " # وقد ورد في فضل الاسترجاع عند المصيبة أحاديث كثيرة. ### || [2.158] # { الصفا } في اللغة الحجر الأملس، وهو هنا علم لجبل من جبال مكة معروف، ~~وكذلك { المروة } علم لجبل بمكة معروف، وأصلها في اللغة واحدة المروى، ~~وهي الحجارة الصغار التي فيها لين. وقيل التي فيها صلابة، وقيل تعم ~~الجميع. قال أبو ذؤيب # حتى كأني للحوادث مروة بصفا المشقر كل يوم ~~تقرع # وقيل إنها الحجارة البيض البراقة. وقيل إنها الحجارة السود. والشعائر ~~جمع شعيرة، وهي العلامة، أي من أعلام مناسكه، والمراد بها مواضع العبادة ~~التي أشعرها الله إعلاما للناس من الموقف، والسعي، والمنحر، ومنه إشعار ~~الهدى، أي إعلامه بغرز حديدة في سنامه، ومنه قول الكميت # نقتلهم جيلا فجيلا تراهم شعائر قربان بهم ~~يتقرب # وحج البيت في اللغة قصده، ومنه قول الشاعر # وأشهد من عوف حلولا كثيرة يحجون سب الزبرقان ~~المزعفرا # والسب العمامة وفي الشرع الإتيان بمناسك الحج التي شرعها الله سبحانه. ~~والعمرة في اللغة الزيارة. وفي الشرع الإتيان بالنسك المعروف على الصفة ~~الثابتة، والجناح أصله من الجنوح، وهو الميل، ومنه الجوانح لاعوجاجها. ~~وقوله { يطوف } أصله يتطوف، فأدغم. وقرىء «أن يطوف»، ورفع الجناح ~~يدل على عدم الوجوب، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري. وحكى الزمخشري ~~في الكشاف عن أبي حنيفة، أنه يقول إنه واجب، وليس بركن، وعلى تاركه دم. ~~وقد ذهب إلى عدم الوجوب ابن عباس، وابن الزبير وأنس بن مالك، وابن سيرين، ~~ومما يقوي دلالة هذه الآية على عدم الوجوب قوله تعالى في آخر الآية { ~~ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم } وذهب الجمهور ~~إلى أن السعي واجب، ونسك من جملة المناسك، واستدلوا بما أخرجه الشيخان ~~وغيرهما عن عائشة أن عروة قال لها أرأيت قول الله { إن الصفا ~~والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو ~~اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } فما أرى على ~~أحد جناحا أن لا يطوف بهما؟ فقالت عائشة بئس ما قلت يا ابن أختي، إنها ~~لو كانت على ما أولتها ms0245 كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها ~~إنما أنزلت أن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية، التي ~~كانوا يعبدونها، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا، والمروة في ~~الجاهلية. فأنزل الله { إن الصفا والمروة من شعائر ~~الله } الآية، قالت عائشة ثم قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الطواف بهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما. وأخرج مسلم، وغيره عنها أنها ~~قالت لعمري ما أتم الله حج من لم يسع بين الصفا والمروة، ولا عمرته لأن ~~الله قال { إن الصفا والمروة من شعائر الله }. وأخرج ~~الطبراني، عن ابن عباس قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال # " إن الله كتب عليكم السعي، فاسعوا " # وأخرج أحمد في مسنده، والشافعي، وابن سعد، وابن المنذر، وابن قانع، ~~والبيهقي عن حبيبة بنت أبي تجرأة قالت «رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يطوف بين الصفا، والمروة، والناس بين يديه، وهو وراءهم يسعى، حتى ~~أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره، وهو يقول # " اسعوا، فإن الله عز وجل كتب عليكم السعي " # وهو في مسند أحمد، من طريق شيخه عبد الله بن المؤمل عن عطاء بن أبي رباح ~~عن صفية بنت شيبة عنها، ورواه من طريق أخرى عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، ~~عن واصل مولى أبي عيينة عن موسى بن عبيدة، عن صفية بنت شيبة أن امرأة ~~أخبرتها، فذكرته. ويؤيد ذلك حديث # " خذوا عني مناسككم ". ### || [2.159-163] # قوله { إن الذين يكتمون } إلى آخر الآية فيه الإخبار بأن ~~الذي يكتم ذلك ملعون، واختلفوا من المراد بذلك؟ فقيل أحبار اليهود، ~~ورهبان النصارى، الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل كل من ~~كتم الحق، وترك بيان ما أوجب الله بيانه، وهو الراجح لأن الاعتبار بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول، فعلى فرض أن سبب النزول ما وقع ~~من اليهود، والنصارى من الكتم، فلا ينافي ذلك تناول هذه الآية كل من كتم ~~الحق. وفي هذه الآية من الوعيد ms0246 الشديد ما لا يقادر قدره، فإن من لعنه ~~الله، ولعنه كل من يتأتي منه اللعن من عباده، قد بلغ من الشقاوة، ~~والخسران إلى الغاية التي لا تلحق، ولا يدرك كنهها. وفي قوله { من ~~البينت والهدى } دليل على أنه يجوز كتم غير ذلك، كما قال ~~أبو هريرة «حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاءين أما أحدهما، ~~فبثثته، وأما الآخر، فلو بثثته قطع هذا البلعوم» أخرجه البخاري. والضمير ~~في قوله { من بعد ما بينه } راجع إلى ما أنزلنا. والكتاب ~~اسم جنس، وتعريفه يفيد شموله لجميع الكتب. وقيل المراد به التوراة. ~~واللعن الإبعاد والطرد. والمراد بقوله { اللعنون } الملائكة، ~~والمؤمنون قاله، الزجاج وغيره، ورجحه ابن عطية. وقيل كل من يتأتى منه ~~اللعن، فيدخل في ذلك الجن وقيل هم الحشرات والبهائم. وقوله { إلا ~~الذين تابوا } الخ، فيه استثناء التائبين، والمصلحين لما فسد من ~~أعمالهم، والمبينين للناس ما بينه الله في كتبه، وعلى ألسن رسله. قوله { ~~وماتوا وهم كفار } هذه الجملة حالية، وقد استدل بذلك على أنه ~~لا يجوز لعن كافر معين لأن حاله عند الوفاة لا يعلم، ولا ينافي ذلك ما ~~ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من لعنه لقوم من الكفار بأعيانهم لأنه يعلم ~~بالوحي ما لا نعلم، وقيل يجوز لعنه عملا بظاهر الحال كما يجوز قتاله. ~~قوله { أولئك عليهم لعنة الله } الخ، استدل به على جواز ~~لعن الكفار على العموم. قال القرطبي ولا خلاف في ذلك. قال وليس لعن ~~الكافر بطريق الزجر له عن الكفر بل هو جزاء على الكفر، وإظهار قبح كفره، ~~سواء كان الكافر عاقلا، أو مجنونا. وقال قوم من السلف لا فائدة في لعن ~~من جن، أو مات منهم لا بطريق الجزاء، ولا بطريق الزجر. قال ويدل على ~~هذا القول أن الآية دالة على الإخبار عن الله، والملائكة، والناس بلعنهم، ~~لا على الأمر به. قال ابن العربي إن لعن العاصي المعين لا يجوز باتفاق، ~~لما روى «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بشارب خمر مرارا، فقال بعض ms0247 ~~من حضر لعنه الله ما أكثر ما يشربه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم " # والحديث في الصحيحين. وقوله { والناس أجمعين } قيل هذا يوم ~~القيامة، وأما في الدنيا ففي الناس المسلم، والكافر، ومن يعلم بالعاصي، ~~ومعصيته ومن لا يعلم، فلا يتأتى اللعن له من جميع الناس. وقيل في الدنيا، ~~والمراد أنه يلعنه غالب الناس، أو كل من علم بمعصيته منهم. وقوله { ~~خلدين فيها } أي في النار. وقيل في اللعنة. والإنظار الإمهال، ~~وقيل معنى لا ينظرون لا ينظر الله إليهم، فهو من النظر. وقيل هو من ~~الانتظار، أي لا ينتظرون ليعتذروا، وقد تقدم تفسير { الرحمن ~~الرحيم }. وقوله { وإلهكم إله وحد } فيه الإرشاد إلى ~~التوحيد، وقطع علائق الشرك، والإشارة إلى أن أول ما يجب بيانه، ويحرم ~~كتمانه هو أمر التوحيد. وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم، عن ابن عباس قال سأل معاذ بن جبل أخو بني سلمة، وسعد بن معاذ ~~أخو بني الأشهل، وخارجة ابن زيد أخو بني الحارث بن الخزرج، نفرا من ~~أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة، فكتموهم إياه، وأبوا أن يخبروهم، ~~فأنزل الله فيهم { إن الذين يكتمون مآ أنزلنا } الآية. ~~وقد روي عن جماعة من السلف أن الآية نزلت في أهل الكتاب لكتمهم نبوة ~~نبينا صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن ماجه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~عن البراء بن عازب قال كنا في جنازة مع النبي صلى الله عليه وسلم. فقال # " إن الكافر يضرب ضربة بين عينيه، فتسمعه كل دابة غير الثقلين، فتلعنه ~~كل دابة سمعت صوته، فذلك قول الله تعالى { ويلعنهم اللعنون ~~} يعني دواب الأرض " # وأخرج عبد بن حميد، عن عطاء قال الجن، والإنس، وكل دابة. وأخرج عبد ~~الرزاق، وعبد بن حميد، عن مجاهد قال إذا أجدبت البهائم دعت على فجار بني ~~آدم. وأخرج عنه عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي ~~في شعب الإيمان قال في تفسير الآية إن دواب الأرض، والعقارب، ms0248 والخنافس ~~يقولون إنما منعنا القطر بذنوبهم، فيلعنونهم. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، عن عكرمة نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن أبي جعفر قال يلعنهم كل ~~شيء حتى الخنفساء. وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن كتم العلم، والوعيد ~~لفاعله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله { إلا ~~الذين تابوا وأصلحوا } قال أصلحوا ما بينهم، وبين الله. ~~وبينوا الذي جاءهم من الله، ولم يكتموه، ولم يجحدوه. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~عن سعيد بن جبير في قوله { أتوب عليهم } يعني أتجاوز عنهم. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال إن الكافر يوقف يوم ~~القيامة، فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة قال يعني بالناس أجمعين المؤمنين. ~~وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله { خلدين فيها } يقول ~~خالدين في جهنم في اللعنة. وقال في قوله { ولا هم ينظرون } يقول ~~لا ينظرون، فيعتذرون. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ولا ~~هم ينظرون } قال لا يؤخرون. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والدارمي، ~~وأبو داود، والترمذي وصححه، وابن ماجه، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # " اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين { وإلهكم إله وحد ~~لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } و { الم * الله ~~لا إله إلا هو الحى القيوم } " # آل عمران 1 2. وأخرج الديلمي، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال # " ليس شيء أشد على مردة الجن من هؤلاء الآيات التي في سورة البقرة { ~~وإلهكم إله وحد } " # الآيتين. ### || [2.164] # لما ذكر سبحانه التوحيد بقوله { وإلهكم إله وحد } عقب ~~ذلك بالدليل الدال عليه، وهو هذه الأمور التي هي من أعظم صنعة الصانع ~~الحكيم، مع علم كل عاقل بأنه لا يتهيأ من أحد من الآلهة التي أثبتها ~~الكفار أن يأتي بشيء منها، أو يقتدر عليه، أو على بعضه، وهي خلق السموات، ~~وخلق الأرض، وتعاقب الليل والنهار، ms0249 وجرى الفلك في البحر، وإنزال المطر من ~~السماء، وإحياء الأرض به، وبث الدواب منها بسببه، وتصريف الرياح، فإن ~~من أمعن نظره، وأعمل فكره في واحد منها انبهر له، وضاق ذهنه عن تصور ~~حقيقته. وتحتم عليه التصديق بأن صانعه هو الله سبحانه، وإنما جمع السموات ~~لأنها أجناس مختلفة، كل سماء من جنس غير جنس الأخرى، ووحد الأرض لأنها ~~كلها من جنس واحد، وهو التراب. والمراد باختلاف الليل، والنهار تعاقبهما ~~بإقبال أحدهما، وإدبار الآخر، وإضاءة أحدهما، وإظلام الآخر. والنهار ما ~~بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وقال النضر بن شميل أول النهار طلوع ~~الشمس، ولا يعد ما قبل ذلك من النهار. وكذا قال ثعلب، واستشهد بقول أمية ~~بن أبي الصلت # والشمس تطلع كل آخر ليلة حمراء يصبح لونها يتورد # وكذا قال الزجاج. وقسم ابن الأنباري الزمان إلى ثلاثة أقسام قسما جعله ~~ليلا محضا، وهو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. وقسما جعله نهارا ~~محضا، وهو من طلوع الشمس إلى غروبها. وقسما جعله مشتركا بين النهار ~~والليل، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لبقايا ظلمة الليل ومبادىء ~~ضوء النهار. هذا باعتبار مصطلح أهل اللغة. وأما في الشرع فالكلام في ذلك ~~معروف. والفلك السفن، وإفراده، وجمعه بلفظ واحد، وهو هذا، ويذكر، ويؤنث. ~~قال الله تعالى # فى الفلك المشحون # الشعراء 19 { والفلك التى تجرى فى البحر } وقال # حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم # يونس 22 وقيل واحده فلك بالتحريك، مثل أسد وأسد. وقوله { بما ~~ينفع الناس } يحتمل أن تكون " ما " موصولة، أي بالذي ينفعهم، أو ~~مصدرية، أي بنفعهم، والمراد بما أنزل من السماء المطر الذي به حياة ~~العالم، وإخراج النبات، والأرزاق. والبث النشر، والظاهر أن قوله { بث ~~} معطوف على قوله { فأحيا } لأنهما أمران متسببان عن إنزال المطر. ~~وقال في الكشاف إن الظاهر عطفه على أنزل. والمراد بتصريف الرياح إرسالها ~~عقيما، وملقحة، وصرا، ونصرا، وهلاكا، وحارة، وباردة، ولينة، وعاصفة، ~~وقيل تصريفها إرسالها جنوبا، وشمالا ودبورا، وصبا، ونكبا وهي التي ~~تأتي بين مهبي ريحين، ms0250 وقيل تصريفها أن تأتي السفن الكبار بقدر ما ~~تحملها، والصغار كذلك، ولا مانع من حمل التصريف على جميع ما ذكر. والسحاب ~~سمي سحابا لانسحابه في الهواء، وسحبت ذيلي سحبا، وتسحب فلان على فلان ~~اجترأ. # والمسخر المذلل، وسخره بعثه من مكان إلى آخر. وقيل تسخيره ثبوته بين ~~السماء والأرض من غير عمد، ولا علائق والأول أظهر. والآيات الدلالات على ~~وحدانيته سبحانه لمن ينظر ببصره، ويتفكر بعقله.وقد أخرج ابن أبي حاتم، ~~وابن مردويه، عن ابن عباس قال قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم ادع ~~الله أن يجعل لنا الصفا ذهبا نتقوى به على عدونا، فأوحى الله إليه " ~~إني معطيهم، فأجعل لهم الصفار ذهبا، ولكن إن كفروا بعد ذلك عذبتهم ~~عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين " ، فقال # " رب، دعني، وقومي، فأدعوهم يوما بيوم، " # فأنزل الله هذه الآية. وأخرج نحوه عبد بن حميد، وابن جرير، عن سعيد بن ~~جبير. وأخرج وكيع، والفريابي وآدم ابن أبي إياس، وسعيد بن منصور، وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في شعب ~~الإيمان عن أبي الضحى قال لما نزلت { وإلهكم إله وحد } ~~عجب المشركون، وقالوا إن محمدا يقول { وإلهكم إله وحد } ~~فليأتنا بآية إن كان من الصادقين، فأنزل الله { إن في خلق ~~السموات والأرض } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عطاء نحوه. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن سلمان ~~قال الليل موكل به ملك يقال له شراهيل، فإذا حان وقت الليل أخذ خرزة ~~سوداء، فدلاها من قبل المغرب، فإذا نظرت إليها الشمس وجبت في أسرع من ~~طرفة عين، وقد أمرت الشمس أن لا تغرب حتى ترى الخرزة، فإذا غربت جاء ~~الليل، فلا تزال الخرزة معلقة حتى يجىء ملك آخر يقال له هراهيل بخرزة ~~بيضاء، فيعلقها من قبل المطلع، فإذا رآها شراهيل مد إليه خرزته، وترى ~~الشمس الخرزة البيضاء، فتطلع، وقد أمرت أن لا تطلع حتى تراها، فإذا طلعت ~~جاء النهار. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي ms0251 مالك في قوله { والفلك } ~~قال السفينة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال { بث } خلق، وأخرج عبد ~~بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله { وتصريف ~~الرياح } قال إذا شاء جعلها رحمة لواقح للسحاب، وبشرا بين يدي رحمته، ~~وإذا شاء جعلها عذابا ريحا عقيما لا تلقح. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي ~~بن كعب قال كل شيء في القرآن من الرياح، فهي رحمة، وكل شيء في القرآن من ~~الريح، فهي عذاب. وقد ورد في النهي عن سب الريح، وأوصافها أحاديث كثيرة ~~لا تعلق لها بالآية. ### || [2.165-167] # لما فرغ سبحانه من الدليل على وحدانيته، أخبر أن مع هذا الدليل الظاهر ~~المفيد لعظيم سلطانه، وجليل قدرته، وتفرده بالخلق، قد وجد في الناس من ~~يتخذ معه سبحانه ندا يعبده من الأصنام. وقد تقدم تفسير الأنداد، مع أن ~~هؤلاء الكفار لم يقتصروا على مجرد عبادة الأنداد، بل أحبوها حبا عظيما، ~~وأفرطوا في ذلك إفراطا بالغا، حتى صار حبهم لهذه الأوثان، ونحوها ~~متمكنا في صدورهم كتمكن حب المؤمنين لله سبحانه، فالمصدر في قوله { ~~كحب الله } مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، وهو المؤمنون. ويجوز ~~أن يكون المراد كحبهم لله، أي عبدة الأوثان، قاله ابن كيسان، والزجاج، ~~ويجوز أن يكون هذا المصدر من المبني للمجهول أي كما يحب الله. والأولى ~~أولى لقوله { والذين ءامنوا أشد حبا لله } فإنه استدرك ~~لما يفيده التشبيه من التساوي، أي أن حب المؤمنين لله أشد من حب ~~الكفار للأنداد لأن المؤمنين يخصون الله سبحانه بالعبادة، والدعاء، ~~والكفار لا يخصون أصنامهم بذلك، بل يشركون الله معهم، ويعترفون بأنهم ~~إنما يعبدون أصنامهم ليقربوهم إلى الله، ويمكن أن يجعل هذا، أعني قوله { ~~والذين ءامنوا أشد حبا لله } دليلا على الثاني لأن ~~المؤمنين إذا كانوا أشد حبا لله لم يكن حب الكفار للأنداد كحب ~~المؤمنين لله وقيل المراد بالأنداد هنا الرؤساء، أي يطيعونهم في معاصي ~~الله، ويقوى هذا الضمير في قلوبهم { يحبونهم } فإنه لمن يعقل، ~~ويقويه أيضا قوله سبحانه عقب ذلك { إذ تبرأ ms0252 الذين ~~اتبعوا } الآية. قوله { ولو ترى الذين ظلموا } قراءة ~~أهل مكة، والكوفة، وأبو عمر وبالياء التحتية، وهو اختيار أبي عبيد. ~~وقراءة أهل المدينة، وأهل الشام بالفوقية، والمعنى على القراءة الأولى لو ~~يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أن القوة لله ~~جميعا، قاله أبو عبيد. قال النحاس وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير. ~~انتهى. وعلى هذا، فالرؤية هي البصرية لا القلبية. وروي عن محمد بن يزيد ~~المبرد أنه قال هذا التفسير الذي جاء به أبو عبيد بعيد، وليست عبارته ~~فيه بالجيدة لأنه يقدر ولو يرى الذين ظلموا العذاب، فكأنه يجعله مشكوكا ~~فيه. وقد أوجبه الله تعالى، ولكن التقدير، وهو الأحسن ولو يرى الذين ~~ظلموا أن القوة لله، ويرى بمعنى يعلم، أي لو يعلمون حقيقة قوة الله، ~~وشدة عذابه. قال وجواب لو محذوف أي لتبينوا ضرر اتخاذهم الآلهة، كما حذف ~~في قوله # ولو ترى إذ وقفوا على النار # الأنعام 27 # ولو ترى إذ وقفوا على ربهم # الأنام 30. ومن قرأ بالفوقية، فالتقدير ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في ~~حال رؤيتهم العذاب، وفزعهم منه لعلمت أن القوة لله جميعا. # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك، ولكن خوطب بهذا الخطاب، ~~والمراد به أمته، وقيل " أن " في موضع نصب مفعول لأجله أي لأن القوة ~~لله، كما قال الشاعر # وأغفر عوراء الكريم ادخاره وأعرض عن شتم اللئيم ~~تكرما # أي لادخاره، والمعنى ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب ~~لأن القوة لله لعلمت مبلغهم من النكال، ودخلت " إذ " وهي لما مضى في ~~إثبات هذه المستقبلات، تقريبا للأمر، وتصحيحا لوقوعه. وقرأ ابن عامر { ~~إذ يرون } بضم الياء، والباقون بفتحها. وقرأ الحسن، ويعقوب، وأبو ~~جعفر «إن القوة» و«إن الله» بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف، وعلى ~~تقدير القول. قوله { إذ تبرأ الذين اتبعوا } بدل من قوله ~~{ إذ يرون العذاب } ومعناه أن السادة، والرؤساء تبرءوا ممن ~~اتبعهم على الكفر. وقوله { ورأوا العذاب } في محل نصب على الحال ~~يعني التابعين، والمتبوعين، ms0253 قيل عند المعاينة في الدنيا، وقيل عند العرض، ~~والمساءلة في الآخرة، ويمكن أن يقال فيهما جميعا، إذ لا مانع من ذلك. ~~قوله { وتقطعت بهم الأسباب } هي جمع سبب، وأصله في اللغة ~~الحبل الذي يشد به الشيء، ويجذب به، ثم جعل كل ما جر شيئا سببا، ~~والمراد بها الوصل التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا من الرحم، وغيره، ~~وقيل هي الأعمال. والكرة الرجعة، والعودة إلى حال قد كانت، و " لو " هنا ~~في معنى التمني كأنه قيل ليت لنا كرة، ولهذا وقعت الفاء في الجواب. ~~والمعنى أن الأتباع قالوا لو رددنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحا، ونتبرأ ~~منهم كما تبرءوا منا. والكاف في قوله { كما تبرءوا منا } في ~~محل نصب على النعت لمصدر محذوف. وقيل في محل نصب على الحال، ولا أراه ~~صحيحا. وقوله { كذلك يريهم الله } في موضع رفع، أي الأمر ~~كذلك، أي كما أراهم الله العذاب يريهم أعمالهم، وهذه الرؤية إن كانت ~~البصرية فقوله { حسرت } منتصب على الحال، وإن كانت القلبية، فهو ~~المفعول الثالث، والمعنى أن أعمالهم الفاسدة يريهم الله إياها، فتكون ~~عليهم حسرات، أو يريهم الأعمال الصالحة التي أوجبها عليهم، فتركوها، ~~فيكون ذلك حسرة عليهم. وقوله { وما هم بخرجين من النار } ~~فيه دليل على خلود الكفار في النار، وظاهر هذا التركيب يفيد الاختصاص، ~~وجعله الزمخشري للتقوية لغرض له يرجع إلى المذهب، والبحث في هذا يطول. ~~وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله { ومن الناس ~~من يتخذ من دون الله أندادا } قال مباهاة، ومضاهاة للحق ~~بالأنداد { والذين ءامنوا أشد حبا لله } قال من الكفار ~~لآلهتهم. وأخرج ابن جرير، عن أبي زيد في هذه الآية قال هؤلاء المشركون ~~أندادهم آلهتهم التي عبدوا مع الله يحبونهم كما يحب الذين آمنوا الله { ~~والذين ءامنوا أشد حبا لله } من حبهم لآلهتهم. # وأخرج ابن جرير، عن السدي في الآية قال الأنداد من الرجال يطيعونهم كما ~~يطيعون الله إذا أمروهم أطاعوهم، وعصوا الله. وأخرج عبد بن حميد، عن ~~عكرمة نحو ما قال ms0254 ابن زيد. وأخرج ابن جرير، عن الربيع في قوله { ولو ~~ترى * الذين ظلموا } قال ولو ترى يا محمد الذين ظلموا أنفسهم، ~~فاتخذوا من دوني أندادا يحبونهم كحبكم إياي حين يعاينون عذابي يوم ~~القيامة الذي أعددت لهم، لعلمتم أن القوة كلها لي دون الأنداد، والآلهة ~~لا تغني عنهم هنالك شيئا، ولا تدفع عنهم عذابا أحللت بهم، وأيقنتهم أني ~~شديد عذابي لمن كفر بي، وادعى معي إلها غيري. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، عن قتادة في قوله { إذ تبرأ الذين اتبعوا } قال هم ~~الجبابرة، والقادة، والرءوس في الشرك. { من الذين اتبعوا } ~~قال هم الشياطين تبرءوا من الإنس. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله { ~~وتقطعت بهم الأسباب } قال المودة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عنه قال هي المنازل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عنه قال هي ~~الأرحام. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو نعيم في الحلية، عن مجاهد ~~قال هي الأوصال التي كانت بينهم في الدنيا، والمودة. وأخرج عبد بن حميد، ~~عن أبي صالح قال هي الأعمال. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن الربيع ~~قال هي المنازل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله { لو ~~أن لنا كرة } قال رجعة إلى الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي ~~العالية في قوله { حسرت } قال صارت أعمالهم الخبيثة حسرة عليهم يوم ~~القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { وما هم بخرجين ~~من النار } قال أولئك أهلها الذين هم أهلها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ~~ثابت بن معبد قال ما زال أهل النار يأملون الخروج منها حتى نزلت { وما ~~هم بخرجين من النار }. ### || [2.168-171] # قوله { أيها الناس } قيل إنها نزلت في ثقيف، وخزاعة، وبني مدلج ~~فيما حرموه على أنفسهم من الأنعام. حكاه القرطبي في تفسيره، ولكن ~~الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقوله { حللا } مفعول، أو ~~حال، وسمي الحلال حلالا لانحلال عقدة الحظر عنه. والطيب ms0255 هنا هو ~~المستلذ كما قاله الشافعي، وغيره. وقال مالك، وغيره هو الحلال، ~~فيكون تأكيدا لقوله { حللا }. و " من " في قوله { مما فى ~~الأرض } للتبعيض للقطع بأن في الأرض ما هو حرام { خطوات } جمع خطوة ~~بالفتح، والضم، وهي بالفتح للمرة، وبالضم لما بين القدمين. وقرأ القراء " ~~خطوات " بفتح الخاء، وقرأ أبو سماك بفتح الخاء، والطاء، وقرأ علي، ~~وقتادة، والأعرج، وعمرو بن ميمون، والأعمش «خطؤات» بضم الخاء، والطاء، ~~والهمز على الواو. قال الأخفش وذهبوا بهذه القراءة إلى أنها جمع خطية من ~~الخطأ لا من الخطو. قال الجوهري والخطوة بالفتح المرة الواحدة، والجمع ~~خطوات، وخطا. انتهى. والمعنى على قراءة الجمهور لا تقفوا أثر الشيطان، ~~وعمله، وكل ما لم يرد به الشرع، فهو منسوب إلى الشيطان، وقيل هي ~~النذور، في المعاصي، والأول التعميم، وعدم التخصيص بفرد، أو نوع. وقوله { ~~إنه لكم عدو مبين } أي ظاهر العداوة، ومثله قوله تعالى # إنه عدو مضل مبين # القصص 15 وقوله # إن الشيطن لكم عدو فاتخذوه عدوا # فاطر 6 وقوله { بالسوء } سمي السوء سوءا لأنه يسوء صاحبه بسوء ~~عاقبته، وهو مصدر ساءه يسوؤه سوءا، ومساءة إذا أحزنه. { والفحشاء } ~~أصله سوء المنظر، ومنه قول الشاعر # وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش # ثم استعمل فيما يقبح من المعاني، وقيل السوء والقبيح، والفحشاء التجاوز ~~للحد في القبح، وقيل السوء ما لا حد فيه، والفحشاء ما فيه الحد، وقيل ~~الفحشاء الزنا. وقيل إن كل ما نهت عنه الشريعة، فهو من الفحشاء. وقوله { ~~وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } قال ابن جرير ~~الطبري يريد ما حرموه من البحيرة، والسائبة، ونحوهما، مما جعلوه شرعا. ~~وقيل هو قولهم هذا حلال، وهذا حرام، بغير علم. والظاهر أنه يصدق على كل ~~ما قيل في الشرع بغير علم، وفي هذه الآية دليل على أن كل ما لم يرد فيه ~~نص، أو ظاهر من الأعيان الموجودة في الأرض، فأصله الحل حتى يرد دليل ~~يقتضي تحريمه، وأوضح دلالة على ذلك من هذه الآية قوله تعالى # هو الذى خلق لكم ما فى ms0256 الأرض # البقرة 29 والضمير في قوله { وإذا قيل لهم } راجع إلى الناس لأن ~~الكفار منهم، وهم المقصودون هنا، وقيل كفار العرب خاصة، و { ألفينا ~~} معناه وجدنا، والألف في قوله { أو لو كان آباؤهم } للاستفهام، وفتحت ~~الواو لأنها واو العطف. # وفي هذه الآية من الذم للمقلدين، والنداء بجهلهم الفاحش، واعتقادهم ~~الفاسد ما لا يقادر قدره، ومثل هذه الآية قوله تعالى # وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى ~~الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنا # الآية المائدة 104، وفي ذلك دليل على قبح التقليد، والمنع منه، والبحث ~~في ذلك يطول. وقد أفردته بمؤلف مستقل سميته " القول المفيد في حكم ~~التقليد " واستوفيت الكلام فيه في " أدب الطلب ومنتهى الأرب ". وقوله { ~~ومثل الذين كفروا كمثل الذى ينعق } فيه تشبيه ~~واعظ الكافرين، وداعيهم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم بالراعي الذي ينعق ~~بالغنم، أو الإبل، فلا يسمع إلا دعاء، ونداء، ولا يفهم ما يقول، هكذا ~~فسره الزجاج، والفراء، وسيبويه، وبه قال جماعة من السلف، قال سيبويه لم ~~يشبهوا بالناعق، إنما شبهوا بالمنعوق به، والمعنى مثلك يا محمد، ومثل ~~الذين كفروا، كمثل الناعق، والمنعوق به من البهائم التي لا تفهم، فحذف ~~لدلالة المعنى عليه. وقال قطرب المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم ما ~~لا يفهم يعني الأصنام، كمثل الراعي إذا نعق بغنمه، وهو لا يدري أين هي. ~~وبه قال ابن جرير الطبري. وقال ابن زيد المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم ~~الآلهة الجماد كمثل الصائح في جوف الليل، فيجيبه الصدى، فهو يصيح بما لا ~~يسمع، ويجيبه ما لا حقيقة فيه. والنعيق زجر الغنم، والصياح بها، يقال نعق ~~الراعي بغنمه، ينعق نعيقا، ونعاقا، ونعقانا أي صاح بها وزجرها، والعرب ~~تضرب المثل براعي الغنم في الجهل، ويقولون أجهل من راعي ضأن. وقوله { ~~صم } وما بعده إخبار لمبتدإ محذوف أي هم صم بكم عمي. وقد تقدم تفسير ~~ذلك. وقد أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال «تليت هذه الآية عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم يعني { يأيها الناس ms0257 كلوا مما فى ~~الأرض حللا طيبا } فقام سعد بن أبي وقاص فقال يا رسول الله ادع ~~الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال # " يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن الرجل ~~ليقذف اللقمة الحرام في جوفه، فما يتقبل منه أربعين يوما، وأيما عبد ~~نبت لحمه من السحت، والربا، فالنار أولى به " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه في قوله { ولا تتبعوا ~~خطوت الشيطن } قال عمله. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه أنه قال «ما ~~خالف القرآن، فهو من خطوات الشيطان» وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، ~~عن مجاهد أنه قال خطاه. وأخرجا أيضا، عن عكرمة قال هي نزغات الشيطان. ~~وأخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، قال هي تزيين الشيطان. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة قال كل معصية لله، فهي من خطوات الشيطان. # وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس قال ما كان من يمين، أو نذر في غضب، فهو ~~من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن ~~منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، عن ابن ~~مسعود أنه أتى بضرع، وملح، فجعل يأكل، فاعتزل رجل من القوم، فقال ابن ~~مسعود ناولوا صاحبكم. فقال لا أريد، فقال أصائم أنت؟ قال لا. قال فما ~~شأنك؟ قال حرمت على نفسي أن آكل ضرعا، فقال ابن مسعود هذا من خطوات ~~الشيطان، فأطعم، وكفر عن يمينك. وأخرج عبد بن حميد، عن عثمان بن ~~غياث، قال سألت جابر بن زيد، عن رجل نذر أن يجعل في أنفه حلقة من ذهب، ~~فقال هي من خطوات الشيطان، ولا يزال عاصيا لله، فليكفر عن يمينه. وأخرج ~~عبد بن حميد، عن الحسن أنه جعل يمين من حلف أن يحج حبوا من خطوات ~~الشيطان. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن أبي مجلز قال هي النذور في ~~المعاصي. وأخرج ابن جرير، عن السدي في قوله { إنما يأمركم ~~بالسوء } قال المعصية { والفحشاء } قال الزنا. وأخرج ابن إسحاق، ms0258 ~~وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال دعا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم اليهود إلى الإسلام، ورغبهم فيه، وحذرهم عذاب الله، ونقمته، فقال ~~له رافع بن خارجة، ومالك بن عوف بل نتبع يا محمد ما وجدنا عليه آباءنا، ~~فهم كانوا أعلم، وخيرا منا، فأنزل الله في ذلك { وإذا قيل لهم ~~اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ~~ألفينا عليه ءاباءنا } وأخرج ابن جرير، عن الربيع، وقتادة في ~~قوله { ألفينا } قالا وجدنا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن ~~عباس في قوله { ومثل الذين كفروا } الآية، قال كمثل البقر ~~والحمار والشاة، إن قلت لبعضهم كلاما لم يعلم ما تقول غير أنه يسمع ~~صوتك، وكذلك الكافر إن أمرته بخير، أو نهيته عن شر، أو وعظته لم ~~يعقل، ما تقول غير أنه يسمع صوتك. وروى نحو ذلك عن مجاهد أخرجه عبد بن ~~حميد، وعن عكرمة، أخرجه وكيع. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج قال قال لي ~~عطاء في هذه الآية هم اليهود الذين أنزل الله فيهم { إن الذين ~~يكتمون ما أنزل الله من الكتب } إلى قوله { فما ~~أصبرهم على النار }. ### || [2.172-173] # قوله { كلوا من طيبت ما رزقنكم } هذا تأكيد للأمر ~~الأول أعني قوله { يأيها الناس كلوا مما فى الأرض ~~حللا طيبا } وإنما خص المؤمنين هنا لكونهم أفضل أنواع الناس. ~~وقيل والمراد بالأكل الانتفاع. وقيل المراد به الأكل المعتاد، وهو ~~الظاهر. قوله { واشكروا لله } قد تقدم أنه يقال شكره، وشكر له ~~يتعدى بنفسه، وبالحرف. وقوله { إن كنتم إياه تعبدون } أي ~~تخصونه بالعبادة كما يفيده تقدم المفعول. قوله { إنما حرم ~~عليكم الميتة } قرأ أبو جعفر " حرم " على البناء للمفعول، و ~~{ إنما } كلمة موضوعة للحصر تثبت ما تناوله الخطاب، وتنفي ما عداه. ~~وقد حصرت ها هنا التحريم في الأمور المذكورة بعدها. قوله { الميتة } ~~قرأ ابن أبي عبلة بالرفع، ووجه ذلك أنه يجعل «ما» في { إنما } موصولة ~~منفصلة في الخط، والميتة وما بعدها خبر الموصول، وقراءة الجميع بالنصب. ~~وقرأ أبو جعفر بن ms0259 القعقاع " الميتة " بتشديد الياء، وقد ذكر أهل اللغة ~~أنه يجوز في ميت التشديد والتخفيف. والميتة ما فارقها الروح من غير ذكاة. ~~وقد خصص هذا العموم بمثل حديث «أحل لنا ميتتان ودمان» أخرجه أحمد، وابن ~~ماجه، والدارقطني، والحاكم، وابن مردويه، عن ابن عمر مرفوعا، ومثل حديث ~~جابر في العنبر الثابت في الصحيحين مع قوله تعالى # أحل لكم صيد البحر # المائدة 96 فالمراد بالميتة هنا ميتة البر لا ميتة البحر. وقد ذهب أكثر ~~أهل العلم إلى جواز أكل جميع حيوانات البحر حيها، وميتها. وقال بعض أهل ~~العلم إنه يحرم من حيوانات البحر ما يحرم شبهه في البر، وتوقف ابن حبيب ~~في خنزير الماء. وقال ابن القاسم وأنا أتقيه، ولا أراه حراما. قوله { ~~والدم } قد اتفق العلماء على أن الدم حرام، وفي الآية الأخرى # أو دما مسفوحا # الأنعام 145 فيحمل المطلق على المقيد لأن ما خلط باللحم غير محرم، قال ~~القرطبي بالإجماع. وقد روت عائشة أنها كانت تطبخ اللحم، فتعلو الصفرة على ~~البرمة من الدم، فيأكل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينكره. قوله ~~{ ولحم الخنزير } ظاهر هذه الآية، والآية الأخرى أعني قوله تعالى # قل لا أجد فيما أوحى الي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو ~~لحم خنزير # الأنعام 145 أن المحرم إنما هو اللحم فقط. وقد أجمعت الأمة على تحريم ~~شحمه كما حكاه القرطبي في تفسيره وقد ذكر جماعة من أهل العلم أن اللحم ~~يدخل تحته الشحم. وحكى القرطبي الإجماع أيضا على أن جملة الخنزير محرمة ~~إلا الشعر، فإنه تجوز الخرازة به. قوله { وما أهل به لغير ~~الله } الإهلال رفع الصوت، يقال أهل بكذا، أي رفع صوته. # قال الشاعر يصف فلاة # تهل بالفرقد ركبانها كما يهل الراكب المعتمر # وقال النابغة # أو درة صدفية غواصها بهج متى يرها يهل ويسجد # ومنه إهلال الصبي، واستهلاله، وهو صياحه عند ولادته. والمراد هنا ما ~~ذكر عليه اسم غير الله كاللات والعزى، إذا كان الذابح، وثنيا، والنار ~~إذا كان الذابح ms0260 مجوسيا. ولا خلاف في تحريم هذا، وأمثاله، ومثله ما يقع ~~من المعتقدين للأموات من الذبح على قبورهم، فإنه مما أهل به لغير الله، ~~ولا فرق بينه، وبين الذبح للوثن. قوله { فمن اضطر } قرىء بضم ~~النون للاتباع، وبكسرها على الأصل في التقاء الساكنين، وفيه إضمار. أي ~~فمن اضطر إلى شيء من هذه المحرمات. وقرأ ابن محيصن بإدغام الضاد في ~~الطاء. وقرأ أبو السماك بكسر الطاء. والمراد من صيره الجوع، والعدم ~~إلى الاضطرار إلى الميتة. قوله { غير باغ } نصب على الحال. قيل ~~المراد بالباغي من يأكل فوق حاجته، والعادي من يأكل هذه المحرمات، وهو ~~يجد عنها مندوحة، وقيل غير باغ على المسلمين، وعاد عليهم، فيدخل في ~~الباغي، والعادي قطاع الطريق، والخارج على السلطان، وقاطع الرحم، ونحوهم، ~~وقيل المراد غير باغ على مضطر آخر، ولا عاد سد الجوعة. وقد أخرج ~~ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله { كلوا من طيبت ما ~~رزقنكم } قال من الحلال. وأخرج ابن سعد، عن عمر بن عبد العزيز، ~~أن المراد بما في الآية طيب الكسب لا طيب الطعام. وأخرج ابن جرير، عن ~~الضحاك أنها حلال الرزق. وأخرج أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به ~~المرسلين " # فقال # يأيها الرسل كلوا من الطيبت واعملوا صلحا ~~إنى بما تعملون عليم # المؤمنون 51 وقال # يأيها الذين ءامنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقنكم # البقرة 172 # " ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا ~~رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب ~~له " # وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله { وما أهل } قال ذبح. ~~وأخرج ابن جرير، عنه قال { ما أهل به } للطواغيت. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن مجاهد قال ما ذبح لغير الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي ~~العالية. قال ما ذكر عليه اسم ms0261 غير الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس ~~في قوله { غير باغ ولا عاد } يقول من أكل شيئا من هذه، وهو ~~مضطر، فلا حرج، ومن أكله، وهو غير مضطر، فقد بغى، واعتدى. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم، عنه في قوله { غير باغ } قال في الميتة { ~~ولا عاد } قال في الأكل. # وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، عن مجاهد في قوله { غير باغ ولا عاد } قال غير باغ ~~على المسلمين، ولا معتد عليهم، فمن خرج يقطع الرحم، أو يقطع السبيل، ~~أو يفسد في الأرض، أو مفارقا للجماعة، والأئمة، أو خرج في معصية الله، ~~فاضطر إلى الميتة لم تحل له. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد ~~بن جبير، قال العادي الذي يقطع الطريق. وقوله { فلا إثم عليه } ~~يعني في أكله { إن الله غفور رحيم } لمن أكل من الحرام، ~~رحيم به إذ أحل له الحرام في الاضطرار. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة { ~~فمن اضطر غير باغ ولا عاد } في أكله، ولا عاد يتعدى ~~الحلال إلى الحرام، وهو يجد عنه بلغة، ومندوحة. ### || [2.174-176] # قوله { إن الذين يكتمون } قيل المراد بهذه الآية علماء ~~اليهود لأنهم كتموا ما أنزل الله في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. والاشتراء هنا الاستبدال، وقد تقدم تحقيقه، وسماه قليلا لانقطاع ~~مدته وسوء عاقبته، وهذا السبب، وإن كان خاصا، فالاعتبار بعموم اللفظ، ~~وهو يشمل كل من كتم ما شرعه الله، وأخذ عليه الرشا، وذكر البطون دلالة، ~~وتأكيدا أن هذا الأكل حقيقة، إذ قد يستعمل مجازا في مثل أكل فلان أرضى، ~~ونحوه، وقال في الكشاف إن معنى { في بطونهم } ملء بطونهم قال يقول ~~أكل فلان في بطنه، وأكل في بعض بطنه. انتهى. وقوله { إلا النار } ~~أي أنه يوجب عليهم عذاب النار، فسمى ما أكلوه نارا لأنه يؤول بهم إليها، ~~هكذا قال أكثر المفسرين، وقيل إنهم يعاقبون على كتمانهم بأكل النار في ~~جهنم حقيقة، ومثله قوله سبحانه ms0262 # إن الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما إنما ~~يأكلون فى بطونهم نارا # النساء 10 وقوله { ولا يكلمهم الله } فيه كناية عن حلول غضب ~~الله عليهم، وعدم الرضا عنهم، يقال فلان لا يكلم فلانا إذا غضب عليه. ~~وقال ابن جرير الطبري المعنى ولا يكلمهم بما يحبونه لا بما يكرهونه. ~~كقوله تعالى # اخسئوا فيها ولا تكلمون # المؤمنون 108، وقوله { ولا يزكيهم } معناه لا يثنى عليهم خيرا. ~~قاله الزجاج. وقيل معناه لا يصلح أعمالهم الخبيثة، فيطهرهم. وقوله { ~~اشتروا الضللة بالهدى } قد تقدم تحقيق معناه. وقوله { ~~فما أصبرهم على النار } ذهب الجمهور ومنهم الحسن ومجاهد إلى ~~أن معناه التعجب، والمراد تعجيب المخلوقين من حال هؤلاء الذين باشروا ~~الأسباب الموجبة لعذاب النار، فكأنهم بهذه المباشرة للأسباب صبروا على ~~العقوبة في نار جهنم. وحكى الزجاج أن المعنى ما أبقاهم على النار، من ~~قولهم ما أصبر فلانا على الحبس، أي ما أبقاه فيه، وقيل المعنى ما أقل ~~جزعهم من النار، فجعل قلة الجزع صبرا. وقال الكسائي وقطرب أي ما ~~أدومهم على عمل أهل النار. وقيل «ما» استفهامية، ومعناه التوبيخ أي أي ~~شيء أصبرهم على عمل النار. قاله ابن عباس، والسدي، وعطاء، وأبو عبيدة. { ~~ذلك بأن الله نزل الكتب بالحق } الإشارة باسم ~~الإشارة إلى الأمر، أي ذلك الأمر، وهو العذاب. قاله الزجاج. وقال الأخفش ~~إن خبر اسم الإشارة محذوف، والتقدير ذلك معلوم. والمراد بالكتاب هنا ~~القرآن، { بالحق } أي بالصدق. وقيل بالحجة. وقوله { وإن ~~الذين اختلفوا فى الكتب } قيل المراد بالكتاب هنا ~~التوراة، فادعى النصارى أن فيها صفة عيسى، وأنكرهم اليهود، وقيل خالفوا ~~ما في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم واختلفوا فيها. وقيل ~~المراد القرآن، والذين اختلفوا كفار قريش، يقول بعضهم هو سحر، وبعضهم ~~يقول هو أساطير الأولين، وبعضهم يقول غير ذلك. # { لفى شقاق } أي خلاف { بعيد } عن الحق، وقد تقدم معنى الشقاق. ~~وقد أخرج ابن جرير، عن عكرمة في قوله { إن الذين يكتمون ما ~~أنزل الله } قال نزلت في يهود. وأخرج ابن جرير، عن السدي قال كتموا ms0263 ~~اسم محمد صلى الله عليه وسلم، وأخذوا عليه طمعا قليلا. وأخرج ابن جرير، ~~أيضا عن أبي العالية نحوه. وأخرج الثعلبي، عن ابن عباس بسندين ضعيفين ~~أنها نزلت في اليهود. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله { ~~أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى } قال ~~اختاروا الضلالة على الهدى، والعذاب على المغفرة { فما أصبرهم ~~على النار } قال ما أجرأهم على عمل النار، وأخرج سعيد بن منصور، ~~وعبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله { فما ~~أصبرهم على النار } قال ما أعملهم بأعمال أهل النار. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن الحسن في قوله { فما ~~أصبرهم على النار } قال والله ما لهم عليها من صبر، ولكن يقول ~~ما أجرأهم على النار. وأخرج ابن جرير، عن قتادة ونحوه. وأخرج ابن جرير ~~أيضا عن السدي في الآية قال هذا على وجه الاستفهام، يقول ما الذي أصبرهم ~~على النار؟ وقوله { وإن الذين اختلفوا فى الكتب } ~~قال هم اليهود والنصارى { لفى شقاق بعيد } قال في عداوة بعيدة. ### || [2.177] # قوله { ليس البر } قرأ حمزة، وحفص بالنصب على أنه خبر ليس، ~~والاسم { أن تولوا } وقرأ الباقون بالرفع على أنه الاسم. قيل إن ~~هذه الآية نزلت للرد على اليهود، والنصارى، لما أكثروا الكلام في شأن ~~القبلة عند تحويل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، وقيل إن سبب ~~نزولها أنه سأل رسول الله سائل، وسيأتي ذلك آخر البحث إن شاء الله. وقوله ~~{ قبل المشرق والمغرب } قيل أشار سبحانه بذكر المشرق إلى ~~قبلة النصارى لأنهم يستقبلون مطلع الشمس، وأشار بذكر المغرب إلى قبلة ~~اليهود لأنهم يستقبلون بيت المقدس، وهو في جهة الغرب منهم إذ ذاك. وقوله ~~{ ولكن البر } هو اسم جامع للخير، وخبره محذوف تقديره بر من ~~آمن. قاله الفراء وقطرب والزجاج. وقيل إن التقدير ولكن ذو البر من آمن، ~~ووجه هذا التقدير الفرار عن الإخبار باسم العين عن اسم المعنى، ويجوز أن ~~يكون البر بمعنى البار، وهو يطلق المصدر على اسم الفاعل ms0264 كثيرا، ومنه في ~~التنزيل # إن أصبح ماؤكم غورا # الملك 30 أي غائرا، وهذا اختيار أبي عبيدة. والمراد بالكتاب هنا الجنس، ~~أو القرآن، والضمير في قوله { على حبه } راجع إلى المال، وقيل راجع ~~إلى الإيتاء المدلول عليه بقوله { وآتى المال } وقيل إنه راجع إلى الله ~~سبحانه، أي على حب الله، والمعنى على الأول أنه أعطى المال، وهو يحبه، ~~ويشح به، ومنه قوله تعالى # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # آل عمران 92 والمعنى على الثاني أنه يحب إيتاء المال، وتطيب به نفسه، ~~والمعنى على الثالث أنه أعطى من تضمنته الآية في حب الله عز وجل لا ~~لغرض آخر، وهو مثل قوله # ويطعمون الطعام على حبه # الإنسان 8 ومثله قول زهير # إن الكريم على علاته هرم # وقدم { ذوي القربى } لكون دفع المال إليهم صدقة، وصلة إذا كانوا فقراء، ~~وهكذا اليتامى الفقراء أولى بالصدقة من الفقراء الذين ليسوا بيتامى، لعدم ~~قدرتهم على الكسب. والمسكين الساكن إلى ما في أيدي الناس لكونه لا يجد ~~شيئا. { وابن السبيل } المسافر المنقطع، وجعل ابنا للسبيل ~~لملازمته له. وقوله { وفي الرقاب } أي في معاونة الأرقاء الذين ~~كاتبهم المالكون لهم، وقيل المراد شراء الرقاب، وإعتاقها، وقيل المراد ~~فك الأسارى. وقوله { واتى ;لزكوة } فيه دليل على أن الإيتاء ~~المتقدم هو صدقة التطوع، لا صدقة الفريضة. وقوله { والموفون } قيل ~~هو معطوف على «من آمن»، كأنه قيل ولكن البر المؤمنون والموفون. قاله ~~الفراء، والأخفش. وقيل هو مرفوع على الابتداء، والخبر محذوف. وقيل هو خبر ~~لمبتدأ محذوف، أي هم الموفون. وقيل إنه معطوف على الضمير في آمن، وأنكره ~~أبو علي، وقال ليس المعنى عليه. # وقوله { والصبرين } منصوب على المدح كقوله تعالى # والمقيمين الصلوة # النساء 162 ومنه ما أنشده أبو عبيدة # لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر ~~النازلين بكل معركة والطيبين معاقد الأزر # وقال الكسائي هو معطوف على ذوي القربى، كأنه قال وآتي الصابرين. وقال ~~النحاس إنه خطأ. قال الكسائي وفي قراءة عبد الله { الموفين والصابرين }. ~~قال النحاس يكونان على ms0265 هذه القراءة منسوقين على ذوي القربى، أو على ~~المدح. وقرأ يعقوب والأعمش " والموفون والصابرون " بالرفع فيهما. و { ~~البأساء } الشدة والفقر، و { الضراء } المرض، والزمانة { وحين ~~البأس } قيل المراد وقت الحرب، والبأساء، والضراء اسمان بنيا على ~~فعلاء ولا فعل لهما لأنهما اسمان، وليسا بنعت. وقوله { صدقوا } ~~وصفهم بالصدق، والتقوى في أمورهم، والوفاء بها، وأنهم كانوا جادين، وقيل ~~المراد صدقوهم القتال، والأول أولى. وقد أخرج ابن أبي حاتم وصححه عن أبي ~~ذر، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فتلا { ليس ~~البر أن تولوا وجوهكم } حتى فرغ منها، ثم سأله أيضا، ~~فتلاها، ثم سأله، فتلاها، قال # " وإذا عملت بحسنة أحبها قلبك، وإذا عملت بسيئة أبغضها قلبك. " # وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال جاء رجل ~~إلى أبي ذر فقال ما الإيمان؟ فتلا عليه هذه الآية، ثم ذكر له نحو الحديث ~~السابق. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في هذه الآية قال ~~يقول ليس البر أن تصلوا، ولا تعملوا، هذا حين تحول من مكة إلى المدينة، ~~وأنزلت الفرائض. وأخرج عنه ابن جرير، أنه قال هذه الآية نزلت بالمدينة، ~~يقول ليس البر أن تصلوا، ولكن البر ما ثبت في القلب من طاعة الله. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة قال ذكر لنا أن ~~رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن البر، فأنزل الله { ليس ~~البر } الآية. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة قال كانت ~~اليهود تصلي قبل المغرب، والنصارى قبل المشرق، فنزلت { ليس ~~البر } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية مثله. ~~وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن مسعود في قوله قال يعطي، وهو صحيح شحيح ~~يأمل العيش، ويخاف الفقر. وأخرج عنه مرفوعا مثله، وأخرج البيهقي في ~~الشعب عن المطلبأنه قيل ms0266 يا رسول ما آتى المال على حب؟ فكلنا نحبه. قال ~~رسول صلى الله عليه وسلم # " تؤتيه حين تؤتيه، ونفسك تحدثك بطول العمر، والفقر " # وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله { وآتى المال على حبه } ~~يعني على حب المال. # وأخرج عنه أيضا في قوله { ذوى القربى } يعني قرابته. وقد ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة " # أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن ماجه، ~~والحاكم، والبيهقي في سننه من حديث سلمان بن عامر الضبي. وفي الصحيحين، ~~وغيرهما من حديث زينب امرأة ابن مسعود أنها سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هل تجزي عنها من الصدقة النفقة على زوجها، وأيتام في حجرها؟ # " فقال لك أجران أجر الصدقة، وأجر القرابة " # وأخرج الطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه من حديث أم كلثوم بنت ~~عقبة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح " # وأخرج أحمد، والدارمي والطبراني من حديث حكيم بن حزام عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال ابن السبيل هو ~~الضيف الذي ينزل بالمسلمين. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد قال هو الذي يمر ~~بك، وهو مسافر، وأخرج ابن جرير، عن عكرمة في قوله { والسائلين } ~~قال السائل الذي يسألك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله { ~~وفي الرقاب } قال يعني فك الرقاب. وأخرج عنه أيضا في قوله { وأقام ~~الصلاة } يعني وأتم الصلاة المكتوبة. { وآتى الزكاة } يعني الزكاة ~~المفروضة وأخرج الترمذي، وابن ماجه، وابن جرير وابن حاتم وابن المنذر، ~~وابن عدي، والدارقطني، وابن مردويه عن فاطمة بنت قيس قالت قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، # " في المال حق سوى الزكاة، ثم قرأ { ليس البر أن تولوا ~~وجوهكم } الآية " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله { والموفون ~~بعهدهم } قال فمن أعطى عهد الله، ثم نقضه، ms0267 فالله ينتقم منه، ومن ~~أعطى ذمة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم غدر بها، فالنبي صلى الله عليه ~~وسلم خصمه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله { والموفون ~~بعهدهم إذا عهدوا } يعني فيما بينهم، وبين الناس. وأخرج ~~ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~والحاكم وصححه عن ابن مسعود في الآية قال { البأساء } الفقر و { ~~الضراء } السقم و { حين البأس } حين القتال. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في ~~قوله { أولئك الذين صدقوا } قال فعلوا ما ذكر الله في هذه ~~الآية، وأخرج ابن جرير، عن الربيع في قوله { أولئك الذين ~~صدقوا } قال تكلموا بكلام الإيمان، فكانت حقيقة العمل صدقوا الله. قال ~~وكان الحسن يقول هذا كلام الإيمان، وحقيقته العمل، فإن لم يكن مع القول ~~عمل، فلا شيء. ### || [2.178-179] # قوله { كتب } معناه فرض، وأثبت، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة # كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر ~~الذيول # وهذا إخبار من الله سبحانه لعباده بأنه شرع لهم ذلك. وقيل إن { كتب } ~~هنا إشارة إلى ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ. و { القصاص } أصله ~~قص الأثر أي اتباعه، ومنه القاص لأنه يتتبع الآثار، وقص الشعر اتباع ~~أثره، فكأن القاتل يسلك طريقا من القتل، يقص أثره فيها، ومنه قوله ~~تعالى # فارتدا على ءاثارهما قصصا # الكهف 64. وقيل إن القصاص مأخوذ من القص وهو القطع يقال قصصت ما بينهما ~~أي قطعته. وقد استدل بهذه الآية القائلون بأن الحر لا يقتل بالعبد، وهم ~~الجمهور. وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، وابن أبي ليلى، وداود إلى ~~أنه يقتل به. قال القرطبي وروى ذلك عن علي، وابن مسعود، وبه قال سعيد بن ~~المسيب، وإبراهيم النخعي، وقتادة والحكم بن عتيبة، واستدلوا بقوله ~~تعالى # وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس # المائدة 45 وأجاب الأولون عن هذا الاستدلال بأن قوله تعالى { الحر ~~بالحر والعبد بالعبد } مفسر لقوله تعالى { النفس ~~بالنفس } وقالوا ms0268 أيضا إن قوله { وكتبنا عليهم فيها } ~~يفيد أن ذلك حكاية عما شرعه الله لبني إسرائيل في التوراة. ومن جملة ما ~~استدل به الآخرون قوله صلى الله عليه وسلم # " المسلمون تتكافأ دماؤهم " # ويجاب عنه بأنه مجمل، والآية مبينة، ولكنه يقال إن قوله تعالى { ~~الحر بالحر والعبد بالعبد } إنما أفاد بمنطوقه أن ~~الحر يقتل بالحر، والعبد يقتل بالعبد، وليس فيه ما يدل على أن الحر لا ~~يقتل بالعبد إلا باعتبار المفهوم، فمن أخذ بمثل هذا المفهوم لزمه القول ~~به هنا، ومن لم يأخذ بمثل هذا المفهوم لم يلزمه القول به هنا، والبحث في ~~هذا محرر في علم الأصول. وقد استدل بهذه الآية القائلون بأن المسلم يقتل ~~بالكافر، وهم الكوفيون، والثوري، لأن الحر يتناول الكافر كما يتناول ~~المسلم، وكذا العبد والأنثى يتناولان الكافر كما يتناولان المسلم. ~~واستدلوا أيضا بقوله تعالى { أن النفس بالنفس } لأن النفس ~~تصدق على النفس الكافرة كما تصدق على النفس المسلمة. وذهب الجمهور إلى ~~أنه لا يقتل المسلم بالكافر، واستدلوا بما ورد من السنة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه لا يقتل مسلم بكافر، وهو مبين لما يراد في الآيتين، ~~والبحث في هذا يطول. واستدل بهذه الآية القائلون بأن الذكر لا يقتل ~~بالأنثى، وقرروا الدلالة على ذلك بمثل ما سبق إلا إذا سلم أولياء المرأة ~~الزيادة على ديتها من دية الرجل. وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ~~والثوري، وأبو ثور. وذهب الجمهور إلى أنه يقتل الرجل بالمرأة، ولا زيادة، ~~وهو الحق. # وقد بسطنا البحث في شرح المنتقى، فليرجع إليه. قوله { فمن عفى ~~له من أخيه شىء } «من» هنا عبارة عن القاتل. والمراد بالأخ ~~المقتول، أو الولي، والشيء عبارة عن الدم، والمعنى أن القاتل، أو الجاني ~~إذا عفي له من جهة المجني عليه، أو الولي دم أصابه منه على أن يأخذ منه ~~شيئا من الدية، أو الأرش، فليتبع المجني عليه الولي من عليه الدم فيما ~~يأخذه منه من ذلك اتباعا بالمعروف، وليؤد الجاني ما لزمه من الدية، أو ~~الأرش إلى ms0269 المجني عليه، أو إلى الولي أداء بإحسان. وقيل إن «من» عبارة ~~عن الولي، والأخ يراد به القاتل، والشيء الدية، والمعنى أن الولي إذا ~~جنح إلى العفو عن القصاص إلى مقابل الدية، فإن القاتل مخير بين أن ~~يعطيها، أو يسلم نفسه للقصاص كما روي عن مالك أنه يثبت الخيار للقاتل في ~~ذلك، وذهب من عداه إلى أنه لا يخير، بل إذا رضى الأولياء بالدية، فلا ~~خيار للقاتل بل يلزمه تسليمها. وقيل معنى «عفى» بذل. أي من بذل له ~~شيء من الدية، فليقبل، وليتبع بالمعروف. وقيل إن المراد بذلك أن من فضل ~~له من الطائفتين على الأخرى شيء من الديات، فيكون عفى بمعنى فضل، وعلى ~~جميع التقادير، فتنكير شيء للتقليل، فيتناول العفو عن الشيء اليسير من ~~الدية، والعفو الصادر عن فرد من أفراد الورثة. وقوله { فاتباع } ~~مرتفع بفعل محذوف، أي فليكن منه اتباع، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي ~~فالأمر اتباع، وكذا قوله { وأداء إليه بإحسن } وقوله { ~~ذلك تخفيف } إشارة إلى العفو، والدية أي أن الله شرع لهذه الأمة ~~العفو من غير عوض، أو بعوض، ولم يضيق عليهم كما ضيق على اليهود، فإنه ~~أوجب عليهم القصاص، ولا عفو، وكما ضيق على النصارى، فإنه أوجب عليهم ~~العفو، ولا دية. قوله { فمن اعتدى بعد ذلك } أي بعد ~~التخفيف، نحو أن يأخذ الدية، ثم يقتل القاتل، أو يعفو، ثم يستقص. وقد ~~اختلف أهل العلم فيمن قتل القاتل بعد أخذ الدية؟ فقال جماعة منهم مالك، ~~والشافعي إنه كمن قتل ابتداء، إن شاء الولي قتله، وإن شاء عفا عنه. ~~وقال قتادة وعكرمة، والسدي وغيرهم عذابه أن يقتل البتة، ولا يمكن ~~الحاكم الولي من العفو. وقال الحسن عذابه أن يرد الدية فقط، ويبقى ~~إثمه إلى عذاب الآخرة. وقال عمر بن عبد العزيز أمره إلى الإمام يصنع فيه ~~ما رأى. قوله { ولكم في القصاص حيوة } أي لكم في هذا الحكم ~~الذي شرعه الله لكم حياة لأن الرجل إذا علم أنه يقتل قصاصا إذا قتل آخر ~~كف عن القتل، ms0270 وانزجر عن التسرع إليه، والوقوع فيه، فيكون ذلك بمنزلة ~~الحياة للنفوس الإنسانية، وهذا نوع من البلاغة بليغ، وجنس من الفصاحة ~~رفيع، فإنه جعل القصاص الذي هو موت حياة باعتبار ما يؤول إليه من ارتداع ~~الناس عن قتل بعضهم بعضا، إبقاء على أنفسهم، واستدامة لحياتهم وجعل هذا ~~الخطاب موجها إلى أولي الألباب لأنهم هم الذين ينظرون في العواقب، ~~ويتحامون ما فيه الضرر الآجل وأما من كان مصابا بالحمق، والطيش، والخفة، ~~فإنه لا ينظر عند سورة غضبه، وغليان مراجل طيشه إلى عاقبة، ولا يفكر في ~~أمر مستقبل، كما قال بعض فتاكهم # سأغسل عني العار بالسيف جالبا علي قضاء الله ما ~~كان جالبا # ثم علل سبحانه هذا الحكم الذي شرعه لعباده بقوله { لعلكم ~~تتقون } أي تتحامون القتل بالمحافظة على القصاص، فيكون ذلك سببا ~~للتقوى، وقرأ أبو الجوزاء " ولكم في القصص حياة " قيل أراد بالقصص القرآن ~~أي لكم في كتاب الله الذي شرع فيه القصاص حياة، أي نجاة، وقيل أراد حياة ~~القلوب، وقيل هو مصدر بمعنى القصاص، والكل ضعيف، والقراءة به منكرة. وقد ~~أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال إن حيين من العرب اقتتلوا في ~~الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل، وجراحات حتى قتلوا العبيد، ~~والنساء، ولم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على ~~الآخر في العدة، والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر ~~منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، فنزلت هذه الآية. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، عن الشعبي نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن ~~يقتلون الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، فأنزل الله # #1649;لنفس بالنفس # المائدة 45، فجعل الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم في العمد رجالهم ~~ونساءهم، في النفس، وفيما دون النفس، وجعل العبيد مستوين في العمد في ~~النفس، وفيما دون النفس رجالهم، ونساءهم. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، ~~عن أبي مالك قال كان بين حيين من ms0271 الأنصار قتال كان لأحدهما على الآخر ~~الطول، فكأنهم طلبوا الفضل، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليصلح ~~بينهم، فنزلت هذه الآية # الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى # المائدة 45 قال ابن عباس فنسختها # النفس بالنفس # ، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن ~~ابن عباس { فمن عفى له } قال هو العمد رضي أهله بالعفو. { ~~فاتباع بالمعروف } أمر به الطالب { وأداء إليه ~~بإحسن } من القابل، قال يؤدي المطلوب بإحسان. { ذلك تخفيف ~~من ربكم ورحمة } مما كان على بني إسرائيل. وأخرج نحوه ابن أبي ~~حاتم، عنه من وجه آخر. وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس قال كان في بني ~~إسرائيل القصاص، ولم تكن الدية فيهم، فقال الله لهذه الأمة { كتب ~~عليكم القصاص في القتلى } إلى قوله { فمن عفى له ~~من أخيه شىء } ، فالعفو أن تقبل الدية في العمد { فاتباع ~~بالمعروف وأداء إليه بإحسن ذلك تخفيف من ~~ربكم ورحمة } مما كتب على من كان قبلكم { فمن اعتدى ~~بعد ذلك } قيل بعد قبول الدية { فله عذاب أليم } وأخرج ~~ابن جرير، عن قتادة قال كان أهل التوراة إنما هو القصاص، أو العفو ليس ~~بينهما أرش، وكان أهل الإنجيل إنما هو العفو أمروا به، وجعل الله لهذه ~~الأمة القتل، والعفو، والدية إن شاءوا أحلها لهم، ولم تكن لأمة قبلهم. # وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأحمد، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ~~أبي شريح الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " من أصيب بقتل، أو خبل، فإنه يختار إحدى ثلاث إما أن يقتص، وإما أن ~~يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة، فخذوا على يديه، ومن اعتدى ~~بعد ذلك، فله نار جهنم خالدا فيها أبدا " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة، أنه إذا قتل بعد أخذ الدية، فله ~~عذاب عظيم، قال فعليه القتل لا تقبل منه الدية. قال وذكر لنا أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا أعافي رجلا قتل بعد أخذ الدية " # ، وأخرج سمويه في فوائده، عن ms0272 سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فذكر مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عكرمة أنه قال يقتل. وأخرج عبد ~~الرزاق، وابن جرير، عن قتادة في قوله { ولكم في القصاص حيوة ~~} قال جعل الله في القصاص حياة، ونكالا، وعظة إذا ذكره الظالم المعتدي ~~كف عن القتل. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في قوله { لعلكم ~~تتقون } قال لعلك تتقي أن تقتله، فتقتل به. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~سعيد بن جبير في قوله { يأولي الأبب } قال من كان له لب يذكر ~~القصاص، فيحجزه خوف القصاص عن القتل { لعلكم تتقون } قال لكي ~~تتقوا الدماء مخافة القصاص. ### || [2.180-182] # قد تقدم معنى { كتب } قريبا، وحضور الموت حضور أسبابه، وظهور علاماته، ~~ومنه قول عنترة # وإن الموت طوع يدي إذا ما وصلت بنانها بالهندواني # وقال جرير # أنا الموت الذي حدثت عنه فليس لهارب مني نجاة # وإنما لم يؤنث الفعل المسند إلى الوصية، وهو { كتب } لوجود الفاصل ~~بينهما، وقيل لأنها بمعنى الإيصاء، وقد روي جواز إسناد ما لا تأنيث فيه ~~إلى المؤنث مع عدم الفصل. وقد حكى سيبويه قام امرأة، وهو خلاف ما أطبق ~~عليه أئمة العربية، وشرط سبحانه ما كتبه من الوصية بأن يترك الموصي ~~خيرا. واختلف في جواب هذا الشرط ما هو؟ فروي عن الأخفش، وجهان أحدهما أن ~~التقدير إن ترك خيرا، فالوصية، ثم حذفت الفاء كما قال الشاعر # من يفعل الحسنات الله يشكرها والشر بالشر عند الله ~~مثلان # والثاني أن جوابه مقدر قبله أي كتب الوصية للوالدين، والأقربين إن ترك ~~خيرا. واختلف أهل العلم في مقدار الخير، فقيل ما زاد على سبعمائة دينار، ~~وقيل ألف دينار، وقيل ما زاد على خمسمائة دينار. والوصية في الأصل عبارة ~~عن الأمر بالشيء، والعهد به في الحياة، وبعد الموت، وهي هنا عبارة عن ~~الأمر بالشيء لبعد الموت. وقد اتفق أهل العلم على وجوب الوصية على من ~~عليه دين، أو عنده وديعة، أو نحوها. وأما من لم يكن كذلك، فذهب أكثرهم ~~إلى أنها غير واجبة عليه ms0273 سواء كان فقيرا، أو غنيا، وقالت طائفة إنها ~~واجبة، ولم يبين الله سبحانه ها هنا القدر الذي كتب الوصية به للوالدين، ~~والأقربين، فقيل الخمس. وقيل الربع. وقيل الثلث. وقد اختلف أهل العلم في ~~هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب جماعة إلى أنها محكمة، قالوا وهي، ~~وإن كانت عامة فمعناها الخصوص. والمراد بها من الوالدين من لا يرث ~~كالأبوين الكافرين، ومن هو في الرق، ومن الأقربين من عدا الورثة منهم. ~~قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الوصية للوالدين ~~الذين لا يرثان، والأقرباء الذين لا يرثون جائزة. وقال كثير من أهل العلم ~~إنها منسوخة بآية المواريث مع قوله صلى الله عليه وسلم # " لا وصية لوارث " # وهو حديث صححه بعض أهل الحديث، وروي من غير وجه. وقال بعض أهل العلم إنه ~~نسخ الوجوب، وبقي الندب، وروي عن الشعبي، والنخعي، ومالك، قوله { ~~بالمعروف } ، أي العدل لا وكس فيه، ولا شطط. وقد أذن الله للميت ~~بالثلث دون ما زاد عليه. وقوله { حقا } ، مصدر معناه الثبوت، والوجوب. ~~قوله { فمن بدله } هذا الضمير عائد إلى الإيصاء المفهوم من ~~الوصية، وكذلك الضمير في قوله { سمعه } ، والتبديل التغيير، والضمير ~~في قوله { فإنما إثمه } راجع إلى التبديل المفهوم من قوله { ~~بدله } وهذا وعيد لمن غير الوصية المطابقة للحق، التي لا جنف فيها ~~ولا مضارة، وأنه يبوء بالإثم، وليس على الموصي من ذلك شيء، فقد تخلص ~~مما كان عليه بالوصية به. # قال القرطبي ولا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز، مثل أن يوصي بخمر، أو ~~خنزير، أو شيء من المعاصي أنه يجوز تبديله، ولا يجوز إمضاؤه كما لا يجوز ~~إمضاء ما زاد على الثلث. قاله أبو عمر. انتهى. والجنف المجاوزة، من جنف ~~يجنف إذا جاوز، قاله النحاس، وقيل الجنف الميل، ومنه قول الأعشى # تجانف عن حجر اليمامة ناقتى وما قصدت من أهلها لسوائكا # قال في الصحاح الجنف الميل، وكذا في الكشاف. وقال لبيد # إني امرؤ منعت أرومة عامر ضيمي وقد جنفت ms0274 علي ~~خصومي # وقوله { فأصلح بينهم } أي أصلح ما وقع بين الورثة من الشقاق، ~~والاضطراب بسبب الوصية بإبطال ما فيه ضرار، ومخالفة لما شرعه الله، ~~وإثبات ما هو حق كالوصية في قربة لغير وارث، والضمير في قوله { ~~بينهم } راجع إلى الورثة، وإن لم يتقدم لهم ذكر لأنه قد عرف أنهم ~~المرادون من السياق. وقيل راجع إلى الموصي لهم، وهم الأبوان والقرابة. ~~وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ~~إن ترك خيرا } قال مالا. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد نحوه، وأخرج ~~عبد بن حميد، عن ابن عباس قال من لم يترك ستين دينارا لم يترك خيرا. ~~وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~والحاكم، والبيهقي في سننه عن عروة، أن علي بن أبي طالب دخل على مولى ~~لهم في البيت، وله سبعمائة درهم، أو ستمائة درهم فقال ألا أوصي؟ قال لا؟ ~~إنما قال الله { إن ترك خيرا } وليس لك كثير مال فدع مالك لورثتك. ~~وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي، عن عائشة، ~~أن رجلا قال لها أريد أن أوصي قالت كم مالك؟ قال ثلاثة آلاف. قالت كم ~~عيالك؟ قال أربعة، قالت قال الله { إن ترك خيرا } وإن هذا شيء ~~يسير، فاتركه لعيالك، فهو أفضل. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، ~~والبيهقي عن ابن عباس قال إذا ترك الميت سبعمائة درهم، فلا يوصي. وأخرج ~~عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن الزهري. قال جعل الله الوصية حقا مما قل ~~منه، ومما كثر، وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن قتادة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وذكر حديثا، وفيه # " انظر قرابتك الذين يحتاجون، ولا يرثون، فأوص لهم من مالك بالمعروف " # وأخرجا أيضا، عن طاوس قال من أوصى لقوم، وسماهم، وترك ذوي قرابته. ~~محتاجين انتزعت منهم، وردت على قرابته، وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، وعبد ~~بن حميد، وأبو داود في الناسخ، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم ms0275 وصححه، ~~والبيهقي في سننه، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس قال نسخت هذه الآية. ~~وأخرج عنه من وجه آخر أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم أن ~~هذه الآية نسخها قوله تعالى # للرجال نصيب مما ترك الولدن والأقربون # الآية النساء 7. وأخرج عنه من وجه آخر ابن جرير وابن أبي حاتم أنها ~~منسوخة بآية الميراث. وأخرج عنه أبو داود في سننه، والبيهقي مثله. وأخرج ~~ابن جرير عنه أنه قال في الآية نسخ من يرث، ولم ينسخ الأقربين الذين لا ~~يرثون. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~والبيهقي عن ابن عمر أنه قال هذه الآية نسختها آية الميراث. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فمن ~~بدله } الآية، قال وقد وقع أجر الموصي على الله، وبرىء من إثمه، ~~وقال في قوله { جنفا } يعني إثما { فأصلح بينهم } قال إذا ~~أخطأ الميت في وصيته، أو حاف فيها، فليس على الأولياء حرج أن يردوا خطأه ~~إلى الصواب. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير نحوه لكنه فسر الجنف ~~بالميل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { جنفا ~~أو إثما } قال خطأ، أو عمدا. وأخرج سعيد بن منصور، والبيهقي في ~~سننه عنه قال الجنف في الوصية، والإضرار فيها من الكبائر. ### || [2.183-184] # قد تقدم معنى { كتب } ولا خلاف بين المسلمين أجمعين أن صوم رمضان فريضة ~~افترضها الله سبحانه على هذه الأمة. والصيام أصله في اللغة الإمساك، وترك ~~التنقل من حال إلى حال، ويقال للصمت صوم لأنه إمساك، عن الكلام، ومنه # إنى نذرت للرحمن صوما # مريم 26 أي إمساكا عن الكلام، ومنه قول النابغة # خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وخيل ~~تعلك اللجما # أي خيل ممسكة عن الجري، والحركة. وهو في الشرع الإمساك عن المفطرات مع ~~اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وقوله { كما كتب } ~~أي صوما كما كتب على أن الكاف في موضع نصب ms0276 على النعت، أو كتب عليكم ~~الصيام مشبها ما كتب على أنه في محل نصب على الحال. وقال بعض النحاة إن ~~الكاف في موضع رفع نعتا للصيام، وهو ضعيف لأن الصيام معرف باللام، ~~والضمير المستتر في قوله { كما كتب } راجع إلى " ما ". واختلف ~~المفسرون في وجه التشبيه ما هو، فقيل هو قدر الصوم، ووقته، فإن الله كتب ~~على اليهود، والنصارى صوم رمضان، فغيروا، وقيل هو الوجوب، فإن الله أوجب ~~على الأمم الصيام. وقيل هو الصفة. أي ترك الأكل، والشرب، ونحوهما في وقت، ~~فعلى الأول معناه أن الله كتب على هذه الأمة صوم رمضان كما كتبه على ~~الذين من قبلهم، وعلى الثاني أن الله أوجب على هذه الأمة الصيام كما ~~أوجبه على الذين من قبلهم، وعلى الثالث أن الله سبحانه أوجب على هذه ~~الأمة الإمساك عن المفطرات كما أوجبه على الذين من قبلهم. وقوله تعالى { ~~لعلكم تتقون } بالمحافظة عليها، وقيل تتقون المعاصي بسبب هذه ~~العبادة لأنها تكسر الشهوة، وتضعف دواعي المعاصي، كما ورد في الحديث أنه # " جنة " # ، وأنه و # " جاء " # وقوله { أياما } منتصب على أنه مفعول ثان لقوله { كتب } قاله ~~الفراء. وقيل إنه منتصب على أنه ظرف، أي كتب عليكم الصيام في أيام. وقوله ~~{ معدودت } أي معينات بعدد معلوم، ويحتمل أن يكون في هذا الجمع ~~لكونه من جموع القلة إشارة إلى تقليل الأيام. وقوله { فمن كان منكم ~~مريضا } قيل للمريض حالتان إن كان لا يطيق الصوم كان الإفطار عزيمة، ~~وإن كان يطيقه مع تضرر، ومشقة كان رخصتة. وبهذا قال الجمهور. وقوله { ~~على سفر } اختلف أهل العلم في السفر المبيح للإفطار، فقيل مسافة ~~قصر الصلاة، والخلاف في قدرها معروف، وبه قال الجمهور. وقال غيرهم ~~بمقادير لا دليل عليها. والحق أن ما صدق عليه مسمى السفر، فهو الذي يباح ~~عنده الفطر، وهكذا ما صدق عليه مسمى المرض، فهو الذي يباح عنده الفطر. # وقد وقع الإجماع على الفطر في سفر الطاعة. واختلفوا في الأسفار المباحة، ~~والحق أن الرخصة ثابتة فيه، وكذا اختلفوا في سفر المعصية. ms0277 وقوله { ~~فعدة } أي فعليه عدة، أو فالحكم عدة، أو فالواجب عدة، والعدة ~~فعلة من العدد، وهو بمعنى. المعدود. وقوله { من أيام أخر } قال ~~سيبويه ولم ينصرف لأنه معدول به عن الآخر لأن سبيل هذا الباب أن يأتي ~~بالألف واللام، وقال الكسائي هو معدول به عن آخر، وقيل إنه جمع أخرى، ~~وليس في الآية ما يدل على وجوب التتابع في القضاء. قوله { وعلى ~~الذين يطيقونه } قراءة الجمهور بكسر الطاء، وسكون الياء، وأصله ~~يطوقونه نقلت الكسرة إلى الطاء، وانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. ~~وقرأ حميد على الأصل من غير إعلال، وقرأ ابن عباس بفتح الطاء مخففة، ~~وتشديد الواو، أي يكلفونه، وروى ابن الأنباري، عن ابن عباس «يطيقونه» ~~بفتح الياء، وتشديد الطاء، والياء مفتوحتين بمعنى يطيقونه. وروي عن ~~عائشة، وابن عباس، وعمرو ابن دينار، وطاوس أنهم قرءوا «يطيقونه» بفتح ~~الياء، وتشديد الطاء مفتوحة. وقرأ أهل المدينة، والشام " فدية ~~طعام " مضافا. وقرءوا أيضا { مسكين } وقرأ ابن عباس { طعام ~~مسكين } وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي. وقد اختلف ~~أهل العلم في هذه الآية، هل هي محكمة، أم منسوخة؟ فقيل إنها منسوخة، ~~وإنما كانت رخصة عند ابتداء فرض الصيام لأنه شق عليهم، فكان من أطعم كل ~~يوم مسكينا ترك الصوم، وهو يطيقه، ثم نسخ ذلك، وهذا قول الجمهور. وروي ~~عن بعض أهل العلم، أنها لم تنسخ، وأنها رخصة للشيوخ، والعجائز خاصة إذا ~~كانوا لا يطيقون الصيام إلا بمشقة، وهذا يناسب قراءة التشديد، أي يكلفونه ~~كما مر. والناسخ لهذه الآية عند الجمهور قوله تعالى { فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه }. وقد اختلفوا في مقدار الفدية فقيل كل ~~يوم صاع من غير البر، ونصف صاع منه، وقيل مد فقط. وقوله { فمن ~~تطوع خيرا فهو خير له } قال ابن شهاب معناه من أراد ~~الإطعام مع الصوم. وقال مجاهد معناه من زاد في الإطعام على المد. وقيل ~~من أطعم مع المسكين مسكينا آخر. وقرأ عيسى بن عمر، ويحيى بن وثاب، ~~وحمزة، والكسائي «يطوع» مشددا مع جزم الفعل على معنى ms0278 يتطوع، وقرأ ~~الباقون بتخفيف الطاء على أنه فعل ماض. وقوله { وأن تصوموا خير ~~لكم } معناه أن الصيام خير لهم من الإفطار مع الفدية، وكان هذا قبل ~~النسخ، وقيل معناه وأن تصوموا في السفر، والمرض غير الشاق. وقد أخرج أحمد ~~وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والحاكم وصححه، والبيهقي في ~~سننه، عن معاذ بن جبل قال أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة ~~أحوال، فذكر أحوال الصلاة ثم قال وأما أحوال الصيام، فإن رسول الله قدم ~~المدينة، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء، ثم إن الله ~~سبحانه فرض عليه الصيام، وأنزل عليه { يأيها الذين ءامنوا ~~كتب عليكم الصيام } إلى قوله { وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين } فكان من شاء صام، ومن شاء ~~أطعم مسكينا، فأجزأ ذلك عنه، ثم إن الله أنزل الآية الأخرى { فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه } فأثبت الله صيامه على الصحيح ~~المقيم، ورخص فيه للمريض، والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع ~~الصيام، ثم ذكر تمام الحديث. # وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { كما كتب على ~~الذين من قبلكم } قال يعني بذلك أهل الكتاب. وأخرج البخاري في ~~تاريخه، والطبراني، عن دغفل بن حنظلة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " كان على النصارى صوم شهر رمضان، فمرض ملكهم، فقالوا لئن شفاه الله ~~لنزيدن عشرا، ثم كان آخر، فأكل لحما، فأوجع فوه، فقال لئن شفاه الله ~~ليزيدن سبعة، ثم كان عليهم ملك آخر، فقال ما ندع من هذه الثلاثة الأيام ~~شيئا أن نتمها، ونجعل صومنا في الربيع، ففعل، فصارت خمسين يوما " # وأخرج ابن جرير، عن السدي، في قوله { لعلكم تتقون } قال ~~تتقون من الطعام، والشراب، والنساء مثل ما اتقوا. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس نحو ما سبق عن معاذ. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن ~~عمر، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم " # وأخرج البخاري، ومسلم عن عائشة قالت كان ms0279 عاشوراء صياما، فلما أنزل ~~رمضان كان من شاء صام، ومن شاء أفطر. وأخرج عبد بن حميد أن ابن عباس قال ~~إن قوله تعالى { وعلى الذين يطيقونه } قد نسخت. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، وابن مردويه عنه نحو ذلك، وزاد أن الناسخ لها قوله تعالى { ~~فمن شهد منكم الشهر } الآية. وأخرج نحو ذلك عنه أبو داود في ~~ناسخه. وأخرج نحوه عنه أيضا سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وأبو داود، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وغيرهم. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث ~~سلمة بن الأكوع قال لما نزلت هذه الآية { وعلى الذين يطيقونه ~~فدية طعام مسكين } كان من شاء صام، ومن شاء أن يفطر ويفتدي ~~فعل، حتى نزلت هذه الآية بعدها فنسختها { فمن شهد منكم الشهر ~~}. وأخرج البخاري، عن ابن أبي ليلى قال حدثنا أصحاب محمد، فذكر نحوه. ~~وأخرج ابن جرير، عن علي بن أبي طالب في قوله { وعلى الذين ~~يطيقونه } قال الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم فيفطر، ويطعم مكان ~~كل يوم مسكينا. # وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والدارقطني، والبيهقي أن أنس بن مالك ~~ضعف عن الصوم عاما قبل موته، فصنع جفنة من ثريد ودعا ثلاثين مسكينا، ~~فأطعمهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والدارقطني وصححه عن ابن عباس أنه ~~قال لأم ولد له حامل، أو مرضعة أنت بمنزلة الذين لا يطيقون الصيام، عليك ~~الطعام لا قضاء عليك. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والدارقطني، عن ~~ابن عمر أن إحدى بناته أرسلت تسأله عن صوم رمضان، وهي حامل، قال تفطر، ~~وتطعم كل يوم مسكينا، وقد روى نحو هذا، عن جماعة من التابعين. وأخرج عبد ~~بن حميد، عن عكرمة في قوله { فمن تطوع خيرا } قال أطعم ~~مسكينين. وأخرج عبد بن حميد، عن طاوس في قوله { فمن تطوع خيرا ~~} قال إطعام مساكين. وأخرج ابن جرير، عن ابن شهاب في قوله { وأن ~~تصوموا خير لكم } أي أن الصوم خير لكم من الفدية. وقد ورد في ~~فضل الصوم أحاديث كثيرة جدا. ### || [2.185] # { رمضان ms0280 } مأخوذ من رمض الصائم يرمض إذا احترق جوفه من شدة العطش، ~~والرمضاء ممدود شدة الحر، ومنه الحديث الثابت في الصحيح # " صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال " # أي أحرقت الرمضاء أجوافها. قال الجوهري وشهر رمضان يجمع على رمضانات، ~~وأرمضاء يقال إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها ~~بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام الحر، فسمي بذلك، وقيل ~~إنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب، أي يحرقها بالأعمال الصالحة. وقال ~~الماوردي إن اسمه في الجاهلية ناتق، وأنشد المفضل # وفي ناتق أجلت لدى حومة الوغى وولت على الأدبار ~~فرسان خثعما # وإنما سموه بذلك لأنه كان ينتقهم لشدته عليهم، و { شهر } مرتفع في ~~قراءة الجماعة على أنه مبتدأ خبره { الذى أنزل فيه القرآن } ~~أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي المفروض عليكم صومه شهر رمضان، ويجوز أن ~~يكون بدلا من الصيام المذكور في قوله تعالى { كتب عليكم ~~الصيام }. وقرأ مجاهد، وشهر بن حوشب بنصب الشهر، ورواها هارون الأعور ~~عن أبي عمرو، وهو منتصب بتقدير الزموا أو صوموا. قال الكسائي، والفراء ~~إنه منصوب بتقدير فعل { كتب عليكم الصيام } { وأن تصوموا } وأنكر ذلك ~~النحاس، وقال إنه منصوب على الإغراء. وقال الأخفش إنه نصب على الظرف، ~~ومنع الصرف للألف والنون الزائدتين. قوله { أنزل فيه القرآن } ~~قيل أنزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم كان جبريل ينزل به نجما ~~نجما. وقيل أنزل فيه أوله، وقيل أنزل في شأنه القرآن. وهذه الآية أعم ~~من قوله تعالى # إنا أنزلنه فى ليلة القدر # القدر 1. وقوله # إنا أنزلنه فى ليلة مبركة # الدخان 3 يعني ليلة القدر. والقرآن اسم لكلام الله تعالى، وهو بمعنى ~~المقروء كالمشروب سمي شرابا، والمكتوب سمي كتابا، وقيل هو مصدر قرأ ~~يقرأ، ومنه قول الشاعر # ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحا وقرآنا # أي قراءة، ومنه قوله تعالى # وقرآن الفجر # الإسراء 78 أي قراءة الفجر. وقوله { هدى للناس } منتصب على الحال، ~~أي هاديا لهم. وقوله { وبينت من الهدى } من عطف الخاص ~~على العام، إظهارا لشرف ms0281 المعطوف بإفراده بالذكر لأن القرآن يشمل محكمه، ~~ومتشابهه، والبينات تختص بالحكم منه. والفرقان ما فرق بين الحق، والباطل ~~أي فصل. قوله { من شهد منكم الشهر } أي حضر، ولم يكن في سفر ~~بل كان مقيما، والشهر منتصب على أنه ظرف، ولا يصح أن يكون مفعولا به. ~~قال جماعة من السلف، والخلف إن من أدركه شهر رمضان مقيما غير مسافر لزمه ~~صيامه، سافر بعد ذلك، أو أقام استدلالا بهذه الآية. وقال الجمهور إنه ~~إذا سافر أفطر، لأن معنى الآية إن حضر الشهر من أوله إلى آخره لا إذا ~~حضر بعضه، وسافر، فإنه لا يتحتم عليه إلا صوم ما حضره، وهذا هو الحق، ~~وعليه دلت الأدلة الصحيحة من السنة. # وقد كان يخرج صلى الله عليه وسلم في رمضان، فيفطر. وقوله { فمن كان ~~منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ~~قد تقدم تفسيره. وقوله { يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر } فيه أن هذا مقصد من مقاصد الرب سبحانه، ~~ومراد من مراداته في جميع أمور الدين، ومثله قوله تعالى # وما جعل عليكم فى الدين من حرج # الحج 78 وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يرشد إلى ~~التيسير، وينهى عن التعسير كقوله صلى الله عليه وسلم # " يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا " # وهو في الصحيح. واليسر السهل الذي لا عسر فيه. وقوله { ولتكملوا ~~العدة } الظاهر أنه معطوف على قوله { يريد الله بكم ~~اليسر } أي يريد بكم اليسر، ويريد إكمالكم للعدة، وتكبيركم، وقيل ~~إنه متعلق بمحذوف تقديره رخص لكم هذه الرخصة لتكملوا العدة، وشرع لكم ~~الصوم لمن شهد الشهر لتكملوا العدة. وقد ذهب إلى الأول البصريون قالوا ~~والتقدير يريد لأن تكملوا العدة، ومثله قول كثير بن صخر # أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلا بكل سبيل # وذهب الكوفيون إلى الثاني، وقيل الواو مقحمة، وقيل إن هذه اللام لام ~~الأمر، والواو لعطف الجملة التي بعدها على الجملة التي قبلها. وقال في ~~الكشاف إن قوله { وأحصوا العدة } علة للأمر بمراعاة ms0282 العدة { ~~ولتكبروا } علة ما علم من كيفية القضاء، والخروج عن عهدة الفطر { ~~ولعلكم تشكرون } علة الترخيص، والتيسير، والمراد بالتكبير ~~هنا هو قول القائل " الله أكبر ". قال الجمهور ومعناه الحض على التكبير ~~في آخر رمضان. وقد وقع الخلاف في وقته، فروى عن بعض السلف أنهم كانوا ~~يكبرون ليلة الفطر، وقيل إذا رأوا هلال شوال كبروا إلى انقضاء الخطبة، ~~وقيل إلى خروج الإمام، وقيل هو التكبير يوم الفطر. قال مالك هو من حين ~~يخرج من داره إلى أن يخرج الإمام، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة يكبر ~~في الأضحى، ولا يكبر في الفطر. وقوله { ولعلكم تشكرون } قد ~~تقدم تفسيره. وقد أخرج أبو حاتم، وأبو الشيخ، وابن عدي، والبيهقي في ~~سننه، عن أبي هريرة مرفوعا، وموقوفا # " لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا شهر ~~رمضان " # وقد ثبت، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " # وثبت عنه أنه قال # " من قام رمضان إيمانا، واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " # وثبت عنه أنه قال # " شهرا عيد لا ينقصان رمضان، وذو الحجة " # وقال # " إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة " # وهذا كله في الصحيح. وثبت، عنه في أحاديث كثيرة غير هذه أنه كان يقول " ~~رمضان " بدون ذكر الشهر. وأخرج ابن مردويه والأصبهاني في الترغيب عن أنس ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إنما سمي رمضان لأن رمضان يرمض الذنوب " # وأخرجا أيضا، عن عائشة مرفوعا نحوه. وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن ابن ~~عمر نحوه. وقد ورد في فضل رمضان أحاديث كثيرة، وأخرج أحمد وابن جرير ~~ومحمد بن نصر وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في الشعب عن واثلة بن ~~الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزل الزبور لثماني عشرة ~~خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان " # وأخرج أبو يعلى، وابن مردويه عن جابر ms0283 مثله، لكنه قال # " وأنزل الزبور الاثني عشر " # وزاد # " وأنزل التوراة لست خلون من رمضان، وأنزل الإنجيل لثماني عشرة خلت من ~~رمضان " # وأخرج محمد بن نصر عن عائشة نحو قول جابر، إلا أنها لم تذكر نزول ~~القرآن. وأخرج ابن جرير، ومحمد بن نصر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن ~~مردويه، والبيهقي في الأسماء، والصفات عن مقسم قال سأل عطية بن الأسود ~~ابن عباس فقال إنه قد وقع في قلبي الشك في قول الله { شهر رمضان ~~الذى أنزل فيه القرآن }. وقوله # إنا أنزلنه فى ليلة القدر # القدر 1 وقوله # إنا أنزلنه فى ليلة مبركة # الدخان 3 فقال ابن عباس إنه أنزل في ليلة القدر وفي رمضان، وفي ليلة ~~مباركة جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلا في الشهور ~~والأيام. وأخرج محمد بن نصر، والطبراني، وابن مردويه، والحاكم وصححه، ~~والبيهقي، والضياء في المختارة، عن ابن عباس قال نزل القرآن جملة لأربعة ~~وعشرين من رمضان، فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزله ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم ترتيلا. وأخرج ابن جرير، عنه أنه قال ~~«ليلة القدر هي الليلة المباركة، وهي في رمضان أنزل القرآن جملة واحدة من ~~الذكر إلى البيت المعمور». وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله { ~~هدى للناس } قال يهتدون به { وبينت من الهدى } قال فيه ~~الحلال، والحرام، والحدود. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ابن عباس في ~~قوله { فمن شهد الشهر فليصمه } قال هو إهلاله بالدار. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن علي قال من أدرك ~~رمضان، وهو مقيم، ثم سافر، فقد لزمه الصوم لأن الله يقول { فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه }. # وأخرج سعيد بن منصور، عن ابن عمر نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أي حاتم، ~~والبيهقي، عن ابن عباس في قوله { يريد الله بكم اليسر } قال ~~اليسر الافطار في السفر، والعسر الصوم في السفر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~الربيع في قوله { ولتكملوا العدة } قال عدة شهر ms0284 رمضان. ~~وأخرج ابن جرير، عن الضحاك أنه قال عدة ما أفطر المريض في السفر. وقد صح ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # " صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين ~~يوما " # وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال حق على الصائمين إذا نظروا إلى شهر ~~شوال أن يكبروا الله حتى يفرغوا من عيدهم لأن الله يقول { ~~ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما ~~هداكم }. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، عن ابن مسعود أنه كان ~~يكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله ~~الحمد. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي في سننه عن ابن عباس، أنه كان يكبر ~~الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، الله أكبر، ولله الحمد وأجل، الله ~~أكبر على ما هدانا. ### || [2.186] # قوله { وإذا سألك عبادي عني } يحتمل أن السؤال عن القرب ~~والبعد كما يدل عليه قوله { فإني قريب } ويحتمل أن السؤال عن إجابة ~~الدعاء، كما يدل على ذلك قوله { أجيب دعوة الداع } ويحتمل أن ~~السؤال عما هو أعم من ذلك، وهذا هو الظاهر، مع قطع النظر عن السبب الذي ~~سيأتي بيانه. وقوله { فإني قريب } قيل بالإجابة. وقيل بالعلم. وقيل ~~بالإنعام. وقيل في الكشاف إنه تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه، ~~وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بمن قرب مكانه، فإذا دعى أسرعت تلبيته. ومعنى ~~الإجابة هو معنى ما في قوله تعالى # ادعونى أستجب لكم # غافر 60 وقيل معناه أقبل عبادة من عبدني بالدعاء، لما ثبت عنه صلى الله ~~عليه وسلم من # " أن الدعاء هو العبادة، " # كما أخرجه أبو داود، وغيره من حديث النعمان بن بشير، والظاهر أن الإجابة ~~هنا هي باقية على معناها اللغوي وكون الدعاء من العبادة لا يستلزم أن ~~الإجابة هي القبول للدعاء أي جعله عبادة متقبلة، فالإجابة أمر آخر غير ~~قبول هذه العبادة. والمراد أنه سبحانه يجيب بما شاء، وكيف شاء، فقد يحصل ~~المطلوب قريبا، وقد يحصل بعيدا، وقد يدفع عن الداعي من ms0285 البلاء ما لا ~~يعلمه بسبب دعائه، وهذا مقيد بعدم اعتداء الداعي في دعائه، كما في قوله ~~سبحانه # ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين # الأعراف 55 ومن الاعتداء أن يطلب ما لا يستحقه، ولا يصلح له، كمن يطلب ~~منزلة في الجنة مساوية لمنزلة الأنبياء، أو فوقها. وقوله { ~~فليستجيبوا لى } أي كما أجبتهم إذا دعوني، فليستجيبوا لي فيما ~~دعوتهم إليه من الإيمان والطاعات، وقيل معناه أنهم يطلبون إجابة الله ~~سبحانه لدعائهم باستجابتهم له أي القيام بما أمرهم به، والترك لما نهاهم ~~عنه. والرشد خلاف الغي، رشد يرشد رشدا. ورشدا. قال الهروي الرشد، ~~والرشد، والرشاد الهدى، والاستقامة. قال ومنه هذه الآية. وقد أخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه من طريق الصلب بن حكيم عن ~~رجل من الأنصار عن أبيه عن جده قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال يا رسول الله أقريب ربنا، فنناجيه أم بعيد، فنناديه؟ فسكت ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية. وأخرج عبد الرزاق، وابن ~~جرير، عن الحسن قال سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أين ربنا؟ فأنزل ~~الله هذه الآية. وأخرج ابن مردويه، عن أنس أنه سأل أعرابي النبي صلى ~~الله عليه وسلم أين ربنا؟ فنزلت. وأخرج ابن عساكر في تاريخه، عن علي قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تعجزوا عن الدعاء، فإن الله أنزل علي " # ادعونى أستجب لكم # غافر 60 فقال رجل يا رسول الله ربنا يسمع الدعاء أم كيف ذلك، فأنزل الله ~~هذه الآية. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~عن عطاء أنه بلغه لما نزلت { ادعونى أستجب لكم } قالوا لو ~~نعلم أي ساعة ندعو، فنزلت. وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال # " ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه ~~الله بها إحدى ثلاث خصال إما أن يعجل له دعوته، وإما أن ms0286 يدخر له في ~~الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها " # وثبت في الصحيح أيضا من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول دعوت، فلم يستجب لي " # وأخرج ابن أبي حاتم، عن أنس في قوله { فليستجيبوا لى } قال ~~ليدعوني { وليؤمنوا بى } أي أنهم إذا دعوني استجبت لهم. وأخرج ~~ابن جرير، عن مجاهد قال { فليستجيبوا لى } أي فليطيعوني. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن الربيع بن أنس في قوله { ~~لعلهم يرشدون } قال يهتدون. ### || [2.187] # قوله { أحل لكم } فيه دلالة على أن هذا الذي أحله الله كان ~~حراما عليهم، وهكذا كان كما يفيده السبب لنزول الآية، وسيأتي. والرفث ~~كناية عن الجماع. قال الزجاج الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من ~~امرأته، وكذا قال الأزهري، ومنه قول الشاعر # ويرين من أنس الحديث زوانيا وبهن عن رفث الرجال ~~نفار # وقيل الرفث أصله قول الفحش، رفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح، وليس هو المراد ~~هنا، وعدى الرفث بإلى لتضمينه معنى الإمضاء. وجعل النساء لباسا للرجال ~~والرجال لباسا لهن لامتزاج كل واحد منهما بالآخر عند الجماع كالامتزاج ~~الذي يكون بين الثوب، ولابسه. قال أبو عبيدة، وغيره يقال للمرأة لباس، ~~وفراش، وإزار. وقيل إنما جل كل واحد منهما لباسا للآخر، لأنه يستره عند ~~الجماع، عن أعين الناس. وقوله { تختانون أنفسكم } أي تخونونها ~~بالمباشرة في ليالي الصوم، يقال خان، واختان بمعنى، وهما من الخيانة. قال ~~القتيبي أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء، فلا يؤدي الأمانة فيه. ~~انتهى. وإنما سماهم خائنين لأنفسهم لأن ضرر ذلك عائد عليهم، وقوله { ~~فتاب عليكم } يحتمل معنيين أحدهما قبول التوبة من خيانتهم ~~لأنفسهم، والآخر التخفيف عنهم بالرخصة، والإباحة كقوله # علم أن لن تحصوه فتاب عليكم # المزمل 20 يعني تخفف عنكم، وكقوله # فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من ~~الله # النساء 92 يعني تخفيفا، وهكذا قوله { الضر عنكم } يحتمل العفو ~~من الذنب، ويحتمل التوسعة، والتسهيل. وقوله { وابتغوا } قيل هو ~~الولد، ms0287 أي ابتغوا بمباشرة نسائكم حصول ما هو معظم المقصود من النكاح، وهو ~~حصول النسل. وقيل المراد ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه، قاله الزجاج ~~وغير. وقيل ابتغوا الرخصة، والتوسعة. وقيل ابتغوا ما كتب لكم من الإماء، ~~والزوجات. وقيل غير ذلك مما لا يفيده النظم القرآني، ولا دل عليه دليل ~~آخر. وقرأ الحسن البصري «واتبعوا» بالعين المهملة من الإتباع. وقوله { ~~حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود من الفجر } هو تشبيه بليغ، والمراد هنا بالخيط الأبيض هو ~~المعترض في الأفق، لا الذي هو كذنب السرحان، فإنه الفجر الكذاب، ~~الذي لا يحل شيئا، ولا يحرمه. والمراد بالخيط الأسود سواد الليل، ~~والتبين أن يمتاز أحدهما عن الآخر، وذلك لا يكون إلا عند دخول وقت الفجر. ~~وقوله { ثم أتموا الصيام إلى اليل } فيه التصريح بأن ~~للصوم غاية هي الليل، فعند إقبال الليل من المشرق، وإدبار النهار من ~~المغرب يفطر الصائم، ويحل له الأكل، والشرب وغيرهما. وقول { ولا ~~تبشروهن وأنتم عكفون في المسجد } قيل المراد ~~بالمباشرة هنا الجماع. وقيل تشمل التقبيل، واللمس إذا كانا لشهوة لا إذا ~~كانا لغير شهوة، فهما جائزان كما قاله عطاء، والشافعي، وابن المنذر، ~~وغيرهم، وعلى هذا يحتمل ما حكاه ابن عبد البر من الإجماع على أن المعتكف ~~لا يباشر، ولا يقبل، فتكون هذه الحكاية للإجماع مقيدة بأن يكونا لشهوة، ~~والاعتكاف في اللغة الملازمة، يقال عكف على الشيء إذا لازمه، ومنه قول ~~الشاعر # وظل بنات الليل حولي عكفا عكوف البواكي ~~حولهن صريع # ولما كان المعتكف يلازم المسجد قيل له عاكف في المسجد، ومعتكف فيه لأنه ~~يحبس نفسه لهذه العبادة في المسجد، والاعتكاف في الشرع ملازمة طاعة ~~مخصوصة على شرط مخصوص. وقد وقع الإجماع على أنه ليس بواجب، وعلى أنه لا ~~يكون إلا في مسجد، وللاعتكاف أحكام مستوفاة في كتب الفقه، وشروح الحديث. ~~وقوله { تلك حدود الله } أي هذه الأحكام حدود الله، وأصل الحد ~~المنع، ومنه سمي البواب، والسجان حدادا، وسميت الأوامر والنواهي حدود ~~الله لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ms0288 ليس منها، وأن يخرج عنها ما هو منها، ~~ومن ذلك سميت الحدود حدودا لأنها تمنع أصحابها من العود. ومعنى النهي عن ~~قربانها النهي عن تعديها بالمخالفة لها، وقيل إن حدود الله هي محارمه ~~فقط، ومنها المباشرة من المعتكف، والإفطار في رمضان لغير عذر، وغير ذلك ~~مما سبق النهي عنه، ومعنى النهي عن قربانها على هذا واضح. وقوله { ~~كذلك يبين الله آياته } أي كما بين لكم هذه الحدود يبين ~~لكم العلامات الهادية إلى الحق. وقد أخرج البخاري، وأبو داود، والنسائي، ~~وغيرهم عن البراء بن عازب قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا كان الرجل صائما، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته، ~~ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما، فكان يومه ~~ذلك يعمل في أرضه، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال هل عندك طعام؟ قالت ~~لا، ولكن أنطلق، فأطلب لك، فغلبته عينه، فنام، وجاءت امرأته، فلما رأته ~~نائما قالت خيبة لك أنمت؟ فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية { أحل لكم ليلة ~~الصيام } إلى قوله { من الفجر } ففرحوا بها فرحا شديدا. وأخرج ~~البخاري أيضا من حديثه قال لما نزل صوم شهر رمضان كانوا لا يقربون ~~النساء رمضان كله، فكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله { علم الله ~~أنكم كنتم تختانون أنفسكم } الآية. وقد روى في بيان سبب ~~نزول هذه الآية أحاديث عن جماعة من الصحابة نحو ما قاله البراء. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال كان الناس أول ما أسلموا إذا ~~صام أحدهم يصوم يومه حتى إذا أمسى طعم من الطعام، ثم قال وإن عمر بن ~~الخطاب أتى امرأته، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول ~~إني أعتذر إلى الله، وإليك من نفسي، وذكر ما وقع منه، فنزل قوله تعالى { ~~أحل لكم ليلة الصيام } الآية. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال إن المسلمين كانوا في شهر ms0289 رمضان، ~~إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء، والطعام والشراب إلى مثلها من ~~القابلة، ثم إن ناسا من المسلمين أصابوا النساء، والطعام في رمضان بعد ~~العشاء، منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأنزل الله { أحل لكم ليلة الصيام } الآية. وأخرج ~~ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن ~~عباس قال الرفث الجماع. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عمر مثله. وأخرج عبد ~~الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال ~~الدخول، والتفشي، والإفضاء، والمباشرة، والرفث، واللمس، والمس هذا الجماع ~~غير أن الله حيي كريم يكني بما شاء عما شاء. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس، في قوله { هن لباس لكم ~~وأنتم لباس لهن } قال هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله { تختانون أنفسكم } قال تظلمون ~~أنفسكم. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله { فالن بشروهن } ~~قال انكحوهن. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه في قوله { ~~وابتغوا ما كتب الله لكم } قال الولد. وأخرج عبد بن حميد، ~~عن مجاهد، وقتادة والضحاك مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى { وابتغوا ما كتب الله ~~لكم } قال ليلة القدر. وأخرج البخاري في تاريخه، عن أنس مثله. وأخرج ~~عبد الرزاق، عن قتادة قال { وابتغوا } الرخصة التي كتب الله لكم. ~~وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن سهل بن سعد. قال أنزلت { وكلوا ~~واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود } ولم ينزل { من الفجر } فكان رجال إذا أرادوا ~~الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض، والخيط الأسود، فلا يزال يأكل، ~~ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله { من الفجر } فعلموا أنه ~~يعني الليل والنهار. وفي الصحيحين، وغيرهما عن عدي بن حاتم، أنه جعل تحت ~~وساده خيطين أبيض وأسود، وجعل ينظر إليهما فلا يتبين له الأبيض من ~~الأسود، فغدا ms0290 على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال # " إن وسادك إذا لعريض، إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل " # وفي رواية في البخاري، وغيره. إنه قال له # " إنك لعريض القفا ". # وفي رواية عند ابن جرير، وابن أبي حاتم أنه ضحك منه. # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن الضحاك قال كانوا ~~يجامعون، وهم معتكفون حتى نزلت { ولا تبشروهن وأنتم ~~عكفون في المسجد }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن الربيع نحوه. وأخرج ابن جرير، ~~عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن ~~ابن عباس قال «إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه ويستأنف». وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس في قوله { تلك حدود الله } قال يعني طاعة ~~الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال { حدود الله } معصية الله ~~يعني المباشرة في الاعتكاف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل أنها الجماع. ~~وأخرج أيضا عن سعيد بن جبير في قوله { كذلك } يعني هكذا يبين الله. ### || [2.188] # هذا يعم جميع الأمة، وجميع الأموال، لا يخرج عن ذلك إلا ماورد دليل ~~الشرع بأنه يجوز أخذه، فإنه مأخوذ بالحق لا بالباطل، ومأكول بالحل لا ~~بالإثم، وإن كان صاحبه كارها كقضاء الدين إذا امتنع منه من هو عليه، ~~وتسليم ما أوجبه الله من الزكاة ونحوها، ونفقة من أوجب الشرع نفقته. ~~والحاصل أن ما لم يبح الشرع أخذه من مالكه، فهو مأكول بالباطل، وإن طابت ~~به نفس مالكه كمهر البغي، وحلوان الكاهن، وثمن الخمر. والباطل في اللغة ~~الذاهب الزائل. وقوله { وتدلوا } مجزوم عطفا على تأكلوا، فهو من ~~جملة المنهي عنه، يقال أدلى الرجل بحجته، أو بالأمر الذي يرجو النجاح به ~~تشبيها بالذي يرسل الدلو في البئر، يقال أدلى دلوه أرسلها، والمعنى أنكم ~~لا تجمعوا بين أكل الأموال بالباطل، وبين الإدلاء بها إلى الحكام بالحجج ~~الباطلة، وفي هذه الآية دليل أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام، ولا يحرم ~~الحلال من غير ms0291 فرق بين الأموال والفروج، فمن حكم له القاضي بشيء مستندا ~~في حكمه إلى شهادة زور أو يمين فجور، فلا يحل له أكله، فإن ذلك من أكل ~~أموال الناس بالباطل، وهكذا إذا أرشى الحاكم، فحكم له بغير الحق، فإنه من ~~أكل أموال الناس بالباطل. ولا خلاف بين أهل العلم ان حكم الحاكم لا يحلل ~~الحرام، ولا يحرم الحلال. وقد روى عن أبي حنيفة ما يخالف ذلك، وهو مردود ~~لكتاب الله تعالى، ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أم ~~سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له ~~على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء، فلا يأخذه، فإنما أقطع له ~~قطعة من النار " # وهو في الصحيحين، وغيرهما. وقوله { فريقا } أي قطعة أو جزءا أو ~~طائفة، فعبر بالفريق عن ذلك، وأصل الفريق القطة من الغنم تشذ عن معظمها. ~~وقيل في الكلام تقديم وتأخير والتقدير لتأكلوا أموال فريق من الناس ~~بالإثم، وسمي الظلم، والعدوان إثما باعتبار تعلقه بفاعله. وقوله { ~~وأنتم تعلمون } أي حال كونكم عالمين أن ذلك باطل ليس من الحق في ~~شيء، وهذا أشد لعقابهم. وأعظم لجرمهم. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ولا تأكلوا أمولكم } ~~الآية، قال هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه بينة، فيجحد المال ~~ويخاصم إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه. وروى سعيد بن منصور وعبد بن ~~حميد، عن مجاهد قال معناها لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم. وأخرج ابن ~~المنذر، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير أن امرأ ~~القيس بن عابس، وعيدان بن أشوع الحضرمي اختصما في أرض، وأراد امرؤ القيس ~~أن يحلف، فنزلت { ولا تأكلوا أمولكم } الآية. ### || [2.189] # قوله { يسألونك } سيأتي بيان من هم السائلون له صلى الله عليه ~~وسلم، و { الأهلة } جمع هلال، وجمعها باعتبار هلال كل شهر أو كل ms0292 ليلة، ~~تنزيلا لاختلاف الأوقات منزلة اختلاف الذوات، والهلال اسم لما يبدو في ~~أول الشهر، وفي آخره. قال الأصمعي هو هلال حتى يستدير، وقيل هو هلال حتى ~~ينير بضوئه السماء، وذلك ليلة السابع. وإنما قيل له هلال لأن الناس ~~يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه عند رؤيته، ومنه استهل الصبي إذا صاح، ~~واستهل وجهه، وتهلل إذا ظهر فيه السرور. قوله { قل هى مواقيت ~~للناس والحج } فيه بيان وجه الحكمة في زيادة الهلال، ونقصانه، ~~وأن ذلك لأجل بيان المواقيت التي يوقت الناس عباداتهم، ومعاملاتهم بها ~~كالصوم، والفطر، والحج، ومدة الحمل، والعدة، والإجارات، والأيمان، وغير ~~ذلك، ومثله قوله تعالى # لتعلموا عدد السنين والحساب # يونس 5 والمواقيت جمع الميقات، وهو الوقت. وقراءة الجمهور { والحج } ~~بفتح الحاء. وقرأ ابن أبي إسحاق بكسرها في جميع القرآن. قال سيبويه الحج ~~بالفتح كالرد والشد، وبالكسر كالذكر مصدران بمعنى، وقيل بالفتح مصدر، ~~وبالكسر الاسم. وإنما أفرد سبحانه الحج بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى ~~معرفة الوقت، ولا يجوز فيه النسيء، عن وقته، ولعظم المشقة على من التبس ~~عليه وقت مناسكه، أو أخطأ وقتها، أو وقت بعضها. وقد جعل بعض علماء ~~المعاني هذا الجواب، أعني قوله { قل هى مواقيت } من الأسلوب ~~الحكيم، وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب، تنبيها على أنه الأولى بالقصد، ~~ووجه ذلك أنهم سألوا عن أجرام الأهلة باعتبار زيادتها، ونقصانها، فأجيبوا ~~بالحكمة التي كانت تلك الزيادة، والنقصان لأجلها لكون ذلك أولى بأن يقصد ~~السائل وأحق بأن يتطلع لعلمه. قوله { وليس البر بأن تأتوا ~~البيوت من ظهورها } وجه اتصال هذا بالسؤال عن الأهلة، والجواب ~~بأنها مواقيت للناس، والحج أن الأنصار كانوا إذا حجوا لا يدخلون من أبواب ~~بيوتهم إذا رجع أحدهم إلى بيته بعد إحرامه قبل تمام حجه لأنهم يعتقدون أن ~~المحرم لا يجوز أن يحول بينه، وبين السماء حائل، وكانوا يتسنمون ظهور ~~بيوتهم. وقال أبو عبيدة إن هذا من ضرب المثل، والمعنى ليس البر أن ~~تسألوا الجهال، ولكن البر التقوى، واسألوا العلماء كما تقول أتيت هذا ~~الأمر من بابه. ms0293 وقيل هو مثل في جماع النساء، وأنهم أمروا بإتيانهن في ~~القبل لا في الدبر. وقيل غير ذلك. والبيوت جمع بيت، وقرىء بضم الباء، ~~وكسرها. وقد تقدم تفسير التقوى والفلاح، وسبق أيضا أن التقدير في مثل ~~قوله { ولكن البر من اتقى } ولكن البر بر من اتقى. ~~وقد أخرج ابن عساكر بسند ضعيف، عن ابن عباس في قوله تعالى { ~~يسئلونك عن الأهلة } قال نزلت في معاذ بن جبل، وثعلبة بن ~~عثمة. # وهما رجلان من الأنصار قالا يا رسول الله ما بال الهلال يبدو، ويطلع ~~دقيقا مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم، ويستوي، ثم لا يزال ينقص، ويدق حتى ~~يعود كما كان لا يكون على حال واحد؟ فنزلت { يسئلونك عن ~~الأهلة قل هى مواقيت للناس } في حل دينهم، ولصومهم ~~ولفطرهم، وعدد نسائهم، والشروط التي إلى أجل. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، عن قتادة قال سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، عن الأهلة لم ~~جعلت؟ فأنزل الله { يسئلونك عن الأهلة } الآية، فجعلها ~~لصوم المسلمين، ولإفطارهم، ولمناسكهم، وحجهم، وعدد نسائهم، ومحل ~~دينهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية نحوه. وأخرج ابن جرير، عن ~~الربيع بن أنس نحوه. وقد روى ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس نحوه. ~~وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن ~~غم عليكم، فعدوا ثلاثين يوما " # وأخرج أحمد، والطبراني، وابن عدي، والدارقطني بسند ضعيف، عن طلق بن ~~علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحو حديث ابن عمر. ~~وأخرج البخاري، وغيره، عن البراء قال كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا ~~البيوت من ظهورها فنزلت { وليس البر } الآية. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، والحاكم وصححه، عن جابر قال كانت قريش تدعي الحمس، وكانوا يدخلون ~~من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار، وسائر العرب لا يدخلون من باب في ~~الإحرام، فبينا رسول الله في بستان إذ خرج من بابه، وخرج ms0294 معه قطبة بن ~~عامر الأنصاري، فقالوا يا رسول الله إن قطبة بن عامر رجل فاجر، وإنه خرج ~~معك من الباب، فقال له # " ما حملك على ما صنعت؟ " # قال رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت، فقال إني رجل أحمسي، قال فإن ديني ~~دينك، فأنزل الله الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ~~نحوه. وقد ورد هذا المعنى عن جماعة من الصحابة، والتابعين. ### || [2.190-193] # لا خلاف بين أهل العلم أن القتال كان ممنوعا قبل الهجرة لقوله تعالى # فاعف عنهم واصفح # المائدة 13 وقوله # واهجرهم هجرا جميلا # المزمل 10 وقوله # لست عليهم بمسيطر # الغاشية 22 وقوله # ادفع بالتى هى أحسن # المؤمنون 96 ونحو ذلك مما نزل بمكة فلما هاجر إلى المدينة أمره الله ~~سبحانه بالقتال، ونزلت هذه الآية، وقيل إن أول ما نزل قوله تعالى # أذن للذين يقتلون بأنهم ظلموا # الحج 39 فلما نزلت الآية كان صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتله، ويكف ~~عمن كف عنه حتى نزل قوله تعالى # افاقتلوا المشركين # التوبة 5 وقوله تعالى # وقاتلوا المشركين كافة # التوبة 36. وقال جماعة من السلف إن المراد بقوله { الذين يقاتلونكم } من ~~عدا النساء، والصبيان، والرهبان، ونحوهم، وجعلوا هذه الآية محكمة غير ~~منسوخة، والمراد بالاعتداء عند أهل القول الأول هو مقاتلة من يقاتل من ~~الطوائف الكفرية. والمراد به على القول الثاني مجاوزة قتل من يستحق القتل ~~إلى قتل من لا يستحقه ممن تقدم ذكره. قوله { حيث ثقفتموهم } ~~يقال ثقف يثقف ثقفا، ورجل ثقيف إذا كان محكما لما يتناوله من الأمور. ~~قال في الكشاف والثقف وجود على وجه الأخذ والغلبة، ومنه رجل ثقف سريع ~~الأخذ لأقرانه. انتهى. ومنه قول حسان # فإما يثقفن بني لؤى جذيمة إن قتلهم دواء # قوله { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } أي مكة. قال ابن ~~جرير الخطاب للمهاجرين، والضمير لكفار قريش. انتهى. وقد امتثل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أمر ربه، فأخرج من مكة من لم يسلم عند أن فتحها ~~الله عليه. قوله { والفتنة أشد من القتل } أي الفتنة ~~التي ms0295 أرادوا أن يفتنوكم، وهي رجوعكم إلى الكفر أشد من القتل. وقيل ~~المراد بالفتنة المحنة التي تنزل بالإنسان في نفسه، أو ماله، أو اهله، أو ~~عرضه، وقيل إن المراد بالفتنة الشرك الذي عليه المشركون لأنهم كانوا ~~يستعظمون القتل في الحرم، فأخبرهم الله أن الشرك الذي هم عليه أشد مما ~~يستعظمونه، وقيل المراد فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام اشد من ~~قتلكم إياهم في الحرم، أو من قتلهم إياكم إن قتلوكم. والظاهر أن المراد ~~الفتنة في الدين بأي سبب كان، وعلى أي صورة اتفقت، فإنها أشد من ~~القتل. قوله { ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام } ~~الآية. اختلف أهل العلم في ذلك، فذهبت طائفة إلى أنها محكمة، وأنه لا ~~يجوز القتال في الحرم، إلا بعد أن يتعدى بالقتال فيه، فإنه يجوز دفعه ~~بالمقاتلة له، وهذا هو الحق. وقالت طائفة إن هذه الآية منسوخة بقوله ~~تعالى # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # التوبة 36 ويجاب عن هذا الاستدلال بأن الجمع ممكن ببناء العام على ~~الخاص، فيقتل المشرك حيث وجد إلا بالحرم، ومما يؤيد ذلك قوله صلى الله ~~عليه وسلم # " إنها لم تحل لأحد قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار " # وهو في الصحيح. وقد احتج القائلون بالنسخ بقتله صلى الله عليه وسلم ~~لابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة ويجاب عنه، بأنه وقع في تلك الساعة ~~التي أحل الله لرسوله صلى الله عليه وسلم. قوله { فإن انتهوا } ~~أي عن قتالكم، ودخلوا في الإسلام. قوله { وقتلوهم حتى لا ~~تكون فتنة } فيه الأمر بمقاتلة المشركين إلى غاية هي أن لا تكون ~~فتنة، وأن يكون الدين لله، وهو الدخول في الإسلام، والخروج عن سائر ~~الأديان المخالفة له، فمن دخل في الإسلام، وأقلع عن الشرك لم يحل قتاله. ~~قيل المراد بالفتنة هنا الشرك، والظاهر أنها الفتنة في الدين على عمومها ~~كما سلف. قوله { فلا عدون إلا على الظلمين } أي لا ~~تعتدوا إلا على من ظلم، وهو من لم ينته عن الفتنة، ولم يدخل في الإسلام، ~~وإنما سمي جزاء الظالمين عدوانا مشاكلة كقوله ms0296 تعالى # وجزاء سيئة سيئة مثلها # الشورى 4. وقوله # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه # البقرة 194. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية قوله تعالى { ~~وقتلوا في سبيل الله } الآية أنها أول آية نزلت في القتال ~~بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه، ~~حتى نزلت سورة براءة. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد في هذه الآية قال إن ~~أصحاب محمد أمروا بقتال الكفار. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس في قوله { ولا تعتدوا } يقول لا تقتلوا النساء، ~~والصبيان، والشيخ الكبير، ولا من ألقى السلم وكف يده، فإن فعلتم، فقد ~~اعتديتم. وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر بن عبد العزيز أنه قال إن هذه الآية ~~في النساء، والذرية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله { ~~والفتنة أشد من القتل } يقول الشرك أشد من القتل. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في الآية قال ارتداد المؤمن إلى الوثن ~~أشد عليه من أن يقتل محقا. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود في ناسخه، ~~وابن جرير، عن قتادة في قوله { ولا تقتلوهم عند المسجد ~~الحرام حتى يقتلوكم فيه } قال حتى يبدءوا بالقتال، ثم ~~نسخ بعد ذلك فقال { وقتلوهم حتى لا تكون فتنة }. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه عن قتادة أن قوله ~~{ ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام } وقوله # يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال ~~فيه كبير # البقرة 217 فكان كذلك حتى نسخ هاتين الآيتين جميعا في براءة قوله # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # التوبة 5 # وقاتلوا المشركين كافة كما يقتلونكم كافة # التوبة 36 وأخرج ابن جرير، عن مجاهد في قوله { فإن انتهوا } قال ~~فإن تابوا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل من طرق ~~عن ابن عباس في قوله { وقتلوهم حتى لا تكون فتنة } ~~يقول شرك بالله { ويكون الدين } ويخلص التوحيد لله. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، عن مجاهد في الآية، قال ms0297 الشرك. وقوله { فإن ~~انتهوا فلا عدون إلا على الظلمين } قال لا تقاتلوا ~~إلا من قاتلكم. وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله { ويكون الدين ~~لله } يقول حتى لا تعبدوا إلا الله. وأخرج أيضا عن عكرمة في قوله { ~~فلا عدون إلا على الظلمين } قال هم من أبى يقول لا إله ~~إلا الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة نحوه. ### || [2.194] # قوله { الشهر الحرام بالشهر الحرام } أي إذا قاتلوكم ~~في الشهر الحرام، وهتكوا حرمته قاتلتموهم في الشهر الحرام مكافأة لهم، ~~ومجازاة على فعلهم. { والحرمت } جمع حرمة، كالظلمات جمع ظلمة، ~~وإنما جمع الحرمات لأنه أراد الشهر الحرام، والبلد الحرام، وحرمة ~~الإحرام، والحرمة ما منع الشرع من انتهاكه. والقصاص المساواة، والمعنى أن ~~كل حرمة يجري فيها القصاص، فمن هتك حرمة عليكم، فلكم أن تهتكوا حرمة عليه ~~قصاصا، قيل وهذا كان في أول الإسلام، ثم نسخ بالقتال، وقيل إنه ثابت ~~بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم ينسخ، ويجوز لمن تعدى عليه في مال، ~~أو بدن، أن يتعدى بمثل ما تعدى عليه، وبهذا قال الشافعي، وغيره. ~~وقال آخرون إن أمور القصاص مقصورة على الحكام، وهكذا الأموال لقوله صلى ~~الله عليه وسلم # " أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك " # أخرجه الدارقطني، وغيره، وبه قال أبو حنيفة، وجمهور المالكية، وعطاء ~~الخراساني والقول الأول أرجح، وبه قال ابن المنذر، واختاره ابن العربي ~~والقرطبي، وحكاه الداودي عن مالك، ويؤيده إذنه صلى الله عليه وسلم لامرأة ~~أبي سفيان أن تأخذ من ماله ما يكفيها، وولدها، وهو في الصحيح، ولا أصرح ~~ولا أوضح من قوله تعالى في هذه الآية { فمن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } وهذه الجملة ~~في حكم التأكيد للجملة الأولى، أعني قوله { والحرمت قصاص } ~~وإنما سمي المكافأة اعتداء مشاكلة كما تقدم. وقد أخرج ابن جرير، عن ابن ~~عباس قال لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا في سنة ست من ~~الهجرة، وحبسه المشركون، عن الدخول، والوصول ms0298 إلى البيت، وصدوه بمن معه ~~من المسلمين في ذي القعدة، وهو شهر حرام قاضاهم على الدخول من قابل، ~~فدخلها في السنة الآتية هو، ومن كان معه من المسلمين، وأقصه الله منهم ~~نزلت في ذلك هذه الآية { الشهر الحرام بالشهر الحرام ~~والحرمت قصاص }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي ~~العالية نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه أيضا. ~~وأخرجا أيضا عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج نحوه. وأخرج ~~أبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في ~~سننه، عن ابن عباس في قوله { فمن اعتدى عليكم } الآية، وقوله # وجزاء سيئة # الشورى 40 الآية، وقوله # ولمن انتصر بعد ظلمه # الآية، الشورى 41، وقوله # وإن عاقبتم # الآية النحل 126 قال هذا ونحوه نزل بمكة، والمسلمون يومئذ قليل ليس لهم ~~سلطان يقهر المشركين، فكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى، فأمر الله ~~المسلمين من يتجازى منهم أن يتجازى بمثل ما أوتي إليه، أو يصبروا، ويعفوا ~~فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأعز الله سلطانه، ~~أمر الله المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم، ولا يعدو بعضهم على ~~بعض كأهل الجاهلية، فقال # ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطنا # الإسراء 33، يقول ينصره السلطان حتى ينصفه على من ظلمه، ومن انتصر لنفسه ~~دون السلطان، فهو عاص مسرف قد عمل بحمية الجاهلية، ولم يرض بحكم الله ~~تعالى. انتهى. وأقول هذه الآية التي جعلها ابن عباس رضي الله عنه ناسخة ~~مؤيدة لما تدل عليه الآيات التي جعلها منسوخة، ومؤكدة له، فإن الظاهر من ~~قوله { فقد جعلنا لوليه سلطنا } أي جعل السلطان له، أي ~~جعل له تسلطا يتسلط به على القاتل، ولهذا قال # فلا يسرف فى القتل # الإسراء 33 ثم لو سلمنا أن معنى الآية كما قاله لكان ذلك مخصصا للقتل ~~من عموم الآيات المذكورة لا ناسخا لها، فإنه لم ينص في هذه الآية إلا ~~على القتل وحده، وتلك الآيات شاملة له ولغيره، وهذا معلوم من ms0299 لغة العرب ~~التي هي المرجع في تفسير كلام الله سبحانه. ### || [2.195] # في هذه الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله، وهو الجهاد، واللفظ يتناول ~~غيره مما يصدق عليه أنه من سبيل الله، والباء في قوله { بأيديكم } ~~زائدة، والتقدير ولا تلقوا أيديكم، ومثله # ألم يعلم بأن الله يرى # العلق 14 وقال المبرد { بأيديكم } أي بأنفسكم تعبيرا بالبعض عن ~~الكل، كقوله # فبما كسبت * أيديكم # الشورى 30 وقيل هذا مثل مضروب، يقال فلان ألقى بيده في أمر كذا إذا ~~استسلم لأن المستسلم في القتال يلقى سلاحه بيديه، فكذلك فعل كل عاجز في ~~أي فعل كان. وقال قوم التقدير ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم. والتهلكة مصدر ~~من هلك يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة، أي لا تأخذوا فيما يهلككم. وللسلف في ~~معنى الآية أقوال سيأتي بيانها، وبيان سبب نزول الآية. والحق أن الاعتبار ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما صدق عليه أنه تهلكة في الدين، أو ~~الدنيا، فهو داخل في هذا، وبه قال ابن جرير الطبري. ومن جملة ما يدخل تحت ~~الآية، أن يقتحم الرجل في الحرب، فيحمل على الجيش مع عدم قدرته على ~~التخلص، وعدم تأثيره لأثر ينفع المجاهدين، ولا يمنع من دخول هذا تحت ~~الآية إنكار من أنكره من الذين رأوا السبب، فإنهم ظنوا أن الآية لا تجاوز ~~سببها، وهو ظن تدفعه لغة العرب. وقوله { وأحسنوا } أي في الإنفاق ~~في الطاعة، أو أحسنوا الظن بالله في إخلافه عليكم. وقد أخرج عبد بن حميد، ~~والبخاري، والبيهقي في سننه، عن حذيفة في قوله { وأنفقوا فى ~~سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ~~قال نزلت في النفقة. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال هو ترك النفقة في سبيل الله ~~مخافة العيلة. وأخرج عبد بن حميد، والبيهقي، عن ابن عباس نحوه. وأخرج عبد ~~بن حميد، وابن جرير، عن عكرمة نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير، عن الحسن ~~نحوه. وأخرج عبد بن حميد، والبيهقي في الشعب عنه قال هو ms0300 البخل. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم في الآية قال كان رجال يخرجون في ~~بعوث يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير نفقة، فإما يقطع لهم، ~~وإما كانوا عيالا، فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله، ولا يلقوا ~~بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة أن تهلك رجال من الجوع، والعطش، ومن ~~المشي. وقال لمن بيده فضل { وأحسنوا إن الله يحب ~~المحسنين }. وأخرج عبد بن حميد، وأبو يعلى، وابن جرير، والبغوي في ~~معجمه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مانع، والطبراني، عن ~~الضحاك بن أبي جبير أن الأنصار كانوا ينفقون في سبيل الله، ويتصدقون، ~~فأصابتهم سنة، فساء ظنهم، وأمسكوا عن ذلك، فأنزل الله الآية. # وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي، وأبو يعلى، ~~وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والطبراني، وابن مردويه، ~~والبيهقي في سننه، عن أسلم بن عمران قال كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر ~~عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد، فخرج صف عظيم من الروم، ~~فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح ~~الناس، وقالوا سبحان الله! يلقي بيده إلى التهلكة؟ فقام أبو أيوب صاحب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أيها الناس، إنكم تؤولون الآية ~~هذا التأويل. وإنما أنزلت فينا هذه الآية معشر الأنصار، إنا لما أعز ~~الله دينه، وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن أموال الناس قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، وكثر ~~ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها؟ فأنزل الله على نبيه ~~يرد علينا { وأنفقوا فى سبيل الله ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة } فكانت التهلكة الإقامة في الأموال، ~~وإصلاحها، وترك الغزو. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم وصححه، والبيهقي، عن البراء بن عازب، قال في تفسير الآية هو ~~الرجل يذنب الذنب، فيلقي بيديه، فيقول لا يغفر الله لي أبدا. وأخرج عبد ~~بن ms0301 حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، والطبراني، والبيهقي في الشعب، عن ~~النعمان بن بشير نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، قال في تفسير الآية ~~إنه القنوط. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ~~قال التهلكة عذاب الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد الرحمن بن الأسود بن ~~عبد يغوث، أنهم حاصروا دمشق، فأسرع رجل إلى العدو وحده، فعاب ذلك عليه ~~المسلمون، ورفع حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه فرده، وقال قال ~~الله { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة }. وأخرج ابن ~~جرير، عن رجل من الصحابة في قوله { وأحسنوا } قال أدو الفرائض. ~~وأخرج عبد بن حميد، عن أبي إسحاق مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ~~عكرمة قال أحسنوا الظن بالله. ### || [2.196] # قوله { وأتموا الحج } اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام ~~الحج، والعمرة لله، فقيل أداؤهما، والإتيان بهما، من دون أن يشوبهما شيء ~~مما هو محظور، ولا يخل بشرط، ولا فرض لقوله تعالى # فأتمهن # البقرة 124 وقوله # ثم أتموا الصيام إلى اليل # البقرة 187. وقال سفيان الثوري إتمامهما أن تخرج لهما لا لغيرهما، وقيل ~~إتمامهما أن تفرد كل واحد منهما من غير تمتع، ولا قران، وبه قال ابن ~~حبيب. وقال مقاتل إتمامهما ألا يستحلوا فيهما ما لا ينبغي لهم، وقيل ~~إتمامهما أن يحرم لهما من دويرة أهله، وقيل أن ينفق في سفرهما ~~الحلال الطيب، وسيأتي بيان سبب نزول الآية، وما هو مروي عن السلف في ~~معنى إتمامهما. وقد استدل بهذه الآية على وجوب العمرة لأن الأمر ~~بإتمامهما أمر بها، وبذلك قال علي، وابن عمر، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، ~~ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، وسعيد بن جبير، ومسروق، وعبد الله ~~بن شداد، والشافعي، وأحمد. وإسحاق، وأبو عبيد، وابن الجهم من المالكية. ~~وقال مالك والنخعي وأصحاب الرأي كما حكاه ابن المنذر عنهم أنها سنة. وحكى ~~عن أبي حنيفة أنه يقول بالوجوب. ومن القائلين بأنها سنة ابن مسعود وجابر ~~بن عبد الله. ومن جملة ما استدل به الأولون ما ثبت ms0302 عنه صلى الله عليه ~~وسلم في الصحيح أنه قال لأصحابه # " من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة " # وثبت عنه أيضا في الصحيح أنه قال # " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " # وأخرج الدارقطني، والحاكم من حديث زيد بن ثابت قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت " # واستدل الآخرون بما أخرجه الشافعي في الآية، وعبد الرزاق، وابن أبي ~~شيبة، وعبد بن حميد، عن أبي صالح الحنفي قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " الحج جهاد، والعمرة تطوع " # وأخرج ابن ماجه عن طلحة بن عبيد الله مرفوعا مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وعبد بن حميد، والترمذي وصححه عن جابر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن العمرة أواجبة هي؟ قال # " لا، وأن تعتمروا خير لكم " # وأجابوا عن الآية، وعن الأحاديث المصرحة بأنها فريضة بحمل ذلك على أنه ~~قد وقع الدخول فيها، وهي بعد الشروع فيها واجبة بلا خلاف، وهذا، وإن كان ~~فيه بعد، لكنه يجب المصير إليه جمعا بين الأدلة، ولا سيما بعد تصريحه ~~صلى الله عليه وسلم بما تقدم في حديث جابر من عدم الوجوب، وعلى هذا يحمل ~~ما ورد مما فيه دلالة على وجوبها، كما أخرجه الشافعي في الأم، أن في ~~الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم # " إن العمرة هي الحج الأصغر " # وكحديث ابن عمر عند البيهقي في الشعب قال «جاء رجل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال أوصني، # " فقال تعبد الله، ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، ~~وتصوم شهر رمضان، وتحج وتعتمر، وتسمع وتطيع، وعليك بالعلانية، وإياك ~~والسر " # وهكذا ينبغي حمل ما ورد من الأحاديث التي قرن فيها بين الحج والعمرة في ~~أنهما من أفضل الأعمال، وأنهما كفارة لما بينهما، وأنهما يهدمان ما كان ~~قبلهما ونحو ذلك. قوله { فإن أحصرتم } الحصر الحبس. قال أبو ~~عبيدة، والكسائي، والخليل إنه يقال أحصر بالمرض، وحصر بالعدو. وفي ~~المجمل لابن فارس العكس، ms0303 يقال أحصر بالعدو، وحصر بالمرض. ورجح الأول ~~ابن العربي، وقال هو رأي أكثر أهل اللغة. وقال الزجاج أنه كذلك عند جميع ~~أهل اللغة، وقال الفراء هما بمعنى واحد في المرض، والعدو. ووافقه على ~~ذلك أبو عمرو الشيباني فقال حصرني الشي، وأحصرني أي حبسني. وبسبب هذا ~~الاختلاف بين أهل اللغة اختلف أئمة الفقه في معنى الآية، فقالت الحنفية ~~المحصر من يصير ممنوعا من مكة بعد الإحرام بمرض، أو عدو أو غيره. وقالت ~~الشافعية، وأهل المدينة المراد بالآية حصر العدو. وقد ذهب جمهور العلماء ~~إلى أن المحصر بعدو يحل حيث أحصر، وينحر هديه إن كان ثم هدي، ويحلق ~~رأسه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هو، وأصحابه في الحديبية. وقوله ~~{ فما استيسر من الهدى } «ما» في موضع رفع على الابتداء، أو ~~الخبر، أي فالواجب أو فعليكم، ويحتمل أن يكون في موضع نصب، أي فانحروا، ~~أو فاهدوا ما استيسر أي ما تيسر، يقال يسر الأمر، واستيسر، كما يقال ~~صعب واستصعب، والهدي، والهدي لغتان، وهما جمع هدية، وهي ما يهدى ~~إلى البيت من بدنة، أو غيرها. قال الفراء أهل الحجاز وبنو أسد يخففون ~~الهدي، وتميم، وسفلي قيس يثقلون. قال الشاعر # حلفت برب كعبة والمصلى وأعناق الهدى مقلدات # قال وواحد الهدي هدية، ويقال في جمع الهدي أهد. واختلف أهل العلم في ~~المراد بقوله { ما استيسر } فذهب الجمهور إلى أنه شاة. وقال ابن ~~عمر وعائشة، وابن الزبير جمل أو بقرة. وقال الحسن أعلا الهدي بدنة، ~~وأوسطه بقرة، وأدناه شاة، وقوله { ولا تحلقوا رءوسكم حتى ~~يبلغ الهدى محله } هو خطاب لجميع الأمة من غير فرق بين ~~محصر، وغير محصر، وإليه ذهب جمع من أهل العلم، وذهبت طائفة إلى أنه ~~خطاب للمحصرين خاصة أي لا تحلوا من الإحرام حتى تعلموا أن الهدى الذي ~~بعثتموه إلى الحرم قد بلغ محله، وهو الموضع الذي يحل فيه ذبحه. # واختلفوا في تعيينه، فقال مالك، والشافعي هو موضع الحصر، اقتداء برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حيث أحصر في عام الحديبية. وقال ms0304 أبو حنيفة هو ~~الحرم لقوله تعالى # ثم محلها إلى البيت العتيق # الحج 33 وأجيب عن ذلك بأن المخاطب به هو الآمن الذي يمكنه الوصول إلى ~~البيت. وأجاب الحنفية عن نحره صلى الله عليه وسلم في الحديبية بأن طرف ~~الحديبية الذي إلى أسفل مكة هو من الحرم. ورد بأن المكان الذي وقع فيه ~~النحر ليس هو من الحرم. قوله { فمن كان منكم مريضا } الآية، ~~المراد بالمرض هنا ما يصدق عليه مسمى المرض لغة. والمراد بالأذى من الرأس ~~ما فيه من قمل، أو جراح، ونحو ذلك، ومعنى الآية أن من كان مريضا، أو به ~~أذى من رأسه، فحلق فعليه فدية. وقد بينت السنة ما أطلق هنا من الصيام، ~~والصدقة، والنسك، فثبت في الصحيح «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ~~كعب بن عجرة، وهو محرم، وقمله يتساقط على وجهه، # " فقال أيؤذيك هوام رأسك؟ " # قال نعم، # " فأمره أن يحلق، ويطعم ستة مساكين، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام ~~" # وقد ذكر ابن عبد البر أنه لا خلاف بين العلماء أن النسك هنا هو شاة. ~~وحكى عن الجمهور أن الصوم المذكور في الآية ثلاثة أيام، والإطعام لستة ~~مساكين. وروى عن الحسن وعكرمة ونافع أنهم قالوا الصوم في فدية الأذى عشرة ~~أيام، والإطعام عشرة مساكين. والحديث الصحيح المتقدم يرد عليهم، ويبطل ~~قولهم. وقد ذهب مالك والشافعي وأبو حنيف وأصحابهم وداود إلى أن الإطعام ~~في ذلك مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم أي لكل مسكين، وقال ~~الثوري نصف صاع من بر، أو صاع من غيره. وروى ذلك عن أبي حنيفة. قال ابن ~~المنذر وهذا غلط لأن في بعض أخبار كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~له # " تصدق بثلاثة أصوع من تمر على ستة مساكين " # واختلفت الرواية عن أحمد بن حنبل، فروى عنه مثل قول مالك، والشافعي، ~~وروي عنه أنه إن أطعم برا، فمد لكل مسكين، وإن أطعم تمرا، فنصف ~~صاع. واختلفوا في مكان هذه الفدية، فقال عطاء ما كان من دم، فبمكة، ms0305 وما ~~كان من طعام، أو صيام، فحيث شاء. وبه قال أصحاب الرأي. وقال طاوس، ~~والشافعي الإطعام، والدم لا يكونان إلا بمكة، والصوم حيث شاء. وقال مالك ~~ومجاهد حيث شاء في الجميع، وهو الحق لعدم الدليل على تعيين المكان. قوله ~~{ فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدى } أي برأتم من المرض. وقيل من خوفكم من ~~العدو على الخلاف السابق، ولكن الأمن من العدو أظهر من استعمال أمنتم ~~في ذهاب المرض، فيكون مقويا لقول من قال إن قوله { فإن أحصرتم ~~} المراد به الإحصار من العدو، كما أن قوله { فمن كان منكم ~~مريضا } يقوي قول من قال بذلك لإفراد عذر المرض بالذكر. # وقد وقع الخلاف هل المخاطب بهذا هم المحصرون خاصة أم جميع الأمة على حسب ~~ما سلف؟ والمراد بالتمتع المذكور في الآية أن يحرم الرجل بعمرة، ثم يقيم ~~حلالا بمكة إلى أن يحرم بالحج، فقد استباح بذلك ما لا يحل للمحرم ~~استباحته، وهو معنى تمتع واستمتع، ولا خلاف بين أهل العلم في جواز ~~التمتع، بل هو عندي أفضل أنواع الحج كما حررته في شرحي على المنتقى. وقد ~~تقدم الخلاف في معنى قوله { فما استيسر من الهدى } قوله { ~~فمن لم يجد } الآية، أي فمن لم يجد الهدي، إما لعدم المال، أو ~~لعدم الحيوان، صام ثلاثة أيام في الحج، أي في أيام الحج، وهي من عند ~~شروعه في الإحرام إلى يوم النحر. وقيل يصوم قبل يوم التروية يوما، ويوم ~~التروية، ويوم عرفة. وقيل ما بين أن يحرم بالحج إلى يوم عرفة، وقيل ~~يصومهن من أول عشر ذي الحجة، وقيل ما دام بمكة. وقيل إنه يجوز أن يصوم ~~الثلاث قبل أن يحرم. وقد جوز بعض أهل العلم صيام أيام التشريق لمن لم يجد ~~الهدي، ومنعه آخرون. قوله { وسبعة إذا رجعتم } قرأه الجمهور ~~بخفض سبعة، وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة بالنصب على أنه مفعول بفعل ~~مقدر، أي وصوموا سبعة، وقيل على أنه معطوف على ثلاثة لأنها، وإن كانت ~~مجرورة لفظا، ms0306 فهي في محل نصب كأنه قيل فصيام ثلاثة. والمراد بالرجوع هنا ~~الرجوع إلى الأوطان. قال أحمد وإسحاق يجزيه الصوم في الطريق، ولا يتضيق ~~عليه الوجوب إلا إذا وصل وطنه، وبه قال الشافعي وقتادة والربيع ومجاهد ~~وعطاء وعكرمة والحسن وغيرهم. وقال مالك إذا رجع من منى، فلا بأس أن ~~يصوم. والأول أرجح، وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر أنه قال صلى الله ~~عليه وسلم # " فمن لم يجد، فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله " # فبين صلى الله عليه وسلم أن الرجوع المذكور في الآية هو الرجوع إلى ~~الأهل، وثبت أيضا في الصحيح من حديث ابن عباس بلفظ «وسبعة إذا رجعتم إلى ~~أمصاركم»، وإنما قال سبحانه { تلك عشرة كاملة } مع أن كل أحد ~~يعلم أن الثلاثة، والسبعة عشرة لدفع أن يتوهم متوهم التخيير بين الثلاثة ~~الأيام في الحج، والسبعة إذا رجع. قاله الزجاج. وقال المبرد ذكر ذلك ليدل ~~على انقضاء العدد لئلا يتوهم متوهم أنه قد بقي منه شيء بعد ذكر السبعة. ~~وقيل هو توكيد كما تقول كتبت بيدي. وقد كانت العرب تأتي بمثل هذه الفذلكة ~~فيما دون هذا العدد، كقول الشاعر # ثلاث واثنتان فهن خمس وسادسة تميل إلى سهامي # وكذا قول الآخر # ثلاث بالعداد وذاك حسبي وست حين يدركني العشاء فذلك تسعة في اليوم ~~ري وشرب المرء فوق الري داء # وقوله { كاملة } توكيد آخر بعد الفذلكة لزيادة التوصية لصيامها، وأن ~~لا ينقص من عددها. وقوله { ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى ~~المسجد الحرام } الإشارة بقوله ذلك قيل هي راجعة إلى التمتع، ~~فتدل على أنه لا متعة لحاضري المسجد الحرام، كما يقوله أبو حنيفة ~~وأصحابه. قالوا ومن تمتع منهم كان عليه دم، وهو دم جناية لا يأكل منه. ~~وقيل إنها راجعة إلى الحكم، وهو وجوب الهدي، والصيام، فلا يجب ذلك على من ~~كان من حاضري المسجد الحرام، كما يقوله الشافعي، ومن وافقه. والمراد بمن ~~لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام من لم يكن ساكنا في الحرم، أو ms0307 من لم ~~يكن ساكنا في المواقيت، فما دونها على الخلاف في ذلك بين الأئمة. وقوله ~~{ واتقوا الله } أي فيما فرضه عليكم في هذه الأحكام، وقيل هو أمر ~~بالتقوى على العموم، وتحذير من شدة عقاب الله سبحانه. وقد أخرج ابن أبي ~~حاتم، وأبو نعيم في الدلائل، وابن عبد البر في التمهيد، عن يعلى بن أمية ~~قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بالجعرانة، وعليه ~~جبة، وعليه أثر خلوق، فقال كيف تأمرني يا رسول الله أن أصنع في عمرتي؟ ~~فأنزل الله { وأتموا الحج والعمرة لله } فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " أين السائل عن العمرة؟ " # فقال ها أنذا، قال # " اخلع الجبة، واغسل عنك أثر الخلوق، ثم ما كنت صانعا في حجك، فاصنعه ~~في عمرتك " # وقد أخرجه البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديثه، ولكن فيهما أنه نزل عليه ~~صلى الله عليه وسلم الوحي بعد السؤال، ولم يذكر ما هو الذي أنزل عليه. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، عن علي في قوله { وأتموا الحج ~~والعمرة لله } قال أن تحرم من دويرة أهلك. وأخرج ابن عدي، ~~والبيهقي مثله من حديث أبي هريرة مرفوعا. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عمر قال من تمامهما أن يفرد كل واحد منهما عن الآخر، وأن ~~يعتمر في غير أشهر الحج. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس قال ~~تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة، وزار البيت، فقد حل، وتمام ~~العمرة إذا طاف بالبيت، وبالصفا، والمروة، فقد حل. وقد ورد في فضل الحج، ~~والعمرة أحاديث كثيرة، ليس هذا موطن ذكرها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~عن ابن عباس في قوله { فإن أحصرتم } يقول من أحرم بحج، أو عمرة، ~~ثم حبس عن البيت بمرض يجهده، أو عدو يحبسه، فعليه ذبح ما استيسر من ~~الهدي شاة فما فوقها، وإن كانت حجة الإسلام، فعليه قضاؤها، وإن كانت بعد ~~حجة الفريضة، فلا قضاء عليه، وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عن ms0308 ابن مسعود في قوله { فإن أحصرتم } يقول ~~الرجل إذا أهل بالحج، فأحصر بعث بما استيسر من الهدي فإن كان عجل قبل أن ~~يبلغ الهدي محله، فحلق رأسه، أو مس طيبا، أو تداوى بدواء، كان عليه فدية ~~من صيام، أو صدقة، أو نسك، فالصيام ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثة آصع على ~~ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والنسك شاة { فإذا أمنتم } يقول ~~فإذا بريء، فمضى من وجهه ذلك إلى البيت أحل من حجته بعمرة، وكان عليه ~~الحج من قابل، فإن هو رجع، ولم يتم من وجهه ذلك إلى البيت كان عليه ~~حجة، وعمرة، فإن هو رجع متمتعا في أشهر الحج كان عليه ما استيسر من ~~الهدى شاة، فإن هو لم يجد، فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع. # قال إبراهيم فذكرت هذا الحديث لسعيد بن جبير فقال هكذا قال ابن عباس في ~~هذا الحديث كله. وأخرج مالك، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن علي ~~في قوله { فما استيسر من الهدى } قال شاة. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والبيهقي عن ابن عباس مثله. وأخرج الشافعي في الأم، وسعيد بن ~~منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، والبيهقي عن ابن عمر { ~~فما استيسر من الهدى } قال بقرة، أو جزور قيل أوما يكفيه ~~شاة؟ قال لا. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، عن ابن ~~عباس قال في تفسير { ما * استيسر } ما يجد. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، عنه قال إن كان موسرا، فمن الإبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن ~~الغنم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من ~~طريق القاسم، عن عائشة، وابن عمر أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي ~~إلا من الإبل، والبقر. وكان ابن عباس يقول ما استيسر من الهدي شاة. وأخرج ~~الشافعي ms0309 في الأم، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال لا حصر إلا حصر العدو، ~~فأما من أصابه مرض، أو وجع، أو ضلال فليس عليه شيء، إنما قال الله { ~~فإذا أمنتم } فلا يكون الأمن إلا من الخوف، وأخرج ابن أبي شيبة، ~~عن ابن عمر قال لا إحصار إلا من عدو. # وأخرج أيضا، عن الزهري نحوه. وأخرج أيضا، عن عطاء قال لا إحصار إلا من ~~مرض، أو عدو، أو أمر حادث. وأخرج أيضا، عن عروة قال كل شيء حبس المحرم، ~~فهو إحصار. وأخرج البخاري، عن المسور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك. وأخرج أبو داود في ناسخه، عن ابن ~~عباس في قوله { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى ~~محله } ثم استثنى فقال { فمن كان منكم مريضا } الآية. ~~وأخرج الترمذي، وابن جرير، عن كعب بن عجرة قال لفي نزلت، وإياي عني بها ~~{ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه }. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، عن ابن عباس { فمن كان منكم مريضا } يعني من ~~اشتد مرضه. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن المنذر عنه. قال يعني بالمرض أن ~~يكون برأسه أذى، أو قروح، أو به أذى من رأسه، قال الأذى هو القمل. وأخرج ~~ابن جرير، عن ابن عباس قال النسك المذكور في الآية شاة. وروى أيضا، عن ~~علي مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في ~~قوله { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } يقول من أحرم ~~بالعمرة في أشهر الحج. وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك نحوه. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم أن ابن الزبير كان يقول إنما المتعة ~~لمن أحصر، وليست لمن خلي سبيله. وقال ابن عباس هي لمن أحصر، ومن ~~خلي سبيله. وأخرج ابن جرير، عن علي في قوله { فإذا أمنتم ~~فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } قال فإن أخر العمرة حتى ~~يجمعها مع الحج، فعليه ms0310 الهدي. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن علي بن أبي طالب في قوله { ~~فصيام ثلثة أيام } قال قبل التروية يوم، ويوم التروية، ~~ويوم عرفة، فإن فاتته صامهن أيام التشريق. وأخرج هؤلاء إلا ابن أبي ~~حاتم، والبيهقي، عن ابن عمر مثله إلا أنه قال وإذا فاته صام أيام منى، ~~فإنهن من الحج. وأخرج ابن جرير، والدارقطني، والبيهقي، عن ابن عمر نحوه ~~مرفوعا. وأخرج ابن أبي شيبة، عن علقمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير مثله. ~~وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال الصيام للمتمتع ما بين إحرامه إلى يوم ~~عرفة. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في الآية قال إذا لم يجد المتمتع ~~بالعمرة هديا، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، وإن كان يوم ~~عرفة الثالث، فقد تم صومه، وسبعة إذا رجع إلى أهله. وأخرج الدارقطني عن ~~عائشة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " من لم يكن معه هدى، فليصم ثلاثة أيام قبل يوم النحر، ومن لم يكن صام ~~تلك الثلاثة الأيام، فليصم أيام التشريق " # وأخرج أيضا عن عبد الله بن حذافة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمره في رهط أن يطوفوا في منى في حجة الوداع، فينادوا إن هذه أيام أكل، ~~وشرب، وذكر الله، فلا نصوم فيهن إلا صوما في هدي». وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وعبد بن حميد، عن عطاء في قوله تعالى { ذلك لمن لم يكن ~~أهله حاضرى المسجد الحرام } قال ست قريات عرفة، وعرنة، ~~والرجيع والنخلتان، ومر الظهران، وضجنان، وقال مجاهد هم أهل الحرم. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس. قال هم أهل الحرم. وأخرج ابن ~~المنذر، عن ابن عمر مثله. ### || [2.197-198] # قوله { الحج أشهر } فيه حذف، والتقدير وقت الحج أشهر، أي وقت ~~عمل الحج. وقيل التقدير الحج في أشهر، وفيه أنه يلزم النصب مع حذف حرف ~~الجر لا الرفع. قال الفراء الأشهر رفع لأن معناه وقت الحج أشهر معلومات، ~~وقيل ms0311 التقدير الحج حج أشهر معلومات. وقد اختلف في الأشهر المعلومات، فقال ~~ابن مسعود، وابن عمر، وعطاء، والربيع، ومجاهد، والزهري هي شوال، وذو ~~القعدة، وذو الحجة كله، وبه قال مالك. وقال ابن عباس، والسدي، والشعبي، ~~والنخعي هي شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، وبه قال أبو حنيفة، ~~والشافعي، وأحمد، وغيرهم. وقد روي أيضا عن مالك. ويظهر فائدة الخلاف ~~فيما وقع من أعمال الحج بعد يوم النحر، فمن قال إن ذا الحجة كله من الوقت ~~لم يلزمه دم التأخير، ومن قال ليس إلا العشر منه، قال يلزم دم التأخير. ~~وقد استدل بهذه الآية من قال إنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، ~~وهو عطاء، وطاوس، ومجاهد، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور قالوا فمن أحرم ~~بالحج قبلها أحل بعمرة، ولا يجزيه عن إحرام الحج، كمن دخل في صلاة قبل ~~وقتها، فإنها لا تجزيه. وقال أحمد، وأبو حنيفة إنه مكروه فقط. وروي نحوه ~~عن مالك، والمشهور عنه جواز الإحرام بالحج في جميع السنة من غير كراهة. ~~وروي مثله عن أبي حنيفة. وعلى هذا القول ينبغي أن ينظر في فائدة توقيت ~~الحج بالأشهر المذكورة في الآية. وقد قيل إن النص عليها لزيادة فضلها. ~~وقد روي القول بجواز الإحرام في جميع السنة عن إسحاق بن راهويه، وإبراهيم ~~النخعي، والثوري، والليث بن سعد، واحتج لهم بقوله تعالى { يسئلونك ~~عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج } فجعل الأهلة ~~كلها مواقيت للحج، ولم يخص الثلاثة الأشهر، ويجاب بأن هذه الآية عامة، ~~وتلك خاصة، والخاص مقدم على العام. ومن جملة ما احتجوا به القياس للحج ~~على العمرة، فكما يجوز الإحرام للعمرة في جميع السنة، كذلك يجوز للحج، ~~ولا يخفى أن هذا القياس مصادم للنص القرآني، فهو باطل، فالحق ما ذهب ~~إليه الأولون، إن كانت الأشهر المذكورة في قوله { الحج أشهر } ~~مختصة بالثلاثة المذكورة بنص، أو إجماع، فإن لم يكن كذلك، فالأشهر جمع ~~شهر، وهو من جموع القلة يتردد ما بين الثلاثة إلى العشرة، والثلاثة هي ~~المتيقنة، فيجب الوقوف عندها. ms0312 ومعنى قوله { معلومت } أن الحج في ~~السنة مرة واحدة في أشهر معلومات من شهورها، ليس كالعمرة، أو المراد ~~معلومات ببيان النبي صلى الله عليه وسلم، أو معلومات عند المخاطبين لا ~~يجوز التقدم عليها، ولا التأخير عنها، قوله { فمن فرض فيهن ~~الحج } أصل الفرض في اللغة الحز والقطع، ومنه فرضة القوس، والنهر، ~~والجبل، ففرضية الحج لازمة للعبد الحر، كلزوم الحز للقوس. # وقيل معنى فرض أبان، وهو أيضا يرجع إلى القطع لأن من قطع شيئا فقد ~~أبانه عن غيره. والمعنى في الآية فمن ألزم نفسه فيهن الحج بالشروع فيه ~~بالنية قصدا باطنا، وبالإحرام فعلا ظاهرا، وبالتلبية نطقا مسموعا. ~~وقال أبو حنيفة إن إلزامه نفسه يكون بالتلبية، أو بتقليد الهدي، وسوقه، ~~وقال الشافعي تكفي النية في الإحرام بالحج. والرفث قال ابن عباس، وابن ~~جبير، والسدي، وقتادة، والحسن، وعكرمة، والزهري، ومجاهد، ومالك هو ~~الجماع. وقال ابن عمر، وطاوس، وعطاء، وغيرهم الرفث الإفحاش بالكلام. قال ~~أبو عبيدة الرفث اللغاء من الكلام، وأنشد # ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم # يقال رفث يرفث بكسر الفاء، وضمها. والفسوق الخروج عن حدود الشرع. وقيل ~~هو الذبح للأصنام. وقيل التنابز بالألقاب. وقيل السباب. والظاهر أنه لا ~~يختص بمعصية معينة، وإنما خصصه من خصصه بما ذكر باعتبار أنه قد أطلق، على ~~ذلك الفرد اسم الفسوق، كما قال سبحانه في الذبح للأصنام # أو فسقا أهل لغير الله به # الأنعام 145. قال في التنابز # بئس الاسم الفسوق # الحجرات 11. وقال صلى الله عليه وسلم في السباب # " سباب المسلم فسوق " # ولا يخفى على عارف أن إطلاق اسم الفسوق على فرد من أفراد المعاصي لا ~~يوجب اختصاصه به. والجدال مشتق من الجدل، وهو القتل، والمراد به هنا ~~المماراة، وقيل السباب، وقيل الفخر بالآباء، والظاهر الأول. وقد قرىء ~~بنصب الثلاثة ورفعها، ورفع الأولين، ونصب الثالث، وعكس ذلك، ومعنى النفي ~~لهذه الأمور النهي عنها. وقوله { وما تفعلوا من خير ~~يعلمه الله } حث على الخير بعد ذكر الشر، وعلى الطاعة بعد ذكر ~~المعصية، وفيه أن كل ما يفعلونه ms0313 من ذلك، فهو معلوم عند الله لا يفوت منه ~~شيء. وقوله { وتزودوا } فيه الأمر باتخاذ الزاد لأن بعض العرب ~~كانوا يقولون كيف نحج بيت ربنا، ولا يطعمنا؟ فكانوا يحجون بلا زاد، ~~ويقولون نحن متوكلون على الله سبحانه، وقيل المعنى تزودوا لمعادكم من ~~الأعمال الصالحة { فإن خير الزاد التقوى } والأول أرجح ~~كما يدل على ذلك سبب نزول الآية، وسيأتي وقوله { فإن خير الزاد ~~التقوى } إخبار بأن خير الزاد اتقاء المنهيات، فكأنه قال اتقوا الله ~~في إتيان ما أمركم به من الخروج بالزاد، فإن خير الزاد التقوى، وقيل ~~المعنى فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من الهلكة، والحاجة إلى السؤال، ~~والتكفف، وقوله { واتقون يأولي الألبب } فيه التخصيص لأولي ~~الألباب بالخطاب بعد حث جميع العباد على التقوى لأن أرباب الألباب هم ~~القابلون لأوامر الله الناهضون بها، ولب كل شيء خالصه. قوله { ليس ~~عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } فيه الترخيص ~~لمن حج في التجارة، ونحوها من الأعمال التي يحصل بها شيء من الرزق، وهو ~~المراد بالفضل هنا، ومنه قوله تعالى # فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله # الجمعة 10 أي لا إثم عليكم في أن تبتغوا فضلا من ربكم مع سفركم لتأدية ~~ما افترضه عليكم من الحج. قوله { فإذا أفضتم } أي دفعتم، يقال فاض ~~الإناء إذا امتلأ ماء حتى ينصب من نواحيه، ورجل فياض، أي متدفقة يداه ~~بالعطاء، ومعناه أفضتم أنفسكم، فترك ذكر المفعول، كما ترك في قولهم دفعوا ~~من موضع كذا. و { عرفات } اسم لتلك البقعة، أي موضع الوقوف. وقرأه ~~الجماعة بالتنوين، وليس التنوين هنا للفرق بين ما ينصرف، وما لا ينصرف، ~~وإنما هو بمنزلة النون في مسلمين. قال النحاس هذا الجيد، وحكى سيبويه عن ~~العرب حذف التنوين من عرفات قال لما جعلوها معرفة حذفوا التنوين. وحكى ~~الأخفش، والكوفيون فتح التاء تشبيها بتاء فاطمة، وأنشدوا # تنورتها من أذرعات وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عالي # وقال في الكشاف فإن قلت هلا منعت الصرف، وفيها السببان التعريف، ~~والتأنيث، قلت لا يخلو التأنيث، ms0314 إما أن يكون بالتاء التي في لفظها، وإما ~~بتاء مقدرة كما في سعاد، فالتي في لفظها ليست للتأنيث، وإنما هي مع ~~الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث. ولا يصح تقدير التاء فيها لأن هذه ~~التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها، كما لا تقدر تاء التأنيث ~~في بنت لأن التاء التي هي بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث، ~~فأبت تقديرها. انتهى. وسميت عرفات لأن الناس يتعارفون فيه. وقيل إن آدم ~~التقى هو وحواء فيها، فتعارف. وقيل غير ذلك، قال ابن عطية والظاهر أنه ~~اسم مرتجل كسائر أسماء البقاع، واستدل بالآية على وجوب الوقوف بعرفة لأن ~~الإفاضة لا تكون إلا بعده، والمراد بذكر الله عند المشعر الحرام دعاؤه، ~~ومنه التلبية والتكبير، وسمي المشعر مشعرا من الشعار، وهو العلامة، ~~والدعاء عنده من شعائر الحج، ووصف بالحرام لحرمته، وقيل المراد بالذكر ~~صلاة المغرب، والعشاء بالمزدلفة جمعا. وقد أجمع أهل العلم على أن السنة ~~أن يجمع الحاج بينهما فيها. والمشعر هو جبل قزح الذي يقف عليه الإمام. ~~وقيل هو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر. قوله { ~~واذكروه كما هداكم } الكاف نعت مصدر محذوف، وما مصدرية، أو ~~كافة أي اذكروه ذكرا حسنا، كما هداكم هداية حسنة، وكرر الأمر بالذكر ~~تأكيدا، وقيل الأول أمر بالذكر عند المشعر الحرام، والثاني أمر بالذكر ~~على حكم الإخلاص، وقيل المراد بالثاني تعديد النعمة عليهم، و «إن» في ~~قوله { وإن كنتم من قبله } مخففة كما يفيده دخول اللام في ~~الخبر. وقيل هي بمعنى قد، أي قد كنتم، والضمير في قوله { من قبله } ~~عائد إلى الهدي، وقيل إلى القرآن. # وقد أخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه، عن أبي أمامة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى { الحج أشهر ~~معلومت } # " شوال، وذو القعدة، وذو الحجة " # وأخرج الطبراني في الأوسط أيضا، عن ابن عمر مرفوعا مثله. وأخرج ~~الخطيب، عن ابن عباس مرفوعا مثله أيضا. وأخرج سعيد بن منصور، وابن ~~المنذر، عن عمر بن الخطاب موقوفا ms0315 مثله. وأخرج الشافعي في الأم، وسعيد بن ~~منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عمر موقوفا مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس، وعطاء، ~~والضحاك مثله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه من طرق، عن ابن عمر ~~في قوله { الحج أشهر معلومت } قال شوال، وذو القعدة، ~~وعشر ليال من ذي الحجة. وأخرجوا إلا الحاكم، عن ابن مسعود مثله. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي، عن ابن عباس ~~من طرق مثله. وأخرج ابن المنذر، والدارقطني، والطبراني، والبيهقي عن عبد ~~الله بن الزبير مثله أيضا. وأخرج ابن أبي شيبة، عن الحسن، ومحمد، ~~وإبراهيم مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن حرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي ~~عن ابن عمر في قوله { فمن فرض فيهن الحج } قال من أهل فيهن ~~بحج، وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن مسعود قال الفرض ~~الإحرام. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن الزبير قال الإهلال. وأخرج عنه ابن ~~المنذر، والدارقطني، والبيهقي قال فرض الحج الإحرام. وأخرج ابن المنذر عن ~~ابن عباس قال الفرض الإهلال. وروى نحو ذلك عن جماعة من التابعين. وأخرج ~~الشافعي في الأم، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال لا ينبغي ~~لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج من أجل قول الله تعالى { الحج ~~أشهر معلومت }. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن خزيمة، والحاكم ~~وصححه، والبيهقي عنه نحوه. وأخرج الشافعي في الأم، وابن أبي شيبة، وابن ~~مردويه، والبيهقي عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج " # وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~قوله # " { فلا رفث، ولا فسوق، ولا جدال في الحج } قال الرفث التعريض للنساء ~~بالجماع، والفسوق المعاصي كلها، والجدال جدال الرجل صاحبه " # وأخرج ابن مردويه، ms0316 والأصبهاني في الترغيب، عن أبي أمامة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " فلا رفث لا جماع، ولا فسوق المعاصي والكذب " # وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو يعلى، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عباس في الآية قال ~~الرفث الجماع، والفسوق المعاصي، والجدال المراء. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر عنه نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، والطبراني في الأوسط عن ابن عمر ~~قال الرفث غشيان النساء، والفسوق السباب، والجدال المراء. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي ~~عنه نحوه. وروى نحو ما تقدم عن جماعة من التابعين بعبارات مختلفة، وأخرج ~~عبد بن حميد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم عن ابن عباس قال كان ~~أهل اليمن يحجون، ولا يتزودون، ويقولون نحن متوكلون، ثم يقدمون، فيسألون ~~الناس، فأنزل الله { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ~~}. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال كان ناس يخرجون من أهليهم ليست ~~معهم أزودة يقولون نحج بيت الله، ولا يطعمنا؟ فنزلت الآية. وأخرج ابن ~~جرير، وابن مردويه، عن ابن عمر قال كانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم رموا ~~بها، واستأنفوا زادا آخر، فأنزل الله { وتزودوا فإن خير ~~الزاد التقوى } فنهوا عن ذلك، وأمروا أن يتزودوا الكعك، ~~والدقيق، والسويق. وأخرج الطبراني عن ابن الزبير قال كان الناس يتوكل ~~بعضهم على بعض في الزاد، فأمرهم الله، أن يتزودوا. وقد روي عن جماعة من ~~التابعين مثل ما تقدم عن الصحابة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، ~~وعبد بن حميد، وأبو داود، وابن جرير عن ابن عباس قال كانوا يتقون البيوع، ~~والتجارة في الموسم، والحج، ويقولون أيام ذكر الله، فنزلت { ليس ~~عليكم جناح } الآية. وقد أخرج نحوه عنه البخاري، وغيره. وأخرج ~~عبد بن حميد، وعبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأبو داود، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي، عن أبي ~~أمامة التميمي قال قلت لابن ms0317 عمر إنا أناس نكري، فهل لنا من حج؟ قال ~~أليس تطوفون بالبيت، وبين الصفا والمروة، وتأتون المعرف، وترمون ~~الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قلت بلى، فقال ابن عمر جاء رجل إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فسأله عن الذي سألتني عنه، فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل ~~بهذه الآية { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم } فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه الآية، وقال # " أنتم حجاج ". # وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس أنه كان يقرأ { ليس عليكم ~~جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } في مواسم الحج. وأخرج ~~عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن ~~ابن الزبير أنه قرأها كما قرأها ابن عباس. # وأخرج ابن أبي داود في المصاحف أن ابن مسعود قرأها كذلك. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس قال إنما سمي عرفات لأن جبريل كان يقول ~~لإبراهيم عليه السلام حين رأى المناسك عرفت. وأخرج مثله ابن أبي حاتم، عن ~~ابن عمر. وأخرج مثله عبد الرزاق، وابن جرير، عن علي. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن ~~عمر أنه سئل، عن المشعر الحرام، فسكت، حتى إذا هبطت أيدي الرواحل ~~بالمزدلفة قال هذا المشعر الحرام. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه أنه قال المشعر الحرام المزدلفة ~~كلها. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في سننه ~~عنه قال هو الجبل، وما حوله. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس مثله. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عنه قال ما بين الجبلين الذي بجمع ~~مشعر. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن الزبير في قوله { ~~واذكروه كما هداكم } قال ليس هذا بعام، هذا لأهل البلد كانوا ~~يفيضون من جمع، ويفيض سائر الناس من عرفات، فأبى الله لهم ذلك، فأنزل { ~~ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } وأخرج عبد بن حميد، عن ~~سفيان في ms0318 قوله { وإن كنتم من قبله } قال من قبل القرآن. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وإن كنتم من قبله لمن ~~الضالين } قال لمن الجاهلين. ### || [2.199-203] # قيل الخطاب في قوله { ثم أفيضوا } للحمس من قريش، لأنهم كانوا لا ~~يقفون مع الناس بعرفات. بل كانوا يقفون بالمزدلفة، وهي من الحرم، فأمروا ~~بذلك، وعلى هذا تكون، ثم لعطف جملة على جملة لا للترتيب، وقيل الخطاب ~~لجميع الأمة، والمراد بالناس إبراهيم، أي ثم أفيضوا من حيث أفاض إبراهيم، ~~فيحتمل أن يكون أمرا لهم بالإفاضة من عرفة. ويحتمل أن يكون إفاضة أخرى، ~~وهي التي من المزدلفة، وعلى هذا تكون، " ثم " على بابها أي للترتيب، وقد ~~رجح هذا الاحتمال الأخير ابن جرير الطبري، وإنما أمروا بالاستغفار لأنهم ~~في مساقط الرحمة، ومواطن القبول، ومظنات الإجابة. وقيل إن المعنى ~~استغفروا للذي كان مخالفا لسنة إبراهيم، وهو وقوفكم بالمزدلفة دون عرفة. ~~والمراد بالمناسك أعمال الحج، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # " خذوا عني مناسككم " # أي فإذا فرغتم من أعمال الحج، فاذكروا الله. وقيل المراد بالمناسك ~~الذبائح، وإنما قال سبحانه { كذكركم ءاباءكم } لأن العرب كانوا ~~إذا فرغوا من حجهم يقفون عند الجمرة، فيذكرون مفاخر آبائهم، ومناقب ~~أسلافهم، فأمرهم الله بذكره مكان ذلك الذكر، ويجعلونه ذكرا مثل ذكرهم ~~لآبائهم، أو أشد من ذكرهم لآبائهم. قال الزجاج إن قوله { أو أشد } ~~في موضع خفض عطفا على ذكركم، والمعنى، أو كأشد ذكرا، ويجوز أن يكون في ~~موضع نصب أي اذكروه أشد ذكرا. وقال في الكشاف إنه عطف على ما أضيف إليه ~~الذكر في قوله { كذكركم } كما تقول كذكر قريش آباءهم، أو قوم أشد ~~منهم ذكرا. قوله { فمن الناس من يقول } الآية، لما أرشد ~~سبحانه عباده إلى ذكره، وكان الدعاء نوعا من أنواع الذكر جعل من يدعوه ~~منقسما إلى قسمين أحدهما يطلب حظ الدنيا، ولا يلتفت إلى حظ الآخرة، ~~والقسم الآخر يطلب الأمرين جميعا، ومفعول الفعل، أعني قوله { أتنا ~~} محذوف، أي ما نريد، أو ما نطلب، والواو في قوله { وما له } واو ms0319 الحال، ~~والجملة بعدها حالية. والخلاق النصيب، أي وما لهذا الداعي في الآخرة من ~~نصيب لأن همه مقصور على الدنيا لا يريد غيرها، ولا يطلب سواها. وفي هذا ~~الخبر معنى النهي عن الاقتصار على طلب الدنيا، والذم لمن جعلها غاية ~~رغبته، ومعظم مقصوده. وقد اختلف في تفسير الحسنتين المذكورتين في الآية، ~~فقيل هما ما يطلبه الصالحون في الدنيا من العافية، وما لا بد منه من ~~الرزق، وما يطلبونه في الآخرة من نعيم الجنة والرضا وقيل المراد بحسنة ~~الدنيا الزوجة الحسناء، وحسنة الآخرة الحور العين، وقيل حسنة الدنيا ~~العلم والعبادة، وقيل غير ذلك. قال القرطبي والذي عليه أكثر أهل العلم أن ~~المراد بالحسنتين نعيم الدنيا، والآخرة، قال وهذا هو الصحيح، فإن اللفظ ~~يقتضي هذا كله، فإن حسنة نكرة في سياق الدعاء، فهو محتمل لكل حسنة من ~~الحسنات على البدل، وحسنة الآخرة الجنة بإجماع. # انتهى. قوله { حسنة وقنا } أصله أوقنا حذفت الواو، كما حذفت في ~~يقي لأنها بين ياء، وكسرة، مثل يعد، هذا قول البصريين. وقال الكوفيون ~~حذفت فرقا بين اللازم، والمتعدي. وقوله { أولئك } إشارة إلى ~~الفريق الثاني { لهم نصيب من } جنس { ما كسبوا } من ~~الأعمال أي من ثوابها، ومن جملة أعمالهم الدعاء، فما أعطاهم الله بسببه ~~من الخير، فهو مما كسبوا، وقيل إن معنى قوله { مما كسبوا } ~~التعليل، أي نصيب من الدنيا، ولا نصيب لهم في الآخرة، وللآخرين نصيب من ~~أجل ما كسبوا، وهو بعيد. قيل إن قوله { أولئك } إشارة إلى ~~الفريقين جميعا أي للأولين نصيب مما كسبوا من الدنيا، ولا نصيب لهم في ~~الآخرة، وللآخرين نصيب مما كسبوا في الدنيا، وفي الآخرة. وسريع من سرع ~~يسرع كعظم يعظم سرعا، وسرعة، والحساب مصدر كالمحاسبة، وأصله العدد، ~~يقال حسب يحسب حسابا، وحسابة، وحسبانا، وحسبا. والمراد هنا المحسوب، ~~سمي حسابا تسمية للمفعول بالمصدر، والمعنى أن حسابه لعباده في يوم ~~القيامة سريع مجيئه، فبادروا ذلك بأعمال الخير، أو أنه وصف نفسه بسرعة ~~حساب الخلائق على كثرة عددهم، وأنه لا يشغله شأن عن شأن، فيحاسبهم في ms0320 ~~حالة واحدة، كما قال تعالى # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس وحدة # لقمان 28، قوله { فى أيام معدودت } قال القرطبي لا خلاف بين ~~العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام منى، وهي أيام ~~التشريق، وهي أيام رمي الجمار. وقال الثعلبي قال إبراهيم الأيام ~~المعدودات أيام العشر، والأيام المعلومات أيام النحر. وكذا روي عن مكي، ~~والمهدوي. قال القرطبي ولا يصح لما ذكرناه من الإجماع على ما نقله أبو ~~عمر بن عبد البر، وغيره. وروى الطحاوي عن أبي يوسف أن الأيام المعلومات ~~أيام النحر، قال لقوله تعالى # ويذكروا الله فى أيام معلومت على ما ~~رزقهم من بهيمة الانعام # الحج 28 وحكى الكرخي عن محمد بن الحسن أن الأيام المعلومات أيام النحر ~~الثلاثة يوم الأضحى، ويومان بعده. قال الكيا الطبري فعلى قول أبي يوسف، ~~ومحمد لا فرق بين المعلومات، والمعدودات، لأن المعدودات المذكورة في ~~القرآن أيام التشريق بلا خلاف. وروي عن مالك أن الأيام المعدودات، ~~والأيام المعلومات يجمعها أربعة أيام، يوم النحر، وثلاثة أيام بعده، فيوم ~~النحر معلوم غير معدود، واليومان بعده معلومان معدودان، واليوم الرابع ~~معدود لا معلوم، وهو مروي عن ابن عمر. وقال ابن زيد الأيام المعلومات ~~عشر ذي الحجة، وأيام التشريق. والمخاطب بهذا الخطاب المذكور في الآية، ~~أعني قوله تعالى { واذكروا الله فى أيام معدودت } هو ~~الحاج، وغيره كما ذهب إليه الجمهور وقيل هو خاص بالحاج. # وقد اختلف أهل العلم في وقته، فقيل من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من ~~آخر أيام التشريق وقيل من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر النحر، وبه ~~قال أبو حنيفة، وقيل من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام ~~التشريق، وبه قال مالك، والشافعي، قوله { فمن تعجل } الآية، ~~اليومان هما يوم ثاني النحر، ويوم ثالثه. وقال ابن عباس، والحسن، وعكرمة، ~~ومجاهد، وقتادة، والنخعي من رمى في اليوم الثاني من الأيام المعدودات، ~~فلا حرج، ومن تأخر إلى الثالث، فلا حرج، فمعنى الآية كل ذلك مباح، وعبر ~~عنه بهذا التقسيم ms0321 اهتماما، وتأكيدا لأن من العرب من كان يذم التعجل، ~~ومنهم من كان يذم التأخر، فنزلت الآية رافعة للجناح في كل ذلك. وقال ~~علي، وابن مسعود معنى الآية من تعجل، فقد غفر له، ومن تأخر، فقد غفر له. ~~والآية قد دلت على أن التعجل، والتأخر مباحان. وقوله { لمن اتقى ~~} معناه أن التخيير، ورفع الإثم ثابت لمن اتقى لأن صاحب التقوى يتحرز، ~~عن كل ما يريبه، فكان أحق بتخصيصه بهذا الحكم. قال الأخفش التقدير ذلك ~~لمن اتقى. وقيل لمن اتقى بعد انصرافه من الحج عن جميع المعاصي. وقيل لمن ~~اتقى قتل الصيد. وقيل معناه السلامة لمن اتقى. وقيل هو متعلق بالذكر، أي ~~الذكر لمن اتقى. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن عائشة قالت «كانت ~~قريش، ومن دان بدينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكانت سائر ~~العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتي عرفات، ثم ~~يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى { ثم أفيضوا من حيث ~~أفاض الناس }. وأخرجا أيضا، عنها موقوفا، نحوه. وقد ورد في هذا ~~المعنى روايات، عن الصحابة، والتابعين. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال إذا ~~كان يوم عرفة هبط الله إلى سماء الدنيا في الملائكة، فيقول لهم عبادي ~~آمنوا بوعدي، وصدقوا برسلي ما جزاؤهم؟ فيقال أن تغفر لهم، فذلك قوله { ~~ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله ~~إن الله غفور رحيم }. وقد وردت أحاديث كثيرة في المغفرة ~~لأهل عرفة، ونزول الرحمة عليهم، وإجابة دعائهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ~~عطاء في قوله تعالى { فإذا قضيتم منسككم } قال حجكم. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد في قوله { فإذا قضيتم ~~منسككم } قال إهراق الدماء { فاذكروا الله كذكركم ~~ءاباءكم } قال تفاخر العرب بينها بفعال آبائها يوم النحر حين يفرغون، ~~فأمروا بذكر الله مكان ذلك. وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال كان ~~المشركون يجلسون في الحج، فيذكرون أيام آبائهم، وما يعدون من أنسابهم ~~يومهم أجمع، فأنزل الله على رسوله { فاذكروا الله كذكركم ~~ءاباءكم ms0322 أو أشد ذكرا }. # وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني عن عبد الله بن الزبير نحوه. وأخرج ابن ~~جرير، عن ابن عباس في قوله { كذكركم ءاباءكم } يقول كما يذكر ~~الأبناء الآباء. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس أيضا أنه ~~قيل له في قوله { كذكركم ءاباءكم } إن الرجل ليأتي عليه اليوم، ~~وما يذكر أباه. فقال إنه ليس بذاك، ولكن يقول تغضب لله إذا عصى أشد ~~من غضبك إذا ذكر والدك بسوء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال كان ~~قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف، فيقولون اللهم اجعله عام غيث، وعام ~~خصب، وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا، فأنزل الله فيهم { ~~فمن الناس من يقول ربنا ءاتنا فى الدنيا وما له ~~فى الاخرة من خلق } ويجىء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون { ~~ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الأخرة حسنة ~~وقنا عذاب النار } فأنزل الله فيهم { أولئك لهم نصيب ~~مما كسبوا والله سريع الحساب }. وأخرج الطبراني، عن ~~عبد الله بن الزبير قال كان الناس في الجاهلية إذا وقفوا عند المشعر ~~الحرام دعوا، فقال أحدهم اللهم ارزقني إبلا، وقال الآخر اللهم ارزقني ~~غنما، فأنزل الله الآية. وأخرج ابن جرير، عن أنس أنهم كانوا يطوفون ~~بالبيت عراة، فيدعون اللهم اسقنا المطر، وأعطنا على عدونا الظفر، وردنا ~~صالحين إلى صالحين، فنزلت الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء في قوله { ~~أولئك لهم نصيب مما كسبوا } قال مما عملوا من الخير. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله { سريع الحساب } قال سريع ~~الإحصاء. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم، عن علي ~~قال الأيام المعدودات ثلاثة أيام يوم الأضحى، ويومان بعده، اذبح في أيها ~~شئت، وأفضلها، أولها. وأخرج الفريابي، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر، عن ~~ابن عمر أنها أيام التشريق الثلاثة، وفي لفظ هذه الأيام الثلاثة بعد يوم ~~النحر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، ~~والبيهقي في الشعب، والضياء في المختارة، عن ابن ms0323 عباس قال الأيام ~~المعلومات أيام العشر، والأيام المعدودات أيام التشريق. وأخرج الطبراني، ~~عن ابن الزبير قال في قوله { واذكروا الله فى أيام ~~معدودت } قال هن أيام التشريق، يذكر فيهن بتسبيح، وتهليل، ~~وتكبير، وتحميد. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال الأيام المعدودات ~~أربعة أيام يوم النحر، والثلاثة أيام بعده. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن ~~عمر أنه كان يكبر تلك الأيام بمنى، ويقول التكبير واجب، ويتأول هذه ~~الآية { واذكروا الله فى أيام معدودت }. وأخرج ابن ~~جرير، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس أنه كان يكبر يوم النحر، ويتلو هذه ~~الآية. # وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله { واذكروا الله فى ~~أيام معدودت } قال التكبير أيام التشريق يقول في دبر كل صلاة ~~الله أكبر الله أكبر الله أكبر. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عمر أنه كان ~~يكبر ثلاثا ثلاثا وراء الصلوات، ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وأخرج المروزي عن الزهري ~~قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر أيام التشريق كلها. وأخرج ~~مالك، عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن عمر بن الخطاب خرج الغد من يوم النحر ~~بمنى حين ارتفع النهار شيئا، فكبر، وكبر الناس بتكبيره، ثم خرج ~~الثانية في يومه ذلك بعد ارتفاع النهار، فكبر، وكبر الناس بتكبيره ~~حتى بلغ تكبيرهم البيت، ثم خرج الثالثة من يومه ذلك حين زاغت الشمس، ~~فكبر، وكبر الناس بتكبيره. وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يرمي الجمار، ويكبر مع كل حصاة. وقد روى ~~نحو ذلك من حديث عائشة عند الحاكم وصححه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { فمن تعجل فى ~~يومين فلا إثم عليه } قال في تعجيله { ومن تأخر فلا ~~إثم عليه } قال في تأخيره. وأخرج ابن جرير، عن ابن عمر قال ~~النفر في يومين لمن اتقى. وأخرج ms0324 عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي ~~حاتم عنه قال من غابت له الشمس في اليوم الذي قال الله فيه { فمن ~~تعجل فى يومين } وهو بمنى، فلا ينفرن حتى يرمى الجمار من ~~الغد، وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { لمن ~~اتقى } قال لمن اتقى الصيد، وهو محرم. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، ~~وأهل السنن، والحاكم وصححه، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول، وهو واقف بعرفة، وأتاه الناس من أهل مكة، ~~فقالوا يا رسول الله كيف الحج؟ قال # " الحج عرفات، فمن أدرك ليلة جمع قبل أن يطلع الفجر، فقد أدرك أيام ~~منى ثلاثة أيام { فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه } ~~قال مغفورا له { ومن تأخر فلا إثم عليه } قال مغفورا له ~~" # وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله { لمن اتقى } قال لمن اتقى في ~~حجه. قال قتادة، وذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول من اتقى في حجه غفر له ~~ما تقدم من ذنبه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن أبي العالية في قوله ~~{ فلا إثم عليه لمن اتقى } قال ذهب إثمه كله إن اتقى فيما ~~بقي من عمره. ### || [2.204-207] # لما ذكر سبحانه طائفتي المسلمين بقوله { فمن الناس من يقول } ~~عقب ذلك بذكر طائفة المنافقين، وهم الذين يظهرون الإيمان، ويبطنون الكفر. ~~وسبب النزول الأخنس بن شريق كما يأتي بيانه. قال ابن عطية ما ثبت قط أن ~~الأخنس أسلم، وقيل إنها نزلت في قوم من المنافقين، وقيل إنها نزلت في كل ~~من أضمر كفرا، أو نفاقا، أو كذبا، وأظهر بلسانه خلافه. ومعنى قوله { ~~يعجبك } واضح. ومعنى قوله { ويشهد الله على ما فى ~~قلبه } أنه يحلف على ذلك فيقول يشهد الله على ما في قلبي من محبتك، ~~أو من الإسلام، أو يقول الله يعلم أني أقول حقا، وأني صادق في قولي لك. ~~وقرأ ابن محيصن " ويشهد الله " بفتح حرف المضارعة، ورفع الإسم ~~الشريف على أنه فاعل، والمعنى ويعلم ms0325 الله منه خلاف ما قال، ومثله قوله ~~تعالى # والله يشهد إن المنفقين لكذبون # المنافقون 1 وقراءة الجماعة أبلغ في الذم. وقرأ ابن عباس { والله يشهد ~~على ما في قلبه } وقرأ أبي، وابن مسعود «ويستشهد الله على ما في قلبه». ~~وقوله { في الحياة الدنيا } متعلق بالقول، أو ب { يعجبك } ، فعلى الأول ~~القول صادر في الحياة، وعلى الثاني الإعجاب صادر فيها. والألد الشديد ~~الخصومة. يقال رجل ألد، وامرأة لداء، ولددته ألده إذا جادلته، فغلبته، ~~ومنه قول الشاعر # وألد ذي جنف علي كأنما نغلى عداوة صدره في مرجل # والخصام مصدر خاصم. قاله الخليل، وقيل جمع خصم، قاله الزجاج ككلب، ~~وكلاب، وصعب، وصعاب، وضخم، وضخام، والمعنى أنه أشد المخاصمين خصومة، ~~لكثرة جداله، وقوة مراجعته، وإضافة الألد إلى الخصام بمعنى في، أي ألد ~~في الخصام، أو جعل الخصام ألد على المبالغة. وقوله { وإذا تولى ~~} أي أدبر، وذهب عنك يا محمد. وقيل إنه بمعنى ضل، وغضب، وقيل إنه بمعنى ~~الولاية أي إذا كان واليا فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض. ~~والسعي المذكور يحتمل أن يكون المراد به السعي بالقدمين إلى ما هو فساد ~~في الأرض، كقطع الطريق، وحرب المسلمين، ويحتمل أن يكون المراد به العمل ~~في الفساد، وإن لم يكن فيه سعي بالقدمين، كالتدبير على المسلمين بما ~~يضرهم، وأعمال الحيل عليهم، وكل عمل يعمله الإنسان بجوارحه، أو حواسه ~~يقال له سعي، وهذا هو الظاهر من هذه الآية. وقوله { ويهلك } عطف على ~~قوله { ليفسد } وفي قراءة أبي «وليهلك». وقرأه قتادة بالرفع. وروى ~~عن ابن كثير " ويهلك " بفتح الياء وضم الكاف، ورفع الحرث، والنسل، ~~وهي قراءة الحسن، وابن محيصن. والمراد بالحرث الزرع والنسل الأولاد، وقيل ~~الحرث النساء. قال الزجاج وذلك، لأن النفاق يؤدي إلى تفريق الكلمة، ووقوع ~~القتال، وفيه هلاك الخلق، وقيل معناه أن الظالم يفسد في الأرض، فيمسك ~~الله المطر، فيهلك الحرث، والنسل. # وأصل الحرث في اللغة الشق، ومنه المحراث لما يشق به الأرض، والحرث كسب ~~المال، وجمعه. وأصل النسل في اللغة الخروج، والسقوط، ms0326 ومنه نسل الشعر، ~~ومنه أيضا # إلى ربهم ينسلون # يس 51 # وهم من كل حدب ينسلون # الأنبياء 96، ويقال لما خرج من كل أنثى نسل، لخروجه منها. وقوله { ~~والله لا يحب الفساد } يشمل كل نوع من أنواعه من غير فرق ~~بين ما فيه فساد الدين، وما فيه فساد الدنيا. والعزة القوة والغلبة، من ~~عزه يعزه إذا غلبه، ومنه # وعزنى فى الخطاب # ص 23 وقيل العزة هنا الحمية، ومنه قول الشاعر # أخذته عزة من جهله فتولى مغضبا فعل الضجر # وقيل العزة هنا المنعة وشدة النفس. ومعنى { أخذته العزة ~~بالإثم } حملته العزة على الإثم، من قولك أخذته بكذا إذا حملته عليه، ~~وألزمته إياه. وقيل أخذته العزة بما يؤثمه، أي ارتكب الكفر للعزة، ومنه # بل الذين كفروا فى عزة وشقاق # ص 2 وقيل الباء في قوله { بالإثم } بمعنى اللام، أي أخذته العزة، ~~والحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه، وهو النفاق، وقيل الباء بمعنى ~~مع، أي أخذته العزة مع الإثم. وقوله { فحسبه جهنم } أي كافية ~~معاقبة، وجزاء، كما تقول للرجل كفاك ما حل بك، وأنت تستعظم عليه ما حل ~~به. والمهاد جمع المهد، وهو الموضع المهيأ للنوم، ومنه مهد الصبي، وسميت ~~جهنم مهادا لأنها مستقر الكفار. وقيل المعنى أنها بدل لهم من المهاد ~~كقوله # فبشرهم بعذاب أليم # آل عمران 21 وقول الشاعر # تحية بينهم ضرب وجيع # ويشرى بمعنى يبيع، أي يبيع نفسه في مرضاة الله كالجهاد، والأمر ~~بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومثله قوله تعالى # وشروه بثمن بخس # يوسف 20 وأصله الاستبدال ومنه قوله تعالى # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأمولهم بأن لهم الجنة # التوبة 111، ومنه قول الشاعر # وشريت بردا ليتني من بعد برد كنت هامه # ومنه قول الآخر # يعطي بها ثمنا فيمنعها ويقول صاحبه ألا تشري # والمرضاة الرضا، تقول رضي يرضى، رضا ومرضاة. ووجه ذكر الرأفة هنا أنه ~~أوجب عليهم ما أوجبه ليجازيهم، ويثيبهم عليه، فكان ذلك رأفة بهم، ولطفا ~~لهم. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ms0327 ابن ~~عباس قال لما أصيبت السرية التي فيها عاصم، ومرثد، قال رجال من المنافقين ~~يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا هكذا، لا هم قعدوا في أهلهم، ولا هم ~~أدوا رسالة صاحبهم؟ فأنزل الله { ومن الناس من يعجبك ~~قوله فى الحيوة الدنيا } أي ما يظهر من الإسلام بلسانه { ~~ويشهد الله على ما فى قلبه } أنه مخالف لما يقوله ~~بلسانه { وهو ألد الخصام } أي ذو جدال إذا كلمك وراجعك { ~~وإذا تولى } خرج من عندك { سعى فى الأرض ليفسد فيها ~~ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد } أي ~~لا يحب عمله، ولا يرضى به { ومن الناس من يشرى نفسه } ~~الذين يشرون أنفسهم من الله بالجهاد في سبيله، والقيام بحقه، حتى هلكوا ~~على ذلك. # يعني هذه السرية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن السدي ~~في قوله { ومن الناس من يعجبك قوله } الآية، قال نزلت في ~~الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة، أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~المدينة، وقال جئت أريد الإسلام، ويعلم الله أني لصادق، فأعجب النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذلك منه، فذلك قوله { ويشهد الله على ما فى ~~قلبه }. ثم خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم، فمر بزرع لقوم من ~~المسلمين، وحمر، فأحرق الزرع، وعقر الحمر، فأنزل الله { وإذا ~~تولى سعى فى الأرض } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس ~~في قوله { وهو ألد الخصام } قال هو شديد الخصومة. وأخرج عبد ~~بن حميد، عن مجاهد في قوله { وإذا تولى سعى فى الأرض } قال ~~عمل في الأرض { ويهلك الحرث } قال نبات الأرض { والنسل } ~~نسل كل شيء من الحيوان الناس، والدواب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~عن مجاهد أيضا أنه سئل، عن قوله { وإذا تولى سعى فى الأرض ~~} قال يلي في الأرض، فيعمل فيها بالعدوان، والظلم، فيحبس الله بذلك القطر ~~من السماء، فتهلك بحبس القطر الحرث، والنسل، { والله لا يحب الفساد }. ~~ثم قرأ مجاهد # ظهر الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى ~~الناس # الآية ms0328 الروم 41. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس أنه سئل عن قوله { ويهلك الحرث والنسل } ~~قال الحرث الزرع، والنسل نسل كل دابة. وأخرج ابن المنذر، والطبراني ~~والبيهقي في الشعب، عن ابن مسعود قال «إن من أكبر الذنوب عند الله أن ~~يقول الرجل لأخيه اتق الله، فيقول عليك بنفسك أنت تأمرني». وأخرج ابن ~~المنذر، والبيهقي في الشعب، عن سفيان قال قال رجل لمالك بن مغول اتق ~~الله، فسقط، فوضع خده على الأرض تواضعا لله. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن ~~المنذر، عن ابن عباس في قوله { ولبئس المهاد } قال بئس المنزل. ~~وأخرجا عن مجاهد قال بئس ما شهدوا لأنفسهم. وأخرج ابن مردويه، عن صهيب ~~قال لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت لي قريش ~~يا صهيب قدمت إلينا، ولا مال لك، وتخرج أنت، ومالك، والله لا يكون ذلك ~~أبدا، فقلت لهم أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟ قالوا نعم، فدفعت ~~إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال # " ربح البيع صهيب مرتين ". # وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، وابن عساكر، عن ~~سعيد بن المسيب، نحوه. وأخرج الطبراني، والحاكم، والبيهقي في الدلائل، عن ~~صهيب، نحوه. وأخرج ابن المنذر، والحاكم وصححه، عن أنس قال نزلت في خروج ~~صهيب إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال هم ~~المهاجرون والأنصار. ### || [2.208-210] # لما ذكر الله سبحانه أن الناس ينقسمون إلى ثلاث طوائف مؤمنين، وكافرين، ~~ومنافقين، أمرهم بعد ذلك بالكون على ملة واحدة. وإنما أطلق على الثلاث ~~الطوائف لفظ الإيمان لأن أهل الكتاب مؤمنون بنبيهم، وكتابهم، والمنافق ~~مؤمن بلسانه، وإن كان غير مؤمن بقلبه. و { السلم } بفتح السين وكسرها قال ~~الكسائي ومعناهما واحد، وكذا عند البصريين، وهما جميعا يقعان للإسلام، ~~والمسالمة. وقال أبو عمرو بن العلاء إنه بالفتح للمسالمة، وبالكسر ~~للإسلام. وأنكر المبرد هذه التفرقة. وقال الجوهري { السلم ms0329 } بفتح السين ~~الصلح، وتكسر، ويذكر ويؤنث، وأصله من الاستسلام، والانقياد. ورجح الطبري ~~أنه هنا بمعنى الإسلام، ومنه قول الشاعر الكندي # دعوت عشيرتي للسلم لما رأيتهم تولوا مدبرين # أي إلى الإسلام. وقرأ الأعمش «السلم» بفتح السين، واللام. وقد حكى ~~البصريون في سلم، وسلم، وسلم أنها بمعنى واحد { وكافة } حال من { ~~السلم } ، أو من ضمير المؤمنين، فمعناه على الأول لا يخرج منكم أحد، ~~وعلى الثاني لا يخرج من أنواع السلم شيء بل ادخلوا فيها جميعا. أي في ~~خصال الإسلام، وهو مشتق من قولهم كففت أي منعت، أي لا يمتنع منكم أحد من ~~الدخول في الإسلام، والكف المنع، والمراد به هنا الجميع { ادخلوا ~~في السلم كافة } أي جميعا. وقوله { ولا تتبعوا خطوت ~~الشيطن } أي لا تسلكوا الطريق التي يدعوكم إليه الشيطان، وقد ~~تقدم الكلام على خطوات. قوله { زللتم } أي تنحيتم عن طريق ~~الاستقامة، وأصل الزلل في القدم، ثم استعمل في الاعتقادات، والآراء، وغير ~~ذلك، يقال زل يزل زلا، وزللا، وزلولا أي دحضت قدمه. وقرىء " ~~زللتم " بكسر اللام، وهما لغتان، والمعنى فإن ضللتم، وعرجتم عن ~~الحق { من بعد ما جاءتكم البينت } أي الحجج الواضحة، ~~والبراهين الصحيحة، أن الدخول في الإسلام هو الحق { فاعلموا أن ~~الله عزيز } غالب لا يعجزه الانتقام منكم { حكيم } لا ينتقم إلا ~~بحق. قوله { هل ينظرون } أي ينتظرون، يقال نظرته وانتظرته بمعنى، ~~والمراد هل ينتظر التاركون للدخول في السلم، والظلل جمع ظلة، وهي ~~ما يظلك، وقرأ قتادة، ويزيد بن القعقاع «في ظلال» وقرأ يزيد أيضا " ~~والملئكة " بالجر عطفا على الغمام، أو على ظلل. قال الأخفش { ~~والملئكة } الخفض بمعنى وفي الملائكة قال والرفع أجود. وقال ~~الزجاج التقدير في ظلل من الغمام، ومن الملائكة، والمعنى هل ينتظرون إلا ~~أن يأتيهم الله بما وعدهم من الحساب والعذاب في ظلل من الغمام، ~~والملائكة. قال الأخفش وقد يحتمل أن يكون معنى الإتيان راجعا إلى ~~الجزاء، فسمي الجزاء إتيانا كما سمي التخويف، والتعذيب في قصة ثمود ~~إتيانا، فقال # فأتى الله بنينهم من القواعد # النحل 26 وقال في ms0330 قصة النضير # فأتهم الله من حيث لم يحتسبوا # الحشر 2 وإنما احتمل الإتيان هذا لأن أصله عند أهل اللغة القصد إلى ~~الشيء، فمعنى الآية هل ينظرون إلا أن يظهر الله فعلا من الأفعال مع خلق ~~من خلقه يقصد إلى محاربتهم؟ وقيل إن المعنى يأتيهم أمر الله، وحكمه، وقيل ~~إن قوله { في ظلل } بمعنى يظلل، وقيل المعنى يأتيهم ببأسه في ظلل. ~~والغمام السحاب الرقيق الأبيض، سمي بذلك لأنه يغم. أي يستر. ووجه إتيان ~~العذاب في الغمام على تقدير أن ذلك هو المراد ما في مجيء الخوف من محل ~~الأمن من الفظاعة، وعظم الموقع لأن الغمام مظنة الرحمة لا مظنة العذاب. ~~وقوله { وقضى الأمر } عطف على { يأتيهم } داخل في حيز الانتظار، ~~وإنما عدل إلى صيغة الماضي دلالة على تحققه فكأنه قد كان، أو جملة ~~مستأنفة جيء بها للدلالة على أن مضمونها واقع لا محالة، أي وفرغ من الأمر ~~الذي هو إهلاكهم. وقرأ معاذ بن جبل «وقضاء الأمر» بالمصدر عطفا على ~~الملائكة. وقرأ يحيى بن يعمر «وقضى الأمور» بالجمع. وقرأ ابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي { ترجع الأمور } على بناء الفعل للفاعل، وقرأ ~~الباقون على البناء للمفعول. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله ~~تعالى { يأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم ~~كافة } قال يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإيمان بالله ~~مستمسكين ببعض أمر التوراة، والشرائع التي أنزلت فيهم، يقول ادخلوا في ~~شرائع دين محمد، ولا تدعوا منها شيئا، وحسبكم الإيمان بالتوراة، وما ~~فيها. وأخرج ابن جرير، عن عكرمة أن هذه الآية نزلت في ثعلبة، وعبد الله ~~بن سلام، وابن يامين، وأسد، وأسيد ابني كعب، وسعيد بن عمرو وقيس بن زيد، ~~كلهم من يهود قالوا يا رسول الله يوم السبت يوم كنا نعظمه فدعنا ~~فلنسبت فيه، وإن التوراة كتاب الله، فلنقم بها الليل، فنزلت { ~~يأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم كافة }. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال { السلم } الطاعة لله، و { كافة } ~~يقول جميعا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ms0331 حاتم عنه قال السلم الإسلام، ~~والزلل ترك الإسلام. وأخرج ابن جرير، عن السدي قال { فإن زللتم ~~من بعد ما جاءتكم البينت } قال فإن ظللتم من بعد ما ~~جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " يجمع الله الأولين، والآخرين لميقات يوم معلوم قياما شاخصة أبصارهم ~~إلى السماء ينتظرون فصل القضاء، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش ~~إلى الكرسي " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، عن ~~ابن عمر في هذه الآية قال يهبط حين يهبط، وبينه وبين خلقه سبعون ألف ~~حجاب، منها النور، والظلمة، والماء، فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتا ~~تنخلع له القلوب. # وأخرج أبو يعلى، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ~~في هذه الآية قال يأتي الله يوم القيامة في ظلل من السحاب قد قطعت ~~طاقات. وأخرج ابن جرير، والديلمي عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفات بالملائكة " # وذلك قوله { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ~~ظلل من الغمام }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عكرمة { ~~في ظلل من الغمام } قال طاقات، والملائكة حوله. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن قتادة في الآية قال يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وتأتيهم ~~الملائكة عند الموت. وأخرج عن عكرمة في قوله { وقضى الأمر } يقول ~~قامت الساعة. ### || [2.211-213] # المأمور بالسؤال لبني إسرائيل هو النبي صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن ~~يكون هو كل فرد من السائلين، وهو سؤال تقريع وتوبيخ. و { كم } في محل ~~نصب بالفعل المذكور بعدها على أنها مفعول بآتي، ويجوز أن ينتصب بفعل ~~مقدر دل عليه المذكور. أي كم آتينا آتيناهم، وقدر متأخرا لأن لها ~~صدر الكلام، وهي إما استفهامية للتقرير، أو خبرية للتكثير. و { من ~~ءاية } في موضع نصب على التمييز، وهي البراهين التي جاء بها أنبياؤهم ~~في أمر محمد صلى الله عليه وسلم. ms0332 وقيل المراد بذلك الآيات التي جاء بها ~~موسى، وهي التسع. والمراد بالنعمة هنا ما جاءهم من الآيات. وقال ابن جرير ~~الطبري النعمة هنا الإسلام، والظاهر دخول كل نعمة أنعم الله بها على عبد ~~من عباده كائنا من كان، فوقع منه التبديل لها، وعدم القيام بشكرها، ولا ~~ينافي ذلك كون السياق في بني إسرائيل، أو كونهم السبب في النزول لما تقرر ~~من أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وفي قوله { فإن الله ~~شديد العقاب } من الترهيب، والتخويف ما لا يقادر قدره. قوله { ~~زين } مبني للمجهول، والمزين هو الشيطان، أو الأنفس المجبولة على ~~حب العاجلة. والمراد بالذين كفروا رؤساء قريش، أو كل كافر. وقرأ مجاهد، ~~وحميد بن قيس «زين» على البناء للمعلوم. قال النحاس وهي قراءة شاذة لأنه ~~لم يتقدم للفاعل ذكر. وقرأ ابن أبي عبلة «زينت» وإنما خص الذين كفروا ~~بالذكر مع كون الدنيا مزينة للمسلم، والكافر كما وصف سبحانه بأنه جعل ما ~~على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا لأن الكافر افتتن بهذا ~~التزيين، وأعرض عن الآخرة، والمسلم لم يفتتن به بل أقبل على الآخرة. قوله ~~{ ويسخرون من الذين ءامنوا } هذه الجملة في محل نصب على ~~الحال. أي والحال أن أولئك الكفار يسخرون من الذين آمنوا لكونهم فقراء لا ~~حظ لهم من الدنيا كحظ رؤساء الكفر، وأساطين الضلال، وذلك لأن عرض الدنيا ~~عندهم هو الأمر الذي يكون من ناله سعيدا رابحا، ومن حرمه شقيا ~~خاسرا. وقد كان غالب المؤمنين إذ ذاك فقراء لاشتغالهم بالعبادة، وأمر ~~الآخرة، وعدم التفاتهم إلى الدنيا وزينتها. وحكى الأخفش أنه يقال سخرت ~~منه، وسخرت به، وضحكت منه، وضحكت به، وهزأت منه، وهزأت به، والاسم ~~السخرية، والسخري. ولما وقع من الكفار ما وقع من السخرية بالمؤمنين رد ~~الله عليهم بقوله { والذين اتقوا فوقهم يوم ~~القيمة } والمراد بالفوقية هنا العلو في الدرجة لأنهم في الجنة، ~~والكفار في النار، ويحتمل أن يراد بالفوق المكان لأن الجنة في السماء، ~~والنار في أسفل سافلين، أو أن المؤمنين هم ms0333 الغالبون في الدنيا كما وقع ~~ذلك من ظهور الإسلام، وسقوط الكفر، وقتل أهله، وأسرهم، وتشريدهم، وضرب ~~الجزية عليهم، ولا مانع من حمل الآية على جميع ذلك لولا التقييد بكونه في ~~يوم القيامة. # قوله { والله يرزق من يشاء بغير حساب } يحتمل أن يكون ~~فيه إشارة إلى أن الله سبحانه سيرزق المستضعفين من المؤمنين، ويوسع ~~عليهم، ويجعل ما يعطيهم من الرزق بغير حساب، أي بغير تقدير، ويحتمل أن ~~المعنى أن الله يوسع على بعض عباده في الرزق، كما وسع على أولئك الرؤساء ~~من الكفار استدراجا لهم، وليس في التوسعة دليل على أن من وسع عليه، فقد ~~رضي عنه، ويحتمل أن يراد بغير حساب من المرزوقين كما قال سبحانه # ويرزقه من حيث لا يحتسب # الطلاق 3. قوله { كان الناس أمة وحدة } أي كانوا على دين ~~واحد فاختلفوا { فبعث الله النبيين } واختلف في الناس ~~المذكورين في هذه الآية من هم؟ فقيل هم بنو آدم. حين أخرجهم الله نسما ~~من ظهر آدم وقيل آدم وحده، وسمي ناسا لأنه أصل النسل، وقيل آدم وحواء. ~~وقيل القرون الأولى التي كانت بين آدم ونوح. وقيل المراد نوح ومن في ~~سفينته، وقيل معنى الآية كان الناس أمة واحدة كلهم كفار فبعث الله ~~النبيين وقيل المراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم كانوا أمة ~~واحدة في خلوهم عن الشرائع، وجهلهم بالحقائق، لولا أن الله من عليهم ~~بإرسال الرسل، والأمة مأخوذة من قولهم أممت الشيء أي قصدته، أي مقصدهم ~~واحد غير مختلف. قوله { فبعث الله النبيين } قيل جملتهم مائة ~~ألف وأربعة وعشرون ألفا، والرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر. وقوله { ~~مبشرين ومنذرين } بالنصب على الحال. قوله { وأنزل معهم ~~الكتب } أي الجنس. وقال ابن جرير الطبري إن الألف واللام للعهد ~~والمراد التوراة. وقوله { ليحكم } مسند إلى الكتاب في قول الجمهور، ~~وهو مجاز مثل قوله تعالى # هذا كتبنا ينطق عليكم بالحق # الجاثية 29 وقيل إن المعنى ليحكم كل نبي بكتابه، وقيل ليحكم الله، ~~والضمير في قوله { فيه } الأولى راجع إلى " ما " في قوله ms0334 { فيما ~~اختلفوا فيه } والضمير في قوله { وما اختلف فيه } يحتمل ~~أن يعود إلى الكتاب، ويحتمل أن يعود إلى المنزل عليه وهو محمد صلى ~~الله عليه وسلم، قاله الزجاج ويحتمل أن يعود إلى الحق، وقوله { إلا ~~الذين أوتوه } أي أوتوا الكتاب، أو أوتوا الحق، أو أوتوا النبي ~~أي أعطوا علمه. وقوله { بغيا بينهم } منتصب على أنه مفعول به، أي ~~لم يختلفوا إلا للبغي أي الحسد والحرص على الدنيا، وفي هذا تنبيه على ~~السفه في فعلهم، والقبح الذي وقعوا فيه لأنهم جعلوا نزول الكتاب سببا في ~~شدة الخلاف. وقوله { فهدى الله الذين ءامنوا لما ~~اختلفوا فيه من الحق بإذنه } أي فهدى الله أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم إلى الحق، وذلك بما بينه لهم في القرآن من اختلاف من كان ~~قبلهم. # وقيل معناه فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم للتصديق، بجميع الكتب ~~بخلاف من قبلهم، فإن بعضهم كذب كتاب بعض وقيل إن الله هداهم إلى الحق ~~من القبلة. وقيل هداهم ليوم الجمعة. وقيل هداهم لاعتقاد الحق في عيسى بعد ~~أن كذبته اليهود، وجعلته النصارى ربا، وقيل المراد بالحق الإسلام. وقال ~~الفراء إن في الآية قلبا، وتقديره فهدى الله الذين آمنوا بالحق لما ~~اختلفوا فيه، واختاره ابن جرير، وضعفه ابن عطية. وقوله { بإذنه }. ~~قال الزجاج معناه بعلمه. قال النحاس وهذا غلط، والمعنى بأمره. وقد أخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله { سل بنى إسرءيل } قال ~~هم اليهود { كم آتينهم من آية بينة } ما ذكر الله في ~~القرآن، وما لم يذكر { ومن يبدل نعمة الله } قال يكفرها. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال آتاهم الله آيات بينات عصى موسى، ~~ويده، وأقطعهم البحر، وأغرق عدوهم، وهم ينظرون، وظلل من الغمام، وأنزل ~~عليهم المن والسلوى. { ومن يبدل نعمة الله } يقول من يكفر ~~بنعمة الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في ~~قوله { زين للذين كفروا الحيوة الدنيا } قال الكفار ~~يبتغون الدنيا، ويطلبونها { ويسخرون من ms0335 الذين ءامنوا } في ~~طلبهم الآخرة. قال ابن جريج لا أحسبه إلا عن عكرمة. قال قالوا لو كان ~~محمد نبيا لاتبعه ساداتنا، وأشرافنا، والله ما اتبعه إلا أهل الحاجة مثل ~~ابن مسعود، وأصحابه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله { ~~ويسخرون من الذين ءامنوا } يقولون ما هؤلاء على شيء، ~~استهزاء، وسخريا { والذين اتقوا فوقهم يوم ~~القيمة } هنا كم التفاضل. وأخرج عبد الرزاق، عن قتادة قال فوقهم ~~في الجنة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء قال سألت ابن عباس، عن هذه الآية ~~{ والله يرزق من يشاء بغير حساب } قال تفسيرها ليس على ~~الله رقيب، ولا من يحاسبه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال لا ~~يحاسب الرب. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو يعلى، والطبراني ~~بسند صحيح، عن ابن عباس قال { كان الناس أمة واحدة } قال على الإسلام ~~كلهم. وأخرج البزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم عنه ~~قال كان بين آدم، ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث ~~الله النبيين. قال وكذلك في قراءة عبد الله " كان الناس أمة ~~وحدة * فاختلفوا ". وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي ~~بن كعب قال كانوا أمة واحدة حيث عرضوا على آدم، ففطرهم الله على الإسلام، ~~وأقروا له بالعبودية، وكانوا أمة واحدة مسلمين، ثم اختلفوا من بعد آدم. # وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد كان ~~الناس أمة واحدة قال آدم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي أنه ~~كان يقرؤها " كان الناس أمة وحدة فاختلفوا فبعث ~~الله النبيين " وإن الله إنما بعث الرسل، وأنزل الكتب بعد ~~الاختلاف، { وما اختلف الذين أوتوه } يعني بني إسرائيل أوتوا الكتاب، ~~والعلم { بغيا بينهم } يقول بغيا على الدنيا، وطلب ملكها، وزخرفها أيهم ~~يكون له الملك، والمهابة في الناس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ~~ابن عباس { كان الناس أمة وحدة } قال كفارا. وأخرج عبد ~~الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ms0336 عن أبي هريرة في قوله { ~~فهدى الله الذين ءامنوا } قال قال النبي صلى الله عليه وسلم # " نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، وأول الناس دخولا يبدأ بهم، ~~أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه ~~من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه ~~تبع، فغدا لليهود، وبعد غد للنصارى " # وهو في الصحيح بدون ذكر الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم في ~~قوله { فهدى الله الذين ءامنوا لما اختلفوا فيه ~~من الحق بإذنه } قال اختلفوا في يوم الجمعة، فأخذ اليهود يوم السبت، ~~والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمد ليوم الجمعة، واختلفوا في ~~القبلة، فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، وهدى أمة محمد ~~للقبلة، واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع، ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا ~~يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة ~~محمد للحق من ذلك، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم النهار، ومنهم من ~~يصوم من بعد الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في ~~إبراهيم، فقالت اليهود كان يهوديا، وقالت النصارى كان نصرانيا، وجعله ~~الله حنيفا مسلما، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى، ~~فكذبت به اليهود، وقالوا لأمه بهتانا عظيما، وجعلته النصارى إلها ~~وولدا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. ### || [2.214] # { أم } هنا منقطعة بمعنى بل. وحكى بعض اللغويين أنها قد تجيء بمثابة ~~همزة الاستفهام يبتدأ بها الكلام، فعلى هذا معنى الاستفهام هنا التقرير، ~~والإنكار، أي أحسبتم دخولكم الجنة واقعا، ولم تمتحنوا بمثل ما ~~امتحن به من كان قبلكم، فتصبروا كما صبروا؟ ذكر الله سبحانه هذه ~~التسلية بعد أن ذكر اختلاف الأمم على أنبيائهم، تثبيتا للمؤمنين وتقوية ~~لقلوبهم، ومثل هذه الآية قوله تعالى # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جهدوا منكم # آل عمران 142 وقوله تعالى # الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم ~~لا ms0337 يفتنون # العنكبوت 1 - 2 وقوله { مستهم } بيان لقوله { مثل الذين ~~خلوا } ، و { البأساء والضراء } قد تقدم تفسيرهما، والزلزلة ~~شدة التحريك يكون في الأشخاص وفي الأحوال، يقال زلزل الله الأرض زلزلة، ~~وزلزالا بالكسر، فتزلزلت إذا تحركت، واضطربت، فمعنى زلزلوا خوفوا ~~وأزعجوا إزعاجا شديدا. وقال الزجاج أصل الزلزلة نقل الشيء من مكانه، ~~فإذا قلت زلزلته فمعناه كررت زلله من مكانه. وقوله { حتى يقول } ~~أي استمر ذلك إلى غاية هي قول الرسول، ومن معه { متى نصر الله ~~} والرسول هنا قيل هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل هو شعياء. وقيل هو ~~كل رسول بعث إلى أمته. وقرأ مجاهد، والأعرج، ونافع، وابن محيصن بالرفع في ~~قوله { حتى يقول } وقرأ غيرهم بالنصب، فالرفع على أنه حكاية لحال ~~ماضية، والنصب بإضمار " أن " على أنه غاية لما قبله. وقرأ الأعمش { ~~وزلزلوا ويقول الرسول } بالواو بدل حتى، ومعنى ذلك أن ~~الرسول ومن معه بلغ بهم الضجر إلى أن قالوا هذه المقالة المقتضية لطلب ~~النصر، واستبطاء حصوله، واستطالة تأخره، فبشرهم الله سبحانه بقوله { ألا ~~إن نصر الله قريب }. وقالت طائفة في الكلام تقديم وتأخير، ~~والتقدير حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله؟ ويقول الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ألا إن نصر الله قريب. ولا ملجىء لهذا التكلف، لأن قول الرسول، ~~ومن معه { متى نصر الله } ليس فيه إلا استعجال النصر من الله ~~سبحانه، وليس فيه ما زعموه من الشك، والارتياب حتى يحتاج إلى ذلك ~~التأويل المتعسف. وقد أخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن ~~قتادة، أن هذه الآية نزلت في يوم الأحزاب، أصاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~يومئذ، وأصحابه بلاء، وحصر. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن ~~عباس قال أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دار بلاء، وأنه مبتليهم فيها، ~~وأخبرهم أنه هكذا فعل بأنبيائه، وصفوته لتطيب نفوسهم، فقال { ~~مستهم البأساء والضراء } فالبأساء الفتن، والضراء ~~السقم، وزلزلوا بالفتن، وأذى الناس إياهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن السدي في قوله { ولما يأتكم مثل الذين خلوا ms0338 ~~} قال أصابهم هذا يوم الأحزاب حتى قال قائلهم # ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا # الأحزاب 12 ولعله يعني بقوله حتى قال قائلهم يعني قائل المنافقين كما ~~يفيد ذلك قوله تعالى # إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت ~~الأبصر وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله ~~الظنونا * هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا ~~زلزالا شديدا * وإذ يقول المنفقون والذين فى ~~قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا # الأحزاب 10 - 12. ### || [2.215-216] # السائلون هنا هم المؤمنون سألوا عن الشيء الذي ينفقونه ما هو؟ فأجيبوا ~~ببيان المصرف الذي يصرفون فيه، تنبيها على أنه الأولى بالقصد لأن ~~الشيء لا يعتد به إلا إذا وضع في موضعه، وصادف مصرفه. وقيل إنه قد تضمن ~~قوله { ما أنفقتم من خير } بيان ما ينفقونه، وهو كل خير. وقيل ~~إنهم إنما سألوا عن وجوه البر التي ينفقون فيها، وهو خلاف الظاهر. وقد ~~تقدم الكلام في الأقربين، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل. وقوله { ~~كتب } أي فرض، وقد تقدم بيان معناه. بين سبحانه أن هذا أي فرض القتال ~~عليهم من جملة ما امتحنوا به. والمراد بالقتال قتال الكفار. والكره ~~بالضم المشقة، وبالفتح ما أكرهت عليه، ويجوز الضم في معنى الفتح، فيكونان ~~لغتين، يقال كرهت الشيء كرها وكرها، وكراهة وكراهية، وأكرهته عليه ~~إكراها، وإنما كان الجهاد كرها لأن فيه إخراج المال، ومفارقة الأهل، ~~والوطن، والتعرض لذهاب النفس، وفي التعبير بالمصدر، وهو قوله { كره } ~~مبالغة، ويحتمل أن يكون بمعنى المكروه كما في قولهم الدرهم ضرب الأمير. ~~وقوله { وعسى أن تكرهوا شيئا } قيل عسى هنا بمعنى قد، وروي ~~ذلك عن الأصم. وقال أبو عبيدة عسى من الله إيجاب، والمعنى عسى أن تكرهوا ~~الجهاد لما فيه من المشقة، وهو خير لكم، فربما تغلبون، وتظفرون، ~~وتغنمون، وتؤجرون، ومن مات مات شهيدا، وعسى أن تحبوا الدعة، ~~وترك القتال، وهو شر لكم، فربما يتقوى عليكم العدو، فيغلبكم، ويقصدكم ~~إلى عقر دياركم، فيحل بكم أشد مما تخافونه من الجهاد الذي كرهتم مع ما ~~يفوتكم في ذلك من الفوائد العاجلة، والآجلة { والله يعلم ms0339 } ما ~~فيه صلاحكم، وفلاحكم { وأنتم لا تعلمون }. وقد أخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله { يسئلونك ماذا ينفقون } ~~قال يوم نزلت هذه الآية لم تكن زكاة، وهي النفقة ينفقها الرجل على أهله، ~~والصدقة يتصدق بها، فنسختها الزكاة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن ~~جريح قال سأل المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم أين يضعون أموالهم؟ ~~فنزلت { يسئلونك ماذا ينفقون } الآية، فذلك النفقة في ~~التطوع، والزكاة سواء ذلك كله. وأخرج ابن المنذر، أن عمرو بن الجموح ~~سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا ننفق من أموالنا، وأين نضعها؟ ~~فنزلت. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله { كتب عليكم ~~القتال } قال إن الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين بمكة ~~بالتوحيد، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن يكفوا أيديهم، عن القتال، ~~فلما هاجر إلى المدينة نزلت سائر الفرائض، وأذن لهم في القتال، فنزلت { ~~كتب عليكم القتال } يعني فرض عليكم، وأذن لهم بعد ما نهاهم ~~عنه { وهو كره لكم } يعني القتال، وهو مشقة عليكم { وعسى ~~أن تكرهوا شيئا } يعني الجهاد قتال المشركين، وهو خير لكم، ~~ويجعل الله عاقبته، فتحا، وغنيمة، وشهادة { وعسى أن تحبوا ~~شيئا } يعني القعود عن الجهاد { وهو شر لكم } فيجعل الله ~~عاقبته شرا، فلا تصيبوا ظفرا، ولا غنيمة. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج قال قلت لعطاء ~~ما تقول في قوله { كتب عليكم القتال } أوجب الغزو على الناس ~~من أجلها؟ قال لا، كتب على أولئك حينئذ. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن شهاب في الآية قال الجهاد مكتوب على كل أحد غزا أو قعد، ~~فالقاعد إن استعين به أعان، وإن استغيث به أغاث، وإن استنفر نفر، وإن ~~استغنى عنه قعد، وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله { ~~وهو كره لكم } قال نسختها هذه الآية { وقالوا سمعنا ~~وأطعنا } وأخرجه ابن جرير موصولا، عن عكرمة، عن ابن عباس. وأخرج ~~ابن المنذر، والبيهقي في ms0340 سننه، من طريق علي قال عسى من الله واجب. وأخرج ~~ابن المنذر، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي نحوه أيضا، ~~وقد ورد في فضل الجهاد، ووجوبه أحاديث كثيرة لا يتسع المقام لبسطها. ### || [2.217-218] # قوله { قتال فيه } هو بدل اشتمال، قاله سيبويه. ووجهه أن السؤال عن ~~الشهر لم يكن إلا باعتبار ما وقع فيه من القتال. قال الزجاج المعنى ~~يسئلونك عن القتال في الشهر الحرام، وأنشد سيبويه قول الشاعر # فما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم ~~تهدما # فقوله هلكه بدل اشتمال من قيس، وقال الفراء هو مخفوض يعني قوله { ~~قتال فيه } على نية عن، وقال أبو عبيدة هو مخفوض على الجوار. قال ~~النحاس لا يجوز أن يعرب الشيء على الجوار في كتاب الله، ولا في شيء من ~~الكلام، وإنما وقع في شيء شاذ، وهو قولهم هذا جحر ضب خرب. وتابع النحاس ~~ابن عطية في تخطئة أبي عبيدة. قال النحاس ولا يجوز إضمار عن، والقول فيه ~~أنه بدل. وقرأ ابن مسعود، وعكرمة «يسألونك عن الشهر الحرام، وعن قتال ~~فيه». وقرأ الأعرج «قتال فيه» بالرفع. قال النحاس وهو غامض في العربية، ~~والمعنى يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه. وقوله { قل قتال ~~فيه كبير } مبتدأ وخبر، أي القتال فيه أمر كبير مستنكر، والشهر ~~الحرام المراد به الجنس، وقد كانت العرب لا تسفك فيه دما، ولا تغير ~~على عدو، والأشهر الحرم هي ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب، ثلاثة ~~سرد وواحد فرد. وقوله { وصد عن سبيل الله } مبتدأ. وقوله { ~~وكفر به } معطوف على صد. وقوله { أكبر عند الله } خبر ~~صد، وما عطف عليه أي الصد عن سبيل الله، والكفر به، والصد عن المسجد ~~الحرام، وإخراج أهل الحرم منه { أكبر عند الله } أي أعظم إثما، ~~وأشد ذنبا من القتال في الشهر الحرام، كذا قال المبرد، وغيره، والضمير ~~في قوله { وكفر به } يعود إلى الله. وقيل يعود إلى الحج. وقال ~~الفراء إن قوله { وصد } عطف على كبير، والمسجد عطف على الضمير ms0341 في ~~قوله { وكفر به } فيكون الكلام منتسقا متصلا غير منفصل. قال ابن ~~عطية وذلك خطأ لأن المعنى يسوق إلى أن قوله { وكفر به } أي بالله ~~عطف أيضا على كبير، ويجيء من ذلك أن إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر ~~بالله، وهذا بين فساده، ومعنى الآية على القول الأول الذي ذهب إليه ~~الجمهور أنكم يا كفار قريش تستعظمون علينا القتال في الشهر الحرام، وما ~~تفعلون أنتم من الصد عن سبيل الله لمن أراد الإسلام، ومن الكفر بالله، ~~ومن الصد عن المسجد الحرام، ومن إخراج أهل الحرم منه أكبر جرما عند ~~الله. والسبب يشهد لهذا المعنى، ويفيد أنه المراد كما سيأتي بيانه، فإن ~~السؤال منهم المذكور في هذه الآية هو سؤال إنكار لما وقع من السرية التي ~~بعثها النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بالفتنة هنا الكفر، أي كفركم ~~أكبر من القتل الواقع من السرية التي بعثها النبي صلى الله عليه وسلم. # وقيل المراد بالفتنة الإخراج لأهل الحرم منه، وقيل المراد بالفتنة هنا ~~فتنتهم عن دينهم حتى يهلكوا. أي فتنة المستضعفين من المؤمنين، أو نفس ~~الفتنة التي الكفار عليها. وهذا أرجح من الوجهين الأولين، لأن الكفر، ~~والإخراج قد سبق ذكرهما، وأنهما مع الصد أكبر عند الله من القتال في ~~الشهر الحرام. وقوله { ولا يزالون } ابتداء كلام يتضمن الإخبار من ~~الله عز وجل للمؤمنين بأن هؤلاء الكفار لا يزالون مستمرين على قتالكم، ~~وعداوتكم حتى يردوكم عن الإسلام إلى الكفر إن استطاعوا ذلك، وتهيأ لهم ~~منكم، والتقيد بهذا الشرط مشعر باستبعاد تمكنهم من ذلك، وقدرتهم عليه، ثم ~~حذر الله سبحانه المؤمنين من الاغترار بالكفار، والدخول فيما يريدونه من ~~ردهم عن دينهم الذي هو الغاية لما يريدونه من المقاتلة للمؤمنين، فقال { ~~ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ~~فأولئك حبطت أعملهم } إلى آخر الآية والردة الرجوع عن ~~الإسلام إلى الكفر، والتقييد بقوله { فيمت وهو كافر } يفيد أن ~~عمل من ارتد إنما يبطل إذا مات على الكفر. وحبط معناه بطل، وفسد، ومنه ~~الحبط، وهو ms0342 فساد يلحق المواشي في بطونها من كثرة أكلها للكلأ، فتنتفخ ~~أجوافها، وربما تموت من ذلك. وفي هذه الآية تهديد للمسلمين ليثبتوا على ~~دين الإسلام. ومعنى قوله { فى الدنيا والاخرة } أنه لا يبقى له ~~حكم المسلمين في الدنيا، فلا يأخذ شيئا مما يستحقه المسلمون، ولا يظفر ~~بحظ من حظوظ الإسلام، ولا ينال شيئا من ثواب الآخرة الذي يوجبه الإسلام، ~~ويستحقه أهله. وقد اختلف أهل العلم في الردة هل تحبط العمل بمجردها أم ~~لا تحبط إلا بالموت على الكفر؟ والواجب حمل ما أطلقته الآيات في غير هذا ~~الموضع على ما في هذه الآية من التقييد. وقد تقدم الكلام في معنى الخلود. ~~قوله { وهاجروا } الهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع، وترك ~~الأول لإيثار الثاني، والهجر ضد الوصل، والتهاجر التقاطع، والمراد بها ~~هنا الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام. والمجاهدة استخراج الجهد، جهد، ~~مجاهدة، وجهادا، والجهاد والتجاهد بذل الوسع. وقوله { يرجون } معناه ~~يطمعون، وإنما قال يرجون بعد تلك الأوصاف المادحة التي وصفهم بها، لأنه ~~لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة، ولو بلغ في طاعة الله كل ~~مبلغ. والرجاء الأمل، يقال رجوت فلانا أرجو رجاء، ورجاوة. وقد يكون ~~الرجاء بمعنى الخوف كما في قوله تعالى # ما لكم لا ترجون لله وقارا # نوح 13 أي لا تخافون عظمة الله. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والطبراني، والبيهقي في سننه بسند صحيح، عن جندب بن عبد الله، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث رهطا، وبعث عليهم أبا عبيدة بن ~~الجراح، أو عبيدة بن الحارث، فلما ذهب ينطلق بكى شوقا، وصبابة إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فجلس، فبعث مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتابا، ~~وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا، وكذا، وقال لا تكرهن أحدا ~~من أصحابك على المسير معك، فلما قرأ الكتاب استرجع وقال سمعا، وطاعة ~~لله، ولرسوله، فخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب فرجع رجلان، ومضى بقيتهم، ~~فلقوا ابن الحضرمي ms0343 فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب، أو جمادى، ~~فقال المشركون للمسلمين قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله { ~~يسئلونك عن الشهر الحرام } الآية، فقال بعضهم إن لم ~~يكونوا أصابوا وزرا، فليس لهم أجر، فأنزل الله { إن الذين ~~ءامنوا والذين هاجروا } إلى آخر الآية. # وأخرج البزار عن ابن عباس أن سبب نزول الآية هو ذلك. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، عنه قال إن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وردوه عن المسجد الحرام في شهر حرام، ففتح الله على نبيه في شهر حرام من ~~العام المقبل، فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال في ~~شهر حرام. فقال الله { قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل ~~الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله ~~منه أكبر عند الله } من القتال فيه، وأن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم بعث سرية، فلقوا عمرو بن الحضرمي، وهو مقبل من الطائف في آخر ~~ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب، وإن أصحاب محمد كانوا يظنون أن تلك ~~الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجل منهم، وأخذوا ما ~~كان معه، وأن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فنزلت الآية. وأخرج ابن ~~إسحاق عنه أن سبب نزول الآية مصاب عمرو بن الحضرمي. وقد ورد من طرق كثيرة ~~في تعيين السبب مثل ما تقدم. وأخرج ابن أبي داود عن عطاء بن ميسرة قال ~~أحل القتال في الشهر الحرام في براءة في قوله # فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين ~~كافة # التوبة 36. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان الثوري أنه سئل عن هذه الآية ~~فقال هذا شيء منسوخ، ولا بأس بالقتال في الشهر الحرام. وأخرج النحاس في ~~ناسخه، عن ابن عباس أن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # التوبة 5. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عمر { والفتنة أكبر من ~~القتل } قال الشرك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد { ولا ~~يزالون يقتلونكم } قال كفار قريش. وأخرج ابن أبي حاتم، ms0344 عن ~~الربيع بن أنس في قوله { أولئك يرجون رحمة الله } قال ~~هؤلاء خيار هذه الأمة جعلهم الله أهل رجاء، إنه من رجا طلب، ومن خاف هرب. ~~وأخرج عبد بن حميد عن قتادة نحوه. ### || [2.219-220] # السائلون في قوله { يسئلونك عن الخمر والميسر } هم ~~المؤمنون كما سيأتي بيانه عند ذكر سبب نزول الآية، والخمر مأخوذة من خمر ~~إذا ستر، ومنه خمار المرأة، وكل شيء غطى شيئا، فقد خمره، ومنه «خمروا ~~آنيتكم» وسمي خمرا، لأنه يخمر العقل، أي يغطيه ويستره، ومن ذلك الشجر ~~الملتف يقال له الخمر بفتح الميم، لأنه يغطي ما تحته ويستره، يقال منه ~~أخمرت الأرض كثر خمرها. قال الشاعر # ألا يا زيد والضحاك سيرا فقد جاوزتما خمر الطريق # أي جاوزتما الوهد. وقيل إنما سميت الخمر خمرا لأنها تركت حتى أدركت، ~~كما يقال قد اختمر العجين أي بلغ إدراكه، وخمر الرأي أي ترك حتى تبين فيه ~~الوجه، وقيل إنما سميت الخمر خمرا لأنها تخالط العقل من المخامرة، وهي ~~المخالطة. وهذه المعاني الثلاثة متقاربة موجودة في الخمر لأنها تركت حتى ~~أدركت، ثم خالطت العقل، فخمرته أي سترته. والخمر ماء العنب الذي غلا، ~~واشتد، وقذف بالزبد، وما خامر العقل من غيره، فهو في حكمه كما ذهب ~~إليه الجمهور. وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، ~~وجماعة من فقهاء الكوفة ما أسكر كثيره من غير خمر العنب، فهو حلال أي ما ~~دون المسكر فيه. وذهب أبو حنيفة إلى حل ما ذهب ثلثاه بالطبخ، والخلاف في ~~ذلك مشهور. وقد أطلت الكلام على الخمر في شرحي للمنتقى، فليرجع إليه. ~~والميسر مأخوذ من اليسر، وهو وجوب الشيء لصاحبه، يقال يسر لي كذا إذا ~~وجب، فهو ييسر يسرا، وميسرا، والياسر اللاعب بالقداح. وقد يسر ييسر. ~~قال الشاعر # فأعنهم وأيسر كما يسروا به وإذا هم نزلوا بضنك ~~فانزل # وقال الأزهري الميسر الجزور التي كانوا يتقامرون عليه، سمي ميسرا ~~لأنه يجزأ أجزاء، فكأنه موضع التجزئة، وكل شيء جزأته، فقد يسرته، والياسر ~~الجازر، قال وهذا الأصل في الياسر، ثم ms0345 يقال للضاربين بالقداح، ~~والمتقامرين على الجزور ياسرون، لأنهم جازرون، إذ كانوا سبيا لذلك. وقال ~~في الصحاح ويسر القوم الجزور إذا اجتزروها، واقتسموا أعضاءها، ثم قال ~~ويقال يسر القوم إذا قامروا، ورجل ميسر وياسر بمعنى، والجمع أيسار، قال ~~النابغة # إني أتمم أيسارى وأمنحهم مثنى الأيادي وأكسوا الحفنة ~~الأدما # والمراد بالميسر في الآية قمار العرب بالأزلام، قال جماعة من السلف من ~~الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم كل شيء فيه قمار من نرد، أو شطرنج، أو ~~غيرهما، فهو الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز، والكعاب إلا ما أبيح من ~~الرهان في الخيل، والقرعة في إفراز الحقوق. وقال مالك الميسر ميسران ميسر ~~اللهو، وميسر القمار، فمن ميسر اللهو النرد، والشطرنج، والملاهي كلها، ~~وميسر القمار ما يتخاطر الناس عليه، وكل ما قومر به، فهو ميسر، وسيأتي ~~البحث مطولا في هذا في سورة المائدة عند قوله # إنما الخمر والميسر # المائدة 90. قوله { قل فيهما إثم كبير } يعني الخمر والميسر، ~~فإثم الخمر أي إثم تعاطيها ينشأ من فساد عقل مستعملها، فيصدر عنه ما يصدر ~~عن فاسد العقل من المخاصمة، والمشاتمة، وقول الفحش، والزور، وتعطيل ~~الصلوات، وسائر ما يجب عليه، وأما إثم الميسر أي إثم تعاطيه، فما ينشأ عن ~~ذلك من الفقر، وذهاب المال في غير طائل، والعدواة، وإيحاش الصدور. وأما ~~منافع الخمر فربح التجارة فيها، وقيل ما يصدر عنها من الطرب والنشاط ~~وقوة القلب، وثبات الجنان، وإصلاح المعدة، وقوة الباءة، وقد أشار شعراء ~~العرب إلى شيء من ذلك قال # وإذا شربت فإنني رب الخورنق والسدير وإذا ~~صحوت فإنني رب الشويهة والبعير # وقال آخر # ونشر بها فتتركنا ملوكا وأسدا ما يهنهنا اللقاء # وقال من أشار إلى ما فيها من المفاسد، والمصالح # رأيت الخمر صالحة وفيها خصال تفسد الرجل الحليما فلا ~~والله أشربها صحيحا ولا أشفى بها أبدا سقيما ولا أعطى بها ~~ثمنا حياتي ولا أدعو لها أبدا نديما # ومنافع الميسر مصير الشيء إلى الإنسان بغير تعب، ولا كد، وما يحصل من ~~السرور، والأريحية عند أن يصير له منها سهم صالح. وسهام ms0346 الميسر أحد عشر، ~~منها سبعة لها فروض على عدد ما فيها من الحظوظ الأول الفذ بفتح الفاء ~~بعدها معجمة، وفيه علامة واحدة، وله نصيب، وعليه نصيب. الثاني التوأم ~~بفتح المثناة الفوقية، وسكون الواو وفتح الهمزة، وفيه علامتان، وله وعليه ~~نصيبان. الثالث الرقيب، وفيه ثلاث علامات، وله وعليه ثلاثة أنصباء. ~~الرابع الحلس بمهملتين، الأولى مكسورة، واللام ساكنة، وفيه أربع علامات، ~~وله وعليه أربعة أنصباء، الخامس النافر بالنون، والفاء، والمهملة، ويقال ~~النافس بالسين المهملة مكان الراء، وفيه خمس علامات، وله وعليه خمسة ~~أنصباء. السادس المسبل بضم الميم، وسكون المهملة، وفتح الباء الموحدة، ~~وفيه ست علامات، وله وعليه ستة أنصباء. السابع المعلى بضم الميم، وفتح ~~المهملة، وتشديد اللام المفتوحة، وفيه سبع علامات، وله وعليه سبعة ~~أنصباء، وهو أكثر السهام حظا، وأعلاها قدرا، فجملة ذلك ثمانية وعشرون ~~فردا. والجزور تجعل ثمانية وعشرين جزءا، هكذا قال الأصمعي، وبقي من ~~السهام أربعة أغفالا، لا فروض لها، وهي المنيح، بفتح الميم، وكسر النون ~~وسكون الياء التحتية، وبعدها مهملة، والسفيح بفتح المهملة، وكسر الفاء، ~~وسكون الياء التحتية بعدها مهملة، والوغد بفتح الواو وسكون المعجمة بعدها ~~مهملة، والضعف بالمعجمة بعدها مهملة ثم فاء، وإنما أدخلوا هذه الأربعة ~~التي لا فروض لها بين ذوات الفروض لتكثر السهام على الذي يجيلها، ويضرب ~~بها، فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلا. وقد كان المجيل للسهام يلتحف ~~بثوب، ويجثوا على ركبتيه، ويخرج رأسه من الثوب، ثم يدخل يده في الربابة ~~بكسر المهملة، وبعدها باء موحدة، وبعد الألف باء موحدة أيضا، وهي ~~الخريطة التي يجعل فيها السهام، فيخرج منها باسم كل رجل سهما، فمن خرج ~~له سهم له فرض أخذ فرضه، ومن خرج له سهم لا فرض له لم يأخذ شيئا، وغرم ~~قيمة الجزور، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء. # وقد قال ابن عطية إن الأصمعي أخطأ في قوله إن الجزور تقسم على ثمانية ~~وعشرين جزءا، وقال إنما تقسم على عشرة أجزاء. قوله تعالى { ~~وإثمهما أكبر من نفعهما } أخبر سبحانه بأن الخمر، ~~والميسر، وإن ms0347 كان فيهما نفع، فالإثم الذي يلحق متعاطيهما أكثر من هذا ~~النفع لأنه لا خير يساوي فساد العقل الحاصل بالخمر، فإنه ينشأ عنه من ~~الشرور ما لا يأتي عليه الحصر، وكذلك لا خير في الميسر يساوي ما فيها من ~~المخاطرة بالمال، والتعرض للفقر، واستجلاب العداوات المفضية إلى سفك ~~الدماء، وهتك الحرم. وقرأ حمزة، والكسائي «كثير» بالمثلثة. وقرأ الباقون ~~بالباء الموحدة. وقرأ أبي «وإثمهما أقرب من نفعها». قوله { قل ~~العفو } قرأه الجمهور بالنصب. وقرأ أبو عمرو وحده بالرفع. واختلف فيه ~~عن ابن كثير، وبالرفع قرأه الحسن، وقتادة قال النحاس إن جعلت " ذا " ~~بمعنى الذي كان الاختيار الرفع على معنى الذي ينفقون هو العفو، وإن جعلت ~~" ما " و " ذا " شيئا واحدا كان الاختيار النصب على معنى قل ينفقون ~~العفو، والعفو ما سهل، وتيسر، ولم يشق على القلب، والمعنى أنفقوا ما فضل ~~عن حوائجكم، ولم تجهدوا فيه أنفسكم، وقيل هو ما فضل عن نفقة العيال. وقال ~~جمهور العلماء هو نفقات التطوع، وقيل إن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة ~~المفروضة، وقيل هي محكمة، وفي المال حق سوى الزكاة. قوله { كذلك ~~يبين الله لكم الآيت } أي في أمر النفقة. وقوله { فى ~~الدنيا والأخرة } متعلق بقوله { تتفكرون } أي تتفكرون في ~~أمرهما، فتحبسون من أموالكم ما تصلحون به معايش دنياكم، وتنفقون الباقي ~~في الوجوه المقربة إلى الآخرة. وقيل في الكلام تقديم وتأخير أي كذلك ~~يبين الله لكم الآيات في الدنيا، والآخرة لعلكم تتفكرون في الدنيا، ~~وزوالها، في الآخرة، وبقائها، فترغبون عن العاجلة إلى الآجلة. وقيل يجوز ~~أن يكون إشارة إلى { وإثمهما أكبر من نفعهما } أي ~~لتتفكروا في أمر الدنيا، والآخرة، وليس هذا بجيد. قوله { ويسألونك عن ~~اليتامى } هذه الآية نزلت بعد نزول قوله تعالى # ولا تقربوا مال اليتيم # الأنعام 152 وقوله # إن الذين يأكلون أمول اليتمى # النساء 10 وقد كان ضاق على الأولياء الأمر - كما سيأتي بيانه إن شاء ~~الله - فنزلت هده الآية. والمراد بالإصلاح هنا مخالطتهم على وجه الإصلاح ~~لأموالهم، فإن ذلك أصلح من مجانبتهم وفي ذلك ms0348 دليل على جواز التصرف في ~~أموال الأيتام من الأولياء، والأوصياء بالبيع، والمضاربة والإجارة ونحو ~~ذلك. # قوله { وإن تخالطوهم فإخونكم } اختلف في تفسير المخالطة ~~لهم، فقال أبو عبيدة مخالطة اليتامى أن يكون لأحدهم المال، ويشق على ~~كافله أن يفرد طعامه عنه، ولا يجد بدا من خلطه بعياله، فيأخذ من مال ~~اليتيم ما يرى أنه كافيه بالتحري، فيجعله مع نفقة أهله، وهذا قد تقع فيه ~~الزيادة، والنقصان، فدلت هذه الآية على الرخصة، وهي ناسخة لما قبله. وقيل ~~المراد بالمخالطة المعاشرة للأيتام. وقيل المراد بها المصاهرة لهم، ~~والأولى عدم قصر المخالطة على نوع خاص، بل تشمل كل مخالطة كما يستفاد من ~~الجملة الشرطية. وقوله { فإخوانكم } خبر لمبتدأ محذوف أي فهم ~~إخوانكم في الدين. وفي قوله { والله يعلم المفسد من ~~المصلح } تحذير للأولياء أي لا يخفى على الله من ذلك شيء، فهو يجازي ~~كل أحد بعمله من أصلح، فلنفسه، ومن أفسد فعلى نفسه. وقوله { لأعنتكم ~~} أي ولو شاء لجعل ذلك شاقا عليكم، ومتعبا لكم، وأوقعكم فيما فيه ~~الحرج، والمشقة. وقيل العنت هنا معناه الهلاك. قاله أبو عبيدة، وأصل ~~العنت المشقة. وقال ابن الأنباري أصل العنت التشديد، ثم نقل إلى معنى ~~الهلاك. وقوله { عزيز } أي لا يمتنع عليه شيء لأنه غالب لا يغالب { ~~حكيم } يتصرف في ملكه بما تقتضيه مشيئته، وحكمته، وليس لكم أن تختاروا ~~لأنفسكم. وقد أخرج أحمد، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو داود، ~~والترمذي وصححه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والحاكم وصححه، والضياء في المختارة، عن عمر أنه قال اللهم بين لنا في ~~الخمر بيانا شافيا، فإنها تذهب بالمال والعقل، فنزلت { يسئلونك ~~عن الخمر والميسر } يعني هذه الآية، فدعى عمر، فقرئت عليه ~~فقال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت التي في سورة النساء # يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم ~~سكرى # النساء 43 فكان منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة ~~نادى " أن لا يقربن الصلاة " سكران، فدعى عمر، فقرئت عليه فقال ms0349 اللهم ~~بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر، ~~فقرئت عليه، فلما بلغ # فهل أنتم منتهون # المائدة 91 قال عمر انتهينا انتهينا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أنس قال ~~كنا نشرب الخمر، فأنزلت { يسئلونك عن الخمر والميسر } ~~الآية، فقلنا نشرب منها ما ينفعنا، فنزلت في المائدة # إنما الخمر والميسر # المائدة 90 الآية فقالوا اللهم انتهينا. وأخرج أبو عبيد، والبخاري في ~~الأدب المفرد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر قال ~~الميسر القمار. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد مثله. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، عن ابن عباس مثله قال كان الرجل في ~~الجاهلية يخاطر عن أهله، وماله، فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله، وماله. # وقوله { قل فيهما إثم كبير } يعني ما ينقص من الدين عند ~~شربها { ومنفع للناس } يقول فيما يصيبون من لذتها، وفرحها إذا ~~شربوا { وإثمهما أكبر من نفعهما } يقول ما يذهب من ~~الدين، فالإثم فيه أكبر مما يصيبون من لذتها، وفرحها إذا شربوها، فأنزل ~~الله بعد ذلك # لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى # النساء 43 الآية، فكانوا لا يشربونها عند الصلاة، فإذا صلوا العشاء، ~~شربوها، ثم إن ناسا من المسلمين شربوها فقاتل بعضهم بعضا، وتكلموا بما ~~لم يرض الله من القول، فأنزل الله # إنما الخمر والميسر والأنصاب # الآية المائدة 90، فحرم الخمر، ونهى عنها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عنه قال منافعهما قبل التحريم، وإثمهما بعد ما حرمهما. وأخرج ابن ~~إسحاق، وابن أبي حاتم عنه أن نفرا من الصحابة حين أمروا بالنفقة في سبيل ~~الله أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا إنا لا ندري ما هذه النفقة ~~التي أمرنا بها في أموالنا، فما ننفق منها؟ فأنزل الله { يسئلونك ماذا ~~ينفقون قل العفو } وكان قبل ذلك ينفق ماله حتى ما يجد ما يتصدق به، ولا ~~ما يأكل حتى يتصدق عليه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~عنه قال العفو هو ما لا يتبين في أموالكم، ms0350 وكان هذا قبل أن تفرض الصدقة. ~~وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والطبراني، والبيهقي في الشعب عنه في الآية قال { العفو } ما ~~يفضل عن أهلك وفي لفظ قال الفضل عن العيال. وأخرج ابن جرير عنه في قوله { ~~قل العفو } قال لم تفرض فيه فريضة معلومة ثم قال # خذ العفو وأمر بالعرف # الأعراف 199 ثم نزلت في الفرائض بعد ذلك مسماة. وقد ثبت في الصحيح من ~~حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول " # وثبت نحوه في الصحيح مرفوعا من حديث حكيم بن حزام. وفي الباب أحاديث ~~كثيرة، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~{ لعلكم تتفكرون * فى الدنيا والأخرة } قال يعني ~~في زوال الدنيا، وفنائها، وإقبال الآخرة، وبقائها. وأخرج أبو داود، ~~والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم ~~وصححه، والبيهقي في سننه عنه قال لما أنزل الله # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن # الأنعام 152 # وأن الذين يأكلون أمول اليتمى # النساء 10 الآية، انطلق من كان عنده يتيم يعزل طعامه عن طعامه، وشرابه ~~عن شرابه، فجعل يفصل له الشيء من طعامه، فيحبس له حتى يأكله، أو يفسد ~~فيرمى به، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأنزل الله { ويسألونك عن اليتامى } الآية. # فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم. وقد روى نحو ذلك، عن جماعة من ~~التابعين. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وإن ~~تخالطوهم } قال المخالطة أن يشرب من لبنك، وتشرب من لبنه، ويأكل من ~~قصعتك، وتأكل من قصعته، ويأكل من ثمرتك، وتأكل من ثمرته { والله ~~يعلم المفسد من المصلح } قال يعلم من يتعمد أكل مال ~~اليتيم، ومن يتحرج منه، ولا يألو عن إصلاحه { ولو شاء الله ~~لأعنتكم } يقول لو شاء ما أحل لكم ما أعنتكم مما لا ms0351 تتعمدون. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله { لأعنتكم } يقول ~~لأحرجكم، وضيق عليكم، ولكنه وسع، ويسر. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله { ولو شاء الله ~~لاعنتكم } قال، ولو شاء لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقا. ### || [2.221] # قوله { ولا تنكحوا } قرأه الجمهور بفتح التاء، وقرىء في الشواذ ~~بضمها قيل والمعنى كان المتزوج لها أنكحها من نفسها. وفي هذه الآية النهي ~~عن نكاح المشركات، فقيل المراد بالمشركات الوثنيات، وقيل إنها تعم ~~الكتابيات لأن أهل الكتاب مشركون، # وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصرى ~~المسيح ابن الله # التوبة 30، وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية، فقالت طائفة إن الله حرم ~~نكاح المشركات فيها، والكتابيات من الجملة، ثم جاءت آية المائدة، فخصصت ~~الكتابيات من هذا العموم. وهذا محكي عن ابن عباس، ومالك، وسفيان بن سعيد، ~~وعبد الرحمن بن عمر، والأوزاعي. وذهبت طائفة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية ~~المائدة، وأنه يحرم نكاح الكتابيات، والمشركات، وهذا أحد قولي الشافعي، ~~وبه قال جماعة من أهل العلم. ويجاب عن قولهم أن هذه الآية ناسخة لآية ~~المائدة بأن سورة البقرة من أول ما نزل، وسورة المائدة من آخر ما نزل. ~~والقول الأول هو الراجح. وقد قال به مع من تقدم عثمان بن عفان، وطلحة، ~~وجابر، وحذيفة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، وطاوس، وعكرمة، ~~والشعبي، والضحاك كما حكاه النحاس، والقرطبي. وقد حكاه ابن المنذر عن ~~المذكورين، وزاد عمر بن الخطاب وقال لا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ~~ذلك. وقال بعض أهل العلم إن لفظ المشرك لا يتناول أهل الكتاب لقوله تعالى # ما يود الذين كفروا من أهل الكتب ولا ~~المشركين أن ينزل عليكم من خير ربكم # البقرة 105. وقال # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتب ~~والمشركين # البينة 1 وعلى فرض أن لفظ المشركين يعم، فهذا العموم مخصوص بآية ~~المائدة كما قدمنا. قوله { ولأمة مؤمنة } أي ولرقيقة مؤمنة، ~~وقيل المراد بالأمة الحرة لأن ms0352 الناس كلهم عبيد الله، وإماؤه، والأول أولى ~~لما سيأتي لأنه الظاهر من اللفظ ولأنه أبلغ، فإن تفضيل الأمة الرقيقة ~~المؤمنة على الحرة المشركة يستفاد منه تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة ~~المشركة بالأولى. وقوله { ولو أعجبتكم } أي ولو أعجبتكم ~~المشركة من جهة كونها ذات جمال، أو مال، أو شرف، وهذه الجملة حالية. قوله ~~{ ولا تنكحوا المشركين } أي لا تزوجوهم بالمؤمنات { حتى ~~يؤمنوا } قال القرطبي وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة ~~بوجه لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام، وأجمع القراء على ضم التاء من ~~تنكحوا. وقوله { ولعبد } الكلام فيه كالكلام في قوله { ولأمة } ~~والترجيح كالترجيح. قوله { أولئك } إشارة إلى المشركين، والمشركات ~~{ يدعون إلى النار } أي إلى الأعمال الموجبة للنار، فكان في ~~مصاهرتهم، ومعاشرتهم، ومصاحبتهم من الخطر العظيم ما لا يجوز للمؤمنين أن ~~يتعرضوا له، ويدخلوا فيه { والله يدعو إلى الجنة } أي إلى ~~الأعمال الموجبة للجنة. # وقيل المراد أن أولياء الله هم المؤمنون يدعون إلى الجنة. وقوله { ~~بإذنه } أي بأمره، قاله الزجاج، وقيل بتيسيره، وتوفيقه، قاله صاحب ~~الكشاف. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وابن المنذر، عن مقاتل بن حيان قال نزلت ~~هذه الآية في أبي مرثد الغنوي استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~عناق أن يتزوجها، وكانت ذات حظ من جمال، وهي مشركة، وأبو مرثد يومئذ ~~مسلم، فقال يا رسول الله إنها تعجبني، فأنزل الله { ولا تنكحوا ~~المشركت }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { ولا تنكحوا ~~المشركت } قال استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب، فقال # والمحصنت من الذين أوتوا الكتب # المائدة 5. وقد روى هذا المعنى عنه من طرق. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، والبيهقي في سننه عن سعيد بن جبير في قوله { ولا تنكحوا ~~المشركت } يعني أهل الأوثان. وأخرج عبد بن حميد، والبيهقي عن ~~مجاهد نحوه، وكذلك أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن قتادة نحوه أيضا. ~~وأخرج عبد بن حميد، عن النخعي نحوه. وأخرج ابن أبي ms0353 شيبة، وابن أبي حاتم، ~~عن ابن عمر أنه كره نكاح نساء أهل الكتاب، وتأول { ولا تنكحوا ~~المشركت حتى يؤمن }. وأخرج البخاري عنه قال حرم الله ~~نكاح المشركات على المسلمين، ولا أعرف شيئا من الإشراك أعظم من أن تقول ~~المرأة ربها عيسى، أو عبد من عباد الله. وأخرج الواحدي، وابن عساكر من ~~طريق السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس في قوله تعالى { ولأمة ~~مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم } قال نزلت في عبد الله ~~بن رواحة، وكانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه فزع فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره خبرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~له # " ما هي يا عبد الله؟ " # قال تصوم، وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول ~~الله، فقال # " يا عبد الله هذه مؤمنة، " # فقال عبد الله فوالذي بعثك بالحق، لأعتقنها، ولأتزوجنها، ففعل، فطعن ~~عليه ناس من المسلمين، وقالوا نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى ~~المشركين، وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله فيهم { ولأمة ~~مؤمنة خير من مشركة } وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، عن السدي مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان في قوله ~~{ ولأمة مؤمنة } قال بلغنا أنها كانت أمة لحذيفة سوداء، فأعتقها ~~وتزوجها حذيفة. وأخرج ابن جرير، عن أبي جعفر محمد بن علي قال النكاح ~~بولى في كتاب الله، ثم قرأ { ولا تنكحوا المشركين حتى ~~يؤمنوا }. ### || [2.222-223] # قوله { المحيض } هو الحيض، وهو مصدر، يقال حاضت المرأة حيضا، ~~ومحيضا، فهي حائض، وحائضة، كذا قال الفراء، وأنشد # كحائضة تزني بها غير طاهرة # ونساء حيض، وحوائض، والحيضة بالكسر المرة الواحدة وقيل الاسم، وقيل ~~المحيض عبارة عن الزمان، والمكان، وهو مجاز فيهما، وقال ابن جرير الطبري ~~المحيض اسم الحيض، ومثله قول رؤبة # إليك أشكو شدة المعيش # أي العيش، وأصل هذه الكلمة من السيلان، والانفجار يقال حاض السيل وفاض، ~~وحاضت الشجرة أي سالت رطوبتها، ومنه الحيض أي الحوض لأن الماء يحوض إليه، ~~أي يسيل. ms0354 وقوله { قل هو أذى } أي قل هو شيء يتأذى به أي برائحته. ~~والأذى كناية عن القذر، ويطلق على القول المكروه، ومنه قوله تعالى # لا تبطلوا صدقتكم بالمن والاذى # البقرة 264، ومنه قوله تعالى # ودع أذاهم # الأحزاب 48 وقوله { فاعتزلوا النساء في المحيض } أي ~~فاجتنبوهن في زمان المحيض إن حمل المحيض على المصدر، أو في محل الحيض إن ~~حمل على الاسم. والمراد من هذا الاعتزال ترك المجامعة لا ترك المجالسة، ~~أو الملامسة، فإن ذلك جائز، بل يجوز الاستمتاع منها بما عدا الفرج، أو ~~بما دون الإزار على خلاف في ذلك، وأما ما يروى عن ابن عباس، وعبيدة ~~السلماني أنه يجب على الرجل أن يعتزل فراش زوجته إذا حاضت، فليس ذلك ~~بشيء، ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم وطء الحائض، وهو معلوم من ضرورة ~~الدين. قوله { ولا تقربوهن حتى يطهرن } قرأ نافع، وأبو ~~عمرو، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم في رواية حفص عنه بسكون الطاء، وضم ~~الهاء. وقرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر «يطهرن» بتشديد ~~الطاء، وفتحها، وفتح الهاء، وتشديدها. وفي مصحف أبي، وابن مسعود ~~«ويتطهرن» والطهر انقطاع الحيض، والتطهر الاغتسال. وبسبب اختلاف القراء ~~اختلف أهل العلم، فذهب الجمهور إلى أن الحائض لا يحل وطؤها لزوجها، حتى ~~تتطهر بالماء. وقال محمد بن كعب القرظي، ويحيى بن بكير إذا طهرت الحائض، ~~وتيممت حيث لا ماء حلت لزوجها، وإن لم تغتسل. وقال مجاهد وعكرمة إن ~~انقطاع الدم يحلها لزوجها، ولكن تتوضأ. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد ~~إن انقطع دمها بعد مضي عشرة أيام جاز له أن يطأها قبل الغسل، وإن كان ~~انقطاعه قبل العشر لم يجز حتى تغتسل، أو يدخل عليها، وقت الصلاة. وقد رجح ~~ابن جرير الطبري قراءة التشديد، والأولى أن يقال إن الله سبحانه جعل ~~للحل غايتين كما تقتضيه القراءتان إحداهما انقطاع الدم، والأخرى التطهر ~~منه، والغاية الأخرى مشتملة على زيادة على الغاية الأولى، فيجب المصير ~~إليها. وقد دل أن الغاية الأخرى هي المعتبرة. قوله تعالى بعد ذلك { ~~فإذا ms0355 تطهرن } فإن ذلك يفيد أن المعتبر التطهر، لا مجرد انقطاع ~~الدم. # وقد تقرر أن القراءتين بمنزلة الآيتين، فكما أنه يجب الجمع بين الآيتين ~~المشتملة إحداهما على زيادة بالعمل بتلك الزيادة، كذلك يجب الجمع بين ~~القراءتين. قوله { فأتوهن من حيث أمركم الله } أي ~~فجامعوهن، وكني عنه بالإتيان، والمراد أنهم يجامعونهن في المأتي الذي ~~أباحه الله، وهو القبل قيل و { من حيث } بمعنى في حيث، كما في ~~قوله تعالى # إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة # الجمعة 9 أي في يوم الجمعة، وقوله # ماذا خلقوا من الأرض # فاطر 4 أي في الأرض، وقيل إن المعنى من الوجه الذي أذن الله لكم فيه أي ~~من غير صوم، وإحرام، واعتكاف، وقيل إن المعنى من قبل الطهر، لا من قبل ~~الحيض، وقيل من قبل الحلال، لا من قبل الزنا. قوله { إن الله ~~يحب التوابين ويحب المتطهرين } قيل المراد التوابون ~~من الذنوب، والمتطهرون من الجنابة، والأحداث. وقيل التوابون من إتيان ~~النساء في أدبارهن. وقيل من إتيانهن في الحيض، والأول أظهر. قوله { ~~نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } لفظ ~~الحرث يفيد أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج الذي هو القبل خاصة إذ هو ~~مزدرع الذرية، كما أن الحرث مزدرع النبات. فقد شبه ما يلقى في أرحامهن من ~~النطف التي منها النسل بما يلقى في الأرض من البذور التي منها النبات ~~بجامع أن كل واحد منهما مادة لما يحصل منه، وهذه الجملة بيان للجملة ~~الأولى، أعني قوله { فأتوهن من حيث أمركم الله }. ~~وقوله { أنى شئتم } أي من أي جهة شئتم من خلف، وقدام، وباركة، ~~ومستلقية، ومضطجعة، إذا كان في موضع الحرث، وأنشد ثعلب # إنما الأرحام أرضو ن لنا محترثات فعلينا الزرع فيها وعلى الله ~~النبات # وإنما عبر سبحانه بقوله { إنى } لكونها أعم في اللغة من كيف، وأين، ~~ومتى. وأما سيبويه، ففسرها ها هنا ب " كيف " ، وقد ذهب الخلف والسلف، من ~~الصحابة، والتابعين، والأئمة إلى ما ذكرناه من تفسير الآية، وأن إتيان ~~الزوجة في دبرها حرام، وروي عن ms0356 سعيد بن المسيب، ونافع، وابن عمر، ومحمد ~~بن كعب القرظي، وعبد الملك بن الماجشون أنه يجوز ذلك، حكاه عنهم القرطبي ~~في تفسير قال وحكى ذلك عن مالك في كتاب له يسمى «كتاب السر» وحذاق أصحاب ~~مالك، ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب، ومالك أجل من أن يكون له كتاب سر، ~~ووقع هذا القول في العتبية. وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند جواز ~~ذلك إلى زمرة كبيرة من الصحابة، والتابعين، وإلى مالك من روايات كثيرة في ~~كتاب «جماع النسوان وأحكام القرآن» وقال الطحاوي روى أصبغ بن الفرج، عن ~~عبد الرحمن بن القاسم، قال ما أدركت أحدا أقتدي به في ديني شك في أنه ~~حلال، يعني وطء المرأة في دبرها ثم قرأ { نساؤكم حرث لكم } ~~ثم قال فأي شيء أبين من هذا. # وقد روى الحاكم، والدارقطني، والخطيب البغدادي، عن مالك من طرق ما يقتضي ~~إباحة ذلك. وفي أسانيدها ضعف. وقد روى الطحاوي عن محمد بن عبد الله بن ~~عبد الحكم، أنه سمع الشافعي يقول ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~تحليله، ولا تحريمه شيء، والقياس أنه حلال. وقد روى ذلك أبو بكر الخطيب. ~~قال ابن الصباغ كان الربيع يحلف بالله الذي لا إله إلا الله هو لقد كذب ~~ابن عبد الحكم على الشافعي في ذلك، فإن الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب ~~من كتبه. قوله { وقدموا لانفسكم } أي خيرا كما في قوله تعالى # وما تقدموا لأنفسكم من خير * تجدوا * عند الله # البقرة 110 وقيل ابتغاء الولد. وقيل التزويج بالعفائف. وقيل غير ذلك. ~~وقوله { واتقوا الله } فيه تحذير عن الوقوع في شيء من المحرمات. ~~وفي قوله { واعلموا أنكم ملقوه } مبالغة في التحذير. وفي ~~قوله { وبشر المؤمنين } تأنيس لمن يفعل الخير ويجتنب الشر. وقد ~~أخرج مسلم، وأهل السنن، وغيرهم، عن أنس «أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة ~~منهم أخرجوها من البيت، ولم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجامعوها في ~~البيوت، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله { ~~ويسئلونك ms0357 عن المحيض } الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " جامعوهن في البيوت، واصنعوا كل شيء إلا النكاح " # وأخرج النسائي، والبزار، عن جابر قال إن اليهود قالوا من أتى المرأة في ~~دبرها كان ولده أحول فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألوه عن ~~ذلك، وعن إتيان الحائض، فنزلت. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد قال الأذي الدم. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن ~~عباس في قوله { فاعتزلوا النساء } يقول اعتزلوا نكاح فروجهن. وفي ~~قوله { ولا تقربوهن حتى يطهرن } قال من الدم. وأخرج ~~عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد قال حتى ~~ينقطع الدم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ~~ابن عباس في قوله { فإذا تطهرن } قال بالماء. وأخرج عبد الرزاق، ~~وعبد بن حميد، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، عن عكرمة نحوه أيضا. ~~وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد، وعطاء أنهما قالا إذا رأت الطهر، فلا بأس أن ~~تستطيب بالماء، ويأتيها قبل أن تغتسل. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في ~~قوله { فأتوهن من حيث أمركم الله } قال يعني أن ~~يأتيها طاهرا غير حائض. # وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن ~~عباس في قوله { فأتوهن من حيث أمركم الله } قال من ~~حيث أمركم أن تعتزلوهن. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عكرمة مثله. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، والبيهقي، عن ابن عباس قال من حيث نهاكم أن تأتوهن ~~وهن حيض يعني من قبل الفرج. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن الحنفية قال { ~~فأتوهن من حيث أمركم الله } من قبل التزويج. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن عطاء في قوله { يحب التوبين } ~~قال من الذنوب { ويحب المتطهرين } قال بالماء. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن الأعمش قال التوبة من الذنوب، والتطهير من الشرك. وأخرج ~~البخاري، وأهل السنن، وغيرهم عن جابر قال كانت اليهود تقول إذا أتى الرجل ~~امرأته من ms0358 خلفها في قبلها جاء الولد أحول، فنزلت { نساؤكم حرث ~~لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } إن شاء محتبية، وإن شاء ~~غير محتبية، غير أن ذلك في صمام واحد. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، عن مرة الهمداني نحوه. وقد روى هذا، عن جماعة من السلف، ~~وصرحوا أنه السبب، ومن الراوين لذلك عبد الله بن عمر، عند ابن عساكر، وأم ~~سلمة، عند عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والبيهقي في الشعب. وأخرجه أيضا، ~~عنها ابن أبي شيبة، وأحمد، والدارمي، وعبد بن حميد، والترمذي، وحسنه ~~«أنها سألت رسول الله بعض نساء الأنصار عن التحبية، فتلا عليها الآية، ~~وقال # " صماما واحدا " # والصمام السبيل، وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، والنسائي، ~~والضياء في المختارة، وغيرهم، عن ابن عباس قال جاء عمر إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله هلكت قال # " وما أهلكك؟ " # قال حولت رحلي الليلة. فلم يرد عليه شيئا، فأوحى الله إلى رسوله هذه ~~الآية { نساؤكم حرث لكم } يقول أقبل، وأدبر، واتق الدبر، ~~والحيضة. وأخرج أحمد، عن ابن عباس مرفوعا أن هذه الآية نزلت في أناس من ~~الأنصار أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه فقال # " ائتها على كل حال إذا كان في الفرج ". # وأخرج الدارمي، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم ~~وصححه، والبيهقي في سننه، عنه قال إن ابن عمر- والله يغفر له - أوهم، ~~إنما كان هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن، مع هذا الحي من اليهود، وهم ~~أهل الكتاب كانوا يرون لهم، فضلا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير ~~من فعلهم، فكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف، وذلك ~~أستر ما تكون المرأة، وكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بفعلهم، وكان ~~هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا، ويتلذذون منهن مقبلات، ومدبرات، ~~ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار. # فذهب يفعل بها ذلك، فأنكرته عليه، وقالت إنما كنا نؤتى على حرف، فاصنع ~~ذلك، وإلا ms0359 فاجتنبني، فسرى أمرهما، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأنزل الله الآية { نساؤكم حرث لكم } يقول مقبلات، ومدبرات ~~بعد أن يكون في الفرج، وإن كان من قبل دبرها في قبلها، زاد الطبراني قال ~~ابن عباس قال ابن عمر في دبرها، فأوهم، والله يغفر له، وإنما كان هذا ~~الحديث على هذا. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والدارمي، والبيهقي، ~~عن ابن مسعود أنه قال محاش النساء عليكم حرام. وأخرج الشافعي في الأم، ~~وابن أبي شيبة، وأحمد، والنسائي، وابن ماجه، وابن المنذر، والبيهقي في ~~سننه من طريق خزيمة بن ثابت «أن سائلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن إتيان النساء في أدبارهن، فقال حلال، أو لا بأس، فلما ولى دعاه فقال # " كيف قلت؟ أمن دبرها في قبلها، فنعم، أم من دبرها في دبرها فلا، إن ~~الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن " # وأخرج ابن عدي، والدارقطني، عن جابر بن عبد الله نحوه. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن حبان عن ابن عباس قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " لا ينظر الله إلى رجل أتى امرأة في الدبر " # وأخرج أحمد، والبيهقي في سننه، عن ابن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال # " الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى " # وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " ملعون من أتى امرأته في دبرها ". # وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والنسائي، والبيهقي عنه ~~قال إتيان الرجال، والنساء في أدبارهن كفر. وقد رواه ابن عدي، عن أبي ~~هريرة مرفوعا. قال ابن كثير والموقوف أصح. وقد ورد النهي عن ذلك من طرق ~~منها عند البزار عن عمر مرفوعا، وعند النسائي عنه موقوفا، وهو أصح. ~~وعند ابن عدي في الكامل، عن ابن مسعود مرفوعا، وعند ابن عدي أيضا، عن ~~عقبة بن عامر مرفوعا، وعند أحمد عن طلق بن يزيد، أو يزيد بن طلق ms0360 ~~مرفوعا، وعند ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وحسنه، عن علي بن طلق ~~مرفوعا، وقد ثبت نحو ذلك عن جماعة من الصحابة، والتابعين مرفوعا، ~~وموقوفا، وأخرج البخاري، وغيره عن نافع قال قرأت ذات يوم { نساؤكم ~~حرث لكم } فقال ابن عمر أتدري فيم أنزلت هذه الآية؟ قلت لا، قال ~~نزلت في إتيان النساء في أدبارهن. # وأخرج البخاري عن ابن عمر أنه قال { فأتوا حرثكم أنى ~~شئتم } قال في الدبر. وقد روى هذا عن ابن عمر من طرق كثيرة، وفي ~~رواية عند الدارقطني أنه قال له نافع من دبرها في قبلها؟ فقال لا إلا في ~~دبرها. وأخرج ابن راهويه، وأبو يعلى، وابن جرير، والطحاوي، وابن مردويه ~~بإسناد حسن عن أبي سعيد الخدري، أن رجلا أصاب امرأته في دبرها، فأنكر ~~الناس عليه ذلك، فنزلت الآية. وأخرج البيهقي في سننه عن محمد بن علي قال ~~كنت عند محمد بن كعب القرظي، فجاءه رجل، فقال ما تقول في إتيان المرأة ~~في دبرها؟ فقال هذا شيخ من قريش، فسله، يعني عبد الله بن علي بن السائب، ~~فقال قذر، ولو كان حلالا. وقد روي القول بحل ذلك، عن محمد بن المنكدر، ~~عند ابن جرير، وعن ابن أبي مليكة، عند ابن جرير أيضا، وعن مالك بن أنس ~~عند ابن جرير، والخطيب، وغيرهما، وعن الشافعي عند الطحاوي، والحاكم ~~والخطيب. وقد قدمنا مثل هذا. وليس في أقوال هؤلاء حجة البتة ولا يجوز ~~لأحد أن يعمل على أقوالهم، فإنهم لم يأتوا بدليل يدل على الجواز، فمن ~~زعم منهم أنه فهم ذلك من الآية، فقد أخطأ في فهمه. وقد فسرها لنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وأكابر أصحابه بخلاف ما قاله هذا المخطىء في ~~فهمه كائنا من كان، ومن زعم منهم أن سبب نزول الآية أن رجلا أتى امرأته ~~في دبرها، فليس في هذا ما يدل على أن الآية أحلت ذلك، ومن زعم ذلك، فقد ~~أخطأ، بل الذي تدل عليه الآية أن ذلك حرام، فكون ذلك هو السبب لا يستلزم ~~أن تكون ms0361 الآية نازلة في تحليله، فإن الآيات النازلة على أسباب تأتي تارة ~~بتحليل هذا، وتارة بتحريمه. وقد روي عن ابن عباس أنه فسر هذه الآية بغير ~~ما تقدم، فقال معناها إن شئتم، فاعزلوا، وإن شئتم، فلا تعزلوا، روى ذلك ~~عنه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والضياء في ~~المختارة. وروى نحو ذلك عن ابن عمر. أخرجه ابن أبي شيبة، وعن سعيد بن ~~المسيب، أخرجه ابن أبي شيبة، وابن جرير. ### || [2.224-225] # العرضة النصبة، قاله الجوهري. يقال جعلت فلانا عرضة لكذا أي نصبة. وقيل ~~العرضة من الشدة، والقوة، ومنه قولهم للمرأة عرضة للنكاح إذا صلحت له، ~~وقويت عليه، ولفلان عرضة أي قوة، ومنه قول كعب بن زهير # من كل نضاحة الدفرى إذا عرقت عرضتها طامس ~~الأعلام مجهول # ومثله قول أوس بن حجر # وأدماء مثل العجل يوما عرضتها لرحلي وفيها هزة ~~وتقاذف # ويطلق العرضة على الهمة، ومنه قول الشاعر # هم الأنصار عرضتها اللقاء # أي همتها، ويقال فلان عرضة للناس لا يزالون يقعون فيه، فعلى المعنى الذي ~~ذكره الجوهري أن العرضة النصبة كالقبضة، والغرفة يكون ذلك اسما لما ~~تعرضه دون الشيء، أي تجعله حاجزا له، ومانعا منه، أي لا تجعلوا الله ~~حاجزا، ومانعا لما حلفتم عليه، وذلك لأن الرجل كان يحلف على بعض الخير ~~من صلة رحم، أو إحسان إلى الغير، أو إصلاح بين الناس بأن لا يفعل ذلك، ثم ~~يمتنع من فعله معللا لذلك الامتناع بأنه قد حلف أن لا يفعله، وهذا ~~المعنى هو الذي ذكره الجمهور في تفسير الآية، ينهاهم الله أن يجعلوه عرضة ~~لأيمانهم، أي حاجزا لما حلفوا عليه، ومانعا منه، وسمى المحلوف عليه ~~يمينا لتلبسه باليمين، وعلى هذا يكون قوله { أن تبروا } عطف بيان ~~{ لأيمانكم } أي لا تجعلوا الله مانعا للأيمان التي هي بركم، وتقواكم، ~~وإصلاحكم بين الناس، ويتعلق قوله { لايمنكم } بقوله { لا تجعلوا ~~} أي لا تجعلوا الله لأيمانكم مانعا، وحاجزا، ويجوز أن يتعلق بعرضة، أي ~~لا تجعلوه شيئا معترضا بينكم، وبين البر، وما بعده، وعلى المعنى ms0362 ~~الثاني، وهو أن العرضة الشدة، والقوة يكون معنى الآية لا تجعلوا اليمين ~~بالله قوة لأنفسكم، وعدة في الامتناع من الخير، ولا يصح تفسير الآية على ~~المعنى الثالث، وهو تفسير العرضة بالهمة، وأما على المعنى الرابع، وهو من ~~قولهم فلان لا يزال عرضة للناس، أي يقعون فيه، فيكون معنى الآية عليه ولا ~~تجعلوا الله معرضا لأيمانكم، فتبتذلونه بكثرة الحلف به، ومنه # واحفظوا أيمنكم # المائدة 89 وقد ذم الله المكثرين للحلف فقال # ولا تطع كل حلاف مهين # القلم 10 وقد كانت العرب تتمادح بقلة الأيمان حتى قال قائلهم # قليل الألايا حافظ ليمينه وإن سبقت منه الألية برت # وعلى هذا، فيكون قوله { أن تبروا } علة للنهي، أي لا تجعلوا الله ~~معرضا لأيمانكم إرادة أن تبروا، وتتقوا، وتصلحوا لأن من يكثر الحلف ~~بالله يجتريء على الحنث، ويفجر في يمينه. وقد قيل في تفسير الآية أقوال ~~هي راجعة إلى هذه الوجوه التي ذكرناها، فمن ذلك قول الزجاج معنى الآية أن ~~يكون الرجل إذا طلب منه الفعل الذي فيه خير اعتل بالله، فقال علي ~~يمين، وهو لم يحلف. # وقيل معناها لا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البر، والتقوى، ~~والإصلاح. وقيل معناها إذا حلفتم على أن لا تصلوا أرحامكم، ولا تتصدقوا، ~~ولا تصلحوا، وعلى أشباه ذلك من أبواب البر، فكفروا عن اليمين، وقد قيل إن ~~قوله { أن تبروا } مبتدأ خبره محذوف أي البر، والتقوى، والإصلاح ~~أولى. قاله الزجاج، وقيل إنه منصوب أي لا تمنعكم اليمين بالله البر، ~~والتقوى، والإصلاح. وروى ذلك عن الزجاج أيضا. وقيل معناه أن لا تبروا، ~~فحذف لا، كقوله # يبين الله لكم أن تضلوا # النساء 176 أي لا تضلوا. قاله ابن جرير الطبري. وقيل هو في موضع جر على ~~قول الخليل، والكسائي، والتقدير في { أن تبروا } وقوله { سميع } ~~أي لأقوال العباد { عليم } بما يصدر منهم. واللغو مصدر لغا يلغو ~~لغوا، ولغى يلغي لغيا إذا أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام، أو بما لا ~~خير فيه، وهو الساقط الذي لا يعتد به، فاللغو من ms0363 اليمين هو الساقط الذي ~~لا يعتد به، ومنه اللغو في الدية، وهو الساقط الذي لا يعتد به من أولاد ~~الإبل، قال جرير # ويذهب بينها المرى لغوا كما ألغيت في الدية الحوارا # وقال آخر # ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم # أي لا يتكلمن بالساقط والرفث، ومعنى الآية لا يعاقبكم الله بالساقط من ~~أيمانكم، ولكن يعاقبكم بما كسبت قلوبكم، أي اقترفته بالقصد إليه، وهي ~~اليمين المعقودة، ومثله قوله تعالى # ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمن # المائدة 89 ومثله قول الشاعر # ولست بمأخوذ بلغو يقوله إذا لم تعمد عاقدات العزائم # وقد اختلف أهل العلم في تفسير اللغو، فذهب ابن عباس، وعائشة، وجمهور ~~العلماء أيضا أنه قول الرجل لا والله، وبلى والله في حديثه، وكلامه، غير ~~معتقد لليمين، ولا مريد لها. قال المروزي هذا معنى لغو اليمين الذي اتفق ~~عليه عامة العلماء. وقال أبو هريرة، وجماعة من السلف هو أن يحلف الرجل ~~على الشيء لا يظن إلا أنه إياه فإذا ليس هو ما ظنه، وإلى هذا ذهبت ~~الحنفية، والزيدية، وبه قال مالك في الموطأ. وروي عن ابن عباس أنه قال ~~لغو اليمين أن تحلف، وأنت غضبان، وبه قال طاوس، ومكحول. وروى عن مالك، ~~وقيل إن اللغو هو يمين المعصية، قاله سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد ~~الرحمن، وعبد الله بن الزبير، وأخوه عروة كالذي يقسم ليشربن الخمر، أو ~~ليقطعن الرحم، وقيل لغو اليمين هو دعاء الرجل على نفسه، كأن يقول أعمى ~~الله بصره، أذهب الله ماله، هو يهودي، هو مشرك. قاله زيد بن أسلم. وقال ~~مجاهد لغو اليمين أن يتبايع الرجلان، فيقول أحدهما والله لا أبيعك بكذا، ~~ويقول الآخر والله لا أشتريه بكذا. # وقال الضحاك لغو اليمين هي المكفرة. أي إذا كفرت سقطت، وصارت لغوا. ~~والراجح القول الأول لمطابقته للمعنى اللغوي، ولدلالة الأدلة عليه كما ~~سيأتي. وقوله { والله غفور حليم } أي حيث لم يؤاخذكم بما ~~تقولونه بألسنتكم من دون عمد أو قصد، وآخذكم بما تعمدته قلوبكم، وتكلمت ~~به ألسنتكم، وتلك هي اليمين ms0364 المعقودة المقصودة. وقد أخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { ولا ~~تجعلوا الله عرضة لأيمنكم } يقول لا تجعلني عرضة ~~ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك، واصنع الخير. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير عنه هو أن يحلف الرجل أن لا يكلم قرابته أولا يتصدق، ~~ويكون بين رجلين مغاضبة، فيحلف لا يصلح بينهما، ويقول قد حلفت، قال يكفر ~~عن يمينه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء قال جاء رجل إلى عائشة، فقال إني ~~نذرت إن كلمت فلانا، فإن كل مملوك لي عتيق، وكل مال لي ستر للبيت، فقالت ~~لا تجعل مملوكيك عتقاء، ولا تجعل مالك سترا للبيت، فإن الله يقول { ~~ولا تجعلوا الله عرضة لأيمنكم } فكفر عن يمينك، وقد ~~ورد أن هذه الآية نزلت في أبي بكر في شأن مسطح. رواه ابن جرير، عن ابن ~~جريج، والقصة مشهورة، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة في الصحيحين، وغيرهما ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن ~~يمينه " # وثبت أيضا في الصحيحين، وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " والله إن شاء الله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت ~~الذي هو خير، وكفرت عن يميني " # وأخرج ابن ماجه، وابن جرير عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " من حلف على يمين قطيعة رحم، أو معصية، فبره أن يحنث فيها، ويرجع عن ~~يمينه " # وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا نذر، ولا يمين، فيما لا يملك ابن آدم، ولا في معصية الله، ولا في ~~قطيعة رحم " # وأخرج أبو داود، والحاكم، وصححه عن عمر مرفوعا مثله. وأخرج النسائي، ~~وابن ماجه، عن مالك الجشمي قال قلت يا رسول الله يأتيني ابن عمي، فأحلف ~~أن لا أعطيه، ولا أصله، ms0365 فقال # " كفر عن يمينك ". # وأخرج مالك في الموطأ، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، والبخاري، وغيرهم عن ~~عائشة قالت أنزلت هذه الآية { لا يؤاخذكم الله باللغو ~~فى أيمنكم } في قول الرجل لا والله، وبلى والله، وكلا والله. # وأخرج أبو داود، وابن جرير، وابن حبان، وابن مردويه، والبيهقي من طريق ~~عطاء بن أبي رباح أنه سئل عن اللغو في اليمين، فقال قالت عائشة إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " هو كلام الرجل في بيته كلا والله، وبلى والله " # وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن عائشة، أنها ~~قالت في تفسيره الآية إن اللغو هو القوم يتدارؤون في الأمر يقول هذا لا ~~والله، ويقول هذا كلا والله، يتدارون في الأمر لا تعقد عليه قلوبهم. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عائشة أنها قالت هو اللغو في المزاحة ~~والهزل، وهو قول الرجل لا والله، وبلى والله، فذاك لا كفارة فيه، وإنما ~~الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله، ثم لا يفعله. وأخرج ابن جرير، عن ~~الحسن قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم ينتضلون، ومع النبي صلى ~~الله عليه وسلم رجل من أصحابه، فرمى رجل من القوم، فقال أصبت والله، ~~وأخطأت والله، فقال الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم حنث الرجل يا رسول ~~الله، فقال # " كلا، أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها، ولا عقوبة ". # وقد روى أبو الشيخ عن عائشة، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو أن اللغو ~~لا والله، وبلى والله. أخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر عن ~~ابن عباس. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد عن ابن عباس أنه قال لغو ~~اليمين أن تحلف، وأنت غضبان. وأخرج ابن جرير، عن أبي هريرة قال لغو ~~اليمين حلف الإنسان على الشيء يظن أنه الذي حلف عليه، فإذا هو غير ذلك. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي عن عائشة نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ~~نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ms0366 عباس أنها أن يحلف الرجل على تحريم ما ~~أحل الله له. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال هو ~~الرجل يحلف على المعصية، وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن النخعي هو أن ~~يحلف الرجل على الشيء ثم ينسى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في ~~قوله { والله غفور } يعني إذ تجاوز عن اليمين التي حلف عليها { ~~حليم } إذ لم يجعل فيها الكفارة. ### || [2.226-227] # قوله { يؤلون } أي يحلفون والمصدر إيلاء، وألية، وألوة، وقرأ ابن ~~عباس «الذين آلوا» يقال آلى يؤالي إيلا، ويأتلي بالتاء ائتلاء أي حلف، ~~ومنه # ولا يأتل أولوا الفضل منكم # النور 22 ومنه قليل الألايا حافظ ليمينه البيت. وقد اختلف أهل العلم في ~~الإيلاء، فقال الجمهور إن الإيلاء هو أن يحلف أن لا يطأ امرأته أكثر من ~~أربعة أشهر، فإن حلف على أربعة أشهر، فما دونها لم يكن موليا، وكانت ~~عندهم يمينا محضا، وبهذا قال مالك والشافعي، وأحمد، وأبو ثور. وقال ~~الثوري، والكوفيون الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر فصاعدا، وهو قول ~~عطاء. وروي عن ابن عباس أنه لا يكون موليا حتى يحلف أن لا يمسها أبدا. ~~وقالت طائفة إذا حلف أن لا يقرب امرأته يوما، أو أقل، أو أكثر ثم لم يطأ ~~أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء. وبه قال ابن مسعود، والنخعي، وابن أبي ~~ليلى، والحكم، وحماد بن أبي سليمان، وقتادة، وإسحاق. قال ابن المنذر ~~وأنكر هذا القول كثير من أهل العلم. قوله { من نسائهم } يشمل ~~الحرائر، والإماء، إذا كن زوجات، وكذلك يدخل تحت قوله { للذين ~~يؤلون } العبد إذا حلف من زوجته، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور ~~قالوا وإيلاؤه كالحر وقال مالك، والزهري، وعطاء، وأبو حنيفة، وإسحاق إن ~~أجله شهران. وقال الشعبي إيلاء الأمة نصف إيلاء الحرة. والتربص التأني ~~والتأخر، قال الشاعر # تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوما أو يموت ~~حليلها # وقت الله سبحانه بهذه المدة دفعا للضرار عن الزوجة، وقد كان أهل ~~الجاهلية يؤلون السنة، والسنتين، وأكثر من ms0367 ذلك، يقصدون بذلك ضرار النساء، ~~وقد قيل إن الأربعة الأشهر هي التي لا تطيق المرأة الصبر عن زوجها زيادة ~~عليها. قوله { فإن فآءوا } أي رجعوا ومنه # حتى تفىء إلى أمر الله # الحجرات 9 أي ترجع، ومنه قيل للظل بعد الزوال فيء لأنه رجع عن جانب ~~المشرق إلى جانب المغرب، يقال فاء يفيء فيئة، وفيوءا، وإنه لسريع الفيئة ~~أي الرجعة، ومنه قول الشاعر # ففاءت ولم تقض الذي أقبلت له ومن حاجة الإنسان ما ليس ~~قاضيا # قال ابن المنذر وأجمع كل من يحفظ عنه العلم على أن الفيء الجماع لمن لا ~~عذر له، فإن كان له عذر مرض أو سجن فهي امرأته، فإذا زال العذر فأبى ~~الوطء فرق بينهما إن كانت المدة قد انقضت، قاله مالك وقالت طائفة إذا ~~أشهد على فيئته بقلبه في حال العذر أجزأه. وبه قال الحسن، وعكرمة، ~~والنخعي، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل. وقد أوجب الجمهور على المولى إذا فاء ~~بجماع امرأته الكفارة. وقال الحسن، والنخعي لا كفارة عليه. # قوله { وإن عزموا الطلق } العزم العقد على الشيء ويقال عزم ~~يعزم عزما وعزيمة وعزمانا واعتزم اعتزاما، فمعنى عزموا الطلاق عقدوا ~~عليه قلوبهم. والطلاق من طلقت المرأة تطلق - كنصر ينصر طلاقا فهي طالق ~~وطالقة أيضا، ويجوز طلقت بضم اللام، مثل عظم يعظم، وأنكره الأخفش. ~~والطلاق حل عقد النكاح، وفي ذلك دليل على أنها لا تطلق بمضي أربعة أشهر ~~كما قال مالك ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدة، وأيضا، فإنه قال { ~~سميع } ، وسميع يقتضي مسموعا بعد المضي. وقال أبو حنيفة { سميع } ~~لإيلائه { عليم } بعزمه الذي دل عليه مضي أربعة أشهر. واعلم أن أهل ~~كل مذهب قد فسروا هذه الآية بما يطابق مذهبهم، وتكلفوا بما لم يدل عليه ~~اللفظ، ولا دليل آخر، ومعناها ظاهر واضح، وهو أن الله جعل الأجل لمن ~~يولي - أي يحلف من امرأته أربعة أشهر. ثم قال مخبرا لعباده بحكم هذا ~~المولى بعد هذه المدة { فإن فآءوا } رجعوا إلى بقاء الزوجية، ~~واستدامة النكاح { فإن الله غفور رحيم } أي لا ms0368 يؤاخذهم ~~بتلك اليمين بل يغفر لهم، ويرحمهم { وإن عزموا الطلق } أي ~~وقع العزم منهم عليه، والقصد له { فإن الله سميع } لذلك منهم { ~~عليم } به، فهذا معنى الآية الذي لا شك فيه، ولا شبهة، فمن حلف أن لا ~~يطأ امرأته، ولم يقيد بمدة، أو قيد بزيادة على أربعة أشهر كان علينا ~~إمهاله أربعة أشهر، فإذا مضت، فهو بالخيار، إما رجع إلى نكاح امرأته، ~~وكانت زوجته بعد مضي المدة كما كانت زوجته قبلها، أو طلقها، وكان له حكم ~~المطلق لامرأته ابتداء، وأما إذا وقت بدون أربعة أشهر، فإن أراد أن يبر ~~في يمينه اعتزل امرأته التي حلف منها حتى تنقضي المدة، كما فعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين آلى من نسائه شهرا، فإنه اعتزلهن حتى مضى ~~الشهر، وإن أراد أن يطأ امرأته قبل مضي تلك المدة التي هي دون أربعة ~~أشهر حنث في يمينه، ولزمته الكفارة، وكان ممتثلا لما صح عنه من قوله # " من حلف على شيء، فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير منه، وليكفر ~~عن يمينه " # وقد أخرج الشافعي، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في ~~سننه عن ابن عباس قال الإيلاء أن يحلف أنه لا يجامعها أبدا. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عنه في قوله { ~~للذين يؤلون من نسائهم } قال هو الرجل يحلف لامرأته بالله ~~لا ينكحها، فتتربص أربعة أشهر، فإن هو نكحها كفر عن يمينه، فإن مضت ~~أربعة أشهر قبل أن ينكحها خيره السلطان إما أن يفىء، وإما أن يعزم، ~~فيطلق كما قال الله سبحانه. # وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والطبراني، والبيهقي عنه قال كان ~~إيلاء الجاهلية السنة، والسنتين، وأكثر من ذلك، فوقت الله لهم أربعة ~~أشهر، فإن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر، فليس بإيلاء. وأخرج عبد بن ~~حميد، عن علي قال الإيلاء إيلاءان إيلاء في الغضب، وإيلاء في الرضا، فأما ~~الإيلاء في الغضب فإذا مضت أربعة أشهر، فقد بانت منه، وأما ما كان ms0369 في ~~الرضا، فلا يؤاخذ به، وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال لا إيلاء إلا ~~بغضب. وأخرج أبو عبيد في فضائله، وابن المنذر عن أبي بن كعب أنه قرأ ~~«فإن فاءوا فيهن فإن الله غفور رحيم». وأخرج عبد بن حميد، عن علي قال ~~الفيء الجماع. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه من طرق، عن ابن عباس مثله. وأخرج ~~ابن المنذر، عن ابن مسعود مثله. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن، قال الفيء ~~الإشهاد، وأخرج عبد الرزاق عنه قال الفيء الجماع، فإن كان له عذر أجزأه ~~أن يفيء بلسانه. أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود قال إذا حال بينه، ~~وبينها مرض، أو سفر، أو حبس، أو شيء يعذر به، فإشهاده فيء. وللسلف في ~~الفيء أقوال مختلفة، فينبغي الرجوع إلى معنى الفيء لغة، وقد بيناه. وأخرج ~~ابن جرير، عن عمر بن الخطاب أنه قال في الإيلاء إذا مضت أربعة أشهر لا ~~شيء عليه حتى يوقف، فيطلق، أو يمسك. وأخرج الشافعي، وابن جرير، والبيهقي، ~~عن عثمان بن عفان نحوه. وأخرج مالك، والشافعي، وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~والبيهقي عن علي نحوه. وأخرج البخاري، وعبد بن حميد، عن ابن عمر نحوه ~~أيضا. وأخرج ابن جرير، والبيهقي، عن عائشة نحوه. وأخرج ابن جرير، ~~والدارقطني، والبيهقي من طرق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال سألت اثني ~~عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يولي من امرأته، ~~فكلهم يقول ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة الأشهر، فتوقف، فإن فاء، وإلا ~~طلق. وأخرج البيهقي، عن ثابت بن عبيدة مولى زيد بن ثابت، عن اثني عشر ~~رجلا من الصحابة نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~والبيهقي عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وابن عمر، ~~وابن عباس قالوا الإيلاء تطليقة بائنة إذا مرت أربعة أشهر، قيل أن يفيء، ~~فهي أملك بنفسها، وللصحابة، والتابعين في هذا أقوال مختلفة ms0370 متناقضة، ~~والمتعين الرجوع إلى ما في الآية الكريمة، وهو ما عرفناك، فاشدد عليه ~~يديك. وأخرج عبد الرزاق عن عمر قال إيلاء العبد شهران. وأخرج مالك عن ابن ~~شهاب قال إيلاء العبد نحو إيلاء الحر. ### || [2.228] # قوله { والمطلقت } يدخل تحت عمومه المطلقة قبل الدخول، ثم خصص ~~بقوله تعالى # فما لكم عليهن من عدة تعتدونها # الأحزاب 49 فوجب بناء العام على الخاص، وخرجت من هذا العموم المطلقة ~~قبل الدخول، وكذلك خرجت الحامل بقوله تعالى # وأولت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # الطلاق 4 وكذلك خرجت الآيسة بقوله تعالى # فعدتهن ثلثة أشهر # الطلاق 4 والتربص الانتظار، قيل هو خبر في معنى الأمر أي ليتربصن قصد ~~بإخراجه مخرج الخبر تأكيد وقوعه، وزاده تأكيدا وقوعه خبرا للمبتدأ. قال ~~ابن العربي وهذا باطل، وإنما هو خبر عن حكم الشرع، فإن وجدت مطلقة لا ~~تتربص، فليس ذلك من الشرع، ولا يلزم من ذلك، وقوع خبر الله سبحانه على ~~خلاف مخبره. والقروء جمع قرء. وروي عن نافع أنه قرأ «قرو» بتشديد الواو. ~~وقرأه الجمهور بالهمز. وقرأ الحسن بفتح القاف، وسكون الراء، والتنوين. ~~قال الأصمعي الواحد قرء بضم القاف. وقال أبو زيد بالفتح وكلاهما قال ~~أقرأت المرأة حاضت، وأقرأت ظهرت. وقال الأخفش أقرأت المرأة إذا صارت ~~صاحبة حيض، فإذا حاضت قلت قرأت بلا ألف. وقال أبو عمرو بن العلاء من ~~العرب من يسمي الحيض قرءا، ومنهم من يسمي الطهر قرءا، ومنهم من يجمعهما ~~جميعا، فيسمي الحيض مع الطهر قرءا، وينبغي أن يعلم أن القرء في الأصل ~~الوقت يقال هبت الرياح لقرئها، ولقارئها أي لوقتها، ومنه قول الشاعر # كرهت العقر عقربني شليل إذا هبت لقارئها الرياح # فيقال للحيض قرء، وللطهر قرء لأن كل واحد منهما له وقت معلوم. وقد ~~أطلقته العرب تارة على الأطهار، وتارة على الحيض، فمن إطلاقه على الأطهار ~~قول الأعشى # أفي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزيم عزائكا ~~مورثة مالا وفي الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا # أي أطهارهن، ومن إطلاقه على الحيض قول ms0371 الشاعر # يا رب ذي حنق علي قارض له قرو كقرو الحائض # يعني أنه طعنه، فكان له دم كدم الحائض. وقال قوم هو مأخوذ من قري الماء ~~في الحوض، وهو جمعه، ومنه القرآن لاجتماع المعاني فيه. قال عمرو بن كلثوم # ذراعي عيطل أدماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا # أي لم تجمعه في بطنها. والحاصل أن القروء في لغة العرب مشترك بين الحيض، ~~والطهر، ولأجل هذا الاشتراك، اختلف أهل العلم في تعيين ما هو المراد ~~بالقروء المذكورة في الآية، فقال أهل الكوفة هي الحيض، وهو قول عمر، ~~وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وعكرمة، والسدي، ~~وأحمد بن حنبل. وقال أهل الحجاز هي الأطهار، وهو قول عائشة، وابن عمر، ~~وزيد بن ثابت، والزهري، وأبان بن عثمان، والشافعي. # واعلم أنه قد وقع الاتفاق بينهم على أن القرء الوقت، فصار معنى الآية ~~عند الجميع والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة أوقات، فهي على هذا مفسرة في ~~العدد مجملة في المعدود، فوجب طلب البيان للمعدود من غيرها، فأهل القول ~~الأول استدلوا على أن المراد في هذه الآية الحيض بقوله صلى الله عليه ~~وسلم # " دعي الصلاة أيام أقرائك " # وبقوله صلى الله عليه وسلم # " طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان " # وبأن المقصود من العدة استبراء الرحم، وهو يحصل بالحيض لا بالطهر. ~~واستدل أهل القول الثاني بقوله تعالى # فطلقوهن لعدتهن # الطلاق 1 ولا خلاف أنه يؤمر بالطلاق، وقت الطهر، ولقوله صلى الله عليه ~~وسلم لعمر # " مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فتلك العدة ~~التي أمر الله أن تطلق لها النساء " # وذلك لأن زمن الطهر هو الذي تطلق فيه النساء. قال أبو بكر بن عبد الرحمن ~~ما أدركنا أحدا من فقهائنا إلا يقول بأن الأقراء هي الأطهار، فإذا طلق ~~الرجل في طهر لم يطأ فيه اعتدت بما بقي منه، ولو ساعة، ولو لحظة، ثم ~~استقبلت طهرا ثانيا بعد حيضة، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة خرجت من ~~العدة. انتهى. وعندي أن لا حجة في بعض ما ms0372 احتج به أهل القولين جميعا. ~~أما قول الأولين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " دعي الصلاة أيام أقرائك " # فغاية ما في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الأقراء على الحيض، ~~ولا نزاع في جواز ذلك كما هو شأن اللفظ المشترك، فإنه يطلق تارة على هذا، ~~وتارة على هذا، وإنما النزاع في الأقراء المذكورة في هذه الآية، وأما ~~قوله صلى الله عليه وسلم في الأمة # " وعدتها حيضتان " # فهو حديث أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم ~~وصححه، من حديث عائشة مرفوعا. وأخرجه ابن ماجه، والبيهقي من حديث ابن ~~عمر مرفوعا أيضا، ودلالته على ما قاله الأولون قوية. وأما قولهم إن ~~المقصود من العدة استبراء الرحم، وهو يحصل بالحيض لا بالطهر، فيجاب عنه ~~بأنه إنما يتم لو لم يكن في هذه العدة شيء من الحيض على فرض تفسير ~~الأقراء بالأطهار، وليس كذلك بل هي مشتملة على الحيض، كما هي مشتملة على ~~الأطهار، وأما استدلال أهل القول الثاني بقوله تعالى # فطلقوهن لعدتهن # الطلاق 1 فيجاب عنه بأن التنازع في اللام في قوله { لعدتهن } ~~يصير ذلك محتملا، ولا تقوم الحجة بمحتمل. وأما استدلالهم بقوله لعمر # " مره فليراجعها " # الحديث، فهو في الصحيح، ودلالته قوية على ما ذهبوا إليه، ويمكن أن يقال ~~إنها تنقضي العدة بثلاثة أطهار، أو بثلاث حيض، ولا مانع من ذلك، فقد ~~جوز جمع من أهل العلم حمل المشترك على معنييه، وبذلك يجمع بين الأدلة، ~~ويرتفع الخلاف، ويندفع النزاع. # وقد استشكل الزمخشري تمييز الثلاثة بقوله قروء، وهي جمع كثرة دون أقراء ~~التي هي من جموع القلة. وأجاب بأنهم يتسعون في ذلك، فيستعملون كل واحد من ~~الجمعين مكان الآخر لاشتراكهما في الجمعية. قوله { ولا يحل لهن ~~أن يكتمن ما خلق الله فى أرحامهن } قيل المراد به ~~الحيض، وقيل الحمل. وقيل كلاهما، ووجه النهي عن الكتمان ما فيه في بعض ~~الأحوال من الإضرار بالزوج، وإذهاب حقه فإذا قالت المرأة حضت، وهي لم تحض ~~ذهبت بحقه من الارتجاع وإذا قالت لم تحض، ms0373 وهي قد حاضت ألزمته من النفقة ~~ما لم يلزمه، فاضرت به، وكذلك الحمل ربما تكتمه التقطع حقه من الارتجاع، ~~وربما تدعيه لتوجب عليه النفقة، ونحو ذلك من المقاصد المستلزمة للإضرار ~~بالزوج. وقد اختلفت الأقوال في المدة التي تصدق فيها المرأة إذا ادعت ~~انقضاء عدتها. وقوله { إن كن يؤمن بالله واليوم ~~الأخر } فيه، وعيد شديد للكاتمات، وبيان أن من كتمت ذلك منهن لم تستحق ~~اسم الإيمان. والبعولة جمع بعل، وهو الزوج، سمي بعلا لعلوه على الزوجة ~~لأنهم يطلقونه على الرب، ومنه قوله تعالى # أتدعون بعلا # الصافات 125 أي ربا. ويقال بعول، وبعولة، كما يقال في جمع الذكر ذكور، ~~وذكورة، وهذه التاء لتأنيث الجمع، وهو شاذ لا يقاس عليه بل يعتبر فيه ~~السماع، والبعولة أيضا تكون مصدرا من بعل الرجل يبعل، مثل منع يمنع. أي ~~صار بعلا. وقوله { أحق بردهن } أي برجعتهن، وذلك يختص بمن ~~كان يجوز للزوج مراجعتها، فيكون في حكم التخصيص لعموم قوله { ~~والمطلقت يتربصن بأنفسهن } لأنه يعم المثلثات، ~~وغيرهن. وقوله { في ذلك } يعني في مدة التربص، فإن انقضت مدة ~~التربص، فهي أحق بنفسها، ولا تحل له إلا بنكاح مستأنف بولي، وشهود، ~~ومهر جديد، ولا خلاف في ذلك، والرجعة تكون باللفظ، وتكون بالوطء، ولا ~~يلزم المراجع شيء من أحكام النكاح بلا خلاف. وقوله { إن أرادوا ~~إصلحا } أي بالمراجعة، أي إصلاح حاله معها، وحالها معه، فإن قصد ~~الإضرار بها، فهي محرمة لقوله تعالى { ولا تمسكوهن ضرارا ~~لتعتدوا } قيل وإذا قصد بالرجعة الضرار، فهي صحيحة، وإن ارتكب بذلك ~~محرما، وظلم نفسه، وعلى هذا، فيكون الشرط المذكور في الآية للحث ~~للأزواج على قصد الصلاح، والزجر لهم عن قصد الضرار، وليس المراد به جعل ~~قصد الإصلاح شرطا لصحة الرجعة. قوله { ولهن مثل الذى ~~عليهن بالمعروف } أي لهن من حقوق الزوجية على الرجال بمثل ~~ما للرجال عليهن. فيحسن عشرتها بما هو معروف من عادة الناس أنهم يفعلونه ~~لنسائهم. وهي كذلك تحسن عشرة زوجها بما هو معروف من عادة النساء أنهن ~~يفعلنه لأوزاجهن من طاعة، وتزين، ms0374 وتحبب، ونحو ذلك. # قوله { وللرجال عليهن درجة } أي منزلة ليست لهن، وهو ~~قيامه عليها في الإنفاق، وكونه من أهل الجهاد، والعقل، والقوة، وله من ~~الميراث أكثر مما لها، وكونه يجب عليها امتثال أمره، والوقوف عند رضاه، ~~ولو لم يكن من فضيلة الرجال على النساء إلا كونهن خلقن من الرجال لما ~~ثبت أن حواء خلقت من ضلع آدم. وقد أخرج أبو داود، وابن أبي حاتم، ~~والبيهقي في سننه، عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية قالت طلقت ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن للمطلقة عدة، فأنزل الله ~~حين طلقت العدة للطلاق، فقال { والمطلقت يتربصن } ~~الآية. وأخرج أبو داود، والنسائي، وابن المنذر عن ابن عباس { ~~والمطلقت يتربصن بأنفسهن ثلثة قروء } ~~ثم قال # واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ~~فعدتهن ثلثة أشهر # الطلاق 4 فنسخ، وقال # ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها # الأحزاب 49. وأخرج مالك، والشافعي، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدارقطني، والبيهقي من طرق، عن ~~عائشة أنها قالت الأقراء الأطهار. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن ~~المنذر، والبيهقي عن ابن عمر، وزيد بن ثابت مثله. وأخرج المذكورون، عن ~~عمرو بن دينار، قال الأقراء الحيض عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وأخرج البيهقي، وابن جرير، عن ابن عباس في قوله { ثلثة قروء } ~~قال ثلاث حيض. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في ~~قوله تعالى { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله ~~فى أرحامهن } قال كانت المرأة تكتم حملها حتى تجعله لرجل آخر، ~~فنهاهن الله عن ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~ابن عمر في الآية قال الحمل، والحيض، وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، ~~عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ~~ابن عباس في قوله تعالى { وبعولتهن أحق بردهن } يقول ~~إذا طلق الرجل امرأته تطليقة، أو تطليقتين، وهي حامل، ms0375 فهو أحق برجعتها ~~ما لم تضع حملها، وهو قوله { ولا يحل لهن أن يكتمن ما ~~خلق الله فى أرحامهن }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ~~والبيهقي، عن مجاهد في قوله { وبعولتهن أحق بردهن في ~~ذلك } قال في العدة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن ~~قتادة مثله، وزاد ما لم يطلقها ثلاثا. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله ~~{ ولهن مثل الذى عليهن } قال إذا أطعن الله، وأطعن ~~أزواجهن، فعليه أن يحسن صحبتها، ويكف عنها أذاه، وينفق عليها من سعته. ~~وقد أخرج أهل السنن عن عمرو بن الأحوص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، أما حقكم على ~~نسائكم أن لا يوطئن، فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن ~~تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن، وطعامهن " # وصححه الترمذي. وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، ~~والحاكم وصححه، والبيهقي عن معاوية بن حيدة القشيري «أنه سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما حق المرأة على الزوج؟ قال # " أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تهجر ~~إلا في البيت " # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله { وللرجال ~~عليهن درجة } قال فضل ما فضله الله به عليها من الجهاد، وفضل ~~ميراثه على ميراثها، وكل ما فضل به عليها. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي ~~حاتم، عن أبي مالك في الآية قال يطلقها، وليس لها من الأمر شيء. وأخرجا ~~عن زيد بن أسلم قال الإمارة. ### || [2.229-230] # المراد بالطلاق المذكور هو الرجعي بدليل ما تقدم في الآية الأولى أي ~~الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة للأزواج هو مرتان، أي الطلقة الأولى، ~~والثانية، إذ لا رجعة بعد الثالثة، وإنما قال سبحانه { مرتان } ولم ~~يقل طلقتان إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الطلاق مرة بعد مرة، لا طلقتان ~~دفعة واحدة، كذا قال جماعة من المفسرين، ولما لم يكن بعد الطلقة الثانية ~~إلا أحد ms0376 أمرين، إما إيقاع الثالثة التي بها تبين الزوجة، أو الإمساك لها، ~~واستدامة نكاحها، وعدم إيقاع الثالثة عليها قال سبحانه { فإمساك ~~بمعروف أو تسريح بإحسن } أي فإمساك بعد الرجعة لمن ~~طلقها زوجها طلقتين بمعروف أي بما هو معروف عند الناس من حسن العشرة { ~~أو تسريح بإحسن } أي بإيقاع طلقة ثالثة عليها من دون ضرار ~~لها. وقيل المراد { فإمساك بمعروف } أي برجعة بعد الطلقة ~~الثانية { أو تسريح بإحسن } أي بترك الرجعة بعد الثانية حتى ~~تنقضي عدتها. والأول أظهر. وقوله { الطلق } مبتدأ بتقدير مضاف أي ~~عدد الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة مرتان. وقد اختلف أهل العلم في إرسال ~~الثلاث دفعة واحدة هل يقع ثلاثا، أو واحدة فقط؟ فذهب إلى الأول ~~الجمهور، وذهب إلى الثاني من عداهم، وهو الحق. وقد قررته في مؤلفاتي ~~تقريرا بالغا، وأفردته برسالة مستقلة. قوله { ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا مما ءاتيتموهن شيئا } الخطاب للأزواج، أي لا ~~يحل للأزواج أن يأخذوا مما دفعوه إلى نسائهم من المهر شيئا على وجه ~~المضارة لهن، وتنكير { شيئا } للتحقير أي شيئا نزرا فضلا عن الكثير، ~~وخص ما دفعوه إليهن بعدم حل الأخذ منه مع كونه لا يحل للأزواج أن ~~يأخذوا شيئا من أموالهن التي يملكنها من غير المهر لكون ذلك، هو الذي ~~تتعلق به نفس الزوج، وتتطلع لأخذه دون ما عداه مما هو في ملكها، على أنه ~~إذا كان أخذ ما دفعه إليها لا يحل له كان ما عداه ممنوعا منه بالأولى. ~~وقيل الخطاب في قوله { ولا يحل لكم } للأئمة، والحكام ليطابق ~~قوله { فإن خفتم } فإن الخطاب فيه للأئمة، والحكام، وعلى هذا يكون ~~إسناد الأخذ إليهم لكونهم الآمرين بذلك. والأول أولى لقوله { مما ~~ءاتيتموهن } فإن إسناده إلى غير الأزواج بعيد جدا لأن إيتاء ~~الأزواج لم يكن عن أمرهم. وقيل إن الثاني أولى لئلا يتشوش النظم. قوله { ~~إلا أن يخافا } أي لا يجوز لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا ~~أن يخافا { يقيما حدود الله } أي عدم إقامة حدود الله التي ~~حدها للزوجين، وأوجب عليهما ms0377 الوفاء بها من حسن العشرة والطاعة، فإن ~~خافا ذلك { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } أي لا ~~جناح على الرجل في الأخذ، وعلى المرأة في الإعطاء بأن تفتدي نفسها من ذلك ~~النكاح ببذل شيء من المال يرضى به الزوج، فيطلقها لأجله، وهذا هو الخلع، ~~وقد ذهب الجمهور إلى جواز ذلك للزوج، وأنه يحل له الأخذ مع ذلك الخوف، ~~وهو الذي صرح به القرآن. # وحكى ابن المنذر، عن بعض أهل العلم أنه لا يحل له ما أخذ، ولا يجبر على ~~رده، وهذا في غاية السقوط. وقرأ حمزة «إلا أن يخافا» على البناء ~~للمجهول، والفاعل محذوف، وهو الأئمة، والحكام واختاره أبو عبيد قال لقوله ~~{ فإن خفتم } فجعل الخوف لغير الزوجين. وقد احتج بذلك من جعل ~~الخلع إلى السلطان، وهو سعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين. وقد ضعف ~~النحاس اختيار أبي عبيد المذكور. وقوله { فإن خفتم ألا يقيما ~~حدود الله } أي إذا خاف الأئمة، والحكام، أو المتوسطون بين ~~الزوجين، وإن لم يكونوا أئمة، وحكاما عدم إقامة حدود الله من الزوجين، ~~وهي ما أوجبه عليهما كما سلف. وقد حكى عن بكر بن عبد الله المزني أن هذه ~~الآية منسوخة بقوله تعالى في سورة النساء # وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وءاتيتم ~~إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ~~أتأخذونه بهتنا وإثما مبينا # النساء 20 وهو قول خارج عن الإجماع، ولا تنافي بين الاثنين. وقد اختلف ~~أهل العلم إذا طلب الزوج من المرأة زيادة على ما دفعه إليها من المهر، ~~وما يتبعه، ورضيت بذلك المرأة هل يجوز أم لا؟ وظاهر القرآن الجواز لعدم ~~تقييده بمقدار معين، وبذا قال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وروي مثل ذلك عن ~~جماعة من الصحابة، والتابعين، وقال طاوس، وعطاء، والأوزاعي، وأحمد، ~~وإسحاق إنه لا يجوز، وسيأتي ما ورد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقوله تعالى { تلك حدود الله } أي أحكام النكاح، والفراق ~~المذكورة هي حدود الله التي أمرتم بامتثالها، فلا تعتدوها بالمخالفة لها، ~~فتستحقوا ما ذكره الله من التسجيل ms0378 على فاعل ذلك بأنه ظالم. قوله تعالى { ~~فإن طلقها } أي الطلقة الثالثة التي ذكرها سبحانه بقوله { أو ~~تسريح بإحسن } أي فإن وقع منه ذلك، فقد حرمت عليه بالتثليث { ~~فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } أي ~~حتى تتزوج بزوج آخر. وقد أخذ بظاهر الآية سعيد بن المسيب، ومن وافقه ~~قالوا يكفي مجرد العقد لأنه المراد بقوله { حتى تنكح زوجا ~~غيره } وذهب الجمهور من السلف، والخلف إلى أنه لا بد مع العقد من ~~الوطء لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من اعتبار ذلك، وهو زيادة ~~يتعين قبولها، ولعله لم يبلغ سعيد بن المسيب، ومن تابعه. وفي الآية دليل ~~على أنه لا بد من أن يكون ذلك نكاحا شرعيا مقصودا لذاته لا نكاحا غير ~~مقصود لذاته، بل حيلة للتحليل، وذريعة إلى ردها إلى الزوج الأول، فإن ~~ذلك حرام للأدلة الواردة في ذمه وذم فاعله، وأنه التيس المستعار الذي ~~لعنه الشارع، ولعن من اتخذه لذلك. # قوله { فإن طلقها } أي الزوج الثاني { فلا جناح عليهما ~~} أي الزوج الأول والمرأة { أن يتراجعا } أي يرجع كل واحد منهما ~~لصاحبه. قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق زوجته ~~ثلاثا، ثم انقضت عدتها، ونكحت زوجا، ودخل بها، ثم فارقها، وانقضت ~~عدتها، ثم نكحها الزوج الأول، أنها تكون عنده على ثلاث تطليقات. قوله { ~~إن ظنا أن يقيما حدود الله } أي حقوق الزوجية الواجبة لكل ~~منهما على الآخر، وأما إذا لم يحصل ظن ذلك بأن يعلما، أو أحدهما عدم ~~الإقامة لحدود الله، أو ترددا، أو أحدهما، ولم يحصل لهما الظن، فلا ~~يجوز الدخول في هذا النكاح لأنه مظنة للمعصية لله، والوقوع فيما حرمه ~~على الزوجين. وقوله { وتلك حدود الله } إشارة إلى الأحكام ~~المذكورة، كما سلف، وخص الذين يعلمون مع عموم الدعوة للعالم، وغيره، ~~ووجوب التبليغ لكل فرد لأنهم المنتفعون بالبيان المذكور. وقد أخرج مالك، ~~والشافعي، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي ~~في سننه، عن هشام بن عروة، عن ms0379 أبيه قال كان الرجل إذا طلق امرأته، ثم ~~ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له، وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل ~~إلى امرأته فطلقها حتى إذا ما دنا وقت انقضاء عدتها ارتجعها، ثم طلقها، ~~ثم قال والله لا آويك إلي ولا تحلين لي أبدا، فأنزل الله { الطلق ~~مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن } ~~فاستقبل الناس الطلاق جديدا من يومئذ من كان منهم طلق، ومن لم يطلق. ~~وأخرج نحوه الترمذي، وابن مردويه، والحاكم وصححه، عن هشام بن عروة، عن ~~أبيه، عن عائشة. وأخرج البخاري عنها أنها أتتها امرأة، فسألتها عن شيء من ~~الطلاق، قالت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت { ~~الطلق مرتان }. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وأحمد، ~~وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، عن أبي رزين الأسدي قال قال رجل «يا رسول ~~الله أرأيت قول الله الطلاق مرتان؟ فأين الثالثة؟ قال # " التسريح بإحسان الثالثة " # وأخرج نحوه ابن مردويه، والبيهقي عن ابن ابن عباس مرفوعا. وأخرج عبد بن ~~حميد، عن مجاهد أنه قال قال الله للثالثة { فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسن } وأخرج ابن أبي حاتم، عن يزيد بن أبي حبيب قال ~~التسريح في كتاب الله الطلاق. # وأخرج البيهقي، من طريق السدي، عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { الطلق مرتان } قالوا وهو ~~الميقات الذي تكون فيه الرجعة، فإذا طلق واحدة، أو اثنتين، فإما أن يمسك، ~~ويراجع بمعروف، وإما أن يسكت عنها حتى تنقضي عدتها، فتكون أحق بنفسها. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية نحوه. ~~وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال كان الرجل يأكل ~~من مال امرأته الذي نحلها، وغيره لا يرى أن عليه جناحا، فأنزل الله { ~~ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ءاتيتموهن شيئا ~~} فلم يصح لهم بعد هذه الآية أخذ شيء من أموالهن ms0380 إلا بحقها، ثم قال { ~~إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ~~ألا يقيما حدود الله } وقال # فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا # النساء 4. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في ~~قوله { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } قال إلا ~~أن يكون النشوز، وسوء الخلق من قبلها، فتدعوك إلى أن تفتدي منك، فلا جناح ~~عليك فيما افتدت به. وأخرج مالك، والشافعي وأحمد، وأبو داود والنسائي، ~~والبيهقي من طريق عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن حبيبة بنت ~~سهل الأنصارى «أنها كانت تحب ثابت بن قيس، وأن رسول الله خرج إلى الصبح، ~~فوجدها عند بابه في الغلس، فقال # " من هذه؟ " # قالت أنا حبيبة بنت سهل، فقال # " ما شأنك؟ " # قالت لا أنا، ولا ثابت، فلما جاء ثابت بن قيس قال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " هذه حبيبة بنت سهل، فذكرت ما شاء الله أن تذكر، فقالت حبيبة يا رسول ~~الله كل ما أعطاني عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذ منها، " # فأخذ منها، وجلست في أهلها». وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج قال نزلت هذه ~~الآية في ثابت بن قيس، وفي حبيبة، وكانت اشتكته إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " تردين عليه حديقته؟ " # قالت نعم، فدعاه، فذكر ذلك له، فقال ويطيب لي ذلك، قال # " نعم، " # قال ثابت قد فعلت، فنزلت { ولا يحل لكم أن تأخذوا } ~~الآية» وأخرج عبد الرزاق، وأبو داود، وابن جرير، والبيهقي من طريق عمرة، ~~عن عائشة نحوه. وأخرج البخاري، والنسائي، وابن ماجه، وابن مردويه، ~~والبيهقي، عن ابن عباس أن جميلة بنت عبد الله بن سلول، امرأة ثابت بن قيس ~~بن شماس «أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت يا رسول الله ثابت بن ~~قيس ما أعتب عليه في خلق، ولا دين، ولكن لا أطيقه بغضا، وأكره الكفر في ~~الإسلام، قال # " أتردين عليه حديقته؟ " # قالت ms0381 نعم، قال # " أقبل الحديقة، وطلقها تطليقة " # ولفظ ابن ماجه «فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها ~~حديقته، ولا يزداد». وأخرج البيهقي من طريق عطاء قال «أتت امرأة النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وقالت إني أبغض زوجي، وأحب فراقه، قال # " أتردين عليه حديقته التي أصدقك؟ " # قالت نعم، وزيادة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " أما الزيادة من مالك فلا " # وأخرج البيهقي، عن أبي الزبير أن ثابت بن قيس، فذكر القصة، وفيه # " أما الزيادة فلا " # وأخرج ابن مردويه بإسناد جيد عن ابن عباس، وفيه «أنه أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثابتا أن يأخذ ما ساق، ولا يزداد». وأخرج البيهقي عن أبي ~~سعيد، وذكر القصة، وفيها # " فردت عليه حديقته وزادت " # وأخرج ابن جرير، عن عمر أنه قال في بعض المختلعات «اخلعها، ولو من ~~قرطها». وفي لفظ أخرجه عبد الرزاق، عنه أنه قال للزوج «خذ ولو عقاصها». ~~قال البخاري أجاز عثمان الخلع دون عقاصها. وأخرج عبد بن حميد، والبيهقي، ~~عن عطاء كره أن النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ من المختلعة أكثر مما ~~أعطاها. وقد ورد في ذم المختلعات أحاديث منها عن ثوبان عند أحمد، وأبي ~~داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن جرير، والحاكم وصححه، والبيهقي ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة ~~الجنة، وقال المختلعات هن المنافقات " # ، ومنها عن ابن عباس، عند ابن ماجه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " لا تسأل المرأة زوجها الطلاق في غير كنهه، فتجد ريح الجنة، وإن ريحها ~~لتوجد مسيرة أربعين عاما " # ومنها عن أبي هريرة عند أحمد، والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " المختلعات، والمنتزعات هن المنافقات " # ومنها عن عقبة عند ابن جرير مرفوعا مثل حديث أبي هريرة. وقد اختلف أهل ~~العلم في عدة المختلعة، والراجح أنها تعتد بحيضة لما أخرجه أبو داود، ~~والترمذي وحسنه، والنسائي، والحاكم وصححه، عن ابن عباس «أن النبي صلى ~~الله ms0382 عليه وسلم أمر امرأة ثابت بن قيس، أن تعتد بحيضة» ولما أخرجه ~~الترمذي، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء «أنها اختلعت على عهد رسول ~~الله، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة، أو أمرت أن تعتد ~~بحيضة». قال الترمذي الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة. وأخرج النسائي، ~~وابن ماجه، عنها أنها قالت اختلعت من زوجي، فجئت عثمان، فسألته ماذا علي ~~من العدة؟ فقال لا عدة عليك إلا أن يكون حديث عهد بك، فتمكثين حتى تحيضي ~~حيضة، قالت إنما أتبع في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مريم ~~المغالية، وكانت تحب ثابت بن قيس، فاختلعت منه. # وأخرج النسائي، عن الربيع بنت معوذ «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~امرأة ثابت بن قيس، أن تتربص حيضة واحدة، فتلحق بأهلها» ولم يرد ما يعارض ~~هذا من المرفوع، بل ورد عن جماعة من الصحابة، والتابعين أن عدة المختلعة ~~كعدة الطلاق، وبه قال الجمهور. قال الترمذي وهو قول أكثر أهل العلم من ~~الصحابة، وغيرهم، واستدلوا على ذلك بأن المختلعة من جملة المطلقات، فهي ~~داخلة تحت عموم القرآن. والحق ما ذكرناه لأن ما ورد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يخصص عموم القرآن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله { فإن طلقها فلا تحل ~~له } يقول فإن طلقها ثلاثا، فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. وأخرج ~~ابن المنذر، عن علي نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة نحوه. وأخرج ~~الشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، ~~والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي، عن عائشة قالت «جاءت امرأة رفاعة القرظي ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إني كنت عند رفاعة، فطلقني فبت ~~طلاقي، فتزوجني عبد الرحمن بن الزبير، وما معه إلا مثل هدبة الثوب، ~~فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال # " أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك ~~" # وقد روى نحو هذا عنها من طرق. وأخرج ms0383 عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأحمد، ~~والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، والبيهقي، عن عمر مرفوعا نحوه. وأخرج ~~أحمد، وابن جرير، والبيهقي، عن أنس مرفوعا نحوه أيضا. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن جرير، عن أبي هريرة مرفوعا نحوه، ولم يسم هؤلاء الثلاثة ~~الصحابة صاحبة القصة. وأخرج أحمد، والنسائي، عن ابن عباس «أن العميصاء، ~~أو الرميصاء أتت النبي صلى الله عليه وسلم» وفي آخره «فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " ليس ذلك لك حتى يذوق عسيلتك رجل غيره " # وقد ثبت لعن المحلل في أحاديث منها عن ابن مسعود عند أحمد، والترمذي ~~وصححه، والنسائي، والبيهقي في سننه قال «لعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~المحلل والمحلل له» ومنها عن علي عند أحمد، وأبي داود، والترمذي، وابن ~~ماجه، والبيهقي مرفوعا مثل حديث ابن مسعود، ومنها عن جابر مرفوعا عند ~~الترمذي مثله، ومنها عن ابن عباس مرفوعا عند ابن ماجه مثله، ومنها عن ~~عقبة بن عامر، عند ابن ماجه، والحاكم وصححه، والبيهقي مرفوعا مثله، ~~ومنها عن أبي هريرة مرفوعا عند أحمد، وابن أبي شيبة، والبيهقي مثله. وفي ~~الباب أحاديث في ذم التحليل، وفاعله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله { فإن طلقها فلا ~~جناح عليهما أن يتراجعا } يقول إذا تزوجت بعد الأول، فدخل ~~بها الآخر، فلا حرج على الأول أن يتزوجها إذا طلقها الآخر، أو مات عنها، ~~فقد حلت له. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل في قوله { أن يقيما ~~حدود الله } قال أمر الله وطاعته. ### || [2.231] # البلوغ إلى الشيء معناه الحقيقي الوصول إليه، ولا يستعمل البلوغ بمعنى ~~المقاربة إلا مجازا لعلاقة مع قرينة كما هنا، فإنه لا يصح إرادة المعنى ~~الحقيقي لأن المرأة إذا قد بلغت آخر جزء من مدة العدة، وجاوزته إلى ~~الجزء الذي هو الأجل للانقضاء، فقد خرجت من العدة، ولم يبق للزوج عليها ~~سبيل. قال القرطبي في تفسيره إن معنى { بلغن } هنا قاربن بإجماع ~~العلماء. قال ولأن المعنى يضطر إلى ذلك لأنه بعد بلوغ ms0384 الأجل لا خيار له ~~في الإمساك، والإمساك بمعروف هو القيام بحقوق الزوجية. أي إذا طلقتم ~~النساء، فقاربن آخر العدة، فلا تضاروهن بالمراجعة من غير قصد لاستمرار ~~الزوجية، واستدامتها، بل اختاروا أحد أمرين إما الإمساك بمعروف من غير ~~قصد لضرار، أو التسريح بإحسان أي تركها حتى تنقضي عدتها من غير مراجعة ~~ضرار، ولا تمسكوهن ضرارا، كما كانت تفعل الجاهلية من طلاق المرأة حتى ~~يقرب انقضاء عدتها، ثم مراجعتها لا عن حاجة، ولا لمحبة، ولكن لقصد تطويل ~~العدة، وتوسيع مدة الانتظار { ضرارا } لقصد الاعتداء منكم عليهن ~~والظلم لهن { ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه } لأنه ~~عرضها لعقاب الله وسخطه. قال الزجاج يعني عرض نفسه للعذاب، لأن إتيان ما ~~نهى الله عنه تعرض لعذاب الله { ولا تتخذوا آيت الله هزوا ~~} أي لا تأخذوا أحكام الله على طريقة الهزؤ، فإنها جد كلها، فمن هزل ~~فيها فقد لزمته نهاهم سبحانه أن يفعلوا كما كانت الجاهلية تفعل، فإنه ~~كان يطلق الرجل منهم، أو يعتق، أو يتزوج، ويقول كنت لاعبا. قال القرطبي، ~~ولا خلاف بين العلماء أن من طلق هازلا أن الطلاق يلزمه. قوله { هزوا ~~واذكروا نعمت الله عليكم } أي النعمة التي صرتم فيها ~~بالإسلام، وشرائعه بعد أن كنتم في جاهلية جهلاء، وظلمات بعضها فوق بعض، ~~والكتاب هو القرآن. والحكمة قال المفسرون هي السنة التي سنها لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { يعظكم به } أي يخوفكم بما أنزل عليكم، ~~وأفرد الكتاب، والحكمة بالذكر مع دخولهما في النعمة دخولا أوليا، ~~تنبيها على خطرهما، وعظم شأنهما. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ~~ابن عباس قال كان الرجل يطلق امرأته، ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها، ثم ~~يطلقها، فيفعل بها ذلك يضارها، ويعطلها، فأنزل الله { وإذا ~~طلقتم النساء } الآية. وأخرج نحوه مالك، وابن جرير، وابن المنذر، ~~عن ثور بن يزيد. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، والبيهقي، عن الحسن في ~~قوله { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } قال هو الرجل يطلق ~~امرأته، فإذا أرادت أن تنقضي عدتها أشهد على رجعتها، ms0385 يريد أن يطول ~~عليها. # وأخرج ابن ماجه، وابن جرير، والبيهقي، عن أبي موسى قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " ما بال أقوام يلعبون بحدود الله يقول قد طلقتك، قد راجعتك، قد طلقتك، ~~قد راجعتك، ليس هذا طلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قبل عدتها " # وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عبادة بن الصامت قال كان الرجل ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للرجل زوجتك ابنتي، ثم يقول ~~كنت لاعبا، ويقول قد أعتقت، ويقول كنت لاعبا، فأنزل الله سبحانه { ~~ولا تتخذوا آيت الله هزوا } فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " ثلاث من قالهن لاعبا، أو غير لاعب، فهن جائزات عليه الطلاق، ~~والنكاح، والعتاق " # وأخرج ابن مردويه، عن أبي الدرداء قال كان الرجل يطلق، ثم يقول لعبت، ~~ويعتق، ثم يقول لعبت، فأنزل الله { ولا تتخذوا آيت الله ~~هزوا } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من طلق، أو أعتق، فقال لعبت، فليس قوله بشيء، يقع عليه، فيلزمه ". # وأخرج ابن مردويه أيضا، عن ابن عباس قال طلق رجل امرأته، وهو يلعب لا ~~يريد الطلاق، فأنزل الله { ولا تتخذوا آيت الله هزوا } ~~فألزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الطلاق. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن مرفوعا نحو حديث عبادة. وأخرج أبو داود، ~~والترمذي وحسنه، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد النكاح، والطلاق، والرجعة ". ### || [2.232] # الخطاب في هذه الآية بقوله { وإذا طلقتم } وبقوله { فلا ~~تعضلوهن } إما أن يكون للأزواج، ويكون معنى العضل منهم أن ~~يمنعوهن من أن يتزوجن من أردن من الأزواج بعد انقضاء عدتهن لحمية ~~الجاهلية، كما يقع كثيرا من الخلفاء، والسلاطين غيرة على من كن تحتهم ~~من النساء أن يصرن تحت غيرهم لأنهم لما نالوه من رياسة الدنيا، وما صاروا ~~فيه من النخوة، والكبرياء، يتخيلون أنهم قد خرجوا من جنس بني آدم إلا من ~~عصمه الله ms0386 منهم بالورع، والتواضع وإما أن يكون الخطاب للأولياء، ويكون ~~معنى إسناد الطلاق إليهم أنهم سبب له لكونهم المزوجين للنساء المطلقات ~~من الأزواج المطلقين لهن. وبلوغ الأجل المذكور هنا المراد به المعنى ~~الحقيقي، أي نهايته لا كما سبق في الآية الأولى. والعضل الحبس. وحكى ~~الخليل دجاجة معضلة قد احتبس بيضها. وقيل العضل التضييق والمنع، وهو راجع ~~إلى معنى الحبس، يقال أردت أمرا، فعضلتني عنه، أي منعتني، وضيقت علي، ~~وأعضل الأمر إذا ضاقت عليك فيه الحيل. وقال الأزهري أصل العضل من قولهم ~~عضلت الناقة إذا نشب ولدها، فلم يسهل خروجه، وعضلت الدجاجة نشب بيضها، ~~وكل مشكل عند العرب معضل، ومنه قول الشافعي رحمه الله # إذا المعضلات تصدين لي كشفت حقائقها بالنظر # ويقال أعضل الأمر إذا اشتد، وداء عضال. أي شديد عسير البرء أعيا ~~الأطباء، وعضل فلان أيمه أي منعها يعضلها بالضم، والكسر لغتان. قوله { ~~أن ينكحن } أي من أن ينكحن، فمحله الجر عند الخليل، والنصب عند ~~سيبويه، والفراء، وقيل هو بدل اشتمال من الضمير المنصوب في قوله { فلا ~~تعضلوهن }. وقوله { أزوجهن } إن أريد به المطلقون لهن، ~~فهو مجاز باعتبار ما كان، وإن أريد به من يردن أن يتزوجنه، فهو مجاز ~~باعتبار ما سيكون. وقوله { ذلك } إشارة إلى ما فصل من الأحكام، وإنما ~~أفرد مع كون المذكور قبله جمعا حملا على معنى الجمع بتأويله بالفريق، ~~ونحوه. وقوله { ذلكم } محمول على لفظ الجمع، خالف سبحانه ما بين ~~الإشارتين افتنانا. وقوله { أزكى } أي أنمى وأنفع { وأطهر } من ~~الأدناس { والله يعلم } ما لكم فيه الصلاح { وأنتم لا ~~تعلمون } ذلك. وقد أخرج البخاري، وأهل السنن، وغيرهم عن معقل بن ~~يسار قال كانت لي أخت، فأتاني ابن عم، فأنكحتها إياه، فكانت عنده ما ~~كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها، وهويته، ~~ثم خطبها مع الخطاب فقلت له يا لكع أكرمتك بها، وزوجتكها، فطلقتها، ~~ثم جئت تخطبها، والله لا ترجع إليك أبدا، وكان رجلا لا بأس به، وكانت ~~المرأة تريد أن ترجع إليه، فعلم الله حاجته ms0387 إليها، وحاجتها إلى بعلها، ~~فأنزل الله { وإذا طلقتم النساء } الآية، قال ففي نزلت هذه ~~الآية، فكفرت عن يميني، وأنكحتها إياه. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية في الرجل ~~يطلق امرأته طلقة، أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثم يبدو له تزويجها، وأن ~~يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فمنعها وليها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن السدي قال نزلت هذه الآية في جابر بن ~~عبد الله الأنصاري، كانت له ابنة عم، فطلقها زوجها تطليقة، وانقضت ~~عدتها، فأراد مراجعتها فأبى جابر، فقال طلقت بنت عمنا، ثم تريد أن ~~تنكحها الثانية؟ وكانت المرأة تريد زوجها، فأنزل الله { وإذا ~~طلقتم النساء }. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل { إذا ~~ترضوا بينهم بالمعروف } يعني بمهر، وبينة، ونكاح مؤتنف. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن مردويه، عن ابن عمر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " أنكحوا الأيامى، " # فقال رجل يا رسول الله ما العلائق بينهم؟ قال # " ما تراضى عليه أهلهن ". # وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك قال { والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون } قال الله يعلم من حب كل واحد منهما لصاحبه ما لا تعلم أنت ~~أيها الولي. ### || [2.233] # لما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق، ذكر الرضاع لأن الزوجين قد ~~يفترقان، وبينهما ولد، ولهذا قيل إن هذا خاص بالمطلقات. وقيل هو عام. ~~وقوله { يرضعن } قيل هو خبر في معنى الأمر للدلالة على تحقق مضمونه، ~~وقيل هو خبر على بابه ليس هو في معنى الأمر على حسب ما سلف في قوله { ~~يتربصن } وقوله { كاملين } تأكيد للدلالة على أن هذا التقدير ~~تحقيقي لا تقريبي. وقوله { لمن أراد أن يتم الرضاعة } أي ~~ذلك لمن أراد أن يتم الرضاعة، وفيه دليل على أن إرضاع الحولين ليس حتما، ~~بل هو التمام، ويجوز الاقتصار على ما دونه. وقرأ مجاهد، وابن محيصن «لمن ~~أراد أن تتم» بفتح التاء، ورفع الرضاعة على إسناد الفعل إليها. وقرأ أبو ~~حيوة، وابن أبي عبلة، والجارود ابن أبي سبرة ms0388 بكسر الراء من الرضاعة، ~~وهي لغة. وروي عن مجاهد أنه قرأ " الرضعة " ، وقرأ ابن عباس «لمن أراد أن ~~يكمل الرضاعة». قال النحاس لا يعرف البصريون الرضاعة إلا بفتح الراء. ~~وحكى الكوفيون جواز الكسر. والآية تدل على وجوب الرضاع على الأم لولدها، ~~وقد حمل ذلك على ما إذا لم يقبل الرضيع غيرها. قوله { وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن } أي على الأب الذي يولد ~~له، وآثر هذا اللفظ دون قوله وعلى الوالد للدلالة على أن الأولاد للآباء ~~لا للأمهات، ولهذا ينسبون إليهم دونهن، كأنهن إنما ولدن لهم فقط، ذكر ~~معناه في الكشاف، والمراد بالرزق هنا الطعام الكافي المتعارف به بين ~~الناس، والمراد بالكسوة ما يتعارفون به أيضا، وفي ذلك دليل على وجوب ذلك ~~على الآباء للأمهات المرضعات. وهذا في المطلقات، وأما غير المطلقات، ~~فنفقتهن، وكسوتهن واجبة على الأزواج من غير إرضاعهن لأولادهن. وقوله ~~{ لا تكلف نفس إلا وسعها } هو تقييد لقوله { ~~بالمعروف } أي هذه النفقة، والكسوة الواجبتان على الأب بما يتعارفه ~~الناس لا يكلف منها إلا ما يدخل تحت وسعه وطاقته لا ما يشق عليه، ويعجز ~~عنه، وقيل المراد لا تكلف المرأة الصبر على التقتير في الأجرة، ولا يكلف ~~الزوج ما هو إسراف، بل يراعي القصد. قوله { لا تضار } قرأ أبو عمرو، ~~وابن كثير، وجماعة ورواه أبان عن عاصم بالرفع على الخبر. وقرأ نافع، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في المشهور عنه «تضار» بفتح الراء المشددة ~~على النهي، وأصله لا تضار، أو لا تضارر على البناء للفاعل، أو المفعول أي ~~لا تضارر الأب بسبب الولد بأن تطلب منه ما لا يقدر عليه من الرزق، ~~والكسوة، أو بأن تفرط في حفظ الولد، والقيام بما يحتاج إليه، ولا تضارر ~~من زوجها بأن يقصر عليها في شيء مما يجب عليه، أو ينتزع ولدها منها بلا ~~سبب، وهكذا قراءة الرفع تحتمل الوجهين. # وقرأ عمر بن الخطاب «لا تضارر» على الأصل بفتح الراء الأولى وقرأ أبو ~~جعفر بن القعقاع «لا تضار» بإسكان الراء، وتخفيفها، وروى عنه الإسكان، ms0389 ~~والتشديد. وقرأ الحسن، وابن عباس «لا تضارر» بكسر الراء الأولى ويجوز أن ~~تكون الباء في قوله بولده، صلة لقوله تضار على أنه بمعنى تضر. أي لا ~~تضر والدة بولدها، فتسيء تربيته، أو تقصر في غذائه، وأضيف الولد تارة ~~إلى الأب، وتارة إلى الأم، لأن كل واحد منهما يستحق أن ينسب إليه مع ما ~~في ذلك من الاستعطاف، وهذه الجملة تفصيل للجملة التي قبلها وتقريرها. أي ~~لا يكلف كل واحد منهما الآخر ما لا يطيقه، فلا تضاره بسبب ولده. قوله { ~~وعلى الوارث } هو معطوف على قوله { وعلى المولود له } ~~وما بينهما تفسير للمعروف، أو تعليل له معترض بين المعطوف، والمعطوف ~~عليه. واختلف أهل العلم في معنى قوله { وعلى الوارث مثل ذلك ~~} فقيل هو وارث الصبي أي إذا مات المولود له كان على وارث هذا الصبي ~~المولود إرضاعه كما كان يلزم أباه ذلك، قاله عمر بن الخطاب، وقتادة، ~~والسدي، والحسن، ومجاهد، وعطاء، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، وابن أبي ~~ليلى على خلاف بينهم، هل يكون الوجوب على من يأخذ نصيبا من الميراث، أو ~~على الذكور فقط، أو على كل ذي رحم له، وإن لم يكن، وارثا منه، وقيل ~~المراد بالوارث وارث الأب تجب عليه نفقة المرضعة، وكسوتها بالمعروف، قاله ~~الضحاك. وقال مالك في تفسير هذه الآية بمثل ما قاله الضحاك، ولكنه قال ~~إنها منسوخة، وإنها لا تلزم الرجل نفقة أخ، ولا ذي قرابة، ولا ذي رحم ~~منه، وشرطه الضحاك بأن لا يكون للصبي مال، فإن كان له مال أخذت أجرة ~~رضاعه من ماله. وقيل المراد بالوارث المذكور في الآية هو الصبي نفسه. أي ~~عليه من ماله إرضاع نفسه إذا مات أبوه، وورث من ماله، قاله قبيصة بن ~~ذؤيب، وبشير بن نصر قاضي عمر بن عبد العزيز. وروي عن الشافعي، وقيل هو ~~الباقي من والدي المولود بعد موت الآخر منهما، فإذا مات الأب كان على ~~الأم كفاية الطفل، إذا لم يكن له مال، قاله سفيان الثوري، وقيل إن معنى ~~قوله تعالى { وعلى الوارث مثل ms0390 ذلك } أي وارث المرضعة يجب ~~عليه أن يصنع بالمولود كما كانت الأم تصنعه به من الرضاع، والخدمة، ~~والتربية. وقيل إن معنى قوله تعالى { وعلى الوارث مثل ذلك } ~~أنه يحرم عليه الإضرار بالأم كما يحرم على الأب، وبه قالت طائفة من أهل ~~العلم، قالوا وهذا هو الأصل، فمن ادعى أنه يرجع فيه العطف إلى جميع ما ~~تقدم، فعليه الدليل. # قال القرطبي وهو الصحيح، إذ لو أراد الجميع الذي هو الرضاع، والإنفاق، ~~وعدم الضرر يقال وعلى الوارث مثل هؤلاء، فدل على أنه معطوف على المنع من ~~المضارة، وعلى ذلك تأوله كافة المفسرين فيما حكى القاضي عبد الوهاب. ~~قال ابن عطية، وقال مالك، وجميع أصحابه، والشعبي، والزهري، والضحاك، ~~وجماعة من العلماء المراد بقوله { مثل ذلك } ألا تضار. وأما الرزق، ~~والكسوة، فلا يجب شيء منه. وحكى ابن القاسم، عن مالك، مثل ما قدمنا عنه، ~~في تفسير هذه الآية، ودعوى النسخ. ولا يخفى عليك ضعف ما ذهبت إليه هذه ~~الطائفة، فإن ما خصصوا به معنى قوله { وعلى الوارث مثل ذلك ~~} من ذلك المعنى. أي عدم الإضرار بالمرضعة قد أفاده قوله { لا تضار ~~ولدة بولدها } لصدق ذلك على كل مضارة ترد عليها من المولود له، ~~أو غيره. وأما قول القرطبي لو أراد الجميع لقال مثل هؤلاء، فلا يخفى ما ~~فيه من الضعف البين، فإن اسم الإشارة يصلح للمتعدد كما يصلح للواحد ~~بتأويل المذكور، أو نحوه. وأما ما ذهب إليه أهل القول الأول من أن ~~المراد بالوارث وارث الصبي، فيقال عليه إن لم يكن وارثا حقيقة مع وجود ~~الصبي حيا، بل هو وارث مجازا باعتبار ما يئول إليه. وأما ما ذهب إليه ~~أهل القول الثاني، فهو وإن كان فيه حمل الوارث على معناه الحقيقي، لكن في ~~إيجاب النفقة عليه مع غنى الصبي ما فيه، ولهذا قيده القائل به بأن يكون ~~الصبي فقيرا، ووجه الاختلاف في تفسير الوارث ما تقدم من ذكر الوالدات، ~~والمولود له والولد، فاحتمل أن يضاف الوارث إلى كل منهم. قوله { فإن ~~أرادا فصالا } الضمير ms0391 للوالدين. والفصال الفطام عن الرضاع. أي ~~التفريق بين الصبي، والثدي، ومنه سمي الفصيل لأنه مفصول عن أمه. وقوله { ~~عن تراض منهما } أي صادرا عن تراض من الأبوين إذا كان الفصال ~~قبل الحولين { فلا جناح عليهما } في ذلك الفصال. سبحانه لما ~~بين أن مدة الرضاع حولين كاملين قيد ذلك بقوله { لمن أراد أن ~~يتم الرضاعة } وظاهره أن الأب وحده إذا أراد أن يفصل الصبي قبل ~~الحولين كان ذلك جائزا له، وهنا اعتبر سبحانه تراضي الأبوين وتشاورهما ~~فلا بد من الجمع بين الأمرين بأن يقال إن الإرادة المذكورة في قوله { ~~لمن أراد أن يتم الرضاعة } لا بد أن تكون منهما، أو ~~يقال إن تلك الإرادة إذا لم يكن الأبوان للصبي حيين بأن كان الموجود ~~أحدها، أو كانت المرضعة للصبي ظئرا غير أمه. والتشاور استخراج الرأي ~~يقال شرت العسل استخرجته، وشرت الدابة أجريتها لاستخراج جريها، فلا ~~بد لأحد الأبوين إذا أراد فصال الرضيع أن يراضي الآخر، ويشاوره حتى يحصل ~~الاتفاق بينهما على ذلك. # قوله { وإن أردتم أن تسترضعوا أولدكم } قال ~~الزجاج التقدير أن تسترضعوا لأولادكم غير الوالدة. وعن سيبويه أنه حذف ~~اللام لأنه يتعدى إلى مفعولين، والمفعول الأول محذوف، والمعنى أن ~~تسترضعوا المراضع أولادكم { إذا سلمتم ما آتيتم } بالمد، أي أعطيتم، وهي ~~قراءة الجماعة إلا ابن كثير، فإنه قرأ بالقصر. أي فعلتم، ومنه قول زهير # وما كان من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبل # والمعنى أنه لا بأس عليكم أن تسترضعوا أولادكم غير أمهاتهم إذا سلمتم ~~إلى الأمهات أجرهن بحساب ما قد أرضعن لكم، إلى وقت إرادة الاسترضاع، ~~قاله سفيان الثوري، ومجاهد. وقال قتادة، والزهري إن معنى الآية إذا سلمتم ~~ما آتيتم من إرادة الاسترضاع أي سلم كل واحد من الأبوين ورضي، وكان ذلك ~~عن اتفاق منهما، وقصد خير وإرادة معروف من الأمر، وعلى هذا، فيكون قوله { ~~سلمتم } عاما للرجال، والنساء تغليبا، وعلى القول الأول الخطاب ~~للرجال فقط، وقيل المعنى إذا سلمتم لمن أردتم استرضاعها أجرها، فيكون ~~المعنى إذا سلمتم ما أردتم ms0392 إيتاءه. أي إعطاءه إلى المرضعات بالمعروف، أي ~~بما يتعارفه الناس من أجر المرضعات من دون مماطلة لهن، أو حط بعض ما هو ~~لهن من ذلك، فإن عدم توفير أجرهن يبعثهن على التساهل بأمر الصبي، ~~والتفريط في شأنه. وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وأبو داود في ~~ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ~~مجاهد في قوله { والولدت يرضعن أولدهن } قال ~~المطلقات { حولين } قال سنتين { لا تضار ولدة بولدها ~~} يقول لا تأبى أن ترضعه ضرارا لتشق على أبيه { ولا مولود له ~~بولده } يقول ولا يضار الوالد بولده، فيمنع أمه أن ترضعه ليحزنها ~~بذلك { وعلى الوارث } قال يعني الولي من كان { مثل ذلك } ~~قال النفقة بالمعروف، وكفالته، ورضاعه إن لم يكن للمولود مال، وأن لا ~~تضار أمه { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور ~~} قال غير مسيئين في ظلم أنفسهما، ولا إلى صبيهما، فلا جناح عليهما { ~~وإن أردتم أن تسترضعوا أولدكم } قال خيفة الضيعة ~~على الصبي { فلا جناح } قال حساب ما أرضع به الصبي. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن سعيد بن جبير في تفسير هذه الآية أنه قال المراد بقوله { إذا ~~سلمتم ما آتيتم } هي في الرجل يطلق امرأته، وله منها ولد. وقال في قوله { ~~والولدت يرضعن أولدهن حولين } قال ما أعطيتم ~~الظئر من فضل على أجرها. وأخرج أبو داود في ناسخه، عن زيد بن أسلم في ~~قوله { والولدت يرضعن أولدهن } قال إنها المرأة ~~تطلق، أو يموت عنها زوجها. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، ~~والحاكم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في التي تضع لستة أشهر أنها ترضع ~~حولين كاملين، وإذا وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين شهرا لتمام ~~ثلاثين شهرا، وإذا وضعت لتسعة أشهر أرضعت إحدى وعشرين شهرا، ثم تلا # وحمله وفصله ثلاثون شهرا # الأحقاف 15 وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله { وعلى المولود ~~له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } قال على قدر الميسرة. ~~وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن أبي حاتم، عن ms0393 زيد بن أسلم في قوله { لا ~~تضار ولدة بولدها ولا مولود له بولده } ليس ~~لها أن تلقي ولدها عليه، ولا يجد من يرضعه، وليس له أن يضارها، فينتزع ~~منها ولدها، وهي تحب أن ترضعه { وعلى الوارث } قال هو ولي الميت. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء، وإبراهيم، والشعبي في قوله { وعلى ~~الوارث } قال هو وارث الصبي ينفق عليه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن ~~حميد، عن قتادة نحوه، وزاد إذا كان المولود لا مال له، مثل الذي على ~~والده من أجر الرضاع. وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن نحوه. وأخرج عبد ~~الرزاق، وعبد بن حميد، عن ابن سيرين نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير، عن ~~قبيصة بن ذؤيب في قوله { وعلى الوارث مثل ذلك } قال هو ~~الصبي. وأخرج وكيع عن عبد الله بن مغفل نحوه. وأخرج ابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله { وعلى الوارث ~~مثل ذلك } قال لا يضار. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك { فإن ~~أرادا فصالا } قال الفطام. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير عن مجاهد قال التشاور فيما دون الحولين ليس لها أن تفطمه إلا أن ~~يرضى، وليس له أن يفطمه إلا أن ترضى. وأخرجوا أيضا عن عطاء في قوله ~~تعالى { وإن أردتم أن تسترضعوا أولدكم } قال أمه ~~أو غيرها { فلا جناح عليكم إذا سلمتم } قال إذا سلمت ~~لها أجرها { ما ءاتيتم } ما أعطيتم. ### || [2.234] # لما ذكر سبحانه عدة الطلاق، واتصل بذكرها ذكر الإرضاع عقب ذلك بذكر ~~عدة الوفاة، لئلا يتوهم أن عدة الوفاة مثل عدة الطلاق. قال الزجاج ~~ومعنى الآية، والرجال الذين يتوفون منكم، ويذرون أزواجا أي ولهم زوجات، ~~فالزوجات يتربصن. وقال أبو علي الفارسي تقديره، والذين يتوفون منكم، ~~ويذرون أزواجا يتربصن بعدهم، وهو كقولك السمن منوان بدرهم. أي منه. ~~وحكى المهدوي عن سيبويه أن المعنى وفيما يتلى عليكم الذين يتوفون. وقيل ~~التقدير وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن، ذكره صاحب الكشاف، وفيه أن ~~قوله { ويذرون أزوجا } لا يلائم ذلك التقدير لأن الظاهر ms0394 من ~~النكرة المعادة المغايرة. وقال بعض النحاة من الكوفيين إن الخبر عن الذين ~~متروك، والقصد الإخبار عن أزواجهم بأنهن يتربصن. ووجه الحكمة في جعل ~~العدة للوفاة هذا المقدار أن الجنين الذكر يتحرك في الغالب لثلاثة أشهر، ~~والأنثى لأربعة، فزاد الله سبحانه على ذلك عشرا لأن الجنين ربما يضعف عن ~~الحركة، فتتأخر حركته قليلا، ولا تتأخر عن هذا الأجل. وظاهر هذه الآية ~~العموم، وأن كل من مات عنها زوجها تكون عدتها هذه العدة، ولكنه قد خصص ~~هذا العموم قوله تعالى # وأولت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # الطلاق 4 وإلى هذا ذهب الجمهور. وروى عن بعض الصحابة، وجماعة من أهل ~~العلم أن الحامل تعتد بآخر الأجلين جمعا بين العام والخاص، وإعمالا ~~لهما، والحق ما قاله الجمهور، والجمع بين العام، والخاص على هذه الصفة لا ~~يناسب قوانين اللغة، ولا قواعد الشرع، ولا معنى لإخراج الخاص من بين ~~أفراد العام إلا بيان أن حكمه مغاير لحكم العام، ومخالف له. وقد صح صلى ~~الله عليه وسلم عنه أنه أذن لسبيعة الأسلمية أن تتزوج بعد الوضع، ~~والتربص الثاني، والتصبر عن النكاح. وظاهر الآية عدم الفرق بين الصغيرة، ~~والكبيرة، والحرة والأمة، وذات الحيض، والآيسة، وأن عدتهن جميعا ~~للوفاة أربعة أشهر وعشر. وقيل إن عدة الأمة نصف عدة الحرة شهران وخمسة ~~أيام. قال ابن العربي إجماعا إلا ما يحكى عن الأصم، فإنه سوى بين ~~الحرة، والأمة، وقال الباجي ولا نعلم في ذلك خلافا إلا ما يروى عن ابن ~~سيرين أنه قال عدتها عدة الحرة، وليس بالثابت عنه، ووجه ما ذهب إليه ~~الأصم، وابن سيرين ما في هذه الآية من العموم، ووجه ما ذهب إليه من ~~عداهما قياس عدة الوفاة على الحد، فإنه ينصف للأمة بقوله سبحانه # فعليهن نصف ما على المحصنت من العذاب # النساء 25. وقد تقدم حديث # " طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان " # وهو صالح للإحتجاج به، وليس المراد منه إلا جعل طلاقها على النصف من ~~طلاق الحرة، وعدتها على النصف من عدتها، ولكنه لما لم يمكن أن يقال ms0395 ~~طلاقها تطليقة ونصف، وعدتها حيضة ونصف، لكون ذلك لا يعقل كانت عدتها، ~~وطلاقها ذلك القدر المذكور في الحديث جبرا للكسر، ولكن ها هنا أمر يمنع ~~من هذا القياس الذي عمل به الجمهور، وهو أن الحكمة في جعل عدة الوفاة ~~أربعة أشهر وعشرا هو ما قدمنا من معرفة خلوها من الحمل، ولا يعرف إلا ~~بتلك المدة. # ولا فرق بين الحرة، والأمة في مثل ذلك، بخلاف كون عدتها في غير الوفاة ~~حيضتين، فإن ذلك يعرف به خلو الرحم، ويؤيد عدم الفرق ما سيأتي في عدة أم ~~الولد. واختلف أهل العلم في عدة أم الولد لموت سيدها. فقال سعيد بن ~~المسيب، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، والزهري، وعمر بن ~~عبد العزيز، والأوزاعي، وإسحاق، وابن راهويه، وأحمد بن حنبل في رواية عنه ~~أنها تعتد بأربعة أشهر وعشر لحديث عمرو بن العاص قال لا تلبسوا علينا ~~سنة نبينا صلى الله عليه وسلم «عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة ~~أشهر وعشر». أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم وصححه، وضعفه ~~أحمد، وأبو عبيد. وقال الدارقطني الصواب أنه موقوف. وقال طاوس، وقتادة ~~عدتها شهران وخمس ليال. وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، والحسن بن ~~صالح تعتد بثلاث حيض، وهو قول علي، وابن مسعود، وعطاء، وإبراهيم ~~النخعي. وقال مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه عدتها حيضة، وغير ~~الحائض شهر، وبه يقول ابن عمر، والشعبي، ومكحول، والليث، وأبو عبيد، وأبو ~~ثور، والجمهور. قوله { فإذا بلغن أجلهن } المراد بالبلوغ ~~هنا انقضاء العدة { فلا جناح عليكم فيما فعلن ~~أنفسهن } من التزين، والتعرض للخطاب { بالمعروف } الذي لا ~~يخالف شرعا، ولا عادة مستحسنة. وقد استدل بذلك على وجوب الإحداد على ~~المعتدة عدة الوفاة. وقد ثبت ذلك في الصحيحين، وغيرهما من غير وجه، أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " لا يحل لامرأة تؤمن بالله، واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ~~إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " # وكذلك ثبت عنه في الصحيحن، وغيرهما النهي عن الكحل لمن هي في ms0396 عدة ~~الوفاة، والإحداد ترك الزينة من الطيب، وليس الثياب الجيدة، والحلي، ~~وغير ذلك، ولا خلاف في وجوب ذلك في عدة الوفاة، ولا خلاف في عدم وجوبه ~~في عدة الرجعية. واختلفوا في عدة البائنة على قولين، ومحل ذلك كتب ~~الفروع. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس ~~في قوله { والذين يتوفون منكم } قال كان الرجل إذا مات، ~~وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله. ثم أنزل الله { ~~والذين يتوفون منكم } الآية. فهذه عدة المتوفي عنها إلا ~~أن تكون حاملا، فعدتها أن تضع ما في بطنها. # وقال في ميراثها # ولهن الربع مما تركتم # النساء 12 فبين ميراث المرأة، وترك الوصية، والنفقة { فإذا بلغن ~~أجلهن فلا جناح عليكم } يقول إذا طلقت المرأة، أو مات ~~عنها زوجها، فإذا انقضت عدتها، فلا جناح عليها أن تتزين، وتتصنع، وتتعرض ~~للتزويج، فذلك المعروف. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن ~~أبي العالية قال ضمت هذه الأيام العشر إلى الأربعة أشهر، لأن في العشر ~~ينفخ فيه الروح. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { فإذا ~~بلغن أجلهن } يقول إذا انقضت عدتها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ~~ابن شهاب في قوله { فلا جناح عليكم } يعني أولياءها. وأخرج عبد ~~الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم ~~عن ابن عباس أنه كره للمتوفى عنها زوجها الطيب، والزينة، وأخرج مالك، ~~وعبد الرزاق، وأهل السنن وصححه الترمذي، والحاكم عن الفريعة بنت مالك بن ~~سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تسأل أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، وأن زوجها خرج في طلب أعبد ~~لها أبقوا حتى إذا تطرف القدوم لحقهم فقتلوه. قالت فسألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يتركني في منزل يملكه، ولا ~~نفقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " نعم، " # فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة، أو ms0397 في المسجد، فدعاني، أو أمر بي، ~~فدعيت، فقال # " كيف قلت؟ " # قالت فرددت إليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، فقال # " امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ". # قالت فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا، قالت فلما كان عثمان بن عفان أرسل ~~إلي، فسألني عن ذلك، فأخبرته، فاتبعه وقضى به. ### || [2.235] # الجناح الإثم، أي لا إثم عليكم، والتعريض ضد التصريح، وهو من عرض الشيء. ~~أي جانبه، كأنه يحوم به حول الشيء، ولا يظهره. وقيل هو من قولك عرضت ~~الرجل. أي أهديت له. ومنه أن ركبا من المسلمين عرضوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وأبا بكر ثيابا بيضا، أي أهدوا لهما، فالمعرض بالكلام يوصل ~~إلى صاحبه كلاما يفهم معناه. وقال في الكشاف الفرق بين الكناية، ~~والتعريض، أن الكناية أن يذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، والتعريض أن ~~يذكر شيئا يدل به على شيء لم يذكره، كما يقول المحتاج للمحتاج إليه جئتك ~~لأسلم عليك، ولأنظر إلى وجهك الكريم، ولذلك قالوا # وحسبك بالتسليم مني تقاضيا # وكأنه إمالة الكلام إلى عرض يدل على الغرض، ويسمى التلويح لأنه يلوح منه ~~ما يريده. انتهى. والخطبة بالكسر ما يفعله الطالب من الطلب، والاستلطاف ~~بالقول، والفعل، يقال خطبها يخطبها خطبة، وخطبا. وأما الخطبة بضم الخاء، ~~فهي الكلام الذي يقوم به الرجل خاطبا. وقوله { أكننتم } معناه ~~سترتم، وأضمرتم من التزويج بعد انقضاء العدة. والإكنان التستر والإخفاء ~~يقال أكننته، وكننته بمعنى واحد. ومنه # بيض مكنون # الصافات 9، ودر مكنون. ومنه أيضا أكن البيت صاحبه. أي ستره. وقوله { ~~علم الله أنكم ستذكرونهن } أي علم الله أنكم لا ~~تصبرون عن النطق لهن برغبتكم فيهن، فرخص لكم في التعريض دون التصريح. ~~وقال في الكشاف إن فيه طرفا من التوبيخ كقوله { علم الله ~~أنكم كنتم تختانون أنفسكم }. وقوله { ولكن لا ~~تواعدوهن سرا } معناه على سر، فحذف الحرف لأن الفعل لا يتعدى ~~إلى المفعولين. وقد اختلف العلماء في معنى السر، فقيل معناه نكاحا. أي ~~لا يقل الرجل لهذه المعتدة تزوجيني بل يعرض تعريضا. وقد ذهب إلى ms0398 أن ~~معنى الآية هذا جمهور العلماء، وقيل السر الزنا، أي لا يكن منكم مواعدة ~~على الزنا في العدة، ثم التزويج بعدها. قاله جابر بن زيد، وأبو مجلز، ~~والحسن، وقتادة، والضحاك، والنخعي، واختاره ابن جرير الطبري، ومنه قول ~~حطيئة # ويحرم سر جارتهم عليهم ويأكل جارهم أنف ~~القصاع # وقيل السر الجماع، أي لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ترغيبا لهن ~~في النكاح، وإلى هذا ذهب الشافعي في معنى الآية، ومنه قول امرىء القيس # ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وأن لا يحسن السر ~~أمثالي # ومثله قول الأعشى # فلن تطلبوا سرها للغنى ولن تسلموها لأزهادها # أراد تطلبون نكاحها لكثرة مالها، ولن تسلموها لقلة مالها، والاستدراك ~~بقوله { لكن } من مقدر محذوف دل عليه { ستذكرونهن } أي ~~فاذكروهن { ولكن لا تواعدوهن سرا }. قال ابن عطية أجمعت ~~الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو رفث من ذكر جماع، أو تحريض عليه ~~لا يجوز. # وقال أيضا أجمعت الأمة على كراهة المواعدة في العدة للمرأة في نفسها، ~~وللأب في ابنته البكر، وللسيد في أمته. قوله { إلا أن تقولوا ~~قولا معروفا } قيل هو استثناء منقطع بمعنى لكن، والقول المعروف ~~هو ما أبيح من التعريض. ومنع صاحب الكشاف أن يكون منقطعا، وقال هو ~~مستثنى من قوله { لا تواعدوهن } أي لا تواعدوهن مواعدة قط إلا ~~مواعدة معروفة غير منكرة فجعله على هذا استثناء مفرغا، ووجه منع كونه ~~منقطعا أنه يؤدي إلى جعل التعريض موعودا، وليس كذلك لأن التعريض طريق ~~المواعدة، لا أنه الموعود في نفسه. قوله { ولا تعزموا عقدة ~~النكاح } قد تقدم الكلام في معنى العزم، يقال عزم الشيء، وعزم عليه، ~~والمعنى هنا لا تعزموا على عقدة النكاح، ثم حذف " على ". قال سيبويه ~~والحذف في هذه الآية لا يقاس عليه. وقال النحاس يجوز أن يكون المعنى، ولا ~~تعقدوا عقدة النكاح لأن معنى تعزموا، وتعقدوا واحد، وقيل إن العزم على ~~الفعل يتقدمه، فيكون في هذا النهي مبالغة لأنه إذا نهى عن المتقدم على ~~الشيء، كان النهي عن ذلك الشيء بالأولى. قوله { حتى ms0399 يبلغ ~~الكتب أجله } يريد حتى تنقضي العدة، والكتاب هنا هو الحد، ~~والقدر الذي رسم من المدة، سماه كتابا لكونه محدودا، ومفروضا كقوله ~~تعالى # إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا # النساء 103 وهذا الحكم أعني تحريم عقد النكاح في العدة مجمع عليه. وقد ~~أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ~~والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس ~~في قوله { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من ~~خطبة النساء } قال التعريض أن تقول إني أريد التزويج، وإني لأحب ~~المرأة من أمرها، وأمرها، وإن من شأني النساء، ولوددت أن الله يسر لي ~~امرأة صالحة. وأخرج ابن جرير عنه أنه يقول لها إن رأيت أن لا تسبقيني ~~بنفسك، ولوددت أن الله قد هيأ بيني وبينك، ونحو هذا من الكلام. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال يقول إني فيك لراغب، ~~ولوددت أني تزوجتك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن الحسن في قوله { ~~أو أكننتم } قال أسررتم. وأخرج عبد الرزاق عن الضحاك مثله. وأخرج ~~ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير عن الحسن في قوله { علم ~~الله أنكم ستذكرونهن } قال بالخطيئة. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن جرير عن مجاهد قال ذكره إياها في نفسه. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ولكن لا ~~تواعدوهن سرا } قال يقول لها إني عاشق، وعاهديني أن لا تتزوجي ~~غيري ونحو هذا { إلا أن تقولوا قولا معروفا } وهو قوله ~~إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك. وأخرج ابن جرير عنه في السر أنه الزنا، ~~كان الرجل يدخل من أجل الزنا، وهو يعرض بالنكاح، وأخرج عبد الرزاق، وابن ~~المنذر عنه في قوله { إلا أن تقولوا قولا معروفا } قال ~~يقول إنك لجميلة، وإنك إلي خير، وإن النساء من حاجتي. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في قوله { ولا تعزموا عقدة ~~النكاح } قال لا تنكحوا { حتى يبلغ الكتب ms0400 أجله } ~~قال حتى تنقضي العدة. ### || [2.236-237] # المراد بالجناح هنا التبعة من المهر، ونحوه، فرفعه رفع لذلك، أي لا تبعة ~~عليكم بالمهر، ونحوه إن طلقتم النساء على الصفة المذكورة، و«ما» في قوله ~~{ ما لم تمسوهن } هي مصدرية ظرفية بتقدير المضاف، أي مدة عدم ~~مسيسكم. ونقل أبو البقاء أنها شرطية من باب اعتراض الشرط على الشرط ليكون ~~الثاني قيدا للأول كما في قولك إن تأتني إن تحسن إلي أكرمك. أي إن ~~تأتني محسنا إلي، والمعنى إن طلقتموهن غير ماسين لهن. وقيل إنها ~~موصولة، أي إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن، وهكذا اختلفوا في قوله { ~~أو تفرضوا } فقيل " أو " بمعنى " إلا " أي إلا أن تفرضوا. وقيل ~~بمعنى حتى، أي حتى تفرضوا. وقيل بمعنى الواو، أي وتفرضوا. ولست أرى لهذا ~~التطويل وجها. ومعنى الآية أوضح من أن يلتبس، فإن الله سبحانه رفع ~~الجناح عن المطلقين ما لم يقع أحد الأمرين. أي مدة انتفاء ذلك الأحد، ~~ولا ينتفي الأحد المبهم إلا بإنتفاء الأمرين معا، فإن وجد المسيس، وجب ~~المسمى، أو مهر المثل، وإن وجد الفرض وجب نصفه مع عدم المسيس، وكل واحد ~~منها جناح. أي المسمى، أو نصفه، أو مهر المثل. واعلم أن المطلقات أربع ~~مطلقة مدخول بها مفروض لها، وهي التي تقدم ذكرها قبل هذه الآية، وفيها ~~نهى الأزواج عن أن يأخذوا مما آتوهن شيئا، وأن عدتهن ثلاثة قروء. ~~ومطلقة غير مفروض لها، ولا مدخول بها، وهي المذكورة هنا، فلا مهر لها، بل ~~المتعة، وبين في سورة الأحزاب أن غير المدخول بها إذا طلقت، فلا عدة ~~عليها. ومطلقة مفروض لها غير مدخول بها، وهي المذكورة بقوله سبحانه هنا { ~~وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم ~~لهن فريضة } ، ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها، وهي المذكورة في ~~قوله تعالى # فما استمتعتم به منهن فئاتوهن أجورهن # النساء 24 والمراد بقوله { ما لم تمسوهن } ما لم تجامعوهن ~~وقرأ ابن مسعود «من قبل أن تجامعوهن» أخرجه عنه ابن جرير، وقرأ نافع، ~~وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ms0401 وعاصم «ما لم تمسوهن» وقرأ حمزة، ~~والكسائي «تماسوهن» من المفاعلة، والمراد بالفريضة هنا تسمية المهر. ~~قوله { ومتعوهن } أي أعطوهن شيئا يكون متاعا لهن، وظاهر الأمر ~~الوجوب، وبه قال علي، وابن عمر، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وأبو ~~قلابة، والزهري، وقتادة، والضحاك، ومن أدلة الوجوب قوله تعالى # يأيها الذين ءامنوا إذا نكحتم المؤمنت ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن ~~سراحا جميلا # الأحزاب 49 وقال مالك، وأبو عبيد، والقاضي شريح، وغيرهم إن المتعة ~~للمطلقة المذكورة مندوبة لا واجبة لقوله تعالى { حقا على ~~المحسنين } ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين، ويجاب عنه ~~بأن ذلك لا ينافي الوجوب بل هو تأكيد له، كما في قوله في الآية الأخرى # حقا على المتقين # البقرة 241 أي أن الوفاء بذلك، والقيام به شأن أهل التقوى، وكل مسلم يجب ~~عليه أن يتقي الله سبحانه، وقد وقع الخلاف أيضا هل المتعة مشروعة لغير ~~هذه المطلقة قبل المسيس، والفرض أم ليست بمشروعة إلا لها فقط؟ فقيل إنها ~~مشروعة لكل مطلقة، وإليه ذهب ابن عباس، وابن عمر، وابن عطاء وعطاء، وجابر ~~بن زيد، وسعيد بن جبير، وأبو العالية، والحسن البصري، والشافعي في أحد ~~قوليه، وأحمد وإسحاق، ولكنهم اختلفوا هل هي واجبة في غير المطلقة قبل ~~البناء، والفرض أم مندوبة فقط، واستدلوا بقوله تعالى { ~~وللمطلقت متع بالمعروف حقا على المتقين ~~} وبقوله تعالى # يأيها النبى قل لأزوجك إن كنتن تردن ~~الحيوة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن ~~وأسرحكن سراحا جميلا # الأحزاب 28 والآية الأولى عامة لكل مطلقة، والثانية في أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وقد كن مفروضا لهن مدخولا بهن. وقال سعيد بن المسيب ~~إنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس، وإن كانت مفروضا لها لقوله تعالى # وكيلا يأيها الذين ءامنوا إذا نكحتم ~~المؤمنت ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن # الأحزاب 49 قال هذه الآية التي في الأحزاب نسخت التي في البقرة. وذهب ~~جماعة من أهل العلم إلى ms0402 أن المتعة مختصة بالمطلقة قبل البناء. والتسمية ~~لأن المدخول بها تستحق جميع المسمى، أو مهر المثل، وغير المدخولة التي قد ~~فرض لها زوجها فريضة، أي سمى لها مهرا، وطلقها قبل الدخول تستحق نصف ~~المسمى، ومن القائلين بهذا ابن عمر، ومجاهد. وقد وقع الإجماع على أن ~~المطلقة قبل الدخول، والفرض لا تستحق إلا المتعة إذا كانت حرة. وأما إذا ~~كانت أمة، فذهب الجمهور إلى أن لها المتعة، وقال الأوزاعي، والثوري لا ~~متعة لها لأنها تكون لسيدها، وهو لا يستحق مالا في مقابل تأذي مملوكته ~~لأن الله سبحانه إنما شرع المتعة للمطلقة قبل الدخول، والفرض، لكونها ~~تتأذى بالطلاق قبل ذلك. وقد اختلفوا في المتعة المشروعة هل هي مقدرة ~~بقدر أم لا؟ فقال مالك، والشافعي في الجديد لا حد لها معروف بل ما يقع ~~عليه اسم المتعة. وقال أبو حنيفة إنه إذا تنازع الزوجان في قدر المتعة ~~وجب لها نصف مهر مثلها، ولا ينقص من خمسة دراهم لأن أقل المهر عشرة ~~دراهم. وللسلف فيها أقوال سيأتي ذكرها إن شاء الله. وقوله { على ~~الموسع قدره وعلى المقتر قدره } يدل على أن الاعتبار ~~في ذلك بحال الزوج، فالمتعة من الغني فوق المتعة من الفقير. وقرأ الجمهور ~~على الموسع بسكون الواو، وكسر السين، وهو الذي اتسعت حاله. # وقرأ أبو حيوة بفتح الواو، وتشديد السين، وفتحها. وقرأ نافع، وابن كثير، ~~وأبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر قدره بسكون الدال فيهما. وقرأ ابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص بفتح الدال فيهما. قال ~~الأخفش، وغيره هما لغتان فصيحتان، وهكذا يقرأ في قوله تعالى # فسألت أودية بقدرها # الرعد 17. وقوله # وما قدروا الله حق قدره # الأنعام 91 والمقتر المقل، ومتاعا مصدر مؤكد لقوله { ومتعوهن ~~}. والمعروف ما عرف في الشرع، والعادة الموافقة له. وقوله { حقا } وصف ~~لقوله { متعا } أو مصدر لفعل محذوف، أي حق ذلك حقا، يقال حققت ~~عليه القضاء، وأحققت، أي أوجبت. قوله { وإن طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن } الآية، فيه دليل على أن المتعة لا تجب لهذه ms0403 ~~المطلقة لوقوعها في مقابلة المطلقة قبل البناء، والفرض التي تستحق ~~المتعة. وقوله { فنصف ما فرضتم } أي قالوا وجب عليكم نصف ما ~~سميتم لهن من المهر، وهذا مجمع عليه. وقرأ الجمهور { فنصف } بالرفع. ~~وقرأ من عدا الجمهور بالنصب، أي فادفعوا نصف ما فرضتم، وقرىء أيضا بضم ~~النون، وكسرها، وهما لغتان. وقد وقع الاتفاق أيضا على أن المرأة التي لم ~~يدخل بها زوجها، ومات، وقد فرض لها مهرا تستحقه كاملا بالموت، ولها ~~الميراث، وعليها العدة. واختلفوا في الخلوة هل تقوم مقام الدخول، وتستحق ~~المرأة بها كمال المهر، كما تستحقه بالدخول أم لا؟ فذهب إلى الأول مالك، ~~والشافعي في القديم، والكوفيون، والخلفاء الراشدون، وجمهور أهل العلم، ~~وتجب عندهم أيضا العدة. وقال الشافعي في الجديد لا يجب إلا نصف المهر، ~~وهو ظاهر الآية لما تقدم من أن المسيس هو الجماع، ولا تجب عنده العدة، ~~وإليه ذهب جماعة من السلف. قوله { إلا أن يعفون } أي المطلقات، ~~ومعناه يتركن، ويصفحن، ووزنه يفعلن، وهو استثناء مفرغ من أعم العام، ~~وقيل منقطع، ومعناه يتركن النصف الذي يجب لهن على الأزواج. ولم تسقط ~~النون مع " أن " لأن جمع المؤنث في المضارع على حالة واحدة في الرفع، ~~والنصب، والجزم لكون النون ضميرا، وليست بعلامة إعراب كما في المذكر في ~~قولك الرجال يعفون، وهذا عليه جمهور المفسرين. وروى عن محمد بن كعب ~~القرظي أنه قال { إلا أن يعفون } يعني الرجال، وهو ضعيف لفظا. ~~ومعنى قوله { أو يعفوا الذى بيده عقدة النكاح } ~~معطوف على محل قوله «إلا أن يعفون» لأن الأول مبني، وهذا معرب قيل هو ~~الزوج، وبه قال جبير بن مطعم، وسعيد بن المسيب، وشريح، وسعيد بن جبير، ~~ومجاهد، والشعبي، وعكرمة، ونافع، وابن سيرين، والضحاك، ومحمد بن كعب ~~القرظي، وجابر بن زيد، وأبو مجلز، والربيع بن أنس، وإياس بن معاوية، ~~ومكحول، ومقاتل بن حيان، وهو الجديد من قول الشافعي، وبه قال أبو حنيفة، ~~وأصحابه، والثوري، وابن شبرمة، والأوزاعي، ورجحه ابن جرير. # وفي هذا القول قوة وضعف أما قوته، فلكون الذي بيده ms0404 عقدة النكاح حقيقة ~~هو الزوج لأنه هو الذي إليه رفعه بالطلاق، وأما ضعفه فلكون العفو منه غير ~~معقول، وما قالوا به من أن المراد بعفوه أن يعطيها المهر كاملا غير ~~ظاهر. لأن العفو لا يطلق على الزيادة. وقيل المراد بقوله { أو ~~يعفوا الذى بيده عقدة النكاح } هو الولي، وبه قال ~~النخعي، وعلقمة، والحسن، وطاوس، وعطاء، وأبو الزناد، وزيد بن أسلم، ~~وربيعة، والزهري، والأسود بن يزيد، والشعبي، وقتادة، ومالك، والشافعي في ~~قوله القديم، وفيه قوة وضعف أما قوته لفكون معنى العفو فيه معقولا ~~وأما ضعفه، فلكون عقدة النكاح بيد الزوج لا بيده، ومما يزيد هذا القول ~~ضعفا أنه ليس للولي أن يعفو عن الزوج مما لا يملكه. وقد حكى القرطبي ~~الإجماع على أن الولي لا يملك شيئا من مالها، والمهر مالها. فالراجح ما ~~قاله الأولون لوجهين الأول أن الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح حقيقة. ~~الثاني أن عفوه بإكمال المهر هو صادر عن المالك مطلق التصرف بخلاف الولي، ~~وتسمية الزيادة عفوا، وإن كان خلاف الظاهر، لكن لما كان الغالب أنهم ~~يسوقون المهر كاملا عند العقد كان العفو معقولا، لأنه تركه لها، ولم ~~يسترجع النصف منه، ولا يحتاج في هذا إلى أن يقال إنه من باب المشاكلة كما ~~في الكشاف، لأنه عفو حقيقي أي ترك لما يستحق المطالبة به، إلا أن يقال ~~إنه مشاكلة، أو يطيب في توفية المهر قبل أن يسوقه الزوج. قوله { وأن ~~تعفوا أقرب للتقوى } قيل هو خطاب للرجال، والنساء تغليبا ~~وقرأه الجمهور بالتاء الفوقية، وقرأ أبو نهيك، والشعبي بالياء التحتية، ~~فيكون الخطاب مع الرجال. وفي هذا دليل على ما رجحناه من أن الذي بيده ~~عقدة النكاح هو الزوج لأن عفو الولي عن شيء لا يملكه ليس هو أقرب إلى ~~التقوى، بل أقرب إلى الظلم والجور. قوله { ولا تنسوا الفضل ~~بينكم } قرأه الجمهور بضم الواو، وقرأ يحيى بن يعمر بكسرها، وقرأ ~~علي، ومجاهد، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة «ولا تناسوا» والمعنى أن الزوجين ~~لا ينسيان التفضل من كل واحد ms0405 منهما على الآخر، ومن جملة ذلك أن تتفضل ~~المرأة بالعفو عن النصف، ويتفضل الرجل عليها بإكمال المهر، وهو إرشاد ~~للرجال، والنساء من الأزواج إلى ترك التقصي على بعضهم بعضا، والمسامحة ~~فيما يستغرقه أحدهما على الآخر للوصلة التي قد وقعت سهما من إفضاء البعض ~~إلى البعض، وهي وصلة لا يشبهها، وصلة، فمن رعاية حقها، ومعرفتها حق ~~معرفتها الحرص منهما على التسامح. وقوله { إن الله بما ~~تعملون بصير } فيه من رغيب المحسن، وترهيب غيره ما لا يخفى. # وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ~~ابن عباس في قوله { ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن ~~فريضة } قال المس النكاح، والفريضة الصداق { ومتعوهن } قال هو على ~~الرجل يتزوج المرأة، ولم يسم لها صداقا، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها. ~~فأمره الله أن يمتعها على قدر عسره، ويسره، فإن كان موسرا متعها بخادم، ~~وإن كان معسرا متعها بثلاثة أثواب، أو نحو ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عنه أنه قال متعة الطلاق أعلاها الخادم، ودون ذلك ~~الورق، ودون ذلك الكسوة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن ابن عمر قال ~~أدنى ما يكون من المتعة ثلاثون درهما. وروى القرطبي في تفسيره عن الحسن ~~بن علي أنه متع بعشرين ألفا، ورقاق من عسل. وعن شريح أنه متع بخمسمائة ~~درهم. وأخرج الدارقطني عن الحسن بن علي أنه متع بعشرة آلاف. وأخرج عبد ~~الرزاق، عن ابن سيرين أنه كان يمتع بالخادم، والنفقة أو بالكسوة. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في ~~قوله { طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } قال المس ~~الجماع، فلها نصف صداقها، وليس لها أكثر من ذلك إلا أن يعفون. وهي المرأة ~~الثيب، والبكر يزوجها غير أبيها، فجعل الله العفو لهن إن شئن عفون ~~بتركهن، وإن شئن أخذن نصف الصداق { أو يعفوا الذى بيده ~~عقدة النكاح } وهو أبو الجارية البكر جعل العفو إليه ليس لها معه ~~أمر إذا طلقت ما ms0406 كانت في حجره. وأخرج الشافعي، وسعيد بن منصور، والبيهقي ~~عن ابن عباس قال في الرجل يتزوج المرأة، فيخلو بها ولا يمسها، ثم يطلقها ~~ليس لها إلا نصف الصداق لأن الله يقول { فإن طلقتموهن } الآية. ~~وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال لها نصف الصداق، وإن جلس بين رجليها. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والبيهقي بسند حسن، ~~عن ابن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " الذي بيده عقدة النكاح الزوج " # وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~والدارقطني، والبيهقي، عن علي مثله من قوله. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، والبيهقي عنه قال هو أبوها، وأخوها، ومن لا تنكح إلا بإذنه. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد في قوله { ولا تنسوا ~~الفضل بينكم } قال في هذا، أو غيره. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي ~~شيبة، وأحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، ~~وصححه البيهقي أن قوما أتوا ابن مسعود، فقالوا إن رجلا تزوج منا امرأة، ~~ولم يفرض لها صداقا، ولم يجمعها إليه حتى مات، فقال أرى أن أجعل لها ~~صداقا كصداق نسائها، لا وكس، ولا شطط، ولها الميراث، وعليها العدة ~~أربعة أشهر وعشر، فسمع بذلك ناس من أشجع منهم معقل بن سنان، فقالوا ~~نشهد أنك قضيت مثل الذي قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة ~~منا يقال لها بروع بنت واشق. # وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن علي أنه قال في ~~المتوفي عنها زوجها، ولم يفرض لها صداقا لها الميراث، وعليها العدة، ~~ولا صداق لها. وقال لا يقبل قول أعرابي من أشجع على كتاب الله. وأخرج ~~الشافعي، والبيهقي، عن ابن عباس قال في المرأة التي يموت عنها زوجها، وقد ~~فرض لها صداقا لها الصداق، والميراث. وأخرج مالك، والشافعي، وابن أبي ~~شيبة، والبيهقي، عن عمر بن الخطاب أنه قضى ms0407 في المرأة يتزوجها الرجل أنه ~~إذا أرخيت الستور، فقد وجب الصداق. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي، عن ~~عمر، وعلي قال إذا أرخى سترا، وأغلق بابا، فلها الصداق كاملا، ~~وعليها العدة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي، عن زرارة ~~بن أوفى قال قضى الخلفاء الراشدون أنه من أغلق بابا، أو أرخى سترا، ~~فقد وجب الصداق، والعدة. وأخرج مالك، والبيهقي عن زيد بن ثابت نحوه. ~~وأخرج البيهقي، عن محمد بن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من كشف امرأة، فنظر إلى عورتها، فقد وجب الصداق ". ### || [2.238-239] # المحافظة على الشيء المداومة، والمواظبة عليه، والوسطى تأنيث الأوسط، ~~وأوسط الشيء ووسطه خياره. ومنه قوله تعالى # وكذلك جعلنكم أمة وسطا # البقرة 143، ومنه قول بعض العرب يمدح النبي صلى الله عليه وسلم # يا أوسط الناس طرا في مفاخرهم وأكرم الناس أما برة وأبا # ووسط فلان القوم يسطهم، أي صار في وسطهم. وأفرد الصلاة الوسطى بالذكر ~~بعد دخولها في عموم الصلوات تشريفا لها. وقرأ أبو جعفر { والصلاة الوسطى ~~} بالنصب على الإغراء، وكذلك قرأ الحلواني وقرأ قالون عن نافع " الوصطي " ~~بالصاد لمجاورة الطاء، وهما لغتان كالسراط، والصراط. وقد اختلف أهل العلم ~~في تعيينها على ثمانية عشر قولا أوردتها في شرحي للمنتقى، وذكرت ما ~~تمسكت به كل طائفة، وأرجح الأقوال، وأصحها ما ذهب إليه الجمهور من أنها ~~العصر. لما ثبت عند البخاري، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم من حديث علي قال ~~كنا نراها الفجر حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب # " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وأجوافهم نارا ~~" # وأخرج مسلم، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم من حديث ابن مسعود مرفوعا ~~مثله. وأخرجه أيضا ابن جرير، وابن المنذر، والطبراني من حديث ابن عباس ~~مرفوعا. وأخرجه البزار بإسناد صحيح من حديث جابر مرفوعا، وأخرجه أيضا ~~البزار بإسناد صحيح من حديث حذيفة مرفوعا. وأخرجه الطبراني بإسناد ضعيف ~~من حديث أم سلمة مرفوعا. وورد في تعيين أنها العصر من غير ذكر يوم ~~الأحزاب ms0408 أحاديث مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم منها عن ابن عمر، عن ~~ابن منده، ومنها عن سمرة عند أحمد، وابن جرير، والطبراني، ومنها أيضا ~~عند ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه ابن جرير، ~~والطبراني، والبيهقي، وعن أبي هريرة، عند ابن جرير، والبيهقي، والطحاوي. ~~وأخرجه عنه أيضا ابن سعيد، والبزار، وابن جرير، والطبراني، وعن ابن ~~عباس، عند البزار بأسانيد صحيحة، وعن أبي مالك الأشعري، عند ابن جرير، ~~والطبراني، فهذه أحاديث مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم مصرحة بأنها ~~العصر. وقد روي، عن الصحابة في تعيين أنها العصر آثار كبيرة، وفي الثابت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يحتاج معه إلى غيره. وأما ما روي عن ~~علي، وابن عباس أنهما قالا إنها صلاة الصبح كما أخرجه مالك في الموطأ ~~عنهما، وأخرجه ابن جرير، عن ابن عباس، وكذلك أخرجه، عنه عبد الرزاق، وابن ~~أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وكذلك أخرجه ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عمر، وكذلك أخرجه ابن جرير، عن جابر، وكذلك أخرجه ابن أبي ~~حاتم، عن أبي أمامة، وكل ذلك من أقوالهم، وليس فيها شيء من المرفوع إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تقوم بمثل ذلك حجة لا سيما إذا عارض ما قد ~~ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ثبوتا يمكن أن يدعي فيه التواتر، وإذا لم ~~تقم الحجة بأقوال الصحابة لم تقم بأقوال من بعدهم من التابعين، وتابعهم ~~بالأولى، وهكذا لا تقوم الحجة بما أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد حسن، عن ابن ~~عباس أنه قال صلاة الوسطى المغرب، وهكذا لا اعتبار بما ورد من قول جماعة ~~من الصحابة أنها الظهر، أو غيرها من الصلوات، ولكن المحتاج إلى إمعان ~~نظر، وفكر ما ورد مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم مما فيه دلالة ~~على أنها الظهر، كما أخرجه ابن جرير، عن زيد بن ثابت مرفوعا # " إن الصلاة الوسطى صلاة الظهر " # ولا يصح رفعه بل المروي، عن زيد بن ثابت ms0409 ذلك من قوله، واستدل على ذلك ~~بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالهاجرة، وكانت أثقل الصلاة على ~~أصحابه، وأين يقع هذا الاستدلال من تلك الأحاديث الصحيحة الثابتة، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا الاعتبار بما روي، عن ابن عمر من قوله ~~إنها الظهر. وكذلك ما روي، عن عائشة، وأبي سعيد الخدري، وغيرهم، فلا حجة ~~في قول أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما ما رواه عبد ~~الرزاق، وابن جرير، وغيرهما أن حفصة قالت لأبي رافع مولاها، وقد أمرته أن ~~يكتب لها مصحفا إذا أتيت على هذه الآية { حفظوا على الصلوت ~~والصلوة الوسطى } فتعال حتى أمليها عليك، فلما بلغ ذلك أمرته ~~أن يكتب " حفظوا على الصلوت والصلوة الوسطى صلاة ~~العصر ". وأخرجه أيضا، عنها مالك، وعبد بن حميد، وابن جرير، والبيهقي في ~~سننه، وزادوا وقالت أشهد أني سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وأخرج مالك، وأحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، ~~وغيرهم، عن أبي يونس مولى عائشة أنها أمرته أن يكتب لها مصحفا، وقالت ~~إذا بلغت هذه الآية فآذني { حفظوا على الصلوت ~~والصلوة الوسطى } قال فلما بلغتها آذنتها، فأملت علي " ~~حفظوا على الصلوت والصلوة الوسطى صلاة العصر " ~~قالت عائشة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج وكيع، وابن ~~أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن أم سلمة أنها أمرت ~~من يكتب لها مصحفا، وقالت له، كما قالت حفصة، وعائشة. فغاية ما في هذه ~~الروايات، عن أمهات المؤمنين الثلاث رضي الله عنهن أنهن يروين هذا ~~الحرف هكذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فيه ما يدل على تعيين ~~الصلاة الوسطى أنها الظهر، أو غيرها، بل غاية ما يدل عليه عطف صلاة العصر ~~على صلاة الوسطى أنها غيرها لأن المعطوف غير المعطوف عليه، وهذا ~~الاستدلال لا يعارض ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ثبوتا لا يدفع أنها ~~العصر كما قدمنا بيانه. # فالحاصل أن هذه القراءة ms0410 التي نقلتها أمهات المؤمنين الثلاث بإثبات قوله ~~«وصلاة العصر» معارضة بما أخرجه ابن جرير، عن عروة قال كان في مصحف ~~عائشة " حفظوا على الصلوت والصلوة الوسطى وهى ~~صلوة العصر ". وأخرج وكيع، عن حميدة قالت قرأت في مصحف عائشة " ~~حفظوا على الصلوت والصلوة الوسطى * صلوة ~~العصر ". وأخرج ابن أبي داود، عن قبيصة بن ذؤيب مثله. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وأبو عبيد، عن زياد بن أبي مريم أن عائشة أمرت بمصحف لها أن يكتب، ~~وقالت إذا بلغتم { حفظوا على الصلوت } فلا تكتبوها حتى ~~تؤذنوني، فلما أخبروها أنهم قد بلغوا قالت اكتبوها صلاة الوسطى صلاة ~~العصر. وأخرج ابن جرير، والطحاوي، والبيهقي، عن عمرو بن رافع قال كان ~~مكتوبا في مصحف حفصة " حفظوا على الصلوت والصلوة ~~الوسطى وهى صلوة العصر ". وأخرج أبو عبيد في فضائله، وابن ~~المنذر عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها " حفظوا على الصلوت ~~والصلوة الوسطى صلوة العصر ". وأخرج أبو عبيد، وعبد بن ~~حميد، والبخاري في تاريخه، وابن جرير، والطحاوي، عن ابن عباس أنه كان ~~ليقرؤها " حفظوا على الصلوت والصلوة الوسطى ~~صلوة العصر ". وأخرج المحاملي عن السائب بن يزيد أنه تلاها كذلك، ~~فهذه الروايات تعارض تلك الروايات باعتبار التلاوة، ونقل القراءة، ويبقى ~~ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من التعيين صافيا، عن شوب كدر ~~المعارضة، على أنه قد ورد ما يدل على نسخ تلك القراءة التي نقلتها حفصة، ~~وعائشة، وأم سلمة. فأخرج عبد بن حميد، ومسلم، وأبو داود في ناسخه، وابن ~~جرير، والبيهقي، عن البراء بن عازب، قال نزلت " حفظوا على ~~الصلوت وصلاة العصر " فقرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما شاء الله، ثم نسخها الله، فأنزل { حفظوا على الصلوت ~~والصلوة الوسطى } فقيل له هي إذن صلاة العصر؟ قال قد حدثتك كيف ~~نزلت، وكيف نسخها الله، والله أعلم. وأخرج البيهقي، عنه من وجه آخر، ~~نحوه. وإذا تقرر لك هذا، وعرفت ما سقناه تبين لك أنه لم يرد ما يعارض أن ~~الصلاة الوسطى صلاة العصر. وأما حجج ms0411 بقية الأقوال، فليس فيها شيء مما ~~ينبغي الاشتغال به لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء، ~~وبعض القائلين عول على أمر لا يعول عليه، فقال إنها صلاة كذا لأنها ~~وسطى بالنسبة إلى أن قبلها كذا من الصلوات، وبعدها كذا من الصلوات، وهذا ~~الرأي المحض، والتخمين البحت لا ينبغي أن تسند إليه الأحكام الشرعية على ~~فرض عدم وجود ما يعارضه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف مع وجود ما ~~هو في أعلى درجات الصحة، والقوة، والثبوت، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ ويالله العجب من قوم لم يكتفوا بتقصيرهم في علم السنة، وإعراضهم عن ~~خير العلوم، وأنفعها، حتى كلفوا أنفسهم التكلم على أحكام الله، والتجري ~~على تفسير كتاب الله بغير علم ولا هدى، فجاءوا بما يضحك منه تارة، ويبكي ~~منه أخرى. # قوله { وقوموا لله قنتين } القنوت قيل هو الطاعة، أي ~~قوموا لله في صلاتكم طائعين، قاله جابر بن زيد، وعطاء، وسعيد بن جبير، ~~والضحاك، والشافعي. وقيل هو الخشوع، قاله ابن عمر، ومجاهد. ومنه قول ~~الشاعر # قانتا لله يدعو ربه وعلى عمد من الناس اعتزل # وقيل هو الدعاء، وبه قال ابن عباس. وفي الحديث أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قنت شهرا يدعو على رعل، وذكوان. وقال قوم إن القنوت طول ~~القيام، وقيل معناه ساكتين قاله السدي، ويدل عليه حديث زيد بن أرقم في ~~الصحيحين، وغيرهما قال كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحاجة في الصلاة حتى نزلت هذه الآية { وقوموا لله ~~قنتين } فأمرنا بالسكوت. وقيل أصل القنوت في اللغة الدوام على ~~الشيء، فكل معنى يناسب الدوام يصح إطلاق القنوت عليه. وقد ذكر أهل العلم ~~أن القنوت ثلاثة عشر معنى، وقد ذكرنا ذلك في شرح المنتقى، والمتعين هاهنا ~~حمل القنوت على السكوت للحديث المذكور. قوله { فإن خفتم فرجالا ~~أو ركبانا } الخوف هو الفزع، والرجال جمع رجل، أو راجل، من قولهم ~~رجل الإنسان يرجل راجلا إذا عدم المركوب، ومشى ms0412 على قدميه، فهو رجل، ~~وراجل. يقول أهل الحجاز مشى فلان إلى بيت الله حافيا رجلا، حكاه ابن ~~جرير الطبري، وغيره. لما ذكر الله سبحانه الأمر بالمحافظة على الصلوات، ~~ذكر حالة الخوف أنهم يضيعون فيها ما يمكنهم، ويدخل تحت طوقهم من المحافظة ~~على الصلاة بفعلها حال الترجل، وحال الركوب، وأبان لهم أن هذه العبادة ~~لازمة في كل الأحوال بحسب الإمكان. وقد اختلف أهل العلم في حد الخوف ~~المبيح لذلك، والبحث مستوفي في كتب الفروع. قوله { فإذا أمنتم } ~~أي إذا زال خوفكم، فارجعوا إلى ما أمرتم به من إتمام الصلاة مستقبلين ~~القبلة، قائمين بجميع شروطها، وأركانها، وهو قوله { فاذكروا الله ~~كما علمكم } وقيل معنى الآية خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة، ~~وهو خلاف معنى الآية. وقوله { كما علمكم } أي مثل ما علمكم من ~~الشرائع { ما لم تكونوا تعلمون } والكاف صفة لمصدر محذوف أي ~~ذكرا كائنا كتعليمه إياكم، أو مثل تعليمه إياكم. # وقد أخرج ابن جرير، عن سعيد بن المسيب قال كان أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر أنه سئل عن الصلاة الوسطى؟ فقال هي ~~فيهن، فحافظوا عليهن. وأخرج عبد بن حميد، عن زيد بن ثابت أنه سأله رجل عن ~~الصلاة الوسطى، فقال حافظ على الصلوات تدركها. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد ~~بن حميد، عن الربيع بن خيثم أن سائلا سأله عن الصلاة الوسطى، قال ~~حافظ عليهن، فإنك إن فعلت أصبتها، إنما هي واحدة منهن. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، عن ابن سيرين قال سئل شريح عن الصلاة الوسطى، فقال حافظوا عليها ~~تصيبوها. وقد قدمنا ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه رضي ~~الله عنهم في تعيينها. وأخرج الطبراني، عن ابن عباس في قوله تعالى { ~~وقوموا لله قنتين } مثل ما قدمنا، عن زيد ابن أرقم. وأخرج ~~ابن جرير، عن ابن مسعود، نحوه. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، عن ~~محمد بن ms0413 كعب، نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة نحوه. ~~وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { وقوموا لله قنتين } قال ~~مصلين. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال كل أهل دين يقومون فيها عاصين، ~~قوموا أنتم مطيعين، وأخرج ابن أبي شيبة، عن الضحاك مثله. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله { ~~وقوموا لله قنتين } قال من القنوت الركوع، والخشوع، وطول ~~الركوع يعني طول القيام، وغض البصر، وخفض الجناح، والرهبة لله. وقد ثبت ~~في الصحيحين، وغيرهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " إن في الصلاة لشغلا " # وفي صحيح مسلم، وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، ~~والتكبير، وقراءة القرآن " # وقد اختلفت الأحاديث في القنوت المصطلح عليه، هل هو قبل الركوع، أو ~~بعده، وهل هو في جميع الصلوات، أو بعضها، وهل هو مختص بالنوازل أم لا؟ ~~والراجح اختصاصه بالنوازل، وقد أوضحنا ذلك في شرحنا للمنتقى، فليرجع ~~إليه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله تعالى { فإن خفتم ~~فرجالا أو ركبانا } قال يصلي الراكب على دابته، والراجل على ~~رجليه. { فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا ~~تعلمون } يعني كما علمكم أن يصلي الراكب على دابته، والراجل على ~~رجليه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن جابر بن عبد الله، قال إذا ~~كانت المسابقة، فليوم برأسه حيث كان وجهه، فذلك قوله { فرجالا أو ~~ركبانا }. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس قال { فإن خفتم ~~فرجالا أو ركبانا } قال ركعة ركعة. وأخرج وكيع، وابن جرير، عن ~~مجاهد { فإذا أمنتم } قال خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة. ### || [2.240-242] # هذا عود إلى بقية الأحكام المفصلة فيما سلف، وقد اختلف السلف، ومن ~~تبعهم من المفسرين في هذه الآية هل هي محكمة، أو منسوخة؟ فذهب الجمهور ~~إلى ms0414 أنها منسوخة بالأربعة الأشهر والعشر كما تقدم، وأن الوصية المذكورة ~~فيها منسوخة بما فرض الله لهن من الميراث. وحكى ابن جرير، عن مجاهد أن ~~هذه الآية محكمة لا نسخ فيها، وأن العدة أربعة أشهر وعشر، ثم جعل الله ~~لهن وصية منه سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإذا شاءت المرأة سكنت في ~~وصيتها، وإن شاءت خرجت. وقد حكى ابن عطية، والقاضي عياض أن الإجماع منعقد ~~على أن الحول منسوخ، وأن عدتها أربعة أشهر وعشر. وقد أخرج عن مجاهد، ما ~~أخرجه ابن جرير عنه البخاري في صحيحه. وقوله { وصية } قرأنا نافع، ~~وابن كثير، وعاصم في رواية أبي بكر، والكسائي بالرفع على أن ذلك مبتدأ ~~لخبر محذوف يقدر مقدما. أي عليهم وصية، وقيل إن الخبر قوله { ~~لازواجهم } وقيل إنه خبر مبتدأ محذوف. أي وصية الذين يتوفون وصية، ~~أو حكم الذين يتوفون وصية. وقرأ أبو أبو بكر، وحمزة، وابن عامر بالنصب ~~على تقدير فعل محذوف. أي فليوصوا وصية، أو أوصى الله وصية، أو كتب الله ~~عليهم وصية. وقوله { متعا } منصوب بوصية، أو بفعل محذوف. أي متعوهن ~~متاعا، أو جعل الله لهن ذلك متاعا، ويجوز أن يكون منتصبا على الحال. ~~والمتاع هنا نفقة السنة. وقوله { غير إخراج } صفة لقوله { ~~متعا } وقال الأخفش إنه مصدر كأنه قال لا إخراجا، وقيل إنه حال، ~~أي متعوهن غير مخرجات، وقيل منصوب بنزع الخافض، أي من غير إخراج، والمعنى ~~أنه يجب على الذين يتوفون أن يوصوا قبل نزول الموت بهم لأزواجهم أن يمتعن ~~بعدهم حولا كاملا بالنفقة، والسكنى من تركتهم، ولا يخرجن من ~~مساكنهن. وقوله { فإن خرجن } يعني باختيارهن قبل الحول { فلا ~~جناح عليكم } أي لا حرج على الولي، والحاكم، وغيرهما { فيما ~~فعلن فى أنفسهن } من التعرض للخطاب، والتزين لهم. وقوله { ~~من معروف } أي بما هو معروف في الشرع غير منكر. وفيه دليل على أن ~~النساء كن مخيرات في سكنى الحول، وليس ذلك بحتم عليهن وقيل المعنى لا ~~جناح عليكم في قطع النفقة عنهن، وهو ضعيف لأن متعلق الجناح هو ms0415 مذكور في ~~الآية بقوله { فيما فعلن } وقوله { وللمطلقت متع ~~} قد اختلف المفسرون في هذه الآية، فقيل هي المتعة، وأنها واجبة لكل ~~مطلقة. وقيل إن هذه الآية خاصة بالثيبات اللواتي قد جومعن لأنه قد تقدم ~~قبل هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن الأزواج. وقد قدمنا ~~الكلام على هذه المتعة، والخلاف في كونها خاصة بمن طلقت قبل البناء ~~والفرض، أو عامة للمطلقات، وقيل إن هذه الآية شاملة للمتعة الواجبة، وهي ~~متعة المطلقة قبل البناء، والفرض، وغير الواجبة، وهي متعة سائر المطلقات، ~~فإنها مستحبة فقط. # وقيل المراد بالمتعة هنا النفقة. وقد أخرج البخاري، وغيره عن ابن ~~الزبير، قال قلت لعثمان بن عفان { والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزوجا } قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها، أو لم ~~تدعها؟ قال يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس في الآية، قال كان للمتوفي عنها زوجها نفقتها، وسكناها ~~في الدار سنة، فنسختها آية المواريث، فجعل لهن الربع، والثمن مما ترك ~~الزوج. وأخرج ابن جرير، نحوه عن عطاء. وأخرج نحوه أيضا أبو داود، ~~والنسائي، عن ابن عباس من وجه آخر. وأخرج الشافعي، وعبد الرزاق، عن جابر ~~بن عبد الله، قال ليس للمتوفى عنها زوجها نفقة حسبها الميراث. وأخرج ~~أبو داود في ناسخه، والنسائي عن عكرمة قال نسختها # والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # البقرة 234. وأخرج ابن الأنباري في المصاحف، عن زيد بن أسلم نحوه. وأخرج ~~أيضا، عن قتادة نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في ~~قوله { فلا جناح عليكم فيما فعلن فى أنفسهن من ~~معروف } قال النكاح الحلال الطيب. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد، قال ~~لما نزل قوله # متعا بالمعروف حقا على المحسنين # البقرة 236 قال رجل إن أحسنت، فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فأنزل الله ~~{ وللمطلقت متع بالمعروف حقا على ~~المتقين }. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيب، قال نسخت هذه ~~الآية بقوله # وإن طلقتموهن ms0416 من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم # البقرة 237. وأخرج أيضا عن عتاب بن خصيف في قوله { وللمطلقت ~~متع } قال كان ذلك قبل الفرائض. وأخرج مالك، وعبد الرزاق، والشافعي، ~~وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عمر قال لكل مطلقة متعة إلا ~~التي تطلقها، ولم تدخل بها، وقد فرض لها، كفى بالنصف متاعا. وأخرج ابن ~~المنذر، عن علي بن أبي طالب قال لكل مؤمنة طلقت حرة، أو أمة متعة، وقرأ ~~{ وللمطلقت متع بالمعروف حقا على ~~المتقين }. وأخرج البيهقي، عن جابر بن عبد الله، قال «لما طلق حفص ~~بن المغيرة امرأته فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لزوجها # " متعها " # قال لا أجد ما أمتعها، قال # " فإنه لا بد من المتاع، متعها، ولو نصف صاع من تمر " # وأخرج عبد بن حميد، عن أبي العالية في الآية، قال لكل مطلقة متعة. ### || [2.243-245] # الاستفهام هنا للتقرير، والرؤية المذكورة هي رؤية القلب لا رؤية البصر. ~~والمعنى، عند سيبويه تنبه إلى أمر الذين خرجوا، ولا تحتاج هذه الرؤية إلى ~~مفعولين كذا قيل. وحاصله أن الرؤية هنا التي بمعنى الإدراك مضمنة معنى ~~التنبيه، ويجوز أن تكون مضمنة معنى الانتهاء. أي ألم ينته علمك إليهم أم ~~معنى الوصول. أي ألم يصل علمك إليهم، ويجوز أن تكون بمعنى الرؤية ~~البصرية. أي ألم تنظر إلى الذين خرجوا. جعل الله سبحانه قصة هؤلاء لما ~~كانت بمكان من الشيوع، والشهرة يحمل كل أحد على الإقرار بها بمنزلة ~~المعلومة لكل فرد، أو المبصرة لكل مبصر لأن أهل الكتاب قد أخبروا بها ~~ودونوها، وأشهروا أمرها، والخطاب هنا لكل من يصلح له. والكلام جار مجرى ~~المثل في مقام التعجيب ادعاء لظهوره، وجلائه بحيث يستوي في إدراكه ~~الشاهد، والغائب. وقوله { وهم ألوف } في محل نصب على الحال من ضمير ~~خرجوا، وألوف من جموع الكثرة، فدل على أنها ألوف كثيرة. وقوله { حذر ~~الموت } مفعول له. وقوله { فقال لهم الله موتوا } هو أمر ~~تكوين عبارة عن تعلق إرادته بموتهم دفعة، أو تمثيل ms0417 لإماتته سبحانه إياهم ~~ميتة نفس واحدة كأنهم أمروا، فأطاعوا. قوله { ثم أحيهم } هو ~~معطوف على مقدر يقتضيه المقام، أي قال الله لهم موتوا، فماتوا ثم ~~أحياهم، أو على قال لما كان عبارة، عن الإماتة، وقوله { إن الله ~~لذو فضل على الناس } التنكير في قوله فضل للتعظيم. أي لذو فضل ~~عظيم على الناس جميعا، أما هؤلاء الذين خرجوا، فلكونه أحياهم، ليعتبروا، ~~وأما المخاطبون، فلكونه قد أرشدهم إلى الاعتبار، والاستبصار بقصة هؤلاء، ~~قوله { وقتلوا في سبيل الله } هو معطوف على مقدر، كأنه ~~قيل اشكروا فضله بالاعتبار بما قص عليكم، وقاتلوا، هذا إذا كان الخطاب ~~بقوله { وقاتلوا } راجعا إلى المخاطبين بقوله { ألم تر إلى ~~الذين خرجوا } كما قاله جمهور المفسرين، وعلى هذا يكون إيراد هذه ~~القصة لتشجيع المسلمين على الجهاد، وقيل إن الخطاب للذين أحيوا من بني ~~إسرائيل، فيكون عطفا على قوله { موتوا } وفي الكلام محذوف تقديره، ~~وقال لهم قاتلوا. وقال ابن جرير لا وجه لقول من قال إن الأمر بالقتال ~~للذين أحيوا. وقوله { من ذا الذى يقرض الله } لما أمر ~~سبحانه بالقتال، والجهاد أمر بالإنفاق في ذلك، و { من } استفهامية مرفوعة ~~المحل بالابتداء، و«ذا» خبره، و«الذي» وصلته وصف له، أو بدل منه، وإقراض ~~الله مثل لتقديم العمل الصالح الذي يستحق به فاعله الثواب، وأصل القرض ~~اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، يقال أقرض فلان فلانا. أي أعطاه ما ~~يتجازاه. قال الشاعر # وإذا جوزيت قرضا فاجزه # وقال الزجاج القرض في اللغة البلاء الحسن، والبلاء السيء. قال أمية # كل امرىء سوف يجزي قرضه حسنا أو سيئا ومدينا مثل ~~ما دانا # وقال آخر # فجازى القروض بأمثالها فبالخير خيرا وبالشر شرا # وقال الكسائي القرض ما أسلفت من عمل صالح، أو سيء، وأصل الكلمة القطع، ~~ومنه المقراض، واستدعاء القرض في الآية إنما هو تأنيس، وتقريب للناس بما ~~يفهمونه. والله هو الغني الحميد. شبه عطاء المؤمن ما يرجو ثوابه في ~~الآخرة بالقرض، كما شبه إعطاء النفوس، والأموال في أخذ الجنة بالبيع، ~~والشراء. وقوله { حسنا } أي طيبة به نفسه ms0418 من دون من، ولا أذى. ~~وقوله { فيضاعفه } قرأ عاصم، وغيره بالألف، ونصب الفاء. وقرأ نافع، ~~وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي بإثبات الألف، ورفع الفاء، وقرأ ابن عامر، ~~ويعقوب «فيضعفه» بإسقاط الألف مع تشديد العين، ونصب الفاء. وقرأ ابن ~~كثير، وأبو جعفر بالتشديد، ورفع الفاء. فمن نصب، فعلى أن جواب الاستفهام، ~~ومن رفع، فعلى تقدير مبتدأ، أي هو يضاعفه. وقد اختلف في تقدير هذا ~~التضعيف على أقوال. وقيل لا يعلمه إلا الله وحده. وقوله { والله ~~يقبض ويبسط } هذا عام في كل شيء، فهو القابض الباسط، والقبض ~~التقتير، والبسط التوسيع، وفيه وعيد بأن من بخل من البسط يوشك أن يبدل ~~بالقبض، ولهذا قال { وإليه ترجعون } أي هو يجازيكم بما قدمتم ~~عند الرجوع إليه، وإذا أنفقتم مما وسع به عليكم أحسن إليكم، وإن بخلتم ~~عاقبكم. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، والحاكم عن ابن عباس في قوله { ~~ألم تر إلى الذين خرجوا من ديرهم } قال كانوا ~~أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون، وقالوا نأتي أرضا ليس بها موت، حتى ~~إذا كانوا بموضع كذا، وكذا قال لهم الله موتوا، فماتوا، فمر عليهم نبي ~~من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم حتى يعبدوه، فأحياهم. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن أبي حاتم عنه أن القرية التي خرجوا منها داوردان. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم هذه القصة مطولة، عن أبي مالك، وفيها ~~أنهم بضعة وثلاثون ألفا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن عبد العزيز أن ~~ديارهم هي أذرعات. وأخرج أيضا، عن أبي صالح قال كانوا تسعة آلاف. ~~وأخرج جماعة من محدثي المفسرين هذه القصة على أنحاء، ولا يأتي الاستكثار ~~من طرقها بفائدة. وقد ورد في الصحيحين، وغيرهما، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم النهي، عن الفرار من الطاعون، وعن دخول الأرض التي هو بها من حديث ~~عبد الرحمن بن عوف. وأخرج سعيد بن منصور، وابن سعد، والبزار، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في الشعب، عن ابن ~~مسعود، قال «لما نزلت { من ms0419 ذا الذى يقرض الله قرضا ~~حسنا } قال أبو الدحداح الأنصاري يا رسول الله إن الله ليريد منا ~~القرض؟ قال نعم يا أبا الدحداح، قال أرني يدك يا رسول الله، فناوله يده، ~~قال فإني قد أقرضت ربي حائطي، وله فيه ستمائة نخلة». # وقد أخرج هذه القصة عبد الرزاق، وابن جرير من طريق زيد بن أسلم، زاد ~~الطبراني، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، وابن مردويه، عن أبي هريرة، وابن ~~إسحاق، وابن المنذر، عن ابن عباس. وأخرج ابن جرير، عن السدي في قوله { ~~أضعافا كثيرة } قال هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو. وأخرج أحمد، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي عثمان النهدي قال بلغني عن أبي ~~هريرة، حديث أنه قال «إن الله ليكتب لعبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ~~ألف حسنة» فحججت ذلك العام، ولم أكن أريد أن أحج إلا لألقاه في هذا ~~الحديث، فلقيت أبا هريرة، فقلت له، فقال ليس هذا، قلت ولم يحفظ هذا ~~الحديث الذي حدثك، إنما، قلت «إن الله ليعطي العبد المؤمن بالحسنة ~~الواحدة ألفي ألف حسنة» ثم قال أبو هريرة أوليس تجدون هذا في كتاب الله؟ ~~{ من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة } فالكثيرة عند الله أكثر من ألفي ألف، وألفي ألف، ~~والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة " # وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان في صحيحه، وابن مردويه، ~~والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عمر قال«لما نزلت # مثل الذين ينفقون أمولهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل # البقرة 261 إلى آخره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " رب زد أمتي، " # فنزلت { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا ~~فيضاعفه له أضعافا كثيرة } قال رب زد أمتي فنزلت # إنما يوفى الصبرون أجرهم بغير حساب # الزمر 10. وأخرج ابن المنذر، عن سفيان، قال لما نزلت # من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها # الأنعام 160 قال رب زد أمتي، ms0420 فنزلت { من ذا الذى يقرض ~~الله } قال رب زد أمتي، فنزلت # مثل الذين ينفقون أمولهم في سبيل الله # البقرة 261 قال رب زد أمتي، فنزلت { إنما يوفى الصبرون } ~~وفي الباب أحاديث هذه أحسنها وستأتي عند تفسير قوله تعالى { كمثل ~~حبة أنبتت سبع سنابل } فابحثها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ~~قتادة في قوله { والله يقبض ويبسط } قال يقبض الصدقة، ويبسط ~~قال يخلف { وإليه ترجعون } قال من التراب، وإلى التراب تعودون. ~~وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في الآية قال علم الله أن فيمن يقاتل في سبيل ~~الله من لا يجد قوة، وفيمن لا يقاتل في سبيل الله من يجد غنى، فندب ~~هؤلاء إلى القرض، فقال { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا ~~} قال يبسط عليك، وأنت ثقيل، عن الخروج لا تريده، ويقبض عن هذا، وهو يطيب ~~نفسا بالخروج، ويخف له، فقوه مما بيدك يكن لك الحظ. ### || [2.246-252] # قوله { ألم تر إلى الملإ } الكلام فيه كالكلام في قوله # ألم تر إلى الذين خرجوا من ديرهم # البقرة 243 وقد قدمناه. والملأ الأشراف من الناس، كأنهم ملئوا شرفا. ~~وقال الزجاج سموا بذلك لأنهم ملئون بما يحتاج إليه منهم، وهو اسم جمع ~~كالقوم، والرهط. ذكر الله سبحانه في التحريض على القتال قصة أخرى جرت في ~~بني إسرائيل بعد القصة المتقدمة، وقوله { من بعد موسى } " من " ~~ابتدائية، وعاملها مقدر، أي كائنين من بعد موسى، أي بعد وفاته. وقوله { ~~لنبى لهم } قيل هو شمويل بن يار ابن علقمة، ويعرف بابن العجوز، ~~ويقال فيه شمعون، وهو من ولد يعقوب، وقيل من نسل هارون، وقيل هو يوشع بن ~~نون، وهذا ضعيف جدا لأن يوشع هو فتى موسى، ولم يوجد داود، إلا بعد ذلك ~~بدهر طويل. وقيل اسمه إسماعيل. وقوله { ابعث لنا ملكا } أي ~~أميرا نرجع إليه، ونعمل على رأيه. وقوله { نقتل } بالنون، والجزم ~~على جواب الأمر، وبه قرأ الجمهور. وقرأ الضحاك، وابن أبي عبلة بالياء، ~~ورفع الفعل على أنه صفة للملك. وقرىء بالنون، والرفع على أنه حال، أو ~~كلام ms0421 مستأنف. وقوله { هل عسيتم } بالفتح للسين، وبالكسر لغتان، ~~وبالثانية قرأ نافع، وبالأولى قرأ الباقون. قال في الكشاف وقراءة الكسر ~~ضعيفة. وقال أبو حاتم ليس للكسر وجه. انتهى. وقال أبو علي وجه الكسر قول ~~العرب هو عس بذلك، مثل حر وشج، وقد جاء فعل وفعل في نحو نقم ~~ونقم، فكذلك عسيت وعسيت، وكذا قال مكي. وقد قرأ بالكسر أيضا الحسن ~~وطلحة فلا وجه لتضعيف ذلك، وهو من أفعال المقاربة، أي هل قاربتم أن لا ~~تقاتلوا، وإدخال حرف الاستفهام على فعل المقاربة لتقرير ما هو متوقع ~~عنده، والإشعار بأنه كائن، وفصل بين عسى، وخبرها بالشرط للدلالة على ~~الاعتناء به. قال الزجاج أن لا تقاتلوا في موضع نصب، أي هل عسيتم مقاتلة. ~~قال الأخفش «أن» في قوله { وما لنا ألا نقتل } زائدة. وقال ~~الفراء هو محمول على المعنى، أي وما منعنا، كما تقول مالك ألا تصلي، وقيل ~~المعنى وأي شيء لنا في أن لا نقاتل. قال النحاس وهذا أجودها. وقوله { ~~وقد أخرجنا } تعليل، والجملة حالية، وإفراد الأولاد بالذكر لأنهم ~~الذين وقع عليهم السبي، أو لأنهم بمكان فوق مكان سائر القرابة { فلما ~~كتب } أي فرض، أخبر سبحانه أنهم تولوا لاضطراب نياتهم، وفتور عزائمهم. ~~واختلف في عدد القليل الذين استثناهم الله سبحانه، وهم الذين اكتفوا ~~بالغرفة. وقوله { وقال لهم نبيهم } شروع في تفصيل ما جرى ~~بينهم وبين نبيهم من الأقوال والأفعال. وطالوت اسم أعجمي، وكان سقاء، ~~وقيل دباغا، وقيل مكاريا، ولم يكن من سبط النبوة، وهم بنو لاوى، ولا من ~~سبط الملك، وهم بنو يهوذا، فلذلك { قالوا أنى يكون له ~~الملك علينا } أي كيف ذلك؟ ولم يكن من بيت الملك، ولا هو ممن ~~أوتي سعة من المال حتى نتبعه لشرفه، أو لماله. # وهذه الجملة أعني قوله { ونحن أحق } حالية وكذلك الجملة ~~المعطوفة عليها. وقوله { اصطفه عليكم } أي اختاره، واختيار ~~الله هو الحجة القاطعة. ثم بين لهم مع ذلك وجه الاصطفاء بأن الله زاده ~~بسطة في العلم، الذي هو ملاك الإنسان، ورأس الفضائل، وأعظم وجوه الترجيح، ms0422 ~~وزاده بسطة في الجسم الذي يظهر به الأثر في الحروب، ونحوها، فكان قويا ~~في دينه، وبدنه، وذلك هو المعتبر، لا شرف النسب. فإن فضائل النفس مقدمة ~~عليه { والله يؤتى ملكه من يشاء } فالملك ملكه، والعبيد ~~عبيده، فما لكم والاعتراض على شيء ليس هو لكم، ولا أمره إليكم. وقد ذهب ~~بعض المفسرين إلى أن قوله { والله يؤتى ملكه من يشاء } من ~~قول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل هو من قول نبيهم، وهو الظاهر. ~~وقوله { وسع } أي واسع الفضل، يوسع على من يشاء من عباده { عليم } ~~بمن يستحق الملك، ويصلح له. والتابوت، فعلوت من التوب، وهو الرجوع لأنهم ~~يرجعون إليه، أي علامة ملكه إتيان التابوت الذي أخذ منهم، أي رجوعه ~~إليكم، وهو صندوق التوراة. والسكينة فعيلة مأخوذة من السكون، والوقار، ~~والطمأنينة أي فيه سبب سكون قلوبكم فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت. قال ~~ابن عطية الصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء، ~~وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك، وتأنس به، وتتقوى. وقد اختلف في ~~السكينة على أقوال سيأتي بيان بعضها، وكذلك اختلف في البقية، فقيل هي عصا ~~موسى، ورضاض الألواح، وقيل غير ذلك. قيل والمراد بآل موسى، وهارون هما ~~أنفسهما. أي مما ترك هارون، وموسى، ولفظ " آل " مقحمة، لتفخيم شأنهما، ~~وقيل المراد الأنبياء من بني يعقوب لأنهما من ذرية يعقوب، فسائر قرابته ~~ومن تناسل منه آل لهما. وفصل معناه خرج بهم، فصلت الشيء، فانفصل أي ~~قطعته، فانقطع، وأصله متعد، يقال فصل نفسه، ثم استعمل استعمال ~~اللازم كانفصل، وقيل إن فصل يستعمل لازما، ومتعديا، يقال فصل عن البلد ~~فصولا، وفصل نفسه فصلا. والابتلاء الاختبار. والنهر قيل هو بين الأردن، ~~وفلسطين، وقرأه الجمهور { بنهر } بفتح الهاء. وقرأ حميد، ومجاهد، والأعرج ~~بسكون الهاء. والمراد بهذا الابتلاء اختبار طاعتهم، فمن أطاع في ذلك ~~الماء أطاع فيما عداه، ومن عصى في هذا، وغلبته نفسه، فهو بالعصيان في ~~سائر الشدائد أحرى، ورخص لهم في الغرفة ليرتفع عنهم أذى العطش بعض ~~الارتفاع، وليكسروا نزاع ms0423 النفس في هذه الحال، وفيه أن الغرفة تكف سورة ~~العطش عند الصابرين على شظف العيش الدافعين أنفسهم عن الرفاهية. # فالمراد بقوله { فمن شرب منه } أي كرع، ولم يقتصر على الغرفة، ~~و«من» ابتدائية. ومعنى قوله { فليس منى } أي ليس من أصحابي. من ~~قولهم فلان من فلان، كأنه بعضه لاختلاطهما، وطول صحبتهما، وهذا مهيع ~~في كلام العرب معروف، ومنه قول الشاعر # إذا حاولت في أسد فجورا فإني لست منك ولست مني # وقوله { ومن لم يطعمه } يقال طعمت الشيء أي ذقته، وأطعمته ~~الماء أي أذقته، وفيه دليل على أن الماء يقال له طعام. والاغتراف الأخذ ~~من الشيء باليد، أو بآلة، والغرف مثل الاغتراف، والغرفة المرة الواحدة. ~~وقد قرىء بفتح الغين، وضمها، فالفتح للمرة، والضم اسم للشيء المغترف، ~~وقيل بالفتح الغرفة بالكف الواحدة، وبالضم الغرفة بالكفين، وقيل هما ~~لغتان بمعنى واحد، ومنه قول الشاعر # لا يدلفون إلى ماء بآنية إلا اغترافا من الغدران بالراح # قوله { إلا قليلا } سيأتي بيان عددهم، وقرىء «إلا قليل» ولا وجه ~~له إلا ما قيل من أنه من هجر اللفظ إلى جانب المعنى أي لم يعطه إلا قليل، ~~وهو تعسف. قوله { فلما جاوزه } أي جاوز النهر طالوت { ~~والذين ءامنوا معه } وهم القليل الذين أطاعوه، ولكنهم اختلفوا ~~في قوة اليقين، فبعضهم قال { لا طاقة لنا } و { قال الذين ~~يظنون } أي يتيقنون { أنهم ملاقوا الله } والفئة ~~الجماعة، والقطعة منهم من فأوت رأسه بالسيف أي قطعته. وقوله { ~~برزوا } أي صاروا في البراز، وهو المتسع من الأرض. وجالوت أمير ~~العمالقة. قالوا أي جميع من معه من المؤمنين، والإفراغ يفيد معنى الكثرة. ~~وقوله { وثبت أقدامنا } هذا عبارة، عن القوة، وعدم الفشل، يقال ~~ثبت قدم فلان على كذا إذا استقر له، ولم يزل عنه، وثبت قدمه في الحرب ~~إذا كان الغلب له، والنصر معه. قوله { وانصرنا على القوم ~~الكفرين } هم جالوت، وجنوده. ووضع الظاهر موضع المضمر إظهارا لما ~~هو العلة الموجبة للنصر عليهم، وهي كفرهم، وذكر النصر بعد سؤال تثبيت ~~الأقدام، لكون الثاني هو غاية الأول. ms0424 قوله { فهزموهم بإذن ~~الله } الهزم الكسر، ومنه سقاء منهزم أي انثنى بعضه على بعض مع ~~الجفاف، ومنه ما قيل في زمزم إنها هزمة جبريل أي هزمها برجله، فخرج ~~الماء، والهزم ما يكسر من يابس الحطب، وتقدير الكلام فأنزل الله عليهم ~~النصر { فهزموهم بإذن الله } أي بأمره وإرادته. قوله { ~~وقتل داوود جالوت } هو داود بن إيشا بكسر الهمزة، ثم تحتية ~~ساكنة بعدها معجمة. ويقال داود بن زكريا بن بشوى من سبط يهوذا بن يعقوب ~~جمع الله له بين النبوة، والملك بعد أن كان راعيا، وكان أصغر إخوته، ~~اختاره طالوت لمقاتلة جالوت، فقتله. # والمراد بالحكمة هنا النبوة، وقيل هي تعليمه صنعة الدروع، ومنطق الطير، ~~وقيل هي إعطاؤه السلسلة التي كانوا يتحاكمون إليها. قوله { وعلمه ~~مما يشاء } قيل إن المضارع هنا موضوع موضع الماضي، وفاعل هذا الفعل ~~هو الله تعالى، وقيل داود، وظاهر هذا التركيب أن الله سبحانه علمه مما ~~قضت به مشيئته، وتعلقت به إرادته. وقد قيل إن من ذلك ما قدمنا من تعليمه ~~صنعة الدروع، وما بعده. قوله { ولولا دفع الله الناس ~~بعضهم ببعض } قرأه الجماعة «ولولا دفع الله» وقرأ نافع «دفاع» ~~وهما مصدران لدفع، كذا قال سيبويه. وقال أبو حاتم دافع، ودفع واحد مثل ~~طرقت نعلي، وطارقته. واختار أبو عبيدة قراءة الجمهور، وأنكر قراءة " دفاع ~~" ، قال لأن الله عز وجل لا يغالبه أحد، قال مكي يوهم أبو عبيدة أن هذا ~~من باب المفاعلة، وليس به، وعلى القراءتين، فالمصدر مضاف إلى الفاعل أي { ~~ولولا دفع الله الناس } وبعضهم بدل من الناس، وهم الذين ~~يباشرون أسباب الشر، والفساد ببعض آخر منهم، وهم الذين يكفونهم عن ذلك ~~ويردونهم عنه { لفسدت الأرض } لتغلب أهل الفساد عليها، وإحداثهم ~~للشرور التي تهلك الحرث، والنسل، وتنكير { فضل } للتعظيم. { وآيات الله } ~~هي ما اشتملت عليه هذه القصة من الأمور المذكورة. والمراد { بالحق } ~~هنا الخبر الصحيح الذي لا ريب فيه عند أهل الكتاب، والمطلعين على أخبار ~~العالم. وقوله { إنك لمن المرسلين } إخبار من الله سبحانه ~~بأنه من جملة رسل ms0425 الله سبحانه تقوية لقلبه، وتثبيتا لجنانه، وتشييدا ~~لأمره. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله { ألم ~~تر إلى الملإ من بنى إسرءيل } قال هذا حين رفعت النبوة، ~~واستخرج أهل الإيمان، وكانت الجبابرة قد أخرجتهم من ديارهم، وأبنائهم { ~~فلما كتب عليهم القتال } وذلك حين أتاهم التابوت، قال ~~وكان من إسرائيل سبطان سبط نبوة، وسبط خلافة، فلا تكون الخلافة إلا في ~~سبط الخلافة، ولا تكون النبوة إلا في سبط النبوة فقال لهم ~~نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا ~~أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك ~~منه وليس من أحد السبطين لا من سبط النبوة، ولا من سبط الخلافة { ~~قال إن الله اصطفه عليكم } فأبوا أن يسلموا له ~~الرياسة حتى قال لهم { إن ءاية ملكه أن يأتيكم ~~التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية } وكان موسى حين ألقى الألواح ~~تكسرت، ورفع منها وجمع ما بقي، فجعله في التابوت، وكانت العمالقة قد ~~سبت ذلك التابوت، والعمالقة فرقة من عاد كانوا بأريحاء، فجاءت ~~الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء، والأرض، وهم ينظرون إليه حتى وضعته ~~عند طالوت، فلما رأوا ذلك قالوا نعم. # فسلموا له، وملكوه، وكانت الأنبياء إذا حضروا قتالا قدموا التابوت ~~بين أيديهم، ويقولون إن آدم نزل بذلك التابوت، وبالركن، وبعصى موسى من ~~الجنة. وبلغني أن التابوت، وعصى موسى في بحيرة طبرية، وأنهما يخرجان قبل ~~يوم القيامة. وقد ورد هذا المعنى مختصرا، ومطولا عن جماعة من السلف، ~~فلا يأتي التطويل بذكر ذلك بفائدة يعتد بها. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ~~السدي، عن أبي مالك عن ابن عباس { وزاده بسطة } يقول فضيلة { في ~~العلم والجسم } يقول كان عظيما جسيما يفضل بني إسرئيل بعنقه. ~~وأخرج أيضا عن وهب بن منبه { وزاده بسطة في العلم } قال ~~العلم بالحرب. وأخرج ابن المنذر عنه أنه سئل أنبيا كان طالوت؟ قال لا، ~~لم يأته وحي، وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه أنه سئل عن تابوت موسى ~~ما سعته؟ قال نحو من ثلاثة ms0426 أذرع في ذراعين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس قال السكينة الرحمة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ ~~عنه قال السكينة الطمأنينة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال ~~السكينة دابة قدر الهر لها عينان لهما شعاع، وكان إذا التقى الجمعان ~~أخرجت يديها، ونظرت إليهم، فيهزم الجيش من الرعب. وأخرج الطبراني بسند ~~ضعيف عن علي قال السكينة ريح خجوج، ولها رأسان. وأخرج عبد الرزاق، وأبو ~~عبيد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، ~~وصححه عن علي قال السكينة لها وجه كوجه الإنسان، ثم هي بعد ريح هفافة. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل عن ~~مجاهد قال السكينة من الله كهيئة الريح، لها وجه كوجه الهر، وجناحان، ~~وذنب مثل ذنب الهر. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير ~~عن ابن عباس قال { فيه سكينة من ربكم } قال طست من ذهب من ~~الجنة كان يغسل بها قلوب الأنبياء ألقى الألواح فيها. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه قال هي روح من الله لا ~~تتكلم، إذا اختلفوا في شيء تكلم، فأخبرهم ببيان ما يريدون. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن الحسن قال هي شيء تسكن إليه قلوبهم. وأخرج عبد الرزاق عن قتادة ~~قال { فيه سكينة } ، أي وقار. وأقول هذه التفاسير المتناقضة لعلها وصلت ~~إلى هؤلاء الأعلام من جهة اليهود أقماهم الله، فجاءوا بهذه الأمور لقصد ~~التلاعب بالمسلمين رضي الله عنهم، والتشكيك عليهم، وانظر إلى جعلهم لها ~~تارة حيوانا، وتارة جمادا، وتارة شيئا لا يعقل، كقول مجاهد كهيئة ~~الريح لها وجه كوجه الهر، وجناحان، وذنب مثل ذنب الهر. وهكذا كل منقول ~~عن بني إسرائيل يتناقض، ويشتمل على ما لا يعقل في الغالب، ولا يصح أن ~~يكون مثل هذه التفاسير المتناقضة مرويا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ولا رأيا رآه قائله، فهم أجل قدرا من التفسير بالرأي، وبما لا مجال ~~للاجتهاد ms0427 فيه. # إذا تقرر لك هذا عرفت أن الواجب الرجوع في مثل ذلك إلى معنى السكينة ~~لغة، وهو معروف، ولا حاجة إلى ركوب هذه الأمور المتعسفة المتناقضة، فقد ~~جعل الله عنها سعة، ولو ثبت لنا في السكينة تفسير، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لوجب علينا المصير إليه، والقول به، ولكنه لم يثبت من وجه صحيح ~~بل ثبت أنها تنزلت على بعض الصحابة عند تلاوته للقرآن، كما في صحيح مسلم، ~~عن البراء قال كان رجل يقرأ سورة الكهف، وعنده فرس مربوط، فتغشته سحابة، ~~فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال # " تلك السكينة نزلت للقرآن ". # وليس في هذا إلا أن هذه التي سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم سكينة ~~سحابة دارت على ذلك القاريء، فالله أعلم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~عن ابن عباس في قوله { وبقية مما ترك ءال موسى } قال ~~عصاه، ورضاض الألواح. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي ~~حاتم، عن أبي صالح قال كان في التابوت عصى موسى، وعصى هارون، وثياب موسى، ~~وثياب هارون، ولوحان من التوراة، والمن وكلمة الفرج «لا إله إلا الله ~~الحليم الكريم وسبحان الله رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، والحمد ~~لله رب العالمين». وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله { ~~تحمله الملئكة } قال أقبلت به الملائكة تحمله حتى وضعته في ~~بيت طالوت، فأصبح في داره. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس { إن فى ~~ذلك لآية } قال علامة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { إن ~~الله مبتليكم بنهر } يقول بالعطش، فلما انتهى إلى النهر، وهو ~~نهر الأردن كرع فيه عامة الناس، فشربوا منه، فلم يزد من شرب منه إلا ~~عطشا، وأجزأ من اغترف غرفة بيده، وانقطع الظمأ عنه. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير { فشربوا منه إلا قليلا ~~منهم } قال القليل ثلثمائة وبضعة عشر عدة أهل بدر. وأخرج ms0428 ابن أبي ~~شيبة، وعبد بن حميد، والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والبيهقي عن البراء قال كنا أصحاب محمد نتحدث أن أصحاب بدر على عدة ~~أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر ~~وثلاثمائة. وقد أخرج ابن جرير عن قتادة قال ذكر لنا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر # " أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقي جالوت " # وأخرج ابن عساكر من طريق جويبر، عن الضحاك عن ابن عباس قال كانوا ~~ثلاثمائة ألف وثلاثة الآف وثلاثمائة وثلاثة عشر، فشربوا منه كلهم إلا ~~ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا عدة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، ~~فردهم طالوت، ومضى ثلثمائة وثلاثة عشر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي ~~في قوله { الذين يظنون } قال الذين يستيقنون. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال كان طالوت أميرا على ~~الجيش، فبعث أبو داود مع داود بشيء إلى إخوته، فقال داود لطالوت ماذا لي، ~~وأقتل جالوت؟ فقال لك ثلث ملكي، وأنكحك ابنتي، فأخذ مخلاة، فجعل فيها ~~ثلاث مروات، ثم سمي إبراهيم، وإسحاق ويعقوب، ثم أدخل يده، فقاال بسم ~~الله إلهي، وإله آبائي إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فخرج على إبراهيم، فجعله ~~في مرحمته، فرمى بها جالوت، فخرق ثلاثة وثلاثين بيضة عن رأسه، وقتلت ما ~~وراءه ثلاثين ألفا. وقد ذكر المفسرون أقاصيص كثيرة من هذا الجنس، والله ~~أعلم. وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله ~~{ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } قال يدفع الله ~~بمن يصلي عمن لا يصلي، وبمن يحج عمن لا يحج، وبمن يزكي عمن لا يزكي. ~~وأخرج ابن عدي، وابن جرير بسند ضعيف عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء " # ثم قرأ ابن عمر { ولولا دفع الله الناس } الآية. وفي ~~إسناده يحيى بن سعيد العطار الحمصي، وهو ضعيف جدا. ms0429 ### || [2.253] # قوله { تلك الرسل } قيل هو إشارة إلى جميع الرسل، فتكون الألف ~~واللام للاستغراق، وقيل هو إشارة إلى الأنبياء المذكورين في هذه السورة، ~~وقيل إلى الأنبياء الذين بلغ علمهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ~~والمراد بتفضيل بعضهم على بعض أن الله سبحانه جعل لبعضهم من مزايا الكمال ~~فوق ما جعله للآخر، فكان الأكثر مزايا فاضلا، والآخر مفضولا. وكما دلت ~~هذه الآية على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض كذلك دلت الآية الأخرى، وهي ~~قوله تعالى # ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وءاتينا ~~داوود زبورا # الإسراء 55. وقد استشكل جماعة من أهل العلم الجمع بين هذه الآية، وبين ~~ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ # " لا تفضلوني على الأنبياء " # وفي لفظ آخر # " لا تفضلوا بين الأنبياء " # وفي لفظ # " لا تخيروا بين الأنبياء " # فقال قوم إن هذا القول منه صلى الله عليه وسلم كان قبل أن يوحى إليه ~~بالتفضيل، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل، وقيل إنه قال صلى الله عليه ~~وسلم ذلك على سبيل التواضع كما قال # " لا يقل أحدكم أنا خير من يونس بن متى " # تواضعا مع علمه أنه أفضل الأنبياء كما يدل عليه قوله # " أنا سيد ولد آدم " # وقيل إنما نهى عن ذلك قطعا للجدال، والخصام في الأنبياء، فيكون مخصوصا ~~بمثل ذلك لا إذا كان صدور ذلك مأمونا، وقيل إن النهي إنما هو من جهة ~~النبوة فقط لأنها خصلة واحدة لا تفاضل فيها، ولا نهي عن التفاضل بزيادة ~~الخصوصيات، والكرامات. وقيل إن المراد النهي عن التفضيل لمجرد الأهواء، ~~والعصبية. وفي جميع هذه الأقوال ضعف. وعندي أنه لا تعارض بين القرآن، ~~والسنة، فإن القرآن دل على أن الله فضل بعض أنبيائه على بعض، وذلك لا ~~يستلزم أنه يجوز لنا أن نفضل بعضهم على بعض، فإن المزايا التي هي مناط ~~التفضيل معلومة عند الله لا تخفى عليه منها خافية فيه، وليست بمعلومة عند ~~البشر، فقد يجهل اتباع نبي من الأنبياء بعض مزاياه، وخصوصياته فضلا عن ~~مزايا غيره، والتفضيل ms0430 لا يجوز إلا بعد العلم بجميع الأسباب التي يكون بها ~~هذا فاضلا، وهذا مفضولا، لا قبل العلم ببعضها، أو بأكثرها، أو بأقلها، ~~فإن ذلك تفضيل بالجهل، وإقدام على أمر لا يعلمه الفاعل له، وهو ممنوع ~~منه، فلو فرضنا أنه لم يرد إلا القرآن في الإخبار لنا بأن الله فضل بعض ~~أنبيائه على بعض لم يكن فيه دليل على أنه يجوز للبشر أن يفضلوا بين ~~الأنبياء، فكيف وقد وردت السنة الصحيحة بالنهي عن ذلك؟ وإذا عرفت هذا ~~علمت أنه لا تعارض بين القرآن، والسنة بوجه من الوجوه، فالقرآن فيه ~~الإخبار من الله بأنه فضل بعض أنبيائه على بعض، والسنة فيها النهي لعباده ~~أن يفضلوا بين أنبيائه، فمن تعرض للجمع بينهما زاعما أنهما متعارضان، ~~فقد غلط غلطا بينا. # قوله { منهم من كلم الله } وهو موسى، ونبينا سلام الله ~~عليهما. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في آدم # " إنه نبي مكلم " # وقد ثبت ما يفيد ذلك في صحيح ابن حبان من حديث أبي ذر. قوله { ورفع ~~بعضهم درجت } هذا البعض يحتمل أن يراد به من عظمت منزلته عند ~~الله سبحانه من الأنبياء، ويحتمل أن يراد به نبينا صلى الله عليه وسلم ~~لكثرة مزاياه المقتضية لتفضيله، ويحتمل أن يراد به إدريس لأن الله سبحانه ~~أخبرنا بأنه رفعه مكانا عليا، وقيل إنهم أولوا العزم، وقيل إبراهيم، ~~ولا يخفاك أن الله سبحانه أبهم هذا البعض المرفوع، فلا يجوز لنا التعرض ~~للبيان له إلا ببرهان من الله سبحانه، أو من أنبيائه عليهم الصلاة ~~والسلام، ولم يرد ما يرشد إلى ذلك، فالتعرض لبيانه هو من تفسير القرآن ~~الكريم بمحض الرأي، وقد عرفت ما فيه من الوعيد الشديد مع كون ذلك ذريعة ~~إلى التفضيل بين الأنبياء، وقد نهينا عنه، وقد جزم كثير من أئمة التفسير ~~أنه نبينا، وأطالوا في ذلك، واستدلوا بما خصه الله به من المعجزات، ~~ومزايا الكمال، وخصال الفضل، وهم بهذا الجزم بدليل لا يدل على المطلوب، ~~قد وقعوا في خطرين، وارتكبوا نهيين، ms0431 وهما تفسير القرآن بالرأي، والدخول ~~في ذرائع التفضيل بين الأنبياء، وإن لم يكن ذلك تفضيلا صريحا، فهو ~~ذريعة إليه بلا شك، ولا شبهة لأن من جزم بأن هذا البعض المرفوع درجات هو ~~النبي الفلاني، انتقل من ذلك إلى التفضيل المنهي عنه، وقد أغني الله ~~نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم عن ذلك بما لا يحتاج معه إلى غيره من ~~الفضائل، والفواضل، فإياك أن تتقرب إليه صلى الله عليه وسلم بالدخول في ~~أبواب نهاك عن دخولها، فتعصيه، وتسيء، وأنت تظن أنك مطيع محسن. قوله { ~~وآتينا عيسى ابن مريم البينات } أي الآيات الباهرة، والمعجزات الظاهرة من ~~إحياء الأموات، وإبراء المرضى، وغير ذلك. قوله { وأيدنه بروح ~~القدس } هو جبريل، وقد تقدم الكلام على هذا. قوله { ولو شاء ~~الله ما اقتتل الذين من بعدهم } أي من بعد الرسل، وقيل ~~من بعد موسى، وعيسى، ومحمد لأن الثاني مذكور صريحا، والأول، والثالث ~~وقعت الإشارة إليهما بقوله { منهم من كلم الله } أي لو شاء ~~الله عدم اقتتالهم ما اقتتلوا، فمفعول المشيئة محذوف على القاعدة { ~~ولكن اختلفوا } استثناء من الجملة الشرطية، أي ولكن الاقتتال ~~ناشيء عن اختلافهم اختلافا عظيما حتى صاروا مللا مختلفة { منهم ~~من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله } عدم اقتتالهم بعد ~~هذا الاختلاف { ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما ~~يريد } لا راد لحكمه، ولا مبدل لقضائه، فهو يفعل ما يشاء، ويحكم ما ~~يريد. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى { فضلنا بعضهم ~~على بعض } قال اتخذ الله إبراهيم خليلا، وكلم موسى تكليما، وجعل ~~عيسى كمثل آدم # خلقه من تراب، ثم قال له كن، فيكون # آل عمران 59 وهو عبد الله، وكلمته وروحه، وآتى داود زبورا، وآتى سليمان ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وغفر لمحمد ما تقدم من ذنبه، وما تأخر. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن مجاهد في قوله ~~{ منهم من كلم الله } قال كلم الله موسى، وأرسل محمدا صلى ~~الله عليه وسلم إلى الناس ms0432 كافة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عامر الشعبي في ~~قوله { ورفع بعضهم درجت } قال محمدا. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير عن قتادة { ولو شاء الله ما اقتتل الذين من ~~بعدهم } يقول من بعد موسى، وعيسى. وأخرج ابن عساكر، عن ابن عباس قال ~~كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية ~~إذ أقبل علي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاوية # " أتحب عليا؟ " # قال نعم قال # " إنها ستكون بينكم فتنة هنيهة، " # قال معاوية فما بعد ذلك يا رسول الله؟ قال # " عفو الله ورضوانه، " # قال رضينا بقضاء الله، فعند ذلك نزلت هذه الآية { ولو شاء الله ~~ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد } » قال ~~السيوطي وسنده واه. ### || [2.254] # ظاهر الأمر في قوله { أنفقوا } الوجوب، وقد حمله جماعة على صدقة ~~الفرض لذلك، ولما في آخر الآية من الوعيد الشديد، وقيل إن هذه الآية تجمع ~~زكاة الفرض، والتطوع. قال ابن عطية وهذا صحيح، ولكن ما تقدم من الآيات ~~في ذكر القتال، وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه أن ~~هذا الندب إنما هو في سبيل الله. قال القرطبي وعلى هذا التأويل يكون ~~إنفاق المال مرة واجبا، ومرة ندبا بحسب تعين الجهاد، وعدم تعينه. قوله ~~{ من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه } أي أنفقوا ما دمتم ~~قادرين { من قبل أن يأتى } ما لا يمكنكم الإنفاق فيه، وهو { ~~يوم لا بيع فيه } أي لا يتبايع الناس فيه. والخلة خالص المودة ~~مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين. أخبر سبحانه أنه لا خلة في يوم ~~القيامة نافعة، ولا شفاعة مؤثرة إلا لمن أذن الله له. وقرأ ابن كثير، ~~وأبو عمرو، بنصب لا بيع ولا خلة، ولا شفاعة، من غير تنوين. وقرأ الباقون ~~برفعها منونة، وهما لغتان مشهورتان للعرب، ووجهان معروفان عند النحاة، ~~فمن الأول قول حسان بن ثابت # ألا طعان ألا فرسان عادية ألا تجسؤكم حول التنانير # ومن الثاني قول الراعي # وما صرمتك حتى قلت معلنة لا ناقة لي ms0433 في هذا ولا ~~جمل # ويجوز في غير القرآن التغاير برفع البعض، ونصب البعض، كما هو مقرر في ~~علم الإعراب. قوله { والكفرون هم الظلمون } فيه دليل ~~على أن كل كافر ظالم لنفسه، ومن جملة من يدخل تحت هذا العموم مانع الزكاة ~~منعا يوجب كفره لوقوع ذلك في سياق الأمر بالإنفاق. وقد أخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، عن ابن جريج في قوله تعالى { يأيها الذين ءامنوا ~~أنفقوا مما رزقنكم } قال من الزكاة، والتطوع. وأخرج ابن ~~المنذر، عن سفيان قال يقال نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن، ونسخ شهر ~~رمضان كل صوم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة ~~في الآية قال قد علم الله أن ناسا يتخاللون في الدنيا، ويشفع بعضهم ~~لبعض، فأما يوم القيامة، فلا خلة إلا خلة المتقين. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم عن عطاء قال الحمد لله الذي قال { والكفرون هم ~~الظلمون } ولم يقل والظالمون هم الكافرون. ### || [2.255] # قوله { لا إله إلا هو } أي لا معبود بحق إلا هو، وهذه الجملة ~~خبر المبتدأ. و { الحي } الباقي. وقيل الذي لا يزول، ولا يحول. وقيل ~~المصرف للأمور، والمقدر للأشياء. قال الطبري عن قوم إنه يقال حي كما ~~وصف نفسه، ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه، وهو خبر ثان، أو مبتدأ خبره محذوف. ~~و { القيوم } القائم على كل نفس بما كسبت. وقيل القائم بذاته المقيم ~~لغيره، وقيل القائم بتدبير الخلق، وحفظه، وقيل هو الذي لا ينام، وقيل ~~الذي لا بديل له. وأصل قيوم قيووم اجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما ~~بالسكون، فأدغمت الأولى في الثانية بعد قلب الواو ياء. وقرأ ابن مسعود، ~~وعلقمة، والنخعي، والأعمش «الحي القيام» بالألف، وروي ذلك عن عمر، ولا ~~خلاف بين أهل اللغة أن القيوم أعرف عند العرب، وأصح بناء، وأثبت علة. ~~والسنة النعاس في قول الجمهور، والنعاس ما يتقدم النوم من الفتور، ~~وانطباق العينين، فإذا صار في القلب صار نوما. وفرق المفصل بين ~~السنة، والنعاس، والنوم فقال السنة من الرأس، والنعاس في العين، ms0434 ~~والنوم في القلب. انتهى. والذي ينبغي التعويل عليه في الفرق بين السنة ~~والنوم، أن السنة لا يفقد معها العقل، بخلاف النوم، فإنه استرخاء أعضاء ~~الدماغ من رطوبات الأبخرة حتى يفقد معه العقل، بل وجميع الإدراكات بسائر ~~المشاعر، والمراد أنه لا يعتريه سبحانه شيء منهما، وقدم السنة على ~~النوم، لكونها تتقدمه في الوجود. قال الرازي في تفسيره إن السنة ما ~~تتقدم النوم، فإذا كانت عبارة عن مقدمة النوم، فإذا قيل لا تأخذه سنة ~~دل على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى، فكان ذكر النوم تكرارا، قلنا ~~تقدير الآية لا تأخذه سنة فضلا عن أن يأخذه نوم، والله أعلم بمراده. ~~انتهى. وأقول إن هذه الأولوية التي ذكرها غير مسلمة، فإن النوم قد يرد ~~ابتداء من دون ما ذكر من النعاس. وإذا ورد على القلب، والعين دفعة واحدة، ~~فإنه يقال له نوم، ولا يقال له سنة، فلا يستلزم نفي السنة نفي النوم. وقد ~~ورد عن العرب نفيهما جميعا، ومنه قول زهير # ولا سنة طوال الدهر تأخذه ولا ينام وما في أمره ~~فند # فلم يكتف بنفي السنة، وأيضا، فإن الإنسان يقدر على أن يدفع عن نفسه ~~السنة، ولا يقدر على أن يدفع عن نفسه النوم، فقد يأخذه النوم، ولا تأخذه ~~السنة، فلو وقع الاقتصار في النظم القرآني على نفي السنة لم يفد ذلك نفي ~~النوم، وهكذا لو وقع الاقتصار على نفي النوم لم يفد نفي السنة، فكم من ذي ~~سنة غير نائم. وكرر حرف النفي للتنصيص على شمول النفي لكل واحد منهما. # قوله { من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } في هذا ~~الاستفهام من الإنكار على من يزعم أن أحدا من عباده يقدر على أن ينفع ~~أحدا منهم بشفاعة، أو غيرها، والتقريع، والتوبيخ له ما لا مزيد عليه، ~~وفيه من الدفع في صدور عباد القبور، والصد في وجوههم، والفت في أعضادهم ~~ما لا يقادر قدره، ولا يبلغ مداه، والذي يستفاد منه فوق ما يستفاد من ~~قوله تعالى # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # الأنبياء 28 ms0435 وقوله تعالى # لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن # النبأ 28 بدرجات كثيرة. وقد بينت الأحاديث الصحيحة الثابتة في دواوين ~~الإسلام صفة الشفاعة، ولمن هي، ومن يقوم بها. قوله { يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم } الضميران لما في السموات، والأرض بتغليب ~~العقلاء على غيرهم، وما بين أيديهم، وما خلفهم عبارة، عن المتقدم عليهم، ~~والمتأخر عنهم، أو عن الدنيا، والآخرة، وما فيهما. قوله { ولا ~~يحيطون بشيء من علمه } قد تقدم معنى الإحاطة، والعلم هنا ~~بمعنى المعلوم أي لا يحيطون بشيء من معلوماته. قوله { وسع كرسيه ~~} الكرسي الظاهر أنه الجسم الذي وردت الآثار بصفته كما سيأتي بيان ذلك. ~~وقد نفي وجوده جماعة من المعتزلة، وأخطئوا في ذلك خطأ بينا، وغلطوا ~~غلطا فاحشا. وقال بعض السلف إن الكرسي هنا عبارة عن العلم. قالوا ومنه ~~قيل للعلماء الكراسي، ومنه الكراسة التي يجمع فيها العلم، ومنه قول ~~الشاعر # تحف بهم بيض الوجوه وعصبة كراسي بالأخبار حين ~~تنوب # ورجح هذا القول ابن جرير الطبري. وقيل كرسيه قدرته التي يمسك بها ~~السموات والأرض، كما يقال اجعل لهذا الحائط كرسيا، أي ما يعمده، وقيل إن ~~الكرسي هو العرش. وقيل هو تصوير لعظمته، ولا حقيقة له. وقيل هو عبارة عن ~~الملك. والحق القول الأول، ولا وجه للعدول عن المعنى الحقيقي إلا مجرد ~~خيالات تسببت، عن جهالات وضلالات، والمراد بكونه وسع السموات والأرض أنها ~~صارت فيه، وأنه وسعها، ولم يضق عنها لكونه بسيطا واسعا. وقوله { ولا ~~يؤوده حفظهما } معناه لا يثقله ثقال أدنى الشيء، بمعنى أثقلني، ~~وتحملت منه مشقة. وقال الزجاج يجوز أن يكون الضمير في قوله { يؤوده } ~~لله سبحانه، ويجوز أن يكون للكرسي لأنه من أمر الله و { العلي } يراد به ~~علو القدرة، والمنزلة. وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا هو العلي عن خلقه ~~بارتفاع مكانه، عن أماكن خلقه. قال ابن عطية وهذه أقوال جهلة مجسمين، ~~وكان الواجب أن لا تحكى. انتهى. والخلاف في إثبات الجهة معروف في السلف، ~~والخلف، والنزاع فيه كائن بينهم، والأدلة من الكتاب، والسنة معروفة، ms0436 ولكن ~~الناشيء على مذهب يرى غيره خارجا عن الشرع، ولا ينظر في أدلته، ولا ~~يلتفت إليها، والكتاب، والسنة هما المعيار الذي يعرف به الحق من الباطل، ~~ويتبين به الصحيح من الفاسد # ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات ~~والأرض # المؤمنون 71ولا شك أن هذا اللفظ يطلق على الظاهر الغالب كما في قوله # إن فرعون علا فى الأرض # القصص 4 وقال الشاعر # فلما علونا واستوينا عليهم تركناهم صرعى لنسر ~~وكاسر # والعظيم بمعنى عظم شأنه، وخطره. قال في الكشاف إن الجملة الأولى بيان ~~لقيامه بتدبير الخلق، وكونه مهيمنا عليه غير ساه عنه، والثانية بيان ~~لكونه مالكا لما يدبره. والجملة الثالثة بيان لكبرياء شأنه. والجملة ~~الرابعة بيان لإحاطته بأحوال الخلق، وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب ~~للشفاعة، وغير المرتضى. والجملة الخامسة بيان لسعة علمه وتعلقه ~~بالمعلومات كلها، أو لجلاله، وعظم قدره. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم في قوله { الحى } أي حي لا يموت و { القيوم } القائم الذي لا ~~بديل له. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي عن مجاهد ~~في قوله { القيوم } قال القائم على كل شيء. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~الحسن قال القيوم الذي لا زوال له. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله { لا تأخذه سنة ولا ~~نوم } قال السنة النعاس، والنوم هو النوم. وأخرجوا إلا البيهقي عن ~~السدي قال السنة ريح النوم الذي تأخذه في الوجه، فينعس الإنسان. وأخرج ~~ابن جرير، عن مجاهد في قوله { يعلم ما بين أيديهم } قال ما ~~مضى من الدنيا { وما خلفهم } من الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ~~ابن عباس { ما بين أيديهم } ما قدموا من أعمالهم { وما ~~خلفهم } ما أضاعوا من أعمالهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله ~~{ وسع كرسيه } قال علمه، ألا ترى إلى قوله { ولا يؤوده ~~حفظهما }. وأخرج الدارقطني في الصفات، والخطيب في تاريخه عنه قال ~~«سئل رسول الله ms0437 صلى الله عليه وسلم عن قول الله { وسع كرسيه } ~~قال # " كرسيه موضع قدمه، " # والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل». وأخرجه الحاكم وصححه. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، والبيهقي عن أبي موسى الأشعري مثله ~~موقوفا. وأخرج ابن جرير،وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال لو ~~أن السموات السبع، والأرضين السبع بسطن، ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن ~~في سعته - يعني الكرسي -إلا بمنزلة الحلقة في المفازة. وأخرج ابن جرير، ~~وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي ذر الغفاري أنه سأل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الكرسي، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " والذي نفسي بيده ما السموات السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض ~~فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة " # وأخرج عبد بن حميد، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وأبو الشيخ، ~~والطبراني، والضياء المقدسي في المختارة عن عمر قال «أتت امرأة إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وقالت ادع الله أن يدخلني الجنة، فعظم الرب سبحانه ~~وقال # " إن كرسيه وسع السموات والأرض، وإن له أطيطا كأطيط المرحل الحديد من ~~ثقله " # وفي إسناده عبد الله بن خليفة، وليس بالمشهور. وفي سماعه من عمر نظر، ~~ومنهم من يرويه، عن عمر موقوفا. وأخرج ابن مردويه، عن أبي هريرة مرفوعا ~~أنه موضع القدمين. وفي إسناده الحكم بن ظهير الفزاري الكوفي وهو متروك. ~~وقد ورد عن جماعة من السلف من الصحابة، وغيرهم، في وصف الكرسي آثار لا ~~حاجة في بسطها. وقد روى أبو داود في كتاب السنة من سننه من حديث جبير بن ~~مطعم حديثا في صفته، وكذلك أورد ابن مردويه عن بريدة، وجابر، وغيرهما. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ولا ~~يؤوده حفظهما } قال لا يثقل عليه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه { ~~ولا يؤوده } قال ولا يكثره. وأخرج ابن جرير عنه قال العظيم الذي قد ~~كمل في عظمته. واعلم أنه قد ms0438 ورد في فضل هذه الآية أحاديث. فأخرج أحمد، ~~ومسلم، واللفظ له عن أبي بن كعب «أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله # " أي آية من كتاب الله أعظم؟ " # قال آية الكرسي، قال # " ليهنك العلم أبا المنذر " # وأخرج النسائي، وأبو يعلى، وابن حبان، وأبو الشيخ في العظمة، والطبراني، ~~والحاكم وصححه، عن أبي بن كعب أنه كان له جرن فيه تمر، فكان يتعاهده، ~~فوجده ينقص، فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابة شبه الغلام المحتلم، قال ~~فسلمت فرد السلام، فقلت ما أنت، جني أم إنسي؟ قال جني، قلت ناولني ~~يدك، فناولني، فإذا يده يد كلب، وشعره شعر كلب، فقلت هكذا خلق الجن؟ قال ~~لقد علمت الجن أن ما فيهم من هو أشد مني، قلت ما حملك على ما صنعت؟ قال ~~بلغني أنك رجل تحب الصدقة، فأحببنا أن نصيب من طعامك، فقال له أبي فما ~~الذي يجيرنا منكم؟ قال هذه الآية، آية الكرسي التي في سورة البقرة «من ~~قالها حين يمسي أجير منا حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح أجير منا حتى ~~يمسي، فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال # " صدق الخبيث " # وأخرج البخاري في تاريخه، والطبراني، وأبو نعيم في المعرفة بسند رجاله ~~ثقات عن ابن الأسقع البكري «أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم في صفة ~~المهاجرين، فسأله إنسان أي آية في القرآن أعظم؟ فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " { الله لا إله إلا هو الحى القيوم لا ~~تأخذه سنة ولا نوم } " # حتى انقضت الآية». وأخرج أحمد من حديث أبي ذر مرفوعا نحوه. وأخرج ~~الخطيب البغدادي في تاريخه، عن أنس مرفوعا نحوه أيضا. وأخرج الدارمي، ~~عن أيفع بن عبد الله الكلاعي نحوه. وأخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي ~~هريرة قال «وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني ~~آت، فجعل يحثو، وذكر قصة، وفي آخرها أنه قال له دعني أعلمك كلمات ينفعك ~~الله بها، قلت ما هي؟ قال إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي، ms0439 فإنك لن ~~يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فأخبر أبو هريرة بذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال # " أما إنه صدقك، وهو كذوب، تعلم من تخاطب يا أبا هريرة؟ " # قال لا، قال # " ذلك شيطان كذا " # وأخرج نحو ذلك أحمد عن أبي أيوب. وأخرج الطبراني، والحاكم، وأبو نعيم، ~~والبيهقي عن معاذ بن جبل مرفوعا نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " أعظم آية في كتاب الله { الله لا إله إلا هو الحي القيوم " # وأخرج نحوه أحمد، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن أبي ذر مرفوعا. ~~وأخرج نحوه أيضا أحمد، والطبراني من حديث أبي أمامة مرفوعا. وأخرج سعيد ~~ابن منصور، والحاكم، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا ~~خرج منه، آية الكرسي " # قال الحاكم صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأخرج الحاكم من حديث زائدة ~~مرفوعا # " لكل شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي ~~القرآن، آية الكرسي " # ، وقال غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير. وقد تكلم فيه شعبة، ~~وضعفه، وكذا ضعفه أحمد، ويحيى بن معين، وغير واحد، وتركه ابن مهدي، ~~وكذبه السعدي. وأخرج أبو داود، والترمذي وصححه من حديث أسماء بنت يزيد بن ~~السكن قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هاتين الآيتين { ~~الله لا إله إلا هو الحي القيوم } و # الم الله لا إله إلاهو # آل عمران 1، 2 إن فيهما اسم الله الأعظم. وقد وردت أحاديث في فضلها غير ~~هذه، وورد أيضا في فضل قراءتها دبر الصلوات، وفي غير ذلك، وورد أيضا في ~~فضلها مع مشاركة غيرها أحاديث، وورد عن السلف في ذلك شيء كثير. ### || [2.256-257] # قد اختلف أهل العلم في قوله { لا إكراه فى الدين } على أقوال ~~الأول أنها منسوخة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أكره ms0440 العرب على ~~دين الإسلام، وقاتلهم، ولم يرض منهم إلا بالإسلام، والناسخ لها قوله ~~تعالى # ا يأيها النبى جهد الكفر والمنفقين # التوبة 73، التحريم 9 وقال تعالى # يأيها الذين ءامنوا قاتلوا الذين يلونكم من ~~الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله ~~مع المتقين # التوبة 123 وقال # ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقتلونهم ~~أو يسلمون # الفتح 16، وقد ذهب إلى هذا كثير من المفسرين. القول الثاني أنها ليست ~~بمنسوخة، وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة، وأنهم لا يكرهون على الإسلام ~~إذا أدوا الجزية، بل الذين يكرهون هم أهل الأوثان، فلا يقبل منهم إلا ~~الإسلام، أو السيف، وإلى هذا ذهب الشعبي، والحسن، وقتادة، والضحاك. القول ~~الثالث أن هذه الآية في الأنصار خاصة، وسيأتي بيان ما ورد في ذلك. القول ~~الرابع أن معناها لا تقولوا لمن أسلم تحت السيف إنه مكره، فلا إكراه في ~~الدين. القول الخامس أنها وردت في السبي متى كانوا من أهل الكتاب لم ~~يجبروا على الإسلام. وقال ابن كثير في تفسيره أي لا تكرهوا أحدا على ~~الدخول في دين الإسلام، فإنه بين واضح جلي دلائله، وبراهينه لا تحتاج ~~إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ~~ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه، ~~وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا، وهذا يصلح أن يكون ~~قولا سادسا. وقال في الكشاف في تفسيره هذه الآية أي لم يجر الله أمر ~~الإيمان على الإجبار، والقسر، ولكن على التمكين، والاختيار، ونحوه قوله # ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا ~~أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين # يونس 99 أي لو شاء لقسرهم على الإيمان، ولكن لم يفعل، وبني الأمر على ~~الاختيار، وهذا يصلح أن يكون قولا سابعا. والذي ينبغي اعتماده، ويتعين ~~الوقوف عنده أنها في السبب الذي نزلت لأجله محكمة غير منسوخة، وهو أن ~~المرأة من الأنصار تكون مقلاة لا يكاد يعيش لها ولد، فتجعل على نفسها إن ~~عاش لها ms0441 ولد أن تهوده، فلما أجليت يهود بني نضير كان فيهم من أبناء ~~الأنصار، فقالوا لا ندع أبناءنا، فنزلت، أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه، والبيهقي في ~~السنن، والضياء في المختارة عن ابن عباس. وقد وردت هذه القصة من وجوه، ~~حاصلها ما ذكره ابن عباس مع زيادات تتضمن أن الأنصار قالوا إنما جعلناهم ~~على دينهم أي دين اليهود، ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا، وأن الله جاء ~~بالإسلام، فلنكرههم فلما نزلت خير الأبناء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولم يكرههم على الإسلام، وهذا يقتضي أن أهل الكتاب لا يكرهون على ~~الإسلام إذا اختاروا البقاء على دينهم، وأدوا الجزية. # وأما أهل الحرب، فالآية وإن كانت تعمهم لأن النكرة في سياق النفي، ~~وتعريف الدين يفيدان ذلك، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن قد ~~خص هذا العموم بما ورد من آيات في إكراه أهل الحرب من الكفار على ~~الإسلام. قوله { قد تبين الرشد من الغي } الرشد هنا ~~الإيمان، والغي الكفر أي قد تميز أحدهما من الآخر. وهذا استئناف يتضمن ~~التعليل لما قبله. والطاغوت فعلوت من طغى يطغي، ويطغو إذا جاوز الحد. ~~قال سيبويه هو اسم مذكر مفرد أي اسم جنس يشمل القليل، والكثير، وقال أبو ~~علي الفارسي إنه مصدر كرهبوت، وجبروت يوصف به الواحد، والجمع، وقلبت لامه ~~إلى موضع العين، وعينه إلى موضع اللام كجبذ، وجذب، ثم تقلب الواو ألفا ~~لتحركها، وتحرك ما قبلها، فقيل طاغوت، واختار هذا القول النحاس، وقيل أصل ~~الطاغوت في اللغة مأخوذ من الطغيان يؤدي معناه من غير اشتقاق، كما قيل ~~لآلىء من اللؤلؤ. وقال المبرد هو جمع. قال ابن عطية وذلك مردود. قال ~~الجوهري والطاغوت الكاهن، والشيطان، وكل رأس في الضلال، وقد يكون واحدا. ~~قال الله تعالى # يريدون أن يتحاكموا إلى الطغوت وقد أمروا أن ~~يكفروا به # النساء 60 وقد يكون جمعا. قال الله تعالى { أولياؤهم ~~الطغوت } والجمع الطواغيت أي فمن يكفر بالشيطان، أو الأصنام، أو ~~أهل ms0442 الكهانة، ورءوس الضلالة، أو بالجميع { ويؤمن بالله } عز ~~وجل بعد ما تميز له الرشد من الغي، فقد فاز، وتمسك بالحبل الوثيق أي ~~المحكم. والوثقى فعلى من الوثاقة، وجمعها وثق مثل الفضلى، والفضل. ~~وقد اختلف المفسرون في تفسير العروة الوثقى بعد اتفاقهم على أن ذلك من ~~باب التشبيه، والتمثيل لما هو معلوم بالدليل بما هو مدرك بالحاسة، فقيل ~~المراد بالعروة الإيمان. وقيل الإسلام. وقيل لا إله إلا الله، ولا مانع ~~من الحمل على الجميع. والانفصام الانكسار من غير بينونة. قال الجوهري فصم ~~الشيء كسره من غير أن يبين. وأما القصم بالقاف، فهو الكسر مع البينونة، ~~وفسر صاحب الكشاف الانفصام بالانقطاع. قوله { الله ولي الذين ~~ءامنوا } الولي فعيل بمعنى فاعل، وهو الناصر. وقوله { يخرجهم } ~~تفسير للولاية، أو حال من الضمير في ولي، وهذا يدل على أن المراد بقوله ~~{ الذين كفروا } الذين أرادوا الإيمان لأن من قد وقع منه الإيمان ~~قد خرج من الظلمات إلى النور إلا أن يراد بالإخراج إخراجهم من الشبه التي ~~تعرض للإيمان، فلا يحتاج إلى تقدير الإرادة، والمراد بالنور في قوله { ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمت } ما جاء به أنبياء ~~الله من الدعوة إلى الدين، فإن ذلك نور للكفار أخرجهم أولياؤهم عنه إلى ~~ظلمة الكفر، أي قررهم أولياؤهم على ما هم عليه من الكفر بسبب صرفهم عن ~~إجابة الداعي إلى الله من الأنبياء. # وقيل المراد بالذين كفروا هنا الذين ثبت في علمه تعالى كفرهم يخرجهم ~~أولياؤهم من الشياطين، ورؤوس الضلال من النور الذي هو فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها إلى ظلمات الكفر التي وقعوا فيها بسبب ذلك الإخراج. وقد أخرج ~~سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي، عن سعيد ~~بن جبير نحو ما تقدم، عن ابن عباس من ذكر سبب نزول قوله تعالى { لا ~~إكراه فى الدين } وزاد أن النبي صلى الله عليه وسلم خير ~~الأبناء. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن الشعبي نحوه ~~أيضا، وقال فلحق بهم أي ببني النضير ms0443 من لم يسلم، وبقي من أسلم. وأخرج ~~سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~مجاهد قال كان ناس من الأنصار مسترضعين في بني قريظة، فثبتوا على دينهم، ~~فلما جاء الإسلام أراد أهلوهم أن يكرهوهم على الإسلام، فنزلت. وأخرج ابن ~~جرير عن الحسن نحوه. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، عن ابن عباس في قوله { ~~لا إكراه فى الدين } قال نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن ~~عوف يقال له الحصين، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلما، فقال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ألا أستكرههما، فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ ~~فنزلت. وأخرج عبد بن حميد، عن عبد الله بن عبيدة نحوه. وكذلك أخرج أبو ~~داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، عن السدي نحوه. وأخرج عبد بن ~~حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير عن قتادة قال كانت العرب ليس لها ~~دين، فأكرهوا على الدين بالسيف. قال ولا تكرهوا اليهود، ولا النصارى، ~~والمجوس إذا أعطوا الجزية. وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن نحوه. وأخرج ~~البخاري عن أسلم سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية أسلمي تسلمي، ~~فأبت، فقال اللهم اشهد، ثم تلا { لا إكراه فى الدين } وروى عنه ~~سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم أنه قال لزنبق ~~الرومي غلامه لو أسلمت استعنت بك على أمانة المسلمين فأبى، فقال { لا ~~إكراه فى الدين }. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سليمان بن ~~موسى في قوله { لا إكراه فى الدين } قال نسختها # جهد الكفر والمنفقين # التوبة 73. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن عمر بن ~~الخطاب قال الطاغوت الشيطان. # وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال الطاغوت الكاهن، وأخرج ابن جرير عن أبي ~~العالية قال الطاغوت الساحر. وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس قال ~~الطاغوت ما يعبد من دون الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس قال العروة ms0444 الوثقى لا إله إلا الله. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن أبي حاتم عن أنس بن مالك أنها القرآن. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد أنها الإيمان، وعن سفيان ~~أنها كلمة الإخلاص. وقد ثبت في الصحيحين تفسير العروة الوثقى في غير هذه ~~الآية بالإسلام مرفوعا في تعبيره صلى الله عليه وسلم لرؤيا عبد الله بن ~~سلام. وأخرج ابن عساكر عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، فإنهما حبل الله الممدود، فمن ~~تمسك بهما، فقد تمسك بعروة الله الوثقى التي لا انفصام لها " # وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس قال إذا وحد الله وآمن بالقدر فهي العروة ~~الوثقى. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن معاذ أنه سئل عن قوله { لا ~~انفصام لها } قال لا انقطاع لها دون دخول الجنة. وأخرج ابن المنذر، ~~والطبراني عن ابن عباس في قوله { الله ولي الذين ءامنوا } ~~الآية، قال هم قوم كانوا كفروا بعيسى فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم { ~~والذين كفروا أولياؤهم الطغوت } الآية، قال هم قوم ~~آمنوا بعيسى، فلما بعث محمد كفروا به. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال ~~الظلمات الكفر. والنور الإيمان. وأخرج أبو الشيخ عن السدي مثله. ### || [2.258] # في هذه الآية استشهاد على ما تقدم ذكره، من أن الكفرة أولياؤهم الطاغوت، ~~وهمزة الاستفهام لإنكار النفي، والتقرير المنفي، أي ألم ينته علمك، أو ~~نظرك إلى هذا الذي صدرت منه هذه المحاجة؟ قال الفراء { ألم تر } بمعنى هل ~~رأيت أي هل رأيت الذي حاج إبراهيم، وهو النمروذ بن كوس بن كنعان بن سلم ~~بن نوح، وقيل إنه النمروذ بن فالخ بن عامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام. ~~وقوله { أن آته الله الملك } أي لأن آتاه الله، أو من أجل ~~أن آتاه الله، على معنى أن إيتاء الملك أبطره، وأورثه الكبر، والعتو، ~~فحاج لذلك، أو على أنه وضع المحاجة التي هي أقبح وجوه الكفر موضع ما ms0445 يجب ~~عليه من الشكر، كما يقال عاديتني لأني أحسنت إليك، أو وقت أن آتاه الله ~~الملك. وقوله { إذ قال إبرهيم } هو ظرف لحاج. وقيل بدل من قوله ~~{ أن آته الله الملك } على الوجه الأخير، وهو بعيد. قوله { ~~ربى * الذى يحيى ويميت } بفتح ياء ربي، وقرىء بحذفها. وقوله ~~{ أنا أحيى } قرأ جمهور القراء { أنا أحيى } بطرح الألف التي بعد ~~النون من أنا في الوصل، وأثبتها نافع، وابن أبي أويس، كما في قول الشاعر # أنا شيخ العشيرة فاعرفوني حميدا قد تذربت ~~السناما # أراد إبراهيم عليه السلام أن الله هو الذي يخلق الحياة، والموت في ~~الأجساد، وأراد الكافر أنه يقدر أن يعفو عن القتل، فيكون ذلك إحياء، وعلى ~~أن يقتل، فيكون ذلك إماتة، فكان هذا جوابا أحمق لا يصح نصبه في مقابلة ~~حجة إبراهيم لأنه أراد غير ما أراده الكفار، فلو قال له ربه الذي يخلق ~~الحياة، والموت في الأجساد، فهل تقدر على ذلك؟ لبهت الذي كفر باديء بدء، ~~وفي أول، وهلة، ولكنه انتقل معه إلى حجة أخرى تنفيسا لخناقه، وإرسالا ~~لعنان المناظرة فقال { إبرهيم فإن الله يأتى بالشمس ~~من المشرق فأت بها من المغرب } لكون هذه الحجة لا ~~تجري فيها المغالطة، ولا يتيسر للكافر أن يخرج عنها بمخرج مكابرة، ~~ومشاغبة. قوله { فبهت الذى كفر } بهت الرجل، وبهت، ~~وبهت إذا انقطع، وسكت متحيرا. قال ابن جرير وحكى عن بعض العرب في هذا ~~المعنى بهت بفتح الباء، والهاء. قال ابن جني قرأ أبو حيوة، " فبهت " ~~بفتح الباء، وضم الهاء، وهي لغة في بهت بكسر الهاء قال وقرأ ابن السميفع، ~~" فبهت " بفتح الباء، والهاء على معنى، فبهت إبراهيم الذي كفر، فالذي في ~~موضع نصب، قال وقد يجوز أن يكون بهت بفتحهما لغة في بهت. وحكى أبو الحسن ~~الأخفش قراءة «فبهت» بكسر الهاء، قال والأكثر بالفتح في الهاء. # قال ابن عطية وقد تأول قوم في قراءة من قرأ، " فبهت " بفتحهما أنه ~~بمعنى سب، وقذف، وأن النمروذ، هو الذي سب حين انقطع، ولم يكن له حيلة. ~~انتهى. ms0446 وقال سبحانه { فبهت الذى كفر } ولم يقل، فبهت الذي ~~حاج، إشعارا بأن تلك المحاجة كفر. وقوله { والله لا يهدى ~~القوم الظلمين } تذييل مقرر لمضمون الجملة التي قبله. وقد ~~أخرج ابن أبي حاتم، عن علي بن أبي طالب أن الذي حاج إبراهيم في ربه هو ~~نمروذ بن كنعان. وأخرجه ابن جرير، عن مجاهد، وقتادة، والربيع، والسدي. ~~وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في ~~العظمة عن زيد بن أسلم أن أول جبار كان في الأرض نمروذ، وكان الناس ~~يخرجون يمتارون من عنده الطعام، فخرج إبراهيم عليه السلام يمتار مع من ~~يمتار، فإذا مر به ناس قال من ربكم؟ قالوا أنت، حتى مر به إبراهيم، ~~فقال من ربك؟ قال الذي يحيي ويميت، قال أن أحيي وأميت، قال فإن الله يأتي ~~بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر، فرده بغير طعام. ~~فرجع إبراهيم إلى أهله، فمر على كثيب من رمل أصفر فقال ألا آخذ من هذا ~~فآتي به أهلي، فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم، فأخذ منه فأتى أهله، فوضع ~~متاعه، ثم نام، فقامت امرأته إلى متاعه، ففتحته فإذا هي بأجود طعام رآه ~~آخذ، فصنعت له منه، فقربته إليه، وكان عهده بأهله أنه ليس عندهم طعام، ~~فقال من أين هذا؟ قالت من الطعام الذي جئت به، فعرف أن الله رزقه، فحمد ~~الله، ثم بعث الله إلى الجبار ملكا أن آمن وأتركك على ملكك. قال فهل رب ~~غيري؟ فجاءه الثانية، فقال له ذلك فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة فأبى عليه، ~~فقال له الملك فاجمع جموعك إلى ثلاثة أيام، فجمع الجبار جموعه، فأمر الله ~~الملك، ففتح عليه بابا من البعوض، وطلعت الشمس، فلم يروها من كثرتها، ~~فبعثها الله عليهم، فأكلت شحومهم، وشربت دماءهم، فلم يبق إلا العظام، ~~والملك كما هو لا يصيبه من ذلك شيء، فبعث الله عليه بعوضة، فدخلت في ~~منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع ~~يديه، ثم ضرب بهما رأسه، ms0447 وكان جبارا أربعمائة سنة، فعذبه الله أربعمائة ~~سنة كملكه، ثم أماته الله، وهو الذي كان بنى صرحا إلى السماء، # فأتى الله بنيانه من القواعد # النحل26. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في الآية، قال هو نمروذ بن ~~كنعان، يزعمون أنه أول من ملك في الأرض أتى برجلين قتل أحدهما، وترك ~~الآخر، فقال { أنا أحيي وأميت }. وأخرج أبو الشيخ، عن السدي { والله ~~لا يهدى القوم الظلمين } قال إلى الإيمان. ### || [2.259] # قوله { أو كالذى } " أو " للعطف حملا على المعنى، والتقدير هل ~~رأيت كالذي حاج، أو كالذي مر على قرية؟ قاله الكسائي، والفراء. وقال ~~المبرد إن المعنى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه؟ ألم تر من هو ~~كالذي مر على قرية، فحذف قوله من هو. وقد اختار جماعة أن الكاف زائدة، ~~واختار آخرون أنها إسمية. والمشهور أن القرية هي بيت المقدس بعد تخريب ~~بختنصر لها، وقيل المراد بالقرية أهلها. وقوله { خاوية على ~~عروشها } أي ساقطة على عروشها، أي سقط السقف، ثم سقطت الحيطان عليه، ~~قاله السدي، واختاره ابن جرير، وقيل معناه خالية من الناس، والبيوت ~~قائمة، وأصل الخواء الخلو، يقال خوت الدار وخويت تخوى خواء - ممدود - ~~وخويا، وخويا أقفرت، والخواء أيضا الجوع لخلو البطن عن الغذاء، ~~والظاهر القول الأول بدلالة قوله { على عروشها } من خوى البيت ~~إذا سقط، أو من خوت الأرض إذا تهدمت، وهذه الجملة حالية أي من حال كونها ~~كذلك. وقوله { أنى يحيي هذه الله } أي متى يحيي، أو كيف ~~يحيي، وهو استبعاد لإحيائها، وهي على تلك الحالة المشابهة لحالة الأموات ~~المباينة لحالة الأحياء، وتقديم المفعول لكون الاستبعاد ناشئا من جهته ~~لا من جهة الفاعل. فلما قال المار هذه المقالة مستبعدا لإحياء القرية ~~المذكورة بالعمارة لها، والسكون فيها ضرب الله له المثل في نفسه بما هو ~~أعظم مما سأل عنه { فأماته الله مائة عام ثم بعثه } ~~وحكى الطبري عن بعضهم أنه قال كان هذا القول شكا في قدرة الله على ~~الإحياء، فلذلك ضرب له المثل في نفسه. قال ابن ms0448 عطية ليس يدخل شك في قدرة ~~الله سبحانه على إحياء قرية بجلب العمارة إليها، وإنما يتصور الشك إذا ~~كان سؤاله، عن إحياء موتاها. وقوله { مائة عام } منصوب على ~~الظرفية. والعام السنة أصله مصدر كالعوم سمي به هذا القدر من الزمان. ~~وقوله { بعثه } معناه أحياه. قوله { قال كم لبثت } هو ~~استئناف كأن سائلا سأله ماذا قال له بعد بعثه؟ واختلف في فاعل قال فقيل ~~هو الله عز وجل، وقيل ناداه بذلك ملك من السماء، قيل هو جبريل، وقيل ~~غيره، وقيل إنه نبي من الأنبياء. قيل رجل من المؤمنين من قومه شاهده عند ~~أن أماته الله، وعمر إلى عند بعثه. والأول أولى لقوله فيما بعد { ~~وانظر إلى العظام كيف ننشزها } وقرأ ابن عامر، وأهل ~~الكوفة إلا عاصما { كم لبثت } بإدغام الثاء في التاء لتقاربهما في ~~المخرج. وقرأ غيرهم بالإظهار، وهو أحسن لبعد مخرج الثاء من مخرج التاء. ~~و«كم» في موضع نصب على الظرفية، وإنما قال { يوما أو بعض يوم ~~} بناء على ما عنده، وفي ظنه، فلا يكون كاذبا، ومثله قول أصحاب الكهف # قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم # الكهف 19 ومثله قوله صلى الله عليه وسلم في قصة ذي اليدين # " لم تقصر ولم أنس " # وهذا ما يؤيد قول من قال إن الصدق ما طابق الاعتقاد، والكذب ما خالفه. ~~وقوله { قال بل لبثت مائة عام } هو استئناف أيضا كما سلف ~~أي ما لبثت يوما، أو بعض يوم بل لبثت مائة عام. وقوله { فانظر إلى ~~طعامك وشرابك لم يتسنه } أمره سبحانه أن ينظر إلى هذا ~~الأثر العظيم من آثار القدرة، وهو عدم تغير طعامه، وشرابه مع طول تلك ~~المدة. وقرأ ابن مسعود «وهذا طعامك وشرابك لم يتسنه» وقرأ طلحة ابن ~~مصرف «وانظر لطعامك وشرابك لمائة سنة». وروى عن طلحة أيضا أنه قرأ «لم ~~يسن» بإدغام التاء في السين، وحذف الهاء. وقرأه الجمهور بإثبات الهاء ~~في الوصل، والتسنه مأخوذ من السنة أي لم تغيره السنون، وأصلها سنهة، أو ~~سنوة من سنهت النخلة، وتسنهت إذا أتت ms0449 عليها السنون، ونخلة سنا أي تحمل ~~سنة، ولا تحمل أخرى، وأسنهت عند بني فلان أقمت عندهم، وأصله يتسنا سقطت ~~الألف للجزم، والهاء للسكت. وقيل هو من أسن الماء إذا تغير، وكان يجب ~~على هذا أن يقال يتأسن من قوله # حمإ مسنون # الحجر 26، 33 قاله أبو عمرو الشيباني. وقال الزجاج ليس كذلك لأن قوله { ~~مسنون } ليس معناه متغير، وإنما معناه مصبوب على سنه الأرض. وقوله ~~{ وانظر إلى حمارك } اختلف المفسرون في معناه، فذهب الأكثر إلى ~~أن معناه انظر إليه كيف تفرقت أجزاؤه، ونخرت عظامه، ثم أحياه الله، وعاد ~~كما كان. وقال الضحاك، ووهب بن منبه انظر إلى حمارك قائما في مربطه لم ~~يصبه شيء بعد أن مضت عليه مائة عام، ويؤيد القول الأول قوله تعالى { ~~وانظر إلى العظام كيف ننشزها } ويؤيد القول الثاني مناسبته ~~لقوله { فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } وإنما ~~ذكر سبحانه عدم تغير طعامه، وشرابه، بعد إخباره أنه لبث مائة عام، مع أن ~~عدم تغير ذلك الطعام، والشراب لا يصلح أن يكون دليلا على تلك المدة ~~الطويلة، بل على ما قاله من لبثه يوما، أو بعض يوم لزيادة استعظام ذلك ~~الذي أماته الله تلك المدة، فإنه إذا رأى طعامه، وشرابه لم يتغير مع كونه ~~قد ظن أنه لم يلبث إلا يوما، أو بعض يوم زادت الحيرة، وقويت عليه ~~الشبهة، فإذا نظر إلى حماره عظاما نخرة تقرر لديه أن ذلك صنع من تأتي ~~قدرته بما لا تحيط به العقول، فإن الطعام، والشراب سريع التغير. وقد بقي ~~هذه المدة الطويلة غير متغير، والحمار يعيش المدة الطويلة. # وقد صار كذلك # فتبارك الله أحسن الخلقين # المؤمنون 14. قوله { ولنجعلك ءاية للناس } قال الفراء إنه ~~أدخل الواو في قوله { ولنجعلك } دلالة على أنها شرط لفعل بعدها ~~معناه ولنجعلك آية للناس، ودلالة على البعث بعد الموت جعلنا ذلك. وإن شئت ~~جعلت الواو مقحمة زائدة. قال الأعمش موضع كونه آية هو أنه جاء شبابا على ~~حاله يوم مات، فوجد الأبناء، والحفدة شيوخا. قوله وانظر إلى العظام ms0450 كيف ~~ننشزها» قرأ الكوفيون، وابن عامر بالزاي، والباقون بالراء. وروى أبان عن ~~عاصم «ننشرها» بفتح النون الأولى، وسكون الثانية، وضم الشين، والراء. ~~وقد أخرج الحاكم وصححه، عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قرأ «كيف ننشزها» بالزاي. فمعنى القراءة بالزاي نرفعها، ومنه النشر وهو ~~المرتفع من الأرض أي يرفع بعضها إلى بعض. وأما معنى القراءة بالراء ~~المهملة، فواضحة من أنشر الله الموتى أي أحياهم، وقوله { ثم ~~نكسوها لحما } أي نسترها به كما نستر الجسد باللباس، فاستعار ~~اللباس لذلك، كما استعاره النابغة للإسلام، فقال # فالحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من ~~الإسلام سربالا # قوله { فلما تبين له } أي ما تقدم ذكره من الآيات التي أراه ~~الله سبحانه، وأمره بالنظر إليها، والتفكر فيها { قال أعلم أن ~~الله على كل شيء قدير } لا يستعصي عليه شيء من الأشياء. ~~قال ابن جرير المعنى في قوله { فلما تبين له } أي لما اتضح له ~~عيانا ما كان مستنكرا في قدرة الله عنده قبل عيانه. { قال أعلم } ~~وقال أبو علي الفارسي معناه أعلم أن هذا الضرب من العلم الذي لم أكن ~~علمته. وقرأ حمزة، والكسائي " قال أعلم " على لفظ الأمر خطابا ~~لنفسه على طريق التجريد. وقد أخرج عبد بن حيمد، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والحاكم وصححه عن علي في قوله { أو كالذى مر على ~~قرية } قال خرج عزير نبي الله من مدينته، وهو شاب، فمر على قرية ~~خربة، وهي خاوية على عروشها، فقال { أنى يحيى هذه الله بعد موتها ~~فأماته الله مائة عام ثم بعثه } فأول ما خلق الله عيناه، فجعل ينظر إلى ~~عظامه ينضم بعضها إلى بعض، ثم كسيت لحما، ثم نفخ فيه الروح، فقيل له { ~~كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل ~~لبثت مائة عام } فأتى مدينته. وقد ترك جارا له إسكافا ~~شابا، فجاء، وهو شيخ كبير. وقد روي عن جماعة من السلف أن الذي أماته ~~الله عزير، منهم ابن عباس عند ابن جرير، وابن ms0451 عساكر، ومنهم عبد الله بن ~~سلام عند الخطيب، وابن عساكر، ومنهم عكرمة، وقتادة، وسليمان، وبريدة، ~~والضحاك، والسدي عند ابن جرير، وورود عن جماعة آخرين أن الذي أماته الله ~~هو نبي اسمه أرمياء، فمنهم عبد الله بن عبيد بن عمير، عند عبد بن حميد، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ومنهم وهب بن منبه، عند عبد الرزاق، وابن ~~جرير، وأبي الشيخ. # وأخرج ابن إسحاق عنه أيضا أنه الخضر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن رجل من ~~أهل الشام أنه حزقيل. وروى ابن كثير، عن مجاهد أنه رجل من بني إسرائيل. ~~والمشهور القول الأول، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ~~{ خاوية } قال خراب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة قال { خاوية } ~~ليس فيها أحد. وأخرج أيضا عن الضحاك قال { على عروشها } سقوفها. ~~وأخرج ابن جرير، عن السدي قال ساقطة على سقوفها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~قتادة قال { لبثت يوما } ثم التفت فرأى الشمس، فقال { أو بعض ~~يوم }. وأخرج عنه أيضا قال كان طعامه الذي معه سلة من تين، وشرابه ~~زق من عصير. وأخرج أيضا عن مجاهد نحوه. وأخرج أبو يعلى، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لم يتسنه } ~~قال لم يتغير. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير قال { لم يتسنه } لم ~~ينتن. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود في قوله { ولنجعلك ءاية ~~للناس } مثل ما تقدم عن الأعمش، وكذلك أخرج مثله أيضا عن عكرمة. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { كيف ننشزها } ~~قال نخرجها. وأخرج ابن جرير، عن زيد بن ثابت قال نحييها. ### || [2.260] # قوله " وإذ " ظرف منصوب بفعل محذوف، أي اذكر وقت قول إبراهيم، وإنما ~~كان الأمر بالذكر موجها إلى الوقت دون ما وقع فيه مع كونه المقصود لقصد ~~المبالغة لأن طلب وقت الشيء يستلزم طلبه بالأولى، وهكذا يقال في سائر ~~المواضع الواردة في الكتاب العزيز بمثل هذا الظرف. وقوله { رب } آثره ~~على غيره لما فيه من ms0452 الاستعطاف الموجب لقبول ما يرد بعده من الدعاء. ~~وقوله { أرنى } قال الأخفش لم يرد رؤية القلب، وإنما أراد رؤية العين، ~~وكذا قال غيره، ولا يصح أن يراد الرؤية القلبية هنا لأن مقصود إبراهيم أن ~~يشاهد الإحياء لتحصل له الطمأنينة، والهمزة الداخلة على الفعل لقصد ~~تعديته إلى المفعول الثاني، وهو الجملة أعني قوله { كيف تحى ~~الموتى } وكيف في محل نصب على التشبيه بالظرف، أو بالحال، والعامل ~~فيها الفعل الذي بعدها. وقوله { أولم تؤمن } عطف على مقدر أي ألم ~~تعلم، ولم تؤمن بأني قادر على الإحياء حتى تسألني إراءته؟ { قال بلى ~~} علمت، وآمنت بأنك قادر على ذلك، ولكن سألت ليطمئن قلبي باجتماع دليل ~~العيان إلى دلائل الإيمان. وقد ذهب الجمهور إلى أن إبراهيم لم يكن شاكا ~~في إحياء الموتى قط، وإنما طلب المعاينة لما جبلت عليه النفوس البشرية ~~من رؤية ما أخبرت عنه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم # " ليس الخبر كالمعاينة " # وحكى ابن جرير، عن طائفة من أهل العلم أنه سأل ذلك لأنه شك في قدرة ~~الله. واستدلوا بما صح عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين، وغيرهما من ~~قوله # " نحن أحق بالشك من إبراهيم " # وبما روى عن ابن عباس أنه قال «ما في القرآن عندي آية أرجى منها». أخرجه ~~عنه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، ~~ورجح هذا ابن جرير بعد حكايته له. قال ابن عطية وهو عندي مردود، يعني قول ~~هذه الطائفة، ثم قال وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم # " نحن أحق بالشك من إبراهيم " # فمعناه أنه لو كان شاكا لكنا نحن أحق به، ونحن لا نشك، فإبراهيم أحرى ~~أن لا يشك. فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم. وأما قول ابن عباس هي ~~أرجى آية، فمن حيث أن فيها الإدلال على الله، وسؤال الإحياء في الدنيا، ~~وليست مظنة ذلك. ويجوز أن نقول هي أرجى آية لقوله { أولم تؤمن } ~~أي أن الإيمان كاف لا يحتاج معه إلى تنقير، وبحث، قال فالشك يبعد ms0453 على من ~~ثبت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوة، والخلة؟ والأنبياء معصومون ~~من الكبائر، ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعا، وإذا تأملت سؤاله عليه ~~السلام، وسائر الألفاظ للآية لم تعط شكا، وذلك أن الاستفهام ب { كيف } ~~إنما هو سؤال عن حالة شيء موجود متقرر الوجود عند السائل، والمسئول نحو ~~قولك كيف علم زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ ونحو هذا، ومتى قلت كيف ثوبك؟ وكيف ~~زيد؟ فإنما السؤال عن حال من أحواله. # وقد تكون { كيف } خبرا، عن شيء شأنه أن يستفهم، عنه بكيف نحو قولك كيف ~~شئت فكن، ونحو قول البخاري كيف كان بدء الوحي؟ وهي في هذه الآية استفهام، ~~عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود ~~شيء قد يعبرون، عن إنكاره بالاستفهام، عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا ~~تصح، فيلزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح، مثال ذلك أن يقول مدع أنا ~~أرفع هذا الجبل، فيقول المكذب له أرني كيف ترفعه. فهذه طريقة مجاز في ~~العبارة، ومعناها تسليم جدل، كأنه يقول افرض أنك ترفعه. فلما كان في ~~عبارة الخليل هذا الاشتراك المجازي خلص الله له ذلك، وحمله على أن بين له ~~الحقيقة، فقال له { أولم تؤمن قال بلى } فكمل الأمر، وتخلص ~~من كل شيء، ثم علل عليه السلام سؤاله بالطمأنينة. قال القرطبي هذا ما ~~ذكره ابن عطية، وهو بالغ، ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل ~~هذا الشك، فإنه كفر، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث. وقد أخبر الله ~~سبحانه أن أنبياءه، وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال # إن عبادى ليس لك عليهم سلطن # الإسراء 65. وقال اللعين # إلا عبادك منهم المخلصين # الحجر 40 وإذا لم يكن له عليهم سلطنة، فكيف يشككهم، وإنما سأل أن يشاهد ~~كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها، واتصال الأعصاب، والجلود بعد ~~تمزيقها، فأراد أن يرقى من علم اليقين إلى عين اليقين، فقوله { أرنى ~~كيف } طلب مشاهدة الكيفية. قال الماوردي وليست الألف في قوله { ~~أولم تؤمن } ألف الاستفهام، وإنما هي ms0454 ألف إيجاب، وتقرير، كما قال ~~جرير # ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون ~~راح # والواو واو الحال، و { تؤمن } معناه إيمانا مطلقا دخل فيه فضل إحياء ~~الموتى، والطمأنينة اعتدال، وسكون. وقال ابن جرير معنى { ليطمئن ~~قلبى } ليوقن. قوله { فخذ أربعة من الطير } الفاء جواب ~~شرط محذوف أي إن أردت ذلك فخذ، والطير اسم جمع لطائر كركب لراكب، أو جمع، ~~أو مصدر، وخص الطير بذلك، قيل لأنه أقرب أنواع الحيوان إلى الإنسان، وقيل ~~إن الطير همته الطيران في السماء، والخليل كانت همته العلو، وقيل غير ~~ذلك من الأسباب الموجبة لتخصيص الطير. وكل هذه لا تسمن، ولا تغني من جوع، ~~وليس إلا خواطر أفهام، وبوادر أذهان لا ينبغي أن تجعل وجوها لكلام الله، ~~وعللا لما يرد في كلامه، وهكذا قيل ما وجه تخصيص هذا العدد، فإن ~~الطمأنينة تحصل بإحياء واحد؟ فقيل إن الخليل إنما سأل واحدا على عدد ~~العبودية، فأعطى أربعا على قدر الربوبية، وقيل إن الطيور الأربعة إشارة ~~إلى الأركان الأربعة التي منها تتركب أركان الحيوان، ونحو ذلك من ~~الهذيان. # قوله { فصرهن إليك } قرىء بضم الصاد، وكسرها أي اضممهن إليك، ~~وأملهن، واجمعهن، يقال رجل أصور إذا كان مائل العنق، ويقال صار الشيء ~~يصوره أماله. قال الشاعر # الله يعلم أنا في تلفتنا يوم الفراق إلى ~~جيراننا صور # وقيل معناه قطعهن. يقال صار الشيء يصوره، أي قطعه، ومنه قول توبة بن ~~الحمير # فأدنت لي الأسباب حتى بلغتها بنهضى وقد كاد ~~اجتماعي يصورها # أي يقطعها، وعلى هذا يكون قوله { إليك } متعلقا بقوله { خذ }. ~~وقوله { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } فيه الأمر ~~بالتجزئة لأن جعل كل جزء على جبل تستلزم تقدم التجزئة. قال الزجاج ~~المعنى، ثم اجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءا، والجزء النصيب. وقوله ~~{ يأتينك } في محل جزم على أنه جواب الأمر، ولكنه بني لأجل نون ~~الجمع المؤنث. وقوله { سعيا } المراد به الإسراع في الطيران، أو ~~المشي. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن ms0455 عباس قال إن ~~إبراهيم مر برجل ميت زعموا أنه حبشي على ساحل البحر، فرأى دواب البحر ~~تخرج، فتأكل منه، وسباع الأرض تأتيه، فتأكل منه، والطير يقع عليه، فيأكل ~~منه، فقال إبراهيم عند ذلك رب، هذه دواب البحر تأكل من هذا، وسباع ~~الأرض، والطير، ثم تميت هذه فتبلى، ثم تحييها، فأرني كيف تحيي الموتى؟ { ~~قال أولم تؤمن } يا إبراهيم أني أحيي الموتى؟ { قال بلى } ~~يا رب { ولكن ليطمئن قلبى } يقول لأرى من آياتك، وأعلم ~~أنك قد أجبتني، فقال الله خذ أربعا من الطير، واصنع ما صنع، والطير الذي ~~أخذ وز، ورأل، وديك، وطاوس، وأخذ نصفين مختلفين ثم أتى أربعة أجبل، ~~فجعل على كل جبل نصفين مختلفين، وهو قوله { ثم اجعل على كل ~~جبل منهن جزءا } ثم تنحى ورءوسها تحت قدميه، فدعا باسم الله ~~الأعظم، فرجع كل نصف إلى نصفه، وكل ريش إلى طائره، ثم أقبلت تطير بغير ~~رءوس إلى قدميه تريد رءوسها بأعناقها، فرفع قدميه، فوضع كل طائر منها ~~عنقه في رأسه، فعادت كما كانت. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ~~قتادة نحوه. وأخرج أيضا، عبد بن حميد، وابن المنذر، عن الحسن، نحوه. ~~وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج أنها كانت جيفة حمار. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله { ولكن ~~ليطمئن قلبى } يقول أعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا ~~سألتك. # وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { فخذ أربعة من ~~الطير } قال الغرنوق، والطاوس، والديك، والحمامة. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، قال الأربعة من الطير ~~الديك، والطاوس، والغراب، والحمام وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس { قصرهن } قال قطعهن. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه قال هي بالنبطية شققهن. وأخرجا عنه ~~أنه قال { فصرهن } أوثقهن، وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال وضعهن على ~~سبعة أجبل، وأخذ الرءوس بيده، فجعل ينظر إلى ms0456 القطرة تلقي القطرة، والريشة ~~تلقي الريشة حتى صرن أحياء ليس لهن رءوس، فجئن إلى رءوسهن، فدخلن فيها. ### || [2.261-265] # قوله { كمثل حبة } لا يصح جعل هذا خبرا عن قوله { مثل ~~الذين ينفقون } لاختلافهما، فلا بد من تقدير محذوف إما في الأول ~~أي مثل نفقة الذين ينفقون، أو في الثاني أي كمثل زارع حبة، والمراد ~~بالسبع السنابل هي التي تخرج في ساق واحد يتشعب منه سبع شعب في كل شعبة ~~سنبلة، والحبة اسم لكل ما يزدرعه ابن آدم، ومنه قول المتلمس # آليت حب العراق الدهر أطعمه والحب يأكله في القرية ~~السوس # قيل المراد بالسنابل هنا سنابل الدخن، فهو الذي يكون في السنبلة منه هذا ~~العدد. وقال القرطبي إن سنبل الدخن يجيء في السنبلة منه أكثر من هذا ~~العدد بضعفين، وأكثر على ما شاهدنا. قال ابن عطية وقد يوجد في سنبل القمح ~~ما فيه مائة حبة، وأما في سائر الحبوب، فأكثر، ولكن المثال، وقع بهذا ~~القدر. وقال الطبري إن قوله { في كل سنبلة مائة حبة } ~~معناه إن وجد ذلك، وإلا فعلى أن تفرضه. قوله { والله يضعف ~~لمن يشاء } يحتمل أن يكون المراد يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء، أو ~~يضاعف هذا العدد، فيزيد عليه أضعافه لمن يشاء، وهذا هو الراجح لما سيأتي. ~~وقد ورد القرآن بأن الحسنة بعشر أمثالها، واقتضت هذه الآية بأن نفقة ~~الجهاد حسنتها بسبعمائة ضعف، فيبني العام على الخاص، وهذا بناء على أن ~~سبيل الله هو الجهاد فقط، وأما إذا كان المراد به وجوه الخير، فيخص هذا ~~التضعيف إلى سبعمائة بثواب النفقات، وتكون العشرة الأمثال فيما عدا ذلك. ~~قوله { الذين ينفقون أمولهم في سبيل الله } هذه ~~الجملة متضمنة لبيان كيفية الإنفاق الذي تقدم، أي هو إنفاق الذين ~~ينفقون، ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا، ولا أذى. والمن هو ذكر النعمة على ~~معنى التعديد لها، والتقريع بها، وقيل المن التحدث بما أعطى حتى يبلغ ~~ذلك المعطي فيؤذيه، والمن من الكبائر، كما ثبت في صحيح مسلم، وغيره أنه ~~أحد الثلاثة الذين لا ينظر ms0457 الله إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب عظيم. ~~والأذى السب، والتطاول، والتشكي. قال في الكشاف ومعنى «ثم» إظهار التفاوت ~~بين الإنفاق، وترك المن، والأذى، وإن تركهما خير من نفس الإنفاق، كما ~~جعل الاستقامة على الإيمان خيرا من الدخول فيه بقوله # ثم استقموا # فصلت 30. انتهى. وقدم المن على الأذى لكثرة وقوعه، ووسط كلمة " لا " ~~للدلالة على شمول النفي. وقوله { عند ربهم } فيه تأكيد، وتشريف. ~~وقوله { ولا خوف عليهم } ظاهره نفي الخوف عنهم. في الدارين لما ~~تفيده النكرة الواقعة في سياق النفي من الشمول، وكذلك { ولا هم ~~يحزنون } يفيد دوام انتفاء الحزن عنهم. # قوله { قول معروف ومغفرة } قيل الخبر محذوف أي أولى، ~~وأمثل، ذكره النحاس. قال ويجوز أن يكون خبرا، عن مبتدأ محذوف، أي الذي ~~أمرتم به قول معروف. وقوله { ومغفرة } مبتدأ أيضا، وخبره قوله { ~~خير من صدقة } وقيل إن قوله { خير } خبر عن قوله { قول معروف } ~~وعن قوله { ومغفرة } وجاز الابتداء بالنكرتين لأن الأولى تخصصت بالوصف، ~~والثانية بالعطف، والمعنى أن القول المعروف من المسؤول للسائل، وهو ~~التأنيس، والترجية بما عند الله، والرد الجميل خير من الصدقة التي يتبعها ~~أذى. وقد ثبت في صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم # " الكلمة الطيبة صدقة " ، و " إن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق " # وما أحسن ما قاله ابن دريد # لا تدخلنك ضجرة من سائل فلخير دهرك أن ترى مسئولا لا ~~تجبهن برد وجه مؤمل فبقاء عزك أن ترى مأمولا # والمراد بالمغفرة الستر للخلة، وسوء حالة المحتاج، والعفو عن السائل إذا ~~صدر منه من الإلحاح ما يكدر صدر المسئول، وقيل المراد أن العفو من جهة ~~السائل لأنه إذا ردة ردا جميلا عذره، وقيل المراد فعل يؤدى إلى المغفرة ~~خير من صدقة أي غفران الله خير من صدقتكم. وهذه الجملة مستأنفة مقدرة ~~لترك اتباع المن، والأذى للصدقة. قوله { يأيها الذين ءامنوا ~~لا تبطلوا صدقتكم بالمن والاذى } الإبطال للصدقات ~~إذهاب أثرها، وإفساد منفعتها، أي لا تبطلوها بالمن، والأذى، أو ~~بأحدهما، قوله { كالذى } أي إبطالا كإبطال الذي على ms0458 أنه نعت لمصدر ~~محذوف، ويجوز أن يكون حالا أي لا تبطلوا مشابهين للذي ينفق ماله رئاء ~~الناس، وانتصاب رئاء على أنه علة لقوله { ينفق } أي لأجل الرئاء، أو ~~حال أي ينفق مرائيا لا يقصد بذلك وجه الله، وثواب الآخرة، بل يفعل ذلك ~~رياء للناس استجلابا لثنائهم عليه، ومدحهم له. قيل والمراد به المنافق ~~بدليل قوله { ولا يؤمن بالله واليوم الاخر }. قوله { ~~فمثله كمثل صفوان } الصفوان الحجر، الكبير، الأملس. وقال ~~الأخفش صفوان جمع صفوانة. وقال الكسائي صفوان واحد، وجمعه صفي، وأصفى، ~~وأنكره المبرد. وقال النحاس يجوز أن يكون جمعا، ويجوز أن يكون واحدا، ~~وهو أولى لقوله { عليه تراب فأصابه وابل } والوابل المطر ~~الشديد، مثل الله سبحانه هذا المنفق بصفوان عليه تراب يظنه الظان أرضا ~~منبتة طيبة، فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب، وبقي صلدا أي ~~أجرد نقيا من التراب الذي كان عليه، فكذلك هذا المرائي، فإن نفقته لا ~~تنفعه، كما لا ينفع المطر الواقع على الصفوان الذي عليه تراب. قوله { ~~لا يقدرون على شىء مما كسبوا } أي لا ينتفعون بما ~~فعلوه رياء، ولا يجدون له ثوابا، والجملة مستأنفة، كأنه قيل ماذا يكون ~~حالهم حينئذ؟ فقيل لا يقدرون الخ، والضميران للموصول أي كالذي باعتبار ~~المعنى، كما في قوله تعالى # وخضتم كالذي خاضوا # التوبة 69 أي الجنس، أو الجمع، أو الفريق. قوله { ومثل الذين ~~ينفقون أمولهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من ~~أنفسهم } قيل إن قوله { ابتغاء مرضت الله } مفعول له، و ~~{ تثبيتا } معطوف عليه، وهو أيضا مفعول له. أي الإنفاق لأجل الابتغاء. ~~والتثبيت كذا قال مكي في المشكل. قال ابن عطية وهو مردود لا يصح في { ~~تثبيتا } أنه مفعول من أجله لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت. قال { ~~ابتغاء } نصب على المصدر في موضع الحال، وكان يتوجه فيه النصب على ~~المفعول من أجله، لكن النصب على المصدر هو الصواب من جهة عطف المصدر الذي ~~هو تثبيتا عليه، وابتغاء معناه طلب، ومرضات مصدر رضي يرضى، وتثبيتا ~~معناه أنهم يتثبتون من أنفسهم ببذل ms0459 أموالهم على الإيمان، وسائر العبادات ~~رياضة لها، وتدريبا، وتمرينا، أو يكون التثبيت بمعنى التصديق أي ~~تصديقا للإسلام ناشئا من جهة أنفسهم. وقد اختلف السلف في معنى هذا ~~الحرف، فقال الحسن، ومجاهد معناه أنهم يتثبتون أين يضعوا صدقاتهم، وقيل ~~معناه تصديقا، ويقينا، روى ذلك عن ابن عباس، وقيل معناه احتسابا من ~~أنفسهم، قاله قتادة، وقيل معناه أن أنفسهم لها بصائر، فهي تثبتهم على ~~الإنفاق في طاعة الله تثبيتا. قاله الشعبي، والسدي، وابن زيد، وأبو ~~صالح، وهذا أرجح مما قبله. يقال ثبت فلانا في هذا الأمر أثبته ~~تثبيتا أي صححت عزمه قوله { كمثل جنة بربوة أصابها ~~وابل } الجنة البستان، وهي أرض تنبت فيها الأشجار حتى تغطيها، مأخوذة ~~من لفظ الجن، والجنين لاستتارها. والربوة المكان المرتفع ارتفاعا ~~يسيرا، وهي مثلثة الراء، وبها قرىء وإنما خص الربوة، لأن نباتها يكون ~~أحسن من غيره، مع كونه لا يصطلمه البرد في الغالب للطافة هوائه بهبوب ~~الرياح الملطفة له، قال الطبري وهي رياض الحزن التي تستكثر العرب من ~~ذكرها، واعترض ابن عطية، فقال إن رياض الحزن منسوبة إلى نجد لأنها خير من ~~رياض تهامة، ونبات نجد أعطر، ونسيمه أبرد وأرق، ونجد يقال لها حزن، وليست ~~هذه المذكورة هنا من ذاك، ولفظ الربوة مأخوذ من ربا يربو إذا زاد. وقال ~~الخليل الربوة أرض مرتفعة طيبة. والوابل المطر الشديد، كما تقدم، يقال ~~وبلت السماء تبل، والأرض موبولة. قال الأخفش ومنه قوله تعالى # أخذا وبيلا # المزمل 16 أي شديدا، وضرب وبيل، وعذاب وبيل { فأتت أكلها } بضم ~~الهمزة الثمر الذي يؤكل كقوله تعالى # تؤتى أكلها كل حين # إبراهيم 25 وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص، كسرج الفرس، وباب الدار قرأ ~~نافع، وابن كثير، وأبو عمر و " أكلها " بضم الهمزة، وسكون الكاف تخفيفا. ~~وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي بتحريك الكاف بالضم. وقوله { ~~ضعفين } أي مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل. # فالمراد بالضعف المثل. وقيل أربعة أمثال، ونصبه على الحال من أكلها أي ~~مضاعفا. قوله { فإن لم يصبها وابل فطل } أي فإن الطل ms0460 ~~يكفيها وهو المطر الضعيف المستدق القطر. قال المبرد، وغيره وتقديره فطل ~~يكفيها. وقال الزجاج تقديره، فالذي يصيبها طل، والمراد أن الطل ينوب ~~مناب الوابل في إخراج الثمرة ضعفين. وقال قوم الطل الندى، وفي الصحاح ~~الطل أضعف المطر، والجمع أطلال. قال الماوردي وزرع الطل أضعف من زرع ~~المطر. والمعنى أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله لا تضيع بحال، وإن كانت ~~متفاوتة، ويجوز أن يعتبر التمثيل ما بين حالهم باعتبار ما صدر عنهم من ~~النفقة الكثيرة والقليلة، وبين الجنة المعهودة باعتبار ما أصابها من ~~المطر الكثير، والقليل، فكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكلها، فكذلك ~~نفقتهم جلت، أو قلت بعد أن يطلب بها وجه الله زاكية زائدة في أجورهم. ~~وقوله { والله بما تعلمون بصير }. قرأ الزهري بالتاء ~~التحتية. وقرأ الجمهور بالفوقية، وفي هذا ترغيب لهم في الإخلاص مع ترهيب ~~من الرياء، ونحوه، فهو وعد، ووعيد. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم في ~~قوله { كمثل حبة أنبتت سبع سنابل } عن الربيع قال كان ~~من «بايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة، ورابط معه بالمدينة، ولم ~~يذهب وجها، إلا بإذنه، كانت له الحسنة بسبعمائة ضعف، ومن بايع على ~~الإسلام كانت الحسنة له عشر أمثالها». وأخرج أحمد، والنسائي، والحاكم، ~~والبيهقي، عن ابن مسعود أن رجلا تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة " # وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن حبان، والحاكم وصححه، ~~والبيهقي في الشعب عن خزيم بن فاتك قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " من أنفق نفقة في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف " # وأخرجه البخاري في تاريخه من حديث أنس. وأخرجه أحمد من حديث أبي عبيدة ~~وزاد # " ومن أنفق على نفسه، وأهله، أو عاد مريضا، فالحسنة بعشر أمثالها " # وأخرج نحوه النسائي في الصوم. وأخرج ابن ماجه، وابن أبي حاتم، من حديث ~~عمران بن حصين، وعلي، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وأبي أمامة، وعبد الله ~~بن عمرو، ms0461 وجابر، كلهم، يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من أرسل بنفقة في سبيل الله، وأقام في بيته، فله بكل درهم يوم القيامة ~~سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله، وأنفق في وجهه ذلك، فله بكل ~~درهم يوم القيامة سبعمائة ألف درهم، ثم تلا هذه الآية { والله ~~يضعف لمن يشاء } " # وأخرجه أيضا ابن ماجه، من حديث الحسن بن علي. # وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء ~~الله، يقول الله إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به " # وأخرجه أيضا مسلم. وأخرج الطبراني من حديث معاذ بن جبل أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال # " طوبى لمن أكثر، في الجهاد في سبيل الله من ذكر الله، فإن له بكل كلمة ~~سبعين ألف حسنة، كل حسنة منها عشرة أضعاف " # وقد تقدم ذكر طرف من أحاديث التضعيف للحسنات عند قوله تعالى # من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة # البقرة 245. وقد وردت الأحاديث الصحيحة في أجر من جهز غازيا. وأخرج أبو ~~داود، والحاكم وصححه، عن سهل بن معاذ، عن أبيه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " إن الصلاة، والصوم، والذكر تضاعف على النفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف ~~" # وأخرج أحمد، والطبراني في الأوسط، والبيهقي في سننه عن بريدة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف " # وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال في تفسير قوله تعالى { ثم لا ~~يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى } إن أقواما يبعثون الرجل ~~منهم في سبيل الله، أو ينفق على الرجل، أو يعطيه النفقة، ثم يمن عليه ~~ويؤذيه يعني أن هذا سبب النزول. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة ~~نحوه. وقد وردت الأحاديث الصحيحة في النهي، عن المن، والأذى، وفي فضل ~~الإنفاق في سبيل الله، وعلى الأقارب، ms0462 وفي وجوه الخير، ولا حاجة إلى ~~التطويل بذكرها، فهي معروفة في مواطنها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمرو بن ~~دينار قال بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ما من صدقة أحب إلى الله من قول الحق، ألم تسمع قول الله تعالى { ~~قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى } ~~" # وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك في قوله { قول معروف } قال رد ~~جميل، تقول يرحمك الله، يرزقك الله، ولا تنهره، ولا تغلظ له القول. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال «لا يدخل الجنة منان، وذلك في كتاب الله ~~{ لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى } ». وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { صفوان } ~~يقول الحجر { فتركه صلدا } يقول ليس عليه شيء. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال الوابل المطر. وأخرجا عن قتادة قال ~~الوابل المطر الشديد. قال وهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة ~~{ لا يقدرون على شىء مما كسبوا } يومئذ، كما ترك هذا ~~المطر هذا الحجر ليس عليه شيء أنقى مما كان. # وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس { فتركه صلدا } قال يابسا ~~جاثيا لا ينبت شيئا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع في قوله { ومثل ~~الذين ينفقون أمولهم ابتغاء مرضات الله } قال ~~هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ~~الشعبي في قوله { وتثبيتا من أنفسهم } قال تصديقا، ويقينا. ~~وأخرج ابن جرير، عن أبي صالح نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير قال ~~يتثبتون أين يضعون أموالهم. وأخرجا عن الحسن قال كان الرجل إذا هم ~~بصدقة تثبت، فإن كان لله أمضاه، وإن خالطه شيء من الرياء أمسك. وأخرج ابن ~~المنذر، عن قتادة في قوله { تثبيتا } قال النية، وأخرج الحاكم وصححه، ~~عن ابن عباس قال الربوة النشز من الأرض. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال ~~الربوة الأرض المستوية المرتفعة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن ~~عباس قال هي المكان المرتفع الذي لا ms0463 تجري فيه الأنهار. وأخرج ابن جرير ~~عنه في قوله تعالى { فطل } قال الندي. أخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، عن الضحاك قال الطل الرذاذ من المطر يعني اللين منه. وأخرجا عن ~~قتادة قال هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن يقول ليس لخيره خلف كما ليس ~~لخير هذه الجنة خلف على أي حال كان، إن أصابها وابل، وإن أصابها طل. ### || [2.266] # الود الحب للشيء مع تمنيه، والهمزة الداخلة على الفعل، لإنكار الوقوع، ~~والجنة تطلق على الشجر الملتف، وعلى الأرض التي فيها الشجر. والأول أولى ~~هنا لقوله { تجرى من تحتها الأنهر } بإرجاع الضمير إلى ~~الشجر من دون حاجة إلى مضاف محذوف، وأما على الوجه الثاني، فلا بد من ~~تقديره، أي من تحت أشجارها، وهكذا قوله { فاحترقت } لا يحتاج إلى ~~تقدير مضاف على الوجه الأول، وأما على الثاني، فيحتاج إلى تقديره، أي ~~فاحترقت أشجارها، وخص النخيل، والأعناب بالذكر مع قوله { له فيها من ~~كل الثمرت } لكونهما أكرم الشجر، وهذه الجمل صفات للجنة، والواو ~~في قوله { وأصابه الكبر } قيل عاطفة على قوله { تكون } ماض ~~على مستقبل. وقيل على قوله { يود } وقيل إنه محمول على المعنى إذ ~~تكون في معنى كانت. وقيل إنها واو الحال، أي وقد أصابه الكبر، وهذا أرجح. ~~وكبر السن هو مظنة شدة الحاجة لما يلحق صاحبه من العجز. عن تعاطي ~~الأسباب. وقوله { وله ذرية ضعفاء } حال من الضمير في أصابه أي ~~والحال أن له ذرية ضعفاء، فإن من جمع بين كبر السن، وضعف الذرية كان ~~تحسره على تلك الجنة في غاية الشدة. والإعصار الريح الشديدة التي تهب من ~~الأرض إلى السماء كالعمود، وهي التي يقال لها الزوبعة، قاله الزجاج. قال ~~الجوهري الزوبعة رئيس من رؤساء الجن، ومنه سمي الإعصار زوبعة، ويقال أم ~~زوبعة وهي ريح يثير الغبار، ويرتفع إلى السماء، كأنه عمود، وقيل هي ريح ~~تثير سحابا ذات رعد، وبرق. وقوله { فاحترقت } عطف على قوله { ~~فأصابها } وهذه الآية تمثيل من يعمل خيرا، ويضم إليه ما يحبطه، ~~فيجده يوم القيامة عند شدة ms0464 حاجته إليه لا يسمن، ولا يغني من جوع بحال من ~~له هذه الجنة الموصوفة، وهو متصف بتلك الصفة. وقد أخرج البخاري، وغيره عن ~~ابن عباس قال قال عمر يوما لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فيم ترون ~~هذه الآية نزلت { أيود أحدكم أن تكون له جنة }؟ ~~قالوا الله أعلم، قال قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس في نفسي منها ~~شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر يابن أخي قل، ولا تحقر نفسك، قال ابن ~~عباس ضربت مثلا لعمل، قال عمر أي عمل؟ قال ابن عباس لرجل عني يعمل بطاعة ~~الله، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل في المعاصي حتى أغرق عمله. وأخرج ابن ~~جرير عن عمر قال هذا مثل ضرب لإنسان يعمل عملا صالحا حتى إذا كان عند ~~آخر عمره أحوج ما يكون إليه عمل عمل السوء. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، من طرق عن ابن عباس في قوله { ~~إعصار فيه نار } قال ريح فيها سموم شديدة. ### || [2.267-271] # قوله { من طيبت ما كسبتم } أي من جيد ما كسبتم، ومختاره، ~~كذا قال الجمهور. وقال جماعة إن معنى الطيبات هنا الحلال. ولا مانع من ~~اعتبار الأمرين جميعا لأن جيد الكسب، ومختاره إنما يطلق على الحلال عند ~~أهل الشرع، وإن أطلقه أهل اللغة على ما هو جيد في نفسه حلالا كان أو ~~حراما، فالحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية. وقوله { ومما ~~أخرجنا لكم من الارض } أي ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض، ~~وحذف لدلالة ما قبله عليه، وهي النباتات، والمعادن، والركاز. قوله { ~~ولا تيمموا الخبيث } أي لا تقصدوا المال الرديء، وقرأه ~~الجمهور بفتح حرف المضارعة وتخفيف الياء، وقرأ ابن كثير بتشديدها. وقرأ ~~ابن مسعود «ولا تأمموا» وهي لغة. وقرأ أبو مسلم بن خباب بضم الفوقية، ~~وكسر الميم. وحكى أبو عمرو أن ابن مسعود قرأ «تئمموا» بهمزة بعد ~~المضمومة، وفي الآية الأمر بإنفاق الطيب، والنهي عن إنفاق الخبيث. وقد ~~ذهب جماعة من السلف إلى أن الآية في ms0465 الصدقة المفروضة، وذهب آخرون إلى ~~أنها تعم صدقة الفرض، والتطوع، وهو الظاهر، وسيأتي من الأدلة ما يؤيد ~~هذا، وتقديم الظرف في قوله { منه تنفقون } يفيد التخصيص أي لا ~~تخصوا الخبيث بالإنفاق، والجملة في محل نصب على الحال أي لا تقصدوا المال ~~الخبيث مخصصين الإنفاق به قاصرين له عليه. قوله { ولستم بأخذيه ~~} أي والحال أنكم لا تأخذونه في معاملاتكم في وقت من الأوقات هكذا بين ~~معناه الجمهور، وقيل معناه ولستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع. وقوله ~~{ إلا أن تغمضوا فيه } هو من أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل ~~ورضي ببعض حقه، وتجاوز، وغض بصره عنه، ومنه قول الشاعر # إلى كم وكم أشياء منك تريبني أغمض عنها لست عنها ~~بذي عمي # وقرأ الزهري بفتح التاء، وكسر الميم مخففا. وروى عنه أنه قرأ بضم ~~التاء، وفتح الغين، وكسر الميم مشددة، وكذلك قرأ قتادة، والمعنى على ~~القراءة الأولى من هاتين القراءتين إلا أن تهضموا سومها من البائع منكم، ~~وعلى الثانية إلا أن تأخذوا بنقصان. قال ابن عطية وقراءة الجمهور تخرج ~~على التجاوز، أو على تغميض العين، لأن أغمض بمنزلة غمض، وعلى أنها بمعنى ~~حتى، أي حتى تأتوا غامضا من التأويل، والنظر في أخذ ذلك. قوله { ~~الشيطن يعدكم الفقر } قد تقدم معنى الشيطان، واشتقاقه. ~~و { يعدكم } معناه يخوفكم الفقر أي بالفقر لئلا تنفقوا، فهذه الآية ~~متصلة بما قبلها. وقريء «الفقر» بضم الفاء، وهي لغة. قال الجوهري والفقر ~~لغة في الفقر، مثل الضعف، والضعف. والفحشاء الخصلة الفحشاء، وهي المعاصي، ~~والإنفاق فيها، والبخل عن الإنفاق في الطاعات. # قال في الكشاف والفاحش عند العرب البخيل. انتهى. ومنه قول طرفة بن العبد # أرى الموت يعتام الكرام ويص طفى عقيلة مال الفاحش ~~المتشدد # ولكن العرب، وإن أطلقته على البخيل، فذلك لا ينافي إطلاقهم له على غيره ~~من المعاصي، وقد وقع كثيرا في كلامهم. وقوله { والله يعدكم ~~مغفرة منه وفضلا } الوعد في كلام العرب إذا أطلق، فهو في ~~الخير، وإذا قيد، فقد يقيد تارة بالخير، وتارة بالشر. ومنه قوله ms0466 تعالى # النار وعدها الله الذين كفروا # الحج 72 ومنه أيضا ما في هذه الآية من تقييد، وعد الشيطان بالفقر، ~~وتقييد وعد الله سبحانه بالمغفرة، والفضل. والمغفرة الستر على عباده في ~~الدنيا، والآخرة لذنوبهم، وكفارتها، والفضل أن يخلف عليهم أفضل مما ~~أنفقوا، فيوسع لهم في أرزاقهم، وينعم عليهم في الآخرة بما هو أفضل، ~~وأكثر، وأجل، وأجمل. قوله { يؤتى الحكمة } هي العلم، وقيل الفهم، ~~وقيل الإصابة في القول. ولا مانع من الحمل على الجميع شمولا، أو بدلا. ~~وقيل إنها النبوة. وقيل العقل. وقيل الخشية. وقيل الورع. وأصل الحكمة ما ~~يمنع من السفه، وهو كل قبيح. والمعنى أن من أعطاه الله الحكمة، فقد أعطاه ~~خيرا كثيرا. أي عظيما قدره، جليلا خطره. وقرأ الزهري، ويعقوب «ومن ~~يؤت الحكمة» على البناء للفاعل، وقرأه الجمهور على البناء للمفعول، ~~والألباب العقول، واحدها لب، وقد تقدم الكلام فيه. قوله { وما ~~أنفقتم من نفقة } " ما " شرطية، ويجوز أن تكون موصولة، والعائد ~~محذوف أي الذي أنفقتموه، وهذا بيان لحكم عام يشمل كل صدقة مقبولة، وغير ~~مقبولة، وكل ندر مقبول، أو غير مقبول. وقوله { فإن الله ~~يعلمه } فيه معنى الوعد لمن أنفق ونذر على الوجه المقبول، والوعيد ~~لمن جاء بعكس ذلك. ووحد الضمير مع كون مرجعه شيئين، هما النفقة، والنذر ~~لأن التقدير وما أنفقتم من نفقة، فإن الله يعلمها، أو نذرتم من نذر، فإن ~~الله يعلمه، ثم حذف أحدهما استغناء بالآخر، قاله النحاس. وقيل إن ما كان ~~العطف فيه بكلمة «أو» كما في قولك زيد، أو عمرو، فإنه يقال أكرمته، ولا ~~يقال أكرمتهما، والأولى أن يقال إن العطف ب " أو " يجوز فيه الأمران ~~توحيد الضمير، كما في هذه الآية، وفي قوله تعالى # وإذا رأوا تجرة أو لهوا انفضوا إليها # الجمعة 11. وقوله # ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا # النساء 112، وتثنيته كما في قوله تعالى # إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما # النساء 135 ومن الأول في العطف بالواو قول امرىء القيس # فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها لما نسجته ms0467 من جنوب ~~وشمأل # ومنه قول الشاعر # نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف # ومنه # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها # التوبة 34 وقيل إنه إذا وحد الضمير بعد ذكر شيئين، أو أشياء، فهو بتأويل ~~المذكور أي فإن الله يعلم المذكور، وبه جزم ابن عطية، ورجحه القرطبي، ~~وذكر معناه كثير من النحاة في مؤلفاتهم. # قوله { وما للظلمين من أنصار } أي ما للظالمين أنفسهم، ~~بما وقعوا فيه من الإثم لمخالفة ما أمر الله به من الإنفاق في وجوه الخير ~~من أنصار ينصرونهم يمنعونهم من عقاب الله بما ظلموا به أنفسهم، والأولى ~~الحمل على العموم من غير تخصيص لما يفيده السياق، أي ما للظالمين بأي ~~مظلمة كانت من أنصار. قوله { إن تبدوا الصدقت فنعما ~~هى } قرىء بفتح النون، وكسر العين، وبكسرهما، وبكسر النون، وسكون ~~العين، وبكسر النون، وإخفاء حركة العين. وقد حكى النحويون في «نعم» أربع ~~لغات، وهي هذه التي قرىء بها، وفي هذا نوع تفصيل لما أجمل في الشرطية ~~المتقدمة، أي إن تظهروا الصدقات، فنعم شيئا إظهارها، وإن تخفوها، ~~وتصيبوا بها مصارفها من الفقراء، فالإخفاء خير لكم. وقد ذهب جمهور ~~المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوع لا في صدقة الفرض، فلا فضيلة ~~للإخفاء فيها بل قد قيل إن الإظهار فيها أفضل، وقالت طائفة إن الإخفاء ~~أفضل في الفرض، والتطوع. قوله { ويكفر عنكم من سيئاتكم } ~~قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وعاصم في رواية أبي بكر، وقتادة، وابن إسحاق " ~~نكفر " بالنون، والرفع. وقرأ ابن عامر، وعاصم في رواية حفص بالياء، ~~والرفع. وقرأ الأعمش، ونافع، وحمزة، والكسائي، بالنون، والجزم. وقرأ ابن ~~عباس بالتاء الفوقية، وفتح الفاء، والجزم. وقرأ الحسين بن علي الجعفي ~~بالنون، ونصب الراء. فمن قرأ بالرفع، فهو معطوف على محل الجملة الواقعة ~~جوابا بعد الفاء، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف. ومن قرأ بالجزم، فهو ~~معطوف على الفاء، وما بعدها. ومن قرأ بالنصب فعلى تقدير " أن " قال ~~سيبويه والرفع هاهنا الوجه الجيد، وأجاز الجزم بتأويل، وإن تخفوها يكن ~~الإخفاء ms0468 خيرا لكم، ويكفر، وبمثل قول سيبويه قال الخليل. ومن في قوله { ~~من سيئاتكم } للتبعيض، أي شيئا من سيئاتكم. وحكى الطبري عن فرقة ~~أنها زائدة، وذلك على رأي الأخفش. قال ابن عطية وذلك منهم خطأ. وقد أخرج ~~ابن جرير عن علي بن أبي طالب في قوله تعالى { يأيها الذين ~~ءامنوا أنفقوا من طيبت ما كسبتم } قال من الذهب، ~~والفضة { ومما أخرجنا لكم من الارض } يعني من الحب، ~~والثمر، وكل شيء عليه زكاة. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن مجاهد في قوله { ~~أنفقوا من طيبت ما كسبتم } قال من التجارة { ومما ~~أخرجنا لكم من الأرض } قال من الثمار. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن البراء بن ~~عازب في قوله { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } قال ~~نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، وكان الرجل يأتي من نخله على قدر ~~كثرته، وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين، فيعلقه في المسجد، ~~وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه ~~بعصاه، فيسقط البسر، والتمر، فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي ~~الرجل بالقنو فيه الشيص، والحشف، وبالقنو قد انكسر، فيعلقه، فأنزل الله { ~~يأيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبت ما كسبتم ~~ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث ~~منه تنفقون ولستم بأخذيه إلا أن تعصموا فيه } قال لو أن ~~أحدكم أهدى إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلا على إغماض، وحياء. # قال فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده. وأخرج عبد بن حميد، عن ~~قتادة قال ذكر لنا أن الرجل كان يكون له الحائطان، فينظر إلى أردئهما ~~تمرا، فيتصدق به، ويخلط به الحشف، فنزلت الآية، فعاب الله ذلك عليهم، ~~ونهاهم عنه. وأخرج عبد بن حميد، عن جعفر بن محمد عن أبيه قال لما أمر ~~رسول ms0469 الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر، فجاء رجل بتمر رديء، فأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم الذي يخرص النخل أن لا يجيز. فأنزل الله تعالى ~~الآية هذه. وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي في ~~سننه عن سهل بن حنيف قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة، فجاء ~~رجل بكبائس من هذا السخل يعني الشيص فوضعه، فخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال " من جاء بهذا؟ " وكان كل من جاء بشيء نسب إليه، فنزلت { ~~ولا تيمموا الخبيث } الآية. ونهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن لونين من التمر أن يوجدا في الصدقة، الجعرور ولون الحبيق. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء في المختارة عن ابن عباس قال ~~كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترون الطعام الرخيص، ~~ويتصدقون، فأنزل الله { يأيها الذين آمنوا } الآية. وأخرج ابن جرير، عن ~~عبيدة السلماني قال سألت علي بن أبي طالب عن قول الله تعالى { ~~يأيها الذين ءامنوا أنفقوا } الآية، فقال نزلت هذه الآية ~~في الزكاة المفروضة، كان الرجل يعمد إلى التمر، فيصرمه، فيعزل الجيد ~~ناحية، فإذا جاء صاحب الصدقة أعطاه من الرديء. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { يؤتى الحكمة من ~~يشاء } قال المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، محكمه ومتشابهه، ومقدمه ~~ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله. # وأخرج ابن مردويه عنه أنها القرآن يعني تفسيره. وأخرج ابن المنذر عنه ~~أنها النبوة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال إنها الفقه في ~~القرآن. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي الدرداء { يؤتى الحكمة } قال ~~قراءة القرآن، والفكرة فيه. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية قال هي ~~الكتاب، والفهم به. وأخرج أيضا عن النخعي نحوه، وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، عن مجاهد قال هي الكتاب يؤتى إصابته من يشاء. وأخرج عبد بن حميد ~~عنه قال هي الإصابة في القول. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ms0470 أبي العالية قال هي ~~الخشية لله. وأخرج أيضا عن مطر الوراق مثله. وأخرج ابن المنذر، عن ~~سعيد بن جبير مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ~~مجاهد في قوله { فإن الله يعلمه } قال يحصيه. وقد ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في نذر الطاعة، والمعصية في الصحيح، وغيره ما ~~هو معروف، كقوله صلى الله عليه وسلم # " لانذر في معصية الله " # وقوله # " من نذر أن يطيع الله، فليطعه، ومن نذر أن يعصيه، فلا يعصه " # وقوله # " النذر ما ابتغى به وجه الله " # وثبت عنه في كفارة النذر ما هو معروف. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { إن تبدوا الصدقت ~~فنعما هى } الآية، قال فجعل السر في التطوع يفضل علانيتها سبعين ~~ضعفا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا. ~~وكذلك جميع الفرائض، والنوافل في الأشياء كلها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ~~ابن عباس في قوله { إن تبدوا الصدقت } الآية، قال كان هذا ~~يعمل قبل أن تنزل براءة، فلما نزلت براءة بفرائض الصدقات، وتفصيلها انتهت ~~الصدقات إليها. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله { إن تبدوا ~~الصدقت } الآية، قال هذا منسوخ. وقوله # فى أمولهم حق معلوم للسائل والمحروم # المعارج 25 قال منسوخ، نسخ كل صدقة في القرآن الآية التي في سورة التوبة # إنما الصدقت للفقراء # التوبة 60 وقد ورد في فضل صدقة السر أحاديث صحيحة مرفوعة. ### || [2.272-274] # قوله { ليس عليك هداهم } أي ليس بواجب عليك أن تجعلهم ~~مهديين قابلين لما أمروا به ونهوا عنه { ولكن الله يهدى من ~~يشاء } هداية توصله إلى المطلوب، وهذه الجملة معترضة، وفيها الالتفات، ~~وسيأتي بيان السبب الذي نزلت لأجله، والمراد بقوله { من خير } كل ما ~~يصدق عليه اسم الخير كائنا ما كان، وهو متعلق بمحذوف، أي أي شيء تنفقون ~~كائنا من خير، ثم بين أن النفقة المعتد بها المقبولة إنما هي ما كان ~~ابتغاء وجه الله سبحانه، أي لابتغاء وجه الله. وقوله { يوف ms0471 ~~إليكم } أي أجره، وثوابه على الوجه الذي تقدم ذكره من التضعيف. ~~قوله { للفقراء } متعلق بقوله { وما تنفقوا من خير } أو ~~بمحذوف أي اجعلوا ذلك للفقراء، أو خبر مبتدأ محذوف أي إنفاقكم للفقراء ~~الذين أحصروا في سبيل الله بالغزو، أو الجهاد، وقيل منعوا عن التكسب لما ~~هم فيه من الضعف { الذين لا يستطيعون ضربا فى الأرض } ~~للتكسب بالتجارة، والزراعة، ونحو ذلك بسبب ضعفهم. قيل هم فقراء الصفة. ~~وقيل كل من يتصف بالفقر، وما ذكر معه. ثم ذكر سبحانه من أحوال أولئك ~~الفقراء ما يوجب الحنو عليهم، والشفقة بهم، وهو كونهم متعففين عن ~~المسئلة، وإظهار المسكنة بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء. والتعفف تفعل، ~~وهو بناء مبالغة من عف عن الشيء إذا أمسك عنه، وتنزه عن طلبه، وفي ~~«يحسبهم» لغتان فتح السين، وكسرها. قال أبو علي الفارسي والفتح أقيس ~~لأن العين من الماضي مكسورة، فبابها أن تأتي في المضارع مفتوحة. فالقراءة ~~بالكسر على هذا حسنة، وإن كانت شاذة. و«من» في قوله «من التعفف» لابتداء ~~الغاية، وقيل لبيان الجنس. قوله { تعرفهم بسيمهم } أي برثاثة ~~ثيابهم، وضعف أبدانهم، وكل ما يشعر بالفقر، والحاجة. والخطاب إما لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح للمخاطبة، والسيما مقصورة ~~العلامة، وقد تمد. والإلحاف الإلحاح في المسئلة، وهو مشتق من اللحاف، سمي ~~بذلك لاشتماله على وجوه الطلب في المسئلة، كاشتمال اللحاف على التغطية. ~~ومعنى قوله { لا يسألون الناس إلحافا } أنهم لا يسألونهم ألبتة، لا سؤال ~~إلحاح، ولا سؤال غير إلحاح. وبه قال الطبري، والزجاج، وإليه ذهب جمهور ~~المفسرين، ووجهه أن التعفف صفة ثابتة لهم لا تفارقهم، ومجرد السؤال ~~ينافيها. وقيل المراد أنهم إذا سألوا سألوا بتلطف، ولا يلحفون في سؤالهم، ~~وهذا، وإن كان هو الظاهر من توجه النفي إلى القيد دون المقيد، لكن صفة ~~التعفف تنافيه، وأيضا كون الجاهل بهم يحسبهم أغنياء لا يكون إلا مع عدم ~~السؤال ألبتة. وقوله { بالليل والنهار } يفيد زيادة رغبتهم في الإنفاق، ~~وشدة حرصهم عليه حتى أنهم لا يتركون ذلك ليلا، ولا ms0472 نهارا، ويفعلونه ~~سرا وجهرا عند أن تنزل بهم حاجة المحتاجين، ويظهر لديهم فاقة ~~المفتاقين في جميع الأزمنة على جميع الأحوال. # ودخول الفاء في خبر الموصول أعني قوله { فلهم أجرهم } للدلالة ~~على سببية ما قبلها لما بعدها، وقيل هي للعطف، والخبر للموصول محذوف، أي ~~ومنهم الذين ينفقون. وقد أخرج عبد بن حميد، والنسائي، والبزار، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي ~~في سننه، والضياء في المختارة، عن ابن عباس، قال كانوا يكرهون أن يرضخوا ~~لأنسابهم من المشركين، فنزلت هذه الآية { ليس عليك هداهم } ~~إلى قوله { وأنتم لا تظلمون } فرخص لهم. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وابن مردويه، والضياء عنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن ~~لا نتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية، فأمر بالصدقة بعدها ~~على كل من سألك من كل دين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن سعيد بن ~~جبير، نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن الحنفية، نحوه. وأخرج ابن جرير، ~~عن ابن عباس قال كان أناس من الأنصار لهم نسب، وقرابة من قريظة، والنضير، ~~وكان يتقون أن لا يتصدقوا عليهم، ويريدونهم أن يسلموا، فنزلت { ليس ~~عليك هداهم } الآية. وأخرج ابن المنذر، عن عمرو الهلالي قال سئل ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنتصدق على فقراء أهل الكتاب؟ فأنزل الله { ~~ليس عليك هداهم } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء ~~الخراساني قال في قوله { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه ~~الله } قال إذا أعطيت لوجه الله، فلا عليك ما كان عمله. وأخرج ابن ~~المنذر من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله { للفقراء ~~الذين أحصروا فى سبيل الله } قال هم أصحاب الصفة. وأخرج ~~ابن سعد، عن محمد بن كعب القرظي، نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال هم مهاجرو قريش بالمدينة مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمروا بالصدقة عليهم. وأخرج ابن جرير، عن ~~الربيع في قوله { الذين أحصروا فى ms0473 سبيل الله } قال حصروا ~~أنفسهم في سبيل الله للغزو فلا يستطيعون تجارة. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال هم قوم أصابتهم، الجراحات في ~~سبيل الله، فصاروا زمني، فجعل لهم في أموال المسلمين حقا. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن رجاء بن حيوة في قوله { لا يستطيعون ضربا فى ~~الارض } قال لا يستطيعون تجارة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ~~السدي، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله { يحسبهم ~~الجاهل أغنياء } قال دل الله المؤمنين عليهم، وجعل نفقاتهم لهم، ~~وأمرهم أن يضعوا نفقاتهم فيهم، ورضي عنهم. # وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في ~~قوله { تعرفهم بسيمهم } قال التخشع. وأخرجه ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، عن الربيع أن معناه تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة. وأخرج ابن ~~جرير، عن ابن زيد { تعرفهم بسيمهم } قال رثاثة ثيابهم، وثبت ~~في الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " ليس المسكين الذي ترده التمرة، والتمرتان، واللقمة، واللقمتان، إنما ~~المسكين الذي يتعفف، واقرءوا إن شئتم { لا يسألون الناس إلحافا } " # وقد ورد في تحريم المسئلة أحاديث كثيرة إلا لذي سلطان، أو في الأمر لا ~~يجد منه بدا. وأخرج ابن سعد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عدي، ~~والطبراني، وأبو الشيخ، عن يزيد بن عبد الله بن عريب المليكي، عن أبيه، ~~عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " أنزلت هذه الآية { الذين ينفقون أمولهم باليل ~~والنهار } في أصحاب الخيل " # وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر، عن أبي أمامة الباهلي ~~نحوه قال فيمن لا يربطها خيلاء، ولا رياء، ولا سمعة. وأخرج ابن جرير، عن ~~أبي الدرداء نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~حنش الصنعاني أنه سمع ابن عباس يقول في هذه الآية هم الذين يعلفون الخيل ~~في سبيل الله. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، ms0474 وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن عساكر من طريق عبد الوهاب بن مجاهد، عن ~~أبيه عن ابن عباس في هذه الآية قال نزلت في علي بن أبي طالب كانت له ~~أربعة دراهم، فأنفق بالليل درهما، وبالنهار درهما، ودرهما سرا، ~~ودرهما علانية. وعبد الوهاب ضعيف، ولكن قد رواه ابن مردويه من وجه آخر، ~~عن ابن عباس. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في ~~هذه الآية قال هؤلاء قوم أنفقوا في سبيل الله الذي افترض عليهم في غير ~~سرف، ولا إملاق، ولا تبذير، ولا فساد. وأخرج ابن المنذر، عن سعيد ~~بن المسيب قال نزلت في عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان في نفقتهم في ~~جيش العسرة. ### || [2.275-277] # الربا في اللغة الزيادة مطلقا، يقال ربا الشيء يربو إذا زاد، وفي الشرع ~~يطلق على شيئين، على ربا الفضل، وربا النسيئة حسبما هو مفصل في كتب ~~الفروع، وغالب ما كانت تفعله الجاهلية أنه إذا حل أجل الدين قال من هو ~~له لمن هو عليه أتقضي أم تربي؟ فإذا لم يقض زاد مقدارا في المال الذي ~~عليه، وأخر له الأجل إلى حين. وهذا حرام بالاتفاق، وقياس كتابة الربا ~~بالياء للكسرة في أوله. وقد كتبوه في المصحف بالواو. قال في الكشاف على ~~لغة من يفخم كما كتبت الصلاة، والزكاة، وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو ~~الجمع. انتهى. قلت وهذا مجرد اصطلاح لا يلزم المشي عليه، فإن هذه النقوش ~~الكتابية أمور اصطلاحية لا يشاحح في مثلها إلا فيما كان يدل به منها على ~~الحرف الذي كان في أصل الكلمة، ونحوه، كما هو مقرر في مباحث الخط من علم ~~الصرف، وعلى كل حال، فرسم الكلمة، وجعل نقشها الكتابي على ما يقتضيه ~~اللفظ بها هو الأولى، فما كان في النطق ألفا كالصلاة، والزكاة، ونحوهما ~~كان الأولى في رسمه أن يكون كذلك، وكون أصل هذا الألف واوا، أو ياء لا ~~يخفى على من يعرف علم الصرف، وهذه النقوش ليست إلا لفهم اللفظ الذي يدل ~~بها عليه ms0475 كيف هو في نطق من ينطق به لا لتفهيم أن أصل الكلمة كذا مما لا ~~يجري به النطق، فاعرف هذا، ولا تشتغل بما يعتبره كثير من أهل العلم في ~~هذه النقوش، ويلزمون به أنفسهم، ويعيبون من خالفه، فإن ذلك من المشاححة ~~في الأمور الاصطلاحية التي لا تلزم أحدا أن يتقيد بها، فعليك بأن ترسم ~~هذه النقوش على ما يلفظ به اللافظ عند قراءتها، فإنه الأمر المطلوب من ~~وضعها، والتواضع عليها، وليس الأمر المطلوب منها أن تكون دالة على ما هو ~~أصل الكلمة التي يتلفظ بها المتلفظ مما لا يجري في لفظه الآن، فلا تغتر ~~بما يروى عن سيبويه، ونحاة البصرة أن يكتب الربا بالواو لأنه يقول في ~~تثنيته ربوان. وقال الكوفيون يكتب بالياء، وتثنيته ربيان. قال الزجاج ما ~~رأيت خطأ أقبح من هذا، ولا أشنع، لا يكفيهم الخطأ في الخط حتى يخطئوا في ~~التثنية، وهم يقرءون # وما ءاتيتم من ربا ليربوا فى أموال الناس فلا ~~يربوا عند الله # الروم 39 وليس المراد بقوله هنا { الذين يأكلون الربوا } ~~اختصاص هذا الوعيد بمن يأكله، بل هو عام لكل من يعامل بالربا، فيأخذه، ~~ويعطيه، وإنما خص الآكل لزيادة التشنيع على فاعله، ولكونه هو الغرض ~~الأهم، فإن آخذ الربا إنما أخذه للأكل. قوله { لا يقومون } أي يوم ~~القيامة، كما يدل عليه قراءة ابن مسعود { لا يقومون إلا كما ~~يقوم الذى يتخبطه الشيطن من المس يوم ~~القيمة. # أخرجه عبد ابن حميد، وابن أبي حاتم، وبهذا، فسره جمهور المفسرين قالوا ~~إنه يبعث كالمجنون عقوبة له، وتمقيتا عند أهل المحشر. وقيل إن المراد ~~تشبيه من يحرص في تجارته، فيجمع ماله من الربا بقيام المجنون لأن الحرص، ~~والطمع، والرغبة في الجمع قد استفزته حتى صار شبيها في حركته بالمجنون، ~~كما يقال لمن يسرع في مشيه، ويضطرب في حركاته أنه قد جن، ومنه قول ~~الأعشى في ناقته # وتصبح عن غب السري وكأنها ألم بها من طائف ~~الجن أولق # فجعلها بسرعة مشيها، ونشاطها كالمجنون. قوله { إلا كما يقوم ~~الذى يتخبطه ms0476 الشيطن من المس } أي إلا قياما كقيام ~~الذي يتخبطه، والخبط الضرب بغير استواء كخبط العشواء، وهو المصروع. ~~والمس الجنون، والأمس المجنون، وكذلك الأولق، وهو متعلق بقوله { ~~يقومون } أي لا يقومون من المس الذي بهم { إلا كما يقوم ~~الذى يتخبطه الشيطن } أو متعلق ب { يقوم }. وفي الآية ~~دليل على فساد قول من قال إن الصرع لا يكون من جهة الجن، وزعم أنه من ~~فعل الطبائع، وقال إن الآية خارجة على ما كانت العرب تزعمه من أن الشيطان ~~يصرع الإنسان، وليس بصحيح، وإن الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون منه ~~مس. وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من أن يتخبطه الشيطان كما ~~أخرجه النسائي، وغيره. قوله { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من حالهم، ~~وعقوبتهم بسبب قولهم { إنما البيع مثل الربوا } أي أنهم ~~جعلوا البيع، والربا شيئا واحدا، وإنما شبهوا البيع بالربا مبالغة ~~بجعلهم الربا أصلا، والبيع فرعا، أي إنما البيع بلا زيادة عند حلول ~~الأجل، كالبيع بزيادة عند حلوله، فإن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك، ~~فرد الله سبحانه عليهم بقوله { وأحل الله البيع وحرم ~~الربوا } أي أن الله أحل البيع، وحرم نوعا من أنواعه، وهو البيع ~~المشتمل على الربا. والبيع مصدر باع يبيع، أي دفع عوضا، وأخذ معوضا، ~~والجملة بيانية لا محل لها من الإعراب. قوله { فمن جاءه موعظة ~~من ربه } أي من بلغته موعظة من الله من المواعظ التي اشتمل عليها ~~الأوامر، والنواهي، ومنها ما وقع هنا من النهي عن الربا { فانتهى } ~~أي فامتثل النهي الذي جاءه، وانزجر عن المنهي عنه، وهو معطوف، أي قوله { ~~فانتهى } على قوله { جاءه }. وقوله { من ربه } متعلق بقوله { ~~جاءه } أو بمحذوف وقع صفة لموعظة، أي كائنة { من ربه فله ما ~~سلف } أي ما تقدم منه من الربا لا يؤاخذ به لأنه فعله قبل أن يبلغه ~~تحريم الربا، أو قبل أن تنزل آية تحريم الربا. # وقوله { أمره إلى الله } قيل الضمير عائد إلى الربا، أي وأمر ~~الربا إلى الله في تحريمه على ms0477 عباده، واستمرار ذلك التحريم، وقيل الضمير ~~عائد إلى ما سلف، أي أمره إلى الله في العفو عنه، وإسقاط التبعة فيه، ~~وقيل الضمير يرجع إلى المربي، أي أمر من عامل بالربا إلى الله في تثبيته ~~على الإنتهاء، أو الرجوع إلى المعصية { ومن عاد } إلى أكل الربا، ~~والمعاملة به { فأولئك أصحب النار هم فيها ~~خلدون } والإشارة إلى { من عاد } وجمع أصحاب باعتبار معنى " من " ، ~~وقيل إن معنى { من عاد } هو أن يعود إلى القول ب { إنما البيع ~~مثل الربوا } وأنه يكفر بذلك، فيستحق الخلود، وعلى التقدير الأول ~~يكون الخلود مستعارا على معنى المبالغة، كما تقول العرب ملك خالد، أي ~~طويل البقاء، والمصير إلى هذا التأويل واجب للأحاديث المتواترة القاضية ~~بخروج الموحدين من النار. قوله { يمحق الله الربوا } أي يذهب ~~بركته في الدنيا، وإن كان كثيرا، فلا يبقى بيد صاحبه. وقيل يمحق بركته ~~في الآخرة. قوله { ويربى الصدقت } أي يزيد في المال الذي ~~أخرجت صدقته، وقيل يبارك في ثواب الصدقة، ويضاعفه، ويزيد في أجر ~~المتصدق، ولا مانع من حمل ذلك على الأمرين جميعا. قوله { والله لا ~~يحب كل كفار أثيم } أي لا يرضى لأن الحب مختص بالتوابين، ~~وفيه تشديد، وتغليظ عظيم على من أربى حيث حكم عليه بالكفر، ووصفه بأثيم ~~للمبالغة، وقيل لإزالة الاشتراك، إذ قد يقع على الزراع، ويحتمل أن المراد ~~بقوله { كل كفار } من صدرت منه خصلة توجب الكفر، ووجه التصاقه ~~بالمقام أن الذين قالوا إنما البيع مثل الربا كفار. وقد تقدم تفسير قوله ~~{ إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } إلى آخر ~~الآية. وقد أخرج أبو يعلى من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في ~~قوله { الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما ~~يقوم الذى يتخبطه الشيطن من المس } قال يعرفون ~~يوم القيامة بذلك لا يستطيعون القيام، إلا كما يقوم المتخبط المنخنق { ~~ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربوا } ~~وكذبوا على الله { وأحل الله البيع وحرم الربوا } ~~ومن عاد فأكل الربا { فأولئك أصحب النار هم فيها ~~خلدون }. وأخرج ابن جرير، ms0478 وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في ~~الآية قال آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق. وأخرج عبد ابن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر من وجه آخر عنه أيضا في قوله { لا يقومون } ~~قال ذلك حين يبعث من قبره. وأخرج الأصبهاني في ترغيبه، عن أنس قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يأتي آكل الربا يوم القيامة مختبلا يجر شفتيه " # ثم قرأ { لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه ~~الشيطن من المس } ، وقد وردت أحاديث كثيرة في تعظيم ذنب ~~الربا، منها من حديث عبد الله بن مسعود، عند الحاكم وصححه، والبيهقي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " الربا ثلاثة وسبعون بابا، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى ~~الربا عرض الرجل المسلم " # ومن حديث أبي هريرة مرفوعا، عند ابن ماجه، والبيهقي بلفظ # " سبعون بابا " # وورد هذا المعنى مع اختلاف العدد عن عبد الله بن سلام، وكعب، وابن ~~عباس، وأنس. وأخرج ابن جرير، عن الربيع في الآية قال يبعثون يوم القيامة، ~~وبهم خبل من الشيطان، وهي في بعض القراءات «لا يقومون يوم القيامة». ~~يعني قراءة ابن مسعود المتقدم ذكرها. وفي الصحيحين، وغيرهما من حديث ~~عائشة قالت لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا «خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، فقرأهن على الناس، ثم حرم التجارة في ~~الخمر» وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن عمر بن الخطاب أنه خطب، فقال إن ~~من آخر القرآن نزولا آية الربا، وإنه قد مات رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولم يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم. وأخرج البخاري، ~~وغيره، عن ابن عباس أنه قال آخر آية أنزلها الله على رسوله آية الربا. ~~وأخرج البيهقي في الدلائل، عن عمر مثله. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد في ~~الربا الذي نهى الله، عنه قال كان أهل الجاهلية يكون للرجل على الرجل ~~الدين، فيقول لك كذا وكذا، وتؤخر عني، فيؤخر عنه. وأخرج أيضا، عن قتادة ~~نحوه. وأخرج ابن ms0479 أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، نحوه أيضا، وزاد في قوله { ~~فمن جاءه موعظة من ربه } قال يعني البيان الذي في القرآن ~~في تحريم الربا، فانتهى عنه { فله ما سلف } يعني فله ما كان أكل ~~من الربا قبل التحريم { وأمره إلى الله } يعني بعد التحريم، ~~وبعد تركه إن شاء عصمه منه، وإن شاء لم يفعل { ومن عاد } يعني في ~~الربا بعد التحريم، فاستحله بقولهم { إنما البيع مثل ~~الربوا } { فأولئك أصحب النار هم فيها ~~خلدون } يعني لا يموتون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، من طريق ابن ~~جريج، عن ابن عباس في قوله { يمحق الله الربوا } قال ينقص ~~الربا { ويربى الصدقت } قال يزيد فيها، وقد ثبت في الصحيحين، ~~وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعا # " من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا طيبا، فإن الله ~~يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل ~~الجبل " # وأخرج البزار، وابن جرير، وابن حبان، والطبراني من حديث عائشة نحوه. ~~وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن ابن عمر مرفوعا نحوه أيضا. ~~وفي حديث عائشة، وابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بعد أن ~~ساق الحديث { يمحق الله الربوا ويربى الصدقت }. ~~وأخرج الطبراني عن أبي برزة الأسلمي قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " إن العبد ليتصدق بالكسرة تربو عند الله حتى تكون مثل أحد " # وهذه الأحاديث تبين معنى الآية. ### || [2.278-281] # قوله { اتقوا الله } أي قوا أنفسكم من عقابه، واتركوا البقايا ~~التي بقيت لكم من الربا، وظاهره أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضا. ~~قوله { إن كنتم مؤمنين } قيل هو شرط مجازي على جهة المبالغة، ~~وقيل إن «إن» في هذه الآية بمعنى " إذ ". قال ابن عطية وهو مردود لا ~~يعرف في اللغة، والظاهر أن المعنى إن كنتم مؤمنين على الحقيقة، فإن ذلك ~~يستلزم امتثال أوامر الله ونواهيه. قوله { فإن لم تفعلوا } ~~يعني ما أمرتم به من الاتقاء، وترك ما بقي من الربا { فأذنوا ~~بحرب من ms0480 الله ورسوله } أي فاعلموا بها، من أذن بالشيء إذا ~~علم به، قيل هو من الإذن بالشيء، وهو الاستماع، لأنه من طرق العلم. وقرأ ~~أبو بكر عن عاصم، وحمزة { فأذنوا } على معنى فأعلموا غيركم أنكم على ~~حربهم، وقد دلت هذه على أن أكل الربا، والعمل به من الكبائر، ولا خلاف في ~~ذلك، وتنكير الحرب للتعظيم، وزادها تعظيما نسبتها إلى اسم الله الأعظم، ~~وإلى رسوله الذي هو أشرف خليقته. قوله { فإن تبتم } أي من الربا { ~~فلكم رءوس أمولكم } تأخذونها { لا تظلمون } غرماءكم ~~بأخذ الزيادة { ولا تظلمون } أنتم من قبلهم بالمطل، والنقص، ~~والجملة حالية، أو استئنافية. وفي هذا دليل على أن أموالهم مع عدم التوبة ~~حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم. قوله { وإن كان ذو ~~عسرة } لما حكم سبحانه لأهل الربا برءوس أموالهم عند الواجدين ~~للمال حكم في ذوي العسرة بالنظرة إلى يسار، والعسرة ضيق الحال من جهة عدم ~~المال، ومنه جيش العسرة. والنظرة التأخير، والميسرة مصدر بمعنى اليسر، ~~وارتفع { ذو } بكان التامة التي بمعنى وجد، وهذا قول سيبويه، وأبي علي ~~الفارسي، وغيرهما. وأنشد سيبويه # فدى لبني ذهل بن شيبان يا فتى إذا كان يوم ذو كواكب أشهب # وفي مصحف أبي «وإن كان ذا عسرة» على معنى وإن كان المطلوب ذا عسرة. ~~وقرأ الأعمش «وإن كان معسرا». قال أبو عمرو الداني، عن أحمد بن موسى، ~~وكذلك في مصحف أبي بن كعب. وروى المعتمر، عن حجاج الوراق، قال في مصحف ~~عثمان { وإن كان ذاعسرة } قال النحاس، ومكي، والنقاش وعلى هذا ~~يختص لفظ الآية بأهل الربا، وعلى من قرأ «ذو» فهي عامة في جميع من عليه ~~دين، وإليه ذهب الجمهور. وقرأ الجماعة { فنظرة } بكسر الظاء. وقرأ ~~مجاهد، وأبو رجاء، والحسن بسكونها، وهي لغة تميم. وقرأ نافع، وحده { ~~ميسرة } بضم السين، والجمهور بفتحها، وهي اليسار. قوله { وأن ~~تصدقوا } بحذف إحدى التاءين، وقريء بتشديد الصاد، أي وأن تصدقوا ~~على معسري غرمائكم بالإبراء خير لكم، وفيه الترغيب لهم بأن يتصدقوا برءوس ~~أموالهم على من أعسر، ms0481 وجعل ذلك خيرا من إنظاره، قاله السدي، وابن زيد، ~~والضحاك. # قال الطبري وقال آخرون معنى الآية وأن تصدقوا على الغني، والفقير خير ~~لكم. والصحيح الأول، وليس في الآية مدخل للغني. قوله { إن كنتم ~~تعلمون } جوابه محذوف، أي إن كنتم تعلمون أنه خير لكم عملتم به. ~~قوله { واتقوا يوما } هو يوم القيامة، وتنكيره للتهويل، وهو ~~منصوب على أنه مفعول به لا ظرف. وقوله { ترجعون فيه إلى الله ~~} وصف له. وقرأ أبو عمر، وبفتح التاء، وكسر الجيم، والباقون بضم التاء، ~~وفتح الجيم، وذهب قوم إلى أن هذا اليوم المذكور هو يوم الموت. وذهب ~~الجمهور إلى أنه يوم القيامة، كما تقدم. وقوله { إلى الله } فيه ~~مضاف محذوف تقديره إلى حكم الله { ثم توفى كل نفس } من ~~النفوس المكلفة { ما كسبت } أي جزاء ما عملت من خير، أو شر، وجملة ~~{ وهم لا يظلمون } حالية، وجمع الضمير لأنه أنسب بحال الجزاء، ~~كما أن الإفراد أنسب بحال الكسب، وهذ الآية فيها الموعظة الحسنة لجميع ~~الناس. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله ~~{ يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقى ~~من الربوا } قال نزلت في العباس بن عبد المطلب، ورجل من بني ~~المغيرة، كانا شريكين في الجاهلية يسلفان الربا إلى ناس من ثقيف، فجاء ~~الإسلام، ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج ابن ~~جرير، عن ابن جريج، قال كانت ثقيف قد صالحت النبي صلى الله عليه وسلم على ~~أن ما لهم من ربا على الناس، وما كان للناس عليهم من ربا، فهو موضوع، ~~فلما كان الفتح استعمل عتاب بن أسيد على مكة، وكانت بنو عمرو بن عوف ~~يأخذون الربا من بني المغيرة، وكان بنو المغيرة يربون لهم في الجاهلية، ~~فجاء الإسلام، ولهم عليهم مال كثير، فأتاهم بنو عمرو، يطلبون رباهم، فأبى ~~بنو المغيرة أن يعطوهم في الإسلام، ورفعوا ذلك إلى عتاب بن أسيد، فكتب ~~عتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت { يأيها الذين ~~ءامنوا اتقوا ms0482 الله وذروا ما بقى من الربوا } ~~فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب، وقال # " إن رضوا، وإلا فأذنهم بحرب ". # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ~~فأذنوا بحرب } قال من كان مقيما على الربا لا ينزع منه، فحق ~~على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع، وإلا ضرب عنقه. وأخرجوا أيضا ~~عنه في قوله { فأذنوا بحرب } قال استيقنوا بحرب، وأخرج أهل ~~السنن، وغيرهم عن عمرو بن الأحوص، أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال # " ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع، لكم رءوس أموالكم لا تظلمون، ولا ~~تظلمون، وأول ربا موضوع ربا العباس " # وأخرج ابن منده، عن ابن عباس، قال نزلت هذه الآية في ربيعة بن عمرو، ~~وأصحابه { وإن تبتم فلكم رءوس أمولكم }. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { وإن كان ذو ~~عسرة } قال نزلت في الربا. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد ~~بن حميد، عن شريح، نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن الضحاك في ~~الآية، قال وكذلك كل دين على مسلم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن ~~جبير، نحوه. وقد وردت أحاديث صحيحة في الصحيحين، وغيرهما في الترغيب لمن ~~له دين على معسر أن ينظره. وأخرج أبو عبيد، وعبد بن حميد، والنسائي، وابن ~~جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي، عن ابن عباس قال ~~آخر آية نزلت من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم { واتقوا ~~يوما ترجعون فيه إلى الله } وأخرج ابن أبي شيبة، عن ~~السدي، وعطية العوفي مثله. وأخرج ابن الأنباري، عن أبي صالح، وسعيد بن ~~جبير، مثله أيضا وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي من طريق ~~الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنها آخر آية نزلت، وكان بين نزولها، ~~وبين موت النبي صلى الله عليه وسلم إحدى وثمانون يوما. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن سعيد بن جبير أنه عاش ms0483 النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزولها تسع ~~ليال، ثم مات. ### || [2.282-283] # هذا شروع في بيان حال المداينة الواقعة بين الناس بعد بيان حال الربا، ~~أي إذا داين بعضكم بعضا، وعامله بذلك، وذكر الدين بعد ذكر ما يغني عنه ~~من المداينة لقصد التأكيد مثل قوله # ولا طائر يطير بجناحيه # الأنعام 38 وقيل إنه ذكر ليرجع إليه الضمير من قوله { فاكتبوه } ~~ولو قال فاكتبوا الدين لم يكن فيه من الحسن ما في قوله { إذا ~~تداينتم بدين } ، والدين عبارة، عن كل معاملة كان أحد العوضين ~~فيها نقدا، والآخر في الذمة نسيئة، فإن العين عند العرب ما كان حاضرا، ~~والدين ما كان غائبا، قال الشاعر # وعدتنا بدرهمينا طلاء وسواء معجلا غير دين # وقال الآخر # إذا ما أوقدوا نارا وحطبا فذاك الموت نقدا غير دين # وقد بين الله سبحانه هذا المعنى بقوله { إلى أجل مسمى } وقد ~~استدل به على أن الأجل المجهول لا يجوز، وخصوصا أجل السلم. وقد ثبت في ~~الصحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم # " من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم " # وقد قال بذلك الجمهور، واشترطوا توقيته بالأيام، أو الأشهر، أو السنين، ~~قالوا ولا يجوز إلى الحصاد، أو الدياس، أو رجوع القافلة، أو نحو ذلك، ~~وجوزه مالك. قوله { فاكتبوه } أي الدين بأجله لأنه أدفع للنزاع، ~~وأقطع للخلاف. قوله { وليكتب بينكم كاتب } هو بيان لكيفية ~~الكتابة المأمور بها، وظاهر الأمر الوجوب، وبه قال عطاء، والشعبي، ~~وغيرهما، فأوجبوا على الكاتب أن يكتب إذا طلب منه ذلك، ولم يوجد كاتب ~~سواه. وقيل الأمر للندب. وقوله { بالعدل } متعلق بمحذوف صفة لكاتب ~~أي كاتب كائن بالعدل، أي يكتب بالسوية لا يزيد، ولا ينقص، ولا يميل إلى ~~أحد الجانبين، وهو أمر للمتداينين باختيار كاتب متصف بهذه الصفة لا يكون ~~في قلبه، ولا قلمه هوادة لأحدهما على الآخر، بل يتحرى الحق بينهم، ~~والمعدلة فيهم. قوله { ولا يأب كاتب } النكرة في سياق النفي ~~مشعرة بالعموم، أي لا يمتنع أحد من الكتاب أن يكتب كتاب التداين، ms0484 كما ~~علمه الله، أي على الطريقة التي علمه الله من الكتابة، أو كما علمه الله ~~بقوله { بالعدل }. قوله { وليملل الذى عليه الحق } ~~الإملال، والإملاء لغتان الأولى لغة أهل الحجاز، وبني أسد، والثانية لغة ~~بني تميم، فهذه الآية جاءت على اللغة الأولى، وجاء على اللغة الثانية ~~قوله تعالى # فهى تملى عليه بكرة وأصيلا # الفرقان 5 { والذى عليه الحق } هو من عليه الدين، أمره الله ~~تعالى بالإملاء، لأن الشهادة إنما تكون على إقراره بثبوت الدين في ذمته، ~~وأمره الله بالتقوى فيما يمليه على الكاتب، بالغ في ذلك بالجمع بين ~~الإسم، والوصف في قوله { وليتق الله ربه } ونهاه عن البخس، ~~وهو النقص، وقيل إنه نهي للكاتب. # والأول أولى لأن من عليه الحق هو الذي يتوقع منه النقص، ولو كان نهيا ~~للكاتب لم يقتصر في نهيه على النقص لأنه يتوقع منه الزيادة، كما يتوقع ~~منه النقص. والسفيه هو الذي لا رأي له في حسن التصرف، فلا يحسن الأخذ، ~~ولا الإعطاء، شبه بالثوب السفيه، وهو الخفيف النسج، والعرب تطلق السفه ~~على ضعف العقل تارة، وعلى ضعف البدن أخرى، فمن الأول قول الشاعر # نخاف أن تسفه أحلامنا ويجهل الدهر مع الجاهل # ومن الثاني قول ذي الرمة # مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح ~~النواسم # أي استضعفها، واستلانها بحركتها، وبالجملة فالسفيه هو المبذر إما لجهله ~~بالصرف، أو لتلاعبه بالمال عبثا مع كونه لا يجهل الصواب. والضعيف هو ~~الشيخ الكبير، أو الصبي. قال أهل اللغة الضعف بضم الضاد في البدن، ~~وبفتحها في الرأي. والذي لا يستطيع أن يمل هو الأخرس، أو العيي ~~الذي لا يقدر على التعبير كما ينبغي، وقيل إن الضعيف هو المذهول العقل ~~الناقص الفطنة العاجز عن الإملاء، والذي لا يستطيع أن يمل هو الصغير. ~~قوله { فليملل وليه بالعدل } الضمير عائد إلى الذي عليه ~~الحق فيمل عن السفيه وليه المنصوب عنه بعد حجره، عن التصرف في ماله، ~~ويمل عن الصبي، ووصيه، أو وليه، وكذلك يمل عن العاجز، الذي لا يستطيع ~~الإملال لضعف وليه لأنه في ms0485 حكم الصبي، أو المنصوب عنه من الإمام، أو ~~القاضي، ويمل عن الذي لا يستطيع، وكيله إذا كان صحيح العقل، وعرضت له ~~آفة في لسانه، أو لم تعرض، ولكنه جاهل لا يقدر على التعبير، كما ينبغي. ~~وقال الطبري إن الضمير في قوله { وليه } يعود إلى الحق، وهو ضعيف ~~جدا. قال القرطبي في تفسيره وتصرف السفيه المحجور عليه دون وليه فاسد ~~إجماعا مفسوخ أبدا لا يوجب حكما، ولا يؤثر شيئا، فإن تصرف سفيه، ولا ~~حجر عليه، ففيه خلاف. انتهى. قوله { واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم } الاستشهاد طلب الشهادة، وسماهما شهيدين قبل الشهادة من ~~مجاز الأول أي باعتبار ما يئول إليه أمرهما من الشهادة، و { من ~~رجالكم } متعلق بقوله { واستشهدوا } أو بمحذوف هو صفة ~~لشهيدين، أي كائنين من رجالكم، أي من المسلمين، فيخرج الكفار، ولا وجه ~~لخروج العبيد من هذه الآية. فهم إذا كانوا مسلمين من رجال المسلمين، وبه ~~قال شريح، وعثمان البتي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور. ~~وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وجمهور العلماء لا تجوز شهادة العبد ~~لما يلحقه من نقص الرق. وقال الشعبي، والنخعي يصح في الشيء اليسير دون ~~الكثير. واستدل الجمهور على عدم جواز شهادة العبد بأن الخطاب في هذه ~~الآية مع الذين يتعاملون بالمداينة، والعبيد لا يملكون شيئا تجري فيه ~~المعاملة. # ويجاب عن هذا بأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأيضا العبد ~~تصح منه المداينة، وسائر المعاملات إذا أذن له مالكه بذلك. وقد اختلف ~~الناس هل الإشهاد واجب، أو مندوب، فقال أبو موسى الأشعري، وابن عمر، ~~والضحاك، وعطاء، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، ومجاهد، وداود بن علي ~~الظاهري، وابنه إنه واجب، ورجحه ابن جرير الطبري، وذهب الشعبي، والحسن، ~~ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابه إلى أنه مندوب، وهذا الخلاف بين ~~هؤلاء هو في وجوب الإشهاد على البيع. واستدل الموجبون بقوله تعالى { ~~وأشهدوا إذا تبايعتم } ولا فرق بين هذا الأمر، وبين قوله { ~~واستشهدوا } فيلزم القائلين بوجوب الإشهاد في البيع أن يقولوا ~~بوجوبه في المداينة. قوله { فإن ms0486 لم يكونا } أي الشهيدان { ~~رجلين فرجل وامرأتان } أي فليشهد رجل، وامرأتان، أو فرجل، ~~وامرأتان يكفون. وقوله { ممن ترضون من الشهداء } متعلق بمحذوف ~~وقع صفة لرجل، وامرأتان، أي كائنون ممن ترضون حال كونهم من الشهداء. ~~والمراد ممن ترضون دينهم، وعدالتهم، وفيه أن المرأتين في الشهادة برجل، ~~وأنها لا تجوز شهادة النساء إلا مع الرجل لا وحدهن، إلا فيما لا يطلع ~~عليه غيرهن للضرورة. واختلفوا هل يجوز الحكم بشهادة امرأتين مع يمين ~~المدعي كما جاز الحكم برجل مع يمين المدعي؟ فذهب مالك، والشافعي إلى ~~أنه يجوز ذلك، لأن الله سبحانه قد جعل المرأتين كالرجل في هذه الآية. ~~وذهب أبو حنيفة، وأصحابه إلى أنه لا يجوز ذلك، وهذا يرجع إلى الخلاف في ~~الحكم بشاهد مع يمين المدعي، والحق أنه جائز لورود الدليل عليه، وهو ~~زيادة لم تخالف ما في الكتاب العزيز، فيتعين قبولها. وقد أوضحنا ذلك في ~~شرحنا للمنتقي، وغيره من مؤلفاتنا، ومعلوم عند كل من يفهم أنه ليس في هذه ~~الآية ما يرد به قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاهد، واليمين، ~~ولم يدفعوا هذا إلا بقاعدة مبنية على شفا جرف هار هي قولهم إن الزيادة ~~على النص نسخ، وهذه دعوى باطلة، بل الزيادة على النص شريعة ثابتة جاءنا ~~بها من جاءنا بالنص المتقدم عليها، وأيضا كان يلزمهم أن لا يحكموا بنكول ~~المطلوب، ولا بيمين الرد على الطالب. وقد حكموا بهما، والجواب الجواب. ~~قوله { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } ~~قال أبو عبيد معنى تضل تنسى، والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء ~~منها، وذكر جزء. وقرأ حمزة «إن تضل» بكسر الهمزة. وقوله { فتذكر } ~~جوابه على هذه القراءة، وعلى قراءة الجمهور هو منصوب بالعطف على تضل، ~~ومن رفعه فعلى الاستئناف. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو «فتذكر» بتخفيف ~~الذال، والكاف، ومعناه تزيدها ذكرا. # وقراءة الجماعة بالتشديد، أي تنبهها إذا غفلت، ونسيت، وهذه الآية تعليل ~~لاعتبار العدد في النساء، أي فليشهد رجل، وتشهد امرأتان عوضا، عن الرجل ~~الآخر لأجل تذكير إحداهما للأخرى إذا ms0487 ضلت، وعلى هذا، فيكون في الكلام ~~حذف، وهو سؤال سائل عن وجه اعتبار امرأتين عوضا عن الرجل الواحد، فقيل ~~وجهه أن تضل إحداهما، فتذكر إحداهما الأخرى، والعلة في الحقيقة هي ~~التذكير، ولكن الضلال لما كان سببا له نزل منزلته، وأبهم الفاعل في ~~تضل، وتذكر، لأن كلا منهما يجوز عليه الوصفان فالمعنى إن ضلت هذه ذكرتها ~~هذه، وإن ضلت هذه ذكرتها هذه لا على التعيين، أي إن ضلت إحدى المرأتين ~~ذكرتها المرأة الأخرى، وإنما اعتبر فيهما هذا التذكير لما يلحقهما من ضعف ~~النساء بخلاف الرجال. وقد يكون الوجه في الإبهام أن ذلك يعني الضلال، ~~والتذكير يقع بينهما متناوبا حتى ربما ضلت هذه عن وجه وضلت تلك عن وجه ~~آخر، فذكرت كل واحدة منهما صاحبتها. وقال سفيان بن عيينة معنى قوله { ~~فتذكر إحداهما الأخرى } تصيرها ذكرا، يعني أن مجموع شهادة ~~المرأتين مثل شهادة الرجل الواحد. وروى نحوه عن أبي عمرو بن العلاء، ولا ~~شك أن هذا باطل لا يدل عليه شرع، ولا لغة، ولا عقل. قوله { ولا يأب ~~الشهداء إذا ما دعوا } أي لأداء الشهادة التي قد تحملوها من ~~قبل، وقيل إذا ما دعوا لتحمل الشهادة، وتسميتهم شهداء مجاز كما تقدم، ~~وحملها الحسن على المعنيين. وظاهر هذا النهي أن الامتناع من أداء الشهادة ~~حرام. قوله { ولا تسأموا أن تكتبوه } معنى تسأموا تملوا. قال الأخفش يقال ~~سئمت أسأم سآمة، وسآما، ومنه قول الشاعر # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبا ~~لك يسأم # أي لا تملوا أن تكتبوه، أي الدين الذي تداينتم به، وقيل الحق، وقيل ~~الشاهد، وقيل الكتاب، نهاهم الله سبحانه عن ذلك لأنهم ربما ملوا من ~~كثرة المداينة أن يكتبوا، ثم بالغ في ذلك، فقال { صغيرا أو كبيرا ~~} أي حال كون ذلك المكتوب صغيرا، أو كبيرا أي لا تملوا في حال من ~~الأحوال سواء كان الدين كثيرا، أو قليلا. وقيل إنه كنى بالسآمة عن ~~الكسل. والأول أولى. وقدم الصغير هنا على الكبير للاهتمام به لدفع ما ~~عساه أن يقال إن ms0488 هذا مال صغير، أي قليل لا احتياج إلى كتبه، والإشارة في ~~قوله { ذلكم } إلى المكتوب المذكور في ضمير قوله { أن تكتبوه } ~~و { أقسط } معناه أعدل، أي أصح، وأحفظ { وأقوم للشهدة } أي ~~أعون على إقامة الشهادة، وأثبت لها، وهو مبني من أقام، وكذلك أقسط مبني ~~من فعله، أي أقسط. وقد صرح سيبويه بأنه قياسي، أي بني أفعل التفضيل. ~~ومعنى قوله { وأدنى أن لا ترتابوا } أقرب لنفي الريب في ~~معاملاتكم، أي الشك، ذلك أن الكتاب الذي يكتبونه يدفع ما يعرض لهم من ~~الريب كائنا ما كان. # قوله { إلا أن تكون تجرة حاضرة تديرونها بينكم ~~} " أن " في موضع نصب على الإستثناء قاله الأخفش، و " كان " تامة، أي إلا ~~أن تقع، أو توجد تجارة، والإستثناء منقطع، أي لكن وقت تبايعكم، وتجارتكم ~~حاضرة بحضور البدلين { تديرونها بينكم } تتعاطونها يدا بيد، ~~فالإدارة التعاطي، والتقابض، فالمراد التبايع الناجز يدا بيد، فلا حرج ~~عليكم إن تركتم كتابته. وقرىء بنصب تجارة على أن " كان " ناقصة، أي إلا ~~أن تكون التجارة تجارة حاضرة. قوله { وأشهدوا إذا تبايعتم ~~} قيل معناه وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع المذكور هنا، وهو التجارة ~~الحاضرة على أن الإشهاد فيها يكفي. وقيل معناه إذا تبايعتم أي تبايع كان ~~حاضرا أو كالئا، لأن ذلك أدفع لمادة الخلاف وأقطع لمنشأ الشجار. وقد ~~تقدم قريبا ذكر الخلاف في كون هذا الإشهاد واجبا، أو مندوبا. قوله { ~~ولا يضار كاتب ولا شهيد } يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل، أو ~~للمفعول، فعلى الأول معناه لا يضار كاتب، ولا شهيد من طلب ذلك منهما، ~~إما بعدم الإجابة، أو بالتحريف، والتبديل، والزيادة، والنقصان في كتابته، ~~ويدل على هذا قراءة عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن أبي إسحاق «ولا ~~يضارر» بكسر الراء الأولى، وعلى الثاني لا يضارر كاتب، ولا شهيد بأن ~~يدعيا إلى ذلك، وهما مشغولان بمهم لهما، ويضيق عليهما في الإجابة، ~~ويؤذيا إن حصل منهما التراخي، أو يطلب منهما الحضور من مكان بعيد، ويدل ~~على ذلك قراءة ابن مسعود « ولا يضارر» بفتح الراء الأولى، وصيغة المفاعلة ms0489 ~~تدل على اعتبار الأمرين جميعا. وقد تقدم في تفسير قوله تعالى # لا تضار ولدة بولدها # البقرة 233 ما إذا راجعته زادك بصيرة إن شاء الله. قوله { وإن ~~تفعلوا } أي ما نهيتم عنه من المضارة { فإنه } أي فعلكم هذا { ~~فسوق بكم } أي خروج عن الطاعة إلى المعصية ملتبس بكم { واتقوا ~~الله } في فعل ما أمركم به، وترك ما نهاكم عنه { ويعلمكم ~~الله } ما تحتاجون إليه من العلم، وفيه الوعد لمن اتقاه أن يعلمه، ~~ومنه قوله تعالى # إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا # الأنفال 29. قوله { وإن كنتم على سفر } لما ذكر سبحانه ~~مشروعية الكتابة، والإشهاد لحفظ الأموال، ودفع الريب، عقب ذلك بذكر حالة ~~العذر، عن وجود الكاتب، ونص على حالة السفر، فإنها من جملة أحوال العذر، ~~ويلحق بذلك كل عذر يقوم مقام السفر، وجعل الرهان المقبوضة قائمة مقام ~~الكتابة، أي فإن كنتم مسافرين { ولم تجدوا كاتبا } في سفركم { ~~فرهن مقبوضة } قال أهل العلم الرهن في السفر ثابت بنص ~~التنزيل، وفي الحضر بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في ~~الصحيحين «أنه رهن درعا له من يهودي». # وقرأ الجمهور «كاتبا» أي رجلا يكتب لكم. وقرأ ابن عباس، وأبي ومجاهد، ~~والضحاك، وعكرمة، وأبو العالية «كتابا» قال ابن الأنباري فسره مجاهد ~~فقال معناه فإن لم تجدوا مدادا يعني في الأسفار. وقرأ أبو عمرو وابن ~~كثير «فرهن» بضم الراء والهاء. وروي عنهما تخفيف الهاء جمع رهان، قاله ~~الفراء، والزجاج، وابن جرير الطبري. وقرأ عاصم بن أبي النجود «فرهن» ~~بفتح الراء، وإسكان الهاء. وقراءة الجمهور «رهان». قال الزجاج يقال في ~~الرهن رهنت، وأرهنت، وكذا قال ابن الأعرابي، والأخفش. وقال أبو علي ~~الفارسي يقال أرهنت في المعاملات، وأما في القرض، والبيع فرهنت، وقال ~~ثعلب الرواة كلهم في قول الشاعر # فلما خشيت أظافيرهم نجوت وأرهنتهم مالكا # على أرهنتهم على أنه يجوز رهنته، وأرهنته إلا الأصمعي، فإنه رواه ~~وأرهنهم على أنه عطف لفعل مستقبل على فعل ماض وشبهه بقوله قمت، وأصك ~~وجهه. وقال ابن السكيت أرهنت فيهما بمعنى ms0490 أسلفت، والمرتهن الذي يأخذ ~~الرهن، والشيء مرهون، ورهين، وراهنت فلانا على كذا مراهنة خاطرته. وقد ~~ذهب الجمهور إلى اعتبار القبض، كما صرح به القرآن، وذهب مالك إلى أنه يصح ~~الارتهان بالإيجاب، والقبول من دون قبض. قوله { فإن أمن بعضكم ~~بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمنته } أي إن كان الذي ~~عليه الحق أمينا، عند صاحب الحق لحسن ظنه به، وأمانته لديه، واستغنى ~~بأمانته عن الارتهان { فليؤد الذى اؤتمن } وهو المديون { ~~أمنته } أي الدين الذي عليه، والأمانة مصدر سمي به الذي في الذمة، ~~وأضافها إلى الذي عليه الدين من حيث أن لها إليه نسبة، وقريء «ايتمن» ~~بقلب الهمزة ياء، وقريء بإدغام الياء في التاء، وهو خطأ لأن المنقلبة من ~~الهمزة لا تدغم لأنها في حكمها { وليتق الله ربه } في أن لا ~~يكتم من الحق شيئا. قوله { ولا تكتموا الشهدة } نهي ~~للشهود أن يكتموا ما تحملوه من الشهادة، وهو في حكم التفسير لقوله { ~~ولا يضار كاتب } أي لا يضارر بكسر الراء الأولى على أحد ~~التفسيرين المتقدمين. قوله { ومن يكتمها فإنه ءاثم ~~قلبه } خص القلب بالذكر لأن الكتم من أفعاله، ولكونه رئيس الأعضاء، ~~وهو المضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد كله، وارتفاع القلب ~~على أنه فاعل، أو مبتدأ، وآثم خبره على ما تقرر في علم النحو، ويجوز أن ~~يكون قلبه بدلا من آثم بدل البعض من الكل، ويجوز أن يكون أيضا بدلا من ~~الضمير الذي في آثم الراجع إلى من، وقريء «قلبه» بالنصب كما في قوله # إلا من سفه نفسه # البقرة 130. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي ~~عن ابن عباس في قوله { يأيها الذين ءامنوا إذا تداينتم ~~بدين } قال نزلت في السلم في كيل معلوم إلى أجل معلوم. # وأخرج الشافعي، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، والبخاري، وغيرهم عنه قال ~~أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أجله، وقرأ هذه الآية. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في الآية. قال أمر بالشهادة ms0491 ~~عند المداينة لكيلا يدخل في ذلك جحود، ولا نسيان، فمن لم يشهد على ذلك، ~~فقد عصى { ولا يأب الشهداء } يعني من احتيج إليه من المسلمين ~~ليشهد على شهادة، أو كانت عنده شهادة، فلا يحل له أن يأبى إذا ما دعي، ~~ثم قال بعد هذا { ولا يضار كاتب ولا شهيد } والضرار أن ~~يقول الرجل للرجل، وهو عنه غني إن الله قد أمرك أن لا تأبى إذا دعيت، ~~فيضاره بذلك، وهو مكتف بغيره، فنهاه الله عن ذلك. وقال { وإن ~~تفعلوا فإنه فسوق بكم } يعني معصية. قال ومن الكبائر ~~كتمان الشهادة، لأن الله تعالى يقول { ومن يكتمها فإنه ~~ءاثم قلبه }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم في قوله { ولا يأب كاتب } قال واجب على الكاتب أن يكتب. ~~وأخرج ابن جرير، عن الضحاك قال كانت الكتابة عزيمة، فنسخها { ولا ~~يضار كاتب ولا شهيد }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ~~مجاهد، قال { فإن كان الذى عليه الحق سفيها } قال هو ~~الجاهل. { أو ضعيفا } قال هو الأحمق. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك، ~~والسدي، في قوله { سفيها } قالا هو الصبي الصغير. وأخرج ابن جرير، من ~~طريق عطية العوفي، عن ابن عباس { فليملل وليه } قال صاحب ~~الدين. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن الحسن قال ولي اليتيم. ~~وأخرج ابن جرير، عن الضحاك قال ولي السفيه، أو الضعيف. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، والبيهقي، ~~عن مجاهد في قوله { من رجالكم } قال من الأحرار. وأخرج ابن جرير، ~~عن الربيع في قوله { ممن ترضون من الشهداء } قال عدول. ~~وأخرج الشافعي، والبيهقي، عن مجاهد قال عدلان حران مسلمان. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله { أن تضل إحداهما } يقول أن ~~تنسى إحدى المرأتين الشهادة { فتذكر إحداهما الأخرى } يعني ~~تذكرها التي حبطت شهادتها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ~~ولا يأب الشهداء } قال إذا كانت عندهم شهادة. وأخرج ابن جرير، ms0492 ~~وابن أبي حاتم، عن الربيع قال كان الرجل يطوف في القوم الكثير يدعوهم ~~يشهدون، فلا يتبعه أحد منهم، فأنزل الله { ولا يأب الشهداء }. # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن المنذر، عن ~~عائشة في قوله { أقسط عند الله } قالت أعدل. وأخرج ابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في قوله { ولا يضار ~~كاتب ولا شهيد } قال يأتي الرجل الرجلين، فيدعوهما إلى الكتابة، ~~والشهادة، فيقولان إنا على حاجة، فيقول إنكما قد أمرتما أن تجيبا، فليس ~~له أن يضارهما. وأخرج ابن جرير، عن طاوس { لا يضار كاتب } ، ~~فيكتب ما لم يمل عليه { ولا شهيد } فيشهد بما لم يستشهد. وأخرج ~~ابن جرير، عن الضحاك في قوله { وإن كنتم على سفر } الآية، قال ~~من كان على سفر، فبايع بيعا إلى أجل، فلم يجد كاتبا، فرخص له في الرهان ~~المقبوضة، وليس له إن وجد كاتبا أن يرتهن. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي ~~حاتم، عن مجاهد قال لا يكون الرهن إلا في السفر. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، قال لا يكون الرهن، إلا ~~مقبوضا. وأخرج البخاري في تاريخه، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وابن ماجه، وأبو نعيم، والبيهقي، عن أبي سعيد الخدري، أنه ~~قرأ هذه الآية { يأيها الذين ءامنوا إذا تداينتم ~~بدين } حتى بلغ { فإن أمن بعضكم بعضا } قال هذه نسخت ما ~~قبلها. وأقول رضي الله عن هذا الصحابي الجليل، ليس هذا من باب النسخ، ~~فهذا مقيد بالائتمان، وما قبله ثابت محكم لم ينسخ، وهو مع عدم الائتمان. ~~وأخرج ابن جرير، عن السدي في قوله { قلبه والله } قال فاجر ~~قلبه. وأخرج ابن جرير، بإسناد صحيح، عن سعيد بن المسيب أنه بلغه أن أحدث ~~القرآن بالعرش آية الدين. وأخرج أبو عبيد في فضائله، عن ابن شهاب قال آخر ~~القرآن عهدا بالعرش آية الربا، وآية الدين. ### || [2.284] # قوله { لله ما فى السموات وما في الأرض } قد تقدم ms0493 ~~تفسيره. قوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم } إلى آخر الآية، ~~ظاهره أن الله يحاسب العباد على ما أضمرته أنفسهم، أو أظهرته من الأمور ~~التي يحاسب عليها، فيغفر لمن يشاء منهم ما يغفره منها، ويعذب من يشاء ~~منهم بما أسر، أو أظهر منها، هذا معنى الآية على مقتضى اللغة العربية. ~~وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية على أقوال الأول أنها، وإن كانت عامة، ~~فهي مخصوصة بكتمان الشهادة، وأن الكاتم للشهادة يحاسب على كتمه، سواء ~~أظهر للناس أنه كاتم للشهادة، أو لم يظهر. وقد روى هذا عن ابن عباس، ~~وعكرمة، والشعبي ومجاهد، وهو مردود بما في الآية من عموم اللفظ، ولا يصلح ~~ما تقدم قبل هذه الآية من النهي عن كتم الشهادة أن تكون مختصة به. والقول ~~الثاني أن ما في الآية مختص بما يطرأ على النفوس من الأمور التي هي بين ~~الشك، واليقين، قاله مجاهد، وهو أيضا تخصيص بلا مخصص. والقول الثالث ~~أنها محكمة عامة، ولكن العذاب على ما في النفس يختص بالكفار، والمنافقين. ~~حكاه الطبري عن قوم، وهو أيضا تخصيص بلا مخصص، فإن قوله { يغفر ~~لمن يشاء ويعذب من يشاء } لا يختص ببعض معين إلا بدليل. ~~والقول الرابع أن هذه الآية منسوخة، قاله ابن مسعود، وعائشة، وأبو هريرة، ~~والشعبي، وعطاء، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن كعب، وموسى بن عبيدة، وهو ~~مروي، عن ابن عباس، وجماعة من الصحابة، والتابعين، وهذا هو الحق لما ~~سيأتي من التصريح بنسخها، ولما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم # " إن الله غفر لهذه الأمة ما حدثت به أنفسها " # قوله { يحاسبكم به الله } قدم الجار، والمجرور على الفاعل ~~لإظهار العناية به، وقدم الإبداء على الإخفاء لأن الأصل في الأمور التي ~~يحاسب عليها هو الأعمال البادية، وأما تقديم الإخفاء في قوله سبحانه # قل إن تخفوا ما فى صدوركم أو تبدوه يعلمه ~~الله # آل عمران 29 فلكون العلم يتعلق بالأعمال الخافية، والبادية على السوية. ~~وقدم المغفرة على التعذيب لكون رحمته سبقت غضبه، وجملة قوله { فيغفر ~~لمن يشاء ms0494 ويعذب من يشاء } مستأنفة، أي فهو يغفر، وهي متضمنة ~~لتفصيل ما أجمل في قوله { يحاسبكم به الله } وهذا على قراءة ~~ابن عامر، وعاصم. وأما على قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وحمزة، ~~والكسائي بجزم الراء، والباء، فالفاء عاطفة لما بعدها على المجزوم قبلها، ~~وهو جواب الشرط، أعني قوله { يحاسبكم به الله }. وقرأ ابن ~~عباس، والأعرج، وأبو العالية، وعاصم الجحدري بنصب الراء، والباء في قوله ~~{ فيغفر } { ويعذب } على إضمار أن عطفا على المعنى. # وقرأ طلحة بن مصرف يغفر بغير فاء على البدل، وبه قرأ الجعفي، وخلاد. وقد ~~أخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن أبي هريرة قال لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~لله ما فى السموات وما في الارض وإن تبدوا ما ~~في أنفسكم } الآية اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جثوا على الركب، فقالوا يا ~~رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة، والصيام، والجهاد، ~~والصدقة، وقد أنزل الله عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " أتريدون أن تقولوا، كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا، وعصينا، بل ~~قولوا { سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير } " # فلما اقترأها القوم، وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها { آمن ~~;لرسول بما أنزل إليه من ربه } الآية، فلما فعلوا ذلك ~~نسخها الله، فأنزل { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ~~إلى آخرها. وأخرج أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن ~~جرير، وابن المنذر، والحاكم، والبيهقي، عن ابن عباس مرفوعا نحوه، وزاد، ~~فأنزل { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } قال ~~قد فعلت { ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته ~~على الذين من قبلنا } قال قد فعلت { ربنا ولا ~~تحملنا ما لا طاقة لنا به } قال قد فعلت { واعف عنا ~~واغفر لنا وارحمنا } الآية، قال قد فعلت. وقد رويت هذه القصة، ~~عن ابن عباس من طرق. وأخرج ms0495 البخاري، والبيهقي عن مروان الأصفر، عن رجل من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحسبه ابن عمر { إن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه } قال نسختها الآية التي بعدها. وأخرج عبد بن ~~حميد، والترمذي، عن علي نحوه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، ~~والطبراني، عن ابن مسعود، نحوه. وأخرج ابن جرير، عن عائشة نحوه أيضا. ~~وبمجموع ما تقدم يظهر لك ضعف ما أخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال نزلت في كتمان ~~الشهادة، فإنها لو كانت كذلك لم يشتد الأمر على الصحابة. وعلى كل حال، ~~فبعد هذه الأحاديث المصرحة بالنسخ، والناسخ لم يبق مجال لمخالفتها، ومما ~~يؤيد ذلك ما ثبت في الصحيحين، والسنن الأربع من حديث أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم، أو تعمل به ~~" # وأخرج ابن جرير، عن عائشة قالت كل عبد هم بسوء، ومعصية، وحدث ~~نفسه به حاسبه الله في الدنيا يخاف، ويحزن ويشتد همه لا يناله من ذلك ~~شيئا، كما هم بالسوء، ولم يعمل منه بشيء. وأخرج سعيد بن منصور، وابن ~~جرير، عنها نحوه، والأحاديث المتقدمة المصرحة بالنسخ تدفعه. وأخرج ابن ~~جرير، عن ابن عباس قال إن الله يقول يوم القيامة إن كتابي لم يكتبوا من ~~أعمالكم إلا ما ظهر منها، فأما ما أسررتم في أنفسكم، فأنا أحاسبكم به ~~اليوم، فأغفر لمن شئت، وأعذب من شئت، وهو مدفوع بما تقدم. ### || [2.285-286] # قوله { بما أنزل إليه من ربه } أي بجميع ما أنزل الله ~~{ والمؤمنون } عطف على الرسول، وقوله { كل } أي من الرسول ~~والمؤمنين { آمن بالله } ويجوز أن يكون قوله { والمؤمنون } مبتدأ. ~~وقوله { كل } مبتدأ ثان. وقوله { آمن بالله } خبر المبتدأ الثاني، وهو ~~وخبره خبر المبتدأ الأول. وأفرد الضمير في قوله { آمن بالله } مع رجوعه ~~إلى كل المؤمنين، لما أن المراد بيان إيمان كل فرد منهم من غير اعتبار ~~الاجتماع، ms0496 كما اعتبر ذلك في قوله تعالى # وكل أتوه دخرين # النمل 87. قال الزجاج لما ذكر الله سبحانه في هذه السورة فرض الصلاة، ~~والزكاة، وبين أحكام الحج، وحكم الحيض، والطلاق، والإيلاء، وأقاصيص ~~الأنبياء، وبين حكم الربا، ذكر تعظيمه سبحانه بقوله { لله ما فى ~~السموات وما في الارض } ثم ذكر تصديق نبيه صلى الله عليه ~~وسلم، ثم ذكر تصديق المؤمنين بجميع ذلك، فقال { آمن الرسول بما ~~أنزل إليه من ربه والمؤمنون } أي صدق الرسول بجميع ~~هذه الأشياء التي جرى ذكرها، وكذلك المؤمنون كلهم صدقوا بالله، ~~وملائكته، وكتبه، ورسله، وقيل سبب نزولها الآية التي قبلها. وقد تقدم ~~بيان ذلك. قوله { وملئكته } أي من حيث كونهم عباده المكرمين ~~المتوسطين بينه، وبين أنبيائه في إنزال كتبه، وقوله { وكتبه } لأنها ~~المشتملة على الشرائع التي تعبد بها عباده. وقوله { ورسله } ~~لأنهم المبلغون لعباده ما نزل إليهم. وقرأ نافع، وابن كثير، وعاصم في ~~رواية أبي بكر، وابن عامر، وكتبه بالجمع. وقرءوا في التحريم، و " كتابه ~~". وقرأ ابن عباس هنا، و " كتابه " ، وكذلك قرأ حمزة، والكسائي، وروى عنه ~~أنه قال الكتاب أكثر من الكتب. وبينه صاحب الكشاف، فقال لأنه إذا أريد ~~بالواحد الجنس، والجنسية قائمة في وجدان الجنس كلها لم يخرج منه شيء، ~~وأما الجمع، فلا يدخل تحته إلا ما فيه الجنسية من الجموع. انتهى. ومن ~~أراد تحقيق المقام، فليرجع إلى شرح التلخيص المطول عند قول صاحب التلخيص ~~«واستغراق المفرد أشمل». وقرأ الجمهور { ورسله } بضم السين. وقرأ أبو ~~عمرو، بتخفيف السين. وقرأ الجمهور { لا نفرق } بالنون. والمعنى يقولون ~~لا نفرق. وقرأ سعيد بن جبير، ويحيى بن يعمر، وأبو زرعة، وابن عمر، وابن ~~جرير، ويعقوب «لا يفرق» بالياء التحتية. وقوله { بين أحد } ولم يقل ~~بين آحاد، لأن الأحد يتناول الواحد، والجمع، كما في قوله تعالى # فما منكم من أحد عنه حجزين # الحاقة 47 فوصفه بقوله { حجزين } لكونه في معنى الجمع، وهذه ~~الجملة يجوز أن تكون في محل نصب على الحال، وأن تكون خبرا آخر لقوله { ~~كل }. وقوله { من رسله } أظهر في ms0497 محل الإضمار للاحتراز عن توهم ~~اندراج الملائكة في الحكم، أو الإشعار بعلة عدم التفريق بينهم. # وقوله { وقالوا سمعنا وأطعنا } هو معطوف على قوله { آمن } ~~وهو وإن كان للمفرد، وهذا للجماعة، فهو جائز نظرا إلى جانب المعنى، أي ~~أدركناه بأسماعنا، وفهمناه، وأطعنا ما فيه وقيل معنى سمعنا أجبنا دعوتك. ~~قوله { غفرانك } مصدر منصوب بفعل مقدر، أي اغفر غفرانك. قاله ~~الزجاج، وغيره، وقدم السمع، والطاعة على طلب المغفرة لكون الوسيلة ~~تتقدم على المتوسل إليه. قوله { لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها } التكليف هو الأمر بما فيه مشقة، وكلفة، والوسع الطاقة، ~~والوسع ما يسع الإنسان، ولا يضيق عليه، وهذه جملة مستقلة جاءت عقب قوله ~~سبحانه { وإن تبدوا ما في أنفسكم } الآية لكشف كربة ~~المسلمين، ودفع المشقة عليهم في التكليف بما في الأنفس، وهي كقوله سبحانه ~~{ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ~~قوله { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } فيه ترغيب، ~~وترهيب، أي لها ثواب ما كسبت من الخير، وعليها وزر ما اكتسبت من الشر، ~~وتقدم " لها " ، و " عليها " على الفعلين، ليفيد أن ذلك لها لا لغيرها، ~~وعليها لا على غيرها، وهذا مبني على أن كسب للخير فقط، واكتسب للشر ~~فقط، كما قاله صاحب الكشاف، وغيره، وقيل كل واحد من الفعلين يصدق على ~~الأمرين، وإنما كرر الفعل، وخالف بين التصريفين تحسينا للنظم، كما في ~~قوله تعالى # فمهل الكفرين أمهلهم رويدا # الطارق 17. قوله { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا } أي لا تؤاخذنا بإثم ما يصدر منا من هذين الأمرين. وقد ~~استشكل هذا الدعاء جماعة من المفسرين، وغيرهم قائلين إن الخطأ، والنسيان ~~مغفوران غير مؤاخذ بهما، فما معنى الدعاء بذلك، فإنه من تحصيل الحاصل؟ ~~وأجيب عن ذلك بأن المراد طلب عدم المؤاخذة بما صدر عنهم من الأسباب ~~المؤدية إلى النسيان، والخطأ من التفريط، وعدم المبالاة، لا من نفس ~~النسيان، والخطأ، فإنه لا مؤاخذة بهما، كما يفيد ذلك قوله صلى الله عليه ~~وسلم # " رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان " # وسيأتي مخرجه. وقيل إنه يجوز للإنسان ms0498 أن يدعو بحصول ما هو حاصل له قبل ~~الدعاء لقصد استدامته. وقيل إنه وإن ثبت شرعا أنه لا مؤاخذة بهما، فلا ~~امتناع في المؤاخذة بهما عقلا، وقيل لأنهم كانوا على جانب عظيم من ~~التقوى. بحيث لا يصدر عنهم الذنب تعمدا، وإنما يصدر عنهم خطأ، أو ~~نسيانا، فكأنه وصفهم بالدعاء بذلك إيذانا بنزاهة ساحتهم، عما يؤاخذون ~~به، كأنه قيل إن كان النسيان، والخطأ مما يؤاخذ به، فما منهم سبب مؤاخذة ~~إلا الخطأ، والنسيان. قال القرطبي وهذا لم يختلف فيه أن الإثم مرفوع، ~~وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام هل ذلك مرفوع، ولا يلزم منه ~~شيء، أو يلزم أحكام ذلك كله؟ اختلف فيه، والصحيح أن ذلك يختلف بحسب ~~الوقائع، فقسم لا يسقط باتفاق كالغرامات، والديات، والصلوات المفروضات، ~~وقسم يسقط باتفاق كالقصاص، والنطق بكلمة الكفر، وقسم ثالث مختلف فيه كمن ~~أكل ناسيا في رمضان، أو حنث ساهيا، وما كان مثله مما يقع خطأ، ~~ونسيانا، ويعرف ذلك في الفروع. # قوله { ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته ~~على الذين من قبلنا } عطف على الجملة التي قبله، وتكرير ~~النداء للإيذان بمزيد التضرع، واللجأ إلى الله سبحانه. والإصر العبء ~~الثقيل الذي يأصر صاحبه، أي يحبسه مكانه لا يستقل به لثقله. والمراد به ~~هنا التكليف الشاق، والأمر الغليظ الصعب. وقيل الإصر شدة العمل، وما غلظ ~~على بني إسرائيل من قتل الأنفس، وقطع موضع النجاسة، ومنه قول النابغة # يا مانع الضيم أن تغشى سراتهم والحامل الإصر عنهم ~~بعد ما غرقوا # وقيل الإصر المسخ قردة، وخنازير. وقيل العهد، ومنه قوله تعالى # وأخذتم على ذلكم إصرى # آل عمران81 وهذا الخلاف يرجع إلى بيان ما هو الإصر الذي كان على من ~~قبلنا، لا إلى معنى الإصر في لغة العرب، فإنه ما تقدم ذكره بلا نزاع، ~~والإصار الحبل الذي تربط به الأحمال، ونحوها، يقال أصر يأصر إصرا حبس، ~~والإصر بكسر الهمزة من ذلك. قال الجوهري والموضع مأصر، والجمع مآصر، ~~والعامة تقول معاصر. ومعنى الآية أنهم طلبوا من الله سبحانه أن ms0499 لا ~~يحملهم من ثقل التكاليف ما حمل الأمم قبلهم. وقوله { كما ~~حملته } صفة مصدر محذوف، أي حملا مثل حملك إياه على من قبلنا، أو ~~صفة ل { إصرا } ، أي إصرا مثل الإصر الذي حملته على من قبلنا. قوله { ~~ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } هو أيضا عطف ~~على ما قبله، وتكرير النداء للنكتة المذكورة قبل هذا. والمعنى لا تحملنا ~~من الأعمال ما لا نطيق وقيل هو عبارة عن إنزال العقوبات، كأنه قال لا ~~تنزل علينا العقوبات بتفريطنا في المحافظة على تلك التكاليف الشاقة التي ~~كلفت بها من قبلنا. وقيل المراد به الشاق الذي لا يكاد يستطاع من ~~التكاليف. قال في الكشاف وهذا تقرير لقوله { ولا تحمل علينا ~~إصرا }. قوله { واعف عنا } أي عن ذنوبنا، يقال عفوت عن ذنبه إذا ~~تركته، ولم تعاقبه عليه { واغفر لنا } أي استر على ذنوبنا. والغفر ~~الستر { وارحمنا } أي تفضل برحمة منك علينا { أنت مولنا } ~~أي ولينا، وناصرنا، وخرج هذا مخرج التعليم كيف يدعون؟ وقيل معناه أنت ~~سيدنا، ونحن عبيدك { فانصرنا على القوم الكفرين } فإن ~~من حق المولى أن ينصر عبيده، والمراد عامة الكفرة، وفيه إشارة إلى إعلاء ~~كلمة الله في الجهاد في سبيله. وقد قدمنا في شرح الآية التي قبل هذه ~~أعني قوله { إن تبدوا ما في أنفسكم } إلخ، أنه ثبت في الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قال عقب كل دعوة من هذه ~~الدعوات قد فعلت، فكان ذلك دليلا على أنه سبحانه لم يؤاخذهم بشيء من ~~الخطأ، والنسيان، ولا حمل، عليهم شيئا من الإصر الذي حمله على من قبلهم، ~~ولا حملهم ما لا طاقة لهم به، وعفا عنهم، وغفر لهم، ورحمهم، ونصرهم على ~~القوم الكافرين، والحمد لله رب العالمين. # وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حبان { لا نفرق بين أحد ~~من رسله } لا نكفر بما جاءت به الرسل، ولا نفرق بين أحد منهم، ولا ~~نكذب به { وقالوا سمعنا } للقرآن الذي جاء من الله { وأطعنا ~~} ، أقروا لله أن ms0500 يطيعوه في أمره ونهيه. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن ~~المنذر، عن ابن عباس في قوله { غفرانك ربنا } قال قد غفرت لكم { ~~وإليك المصير } قال إليك المرجع، والمآب يوم يقوم الحساب. وأخرج ~~سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن حكيم بن جابر قال لما نزلت ~~{ آمن الرسول } الآية، قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم إن الله قد ~~أحسن الثناء عليك، وعلى أمتك، فسل تعطه، فقال { لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها } حتى ختم السورة. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها } قال هم المؤمنون وسع الله عليهم أمر دينهم، ~~فقال # ما جعل عليكم فى الدين من حرج # الحج 78. وقال # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # البقرة 185 وقال # فاتقوا الله ما استطعتم # التغابن 16 وأخرج ابن أبي حاتم، عنه في قوله { لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت } قال من العمل. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ~~سعيد بن جبير في قوله { إلا وسعها } قال إلا طاقتها. وأخرج ابن ~~المنذر، عن الضحاك، نحوه. وقد أخرج ابن ماجه، وابن المنذر، وابن حبان في ~~صحيحه، والطبراني، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه " # وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي ذر مرفوعا، والطبراني من حديث ثوبان، ومن ~~حديث ابن عمر، ومن حديث عقبة بن عامر. وأخرجه البيهقي أيضا من حديثه. ~~وأخرجه ابن عدي في الكامل، وأبو نعيم من حديث أبي بكرة. وأخرجه ابن أبي ~~حاتم من حديث أم الدرداء. وأخرجه سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، من حديث ~~الحسن مرسلا، وأخرجه عبد بن حميد، من حديث الشعبي مرسلا. وفي أسانيد ~~هذه الأحاديث مقال، ولكنها يقوي بعضها بعضا، فلا تقصر عن رتبة الحسن ~~لغيره. # وقد تقدم حديث «إن الله قال قد فعلت» وهو في الصحيح وهو يشهد لهذه ~~الأحاديث. وأخرج ابن ms0501 جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في ~~قوله { إصرا } قال عهدا. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد مثله. وأخرج ~~ابن جرير، عن ابن جريج مثله. وأخرج أيضا عن عطاء بن أبي رباح في قوله { ~~ولا تحمل علينا إصرا } قال لا تمسخنا قردة، وخنازير. وأخرج ~~ابن جرير، عن ابن زيد في الآية أن الإصر الذنب الذي ليس فيه توبة، ولا ~~كفارة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الفضيل في الآية قال كان الرجل من بني ~~إسرائيل إذا أذنب قيل له توبتك أن تقتل نفسك، فيقتل نفسه، فوضعت الآصار ~~عن هذه الأمة. وأخرج عبد بن حميد، عن عطاء قال لما نزلت هذه الآيات { ~~ربنا لا تؤاخذنا } إلخ، كلما قالها جبريل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم # " آمين رب العالمين ". # وأخرج أبو عبيد، عن ميسرة أن جبريل لقن النبي صلى الله عليه وسلم خاتمة ~~البقرة آمين. وأخرج أبو عبيد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن ~~معاذ بن جبل أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة قال آمين. وأخرج أبو ~~عبيد عن جبير بن نفير أنه كان يقول آمين آمين. وأخرج عبد بن حميد، عن أبي ~~ذر قال هي للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك في ~~هذه الآية قال سألها نبي الله ربه، فأعطاه إياها، فكانت للنبي صلى الله ~~عليه وسلم خاصة. وقد ثبت عند الشيخين، وأهل السنن، وغيرهم، عن ابي مسعود، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " # وأخرج أبو عبيد، والدارمي، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم ~~وصححه، والبيهقي، عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، فأنزل منه ~~آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاث ليال، فيقربها شيطان ~~" # وأخرج أحمد، والنسائي، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب بسند ~~صحيح، ms0502 عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول # " أعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطها نبي ~~قبلي " # وأخرج أحمد، والبيهقي، عن أبي ذر مرفوعا، نحوه. وأخرج أبو عبيد، ~~وأحمد، ومحمد بن نصر، عن عقبة بن عامر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " اقرءوا هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة { آمن الرسول } إلى ~~خاتمتها، فإن الله اصطفى بها محمدا " # وإسناده حسن. وأخرج مسلم، عن ابن مسعود قال لما أسرى برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم انتهى إلى سدرة المنتهى، وأعطى ثلاثا، أعطى الصلوات ~~الخمس، وأعطى خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئا ~~المقحمات. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب، عن أبي ذر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش، ~~فتعلموهما، وعلموهما نساءكم، وأبناءكم، فإنهما صلاة، وقرآن، ودعاء " # وأخرج الديلمي، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اثنان هما قرآن، وهما يشفيان، وهما مما يحبهما الله الآيتان من آخر ~~البقرة " # وأخرج الطبراني بسند جيد، عن شداد بن أوس قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، فأنزل منه ~~آيتين ختم بهما سورة البقرة، لا يقرآن في دار ثلاث ليال، فيقربها شيطان " # وأخرج ابن عدي، عن ابن مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " أنزل الله آيتين من كنوز الجنة، كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق ~~بألفي سنة، من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل " # وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا قرأ آخر سورة البقرة، أو آية الكرسي ضحك وقال # " إنهما من كنز تحت العرش ". # وأخرج ابن مردويه، عن معقل بن يسار قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " أعطيت فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة ms0503 من تحت العرش " # وأخرج مسلم، والنسائي، واللفظ له، عن ابن عباس قال بينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعنده جبريل إذ سمع نقيضا، فرفع جبريل بصره فقال هذا باب ~~قد فتح من السماء ما فتح قط، قال فنزل منه ملك، فأتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب، ~~وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفا منهما إلا أوتيته. فهذه ثلاثة عشر ~~حديثا في فضل هاتين الآيتين مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ~~روى في فضلهما من غير المرفوع، عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي مسعود، ~~وكعب الأحبار، والحسن، وأبي قلابة، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~يغني عن غيره. ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1-6] # قرأ الحسن، وعمرو بن عبيد، وعاصم بن أبي النجود، وأبو جعفر الرواسي " ~~الم * الله " بقطع ألف الوصل على تقدير الوقف على { الم } كما يقدرون ~~الوقف على أسماء الأعداد نحو واحد اثنان ثلاثة أربعة مع وصلهم. قال ~~الأخفش ويجوز " الم * الله " بكسر الهمزة لالتقاء الساكنين. قال ~~الزجاج هذا خطأ، ولا تقوله العرب لثقله. وقد ذكر سيبويه في الكتاب أن ~~فواتح السور التي لم تكن موازنة لمفرد طريق التلفظ بها الحكاية فقط ساكنة ~~الأعجاز على الوقف، سواء جعلت أسماء، أو مسرودة على نمط التعديد، وإن ~~لزمها التقاء الساكنين لما أنه مغتفر في باب الوقف، فحق هذه الفاتحة أن ~~يوقف عليها، ثم يبدأ بما بعدها، كما فعله الحسن، ومن معه في قراءتهم ~~المحكية سابقا. وأما فتح الميم على القراءة المشهورة، فوجهه ما روى عن ~~سيبويه أن الميم فتحت لالتقاء الساكنين. وقال الكسائي حروف التهجي إذا ~~لقيتها ألف وصل، فحذفت الألف، وحركت الميم بحركة الألف، وكذا قال الفراء. ~~وهذه الفواتح إن جعلت مسرودة على نمط التعديد، فلا محل لها من الإعراب، ~~وإن جعلت أسماء للسورة، فمحلها إما الرفع على أنها أخبار لمبتدآت مقدرة ~~قبلها، أو النصب على تقدير أفعال يقتضيها المقام كاذكر، أو اقرأ، أو ~~نحوهما، وقد ms0504 تقدم في أوائل سورة البقرة ما يغني عن الإعادة. وقوله { ~~الله لا إله إلا هو } مبتدأ، وخبر، والجملة مستأنفة، أي هو ~~المستحق للعبودية. و { الحي القيوم } خبران آخران للاسم الشريف، أو ~~خبران لمبتدأ محذوف، أي هو الحي القيوم، وقيل إنهما صفتان للمبتدإ الأول، ~~أو بدلان منه، أو من الخبر، وقد تقدم تفسير الحي والقيوم. وقرأ جماعة ~~من الصحابة " القيام " عمر، وأبي بن كعب، وابن مسعود. قوله { نزل ~~عليك الكتب } أي القرآن، وقدم الظرف على المفعول به للاعتناء ~~بالمنزل عليه صلى الله عليه وسلم وهي إما جملة مستأنفة، أو خبر آخر ~~للمبتدأ الأول. قوله { بالحق } أي بالصدق، وقيل بالحجة الغالبة، وهو ~~في محل نصب على الحال. وقوله { مصدقا } حال آخر من الكتاب مؤكدة لأنه ~~لا يكون إلا مصدقا، فلا تكون الحال منتقلة أصلا، وبهذا قال الجمهور، ~~وجوز بعضهم الانتقال على معنى أنه مصدق لنفسه ولغيره. وقوله { لما ~~بين يديه } أي من الكتب المنزلة، وهو متعلق بقوله { مصدقا } ، ~~واللام للتقوية. قوله { وأنزل التوراة والإنجيل } هذه ~~الجملة في حكم البيان لقوله لما بين يديه. وإنما قال هنا { أنزل } ، ~~وفيما تقدم { نزل } لأن القرآن نزل منجما، والكتابان نزلا دفعة واحدة، ~~ولم يذكر في الكتابين من أنزلا عليه، وذكر فيما تقدم أن الكتاب نزل على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن القصد هنا ليس إلا إلى ذكر الكتابين لا ~~ذكر من نزلا عليه. # وقوله { من قبل } أي أنزل التوراة، والإنجيل من قبل تنزيل الكتاب. ~~وقوله { هدى للناس } إما حال من الكتابين، أو علة للإنزال. والمراد ~~بالناس أهل الكتابين، أو ما هو أعم لأن هذه الأمة متعبدة بما لم ينسخ من ~~الشرائع. قال ابن فورك هدى للناس المتقين، كما قال في البقرة # هدى للمتقين # البقرة 2، قوله { وأنزل الفرقان } أي الفارق بين الحق، ~~والباطل، وهو القرآن، وكرر ذكره تشريفا له مع ما يشتمل عليه هذا الذكر ~~الآخر من الوصف له بأنه يفرق بين الحق، والباطل، وذكر التنزيل أولا، ~~والإنزال ثانيا لكونه جامعا بين الوصفين، فإنه أنزل ms0505 إلى سماء الدنيا ~~جملة، ثم نزل منها إلى النبي صلى الله عليه وسلم مفرقا منجما على حسب ~~الحوادث كما سبق. وقيل أراد بالفرقان جميع الكتب المنزلة من الله تعالى ~~على رسله، وقيل أراد الزبور لاشتماله على المواعظ الحسنة، وقوله { إن ~~الذين كفروا بأيت الله } أي بما يصدق عليه أنه آية من ~~الكتب المنزلة وغيرها، أو بما في الكتب المنزلة وغيرها أو بما في الكتب ~~المنزلة المذكورة على وضع آيات الله موضع الضمير العائد إليها، وفيه بيان ~~الأمر الذي استحقوا به الكفر { لهم } بسبب هذا الكفر { عذاب ~~شديد } أي عظيم { والله عزيز } لا يغالبه مغالب { ذو ~~انتقام } عظيم، والنقمة السطوة، يقال انتقم منه إذا عاقبه بسبب ذنب قد ~~تقدم منه. قوله { إن الله لا يخفى عليه شىء في ~~الأرض ولا فى السماء } هذه الجملة استئنافية لبيان سعة علمه، ~~وإحاطته بالمعلومات، بما في الأرض والسماء، مع كونها أوسع من ذلك، لقصور ~~عباده عن العلم بما سواهما من أمكنة مخلوقاته، وسائر معلوماته، ومن جملة ~~ما لا يخفى عليه إيمان من آمن من خلقه، وكفر من كفر. قوله { هو الذي ~~يصوركم في الأرحام كيف يشاء } أصل اشتقاق الصورة من صاره ~~إلى كذا أي أماله إليه، فالصورة مائلة إلى شبه وهيئة، وأصل الرحم من ~~الرحمة لأنه مما يتراحم به، وهذه الجملة مستأنفة مشتملة على بيان إحاطة ~~علمه، وأن من جملة معلوماته ما لا يدخل تحت الوجود، وهو تصوير عباده في ~~أرحام أمهاتهم من نطف آبائهم كيف يشاء من حسن، وقبيح، وأسود، وأبيض، ~~وطويل، وقصير. و { كيف } معمول يشاء، والجملة حالية. وقد أخرج ابن إسحاق، ~~وابن جرير، وابن المنذر، عن جعفر بن محمد بن الزبير قال «قدم على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران ستون راكبا، فيهم أربعة عشر رجلا من ~~أشرافهم، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة، ~~والعاقب، وعبد المسيح، والسيد، وهو الأيهم، ثم ذكروا القصة في الكلام ~~الذي دار بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه ms0506 وسلم، وأن الله أنزل في ذلك ~~صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع، فذكر وفد نجران، ومخاصمتهم ~~للنبي صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام، وأن الله أنزل { الم * ~~الله لا إله إلا هو الحى القيوم }. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله { مصدقا لما بين يديه } ~~قال لما قبله من كتاب، أو رسول. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن نحوه. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة نحوه، وقال في قوله { وأنزل ~~الفرقان } هو القرآن فرق بين الحق، والباطل، فأحل فيه حلاله، وحرم ~~فيه حرامه، وشرع فيه شرائعه، وحد فيه حدوده، وفرض فيه فرائضه، وبين فيه ~~بيانه، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته. وأخرج ابن جرير، عن محمد بن جعفر بن ~~الزبير في قوله { وأنزل الفرقان } أي الفصل بين الحق، والباطل ~~فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى، وغيره، وقوله { إن الذين ~~كفروا بأيت الله لهم عذاب شديد والله عزيز ~~ذو انتقام } أي إن الله ينتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها، ومعرفته ~~بما جاء منه فيها. وفي قوله { إن الله لا يخفى عليه شىء ~~في الأرض ولا فى السماء } أي قد علم ما يريدون، وما يكيدون، وما ~~يضاهون بقولهم في عيسى إذ جعلوه ربا وإلها، وعندهم من علمه غير ذلك ~~غرة بالله، وكفرا به { هو الذي يصوركم في الأرحام ~~كيف يشاء } قد كان عيسى ممن صور في الأرحام لا يدفعون ذلك، ولا ~~ينكرونه، كما صور غيره من بني آدم، فكيف يكون إلها، وقد كان بذلك ~~المنزل؟! وأخرج ابن المنذر، عن ابن مسعود في قوله { يصوركم في ~~الأرحام كيف يشاء } قال ذكورا، وإناثا. وأخرج ابن جرير، عن ابن ~~عباس، وابن مسعود، وناس من الصحابة في قوله { يصوركم في ~~الأرحام كيف يشاء } قال إذا وقعت النطفة في الأرحام طارت في ~~الجسد أربعين يوما، ثم تكون علقة أربعين يوما، ثم تكون مضغة أربعين ~~يوما، فإذا بلغ أن ms0507 يخلق بعث الله ملكا يصورها، فيأتي الملك بتراب بين ~~أصبعيه، فيخلط منه المضغة، ثم يعجنه بها، ثم يصور، كما يؤمر فيقول أذكر ~~أم أنثى، أشقي أم سعيد، وما رزقه، وما عمره؟ وما أثره، وما مصائبه؟ ~~فيقول الله، ويكتب الملك، فإذا مات ذلك الجسد دفن حيث أخذ ذلك التراب. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله { يصوركم في ~~الأرحام كيف يشاء } قال من ذكر، وأنثى، وأحمر، وأسود، وتام ~~الخلق، وغير تام الخلق. ### || [3.7-9] # { الكتاب } هو القرآن، فاللام للعهد، وقدم الظرف، وهو { عليك } لما ~~يفيده من الاختصاص. وقوله { منه آيت محكمت } الموافق ~~لقواعد العربية أن يكون الظرف خبرا مقدما، والأولى بالمعنى أن يكون ~~مبتدأ تقديره من الكتاب آيات بينات، على نحو ما تقدم في قوله # ومن الناس من يقول # البقرة 8 وإنما كان أولى لأن المقصود انقسام الكتاب إلى القسمين ~~المذكورين لا مجرد الإخبار عنهما بأنهما من الكتاب، والجملة حالية في ~~محل نصب، أو مستأنفة لا محل لها. وقد اختلف العلماء في تفسير المحكمات، ~~والمتشابهات على أقوال فقيل إن المحكم ما عرف تأويله، وفهم معناه، ~~وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل ومن القائلين بهذا جابر ~~بن عبد الله، والشعبي، وسفيان الثوري، قالوا وذلك بجر الحروف المقطعة في ~~أوائل السور. وقيل المحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا، والمتشابه ما ~~يحتمل وجوها، فإذا ردت إلى وجه واحد، وأبطل الباقي صار المتشابه ~~محكما، وقيل إن المحكم ناسخه، وحرامه، وحلاله، وفرائضه، وما نؤمن به، ~~ونعمل عليه، والمتشابه منسوخه، وأمثاله، وأقسامه وما نؤمن به، ولا نعمل ~~به. روى هذا عن ابن عباس، وقيل المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ، روي عن ~~ابن مسعود، وقتادة، والربيع، والضحاك وقيل المحكم الذي ليس فيه تصريف، ~~ولا تحريف عما وضع له، والمتشابه ما فيه تصريف، وتحريف، وتأويل قاله ~~مجاهد، وابن إسحاق. قال ابن عطية وهذا أحسن الأقوال، وقيل المحكم ما كان ~~قائما بنفسه لا يحتاج إلى أن يرجع فيه إلى غيره، والمتشابه ما يرجع فيه ~~إلى ms0508 غيره. قال النحاس وهذا أحسن ما قيل في المحكمات، والمتشابهات. قال ~~القرطبي ما قاله النحاس يبين ما اختاره ابن عطية، وهو الجاري على وضع ~~اللسان، وذلك أن المحكم اسم مفعول من أحكم، والإحكام الإتقان، ولا شك في ~~أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه، ولا تردد، إنما يكون كذلك لوضوح ~~مفردات كلماته، وإتقان تركيبها، ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه، ~~والإشكال. وقال ابن خويز منداد للمتشابه وجوه ما اختلف فيه العلماء أي ~~الآيتين نسخت الأخرى، كما في الحامل المتوفى عنها زوجها، فإن من الصحابة ~~من قال إن آية وضع الحمل نسخت آية الأربعة الأشهر، والعشر، ومنهم من قال ~~بالعكس. وكاختلافهم في الوصية للوارث، وكتعارض الآيتين أيهما أولى أن ~~يقدم إذا لم يعرف النسخ، ولم توجد شرائطه، وكتعارض الأخبار، وتعارض ~~الأقيسة، هذا معنى كلامه. والأولى أن يقال إن المحكم هو الواضح المعنى ~~الظاهر الدلالة، إما باعتبار نفسه، أو باعتبار غيره، والمتشابه ما لا ~~يتضح معناه، أو لا تظهر دلالته لا باعتبار نفسه، ولا باعتبار غيره. وإذا ~~عرفت هذا عرفت أن هذا الاختلاف الذي قدمناه ليس كما ينبغي، وذلك لأن أهل ~~كل قول عرفوا المحكم ببعض صفاته، وعرفوا المتشابه بما يقابلها. # وبيان ذلك أن أهل القول الأول جعلوا المحكم ما وجد إلى علمه سبيل، ~~والمتشابه ما لا سبيل إلى علمه، ولا شك أن مفهوم المحكم، والمتشابه أوسع ~~دائرة مما ذكروه، فإن مجرد الخفاء، أو عدم الظهور، أو الإحتمال، أو ~~التردد يوجب التشابه وأهل القول الثاني خصوا المحكم بما ليس فيه احتمال، ~~والمتشابه بما فيه احتمال، ولا شك أن هذا بعض أوصاف المحكم، والمتشابه لا ~~كلها، وهكذا أهل القول الثالث، فإنهم خصوا كل واحد من القسمين بتلك ~~الأوصاف المعينة دون غيرها وأهل القول الرابع خصوا كل واحد منهما ببعض ~~الأوصاف التي ذكرها أهل القول الثالث، والأمر أوسع مما قالوه جميعا، ~~وأهل القول الخامس خصوا المحكم بوصف عدم التصريف، والتحريف، وجعلوا ~~المتشابه مقابله، وأهملوا ما هو أهم من ذلك مما لا سبيل إلى ms0509 علمه من دون ~~تصريف، وتحريف كفواتح السور المقطعة، وأهل القول السادس خصوا المحكم بما ~~يقوم بنفسه، والمتشابه بما لا يقوم بها، وأن هذا هو بعض أوصافهما، وصاحب ~~القول السابع، وهو ابن خويز منداد عمد إلى صورة الوفاق، فجعلها محكما، ~~وإلى صورة الخلاف، والتعارض، فجعلها متشابها، فأهمل ما هو أخص أوصاف كل ~~واحد منهما من كونه باعتبار نفسه مفهوم المعنى، أو غير مفهوم. قوله { ~~هن أم الكتب } أي أصله الذي يعتمد عليه، ويرد ما خالفه ~~إليه، وهذه الجملة صفة لما قبلها. قوله { وأخر متشبهت } ~~وصف لمحذوف مقدر، أي وآيات أخر متشابهات، وهي جمع أخرى، وإنما لم ينصرف ~~لأنه عدل بها عن الآخر لأن أصلها أن يكون كذلك. وقال أبو عبيد لم ينصرف ~~لأن واحدها لا ينصرف في معرفة، ولا نكرة، وأنكر ذلك المبرد. وقال ~~الكسائي لم تنصرف لأنها صفة، وأنكره أيضا المبرد. وقال سيبويه لا يجوز ~~أن يكون { أخر } معدولة عن الألف، واللام لأنها لو كانت معدولة عنها لكان ~~معرفة، ألا ترى أن " سحر " معرفة في جميع الأقاويل لما كانت معدولة. قوله ~~{ فأما الذين فى قلوبهم زيغ } الزيغ الميل ومنه زاغت ~~الشمس، وزاغت الأبصار ويقال زاغ يزيغ زيغا إذا ترك القصد، ومنه قوله ~~تعالى # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # الصف 5 وهذه الآية تعم كل طائفة من الطوائف الخارجة عن الحق. وسبب ~~النزول نصارى نجران، كما تقدم، وسيأتي. قوله { فيتبعون ما ~~تشبه منه } أي يتعلقون بالمتشابه من الكتاب، فيشككون به على ~~المؤمنين، ويجعلونه دليلا على ما هم فيه من البدعة المائلة عن الحق، كما ~~تجده في كل طائفة من طوائف البدعة، فإنهم يتلاعبون بكتاب الله تلاعبا ~~شديدا، ويوردون منه لتنفيق جهلهم ما ليس من الدلالة في شيء. # قوله { ابتغاء الفتنة } أي طلبا منهم لفتنة الناس في دينهم، ~~والتلبيس عليهم، وإفساد ذات بينهم { وابتغاء تأويله } أي طلبا ~~لتأويله على الوجه الذي يريدونه، ويوافق مذاهبهم الفاسدة. قال الزجاج ~~معنى ابتغائهم تأويله أنهم طلبوا تأويل بعثهم، وإحيائهم، فأعلم الله عز ~~وجل أن تأويل ذلك، ms0510 ووقته لا يعلمه إلا الله. قال والدليل على ذلك قوله # هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتى تأويله # الأعراف 53 أي يوم يرون ما يوعدون من البعث، والنشور، والعذاب # يقول الذين نسوه # الأعراف 53 أي تركوه # قد جاءت رسل ربنا بالحق # الأعراف 53 أي قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرسل. قوله { وما ~~يعلم تأويله إلا الله } التأويل يكون بمعنى التفسير، ~~كقولهم تأويل هذه الكلمة على كذا، أي تفسيرها، ويكون بمعنى ما يئول الأمر ~~إليه، واشتقاقه من آل الأمر إلى كذا يئول إليه، أي صار، وأولته تأويلا، ~~أي صيرته، وهذه الجملة حالية، أي يتبعون المتشابه لابتغاء تأويله، والحال ~~أن ما يعلم تأويله إلا الله. وقد اختلف أهل العلم في قوله { والرسخون ~~في العلم } هل هو كلام مقطوع، عما قبله، أو معطوف على ما قبله؟ ~~فتكون الواو للجمع، فالذي عليه الأكثر أنه مقطوع عما قبله، وأن الكلام ~~تم عند قوله { إلا الله } هذا قول ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، ~~وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وأبي الشعثاء، وأبي نهيك، وغيرهم، ~~وهو مذهب الكسائي، والفراء، والأخفش، وأبي عبيد، وحكاه ابن جرير الطبري، ~~عن مالك، واختاره، وحكاه الخطابي، عن ابن مسعود، وأبي بن كعب قال وإنما ~~روي عن مجاهد أنه نسق الراسخين على ما قبله، وزعم أنهم يعلمونه، قال ~~واحتج له بعض أهل اللغة، فقال معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين { ~~آمنا به } وزعم أن موضع { يقولون } نصب على الحال، وعامة أهل اللغة ~~ينكرونه، ويستبعدونه لأن العرب لا تضمر الفعل، والمفعول معا، ولا تذكر ~~حالا إلا مع ظهور الفعل، فإذا لم يظهر فعل لم يكن حالا، ولو جاز ذلك ~~لجاز أن يقال عبد الله راكبا، يعني أقبل عبد الله راكبا، وإنما يجوز ~~ذلك مع ذكر الفعل كقوله عبد الله يتكلم يصلح بين الناس، فكان يصلح حالا ~~كقول الشاعر أنشدنيه أبو عمرو. قال أنشدنا أبو العباس ثعلب # أرسلت فيها رجلا لكالكا يقصر يمشي ويطول باركا # فكان قول عامة العلماء مع مساعدة مذاهب النحويين له ms0511 أولى من قول مجاهد ~~وحده. وأيضا، فإنه لا يجوز أن ينفي الله سبحانه شيئا عن الخلق، وينسبه ~~لنفسه، فيكون له في ذلك شريك، ألا ترى قوله عز وجل # قل لا يعلم من فى السموات والأرض الغيب إلا ~~الله # النمل 65، وقوله # لا يجليها لوقتها إلا هو # الأعراف 187، وقوله # كل شىء هالك إلا وجهه # القصص 88 فكان هذا كله مما استأثر الله سبحانه به لا يشركه فيه غيره، ~~وكذلك قوله تعالى { وما يعلم تأويله إلا الله } ولو ~~كانت الواو في قوله { والرسخون } للنسق لم يكن لقوله { كل من ~~عند ربنا } فائدة. انتهى. قال القرطبي ما حكاه الخطابي من أنه لم ~~يقل بقول مجاهد غيره. فقد روي عن ابن عباس أن الراسخين معطوف على اسم ~~الله عز وجل، وأنهم داخلون في علم المتشابه، وأنهم مع علمهم به يقولون ~~آمنا به. وقاله الربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير، والقاسم بن محمد، ~~وغيرهم، و { يقولون } على هذا التأويل نصب على الحال من الراسخون كما ~~قال # الريح يبكي شجوه والبرق يلمع في الغمامه # وهذا البيت يحتمل المعنيين، فيجوز أن يكون، و " البرق " مبتدأ، والخبر " ~~يلمع " على التأويل الأول، فيكون مقطوعا مما قبله، ويجوز أن يكون ~~معطوفا على الريح، ويلمع في موضع الحال على التأويل الثاني أي لامعا. ~~انتهى. ولا يخفاك أن ما قاله الخطابي في وجه امتناع كون قوله { ~~يقولون ءامنا به } حالا مع أن العرب لا تذكر حالا إلا مع ظهور ~~الفعل إلى آخر كلامه لا يتم إلا على فرض أنه لا فعل هنا، وليس الأمر ~~كذلك، فالفعل مذكور، وهو قوله { وما يعلم تأويله } ولكنه جاء ~~الحال من المعطوف، وهو قوله { والرسخون } دون المعطوف عليه، وهو قوله ~~{ إلا الله } وذلك جائز في اللغة العربية. وقد جاء مثله في الكتاب ~~العزيز. ومنه قوله تعالى # للفقراء المهجرين الذين أخرجوا من ديرهم # الحشر 8 إلى قوله # والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا # الآية الحشر 10، وكقوله # وجاء ربك والملك صفا صفا # الفجر 22 أي وجاءت الملائكة صفا ms0512 صفا، ولكن ها هنا مانع آخر من جعل ذلك ~~حالا، وهو أن تقييد علمهم بتأويله بحال كونهم قائلين آمنا به ليس بصحيح، ~~فإن الراسخين في العلم على القول بصحة العطف على الإسم الشريف يعلمونه في ~~كل حال من الأحوال لا في هذه الحالة الخاصة، فاقتضى هذا أن جعل قوله { ~~يقولون ءامنا به } حالا غير صحيح، فتعين المصير إلى الاستئناف ~~والجزم بأن قوله { والرسخون في العلم } مبتدأ خبره { يقولون ~~} ، ومن جملة ما استدل به القائلون بالعطف أن الله سبحانه وصفهم بالرسوخ ~~في العلم، فكيف يمدحهم، وهم لا يعلمون ذلك؟ ويجاب عن هذا بأن تركهم لطلب ~~علم ما لم يأذن الله به، ولا جعل لخلقه إلى علمه سبيلا هو من رسوخهم ~~لأنهم علموا أن ذلك مما استأثر الله بعلمه، وأن الذين يتبعونه هم الذين ~~في قلوبهم زيغ، وناهيك بهذا من رسوخ. وأصل الرسوخ في لغة العرب الثبوت في ~~الشيء، وكل ثابت راسخ، وأصله في الأجرام أن ترسخ الخيل، أو الشجر في ~~الأرض، ومنه قول الشاعر # لقد رسخت في الصدر منى مودة لليلى أبت آياتها أن ~~تغيرا # فهؤلاء ثبتوا في امتثال ما جاءهم عن الله من ترك اتباع المتشابه، وإرجاع ~~علمه إلى الله سبحانه. ومن أهل العلم من توسط بين المقامين فقال التأويل ~~يطلق ويراد به في القرآن شيئان أحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشيء، وما ~~يئول أمره إليه، ومنه قوله # هذا تأويل رؤيى # يوسف 100، وقوله # هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتى تأويله # الأعراف 53 أي حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل ~~هذا، فالوقف على الجلالة لأن حقائق الأمور، وكنهها لا يعلمه إلا الله عز ~~وجل، ويكون قوله { والرسخون في العلم } مبتدأ، و { يقولون ~~ءامنا به } خبره. وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر، وهو التفسير، ~~والبيان، والتعبير عن الشيء، كقوله # نبئنا بتأويله # يوسف 36 أي بتفسيره فالوقف على { والرسخون في العلم } لأنهم ~~يعلمون، ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علما بحقائق ~~الأشياء على كنه ما هي عليه، ms0513 وعلى هذا، فيكون { يقولون ءامنا به ~~} حالا منهم، ورجح ابن فورك أن الراسخين يعلمون تأويله، وأطنب في ذلك، ~~وهكذا جماعة من محققي المفسرين رجحوا ذلك. قال القرطبي قال شيخنا أبو ~~العباس أحمد بن عمر وهو الصحيح، فإن تسميتهم راسخين تقضي بأنهم يعلمون ~~أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفي أي شيء ~~هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع، لكن المتشابه يتنوع، فمنه ~~ما لا يعلم ألبتة كأمر الروح، والساعة مما استأثر الله بعلمه، وهذا لا ~~يتعاطى علمه أحد، فمن قال من العلماء الحذاق بأن الراسخين لا يعلمون علم ~~المتشابه، فإنما أراد هذا النوع. وأما ما يمكن حمله على وجوه في اللغة، ~~فيتأول، ويعلم تأويله المستقيم، ويزال ما فيه من تأويل غير مستقيم. ~~انتهى. واعلم أن هذا الاضطراب الواقع في مقالات أهل العلم أعظم أسبابه ~~اختلاف أقوالهم في تحقيق معنى المحكم، والمتشابه وقد قدمنا لك ما هو ~~الصواب في تحقيقهما، ونزيدك ها هنا إيضاحا، وبيانا، فنقول إن من جملة ~~ما يصدق عليه تفسير المتشابه الذي قدمناه فواتح السور، فإنها غير متضحة ~~المعنى، ولا ظاهرة الدلالة، لا بالنسبة إلى أنفسها لأنه لا يدري من يعلم ~~بلغة العرب، ويعرف عرف الشرع ما معنى آلم، آلمر، حم، طس، طسم ونحوها ~~لأنه لا يجد بيانها في شيء من كلام العرب، ولا من كلام الشرع، فهي غير ~~متضحة المعنى، لا باعتبارها نفسها، ولا باعتبار أمر آخر يفسرها، ويوضحها، ~~ومثل ذلك الألفاظ المنقولة عن لغة العجم، والألفاظ الغريبة التي لا يوجد ~~في لغة العرب، ولا في عرف الشرع ما يوضحها، وهكذا ما استأثر الله بعلمه ~~كالروح، وما في قوله # إن الله عنده علم الساعة # إلى الآخر الآية لقمان 34، ونحو ذلك، وهكذا ما كانت دلالته غير ظاهرة لا ~~باعتبار نفسه، ولا باعتبار غيره، كورود الشيء محتملا لأمرين احتمالا لا ~~يترجح أحدهما على الآخر باعتبار ذلك الشيء في نفسه، وذلك كالألفاظ ~~المشتركة مع عدم ورود ما يبين المراد من معنى ذلك ms0514 المشترك من الأمور ~~الخارجة، وكذلك ورود دليلين متعارضين تعارضا كليا بحيث لا يمكن ترجيح ~~أحدهما على الآخر، لا باعتبار نفسه، ولا باعتبار أمر آخر يرجحه. وأما ما ~~كان واضح المعنى باعتبار نفسه بأن يكون معروفا في لغة العرب، أو في عرف ~~الشرع، أو باعتبار غيره، وذلك كالأمور المجملة التي ورد بيانها في موضع ~~آخر من الكتاب العزيز، أو في السنة المطهرة، أو الأمور التي تعارضت ~~دلالتها، ثم ورد ما يبين راجحها من مرجوحها في موضع آخر من الكتاب، أو ~~السنة، أو سائر المرجحات المعروفة عند أهل الأصول المقبولة عند أهل ~~الإنصاف، فلا شك، ولا ريب أن هذه من المحكم لا من المتشابه، ومن زعم أنها ~~من المتشابه، فقد اشتبه عليه الصواب، فاشدد يديك على هذا فإنك تنجو به من ~~مضايق، ومزالق وقعت للناس في هذا المقام حتى صارت كل طائفة تسمى ما دل ~~لما ذهب إليه محكما، وما دل على ما يذهب إليه من يخالفها متشابها سيما ~~أهل علم الكلام، ومن أنكر هذا، فعليه بمؤلفاتهم. واعلم أنه قد ورد في ~~الكتاب العزيز ما يدل على أنه جميعه محكم، ولكن لا بهذا المعنى الوارد في ~~هذه الآية بل بمعنى آخر، ومن ذلك قوله تعالى # كتاب أحكمت ءايته # هود 1 وقوله # تلك ءايت الكتب الحكيم # يونس 1والمراد بالمحكم بهذا المعنى أنه صحيح الألفاظ قويم المعاني فائق ~~في البلاغة، والفصاحة على كل كلام. وورد أيضا ما يدل على أنه جميعه ~~متشابه لكن لا بهذا المعنى الوارد في هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها بل ~~بمعنى آخر، ومنه قوله تعالى # كتبا متشبها # الزمر 23 والمراد بالمتشابه بهذا المعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الصحة، ~~والفصاحة، والحسن، والبلاغة. وقد ذكر أهل العلم لورود المتشابه في القرآن ~~فوائد منها أنه يكون في الوصول إلى الحق مع وجودها فيه مزيد صعوبة، ~~ومشقة، وذلك يوجب مزيد الثواب للمستخرجين للحق، وهم الأئمة المجتهدون، ~~وقد ذكر الزمخشري، والرازي، وغيرهما وجوها هذا أحسنها، وبقيتها لا تستحق ~~الذكر ها هنا. قوله { كل ms0515 من عند ربنا } فيه ضمير مقدر عائد على ~~مسمى المحكم، والمتشابه، أي كله، أو المحذوف غير ضمير، أي كل واحد منهما، ~~وهذا من تمام المقول المذكور قبله. وقوله { وما يذكر إلا ~~أولوا الألبب } أي العقول الخالصة وهم الراسخون في العلم، ~~الواقفون عند متشابهه، العالمون بمحكمه العاملون بما أرشدهم الله إليه في ~~هذه الآية. # وقوله { ربنا لا تزغ } الخ من تمام ما يقوله الراسخون، أي ~~يقولون آمنا به كل من عند ربنا، ويقولون { ربنا لا تزغ ~~قلوبنا } قال ابن كيسان سألوا ألا يزيغوا، فتزيغ قلوبهم نحو قوله ~~تعالى # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # الصف 5 كأنهم لما سمعوا قوله سبحانه { وأما الذين فى ~~قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشبه منه } قالوا { ~~ربنا لا تزغ قلوبنا } باتباع المتشابه { بعد إذ ~~هديتنا } إلى الحق بما أذنت لنا من العمل بالآيات المحكمات، والظرف، ~~وهو قوله { بعد } منتصب بقوله لا تزغ. قوله { وهب لنا من لدنك ~~رحمة } أي كائنة من عندك، و " من " لابتداء الغاية و " لدن " بفتح ~~اللام، وضم الدال، وسكون النون، وفيه لغات أخر هذه أفصحها، وهو ظرف مكان، ~~وقد يضاف إلى الزمان، وتنكير { رحمة } للتعظيم أي رحمة عظيمة واسعة. ~~وقوله { إنك أنت الوهاب } تعليل للسؤال، أو لإعطاء المسئول. ~~وقوله { ربنا إنك جامع الناس } أي باعثهم ومحييهم بعد ~~تفرقهم { ليوم } هو يوم القيامة أي لحساب يوم، أو لجزاء يوم، على ~~تقدير حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه. قوله { لا ريب فيه } ~~أي في وقوعه ووقوع ما فيه من الحساب، والجزاء، وقد تقدم تفسير الريب، ~~وجملة قوله { إن الله لا يخلف الميعاد } للتعليل لمضمون ~~ما قبلها، أي أن الوفاء بالوعد شأن الإله سبحانه، وخلفه يخالف الألوهية، ~~كما أنها تنافيه، وتباينه. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس قال المحكمات ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، ~~وما نؤمن به، ونعمل به. والمتشابهات منسوخه، ومقدمه، ومؤخره، وأمثاله، ~~وأقسامه، وما نؤمن به، ولا نعمل به. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم، ~~والحاكم وصححه، ms0516 وابن مردويه، عن ابن عباس قال في قوله { منه آيت ~~محكمت } قال الثلاث آيات من آخر سورة الأنعام محكمات # قل تعالوا # الأنعام 151 والآيتان بعدها. وفي رواية عنه أخرجها عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في قوله { آيت محكمت } قال ~~من هنا { قل تعالوا } إلى ثلاث آيات، ومن هنا # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إيه # الإسراء 23 إلى ثلاث آيات بعدها. وأقول رحم الله ابن عباس ما أقل جدوى ~~هذا الكلام المنقول عنه. فإن تعيين ثلاث آيات، أو عشر، أو مائة من جميع ~~آيات القرآن، ووصفها بأنها محكمة ليس تحته من الفائدة شيء، فالمحكمات هي ~~أكثر القرآن على جميع الأقوال حتى على قوله المنقول عنه قريبا من أن ~~المحكمات ناسخه، وحلاله الخ، فما معنى تعيين تلك الآيات من آخر سورة ~~الأنعام؟. وأخرج عبد بن حميد، عنه قال المحكمات الحلال والحرام، وللسلف ~~أقوال كثيرة هي راجعة إلى ما قدمنا في أول هذا البحث. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال { ~~فأما الذين فى قلوبهم زيغ } يعني أهل الشك، فيحملون ~~المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبسون، فلبس الله عليهم { ~~وما يعلم تأويله إلا الله } قال تأويله يوم القيامة لا ~~يعلمه إلا الله. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود { زيغ } قال شك. وفي ~~الصحيحين، وغيرهما، عن عائشة قالت «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~هو الذى أنزل عليك الكتب } إلى قوله { فأما ~~الذين فى قلوبهم زيغ } إلى قوله { أولوا الالبب } ~~قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عني، فاحذروهم " # وفي لفظ «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذي سماهم الله، ~~فاحذروهم» هذا لفظ البخاري، ولفظ ابن جرير، وغيره «فإذا رأيتم الذين ~~يتبعون ما تشابه منه، والذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله، فلا ~~تجالسوهم» وأخرج عبد بن حميد، وعبد الرزاق، وأحمد، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في سننه ms0517 عن أبي أمامة، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في قوله { فأما الذين فى قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشبه منه } قال هم الخوارج. وأخرج ابن جرير، ~~والحاكم وصححه، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن على ~~سبعة أحرف زاجر، وآمر، وحلال وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فأحلوا ~~حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، ~~واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل ~~من عند ربنا " # وأخرجه ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود موقوفا. وأخرج الطبراني، عن عمر بن ~~أبي سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن مسعود، فذكر ~~نحوه، وأخرج البخاري في التاريخ عن علي مرفوعا بإسناد ضعيف نحوه. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي داود في المصاحف، عن ابن مسعود نحوه. ~~وأخرج ابن جرير، وأبو يعلى، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " نزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر، ما عرفتم، فاعملوا ~~به، وما جهلتم منه، فردوه إلى عالمه " # وإسناده صحيح. وأخرج البيهقي في الشعب، عن أبي هريرة مرفوعا، وفيه # " واتبعوا المحكم وآمنوا بالمتشابه " # وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم ~~وصححه، عن طاوس قال كان ابن عباس يقرؤها " وما يعلم تأويله ~~إلا الله ويقول الراسخون فى العلم آمنا به " وأخرج ~~ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال في قراءة عبد الله وإن حقيقة ~~تأويله إلا عند الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي الشعثاء، وأبي نهيك قال إنكم ~~تصلون هذه الآية، وهي مقطوعة { وما يعلم تأويله إلا ~~الله والرسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من ~~عند ربنا } فانتهى علمهم إلى قولهم الذي قالوا. وأخرج ابن جرير، عن ~~عروة. قال الراسخون في العلم لا يعلمون تأويله، ولكنهم يقولون آمنا به ~~كل من عند ms0518 ربنا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن عمر بن عبد العزيز ~~نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، عن أبي قال كتاب الله ما استبان، ~~فاعمل به، وما اشتبه عليك، فآمن به، وكله إلى عالمه. وأخرج أيضا، عن ~~ابن مسعود قال إن للقرآن منارا، كمنار الطريق، فما عرفتم، فتمسكوا به، ~~وما اشتبه عليكم، فذروه. وأخرج أيضا، عن معاذ نحوه. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، عن ابن عباس قال تفسير القرآن على أربعة وجوه تفسير يعلمه ~~العلماء، وتفسير لا يعذر الناس بجهالته من حلال، أو حرام، وتفسير تعرفه ~~العرب بلغتها، وتفسير لا يعلم تأويله إلا الله، من ادعى علمه، فهو كذاب. ~~وأخرج ابن جرير عنه قال أنزل القرآن على سبعة أحرف حلال وحرام لا يعذر ~~أحد بالجهالة به، وتفسير تفسره العرب، وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا ~~يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه سوى الله، فهو كاذب. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر عنه قال أنا ممن يعلم تأويله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم ~~من طريق عطية العوفي عنه في قوله { يقولون ءامنا به } نؤمن ~~بالمحكم، وندين به، ونؤمن بالمتشابه، ولا ندين به، وهو من عند الله كله. ~~وأخرج الدارمي في مسنده، ونصر المقدسي في الحجة، عن سليمان بن يسار أن ~~رجلا يقال له ضبيع قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن. فأرسل إليه ~~عمر، وقد أعد له عراجين النخل، فقال من أنت؟ فقال أنا عبد الله ضبيع، ~~فقال وأنا عبد الله عمر، فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين، فضربه حتى ~~دمى رأسه، فقال يا أمير المؤمنين حسبك قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي. ~~وأخرجه الدارمي أيضا من وجه آخر، وفيه أنه ضربه ثلاث مرات يتركه في كل ~~مرة حتى يبرأ، ثم يضربه. وأخرج أصل القصة ابن عساكر في تاريخه، عن أنس. ~~وأخرج الدارمي، وابن عساكر أن عمر كتب إلى أهل البصرة أن لا يجالسوا ~~ضبيعا، وقد أخرج هذه القصة جماعة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني، عن أنس، ms0519 وأبي أمامة، وواثلة بن الأسقع، وأبي الدرداء أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم؟ فقال # " من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عف بطنه، وفرجه، فذلك ~~من الراسخين في العلم " # وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الله بن يزيد الأزدي عن أنس مرفوعا نحوه. ~~وأخرج أبو داود، والحاكم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " الجدال في القرآن كفر " # وأخرج نصر المقدسي في الحجة، عن ابن عمر قال «خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ومن وراء حجرته قوم يتجادلون بالقرآن، فخرج محمرة وجنتاه، ~~كأنما يقطران دما، فقال # " يا قوم لا تجادلوا بالقرآن، فإنما ضل من كان قبلكم بجدالهم، إن القرآن ~~لم ينزل، ليكذب بعضه بعضا، ولكن نزل ليصدق بعضه بعضا، فما كان من ~~محكمه، فاعملوا به، وما كان من متشابهه، فآمنوا به " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أم سلمة «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يقول # " يا مقلب القلوب ثبت قلبي علي دينك، ثم قرأ { ربنا لا تزغ ~~قلوبنا بعد إذ هديتنا } الآية " # وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي، وابن جرير، والطبراني، وابن ~~مردويه عنها مرفوعا نحوه بأطول منه. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وابن ~~مردويه، عن عائشة مرفوعا نحوه. وقد ورد نحوه من طرق أخر. وأخرج ابن ~~النجار في تاريخه في قوله { ربنا إنك جامع الناس ليوم ~~} الآية. عن جعفر بن محمد الخلدي قال روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن # " من قرأ هذه الآية على شيء ضاع منه رده الله عليه، ويقول بعد قراءتها ~~يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع بيني وبين مالي إنك على كل شيء قدير ~~". ### || [3.10-13] # المراد ب { الذين كفروا } جنس الكفرة. وقيل وفد نجران، وقيل قريظة، ~~وقيل النضير، وقيل مشركو العرب. وقرأ السلمي " لن يغني " بالتحتية، وقرأ ~~الحسن بكون الياء الآخرة تخفيفا. قوله { من الله شيئا } أي من ~~عذابه شيئا من الإغناء، وقيل إن كلمة من بمعنى ms0520 عند، أي لا تغني عند الله ~~شيئا قاله أبو عبيد، وقيل هي بمعنى بدل. والمعنى بدل رحمة الله، وهو ~~بعيد. قوله { وأولئك هم وقود النار } الوقود اسم للحطب، ~~وقد تقدم الكلام عليه في سورة البقرة، أي هم حطب جهنم الذي تسعر به، وهم ~~مبتدأ، ووقود خبره، والجملة خبر أولئك، أو هم ضمير فصل، وعلى التقديرين، ~~فالجملة مستأنفة مقررة لقوله { لن تغنى عنهم أمولهم } ~~الآية. وقرأ الحسن، ومجاهد، وطلحة بن مصرف " وقود " بضم الواو، وهو ~~مصدر، وكذلك الوقود بفتح الواو في قراءة الجمهور يحتمل أن يكون اسما ~~للحطب، كما تقدم، فلا يحتاج إلى تقدير، ويحتمل أن يكون مصدرا لأنه من ~~المصادر التي تأتي على وزن الفعول، فتحتاج إلى تقدير، أي هم أهل، وقود ~~النار. قوله { كدأب ءال فرعون } الدأب الاجتهاد، يقال دأب ~~الرجل في عمله يدأب دأبا ودءوبا إذا جد، واجتهد، والدائبان الليل، ~~والنهار، والدأب العادة، والشأن، ومنه قول امرىء القيس # كدأبك من أم الحويرث قبلها وجارتها أم الرباب ~~بمأسل # والمراد هنا كعادة آل فرعون، وشأنهم، وحالهم، واختلفوا في الكاف، فقيل ~~هي في موضع رفع تقديره دأبهم كدأب آل فرعون مع موسى. وقال الفراء إن ~~المعنى كفرت العرب، ككفر آل فرعون. قال النحاس لا يجوز أن تكون الكاف ~~متعلقة بكفروا، لأن كفروا داخلة في الصلة، وقيل هي متعلقة بأخذهم الله، ~~أي أخذهم أخذه، كما أخذ آل فرعون، وقيل هي متعلقة ب { لن تغني } ، أي لم ~~تغن عنهم غناء، كما لم تغن عن آل فرعون، وقيل إن العامل فعل مقدر من لفظ ~~الوقود، ويكون التشبيه في نفس الإحراق. قالوا ويؤيده قوله تعالى # اأدخلوا آل فرعون أشد العذاب # غافر 46. # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا # غافر 46، والقول الأول هو الذي قاله جمهور المحققين، ومنهم الأزهري. ~~قوله { والذين من قبلهم } أي من قبل آل فرعون من الأمم ~~الكافرة، أي وكدأب الذين من قبلهم. قوله { كذبوا بأيتنا ~~فأخذهم الله } يحتمل أن يريد الآيات المتلوة، ويحتمل أن يريد ~~الآيات المنصوبة للدلالة على الوحدانية، ويصح إرادة الجميع. والجملة ms0521 ~~بيان، وتفسير لدأبهم، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من آل فرعون ~~والذين من قبلهم على إضمار قد أي دأب هؤلاء كدأب أولئك قد كذبوا الخ. ~~وقوله { بذنوبهم } أي بسائر ذنوبهم التي من جملتها تكذيبهم. # قوله { قل للذين كفروا } قيل هم اليهود، وقيل هم مشركو مكة، ~~وسيأتي بيان سبب نزول الآية. وقوله { ستغلبون } قريء بالفوقية، ~~والتحتية، وكذلك { تحشرون }. وقد صدق الله، وعده بقتل بني قريظة، ~~وإجلاء بني النضير، وفتح خيبر، وضرب الجزية على سائر اليهود، ولله الحمد. ~~قوله { وبئس المهاد } يحتمل أن يكون من تمام القول الذي أمر الله ~~سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم، ويحتمل أن تكون الجملة ~~مستأنفة تهويلا، وتفظيعا. قوله { قد كان لكم ءاية } أي علامة ~~عظيمة دالة على صدق ما أقول لكم، وهذه الجملة جواب قسم محذوف، وهي من ~~تمام القول المأمور به لتقرير مضمون ما قبله، ولم يقل " كانت " لأن ~~التأنيث غير حقيقي. وقال الفراء إنه ذكر الفعل لأجل الفصل بينه، وبين ~~الإسم بقوله { لكم }. والمراد بالفئتين المسلمون، والمشركون لما ~~التقوا يوم بدر. قوله { فئة تقتل فى سبيل الله } قراءة ~~الجمهور برفع { فئة }. وقرأ الحسن، ومجاهد «فئة» و«كافرة» بالخفض، فالرفع ~~على الخبرية لمبتدأ محذوف، أي إحداهما فئة. وقوله { تقتل } في محل ~~رفع على الصفة، والجر على البدل من قوله { فئتين }. وقوله { ~~وأخرى } أي وفئة أخرى كافرة. وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب فيهما. قال ~~ثعلب هو على الحال، أي التقتا مختلفتين، مؤمنة، وكافرة. وقال الزجاج ~~النصب بتقدير أعني وسميت الجماعة من الناس فئة لأنه يفاء إليها أي يرجع ~~إليها في وقت الشدة. وقال الزجاج الفئة الفرقة مأخوذة من فأوت رأسه ~~بالسيف إذا قطعته، ولا خلاف أن المراد بالفئتين هما المقتتلتان في يوم ~~بدر، وإنما وقع الخلاف في المخاطب بهذا الخطاب، فقيل المخاطب بها ~~المؤمنون. وقيل اليهود. وفائدة الخطاب للمؤمنين تثبيت نفوسهم، وتشجيعها، ~~وفائدته إذا كان مع اليهود عكس الفائدة المقصودة بخطاب المسلمين. قوله { ~~يرونهم مثليهم } قال أبو علي الفارسي الرؤية في ms0522 هذه الآية ~~رؤية العين، ولذلك تعدت إلى مفعول واحد، ويدل عليه قوله { رأى ~~العين } والمراد أنه يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين، أو ~~مثلي عدد المسلمين، وهذا على قراءة الجمهور بالياء التحتية، وقرأ نافع ~~بالفوقية. وقوله { مثليهم } منتصب على الحال. وقد ذهب الجمهور إلى ~~أن فاعل ترون هم المؤمنون، والمفعول هم الكفار. والضمير في مثليهم يحتمل ~~أن يكون للمشركين، أي ترون أيها المسلمون المشركين مثلي ما هم عليه من ~~العدد، وفيه بعد أن يكثر الله المشركين في أعين المؤمنين، وقد أخبرنا ~~أنه قللهم في أعين المؤمنين، فيكون المعنى ترون أيها المسلمون المشركين ~~مثليكم في العدد، وقد كانوا ثلاثة أمثالهم، فقلل الله المشركين في أعين ~~المسلمين، فأراهم إياهم مثلي عدتهم لتقوى أنفسهم. وقد كانوا أعلموا أن ~~المائة منهم تغلب المائتين من الكفار، ويحتمل أن يكون الضمير في { مثليهم ~~} للمسلمين، أي ترون أيها المسلمون أنفسكم مثلي ما أنتم عليه من العدد ~~لتقوى بذلك أنفسكم، وقد قال من ذهب إلى التفسير الأول - أعني أن فاعل ~~الرؤية المشركون، وأنهم رأوا المسلمين مثلي عددهم - أنه لا يناقض هذا ما ~~في سورة الأنفال من قوله تعالى # ويقللكم فى أعينهم # الأنفال 44 بل قللوا أولا في أعينهم ليلاقوهم، ويجترئوا عليهم، فلما ~~لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا. قوله { رأى العين } مصدر مؤكد ~~لقوله { يرونهم } أي رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها { والله ~~يؤيد بنصره من يشاء } أي يقوي من يشاء أن يقويه، ومن جملة ~~ذلك تأييد أهل بدر بتلك الرؤية { إن فى ذلك } أي في رؤية القليل ~~كثيرا { لعبرة } فعلة من العبور، كالجلسة من الجلوس. والمرد ~~الاتعاظ، والتنكير للتعظيم، أي عبرة عظيمة، وموعظة جسيمة. وقد أخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { كدأب ءال فرعون } ~~قال كصنيع آل فرعون. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عنه قال كفعل. وأخرج ~~مثله أبو الشيخ، عن مجاهد. وأخرج ابن جرير، عن الربيع قال كسنتهم. وأخرج ~~ابن إسحاق، وابن جرير، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس «أن رسول ms0523 الله ~~صلى الله عليه وسلم لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة جمع ~~اليهود في سوق بني قينقاع قال # " يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشا، " # قالوا يا محمد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا كانوا غمارا لا يعرفون ~~القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، ~~فأنزل الله { قل للذين كفروا ستغلبون } إلى قوله { ~~أولى الأبصر } ». وأخرج ابن جرير، وابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن ~~عاصم بن عمر بن قتادة مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة قال ~~قال فنحاص اليهودي، وذكر نحوه. وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله { قد ~~كان لكم ءاية } عبرة، وتفكر. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { قد كان لكم ءاية في ~~فئتين التقتا فئة تقتل فى سبيل الله } أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر { وأخرى كافرة } فئة قريش ~~الكفار. وأخرج عبد الرزاق أن هذه الآية نزلت في أهل بدر. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، عن الربيع في قوله { قد كان لكم ءاية } يقول قد ~~كان لكم في هؤلاء عبرة، ومتفكر أيدهم الله، ونصرهم على عدوهم يوم بدر، ~~كان المشركون تسعمائة وخمسين رجلا، وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود في الآية قال ~~هذا يوم بدر نظرنا إلى المشركين، فرأيناهم يضعفون علينا ثم نظرنا إليهم، ~~فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~عن ابن عباس في الآية قال أنزلت في التخفيف يوم بدر على المؤمنين كانوا ~~يومئذ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا، وكان المشركون مثليهم ستمائة وستة ~~وعشرين، فأيد الله المؤمنين. ### || [3.14-17] # قوله { زين للناس } الخ كلام مستأنف لبيان حقارة ما تستلذه ~~الأنفس في هذه الدار، والمزين قيل هو الله سبحانه، وبه قال عمر، كما حكاه ~~عنه البخاري، وغيره، ويؤيد قوله تعالى # إنا جعلنا ما على ms0524 الأرض زينة لها لنبلوهم # الكهف 7. وقيل المزين هو الشيطان، وبه قال الحسن، حكاه عبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن أبي حاتم عنه. وقرأ الضحاك «زين» على البناء للفاعل. ~~وقرأه الجمهور على البناء للمفعول. والمراد بالناس الجنس. والشهوات جمع ~~شهوة، وهي نزوع النفس إلى ما تريده. والمراد هنا المشتهيات عبر عنها ~~بالشهوات، مبالغة في كونها مرغوبا فيها، أو تحقيرا لها لكونها مسترذلة ~~عند العقلاء من صفات الطبائع البهيمية، ووجه تزيين الله سبحانه لها ~~ابتلاء عباده، كما صرح به في الآية الأخرى. وقوله { من النساء ~~والبنين } في محل الحال أي زين للناس حب الشهوات حال كونها من ~~النساء، والبنين الخ. وبدأ بالنساء لكثرة تشوق النفوس إليهن لأنهن ~~حبائل الشيطان، وخص البنين دون البنات لعدم الاطراد في محبتهن. والقناطير ~~جمع قنطار، وهو اسم للكثير من المال. قال الزجاج القنطار مأخوذ من عقد ~~الشيء وإحكامه تقول العرب قنطرت الشيء إذا أحكمته، ومنه سميت القنطرة ~~لإحكامها. وقد اختلف في تقديره على أقوال للسلف ستأتي إن شاء الله. ~~واختلفوا في معنى { المقنطرة } ، فقال ابن جرير الطبري معناها المضعفة، ~~وقال القناطير ثلاثة، والمقنطرة تسعة. وقال الفراء القناطير جمع القنطار، ~~والمقنطرة جمع الجمع، فتكون تسع قناطير، وقيل المقنطرة المضروبة، وقيل ~~المكلمة كما يقال بدرة مبدرة، وألوف مؤلفة، وبه قال مكي، وحكاه الهروي. ~~وقال ابن كيسان لا تكون المقنطرة أقل من سبع قناطير. وقوله { من ~~الذهب والفضة } بيان للقناطير، أو حال { والخيل ~~المسومة } قيل هي المرعية في المروج، والمسارح، يقال سامت الدابة، ~~والشاة إذا سرحت، وقيل هي المعدة للجهاد. وقيل هي الحسان، وقيل المعلمة ~~من السومة، وهي العلامة، أي التي يجعل عليها علامة لتتميز عن غيرها. وقال ~~ابن فارس في المجمل المسومة المرسلة، وعليها ركبانها. وقال ابن كيسان ~~البلق. والأنعام هي الإبل، والبقر، والغنم، فإذا قلت نعم فهي الإبل خاصة ~~قاله الفراء، وابن كيسان، ومنه قول حسان # وكانت لا يزال بها أنيس خلال مروجها نعم وشاء # والحرث اسم لكل ما يحرث، وهو مصدر سمي به المحروث، يقول حرث الرجل ms0525 حرثا ~~إذا أثار الأرض، فيقع على الأرض، والزرع. قال ابن الأعرابي الحرث ~~التفتيش. قوله { ذلك متع الحيوة الدنيا } أي ذلك ~~المذكور ما يتمتع به، ثم يذهب، ولا يبقى، وفيه تزهيد في الدنيا، وترغيب ~~في الآخرة. و { المآب } المرجع آب يئوب إيابا إذا رجع، ومنه قول امريء ~~القيس # لقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب # قوله { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } أي هل أخبركم بما ~~هو خير لكم من تلك المستلذات؟ وإبهام الخير للتفخيم، ثم بينه بقوله { ~~للذين اتقوا عند ربهم جنت } وعند في محل نصب على ~~الحال من جنات، وهي مبتدأ، وخبرها للذين اتقوا، ويجوز أن تتعلق اللام ~~بخير. وجنات خبر مبتدأ مقدر، أي هو جنات، وخص المتقين لأنهم المنتفعون ~~بذلك. وقد تقدم تفسير قوله { تجرى من تحتها الأنهر } وما ~~بعده. قوله { الذين يقولون } بدل من قوله { للذين اتقوا ~~} أو خبر مبتدأ محذوف، أي هم الذين، أو منصوب على المدح، والصابرين، وما ~~بعده نعت للموصول على تقدير كونه بدلا، أو منصوبا على المدح، وعلى ~~تقدير كونه خبرا يكون الصابرين، وما بعده منصوبة على المدح، وقد تقدم ~~تفسير الصبر، والصدق، والقنوت. قوله { والمستغفرين بالأسحار ~~} هم السائلون للمغفرة بالأسحار. وقيل المصلون. والأسحار جمع سحر بفتح ~~الحاء، وسكونها. قال الزجاج هو من حين يدبر الليل إلى أن يطلع الفجر، وخص ~~الأسحار لأنها من أوقات الإجابة. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ~~عمر بن الخطاب، لما نزلت { زين للناس حب الشهوت } قال ~~الآن يا رب حين زينتها لنا، فنزلت { قل أؤنبئكم }. وأخرجه ابن ~~المنذر عنه بلفظ " خير " انتهى إلى قوله { قل أؤنبئكم بخير ~~} فبكى، وقال بعد ماذا، بعد ماذا بعد ما زينتها. وأخرج أحمد، وابن ماجه، ~~عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " القنطار اثنا عشر ألف أوقية " # رواه أحمد من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حماد، عن عاصم عن أبي ~~صالح عنه. ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد ms0526 الصمد به. وقد ~~رواه ابن جرير موقوفا على أبي هريرة. قال ابن كثير وهذا أصح. وأخرج ~~الحاكم وصححه، عن أنس قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القناطير ~~المقنطرة، فقال # " القنطار ألف أوقية " # ورواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه مرفوعا بلفظ " ألف دينار ". وأخرج ~~ابن جرير، عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " القنطار ألف أوقية، ومائتا أوقية " # وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي من قول معاذ بن ~~جبل. وأخرجه ابن جرير من قول ابن عمر. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، ~~والبيهقي من قول أبي هريرة. وأخرجه ابن جرير، والبيهقي من قول ابن عباس. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن أبي سعيد الخدري، قال ~~القنطار ملء مسك جلد الثور ذهبا. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر أنه قال القنطار سبعون ~~ألفا، وأخرجه عبد بن حميد، عن مجاهد. وأخرج أيضا عن سعيد بن المسيب قال ~~القنطار ثمانون ألفا. وأخرج أيضا، عن أبي صالح قال القنطار مائة رطل. ~~وأخرجه أيضا عن قتادة، وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي جعفر قال القنطار ~~خمسة عشر ألف مثقال، والمثقال أربعة وعشرون قيراطا، وأخرج ابن جرير، عن ~~الضحاك قال هو المال الكثير من الذهب، والفضة. وأخرجه أيضا، عن الربيع. ~~وأخرج عن السدي أن المقنطرة المضروبة. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي، عن ~~ابن عباس { والخيل المسومة } قال الراعية. وأخرج ابن المنذر، ~~عنه من طريق مجاهد. وأخرج ابن جرير عنه قال هي الراعية، والمطهمة الحسان. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد قال هي المطهمة الحسان. وأخرجا، ~~عن عكرمة قال تسويمها حسنها. وأخرج ابن أبي حاتم، قال { الخيل ~~المسومة } الغرة، والتحجيل، وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة في قوله ~~الصابرين قال قوم صبروا على طاعة الله، وصبروا عن محارمه، والصادقون قوم ~~صدقت نياتهم، واستقامت قلوبهم، وألسنتهم، وصدقوا في السر، والعلانية، ~~والقانتون هم المطيعون، والمستغفرون بالأسحار أهل الصلاة. ms0527 وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن سعيد بن جبير، نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة قال هم الذين يشهدون ~~صلاة الصبح. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن أنس قال أمرنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن نستغفر بالأسحار سبعين مرة. وأخرج ابن جرير، وأحمد ~~في الزهد، عن سعيد الجريري قال بلغنا أن داود عليه السلام سأل جبريل، ~~فقال يا جبريل أي الليل أفضل؟ قال يا داود ما أدري إلا أن العرش يهتز في ~~السحر. وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما، عن جماعة من الصحابة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال # " ينزل الله تبارك وتعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا حتى يبقي ثلث ~~الليل الآخر، فيقول هل من سائل، فأعطيه، هل من داع، فأستجيب له، هل من ~~مستغفر، فأغفر له؟ ". ### || [3.18-20] # قوله { شهد الله } أي بين وأعلم. قال الزجاج الشاهد هو الذي يعلم ~~الشيء، ويبينه، فقد دلنا الله على وحدانيته بما خلق وبين، وقال أبو ~~عبيدة شهد الله بمعنى قضى، أي أعلم. قال ابن عطية وهذا مردود من جهات، ~~وقيل إنها شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله، ووحيه بشهادة الشاهد في ~~كونها مبينة. وقوله { أنه } بفتح الهمزة. قال المبرد أي بأنه ثم حذفت ~~الباء، كما في أمرتك الخير، أي بالخير. وقرأ ابن عباس «إنه» بكسر الهمزة ~~بتضمين { شهد } معنى " قال ". وقرأ أبو المهلب «شهداء لله» بالنصب على ~~أنه حال من الصابرين، وما بعده، أو على المدح { والملئكة } عطف ~~على الاسم الشريف، وشهادتهم إقرارهم بأنه لا إله إلا الله. وقوله { ~~وأولوا العلم } معطوف أيضا على ما قبله، وشهادتهم بمعنى ~~الإيمان منهم، وما يقع من البيان للناس على ألسنتهم، وعلى هذا لا بد من ~~حمل الشهادة على معنى يشمل شهادة الله، وشهادة الملائكة، وأولي العلم. ~~وقد اختلف في أولي العلم هؤلاء من هم؟ فقيل هم الأنبياء وقيل المهاجرون، ~~والأنصار، قاله ابن كيسان. وقيل مؤمنو أهل الكتاب، قاله مقاتل. وقيل ~~المؤمنون كلهم، قاله السدي، والكلبي، وهو الحق إذ لا وجه للتخصيص. وفي ~~ذلك فضيلة ms0528 لأهل العلم جليلة، ومنقبة نبيلة لقربهم باسمه، واسم ملائكته، ~~والمراد بأولي العلم هنا علماء الكتاب، والسنة، وما يتوصل به إلى ~~معرفتهما، إذ لا اعتداد بعلم لا مدخل له في العلم الذي اشتمل عليه الكتاب ~~العزيز، والسنة المطهرة. وقوله { قائما بالقسط } أي العدل، أي ~~قائما بالعدل في جميع أموره، أو مقيما له، وانتصاب { قائما } على ~~الحال من الاسم الشريف. قال في الكشاف إنها حال مؤكدة كقوله # وهو الحق مصدقا # البقرة 91 وجاز إفراده سبحانه بذلك دون ما هو معطوف عليه من الملائكة، ~~وأولي العلم لعدم اللبس، وقيل إنه منصوب على المدح. وقيل إنه صفة لقوله { ~~إله } أي لا إله قائما بالقسط، إلا هو، أو هو حال من قوله { إلا ~~هو } والعامل فيه معنى الجملة. وقال الفراء هو منصوب على القطع لأن ~~أصله الألف، واللام، فلما قطعت نصب كقوله # وله الدين واصبا # النحل 52 ويدل عليه قراءة عبد الله بن مسعود " القائم بالقسط ". وقوله { ~~لا إله إلا هو } تكرير لقصد التأكيد وقيل إن قوله { أنه ~~لا إله إلا هو } كالدعوى، والأخيرة كالحكم. وقال جعفر الصادق ~~الأولى وصف، وتوحيد، والثانية رسم، وتعليم. وقوله { العزيز الحكيم ~~} مرتفعان على البدلية من الضمير، أو الوصفية لفاعل شهد لتقرير معنى ~~الوحدانية. قوله { إن الدين عند الله الإسلم }. # قرأه الجمهور بكسر إن على أن الجملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى، وقريء ~~بفتح أن. قال الكسائي أنصبهما جميعا يعني قوله { شهد الله أنه ~~} وقوله { إن الدين عند الله الإسلم } بمعنى شهد الله ~~أنه كذا، وأن الدين عند الله الإسلام. قال ابن كيسان إن الثانية بدل من ~~الأولى. وقد ذهب الجمهور إلى أن الإسلام هنا بمعنى الإيمان، وإن كانا في ~~الأصل متغايرين، كما في حديث جبريل الذي بين فيه النبي صلى الله عليه ~~وسلم معنى الإسلام، ومعنى الإيمان، وصدقه جبريل، وهو في الصحيحين، ~~وغيرهما ولكنه قد يسمى كل واحد منهما باسم الآخر، وقد ورد ذلك في الكتاب ~~والسنة. قوله { وما اختلف الذين أوتوا الكتب إلا ~~من بعد ما جاءهم العلم بغيا ms0529 بينهم } فيه الإخبار بأن ~~اختلاف اليهود، والنصارى كان لمجرد البغي بعد أن علموا بأنه يجب عليهم ~~الدخول في دين الإسلام بما تضمنته كتبهم المنزلة إليهم. قال الأخفش وفي ~~الكلام تقديم وتأخير، والمعنى ما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم ~~إلا من بعد ما جاءهم العلم. والمراد بهذا الخلاف الواقع بينهم هو خلافهم ~~في كون نبينا صلى الله عليه وسلم نبيا أم لا؟ وقيل اختلافهم في نبوة ~~عيسى، وقيل اختلافهم في ذات بينهم حتى قالت اليهود ليست النصارى على شيء، ~~وقالت النصارى ليست اليهود على شيء. قوله { ومن يكفر بآيت ~~الله } أي بالآيات الدالة على أن الدين عند الله الإسلام { فإن ~~الله سريع الحساب } فيجازيه، ويعاقبه على كفره بآياته، ~~والإظهار في قوله { فإن الله } مع كونه مقام الإضمار للتهويل عليهم، ~~والتهديد لهم. قوله { فإن حاجوك } أي جادلوك بالشبه الباطلة، ~~والأقوال المحرفة، { فقل أسلمت وجهى لله } أي أخلصت ذاتي ~~لله، وعبر بالوجه عن سائر الذات لكونه أشرف أعضاء الإنسان، وأجمعها ~~للحواس، وقيل الوجه هنا بمعنى القصد. وقوله { ومن اتبعن } عطف ~~على فاعل أسلمت، وجاز للفصل. وأثبت نافع، وأبو عمرو، ويعقوب الياء في { ~~اتبعن } على الأصل، وحذفها الآخرون اتباعا لرسم المصحف، ويجوز أن تكون " ~~الواو " بمعنى " مع " والمراد بالأميين هنا مشركو العرب. وقوله { ~~ءأسلمتم } استفهام تقريري يتضمن الأمر، أي أسلموا، كذا قاله ابن ~~جرير، وغيره. وقال الزجاج { ءأسلمتم } تهديد، والمعنى أنه قد أتاكم ~~من البراهين ما يوجب الإسلام، فهل علمتم بموجب ذلك أم لا؟ تبكيتا لهم، ~~وتصغيرا لشأنهم في الإنصاف، وقبول الحق. وقوله { فقد اهتدوا } أي ~~ظفروا بالهداية التي هي الحظ الأكبر، وفازوا بخير الدنيا، والآخرة { ~~وإن تولوا } أي أعرضوا عن قبول الحجة، ولم يعملوا بموجبها { ~~فإنما عليك البلغ } أي فإنما عليك أن تبلغهم ما أنزل ~~إليك، ولست عليهم بمسيطر، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، والبلاغ مصدر. # وقوله { والله بصير بالعباد } فيه وعد ووعيد لتضمنه أنه ~~عالم بجميع أحوالهم. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله { ~~قائما بالقسط } قال بالعدل. وأخرج ms0530 أيضا، عن ابن عباس مثله. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله { إن الدين عند ~~الله الإسلم } قال الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار ~~بما جاء به من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ~~ودل عليه أولياءه لا يقبل غيره. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال لم ~~يبعث الله رسولا إلا بالإسلام. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن سعيد ~~بن جبير قال كان حول البيت ستون وثلثمائة صنم لكل قبيلة من قبائل العرب ~~صنم، أو صنمان، فأنزل الله { شهد الله أنه لا إله إلا ~~هو } الآية، فأصبحت الأصنام كلها قد خرت، سجدا للكعبة. وأخرج ابن ~~السني في عمل اليوم، والليلة، وأبو منصور الشحامي في الأربعين، عن علي ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، والآيتين من آل عمران { شهد الله ~~أنه لا إله إلا هو والملئكة وأولوا ~~العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز ~~الحكيم. إن الدين عند الله الإسلام } { قل ~~اللهم ملك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع ~~الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء } ~~إلى قوله { بغير حساب } آل عمران 26، 27 هن معلقات بالعرش ما ~~بينهن، وبين الله حجاب، يقلن يا رب تهبطنا إلى أرضك، وإلى من يعصيك؟ قال ~~الله إني حلفت لا يقرؤكن أحد من عبادي دبر كل صلاة إلا جعلت الجنة مأواه ~~على ما كان منه، وإلا أسكنته حظيرة القدس، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة ~~كل يوم سبعين نظرة، وإلا قضيت له كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة، وإلا ~~أعذته من كل عدو، ونصرته منه " # وأخرج الديلمي في مسند الفردوس، عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعا نحوه، ~~وفيه # " لا يتلوكن عبد دبر كل صلاة مكتوبة إلا غفرت له ما كان منه، وأسكنته ~~جنة الفردوس، ونظرت إليه كل يوم سبعين مرة، وقضيت له سبعين حاجة أدناها ~~المغفرة " # وأخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن السني، عن الزبير ms0531 بن العوام ~~قال «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بعرفة يقرأ هذه الآية { ~~شهد الله أنه لا إله إلا هو والملئكة ~~وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم } فقال # " وأنا على ذلك من الشاهدين " # ولفظ الطبراني «وأنا أشهد أن لا إله إلا أنت العزيز الحكيم». وأخرج ابن ~~عدي، والطبراني في الأوسط، والبيهقي في شعب الإيمان، وضعفه، والخطيب في ~~تاريخه، وابن النجار عن غالب القطان قال أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت ~~قريبا من الأعمش. # فلما كان ليلة أردت أن أنحدر قام، فتهجد من الليل، فمر بهذه الآية { ~~شهد الله أنه لا إله إلا هو } إلى قوله { إن ~~الدين عند الله الإسلم } فقال وأنا أشهد بما شهد به الله، ~~وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي وديعة عند الله، قالها مرارا، فقلت ~~لقد سمع فيها شيئا، فسألته فقال حدثني أبو وائل عن عبد الله قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله عبدي عهد إلي، وأنا أحق من ~~وفي بالعهد أدخلوا عبدي الجنة " # وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، في قوله { وما اختلف ~~الذين أوتوا الكتب } قال بنو إسرائيل. وأخرج ابن جرير، عن ~~أبي العالية في قوله { بغيا بينهم } يقول بغيا على الدنيا، وطلب ~~ملكها، وسلطانها. فقتل بعضهم بعضا على الدنيا من بعد ما كانوا علماء ~~الناس. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله { فإن حاجوك } قال إن ~~حاجك اليهود، والنصارى. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، ونحوه. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس { وقل للذين ~~أوتوا الكتب } قال اليهود، والنصارى { والأميين } قال هم ~~الذين لا يكتبون. ### || [3.21-25] # قوله { بآيات الله } ظاهره عدم الفرق بين آية وآية { ويقتلون ~~النبيين بغير حق } يعني اليهود قتلوا الأنبياء { ~~ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس } أي ~~بالعدل، وهم الذين يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، قال المبرد كان ~~ناس من بني إسرائيل جاءهم النبيون، فدعوهم إلى الله، فقتلوهم، فقام ms0532 أناس ~~من بعدهم من المؤمنين، فأمروهم بالإسلام، فقتلوهم. ففيهم نزلت الآية. ~~وقوله { فبشرهم بعذاب أليم } خبر { إن الذين ~~يكفرون } الخ، ودخلته الفاء لتضمن الموصول معنى الشرط، وذهب بعض أهل ~~النحو إلى أن الخبر قوله { أولئك الذين حبطت أعملهم ~~} وقالوا إن الفاء لا تدخل في خبر إن، وإن تضمن اسمها معنى الشرط لأنه قد ~~نسخ بدخول " إن " عليه، ومنهم سيبويه، والأخفش، وذهب غيرهما إلى أن ما ~~يتضمنه المبتدأ من معنى الشرط لا ينسخ بدخول " إن " عليه، ومثل المكسورة ~~المفتوحة، ومنه قوله تعالى # واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه # الأنفال 41. وقوله { حبطت أعملهم } قد تقدم تفسير الإحباط، ~~ومعنى كونها حبطت في الدنيا، والآخرة أنه لم يبق لحسناتهم أثر في الدنيا، ~~حتى يعاملوا فيها معاملة أهل الحسنات، بل عوملوا معاملة أهل السيئات، ~~فلعنوا وحل بهم الخزي، والصغار، ولهم في الآخرة عذاب النار. قوله { ~~ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب } فيه ~~تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكل من تصح منه الرؤية من حال ~~هؤلاء، وهم أحبار اليهود. والكتاب التوراة، وتنكير النصيب للتعظيم، أي ~~نصيبا عظيما، كما يفيده مقام المبالغة، ومن قال إن التنكير للتحقير، لم ~~يصب، فلم ينتفعوا بذلك، وذلك بأنهم يدعون إلى كتاب الله الذي أوتوا ~~نصيبا منه، وهو التوراة { ليحكم بينهم ثم يتولى ~~فريق منهم } والحال أنهم معرضون عن الإجابة إلى ما دعوا إليه مع ~~علمهم به، واعترافهم بوجوب الإجابة إليه، و { ذلك } إشارة إلى ما مر ~~من التولي، والإعراض بسبب { أنهم قالوا لن تمسنا النار ~~إلا أياما معدودت } وهي مقدار عبادتهم العجل. وقد تقدم تفسير ~~ذلك { وغرهم فى دينهم ما كانوا يفترون } من الأكاذيب ~~التي من جملتها هذا القول. قوله { فكيف إذا جمعنهم ~~ليوم لا ريب فيه } هو رد عليهم، وإبطال لما غرهم من ~~الأكاذيب، أي فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه، وهو يوم ~~الجزاء الذي لا يرتاب مرتاب في وقوعه، فإنهم يقعون لا محالة، ويعجزون عن ~~دفعه بالحيل، والأكاذيب { ووفيت كل ms0533 نفس ما كسبت } أي ~~جزاء ما كسبت على حذف المضاف { وهم لا يظلمون } بزيادة، ولا ~~نقص. والمراد كل الناس المدلول عليهم بكل نفس. # قال الكسائي اللام في قوله { ليوم } بمعنى " في " ، وقال البصريون ~~المعنى لحساب يوم. وقال ابن جرير الطبري المعنى لما يحدث في يوم. وقد ~~أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي عبيدة بن الجراح قلت يا رسول الله ~~أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال # " رجل قتل نبيا، أو رجلا أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر " # ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { الذين يقتلون النبيين ~~بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من ~~الناس } إلى قوله { وما لهم من نصرين } ثم قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا أول النهار في ~~ساعة واحدة، فقام مائة رجل وسبعون رجلا من عباد بني إسرائيل، فأمروا من ~~قتلهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعا من آخر النهار من ذلك ~~اليوم، فهم الذين ذكر الله " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، عن ابن عباس قال بعث عيسى ~~يحيى بن زكريا في اثني عشر رجلا من الحواريين يعلمون الناس، فكان ينهي ~~عن نكاح بنت الأخ، وكان ملك له بنت أخ تعجبه، فأرادها، وجعل يقضي لها كل ~~يوم حاجة، فقالت لها أمها إذا سألك عن حاجة، فقولي حاجتي أن تقتل يحيى ~~بن زكريا، فقال سلي غير هذا، فقالت لا أسألك غير هذا، فلما أبت أمر به، ~~فذبح في طست، فبدرت قطرة من دمه، فلم تزل تغلي حتى بعث الله بختنصر، فدلت ~~عجوز عليه، فألقى في نفسه أن لا يزال يقتل حتى يسكن هذا الدم، فقتل في ~~يوم واحد من ضرب واحد وسن واحد سبعين ألفا فسكن. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، عن معقل بن أبي مسكين في الآية قال كان الوحي ~~يأتي بني إسرائيل، فيذكرون قومهم، ولم يكن يأتيهم كتاب، فيقوم رجال ممن ~~اتبعهم، وصدقهم، فيذكرون قومهم، فيقتلون فهم الذين ms0534 يأمرون بالقسط من ~~الناس. وأخرج ابن جرير، عن قتادة، نحوه. وأخرج ابن عساكر، عن ابن عباس، ~~قال { الذين يأمرون بالقسط من الناس } ولاة العدل. وأخرج ابن إسحاق، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال «دخل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بيت المدراس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله، فقال له ~~النعمان بن عمرو، والحارث بن زيد على أي دين أتيت يا محمد؟ قال # " على ملة إبراهيم، ودينه، " # قال فإن إبراهيم كان يهوديا قال لهما النبي صلى الله عليه وسلم # " فهلما إلى التوراة، فهي بيننا، وبينكم، " # فأبيا عليه، فأنزل الله { ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتب يدعون إلى كتب الله } الآية». # أخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك في قوله { نصيبا } قال حظا { من ~~الكتب } قال التوراة. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد في قوله { ~~قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودت } قال ~~يعنون الأيام التي خلق الله فيها آدم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، ~~عن قتادة في قوله { وغرهم فى دينهم ما كانوا يفترون ~~} حين قالوا # نحن أبناء الله، وأحباؤه # المائدة 18. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله { ووفيت ~~كل نفس } يعني توفي كل نفس بر، أو فاجر { ما كسبت } ما عملت ~~من خير، أو شر { وهم لا يظلمون } يعني من أعمالهم. ### || [3.26-27] # قوله { قل اللهم }. قال الخليل، وسيبويه، وجميع البصرين إن أصل ~~اللهم يا الله، فلما استعلمت الكلمة دون حرف النداء الذي هو «يا» جعلوا ~~بدله هذه الميم المشددة، فجاءوا بحرفين، وهما الميمان عوضا من حرفين، ~~وهما الياء والألف، والضمة في الهاء هي ضمة الاسم المنادي المفرد. وذهب ~~الفراء، والكوفيون إلى أن الأصل في اللهم يا ألله أمنا بخير، فحذف، وخلط ~~الكلمتان، والضمة التي في الهاء هي الضمة التي كانت في أمنا لما حذفت ~~الهمزة انتقلت الحركة. قال النحاس هذا عند البصريين من الخطأ العظيم، ~~والقول في هذا ما قاله الخليل، وسيبويه، قال الكوفين، وقد يدخل حرف ms0535 ~~النداء على اللهم، وأنشدوا في ذلك قول الراجز # غفرت أو عذبت يا اللهما # وقول الآخر # وما عليك أن تقولي كلما سبحت أو هللت ياللهما # وقول الآخر # إني إذا ما حدث ألما أقول ياللهم ياللهما # قالوا ولو كان الميم عوضا من حرف النداء لما اجتمعتا. قال الزجاج وهذا ~~شاذ لا يعرف قائله. قال النضر بن شميل من قال اللهم، فقد دعا الله بجميع ~~أسمائه. قوله { ملك الملك } أي مالك جنس الملك على الإطلاق، ~~ومالك منصوب عند سيبويه على أنه نداء ثان، أي يا مالك الملك، ولا يجوز ~~عنده أن يكون، وصفا لقوله { اللهم } لأن الميم عنده تمنع الوصفية. ~~وقال محمد بن يزيد المبرد، وإبراهيم بن السري الزجاج إنه صفة لاسم الله ~~تعالى، وكذلك قوله تعالى # قل اللهم فاطر السموات والارض # الزمر 46. قال أبو علي الفارسي وهو مذهب المبرد، وما قاله سيبويه أصوب، ~~وأبين، وذلك لأنه اسم مفرد ضم إليه صوت، والأصوات لا توصف نحو غاق، وما ~~أشبهه. قال الزجاج والمعنى مالك العباد، وما ملكوا. وقيل المعنى مالك ~~الدنيا، والآخرة، وقيل الملك هنا النبوة، وقيل الغلبة، وقيل المال ~~والعبيد، والظاهر شموله لما يصدق عليه اسم الملك من غير تخصيص { تؤتى ~~الملك من تشاء } أي من تشاء إيتاءه إياه { وتنزع الملك ~~ممن تشاء } نزعه منه. والمراد بما يؤتيه من الملك، وينزعه هو نوع من ~~أنواع ذلك الملك العام. قوله { وتعز من تشاء } أي في الدنيا، أو ~~في الآخرة، أو فيهما، يقال عز إذا غلب، ومنه # وعزنى فى الخطاب # ص 23. وقوله { وتذل من تشاء } أي في الدنيا، أو في الآخرة، أو ~~فيهما، يقال ذل يذل ذلا إذا غلب وقهر. وقوله { بيدك الخير } ~~تقديم الخبر للتخصيص، أي بيدك الخير لا بيد غيرك، وذكر الخير دون الشر ~~لأن الخير بفضل محض بخلاف الشر، فإنه يكون جزاء لعمل وصل إليه. وقيل لأن ~~كل شر من حيث كونه من قضائه سبحانه هو متضمن للخير، فأفعاله كلها خير، ~~وقيل إنه حذف، كما حذف في قوله # سرابيل تقيكم الحر # النحل ms0536 81 وأصله بيدك الخير والشر، وقيل خص الخير لأن المقام مقام دعاء. ~~قوله { إنك على كل شىء قدير } تعليل لما سبق، وتحقيق له. ~~قوله { تولج اليل فى النهار وتولج النهار فى ~~اليل } أي تدخل ما نقص من أحدهما في الآخر، وقيل المعنى تعاقب ~~بينهما، ويكون زوال أحدهما، ولوجا في الآخر. قوله { وتخرج الحى ~~من الميت وتخرج الميت من الحى } قيل المراد إخراج ~~الحيوان، وهو حي من النطفة، وهي ميتة، وإخراج النطفة، وهي ميتة من ~~الحيوان، وهو حي، وقيل المراد إخراج الطائر، وهو حي من البيضة، وهي ~~ميتة، وإخراج البيضة، وهي ميتة من الدجاجة، وهي حية، وقيل المراد إخراج ~~المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. قوله { بغير حساب } أي بغير ~~تضييق، ولا تقتير، كما تقول فلان يعطي بغير حساب، والباء متعلقة بمحذوف ~~وقع حالا. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة ~~قال ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل ملك فارس، ~~والروم في أمته، فنزلت الآية. وأخرج الطبراني، وابن أبي حاتم، عن ابن ~~عباس قال اسم الله الأعظم { قل اللهم ملك الملك } إلى ~~قوله { بغير حساب } وأخرج ابن أبي الدنيا، والطبراني، عن معاذ ~~«أنه شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم دينا عليه، فعلمه أن يتلو هذه ~~الآية، ثم يقول # " رحمن الدنيا، والآخرة، ورحيمهما، تعطي من تشاء منهما، وتمنع من تشاء، ~~ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك، اللهم أغنني من الفقر، واقض عني ~~الدين " # وأخرج الطبراني في الصغير من حديث أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لمعاذ # " ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد دينا لأداه الله عنك ~~" # فذكره، وإسناده جيد، وقد تقدم عند تفسير قوله تعالى # شهد الله أنه لا إله إلا هو # آل عمران 18 بعض فضائل هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في ~~قوله { تؤتى الملك من تشاء } قال النبوة. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن ms0537 جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود في ~~قوله { تولج اليل فى النهار } الآية، قال تأخذ الصيف من ~~الشتاء، وتأخذ الشتاء من الصيف { وتخرج الحى من الميت } ~~تخرج الرجل الحي من النطفة الميتة { وتخرج الميت من الحى ~~} تخرج النطفة الميتة من الرجل الحي. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، عن ابن عباس { تولج اليل فى النهار } قال ما ~~نقص من النهار تجعله في الليل، وما نقص من الليل تجعله في النهار. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن ~~مجاهد، نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك، نحوه أيضا. وأخرج ابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس { تخرج الحى من الميت ~~} قال تخرج النطفة الميتة من الحي، ثم تخرج من النطفة بشرا حيا. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد نحوه. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة { ~~تخرج الحى من الميت } قال هي البيضة تخرج من الحي، وهي ~~ميتة، ثم يخرج منها الحي. وأخرج ابن جرير عنه قال النخلة من النواة، ~~والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي مالك مثله. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ~~الحسن قال المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. والمؤمن عبد حي الفؤاد، ~~والكافر عبد ميت الفؤاد. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن سلمان الفارسي، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عنه ~~مرفوعا نحوه، وأخرجه أيضا عنه، أو عن ابن مسعود، مرفوعا. وأخرج عبد ~~الرزاق، وابن سعد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن عبيد الله ~~بن عبد الله «أن خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث دخلت على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقال # " من هذه؟ " # قيل خالدة بنت الأسود، قال # " سبحان الذي يخرج الحي من الميت " # وكانت امرأة صالحة، وكان أبوها كافرا. ms0538 وأخرج ابن سعد، عن عائشة مثله. ### || [3.28-30] # قوله { لا يتخذ } فيه النهي للمؤمنين عن موالاة الكفار لسبب من ~~الأسباب، ومثله قوله تعالى # لا تتخذوا بطانة من دونكم... # الآية آل عمران 118، وقوله # ومن يتولهم منكم فإنه منهم # المائدة 51، وقوله # لا تجد قوما يؤمنون بالله # الآية، المجادلة 22 وقوله # لا تتخذوا اليهود والنصرى أولياء # المائدة 51، وقوله # ا يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أولياء # الممتحنة 1 وقوله { من دون المؤمنين } في محل الحال، أي ~~متجاوزين المؤمنين إلى الكافرين استقلالا، أو اشتراكا، والإشارة بقوله ~~{ ومن يفعل ذلك } إلى الاتخاد المدلول عليه بقوله { لا ~~يتخذ } ومعنى قوله { فليس من الله في شىء } أي من ~~ولايته في شيء من الأشياء، بل هو منسلخ عنه بكل حال. قوله { إلا أن ~~تتقوا منهم تقة } على صيغة الخطاب بطريق الالتفات، أي إلا ~~أن تخافوا منهم أمرا يجب اتقاؤه، وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال. ~~وتقاة مصدر واقع موقع المفعول، وأصلها وقية على وزن فعلة قلبت الواو تاء، ~~والياء ألفا، وقرأ رجاء، وقتادة " تقية ". وفي ذلك دليل على جواز ~~الموالاة لهم مع الخوف منهم، ولكنها تكون ظاهرا لا باطنا. وخالف في ذلك ~~قوم من السلف، فقالوا لا تقية بعد أن أعز الله الإسلام. قوله { ~~ويحذركم الله نفسه } أي ذاته المقدسة، وإطلاق ذلك عليه ~~سبحانه جائز في المشاكلة، كقوله # تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك # المائدة 116 وفي غيرها. وذهب بعض المتأخرين، إلى منع ذلك إلا مشاكلة. ~~وقال الزجاج معناه ويحذركم الله إياه، ثم استغنوا عن ذلك بهذا، وصار ~~المستعمل. قال وأما قوله { تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما ~~فى نفسك } فمعناه تعلم ما عندي، وما في حقيقتي، ولا أعلم ما عندك، ~~ولا ما في حقيقتك. وقال بعض أهل العلم معناه ويحذركم الله عقابه مثل # واسئل القرية # يوسف 82 فجعلت النفس في موضع الإضمار، وفي هذه الآية تهديد شديد، وتخويف ~~عظيم لعباده أن يتعرضوا لعقابه بموالاة أعدائه. قوله { قل إن ~~تخفوا ما فى صدوركم... } الآية ms0539 فيه أن كل ما يضمره العبد، ~~ويخفيه، أو يظهره، ويبديه، فهو معلوم لله سبحانه، لا يخفى عليه منه شيء، ~~ولا يعزب عنه مثقال ذرة { ويعلم ما فى السموات وما في ~~الأرض } مما هو أعم من الأمور التي يخفونها، أو يبدونها، فلا يخفى عليه ~~ما هو أخص من ذلك. قوله { يوم تجد } منصوب بقوله { ويحذركم ~~الله نفسه } وقيل بمحذوف، أي اذكر، و { محضرا } حال، وقوله { ~~وما عملت من سوء } معطوف على " ما " الأولى أي وتجد ما عملت من ~~سوء محضرا تود لو أن بينها، وبينه أمدا بعيدا. # فحذف محضرا لدلالة الأول عليه، وهذا إذا كان { تجد } من وجدان الضالة، ~~وأما إذا كان من وجد بمعنى علم كان محضرا، هو المفعول الثاني، ويجوز أن ~~يكون قوله { وما عملت من سوء تود لو أن بينها ~~وبينه أمدا بعيدا } جملة مستأنفة، ويكون «ما» في { ما عملت } ~~مبتدأ، ويود خبره. والأمد الغاية، وجمعه آماد أي تود لو أن بينها، وبين ~~ما عملت من السوء أمدا بعيدا، وقيل إن قوله { يوم تجد } منصوب ~~بقوله { تود } والضمير في قوله { وبينه } لليوم، وفيه بعد، ~~وكرر قوله { ويحذركم الله نفسه } للتأكيد، وللاستحضار ~~ليكون هذا التهديد العظيم على ذكر منهم، وفي قوله { والله رءوف ~~بالعباد } دليل على أن هذا التحذير الشديد مقترن بالرأفة منه سبحانه ~~بعباده لطفا بهم. وما أحسن ما يحكى عن بعض العرب أنه قيل له إنك تموت، ~~وتبعث، وترجع إلى، الله فقال أتهددونني بمن لم أر الخير قط إلا منه. وقد ~~أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال كان الحجاج ~~بن عمرو حليف كعب بن الأشرف، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد قد بطنوا بنفر ~~من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة ابن المنذر، وعبد الله بن ~~جبير، وسعد بن خيثمة، لأولئك النفر اجتنبوا هؤلاء النفر من يهود، واحذروا ~~مباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر، فأنزل الله فيهم { لا ~~يتخذ المؤمنون الكفرين } إلى قوله { والله على ~~كل شيء قدير }. وأخرج ms0540 ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من ~~طرق عنه قال نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار، ويتخذوهم، وليجة من ~~دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين، فيظهرون لهم اللطف، ~~ويخالفونهم في الدين، وذلك قوله تعالى { إلا أن تتقوا منهم ~~تقة }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي { ومن يفعل ~~ذلك فليس من الله في شىء } فقد بريء الله منه. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله { إلا أن ~~تتقوا منهم تقة } قال التقية باللسان من حمل على أمر يتكلم ~~به، وهو معصية لله، فيتكلم به مخافة الناس، وقلبه مطمئن بالإيمان، فإن ~~ذلك لا يضره، إنما التقية باللسان. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عنه في الآية قال التقاة التكلم ~~باللسان، والقلب مطمئن بالإيمان، ولا يبسط يده، فيقتل، ولا إلى إثم، فإنه ~~لا عذر له. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في الآية قال ~~التقية باللسان، وليس بالعمل. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة { إلا أن تتقوا منهم تقة ~~} قال إلا أن يكون بينك، وبينه قرابة، فتصله لذلك. # وأخرج عبد بن حميد، والبخاري، عن الحسن قال التقية جائزة إلى يوم ~~القيامة. وحكى البخاري عن أبي الدرداء أنه قال إنا نبش في وجوه أقوام، ~~وقلوبنا تلعنهم، ويدل على جواز التقية، قوله تعالى # إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمن ولكن ~~من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ~~ولهم عذاب عظيم # النحل 106. ومن القائلين بجواز التقية باللسان أبو الشعثاء، والضحاك، ~~والربيع بن أنس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله { قل ~~إن تخفوا } الآية قال أخبرهم أنه يعلم ما أسروا، وما أعلنوا. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله { محضرا } ، يقول موفرا. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن في الآية قال يسر أحدكم أن لا ~~يلقى عمله ms0541 ذلك أبدا، يكون ذلك مناه. وأما في الدنيا، فقد كانت خطيئته ~~يستلذها. وأخرجا أيضا، عن السدي { أمدا بعيدا } قال مكانا ~~بعيدا. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج { أمدا } قال أجلا. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله { ويحذركم ~~الله نفسه والله رءوف بالعباد } قال من رأفته بهم ~~حذرهم نفسه. ### || [3.31-34] # الحب والمحبة ميل النفس إلى الشيء، يقال أحبه، فهو محب، وحبه يحبه ~~بالكسر، فهو محبوب. قال الجوهري وهذا شاذ لأنه لا يأتي في المضاعف يفعل ~~بالكسر. قال ابن الدهان في حب لغتان حب وأحب، وأصل حب في هذا الباب ~~حبب كطرق، وقد فسرت المحبة لله سبحانه بإرادة طاعته. قال الأزهري محبة ~~العبد لله ورسوله طاعته لهما، واتباعه أمرهما، ومحبة الله للعباد إنعامه ~~عليهم بالغفران. وقرأ أبو رجاء العطاردي «فاتبعوني» بفتح الباء. وروي عن ~~أبي عمرو بن العلاء أنه أدغم الراء من يغفر في اللام. قال النحاس لا يجيز ~~الخليل، وسيبويه إدغام الراء في اللام، وأبو عمرو أجل من أن يغلط في ~~هذا، ولعله كان يخفي الحركة، كما يفعل في أشياء كثيرة. قوله { قل ~~أطيعوا الله والرسول } حذف المتعلق مشعر بالتعميم، أي في ~~جميع الأوامر، والنواهي. قوله { فإن تولوا } يحتمل أن يكون من ~~تمام مقول القول، فيكون مضارعا حذفت فيه إحدى التاءين، أي تتولوا، ~~ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى، فيكون ماضيا. وقوله { فإن ~~الله لا يحب الكفرين } نفي المحبة كناية عن البغض، ~~والسخط. ووجه الإظهار في قوله { فإن الله } مع كون المقام مقام ~~إضمار لقصد التعظيم، أو التعميم. قوله { إن الله اصطفى آدم } ~~الخ لما فرغ سبحانه من بيان أن الدين المرضي هو الإسلام، وأن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، هو الرسول الذي لا يصح لأحد أن يحب الله إلا باتباعه، ~~وأن اختلاف أهل الكتابين فيه إنما هو لمجرد البغي عليه، والحسد له - شرع ~~في تقرير رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وبين أنه من أهل بيت النبوة، ~~ومعدن الرسالة. والاصطفاء الاختيار. قال الزجاج ms0542 اختارهم بالنبوة على ~~عالمي زمانهم، وقيل إن الكلام على تقدير مضاف، أي اصطفى دين آدم الخ، وقد ~~تقدم الكلام على تفسير العالمين، وتخصيص آدم بالذكر لأنه أبو البشر، ~~وكذلك نوح، فإنه آدم الثاني، وأما آل إبراهيم، فلكون النبي صلى الله عليه ~~وسلم منهم مع كثرة الأنبياء منهم. وأما آل عمران فهم وإن كانوا من آل ~~إبراهيم، فلما كان عيسى عليه السلام منهم كان لتخصيصهم بالذكر وجه. وقيل ~~المراد بآل إبراهيم إبراهيم نفسه، وبآل عمران عمران نفسه. قوله { ~~ذرية بعضها من بعض } نصب ذرية على البدلية مما قبله قاله ~~الزجاج، أو على الحالية قاله الأخفش. وقد تقدم تفسير الذرية، و { بعضها ~~من بعض } في محل نصب على صفة الذرية، ومعناه متناسلة متشعبة، أو متناصرة ~~متعاضدة في الدين. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~الحسن من طرق قال قال أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ~~يا محمد إنا لنحب ربنا، فأنزل الله { قل إن كنتم تحبون ~~الله } الآية. # وأخرج الحكيم الترمذي عن يحيى بن كثير نحوه. وأخرج أيضا ابن جرير، ~~وابن المنذر، عن ابن جريج، نحوه. وأخرج ابن جرير، عن محمد بن جعفر بن ~~الزبير في قوله { قل إن كنتم تحبون الله } أي إن كان هذا ~~من قولكم في عيسى حبا لله، وتعظيما له { فاتبعونى يحببكم ~~الله ويغفر لكم ذنوبكم } أي ما مضى من كفركم { والله ~~غفور رحيم }. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي الدرداء في قوله { قل ~~إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله } ~~قال على البر، والتقوى، والتواضع، وذلة النفس. وأخرجه أيضا الحكيم ~~الترمذي، وأبو نعيم، والديلمي، وابن عساكر عنه. أخرج ابن عساكر، مثله عن ~~عائشة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، والحاكم، عن عائشة قالت ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الشرك أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن ~~يحب على شيء من الجور، ويبغض على شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب، ~~والبغض ms0543 في الله " # قال الله تعالى { قل إن كنتم تحبون الله } الآية. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { وآل ~~إبراهيم وآل عمران } قال هم المؤمنون من آل إبراهيم، وآل عمران، وآل ~~ياسين، وآل محمد. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة ~~في قوله { ذرية بعضها من بعض } قال في النية، والعمل، ~~والإخلاص، والتوحيد. ### || [3.35-37] # قوله { إذ قالت } قال أبو عمرو «إذ» زائدة. وقال محمد بن يزيد إنه ~~متعلق بمحذوف تقديره اذكر إذ قالت. وقال الزجاج هو متعلق بقوله { ~~اصطفى } وقيل متعلق بقوله { سميع عليم } وامرأة عمران اسمها - ~~حنة بالحاء المهملة، والنون - بنت فاقود بن قبيل أم مريم، فهي جدة عيسى. ~~وعمران هو ابن ماثان جد عيسى، قوله { رب إني نذرت لك ما في ~~بطني } تقديم الجار، والمجرور، لكمال العناية، وهذا النذر كان جائزا ~~في شريعتهم. ومعنى { لك } أي لعبادتك { ومحررا } منصوب على الحال، أي ~~عتيقا خالصا لله خادما للكنيسة. والمراد هنا الحرية التي هي ضد ~~العبودية. وقيل المراد بالمحرر هنا الخالص لله سبحانه الذي لا يشوبه شيء ~~من أمر الدنيا. ورجح هذا بأنه لا خلاف أن عمران، وامرأته حران. قوله { ~~فتقبل مني } التقبل أخذ الشيء على وجه الرضا، أي تقبل مني نذري ~~بما في بطني. قوله { فلما وضعتها } التأنيث باعتبار ما علم من ~~المقام أن الذي في بطنها أنثى، أو لكونه أنثى في علم الله، أو بتأويل ما ~~في بطنها بالنفس، أو النسمة، أو نحو ذلك. قوله { قالت رب إنى ~~وضعتها أنثى } إنما قالت هذه المقالة لأنه لم يكن يقبل في النذر ~~إلا الذكر دون الأنثى، فكأنها تحسرت، وتحزنت لما فاتها من ذلك الذي كانت ~~ترجوه، وتقدره، و { أنثى } حال مؤكدة من الضمير، أو بدل منه. قوله { ~~والله أعلم بما وضعت } قرأ أبو بكر، وابن عامر بضم التاء، ~~فيكون من جملة كلامها، ويكون متصلا بما قبله، وفيه معنى التسليم لله، ~~والخضوع، والتنزيه له أن يخفى عليه شيء. وقرأ الجمهور { وضعت ms0544 } ، فيكون ~~من كلام الله سبحانه على جهة التعظيم لما وضعته، والتفخيم لشأنه، ~~والتجليل لها حيث وقع منها التحسر، والتحزن، مع أن هذه الأنثى التي ~~وضعتها سيجعلها الله، وابنها آية للعالمين، وعبرة للمعتبرين، ويختصها بما ~~لم يختص به أحدا. وقرأ ابن عباس «بما وضعت» بكسر التاء على أنه خطاب من ~~الله سبحانه لها، أي إنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب، وما علم الله فيه من ~~الأمور التي تتقاصر عنها الأفهام، وتتضافر عندها العقول. قوله { وليس ~~الذكر كالانثى } أي وليس الذكر الذي طلبت، كالأنثى التي وضعت، ~~فإن غاية ما أرادت من كونه ذكرا أن يكون نذرا خادما للكنيسة، وأمر هذه ~~الأنثى عظيم، وشأنها فخيم. وهذه الجملة اعتراضية مبينة لما في الجملة ~~الأولى من تعظيم الموضوع، ورفع شأنه، وعلو منزلته، واللام في الذكر، ~~والأنثى للعهد، هذا على قراءة الجمهور، وعلى قراءة ابن عباس، وأما على ~~قراءة أبي بكر، وابن عامر، فيكون قوله { وليس الذكر كالانثى ~~} من جملة كلامها، ومن تمام تحسرها، وتحزنها، أي ليس الذكر الذي أردت أن ~~يكون خادما، ويصلح للنذر كالأنثى التي لا تصلح لذلك، وكأنها أعذرت إلى ~~ربها من وجودها لها على خلاف ما قصدت. # قوله { وإنى سميتها مريم } عطف على { إنى وضعتها ~~أنثى } ومقصودها من هذا الإخبار بالتسمية التقرب إلى الله سبحانه، ~~وأن يكون فعلها مطابقا لمعنى اسمها، فإن معنى مريم خادم الرب بلغتهم، ~~فهي، وإن لم تكن صالحة لخدمة الكنيسة، فذلك لا يمنع أن تكون من العابدات. ~~قوله { وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطن ~~الرجيم } عطف على قوله { إنى سميتها مريم } ، والرجيم ~~المطرود، وأصله المرمى بالحجارة، طلبت الإعاذة لها، ولولدها من الشيطان، ~~وأعوانه. قوله { فتقبلها ربها بقبول حسن } أي رضي بها ~~في النذر، وسلك بها مسلك السعداء. وقال قوم معنى التقبل التكفل، ~~والتربية، والقيام بشأنها، والقبول مصدر مؤكد للفعل السابق، والباء ~~زائدة، والأصل تقبلا، وكذلك قوله { وأنبتها نباتا حسنا } ~~وأصله إنباتا، فحذف الحرف الزائد، وقيل هو مصدر لفعل محذوف، أي فنبتت ~~نباتا حسنا. والمعنى أنه سوى خلقها من ms0545 غير زيادة، ولا نقصان، قيل إنها ~~كانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام، وقيل هو مجاز عن التربية ~~الحسنة العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها، قوله { وكفلها ~~زكريا } أي ضمها إليه. وقال أبو عبيدة ضمن القيام بها. وقرأ ~~الكوفيون { وكفلها } بالتشديد، أي جعله الله كافلا لها، وملتزما ~~بمصالحها، وفي معناه ما في مصحف أبي، " وأكفلها " ، وقرأ الباقون ~~بالتخفيف على إسناد الفعل إلى زكريا، ومعناه ما تقدم من كونه ضمها إليه، ~~وضمن القيام بها. وروى عمرو بن موسى، عن عبد الله بن كثير، وأبي عبد الله ~~المزني، " وكفلها " بكسر الفاء. قال الأخفش لم أسمع كفل. وقرأ مجاهد ~~«فتقبلها» بإسكان اللام على المسألة، والطلب، ونصب " ربها " على أنه ~~منادى مضاف. وقرأ أيضا «وأنبتها» بإسكان التاء «وكفلها» بتشديد الفاء ~~المكسورة، وإسكان اللام، ونصب «زكريا» مع المد. وقرأ حفص، وحمزة، ~~والكسائي «زكريا» بغير مد، ومده الباقون، وقال الفراء أهل الحجاز يمدون { ~~زكريا } ، ويقصرونه. قال الأخفش فيه لغات المد، والقصر، و " زكري " ~~بتشديد الياء، وهو ممتنع على جميع التقادير للعجمة، والتعريف مع ألف ~~التأنيث. قوله { كلما دخل عليها زكريا المحراب } ~~قدم الظرف للاهتمام به، وكلمة كل ظرف، والزمان محذوف، و " ما " مصدرية، ~~أو نكرة موصوفة، والعامل في ذلك قوله { وجد } أي كل زمان دخوله عليها، ~~وجد عندها رزقا، أي نوعا من أنواع الرزق. والمحراب في اللغة أكرم موضع ~~في المجلس قاله القرطبي، وهو منصوب على التوسع، قيل إن زكريا جعل لها ~~محرابا لا يرتقي إليه إلا بسلم، وكان يطلق عليها حتى كبرت، وكان إذا دخل ~~عليها وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فقال { ~~يمريم أنى لك هذا } أي من أين يجيء لك هذا الرزق الذي لا ~~يشبه أرزاق الدنيا { قالت هو من عند الله } فليس ذلك بعجيب، ~~ولا مستنكر، وجملة قوله { إن الله يرزق من يشاء بغير ~~حساب } تعليلية لما قبلها، وهو من تمام كلامها، ومن قال إنه من كلام ~~زكريا، فتكون الجملة مستأنفة. # وقد أخرج ابن أبي ms0546 حاتم، عن ابن عباس في قوله { إني نذرت لك ما ~~في بطني محررا } قال كانت نذرت أن تجعله في الكنيسة يتعبد فيها، ~~وكانت ترجو أن يكون ذكرا. وأخرج ابن المنذر عنه قال نذرت أن تجعله ~~محررا للعبادة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد ~~في قوله { محررا } قال خادما للبيعة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عنه قال محررا خالصا لا يخالطه شيء من أمر الدنيا، وأخرج ~~البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخا من مس ~~الشيطان إياه إلا مريم، وابنها، " # ثم يقول أبو هريرة اقرءوا إن شئتم { وإنى أعيذها بك ~~وذريتها من الشيطن الرجيم } وللحديث ألفاظ عن أبي ~~هريرة هذا أحدها، وروى من حديث غيره. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن عباس قال كفلها زكريا، فدخل عليها ~~المحراب، فوجد عندها عنبا في مكتل في غير حينه، فقال أنى لك هذا؟ قالت ~~هو من عند الله، قال إن الذي يرزقك العنب في غير حينه لقادر أن يرزقني من ~~العاقر الكبير العقيم ولدا # هنالك دعا زكريا ربه # آل عمران 38. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة قال كانت مريم ~~ابنة سيدهم، وإمامهم، فتشاح عليها أحبارهم، فاقترعوا فيها بسهامهم أيهم ~~يكفلها، وكان زكريا زوج أختها، فكفلها، وكانت عنده، وحضنها. وأخرج ~~البيهقي في سننه عن ابن مسعود، وابن عباس، وناس من الصحابة، نحوه. وأخرج ~~ابن جرير، عن ابن عباس { وكفلها زكريا } قال جعلها معه في ~~محرابه. ### || [3.38-44] # قوله { هنالك } ظرف يستعمل للزمان والمكان، وأصله للمكان، وقيل إنه ~~للزمان خاصة، وهناك للمكان، وقيل يجوز استعمال كل واحد منهما مكان الآخر، ~~واللام للدلالة على البعد، والكاف للخطاب. والمعنى أنه دعا في ذلك المكان ~~الذي هو قائم فيه عند مريم، أو في ذلك الزمان أن يهب الله له ذرية طيبة، ~~والذي بعثه على ذلك ما رآه من ms0547 ولادة حنة لمريم، وقد كانت عاقرا، فحصل له ~~رجاء الولد، وإن كان كبيرا، وامرأته عاقرا، أو بعثه على ذلك ما رآه من ~~فاكهة الشتاء في الصيف، والصيف في الشتاء عند مريم لأن من أوجد ذلك في ~~غير وقته يقدر على إيجاد الولد من العاقر، وعلى هذا يكون هذا الكلام قصة ~~مستأنفة سيقت في غضون قصة مريم لما بينهما من الارتباط. والذرية النسل، ~~يكون للواحد، ويكون للجمع، ويدل على أنها هنا للواحد. قوله # فهب لى من لدنك وليا # مريم 5 ولم يقل أولياء، وتأنيث طيبة لكون لفظ الذرية مؤنثا. قوله { ~~فنادته الملئكة } قرأ حمزة، والكسائي «فناداه»، وبذلك قرأ ~~ابن عباس وابن مسعود. وقرأ الباقون «فنادته الملائكة»، قيل المراد هنا ~~جبريل، والتعبير بلفظ الجمع عن الواحد جائز في العربية، ومنه # " الذين قال لهم الناس " # آل عمران 173 وقيل ناداه جميع الملائكة، وهو الظاهر من إسناد الفعل إلى ~~الجمع والمعنى الحقيقي مقدم، فلا يصار إلى المجاز إلا لقرينة. قوله { ~~وهو قائم } جملة حالية، و { يصلى فى المحراب } صفة لقوله ~~{ قائم } أو خبر ثان لقوله { وهو }. قوله { إن الله ~~يبشرك } قريء بفتح أن، والتقدير بأن الله، وقريء بكسرها على تقدير ~~القول. وقرأ أهل المدينة " يبشرك " بالتشديد. وقرأ حمزة بالتخفيف. وقرأ ~~حميد بن قيس المكي بكسر الشين، وضم حرف المضارعة. قال الأخفش هي ثلاث ~~لغات بمعنى واحد، والقراءة الأولى هي التي وردت كثيرا في القرآن، ومنه # فبشر عباد # الزمر 17 # فبشرهم بمغفرة # يس 11 # فبشرنها بإسحق # هود 71 # قالوا بشرنك بالحق # الحجر 55 وهي قراءة الجمهور. والثانية لغة أهل تهامة، وبها قرأ أيضا ~~عبد الله بن مسعود، والثالثة من أبشر يبشر إبشارا. ويحيى ممتنع إما ~~لكونه أعجميا أو لكون فيه وزن الفعل، كيعمر مع العلمية. قال القرطبي ~~حاكيا عن النقاش كان اسمه في الكتاب الأول حنا. انتهى. والذي رأيناه في ~~مواضع من الإنجيل أنه يوحنا. قيل سمي بذلك لأن الله أحياه بالإيمان، ~~والنبوة. وقيل لأن الله أحيا به الناس بالهدى. والمراد هنا التبشير ~~بولادته، أي ms0548 يبشرك بولادة يحيى. وقوله { مصدقا بكلمة من ~~الله } أي بعيسى عليه السلام، وسمي كلمة الله لأنه كان بقوله سبحانه " ~~كن " ، وقيل سمي كلمة الله لأن الناس يهتدون به، كما يهتدون بكلام الله. # وقال أبو عبيد معنى { بكلمة من الله } بكتاب من الله، قال ~~والعرب تقول أنشدني كلمته، أي قصيدته، كما روي أن الحويدرة ذكر لحسان، ~~فقال لعن الله كلمته، يعني قصيدته. انتهى. ويحيى أول من آمن بعيسى، ~~وصدق، وكان أكبر من عيسى بثلاث سنين، وقيل بستة أشهر. والسيد الذي يسود ~~قومه. قال الزجاج السيد الذي يفوق أقرانه في كل شيء من الخير. والحصور ~~أصله من الحصر، وهو الحبس، يقال حصرني الشيء، وأحصرني إذا حبسني، ومنه ~~قول الشاعر # وما هجر ليلى أن تكون تباعدت عليك ولا أن أحصرتك ~~شغول # والحصور الذي لا يأتي النساء، كأنه يحجم عنهن، كما يقال رجل حصور، وحصير ~~إذا حبس رفده، ولم يخرجه، فيحيى عليه السلام كان حصورا عن إتيان ~~النساء، أي محصورا لا يأتيهن، كغيره من الرجال، إما لعدم القدرة على ~~ذلك، أو لكونه يكف عنهن منعا لنفسه عن الشهوة مع القدرة. وقد رجح ~~الثاني بأن المقام مقام مدح، وهو لا يكون إلا على أمر مكتسب يقدر فاعله ~~على خلافه، لا على ما كان من أصل الخلقة، وفي نفس الجبلة. وقوله { من ~~الصلحين } أي ناشئا من الصالحين، لكونه من نسل الأنبياء، أو ~~كائنا من جملة الصالحين، كما في قوله # وإنه فى الأخرة لمن الصلحين # البقرة 130. قال الزجاج الصالح الذي يؤدي لله ما افترض عليه، وإلى الناس ~~حقوقهم، قوله { قال رب أنى يكون لي غلم } ظاهر هذا أن ~~الخطاب منه لله سبحانه، وإن كان الخطاب الواصل إليه هو بواسطة الملائكة، ~~وذلك لمزيد التضرع، والجد في طلب الجواب، عن سؤاله، وقيل إنه أراد ~~بالرب جبريل، أي يا سيدي، قيل وفي معنى هذا الاستفهام، وجهان أحدهما أنه ~~سأل هل يرزق هذا الولد من امرأته العاقر، أو من غيرها؟ وقيل معناه بأي ~~سبب استوجب هذا، وأنا، وامرأتي على هذه الحال؟ ms0549 والحاصل أنه استبعد حدوث ~~الولد منهما مع كون العادة قاضية بأنه لا يحدث من مثلهما لأنه كان يوم ~~التبشير كبيرا، قيل في تسعين سنة، وقيل ابن عشرين ومائة سنة، وكانت ~~امرأته في ثمان وتسعين سنة، ولذلك قال { وقد بلغني الكبر } ~~أي والحال ذلك، جعل الكبر، كالطالب له لكونه طليعة من طلائع الموت، فأسند ~~الفعل إليه. والعاقر التي لا تلد، أي ذات عقر على النسب، ولو كان على ~~الفعل لقال عقيرة، أي بها عقر يمنعها من الولد، وإنما وقع منه هذا ~~الاستفهام بعد دعائه بأن يهب الله له ذرية طيبة، ومشاهدته لتلك الآية ~~الكبرى في مريم استعظاما لقدرة الله سبحانه لا لمحض الاستبعاد، وقيل إنه ~~قد مر بعد دعائه إلى وقت يشاء ربه أربعون سنة، وقيل عشرون سنة، فكان ~~الاستبعاد من هذه الحيثية. # قوله { كذلك الله يفعل ما يشاء } أي يفعل الله ما يشاء من ~~الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل، وهو إيجاد الولد من الشيخ الكبير، ~~والمرأة العاقر، والكاف في محل نصب نعتا لمصدر محذوف، والإشارة إلى مصدر ~~يفعل، أو الكاف في محل رفع على أنها خبر، أي على هذا الشأن العجيب شأن ~~الله، ويكون قوله { يفعل ما يشاء } بيانا له، أو الكاف في محل ~~نصب على الحال، أي يفعل الله الفعل كائنا مثل ذلك. قوله { قال رب ~~اجعل لى ءاية } أي علامة أعرف بها صحة الحبل، فأتلقى هذه النعمة ~~بالشكر { قال آيتك ألا تكلم الناس ثلثة أيام إلا ~~رمزا } أي علامتك أن تحبس لسانك عن تكليم الناس ثلاثة أيام لا عن غيره ~~من الأذكار، ووجه جعل الآية هذا لتخلص تلك الأيام لذكر الله سبحانه شكرا ~~على ما أنعم به عليه، وقيل بأن ذلك عقوبة من الله سبحانه له بسبب سؤاله ~~الآية بعد مشافهة الملائكة إياه، حكاه القرطبي عن أكثر المفسرين. والرمز ~~في اللغة الإيماء بالشفتين، أو العينين، أو الحاجبين، أو اليدين، وأصله ~~الحركة، وهو استثناء منقطع، لكون الرمز من غير جنس الكلام، وقيل هو متصل ~~على معنى أن الكلام ما ms0550 حصل به الافهام من لفظ، أو إشارة، أو كتابة، وهو ~~بعيد. والصواب الأول، وبه قال الأخفش، والكسائي. قوله { وسبح } أي ~~سبحه { بالعشى } وهو جمع عشية، وقيل هو واحد، وهو من حين تزول الشمس ~~إلى أن تغيب. وقيل من العصر إلى ذهاب صدر الليل، وهو ضعيف جدا { ~~والإبكر } من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. وقيل المراد بالتسبيح ~~الصلاة. قوله { إذ قالت الملئكة يمريم } الظرف متعلق ~~بمحذوف، كالظرف الأول { إن الله اصطفك } اختارك { ~~وطهرك } من الكفر، أو من الأدناس على عمومها { واصطفك ~~على نساء العلمين } قيل هذا الاصطفاء الآخر غير الاصطفاء ~~الأول، فالأول هو حيث تقبلها بقبول حسن، والآخر لولادة عيسى. والمراد ~~بالعالمين هنا قيل نساء عالم زمانها، وهو الحق، وقيل نساء جميع العالم ~~إلى يوم القيامة، واختاره الزجاج، وقيل الاصطفاء الآخر تأكيد للاصطفاء ~~الأول، والمراد بهما جميعا واحد. قوله { يمريم اقنتى لربك } ~~أي أطيلي القيام في الصلاة، أو أديميه وقد تقدم الكلام على معاني ~~القنوت، وقدم السجود على الركوع، لكونه أفضل، أو لكون صلاتهم لا ترتيب ~~فيها مع كون الواو لمجرد الجمع بلا ترتيب. وقوله { واركعى مع ~~الركعين } ظاهره أن ركوعها يكون مع ركوعهم، فيدل على مشروعية صلاة ~~الجماعة. وقيل المعنى أنها تفعل مثل فعلهم، وإن لم تصل معهم. والإشارة ~~بقوله { ذلك } إلى ما سبق من الأمور التي أخبره الله بها. والوحي في ~~اللغة الإعلام في خفاء، يقال وحي، وأوحى بمعنى. # قال ابن فارس الوحي الإشارة، والكتابة، والرسالة، وكل ما ألقيته إلى ~~غيرك حتى تعلمه. قوله { وما كنت لديهم } أي تحضرنهم يعني ~~المتنازعين في تربية مريم، وإنما نفي حضوره عندهم مع كونه معلوما لأنهم ~~أنكروا الوحي، فلو كان ذلك الإنكار صحيحا لم يبق طريق للعلم به إلا ~~المشاهدة، والحضور، وهم لا يدعون ذلك، فثبت كونه، وحيا مع تسليمهم أنه ~~ليس ممن يقرأ التوراة، ولا ممن يلابس أهلها. والأقلام جمع قلم، من قلمه ~~إذا قطعه، أي أقلامهم التي يكتبون بها، وقيل قداحهم { أيهم يكفل ~~مريم } أي يحضنها، أي يلقون أقلامهم ليعلموا أيهم ms0551 يكفلها، وذلك عند ~~اختصامهم في كفالتها، فقال زكريا هو أحق بها لكون خالتها عنده، وهي أشيع ~~أخت حنة أم مريم. وقال بنو إسرائيل نحن أحق بها لكونها بنت عالمنا، ~~فاقترعوا، وجعلوا أقلامهم في الماء الجاري على أن من وقف قلمه، ولم يجر ~~مع الماء، فهو صاحبها، فجرت أقلامهم، ووقف قلم زكريا، وقد استدل بهذا من ~~أثبت القرعة، والخلاف في ذلك معروف، وقد ثبتت أحاديث صحيحة في اعتبارها. ~~وقد أخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال لما رأى زكريا ذلك، يعني فاكهة الصيف ~~في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، عند مريم قال إن الذي أتى بهذا مريم ~~في غير زمانه قادر أن يرزقني ولدا، فذلك حين دعا ربه. وأخرج ابن عساكر، ~~عن الحسن نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي { ذرية طيبة } ~~يقول مباركة. وأخرج ابن جرير، عن عبد الرحمن بن أبي حماد قال في قراءة ~~ابن مسعود " فناداه جبريل، وهو قائم يصلي في المحراب " ، وروى ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، عن السدي أنه قال { فنادته الملئكة } أي ~~جبريل. وأخرج ابن المنذر، عن السدي قال المحراب المصلى. وقد أخرج ~~الطبراني، والبيهقي، عن ابن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " اتقوا هذه المذابح " # يعني المحاريب. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، عن موسى الجهني قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى " # وقد رويت كراهة ذلك عن جماعة من الصحابة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة قال إنما سمي يحيى لأن الله أحياه ~~بالإيمان. وأخرجوا، عن ابن عباس قال { مصدقا بكلمة من الله ~~} قال عيسى بن مريم هو الكلمة. وأخرج ابن جرير، من طريق ابن جريج، عنه ~~قال كان يحيى، وعيسى ابني الخالة، وكانت أم يحيى تقول لمريم إني أجد ~~الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى سجوده في بطن أمه، ~~وهو أول من صدق بعيسى. # وأخرج أحمد ms0552 في الزهد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، عن ابن عباس { وسيدا } قال حليما تقيا. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، عن مجاهد قال السيد الكريم على الله. وأخرج ابن جرير، ~~عن ابن المسيب قال السيد الفقيه العالم. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { وسيدا وحصورا } قال السيد ~~الحليم، والحصور الذي لا يأتي النساء. وأخرج أحمد في الزهد، عن سعيد بن ~~جبير في الحصور مثله. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، عن ابن عباس قال الحصور الذي لا ينزل الماء. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " كان ذكره مثل هدبة الثوب " # وأخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، من وجه آخر، عن ابن عمرو موقوفا، ~~وهو أقوى. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن شعيب الجبائي قال اسم أم ~~يحيى أشيع. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله { اجعل لى ءاية ~~} قال بالحمل به. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله { آيتك ألا تكلم الناس ~~ثلثة أيام } قال إنما عوقب بذلك، لأن الملائكة شافهته بذلك ~~مشافهة، فبشرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إياه، فأخذ عليه ~~بلسانه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { إلا رمزا } قال ~~الرمز بالشفتين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال الرمز الإشارة. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله { وسبح ~~بالعشى والإبكر } قال العشي ميل الشمس إلى أن تغيب، والإبكار ~~أول الفجر. وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث علي قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول # " خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد " # وأخرج الحاكم ms0553 وصححه، عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أفضل نساء العالمين خديجة، وفاطمة، ومريم، وآسية امرأة فرعون " # وأخرج ابن مردويه، عن أنس مرفوعا نحوه. وأخرج نحوه، أحمد، والترمذي ~~وصححه، وابن المنذر، وابن حبان، والحاكم، من حديثه مرفوعا، وفي ~~الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية ~~امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على الطعام " # وفي المعنى أحاديث كثيرة، وكلها تفيد أن مريم عليها السلام سيدة نساء ~~عالمها، لا نساء جميع العالم. ويؤيده ما أخرجه ابن عساكر، عن مقاتل، عن ~~الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " أربع نسوة سادات نساء عالمهن مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة ~~بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وأفضلهن عالما فاطمة " # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله { يمريم اقنتى ~~لربك } قال أطيلي الركوع يعني القيام. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن ~~جبير { اقنتى لربك } قال أخلصي. وأخرج عن قتادة قال أطيعي ربك. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله { ~~وما كنت لديهم إذ يلقون أقلمهم } قال إن مريم لما ~~وضعت في المسجد اقترع عليها أهل المصلى، وهم يكتبون الوحي، فاقترعوا ~~بأقلامهم أيهم يكفلها. قال الله لمحمد { وما كنت لديهم } الآية. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال ألقوا أقلامهم في الماء، ~~فذهبت مع الجرية، وصعد قلم زكريا، فكفلها زكريا. وأخرج ابن جرير، عن ~~الربيع نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد، وكذلك أخرج ابن أبي حاتم، عن ~~ابن جريج، أن الأقلام هي التي يكتبون بها التوراة. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن أبي حاتم، عن عطاء أنها القداح. ### || [3.45-51] # قوله { إذ قالت } بدل من قوله «وإذ قالت» المذكور قبله، وما بينهما ~~اعتراض، وقيل بدل من «إذ يختصمون» وقيل منصوب بفعل مقدر. وقيل بقوله { ~~يختصمون ms0554 } وقيل بقوله { وما كنت لديهم }. والمسيح اختلف ~~فيه مماذا أخذ؟ فقيل من المسح لأنه مسح الأرض، أي ذهب فيها، فلم يستكن ~~بكن، وقيل إنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا بريء، فسمي مسيحا، فهو على هذين ~~فعيل بمعنى فاعل، وقيل لأنه كان يمسح بالدهن الذي كانت الأنبياء تمسح به، ~~وقيل لأنه كان ممسوح الأخمصين، وقيل لأن الجمال مسحه، وقيل لأنه مسح ~~بالتطهير من الذنوب، وهو على هذه الأربعة الأقوال فعيل بمعنى مفعول. وقال ~~أبو الهيتم المسيح ضد المسيخ بالخاء المعجمة. وقال ابن الأعرابي المسيح ~~الصديق. وقال أبو عبيد أصله بالعبرانية مشيخا بالمعجمتين فعرب، كما ~~عرب موشى بموسى. وأما الدجال، فسمي مسيحا لأنه ممسوح إحدى العينين، ~~وقيل لأنه يمسح الأرض أي يطوف بلدانها إلا مكة، والمدينة وبيت المقدس. ~~وقوله { عيسى } عطف بيان، أو بدل، وهو اسم أعجمي، وقيل هو عربي مشتق من ~~عاسه يعوسه إذا ساسه. قال في الكشاف هو معرب من أيشوع. انتهى. والذي ~~رأيناه في الإنجيل في مواضع أن اسمه يشوع بدون همزة، وإنما قيل ابن مريم ~~مع كون الخطاب معها تنبيها على أنه يولد من غير أب، فنسب إلى أمه. ~~والوجيه ذو الوجاهة وهي القوة والمنعة، ووجاهته في الدنيا النبوة، وفي ~~الآخرة الشفاعة، وعلو الدرجة، وهو منتصب على الحال من كلمة، وإن كانت ~~نكرة، فهي موصوفة، وكذلك قوله { ومن المقربين } في محل نصب على ~~الحال. قال الأخفش هو معطوف على { وجيها }. والمهد مضجع الصبي في رضاعه، ~~ومهدت الأمر هيأته، ووطأته. والكهل هو من كان بين سن الشباب، والشيخوخة، ~~أي يكلم الناس حال كونه رضيعا في المهد، وحال كونه كهلا بالوحي، ~~والرسالة، قاله الزجاج. وقال الأخفش، والفراء إن كهلا معطوف على وجيها. ~~قال الأخفش { ومن الصلحين } عطف على وجيها، أي هو من العباد ~~الصالحين. قوله { أنى يكون لى ولد } أي كيف يكون على طريقة ~~الاستبعاد العادي { ولم يمسسنى بشر } جملة حالية، أي والحال ~~أنه على حالة منافية للحالة المعتادة من كون له أب { قال كذلك ~~الله يخلق ما يشاء ms0555 } هو من كلام الله سبحانه. وأصل القضاء ~~الأحكام، وقد تقدم، وهو هنا الإرادة، أي إذا أراد أمرا من الأمور { ~~فإنما يقول له كن فيكون } من غير عمل ولا مزاولة، وهو ~~تمثيل لكمال قدرته. قوله { ويعلمه الكتب } قيل هو معطوف على ~~{ يبشرك } أي إن الله يبشرك وإن الله يعلمه، وقيل على { يخلق } ~~أي وكذلك يعلمه الله، أو كلام مبتدأ سيق تطييبا لقلبها. # والكتاب الكتابة. والحكمة العلم، وقيل تهذيب الأخلاق، وانتصاب رسولا ~~على تقدير، ويجعله رسولا، أو ويكلمهم رسولا، أو وأرسلت رسولا، وقيل هو ~~معطوف على قوله { وجيها } فيكون حالا لأن فيه معنى النطق، أي ~~وناطقا، قال الأخفش وإن شئت جعلت الواو في قوله { ورسولا } مقحمة، ~~والرسول حالا. وقوله { أنى قد جئتكم } معمول لرسول لأن فيه ~~معنى النطق كما مر، وقيل أصله بأني قد جئتكم، فحذف الجار، وقيل منصوب ~~بمضمر أي تقول أني قد جئتكم، وقيل معطوف على الأحوال السابقة. وقوله { ~~بئاية } في محل نصب على الحال، أي متلبسا بعلامة كائنة { من ~~ربكم }. وقوله { أنى أخلق } أي أصور، وأقدر { لكم من ~~الطين كهيئة الطير } وهذه الجملة بدل من الجملة الأولى، وهي { ~~أنى قد جئتكم } أو بدل من آية، أو خبر مبتدأ محذوف، أي هي أني، ~~وقريء بكسر الهمزة على الاستئناف. وقرأ الأعرج، وأبو جعفر، " كهيئة الطير ~~" بالتشديد، والكاف في قوله { كهيئة الطير } نعت مصدر محذوف، أي ~~أخلق لكم خلقا، أو شيئا مثل هيئة الطير. وقوله { فأنفخ فيه } أي ~~في ذلك الخلق، أو ذلك الشيء، فالضمير راجع إلى الكاف في قوله كهيئة ~~الطير، وقيل الضمير راجع إلى الطير، أي الواحد منه، وقيل إلى الطين، ~~وقريء " فيكون طائرا، وطيرا، " مثل تاجر وتجر، وقيل إنه لم يخلق غير ~~الخفاش لما فيه من عجائب الصنعة، فإن له ثديا، وأسنانا، وأذنا، ويحيض، ~~ويطهر، وقيل إنهم طلبوا خلق الخفاش لما فيه من العجائب المذكورة، ولكونه ~~يطير بغير ريش، ويلد، كما يلد سائر الحيوانات مع كونه من الطير، ولا ~~يبيض، كما يبيض سائر الطيور، ولا يبصر في ضوء النهار، ms0556 ولا في ظلمة الليل، ~~وإنما يرى في ساعتين بعد غروب الشمس ساعة، وبعد طلوع الفجر ساعة، وهو ~~يضحك، كما يضحك الإنسان وقيل إن سؤالهم له كان على وجه التعنت، قيل كان ~~يطير ما دام الناس ينظرونه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميز فعل ~~الله من فعل غيره، وقوله { بإذن الله } فيه دليل على أنه لولا ~~الإذن من الله عز وجل لم يقدر على ذلك، وأن خلق ذلك كان بفعل الله ~~سبحانه أجراه على يد عيسى عليه السلام. قيل كانت تسوية الطين، والنفخ من ~~عيسى، والخلق من الله عز وجل. قوله { وأبرىء الأكمه } الأكمه ~~الذي يولد أعمى، كذا قال أبو عبيدة. وقال ابن فارس الكمه العمي يولد به ~~الإنسان، وقد يعرض، يقال كمه يكمه كمها إذا عمي، وكمهت عينه إذا أعميتها ~~وقيل الأكمه الذي يبصر بالنهار، ولا يبصر بالليل، وقيل هو الممسوح العين. # والبرص معروف، وهو بياض يظهر في الجلد. وقد كان عيسى عليه السلام يبريء ~~من أمراض عدة، كما اشتمل عليه الإنجيل، وإنما خص الله سبحانه هذين ~~المرضين بالذكر لأنهما لا يبرآن في الغالب بالمداواة، وكذلك إحياء الموتى ~~قد اشتمل الإنجيل على قصص من ذلك. قوله { وأنبئكم بما ~~تأكلون } أي أخبركم بالذي تأكلونه، وبالذي تدخرونه. قوله { ~~ومصدقا } عطف على قوله { ورسولا } وقيل المعنى وجئتكم مصدقا. ~~قوله { ولأحل } أي ولأجل أن أحل، أي جئتكم بآية من ربكم، وجئتكم ~~لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم من الأطعمة في التوراة، كالشحوم، وكل ذي ~~ظفر، وقيل إنما أحل لهم ما حرمته عليهم الأحبار، ولم تحرمه التوراة. ~~وقال أبو عبيدة يجوز أن يكون { بعض } بمعنى كل، وأنشد # تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها # قال القرطبي وهذا القول غلط عند أهل النظر من أهل اللغة لأن البعض، ~~والجزء لا يكونان بمعنى الكل، ولأن عيسى لم يحلل لهم جميع ما حرمته ~~عليهم التوراة، فإنه لم يحلل القتل، ولا السرقة، ولا الفاحشة، وغير ذلك ~~من المحرمات الثابتة في الإنجيل مع كونها ثابتة في ms0557 التوراة، وهي كثيرة ~~يعرف ذلك من يعرف الكتابين، ولكنه قد يقع البعض موقع الكل مع القرينة، ~~كقول الشاعر # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر ~~أهون من بعض # أي بعض الشر أهون من كله. قوله { بآية من ربكم } هي قوله { ~~إن الله ربى وربكم } وإنما كان ذلك آية، لأن من قبله من ~~الرسل كانوا يقولون ذلك، فمجيئه بما جاءت به الرسل يكون علامة على ~~نبوته. ويحتمل أن تكون هذه الآية هي الآية المتقدمة، فتكون تكريرا ~~لقوله { أنى قد جئتكم بآية من ربكم أنى أخلق ~~لكم من الطين } الآية. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس في قوله { بكلمة } قال عيسى هو الكلمة من الله. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال المهد مضجع ~~الصبي في رضاعه. وقد ثبت في الصحيح أنه لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة ~~عيسى، وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلي، فجاءته أمه فدعته ~~فقال أجيبها، أو أصلي؟ فقالت اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، وكان ~~جريج في صومعة، فتعرضت له امرأة، وكلمته، فأبى، فأتت راعيا، فأمكنته من ~~نفسها، فولدت غلاما، فقالت من جريج، فأتوه فكسروا صومعته، وأنزلوه، ~~وسبوه، فتوضأ، وصلى، ثم أتى الغلام، فقال من أبوك يا غلام؟ قال الراعي، ~~قالوا نبني صومعتك من ذهب؟ قال لا إلا من طين. وكانت امرأة من بني ~~إسرائيل ترضع ابنا لها، فمر بها رجل راكب ذو شارة، فقالت اللهم اجعل ~~ابني مثله، فترك ثديها، وأقبل على الراكب، فقال اللهم لا تجعلني مثله، ثم ~~أقبل على ثديها يمصه، ثم مر بأمة تجرجر، ويلعب بها، فقالت اللهم لا تجعل ~~ابني مثل هذه، فترك ثديها، فقال اللهم اجعلني مثلها، فقالت لم ذاك؟ فقال ~~الراكب جبار من الجبابرة، وهذه الأمة يقولون لها زنيت، وتقول حسبي ~~الله، ونعم الوكيل، ويقولون سرقت، وتقول حسبي الله. # وأخرج أبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة، قال قال رسول الله صلى ~~الله ms0558 عليه وسلم # " لم يتكلم في المهد إلا عيسى، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وابن ماشطة ~~فرعون " # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله { ويكلم الناس ~~فى المهد وكهلا } قال يكلمهم صغيرا، وكبيرا. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس قال الكهل هو من في سن الكهولة. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال الكهل الحليم. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ويعلمه الكتب } ~~قال الخط بالقلم. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريح، نحوه. وأخرج أبو الشيخ، ~~عن ابن عباس قال إنما خلق عيسى طائرا واحدا، وهو الخفاش. وأخرج ابن ~~جريج، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طريق الضحاك، عن ابن عباس قال ~~الأكمه الذي يولد أعمى. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه قال الأكمه الأعمى ~~الممسوح العينين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن مجاهد قال الأكمه الذي يبصر بالنهار، ولا يبصر بالليل. وأخرجوا ~~عن عكرمة قالوا الأكمه الأعمش. وأخرج أحمد في الزهد، عن خالد الحذاء قال ~~كان عيسى ابن مريم إذا سرح رسله يحيون الموتى يقول لهم قولوا كذا، فإذا ~~وجدتم قشعريرة، ودمعة، فادعوا عند ذلك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله { وأنبئكم بما تأكلون } ~~قال بما أكلتم البارحة من طعام، وما خبأتم منه. وأخرج عبد الرزاق، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عمار بن ياسر قال { أنبئكم ~~بما تأكلون } من المائدة { وما تدخرون } منها، وكان أخذ ~~عليهم في المائدة حين نزلت أن يأكلوا، ولا يدخروا، فأكلوا، وادخروا، ~~وخانوا، فجعلوا قردة، وخنازير. وأخرج ابن جرير، عن وهب أن عيسى كان على ~~شريعة موسى، وكان يسبت، ويستقبل بيت المقدس، وقال لبني إسرائيل إني لم ~~أدعكم إلى خلاف حرف مما في التوراة إلا لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، ~~وأضع عنكم من الآصار. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع في الآية ~~قال كان الذي ms0559 جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى، وكان قد حرم عليهم فيما ~~جاء به موسى لحوم الإبل، والثروب، فأحلها لهم على لسان عيسى، وحرم عليهم ~~الشحوم، فأحلت لهم فيما جاء به عيسى، وفي أشياء من السمك، وفي أشياء من ~~الطير، وفي أشياء أخر حرمها عليهم، وشدد عليهم فيها، فجاءهم عيسى ~~بالتخفيف منه في الإنجيل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة مثله. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في ~~قوله { وجئتكم بأية من ربكم } قال ما بين لهم عيسى من ~~الأشياء كلها، وما أعطاه ربه. ### || [3.52-58] # قوله { فلما أحس } أي علم ووجد قاله الزجاج. وقال أبو عبيدة ~~معنى أحس عرف. وأصل ذلك وجود الشيء بالحاسة، والإحساس العلم بالشيء. قال ~~الله تعالى # هل تحس منهم من أحد # مريم 98. والمراد بالإحساس هنا الإدراك القوي الجاري مجرى المشاهدة. ~~وبالكفر إصرارهم عليه، وقيل سمع منهم كلمة الكفر. وقال الفراء أرادوا ~~قتله. وعلى هذا، فمعنى الآية فلما أدرك منهم عيسى إرادة قتله التي هي كفر ~~قال من أنصاري إلى الله.الأنصار جمع نصير. وقوله { إلى الله } متعلق ~~بمحذوف وقع حالا، أي متوجها إلى الله، أو ملتجئا إليه، أو ذاهبا ~~إليه، وقيل إلى بمعنى مع كقوله تعالى # ولا تأكلوا أمولهم إلى أمولكم # النساء 2 وقيل المعنى من أنصاري في السبيل إلى الله، وقيل المعنى من يضم ~~نصرته إلى نصرة الله. والحواريون جمع حواري، وحواري الرجل صفوته، ~~وخلاصته، وهو مأخوذ من الحور، وهو البياض عند أهل اللغة، حورت الثياب ~~بيضتها، والحواري من الطعام ما حور أي بيض، والحواري أيضا الناصر، ومنه ~~قوله صلى الله عليه وسلم # " لكل نبي حواري، وحواريي الزبير " # وهو في البخاري، وغيره. وقد اختلف في سبب تسميتهم بذلك، فقيل لبياض ~~ثيابهم. وقيل لخلوص نياتهم. وقيل لأنهم خاصة الأنبياء، وكانوا اثني عشر ~~رجلا، ومعنى أنصار الله أنصار دينه ورسله. وقوله { آمنا بالله } استئناف ~~جار مجرى العلة لما قبله، فإن الإيمان يبعث على النصرة. قوله { واشهد ~~بأنا مسلمون ms0560 } أي اشهد لنا يوم القيامة بأنا مخلصون لإيماننا ~~منقادون لما تريد منا. ومعنى { بما أنزلت } ما أنزله الله سبحانه ~~في كتبه. والرسول عيسى، وحذف المتعلق مشعر بالتعميم، أي اتبعناه في كل ما ~~يأتي به، فاكتبنا مع الشاهدين لك بالوحدانية، ولرسولك بالرسالة. أو ~~اكتبنا مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم. وقيل مع أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. قوله { ومكروا } أي الذي أحس عيسى منهم الكفر، وهم كفار بني ~~إسرائيل. ومكر الله استدراجه للعباد من حيث لا يعلمون. قاله الفراء، ~~وغيره. وقال الزجاج مكر الله مجازاتهم على مكرهم، فسمى الجزاء باسم ~~الابتداء، كقوله تعالى # الله يستهزىء بهم # البقرة 15 # وهو خادعهم # النساء 142 وأصل المكر في اللغة الاغتيال، والخدع حكاه ابن فارس، وعلى ~~هذا، فلا يسند إلى الله سبحانه إلا على طريق المشاكلة. وقيل مكر الله هنا ~~إلقاء شبه عيسى على غيره، ورفع عيسى إليه { والله خير ~~المكرين } أي أقواهم مكرا، وأنفذهم كيدا، وأقواهم على إيصال ~~الضرر بمن يريد إيصاله به من حيث لا يحتسب. قوله { إذ قال الله ~~يعيسى } العامل في إذ مكروا، أو قوله { خير المكرين } أو ~~فعل مضمر تقديره وقع ذلك. وقال الفراء إن في الكلام تقديما، وتأخيرا ~~تقديره إني رافعك، ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالك من السماء. # وقال أبو زيد متوفيك قابضك. وقال في الكشاف مستوفي أجلك، ومعناه إني ~~عاصمك من أن يقتلك الكفار، ومؤخر أجلك إلى أجل كتبته لك، ومميتك حتف أنفك ~~لا قتلا بأيديهم. وإنما احتاج المفسرون إلى تأويل الوفاة بما ذكر، لأن ~~الصحيح أن الله رفعه إلى السماء من غير وفاة، كما رجحه كثير من المفسرين، ~~واختاره ابن جرير الطبري، ووجه ذلك أنه قد صح في الأخبار عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نزوله، وقتله الدجال، وقيل إن الله سبحانه توفاه ثلاث ~~ساعات من نهار، ثم رفعه إلى السماء، وفيه ضعف، وقيل المراد بالوفاة هنا ~~النوم ومثله # وهو الذى يتوفكم باليل # الأنعام 60 أي ينيمكم، وبه قال كثيرون. قوله { ومطهرك من ~~الذين كفروا ms0561 } أي من حيث جوازهم برفعه إلى السماء وبعده عنهم. ~~قوله { وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا ~~إلى يوم القيمة } أي الذين اتبعوا ما جئت به، وهم خلص ~~أصحابه الذين لم يبلغوا في الغلو فيه إلى ما بلغ من جعله إلها، ومنهم ~~المسلمون، فإنهم اتبعوا ما جاء به عيسى عليه السلام ووصفوه بما يستحقه من ~~دون غلو، فلم يفرطوا في وصفه، كما فرطت اليهود، ولا أفرطوا كما أفرطت ~~النصارى. وقد ذهب إلى هذا كثير من أهل العلم. وقيل المراد بالآية أن ~~النصارى الذين هم أتباع عيسى لا يزالون ظاهرين على اليهود غالبين لهم ~~قاهرين لمن وجد منهم، فيكون المراد بالذين كفروا هم اليهود خاصة وقيل هم ~~الروم لا يزالون ظاهرين على من خالفهم من الكافرين، وقيل هم الحواريون لا ~~يزالون ظاهرين على من كفر بالمسيح، وعلى كل حال فغلبة النصارى لطائفة من ~~الكفار، أو لكل طوائف الكفار لا ينافي كونهم مقهورين مغلوبين بطوائف ~~المسلمين، كما تفيده الآيات الكثيرة، بأن هذه الملة الإسلامية ظاهرة على ~~كل الملل، قاهرة لها مستعلية عليها. وقد أفردت هذه الآية بمؤلف سميته " ~~وبل الغمامة في تفسير { وجاع الذين اتبعوك فوق الذين ~~كفروا إلى يوم القيمة } " فمن رام استيفاء ما في ~~المقام، فليرجع إلى ذلك. والفوقية هنا هي أعم من أن تكون بالسيف، أو ~~بالحجة. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن عيسى عليه السلام ينزل في آخر ~~الزمان، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويحكم بين العباد ~~بالشريعة المحمدية، ويكون المسلمون أنصاره، وأتباعه إذ ذاك، فلا يبعد أن ~~يكون في هذه الآية إشارة إلى هذه الحالة. قوله { ثم إلي ~~مرجعكم } أي رجوعكم، وتقديم الظرف للقصر { فأحكم بينكم } ~~يومئذ { فيما كنتم فيه تختلفون } من أمور الدين. قوله { ~~فأما الذين كفروا } إلى قوله { والله لا يحب ~~الظلمين } تفسير للحكم. # قوله { فى الدنيا والاخرة } متعلق بقوله فأعذبهم، أما تعذيبهم ~~في الدنيا، فبالقتل والسبي، والجزية، والصغار، وأما في الآخرة، فبعذاب ~~النار. قوله { فيوفيهم أجورهم } أي يعطيهم إياها كاملة موفرة، ~~قريء بالتحتية وبالنون. ms0562 وقوله { لا يحب الظلمين } كناية عن ~~بغضهم، وهي جملة تذييلية مقررة لما قبلها. قوله { ذلك } إشارة إلى ما ~~سلف من نبأ عيسى، وغيره وهو مبتدأ خبره ما بعده، و { من الأيت } ~~حال، أو خبر بعد خبر. والحكيم المشتمل على الحكم، أو المحكم الذي لا خلل ~~فيه. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في ~~قوله { فلما أحس عيسى منهم الكفر } قال كفروا وأرادوا ~~قتله، فذلك حين استنصر قومه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال إنما سموا الحواريين لبياض ثيابهم ~~كانوا صيادين. وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك قال الحواريون قصارون مر ~~بهم عيسى فآمنوا به. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~قتادة قال الحواريون هم الذين تصلح لهم الخلافة. وأخرج ابن مردويه، عن ~~ابن عباس قال هم أصفياء الأنبياء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ~~الضحاك مثله. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، عن قتادة قال الحواري ~~الوزير. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان بن عيينة قال الحواري الناصر. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، والطبراني ~~وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { فاكتبنا مع الشهدين } ~~قال مع محمد، وأمته أنهم شهدوا له أنه قد بلغ، وشهدوا للرسل أنهم قد ~~بلغوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر من طريق الكلبي، عن أبي صالح عنه ~~قال { مع الشهدين } مع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ~~ابن جرير، عن السدي قال إن بني إسرائيل حصروا عيسى وتسعة عشر رجلا من ~~الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه من يأخذ صورتي، فيقتل، وله الجنة، ~~فأخذها رجل منهم، وصعد بعيسى إلى السماء، فذلك قوله { ومكروا ~~ومكر الله والله خير المكرين }. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { إني متوفيك } ~~يقول مميتك. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن قال ~~متوفيك من الأرض. ms0563 وأخرج الآخران عنه قال وفاة المنام. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن قتادة قال هذا من المقدم، والمؤخر أي رافعك إلي، ومتوفيك. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مطر الوراق قال متوفيك من الدنيا، ~~وليس بوفاة موت. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن وهب قال توفى الله ~~عيسى ثلاث ساعات من النهار حتى رفعه إليه، وأخرج ابن عساكر، عنه قال ~~أماته ثلاثة أيام ثم بعثه، ورفعه. # وأخرج الحاكم، عنه قال توفى الله عيسى سبع ساعات. وأخرج ابن سعد، وأحمد ~~في الزهد، والحاكم، عن سعيد بن المسيب قال رفع عيسى، وهو ابن ثلاث ~~وثلاثين سنة. وأخرج ابن عساكر، عن وهب مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن الحسن في قوله تعالى { ومطهرك من الذين كفروا } ~~قال طهره من اليهود، والنصارى، والمجوس، ومن كفار قومه. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله { وجاعل الذين اتبعوك ~~فوق الذين كفروا } قال هم أهل الإسلام الذين اتبعوه على ~~فطرته، وملته، وسنته. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج نحوه. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن الحسن نحوه أيضا. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن عساكر، عن النعمان ~~بن بشير سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يبالون بمن خالفهم حتى يأتي ~~أمر الله " # قال النعمان من قال إني أقول على رسول الله ما لم يقل، فإن تصديق ذلك في ~~كتاب الله، قال الله { وجاعل الذين اتبعوك } الآية. وأخرج ~~ابن عساكر، عن معاوية مرفوعا نحوه، ثم قرأ معاوية الآية. وأخرج ابن ~~جرير، عن ابن زيد قال النصارى فوق اليهود إلى يوم القيامة، وليس بلد فيه ~~أحد من النصارى، إلا وهم فوق اليهود في شرق، ولا غرب، هم البلدان كلها ~~مستذلون. ### || [3.59-63] # تشبيه عيسى بآدم في كونه مخلوقا من غير أب كآدم، ولا يقدح في التشبيه ~~اشتمال المشبه به على زيادة، وهو كونه لا أم له كما أنه لا أب له، فذلك ~~أمر خارج عن ms0564 الأمر المراد بالتشبيه، وإن كان المشبه به أشد غرابة من ~~المشبه، وأعظم عجبا، وأغرب أسلوبا. وقوله { خلقه من تراب } ~~جملة مفسرة لما أبهم في المثل، أي أن آدم لم يكن له أب، ولا أم، بل خلقه ~~الله من تراب. وفي ذلك دفع لإنكار من أنكر خلق عيسى من غير أب مع اعترافه ~~بأن آدم خلق من غير أب، وأم. قوله { ثم قال له كن فيكون } ~~أي كن بشرا، فكان بشرا. وقوله { فيكون } حكاية حال ماضية، وقد ~~تقدم تفسير هذا. وقوله { الحق من ربك } قال الفراء هو مرفوع ~~بإضمار هو. وقال أبو عبيدة هو استئناف كلام، وخبره قوله { من ربك } ~~وقيل هو فاعل فعل محذوف، أي جاءك الحق من ربك. قوله { فلا تكن من ~~الممترين } الخطاب إما لكل من يصلح له من الناس، أي لا يكن أحد ~~منكم ممتريا، أو للرسول صلى الله عليه وسلم، ويكون النهي له لزيادة ~~التثبيت لأنه لا يكون منه شك في ذلك. قوله { فمن حاجك فيه } هذا ~~وإن كان عاما، فالمراد به الخاص، وهم النصارى الذين وفدوا إليه صلى الله ~~عليه وسلم من نجران، كما سيأتي بيانه، ويمكن أن يقال هو على عمومه، وإن ~~كان السبب خاصا، فيدل على جواز المباهلة منه صلى الله عليه وسلم لكل من ~~حاجه في عيسى عليه السلام، وأمته أسوته، وضمير { فيه } لعيسى والمراد ~~بمجيء العلم هنا مجيء سببه، وهو الآيات البينات، والمحاجة المخاصمة، ~~والمجادلة. وقوله { تعالوا } أي هلموا، وأقبلوا، وأصله الطلب لإقبال ~~الذوات، ويستعمل في الرأي إذا كان المخاطب حاضرا، كما تقول لمن هو حاضر ~~عندك تعال ننظر في هذا الأمر. قوله { ندع أبناءنا } الخ اكتفى ~~بذكر البنين عن البنات، إما لدخولهن في النساء، أو لكونهم الذين يحضرون. ~~مواقف الخصام دونهن، ومعنى الآية ليدع كل منا ومنكم أبناءه، ونساءه، ~~ونفسه إلى المباهلة. وفيه دليل على أن أبناء البنات يسمون أبناء لكونه ~~صلى الله عليه وسلم أراد بالأبناء الحسنين، كما سيأتي. قوله { نبتهل ~~} أصل الابتهال الاجتهاد في الدعاء باللعن، وغيره، يقال ms0565 بهله الله، أي ~~لعنه، والبهل اللعن. قال أبو عبيد، والكسائي نبتهل نلتعن، ويطلق على ~~الاجتهاد في الهلاك، ومنه قول لبيد # في كهول سادة من قومه نظر الدهر إليهم فابتهل # أي فاجتهد في هلاكهم. قال في الكشاف ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه، ~~وإن لم يكن التعانا. # قوله { فنجعل لعنت الله على الكذبين } عطف على ~~نبتهل مبين لمعناه { إن هذا } أي الذي قصه الله على رسوله من نبأ ~~عيسى { لهو القصص الحق } القصص التتابع، يقال فلان يقص أثر ~~فلان، أي يتبعه، فأطلق على الكلام الذي يتبع، بعضه بعضا، وضمير الفصل ~~للحصر، ودخول اللام عليه لزيادة تأكيده ويجوز أن يكون مبتدأ وما بعده ~~خبره، وزيادة " من " في قوله { من إله } لتأكيد العموم، وهو رد ~~على من قال بالتثليث من النصارى. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من ~~حديث حذيفة أن العاقب، والسيد أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد ~~أن يلاعنهما، فقال أحدهما لصاحبه لا نلاعنه، فوالله لئن كان نبيا، ~~فلاعننا لا نفلح أبدا نحن، ولا عقبنا من بعدنا، فقالوا له نعطيك ما ~~سألت، فابعث معنا رجلا أمينا، فقال # " قم يا أبا عبيدة، " # فلما قام قال # " هذا أمين هذه الأمة ". # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس أن رهطا ~~من أهل نجران قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وكان فيهم السيد ~~والعاقب، فقالوا ما شأنك تذكر صاحبنا؟ قال من هو؟ قالوا عيسى تزعم أنه ~~عبد الله، قالوا فهل رأيت مثل عيسى، وأنبئت به، ثم خرجوا من عنده، فجاء ~~جبريل، فقال قل لهم إذا أتوك { إن مثل عيسى عند الله ~~كمثل ءادم } إلى آخر الآية. وقد رويت هذه القصة على وجوه، عن جماعة ~~من التابعين. وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل، عن ~~جابر قال قدم على النبي صلى الله عليه وسلم العاقب، والسيد، فدعاهما إلى ~~الإسلام، فقالا أسلمنا يا محمد، فقال # " كذبتما إن شئتما أخبرتكما ما يمنعكما من الإسلام، " # قالا فهات. قال # " حب ms0566 الصليب، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير ". # قال جابر فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه على الغد، فغدا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأخذ بيد علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، ثم أرسل ~~إليهما، فأبيا أن يجيباه، وأقرا له، فقال والذي بعثني بالحق لو فعلا، ~~لأمطر الوادي عليهما نارا. قال جابر فيهم نزلت { تعالوا ندع ~~أبناءنا وأبناءكم } الآية. قال جابر { أنفسنا وأنفسكم } ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي، وأبناءنا الحسن، والحسين، ونساءنا ~~فاطمة. ورواه أيضا الحاكم، من وجه آخر عن جابر وصححه، وفيه أنهم قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم هل لك أن نلاعنك؟ وأخرج مسلم، والترمذي، وابن ~~المنذر، والحاكم، والبيهقي، عن سعد بن أبي وقاص قال لما نزلت هذه الآية { ~~قل تعالوا } دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا، وفاطمة، ~~وحسنا، وحسينا، فقال " اللهم هؤلاء أهلي ". وأخرج ابن عساكر، عن جعفر ~~بن محمد، عن أبيه { تعالوا ندع أبناءنا } الآية، قال فجاء ~~بأبي بكر، وولده، وبعمر، وولده، وبعثمان، وولده، وبعلي، وولده. وأخرج ~~ابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج، عن ابن عباس { ثم ~~نبتهل } نجتهد. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذا الإخلاص يشير بأصبعه التي تلي ~~الإبهام، " وهذا الدعاء " ، فرفع يديه حذو منكبيه، وهذا الابتهال، فرفع ~~يديه مدا. ### || [3.64] # قيل الخطاب لأهل نجران بدليل ما تقدم قبل هذه الآية. وقيل ليهود ~~المدينة، وقيل لليهود والنصارى جميعا، وهو ظاهر النظم القرآني، ولا وجه ~~لتخصيصه بالبعض لأن هذه دعوة عامة لا تختص بأولئك الذين حاجوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. والسواء العدل. قال الفراء يقال في المعنى العدل ~~سوى، وسواء، فإذا فتحت السين مددت، وإذا ضممت، أو كسرت قصرت. قال زهير # أروني خطة لا ضيم فيها يسوي بيننا فيها السواء # وفي قراءة ابن مسعود «إلى كلمة عدل بيننا، وبينكم» فالمعنى أقبلوا إلى ~~ما دعيتم إليه، وهي الكلمة العادلة المستقيمة التي ليس فيها ميل عن الحق، ~~وقد فسرها بقوله { ألا ms0567 نعبد إلا الله } وهو في موضع خفض على ~~البدل من كلمة، أو رفع على إضمار مبتدأ، أي هي ألا نعبد، ويجوز أن تكون " ~~أن " مفسرة لا موضع للجملة التي دخلت عليها، وفي قوله { ولا يتخذ ~~بعضنا بعضا أربابا } تبكيت لمن اعتقد ربوبية المسيح، وعزير، ~~وإشارة إلى أن هؤلاء من جنس البشر، وبعض منهم، وإزراء على من قلد الرجال ~~في دين الله، فحلل ما حللوه له، وحرم ما حرموه عليه، فإن من فعل ذلك، فقد ~~اتخذ من قلده ربا، ومنه # اتخذوا أحبرهم ورهبنهم أربابا من دون ~~الله # التوبة 31 وقد جوز الكسائي، والفراء الجزم في { ولا نشرك } ولا ~~يتخذ على التوهم. قوله { فإن تولوا } أي أعرضوا عما دعوا إليه { ~~فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } أي منقادون لأحكامه مرتضون ~~به معترفون بما أنعم الله به علينا من هذا الدين القويم. وقد أخرج ~~البخاري، ومسلم، والنسائي، عن ابن عباس قال حدثني أبو سفيان أن هرقل دعا ~~بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأه فإذا فيه «بسم الله الرحمن ~~الرحيم من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم سلام ~~على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك ~~الله أجرك مرتين، فإن توليت، فإن عليك إثم الأريسيين، و { يا أهل الكتاب ~~تعالوا، إلى كلمة سواء بيننا، وبينكم } إلى قوله { بأنا مسلمون } ». ~~وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~الكفار { تعالوا إلى كلمة } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن جريج قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا يهود ~~المدينة إلى ما في هذه الآية، فأبوا عليه، فجاهدهم حتى أقروا بالجزية. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة قال ذكر لنا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم دعا يهود أهل المدينة إلى الكلمة السواء. وأخرج ابن جرير، عن ~~الربيع نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة { إلى كلمة ~~سواء } قال عدل. وأخرج ابن ms0568 جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع مثله. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جريج في قوله { ولا يتخذ بعضنا ~~بعضا أربابا } قال لا يطيع بعضنا بعضا في معصية الله ويقال إن ~~تلك الربوبية أن يطيع الناس سادتهم، وقادتهم في غير عبادة، وإن لم يصلوا ~~لهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله { ولا يتخذ ~~بعضنا بعضا أربابا } قال سجود بعضهم لبعض. ### || [3.65-68] # لما ادعت كل واحدة من طائفتي اليهود، والنصارى أن إبراهيم عليه السلام ~~كان على دينهم رد الله سبحانه ذلك عليهم، وأبان بأن الملة اليهودية، ~~والملة النصرانية إنما كانتا من بعده. قال الزجاج هذه الآية أبين حجة على ~~اليهود، والنصارى أن التوراة، والإنجيل نزلا من بعده، وليس فيهما اسم ~~لواحد من الأديان، واسم الإسلام في كل كتاب. انتهى. وفيه نظر، فإن ~~الإنجيل مشحون بالآيات من التوراة، وذكر شريعة موسى، والاحتجاج بها على ~~اليهود، وكذلك الزبور فيه في مواضع ذكر شريعة موسى، وفي أوائله التبشير ~~بعيسى، ثم في التوراة ذكر كثير من الشرائع المتقدمة، يعرف هذا كل من عرف ~~هذه الكتب المنزلة. وقد اختلف في قدر المدة التي بين إبراهيم وموسى، ~~والمدة التي بين موسى، وعيسى. قال القرطبي يقال كان بين إبراهيم، وموسى ~~ألف سنة، وبين موسى، وعيسى ألفا سنة. وكذا في الكشاف. قوله { أفلا ~~تعقلون } أي تتفكرون في دحوض حجتكم، وبطلان قولكم. قوله { ~~تعقلون هأنتم هؤلاء حججتم فيما لكم به علم } ~~الأصل في ها أنتم أأنتم أبدلت الهمزة الأولى هاء لأنها أختها كذا قال أبو ~~عمرو بن العلاء، والأخفش. قال النحاس وهذا قول حسن. وقرأ قنبل { ~~هأنتم } وقيل الهاء للتنبيه دخلت على الجملة التي بعدها، أي ها ~~أنتم هؤلاء الرجال الحمقى حاججتم، وفي { هؤلاء } لغتان المد، والقصر. ~~والمراد بما لهم به علم هو ما كان في التوراة، وإن خالفوا مقتضاه، ~~وجادلوا فيه بالباطل، والذي لا علم لهم به هو زعمهم أن إبراهيم كان على ~~دينهم لجهلهم بالزمن الذي كان فيه. وفي الآية دليل على منع ms0569 الجدال ~~بالباطل، بل ورد الترغيب في ترك الجدال من المحق، كما في حديث # " من ترك المراء، ولو محقا، فأنا ضمينه على الله يبيت في ربض الجنة " # وقد ورد تسويغ الجدال بالتي هي أحسن لقوله تعالى # وجدلهم بالتى هى أحسن # النحل 125 # ولا تجدلوا أهل الكتب إلا بالتى هى أحسن # العنكبوت 46 ونحو ذلك، فينبغي أن يقصر جوازه على المواطن التي تكون ~~المصلحة في فعله أكثر من المفسدة، أو على المواطن التي المجادلة فيها ~~بالمحاسنة لا بالمخاشنة. قوله { والله يعلم } أي كل شيء، فيدخل ~~في ذلك ما حاججوا به. وقد تقدم تفسير الحنيف. قوله { إن أولى ~~الناس } أي أحقهم به، وأخصهم للذين اتبعوا ملته، واقتدوا بدينه { ~~وهذا النبى } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، أفرده بالذكر ~~تعظيما له، وتشريفا، وأولويته صلى الله عليه وسلم بإبراهيم من جهة كونه ~~من ذريته، ومن جهة موافقته لدينه في كثير من الشريعة المحمدية { ~~والذين ءامنوا } من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. # وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال ~~اجتمعت نصارى نجران، وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى ~~ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، فنزل فيهم { يأهل الكتب لم ~~تحاجون في إبراهيم } الآية. وقد روى نحو هذا عن جماعة من السلف. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية { هأنتم هؤلاء حججتم ~~فيما لكم به علم } يقول فيما شهدتم، ورأيتم، وعاينتم { فلم ~~تحاجون فيما ليس لكم به علم } يقول فيما لم تشهدوا، ~~ولم تروا، ولم تعاينوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن ~~قتادة مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، في الآية قال أما الذي لهم ~~به علم، فما حرم عليهم وما أمروا به، وأما الذي ليس لهم به علم فشأن ~~إبراهيم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال يعذر من حاج بعلم، ولا يعذر ~~من حاج بالجهل. وأخرج ابن جرير، عنه عن الشعبي، ms0570 في قوله { ما كان ~~إبرهيم } قال أكذبهم الله، وأدحض حجتهم. وأخرج أيضا عن الربيع ~~مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حبان نحوه. وأخرج عبد بن حميد من ~~طريق شهر بن حوشب حدثني ابن غنم أنه لما خرج أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى النجاشي، فذكر قصتهم معه، وما قالوه له لما قال له عمرو بن ~~العاص إنهم يشتمون عيسى، وهي قصة مشهورة ثم قال فأنزلت ذلك اليوم خصومتهم ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بالمدينة { إن أولى ~~الناس بإبرهيم } الآية. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، ~~والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن ~~مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليي منهم أبي خليل ربي، ثم قرأ { ~~إن أولى الناس } الآية " # وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحكم بن ميناء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " يا معشر قريش إن أولى الناس بالنبي المتقون، فكونوا أنتم سبيل ذلك، ~~فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الأعمال، وتلقوني بالدنيا تحملونها، ~~فأصد عنكم بوجهي، ثم قرأ عليهم { إن أولى الناس بإبرهيم ~~} الآية " # وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في الآية قال كل مؤمن ولي إبراهيم ممن ~~مضى، وممن بقي. ### || [3.69-74] # الطائفة من أهل الكتاب هم يهود بني النضير، وقريظة، وبني قينقاع حين ~~دعوا جماعة من المسلمين إلى دينهم، وسيأتي. وقيل هم جميع أهل الكتاب، ~~فتكون " من " لبيان الجنس. وقوله { وما يضلون إلا أنفسهم } ~~جملة حالية للدلالة على ثبوت قدم المؤمنين في الإيمان، فلا يعود وبال من ~~أراد فتنتهم إلا عليه. والمراد بآيات الله ما في كتبهم من دلائل نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم { وأنتم تشهدون } ما في كتبكم من ذلك، ~~أو تشهدون بمثلها من آيات الأنبياء الذين تقرون بنبوتهم، أو المراد كتم ~~كل الآيات عنادا، وأنتم تعلمون أنها حق. ولبس الحق بالباطل خلطه بما ~~يتعمدونه من التحريف { وأنتم تعلمون } جملة ms0571 حالية. قوله { ~~وقالت طائفة من أهل الكتب } هم رؤساؤهم، وأشرافهم، ~~قالوا للسفلة من قومهم هذه المقالة. ووجه النهار أوله، وسمي وجها لأنه ~~أحسنه قال # وتضىء في وجه النهار منيرة كجمانة البحرى سل نظامها # وهو منصوب على الظرف، أمروهم بذلك لإدخال الشك على المؤمنين، لكونهم ~~يعتقدون أن أهل الكتاب لديهم علم، فإذا كفروا بعد الإيمان وقع الريب ~~لغيرهم، واعتراه الشك، وهم لا يعلمون أن الله قد ثبت قلوب المؤمنين، ومكن ~~أقدامهم، فلا تزلزلهم أراجيف أعداء الله، ولا تحركهم ريح المعاندين. ~~وقوله { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } هذا من كلام ~~اليهود بعضهم لبعض، أي قال ذلك الرؤساء للسلفة لا تصدقوا تصديقا صحيحا ~~إلا لمن تبع دينكم من أهل الملة التي أنتم عليها، وأما غيرهم ممن قد ~~أسلم، فأظهروا لهم ذلك خداعا { وجه النهار واكفروا ءاخره ~~} ليفتتنوا، ويكون قوله { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } ~~على هذا متعلقا بمحذوف، أي فعلتم ذلك لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يعني ~~أن ما بكم من الحسد، والبغي أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم، ~~والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم. وقوله { أو يحاجوكم } معطوف ~~على { أن يؤتى } ، أي لا تؤمنوا إيمانا صحيحا، وتقروا بما في صدوركم ~~إقرارا صادقا لغير من تبع دينكم، فعلتم ذلك، ودبرتموه أن المسلمين ~~يحاجوكم يوم القيامة عند الله بالحق. وقوله { إن الهدى هدى ~~الله } جملة اعتراضية. وقال الأخفش المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع ~~دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، ولا تصدقوا أن يحاجوكم، ~~فذهب إلى أنه معطوف. وقيل المراد لا تؤمنوا وجه النهار، وتكفروا آخره إلا ~~لمن تبع دينكم، أي لمن دخل في الإسلام، وكان من أهل دينكم قبل إسلامه لأن ~~إسلام من كان منهم هو الذي قتلهم غيظا وأماتهم حسرة، وأسفا، ويكون قوله ~~{ أن يؤتى } على هذا متعلقا بمحذوف كالأول. # وقيل إن قوله { أن يؤتى } متعلق بقوله { لا تؤمنوا } أي لا ~~تظهروا إيمانكم ب { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } أي ~~أسروا ms0572 تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم، ولا ~~تفشوه إلا لأتباع دينكم. وقيل المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن ~~يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، بالمد على الاستفهام تأكيدا للإنكار الذي ~~قالوه أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، فتكون على هذا " أن " ، وما بعدها ~~في محل رفع على الابتداء، والخبر محذوف تقديره تصدقون بذلك، ويجوز أن ~~تكون في محل نصب على إضمار فعل تقديره تقرون أن يؤتى، وقد قرأ «آن يؤتى» ~~بالمد ابن كثير، وابن محيصن، وحميد. وقال الخليل " أن " في موضع خفض، ~~والخافض محذوف. وقال ابن جريج المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ~~كراهية أن يؤتى وقيل المعنى لا تخبروا بما في كتابكم من صفة محمد صلى ~~الله عليه وسلم إلا من تبع دينكم، لئلا يكون ذلك سببا لإيمان غيرهم ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقال الفراء يجوز أن يكون قد انقطع كلام ~~اليهود عند قوله { إلا لمن تبع دينكم } ثم قال الله لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم { قل إن الهدى هدى الله } أي إن البيان ~~الحق بيان الله بين أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم على تقدير " لا " كقوله ~~تعالى # يبين الله لكم أن تضلوا # النساء 176 أي لئلا تضلوا، و«أو» في قوله { أو يحاجوكم } بمعنى ~~حتى، وكذلك قال الكسائي، وهي عند الأخفش عاطفة، كما تقدم. وقيل إن هدى ~~الله بدل من الهدى، وأن يؤتى خبر إن على معنى قل إن هدى الله أن يؤتى أحد ~~مثل ما أوتيتم. وقد قيل إن هذه الآية أعظم آي هذه السورة إشكالا، وذلك ~~صحيح. وقرأ الحسن " يؤتى " بكسر التاء الفوقية. وقرأ سعيد بن جبير " إن ~~يؤتى " بكسر الهمزة على أنها النافية. وقوله { يختص برحمته ~~من يشاء } قيل هي النبوة، وقيل أعم منها، وهو رد عليهم ودفع لما ~~قالوه، ودبروه. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سفيان قال كل شيء ~~في آل عمران من ذكر أهل الكتاب، فهو في النصارى، ويدفع هذا ms0573 أن كثيرا من ~~خطابات أهل الكتاب المذكورة في هذه السورة لا يصح حملها على النصارى ~~ألبتة، ومن ذلك هذه الآيات التي نحن بصدد تفسيرها، فإن الطائفة التي ودت ~~إضلال المسلمين، وكذلك الطائفة القائلة { آمنوا بالذي أنزل على الذين ~~آمنوا وجه النهار } هي من اليهود خاصة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، عن قتادة في قوله { يأهل الكتب لم تكفرون ~~بأيت الله وأنتم تشهدون } قال تشهدون أن نعت نبي الله ~~محمد في كتابكم، ثم تكفرون به، وتنكرونه، ولا تؤمنون به، وأنتم تجدونه ~~مكتوبا عندكم في التوراة، والإنجيل النبي الأمي. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع مثله. وأخرجا أيضا، عن السدي ~~نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن جريج { وأنتم تشهدون } على أن الدين عند الله ~~الإسلام ليس لله دين غيره. وأخرجا عن الربيع في قوله { لم تلبسون ~~الحق بالبطل } يقول لم تخلطون اليهودية، والنصرانية بالإسلام، ~~وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره الإسلام { وتكتمون ~~الحق } يقول تكتمون شأن محمد، وأنتم تجدونه مكتوبا عندكم في ~~التوراة، والإنجيل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة مثله. وأخرج ~~ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال قال ~~عبد الله بن الصيف وعدي بن زيد، والحارث بن عوف بعضهم لبعض تعالوا نؤمن ~~بما أنزل على محمد، وأصحابه غدوة، ونكفر به عشية حتى نلبس عليهم دينهم ~~لعلهم يصنعون، كما نصنع، فيرجعون عن دينهم، فأنزل الله فيهم { يأهل ~~الكتب لم تلبسون الحق بالبطل } إلى قوله { ~~والله وسع عليم } وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف. وأخرج ~~ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء في المختارة من طريق ~~أبي ظبيان، عن ابن عباس في قوله { وقالت طائفة } الآية، قال ~~كانوا يكونون معهم أول النهار، ويجالسونهم، ويكلمونهم، فإذا أمسوا، وحضرت ~~الصلاة كفروا به، وتركوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله ~~{ ولا ms0574 تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } قال هذا قول بعضهم ~~لبعض. وأخرج ابن جرير، عن الربيع مثله. وأخرج أيضا عن السدي نحوه. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد { أن يؤتى أحد ~~مثل ما أوتيتم } حسدا من يهود أن تكون النبوة في غيرهم، وإرادة ~~أن يتابعوا على دينهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~عن أبي مالك، وسعيد بن جبير { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ~~} قال أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ~~السدي قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم { إن الهدى هدى ~~الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } يا أمة محمد { أو ~~يحاجوكم عند ربكم } يقول اليهود فعل الله بنا كذا، وكذا من ~~الكرامة حتى أنزل علينا المن، والسلوى، فإن الذي أعطيتكم أفضل، فقولوا { ~~قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء }. وأخرج عبد ~~بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة { قل إن الهدى هدى ~~الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } يقول لما أنزل الله ~~كتابا مثل كتابكم، وبعث نبيا كنبيكم حسدتموه على ذلك { قل إن ~~الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء }. # وأخرج ابن جرير، عن الربيع مثله. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج { قل ~~إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم } يقول هذا الأمر الذي أنعم الله عليه { أن يؤتى أحد ~~مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم } قال قال ~~بعضهم لبعض لا تخبروهم بما بين الله لكم في كتابه ل { يحاجوكم } ~~قال ليخاصموكم به { عند ربكم } فتكون لهم حجة عليكم { قل إن ~~الفضل بيد الله } قال الإسلام { يختص برحمته من ~~يشاء } قال القرآن، والإسلام. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد { يختص برحمته من يشاء } ~~قال النبوة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال رحمته الإسلام يختص بها من ~~يشاء. ### || [3.75-77] # هذا شروع في بيان خيانة اليهود في المال بعد بيان ms0575 خيانتهم في الدين. ~~والجار والمجرور في قوله { ومن أهل الكتب } في محل رفع على ~~الابتداء على ما مر في قوله # ومن الناس من يقول # البقرة 8 وقد تقدم تفسير القنطار. وقوله { تأمنه } هذه قراءة ~~الجمهور. وقرأ ابن وثاب، والأشهب العقيلي «تيمنه» بكسر التاء الفوقية على ~~لغة بكر، وتميم، ومثله قراءة من قرأ # نستعين # الفاتحة 5 بكسر النون. وقرأ نافع، والكسائي { يؤده } بكسر الهاء في ~~الدرج. قال أبو عبيد واتفق أبو عمرو، والأعمش، وحمزة، وعاصم في رواية أبي ~~بكر على إسكان الهاء. قال النحاس إسكان الهاء لا يجوز إلا في الشعر عند ~~بعض النحويين، وبعضهم لا يجيزه ألبتة، ويرى أنه غلط من قرأ به، ويوهم أن ~~الجزم يقع على الهاء، وأبو عمرو أجل من أن يجوز عليه شيء من هذا، ~~والصحيح عنه أنه كان يكسر الهاء. وقال الفراء مذهب بعض العرب يسكنون ~~الهاء إذا تحرك ما قبلها، فيقولون ضربته ضربا شديدا، كما يسكنون ميم ~~أنتم، وقمتم، وأنشد # لما رأى أن لا دعه ولا شبع مال إلى أرطاة حقف فاضطجع # وقرأ أبو المنذر سلام، والزهري «يؤده» بضم الهاء بغير واو. وقرأ قتادة، ~~وحمزة، ومجاهد «يؤدهو» بواو في الإدراج، ومعنى الآية أن أهل الكتاب فيهم ~~الأمين الذي يؤدى أمانته، وإن كانت كثيرة، وفيهم الخائن الذي لا يؤدي ~~أمانته، وإن كانت حقيرة، ومن كان أمينا في الكثير، فهو في القليل أمين ~~بالأولى، ومن كان خائنا في القليل، فهو في الكثير خائن بالأولى. وقوله { ~~إلا ما دمت عليه قائما } استثناء مفرغ، أي لا يؤده إليك في ~~حال من الأحوال إلا ما دمت عليه قائما مطالبا له مضيقا عليه متقاضيا ~~لرده، والإشارة بقوله { ذلك } إلى ترك الأداء المدلول عليه بقوله { لا ~~يؤده }. والأميون هم العرب الذين ليسوا أهل كتاب، أي ليس علينا في ~~ظلمهم حرج لمخالفتهم لنا في ديننا، وادعوا لعنهم الله أن ذلك في كتابهم، ~~فرد الله سبحانه عليهم بقوله { ويقولون على الله الكذب ~~وهم يعلمون }. { بلى } أي بلى عليهم سبيل لكذبهم واستحلالهم ~~أموال العرب، ms0576 فقوله { بلى } " إثبات لما نفوه من السبيل ". قال الزجاج ~~تم الكلام بقوله { بلى } ثم قال { من أوفى بعهده ~~واتقى } وهذه جملة مستأنفة، أي من أوفى بعهده، واتقى، فليس من ~~الكاذبين. أو فإن الله يحبه، والضمير في قوله { بعهده } راجع إلى " ~~من " ، أو إلى الله تعالى، وعموم المتقين قائم مقام العائد إلى " من " ، ~~أي فإن الله يحبه. # قوله { إن الذين يشترون بعهد الله } أي يستبدلون، ~~كما تقدم تحقيقه غير مرة. وعهد الله هو ما عاهدوه عليه من الإيمان ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم، والأيمان هي التي كانوا يحلفون أنهم يؤمنون ~~به، وينصرونه، وسيأتي بيان سبب نزول الآية { أولئك } أي الموصوفون ~~بهذه الصفة { لا خلق لهم فى الأخرة } أي لا نصيب { ولا ~~يكلمهم الله } بشيء أصلا، كما يفيده حذف المتعلق من التعميم، ~~أو لا يكلمهم بما يسرهم { ولا ينظر إليهم يوم القيمة ~~} نظر رحمة، بل يسخط عليهم، ويعذبهم بذنوبهم، كما يفيده قوله { ولهم ~~عذاب أليم }. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن عكرمة في قوله ~~{ ومن أهل الكتب من إن تأمنه بقنطار يؤده ~~إليك } قال هذا من النصارى { ومنهم من إن تأمنه ~~بدينار } قال هذا من اليهود { إلا ما دمت عليه قائما } ~~قال إلا ما طلبته، واتبعته. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في ~~قوله { ذلك بأنهم قالوا ليس علينا فى الاميين ~~سبيل } قال قالت اليهود ليس علينا فيما أصبنا من مال العرب سبيل. ~~وأخرج ابن جرير، عن السدي نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله { ذلك بأنهم ~~قالوا ليس علينا فى الأميين سبيل } قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " كذب أعداء الله، ما من شيء كان في الجاهلية إلا، وهو تحت قدمي هاتين، ~~إلا الأمانة، فإنها مؤداة إلى البر، والفاجر " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن صعصعة أنه سأل ابن عباس ~~فقال إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة، والشاة، قال ابن ms0577 ~~عباس فتقولون ماذا؟ قال نقول ليس علينا في ذلك من بأس، قال هذا، كما قال ~~أهل الكتاب { ليس علينا فى الأميين سبيل } إنهم إذا أدوا ~~الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب نفوسهم. وأخرج ابن جرير، عن ابن ~~عباس { بلى من أوفى بعهده واتقى } يقول اتقى الشرك { ~~فإن الله يحب المتقين } يقول الذين يتقون الشرك. وأخرج ~~البخاري، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم، عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امريء مسلم لقي الله، ~~وهو عليه غضبان ". # فقال الأشعث بن قيس في والله كان ذلك، كان بيني، وبين رجل من اليهود ~~أرض، فجحدني، فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " ألك بينة؟ " # قلت لا، قال # " لليهودي احلف، " # فقلت يا رسول الله إذن يحلف، فيذهب مالي، فأنزل الله { إن الذين ~~يشترون بعهد الله وأيمنهم ثمنا قليلا } إلى ~~آخر الآية ". وقد روى أن سبب نزول الآية أن رجلا كان يحلف بالسوق لقد ~~أعطى بسلعته ما لم يعط بها. أخرجه البخاري، وغيره. وقد روي أن سبب نزولها ~~مخاصمة كانت بين الأشعث، وامرىء القيس، ورجل من حضرموت. أخرجه النسائي، ~~وغيره. ### || [3.78] # أي طائفة من اليهود { يلوون } ، أي يحرفون، ويعدلون به عن القصد، وأصل ~~اللي الميل، يقول لوى برأسه إذا أماله، وقريء «يلوون» بالتشديد، و ~~«يلون» بقلب الواو همزة، ثم تخفيفها بالحذف، والضمير في قوله { ~~لتحسبوه } يعود إلى ما دل عليه { يلوون } وهو المحرف الذي ~~جاءوا به. قوله { وما هو من الكتب } جملة حالية، وكذلك قوله ~~{ وما هو من عند الله } وكذلك قوله { وهم يعلمون } أي ~~أنهم كاذبون مفترون. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، ~~عن ابن عباس في قوله { وإن منهم لفريقا يلوون ~~ألسنتهم } قال هم اليهود. كانوا يزيدون في الكتاب ما لم ينزل الله. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال ~~يحرفونه. ms0578 ### || [3.79-80] # أي ما كان ينبغي، ولا يستقيم لبشر أن يقول هذه المقالة، وهو متصف بتلك ~~الصفة. وفيه بيان من الله سبحانه لعباده أن النصارى افتروا على عيسى عليه ~~السلام ما لم يصح عنه، ولا ينبغي أن يقوله. والحكم الفهم والعلم. قوله { ~~ولكن كونوا } أي ولكن يقول النبي كونوا ربانيين. والرباني منسوب ~~إلى الرب بزيادة الألف، والنون للمبالغة، كما يقال لعظيم اللحية لحياني، ~~ولعظيم الجمة جماني، ولغليظ الرقبة رقباني، قيل الرباني الذي يربي الناس ~~بصغار العلم قبل كباره، فكأنه يقتدي بالرب سبحانه في تيسير الأمور. وقال ~~المبرد الربانيون أرباب العلم، واحدهم رباني، من قوله ربه يربه، فهو ربان ~~إذا دبره، وأصلحه، والياء للنسب، فمعنى الرباني العالم بدين الرب القوي ~~التمسك بطاعة الله. وقيل العالم الحكيم. قوله { بما كنتم ~~تعلمون } أي بسبب كونكم عالمين، أي كونوا ربانيين بهذا السبب، فإن ~~حصول العلم للإنسان، والدراسة له يتسبب عنهما الربانية التي هي التعليم ~~للعلم، وقوة التمسك بطاعة الله. وقرأ ابن عباس، وأهل الكوفة «بما كنتم ~~تعلمون» بالتشديد. وقرأ أبو عمرو، وأهل المدينة بالتخفيف، واختار القراءة ~~الأولى أبو عبيد. قال لأنها لجمع المعنيين. قال مكي التشديد أبلغ لأن ~~العالم قد يكون عالما غير معلم، فالتشديد يدل على العلم، والتعليم، ~~والتخفيف إنما يدل على العلم فقط. واختار القراءة الثانية أبو حاتم. قال ~~أبو عمرو وتصديقها { تدرسون } بالتخفيف دون التشديد. انتهى. والحاصل أن ~~من قرأ بالتشديد لزمه أن يحمل الرباني على أمر زائد على العلم، والتعليم، ~~وهو أن يكون مع ذلك مخلصا، أو حكيما، أو حليما حتى تظهر السببية، ومن ~~قرأ بالتخفيف جاز له أن يحمل الرباني على العالم الذي يعلم الناس، فيكون ~~المعنى كونوا معلمين بسبب كونكم علماء، وبسبب كونكم تدرسون العلم. وفي ~~هذه الآية أعظم باعث لمن علم على أن يعمل، وإن من أعظم العمل بالعلم ~~تعليمه، والإخلاص لله سبحانه. قوله { ولا يأمركم أن ~~تتخذوا الملئكة والنبيين أربابا } بالنصب عطفا ~~على { ثم يقول } «ولا» مزيدة لتأكيد النفي، أي ليس له أن يأمر بعبادة ~~نفسه، ولا ms0579 يأمر باتخاذ الملائكة، والنبيين أربابا بل ينتهي عنه، ويجوز ~~عطفه على أن يؤتيه، أي ما كان لبشر أن يأمركم بأن تتخذوا الملائكة، ~~والنبيين أربابا، وبالنصب قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، وقرأ الباقون ~~بالرفع على الاستئناف، والقطع من الكلام الأول، أي ولا يأمركم الله أن ~~تتخذوا الملائكة، والنبيين أربابا، ويؤيده أن في مصحف ابن مسعود، " ولن ~~يأمركم ". والهمز في قوله { أيأمركم } لإنكار ما نفي عن البشر. ~~وقوله { بعد إذ أنتم مسلمون } استدل به من قال إن سبب نزول ~~الآية استئذان من استأذن النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين في أن ~~يسجدوا له. # وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي ~~في الدلائل، عن ابن عباس قال قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من ~~اليهود، والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم ~~إلى الإسلام أتريد يا محمد أن نعبدك، كما تعبد النصارى عيسى؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " معاذ الله أن نعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غيره ما بذلك بعثني، ولا ~~بذلك أمرني، " # فأنزل الله في ذلك { ما كان لبشر } الآية». وأخرج عبد بن حميد، ~~عن الحسن قال بلغني أن رجلا قال يا رسول الله نسلم عليك، كما يسلم بعضنا ~~على بعض أفلا نسجد لك؟ قال # " لا ولكن أكرموا نبيكم، واعرفوا الحق لأهله، فإنه لا ينبغي أن يسجد ~~لأحد من دون الله، " # فأنزل الله { ما كان لبشر } الآية». وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ربنيين } قال ~~فقهاء علماء. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه قال حكماء علماء حلماء. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عنه قال علماء فقهاء. وأخرج ابن المنذر، عن ابن ~~مسعود قال حكماء علماء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي رزين في قوله { ~~وبما كنتم تدرسون } قال مذاكرة الفقه. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، عن ابن جريج في قوله { ولا يأمركم أن تتخذوا ~~الملائكة } قال ولا يأمرهم النبي. ### || [3.81-82] ms0580 # قد اختلف في تفسير قوله تعالى { وإذ أخذ الله ميثق ~~النبيين } فقال سعيد بن جبير، وقتادة، وطاوس، والحسن، والسدي إنه ~~أخذ الله ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضا بالإيمان، ويأمر بعضهم ~~بعضا بالكتاب إن بذلك، فهذا معنى النصرة له، والإيمان به، وهو ظاهر ~~الآية، فحاصله أن الله أخذ ميثاق الأول من الأنبياء أن يؤمن بما جاء به ~~الآخر، وينصره، وقال الكسائي يجوز أن يكون معنى { وإذ أخذ الله ~~ميثق النبيين } بمعنى وإذ أخذ الله ميثاق الذين مع النبيين، ~~ويؤيده قراءة ابن مسعود «وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب» وقيل في ~~الكلام حذف. والمعنى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتعلمن الناس لما جاءكم ~~من كتاب، وحكمة، ولتأخذن على الناس أن يؤمنوا، ودل على هذا الحذف قوله { ~~وأخذتم على ذلكم إصرى } و «ما» في قوله { لما آتيتكم } ~~بمعنى الذي. قال سيبويه سألت الخليل عن قوله { وإذ أخذ الله ~~ميثق النبيين لما آتيتكم } فقال «ما» بمعنى الذي. قال النحاس ~~التقدير في قول الخليل الذي آتيتكموه، ثم حذفت الهاء لطول الاسم، واللام ~~لام الابتداء، وبهذا قال الأخفش، وتكون ما في محل رفع على الابتداء، ~~وخبرها من كتاب، وحكمة. وقوله { ثم جاءكم } وما بعده جملة معطوفة ~~على الصلة، والعائد محذوف أي مصدق به. وقال المبرد، والزجاج، والكسائي ~~«ما» شرطية دخلت عليها لام التحقيق، كما تدخل على " إن " ، «ولتؤمنن به» ~~جواب القسم الذي هو أخذ الميثاق، إذ هو بمنزلة الاستحلاف، كما تقول أخذت ~~ميثاقك، لتفعلن كذا، وهو ساد مسد الجزاء. وقال الكسائي إن الجزاء قوله ~~{ فمن تولى }. وقال في الكشاف إن اللام في قوله { لما آتيتكم } ~~لام التوطئة، واللام في قوله { لتؤمنن } جواب القسم، " وما " ~~يحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط، " ولتؤمنن " ساد مسد جواب القسم، ~~والشرط جميعا، وأن تكون موصولة بمعنى الذي آتيتكموه لتؤمنن به. انتهى، ~~وقرأ حمزة «لما آتيتكم» بكسر اللام " وما " بمعنى الذي، وهي متعلقة بأخذ. ~~وقرأ أهل المدينة «آتيناكم» على التعظيم. وقرأ الباقون «آتيتكم» على ~~التوحيد، وقيل إن «ما» في قراءة ms0581 من قرأ بكسر اللام مصدرية. ومعناه لأجل ~~إيتائي إياكم بعض الكتاب، والحكمة، ثم لمجيء رسول مصدق لما معكم، واللام ~~لام التعليل، أي لأجل ذلك أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتؤمنن به. ~~قوله { أقررتم } هو من الإقرار. والإصر في اللغة الثقل، سمي العهد ~~إصرا لما فيه من التشديد. والمعنى وأخذتم على ذلك عهدي. قوله { قالوا ~~أقررنا } جملة استئنافية، كأنه قيل ماذا قالوا عند ذلك؟ فقيل قالوا ~~أقررنا، وإنما لم يذكر أحدهم الإصر اكتفاء بذلك. # قوله { قال فاشهدوا } أي قال الله سبحانه فاشهدوا، أي ليشهد ~~بعضهم على بعض { وأنا معكم من الشهدين } أي وأنا على ~~إقراركم، وشهادة بعضكم على بعض من الشاهدين. قوله { فمن تولى } ~~أي أعرض عما ذكر بعد ذلك الميثاق { فأولئك هم الفسقون } ~~أي الخارجون عن الطاعة. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس إن أصحاب عبد الله يقرأون { وإذ ~~أخذ الله ميثق الذين أوتوا الكتب لما ~~ءاتيتكم من كتب وحكمة } ونحن نقرأ { ميثاق النبيين } ، ~~فقال ابن عباس إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وأخرج عبد الرزاق، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن طاوس في الآية، قال { أخذ ~~الله ميثق النبيين } أن يصدق بعضهم بعضا. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله { وإذ أخذ الله ~~ميثق النبيين } قال هي خطأ من الكتاب، وهي في قراءة ابن مسعود ~~«ميثاق الذين أوتوا الكتاب» وأخرج ابن جرير، عن علي قال لم يبعث الله ~~نبيا آدم، فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد لئن بعث، وهو حي ليؤمنن ~~به، ولينصرنه، ويأمره، فيأخذ العهد على قومه، ثم تلا { وإذ أخذ ~~الله ميثق النبيين } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن السدي في الآية نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس ~~نحوه. وأخرج ابن جرير، من طريق العوفي عنه في قوله { إصرى } قال عهدي. ~~وأخرج ابن جرير، عن علي في قوله { قال فاشهدوا ms0582 } يقول فاشهدوا ~~على أممكم بذلك { وأنا معكم من الشهدين } عليكم وعليهم ~~{ فمن تولى } عنك يا محمد بعد هذا العهد من جميع الأمم { ~~فأولئك هم الفسقون } هم العاصون في الكفر. ### || [3.83-85] # قوله { أفغير } عطف على مقدر، أي أتتولون، فتبغون غير دين الله، ~~وتقديم المفعول لأنه المقصود بالإنكار. وقرأ أبو عمرو وحده { يبغون } ~~بالتحتية، و «ترجعون» بالفوقية، قال لأن الأول خاص، والثاني عام، ففرق ~~بينهما لافتراقهما في المعنى. وقرأ حفص بالتحتية في الموضعين. وقرأ ~~الباقون بالفوقية فيهما، وانتصب { طوعا وكرها } على الحال، أي طائعين ~~ومكرهين. والطوع الانقياد، والاتباع بسهولة، والكره ما فيه مشقة، وهو من ~~أسلم مخافة القتل، وإسلامه استسلام منه. قوله { آمنا } إخبار منه صلى ~~الله عليه وسلم عن نفسه، وعن أمته { لا نفرق بين أحد منهم ~~} كما فرقت اليهود، والنصارى، فآمنوا ببعض، وكفروا ببعض. وقد تقدم ~~تفسير هذه الآية { ونحن له مسلمون } أي منقادون مخلصون. قوله ~~{ دينا } مفعول للفعل، أي يبتغ دينا حال كونه غير الإسلام، ويجوز أن ~~ينتصب غير الإسلام على أنه مفعول الفعل، ودينا إما تمييز، أو حال إذا ~~أول بالمشتق، أو بدل من غير. قوله { وهو فى الأخرة من ~~الخسرين } إما في محل نصب على الحال، أو جملة مستأنفة، أي من ~~الواقعين في الخسران يوم القيامة. وقد أخرج الطبراني بسند ضعيف، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في قوله { وله أسلم من فى السموات ~~والأرض } قال # " أما من في السموات فالملائكة، وأما من في الأرض، فمن ولد على الإسلام، ~~وأما كرها، فمن أتى به من سبايا الأمم في السلاسل، والأغلال يقادون إلى ~~الجنة، وهم كارهون " # وأخرج الديلمي عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآية # " الملائكة أطاعوه في السماء، والأنصار، وعبد القيس أطاعوه في الأرض " # وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال في الآية { أسلم من فى ~~السموات والأرض } حين أخذ عليهم الميثاق. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~عنه في قوله { وله أسلم } قال المعرفة. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، ms0583 عن قتادة في الآية قال أما المؤمن، فأسلم طائعا، ~~فنفعه ذلك، وقبل منه، وأما الكافر، فأسلم حين رأى بأس الله، فلم ينفعه ~~ذلك، ولم يقبل منه # فلم يك ينفعهم إيمنهم لما رأوا بأسنا # غافر 85. وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " من ساء خلقه من الرقيق، والدواب، والصبيان، فاقرءوا في أذنه { ~~أفغير دين الله يبغون } " # وأخرج ابن السني في عمل اليوم، والليلة، عن يونس بن عبيد قال ليس رجل ~~يكون على دابة صعبة، فيقرأ في أذنها { أفغير دين الله يبغون } ~~الآية إلا ذلت بإذن الله عز وجل. وأخرج أحمد، والطبراني في الأوسط عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " تجيء الأعمال يوم القيامة، فتجيء الصلاة، فتقول يا رب أنا الصلاة، ~~فيقول إنك على خير، وتجيء الصدقة فتقول يا رب أنا الصدقة، فيقول إنك على ~~خير، ويجيء الصيام، فيقول أنا الصيام، فيقول إنك على خير، ثم تجيء ~~الأعمال كل ذلك يقول الله إنك على خير، ثم يجيء الإسلام فيقول يا رب أنت ~~السلام، وأنا الإسلام، فيقول إنك على خير بك اليوم آخذ، وبك أعطي، قال ~~الله تعالى في كتابه { ومن يبتغ غير الإسلم دينا فلن ~~يقبل منه وهو فى الأخرة من الخسرين } ". ### || [3.86-91] # قوله { كيف يهدى الله قوما } هذا الاستفهام معناه الجحد، أي ~~لا يهدي الله، ونظيره قوله تعالى # كيف يكون للمشركين عهد عند الله # التوبة 7 أي لا عهد لهم، ومثله قول الشاعر # كيف نومي على الفراش ولما تشمل الشام غارة شعواء # أي لا نوم لي. ومعنى الآية لا يهدي الله قوما إلى الحق كفروا بعد ~~إيمانهم، وبعدما شهدوا أن الرسول حق، وبعد ما جاءتهم البينات من كتاب ~~الله سبحانه، ومعجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله { والله ~~لا يهدى القوم الظلمين } جملة حالية، أي كيف يهدي ~~المرتدين، والحال أنه لا يهدي من حصل منهم مجرد الظلم لأنفسهم، ومنهم ~~الباقون على الكفر، ولا ريب أن ذنب المرتد أشد ms0584 من ذنب من هو باق على ~~الكفر لأن المرتد قد عرف الحق، ثم أعرض عنادا، وتمردا. قوله { ~~أولئك } إشارة إلى القوم المتصفين بتلك الصفات السابقة، وهو مبتدأ ~~خبره الجملة التي بعده. وقد تقدم تفسير اللعن. وقوله { ولا هم ~~ينظرون } معناه يؤخرون ويمهلون. ثم استثنى التائبين فقال { إلا ~~الذين تابوا من بعد ذلك } أي من بعد الارتداد { ~~وأصلحوا } بالإسلام ما كان قد أفسدوه من دينهم بالردة. وفيه دليل ~~على قبول توبة المرتد إذا رجع إلى الإسلام مخلصا، ولا خلاف في ذلك فيما ~~أحفظ. قوله { ثم ازدادوا كفرا }. قال قتادة، وعطاء الخراساني، ~~والحسن نزلت في اليهود، والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد ~~إيمانهم بنعته، وصفته { ثم ازدادوا كفرا } بإقامتهم على كفرهم، ~~وقيل ازدادوا كفرا بالذنوب التي اكتسبوها، ورجحه ابن جرير الطبري، ~~وجعلها في اليهود خاصة. وقد استشكل جماعة من المفسرين قوله تعالى { لن ~~تقبل توبتهم } مع كون التوبة مقبولة، كما في الآية الأولى، ~~وكما في قوله تعالى # وهو الذى يقبل التوبة عن عباده # الشورى 25 وغير ذلك، فقيل المعنى لن تقبل توبتهم بعد الموت. قال النحاس ~~وهذا قول حسن، كما قال تعالى # وليست التوبة للذين يعملون السيئت حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن # النساء 18 وبه قال الحسن، وقتادة، وعطاء، ومنه الحديث # " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " # وقيل المعنى لمن تقبل توبتهم التي كانوا عليها قبل أن يكفروا لأن الكفر ~~أحبطها، وقيل لمن تقبل توبتهم إذا تابوا من كفرهم إلى كفر آخر، والأولى ~~أن يحمل عدم قبولهم التوبة في هذه الآية على من مات كافرا غير تائب، ~~فكأنه عبر عن الموت على الكفر بعدم قبول التوبة، وتكون الآية المذكورة ~~بعد هذه الآية، وهي قوله { إن الذين كفروا وماتوا وهم ~~كفار } في حكم البيان لها. # قوله { ملء الأرض ذهبا } الملء بالكسر مقدارا ما يملأ الشيء، ~~والملء بالفتح مصدر ملأت الشيء، و { ذهبا } تمييز، قاله الفراء وغيره. ~~وقال الكسائي نصب على إضمار من ذهب. كقوله # أو ms0585 عدل ذلك صياما # المائدة 95 أي من صيام. وقرأ الأعمش «ذهب» بالرفع على أنه بدل من ملء، ~~والواو في قوله { ولو افتدى به } قيل هي مقحمة زائدة، والمعنى ~~لو افتدى به. وقيل فيه حمل على الغنى كأنه قيل فلن يقبل من أحدهم فدية، ~~ولو افتدى بملء الأرض ذهبا. وقيل هو عطف على مقدر، أي لن يقبل من أحدهم ~~ملء الأرض ذهبا لو تصدق به في الدنيا، ولو افتدى به من العذاب أي بمثله. ~~وقد أخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، ~~والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد، ~~ولحق بالمشركين، ثم ندم، فأرسل إلى قومه أرسلوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هل لي من توبة؟ فنزلت { كيف يهدى الله قوما ~~كفروا بعد إيمنهم } إلى قوله { غفور رحيم } فأرسل ~~إليه قومه، فأسلم. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد ~~نحوه، وقال هو الحارث بن سويد. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن السدي ~~نحوه، وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، عن ابن عباس، نحوه أيضا. وقد روى ~~عن جماعة نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ~~ابن عباس في قوله { كيف يهدى الله قوما كفروا بعد ~~إيمنهم }. قال هم أهل الكتاب من اليهود عرفوا محمدا، ثم كفروا ~~به. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن الحسن قال هم أهل ~~الكتاب من اليهود، والنصارى، وذكر نحو ما تقدم عنه. وأخرج البزار، عن ~~ابن عباس أن قوما أسلموا، ثم ارتدوا، ثم أسلموا، ثم ارتدوا، فأرسلوا إلى ~~قومهم يسألون لهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه ~~الآية { إن الذين كفروا بعد إيمنهم ثم ~~ازدادوا كفرا } قال السيوطي هذا خطأ من البزار. وأخرج ابن جرير، ~~عن الحسن في الآية قال اليهود، والنصارى لن تقبل توبتهم عند الموت. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية ms0586 قال هم اليهود ~~كفروا بالإنجيل، وعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~والقرآن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في ~~الآية قال إنما نزلت في اليهود، والنصارى كفروا بعد إيمانهم، ثم ازدادوا ~~كفرا بذنوب أذنبوها، ثم ذهبوا يتوبون من تلك الذنوب في كفرهم، ولو كانوا ~~على الهدى قبلت توبتهم، ولكنهم على الضلالة. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، عن مجاهد في قوله { ثم ازدادوا كفرا } قال نموا على ~~كفرهم. # وأخرج ابن جرير، عن السدي في قوله { ثم ازدادوا كفرا } قال ~~ماتوا وهم كفار { لن تقبل توبتهم } قال إذا تاب عند موته لم ~~تقبل توبته. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~عن أبي العالية في قوله { لن تقبل توبتهم } قال تابوا من ~~الذنوب، ولم يتوبوا من الأصل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن ~~في قوله { وماتوا وهم كفار } قال هو كل كافر. وأخرج البخاري، ~~ومسلم، وغيرهما، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " يجاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا ~~أكنت مفتديا به، فيقول نعم، فيقال له لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك، فذلك ~~قوله تعالى { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار... } " # الآية. ### || [3.92] # هذا كلام مستأنف خطاب للمؤمنين عقب ذكر ما لا ينفع الكفار. قوله { لن ~~تنالوا البر } يقال نالني من فلان معروف ينالني، أي وصل إلي، ~~والنوال العطاء من قولك نولته تنويلا أعطيته. والبر العمل الصالح، وقال ~~ابن مسعود، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وعمرو بن ميمون، والسدي هو الجنة، ~~فمعنى الآية لن تنالوا العمل الصالح، أو الجنة، أي تصلوا إلى ذلك، ~~وتبلغوا إليه حتى تنفقوا مما تحبون، أي حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي ~~تحبونها، و { من } تبعيضية، ويؤيده قراءة ابن مسعود «حتى تنفقوا بعض ما ~~تحبون» وقيل بيانية { وما } موصولة، أو موصوفة، والمراد النفقة في سبيل ~~الخير من صدقة، أو غيرها من الطاعات، وقيل المراد ms0587 الزكاة المفروضة. وقوله ~~{ من شىء } بيان لقوله { ما تنفقوا } أي ما تنفقوا من أي شيء ~~سواء كان طيبا، أو خبيثا { فإن الله به عليم } و " ما " ~~شرطية جازمة. وقوله { فإن الله به عليم } تعليل لجواب الشرط ~~واقع موقعه. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن أنس «أن أبا طلحة لما ~~نزلت هذه الآية أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله ~~إن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة» الحديث. وقد روي بألفاظ. وأخرج ~~عبد بن حميد، والبزار، عن ابن عمر قال حضرتني هذه الآية { لن تنالوا ~~البر حتى تنفقوا مما تحبون } فذكرت ما أعطاني الله، ~~فلم أجد شيئا أحب إلي من مرجانة جارية لي رومية، فقلت هي حرة لوجه ~~الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها، فأنكحتها نافعا. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري ~~أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء، فدعا بها عمر، فقال إن الله يقول { لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } فأعتقها ~~عمر، وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~إنها لما نزلت الآية جاء زيد بن حارثة بفرس له يقال لها سبل، لم يكن له ~~مال أحب إليه منها، فقال هي صدقة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~ابن مسعود في قوله تعالى { لن تنالوا البر } قال الجنة. وأخرج ~~ابن جرير، عن عمرو بن ميمون، والسدي مثله. وأخرج ابن المنذر، عن مسروق ~~مثله. ### || [3.93-95] # قوله { كل الطعام } أي المطعوم، ولحل مصدر يستوي فيه المفرد ~~والجمع المذكر والمؤنث وهو الحلال، و { إسرائيل } هو يعقوب كما تقدم ~~تحقيقه. ومعنى الآية أن كل المطعومات كانت حلالا لبني يعقوب لم يحرم ~~عليهم شيء منها إلا ما حرم إسرائيل على نفسه وسيأتي بيان ما هو الذي حرمه ~~على نفسه، وهذا الاستثناء متصل من اسم كان. وقوله { من قبل أن ~~تنزل التوراة } متعلق بقوله { كان حلا } أي أن كل ~~المطعومات ms0588 كانت حلالا { من قبل أن تنزل التوراة } أي كان ~~ما عدا المستثنى حلالا لهم { من قبل أن تنزل التوراة } ~~مشتملة على تحريم ما حرمه عليهم لظلمهم، وفيه رد على اليهود لما أنكروا ~~ما قصه الله سبحانه على رسوله صلى الله عليه وسلم من أن سبب ما حرمه الله ~~عليهم هو ظلمهم، وبغيهم، كما في قوله # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبت ~~أحلت لهم # الآية النساء 160. وقوله # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ومن ~~البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما # الأنعام 146 إلى قوله # ذلك جزينهم ببغيهم # الأنعام 146 وقالوا إنها محرمة على من قبلهم من الأنبياء، يريدون بذلك ~~تكذيب ما قصه الله على نبينا صلى الله عليه وسلم في كتابه العزيز، ثم ~~أمره الله سبحانه بأن يحاجهم بكتابهم، ويجعل بينه وبينهم حكما ما أنزله ~~الله عليهم لا ما أنزله عليه فقال { قل فأتوا بالتوراة ~~فاتلوها إن كنتم صدقين } حتى تعلموا صدق ما قصه الله في ~~القرآن من أنه لم يحرم على بني إسرائيل شيء من قبل نزول التوراة إلا ما ~~حرمه يعقوب على نفسه. وفي هذا من الإنصاف للخصوم ما لا يقادر قدره، ولا ~~يبلغ مداه، ثم قال { فمن افترى على الله الكذب من ~~بعد ذلك } أي من بعد إحضار التوراة، وتلاوتها { فأولئك هم ~~الظلمون } أي المفرطون في الظلم المتبالغون فيه، فإنه لا أظلم ممن ~~حوكم إلى كتابه، وما يعتقده شرعا صحيحا، ثم جادل من بعد ذلك مفتريا ~~على الله الكذب، ثم لما كان ما يفترونه من الكذب بعد قيام الحجة عليهم ~~بكتابهم باطلا مدفوعا، وكان ما قصه الله سبحانه في القرآن، وصدقته ~~التوراة صحيحا صادقا، وكان ثبوت هذا الصدق بالبرهان الذي لا يستطيع ~~الخصم دفعه، أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بأن ينادي بصدق ~~الله بعد أن سجل عليهم الكذب، فقال { قل صدق الله فاتبعوا ~~ملة إبرهيم } أي ملة الإسلام التي أنا عليها، وقد تقدم بيان ~~معنى الحنيف، وكأنه قال لهم إذا تبين لكم صدقي، وصدق ms0589 ما جئت به، فادخلوا ~~في ديني، فإن من جملة ما أنزله الله علي # ومن يبتغ غير الإسلم دينا فلن يقبل منه # آل عمران 85. وقد أخرج الترمذي، وحسنه، عن ابن عباس «أن اليهود قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فأخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال # " كان يسكن البدو، فاشتكى عرق النساء، فلم يجد شيئا يلائمه إلا تحريم ~~الإبل، وألبانها، فلذلك حرمها، " # قالوا صدقت وذكر الحديث. وأخرجه أيضا أحمد، والنسائي. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن ~~عباس في الآية قال العرق أجده عرق النساء، فكان يبيت له زق يعني صياح، ~~فجعل لله عليه إن شفاه أن لا يأكل لحما فيه عرق، فحرمته اليهود. وأخرج ~~البخاري في تاريخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس من قوله ما ~~أخرجه الترمذي سابقا عنه مرفوعا. وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم من طريق عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقول الذي حرم إسرائيل على ~~نفسه، زائدتا الكبد، والكليتان، والشحم إلا ما كان على الظهر. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال قالت اليهود للنبي صلى الله ~~عليه وسلم نزلت التوراة بتحريم الذي حرم إسرائيل، فقال الله لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم ~~صدقين } وكذبوا ليس في التوراة. ### || [3.96-97] # هذا شروع في بيان شيء آخر مما جادلت فيه اليهود بالباطل، وذلك أنهم ~~قالوا إن بيت المقدس أفضل، وأعظم من الكعبة لكونه مهاجر الأنبياء، وفي ~~الأرض المقدسة فرد الله ذلك عليهم بقوله { إن أول بيت وضع ~~للناس } الآية، فقوله { وضع } صفة لبيت، وخبر " إن " قوله { ~~للذى ببكة مباركا } فنبه تعالى بكونه أول متعبد على أنه أفضل ~~من غيره، وقد اختلف في الباني له في الابتداء، فقيل الملائكة، وقيل آدم، ~~وقيل إبراهيم، ويجمع بين ذلك بأول من بناه الملائكة، ثم جدده آدم، ثم ~~إبراهيم. وبكة علم للبلد الحرام، وكذا مكة، وهما لغتان، وقيل إن بكة اسم ~~لموضع ms0590 البيت، ومكة اسم للبلد الحرام وقيل بكة للمسجد، ومكة للحرم كله قيل ~~سميت بكة لازدحام الناس في الطواف، يقال بك القوم ازدحموا. وقيل البك دق ~~العنق، سميت بذلك لأنها كانت تدق أعناق الجبابرة. وأما تسميتها بمكة، ~~فقيل سميت بذلك لقلة ما بها وقيل لأنها تمك المخ من العظم بما ينال ~~ساكنها من المشقة، ومنه مككت العظم إذا أخرجت ما فيه، ومك الفصيل ضرع ~~أمه، وامكته إذا امتصه وقيل سميت بذلك لأنها تمك من ظلم فيها، أي تهلكه. ~~قوله { مباركا } حال من الضمير في { وضع } أو من متعلق الظرف لأن ~~التقدير للذي استقر ببكة مباركا، والبركة كثرة الخير الحاصل لمن يستقر ~~فيه، أو يقصده، أي الثواب المتضاعف. والآيات البينات الواضحات منها ~~الصفا، والمروة، ومنها أثر القدم في الصخرة الصماء، ومنها أن الغيث إذا ~~كان بناحية الركن اليماني كان الخصب في اليمن، وإن كان بناحية الشامي كان ~~الخصب بالشام، وإذا عم البيت كان الخصب في جميع البلدان، ومنها انحراف ~~الطيور، عن أن تمر على هوائه في جميع الأزمان، ومنها هلاك من يقصده من ~~الجبابرة، وغير ذلك. وقوله { مقام إبرهيم } بدل من آيات قاله ~~محمد بن يزيد المبرد. وقال في الكشاف إنه عطف بيان. وقال الأخفش إنه ~~مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير منها مقام إبراهيم وقيل هو خبر مبتدأ محذوف ~~أي هي مقام إبراهيم، وقد استشكل صاحب الكشاف بيان الآيات، وهي جمع ~~بالمقام، وهو فرد، وأجاب بأن المقام جعل، وحده بمنزلة آيات لقوة شأنه، ~~أو بأنه مشتمل على آيات، قال ويجوز أن يراد فيه آيات بينات مقام إبراهيم، ~~وأمن من دخله لأن الإثنين نوع من الجمع. قوله { ومن دخله كان ~~ءامنا } جملة مستأنفة لبيان حكم من أحكام الحرم، وهو أن من دخله كان ~~آمنا، وبه استدل من قال إن من لجأ إلى الحرم، وقد وجب عليه حد من ~~الحدود، فإنه لا يقام عليه الحد حتى يخرج منه، وهو قول أبي حنيفة، ومن ~~تابعه، وخالفه الجمهور، فقالوا تقام عليه الحدود في الحرم. # وقد قال جماعة ms0591 إن الآية خبر في معنى الأمر، أي ومن دخله، فأمنوه كقوله # فلا رفث ولا فسوق ولا جدال # البقرة 197 أي لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا. قوله { ولله ~~على الناس حج البيت } اللام في قوله { لله } هي التي ~~يقال لها لام الإيجاب، والإلزام، ثم زاد هذا المعنى تأكيدا حرف " على ~~" فإنه من أوضح الدلالات على الوجوب عند العرب، كما إذا قال القائل لفلان ~~علي كذا، فذكر الله سبحانه الحج بأبلغ ما يدل على الوجوب تأكيدا لحقه، ~~وتعظيما لحرمته، وهذا الخطاب شامل لجميع الناس لا يخرج عنه إلا من خصصه ~~الدليل كالصبي، والعبد. وقوله { من استطع إليه سبيلا } في ~~محل جر على أنه بدل بعض من الناس. وبه قال أكثر النحويين. وأجاز الكسائي ~~أن يكون في موضع رفع بحج. والتقدير أن يحج البيت من استطاع إليه سبيلا، ~~وقيل إن " من " حرف شرط، والجزاء محذوف، أي من استطاع إليه سبيلا فعليه ~~الحج. وقد اختلف أهل العلم في الاستطاعة ماذا هي؟ فقيل الزاد، والراحلة، ~~وإليه ذهب جماعة من الصحابة، وحكاه الترمذي، عن أكثر أهل العلم، وهو ~~الحق. قال مالك إن الرجل إذا وثق بقوته لزمه الحج، وإن لم يكن له زاد، ~~وراحلة إذا كان يقدر على التكسب، وبه قال عبد الله بن الزبير، والشعبي، ~~وعكرمة. وقال الضحاك إن كان شابا قويا صحيحا، وليس له مال فعليه أن ~~يؤاجر نفسه حتى يقضي حجه، ومن جملة ما يدخل في الاستطاعة دخولا أوليا أن ~~تكون الطريق إلى الحج آمنة، بحيث يأمن الحاج على نفسه، وماله الذي لا يجد ~~زادا غيره، أما لو كانت غير آمنة، فلا استطاعة لأن الله سبحانه يقول { ~~من استطع إليه سبيلا } وهذا الخائف على نفسه، أو ماله لم ~~يستطع إليه سبيلا بلا شك، ولا شبهة. وقد اختلف أهل العلم إذا كان في ~~الطريق من الظلمة من يأخذ بعض الأموال على وجه لا يجحف بزاد الحاج. فقال ~~الشافعي لا يعطى حبة، ويسقط عنه فرض الحج ووافقه جماعة، وخالفه آخرون. ~~والظاهر أن من تمكن ms0592 من الزاد، والراحلة، وكانت الطريق آمنة بحيث يتمكن من ~~مرورها، ولو بمصانعة بعض الظلمة بدفع شيء من المال يتمكن منه الحاج، ولا ~~ينقص من زاده، ولا يجحف به، فالحج غير ساقط عنه بل واجب عليه لأنه قد ~~استطاع السبيل بدفع شيء من المال، ولكنه يكون هذا المال المدفوع في ~~الطريق من جملة ما تتوقف عليه الاستطاعة، فلو وجد الرجل زادا، وراحلة، ~~ولم يجد ما يدفعه لمن يأخذ المكس في الطريق لم يجب عليه الحج لأنه لم ~~يستطع إليه سبيلا، وهذا لا بد منه، ولا ينافي تفسير الاستطاعة بالزاد، ~~والراحلة، فإنه قد تعذر المرور في طريق الحج لمن وجد الزاد، والراحلة إلا ~~بذلك القدر الذي يأخذه المكاسون، ولعل وجه قول الشافعي إنه سقط الحج، أن ~~أخذ هذا المكس منكر، فلا يجب على الحاج أن يدخل في منكر، وأنه بذلك غير ~~مستطيع. # ومن جملة ما يدخل في الاستطاعة أن يكون الحاج صحيح البدن على وجه يمكنه ~~الركوب، فلو كان زمنا بحيث لا يقدر على المشي، ولا على الركوب فهذا، ~~وإن وجد الزاد، والراحلة، فهو لم يستطع السبيل. قوله { ومن كفر ~~فإن الله غنى عن العلمين } قيل إنه عبر بلفظ الكفر عن ~~ترك الحج تأكيدا لوجوبه، وتشديدا على تاركه، وقيل المعنى ومن كفر بفرض ~~الحج، ولم يره واجبا، وقيل إن من ترك الحج، وهو قادر عليه، فهو كافر. ~~وفي قوله { فإن الله غنى عن العلمين } من الدلالة على ~~مقت تارك الحج مع الاستطاعة، وخذلانه، وبعده من الله سبحانه ما يتعاظمه ~~سامعه، ويرجف له قلبه، فإن الله سبحانه إنما شرع لعباده هذه الشرائع ~~لنفعهم، ومصلحتهم، وهو تعالى شأنه، وتقدس سلطانه غني لا تعود إليه طاعات ~~عباده بأسرها بنفع. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن علي بن أبي ~~طالب في قوله { إن أول بيت... } الآية، قال كانت البيوت قبله، ~~ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن ~~أبي ذر قال «قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال ms0593 # " المسجد الحرام، " # قلت ثم أي؟ قال # " المسجد الأقصى، " # قلت كم بينهما؟ قال # " أربعون سنة " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في الشعب، عن ابن ~~عمر، قال «خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان إذ كان عرشه على ~~الماء زبدة بيضاء، وكانت الأرض تحته، كأنها حشفة فدحيت الأرض من ~~تحته». وأخرج نحوه ابن المنذر، عن أبي هريرة. وأخرج ابن المنذر، ~~والأزرقي، عن ابن جريج قال بلغنا أن اليهود قالت بيت المقدس أعظم من ~~الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء، ولأنه في الأرض المقدسة، فقال المسلمون بل ~~الكعبة أعظم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت { إن أول ~~بيت } الآية إلى قوله { فيه ءايت بينت مقام ~~إبرهيم } وليس ذلك في بيت المقدس { ومن دخله كان ءامنا } ~~وليس ذلك في بيت المقدس { ولله على الناس حج البيت } ~~وليس ذلك في بيت المقدس. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن ~~عبد الله بن الزبير قال إنما سميت بكة لأن الناس يجيئون إليها من كل جانب ~~حجاجا. وروى سعيد بن منصور، وابن جرير، والبيهقي، عن مجاهد إنما سميت ~~بكة لأن الناس يتباكون فيها، أي يزدحمون. # وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان، في قوله { مباركا } قال جعل ~~فيه الخير، والبركة { وهدى للعلمين } يعني بالهدى قبلتهم. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس { فيه ~~ءايت بينت } فمنهن مقام إبراهيم، والمشعر. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، عن الحسن في قوله { فيه ءايت بينت } قال مقام ~~إبراهيم { ومن دخله كان ءامنا ولله على الناس حج ~~البيت }. وأخرج الأزرقي، عن زيد بن أسلم نحوه. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ومن ~~دخله كان ءامنا } قال كان هذا في الجاهلية، كان الرجل لو جر كل ~~جريرة على نفسه، ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول، ولم يطلب، فأما في الإسلام، ~~فإنه لا يمنع من حدود الله، من سرق فيه قطع، ومن زنى ms0594 فيه أقيم عليه ~~الحد، ومن قتل فيه قتل. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، والأزرقي، عن ~~عمر بن الخطاب قال لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ومن دخله كان ~~ءامنا } قال من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يؤوى، ولا يطعم، ولا ~~يسقى، فإذا خرج أخذ بذنبه. وقد روي عنه هذا المعنى من طرق. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير عنه قال لو وجدت قاتل أبي في الحرم لم أعرض له. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير، عن ابن عمر قال لو وجدت قاتل أبي في الحرم ما ~~هجته. وأخرج الشيخان، وغيرهما، عن أبي شريح العدوي قال قام النبي صلى ~~الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح فقال # " إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامريء يؤمن بالله، ~~واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقولوا إن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن ~~لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم، كحرمتها أمس " # وأخرج الدارقطني، والحاكم وصححه، عن أنس «أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سئل عن قوله { من استطع إليه سبيلا } فقيل ما ~~السبيل؟ قال # " الزاد، والراحلة " # وأخرج الشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والترمذي، ~~وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن ~~مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عمر مرفوعا أنه قام رجل، فقال ما ~~السبيل؟ فقال # " الزاد، والراحلة ". # وأخرج الدارقطني، والبيهقي في سننهما من طريق الحسن، عن أمه، عن عائشة ~~قالت «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما السبيل إلى الحج؟ قال # " الزاد، والراحلة " # وأخرج الدارقطني في سننه، عن ابن مسعود مرفوعا مثله. وأخرج الدارقطني، ~~عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعا مثله. وأخرج الدارقطني، عن ~~جابر مرفوعا مثله. وقد روى هذا الحديث ms0595 من طرق أقل أحواله أن يكون حسنا ~~لغيره، فلا يضره ما وقع من الكلام على بعض طرقه، كما هو معروف. وأخرج ~~الدارقطني، عن علي مرفوعا في الآية «أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال # " تجد ظهر بعير " # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، عن عمر بن الخطاب في قوله { من ~~استطع إليه سبيلا } قال الزاد، والراحلة، وأخرجا عن ابن ~~عباس مثله. وأخرجه عنه مرفوعا ابن ماجه، والطبراني، وابن مردويه. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عنه قال السبيل أن يصح بدن العبد، ويكون ~~له ثمن زاد، وراحلة من غير أن يجحف به. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن ~~حميد، عنه قال { سبيلا } من وجد إليه سعة، ولم يحل بينه، وبينه. وأخرج ~~ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن عبد الله بن ~~الزبير قال الاستطاعة القوة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، عن ~~النخعي قال إن المحرم للمرأة من السبيل الذي قال الله. وقد ثبت عنه صلى ~~الله عليه وسلم النهي للمرأة أن تسافر بغير ذي محرم. واختلفت الأحاديث في ~~قدر المدة، ففي لفظ ثلاثة أيام، وفي لفظ يوم وليلة، وفي لفظ بريد. وقد ~~وردت أحاديث في تشديد الوعيد على من ملك زادا، وراحلة، ولم يحج. فأخرج ~~الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن ~~علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من ملك زادا، وراحلة تبلغه إلى بيت الله، ولم يحج بيت الله، فلا عليه ~~بأن يموت يهوديا، أو نصرانيا " # وذلك بأن الله يقول { ولله على الناس حج البيت من ~~استطع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن ~~العلمين }. وفي إسناده هلال الخراساني أبو هاشم. قال البخاري منكر ~~الحديث. وقيل مجهول. وقال ابن عدي هذا الحديث ليس بمحفوظ وفي إسناده ~~أيضا الحارث الأعور، وفيه ضعف. وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد في كتاب ~~الإيمان، وأبو يعلى، والبيهقي، عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى ms0596 الله ~~عليه وسلم # " من مات، ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه مرض حابس، أو سلطان جائر، أو ~~حاجة ظاهرة، فليمت على أي حال شاء يهوديا، أو نصرانيا " # وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن سابط مرفوعا مرسلا مثله. # وأخرج سعيد بن منصور. قال السيوطي بسند صحيح، عن عمر بن الخطاب قال لقد ~~هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار، فلينظروا كل من كان له جدة، ولم ~~يحج، فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين. وأخرج ~~الإسماعيلي عنه يقول # " من أطاق الحج، ولم يحج، فسواء عليه يهوديا مات، أو نصرانيا " # قال ابن كثير بعد أن ساق إسناده وهذا إسناد صحيح. وأخرج سعيد بن منصور، ~~وابن أبي شيبة، عنه نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عمر «من مات، وهو موسر، ولم يحج جاء يوم القيامة، وبين ~~عينيه مكتوب كافر». وأخرج سعيد بن منصور، عنه «من وجد إلى الحج سبيلا ~~سنة، ثم سنة، ثم سنة ثم مات، ولم يحج لم يصل عليه، ولا يدري مات ~~يهوديا، أو نصرانيا». وأخرج سعيد بن منصور، عن عمر بن الخطاب، قال لو ~~ترك الناس الحج لقاتلتهم عليه، كما نقاتلهم على الصلاة، والزكاة. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ومن كفر فإن ~~الله غنى عن العالمين } قال من زعم أنه ليس بفرض عليه. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في ~~الآية قال من كفر بالحج، فلم يرجحه برا، ولا تركه مأثما. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في سننه، عن ~~عكرمة قال لما نزلت # ومن يبتغ غير الإسلم دينا # آل عمران 85 قالت اليهود فنحن مسلمون، فقال لهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم # " إن الله فرض على المسلمين حج البيت، " # فقالوا لم يكتب علينا، وأبوا أن يحجوا، قال الله { ومن كفر فإن ~~الله غنى عن العلمين } ». وأخرج عبد بن ms0597 حميد، وابن جرير، عن ~~عكرمة نحوه. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~عن الضحاك قال «لما نزلت آية الحج { ولله على الناس حج ~~البيت } الآية، جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الملل مشركي ~~العرب، والنصارى، واليهود، والمجوس، والصابئين، فقال # " إن الله فرض عليكم الحج، فحجوا البيت، " # فلم يقبله إلا المسلمون، وكفرت به خمس ملل، قالوا لا نؤمن به، ولا نصلي ~~إليه، ولا نستقبله، فأنزل الله { ومن كفر فإن الله غنى عن ~~العلمين } » «وأخرج عبد بن حميد، والبيهقي في سننه، عن مجاهد ~~نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن أبي داود نفيع قال «قرأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { ولله على الناس حج البيت } ~~الآية، فقام رجل من هذيل فقال يا رسول الله من تركه كفر؟ فقال # " من تركه لا يخاف عقوبته، ومن حج لا يرجو ثوابه، فهو ذاك " # وأخرج ابن جرير، عن عطاء بن أبي رباح في الآية قال من كفر بالبيت. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب، عن ابن عمر، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في قول الله { ومن كفر } قال # " من كفر بالله، واليوم الآخر ". # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد مثله من قوله. وأخرج ابن جرير، ~~عن ابن زيد أنه سئل عن ذلك، فقرأ { إن أول بيت وضع ~~للناس } إلى قوله { سبيلا } ثم قال { ومن كفر } بهذه الآيات. ~~وأخرج ابن المنذر، عن ابن مسعود في الآية قال { ومن كفر } فلم يؤمن ~~به فهو الكافر. ### || [3.98-103] # قوله { قل يأهل الكتب } خطاب لليهود، والنصارى، والاستفهام ~~في قوله { لم تكفرون } للإنكار، والتوبيخ. وقوله { والله ~~شهيد على ما تعملون } جملة حالية مؤكدة للتوبيخ، والإنكار، ~~وهكذا المجيء بصيغة المبالغة في شهيد يفيد مزيد التشديد، والتهويل، ~~والاستفهام في قوله { لم تصدون } يفيد ما أفاده الاستفهام الأول. ~~وقرأ الحسن { تصدون } من أصد، وهما لغتان مثل صد اللحم، وأصد إذا ~~تغير، وأنتن، وسبيل الله دينه الذي ارتضاه لعباده، وهو دين ms0598 الإسلام، ~~والعوج الميل، والزيغ، يقال عوج بالكسر إذا كان في الدين، والقول، ~~والعمل، وبالفتح في الأجسام كالجدار، ونحوه، روي ذلك عن أبي عبيدة، ~~وغيره، ومحل قوله { تبغونها عوجا } النصب على الحال. والمعنى تطلبون لها ~~اعوجاجا، وميلا عن القصد، والاستقامة بإبهامكم على الناس بأنها كذلك ~~تثقيفا لتحريفكم، وتقويما لدعاويكم الباطلة. وقوله { وأنتم ~~شهداء } جملة حالية، أي كيف تطلبون ذلك بملة الإسلام، والحال أنكم ~~تشهدون أنها دين الله الذي لا يقبل غيره، كما عرفتم ذلك من كتبكم المنزلة ~~على أنبيائكم، قيل إن في التوراة أن دين الله الذي لا يقبل غيره الإسلام، ~~وأن فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم وقيل المراد { وأنتم شهداء ~~} أي عقلاء، وقيل المعنى وأنتم شهداء بين أهل دينكم مقبولون عندهم، فكيف ~~تأتون بالباطل الذي يخالف ما أنتم عليه بين أهل دينكم؟ ثم توعدهم سبحانه ~~بقوله { وما الله بغفل عما تعملون } ثم خاطب سبحانه ~~المؤمنين محذرا لهم عن طاعة اليهود، والنصارى مبينا لهم أن تلك الطاعة ~~تفضي إلى أن يردونهم بعد إيمانهم كافرين، وسيأتي بيان سبب نزول الآية، ~~والاستفهام في قوله { وكيف تكفرون } للإنكار، أي من أين يأتيكم ~~ذلك، ولديكم ما يمنع منه ويقطع أثره، وهو تلاوة آيات الله عليكم، وكون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم؟ ومحل قوله { وأنتم } وما ~~بعده النصب على الحال. ثم أرشدهم إلى الاعتصام بالله ليحصل لهم بذلك ~~الهداية إلى الصراط المستقيم الذي هو الإسلام، وفي وصف الصراط بالاستقامة ~~رد على ما ادعوه من العوج. قال الزجاج يجوز أن يكون هذا الخطاب لأصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم خاصة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~فيهم، وهم يشاهدونه، ويجوز أن يكون هذا الخطاب لجميع الأمة لأن آثاره، ~~وعلامته، والقرآن الذي أوتيه فينا، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فينا، وإن لم نشاهده. انتهى. ومعنى الاعتصام بالله التمسك بدينه، وطاعته، ~~وقيل بالقرآن، يقال اعتصم به، واستعصم، وتمسك، واستمسك إذا امتنع به من ~~غيره، وعصمه الطعام منع الجوع منه. قوله ms0599 { اتقوا الله حق ~~تقاته } أي التقوى التي تحق له، وهي أن لا يترك العبد شيئا مما ~~يلزمه فعله، ولا يفعل شيئا مما يلزمه تركه، ويبذل في ذلك جهده، ~~ومستطاعه. # قال القرطبي ذكر المفسرون أنها لما نزلت هذه الآية قالوا يا رسول الله ~~من يقوى على هذا؟ وشق عليهم ذلك، فأنزل الله # فاتقوا الله ما استطعتم # التغابن 16 فنسخت هذه الآية. روي ذلك عن قتادة، والربيع، وابن زيد. قال ~~مقاتل وليس في آل عمران من المنسوخ شيء إلا هذا. وقيل إن قوله { ~~اتقوا الله حق تقاته } مبين بقوله { فاتقوا الله ~~ما استطعتم } والمعنى اتقوا الله حق تقاته ما استطعتم. قال وهذا ~~أصوب لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع، والجمع ممكن، فهو أولى. قوله { ~~ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } أي لا تكونن على حال ~~سوى حال الإسلام، فالاستثناء مفرغ، ومحل الجملة أعني قوله { وأنتم ~~مسلمون } النصب على الحال، وقد تقدم في البقرة تفسير مثل هذه ~~الآية. قوله { واعتصموا بحبل الله جميعا } الحبل لفظ ~~مشترك، وأصله في اللغة السبب الذي يتوصل به إلى البغية، وهو إما تمثيل، ~~أو استعارة. أمرهم سبحانه بأن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام، أو ~~بالقرآن، ونهاهم عن التفرق الناشيء عن الاختلاف في الدين، ثم أمرهم بأن ~~يذكروا نعمة الله عليهم، وبين لهم من هذه النعمة ما يناسب المقام، وهو ~~أنهم كانوا أعداء مختلفين يقتل بعضهم بعضا، وينهب بعضهم بعضا، فأصبحوا ~~بسبب هذه النعمة إخوانا وكانوا على شفا حفرة من النار بما كانوا عليه من ~~الكفر، فأنقذهم الله من هذه الحفرة بالإسلام. ومعنى قوله { أصبحتم } ~~صرتم، وليس المراد به معناه الأصلي وهو الدخول في وقت الصباح، وشفا كل ~~شيء حرفه، وكذلك شفيره، وأشفى على الشيء أشرف عليه، وهو تمثيل للحالة ~~التي كانوا عليها في الجاهلية. وقوله { قال كذلك } إشارة إلى مصدر ~~الفعل الذي بعده أي مثل ذلك البيان البليغ يبين الله لكم. وقوله { ~~لعلكم تهتدون } إرشاد لهم إلى الثبات على الهدى، والازدياد ~~منه. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، ms0600 وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ عن زيد بن أسلم قال مر شاس بن قيس - وكان شيخا قد عسى في ~~الجاهلية، عظيم الكفر، شديد الطعن على المسلمين، شديد الحسد لهم - على ~~نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس، والخزرج في مجلس قد ~~جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم، وجماعتهم، وصلاح ذات بينهم ~~على الإسلام. بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال قد اجتمع ~~ملأ بني قيلة بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من ~~قرار، فأمر فتى شابا معه من يهود، فقال اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم ~~ذكرهم يوم بعاث، وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا يتقاولون فيه من ~~الأشعار- وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس، والخزرج وكان الظفر فيه ~~للأوس على الخزرج، - ففعل فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا، وتفاخروا حتى ~~تواثب رجلان من الحيين على الركب، أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس، ~~وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه إن ~~شئتم، والله رددناها الآن جذعة، وغضب الفريقان جميعا، وقالوا قد فعلنا، ~~السلاح السلاح موعدكم الظاهرة - والظاهرة الحرة - فخرجوا إليها، وانضمت ~~الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها ~~في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن ~~معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم، فقال " يا معشر المسلمين الله ~~الله أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم؟ بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام، ~~وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به ~~بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا؟ " فعرف القوم أنها نزغة من ~~الشيطان، وكيد من عدوهم لهم، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا، وعانق ~~الرجال بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين ~~مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس، وأنزل الله في شأن شاس بن ~~قيس، وما صنع { قل ms0601 يأهل أهل الكتب لمن تكفرون ~~بئيت الله والله شهيد على ما تعملون } إلى قوله ~~{ وما الله بغفل عما تعملون } وأنزل في أوس بن قيظي، ~~وجبار بن صخر، ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا { ~~يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا فريقا من الذين ~~أوتوا الكتب } إلى قوله { وأولئك لهم عذاب عظيم ~~} وقد رويت هذه القصة مختصرة، ومطولة من طرق. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله { لم تصدون عن ~~سبيل الله } قال كانوا إذا سألهم أحد تجدون محمدا؟ قالوا لا، قال ~~فصدوا الناس عنه، وبغوا محمدا عوجا هلاكا. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، عن قتادة لم تصدون عن الإسلام، وعن نبي الله من آمن بالله، وأنتم ~~شهداء فيما تقرءون من كتاب الله أن محمدا رسول الله، وأن الإسلام دين ~~الله الذي لا يقبل غيره، ولا يجزي إلا به يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة، والإنجيل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن ~~جريج في قوله { ومن يعتصم بالله } قال يؤمن به. وأخرجوا عن أبي ~~العالية قال الاعتصام الثقة بالله. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، ~~وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن مسعود في قوله { اتقوا الله ~~حق تقاته } قال أن يطاع، فلا يعصى، ويذكر، فلا ينسى، ويشكر، فلا ~~يكفر. # وقد رواه الحاكم وصححه، وابن مردويه من وجه آخر عنه مرفوعا بدون قوله ~~ويشكر، فلا يكفر. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال حق تقاته أن يطاع، ~~فلا يعصى، فلن تستطيعوا، فأنزل الله بعد ذلك # فاتقوا الله ما استطعتم # التغابن 16 وأخرج عبد بن حميد، عنه نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ~~بن جبير، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود نحوه. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { حق تقاته } ~~قال لم تنسخ، ولكن حق تقاته أن يجاهدوا في الله حق جهاده، ولا يأخذهم في ms0602 ~~الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط، ولو على أنفسهم، وآبائهم، وأبنائهم. ~~وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، ~~قال السيوطي بسند صحيح عن ابن مسعود في قوله { واعتصموا بحبل ~~الله } قال حبل الله القرآن. وقد وردت أحاديث أن كتاب الله هو حبل ~~الله الممدود. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال { ~~واعتصموا بحبل الله } بالإخلاص لله وحده. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن ~~قال بطاعته. وأخرج أيضا، عن قتادة قال بعهده، وأمره. وأخرج ابن جرير، عن ~~ابن زيد قال بالإسلام. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله { إذ ~~كنتم أعداء } قال ما كان بين الأوس، والخزرج في شأن عائشة. وأخرج ~~ابن إسحاق قال كانت الحرب بين الأوس، والخزرج عشرين ومائة سنة، حتى قام ~~الإسلام، فأطفأ الله ذلك، وألف بينهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ~~السدي في قوله { وكنتم على شفا حفرة من النار } يقول ~~كنتم على طرف النار، من مات منكم، وقع في النار، فبعث الله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، واستنقذكم به من تلك الحفرة. ### || [3.104-109] # قوله { ولتكن } قرأه الجمهور بإسكان اللام، وقرىء بكسر اللام على ~~الأصل، و " من " في قوله { منكم } للتبعيض، وقيل لبيان الجنس. ورجح ~~الأول بأن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من فروض الكفايات يختص بأهل ~~العلم الذين يعرفون كون ما يأمرون به معروفا، وينهون عنه منكرا. قال ~~القرطبي الأول أصح، فإنه يدل على أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ~~فرض على الكفاية، وقد عينهم الله سبحانه بقوله # الذين إن مكنهم فى الارض # الآية الحج 41. وقرأ ابن الزبير " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم " قال ~~أبو بكر بن الأنباري وهذه الزيادة تفسير من ابن الزبير، وكلام من كلامه ~~غلط فيه بعض الناقلين، فألحقه بألفاظ القرآن. وقد روى أن عثمان قرأها ~~كذلك، ولكن لم يكتبها في مصحفه، فدل على أنها ليست بقرآن. وفي الآية دليل ms0603 ~~على وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ووجوبه ثابت بالكتاب، ~~والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن ~~مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها. وقوله { يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر } من باب عطف الخاص على ~~العام، إظهارا لشرفهما، وأنهما الفردان الكاملان من الخير الذي أمر الله ~~عباده بالدعاء إليه، كما قيل في عطف جبريل وميكائيل على الملائكة، وحذف ~~متعلق الأفعال الثلاثة، أي يدعون، ويأمرون، وينهون لقصد التعميم، أي كل ~~من وقع منه سبب يقتضي ذلك، والإشارة في قوله { وأولئك } ترجع إلى ~~الأمة باعتبار اتصافها بما ذكر بعدها { هم المفلحون } أي ~~المختصون بالفلاح، وتعريف المفلحين للعهد، أو للحقيقة التي يعرفها كل ~~أحد. قوله { ولا تكونوا كالذين تفرقوا } هم اليهود ~~والنصارى عند جمهور المفسرين، وقيل هم المبتدعة من هذه الأمة، وقيل ~~الحرورية، والظاهر الأول. والبينات الآيات الواضحة المبينة للحق الموجبة ~~لعدم الاختلاف. قيل وهذا النهي عن التفرق، والاختلاف يختص بالمسائل ~~الأصولية، وأما المسائل الفروعية الاجتهادية، فالاختلاف فيها جائز، وما ~~زال الصحابة، فمن بعدهم من التابعين، وتابعيهم مختلفين في أحكام الحوادث، ~~وفيه نظر، فإنه ما زال في تلك العصور المنكر للاختلاف موجودا وتخصيص بعض ~~مسائل الدين بجواز الاختلاف فيها دون البعض الآخر ليس بصواب، فالمسائل ~~الشرعية متساوية الاقدام في انتسابها إلى الشرع. وقوله { يوم ~~تبيض وجوه } منتصب بفعل مضمر أي اذكر، وقيل بما يدل عليه قوله { ~~لهم عذاب عظيم } فإن تقديره استقر لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه، ~~أي يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم تكون وجوه المؤمنين مبيضة، ووجوه ~~الكافرين مسودة. ويقال إن ذلك عند قراءة الكتاب إذا قرأ المؤمن كتابه رأى ~~حسناته، فاستبشر وابيض وجهه، وإذا قرأ الكافر كتابه رأى سيئاته، فحزن ~~واسود وجهه، والتنكير في وجوه للتكثير، أي وجوه كثيرة. # وقرأ يحيى بن وثاب " تبيض " ، و " تسود " بكسر التاءين. وقرأ الزهري ~~تبياض، وتسواد. قوله { أكفرتم } أي فيقال لهم أكفرتم، والهمزة ~~للتوبيخ، والتعجيب من حالهم، وهذا تفصيل لأحوال الفريقين بعد الإجمال، ~~وقدم بيان حال الكافرين ms0604 لكون المقام مقام تحذير وترهيب، قيل هم أهل ~~الكتاب، وقيل المرتدون، وقيل المنافقون، وقيل المبتدعون. قوله { ففى ~~رحمة الله } أي في جنته ودار كرامته، عبر عن ذلك بالرحمة إشارة ~~إلى أن العمل لا يستقل بدخول صاحبه الجنة، بل لا بد من الرحمة، ومنه حديث # " لن يدخل أحد الجنة بعمله " # وهو في الصحيح. وقوله { هم فيها خلدون } جملة استئنافية جواب ~~سؤال مقدر. وتلك إشارة إلى ما تقدم من تعذيب الكافرين، وتنعيم المؤمنين. ~~وقوله { نتلوها عليك بالحق } جملة حالية، وبالحق متعلق ~~بمحذوف، أي متلبسة بالحق، وهو العدل. وقوله { وما الله يريد ~~ظلما للعلمين } جملة تذييلية مقررة لمضمون ما قبلها، وفي توجه ~~النفي إلى الإرادة الواقعة على النكرة دليل على أنه سبحانه لا يريد فردا ~~من أفراد الظلم الواقعة على فرد من أفراد العالم. والمراد بما في ~~السموات، وما في الأرض مخلوقاته سبحانه، أي له ذلك يتصرف فيه كيف يشاء، ~~وعلى ما يريد، وعبر ب " ما " تغليبا لغير العقلاء على العقلاء لكثرتهم، ~~أو لتنزيل العقلاء منزلة غيرهم. قال المهدوي وجه اتصال هذا بما قبله أنه ~~لما ذكر أحوال المؤمنين، والكافرين، وأنه لا يريد ظلما للعالمين، وصله ~~بذكر اتساع قدرته، وغناه عن الظلم لكون ما في السموات، وما في الأرض في ~~قبضته، وقيل هو ابتداء كلام يتضمن البيان لعباده بأن جميع ما في السموات، ~~وما في الأرض له حتى يسألوه، ويعبدوه، ولا يعبدوا غيره. وقوله { وإلى ~~الله ترجع الامور } أي لا إلى غيره، لا شركة، ولا استقلالا. ~~وقد أخرج ابن مردويه، عن أبي جعفر الباقر قال «قرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير } قال # " الخير اتباع القرآن وسنتي " # وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال كل آية ذكرها الله في القرآن في ~~الأمر بالمعروف، فهو الإسلام، والنهي عن المنكر، فهو عبادة الأوثان، ~~والشيطان. انتهى. وهو تخصيص بغير مخصص، فليس في لغة العرب، ولا في عرف ~~الشرع ما يدل على ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل بن ms0605 حيان قال { ~~يدعون إلى الخير } أي الإسلام { ويأمرون بالمعروف ~~} بطاعة ربهم { وينهون عن المنكر } عن معصية ربهم. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، عن الضحاك في الآية قال هم أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم خاصة، وهم الرواة. # انتهى. ولا أدري ما وجه هذا التخصيص، فالخطاب في هذه الآية، كالخطاب ~~بسائر الأمور التي شرعها الله لعباده، وكلفهم بها. انتهى. وأخرج أبو ~~داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على ثنتين وسبعين ~~فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " # وأخرج أحمد، وأبو داود، والحاكم، عن معاوية، مرفوعا نحوه، وزاد # " كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة " # وأخرج الحاكم، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعا نحوه أيضا، وزاد # " كلها في النار إلا ملة واحدة، " # فقيل له ما الواحدة؟ قال # " ما أنا عليه اليوم، وأصحابي " # وأخرج ابن ماجه عن عوف بن مالك، مرفوعا نحوه، وفيه «فواحدة في الجنة ~~وثنتان وسبعون في النار، قيل يا رسول الله من هم؟ قال الجماعة» وأخرجه ~~أحمد من حديث أنس، وفيه «قيل يا رسول الله من تلك الفرقة؟ قال الجماعة». ~~وقد وردت آيات، وأحاديث كثيرة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفي ~~الأمر بالكون في الجماعة، والنهي عن الفرقة. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~والخطيب، عن ابن عباس في قوله { يوم تبيض وجوه } قال تبيض ~~وجوه أهل السنة، والجماعة، وتسود وجوه أهل البدع، والضلالة. وأخرجه ~~الخطيب، والديلمي، عن ابن عمر مرفوعا وأخرجه أيضا مرفوعا أبو نصر ~~السجزي في الإبانة عن أبي سعيد. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، عن أبي بن كعب في الآية قال صاروا فرقتين يوم القيامة، يقال ~~لمن اسود وجهه أكفرتم بعد إيمانكم؟ فهو الإيمان الذي كان في صلب آدم حيث ~~كانوا أمة واحدة، وأما الذين ابيضت وجوههم فهم الذين استقاموا على ~~إيمانهم، وأخلصوا له الدين فبيض الله وجوههم، وأدخلهم في رضوانه، وجنته، ~~وقد روى غير ذلك. ms0606 ### || [3.110-112] # قوله { كنتم خير أمة } هذا كلام مستأنف يتضمن بيان حال هذه ~~الأمة في الفضل على غيرها من الأمم، و " كان " قيل هي التامة، أي وجدتم، ~~وخلقتم خير أمة، ومثله ما أنشده سيبويه # وجيران لنا كانوا كرام # ومنه قوله تعالى # كيف نكلم من كان فى المهد صبيا # مريم 29 وقوله # واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم # الأعراف 86. وقال الأخفش يريد أهل أمة أي خير أهل دين، وأنشد # فحلفت فلم أترك لنفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمة ~~وهوطائع # وقيل معناه كنتم في اللوح المحفوظ، وقيل كنتم منذ آمنتم. وفيه دليل على ~~أن هذه الأمة الإسلامية خير الأمم على الإطلاق، وأن هذه الخيرية مشتركة ~~ما بين أول هذه الأمة، وآخرها بالنسبة إلى غيرها من الأمم، وإن كانت ~~متفاضلة في ذات بينها. كما ورد في فضل الصحابة على غيرهم. قوله { ~~أخرجت للناس } أي أظهرت لهم. وقوله { تأمرون ~~بالمعروف } الخ كلام مستأنف يتضمن بيان كونهم خير أمة مع ما يشتمل ~~عليه من أنهم خير أمة ما أقاموا على ذلك، واتصفوا به، فإذا تركوا الأمر ~~بالمعروف، والنهي عن المنكر زال عنهم ذلك، ولهذا قال مجاهد إنهم خير أمة ~~على الشرائط المذكورة في الآية، وهذا يقتضي أن يكون تأمرون، وما بعده في ~~محل نصب على الحال أي كنتم خير أمة حال كونكم آمرين ناهين مؤمنين بالله، ~~وبما يجب عليكم الإيمان به من كتابه، ورسوله، وما شرعه لعباده، فإنه لا ~~يتم الإيمان بالله سبحانه إلا بالإيمان بهذه الأمور. قوله { ولو ~~ءامن أهل الكتب } أي اليهود إيمانا كإيمان المسلمين بالله، ~~ورسله وكتبه { لكان خيرا لهم } ولكنهم لم يفعلوا ذلك بل قالوا ~~نؤمن ببعض الكتاب، ونكفر ببعض، ثم بين حال أهل الكتاب بقوله { منهم ~~المؤمنون } وهم الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، ~~فإنهم آمنوا بما أنزل عليه، وما أنزل من قبله { وأكثرهم ~~الفسقون } أي الخارجون عن طريق الحق المتمردون في باطلهم المكذبون ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولما جاء به، فيكون هذا التفصيل على هذا ~~كلاما ms0607 مستأنفا جوابا، عن سؤال مقدر، كأنه قيل هل منهم من آمن فاستحق ~~ما وعده الله. قوله { لن يضروكم إلا أذى } أي لن يضروكم بنوع ~~من أنواع الضرر إلا بنوع الأذى، وهو الكذب، والتحريف، والبهت، ولا يقدرون ~~على الضرر الذي هو الضرر في الحقيقة بالحرب، والنهب، ونحوهما، فالاستثناء ~~مفرغ، وهذا وعد من الله لرسوله، وللمؤمنين أن أهل الكتاب لا يغلبونهم، ~~وأنهم منصورون عليهم، وقيل الاستثناء منقطع. والمعنى لن يضروكم ألبتة لكي ~~يؤذونكم، ثم بين سبحانه ما نفاه من الضرر بقوله { وإن يقتلوكم ~~يولوكم الأدبار } أي ينهزمون ولا يقدرون على مقاومتكم فضلا عن ~~أن يضروكم. # وقوله { ثم لا ينصرون } عطف على الجملة الشرطية، أي ثم لا يوجد ~~لهم نصر، ولا يثبت لهم غلب في حال من الأحوال، بل شأنهم الخذلان ما ~~داموا. وقد وجدنا ما وعدنا سبحانه حقا، فإن اليهود لم تخفق لهم راية ~~نصر، ولا اجتمع لهم جيش غلب بعد نزول هذه الآية، فهي من معجزات النبوة. ~~قوله { ضربت عليهم الذلة } قد تقدم في البقرة معنى هذا ~~التركيب. والمعنى صارت الذلة محيطة بهم في كل حال، وعلى كل تقدير في أي ~~مكان وجدوا { إلا بحبل من الله } أي إلا أن يعتصموا بحبل من ~~الله، قاله الفراء أي بذمة الله، أو بكتابه { وحبل من الناس } ~~أي بذمة من الناس، وهم المسلمون، وقيل المراد بالناس النبي صلى الله عليه ~~وسلم { وباءوا } أي رجعوا { بغضب من الله } وقيل احتملوا، ~~وأصل معناه في اللغة اللزوم، والاستحقاق، أي لزمهم غضب من الله هم ~~مستحقون له. ومعنى ضرب المسكنة إحاطتها بهم من جميع الجوانب، وهكذا حال ~~اليهود، فإنهم تحت الفقر المدقع، والمسكنة الشديدة إلا النادر الشاذ ~~منهم. والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم من ضرب الذلة، والمسكنة، ~~والغضب، أي وقع عليهم ذلك بسبب أنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون ~~الأنبياء بغير حق، والإشارة بقوله { ذلك } إلى الكفر، وقتل الأنبياء بسبب ~~عصيانهم لله، واعتدائهم لحدوده. ومعنى الآية أن الله ضرب عليهم الذلة، ~~والمسكنة، والبواء بالغضب منه لكونهم كفروا ms0608 بآياته، وقتلوا أنبياءه بسبب ~~عصيانهم، واعتدائهم. وقد أخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ~~وأحمد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، ~~والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله { كنتم خير أمة } قال هم ~~الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن السدي في الآية قال قال عمر بن الخطاب لو شاء الله لقال أنتم ~~فكنا كلنا، ولكن قال { كنتم } في خاصة أصحاب محمد، ومن صنعهم مثل صنعهم ~~كانوا خير أمة أخرجت للناس، وفي لفظ عنه أنه قال يكون لأولنا، ولا يكون ~~لآخرنا. وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قرأ هذه ~~الآية، ثم قال يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط ~~الله منها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة في الآية قال نزلت في ~~ابن مسعود، وعمار بن ياسر، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن ~~جبل. وأخرج البخاري، وغيره، عن أبي هريرة في الآية قال خير الناس للناس ~~يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام. # وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وأحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، عن ~~معاوية بن حيدة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الآية # " إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها، وأكرمها " # وروى من حديث معاذ، وأبي سعيد نحوه. وقد وردت أحاديث كثيرة في الصحيحين، ~~وغيرهما أنه يدخل من هذه الأمة الجنة سبعون ألفا بغير حساب، ولا عذاب، ~~وهذا من فوائد كونها خير الأمم. وأخرج ابن جرير عن الحسن { لن ~~يضروكم إلا أذى } قال تسمعون منهم كذبا على الله بدعوتكم إلى ~~الضلالة. وأخرج أيضا، عن ابن جريج قال إشراكهم في عزير، وعيسى، والصليب. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن، وقتادة { ضربت عليهم الذلة } ~~قالا يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وروى ابن المنذر، عن الضحاك ms0609 نحوه. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس { إلا ~~بحبل من الله وحبل من الناس } قال بعهد من الله، وعهد ~~من الناس. ### || [3.113-117] # قوله { ليسوا سواء } أي أهل الكتاب غير مستوين بل مختلفين، ~~والجملة مستأنفة سبقت لبيان التفاوت بين أهل الكتاب. وقوله { أمة ~~قائمة } هو استئناف أيضا يتضمن بيان الجهة التي تفاوتوا فيها من كون ~~بعضهم أمة قائمة إلى قوله { من الصلحين } قال الأخفش التقدير من ~~أهل الكتاب ذو أمة، أي ذو طريقة حسنة وأنشد # وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع # وقيل في الكلام حذف، والتقدير من أهل الكتاب أمة قائمة، وأخرى غير ~~قائمة، فترك الأخرى اكتفاء بالأولى، كقول أبي ذؤيب # عصيت إليها القلب إني لأمرها مطيع فما أدرى أرشد ~~طلابها؟ # أراد أرشد أم غي. قال الفراء أمة رفع بسواء، والتقدير ليس يستوى أمة من ~~أهل الكتاب قائمة يتلون آيات الله، وأمة كافرة. قال النحاس وهذا القول ~~خطأ من جهات أحدها أنه يرفع أمة بسواء، فلا يعود على اسم ليس شيء، ويرفع ~~بما ليس جاريا على الفعل، ويضمر ما لا يحتاج إليه لأنه قد تقدم ذكر ~~الكافرة، فليس لإضمار هذا وجه. وقال أبو عبيدة هذا مثل قولهم أكلوني ~~البراغيث، وذهبوا أصحابك. قال النحاس وهذا غلط لأنه قد تقدم ذكرهم، ~~وأكلوني البراغيث لم يتقدم لهم ذكر. انتهى. وعندي أن ما قاله الفراء قوي ~~قويم، وحاصله أن معنى الآية لا يستوى أمة من أهل الكتاب شأنها كذا، وأمة ~~أخرى شأنها كذا، وليس تقدير هذا المحذوف من باب تقدير ما لا حاجة إليه، ~~كما قال النحاس، فإن تقدم ذكر الكافرة لا يفيد مفاد تقدير ذكرها هنا، ~~وأما قوله إنه لا يعود على اسم ليس شيء، فيرده أن تقدير العائد شائع ~~مشتهر عند أهل الفن، وأما قوله ويرفع بما ليس جاريا على الفعل فغير ~~مسلم. والقائمة المستقيمة العادلة، من قولهم أقمت العود فقام أي استقام. ~~وقوله { يتلون } في محل رفع على أنه صفة ثانية لأمة، ويجوز أن يكون ~~في محل ms0610 نصب على الحال { آناء الليل } ساعاته، وهو منصوب على الظرفية. ~~وقوله { وهم يسجدون } ظاهره أن التلاوة كائنة منهم في حال ~~السجود، ولا يصح ذلك إذا كان المراد بهذه الأمة الموصوفة في الآية هم من ~~قد أسلم من أهل الكتاب لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن ~~قراءة القرآن في السجود، فلا بد من تأويل هذا الظاهر بأن المراد بقوله { ~~وهم يسجدون } وهم يصلون، كما قاله الفراء، والزجاج، وإنما عبر ~~بالسجود عن مجموع الصلاة، لما فيه من الخضوع، والتذلل. وظاهر هذا أنهم ~~يتلون آيات الله في صلاتهم من غير تخصيص لتلك الصلاة بصلاة معينة، وقيل ~~المراد بها الصلاة بين العشاءين، وقيل صلاة الليل مطلقا. # وقوله { يؤمنون بالله } صفة أخرى لأمة أي يؤمنون بالله وكتبه ~~ورسله، ورأس ذلك الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وقوله { ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } صفتان ~~أيضا لأمة أي أن هذا من شأنهم، وصفتهم. وظاهره يفيد أنهم يأمرون ~~بالمعروف، وينهون عن المنكر على العموم وقيل المراد بالأمر بالمعروف هنا ~~أمرهم باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، والنهي عن المنكر نهيهم عن ~~مخالفته. وقوله { ويسرعون فى الخيرت } من جملة الصفات ~~أيضا أي يبادرون بها غير متثاقلين عن تأديتها لمعرفتهم بقدر ثوابها. ~~وقوله { وأولئك من الصلحين } أي من جملتهم، وقيل " من " ~~بمعنى مع أي مع الصالحين، وهم الصحابة رضي الله عنهم، والظاهر أن المراد ~~كل صالح، والإشارة بقوله { أولئك } إلى الأمة الموصوفة بتلك ~~الصفات. قوله { وما تفعلوا من خير } أي خير كان { فلن ~~يكفروه } أي لن تعدموا ثوابه، وعداه إلى المفعولين، وهو لا يتعدى إلا ~~إلى واحد لأنه ضمنه معنى الحرمان، كأنه قيل فلن تحرموه، كما قاله صاحب ~~الكشاف. قرأ الأعمش، وابن وثاب، وحفص، ومرة، والكسائي، وخلف بالياء ~~التحتية في الفعلين، وهي قراءة ابن عباس، واختارها أبو عبيد. وقرأ ~~الباقون بالمثناة من فوق فيهما، وكان أبو عمرو يرى القراءتين جميعا. ~~والمراد بالمتقين كل من ثبتت له صفة التقوى، وقيل المراد من تقدم ms0611 ذكره، ~~وهم الأمة الموصوفة بتلك الصفة، ووضع الظاهر موضع المضمر مدحا لهم، ~~ورفعا من شأنهم. وقوله { إن الذين كفروا } قيل هم بنو قريظة، ~~والنضير. قال مقاتل لما ذكر تعالى مؤمني أهل الكتاب ذكر كفارهم في هذه ~~الآية. والظاهر أن المراد بذلك كل من كفر بما يجب الإيمان به. ومعنى { ~~لن تغنى } لن تدفع، وخص الأولاد لأنهم أحب القرابة، وأرجاهم لدفع ~~ما ينوبه. وقوله { مثل ما ينفقون } بيان لعدم إغناء أموالهم ~~التي كانوا يعولون عليها. والصر البرد الشديد، أصله من الصرير الذي هو ~~الصوت، فهو صوت الريح الشديد. وقال الزجاج صوت لهب النار التي في تلك ~~الريح. ومعنى الآية مثل نفقة الكافرين في بطلانها، وذهابها، وعدم ~~منفعتها، كمثل زرع أصابه ريح باردة، أو نار فأحرقته، أو أهلكته، فلم ~~ينتفع أصحابه بشيء منه بعد أن كانوا على طمع من نفعه، وفائدته. وعلى هذا ~~فلا بد من تقدير في جانب المشبه به، فيقال كمثل زرع أصابته ريح فيها ~~صر، أو مثل إهلاك ما ينفقون، كمثل إهلاك ريح فيها صر أصابت حرث قوم ~~ظلموا أنفسهم { وما ظلمهم الله } أي المنفقين من الكافرين { ~~ولكن أنفسهم يظلمون } بالكفر المانع من قبول النفقة التي ~~أنفقوها، وتقديم المفعول لرعاية الفواصل لا للتخصيص لأن الكلام في الفعل ~~باعتبار تعلقه بالفاعل لا بالمفعول. # وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، ~~وابن منده، وأبو نعيم في المعرفة، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر، عن ~~ابن عباس قال لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، ~~ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا، وصدقوا، ورغبوا في الإسلام، قالت أحبار ~~يهود، وأهل الكفر منهم ما آمن بمحمد، وتبعه إلا شرارنا، ولو كانوا خيارنا ~~ما تركوا دين آبائهم، وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله { ليسوا سواء.. ~~} الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه { أمة قائمة } يقول ~~مهتدية قائمة على أمر الله لم تنزع عنه، ولم تتركه، كما تركه الآخرون، ~~وضيعوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ms0612 أبي حاتم قال { أمة ~~قائمة } عادلة. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس في قوله { آناء الليل } قال جوف الليل. وأخرج ابن ~~جرير، عن الربيع قال ساعات الليل. وأخرج عبد بن حميد، والبخاري في ~~تاريخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود في قوله { ~~ليسوا سواء } قال لا يستوى أهل الكتاب، وأمة محمد { يتلون ~~ءايت الله ءاناء اليل } قال صلاة العتمة هم يصلونها، ومن ~~سواهم من أهل الكتاب لا يصلونها. وأخرج أحمد، والنسائي، والبزار، وأبو ~~يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني. قال السيوطي ~~بسند حسن، عن ابن مسعود قال «أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة ~~العشاء ليلة، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال # " أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم " # ولفظ ابن جرير، والطبراني فقال إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل ~~الكتاب. قال وأنزلت هذه الآية { ليسوا سواء }. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن منصور قال بلغني أنها نزلت هذه ~~الآية { يتلون ءايت الله ءاناء اليل وهم يسجدون ~~} فيما بين المغرب، والعشاء. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة { ~~فلن تكفروه } قال لن يضل عنكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن { ~~فلن تكفروه } قال لن تظلموه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ~~السدي في الآية يقول { مثل ما ينفقون } أي المشركون، ولا يتقبل ~~منهم، كمثل هذا الزرع إذا زرعه القوم الظالمون، فأصابه ريح فيها صر، ~~فأهلكته، فكذلك أنفقوا، فأهلكهم شركهم. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس { فيها ~~صر } قال برد شديد. ### || [3.118-120] # البطانة مصدر يسمى به الواحد، والجمع، وبطانة الرجل خاصته الذين ~~يستبطنون أمره، وأصله البطن الذي هو خلاف الظهر، وبطن فلان بفلان يبطن ~~بطونا، وبطانة إذا كان خاصا به، ومنه قول الشاعر # وهم خلصائي ms0613 كلهم وبطانتي وهم عيبتي من دون كل قريب # قوله { من دونكم } أي من سواكم، قاله الفراء أي من دون المسلمين، ~~وهم الكفار، أي بطانة كائنة من دونكم، ويجوز أن يتعلق بقوله { لا ~~تتخذوا }. وقوله { لا يألونكم خبالا } في محل نصب صفة ~~لبطانة، يقال لا ألوك جهدا أي لا أقصر. قال امرؤ القيس # وما المرء ما دامت حشاشة نفسه بمدرك أطراف الخطوب ~~ولا آل # والمراد لا يقصرون فيما فيه الفساد عليكم، وإنما عدي إلى مفعولين لكونه ~~مضمنا معنى المنع، أي لا يمنعونكم خبالا، والخبال، والخبل الفساد في ~~الأفعال، والأبدان، والعقول. قال أوس # أبني لبني لستم بيد إلا يدا مخبولة العضد # أي فاسدة العضد. قوله { ودوا ما عنتم } " ما " مصدرية، أي ~~ودوا عنتكم، والعنت المشقة، وشدة الضرر، والجملة مستأنفة مؤكدة للنهي. ~~قوله { قد بدت البغضاء } هي شدة البغض، كالضراء لشدة الضر. ~~والأفواه جمع فم. والمعنى أنها قد ظهرت البغضاء في كلامهم لأنهم لما ~~خامرهم من شدة البغض، والحسد أظهرت ألسنتهم ما في صدورهم، فتركوا التقية، ~~وصرحوا بالتكذيب. أما اليهود، فالأمر في ذلك واضح. وأما المنافقون، فكان ~~يظهر من فلتات ألسنتهم ما يكشف عن خبث طويتهم. وهذه الجملة مستأنفة لبيان ~~حالهم { وما تخفى صدورهم أكبر } لأن فلتات اللسان أقل مما ~~تجنه الصدور، بل تلك الفلتات بالنسبة إلى ما في الصدور قليلة جدا. ثم ~~إنه سبحانه امتن عليهم ببيان الآيات الدالة على وجوب الإخلاص إن كانوا ~~من أهل العقول المدركة لذلك البيان. قوله { هاأنتم أولاء } جملة ~~مصدرة بحرف التنبيه، أي أنتم أولاء الخاطئون في موالاتهم، ثم بين خطأهم ~~بتلك الموالاة بهذه الجملة التذييلية. فقال { تحبونهم ولا ~~يحبونكم } ، وقيل إن قوله { تحبونهم } خبر ثان لقوله { ~~أنتم } ، وقيل إن أولاء موصول، و { تحبونهم } صلته أي تحبونهم لما أظهروا ~~لكم الإيمان، أو لما بينكم، وبينهم من القرابة { ولا يحبونكم } ~~لما قد استحكم في صدورهم من الغيظ والحسد. قوله { وتؤمنون ~~بالكتب كله } أي بجنس الكتاب جميعا، ومحل الجملة النصب على ~~الحال، أي لا يحبونكم، والحال أنكم مؤمنون بكتب ms0614 الله سبحانه التي من ~~جملتها كتابهم، فما بالكم تحبونهم، وهم لا يؤمنون بكتابكم. وفيه توبيخ ~~لهم شديد، لأن من بيده الحق أحق بالصلابة، والشدة ممن هو على الباطل { ~~وإذا لقوكم قالوا آمنا } نفاقا وتقية { وإذا خلوا عضوا ~~عليكم الانامل من الغيظ } تأسفا، وتحسرا، حيث عجزوا عن ~~الانتقام منكم، والعرب تصف المغتاظ، والنادم يعض الأنامل، والبنان، ثم ~~أمره الله سبحانه بأن يدعو عليهم، فقال { قل موتوا بغيظكم } ~~وهو يتضمن استمرار غيظهم ما داموا في الحياة حتى يأتيهم الموت، وهم عليه، ~~ثم قال { إن الله عليم بذات الصدور } فهو يعلم ما في ~~صدوركم، وصدورهم، والمراد بذات الصدور الخواطر القائمة بها، وهو كلام ~~داخل تحت قوله { قل } فهو من جملة المقول. # قوله { إن تمسسكم حسنة تسؤهم } هذه الجملة مستأنفة ~~لبيان تناهي عداوتهم، وحسنة، وسيئة يعمان كل ما يحسن، وما يسوء. وعبر ~~بالمس في الحسنة، وبالإصابة في السيئة، للدلالة على أن مجرد مس الحسنة ~~يحصل به المساءة، ولا يفرحون إلا بإصابة السيئة، وقيل إن المس مستعار ~~لمعنى الإصابة. ومعنى الآية أن من كانت هذه حالته لم يكن أهلا لأن يتخذ ~~بطانة { وأن تصبروا } على عداوتهم، أو على التكاليف الشاقة { ~~وتتقوا } موالاتهم، أو ما حرمه الله عليكم { يضركم ~~كيدهم شيئا } ، يقال ضاره يضوره، ويضيره ضيرا، وضيورا بمعنى ~~ضره يضره، وبه قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو. وقرأ الكوفيون، وابن ~~عامر لا يضركم بضم الراء، وتشديدها من ضر يضر، فهو على القراءة الأولى ~~مجزوم على أنه جواب الشرط، وعلى القراءة الثانية مرفوع على تقدير إضمار ~~الفاء، كما في قول الشاعر # من يفعل الحسنات الله يشكرها # قاله الكسائي، والفراء، وقال سيوبيه إنه مرفوع على نية التقديم، أي لا ~~يضركم أن تصبروا. وحكى أبو زيد عن المفضل عن عاصم «لا يضركم» بفتح الراء، ~~و { شيئا } صفة مصدر محذوف. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال كان رجال من المسلمين يواصلون ~~رجالا من يهود لما كان بينهم من الجوار، والحلف في ms0615 الجاهلية، فأنزل الله ~~فيهم ينهاهم، عن مباطنتهم لخوف الفتنة عليهم منهم { يأيها الذين ~~ءامنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم... } الآية. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عنه قال هم المنافقون. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد ~~نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، عن أبي أمامة، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " هم الخوارج. " # قال السيوطي، وسنده جيد. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن ~~ابن عباس في قوله { وتؤمنون بالكتب كله } أي بكتابكم ~~وبكتابهم، وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق ~~بالبغضاء، لهم منهم لكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل { إن ~~تمسسكم حسنة } يعني النصر على العدو، والرزق، والخير { ~~تسؤهم وإن تصبكم سيئة } يعني القتل، والهزيمة، والجهد. ### || [3.121-129] # العامل في «إذ» فعل محذوف، أي واذكر إذ غدوت من منزل أهلك، أي من المنزل ~~الذي فيه أهلك. وقد ذهب الجمهور إلى أن هذه الآية نزلت في غزوة أحد. وقال ~~الحسن في يوم بدر. وقال مجاهد، ومقاتل، والكلبي في غزوة الخندق. قوله { ~~تبوىء } أي تتخذ لهم مقاعد للقتال، وأصل التبوء اتخاذ المنزل، يقال ~~بوأته منزلا إذا أسكنته إياه، والفعل في محل نصب على الحال. ومعنى ~~الآية واذكر إذ خرجت من منزل أهلك تتخذ للمؤمنين مقاعد للقتال، أي أماكن ~~يقعدون فيها، وعبر عن الخروج بالغدو الذي هو الخروج غدوة مع كونه صلى ~~الله عليه وسلم خرج بعد صلاة الجمعة، كما سيأتي لأنه قد يعبر بالغدو، ~~والرواح، عن الخروج، والدخول من غير اعتبار أصل معناهما، كما يقال، أضحى، ~~وإن لم يكن في وقت الضحى. قوله { إذ همت طائفتان منكم أن ~~تفشلا } هو بدل من { إذ غدوت } ، أو متعلق بقوله { تبوىء } ، أو ~~بقوله { سميع عليم } ، والطائفتان بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من ~~الأوس، وكانا جناحي العسكر يوم أحد، والفشل الجبن، والهم من ~~الطائفتين كان بعد الخروج، لما رجع عبد الله بن أبي بمن معه من ~~المنافقين، فحفظ الله قلوب المؤمنين، فلم يرجعوا، وذلك قوله { والله ~~وليهما ms0616 }. قوله { ولقد نصركم الله ببدر } جملة ~~مستأنفة سيقت لتصبيرهم بتذكير ما يترتب على الصبر من النصر. وبدر اسم ~~لماء كان في موضع الوقعة، وقيل هو اسم الموضع نفسه، وسيأتي سياق قصة بدر ~~في الأنفال إن شاء الله. وأذلة جمع قلة، ومعناه أنهم كانوا بسبب قلتهم ~~أذلة، وهو جمع ذليل استعير للقلة، إذ لم يكونوا في أنفسهم أذلة، بل كانوا ~~أعزة. والنصر العون. وقد شرح أهل التواريخ، والسير غزوة بدر وأحد بأتم ~~شرح، فلا حاجة لنا في سياق ذلك هاهنا. قوله { إذ تقول } متعلق بقوله ~~{ نصركم } والهمزة في قوله { ألن يكفيكم } للإنكار منه ~~عليهم عدم اكتفائهم بذلك المدد من الملائكة، ومعنى الكفاية سد الخلة، ~~والقيام بالأمر، والإمداد في الأصل إعطاء الشيء حالا بعد حال، والمجيء ~~ب " لن " لتأكيد النفي، وأصل الفور القصد إلى الشيء، والأخذ فيه بجد، ~~وهو من قولهم فارت القدر تفور فورا، وفورانا. إذا غلت، والفور الغليان، ~~وفار غضبه إذا جاش، وفعله من فوره أي قبل أن يسكن، والفوارة ما يفور من ~~القدر، استعير للسرعة، أي إن يأتوكم من ساعتهم هذه يمددكم ربكم بالملائكة ~~في حال إتيانهم لا يتأخر عن ذلك. قوله { مسومين } بفتح الواو اسم ~~مفعول، وهي قراءة ابن عامر، وحمزة، والكسائي، ونافع أي معلمين بعلامات. ~~وقرأ أبو عمرو، وابن كثير، وعاصم { مسومين } بكسر الواو اسم فاعل، أي ~~معلمين أنفسهم بعلامة. # ورجح ابن جرير هذه القراءة، والتسويم إظهار سيما الشيء. قال كثير من ~~المفسرين { مسومين } أي مرسلين خيلهم في الغارة، وقيل إن الملائكة ~~اعتمت بعمائم بيض، وقيل حمر، وقيل خضر، وقيل صفر، فهذه هي العلامة التي ~~علموا بها أنفسهم حكى ذلك عن الزجاج، وقيل كانوا على خيل بلق، وقيل غير ~~ذلك. قوله { وما جعله الله إلا بشرى لكم } كلام مبتدأ ~~غير داخل في مقول القول، والضمير في قوله { جعله } للإمداد المدلول عليه ~~بالفعل، أو للتسويم، أو للإنزال، ورجح الأول الزجاج، وصاحب الكشاف. ~~وقوله { إلا بشرى } استثناء مفرغ من أعم العام، والبشرى اسم من ~~البشارة، أي إلا لتبشروا بأنكم ms0617 تنصرون، ولتطمئن قلوبكم به، أي بالإمداد، ~~واللام لام كي، جعل الله ذلك الإمداد بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب، وفي ~~قصر الإمداد عليهما إشارة إلى عدم مباشرة الملائكة للقتال يومئذ { وما ~~النصر إلا من عند الله } لا من عند غيره، فلا تنفع كثرة ~~المقاتلة، ووجود العدة. قوله { ليقطع طرفا من الذين ~~كفروا } متعلق بقوله { ولقد نصركم الله ببدر } وقيل ~~متعلق بقوله { وما النصر إلا من عند الله } وقيل متعلق ~~بقوله { يمددكم } والطرف الطائفة، والمعنى نصركم الله ببدر ليقطع ~~طائفة من الكفار، وهم الذين قتلوا يوم بدر، أو وما النصر إلا من عند الله ~~ليقطع تلك الطائفة، أو يمددكم ليقطع. ومعنى يكبتهم يحزنهم، والمكبوت ~~المحزون. وقال بعض أهل اللغة معناه يكبدهم، أي يصيبهم بالحزن، والغيظ في ~~أكبادهم، وهو غير صحيح، فإن معنى كبت أحزن، وأغاظ، وأذل، ومعنى كبد أصاب ~~الكبد { فينقلبوا خائبين } أي غير ظافرين بمطلبهم. قوله { ~~ليس لك من الأمر شىء } جملة اعتراضية بين المعطوف، والمعطوف ~~عليه، أي أن الله مالك أمرهم يصنع بهم ما يشاء من الإهلاك، أو الهزيمة، ~~أو التوبة إن أسلموا، أو العذاب، فقوله { أو يتوب عليهم أو ~~يعذبهم } عطف على قوله، أو يكبتهم، وقال الفراء إن " أو " بمعنى " ~~إلا أن " ، بمعنى ليس لك من الأمر شيء إلا أن يتوب عليهم، فتفرح بذلك، أو ~~يعذبهم فتشفى بهم. قوله { ولله ما فى السموات وما في ~~الأرض } كلام مستأنف لبيان سعة ملكه { يغفر لمن يشاء } أن يغفر ~~له { ويعذب من يشاء } أن يعذبه يفعل في ملكه ما يشاء، ويحكم ما ~~يريد # لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون # الأنبياء 23 وفي قوله { والله غفور رحيم } إشارة إلى أن ~~رحمته سبقت غضبه، وتبشير لعباده بأنه المتصف بالمغفرة، والرحمة على وجه ~~المبالغة، وما أوقع هذا التذييل الجليل وأحبه إلى قلوب العارفين بأسرار ~~التنزيل. وقد أخرج ابن إسحاق، والبيهقي في الدلائل عن ابن شهاب، وعاصم بن ~~عمر بن قتادة، ومحمد بن يحيى بن حبان، والحصين بن عبد الرحمن بن أسعد بن ~~معاذ قالوا كان يوم ms0618 أحد يوم بلاء، وتمحيص، اختبر الله به المؤمنين، ومحق ~~به المنافقين ممن كان يظهر الإسلام بلسانه، وهو مستخف بالكفر، ويوم أكرم ~~الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته. # وكان مما نزل من القرآن في يوم أحد ستون آية من آل عمران فيها صفة ما ~~كان في يومه ذلك، ومعاتبة من عاتب منهم، يقول الله لنبيه { وإذ ~~غدوت من أهلك... } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من ~~طريق العوفي عن ابن عباس { وإذ غدوت من أهلك... } الآية قال ~~يوم أحد. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله { تبوىء ~~المؤمنين } قال توطن. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن أن ~~الآية في يوم الأحزاب. وقد ورد في كتب السير، والتاريخ كيفية الاختلاف في ~~المشورة على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم أحد، فمن قائل نخرج إليهم، ~~ومن قائل نبقى في المدينة، فخرج، وكان من جملة المشيرين عبد الله بن أبي ~~بن سلول رأس المنافقين، كان رأيه البقاء في المدينة، والمقاتلة فيها، ثم ~~لما خولف في رأيه انخذل بمن معه من المنافقين، وهم قدر الثلث من القوم ~~الذين خرج بهم النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما ~~عن جابر قال فينا نزلت في بني حارثة، وبني سلمة { إذ همت ~~طائفتان منكم أن تفشلا } وما يسرني أنها لم تنزل لقوله { ~~والله وليهما }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في ~~قوله { إذ همت طائفتان } قال ذلك يوم أحد. وأخرج ابن جرير، ~~عن ابن عباس قال هم بنو حارثة، وبنو سلمة. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد { ~~ولقد نصركم الله ببدر } إلى { ثلاثة آلاف من ~~الملئكة منزلين } في قصة بدر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~عن الحسن في قوله { وأنتم أذلة } يقول وأنتم قليل، وهم يومئذ ~~بضعة عشر وثلاثمائة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن الشعبي أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي ~~يمد ms0619 المشركين فشق ذلك عليهم، فأنزل الله { ألن يكفيكم أن ~~يمدكم ربكم بثلاثة آلاف } إلى قوله { مسومين } قال فبلغت ~~كرزا، فلم يمد المشركين، ولم يمد المسلمين بالخمسة. وأخرج ابن جرير عن ~~الشعبي لما كان يوم بدر بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحوه ~~إلا أنه قال { ويأتوكم من فورهم هذا } يعني كرزا، ~~وأصحابه { يمددكم ربكم بخمسة ءالاف من الملئكة ~~مسومين } فبلغ كرزا، وأصحابه الهزيمة، فلم يمدهم، ولم ينزل ~~الخمسة، وأمدوا بعد ذلك بألف، فهم أربعة آلاف. # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في الآية قال ~~أمدوا بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف، وذلك يوم بدر. ~~وأخرج ابن جرير، عن عكرمة في قوله { بلى إن تصبروا وتتقوا ~~} الآية، قال هذا يوم أحد، فلم يصبروا، ولم يتقوا، فلم يمدوا يوم أحد، ~~ولو أمدوا لم ينهزموا يومئذ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن الضحاك نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في ~~قوله { ويأتوكم من فورهم هذا } يقول من سفرهم هذا. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، عن عكرمة { من فورهم } قال من وجههم. وأخرج ابن ~~جرير عن الحسن، والربيع، وقتادة، والسدي مثله، وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، عن مجاهد من فورهم قال من غضبهم. وأخرجا عن أبي صالح مولى أم هانىء ~~مثله. وأخرج الطبراني، وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس. قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في قوله { مسومين } قال معلمين، وكانت ~~سيما الملائكة يوم بدر عمائم سوداء، ويوم أحد عمائم حمراء. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن عبد الله ~~بن الزبير أن الزبير كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتجرا بها، فنزلت ~~الملائكة عليهم عمائم صفر. وأخرج ابن إسحاق، والطبراني عن ابن عباس قال ~~كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء، قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم ~~حنين عمائم حمراء، ولم تضرب الملائكة في يوم ms0620 سوى يوم بدر، وكانوا يكونون ~~عددا، ومددا لا يضربون. وفي بيان التسويم عن السلف اختلاف كثير لا ~~يتعلق به كثير فائدة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن قتادة في قوله { ليقطع طرفا من الذين ~~كفروا } قال قطع الله يوم بدر طرفا من الكفار، وقتل صناديدهم، ~~ورءوسهم، وقادتهم في الشر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم في قوله { ~~ليقطع طرفا } قال هذا يوم بدر قطع الله طائفة منهم، وبقيت طائفة. ~~وأخرج ابن جرير، عن السدي قال ذكر الله قتلى المشركين بأحد، وكانوا ~~ثمانية عشر رجلا، فقال { ليقطع طرفا من الذين كفروا } ~~ثم ذكر الله الشهداء، فقال # ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أموتا # آل عمران 169. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله { أو يكبتهم } ~~قال يحزنهم. وأخرج ابن جرير، عن قتادة، والربيع مثله. وأخرج البخاري، ~~ومسلم وغيرهما عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد، ~~وشج في وجهه حتى سال الدم، فقال # " كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟ " # فأنزل الله { ليس لك من الأمر شىء... } الآية. وقد روي هذا ~~المعنى في روايات كثيرة. وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما، عن ابن عمر قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد # " اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل ~~بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية، " # فنزلت هذه الآية { ليس لك من الأمر شىء } ». وأخرج البخاري، ~~ومسلم، وغيرهما أيضا من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع # " اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، ~~والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين ~~كسني يوسف، " # يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر # " اللهم العن فلانا، وفلانا لأحياء من أحياء العرب، " # حتى أنزل الله { ليس لك من الأمر ms0621 شىء } وفي لفظ # " اللهم العن لحيان، ورعلا، وذكوان، وعصية عصت الله ورسوله، " # ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزل قوله { ليس لك من الأمر شىء } ~~الآية. ### || [3.130-136] # قوله { يا أيها الذين آمنوا } قيل هو كلام مبتدأ للترهيب، والترغيب فيما ~~ذكر وقيل هو اعتراض بين أثناء قصة أحد. وقوله { أضعفا ~~مضعفة } ليس لتقييد النهي لما هو معلوم من تحريم الربا على كل ~~حال، ولكنه جيء به باعتبار ما كانوا عليه من العادة التي يعتادونها في ~~الربا، فإنهم كانوا يربون إلى أجل، فإذا حل الأجل زادوا في المال مقدارا ~~يتراضون عليه، ثم يزيدون في أجل الدين، فكانوا يفعلون ذلك مرة بعد مرة ~~حتى يأخذ المربي أضعاف دينه الذي كان له في الابتداء وأضعافا حال، ~~ومضاعفة نعت له، وفيه إشارة إلى تكرار التضعيف عاما بعد عام، والمبالغة ~~في هذه العبارة تفيد تأكيد التوبيخ. قوله { واتقوا النار التى ~~أعدت للكفرين } فيه الإرشاد إلى تجنب ما يفعله الكفار في ~~معاملاتهم. قال كثير من المفسرين وفيه أنه يكفر من استحل الربا، وقيل ~~معناه اتقوا الربا الذي ينزع منكم الإيمان، فتستوجبون النار، وإنما خص ~~الربا في هذه الآية لأنه الذي توعد الله عليه بالحرب منه لفاعله. وقوله { ~~وأطيعوا الله والرسول } حذف المتعلق مشعر بالتعميم، أي في ~~كل أمر، ونهي { لعلكم ترحمون } أي راجين الرحمة من الله عز ~~وجل. وقوله { وسارعوا } عطف على أطيعوا، وقرأ نافع، وابن عامر " ~~سارعوا " بغير واو، وكذلك في مصاحف أهل المدينة، وأهل الشام، وقرأ ~~الباقون بالواو. قال أبو علي كلا الأمرين سائغ مستقيم. والمسارعة ~~المبادرة، وفي الآية حذف، أي سارعوا إلى ما يوجب المغفرة من الطاعات. ~~وقوله { عرضها السموات والارض } أي عرضها، كعرض السموات، ~~والأرض، ومثله الآية الأخرى # عرضها كعرض السماء والأرض # الحديد 21 وقد اختلف في معنى ذلك، فذهب الجمهور إلى أنها تقرن السموات، ~~والأرض بعضها إلى بعض، كما تبسط الثياب، ويوصل بعضها إلى بعض، فذلك عرض ~~الجنة، ونبه بالعرض على الطول لأن الغالب أن الطول يكون أكثر من العرض، ~~وقيل إن ms0622 هذا الكلام جاء على نهج كلام العرب من الاستعارة دون الحقيقة، ~~وذلك أنها ما كانت الجنة من الاتساع، والانفساح في غاية قصوى، حسن ~~التعبير عنها بعرض السموات، والأرض مبالغة لأنهما أوسع مخلوقات الله ~~سبحانه فيما يعلمه عباده، ولم يقصد بذلك التحديد. والسراء اليسر، والضراء ~~العسر. وقد تقدم تفسيرهما، وقيل السراء الرخاء، والضراء الشدة، وهو مثل ~~الأول، وقيل السراء في الحياة، والضراء بعد الموت. قوله { ~~والكظمين الغيظ } يقال كظم غيظه أي سكت عليه، ولم يظهره، ~~ومنه كظمت السقاء أي ملأته. والكظامة ما يسد به مجرى الماء، وكظم البعير ~~جرته إذا ردها في جوفه، وهو عطف على الموصول الذي قبله. قوله { ~~والعفين عن الناس } أي التاركين عقوبة من أذنب إليهم، ~~واستحق المؤاخذة، وذلك من أجل ضروب الخير وظاهره العفو عن الناس سواء ~~كانوا من المماليك أم لا. # وقال الزجاج وغيره المراد بهم المماليك. واللام في { المحسنين } يجوز أن ~~تكون للجنس، فيدخل فيه كل محسن من هؤلاء، وغيرهم، ويجوز أن تكون للعهد، ~~فيختص بهؤلاء، والأول أولى اعتبارا بعموم اللفظ لا بخصوص السياق، فيدخل ~~تحته كل من صدر منه مسمى الإحسان، أي إحسان كان. قوله { والذين ~~إذا فعلوا فحشة } هذا مبتدأ، وخبره { أولئك } وقيل ~~معطوف على المتقين. والأول أولى، وهؤلاء هم صنف دون الصنف الأول ملحقين ~~بهم، وهم التوابون، وسيأتي ذكر سبب نزولها، والفاحشة وصف لموصوف محذوف، ~~أي فعلة فاحشة، وهي تطلق على كل معصية. وقد كثر اختصاصها بالزنا. وقوله { ~~أو ظلموا أنفسهم } أي باقتراف ذنب من الذنوب، وقيل " أو " ~~بمعنى الواو. والمراد ما ذكر، وقيل الفاحشة الكبيرة، وظلم النفس الصغيرة ~~وقيل غير ذلك. قوله { ذكروا الله } أي بألسنتهم، أو أخطروه في ~~قلوبهم، أو ذكروا وعده، ووعيده { فاستغفروا لذنوبهم } أي ~~طلبوا المغفرة لها من الله سبحانه، وتفسيره بالتوبة خلاف معناه لغة، وفي ~~الاستفهام بقوله { ومن يغفر الذنوب إلا الله } من ~~الإنكار مع ما يتضمنه من الدلالة على أنه المختص بذلك سبحانه دون غيره، ~~أي لا يغفر جنس الذنوب أحد إلا الله، وفيه ترغيب لطلب ms0623 المغفرة منه ~~سبحانه، وتنشيط للمذنبين أن يقفوا في مواقف الخضوع، والتذلل، وهذه الجملة ~~اعتراضية بين المعطوف، والمعطوف عليه. وقوله { ولم يصروا على ~~ما فعلوا } عطف على فاستغفروا، أي لم يقيموا على قبيح فعلهم. وقد ~~تقدم تفسير الإصرار. والمراد به هنا العزم على معاودة الذنب، وعدم ~~الإقلاع عنه بالتوبة منه. وقوله { وهم يعلمون } جملة حالية، أي ~~لم يصروا على فعلهم عالمين بقبحه. قوله { أولئك جزآؤهم } ~~الإشارة إلى المذكورين بقوله { والذين إذا فعلوا فحشة ~~}. وقوله { جزآؤهم } بدل اشتمال من اسم الإشارة. وقوله { مغفرة ~~} خبر { من ربهم } متعلق بمحذوف وقع صفة لمغفرة، أي كائنة من ~~ربهم. وقوله { ونعم أجر العملين } المخصوص بالمدح محذوف، ~~أي أجرهم، أو ذلك المذكور. وقد تقدم تفسير الجنات، وكيفية جري الأنهار ~~من تحتها. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، ~~قال كانوا يتبايعون إلى الأجل، فإذا جاء الأجل زادوا عليهم، وزادوا في ~~الأجل، فنزلت { يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا ~~الربا أضعفا مضعفة }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ~~عطاء قال كانت ثقيف تدين بني المغيرة في الجاهلية، وذكر نحوه. وأخرج ابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن معاوية بن قرة قال كان الناس يتأولون هذه ~~الآية { واتقوا النار التى أعدت للكفرين } اتقوا ~~لا أعذبكم بذنوبكم في النار التي أعددتها للكافرين. # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن عطاء بن أبي رباح قال ~~قال المسلمون يا رسول الله أبنو إسرائيل كانوا أكرم على الله منا؟ كانوا ~~إذا أذنب أحدهم ذنبا أصبح كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه اجدع أنفك ~~اجدع أذنك افعل كذا وكذا، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت { ~~وسارعوا... } الآية. وأخرج ابن المنذر، عن أنس بن مالك في تفسير { ~~وسارعوا } قال التكبيرة الأولى. وأخرج ابن جرير من طريق السدي عن ~~ابن عباس في قوله { عرضها السموات والأرض } مثل ما ذكرناه ~~سابقا عن الجمهور. وأخرج نحوه عنه سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم من طريق كريب. وأخرج ابن جرير، وابن ms0624 أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله ~~{ الذين ينفقون فى السراء والضراء } يقول في اليسر ~~والعسر { والكظمين الغيظ } يقول كاظمين على الغيظ. وقد وردت ~~أحاديث كثيرة. في ثواب من كظم الغيظ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، عن النخعي في الآية قال الظلم من الفاحشة، والفاحشة من الظلم. ~~وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والطبراني، وابن أبي ~~الدنيا، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن مسعود قال إن في كتاب الله لآيتين ~~ما أذنب عبد ذنبا، فقرأهما، فاستغفر الله إلا غفر له { والذين ~~إذا فعلوا فحشة } الآية، وقوله # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه... # الآية النساء 110. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن ثابت ~~البناني قال بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية بكى { والذين ~~إذا فعلوا فحشة... } الآية. وأخرج الحكيم الترمذي عن عطاف بن ~~خالد قال بلغني أنه لما نزل قوله تعالى { ومن يغفر الذنوب ~~إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا } صاح إبليس ~~بجنوده، وحثا على رأسه التراب، ودعا بالويل والثبور، حتى جاءته جنوده من ~~كل بر، وبحر، فقالوا مالك يا سيدنا؟ قال آية نزلت في كتاب الله لا يضر ~~بعدها أحدا من بني آدم ذنب، قالوا وما هي؟ فأخبرهم، قالوا نفتح لهم باب ~~الأهواء، فلا يتوبون، ولا يستغفرون، ولا يرون إلا أنهم على الحق، فرضي ~~منهم بذلك. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والحميدي، وعبد بن حميد، وأهل ~~السنن الأربع، وحسنه النسائي، وابن حبان، والدارقطني في الإفراد، ~~والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن السني، ~~والبيهقي في الشعب، والضياء في المختارة عن أبي بكر الصديق سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول # " ما من رجل يذنب ذنبا، ثم يقوم عند ذكر ذنبه فيتطهر، ثم يصلى ركعتين، ~~ثم يستغفر الله من ذنبه ذلك إلا غفر الله له، " # ثم قرأ هذه الآية { والذين إذا فعلوا فحشة. # .. } الآية وأخرج البيهقي في الشعب، عن الحسن مرفوعا نحوه، ولكنه قال # " ثم خرج ms0625 إلى براز من الأرض فصلى ". # وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، والبيهقي في الشعب، عن أبي بكر الصديق قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة " # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله { ~~ولم يصروا } فيسكتون، ولا يستغفرون. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ~~{ ونعم أجر العملين } قال أجر العاملين بطاعة الله الجنة. ### || [3.137-148] # قوله { قد خلت من قبلكم سنن } هذا رجوع إلى وصف باقي ~~القصة. والمراد بالسنن ما سنه الله في الأمم من وقائعه، أي قد خلت من ~~قبل زمانكم وقائع سنها الله في الأمم المكذبة، وأصل السنن جمع سنة وهي ~~الطريقة المستقيمة، ومنه قول الهذلي # فلا تجزعن من سنة أنت سرتها فأول راض سنة من ~~يسيرها # والسنة الإمام المتبع المؤتم به، ومنه قول لبيد # من معشر سنت لهم آباؤهم ولكل قوم سنة وإمام # والسنة الأمة، والسنن الأمم، قاله المفضل الضبي. وقال الزجاج المعنى في ~~الآية أهل سنن، فحذف المضاف، والفاء في قوله { فسيروا } سببية وقيل ~~شرطية، أي إن شككتم، فسيروا. والعاقبة آخر الأمر، والمعنى سيروا، فانظروا ~~كيف كان عاقبة المكذبين، فإنهم خالفوا رسلهم بالحرص على الدنيا، ثم ~~انقرضوا، فلم يبق من دنياهم التي آثروها أثر. هذا قول أكثر المفسرين. ~~والمطلوب من هذا السير المأمور به هو حصول المعرفة بذلك، فإن حصلت بدونه، ~~فقد حصل المقصود، وإن كان لمشاهدة الآثار زيادة غير حاصلة لمن لم ~~يشاهدها، والإشارة بقوله { هذا } إلى قوله { قد خلت } وقال ~~الحسن إلى القرآن { بيان للناس } أي تبيين لهم، وتعريف الناس ~~للعهد، وهم المكذبون، أو للجنس، أي للمكذبين، وغيرهم. وفيه حث على النظر ~~في سوء عاقبة المكذبين، وما انتهى إليه أمرهم. قوله { وهدى ~~وموعظة } أي هذا النظر مع كونه بيانا فيه هدى، وموعظة للمتقين من ~~المؤمنين، فعطف الهدى، والموعظة على البيان يدل على التغاير، ولو باعتبار ~~المتعلق، وبيانه أن اللام في الناس ms0626 إن كانت للعهد، فالبيان للمكذبين، ~~والهدى، والموعظة للمؤمنين، وإن كانت للجنس، فالبيان لجميع الناس مؤمنهم، ~~وكافرهم، والهدى، والموعظة للمتقين وحدهم. قوله { ولا تهنوا ولا ~~تحزنوا } عزاهم، وسلاهم بما نالهم يوم أحد من القتل، والجراح، وحثهم ~~على قتال عدوهم، ونهاهم عن العجز، والفشل، ثم بين لهم أنهم الأعلون على ~~عدوهم بالنصر والظفر، وهي جملة حالية، أي والحال أنكم الأعلون عليهم، ~~وعلى غيرهم بعد هذه الوقعة. وقد صدق الله وعده، فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعد وقعة أحد ظفر بعدوه في جميع وقعاته وقيل المعنى وأنتم الأعلون ~~عليهم بما أصبتم منهم في يوم بدر، فإنه أكثر مما أصابوا منكم اليوم. ~~وقوله { إن كنتم مؤمنين } متعلق بقوله { ولا تهنوا } وما ~~بعده، أو بقوله { وأنتم الاعلون } أي إن كنتم مؤمنين، فلا ~~تهنوا، ولا تحزنوا، أو إن كنتم مؤمنين، فأنتم الأعلون. والقرح بالضم، ~~والفتح الجرح، وهما لغتان فيه، قاله الكسائي، والأخفش. وقال الفراء هو ~~بالفتح الجرح، وبالضم ألمه. وقرأ محمد بن السميفع «قرح» بفتح القاف، ~~والراء على المصدر. # والمعنى في الآية إن نالوا منكم يوم أحد، فقد نلتم منهم يوم بدر، فلا ~~تهنوا لما أصابكم في هذا اليوم، فإنهم لم يهنوا لما أصابهم في ذلك اليوم، ~~وأنتم أولى بالصبر منهم. وقيل إن المراد بما أصاب المؤمنين والكافرين في ~~هذا اليوم، فإن المسلمين انتصروا عليهم في الابتداء، فأصابوا منهم جماعة، ~~ثم انتصر الكفار عليهم، فأصابوا منهم. والأول أولى لأن ما أصابه ~~المسلمون من الكفار في هذا اليوم لم يكن مثل ما أصابوه منهم فيه. وقوله { ~~وتلك الايام } أي الكائنة بين الأمم في حروبها، والآتية فيما بعد ~~كالأيام الكائنة في زمن النبوة تارة تغلب هذه الطائفة، وتارة تغلب ~~الأخرى، كما وقع لكم أيها المسلمون في يوم بدر، وأحد، وهو معنى قوله { ~~نداولها بين الناس } فقوله { تلك } مبتدأ، و { الأيام } ~~صفته، والخبر { نداولها } ، وأصل المداولة المعاورة، داولته بينهم ~~عاورته. والدولة الكرة، ويجوز أن تكون الأيام خبرا، ونداولها حالا، ~~والأول أولى. وقوله { وليعلم الله } معطوف على علة مقدرة ms0627 كأنه ~~قال نداولها بين الناس ليظهر أمركم وليعلم، أو يكون المعلل محذوفا، أي ~~ليعلم الله الذين اتقوا، فعلنا ذلك، وهو من باب التمثيل، أي فعلنا فعل من ~~يريد أن يعلم لأنه سبحانه لم يزل عالما، أو ليعلم الله الذين آمنوا ~~بصبرهم علما يقع عليه الجزاء، كما علمه علما أزليا { ويتخذ ~~منكم شهداء } أي يكرمهم بالشهادة. والشهداء جمع شهيد، سمي بذلك ~~لكونه مشهودا له بالجنة، أو جمع شاهد لكونه، كالمشاهد للجنة، و " من " ~~للتبعيض، وهم شهداء أحد. وقوله { والله لا يحب الظلمين } ~~جملة معترضة بين المعطوف، والمعطوف عليه لتقرير مضمون ما قبله. وقوله { ~~وليمحص الله الذين ءامنوا } من جملة العلل معطوف على ما ~~قبله. والتمحيص الاختبار. وقيل التطهير على حذف مضاف، أي ليمحص ذنوب ~~الذين آمنوا، قاله الفراء، وقيل يمحص يخلص، قاله الخليل، والزجاج، أي ~~ليخلص المؤمنين من ذنوبهم. وقوله { ويمحق الكفرين } أي ~~يستأصلهم بالهلاك، وأصل التمحيق محو الآثار، والمحق نقصها. قوله { أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة } كلام مستأنف لبيان ما ذكر من ~~التمييز، وأم هي المنقطعة، والهمزة للإنكار، أي بل أحسبتم، والواو في ~~قوله { ولما يعلم الله } واو الحال. والجملة حالية، وفيه ~~تمثيل كالأول، أو علم يقع عليه الجزاء. وقوله { ويعلم ~~الصبرين } منصوب بإضمار " أن " ، كما قال الخليل، وغيره على أن ~~الواو للجمع. وقال الزجاج " الواو " بمعنى " حتى " ، وقرأ الحسن، ويحيى ~~بن يعمر «ويعلم الصابرين» بالجزم عطفا على { ولما يعلم } وقريء ~~بالرفع على القطع، وقيل إن قوله { ولما يعلم } كناية عن نفي ~~المعلوم، وهو الجهاد والمعنى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، والحال أنه لم ~~يتحقق منكم الجهاد، والصبر، أي الجمع بينهما، ومعنى " لما " معنى «لم» ~~عند الجمهور، وفرق سيبويه بينهما، فجعل " لم " لنفي الماضي، و " لما " ~~لنفي الماضي والمتوقع. # قوله { ولقد كنتم تمنون الموت } هو خطاب لمن كان يتمنى ~~القتال، والشهادة في سبيل الله ممن لم يحضر يوم بدر، فإنهم كانوا يتمنون ~~يوما يكون فيه قتال، فلما كان يوم أحد انهزموا مع أنهم الذين ألحوا على ~~رسول الله صلى الله ms0628 عليه وسلم بالخروج، ولم يصبر منهم إلا نفر يسير مثل ~~أنس بن النضر عم أنس بن مالك. وقوله { من قبل أن تلقوه } أي ~~القتال، أو الشهادة التي هي سبب الموت. وقرأ الأعمش «من قبل أن تلاقوه» ~~وقد ورد النهي عن تمني الموت، فلا بد من حمله هنا على الشهادة. قال ~~القرطبي وتمني الموت من المسلمين يرجع إلى تمني الشهادة المبنية على ~~الثبات، والصبر على الجهاد لا إلى قتل الكفار لهم لأنه معصية وكفر، ولا ~~يجوز إرادة المعصية، وعلى هذا يحمل سؤال المسلمين من الله أن يرزقهم ~~الشهادة، فيسألون الصبر على الجهاد، وإن أدى إلى القتل. قوله { فقد ~~رأيتموه } أي القتال، أو ما هو سبب للموت، ومحل قوله { وأنتم ~~تنظرون } النصب على الحال، وقيد الرؤية بالنظر مع اتحاد معناهما ~~للمبالغة، أي قد رأيتموه معاينين له حين قتل من قتل منكم. قال الأخفش إن ~~التكرير بمعنى التأكيد مثل قوله # ولا طائر يطير بجناحيه # الأنعام 38 وقيل معناه بصراء ليس في أعينكم علل، وقيل معناه وأنتم ~~تنظرون إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله { وما محمد إلا ~~رسول قد خلت من قبله الرسل }. سبب نزول هذه ما سيأتي من ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أصيب في يوم أحد صاح الشيطان قائلا قد ~~قتل محمد، ففشل بعض المسلمين، حتى قال قائل قد أصيب محمد، فأعطوا ~~بأيديكم، فإنما هم إخوانكم، وقال آخر لو كان رسولا ما قتل، فرد الله ~~عليهم ذلك، وأخبرهم بأنه رسول قد خلت من قبله الرسل، وسيخلو، كما خلوا، ~~فجملة قوله { قد خلت من قبله الرسل } صفة لرسول. والقصر ~~قصر إفراد، كأنهم استبعدوا هلاكه، فأثبتوا له صفتين الرسالة، وكونه لا ~~يهلك، فرد الله عليهم ذلك بأنه رسول لا يتجاوز ذلك إلى صفة عدم الهلاك، ~~وقيل هو قصر قلب. وقرأ ابن عباس «قد خلت من قبل رسل» ثم أنكر الله عليهم ~~بقوله { أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } أي كيف ترتدون، وتتركون ~~دينه إذا مات، أو قتل مع علمكم أن ms0629 الرسل تخلو، ويتمسك أتباعهم بدينهم، ~~وإن فقدوا بموت، أو قتل، وقيل الإنكار لجعلهم خلو الرسل قبله سببا ~~لانقلابهم بموته، أو قتله، وإنما ذكر القتل مع علمه سبحانه أنه لا يقتل ~~لكونه مجوزا عند المخاطبين. # قوله { ومن ينقلب على عقبيه } أي بإدباره عن القتال، أو ~~بارتداده عن الإسلام { فلن يضر الله شيئا } من الضرر، وإنما ~~يضر نفسه { وسيجزى الله الشكرين } أي الذين صبروا، ~~وقاتلوا، واستشهدوا لأنهم بذلك شكروا نعمة الله عليهم بالإسلام، ومن ~~امتثل ما أمر به، فقد شكر النعمة التي أنعم الله بها عليه. قوله { وما ~~كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } هذا كلام مستأنف ~~يتضمن الحث على الجهاد، والاعلام بأن الموت لا بد منه. ومعنى { ~~بإذن الله } بقضاء الله، وقدره، وقيل إن هذه الجملة متضمنة ~~للإنكار على من فشل بسبب ذلك الإرجاف بقتله صلى الله عليه وسلم، فبين لهم ~~أن الموت بالقتل، أو بغيره منوط بإذن الله، وإسناده إلى النفس مع كونها ~~غير محتارة له للإيذان بأنه لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الله. ~~وقوله { كتبا } مصدر مؤكد لما قبله لأن معناه كتب الله الموت ~~كتابا. والمؤجل المؤقت الذي لا يتقدم على أجله، ولا يتأخر. قوله { ~~ومن يرد } أي بعمله { ثواب الدنيا } كالغنيمة، ونحوها، ~~واللفظ يعم كل ما يسمى ثواب الدنيا، وإن كان السبب خاصا { نؤته ~~منها } أي من ثوابها على حذف المضاف { ومن يرد } بعمله { ثواب ~~الأخرة } وهو الجنة نؤته من ثوابها، وتضاعف له الحسنات أضعافا كثيرة ~~{ وسنجزى الشكرين } بامتثال ما أمرناهم به كالقتال، ونهيناهم ~~عنه كالفرار، وقبول الإرجاف. وقوله { وكأين } قال الخليل، وسيبويه ~~هي، " أي " دخلت عليها كاف التشبيه، وثبتت معها، فصارت بعد التركيب بمعنى ~~" كم " ، وصورت في المصحف " نونا " ، لأنها كلمة نقلت عن أصلها، فغير ~~لفظها لتغيير معناها، ثم كثر استعمالها، فتصرفت فيها العرب بالقلب، ~~والحذف، فصار فيها أربع لغات قريء بها أحدها كائن مثل كاعن، وبها قرأ ابن ~~كثير، ومثله قول الشاعر # وكائن بالأباطح من صديق يراني لو أصبت هو المصابا # وقال ms0630 آخر # وكائن رددنا عنكم من مدجج يجيء أمام الركب يردى ~~مقنعا # وقال زهير # وكائن ترى من معجب لك شخصه زيادته أو نقصه في ~~التكلم # { وكأين } بالتشديد مثل كعين، وبه قرأ الباقون، وهو الأصل. والثالثة ~~كأين مثل كعين مخففا. والرابعة كيئن بياء بعدها همزة مكسورة، ووقف أبو ~~عمرو بغير نون، فقال كأي لأنه تنوين، ووقف الباقون بالنون. والمعنى كثير ~~من الأنبياء قتل معه ربيون قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب " قتل ~~" على البناء للمجهول، وهي قراءة ابن عباس، واختارها أبو حاتم، وفيه ~~وجهان أحدهما أن يكون في «قتل» ضمير يعود إلى النبي، وحينئذ يكون قوله { ~~معه ربيون } جملة حالية، كما يقال قتل الأمير معه جيش، أي ومعه ~~جيش، والوجه الثاني أن يكون القتل، واقعا على ربيون، فلا يكون في قتل ~~ضمير، والمعنى قتل بعض أصحابه، وهم الربيون. # وقرأ الكوفيون، وابن عامر { قاتل } وهي قراءة ابن مسعود، واختارها أبو ~~عبيد، وقال إن الله إذا حمد من قاتل كان من قتل داخلا فيه، وإذا حمد من ~~قتل لم يدخل فيه من قاتل، ولم يقتل، فقاتل أعم، وأمدح، ويرجح هذه ~~القراءة الأخرى. والوجه الثاني من القراءة الأولى قول الحسن ما قتل نبي ~~في حرب قط، وكذا قال سعيد بن جبير، " والربيون " بكسر الراء قراءة ~~الجمهور، وقرأ علي بضمها، وابن عباس بفتحها، وواحده ربي بالفتح منسوب ~~إلى الرب، والربى بضم الراء، وكسرها منسوب إلى الربة بكسر الراء، وضمها، ~~وهي الجماعة، ولهذا، فسرهم جماعة من السلف بالجماعات الكثيرة، وقيل هم ~~الأتباع وقيل هم العلماء. قال الخليل الربي الواحد من العباد الذين صبروا ~~مع الأنبياء، وهم الربانيون نسبوا إلى التأله، والعبادة، ومعرفة ~~الربوبية. وقال الزجاج الربيون بالضم الجماعات. قوله { فما وهنوا } ~~عطف على قاتل، أو قتل. والوهن انكسار الجد بالخوف. وقرأ الحسن «وهنوا» ~~بكسر الهاء، وضمها. قال أبو زيد لغتان وهن الشيء يهن، وهنا ضعف، أي ما ~~وهنوا لقتل نبيهم، أو لقتل من قتل منهم. { وما ضعفوا } أي عن عدوهم { ~~وما استكانوا } لما أصابهم في الجهاد. ms0631 والاستكانة الذلة، والخضوع، ~~وقريء «وما وهنوا وما ضعفوا» بإسكان الهاء، والعين. وحكى الكسائي " ضعفوا ~~" بفتح العين، وفي هذا توبيخ لمن انهزم يوم أحد، وذل، واستكان، وضعف ~~بسبب ذلك الإرجاف الواقع من الشيطان، ولم يصنع، كما صنع أصحاب من خلا من ~~قبلهم من الرسل. قوله { وما كان قولهم } أي قول أولئك الذين ~~كانوا مع الأنبياء إلا هذا القول، وقولهم منصوب على أنه خبر كان. وقرأ ~~ابن كثير، وعاصم في رواية عنهما برفع قولهم. وقوله { إلا أن قالوا ~~} استثناء مفرغ أي ما كان قولهم عند أن قتل منهم ربانيون، أو قتل نبيهم { ~~إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا } قيل هي الصغائر. ~~وقوله { وإسرافنا فى أمرنا } قيل هي الكبائر، والظاهر أن ~~الذنوب تعم كل ما يسمى ذنبا من صغيرة، أو كبيرة، والإسراف ما فيه مجاوزة ~~للحد، فهو من عطف الخاص على العام، قالوا ذلك مع كونهم ربانيين هضما ~~لأنفسهم { وثبت أقدامنا } في مواطن القتال { فاتهم ~~الله } بسبب ذلك { ثواب الدنيا } من النصر، والغنيمة، والعزة، ~~ونحوها { وحسن ثواب الأخرة } من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي ~~ثواب الآخرة الحسن، وهو نعيم الجنة، جعلنا الله من أهلها. وقد أخرج عبد ~~بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله { ~~قد خلت من قبلكم سنن } قال تداول من الكفار، والمؤمنين في ~~الخير، والشر. # وأخرج ابن أبي شيبة في كتاب المصاحف عن سعيد بن جبير قال أول ما نزل من ~~آل عمران، { هذا بيان للناس } ثم أنزل بقيتها يوم أحد. وأخرج ~~ابن جرير، عن الحسن في قوله { هذا بيان } يعني القرآن. وأخرج عبد ~~بن حميد، وابن جرير، عن قتادة نحوه، وأخرج ابن جرير، من طريق العوفي، عن ~~ابن عباس قال أقبل خالد بن الوليد يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم # " اللهم لا يعلون علينا " # فأنزل الله { ولا تهنوا ولا تحزنوا } الآية. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج قال انهزم أصحاب رسول الله صلى ms0632 ~~الله عليه وسلم في الشعب يوم أحد، فسألوا ما فعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وما فعل فلان، فنعى بعضهم لبعض، وتحدثوا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد قتل، فكانوا في هم وحزن، فبينما هم كذلك علا خالد بن الوليد ~~بخيل المشركين، فوقهم على الجبل، وكانوا على أحد مجنبتي المشركين، وهم ~~أسفل من الشعب، فلما رأوا النبي فرحوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " اللهم لا قوة لنا إلا بك، وليس أحد يعبدك بهذا البلد غير هؤلاء ~~النفر، فلا تهلكهم " # وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا، فرموا خيل المشركين حتى هزمهم الله، ~~وعلا المسلمون الجبل، فذلك قوله { وأنتم الاعلون إن كنتم ~~مؤمنين }. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك { وأنتم الأعلون ~~} قال وأنتم الغالبون. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، عن مجاهد { إن يمسسكم قرح } قال جراح وقتل. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله { إن يمسسكم قرح ~~فقد مس القوم قرح مثله } قال إن يقتل منكم يوم أحد، فقد ~~قتل منهم يوم بدر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي عن ابن ~~عباس في قوله { وتلك الأيام نداولها بين الناس } قال ~~كان يوم أحد بيوم بدر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، من طريق ابن جريج، ~~عن ابن عباس في قوله { وتلك الأيام } الآية، قال أدال المشركين ~~على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وبلغني أن المشركين قتلوا من ~~المسلمين يوم أحد بضعة وسبعين عدد الأسارى الذين أسروا يوم بدر من ~~المشركين، وكان عدد الأسارى يوم بدر ثلاثة وسبعين رجلا. وأخرج ابن جريج، ~~وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله { ويتخذ منكم شهداء } قال ~~إن المسلمين كانوا يسألون ربهم اللهم ربنا أرنا يوما، كيوم بدر نقاتل ~~فيه المشركين ونبليك فيه خيرا، ونلتمس فيه الشهادة، فلقوا المشركين يوم ~~أحد، فاتخذ منهم شهداء. # وأخرجا عنه في قوله { وليمحص الله الذين ءامنوا } قال ~~يبتليهم { ويمحق الكفرين } قال ينقصهم. وأخرج ابن أبي حاتم، ms0633 ~~من طريق العوفي عنه أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ~~يقولون ليتنا نقتل، كما قتل أصحاب بدر، ونستشهد، أو ليت لنا يوما كيوم ~~بدر نقاتل فيه المشركين، ونبلي فيه خيرا، ونلتمس الشهادة، والجنة، ~~والحياة، والرزق، فأشهدهم الله أحدا، فلم يثبتوا إلا من شاء الله منهم. ~~فقال الله { ولقد كنتم تمنون الموت } الآية. وأخرج ابن ~~المنذر عن كليب قال خطبنا عمر بن الخطاب، فكان يقرأ على المنبر آل عمران ~~ويقول إنها أحدية، ثم قال تفرقنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~أحد، فصعدت الجبل فسمعت يهوديا يقول قتل محمد، فقلت لا أسمع أحدا يقول ~~قتل محمد إلا ضربت عنقه، فنظرت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ~~يتراجعون إليه، فنزلت هذه الآية { وما محمد إلا رسول قد ~~خلت من قبله الرسل }. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال نادى ~~مناد يوم أحد ألا إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى دينكم الأول، فأنزل الله ~~{ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل }. ~~وأخرج أيضا عن مجاهد نحوه. وأخرج أيضا عن علي في قوله { وسيجزى ~~الله الشكرين } قال الثابتين على دينهم أبا بكر وأصحابه، فكان ~~علي يقول كان أبو بكر أمير الشاكرين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني، والحاكم عنه أنه كان يقول في حياة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن الله يقول { أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } والله لا ~~ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ~~ما قتل عليه حتى أموت. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، والطبراني عن ابن مسعود في قوله { ربيون } قال ألوف. ~~وأخرج سعيد بن منصور عن الضحاك قال الربة الواحدة ألف. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ربيون } قال جموع. وأخرج ~~ابن جرير عنه قال علماء كثير. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عنه في قوله { وما ms0634 استكانوا } قال تخشعوا. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم عنه في قوله { وإسرافنا فى أمرنا } قال ~~خطايانا. ### || [3.149-153] # لما أمر الله سبحانه بالاقتداء بمن تقدم من أنصار الأنبياء حذر عن طاعة ~~الكفار، وهم مشركو العرب وقيل اليهود والنصارى. وقيل المنافقون في قولهم ~~للمؤمنين عند الهزيمة ارجعوا إلى دين آبائكم. وقوله { يردوكم ~~على أعقبكم } أي يخرجوكم من دين الإسلام إلى الكفر { ~~فتنقلبوا خسرين } أي ترجعوا مغبونين. وقوله { بل الله ~~مولكم } إضراب عن مفهوم الجملة الأولى أي إن تطيعوا الكافرين ~~يخذلوكم ولا ينصروكم بل الله ناصركم لا غيره وقريء «بل الله» بالنصب على ~~تقدير بل أطيعوا الله. قوله { سنلقى } قرأ السختياني بالياء ~~التحتية، وقرأ الباقون بالنون. وقرأ ابن عامر، والكسائي " الرعب " ~~بضم العين. وقرأ الباقون بالسكون، وهما لغتان، يقال رعبته رعبا، ~~ورعبا، فهو مرعوب، ويجوز أن يكون مصدرا، والرعب بالضم الاسم، وأصله ~~الملء، يقال سيل راعب، أي يملأ الوادي، ورعبت الحوض ملأته، فالمعنى ~~سنملأ قلوب الكافرين رعبا، أي خوفا، وفزعا، والإلقاء يستعمل حقيقة في ~~الأجسام، ومجازا في غيرها، كهذه الآية، وذلك أن المشركين بعد وقعة أحد ~~ندموا أن لا يكونوا استأصلوا المسلمين، وقالوا بئسما صنعنا قتلناهم حتى ~~إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم ارجعوا، فاستأصلوهم، فلما عزموا على ~~ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا، عما هموا به { بما ~~أشركوا بالله } متعلق بقوله { سنلقى } و " ما " مصدرية، أي ~~بسبب إشراكهم { ما لم ينزل به سلطنا } أي ما لم ينزل الله ~~بجعله شريكا له حجة، وبيانا، وبرهانا، والنفي يتوجه إلى القيد، ~~والمقيد، أي لا حجة، ولا إنزال، والمعنى أن الإشراك بالله لم يثبت في شيء ~~من الملل. والمثوى المكان الذي يقام فيه، يقال ثوى يثوي ثواء. قوله { ~~ولقد صدقكم الله وعده } نزلت لما قال بعض المسلمين من ~~أين أصابنا هذا، وقد وعدنا الله النصر، وذلك أنه كان الظفر لهم في ~~الابتداء، حتى قتلوا صاحب لواء المشركين، وتسعة نفر بعده فلما اشتغلوا ~~بالغنيمة، وترك الرماة مركزهم طلبا للغنيمة كان ذلك سبب الهزيمة. ms0635 والحس ~~الاستئصال بالقتل، قاله أبو عبيد. يقال جراد محسوس إذا قتله البرد، وسنة ~~حسوس أي جدبة تأكل كل شيء. قيل وأصله من الحس الذي هو الإدراك بالحاسة، ~~فمعنى حسه أذهب حسه بالقتل، وتحسونهم تقتلونهم، وتستأصلونهم، قال الشاعر # حسسناهم بالسيف حسا فأصبحت بقيتهم قد شردوا وتبددوا # وقال جرير # تحسهم السيوف كما تسامى حريق النار في الأجم ~~الحصيد # { بإذنه } أي بعلمه، أو بقضائه { حتى إذا فشلتم } أي ~~جبنتم وضعفتم، قيل جواب حتى محذوف تقديره امتحنتم، وقال الفراء جواب حتى ~~قوله { وتنزعتم } والواو مقحمة زائدة، كقوله # فلما أسلما وتله للجبين # الصافات 103 وقال أبو علي يجوز أن يكون الجواب صرفكم عنهم، وقيل فيه ~~تقديم وتأخير، أي حتى إذا تنازعتم، وعصيتم فشلتم. وقيل إن الجواب عصيتم، ~~والواو مقحمة. وقد جوز الأخفش مثله في قوله تعالى # حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت ~~عليهم # التوبة 118، وقيل " حتى " بمعنى " إلى " ، وحينئذ لا جواب لها، والتنازع ~~المذكور هو ما وقع من الرماة حين قال بعضهم نلحق الغنائم، وقال بعضهم ~~نثبت في مكاننا، كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعنى قوله { ~~من بعد ما أراكم ما تحبون } ما وقع لهم من النصر في ~~الابتداء في يوم أحد، كما تقدم { منكم من يريد الدنيا } يعني ~~الغنيمة { ومنكم من يريد الأخرة } أي الأجر بالبقاء في ~~مراكزهم امتثالا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم { ثم صرفكم ~~عنهم ليبتليكم } أي ردكم الله عنهم بالانهزام بعد أن ~~استوليتم عليهم ليمتحنكم { ولقد عفا عنكم } لما علم من ندمكم، ~~فلم يستأصلكم بعد المعصية، والمخالفة، والخطاب لجميع المنهزمين، وقيل ~~للرماة فقط. قوله { إذ تصعدون } متعلق بقوله { صرفكم } أو ~~بقوله { ولقد عفا عنكم } أو بقوله { ليبتليكم } وقرأه ~~الجمهور بضم التاء، وكسر العين، وقرأ أبو رجاء العطاردي، وأبو عبد ~~الرحمن السلمي، والحسن، وقتادة بفتح التاء، والعين. وقرأ ابن محيصن، ~~وقنبل «يصعدون» بالتحتية. قال أبو حاتم أصعدت إذا مضيت حيال وجهك، وصعدت ~~إذا ارتقيت في جبل، فالإصعاد السير في مستوى الأرض، وبطون الأودية، ~~والصعود الارتفاع ms0636 على الجبال، والسطوح، والسلالم، والدرج، فيحتمل أن يكون ~~صعودهم في الجبل بعد إصعادهم في الوادي، فيصح المعنى على القراءتين. وقال ~~القتيبي أصعد إذا أبعد في الذهاب، وأمعن فيه، ومنه قول الشاعر # ألا أيها ذا السائلي أين أصعدت فإن لها من بطن يثرب ~~موعدا # وقال الفراء الإصعاد الابتداء في السفر، والانحدار الرجوع منه، يقال ~~أصعدنا من بغداد إلى مكة، وإلى خراسان، وأشباه ذلك إذا خرجنا إليها، ~~وأخذنا في السفر، وانحدرنا إذا رجعنا. وقال المفضل صعد، وأصعد بمعنى ~~واحد. ومعنى { تلوون } تعرجون، وتقيمون، أي لا يلتفت بعضكم إلى بعض ~~هربا، فإن المعرج إلى الشيء يلوي إليه عنقه أو عنق دابته { على ~~أحد } أي على أحد ممن معكم، وقيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وقرأ الحسن «تلون» بواو واحدة، وقرأ عاصم في رواية عنه بضم التاء، وهي ~~لغة. قوله { والرسول يدعوكم فى أخراكم } أي في الطائفة ~~المتأخرة منكم، يقال جاء فلان في آخر الناس، وآخرة الناس، وأخرى الناس، ~~وأخريات الناس. وكان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم # " أي عباد الله ارجعوا " # قوله { فأثبكم } عطف على صرفكم، أي فجازاكم الله غما حين صرفكم ~~عنه بسبب غم أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصيانكم، أو غما ~~موصولا بغم بسبب ذلك الإرجاف، والجرح، والقتل، وظفر المشركين، والغم ~~في الأصل التغطية، غميت الشيء غطيته، ويوم غم، وليلة غمة إذا كانا ~~مظلمين، ومنه غم الهلال، وقيل الغم الأول الهزيمة، والثاني الإشراف من ~~أبي سفيان، وخالد بن الوليد عليهم في الجبل. # قوله { لكيلا تحزنوا } اللام متعلقة بقوله { فأثبكم } ~~أي هذا الغم بعد الغم لكيلا تحزنوا على ما فات من الغنيمة، ولا ما ~~أصابكم من الهزيمة، تمرينا لكم على المصائب، وتدريبا لاحتمال الشدائد. ~~وقال المفضل معنى { لكيلا تحزنوا } لكي تحزنوا، و " لا " زائدة ~~كقوله تعالى # ما منعك ألا تسجد # الأعراف 12 أي أن تسجد، وقوله # لئلا يعلم أهل الكتب # الحديد 29 أي ليعلم. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~ابن جريج في قوله ms0637 { يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا ~~الذين كفروا } قال لا تنتصحوا اليهود، والنصارى على دينكم، ولا ~~تصدقوهم بشيء في دينكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي يقول إن تطيعوا ~~أبا سفيان بن حرب يردكم كفارا. وأخرج ابن جرير، عنه في قوله { ~~سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب } نحو ما قدمناه ~~في سبب نزول الآية. وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة في قوله { ولقد ~~صدقكم الله وعده } قال كان الله وعدهم على الصبر، والتقوى أن ~~يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، وكان قد فعل، فلما عصوا أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وتركوا مصافهم، وتركت الرماة عهد الرسول إليهم ~~أن لا يبرحوا منازلهم، وأرادوا الدنيا رفع عنهم مدد الملائكة. وقصة أحد ~~مستوفاة في السير، والتواريخ، فلا حاجة إلى إطالة الشرح هنا. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، عن عبد الرحمن بن عوف في قوله { إذ تحسونهم ~~} قال الحس القتل. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر عنه. قال الفشل الجبن. وأخرج ابن المنذر عن البراء بن ~~عازب في قوله { من بعد ما أراكم ما تحبون } قال الغنائم، ~~وهزيمة القوم. وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله { ولقد عفا ~~عنكم } قال يقول الله قد عفوت عنكم أن لا أكون استأصلتكم. وأخرج ~~أيضا عن ابن جرير نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس { ~~إذ تصعدون } قال أصعدوا في أحد فرارا، والرسول يدعوهم في أخراهم # " إلي عباد الله ارجعوا إلي عباد الله ارجعوا " # وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف { فأثبكم غما بغم ~~} قال الغم الأول بسبب الهزيمة، والثاني حين قيل قتل محمد، وكان ذلك ~~عندهم أعظم من الهزيمة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، عن مجاهد في قوله { غما بغم } قال فرة بعد الفرة ~~الأولى حين سمعوا الصوت أن محمدا قد قتل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم قال الغم الأول الجراح والقتل، والغم الآخر حين سمعوا أن ms0638 ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل. وأخرج ابن جرير، عن الربيع مثله. ### || [3.154-155] # الأمنة، والأمن سواء، وقيل الأمنة إنما تكون مع أسباب الخوف، والأمن مع ~~عدمه، وهي منصوبة بأنزل. و { نعاسا } بدل منها، أو عطف بيان، أو مفعول ~~له، وأما ما قيل من أن { أمنة } حال من { نعاسا } مقدمة عليه، أو حال ~~من المخاطبين، أو مفعول له، فبعيد. وقرأ ابن محيصن «أمنه» بسكون الميم. ~~قوله { يغشى } قريء بالتحتية على أن الضمير للنعاس، وبالفوقية على أن ~~الضمير لأمنة، والطائفة تطلق على الواحد، والجماعة، والطائفة الأولى هم ~~المؤمنون الذين خرجوا للقتال طلبا للأجر، والطائفة الأخرى هم معتب ~~بن قشير، وأصحابه، وكانوا خرجوا طمعا في الغنيمة، وجعلوا يناشدون على ~~الحضور، ويقولون الأقاويل. ومعنى { أهمتهم أنفسهم } حملتهم ~~على الهم، أهمني الأمر أقلقني، والواو في قوله { وطائفة } للحال، ~~وجاز الابتداء بالنكرة لاعتمادها على واو الحال، وقيل إن معنى { ~~أهمتهم أنفسهم } صارت همهم لا هم لهم غيرها. { يظنون ~~بالله غير الحق } هذه الجملة في محل نصب على الحال، أي يظنون ~~بالله غير الحق الذي يجب أن يظن به، وظن الجاهلية بدل منه. وهو الظن ~~المختص بملة الجاهلية، أو ظن أهل الجاهلية، وهو ظنهم أن أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم باطل، وأنه لا ينصر، ولا يتم ما دعا إليه من دين الحق. ~~وقوله { يقولون } بدل من «يظنون»، أي يقولون لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم { هل لنا من الأمر من شىء } أي هل لنا من أمر الله ~~نصيب، وهذا الاستفهام معناه الجحد، أي ما لنا شيء من الأمر. وهو النصر ~~والاستظهار على العدو، وقيل هو الخروج، أي إنما خرجنا مكرهين، فرد الله ~~سبحانه ذلك عليهم بقوله { قل إن الأمر كله لله } وليس لكم، ~~ولا لعدوكم منه شيء، فالنصر بيده، والظفر منه. وقوله { يخفون فى ~~أنفسهم } أي يضمرون في أنفسهم النفاق، ولا يبدون لك ذلك، بل يسألونك ~~سؤال المسترشدين. وقوله { يقولون لو كان لنا من الأمر ~~شىء ما قتلنا ههنا } استئناف، كأنه قيل ما هو الأمر ms0639 الذي ~~يخفون في أنفسهم؟ فقيل يقولون فيما بينهم، أو في أنفسهم { لو كان ~~لنا من الأمر شىء ما قتلنا ههنا } أي ما قتل من قتل ~~منا في هذه المعركة، فرد الله سبحانه ذلك عليهم بقوله { قل لو ~~كنتم فى بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل ~~إلى مضاجعهم } أي لو كنتم قاعدين في بيوتكم لم يكن بد من خروج ~~من كتب عليه القتل إلى هذه المصارع التي صرعوا فيها، فإن قضاء الله لا ~~يرد. وقوله { وليبتلى الله ما فى صدوركم } علة لفعل ~~مقدر قبلها معطوفة على علل له أخرى مطوية للإيذان بكثرتها، كأنه قيل فعل ~~ما فعل لمصالح جمة { وليبتلى } الخ، وقيل إنه معطوف على علة مطوية ~~لبرز، والمعنى ليمتحن ما في صدوركم من الإخلاص، وليمحص ما في قلوبكم من ~~وساوس الشيطان. # قوله { إن الذين تولوا منكم يوم التقى ~~الجمعان } أي انهزموا يوم أحد، وقيل المعنى إن الذين تولوا المشركين ~~يوم أحد { إنما استزلهم الشيطن } استدعى زللهم بسبب ~~بعض ما كسبوا من الذنوب التي منها مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~ولقد عفا الله عنهم } لتوبتهم، واعتذارهم. وقد أخرج ابن ~~جرير، عن ابن عباس في الآية قال أمنهم الله يومئذ بنعاس غشاهم، وإنما ~~ينعس من يأمن. وقد ثبت في صحيح البخاري، وغيره أن أبا طلحة قال غشينا، ~~ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه، فذلك ~~قوله { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة ~~نعاسا... } الآية. وأخرج الترمذي وصححه، وابن جرير، وأبو الشيخ، ~~والبيهقي في الدلائل، عن الزبير بن العوام قال رفعت رأسي يوم أحد، فجعلت ~~انظر، وما منهم من أحد إلا وهو يميل تحت جحفته من النعاس، وتلا هذه ~~الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جريج قال إن المنافقين قالوا ~~لعبد الله بن أبي، وكان سيد المنافقين قتل اليوم بنو الخزرج، فقال وهل ~~لنا من الأمر شيء؟ أما، والله لئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجن الأعز ~~منها الأذل. وأخرج ابن جرير، عن قتادة ms0640 والربيع في قوله { ظن ~~الجهلية } قال ظن أهل الشرك. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، ~~عن ابن عباس قال معتب هو الذي قال يوم أحد لو كان لنا من الأمر شيء. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن أن الذي قال ذلك عبد الله بن أبي. وأخرج ~~ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عبد الرحمن بن عوف في قوله { إن ~~الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان } قال هم ~~ثلاثة واحد من المهاجرين، واثنان من الأنصار. وأخرج ابن منده، وابن ~~عساكر، عن ابن عباس في الآية قال نزلت في عثمان ورافع بن المعلى، وخارجة ~~بن زيد. وقد روى في تعيين «من» في الآية روايات كثيرة. ### || [3.156-164] # قوله { لا تكونوا كالذين كفروا } هم المنافقون الذين ~~قالوا { لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا }. قوله { وقالوا ~~لإخونهم } في النفاق، أو في النسب، أي قالوا لأجلهم { إذا ~~ضربوا فى الأرض } إذا ساروا فيها للتجارة، أو نحوها، قيل " إن " " ~~إذا " هنا المفيدة لمعنى الاستقبال، بمعنى " إذا " المفيدة لمعنى المضي. ~~وقيل هي على معناها، والمراد هنا حكاية الحال الماضية. وقال الزجاج " إذا ~~" هنا تنوب عن ما مضى من الزمان، وما يستقبل { لو كانوا غزى } ~~جمع غاز كراكع وركع، وغائب وغيب، قال الشاعر # قل للقوافل والغزى إذا غزوا # { ليجعل الله ذلك حسرة فى قلوبهم } اللام متعلقة ~~بقوله { قالوا } أي قالوا ذلك، واعتقدوه ليكون حسرة في قلوبهم. ~~والمراد أنه صار ظنهم أنهم لو لم يخرجوا ما قتلوا حسرة، أو متعلقة بقوله ~~{ لا تكونوا } أي لا تكونوا مثلهم في اعتقاد ذلك ليجعله الله حسرة ~~في قلوبهم، فقط دون قلوبكم. وقيل المعنى لا تلتفتوا إليهم ليجعل الله عدم ~~التفاتكم إليهم حسرة في قلوبهم، وقيل المراد حسرة في قلوبهم يوم القيامة ~~لما فيه من الخزي، والندامة { والله يحيى ويميت } فيه رد على ~~قولهم، أي ذلك بيد الله سبحانه يصنع ما يشاء، ويحكم ما يريد، فيحيي من ~~يريد، ويميت من يريد من غير أن يكون للسفر، أو الغزو أثر في ms0641 ذلك، واللام ~~في قوله { ولئن قتلتم } موطئة. وقوله { لمغفرة } جواب ~~القسم ساد مسد جواب الشرط، والمعنى أن السفر، والغزو ليسا مما يجلب ~~الموت، ولئن وقع ذلك بأمر الله سبحانه { لمغفرة من الله ~~ورحمة خير مما يجمعون } أي الكفرة من منافع الدنيا، ~~وطيباتها مدة أعمارهم على قراءة من قرأ بالياء التحتية، أو خير مما ~~تجمعون أيها المسلمون من الدنيا، ومنافعها على قراءة من قرأ بالفوقية. ~~والمقصود في الآية بيان مزية القتل، أو الموت في سبيل الله، وزيادة ~~تأثيرهما في استجلاب المغفرة، والرحمة. قوله { ولئن متم أو ~~قتلتم } على أي وجه حسب تعلق الإرادة الإلهية { لإلى الله ~~تحشرون } هو جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة ساد مسد جواب ~~الشرط، كما تقدم في الجملة الأولى، أي إلى الرب الواسع المغفرة تحشرون ~~لا إلى غيره، كما يفيده تقديم الظرف على الفعل مع ما في تخصيص اسم الله ~~سبحانه بالذكر من الدلالة على كمال اللطف، والقهر. «وما» في قوله { ~~فبما رحمة من الله } مزيدة للتأكيد، قاله سيبويه وغيره، وقال ~~ابن كيسان إنها نكرة في موضع جر بالباء، ورحمة بدل منها، والأول أولى ~~بقواعد العربية، ومثله قوله تعالى # فبما نقضهم ميثقهم # النساء 155 والجار والمجرور متعلق بقوله { لنت لهم } وقدم عليه ~~لإفادة القصر، وتنوين رحمة للتعظيم، والمعنى أن لينه لهم ما كان إلا بسبب ~~الرحمة العظيمة منه. وقيل إن " ما " استفهامية، والمعنى فبأي رحمة من ~~الله لنت لهم، وفيه معنى التعجب، وهو بعيد، ولو كان كذلك لحذف الألف من " ~~ما ". وقيل فبم رحمة من الله. والفظ الغليظ الجافي. وقال الراغب الفظ ~~هو الكريه الخلق، وأصله فظظ كحذر. وغلظ القلب قساوته، وقلة إشفاقه، وعدم ~~انفعاله للخير. والانفضاض التفرق، يقال فضضتهم، فانفضوا، أي فرقتهم، ~~فتفرقوا والمعنى لو كنت فظا غليظ القلب لا ترفق بهم لتفرقوا من حولك ~~هيبة لك، واحتشاما منك بسبب ما كان من توليهم، وإذا كان الأمر، كما ذكر ~~{ فاعف عنهم } فيما يتعلق بك من الحقوق { واستغفر لهم } ~~الله سبحانه فيما هو إلى الله سبحانه { وشاورهم ms0642 فى الأمر } أي ~~الذي يرد عليك، أي أمر كان مما يشاور في مثله، أو في أمر الحرب خاصة، ~~كما يفيده السياق لما في ذلك من تطييب خواطرهم، واستجلاب مودتهم، ~~ولتعريف الأمة بمشروعية ذلك حتى لا يأنف منه أحد بعدك. والمراد هنا ~~المشاورة في غير الأمور التي يرد الشرع بها. قال أهل اللغة الاستشارة ~~مأخوذة من قول العرب شرت الدابة، وشورتها إذا علمت خبرها، وقيل من قولهم ~~شرت العسل إذا أخذته من موضعه. قال ابن خويزمنداد واجب على الولاة مشاورة ~~العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدنيا، ومشاورة وجوه ~~الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس، فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه ~~الكتاب، والعمال، والوزراء فيما يتعلق بمصالح البلاد، وعمارتها. وحكى ~~القرطبي عن ابن عطية أنه لا خلاف في وجوب عزل من لا يستشير أهل العلم ~~والدين. قوله { فإذا عزمت فتوكل على الله } أي إذا ~~عزمت عقب المشاورة على شيء، واطمأنت به نفسك، فتوكل على الله في فعل ذلك، ~~أي اعتمد عليه، وفوض إليه وقيل إن المعنى فإذا عزمت على أمر أن تمضي ~~فيه، فتوكل على الله لا على المشاورة. والعزم في الأصل قصد الإمضاء، أي ~~فإذا قصدت إمضاء أمر، فتوكل على الله. وقرأ جعفر الصادق، وجابر بن زيد ~~«فإذا عزمت» بضم التاء بنسبة العزم إلى الله تعالى، أي فإذا عزمت لك على ~~شيء، وأرشدتك إليه، فتوكل على الله. وقوله { إن ينصركم الله ~~فلا غالب لكم } جملة مستأنفة لتأكيد التوكل، والحث عليه. ~~والخذلان ترك العون، أي وإن يترك الله عونكم { فمن ذا الذى ~~ينصركم من بعده } وهذا الاستفهام إنكاري. والضمير في قوله { ~~من بعده } راجع إلى الخذلان المدلول عليه بقوله { وإن ~~يخذلكم } أو إلى الله، ومن علم أنه لا ناصر له إلا الله سبحانه، ~~وأن من نصره الله لا غالب له، ومن خذله لا ناصر له، فوض أموره إليه، ~~وتوكل عليه، ولم يشتغل بغيره، وتقديم الجار والمجرور على الفعل في قوله { ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون } لإفادة قصره عليه. # قوله { وما كان ms0643 لنبي أن يغل } أي ما صح له ذلك لتنافي ~~الغلول والنبوة. قال أبو عبيد الغلول من المغنم خاصة، ولا نراه من ~~الخيانة، ولا من الحقد، ومما يبين ذلك أنه يقال من الخيانة أغل يغل، ~~ومن الحقد غل يغل بالكسر، ومن الغلول غل يغل بالضم، يقال ~~غل المغنم غلولا، أي خان بأن يأخذ لنفسه شيئا يستره على أصحابه، فمعنى ~~الآية على القراءة بالبناء للفاعل ما صح لنبي أن يخون شيئا من المغنم، ~~فيأخذه لنفسه من غير اطلاع أصحابه. وفيه تنزيه الأنبياء عن الغلول. ~~ومعناها على القراءة بالبناء للمفعول ما صح لنبي أن يغله أحد من أصحابه ~~أي يخونه في الغنيمة، وهو على هذه القراءة الأخرى نهي للناس عن الغلول في ~~المغانم، وإنما خص خيانة الأنبياء مع كونه خيانة غيرهم من الأئمة، ~~والسلاطين، والأمراء حراما، لأن خيانة الأنبياء أشد ذنبا، وأعظم وزرا ~~{ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة } أي يأت به ~~حاملا له على ظهره، كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيفضحه بين ~~الخلائق، وهذه الجملة تتضمن تأكيد تحريم الغلول، والتنفير منه، بأنه ذنب ~~يختص فاعله بعقوبة على رؤوس الأشهاد يطلع عليها أهل المحشر وهي مجيئه يوم ~~القيامة بما غله حاملا له قبل أن يحاسب عليه، ويعاقب عليه. قوله { ثم ~~توفى كل نفس ما كسبت } أي تعطي جزاء ما كسبت وافيا من ~~خير وشر، وهذه الآية تعم كل من كسب خيرا، أو شرا، ويدخل تحتها الغال ~~دخولا أوليا لكون السياق فيه. قوله { أفمن اتبع رضون ~~الله كمن باء بسخط من الله } الاستفهام للإنكار، أي ليس ~~من اتبع رضوان الله في أوامره، ونواهيه، فعمل بأمره، واجتنب نهيه كمن باء ~~أي رجع بسخط عظيم، كائن من الله، بسبب مخالفته لما أمر به، ونهى عنه. ~~ويدخل تحت ذلك من اتبع رضوان الله بترك الغلول، واجتنابه، ومن باء بسخط ~~من الله بسبب إقدامه على الغلول. ثم أوضح ما بين الطائفتين من التفاوت، ~~فقال { هم درجت عند الله } أي متفاوتون في الدرجات، والمعنى ms0644 ~~هم ذوو درجات، أو لهم درجات، فدرجات من اتبع رضوان الله ليست كدرجات من ~~باء بسخط من الله، فإن الأولين في أرفع الدرجات. والآخرين في أسفلها. ~~قوله { لقد من الله على المؤمنين } جواب قسم محذوف، وخص ~~المؤمنين لكونهم المنتفعين ببعثته. ومعنى { من أنفسهم } أنه عربي ~~مثلهم، وقيل بشر مثلهم، ووجه المنة على الأول أنهم يفقهون عنه، ويفهمون ~~كلامه، ولا يحتاجون إلى ترجمان. # ومعناها على الثاني أنهم يأنسون به بجامع البشرية، ولو كان ملكا لم ~~يحصل كمال الأنس به لاختلاف الجنسية، وقرىء { من أنفسهم } بفتح ~~الفاء، أي من أشرفهم، لأنه من بني هاشم، وبنو هاشم أفضل قريش، وقريش أفضل ~~العرب، والعرب أفضل من غيرهم، ولعل وجه الامتنان على هذه القراءة أنه ~~لما كان من أشرفهم كانوا أطوع له، وأقرب إلى تصديقه، ولا بد من تخصيص ~~المؤمنين في هذه الآية بالعرب على الوجه الأول، وأما على الوجه الثاني، ~~فلا حاجة إلى هذا التخصيص، وكذا على قراءة من قرأ بفتح الفاء لا حاجة إلى ~~التخصيص لأن بني هاشم هم أنفس العرب، والعجم في شرف الأصل، وكرم النجاد، ~~ورفاعة المحتد. ويدل على الوجه الأول قوله تعالى # هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم # الجمعة 2 وقوله # وإنه لذكر لك ولقومك # الزخرف 44. قوله { يتلو عليهم ءايته } هذه منة ثانية، أي ~~يتلو عليهم القرآن بعد أن كانوا أهل جاهلية لا يعرفون شيئا من الشرائع { ~~ويزكيهم } أي يطهرهم من نجاسة الكفر، وهذه الجملة معطوفة على ~~الجملة الأولى، وهما في محل نصب على الحال، أو صفة لرسول، وهكذا قوله { ~~ويعلمهم الكتب } ، والمراد بالكتاب هنا القرآن. والحكمة ~~السنة. وقد تقدم في البقرة تفسير ذلك { وإن كانوا من قبل } أي ~~من قبل محمد، أو من قبل بعثته { لفى ضلل مبين } أي واضح لا ~~ريب فيه، واللام للفرق بين إن المخففة من الثقيلة، وبين النافية، فهي ~~تدخل في خبر المخففة لا النافية، واسمها ضمير الشأن، أي وإن الشأن، ~~والحديث، وقيل إنها النافية، واللام بمعنى إلا، أي وما كانوا من قبل إلا ms0645 ~~في ضلال مبين، وبه قال الكوفيون، والجملة على التقديرين في محل نصب على ~~الحال. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~مجاهد في قوله تعالى { وقالوا لإخونهم إذا ضربوا فى ~~الأرض... } الآية، قال هذا قول عبد الله بن أبي بن سلول، والمنافقين. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله { ليجعل ~~الله ذلك حسرة فى قلوبهم } قال يحزنهم قولهم، ولا ينفعهم ~~شيئا. وأخرجوا عن قتادة في قوله { فبما رحمة من الله } يقول ~~فبرحمة من الله { لنت لهم }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن ~~عباس في قوله { لانفضوا من حولك } قال لانصرفوا عنك. وأخرج ~~ابن عدي، والبيهقي في الشعب، قال السيوطي - بسند حسن - عن ابن عباس قال ~~لما نزلت { وشاورهم فى الامر } قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن الله جعلها رحمة لأمتي، فمن ~~استشار منهم لم يعدم رشدا، ومن تركها لم يعدم غيا " # وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس { وشاورهم فى ~~الامر }. قال أبو بكر وعمر. وأخرج ابن مردويه، عن علي قال «سئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، عن العزم، فقال # " مشاورة أهل الرأي، ثم اتباعهم " # وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية { وما كان لنبى أن ~~يغل } في قطيفة حمراء افتقدت يوم بدر، فقال بعض الناس لعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أخذها، فنزلت. وأخرج البزار، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني، عن ابن عباس { وما كان لنبى أن يغل } قال ما ~~كان لنبي أن يتهمه أصحابه. وقد ورد في تحريم الغلول أحاديث كثيرة. وأخرج ~~ابن جرير، و ابن أبي حاتم، من طريق العوفي عن ابن عباس { هم درجت ~~عند الله } يقول بأعمالهم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والبيهقي في شعب الإيمان، ms0646 عن عائشة في قوله { لقد من الله على ~~المؤمنين... } الآية، قالت هذه للعرب خاصة. ### || [3.165-168] # قوله { أو لما أصبتكم مصيبة } الألف للاستفهام بقصد ~~التقريع، والواو للعطف. والمصيبة الغلبة، والقتل الذي أصيبوا به يوم أحد ~~{ قد أصبتم مثليها } يوم بدر، وذلك أن الذين قتلوا من ~~المسلمين يوم أحد سبعون. وقد كانوا قتلوا من المشركين يوم بدر سبعين، ~~وأسروا سبعين، فكان مجموع القتلى، والأسرى يوم بدر مثلي القتلى من ~~المسلمين يوم أحد، والمعنى أحين أصابكم من المشركين نصف ما أصابهم منكم ~~قبل ذلك جزعتم، وقلتم من أين أصابنا هذا وقد وعدنا بالنصر؟. وقوله { ~~أنى هذا } أي من أين أصابنا هذا الانهزام، والقتل، ونحن نقاتل في ~~سبيل الله، ومعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وعدنا الله بالنصر ~~عليهم؟ وقوله { قل هو من عند أنفسكم } أمر لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بأن يجيب عن سؤالهم بهذا الجواب، أي هذا الذي سألتم عنه ~~هو من عند أنفسكم بسبب مخالفة الرماة لما أمرهم به النبي صلى الله عليه ~~وسلم من لزوم المكان الذي عينه لهم، وعدم مفارقتهم له على كل حال، وقيل ~~إن المراد بقوله { هو من عند أنفسكم } خروجهم من المدينة. ~~ويرده أن الوعد بالنصر إنما كان بعد ذلك وقيل هو اختيارهم الفداء يوم ~~بدر على القتل، و { يوم التقى الجمعان } يوم أحد، أي ما ~~أصابكم يوم أحد من القتل، والجرح، والهزيمة { فبإذن الله } ~~فبعلمه، وقيل بقضائه، وقدره، وقيل بتخليته بينكم، وبينهم، والفاء دخلت في ~~جواب الموصول لكونه يشبه الشرط، كما قال سيبويه. وقوله { وليعلم ~~المؤمنين } عطف على قوله { فبإذن الله } عطف سبب على سبب. ~~وقوله { وليعلم الذين نافقوا } عطف على ما قبله، قيل أعاد ~~الفعل لقصد تشريف المؤمنين عن أن يكون الفعل المسند إليهم، وإلى ~~المنافقين، واحدا. والمراد بالعلم هنا التمييز والإظهار لأن علمه تعالى ~~ثابت قبل ذلك والمراد بالمنافقين هنا عبد الله بن أبي وأصحابه. قوله { ~~وقيل لهم } هو معطوف على قوله { نافقوا } أي ليعلم الله الذين ~~نافقوا، والذين قيل ms0647 لهم، وقيل هو كلام مبتدأ أي قيل لعبد الله بن أبي، ~~وأصحابه { تعالوا قاتلوا فى سبيل الله } إن كنتم ممن ~~يؤمن بالله، واليوم الآخر { أو ادفعوا } عن أنفسكم إن كنتم لا ~~تؤمنون بالله، واليوم الآخر، فأبوا جميع ذلك، وقالوا لو نعلم أنه سيكون ~~قتالا لاتبعناكم، وقاتلنا معكم، ولكنه لا قتال هنالك وقيل المعنى لو كنا ~~نقدر على القتال، ونحسنه لاتبعناكم ولكنا لا نقدر على ذلك، ولا نحسنه. ~~وعبر عن نفي القدرة على القتال بنفي العلم به لكونها مستلزمة له، وفيه ~~بعد لا ملجىء إليه، وقيل معناه لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا لاتبعناكم، ~~ولكن ما أنتم بصدده ليس بقتال، ولكنه إلقاء بالنفس إلى التهلكة، لعدم ~~القدرة منا، ومنكم على دفع ما ورد من الجيش بالبروز إليهم، والخروج من ~~المدينة، وهذا أيضا فيه بعد دون بعد ما قبله، وقيل معنى الدفع هنا تكثير ~~سواد المسلمين، وقيل معناه رابطوا، والقائل للمنافقين هذه المقالة التي ~~حكاها الله سبحانه هو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، والد جابر بن ~~عبد الله. # قوله { هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمن } أي ~~هم في هذا اليوم الذي انخذلوا فيه عن المؤمنين إلى الكفر أقرب منهم إلى ~~الإيمان عند من كان يظن أنهم مسلمون لأنهم قد بينوا حالهم، وهتكوا ~~أستارهم، وكشفوا عن نفاقهم إذ ذاك، وقيل المعنى أنهم لأهل الكفر يومئذ ~~أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان. قوله { يقولون بأفوههم ما ~~ليس فى قلوبهم } جملة مستأنفة مقررة لمضمون ما تقدمها، أي أنهم ~~أظهروا الإيمان، وأبطنوا الكفر، وذكر الأفواه للتأكيد، مثل قوله # يطير بجناحيه # الأنعام 38. قوله { الذين قالوا لإخونهم } الخ، أي هم ~~الذين قالوا لإخوانهم على أنه خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون بدلا من ~~واو يكتمون، أو منصوبا على الذم، أو وصف للذين نافقوا. وقد تقدم معنى { ~~قالوا لإخونهم } أي قالوا لهم ذلك، والحال أن هؤلاء القائلين قد ~~قعدوا عن القتال { لو أطاعونا } بترك الخروج من المدينة ما قتلوا، ~~فرد الله عليهم ذلك بقوله { قل فادرءوا عن ms0648 أنفسكم الموت ~~إن كنتم صدقين } والدرء الدفع، أي لا ينفع الحذر من القدر، فإن ~~المقتول يقتل بأجله. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في ~~قوله { أو لما أصبتكم مصيبة... } الآية. يقول إنكم قد ~~أصبتم من المشركين يوم بدر مثلي ما أصابوا منكم يوم أحد، وقد بين هذا ~~عكرمة. فأخرج ابن جرير عنه قال قتل المسلمون من المشركين يوم بدر سبعين، ~~وأسروا سبعين، وقتل المشركون يوم أحد من المسلمين سبعين. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن الحسن في الآية قال لما رأوا من قتل منهم يوم أحد قالوا من أين ~~هذا؟ ما كان للكفار أن يقتلوا منا؟ فلما رأى الله ما قالوا من ذلك، قال ~~الله هم بالأسرى الذين أخذتم يوم بدر. فردهم الله بذلك، وعجل لهم عقوبة ~~ذلك في الدنيا ليسلموا منها في الآخرة، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي شيبة، ~~والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن جرير، وابن مردويه، عن علي قال جاء ~~جبريل إلي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا محمد إن الله قد كره ما صنع ~~قومك في أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين إما أن يقدموا، ~~فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن تقبل منهم عدتهم، فدعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الناس، فذكر ذلك لهم، فقالوا يا رسول الله ~~عشائرنا، وإخواننا لا بل نأخذ، فداءهم، فنقوى به على قتال عدونا، ~~ويستشهد منا عدتهم، فليس في ذلك ما نكره، فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا ~~عدة أسارى أهل بدر. # وهذا الحديث هو في سنن الترمذي، والنسائي هو من طريق أبي داود الحضري عن ~~يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن سفيان بن سعيد، عن هشام بن حسان، عن ~~محمد بن سيرين، عن عبيدة عن علي قال الترمذي بعد إخراجه حسن غريب لا ~~نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة. وروى أبو أسامة عن هشام نحوه. وروى عن ~~ابن سيرين، عن عبيدة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وإسناد ابن ms0649 ~~جرير لهذا الحديث هكذا حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا إسماعيل بن ~~علية، عن ابن عون قال سنيد وهو حسين، وحدثني حجاج، عن جرير، عن محمد، عن ~~عبيدة، عن علي فذكره. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق أبي بكر ابن أبي شيبة، ~~حدثنا قراد أبو نوح، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زميل، ~~حدثني ابن عباس، عن عمر بن الخطاب قال لما كان يوم أحد من العام المقبل ~~عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون وفر أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم عنه، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، ~~وسال الدم على وجهه، فأنزل الله عز وجل { أو لما أصبتكم ~~مصيبة } الآية. وأخرجه الإمام أحمد من طريق عبد الرحمن بن غزوان، ~~وهو قراد أبو نوح به، ولكن بأطول منه، ولكنه يشكل على حديث التخيير ~~السابق ما نزل من المعاتبة منه سبحانه وتعالى لمن أخذ الفداء بقوله # ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض # الأنفال 67 وما روى من بكائه صلى الله عليه وسلم، هو وأبو بكر ندما على ~~أخذ الفداء، ولو كان أخذ ذلك بعد التخيير لهم من الله سبحانه لم يعاتبهم ~~عليه، ولا حصل ما حصل من النبي صلى الله عليه وسلم، ومن معه من الندم، ~~والحزن، ولا صوب النبي صلى الله عليه وسلم رأي عمر رضي الله عنه، حيث ~~أشار بقتل الأسرى، وقال ما معناه # " لو نزلت عقوبة لم ينج منها إلا عمر، " # والجميع في كتب الحديث، والسير. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس { ~~قلتم أنى هذا } ونحن مسلمون نقاتل غضبا لله، وهؤلاء مشركون. ~~فقال { قل هو من عند أنفسكم } عقوبة لكم بمعصيتكم النبي ~~صلى الله عليه وسلم حين قال لا تتبعوهم. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله { ~~أو ادفعوا } قال كثروا بأنفسكم، وإن لم تقاتلوا. # وأخرج أيضا، عن الضحاك نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي ~~عون الأنصاري في قوله { أو ادفعوا } قال رابطوا. وأخرج ابن ms0650 جرير، ~~وابن المنذر، عن ابن شهاب وغيره قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى أحد في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين أحد، والمدينة ~~انخزل عنهم عبد الله بن أبي بثلث الناس، وقال أطاعهم، وعصاني، والله ما ~~ندري على ما نقتل أنفسنا ههنا؟ فرجع بمن اتبعه من أهل النفاق، وأهل ~~الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام من بني سلمة يقول يا قوم أذكركم ~~الله أن تخذلوا نبيكم، وقومكم عندما حضرهم عدوهم، قالوا لو نعلم أنكم ~~تقاتلون ما أسلمناكم، ولا نرى أن يكون قتال. وأخرجه ابن إسحاق قال حدثني ~~محمد بن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، ~~والحسين بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، فذكره، ~~وزاد أنهم لما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف قال أبعدكم الله أعداء ~~الله فسيغني الله عنكم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~مجاهد في قوله { لو نعلم قتالا لاتبعنكم } قال لو ~~نعلم أنا واجدون معكم مكان قتال لاتبعناكم. ### || [3.169-175] # لما بين الله - سبحانه - أن ما جرى على المؤمنين يوم أحد كان امتحانا ~~ليتميز المؤمن من المنافق، والكاذب من الصادق، بين ههنا أن من لم ينهزم، ~~وقتل فله هذه الكرامة، والنعمة، وأن مثل هذا مما يتنافس فيه المتنافسون، ~~لا مما يخاف، ويحذر، كما قالوا من حكى الله عنهم # لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا # آل عمران 156 وقالوا # لو أطاعونا ما قتلوا # آل عمران 168 فهذه الجملة مستأنفة لبيان هذا المعنى، والخطاب لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، أو لكل أحد، وقرىء بالياء التحتية، أي لا يحسبن ~~حاسب. وقد اختلف أهل العلم في الشهداء المذكورين في هذه الآية من هم؟ ~~فقيل في شهداء أحد، وقيل في شهداء بدر، وقيل في شهداء بئر معونة. وعلى ~~فرض أنها نزلت في سبب خاص، فالاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. ومعنى ~~الآية عند الجمهور أنهم أحياء حياة محققة ms0651 ثم اختلفوا، فمنهم من يقول أنها ~~ترد إليهم أرواحهم في قبورهم، فيتنعمون. وقال مجاهد يرزقون من ثمر ~~الجنة، أي يجدون ريحها، وليسوا فيها، وذهب من عدا الجمهور إلى أنها حياة ~~مجازية، والمعنى أنهم في حكم الله مستحقون للتنعم في الجنة، والصحيح ~~الأول، ولا موجب للمصير إلى المجاز. وقد وردت السنة المطهرة بأن أرواحهم ~~في أجواف طيور خضر، وأنهم في الجنة يرزقون، ويأكلون، ويتمتعون. وقوله { ~~الذين قتلوا } هو المفعول الأول. والحاسب هو النبي صلى الله ~~عليه وسلم، أو كل أحد، كما سبق، وقيل يجوز أن يكون الموصول هو فاعل ~~الفعل، والمفعول الأول محذوف، أي لا تحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتا، ~~وهذا تكلف لا حاجة إليه، ومعنى النظم القرآني في غاية الوضوح، والجلاء. ~~وقوله { بل أحياء } خبر مبتدأ محذوف، أي بل هم أحياء. وقرىء بالنصب ~~على تقدير الفعل، أي بل أحسبهم أحياء. وقوله { عند ربهم } إما خبر ~~ثان، أو صفة لأحياء، أو في محل نصب على الحال، وقيل في الكلام حذف، ~~والتقدير عند كرامة ربهم. قال سيبويه هذه عندية الكرامة لا عندية القرب. ~~وقوله { يرزقون } يحتمل في إعرابه الوجوه التي ذكرناها في قوله { ~~عند ربهم } والمراد بالرزق هنا هو الرزق المعروف في العادات على ما ~~ذهب إليه الجمهور، كما سلف، وعند من عدا الجمهور المراد به الثناء ~~الجميل، ولا وجه يقتضي تحريف الكلمات العربية في كتاب الله تعالى، وحملها ~~على مجازات بعيدة، لا لسبب يقتضي ذلك. وقوله { فرحين } حال من الضمير ~~في { يرزقون } ، و { بما آتاهم الله من فضله } متعلق به. وقرأ ابن ~~السميفع «فارحين» وهما لغتان كالفره والفاره، والحذر والحاذر. والمراد { ~~بما ءاتهم الله } ما ساقه الله إليهم من الكرامة بالشهادة، وما ~~صاروا فيه من الحياة، وما يصل إليهم من رزق الله سبحانه. # { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم } من إخوانهم ~~المجاهدين الذين لم يقتلوا إذ ذاك. فالمراد باللحوق هنا أنهم لم يلحقوا ~~بهم في القتل، والشهادة بل سيلحقون بهم من بعد. وقيل المراد لم يلحقوا ~~بهم في الفضل، وإن كانوا أهل ms0652 فضل في الجملة، والواو في { ~~ويستبشرون } عاطفة على { يرزقون } أي يرزقون، ويستبشرون، ~~وقيل المراد بإخوانهم هنا جميع المسلمين الشهداء، وغيرهم لأنهم لما ~~عاينوا ثواب الله، وحصل لهم اليقين بحقية دين الإسلام استبشروا بذلك ~~لجميع أهل الإسلام الذين هم أحياء لم يموتوا، وهذا أقوى، لأن معناه أوسع، ~~وفائدته أكثر، واللفظ يحتمله بل هو الظاهر، وبه قال الزجاج، وابن فورك. ~~وقوله { ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون } بدل من ~~الذين، أي يستبشرون بهذه الحالة الحاصلة لإخوانهم من أنه لا خوف عليهم، ~~ولا حزن، و " أن " هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن المحذوف، ~~وكرر قوله { يستبشرون } لتأكيد الأول، ولبيان أن الاستبشار ليس ~~لمجرد عدم الخوف، والحزن، بل به، وبنعمة الله، وفضله. والنعمة ما ينعم ~~الله به على عباده. والفضل ما يتفضل به عليهم، وقيل النعمة الثواب، ~~والفضل الزائد، وقيل النعمة الجنة، والفضل داخل في النعمة ذكر بعدها ~~لتأكيدها، وقيل إن الاستبشار الأول متعلق بحال إخوانهم، والاستبشار ~~الثاني بحال أنفسهم. قوله { وأن الله لا يضيع أجر ~~المؤمنين } قرأ الكسائي بكسر الهمزة من " أن " ، وقرأ الباقون ~~بفتحها فعلى القراءة الأولى هو مستأنف اعتراض. وفيه دلالة على أن الله لا ~~يضيع أجر شيء من أعمال المؤمنين، ويؤيده قراءة ابن مسعود، " والله لا ~~يضيع أجر المؤمنين ". وعلى القراءة الثانية الجملة عطف على فضل داخلة في ~~جملة ما يستبشرون به. وقوله { الذين استجابوا } صفة للمؤمنين، ~~أو بدل منهم، أو من الذين لم يلحقوا بهم، أو هو مبتدأ خبره { للذين ~~أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم } بجملته، أو منصوب ~~على المدح، وقد تقدم تفسير القرح. قوله { الذين قال لهم ~~الناس } المراد بالناس هنا نعيم بن مسعود، كما سيأتي بيانه، وجاز ~~إطلاق لفظ الناس عليه لكونه من جنسهم. وقيل المراد بالناس ركب عبد القيس ~~الذين مروا بأبي سفيان. وقيل هم المنافقون. والمراد بقوله { إن ~~الناس قد جمعوا لكم } أبو سفيان، وأصحابه، والضمير في قوله { ~~فزادهم } راجع إلى القول المدلول عليه، ب { قال } ، أو إلى المقول، ~~وهو { إن الناس قد جمعوا ms0653 لكم فاخشوهم } أو إلى ~~القائل، والمعنى أنهم لم يفشلوا لما سمعوا ذلك، ولا التفتوا إليه، بل ~~أخلصوا لله، وازدادوا طمأنينة، ويقينا. وفيه دليل على أن الإيمان يزيد، ~~وينقص. # قوله { وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } حسب مصدر ~~حسبه، أي كفاه، وهو بمعنى الفاعل، أي محسب بمعنى كافي. قال في الكشاف ~~والدليل على أنه بمعنى المحسب أنك تقول هذا رجل حسبك، فتصف به النكرة لأن ~~إضافته لكونه بمعنى اسم الفاعل غير حقيقية. انتهى. والوكيل هو من توكل ~~إليه الأمور، أي نعم الموكول إليه أمرنا، أو الكافي، أو الكافل، والمخصوص ~~بالمدح محذوف، أي نعم الوكيل الله سبحانه. قوله { فانقلبوا } هو ~~معطوف على محذوف، أي فخرجوا إليهم، فانقلبوا بنعمة هو متعلق بمحذوف وقع ~~حالا. والتنوين للتعظيم، أي رجعوا متلبسين { بنعمة } عظيمة، وهي ~~السلامة من عدوهم، وعافية { وفضل } أي أجر تفضل الله به عليهم وقيل ~~ربح في التجارة. وقيل النعمة خاصة بمنافع الدنيا، والفضل بمنافع الآخرة، ~~وقد تقدم تفسيرهما قريبا بما يناسب ذلك المقام لكون الكلام فيه مع ~~الشهداء الذين قد صاروا في الدار الآخرة، والكلام هنا مع الأحياء. قوله { ~~لم يمسسهم سوء } في محل نصب على الحال، أي سالمين عن سوء لم ~~يصبهم قتل ولا جرح ولا ما يخافونه { واتبعوا رضون الله } في ~~ما يأتون، ويذرون، ومن ذلك خروجهم لهذه الغزوة { والله ذو فضل ~~عظيم } لا يقادر قدره، ولا يبلغ مداه، ومن تفضله عليهم تثبيتهم، ~~وخروجهم للقاء عدوهم، وإرشادهم إلى أن يقولوا هذه المقالة التي هي جالبة ~~لكل خير، ودافعة لكل شر. قوله { إنما ذلكم } أي المثبط لكم أيها ~~المؤمنون { الشيطن } هو خبر اسم الإشارة، ويجوز أن يكون الشيطان ~~صفة لاسم الإشارة، والخبر قوله { يخوف أولياءه } فعلى الأول ~~يكون قوله { يخوف أولياءه } جملة مستأنفة، أو حالية، والظاهر أن ~~المراد هنا الشيطان نفسه باعتبار ما يصدر منه من الوسوسة المقتضية ~~للتثبيط، وقيل المراد به نعيم بن مسعود لما قال لهم تلك المقالة، وقيل ~~أبو سفيان لما صدر منه الوعيد لهم والمعنى أن الشيطان يخوف المؤمنين ms0654 ~~أولياءه، وهم الكافرون، وقيل إن قوله { أولياءه } منصوب بنزع الخافض ~~أي يخوفكم بأوليائه، أو من أوليائه، قاله الفراء، والزجاج، وأبو علي ~~الفارسي. ورده ابن الأنباري بأن التخويف قد يتعدى بنفسه إلى مفعولين، فلا ~~ضرورة إلى إضمار حرف الجر. وعلى قول الفراء، ومن معه يكون مفعول يخوف ~~محذوفا، أي يخوفكم. وعلى الأول يكون المفعول الأول محذوفا، والثاني ~~مذكورا، ويجوز أن يكون المراد أن الشيطان يخوف أولياءه، وهم القاعدون من ~~المنافقين، فلا حذف. قوله { فلا تخافوهم } أي أولياءه الذين ~~يخوفكم بهم الشيطان، أو فلا تخافوا الناس المذكورين في قوله { إن ~~الناس قد جمعوا لكم } نهاهم سبحانه عن أن يخافوهم، فيجبنوا ~~على اللقاء، ويفشلوا عن الخروج، وأمرهم بأن يخافوه سبحانه، فقال { ~~وخافون } فافعلوا ما آمركم به، واتركوا ما أنهاكم عنه لأني الحقيق ~~بالخوف مني، والمراقبة لأمري، ونهيي لكون الخير والشر بيدي، وقيده ~~بقوله { إن كنتم مؤمنين } لأن الإيمان يقتضي ذلك. # وقد أخرج الحاكم وصححه، عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية { ولا ~~تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله } في حمزة، ~~وأصحابه. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد عن أبي الضحى أنها نزلت في ~~قتلى أحد، وحمزة منهم. أخرج عبد بن حميد، وأبو داود، وابن جرير، والحاكم ~~وصححه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار ~~الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما ~~وجدوا طيب مأكلهم، ومشربهم، وحسن مقيلهم قالوا يا ليت إخواننا يعلمون ما ~~صنع الله لنا " # ، وفي لفظ قالوا # " من يبلغ إخواننا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد، ~~ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله هؤلاء ~~الآيات { ولا تحسبن الذين قتلوا.. } الآية وما بعدها " # وأخرج الترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن خزيمة، والطبراني، والحاكم وصححه، ~~وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن جابر بن عبد الله أن أباه سأل الله ms0655 ~~سبحانه أن يبلغ من وراءه ما هو فيه، فنزلت هذه الآية، وهو من قتلى أحد. ~~وقد روى من وجوه كثيرة أن سبب نزول الآية قتلى أحد. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، عن أنس أن سبب نزول هذه الآية قتلى بئر معونة، وعلى كل حال، ~~فالآية باعتبار عموم لفظها يدخل تحتها كل شهيد، وقد ثبت في أحاديث كثيرة ~~في الصحيح، وغيره أن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر، وثبت في فضل ~~الشهداء ما يطول تعداده، ويكثر إيراده مما هو معروف في كتب الحديث. وأخرج ~~النسائي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، والطبراني بسند صحيح، عن ابن عباس ~~قال لما رجع المشركون عن أحد قالوا لا محمدا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم ~~بئس ما صنعتم ارجعوا، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فندب ~~المسلمين، فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد، أو بئر أبي عتبة، شك سفيان، ~~فقال المشركون يرجع من قابل، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت ~~تعد غزوة، فأنزل الله سبحانه { الذين استجابوا لله ~~والرسول } الآية. وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما عن عائشة في قوله ~~تعالى { الذين استجابوا لله والرسول... } الآية، أنها ~~قالت لعروة بن الزبير يا بن أختي كان أبواك منهم الزبير، وأبو بكر، لما ~~أصاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد انصرف عنه المشركون ~~خاف أن يرجعوا، فقال # " من يرجع في أثرهم؟ " # فانتدب منهم سبعون فيهم أبو بكر، والزبير. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، ~~والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال ~~خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد، وقد أجمع أبو سفيان ~~بالرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، وقالوا رجعنا قبل أن ~~نستأصلهم لنكرن على بقيتهم، فبلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في ~~أصحابه يطلبهم، فثنى ذلك أبا سفيان، وأصحابه، ومر ركب من عبد القيس، فقال ~~لهم أبو سفيان بلغوا محمدا أنا قد أجمعنا الرجعة على أصحابه لنستأصلهم ~~فلما ms0656 مر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد أخبروه بالذي ~~قال أبو سفيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسلمون معه # " حسبنا الله، " # ونعم الوكيل، فأنزل الله في ذلك { الذين استجابوا لله ~~والرسول } الآيات. وأخرج موسى بن عقبة في مغازيه، والبيهقي في ~~الدلائل، عن ابن شهاب قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر ~~المسلمين لموعد أبي سفيان بدرا. فاحتمل الشيطان أولياءه من الناس، فمشوا ~~في الناس يخوفونهم، وقالوا إنا قد أخبرنا أن قد جمعوا لكم من الناس مثل ~~الليل يرجون أن يواقعوكم. والروايات في هذا الباب كثيرة قد اشتملت عليها ~~كتب الحديث، والسير. وأخرج ابن المنذر، عن سعيد بن جبير قال القرح ~~الجراحات. وأخرج ابن جرير، عن السدي أن أبا سفيان، وأصحابه لقوا ~~أعرابيا، فجعلوا له جعلا على أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وأصحابه أنهم قد جمعوا لهم، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال ~~هو، والصحابة # " حسبنا الله، " # ونعم الوكيل، ثم رجعوا من حمراء الأسد، فأنزل الله فيهم، وفي الأعرابي { ~~الذين قال لهم الناس } الآية. وأخرج ابن مردويه، عن أبي رافع ~~أن هذا الأعرابي من خزاعة. وقد ورد في فضل هذه الكلمة أعني { حسبنا ~~الله ونعم الوكيل } أحاديث منها ما أخرجه ابن مردويه، عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا وقعتم في الأمر العظيم، فقولوا حسبنا الله، ونعم الوكيل " # قال ابن كثير بعد إخراجه هذا حديث غريب من هذا الوجه. وأخرج أبو نعيم، ~~عن شداد بن أوس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم # " حسبي الله، ونعم الوكيل، أمان كل خائف " # وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر، عن عائشة«أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا اشتد غمه مسح بيده على رأسه، ولحيته، ثم تنفس الصعداء، وقال # " حسبي الله، ونعم الوكيل " # وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس قال # " حسبنا الله، " # ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قالوا { ~~إن الناس قد جمعوا ms0657 لكم }. وأخرج أحمد، وأبو داود، ~~والنسائي، عن عوف بن مالك أنه حدثهم «أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى ~~بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر حسبي الله، ونعم الوكيل، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم " ردوا علي الرجل " ، فقال " ما قلت "؟ قال قلت ~~حسبي الله، ونعم الوكيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر، فقل حسبي ~~الله، ونعم الوكيل " # وأخرج أحمد، عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كيف أنعم، وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته يسمع متى يؤمر، ~~فينفخ؟ ثم أمر الصحابة أن يقولوا حسبنا الله، ونعم الوكيل على الله ~~توكلنا " # وهو حديث جيد. وأخرج البيهقي في الدلائل، عن ابن عباس في قوله { ~~فانقلبوا بنعمة من الله وفضل } قال النعمة أنهم ~~سلموا، والفضل أن عيرا مرت، وكان في أيام الموسم، فاشتراها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فربح مالا، فقسمه بين أصحابه. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في الآية قال الفضل ما أصابوا من ~~التجارة، والأجر. وأخرج ابن جرير، عن السدي قال أما النعمة فهي العافية، ~~وأما الفضل فالتجارة، والسوء القتل. أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من ~~طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { لم يمسسهم سوء } قال لم ~~يؤذهم أحد { واتبعوا رضون الله } قال أطاعوا الله، ورسوله. ~~وأخرج ابن جرير، من طريق العوفي عنه في قوله { إنما ذلكم ~~الشيطن يخوف أولياءه } قال يقول الشيطان يخوف بأوليائه. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن أبي مالك قال يعظم أولياءه في ~~أعينكم. وأخرج ابن المنذر، عن عكرمة مثل قول ابن عباس. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن الحسن إنما كان ذلك تخويف الشيطان، ولا يخاف الشيطان إلا ولي ~~الشيطان. ### || [3.176-180] # قوله { ولا يحزنك } قرأ نافع بضم الياء، وكسر الزاي، وقرأ ابن ~~محيصن بضم الياء، والزاي، وقرأ الباقون بفتح الياء، وضم الزاي، وهما ~~لغتان، يقال حزنني الأمر، ms0658 وأحزنني، والأولى أفصح. وقرأ طلحة { ~~يسرعون } قيل هم قوم ارتدوا، فاغتم النبي صلى الله عليه وسلم ~~لذلك، فسلاه الله سبحانه، ونهاه عن الحزن، وعلل ذلك بأنهم لن يضروا الله ~~شيئا، وإنما ضروا أنفسهم بأن لا حظ لهم في الآخرة، ولهم عذاب عظيم، وقيل ~~هم كفار قريش، وقيل هم المنافقون، وقيل هو عام في جميع الكفار. قال ~~القشيري، والحزن على كفر الكافر طاعة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يفرط في الحزن، فنهى عن ذلك، كما قال الله تعالى # فلا تذهب نفسك عليهم حسرت # فاطر 8 # فلعلك بخع نفسك على ءاثرهم إن لم ~~يؤمنوا بهذا الحديث أسفا # الكهف 6 وعدى يسارعون بفي دون إلى للدلالة على أنهم مستقرون فيه مديمون ~~لملابسته، ومثله # يسارعون في الخيرات # المؤمنون 61 وقوله { إنهم لن يضروا الله شيئا } تعليل ~~للنهي، والمعنى أن كفرهم لا ينقص من ملك الله سبحانه شيئا، وقيل المراد ~~لن يضروا أولياءه، ويحتمل أن يراد لن يضروا دينه الذي شرعه لعباده، ~~وشيئا منصوب على المصدرية أي شيئا من الضرر، وقيل منصوب بنزع الخافض أي ~~بشيء. والحظ النصيب. قال أبو زيد يقال رجل حظيظ إذا كان ذا حظ من الرزق، ~~والمعنى أن الله يريد أن لا يجعل لهم نصيبا في الجنة، أو نصيبا من ~~الثواب، وصيغة الاستقبال للدلالة على دوام الإرادة، واستمرارها { ~~ولهم عذاب عظيم } بسبب مسارعتهم في الكفر، فكان ضرر كفرهم ~~عائدا عليهم جالبا لهم عدم الحظ في الآخرة، ومصيرهم في العذاب العظيم. ~~قوله { إن الذين اشتروا الكفر بالإيمن } أي ~~استبدلوا الكفر بالإيمان، وقد تقدم تحقيق هذه الاستعارة { لن يضروا ~~الله شيئا } معناه كالأول، وهو للتأكيد لما تقدمه، وقيل إن الأول ~~خاص بالمنافقين، والثاني يعم جميع الكفار، والأول أولى. قوله { ولا ~~يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم خير ~~لانفسهم } قرأ ابن عامر، وعاصم، وغيرهما { يحسبن } بالياء ~~التحتية، وقرأ حمزة بالفوقية، والمعنى على الأولى لا يحسبن الكافرون أنما ~~نملي لهم بطول العمر، ورغد العيش، أو بما أصابوا من الظفر يوم أحد { ~~خير لأنفسهم ms0659 } فليس الأمر كذلك بل { إنما نملي لهم ليزدادوا ~~إثما ولهم عذاب مهين }. وعلى القراءة الثانية لا تحسبن يا محمد أن ~~الإملاء للذين كفروا بما ذكر خير لأنفسهم، بل هو شر واقع عليهم، ونازل ~~بهم، وهو أن الإملاء الذي نمليه لهم ليزدادوا إثما، فالموصول على ~~القراءة الأولى فاعل الفعل، وأنما نملي، وما بعده ساد مسد مفعولي الحسبان ~~عند سيبويه، أو ساد مسد أحدهما، والآخر محذوف عند الأخفش. # وأما على القراءة الثانية، فقال الزجاج إن الموصول هو المفعول الأول، ~~وإنما، وما بعدها بدل من الموصول ساد مسد المفعولين، ولا يصح أن يكون ~~إنما، وما بعده هو المفعول الثاني لأن المفعول الثاني في هذا الباب هو ~~الأول في المعنى. وقال أبو علي الفارسي لو صح هذا لكان خيرا بالنصب ~~لأنه يصير بدلا من الذين كفروا، فكأنه قال لا تحسبن إملاء الذين كفروا ~~خيرا. وقال الكسائي، والفراء إنه يقدر تكرير الفعل كأنه قال ولا تحسبن ~~الذين كفروا، ولا تحسبن إنما نملي لهم، فسدت مسد المفعولين. وقال في ~~الكشاف فإن قلت كيف صح مجيء البدل، ولم يذكر إلا أحد المفعولين، ولا يجوز ~~الاقتصار بفعل الحسبان على مفعول واحد؟ قلت صح ذلك من حيث أن التعويل على ~~البدل، والمبدل منه في حكم المنحي، ألا تراك تقول جعلت متاعك بعضه فوق ~~بعض مع امتناع سكوتك على متاعك. انتهى. وقرأ يحيى بن وثاب { أنما ~~نملى } بكسر إن فيهما، وهي قراءة ضعيفة باعتبار العربية. وقوله { ~~إنما نملى لهم ليزدادوا إثما } جملة مستأنفة مبينة ~~لوجه الاملاء للكافرين. وقد احتج الجمهور بهذه الآية على بطلان ما تقوله ~~المعتزلة لأنه سبحانه أخبر بأنه يطيل أعمار الكفار، ويجعل عيشهم رغدا ~~ليزدادوا إثما. قال أبو حاتم وسمعت الأخفش يذكر كسر { أنما نملى ~~} الأولى، وفتح الثانية، ويحتج بذلك لأهل القدر لأنه منهم، ويجعله على ~~هذا التقدير ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما ~~نملي لهم خير لأنفسهم. وقال في الكشاف إن ازدياد الإثم علة، وما كل علة ~~بعرض ألا تراك تقول قعدت ms0660 عن الغزو للعجز، والفاقة، وخرجت من البلد لمخافة ~~الشر، وليس شيء يعرض لك، وإنما هي علل، وأسباب. قوله { ما كان ~~الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه } كلام ~~مستأنف، والخطاب عند جمهور المفسرين للكفار، والمنافقين، أي ما كان الله ~~ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر، والنفاق { حتى يميز ~~الخبيث من الطيب } وقيل الخطاب للمؤمنين، والمنافقين، أي ما ~~كان الله ليترككم على الحال التي أنتم عليه من الاختلاط حتى يميز بعضكم ~~من بعض وقيل الخطاب للمشركين. والمراد بالمؤمنين من في الأصلاب، ~~والأرحام، أي ما كان الله ليذر أولادكم على ما أنتم عليه حتى يفرق بينكم، ~~وبينهم، وقيل الخطاب للمؤمنين، أي ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين ~~على ما أنتم عليه من الاختلاط بالمنافقين حتى يميز بينكم، وعلى هذا ~~الوجه، والوجه الثاني يكون في الكلام التفات. وقرىء { يميز } بالتشديد ~~للمخفف، من ماز الشيء يميزه ميزا إذا فرق بين شيئين، فإن كانت أشياء قيل ~~ميزه تمييزا { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } ~~حتى تميزوا بين الطيب، والخبيث، فإنه المستأثر بعلم الغيب لا يظهر على ~~غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول من رسله يجتبيه، فيطلعه على شيء من ~~غيبه، فيميز بينكم، كما وقع من نبينا صلى الله عليه وسلم من تعيين كثير ~~من المنافقين، فإن ذلك كان بتعليم الله له، لا بكونه يعلم الغيب وقيل ~~المعنى وما كان الله ليطلعكم على الغيب في من يستحق النبوة، حتى يكون ~~الوحي باختياركم { ولكن الله يجتبى } أي يختار { من ~~رسله من يشاء }. # قوله { فآمنوا بالله ورسوله } أي افعلوا الإيمان المطلوب منكم، ودعوا ~~الاشتغال بما ليس من شأنكم من التطلع لعلم الله سبحانه { وإن ~~تؤمنوا } بما ذكر { وتتقوا فلكم } عوضا عن ذلك { أجر ~~عظيم } لا يعرف قدره، ولا يبلغ كنهه. قوله { ولا يحسبن ~~الذين يبخلون بما ءاتهم الله من فضله هو ~~خيرا لهم } الموصول في محل رفع على أنه فاعل الفعل على قراءة من ~~قرأ بالياء التحتية، والمفعول الأول محذوف، أي لا يحسبن الباخلون ms0661 البخل ~~خيرا لهم. قاله الخليل، وسيبويه، والفراء، قالوا وإنما حذف لدلالة ~~يبخلون عليه، ومن ذلك قول الشاعر # إذا نهى السفيه جرى إليه وخالف والسفيه إلى خلاف # أي جرى إلى السفه، فالسفيه دل على السفه. وأما على قراءة من قرأ ~~بالفوقية، فالفعل مسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والمفعول الأول ~~محذوف، أي لا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون خيرا لهم. قال الزجاج هو ~~مثل # واسئل القرية # يوسف 82 والضمير المذكور هو ضمير الفصل. قال المبرد والسين في قوله { ~~سيطوقون ما بخلوا به } سين الوعيد، وهذه الجملة مبينة قوله ~~{ بل هو شر لهم } قيل ومعنى التطويق هنا أنه يكون ما بخلوا به ~~من المال طوقا من نار في أعناقهم. وقيل معناه أنه سيحملون عقاب ما بخلوا ~~به، فهو من الطاقة، وليس من التطويق، وقيل المعنى أنهم يلزمون أعمالهم، ~~كما يلزم الطوق العنق، يقال طوق فلان عمله طوق الحمامة أي ألزم جزاء ~~عمله، وقيل إن ما لم تؤد زكاته من المال يمثل له شجاعا أقرع حتى يطوق ~~به في عنقه، كما ورد ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال ~~القرطبي والبخل في اللغة أن يمنع الإنسان الحق الواجب، فأما من منع ما لا ~~يجب عليه، فليس ببخيل. قوله { ولله ميراث السموات ~~والأرض } أي له وحده لا لغيره، كما يفيده التقديم. والمعنى أن له ما ~~فيهما مما يتوارثه أهلها، فما بالهم يبخلون بذلك، ولا ينفقونه، وهو لله ~~سبحانه لا لهم، وإنما كان عندهم عارية مستردة! ومثل هذه الآية قوله تعالى # إنا نحن نرث الأرض ومن عليها # مريم 40 وقوله # وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه # الحديد 7 والميراث في الأصل هو ما يخرج من مالك إلى آخر، ولم يكن ~~مملوكا لذلك الآخر قبل انتقاله إليه بالميراث، ومعلوم أن الله سبحانه هو ~~المالك بالحقيقة لجميع مخلوقاته. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ~~مجاهد { إن الذين اشتروا الكفر بالإيمن } قال هم ~~المنافقون، وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن ms0662 المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، عن ابن مسعود قال ما من نفس ~~برة، ولا فاجرة إلا، والموت خير لها من الحياة إن كان برا، فقد قال ~~الله # وما عند الله خير للأبرار # آل عمران 198 وإن كان فاجرا، فقد قال { ولا يحسبن الذين ~~كفروا } الآية. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، عن أبي الدرداء نحوه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، عن محمد ~~بن كعب، نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن أبي برزة أيضا نحوه. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي قال قالوا إن كان محمد صادقا، فليخبرنا ~~بمن يؤمن به منا، ومن يكفر، فأنزل الله { ما كان الله ليذر ~~المؤمنين } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال يميز أهل ~~السعادة من أهل الشقاوة، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، عن قتادة قال يميز بينهم في الجهاد، والهجرة، وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عن الحسن في قوله { وما كان الله ليطلعكم على ~~الغيب } قال ولا يطلع على الغيب إلا رسول. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد { ولكن الله ~~يجتبى } قال يختص. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مالك قال يستخلص. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ولا يحسبن ~~الذين يبخلون } قال هم أهل الكتاب بخلوا أن يبينوه للناس. وأخرج ~~ابن جرير، عن مجاهد قال هم يهود. وأخرج ابن جرير، عن السدي قال بخلوا أن ~~ينفقوها في سبيل الله لم يؤدوا زكاتها. وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من آتاه الله مالا، فلم يؤد زكاته، مثل له شجاعا أقرع له زبيبتان ~~يطوقه يوم القيامة، فيأخذ بلهزمته - يعني بشدقه - فيقول أنا مالك أنا ~~كنزك، ثم تلا هذه الآية " # وقد ورد هذا المعنى في أحاديث كثيرة عن جماعة من الصحابة يرفعونها. ### || [3.181-184] # قال أهل التفسير لما أنزل الله # من ذا ms0663 الذى يقرض الله قرضا حسنا # البقرة 245، الحديد 11 قال قوم من اليهود هذه المقالة تمويها على ~~ضعفائهم، لا أنهم يعتقدون ذلك لأنهم أهل الكتاب، بل أرادوا أنه تعالى إن ~~صح ما طلبه منا من القرض على لسان محمد، فهو فقير ليشككوا على إخوانهم في ~~دين الإسلام. وقوله { سنكتب ما قالوا } سنكتبه في صحف الملائكة، ~~أو سنحفظه، أو سنجازيهم عليه. والمراد الوعيد لهم، وأن ذلك لا يفوت على ~~الله، بل هو معد لهم ليوم الجزاء. وجملة سنكتب على هذا مستأنفة جوابا ~~لسؤال مقدر، كأنه قيل ماذا صنع الله بهؤلاء الذين سمع منهم هذا القول ~~الشنيع؟ فقال قال لهم { سنكتب ما قالوا }. وقرأ الأعمش، وحمزة ~~«سيكتب» بالمثناة التحتية مبني للمفعول. وقرأ برفع اللام من «قتلهم» و " ~~يقول " بالياء المثناة تحت. قوله { وقتلهم الأنبياء } عطف على { ~~ما قالوا } ، أي ونكتب قتلهم الأنبياء، أي قتل أسلافهم للأنبياء، وإنما ~~نسب ذلك إليهم لكونهم رضوا به، جعل ذلك القول قرينا لقتل الأنبياء ~~تنبيها على أنه من العظم، والشناعة بمكان يعدل قتل الأنبياء. قوله { ~~ونقول } معطوف على { سنكتب } أي ننتقم منهم بعد الكتابة بهذا ~~القول الذي نقوله لهم في النار، أو عند الموت، أو عند الحساب. والحريق ~~اسم للنار الملتهبة وإطلاق الذوق على إحساس العذاب فيه مبالغة بليغة. ~~وقرأ ابن مسعود «ويقال ذوقوا» والإشارة بقوله { ذلك } إلى العذاب ~~المذكور قبله، وأشار إلى القريب بالصيغة التي يشار بها إلى البعيد ~~للدلالة على بعد منزلته في الفظاعة، وذكر الأيدي لكونها المباشرة لغالب ~~المعاصي. وقوله { وأن الله ليس بظلم للعبيد } ~~معطوف على { ما قدمت أيديكم } ووجه أنه سبحانه عذبهم بما ~~أصابوا من الذنب، وجازاهم على فعلهم، فلم يكن ذلك ظلما، أو بمعنى أنه ~~مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء، وليس بظالم لمن عذبه بذنبه، وقيل إن ~~وجهه أن نفي الظلم مستلزم للعدل المقتضي لإثابة المحسن، ومعاقبة المسيء، ~~ورد بأن ترك التعذيب مع وجود سببه، ليس بظلم عقلا، ولا شرعا، وقيل إن ~~جملة قوله { وأن الله ليس بظلم للعبيد } في ms0664 محل ~~رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي والأمر أن الله ليس بظلام للعبيد، ~~والتعبير بذلك عن نفي الظلم مع أن تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم عند أهل ~~السنة فضلا عن كونه ظلما بالغا لبيان تنزهه عن ذلك، ونفي ظلام المشعر ~~بالكثرة، يفيد ثبوت أصل الظلم. وأجيب عن ذلك بأن الذي توعد بأن يفعله بهم ~~لو كان ظلما لكان عظيما، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتا. # قوله { الذين قالوا } هو خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين قالوا، ~~وقيل نعت للعبيد، وقيل منصوب على الذم، وقيل هو في محل جر بدل من { ~~لقد سمع الله قول الذين قالوا } وهو ضعيف لأن البدل ~~هو المقصود دون المبدل منه، وليس الأمر كذلك هنا، والقائلون هؤلاء هم ~~جماعة من اليهود، كما سيأتي، وهذا المقول، وهو أن الله عهد إليهم أن لا ~~يؤمنوا لرسول حتى يأتيهم بالقربان هو من جملة دعاويهم الباطلة. وقد كان ~~دأب بني إسرائيل أنهم كانوا يقربون القربان، فيقوم النبي، فيدعو، فتنزل ~~نار من السماء، فتحرقه، ولم يتعبد الله بذلك كل أنبيائه، ولا جعله دليلا ~~على صدق دعوى النبوة، ولهذا رد الله عليهم، فقال { قل قد جاءكم ~~رسل من قبلى بالبينت وبالذى قلتم } من القربان ~~{ فلم قتلتموهم إن كنتم صدقين } كيحيى بن زكريا ~~وشعياء، وسائر من قتلوا من الأنبياء. والقربان ما يتقرب به إلى الله من ~~نسيكة وصدقة وعمل صالح، وهو فعلان من القربة ثم سلى الله رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بقوله { فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك ~~جاءوا } بمثل ما جئت به من البينات. والزبر جمع زبور وهو الكتاب، وقد ~~تقدم تفسيره { والكتب المنير } الواضح الجلي المضيء، يقال نار ~~الشيء، وأنار، ونوره، واستناره بمعنى. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال دخل أبو بكر بيت المدراس، ~~فوجد يهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص، وكان من علمائهم، ~~وأحبارهم. فقال أبو بكر ويحك يا فنحاص اتق الله وأسلم، فوالله ms0665 إنك لتعلم ~~أن محمدا رسول الله تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة، فقال فنحاص والله ~~يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه، ~~كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان غنيا عنا ما استقرض منا كما ~~يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا، ويعطينا، ولو كان غنيا عنا ما أعطانا ~~الربا، فغضب أبو بكر، فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، وقال والذي نفسي بيده ~~لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت عنقك يا عدو الله، فذهب فنحاص إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يا محمد انظر ما صنع صاحبك بي، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر # " ما حملك على ما صنعت؟ " # فقال يا رسول الله قال قولا عظيما، يزعم أن الله فقير، وأنهم عنه ~~أغنياء، فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، فضربت وجهه، فجحد فنحاص فقال ما ~~قلت ذلك، فأنزل الله فيما قال فنحاص تصديقا لأبي بكر { لقد سمع ~~الله قول الذين قالوا } الآية، ونزل في أبي بكر، وما بلغه ~~في ذلك من الغضب # ولتسمعن من الذين أوتوا الكتب من قبلكم ~~ومن الذين أشركوا أذى كثيرا # آل عمران 186 الآية. وقد أخرج هذه القصة ابن جرير، وابن المنذر، عن ~~عكرمة، وأخرجها ابن جرير، عن السدي بأخصر من ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وابن مردويه، والضياء في المختارة من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال ~~أتت اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله # من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا # البقرة 245 فقالوا يا محمد أفقير ربك يسأل عباده القرض؟ فأنزل الله ~~الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة أن القائل لهذه المقالة ~~حيي بن أخطب، وأنها نزلت فيه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~العلاء بن بدر أنه سئل عن قوله { وقتلهم الأنبياء بغير حق ~~} وهم لم يدركوا ذلك، قال بموالاتهم من قتل الأنبياء. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس في قوله { وأن الله ms0666 ليس بظلم ~~للعبيد } قال ما أنا بمعذب من لم يجترم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن الضحاك في قوله { الذين قالوا إن الله عهد ~~إلينا } قال هم اليهود. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن ~~عباس في قوله # حتى يأتينا بقربان تأكله النار # التوبة 30 قال يتصدق الرجل منا، فإذا تقبل منه أنزلت عليه النار من ~~السماء، فأكلته. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله { الذين ~~قالوا إن الله عهد إلينا } قال كذبوا على الله. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله { بالبينت } قال الحلال، ~~والحرام { والزبر } قال كتب الأنبياء { والكتاب المنير } قال هو ~~القرآن. ### || [3.185-189] # قوله { ذائقة } من الذوق، ومنه قول أمية بن أبي الصلت # من لم يمت غبطة يمت هرما الموت كأس والمرء ذائقها # وهذه الآية تتضمن الوعد، والوعيد للمصدق، والمكذب بعد إخباره، عن ~~الباخلين القائلين { إن الله فقير ونحن أغنياء }. وقرأ ~~الأعمش، ويحيى بن وثاب، وابن أبي إسحاق { ذائقة الموت } ~~بالتنوين ونصب الموت. وقرأ الجمهور بالإضافة. قوله { وإنما ~~توفون أجوركم يوم القيمة } أجر المؤمن الثواب، وأجر ~~الكافر العقاب، أي أن توفية الأجور، وتكميلها إنما تكون في ذلك اليوم، ~~وما يقع من الأجور في الدنيا، أو في البرزخ، فإنما هو بعض الأجور، ~~والزحزحة التنحية، والإبعاد تكرير الزح، وهو الجذب بعجلة، قاله في ~~الكشاف، وقد سبق الكلام عليه، أي فمن بعد عن النار يومئذ، ونحى، فقد فاز، ~~أي ظفر بما يريد، ونجا مما يخاف، وهذا هو الفوز الحقيقي الذي لا فوز ~~يقاربه، فإن كل فوز، وإن كان بجميع المطالب دون الجنة ليس بشيء بالنسبة ~~إليها، اللهم لا فوز إلا فوز الآخرة، ولا عيش إلا عيشها، ولا نعيم إلا ~~نعيمها، فاغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وارض عنا رضا لا سخط بعده، واجمع ~~لنا بين الرضا منك علينا، والجنة. والمتاع ما يتمتع به الإنسان، وينتفع ~~به، ثم يزول، ولا يبقى كذا قال أكثر المفسرين. الغرور الشيطان يغر الناس ~~بالأماني الباطلة، والمواعيد الكاذبة، شبه سبحانه الدنيا بالمتاع الذي ms0667 ~~يدلس به على من يريده، وله ظاهر محبوب، وباطن مكروه. قوله { ~~لتبلون فى أمولكم وأنفسكم } هذا الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأمته تسلية لهم عما سيلقونه من الكفرة، والفسقة ليوطنوا ~~أنفسهم على الثبات، والصبر على المكاره. والابتلاء الامتحان، والاختبار، ~~والمعنى لتمتحنن، ولتختبرن في أموالكم بالمصائب، والإنفاقات الواجبة، ~~وسائر التكاليف الشرعية المتعلقة بالأموال. والابتلاء في الأنفس بالموت، ~~والأمراض، وفقد الأحباب، والقتل في سبيل الله. وهذه الجملة جواب قسم ~~محذوف دلت عليه اللام الموطئة { ولتسمعن من الذين أوتوا ~~الكتب من قبلكم } وهم اليهود والنصارى. { ومن الذين ~~أشركوا } وهم سائر الطوائف الكفرية من غير أهل الكتاب { أذى ~~كثيرا } من الطعن في دينكم، وأعراضكم، والإشارة بقوله { فإن ~~ذلك } إلى الصبر، والتقوى المدلول عليهما بالفعلين. وعزم الأمور ~~معزوماتها، أي مما يجب عليكم أن تعزموا عليه لكونه عزمة من عزمات الله ~~التي أوجب عليهم القيام بها، يقال عزم الأمر، أي شده، وأصلحه. قوله { ~~وإذ أخذ الله ميثق الذين أوتوا الكتب } هذه ~~الآية توبيخ لأهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، أو اليهود فقط على الخلاف ~~في ذلك، والظاهر أن المراد بأهل الكتاب كل من آتاه الله علم شيء من ~~الكتاب، أي كتاب كان، كما يفيده التعريف الجنسي في الكتاب. # قال الحسن، وقتادة إن الآية عامة لكل عالم، وكذا قال محمد بن كعب، ويدل ~~على ذلك قول أبي هريرة لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء، ~~ثم تلا هذه الآية، والضمير في قوله { لتبيننه } راجع إلى الكتاب، ~~وقيل راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يتقدم له ذكر لأن الله ~~أخذ على اليهود والنصارى أن يبينوا نبوته للناس، ولا يكتموها { ~~فنبذوه وراء ظهورهم }. وقرأ أبو عمرو، وعاصم في رواية أبي ~~بكر، وأهل المدينة «ليبيننه» بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالمثناة ~~الفوقية. وقرأ ابن عباس " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتنيننه " ويشكل ~~على هذه القراءة قوله { فنبذوه } فلا بد من أن يكون فاعله الناس. ~~وفي قراءة ابن مسعود «لتبينونه» والنبذ الطرح، وقد تقدم في البقرة ms0668 { ~~وراء ظهورهم } مبالغة في النبذ، والطرح، وقد تقدم أيضا معنى ~~قوله { واشتروا به ثمنا قليلا } والضمير عائد إلى الكتاب ~~الذي أمروا ببيانه، ونهوا عن كتمانه، وقوله { ثمنا قليلا } أي ~~حقيرا يسيرا من حطام الدنيا، وأعراضها، قوله { فبئس ما ~~يشترون } " ما " نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس، ويشترون صفة، ~~والمخصوص بالذم محذوف، أي بئس شيئا يشترونه بذلك الثمن. قوله { لا ~~تحسبن الذين يفرحون } قرأ الكوفيون بالتاء الفوقية، ~~والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له. وقوله { ~~بما أتوا } أي بما فعلوا. وقد اختلف في سبب نزول الآية، كما سيأتي، ~~والظاهر شمولها لكل من حصل منه ما تضمنته عملا بعموم اللفظ، وهو المعتبر ~~دون خصوص السبب، فمن فرح بما فعل، وأحب أن يحمده الناس بما لم يفعل، فلا ~~تحسبنه بمفازة من العذاب. وقرأ نافع، وابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو ~~«لا يحسبن» بالياء التحتية، أي لا يحسبن الفارحون فرحهم منجيا لهم من ~~العذاب، فالمفعول الأول محذوف، وهو فرحهم، والمفعول الثاني بمفازة من ~~العذاب. وقوله { فلا تحسبنهم } تأكيد للفعل الأول على ~~القراءتين، والمفازة المنجاة، مفعلة من فاز يفوز إذا نجا، أي ليسوا ~~بفائزين، سمي موضع الخوف مفازة على جهة التفاؤل قاله الأصمعي. وقيل لأنها ~~موضع تفويز، ومظنة هلاك، تقول العرب فوز الرجل إذا مات. قال ثعلب حكيت ~~لابن الأعرابي قول الأصمعي، فقال أخطأ. قال لي أبو المكارم إنما سميت ~~مفازة لأن من قطعها فاز. وقال ابن الأعرابي بل لأنه مستسلم لما أصابه. ~~وقيل المعنى لا تحسبنهم بمكان بعيد من العذاب لأن الفوز التباعد عن ~~المكروه. وقرأ مروان بن الحكم، والأعمش، وإبراهيم النخعي «آتوا» بالمد، ~~أي يفرحون بما أعطوا. وقرأ جمهور القراء السبعة، وغيرهم { أتوا } بالقصر. ~~وقد أخرج ابن أبي شيبة، وهناد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن حبان، ~~وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " إن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرءوا إن شئتم { فمن ms0669 ~~زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما ~~الحيوة الدنيا إلا متع الغرور } " # وأخرج ابن مردويه، عن سهل بن سعد مرفوعا نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، عن الزهري في قوله { ولتسمعن من الذين أوتوا ~~الكتب من قبلكم ومن الذين أشركوا } قال هو كعب بن الأشرف، ~~وكان يحرض المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه في شعره. ~~وأخرج ابن المنذر، من طريق الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك مثله. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في الآية قال ~~يعني اليهود والنصارى، فكان المسلمون يسمعون من اليهود قولهم # عزير ابن الله # التوبة 30، ومن النصارى قولهم # المسيح ابن الله # التوبة 30 { وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم ~~الأمور } قال من القوة مما عزم الله عليه، وأمركم به. وأخرج ابن إسحاق، ~~وابن جرير، عن ابن عباس في قوله { وإذ أخذ الله ميثق ~~الذين أوتوا الكتب لتبيننه للناس } قال فنحاص، ~~وأشيع، وأشباههما من الأحبار. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق ~~العوفي، عن ابن عباس في قوله { وإذ أخذ الله ميثق ~~الذين أوتوا الكتب لتبيننه للناس } قال كان ~~الله أمرهم أن يتبعوا النبي الأمي. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~عنه في الآية قال في التوراة والإنجيل أن الإسلام دين الله الذي افترضه ~~على عباده، وأن محمدا رسول الله يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة، ~~والإنجيل، فنبذوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد ~~بن جبير في الآية قال هم اليهود { لتبيننه للناس } قال ~~محمدا صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، عن السدي مثله. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية قال هذا ~~ميثاق أخذه الله على أهل العلم، فمن علم علما، فليعلمه للناس، وإياكم ~~وكتمان العلم، فإن كتمان العلم هلكة. وأخرج ابن سعد عن الحسن قال لولا ~~الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم ما حدثتكم بكثير مما تسألون عنه. ms0670 ~~وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما أن مروان قال لبوابه اذهب يا رافع إلى ابن ~~عباس، فقل لئن كان كل امريء منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل ~~معذبا لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس ما لكم ولهذه الآية، إنما ~~أنزلت في أهل الكتاب، ثم تلا { وإذ أخذ الله ميثق ~~الذين أوتوا الكتب } الآية، قال ابن عباس سألهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن شيء، فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا، وقد أروه أن ~~قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمان ~~ما سألهم عنه. # وفي البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن أبي سعيد الخدري أن رجالا من ~~المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا ~~عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قدم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه، وحلفوا، وأحبوا أن ~~يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت. وقد روي أنها نزلت في فنحاص، وأشيع، ~~وأشباههما. وروي أنها نزلت في اليهود. وأخرج مالك، وابن سعد، والطبراني، ~~والبيهقي في الدلائل، عن محمد بن ثابت أن ثابت بن قيس قال يا رسول الله ~~لقد خشيت أن أكون قد هلكت قال # " لم؟ " # قال قد نهانا الله أن نحب أن نحمد بما لم نفعل، وأجدني أحب الحمد، ~~ونهانا عن الخيلاء، وأجدني أحب الجمال، ونهانا أن نرفع أصواتنا فوق صوتك، ~~وأنا رجل جهير الصوت، فقال # " يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميدا، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنة؟ " # فعاش حميدا، وقتل شهيدا يوم مسيلمة الكذاب. وأخرج ابن المنذر، عن ~~الضحاك في قوله { بمفازة } قال بمنجاة. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد ~~مثله. ### || [3.190-194] # قوله { إن في خلق السموات والأرض } هذه جملة مستأنفة ~~لتقرير اختصاصه سبحانه بما ذكره فيها. والمراد ذات السموات، والأرض، ~~وصفاتهما { واختلف اليل والنهار } أي تعاقبهما، وكون كل ~~واحد منهما يخلف الآخر، وكون زيادة أحدهما في نقصان الآخر، وتفاوتهما ~~طولا، وقصرا، وحرا، وبردا وغير ذلك { لآيات } أي دلالات واضحة، ~~وبراهين ms0671 بينة تدل على الخالق سبحانه. وقد تقدم تفسير بعض ما هاهنا في ~~سورة البقرة. والمراد بأولي الألباب أهل العقول الصحيحة الخالصة، عن ~~شوائب النقص، فإن مجرد التفكير فيما قصه الله في هذه الآية يكفي العاقل، ~~ويوصله إلى الإيمان الذي لا تزلزله الشبه، ولا تدفعه التشكيكات. قوله { ~~الذين يذكرون الله قيما وقعودا وعلى ~~جنوبهم } الموصول نعت لأولي الألباب، وقيل هو مفصول عنه خبر مبتدأ ~~محذوف، أو منصوب على المدح. والمراد بالذكر هنا ذكره سبحانه في هذه ~~الأحوال من غير فرق بين حال الصلاة، وغيرها. وذهب جماعة من المفسرين إلى ~~أن الذكر هنا عبارة عن الصلاة، أي لا يضيعونها في حال من الأحوال، ~~فيصلونها قياما مع عدم العذر، وقعودا، وعلى جنوبهم مع العذر. قوله { ~~ويتفكرون فى خلق السموات والأرض } معطوف على قوله ~~{ يذكرون } وقيل إنه معطوف على الحال، أعني { قيما ~~وقعودا } وقيل إنه منقطع عن الأول، والمعنى أنهم يتفكرون في بديع ~~صنعهما، وإتقانهما مع عظم أجرامها، فإن هذا الفكر إذا كان صادقا، أوصلهم ~~إلى الإيمان بالله سبحانه. قوله { ربنا ما خلقت هذا بطلا ~~} هو على تقدير القول، أي يقولون ما خلقت هذا عبثا، ولهوا، بل خلقته ~~دليلا على حكمتك، وقدرتك. والباطل الزائل الذاهب، ومنه قول لبيد # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وهو منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي خلقا باطلا، وقيل منصوب بنزع ~~الخافض، وقيل هو مفعول ثان، وخلق بمعنى جعل، أو منصوب على الحال، ~~والإشارة بقوله { هذا } إلى السموات والأرض، أو إلى الخلق على أنه ~~بمعنى المخلوق. قوله { سبحنك } أي تنزيها لك عما لا يليق بك من ~~الأمور التي من جملتها أن يكون خلقك لهذه المخلوقات باطلا. وقوله { ~~فقنا عذاب النار } الفاء لترتيب هذا الدعاء على ما قبله. وقوله ~~{ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } تأكيد ~~لما تقدمه من استدعاء الوقاية من النار منه سبحانه، وبيان للسبب الذي ~~لأجله دعاه عباده بأن يقيهم عذاب النار، وهو أن من أدخله النار، فقد ~~أخزاه، أي أذله، وأهانه. وقال المفضل ms0672 معنى أخزيته أهلكته، وأنشد # أخزى الإله بني الصليب عنيزة واللابسين ملابس ~~الرهبان # وقيل معناه فضحته، وأبعدته، يقال أخزاه الله أبعده ومقته، والاسم الخزي. # قال ابن السكيت خزي يخزى خزيا إذا وقع في بلية. قوله { ~~ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمن } ~~المنادي عند أكثر المفسرين هو النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل هو القرآن، ~~وأوقع السماع على المنادي مع كون المسموع هو النداء لأنه قد وصف المنادي ~~بما يسمع، وهو قوله { ينادي للإيمان أن آمنوا }. وقال أبو علي الفارسي إن ~~«ينادي» هو المفعول الثاني وذكر { ينادي } مع أنه قد فهم من قوله { ~~مناديا } لقصد التأكيد، والتفخيم لشأن هذا المنادى به، واللام في ~~قوله { للإيمن } بمعنى إلى، وقيل إن ينادي يتعدى باللام، وبإلى، ~~يقال ينادي لكذا، وينادي إلى كذا، وقيل اللام للعلة، أي لأجل الإيمان. ~~قوله { أن آمنوا } هي إما تفسيرية، أو مصدرية، وأصلها بأن آمنوا، فحذف ~~حرف الجر. قوله { فئامنا } أي امتثلنا ما يأمر به هذا المنادي من ~~الإيمان فآمنا، وتكرير النداء في قوله { ربنا } لإظهار التضرع، ~~والخضوع، قيل المراد بالذنوب هنا الكبائر، وبالسيئات الصغائر. والظاهر ~~عدم اختصاص أحد اللفظين بأحد الأمرين، والآخر بالآخر، بل يكون المعنى في ~~الذنوب، والسيئات واحدا، والتكرير للمبالغة، والتأكيد، كما أن معنى ~~الغفر، والكفر الستر. والأبرار جمع بار أو بر، وأصله من الاتساع، فكأن ~~البار متسع في طاعة الله، ومتسعة له رحمته، قيل هم الأنبياء، ومعنى اللفظ ~~أوسع من ذلك. قوله { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك ~~} هذا دعاء آخر والنكتة في تكرير النداء ما تقدم، والموعود به على ألسن ~~الرسل هو الثواب الذي وعد الله به أهل طاعته، ففي الكلام حذف، وهو لفظ ~~الألسن، كقوله # واسئل القرية # يوسف 82 وقيل المحذوف التصديق، أي ما وعدتنا على تصديق رسلك، وقيل ما ~~وعدتنا منزلا على رسلك، أو محمولا على رسلك، والأول أولى. وصدور هذا ~~الدعاء منهم مع علمهم أن ما وعدهم الله به على ألسن رسله كائن لا محالة، ~~إما لقصد التعجيل، أو للخضوع بالدعاء، لكونه مخ ms0673 العبادة، وفي قولهم { ~~إنك لا تخلف الميعاد } دليل على أنهم لم يخافوا خلف الوعد، ~~وأن الحامل لهم على الدعاء هو ما ذكرنا. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن ابن عباس قال أتت قريش اليهود، فقالوا ~~ما جاءكم به موسى من الآيات؟ قالوا عصاه، ويده بيضاء للناظرين، وأتوا ~~النصارى، فقالوا كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا كان يبرىء الأكمه، والأبرص، ~~ويحيي الموتى، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا ادع لنا ربك يجعل ~~لنا الصفا ذهبا، فدعا ربه، فنزلت { إن في خلق السموات ~~والأرض } الآية. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال ~~بت عند خالتي ميمونة، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتصف ~~الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، ثم استيقظ، فجعل يمسح النوم عن ~~وجهه بيديه، ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة آل عمران حتى ختم. # وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، والطبراني، والحاكم في الكنى، ~~والبغوي في معجم الصحابة، عن صفوان بن المعطل قال كنت مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم في سفر، فذكر نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، من طريق ~~جوبير، عن الضحاك، عن ابن مسعود في قوله { الذين يذكرون الله ~~قيما وقعودا وعلى جنوبهم } الآية، قال إنما هذه في ~~الصلاة إذا لم يستطع قائما، فقاعدا، وإن لم يستطع قاعدا، فعلى جنبه. ~~وقد ثبت في البخاري من حديث عمران بن حصين قال «كانت بي بواسير، فسألت ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فقال # " صل قائما، فإن لم تستطع، فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب " # وثبت فيه عنه قال «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن صلاة الرجل، ~~وهو قاعد، فقال # " من صلى قائما، فهو أفضل، ومن صلى قاعدا، فله نصف أجر القائم، ومن ~~صلى نائما، فله نصف أجر القاعد " # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في ~~الآية قال هذه حالاتك كلها يابن آدم، اذكر الله، ms0674 وأنت قائم، فإن لم ~~تستطع، فاذكره جالسا، فإن لم تستطع جالسا، فاذكره، وأنت على جنبك، يسر ~~من الله، وتخفيف. وأقول هذا التقييد الذي ذكره بعدم الاستطاعة مع تعميم ~~الذكر لا وجه له لا من الآية، ولا من غيرها، فإنه لم يرد في شيء من ~~الكتاب، والسنة ما يدل على أنه لا يجوز الذكر من قعود إلا مع عدم استطاعة ~~الذكر من قيام، ولا يجوز على جنب إلا مع عدم استطاعته من قعود، وإنما ~~يصلح هذا التقييد لمن جعل المراد بالذكر هنا الصلاة، كما سبق عن ابن ~~مسعود. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن حبان في صحيحه، وابن ~~مردويه، عن عائشة مرفوعا # " ويل لمن قرأ هذه الآية، ولم يتفكر فيها ". # وأخرج ابن أبي الدنيا في التفكر عن سفيان رفعه # " من قرأ آخر سورة آل عمران، فلم يتفكر فيها، ويله فعد أصابعه عشرا " # قيل للأوزاعي ما غاية التفكر فيهن؟ قال يقرؤهن، وهو يعقلهن. وقد وردت ~~أحاديث، وآثار عن السلف في استحباب التفكر مطلقا. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، عن أنس في قوله { من تدخل النار فقد أخزيته ~~} قال من تخلد. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~عن سعيد بن المسيب في الآية قال هذه خاصة بمن لا يخرج منها. وأخرج ابن ~~جرير، والحاكم، عن عمرو بن دينار قال قدم علينا جابر بن عبد الله في ~~عمرة، فانتهيت إليه أنا، وعطاء فقلت # وما هم بخرجين من النار # البقرة 167 قال أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم الكفار، قلت ~~لجابر فقوله { إنك من تدخل النار فقد أخزيته } قال ~~وما أخزاه حين أحرقه بالنار، وإن دون ذلك خزيا. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله { مناديا ينادى ~~للإيمن } قال هو محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، عن ابن ~~زيد مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~محمد بن كعب القرظي قال هو القرآن، ms0675 ليس كل أحد سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله ~~{ ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك } قال يستنجزون ~~موعد الله على رسله. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~ابن عباس في قوله { ولا تخزنا يوم القيمة } قال لا ~~تفضحنا. ### || [3.195] # قوله { فاستجاب } الاستجابة بمعنى الإجابة وقيل الإجابة عامة، ~~والاستجابة خاصة بإعطاء المسئول، وهذا الفعل يتعدى بنفسه، وباللام، يقال ~~استجابه، واستجاب له، والفاء للعطف وقيل على مقدر أي دعوا بهذه الأدعية، ~~فاستجاب لهم، وقيل على قوله { ويتفكرون } وإنما ذكر سبحانه ~~الاستجابة، وما بعدها في جملة ما لهم من الأوصاف الحسنة لأنها منه، إذ من ~~أجيبت دعوته، فقد رفعت درجته. قوله { أنى لا أضيع عمل عامل ~~منكم } أي بأني، وقرأ عيسى بن عمرو بكسر الهمزة على تقدير القول ~~الأول، وقرأ أبي بثبوت الباء، وهي للسببية، أي فاستجاب لهم ربهم بسبب ~~أنه لا يضيع عمل عامل منهم. والمراد بالإضاعة ترك الإثابة. قوله { من ~~ذكر أو أنثى } " من " بيانية ومؤكدة لما تقتضيه النكرة الواقعة ~~في سياق النفي من العموم. قوله { بعضكم من بعض } أي رجالكم مثل ~~نسائكم في الطاعة، ونساؤكم مثل رجالكم فيها، والجملة معترضة لبيان كون كل ~~منهما من الآخر باعتبار تشعبهما من أصل واحد. قوله { فالذين ~~هجروا } الآية، هذه الجملة تتضمن تفصيل ما أجمل في قوله { أنى ~~لا أضيع عمل عامل } أي فالذين هاجروا من أوطانهم إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم { وأخرجوا من ديرهم } في طاعة الله عز ~~وجل { وقاتلوا } أعداء الله { وقتلوا } في سبيل الله، وقرأ ~~ابن كثير، وابن عامر «وقتلوا» على التكثير وقرأ الأعمش، وحمزة، والكسائي ~~«وقتلوا وقاتلوا» وهو مثل قول الشاعر # تصابى وأمسى علاه الكبر # أي قد علاه الكبر، وأصل الواو لمطلق الجمع بلا ترتيب، كما قال به ~~الجمهور. ولمراد هنا أنهم قاتلوا، وقتل بعضهم، كما قال امرؤ القيس # فإن تقتلونا نقتلكمو # وقرأ عمر بن عبد العزيز «وقتلوا وقتلوا». ومعنى قوله ms0676 { وأوذوا فى ~~سبيلى } أي بسببه، والسبيل الدين الحق. والمراد هنا ما نالهم من ~~الأذية من المشركين بسبب إيمانهم بالله، وعملهم بما شرعه الله لعباده. ~~وقوله { لأكفرن } جواب قسم محذوف. وقوله { ثوابا من عند ~~الله } مصدر مؤكد عند البصريين، لأن معنى قوله { لأدخلنهم جنت } ~~لأثيبنهم ثوابا، أي إثابة، أو تثويبا كائنا من عند الله. وقال الكسائي ~~إنه منتصب على الحال. وقال الفراء على التفسير { والله عنده ~~حسن الثواب } أي حسن الجزاء، وهو ما يرجع على العامل من جزاء عمله ~~من ثاب يثوب إذا رجع. وقد أخرج سعيد بن منصور، وعبد الرزاق، والترمذي، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، عن أم ~~سلمة قالت يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل ~~الله { فاستجاب لهم } إلى آخر الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ~~عطاء قال «ما من عبد يقول يا رب يا رب يا رب ثلاث مرات إلا نظر الله ~~إليه» فذكر للحسن، فقال أما تقرأ القرآن؟ { ربنا إننا سمعنا ~~مناديا } إلى قوله { فاستجاب لهم ربهم }. وأخرج ابن ~~مردويه، عن أم سلمة قالت آخر آية نزلت هذه الآية { فاستجاب لهم ~~ربهم } إلى آخرها. وقد ورد في فضل الهجرة أحاديث كثيرة. ### || [3.196-200] # قوله { لا يغرنك } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. والمراد ~~تثبيته على ما هو عليه، كقوله تعالى # يأيها الذين ءامنوا ءامنوا # النساء 136 أو خطاب لكل أحد، وهذه الآية متضمنة لقبح حال الكفار بعد ذكر ~~حسن حال المؤمنين والمعنى لا يغرنك ما هم فيه من تقلبهم في البلاد ~~بالأسفار للتجارة التي يتوسعون بها في معاشهم، فهو متاع قليل يتمتعون به ~~في هذه الدار، ثم مصيرهم إلى جهنم، فقوله { متع } خبر مبتدأ محذوف، ~~أي هو متاع قليل لا اعتداد به بالنسبة إلى ثواب الله سبحانه { ~~ومأواهم } أي ما يأوون إليه. والتقلب في البلاد الاضطراب في ~~الأسفار إلى الأمكنة، ومثله قوله تعالى # فلا يغررك تقلبهم فى البلاد # غافر 4 والمتاع ما يعجل الانتفاع به، وسماه قليلا ms0677 لأنه فان وكل فان، ~~وإن كان كثيرا، فهو قليل. وقوله { وبئس المهاد } ما مهدوا ~~لأنفسهم في جهنم بكفرهم، أو ما مهد الله لهم من النار، فالمخصوص بالذم ~~محذوف، وهو هذا المقدر. قوله { لكن الذين اتقوا ربهم } ~~هو استدراك مما تقدمه لأن معناه معنى النفي كأنه قال ليس لهم في تقلبهم ~~في البلاد كثير انتفاع { لكن الذين اتقوا } لهم الانتفاع ~~الكثير، والخلد الدائم. وقرأ يزيد بن القعقاع " لكن " بتشديد النون. قوله ~~{ نزلا } مصدر مؤكد عند البصريين، كما تقدم في { ثوابا } وعند ~~الكسائي، والفراء مثل ما قالا في { ثوابا } ، والنزل ما يهيأ للنزيل، ~~والجمع أنزال، قال الهروي { نزلا من عند الله } أي ثوابا من ~~عند الله { وما عند الله } مما أعده لمن أطاعه { خير ~~للأبرار } مما يحصل للكفار من الربح في الأسفار فإنه متاع قليل عن ~~قريب يزول. قوله { وإن من أهل الكتب لمن يؤمن ~~بالله } هذه الجملة سيقت لبيان أن بعض أهل الكتاب لهم حظ من الدين، ~~وليسوا كسائرهم في فضائحهم التي حكاها الله عنهم فيما سبق، وفيما سيأتي، ~~فإن هذا البعض يجمعون بين الإيمان بالله، وبما أنزل الله على نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وما أنزله على أنبيائهم حال كونهم { خشعين ~~لله لا يشترون } أي يستبدلون { بآيات الله ثمنا قليلا } ~~بالتحريف، والتبديل، كما يفعله سائرهم، بل يحكون كتب الله سبحانه، كما ~~هي، والإشارة بقوله { أولئك } إلى هذه الطائفة الصالحة من أهل ~~الكتاب من حيث اتصافهم بهذه الصفات الحميدة { لهم أجرهم } الذي ~~وعد الله سبحانه به بقوله # أولئك يؤتون أجرهم مرتين # القصص 54 وتقديم الخبر يفيد اختصاص ذلك الأجر بهم. وقوله { عند ~~ربهم } في محل نصب على الحال. قوله { يأيها الذين ~~ءامنوا اصبروا } الخ. هذه الآية العاشرة من قوله سبحانه # إن في خلق السموات # البقرة 164، آل عمران 190 ختم بها هذه السورة لما اشتملت عليه من ~~الوصايا التي جمعت خير الدنيا، والآخرة، فحض على الصبر على الطاعات، ~~والشهوات، والصبر الحبس، وقد تقدم تحقيق معناه. والمصابرة مصابرة ~~الأعداء، قاله الجمهور أي ms0678 غالبوهم في الصبر على الشدائد الحرب، وخص ~~المصابرة بالذكر بعد أن ذكر الصبر لكونها أشد منه، وأشق. وقيل المعنى ~~صابروا على الصلوات، وقيل صابروا الأنفس عن شهواتها. وقيل صابروا الوعد ~~الذي وعدتم، ولا تيأسوا، والقول الأول هو المعنى العربي، ومنه قول عنترة # فلم أر حيا صابروا مثل صبرنا ولا كافحوا مثل الذين ~~نكافح # أي صابروا العدو في الحرب. قوله { ورابطوا } أي أقيموا في الثغور ~~رابطين خيلكم فيها، كما يربطها أعداؤكم وهذا قول جمهور المفسرين. وقال ~~أبو سلمة بن عبد الرحمن هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة، ولم يكن ~~في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه، وسيأتي ذكر من خرج ~~عنه هذا، والرباط اللغوي هو الأول، ولا ينافيه تسميته صلى الله عليه ~~وسلم، لغيره رباطا، كما سيأتي. ويمكن إطلاق الرباط على المعنى الأول، ~~وعلى انتظار الصلاة. قال الخليل الرباط ملازمة الثغور، ومواظبة الصلاة، ~~هكذا قال، وهو من أئمة اللغة. وحكى ابن فارس عن الشيباني أنه قال يقال ~~ماء مترابط دائم لا يبرح، وهو يقتضي تعدية الرباط إلى غير ارتباط الخيل ~~في الثغور. قوله { واتقوا الله } فلا تخالفوا ما شرعه لكم { ~~لعلكم تفلحون } أي تكونون من جملة الفائزين بكل مطلوب، وهم ~~المفلحون. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن عكرمة في قوله { لا ~~يغرنك تقلب الذين كفروا } تقلب ليلهم، ونهارهم وما ~~يجري عليهم من النعم، قال عكرمة قال ابن عباس، وبئس المهاد، أي بئس ~~المنزل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله # تقلبهم فى البلاد # غافر 4 قال ضربهم في البلاد. وأخرج عبد بن حميد، والبخاري في الأدب ~~المفرد، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر في قوله { وما عند الله خير ~~للابرار } قال إنما سماهم الله أبرارا لأنهم بروا الآباء، والأبناء، ~~كما أن لوالدك عليك حقا كذلك لولدك عليك حقا. وأخرجه ابن مردويه، عنه ~~مرفوعا، والأول أصح قاله السيوطي. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد { خير ~~للأبرار } لمن يطيع الله. وأخرج النسائي، والبزار، ms0679 وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وابن مردويه، عن أنس قال لما مات النجاشي قال صلى الله عليه ~~وسلم # " صلوا عليه، " # قالوا يا رسول الله نصلي على عبد حبشي؟ فأنزل الله { وإن من أهل ~~الكتب } الآية. وأخرج ابن جرير، عن جابر مرفوعا أن المنافقين ~~قالوا انظروا إلى هذا - يعني النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على علج ~~نصراني، فنزلت. # وأخرج الحاكم وصححه، عن عبد الله بن الزبير أنها نزلت في النجاشي. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال هم مسلمة أهل الكتاب من اليهود ~~والنصارى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال هم أهل الكتاب الذين كانوا ~~قبل محمد، والذين اتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن المبارك، ~~وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن أبي سلمة ~~بن عبد الرحمن ما قدمنا ذكره. وأخرج ابن مردويه عنه عن أبي هريرة قال ~~أما إنه لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابطون فيه، ولكنها ~~نزلت في قوم يعمرون المساجد يصلون الصلوات في مواقيتها ثم يذكرون الله ~~فيها. وقد ثبت في الصحيح وغيره من قول النبي صلى الله عليه وسلم # " ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء ~~على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم ~~الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي قال ~~اصبروا على دينكم، وصابروا، الوعد الذي وعدتكم، ورابطوا عدوي، وعدوكم. ~~وقد روي من تفاسير السلف غير هذا في سر الصبر على نوع من أنواع الطاعات، ~~والمصابرة على نوع آخر، ولا تقوم بذلك حجة، فالواجب الرجوع إلى المدلول ~~اللغوي، وقد قدمناه. وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الرباط، وفيها ~~التصريح بأنه الرباط في سبيل الله، وهو يرد ما قاله أبو سلمة بن عبد ~~الرحمن، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ندب إلى الرباط في سبيل ~~الله، وهو الجهاد، فيحمل ما في ms0680 الآية عليه، وقد ورد عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه سمى حراسة جيش المسلمين رباطا، فأخرج الطبراني في الأوسط بسند ~~جيد عن أنس قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أجر المرابط، فقال # " من رابط ليلة حارسا من وراء المسلمين كان له أجر من خلفه ممن صام ~~وصلى " # وقد ورد في فضل هذه العشر الآيات التي في آخر هذه السورة مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما أخرجه ابن السني، وابن مردويه، وابن عساكر، ~~عن أبي هريرة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل ~~عمران كل ليلة " # وفي إسناده مظاهر بن أسلم، وهو ضعيف. وقد تقدم من حديث ابن عباس في ~~الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه العشر الآيات لما استيقظ. ~~وكذلك تقدم في غير الصحيحين من رواية صفوان بن المعطل عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وأخرج الدارمي عن عثمان بن عفان قال «من قرأ آخر آل عمران في ~~ليلة كتب له قيام ليلة». ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1-4] # المراد بالناس الموجودون عند الخطاب من بني آدم، ويدخل من سيوجد بدليل ~~خارجي، وهو الإجماع على أنهم مكلفون بما كلف به الموجودون، أو تغليب ~~الموجودين على من لم يوجد، كما غلب الذكور على الإناث في قوله { ~~اتقوا ربكم } لاختصاص ذلك بجمع المذكر. والمراد بالنفس الواحدة ~~هنا آدم. وقرأ ابن أبي عبلة، " واحد " بغير هاء على مراعاة المعنى، ~~فالتأنيث باعتبار اللفظ، والتذكير باعتبار المعنى. قوله { وخلق ~~منها زوجها } قيل هو معطوف على مقدر يدل عليه الكلام، أي خلقكم من ~~نفس واحدة خلقها أولا، وخلق منها زوجها، وقيل على خلقكم، فيكون الفعل ~~الثاني داخلا مع الأول في حيز الصلة. والمعنى وخلق من تلك النفس التي ~~هي عبارة عن آدم زوجها، وهي حواء. وقد تقدم في البقرة معنى التقوى، ~~والرب، والزوج، والبث، والضمير في قوله { منها } راجع إلى آدم وحواء ~~المعبر عنهما بالنفس، والزوج. وقوله { كثيرا } وصف مؤكد لما تفيده ms0681 ~~صيغة الجمع لكونها من جموع الكثرة وقيل هو نعت لمصدر محذوف، أي بثا ~~كثيرا. وقوله { ونساء } أي كثيرة، وترك التصريح به استغناء بالوصف ~~الأول. قوله { واتقوا الله الذى تساءلون به ~~والأرحام } قرأ أهل الكوفة بحذف التاء الثانية، وأصله تتساءلون ~~تخفيفا لاجتماع المثلين. وقرأ أهل المدينة، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن ~~عامر بإدغام التاء في السين والمعنى يسأل بعضكم بعضا بالله والرحم، ~~فإنهم كانوا يقرنون بينهما في السؤال، والمناشدة، فيقولون أسألك بالله ~~والرحم، وأنشدك الله والرحم، وقرأ النخعي، وقتادة، والأعمش، وحمزة { ~~والأرحام } بالجر. وقرأ الباقون بالنصب. وقد اختلف أئمة النحو في ~~توجيه قراءة الجر، فأما البصريون، فقالوا هي لحن لا تجوز القراءة بها. ~~وأما الكوفيون، فقالوا هي قراءة قبيحة. قال سيبويه في توجيه هذا القبح إن ~~المضمر المجرور بمنزلة التنوين، والتنوين لا يعطف عليه. وقال الزجاج، ~~وجماعة بقبح عطف الاسم الظاهر على المضمر في الخفض إلا بإعادة الخافض ~~كقوله تعالى # فخسفنا به وبداره الأرض # القصص 81 وجوز سيبويه ذلك في ضرورة الشعر، وأنشد # فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب # ومثله قول الآخر # تعلق في مثل السوارى سيوفنا وما بينها والكعب وهوى نفانف # بعطف الكعب على الضمير في بينها. وحكى أبو علي الفارسي أن المبرد قال لو ~~صليت خلف إمام يقرأ " واتقوا الله الذى تساءلون به ~~والأرحام " بالجر، لأخذت نعلي، ومضيت. وقد رد الإمام أبو نصر ~~القشيري ما قاله القادحون في قراء الجر، فقال ومثل هذا الكلام مردود عند ~~أئمة الدين، لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم تواترا، ولا يخفى عليك أن دعوى التواتر باطلة، يعرف ذلك ~~من يعرف الأسانيد التي رووها بها، ولكن ينبغي أن يحتج للجواز بورود ذلك ~~في أشعار العرب، كما تقدم، وكما في قول بعضهم # وحسبك والضحاك سيف مهند # وقول الآخر # وقد رام آفاق السماء فلم يجد له مصعدا فيها ولا الأرض مقعدا # وقول الآخر # ما إن بها ولا الأمور من تلف ما حم من أمر ms0682 غيبه وقعا # وقول الآخر # أمر على الكتيبة لست أدري أحتفي كان فيها أم سواها # فسواها في موضع جر عطفا على الضمير في فيها، ومنه قوله تعالى # وجعلنا لكم فيها معيش ومن لستم له برزقين # الحجر 30. وأما قراءة النصب، فمعناها واضح جلي لأنه عطف الرحم على ~~الاسم الشريف، أي اتقوا الله واتقوا الأرحام فلا تقطعوها، فإنها مما أمر ~~الله به أن يوصل وقيل إنه عطف على محل الجار والمجرور في قوله { به } ~~كقولك مررت بزيد وعمرا، أي اتقوا الله الذي تساءلون به، وتتساءلون ~~بالأرحام. والأول أولى. وقرأ عبد الله بن يزيد، " والأرحام " بالرفع على ~~الابتداء، والخبر مقدر، أي والأرحام صلوها، أو والأرحام أهل أن توصل، ~~وقيل إن الرفع على الإغراء عند من يرفع به، ومنه قول الشاعر # إن قوما منهم عمير وأشبا ه عمير ومنهم السفاح لجديرون باللقاء إذا ~~قا ل أخ النجدة السلاح السلاح # و { الأرحام } اسم لجميع الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره، لا خلاف ~~في هذا بين أهل الشرع، ولا بين أهل اللغة. وقد خصص أبو حنيفة، وبعض ~~الزيدية الرحم بالمحرم، في منع الرجوع في الهبة، مع موافقتهم على أن ~~معناها أعم، ولا وجه لهذا التخصيص. قال القرطبي اتفقت الملة على أن صلة ~~الرحم واجبة، وأن قطيعتها محرمة، انتهى. وقد وردت بذلك الأحاديث الكثيرة ~~الصحيحة. والرقيب المراقب، وهي صيغة مبالغة، يقال رقبت أرقب رقبة ~~ورقبانا إذا انتظرت. قوله { وءاتوا اليتمى أمولهم } ~~خطاب للأولياء، والأوصياء. والإيتاء الإعطاء. واليتيم من لا أب له. وقد ~~خصصه الشرع بمن لم يبلغ الحلم. وقد تقدم تفسير معناه في البقرة مستوفي، ~~وأطلق اسم اليتيم عليهم عند إعطائهم أموالهم، مع أنهم لا يعطونها إلا بعد ~~ارتفاع اسم اليتم بالبلوغ مجازا باعتبار ما كانوا عليه، ويجوز أن يراد ~~باليتامى المعنى الحقيقي، وبالإيتاء ما يدفعه الأولياء، والأوصياء إليهم ~~من النفقة، والكسوة لا دفعها جميعا،وهذه الآية مقيدة بالآية الأخرى، وهي ~~قوله تعالى # فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم # النساء 6 فلا يكون مجرد ارتفاع اليتم بالبلوغ ms0683 مسوغا لدفع أموالهم ~~إليهم، حتى يؤنس منهم الرشد. قوله { ولا تتبدلوا الخبيث ~~بالطيب } نهي لهم عن أن يصنعوا صنع الجاهلية في أموال اليتامى، ~~فإنهم كانوا يأخذون الطيب من أموال اليتامى، ويعوضونه بالرديء من ~~أموالهم، ولا يرون بذلك بأسا وقيل المعنى لا تأكلوا أموال اليتامى، وهي ~~محرمة خبيثة، وتدعوا الطيب من أموالكم. # وقيل المراد لا تتعجلوا أكل الخبيث من أموالهم، وتدعوا انتظار الرزق ~~الحلال من عند الله، والأول أولى فإن تبدل الشيء بالشيء في اللغة أخذه ~~مكانه، وكذلك استبداله، ومنه قوله تعالى # ومن يتبدل الكفر بالإيمن فقد ضل سواء ~~السبيل # البقرة 108 وقوله # أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير # البقرة 61 وأما التبديل فقد يستعمل كذلك كما في قوله # وبدلنهم بجنتيهم جنتين # سبأ 16 وأخرى بالعكس، كما في قولك بدلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها، ~~وجعلتها خاتما، نص عليه الأزهري. قوله { ولا تأكلوا أمولهم ~~إلى أمولكم } ذهب جماعة من المفسرين إلى أن المنهي عنه في هذه ~~الآية هو الخلط، فيكون الفعل مضمنا معنى الضم، أي لا تأكلوا أموالهم ~~مضمومة إلى أموالكم، ثم نسخ هذا بقوله تعالى # وإن تخالطوهم فإخونكم # البقرة 220 وقيل إن " إلى " بمعنى " مع " ، كقوله تعالى # من أنصارى إلى الله # آل عمران 52 والأول أولى. والحوب الإثم يقال حاب الرجل يحوب حوبا إذا ~~أثم، وأصله الزجر للإبل، فسمي الإثم حوبا لأنه يزجر عنه. والحوبة ~~الحاجة. والحوب أيضا الوحشة، وفيه ثلاث لغات ضم الحاء وهي قراءة ~~الجمهور. وفتح الحاء، وهي قراءة الحسن، قال الأخفش وهي لغة تميم. ~~والثالثة الحاب. وقرأ أبي بن كعب حابا على المصدر، كقال قالا. والتحوب ~~التحزن، ومنه قول طفيل # فذوقوا كما ذقنا غداة مججر من الغيظ في أكبادنا والتحوب # قوله { وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتمى ~~فانكحوا } وجه ارتباط الجزاء بالشرط أن الرجل كان يكفل اليتيمة لكونه ~~وليا لها ويريد أن يتزوجها، فلا يقسط لها في مهرها، أي يعدل فيه، ~~ويعطيها ما يعطيها غيره من الأزواج، فنهاهم الله أن ينكحوهن إلا أن ~~يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن ms0684 أعلى ما هو لهن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ~~ما طاب لهن من النساء سواهن، فهذا سبب نزول الآية كما سيأتي، فهو نهي ~~يخص هذه الصورة. وقال جماعة من السلف إن هذه الآية ناسخة لما كان في ~~الجاهلية، وفي أول الإسلام من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما شاء، ~~فقصرهم بهذه الآية على أربع، فيكون وجه ارتباط الجزاء بالشرط أنهم إذا ~~خافوا ألا يقسطوا في اليتامى، فكذلك يخافون ألا يقسطوا في النساء، لأنهم ~~كانوا يتحرجون في اليتامى، ولا يتحرجون في النساء، والخوف من الأضداد، ~~فإن المخوف قد يكون معلوما، وقد يكون مظنونا، ولهذا اختلف الأئمة في ~~معناه في الآية، فقال أبو عبيدة { خفتم } بمعنى أيقنتم. وقال آخرون { ~~خفتم } بمعنى ظننتم. قال ابن عطية وهو الذي اختاره الحذاق، وأنه على ~~بابه من الظن لا من اليقين، والمعنى من غلب على ظنه التقصير في العدل ~~لليتيمة، فليتركها، وينكح غيرها. # وقرأ النخعي وابن وثاب " تقسطوا " بفتح التاء من قسط إذا جار، ~~فتكون هذه القراءة على تقدير زيادة " لا " ، كأنه قال وإن خفتم أن ~~تقسطوا. وحكى الزجاج أن أقسط يستعمل استعمال قسط، والمعروف عند أهل اللغة ~~أن أقسط بمعنى عدل، وقسط بمعنى جار. و«ما» في قوله { ما طاب } موصولة، ~~وجاء " بما " مكان " من ". لأنهما قد يتعاقبان، فيقع كل واحد منهما مكان ~~الآخر كما في قوله # والسماء وما بنها # الشمس 5 # فمنهم من يمشى على بطنه } { ومنهم من يمشى ~~على أربع # النور 45. وقال البصريون إن «ما» تقع للنعوت كما تقع لما لا يعقل، يقال ~~ما عندك؟ فيقال ظريف وكريم، فالمعنى فانكحوا الطيب من النساء، أي الحلال، ~~وما حرمه الله، فليس بطيب، وقيل إن «ما» هنا مدية، أي ما دمتم مستحسنين ~~للنكاح، وضعفه ابن عطية. وقال الفراء إن «ما» ها هنا مصدرية. قال النحاس ~~وهذا بعيد جدا. وقرأ ابن أبي عبلة " فانكحوا من طاب }. وقد اتفق ~~أهل العلم على أن هذا الشرط المذكور في الآية لا مفهوم له، وأنه يجوز لمن ~~لم يخف أن يقسط ms0685 في اليتامى أن ينكح أكثر من واحدة، و«من» في قوله { من ~~النساء } إما بيانية، أو تبعيضية، لأن المراد غير اليتائم. قوله { ~~مثنى وثلث ورباع } في محل نصب على البدل من «ما» كما قاله ~~أبو علي الفارسي. وقيل على الحال، وهذه الألفاظ لا تنصرف للعدل والوصفية، ~~كما هو مبين في علم النحو، والأصل انكحوا ما طاب لكم من النساء اثنتين ~~اثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا. وقد استدل بالآية على تحريم ما ~~زاد على الأربع، وبينوا ذلك بأنه خطاب لجميع الأمة، وأن كل ناكح له أن ~~يختار ما أراد من هذا العدد، كما يقال للجماعة اقتسموا هذا المال، وهو ~~ألف درهم، أو هذا المال الذي في البدرة درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، ~~وأربعة أربعة. وهذا مسلم إذا كان المقسوم قد ذكرت جملته، أو عين مكانه، ~~أما لو كان مطلقا، كما يقال اقتسموا الدراهم، ويراد به ما كسبوه، فليس ~~المعنى هكذا. والآية من الباب الآخر لا من الباب الأول. على أن من قال ~~لقوم يقتسمون مالا معينا كثيرا اقتسموه مثنى وثلاث ورباع، فقسموا بعضه ~~بينهم درهمين درهمين، وبعضه ثلاثة ثلاثة، وبعضه أربعة أربعة، كان هذا هو ~~المعنى العربي، ومعلوم أنه إذا قال القائل جاءني القوم مثنى، وهم مائة ~~ألف. كان المعنى أنهم جاؤوه اثنين اثنين، وهكذا جاءني في القوم ثلاث ~~ورباع، والخطاب للجميع بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد، كما في قوله تعالى # فاقتلوا المشركين # التوبة 5 # أقيموا الصلاة # النور 56، # أتوا الزكوة # النور 56 ونحوها، فقوله { فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~مثنى وثلث ورباع } معناه لينكح كل فرد منكم ما طاب له من ~~النساء اثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، هذا ما تقتضيه ~~لغة العرب. # فالآية تدل على خلاف ما استدلوا بها عليه، ويؤيد هذا قوله تعالى في آخر ~~الآية { فإن خفتم ألا *تعدلوا فوحدة } فإنه وإن كان ~~خطابا للجميع، فهو بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد. فالأولى أن يستدل على ~~تحريم الزيادة على الأربع بالسنة لا بالقرآن. وأما استدلال من استدل ~~بالآية على جواز ms0686 نكاح التسع باعتبار الواو الجامعة، فكأنه قال انكحوا ~~مجموع هذا العدد المذكور، فهذا جهل بالمعنى العربي، ولو قال انكحوا ~~اثنتين وثلاثا وأربعا كان هذا القول له وجه، وأما مع المجيء بصيغة العدل ~~فلا، وإنما جاء سبحانه بالواو الجامعة دون " أو " ، لأن التخيير يشعر ~~بأنه لا يجوز إلا أحد الأعداد المذكورة دون غيره، وذلك ليس بمراد من ~~النظم القرآني. وقرأ النخعي، ويحيى بن وثاب " ثلث وربع " بغير ألف. قوله ~~{ فإن خفتم ألا تعدلوا فوحدة } فانكحوا واحدة، كما ~~يدل على ذلك قوله { فانكحوا ما طاب } وقيل التقدير فالزموا، أو ~~فاختاروا واحدة. والأول أولى، والمعنى فإن خفتم ألا تعدلوا بين الزوجات ~~في القسم، ونحوه، فانكحوا واحدة، وفيه المنع من الزيادة على الواحدة لمن ~~خاف ذلك. وقرىء بالرفع على أنه مبتدأ، والخبر محذوف. قال الكسائي أي ~~فواحدة تقنع. وقيل التقدير فواحدة فيها كفاية، ويجوز أن تكون واحدة على ~~قراءة الرفع خبر مبتدأ محذوف، أي فالمقنع واحدة. قوله { أو ما ~~ملكت أيمنكم } معطوف على واحدة، أي فانكحوا واحدة، أو انكحوا ~~ما ملكت أيمانكم من السراري، وإن كثر عددهن، كما يفيده الموصول. والمراد ~~نكاحهن بطريق الملك لا بطريق النكاح، وفيه دليل على أنه لا حق للمملوكات ~~في القسم، كما يدل على ذلك جعله قسيما للواحدة في الأمن من عدم العدل، ~~وإسناد الملك إلى اليمين، لكونها المباشرة لقبض الأموال، وإقباضها، ~~ولسائر الأمور التي تنسب إلى الشخص في الغالب، ومنه # إذا ما راية نصبت لمجد تلقاها عرابة باليمين # قوله { ذلك أدنى ألا تعولوا } أي ذلك أقرب إلى ألا ~~تعولوا، أي تجوروا، من عال الرجل يعول إذا مال وجار، ومنه قولهم عال ~~السهم عن الهدف مال عنه، وعال الميزان إذا مال، ومنه # قالوا تبعنا رسول الله واطرحوا قول الرسول وعالوا في الموازين # ومنه قول أبى طالب # بميزان صدق لا يغل شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل # ومنه أيضا # فنحن ثلاثة وثلاث ذود لقد عال الزمان على عيالي # والمعنى إن خفتم عدم العدل بين الزوجات، فهذه التي أمرتم بها ms0687 أقرب إلى ~~عدم الجور، ويقال عال الرجل يعيل إذا افتقر، وصار عالة، ومنه قوله تعالى # وإن خفتم عيلة # التوبة 28، ومنه قول الشاعر # وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل # وقال الشافعي { ألا تعولوا } ألا تكثر عيالكم. قال الثعلبي وما ~~قال هذا غيره، وإنما يقال أعال يعيل إذا كثر عياله. وذكر ابن العربي أن ~~عال تأتي لسبعة معان الأول عال مال. الثاني زاد. الثالث جار. الرابع ~~افتقر الخامس أثقل، السادس قام بمؤونة العيال، ومنه قوله صلى الله عليه ~~وسلم # " وابدأ بمن تعول " # ، السابع عال غلب، ومنه عيل صبري، قال ويقال أعال الرجل كثر عياله. وأما ~~عال بمعنى كثر عياله، فلا يصح، ويجاب عن إنكار الثعلبي لما قاله الشافعي، ~~وكذلك إنكار ابن العربي لذلك، بأنه قد سبق الشافعي إلى القول به زيد بن ~~أسلم وجابر بن زيد، وهما إمامان من أئمة المسلمين لا يفسران القرآن هما، ~~والإمام الشافعي بما لا وجه له في العربية. وقد أخرج ذلك عنهما الدارقطني ~~في سننه. وقد حكاه القرطبي عن الكسائي، وأبي عمر الدوري، وابن الأعرابي، ~~وقال أبو حاتم كان الشافعي أعلم بلغة العرب منا، ولعله لغة. وقال الثعلبي ~~قال أستاذنا أبو القاسم بن حبيب سألت أبا عمر الدوري عن هذا، وكان إماما ~~في اللغة غير مدافع، فقال هي لغة حمير، وأنشد # وإن الموت يأخذ كل حي بلا شك وإن أمشي وعالا # أي وإن كثرت ماشيته وعياله. وقرأ طلحة بن مصرف " أن لا تعيلوا " قال ~~ابن عطية وقدح الزجاج في تأويل عال من العيال بأن الله سبحانه قد أباح ~~كثرة السراري، وفي ذلك تكثير العيال، فكيف يكون أقرب إلى أن لا يكثروا، ~~وهذا القدح غير صحيح، لأن السراري إنما هي مال يتصرف فيه بالبيع، وإنما ~~العيال الحرائر ذوات الحقوق الواجبة. وقد حكى ابن الأعرابي أن العرب تقول ~~عال الرجل إذا كثر عياله، وكفى بهذا. وقد ورد عال لمعان غير السبعة التي ~~ذكرها ابن العربي، منها عال اشتد وتفاقم، حكاه الجوهري، وعال الرجل في ~~الأرض ms0688 إذا ضرب فيها، حكاه الهروي، وعال إذا أعجز، حكاه الأحمر، فهذه ~~ثلاثة معان غير السبعة والرابع عال كثر عياله، فجملة معاني عال أحد عشر ~~معنى. قوله { وءاتوا النساء صدقتهن نحلة } الخطاب ~~للأزواج. وقيل للأولياء. والصدقات بضم الدال جمع صدقة كثمرة، قال الأخفش ~~وبنو تميم يقولون صدقة، والجمع صدقات، وإن شئت فتحت، وإن شئت أسكنت. ~~والنحلة بكسر النون وضمها لغتان، وأصلها العطاء نحلت فلانا أعطيته، وعلى ~~هذا، فهي منصوبة على المصدرية لأن الإيتاء بمعنى الإعطاء. وقيل النحلة ~~التدين فمعنى نحلة تدينا، قاله الزجاج، وعلى هذا، فهي منصوبة على ~~المفعول له. وقال قتادة النحلة الفريضة، وعلى هذا فهي منصوبة على الحال. ~~وقيل النحلة طيبة النفس، قال أبو عبيد ولا تكون النحلة إلا عن طيبة نفس. # ومعنى الآية على كون الخطاب للأزواج أعطوا النساء اللاتي نكحتموهن ~~مهورهن التي لهن عليكم عطية، أو ديانة منكم، أو فريضة عليكم، أو طيبة من ~~أنفسكم. ومعناها على كون الخطاب للأولياء أعطوا النساء من قراباتكم التي ~~قبضتم مهورهن من أزواجهن تلك المهور. وقد كان الولي يأخذ مهر قريبته في ~~الجاهلية، ولا يعطيها شيئا، حكى ذلك عن أبي صالح، والكلبي. والأول ~~أولى، لأن الضمائر من أول السياق للأزواج. وفي الآية دليل على أن الصداق ~~واجب على الأزواج للنساء، وهو مجمع عليه، كما قال القرطبي، قال وأجمع ~~العلماء أنه لا حد لكثيره، واختلفوا في قليله. وقرأ قتادة «صدقاتهن» بضم ~~الصاد وسكون الدال. وقرأ النخعي، وابن وثاب بضمهما. وقرأ الجمهور بفتح ~~الصاد وضم الدال. قوله { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا ~~فكلوه هنيئا مريئا } الضمير في { منه } راجع إلى الصداق الذي ~~هو واحد الصدقات، أو إلى المذكور، وهو الصدقات، أو هو بمنزلة اسم ~~الإشارة، كأنه قال من ذلك، و { نفسا } تمييز. وقال أصحاب سيبويه منصوب ~~بإضمار فعل لا تمييز، أي أعني نفسا. والأول أولى، وبه قال الجمهور. ~~والمعنى فإن طبن، أي النساء لكم أيها الأزواج، أو الأولياء عن شيء من ~~المهر { فكلوه هنيئا مريئا } وفي قوله { طبن } دليل على أن ms0689 ~~المعتبر في تحليل ذلك منهن لهم إنما هو طيبة النفس لا مجرد ما يصدر منها ~~من الألفاظ التي لا يتحقق معها طيبة النفس، فإذا ظهر منها ما يدل على عدم ~~طيبة نفسها لم يحل للزوج، ولا للولي، وإن كانت قد تلفظت بالهبة، أو ~~النذر، أو نحوهما. وما أقوى دلالة هذه الآية على عدم اعتبار يصدر من ~~النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك بمجردها لنقصان عقولهن، وضعف ~~إدراكهن، وسرعة انخداعهن، وانجذابهن إلى ما يراد منهن بأيسر ترغيب، أو ~~ترهيب. وقوله { هنيئا مريئا } منصوبان على أنهما صفتان لمصدر ~~محذوف، أي أكلا هنيئا مريئا، أو قائمان مقام المصدر، أو على الحال، ~~يقال هناه الطعام والشراب يهنيه، ومرأه وأمرأه من الهنيء، والمريء، ~~والفعل هنأ، ومرأ، أي أتى من غير مشقة، ولا غيظ، وقيل هو الطيب الذي لا ~~تنغيص فيه. وقيل المحمود العاقبة الطيب الهضم. وقيل مالا إثم فيه، ~~والمقصود هنا أنه حلال لهم خالص عن الشوائب. وخص الأكل لأنه معظم ما يراد ~~بالمال وإن كان سائر الانتفاعات به جائزة كالأكل. وقد أخرج ابن أبي شيبة، ~~وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله ~~{ خلقكم من نفس وحدة } قال آدم { وخلق منها ~~زوجها } قال حواء من قصيري آدم، أي قصيري أضلاعه. وأخرج أبو الشيخ عن ~~ابن عباس مثله. # وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر قال خلقت حواء من خلف آدم الأيسر. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال من ضلع الخلف، وهو من أسفل الاضلاع. وأخرج ~~ابن جرير، عن ابن عباس { واتقوا الله الذى تساءلون به } ~~قال تعاطون به. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع ~~قال تعاقدون وتعاهدون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~مجاهد قال يقول أسألك بالله والرحم. وأخرج ابن جرير، عن الحسن نحوه. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال اتقوا الله الذي تساءلون ~~به، واتقوا الأرحام، وصلوها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد ms0690 { ~~إن الله كان عليكم رقيبا } قال حفيظا. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن سعيد بن جبير قال إن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ ~~له، فلما بلغ اليتيم طلب ماله، فمنعه عمه، فخاصمه إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فنزلت { وءاتوا اليتمى أمولهم } يعني ~~الأوصياء، يقول أعطوا اليتامى أموالهم { ولا تتبدلوا الخبيث ~~بالطيب } يقول لا تستبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من ~~أموالكم، يقول لا تذروا أموالكم الحلال، وتأكلوا أموالهم الحرام. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب ~~الإيمان، عن مجاهد قال لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال الذي ~~قدر لك { ولا تأكلوا أمولهم إلى أمولكم } قال مع ~~أموالكم تخلطونها، فتأكلونها جميعا { إنه كان حوبا } إثما. ~~وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في الآية قال كان أهل الجاهلية لا يورثون ~~النساء، ولا يورثون الصغار يأخذه الأكبر، فنصيبه من الميراث طيب، وهذا ~~الذي يأخذ خبيث. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة قال مع ~~أموالكم. وأخرج ابن جرير، عن الحسن قال لما نزلت هذه الآية في أموال ~~اليتامى كرهوا أن يخالطوهم، وجعل ولي اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله، ~~فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله # ويسألونك عن اليتمى قل إصلاح لهم خير وإن ~~تخالطوهم فإخونكم # البقرة 220 قال فخالطوهم. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما أن عروة سأل ~~عائشة عن قول الله عز وجل { وإن خفتم ألا تقسطوا فى ~~اليتمى } قالت يابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ~~مالها، ويعجبه مالها، وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في ~~صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا ~~لهن، ويبلغوا بهن أعلى سننهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم ~~من النساء سواهن، وأن الناس قد استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعد هذه الآية، فأنزل الله # ويستفتونك فى النساء # النساء 127 قالت عائشة وقول الله في ms0691 الآية الأخرى # وترغبون أن تنكحوهن # النساء 127 رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال، والجمال، فنهوا ~~أن ينكحوا من رغبوا في مالها، وجمالها من باقي النساء إلا بالقسط، من أجل ~~رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال، والجمال. وأخرج البخاري، عن عائشة أن ~~رجلا كانت له يتيمة، فنكحها، وكان لها عذق، فكان يمسكها عليه، ولم يكن ~~لها من نفسه شيء، فنزلت { وإن خفتم ألا تقسطوا فى ~~اليتمى } أحسبه قال كانت شريكته في ذلك العذق، وفي ماله. وقد روي ~~هذا المعنى من طرق. وأخرج ابن جرير، من طريق العوفي، عن ابن عباس في ~~الآية قال كان الرجل يتزوج بمال اليتيم ما شاء الله تعالى، فنهى الله عن ~~ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال قصر الرجال ~~على أربع نسوة من أجل أموال اليتامى. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله { وإن خفتم ~~ألا تقسطوا فى اليتمى } قال كان الرجل يتزوج ما شاء، ~~فقال كما تخافون ألا تعدلوا في اليتامى، فخافوا في النساء ألا تعدلوا ~~فيهن، فقصرهم على الأربع. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ~~في الآية قال كانوا في الجاهلية ينكحون عشرا من النساء الأيامى، وكانوا ~~يعظمون شأن اليتيم، فتفقدوا من دينهم شأن اليتامى، وتركوا ما كانوا ~~ينكحون في الجاهلية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه في الآية قال ~~كما خفتم ألا تعدلوا في اليتامى، فخافوا ألا تعدلوا في النساء إذا ~~جمعتموهن عندكم. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق محمد بن أبي موسى الأشعري ~~عنه قال فإن خفتم الزنا، فانكحوهن، يقول كما خفتم في أموال اليتامى ألا ~~تقسطوا فيها، فكذلك فخافوا على أنفسكم ما لم تنكحوا. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي مالك ~~{ ما طاب لكم } قال ما ms0692 أحل لكم. وأخرج ابن جرير، عن الحسن، وسعيد ~~بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن عائشة نحوه. وأخرج ~~الشافعي، وابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه، والنحاس في ناسخه، ~~والدارقطني، والبيهقي، عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم، وتحته ~~عشر نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم # " اختر منهن " # وفي لفظ # " أمسك منهن أربعا، وفارق سائرهن " # هذا الحديث أخرجه هؤلاء المذكورون من طرق، عن إسماعيل بن علية، وغندر، ~~وزيد بن زريع، وسعيد بن أبي عروبة، وسفيان الثوري، وعيسى بن يونس، وعبد ~~الرحمن بن محمد المحاربي، والفضل بن موسى، وغيرهم من الحفاظ عن معمر، عن ~~الزهري، عن سالم عن أبيه، فذكره. # وقد علل البخاري هذا الحديث، فحكى عنه الترمذي أنه قال هذا حديث غير ~~محفوظ. والصحيح ما روي عن شعيب، وغيره، عن الزهري حدثت، عن محمد بن سويد ~~الثقفي أن غيلان بن سلمة، فذكره، وأما حديث الزهري، عن أبيه أن رجلا من ~~ثقيف طلق نساءه، فقال له عمر لأرجمن قبرك، كما رجم قبر أبي رغال. وقد ~~رواه معمر، عن الزهري مرسلا، وهكذا رواه مالك عن الزهري مرسلا. قال أبو ~~زرعة وهو أصح. ورواه عقيل، عن الزهري بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد ~~قال أبو حاتم وهذا وهم، إنما هو الزهري، عن عثمان بن أبي سويد. وقد ساقه ~~أحمد برجال الصحيح، فقال حدثنا إسماعيل، ومحمد بن جعفر قالا حدثنا معمر، ~~عن الزهري قال أبو جعفر في حديثه أخبرنا ابن شهاب، عن سالم عن أبيه أن ~~غيلان، فذكره، وقد روى من غير طريق معمر، والزهري، فأخرجه البيهقي، عن ~~أيوب، عن نافع، وسالم، عن ابن عمر أن غيلان فذكره. وأخرج أبو داود وابن ~~ماجه في سننهما عن عمير الأسدي قال أسلمت، وعندي ثمان نسوة، فذكرت للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقال # " اختر منهن أربعا ". # قال ابن كثير إن إسناده حسن. وأخرج الشافعي في مسنده، عن نوفل بن معاوية ~~الديلي قال أسلمت، وعندي خمس نسوة، فقال رسول ms0693 الله صلى الله عليه وسلم # " أمسك أربعا، وفارق الأخرى " # وأخرج ابن ماجه، والنحاس في ناسخه، عن قيس بن الحارث الأسدي قال «أسلمت ~~وكان تحتي ثمان نسوة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال # " اختر منهن أربعا، وخل سائرهن، ففعلت ". # وهذه شواهد للحديث الأول، كما قال البيهقي. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~والبيهقي في سننه عن الحكم قال أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على أن المملوك لا يجمع من النساء فوق اثنتين. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية يقول إن خفت ألا تعدل في أربع ~~فثلاث، وإلا فثنتين، وإلا فواحدة، فإن خفت ألا تعدل في واحدة، فما ملكت ~~يمينك. وأخرج ابن جرير، عن الربيع مثله. وأخرج أيضا، عن الضحاك { فإن ~~خفتم ألا تعدلوا } قال في المجامعة والحب. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم عن السدي { أو ما ملكت أيمنكم } قال ~~السراري. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان في صحيحه، عن ~~عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم { ذلك أدنى ألا تعولوا ~~} قال # " ألا تجوروا ". # قال ابن أبي حاتم قال أبي هذا حديث خطأ، والصحيح، عن عائشة موقوف. ### || [4.5-6] # هذا رجوع إلى بقية الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى. وقد تقدم الأمر ~~بدفع أموالهم إليهم في قوله تعالى # وءاتوا اليتمى أمولهم # النساء 2 فبين سبحانه هاهنا أن السفيه، وغير البالغ لا يجوز دفع ماله ~~إليه. وقد تقدم في البقرة معنى السفيه لغة. واختلف أهل العلم في هؤلاء ~~السفهاء من هم؟ فقال سعيد بن جبير هم اليتامى لا تؤتوهم أموالكم. قال ~~النحاس، وهذا من أحسن ما قيل في الآية. وقال مالك هم الأولاد الصغار لا ~~تعطوهم أموالكم، فيفسدوها، وتبقوا بلا شيء. وقال مجاهد هم النساء. قال ~~النحاس، وغيره وهذا القول لا يصح إنما تقول العرب سفائه أو سفيهات. ~~واختلفوا في وجه إضافة الأموال إلى المخاطبين، وهي للسفهاء، فقيل أضافها ~~إليهم لأنها بأيديهم، وهم الناظرون فيها، كقوله # فسلموا على أنفسكم # النور 61، وقوله # فاقتلوا أنفسكم ms0694 # البقرة 54 أي ليسلم بعضكم على بعض، وليقتل بعضكم بعضا، وقيل أضافها ~~إليهم لأنها من جنس أموالهم، فإن الأموال جعلت مشتركة بين الخلق في ~~الأصل. وقيل المراد أموال المخاطبين حقيقة. وبه قال أبو موسى الأشعري، ~~وابن عباس، والحسن، وقتادة. والمراد النهي عن دفعها إلى من لا يحسن ~~تدبيرها كالنساء، والصبيان، ومن هو ضعيف الإدراك لا يهتدي إلى وجوه النفع ~~التي تصلح المال، ولا يتجنب، وجوه الضرر التي تهلكه، وتذهب به. قوله { ~~التى جعل الله لكم قياما } المفعول الأول محذوف، والتقدير ~~التي جعلها الله لكم، و«قيما» قراءة أهل المدينة، وأبي عامر، وقرأ غيرهم ~~«قياما» وقرأ عبد الله بن عمر «قواما» والقيام والقوام ما يقيمك، يقال ~~فلان قيام أهله، وقوام بيته، وهو الذي يقيم شأنه، أي يصلحه، ولما انكسرت ~~القاف في قوام أبدلوا الواو ياء. قال الكسائي والفراء قيما وقواما ~~بمعنى قياما، وهو منصوب على المصدر أي لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي ~~تصلح بها أموركم، فتقومون بها قياما، وقال الأخفش المعنى قائمة بأموركم، ~~فذهب إلى أنها جمع. وقال البصريون قيما جمع قيمة كديمة وديم، أي جعلها ~~الله قيمة للأشياء. وخطأ أبو علي الفارسي هذا القول، وقال هي مصدر، كقيام ~~وقوام. والمعنى أنها صلاح للحال، وثبات له، فأما على قول من قال إن ~~المراد أموالهم على ما يقتضيه ظاهر الإضافة، فالمعنى واضح. وأما على قول ~~من قال إنها أموال اليتامى، فالمعنى أنها من جنس ما تقوم به معايشكم، ~~ويصلح به حالكم من الأموال. وقرأ الحسن، والنخعي «اللاتي جعل» قال الفراء ~~الأكثر في كلام العرب النساء اللواتي، والأموال التي، وكذلك غير الأموال، ~~ذكره النحاس. قوله { وارزقوهم فيها واكسوهم } أي اجعلوا لهم ~~فيها رزقا، أو افرضوا لهم، وهذا فيمن تلزم نفقته، وكسوته من الزوجات، ~~والأولاد، ونحوهم. وأما على قول من قال إن الأموال هي أموال اليتامى، ~~فالمعنى اتجروا فيها حتى تربحوا، وتنفقوهم من الأرباح، أو اجعلوا لهم من ~~أموالهم رزقا ينفقونه على أنفسهم، ويكتسون به. # وقد استدل بهذه الآية على جواز الحجر على السفهاء، وبه ms0695 قال الجمهور. ~~وقال أبو حنيفة لا يحجر على من بلغ عاقلا، واستدل بها أيضا على وجوب ~~نفقة القرابة، والخلاف في ذلك معروف في مواطنه. قوله { وقولوا لهم ~~قولا معروفا } قيل ادعوا لهم بارك الله فيكم، وحاطكم، وصنع لكم. ~~وقيل معناه عدوهم وعدا حسنا قولوا لهم إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم، ~~ويقول الأب لابنه مالي سيصير إليك، وأنت إن شاء الله صاحبه، ونحو ذلك. ~~والظاهر من الآية ما يصدق عليه مسمى القول الجميل، ففيه إرشاد إلى حسن ~~الخلق مع الأهل، والأولاد، أو مع الأيتام المكفولين. وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيما صح عنه # " خيركم خيركم أهله، وأنا خيركم لأهلي " # قوله { وابتلوا اليتمى } الابتلاء الاختبار. وقد تقدم ~~تحقيقه. وقد اختلفوا في معنى الاختبار، فقيل هو أن يتأمل الوصي أخلاق ~~يتيمه، ليعلم بنجابته، وحسن تصرفه، فيدفع إليه ماله إذا بلغ النكاح، وآنس ~~منه الرشد، وقيل معنى الاختبار أن يدفع إليه شيئا من ماله، ويأمره ~~بالتصرف فيه حتى يعلم حقيقة حاله، وقيل معنى الاختبار أن يرد النظر إليه ~~في نفقة الدار ليعرف كيف تدبيره، وإن كانت جارية رد إليها ما يرد إلى ~~ربة البيت من تدبير بيتها. والمراد ببلوغ النكاح بلوغ النكاح بلوغ الحلم ~~كقوله تعالى # وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم # النور 59 ومن علامات البلوغ الإنبات، وبلوغ خمس عشرة سنة. وقال مالك، ~~وأبو حنيفة، وغيرهما لا يحكم لمن لم يحتلم بالبلوغ إلا بعد مضي سبع عشرة ~~سنة، وهذه العلامات تعم الذكر، والأنثى، وتختص الأنثى بالحبل، والحيض. ~~قوله { وابتلوا اليتمى } أي أبصرتم، ورأيتم، ومنه قوله # من جانب الطور نارا # القصص 29. قال الأزهري تقول العرب اذهب فاستأنس هل ترى أحدا، معناه ~~تبصر. وقيل هو هنا بمعنى وجد وعلم، أي فإن وجدتم، وعلمتم منهم رشدا. ~~وقراءة الجمهور { رشدا } بضم الراء وسكون الشين. وقرأ ابن مسعود، ~~والسلمي، وعيسى الثقفي بفتح الراء، والشين، قيل هما لغتان، وقيل هو بالضم ~~مصدر رشد، وبالفتح مصدر رشد. واختلف أهل العلم في معنى الرشد هاهنا، فقيل ~~الصلاح في العقل والدين، ms0696 وقيل في العقل خاصة. قال سعيد بن جبير، والشعبي ~~إنه لا يدفع إلى اليتيم ماله إذا لم يؤنس رشده، وإن كان شيخا. قال ~~الضحاك وإن بلغ مائة سنة. وجمهور العلماء على أن الرشد لا يكون إلا بعد ~~البلوغ، وعلى أنه إن لم يرشد بعد بلوغ الحلم لا يزول عنه الحجر. وقال أبو ~~حنيفة، لا يحجر على الحر البالغ، وإن كان أفسق الناس، وأشدهم تبذيرا، ~~وبه قال النخعي، وزفر، وظاهر النظم القرآني أنها لا تدفع إليهم أموالهم ~~إلا بعد بلوغ غاية هي بلوغ النكاح مقيدة هذه الغاية بإيناس الرشد، فلا بد ~~من مجموع الأمرين، فلا تدفع إلى اليتامى أموالهم قبل البلوغ، وإن كانوا ~~معروفين بالرشد، ولا بعد البلوغ إلا بعد إيناس الرشد منهم. # والمراد بالرشد نوعه، وهو المتعلق بحسن التصرف في أمواله، وعدم التبذير ~~بها، ووضعها في مواضعها. قوله { ولا تأكلوها إسرافا ~~وبدارا أن يكبروا } الإسراف في اللغة الإفراط، ومجاوزة الحد. ~~وقال النضر بن شميل السرف التبذير، والبدار المبادرة { أن يكبروا } ~~في موضع نصب بقوله { بدارا } أي لا تأكلوا أموال اليتامى أكل إسراف، ~~وأكل مبادرة لكبرهم، أو لا تأكلوا لأجل السرف، ولأجل المبادرة أو لا ~~تأكلوها مسرفين، ومبادرين لكبرهم، وتقولوا ننفق أموال اليتامى. فيما ~~نشتهي قبل أن يبلغوا، فينتزعوها من أيدينا. قوله { ومن كان غنيا ~~فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } ~~بين سبحانه ما يحل لهم من أموال اليتامى، فأمر الغني بالاستعفاف وتوفير ~~مال الصبي عليه، وعدم تناوله منه، وسوغ للفقير أن يأكل بالمعروف. واختلف ~~أهل العلم في الأكل بالمعروف ما هو؟ فقال قوم هو القرض إذا احتاج إليه، ~~ويقضي متى أيسر الله عليه، وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عباس، وعبيدة ~~السلماني، وابن جبير، والشعبي، ومجاهد، وأبو العالية، والأوزاعي، وقال ~~النخعي، وعطاء، والحسن، وقتادة لا قضاء على الفقير فيما يأكل بالمعروف، ~~وبه قال جمهور الفقهاء. وهذا بالنظم القرآني ألصق، فإن إباحة الأكل ~~للفقير مشعرة بجواز ذلك له من غير قرض. والمراد بالمعروف المتعارف به بين ~~الناس، فلا يترفه بأموال اليتامى، ms0697 ويبالغ في التنعم بالمأكول، والمشروب، ~~والملبوس، ولا يدع نفسه عن سد الفاقة، وستر العورة. والخطاب في هذه ~~الآية لأولياء الأيتام القائمين بما يصلحهم كالأب، والجد، ووصيهما. وقال ~~بعض أهل العلم المراد بالآية اليتيم إن كان غنيا، وسع عليه، وعف من ~~ماله، وإن كان فقيرا كان الإنفاق عليه بقدر ما يحصل له، وهذا القول في ~~غاية السقوط. قوله { فإذا دفعتم إليهم أمولهم ~~فأشهدوا عليهم } أي إذا حصل مقتضى الدفع، فدفعتم إليهم ~~أموالهم، فأشهدوا عليهم أنهم قد قبضوها منكم لتندفع عنكم التهم، وتأمنوا ~~عاقبة الدعاوى الصادرة منهم، وقيل إن الإشهاد المشروع هو ما أنفقه عليهم ~~الأولياء قبل رشدهم، وقيل هو على رد ما استقرضه إلى أموالهم، وظاهر ~~النظم القرآني مشروعية الإشهاد على ما دفع إليهم من أموالهم، وهو يعم ~~الإنفاق قبل الرشد، والدفع للجميع إليهم بعد الرشد { وكفى بالله ~~حسيبا } أي حاسبا لأعمالكم شاهدا عليكم في كل شيء تعملونه، ومن جملة ~~ذلك معاملتكم لليتامى في أموالهم، وفيه وعيد عظيم، والباء زائدة، أي كفى ~~الله. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في ~~قوله { ولا تؤتوا السفهاء أمولكم } يقول لا تعمد إلى ~~مالك، وما خولك الله، وجعله لك معيشة، فتعطيه امرأتك، أو بنتك، ثم تضطر ~~إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك، وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم في ~~كسوتهم، ورزقهم، ومؤونتهم. # قال وقوله { قياما } يعني قوامكم من معايشكم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عنه من طريق العوفي في الآية يقول لا تسلط السفيه من ولدك على ~~مالك، وأمره أن يرزقه منه، ويكسوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه قال هم بنوك، ~~والنساء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إن النساء السفهاء إلا التي أطاعت قيمها " # وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال هم الخدم، وهم شياطين الإنس. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن مسعود قال هم النساء، والصبيان. ~~وأخرج ابن جرير، عن حضرمي أن رجلا عمد، ms0698 فدفع ماله إلى امرأته، فوضعته في ~~غير الحق، فقال الله { ولا تؤتوا السفهاء أمولكم }. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن سعيد بن جبير قال هم اليتامى والنساء. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن عكرمة قال هو مال اليتيم، يكون عندك، ~~يقول لا تؤتوه إياه، وأنفق عليه حتى يبلغ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~عن ابن عباس في قوله { وارزقوهم } يقول أنفقوا عليهم. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد { وقولوا لهم قولا معروفا ~~} قال أمروا أن يقولوا لهم قولا معروفا في البر، والصلة. وأخرج ابن ~~جرير، عن ابن جريج { وقولوا لهم قولا معروفا } قال عدة ~~تعدونهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، ~~عن ابن عباس في قوله { وابتلوا اليتمى } يعني اختبروا ~~اليتامى عند الحلم { فإن آنستم } عرفتم { منهم رشدا } في حالهم، ~~والإصلاح في أموالهم { فادفعوا إليهم أمولهم ولا ~~تأكلوها إسرافا وبدارا } يعني تأكل مال اليتيم ببادرة قبل ~~أن يبلغ، فتحول بينه، وبين ماله. وأخرج البخاري، وغيره، عن عائشة قالت ~~أنزلت هذه الآية في ولي اليتيم { ومن كان غنيا فليستعفف ~~ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } بقدر قيامه عليه. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن ~~عباس { ومن كان غنيا فليستعفف } قال بغناه { ومن كان ~~فقيرا فليأكل بالمعروف } قال يأكل من ماله يقوت على نفسه ~~حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم، وأخرج ابن جرير عنه قال هو القرض. وأخرج ~~عبد بن حميد، والبيهقي، عن ابن عباس قال إن كان فقيرا أخذ من فضل اللبن، ~~وأخذ من فضل القوت، ولا يجاوزه، وما يستر عورته من الثياب، فإن أيسر ~~قضاه، وإن أعسر، فهو في حل. # وأخرج عبد الرزاق، وابن سعد، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في سننه من طرق عن عمر بن الخطاب ~~قال إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة ولي اليتيم، إن استغنيت استعففت، ~~وإن احتجت أخذت منه بالمعروف، ms0699 فإذا أيسرت قضيت. وأخرج أحمد، وأبو داود، ~~والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، عن ابن عمرو أن رجلا سأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال ليس لي مال، ولي يتيم فقال " # " كل من مال يتيمك غير مسرف، ولا مبذر، ولا متأثل مالا، ومن غير أن تقي ~~مالك بماله " # وأخرج أبو داود، والنحاس كلاهما في الناسخ، وابن المنذر، عن ابن عباس في ~~قوله { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } قال نسختها # إن الذين يأكلون أمول اليتمى # النساء 10 الآية. ### || [4.7-10] # لما ذكر سبحانه حكم أموال اليتامى، وصله بأحكام المواريث، وكيفية قسمتها ~~بين الورثة. وأفرد سبحانه ذكر النساء بعد ذكر الرجال، ولم يقل للرجال ~~والنساء نصيب، للإيذان بأصالتهن في هذا الحكم، ودفع ما كانت عليه ~~الجاهلية من عدم توريث النساء، وفي ذكر القرابة بيان لعلة الميراث مع ~~التعميم لما يصدق عليه مسمى القرابة من دون تخصيص. وقوله { مما قل ~~منه أو أكثر } بدل من قوله { مما ترك } بإعادة الجار، ~~والضمير في قوله { منه } راجع إلى المبدل منه. وقوله { نصيبا } ~~منتصب على الحال، أو على المصدرية، أو على الاختصاص، وسيأتي ذكر السبب في ~~نزول هذه الآية إن شاء الله، وقد أجمل الله سبحانه في هذه المواضع قدر ~~النصيب المفروض، ثم أنزل قوله # يوصيكم الله فى أولدكم # النساء 11 فبين ميراث كل فرد. قوله { وإذا حضر القسمة ~~أولوا القربى } المراد بالقرابة هنا غير الوارثين، وكذا ~~اليتامى، والمساكين، شرع الله سبحانه أنهم إذا حضروا قسمة التركة كان لهم ~~منها رزق، فيرضخ لهم المتقاسمون شيئا منها. وقد ذهب قوم إلى أن الآية ~~محكمة، وأن الأمر للندب. وذهب آخرون إلى أنها منسوخة بقوله تعالى # يوصيكم الله فى أولدكم # النساء 11 والأول أرجح، لأن المذكور في الآية للقرابة غير الوارثين ليس ~~هو من جملة الميراث حتى يقال إنها منسوخة بآية المواريث، إلا أن يقولوا ~~إن أولى القربى المذكورين هنا هم الوارثون كان للنسخ وجه. وقالت طائفة إن ~~هذا الرضخ لغير الوارث من القرابة واجب بمقدار ما تطيب به ms0700 أنفس الورثة، ~~وهو معنى الأمر الحقيقي، فلا يصار إلى الندب إلا لقرينة، والضمير في قوله ~~{ منه } راجع إلى المال المقسوم المدلول عليه بالقسمة، وقيل راجع إلى ~~ما ترك. والقول المعروف هو القول الجميل الذي ليس فيه من بما صار إليهم ~~من الرضخ ولا أذى. قوله { وليخش الذين لو تركوا } هم ~~الأوصياء، كما ذهب إليه طائفة من المفسرين، وفيه وعظ لهم بأن يفعلوا ~~باليتامى الذين في حجورهم ما يحبون أن يفعل بأولادهم من بعدهم. وقالت ~~طائفة المراد جميع الناس أمروا باتقاء الله في الأيتام، وأولاد الناس، ~~وإن لم يكونوا في حجورهم وقال آخرون إن المراد بهم من يحضر الميت عند ~~موته، أمروا بتقوى الله، بأن يقولوا للمحتضر قولا سديدا من إرشادهم إلى ~~التخلص عن حقوق الله، وحقوق بني آدم، وإلى الوصية بالقرب المقربة إلى ~~الله سبحانه، وإلى ترك التبذير بماله، وإحرام ورثته، كما يخشون على ~~ورثتهم من بعدهم لو تركوهم، فقراء عالة يتكففون الناس وقال ابن عطية ~~الناس صنفان يصلح لأحدهما أن يقال له عند موته ما لا يصلح للآخر، وذلك أن ~~الرجل إذا ترك ورثته مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية، ~~ويحمل على أن يقدم لنفسه، وإذا ترك ورثة ضعفاء مفلسين حسن أن يندب إلى ~~الترك لهم والاحتياط، فإن أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين. # قال القرطبي وهذا التفصيل صحيح. قوله { لو تركوا } صلة الموصول، ~~والفاء في قوله { فليتقوا } لترتيب ما بعدها على ما قبلها. ~~والمعنى وليخش الذين صفتهم، وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ~~ضعافا، وذلك عند احتضارهم خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم، ~~وكاسبهم، ثم أمرهم بتقوى الله، والقول السديد للمحتضرين، أو لأولادهم من ~~بعدهم على ما سبق. قوله { إن الذين يأكلون أمول ~~اليتمى } استئناف يتضمن النهي عن ظلم الأيتام من الأولياء، ~~والأوصياء، وانتصاب قوله { ظلما } على المصدرية، أي أكل ظلم، أو على ~~الحالية، أي ظالمين لهم. وقوله { إنما يأكلون فى بطونهم ~~نارا } أي ما يكون سببا للنار، تعبيرا بالمسبب عن السبب، وقد ms0701 تقدم ~~تفسير مثل هذه الآية. وقوله { وسيصلون } قراءة عاصم، وابن عامر ~~بضم الياء على ما لم يسم فاعله. وقرأ أبو حيوة بضم الياء، وفتح الصاد، ~~وتشديد اللام من التصلية بكثرة الفعل مرة بعد أخرى. وقرأ الباقون بفتح ~~الياء من صلى النار يصلاها، والصلى هو التسخن بقرب النار، أو مباشرتها، ~~ومنه قول الحارث بن عباد # لم أكن من جناتها علم الل ه وإني لحرها اليوم صالي # والسعير الجمر المشتعل. وقد أخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس قال كان أهل ~~الجاهلية لا يورثون البنات، ولا الصغار حتى يدركوا، فمات رجل من الأنصار ~~يقال له أوس بن ثابت، وترك ابنتين، وابنا صغيرا، فجاء ابنا عمه، وهما ~~عصبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذا ميراثه كله، فجاءت امرأته ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية، فأرسل إليهما رسول الله ~~فقال # " لا تحركا من الميراث شيئا، فإنه قد أنزل علي شيء احترت فيه أن ~~للذكر، والأنثى نصيبا " # ، ثم نزل بعد ذلك # ويستفتونك فى النساء # النساء 127، ثم نزل # يوصيكم الله فى أولدكم # النساء 11 فدعا بالميراث، فأعطى المرأة الثمن، وقسم ما بقي للذكر مثل حظ ~~الأنثيين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة في ~~الآية قال نزلت في أم كلثوم ابنة أم كحلة، أو أم كجة، وثعلبة بن أوس، ~~وسويد، وهم من الأنصار، كان أحدهم زوجها، والآخر عم ولدها، فقالت يا رسول ~~الله توفي زوجي، وتركني وابنته، فلم نورث من ماله، فقال عم ولدها يا ~~رسول الله لا يركب فرسا، ولا ينكى عدوا ويكسب عليها، ولا يكتسب، فنزلت. ~~وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس في قوله تعالى { وإذا حضر ~~القسمة } قال هي محكمة، وليست بمنسوخة. # وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن خطاب بن عبد الله في هذه الآية قال قضى بها أبو موسى. وأخرج ~~سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن ms0702 مجاهد في الآية قال هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به ~~أنفسهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، عن الحسن، والزهري قالا هي ~~محكمة ما طابت به أنفسهم. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، والحاكم ~~وصححه، عن ابن عباس قال يرضخ لهم فإن كان في ماله تقصير اعتذر إليهم، فهو ~~قولا معروفا. وأخرج ابن المنذر، عن عائشة أنها لم تنسخ. وأخرج أبو داود ~~في ناسخه، وابن جرير، وابن أبي حاتم أن هذه الآية منسوخة بآية الميراث. ~~وأخرج أبو داود في ناسخه، وعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن سعيد بن المسيب قال هي منسوخة. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير ~~قال إن كانوا كبارا يرضخوا، وإن كانوا صغارا اعتذروا إليهم. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه في قوله { ~~وليخش الذين لو تركوا } قال هذا في الرجل يحضر الرجل عند ~~موته، فيسمعه يوصي وصية تضر بورثته، فأمر الله الذي يسمعه أن يتقي الله، ~~ويوفقه، ويسدده للصواب، ولينظر لورثته، كما يحب أن يصنع لورثته إذا خشي ~~عليهم الضيعة. وقد روي نحو هذا من طرق. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو يعلى، ~~والطبراني، وابن حبان في صحيحه، وابن أبي حاتم، عن أبي برزة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال # " يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا، " # فقيل يا رسول الله من هم؟ قال # " ألم تر أن الله يقول { إن الذين يأكلون أمول ~~اليتمى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا } " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الخدري، قال حدثنا النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسرى به قال # " نظرت فإذا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكل بهم من يأخذ ~~بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار، فيقذف في في أحدهم حتى يخرج ~~من أسافلهم، ولهم جؤار، وصراخ، فقلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء { ~~الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما إنما ~~يأكلون فى بطونهم نارا ms0703 وسيصلون سعيرا } " # وأخرج ابن جرير، عن زيد بن أسلم قال هذه الآية لأهل الشرك حين كانوا لا ~~يورثونهم، ويأكلون أموالهم. ### || [4.11-14] # هذا تفصيل لما أجمل في قوله تعالى # للرجال نصيب مما ترك الولدن والأقربون # النساء 7 الآية، وقد استدل بذلك على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ~~وهذه الآية ركن من أركان الدين، وعمدة من عمد الأحكام، وأم من أمهات ~~الآيات لاشتمالها على ما يهم من علم الفرائض، وقد كان هذا العلم من أجل ~~علوم الصحابة، وأكثر مناظراتهم فيه، وسيأتي بعد كمال تفسير ما اشتمل عليه ~~كلام الله من الفرائض ذكر بعض فضائل هذا العلم إن شاء الله. قوله { ~~يوصيكم الله فى أولدكم } أي في بيان ميراثهم. وقد ~~اختلفوا هل يدخل أولاد الأولاد أم لا؟ فقالت الشافعية إنهم يدخلون مجازا ~~لا حقيقة، وقالت الحنفية إنه يتناولهم لفظ الأولاد حقيقة إذا لم يوجد ~~أولاد الصلب، ولا خلاف أن بني البنين كالبنين في الميراث مع عدمهم، وإنما ~~هذا الخلاف في دلالة لفظ الأولاد على أولادهم مع عدمهم، ويدخل في لفظ ~~الأولاد من كان منهم كافرا، ويخرج بالسنة، وكذلك يدخل القاتل عمدا، ~~ويخرج أيضا بالسنة والإجماع، ويدخل فيه الخنثى. قال القرطبي وأجمع ~~العلماء أنه يورث من حيث يبول، فإن بال منهما، فمن حيث سبق، فإن خرج ~~البول منهما من غير سبق أحدهما، فله نصف نصيب الذكر، ونصف نصيب الأنثى. ~~وقيل يعطى أقل النصيبين، وهو نصيب الأنثى، قاله يحيى بن آدم، وهو قول ~~الشافعي. وهذه الآية ناسخة لما كان في صدر الإسلام من الموارثة بالحلف، ~~والهجرة، والمعاقدة. وقد أجمع العلماء على أنه إذا كان مع الأولاد من له ~~فرض مسمى أعطيه، وكان ما بقي من المال للذكر مثل حظ الأنثيين، للحديث ~~الثابت في الصحيحين، وغيرهما بلفظ # " ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض، فلأولى رجل ذكر " # إلا إذا كان ساقطا معهم، كالأخوة لأم. وقوله { للذكر مثل حظ ~~الأنثيين } جملة مستأنفة لبيان الوصية في الأولاد، فلا بد من تقدير ~~ضمير يرجع إليهم ويوصيكم الله في أولادكم ms0704 للذكر منهم مثل حظ الأنثيين. ~~والمراد حال اجتماع الذكور والإناث، وأما حال الانفراد، فللذكر جميع ~~الميراث، وللأنثى النصف، وللاثنتين فصاعدا الثلثان. قوله { فإن كن ~~نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك } أي فإن كن ~~الأولاد، والتأنيث باعتبار الخبر، أو البنات، أو المولودات نساء ليس معهن ~~ذكر فوق اثنتين، أي زائدات على اثنتين على أن فوق صفة لنساء، أو يكون ~~خبرا ثانيا لكان { فلهن ثلثا ما ترك } الميت المدلول عليه ~~بقرينة المقام. وظاهر النظم القرآني أن الثلثين فريضة الثلاث من البنات ~~فصاعدا، ولم يسم للاثنتين فريضة، ولهذا اختلف أهل العلم في فريضتهما، ~~فذهب الجمهور إلى أن لهما إذا انفردتا عن البنين الثلثين. # وذهب ابن عباس إلى أن فريضتهما النصف، احتج الجمهور بالقياس على ~~الأختين، فإن الله سبحانه قال في شأنهما # فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان # النساء 176 فألحقوا البنتين بالأختين في استحقاقهما الثلثين، كما ألحقوا ~~الأخوات إذا زدن على اثنتين بالبنات في الاشتراك في الثلثين، وقيل في ~~الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين، وذلك أنه لما كان للواحدة مع أخيها ~~الثلث كان للإبنتين إذا انفردتا الثلثان، هكذا احتج بهذه الحجة إسماعيل ~~بن عياش، والمبرد. قال النحاس وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط لأن ~~الاختلاف في البنتين إذا انفردتا عن البنين، وأيضا للمخالف أن يقول إذا ~~ترك بنتين، وابنا فللبنتين النصف، فهذا دليل على أن هذا فرضهما، ويمكن ~~تأييد ما احتج به الجمهور بأن الله سبحانه لما فرض للبنت الواحدة إذا ~~انفردت النصف بقوله تعالى { وإن كانت وحدة فلها النصف } ~~كان فرض البنتين إذا انفردتا فوق فرض الواحدة، وأوجب القياس على الأختين ~~الاقتصار للبنتين على الثلثين. وقيل إن { فوق } زائدة، والمعنى وإن كن ~~نساء اثنتين، كقوله تعالى # فاضربوا فوق الأعنق # الأنفال 12 أي الأعناق، ورد هذا النحاس، وابن عطية، فقالا هو خطأ لأن ~~الظروف وجميع الأسماء لا تجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى. قال ابن ~~عطية ولأن قوله { فوق الأعنق } هو الفصيح، وليست { فوق } زائدة، ~~بل هي محكمة المعنى ms0705 لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في ~~المفصل دون الدماغ، كما قال دريد بن الصمة اخفض عن الدماغ، وارفع عن ~~العظم، فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال. انتهى. وأيضا لو كان لفظ { فوق } ~~زائدا، كما قالوا لقال، فلهما ثلثا ما ترك. ولم يقل، فلهن ثلثا ما ترك، ~~وأوضح ما يحتج به الجمهور ما أخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، ~~والترمذي، وابن ماجه، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم، ~~والبيهقي في سننه، عن جابر قال جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل ~~أبوهما معك في أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ~~ولا ينكحان إلا ولهما مال، فقال # " يقضي الله في ذلك " # ، فنزلت آية الميراث { يوصيكم الله فى أولدكم } الآية، ~~فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما، فقال # " أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي، فهو لك " # أخرجوه من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر. قال الترمذي ولا ~~يعرف إلا من حديثه. قوله { وإن كانت وحدة فلها النصف } ~~قرأ نافع، وأهل المدينة «واحدة» بالرفع على أن كان تامة بمعنى فإن وجدت ~~واحدة، أو حدثت واحدة. وقرأ الباقون بالنصب، قال النحاس وهذه قراءة حسنة، ~~أي وإن كانت المتروكة، أو المولودة واحدة. # قوله { ولأبويه لكل وحد منهما السدس } أي لأبوي ~~الميت، وهو كناية عن غير مذكور، وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه و { لكل ~~وحد منهما السدس } بدل من قوله { ولابويه } بتكرير ~~العامل للتأكيد، والتفصيل. وقرأ الحسن، ونعيم بن ميسرة «السدس» بسكون ~~الدال، وكذلك قرأ " الثلث " ، والربع إلى العشر بالسكون، وهي لغة بني ~~تميم، وربيعة، وقرأ الجمهور بالتحريك ضما، وهي لغة أهل الحجاز، وبني أسد ~~في جميعها. والمراد بالأبوين الأب والأم، والتثنية على لفظ الأب للتغليب. ~~وقد اختلف العلماء في الجد، هل هو بمنزلة الأب، فتسقط به الأخوة أم لا؟ ~~فذهب أبو بكر الصديق ms0706 إلى أنه بمنزلة الأب، ولم يخالفه أحد من الصحابة ~~أيام خلافته، واختلفوا في ذلك بعد وفاته، فقال بقول أبي بكر ابن عباس، ~~وعبد الله بن الزبير، وعائشة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، ~~وأبو هريرة، وعطاء، وطاوس، والحسن، وقتادة، وأبو حنيفة، وأبو ثور، ~~وإسحاق، واحتجوا بمثل قوله تعالى # ملة أبيكم إبرهيم # الحج 78 وقوله # يا بني آدم # الأعراف 26، 27، 31، 35، وقوله صلى الله عليه وسلم # " ارموا يا بني إسماعيل " # وذهب علي ابن أبي طالب وزيد بن ثابت، وابن مسعود إلى توريث الجد مع ~~الإخوة لأبوين أو لأب، ولا ينقص معهم من الثلث، ولا ينقص مع ذوي الفروض ~~من السدس في قول زيد، ومالك، والأوزاعي، وأبي يوسف، ومحمد، والشافعي. ~~وقيل يشرك بين الجد، والإخوة إلى السدس، ولا ينقص من السدس شيئا مع ذوي ~~الفروض وغيرهم، وهو قول ابن أبي ليلى، وطائفة. وذهب الجمهور إلى أن الجد ~~يسقط بني الإخوة، وروى الشعبي عن علي أنه أجرى بني الإخوة في المقاسمة ~~مجرى الإخوة. وأجمع العلماء على أن الجد لا يرث مع الأب شيئا، وأجمع ~~العلماء على أن للجدة السدس إذا لم يكن للميت أم، وأجمعوا على أنها ساقطة ~~مع وجود الأم، وأجمعوا على أن الأب لا يسقط الجدة أم الأم. واختلفوا في ~~توريث الجدة، وابنها حي، فروي عن زيد بن ثابت، وعثمان، وعلي أنها لا ~~ترث، وابنها حي، وبه قال مالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو ثور، وأصحاب ~~الرأي. وروي عن عمر وابن مسعود، وأبي موسى أنها ترث معه. وروي أيضا، عن ~~علي، وعثمان، وبه قال شريح، وجابر بن زيد، وعبيد الله بن الحسن، وشريك، ~~وأحمد، وإسحاق وابن المنذر. قوله { إن كان له ولد } الولد يقع ~~على الذكر والأنثى، لكنه إذا كان الموجود الذكر من الأولاد، وحده أو مع ~~الأنثى منهم، فليس للجد إلا السدس، وإن كان الموجود أنثى كان للجد السدس ~~بالفرض، وهو عصبة فيما عدا السدس، وأولاد ابن الميت كأولاد الميت. # قوله { فإن لم يكن له ولد } أي ولا ولد ابن لما تقدم ms0707 من ~~الإجماع { وورثه أبواه } منفردين، عن سائر الورثة، كما ذهب إليه ~~الجمهور من أن الأم لا تأخذ ثلث التركة إلا إذا لم يكن للميت وارث غير ~~الأبوين، أما لو كان معهما أحد الزوجين، فليس للأم إلا ثلث الباقي بعد ~~الموجود من الزوجين. وروي عن ابن عباس أن للأم ثلث الأصل مع أحد الزوجين، ~~وهو يستلزم تفضيل الأم على الأب في مسألة زوج وأبوين مع الاتفاق على أن ~~أفضل منها عند انفرادهما عن أحد الزوجين. قوله { فإن كان له ~~إخوة فلأمه السدس } إطلاق الإخوة يدل على أنه لا فرق بين ~~الإخوة لأبوين أو لأحدهما. وقد أجمع أهل العلم على أن الإثنين من الإخوة ~~يقومون مقام الثلاثة فصاعدا في حجب الأم إلى السدس، إلا ما يروى عن ابن ~~عباس أنه جعل الاثنين كالواحد في عدم الحجب. وأجمعوا أيضا على أن ~~الأختين فصاعدا، كالأخوين في حجب الأم. قوله { من بعد وصية ~~يوصى بها أو دين } قرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم «يوصى» بفتح ~~الصاد. وقرأ الباقون بكسرها، واختار الكسر أبو عبيد، وأبو حاتم لأنه جرى ~~ذكر الميت قبل هذا. قال الأخفش وتصديق ذلك قوله { يوصين } و { توصون ~~}. واختلف في وجه تقديم الوصية على الدين مع كونه مقدما عليها بالإجماع، ~~فقيل المقصود تقديم الأمرين على الميراث من غير قصد إلى الترتيب بينهما، ~~وقيل لما كانت الوصية أقل لزوما من الدين قدمت اهتماما بها وقيل قدمت ~~لكثرة وقوعها، فصارت كالأمر اللازم لكل ميت وقيل قدمت لكونها حظ المساكين ~~والفقراء، وأخر الدين لكونه حظ غريم يطلبه بقوة وسلطان وقيل لما كانت ~~الوصية ناشئة من جهة الميت قدمت، بخلاف الدين، فإنه ثابت مؤدي ذكر أو لم ~~يذكر وقيل قدمت لكونها تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، فربما ~~يشق على الورثة إخراجها، بخلاف الدين، فإن نفوسهم مطمئنة بأدائه، وهذه ~~الوصية مقيدة بقوله تعالى { غير مضار } كما سيأتي إن شاء الله. ~~قوله { آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم ~~نفعا } قيل خبر قوله { أيهم } مقدر أي هم ms0708 المقسوم عليهم، وقيل إن ~~الخبر قوله { لا تدرون } وما بعده { وأقرب } خبر قوله { ~~أيهم } و { نفعا } تمييز، أي لا تدرون أيهم قريب لكم نفعه في ~~الدعاء لكم، والصدقة عنكم، كما في الحديث الصحيح # " أو ولد صالح يدعو له " # وقال ابن عباس، والحسن قد يكون الابن أفضل، فيشفع في أبيه. وقال بعض ~~المفسرين إن الابن إذا كان أرفع درجة من أبيه في الآخرة سأل الله أن يرفع ~~إليه أباه، وإذا كان الأب أرفع درجة من ابنه سأل الله أن يرفع ابنه إليه. # وقيل المراد النفع في الدنيا، والآخرة، قاله ابن زيد، وقيل المعنى إنكم ~~لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم، أمن أوصى منهم فعرضكم لثواب ~~الآخرة بإمضاء وصيته، فهو أقرب لكم نفعا، أو من ترك الوصية، ووفر عليكم ~~عرض الدنيا؟ وقوى هذا صاحب الكشاف، قال لأن الجملة اعتراضية، ومن حق ~~الاعتراض أن يؤكد ما اعترض بينه، ويناسبه قوله { فريضة من الله ~~} نصب على المصدر المؤكد، إذ معنى { يوصيكم } يفرض عليكم. وقال مكي، ~~وغيره هي حال مؤكدة، والعامل يوصيكم. والأول أولى { إن الله كان ~~عليما } بقسمة المواريث { حكيما } حكم بقسمتها، وبينها لأهلها. ~~وقال الزجاج { عليما } بالأشياء قبل خلقها { حكيما } فيما يقدره ~~ويمضيه منها. قوله { ولكم نصف ما ترك أزوجكم إن لم ~~يكن لهن ولد } الخطاب هنا للرجال. والمراد بالولد ولد الصلب، ~~أو ولد الولد لما قدمنا من الإجماع { فإن كان لهن ولد ~~فلكم الربع مما تركن } ، وهذا مجمع عليه لم يختلف أهل ~~العلم في أن للزوج مع عدم الولد النصف، ومع وجوده، وإن سفل الربع. وقوله ~~{ من بعد وصية } الخ الكلام فيه، كما تقدم. قوله { ولهن ~~الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن ~~كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم } هذا النصيب ~~مع الولد، والنصيب مع عدمه تنفرد به الواحدة من الزوجات، ويشترك فيه ~~الأكثر من واحدة لا خلاف في ذلك، والكلام في الوصية، والدين، كما تقدم. ~~قوله { وإن كان رجل يورث كللة } المراد بالرجل الميت، و ~~{ يورث ms0709 } على البناء للمفعول من ورث لا من أورث، وهو خبر كان و { ~~كللة } حال من ضمير { يورث } أي يورث حال كونه ذا كلالة، أو على ~~أن الخبر كلالة، ويورث صفة لرجل، أي إن كان رجل يورث ذا كلالة ليس له ~~ولد، ولا والد، وقريء { يورث } مخففا، ومشددا، فيكون كلالة مفعولا، ~~أو حالا، والمفعول محذوف، أي يورث، وأريد حال كونه ذا كلالة، أو يكون ~~مفعولا له، أي لأجل الكلالة. والكلالة مصدر من تكلله النسب، أي أحاط به، ~~وبه سمي الإكليل لإحاطته بالرأس. وهو الميت الذي لا ولد له، ولا والد، ~~هذا قول أبي بكر الصديق، وعمر، وعلي، وجمهور أهل العلم، وبه قال صاحب ~~كتاب العين وأبي منصور اللغوي، وابن عرفة، والقتيبي، وأبو عبيد، وابن ~~الأنباري. وقد قيل إنه إجماع. قال ابن كثير وبه يقول أهل المدينة، ~~والكوفة، والبصرة، وهو قول الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة، وجمهور ~~الخلف، والسلف بل جميعهم. وقد حكى الإجماع غير واحد، وورد فيه حديث ~~مرفوع. انتهى. وروى أبو حاتم، والأثرم، عن أبي عبيدة أنه قال الكلالة كل ~~من لم يرثه أب، أو ابن، أو أخ، فهو عند العرب كلالة. # قال أبو عمر بن عبد البر ذكر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب، والابن في شرط ~~الكلالة غلط لا وجه له، ولم يذكره في شرط الكلالة غيره، وما يروى عن أبي ~~بكر، وعمر من أن الكلالة من لا ولد له خاصة، فقد رجعا عنه. وقال ابن زيد ~~الكلالة الحي، والميت جميعا، وإنما سموا القرابة كلالة لأنهم أطافوا ~~بالميت من جوانبه، وليسوا منه، ولا هو منهم، بخلاف الابن، والأب، فإنهما ~~طرفان له، فإذا ذهبا تكلله النسب. وقيل إن الكلالة مأخوذة من الكلال، وهو ~~الإعياء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بعد، وإعياء. وقال ابن ~~الأعرابي إن الكلالة بنو العم الأباعد. وبالجملة فمن قرأ { يورث ~~كللة } بكسر الراء مشددة، وهو بعض الكوفيين، أو مخففة، وهو الحسن، ~~وأيوب جعل الكلالة القرابة. ومن قرأ { يورث } بفتح الراء، وهم الجمهور ~~احتمل أن يكون الكلالة ms0710 الميت، واحتمل أن يكون القرابة. وقد روي عن علي، ~~وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، والشعبي أن الكلالة ما كان سوى ~~الولد، والوالد من الورثة. قال الطبري الصواب أن الكلالة هم الذين يرثون ~~الميت من عدا ولده، ووالده، لصحة خبر جابر فقلت يا رسول الله إنما يرثني ~~كلالة، أفأوصي بمالي كله؟ قال # " لا " # انتهى. وروي عن عطاء أنه قال الكلالة المال. قال ابن العربي وهذا قول ~~ضعيف لا وجه له. وقال صاحب الكشاف إن الكلالة تنطلق على ثلاثة على من لم ~~يخلف ولدا، ولا والدا، وعلى من ليس بولد، ولا والد من المخلفين، وعلى ~~القرابة من غير جهة الولد والوالد. انتهى. قوله { أو امرأة } معطوف ~~على رجل مقيد بما قيد به، أي أو امرأة تورث كلالة. قوله { وله أخ ~~أو أخت } قرأ سعد بن أبي وقاص من أم. وسيأتي ذكر من أخرج ذلك عنه. ~~قال القرطبي أجمع العلماء أن الإخوة ها هنا هم الإخوة لأم قال ولا خلاف ~~بين أهل العلم أن الإخوة للأب، والأم، أو للأب ليس ميراثهم هكذا، فدل ~~إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في قوله تعالى # وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ ~~الأنثيين # النساء 176 هم الإخوة لأبوين، أو لأب، وأفرد الضمير في قوله { وله ~~أخ أو أخت } لأن المراد كل واحد منهما، كما جرت بذلك عادة العرب، ~~إذا ذكروا اسمين مستويين في الحكم، فإنهم قد يذكرون الضمير الراجع إليهما ~~مفردا، كما في قوله تعالى # واستعينوا بالصبر والصلوة وإنها لكبيرة # البقرة 45 وقوله # يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل ~~الله # التوبة 34. وقد يذكرونه مثنى، كما في قوله # إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما # النساء 135. وقد قدمنا في هذا كلاما أطول من المذكور هنا. # قوله { فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فى ~~الثلث } الإشارة بقوله «من ذلك» إلى قوله { وله أخ أو أخت ~~} أي أكثر من الأخ المنفرد، أو الأخت المنفردة بواحد، وذلك بأن يكون ~~الموجود اثنين فصاعدا، ذكرين أو أنثيين، ms0711 أو ذكرا، وأنثى. وقد استدل ~~بذلك على أن الذكر، كالأنثى من الإخوة لأم لأن الله شرك بينهم في الثلث، ~~ولم يذكر فضل الذكر على الأنثى، كما ذكره في البنين، والإخوة لأبوين، أو ~~لأب. قال القرطبي وهذا إجماع. ودلت الآية على أن الإخوة لأم إذا استكملت ~~بهم المسألة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين، أو لأب، وذلك في المسألة ~~المسماة بالحمارية، وهي إذا تركت الميتة زوجا وأما وأخوين لأم، وإخوة ~~لأبوين، فإن للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوين لأم الثلث، ولا شيء ~~للإخوة لأبوين. ووجه ذلك أنه قد وجد الشرط الذي يرث عنده الإخوة من الأم، ~~وهو كون الميت كلالة، ويؤيد هذا حديث # " ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي، فلأولي رجل ذكر " # وهو في الصحيحين، وغيرهما، وقد قررنا دلالة الآية، والحديث على ذلك في ~~الرسالة التي سميناها «المباحث الدرية في المسألة الحمارية». وفي هذه ~~المسألة خلاف بين الصحابة، فمن بعدهم معروف. قوله { من بعد وصية ~~يوصى بها أو دين } الكلام فيه، كما تقدم. قوله { غير مضار ~~} أي يوصي حال كونه غير مضار لورثته بوجه من وجوه الضرار، كأن يقر بشيء ~~ليس عليه، أو يوصي بوصية لا مقصد له فيها إلا الإضرار بالورثة. أو يوصي ~~لوارث مطلقا، أو لغيره بزيادة على الثلث، ولم تجزه الورثة، وهذا القيد ~~أعني قوله { غير مضار } راجع إلى الوصية، والدين المذكورين، فهو ~~قيد لهما، فما صدر من الإقرارات بالديون، أو الوصايا المنهي عنها له، أو ~~التي لا مقصد لصاحبها إلا المضارة لورثته، فهو باطل مردود لا ينفذ منه ~~شيء، لا الثلث، ولا دونه. قال القرطبي وأجمع العلماء على أن الوصية ~~للوارث لا تجوز. انتهى. وهذا القيد أعني عدم الضرار هو قيد لجميع ما ~~تقدم من الوصية والدين. قال أبو السعود في تفسيره وتخصيص القيد بهذا ~~المقام لما أن الورثة مظنة لتفريط الميت في حقهم. قوله { وصية من ~~الله } نصب على المصدر، أي يوصيكم بذلك وصية من الله كقوله { ~~فريضة من الله } قال ابن عطية يصح أن يعمل فيها مضار. والمعنى ms0712 ~~أن يقع الضرر بها، أو بسببها، فأوقع عليها تجوزا، فتكون { وصية } على ~~هذا مفعولا بها لأن الاسم الفاعل قد اعتمد على ذي الحال، أو لكونه ~~منفيا معنى، وقرأ الحسن " وصية من الله " بالجر على إضافة ~~اسم الفاعل إليها، كقوله يا سارق الليلة أهل الدار. وفي كون هذه الوصية ~~من الله سبحانه دليل على أنه قد وصى عباده بهذه التفاصيل المذكورة ~~الفرائض، وأن كل وصية من عباده تخالفها، فهي مسبوقة بوصية الله، وذلك ~~كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الورثة على بعض، أو المشتملة على الضرار ~~بوجه من الوجوه. # والإشارة بقوله { تلك } إلى الأحكام المتقدمة، وسماها حدودا لكونها ~~لا تجوز مجاوزتها، ولا يحل تعديها { ومن يطع الله ورسوله } ~~في قسمة المواريث، وغيرها من الأحكام الشرعية، كما يفيده عموم اللفظ { ~~فدخله جنت تجرى من تحتها الأنهر } وهكذا قوله { ومن ~~يعص الله ورسوله } قرأ نافع، وابن عامر { ندخله } بالنون، ~~وقرأ الباقون بالياء التحتية. قوله { وله عذاب مهين } أي وله ~~بعد إدخاله النار عذاب لا يعرف كنهه. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، ~~عن جابر قال عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت ما تأمرني أن أصنع ~~في مالي يا رسول الله؟ فنزلت. وقد قدمنا أن سبب النزول سؤال امرأة سعد ~~بن الربيع. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي قال كان أهل ~~الجاهلية لا يورثون الجواري، ولا الضعفاء من الغلمان، لا يرث الرجل من ~~ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، وترك امرأة ~~يقال لها أم كجة، وترك خمس جوار، فأخذ الورثة ماله، فشكت ذلك أم كجة ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية { فإن كن ~~نساء فوق اثنتين } ثم قال في أم كجة { ولهن الربع ~~مما تركتم }. وأخرج سعيد بن منصور، والحاكم، والبيهقي، عن ابن ~~مسعود قال كان عمر بن الخطاب إذا سلك بنا طريقا، فاتبعناه، وجدناه ~~سهلا، وإنه سئل عن امرأة، وأبوين، فقال للمرأة الربع، وللأم ثلث ما بقي، ~~وما بقي فللأب. وأخرج عبد الرزاق، ms0713 والبيهقي، عن زيد بن ثابت نحوه. وأخرج ~~ابن جرير، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس أنه دخل على ~~عثمان، فقال إن الأخوين لا يردان الأم عن الثلث قال الله { فإن كان ~~له إخوة } والأخوان ليس بلسان قومك إخوة، فقال عثمان لا أستطيع أن ~~أرد ما كان قبلي، ومضى في الأمصار، وتوارث به الناس. وأخرج الحاكم ~~والبيهقي في سننه، عن زيد بن ثابت أنه قال إن العرب تسمي الأخوين إخوة. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن ماجه، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن الجارود، والدارقطني، ~~والبيهقي في سننه عن علي قال إنكم تقرؤون هذه الآية { من بعد ~~وصية يوصى بها أو دين } وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قضى بالدين قبل الوصية، وأن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ~~آبائكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } ~~يقول أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة عند الله يوم القيامة ~~لأن الله سبحانه شفع المؤمنين بعضهم في بعض. # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله { ~~أقرب لكم نفعا } قال في الدنيا. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن ~~حميد، والدارمي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في ~~سننه، عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يقرأ " وله أخ أو أخت من ~~أم }. وأخرج البيهقي، عن الشعبي قال ما ورث أحد من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم الإخوة لأم مع الجد شيئا قط، وأخرج ابن أبي حاتم، عن ~~ابن شهاب قال قضى عمر أن ميراث الاخوة لأم بينهم للذكر مثل الأنثى، قال ~~ولا أرى عمر قضي بذلك حتى علمه من رسول الله، ولهذه الآية التي قال الله ~~{ فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فى الثلث }. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وعبد ابن حميد، والنسائي، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي ms0714 حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس قال الإضرار في ~~الوصية من الكبائر، ثم قرأ { غير مضار }. وقد رواه ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، والبيهقي عنه مرفوعا. وفي إسناده عمر بن المغيرة أبو حفص ~~المصيصي. قال أبو القاسم بن عساكر ويعرف بمفتي المساكين، وروى عنه غير ~~واحد من الأئمة، قال فيه أبو حاتم الرازي هو شيخ. وقال وعلي بن المديني ~~هو مجهول لا أعرفه. قال ابن جرير والصحيح الموقوف. انتهى. ورجال إسناد ~~هذا الموقوف رجال الصحيح، فإن النسائي رواه في سننه، عن علي بن حجر، عن ~~علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة عنه. وأخرج أحمد، وعبد بن ~~حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، واللفظ له، والبيهقي عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، ~~فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين ~~سنة، فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة " # ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم { تلك حدود الله } إلى قوله ~~{ عذاب مهين }. وفي إسناده شهر بن حوشب، وفيه مقال معروف. وأخرج ~~ابن ماجه، عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من قطع ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة " # وأخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة مرفوعا. وأخرجه ابن أبي ~~شيبة، وسعيد بن منصور، عن سليمان بن موسى قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فذكر نحوه. # وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أتاه يعوده في مرضه، فقال إن لي مالا كثيرا وليس يرثني ~~إلا ابنة لي أفأتصدق بالثلثين؟ فقال # " لا " # ، قال فالشطر؟ قال # " لا " # ، قال فالثلث؟ قال # " الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر، ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة ~~يتكففون الناس " # وأخرج ابن أبي شيبة، عن معاذ بن جبل قال إن الله ms0715 تصدق عليكم بثلث ~~أموالكم زيادة في حسناتكم يعني الوصية. وفي الصحيحين، عن ابن عباس قال ~~وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " الثلث كثير " # وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عمر قال ذكر عند عمر الثلث في الوصية، فقال ~~الثلث وسط لا بخس ولا شطط. وأخرج ابن أبي شيبة، عن علي قال لأن أوصي ~~بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن ~~أوصي بالثلث، ومن أوصى بالثلث لم يترك. فائدة ورد في الترغيب في تعلم ~~الفرائض وتعليمها ما أخرجه الحاكم، والبيهقي في سننه، عن ابن مسعود قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " تعلموا الفرائض، وعلموه الناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض، ~~وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يقضي بها " # وأخرجاه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " تعلموا الفرائض، وعلموه، فإنه نصف العلم، وإنه ينسى، وهو أول ما ينزع ~~من أمتي " # وقد روي عن عمر، وابن مسعود، وأنس آثار في الترغيب في الفرائض، وكذلك ~~روي عن جماعة من التابعين، ومن بعدهم. ### || [4.15-18] # لما ذكر سبحانه في هذه السورة الإحسان إلى النساء، وإيصال صدقاتهن ~~إليهن، وميراثهن مع الرجال، ذكر التغليظ عليهن فيما يأتين به من ~~الفاحشة لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف { واللتى } جمع التي ~~بحسب المعنى دون اللفظ، وفيه لغات اللاتي بإثبات التاء، والياء، واللات ~~بحذف الياء، وإبقاء الكسرة لتدل عليها، واللائي بالهمزة والياء، واللاء ~~بكسر الهمزة، وحذف الياء، ويقال في جمع الجمع اللواتي، واللوائي، ~~واللوات، واللواء. والفاحشة الفعلة القبيحة، وهي مصدر كالعافية، ~~والعاقبة، وقرأ ابن مسعود " بالفاحشة ". والمراد بها هنا الزنا خاصة، ~~وإتيانها فعلها، ومباشرتها. والمراد بقوله { من نسائكم } ~~المسلمات، وكذا { منكم } المراد به المسلمون. قوله { فأمسكوهن ~~فى البيوت } كان هذا في أول الإسلام، ثم نسخ بقوله تعالى # الزانية والزانى فاجلدوا # النور 2 وذهب بعض أهل العلم إلى أن الحبس المذكور، وكذلك ms0716 الأذى باقيان ~~مع الجلد، لأنه لا تعارض بينها بل الجمع ممكن. قوله { أو يجعل ~~الله لهن سبيلا } هو ما في حديث عبادة الصحيح من قوله صلى الله ~~عليه وسلم # " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ~~" # الحديث. قوله { واللذان يأتينها منكم } اللذان تثنية ~~الذي، وكان القياس أن يقال اللذيان كرحيان. قال سيبويه حذفت الياء ليفرق ~~بين الأسماء الممكنة، وبين الأسماء المبهمة. وقال أبو علي حذفت الياء ~~تخفيفا. وقرأ ابن كثير " اللذان " بتشديد النون، وهي لغة قريش، وفيه لغة ~~أخرى، وهي " اللذا " بحذف النون. وقرأ الباقون بتخفيف النون. قال سيبويه ~~المعنى، وفيما يتلى عليكم اللذان يأتيانها أي الفاحشة منكم ودخلت الفاء ~~في الجواب، لأن في الكلام معنى الشرط. والمراد باللذان هنا الزاني، ~~والزانية تغليبا، وقيل الآية الأولى في النساء خاصة محصنات وغير محصنات، ~~والثانية في الرجال خاصة، وجاء بلفظ التثنية لبيان صنفي الرجال من أحصن، ~~ومن لم يحصن، فعقوبة النساء الحبس، وعقوبة الرجال الأذى، واختار هذا ~~النحاس، ورواه عن ابن عباس، ورواه القرطبي، عن مجاهد، وغيره، واستحسنه. ~~وقال السدي، وقتادة، وغيرهما الآية الأولى في النساء المحصنات، ويدخل ~~معهن الرجال المحصنون، والآية الثانية في الرجل والمرأة البكرين، ورجحه ~~الطبري، وضعفه النحاس وقال تغليب المؤنث على المذكر بعيد. وقال ابن عطية ~~إن معنى هذا القول تام إلا أن لفظ الآية يقلق عنه وقيل كان الإمساك ~~للمرأة الزانية دون الرجل، فخصت المرأة بالذكر في الإمساك، ثم جمعا في ~~الإيذاء، قال قتادة كانت المرأة تحبس ويؤذيان جميعا. واختلف المفسرون في ~~تفسير الأذى، فقيل التوبيخ، والتعيير، وقيل السب، والجفاء من دون تعيير، ~~وقيل النيل باللسان، والضرب بالنعال، وقد ذهب قوم إلى أن الأذى منسوخ ~~كالحبس. # وقيل ليس بمنسوخ كما تقدم في الحبس. قوله { فإن تابا } أي من ~~الفاحشة { وأصلحا } العمل فيما بعد { فأعرضوا عنهما } أي ~~اتركوهما وكفوا عنهما الأذى وهذا كان قبل نزول الحدود على ما تقدم من ~~الخلاف. قوله { إنما التوبة على الله } استئناف لبيان أن ~~التوبة ليست بمقبولة ms0717 على الاطلاق، كما ينبىء عنه قوله { توابا ~~رحيما } بل إنما تقبل من البعض دون البعض، كما بينه النظم القرآني ها ~~هنا، فقوله { إنما التوبة } مبتدأ خبره قوله { للذين ~~يعملون السوء بجهلة }. وقوله { على الله } متعلق بما ~~تعلق به الخبر من الاستقرار، أو متعلق بمحذوف وقع حالا عند من يجوز ~~تقديم الحال التي هي ظرف على عاملها المعنوي. وقيل المعنى إنما التوبة ~~على فضل الله ورحمته بعباده. وقيل المعنى إنما التوبة واجبة على الله، ~~وهذا على مذهب المعتزلة لأنهم يوجبون على الله عز وجل واجبات من جملتها ~~قبول توبة التائبين. وقيل على هنا بمعنى عند، وقيل بمعنى من. وقد اتفقت ~~الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين لقوله تعالى # وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون # النور 31 وذهب الجمهور إلى أنها تصح من ذنب دون ذنب خلافا للمعتزلة، ~~وقيل إن قوله { على الله } هو الخبر. وقوله { للذين ~~يعملون } متعلق بما تعلق به الخبر، أو بمحذوف وقع حالا. والسوء هنا ~~العمل السيىء. وقوله { بجهالة } متعلق بمحذوف وقع صفة أو حالا، أي ~~يعملونها متصفين بالجهالة، أو جاهلين. وقد حكى القرطبي، عن قتادة أنه قال ~~أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية، فهي بجهالة ~~عمدا كانت أو جهلا. وحكى عن الضحاك، ومجاهد أن الجهالة هنا العمد، وقال ~~عكرمة أمور الدنيا كلها جهالة، ومنه قوله تعالى # إنما الحيوة الدنيا لعب ولهو # محمد 36 وقال الزجاج معناه بجهالة اختيارهم اللذة الفانية على اللذة ~~الباقية. وقيل معناه أنهم لا يعلمون كنه العقوبة، ذكره ابن فورك، وضعفه ~~ابن عطية. قوله { ثم يتوبون من قريب } معناه قبل أن يحضرهم ~~الموت، كما يدل عليه قوله { حتى إذا حضر أحدهم الموت } ~~وبه قال أبو مجلز، والضحاك، وعكرمة، وغيرهم، والمراد قيل المعاينة ~~للملائكة، وغلبة المرء على نفسه، و «من» في قوله { من قريب } ~~للتبعيض، أي يتوبون بعض زمان قريب، وهو ما عدا وقت حضور الموت. وقيل ~~معناه قبل المرض، وهو ضعيف، بل باطل لما قدمنا، ولما أخرجه ms0718 أحمد، ~~والترمذي، وحسنه، وابن ماجه، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب، عن ابن ~~عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " # وقيل معناه يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار. # قوله { فأولئك يتوب الله عليهم } هو وعد منه سبحانه ~~بأنه يتوب عليهم بعد بيانه أن التوبة لهم مقصورة عليهم. وقوله { ~~وليست التوبة للذين يعملون السيئت } تصريح ~~بما فهم من حصر التوبة فيما سبق على من عمل السوء بجهالة، ثم تاب من ~~قريب. قوله { حتى إذا حضر أحدهم الموت } " حتى " حرف ~~ابتداء، والجملة المذكورة بعدها غاية لما قبلها، وحضور الموت حضور ~~علاماته، وبلوغ المريض إلى حالة السياق، ومصيره مغلوبا على نفسه مشغولا ~~بخروجها من بدنه، وهو وقت الغرغرة المذكورة في الحديث السابق، وهي بلوغ ~~روحه حلقومه، قاله الهروي. وقوله { قال إنى تبت الآن } أي وقت ~~حضور الموت. قوله { ولا الذين يموتون وهم كفار } معطوف ~~على الموصول في قوله { للذين يعملون السيئت } أي ليست ~~التوبة لأولئك، ولا للذين يموتون، وهم كفار مع أنه لا توبة لهم رأسا، ~~وإنما ذكروا مبالغة في بيان عدم قبول توبة من حضرهم الموت، وأن وجودها ~~كعدمها. وقد أخرج البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن ~~عباس في قوله { واللتى يأتين الفحشة } قال كانت المرأة ~~إذا فجرت حبست في البيوت، فإن ماتت ماتت، وإن عاشت عاشت، حتى نزلت الآية ~~في سورة النور # الزانية والزانى فاجلدوا # النور 2 فجعل الله لهن سبيلا. فمن عمل شيئا جلد وأرسل، وقد روى هذا ~~عنه من وجوه، وأخرج أبو داود في سننه عنه، والبيهقي في قوله { ~~واللتى يأتين الفحشة من نسائكم } إلى قوله { ~~سبيلا } ثم جمعهما جميعا، فقال { واللذان يأتينها ~~منكم فئاذوهما } ثم نسخ ذلك بآية الجلد، وقد قال بالنسخ جماعة ~~من التابعين، أخرجه أبو داود، والبيهقي، عن مجاهد، وأخرجه عبد بن حميد، ~~وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة. وأخرجه البيهقي ~~في سننه، عن الحسن. وأخرجه ابن أبي ms0719 حاتم، عن سعيد بن جبير. وأخرجه ابن ~~جرير عن السدي. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في ~~سننه، عن ابن عباس في قوله { واللذان يأتينها منكم } قال ~~كان الرجل إذا زنا أوذي بالتعيير، وضرب بالنعال، فأنزل الله بعد هذه ~~الآية # الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة # النور 2 فإن كانا محصنين رجما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد { ~~واللذان يأتينها منكم } قال الرجلان الفاعلان. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عن سعيد بن جبير { واللذان يأتينها منكم } ~~يعني البكرين. وأخرج ابن جرير، عن عطاء قال الرجل، والمرأة. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله { إنما ~~التوبة على الله } الآية قال هذه للمؤمنين وفي قوله { ~~وليست التوبة للذين يعملون السيئت } قال هذه ~~لأهل النفاق { ولا الذين يموتون وهم كفار } قال هذه ~~لأهل الشرك. # وأخرج ابن جرير، عن الربيع مثله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة ~~قال اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عصى به، فهو ~~جهالة عمدا كان أو غيره. وأخرج عبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~عن أبي العالية أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون كل ذنب ~~أصابه عبد، فهو جهالة. وأخرج ابن جرير من طريق الكلبي، عن أبي عن صالح، ~~عن ابن عباس في قوله { إنما التوبة على الله } الآية، قال ~~من عمل السوء، فهو جاهل من جهالته عمل السوء { ثم يتوبون من ~~قريب } قال في الحياة، والصحة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال ~~القريب ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، والبيهقي في الشعب، عن الضحاك قال كل شيء قبل الموت، فهو قريب له ~~التوبة ما بينه وبين أن يعاين ملك الموت، فإذا تاب حين ينظر إلى ملك ~~الموت، فليس له ذلك. وأخرج ابن ms0720 أبي حاتم، عن الحسن قال القريب ما لم ~~يغرغر. وقد وردت أحاديث كثيرة في قبول توبة العبد ما لم يغرغر، ذكرها ابن ~~كثير في تفسيره، ومنها الحديث الذي قدمنا ذكره. ### || [4.19-22] # هذا متصل بما تقدم من ذكر الزوجات، والمقصود نفي الظلم عنهن، والخطاب ~~للأولياء، ومعنى الآية يتضح بمعرفة سبب نزولها، وهو ما أخرجه البخاري، ~~وغيره، عن ابن عباس في قوله { يأيها الذين ءامنوا لا ~~يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } قال كانوا إذا مات ~~الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، ~~وإن شاؤوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت. وفي لفظ لأبي داود ~~عنه في هذه الآية كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى يموت، أو ~~ترد إليه صداقها. وفي لفظ لابن جرير، وابن أبي حاتم عنه فإن كانت جميلة ~~تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت، فيرثها. وقد روي هذا السبب ~~بألفاظ، فمعنى قوله { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ~~} أي لا يحل لكم أن تأخذوهن بطريق الإرث، فتزعمون أنكم أحق بهن من غيركم، ~~وتحبسونهن لأنفسكم { ولا } يحل لكم أن { تعضلوهن } عن أن يتزوجن ~~غيركم لتأخذوا ميراثهن إذا متن، أو ليدفعن إليكم صداقهن إذا أذنتم لهن ~~بالنكاح. قال الزهري، وأبو مجلز كان من عاداتهم إذا مات الرجل، وله زوجة ~~ألقى ابنه من غيرها، أو أقرب عصبته ثوبه على المرأة، فيصير أحق بها من ~~نفسها، ومن أوليائها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها ~~الميت، وإن شاء زوجها من غيره، وأخذ صداقها، ولم يعطها شيئا، وإن شاء ~~عضلها لتفتدي منه بما ورثت من الميت، أو تموت، فيرثها، فنزلت الآية. وقيل ~~الخطاب لأزواج النساء إذا حبسوهن مع سوء العشرة طمعا في إرثهن، أو ~~يفتدين ببعض مهورهن، واختاره ابن عطية. قال ودليل ذلك قوله { إلا أن ~~يأتين بفاحشة } إذا أتت بفاحشة، فليس للولي حبسها حتى تذهب ~~بمالها إجماعا من الأمة، وإنما ذلك للزوج. قال الحسن إذا زنت البكر، ~~فإنها تجلد مائة ms0721 وتنفى، وترد إلى زوجها ما أخذت منه. وقال أبو قلابة إذا ~~زنت امرأة الرجل، فلا بأس أن يضارها، ويشق عليها حتى تفتدى منه. وقال ~~السدي إذا فعلن ذلك، فخذوا مهورهن. وقال قوم الفاحشة البذاءة باللسان، ~~وسوء العشرة قولا وفعلا. وقال مالك، وجماعة من أهل العلم للزوج أن يأخذ ~~من الناشز جميع ما تملك. هذا كله على أن الخطاب في قوله { ولا ~~تعضلوهن } للأزواج، وقد عرفت مما قدمنا في سبب النزول أن الخطاب ~~في قوله { ولا تعضلوهن } لمن خوطب بقوله { لا يحل لكم ~~أن ترثوا النساء كرها } فيكون المعنى ولا يحل لكم أن تمنعوهن ~~من الزواج { لتذهبوا ببعض ما ءاتيتموهن } أي ما آتاهن ~~من ترثونه { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } جاز لكم ~~حبسهن عن الأزواج، ولا يخفى ما في هذا من التعسف مع عدم جواز حبس من أتت ~~بفاحشة عن أن تتزوج، وتستعف من الزنا، وكما أن جعل قوله { ولا ~~تعضلوهن } خطابا للأولياء فيه هذا التعسف، كذلك جعل قوله { لا ~~يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } خطابا للأزواج فيه ~~تعسف ظاهر مع مخالفته لسبب نزول الآية الذي ذكرناه، والأولى أن يقال إن ~~الخطاب في قوله { لا يحل لكم } للمسلمين، أي لا يحل لكم معاشر ~~المسلمين أن ترثوا النساء كرها، كما كانت تفعله الجاهلية، ولا يحل لكم ~~معاشر المسلمين أن تعضلوا أزواجكم، أي تحبسوهن عندكم مع عدم رغوبكم ~~فيهن، بل لقصد أن تذهبوا ببعض ما آتيتموهن من المهر يفتدين به من ~~الحبس، والبقاء تحتكم، وفي عقدتكم مع كراهتكم لهن { إلا أن ~~يأتين بفاحشة مبينة } جاز لكم مخالعتهن ببعض ما ~~آتيتموهن. # قوله { مبينة } قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص، وحمزة، ~~والكسائي بكسر الياء. وقرأ الباقون بفتحها. وقرأ ابن عباس " مبينة ~~" بكسر الباء، وسكون الياء من أبان الشيء، فهو مبين. قوله { ~~وعاشروهن بالمعروف } أي بما هو معروف في هذه الشريعة، وبين ~~أهلها من حسن المعاشرة، وهو خطاب للأزواج، أو لما هو أعم، وذلك يختلف ~~باختلاف الأزواج في الغنى، والفقر، والرفاعة، والوضاعة { فإن ~~كرهتموهن ms0722 } لسبب من الأسباب من غير ارتكاب فاحشة، ولا نشوز { ~~فعسى } أن يؤول الأمر إلى ما تحبونه من ذهاب الكراهة، وتبدلها ~~بالمحبة، فيكون في ذلك خير كثير من استدامة الصحبة، وحصول الأولاد، فيكون ~~الجزاء على هذا محذوفا مدلولا عليه بعلته، أي فإن كرهتموهن، فاصبروا { ~~فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا ~~كثيرا }. قوله { وآتيتم إحداهن قنطارا } قد تقدم بيانه في آل عمران، ~~والمراد به هنا المال الكثير، فلا تأخذوا منه شيئا. قيل هي محكمة، وقيل ~~هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة # ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله # البقرة 229 والأولى أن الكل محكم، والمراد هنا غير المختلعة لا يحل ~~لزوجها أن يأخذ مما آتاها شيئا. قوله { أتأخذونه بهتنا ~~وإثما مبينا } الاستفهام للإنكار والتقريع. والجملة مقررة للجملة ~~الأولى المشتملة على النهي. وقوله { وكيف تأخذونه } إنكار بعد ~~إنكار مشتمل على العلة التي تقتضي منع الأخذ، وهي الإفضاء. قال الهروي ~~وهو إذا كانا في لحاف واحد، جامع، أو لم يجامع، وقال الفراء الإفضاء، أن ~~يخلو الرجل والمرأة، وإن لم يجامعها. وقال ابن عباس، ومجاهد، والسدي ~~الإفضاء في هذه الآية الجماع وأصل الإفضاء في اللغة المخالطة، يقال للشيء ~~المختلط فضا، ويقال القوم فوضى وفضا، أي مختلطون لا أمير عليهم. # قوله { وأخذن منكم ميثقا غليظا } معطوف على الجملة التي ~~قبله، أي والحال أن قد أفضى بعضكم إلى بعض، وقد أخذن منكم ميثاقا ~~غليظا، وهو عقد النكاح، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # " فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله " # وقيل هو قوله تعالى # فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن # البقرة 229 وقيل هو الأولاد. قوله { ولا تنكحوا ما نكح ~~ءاباؤكم من النساء } نهى عما كانت عليه الجاهلية من نكاح نساء ~~آبائهم إذا ماتوا، وهو شروع في بيان من يحرم نكاحه من النساء ومن لا ~~يحرم. ثم بين سبحانه وجه النهي عنه، فقال { إنه كان فحشة ~~ومقتا وساء سبيلا } هذه الصفات الثلاث تدل على أنه من أشد ~~المحرمات وأقبحها، ms0723 وقد كانت الجاهلية تسميه نكاح المقت. قال ثعلب سألت ~~ابن الأعرابي، عن نكاح المقت، فقال هو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا ~~طلقها، أو مات عنها، ويقال لهذا الضيزن، وأصل المقت البغض، من مقته يمقته ~~مقتا، فهو ممقوت، ومقيت. قوله { إلا ما قد سلف } هو استثناء ~~منقطع أي لكن ما قد سلف فاجتنبوه ودعوه، وقيل إلا بمعنى بعد، أي بعد ما ~~سلف. وقيل المعنى ولا ما سلف، وقيل هو استثناء متصل من قوله { ما نكح ~~ءاباؤكم } يفيد المبالغة في التحريم بإخراج الكلام مخرج التعلق ~~بالمحال، يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف، فانكحوا، فلا يحل لكم ~~غيره. قوله { وساء سبيلا } هي جارية مجرى بئس في الذم، والعمل، ~~والمخصوص بالذم محذوف، أي ساء سبيلا سبيل ذلك النكاح. وقيل إنها جارية ~~مجرى سائر الأفعال، وفيها ضمير يعود إلى ما قبلها. وقد أخرج النسائي، ~~وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال لما توفي أبو ~~قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وقد كان لهم ذلك في الجاهلية، ~~فأنزل الله { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها }. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة قال نزلت هذه الآية في كبيشة بنت ~~معمر بن معن بن عاصم من الأوس كانت عند أبي قيس بن الأسلت، فتوفي عنها، ~~فجنح عليها ابنه، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت لا أنا ورثت ~~زوجي، ولا أنا تركت، فأنكح، فنزلت هذه الآية. وأخرج عبد الرزاق، وابن ~~جرير، وابن المنذر، عن عبد الرحمن بن البيلماني في قوله { لا يحل ~~لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن } قال نزلت ~~هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام. قال ابن ~~المبارك { أن ترثوا النساء كرها } في الجاهلية، { ولا تعضلوهن ~~} في الإسلام. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن أبي مالك في قوله { ~~ولا تعضلوهن } قال لا تضر بامرأتك لتفتدي منك. # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد { ولا تعضلوهن ms0724 } يعني ~~أن ينكحن أزواجهن كالعضل في سورة البقرة. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد قال ~~كان العضل في قريش بمكة ينكح الرجل المرأة الشريفة، فلعلها لا توافقه، ~~فيفارقها على ألا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود، فيكتب ذلك عليها، ~~ويشهد، فإذا خطبها خاطب، فإن أعطته، وأرضته أذن لها، وإلا عضلها، وقد ~~قدمنا عن ابن عباس في بيان السبب ما عرفت. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس ~~في قوله { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قال البغض، ~~والنشوز، فإذا فعلت ذلك، فقد حل له منها الفدية. وأخرج عبد بن حميد، عن ~~قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير، عن ~~الحسن قال الفاحشة هنا الزنا. وأخرج ابن جرير، عن أبي قلابة، وابن سيرين ~~نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي، في قوله { ~~وعاشروهن بالمعروف } قال خالطوهن. قال ابن جرير صحفه بعض ~~الرواة، وإنما هو خالقوهن. وأخرج ابن المنذر، عن عكرمة قال حقها عليك ~~الصحبة الحسنة، والكسوة، والرزق المعروف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل { ~~وعاشروهن بالمعروف } يعني صحبتهن بالمعروف { فإن ~~كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا } فيطلقها، فتتزوج من ~~بعده رجلا، فيجعل الله له منها ولدا، ويجعل الله في تزويجها خيرا ~~كثيرا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال الخير الكثير أن ~~يعطف عليها، فترزق ولدها، ويجعل الله في ولدها خيرا كثيرا. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن نحو ما ~~قال مقاتل. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { وإن ~~أردتم استبدال زوج } الآية، قال إن كرهت امرأتك، وأعجبك ~~غيرها، فطلقت هذه، وتزوجت تلك، فأعط هذه مهرها، وإن كان قنطارا. وأخرج ~~سعيد بن منصور، وأبو يعلى. قال السيوطي بسند جيد أن عمر نهى الناس أن ~~يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فاعترضت له امرأة من قريش ~~فقالت أما سمعت ما أنزل الله يقول { وآتيتم إحداهن قنطارا } فقال اللهم ~~غفرا كل الناس أفقه من ms0725 عمر، فركب المنبر، فقال يا أيها الناس إني كنت ~~نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي ~~من ماله ما أحب. قال أبو يعلى وأظنه قال فمن طابت نفسه، فليفعل. قال ابن ~~كثير إسناده جيد قوي، وقد رويت هذه القصة بألفاظ مختلفة، هذا أحدها. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال الإفضاء هو ~~الجماع، ولكن الله يكني. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله { وأخذن منكم ~~ميثقا غليظا } قال الغليظ إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. # وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة نحوه، وقال وقد ~~كان ذلك يؤخذ عند عقد النكاح آلله عليك لتمسكن بمعروف، أو لتسرحن ~~بإحسان. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن ابن أبي مليكة أن ابن عمر ~~كان إذا نكح قال أنكحتك على ما أمر الله به، إمساك بمعروف، أو تسريح ~~بإحسان. وأخرج ابن أبي شيبة، عن أنس بن مالك نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عكرمة، ومجاهد في قوله { ~~وأخذن منكم ميثقا غليظا } قال أخذتموهن بأمانة الله، ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال هو ~~قول الرجل ملكت. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد ~~قال كلمة النكاح التي تستحل بها فروجهن. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والطبراني، والبيهقي في سننه في قوله تعالى { ولا تنكحوا ما ~~نكح ءاباؤكم من النساء } أنها نزلت لما أراد ابن أبي قيس بن ~~الأسلت أن يتزوج امرأة أبيه بعد موته. وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك { ~~إلا ما قد سلف } إلا ما كان في الجاهلية. وأخرج عبد الرزاق، ~~وابن أبي شيبة، وأحمد، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن البراء قال ~~لقيت خالي، ومعه الراية قلت أين تريد؟ قال بعثني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى رجل تزوج ms0726 امرأة أبيه من بعده، فأمرني أن أضرب عنقه، وآخذ ماله. ### || [4.23-28] # قوله { حرمت عليكم أمهتكم } أي نكاحهن، وقد بين الله ~~سبحانه في هذه الآية ما يحل، وما يحرم من النساء، فحرم سبعا من النسب، ~~وستا من الرضاع، والصهر، وألحقت السنة المتواترة تحريم الجمع بين المرأة ~~وعمتها، وبين المرأة وخالتها، ووقع عليه الإجماع. فالسبع المحرمات من ~~النسب الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات ~~الأخت. والمحرمات بالصهر، والرضاع الأمهات من الرضاعة، والأخوات من ~~الرضاعة، وأمهات النساء، والربائب، وحلائل الأبناء، والجمع بين الأختين، ~~فهؤلاء ست، والسابعة منكوحات الآباء، والثامنة الجمع بين المرأة وعمتها. ~~قال الطحاوي وكل هذا من المحكم المتفق عليه، وغير جائز نكاح واحدة منهن ~~بالإجماع إلا أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن أزواجهن، فإن جمهور ~~السلف ذهبوا إلى أن الأم تحرم بالعقد على الابنة، ولا تحرم الابنة إلا ~~بالدخول بالأم. وقال بعض السلف الأم، والربيبة سواء لا تحرم منهما واحدة ~~إلا بالدخول بالأخرى. قالوا ومعنى قوله { وأمهت نسائكم } أي ~~اللاتي دخلتم بهن، وزعموا أن قيد الدخول راجع إلى الأمهات، والربائب ~~جميعا، رواه خلاس عن علي بن أبي طالب. وروى عن ابن عباس، وجابر، وزيد ~~بن ثابت، وابن الزبير، ومجاهد، قال القرطبي ورواية خلاس عن علي لا تقوم ~~بها حجة، ولا تصح روايته عند أهل الحديث، والصحيح عنه مثل قول الجماعة. ~~وقد أجيب عن قولهم إن قيد الدخول راجع إلى الأمهات، والربائب بأن ذلك لا ~~يجوز من جهة الإعراب، وبيانه أن الخبرين إذا اختلفا في العامل لم يكن ~~نعتهما واحدا، فلا يجوز عند النحويين مررت بنسائك، وهويت نساء زيد ~~الظريفات، على أن يكون الظريفات نعتا للجميع، فكذلك في الآية لا يجوز أن ~~يكون اللاتي دخلتم بهن نعتا لهما جميعا لأن الخبرين مختلفان. قال ابن ~~المنذر والصحيح قول الجمهور لدخول جميع أمهات النساء في قوله { ~~وأمهت نسائكم }. ومما يدل على ما ذهب إليه الجمهور ما أخرجه ~~عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في سننه من ~~طريقين عن ms0727 عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال # " إذا نكح الرجل المرأة، فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالإبنة أو لم ~~يدخل، وإذا تزوج الأم، فلم يدخل بها، ثم طلقها، فإن شاء تزوج الإبنة " # قال ابن كثير في تفسيره مستدلا للجمهور وقد روي في ذلك خبر غير أن في ~~إسناده نظرا، فذكر هذا الحديث، ثم قال، وهذا الخبر، وإن كان في إسناده ~~ما فيه، فإن إجماع الحجة على صحة القول به يغني عن الاستشهاد على صحته ~~بغيره، قال في الكشاف وقد اتفقوا على أن تحريم أمهات النساء مبهم دون ~~تحريم الربائب على ما عليه ظاهر كلام الله تعالى. # انتهى. ودعوى الإجماع مدفوعة بخلاف من تقدم. واعلم أنه يدخل في لفظ ~~الأمهات أمهاتهن، وجداتهن، وأم الأب، وجداته، وإن علون لأن كلهن ~~أمهات لمن ولده من ولدته، وإن سفل. ويدخل في لفظ البنات بنات الأولاد، ~~وإن سفلن، والأخوات تصدق على الأخت لأبوين، أو لأحدهما، والعمة اسم لكل ~~أنثى شاركت أباك، أو جدك في أصليه، أو أحدهما. وقد تكون العمة من جهة ~~الأم وهي أخت أب الأم. والخالة اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها أو في ~~أحدهما، وقد تكون الخالة من جهة الأب، وهي أخت أم أبيك، وبنت الأخ اسم ~~لكل أنثى لأخيك عليها ولادة بواسطة ومباشرة وإن بعدت، وكذلك بنت الأخت. ~~قوله { وأمهتكم اللاتى أرضعنكم } هذا مطلق مقيد بما ~~ورد في السنة من كون الرضاع في الحولين إلا في مثل قصة إرضاع سالم مولى ~~أبي حذيفة، وظاهر النظم القرآني أنه يثبت حكم الرضاع بما يصدق عليه مسمى ~~الرضاع لغة وشرعا، ولكنه قد ورد تقييده بخمس رضعات في أحاديث صحيحة، ~~والبحث عن تقرير ذلك، وتحقيقه يطول، وقد استوفيناه في مصنفاتنا، وقررنا ~~ما هو الحق في كثير من مباحث الرضاع. قوله { وأخوتكم من ~~الرضاعة } الأخت من الرضاع هي التي أرضعتها أمك بلبان أبيك سواء ~~أرضعتها معك، أو مع من قبلك، أو بعدك من الإخوة والأخوات، والأخت ms0728 من الأم ~~هي التي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر. قوله { وأمهت نسائكم } ~~قد تقدم الكلام على اعتبار الدخول، وعدمه. والمحرمات بالمصاهرة أربع أم ~~المرأة، وابنتها، وزوجة الأب، وزوجة الابن. قوله { وربائبكم } ~~الربيبة بنت امرأة الرجل من غيره سميت بذلك لأنه يربيها في حجره، فهي ~~مربوبة فعيلة بمعنى مفعولة. قال القرطبي واتفق الفقهاء على أن الربيبة ~~تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم، وإن لم تكن الربيبة في حجره، وشذ بعض ~~المتقدمين، وأهل الظاهر، فقالوا لا تحرم الربيبة إلا أن تكون في حجر ~~المتزوج، فلو كانت في بلد آخر، وفارق الأم، فله أن يتزوج بها وقد روي ذلك ~~عن علي. قال ابن المنذر، والطحاوي لم يثبت ذلك عن علي لأن راويه ~~إبراهيم بن عبيد، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن علي، وإبراهيم هذا لا ~~يعرف. وقال ابن كثير في تفسيره بعد إخراج هذا عن علي وهذا إسناد قوي ثابت ~~إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم. والحجور جمع حجر. والمراد أنهن في ~~حضانة أمهاتهن تحت حماية أزواجهن، كما هو الغالب. وقيل المراد بالحجور ~~البيوت، أي في بيوتكم، حكاه الأثرم عن أبي عبيدة. قوله { فإن لم ~~تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم } أي في نكاح ~~الربائب، وهو تصريح بما دل عليه مفهوم ما قبله. # وقد اختلف أهل العلم في معنى الدخول الموجب لتحريم الربائب فروي عن ابن ~~عباس أنه قال الدخول الجماع، وهو قول طاوس، وعمرو بن دينار، وغيرهما. ~~وقال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والليث، والزيدية إن الزوج ~~إذا لمس الأم لشهوة حرمت عليه ابنتها، وهو أحد قولي الشافعي. قال ابن ~~جرير الطبري وفي إجماع الجميع أن خلوة الرجل بامرأته لا تحرم ابنتها ~~عليه إذا طلقها قبل مسيسها، ومباشرتها، وقبل النظر إلى فرجها بالشهوة ما ~~يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع. انتهى. وهكذا حكى الاجماع ~~القرطبي، فقال وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها، أو ~~ماتت قبل أن يدخل بها حل له نكاح ms0729 ابنتها. واختلفوا في النظر، فقال مالك ~~إذا نظر إلى شعرها، أو صدرها، أو شيء من محاسنها للذة حرمت عليه أمها، ~~وابنتها. وقال الكوفيون إذا نظر إلى فرجها للشهوة كان بمنزلة اللمس ~~للشهوة، وكذا قال الثوري، ولم يذكر الشهوة. وقال ابن أبي ليلى لا تحرم ~~بالنظر حتى يلمس، وهو قول الشافعي. والذي ينبغي التعويل عليه في مثل هذا ~~الخلاف هو النظر في معنى الدخول شرعا أو لغة، فإن كان خاصا بالجماع، ~~فلا وجه لإلحاق غيره به من لمس، أو نظر، أو غيرهما، وإن كان معناه أوسع ~~من الجماع بحيث يصدق على ما حصل فيه نوع استمتاع كان مناط التحريم هو ~~ذلك. وأما الربيبة في ملك اليمين، فقد روي عن عمر بن الخطاب أنه كره ذلك. ~~وقال ابن عباس أحلتهما آية، وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله. وقال ابن عبد ~~البر لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة، وابنتها من ملك ~~اليمين لأن الله حرم ذلك في النكاح قال { وأمهت نسائكم ~~وربائبكم اللتى فى حجوركم من نسائكم } وملك ~~اليمين عندهم تبع للنكاح إلا ما روي عن عمر، وابن عباس، وليس على ذلك أحد ~~من أئمة الفتوى، ولا من تبعهم. انتهى. قوله { وحلئل أبنائكم ~~} الحلائل جمع حليلة، وهي الزوجة، سميت بذلك لأنها تحل مع الزوج حيث ~~حل، فهي فعيلة بمعنى فاعلة. وذهب الزجاج، وقوم إلى أنها من لفظة الحلال، ~~فهي حليلة بمعنى محللة. وقيل لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه. وقد ~~أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء، وما عقد عليه ~~الأبناء على الآباء سواء كان مع العقد وطء، أو لم يكن، لقوله تعالى { ~~ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء } وقوله { ~~وحلئل أبنائكم }. واختلف الفقهاء في العقد إذا كان فاسدا ~~هل يقتضي التحريم أم لا؟ كما هو مبين في كتب الفروع. قال ابن المنذر أجمع ~~كل من يحفظ عنه العلم من علماء الأمصار أن الرجل إذا وطىء امرأة بنكاح ~~فاسد أنها تحرم على أبيه، وابنه، ms0730 وعلى أجداده. # وأجمع العلماء على أن عقد الشراء على الجارية لا يحرمها على أبيه ~~وابنه، فإذا اشترى جارية فلمس، أو قبل حرمت على أبيه، وابنه لا أعلمهم ~~يختلفون فيه، فوجب تحريم ذلك تسليما لهم. ولما اختلفوا في تحريمها ~~بالنظر دون اللمس لم يجز ذلك لاختلافهم قال ولا يصح عن أحد من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلناه. قوله { الذين من ~~أصلبكم } وصف للأبناء، أي دون من تبنيتم من أولاد غيركم، كما ~~كانوا يفعلونه في الجاهلية، ومنه قوله تعالى # فلما قضى زيد منها وطرا زوجنكها لكى لا ~~يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم ~~إذا قضوا منهن وطرا # الأحزاب 37 ومنه قوله تعالى # وما جعل أدعياءكم أبناءكم # الأحزاب 4 ومنه # ما كان محمد أبا أحد من رجالكم # الأحزاب 40 وأما زوجة الابن من الرضاع، فقد ذهب الجمهور إلى أنها تحرم ~~على أبيه، وقد قيل إنه إجماع مع أن الابن من الرضاع ليس من أولاد الصلب. ~~ووجهه ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " # ولا خلاف أن أولاد الأولاد، وإن سفلوا بمنزلة أولاد الصلب في تحريم نكاح ~~نسائهم على آبائهم. وقد اختلف أهل العلم في وطء الزنا هل يقتضي التحريم ~~أم لا؟ فقال أكثر أهل العلم إذا أصاب رجل امرأة بزنا لم يحرم عليه نكاحها ~~بذلك، وكذلك لا تحرم عليه امرأته إذا زنا بأمها، أو بابنتها، وحسبه أن ~~يقام عليه الحد، وكذلك يجوز له عندهم أن يتزوج بأم من زنى بها، ~~وبابنتها. وقالت طائفة من أهل العلم إن الزنا يقتضي التحريم. حكي ذلك عن ~~عمران بن حصين، والشعبي، وعطاء، والحسن، وسفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، ~~وأصحاب الرأي، وحكي ذلك عن مالك، والصحيح عنه كقول الجمهور. احتج الجمهور ~~بقوله تعالى { وأمهت نسائكم } وبقوله { وحلئل ~~أبنائكم } والموطوءة بالزنا لا يصدق عليها أنها من نسائهم، ولا من ~~حلائل أبنائهم. وقد أخرج الدارقطني عن عائشة قالت «سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ms0731 عن رجل زنى بامرأة، فأراد أن يتزوجها، أو ابنتها، فقال # " لا يحرم الحرام الحلال " # واحتج المحرمون بما روي في قصة جريج الثابتة في الصحيح أنه قال يا غلام ~~من أبوك؟ فقال فلان الراعي، فنسب الابن نفسه إلى أبيه من الزنا، وهذا ~~احتجاج ساقط، واحتجوا أيضا بقوله # " لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة، وابنتها " # ولم يفصل بين الحلال والحرام. ويجاب عنه بأن هذا مطلق مقيد بما ورد من ~~الأدلة الدالة على أن الحرام لا يحرم الحلال. # واختلفوا في اللواط هل يقتضي التحريم أم لا؟ فقال الثوري إذا لاط ~~بالصبي حرمت عليه أمه، وهو قول أحمد بن حنبل قال إذا تلوط بابن امرأته، ~~أو أبيها، أو أخيها حرمت عليه امرأته. وقال الأوزاعي إذا لاط بغلام وولد ~~للمفجور به بنت لم يجز للفاجر أن يتزوجها لأنها بنت من قد دخل به. ولا ~~يخفى ما في قول هؤلاء من الضعف، والسقوط النازل، عن قول القائلين بأن وطء ~~الحرام يقتضي التحريم بدرجات لعدم صلاحية ما تمسك به أولئك من الشبه على ~~ما زعمه هؤلاء من اقتضاء اللواط للتحريم. قوله { وأن تجمعوا ~~بين الأختين } أي وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين، فهو في محل ~~رفع عطفا على المحرمات السابقة، وهو يشمل الجمع بينهما بالنكاح، والوطء ~~بملك اليمين. وقيل إن الآية خاصة بالجمع في النكاح لا في ملك اليمين، ~~وأما في الوطء بالملك، فلا حق بالنكاح، وقد أجمعت الأمة على منع جمعهما ~~في عقد نكاح. واختلفوا في الأختين بملك اليمين، فذهب كافة العلماء إلى ~~أنه لا يجوز الجمع بينهما في الوطء بالملك، وأجمعوا على أنه يجوز الجمع ~~بينهما في الملك فقط. وقد توقف بعض السلف في الجمع بين الأختين في الوطء ~~بالملك، وسيأتي بيان ذلك. واختلفوا في جواز عقد النكاح على أخت الجارية ~~التي توطأ بالملك. فقال الأوزاعي إذا وطىء جارية له بملك اليمين لم يجز ~~له أن يتزوج أختها. وقال الشافعي ملك اليمين لا يمنع نكاح الأخت. وقد ~~ذهبت الظاهرية إلى جواز الجمع ms0732 بين الأختين بملك اليمين في الوطء، كما ~~يجوز الجمع بينهما في الملك. قال ابن عبد البر بعد أن ذكر ما روي عن ~~عثمان بن عفان من جواز الجمع بين الأختين في الوطء بالملك وقد روي مثل ~~قول عثمان عن طائفة من السلف منهم ابن عباس، ولكنه اختلف عليهم، ولم ~~يلتفت إلى ذلك أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز، ولا بالعراق، ولا ما وراءها ~~من المشرق، ولا بالشام، ولا المغرب إلا من شذ، عن جماعتهم باتباع ~~الظاهر، ونفي القياس. وقد ترك من تعمد ذلك. وجماعة الفقهاء متفقون على ~~أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، كما لا يحل ذلك في ~~النكاح. وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله { حرمت عليكم ~~أمهتكم وبنتكم وأخوتكم } إلى آخر الآية، أن ~~النكاح بملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء. فكذلك يجب أن يكون قياسا ~~ونظرا الجمع بين الأختين، وأمهات النساء، والربائب، وكذا هو عند ~~جمهورهم، وهي الحجة المحجوج بها من خالفها، وشذ عنها، والله المحمود. ~~انتهى. وأقول ها هنا إشكال، وهو أنه قد تقرر أن النكاح يقال على العقد ~~فقط، وعلى الوطء فقد، والخلاف في كون أحدهما حقيقة والآخر مجازا، أو ~~كونهما حقيقتين معروف، فإن حملنا هذا التحريم المذكور في هذه الآية، وهي ~~قوله { حرمت عليكم أمهتكم } إلى آخرها، على أن المراد ~~تحريم العقد عليهن لم يكن في قوله تعالى { وأن تجمعوا بين ~~الأختين } دلالة على تحريم الجمع بين المملوكتين في الوطء بالملك، ~~وما وقع من إجماع المسلمين على أن قوله { حرمت عليكم ~~أمهتكم وبنتكم وأخوتكم } إلى آخره، يستوي فيه ~~الحرائر والإماء والعقد، والملك لا يستلزم أن يكون محل الخلاف، وهو الجمع ~~بين الأختين في الوطء بملك اليمين مثل محل الإجماع، ومجرد القياس في مثل ~~هذا الموطن لا تقوم به الحجة لما يرد عليه من النقوض، وإن حملنا التحريم ~~المذكور في الآية على الوطء فقط لم يصح ذلك للإجماع على تحريم عقد النكاح ~~على جميع المذكورات من أول الآية إلى آخرها، فلم يبق إلا ms0733 حمل التحريم في ~~الآية على تحريم عقد النكاح، فيحتاج القائل بتحريم الجمع بين الأختين في ~~الوطء بالملك إلى دليل، ولا ينفعه أن ذلك قول الجمهور، فالحق لا يعرف ~~بالرجال، فإن جاء به خالصا عن شوب الكدر فبها ونعمت، وإلا كان الأصل ~~الحل، ولا يصح حمل النكاح في الآية على معنييه جميعا أعني العقد والوطء ~~لأنه من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهو ممنوع، أو من باب الجمع بين ~~معنى المشترك، وفيه الخلاف المعروف في الأصول فتدبر هذا. # وقد اختلف أهل العلم إذا كان الرجل يطأ مملوكته بالملك، ثم أراد أن يطأ ~~أختها بالملك، فقال علي، وابن عمر، والحسن البصري، والأوزاعي، والشافعي، ~~وأحمد، وإسحاق لا يجوز له وطء الثانية حتى يحرم فرج الأخرى بإخراجها من ~~ملكه ببيع أو عتق، أو بأن يزوجها. قال ابن المنذر وفيه قول ثان لقتادة، ~~وهو أنه ينوي تحريم الأولى على نفسه وأن لا يقربها، ثم يمسك عنهما حتى ~~تستبرىء المحرمة، ثم يغشى الثانية. وفيه قول ثالث، وهو أنه لا يقرب واحدة ~~منهما، هكذا قال الحكم، وحماد. وروي معنى ذلك عن النخعي. وقال مالك إذا ~~كان عنده أختان بملك فله أن يطأ أيتهما شاء، والكف عن الأخرى موكول إلى ~~أمانته، فإن أراد وطء الأخرى، فيلزمه أن يحرم على نفسه فرج الأولى بفعل ~~يفعله من إخراج عن الملك أو تزويج أو بيع أو عتق أو كتابة أو إخدام طويل، ~~فإن كان يطأ إحداهما، ثم وثب على الأخرى دون أن يحرم الأولى وقف عنهما، ~~ولم يجز له قرب إحداهما حتى يحرم الأخرى، ولم يوكل ذلك إلى أمانته، لأنه ~~متهم. قال القرطبي وقد أجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقا ~~يملك رجعتها أنه ليس له أن ينكح أختها ولا رابعة حتى تنقضي عدة التى ~~طلق. روي ذلك عن علي، وزيد بن ثابت، ومجاهد، وعطاء، والنخعي، والثوري، ~~وأحمد بن حنبل، وأصحاب الرأي. # وقالت طائفة له أن ينكح أختها، وينكح الرابعة لمن كان تحته أربع، وطلق ~~واحدة منهن طلاقا بائنا. ms0734 روي ذلك عن سعيد بن المسيب، والحسن، والقاسم، ~~وعروة بن الزبير، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأبي ثور، وأبي عبيد. قال ابن ~~المنذر ولا أحسبه إلا قول مالك. وهو أيضا إحدى الروايتين عن زيد بن ~~ثابت، وعطاء. قوله { إلا ما قد سلف } يحتمل أن يكون معناه معنى ~~ما تقدم من قوله تعالى { ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من ~~النساء إلا ما قد سلف } ويحتمل معنى آخر، وهو جواز ما سلف ~~وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحا، وإذا جرى في الإسلام ~~خير بين الأختين. والصواب الاحتمال الأول. قوله { والمحصنت ~~من النساء } عطف على المحرمات المذكورات. وأصل التحصن التمنع، ومنه ~~قوله تعالى # لتحصنكم من بأسكم # الأنبياء 80 أي لتمنعكم، ومنه الحصان بكسر الحاء للفرس لأنه يمنع صاحبه ~~من الهلاك. والحصان بفتح الحاء المرأة العفيفة لمنعها نفسها، ومنه قول ~~حسان # حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # والمصدر الحصانة بفتح الحاء. والمراد بالمحصنات هنا ذوات الأزواج. وقد ~~ورد الإحصان في القرآن لمعان، هذا أحدها. والثاني يراد به الحرة، ومنه ~~قوله تعالى # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنت # النساء 25 وقوله # والمحصنت من المؤمنت والمحصنت من ~~الذين أوتوا الكتب من قبلكم # المائدة 5. والثالث يراد به العفيفة ومنه قوله تعالى # محصنت غير مسفحت # النساء 25، # محصنين غير مسفحين # النساء 24، المائدة 5. والرابع المسلمة، ومنه قوله تعالى { فإذا ~~أحصن }. وقد اختلف أهل العلم في تفسير هذه الآية، أعني قوله { ~~والمحصنت من النساء إلا ما ملكت أيمنكم } ~~فقال ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو قلابة، ومكحول، والزهري المراد ~~بالمحصنات هنا المسبيات ذوات الأزواج خاصة، أي هن محرمات عليكم إلا ما ~~ملكت أيمانكم بالسبي من أرض الحرب، فإن تلك حلال، وإن كان لها زوج، وهو ~~قول الشافعي أي أن السباء يقطع العصمة، وبه قال ابن وهب، وابن عبد الحكم، ~~وروياه عن مالك، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. ~~واختلفوا في استبرائها بماذا يكون؟ كما هو مدون في كتب الفروع. وقالت ms0735 ~~طائفة المحصنات في هذه الآية العفائف، وبه قال أبو العالية، وعبيدة ~~السلماني، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعطاء، ورواه عبيدة، عن عمر. ومعنى ~~الآية عندهم كل النساء حرام إلا ما ملكت أيمانكم، أي تملكون عصمتهن ~~بالنكاح، وتملكون الرقبة بالشراء. وحكى ابن جرير الطبري أن رجلا قال ~~لسعيد بن جبير أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية، فلم يقل فيها ~~شيئا؟ فقال كان ابن عباس لا يعلمها. وروى ابن جرير أيضا عن مجاهد أنه ~~قال لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل. # انتهى. ومعنى الآية، والله أعلم واضح لا سترة به، أي وحرمت عليكم ~~المحصنات من النساء، أي المزوجات أعم من أن يكن مسلمات، أو كافرات إلا ~~ما ملكت أيمانكم منهن، أما بسبي، فإنها تحل، ولو كانت ذات زوج، أو ~~بشراء، فإنها تحل، ولو كانت متزوجة، وينفسخ النكاح الذي كان عليها ~~بخروجها عن ملك سيدها الذي زوجها. وسيأتي ذكر سبب نزول الآية إن شاء ~~الله، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقد قرىء { المحصنات } بفتح ~~الصاد وكسرها، فالفتح على أن الأزواج أحصنوهن والكسر على أنهن أحصن ~~فروجهن من غير أزواجهن، أو أحصن أزواجهن. قوله { كتب الله ~~عليكم } منصوب على المصدرية، أي كتب الله ذلك عليكم كتابا. وقال ~~الزجاج، والكوفيون إنه منصوب على الإغراء، أي الزموا كتاب الله، أو عليكم ~~كتاب الله، واعترضه أبو علي الفارسي بأن الإغراء لا يجوز فيه تقديم ~~المنصوب، وهذا الاعتراض إنما يتوجه على قول من قال إنه منصوب بعليكم ~~المذكور في الآية، وروي عن عبيدة السلماني أنه قال إن قوله { كتب ~~الله عليكم } إشارة إلى قوله تعالى # مثنى وثلث ورباع # النساء 3 وهو بعيد، بل هو إشارة إلى التحريم المذكور في قوله { حرمت ~~عليكم } إلى آخر الآية. قوله { وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم } قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص، { وأحل } على ~~البناء للمجهول، وقرأ الباقون على البناء للمعلوم عطفا على الفعل ~~المقدر في قوله { كتب الله عليكم } وقيل على قوله { ~~حرمت ms0736 عليكم } ولا يقدح في ذلك اختلاف الفعلين، وفيه دلالة على ~~أنه يحل لهم نكاح ما سوى المذكورات، وهذا عام مخصوص بما صح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من تحريم الجمع بين المرأة، وعمتها، وبين المرأة وخالتها. ~~وقد أبعد من قال إن تحريم الجمع بين المذكورات مأخوذ من الآية هذه لأنه ~~حرم الجمع بين الأختين، فيكون ما في معناه في حكمه، وهو الجمع بين ~~المرأة، وعمتها، وبين المرأة، وخالتها، وكذلك تحريم نكاح الأمة لمن ~~يستطيع نكاح حرة، كما سيأتي، فإنه يخصص هذا العموم. قوله { أن ~~تبتغوا بأمولكم } في محل نصب على العلة، أي حرم عليكم ما ~~حرم، وأحل لكم ما أحل لأجل أن تبتغوا بأموالكم النساء اللاتي أحلهن ~~الله لكم، ولا تبتغوا بها الحرام، فتذهب حال كونكم { محصنين } أي ~~متعففين عن الزنا { غير مسفحين } أي غير زانين. والسفاح الزنا، ~~وهو مأخوذ من سفح الماء، أي صبه وسيلانه، فكأنه سبحانه أمرهم بأن يطلبوا ~~بأمولهم النساء على وجه النكاح، لا على وجه السفاح وقيل إن قوله { أن ~~تبتغوا بأمولكم } بدل من «ما» في قوله { ما وراء ~~ذلكم } أي وأحل لكم الابتغاء بأموالكم. # والأول أولى، وأراد سبحانه بالأموال المذكورة ما يدفعونه في مهور ~~الحرائر وأثمان الإماء. قوله { فما استمتعتم به منهن ~~فئاتوهن أجورهن } «ما» موصولة فيها معنى الشرط، والفاء في ~~قوله { فئاتوهن } لتضمن الموصول معنى الشرط، والعائد محذوف، أي ~~فآتوهن أجورهن عليه. وقد اختلف أهل العلم في معنى الآية فقال الحسن، ~~ومجاهد، وغيرهما المعنى فما انتفعتم، وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح ~~الشرعي { فآتوهن أجورهن } أي مهورهن. وقال الجمهور إن المراد بهذه الآية ~~نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام، ويؤيد ذلك قراءة أبي بن كعب، وابن ~~عباس، وسعيد بن جبير " فما استمتعتم به منهن إلى ~~أجل مسمى فآتوهن أجورهن } ثم نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، ~~كما صح ذلك من حديث علي قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم، عن نكاح ~~المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، وهو في الصحيحين وغيرهما، ms0737 وفي ~~صحيح مسلم من حديث سبرة بن معبد الجهني، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال يوم فتح مكة # " يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، والله قد ~~حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء، فليخل سبيلها، ولا ~~تأخذوا مما آتيتموهن شيئا " # وفي لفظ لمسلم أن ذلك كان في حجة الوداع، فهذا هو الناسخ. وقال سعيد بن ~~جبير نسختها آيات الميراث إذ المتعة لا ميراث فيها. وقالت عائشة، والقاسم ~~بن محمد تحريمها، ونسخها في القرآن، وذلك قوله تعالى # والذين هم لفروجهم حفظون إلا على أزوجهم ~~أو ما ملكت أيمنهم فإنهم غير ملومين # المؤمنون 5، 6 وليست المنكوحة بالمتعة من أزواجهم، ولا مما ملكت ~~أيمانهم، فإن من شأن الزوجة أن ترث، وتورث، وليست المستمتع بها كذلك. وقد ~~روي عن ابن عباس أنه قال بجواز المتعة، وأنها باقية لم تنسخ. وروي عنه ~~أنه رجع عن ذلك عند أن بلغه الناسخ. وقد قال بجوازها جماعة من الروافض، ~~ولا اعتبار بأقوالهم. وقد أتعب نفسه بعض المتأخرين بتكثير الكلام على هذه ~~المسألة، وتقوية ما قاله المجوزون لها، وليس هذا المقام مقام بيان بطلان ~~كلامه. وقد طولنا البحث، ودفعنا الشبه الباطلة التي تمسك بها المجوزون ~~لها في شرحنا للمنتقي، فليرجع إليه. قوله { فريضة } منتصب على ~~المصدرية المؤكدة، أو على الحال، أي مفروضة. قوله { ولا جناح ~~عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } أي من ~~زيادة، أو نقصان في المهر، فإن ذلك سائغ عند التراضي، هذا عند من قال بأن ~~الآية في النكاح الشرعي، وأما عند الجمهور القائلين بأنها في المتعة، ~~فالمعنى التراضي في زيادة مدة المتعة، أو نقصانها، أو في زيادة ما دفعه ~~إليها إلى مقابل الاستمتاع بها، أو نقصانه. # قوله { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنت المؤمنت } الطول الغنى والسعة، قاله ابن عباس، ~~ومجاهد، وسعيد بن جبير، والسدي، وابن زيد، ومالك، والشافعي، وأحمد، ~~وإسحاق، وأبو ثور، وجمهور أهل العلم. ومعنى الآية فمن لم يستطع منكم غنى، ms0738 ~~وسعة في ماله يقدر بها على نكاح المحصنات المؤمنات، فلينكح من فتياتكم ~~المؤمنات، يقال طال يطول طولا في الإفضال والقدرة، وفلان ذو طول، أي ذو ~~قدرة في ماله. والطول بالضم ضد القصر. وقال قتادة، والنخعي، وعطاء، ~~والثوري إن الطول الصبر. ومعنى الآية عندهم أن من كان يهوى أمة حتى صار ~~لذلك لا يستطيع أن يتزوج غيرها، فإن له أن يتزوجها إذا لم يملك نفسه، ~~وخاف أن يبغي بها، وإن كان يجد سعة في المال لنكاح حرة. وقال أبو حنيفة، ~~وهو مروي عن مالك إن الطول المرأة الحرة، فمن كان تحته حرة لم يحل له ~~أن ينكح الأمة، ومن لم يكن تحته حرة جاز له أن يتزوج أمة، ولو كان غنيا، ~~وبه قال أبو يوسف، واختاره ابن جرير، واحتج له. والقول الأول هو المطابق ~~لمعنى الآية، ولا يخلو ما عداه عن تكلف، فلا يجوز للرجل أن يتزوج بالأمة ~~إلا إذا كان لا يقدر على أن يتزوج بالحرة لعدم وجود ما يحتاج إليه في ~~نكاحها من مهر وغيره. وقد استدل بقوله { من فتيتكم ~~المؤمنت } على أنه لا يجوز نكاح الأمة الكتابية، وبه قال أهل ~~الحجاز، وجوزه أهل العراق، ودخلت الفاء في قوله { فمن ما ملكت ~~أيمنكم } لتضمن المبتدأ معنى الشرط. وقوله { من فتيتكم ~~المؤمنت } في محل نصب على الحال، فقد عرفت أنه لا يجوز للرجل ~~الحر أن يتزوج بالمملوكة إلا بشرط عدم القدرة على الحرة. والشرط الثاني ~~ما سيذكره الله سبحانه آخر الآية من قوله { ذلك لمن خشى ~~العنت منكم } فلا يحل للفقير أن يتزوج بالمملوكة إلا إذا كان ~~يخشى على نفسه العنت. والمراد هنا الأمة المملوكة للغير، وأما أمة ~~الإنسان نفسه، فقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز له أن يتزوجها، وهي تحت ~~ملكه لتعارض الحقوق واختلافها. والفتيات جمع فتاة، والعرب تقول للمملوك ~~فتى، وللمملوكة فتاة. وفي الحديث الصحيح # " لا يقولن أحدكم عبدي، وأمتي، ولكن ليقل فتاي، وفتاتي " # قوله { والله أعلم بإيمنكم } فيه تسلية لمن ينكح الأمة ~~إذا اجتمع فيه الشرطان ms0739 المذكوران، أي كلكم بنو آدم، وأكرمكم عند الله ~~أتقاكم، فلا تستنكفوا من الزواج بالإماء عند الضرورة. فربما كان إيمان ~~بعض الإماء أفضل من إيمان بعض الحرائر. والجملة اعتراضية. وقوله { ~~بعضكم من بعض } مبتدأ وخبر، ومعناه أنهم متصلون في الأنساب لأنهم ~~جميعا بنو آدم، أو متصلون في الدين لأنهم جميعا أهل ملة واحدة، وكتابهم ~~واحد ونبيهم واحد. # والمراد بهذا توطئة نفوس العرب لأنهم كانوا يستهجنون أولاد الإماء، ~~ويستصغرونهم، ويغضون منهم { فانكحوهن بإذن أهلهن } أي ~~بإذن المالكين لهن لأن منافعهن لهم لا يجوز لغيرهم أن ينتفع بشيء منها ~~إلا بإذن من هي له. قوله { وآتوهن أجورهن بالمعروف } أي أدوا إليهن ~~مهورهن بما هو بالمعروف في الشرع، وقد استدل بهذا من قال إن الأمة أحق ~~بمهرها من سيدها، وإليه ذهب مالك، وذهب الجمهور إلى أن المهر للسيد، ~~وإنما أضافها إليهن لأن التأدية إليهن تأدية إلى سيدهن لكونهن ماله. ~~قوله { محصنت } أي عفائف. وقرأ الكسائي " محصنات " بكسر الصاد في ~~جميع القرآن إلا في قوله { والمحصنت من النساء } وقرأ ~~الباقون بالفتح في جميع القرآن. قوله { غير مسفحت } أي غير ~~معلنات بالزنا. والأخدان الأخلاء، والخدن، والخدين المخادن، أي المصاحب، ~~وقيل ذات الخدن هي التي تزني سرا، فهو مقابل للمسافحة وهي التي تجاهر ~~بالزنا، وقيل المسافحة، المبذولة، وذات الخدن، التي تزني بواحد. وكانت ~~العرب تعيب الإعلان بالزنا، ولا تعيب اتخاذ الأخدان، ثم رفع الإسلام جميع ~~ذلك، قال الله # ولا تقربوا الفوحش ما ظهر منها وما بطن # الأنعام 151. قوله { فإذا أحصن } قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي ~~بفتح الهمزة، وقرأ الباقون بضمها. والمراد بالإحصان هنا الإسلام. روي ذلك ~~عن ابن مسعود، وابن عمر، وأنس، والأسود بن يزيد، وزر بن حبيش، وسعيد بن ~~جبير، وعطاء، وإبراهيم النخعي، والشعبي، والسدي، وروي عن عمر بن الخطاب، ~~بإسناد منقطع، وهو الذي نص عليه الشافعي، وبه قال الجمهور. وقال ابن ~~عباس، وأبو الدرداء، ومجاهد، وعكرمة، وطاوس، وسعيد بن جبير، والحسن، ~~وقتادة، وغيرهم إنه التزويج. وروي عن الشافعي. فعلى القول الأول لا حد ~~على الأمة الكافرة. ms0740 وعلى القول الثاني لا حد على الأمة التي لم تتزوج. ~~وقال القاسم وسالم إحصانها إسلامها، وعفافها. وقال ابن جرير إن معنى ~~القراءتين مختلف، فمن قرأ { أحصن } بضم الهمزة، فمعناه التزويج، ومن قرأ ~~بفتح الهمزة، فمعناه الإسلام. وقال قوم إن الإحصان المذكور في الآية هو ~~التزوج، ولكن الحد واجب على الأمة المسلمة إذا زنت قبل أن تتزوج ~~بالسنة، وبه قال الزهري. قال ابن عبد البر ظاهر قول الله عز وجل يقتضي ~~أنه لا حد على الأمة، وإن كانت مسلمة إلا بعد التزويج، ثم جاءت السنة ~~بجلدها، وإن لم تحصن، وكان ذلك زيادة بيان. قال القرطبي ظهر المسلم حمى ~~لا يستباح إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف لولا ما جاء في صحيح السنة من ~~الجلد. قال ابن كثير في تفسيره والأظهر، والله أعلم أن المراد بالإحصان ~~هنا التزويج لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول سبحانه { ومن لم ~~يستطع منكم طولا } إلى قوله { فإذا أحصن فإن ~~أتين بفحشة فعليهن نصف ما على المحصنت ~~من العذاب } فالسياق كله في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد ~~بقوله { فإذا أحصن } أي تزوجن، كما فسره به ابن عباس، ومن تبعه، ~~قال وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور لأنهم يقولون إن الأمة ~~إذا زنت فعليها خمسون جلدة سواء كانت مسلمة، أو كافرة مزوجة، أو بكرا، ~~مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حد على غير المحصنة من الإماء. # وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك، ثم ذكر أن منهم من أجاب، وهم الجمهور بتقديم ~~منطوق الأحاديث على هذا المفهوم، ومنهم من عمل على مفهوم الآية، وقال إذا ~~زنت، ولم تحصن، فلا حد عليها، وإنما تضرب تأديبا. قال وهو المحكي عن ~~ابن عباس، وإليه ذهب طاوس، وسعيد بن جبير، وأبو عبيد، وداود الظاهري في ~~رواية عنه، فهؤلاء قدموا مفهوم الآية على العموم، وأجابوا عن مثل حديث ~~أبي هريرة، وزيد بن خالد في الصحيحين، وغيرهما أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت، ولم تحصن، قال ms0741 # " إن زنت، فاجلدوها، ثم إن زنت، فاجلدوها، ثم إن زنت، فاجلدوها، ثم ~~بيعوها، ولو بضفير " # بأن المراد بالجلد هنا التأديب، وهو تعسف، وأيضا قد ثبت في الصحيحين من ~~حديث أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إذا زنت أمة أحدكم، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها. ثم إن زنت، ~~فليجلدها الحد " # الحديث. ولمسلم من حديث علي قال «يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم ~~الحد من أحصن، ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت، ~~فأمرني أن أجلدها» الحديث. وأما ما أخرجه سعيد بن منصور، وابن خزيمة، ~~والبيهقي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ليس على الأمة حد حتى تحصن بزوج، فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على ~~المحصنات من العذاب " # فقد قال ابن خزيمة، والبيهقي إن رفعه خطأ، والصواب وقفه. قوله { فإن ~~أتين بفحشة } الفاحشة هنا الزنا { فعليهن نصف ما ~~على المحصنت } أي الحرائر الأبكار لأن الثيب عليها الرجم، وهو ~~لا يتبعض، وقيل المراد بالمحصنات هنا المزوجات لأن عليهن الجلد، ~~والرجم، والرجم لا يتبعض، فصار عليهن نصف ما عليهن من الجلد. والمراد ~~بالعذاب هنا الجلد، وإنما نقص حد الإماء عن حد الحرائر لأنهن أضعف. ~~وقيل لأنهن لا يصلن إلى مرادهن، كما تصل الحرائر وقيل لأن العقوبة تجب ~~على قدر النعمة، كما في قوله تعالى # يضاعف لها العذاب ضعفين # الأحزاب 30 ولم يذكر الله سبحانه في هذه الآية العبيد، وهم لاحقون ~~بالإماء بطريق القياس. # وكما يكون على الإماء، والعبيد نصف الحد في الزنا، كذلك يكون عليهم نصف ~~الحد في القذف والشرب. والإشارة بقوله { ذلك لمن خشى العنت ~~منكم } إلى نكاح الإماء. والعنت الوقوع في الإثم، وأصله في اللغة ~~انكسار العظم بعد الجبر، ثم استعير لكل مشقة { وأن تصبروا } عن ~~نكاح الإماء { خير لكم } من نكاحهن، أي صبركم خير لكم لأن ~~نكاحهن يفضي إلى إرقاق الولد، والغض من النفس. قوله { يريد الله ~~ليبين لكم } اللام هنا هي لام كي التي ms0742 تعاقب أن. قال الفراء ~~العرب تعاقب بين لام كي وأن، فتأتي باللام التي على معنى كي في موضع أن ~~في أردت، وأمرت، فيقولون أردت أن تفعل، وأردت لتفعل، ومنه # يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم # الصف 8 # وأمرت لاعدل بينكم # الشورى 15 # وأمرنا لنسلم لرب العلمين # الأنعام 71 ومنه # أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل # وحكى الزجاج هذا القول وقال لو كانت اللام بمعنى أن لدخلت عليها لام ~~أخرى، كما تقول جئت كي تكرمني، ثم تقول جئت لكي تكرمني،وأنشد # أردت لكيما يعلم الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود # وقيل اللام زائدة لتأكيد معنى الاستقبال، أو لتأكيد إرادة التبيين، ~~ومفعول يبين محذوف، أي ليبين لكم ما خفي عليكم من الخير، وقيل مفعول يريد ~~محذوف، أي يريد الله هذا ليبين لكم، وبه قال البصريون، وهو مروي، عن ~~سيبويه. وقيل اللام بنفسها ناصبة للفعل من غير إضمار أن، وهي وما بعدها ~~مفعول للفعل المتقدم، وهو مثل قول الفراء السابق. وقال بعض البصريين إن ~~قوله { يريد } مؤول بالمصدر مرفوع بالابتداء مثل تسمع بالمعيدي خير من ~~أن تراه. ومعنى الآية يريد الله ليبين لكم مصالح دينكم، وما يحل لكم، ~~وما يحرم عليكم { ويهديكم سنن الذين من قبلكم } أي ~~طرقهم، وهم الأنبياء، وأتباعهم لتقتدوا بهم { ويتوب عليكم } أي ~~ويريد أن يتوب عليكم فتوبوا إليه، وتلافوا ما فرط منكم بالتوبة يغفر لكم ~~ذنوبكم. { والله يريد أن يتوب عليكم } هذا تأكيد لما قد ~~فهم من قوله { ويتوب عليكم } المتقدم. وقيل الأول معناه ~~للإرشاد إلى الطاعات، والثاني فعل أسبابها. وقيل إن الثاني لبيان كمال ~~منفعة إرادته سبحانه، وكمال ضرر ما يريده الذين يتبعون الشهوات، وليس ~~المراد به مجرد إرادة التوبة حتى يكون من باب التكرير للتأكيد. قيل هذه ~~الإرادة منه سبحانه في جميع أحكام الشرع. وقيل في نكاح الأمة فقط. واختلف ~~في تعيين المتبعين للشهوات، فقيل هم الزناة، وقيل اليهود والنصارى. وقيل ~~اليهود خاصة. وقيل هم المجوس لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح ~~الأخوات من الأب. ms0743 والأول أولى. والميل العدول عن طريق الاستواء. والمراد ~~بالشهوات هنا ما حرمه الشرع دون ما أحله. ووصف الميل بالعظم بالنسبة إلى ~~ميل من اقترف خطيئة نادرا. # قوله { يريد الله يخفف عنكم } بما مر من الترخيص لكم، أو ~~بكل ما فيه تخفيف عليكم { وخلق الإنسن ضعيفا } عاجزا غير ~~قادر على ملك نفسه، ودفعها عن شهواتها، وفاء بحق التكليف، فهو محتاج من ~~هذه الحيثية إلى التخفيف، فلهذا أراد الله سبحانه التخفيف عنه. وقد أخرج ~~البخاري، وغيره عن ابن عباس قال حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثم قرأ ~~{ حرمت عليكم أمهتكم } إلى قوله { وبنات الأخت } ~~هذا من النسب. وباقي الآية من الصهر، والسابعة { ولا تنكحوا ما ~~نكح ءاباؤكم من النساء }. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ~~وابن المنذر، والبيهقي، عن عمران بن حصين في قوله { وأمهت ~~نسائكم } قال هي مبهمة. وأخرج هؤلاء، عن ابن عباس قال هي مبهمة إذا ~~طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها، أو ماتت لم تحل له أمها. وأخرج هؤلاء ~~إلا البيهقي، عن علي في الرجل يتزوج المرأة ثم يطلقها، أو ماتت قبل أن ~~يدخل بها هل تحل له أمها؟ قال هي بمنزلة الربيبة. وأخرج هؤلاء عن زيد بن ~~ثابت أنه كان يقول إذا ماتت عنده، فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها، ~~وإذا طلقها قبل أن يدخل بها، فلا بأس أن يتزوج أمها. وأخرج عبد الرزاق، ~~وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد قال في قوله { ~~وأمهت نسائكم وربائبكم اللتى فى حجوركم } ~~اللاتي أريد بهما الدخول جميعا. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن ~~أبي حاتم، عن عبد الله بن الزبير قال الربيبة والأم سواء لا بأس بها إذا ~~لم يدخل بالمرأة. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، بسند صحيح، عن مالك ~~بن أوس بن الحدثان قال كانت عندي امرأة، فتوفيت، وقد ولدت لي فوجدت ~~عليها، فلقيني علي بن أبي طالب، فقال مالك؟ فقلت توفيت المرأة، فقال ~~علي لها ابنة؟ قلت نعم، وهي ms0744 بالطائف، قال كانت في حجرك؟ قلت لا، قال ~~فانكحها، قلت فأين قول الله { وربائبكم اللتى فى ~~حجوركم }؟ قال إنها لم تكن في حجرك. وقد قدمنا قول من قال إنه ~~إسناد ثابت على شرط مسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال الدخول الجماع. وأخرج عبد الرزاق في ~~المصنف، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عطاء قال كنا نتحدث ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم لما نكح امرأة زيد قال المشركون بمكة في ~~ذلك، فأنزل الله { وحلئل أبنائكم الذين من ~~أصلبكم } ونزلت # وما جعل أدعياءكم أبناءكم # الأحزاب 4 ونزلت # ما كان محمد أبا أحد من رجالكم # الأحزاب 40. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله { وأن تجمعوا ~~بين الأختين } قال يعني في النكاح. # وأخرج عبد بن حميد عنه في الآية قال ذلك في الحرائر، فأما المماليك، فلا ~~بأس. وأخرج ابن المنذر عنه نحوه من طريق أخرى. وأخرج مالك، والشافعي، ~~وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في ~~سننه، عن عثمان بن عفان أن رجلا سأله عن الأختين في ملك اليمين هل يجمع ~~بينهما؟ قال أحلتهما آية وحرمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك، فخرج من ~~عنده، فلقي رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أراه علي بن أبي ~~طالب، فسأله عن ذلك، فقال لو كان لي من الأمر شيء، ثم وجدت أحدا فعل ذلك ~~لجعلته نكالا. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي عن علي أنه ~~سئل عن رجل له أمتان أختان، وطىء إحداهما، وأراد أن يطأ الأخرى، فقال لا ~~حتى يخرجها من ملكه. وقيل فإن زوجها عبده؟ قال لا حتى يخرجها من ملكه. ~~وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني، عن ابن مسعود أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين الأمتين، ~~فكرهه، فقيل يقول الله { إلا ما ملكت أيمنكم } فقال ~~وبعيرك أيضا مما ملكت يمينك. وأخرج ابن أبي شيبة، ms0745 والبيهقي، من طريق أبي ~~صالح، عن علي بن أبي طالب قال في الأختين المملوكتين أحلتهما آية، ~~وحرمتهما آية، ولا آمر، ولا أنهى، ولا أحل، ولا أحرم، ولا أفعل أنا، ~~وأهل بيتي. وأخرج أحمد عن قيس قال قلت لابن عباس أيقع الرجل على المرأة، ~~وابنتها مملوكتين له؟ فقال أحلتهما آية، وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله. ~~وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي عنه في الأختين من ملك اليمين أحلتهما آية، ~~وحرمتهما آية. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبيهقي، عن ابن عمر ~~قال إذا كان للرجل جاريتان أختان، فغشى إحداهما، فلا يقرب الأخرى حتى ~~يخرج التي غشى من ملكه. وأخرج البيهقي، عن مقاتل بن سليمان قال إنما قال ~~الله في نساء الآباء { إلا ما قد سلف } لأن العرب كانوا ينكحون ~~نساء الآباء، ثم حرم النسب والصهر، فلم يقل إلا ما قد سلف لأن العرب كانت ~~لا تنكح النسب، والصهر. وقال في الأختين { إلا ما قد سلف } ~~لأنهم كانوا يجمعون بينهما، فحرم جمعهما جميعا إلا ما قد سلف قبل ~~التحريم { إن الله كان غفورا رحيما } لما كان من جماع ~~الأختين قبل التحريم. وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، ~~وغيرهم، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث يوم ~~حنين جيشا إلى أوطاس، فلقوا عدوا، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم ~~سبايا، فكأن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن ~~من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله في ذلك { والمحصنت من ~~النساء إلا ما ملكت أيمنكم } يقول إلا ما أفاء الله ~~عليكم. # وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن ذلك سبب نزول الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن عباس في قوله { ~~والمحصنت من النساء } قال كل ذات زوج إتيانها زنا إلا ما ~~سبيت. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، والطبراني، عن علي، وابن مسعود في ~~قوله { والمحصنت من النساء ms0746 إلا ما ملكت ~~أيمنكم } قال على المشركات إذا سبين حلت له. وقال ابن مسعود ~~المشركات والمسلمات. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود قال إذا بيعت الأمة، ~~ولها زوج، فسيدها أحق ببضعها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ~~والمحصنت من النساء } قال ذوات الأزواج. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن المنذر، عن أنس بن مالك مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن ~~مسعود مثله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس ~~في قوله { والمحصنت } قال العفيفة العاقلة من مسلمة، أو من أهل ~~الكتاب. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عنه في الآية قال لا يحل له أن ~~يتزوج فوق الأربع، فما زاد، فهو عليه حرام، كأمه وأخته. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، عن أبي العالية في قوله { والمحصنت من ~~النساء } قال يقول انكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وثلاث، ورباع، ثم ~~حرم ما حرم من النسب، والصهر، ثم قال { والمحصنت من ~~النساء } فرجع إلى أول السورة، فقال هن حرام أيضا، إلا لمن نكح بصداق ~~وسنة وشهود. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، عن عبيدة قال ~~أحل الله لك أربعا في أول السورة، وحرم نكاح كل محصنة بعد الأربع إلا ~~ما ملكت يمينك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " الإحصان إحصانان إحصان نكاح، وإحصان عفاف " # فمن قرأها والمحصنات بكسر الصاد، فهن العفائف، ومن قرأها والمحصنات ~~بالفتح، فهن المتزوجات. قال ابن أبي حاتم قال أبي هذا حديث منكر. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم } قال ما وراء هذا النسب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ~~السدي قال ما دون الأربع. وأخرج ابن جرير، عن عطاء قال ما وراء ذات ~~القرابة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله { وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم } قال ما ملكت أيمانكم. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~عن عبيدة السلماني نحوه. ms0747 # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في ~~قوله { محصنين غير مسفحين } قال غير زانين. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس في قوله { فآتوهن أجورهن } يقول إذا تزوج الرجل منكم ~~المرأة، ثم نكحها مرة واحدة، فقد وجب صداقها كله، والاستمتاع هو النكاح، ~~وهو قوله # وءاتوا النساء صدقتهن # النساء 4. وأخرج الطبراني، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال كانت ~~المتعة في أول الإسلام، وكانوا يقرءون هذه الآية # فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى # النساء 24 الآية، فكان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج بقدر ~~ما يرى أنه يفرغ من حاجته ليحفظ متاعه، ويصلح شأنه. حتى نزلت هذه الآية { ~~حرمت عليكم أمهتكم } فنسخت الأولى، فحرمت المتعة، ~~وتصديقها من القرآن # إلا على أزوجهم أو ما ملكت أيمنهم # المؤمنون 6 وما سوى هذا الفرج فهو حرام. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن الأنباري في المصاحف، والحاكم وصححه أن ابن عباس قرأ # فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى # النساء 24 وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن أبي بن كعب أنه قرأها ~~كذلك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد، أن هذه الآية في نكاح ~~المتعة، وكذلك أخرج ابن جرير، عن السدي، والأحاديث في تحليل المتعة، ثم ~~تحريمها، وهل كان نسخها مرة، أو مرتين؟ مذكورة في كتب الحديث. وقد أخرج ~~ابن جرير في تهذيبه، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي، عن سعيد بن جبير ~~قال قلت لابن عباس ماذا صنعت؟ ذهبت الركاب بفتياك، وقالت فيها الشعراء ~~قال وما قالوا؟ قلت قالوا # أقول للشيخ لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس هل لك في ~~رحضة الأعطاف آنسة تكون مثواك حتى مصدر الناس # فقال إنا لله وإنا إليه راجعون، لا والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ~~ولا أحللتها إلا للمضطر وفي لفظ، ولا أحللت منها إلا ما أحل ms0748 الله من ~~الميتة، والدم، ولحم الخنزير. وأخرج ابن جرير، عن حضرمي أن رجالا كانوا ~~يفرضون المهر، ثم عسى أن تدرك أحدهم العسرة، فقال الله { ولا جناح ~~عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة }. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ولا ~~جناح عليكم فيما تراضيتم به } قال الراضي أن يوفى لها ~~صداقها، ثم يخيرها. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في الآية قال إن وضعت لك ~~منه شيئا، فهو سائغ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والبيهقي في سننه عن ابن عباس { ومن لم يستطع منكم طولا ~~} يقول من لم يكن له سعة { أن ينكح المحصنت } يقول الحرائر { ~~فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات } فلينكح من إماء المؤمنين { ~~محصنت غير مسفحت } يعني عفائف غير زواني في سر. # ولا علانية { ولا متخذات أخدان } يعني أخلاء { فإذا ~~أحصن } ثم إذا تزوجت حرا، ثم زنت { فعليهن نصف ما على ~~المحصنت من العذاب } قال من الجلد { ذلك لمن خشى ~~العنت منكم } هو الزنا، فليس لأحد من الأحرار أن ينكح أمة إلا أن ~~لا يقدر على حرة، وهو يخشى العنت { وأن تصبروا } عن نكاح الإماء { ~~فهو خير لكم }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~والبيهقي، عن مجاهد { ومن لم يستطع منكم طولا } يعني من ~~لا يجد منكم غنى { أن ينكح المحصنت } يعني الحرائر، فلينكح ~~الأمة المؤمنة { وأن تصبروا } عن نكاح الإماء { خير لكم } ~~وهو حلال. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عنه قال مما وسع الله به على ~~هذه الأمة، نكاح الأمة النصرانية واليهودية وإن كان موسرا. وأخرج عبد ~~الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي عنه قال لا يصلح نكاح ~~إماء أهل الكتاب لأن الله يقول { من فتيتكم المؤمنت }. ~~وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نهى أن تنكح الأمة على الحرة، والحرة على الأمة، ومن وجد طولا ~~لحرة، فلا ينكح أمة. وأخرج ابن ms0749 أبي شيبة، والبيهقي عن ابن عباس قال لا ~~يتزوج الحر من الإماء إلا واحدة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن قتادة نحوه. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل في قوله { والله أعلم ~~بإيمنكم بعضكم من بعض } يقول أنتم إخوة بعضكم من بعض. ~~وأخرج ابن المنذر، عن السدي { فانكحوهن بإذن أهلهن } ~~قال بإذن مواليهن { وآتوهن أجورهن } قال مهورهن. وأخرج ابن جرير، عن ابن ~~عباس قال المسافحات المعلنات بالزنا، والمتخذات أخدان ذات الخليل الواحد. ~~قال كان أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا، ويستحلون ما خفي، فأنزل ~~الله # ولا تقربوا الفوحش ما ظهر منها وما بطن # الأنعام 151. وأخرج ابن أبي حاتم، عن علي قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم { فإذا أحصن } قال # " إحصانها إسلامها " # وقال علي اجلدوهن. قال ابن أبي حاتم، حديث منكر، وقال ابن كثير في ~~إسناده ضعف، ومبهم لم يسم، ومثله لا تقوم به حجة. وأخرج عبد الرزاق، وابن ~~المنذر، عن ابن عباس قال حد العبد يفتري على الحر أربعون. وأخرج ابن ~~جرير عنه قال العنت الزنا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي { ~~ويريد الذين يتبعون الشهوت } قال هم اليهود، ~~والنصارى. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس { ويريد الذين ~~يتبعون الشهوت } قال الزنا. # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد { ~~يريد الله أن يخفف عنكم } يقول في نكاح الأمة، وفي كل شيء ~~فيه يسر. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد { يريد الله أن يخفف ~~عنكم } قال رخص لكم في نكاح الإماء { وخلق الإنسن ضعيفا ~~} قال لو لم يرخص له فيها. وأخرج ابن جرير، والبيهقي في الشعب، عن ابن ~~عباس قال ثماني آيات نزلت في سورة النساء هن خير لهذه الأمة مما طلعت ~~عليه الشمس، وغربت أولهن # يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من ~~قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم # النساء 26، والثانية # والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين ~~يتبعون الشهوت أن تميلوا ميلا عظيما # النساء 27، والثالثة # عظيما يريد الله أن ms0750 يخفف عنكم وخلق الإنسن ~~ضعيفا # النساء 28، والرابعة # إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئتكم وندخلكم مدخلا كريما # النساء 31، والخامسة # إن الله لا يظلم مثقال ذرة # النساء 40 الآية، والسادسة # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر ~~الله # النساء 110 الآية، والسابعة # إن الله لا يغفر أن يشرك به # النساء 116 الآية، والثامنة { والذين ءامنوا بالله ~~ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك ~~سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله } للذين عملوا من الذنوب # غفورا رحيما # النساء 152. ### || [4.29-31] # الباطل ما ليس بحق، ووجوه ذلك كثيرة، ومن الباطل البيوعات التي نهى عنها ~~الشرع. والتجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة، وهذا الاستثناء منقطع، أي ~~لكن تجارة عن تراض منكم جائزة بينكم، أو لكن كون تجارة عن تراض منكم ~~حلالا لكم. وقوله { عن تراض } صفة لتجارة، أي كائنة عن تراض، وإنما ~~نص الله سبحانه على التجارة دون سائر أنواع المعاوضات لكونها أكثرها ~~وأغلبها، وتطلق التجارة على جزاء الأعمال من الله على وجه المجاز، ومنه ~~قوله تعالى # هل أدلكم على تجرة تنجيكم من عذاب أليم # الصف 10. وقوله # يرجون تجرة لن تبور # فاطر 29. واختلف العلماء في التراضي، فقالت طائفة تمامه وجوبه بافتراق ~~الأبدان بعد عقد البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه اختر كما في الحديث ~~الصحيح # " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه اختر " # وإليه ذهب جماعة من الصحابة، والتابعين، وبه قال الشافعي، والثوري، ~~والأوزاعي، والليث، وابن عيينة، وإسحاق وغيرهم. وقال مالك، وأبو حنيفة ~~تمام البيع هو أن يعقد البيع بالألسنة، فيرتفع بذلك الخيار، وأجابوا عن ~~الحديث بما لا طائل تحته. وقد قرىء " تجارة " بالرفع على أن كان تامة، ~~وتجارة بالنصب على أنها ناقصة. قوله { ولا تقتلوا أنفسكم } ~~أي لا يقتل بعضكم أيها المسلمون بعضا إلا بسبب أثبته الشرع، أو لا ~~تقتلوا أنفسكم باقتراف المعاصي، أو المراد النهي عن أن يقتل الإنسان نفسه ~~حقيقة. ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني. ومما يدل على ذلك ~~احتجاج عمرو بن العاص بها حين ms0751 لم يغتسل بالماء البارد حين أجنب في غزاة ~~ذات السلاسل، فقرر النبي صلى الله عليه وسلم احتجاجه، وهو في مسند أحمد، ~~وسنن أبي داود وغيرهما. قوله { ومن يفعل ذلك } أي القتل خاصة، ~~أو أكل أموال الناس ظلما، والقتل عدوانا وظلما، وقيل هو إشارة إلى كل ~~ما نهى عنه في هذه السورة. وقال ابن جرير إنه عائد على ما نهى عنه من آخر ~~وعيد وهو قوله تعالى # أليما يأيها الذين ءامنوا لا يحل لكم أن ~~ترثوا النساء كرها # النساء 19 لأن كل ما نهى عنه من أول السورة قرن به وعيد إلا من قوله { ~~يأيها الذين ءامنوا لا يحل لكم } فإنه لا وعيد بعده ~~إلا قوله { ومن يفعل ذلك عدونا وظلما } والعدوان تجاوز ~~الحد. والظلم وضع الشيء في غير موضعه. وقيل إن معنى العدوان، والظلم ~~واحد، وتكريره لقصد التأكيد، كما في قول الشاعر # وألفى قولها كذبا ومينا # وخرج بقيد العدوان والظلم ما كان من القتل بحق كالقصاص، وقتل المرتد، ~~وسائر الحدود الشرعية، وكذلك قتل الخطأ. # قوله { فسوف نصليه نارا } جواب الشرط، أي ندخله نارا عظيمة { ~~وكان ذلك } أي إصلاؤه النار { على الله يسيرا } لأنه لا ~~يعجزه بشيء. وقرىء «نصليه» بفتح النون، روي ذلك عن الأعمش، والنخعي، وهو ~~على هذه القراءة منقول من صلى، ومنه شاة مصلية. قوله { إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئتكم } أي ~~إن تجتنبوا كبائر الذنوب التي نهاكم الله عنها { نكفر عنكم ~~سيئتكم } أي ذنوبكم التي هي صغائر، وحمل السيئات على الصغائر هنا ~~متعين لذكر الكبائر قبلها، وجعل اجتنابها شرطا لتكفير السيئات. وقد ~~اختلف أهل الأصول في تحقيق معنى الكبائر، ثم في عددها، فأما في تحقيقها، ~~فقيل إن الذنوب كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو ~~أكبر منها، كما يقال الزنا صغيرة بالإضافة إلى الكفر، والقبلة المحرمة ~~صغيرة بالإضافة إلى الزنا، وقد روي نحو هذا عن الإسفراييني، والجويني، ~~والقشيري، وغيرهم قالوا والمراد بالكبائر التي يكون اجتنابها سببا ~~لتكفير السيئات هي الشرك، واستدلوا على ms0752 ذلك بقراءة من قرأ { إن ~~تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } وعلى قراءة الجمع، فالمراد ~~أجناس الكفر، واستدلوا على ما قالوه بقوله تعالى # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء # النساء 116 قالوا فهذه الآية مقيدة لقوله { إن تجتنبوا كبائر ~~ما تنهون عنه } وقال ابن عباس الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار، أو ~~غضب، أو لعنة، أو عذاب. وقال ابن مسعود الكبائر ما نهى الله عنه في هذه ~~السورة إلى ثلاث وثلاثين آية. وقال سعيد بن جبير كل ذنب نسبه الله إلى ~~النار فهو كبيرة. وقال جماعة من أهل الأصول الكبائر كل ذنب رتب الله عليه ~~الحد، أو صرح بالوعيد فيه. وقيل غير ذلك مما لا فائدة في التطويل بذكره. ~~وأما الاختلاف في عددها، فقيل إنها سبع، وقيل سبعون، وقيل سبعمائة، وقيل ~~غير منحصرة، ولكن بعضها أكبر من بعض، وسيأتي ما ورد في ذلك إن شاء الله. ~~قوله { وندخلكم مدخلا } أي مكان دخول، وهو الجنة { كريما ~~} أي حسنا مرضيا، وقد قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وابن عامر، والكوفيون { ~~مدخلا } بضم الميم. وقرأ أهل المدينة بفتح الميم، وكلاهما اسم مكان، ~~ويجوز أن يكون مصدرا. وقد أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، قال السيوطي ~~بسند صحيح، عن ابن مسعود في قوله تعالى { يأيها الذين ~~ءامنوا لا تأكلوا أمولكم بينكم بالبطل } قال ~~إنها محكمة ما نسخت، ولا تنسخ إلى يوم القيامة. وأخرج ابن جرير، عن ~~عكرمة، والحسن في الآية قال كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس ~~بعد ما نزلت هذه الآية، فنسخ ذلك الآية التي في النور # ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم # النور 61 الآية. وأخرج ابن ماجه، وابن المنذر، عن أبي سعيد قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " إنما البيع عن تراض " # وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي صالح، وعكرمة في قوله تعالى { ~~ولا تقتلوا أنفسكم } قالا نهاهم عن قتل بعضهم بعضا. وأخرج ~~ابن المنذر، عن مجاهد نحوه. وأخرج ms0753 ابن جرير، عن عطاء بن أبي رباح نحوه. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن السدي { ولا تقتلوا أنفسكم ~~} قال أهل دينكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله { ومن ~~يفعل ذلك عدونا وظلما } يعني متعمدا اعتداء بغير حق { ~~وكان ذلك على الله يسيرا } يقول كان عذابه على الله هينا. ~~وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج قال قلت لعطاء أرأيت قوله تعالى { ومن ~~يفعل ذلك عدونا وظلما فسوف نصليه نارا } في كل ~~ذلك أم في قوله { ولا تقتلوا أنفسكم }؟ قال بل في قوله { ~~ولا تقتلوا أنفسكم }. وأخرج عبد بن حميد، عن أنس بن مالك قال ~~هان ما سألكم ربكم { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ~~نكفر عنكم سيئتكم }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، والطبراني، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال كل ما نهى الله ~~عنه، فهو كبيرة، وقد ذكرت الطرفة يعني النظرة. وأخرج ابن جرير، عنه قال ~~كل شيء عصى الله فيه، فهو كبيرة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال كل ما وعد ~~الله عليه النار كبيرة. وأخرج ابن جرير، والبيهقي في الشعب عنه قال ~~الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. وأخرج ابن ~~جرير، عن سعيد بن جبير ما قدمنا عنه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس ~~أنه سئل عن الكبائر أسبع هي؟ قال هي إلى السبعين أقرب. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أن رجلا سأله كم الكبائر أسبع هي؟ قال ~~هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا ~~صغيرة مع إصرار. وأخرج البيهقي في الشعب عنه كل ذنب أصر عليه العبد ~~كبيرة، وليس بكبيرة ما تاب عنه العبد. وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من ~~حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اجتنبوا السبع الموبقات، " # قالوا وما هي يا رسول الله؟ ms0754 قال # " الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل ~~الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات ~~المؤمنات " # وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي بكرة قال قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم # " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " # قلنا بلى يا رسول الله، قال # " الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئا، فجلس، فقال ألا وقول ~~الزور، وشهادة الزور، " # فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت ". وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عمرو ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس «شك شعبة» واليمين ~~الغموس " # وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عمرو قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، " # قالوا وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال # " يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه " # والأحاديث في تعداد الكبائر، وتعيينها كثيرة جدا، فمن رام الوقوف على ~~ما ورد في ذلك، فعليه بكتاب الزواجر في الكبائر، فإنه قد جمع، فأوعى. ~~واعلم أنه لا بد من تقييد ما في هذه الآية من تكفير السيئات بمجرد اجتناب ~~الكبائر بما أخرجه النسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن خزيمة، وابن ~~حبان، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن أبي هريرة، وأبي سعيد أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر، ثم قال # " والذي نفسي بيده ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويؤدي ~~الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يوم ~~القيامة حتى إنها لتصفق، ثم تلا { إن تجتنبوا كبائر ما ~~تنهون عنه نكفر عنكم سيئتكم } " # وأخرج أبو عبيد في فضائله، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، والطبراني، والحاكم، والبيهقي في الشعب، عن ابن مسعود قال ~~إن في سورة النساء خمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا، وما فيها، ولقد ~~علمت أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها قوله تعالى # إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه # النساء 31 الآية، وقوله # إن الله ms0755 لا يظلم مثقال ذرة # النساء 40 الآية، وقوله # إن الله لا يغفر أن يشرك به # النساء 48، 116 الآية، وقوله # ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك # النساء 64 الآية، وقوله # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه # النساء 110 الآية. ### || [4.32-34] # قوله { ولا تتمنوا } التمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل، ~~كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي، وفيه النهي عن أن يتمنى الإنسان ما فضل ~~الله به غيره من الناس عليه، فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقسمة التي ~~قسمها الله بين عباده على مقتضى إرادته، وحكمته البالغة، وفيه أيضا نوع ~~من الحسد المنهى عنه إذا صحبه إرادة زوال تلك النعمة عن الغير. وقد اختلف ~~العلماء في الغبطة هل تجوز أم لا؟ وهي أن يتمنى أن يكون به حال مثل حال ~~صاحبه من دون أن يتمنى زوال ذلك الحال عن صاحبه، فذهب الجمهور إلى جواز ~~ذلك، واستدلوا بالحديث الصحيح # " لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل، ~~وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا، فهو ينفقه آناء الليل، وآناء النهار ~~" # وقد بوب عليه البخاري # " باب الاغتباط في العلم، والحكم " # وعموم لفظ الآية يقتضي تحريم تمني ما وقع به التفضيل سواء كان مصحوبا ~~بما يصير به من جنس الحسد أم لا، وما ورد في السنة من جواز ذلك في أمور ~~معينة يكون مخصصا لهذا العموم، وسيأتي ذكر سبب نزول الآية، ولكن ~~الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقوله { للرجال نصيب } الخ، ~~فيه تخصيص بعد التعميم، ورجوع إلى ما يتضمنه سبب نزول الآية من أن أم ~~سلمة قالت يا رسول الله يغزو الرجال، ولا نغزي، ولا نقاتل، فنستشهد، ~~وإنما لنا نصف الميراث، فنزلت. أخرجه عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد ~~بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، ~~والبيهقي، وقد روى نحو هذا السبب من طرق بألفاظ مختلفة. والمعنى في الآية ~~أن الله جعل لكل من الفريقين نصيبا على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته، ~~وعبر عن ذلك المجعول ms0756 لكل فريق من فريقي النساء، والرجال بالنصيب، مما ~~اكتسبوا، على طريق الاستعارة التبعية شبه اقتضاء حال كل فريق لنصيبه ~~باكتسابه إياه. قال قتادة للرجال نصيب مما اكتسبوا من الثواب، والعقاب، ~~وللنساء كذلك. وقال ابن عباس المراد بذلك الميراث والاكتساب على هذا ~~القول بمعنى ما ذكرنا. قوله { واسألوا الله من فضله } عطف ~~على قوله { ولا تتمنوا } وتوسيط التعليل بقوله { للرجال ~~نصيب } الخ. بين المعطوف، والمعطوف عليه لتقرير ما تضمنه النهي، وهذا ~~الأمر يدل على وجوب سؤال الله سبحانه من فضله، كما قاله جماعة من أهل ~~العلم. قوله { ولكل جعلنا موالى مما ترك الولدن ~~والأقربون } أي جعلنا لكل إنسان ورثة موالي يلون ميراثه، ف { لكل } ~~مفعول ثان قدم على الفعل لتأكيد الشمول، وهذه الجملة مقررة لمضمون ما ~~قبلها، أي ليتبع كل أحد ما قسم الله له من الميراث، ولا يتمنى ما فضل ~~الله به غيره عليه. # وقد قيل إن هذه الآية منسوخة بقوله بعدها { والذين عاقدت ~~أيمنكم } وقيل العكس. كما روى ذلك ابن جرير. وذهب الجمهور إلى أن ~~الناسخ لقوله { والذين عاقدت أيمنكم } قوله تعالى # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض # الأنفال 75 والموالى جمع مولى، وهو يطلق على المعتق، والمعتق، والناصر، ~~وابن العم، والجار قيل والمراد هنا العصبة، أي ولكل جعلنا عصبة يرثون ما ~~أبقت الفرائض. قوله { والذين عاقدت أيمنكم } المراد بهم ~~موالى الموالاة كان الرجل من أهل الجاهلية يعاقد الرجل، أي يحالفه فيستحق ~~من ميراثه نصيبا، ثم ثبت في صدر الإسلام بهذه الآية، ثم نسخ بقوله # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض # الأنفال 75 وقراءة الجمهور { عاقدت } وروي عن حمزة أنه قرأ «عقدت» ~~بتشديد القاف على التكثير، أي والذين عقدت لهم أيمانكم الحلف، أو عقدت ~~عهودهم أيمانكم، والتقدير على قراءة الجمهور والذين عاقدتهم أيمانكم، ~~فآتوهم نصيبهم، أي ما جعلتموه لهم بعقد الحلف. قوله { الرجال ~~قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على ~~بعض } هذه الجملة مستأنفة مشتملة على بيان العلة التي استحق بها ~~الرجال الزيادة، كأنه قيل كيف استحق الرجال ما استحقوا ms0757 مما لم تشاركهم ~~فيه النساء؟ فقال { الرجال قوامون } الخ، والمراد أنهم يقومون ~~بالذب عنهن، كما تقوم الحكام والأمراء بالذب عن الرعية، وهم أيضا ~~يقومون بما يحتجن إليه من النفقة والكسوة والمسكن، وجاء بصيغة المبالغة ~~في قوله { قوامون } ليدل على أصالتهم في هذا الأمر، والباء في قوله ~~{ بما فضل الله } للسببية والضمير في قوله { بعضهم على ~~بعض } للرجال والنساء، أي إنما استحقوا هذه المزية لتفضيل الله للرجال ~~على النساء بما فضلهم به من كون فيهم الخلفاء والسلاطين والحكام والأمراء ~~والغزاة، وغير ذلك من الأمور. قوله { وبما أنفقوا } أي وبسبب ما ~~أنفقوا من أموالهم، وما مصدرية، أو موصولة، وكذلك هي في قوله { بما ~~فضل الله } و " من " تبعيضية، والمراد ما أنفقوه في الإنفاق على ~~النساء، وبما دفعوه في مهورهن من أموالهم، وكذلك ما ينفقونه في الجهاد، ~~وما يلزمهم في العقل. وقد استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على جواز ~~فسخ النكاح إذا عجز الزوج عن نفقة زوجته وكسوتها، وبه قال مالك، ~~والشافعي، وغيرهما. قوله { فالصلحت } أي من النساء { ~~قنتت } أي مطيعات لله قائمات بما يجب عليهن من حقوق الله، وحقوق ~~أزواجهن { حفظت للغيب } أي لما يجب حفظه عند غيبة أزواجهن ~~عنهن من حفظ نفوسهن، وحفظ أموالهم، «وما» في قوله { بما حفظ ~~الله } مصدرية، أي بحفظ الله. والمعنى أنهن حافظات لغيب أزواجهن ~~بحفظ الله لهن ومعونته وتسديده، أو حافظات له بما استحفظهن من أداء ~~الأمانة إلى أزواجهن على الوجه الذي أمر الله به، أو حافظات له بحفظ الله ~~لهن بما أوصى به الأزواج في شأنهن من حسن العشرة، ويجوز أن تكون «ما» ~~موصولة، والعائد محذوف. # وقرأ أبو جعفر " بما حفظ الله " بنصب الاسم الشريف. والمعنى بما ~~حفظن الله أي حفظن أمره، أو حفظن دينه، فحذف الضمير الراجع إليهن للعلم ~~به، و«ما» على هذه القراءة مصدرية، أو موصولة، كالقراءة الأولى، أي ~~بحفظهن الله، أو بالذي حفظن الله به. قوله { واللتى تخافون ~~نشوزهن } هذا خطاب للأزواج، قيل الخوف هنا على بابه، وهو حالة تحدث ~~في ms0758 القلب عند حدوث أمر مكروه، أو عند ظن حدوثه، وقيل المراد بالخوف هنا ~~العلم. والنشوز العصيان. وقد تقدم بيان أصل معناه في اللغة. قال ابن ~~فارس يقال نشزت المرأة استعصت على بعلها، ونشز بعلها عليها إذا ضربها ~~وجفاها { فعظوهن } أي ذكروهن بما أوجبه الله عليهن من الطاعة، ~~وحسن العشرة، ورغبوهن، ورهبوهن، { واهجروهن فى المضاجع } ~~يقال هجره، أي تباعد عنه. والمضاجع جمع مضجع، وهو محل الاضطجاع، أي ~~تباعدوا عن مضاجعتهن، ولا تدخلوهن تحت ما تجعلونه عليكم حال الاضطجاع ~~من الثياب، وقيل هو أن يوليها ظهره عند الاضطجاع، وقيل هو كناية عن ترك ~~جماعها. وقيل لا تبيت معه في البيت الذي يضطجع فيه { واضربوهن } ~~أي ضربا غير مبرح. وظاهر النظم القرآني أنه يجوز للزوج أن يفعل جميع هذه ~~الأمور عند مخافة النشوز، وقيل إنه لا يهجرها إلا بعد عدم تأثير الوعظ، ~~فإن أثر الوعظ لم ينتقل إلى الهجر. وإن كفاه الهجر لم ينتقل إلى الضرب { ~~فإن أطعنكم } كما يجب، وتركن النشوز { فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا } أي لا تتعرضوا لهن بشيء مما يكرهن لا بقول، ولا ~~بفعل، وقيل المعنى لا تكلفوهن الحب لكم، فإنه لا يدخل تحت اختيارهن { ~~إن الله كان عليا كبيرا } إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح ~~ولين الجانب، أي وإن كنتم تقدرون عليهن، فاذكروا قدرة الله عليكم، فإنها ~~فوق كل قدرة، والله بالمرصاد لكم. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ولا تتمنوا ما فضل ~~الله به بعضكم على بعض } يقول لا يتمنى الرجل، فيقول ليت ~~أن لي مال فلان وأهله، فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن يسأل الله من فضله ~~{ للرجال نصيب مما اكتسبوا } يعني مما ترك الوالدان ~~والأقربون، للذكر مثل حظ الأنثيين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ~~قتادة أن سبب نزول الآية أن النساء قلن لو جعل أنصباؤنا في الميراث، ~~كأنصباء الرجال؟ وقال الرجال إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في ~~الآخرة، كما فضلنا عليهن في الميراث. # وقد تقدم ms0759 ذكر سبب النزول. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن مجاهد في قوله { واسألوا الله من فضله } قال ليس ~~بعرض الدنيا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير { ~~واسألوا الله من فضله } قال العبادة ليس من أمر الدنيا. ~~وأخرج الترمذي، عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل ". # قال الترمذي كذا رواه حماد بن واقد، وليس بالحافظ، ورواه أبو نعيم، عن ~~إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وحديث ~~أبي نعيم أشبه أن يكون أصح، وكذا رواه ابن جرير، وابن مردويه، ورواه ~~أيضا ابن مردويه من حديث ابن عباس. وأخرج البخاري، وأبو داود، والنسائي، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في سننه، عن ~~ابن عباس { ولكل جعلنا موالى } قال ورثة { والذين عاقدت ~~أيمنكم } قال كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري ~~الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، ~~فلما نزلت { ولكل جعلنا موالى } نسخت، ثم قال { والذين عاقدت ~~أيمانكم فآتوهم نصيبهم } من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ~~ويوصي له. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه ~~{ ولكل جعلنا موالى } قال عصبة { والذين عاقدت ~~أيمنكم } قال كان الرجلان أيهما مات، ورثه الآخر، فأنزل الله # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتب ~~الله من المؤمنين والمهجرين إلا أن تفعلوا ~~إلى أوليائكم معروفا # الأحزاب 6 يقول إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية، فهو لهم جائز ~~من ثلث مال الميت، وهو المعروف. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في ~~الآية قال كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل يقول ترثني وأرثك، وكان ~~الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كل حلف كان في الجاهلية، أو عقد أدركه الإسلام، فلا يزيده الإسلام إلا ~~شدة، ولا عقد ولا حلف في الإسلام " # ، فنسختها هذه الآية # وأولوا ms0760 الأرحام بعضهم أولى ببعض # الأنفال 75. وأخرج أبو داود، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي، عنه في ~~الآية قال كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، ~~فنسخ ذلك في الأنفال { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~عن الحسن أن رجلا من الأنصار لطم امرأته، فجاءت تلتمس القصاص، فجعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص، فنزل # ولا تعجل بالقرءان من قبل إن يقضى إليك ~~وحيه # طه 114 فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن { الرجال ~~قوامون على النساء } الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أردنا أمرا وأراد الله غيره " # وأخرج ابن مردويه، عن علي نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن ~~عباس { الرجال قوامون على النساء } يعني أمراء عليهن أن ~~تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله حافظة ~~لماله { بما فضل الله } فضله عليها بنفقته، وسعيه { ~~فالصلحت قنتت } قال مطيعات { حفظت للغيب } ~~يعني إذا كن كذا، فأحسنوا إليهن. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، عن قتادة { حفظت للغيب } قال حافظات للغيب بما ~~استودعهن الله من حقه، وحافظات لغيب أزواجهن. وأخرج ابن المنذر، عن ~~مجاهد قال { حفظت للغيب } للأزواج. وأخرج ابن جرير، عن السدي ~~قال تحفظ على زوجها ماله، وفرجها حتى يرجع، كما أمرها الله. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس { ~~واللتى تخافون نشوزهن } قال تلك المرأة تنشز، وتستخف ~~بحق زوجها، ولا تطيع أمره، فأمره الله أن يعظها، ويذكرها بالله، ويعظم ~~حقه عليها، فإن قبلت، وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها من غير أن يذر ~~نكاحها، وذلك عليها تشديد، فإن رجعت، وإلا ضربها ضربا غير مبرح، ولا ~~يكسر لها عظما، ولا يجرح بها جرحا { فإن أطعنكم فلا ~~تبغوا عليهن سبيلا } يقول إذا أطاعتك، فلا تتجنى عليها ~~العلل. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس { واهجروهن فى المضاجع ~~} قال لا ms0761 يجامعها. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عنه قال يهجرها بلسانه، ~~ويغلظ لها بالقول، ولا يدع الجماع. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، ~~وابن جرير، عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن عطاء أنه سأل ابن عباس، عن ~~الضرب غير المبرح، فقال بالسواك، ونحوه. وقد أخرج الترمذي وصححه، ~~والنسائي، وابن ماجه، عن عمرو بن الأحوص أنه شهد خطبة الوداع مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وفيها أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم # " ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن ~~شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن، فاهجروهن في ~~المضاجع، واضربوهن ضربا غير مبرح { فإن أطعنكم فلا ~~تبغوا عليهن سبيلا } " # وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن عبد الله بن زمعة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " أيضرب أحدكم امرأته، كما يضرب العبد؟ ثم يجامعها في آخر اليوم ". ### || [4.35] # قد تقدم معنى الشقاق في البقرة، وأصله أن كل واحد منهم يأخذ شقا غير ~~شق صاحبه، أي ناحية غير ناحيته، وأضيف الشقاق إلى الظرف لإجرائه مجرى ~~المفعول به، كقوله تعالى # بل مكر اليل والنهار # سبأ 33» وقوله يا سارق الليلة أهل الدار والخطاب للأمراء والحكام، ~~والضمير في قوله { بينهما } للزوجين لأنه قد تقدم ذكر ما يدل ~~عليهما، وهو ذكر الرجال والنساء { فابعثوا } إلى الزوجين { حكما ~~} يحكم بينهما ممن يصلح لذلك عقلا ودينا وإنصافا، وإنما نص الله ~~سبحانه على أن الحكمين يكونان من أهل الزوجين لأنهما أقعد بمعرفة ~~أحوالهما، وإذا لم يوجد من أهل الزوجين من يصلح للحكم بينهما كان الحكمان ~~من غيرهم، وهذا إذا أشكل أمرهما، ولم يتبين من هو المسيء منهما فأما إذا ~~عرف المسيء، فإنه يؤخذ لصاحبه الحق منه، وعلى الحكمين أن يسعيا في إصلاح ~~ذات البين جهدهما، فإن قدرا على ذلك عملا عليه، وإن أعياهما إصلاح ~~حالهما، ورأيا التفريق بينهما جاز لهما ذلك من دون أمر من الحاكم في ~~البلد، ولا توكيل بالفرقة بين الزوجين. وبه قال مالك، والأوزاعي، وإسحاق، ~~وهو مروي، ms0762 عن عثمان، وعلي، وابن عباس، والشعبي، والنخعي، والشافعي، ~~وحكاه ابن كثير عن الجمهور، قالوا لأن الله قال { فابعثوا حكما ~~من أهله وحكما من أهلها } وهذا نص من الله سبحانه أنهما ~~قاضيان لا وكيلان، ولا شاهدان. وقال الكوفيون، وعطاء، وابن زيد، والحسن، ~~وهو أحد قولي الشافعي إن التفريق هو إلى الإمام، أو الحاكم في البلد لا ~~إليهما، ما لم يوكلهما الزوجان، أو يأمرهما الإمام والحاكم لأنهما رسولان ~~شاهدان، فليس إليهما التفريق، ويرشد إلى هذا قوله { إن يريدا } أي ~~الحكمان { إصلحا } بين الزوجين { يوفق الله بينهما } ~~لاقتصاره على ذكر الإصلاح دون التفريق. ومعنى { إن يريدا إصلحا ~~يوفق الله بينهما } أي يوقع الموافقة بين الزوجين حتى يعودا ~~إلى الألفة وحسن العشرة. ومعنى الإرادة خلوص نيتهما لصلاح الحال بين ~~الزوجين، وقيل إن الضمير في قوله { يوفق الله بينهما } ~~للحكمين، كما في قوله { إن يريدا إصلحا } أي يوفق بين الحكمين ~~في اتحاد كلمتهما، وحصول مقصودهما، وقيل كلا الضميرين للزوجين، أي إن ~~يريدا إصلاح ما بينهما من الشقاق أوقع الله بينهما الألفة والوفاق، وإذا ~~اختلف الحكمان لم ينفذ حكمهما، ولا يلزم قبول قولهما بلا خلاف. وقد أخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في ~~قوله { وإن خفتم شقاق بينهما } قال هذا الرجل والمرأة إذا ~~تفاسد الذي بينهما أمر الله أن تبعثوا رجلا صالحا من أهل الرجل، ورجلا ~~مثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء ~~حجبوا امرأته عنه، وقسروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قسروها ~~على زوجها، ومنعوها النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا، ~~فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا، فرضي أحد الزوجين، وكره الآخر ذلك، ثم ~~مات أحدهما فإن الذي رضي يرث الذي كره، ولا يرث الكاره الراضي { إن ~~يريدا إصلحا } قال هما الحكمان { يوفق الله بينهما ~~} وكذلك كل مصلح يوفقه للحق والصواب. # وأخرج الشافعي في الأم، وعبد الرزاق في المصنف، وسعيد بن منصور، وعبد ~~بن حميد، وابن جرير، ms0763 وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ~~عبيدة السلماني في هذه الآية قال جاء رجل وامرأة إلى علي، ومعهما فئام ~~من الناس، فأمرهم علي، فبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، ثم قال ~~للحكمين تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن ~~رأيتما أن تفرقا أن تفرقا، قالت المرأة رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي ~~وقال الرجل أما الفرقة، فلا، فقال كذبت، والله حتى تقر مثل الذي أقرت ~~به. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن ~~عباس قال بعثت أنا ومعاوية حكمين، فقيل لنا إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، ~~وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، والذي بعثهما عثمان. وأخرج عبد الرزاق، وعبد ~~بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن الحسن قال ~~إنما يبعث الحكمان ليصلحا، ويشهدا على الظالم بظلمه، فأما الفرقة فليست ~~بأيديهما. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة نحوه. ~~وأخرج البيهقي، عن علي قال إذا حكم أحد الحكمين ولم يحكم الآخر، فليس ~~حكمه بشيء حتى يجتمعا. ### || [4.36] # قد تقدم بيان معنى العبادة. و { شيئا } إما مفعول به، أي لا تشركوا به ~~شيئا من الأشياء من غير فرق بين حي وميت، وجماد وحيوان، وإما مصدر، أي ~~لا تشركوا به شيئا من الاشراك من غير فرق بين الشرك الأكبر والأصغر ~~والواضح والخفي. وقوله { إحسنا } مصدر لفعل محذوف، أي أحسنوا ~~بالوالدين إحسانا. وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع، وقد دل ذكر الإحسان إلى ~~الوالدين بعد الأمر بعبادة الله، والنهي عن الإشراك به على عظم حقهما، ~~ومثله # أن اشكر لى ولولديك # لقمان 14 فأمر سبحانه بأن يشكرا معه. قوله { وبذى القربى } أي ~~صاحب القرابة، وهو من يصح إطلاق اسم القربى عليه، وإن كان بعيدا. { ~~واليتمى والمسكين } قد تقدم تفسيرهم والمعنى وأحسنوا ~~بذي القربى إلى آخر ما هو مذكور في هذه الآية { والجار ذى ~~القربى } أي القريب جواره، وقيل هو من له مع الجوار في الدار ms0764 قرب في ~~النسب { والجار الجنب } المجانب، وهو مقابل للجار ذي القربى، ~~والمراد من يصدق عليه مسمى الجوارمع كون داره بعيدة، وفي ذلك دليل على ~~تعميم الجيران بالإحسان إليهم سواء كانت الديار متقاربة أو متباعدة، وعلى ~~أن الجوار حرمة مرعية مأمور بها. وفيه رد على من يظن أن الجار مختص ~~بالملاصق دون من بينه وبينه حائل، أو مختص بالقريب دون البعيد. وقيل إن ~~المراد بالجار الجنب هنا هو الغريب. وقيل هو الأجنبي الذي لا قرابة بينه ~~وبين المجاور له. وقرأ الأعمش، والمفضل " والجار الجنب " بفتح ~~الجيم، وسكون النون، أي ذي الجنب، وهو الناحية، وأنشد الأخفش # الناس جنب، والأمير جنب # وقيل المراد بالجار ذي القربى المسلم، وبالجار الجنب اليهودي ~~النصراني.وقد اختلف أهل العلم في المقدار الذي يصدق عليه مسمى الجوار، ~~ويثبت لصاحبه الحق. فروي عن الأوزاعي والحسن أنه إلى حد أربعين دارا من ~~كل ناحية، وروي عن الزهري نحوه. وقيل من سمع إقامة الصلاة. وقيل إذا ~~جمعتهما محلة. وقيل من سمع النداء. والأولى أن يرجع في معنى الجار إلى ~~الشرع، فإن وجد فيه ما يقتضي بيانه، وأنه يكون جارا إلى حد كذا من ~~الدور، أو من مسافة الأرض، كان العمل عليه متعينا، وإن لم يوجد رجع إلى ~~معناه لغة أو عرفا. ولم يأت في الشرع ما يفيد أن الجار هو الذي بينه ~~وبين جاره مقدار كذا، ولا ورد في لغة العرب أيضا ما يفيد ذلك، بل المراد ~~بالجار في اللغة المجاور، ويطلق على معان. قال في القاموس. والجار ~~المجاور، والذي أجرته من أن يظلم، والمجير، والمستجير، والشريك في ~~التجارة، وزوج المرأة وهي جارته، وفرج المرأة، وما قرب من المنازل، ~~والإست كالجارة، والقاسم، والحليف، والناصر. # انتهى. قال القرطبي في تفسيره وروي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقال إني نزلت محلة قوم، وإن أقربهم إلي جوارا أشدهم لي أذى ~~فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وعمر، وعليا يصيحون على أبواب ~~المساجد # " ألا إن أربعين دارا جار، ولا يدخل ms0765 الجنة من لا يأمن جاره بوائقه " # انتهى. ولو ثبت هذا لكان مغنيا عن غيره، ولكنه رواه، كما ترى من غير ~~عزوله إلى أحد كتب الحديث المعروفة، وهو وإن كان إماما في علم الرواية، ~~فلا تقوم الحجة بما يرويه بغير سند مذكور، ولا نقل عن كتاب مشهور، ولا ~~سيما، وهو يذكر الواهيات كثيرا، كما يفعل في تذكرته، وقد ورد في القرآن ~~ما يدل على أن المساكنة في مدينة مجاورة، قال الله تعالى «لئن لم ينته ~~المنافقون» إلى قوله # ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا # الأحزاب 60 فجعل اجتماعهم في المدينة جوارا. وأما الأعراف في مسمى ~~الجوار، فهي تختلف باختلاف أهلها، ولا يصح حمل القرآن على أعراف متعارفة، ~~واصطلاحات متواضعة. قوله { والصحب بالجنب } قيل هو الرفيق في ~~السفر، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والضحاك. وقال علي ~~بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن أبي ليلى هو الزوجة. وقال ابن جريج هو ~~الذي يصحبك، ويلزمك رجاء نفعك. ولا يبعد أن تتناول الآية جميع ما في هذه ~~الأقوال مع زيادة عليها وهو كل من صدق عليه أنه صاحب بالجنب أي بجنبك كمن ~~يقف بجنبك في تحصيل علم، أو تعلم صناعة، أو مباشرة تجارة، أو نحو ذلك. ~~قوله { وابن السبيل } قال مجاهد هو الذي يجتاز بك مارا، والسبيل ~~الطريق، فنسب المسافر إليه لمروره عليه، ولزومه إياه، فالأولى تفسيره بمن ~~هو على سفر، فإن على المقيم أن يحسن إليه. وقيل هو المنقطع به. وقيل هو ~~الضيف. قوله { وما ملكت أيمنكم } أي وأحسنوا إلى ما ملكت ~~أيمانكم إحسانا، وهم العبيد والإماء، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بأنهم يطعمون مما يطعم مالكهم ويلبسون مما يلبس. والمختال ذو الخيلاء، ~~وهو الكبر، والتيه، أي لا يحب من كان متكبرا تائها على الناس مفتخرا ~~عليهم. والفخر المدح للنفس، والتطاول، وتعديد المناقب، وخص هاتين الصفتين ~~لأنهما يحملان صاحبهما على الأنفة مما ندب الله إليه في هذه الآية. وقد ~~أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في ms0766 شعب الإيمان من ~~طرق، عن ابن عباس في قوله { والجار ذى القربى } يعني الذي ~~بينك، وبينه قرابة { والجار الجنب } يعني الذي ليس بينك، وبينه ~~قرابة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن نوف البكالي قال الجار ذي ~~القربى المسلم، والجار الجنب اليهودي والنصراني. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان ~~عن ابن عباس في قوله { والصحب بالجنب } قال الرفيق في السفر. ~~وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير، ومجاهد مثله. وأخرج الحكيم، والترمذي في ~~نوادر الأصول، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم { ~~والصحب بالجنب } قال هو جليسك في الحضر، ورفيقك في السفر، ~~وامرأتك التي تضاجعك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن علي قال هو المرأة. وأخرج هؤلاء، والطبراني عن ابن مسعود ~~مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وما ملكت أيمنكم } قال ~~مما خولك الله، فأحسن صحبته، كل هذا أوصى الله به. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن مقاتل نحوه، وقد ورد مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بر ~~الوالدين، وفي صلة القرابة، وفي الإحسان إلى اليتامى، وفي الإحسان إلى ~~الجار، وفي القيام بما يحتاجه المماليك أحاديث كثيرة قد اشتملت عليها كتب ~~السنة لا حاجة بنا إلى بسطها هنا، وهكذا ورد في ذم الكبر والاختيال ~~والفخر ما هو معروف. ### || [4.37-42] # قوله { الذين يبخلون } هم في محل نصب بدلا من قوله { من ~~كان مختالا } أو على الذم، أو في محل رفع على الابتداء، والخبر ~~مقدر، أي لهم كذا وكذا من العذاب، ويجوز أن يكون مرفوعا بدلا من ~~الضمير المستتر في قوله { مختالا فخورا } ويجوز أن يكون منصوبا ~~على تقدير أعنى، أو مرفوعا على الخبر، والمبتدأ مقدر، أي هم الذين ~~يبخلون، والجملة في محل نصب على البدل. والبخل المذموم في الشرع هو ~~الامتناع من أداء ما أوجب الله، وهؤلاء المذكورون في هذه الآية ms0767 ضموا إلى ~~ما وقعوا فيه من البخل الذي هو أشر خصال الشر ما هو أقبح منه، وأدل على ~~سقوط نفس فاعله، وبلوغه في الرذالة إلى غايتها، وهو أنهم مع بخلهم ~~بأموالهم، وكتمهم لما أنعم الله به عليهم من فضله { يأمرون الناس ~~بالبخل } كأنهم يجدون في صدورهم من جود غيرهم بماله حرجا ومضاضة، ~~فلا كثر في عباده من أمثالكم، هذه أموالكم قد بخلتم بها لكونكم تظنون ~~انتقاصها بإخراج بعضها في مواضعه، فما بالكم بخلتم بأموال غيركم؟ مع أنه ~~لا يلحقكم في ذلك ضرر، وهل هذا إلا غاية اللوم ونهاية الحمق، والرقاعة ~~وقبح الطباع وسوء الاختيار. وقد تقدم اختلاف القراءات في البخل. وقد قيل ~~إن المراد بهذه الآية اليهود، فإنهم جمعوا بين الاختيال، والفخر، والبخل ~~بالمال، وكتمان ما أنزل الله في التوراة وقيل المراد بها المنافقون، ولا ~~يخفى أن اللفظ أوسع من ذلك، وأكثر شمولا، وأعم فائدة. قوله { ~~والذين ينفقون أمولهم رئاء الناس } عطف على قوله { ~~الذين يبخلون } ووجه ذلك أن الأولين قد فرطوا بالبخل، وبأمر ~~الناس به، وبكتم ما آتاهم الله من فضله، وهؤلاء أفرطوا ببذل أموالهم في ~~غير مواضعها لمجرد الرياء، والسمعة، كما يفعله من يريد أن يتسامع الناس ~~بأنه كريم، ويتطاول على غيره بذلك، ويشمخ بأنفه عليه، مع ما ضم إلى هذا ~~الإنفاق الذي يعود عليه بالضرر من عدم الإيمان بالله وباليوم الآخر. قوله ~~{ ومن يكن الشيطن له قرينا } في الكلام إضمار، ~~والتقدير، ولا يؤمنون بالله، ولا باليوم الآخر، فقرينهم الشيطان { ومن ~~يكن الشيطن له قرينا فساء قرينا } والقرين المقارن، ~~وهو الصاحب، والخليل. والمعنى من قبل من الشيطان في الدنيا، فقد قارنه ~~فيها، أو فهو قرينه في النار، فساء الشيطان قرينا { وماذا عليهم ~~} أي على هذه الطوائف { لو ءامنوا بالله واليوم الأخر ~~وأنفقوا مما رزقهم الله } ابتغاء لوجهه وامتثالا لأمره، ~~أي وماذا يكون عليهم من ضرر لو فعلوا ذلك. قوله { إن الله لا ~~يظلم مثقال ذرة } المثقال مفعال من الثقل، كالمقدار من ~~القدر، وهو منتصب على أنه نعت لمفعول ms0768 محذوف، أي لا يظلم شيئا مثقال ذرة. # والذرة واحدة الذر، وهي النمل الصغار. وقيل رأس النملة. وقيل الذرة ~~الخردلة. وقيل كل جزء من أجزاء الهباء الذي يظهر فيما يدخل من الشمس من ~~كوة أو غيرها ذرة. والأول هو المعنى اللغوي الذي يجب حمل القرآن عليه. ~~والمراد من الكلام أن الله لا يظلم كثيرا، ولا قليلا، أي لا يبخسهم من ~~ثواب أعمالهم، ولا يزيد في عقاب ذنوبهم وزن ذرة فضلا عما فوقها. قوله { ~~وإن تك حسنة يضعفها } قرأ أهل الحجاز «حسنة» بالرفع. وقرأ ~~من عداهم بالنصب، والمعنى على القراءة الأولى إن توجد حسنة، على أن كان ~~هي التامة لا الناقصة، وعلى القراءة الثانية إن تك فعلته حسنة يضاعفها، ~~وقيل إن التقدير إن تك مثقال الذرة حسنة، وأنث ضمير المثقال لكونه ~~مضافا إلى المؤنث، والأول أولى. وقرأ الحسن " نضاعفها " بالنون، وقرأ ~~الباقون بالياء، وهي الأرجح لقوله { ويؤت من لدنه أجرا ~~عظيما } وقد تقدم الكلام في المضاعفة، والمراد مضاعفة ثواب الحسنة. ~~قوله { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد } كيف منصوبة ~~بفعل مضمر، كما هو رأي سيبويه، أو محلها رفع على الابتداء، كما هو رأي ~~غيره، والإشارة بقوله { هؤلاء } إلى الكفار. وقيل إلى كفار قريش خاصة. ~~والمعنى فكيف يكون حال هؤلاء الكفار يوم القيامة إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيدا؟ وهذا الاستفهام معناه التوبيخ، ~~والتقريع { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا ~~الرسول لو تسوى بهم الارض } قرأ نافع، وابن عامر " ~~تسوى " بفتح التاء، وتشديد السين، وقرأ حمزة، والكسائي بفتح التاء، ~~وتخفيف السين، وقرأ الباقون بضم التاء، وتخفيف السين. والمعنى على ~~القراءة الأولى والثانية أن الأرض هي التي تسوى بهم، أي أنهم تمنوا لو ~~انفتحت لهم الأرض، فساخوا فيها، وقيل الباء في قوله { بهم } بمعنى ~~على، أي تسوى عليهم الأرض. وعلى القراءة الثالثة الفعل مبني للمفعول، ~~أي لو سوى الله بهم الأرض، فيجعلهم والأرض سواء حتى لا يبعثوا. قوله { ~~ولا يكتمون الله حديثا } عطف على { يود } أي يومئذ يود ~~الذين ms0769 كفروا، ويومئذ لا يكتمون الله حديثا، ولا يقدرون على ذلك. قال ~~الزجاج قال بعضهم { لا يكتمون الله حديثا } مستأنف لأن ما ~~عملوه ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه. وقال بعضهم هو معطوف. والمعنى ~~يودون أن الأرض سويت بهم وأنهم لم يكتموا الله حديثا لأنه ظهر كذبهم. ~~وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ~~قال كان كردم بن يزيد حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي ~~نافع، وبحري بن عمرو، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت يأتون ~~رجالا من الأنصار يتنصحون لهم، فيقولون لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى ~~عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون؟ ~~فأنزل الله فيهم { الذين يبخلون ويأمرون الناس ~~بالبخل } إلى قوله { وكان الله بهم عليما }. # وقد أخرج ابن أبي حاتم، عنه أنها نزلت في اليهود. وأخرجه عبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد. وأخرجه ابن جرير، عن ~~سعيد بن جبير. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ابن عباس { إن الله لا يظلم ~~مثقال ذرة } قال رأس نملة حمراء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن ~~جبير في قوله { وإن تك حسنة } وزن ذرة زادت على سيئاته { ~~يضعفها } فأما المشرك، فيخفف به عنه العذاب، ولا يخرج من النار ~~أبدا. وأخرج البخاري، وغيره، عن ابن مسعود قال قال لي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " اقرأ علي " # ، قلت يا رسول الله آقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال # " نعم إني أحب أن أسمعه من غيري " # ، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية { فكيف إذا جئنا ~~من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ~~قال # " حسبك الآن " # ، فإذا عيناه تذرفان. وأخرجه الحاكم، وصححه من حديث عمرو بن حريث. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله { لو ~~تسوى بهم ms0770 الأرض } يعني أن تسوى الأرض بالجبال، والأرض عليهم. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية يقول ~~ودوا لو انخرقت بهم الأرض، فساخوا فيها. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس في قوله { ولا يكتمون الله حديثا } قال ~~بجوارحهم. ### || [4.43] # قوله { يا أيها الذين آمنوا } جعل الخطاب خاصا بالمؤمنين لأنهم كانوا ~~يقربون الصلاة حال السكر، وأما الكفار، فهم لا يقربونها سكارى ولا غير ~~سكارى. قوله { لا تقربوا } قال أهل اللغة إذا قيل لا تقرب بفتح ~~الراء معناه لا تتلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدن منه. ~~والمراد هنا النهي عن التلبس بالصلاة، وغشيانها. وبه قال جماعة من ~~المفسرين، وإليه ذهب أبو حنيفة. وقال آخرون المراد مواضع الصلاة، وبه قال ~~الشافعي. وعلى هذا فلا بد من تقدير مضاف، ويقوي هذا قوله { ولا ~~جنبا إلا عابرى سبيل } وقالت طائفة المراد الصلاة ومواضعها ~~معا لأنهم كانوا حينئذ لا يأتون المسجد إلا للصلاة، ولا يصلون إلا ~~مجتمعين، فكانا متلازمين. قوله { وأنتم سكرى } الجملة في محل ~~نصب على الحال، وسكارى جمع سكران، مثل كسالى جمع كسلان. وقرأ النخعي ~~«سكرى» بفتح السين، وهو تكسير سكران. وقرأ الأعمش «سكرى» كحبلى صفة ~~مفردة. وقد ذهب العلماء كافة إلى أن المراد بالسكر هنا سكر الخمر، إلا ~~الضحاك، فإنه قال المراد سكر النوم. وسيأتي بيان سبب نزول الآية، وبه ~~يندفع ما يخالف الصواب من هذه الأقوال. قوله { حتى تعلموا ما ~~تقولون } هذا غاية النهي عن قربان الصلاة في حال السكر، أي حتى يزول ~~عنكم أثر السكر، وتعلموا ما تقولونه، فإن السكران لا يعلم ما يقوله، وقد ~~تمسك بهذا من قال إن طلاق السكران لا يقع لأنه إذا لم يعلم ما يقوله ~~انتفى القصد. وبه قال عثمان بن عفان، وابن عباس، وطاوس، وعطاء، والقاسم، ~~وربيعة، وهو قول الليث بن سعد، وإسحاق، وأبي ثور، والمزني. واختاره ~~الطحاوي، وقال أجمع العلماء على أن طلاق المعتوه لا يجوز، والسكران معتوه ~~كالموسوس. وأجازت طائفة وقوع ms0771 طلاقه، وهو محكي عن عمر ابن الخطاب، ~~ومعاوية، وجماعة من التابعين، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي. ~~واختلف قول الشافعي في ذلك. وقال مالك يلزمه الطلاق، والقود في الجراح، ~~والقتل، ولا يلزمه النكاح، والبيع. قوله { ولا جنبا } عطف على محل ~~الجملة الحالية، وهي قوله { وأنتم سكرى } والجنب لا يؤنث، ولا ~~يثنى، ولا يجمع لأنه ملحق بالمصدر كالبعد والقرب. قال الفراء يقال جنب ~~الرجل، وأجنب من الجنابة. وقيل يجمع الجنب في لغة على أجناب، مثل عنق، ~~وأعناق، وطنب، وأطناب. وقوله { إلا عابرى سبيل } استثناء مفرغ، ~~أي لا تقربوها في حال من الأحوال إلا في حال عبور السبيل. والمراد به هنا ~~السفر، ويكون محل هذا الاستثناء المفرغ النصب على الحال من ضمير لا ~~تقربوا بعد تقييده بالحال الثانية، وهي قوله { ولا جنبا } لا بالحال ~~الأولى، وهي قوله { وأنتم سكرى } فيصير المعنى لا تقربوا ~~الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال السفر، فإنه يجوز لكم أن تصلوا بالتيمم، ~~وهذا قول علي، وابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، والحكم، وغيرهم، قالوا لا ~~يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال إلا المسافر، فإنه ~~يتيمم لأن الماء قد يعدم في السفر لا في الحضر، فإن الغالب أنه لا يعدم. # وقال ابن مسعود، وعكرمة، والنخعي، وعمرو بن دينار، ومالك، والشافعي عابر ~~السبيل هو المجتاز في المسجد، وهو مروي عن ابن عباس، فيكون معنى الآية ~~على هذا لا تقربوا مواضع الصلاة، وهي المساجد في حال الجنابة إلا أن ~~تكونوا مجتازين فيها من جانب إلى جانب، وفي القول الأول قوة من جهة كون ~~الصلاة فيه باقية على معناها الحقيقي، وضعف من جهة ما في حمل عابر السبيل ~~على المسافر، وإن معناه أنه يقرب الصلاة عند عدم الماء بالتيمم، فإن هذا ~~الحكم يكون في الحاضر إذا عدم الماء، كما يكون في المسافر، وفي القول ~~الثاني قوة من جهة عدم التكلف في معنى قوله { إلا عابرى سبيل } ~~وضعف من جهة حمل الصلاة على مواضعها. وبالجملة فالحال الأولى، أعني قوله ~~{ وأنتم ms0772 سكرى } تقوي بقاء الصلاة على معناها الحقيقي من دون ~~تقدير مضاف، وكذلك ما سيأتي من سبب نزول الآية يقوي ذلك. وقوله { إلا ~~عابرى سبيل } يقوي تقدير المضاف، أي لا تقربوا مواضع الصلاة. ~~ويمكن أن يقال إن بعض قيود النهي أعني { لا تقربوا } وهو قوله { ~~وأنتم سكرى } يدل على أن المراد بالصلاة معناها الحقيقي، وبعض ~~قيود النهي وهو قوله { إلا عابرى سبيل } يدل على أن المراد ~~مواضع الصلاة، ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدال عليه، ~~ويكون ذلك بمنزلة نهيين مقيد كل واحد منهما بقيد، وهما لا تقربوا الصلاة ~~التي هي ذات الأذكار والأركان، وأنتم سكارى، ولا تقربوا مواضع الصلاة حال ~~كونكم جنبا إلا حال عبوركم في المسجد من جانب إلى جانب، وغاية ما يقال ~~في هذا أنه من الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهو جائز بتأويل مشهور. وقال ~~ابن جرير بعد حكايته للقولين والأولى قول من قال { ولا جنبا إلا ~~عابرى سبيل } إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه قد بين حكم المسافر ~~إذا عدم الماء، وهو جنب في قوله { وإن كنتم مرضى أو على ~~سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم ~~النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } فكان ~~معلوما بذلك، أي أن قوله { ولا جنبا إلا عابرى سبيل ~~حتى تغتسلوا } لو كان معنيا به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في ~~قوله { وإن كنتم مرضى أو على سفر } معنى مفهوم. # وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الآية يا أيها ~~الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها، وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضا جنبا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل. ~~قال والعابر السبيل المجتاز مرا وقطعا، يقال منه عبرت هذا الطريق، ~~فأنا أعبره عبرا وعبورا، ومنه قيل عبر فلان النهر إذا قطعه وجاوزه، ~~ومنه قيل للناقة القوية هي عبر أسفار لقوتها على قطع الأسفار. قال ابن ~~كثير وهذا الذي نصره يعني ابن جرير هو قول الجمهور، وهو الظاهر من ms0773 الآية. ~~انتهى. قوله { حتى تغتسلوا } غاية للنهي عن قربان الصلاة، أو ~~مواضعها حال الجنابة. والمعنى لا تقربوها حال الجنابة حتى تغتسلوا إلا ~~حال عبوركم السبيل. قوله { وإن كنتم مرضى } المرض عبارة عن ~~خروج البدن عن حد الاعتدال، والاعتياد إلى الاعوجاج والشذوذ، وهو على ~~ضربين كثير ويسير. والمراد هنا أن يخاف على نفسه التلف، أو الضرر ~~باستعمال الماء، أو كان ضعيفا في بدنه وهو لا يقدر على الوصول إلى موضع ~~الماء. وروي عن الحسن أنه يتطهر، وإن مات، وهذا باطل يدفعه قوله تعالى # وما جعل عليكم فى الدين من حرج # الحج 78. وقوله # ولا تقتلوا أنفسكم # النساء 29 وقوله # يريد الله بكم اليسر # البقرة 185 قوله { أو على سفر } فيه جواز التيمم لمن صدق عليه ~~اسم المسافر، والخلاف مبسوط في كتب الفقه. وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا ~~يشترط أن يكون سفر قصر، وقال قوم لا بد من ذلك. وقد أجمع العلماء على ~~جواز التيمم للمسافر. واختلفوا في الحاضر، فذهب مالك، وأصحابه، وأبو ~~حنيفة، ومحمد إلى أنه يجوز في الحضر، والسفر. وقال الشافعي لا يجوز ~~للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف التلف. قوله { أو جاء أحد ~~منكم من الغائط } هو المكان المنخفض، والمجيء منه كناية عن ~~الحدث، والجمع الغيطان، والأغواط، وكانت العرب تقصد هذا الصنف من المواضع ~~لقضاء الحاجة تسترا عن أعين الناس، ثم سمي الحدث الخارج من الإنسان ~~غائطا توسعا، ويدخل في الغائط جميع الأحداث الناقضة للوضوء. قوله { ~~أو لمستم النساء } قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وابن عامر { لامستم } وقرأ حمزة، والكسائي «لمستم» قيل المراد بها بها في ~~القراءتين الجماع. وقيل المراد به مطلق المباشرة، وقيل إنه يجمع الأمرين ~~جميعا. وقال محمد بن يزيد المبرد الأولى في اللغة أن يكون { لامستم } ~~بمعنى قبلتم، ونحوه، و«لمستم» بمعنى غشيتم. واختلف العلماء في معنى ذلك ~~على أقوال، فقالت فرقة الملامسة هنا مختصة باليد دون الجماع، قالوا ~~والجنب لا سبيل له إلى التيمم بل يغتسل، أو يدع الصلاة حتى يجد الماء. ~~وقد ms0774 روي هذا عن عمرو بن الخطاب، وابن مسعود. قال ابن عبد البر لم يقل ~~بقولهما في هذه المسألة أحد من فقهاء الأمصار من أهل الرأي، وحملة ~~الآثار. # انتهى. وأيضا الأحاديث الصحيحة تدفعه، وتبطله، كحديث عمار، وعمران بن ~~حصين، وأبي ذر في تيمم الجنب. وقالت طائفة هو الجماع كما في قوله # ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن # الأحزاب 49، وقوله # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن # البقرة 237 وهو مروي عن علي، وأبي بن كعب، وابن عباس، ومجاهد، وطاوس، ~~والحسن، وعبيد ابن عمير، وسعيد بن جبير، والشعبي، وقتادة، ومقاتل بن ~~حبان، وأبي حنيفة. وقال مالك الملامس بالجماع يتيمم، والملامس باليد ~~يتيمم إذا التذ، فإن لمسها بغير شهوة، فلا وضوء، وبه قال أحمد، وإسحاق. ~~وقال الشافعي إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى بدن المرأة سواء كان ~~باليد، أو غيرها من أعضاء الجسد انتقضت به الطهارة وإلا فلا. وحكاه ~~القرطبي عن ابن مسعود، وابن عمر، والزهري، وربيعة. وقال الأوزاعي إذا كان ~~اللمس باليد نقض الطهر، وإن كان بغير اليد لم ينقضه لقوله تعالى # فلمسوه بأيديهم # الأنعام 7 وقد احتجوا بحجج تزعم كل طائفة أن حجتها تدل على أن الملامسة ~~المذكورة في الآية هي ما ذهبت إليه، وليس الأمر كذلك. فقد اختلفت ~~الصحابة، ومن بعدهم في معنى الملامسة المذكورة في الآية، وعلى فرض أنها ~~ظاهرة في الجماع، فقد ثبتت القراءة المروية عن حمزة، والكسائي بلفظ «أو ~~لمستم» وهي محتملة بلا شك، ولا شبهة، ومع الاحتمال، فلا تقوم الحجة ~~بالمحتمل. وهذا الحكم تعم به البلوى، ويثبت به التكليف العام، فلا يحل ~~إثباته بمحتمل قط، وقد وقع النزاع في مفهومه. وإذا عرفت هذا، فقد ثبتت ~~السنة الصحيحة بوجوب التيمم على من اجتنب ولم يجد الماء، فكان الجنب ~~داخلا في الآية بهذا الدليل، وعلى فرض عدم دخوله فالسنة تكفي في ذلك. ~~وأما وجوب الوضوء، أو التيمم على من لمس المرأة بيده، أو بشيء من بدنه، ~~فلا يصح القول به استدلالا بهذه الآية لما عرفت من الاحتمال. وأما ms0775 ما ~~استدلوا به من أنه صلى الله عليه وسلم أتاه رجل، فقال يا رسول الله ما ~~تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها؟ وليس يأتي الرجل من امرأته شيئا إلا ~~قد أتاه منها غير أنه لم يجامعها فأنزل الله # وأقم الصلوة طرفى النهار وزلفا من اليل ~~إن الحسنت يذهبن السيئت ذلك ذكرى للذاكرين # هود 114. أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي من حديث معاذ، قالوا فأمره ~~بالوضوء لأنه لمس المرأة، ولم يجامعها، ولا يخفاك أنه لا دلالة بهذا ~~الحديث على محل النزاع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمره بالوضوء ~~ليأتي بالصلاة التي ذكرها الله سبحانه في هذه الآية، إذ لا صلاة إلا ~~بوضوء. وأيضا فالحديث منقطع لأنه من رواية ابن أبي ليلى عن معاذ، ولم ~~يلقه، وإذا عرفت هذا، فالأصل البراءة عن هذا الحكم، فلا يثبت إلا بدليل ~~خالص عن الشوائب الموجبة لقصوره عن الحجة. # وأيضا قد ثبت عن عائشة من طرق أنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يتوضأ، ثم يقبل، ثم يصلي، ولا يتوضأ. وقد روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة، ~~رواه أحمد، وابن أبي شيبة، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وما قيل من ~~أنه من رواية حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، ولم يسمع من عروة فقد ~~رواه أحمد في مسنده من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ورواه ابن ~~جرير من حديث ليث، عن عطاء، عن عائشة، ورواه أحمد أيضا، وأبو داود، ~~والنسائي من حديث أبي روق الهمداني، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة، ورواه ~~أيضا ابن جرير من حديث أم سلمة، ورواه أيضا من حديث زينب السهمية. ولفظ ~~حديث أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبلها، وهو صائم، ولا ~~يفطر، ولا يحدث وضوءا. ولفظ حديث زينب السهمية أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يقبل، ثم يصلي، ولا يتوضأ». ورواه أحمد، عن زينب السهمية، عن ~~عائشة. قوله { فلم تجدوا ماء } هذا القيد إن كان راجعا إلى جميع ~~ما تقدم ms0776 مما هو مذكور بعد الشرط، وهو المرض، والسفر، والمجيء من الغائط، ~~وملامسة النساء كان فيه دليل على أن المرض والسفر بمجردهما لا يسوغان ~~التيمم، بل لا بد مع وجود أحد السببين من عدم الماء، فلا يجوز للمريض أن ~~يتيمم إلا إذا لم يجد ماء، ولا يجوز للمسافر أن يتيمم إلا إذا لم يجد ~~ماء، ولكنه يشكل على هذا أن الصحيح، كالمريض إذا لم يجد الماء تيمم، ~~وكذلك المقيم، كالمسافر إذا لم يجد الماء تيمم، فلا بد من فائدة في ~~التنصيص على المرض والسفر فقيل وجه التنصيص عليهما أن المرض مظنة للعجز ~~عن الوصول إلى الماء، وكذلك المسافر عدم الماء في حقه غالب، وإن كان ~~راجعا إلى الصورتين الأخيرتين أعني قوله { أو جاء أحد منكم ~~من الغائط أو لمستم النساء } كما قال بعض المفسرين كان ~~فيه إشكال، وهو أن من صدق عليه اسم المريض، أو المسافر جاز له التيمم، ~~وإن كان واجدا للماء قادرا على استعماله، وقد قيل إنه رجع هذا القيد ~~إلى الآخرين مع كونه معتبرا في الأولين لندرة وقوعه فيهما. وأنت خبير ~~بأن هذا كلام ساقط، وتوجيه بارد. وقال مالك، ومن تابعه ذكر الله المرض، ~~والسفر في شرط التيمم اعتبارا بالأغلب في من لم يجد الماء بخلاف الحاضر، ~~فإن الغالب، وجوده، فلذلك لم ينص الله سبحانه عليه. انتهى. والظاهر أن ~~المرض بمجرده مسوغ للتيمم، وإن كان الماء موجودا إذا كان يتضرر ~~باستعماله في الحال، أو في المآل، ولا تعتبر خشية التلف، فالله سبحانه ~~يقول # يريد الله بكم اليسر # البقرة 185 ويقول # وما جعل عليكم فى الدين من حرج # الحج 87، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول # " الدين يسر " # ويقول # " يسروا ولا تعسروا " # وقال # " قتلوه قتلهم الله " # ويقول # " أمرت بالشريعة السمحة " # فإذا قلنا إن قيد عدم وجود الماء راجع إلى الجميع كان وجه التنصيص على ~~المرض هو أنه يجوز له التيمم، والماء حاضر موجود إذا كان استعماله يضره، ~~فيكون اعتبار ذلك القيد في حقه إذا كان استعماله لا يضره، فإن في ms0777 مجرد ~~المرض مع عدم الضرر باستعمال الماء ما يكون مظنة لعجزه عن الطلب، لأنه ~~يلحقه بالمرض نوع ضعف. وأما وجه التنصيص على المسافر، فلا شك أن الضرب في ~~الأرض مظنة لإعواز الماء في بعض البقاع دون بعض. قوله { فتيمموا } ~~التيمم لغة القصد، يقال تيممت الشيء قصدته، وتيممت الصعيد تعمدته، ~~وتيممته بسهمي، ورمحي قصدته دون من سواه، وأنشد الخليل # يممته الرمح شزرا ثم قلت له هذي البسالة لا لعب الزحاليق # وقال امرؤ القيس # تيممتها من أذرعات وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عال # وقال # تيممت العين التي عند ضارج يفيء عليها الظل عرمضها طامي # قال ابن السكيت قوله { فتيمموا } أي اقصدوا، ثم كثر استعمال هذه ~~الكلمة حتى صار التيمم مسح الوجه واليدين بالتراب. وقال ابن الأنباري في ~~قولهم قد تيمم الرجل معناه قد مسح التراب على وجهه، وهذا خلط منهما ~~للمعنى اللغوي بالمعنى الشرعي. فإن العرب لا تعرف التيمم بمعنى مسح الوجه ~~واليدين، وإنما هو معنى شرعي فقط، وظاهر الأمر الوجوب، وهو مجمع على ذلك. ~~والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وتفاصيل التيمم، وصفاته مبينة في السنة ~~المطهرة، ومقالات أهل العلم مدونة في كتب الفقه، قوله { صعيدا } ~~الصعيد وجه الأرض سواء كان عليه تراب، أو لم يكن، قاله الخليل، وابن ~~الأعرابي، والزجاج. قال الزجاج لا أعلم فيه خلافا بين أهل اللغة، قال ~~الله تعالى # وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا # الكهف 8 أي أرضا غليظة لا تنبت شيئا، وقال تعالى # فتصبح صعيدا زلقا # الكهف 40 وقال ذو الرمة # كأنه بالضحى يرمي الصعيد به دبابة في عظام الرأس خرطوم # وإنما سمي صعيدا لأنه نهاية ما يصعد إليه من الأرض، وجمع الصعيد صعدات. ~~وقد اختلف أهل العلم فيما يجزىء التيمم به، فقال مالك، وأبو حنيفة، ~~والثوري، والطبري إنه يجزىء بوجه الأرض كله ترابا كان، أو رملا، أو ~~حجارة، وحملوا قوله { طيبا } على الطاهر الذي ليس بنجس، وقال الشافعي، ~~وأحمد، وأصحابهما إنه لا يجزىء التيمم إلا بالتراب فقط، واستدلوا بقوله ~~تعالى # صعيدا زلقا # الكهف 40 أي ms0778 ترابا أملس طيبا، وكذلك استدلوا بقوله { طيبا } قالوا ~~والطيب التراب الذي ينبت. # وقد تنوزع في معنى الطيب، فقيل الطاهر كما تقدم وقيل المنبت كما هنا ~~وقيل الحلال. والمحتمل لا تقوم به حجة، ولو لم يوجد في الشيء الذي يتيمم ~~به إلا ما في الكتاب العزيز، لكان الحق ما قاله الأولون، لكن ثبت في ~~صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله # " فضلنا الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها ~~مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء " # وفي لفظ # " وجعل ترابها لنا طهورا " # فهذا مبين لمعنى الصعيد المذكور في الآية، أو مخصص لعمومه، أو مقيد ~~لإطلاقه، ويؤيد هذا ما حكاه ابن فارس عن كتاب الخليل تيمم بالصعيد، أي ~~أخذ من غباره. انتهى. والحجر الصلد لا غبار له. قوله { فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم } هذا المسح مطلق، يتناول المسح بضربة أو ~~ضربتين، ويتناول المسح إلى المرفقين أو إلى الرسغين، وقد بينته السنة ~~بيانا شافيا، وقد جمعنا بين ما ورد في المسح بضربة، وبضربتين، وما ورد ~~في المسح إلى الرسغ وإلى المرفقين في شرحنا للمنتقى وغيره من مؤلفاتنا ~~بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. قوله { إن الله كان عفوا ~~غفورا } أي عفا عنكم، وغفر لكم تقصيركم، ورحمكم بالترخيص لكم، ~~والتوسعة عليكم. وقد أخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، ~~والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، ~~والضياء في المختارة، عن علي بن أبي طالب قال صنع لنا عبد الرحمن بن عوف ~~طعاما، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة، ~~فقدموني، فقرأت { قل يا أيها الكفرون لا أعبد ما ~~تعبدون } ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله { يأيها الذين ~~ءامنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى حتى ~~تعلموا ما تقولون }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أن الذي ~~صلى بهم عبد الرحمن. وأخرج ابن المنذر، عن عكرمة في الآية قال نزلت في ~~أبي بكر، وعمر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، صنع لهم ms0779 علي طعاما، ~~وشرابا، فأكلوا، وشربوا، ثم صلى بهم المغرب، فقرأ { قل يا أيها الكافرون ~~} حتى ختمها، فقال ليس لي دين، لكم دين، فنزلت. وأخرج عبد بن حميد، وأبو ~~داود، والنسائي، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في هذه الآية قال نسختها # إنما الخمر والميسر # المائدة 90 الآية. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن الضحاك في الآية قال لم يعن بها الخمر إنما عني بها سكر النوم. ~~وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس { وأنتم سكرى } قال النعاس. ~~وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن علي. # قوله { ولا جنبا إلا عابرى سبيل } قال نزلت في المسافر ~~تصيبه الجنابة، فيتيمم ويصلي. وفي لفظ قال لا يقرب الصلاة إلا أن يكون ~~مسافرا تصيبه الجنابة، فلا يجد الماء، فيتيمم، ويصلي حتى يجد الماء. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ابن عباس في الآية يقول لا تقربوا ~~الصلاة، وأنتم جنب إذا وجدتم الماء، فإن لم تجدوا الماء، فقد أحللت أن ~~تمسحوا بالأرض. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد قال لا يمر الجنب، ولا ~~الحائض في المسجد، إنما أنزلت { ولا جنبا إلا عابرى سبيل } ~~للمسافر يتيمم، ثم يصلي. وأخرج الدارقطني، والطبراني، وأبو نعيم في ~~المعرفة، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، والضياء في المختارة عن الأسلع ~~بن شريك قال كنت أرحل ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصابتني جنابة ~~في ليلة باردة، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحلة، فكرهت أن ~~أرحل ناقة وأنا جنب، وخشيت أن أغتسل بالماء البارد، فأموت، أو أمرض، ~~فأمرت رجلا من الأنصار فرحلها، ثم رضفت أحجارا فأسخنت بها ماء فاغتسلت، ~~ثم لحقت رسول الله صلى الله عليه وسلم و أصحابه، فقال # " يا أسلع، ما لي أرى راحلتك تغيرت؟ " # قلت يا رسول الله لم أرحلها، رحلها رجل من الأنصار، قال # " ولم؟ " # قلت إني أصابتني جنابة، فخشيت القر على نفسي، فأمرته أن يرحلها، ms0780 ورضفت ~~أحجارا، فأسخنت بها ماء، فاغتسلت به، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا ~~} إلى قوله { ولا جنبا إلا عابرى سبيل }. وأخرج ابن سعد، ~~وعبد بن حميد، وابن جرير، والطبراني، والبيهقي من وجه آخر عن أسلع قال ~~«كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم وأرحل له، فقال لي ذات ليلة # " يا أسلع قم، فارحل لي، " # قلت يا رسول الله أصابتني جنابة، فسكت عني ساعة حتى جاء جبريل بآية ~~الصعيد، فقال # " قم يا أسلع فتيمم " # الحديث. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس { لا ~~تقربوا الصلوة } قال المساجد. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي من طريق عطاء الخراساني عنه { ~~ولا جنبا إلا عابرى سبيل } قال لا تدخلوا المسجد، وأنتم ~~جنب إلا عابري سبيل، قال تمر به مرا، ولا تجلس. وأخرج ابن جرير، عن ~~ابن مسعود، نحوه. وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي في سننه عنه أنه كان يرخص ~~للجنب أن يمر في المسجد، ولا يجلس فيه، ثم قرأ قوله { ولا جنبا ~~إلا عابرى سبيل }. وأخرج البيهقي، عن أنس نحوه. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، والبيهقي، عن جابر قال كان أحدنا يمر ~~في المسجد، وهو جنب مجتازا. # وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله { وإن كنتم ~~مرضى } قال نزلت في رجل من الأنصار كان مريضا، فلم يستطع أن يقوم ~~فيتوضأ، ولم يكن له خادم فيناوله، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فذكر ذلك له، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج ابن شيبة، وعبد بن حميد، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس في قوله { وإن كنتم ~~مرضى } قال هو الرجل المجدور أو به الجراح، أو القرح يجنب، فيخاف إن ~~اغتسل أن يموت، فيتيمم. وأخرج ابن جرير، عن إبراهيم النخعي قال نال أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جراح ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة، فشكوا ~~ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت { وإن كنتم مرضى ms0781 } ~~الآية. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، والبيهقي من طرق عن ابن ~~مسعود في قوله { أو لمستم النساء } قال اللمس ما دون الجماع، ~~والقبلة منه، وفيه الوضوء. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، عن ابن عمر ~~أنه كان يتوضأ من قبلة المرأة، ويقول هي اللماس. وأخرج الدارقطني، ~~والبيهقي، والحاكم عن عمر قال إن القبلة من اللمس، فتوضأ منها. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن علي قال اللمس هو ~~الجماع، ولكن الله كنى عنه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن سعيد بن جبير قال كنا في حجرة ابن ~~عباس، ومعنا عطاء بن أبي رباح، ونفر من الموالي، وعبيد بن عمير، ونفر من ~~العرب، فتذاكرنا للماس، فقلت أنا وعطاء والموالي اللمس باليد، وقال عبيد ~~بن عمير، والعرب هو الجماع، فدخلت على ابن عباس، فأخبرته فقال غلبت ~~الموالي وأصابت العرب، ثم قال إن اللمس، والمس والمباشرة إلى الجماع ما ~~هو، ولكن الله يكنى ما شاء بما شاء. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، ~~وعبد ابن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن ~~عباس قال إن أطيب الصعيد أرض الحرث. ### || [4.44-48] # قوله { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب ~~} كلام مستأنف، والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية من المسلمين. والنصيب ~~الحظ، والمراد اليهود أوتوا نصيبا من التوراة. وقوله { يشترون } ~~جملة حالية، والمراد بالاشتراء الاستبدال، وقد تقدم تحقيق معناه. والمعنى ~~أن اليهود استبدلوا الضلالة، وهي البقاء على اليهودية، بعد وضوح الحجة ~~على صحة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قوله { ويريدون أن ~~تضلوا السبيل } عطف على قوله { يشترون } مشارك له في بيان ~~سوء صنيعهم، وضعف اختيارهم، أي لم يكتفوا بما جنوه على أنفسهم من استبدال ~~الضلالة بالهدى، بل أرادوا مع ضلالهم أن يتوصلوا بكتمهم وجحدهم إلى أن ~~تضلوا أنتم أيها المؤمنون ms0782 السبيل المستقيم، الذي هو سبيل الحق { ~~والله أعلم بأعدائكم } أيها المؤمنون، وما يريدونه بكم من ~~الإضلال، والجملة اعتراضية { وكفى بالله وليا } لكم { ~~وكفى بالله نصيرا } ينصركم في مواطن الحرب، فاكتفوا بولايته ~~ونصره، ولا تتولوا غيره، ولا تستنصروه، والباء في قوله { بالله } في ~~الموضعين زائدة. قوله { من الذين هادوا } قال الزجاج إن جعلت ~~متلعقة بما قبل، فلا يوقف على قوله { نصيرا } وإن جعلت منقطعة، فيجوز ~~الوقف على { نصيرا } والتقدير من الذين هادوا قوم يحرفون، ثم حذف، وهذا ~~مذهب سيبويه، ومثله قول الشاعر # لو قلت ما في قومها لم أيثم يفضلها في حسب وميسم # قالوا المعنى لو قلت ما في قومها أحد يفضلها، ثم حذف. وقال الفراء ~~المحذوف لفظ من أي من الذين هادوا من يحرفون الكلم كقوله # وما منا إلا له مقام معلوم # الصافات 164 أي من له، ومنه قول ذي الرمة # فظلوا ومنهم دمعه سابق له # أي من دمعه، وأنكره المبرد والزجاج لأن حذف الموصول كحذف بعض الكلمة ~~وقيل إن قوله { من الذين هادوا } بيان لقوله { الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتب }. والتحريف الإمالة والإزالة، أي ~~يميلونه ويزيلونه عن مواضعه، ويجعلون مكانه غيره، أو المراد أنهم ~~يتأولونه على غير تأويله، وذمهم الله عز وجل بذلك، لأنهم يفعلونه ~~عنادا وبغيا، وتأثيرا لغرض الدنيا. قوله { ويقولون سمعنا ~~وعصينا } أي سمعنا قولك، وعصينا أمرك { واسمع غير مسمع } ~~أي اسمع حال كونك غير مسمع، وهو يحتمل أن يكون دعاء على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، والمعنى اسمع لا سمعت، ويحتمل أن يكون المعنى اسمع غير مسمع ~~مكروها، أو اسمع غير مسمع جوابا. وقد تقدم الكلام في راعنا. ومعنى { ~~ليا بألسنتهم } أنهم يلوونها عن الحق، أي يميلونها إلى ما في ~~قلوبهم، وأصل اللي الفتل وهو منتصب على المصدر، ويجوز أن يكون مفعولا ~~لأجله. قوله { وطعنا فى الدين } معطوف على { ليا } ، أي يطعنون في ~~الدين بقولهم لو كان نبيا لعلم أنا نسبه، فأطلع الله سبحانه نبيه صلى ~~الله عليه وسلم على ذلك { ولو أنهم قالوا سمعنا } قولك ms0783 { ~~وأطعنا } أمرك { واسمع } ما نقول { وانظرنا } أي لو قالوا ~~هذا مكان قولهم راعنا { لكان خيرا لهم } مما قالوه { ~~وأقوم } أي أعدل، وأولى من قولهم الأول، وهو قولهم { سمعنا ~~وعصينا واسمع غير مسمع ورعنا } لما في هذا من ~~المخالفة وسوء الأدب، واحتمال الذم في راعنا { ولكن } لم يسلكوا ~~المسلك الحسن، ويأتوا بما هو خير لهم وأقوم، ولهذا { لعنهم الله ~~بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } أي إلا إيمانا ~~قليلا، وهو الإيمان ببعض الكتب دون بعض، وببعض الرسل دون بعض. # قوله { يأيها الذين أوتوا الكتب } ذكر سبحانه أولا ~~أنهم أوتوا نصيبا من الكتاب، وهنا ذكر أنهم أوتوا الكتاب. والمراد أنهم ~~أوتوا نصيبا منه لأنهم لم يعملوا بجميع ما فيه، بل حرفوا وبدلوا. ~~وقوله { مصدقا } منتصب على الحال. والطمس استئصال أثر الشيء، ومنه # وإذا النجوم طمست # المرسلات 8 يقال نطمس بكسر الميم وضمها لغتان في المستقبل، ويقال طمس ~~الأثر أي محاه كله، ومنه # ربنا اطمس على أمولهم # يونس 88 أي أهلكها، ويقال هو مطموس البصر، ومنه # ولو نشاء لطمسنا على أعينهم # يس 66 أي أعميناهم. واختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية هل هو ~~حقيقة؟ فيجعل الوجه كالقفا، فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين، أو ذلك ~~عبارة عن الضلالة في قلوبهم، وسلبهم التوفيق؟ فذهب إلى الأول طائفة، ~~وذهب إلى الآخر آخرون، وعلى الأول، فالمراد بقوله { فنردها على ~~أدبرها } نجعلها قفا، أي نذهب بآثار الوجه، وتخطيطه حتى يصير على ~~هيئة القفا، وقيل إنه بعد الطمس يردها إلى موضع القفا، والقفا إلى ~~مواضعها، وهذا هو ألصق بالمعنى الذي يفيده قوله { فنردها على ~~أدبرها } فإن قيل كيف جاز أن يهددهم بطمس الوجوه إن لم يؤمنوا، ~~ولم يفعل ذلك بهم؟ فقيل إنه لما آمن هؤلاء ومن اتبعهم رفع الوعيد عن ~~الباقين. وقال المبرد الوعيد باق منتظر وقال لا بد من طمس في اليهود، ~~ومسخ قبل يوم القيامة. قوله { أو نلعنهم كما لعنا ~~أصحب السبت } الضمير عائد إلى أصحاب الوجوه، قيل المراد باللعن ~~هنا المسخ لأجل تشبيهه بلعن أصحاب السبت، ms0784 وكان لعن أصحاب السبت مسخهم ~~قردة وخنازير، وقيل المراد نفس اللعنة، وهم ملعونون بكل لسان. والمراد ~~وقوع أحد الأمرين إما الطمس، أو اللعن. وقد وقع اللعن، ولكنه يقوي ~~الأول تشبيه هذا اللعن بلعن أهل أصحاب السبت. قوله { وكان أمر ~~الله مفعولا } أي كائنا موجودا لا محالة، أو يراد بالأمر ~~المأمور. والمعنى أنه متى أراده كان، كقوله # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # يس 82 قوله { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء } هذا الحكم يشمل جميع طوائف الكفار من ~~أهل الكتاب وغيرهم، ولا يختص بكفار أهل الحرب، لأن اليهود قالوا عزير ابن ~~الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، وقالوا ثالث ثلاثة. ولا خلاف بين ~~المسلمين أن المشرك إذا مات على شركه لم يكن من أهل المغفرة التي تفضل ~~الله بها على غير أهل الشرك حسبما تقتضيه مشيئته وأما غير أهل الشرك من ~~عصاة المسلمين، فداخلون تحت المشيئة يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء. قال ~~ابن جرير قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة في مشيئة الله عز وجل إن ~~شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه ما لم تكن كبيرته شركا بالله عز وجل. ~~وظاهره أن المغفرة منه سبحانه تكون لمن اقتضته مشيئته تفضلا منه ورحمة، ~~وإن لم يقع من ذلك المذنب توبة، وقيد ذلك المعتزلة بالتوبة. وقد تقدم ~~قوله تعالى # إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئتكم # النساء 31 وهي تدل على أن الله سبحانه يغفر سيئات من اجتنب الكبائر، ~~فيكون مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته. وقد أخرج ابن إسحاق، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن ~~عباس قال كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود، وإذا كلم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه، وقال أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ~~ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله فيه { ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا ms0785 من الكتب } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه في ~~قوله { يحرفون الكلم عن موضعه } يعني يحرفون حدود الله ~~في التوراة، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في ~~قوله { يحرفون الكلم عن موضعه } قال تبديل اليهود ~~التوراة { ويقولون سمعنا وعصينا } قالوا سمعنا ما تقول ولا ~~نطيعك { واسمع غير مسمع } قال غير مقبول ما تقول { ليا ~~بألسنتهم } قال خلافا يلوون به ألسنتهم { واسمع ~~وانظرنا } قال أفهمنا لا تعجل علينا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، والطبراني، عن ابن عباس في قوله { واسمع غير مسمع } قال ~~يقولون اسمع لا سمعت. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال كلم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رؤساء من أحبار اليهود منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد، فقال ~~لهم # " يا معشر اليهود اتقوا الله، وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي ~~جئتكم به لحق " # فقالوا ما نعرف ذلك يا محمد، وأنزل الله فيهم { يأيها الذين ~~أوتوا الكتب } الآية. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله { ~~من قبل أن نطمس وجوها } قال طمسها أن تعمي { فنردها ~~على أدبرها } يقول نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم، فيمشون ~~القهقري. ونجعل لأحدهم عينين في قفاه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله { من قبل أن ~~نطمس وجوها } يقول عن صراط الحق { فنردها على ~~أدبرها } قال في الضلالة. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن الحسن نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني عن أبي أيوب ~~الأنصاري قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال إن لي ابن أخ ~~لا ينتهي عن الحرام، قال # " وما دينه؟ " # قال يصلي ويوحد الله، قال استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه، فطلب ~~الرجل منه ذلك، فأبى عليه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال ~~وجدته شحيحا على دينه، فنزلت { إن الله ms0786 لا يغفر أن يشرك ~~به } الآية. وأخرج ابن الضريس، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن عدي بسند ~~صحيح، عن ابن عمر قال كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من ~~نبينا صلى الله عليه وسلم # " { إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } " # وقال # " إني ادخرت دعوتي، وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " # فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ~~ابن عمر قال لما نزلت # قل يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم # الزمر 53 الآية قام رجل فقال والشرك يا نبي الله؟ فكره ذلك النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقال { إن الله لا يغفر أن يشرك به } ~~الآية. وأخرج ابن المنذر، عن أبي مجلز أن سؤال هذا الرجل هو سبب نزول { ~~إن الله لا يغفر أن يشرك به }. وأخرج أبو داود في ~~ناسخه، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال في هذه الآية إن الله حرم ~~المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته، فلم يؤيسهم ~~من المغفرة. وأخرج الترمذي، وحسنه عن علي قال أحب آية إلى في القرآن { ~~إن الله لا يغفر أن يشرك به } الآية. ### || [4.49-55] # قوله { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم } تعجيب من ~~حالهم. وقد اتفق المفسرون على أن المراد اليهود. واختلفوا في المعنى الذي ~~زكوا به أنفسهم، فقال الحسن، وقتادة هو قولهم # نحن أبناء الله وأحباؤه # المائدة 18 وقولهم # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصرى # البقرة 111 وقال الضحاك هو قولهم لا ذنوب لنا، ونحن كالأطفال. وقيل ~~قولهم إن آباءهم يشفعون لهم وقيل ثناء بعضهم على بعض. ومعنى التزكية ~~التطهير والتنزيه، فلا يبعد صدقها على جميع هذه التفاسير وعلى غيرها، ~~واللفظ يتناول كل من زكى نفسه بحق أو بباطل من اليهود وغيرهم، ويدخل في ~~هذا التلقب بالألقاب المتضمنة للتزكية، كمحيي الدين، وعز الدين، ونحوهما. ~~قوله { بل الله يزكى من يشاء } أي ذلك إليه سبحانه، فهو ~~العالم بمن يستحق التزكية من ms0787 عباده، ومن لا يستحقها، فليدع العباد تزكية ~~أنفسهم، ويفوضوا أمر ذلك إلى الله سبحانه، فإن تزكيتهم لأنفسهم مجرد ~~دعاوى فاسدة تحمل عليها محبة النفس، وطلب العلو والترفع والتفاخر ومثل ~~هذه الآية قوله تعالى # فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى # النجم 32. قوله { ولا تظلمون } أي هؤلاء المزكون لأنفسهم { ~~فتيلا } وهو الخيط الذي في نواة التمر. وقيل القشرة التي حول النواة ~~وقيل هو ما يخرج بين أصبعيك أو كفيك من الوسخ إذا فتلتهما، فهو فتيل ~~بمعنى مفتول، والمراد هنا الكناية عن الشيء الحقير، ومثله # ولا يظلمون نقيرا # النساء 124 وهو النكتة التي في ظهر النواة. والمعنى أن هؤلاء الذين ~~يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم لأنفسهم بقدر هذا الذنب، ولا يظلمون ~~بالزيادة على ما يستحقون، ويجوز أن يعود الضمير إلى { من يشآء } أي لا ~~يظلم هؤلاء الذين يزكيهم الله فتيلا مما يستحقونه من الثواب. ثم عجب ~~النبي صلى الله عليه وسلم من تزكيتهم لأنفسهم، فقال { انظر كيف ~~يفترون على الله الكذب } في قولهم ذلك. والافتراء الاختلاق، ~~ومنه افترى فلان على فلان أي رماه بما ليس فيه، وفريت الشيء قطعته، وفي ~~قوله { وكفى به إثما مبينا } من تعظيم الذنب، وتهويله ما لا ~~يخفى. قوله { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتب } هذا تعجيب من حالهم بعد التعجيب الأول، وهم اليهود. ~~واختلف المفسرون في معنى الجبت فقال ابن عباس، وابن جبير، وأبو العالية، ~~الجبت الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت الكاهن، وروي عن عمر بن الخطاب أن ~~الجبت السحر، والطاغوت الشيطان. وروي عن ابن مسعود أن الجبت، والطاغوت ~~هاهنا كعب بن الأشرف. وقال قتادة الجبت الشيطان، والطاغوت الكاهن. وروي ~~عن مالك أن الطاغوت ما عبد من دون الله، والجبت الشيطان، وقيل هما كل ~~معبود من دون الله، أو مطاع في معصية الله. # وأصل الجبت الجبس، وهو الذي لا سير فيه، فأبدلت التاء من السين قاله ~~قطرب، وقيل الجبت إبليس، والطاغوت أولياؤه. قوله { ويقولون ~~للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين ءامنوا ~~سبيلا } أي يقول اليهود لكفار ms0788 قريش أنتم أهدى من الذين آمنوا بمحمد ~~سبيلا، أي أقوم دينا، وأرشد طريقا. وقوله { أولئك } إشارة إلى ~~القائلين { الذين لعنهم الله } أي طردهم وأبعدهم من رحمته { ~~ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا } يدفع عنه ما نزل به ~~من عذاب الله وسخطه. قوله { أم لهم نصيب من الملك } " أم " ~~منقطعة، والاستفهام للإنكار، يعني ليس لهم نصيب من الملك { فإذا لا ~~يؤتون الناس نقيرا } والفاء للسببية الجزائية لشرط محذوف، أي ~~إن جعل لهم نصيب من الملك، فإذا لا يعطون الناس نقيرا منه لشدة بخلهم ~~وقوة حسدهم وقيل المعنى بل لهم نصيب من الملك على أن معنى أم الإضراب عن ~~الأول، والاستئناف للثاني. وقيل هي عاطفة على محذوف، والتقدير أهم أولى ~~بالنبوة ممن أرسلته، أم لهم نصيب من الملك، فإذن لا يؤتون الناس نقيرا؟ ~~والنقير النقرة في ظهر النواة وقيل ما نقر الرجل بأصبعه، كما ينقر الأرض. ~~والنقير أيضا خشبة تنقر وينبذ فيها. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن النقير، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، والنقير الأصل، يقال فلان كريم ~~النقير، أي كريم الأصل. والمراد هنا المعنى الأول، والمقصود به المبالغة ~~في الحقارة، كالقطمير والفتيل. و " إذن " هنا ملغاة غير عاملة لدخول فاء ~~العطف عليها، ولو نصب لجاز. قال سيبويه " إذن " في عوامل الأفعال بمنزلة ~~أظن في عوامل الأسماء التي تلغى إذا لم يكن الكلام معتمدا عليها، فإن ~~كانت في أول الكلام، وكان الذي بعدها مستقبلا نصبت. قوله { أم يحسدون ~~الناس على ما آتاهم من فضله } أم منقطعة مفيدة للانتقال عن توبيخهم بأمر ~~إلى توبيخهم بآخر، أي بل يحسدون الناس يعني اليهود يحسدون النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقط، أو يحسدونه هو وأصحابه على ما آتاهم الله من فضله من ~~النبوة، والنصر، وقهر الأعداء. قوله { فقد ءاتينا ءال ~~إبرهيم } هذا إلزام لليهود بما يعترفون به ولا ينكرونه، أي ليس ما ~~آتينا محمدا وأصحابه من فضلنا ببدع حتى يحسدهم اليهود على ذلك، فهم ~~يعلمون بما آتينا آل إبراهيم، وهم أسلاف محمد ms0789 صلى الله عليه وسلم. وقد ~~تقدم تفسير الكتاب والحكمة والملك العظيم. قيل هو ملك سليمان، واختاره ~~ابن جرير { فمنهم } أي اليهود { من ءامن به } أي بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم { ومنهم من صد عنه } أي أعرض عنه. وقيل ~~الضمير في { به } راجع إلى ما ذكر من حديث آل إبراهيم. # وقيل الضمير راجع إلى إبراهيم. والمعنى فمن آل إبراهيم من آمن بإبراهيم، ~~ومنهم من صد عنه، وقيل الضمير يرجع إلى الكتاب، والأول أولى { وكفى ~~بجهنم سعيرا } أي نارا مسعرة. وقد أخرج ابن جرير، من طريق ~~العوفي، عن ابن عباس قال إن اليهود قالوا إن آباءنا قد توفوا، وهم لنا ~~قربة عند الله، وسيشفعون لنا ويزكوننا، فقال الله لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم }. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عنه قال كانت اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون ~~قربانهم، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، وكذبوا، قال الله إني لا ~~أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له، ثم أنزل الله { ألم تر إلى الذين ~~يزكون أنفسهم }. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~عن الحسن أن التزكية قولهم # نحن أبناء الله وأحباؤه # المائدة 18 # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصرى # البقرة 111. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~عن ابن عباس في قوله { ولا يظلمون فتيلا } قال الفتيل ما خرج ~~من بين الأصبعين. وفي لفظ آخر عنه هو أن تدلك بين أصبعيك، فما خرج منهما، ~~فهو ذلك. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عنه قال ~~النقير النقرة تكون في النواة التي نبتت منها النخلة. والفتيل الذي يكون ~~على شق النواة. والقطمير القشر الذي يكون على النواة. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم عنه قال الفتيل الذي في الشق الذي في بطن النواة. وأخرج ~~الطبراني، والبيهقي في الدلائل عنه قال قدم حيي بن أخطب، وكعب بن ~~الأشرف مكة على قريش، فحالفوهم على قتال رسول الله صلى ms0790 الله عليه وسلم، ~~وقالوا لهم أنتم أهل العلم القديم، وأهل الكتاب، فأخبرونا عنا وعن محمد، ~~قالوا ما أنتم وما محمد؟ قالوا ننحر الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ~~ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ونصل الأرحام، قالوا فما محمد؟ قالوا صنبور ~~أي فرد ضعيف، قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فقالوا لا بل ~~أنتم خير منه، وأهدى سبيلا، فأنزل الله { ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتب يؤمنون بالجبت ~~والطغوت } الآية. وأخرجه سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن عكرمة مرسلا. وقد روي عن ابن عباس، وعن عكرمة بلفظ آخر. وأخرج ~~نحوه عبد بن حميد، وابن جرير، عن السدي، عن أبي مالك. وأخرج نحوه أيضا ~~البيهقي في الدلائل، وابن عساكر في تاريخه، عن جابر ابن عبد الله. وأخرج ~~عبد الرزاق، وابن جرير، عن عكرمة قال الجبت، والطاغوت صنمان. وأخرج ~~الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، عن عمر في تفسير الجبت، والطاغوت ما قدمناه عنه. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال الجبت حيي بن أخطب، ~~والطاغوت كعب بن الأشرف. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال ~~الجبت الأصنام، والطاغوت الذي يكون بين يدي الأصنام يعبرون عنها الكذب ~~ليضلوا الناس. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال الجبت ~~اسم الشيطان بالحبشية، والطاغوت كهان العرب. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن مجاهد في قوله { أم لهم نصيب من الملك } قال فليس ~~لهم نصيب، ولو كان لهم نصيب لم يؤتوا الناس نقيرا. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس قال النقير النقطة التي في ~~ظهر النواة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس ~~قال قال أهل الكتاب زعم محمد أنه أوتي ما أوتى في تواضع، وله تسع نسوة، ~~وليس له همة إلا النكاح، فأي ملك أفضل من هذا؟ فأنزل الله هذه الآية ms0791 { ~~أم يحسدون الناس } إلى قوله { ملكا عظيما } يعني ملك ~~سليمان. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~عكرمة قال الناس في هذا الموضع النبي خاصة. وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال ~~هم هذا الحي من العرب. ### || [4.56-57] # قوله { بئايتنا } الظاهر عدم تخصيص بعض الآيات دون بعض، و { ~~سوف } كلمة تذكر للتهديد قاله سيبويه. وينوب عنها السين. وقد تقدم ~~معنى نصلي في أول السورة. والمراد ندخلهم نارا عظيمة. وقرأ حميد بن قيس ~~" نصليهم " بفتح النون. قوله { كلما نضجت جلودهم } ~~يقال نضج الشيء نضجا ونضاجا، ونضج اللحم، وفلان نضج الرأي، أي محكمه. ~~والمعنى أنها كلما احترقت جلودهم بدلهم الله جلودا غيرها، أي أعطاهم ~~مكان كل جلد محترق جلدا آخر غير محترق، فإن ذلك أبلغ في العذاب للشخص ~~لأن إحساسه لعمل النار في الجلد الذي لم يحترق أبلغ من إحساسه لعملها في ~~الجلد المحتر. وقيل المراد بالجلود السرابيل التي ذكرها في قوله # سرابيلهم من قطران # إبراهيم 50 ولا موجب لترك المعنى الحقيقي ها هنا، وإن جاز إطلاق الجلود ~~على السرابيل مجازا، كما في قول الشاعر # كسا اللوم تيما خضرة في جلودها فويل لتيم من سرابيلها الخضر # وقيل المعنى أعدنا الجلد الأول جديدا، ويأبى ذلك معنى التبديل. قوله { ~~ليذوقوا العذاب } أي ليحصل لهم الذوق الكامل بذلك التبديل. وقيل ~~معناه ليدوم لهم العذاب، ولا ينقطع، ثم أتبع وصف حال الكفار بوصف حال ~~المؤمنين. وقد تقدم تفسير الجنات التي تجري من تحتها الأنهار. قوله { ~~لهم فيها أزوج مطهرة } أي من الأدناس التي تكون في نساء ~~الدنيا، والظل الظليل الكثيف الذي لا يدخله ما يدخل ظل الدنيا من الحر، ~~والسموم، ونحو ذلك، وقيل هو مجموع ظل الأشجار، والقصور. وقيل الظل ~~الظليل هو الدائم الذي لا يزول، واشتقاق الصفة من لفظ الموصوف للمبالغة، ~~كما يقال ليل أليل. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر في ~~قوله { كلما نضجت جلودهم } قال إذا احترقت جلودهم بدلناهم ~~جلودا بيضاء أمثال القراطيس. وأخرج ابن ms0792 أبي حاتم، والطبراني عنه بسند ~~ضعيف قال قرىء عند عمر { كلما نضجت جلودهم } الآية، فقال ~~معاذ عندي تفسيرها تبدل في ساعة مائة مرة، فقال عمر هكذا سمعت من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وأخرجه أبو نعيم في الحلية، وابن مردويه أن ~~القائل كعب، وأنه قال تبدل في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة. وأخرج ~~ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود أن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس في قوله { ظلا ظليلا } قال ~~هو ظل العرش الذي لا يزول. ### || [4.58] # هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة على كثير من أحكام الشرع لأن الظاهر ~~أن الخطاب يشمل جميع الناس في جميع الأمانات، وقد روي عن علي، وزيد بن ~~أسلم، وشهر بن حوشب أنها خطاب لولاة المسلمين، والأول أظهر، وورودها على ~~سبب، كما سيأتي، لا ينافي ما فيها من العموم، فالاعتبار بعموم اللفظ لا ~~بخصوص السبب، كما تقرر في الأصول، وتدخل الولاة في هذا الخطاب دخولا ~~أوليا، فيجب عليهم تأدية ما لديهم من الأمانات، ورد الظلامات، وتحري ~~العدل في أحكامهم، ويدخل غيرهم من الناس في الخطاب، فيجب عليهم رد ما ~~لديهم من الأمانات، والتحري في الشهادات والأخبار. وممن قال بعموم هذا ~~الخطاب البراء بن عازب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، واختاره ~~جمهور المفسرين، ومنهم ابن جرير، وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى ~~أربابها الأبرار منهم والفجار، كما قال ابن المنذر. والأمانات جمع أمانة، ~~وهي مصدر بمعنى المفعول. قوله { وإذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل } أي وإن الله يأمركم إذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل. والعدل هو فصل الحكومة على ما في كتاب الله سبحانه وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، لا الحكم بالرأي المجرد، فإن ذلك ليس من الحق ~~في شيء، إلا إذا لم يوجد دليل تلك الحكومة في كتاب الله ولا في سنة ~~رسوله، فلا بأس باجتهاد الرأي من الحاكم الذي يعلم بحكم الله سبحانه، ~~وبما هو أقرب إلى الحق ms0793 عند عدم وجود النص، وأما الحاكم الذي لا يدري بحكم ~~الله ورسوله، ولا بما هو أقرب إليهما، فهو لا يدري ما هو العدل لأنه لا ~~يعقل الحجة إذا جاءته، فضلا عن أن يحكم بها بين عباد الله. قوله { ~~نعما } " ما " موصوفة أو موصولة، وقد قدمنا البحث في مثل ذلك. وقد ~~أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، ~~وقبض مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة، فنزل جبريل عليه السلام برد ~~المفتاح، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن طلحة، ورده إليه، وقرأ ~~هذه الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن عساكر، عن ابن جريج أن هذه ~~الآية نزلت في عثمان بن طلحة لما قبض منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مفتاح الكعبة، فدعاه، ودفعه إليه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وابن أبي شيبة، عن علي قال حق على الإمام أن يحكم ~~بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك، فحق على الناس أن ~~يسمعوا له، وأن يطيعوا، وأن يجيبوا إذا دعوا. وأخرج أبو داود، والترمذي، ~~والحاكم، والبيهقي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " أد الأمانة لمن ائتمنك، ولا تخن من خانك " # وقد ثبت في الصحيح أن من خان إذا اؤتمن، ففيه خصلة من خصال النفاق. ### || [4.59] # لما أمر سبحانه القضاة، والولاة إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالحق، ~~أمر الناس بطاعتهم ها هنا، وطاعة الله عز وجل هي امتثال أوامره ~~ونواهيه، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم هي فيما أمر به ونهى عنه. وأولي ~~الأمر هم الأئمة، والسلاطين، والقضاة، وكل من كانت له ولاية شرعية لا ~~ولاية طاغوتية، والمراد طاعتهم فيما يأمرون به، وينهون عنه ما لم تكن ~~معصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الله، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وقال جابر بن عبد الله، ومجاهد إن أولي الأمر، هم أهل ~~القرآن والعلم، وبه قال ms0794 مالك والضحاك. وروي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم. وقال ابن كيسان هم أهل العقل والرأي، والراجح القول ~~الأول. قوله { فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله ~~والرسول } المنازعة المجاذبة، والنزع الجذب، كأن كل واحد ينتزع حجة ~~الآخر ويجذبها، والمراد الاختلاف، والمجادلة، وظاهر قوله { في شىء } ~~يتناول أمور الدين والدنيا، ولكنه لما قال { فردوه إلى الله ~~والرسول } تبين به أن الشيء المتنازع فيه يختص بأمور الدين دون أمور ~~الدنيا، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه العزيز، والرد إلى الرسول ~~هو الرد إلى سنته المطهرة بعد موته، وأما في حياته، فالرد إليه سؤاله، ~~هذا معنى الرد إليهما. وقيل معنى الرد أن يقولوا الله أعلم، وهو قول ~~ساقط، وتفسير بارد، وليس الرد في هذه الآية إلا الرد المذكور في قوله ~~تعالى # ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم # النساء 83. قوله { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر } فيه دليل على أن هذا الرد متحتم على المتنازعين، وإنه شأن من ~~يؤمن بالله واليوم الآخر، والإشارة بقوله { ذلك } إلى الرد المأمور ~~به { خير } لكم { وأحسن تأويلا } أي مرجعا، من الأول آل ~~يؤول إلى كذا، أي صار إليه والمعنى أن ذلك الرد خير لكم، وأحسن مرجعا ~~ترجعون إليه. ويجوز أن يكون المعنى أن الرد أحسن تأويلا من تأويلكم ~~الذي صرتم إليه عند التنازع. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن ~~عباس في قوله { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى ~~الأمر منكم } قال نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ ~~بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، وقصته معروفة. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عطاء في الآية قال طاعة الله والرسول ~~اتباع الكتاب والسنة { وأولى الأمر } قال أولى الفقه، والعلم. ~~وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة، قال { وأولى الأمر منكم ~~} هم الأمراء، وفي لفظ هم ms0795 أمراء السرايا. # وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن جابر بن عبد الله في قوله { ~~وأولى الأمر منكم } قال أهل العلم. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد ~~بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن شيبة، وابن ~~جرير، عن أبي العالية نحوه أيضا. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله { فإن ~~تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول } قال ~~إلى كتاب الله، وسنة رسوله. ثم قرأ # ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم # النساء 83. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ميمون بن مهران في الآية ~~قال الرد إلى الله الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله ما دام حيا، فإذا ~~قبض فإلى سنته. وأخرج ابن جرير، عن قتادة، والسدي مثله. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، عن قتادة في قوله { ذلك خير وأحسن تأويلا } ~~يقول ذلك أحسن ثوابا وخير عاقبة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله { وأحسن تأويلا } قال ~~وأحسن جزاء. وقد وردت أحاديث كثيرة في طاعة الأمراء ثابتة في الصحيحين ~~وغيرهما، مقيدة بأن يكون ذلك في المعروف، وأنه لا طاعة في معصية الله. ### || [4.60-65] # قوله { ألم تر إلى الذين يزعمون } فيه تعجيب لرسول الله ~~من حال هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم أنهم قد جمعوا بين الإيمان بما أنزل ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن، وما أنزل على من قبله من ~~الأنبياء، فجاءوا بما ينقض عليهم هذه الدعوى ويبطلها من أصلها، ويوضح ~~أنهم ليسوا على شيء من ذلك أصلا، وهو إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت، وقد ~~أمروا فيما أنزل على رسول الله، وعلى من قبله أن يكفروا به، وسيأتي بيان ~~سبب نزول الآية، وبه يتضح معناها. وقد تقدم تفسير الطاغوت، والاختلاف في ~~معناه. قوله { ويريد الشيطن } معطوف على قوله { يريدون } ~~والجملتان ms0796 مسوقتان لبيان محل التعجب، كأنه قيل ماذا يفعلون؟ فقيل يريدون ~~كذا، ويريد الشيطان كذا. وقوله { ضلالا } مصدر للفعل المذكور بحذف ~~الزوائد كقوله # والله أنبتكم من الأرض نباتا # نوح 17 أو مصدر لفعل محذوف دل عليه الفعل المذكور، والتقدير ويريد ~~الشيطان أن يضلهم فيضلون ضلالا. والصدود اسم للمصدر، وهو الصد عند ~~الخليل، وعند الكوفيين أنهما مصدران، أي يعرضون عنك إعراضا. قوله { ~~فكيف إذا أصبتهم مصيبة بما قدمت أيديهم } ~~بيان لعاقبة أمرهم، وما صار إليهم حالهم، أي كيف يكون حالهم { إذا ~~أصبتهم مصيبة } أي وقت إصابتهم، فإنهم يعجزون عند ذلك، ولا ~~يقدرون على الدفع. والمراد { بما قدمت أيديهم } ما فعلوه من ~~المعاصي التي من جملتها التحاكم إلى الطاغوت { ثم جاءوك } يعتذرون ~~عن فعلهم، وهو عطف على { أصبتهم } وقوله { يحلفون } حال، أي ~~جاءوك حال كونهم حالفين { إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ~~} أي ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا الإحسان لا الإساءة، والتوفيق بين ~~الخصمين لا المخالفة لك. وقال ابن كيسان معناه ما أردنا إلا عدلا، وحقا ~~مثل قوله # وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى # التوبة 107 فكذبهم الله بقوله { أولئك الذين يعلم الله ~~ما فى قلوبهم } من النفاق والعداوة للحق. قال الزجاج معناه قد علم ~~الله أنهم منافقون { فأعرض عنهم } أي عن عقابهم. وقيل عن قبول ~~اعتذارهم { وعظهم } أي خوفهم من النفاق { وقل لهم فى ~~أنفسهم } أي في حق أنفسهم. وقيل معناه قل لهم خاليا بهم ليس معهم ~~غيرهم { قولا بليغا } أي بالغا في وعظهم إلى المقصود مؤثرا فيهم، ~~وذلك بأن توعدهم بسفك دمائهم، وسبي نسائهم، وسلب أموالهم { وما ~~أرسلنا من رسول } «من» زائدة للتوكيد { إلا ليطاع } فيما ~~أمر به ونهى عنه { بإذن الله } بعلمه. وقيل بتوفيقه { ولو ~~أنهم إذ ظلموا أنفسهم } بترك طاعتك، والتحاكم إلى غيرك { ~~جاءوك } متوسلين إليك متنصلين عن جناياتهم، ومخالفتهم { ~~فاستغفروا الله } لذنوبهم، وتضرعوا إليك حتى قمت شفيعا لهم، ~~فاستغفرت لهم، وإنما قال { واستغفر لهم الرسول } على طريقة ~~الالتفات لقصد التفخيم لشأن الرسول صلى الله عليه وسلم { لوجدوا ~~الله توابا ms0797 رحيما } أي كثير التوبة عليهم والرحمة لهم. # قوله { فلا وربك }.قال ابن جرير قوله { فلا } رد على ما تقدم ~~ذكره، تقديره فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وما أنزل ~~من قبلك، ثم استأنف القسم بقوله { وربك لا يؤمنون } وقيل إنه ~~قدم «لا» على القسم اهتماما بالنفي، وإظهارا لقوته، ثم كرره بعد القسم ~~تأكيدا، وقيل لا مزيدة لتأكيد معنى القسم لا لتأكيد معنى النفي، ~~والتقدير فوربك لا يؤمنون، كما في قوله # فلا أقسم بموقع النجوم # الواقعة 75 { حتى يحكموك } أي يجعلوك حكما بينهم في جميع ~~أمورهم لا يحكمون أحدا غيرك وقيل معناه يتحاكمون إليك، ولا ملجىء لذلك { ~~فيما شجر بينهم } أي اختلف بينهم واختلط، ومنه الشجر لاختلاف ~~أغصانه، ومنه قول طرفة # وهم الحكام أرباب الهدى وسعاة الناس في الأمر الشجر # أي المختلف، ومنه تشاجر الرماح، أي اختلافها { ثم لا يجدوا فى ~~أنفسهم حرجا مما قضيت } قيل هو معطوف على مقدر ينساق ~~إليه الكلام، أي فتقضي بينهم، ثم لا يجدوا. والحرج الضيق، وقيل الشك، ~~ومنه قيل للشجر الملتف حرج وحرجة، وجمعها حراج. وقيل الحرج الإثم، أي لا ~~يجدون في أنفسهم إثما بإنكارهم ما قضيت { ويسلموا تسليما } أي ~~ينقادوا لأمرك، وقضائك انقيادا لا يخالفونه في شيء. قال الزجاج { ~~تسليما } مصدر مؤكد، أي ويسلمون لحكمك تسليما لا يدخلون على أنفسهم ~~شكا، ولا شبهة فيه. والظاهر أن هذا شامل لكل فرد في كل حكم، كما يؤيد ~~ذلك قوله { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن ~~الله } فلا يختص بالمقصودين بقوله { يريدون أن يتحاكموا ~~إلى الطغوت } وهذا في حياته صلى الله عليه وسلم، وأما بعد موته، ~~فتحكيم الكتاب والسنة، وتحكيم الحاكم بما فيهما من الأئمة والقضاة إذا ~~كان لا يحكم بالرأي المجرد مع وجود الدليل في الكتاب والسنة، أو في ~~أحدهما. وكان يعقل ما يرد عليه من حجج الكتاب والسنة، بأن يكون عالما ~~باللغة العربية، وما يتعلق بها من نحو وتصريف ومعاني وبيان عارفا بما ~~يحتاج إليه من علم الأصول، بصيرا بالسنة المطهرة، ms0798 مميزا بين الصحيح وما ~~يلحق به، والضعيف وما يلحق به، منصفا غير متعصب لمذهب من المذاهب، ولا ~~لنحلة من النحل، ورعا لا يحيف، ولا يميل في حكمه، فمن كان هكذا فهو قائم ~~في مقام النبوة، مترجم عنها، حاكم بأحكامها. وفي هذا الوعيد الشديد ما ~~تقشعر له الجلود، وترجف له الأفئدة، فإنه أولا أقسم سبحانه بنفسه ~~مؤكدا لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون، فنفى عنهم الإيمان الذي ~~هو رأس مال صالحي عباد الله، حتى تحصل لهم غاية هي تحكيم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ثم لم يكتف سبحانه بذلك حتى قال { ثم لا يجدوا ~~فى أنفسهم حرجا مما قضيت } فضم إلى التحكيم أمرا آخر، ~~وهو عدم وجود حرج، أي حرج في صدورهم، فلا يكون مجرد التحكيم، والإذعان ~~كافيا حتى يكون من صميم القلب عن رضا واطمئنان وانثلاج قلب وطيب نفس، ~~ثم لم يكتف بهذا كله، بل ضم إليه قوله { ويسلموا } أي يذعنوا، ~~وينقادوا ظاهرا وباطنا، ثم لم يكتف بذلك، بل ضم إليه المصدر المؤكد، ~~فقال { تسليما } فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم، ولا ~~يجد الحرج في صدره بما قضي عليه، ويسلم لحكم الله وشرعه، تسليما لا ~~يخالطه رد، ولا تشوبه مخالفة. # وقد أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني بسند قال السيوطي صحيح عن ابن عباس، ~~قال كان برزة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر ~~إليه ناس من المسلمين، فأنزل الله { ألم تر إلى الذين ~~يزعمون } الآية. وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه ~~قال كان الجلاس بن الصامت قبل توبته، ومعقب بن قشير، ورافع بن زيد، كانوا ~~يدعون الإسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية، ~~فنزلت الآية المذكورة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، ~~عن ابن عباس في قوله { يريدون أن يتحاكموا إلى الطغوت ~~} قال الطاغوت رجل من اليهود كان يقال له كعب ms0799 بن الأشرف، وكانوا إذا ما ~~دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا بل نحاكمكم إلى ~~كعب، فنزلت الآية. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك مثله. وأخرج البخاري، ~~ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم عن عبد الله بن الزبير أن الزبير خاصم رجلا ~~من الأنصار قد شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله في ~~شراج من الحرة، وكانا يسقيان به كلاهما النخل. فقال الأنصاري سرح الماء ~~يمر، فأبى عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك " # ، فغضب الأنصاري، وقال يا رسول الله آن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم قال # " اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى ~~جارك " # ، واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه، وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، ~~فلما أحفظ رسول الله الأنصاري. # استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير ما أحسب هذه الآية نزلت ~~إلا في ذلك { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم }. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، من طريق ابن ~~لهيعة عن الأسود أن سبب نزول الآية أنه اختصم إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رجلان، فقضى بينهما، فقال المقضي عليه ردنا إلى عمر، فردهما، ~~فقتل عمر الذي قال ردنا، ونزلت الآية، فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم ~~دم المقتول، وأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن مكحول، فذكر نحوه، ~~وبين أن الذي قتله عمر كان منافقا، وهما مرسلان، والقصة غريبة، وابن ~~لهيعة فيه ضعف. ### || [4.66-70] # " لو " حرف امتناع، و " أن " مصدرية، أو تفسيرية لأن { كتبنا } في ~~معنى أمرنا. والمعنى أن الله سبحانه لو كتب القتل والخروج من الديار على ~~هؤلاء الموجودين من اليهود ما فعله إلا القليل منهم، أو لو كتب ذلك على ~~المسلمين ما فعله إلا القليل منهم، والضمير ms0800 في قوله { فعلوه } راجع ~~إلى المكتوب الذي دل عليه كتبنا، أو إلى القتل والخروج المدلول عليهما ~~بالفعلين، وتوحيد الضمير في مثل هذا قد قدمنا وجهه. قوله { إلا ~~قليل } قرأه الجمهور بالرفع على البدل. وقرأ عبد الله بن عامر، وعيسى ~~بن عمر " إلا قليلا " بالنصب على الاستثناء، وكذا هو في مصاحف أهل ~~الشام، والرفع أجود عند النحاة. قوله { ولو أنهم فعلوا ما ~~يوعظون به } من اتباع الشرع والانقياد لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم { لكان } ذلك { خيرا لهم } في الدنيا والآخرة، { ~~وأشد تثبيتا } لأقدامهم على الحق، فلا يضطربون في أمر دينهم { ~~وإذن } أي وقت فعلهم لما يوعظون به { لآتينهم من لدنا ~~أجرا عظيما ولهدينهم صرطا مستقيما } لا عوج فيه ~~ليصلوا إلى الخير الذي يناله من امتثل ما أمر به، وانقاد لمن يدعوه إلى ~~الحق. قوله { ومن يطع الله والرسول } كلام مستأنف لبيان فضل ~~طاعة الله والرسول، والاشارة بقوله { فأولئك } إلى المطيعين، كما ~~تفيده من { مع الذين أنعم الله عليهم } بدخول الجنة، ~~والوصول إلى ما أعد الله لهم. والصديق المبالغ في الصدق، كما تفيده ~~الصيغة. وقيل هم فضلاء أتباع الأنبياء. والشهداء من ثبتت لهم الشهادة، ~~والصالحين أهل الأعمال الصالحة. والرفيق مأخوذ من الرفق، وهو لين الجانب، ~~والمراد به المصاحب لارتفاقك بصحبته، ومنه الرفقة لارتفاق بعضهم ببعض، ~~وهو منتصب على التمييز، أو الحال، كما قال الأخفش. وقد أخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله { ولو أنا كتبنا ~~عليهم أن اقتلوا أنفسكم } هم يهود، كما أمر أصحاب موسى ~~أن يقتل بعضهم بعضا. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن سفيان أنها ~~نزلت في ثابت بن قيس بن شماس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي ~~نحوه. وقد روي من طرق أن جماعة من الصحابة قالوا لما نزلت الآية لو فعل ~~ربنا لفعلنا. أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن. وأخرجه ابن أبي ~~حاتم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير. وأخرجه أيضا عن شريح بن عبيد. ms0801 ~~وأخرج الطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والضياء المقدسي في ~~صفة الجنة، وحسنه عن عائشة قالت جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال يا رسول الله إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني ~~لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر حتى آتي، فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي، ~~وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة ~~خشيت أن لا أراك، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل جبريل ~~بهذه الآية { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع ~~الذين أنعم الله عليهم } الآية. وأخرج الطبراني، وابن ~~مردويه عن ابن عباس نحوه. ### || [4.71-76] # قوله { يا أيها الذين آمنوا } هذا خطاب لخلص المؤمنين، وأمر لهم بجهاد ~~الكفار، والخروج في سبيل الله، والحذر، والحذر لغتان كالمثل، والمثل. قال ~~الفراء أكثر الكلام الحذر، والحذر مسموع أيضا، يقال خذ حذرك أي احذر، ~~وقيل معنى الآية الأمر لهم بأخذ السلاح حذرا لأن به الحذر. قوله { ~~فانفروا } نفر ينفر بكسر الفاء نفيرا، ونفرت الدابة تنفر بضم الفاء ~~نفورا. والمعنى انهضوا لقتال العدو. أو النفير اسم للقوم الذين ينفرون، ~~وأصله من النفار، والنفور، وهو الفزع، ومنه قوله تعالى # ولوا على أدبرهم نفورا # الإسراء 46 أي نافرين، قوله { ثبات } جمع ثبة، أي جماعة، والمعنى ~~انفروا جماعات متفرقات. قوله { أو انفروا جميعا } أي مجتمعين ~~جيشا واحدا. ومعنى الآية الأمر لهم بأن ينفروا على أحد الوصفين ليكون ~~ذلك أشد على عدوهم، وليأمنوا من أن يتخطفهم الأعداء، إذا نفر كل واحد ~~منهم وحده أو نحو ذلك، وقيل إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى # انفروا خفافا وثقالا # التوبة 41 وبقوله # إلا تنفروا يعذبكم # التوبة 39 والصحيح أن الآيتين جميعا محكمتان إحداهما في الوقت الذي ~~يحتاج فيه إلى نفور الجميع، والأخرى عند الاكتفاء بنفور البعض دون البعض. ~~قوله { وإن منكم لمن ليبطئن } التبطئة والإبطاء ~~التأخر، والمراد المنافقون كانوا يقعدون عن الخروج، ويقعدون غيرهم. ~~والمعنى أن من دخلائكم وجنسكم ومن أظهر إيمانه لكم نفاقا ms0802 من يبطيء ~~المؤمنين ويثبطهم، واللام في قوله " لمن " لام توكيد، وفي قوله { ~~ليبطئن } لام جواب القسم، و «من» في موضع نصب، وصلتها الجملة. ~~وقرأ مجاهد، والنخعي، والكلبي { ليبطئن } بالتخفيف { فإن ~~أصبتكم مصيبة } من قتل أو هزيمة أو ذهاب مال. قال هذا ~~المنافق قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم حتى يصيبني ما أصابهم { ~~ولئن أصبكم فضل من } غنيمة أو فتح { ليقولن } هذا ~~المنافق قول نادم حاسد { يليتنى كنت معهم فأفوز فوزا ~~عظيما }. قوله { كأن لم يكن بينكم وبينه مودة ~~} جملة معترضة بين الفعل الذي هو { ليقولن } وبين مفعوله، وهو { يا ~~ليتنى } وقيل إن في الكلام تقديما وتأخيرا. وقيل المعنى ليقولن ~~كأن لم تكن بينكم وبينه مودة أي كأن لم يعاقدكم على الجهاد. وقيل هو في ~~موضع نصب على الحال. وقرأ الحسن " ليقولن " بضم اللام على معنى ~~من. وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم " كأن لم تكن " بالتاء على الفظ ~~المودة. قوله { فأفوز } بالنصب على جواب التمني. وقرأ الحسن " ~~فأفوز " بالرفع. قوله { فليقاتل فى سبيل الله } هذا أمر ~~للمؤمنين، وقدم الظرف على الفاعل للاهتمام به. و { الذين يشرون ~~} معناه يبيعون، وهم المؤمنون، والفاء في قوله { فليقاتل } جواب ~~الشرط مقدر، أي لم يقاتل هؤلاء المذكورون سابقا الموصوفون بأن منهم لمن ~~ليبطئن، فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم البائعون للحياة الدنيا ~~بالآخرة، ثم وعد المقاتلين في سبيل الله بأنه سيؤتيهم أجرا عظيما لا ~~يقادر قدره، وذلك أنه إذا قتل فاز بالشهادة التي هي أعلى درجات الأجور، ~~وإن غلب، وظفر كان له أجر من قاتل في سبيل الله مع ما قد ناله من العلو ~~في الدنيا والغنيمة، وظاهر هذا يقتضي التسوية بين من قتل شهيدا، أو ~~انقلب غانما، وربما يقال إن التسوية بينهما إنما هي في إيتاء الأجر ~~العظيم، ولا يلزم أن يكون أجرهما مستويا، فإن كون الشيء عظيما هو من ~~الأمور النسبية التي يكون بعضها عظيما بالنسبة إلى ما هو دونه، وحقيرا ~~بالنسبة إلى ما هو فوقه. # قوله { وما لكم لا تقتلون فى سبيل ms0803 الله } خطاب ~~للمؤمنين المأمورين بالقتال على طريق الالتفات. قوله { ~~المستضعفين } مجرور عطفا على الاسم الشريف، أي ما لكم لا ~~تقاتلون في سبيل الله، وسبيل المستضعفين حتى تخلصوهم من الأسر، وتريحوهم ~~مما هم فيه من الجهد. ويجوز أن يكون منصوبا على الاختصاص، أي وأخص ~~المستضعفين، فإنهم من أعظم ما يصدق عليه سبيل الله، واختار الأول ~~الزجاج، والأزهري. وقال محمد بن يزيد أختار أن يكون المعنى، وفي ~~المستضعفين، فيكون عطفا على السبيل، والمراد بالمستضعفين هنا من كان ~~بمكة من المؤمنين تحت إذلال الكفار، وهم الذين كان يدعو لهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فيقول # " اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، ~~والمستضعفين من المؤمنين " # كما في الصحيح. ولا يبعد أن يقال إن لفظ الآية أوسع، والاعتبار بعموم ~~اللفظ لولا تقييده بقوله { الذين يقولون ربنا أخرجنا ~~من هذه القرية الظلم أهلها } فإنه يشعر باختصاص ~~ذلك بالمستضعفين الكائنين في مكة لأنه قد أجمع المفسرون على أن المراد ~~بالقرية الظالم أهلها مكة. وقوله { من الرجال والنساء ~~والولدن } بيان للمستضعفين. قوله { الذين ءامنوا ~~يقتلون فى سبيل الله } هذا ترغيب للمؤمنين، وتنشيط لهم بأن ~~قتالهم لهذا المقصد لا لغيره { والذين كفروا يقتلون فى ~~سبيل الطغوت } أي سبيل الشيطان، أو الكهان، أو الأصنام، وتفسير ~~الطاغوت هنا بالشيطان أولى لقوله { فقتلوا أولياء ~~الشيطن إن كيد الشيطن كان ضعيفا } أي مكره، ~~ومكر من اتبعه من الكفار. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس في قوله { فانفروا ثبات } قال عصبا، يعني ~~سرايا متفرقين { أو انفروا جميعا } يعني كلكم. وأخرج أبو داود ~~في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عنه قال في سورة ~~النساء { خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا ~~جميعا } نسختها # وما كان المؤمنون لينفروا كافة # التوبة 122. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله { ثبات ~~} أي فرقا قليلا. وأخرج عن قتادة في قوله { أو انفروا جميعا } ~~أي إذا نفر نبي الله صلى الله عليه وسلم، ms0804 فليس لأحد أن يتخلف عنه. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله { وإن منكم لمن ~~ليبطئن } إلى قوله { فسوف نؤتيه أجرا عظيما } ما ~~بين ذلك في المنافقين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مقاتل بن ~~حيان في الآية قال هو فيما بلغنا عبد الله بن أبي بن سلول رأس ~~المنافقين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ابن جبير { فليقاتل } يعني ~~يقاتل المشركين { فى سبيل الله } في طاعة الله { ومن يقتل ~~فى سبيل الله فيقتل } يعني يقتله العدو { أو يغلب } ~~يعني يغلب العدو من المشركين { فسوف نؤتيه أجرا عظيما } ~~يعني جزاء وافرا في الجنة، فجعل القاتل والمقتول من المسلمين في جهاد ~~المشركين شريكين في الأجر. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله { فى ~~سبيل الله والمستضعفين } قال وفي المستضعفين. وأخرج ابن ~~جرير، عن الزهري قال وسبيل المستضعفين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~عنه من طريق العوفي عن ابن عباس قال المستضعفون أناس مسلمون كانوا بمكة ~~لا يستطيعون أن يخرجوا منها. وأخرج البخاري، عنه قال # " أنا وأمي من المستضعفين " # وأخرج ابن جرير، عنه قال القرية الظالم أهلها مكة. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~عن عائشة مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن ~~عباس قال إذا رأيتم الشيطان، فلا تخافوه، واحملوا عليه { إن كيد ~~الشيطن كان ضعيفا }. قال مجاهد كان الشيطان يتراءى لي في ~~الصلاة، فكنت أذكر قول ابن عباس، فأحمل عليه، فيذهب عني. ### || [4.77-81] # قوله { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ~~} الآية، قيل هم جماعة من الصحابة أمروا بترك القتال في مكة بعد أن ~~تسرعوا إليه. فلما كتب عليهم بالمدينة تثبطوا عن القتال من غير شك في ~~الدين بل خوفا من الموت، وفرقا من هول القتل، وقيل إنها نزلت في ~~اليهود، وقيل في المنافقين أسلموا قبل فرض القتال، فلما فرض كرهوه، وهذا ~~أشبه بالسياق لقوله { وقالوا ms0805 ربنا لم كتبت علينا ~~القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب } وقوله { وإن ~~تصبهم حسنة } الآية. ويبعد صدور مثل هذا من الصحابة. وقوله { ~~كخشية الله } صفة مصدر محذوف، أي خشية كخشية الله، أو حال، أي ~~تخشونهم مشبهين أهل خشية الله، والمصدر مضاف إلى المفعول، أي كخشيتهم ~~الله. وقوله { أو أشد خشية } معطوف على { كخشية الله } في محل ~~جر، أو معطوف على الجار والمجرور جميعا، فيكون في محل الحال كالمعطوف ~~عليه، " وأو " للتنويع على أن خشية بعضهم كخشية الله، وخشية بعضهم أشد ~~منها. قوله { وقالوا } عطف على ما يدل عليه قوله { إذا فريق ~~منهم } أي فلما كتب عليهم القتال، فاجأ فريق منهم خشية الناس { ~~وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا ~~أخرتنا } أي هلا أخرتنا، يريدون المهلة إلى وقت آخر قريب من الوقت ~~الذي فرض عليهم فيه القتال، فأمره الله سبحانه بأن يجيب عليهم، فقال { ~~قل متع الدنيا قليل } سريع الفناء لا يدوم لصاحبه، وثواب ~~الآخرة خير لكم من المتاع القليل { لمن اتقى } منكم، ورغب في ~~الثواب الدائم { ولا تظلمون فتيلا } أي شيئا حقيرا يسيرا، ~~وقد تقدم تفسير الفتيل قريبا، وإذا كنتم توفرون أجوركم، ولا تنقصون ~~شيئا منها، فكيف ترغبون عن ذلك، وتشتغلون بمتاع الدنيا مع قلته ~~وانقطاعه. وقوله { أينما تكونوا يدرككم الموت } كلام ~~مبتدأ، وفيه حث لمن قعد عن القتال خشية الموت، وبيان لفساد ما خالطه من ~~الجبن، وخامره من الخشية، فإن الموت إذا كان كائنا لا محالة فمن لم يمت ~~بالسيف مات بغيره. والبروج جمع برج وهو البناء المرتفع، والمشيدة المرفعة ~~من شاد القصر إذا رفعه، وطلاه بالشيد، وهو الجص، وجواب " لولا " محذوف ~~لدلالة ما قبله عليه. وقد اختلف في هذه البروج ما هي؟ فقيل الحصون التي ~~في الأرض، وقيل هي القصور. قال الزجاج، والقتيبي ومعنى مشيدة مطولة. ~~وقيل معناه مطلية بالشيد، وهو الجص، وقيل المراد بالبروج بروج في سماء ~~الدنيا مبنية، حكاه مكي عن مالك، وقال ألا ترى إلى قوله # والسماء ذات البروج # البروج 1 # جعل فى السماء بروجا ms0806 # الفرقان 61 # ولقد جعلنا فى السماء بروجا # الحجر 16 وقيل إن المراد بالبروج المشيدة هنا قصور من حديد. # وقرأ طلحة بن سليمان { يدرككم الموت } بالرفع على تقدير ~~الفاء، كما في قوله # وقال رائدهم أرسوا نزاولها # قوله { وإن تصبهم حسنة } هذا، وما بعده مختص بالمنافقين، أي ~~إن تصبهم نعمة نسبوها إلى الله تعالى، وإن تصبهم بلية، ونقمة نسبوها إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد الله ذلك عليهم بقوله { قل كل ~~من عند الله } ليس، كما تزعمون، ثم نسبهم إلى الجهل، وعدم الفهم، ~~فقال { فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ~~} أي ما بالهم هكذا. قوله { ما أصبك من حسنة فمن ~~الله } هذا الخطاب إما لكل من يصلح له من الناس، أو لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تعريضا لأمته، أي ما أصابك من خصب، ورخاء، وصحة، وسلامة، ~~فمن الله بفضله، ورحمته، وما أصابك من جهد، وبلاء وشدة، فمن نفسك بذنب ~~أتيته، فعوقبت عليه. وقيل إن هذا من كلام الذين لا يفقهون حديثا، أي ~~فيقولون ما أصابك من حسنة، فمن الله. وقيل إن ألف الاستفهام مضمرة، أي ~~أفمن نفسك، ومثله قوله تعالى # وتلك نعمة تمنها على # الشعراء 22 والمعنى، أو تلك نعمة، ومثله قوله # فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربى # الأنعام 77 أي أهذا ربي، ومنه قول أبي خراش الهذلي # رموني وقالوا يا خويلد لم ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم # أي أهم هم؟ وهذا خلاف الظاهر، وقد ورد في الكتاب العزيز ما يفيد مفاد ~~هذه الآية، كقوله تعالى # وما أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير # الشورى 30، وقوله # أو لما أصبتكم مصيبة قد أصبتم مثليها ~~قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم # آل عمران 165. وقد يظن أن قوله # وما أصبك من سيئة فمن نفسك # مناف لقوله { قل كل من عند الله } ولقوله # وما أصبكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله # آل عمران 166، وقوله # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # الأنبياء 35 وقوله # وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا ms0807 مرد له وما ~~لهم من دونه من وال # الرعد 11 وليس الأمر كذلك، فالجمع ممكن، كما هو مقرر في مواطنه. قوله { ~~وأرسلنك للناس رسولا } فيه البيان لعموم رسالته صلى الله ~~عليه وسلم إلى الجميع، كما يفيده التأكيد بالمصدر، والعموم في الناس، ~~ومثله قوله # وما أرسلنك إلا كافة للناس # سبأ 28، وقوله # قل يأيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا # الأعراف 158 # وكفى بالله شهيدا # الفتح 28 على ذلك. قوله { من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله } فيه أن طاعة الرسول طاعة لله، وفي هذا من النداء بشرف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وعلو شأنه، وارتفاع مرتبته ما لا يقادر قدره، ~~ولا يبلغ مداه، ووجهه أن الرسول لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهي ~~إلا عما نهى الله عنه { ومن تولى } أي أعرض { فما ~~أرسلنك عليهم حفيظا } أي حافظا لأعمالهم، إنما عليك ~~البلاغ، وقد نسخ هذا بآية السيف { ويقولون طاعة } بالرفع على ~~أنها خبر مبتدأ محذوف، أي أمرنا طاعة، أو شأننا طاعة. # وقرأ الحسن، والجحدري، ونصر بن عاصم بالنصب على المصدر، أي نطيع طاعة، ~~وهذه في المنافقين في قول أكثر المفسرين، أي يقولون إذا كانوا عندك طاعة ~~{ وإذا برزوا من عندك } أي خرجوا من عندك. { بيت ~~طائفة منهم } أي زورت طائفة من هؤلاء القائلين غير الذي تقول ~~لهم أنت، وتأمرهم به، أو غير الذي تقول لك هي من الطاعة لك وقيل معناه ~~غيروا وبدلوا وحرفوا قولك فيما عهدت إليهم، والتبييت التبديل، ومنه قول ~~الشاعر # أتوني فلم أرض ما بيتوا وكانوا أتوني بأمر نكر # يقال بيت الرجل الأمر إذا دبره ليلا، ومنه قوله تعالى # إذ يبيتون ما لا يرضى من القول # النساء 108 { والله يكتب ما يبيتون } أي يثبته في صحائف ~~أعمالهم ليجازيهم عليه. وقال الزجاج المعنى ينزله عليك في الكتاب. قوله { ~~فأعرض عنهم } أي دعهم وشأنهم حتى يمكن الانتقام منهم وقيل معناه ~~لا تخبر بأسمائهم. وقيل معناه لا تعاقبهم. ثم أمره بالتوكل عليه، والثقة ~~به في النصر على عدوه، قيل ms0808 وهذا منسوخ بآية السيف. وقد أخرج النسائي، ~~وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس ~~أن عبد الرحمن بن عوف، وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقالوا يا نبي الله كنا في عزة، ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة؟ فقال # " إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم " # ، فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله { ألم ~~تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم } الآية. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في تفسير الآية نحوه. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد ~~أنها نزلت في اليهود. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ~~ابن عباس في قوله { فلما كتب عليهم القتال إذا فريق ~~} الآية، قال نهى الله هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، عن السدي في قوله { إلى أجل قريب } قال هو الموت. ~~وأخرجا نحوه، عن ابن جريج. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~عن قتادة { فى بروج مشيدة } قال في قصور محصنة. وأخرج ابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~عن أبي العالية قال هي قصور في السماء. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، ~~عن سفيان نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن قتادة في قوله { وإن ~~تصبهم حسنة } يقول نعمة { وإن تصبهم سيئة } قال ~~مصيبة { قل كل من عند الله } قال النعم والمصائب. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله { وإن ~~تصبهم حسنة } قال هذه في السراء والضراء، وفي قوله { ما ~~أصبك من حسنة } قال هذه في الحسنات والسيئات، وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { قل كل ~~من عند الله } يقول الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم ~~بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها، وفي قوله { وما أصبك من ~~سيئة } قال ما ms0809 أصابه يوم أحد أن شج وجهه، وكسرت رباعيته. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، من طريق العوفي عنه في قوله { وما أصبك من سيئة ~~فمن نفسك } قال هذا يوم أحد يقول ما كانت من نكبة فبذنبك، وأنا ~~قدرت ذلك. وأخرج ابن المنذر من طريق مجاهد أن ابن عباس كان يقرأ " وما ~~أصبك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك " قال ~~مجاهد وكذلك قراءة أبي، وابن مسعود. وأخرج نحو قول مجاهد هذا ابن ~~الأنباري في المصاحف. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ~~ابن عباس في قوله { ويقولون طاعة } قال هم أناس كانوا يقولون عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا بالله ورسوله ليأمنوا على دمائهم ~~وأموالهم { فإذا برزوا } من عند رسول الله { بيت طائفة ~~منهم } يقول خالفوا إلى غير ما قالوا عنده، فعابهم الله. وأخرج ابن ~~جرير، عنه قال غير أولئك ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم. ### || [4.82-83] # الهمزة في قوله { أفلا يتدبرون } للإنكار، والفاء للعطف على ~~مقدر، أي أيعرضون عن القرآن، فلا يتدبرونه. يقال تدبرت الشيء تفكرت في ~~عاقبته وتأملته، ثم استعمل في كل تأمل، والتدبير أن يدبر الإنسان أمره ~~كأنه ينظر إلى ما تصير إليه عاقبته، ودلت هذه الآية، وقوله تعالى # أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها # محمد 24 على وجوب التدبر للقرآن ليعرف معناه. والمعنى أنهم لو تدبروه حق ~~تدبره لوجدوه مؤتلفا غير مختلف، صحيح المعاني، قوي المباني، بالغا في ~~البلاغة إلى أعلى درجاتها { ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلفا كثيرا } أي تفاوتا وتناقضا، ولا ~~يدخل في هذا اختلاف مقادير الآيات، والسور لأن المراد اختلاف التناقض ~~والتفاوت، وعدم المطابقة للواقع، وهذا شأن كلام البشر لا سيما إذا طال، ~~وتعرض قائله للإخبار بالغيب، فإنه لا يوجد منه صحيحا مطابقا للواقع ~~إلا القليل النادر. قوله { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو ~~الخوف أذاعوا به } يقال أذاع الشيء وأذاع به إذا أفشاه، ~~وأظهره، وهؤلاء هم جماعة من ضعفة المسلمين كانوا إذا سمعوا شيئا ms0810 من أمر ~~المسلمين فيه أمن نحو ظفر المسلمين، وقتل عدوهم، أو فيه خوف نحو هزيمة ~~المسلمين وقتلهم أفشوه، وهم يظنون أنه لا شيء عليهم في ذلك. قوله { ~~ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم } ~~وهم أهل العلم والعقول الراجحة الذين يرجعون إليهم في أمورهم أو هم ~~الولاة عليهم { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } أي ~~يستخرجونه بتدبيرهم وصحة عقولهم. والمعنى أنهم لو تركوا الإذاعة للأخبار ~~حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يذيعها، أو يكون أولي الأمر ~~منهم هم الذين يتولون ذلك لأنهم يعلمون ما ينبغي أن يفشى، وما ينبغي أن ~~يكتم. والاستنباط مأخوذ من استنبطت الماء إذا استخرجته. والنبط الماء ~~المستنبط أول ما يخرج من ماء البئر عند حفرها. وقيل إن هؤلاء الضعفة ~~كانوا يسمعون إرجافات المنافقين على المسلمين فيذيعونها، فتحصل بذلك ~~المفسدة. قوله { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~لاتبعتم الشيطن إلا قليلا } أي لولا ما تفضل الله به ~~عليكم من إرسال رسوله، وإنزال كتابه لاتبعتم الشيطان، فبقيتم على كفركم ~~إلا قليلا منكم، أو إلا اتباعا قليلا منكم، وقيل المعنى أذاعوا به إلا ~~قليلا منهم، فإنه لم يذع ولم يفش. قاله الكسائي، والأخفش، والفراء، وأبو ~~عبيدة، وأبو حاتم، وابن جرير. وقيل المعنى لعلمه الذين يستنبطونه إلا ~~قليلا منهم، قاله الزجاج. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة { ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلفا كثيرا } يقول إن قول الله لا ~~يختلف، وهو حق ليس فيه باطل، وإن قول الناس يختلف. # وأخرج عبد بن حميد، ومسلم، وابن أبي حاتم، من طريق ابن عباس، عن عمر بن ~~الخطاب قال لما اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه دخلت المسجد، فوجدت ~~الناس ينكتون بالحصا، ويقولون طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، ~~فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي لم يطلق نساءه، ونزلت هذه الآية ~~{ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ~~ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر ms0811 منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم } فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في الآية، قال هذا في الإخبار ~~إذا غزت سرية من المسلمين أخبر الناس عنها، فقالوا أصاب المسلمون من ~~عدوهم كذا وكذا، وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا، فأفشوه بينهم من غير ~~أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو يخبرهم به. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ~~الضحاك { وإذا جاءهم } قال هم أهل النفاق. وأخرج ابن جرير، عن أبي ~~معاذ مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في ~~قوله { ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم ~~الشيطن } قال فانقطع الكلام. وقوله { إلا قليلا } فهو في ~~أول الآية يخبر عن المنافقين قال { وإذا جاءهم أمر من ~~الأمن أو الخوف أذاعوا به } { إلا قليلا } يعني ~~بالقليل المؤمنين. ### || [4.84-87] # الفاء في قوله { فقاتل } قيل هي متعلقة بقوله # ومن يقتل فى سبيل الله # النساء 74 الخ، أي من أجل هذا فقاتل، وقيل متعلقة بقوله # وما لكم لا تقتلون فى سبيل الله # النساء 75 فقاتل وقيل هي جواب شرط محذوف يدل عليه السياق تقديره إذا كان ~~الأمر ما ذكر من عدم طاعة المنافقين فقاتل، أو إذا أفردوك وتركوك فقاتل. ~~قال الزجاج أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد، وإن قاتل وحده ~~لأنه قد ضمن له النصر. قال ابن عطية هذا ظاهر اللفظ، إلا أنه لم يجيء في ~~خبر قط أن القتال فرض عليه دون الأمة. فالمعنى والله أعلم أنه خطاب له في ~~اللفظ، وفي المعنى له ولأمته، أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك يقال له { ~~فقاتل فى سبيل الله لا تكلف إلا نفسك } أي لا ~~تكلف إلا نفسك، ولا تلزم فعل غيرك، وهو استئناف مقرر لما قبله لأن ~~اختصاص تكليفه بفعل نفسه من موجبات مباشرته للقتال وحده. وقريء { لا ~~تكلف } بالجزم على النهي، وقريء بالنون. قوله { وحرض ~~المؤمنين } أي حضهم على القتال، والجهاد، يقال حرضت فلانا على ~~كذا إذا أمرته به، ms0812 وحارض فلان على الأمر وأكب عليه وواظب عليه بمعنى ~~واحد. قوله { عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا } ~~فيه إطماع للمؤمنين بكف بأس الذين كفروا عنهم، والاطماع من الله عز وجل ~~واجب، فهو وعد منه سبحانه، ووعده كائن لا محالة { والله أشد ~~بأسا } أي أشد صول وأعظم سلطانا { وأشد تنكيلا } أي عقوبة، ~~يقال نكلت بالرجل تنكيلا من النكال وهو العذاب. والمنكل الشيء الذي ينكل ~~بالإنسان. { من يشفع شفعة حسنة يكن له نصيب ~~منها } أصل الشفاعة والشفعة ونحوهما من الشفع وهو الزوج، ومنه الشفيع ~~لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعا، ومنه ناقة شفوع إذا جمعت بين محلبين في ~~حلبة واحدة، وناقة شفيع إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها. والشفع ضم واحد ~~إلى واحد، والشفعة ضم ملك الشريك إلى ملكك، فالشفاعة ضم غيرك إلى جاهك ~~ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع، واتصال منفعة ~~إلى المشفوع له. والشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة. والشفاعة السيئة ~~في المعاصي، فمن شفع في الخير لينفع فله نصيب منها، أي من أجرها، ومن شفع ~~في الشر، كمن يسعى بالنميمة والغيبة كان له كفل منها، أي نصيب من وزرها. ~~والكفل الوزر والإثم، واشتقاقه من الكساء الذي يجعله الراكب على سنام ~~البعير لئلا يسقط، يقال اكتفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساء وركبت ~~عليه لأنه لم يستعمل الظهر كله بل استعمل نصيبا منه، ويستعمل في النصيب ~~من الخير والشر. # ومن استعماله في الخير قوله تعالى # يؤتكم كفلين من رحمته # الحديد 28 { وكان الله على كل شىء مقيتا } أي مقتدرا، ~~قاله الكسائي. وقال الفراء المقيت الذي يعطي كل إنسان قوته يقال قته ~~أقوته قوتا، وأقته أقيته إقاتة، فأنا قائت ومقيت، وحكى الكسائي أقات ~~يقيت. وقال أبو عبيدة المقيت الحافظ. قال النحاس وقول أبي عبيدة أولى ~~لأنه مشتق من القوت، والقوت معناه مقدار ما يحفظ الإنسان. وقال ابن فارس ~~في المجمل المقيت المقتدر، والمقيت الحافظ والشاهد. وأما قول الشاعر # ألي الفضل أم علي إذا حو سبت إني على ms0813 الحساب مقيت # فقال ابن جرير الطبري إنه من غير هذا المعنى. قوله { وإذا حييتم ~~بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } التحية ~~تفعلة من حييت، والأصل تحيية مثل ترضية وتسمية فأدغموا الياء في الياء، ~~وأصلها الدعاء بالحياة. والتحية السلام، وهذا المعنى هو المراد هنا، ~~ومثله قوله تعالى # وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله # المجادلة 8 وإلى هذا ذهب جماعة المفسرين، وروي عن مالك أن المراد ~~بالتحية هنا تشميت العاطس. وقال أصحاب أبي حنيفة، التحية هنا الهدية ~~لقوله { أو ردوها } ولا يمكن رد السلام بعينه، وهذا فاسد لا ينبغي ~~الالتفات إليه. والمراد بقوله { فحيوا بأحسن منها } أن يزيد ~~في الجواب على ما قاله المبتدىء بالتحية، فإذا قال المبتدىء السلام ~~عليكم، قال المجيب وعليكم السلام ورحمة الله، وإذا زاد المبتدىء لفظا ~~زاد المجيب على جملة ما جاء به المبتدىء لفظا أو ألفاظا نحو وبركاته، ~~ومرضاته، وتحياته. قال القرطبي أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سنة ~~مرغب فيها، ورده فريضة لقوله { فحيوا بأحسن منها أو ~~ردوها } واختلفوا إذا رد واحد من جماعة هل يجزىء أو لا؟ فذهب مالك، ~~والشافعي إلى الإجزاء، وذهب الكوفيون إلى أنه لا يجزىء عن غيره، ويرد ~~عليهم حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " يجزىء عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزىء عن الجلوس أن يرد ~~أحدهم " # أخرجه أبو داود، وفي إسناده سعيد بن خالد الخزاعي المدني، وليس به بأس، ~~وقد ضعفه بعضهم. وقد حسن الحديث ابن عبد البر. ومعنى قوله { أو ~~ردوها } الاقتصار على مثل اللفظ الذي جاء به المبتدىء، فإذا قال ~~السلام عليكم، قال المجيب وعليكم السلام. وقد ورد في السنة المطهرة في ~~تعيين من يبتدىء بالسلام، ومن يستحق التحية ومن لا يستحقها ما يغني عن ~~البسط هاهنا. قوله { إن الله كان على كل شىء حسيبا } ~~يحاسبكم على كل شيء وقيل معناه حفيظا وقيل كافيا، قولهم أحسبني كذا أي ~~كفاني، ومثله # حسبك الله # الأنفال 62، 64. قوله { الله لا إله إلا هو } مبتدأ وخبر، ~~واللام ms0814 في قوله { ليجمعنكم } جواب قسم محذوف، أي والله ليجمعنكم ~~الله بالحشر إلى يوم القيامة، أي إلى حساب يوم القيامة وقيل " إلى " ~~بمعنى في، وقيل إنها زائدة. # والمعنى ليجمعنكم يوم القيامة، و { يوم القيمة } يوم القيام ~~من القبور { لا ريب فيه } أي في يوم القيامة، أو في الجمع، أي ~~جمعا لا ريب فيه { ومن أصدق من الله حديثا } إنكار لأن ~~يكون أحد أصدق منه سبحانه. وقرأ حمزة، والكسائي، «ومن أزدق» بالزاي. وقرأ ~~الباقون بالصاد، والصاد الأصل. وقد تبدل زايا لقرب مخرجها منها. وقد ~~أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي سنان في قوله { وحرض ~~المؤمنين } قال عظهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله { من يشفع شفعة حسنة } ~~الآية، قال شفاعة الناس بعضهم لبعض. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله { يكن له نصيب منها ~~} قال حظ منها. وقوله { كفل منها } قال الكفل هو الإثم. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي قال الكفل الحظ. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس في قوله { وكان الله ~~على كل شىء مقيتا } قال حفيظا. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن عبد الله بن رواحة أنه سأله رجل، عن قول الله { وكان الله ~~على كل شىء مقيتا } قال يقيت كل إنسان بقدر عمله. وفي إسناده ~~رجل مجهول. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~عن مجاهد في قوله { مقيتا } قال شهيدا. وأخرج ابن جرير عنه { ~~مقيتا } قال شهيدا حسيبا حفيظا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن ~~جبير في قوله { مقيتا } قال قادرا. وأخرج ابن جرير، عن السدي قال ~~المقيت القدير. وأخرج أيضا، عن ابن زيد مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ~~الضحاك قال المقيت الرزاق. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب ~~المفرد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال من ms0815 سلم ~~عليك من خلق الله، فاردد عليه، وإن كان يهوديا، أو نصرانيا، أو ~~مجوسيا، ذلك بأن الله يقول { وإذا حييتم بتحية } الآية. ~~وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، ~~وابن مردويه. قال السيوطي بسند حسن عن سلمان الفارسي قال «جاء رجل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال السلام عليك يا رسول الله، فقال # " وعليك ورحمة الله " # ، ثم أتى آخر، فقال السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال وعليك ~~ورحمة الله وبركاته، ثم جاء آخر، فقال السلام عليك ورحمة الله وبركاته، ~~فقال له # " وعليك " # ، فقال له الرجل يا نبي الله، بأبي أنت وأمي أتاك فلان وفلان فسلما ~~عليك، فرددت عليهما أكثر مما رددت علي؟ فقال # " إنك لم تدع لنا شيئا، قال الله { وإذا حييتم بتحية ~~فحيوا بأحسن منها أو ردوها } فرددناها عليك " # وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن أبي هريرة أن رجلا مر على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وهو في مجلس، فقال سلام عليكم، فقال # " عشر حسنات " # ، فمر رجل آخر، فقال السلام عليكم ورحمة الله، فقال عشرون حسنة، فمر ~~رجل آخر، فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال # " ثلاثون حسنة " # وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر مرفوعا نحوه. وأخرج البيهقي، ~~عن سهل بن حنيف مرفوعا نحوه أيضا. وأخرج أحمد، والدارمي، وأبو داود، ~~والترمذي وحسنه، والنسائي، والبيهقي، عن عمران بن حصين مرفوعا نحوه ~~أيضا، وزاد بعد كل مرة أن النبي صلى الله عليه وسلم رد عليه، ثم قال # " عشر " # إلى آخره. وأخرج أبو داود، والبيهقي عن معاذ بن أنس الجهني مرفوعا ~~نحوه. وزاد بعد قوله وبركاته ومغفرته، فقال # " أربعون " # ، يعني حسنة. ### || [4.88-91] # الاستفهام في قوله { مالكم } للإنكار، واسم الاستفهام مبتدأ، وما ~~بعده خبره. والمعنى أي شيء كائن لكم { فى المنفقين } أي في ~~أمرهم وشأنهم حال كونكم { فئتين } في ذلك. وحاصله الإنكار على ~~المخاطبين أن يكون لهم شيء يوجب اختلافهم في شأن المنافقين. وقد اختلف ~~النحويون في انتصاب فئتين، فقال الأخفش، والبصريون ms0816 على الحال، كقولك مالك ~~قائما. وقال الكوفيون انتصابه على أنه خبر لكان، وهي مضمرة، والتقدير ~~فما لكم في المنافقين كنتم فئتين. وسبب نزول الآية ما سيأتي وبه يتضح ~~المعنى. وقوله { والله أركسهم } معناه ردهم إلى الكفر { بما ~~كسبوا } وحكى الفراء، والنضر بن شميل، والكسائي أركسهم وركسهم، أي ~~ردهم إلى الكفر، ونكسهم، فالركس والنكس قلب الشيء على رأسه، أو رد أوله ~~إلى آخره، والمنكوس المركوس، وفي قراءة عبد الله بن مسعود وأبي " ~~والله ركسهم } ومنه قول عبد الله بن رواحة # اركسوا في فئة مظلمة كسواد الليل يتلوها فتن # والباء في قوله { بما } سببية، أي أركسهم بسبب كسبهم، وهو لحوقهم بدار ~~الكفر. والاستفهام في قوله { أتريدون أن تهدوا من أضل ~~الله } للتقريع والتوبيخ، وفيه دليل على أن من أضله الله لا تنجع فيه ~~هداية البشر # إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من ~~يشآء # القصص 56 قوله { ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } ~~أي طريقا إلى الهداية. قوله { ودوا لو تكفرون كما ~~كفروا فتكونون سواء } هذا كلام مستأنف يتضمن بيان حال هؤلاء ~~المنافقين، وإيضاح أنهم يودون أن يكفر المؤمنون كما كفروا، ويتمنوا ذلك ~~عنادا وغلوا في الكفر وتماديا في الضلال، فالكاف في قوله { كما } ~~نعت مصدر محذوف، أي كفرا مثل كفرهم، أو حال، كما روي عن سيبويه. قوله { ~~فتكونون سواء } عطف على قوله { تكفرون } داخل في حكمه، أي ~~ودوا كفركم ككفرهم، وودوا مساواتكم لهم. قوله { فلا تتخذوا ~~منهم أولياء } جواب شرط محذوف، أي إذا كان حالهم ما ذكر فلا ~~تتخذوا منهم أولياء حتى يؤمنوا، ويحققوا إيمانهم بالهجرة { فإن ~~تولوا } عن ذلك { فخذوهم } إذا قدرتم عليهم { واقتلوهم ~~حيث وجدتموهم } في الحل والحرم { ولا تتخذوا منهم ~~وليا } توالونه { ولا نصيرا } تستنصرون به. قوله { إلا ~~الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثق } ~~هو مستثنى من قوله { فخذوهم واقتلوهم } أي إلا الذين يتصلون، ~~ويدخلون في قوم بينكم وبينهم ميثاق بالجوار والحلف، فلا تقتلوهم لما ~~بينهم وبين من بينكم وبينهم عهد وميثاق، فإن العهد يشملهم. ms0817 هذا أصح ما ~~قيل في معنى الآية. وقيل الاتصال هنا هو اتصال النسب. # والمعنى إلا الذين ينتسبون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، قاله أبو عبيدة، ~~وقد أنكر ذلك أهل العلم عليه لأن النسب لا يمنع من القتال بالإجماع، فقد ~~كان بين المسلمين وبين المشركين أنساب، ولم يمنع ذلك من القتال. وقد ~~اختلف في هؤلاء القوم الذين كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ميثاق، فقيل هم قريش كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق { ~~والذين يصلون } إلى قريش هم بنو مدلج. وقيل نزلت في هلال بن ~~عويمر، وسراقة بن جعشم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف، كان بينهم وبين ~~النبي صلى الله عليه وسلم عهد. وقيل خزاعة. وقيل بنو بكر بن زيد. قوله { ~~أو جاءوكم حصرت صدورهم } عطف على قوله { يصلون } داخل ~~في حكم الاستثناء، أي إلا الذين يصلون، والذين جاءوكم، ويجوز أن يكون ~~عطفا على صفة قوم، أي إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، ~~والذين يصلون إلى قوم جاءوكم حصرت صدورهم، أي ضاقت صدورهم، عن القتال، ~~فأمسكوا عنه والحصر الضيق، والانقباض. قال الفراء وهو أي { حصرت صدورهم } ~~حال من المضمر المرفوع في جاءوكم، كما تقول جاء فلان ذهب عقله، أي قد ذهب ~~عقله. وقال الزجاج هو خبر بعد خبر، أي جاءوكم. ثم أخبر، فقال { حصرت ~~صدورهم } فعلى هذا يكون حصرت بدلا من جاءوكم، وقيل حصرت في موضع خفض ~~على النعت لقوم. وقيل التقدير أو جاءوكم رجال، أو قوم حصرت صدورهم. وقرأ ~~الحسن " أو جاءوكم حصرة صدورهم " نصبا على الحال. وقرىء " ~~حصرات، وحاصرات ". وقال محمد بن يزيد المبرد حصرت صدورهم هو دعاء عليهم، ~~كما تقول لعن الله الكافر، وضعفه بعض المفسرين، وقيل " أو " بمعنى " ~~الواو ". وقوله { أن يقاتلونكم أو يقتلوا قومهم } هو متعلق ~~بقوله { حصرت صدورهم } أي حصرت صدورهم عن قتالكم، والقتال معكم ~~لقومهم، فضاقت صدورهم عن قتال الطائفتين، وكرهوا ذلك { ولو شاء ~~الله لسلطهم عليكم } ابتلاء منه لكم، واختبارا، كما قال ~~سبحانه # ولنبلونكم ms0818 حتى نعلم المجهدين منكم ~~والصبرين ونبلو أخبركم # محمد 31 أو تمحيصا لكم، أو عقوبة بذنوبكم، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك، ~~واللام في قوله { فلقتلوكم } جواب لو على تكرير الجواب، أي لو ~~شاء الله لسلطهم ولقاتلوكم، والفاء للتعقيب { فإن اعتزلوكم } ~~ولم يتعرضوا لقتالكم { وألقوا إليكم السلم } أي استسلموا ~~لكم، وانقادوا { فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } أي ~~طريقا، فلا يحل لكم قتلهم، ولا أسرهم ولا سلب أموالهم، فهذا الاستسلام ~~يمنع من ذلك ويحرمه { ستجدون ءاخرين يريدون أن ~~يأمنوكم ويأمنوا قومهم } فيظهرون لكم الإسلام، ويظهرون ~~لقومهم الكفر ليأمنوا من كلا الطائفتين، وهم قوم من أهل تهامة طلبوا ~~الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمنوا عنده، وعند قومهم. # وقيل هي في قوم من أهل مكة. وقيل في نعيم بن مسعود، فإنه كان يأمن ~~المسلمين والمشركين. وقيل في قوم من المنافقين. وقيل في أسد وغطفان { ~~كلما ردوا إلى الفتنة } أي دعاهم قومهم إليها، وطلبوا ~~منهم قتال المسلمين { أركسوا فيها } أي قلبوا فيها، فرجعوا إلى ~~قومهم، وقاتلوا المسلمين، ومعنى الارتكاس الانتكاس { فإن لم ~~يعتزلوكم } يعني هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم، ويأمنوا قومهم { ~~ويلقوا إليكم السلم } أي يستسلمون لكم، ويدخلون في عهدكم ~~وصلحكم، وينسلخون عن قومهم { ويكفوا أيديهم } عن قتالكم { ~~فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم } أي حيث وجدتموهم ~~وتمكنتم منهم { وأولئكم } الموصوفون بتلك الصفات { جعلنا ~~لكم عليهم سلطنا مبينا } أي حجة واضحة تتسلطون بها ~~عليهم، وتقهرونهم بها بسبب ما في قلوبهم من المرض، وما في صدورهم من ~~الدغل، وارتكاسهم في الفتنة بأيسر عمل، وأقل سعي. وقد أخرج البخاري، ~~ومسلم، وغيرهما من حديث زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ~~إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيهم فرقتين، فرقة تقول نقتلهم، وفرقة تقول لا، فأنزل الله { فما ~~لكم فى المنفقين فئتين } الآية كلها. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " وإنها طيبة، وإنها تنفي الخبث، كما تنفي النار خبث الفضة " # هذا أصح ما روي ms0819 في سبب نزول الآية، وقد رويت أسباب غير ذلك. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس { والله أركسهم ~~} يقول أوقعهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال ردهم. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { إلا الذين يصلون ~~إلى قوم بينكم وبينهم ميثق } قال نزلت في هلال بن ~~عويمر، وسراقة بن مالك المدلجي، وفي بني خزيمة بن عامر بن عبد مناف. ~~وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والبيهقي ~~في سننه عنه في قوله { إلا الذين يصلون } الآية، قال نسختها ~~براءة { فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم } التوبة 5. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن السدي { حصرت صدورهم } يقول ضاقت ~~صدورهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع { وألقوا ~~إليكم السلم } قال الصلح. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله { فإن اعتزلوكم } ~~الآية، قال نسختها # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # التوبة 5 وأخرج ابن جرير، عن الحسن، وعكرمة في هذه الآية قال نسختها ~~براءة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~مجاهد في قوله { ستجدون ءاخرين } الآية، قال ناس من أهل مكة ~~كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى ~~قومهم، فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر ~~بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصالحوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة أنهم ناس كانوا بتهامة. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، عن السدي أنها نزلت في نعيم ابن مسعود. ### || [4.92-93] # قوله { وما كان لمؤمن } هذا النفي هو بمعنى النهي المقتضي ~~للتحريم كقوله # وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله # الأحزاب 53 ولو كان هذا النفي على معناه لكان خبرا، وهو يستلزم صدقه، ~~فلا يوجد مؤمن قتل مؤمنا قط وقيل المعنى ما كان له ذلك في عهد الله، ~~وقيل ما كان ms0820 له ذلك فيما سلف، كما ليس له الآن ذلك بوجه، ثم استثنى منه ~~استثناء منقطعا فقال إلا خطأ، أي ما كان له أن يقتله البتة، لكن إن قتله ~~خطأ فعليه كذا، هذا قول سيبويه، والزجاج، وقيل هو استثناء متصل والمعنى ~~وما ثبت، ولا وجد، ولا ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ إذ هو مغلوب ~~حينئذ، وقيل المعنى ولا خطأ. قال النحاس ولا يعرف ذلك في كلام العرب، ولا ~~يصح في المعنى لأن الخطأ لا يحظر وقيل إن المعنى ما ينبغي أن يقتله لعلة ~~من العلل إلا للخطأ وحده، فيكون قوله خطأ منتصبا بأنه مفعول له، ويجوز ~~أن ينتصب على الحال، والتقدير لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال ~~الخطأ، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي إلا قتلا خطأ، ووجوه الخطأ ~~كثيرة، ويضبطها عدم القصد، والخطأ الاسم من أخطأ خطأ إذا لم يتعمد. قوله ~~{ فتحرير رقبة مؤمنة } أي فعليه تحرير رقبة مؤمنة يعتقها ~~كفارة عن قتل الخطأ، وعبر بالرقبة عن جميع الذات. واختلف العلماء في ~~تفسير الرقبة المؤمنة، فقيل هي التي صلت، وعقلت الإيمان فلا تجزىء ~~الصغيرة، وبه قال ابن عباس، والحسن، والشعبي، والنخعي، وقتادة، وغيرهم. ~~وقال عطاء بن أبي رباح إنها تجزىء الصغيرة المولودة بين مسلمين. وقال ~~جماعة منهم مالك، والشافعي يجزيء كل من حكم له بوجوب الصلاة عليه إن مات، ~~ولا يجزيء في قول جمهور العلماء أعمى، ولا مقعد، ولا أشل، ويجزيء عند ~~الأكثر الأعرج، والأعور. قال مالك إلا أن يكون عرجا شديدا. ولا يجزيء ~~عند أكثرهم المجنون، وفي المقام تفاصيل طويلة مذكورة في علم الفروع. قوله ~~{ ودية مسلمة إلى أهله } الدية ما تعطى عوضا عن دم ~~المقتول إلى ورثته، والمسلمة المدفوعة المؤداة، والأهل المراد بهم ~~الورثة، وأجناس الدية، وتفاصيلها قد بينتها السنة المطهرة. قوله { إلا ~~أن يصدقوا } أي إلا أن يتصدق أهل المقتول على القاتل بالدية، ~~سمي العفو عنها صدقة ترغيبا فيه. وقرأ أبي إلا يتصدقوا، وهذه الجملة ~~المستثناة متعلقة بقوله { فدية مسلمة } أي ms0821 فعليه دية مسلمة ~~إلا أن يقع العفو من الورثة عنها. قوله { فإن كان من قوم عدو ~~لكم } أي فإن كان المقتول من قوم عدو لكم، وهم الكفار الحربيون، ~~وهذه مسئلة المؤمن الذي يقتله المسلمون في بلاد الكفار الذين كان منهم، ~~ثم أسلم، ولم يهاجر، وهم يظنون أنه لم يسلم، وأنه باق على دين قومه، فلا ~~دية على قاتله بل عليه تحرير رقبة مؤمنة. # واختلفوا في وجه سقوط الدية، فقيل وجهه أن أولياء القتيل كفار لا حق لهم ~~في الدية، وقيل وجهه أن هذا الذي آمن، ولم يهاجر حرمته قليلة لقول الله ~~تعالى # والذين ءامنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ # الأنفال 72 وقال بعض أهل العلم إن ديته واجبة لبيت المال. قوله { وإن ~~كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } أي مؤقت أو مؤبد. ~~وقرأ الحسن " وهو مؤمن فدية مسلمة إلى أهله " أي ~~فعلى قاتله دية مؤداة إلى أهله من أهل الإسلام، وهم ورثته { وتحرير ~~رقبة مؤمنة } كما تقدم { فمن لم يجد } أي الرقبة، ولا ~~اتسع ماله لشرائها { فصيام شهرين متتابعين } أي فعليه ~~صيام شهرين متتابعين، لم يفصل بين يومين من أيام صومهما إفطار في نهار، ~~فلو أفطر استأنف، هذا قول الجمهور، وأما الإفطار لعذر شرعي كالحيض ونحوه ~~فلا يوجب الاستئناف. واختلف في الإفطار لعرض المرض. قوله { توبة من ~~الله } منصوب على أنه مفعول له، أي شرع ذلك لكم توبة، أي قبولا ~~لتوبتكم، أو منصوب على المصدرية، أي تاب عليكم توبة، وقيل منصوب على ~~الحال أي حال كونه ذا توبة كائنة من الله. قوله { ومن يقتل ~~مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم } لما بين سبحانه حكم ~~القاتل خطأ بين حكم القاتل عمدا. وقد اختلف العلماء في معنى العمد، فقال ~~عطاء، والنخعي، وغيرهما هو القتل بحديدة كالسيف، والخنجر، وسنان الرمح، ~~ونحو ذلك من المحدد، أو بما يعلم أن فيه الموت من ثقال الحجارة ونحوها. ~~وقال الجمهور إنه كل قتل من قاتل قاصد للفعل بحديدة، أو بحجر، أو بعصى، ~~أو بغير ذلك، وقيده بعض ms0822 أهل العلم بأن يكون بما يقتل مثله في العادة. وقد ~~ذهب بعض أهل العلم إلى أن القتل ينقسم إلى ثلاثة أقسام عمد، وشبه عمد، ~~وخطأ. واستدلوا على ذلك بأدلة ليس هذا مقام بسطها. وذهب آخرون إلى أنه ~~ينقسم إلى قسمين عمد، وخطأ ولا ثالث لهما. واستدلوا بأنه ليس في القرآن ~~إلا القسمان. ويجاب عن ذلك بأن اقتصار القرآن على القسمين لا ينفي ثبوت ~~قسم ثالث بالسنة، وقد ثبت ذلك في السنة. وقد جاءت هذه الآية بتغليظ عقوبة ~~القاتل عمدا، فجمع الله له فيها بين كون جهنم جزاء له، أي يستحقها بسبب ~~هذا الذنب، وبين كونه خالدا فيها، وبين غضب الله عليه، ولعنته له، ~~وإعداده له عذابا عظيما. وليس وراء هذا التشديد تشديد، ولا مثل هذا ~~الوعيد وعيد. وانتصاب خالدا على الحال. # وقوله { وغضب الله عليه } معطوف على مقدر، يدل عليه السياق، ~~أي جعل جزاءه جهنم، أو حكم عليه أو جازاه وغضب عليه وأعد له. وقد اختلف ~~العلماء هل لقاتل العمد من توبة أم لا توبة له؟ فروى البخاري عن سعيد بن ~~جبير قال اختلف فيها علماء أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عباس، فسألته ~~عنها، فقال نزلت هذه الآية { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } ~~وهي آخر ما نزل، وما نسخها شيء. وقد روى النسائي عنه نحو هذا. وروى ~~النسائي، عن زيد بن ثابت نحوه، وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف أبو ~~هريرة، وعبد الله بن عمرو، وأبو سلمة، وعبيد بن عمير، والحسن، وقتادة، ~~والضحاك ابن مزاحم، نقله ابن أبي حاتم، عنهم. وذهب الجمهور إلى أن التوبة ~~منه مقبولة، واستدلوا بمثل قوله تعالى # إن الحسنت يذهبن السيئت # هود 114 وقوله # وهو الذى يقبل التوبة عن عباده # الشورى 25. وقوله # ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء # النساء 48، قالوا أيضا والجمع ممكن بين آية النساء هذه، وآية الفرقان، ~~فيكون معناهما فجزاؤه جهنم إلا من تاب، لا سيما، وقد اتحد السبب، وهو ~~القتل، والموجب، وهو التوعد بالعقاب. واستدلوا أيضا بالحديث المذكور في ~~الصحيحين، ms0823 عن عبادة بن الصامت أنه صلى الله عليه وسلم قال # " بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق " # ، ثم قال # " فمن أصاب من ذلك شيئا، فستره الله، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن ~~شاء عذبه " # وبحديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم في صحيحه، وغيره في الذي قتل مائة نفس ~~وذهب جماعة منهم أبو حنيفة، وأصحابه، والشافعي إلى أن القاتل عمدا داخل ~~تحت المشيئة تاب أو لم يتب. وقد أوضحت في شرحي على المنتقى مستمسك كل ~~فريق. والحق أن باب التوبة لم يغلق دون كل عاص، بل هو مفتوح لكل من قصده ~~ورام الدخول منه، وإذا كان الشرك، وهو أعظم الذنوب وأشدها تمحوه التوبة ~~إلى الله، ويقبل من صاحبه الخروج منه، والدخول في باب التوبة، فكيف بما ~~دونه من المعاصي التي من جملتها القتل عمدا؟ لكن لا بد في توبة قاتل ~~العمد من الاعتراف بالقتل، وتسليم نفسه للقصاص إن كان واجبا، أو تسليم ~~الدية إن لم يكن القصاص واجبا، وكان القاتل غنيا متمكنا من تسليمها، ~~أو بعضها. وأما مجرد التوبة من القاتل عمدا، وعزمه على أن لا يعود إلى ~~قتل أحد من دون اعتراف، ولا تسليم نفس، فنحن لا نقطع بقبولها، والله أرحم ~~الراحمين، هو الذي يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون. وقد أخرج عبد ~~بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله { وما كان ~~لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا } يقول ما كان له ذلك فيما ~~أتاه من ربه من عهد الله الذي عهد إليه. # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في ~~قوله { مبينا وما كان لمؤمن } الآية. قال إن عياش بن أبي ~~ربيعة قتل رجلا مؤمنا كان يعذبه هو وأبو جهل، وهو أخوه لأمه في اتباع ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وعياش يحسب أن ذلك الرجل كافر. وأوضح من هذا ~~السياق ما أخرجه ابن جرير عن عكرمة قال كان ms0824 الحارث بن يزيد من بني عامر ~~بن لؤي يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل، ثم خرج مهاجرا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم يعني الحارث، فلقيه عياش بالحرة فعلاه بالسيف، وهو يحسب ~~أنه كافر، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فنزلت { وما ~~كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } الآية، فقرأها ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال له # " قم فحرر " # وأخرجه ابن جرير، وابن المنذر، عن السدي بأطول من هذا. وقد روي من طرق ~~غير هذه. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد قال نزلت في رجل قتله أبو الدرداء ~~كان في سرية، فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له، فوجد رجلا من ~~القوم في غنم فحمل عليه بالسيف، فقال لا إله إلا الله، فضربه. وأخرج ابن ~~منده، وأبو نعيم نحو ذلك، ولكن فيه أن الذي قتل المتعوذ بكلمة الشهادة ~~هو بكر بن حارثة الجهني. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~ابن عباس في قوله { فتحرير رقبة مؤمنة } قال يعني ~~بالمؤمنة من قد عقل الإيمان وصلى. وكل رقبة في القرآن لم تسم مؤمنة، ~~فإنه يجوز المولود فما فوقه ممن ليس به زمانة، وفي قوله { ودية ~~مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا } قال عليه الدية ~~مسلمة إلا أن يتصدق بها عليه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن قتادة ~~قال في حرف أبي «فتحرير رقبة مؤمنة لا يجزىء فيها صبي». وأخرج عبد بن ~~حميد، وأبو داود، والبيهقي، عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بجارية سوداء، فقال يا رسول الله إن علي عتق رقبة مؤمنة، فقال ~~لها # " أين الله؟ " # فأشارت إلى السماء بأصبعها، فقال لها # " فمن أنا؟ " # فأشارت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء، أي أنت رسول ~~الله، فقال # " أعتقها، فإنها مؤمنة " # وقد روي من طرق، وهو في صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي. وقد ~~وردت أحاديث في تقدير الدية، وفي الفرق بين ms0825 دية الخطأ ودية شبه العمد ~~ودية المسلم ودية الكافر، وهي معروفة، فلا حاجة لنا في ذكرها في هذا ~~الموضع. # وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن ~~إبراهيم النخعي في قوله { ودية مسلمة إلى أهله } قال ~~هذا المسلم الذي ورثته مسلمون { فإن كان من قوم عدو لكم ~~وهو مؤمن } قال هذا الرجل المسلم وقومه مشركون وليس بينهم وبين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد { وإن كان من قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق } قال هذا الرجل المسلم، وقومه مشركون، وبينهم ~~وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد، فيقتل، فيكون ميراثه للمسلمين، ~~وتكون ديته لقومه لأنهم يعقلون عنه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن ~~عباس في قوله { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن } ~~يقول فإن كان في أهل الحرب، وهو مؤمن، فقتله خطأ، فعلى قاتله أن يكفر ~~بتحرير رقبة مؤمنة، أو صيام شهرين متتابعين ولا دية عليه، وفي قوله { ~~وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } يقول إذا كان ~~كافرا في ذمتكم فقتل، فعلى قاتله الدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر من طريق عطاء بن السائب عن ~~أبي عياض قال كان الرجل يجيء فيسلم، ثم يأتي قومه وهم مشركون، فيقيم ~~فيهم، فتغزوهم جيوش النبي صلى الله عليه وسلم، فيقتل الرجل فيمن يقتل ~~فأنزل الله هذه الآية { وإن كان من قوم عدو لكم وهو ~~مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة } وليست له دية. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، ~~والبيهقي في سننه من طريق عطاء بن السائب عن أبي يحيى، عن ابن عباس نحوه. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله { توبة من الله } ~~يعني تجاوزا من الله لهذه الأمة حيث جعل في قتل الخطأ الكفارة. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة أن رجلا من الأنصار قتل أخا مقيس بن ~~صبابة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الدية فقبلها، ms0826 ثم وثب على قاتل ~~أخيه، وفيه نزلت الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير نحوه، وفيه ~~أن مقيس بن صبابة لحق بمكة بعد ذلك، وارتد عن الإسلام. وأخرج ابن جرير، ~~عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية { ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~} بعد التي في سورة الفرقان بثمان سنين، وهي قوله # والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر # الفرقان 68 إلى قوله # غفورا رحيما # الفرقان 70. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والطبراني عن زيد بن ثابت أن قوله { ومن يقتل ~~مؤمنا متعمدا } نزلت بعد قوله { والذين لا يدعون ~~مع الله إلها ءاخر } بستة أشهر. وأخرج ابن المنذر عنه قال ~~نزلت هذه الآية التي في النساء بعد قوله # ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء # النساء 116 بأربعة أشهر، والآثار عن الصحابة في هذا كثيرة جدا، والحق ~~ما عرفناك. ### || [4.94] # هذا متصل بذكر الجهاد والقتال والضرب السير في الأرض، تقول العرب ضربت ~~في الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيرهما، وتقول ضربت الأرض بدون " في " ~~إذا قصدت قضاء حاجة الإنسان، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # " لا يخرج رجلان يضربان الغائط " # قوله { فتبينوا } من التبين وهو التأمل، وهي قراءة الجماعة إلا ~~حمزة، فإنه قرأ «فتثبتوا» من التثبت. واختار القراءة الأولى أبو عبيدة، ~~وأبو حاتم قالا لأن من أمر بالتبين فقد أمر بالثبت، وإنما خص السفر ~~بالأمر بالتبين، مع أن التبين والتثبت في أمر القتل واجبان حضرا، وسفرا ~~بلا خلاف لأن الحادثة التي هي سبب نزول الآية كانت في السفر، كما سيأتي. ~~قوله { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم } وقرىء ~~" السلام " ، ومعناهما واحد. واختار أبو عبيدة السلام. وخالفه أهل النظر، ~~فقالوا السلم هنا أشبه لأنه بمعنى الانقياد والتسليم. والمراد هنا لا ~~تقولوا لمن ألقى بيده إليكم واستسلم لست مؤمنا، فالسلم والسلام كلاهما ~~بمعنى الاستسلام، وقيل هما بمعنى الإسلام، أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم ~~الإسلام، أي كلمته، وهي الشهادة لست مؤمنا. وقيل هما بمعنى ms0827 التسليم الذي ~~هو تحية أهل الإسلام، أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم التسليم، فقال السلام ~~عليكم لست مؤمنا. والمراد نهى المسلمين عن أن يهملوا ما جاء به الكافر ~~مما يستدل به على إسلامه، ويقولوا إنه إنما جاء بذلك تعوذا، وتقية. وقرأ ~~أبو جعفر { لست مؤمنا } من أمنته إذا أجرته فهو مؤمن. وقد استدل ~~بهذه الآية على أن من قتل كافرا بعد أن قال لا إله إلا الله قتل به لأنه ~~قد عصم بهذه الكلمة دمه وماله وأهله، وإنما سقط القتل عمن وقع منه ذلك في ~~زمن النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم تأولوا وظنوا أن من قالها خوفا من ~~السلاح لا يكون مسلما ولا يصير بها دمه معصوما، وأنه لا بد من أن يقول ~~هذه الكلمة، وهو مطمئن غير خائف، وفي حكم التكلم بكلمة الإسلام إظهار ~~الانقياد بأن يقول أنا مسلم، أو أنا على دينكم، لما عرفت من أن معنى ~~الآية الاستسلام والانقياد، وهو يحصل بكل ما يشعر بالإسلام من قول أو ~~فعل، ومن جملة ذلك كلمة الشهادة وكلمة التسليم، فالقولان الآخران في معنى ~~الآية داخلان تحت القول الأول. قوله { تبتغون عرض الحيوة ~~الدنيا } الجملة في محل نصب على الحال، أي لا تقولوا تلك المقالة ~~طالبين الغنيمة، على أن يكون النهي راجعا إلى القيد والمقيد لا إلى ~~القيد فقط، وسمي متاع الدنيا عرضا لأنه عارض زائل غير ثابت. # قال أبو عبيدة يقال جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء. وأما العرض بسكون ~~الراء، فهو ما سوى الدنانير والدراهم، فكل عرض بالسكون عرض بالفتح، وليس ~~كل عرض بالفتح عرضا بالسكون. وفي كتاب العين العرض ما نيل من الدنيا، ~~ومنه قوله تعالى # تريدون عرض الدنيا # الأنفال 67 وجمعه عروض. وفي المجمل لابن فارس والعرض ما يعترض للإنسان ~~من مرض ونحوه. وعرض الدنيا ما كان فيها من مال قل أو أكثر، والعرض من ~~الأثاث ما كان غير نقد. قوله { فعند الله مغانم كثيرة } ~~هو تعليل للنهي، أي عند الله مما هو حلال لكم من ms0828 دون ارتكاب محظور مغانم ~~كثيرة تغتنمونها، وتستغنون بها عن قتل من قد استسلم وانقاد، واغتنام ماله ~~{ كذلك كنتم من قبل } أي كنتم كفارا، فحقنت دماؤكم لما ~~تكلمتم بكلمة الشهادة، أو كذلك كنتم من قبل، تخفون إيمانكم عن قومكم ~~خوفا على أنفسكم حتى من الله عليكم بإعزاز دينه، فأظهرتم الإيمان ~~وأعلنتم به، وكرر الأمر بالتبين للتأكيد عليهم لكونه واجبا لا فسحة فيه ~~ولا رخصة. وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال لحق ناس من المسلمين ~~رجلا معه غنيمة له، فقال السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فنزلت { ~~يأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم فى سبيل الله ~~فتبينوا } الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، ~~والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، ~~والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنما له، فسلم عليهم، فقالوا ما ~~سلم علينا إلا ليتعوذ منا، فعدوا عليه، فقتلوه، وأتوا بغنمه إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية { يأيها الذين ءامنوا ~~إذا ضربتم فى سبيل الله }. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو نعيم، والبيهقي، ~~عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى إضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحرث بن ربعي، ومحلم ~~بن جثامة بن قيس الليثي، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر بن ~~الأضبط الأشجعي على قعود له معه متيع، ووطب من لبن، فلما مر بنا سلم ~~علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة لشيء كان ~~بينه وبينه فقتله، وأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن { يأيها الذين ~~ءامنوا إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا } الآية. ~~وفي لفظ عند ابن إسحاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم ms0829 من حديث ابن أبي حدرد هذا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمحلم # " أقتلته بعد ما قال آمنت بالله؟ " # فنزل القرآن. وأخرج ابن جرير، من حديث ابن عمر أن محلما جلس بين يدي ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر له، فقال لاغفر الله لك، فقام وهو ~~يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت به ساعة حتى مات ودفنوه، فلفظته الأرض، ~~فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا ذلك له، فقال إن الأرض تقبل ~~من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم، ثم طرحوه في جبل، وألقوا ~~عليه الحجارة، فنزلت { يأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم ~~} الآية. وأخرج البزار، والدارقطني في الإفراد، والطبراني، والضياء في ~~المختارة، عن ابن عباس أن سبب نزول الآية أن المقداد بن الأسود قتل رجلا ~~بعد ما قال لا إله إلا الله. وفي سبب النزول روايات كثيرة، وهذا الذي ~~ذكرناه أحسنها. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله { كذلك ~~كنتم من قبل } قال تستخفون بإيمانكم، كما استخفى هذا الراعي ~~بإيمانه، يعني الذين قتلوه بعد أن ألقى إليهم السلام، وفي لفظ " تكتمون ~~إيمانكم من المشركين " { فمن الله عليكم } فأظهر الإسلام ~~فأعلنتم إيمانكم { فتبينوا } قال وعيد من الله ثان. وأخرج عبد بن ~~حميد، عن قتادة في قوله { كذلك كنتم من قبل } قال كنتم كفارا ~~حتى من الله عليكم بالإسلام، وهداكم له. ### || [4.95-96] # التفاوت بين درجات من قعد عن الجهاد من غير عذر، ودرجات من جاهد في سبيل ~~الله بماله ونفسه، وإن كان معلوما، لكن أراد سبحانه بهذا الإخبار تنشيط ~~المجاهدين ليرغبوا، وتبكيت القاعدين ليأنفوا. قوله { غير أولى ~~الضرر } قرأ أهل الكوفة، وأبو عمرو بالرفع على أنه وصف للقاعدين، كما ~~قال الأخفش لأنهم لا يقصد بهم قوم بأعيانهم، فصاروا كالنكرة، فجاز وصفهم ~~بغير. وقرأ أبو حيوة بكسر الراء على أنه وصف للمؤمنين. وقرأ أهل الحرمين ~~بفتح الراء على الاستثناء من القاعدين أو من المؤمنين، ms0830 أي إلا أولى ~~الضرر، فإنهم يستوون مع المجاهدين. ويجوز أن يكون منتصبا على الحال من ~~القاعدين، أي لا يستوي القاعدون الأصحاء في حال صحتهم، وجازت الحال منهم ~~لأن لفظهم لفظ المعرفة. قال العلماء أهل الضرر هم أهل الأعذار لأنها ~~أضرت بهم حتى منعتهم عن الجهاد، وظاهر النظم القرآني أن صاحب العذر يعطى ~~مثل أجر المجاهد، وقيل يعطى أجره من غير تضعيف، فيفضله المجاهد بالتضعيف ~~لأجل المباشرة. قال القرطبي والأول أصح إن شاء الله للحديث الصحيح في ~~ذلك # " إن بالمدينة رجالا ما قطعتم، واديا، ولا سرتم مسيرا إلا كانوا معكم ~~أولئك قوم حبسهم العذر " # قال وفي هذا المعنى ما ورد في الخبر # " إذا مرض العبد قال الله تعالى اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى ~~أن يبرأ، أو أقبضه إلي " # قوله { فضل الله المجهدين بأمولهم وأنفسهم ~~على القعدين درجة } هذا بيان لما بين الفريقين من التفاضل ~~المفهوم من ذكر عدم الاستواء إجمالا، والمراد هنا غير أولى الضرر حملا ~~للمطلق على المقيد، وقال هنا { درجة } ، وقال فيما بعد { درجت ~~} فقال قوم التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات، إنما هو مبالغة وبيان تأكيد. ~~وقال آخرون فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولى الضرر بدرجة واحدة، ~~وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير أولى الضرر بدرجات، قاله ابن ~~جريج، والسدي، وغيرهما. وقيل إن معنى درجة علوا، أي أعلى ذكرهم، ~~ورفعهم بالثناء والمدح، ودرجة منتصبة على التمييز، أو المصدرية لوقوعها ~~موقع المرة من التفضيل، أي فضل الله تفضيلة، أو على نزع الخافض، أو على ~~الحالية من المجاهدين أي ذوي درجة. قوله { وكلا } مفعول لقوله { ~~وعد الله } قدم عليه لإفادته القصر، أي كل واحد من المجاهدين ~~والقاعدين، وعده الله الحسنى، أي المثوبة، وهي الجنة. قوله { أجرا } ~~هو منتصب على التمييز. وقيل على المصدرية، لأن فضل بمعنى آجر، فالتقدير ~~آجرهم أجرا. وقيل مفعول ثان لفضل لتضمنه معنى الإعطاء. وقيل منصوب بنزع ~~الخافض. وقيل على الحال من درجات مقدم عليها، وأما انتصاب درجات ومغفرة ~~ورحمة فهي بدل من أجرا. ms0831 # وقيل إن مغفرة ورحمة ناصبهما أفعال مقدرة، أي غفر لهم مغفرة ورحمهم ~~رحمة. وقد أخرج البخاري، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم ~~عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه # " لا يستوي القاعدون من المؤمنين، والمجاهدون في سبيل الله " # فجاء ابن أم مكتوم، وهو يمليها علي، فقال يا رسول الله لو أستطيع ~~الجهاد لجاهدت، وكان أعمى، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~وفخذه على فخذي { غير أولى الضرر }. وقد أخرج هذا المعنى عبد ~~بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث البراء. وأخرجه ~~أيضا سعيد ابن منصور، وأحمد، وأبو داود، وابن المنذر، والطبراني، ~~والحاكم وصححه، من حديث خارجة بن زيد ابن ثابت عن أبيه. وأخرج الترمذي ~~وحسنه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في سننه عن ابن عباس ~~قال { لا يستوى القعدون من المؤمنين غير أولى ~~الضرر } عن بدر، والخارجون إلى بدر. وأخرجه عنه أيضا عبد الرزاق، ~~وعبد بن حميد، والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر. وأخرج عبد بن حميد، ~~والطبراني، والبيهقي عنه قال نزلت في قوم كانت تشغلهم أمراض، وأوجاع، ~~فأنزل الله عذرهم من السماء. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، عن أنس ~~بن مالك قال نزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم، ولقد رأيته في بعض مشاهد ~~المسلمين معه اللواء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في ~~قوله { فضل الله المجهدين بأمولهم وأنفسهم ~~على القعدين درجة } قال على أهل الضرر. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله { وكلا وعد الله ~~الحسنى } قال الجنة. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج قال كان يقال ~~الإسلام درجة، والهجرة درجة في الإسلام، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل ~~في الجهاد درجة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن محيريز في قوله { درجت } قال الدرجات سبعون درجة ما ~~بين الدرجتين عدو الفرس الجواد المضمر سبعين سنة. وأخرج نحوه عبد الرزاق ~~في ms0832 المصنف، عن أبي مجلز. وأخرج البخاري، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ~~أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين ~~الدرجتين، كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فسلوه الفردوس، فإنه ~~أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة ". ### || [4.97-100] # قوله { توفهم } يحتمل أن يكون فعلا ماضيا وحذفت منه علامة ~~التأنيث لأن تأنيث الملائكة غير حقيقي، ويحتمل أن يكون مستقبلا، والأصل ~~تتوفاهم، فحذفت إحدى التاءين. وحكى ابن فورك، عن الحسن أن المعنى تحشرهم ~~إلى النار. وقيل تقبض أرواحهم، وهو الأظهر. والمراد بالملائكة ملائكة ~~الموت لقوله تعالى # قل يتوفكم ملك الموت الذى وكل بكم # السجدة 11. وقوله { ظالمى أنفسهم } حال، أي في حال ظلمهم ~~أنفسهم، وقول الملائكة { فيم كنتم } سؤال توبيخ، أي في أي شيء كنتم ~~من أمور دينكم؟ وقيل المعنى أكنتم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أم ~~كنتم مشركين؟ وقيل إن معنى السؤال التقريع لهم بأنهم لم يكونوا في شيء من ~~الدين. وقولهم { كنا مستضعفين فى الأرض } يعني مكة، لأن سبب ~~النزول من أسلم بها ولم يهاجر، كما سيأتي، ثم أوقفتهم الملائكة على ~~دينهم، وألزمتهم الحجة، وقطعت معذرتهم، فقالوا { ألم تكن أرض ~~الله وسعة فتهجروا فيها } قيل المراد بهذه الأرض ~~المدينة، والأولى العموم اعتبارا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو ~~الحق، فيراد بالأرض كل بقعة من بقاع الأرض تصلح للهجرة إليها، ويراد ~~بالأرض الأولى كل أرض ينبغي الهجرة منها. قوله { مأواهم جهنم ~~} هذه الجملة خبر لأولئك، والجملة خبر إن في قوله { إن الذين ~~توفهم الملئكة } ودخول الفاء لتضمن اسم إن معنى الشرط { ~~وساءت } أي جهنم { مصيرا } أي مكانا يصيرون إليه. قوله { إلا ~~المستضعفين } هو استثناء من الضمير في مأواهم، وقيل استثناء ~~منقطع لعدم دخول المستضعفين في الموصول وضميره. وقوله { من الرجال ~~والنساء والولدن } متعلق بمحذوف، أي كائنين منهم، والمراد ~~بالمستضعفين من الرجال الزمني ونحوهم، والولدان كعياش بن أبي ربيعة، ~~وسلمة بن ms0833 هشام، وإنما ذكر الولدان مع عدم التكليف لهم لقصد المبالغة في ~~أمر الهجرة، وإيهام أنها تجب لو استطاعها غير المكلف، فكيف من كان ~~مكلفا، وقيل أراد بالولدان المراهقين والمماليك. قوله { لا ~~يستطيعون حيلة } صفة للمستضعفين، أو للرجال والنساء، والولدان، ~~أوحال من الضمير في المستضعفين. وقيل الحيلة لفظ عام لأنواع أسباب ~~التخلص، أي لا يجدون حيلة، ولا طريقا إلى ذلك، وقيل السبيل سبيل المدينة ~~{ فأولئك } إشارة إلى المستضعفين الموصوفين بما ذكر { عسى ~~الله أن يعفو عنهم } وجيء بكلمة الإطماع لتأكيد أمر الهجرة، ~~حتى يظن أن تركها ممن لا تجب عليه يكون ذنبا يجب طلب العفو عنه. قوله { ~~ومن يهاجر فى سبيل الله يجد فى الأرض مراغما ~~كثيرا وسعة } هذه الجملة متضمنة للترغيب في الهجرة، والتنشيط ~~إليها. وقوله { فى سبيل الله } فيه دليل على أن الهجرة لا بد أن ~~تكون بقصد صحيح، ونية خالصة غير مشوبة بشيء من أمور الدنيا، ومنه الحديث ~~الصحيح # " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت ~~هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه " # وقد اختلف في معنى قوله سبحانه { يجد فى الأرض مراغما } فقال ~~ابن عباس، وجماعة من التابعين، ومن بعدهم المراغم المتحول والمذهب. وقال ~~مجاهد المراغم المتزحزح. وقال ابن زيد المراغم المهاجر، وبه قال أبو ~~عبيدة. قال النحاس فهذه الأقوال متفقة المعاني، فالمراغم المذهب ~~والمتحول، وهو الموضع الذي يراغم فيه، وهو مشتق من الرغام، وهو التراب، ~~ورغم أنف فلان، أي لصق بالتراب، وراغمت فلانا هجرته وعاديته، ولم أبال ~~أن رغم أنفه. وقيل إنما سمي مهاجرا، لأن الرجل كان إذا أسلم عادى قومه ~~وهجرهم، فسمي خروجه مراغما، وسمي مسيره إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~هجرة. والحاصل في معنى الآية أن المهاجر يجد في الأرض مكانا يسكن فيه ~~على رغم أنف قومه الذين هاجرهم، أي على ذلهم وهوانهم. قوله { وسعة } ~~أي في البلاد. وقيل في الرزق، ولا مانع من حمل السعة على ما هو أعم من ~~ذلك. قوله ms0834 { ومن يخرج من بيته مهجرا إلى الله ~~ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على ~~الله } قرىء " يدركه " بالجزم على أنه معطوف على فعل الشرط، وبالرفع ~~على أنه خبر مبتدأ محذوف، وبالنصب على إضمار أن. والمعنى أن من أدركه ~~الموت قبل أن يصل إلى مطلوبه، وهو المكان الذي قصد الهجرة إليه أو الأمر ~~الذي قصد الهجرة له { فقد وقع أجره على الله } أي ثبت ذلك ~~عنده ثبوتا لا يتخلف { وكان الله غفورا } أي كثير المغفرة { ~~رحيما } أي كثير الرحمة. وقد استدل بهذه الآية على أن الهجرة واجبة ~~على كل من كان بدار الشرك، أو بدار يعمل فيها بمعاصي الله جهارا، إذا ~~كان قادرا على الهجرة، ولم يكن من المستضعفين، لما في هذه الآية الكريمة ~~من العموم، وإن كان السبب خاصا، كما تقدم. وظاهرها عدم الفرق بين مكان، ~~ومكان وزمان وزمان. وقد ورد في الهجرة أحاديث، وورد ما يدل على أنه لا ~~هجرة بعد الفتح. وقد أوضحنا ما هو الحق في شرحنا على المنتقى، فليرجع ~~إليه. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، ~~والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا ~~يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر، فأصيب بعضهم، وقتل ~~البعض، فقال المسلمون قد كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا فاستغفروا ~~لهم، فنزلت بهم هذه الآية { إن الذين توفهم ~~الملئكة ظلمى أنفسهم } قال فكتب إلى من بقي بمكة من ~~المسلمين بهذه الآية، وأنه لا عذر لهم، فخرجوا فلحقهم المشركون، فأعطوهم ~~الفتنة، فنزلت فيهم هذه الآية # ومن الناس من يقول ءامنا بالله فإذا أوذى فى ~~الله # العنكبوت 10 إلى آخر الآية فكتب المسلمون إليهم بذلك، فحزنوا، وأيسوا من ~~كل خير، فنزلت فيهم # ثم إن ربك للذين هجروا من بعد ما فتنوا ~~ثم جهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم # النحل 110 فكتبوا إليهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجا فاخرجوا، ~~فخرجوا، فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا، وقتل من ms0835 قتل. وقد ~~أخرجه البخاري وغيره عنه مقتصرا على أوله. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله { إن الذين توفهم ~~الملئكة } إلى قوله { وساءت مصيرا } قال نزلت في قيس بن ~~الفاكه بن المغيرة، والحارث بن ربيعة بن الأسود، وقيس بن الوليد بن ~~المغيرة، وأبي العاص بن منبه بن الحجاج، وعلي بن أمية بن خلف، قال لما ~~خرج المشركون من قريش وأتباعهم لمنع أبي سفيان بن حرب وعير قريش من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأن يطلبوا ما نيل منهم يوم نخلة، ~~خرجوا معهم بشباب كارهين كانوا قد أسلموا، واجتمعوا ببدر على غير موعد، ~~فقتلوا ببدر كفارا ورجعوا عن الإسلام، وهم هؤلاء الذين سميناهم. وأخرج ~~نحوه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن إسحاق. وقد روي نحو ~~هذا من طرق. وقد أخرج البخاري، وغيره، عن ابن عباس أنه تلا هذه الآية { ~~إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدن } ~~فقال كنت أنا وأمي من المستضعفين أنا من الولدان، وأمي من النساء. وأخرج ~~ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله { لا يستطيعون حيلة } قال ~~قوة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن عكرمة في قوله { لا يستطيعون حيلة } قال نهوضا إلى ~~المدينة { ولا يهتدون سبيلا } قال طريقا إلى المدينة. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { مراغما كثيرا وسعة } ~~قال المراغم المتحول من أرض إلى أرض. والسعة الرزق. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد { مراغما } قال ~~متزحزحا عما يكره. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء في قوله { وسعة } قال ~~ورخاء. وأخرج أيضا عن مالك قال سعة البلاد. وأخرج أبو يعلى، وابن أبي ~~حاتم، والطبراني قال السيوطي بسند رجاله ثقات عن ابن عباس قال خرج ضمرة ~~بن جندب من بيته مهاجرا، فقال لقومه احملوني، فأخرجوني من ms0836 أرض الشرك إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فنزل الوحي { ومن يخرج من بيته مهجرا ~~إلى الله } الآية. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من وجه آخر، عنه نحوه. ~~وأخرج ابن سعد، وأحمد، والحاكم وصححه، عن عبد الله بن عتيك قال سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول # " من خرج من بيته مجاهدا في سبيل الله، وأين المجاهدون في سبيل الله؟ ~~فخر عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات فقد وقع ~~أجره على الله، أو مات حتف أنفه، فقد وقع أجره على الله " # ، يعني بحتف أنفه على فراشه، والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من ~~العرب قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، # " ومن قتل قعصا، فقد استوجب الجنة " # وأخرج أبو يعلى، والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " من خرج حاجا فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرا ~~فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيا في سبيل الله ~~فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة " # قال ابن كثير وهذا حديث غريب من هذا الوجه. ### || [4.101-102] # قوله { وإذا ضربتم } قد تقدم تفسير الضرب في الأرض قريبا. ~~قوله { فليس عليكم جناح } فيه دليل على أن القصر ليس بواجب، ~~وإليه ذهب الجمهور. وذهب الأقلون إلى أنه واجب، ومنهم عمر بن عبد العزيز ~~والكوفيون، والقاضي إسماعيل، وحماد بن أبي سليمان، وهو مروي عن مالك. ~~واستدلوا بحديث عائشة الثابت في الصحيح # " فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فزيدت في الحضر، وأقرت في السفر " # ولا يقدح في ذلك مخالفتها لما روت فالعمل على الرواية الثابتة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ومثله حديث يعلى بن أمية قال سألت عمر بن ~~الخطاب قلت { ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة ~~إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } وقد أمن الناس، ms0837 ~~فقال لي عمر عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~ذلك، فقال # " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " # أخرجه أحمد، ومسلم، وأهل السنن. وظاهر قوله # " فاقبلوا صدقته " # أن القصر واجب. قوله { إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا } ظاهر هذا الشرط أن القصر لا يجوز في السفر إلا مع خوف الفتنة ~~من الكافرين لا مع الأمن ولكنه قد تقرر بالسنة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قصر مع الأمن، كما عرفت. فالقصر مع الخوف ثابت بالكتاب، والقصر مع ~~الأمن ثابت بالنسة، ومفهوم الشرط لا يقوى على معارضته ما تواتر عنه صلى ~~الله عليه وسلم من القصر مع الأمن. وقد قيل إن هذا الشرط خرج مخرج ~~الغالب لأن الغالب على المسلمين إذ ذاك القصر للخوف في الأسفار، ولهذا ~~قال يعلى بن أمية لعمر ما قال كما تقدم. وفي قراءة أبي " أن تقصروا من ~~الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا " بسقوط { إن خفتم } والمعنى على هذه ~~القراءة كراهة أن يفتنكم الذين كفروا. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن ~~هذه الآية إنما هي مبيحة للقصر في السفر للخائف من العدو، فمن كان ~~آمنا، فلا قصر له. وذهب آخرون إلى أن قوله { إن خفتم } ليس متصلا ~~بما قبله، وأن الكلام تم عند قوله { من الصلوة } ثم افتتح فقال { ~~إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } فأقم لهم يا محمد ~~صلاة الخوف. وقوله { إن الكفرين كانوا لكم عدوا ~~مبينا } معترض، ذكر معنى هذا الجرجاني، والمهدوي، وغيرهما. ورده ~~القشيري، والقاضي أبو بكر بن العربي. وقد حكى القرطبي، عن ابن عباس معنى ~~ما ذكره الجرجاني ومن معه، ومما يرد هذا، ويدفعه الواو في قوله { وإذا ~~كنت فيهم } وقد تكلف بعض المفسرين، فقال إن الواو زائدة، وإن الجواب ~~للشرط المذكور، أعني قوله { إن خفتم } هو قوله { فلتقم ~~طائفة } وذهب قوم إلى أن ذكر الخوف منسوخ بالسنة، وهي حديث عمر الذي ~~قدمنا ذكره، وما ورد في معناه. # قوله { أن يفتنكم الذين كفروا } قال الفراء أهل ms0838 الحجاز ~~يقولون، فتنت الرجل، وربيعة، وقيس، وأسد، وجميع أهل نجد يقولون أفتنت ~~الرجل، وفرق الخليل، وسيبويه بينهما، فقالا فتنته جعلت فيه فتنة مثل ~~كحلته، وأفتنته جعلته مفتنا، وزعم الأصمعي أنه لا يعرف أفتنته. والمراد ~~بالفتنة القتال، والتعرض بما يكره قوله { عدوا } أي أعداء. قوله { ~~وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلوة } هذا خطاب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولمن بعده من أهل الأمر حكمه، كما هو معروف في ~~الأصول، ومثله قوله تعالى # خذ من أمولهم صدقة # التوبة 103 ونحوه، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وشذ أبو يوسف، وإسماعيل ~~بن علية، فقالا لا تصلى صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا ~~الخطاب خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم، قالا ولا يلحق غيره به لماله ~~صلى الله عليه وسلم من المزية العظمى، وهذا مدفوع، فقد أمرنا الله باتباع ~~رسوله، والتأسي به، وقد قال صلى الله عليه وسلم # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # والصحابة رضي الله عنهم أعرف بمعاني القرآن، وقد صلوها بعد موته في غير ~~مرة، كما ذلك معروف. ومعنى { لهم الصلوة } أردت الإقامة، كقوله # وإذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم # المائدة 6، وقوله # وإذا قرأت القرءان * فاستعذ بالله # النحل 98 قوله { فلتقم طائفة منهم معك } يعني بعد أن ~~تجعلهم طائفتين، طائفة تقف بإزاء العدو، وطائفة تقوم منهم معك في الصلاة ~~{ وليأخذوا أسلحتهم } أي الطائفة التي تصلي معه. وقيل ~~الضمير راجع إلى الطائفة التي بإزاء العدو، والأول أظهر لأن الطائفة ~~القائمة بإزاء العدو لا بد أن تكون قائمة بأسلحتها، وإنما يحتاج إلى ~~الأمر بذلك من كان في الصلاة لأنه يظن أن ذلك ممنوع منه حال الصلاة، ~~فأمره الله بأن يكون آخذا لسلاحه أي غير واضع له. وليس المراد الأخذ ~~باليد، بل المراد أن يكونوا حاملين لسلاحهم ليتناولوه من قرب إذا احتاجوا ~~إليه، وليكون ذلك أقطع لرجاء عدوهم من إمكان فرصته فيهم. وقد قال بإرجاع ~~الضمير من قوله { وليأخذوا أسلحتهم } إلى الطائفة القائمة ~~بإزاء العدو ابن عباس قال لأن المصلية لا ms0839 تحارب، وقال غيره إن الضمير ~~راجع إلى المصلية، وجوز الزجاج، والنحاس أن يكون ذلك أمرا للطائفتين ~~جميعا، لأنه أرهب للعدو. وقد أوجب أخذ السلاح في هذه الصلاة أهل الظاهر ~~حملا للأمر على الوجوب. وذهب أبو حنيفة إلى أن المصلين لا يحملون ~~السلاح، وأن ذلك يبطل الصلاة، وهو مدفوع بما في هذه الآية، وبما في ~~الأحاديث الصحيحة. # قوله { فإذا سجدوا } أي القائمون في الصلاة { فليكونوا } ~~أي الطائفة القائمة بإزاء العدو { من ورائكم } أي من وراء ~~المصلين. ويحتمل أن يكون المعنى فإذا سجد المصلون معه، أي أتموا الركعة ~~تعبيرا بالسجود عن جميع الركعة، أو عن جميع الصلاة { فليكونوا من ~~ورائكم } أي فلينصرفوا بعد الفراغ إلى مقابلة العدو للحراسة { ~~ولتأت طائفة أخرى } وهي القائمة في مقابلة العدو التي لم ~~تصل { فليصلوا معك } على الصفة التي كانت عليها الطائفة ~~الأولى { وليأخذوا } أي هذه الطائفة الأخرى { حذرهم ~~وأسلحتهم } زيادة التوصية للطائفة الأخرى بأخذ الحذر مع أخذ ~~السلاح. قيل وجهه أن هذه المرة مظنة لوقوف الكفرة على كون الطائفة ~~القائمة مع النبي صلى الله عليه وسلم في شغل شاغل، وأما في المرة الأولى، ~~فربما يظنونهم قائمين للحرب، وقيل لأن العدو لا يؤخر قصده عن هذا الوقت، ~~لأنه آخر الصلاة، والسلاح ما يدفع به المرء عن نفسه في الحرب، ولم يبين ~~في الآية الكريمة كم تصلي كل طائفة من الطائفتين؟ وقد وردت صلاة الخوف في ~~السنة المطهرة على أنحاء مختلفة، وصفات متعددة، وكلها صحيحة مجزئة من فعل ~~واحدة منها، فقد فعل ما أمر به، ومن ذهب من العلماء إلى اختيار صفة دون ~~غيرها، فقد أبعد عن الصواب، وقد أوضحنا هذا في شرحنا للمنتقى، وفي سائر ~~مؤلفاتنا. قوله { ود الذين كفروا لو تغفلون عن ~~أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة ~~وحدة } هذه الجملة متضمنة للعلة التي لأجلها أمرهم الله بالحذر، وأخذ ~~السلاح، أي ودوا غفلتكم عن أخذ السلاح، وعن الحذر ليصلوا إلى مقصودهم، ~~وينالوا فرصتهم، فيشدون عليكم شدة واحدة. والأمتعة ما يتمتع به في ~~الحرب، ومنه الزاد والراحلة. قوله ms0840 { ولا جناح عليكم إن كان ~~بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا ~~أسلحتكم } رخص لهم سبحانه في وضع السلاح إذا نالهم أذى من المطر، ~~وفي حال المرض لأنه يصعب مع هذين الأمرين حمل السلاح، ثم أمرهم بأخذ ~~الحذر لئلا يأتيهم العدو على غرة، وهم غافلون. وقد أخرج ابن أبي شيبة، ~~وعبد بن حميد، عن أبي حنظلة قال سألت ابن عمر، عن صلاة السفر، فقال ~~ركعتان قلت فأين قوله تعالى { إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا } ونحن آمنون؟ قال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن ~~حميد، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والبيهقي، عن أمية بن عبد الله بن ~~خالد بن أسيد أنه سأل ابن عمر أرأيت قصر الصلاة في السفر؟ إنا لا نجدها ~~في كتاب الله، إنما نجد ذكر صلاة الخوف، فقال ابن عمر يا بن أخي إن الله ~~أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا، فإنما نفعل، كما رأينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، وقصر الصلاة في السفر سنة سنها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # وفي الصحيحين، وغيرهما عن حارثة بن وهب الخزاعي قال صليت مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس، وآمنه ركعتين. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، والترمذي وصححه، والنسائي، عن ابن عباس قال صلينا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة، ونحن آمنون لا نخاف ~~شيئا ركعتين. وأخرج ابن جرير، عن علي قال سأل قوم من التجار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا رسول الله إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي؟ ~~فأنزل الله { وإذا ضربتم فى الأرض فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من الصلوة } ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ~~ذلك بحول غزا النبي صلى الله عليه وسلم، فصلى الظهر، فقال المشركون قد ~~أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم إن لهم ~~أخرى مثلها في أثرها، فأنزل الله بين الصلاتين { إن خفتم ms0841 أن ~~يفتنكم الذين كفروا إن الكفرين كانوا لكم ~~عدوا مبينا وإذا كنت فيهم } إلى قوله { إن الله ~~أعد للكفرين عذابا مهينا } فنزلت صلاة الخوف. وأخرج ~~عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، وأبو ~~داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، ~~والدارقطني، والحاكم وصححه، عن أبي عياش الزرقي قال كنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم ~~بيننا وبين القبلة فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، فقالوا قد ~~كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب ~~إليهم من أبنائهم وأنفسهم، فنزل جبريل بهذه الآيات { وإذا كنت ~~فيهم فأقمت لهم الصلوة } ثم ذكر صفة الصلاة التي صلوها ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم. والأحاديث في صفة صلاة الخوف كثيرة، وهي ~~مستوفاة في مواطنها، فلا نطول بذكرها ها هنا. وأخرج البخاري، وغيره، عن ~~ابن عباس في قوله { إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم ~~مرضى } قال نزلت في عبد الرحمن بن عوف كان جريحا. ### || [4.103-104] # { قضيتم } بمعنى فرغتم من صلاة الخوف، وهو أحد معاني القضاء، ومثله # فإذا قضيتم منسككم # البقرة 200 # فإذا قضيت الصلوة فانتشروا فى الأرض # الجمعة 10. قوله { فاذكروا الله قيما وقعودا وعلى ~~جنوبكم } أي في جميع الأحوال حتى في حال القتال. وقد ذهب جمهور ~~العلماء إلى أن هذا الذكر المأمور به، إنما هو أثر صلاة الخوف، أي إذا ~~فرغتم من الصلاة، فاذكروا الله في هذه الأحوال وقيل معنى قوله { فإذا ~~قضيتم الصلوة } إذا صليتم فصلوا قياما وقعودا أو على جنوبكم ~~حسبما يقتضيه الحال عند ملاحمة القتال، فهي مثل قوله # فإن خفتم فرجالا أو ركبانا # البقرة 239. قوله { فإذا اطمأننتم } أي أمنتم، وسكنت قلوبكم، ~~والطمأنينة سكون النفس من الخوف { فأقيموا الصلاة } أي فأتوا بالصلاة ~~التي دخل وقتها على الصفة المشروعة من الأذكار والأركان، ولا تفعلوا ما ~~أمكن، فإن ذلك إنما هو في حال الخوف. وقيل المعنى في الآية ms0842 أنهم يقضون ما ~~صلوه في حال المسايفة لأنها حالة قلق وانزعاج وتقصير في الأذكار ~~والأركان، وهو مروي عن الشافعي، والأول أرجح { إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا } أي محدودا معينا، يقال وقته، فهو موقوت، ~~ووقته فهو موقت. والمعنى إن الله افترض على عباده الصلوات، وكتبها عليهم ~~في أوقاتها المحدودة لا يجوز لأحد أن يأتي بها في غير ذلك الوقت إلا لعذر ~~شرعي من نوم، أو سهو، أو نحوهما. قوله { ولا تهنوا فى ابتغاء ~~القوم } أي لا تضعفوا في طلبهم، وأظهروا القوة والجلد. قوله { إن ~~تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون } ~~تعليل للنهي المذكور قبله، أي ليس ما تجدونه من ألم الجراح ومزاولة ~~القتال مختصا بكم، بل هو أمر مشترك بينكم وبينهم، فليسوا بأولى منكم ~~بالصبر على حر القتال، ومرارة الحرب، ومع ذلك فلكم عليهم مزية لا توجد ~~فيهم، وهي أنكم ترجون من الله من الأجر، وعظيم الجزاء مالا يرجونه لكفرهم ~~وجحودهم، فأنتم أحق بالصبر منهم، وأولى بعدم الضعف منهم، فإن أنفسكم ~~قوية لأنها ترى الموت مغنما، وهم يرونه مغرما. ونظير هذه الآية قوله ~~تعالى # إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله # آل عمران 140. وقيل إن الرجاء هنا بمعنى الخوف لأن من رجا شيئا فهو غير ~~قاطع بحصوله، فلا يخلو من خوف ما يرجو. وقال الفراء، والزجاج لا يطلق ~~الرجاء بمعنى الخوف إلا مع النفي، كقوله تعالى # ما لكم لا ترجون لله وقارا # نوح 13 أي لا تخافون له عظمة. وقرأ عبد الرحمن الأعرج " أن تكونوا " ~~بفتح الهمزة، أي لأن تكونوا. وقرأ منصور بن المعتمر " تيلمون " بكسر ~~التاء ولا يجوز عند البصريين كسر التاء لثقله. # وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ~~فاذكروا الله قيما وقعودا وعلى جنوبكم } قال ~~بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، ~~والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال. وأخرج ابن أبي شيبة عن ~~ابن مسعود أنه بلغه أن قوما يذكرون الله قياما وقعودا وعلى ms0843 جنوبهم، ~~فقال إنما هذه إذا لم يستطع الرجل أن يصلي قائما صلى قاعدا. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد { فإذا اطمأننتم } قال إذا خرجتم ~~من دار السفر إلى دار الإقامة { فأقيموا الصلاة } قال أتموها. وأخرج عبد ~~الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن ~~المنذر، عن ابن جريج نحوه أيضا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في ~~قوله { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } يعني مفروضا. ~~وأخرج ابن جرير، عنه قال الموقوت الواجب. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه في ~~قوله { ولا تهنوا } قال ولا تضعفوا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عنه في قوله { تألمون } قال توجعون { وترجون من ~~الله ما لا يرجون } قال ترجون الخير. ### || [4.105-109] # قوله { بما أراك الله } إما بوحي أو بما هو جار على سنن ما قد ~~أوحي الله به. وليس المراد هنا رؤية العين لأن الحكم لا يرى، بل المراد ~~بما عرفه الله به وأرشده إليه. قوله { ولا تكن للخائنين } أي ~~لأجل الخائنين خصيما، أي مخاصما عنهم مجادلا للمحقين بسببهم. وفيه ~~دليل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق. ~~قوله { واستغفر الله } أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالاستغفار. قال ابن جرير إن المعنى استغفر الله من ذنبك في خصامك ~~للخائنين، وسيأتي بيان السبب الذي نزلت لأجله الآية، وبه يتضح المراد. ~~وقيل المعنى واستغفر الله للمذنبين من أمتك، والمخاصمين بالباطل. قوله { ~~ولا تجدل عن الذين يختانون أنفسهم } أي لا تحاجج ~~عن الذين يخونون أنفسهم، والمجادلة مأخوذة من الجدل، وهو القتل، وقيل ~~مأخوذة من الجدالة، وهي وجه الأرض لأن كل واحد من الخصمين يريد أن يلقي ~~صاحبه عليها، وسمي ذلك خيانة لأنفسهم لأن ضرر معصيتهم راجع إليهم. ~~والخوان كثير الخيانة، والأثيم كثير الإثم، وعدم المحبة كناية عن البغض. ~~قوله { يستخفون من الناس } أي يستترون منهم كقوله # ومن هو مستخف بالليل # الرعد 10 أي مستتر. وقيل معناه يستخفون من ms0844 الناس، ولا يستخفون من الله، ~~أي لا يستترون منه أو لا يستحيون منه، والحال أنه معهم في جميع أحوالهم ~~عالم بما هم فيه، فكيف يستخفون منه؟ { إذ يبيتون } أي يديرون ~~الرأي بينهم، وسماه تبييتا، لأن الغالب أن تكون إدارة الرأي بالليل { ~~ما لا يرضى من القول } أي من الرأي الذي أداروه بينهم، وسماه ~~قولا لأنه لا يحصل إلا بعد المداولة بينهم. قوله { ها أنتم هؤلاء ~~} يعني القوم الذين جادلوا عن صاحبهم السارق، كما سيأتي، والجملة مبتدأ ~~وخبر. قال الزجاج { أولاء } بمعنى الذين و { جدلتم } بمعنى ~~حاججتم { فى الحيوة الدنيا فمن يجدل الله عنهم يوم ~~القيامة } الاستفهام للإنكار والتوبيخ، أي فمن يخاصم ويجادل الله عنهم ~~يوم القيامة عند تعذيبهم بذنوبهم؟ { أم من يكون عليهم ~~وكيلا } أي مجادلا ومخاصما، والوكيل في الأصل القائم بتدبير الأمور. ~~والمعنى من ذاك يقوم بأمرهم إذا أخذهم الله بعذابه. وقد أخرج الترمذي، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن ~~قتادة بن النعمان، قال كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق بشر، وبشير، ~~ومبشر، وكان بشر رجلا منافقا يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ثم ينحله بعض العرب، ثم يقول قال فلان كذا وكذا. قال ~~فلان كذا وكذا فإذا سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر ~~قالوا والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، فقال # أو كلما قال الرجال قصيدة أضموا فقالوا ابن الأبيرق قالها # قال وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام وكان الناس إنما ~~طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار، فقدمت ~~ضافطة، أي حمولة من الشام من الدرمك ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، ~~وأما العيال، فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضافطة من الشام، فابتاع ~~عمي رفاعة بن رافع جملا من الدرمك، فجعله في مشربة، وفي المشربة سلاح له ~~درعان، وسيفاهما وما يصلحهما، فعدى عليه من تحت الليل، فنقبت المشربة، ~~وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني ms0845 عمي رفاعة، فقال يا ابن أخي تعلم ~~أن قد عدي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا، فذهب بطعامنا وسلاحنا، ~~قال فتحسسنا في الدار، وسألنا، فقيل لنا قد رأينا بني أبيرق استوقدوا ~~نارا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم، قال وكان بنو ~~أبيرق قالوا، ونحن نسأل في الدار، والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل ~~رجلا مناله صلاح وإسلام، فلما سمع ذلك لبيد اخترط سيفه، ثم أتى بني ~~أبيرق وقال أنا أسرق؟ فوالله ليخالطنكم هذا السيف، أو لتبينن هذه السرقة، ~~قالوا إليك عنا أيها الرجل، فوالله ما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى ~~لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي يا ابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فذكرت ذلك له، قال قتادة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقلت يا رسول الله إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد، ~~فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردوا علينا سلاحنا، وأما ~~الطعام فلا حاجة لنا فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " سأنظر في ذلك " # ، فلما سمع ذلك بنو أبيرق أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عروة، فكلموه ~~في ذلك، واجتمع إليه ناس من أهل الدار، فأتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقالوا يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدوا إلى أهل بيت ~~منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت، قال قتادة ~~فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته، فقال # " عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير بينة ~~ولا ثبت " # ، قال قتادة فرجعت، ولوددت أني خرجت من بعض مالي، ولم أكلم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال لي يا بن أخي ما صنعت؟ ~~فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الله المستعان، ~~فلم نلبث أن نزل القرآن { إنا أنزلنا إليك الكتب ~~بالحق ms0846 لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا ~~تكن للخائنين خصيما } بني أبيرق { واستغفر الله } ~~أي مما قلت لقتادة { إن الله كان غفورا رحيما ولا ~~تجدل عن الذين يختانون أنفسهم } إلى قوله # ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما # النساء 110 أي لو استغفروا الله لغفر لهم # ومن يكسب إثما # النساء 111 إلى قوله # فقد احتمل بهتنا وإثما مبينا # النساء 111 قولهم للبيد # ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة ~~منهم أن يضلوك # النساء 113 يعني أسير بن عروة، فلما نزل القرآن أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالسلاح، فرده إلى رفاعة. قال قتادة فلما أتيت عمي بالسلاح، ~~وكان شيخا قد عسا في الجاهلية، أي كبر، وكنت أرى إسلامه مدخولا، فلما ~~أتيته بالسلاح قال يا ابن أخي هو في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان ~~صحيحا، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد، ~~فأنزل الله # ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى # النساء 115 إلى قوله # ضللا بعيدا # النساء 115 - 116 فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر، ~~فأخذت رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت فرمت به في الأبطح، ثم قالت أهديت ~~لي شعر حسان ما كنت تأتيني بخير. قال الترمذي هذا حديث غريب لا نعلم ~~أحدا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني. ورواه يونس ابن بكير، وغير واحد، ~~عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلا لم يذكر فيه، عن أبيه، ~~عن جده. ورواه ابن أبي حاتم، عن هاشم بن القاسم الحراني، عن محمد بن ~~سلمة به ببعضه. ورواه ابن المنذر، في تفسيره قال حدثنا محمد بن إسماعيل ~~يعني الصانع، حدثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني، حدثنا محمد بن سلمة، ~~فذكره بطوله. ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره، عن محمد بن العباس بن ~~أيوب، والحسن بن يعقوب كلاهما، عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن ~~محمد ابن ms0847 سلمة به، ثم قال في آخره قال محمد بن سلمة سمع مني هذا الحديث ~~يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن أبي إسرائيل. وقد رواه الحاكم ~~في المستدرك عن أبي العباس الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن ~~يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بمعناه أثم منه، ثم قال هذا صحيح على شرط ~~مسلم. وقد أخرجه ابن سعد، عن محمود بن لبيد قال غدا بشير فذكره مختصرا، ~~وقد رويت هذه القصة مختصرة، ومطولة عن جماعة من التابعين. ### || [4.110-113] # هذا من تمام القصة السابقة، والمراد بالسوء القبيح الذي يسوء به { أو ~~يظلم نفسه } بفعل معصية من المعاصي، أو ذنب من الذنوب التي لا ~~تتعدى إلى غيره { ثم يستغفر الله } يطلب منه أن يغفر له ما ~~قارفه من الذنب { يجد الله غفورا } لذنبه { رحيما } به، ~~وفيه ترغيب لمن وقع منه السرق من بني أبيرق أن يتوب إلى ا ويستغفره، وأنه ~~غفور لمن يستغفره رحيم به. وقال الضحاك إن هذه الآية نزلت في شأن وحشي ~~قاتل حمزة، أشرك بالله، وقتل حمزة، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقال هل لي من توبة؟ فنزلت. وعلى كل حال، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب، فهي لكل عبد من عباد الله أذنب ذنبا، ثم استغفر الله سبحانه. ~~قوله { ومن يكسب إثما } من الآثام بذنب يذنبه { فإنما ~~يكسبه على نفسه } أي عاقبته عائدة عليه، والكسب ما يجر به ~~الإنسان إلى نفسه نفعا أو يدفع به ضررا، ولهذا لا يسمى فعل الرب ~~كسبا، قاله القرطبي { ومن يكسب خطيئة أو إثما } قيل هما ~~بمعنى واحد كرر للتأكيد. وقال الطبري إن الخطيئة تكون عن عمد، وعن غير ~~عمد، والإثم لا يكون إلا عن عمد، وقيل الخطيئة الصغيرة، والإثم الكبيرة. ~~قوله { ثم يرم به بريئا } توحيد الضمير لكون العطف بأو، أو ~~لتغليب الإثم على الخطيئة، وقيل إنه يرجع إلى الكسب. قوله { فقد ~~احتمل بهتنا وإثما مبينا } لما كانت الذنوب لازمة ~~لفاعلها كانت كالثقل الذي يحمل، ومثله ms0848 # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # العنكبوت 13، والبهتان مأخوذ من البهت وهو الكذب على البريء بما ينبهت ~~له، ويتحير منه، يقال بهته بهتا، وبهتانا إذا قال عليه ما لم يقل، ~~ويقال بهت الرجل بالكسر إذا دهش وتحير، وبهت بالضم، ومنه # فبهت الذى كفر # البقرة 258، والإثم المبين الواضح. قوله { ولولا فضل الله ~~عليك ورحمته } خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد ~~بهذا الفضل، والرحمة لرسول الله أنه نبهه على الحق في قصة بني أبيرق. ~~وقيل المراد بهما النبوة والعصمة { لهمت طائفة منهم } أي ~~من الجماعة الذين عضدوا بني أبيرق، كما تقدم { أن يضلوك } عن الحق ~~{ وما يضلون إلا أنفسهم } لأن وبال ذلك عائد عليهم { وما ~~يضرونك من شىء } لأن الله سبحانه هو عاصمك من الناس ولأنك عملت ~~بالظاهر، ولا ضرر عليك في الحكم به قبل نزول الوحي، والجار والمجرور في ~~محل نصب على المصدرية، أي وما يضرونك شيئا من الضرر. قوله { وأنزل ~~الله عليك الكتب } قيل هذا ابتداء كلام، وقيل الواو للحال، ~~أي وما يضرونك من شيء حال إنزال الله عليك الكتاب، والحكمة، أو مع إنزال ~~الله ذلك عليك. # قوله { وعلمك ما لم تكن تعلم } معطوف على أنزل، أي علمك ~~بالوحي ما لم تكن تعلم من قبل { وكان فضل الله عليك ~~عظيما } إذ لا فضل أعظم من النبوة ونزول الوحي. وقد أخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله { ومن يعمل سوءا أو يظلم ~~نفسه } الآية. قال أخبر الله عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ~~ومغفرته، فمن أذنب ذنبا صغيرا كان أو كبيرا، ثم استغفر الله يجد الله ~~غفورا رحيما، ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال. وأخرج ~~عبد بن حميد، عن ابن مسعود قال من قرأ هاتين الآيتين من سورة النساء، ثم ~~استغفر الله غفر له # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر ~~الله يجد الله غفورا رحيما } { ولو أنهم إذ ~~ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر ~~لهم الرسول # النساء 64 الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، ms0849 عن قتادة في قوله { وعلمك ~~ما لم تكن تعلم } قال علمه الله بيان الدنيا، والآخرة بين ~~حلاله وحرامه ليحتج بذلك على خلقه. وأخرج أيضا عن الضحاك قال علمه الخير ~~والشر، وقد ورد في قبول الاستغفار، وأنه يمحو الذنب أحاديث كثيرة مدونة ~~في كتب السنة. ### || [4.114-115] # النجوى السر بين الاثنين أو الجماعة، تقول ناجيت فلانا مناجاة ونجاء، ~~وهم ينتجون ويتناجون، ونجوت فلانا أنجوه نجوى، أي ناجيته، فنجوى مشتقة ~~من نجوت الشيء أنجوه، أي خلصته وأفردته. والنجوة من الأرض المرتفع ~~لانفراده بارتفاعه عما حوله، فالنجوى المسارة مصدر، وقد تسمى به ~~الجماعة، كما يقال قوم عدل، قال الله تعالى # وإذ هم نجوى # الإسراء 47 فعلى الأول يكون الاستثناء منقطعا. أي لكن من أمر بصدقة، ~~أو متصلا على تقدير إلا نجوى من أمر بصدقة، وعلى الثاني يكون الاستثناء ~~متصلا في موضع خفض على البدل من كثير، أي لا خير في كثير إلا فيمن أمر ~~بصدقة. وقد قال جماعة من المفسرين إن النجوى كلام الجماعة المنفردة، أو ~~الاثنين سواء كان ذلك سرا أو جهرا، وبه قال الزجاج. قوله { بصدقة ~~} الظاهر أنها صدقة التطوع، وقيل إنها صدقة الفرض. والمعروف صدقة ~~التطوع، والأول أولى. والمعروف لفظ عام يشمل جميع أنواع البر. وقال ~~مقاتل المعروف هنا القرض. والأول أولى، منه قول الحطيئة # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس # ومنه الحديث # " كل معروف صدقة " # " وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق " # ، وقيل المعروف إغاثة الملهوف. والإصلاح بين الناس عام في الدماء ~~والأعراض والأموال، وفي كل شيء يقع التداعي فيه. قوله { ومن يفعل ~~ذلك } إشارة إلى الأمور المذكورة، جعل مجرد الأمر بها خيرا، ثم رغب ~~في فعلها بقوله { ومن يفعل ذلك } لأن فعلها أقرب إلى الله من ~~مجرد الأمر بها، إذ خيرية الأمر بها إنما هي لكونه وسيلة إلى فعلها. ~~قوله { ابتغاء مرضت الله } علة للفعل لأن من فعلها لغير ذلك، ~~فهو غير مستحق لهذا المدح والجزاء، بل قد يكون غير ناج من ms0850 الوزر، ~~والأعمال بالنيات. { ومن يشاقق الرسول من بعد ما ~~تبين له الهدى } المشاققة المعاداة والمخالفة. وتبين الهدى ~~ظهوره، بأن يعلم صحة الرسالة بالبراهين الدالة على ذلك، ثم يفعل المشاققة ~~{ ويتبع غير سبيل المؤمنين } أي غير طريقهم، وهو ما هم ~~عليه من دين الإسلام والتمسك بأحكامه. { نوله ما تولى } أي ~~نجعله واليا لما تولاه من الضلال { ونصله جهنم } قرأ عاصم ~~وحمزة، وأبو عمرو " نوله ونصله " بسكون الهاء في الموضعين. وقرأ ~~الباقون بكسرهما، وهما لغتان، وقريء ونصله بفتح النون من صلاه، وقد تقدم ~~بيان ذلك. وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على حجية الإجماع ~~لقوله { ويتبع غير سبيل المؤمنين } ولا حجة في ذلك ~~عندي لأن المراد بغير سبيل المؤمنين هنا هو الخروج من دين الإسلام إلى ~~غيره، كما يفيده اللفظ ويشهد به السبب، فلا تصدق على عالم من علماء هذه ~~الملة الإسلامية اجتهد في بعض مسائل دين الإسلام، فأداه اجتهاده إلى ~~مخالفة من بعصره من المجتهدين، فإنه إنما رام السلوك في سبيل المؤمنين، ~~وهو الدين القويم والملة الحنيفية، ولم يتبع غير سبيلهم. # وقد أخرج عبد بن حميد، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم عن أم حبيبة قالت ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا أمرا بمعروف، أو نهيا عن منكر، أو ~~ذكرا لله عز وجل " # قال سفيان الثوري هذا في كتاب الله { لا خير فى كثير من ~~نجواهم } الآية، وقوله # يوم يقوم الروح والملئكة صفا لا يتكلمون ~~إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا # النبأ 38، وقوله # والعصر * إن الإنسن لفى خسر * إلا الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر # العصر 1 - 3. وقد وردت أحاديث صحيحة في الصمت، والتحذير من آفات اللسان، ~~والترغيب في حفظه، وفي الحث على الإصلاح بين الناس. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~عن مقاتل بن حيان في قوله { ومن يفعل ذلك } تصدق أو أقرض أو ~~أصلح بين الناس. وأخرج أبو نصر السجزي في الإبانة عن أنس قال «جاء ~~أعرابي إلى النبي ms0851 صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " إن الله أنزل علي القرآن يا أعرابي { لا خير فى كثير من ~~نجواهم } إلى قوله { فسوف نؤتيه أجرا عظيما } يا ~~أعرابي الأجر العظيم الجنة " # قال الأعرابي الحمد لله الذي هدانا للإسلام. وأخرج الترمذي، والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبدا، ويد الله على الجماعة، فمن ~~شذ شذ في النار " # وأخرجه الترمذي والبيهقي أيضا عن ابن عباس مرفوعا. ### || [4.116-122] # قوله { إن الله لا يغفر أن يشرك به } قد تقدم تفسير ~~هذه الآية، وتكريرها بلفظها للتأكيد، وقيل كررت هنا لأجل قصة بني أبيرق، ~~وقيل إنها نزلت هنا لسبب غير قصة بني أبيرق. وهو ما رواه الثعلبي، ~~والقرطبي في تفسيريهما عن الضحاك أن شيخا من الأعراب جاء إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا ~~إلا أني لم أشرك بالله شيئا مذ عرفته، وآمنت به، ولم أتخذ من دونه، ~~وليا، ولم أوقع المعاصي جرأة على الله، ولا مكابرة له، وإني لنادم وتائب ~~ومستغفر، فما حالي عند الله؟ فأنزل الله تعالى { إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به } الآية { ومن يشرك بالله فقد ~~ضل } عن الحق { ضللا بعيدا } لأن الشرك أعظم أنواع الضلال، ~~وأبعدها من الصواب. { إن يدعون من دونه إلا إنثا } أي ~~ما يدعون من دون الله إلا أصناما لها أسماء مؤنثة كاللات والعزى ومناة ~~وقيل المراد بالإناث الموات التي لا روح لها كالخشبة، والحجر. وقيل ~~المراد بالإناث الملائكة لقولهم الملائكة بنات الله. وقرىء «وثنا» بضم ~~الواو والثاء جمع وثن، روى هذه القراءة ابن الأنباري عن عائشة. وقرأ ابن ~~عباس «إلا أثنا» جمع وثن أيضا، وأصله " وثن " ، فأبدلت الواو همزة، وقرأ ~~الحسن " إلا أنثا " بضم الهمزة والنون بعدها مثلثة، جمع أنيث كغدير وغدر. ~~وحكى الطبري أنه جمع إناث كثمار وثمر. وحكى هذه القراءة أبو عمرو الداني ms0852 ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال وقرأ بها ابن عباس، والحسن، وأبو حيوة. ~~وعلى جميع هذه القراءات، فهذا الكلام خارج مخرج التوبيخ للمشركين، ~~والإزراء عليهم، والتضعيف لعقولهم، لكونهم عبدوا من دون الله نوعا ~~ضعيفا { وإن يدعون إلا شيطنا مريدا } أي وما يدعون ~~من دون الله إلا شيطانا مريدا، وهو إبليس لعنه الله، لأنهم إذا أطاعوه ~~فيما سول لهم فقد عبدوه. وقد تقدم اشتقاق لفظ الشيطان. والمريد ~~المتمرد العاتي، من مرد إذا عتا. قال الأزهري المريد الخارج عن الطاعة. ~~وقد مرد الرجل مرودا إذا عتا، وخرج عن الطاعة فهو مارد ومريد ومتمرد. ~~وقال ابن عرفة هو الذي ظهر شره، يقال شجرة مرداء إذا تساقط ورقها وظهرت ~~عيدانها، ومنه قيل للرجل أمرد أي ظاهر مكان الشعر من عارضيه. قوله { ~~لعنه الله } أصل اللعن الطرد، والإبعاد. وقد تقدم وهو في العرف ~~إبعاد مقترن بسخط. قوله { وقال لاتخذن من عبادك نصيبا ~~مفروضا } معطوف على قوله { لعنه الله } والجملتان صفة ~~لشيطان، أي شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله له وبين هذا القول ~~الشنيع. # والنصيب المفروض هو المقطوع المقدر، أي لأجعلن قطعة مقدرة من عباد ~~الله تحت غوايتي، وفي جانب إضلالي حتى أخرجهم من عبادة الله إلى الكفر ~~به. وقوله { ولأضلنهم } اللام جواب قسم محذوف. والإضلال الصرف ~~عن طريق الهداية إلى طريق الغواية، وهكذا اللام في قوله { ~~ولأمنينهم ولأمرنهم } والمراد بالأماني التي يمنيهم بها ~~الشيطان هي الأماني الباطلة الناشئة عن تسويله ووسوسته. قوله { ~~ولامرنهم فليبتكن ءاذان الأنعم } أي ولآمرنهم ~~بتبتك آذان الأنعام أي تقطيعها فليبتكنها بموجب أمري. والبتك القطع، ومنه ~~سيف باتك، يقال بتكه وبتكه مخففا، ومشددا، ومنه قول زهير # طارت وفي كفه من ريشها بتك # أي قطع. وقد فعل الكفار ذلك امتثالا لأمر الشيطان واتباعا لرسمه، ~~فشقوا آذان البحائر والسوائب، كما ذلك معروف. قوله { ولآمرنهم ~~فليغيرن خلق الله } أي ولآمرنهم بتغيير خلق الله، فليغيرنه ~~بموجب أمري لهم. واختلف العلماء في هذا التغيير ما هو؟ فقالت طائفة هو ~~الخصاء وفقء الأعين، وقطع الآذان. وقال آخرون ms0853 إن المراد بهذا التغيير هو ~~أن الله سبحانه خلق الشمس والقمر والأحجار، والنار، ونحوها من المخلوقات ~~لما خلقها له، فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة، وبه قال الزجاج ~~وقيل المراد بهذا التغيير تغيير الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولا ~~مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور حملا شموليا، أو بدليا. وقد ~~رخص طائفة من العلماء في خصاء البهائم إذا قصد بذلك زيادة الانتفاع به ~~لسمن أو غيره، وكره ذلك آخرون، وأما خصاء بني آدم فحرام، وقد كره قوم ~~شراء الخصي. قال القرطبي ولم يختلفوا أن خصاء بني آدم لا يحل ولا يجوز ~~وأنه مثلة وتغيير لخلق الله، وكذلك قطع سائر أعضائهم في غير حد ولا قود، ~~قاله أبو عمر بن عبد البر. { ومن يتخذ الشيطن وليا من ~~دون الله } باتباعه وامتثال ما يأمر به من دون اتباع لما أمر الله ~~به، ولا امتثال له { فقد خسر خسرانا مبينا } أي واضحا ~~ظاهرا { يعدهم } المواعيد الباطلة { ويمنيهم } الأماني ~~العاطلة { وما يعدهم الشيطن إلا غرورا } أي وما ~~يعدهم الشيطان بما يوقعه في خواطرهم من الوساوس الفارغة { إلا ~~غرورا } يغرهم به ويظهر لهم فيه النفع، وهو ضرر محض، وانتصاب { ~~غرورا } على أنه نعت لمصدر محذوف، أي وعدا غرورا، أو على أنه مفعول ~~ثان، أو مصدر على غير لفظه. قال ابن عرفة الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه، ~~وله باطن مكروه وهذه الجملة اعتراضية. قوله { أولئك } إشارة إلى ~~أولياء الشيطان، وهذا مبتدأ، وخبره الجملة، وهي قوله { مأواهم ~~جهنم }. قوله { محيصا } أي معدلا، من حاص يحيص وقيل ملجأ، ~~ومخلصا والمحيص اسم مكان، وقيل مصدر. قوله { والذين ءامنوا } ~~الخ جعل هذا الوعد للذين آمنوا مقترنا بالوعيد المتقدم للكافرين. # قوله { وعد الله حقا } قال في الكشاف مصدران الأول مؤكد لنفسه، ~~والثاني مؤكد لغيره، ووجهه أن الأول مؤكد لمضمون الجملة الاسمية، ~~ومضمونها وعد، والثاني مؤكد لغيره، أي حق ذلك حقا. قوله { ومن ~~أصدق من الله قيلا } هذه الجملة مؤكدة لما قبلها، والقيل مصدر ~~قال كالقول، أي لا ms0854 أجد أصدق قولا من الله عز وجل وقيل إن قيلا اسم لا ~~مصدر، وإنه منتصب على التمييز. وقد أخرج الترمذي من حديث علي أنه قال ما ~~في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية { إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } قال الترمذي ~~حسن غريب. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي مالك في ~~قوله { إن يدعون من دونه إلا إنثا } قال اللات والعزة، ~~ومناة كلها مؤنثة. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والضياء في المختارة عن أبي بن كعب في الآية قال مع كل ~~صنم جنيه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { إن ~~يدعون من دونه إلا إنثا } قال موتى. وأخرج مثله عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن. وأخرج مثله أيضا ~~عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن ~~المنذر عن الحسن قال كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونها يسمونها ~~أنثى بني فلان، فأنزل الله { إن يدعون من دونه إلا إنثا ~~}. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الضحاك قال المشركون إن الملائكة ~~بنات الله، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، قال اتخذوهن أربابا، ~~وصوروهن صور الجواري، فحلوا وقلدوا، وقالوا هؤلاء يشبهن بنات الله الذي ~~نعبده يعنون الملائكة. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله { ~~وقال لأتخذن من عبادك } الخ، قال هذا إبليس يقول من كل ~~ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة. وأخرج ابن المنذر ~~عن الربيع ابن أنس مثله. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر عن قتادة في قوله { فليبتكن ءاذان الأنعم } ~~قال التبتيك في البحيرة والسائبة يبتكون آذانها لطواغيتهم. وأخرج عبد ~~الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن أنس أنه ~~كره الإخصاء، وقال فيه نزلت { ولامرنهم فليغيرن ms0855 خلق ~~الله }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس مثله. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي، عن ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن خصاء البهائم والخيل. وأخرج ابن المنذر، والبيهقي عن ابن ~~عباس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صبر الروح، وإخصاء البهائم ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله ~~{ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } قال دين الله. وأخرج ~~ابن جرير، عن الضحاك مثله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن سعيد بن ~~جبير مثله أيضا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن الحسن قال الوشم. ### || [4.123-126] # قرأ أبو جعفر بتخفيف الياء من أماني في الموضعين، واسم ليس محذوف، أي ~~ليس دخول الجنة، أو الفضل، أو القرب من الله بأمانيكم، ولا أماني أهل ~~الكتاب، كما يدل على ذلك سبب نزول الآية الآتي، وقيل ضمير يعود إلى وعد ~~الله، وهو بعيد، ومن أماني أهل الكتاب قولهم # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصرى # البقرة 111 وقولهم # نحن أبناء الله وأحباؤه # المائدة 18 وقولهم # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # البقرة 80. قوله { من يعمل سوءا يجز به } قيل المراد بالسوء ~~الشرك، وظاهر الآية أعم من ذلك، فكل من عمل سوءا أي سوء كان فهو مجزي ~~به من غيره فرق بين المسلم والكافر. وفي هذه الجملة ما ترجف له القلوب من ~~الوعيد الشديد، وقد كان لها في صدور المسلمين عند نزولها موقع عظيم كما ~~ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة، قال لما نزلت { من يعمل ~~سوءا يجز به } بلغت من المسلمين مبلغا شديدا، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " قاربوا وسددوا، في كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها، ~~والشوكة يشاكها " # قوله { ولا يجد له } قرأه الجماعة بالجزم عطفا على الجزاء. وروى ~~ابن بكار عن ابن عامر { ولا يجد } بالرفع استئنافا، أي ms0856 ليس لمن ~~يعمل السوء من دون الله وليا يواليه ولا نصيرا ينصره. { ومن يعمل ~~من الصلحت } أي بعضها حال كونه { من ذكر أو أنثى } ~~وحال كونه مؤمنا، والحال الأولى لبيان من يعمل، والحال الأخرى لإفادة ~~اشتراط الإيمان في كل عمل صالح { فأولئك } إشارة إلى العمل المتصف ~~بالإيمان { يدخلون الجنة } قرأ أبو عمرو، وابن كثير " ~~يدخلون " بضم حرف المضارعة على البناء للمجهول. وقرأ الباقون بفتحها ~~على البناء للمعلوم { ولا يظلمون نقيرا } أي لا ينقصون شيئا ~~حقيرا، وقد تقدم تفسير النقير { ومن أحسن دينا ممن ~~أسلم وجهه لله } أي أخلص نفسه له حال كونه محسنا، أي عاملا ~~للحسنات { واتبع ملة إبرهيم } أي دينه حال كون المتبع { ~~حنيفا } أي مائلا عن الأديان الباطلة إلى دين الحق، وهو الإسلام { ~~واتخذ الله إبرهيم خليلا } أي جعله صفوة له، وخصه ~~بكراماته، قال ثعلب إنما سمي الخليل خليلا لأن محبته تتخلل القلب، فلا ~~تدع فيه خليلا إلا ملأته، وأنشد قول بشار # قد تخللت مسلك الروح مني وبه سمي الخليل خليلا # وخليل فعيل بمعنى فاعل كالعليم بمعنى العالم وقيل هو بمعنى المفعول ~~كالحبيب بمعنى المحبوب. وقد كان إبراهيم عليه السلام محبوبا لله ومحبا ~~له. وقيل الخليل من الاختصاص، فالله سبحانه اختص إبراهيم برسالته في ذلك ~~الوقت واختاره لها، واختار هذا النحاس. # وقال الزجاج معنى الخليل الذي ليس في محبته خلل { ولله ما فى ~~السموات وما في الأرض } فيه إشارة إلى أنه سبحانه اتخذ ~~إبراهيم خليلا لطاعته لا لحاجته، ولا للتكثر به، والاعتضاد بمخاللته { ~~وكان الله بكل شىء محيطا } هذه الجملة مقررة لمعنى الجملة ~~التي قبلها، أي أحاط علمه بكل شيء # لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها # الكهف 49. وقد أخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال قالت العرب لا نبعث، ولا نحاسب، ~~وقالت اليهود، والنصارى # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصرى # البقرة 11 وقالوا # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # البقرة 80 فأنزل الله { ليس ms0857 بأمنيكم ولا أمانى أهل ~~الكتب من يعمل سوءا يجز به }. وأخرج سعيد بن منصور، ~~وابن جرير، وابن المنذر عن مسروق قال احتج المسلمون، وأهل الكتاب، فقال ~~المسلمون نحن أهدى منكم، وقال أهل الكتاب نحن أهدى منكم، فنزلت ففلج ~~عليهم المسلمون بهذه الآية { ومن يعمل من الصلحت من ~~ذكر أو أنثى وهو مؤمن } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن مسروق قال تفاخر النصارى، وأهل الإسلام، فقال ~~هؤلاء نحن أفضل منكم، وقال هؤلاء نحن أفضل منكم، فنزلت. وقد ورد معنى هذه ~~الروايات من طرق كثيرة مختصرة ومطولة. وأخرج عبد بن حميد، والترمذي، ~~وابن المنذر، عن أبي بكر الصديق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما ~~نزلت هذه الآية # " أما أنت، وأصحابك يا أبا بكر، فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله ~~ليس لكم ذنوب، وأما الآخرون، فيجمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة " # وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة، وأبي سعيد أنهما سمعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول # " ما يصيب المؤمن من وصب، ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن حتى الهم يهمه إلا ~~كفر الله به من سيئاته " # وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~عن ابن عباس أن ابن عمر لقيه، فسأل عن هذه الآية { ومن يعمل من ~~الصلحت } قال الفرائض. وأخرج الحاكم، وصححه عن جندب أنه سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يتوفى # " إن الله اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا " # وأخرج الحاكم أيضا وصححه، عن ابن عباس قال أتعجبون أن تكون الخلة ~~لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم؟ ### || [4.127] # سبب نزول هذه الآية سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء، وأحكامهن في ~~الميراث وغيره، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم { الله ~~يفتيكم } أي يبين لكم حكم ما سألتم عنه، وهذه الآية رجوع إلى ما ~~افتتحت به السورة من أمر النساء، وكان قد بقيت ms0858 لهم أحكام لم يعرفوها، ~~فسألوا، فقيل لهم { الله يفتيكم }. قوله { وما يتلى ~~عليكم } معطوف على قوله { الله يفتيكم } والمعنى والقرآن ~~الذي يتلى عليكم يفتيكم فيهن. والمتلو في الكتاب في معنى اليتامى قوله ~~تعالى # وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتمى # النساء 3 ويجوز أن يكون قوله { وما يتلى } معطوفا على الضمير في قوله { ~~يفتيكم } الراجع إلى المبتدأ لوقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه ~~بالمفعول والجار والمجرور، ويجوز أن يكون مبتدأ، و { في الكتاب } خبره ~~على أن المراد به اللوح المحفوظ، وقد قيل في إعرابه غير ما ذكرنا، ولم ~~نذكره لضعفه. قوله { فى يتمى النساء } على الوجه الأول والثاني ~~صلة لقوله { يتلى } وعلى الوجه الثالث بدل من قوله { فيهن }. { ~~اللتى لا تؤتونهن ما كتب لهن } أي ما فرض لهن من ~~الميراث وغيره { وترغبون } معطوف على قوله { لا تؤتونهن } ~~عطف جملة مثبتة على جملة منفية. وقيل حال من فاعل { تؤتونهن }. ~~وقوله { أن تنكحوهن } يحتمل أن يكون التقدير في أن تنكحوهن، أي ~~ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن، ويحتمل أن يكون التقدير، وترغبون عن أن ~~تنكحوهن لعدم جمالهن. قوله { والمستضعفين من الولدن } ~~معطوف على يتامى النساء، أي وما يتلى عليكم في يتامى النساء، وفي ~~المستضعفين من الولدان، وهو قوله تعالى # يوصيكم الله فى أولدكم # النساء 11. وقد كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء، ولا من كان مستضعفا ~~من الولدان، كما سلف، وإنما يورثون الرجال القائمين بالقتال وسائر ~~الأمور. قوله { وأن تقوموا لليتمى بالقسط } معطوف على ~~قوله { فى يتمى النساء } كالمستضعفين أي وما يتلى عليكم في يتامى ~~النساء، وفي المستضعفين، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط، أي العدل، ويجوز ~~أن يكون في محل نصب، أي ويأمركم أن تقوموا { وما تفعلوا من ~~خير } في حقوق المذكورين { فإن الله كان به عليما } ~~يجازيكم بحسب فعلكم من خير وشر. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، والحاكم ~~وصححه عن ابن عباس في قوله { ويستفتونك فى النساء } الآية، ~~قال كان أهل الجاهلية لا يورثون المولود حتى يكبر، ولا يورثون المرأة، ~~فلما كان الإسلام ms0859 قال { ويستفتونك فى النساء قل الله ~~يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم فى الكتب } في ~~أول السورة في الفرائض. # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال كان ~~أهل الجاهلية لا يورثون النساء، ولا الصبيان شيئا، كانوا يقولون لا ~~يغزون، ولا يغنمون خيرا، ففرض الله لهن الميراث حقا واجبا. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، عن سعيد بن جبير نحوه بأطول منه. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، عن إبراهيم في الآية قال كانوا إذا كانت الجارية يتيمة دميمة ~~لم يعطوها ميراثها، وحبسوها من التزويج حتى تموت فيرثونها، فأنزل الله ~~هذا. وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما عن عائشة في قوله { ويستفتونك ~~فى النساء } إلى قوله { وترغبون أن تنكحوهن } قالت هو ~~الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها قد شركته في ماله حتى في ~~العذق، فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا، فتشركه في ماله بما ~~شركته فيعضلها، فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن المنذر من طريق ابن عون عن ~~الحسن، وابن سيرين في هذه الآية قال أحدهما ترغبون فيهن، وقال الآخر ~~ترغبون عنهن. ### || [4.128-130] # { امرأة } مرفوعة بفعل مقدر يفسره ما بعده، أي وإن خافت امرأة، وخافت ~~بمعنى توقعت ما تخاف من زوجها، وقيل معناه تيقنت وهو خطأ. قال الزجاج ~~المعنى { وإن امرأة خفت من بعلها } دوام النشوز. قال ~~النحاس الفرق بين النشوز والإعراض أن النشوز التباعد، والإعراض أن لا ~~يكلمها ولا يأنس بها، وظاهر الآية أنها تجوز المصالحة عند مخافة أي ~~نشوز، أو أي إعراض، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي سيأتي، ~~وظاهرها أنه يجوز التصالح بأي نوع من أنواعه، إما بإسقاط النوبة، أو ~~بعضها، أو بعض النفقة، أو بعض المهر. قوله { أن يصالحا } هكذا قرأه ~~الجمهور، وقرأ الكوفيون «أن يصلحا» وقراءة الجمهور أولى لأن قاعدة العرب ~~أن الفعل إذا كان بين اثنين فصاعدا قيل تصالح الرجلان، أو القوم، لا ~~أصلح. وقوله { صلحا } منصوب على أنه اسم مصدر، أو على أنه مصدر ~~محذوف الزوائد، أو منصوب بفعل محذوف، ms0860 أي فيصلح حالهما صلحا، وقيل هو ~~منصوب على المفعولية. وقوله { بينهما } ظرف للفعل، أو في محل نصب ~~على الحال. قوله { والصلح خير } لفظ عام يقتضي أن الصلح الذي ~~تسكن إليه النفوس، ويزول به الخلاف خير على الإطلاق أو خير من الفرقة، أو ~~من الخصومة، وهذه جملة اعتراضية. قوله { وأحضرت الأنفس الشح ~~} إخبار منه سبحانه بأن الشح في كل واحد منهما، بل في كل الأنفس ~~الإنسانية كائن، وأنه جعل كأنه حاضر لها لا يغيب عنها بحال من الأحوال، ~~وأن ذلك بحكم الجبلة والطبيعة، فالرجل يشح بما يلزمه للمرأة من حسن ~~العشرة، وحسن النفقة ونحوها، والمرأة تشح على الرجل بحقوقها اللازمة ~~للزوج، فلا تترك له شيئا منها. وشح الأنفس بخلها بما يلزمها، أو يحسن ~~فعله بوجه من الوجوه، ومنه # ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون # الحشر 9. قوله { وإن تحسنوا وتتقوا } أي تحسنوا عشرة ~~النساء، وتتقوا ما لا يجوز من النشوز والإعراض { فإن الله كان ~~بما تعملون خبيرا } فيجازيكم يا معشر الأزواج بما تستحقونه. ~~قوله { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } أخبر ~~سبحانه بنفي استطاعتهم للعدل بين النساء على الوجه الذي لا ميل فيه ألبتة ~~لما جبلت عليه الطباع البشرية من ميل النفس إلى هذه دون هذه، وزيادة هذه ~~في المحبة، ونقصان هذه، وذلك بحكم الخلقة بحيث لا يملكون قلوبهم، ولا ~~يستطيعون توقيف أنفسهم على التسوية، ولهذا كان يقول الصادق المصدوق صلى ~~الله عليه وسلم # " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك " # ولما كانوا لا يستطيعون ذلك، ولو حرصوا عليه، وبالغوا فيه نهاهم عز ~~وجل عن أن يميلوا كل الميل لأن ترك ذلك وتجنب الجور كل الجور في وسعهم، ~~وداخل تحت طاقتهم، فلا يجوز لهم أن يميلوا عن إحداهن إلى الأخرى كل ~~الميل حتى يذروا الأخرى كالمعلقة التي ليست ذات زوج، ولا مطلقة تشبيها ~~بالشيء الذي هو معلق غير مستقر على شيء، وفي قراءة أبي «فتذروها ~~كالمسجونة» قوله { وإن تصلحوا } أي ما أفسدتم من الأمور التي ~~تركتم ما يجب ms0861 عليكم فيها من عشرة النساء، والعدل بينهن { وتتقوا } ~~كل الميل الذي نهيتم عنه { فإن الله كان غفورا رحيما } ~~لا يؤاخذكم بما فرط منكم. # قوله { وإن يتفرقا } أي لم يتصالحا بل فارق كل واحد منهما صاحبه ~~{ يغن الله كلا } منهما أي يجعله مستغنيا عن الآخر بأن يهيىء ~~للرجل امرأة توافقه، وتقر بها عينه، وللمرأة رجلا تغتبط بصحبته، ~~ويرزقهما { من سعته } رزقا يغنيهما به عن الحاجة { وكان الله ~~وسعا حكيما } واسع الفضل صادرة أفعاله على جهة الإحكام والإتقان. ~~وقد أخرج الترمذي وحسنه، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي عن ابن عباس ~~قال خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت يا رسول ~~الله لا تطلقني، وأجعل يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذه الآية { وإن ~~امرأة خفت من بعلها نشوزا أو إعراضا } الآية، قال ~~ابن عباس فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. وأخرج أبو داود، والحاكم ~~وصححه، والبيهقي عن عائشة أن سبب نزول الآية هو قصة سودة المذكورة. وأخرج ~~البخاري وغيره عنها في الآية قالت الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر ~~منها يريد أن يفارقها، فتقول أجعلك من شأني في حل، فنزلت هذه الآية. ~~وأخرج الشافعي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن سعيد بن ~~المسيب أن ابنة محمد بن سلمة كانت عند رافع بن خديج، فكره منها أمرا، ~~إما كبرا، أو غيره، فأراد طلاقها، فقالت لا تطلقني واقسم لي ما بدا لك، ~~فاصطلحا، وجرت السنة بذلك ونزل القرآن { وإن امرأة خفت من ~~بعلها نشوزا } الآية. وأخرج أبو داود الطيالسي، وابن أبي شيبة، ~~وابن راهويه، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عن علي ~~أنه سئل عن هذه الآية، فقال هو رجل عنده امرأتان، فتكون إحداهما قد عجزت، ~~أو تكون دميمة، فيريد فراقها، فتصالحه على أن يكون عندها ليلة، وعند ~~الأخرى ليالي ولا يفارقها، فما طابت به نفسها، فلا بأس به، فإن رجعت سوى ~~بينهما. وقد ورد عن جماعة من الصحابة نحو هذا، وثبت في الصحيحين من حديث ~~عائشة قالت ms0862 لما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، فكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقسم لها بيوم سودة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله { وأحضرت الأنفس ~~الشح } قال هواه في الشيء يحرص عليه، وفي قوله { ولن ~~تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } قال في الحب والجماع، ~~وفي قوله { فلا تميلوا كل الميل فتذروها ~~كالمعلقة } قال لا هي أيمة ولا ذات زوج. # وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ~~وابن المنذر عن عائشة قالت «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين ~~نسائه، فيعدل، ثم يقول # " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " # وإسناده صحيح. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، وأهل السنن عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة، وأحد شقيه ~~ساقط " # قال الترمذي إنما أسنده همام. ورواه هشام الدستوائي عن قتادة قال كان ~~يقال، ولا يعرف هذا الحديث مرفوعا إلا من حديث همام. وأخرج ابن المنذر، ~~عن ابن مسعود في قوله { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين ~~النساء } قال الجماع. وأخرج ابن أبي شيبة، عن الحسن قال الحب. ### || [4.131-134] # قوله { ولله ما فى السموات وما في الأرض } هذه ~~الجملة مستأنفة لتقرير كمال سعته سبحانه، وشمول قدرته { ولقد ~~وصينا الذين أوتوا الكتب من قبلكم } أمرناهم ~~فيما أنزلناه عليهم من الكتب، واللام في الكتاب للجنس { وإيكم } ~~عطف على الموصول { أن اتقوا الله } أي أمرناهم وأمرناكم ~~بالتقوى، وهو في موضع نصب بقوله { وصينا } أو منصوب بنزع الخافض. ~~قال الأخفش أي بأن اتقوا الله، ويجوز أن تكون أن مفسرة لأن التوصية في ~~معنى القول. قوله { وإن تكفروا فإن لله ما فى * ~~السموات وما في الأرض } معطوف على قوله { أن اتقوا } ~~أي وصيناهم وإياكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم إن تكفروا، وفائدة هذا ~~التكرير التأكيد ليتنبه العباد على سعة ملكه، وينظروا في ذلك، ويعلموا ms0863 ~~أنه غني عن خلقه { إن يشأ يذهبكم } أي يفنكم { ويأت ~~بآخرين } أي بقوم آخرين غيركم، وهو كقوله تعالى # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثلكم # محمد 38 { من كان يريد ثواب الدنيا } وهو من يطلب بعمله ~~شيئا من أمور الدنيا كالمجاهد يطلب الغنيمة دون الأجر { فعند الله ~~ثواب الدنيا والآخرة } فما باله يقتصر على أدنى الثوابين، ~~وأحقر الأجرين، وهلا طلب بعمله ما عند الله سبحانه، وهو ثواب الدنيا ~~والآخرة، فيحرزهما جميعا، ويفوز بهما، وظاهر الآية العموم. وقال ابن ~~جرير الطبري إنها خاصة بالمشركين والمنافقين { وكان الله سميعا ~~بصيرا } يسمع ما يقولونه، ويبصر ما يفعلونه. وقد أخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { وكان الله غنيا } عن خلقه { ~~حميدا } قال مستحمدا إليهم. وأخرجا أيضا عن علي مثله. وأخرج ابن ~~جرير، عن قتادة في قوله { وكفى بالله وكيلا } قال حفيظا. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عنه في قوله { إن يشأ ~~يذهبكم أيها الناس ويأت باخرين } قال قادر والله ~~ربنا على ذلك أن يهلك من خلقه ما شاء ويأتي بآخرين من بعدهم. ### || [4.135-136] # قوله { قوامين } صيغة مبالغة، أي ليتكرر منكم القيام بالقسط، وهو ~~العدل في شهادتكم على أنفسكم، وهو الإقرار بما عليكم من الحقوق، وأما ~~شهادته على والديه فبأن يشهد عليهما بحق للغير. وكذلك الشهادة على ~~الأقربين، وذكر الأبوين لوجوب برهما، وكونهما أحب الخلق إليه، ثم ذكر ~~الأقربين لأنهم مظنة المودة والتعصب، فإذا شهدوا على هؤلاء بما عليهم، ~~فالأجنبي من الناس أحرى أن يشهدوا عليه. وقد قيل إن معنى الشهادة على ~~النفس أن يشهد بحق على من يخشى لحوق ضرر منه على نفسه، وهو بعيد. وقوله { ~~شهداء لله } خبر بعد خبر لكان، أو حال، ولم ينصرف لأن فيه ألف ~~التأنيث. وقال ابن عطية الحال فيه ضعيفة في المعنى لأنها تخصص القيام ~~بالقسط إلى معنى الشهادة فقط. وقوله { لله } أي لمرضاته وثوابه. ~~وقوله { ولو على أنفسكم } متعلق بشهداء، هذا المعنى الظاهر من ~~الآية وقيل معنى ms0864 { شهداء لله } بالوحدانية، فيتعلق قوله { ولو ~~على أنفسكم } بقوامين، والأول أولى. قوله { إن يكن غنيا ~~أو فقيرا } اسم كان مقدر، أي إن يكن المشهود عليه غنيا، فلا يراعى ~~لأجل غناه استجلابا لنفعه، أو استدفاعا لضره، فيترك الشهادة عليه، أو ~~فقيرا فلا يراعى لأجل فقره رحمة له، وإشفاقا عليه، فيترك الشهادة عليه، ~~وإنما قال { فالله أولى بهما } ولم يقل به مع أن التخيير إنما ~~يدل على الحصول لواحد لأن المعنى فالله أولى بكل واحد منهما. وقال الأخفش ~~تكون " أو " بمعنى الواو وقيل إنه يجوز ذلك مع تقدم ذكرهما كما في قوله # وله أخ أو أخت فلكل وحد منهما السدس # النساء 12. وقد تقدم في مثل هذا ما هو أبسط مما هنا. وقرأ أبي «فالله ~~أولى بهم». وقرأ ابن مسعود «إن يكن غني أو فقير» على أن كان تامة { ~~فلا تتبعوا الهوى } نهاهم عن اتباع الهوى. وقوله { أن ~~تعدلوا } في موضع نصب، وهو إما من العدل كأنه قال فلا تتبعوا الهوى ~~كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو من العدول كأنه قال فلا تتبعوا الهوى ~~مخافة أن تعدلوا عن الحق، أو كراهة أن تعدلوا عن الحق. قوله { وإن ~~تلووا } من اللي، يقال لويت فلانا حقه إذا دفعته عنه. والمراد لي ~~الشهادة ميلا إلى المشهود عليه. وقرأ ابن عامر، والكوفيون «وإن تلوا» من ~~الولاية، أي وإن تلوا الشهادة، وتتركوا ما يجب عليكم من تأديتها على وجه ~~الحق. وقد قيل إن هذه القراءة تفيد معنيين الولاية، والإعراض. والقراءة ~~الأولى تفيد معنى واحدا وهو الإعراض. وزعم بعض النحويين أن القراءة ~~الثانية غلط ولحن لأنه لا معنى للولاية هاهنا. # قال النحاس وغيره وليس يلزم هذا، ولكن يكون تلوا بمعنى تلووا، وذلك أن ~~أصله تلووا، فاستثقلت الضمة على الواو وبعدها واو أخرى، فألقيت الحركة ~~على اللام، وحذفت إحدى الواوين لالتقاء الساكنين. وذكر الزجاج نحوه. قوله ~~{ أو تعرضوا } أي عن تأدية الشهادة من الأصل { فإن الله ~~كان بما تعملون خبيرا } أي بما تعملون من اللي والإعراض، أو ~~من كل عمل، ms0865 وفي هذا وعيد شديد لمن لم يأت بالشهادة، كما تجب عليه، وقد ~~روى أن هذه الآية تعم القاضي والشهود، أما الشهود فظاهر، وأما القاضي ~~فذلك بأن يعرض عن أحد الخصمين، أو يلوى عن الكلام معه وقيل هي خاصة ~~بالشهود. قوله { يأيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله ~~ورسوله } أي اثبتوا على إيمانكم، وداوموا عليه، والخطاب هنا ~~للمؤمنين جميعا { والكتب الذى نزل على رسوله } هو ~~القرآن، واللام للعهد { والكتب الذى أنزل من قبل } هو ~~كل كتاب، واللام للجنس. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر " نزل " ، و ~~" أنزل " بالضم. وقرأ الباقون بالفتح فيهما. وقيل إن الآية نزلت في ~~المنافقين. والمعنى يا أيها الذين آمنوا في الظاهر أخلصوا لله. وقيل نزلت ~~في المشركين، والمعنى يا أيها الذين آمنوا باللات والعزى آمنوا بالله، ~~وهما ضعيفان. قوله { ومن يكفر بالله وملئكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر } أي بشيء من ذلك { فقد ~~ضل } عن القصد { ضللا بعيدا } وذكر الرسول فيما سبق لذكر ~~الكتاب الذي أنزل عليه، وذكر الرسل هنا لذكر الكتب جملة، فناسبه ذكر ~~الرسل جملة، وتقديم الملائكة على الرسل لأنهم الوسائط بين الله وبين ~~رسله. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه ~~عن ابن عباس في قوله { يأيها الذين ءامنوا كونوا ~~قوامين } الآية قال، أمر الله المؤمنين أن يقولوا بالحق ولو على ~~أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم، لا يحابون غنيا لغناه، ولا يرحمون مسكينا ~~لمسكنته، وفي قوله { فلا تتبعوا الهوى } فتذروا الحق فتجوروا ~~{ وإن تلووا } يعني بألسنتكم بالشهادة { أو تعرضوا } عنها. ~~وأخرج أحمد، وابن أبي شيبة،وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~نعيم في الحلية عنه في معنى الآية قال الرجلان يجلسان عند القاضي، فيكون ~~لي القاضي وإعراضه لأحد الرجلين على الآخر. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا ~~قال لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانت البقرة أول سورة ~~نزلت، ثم أردفها سورة النساء، قال فكان الرجل تكون عنده الشهادة قبل ابن ~~عمه أو ذوي رحمه، فيلوى بها لسانه أو ms0866 يكتمها مما يرى من عسرته حتى يوسر، ~~فيقضي حين يوسر، فنزلت { كونوا قوامين بالقسط } الآية. ~~وأخرج ابن جرير عنه أيضا { وإن تلووا أو تعرضوا } يقول ~~تلوي لسانك بغير الحق، وهي اللجلجة، فلا تقيم الشهادة على وجهها. # والإعراض الترك. وأخرج الثعلبي عن ابن عباس أن عبد الله بن سلام وأسدا ~~وأسيدا ابني كعب، وثعلبة بن قيس وسلاما ابن أخت عبد الله بن سلام، وسلمة ~~ابن أخيه، ويامين بن يامين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا ~~رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك، وموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من ~~الكتب والرسل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " بل آمنوا بالله ورسوله محمد، وبكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله " # ، فقالوا لا نفعل، فنزلت { يأيها الذين ءامنوا ءامنوا ~~بالله } الآية. وينبغي النظر في صحة هذا، فالثعلبي رحمه الله ليس من ~~رجال الرواية، ولا يفرق بين الصحيح والموضوع. وأخرج ابن المنذر، عن ~~الضحاك في هذه الآية قال يعني بذلك أهل الكتاب، كان الله قد أخذ ميثاقهم ~~في التوراة والإنجيل، وأقروا على أنفسهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، فلما بعث الله رسوله دعاهم إلى أن يؤمنوا بمحمد والقرآن، وذكرهم ~~الذي أخذ عليهم من الميثاق، فمنهم من صدق النبي صلى الله عليه وسلم ~~واتبعه، ومنهم من كفر. ### || [4.137-141] # أخبر الله سبحانه عن هذه الطائفة التي آمنت ثم كفرت ثم آمنت، ثم كفرت، ~~ثم ازدادت كفرا بعد ذلك كله، أنه لم يكن الله سبحانه ليغفر لهم ذنوبهم، ~~ولا ليهديهم سبيلا يتوصلون به إلى الحق، ويسلكونه إلى الخير لأنه يبعد ~~منهم كل البعد أن يخلصوا لله، ويؤمنوا إيمانا صحيحا، فإن هذا الاضطراب ~~منهم تارة يدعون أنهم مؤمنون، وتارة يمرقون من الإيمان ويرجعون إلى ما ~~هو دأبهم، وشأنهم من الكفر المستمر، والجحود الدائم يدل أبلغ دلالة على ~~أنهم متلاعبون بالدين، ليست لهم نية صحيحة، ولا قصد خالص. قيل المراد ~~بهؤلاء اليهود فإنهم آمنوا بموسى، ثم كفروا بعزير، ثم آمنوا بعزير، ثم ~~كفروا بعيسى، ثم ms0867 ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل ~~آمنوا بموسى، ثم كفروا به بعبادتهم العجل، ثم آمنوا به عند عوده إليهم، ~~ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~والمراد بالآية أنهم ازدادوا كفرا واستمروا على ذلك كما هو الظاهر من ~~حالهم، وإلا فالكافر إذا آمن وأخلص إيمانه، وأقلع عن الكفر، فقد هداه ~~الله السبيل الموجب للمغفرة، # " والإسلام يجب ما قبله " # ، ولكن لما كان هذا مستبعدا منهم جدا كان غفران ذنوبهم، وهدايتهم إلى ~~سبيل الحق مستبعدا. قوله { بشر المنفقين بأن لهم ~~عذابا أليما } إطلاق البشارة على ما هو شر خالص لهم تهكم بهم، وقد ~~مر تحقيقه. وقوله { الذين يتخذون الكفرين أولياء } ~~وصف للمنافقين، أو منصوب على الذم، أي يجعلون الكفار أولياء لهم ~~يوالونهم على كفرهم، ويمالئونهم على ضلالهم. وقوله { من دون ~~المؤمنين } في محل نصب على الحال، أي يوالون الكافرين متجاوزين ~~ولاية المؤمنين { أيبتغون عندهم العزة } هذا الاستفهام ~~للتقريع والتوبيخ، والجملة معترضة. قوله { فإن العزة لله ~~جميعا } هذه الجملة تعليل لما تقدم من توبيخهم بابتغاء العزة عند ~~الكافرين، وجميع أنواع العزة، وأفرادها مختص بالله سبحانه، وما كان منها ~~مع غيره، فهو من فيض، وتفضله كما في قوله # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # المنافقون 8 والعزة الغلبة. يقال عزه يعزه عزا إذا غلبه { وقد ~~نزل عليكم فى الكتب } الخطاب لجميع من أظهر الإيمان من ~~مؤمن ومنافق لأن من أظهر الإيمان، فقد لزمه أن يمتثل ما أنزله الله وقيل ~~إنه خطاب للمنافقين فقط كما يفيده التشديد والتوبيخ. وقرأ عاصم، ويعقوب { ~~نزل } بفتح النون والزاي وتشديدها، وفاعله ضمير راجع إلى اسم الله تعالى ~~في قوله { فإن العزة لله جميعا }. وقرأ حميد بتخفيف الزاي ~~مفتوحة مع فتح النون، وقرأ الباقون بضم النون مع كسر الزاي مشددة على ~~البناء للمجهول. وقوله { أن إذا سمعتم آيات الله } في محل نصب على ~~القراءة الأولى على أنه مفعول { نزل }. # وفي محل رفع على القراءة الثانية على أنه فاعل، وفي محل رفع على أنه ~~مفعول ms0868 ما لم يسم فاعله على القراءة الثالثة. و { أن } هي المخففة من ~~الثقيلة، والتقدير أنه إذا سمعتم آيات الله. والكتاب هو القرآن. وقوله { ~~يكفر بها ويستهزأ بها } حالان، أي إذا سمعتم الكفر، ~~والاستهزاء بآيات الله، فأوقع السماع على الآيات. والمراد سماع الكفر ~~والاستهزاء. وقوله { فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى ~~حديث غيره } أي أنزل عليكم في الكتاب أنكم عند هذا السماع للكفر، ~~والاستهزاء بآيات الله لا تقعدوا معهم ما داموا كذلك حتى يخوضوا في حديث ~~غير حديث الكفر والاستهزاء بها. والذي أنزله الله عليهم في الكتاب هو ~~قوله تعالى # وإذا رأيت الذين يخوضون فى ءايتنا فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا فى حديث غيره # الأنعام 68 وقد كان جماعة من الداخلين في الإسلام يقعدون مع المشركين ~~واليهود، حال سخريتهم بالقرآن، واستهزائهم به، فنهوا عن ذلك. وفي هذه ~~الآية باعتبار عموم لفظها الذي هو المعتبر دون خصوص السبب دليل على ~~اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله بما يفيد التنقص، والاستهزاء للأدلة ~~الشرعية، كما يقع كثيرا من أسراء التقليد الذين استبدلوا آراء الرجال ~~بالكتاب والسنة، ولم يبق في أيديهم سوى قال إمام مذهبنا كذا، وقال فلان ~~من أتباعه بكذا، وإذا سمعوا من يستدل على تلك المسألة بآية قرآنية، أو ~~بحديث نبوي سخروا منه، ولم يرفعوا إلى ما قاله رأسا، ولا بالوا به بالة، ~~وظنوا أنه قد جاء بأمر فظيع، وخطب شنيع، وخالف مذهب إمامهم الذي نزلوه ~~منزلة معلم الشرائع، بل بالغوا في ذلك حتى جعلوا رأيه العايل، واجتهاده ~~الذي هو عن منهج الحق مائل، مقدما على الله، وعلى كتابه، وعلى رسوله، ~~فإنا لله، وإنا إليه راجعون، ما صنعت هذه المذاهب بأهلها، والأئمة الذين ~~انتسب هؤلاء المقلدة إليهم برآء من فعلهم، فإنهم قد صرحوا في مؤلفاتهم ~~بالنهي عن تقليدهم، كما أوضحنا ذلك في رسالتنا المسماة ب " القول المفيد ~~في حكم التقليد " وفي مؤلفنا المسمى ب " أدب الطلب، ومنتهى الأرب " ~~اللهم انفعنا بما علمتنا، واجعلنا من المقتدين بالكتاب والسنة وباعد ~~بيننا وبين آراء الرجال المبنية على ms0869 شفا جرف هار، يا مجيب السائلين. قوله ~~{ إنكم إذا مثلهم } تعليل للنهي أي إنكم إن فعلتم ذلك، ولم ~~تنتهوا، فأنتم مثلهم في الكفر. قيل وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات، ~~ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر كما في قول القائل # وكل قرين بالمقارن يقتدي # وهذه الآية محكمة عند جميع أهل العلم إلا ما يروى عن الكلبي فإنه قال هي ~~منسوخة بقوله تعالى # وما على الذين يتقون من حسابهم من شىء # الأنعام 69 وهو مردود، فإن من التقوى اجتناب مجالس هؤلاء الذين يكفرون ~~بآيات الله، ويستهزئون بها. قوله { إن الله جامع ~~المنفقين والكفرين فى جهنم جميعا } هذا تعليل ~~لكونهم مثلهم في الكفر، قيل وهم القاعدون، والمقعود إليهم عند من جعل ~~الخطاب موجها إلى المنافقين. قوله { الذين يتربصون بكم } ~~أي ينتظرون بكم ما يتجدد، ويحدث لكم من خير أو شر، والموصول في محل نصب ~~على أنه صفة للمنافقين، أو بدل منهم فقط دون الكافرين، لأن التربص ~~المذكور هو من المنافقين دون الكافرين، ويجوز أن يكون في محل نصب على ~~الذم، { فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن ~~معكم } هذه الجملة، والجملة التي بعدها حكاية لتربصهم، أي إن حصل ~~لكم فتح من الله بالنصر على من يخالفكم من الكفار { قالوا } لكم { ~~ألم نكن معكم } في الاتصاف بظاهر الإسلام، والتزام أحكامه ~~والمظاهرة والتسويد، وتكثير العدد { وإن كان للكفرين نصيب ~~} من الغلب لكم، والظفر بكم { قالوا } للكافرين { ألم نستحوذ ~~عليكم } أي ألم نقهركم ونغلبكم ونتمكن منكم، ولكن أبقينا عليكم. ~~وقيل المعنى إنهم قالوا للكفار الذين ظفروا بالمسلمين ألم نستحوذ عليكم ~~حتى هابكم المسلمون وخذلناهم عنكم؟ والأول أولى، فإن معنى الاستحواذ ~~الغلب، يقال استحوذ على كذا، أي غلب عليه، ومنه قوله تعالى # استحوذ عليهم الشيطن # المجادلة 19 ولا يصح أن يقال ألم نغلبكم حتى هابكم المسلمون، ولكن ~~المعنى ألم نغلبكم يا معشر الكافرين، ونتمكن منكم فتركناكم، وأبقينا ~~عليكم حتى حصل لكم هذا الظفر بالمسلمين { ونمنعكم من ~~المؤمنين } بتخذيلهم وتثبيطهم عنكم حتى ضعفت قلوبهم عن الدفع ms0870 لكم، ~~وعجزوا عن الانتصاف منكم والمراد أنهم يميلون مع من له الغلب، والظفر من ~~الطائفتين، ويظهرون لهم أنهم كانوا معهم على الطائفة المغلوبة، وهذا شأن ~~المنافقين أبعدهم الله، وشأن من حذا حذوهم من أهل الإسلام من التظهر لكل ~~طائفة بأنه معها على الأخرى، والميل إلى من معه الحظ من الدنيا في مال أو ~~جاه، فيلقاه بالتملق، والتودد، والخضوع، والذلة، ويلقى من لا حظ له من ~~الدنيا بالشدة، والغلظة، وسوء الخلق، ويزدري به، ويكافحه بكل مكروه، ~~فقبح الله أخلاق أهل النفاق وأبعدها. قوله { فالله يحكم ~~بينكم يوم القيمة } بما انطوت عليه ضمائرهم من النفاق ~~والبغض للحق وأهله، ففي هذا اليوم تنكشف الحقائق، وتظهر الضمائر، وإن ~~حقنوا في الدنيا دماءهم، وحفظوا أموالهم بالتكلم بكلمة الإسلام نفاقا { ~~ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين سبيلا } ~~، هذا في يوم القيامة إذا كان المراد بالسبيل النصر والغلب، أو في الدنيا ~~إن كان المراد به الحجة. قال ابن عطية قال جميع أهل التأويل إن المراد ~~بذلك يوم القيامة. قال ابن العربي وهذا ضعيف لعدم فائدة الخبر فيه، وسببه ~~توهم من توهم أن آخر الكلام يرجع إلى أوله يعني قوله { فالله ~~يحكم بينكم يوم القيمة } وذلك يسقط فائدته، إذ يكون ~~تكرار هذا معنى كلامه وقيل المعنى إن الله لا يجعل للكافرين سبيلا على ~~المؤمنين يمحو به دولتهم، ويذهب آثارهم، ويستبيح بيضتهم، كما يفيده ~~الحديث الثابت في الصحيح # " وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع ~~عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا " # وقيل إنه سبحانه لا يجعل للكافرين سبيلا على المؤمنين ما داموا عاملين ~~بالحق غير راضين بالباطل، ولا تاركين للنهي عن المنكر، كما قال تعالى # وما أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # الشورى 30 قال ابن العربي وهذا نفيس جدا. وقيل إن الله لا يجعل ~~للكافرين على المؤمنين سبيلا شرعا، فإن وجد، فبخلاف الشرع. هذا خلاصة ما ~~قاله أهل العلم في هذه الآية، وهي صالحة للاحتجاج بها على كثير من ms0871 ~~المسائل. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله { إن ~~الذين ءامنوا ثم كفروا } الآية، قال هم اليهود والنصارى ~~آمنت اليهود بالتوراة، ثم كفرت، وآمنت النصارى بالإنجيل، ثم كفرت. وأخرج ~~عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عنه في الآية قال هؤلاء اليهود ~~آمنوا بالتوراة، ثم كفروا، ثم ذكر النصارى، فقال { ثم ءامنوا ثم ~~كفروا } يقول آمنوا بالإنجيل، ثم كفروا، { ثم ازدادوا كفرا ~~} بمحمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال ~~هؤلاء المنافقون آمنوا مرتين، ثم كفروا مرتين، ثم ازدادوا كفرا بعد ذلك. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ثم ازدادوا كفرا } ~~قال تمادوا على كفرهم حتى ماتوا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن أبي ~~وائل قال إن الرجل ليتكلم في المجلس بالكلمة من الكذب ليضحك بها جلساءه، ~~فيسخط الله عليهم جميعا، فذكروا ذلك لإبراهيم النخعي، فقال صدق أبو ~~وائل، أو ليس ذلك في كتاب الله؟ { فلا تقعدوا معهم حتى ~~يخوضوا فى حديث غيره }. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال أنزل ~~في سورة الأنعام # حتى يخوضوا فى حديث غيره # الأنعام 68 ثم نزل التشديد في سورة النساء { إنكم إذا مثلهم ~~}. وأخرج ابن المنذر، عن سعيد بن جبير، أن الله جامع المنافقين من أهل ~~المدينة والكافرين من أهل مكة الذين خاضوا واستهزءوا بالقرآن في جهنم ~~جميعا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد { الذين ~~يتربصون بكم } قال هم المنافقون يتربصون بالمؤمنين { فإن ~~كان لكم فتح من الله } إن أصاب المسلمين من عدوهم غنيمة ~~قال المنافقون { ألم نكن } قد كنا { معكم } فأعطونا من الغنيمة ~~مثل ما تأخذون { وإن كان للكفرين نصيب } يصيبونه من ~~المسلمين قال المنافقون للكفار { ألم نستحوذ عليكم } ألم ~~نبين لكم أنا على ما أنتم عليه، قد كنا نثبطهم عنكم. # وأخرج ابن جرير عن السدي { ألم نستحوذ عليكم } قال نغلب ~~عليكم. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، والبيهقي في الشعب، والحاكم وصححه عن ms0872 علي أنه قيل له أرأيت هذه ~~الآية { ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين ~~سبيلا } وهم يقاتلوننا، فيظهرون ويقتلون، فقال ادنه ادنه، ثم قال { ~~فالله يحكم بينكم يوم القيمة ولن يجعل ~~الله للكفرين على المؤمنين سبيلا }. وأخرج ابن ~~جرير عنه في الآية قال في الآخرة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن ~~عباس نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي مالك نحوه ~~أيضا. وأخرج ابن جرير، عن السدي { سبيلا } قال حجة. ### || [4.142-147] # قوله { إن المنفقين يخدعون الله } هذا كلام مبتدأ ~~يتضمن بيان بعض قبائح المنافقين وفضائحهم، وقد تقدم معنى الخدع في ~~البقرة، ومخادعتهم لله هي أنهم يفعلون فعل المخادع، من إظهار الإيمان ~~وإبطان الكفر، ومعنى كون الله خادعهم أنه صنع بهم صنع من يخادع من خادعه، ~~وذلك أنه تركهم على ما هم عليه من التظهر بالإسلام في الدنيا، فعصم به ~~أموالهم، ودماءهم، وأخر عقوبتهم إلى الدار الآخرة، فجازاهم على خداعهم ~~بالدرك الأسفل من النار. قال في الكشاف والخادع اسم فاعل من خادعته ~~فخدعته إذا غلبته، وكنت أخدع منه. والكسالى بضم الكاف جمع كسلان، وقرىء ~~بفتحها. والمراد أنهم يصلون، وهم متكاسلون متثاقلون لا يرجون ثوابا، ولا ~~يخافون عقابا. والرياء إظهار الجميل ليراه الناس، لا لاتباع أمر الله، ~~وقد تقدم بيانه، والمراءاة المفاعلة. قوله { ولا يذكرون الله ~~إلا قليلا } معطوف على { يراءون } ، أي لا يذكرونه سبحانه إلا ~~ذكرا قليلا أو لا يصلون إلا صلاة قليلة، ووصف الذكر بالقلة لعدم ~~الإخلاص، أو لكونه غير مقبول، أو لكونه قليلا في نفسه لأن الذي يفعل ~~الطاعة لقصد الرياء، إنما يفعلها في المجامع، ولا يفعلها خاليا كالمخلص. ~~قوله { مذبذبين بين ذلك } المذبذب المتردد بين أمرين، ~~والذبذبة الاضطراب، يقال ذبذبه فتذبذب، ومنه قول النابغة # ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب # قال ابن جني المذبذب القلق الذي لا يثبت على حال، فهؤلاء المنافقون ~~مترددون بين المؤمنين، والمشركين، لا مخلصين الإيمان، ولا مصرحين ~~بالكفر. قال في الكشاف وحقيقة المذبذب الذي يذب ms0873 عن كلا الجانبين، أي ~~يذاد، ويدفع فلا يقر في جانب واحد، كما يقال فلان يرمى به الرجوان، إلا ~~أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كأن المعنى كلما مال إلى جانب ذب ~~عنه. انتهى. وقرأ الجمهور بضم الميم وفتح الذالين. وقرأ ابن عباس بكسر ~~الذال الثانية، وفي حرف أبي «متذبذبين» وقرأ الحسن بفتح الميم والذالين، ~~وانتصاب { مذبذبين } إما على الحال، أو على الذم، والإشارة بقوله { بين ~~ذلك } إلى الإيمان والكفر. قوله { لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء } أي لا منسوبين إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين، ومحل الجملة ~~النصب على الحال، أو على البدل من مذبذبين، أو على التفسير له { ومن ~~يضلل الله } أي يخذله، ويسلبه التوفيق { فلن تجد له ~~سبيلا } أي طريقا يوصله إلى الحق. قوله { سبيلا يأيها ~~الذين ءامنوا لا تتخذوا الكفرين أولياء من ~~دون المؤمنين } أي لا تجعلوهم خاصة لكم، وبطانة توالونهم من دون ~~إخوانكم من المؤمنين، كما فعل المنافقون من موالاتهم للكافرين { ~~أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا } ~~الاستفهام للتقريع والتوبيخ، أي أتريدون أن تجعلوا لله عليكم حجة بينة ~~يعذبكم بها بسبب ارتكابكم لما نهاكم عنه من موالاة الكافرين. # { إن المنفقين فى الدرك الاسفل من النار } قرأ ~~الكوفيون { الدرك } بسكون الراء، وقرأ غيرهم بتحريكها. قال أبو علي هما ~~لغتان والجمع أدراك وقيل جمع المحرك أدراك مثل جمل وأجمال، وجمع الساكن ~~أدرك مثل فلس وأفلس. قال النحاس والتحريك أفصح. والدرك الطبقة. والنار ~~دركات سبع، فالمنافق في الدرك الأسفل منها، وهي الهاوية، لغلظ كفره وكثرة ~~غوائله، وأعلى الدركات جهنم، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ~~ثم الهاوية. وقد تسمى جميعها باسم الطبقة العليا، أعاذنا الله من عذابها ~~{ ولن تجد لهم نصيرا } يخلصهم من ذلك الدرك والخطاب لكل من ~~يصلح له، أو للنبي صلى الله عليه وسلم. { إلا الذين تابوا } ~~استثناء من المنافقين، أي إلا الذين تابوا عن النفاق { وأصلحوا } ~~ما أفسدوا من أحوالهم { وأخلصوا دينهم لله } أي جعلوه ~~خالصا له غير مشوب بطاعة غيره. والاعتصام بالله ms0874 التمسك به والوثوق ~~بوعده، والإشارة بقوله { أولئك } إلى الذين تابوا، واتصفوا ~~بالصفات السابقة. قوله { مع المؤمنين } قال الفراء أي من ~~المؤمنين يعني الذين لم يصدر منهم نفاق أصلا. قال القتيبي حاد عن كلامهم ~~غضبا عليهم، فقال { فأولئك مع المؤمنين } ولم يقل هم ~~المؤمنون. انتهى. والظاهر أن معنى " مع " معتبر هنا، أي فأولئك مصاحبون ~~للمؤمنين في أحكام الدنيا والآخرة. ثم بين ما أعد الله للمؤمنين الذين ~~هؤلاء معهم، فقال { وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا ~~عظيما } وحذفت الياء من { يؤت } في الخط، كما حذفت في اللفظ لسكونها ~~وسكون اللام بعدها، ومثله # يوم يدع الداع # القمر 9 و # سندع الزبانية # العلق 17 و # يوم يناد المناد # ق 41 ونحوها، فإن الحذف في الجميع لالتقاء الساكنين. قوله { ما ~~يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم } هذه ~~الجملة متضمنة لبيان أنه لا غرض له سبحانه في التعذيب إلا مجرد المجازاة ~~للعصاة. والمعنى أي منفعة له في عذابكم إن شكرتم وآمنتم، فإن ذلك لا ~~يزيد في ملكه، كما أن ترك عذابكم لا ينقص من سلطانه { وكان الله ~~شكرا عليما } أي يشكر عباده على طاعته، فيثيبهم عليها، ويتقبلها ~~منهم. والشكر في اللغة الظهور، يقال دابة شكور إذا ظهر من سمنها فوق ما ~~تعطى من العلف. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن الحسن في قوله { ~~إن المنفقين يخدعون الله } الآية، قال يلقى على كل ~~مؤمن، ومنافق نور يمشون به يوم القيامة حتى إذا انتهوا إلى الصراط طفىء ~~نور المنافقين، ومضى المؤمنون بنورهم، فتلك خديعة الله إياهم. وأخرج ابن ~~جرير عن السدي نحوه. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد، وسعيد بن جبير نحوه ~~أيضا. # ولا أدري من أين جاء لهم هذا التفسير، فإن مثله لا ينقل إلا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في الآية قال نزلت في ~~عبد الله بن أبي، وأبي عامر بن النعمان. وقد ورد في الأحاديث الصحيحة ~~وصف صلاة المنافق، وأنه يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام، ms0875 ~~فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر عن مجاهد في قوله { مذبذبين بين ذلك } قال هم ~~المنافقون { لا إلى هؤلاء } يقول لا إلى أصحاب محمد { ولا إلى ~~هؤلاء } اليهود، وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم # " إن مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى ~~هذه مرة فلا تدري أيهما تتبع؟ " # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله { ~~أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا } ~~قال إن لله السلطان على خلقه ولكنه يقول عذرا مبينا. وأخرج عبد الرزاق، ~~وسعيد بن منصور، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وابن مردويه، عن ابن عباس قال كل سلطان في القرآن، فهو حجة. والله سبحانه ~~أعلم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، والطبراني، عن ابن مسعود في قوله { إن المنفقين فى ~~الدرك الأسفل من النار } قال في توابيت من حديد مقفلة عليهم، ~~وفي لفظ مبهمة عليهم أي مغلقة لا يهتدي لمكان فتحها. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة نحوه. وأخرج ابن أبي الدنيا، عن ابن مسعود ~~نحوه أيضا. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة في قوله { ما ~~يفعل الله بعذابكم إن شكرتم } الآية، قال إن الله لا ~~يعذب شاكرا ولا مؤمنا. ### || [4.148-149] # نفي الحب كناية عن البغض، وقراءة الجمهور { إلا من ظلم } على ~~البناء للمجهول. وقرأ زيد بن أسلم، وابن أبي إسحاق، والضحاك، وابن عباس، ~~وابن جبير، وعطاء بن السائب " إلا من ظلم " على البناء للمعلوم، ~~وهو على القراءة الأولى استثناء متصل بتقدير مضاف محذوف، أي إلا جهر من ~~ظلم. وقيل إنه على القراءة الأولى أيضا منقطع، أي لكن من ظلم، فله أن ~~يقول ظلمني فلان. واختلف أهل العلم في كيفية الجهر بالسوء الذي يجوز لمن ~~ظلم، فقيل هو أن يدعو على من ظلمه. وقيل لا بأس أن يجهر بالسوء ms0876 من القول ~~على من ظلمه بأن يقول فلان ظلمني، أو هو ظالم أو نحو ذلك. وقيل معناه إلا ~~من أكره على أن يجهر بسوء من القول من كفر أو نحوه، فهو مباح له، والآية ~~على هذا في الاكراه، وكذا قال قطرب، قال ويجوز أن يكون على البدل كأنه ~~قال لا يحب الله إلا من ظلم، أي لا يحب الظالم بل يحب المظلوم. ~~والظاهر من الآية أنه يجوز لمن ظلم أن يتكلم بالكلام الذي هو من السوء في ~~جانب من ظلمه، ويؤيده الحديث الثابت في الصحيح بلفظ # " لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته " # ، وأما على القراءة الثانية، فالاستثناء منقطع، أي إلا من ظلم في فعل أو ~~قول، فاجهروا له بالسوء من القول في معنى النهي عن فعله والتوبيخ له. ~~وقال قوم معنى الكلام لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول، لكن من ~~ظلم، فإنه يجهر بالسوء ظلما وعدوانا، وهو ظالم في ذلك، وهذا شأن كثير ~~من الظلمة، فإنهم مع ظلمهم يستطيلون بألسنتهم على من ظلموه، وينالون من ~~عرضه. وقال الزجاج يجوز أن يكون المعنى إلا من ظلم، فقال سوءا، فإنه ~~ينبغي أن يأخذوا على يديه، ويكون استثناء ليس من الأول { وكان ~~الله سميعا عليما } هذا تحذير للظالم بأن الله يسمع ما يصدر منه ~~ويعلم به، ثم بعد أن أباح للمظلوم أن يجهر بالسوء ندب إلى ما هو الأولى ~~والأفضل، فقال { إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا ~~عن سوء } تصابون به { فإن الله كان عفوا } عن عباده { ~~قديرا } على الانتقام منهم بما كسبت أيديهم، فاقتدوا به سبحانه، فإنه ~~يعفو مع القدرة. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن ~~عباس في قوله { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ~~} قال لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوما، فإنه رخص ~~له أن يدعو على من ظلمه، وإن يصبر فهو خير له. # وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في ms0877 الآية قال نزلت ~~في رجل ضاف رجلا بفلاة من الأرض، فلم يضفه، ثم ذكر أنه لم يضفه لم يزد ~~على ذلك. وأخرج ابن المنذر عن إسماعيل { لا يحب الله الجهر ~~بالسوء من القول إلا من ظلم } قال كان الضحاك بن مزاحم ~~يقول هذا على التقديم والتأخير، يقول الله. ما يفعل الله بعذابكم إن ~~شكرتم، وآمنتم إلا من ظلم، وكان يقرؤها كذلك، ثم قال { لا يحب ~~الله الجهر بالسوء من القول } أي على كل حال هكذا قال، ~~وهو قريب من التحريف لمعنى الآية. وقد أخرج ابن أبي شيبة، والترمذي عن ~~عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من دعا على من ظلمه، فقد انتصر " # وروى نحوه أبو داود عنها من وجه آخر. وقد أخرج أبو داود من حديث أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " المتسابان ما قالاه، فعلى البادىء منهما ما لم يعتد المظلوم ". ### || [4.150-152] # لما فرغ من ذكر المشركين والمنافقين ذكر الكفار من أهل الكتاب، وهم ~~اليهود والنصارى لأنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك كالكفر ~~بجميع الرسل، والكتب المنزلة، والكفر بذلك كفر بالله، وينبغي حمل قوله { ~~إن الذين يكفرون بالله ورسله } على أنه استلزم ذلك ~~كفرهم ببعض الكتب والرسل، لا أنهم كفروا بالله ورسله جميعا، فإن أهل ~~الكتاب لم يكفروا بالله ولا بجميع رسله، لكنهم لما كفروا بالبعض كان ذلك ~~كفر بالله وبجميع الرسل. ومعنى { ويريدون أن يفرقوا بين ~~الله ورسله } أنهم كفروا بالرسل بسبب كفرهم ببعضهم، وآمنوا ~~بالله، فكان ذلك تفريقا بين الله وبين رسله { ويقولون نؤمن ~~ببعض ونكفر ببعض } هم اليهود آمنوا بموسى، وكفروا بعيسى ~~ومحمد، وكذلك النصارى آمنوا بعيسى، وكفروا بمحمد { ويريدون أن ~~يتخذوا بين ذلك سبيلا } أي يتخذوا بين الإيمان والكفر ~~دينا متوسطا بينهما، فالإشارة بقوله { ذلك } إلى قوله نؤمن ونكفر { ~~أولئك هم الكفرون } أي الكاملون في الكفر. وقوله { حقا ~~} مصدر مؤكد لمضمون الجملة، أي حق ذلك حقا. أو هو صفه لمصدر الكافرين، ~~أي كفرا حقا. قوله { ولم ms0878 يفرقوا بين أحد منهم } بأن ~~يقولوا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ودخول { بين } على { أحد } لكونه عاما في ~~المفرد مذكرا ومؤنثا ومثناهما وجمعهما. وقد تقدم تحقيقه، والإشارة ~~بقوله { أولئك } إلى الذين آمنوا بالله ورسله، ولم يفرقوا بين ~~أحد منهم. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في الآية، قال { ~~أولئك } أعداء الله اليهود، والنصارى آمنت اليهود بالتوراة، ~~وموسى، وكفروا بالإنجيل، وعيسى، وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى، وكفروا ~~بالقرآن ومحمد، اتخذوا اليهودية والنصرانية وهما بدعتان ليستا من الله ~~وتركوا الإسلام، وهو دين الله الذي بعث به رسله. وأخرج ابن جرير، عن ~~السدي، وابن جريج نحوه. ### || [4.153-159] # قوله { يسألك أهل الكتب } هم اليهود سألوه صلى الله عليه ~~وسلم أن يرقى إلى السماء وهم يرونه، فينزل عليهم كتابا مكتوبا فيما ~~يدعيه يدل على صدقه دفعة واحدة، كما أتى موسى التوراة تعنتا منهم، ~~أبعدهم الله، فأخبره الله عز وجل بأنهم قد سألوا موسى سؤالا أكبر من ~~هذا السؤال، فقالوا { أرنا الله جهرة } أي عيانا، وقد تقدم ~~معناه في البقرة، وجهرة نعت لمصدر محذوف، أي رؤية جهرة. وقوله { فقد ~~سألوا } جواب شرط مقدر، أي إن استكبرت هذا السؤال منهم لك، فقد ~~سألوا موسى أكبر من ذلك. قوله { فأخذتهم الصعقة } هي النار ~~التي نزلت عليهم من السماء فأهلكتهم، والباء في قوله { بظلمهم } ~~للسببية، أي بسبب ظلمهم في سؤالهم الباطل لامتناع الرؤية عيانا في هذه ~~الحالة، وذلك لا يستلزم امتناعها يوم القيامة، فقد جاءت بذلك الأحاديث ~~المتواترة. ومن استدل بهذه الآية على امتناع الرؤية يوم القيامة، فقد غلط ~~غلطا بينا، ثم لم يكتفوا بهذا السؤال الباطل الذي نشأ منهم بسبب ظلمهم ~~بعد ما رأوا المعجزات، بل ضموا إليه ما هو أقبح منه، وهو عبادة العجل. ~~وفي الكلام حذف والتقدير فأحييناهم فاتخذوا العجل. والبينات البراهين، ~~والدلائل، والمعجزات من اليد، والعصا، وفلق البحر وغيرها { فعفونا ~~عن ذلك } أي عما كان منهم من التعنت، وعبادة العجل، { وآتينا موسى ~~سلطانا مبينا } أي حجة بينة وهي الآيات التي جاء بها، وسميت سلطانا ms0879 ~~لأن من جهر بها قهر خصمه، ومن ذلك أمر الله سبحانه له بأن يأمرهم بقتل ~~أنفسهم توبة عن معصيتهم، فإنه من جملة السلطان الذي قهرهم به { ~~ورفعنا فوقهم الطور بميثقهم } أي بسبب ميثاقهم ~~ليعطوه لأنه روى أنهم امتنعوا من قبول شريعة موسى، فرفع الله عليهم الطور ~~فقبلوها. وقيل إن المعنى بسبب نقضهم ميثاقهم الذي أخذ منهم، وهو العمل ~~بما في التوراة، وقد تقدم رفع الجبل في البقرة، وكذلك تفسير دخولهم ~~الباب سجدا { وقلنا لهم لا تعدوا فى السبت } فتأخذوا ~~ما أمرتم بتركه فيه من الحيتان، وقد تقدم تفسير ذلك، وقرىء " لا تعتدوا ~~" ، وتعدوا بفتح العين، وتشديد الدال { وأخذنا منهم ميثقا ~~غليظا } مؤكدا، وهو العهد الذي أخذه عليهم في التوراة. وقيل إنه عهد ~~مؤكدا باليمين، فسمي غليظا لذلك. قوله { فبما نقضهم ~~ميثقهم } ما مزيدة للتوكيد، أو نكرة، ونقضهم بدل منها، والباء ~~متعلقة بمحذوف، والتقدير فبنقضهم ميثاقهم لعناهم. وقال الكسائي هو متعلق ~~بما قبله والمعنى فأخذتهم الصاعقة بظلمهم إلى قوله { فبما نقضهم ~~ميثقهم } قال ففسر ظلمهم الذي أخذتهم الصاعقة بسببه بما بعده من ~~نقضهم ميثاقهم، وقتلهم الأنبياء وما بعده. # وأنكر ذلك ابن جرير الطبري وغيره لأن الذين أخذتهم الصاعقة كانوا على ~~عهد موسى، والذين قتلوا الأنبياء، ورموا مريم بالبهتان كانوا بعد موسى ~~بزمان، فلم تأخذ الصاعقة الذين أخذتهم برميهم بالبهتان. قال المهدوي ~~وغيره وهذا لا يلزم لأن يجوز أن يخبر عنهم، والمراد آباؤهم، وقال الزجاج ~~المعنى فبنقضهم ميثاقهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم لأنه هذه القصة ممتدة ~~إلى قوله # فبظلم من الذين هادوا حرمنا # النساء 160 ونقضهم الميثاق أنه أخذ عليهم أن يبينوا صفة النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وقيل المعنى فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا طبع الله على قلوبهم. ~~وقيل المعنى فبنقضهم لا يؤمنون إلا قليلا، والفاء في قوله { فلا ~~يؤمنون } مقحمة. قوله { وكفرهم بئايت الله } معطوف ~~على ما قبله، وكذا قوله { وقتلهم } ، والمراد بآيات الله كتبهم ~~التي حرفوها، والمراد بالأنبياء الذين قتلوهم يحيى، وزكرياء. وغلف جمع ~~أغلف، وهو المغطى بالغلاف، أي ms0880 قلوبنا في أغطية، فلا تفقه ما تقول وقيل إن ~~غلف جمع غلاف، والمعنى أن قلوبهم أوعية للعلم، فلا حاجة لهم إلى علم غير ~~ما قد حوته قلوبهم، وهو كقولهم # قلوبنا في أكنة # فصلت 5 وغرضهم بهذا رد حجة الرسل. قوله { بل طبع الله ~~عليها بكفرهم } هذه الجملة اعتراضية، أي ليس عدم قبولهم للحق ~~بسبب كونها غلفا بحسب مقصدهم الذي يريدونه، بل بحسب الطبع من الله ~~عليها. والطبع الختم، وقد تقدم إيضاح معناه في البقرة، وقوله { فلا ~~يؤمنون إلا قليلا } أي هي مطبوع عليها من الله بسبب كفرهم، ~~فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، أو إلا قليلا منهم كعبد الله بن سلام، ~~ومن أسلم معه منهم، وقوله { وبكفرهم } معطوف على { قولهم } ، ~~وإعادة الجار لوقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، وهذا التكرير ~~لإفادة أنهم كفروا كفرا بعد كفر. وقيل إن المراد بهذا الكفر كفرهم ~~بالمسيح، فحذف لدلالة ما بعده عليه. قوله { وقولهم على مريم ~~بهتنا عظيما } هو رميها بيوسف النجار، وكان من الصالحين. ~~والبهتان الكذب المفرط الذي يتعجب منه. قوله { وقولهم إنا ~~قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله } معطوف على ~~ما قبله، وهو من جملة جناياتهم وذنوبهم لأنهم كذبوا بأنهم قتلوه، ~~وافتخروا بقتله، وذكروه بالرسالة استهزاء لأنهم ينكرونها، ولا يعترفون ~~بأنه نبي، وما ادعوه من أنهم قتلوه قد اشتمل على بيان صفته، وإيضاح ~~حقيقته الانجيل، وما فيه هو من تحريف النصارى، أبعدهم الله، فقد كذبوا ~~وصدق الله القائل في كتابه العزيز { وما قتلوه وما صلبوه } ~~والجملة حالية، أي قالوا ذلك والحال أنهم ما قتلوه وما صلبوه { ولكن ~~شبه لهم } أي ألقى شبهه على غيره. وقيل لم يكونوا يعرفون شخصه، ~~وقتلوا الذين قتلوه، وهم شاكون فيه { وإن الذين اختلفوا ~~فيه } أي في شأن عيسى، فقال بعضهم قتلناه، وقال من عاين رفعه إلى ~~السماء ما قتلناه، وقيل إن الاختلاف بينهم، هو أن النسطورية من النصارى ~~قالوا صلب عيسى من جهة ناسوته لا من جهة لا هوته، وقالت الملكانية وقع ~~القتل والصلب على المسيح بكماله ms0881 ناسوته ولاهوته، ولهم من جنس هذا ~~الاختلاف كلام طويل لا أصل له، ولهذا قال الله { وإن الذين ~~اختلفوا فيه لفى شك منه } أي في تردد لا يخرج إلى حيز ~~الصحة، ولا إلى حيز البطلان في اعتقادهم، بل هم مترددون مرتابون في شكهم ~~يعمهون، وفي جهلهم يتحيرون، و { ما لهم به من علم إلا ~~اتباع الظن } من زائدة لتوكيد نفي العلم، والاستثناء منقطع، أي ~~لكنهم يتبعون الظن. # وقيل هو بدل بما قبله. والأول أولى. لا يقال إن اتباع الظن ينافي ~~الشك الذي أخبر الله عنهم بأنهم فيه، لأن المراد هنا بالشك التردد كما ~~قدمنا، والظن نوع منه، وليس المراد به هنا ترجح أحد الجانبين. قوله { ~~وما قتلوه يقينا } أي قتلا يقينا على أنه صفة مصدر محذوف، أو ~~متيقنين على أنه حال، وهذا على أن الضمير في قتلوه لعيسى، وقيل إنه يعود ~~إلى الظن، والمعنى ما قتلوا ظنهم يقينا كقولك قتلته علما إذا علمته ~~علما تاما. قال أبو عبيدة ولو كان المعنى وما قتلوا عيسى يقينا لقال ~~وما قتلوه فقط. وقيل المعنى وما قتلوا الذي شبه لهم. وقيل المعنى بل رفعه ~~الله إليه يقينا، وهو خطأ لأنه لا يعمل لا بعد بل فيما قبلها. وأجاز ابن ~~الأنباري نصب يقينا بفعل مضمر هو جواب قسم، ويكون { بل رفعه ~~الله إليه } كلاما مستأنفا ولا وجه لهذه الأقوال، والضمائر قبل ~~قتلوه وبعده لعيسى، وذكر اليقين هنا لقصد التهكم بهم لإشعاره بعلمهم في ~~الجملة. قوله { بل رفعه الله إليه } رد عليهم وإثبات لما ~~هو الصحيح، وقد تقدم ذكر رفعه عليه السلام في آل عمران. قوله { وإن ~~من أهل الكتب إلا ليؤمنن به قبل موته } ~~المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، والمعنى وما من أهل الكتاب أحد إلا ~~والله ليؤمنن به قبل موته، والضمير في به راجع إلى عيسى، والضمير في موته ~~راجع إلى ما دل عليه الكلام، وهو لفظ أحد المقدر، أو الكتابي المدلول ~~عليه بأهل الكتاب، وفيه دليل على أنه لا يموت يهودي، أو نصراني إلا ms0882 وقد ~~آمن بالمسيح وقيل كلا الضميرين لعيسى، والمعنى أنه لا يموت عيسى حتى يؤمن ~~به كل كتابي في عصره. وقيل الضمير الأول لله وقيل إلى محمد، وقد اختار ~~كون الضميرين لعيسى ابن جرير، وقال به جماعة من السلف، وهو الظاهر، ~~والمراد الإيمان به عند نزوله في آخر الزمان، كما وردت بذلك الأحاديث ~~المتواترة { ويوم القيمة يكون } عيسى على أهل الكتاب { ~~شهيدا } يشهد على اليهود بالتكذيب له، وعلى النصارى بالغلو فيه حتى ~~قالوا هو ابن الله. # وقد أخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي قال جاء ناس من اليهود إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا إن موسى جاء بالألواح من عند الله، ~~فأتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقك، فأنزل الله { يسألك أهل ~~الكتب أن تنزل عليهم كتبا من السماء } إلى ~~قوله { وقولهم على مريم بهتنا عظيما }. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال إن اليهود والنصارى قالوا ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم لن نبايعك على ما تدعونا إليه حتى تأتينا بكتاب ~~من عند الله إلى فلان أنك رسول الله وإلى فلان أنك رسول الله، فأنزل الله ~~{ يسألك أهل الكتب } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~عن ابن عباس في قوله { أرنا الله جهرة } قال إنهم إذا رأوه فقد ~~رأوه، وإنما قالوا جهرة أرنا الله قال هو مقدم ومؤخر. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن المنذر، عن قتادة في قوله { ورفعنا فوقهم الطور } قال ~~جبل كانوا في أصله فرفعه الله، فجعله فوقهم كأنه ظلة، فقال لتأخذن أمري ~~أو لأرمينكم به، فقالوا نأخذه، فأمسكه الله عنهم. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { وقولهم على مريم ~~بهتنا عظيما } قال رموها بالزنا. وأخرج سعيد بن منصور، ~~والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس قال لما أراد الله أن ~~يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى أصحابه، وفي البيت اثنا عشر رجلا من ~~الحواريين، فخرج عليهم من عين في البيت، ورأسه يقطر ماء، ms0883 فقال إن منكم من ~~يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال أيكم يلقى عليه شبهي، ~~فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنا، فقال له ~~اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب، فقال اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب ~~فقال أنا، فقال أنت ذاك فألقى عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في ~~البيت إلى السماء قال وجاء الطلب من اليهود، فأخذوا الشبه، فقتلوه، ثم ~~صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق، ~~فقالت طائفة كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، فهؤلاء اليعقوبية ~~وقالت فرقة كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء ~~النسطورية. وقالت فرقة كان فينا عبد الله ورسوله، وهؤلاء المسلمون، ~~فتظاهرت الكافرتان على المسلمة، فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى ~~بعث الله محمدا، فأنزل الله عليه { فآمنت طائفة من بني إسرائيل } يعني ~~الطائفة التي آمنت في زمن عيسى { وكفرت طائفة } يعني التي كفرت ~~في زمن عيسى # فأيدنا الذين ءامنوا # الصف 14 في زمن عيسى بإظهار محمد دينهم على دين الكافرين. قال ابن كثير ~~بعد أن ساقه بهذا اللفظ عن ابن أبي حاتم قال حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا ~~أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن ~~عباس، فذكره. وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس. وصدق ابن كثير، فهؤلاء كلهم ~~من رجال الصحيح. وأخرجه النسائي، من حديث أبي كريب، عن أبي معاوية بنحوه. ~~وقد رويت قصته عليه السلام من طرق بألفاظ مختلفة، وساقها عبد بن حميد، ~~وابن جرير، عن وهب بن منبه على صفة قريبة مما في الإنجيل، وكذلك ساقها ~~ابن المنذر عنه. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله { وما قتلوه ~~يقينا } قال لم يقتلوا ظنهم يقينا. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد مثله. ~~وأخرج ابن جرير، عن ابن جويبر، والسدي مثله أيضا. وأخرج الفريابي وعبد ~~بن حميد، والحاكم وصححه، عن ابن عباس ms0884 في قوله { وإن من أهل ~~الكتب إلا ليؤمنن به قبل موته } قال خروج عيسى ~~ابن مريم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طرق عنه في الآية قال قبل ~~موت عيسى. وأخرجا عنه أيضا قال قبل موت اليهودي. وأخرج ابن جرير عنه قال ~~إنه سيدرك أناس من أهل الكتاب عيسى حين يبعث سيؤمنون به. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وابن جرير، وابن المنذر عنه قال ليس يهودي يموت أبدا حتى يؤمن ~~بعيسى قيل لابن عباس أرأيت إن خر من فوق بيت؟ قال يتكلم به في الهواء ~~فقيل أرأيت إن ضرب عنق أحدهم؟ قال يتلجلج بها لسانه. وقد روي نحو هذا عنه ~~من طرق، وقال به جماعة من التابعين، وذهب كثير من التابعين فمن بعدهم إلى ~~أن المراد قبل موت عيسى، كما روي عن ابن عباس قبل هذا، وقيده كثير منهم ~~بأنه يؤمن به من أدركه عند نزوله إلى الأرض. وقد تواترت الأحاديث بنزول ~~عيسى حسبما، أوضحنا ذلك في مؤلف مستقل يتضمن ذكر ما ورد في المنتظر ~~والدجال والمسيح. ### || [4.160-165] # الباء في قوله { فبظلم } للسببية، والتنكير والتنوين للتعظيم، أي ~~فبسبب ظلم عظيم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، لا بسبب شيء آخر، كما زعموا ~~أنها كانت محرمة على من قبلهم. وقال الزجاج هذا بدل من قوله # فبما نقضهم # النساء 155، المائدة 13. والطيبات المذكورة هي ما نصه الله سبحانه # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر # الأنعام 146 الآية { وبصدهم } أنفسهم وغيرهم { عن سبيل ~~الله } وهو اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتحريفهم، وقتلهم الأنبياء، ~~وما صدر منهم من الذنوب المعروفة. وقوله { كثيرا } مفعول للفعل ~~المذكور، أي بصدهم ناسا كثيرا، أو صفة مصدر محذوف، أي صدا كثيرا { ~~وأخذهم الربا وقد نهوا عنه } أي معاملتهم فيما بينهم ~~بالربا، وأكلهم له، وهو محرم عليهم { وأكلهم أمول الناس ~~بالبطل } كالرشوة والسحت الذي كانوا يأخذونه. قوله { لكن ~~الراسخون فى العلم منهم } استدراك من قوله { وأعتدنا ~~للكفرين منهم عذابا أليما } أو { من الذين ~~هادوا } وذلك أن اليهود أنكروا وقالوا إن ms0885 هذه الأشياء كانت حراما في ~~الأصل، وأنت تحلها، فنزل { لكن الراسخون } والراسخ هو المبالغ ~~في علم الكتاب الثابت فيه، والرسوخ الثبوت. وقد تقدم الكلام عليه في آل ~~عمران. والمراد عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ونحوهما. والراسخون ~~مبتدأ، ويؤمنون خبره، والمؤمنون معطوف على الراسخون. والمراد بالمؤمنين ~~إما من آمن من أهل الكتاب، أو من المهاجرين والأنصار، أو من الجميع. قوله ~~{ والمقيمين الصلوة } قرأ الحسن، ومالك بن دينار، وجماعة " ~~والمقيمون الصلاة " على العطف على ما قبله، وكذا هو في مصحف ابن مسعود، ~~واختلف في وجه نصبه على قراءة الجمهور على أقوال الأول قول سيبويه أنه ~~نصب على المدح، أي وأعني المقيمين. قال سيبويه هذا باب ما ينتصب على ~~التعظيم، ومن ذلك { والمقيمين الصلوة } وأنشد # وكل قوم أطاعوا أمر سيدهم إلا نميرا أطاعت أمر غاويها الطاعنين ~~ولما يطعنوا أحدا والقائلون لمن دار نخليها # وأنشد # لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك ~~والطيبون معاقد الأزر # قال النحاس وهذا أصح ما قيل في المقيمين. وقال الكسائي، والخليل هو ~~معطوف على قوله { بما أنزل إليك } قال الأخفش وهذا بعيد لأن ~~المعنى يكون هكذا ويؤمنون بالمقيمين. ووجهه محمد بن يزيد المبرد بأن ~~المقيمين هنا هم الملائكة، فيكون المعنى يؤمنون بما أنزل إليك، وبما أنزل ~~من قبلك، وبالملائكة، واختار هذا. وحكى أن النصب على المدح بعيد لأن ~~المدح إنما يأتي بعد تمام الخبر، وخبر الراسخون هو قوله { أولئك ~~سنؤتيهم أجرا عظيما } وقيل إن المقيمين معطوف على الضمير في ~~قوله { منهم } وفيه أنه عطف على مضمر بدون إعادة الخافض. # وحكى عن عائشة أنها سئلت، عن المقيمين في هذه الآية، وعن قوله تعالى # إن هذن لساحرن # طه 63 وعن قوله # والصبئون # المائدة 69 في المائدة؟ فقالت يا ابن أخي الكتاب أخطئوا. أخرجه عنها أبو ~~عبيد في فضائله، وسعيد ابن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن ~~المنذر. وقال أبان بن عثمان كان الكاتب يملي عليه، فيكتب فكتب { ~~لكن الراسخون فى العلم منهم والمؤمنون } ثم ms0886 ~~قال ما أكتب؟ فقيل له أكتب { والمقيمين الصلوة } فمن ثم وقع ~~هذا. أخرجه عنه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر. قال القشيري وهذا ~~باطل لأن الذين جمعوا الكتاب كانوا قدوة في اللغة، فلا يظن بهم ذلك. ~~ويجاب عن القشيري بأنه قد روى عن عثمان بن عفان أنه لما فرغ من المصحف ~~وأتى به إليه قال أرى فيه شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنها. أخرجه عنه ~~ابن أبي داود من طرق. وقد رجح قول سيبويه كثير من أئمة النحو والتفسير، ~~ورجح قول الخليل، والكسائي ابن جرير الطبري، والقفال، وعلى قول سيبويه ~~تكون الجملة معترضة بين المبتدأ والخبر على قول من قال إن خبر { ~~الراسخون } هو قوله { أولئك سنؤتيهم } أو بين المعطوف ~~والمعطوف عليه إن جعلنا الراسخون هو يؤمنون، وجعلنا قوله { ~~والمؤتون الزكوة } عطفا على المؤمنون لا على قول سيبويه أن ~~المؤتون الزكاة مرفوع على الابتداء، أو على تقدير مبتدأ محذوف، أي هم ~~المؤتون الزكاة. قوله { والمؤمنون بالله واليوم الآخر ~~} هم مؤمنو أهل الكتاب، وصفوا أولا بالرسوخ في العلم، ثم بالإيمان بكتب ~~الله، وأنهم يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويؤمنون بالله، واليوم الآخر. ~~وقيل المراد بهم المؤمنون من المهاجرين والأنصار، كما سلف، وأنهم جامعون ~~بين هذه الأوصاف، والإشارة بقوله { أولئك سنؤتيهم أجرا ~~عظيما } إلى { الراسخون } ، وما عطف عليه. قوله { إنا أوحينا ~~إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } ~~هذا متصل بقوله { يسألك أهل الكتب } والمعنى أن أمر محمد ~~صلى الله عليه وسلم كأمر من تقدمه من الأنبياء، فما بالكم تطلبون منه ما ~~لم يطلبه أحد من المعاصرين للرسل، والوحي إعلام في خفاء، يقال وحى إليه ~~بالكلام وحيا، وأوحى يوحى إيحاء، وخص نوحا لكونه أول نبي شرعت على ~~لسانه الشرائع، وقيل غير ذلك، والكاف في قوله { كما } نعت مصدر محذوف، ~~أي إيحاء مثل إيحائنا إلى نوح، أو حال، أي أوحينا إليك هذا الإيحاء حال ~~كونه مشبها بإيحائنا إلى نوح. قوله { وأوحينا إلى إبرهيم ~~} معطوف على { أوحينا إلى نوح } { وإسمعيل ~~وإسحق ويعقوب والأسباط ms0887 } وهم أولاد يعقوب كما تقدم { ~~وعيسى وأيوب ويونس وهرون وسليمن } خص هؤلاء ~~بالذكر بعد دخولهم في لفظ النبيين تشريفا لهم كقوله # وملئكته ورسله وجبريل # البقرة 98، وقدم عيسى على أيوب، ومن بعده مع كونهم في زمان قبل زمانه، ~~ردا على اليهود الذي كفروا به، وأيضا فالواو ليست إلا لمطلق الجمع. ~~قوله { وءاتينا * داوود زبورا } معطوف على أوحينا. والزبور كتاب ~~داود. قال القرطبي وهو مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم، ولا حلال ولا ~~حرام، وإنما هي حكم ومواعظ. انتهى. قلت هو مائة وخمسون مزمورا. والمزمور ~~فصل يشتمل على كلام لداود يستغيث بالله من خصومه، ويدعو الله عليهم ~~ويستنصره، وتارة يأتي بمواعظ، وكان يقول ذلك في الغالب في الكنيسة، ~~ويستعمل مع تكلمه بذلك شيئا من الآلات التي لها نغمات حسنة، كما هو ~~مصرح بذلك في كثير من تلك المزمورات. والزبر الكتابة. والزبور بمعنى ~~المزبور، أي المكتوب. كالرسول، والحلوب، والركوب. وقرأ حمزة " زبورا " ~~بضم الزاي، جمع زبر كفلس وفلوس. والزبر بمعنى المزبور، والأصل في الكلمة ~~التوثيق يقال بئر مزبورة، أي مطوية بالحجارة، والكتاب سمي زبورا لقوة ~~الوثيقة به. قوله { ورسلا } منصوب بفعل مضمر يدل عليه { أوحينا ~~} أي وأرسلنا رسلا { قد قصصنهم عليك من قبل } وقيل هو ~~منصوب بفعل دل عليه { قصصنهم } أي وقصصنا رسلا، ومثله ما أنشده ~~سيبويه # أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا والذئب أخشاه إن ~~مررت به وحدي وأخشى الرياح والمطرا # أي وأخشى الذئب. وقرأ أبي " رسل " بالرفع على تقدير، ومنهم رسل. ~~ومعنى { من قبل } أنه قصة عليه من قبل هذه السورة، أو من قبل هذا ~~اليوم. قيل إنه لما قص الله في كتابه بعض أسماء أنبيائه، ولم يذكر أسماء ~~بعض قالت اليهود ذكر محمد الأنبياء، ولم يذكر موسى، فنزل { وكلم ~~الله موسى تكليما } وقراءة الجمهور برفع الاسم الشريف على أن ~~الله هو الذي كلم موسى. وقرأ النخعي، ويحيى ابن وثاب بنصب الاسم الشريف ~~على أن موسى هو الذي كلم الله سبحانه و { تكليما } مصدر مؤكد. وفائدة ~~التأكيد ms0888 دفع توهم كون التكليم مجازا، كما قال الفراء إن العرب تسمى ما ~~وصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق. وقيل ما لم يؤكد بالمصدر، فإذا أكد لم ~~يكن إلا حقيقة الكلام. قال النحاس وأجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل ~~بالمصدر لم يكن مجازا. قوله { رسلا مبشرين ومنذرين } بدل ~~من رسلا الأول، أو منصوب بفعل مقدر، أي وأرسلنا، أو على الحال بأن ~~يكون رسلا موطئا لما بعده، أو على المدح، أي مبشرين لأهل الطاعات، ~~ومنذرين لأهل المعاصي. قوله { لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل } أي معذرة يعتذرون بها، كما في قوله تعالى # ولو أنا أهلكنهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ءايتك # طه 134 وسميت المعذرة حجة مع أنه لم يكن لأحد من العباد على الله حجة ~~تنبيها على أن هذه المعذرة مقبولة لديه تفضلا منه ورحمة. ومعنى قوله { ~~بعد الرسل } بعد إرسال الرسل { وكان الله عزيزا } لا ~~يغالبه مغالب { حكيما } في أفعاله التي من جملتها إرسال الرسل. وقد ~~أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد { وبصدهم عن ~~سبيل الله كثيرا } قال أنفسهم وغيرهم عن الحق. وأخرج ابن إسحاق ~~والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله { لكن الراسخون فى ~~العلم منهم } قال نزلت في عبد الله بن سلام، وأسيد بن شعبة، ~~وثعلبة بن شعبة حين فارقوا اليهود وأسلموا. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، ~~وابن المنذر، والبيهقي في الدلائل عنه أن بعض اليهود قال يا محمد ما نعلم ~~الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى، فأنزل الله { إنا أوحينا ~~إليك } الآية. وأخرج عبد بن حميد، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، ~~وابن حبان في صحيحه، والحاكم، وابن عساكر، عن أبي ذر قال قلت يا رسول ~~الله كم الأنبياء؟ قال # " مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا " # قلت كم الرسل منهم؟ قال ثلثمائة وثلاثة عشر جم غفير. وأخرج نحوه ابن ~~أبي حاتم، عن أبي أمامة مرفوعا إلا أنه قال # " والرسل ثلثمائة وخمسة عشر " # وأخرج أبو ms0889 يعلى، والحاكم بسند ضعيف، عن أنس قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " كان فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي، ثم كان عيسى، ~~ثم كنت أنا بعده " # وأخرج الحاكم، عن أنس بسند ضعيف نحوه. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، ~~عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~ولا أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه ولا أحد أحب إليه ~~العذر من الله، من أجل ذلك بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ". ### || [4.166-171] # قوله { لكن الله يشهد } الاسم الشريف مبتدأ، والفعل خبره، ~~ومع تشديد النون هو منصوب على أنه اسم لكن، والاستدراك من محذوف مقدر ~~كأنهم قالوا ما نشهد لك يا محمد بهذا، أي الوحي والنبوة، فنزل { ~~لكن الله يشهد }. وقوله { والملئكة يشهدون } ~~جملة معطوفة على الجملة الأولى، أو جملة حالية، وكذلك قوله { أنزله ~~بعلمه } جملة حالية، أي متلبسا بعلمه الذي لا يعلمه غيره، من كونك ~~أهلا لما اصطفاك الله له من النبوة، وأنزله عليك من القرآن { وكفى ~~بالله شهيدا } أي كفى الله شاهدا، والباء زائدة، وشهادة الله ~~سبحانه هي ما يصنعه من المعجزات الدالة على صحة النبوة، فإن وجود هذه ~~المعجزات شهادة للنبي صلى الله عليه وسلم بصدق ما أخبر به من هذا، ~~وغيره. { إن الذين كفروا } بكل ما يجب الإيمان به، أو بهذا ~~الأمر الخاص، وهو ما في هذا المقام { وصدوا عن سبيل الله } ~~وهو دين الإسلام بإنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وبقولهم ما نجد ~~صفته في كتابنا، وإنما النبوة في ولد هرون وداود، وبقولهم إن شرع موسى ~~لا ينسخ { قد ضلوا ضللا بعيدا } عن الحق بما فعلوا، لأنهم ~~مع كفرهم منعوا غيرهم عن الحق { إن الذين كفروا } بجحدهم { ~~وظلموا } غيرهم بصدهم عن السبيل، أو ظلموا محمدا بكتمانهم نبوته، ~~أو ظلموا أنفسهم بكفرهم، ويجوز الحمل على جميع هذه المعاني { لم ~~يكن الله ليغفر ms0890 لهم } إذا استمروا على كفرهم، وماتوا ~~كافرين { ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم } ~~لكونهم اقترفوا ما يوجب لهم ذلك بسوء اختيارهم، وفرط شقائهم، وجحدوا ~~الواضح، وعاندوا البين { خلدين فيها أبدا } أي يدخلهم جهنم ~~خالدين فيها، وهي حال مقدرة. وقوله { أبدا } منصوب على الظرفية، وهو ~~لدفع احتمال. أن الخلود هنا يراد به المكث الطويل { وكان ذلك } أي ~~تخليدهم في جهنم، أو ترك المغفرة لهم، والهداية مع الخلود في جهنم { ~~على الله يسيرا } لأنه سبحانه لا يصعب عليه شيء # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # يس 82 { فآمنوا خيرا لكم } اختلف أئمة النحو في انتصاب { خيرا } على ~~ماذا؟ فقال سيبويه، والخليل بفعل مقدر، أي واقصدوا، أو أتو خيرا لكم، ~~وقال الفراء هو نعت لمصدر محذوف، أي فآمنوا إيمانا خيرا لكم، وذهب أبو ~~عبيدة، والكسائي إلى أنه خبر لكان مقدرة، أي فآمنوا يكن الإيمان خيرا ~~لكم، وأقوى هذه الأقوال الثالث، ثم الأول، ثم الثاني على ضعف فيه { ~~وإن تكفروا } أي وإن تستمروا على كفركم { فإن لله ما فى ~~السموات والأرض } من مخلوقاته، وأنتم من جملتهم، ومن كان خالقا ~~لكم ولها فهو قادر على مجازاتكم بقبيح أفعالكم، ففي هذه الجملة، وعيد لهم ~~مع إيضاح وجه البرهان، وإماطة الستر عن الدليل بما يوجب عليهم القبول ~~والإذعان. # لأنهم يعترفون بأن الله خالقهم # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # الزخرف 87 قوله { يأهل الكتب لا تغلوا فى دينكم } ~~الغلو هو التجاوز في الحد، ومنه غلا السعر يغلو غلاء، وغلا الرجل في ~~الأمر غلوا، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت ~~لداتها. والمراد بالآية النهي لهم عن الإفراط تارة والتفريط أخرى، فمن ~~الإفراط غلو النصارى في عيسى حتى جعلوه ربا، ومن التفريط غلو اليهود فيه ~~عليه السلام حتى جعلوه لغير رشدة، وما أحسن قول الشاعر # ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمورذميم # { ولا تقولوا على الله إلا الحق } وهو ما وصف به نفسه ~~ووصفته به رسله، ولا تقولوا الباطل ms0891 كقول اليهود عزير ابن الله، وقول ~~النصارى المسيح ابن الله { إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله } المسيح مبتدأ، وعيسى بدل منه، وابن مريم صفة لعيسى، ~~ورسول الله الخبر، ويجوز أن يكون عيسى ابن مريم عطف بيان، والجملة تعليل ~~للنهي، وقد تقدم الكلام على المسيح في آل عمران. قوله { وكلمته } ~~عطف على رسول الله، و { ألقها إلى مريم } حال، أي كونه ~~بقوله كن، فكان بشرا من غير أب، وقيل { كلمته } بشارة الله مريم ورسالته ~~إليها على لسان جبريل بقوله # إذ قالت الملئكة يمريم مريم إن الله ~~يبشرك بكلمة منه # آل عمران 45 وقيل الكلمة هاهنا بمعنى الآية، ومنه # وصدقت بكلمت ربها # التحريم 12، وقوله # ما نفدت كلمت الله # لقمان 27. قوله { وروح منه } أي أرسل جبريل فنفخ في درع مريم ~~فحملت بإذن الله، وهذه الإضافة للتفضيل، وإن كان جميع الأرواح من خلقه ~~تعالى. وقيل قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحا ويضاف إلى الله، ~~فيقال هذا روح من الله، أي من خلقه، كما يقال في النعمة إنها من الله ~~وقيل { روح منه } أي من خلقه كما قال تعالى # وسخر لكم ما فى * السموات وما في الأرض جميعا ~~منه # الجاثية 13 أي من خلقه، وقيل { روح منه } أي رحمة منه، وقيل { ~~روح منه } أي برهان منه، وكان عيسى برهانا وحجة على قومه. وقوله { ~~منه } متعلق بمحذوف وقع صفة لروح، أي كائنة منه وجعلت الروح منه ~~سبحانه، وإن كانت بنفخ جبريل لكونه تعالى الآمر لجبريل بالنفخ { فآمنوا ~~بالله ورسله } أي بأنه سبحانه إله واحد # لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد # الإخلاص 2-4، وبأن رسله صادقون مبلغون عن الله ما أمرهم بتبليغه، ولا ~~تكذبوهم، ولا تغلوا فيهم، فتجعلوا بعضهم آلهة. قوله { ولا تقولوا ~~ثلثة } ارتفاع ثلاثة على أنه خبر مبتدأ محذوف قال الزجاج أي لا ~~تقولوا آلهتنا ثلاثة، وقال الفراء، وأبو عبيد أي لا تقولوا هم ثلاثة ~~كقوله # سيقولون ثلثة # الكهف 22 وقال أبو علي الفارسي لا تقولوا هو ثالث ثلاثة، ms0892 فحذف المبتدأ ~~والمضاف، والنصارى مع تفريق مذاهبهم متفقون على التثليث، ويعنون بالثلاثة ~~الثلاثة الأقانيم، فيجعلونه سبحانه جوهرا واحدا، وله ثلاثة أقانيم، ~~ويعنون بالأقانيم أقنوم الوجود، وأقنوم الحياة، وأقنوم العلم، وربما ~~يعبرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس، فيعنون بالأب الوجود، ~~وبالروح الحياة، وبالابن المسيح. وقيل المراد بالآلهة الثلاثة الله ~~سبحانه وتعالى، ومريم، والمسيح. وقد اختبط النصارى في هذا اختباطا ~~طويلا. ووقفنا في الأناجيل الأربعة التي يطل عليها عندهم اسم الإنجيل ~~على اختلاف كثير في عيسى فتارة يوصف بأنه ابن الإنسان، وتارة يوصف بأنه ~~ابن الله، وتارة يوصف بأنه ابن الرب، وهذا تناقض ظاهر وتلاعب بالدين. ~~والحق ما أخبرنا الله به في القرآن، وما خالفه في التوراة، أو الإنجيل، ~~أو الزبور، فهو من تحريف المحرفين، وتلاعب المتلاعبين. ومن أعجب ما ~~رأيناه أن الأناجيل الأربعة كل واحد منها منسوب إلى واحد من أصحاب عيسى ~~عليه السلام. وحاصل ما فيها جميعا أن كل واحد من هؤلاء الأربعة ذكر سيرة ~~عيسى من عند أن بعثه الله إلى أن رفعه إليه، وذكر ما جرى له من المعجزات، ~~والمراجعات لليهود ونحوهم، فاختلفت ألفاظهم، واتفقت معانيها، وقد يزيد ~~بعضهم على بعض بحسب ما يقتضيه الحفظ، والضبط، وذكر ما قاله عيسى، وما قيل ~~له، وليس فيها من كلام الله سبحانه شيء، ولا أنزل على عيسى من عنده ~~كتابا، بل كان عيسى عليه السلام يحتج عليهم بما في التوراة، ويذكر أنه ~~لم يأت بما يخالفها، وهكذا الزبور، فإنه من أوله إلى آخره من كلام داود ~~عليه السلام. وكلام الله أصدق، وكتابه أحق، وقد أخبرنا أن الانجيل كتابه ~~أنزله على عبده ورسوله عيسى ابن مريم، وأن الزبور كتابه آتاه داود وأنزله ~~عليه. قوله { انتهوا خيرا لكم } أي انتهوا عن التثليث، وانتصاب ~~{ خيرا } هنا فيه الوجوه الثلاثة التي تقدمت في قوله { فآمنوا خيرا لكم ~~}. { إنما الله إله وحد } لا شريك له ولا صاحبة ولا ولدا ~~{ سبحنه أن يكون له ولد } أي أسبحه تسبيحا عن أن يكون ~~له ولد { له ما في ms0893 السموات وما في الأرض } وما جعلتموه ~~له شريكا، أو ولدا هو من جملة ذلك، والمملوك المخلوق لا يكون شريكا، ~~ولا ولدا { وكفى بالله وكيلا } فكل الخلق أمورهم إليه، ولا ~~يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن ~~المنذر، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال دخل جماعة من اليهود على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم # " إني والله أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله " # ، قالوا ما نعلم ذلك. فأنزل الله { لكن الله يشهد } الآية. ~~وأخرج عبد بن حميد، والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل، عن أبي موسى أن ~~النجاشي قال لجعفر ما يقول صاحبك في ابن مريم؟ قال يقول فيه قول الله هو ~~روح الله وكلمته، أخرجه من البتول العذراء لم يقربها بشر، فتناول عودا من ~~الأرض فرفعه فقال يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون ~~في ابن مريم ما يزن هذه. وأخرجه البيهقي في الدلائل عن ابن مسعود بأطول ~~من هذا. وأخرج البخاري عن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد، فقولوا عبد ~~الله ورسوله ". ### || [4.172-175] # أصل يستنكف نكف وباقي الحروف زائدة، يقال نكفت من الشيء، واستنكفت منه، ~~وأنكفته أي نزهته عما يستنكف منه. قال الزجاج استنكف أي أنف، مأخوذ من ~~نكفت الدمع إذا نحيته بأصبعك عن خديك وقيل هو من النكف، وهو العيب، يقال ~~ما عليه في هذا الأمر نكف ولا وكف أي عيب. ومعنى الأول لن يأنف عن ~~العبودية، ولن يتنزه عنها. ومعنى الثاني لن يعيب العبودية، ولن ينقطع ~~عنها { ولا الملئكة المقربون } عطف على المسيح، أي ولن ~~يستنكف الملائكة المقربون عن أن يكونوا عبادا لله. وقد استدل بهذا ~~القائلون بتفضيل الملائكة على الأنبياء، وقرر صاحب الكشاف وجه الدلالة ~~بما لا يسمن ولا يغني من جوع، وادعى أن الذوق قاض بذلك، ونعم الذوق ~~العربي إذا خالطه محبة المذهب، وشابه شوائب الجمود كان هكذا، وكل من يفهم ms0894 ~~لغة العرب يعلم أن من قال لا يأنف من هذه المقالة إمام ولا مأموم أو لا ~~كبير ولا صغير أو لا جليل ولا حقير، لم يدل هذا على أن المعطوف أعظم ~~شأنا من المعطوف عليه، وعلى كل حال، فما أردأ الاشتغال بهذه المسألة، ~~وما أقل فائدتها، وما أبعدها عن أن تكون مركزا من المراكز الشرعية ~~الدينية، وجسرا من الجسور { ومن يستنكف عن عبادته ~~ويستكبر } أي يأنف تكبرا، ويعد نفسه كبيرا عن العبادة { ~~فسيحشرهم إليه جميعا } المستنكف وغيره، فيجازي كلا بعمله. ~~وترك ذكر غير المستنكف هنا لدلالة أول الكلام عليه. ولكون الحشر لكلا ~~الطائفتين { فأما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~فيوفيهم أجورهم } من غير أن يفوتهم منها شيء { وأما ~~الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا ~~أليما } بسبب استنكافهم واستكبارهم { ولا يجدون لهم من ~~دون الله وليا } يواليهم { ولا نصيرا } ينصرهم. قوله { ~~يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم } بما أنزله ~~عليكم من كتبه وبمن أرسله إليكم من رسله، وما نصبه لهم من المعجزات. ~~والبرهان ما يبرهن به على المطلوب { وأنزلنا إليكم نورا ~~مبينا } وهو القرآن، وسماه نورا لأنه يهتدى به من ظلمة الضلال { ~~فأما الذين ءامنوا بالله واعتصموا به } أي بالله، ~~وقيل بالنور المذكور { فسيدخلهم فى رحمة منه } يرحمهم ~~بها { وفضل } يتفضل به عليهم { ويهديهم إليه } أي إلى ~~امتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه أو إليه سبحانه وتعالى باعتبار ~~مصيرهم إلى جزائه، وتفضله { صرطا مستقيما } أي طريقا يسلكونه ~~إليه مستقيما لا عوج فيه، وهو التمسك بدين الإسلام، وترك غيره من ~~الأديان، قال أبو علي الفارسي الهاء في قوله { إليه } راجعة إلى ما ~~تقدم من اسم الله وقيل راجعة إلى القرآن وقيل إلى الفضل وقيل إلى الرحمة ~~والفضل لأنهما بمعنى الثواب وانتصاب { صراطا } على أنه مفعول ثان للفعل ~~المذكور وقيل على الحال. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال { لن يستنكف المسيح } ~~لن يستكبر. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، ~~وأبو نعيم في الحلية، والإسماعيلي في معجمه ms0895 بسند ضعيف، عن ابن مسعود قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله # " { فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } قال { ~~أجورهم } يدخلهم الجنة، { ويزيدهم من فضله } الشفاعة فيمن وجبت له النار، ~~ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا " # وقد ساقه ابن كثير في تفسيره، فقال وقد روى ابن مردويه، من طريق بقية عن ~~إسماعيل بن عبد الله الكندي عن الأعمش عن شقيق عن ابن مسعود، فذكره، وقال ~~هذا إسناد لا يثبت، وإذا روي عن ابن مسعود موقوفا، فهو جيد. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، عن قتادة { قد جاءكم برهان } أي بينة { ~~وأنزلنا إليكم نورا مبينا } قاال هذا القرآن. وأخرجا ~~أيضا عن مجاهد قال برهان حجة. وأخرجا أيضا عن ابن جريج في قوله { ~~واعتصموا به } قال القرآن. ### || [4.176] # قد تقدم الكلام في الكلالة في أول هذه السورة، وسيأتي ذكر المستفتي ~~المقصود بقوله { يستفتونك }. قوله { إن امرؤ هلك } أي إن ~~هلك امرؤ هلك، كما تقدم في قوله # وإن امرأة خفت # النساء 128. وقوله { ليس له ولد } إما صفة ل { امرؤ } ، أو ~~حال، ولا وجه للمنع من كونه حالا، والولد يطلق على الذكر والأنثى، ~~واقتصر على عدم الولد هنا مع أن عدم الوالد معتبر في الكلالة اتكالا على ~~ظهور ذلك، قيل والمراد بالولد هنا الابن، وهو أحد معنى المشترك لأن البنت ~~لا تسقط الأخت. وقوله { وله أخت } عطف على قوله { ليس له ولد }. ~~والمراد بالأخت هنا هي الأخت لأبوين، أو لأب لا لأم، فإن فرضها السدس، ~~كما ذكر سابقا. وقد ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ~~إلى أن الأخوات لأبوين، أو لأب عصبة للبنات، وإن لم يكن معهم أخ. وذهب ~~ابن عباس إلى أن الأخوات لا يعصبن البنات، وإليه ذهب داود الظاهري، ~~وطائفة، وقالوا إنه لا ميراث للأخت لأبوين، أو لأب مع البنت، واحتجوا ~~بظاهر هذه الآية، فإنه جعل عدم الولد المتناول للذكر والأنثى قيدا في ~~ميراث الأخت، وهذا استدلال صحيح لو لم يرد في السنة ما يدل على ثبوت ~~ميراث الأخت ms0896 مع البنت، وهو ما ثبت في الصحيح أن معاذا قضى على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في بنت وأخت، فجعل للبنت النصف، وللأخت النصف. ~~وثبت في الصحيح أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بنت وبنت ابن ~~وأخت فجعل للبنت النصف ولبنت الابن السدس وللأخت الباقي، فكانت هذه السنة ~~مقتضية لتفسير الولد بالابن دون البنت. قوله { وهو يرثها } أي ~~المرء يرثها، أي يرث الأخت { إن لم يكن لها ولد } ذكر إن ~~كان المراد بإرثه لها حيازته لجميع ما تركته، وإن كان المراد ثبوت ميراثه ~~لها في الجملة أعم من أن يكون كلا، أو بعضا صح تفسير الولد بما يتناول ~~الذكر والأنثى، واقتصر سبحانه في هذه الآية على نفي الولد مع كون الأب ~~يسقط الأخ، كما يسقطه الولد الذكر، لأن المراد بيان حقوق الأخ مع الولد ~~فقط هنا. وأما سقوطه مع الأب، فقد تبين بالسنة، كما ثبت في الصحيح من ~~قوله صلى الله عليه وسلم # " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر " # والأب أولى من الأخ { فإن كانتا اثنتين } أي فإن كان من يرث ~~بالأخوة اثنتين، والعطف على الشرطية السابقة، والتأنيث والتثنية، وكذلك ~~الجمع في قوله { وإن كانوا إخوة } باعتبار الخبر { فلهما ~~الثلثان مما ترك } المرء إن لم يكن له ولد، كما سلف، وما فوق ~~الاثنتين من الأخوات يكون لهن الثلثان بالأولى { وإن كانوا } أي من ~~يرث بالأخوة { إخوة رجالا ونساء } أي مختلطين ذكورا وإناثا ~~{ فللذكر } منهم { مثل حظ الأنثيين } تعصيبا { يبين ~~الله لكم أن تضلوا } أي يبين لكم حكم الكلالة، وسائر الأحكام ~~كراهة أن تضلوا، هكذا حكاه القرطبي عن البصريين. # وقال الكسائي المعنى لئلا تضلوا، ووافقه الفراء وغيره من الكوفيين { ~~والله بكل شيء } من الأشياء التي هذه الأحكام المذكورة منها { ~~عليم } أي كثير العلم. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم ~~عن جابر بن عبد الله قال دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا ~~مريض لا أعقل، فتوضأ، ثم صب علي، فعقلت، فقلت ms0897 إنه لا يرثني إلا كلالة، ~~فكيف الميراث؟ فنزلت آية الفرائض. وأخرجه عنه ابن سعد، وابن أبي حاتم ~~بلفظ أنزلت في { يستفتونك قل الله يفتيكم فى ~~الكللة }. وأخرج ابن راهويه، وابن مردويه، عن عمر أنه سأل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كيف تورث الكلالة فأنزل الله { يستفتونك ~~قل الله يفتيكم فى الكللة } الآية. وأخرج مالك، ومسلم، ~~وابن جرير، والبيهقي، عن عمر قال ما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~شيء أكثر مما سألته في الكلالة حتى طعن بأصبعه في صدري، وقال # " ما تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء " # وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، والبيهقي، عن البراء بن عازب قال جاء ~~رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن الكلالة؟ فقال # " تكفيك آية الصيف " # وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عمر قال ثلاث، وددت أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه الجد، والكلالة، ~~وأبواب من أبواب الربا. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن البراء ابن عازب ~~قال آخر سورة نزلت كاملة براءة، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء { ~~يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكللة }. وأخرج ~~عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن سيرين قال كان عمر ابن ~~الخطاب إذا قرأ { يبين الله لكم أن تضلوا } قال اللهم ~~من بينت له الكلالة، فلم تبين لي. وقد أوضحنا الكلام خلافا واستدلالا ~~وترجيحا في شأن الكلالة في أوائل هذه السورة، فلا نعيده. ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1-2] # هذه الآية التي افتتح الله بها هذه السورة إلى قوله { إن الله ~~يحكم ما يريد } فيها من البلاغة ما تتقاصر عنده القوى البشرية، ~~مع شمولها لأحكام عدة منها الوفاء بالعقود، ومنها تحليل بهيمة الأنعام، ~~ومنها استثناء ما سيتلى مما لا يحل، ومنها تحريم الصيد على المحرم، ~~ومنها إباحة الصيد لمن ليس بمحرم. وقد حكى النقاش أن أصحاب الفيلسوف ~~الكندي قالوا له أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال نعم أعمل مثل ~~بعضه، فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج ms0898 فقال والله ما أقدر، ولا يطيق هذا أحد، ~~إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة، فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء، ونهى ~~عن النكث، وحلل تحليلا عاما، ثم استثنى بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته ~~وحكمته في سطرين، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا. قوله { أوفوا ~~بالعقود } يقال أوفى ووفى لغتان، وقد جمع بينهما الشاعر فقال # أما ابن طوق فقد أوفى بذمته كما وفى بقلاص النجم حاديها # والعقود العهود، وأصل العقود الربوط، واحدها عقد، يقال عقدت الحبل ~~والعهد، فهو يستعمل في الأجسام والمعاني، وإذا استعمل في المعاني كما هنا ~~أفاد أنه شديد الإحكام، قوي التوثيق قيل المراد بالعقود هي التي عقدها ~~الله على عباده وألزمهم بها من الأحكام وقيل هي العقود التي يعقدونها ~~بينهم من عقود المعاملات، والأولى شمول الآية للأمرين جميعا، ولا وجه ~~لتخصيص بعضها دون بعض. قال الزجاج المعنى أوفوا بعقد الله عليكم، وبعقدكم ~~بعضكم على بعض انتهى. والعقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله وسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن خالفهما فهو رد لا يجب الوفاء به ولا ~~يحل. قوله { أحلت لكم بهيمة الأنعام } الخطاب للذين ~~آمنوا. والبهيمة اسم لكل ذي أربع، سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها ~~وفهمها وعقلها، ومنه باب مبهم أي مغلق، وليل بهيم، وبهمة للشجاع الذي لا ~~يدري من أين يؤتى، وحلقة مبهمة لا يدري أين طرفاها. والأنعام اسم للإبل ~~والبقر والغنم، سميت بذلك لما في مشيها من اللين. وقيل بهيمة الأنعام ~~وحشيها، كالظباء وبقر الوحش والحمر الوحشية، وغير ذلك. حكاه ابن جرير ~~الطبري عن قوم، وحكاه غيره عن السدي والربيع وقتادة والضحاك. قال ابن ~~عطية وهذا قول حسن، وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج، وما انضاف ~~إليها من سائر الحيوانات يقال له أنعام، مجموعة معها، وكأن المفترس ~~كالأسد، وكل ذي ناب خارج عن حد الأنعام، فبهيمة الأنعام هي الراعي من ~~ذوات الأربع. وقيل بهيمة الأنعام ما لم تكن صيدا، لأن الصيد يسمى وحشا ~~لا بهيمة. وقيل بهيمة الأنعام ms0899 الأجنة التي تخرج عند الذبح من بطون ~~الأنعام، فهي تؤكل من دون ذكاة، وعلى القول الأول، أعني تخصيص الأنعام ~~بالإبل والبقر والغنم، تكون الإضافة بيانية، ويلحق بها ما يحل مما هو ~~خارج عنها بالقياس، بل وبالنصوص التي في الكتاب والسنة كقوله تعالى # قل لا أجد فيما أوحى إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة # الآية الأنعام 145، وقوله صلى الله عليه وسلم، # " يحرم كل ذي ناب من السبع ومخلب من الطير " # ، فإنه يدل بمفهومه على أن ما عداه حلال، وكذلك سائر النصوص الخاصة بنوع ~~كما في كتب السنة المطهرة. قوله { إلا ما يتلى عليكم } ~~استثناء من قوله { أحلت لكم بهيمة الأنعام } ، أي إلا ~~مدلول ما يتلى عليكم فإنه ليس بحلال، والمتلو هو ما نص الله على ~~تحريمه، نحو قوله تعالى # حرمت عليكم الميتة # المائدة 3 الآية، ويلحق به ما صرحت السنة بتحريمه، وهذا الاستثناء يحتمل ~~أن يكون المراد به إلا ما يتلى عليكم الآن، ويحتمل أن يكون المراد به في ~~مستقبل الزمان، فيدل على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ويحتمل ~~الأمرين جميعا. قوله { غير محلى الصيد } ذهب البصريون إلى أن ~~قوله { إلا ما يتلى عليكم } استثناء من بهيمة الأنعام، ~~وقوله { غير محلى الصيد } استثناء آخر منه أيضا، فالاستثناءان ~~جميعا من بهيمة الأنعام، والتقدير أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم إلا الصيد وأنتم محرمون. وقيل الاستثناء الأول من بهيمة الأنعام، ~~والاستثناء الثاني هو من الاستثناء الأول، ورد بأن هذا يستلزم إباحة ~~الصيد في حال الإحرام، لأنه مستثنى من المحظور فيكون مباحا، وأجاز ~~الفراء أن يكون { إلا ما يتلى } في موضع رفع على البدل، ولا ~~يجيزه البصريون إلا في النكرة وما قاربها من الأجناس. قال وانتصاب { ~~غير محلى الصيد } على الحال من قوله { أوفوا بالعقود ~~} وكذا قال الأخفش، وقال غيرهما حال من الكاف والميم في { لكم } ~~والتقدير أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد، أي الاصطياد في البر ~~وأكل صيده. ومعنى عدم إحلالهم له تقرير حرمته عملا واعتقادا ms0900 وهم حرم، ~~أي محرمون، وجملة { وأنتم حرم } في محل نصب على الحال من الضمير ~~في { محلى } ، ومعنى هذا التقييد ظاهر عند من يخص بهيمة الأنعام ~~بالحيوانات الوحشية البرية التي يحل أكلها كأنه قال أحل لكم صيد البر ~~إلا في حال الإحرام وأما على قول من يجعل الإضافة بيانية فالمعنى أحلت ~~لكم بهيمة هي الأنعام حال تحريم الصيد عليكم بدخولكم في الإحرام، لكونكم ~~محتاجين إلى ذلك، فيكون المراد بهذا التقييد الامتنان عليهم بتحليل ما ~~عدا ما هو محرم عليهم في تلك الحال والمراد بالحرم من هو محرم بالحج أو ~~العمرة أو بهما، وسمي محرما لكونه يحرم عليه الصيد والطيب والنساء، ~~وهكذا وجه تسمية الحرم حرما، والإحرام إحراما. # وقرأ الحسن والنخعي ويحيى بن وثاب " حرم " بسكون الراء وهي لغة ~~تميمية، يقولون في رسل رسل، وفي كتب كتب ونحو ذلك. قوله { إن ~~الله يحكم ما يريد } من الأحكام المخالفة لما كانت العرب ~~تعتاده، فهو مالك الكل يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه. قوله ~~{ يأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعائر الله } ~~الشعائر جمع شعيرة، على وزن فعيلة، قال ابن فارس ويقال للواحدة شعارة ~~وهو أحسن، ومنه الإشعار للهدي. والمشاعر المعالم، واحدها مشعر، وهي ~~المواضع التي قد أشعرت بالعلامات. قيل المراد بها هنا جميع مناسك الحج ~~وقيل الصفا والمروة، والهدي والبدن. والمعنى على هذين القولين لا تحلوا ~~هذه الأمور بأن يقع منكم الإخلال بشىء منها أو بأن تحولوا بينها وبين من ~~أراد فعلها ذكر سبحانه النهي عن أن يحلوا شعائر الله عقب ذكره تحريم صيد ~~المحرم. وقيل المراد بالشعائر هنا فرائض الله، ومنه # ومن يعظم شعائر الله # الحج32. وقيل هي حرمات الله، ولا مانع من حمل ذلك على الجميع اعتبارا ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولا بما يدل عليه السياق.قوله { ولا ~~الشهر الحرام } المراد به الجنس، فيدخل في ذلك جميع الأشهر الحرم ~~وهي أربعة ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب، أي لا تحلوها بالقتال ~~فيها. وقيل المراد به هنا شهر الحج فقط. ms0901 قوله { ولا الهدى } هو ما ~~يهدي إلى بيت الله من ناقة أو بقرة أو شاة، الواحدة هدية. نهاهم سبحانه ~~عن أن يحلوا حرمة الهدي بأن يأخذوه على صاحبه أو يحولوا بينه وبين المكان ~~الذي يهدى إليه، وعطف الهدي على الشعائر مع دخوله تحتها لقصد التنبيه على ~~مزيد خصوصيته والتشديد في شأنه. قوله { ولا القلئد } جمع قلادة، ~~وهي ما يقلد به الهدي من نعل أو نحوه. وإحلالها بأن تؤخذ غصبا، وفي ~~النهي عن إحلال القلائد تأكيد للنهي عن إحلال الهدي. وقيل المراد ~~بالقلائد المقلدات بها، ويكون عطفه على الهدي لزيادة التوصية بالهدي، ~~والأول أولى. وقيل المراد بالقلائد ما كان الناس يتقلدونه أمنة لهم، فهو ~~على حذف مضاف، أي ولأصحاب القلائد. قوله { ولا آمين البيت ~~الحرام } أي قاصديه من قولهم أممت كذا أي قصدته. وقرأ الأعمش «ولا ~~آمي البيت الحرام» بالإضافة. والمعنى لا تمنعوا من قصد البيت الحرام لحج ~~أو عمرة أو ليسكن فيه. وقيل إن سبب نزول هذه الآية أن المشركين كانوا ~~يحجون ويعتمرون ويهدون فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فنزل { ~~يأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعائر الله } إلى ~~آخر الآية فيكون ذلك منسوخا بقوله # اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # التوبة 5، وقوله # فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا # التوبة 28، وقوله صلى الله عليه وسلم # " لا يحجن بعد العام مشرك " # وقال قوم الآية محكمة وهي في المسلمين. قوله { يبتغون فضلا من ~~ربهم ورضونا } جملة حالية من الضمير المستتر في { آمين }. ~~قال جمهور المفسرين معناه يبتغون الفضل والأرباح في التجارة، ويبتغون مع ~~ذلك رضوان الله، وقيل كان منهم من يطلب التجارة ومنهم من يبتغي بالحج ~~رضوان الله، ويكون هذا الابتغاء للرضوان بحسب اعتقادهم وفي ظنهم عند من ~~جعل الآية في المشركين. وقيل المراد بالفضل هنا الثواب، لا الأرباح في ~~التجارة. قوله { وإذا حللتم فاصطدوا } هذا تصريح بما ~~أفاده مفهوم { وأنتم حرم } أباح لهم الصيد بعد أن حظره عليهم ~~لزوال السبب الذي حرم لأجله وهو الإحرام. قوله { ولا يجرمنكم ~~شنان قوم } قال ابن فارس ms0902 جرم وأجرم ولا جرم بمعنى قولك لا بد ولا ~~محالة، وأصلها من جرم، أي كسب. وقيل المعنى لا يحملنكم. قاله الكسائي ~~وثعلب، وهو يتعدى إلى مفعولين، يقال جرمني كذا على بغضك، أي حملني عليه، ~~ومنه قول الشاعر # ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا # أي جملتهم على الغضب. وقال أبو عبيدة والفراء معنى { لا ~~يجرمنكم } لا يكسبنكم بغض قوم أن تعتدوا الحق إلى الباطل، والعدل ~~إلى الجور، والجريمة والجارم، بمعنى الكاسب، ومنه قول الشاعر # جريمة ناهض في رأس نيق يرى لعظام ما جمعت صليبا # معناه كاسب قوت. والصليب الودك، ومنه قول الآخر # يا أيها المشتكى عكلا وما جرمت إلى القبائل من قتل وإيئاس # أي كسبت، والمعنى في الآية لا يحملنكم بغض قوم على الاعتداء عليهم، أولا ~~يكسبنكم بغضهم اعتداءكم للحق إلى الباطل، ويقال جرم يجرم جرما إذا قطع. ~~قال علي بن عيسى الرماني وهو الأصل، فجرم بمعنى حمل على الشيء لقطعه من ~~غيره، وجرم بمعنى كسب لانقطاعه إلى الكسب، ولا جرم بمعنى حق لأن الحق ~~يقطع عليه، قال الخليل معنى # لا جرم أن لهم النار # النحل 62 لقد حق أن لهم النار. وقال الكسائي جرم، وأجرم لغتان بمعنى ~~واحد أي اكتسب. وقرأ ابن مسعود " لا يجرمنكم " بضم الياء، ~~والمعنى لا يكسبنكم ولا يعرف البصريون أجرم، وإنما يقولون جرم لا غير. ~~والشنآن البغض. وقرىء بفتح النون وإسكانها، يقال شنيت الرجل أشنوه شناء ~~ومشنأة وشنآنا كل ذلك إذا أبغضته، وشنآن هنا مضاف إلى المفعول، أي بغض ~~قوم منكم لا بغض قوم لكم. قوله { أن صدوكم } بفتح الهمزة مفعول ~~لأجله، أي لأن صدوكم. وقرأ أبو عمرو، وابن كثير بكسر الهمزة على ~~الشرطية، وهو اختيار أبي عبيد وقرأ الأعمش " إن يصدوكم " والمعنى على ~~قراءة الشرطية لا يحملنكم بغضهم إن وقع منهم الصد لكم عن المسجد الحرام ~~على الاعتداء عليهم. # قال النحاس وأما " إن صدوكم " بكسر إن فالعلماء الجلة بالنحو والحديث ~~والنظر يمنعون القراءة بها لأشياء منها أن الآية نزلت عام الفتح ms0903 سنة ~~ثمان، وكان المشركون صدوا المؤمنين عام الحديبية سنة ست، فالصد كان قبل ~~الآية وإذا قرىء بالكسر لم يجز أن يكون إلا بعده كما تقول لا تعط فلانا ~~شيئا إن قاتلك، فهذا لا يكون إلا للمستقبل وإن فتحت كان للماضي، وما ~~أحسن هذا الكلام. وقد أنكر أبو حاتم وأبو عبيدة " شنآن " بسكون النون، ~~لأن المصادر إنما تأتي في مثل هذا متحركة وخالفهما غيرهما فقال ليس هذا ~~مصدرا، ولكنه اسم على وزن كسلان وغضبان. ولما نهاهم عن الاعتداء أمرهم ~~بالتعاون على البر والتقوى، أي ليقصد بعضكم بعضا على ذلك، وهو يشمل كل ~~أمر يصدق عليه أنه من البر والتقوى كائنا ما كان قيل إن البر والتقوى ~~لفظان لمعنى واحد، وكرر للتأكيد. وقال ابن عطية إن البر يتناول الواجب ~~والمندوب، والتقوى تختص بالواجب. وقال الماوردي إن في البر رضا الناس، ~~وفي التقوى رضا الله، فمن جمع بينهما فقد تمت سعادته. ثم نهاهم سبحانه عن ~~التعاون على الإثم والعدوان، فالإثم كل فعل أو قول يوجب إثم فاعله أو ~~قائله، والعدوان التعدي على الناس بما فيه ظلم، فلا يبقى نوع من أنواع ~~الموجبات للإثم، ولا نوع من أنواع الظلم للناس، الذين من جملتهم النفس ~~إلا وهو داخل تحت هذا النهي، لصدق هذين النوعين على كل ما يوجد فيه ~~معناهما، ثم أمر عباده بالتقوى، وتوعد من خالف ما أمر به فتركه أو خالف ~~ما نهى عنه ففعله، بقوله { إن الله شديد آلعقاب }. وقد أخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس ~~في قوله { أوفوا بالعقود } قال ما أحل الله وما حرم وما فرض، ~~وما حد في القرآن كله لا تغدروا ولا تنكثوا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن ~~حميد عن قتادة قال هي عقود الجاهلية الحلف، وروى عنه ابن جرير أنه قال ~~ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول # " وأوفوا بعقد الجاهلية ولا تحدثوا عقدا في الإسلام " # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، ms0904 عن الحسن في قوله { أحلت ~~لكم بهيمة الأنعام } قال الإبل والبقر والغنم. وأخرج ابن جرير ~~عن ابن عمر في قوله { أحلت لكم بهيمة الأنعام } قال ما ~~في بطونها، قلت إن خرج ميتا آكله؟ قال نعم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والبيهقي، في شعب الإيمان، عن ابن عباس في قوله { إلا ~~ما يتلى عليكم } قال الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير ~~الله به، إلى آخر الآية، فهذا ما حرم الله من بهيمة الأنعام. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لا تحلوا ~~شعائر الله } قال كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون ~~الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، وينحرون في حجهم، فأراد المسلمون أن ~~يغيروا عليهم، فقال الله { لا تحلوا شعائر الله }. وفي قوله ~~{ ولا الشهر الحرام } يعني لا تستحلوا قتالا فيه { ولا ~~آمين البيت الحرام } يعني من توجه قبل البيت الحرام، فكان ~~المؤمنون والمشركون يحجون جميعا، فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدا ~~حج البيت أو يتعرضوا له من مؤمن أو كافر، ثم أنزل الله بعد هذه الآية # إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا # التوبة 28 وفي قوله { يبتغون فضلا } يعني أنهم يرضون الله بحجهم ~~{ ولا يجرمنكم } يقول لا يحملنكم { شنان قوم } يقول ~~عداوة قوم. { وتعاونوا على البر والتقوى } قال البر ما ~~أمرت به، والتقوى ما نهيت عنه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في ~~الآية قال شعائر الله ما نهى الله عنه أن تصيبه وأنت محرم، والهدي ما لم ~~يقلد، والقلائد مقلدات الهدي. { ولا آمين البيت الحرام } ~~يقول من توجه حاجا. وأخرج ابن جرير عنه في قوله { لا تحلوا ~~شعائر الله } قال مناسك الحج. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم ~~قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية وأصحابه، حين صدهم ~~المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين، من ~~أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نصد ms0905 ~~هؤلاء كما صدنا أصحابنا، فأنزل الله { ولا يجرمنكم } الآية. ~~وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه عن وابصة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال له # " البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في ~~القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك " # وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد، والبخاري، في الأدب، ومسلم والترمذي والحاكم ~~والبيهقي، عن النواس ابن سمعان قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~البر والإثم، فقال # " البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس " # وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن حبان والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي ~~عن أبي أمامة، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإثم، فقال # " ما حاك في نفسك فدعه " # قال فما الإيمان؟ قال # " من ساءته سيئته، وسرته حسنته، فهو مؤمن ". ### || [5.3] # هذا شروع في المحرمات التي أشار إليها سبحانه بقوله { إلا ما ~~يتلى عليكم }. والميتة قد تقدم ذكرها في البقرة، وكذلك الدم، ~~ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، وما هنا من تحريم مطلق الدم مقيد ~~بكونه مسفوحا كما تقدم، حملا للمطلق على المقيد، وقد ورد في السنة ~~تخصيص الميتة بقوله صلى الله عليه وسلم # " أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان ~~فالكبد والطحال " # أخرجه الشافعي، وأحمد، وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وفي إسناده مقال، ~~ويقويه حديث # " هو الطهور ماؤه والحل ميتته " # ، وهو عند أحمد وأهل السنن وغيرهم، وصححه جماعة منهم ابن خزيمة وابن ~~حبان، وقد أطلنا الكلام عليه في شرحنا للمنتقى. والإهلال رفع الصوت لغير ~~الله كأن يقول بسم اللات والعزى ونحو ذلك، ولا حاجة بنا هنا إلى تكرير ما ~~قد أسلفناه، ففيه ما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. { والمنخنقة ~~} هي التي تموت بالخنق وهو حبس النفس، سواء كان ذلك بفعلها كأن تدخل ~~رأسها في حبل أو بين عودين، أو بفعل آدمي أو غيره. وقد كان أهل الجاهلية ~~يخنقون الشاة، فإذا ماتت أكلوها. { والموقوذة } هي التي تضرب بحجر ms0906 ~~أو عصا، حتى تموت من غير تذكية، يقال وقذه يقذه وقذا فهو ~~وقيذ، والوقذ شدة الضرب، وفلان وقيذ، أي مثخن ضربا، وقد كان أهل ~~الجاهلية يفعلون ذلك، فيضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى تموت ثم ~~يأكلونها، ومنه قول الفرزدق # شغارة تقذ الفصيل برجلها فطارة لقوادم الأظفار # قال ابن عبد البر واختلف العلماء قديما وحديثا في الصيد بالبندق ~~والحجر والمعراض، ويعني بالبندق قوس البندقة، وبالمعراض السهم الذي لا ~~ريش له. أو العصا التي رأسها محدد، قال فمن ذهب إلى أنه وقيذ لم يجزه ~~إلا ما أدرك ذكاته، على ما روى عن ابن عمر، وهو قول مالك وأبي حنيفة ~~وأصحابه والثوري والشافعي، وخالفهم الشاميون في ذلك. قال الأوزاعي في ~~المعراض كله خرق أو لم يخرق، فقد كان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد وعبد ~~الله بن عمر ومكحول لا يرون به بأسا. قال ابن عبد البر هكذا ذكر ~~الأوزاعي عن عبد الله بن عمر، والمعروف عن ابن عمر ما ذكر مالك عن نافع، ~~قال والأصل في هذا الباب والذي عليه العمل وفيه الحجة، حديث عدي بن ~~حاتم، وفيه # " ما أصاب بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ " # ، انتهى. قلت والحديث في الصحيحين وغيرهما. عن عدي قال قلت يا رسول ~~الله، إني أرمي بالمعراض الصيد، فأصيب فقال # " إذا رميت بالمعراض فخرق فكله، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله ~~" # فقد اعتبر صلى الله عليه وسلم الخرق وعدمه، فالحق أنه لا يحل إلا ما ~~خرق لا ما صدم، فلا بد التذكية قبل الموت وإلا كان وقيذا. وأما البنادق ~~المعروفة الآن وهي بنادق الحديد التي تجعل فيها البارود والرصاص ويرمى ~~بها، فلم يتكلم عليها أهل العلم لتأخر حدوثها، فإنها لم تصل إلى الديار ~~اليمنية إلا في المائة العاشرة من الهجرة، وقد سألني جماعة من أهل العلم ~~عن الصيد بها إذا مات ولم يتمكن الصائد من تذكيته حيا؟ والذي يظهر لي ~~أنه حلال لأنها تخرق وتدخل في الغالب من جانب منه وتخرج من الجانب الآخر، ~~وقد قال صلى الله ms0907 عليه وسلم في الحديث الصحيح السابق # " إذا رميت بالمعراض فخرق فكله " # ، فاعتبر الخرق في تحليل الصيد. قوله { والمتردية } هي التي ~~تتردى من علو إلى أسفل فتموت، من غير فرق بين أن تتردى من جبل، أو بئر، ~~أو مدفن، أو غيرها، والتردي مأخوذ من الردى وهو الهلاك، وسواء تردت ~~بنفسها أو ردها غيرها. قوله { والنطيحة } هي فعيلة بمعنى مفعولة، ~~وهي التي تنطحها أخرى فتموت من دون تذكية، وقال قوم أيضا فعيلة بمعنى ~~فاعلة، لأن الدابتين تتناطحان فتموتان، وقال نطيحة ولم يقل نطيح مع أنه ~~قياس فعيل، لأن لزوم الحذف مختص بما كان من هذا الباب، صفة لموصوف مذكور، ~~فإن لم يذكر ثبتت التاء للنقل من الوصفية إلى الإسمية. وقرأ أبو ميسرة ~~«والمنطوحة». قوله { وما أكل السبع } أي ما افترسه ذو ناب ~~كالأسد، والنمر، والذئب، والضبع، ونحوها، والمراد هنا ما أكل منه السبع، ~~لأن ما أكله السبع كله قد فنى، ومن العرب من يخص اسم السبع بالأسد، وكانت ~~العرب إذا أكل السبع شاة، ثم خلصوها منه أكلوها، وإن ماتت، ولم يذكوها. ~~وقرأ الحسن وأبو حيوة " السبع " بسكون الباء، وهي لغة لأهل نجد ومنه ~~قول حسان في عتبة بن أبي لهب # من يرجع العام إلى أهله فما أكيل السبع بالراجع # وقرأ ابن مسعود «وأكيلة السبع». وقرأ ابن عباس «وأكيل السبع». قوله { ~~إلا ما ذكيتم } في محل نصب على الاستثناء المتصل عند الجمهور، ~~وهو راجع على ما أدركت ذكاته من المذكورات سابقا، وفيه حياة، وقال ~~المدنيون وهو المشهور من مذهب مالك، وهو أحد قولي الشافعي أنه إذا بلغ ~~السبع منها إلى ما لا حياة معه فإنها لا تؤكل. وحكاه في الموطأ عن زيد بن ~~ثابت، وإليه ذهب إسماعيل القاضي، فيكون الاستثناء على هذا القول منقطعا، ~~أي حرمت عليكم هذه الأشياء، لكن ما ذكيتم فهو الذي يحل ولا يحرم، ~~والأول أولى. والذكاة في كلام العرب الذبح، قاله قطرب وغيره. وأصل ~~الذكاة في اللغة التمام، أي تمام استكمال القوة، والذكاء حدة القلب، ~~والذكاء سرعة الفطنة، والذكوة ms0908 ما تذكى منه النار، ومنه أذكيت الحرب ~~والنار أوقدتهما، وذكاء اسم الشمس، والمراد هنا إلا ما أدركتم ذكاته على ~~التمام، والتذكية في الشرع عبارة عن إنهار الدم، وفري الأوداج في ~~المذبوح، والنحر في المنحور، والعقر في غير المقدور، مقرونا بالقصد لله، ~~وذكر اسمه عليه. # وأما الآلة التي تقع بها الذكاة فذهب الجمهور إلى أن كل ما أنهر الدم، ~~وأفرى الأوداج فهو آلة للذكاة ما خلا السن والعظم، وبهذا جاءت الأحاديث ~~الصحيحة. قوله { وما ذبح على النصب } قال ابن فارس النصب حجر ~~كان ينصب فيعبد ويصب عليه دماء الذبائح. والنصائب حجارة تنصب حوالي شفير ~~البئر فتجعل عضائد. وقيل النصب جمع واحده نصاب، كحمار وحمر. وقرأ طلحة ~~بضم النون وسكون الصاد. وروى عن أبي عمرو بفتح النون وسكون الصاد. وقرأ ~~الجحدري بفتح النون والصاد، جعله اسما موحدا كالجبل والجمل، والجمع ~~أنصاب كالأجبال والأجمال، قال مجاهد هي حجارة كانت حوالي مكة يذبحون ~~عليها. قال ابن جريج كانت العرب تذبح بمكة، وتنضح بالدم ما أقبل من ~~البيت، ويشرحون اللحم ويضعونه على الحجارة، فلما جاء الإسلام قال ~~المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم نحن أحق أن نعظم هذا البيت بهذه ~~الأفعال، فأنزل الله { وما ذبح على النصب } والمعنى والنية ~~بذلك تعظيم النصب لا أن الذبح عليها غير جائز، ولهذا قيل إن " على " ~~بمعنى اللام أي لأجلها. قاله قطرب، وهو على هذا داخل فيما أهل به لغير ~~الله، وخص بالذكر لتأكيد تحريمه، ولدفع ما كانوا يظنونه من أن ذلك ~~لتشريف البيت وتعظيمه. قوله { وأن تستقسموا بالأزلام } ~~معطوف على ما قبله، أي وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام، والأزلام قداح ~~الميسر واحدها زلم، قال الشاعر # بات يقاسيها غلام كالزلم ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على لحم ~~وضم # وقال آخر # فلئن جذيمة قتلت ساداتها فنساؤها يضربن بالأزلام # والأزلام للعرب ثلاثة أنواع أحدها مكتوب فيه افعل، والآخر مكتوب فيه لا ~~تفعل، والثالث مهمل لا شيء عليه، فيجعلها في خريطة معه، فإذا أراد فعل ~~شيء أدخل يده وهي متشابهة فأخرج ms0909 واحدا منها، فإن خرج الأول فعل ما عزم ~~عليه، وإن خرج الثاني تركه، وإن خرج الثالث أعاد الضرب حتى يخرج واحد من ~~الأولين. وإنما قيل لهذا الفعل استقسام لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق، ~~وما يريدون فعله، كما يقال استسقى أي استدعى السقي، فالاستقسام طلب القسم ~~والنصيب. وجملة قداح الميسر عشرة، وقد قدمنا بيانها، وكانوا يضربون بها ~~في المقامرة، وقيل إن الأزلام كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها، وقيل ~~هي الشطرنج، وإنما حرم الله والاستقسام بالأزلام لأنه تعرض لدعوى علم ~~الغيب، وضرب من الكهانة. # قوله { ذلكم فسق } إشارة إلى الاستقسام بالأزلام، أو إلى جميع ~~المحرمات المذكورة هنا. والفسق الخروج عن الحد، وقد تقدم بيان معناه، ~~وفي هذا وعيد شديد لأن الفسق هو أشد الكفر، لا ما وقع عليه اصطلاح قوم ~~من أنه منزلة متوسطة بين الإيمان والكفر. قوله { اليوم يئس ~~الذين كفروا من دينكم } المراد اليوم الذي نزلت فيه الآية، ~~وهو يوم فتح مكة، لثمان بقين من رمضان، سنة تسع. وقيل سنة ثمان وقيل ~~المراد باليوم الزمان الحاضر وما يتصل به، ولم يرد يوما معينا. و { يئس ~~} فيه لغتان ييس بياءين يأسا، وأيس يأيس إياسا وإياسة. قاله النضر بن ~~شميل، أي حصل لهم اليأس من إبطال دينكم، وأن يردوكم إلى دينهم، كما كانوا ~~يزعمون { فلا تخشوهم } أي لا تخافوا منهم أن يغلبوكم أو يبطلوا ~~دينكم { واخشون } فأنا القادر على كل شيء، إن نصرتكم فلا غالب لكم، ~~وإن خذلتكم لم يستطع غيري أن ينصركم. قوله { اليوم أكملت لكم ~~دينكم } جعلته كاملا غير محتاج إلى إكمال لظهوره على الأديان كلها ~~وغلبته لها، ولكمال أحكامه التي يحتاج المسلمون إليها من الحلال والحرام ~~والمشتبه، ووفى ما تضمنه الكتاب والسنة من ذلك، ولا يخفى ما يستفاد من ~~تقديم قوله { لكم }. قال الجمهور المراد بالإكمال هنا نزول معظم ~~الفرائض والتحليل والتحريم. قالوا وقد نزل بعد ذلك قرآن كثير كآية " ~~الربا " وآية " الكلالة " ونحوهما. والمراد باليوم المذكور هنا هو يوم ~~الجمعة، وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة ms0910 الوداع سنة عشر، هكذا ثبت في ~~الصحيح من حديث عمر بن الخطاب. وقيل إنها نزلت في يوم الحج الأكبر. قوله ~~{ وأتممت عليكم نعمتى } بإكمال الدين المشتمل على ~~الأحكام، وبفتح مكة وقهر الكفار، وإياسهم عن الظهور عليكم، كما وعدتكم ~~بقولي # ولأتم نعمتى عليكم # البقرة 150 قوله { ورضيت لكم الإسلام دينا } أي أخبرتكم ~~برضاي به لكم فإنه سبحانه لم يزل راضيا لأمة نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بالإسلام فلا يكون لاختصاص الرضا بهذا اليوم كثير فائدة، إن حملناه على ~~ظاهره، ويحتمل أن يريد رضيت لكم الإسلام الذي أنتم عليه اليوم { دينا } ~~باقيا إلى انقضاء أيام الدنيا. ودينا منتصب على التمييز، ويجوز أن يكون ~~مفعولا ثانيا. قوله { فمن اضطر فى مخمصة } هذا متصل بذكر ~~المحرمات، وما بينهما اعتراض، أي من دعته الضرورة { فى مخمصة } أي ~~مجاعة إلى أكل الميتة وما بعدها من المحرمات. والخمص ضمور البطن، ورجل ~~خميص وخمصان، وامرأة خميصة وخمصانة، ومنه أخمص القدم، ويستعمل كثيرا في ~~الجوع، قال الأعشى # " تبيتون في المشتاء ملأى بطونكم وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا " # قوله { غير متجانف } الجنف الميل، والإثم الحرام أي حال كون ~~المضطر في مخمصة غير مائل لإثم، وهو بمعنى غير باغ ولا عاد، وكل مائل ~~فهو متجانف وجنف. # وقرأ النخعي ويحيى بن وثاب والسلمي «متجنف»، { فإن الله غفور ~~رحيم } به لا يؤاخذه بما ألجأته إليه الضرورة في الجوع مع عدم ميله ~~بأكل ما حرم عليه إلى الإثم، بأن يكون باغيا على غيره، أو متعديا لما ~~دعت إليه الضرورة حسبما تقدم. وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن ~~مردويه، والحاكم وصححه عن أبي أمامة قال بعثني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله، وأعرض عليهم شعائر الإسلام، ~~فبينما نحن كذلك، إذ جاءوا بقصعة دم واجتمعوا عليها يأكلونها، قالوا هلم ~~يا صدى، فكل، قلت ويحكم إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم، لما أنزل ~~الله عليه، قالوا وما ذاك؟ قال فتلوت عليهم هذه الآية { حرمت ~~عليكم الميتة }. وأخرج ابن جرير ms0911 وابن المنذر وابن أبي حاتم، ~~والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { وما أهل لغير الله ~~به } قال وما أهل للطواغيت به { والمنخنقة } قال التي تخنق ~~فتموت { والموقوذة } قال التي تضرب بالخشبة فتموت. { ~~والمتردية } قال التي تتردى من الجبل فتموت. { والنطيحة } ~~قال الشاة التي تنطح الشاة { وما أكل السبع } يقول ما أخذ ~~السبع، { إلا ما ذكيتم } يقول ذبحتم من ذلك، وبه روح فكلوه { ~~وما ذبح على النصب } قال النصب أنصاب كانوا يذبحون ويهلون ~~عليها { وأن تستقسموا بالأزلام } قال هي القداح كانوا ~~يستقسمون بها في الأمور. { ذلكم فسق } يعني من أكل ذلك كله فهو ~~فسق. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال الرداة التي تتردى في البئر. والمتردية ~~التي تتردى من الجبل. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله { وأن ~~تستقسموا بالأزلام } قال حصى بيض كانوا يضربون بها. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير عن الحسن في الآية قال كانوا إذا أرادوا أمرا أو ~~سفرا يعمدون إلى قداح ثلاثة، يكتبون على واحد منها أمرني، وعلى الآخر ~~نهاني، ويتركون الثالث مخللا بينهما ليس عليه شيء ثم يجيلونها، فإن خرج ~~الذي عليه أمرني مضوا لأمرهم. وإن خرج الذي عليه نهاني كفوا، وإن خرج ~~الذي ليس عليه شيء أعادوها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في ~~قوله { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } قال يئسوا ~~أن يرجعوا إلى دينهم أبدا. وأخرج البيهقي عنه في الآية قال يقول يئس أهل ~~مكة أن يرجعوا إلى دينهم عبادة، الأوثان أبدا { فلا تخشوهم } في ~~اتباع محمد { واخشون } في عبادة الأوثان وتكذيب محمد، فلما كان ~~واقفا بعرفات نزل عليه جبريل وهو رافع يديه والمسلمون يدعون الله { ~~اليوم أكملت لكم دينكم } يقول حلالكم وحرامكم، فلم ينزل ~~بعد هذا حلال ولا حرام { وأتممت عليكم نعمتى } قال منتي، ~~فلم يحج معكم مشرك { ورضيت } يقول اخترت { لكم الإسلام دينا ~~} فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية أحدا وثمانين ~~يوما، ثم قبضه الله إليه. # وأخرج ابن ms0912 جرير وابن المنذر عنه قال أخبر الله نبيه والمؤمنين أنه أكمل ~~لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا، وقد أتمه فلا ينقص أبدا، وقد ~~رضيه فلا يسخطه أبدا. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن طارق بن شهاب قال ~~قالت اليهود لعمر إنكم تقرءون آية في كتابكم، لو علينا معشر اليهود نزلت ~~لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال وأي آية؟ قالوا { اليوم أكملت ~~لكم دينكم } قال عمر والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، والساعة التي نزلت فيها، نزلت على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في يوم جمعة. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فمن اضطر } يعني إلى ~~ما حرم مما سمي في صدر هذه السورة { فى مخمصة } يعني في مجاعة { ~~غير متجانف لإثم } يقول غير متعمد لإثم. ### || [5.4-5] # هذا شروع في بيان ما أحله الله لهم، بعد بيان ما حرمه الله عليهم، ~~وسيأتي ذكر سبب نزول الآية. قوله { ماذا أحل لهم } أي شيء أحل ~~لهم، و أما الذي أحل لهم من المطاعم إجمالا ومن الصيد، ومن طعام أهل ~~الكتاب، ومن نسائهم، قوله { قل أحل لكم الطيبت } هي ما ~~يستلذه آكله ويستطيبه مما أحله الله لعباده. وقيل هي الحلال، وقد سبق ~~الكلام في هذا. وقيل الطيبات الذبائح لأنها طابت بالتذكية، وهو تخصيص ~~للعام بغير مخصص، والسبب والسياق لا يصلحان لذلك. قوله { وما ~~علمتم من الجوارح } هو معطوف على الطيبات بتقدير مضاف ~~لتصحيح المعنى أي أحل لكم الطيبات وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح، ~~وقرأ ابن عباس ومحمد بن الحنفية «علمتم» بضم العين وكسر اللام أي علمتم ~~من أمر الجوارح والصيد بها. قال القرطبي وقد ذكر بعض من صنف في أحكام ~~القرآن أن الآية تدل على أن الإباحة تناولت ما علمنا من الجوارح، وهو ~~يتضمن الكلب، وسائر جوارح الطير، وذلك بموجب إباحة سائر وجوه الانتفاع ~~فدل على جواز بيع الكلب، والجوارح، والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع، ms0913 ~~إلا ما خصه الدليل وهو الأكل من الجوارح، أي الكواسب من الكلاب وسباع ~~الطير. قال أجمعت الأمة على أن الكلب إذا لم يكن أسود، وعلمه مسلم، ولم ~~يأكل من صيده الذي صاده وأثر فيه بجرح، أو تنييب، وصاد به مسلم، وذكر اسم ~~الله عند إرساله أن صيده صحيح، يؤكل بلا خلاف، فإن انخرم شرط من هذه ~~الشروط دخل الخلاف، فإن كان الذي يصاد به غير كلب كالفهد وما أشبهه، ~~وكالبازي والصقر ونحوهما من الطير فجمهور الأمة على أن كل ما صاد بعد ~~التعليم فهو جارح كاسب، يقال جرح فلان واجترح إذا اكتسب، ومنه الجارحة ~~لأنه يكتسب بها، ومنه اجتراح السيئات، ومنه قوله تعالى # ويعلم ما جرحتم بالنهار # الأنعام 60. وقوله # أم حسب الذين اجترحوا السيئت # الجاثية 21. قوله { مكلبين } حال، والمكلب معلم الكلاب لكيفية ~~الاصطياد، والأخص معلم الكلاب وإن كان معلم سائر الجوارح مثله، لأن ~~الاصطياد بالكلاب هو الغالب، ولم يكتف بقوله { وما علمتم من ~~الجوارح } مع أن التكليب هو التعليم، لقصد التأكيد لما لا بد منه ~~من التعليم. وقيل إن السبع يسمى كلبا فيدخل كل سبع يصاد به. وقيل إن ~~هذه الآية خاصة بالكلاب. وقد حكى ابن المنذر عن ابن عمر أنه قال ما يصاد ~~بالبزاة وغيرها من الطير فما أدركت ذكاته فهو لك حلال، وإلا فلا تطعمه. ~~قال ابن المنذر وسئل أبو جعفر عن البازي هل يحل صيده؟ قال لا، إلا أن ~~تدرك ذكاته. # وقال الضحاك والسدي { وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~} هي الكلاب خاصة، فإن كان الكلب الأسود بهيما فكره صيده الحسن وقتادة ~~والنخعي. وقال أحمد ما أعرف أحدا يرخص فيه إذا كان بهيما، وبه قال ابن ~~راهويه. فأما عامة أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كل كلب ~~معلم، واحتج من منع من صيد الكلب الأسود بقوله صلى الله عليه وسلم # " الكلب الأسود شيطان " # أخرجه مسلم وغيره والحق أنه يحل صيد كل ما يدخل تحت عموم الجوارح، من ~~غير فرق بين الكلب وغيره، وبين الأسود من الكلاب وغيره، ms0914 وبين الطير ~~وغيره، ويؤيد هذا أن سبب نزول الآية سؤال عدي بن حاتم عن صيد البازي كما ~~سيأتي. قوله { تعلمونهن مما علمكم الله } الجملة في ~~محل نصب على الحال أي مما علمكم الله، مما أدركتموه بما خلقه فيكم من ~~العقل الذي تهتدون به إلى تعليمها، وتدريبها، حتى تصير قابلة لإمساك ~~الصيد عند إرسالكم لها. قوله { فكلوا مما أمسكن عليكم } ~~الفاء للتفريع، والجملة متفرعة على ما تقدم من تحليل صيد ما علموه من ~~الجوارح، " ومن " في قوله { مما أمسكن عليكم } للتبعيض، لأن ~~بعض الصيد لا يؤكل كالجلد، والعظم، وما أكله الكلب ونحوه، وفيه دليل على ~~أنه لا بد أن يمسكه على صاحبه، فإن أكل منه فإنما أمسكه على نفسه كما في ~~الحديث الثابت في الصحيح. وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يحل أكل الصيد ~~الذي يقصده الجارح من تلقاء نفسه من غير إرسال. وقال عطاء بن أبي رباح ~~والأوزاعي وهو مروي عن سلمان الفارسي، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة ~~وعبد الله بن عمر، وروي عن علي، وابن عباس والحسن البصري، والزهري ~~وربيعة، ومالك، والشافعي في القديم، أنه يؤكل صيده، ويرد عليهم قوله ~~تعالى { مما أمسكن عليكم } ، وقوله صلى الله عليه وسلم لعدي ~~بن حاتم # " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك " # وهو في الصحيحين وغيرهما، وفي لفظ لهما # " فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه " # وأما ما أخرجه أبو داود، بإسناد جيد، من حديث أبي ثعلبة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه " # وقد أخرجه أيضا بإسناد جيد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ~~وأخرجه أيضا النسائي، فقد جمع بعض الشافعية بين هذه الأحاديث بأنه إن ~~أكل عقب ما أمسكه فإنه يحرم لحديث عدي بن حاتم، وإن أمسكه ثم انتظر ~~صاحبه فطال عليه الانتظار، وجاع فأكل من الصيد لجوعه، لا لكونه أمسكه على ~~نفسه، فإنه لا ms0915 يؤثر ذلك، ولا يحرم به الصيد، وحملوا على ذلك حديث أبي ~~ثعلبة الخشني، وحديث عمرو بن شعيب، وهذا جمع حسن. # وقال آخرون إنه إذا أكل الكلب منه حرم لحديث عدي، وإن أكل غيره لم يحرم ~~للحديثين الآخرين وقيل يحمل حديث أبي ثعلبة على ما إذا أمسكه وخلاه، ثم ~~عاد فأكل منه، وقد سلك كثير من أهل العلم طريق الترجيح، ولم يسلكوا طريق ~~الجمع لما فيها من البعد، قالوا وحديث عدي بن حاتم أرجح لكونه في ~~الصحيحين. وقد قررت هذا المسلك في شرحي للمنتقى بما يزيد الناظر فيه ~~بصيرة. قوله { واذكروا اسم الله عليه } الضمير في { ~~عليه } يعود إلى { ما علمتم } أي سموا عليه عند إرساله، أو لما ~~أمسكن عليكم، أي سموا عليه إذا أردتم ذكاته. وقد ذهب الجمهور إلى وجوب ~~التسمية عند إرسال الجارح، واستدلوا بهذه الآية. ويؤيده حديث عدي بن حاتم ~~الثابت في الصحيحين، وغيرهما بلفظ # " إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله " # وقال بعض أهل العلم إن المراد التسمية عند الأكل. قال القرطبي وهو ~~الأظهر، واستدلوا بالأحاديث التي فيها الإرشاد إلى التسمية وهذا خطأ، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد وقت التسمية بإرسال الكلب وإرسال السهم، ~~ومشروعية التسمية عند الأكل حكم آخر. ومسألة غير هذه المسألة، فلا وجه ~~لحمل ما ورد في الكتاب والسنة هنا على ما ورد في التسمية عند الأكل، ولا ~~ملجىء إلى ذلك، وفي لفظ في الصحيحين من حديث عدي # " إن أرسلت كلبك وسميت فأخذ فكل " # وقد ذهب جماعة إلى أن التسمية شرط، وذهب آخرون إلى أنها سنة فقط، وذهب ~~جماعة إلى أنها شرط على الذاكر لا الناسي، وهذا أقوى الأقوال وأرجحها. ~~قوله { واتقوا الله إن الله سريع الحساب } أي حسابه ~~سبحانه، سريع إتيانه، وكل آت قريب. قوله { اليوم أحل لكم ~~الطيبت } هذه الجملة مؤكدة للجملة الأولى، وهي قوله { أحل ~~لكم الطيبت } وقد تقدم بيان الطيبات. قوله { وطعام ~~الذين أوتوا الكتب حل لكم } الطعام اسم لما يؤكل، ~~ومنه الذبائح، ms0916 وذهب أكثر أهل العلم إلى تخصيصه هنا بالذبائح. وفي هذه ~~الآية دليل على أن جميع طعام أهل الكتب من غير فرق بين اللحم وغيره حلال ~~للمسلمين وإن كانوا لا يذكرون على ذبائحهم اسم الله، وتكون هذه الآية ~~مخصصة لعموم قوله # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه # الأنعام 121. وظاهر هذا أن ذبائح أهل الكتاب حلال، وإن ذكر اليهودي على ~~ذبيحته اسم عزير، وذكر النصراني على ذبيحته اسم المسيح. وإليه ذهب أبو ~~الدرداء وعبادة بن الصامت، وابن عباس والزهري وربيعة، والشعبي ومكحول. # وقال علي وعائشة وابن عمر إذا سمعت الكتابي يسمى غير الله فلا تأكل، ~~وهو قول طاوس والحسن، وتمسكوا بقوله تعالى # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه # الأنعام 121 ويدل عليه أيضا قوله # وما أهل لغير الله به # النحل 115 وقال مالك إنه يكره ولا يحرم. فهذا الخلاف إذا علمنا أن أهل ~~الكتاب ذكروا على ذبائحهم اسم غير الله، وأما مع عدم العلم فقد حكى الكيا ~~الطبري وابن كثير الإجماع على حلها لهذه الآية، ولما ورد في السنة من ~~أكله صلى الله عليه وسلم من الشاة المصلية التي أهدتها إليه اليهودية وهو ~~في الصحيح، وكذا الجراب الشحم الذي أخذه بعض الصحابة من خيبر، وعلم بذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في الصحيح، أيضا وغير ذلك. والمراد بأهل ~~الكتاب هنا اليهود والنصارى. وأما المجوس، فذهب الجمهور إلى أنها لا تؤكل ~~ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم لأنهم ليسوا بأهل كتاب على المشهور عند أهل ~~العلم، وخالف في ذلك أبو ثور، وأنكر عليه الفقهاء ذلك، حتى قال أحمد بن ~~حنبل أبو ثور كاسمه، يعني في هذه المسألة، وكأنه تمسك بما يروى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم مرسلا أنه قال في المجوس # " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " # ، ولم يثبت بهذا اللفظ، وعلى فرض أن له أصلا ففيه زيادة تدفع ما قاله، ~~وهي قوله # " غير آكلي ذبائحهم، ولا ناكحي نسائهم " # وقد رواه بهذه الزيادة جماعة ممن لا خبرة له بفن الحديث ms0917 من المفسرين ~~والفقهاء، ولم يثبت الأصل ولا الزيادة، بل الذي ثبت في الصحيح أن النبي ~~أخذ الجزية من مجوس هجر، وأما بنو تغلب فكان علي بن أبي طالب ينهى عن ~~ذبائحهم لأنهم عرب، وكان يقول إنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا ~~بشرب الخمر، وهكذا سائر العرب المتنصرة كتنوخ وجذام، ولخم، وعاملة، ومن ~~أشبههم. قال ابن كثير وهو قول غير واحد من السلف والخلف. وروي عن سعيد بن ~~المسيب والحسن البصري إنهما كانا لا يريان بأسا بذبيحة نصارى بني تغلب. ~~وقال القرطبي وقال جمهور الأمة إن ذبيحة كل نصراني حلال، سواء كان من بني ~~تغلب، أو من غيرهم، وكذلك اليهودي. قال ولا خلاف بين العلماء أن ما لا ~~يحتاج إلى ذكاة كالطعام يجوز أكله. قوله { وطعامكم حل لهم } ~~أي وطعام المسلمين حلال لأهل الكتاب، وفيه دليل على أنه يجوز للمسلمين أن ~~يطعموا أهل الكتاب من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمجازاة وإخبار ~~المسلمين بأن ما يأخذونه منهم من أعراض الطعام حلال لهم، بطريق الدلالة ~~الالتزامية. قوله { والمحصنت من المؤمنت } اختلف في ~~تفسير المحصنات هنا، فقيل العفائف، وقيل الحرائر. وقرأ الشعبي بكسر ~~الصاد، وبه قرأ الكسائي. وقد تقدم الكلام في هذا مستوفي في البقرة ~~والنساء. # والمحصنات مبتدأ، ومن المؤمنات وصف له، والخبر محذوف، أي حل لكم، ~~وذكرهن هنا توطئة وتمهيدا لقوله { والمحصنت من الذين ~~أوتوا الكتب من قبلكم } والمراد بهن الحرائر دون الإماء، ~~هكذا قال الجمهور، وحكى ابن جرير عن طائفة من السلف أن هذه الآية تعم كل ~~كتابية حرة أو أمة. وقيل المراد بأهل الكتاب هنا الإسرائيليات، وبه قال ~~الشافعي، وهو تخصيص بغير مخصص. وقال عبد الله بن عمر لا تحل النصرانية، ~~قال ولا أعلم شركا أكبر من أن تقول ربها عيسى، وقد قال الله # ولا تنكحوا المشركت حتى يؤمن # الآية البقرة 221، ويجاب عنه بأن هذه الآية مخصصة للكتابيات من عموم ~~المشركات فيبنى العام على الخاص. وقد استدل من حرم نكاح الإماء ~~الكتابيات بهذه الآية لأنه حملها على الحرائر، وبقوله ms0918 تعالى # فمن ما ملكت أيمنكم من فتيتكم المؤمنت # النساء 25 وقد ذهب إلى هذا كثير من أهل العلم وخالفهم من قال إن الآية ~~تعم أو تخص العفائف كما تقدم. والحاصل أنه يدخل تحت هذه الآية الحرة ~~العفيفة من الكتابيات على جميع الأقوال، إلا على قول ابن عمر في ~~النصرانية، ويدخل تحتها الحرة التي ليست بعفيفة، والأمة العفيفة، على ~~قول من يقول إنه يجوز استعمال المشرك في كلا معنييه، وأما من لم يجوز ذلك ~~فإن حمل المحصنات هنا على الحرائر لم يقل بجواز نكاح الأمة، عفيفة كانت ~~أو غير عفيفة، إلا بدليل آخر، ويقول بجواز نكاح الحرة عفيفة كانت أو غير ~~عفيفة، وإن حمل المحصنات هنا على العفائف قال بجواز نكاح الحرة العفيفة، ~~والأمة العفيفة، دون غير العفيفة منهما. قوله { إذآ آتيتموهن ~~أجورهن } أي مهورهن، وجواب { إذا } محذوف أي فهن حلال، أو هي ظرف ~~لخبر المحصنات المقدر أي حل لكم. قوله { محصنين } منصوب على ~~الحال، أي حال كونكم أعفاء بالنكاح، وكذا قوله { غير مسفحين } ~~منصوب على الحال من الضمير في محصنين، أو صفة لمحصنين، والمعنى غير ~~مجاهرين بالزنا. قوله { ولا متخذى أخدان } معطوف على { غير ~~مسفحين } أو على { مسفحين }. " ولا " مزيدة للتأكيد، ~~والخدن يقع على الذكر والأنثى، أي لم يتخذوا معشوقات، فقد شرط الله في ~~الرجال العفة، وعدم المجاهرة بالزنا، وعدم اتخاذ أخدان، كما شرط في ~~النساء أن يكن محصنات { ومن يكفر بالإيمن } أي بشرائع ~~الإسلام { فقد حبط عمله } أي بطل، { وهو فى الآخرة من ~~الخسرين } وقرأ ابن السميفع «فقد حبط» بفتح الباء ا ه. وقد أخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه والبيهقي ~~في سننه، عن أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بقتل الكلاب في ~~الناس، فقالوا يا رسول الله، ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت ~~بقتلها؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله { يسألونك ~~ماذا أحل لهم } الآية. # وأخرج ابن جرير عن عكرمة نحوه. وأخرج أيضا عن محمد بن ms0919 كعب القرظي نحوه. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، أن عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل ~~الطائيين، سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا يا رسول الله، إنا ~~قوم نصيد بالكلاب والبزاة فنزلت. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الشعبي ~~أن عدي بن حاتم الطائي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فذكر ~~نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ~~ابن عباس في قوله { وما علمتم من الجوارح مكلبين } ~~قال هي الكلاب المعلمة، والبازي والجوارح يعني الكلاب والفهود والصقور ~~وأشباهها. وأخرج ابن جرير عنه قال آية المعلم أن يمسك صيده فلا يأكل منه ~~حتى يأتي صاحبه. وأخرج عنه أيضا قال إذا أكل الكلب فلا تأكل، فإنما أمسك ~~على نفسه. وأخرج عبد بن حميد عنه نحوه، وإذا أكل الصقر فلا تأكل لأن ~~الكلب تستطيع أن تضر به والصقر لا تستطيع. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عنه في قوله { وطعام الذين ~~أوتوا الكتب } قال ذبائحهم، وفي قوله { والمحصنت من ~~الذين أوتوا الكتب من قبلكم } قال حل لكم { إذآ ~~آتيتموهن أجورهن } يعني مهورهن { محصنين } يعني ~~تنكحونهن بالمهر والبينة { غير مسفحين } غير متغالين بالزنا { ~~ولا متخذى أخدان } يعني يسرون بالزنا. وأخرج عبد بن حميد، عن ~~قتادة في قوله { والمحصنت من المؤمنت ~~والمحصنت من الذين أوتوا الكتب من قبلكم } ~~قال أحل الله لنا محصنتين محصنة مؤمنة ومحصنة من أهل الكتاب، نساؤنا ~~عليهم حرام، ونساؤهم لنا حلال. وأخرج ابن جرير عن جابر قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا " # وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن عمر بن الخطاب قال المسلم يتزوج ~~النصرانية ولا يتزوج النصراني المسلمة. وأخرج الطبراني، والحاكم وصححه ~~عن ابن عباس قال إنما أحلت ذبائح اليهود والنصارى من أجل أنهم آمنوا ~~بالتوراة والإنجيل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله { ~~والمحصنت من الذين أوتوا الكتب } قال ms0920 الحرائر. ~~وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال العفائف. ### || [5.6] # قوله { إذا قمتم } إذا أردتم القيام تعبيرا بالمسبب عن السبب كما ~~في قوله # فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله # النحل 98. وقد اختلف أهل العلم في هذا الأمر عند إرادة القيام إلى ~~الصلاة، فقالت طائفة هو عام في كل قيام إليها سواء كان القائم متطهرا أو ~~محدثا، فإنه ينبغي له إذا قام إلى الصلاة أن يتوضأ، وهو مروي عن علي ~~وعكرمة. وقال ابن سيرين كان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة. وقالت طائفة أخرى ~~إن هذا الأمر خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو ضعيف، فإن الخطاب ~~للمؤمنين والأمر لهم. وقالت طائفة الأمر للندب طلبا للفضل. وقال آخرون ~~إن الوضوء لكل صلاة كان فرضا عليهم بهذه الآية. ثم نسخ في فتح مكة. وقال ~~جماعة هذا الأمر خاص بمن كان محدثا. وقال آخرون المراد إذا قمتم من ~~النوم إلى الصلاة، فيعم الخطاب كل قائم من نوم. وقد أخرج مسلم وأحمد ~~وأهل السنن عن بريدة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل ~~صلاة. فلما كان يوم الفتح، توضأ ومسح على خفيه، وصلى الصلوات بوضوء واحد، ~~فقال له عمر يا رسول الله، إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله، فقال # " عمدا فعلته يا عمر " # ، وهو مروي من طرق كثيرة بألفاظ متفقة في المعنى. وأخرج البخاري وأحمد ~~وأهل السنن عن عمرو بن عامر الأنصاري سمعت أنس بن مالك يقول كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة قال قلت فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ ~~قال كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث، فتقرر بما ذكر أن الوضوء لا ~~يجب إلا على المحدث، وبه قال جمهور أهل العلم وهو الحق. قوله { ~~فاغسلوا وجوهكم } الوجه في اللغة مأخوذ من المواجهة، وهو عضو ~~مشتمل على أعضاء، وله طول وعرض، فحده في الطول من مبتدأ سطح الجبهة إلى ~~منتهى اللحيين، وفي العرض، من الأذن إلى الأذن، وقد ورد الدليل بتخليل ~~اللحية. واختلف العلماء في غسل ما استرسل، والكلام ms0921 في ذلك مبسوط في ~~مواطنه. وقد اختلف أهل العلم أيضا هل يعتبر في الغسل الدلك باليد أم ~~يكفي إمرار الماء؟ والخلاف في ذلك معروف، والمرجع اللغة العربية، فإن ثبت ~~فيها أن الدلك داخل في مسمى الغسل، كان معتبرا وإلا فلا. قال في شمس ~~العلوم غسل الشيء غسلا إذا أجرى عليه الماء ودلكه انتهى. وأما المضمضة ~~والإستنشاق، فإذا لم يكن لفظ الوجه يشمل باطن الفم والأنف فقد ثبت غسلها ~~بالسنة الصحيحة، والخلاف في الوجوب وعدمه معروف. وقد أوضحنا ما هو الحق ~~في مؤلفاتنا. قوله { وأيديكم إلى المرافق } " إلى " ~~للغاية، وأما كون ما بعدها يدخل فيما قبلها فمحل خلاف. # وقد ذهب سيبويه وجماعة إلى أن ما بعدها إن كان من نوع ما قبلها دخل وإلا ~~فلا. وقيل إنها هنا بمعنى مع وذهب قوم إلى أنها تفيد الغاية مطلقا، وأما ~~الدخول وعدمه فأمر يدور مع الدليل وقد ذهب الجمهور إلى أن المرافق تغسل، ~~واستدلوا بما أخرجه الدارقطني والبيهقي من طريق القاسم بن محمد بن عبد ~~الله ابن محمد بن عقيل عن جده عن جابر بن عبد الله، قال كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه. ولكن القاسم هذا ~~متروك، وجده ضعيف. قوله { وامسحوا برؤوسكم } قيل الباء ~~زائدة، والمعنى امسحوا رءوسكم، وذلك يقتضي تعميم المسح لجميع الرأس. وقيل ~~هي للتبعيض، وذلك يقتضي أنه يجزىء مسح بعضه. واستدل القائلون بالتعميم ~~بقوله تعالى في التيمم { فامسحوا بوجوهكم } ولا يجزىء مسح بعض ~~الوجه اتفاقا. وقيل إنها للإلصاق، أي ألصقوا أيديكم برءوسكم، وعلى كل ~~حال فقد ورد في السنة المطهرة ما يفيد أنه يكفي مسح بعض الرأس كما ~~أوضحناه في مؤلفاتنا، فكان هذا دليلا على المطلوب غير محتمل كاحتمال ~~الآية على فرض أنها محتملة، ولا شك أن من أمر غيره بأن يمسح رأسه كان ~~ممتثلا بفعل ما يصدق عليه مسمى المسح، وليس في لغة العرب ما يقتضي أنه ~~لا بد في مثل هذا الفعل من مسح جميع الرأس، وهكذا سائر الأفعال المتعدية ms0922 ~~نحو اضرب زيدا أو اطعنه أو ارجمه، فإنه يوجد المعنى العربي بوقوع الضرب ~~أو الطعن أو الرجم على عضو من أعضائه، ولا يقول قائل من أهل اللغة أو من ~~هو عالم بها إنه لا يكون ضاربا إلا بإيقاع الضرب على كل جزء من أجزاء ~~زيد، وكذلك الطعن والرجم وسائر الأفعال، فاعرف هذا حتى يتبين لك ما هو ~~الصواب من الأقوال في مسح الرأس. فإن قلت يلزم مثل هذا في غسل الوجه ~~واليدين والرجلين. قلت ملتزم لولا البيان من السنة في الوجه، والتحديد ~~بالغاية في اليدين والرجلين بخلاف الرأس، فإنه ورد في السنة مسح الكل ~~ومسح البعض. قوله { وأرجلكم إلى الكعبين } قرأ نافع بنصب ~~الأرجل، وهي قراءة الحسن البصري والأعمش، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة ~~بالجر. وقراءة النصب تدل على أنه يجب غسل الرجلين، لأنها معطوفة على ~~الوجه، وإلى هنا ذهب جمهور العلماء. وقراءة الجر تدل على أنه يجوز ~~الاقتصار على مسح الرجلين، لأنها معطوفة على الرأس، وإليه ذهب ابن جرير ~~الطبري، وهو مروي عن ابن عباس. قال ابن العربي اتفقت الأمة على وجوب ~~غسلهما، وما علمت من رد ذلك إلا الطبري من فقهاء المسلمين، والرافضة من ~~غيرهم، وتعلق الطبري بقراءة الجر قال القرطبي قد روى عن ابن عباس أنه ~~قال الوضوء غسلتان ومسحتان، قال وكان عكرمة يمسح رجليه وقال ليس في ~~الرجلين غسل، إنما نزل فيهما المسح. # وقال عامر الشعبي نزل جبريل بالمسح. قال وقال قتادة افترض الله مسحتين ~~وغسلتين. قال وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل ~~والمسح، وجعل القراءتين كالروايتين، وقواه النحاس، ولكنه قد ثبت في السنة ~~المطهرة بالأحاديث الصحيحة من فعله صلى الله عليه وسلم وقوله غسل الرجلين ~~فقط، وثبت عنه أنه قال # " ويل للأعقاب من النار " # ، وهو في الصحيحين وغيرهما، فأفاد وجوب غسل الرجلين، وأنه لا يجزىء ~~مسحهما، لأن شأن المسح أن يصيب ما أصاب ويخطىء ما أخطأ، فلو كان مجزئا ~~لما قال # " ويل للأعقاب من النار " # ، وقد ثبت عنه أنه قال ms0923 بعد أن توضأ وغسل رجليه # " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " # وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أن رجلا توضأ فترك على قدمه مثل موضع ~~الظفر، فقال له # " ارجع فأحسن وضوءك " # وأما المسح على الخفين فهو ثابت بالأحاديث المتواترة. وقوله { إلى ~~الكعبين } الكلام فيه كالكلام في قوله { إلى المرافق } وقد ~~قيل في وجه جمع المرافق وتثنية الكعاب إنه لما كان في كل رجل كعبان ولم ~~يكن في كل يد إلا مرفق واحد ثنيت الكعاب تنبيها على أن لكل رجل كعبين، ~~بخلاف المرافق فإنها جمعت لأنه لما كان في كل يد مرفق واحد لم يتوهم وجود ~~غيره، ذكر معنى هذا ابن عطية. وقال الكواشي ثنى الكعبين وجمع المرافق ~~لنفي توهم أن في كل واحدة أمن الرجلين كعبين، وإنما في كل واحدة كعب ~~واحد، له طرفان من جانبي الرجل، بخلاف المرفق فهي أبعد عن الوهم انتهى. ~~وبقي من فرائض الوضوء النية والتسمية، ولم يذكرا في هذه الآية، بل وردت ~~بهما السنة وقيل إن في هذه الآية ما يدل على النية، لأنه لما قال { ~~إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } كان تقدير ~~الكلام فاغسلوا وجوهكم لها، وذلك هو النية المعتبرة. قوله { وإن ~~كنتم جنبا فاطهروا } أي فاغتسلوا بالماء. وقد ذهب عمر بن ~~الخطاب وابن مسعود إلى أن الجنب لا يتيمم ألبتة، بل يدع الصلاة حتى يجد ~~الماء استدلالا بهذه الآية، وذهب الجمهور إلى وجوب التيمم للجنابة مع ~~عدم الماء، وهذه الآية هي للواجد، على أن التطهر هو أعم من الحاصل ~~بالماء أو بما هو عوض عنه مع عدمه، وهو التراب. وقد صح عن عمر وابن ~~مسعود الرجوع إلى ما قاله الجمهور للأحاديث الصحيحة الواردة في تيمم ~~الجنب مع عدم الماء. وقد تقدم تفسير الجنب في النساء. قوله # وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم ~~من الغائط # النساء 43 وقد تقدم تفسير هذا في سورة النساء مستوفى، وكذلك تقدم ~~الكلام على ملامسة النساء، وعلى التيمم وعلى الصعيد، و " من ms0924 " في قوله { ~~منه } لابتداء الغاية، وقيل للتبعيض. قيل ووجه تكرير هذا هنا لاستيفاء ~~الكلام في أنواع الطهارة { ما يريد الله ليجعل عليكم ~~من حرج } أي ما يريد بأمركم بالطهارة بالماء أو بالتراب التضييق ~~عليكم في الدين، ومنه قوله تعالى # وما جعل عليكم في الدين من حرج # الحج 78 ثم قال { ولكن يريد ليطهركم } من الذنوب، وقيل ~~من الحدث الأصغر والأكبر، { وليتم نعمته عليكم } أي ~~بالترخيص لكم في التيمم عند عدم الماء، أو بما شرعه لكم من الشرائع التي ~~عرضكم بها للثواب، { لعلكم تشكرون } نعمته عليكم، فتستحقون ~~بالشكر ثواب الشاكرين. وقد أخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد وابن المنذر ~~عن زيد بن أسلم، في قوله { إذا قمتم إلى الصلاة } قال قمتم من ~~المضاجع، يعني النوم. وأخرج ابن جرير عن السدي مثله. وأخرج ابن جرير ~~أيضا عنه يقول إذا قمتم وأنتم على غير طهر. وأخرج ابن أبي شيبة عن ~~الحسن، في قوله { فاغسلوا وجوهكم } قال ذلك الغسل الدلك. وأخرج ~~سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير عن أنس أنه قيل له إن الحجاج ~~خطبنا فقال اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وأنه ليس شيء ~~من ابن آدم أقرب إلى الخبث من قدميه فاغسلوا بطونهما، وظهورهما، ~~وعراقيبهما. قال أنس صدق الله وكذب الحجاج. قال الله { وامسحوا ~~برؤوسكم وأرجلكم } وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما. وأخرج ~~سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال اجتمع أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على غسل القدمين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر، عن مجاهد في قوله { من حرج } قال من ضيق. وأخرج عبد بن ~~حميد، وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله { ويتم نعمته ~~عليكم } قال تمام النعمة دخول الجنة، لم يتم نعمته على عبد لم يدخل ~~الجنة. ### || [5.7-11] # { نعمة الله } قيل هي الإسلام. والميثاق العهد. قيل المراد به هنا ~~ما أخذه على بني آدم كما قال # وإذ أخذ ربك من بنى ءادم # الآية الأعراف 172. قال مجاهد وغيره نحن ms0925 وإن لم نذكره فقد أخبرنا الله ~~به. وقيل هو خطاب لليهود، والعهد ما أخذه عليهم في التوراة. وذهب جمهور ~~المفسرين من السلف ومن بعدهم، إلى أنه العهد الذي أخذه النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليلة العقبة عليهم، وهو السمع والطاعة في المنشط والمكره، ~~وأضافه تعالى إلى نفسه لأنه عن أمره وإذنه، كما قال # إنما يبايعون الله # الفتح 10، وبيعة العقبة مذكورة في كتب السيرة، وهذا متصل بقوله # أوفوا بالعقود # المائدة 1. قوله { إذ قلتم سمعنا وأطعنا } أي وقت قولكم ~~هذا القول، وهذا متعلق بواثقكم، أو بمحذوف وقع حالا أي كائنا هذا ~~الوقت. و { ذات الصدور } ما تخفيه الصدور لكونها مختصة بها لا ~~يعلمها أحد. ولهذا أطلق عليها ذات التي بمعنى الصاحب، وإذا كان سبحانه ~~عالما بها، فكيف بما كان ظاهرا جليا. قوله { يأيها الذين ~~ءامنوا كونوا قوامين } قد تقدم تفسيرها في النساء، وصيغة ~~المبالغة في { قوامين } تفيد أنهم مأمورون بأن يقوموا بها أتم قيام ~~{ لله } أي لأجله، تعظيما لأمره، وطمعا في ثوابه. والقسط العدل. ~~وقد تقدم الكلام على قوله { يجرمنكم } مستوفى، أي لا يحملنكم ~~بغض قوم على ترك العدل، وكتم الشهادة { اعدلوا هو } أي العدل ~~المدلول عليه بقوله { اعدلوا } { أقرب للتقوى } التي أمرتم ~~بها غير مرة، أي أقرب لأن تتقوا الله، أو لأن تتقوا النار. قوله { لهم ~~مغفرة وأجر عظيم } هذه الجملة في محل نصب على أنها المفعول ~~الثاني لقوله { وعد } على معنى وعدهم أن لهم مغفرة، أو وعدهم مغفرة ~~فوقعت الجملة موقع المفرد فأغنت عنه، ومثله قول الشاعر # وجدنا الصالحين لهم جزاء وجنات وعينا سلسبيلا # قوله { أصحب الجحيم } أي ملابسوها. قوله { إذ هم قوم ~~} ظرف لقوله { اذكروا } أو للنعمة، أو لمحذوف وقع حالا منها { أن ~~يبسطوا } أي بأن يبسطوا. وقوله { فكف } معطوف على قوله { هم } ~~وسيأتي بيان سبب نزول هذه الآية، وبه يتضح المعنى. وقد أخرج ابن جرير، ~~والطبراني في الكبير، عن ابن عباس في قوله { إذ قلتم سمعنا ~~وأطعنا } يعني حين بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه ms0926 ~~الكتاب قالوا آمنا بالنبي والكتاب، وأقررنا بما في التوراة، فذكرهم ~~الله ميثاقه الذي أقروا به على أنفسهم وأمرهم بالوفاء به. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال النعم الآلاء، وميثاقه الذي ~~واثقهم به، قال الذي واثق به بني آدم، في ظهر آدم عليه السلام. # وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير، في قوله { يأيها الذين ~~ءامنوا كونوا قوامين لله شهدآء بالقسط } الآية. ~~قال نزلت في يهود خيبر، ذهب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم ~~في دية، فهموا أن يقتلوه، فذلك قوله { ولا يجرمنكم شنان ~~قوم على أن لا تعدلوا } الآية. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الدلائل، عن جابر بن عبد الله ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم، نزل منزلا فتفرق الناس في العضاه يستظلون ~~تحتها، فعلق النبي سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إلى سيفه فأخذه فسله، ثم ~~أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من يمنعك مني؟ قال # " الله " # ، قال الأعرابي مرتين أو ثلاثا من يمنعك مني؟ والنبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول # " الله " # ، فشام الأعرابي السيف، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم ~~بصنيع الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه. قال معمر وكان قتادة يذكر ~~نحو هذا. ويذكر أن قوما من العرب أرادوا أن يفتكوا بالنبي، فأرسلوا هذا ~~الأعرابي، ويتأول { اذكروا الله عليكم إذ هم قوم ~~أن يبسطوا إليكم أيديهم } الآية. وأخرج الحاكم وصححه ~~عنه بنحوه، وذكر أن اسم الرجل غورث بن الحارث، وأنه لما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " الله " # سقط السيف من يده، فأخذه النبي وقال # " من يمنعك مني؟ " # قال كن خير آخذ، قال فشهد أن لا إله إلا الله. وأخرجه أيضا ابن إسحاق ~~وأبو نعيم في الدلائل عنه. وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن ابن عباس أن ~~بني النضير هموا أن يطرحوا حجرا على النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، ~~فجاء جبريل فأخبره بما هموا، فقام ومن ms0927 معه، فنزلت { يأيها ~~الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم ~~قوم } الآية، وروى نحو هذا من طرق عن غيره، وقصة الأعرابي وهو غورث ~~المذكور ثابتة في الصحيح. ### || [5.12-14] # قوله { ولقد أخذ الله } كلام مستأنف يتضمن ذكر بعض ما صدر من ~~بني إسرائيل من الخيانة. وقد تقدم بيان الميثاق الذي أخذه الله عليهم. ~~واختلف المفسرون في كيفية بعث هؤلاء النقباء، بعد الإجماع منهم على أن ~~النقيب كبير القوم العالم بأمورهم الذي ينقب عنها وعن مصالحهم فيها، ~~والنقاب الرجل العظيم الذي هو في الناس على هذه الطريقة، ويقال نقيب ~~القوم لشاهدهم وضمينهم. والنقيب الطريق في الجبل هذا أصله، وسمي به نقيب ~~القوم لأنه طريق إلى معرفة أمورهم. والنقيب أعلى مكانا من العريف، فقيل ~~المراد ببعث هؤلاء النقباء، أنهم بعثوا أمناء على الإطلاع على الجبارين، ~~والنظر في قوتهم ومنعتهم فساروا ليختبروا حال من بها ويخبروا بذلك، ~~فاطلعوا من الجبارين على قوة عظيمة وظنوا أنهم لا قبل لهم بها، فتعاقدوا ~~بينهم على أن يخفوا ذلك عن بني إسرائيل، وأن يعلموا به موسى، فلما ~~انصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فأخبروا قراباتهم، ففشا الخبر حتى ~~بطل أمر الغزو، وقالوا # اذهب أنت وربك فقاتلا # المائدة 24 وقيل إن هؤلاء النقباء كفل كل واحد منهم على سبطه بأن يؤمنوا ~~ويتقوا الله، وهذا معنى بعثهم، وسيأتي ذكر بعض ما قاله جماعة من السلف في ~~ذلك. قوله { وقال الله إنى معكم } أي قال ذلك لبني إسرائيل، ~~وقيل للنقباء والمعنى إني معكم بالنصر والعون، واللام في قوله { لئن ~~أقمتم الصلوة } هي الموطئة للقسم المحذوف، وجوابه { لأكفرن ~~} وهو ساد مسد جواب الشرط. والتعزير التعظيم والتوقير، وأنشد أبو عبيدة # وكم من ماجد لهم كريم ومن ليث يعزر في الندى # أي يعظم ويوقر. ويطلق التعزير على الضرب والرد، يقال عزرت فلانا إذا ~~أدبته ورددته عن القبيح، فقوله { وعزرتموهم } أي عظمتموهم على ~~المعنى الأول، أو رددتم عنهم أعداءهم ومنعتموهم على الثاني. قوله { ~~وأقرضتم الله قرضا حسنا } أي أنفقتم في وجوه الخير، و ms0928 { ~~قرضا } مصدر محذوف الزوائد، كقوله تعالى # وأنبتها نباتا حسنا # آل عمران 37 أو مفعول ثان لأقرضتم. والحسن قيل هو ما طابت به النفس وقيل ~~ما ابتغى به وجه الله وقيل الحلال. قوله { فمن كفر بعد ذلك } ~~أي بعد الميثاق أو بعد الشرط المذكور، { فقد ضل سواء السبيل ~~} أي أخطأ وسط الطريق. قوله { فبما نقضهم ميثقهم } الباء ~~سببية وما زائدة، أي فبسبب نقضهم ميثاقهم { لعنهم } أي طردناهم ~~وأبعدناهم { وجعلنا قلوبهم قاسية } أي صلبة لا تعي خيرا ~~ولا تعقله. وقرأ حمزة والكسائي «قسية» بتشديد الياء من غير ألف، وهي ~~قراءة ابن مسعود والنخعي ويحيى بن وثاب يقال درهم قسى مخفف السين مشدد ~~الياء أي زائف، ذكر ذلك أبو عبيد. # وقال الأصمعي وأبو عبيدة درهم قسى كأنه معرب قاس. وقرأ الأعمش «قسية» ~~بتخفيف الياء وقرأ الباقون { قاسية } { يحرفون الكلم عن ~~موضعه } الجملة مستأنفة لبيان حالهم أو حالية أي يبدلونه بغيره أو ~~يتأولونه على غير تأويله. وقرأ السلمي والنخعي «الكلام». قوله { ولا ~~تزال تطلع على خائنة منهم } أي لا تزال يا محمد تقف ~~على خائنة منهم، والخائنة الخيانة وقيل هو نعت لمحذوف، والتقدير فرقة ~~خائنة، وقد تقع للمبالغة نحو علامة ونسابة إذا أردت المبالغة في وصفه ~~بالخيانة وقيل خائنة معصية. قوله { إلا قليلا منهم } استثناء ~~من الضمير في منهم { فاعف عنهم واصفح } قيل هذا منسوخ بآية ~~السيف وقيل خاص بالمعاهدين. قوله { ومن الذين قالوا إنا ~~نصرى أخذنا ميثقهم } الجار والمجرور متعلق بقوله { ~~أخذنا } والتقديم للاهتمام، والتقدير وأخذنا من الذين قالوا إنا ~~نصارى ميثاقهم، أي في التوحيد والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما ~~جاء به. قال الأخفش هو كقولك أخذت من زيد ثوبه ودرهمه، فرتبة " الذين " ~~بعد أخذنا. وقال الكوفيون بخلافه وقيل إن الضمير في قوله { ميثقهم ~~} راجع إلى بني إسرائيل أي أخذنا من النصارى مثل ميثاق المذكورين قبلهم ~~من بني إسرائيل، وقال { من الذين قالوا إنا نصرى } ولم ~~يقل، ومن النصارى، للإيذان بأنهم كاذبون في دعوى النصرانية وأنهم أنصار ~~الله. قوله { فنسوا حظا ms0929 مما ذكروا به } أي نسوا من ~~الميثاق المأخوذ عليهم نصيبا وافرا عقب أخذه عليهم { فأغرينا ~~بينهم العداوة والبغضاء } أي ألصقنا ذلك بهم، مأخوذ من ~~الغراء وهو ما يلصق الشيء بالشيء كالصمغ وشبهه يقال غرى بالشيء يغري ~~غريا بفتح الغين مقصورا، وغراء بكسرها ممدودا، أي أولع به حتى كأنه ~~صار ملتصقا به، ومثل الإغراء التحرش، وأغريت الكلب أي أولعته بالصيد، ~~والمراد بقوله { بينهم } اليهود والنصارى لتقدم ذكرهم جميعا وقيل ~~بين النصارى خاصة، لأنهم أقرب مذكور، وذلك لأنهم افترقوا إلى اليعقوبية ~~والنسطورية والملكانية، وكفر بعضهم بعضا، وتظاهروا بالعداوة في ذات ~~بينهم. قال النحاس وما أحسن ما قيل في معنى { فأغرينا بينهم ~~العداوة والبغضاء } أن الله عز وجل أمر بعداوة الكفار ~~وإبغاضهم، فكل فرقة مأمورة بعداوة صاحبتها وإبغاضها قوله { وسوف ~~ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } تهديد لهم أي سيلقون ~~جزاء نقض الميثاق. وقد أخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله { ولقد ~~أخذ الله ميثق بنى إسرءيل } قال أخذ مواثيقهم أن يخلصوا ~~له ولا يعبدوا غيره { وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا } أي ~~كفيلا كفلوا عليهم بالوفاء لله بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به ~~وفيما نهاهم عنه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في ~~قوله { اثنى عشر نقيبا } قال من كل سبط من بني إسرائيل رجال ~~أرسلهم موسى إلى الجبارين، فوجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان منهم، ولا ~~يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس منهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا ~~نزع حبها خمسة أنفس أو أربعة، فرجع النقباء كلهم ينهى سبطه عن قتالهم، ~~إلا يوشع بن نون، وكالب بن يافنه، فإنهما أمرا الأسباط بقتال الجبارين، ~~ومجاهدتهم فعصوهما وأطاعوا الآخرين، فهما الرجلان اللذان أنعم الله ~~عليهما، فتاهت بنو إسرائيل أربعين سنة، يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث ~~أصبحوا في تيههم ذلك، فضرب موسى الحجر لكل سبط عينا حجرا لهم يحملونه ~~معهم، فقال لهم موسى اشربوا يا حمير، فنهاه الله عن سبهم. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ms0930 ابن عباس في قوله { اثنى عشر ~~نقيبا } قال هم من بني إسرائيل بعثهم موسى لينظروا إلى المدينة، ~~فجاءوا بحبة من فاكهتهم، وفر رجل، فقال اقدروا قوة قوم وبأسهم وهذه ~~فاكهتهم، فعند ذلك فتنوا فقالوا لا نستطيع القتال # فاذهب أنت وربك فقاتلا # المائدة 24 وقد ذكر ابن إسحاق أسماء هؤلاء الأسباط، وأسماؤهم مذكورة في ~~السفر الرابع من التوراة، وفيه مخالفة لما ذكره ابن إسحاق. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس في قوله { وعزرتموهم } قال أعنتموهم. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله { ~~وعزرتموهم } قال نصرتموهم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ~~{ فبما نقضهم ميثقهم } قال هو ميثاق أخذه الله على أهل ~~التوراة فنقضوه. وأخرج ابن جرير عنه في قوله { يحرفون الكلم عن ~~موضعه } يعني حدود الله، يقولون إن أمركم محمد بما أنتم عليه ~~فاقبلوه، وإن خالفكم فاحذروا، وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { ~~ونسوا حظا مما ذكروا به } قال نسوا الكتاب. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله { ولا تزال ~~تطلع على خائنة منهم } قال هم يهود مثل الذي هموا به من ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل عليهم حائطهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد ~~بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله { ولا تزال ~~تطلع على خائنة منهم } قال كذب وفجور، وفي قوله { ~~فاعف عنهم واصفح } قال لم يؤمر يومئذ بقتالهم، فأمره الله أن ~~يعفو عنهم ويصفح، ثم نسخ ذلك في براءة فقال # قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر # الآية التوبة 29. وأخرج أبو عبيد وابن جرير، وابن المنذر عن إبراهيم ~~النخعي في قوله { فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء ~~إلى يوم القيمة } قال أغرى بعضهم ببعض بالخصومات والجدال في ~~الدين. ### || [5.15-16] # الألف واللام في { الكتاب } للجنس، والخطاب لليهود والنصارى { قد ~~جاءكم رسولنا } أي محمد صلى الله عليه وسلم حال كونه { يبين ~~لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتب } المنزل ~~عليكم، وهو التوراة والإنجيل ms0931 كآية الرجم وقصة أصحاب السبت الممسوخين قردة ~~{ ويعفوا عن كثير } مما تخفونه، فيترك بيانه لعدم اشتماله على ~~ما يجب بيانه عليه من الأحكام الشرعية، فإن ما لم يكن كذلك لا فائدة ~~تتعلق ببيانه إلا مجرد افتضاحكم وقيل المعنى إنه يعفو عن كثير فيتجاوزه ~~ولا يخبركم به وقيل يعفو عن كثير منكم فلا يؤاخذهم بما يصدر منهم، ~~والجملة في محل نصب عطفا على الجملة الحالية أعني قوله { يبين ~~لكم }. قوله { قد جاءكم من الله نور } جملة مستأنفة ~~مشتملة على بيان أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد تضمنت بعثته فوائد غير ~~ما تقدم من مجرد البيان. قال الزجاج النور محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل ~~الإسلام. والكتاب المبين القرآن، فإنه المبين، والضمير في قوله { يهدى ~~به } راجع إلى الكتاب أو إليه وإلى النور لكونهما كالشيء الواحد { من ~~اتبع رضوانه } أي ما رضيه الله، و { سبل السلم } طرق ~~السلامة من العذاب الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة وقيل المراد ~~بالسلام الإسلام { ويخرجهم من الظلمت } الكفرية إلى ~~النور الإسلامي، { ويهديهم إلى صرط مستقيم } إلى ~~طريق يتوصلون بها إلى الحق، لا عوج فيها ولا مخافة. وقد أخرج ابن جرير، ~~عن قتادة، في قوله { رسولنا } قال هو محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ~~ابن جرير أيضا عن عكرمة قال إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أتاه ~~اليهود يسألونه عن الرجم فقال أيكم أعلم؟ فأشاروا إلى ابن صوريا، فناشده ~~بالذي أنزل التوراة على موسى، والذي رفع الطور وبالمواثيق التي أخذت ~~عليهم حتى أخذه أفكل، فقال إنه لما كثر فينا جلدنا مائة جلدة وحلقنا ~~الرؤوس، فحكم عليهم بالرجم، فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن المنذر عن ابن ~~جريج نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { ويعفوا عن ~~كثير } يقول عن كثير من الذنوب. وأخرج ابن جرير عن السدي قال { سبل ~~السلم } هي سبيل الله الذي شرعه لعباده ودعاهم إليه وابتعث به رسله ~~وهو الإسلام. ### || [5.17-18] # ضمير الفصل في قوله { هو المسيح } يفيد الحصر ms0932 قيل وقد قال بذلك ~~بعض طوائف النصارى وقيل لم يقل به أحد منهم، ولكن استلزم قولهم { إن ~~الله هو المسيح } لا غيره، وقد تقدم في آخر سورة النساء ما ~~يكفي ويغني عن التكرار. قوله { قل فمن يملك من الله شيئا ~~} الاستفهام للتوبيخ والتقريع، والملك، والملك الضبط والحفظ والقدرة، من ~~قولهم ملكت على فلان أمره أي قدرت عليه، أي فمن يقدر أن يمنع { إن ~~أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى ~~الأرض جميعا } وإذا لم يقدر أحد أن يمنع من ذلك، فلا إله إلا الله، ~~ولا رب غيره، ولا معبود بحق سواه، ولو كان المسيح إلها كما تزعم ~~النصارى، لكان له من الأمر شيء، ولقدر على أن يدفع عن نفسه أقل حال، ولم ~~يقدر على أن يدفع عن أمه الموت عند نزوله بها، وتخصيصها بالذكر مع دخولها ~~في عموم من في الأرض، لكون الدفع منه عنها أولى وأحق من غيرها، فهو إذا ~~لم يقدر على الدفع عنها، أعجز عن أن يدفع عن غيرها، وذكر { من في الأرض } ~~للدلالة على شمول قدرته، وأنه إذا أراد شيئا كان لا معارض له في أمره، ~~ولا مشارك له في قضائه { ولله ملك السموات والأرض وما ~~بينهما } أي ما بين النوعين من المخلوقات. قوله { يخلق ما ~~يشاء } جملة مستأنفة مسوقة لبيان أنه سبحانه خالق الخلق بحسب مشيئته، ~~وأنه يقدر على كل شيء لا يستصعب عليه شيء. قوله { وقالت اليهود ~~والنصرى نحن أبناء الله وأحباؤه } أثبتت اليهود ~~لأنفسها ما أثبتته لعزير، حيث قالوا # عزير ابن الله # التوبة 30 وأثبتت النصارى لأنفسها ما أثبتته للمسيح حيث قالوا # المسيح ابن الله # التوبة 30 وقيل هو على حذف مضاف أي نحن أتباع أبناء الله، وهكذا أثبتوا ~~لأنفسهم أنهم أحباء الله بمجرد الدعوى الباطلة والأماني العاطلة، فأمر ~~الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم، فقال { قل فلم ~~يعذبكم بذنوبكم } أي إن كنتم كما تزعمون، فما باله يعذبكم بما ~~تقترفونه من الذنوب بالقتل، والمسخ، وبالنار في يوم ms0933 القيامة كما تعترفون ~~بذلك، لقولكم # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # التوبة 8 فإن الابن من جنس أبيه لا يصدر عنه ما يستحيل على الأب وأنتم ~~تذنبون، والحبيب لا يعذب حبيبه وأنتم تعذبون، فهذا يدل على أنكم كاذبون ~~في هذه الدعوى. وهذا البرهان هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف. قوله ~~{ بل أنتم بشر ممن خلق } عطف على مقدر يدل عليه الكلام ~~أي فلستم حينئذ كذلك، { بل أنتم بشر ممن خلق } أي من جنس ~~من خلقه الله تعالى يحاسبهم على الخير والشر، ويجازي كل عامل بعمله { ~~يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك ~~السموات والأرض وما بينهما } من الموجودات { وإليه ~~المصير } أي تصيرون إليه عند انتقالكم من دار الدنيا إلى دار الآخرة. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في ~~الدلائل، عن ابن عباس قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن ~~أضاء وبحري بن عمرو وشاس بن عدي فكلموه وكلمهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ودعاهم إلى الله، وحذرهم نقمته، فقالوا ما تخوفنا يا محمد نحن ~~أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى فأنزل الله فيهم { ~~وقالت اليهود والنصرى } إلى آخر الآية. وأخرج أحمد في ~~مسنده عن أنس قال مر النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه وصبي ~~في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى ~~وتقول، ابني ابني، فسعت فأخذته، فقال القوم يا رسول الله ما كانت هذه ~~لتلقي ابنها في النار؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " لا، والله لا يلقي حبيبه في النار " # وإسناده في المسند هكذا حدثنا، ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس فذكره. ~~ومعنى الآية يشير إلى معنى هذا الحديث، ولهذا قال بعض مشايخ الصوفية لبعض ~~الفقهاء أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فلم يرد عليه، فتلا ~~الصوفي هذه الآية، وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " لا، والله لا يعذب ms0934 الله حبيبه، ولكن قد يبتليه في الدنيا " # وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { يغفر لمن يشاء ويعذب ~~من يشاء } يقول يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء ~~منكم على كفره فيعذبه. ### || [5.19] # المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى. والرسول هو محمد صلى الله عليه ~~وسلم، { ويبين لكم } حال. والمبين هو ما شرعه الله لعباده وحذف ~~للعلم به، لأن بعثة الرسل إنما هي بذلك. والفترة أصلها السكون، يقال فتر ~~الشيء سكن وقيل هي الانقطاع. قاله أبو علي الفارسي وغيره ومنه فتر الماء ~~إذا انقطع عما كان عليه من البرد إلى السخونة وفتر الرجل عن عمله إذا ~~انقطع عما كان عليه من الجد فيه، وامرأة فاترة الطرف أي منقطعة عن حدة ~~النظر. والمعنى أنه انقطع الرسل قبل بعثه صلى الله عليه وسلم مدة من ~~الزمان. واختلف في قدر مدة تلك الفترة، وسيأتي بيان ذلك. قوله { أن ~~تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير } تعليل لمجيء الرسول ~~بالبيان على حين فترة أي كراهة أن تقولوا هذا القول معتذرين عن تفريطكم، ~~و«من» في قوله { من بشير } زائدة للمبالغة في نفي المجيء، والفاء في ~~قوله { فقد جاءكم } هي الفصيحة مثل قول الشاعر # فقد جئنا خراسانا # أي لا تعتذروا فقد جاءكم بشير ونذير، وهو محمد صلى الله عليه وسلم { ~~والله على كل شيء قدير } ، ومن جملة مقدوراته إرسال رسوله ~~على فترة من الرسل. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال دعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يهود إلى الإسلام، فرغبهم فيه وحذرهم فأبوا عليه، فقال لهم ~~معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة، وعقبة بن وهب يا معشر يهود اتقوا الله، ~~فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد كنتم تذكرونه ~~لنا قبل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته، فقال رافع بن حرملة ووهب بن يهوذا ما ~~قلنا لكم هذا وما أنزل الله من كتاب من بعد موسى، ولا أرسل ms0935 بشيرا ولا ~~نذيرا بعده، فأنزل الله { ياأهل الكتب قد جاءكم ~~رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل } الآية. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في الآية قال هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم جاء بالحق الذي فرق الله به بين الحق والباطل، ~~فيه بيان وموعظة، ونور وهدى وعصمة لمن أخذ به. قال وكانت الفترة بين عيسى ~~ومحمد ستمائة سنة، وما شاء الله من ذلك. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، عنه قال كانت خمسمائة سنة وستين سنة. وقال الكلبي خمسمائة سنة ~~وأربعين سنة. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال كانت خمسمائة سنة. وأخرج ~~ابن جرير عن الضحاك قال كانت أربعمائة سنة وبضعا وثلاثين سنة. وأخرج ابن ~~سعد في كتاب الطبقات، عن ابن عباس قال كان بين موسى وعيسى ألف سنة ~~وتسعمائة سنة، ولم يكن بينهما فترة، فإنه أرسل بينهما ألف نبي من بني ~~إسرائيل، سوى من أرسل من غيرهم، وكان بين ميلاد عيسى، ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم خمسمائة سنة وتسع وستون سنة، بعث في أولها ثلاثة أنبياء كما ~~قال الله تعالى # إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا ~~بثالث # يس 14 والذي عزز به شمعون وكان من الحواريين، وكانت الفترة التي لم ~~يبعث الله فيها رسولا أربعمائة سنة وأربعة وثلاثين سنة. وقد قيل غير ما ~~ذكرناه. ### || [5.20-26] # هذه الآيات متضمنة للبيان من الله سبحانه، بأن أسلاف اليهود الموجودين ~~في عصر محمد صلى الله عليه وسلم تمردوا على موسى، وعصوه، كما تمرد ~~هؤلاء على نبينا صلى الله عليه وسلم وعصوه، وفي ذلك تسلية له صلى الله ~~عليه وسلم. وروي عن عبد الله بن كثير أنه قرأ " يا قوم اذكروا " بضم ~~الميم، وكذا قرأ فيما أشبهه، وتقديره يا أيها القوم اذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ جعل فيكم أنبياء أي وقت هذا الجعل، وإيقاع الذكر على الوقت مع ~~كون المقصود ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة لأن الأمر بذكر الوقت أمر ~~بذكر ما وقع فيه بطريق ms0936 الأولى، وامتن عليهم سبحانه بجعل الأنبياء فيهم ~~مع كونه قد جعل أنبياء من غيرهم، لكثرة من بعثه من الأنبياء منهم قوله { ~~وجعلكم ملوكا } أي وجعل منكم ملوكا، وإنما حذف حرف الجر ~~لظهور أن معنى الكلام على تقديره، ويمكن أن يقال إن منصب النبوة لما كان ~~لعظم قدره وجلالة خطره بحيث لا ينسب إلى غير من هو له قال فيه { إذ ~~جعل فيكم أنبياء } ولما كان منصب الملك مما يجوز نسبته إلى غير ~~من قال به، كما تقول قرابة الملك نحن الملوك، قال فيه { وجعلكم ~~ملوكا } وقيل المراد بالملك أنهم ملكوا أمرهم بعد أن كانوا مملوكين ~~لفرعون، فهم جميعا ملوك بهذا المعنى. وقيل معناه أنه جعلهم ذوي منازل لا ~~يدخل عليهم غيرهم إلا بإذن وقيل غير ذلك. والظاهر أن المراد من الآية ~~الملك الحقيقي، ولو كان بمعنى آخر لما كان للامتنان به كثير معنى. فإن ~~قلت قد جعل غيرهم ملوكا كما جعلهم. قلت قد كثر الملوك فيهم كما كثر ~~الأنبياء، فهذا وجه الامتنان. قوله { وآتاكم ما لم يؤت ~~أحدا من العالمين } أي من المن والسلوى، والحجر والغمام، ~~وكثرة الأنبياء، وكثرة الملوك، وغير ذلك. والمراد عالمي زمانهم. وقيل إن ~~الخطاب ها هنا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو عدول عن الظاهر لغير ~~موجب، والصواب ما ذهب إليه جمهور المفسرين، من أنه من كلام موسى لقومه، ~~وخاطبهم بهذا الخطاب توطئة وتمهيدا لما بعده من أمره لهم بدخول الأرض ~~المقدسة. وقد اختلف في تعيينها فقال قتادة هي الشام، وقال مجاهد الطور ~~وما حوله، وقال ابن عباس والسدي وغيرهما أريحاء، وقال الزجاج دمشق ~~وفلسطين وبعض الأردن. وقول قتادة يجمع هذه الأقوال المذكورة بعده. ~~والمقدسة المطهرة، وقيل المباركة { التى كتب الله لكم } أي ~~قسمها وقدرها لهم في سابق علمه، وجعلها مسكنا لكم { ولا ترتدوا ~~على أدبركم } أي لا ترجعوا عن أمري وتتركوا طاعتي، وما أوجبته ~~عليكم من قتال الجبارين، جبنا وفشلا { فتنقلبوا } بسبب ذلك { ~~خسرين } لخير الدنيا والآخرة. # { قالوا ياموسى إن } قال الزجاج الجبار من ms0937 الآدميين العاتي، وهو ~~الذي يجبر الناس على ما يريد، وأصله على هذا من الإجبار وهو الإكراه، ~~فإنه يجبر غيره على ما يريده، يقال أجبره إذا أكرهه وقيل هو مأخوذ من جبر ~~العظم، فأصل الجبار على هذا المصلح لأمر نفسه، ثم استعمل في كل من جر ~~إلى نفسه نفعا بحق أو باطل، وقيل إن جبر العظم راجع إلى معنى الإكراه. ~~قال الفراء لم أسمع فعالا من أفعل إلا في حرفين، جبار من أجبر، ودراك من ~~أدرك. والمراد هنا أنهم قوم عظام الأجسام طوال متعاظمون قيل هم قوم من ~~بقية قوم عاد وقيل هم من ولد عيص بن إسحاق وقيل هم من الروم ويقال إن ~~منهم عوج بن عنق المشهور بالطول المفرط، وعنق هي بنت آدم، قيل كان طوله ~~ثلاثة آلاف ذراع وثلثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلث ذراع. قال ابن كثير ~~وهذا شيء يستحيا من ذكره، ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا ثم لم يزل الخلق ينقص " # ثم قد ذكروا أن هذا الرجل كان كافرا، وأنه كان ولد زنية، وأنه امتنع من ~~ركوب السفينة وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته، وهذا كذب وافتراء، فإن الله ~~ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين فقال # رب لا تذر على الأرض من الكفرين ديارا # نوح 26، وقال تعالى # فأنجينه ومن معه فى الفلك المشحون ثم ~~أغرقنا بعد البقين # الشعراء 119، 120 وقال تعالى # لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم # هود 43. وإذا كان ابن نوح الكافر غرق فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر ولد ~~زنية؟ هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع، ثم في وجود رجل يقال له عوج بن عنق ~~نظر والله أعلم، انتهى كلامه. قلت لم يأت في أمر هذا الرجل ما يقتضي ~~تطويل الكلام في شأنه، ما هذا بأول كذبة اشتهرت في الناس، ولسنا ملزومين ~~بدفع الأكاذيب التي وضعها القصاص، ونفقت عند من ms0938 لا يميز بين الصحيح ~~والسقيم، فكم في بطون دفاتر التفاسير من أكاذيب وبلايا، وأقاصيص كلها ~~حديث خرافة، وما أحق من لا تمييز عنده لفن الرواية ولا معرفة به أن يدع ~~التعرض لتفسير كتاب الله، ويضع هذه الحماقات والأضحوكات في المواضع ~~المناسبة لها، من كتب القصاص. قوله { فإن يخرجوا منها فإنا ~~دخلون } هذا تصريح بما هو مفهوم من الجملة التي قبل هذه الجملة، ~~لبيان أن امتناعهم من الدخول ليس إلا لهذا السبب. قوله { قال رجلان ~~} هما يوشع وكالب بن يوفنا أو ابن فانيا، وكانا من الاثنى عشر نقيبا ~~كما مر بيان ذلك. # وقوله { من الذين يخافون } أي يخافون من الله عز وجل وقيل ~~من الجبارين أي هذان الرجلان من جملة القوم الذين يخافون من الجبارين ~~وقيل من الذين يخافون ضعف بني إسرائيل وجبنهم. وقيل إن الواو في { ~~يخافون } لبني إسرائيل أي من الذين يخافهم بنو إسرائيل. وقرأ مجاهد ~~وسعيد بن جبير «يخافون» بضم الياء أي يخافهم غيرهم. قوله { أنعم ~~الله عليهما } في محل رفع على أنه صفة ثانية لرجلان، بالإيمان، ~~واليقين بحصول ما وعدوا به من النصر والظفر { ادخلوا عليهم ~~الباب } أي باب بلد الجبارين، { فإذا دخلتموه فإنكم ~~غلبون } قالا هذه المقالة لبني إسرائيل. والظاهر أنهما قد علما ~~بذلك من خبر موسى، أو قالاه ثقة بوعد الله، أو كانا قد عرفا أن الجبارين ~~قد ملئت قلوبهم خوفا ورعبا. { قالوا } أي بنو إسرائيل لموسى { ~~إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها } وكان هذا القول ~~منهم فشلا وجبنا، أو عنادا وجرأة على الله وعلى رسوله { فاذهب ~~أنت وربك فقاتلا } قالوا هذا جهلا بالله عز وجل وبصفاته ~~وكفرا بما يجب له، أو استهانة بالله ورسوله وقيل أرادوا بالذهاب الإرادة ~~والقصد وقيل أرادوا بالرب هارون، وكان أكبر من موسى، وكان موسى يطيعه { ~~إنا ههنا قعدون } أي لا نبرح ها هنا لا نتقدم معك ولا ~~نتأخر عن هذا الموضع وقيل أرادوا بذلك عدم التقدم لا عدم التأخر { قال ~~} موسى { رب إنى لا أملك إلا نفسى وأخى ms0939 } يحتمل أن يعطف ~~وأخي على نفسي، وأن يعطف على الضمير في { إنى } أي إني لا أملك إلا ~~نفسي وإن أخي لا يملك إلا نفسه، قال هذا تحسرا وتحزنا واستجلابا للنصر ~~من الله عز وجل { فافرق بيننا وبين القوم ~~الفسقين } أي افصل بيننا يعني نفسه وأخاه، وبين القوم الفاسقين، ~~وميزنا عن جملتهم، ولا تلحقنا بهم في العقوبة وقيل المعنى فاقض بيننا ~~وبينهم وقيل إنما أراد في الآخرة، وقرأ عبيد بن عمير " فافرق " بكسر ~~الراء { قال فإنها } أي الأرض المقدسة { محرمة عليهم ~~} أي على هؤلاء العصاة بسبب امتناعهم من قتال الجبارين { أربعين ~~سنة } ظرف للتحريم أي أنه محرم عليهم دخولها هذه المدة لا زيادة ~~عليها، فلا يخالف هذا التحريم ما تقدم من قوله { التى كتب الله ~~لكم } فإنها مكتوبة لمن بقي منهم بعد هذه المدة وقيل إنه لم يدخلها ~~أحد ممن قال { إنا لن ندخلها } فيكون توقيت التحريم بهذه ~~المدة باعتبار ذراريهم وقيل إن { أربعين سنة } ظرف لقوله { ~~يتيهون فى الأرض } أي يتيهون هذا المقدار فيكون التحريم مطلقا. # والموقت هو التيه، وهو في اللغة الحيرة، يقال منه تاه يتيه تيها أو ~~توها إذا تحير، فالمعنى يتحيرون في الأرض قيل إن هذه الأرض التي تاهوا ~~فيها كانت صغيرة نحو ستة فراسخ كانوا يمسون حيث أصبحوا ويصبحون حيث ~~أمسوا، وكانوا سيارة مستمرين على ذلك لا قرار لهم. واختلف أهل العلم هل ~~كان معهم موسى وهارون أم لا؟ فقيل لم يكونا معهم، لأن التيه عقوبة وقيل ~~كانا معهم لكن سهل الله عليهما ذلك، كما جعل النار بردا وسلاما على ~~إبراهيم. وقد قيل كيف يقع هذا لجماعة من العقلاء في مثل هذه الأرض ~~اليسيرة، في هذه المدة الطويلة؟ قال أبو علي يكون ذلك بأن يحول الله ~~الأرض التي هم عليها إذا تاهوا إلى المكان الذي ابتدأوا منه، وقد يكون ~~بغير ذلك من الأسباب المانعة من الخروج عنها على طريق المعجزة الخارقة ~~للعادة. وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن ~~قتادة في ms0940 قوله { وجعلكم ملوكا } قال ملكهم الخدم، وكانوا أول ~~من ملك الخدم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال كان الرجل من بني ~~إسرائيل، إذا كانت له الزوجة والخادم والدار سمي ملكا. وأخرج عبد ~~الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عنه في الآية قال الزوجة والخادم ~~والبيت. وأخرج الفريابي، وابن جرير وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي ~~في شعب الإيمان، عنه أيضا في قوله { وجعلكم ملوكا } قال ~~المرأة والخدم { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ~~} قال الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد ~~الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكا " # وأخرج ابن جرير، والزبير بن بكار في الموقفيات، عن زيد بن أسلم قال قال ~~رسول الله # " من كان له بيت وخادم فهو ملك " # وأخرج أبو داود في مراسيله عن زيد بن أسلم في الآية قال قال رسول الله # " زوجة ومسكن وخادم " # وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سأله ~~رجل ألسنا من فقراء المهاجرين؟ قال # " ألك امرأة تأوي إليها؟ " # قال نعم، قال # " ألك مسكن تسكنه؟ " # قال نعم، قال # " فأنت من الأغنياء " # ، قال إن لي خادما، قال # " فأنت من الملوك " # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله { ~~وجعلكم ملوكا } قال جعل لهم أزواجا وخدما وبيوتا { ~~وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } قال المن ~~والسلوى، والحجر والغمام. وقد ثبت في الحديث الصحيح # " من أصبح منكم معافى في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت ~~له الدنيا بحذافيرها " # وأخرج ابن جرير عنه في قوله { ادخلوا الأرض المقدسة } قال ~~الطور وما حوله. وأخرج عنه أيضا قال هي أريحاء. وأخرج ابن عساكر عن معاذ ~~بن جبل قال هي ما بين العريش إلى الفرات. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد ~~عن قتادة قال هي الشام. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ms0941 { التى ~~كتب الله لكم } قال التي أمركم الله بها. وأخرج عبد بن حميد عن ~~قتادة في الآية قال أمر القوم بها كما أمرنا بالصلاة والزكاة والحج ~~والعمرة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أمر موسى أن يدخل ~~مدينة الجبارين، فسار بمن معه حتى نزل قريبا من المدينة وهي أريحاء، ~~فبعث إليهم اثني عشر عينا من كل سبط منهم عين، ليأتوه بخبر القوم، ~~فدخلوا المدينة فرأوا أمرا عظيما من هيئتهم وجسمهم وعظمهم، فدخلوا ~~حائطا لبعضهم فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني ~~الثمار فنظر إلى آثارهم فتتبعهم، فكلما أصاب واحدا منهم أخذه فجعله في ~~كمه مع الفاكهة، حتى التقط الاثني عشر كلهم فجعلهم في كمه مع الفاكهة، ~~وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه فقال الملك قد رأيتم شأننا وأمرنا اذهبوا ~~فأخبروا صاحبكم، قال فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم، فقال ~~اكتموا عنا، فجعل الرجل يخبر أباه وصديقه ويقول اكتم عني، فأشيع ذلك في ~~عسكرهم، ولم يكتم منهم إلا رجلان يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وهما ~~اللذان أنزل الله فيهما { قال رجلان من الذين يخافون } ~~وقد روي نحو هذا مما يتضمن المبالغة في وصف هؤلاء وعظم أجسامهم، ولا ~~فائدة في بسط ذلك فغالبه من أكاذيب القصاص، كما قدمنا. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { فافرق } يقول اقض. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عنه يقول افصل بيننا وبينهم. وأخرج ابن جرير، عن ~~قتادة في قوله { فإنها محرمة عليهم } قال أبدا، وفي ~~قوله { يتيهون فى الأرض } قال أربعين سنة. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس قال تاهوا أربعين سنة، فهلك موسى وهارون في التيه، ~~وكل من جاوز الأربعين سنة، فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم يوشع ابن نون، ~~وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، وهو الذي افتتحها، وهو الذي قيل له اليوم ~~يوم جمعة، فهموا بافتتاحها فدنت الشمس للغروب، فخشى إن دخلت ليلة السبت ~~أن يسبتوا، فنادى الشمس ms0942 إني مأمور وأنت مأمورة فوقفت حتى افتتحها، فوجد ~~فيها من الأموال ما لم ير مثله قط، فقربوه إلى النار فلم تأت، فقال فيكم ~~الغلول، فدعا رؤوس الأسباط وهم اثنا عشر رجلا، فبايعهم والتصقت يد رجل ~~منهم بيده، فقال الغلول عندك فأخرجه، فأخرج رأس بقرة من ذهب لها عينان من ~~ياقوت وأسنان من لؤلؤ، فوضعه مع القربان فأتت النار فأكلتها. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن عباس قال خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق ولا تدرن. ### || [5.27-31] # وجه اتصال هذا بما قبله التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم ~~المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه، فالداء قديم، والشر أصيل. وقد ~~اختلف أهل العلم في ابني آدم المذكورين، هل هما لصلبه أم لا؟ فذهب ~~الجمهور إلى الأول. وذهب الحسن والضحاك إلى الثاني، وقالا إنهما كانا من ~~بني إسرائيل، فضرب بهما المثل في إبانة حسد اليهود، وكانت بينهما خصومة، ~~فتقربا بقربانين ولم تكن القاربين إلا في بني إسرائيل. قال ابن عطية ~~وهذا وهم كيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب؟ قال ~~الجمهور من الصحابة فمن بعدهم واسمهما قابيل وهابيل، وكان قربان قابيل ~~حزمة من سنبل، لأنه كان صاحب زرع واختارها من أراد زرعه، حتى إنه وجد ~~فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها، وكان قربان هابيل كبشا لأنه كان صاحب ~~غنم أخذه من أجود غنمه، فتقبل قربان هابيل، فرفع إلى الجنة فلم يزل يرعى ~~فيها إلى أن فدى به الذبيح عليه السلام، كذا قال جماعة من السلف، ولم ~~يتقبل قربان قابيل، فحسده وقال لأقتلنك. وقيل سبب هذا القربان أن حواء ~~كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى، إلا شيثا عليه السلام فإنها ولدته ~~منفردا، وكان آدم عليه السلام يزوج الذكر من هذا البطن بالأنثى من ~~البطن الآخر. ولا تحل له أخته التي ولدت معه، فولدت مع قابيل أخت واسمها ~~إقليما، ومع هابيل أخت ليست كذلك، واسمها ليوذا فلما أراد آدم تزويجهما ~~قال قابيلأناأحق بأختي، فأمره آدم فلم يأتمر وزجره ms0943 فلم ينزجر، فاتفقوا ~~على القربان،وأنه يتزوجها من تقبل قربانه. قوله { بالحق } متعلق ~~بمحذوف وقع صفة لمصدر، { واتل } أي تلاوة متلبسة بالحق، أو صفة لنبأ ~~أي نبأ متلبسا بالحق، والمراد بأحدهما هابيل وبالآخر قابيل، و { قال ~~للأقتلنك } استئناف بياني، كأنه قيل فماذا حال الذي لم يتقبل ~~قربانه؟ وقوله { قال إنما يتقبل الله من المتقين ~~} استئناف كالأول كأنه قيل فماذا قال الذي تقبل قربانه؟ وإنما للحصر أي ~~إنما يتقبل الله القربان من المتقين لا من غيرهم، وكأنه يقول لأخيه إنما ~~أتيت من قبل نفسك لا من قبلي، فإن عدم تقبل قربانك بسبب عدم تقواك. قوله ~~{ لئن بسطت إلى يدك لتقتلنى } أي لأن قصدت قتلي، ~~واللام هي الموطئة، و { ما أنا بباسط } جواب القسم ساد مسد ~~جواب الشرط، وهذا استسلام للقتل من هابيل، كما ورد في الحديث # " إذا كانت الفتنة فكن خير ابني آدم " # ، وتلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية. قال مجاهد كان الفرض عليهم ~~حينئذ أن لا يسل أحد سيفا وأن لا يمتنع ممن يريد قتله، قال القرطبي قال ~~علماؤنا وذلك مما يجوز ورود التعبد به، إلا أن في شرعنا يجوز دفعه ~~إجماعا، وفي وجوب ذلك عليه خلاف. # والأصح وجوب ذلك لما فيه من النهي عن المنكر، وفي الحشوية قوم لا ~~يجوزون للمصول عليه الدفع، واحتجوا بحديث أبي ذر، وحمله العلماء على ~~ترك القتال في الفتنة، وكف اليد عند الشبهة، على ما بيناه في كتاب ~~التذكرة، انتهى كلام القرطبي. وحديث أبي ذر المشار إليه هو عند مسلم، ~~وأهل السنن إلا النسائي، وفيه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له # " يا أبا ذر أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضا كيف تصنع؟ " # قلت الله ورسوله أعلم، قال # " اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك " # ، قال فإن لم أترك، قال # " فأت من أنت منهم فكن فيهم " # ، قال فآخذ سلاحي؟ قال # " إذن تشاركهم فيما هم فيه، ولكن إن خشيت أن يردعك شعاع السيف، فألق طرف ~~ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك " # وفي معناه ms0944 أحاديث عن جماعة من الصحابة سعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وخباب ~~بن الأرث وأبي بكر وابن مسعود وأبي واقد وأبي موسى. قوله { إنى ~~أريد أن تبوء بإثمى وإثمك فتكون من أصحب ~~النار } هذا تعليل لامتناعه من المقاتلة، بعد التعليل الأول وهو { ~~إنى أخاف الله رب العلمين }. اختلف المفسرون في المعنى ~~فقيل أراد هابيل إني أريد أن تبوء بالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصا ~~على قتلك، وبإثمك الذي تحملته بسبب قتلي وقيل المراد بإثمي الذي يختص بي ~~بسبب سيأتي، فيطرح عليك بسبب ظلمك لي وتبوء بإثمك في قتلي. وهذا يوافق ~~معناه معنى ما ثبت في صحيح مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم # " يؤتى يوم القيامة بالظالم والمظلوم، فيؤخذ من حسنات الظالم فتزاد في ~~حسنات المظلوم حتى ينتصف، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم ~~فتطرح عليه " # ، ومثله قوله تعالى # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # العنكبوت 13 وقيل المعنى إني أريد أن لا تبوء بإثمي وإثمك كما في قوله ~~تعالى # وألقى فى الأرض رواسى أن تميد بكم # النحل 15 أي أن لا تميد بكم. وقوله # يبين الله لكم أن تضلوا # النساء 176 أي لا تضلوا. وقال أكثر العلماء إن المعنى { إنى أريد ~~أن تبوء بإثمى } أي بإثم قتلك لي { وإثمك } الذي قد صار عليك ~~بذنوبك من قبل قتلي. قال الثعلبي هذا قول عامة المفسرين وقيل هو على وجه ~~الإنكار أي أو إني أريد على وجه الإنكار كقوله تعالى # وتلك نعمة # الشعراء 22 أي أو تلك نعمة. قاله القشيري، ووجهه بأن إرادة القتل معصية. ~~وسئل أبو الحسن بن كيسان كيف يريد المؤمن أن يأثم أخوه وأن يدخل النار؟ ~~فقال وقعت الإرادة بعد ما بسط يده إليه بالقتل، وهذا بعيد جدا، وكذلك ~~الذي قبله. # وأصل باء رجع إلى المباءة، وهي المنزل # وباءوا بغضب من الله # آل عمران 112 أي رجعوا. قوله { فطوعت له نفسه قتل ~~أخيه } أي سهلت نفسه عليه الأمر وشجعته وصورت له أن قتل أخيه طوع يده ms0945 ~~سهل عليه، يقال تطوع الشيء أي سهل وانقاد وطوعه فلان له أي سهله. قال ~~الهروي طوعت وطاوعت واحد، يقال طاع له كذا إذا أتاه طوعا، وفي ذكر ~~تطويع نفسه له بعد ما تقدم من قول قابيل { لأقتلنك } وقول هابيل ~~{ لتقتلنى } دليل على أن التطويع لم يكن قد حصل له عند تلك ~~المقاولة. قوله { فقتله }. قال ابن جرير ومجاهد وغيرهما روي أنه جهل ~~كيف يقتل أخاه فجاءه إبليس بطائر أو حيوان غيره، فجعل يشدخ رأسه بين ~~حجرين ليقتدي به قابيل ففعل وقيل غير ذلك مما يحتاج إلى تصحيح الرواية. ~~قوله { فبعث الله غرابا يبحث فى الأرض ليريه ~~كيف يوارى سوءة أخيه } قيل إنه لما قتل أخاه لم يدر كيف يواريه ~~لكونه أول ميت مات من بني آدم، فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا فقتل ~~أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثا عليه، فلما رآه قابيل { ياويلتي ~~أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة ~~أخي } فواراه، والضمير المستكن في { ليريه } للغراب وقيل لله ~~سبحانه، و { كيف } في محل نصب على الحال من ضمير { يورى } والجملة ~~ثاني مفعولي يريه. والمراد بالسوءة هنا ذاته كلها لكونها ميتة، و { قال ~~} استئناف جواب سؤال مقدر من سوق الكلام، كأنه قيل فماذا قال عند أن ~~شاهد الغراب يفعل ذلك؟ و { يا ويلتي } كلمة تحسر وتحزن، والألف بدل من ~~ياء المتكلم كأنه دعا ويلته بأن تحضر في ذلك الوقت، والويلة الهلكة، ~~والكلام خارج مخرج التعجب منه من عدم اهتدائه لمواراة أخيه، كما اهتدى ~~الغراب إلى ذلك { فأواري } بالنصب على أنه جواب الاستفهام، وقرىء ~~بالسكون على تقدير فأنا أواري { فأصبح من الندمين } على ~~قتله وقيل لم يكن ندمه ندم توبة بل ندم لفقده، لا على قتله وقيل غير ذلك. ~~وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن ~~عساكر، عن ابن عباس قال «نهى أن تنكح المرأة أخاها توأمها، وأن ينكحها ~~غيره من إخوتها، وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة، فبينما هم كذلك ولد ms0946 ~~له امرأة وضيئة، وولد له أخرى قبيحة دميمة، فقال أخو الدميمة أنكحني أختك ~~وأنكحك أختي، فقال لا، أنا أحق بأختي، فقربا قربانا، فجاء صاحب الغنم ~~بكبش أعين أقرن أبيض، وصاحب الحرث بصبرة من طعام فتقبل من صاحب الكبش، ~~ولم يتقبل من صاحب الزرع». # قال ابن كثير في تفسيره إسناده جيد، وكذا قال السيوطي في الدر المنثور. ~~وأخرج ابن جرير عنه قال كان من شأن بني آدم أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه، ~~وإنما كان القربان يقربه الرجل، فبينما ابنا آدم قاعدان إذ قالا لو ~~قربنا ثم ذكرا ما قرباه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { لئن ~~بسطت إلى يدك } قال كتب عليهم إذا أراد الرجل أن يقتل رجلا ~~تركه ولا يمتنع منه. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { إنى أريد أن تبوء ~~بإثمى وإثمك } يقول إني أريد أن تكون عليك خطيئتك، ودمي، فتبوء ~~بهما جميعا. وأخرج ابن جرير عنه { بإثمى } قال بقتلك إياي، { ~~وإثمك } ، قال بما كان منك قبل ذلك. وأخرج عن قتادة والضحاك مثله. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله { ~~فطوعت له نفسه قتل أخيه } قال شجعته على قتل أخيه. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في الآية قال زينت ~~له نفسه. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله { ~~فطوعت له نفسه قتل أخيه } فطلبه ليقتله فراغ الغلام ~~منه في رؤوس الجبال، فأتاه يوما من الأيام وهو يرعى غنما له وهو نائم، ~~فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات، فتركه بالعراء، ولا يعلم كيف يدفن، فبعث ~~الله غرابين أخوين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثا عليه، ~~فلما رآه { قال يويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا ~~الغراب }. وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث ابن مسعود، قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ms0947 ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول ~~من سن القتل " # وقد روي في صفة قتله لأخيه روايات الله أعلم بصحتها. ### || [5.32-34] # قوله { من أجل ذلك } أي من أجل ذلك القاتل وجريرته وبسبب ~~معصيته، وقال الزجاج أي من جنايته قال يقال أجل الرجل على أهله شرا يأجل ~~أجلا إذا جنى مثل أخذ يأخذ أخذا. وقرأ أبو جعفر «من أجل» بكسر النون ~~وحذف الهمزة، وهي لغة. قال في شرح الدرة قرأ أبو جعفر منفردا «من أجل ~~ذلك» بكسر الهمزة مع نقل حركتها إلى النون قبلها وقيل يجوز أن يكون قوله ~~{ من أجل ذلك } متعلقا بقوله { من الندمين } ، فيكون ~~الوقف على قوله { من أجل ذلك } والأولى ما قدمنا، والمعنى أن ~~نبأ ابني آدم هو الذي تسبب عنه الكتب المذكور على بني إسرائيل، وعلى هذا ~~جمهور المفسرين. وخص بني إسرائيل بالذكر لأن السياق في تعداد جناياتهم، ~~ولأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس، ووقع التغليظ فيهم إذ ~~ذاك لكثرة سفكهم للدماء، وقتلهم للأنبياء وتقديم الجار والمجرور على ~~الفعل الذي هو متعلق به أعني كتبنا يفيد القصر أي من أجل ذلك لا من غيره، ~~ومن لابتداء الغاية { أنه من قتل نفسا } واحدة من هذه النفوس ~~{ بغير نفس } أي بغير نفس توجب القصاص، فيخرج عن هذا من قتل نفسا ~~بنفس قصاصا. قوله { أو فساد فى الأرض } قرأ الجمهور بالجر ~~عطفا على نفس. وقرأ الحسن بالنصب على تقدير فعل محذوف يدل عليه أول ~~الكلام تقديره أو أحدث فسادا في الأرض، وفي هذا ضعف. ومعنى قراءة ~~الجمهور أن من قتل نفسا بغير سبب من قصاص أو فساد في الأرض، فكأنما قتل ~~الناس جميعا. وقد تقرر أن كل حكم مشروط بتحقق أحد شيئين، فنقيضه مشروط ~~بانتفائهما معا، وكل حكم مشروط بتحققهما معا، فنقيضه مشروط بانتفاء ~~أحدهما ضرورة أن نقيض كل شيء مشروط بنقيض شرطه. وقد اختلف في هذا الفساد ~~المذكور في هذه الآية ماذا هو؟ فقيل هو الشرك، وقيل قطع الطريق. وظاهر ~~النظم القرآني أنه ما ms0948 يصدق عليه أنه فساد في الأرض، فالشرك فساد في ~~الأرض، وقطع الطريق فساد في الأرض، وسفك الدماء وهتك الحرم ونهب الأموال ~~فساد في الأرض، والبغي على عباد الله بغير حق فساد في الأرض، وهدم ~~البنيان وقطع الأشجار، وتغوير الأنهار فساد في الأرض، فعرفت بهذا أنه ~~يصدق على هذه الأنواع أنها فساد في الأرض، وهكذا الفساد الذي سيأتي في ~~قوله { ويسعون فى الأرض فسادا } يصدق على هذه الأنواع، ~~وسيأتي تمام الكلام على معنى الفساد قريبا. قوله { فكأنما قتل ~~الناس جميعا } اختلف المفسرون في تحقيق هذا التشبيه للقطع بأن عقاب ~~من قتل الناس جميعا أشد من عقاب من قتل واحدا منهم. # فروي عن ابن عباس أنه قال المعنى من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل ~~الناس جميعا، ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعا. ~~أخرج هذا عنه ابن جرير. وروي عن مجاهد أنه قال المعنى أن الذي يقتل النفس ~~المؤمنة متعمدا جعل الله جزاءه جهنم، وغضب عليه ولعنه وأعد له عذابا ~~عظيما، فلو قتل الناس جميعا لم يزد على هذا قال ومن سلم من قتل، فلم ~~يقتل أحدا، فكأنما أحيا الناس جميعا. وقد أخرج نحو هذا عنه عبد ابن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وروى عن ابن عباس أيضا أنه قال في تفسير ~~هذه الآية أوبق نفسه كما لو قتل الناس جميعا، أخرجه عنه ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم. وروي عن الحسن أنه قال فكأنما قتل الناس جميعا ~~في الوزر، وكأنما أحيا الناس جميعا في الأجر. وقال ابن زيد المعنى أن من ~~قتل نفسا فيلزمه من القود والقصاص ما يلزم من قتل الناس جميعا { ومن ~~أحيها } أي من عفا عمن وجب قتله، حكاه عنه القرطبي. وحكى عن الحسن ~~أنه العفو بعد القدرة يعني أحياها. وروى عن مجاهد أن إحياءها إنجاؤها من ~~غرق أو حرق أو هدم أو هلكة، حكاه عنه ابن جرير وابن المنذر وقيل المعنى ~~أن من قتل نفسا فالمؤمنون كلهم خصماؤه، لأنه قد وتر ms0949 الجميع { ومن ~~أحيها فكأنما أحيا الناس جميعا } أي وجب على الكل ~~شكره وقيل المعنى أن من استحل واحدا، فقد استحل الجميع لأنه أنكر ~~الشرع. وعلى كل حال، فالإحياء هنا عبارة عن الترك والإنقاذ من هلكة فهو ~~مجاز، إذ المعنى الحقيقي مختص بالله عز وجل. والمراد بهذا التشبيه في ~~جانب القتل تهويل أمر القتل، وتعظيم أمره في النفوس حتى ينزجر عنه أهل ~~الجرأة والجسارة، وفي جانب الإحياء الترغيب إلى العفو عن الجناة واستنقاذ ~~المتورطين في الهلكات.قوله { ولقد جاءتهم رسلنا ~~بالبينت } جملة مستقلة مؤكدة باللام الموطئة للقسم متضمنة ~~للإخبار بأن الرسل عليهم الصلاة والسلام قد جاءوا العباد بما شرعه الله ~~لهم من الأحكام التي من جملتها أمر القتل، وثم في قوله { ثم إن ~~كثيرا منهم } للتراخي الرتبي والاستبعاد العقلي، والإشارة بقوله { ~~ذلك } إلى ما ذكر مما كتبه الله على بني إسرائيل أي إن كثيرا منهم ~~بعد ذلك الكتب { فى الأرض لمسرفون } في القتل. قوله { إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قد اختلف الناس في ~~سبب نزول هذه الآية فذهب الجمهور إلى أنها نزلت في العرنيين، وقال مالك ~~والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لأنها نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع ~~الطريق ويسعى في الأرض بالفساد. قال ابن المنذر قول مالك صحيح. # قال أبو ثور محتجا لهذا القول إن قوله في هذه الآية { إلا الذين ~~تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } يدل على أنها نزلت في ~~غير أهل الشرك لأنهم قد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا ~~فأسلموا أن دماءهم تحرم، فدل ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام ~~انتهى. وهكذا يدل على هذا قوله تعالى # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف # الأنفال 38، وقوله صلى الله عليه وسلم # " الإسلام يهدم ما قبله " # أخرجه مسلم وغيره، وحكى ابن جرير الطبري في تفسيره عن بعض أهل العلم أن ~~هذه الآية أعني آية المحاربة نسخت فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ~~العرنيين، ووقف الأمر على هذه الحدود. وروى ms0950 عن محمد بن سيرين أنه قال كان ~~هذا قبل أن تنزل الحدود يعني فعله صلى الله عليه وسلم بالعرنيين وبهذا ~~قال جماعة من أهل العلم. وذهب جماعة آخرون إلى أن فعله صلى الله عليه ~~وسلم بالعرنيين منسوخ بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة، والقائل ~~بهذا مطالب ببيان تأخر الناسخ، وسيأتي سياق الروايات الواردة في سبب ~~النزول. والحق أن هذه الآية تعم المشرك وغيره لمن ارتكب ما تضمنته، ولا ~~اعتبار بخصوص السبب، بل الاعتبار بعموم اللفظ. قال القرطبي في تفسيره ولا ~~خلاف بين أهل العلم في أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل ~~الإسلام، وإن كانت نزلت في المرتدين، أو اليهود انتهى. ومعنى قوله مترتب ~~أي ثابت. قيل المراد بمحاربة الله المذكورة في الآية هي محاربة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومحاربة المسلمين في عصره، ومن بعد عصره بطريق ~~العبارة دون الدلالة ودون القياس، لأن ورود النص ليس بطريق خطاب المشافهة ~~حتى يختص حكمه بالمكلفين عند النزول، فيحتاج في تعميم الخطاب لغيرهم إلى ~~دليل آخر وقيل إنها جعلت محاربة المسلمين محاربة لله ولرسوله إكبارا ~~لحربهم وتعظيما لأذيتهم، لأن الله سبحانه لا يحارب ولا يغالب. والأولى ~~أن تفسر محاربة الله سبحانه بمعاصيه ومخالفة شرائعه، ومحاربة الرسول تحمل ~~على معناها الحقيقي، وحكم أمته حكمه وهم أسوته. والسعي في الأرض فسادا، ~~يطلق على أنواع من الشر كما قدمنا قريبا. قال ابن كثير في تفسيره قال ~~كثير من السلف منهم سعيد ابن المسيب إن قرض الدراهم والدنانير من الإفساد ~~في الأرض، وقد قال تعالى # وإذا تولى سعى فى الأرض ليفسد فيها ويهلك ~~الحرث والنسل والله لا يحب الفساد # البقرة 205. انتهى. إذا تقرر لك ما قررناه، من عموم الآية ومن معنى ~~المحاربة والسعي في الأرض فسادا، فاعلم أن ذلك يصدق على كل من وقع منه ~~ذلك، سواء كان مسلما أو كافرا، في مصر وغير مصر، في كل قليل وكثير، ~~وجليل وحقير، وأن حكم الله في ذلك هو ما ورد في هذه ms0951 الآية من القتل أو ~~الصلب، أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف، أو النفي من الأرض، ولكن لا يكون ~~هذا حكم من فعل أي ذنب من الذنوب، بل من كان ذنبه هو التعدي على دماء ~~العباد وأموالهم فيما عدا ما قد ورد له حكم غير هذا الحكم في كتاب الله، ~~أو سنة رسوله كالسرقة وما يجب فيه القصاص، لأنا نعلم أنه قد كان في زمنه ~~صلى الله عليه وسلم من تقع منه ذنوب ومعاص غير ذلك، ولا يجرى عليه صلى ~~الله عليه وسلم هذا الحكم المذكور في هذه الآية، وبهذا تعرف ضعف ما روى ~~عن مجاهد في تفسير المحاربة المذكورة في هذه الآية أنها الزنا والسرقة، ~~ووجه ذلك أن هذين الذنبين قد ورد في كتاب الله، وفي سنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم لهما حكم غير هذا الحكم. # وإذا عرفت ما هو الظاهر من معنى هذه الآية، على مقتضى لغة العرب التي ~~أمرنا بأن نفسر كتاب الله وسنة رسوله بها، فإياك أن تغتر بشيء من ~~التفاصيل المروية، والمذاهب المحكية، إلا أن يأتيك الدليل الموجب لتخصيص ~~هذا العموم أو تقييد هذا المعنى المفهوم من لغة العرب، فأنت وذاك اعمل ~~به، وضعه في موضعه، وأما ما عداه # فدع عنك نهبا صيح في حجراته وهات حديثا ما حديث الرواحل # على أنا سنذكر من هذه المذاهب ما تسمعه. اعلم أنه قد اختلف العلماء فيمن ~~يستحق اسم المحاربة فقال ابن عباس وسعيد بن المسيب، ومجاهد وعطاء والحسن ~~البصري، وإبراهيم النخعي والضحاك وأبو ثور إن من شهر السلاح في قبة ~~الإسلام، وأخاف السبيل ثم ظفر به وقدر عليه فإمام المسلمين فيه بالخيار ~~إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله. وبهذا قال مالك، ~~وصرح بأن المحارب عنده من حمل على الناس في مصر أو في برية، أو كابرهم ~~على أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولا دخل ولا عداوة. قال ابن المنذر اختلف ~~عن مالك في هذه المسألة، فأثبت المحاربة في المصر مرة، ونفى ذلك مرة. ms0952 ~~وروي عن ابن عباس غير ما تقدم، فقال في قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا ~~المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا ~~أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ~~ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض. وروي عن أبي مجلز وسعيد ابن جبير، ~~وإبراهيم النخعي، والحسن وقتادة والسدي، وعطاء، على اختلاف في الرواية ~~عن بعضهم، وحكاه ابن كثير عن الجمهور. وقال أيضا وهكذا عن غير واحد من ~~السلف والأئمة. وقال أبو حنيفة إذا قتل قتل وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت ~~يده ورجله من خلاف، وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه إن شاء قطع ~~يديه ورجليه، وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه. # وقال أبو يوسف القتل يأتي على كل شيء، ونحوه قول الأوزاعي. وقال الشافعي ~~إذا أخذ المال قطعت يده اليمنى وحسمت، ثم قطعت رجله اليسرى وحسمت وخلي، ~~لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة وإذا قتل قتل، وإذا أخذ المال ~~وقتل، قتل وصلب. وروي عنه أنه قال يصلب ثلاثة أيام. وقال أحمد إن قتل ~~قتل، وإن أخذ المال قطعت يده ورجله، كقول الشافعي، ولا أعلم لهذه ~~التفاصيل دليلا لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله، إلا ما رواه ابن جرير ~~في تفسيره، وتفرد بروايته، فقال حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن ~~مسلم، عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك ~~يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر ~~العرنيين، وهم من بجيلة، قال أنس فارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي ~~واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل وأصابوا الفرج الحرام قال أنس فسأل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جبريل عن القضاء فيمن حارب، فقال من سرق وأخاف ~~الطريق، فاقطع يده لسرقته ورجله بإخافته، ومن قتل، فاقتله ومن قتل وأخاف ~~السبيل واستحل الفرج الحرام، فاصلبه. وهذا مع ما فيه من النكارة ~~الشديدة، لا يدري كيف صحته؟ قال ابن كثير ms0953 في تفسيره بعد ذكره لشيء من هذه ~~التفاصيل الذي ذكرناها ما لفظه ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن ~~جرير في تفسيره إن صح سنده ثم ذكره. قوله { ويسعون فى الأرض ~~فسادا } هو إما منتصب على المصدرية، أو على أنه مفعول له، أو على ~~الحال بالتأويل أي مفسدين. قوله { أو يصلبوا } ظاهره أنهم يصلبون ~~أحياء حتى يموتوا، لأنه أحد الأنواع التي خير الله بينها. وقال قوم الصلب ~~إنما يكون بعد القتل، ولا يجوز أن يصلب قبل القتل فيحال بينه وبين الصلاة ~~والأكل والشرب. ويجاب بأن هذه عقوبة شرعها الله سبحانه في كتابه لعباده. ~~قوله { أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلف } ظاهرة ~~قطع إحدى اليدين وإحدى الرجلين من خلاف سواء كانت المقطوعة من اليدين هي ~~اليمنى أو اليسرى، وكذلك الرجلان، ولا يعتبر إلا أن يكون القطع من خلاف، ~~إما يمنى اليدين مع يسرى الرجلين، أو يسرى اليدين مع يمنى الرجلين وقيل ~~المراد بهذا قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى فقط. قوله { أو ينفوا ~~من الأرض } اختلف المفسرون في معناه، فقال السدي هو أن يطلب بالخيل ~~والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه الحد، أو يخرج من دار الإسلام هربا. وهو ~~محكي عن ابن عباس، وأنس ومالك والحسن البصري، والسدي والضحاك وقتادة ~~وسعيد بن جبير والربيع بن أنس، والزهري، حكاه الرماني في كتابه عنهم. # وحكى عن الشافعي أنهم يخرجون من بلد إلى بلد ويطلبون لتقام عليهم ~~الحدود، وبه قال الليث بن سعد. وروي عن مالك أنه ينفى من البلد الذي أحدث ~~فيه إلى غيره، ويحبس فيه كالزاني، ورجحه ابن جرير والقرطبي. وقال ~~الكوفيون نفيهم سجنهم، فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها. والظاهر من الآية ~~أنه يطرد من الأرض التي وقع منه فيها ما وقع، من غير سجن ولا غيره. ~~والنفي قد يقع بمعنى الإهلاك، وليس هو مرادا هنا. قوله { ذلك لهم ~~خزى فى الدنيا } الإشارة إلى ما سبق ذكره من الأحكام، والخزي ~~الذل والفضيحة. قوله { إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم فاعلموا أن ms0954 الله غفور رحيم } ~~استثنى الله سبحانه التائبين قبل القدرة عليهم من عموم المعاقبين ~~بالعقوبات السابقة، والظاهر عدم الفرق بين الدماء والأموال، وبين غيرها ~~من الذنوب الموجبة للعقوبات المعينة المحدودة، فلا يطالب التائب قبل ~~القدرة بشيء من ذلك، وعليه عمل الصحابة. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا ~~يسقط القصاص وسائر حقوق الآدميين بالتوبة قبل القدرة، والحق الأول. وأما ~~التوبة بعد القدرة فلا تسقط بها العقوبة المذكورة في الآية، كما يدل عليه ~~ذكر قيد { قبل أن تقدروا عليهم } قال القرطبي وأجمع أهل ~~العلم على أن السلطان ولي من حارب، فإن قتل محارب أخا امرىء أو أباه في ~~حال المحاربة، فليس إلى طالب الدم من أمر المحاربة شيء، ولا يجوز عفو ~~ولي الدم. وقد أخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله { من أجل ذلك ~~كتبنا على بنى إسرءيل } يقول من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ~~ظلما. وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه قيل له في هذه الآية يعني قوله { ~~فكأنما قتل الناس جميعا } أهي لنا كما كانت لبني إسرائيل؟ ~~فقال إي والذي لا إله غيره. وأخرج أبو داود والنسائي عن ابن عباس في قوله ~~{ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال ~~نزلت في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل، ~~وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل أو أفسد في الأرض أو ~~حارب الله ورسوله. وأخرج ابن جرير والطبراني في الكبير عنه في هذه الآية ~~قال كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ~~وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخير الله نبيه فيهم إن شاء قتل ~~وإن شاء صلب، وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وأما النفي فهو ~~الضرب في الأرض، فإن جاء تائبا فدخل في الإسلام قبل منه، ولم يؤخذ بما ~~سلف. # وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص أن هذه الآية نزلت في الحرورية. ~~وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس أن ms0955 نفرا من عكل قدموا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فأسلموا واجتووا المدينة، فأمرهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها، فقتلوا ~~راعيها واستاقوها فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم قافة، فأتي ~~بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، ولم يحسمهم وتركهم حتى ماتوا، ~~فأنزل الله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ~~} الآية. وفي مسلم عن أنس أنه قال إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم ~~أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة. وأخرج الشافعي في الأم، وعبد الرزاق ~~والفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس في الآية قال إذا خرج المحارب فأخذ المال ~~ولم يقتل قطع من خلاف، وإذا خرج فقتل ولم يأخذ المال قتل، وإذا خرج وأخذ ~~المال وقتل قتل وصلب، وإذا خرج فأخاف السبيل، ولم يأخذ المال ولم يقتل ~~نفي. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية قال من شهر ~~السلاح في قبة الإسلام، وأفسد السبيل، فظهر عليه وقدر، فإمام المسلمين ~~مخير فيه إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله، قال { أو ~~ينفوا من الأرض } يهربوا ويخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب. ~~وأخرج ابن جرير عنه قال نفيه أن يطلب. وأخرج أيضا عن أنس نحوه. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ~~الشعبي قال كان حارثة بن بدر التيمي من أهل البصرة قد أفسد في الأرض ~~وحارب، فكلم رجالا من قريش أن يستأمنوا له عليا، فأبوا فأتى سعيد بن ~~قيس الهمداني، فأتى عليا فقال يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون ~~الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا؟ قال { أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلف ~~أو ينفوا من الأرض } ثم قال { إلا الذين تابوا من ~~قبل أن تقدروا عليهم } فقال سعيد وإن كان حارثة بن بدر، ~~قال وإن ms0956 كان حارثة بن بدر، قال هذا حارثة بن بدر، قد جاء تائبا فهو آمن؟ ~~قال نعم، فجاء به إليه فبايعه، وقبل ذلك منه وكتب له أمانا. ### || [5.35-37] # { ابتغوا } اطلبوا { إليه } لا إلى غيره، { و الوسيلة } ~~فعيلة من توسلت إليه إذا تقربت إليه. قال عنترة # إن الرجال لهم إليك وسيلة إن يأخذوك تكحلي وتخضبي # وقال آخر # إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصابي بيننا والوسائل # فالوسيلة القربة التي ينبغي أن تطلب، وبه قال أبو وائل والحسن ومجاهد، ~~وقتادة والسدي وابن زيد. وروي عن ابن عباس، وعطاء، وعبد الله بن كثير. ~~قال ابن كثير في تفسيره وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة، لا خلاف بين ~~المفسرين فيه. والوسيلة أيضا درجة في الجنة مختصة برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ~~آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إلا حلت ~~له الشفاعة يوم القيامة " # وفي صحيح مسلم، من حديث عبد الله بن عمرو، أنه سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول # " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي ~~صلاة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا ~~تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة ~~حلت عليه الشفاعة " # وفي الباب أحاديث، وعطف { وابتغوا إليه الوسيلة } على { ~~يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله } يفيد أن الوسيلة غير ~~التقوى. وقيل هي التقوى، لأنها ملاك الأمر، وكل الخير، فتكون الجملة ~~الثانية على هذا مفسرة للجملة الأولى. والظاهر أن الوسيلة هي القربة تصدق ~~على التقوى، وعلى غيرها من خصال الخير التي يتقرب العباد بها إلى ربهم { ~~وجهدوا فى سبيله } من لم يقبل دينه { لعلكم ~~تفلحون }. قوله { إن الذين كفروا } كلام مبتدأ مسوق لزجر ~~الكفار، وترغيب المسلمين في امتثال أوامر الله سبحانه ms0957 { لو أن ~~لهم ما فى الأرض } من أموالها ومنافعها وقيل المراد لكل واحد ~~منهم ليكون أشد تهويلا، وإن كان الظاهر من ضمير الجمع خلاف ذلك، و { ~~جميعا } تأكيد. وقوله { ومثله } عطف على ما في الأرض، و { معه ~~} في محل نصب على الحال { ليفتدوا به } ليجعلوه فدية لأنفسهم، ~~وأفرد الضمير إما لكونه راجعا إلى المذكور، أو لكونه بمنزلة اسم الإشارة ~~أي ليفتدوا بذلك، و { من عذاب يوم القيمة } متعلق بالفعل ~~المذكور { ما تقبل منهم } ذلك، وهذا هو جواب لو. قوله { ~~يريدون أن يخرجوا من النار } هذا استئناف بياني، كأنه قيل ~~كيف حالهم فيما هم فيه من هذا العذاب الأليم؟ فقيل يريدون أن يخرجوا من ~~النار. # وقرىء " أن يخرجوا " من أخرج، ويضعف هذه القراءة { وما هم ~~بخرجين منها } ومحل هذه الجملة، أعني قوله { وما هم ~~بخرجين منها } النصب على الحال وقيل إنها جملة اعتراضية. وقد ~~أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ~~في قوله { وابتغوا إليه الوسيلة } قال الوسيلة القربة. ~~وأخرج الحاكم وصححه، عن حذيفة مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر عن قتادة في قوله { وابتغوا إليه الوسيلة } قال ~~تقربوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه.وأخرج مسلم، وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة " # قال يزيد الفقير، فقلت لجابر يقول الله { يريدون أن يخرجوا ~~من النار وما هم بخرجين منها } قال اتل أول الآية { ~~إن الذين كفروا لو أن لهم ما فى الأرض جميعا ~~ومثله معه ليفتدوا به } ألا إنهم الذين كفروا. وأخرج ابن ~~جرير عن عكرمة أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس تزعم أن قوما يخرجون من ~~النار، وقد قال الله تعالى { وما هم بخرجين منها } فقال ابن ~~عباس ويحك، اقرأ ما فوقها هذه للكفار. قال الزمخشري في الكشاف بعد ذكره ~~لهذا إنه مما لفقته المجبرة، ويا لله العجب من رجل ms0958 لا يفرق بين أصح ~~الصحيح، وبين أكذب الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتعرض للكلام ~~على ما لا يعرفه ولا يدري ما هو؟ قد تواترت الأحاديث تواترا لا يخفى، ~~على من له أدنى إلمام بعلم الرواية بأن عصاة الموحدين يخرجون من النار، ~~فمن أنكر هذا فليس بأهل للمناظرة لأنه أنكر ما هو من ضروريات الشريعة، ~~اللهم غفرا. ### || [5.38-40] # لما ذكر سبحانه حكم من يأخذ المال جهارا وهو المحارب، عقبه بذكر من ~~يأخذ المال خفية، وهو السارق، وذكر السارقة مع السارق لزيادة البيان لأن ~~غالب القرآن الاقتصار على الرجال في تشريع الأحكام. وقد اختلف أئمة النحو ~~في خبر السارق والسارقة، هل هو مقدر أم هو فاقطعوا؟ فذهب إلى الأول ~~سيبويه، وقال تقديره فيما فرض عليكم أو فيما يتلى عليكم، السارق والسارقة ~~أي حكمهما. وذهب المبرد والزجاج إلى الثاني، ودخول الفاء لتضمن المبتدأ ~~معنى الشرط، إذ المعنى الذي سرق والتي سرقت، وقرىء " والسارق ~~والسارقة " بالنصب على تقدير اقطعوا، ورجح هذه القراءة سيبويه، قال ~~الوجه في كلام العرب النصب، كما تقول زيدا اضربه، ولكن العامة أبت إلا ~~الرفع، يعنى عامة القراء، والسرقة بكسر الراء اسم الشيء المسروق، والمصدر ~~من سرق يسرق سرقا قاله الجوهري وهو أخذ الشيء في خفية من الأعين، ومنه ~~استرق السمع، وسارقه النظر. قوله { فاقطعوا } القطع معناه الإبانة ~~والإزالة، وجمع الأيدي لكراهة الجمع بين تثنيتين، وقد بينت السنة المطهرة ~~أن موضع القطع الرسغ. وقال قوم يقطع من المرفق. وقال الخوارج من المنكب. ~~والسرقة لابد أن تكون ربع دينار فصاعدا، ولا بد أن تكون من حرز، كما ~~وردت بذلك الأحاديث الصحيحة. وقد ذهب إلى اعتبار الربع الدينار الجمهور. ~~وذهب قوم إلى التقدير بعشرة دراهم. وذهب الجمهور إلى اعتبار الحرز. وقال ~~الحسن البصري إذا جمع الثياب في البيت قطع. وقد أطال الكلام في بحث ~~السرقة أئمة الفقه، وشراح الحديث، بما لا يأتي التطويل به ها هنا بكثير ~~فائدة. قوله { جزاء بما كسبا } مفعول له أي فاقطعوا للجزاء، أو ~~مصدر مؤكد ms0959 لفعل محذوف أي فجازوهما جزاء، والباء سببية، وما مصدرية أي ~~بسبب كسبهما، أو موصولة أي جزاء بالذي كسباه من السرقة. وقوله { ~~نكلا } بدل من جزاء وقيل هو علة للجزاء والجزاء علة للقطع، يقال ~~نكلت به إذا فعلت به ما يجب أن ينكل به عن ذلك الفعل. قوله { فمن تاب ~~من بعد ظلمه وأصلح } السياق يفيد أن المراد بالظلم هنا ~~السرقة، أي فمن تاب من بعد سرقته، وأصلح أمره { فإن الله يتوب ~~عليه } ولكن اللفظ عام، فيشمل السارق وغيره من المذنبين، والاعتبار ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقد استدل بهذا عطاء، وجماعة، على أن القطع ~~يسقط بالتوبة، وليس هذا الاستدلال بصحيح، لأن هذه الجملة الشرطية لا تفيد ~~إلا مجرد قبول التوبة، وإن الله يتوب على من تاب، وليس فيها ما يفيد أنه ~~لا قطع على التائب. وقد كان في زمن النبوة يأتي إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم من وجب عليه حد تائبا عن الذنب الذي ارتكبه، طالبا لتطهيره ~~بالحد، فيحده النبي صلى الله عليه وسلم. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للسارق بعد قطعه # " تب إلى الله " # ثم قال # " تاب الله عليك " # أخرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة. وأخرج أحمد وغيره، أن هذه الآية ~~نزلت في المرأة التي كانت تسرق المتاع، لما قالت للنبي صلى الله عليه ~~وسلم بعد قطعها، هل لي من توبة. وقد ورد في السنة ما يدل على أن الحدود ~~إذا رفعت إلى الأئمة وجبت وامتنع إسقاطها. قوله { ألم تعلم أن ~~الله له ملك السموات والأرض } هذا الاستفهام للإنكار ~~مع تقرير العلم، وهو كالعنوان لقوله { يعذب من يشاء ويغفر ~~لمن يشاء } أي من كان له ملك السموات والأرض، فهو قادر على هذا ~~التعذيب الموكول إلى المشيئة والمغفرة الموكولة إليها. وقد أخرج عبد بن ~~حميد، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { جزاء بما كسبا نكلا ~~من الله } قال لا ترثوا لهم فيه فإنه أمر الله الذي أمر به. قال ~~وذكر لنا أن عمر بن ms0960 الخطاب كان يقول اشتدوا على الفساق، واجعلوهم يدا ~~يدا ورجلا رجلا. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله { ~~فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب ~~عليه } يقول الحد كفارته. والأحاديث في قدر نصاب السرقة، وفي سائر ~~ما يتعلق بتفاصيل هذا الحد مذكورة في كتب الحديث، فلا نطيل بذلك. ### || [5.41-44] # قوله { لا يحزنك } قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي والباقون بفتح ~~الياء وضم الزاي، والحزن خلاف السرور، وحزن الرجل بالكسر، فهو حزن وحزين ~~وأحزنه غيره وحزنه. قال اليزيدي حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم، وقد قرىء ~~بهما. وفي الآية النهي له صلى الله عليه وسلم عن التأثر لمسارعة الكفرة ~~في كفرهم تأثرا بليغا، لأن الله سبحانه قد وعده في غير موطن بالنصر ~~عليهم، والمسارعة إلى الشيء الوقوع فيه بسرعة. والمراد هنا، وقوعهم في ~~الكفر بسرعة عند وجود فرصة، وآثر لفظ " فى " على لفظ " إلى " للدلالة ~~على استقرارهم فيه، و " من " في قوله { من الذين قالوا } ~~بيانية، والجملة مبينة للمسارعين في الكفر، و " الباء " في { ~~بأفوههم } متعلقة ب { قالوا } لا ب { آمنا } ، وهؤلاء الذين ~~قالوا آمنا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم هم المنافقون. { ومن الذين ~~هادوا } يعني اليهود، وهو معطوف على { من الذين قالوا ~~ءامنا } وهو تمام الكلام. والمعنى أن المسارعين في الكفر طائفة ~~المنافقين وطائفة اليهود. وقوله { سمعون للكذب } خبر مبتدأ ~~محذوف أي هم سماعون للكذب، فهو راجع إلى الفريقين، أو إلى المسارعين، ~~واللام في قوله { للكذب } للتقوية أو لتضمين السماع معنى القبول ~~وقيل إن قوله { سمعون } مبتدأ خبره { من الذين هادوا } ~~أي ومن الذين هادوا قوم { سمعون للكذب } أي قابلون لكذب ~~رؤسائهم المحرفين للتوراة. قوله { سمعون لقوم آخرين } خبر ~~ثان، واللام فيه كاللام في { للكذب } وقيل اللام للتعليل في الموضعين، أي ~~سماعون لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل الكذب عليه، وسماعون ~~لأجل قوم آخرين، وجهوهم عيونا لهم لأجل أن يبلغوهم، ما سمعوا من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. قوله { لم يأتوك } صفة لقوم ms0961 أي لم يحضروا ~~مجلسك وهم طائفة من اليهود، كانوا لا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تكبرا وتمردا وقيل هم جماعة من المنافقين، كانوا يتجنبون ~~مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الفراء ويجوز سماعين كما قال # ملعونين أينما ثقفوا # الأحزاب 61. قوله { يحرفون الكلم من بعد موضعه } من ~~جملة صفات القوم المذكورين أي يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها، ~~ويتأولونه على غير تأويله. والمحرفون هم اليهود وقيل إن هذه الجملة خبر ~~مبتدأ محذوف وقيل في محل نصب على الحال من { لم يأتوك } وقيل ~~مستأنفة لا محل لها من الإعراب، لقصد تعداد معايبهم ومثالبهم. ومعنى { ~~من بعد موضعه } من بعد كونه موضوعا في مواضعه، أو من بعد وضعه ~~في مواضعه التي وضعه الله فيها، من حيث لفظه، أو من حيث معناه. # قوله { يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه } جملة حالية، من ~~ضمير يحرفون، أو مستأنفة، أو صفة لقوم، أو خبر مبتدأ محذوف، والإشارة ~~بقولهم { هذا } إلى الكلام المحرف أي إن أوتيتم من جهة محمد هذا ~~الكلام الذي حرفناه، فخذوه واعملوا به، وإن لم تؤتوه بل جاءكم بغيره، ~~فاحذروا من قبوله والعمل به. قوله { ومن يرد الله فتنته } ~~أي ضلالته { فلن تملك له من الله شيئا } أي فلا تستطيع ~~دفع ذلك عنه ولا تقدر على نفعه وهدايته، وهذه الجملة مستأنفة مقررة لما ~~قبلها، وظاهرها العموم ويدخل فيها هؤلاء الذين سياق الكلام معهم دخولا ~~أوليا، والإشارة بقوله { أولئك } إلى من تقدم ذكرهم، من الذين ~~قالوا آمنا بأفواههم ومن الذين هادوا، وهو مبتدأ وخبره الذين لم يرد الله ~~أن يطهر قلوبهم أي لم يرد تطهيرها من أرجاس الكفر والنفاق، كما طهر قلوب ~~المؤمنين { لهم فى الدنيا خزى } بظهور نفاق المنافقين، وبضرب ~~الجزية على الكافرين، وظهور تحريفهم وكتمهم لما أنزل الله في التوراة. ~~قوله { سمعون للكذب } كرره تأكيدا لقبحه، وليكون كالمقدمة ~~لما بعده، وهو أكالون للسحت، وهما من جملة أخبار ذلك المبتدأ المقدر ~~سابقا. والسحت، بضم السين وسكون الحاء المال الحرام، وأصله ms0962 الهلاك ~~والشدة، من سحته إذا هلكه، ومنه # فيسحتكم بعذاب # طه 61، ومنه قول الفرزدق # وعض زمان يابن مروان لم يدع من المال إلا مسحت أو مجلف # ويقال للحالق اسحت أي استأصل وسمي الحرام سحتا لأنه يسحت الطاعات أي ~~يذهبها ويستأصلها، وقال الفراء أصله كلب الجوع وقيل هو الرشوة، والأول ~~أولى، والرشوة تدخل في الحرام دخولا أوليا. وقد فسره جماعة بنوع من ~~أنواع الحرام خاص كالهدية لمن يقضى له حاجة، وحلوان الكاهن، والتعميم ~~أولى بالصواب. قوله { فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض ~~عنهم } فيه تخيير لرسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحكم بينهم ~~والإعراض عنهم. وقد استدل به على أن حكام المسلمين مخيرون بين الأمرين. ~~وقد أجمع العلماء على أنه يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بين المسلم ~~والذمى إذا ترافعا إليهم. واختلفوا في أهل الذمة إذا ترافعوا فيما بينهم ~~فذهب قوم إلى التخيير، وذهب آخرون إلى الوجوب، وقالوا إن هذه الآية ~~منسوخة بقوله { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } وبه ~~قال ابن عباس، ومجاهد وعكرمة، والزهري وعمر بن عبد العزيز والسدي وهو ~~الصحيح من قول الشافعي، وحكاه القرطبي عن أكثر العلماء. قوله { وإن ~~تعرض عنهم فلن يضروك شيئا } أي إن اخترت الإعراض عن ~~الحكم بينهم، فلا سبيل لهم عليك، لأن الله حافظك وناصرك عليهم، وإن اخترت ~~الحكم بينهم { فاحكم بينهم بالقسط } أي بالعدل الذي أمرك ~~الله به وأنزله عليك. # قوله { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم ~~الله } فيه تعجيب له صلى الله عليه وسلم من تحكيمهم إياه، مع كونهم لا ~~يؤمنون به ولا بما جاء به، مع أن ما يحكمونه فيه هو موجود عندهم في ~~التوراة كالرجم، ونحوه، وإنما يأتون إليه صلى الله عليه وسلم ويحكمونه ~~طمعا منهم في أن يوافق تحريفهم، وما صنعوه بالتوراة من التغيير. قوله { ~~ثم يتولون } عطف على يحكمونك { من بعد ذلك } أي من بعد ~~تحكيمهم لك. وجملة قوله { وما أولئك بالمؤمنين } لتقرير ~~مضمون ما قبلها. وقوله { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ~~ونور } استئناف يتضمن تعظيم ms0963 التوراة، وتفخيم شأنها وأن فيها الهدى ~~والنور، وهو بيان الشرائع، والتبشير بمحمد صلى الله عليه وسلم وإيجاب ~~اتباعه. قوله { يحكم بها النبيون } هم أنبياء بني إسرائيل، ~~والجملة إما مستأنفة أو حالية، و { الذين أسلموا } صفة مادحة ~~للنبيين، وفيه إرغام لليهود المعاصرين له صلى الله عليه وسلم بأن ~~أنبياءهم كانوا يدينون بدين الإسلام الذي دان به محمد صلى الله عليه وسلم ~~وقيل المراد بالنبيين محمد صلى الله عليه وسلم، وعبر عنه بلفظ الجمع ~~تعظيما. قوله { للذين هادوا } متعلق ب { يحكم }. والمعنى أنه ~~يحكم بها النبيون للذين هادوا وعليهم. والربانيون العلماء الحكماء، وقد ~~سبق تفسيره، والأحبار العلماء، مأخوذ من التحبير وهو التحسين فهم يحبرون ~~العلم أي يحسنونه. قال الجوهري الحبر واحد أحبار اليهود بالفتح وبالكسر ~~والكسر أفصح، وقال الفراء هو بالكسر، وقال أبو عبيدة هو بالفتح. قوله { ~~بما استحفظوا من كتب الله } الباء للسببية واستحفظوا ~~أمروا بالحفظ أي أمرهم الأنبياء بحفظ التوراة عن التغيير والتبديل، ~~والجار والمجرور متعلق بيحكم أي يحكمون بها بسبب هذا الاستحفاظ، قوله { ~~وكانوا عليه شهداء } أي على كتاب الله والشهداء الرقباء، فهم ~~يحمونه عن التغيير والتبديل بهذه المراقبة، والخطاب بقوله { فلا ~~تخشوا الناس } لرؤساء اليهود، وكذا في قوله { ولا تشتروا ~~بآيتي ثمنا قليلا } والاشتراء الاستبدال، وقد تقدم تحقيقه. ~~قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكفرون } لفظ " من " من صيغ العموم فيفيد أن هذا غير مختص ~~بطائفة معينة، بل بكل من ولي الحكم وقيل إنها مختصة بأهل الكتاب وقيل ~~بالكفار مطلقا لأن المسلم لا يكفر بارتكاب الكبير وقيل هو محمول على أن ~~الحكم بغير ما أنزل الله، وقع استخفافا، أو استحلالا، أو جحدا، ~~والإشارة بقوله { أولئك } إلى من، والجمع باعتبار معناها، وكذلك ~~ضمير الجماعة في قوله { هم الكفرون }. وقد أخرج ابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لا يحزنك الذين يسارعون ~~فى الكفر } قال هم اليهود { من الذين قالوا ءامنا ~~بأفوههم ولم تؤمن قلوبهم } قال هم المنافقون. # وأخرج أحمد، وأبو داود وابن جرير، ms0964 وابن المنذر والطبراني، وأبو الشيخ ~~وابن مردويه عنه قال إن الله أنزل { ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكفرون... الظلمون... ~~الفسقون } أنزلها الله في طائفتين من اليهود قهرت إحداهما الأخرى ~~في الجاهلية حتى اصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته ~~خمسون وسقا، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق، فكانوا ~~على ذلك حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فذلت الطائفتان ~~كلتاهما لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لم يظهر عليهم، فقتلت الذليلة من العزيزة، فأرسلت العزيزة إلى ~~الذليلة أن ابعثوا إلينا بمائة وسق، فقالت الذليلة وهل كان هذا في حيين ~~قط دينهما واحد ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، ودية بعضهم نصف دية بعض؟ ~~إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا وفرقا منكم، فأما إذ قدم محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فلا نعطيكم ذلك، فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على ~~أن جعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، ففكرت العزيزة فقالت ~~والله ما محمد يعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا، ما أعطونا ~~هذا إلا ضيما وقهرا لهم، فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~يخبر لكم رأيه، فإن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتموه ولم ~~تحكموه فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من المنافقين ~~يختبرون لهم رأيه، فلما جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الله ~~رسوله بأمرهم، كله وما أرادوا، فأنزل الله { ياأيها الرسول لا ~~يحزنك } إلى قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكفرون } ثم قال فيهم # " والله أنزلت وإياهم عني ". # وأخرج عبد الرزاق، وأحمد وعبد بن حميد، وأبو داود وابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة، قال أول مرجوم رجمه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من اليهود زنى رجل منهم وامرأة، فقال بعضهم لبعض ~~اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنه نبي بعث بالتخفيف، فإن ms0965 أفتانا بفتيا ~~دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله وقلنا فتيا نبي من أنبيائك، ~~قال فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المسجد وأصحابه، ~~فقالوا يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا، فلم يكلمهم حتى ~~أتى بيت مدراسهم، فقام على الباب فقال # " أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على من ~~زنى إذا أحصن؟ " # قالوا يحمم ويجبه ويجلد، والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل ~~أقفيتهما ويطاف بهما، وسكت شاب منهم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ~~سكت ألظ به النشدة فقال اللهم إذ نشدتنا نجب فإنا نجد في التوراة الرجم، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " فما أول ما ارتخصتم أمر الله؟ " # قال زنى رجل ذو قرابة من ملك من ملوكنا، فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل في ~~أسرة من الناس فأراد رجمه، فحال قومه دونه، وقالوا والله لا ترجم صاحبنا ~~حتى تجىء بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا هذه العقوبة بينهم، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " فإني أحكم بما في التوراة " # ، فأمر بهما فرجما. قال الزهري فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم { إنا ~~أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا } فكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~منهم. وأخرجه ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر، والبيهقي في سننه من طريق ~~أخرى عن أبي هريرة، وذكر فيه أن الشاب المذكور هو عبد الله بن صوريا. ~~وأخرج نحو حديث أبي هريرة أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث البراء ~~بن عازب. وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما، من حديث عبد الله بن عمر أن ~~اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له أن رجلا منهم ~~وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما تجدون في التوراة؟ " # قالوا نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سلام كذبتم إن فيها آية الرجم، ~~فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها ~~وما بعدها، فقال عبد الله ms0966 بن سلام ارفع يدك، فرفع يده فإذا آية الرجم، ~~قالوا صدق، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن جابر بن عبد الله في ~~قوله { ومن الذين هادوا سمعون للكذب } قال يهود ~~المدينة { سمعون لقوم ءاخرين لم يأتوك } قال يهود فدك ~~{ يحرفون الكلم } قال يهود فدك يقولون ليهود المدينة { إن ~~أوتيتم هذا } الجلد { فخذوه وإن لم تؤتوه ~~فاحذروا } الرجم. وأخرج أبو داود، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن ~~مردويه، عنه قال زنى رجل من أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود ~~بالمدينة أن سلوا محمدا، وذكر القصة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في ~~قوله { أكلون للسحت } قال أخذوا الرشوة في الحكم وقضوا ~~بالكذب. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود قال السحت الرشوة في ~~الدين. قال سفيان يعني في الحكم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن مسعود أيضا قال من شفع لرجل ~~ليدفع عنه مظلمة أو يرد عليه حقا فأهدى له هدية فقبلها، فذلك السحت ~~فقيل له يا أبا عبد الرحمن إنا كنا نعد السحت الرشوة في الحكم، فقال ذلك ~~الكفر { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكفرون } وقد روي نحو هذا عنه من طرق، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس قال رشوة الحكام حرام. # وهي السحت الذي ذكر الله في كتابه. وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن ثابت ~~قال السحت الرشوة. وأخرج عبد بن حميد عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن ~~السحت فقال الرشا، فقيل له في الحكم؟ قال ذاك الكفر. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير عن عمر قال بابان من السحت يأكلهما الناس الرشاء في الحكم، ~~ومهر الزانية. وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم الرشوة ~~ما هو معروف. وأخرج أبو داود في ms0967 ناسخه، وابن أبي حاتم، والطبراني، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال آيتان ~~نسختا من سورة المائدة آية القلائد، وقوله { فإن جاؤوك فاحكم ~~بينهم أو أعرض عنهم } ، فكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مخيرا إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، فردهم إلى أحكامهم، ~~فنزلت { وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم } قال فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما ~~في كتابنا. وأخرج نحوه في الآية الآخر عنه أبو عبيدة وابن المنذر، وابن ~~مردويه. وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير، ~~وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس أن الآيات من ~~المائدة التي قال فيها { فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } ~~إلى قوله { المقسطين } إنما نزلت في الدية من بني النضير وقريظة، ~~وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف يودون الدية كاملة، وأن بني قريظة ~~كانوا يودون نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~الحق في ذلك، فجعل الدية سواء. وأخرج نحوه عنه ابن أبي شيبة وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، وابن مردويه، والحاكم وصححه، ~~والبيهقي في سننه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في ~~قوله { وعندهم التوراة فيها حكم الله } يعني حدود الله ~~فأخبره الله بحكمه في التوراة، قال { وكتبنا عليهم فيها } ~~إلى قوله { والجروح قصاص }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو ~~الشيخ عن الحسن في قوله { يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا } يعني النبي صلى الله عليه وسلم { للذين هادوا } ~~يعني اليهود. # وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال الذين أسلموا النبي ومن قبله من الأنبياء ~~يحكمون بما فيها من الحق. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال الربانيون ~~والأحبار الفقهاء والعلماء. وأخرج عن مجاهد قال الربانيون العلماء ~~الفقهاء، وهم فوق الأحبار. وأخرج ابن أبي حاتم عن ms0968 الحسن قال الربانيون ~~العباد، والأحبار العلماء. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال الربانيون ~~الفقهاء العلماء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال الربانيون هم ~~المؤمنون، والأحبار هم القراء. وأخرج ابن جرير، عن السدي { فلا ~~تخشوا الناس } فتكتموا ما أنزلت { ولا تشتروا بآيتي ~~ثمنا قليلا } على أن تكتموا ما أنزلت. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد { ~~ولا تشتروا بآيتي ثمنا قليلا } قال لا تأكلوا السحت ~~على كتابي. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في ~~قوله { ومن لم يحكم } يقول من جحد الحكم بما أنزل الله فقد كفر، ~~ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن ~~عباس في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الكفرون } قال إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، وإنه ليس ~~كفر ينقل من الملة بل دون كفره. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن عطاء ~~ابن أبي رباح في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكفرون... هم الظلمون... هم ~~الفسقون } قال كفر دون كفر وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. وأخرج ~~سعيد ابن منصور، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس قال إنما أنزل الله ~~{ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكفرون } و { الظلمون } و { الفسقون } في اليهود ~~خاصة. وقد روى نحو هذا عن جماعة من السلف. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن حذيفة، أن هذه الآيات ذكرت عنده { ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكفرون } و { الظلمون } و { الفسقون } فقال رجل إن ~~هذا في بني إسرائيل، فقال حذيفة نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كان لكم ~~كل حلوة ولهم كل مرة، كلا والله لتسلكن طريقهم قد الشراك. وأخرج ابن ~~المنذر نحوه عن ابن عباس. ### || [5.45-50] # قوله { وكتبنا } معطوف على أنزلنا التوراة، ومعناها فرضنا، بين ~~الله سبحانه ms0969 في هذه الآية ما فرضه على بني إسرائيل من القصاص في النفس، ~~والعين، والأنف، والأذن، والسن، والجروح. وقد استدل أبو حنيفة وجماعة ~~من أهل العلم بهذه الآية فقالوا إنه يقتل المسلم بالذمي لأنه نفس. وقال ~~الشافعي وجماعة من أهل العلم إن هذه الآية خبر عن شرع من قبلنا وليس بشرع ~~لنا. وقد قدمنا في البقرة في شرح قوله تعالى # كتب عليكم القصاص في القتلى # البقرة 178 ما فيه كفاية. وقد اختلف أهل العلم في شرع من قبلنا هل ~~يلزمنا أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه يلزمنا إذا لم ينسخ، وهو الحق. وقد ~~ذكر ابن الصباغ في الشامل إجماع العلماء على الاحتجاج بهذه الآية على ما ~~دلت عليه. قال ابن كثير في تفسيره وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل ~~يقتل بالمرأة لعموم هذه الآية الكريمة انتهى. وقد أوضحنا ما هو الحق في ~~هذا في شرحنا على المنتقى، وفي هذه الآية توبيخ لليهود وتقريع لكونهم ~~يخالفون ما كتبه الله عليهم في التوراة كما حكاه هنا، ويفاضلون بين ~~الأنفس كما سبق بيانه، وقد كانوا يقيدون بني النضير من بني قريظة، ولا ~~يقيدون بني قريظة من بني النضير. قوله { والعين بالعين } قرأ ~~نافع وعاصم والأعمش وحمزة بالنصب في جميعها على العطف. وقرأ ابن كثير، ~~وابن عامر، وأبو عمرو، وأبو جعفر بالنصب أيضا في الكل إلا في الجروح ~~فبالرفع. وقرأ الكسائي، وأبو عبيد بالرفع في الجميع عطفا على المحل لأن ~~النفس قبل دخول الحرف الناصب عليها كانت مرفوعة على الابتداء. وقال ~~الزجاج يكون عطفا على المضمر في النفس لأن التقدير إن النفس هي مأخوذة ~~بالنفس، فالأسماء معطوفة على هي. قال ابن المنذر ومن قرأ بالرفع جعل ذلك ~~ابتداء كلام يتضمن بيان الحكم للمسلمين. والظاهر من النظم القرآني أن ~~العين إذا فقئت حتى لم يبق فيها مجال للإدراك أنها تفقأ عين الجاني بها، ~~والأنف إذا جدعت جميعها فإنها تجدع أنف الجاني بها، والأذن إذا قطعت ~~جميعها فإنها تقطع أذن الجاني بها، وكذلك السن فأما لو ms0970 كانت الجناية ~~ذهبت ببعض إدراك العين، أو ببعض الأنف، أو ببعض الأذن، أو ببعض السن، ~~فليس في هذه الآية ما يدل على ثبوت القصاص. وقد اختلف أهل العلم في ذلك ~~إذا كان معلوم القدر يمكن الوقوف على حقيقته، وكلامهم مدون في كتب ~~الفروع. والظاهر من قوله { والسن بالسن } أنه لا فرق بين الثنايا ~~والأنياب والأضراس والرباعيات، وأنه يؤخذ بعضها ببعض ولا فضل لبعضها على ~~بعض. وإليه ذهب أكثر أهل العلم، كما قال ابن المنذر، وخالف في ذلك عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه ومن تبعه، وكلامهم مدون في مواطنه، ولكنه ينبغي أن ~~يكون المأخوذ في القصاص من الجاني هو المماثل للسن المأخوذة من المجني ~~عليه، فإن كانت ذاهبة فما يليها. # قوله { والجروح قصاص } أي ذوات قصاص. وقد ذكر أهل العلم أنه لا ~~قصاص في الجروح التي يخاف منها التلف، ولا فيما كان لا يعرف مقداره عمقا ~~أو طولا أو عرضا. وقد قدر أئمة الفقه أرش كل جراحة بمقادير معلومة، ~~وليس هذا موضع بيان كلامهم، ولا موضع استيفاء بيان ما ورد له أرش مقدر. ~~قوله { فمن تصدق به فهو كفارة له } أي من تصدق من ~~المستحقين للقصاص بالقصاص، بأن عفا عن الجاني فهو كفارة للمتصدق يكفر ~~الله عنه بها ذنوبه. وقيل إن المعنى فهو كفارة للجارح فلا يؤاخذ بجنايته ~~في الآخرة، لأن العفو يقوم مقام أخذ الحق منه. والأول أرجح، لأن الضمير ~~يعود على هذا التفسير الآخر إلى غير مذكور. قوله { ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الظلمون } ضمير الفصل مع ~~اسم الإشارة، وتعريف الخبر يستفاد منها أن هذا الظلم الصادر منهم ظلم ~~عظيم بالغ إلى الغاية. قوله { وقفينا على ءاثرهم بعيسى ~~ابن مريم } هذا شروع في بيان حكم الإنجيل بعد بيان حكم التوراة، أي ~~جعلنا عيسى ابن مريم يقفو آثارهم، أي آثار النبيين الذين أسلموا من بني ~~إسرائيل، يقال قفيته مثل عقبته إذا اتبعته ثم يقال قفيته بفلان وعقبته به ~~فيتعدى إلى الثاني بالباء، والمفعول الأول محذوف استغناء ms0971 عنه بالظرف، وهو ~~على آثارهم لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه، وانتصاب { ~~مصدقا } على الحال من عيسى { وآتيناه الإنجيل } عطف على ~~قفينا، ومحل الجملة أعني { فيه هدى } النصب على الحال من الإنجيل و { ~~نور } عطف على هدى. وقوله { ومصدقا } معطوف على محل { فيه هدى ~~} أي أن الإنجيل أوتيه عيسى حال كونه مشتملا على الهدى والنور ومصدقا ~~لما بين يديه من التوراة وقيل إن مصدقا معطوف على مصدقا الأول، ~~فيكون حالا من عيسى مؤكدا للحال الأول ومقررا له. والأول أولى لأن ~~التأسيس خير من التأكيد. قوله { وهدى وموعظة للمتقين } ~~عطف على مصدقا داخل تحت حكمه منضما إليه أي مصدقا وهاديا وواعظا ~~للمتقين. قوله { وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله ~~فيه } هذا أمر لأهل الإنجيل بأن يحكموا بما أنزل الله فيه، فإنه قبل ~~البعثة المحمدية حق، وأما بعدها فقد أمروا في غير موضع بأن يعملوا بما ~~أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الناسخ لكل الكتب ~~المنزلة. وقرأ الأعمش وحمزة بنصب الفعل من يحكم على أن اللام لام كي، ~~وقرأ الباقون بالجزم على أن اللام للأمر. # فعلى القراءة الأولى، تكون اللام متعلقة بقوله وآتيناه الإنجيل ليحكم ~~أهله بما أنزل الله فيه، وعلى القراءة الثانية هو كلام مستأنف. قال مكي ~~والاختيار بالجزم، لأن الجماعة عليه، ولأن ما بعده من الوعيد والتهديد ~~يدل على أنه إلزام من الله لأهل الإنجيل. وقال النحاس والصواب عندي ~~أنهما قراءتان حسنتان لأن الله سبحانه لم ينزل كتابا إلا ليعمل بما فيه. ~~قوله { وأنزلنا إليك الكتب } خطاب لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، والكتاب القرآن والتعريف للعهد، و { بالحق } متعلق بمحذوف وقع ~~حالا أي متلبسا بالحق وقيل هو حال من فاعل أنزلنا وقيل من ضمير النبي ~~صلى الله عليه وسلم و { مصدقا لما بين يديه } حال من ~~الكتاب، والتعريف في الكتاب أعني قوله { مصدقا لما بين يديه ~~من الكتب } للجنس أي أنزلنا إليك يا محمد القرآن حال كونه ~~متلبسا بالحق وحال كونه مصدقا ms0972 لما بين يديه من كتب الله المنزلة لكونه ~~مشتملا على الدعوة إلى الله، والأمر بالخير، والنهي عن الشر، كما اشتمل ~~عليه قوله { ومهيمنا عليه } عطف على مصدقا، والضمير في عليه ~~عائد إلى الكتاب الذي صدقه القرآن وهيمن عليه، والمهيمن الرقيب وقيل ~~الغالب المرتفع وقيل الشاهد وقيل الحافظ وقيل المؤتمن. قال المبرد أصله ~~مؤيمن أبدل من الهمزة هاء، كما قيل في أرقت الماء هرقت، وبه قال الزجاج ~~وأبو علي الفارسي. وقال الجوهري هو من أمن غيره من الخوف، وأصله أأمن ~~فهو مؤأمن بهمزتين قلبت الثانية ياء كراهة لاجتماعهما، فصار مؤيمن ثم ~~صيرت الأولى هاء، كما قالوا هراق الماء وأراقه، يقال هيمن على الشيء ~~يهيمن إذا كان له حافظا، فهو له مهيمن كذا عن أبي عبيد. وقرأ مجاهد وابن ~~محيصن «مهيمنا عليه» بفتح الميم، أي هيمن عليه الله سبحانه. والمعنى على ~~قراءة الجمهور أن القرآن صار شاهدا بصحة الكتب المنزلة ومقررا لما ~~فيها مما لم ينسخ، وناسخا لما خالفه منها، ورقيبا عليها وحافظا لما ~~فيها من أصول الشرائع، وغالبا لها لكونه المرجع في المحكم منها ~~والمنسوخ، ومؤتمنا عليها لكونه مشتملا على ما هو معمول به منها وما هو ~~متروك. قوله { فاحكم بينهم بما أنزل الله } أي بما أنزله ~~إليك في القرآن لاشتماله على جميع ما شرعه الله لعباده في جميع الكتب ~~السابقة عليه { ولا تتبع أهواءهم } أي أهواء أهل الملل ~~السابقة. وقوله { عما جاءك من الحق } متعلق بلا تتبع على ~~تضمينه معنى لا تعدل أو لا تنحرف { عما جاءك من الحق } متبعا ~~لأهوائهم وقيل متعلق بمحذوف أي لا تتبع أهواءهم عادلا أو منحرفا عن ~~الحق. وفيه النهي له صلى الله عليه وسلم عن أن يتبع أهوية أهل الكتاب، ~~ويعدل عن الحق الذي أنزله الله عليه، فإن كل ملة من الملل تهوى أن يكون ~~الأمر على ما هم عليه، وما أدركوا عليه سلفهم، وإن كان باطلا منسوخا أو ~~محرفا عن الحكم الذي أنزله الله على الأنبياء، كما وقع في الرجم ونحوه ~~مما حرفوه ms0973 من كتب الله. # قوله { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهجا } الشرعة ~~والشريعة في الأصل الطريقة الظاهرة التي يتوصل بها إلى الماء، ثم استعملت ~~فيما شرعه الله لعباده من الدين. والمنهاج الطريقة الواضحة البينة. وقال ~~أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الشريعة ابتداء الطريق، والمنهاج الطريق ~~المستمر. ومعنى الآية أنه جعل التوراة لأهلها، والإنجيل لأهله، والقرآن ~~لأهله، وهذا قبل نسخ الشرائع السابقة بالقرآن، وأما بعده فلا شرعة ولا ~~منهاج إلا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. قوله { ولو شاء ~~الله لجعلكم أمة وحدة } بشريعة واحدة وكتاب واحد ورسول ~~واحد { ولكن ليبلوكم } أي ولكن لم يشأ ذلك الاتحاد، بل شاء ~~الابتلاء لكم باختلاف الشرائع، فيكون { ليبلوكم } متعلقا بمحذوف ~~دل عليه سياق الكلام وهو ما ذكرنا، ومعنى { فيما ءاتكم } فيما ~~أنزله عليكم من الشرائع المختلفة باختلاف الأوقات والرسل هل تعملون بذلك ~~وتذعنون له، أو تتركونه وتخالفون ما اقتضته مشيئة الله وحكمته، وتميلون ~~إلى الهوى وتشترون الضلالة بالهدى؟ وفيه دليل على أن اختلاف الشرائع هو ~~لهذه العلة، أعني الابتلاء والامتحان، لا لكون مصالح العباد مختلفة ~~باختلاف الأوقات والأشخاص. قوله { فاستبقوا الخيرات } أي إذا ~~كانت المشيئة قد قضت باختلاف الشرائع فاستبقوا إلى فعل ما أمرتم بفعله ~~وترك ما أمرتم بتركه. والاستباق المسارعة { إلى الله مرجعكم ~~جميعا } لا إلى غيره وهذه الجملة كالعلة لما قبلها. قوله { وأن ~~احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم } ~~عطف على الكتاب أي أنزلنا عليك الكتاب والحكم بما فيه. وقد استدل بهذا ~~على نسخ التخيير المتقدم في قوله { أو أعرض عنهم } وقد تقدم ~~تفسير { ولا تتبع أهواءهم }. قوله { واحذرهم أن ~~يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } أي يضلوك عنه ~~ويصرفوك بسبب أهوائهم التي يريدون منك أن تعمل عليها وتؤثرها { فإن ~~تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ~~ذنوبهم } أي إن أعرضوا عن قبول حكمك بما أنزل الله عليك، فذلك لما ~~أراده الله من تعذيبهم ببعض ذنوبهم وهو ذنب التولي عنك، والإعراض عما جئت ~~به { وإن كثيرا من ms0974 الناس لفسقون } متمردون عن قبول ~~الحق خارجون عن الإنصاف. قوله { أفحكم الجهلية يبغون } ~~الاستفهام للإنكار والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدر كما في نظائره. ~~والمعنى أيعرضون عن حكمك بما أنزل الله عليك ويتولون عنه ويبتغون حكم ~~الجاهلية، والاستفهام في { ومن أحسن من الله حكما ~~لقوم يوقنون } للإنكار أيضا أي لا أحسن من حكم الله عند أهل ~~اليقين لا عند أهل الجهل والأهواء. # وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس { كتبنا عليهم فيها } في ~~التوراة. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عنه، قال كتب عليهم هذا في ~~التوراة، وكانوا يقتلون الحر بالعبد، فيقولون كتب علينا أن النفس ~~بالنفس. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عمر في قوله { فمن ~~تصدق به فهو كفارة له } قال يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما ~~تصدق به. وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله { فهو كفارة ~~له } قال للمجروح. وأخرج أحمد، والترمذي، وابن ماجه، عن أبي الدرداء ~~قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " ما من مسلم يصاب بشيء في جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط ~~عنه به خطيئة ". # وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس { ومهيمنا عليه } قال ~~مؤتمنا عليه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عنه قال المهيمن ~~الأمين، والقرآن أمين على كل كتاب قبله. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد ابن ~~حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ وابن مردويه عنه في قوله { ~~شرعة ومنهجا } قال سبيلا وسنة. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، ~~وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال قال كعب بن أسد، ~~وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا أن نفتنه عن ~~دينه، فأتوه فقالوا يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم ~~وساداتهم، وإنا إن اتبعناك اتبعنا ms0975 يهود، وإن بيننا وبين قومنا خصومة ~~فنحاكمهم إليك، فتقضى لنا عليهم ونؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك، وأنزل الله ~~فيهم { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } إلى قوله { ~~لقوم يوقنون }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، عن مجاهد في قوله { أفحكم الجهلية يبغون } ~~قال يهود. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال هذا في قتيل اليهود. ### || [5.51-56] # قوله { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا } الظاهر أنه ~~خطاب للمؤمنين حقيقة وقيل المراد بهم المنافقون، ووصفهم بالإيمان باعتبار ~~ما كانوا يظهرونه. وقد كانوا يوالون اليهود والنصارى فنهوا عن ذلك. ~~والأولى أن يكون خطابا لكل من يتصف بالإيمان أعم من أن يكون ظاهرا ~~وباطنا أو ظاهرا فقط، فيدخل المسلم والمنافق، ويؤيد هذا قوله { فترى ~~الذين فى قلوبهم مرض } والاعتبار بعموم اللفظ، وسيأتي في ~~بيان سبب نزول الآية ما يتضح به المراد. والمراد من النهي عن اتخاذهم ~~أولياء، أن يعاملوا معاملة الأولياء في المصادقة والمعاشرة والمناصرة. ~~وقوله { بعضهم أولياء بعض } تعليل للنهي، والمعنى أن بعض ~~اليهود أولياء البعض الآخر منهم، وبعض النصارى أولياء البعض الآخر منهم، ~~وليس المراد بالبعض إحدى طائفتي اليهود والنصارى، وبالبعض الآخر الطائفة ~~الأخرى للقطع بأنهم في غاية من العداوة والشقاق # وقالت اليهود ليست النصرى على شىء وقالت ~~النصرى ليست اليهود على شىء # البقرة 118 وقيل المراد أن كل واحدة من الطائفتين توالي الأخرى ~~وتعاضدها، وتناصرها على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وعداوة ما جاء ~~به، وإن كانوا في ذات بينهم متعادين متضادين. ووجه تعليل النهي بهذه ~~الجملة أنها تقتضي أن هذه الموالاة هي شأن هؤلاء الكفار لا شأنكم، فلا ~~تفعلوا ما هو من فعلهم فتكونوا مثلهم، ولهذا عقب هذه الجملة التعليلية ~~بما هو كالنتيجة لها فقال { ومن يتولهم منكم فإنه ~~منهم } أي فإنه من جملتهم وفي عدادهم وهو وعيد شديد فإن المعصية ~~الموجبة للكفر، هي التي قد بلغت إلى غاية ليس وراءها غاية. وقوله { إن ~~الله لا يهدى القوم الظلمين } تعليل للجملة التي قبلها ~~أي أن ms0976 وقوعهم في الكفر هو بسبب عدم هدايته سبحانه لمن ظلم نفسه بما يوجب ~~الكفر كمن يوالى الكافرين. قوله { فترى الذين فى قلوبهم ~~مرض يسرعون فيهم } الفاء للسببية، والخطاب إما للرسول صلى ~~الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له أي ما ارتكبوه من الموالاة ووقعوا فيه ~~من الكفر هو بسبب ما في قلوبهم من مرض النفاق. وقوله { يسرعون } ~~في محل نصب إما على أنه المفعول الثاني إذا كانت الرؤية قلبية أو على أنه ~~حال إذا كانت بصرية، وجعل المسارعة في موالاتهم مسارعة فيهم للمبالغة في ~~بيان رغوبهم في ذلك، حتى كأنهم مستقرون فيهم داخلون في عدادهم. وقد قرىء ~~" فيرى " بالتحتية. واختلف في فاعله ما هو؟ فقيل هو الله عز وجل وقيل ~~هو كل من تصح منه الرؤيا وقيل هو الموصول ومفعوله { يسرعون ~~فيهم } على حذف أن المصدرية أي فيرى القوم الذين في قلوبهم مرض أن ~~يسارعوا فيهم، فلما حذفت ارتفع الفعل كقوله # ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغا # والمرض في القلوب هو النفاق والشك في الدين. وقوله { يقولون ~~نخشى أن تصيبنا دائرة } جملة مشتملة على تعليل المسارعة في ~~الموالاة أي أن هذه الخشية هي الحاملة لهم على المسارعة وقيل إن الجملة ~~حال من ضمير يسارعون. والدائرة ما تدور من مكاره الدهر أي نخشى أن تظفر ~~الكفار بمحمد صلى الله عليه وسلم، فتكون الدولة لهم وتبطل دولته فيصيبنا ~~منهم مكروه، ومنه قول الشاعر # يرد عنك القدر المقدورا ودائرات الدهر أن تدورا # أي دولات الدهر الدائرة من قوم إلى قوم. وقوله { فعسى الله أن ~~يأتى بالفتح } رد عليهم ودفع لما وقع لهم من الخشية، وعسى في ~~كلام الله وعد صادق لا يتخلف. والفتح ظهور النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الكافرين، ومنه ما وقع من قتل مقاتلة بني قريظة وسبي ذراريهم، وإجلاء بني ~~النضير وقيل هو فتح بلاد المشركين على المسلمين وقيل فتح مكة. والمراد ~~بالأمر من عنده سبحانه هو كل ما تندفع به صولة اليهود ومن معهم وتنكسر به ~~شوكتهم وقيل هو ms0977 إظهار أمر المنافقين وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بما ~~أسروا في أنفسهم وأمره بقتلهم وقيل هو الجزية التي جعلها الله عليهم وقيل ~~الخصب والسعة للمسلمين، فيصبح المنافقون { على ما أسروا فى ~~أنفسهم نادمين } من النفاق الحامل لهم على الموالاة { ~~ندمين } على ذلك لبطلان الأسباب التي تخيلوها وانكشاف خلافها. قوله ~~{ ويقول الذين ءامنوا } قرأ أبو عمرو، وابن أبي إسحاق، وأهل ~~الكوفة بإثبات الواو، وقرأ الباقون بحذفها، فعلى القراءة الأولى مع رفع ~~يقول يكون كلاما مبتدأ، مسوقا لبيان ما وقع من هذه الطائفة، وعلى قراءة ~~النصب يكون عطفا على { فيصبحوا } وقيل على { يأتى } والأولى ~~أولى لأن هذا القول إنما يصدر عن المؤمنين عند ظهور ندامة الكافرين لا ~~عند إتيان الفتح وقيل هو معطوف على الفتح كقول الشاعر # للبس عباءة وتقر عيني # وأما على قراءة حذف الواو فالجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، والإشارة ~~بقوله { أهؤلاء } إلى المنافقين أي يقول الذين آمنوا مخاطبين لليهود ~~مشيرين إلى المنافقين { أهؤلاء الذين أقسموا بالله ~~جهد أيمنهم إنهم لمعكم } بالمناصرة والمعاضدة في ~~القتال، أو يقول بعض المؤمنين لبعض مشيرين إلى المنافقين، وهذه الجملة ~~مفسرة للقول. وجهد الأيمان أغلظها، وهو منصوب على المصدر أو على الحال. ~~أي أقسموا بالله جاهدين. قوله { حبطت أعملهم } أي بطلت وهو ~~من تمام قول المؤمنين، أو جملة مستأنفة، والقائل الله سبحانه. والأعمال ~~هي التي عملوها في الموالاة أو كل عمل يعملونه. قوله { يأيها ~~الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه } قرأ أهل المدينة ~~والشام يرتدد بدالين بفك الإدغام، وهي لغة تميم، وقرأ غيرهم بالإدغام. # وهذا شروع في بيان أحكام المرتدين، بعد بيان أن موالاة الكافرين من ~~المسلم كفر، وذلك نوع من أنواع الردة. والمراد بالقوم الذين وعد الله ~~سبحانه بالإتيان بهم هم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وجيشه من الصحابة ~~والتابعين، الذين قاتل بهم أهل الردة، ثم كل من جاء بعدهم من المقاتلين ~~للمرتدين في جميع الزمن، ثم وصف سبحانه هؤلاء القوم بهذه الأوصاف ~~العظيمة، المشتملة على غاية المدح ونهاية الثناء من ms0978 كونهم يحبون الله وهو ~~يحبهم، ومن كونهم { أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكفرين يجهدون فى سبيل الله ولا يخفون ~~لومة لائم } والأذلة جمع ذليل لا ذلول، والأعزة جمع عزيز أي ~~يظهرون العطف والحنو والتواضع للمؤمنين ويظهرون الشدة والغلظة والترفع ~~على الكافرين، ويجمعون بين المجاهدة في سبيل الله، وعدم خوف الملامة في ~~الدين، بل هم متصلبون لا يبالون بما يفعله أعداء الحق، وحزب الشيطان من ~~الإزراء بأهل الدين، وقلب محاسنهم مساوىء، ومناقبهم مثالب، حسدا وبغضا، ~~وكراهة للحق وأهله، والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم من الصفات ~~التي اختصهم الله بها. والفضل اللطف والإحسان. قوله { إنما ~~وليكم الله } لما فرغ سبحانه من بيان من لا تحل موالاته، بين ~~من هو الولي الذي تجب موالاته، ومحل { الذين يقيمون الصلوة ~~} الرفع على أنه صفة للذين آمنوا، أو بدل منه، أو النصب على المدح. وقوله ~~{ وهم راكعون } جملة حالية من فاعل الفعلين اللذين قبله. والمراد ~~بالركوع الخشوع والخضوع أي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم خاشعون ~~خاضعون لا يتكبرون وقيل هو حال من فاعل الزكاة. والمراد بالركوع هو ~~المعنى المذكور أي يضعون الزكاة في مواضعها غير متكبرين على الفقراء، ولا ~~مترفعين عليهم وقيل المراد بالركوع على المعنى الثاني ركوع الصلاة، ~~ويدفعه عدم جواز إخراج الزكاة في تلك الحال، ثم وعد سبحانه من يتولى الله ~~ورسوله والذين آمنوا بأنهم الغالبون لعدوهم، وهو من وضع الظاهر موضع ~~المضمر، ووضع حزب الله موضع ضمير الموالين لله ولرسوله وللمؤمنين. والحزب ~~الصنف من الناس، من قولهم حزبه كذا، أي نابه، فكأن المتحزبين مجتمعون ~~كاجتماع أهل النائبة التي تنوب، وحزب الرجل أصحابه، والحزب الورد. وفي ~~الحديث # " فمن فاته حزبه من الليل " # وتحزبوا اجتمعوا. والأحزاب الطوائف. وقد وقع، ولله الحمد ما وعد الله ~~به أولياءه وأولياء رسله، وأولياء عباده المؤمنين من الغلب لعدوهم، ~~فإنهم غلبوا اليهود بالسبي والقتل والإجلاء وضرب الجزية، حتى صاروا لعنهم ~~الله أذل الطوائف الكفرية وأقلها شوكة، وما زالوا تحت كلكل المؤمنين ~~يطحنونهم كيف شاءوا، ويمتهنونهم كما يريدون من بعد ms0979 البعثة الشريفة ~~المحمدية إلى هذه الغاية. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن ~~عساكر، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال لما حاربت بنو قينقاع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي بن سلول وقام ~~دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ إلى ~~الله وإلى رسوله من حلفهم، وكان أحد بني عوف بن الخزرج، وله من حلفهم مثل ~~الذي كان لهم من عبد الله بن أبي بن سلول، فخلعهم إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلف هؤلاء الكفار ~~وولايتهم. # وفيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات في المائدة { يأيها ~~الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصرى ~~أولياء } إلى قوله { فإن حزب الله هم الغلبون }. ~~وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال أسلم عبد الله بن أبي بن سلول، ثم قال ~~إن بيني وبين قريظة والنضير حلفا، وإني أخاف الدوائر، فارتد كافرا. ~~وقال عبادة بن الصامت أتبرأ إلى الله من حلف قريظة والنضير وأتولى الله ~~ورسوله، فنزلت. وأخرج ابن مردويه أيضا من طريق عبادة بن الوليد بن عبادة ~~بن الصامت، عن أبيه، عن جده نحو ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، عن ~~عطية بن سعد قال جاء عبادة فذكر نحو ما تقدم. وأخرج ابن جرير، عن الزهري ~~قال لما انهزم أهل بدر قال المسلمون لأوليائهم من يهود آمنوا قبل أن ~~يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر، فقال مالك بن الصيف غركم أن أصبتم رهطا ~~من قريش لا علم لهم بالقتال، أما لو أصررنا العزيمة أن نستجمع عليكم، لم ~~يكن لكم يدان بقتالنا، فقال عبادة، ذكر نحو ما تقدم عنه وعن عبد الله بن ~~أبي. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في هذه الآية { يأيها الذين ~~آمنوا } قال إنها في الذبائح «من دخل في دين قوم فهو منهم». ms0980 وأخرج عبد ~~بن حميد عن حذيفة قال «ليتق أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا وهو لا ~~يشعر، وتلا { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } ». وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عطية { فترى الذين فى ~~قلوبهم مرض } كعبد الله بن أبي { يسرعون فيهم } في ~~ولايتهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، ~~والبيهقي في سننه، وابن عساكر، عن قتادة قال أنزل الله هذه الآية { ~~يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه } وقد ~~علم أنه سيرتد مرتدون من الناس، فلما قبض الله نبيه صلى الله عليه ~~وسلم، ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد أهل المدينة، وأهل ~~مكة، وأهل الجواثي من عبد القيس وقال الذين ارتدوا نصلي الصلاة ولا ~~نزكي، والله لا تغصب أموالنا، فكلم أبا بكر في ذلك ليتجاوز عنهم، وقيل له ~~إنهم لو قد فقهوا أدوا الزكاة فقال والله لا أفرق بين شيء جمعه الله، ~~ولو منعوني عقالا مما فرض الله ورسوله لقاتلتهم عليه، فبعث الله عصائب ~~مع أبي بكر، فقاتلوا حتى أقروا بالماعون، وهو الزكاة. # قال قتادة فكنا نتحدث أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه، { فسوف ~~يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه } إلى آخر الآية. ~~وأخرج عبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~والبيهقي في الدلائل، عن الحسن نحوه. وأخرج ابن جرير، عن شريح بن عبيد ~~قال لما أنزل الله { يأيها الذين آمنوا من يرتد ~~منكم عن دينه } الآية، قال عمر أنا وقومي يا رسول الله؟ قال # " لا بل هذا وقومه " # ، يعني أبا موسى الأشعري. وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة في مسنده، وعبد ~~بن حميد، والحكيم الترمذي وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~والطبراني، وأبو الشيخ وابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل، ~~عن عياض الأشعري قال لما نزلت { فسوف يأتى الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " هم قوم هذا " # ، وأشار إلى أبي موسى الأشعري. وأخرج أبو الشيخ، وابن ms0981 مردويه، والحاكم ~~في جمعه لحديث شعبة، والبيهقي وابن عساكر، عن أبي موسى الأشعري قال تليت ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم { فسوف يأتى الله بقوم } ~~الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " قومك يا أبا موسى أهل اليمن ". # وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم في الكنى، والطبراني في الأوسط، وأبو الشيخ، ~~وابن مردويه بسند حسن عن جابر بن عبد الله قال سئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن قوله { فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه } الآية، فقال # " هؤلاء قوم من أهل اليمن، ثم كندة، ثم السكون، ثم تجيب " # وأخرج البخاري في تاريخه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في الآية ~~قال هم قوم من أهل اليمن، ثم من كندة ثم من السكون. وأخرج ابن أبي شيبة ~~عنه قال هم أهل القادسية. وأخرج البخاري في تاريخه عن القاسم بن مخيمرة ~~قال أتيت ابن عمر فرحب بي، ثم تلا { من يرتد منكم عن دينه ~~فسوف يأتى الله بقوم } الآية، ثم ضرب على منكبي وقال أحلف ~~بالله إنهم لمنكم أهل اليمن ثلاثا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ~~عطية ابن سعد. قال في قوله { إنما وليكم الله ورسوله } ~~إنها نزلت في عبادة بن الصامت. وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن ابن ~~عباس قال تصدق علي بخاتم وهو راكع، فقال النبي للسائل # " من أعطاك هذا الخاتم؟ " # قال ذاك الراكع، فأنزل الله فيه { إنما وليكم الله ~~ورسوله }. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، ~~وابن مردويه عن ابن عباس قال نزلت في علي بن أبي طالب. وأخرج أبو الشيخ ~~وابن مردويه، وابن عساكر، عن علي ابن أبي طالب نحوه. وأخرج ابن مردويه، ~~عن عمار، نحوه أيضا. وأخرج الطبراني في الأوسط بسند فيه مجاهيل عنه ~~نحوه. ### || [5.57-63] # قوله { لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا } هذا ~~النهي عن موالاة المتخذين للدين هزوا ولعبا يعم كل من حصل منه ذلك من ~~المشركين، وأهل الكتاب وأهل البدع المنتمين إلى الإسلام، والبيان بقوله { ~~من ms0982 الذين أوتوا الكتب } إلى آخره لا ينافي دخول غيرهم تحت ~~النهي إذا وجدت فيه العلة المذكورة التي هي الباعثة على النهي. قوله { ~~والكفار } قرأ أبو عمرو، والكسائي بالجر على تقدير من، أي ومن ~~الكفار. قال الكسائي وفي حرف أبي " ومن الكفار " وقرأ من عداهما ~~بالنصب. قال النحاس وهو أوضح وأبين. وقال مكي لولا اتفاق الجماعة على ~~النصب لاخترت الخفض لقوته في الإعراب وفي المعنى، والمراد بالكفار هنا ~~المشركون، وقيل المنافقون { واتقوا الله } بترك ما نهاكم عنه من ~~هذا وغيره { إن كنتم مؤمنين } فإن الإيمان يقتضي ذلك. والنداء ~~الدعاء برفع الصوت، وناداه مناداة ونداء صالح به، وتنادوا أي نادى بعضهم ~~بعضا. وتنادوا أي جلسوا في النادي، والضمير في { اتخذوها } للصلاة ~~أي اتخذوا صلاتكم هزوا ولعبا وقيل الضمير للمناداة المدلول عليها ~~بناديتم. قيل وليس في كتاب الله تعالى ذكر الأذان إلا في هذا الموضع، ~~وأما قوله تعالى في الجمعة # إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة # الجمعة 9 فهو خاص بنداء الجمعة. وقد اختلف أهل العلم في كون الأذان ~~واجبا أو غير واجب، وفي ألفاظه وهو مبسوط في مواطنه. قوله { ذلك ~~بأنهم قوم لا يعقلون } أي ذلك بسبب أنهم قوم لا يعقلون، ~~لأن الهزؤ واللعب شأن أهل السفه والخفة والطيش. قوله { قل يأهل ~~الكتب هل تنقمون منا } يقال نقمت على الرجل فأنا ناقم إذا ~~عبت عليه. قال الكسائي نقمت بالكسر لغة، ونقمت الأمر أيضا ونقمته إذا ~~كرهته، وانتقم الله منه أي عاقبه، والاسم منه النقمة، والجمع نقمات، مثل ~~كلمة وكلمات، وإن شئت سكنت القاف ونقلت حركتها إلى النون، والجمع نقم مثل ~~نعمة ونعم وقيل المعنى يسخطون وقيل ينكرون. قال عبد الله بن قيس الرقيات # ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا # وقال الله سبحانه # وما نقموا منهم # البروج 8 والمعنى في الآية هل تعيبون أو تسخطون أو تنكرون أو تكرهون منا ~~إلا إيماننا بالله وبكتبه المنزلة، وقد علمتم بأنا على الحق { وأن ~~أكثركم فسقون } بترككم للإيمان، والخروج عن امتثال أوامر ms0983 ~~الله. وقوله { وأن أكثركم فسقون } معطوف على { أن آمنا } ~~أي ما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمردكم وخروجكم عن ~~الإيمان. وفيه أن المؤمنين لم يجمعوا بين الأمرين المذكورين، فإن الإيمان ~~من جهتهم والتمرد والخروج من جهة الناقمين وقيل هو على تقدير محذوف أي ~~واعتقادنا أن أكثركم فاسقون. # وقيل إن قوله { أن آمنا } هو منصوب على أنه مفعول له، والمفعول ~~محذوف، فيكون { وأن أكثركم فسقون } معطوفا عليه عطف ~~العلة على العلة، والتقدير وما تنقمون منا إلا لأن آمنا، ولأن أكثركم ~~فاسقون، وقيل معطوف على علة محذوفة، أي لقلة إنصافكم، ولأن أكثركم ~~فاسقون. وقيل الواو في قوله { وأن أكثركم فسقون } هي ~~التي بمعنى مع أي ما تنقمون منا إلا الإيمان مع أن أكثركم فاسقون. وقيل ~~هو منصوب بفعل محذوف يدل عليه هل تنقمون أي ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون ~~وقيل هو مرفوع على الابتداء والخبر محذوف أي وفسقكم معلوم فتكون الجملة ~~حالية، وقرىء بكسر إن من قوله { وأن أكثركم فسقون } ~~فتكون جملة مستأنفة. قوله { قل هل أنبئكم بشر من ذلك } ~~بين الله سبحانه لرسوله أن فيهم من العيب ما هو أولى بالعيب، وهو ما هم ~~عليه من الكفر الموجب للعن الله وغضبه ومسخه والمعنى هل أنبئكم بشر من ~~نقمكم علينا أو بشر مما تريدون لنا من المكروه أو بشر من أهل الكتاب أو ~~بشر من دينهم. وقوله { مثوبة } أي جزاء ثابتا، وهي مختصة بالخير ~~كما أن العقوبة مختصة بالشر. ووضعت هنا موضع العقوبة على طريقة # فبشرهم بعذاب أليم # آل عمران 21 وهي منصوبة على التمييز من بشر. وقوله { من لعنه ~~الله } خبر لمبتدأ محذوف مع تقدير مضاف محذوف أي هو لعن من لعنه الله ~~أو هو دين من لعنه الله، ويجوز أن يكون في محل جر بدلا من شر. قوله { ~~وجعل منهم القردة والخنازير } أي مسخ بعضهم قردة ~~وبعضهم خنازير وهم اليهود، فإن الله مسخ أصحاب السبت قردة، وكفار مائدة ~~عيسى منهم خنازير. وقوله { وعبد الطغوت } قرأ حمزة بضم الباء ms0984 ~~من " عبد " وكسر التاء من " الطغوت " أي جعل منهم عبد الطاغوت ~~بإضافة عبد إلى الطاغوت. والمعنى وجعل منهم من يبالغ في عبادة الطاغوت، ~~لأن فعل من صيغ المبالغة كحذر وفطن للتبليغ في الحذر والفطنة. وقرأ ~~الباقون بفتح الباء من { عبد } وفتح التاء من { الطغوت } على ~~أنه فعل ماض معطوف على فعل ماض وهو غضب ولعن، كأنه قيل ومن عبد الطاغوت، ~~أو معطوف على القردة والخنازير أي جعل منهم القردة والخنازير، وجعل منهم ~~عبد الطاغوت حملا على لفظ { من }. وقرأ أبي وابن مسعود " وعبد ~~الطغوت " حملا على معناها. وقرأ ابن عباس " وعبد " بضم العين ~~والباء كأنه جمع عبد، كما يقال سقف وسقف. ويجوز أن يكون جمع عبيد، كرغيف ~~ورغف، أو جمع عابد كبازل وبزل. وقرأ أبو واقد «وعباد» جمع عابد للمبالغة، ~~كعامل وعمال. وقرأ البصريون و " عباد " جمع عابد أيضا، كقائم وقيام، ~~ويجوز أن يكون جمع عبد. # وقرأ أبو جعفر الرقاشي " وعبد الطاغوت " على البناء للمفعول، والتقدير ~~وعبد الطاغوت فيهم. وقرأ عون العقيلي، وابن بريدة " وعابد الطاغوت " على ~~التوحيد. وروي عن ابن مسعود وأبي أنهما قرآ " وعبدة الطغوت " وقرأ ~~عبيد بن عمير " واعبد الطغوت " مثل كلب وأكلب. وقرىء " ~~وعبد الطغوت " عطفا على الموصول بناء على تقدير مضاف محذوف، ~~وهي قراءة ضعيفة جدا، والطاغوت الشيطان أو الكهنة أو غيرهما مما قد ~~تقدم مستوفى. قوله { أولئك شر مكانا } الإشارة إلى ~~الموصوفين بالصفات المتقدمة، وجعلت الشرارة للمكان، وهي لأهله للمبالغة، ~~ويجوز أن يكون الإسناد مجازيا. قوله { وأضل عن سواء السبيل ~~} معطوف على شر، أي هم أضل من غيرهم عن الطريق المستقيم، والتفضيل في ~~الموضعين للزيادة مطلقا أو لكونهم أشر وأضل مما يشاركهم في أصل الشرارة ~~والضلال. قوله { وإذا جاءوكم قالوا ءامنا } أي إذا جاؤوكم ~~أظهروا الإسلام. قوله { وقد دخلوا بالكفر وهم قد ~~خرجوا به } جملتان حاليتان أي جاءوكم حال كونهم قد دخلوا عندك ~~متلبسين بالكفر، وخرجوا من عندك متلبسين به لم يؤثر فيهم ما سمعوا منك، ~~بل خرجوا كما دخلوا { والله أعلم بما كانوا ms0985 يكتمون } ~~عندك من الكفر، وفيه وعيد شديد، وهؤلاء هم المنافقون وقيل هم اليهود ~~الذين قالوا # ءامنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه ~~النهار واكفروا آخره # آل عمران 72. قوله { وترى كثيرا منهم يسرعون فى ~~الإثم } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح له، ~~والضمير في { منهم } عائد إلى المنافقين، أو اليهود، أو إلى ~~الطائفتين جميعا و { يسرعون فى الإثم } في محل نصب على ~~الحال، على أن الرؤية بصرية أو هو مفعول ثان لترى على أنها قلبية، ~~والمسارعة المبادرة، والإثم الكذب أو الشرك أو الحرام، والعدوان الظلم ~~المتعدي إلى الغير أو مجاوزة الحد في الذنوب، والسحت الحرام، فعلى قول ~~من فسر الإثم بالحرام يكون تكريره للمبالغة، والربانيون علماء النصارى، ~~والأحبار علماء اليهود وقيل الكل من اليهود لأن هذه الآيات فيهم ثم وبخ ~~علماءهم في تركهم لنهيهم فقال { لبئس ما كانوا يصنعون } ~~وهذا فيه زيادة على قوله { لبئس ما كانوا يعملون } لأن ~~العمل لا يبلغ درجة الصنع حتى يتدرب فيه صاحبه، ولهذا تقول العرب سيف ~~صنيع إذا جود عامله عمله فالصنع هو العمل الجيد لا مطلق العمل، فوبخ ~~سبحانه الخاصة، وهم العلماء التاركون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~بما هو أغلظ وأشد من توبيخ فاعل المعاصي، فليفتح العلماء لهذه الآية ~~مسامعهم ويفرجوا لها عن قلوبهم، فإنها قد جاءت بما فيه البيان الشافي لهم ~~بأن كفهم عن المعاصي، مع ترك إنكارهم على أهلها لا يسمن ولا يغني من جوع، ~~بل هم أشد حالا وأعظم وبالا من العصاة، فرحم الله عالما قام بما ~~أوجبه الله عليه من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو أعظم ما ~~افترضه الله عليه وأوجب ما أوجب عليه النهوض به. # اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر ~~الذين لا يخافون فيك لومة لائم، وأعنا على ذلك، وقونا عليه، ويسره لنا، ~~وانصرنا على من تعدى حدودك، وظلم عبادك، إنه لا ناصر لنا سواك، ولا ~~مستعان غيرك، يا مالك يوم الدين، إياك نعبد، وإياك نستعين. ms0986 وقد أخرج ابن ~~إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس ~~قال كان رفاعة بن زيد ابن التابوت، وسويد بن الحارث، قد أظهرا الإسلام ~~ونافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما، فأنزل الله { يأيها ~~الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم ~~هزوا ولعبا } إلى قوله { والله أعلم بما كانوا ~~يكتمون }. وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق الكلبي، عن أبي صالح عن ~~ابن عباس في قوله { وإذا نديتم إلى الصلوة اتخذوها ~~هزوا ولعبا } قال كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~نادى بالصلاة، فقام المسلمون إلى الصلاة، قالت اليهود والنصارى قد قاموا ~~لا قاموا، فإذا رأوهم ركعوا وسجدوا استهزءوا بهم وضحكوا منهم. قال وكان ~~رجل من اليهود تاجرا، إذا سمع المنادي ينادي بالأذان قال أحرق الله ~~الكاذب قال فبينما هو كذلك، إذ دخلت جاريته بشعلة من نار، فطارت شرارة ~~منها في البيت فأحرقته. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ~~السدي قال كان رجل من النصارى فذكر نحو قصة الرجل اليهودي. وأخرج ابن ~~إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس ~~قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من اليهود، فسألوه عمن يؤمن به من ~~الرسل فقال # " أومن بالله وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، ~~وما أوتى موسى وعيسى، وما أوتى النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ~~ونحن له مسلمون " # فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا لا نؤمن بعيسى ولا نؤمن بمن آمن به، ~~فأنزل الله فيهم { قل يأهل الكتب هل تنقمون منا } ~~إلى قوله { فسقون }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله { وجعل منهم ~~القردة والخنازير } قال مسخت من يهود. وأخرج أبو الشيخ، عن ~~أبي مالك أنه قيل له كانت القردة والخنازير قبل أن يمسخوا؟ قال نعم، ~~وكانوا مما خلق من الأمم. وأخرج مسلم، وابن مردويه، عن ابن مسعود قال سئل ~~رسول ms0987 الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير هما مما مسخ الله؟ ~~فقال # " إن الله لم يهلك قوما " # ، أو قال # " لم يمسخ قوما فيجعل لهم نسلا ولا عاقبة، وإن القردة والخنازير كانت ~~قبل ذلك ". # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في ~~قوله { وإذا جاءوكم قالوا ءامنا } الآية، قال أناس من اليهود ~~كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم فيخبرونه بأنهم مؤمنون راضون ~~بالذي جاء به، وهم متمسكون بضلالتهم وبالكفر، فكانوا يدخلون بذلك ويخرجون ~~به من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، عن السدي في ~~الآية قال هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يهودا، يقول دخلوا كفارا ~~وخرجوا كفارا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { ~~وترى كثيرا منهم يسرعون فى الإثم والعدوان } ~~قال هؤلاء اليهود { لبئس ما كانوا يعملون } إلى قوله { ~~لبئس ما كانوا يصنعون } قال يصنعون ويعملون واحد، قال ~~لهؤلاء حين لم ينتهوا، كما قال لهؤلاء حين عملوا. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله { لولا ينههم ~~الربنيون والأحبار } قال فهل لا ينهاهم الربانيون ~~والأحبار، وهم الفقهاء والعلماء. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن ~~عباس قال ما في القرآن آية أشد توبيخا من هذه الآية { لولا ~~ينههم الربنيون والأحبار } وأخرج ابن المبارك في ~~الزهد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن الضحاك بن مزاحم نحوه. ~~وقد وردت أحاديث كثيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا حاجة لنا ~~في بسطها هنا. ### || [5.64-66] # قوله { يد الله مغلولة } اليد عند العرب تطلق على الجارحة، ~~ومنه قوله تعالى # وخذ بيدك ضغثا # ص 44 وعلى النعمة، يقولون كم يد لي عند فلان وعلى القدرة. ومنه قوله ~~تعالى # قل إن الفضل بيد الله # آل عمران 73 أو على التأييد، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # " يد الله مع القاضي حين يقضي " # وتطلق على معان أخر. وهذه الآية هي على طريق التمثيل كقوله تعالى ms0988 # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك # الإسراء 29 والعرب تطلق غل اليد على البخل، وبسطها على الجود مجازا، ~~ولا يريدون الجارحة كما يصفون البخيل بأنه جعد الأنامل ومقبوض الكف، ~~ومنه قول الشاعر # كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها وكل باب من الخيرات مفتوح فاستبدلت ~~بعده جعدا أنامله كأنما وجهه بالخل منضوح # فمراد اليهود هنا عليهم لعائن الله أن الله بخيل، فأجاب سبحانه عليهم ~~بقوله { غلت أيديهم } دعاء عليهم بالبخل، فيكون الجواب عليهم ~~مطابقا لما أرادوه بقوله { يد الله مغلولة } ويجوز أن يراد ~~غل أيديهم حقيقة بالأسر في الدنيا أو بالعذاب في الآخر، ويقوي المعنى ~~الأول أن البخل قد لزم اليهود لزوم الظل للشمس، فلا ترى يهوديا، وإن ~~كان ماله في غاية الكثرة، إلا وهو من أبخل خلق الله، وأيضا المجاز أوفق ~~بالمقام لمطابقته لما قبله. قوله { ولعنوا بما قالوا } معطوف ~~على ما قبله والباء سببية أي أبعدوا من رحمة الله بسبب قولهم { يد ~~الله مغلولة } ، ثم رد سبحانه بقوله { بل يداه ~~مبسوطتان } أي بل هو في غاية ما يكون من الجود، وذكر اليدين مع ~~كونهم لم يذكروا إلا اليد الواحدة مبالغة في الرد عليهم بإثبات ما يدل ~~على غاية السخاء، فإن نسبة الجود إلى اليدين أبلغ من نسبته إلى اليد ~~الواحدة، وهذه الجملة الإضرابية معطوفة على جملة مقدرة يقتضيها المقام ~~أي كلا ليس الأمر كذلك { بل يداه مبسوطتان } وقيل المراد ~~بقوله { بل يداه مبسوطتان } نعمة الدنيا الظاهرة ونعمتها ~~الباطنة. وقيل نعمة المطر والنبات. وقيل الثواب والعقاب. وحكى الأخفش عن ~~ابن مسعود أنه قرأ «بل يداه بسيطتان» أي منطلقتان كيف يشاء. قوله { ~~ينفق كيف يشاء } جملة مستأنفة مؤكدة لكمال جوده سبحانه أي إنفاقه ~~على ما تقتضيه مشيئته، فإن شاء وسع، وإن شاء قتر، فهو الباسط القابض فإن ~~قبض كان ذلك لما تقتضيه حكمته الباهرة، لا لشيء آخر، فإن خزائن ملكه لا ~~تفنى ومواد جوده لا تتناهى. قوله { وليزيدن كثيرا منهم } ~~إلخ، اللام هي لام القسم أي ليزيدن كثيرا من اليهود والنصارى ms0989 ما أنزل ~~إليك من القرآن المشتمل على هذه الأحكام الحسنة { طغينا وكفرا ~~} أي طغيانا إلى طغيانهم، وكفرا إلى كفرهم. # قوله { وألقينا بينهم } أي بين اليهود { العداوة ~~والبغضاء } أو بين اليهود والنصارى. قوله { كلما أوقدوا ~~نارا للحرب أطفأها الله } أي كلما جمعوا للحرب جمعا ~~وأعدوا له عدة شتت الله جمعهم، وذهب بريحهم، فلم يظفروا بطائل ولا عادوا ~~بفائدة، بل لا يحصلون من ذلك إلا على الغلب لهم، وهكذا لا يزالون يهيجون ~~الحروب ويجمعون عليها، ثم يبطل الله ذلك، والآية مشتملة على استعارة ~~بليغة، وأسلوب بديع { ويسعون فى الأرض فسادا } أي يجتهدون في ~~فعل ما فيه فساد، ومن أعظمه ما يريدونه من إبطال الإسلام وكيد أهله وقيل ~~المراد بالنار هنا الغضب أي كلما أثاروا في أنفسهم غضبا أطفأه الله بما ~~جعله من الرعب في صدورهم، والذلة والمسكنة المضروبتين عليهم. قوله { ~~والله لا يحب المفسدين } إن كانت اللام للجنس، فهم داخلون ~~في ذلك دخولا أوليا، وإن كانت للعهد فوضع الظاهر موضع المضمر لبيان ~~شدة فسادهم، وكونهم لا ينفكون عنه. قوله { ولو أن أهل ~~الكتب ءامنوا واتقوا } أي لو أن المتمسكين بالكتاب، وهم ~~اليهود والنصارى، على أن التعريف للجنس { ءامنوا } الإيمان الذي طلبه ~~الله منهم، ومن أهمه الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم كما ~~أمروا بذلك في كتب الله المنزلة عليهم { واتقوا } المعاصي التي من ~~أعظمها ما هم عليه من الشرك بالله، والجحود لما جاء به رسول الله { ~~لكفرنا عنهم سيئتهم } التي اقترفوها، وإن كانت كثيرة ~~متنوعة. وقيل المعنى لوسعنا عليهم في أرزاقهم، { ولو أنهم ~~أقاموا التوراة والإنجيل } أي أقاموا ما فيهما من الأحكام ~~التي من جملتها الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. قوله { ~~وما أنزل إليهم من ربهم } من سائر كتب الله التي من ~~جملتها القرآن، فإنها كلها وإن نزلت على غيرهم، فهي في حكم المنزلة عليهم ~~لكونهم متعبدين بما فيها { لأكلوا من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم } ذكر فوق وتحت للمبالغة في تيسر أسباب الرزق لهم وكثرتها، ms0990 ~~وتعدد أنواعها. قوله { منهم أمة مقتصدة } جواب سؤال ~~مقدر، كأنه قيل هل جميعهم متصفون بالأوصاف السابقة، أو البعض منهم دون ~~البعض، والمقتصدون منهم هم المؤمنون كعبد الله بن سلام، ومن تبعه، وطائفة ~~من النصارى { وكثير منهم ساء ما يعملون } وهم المصرون ~~على الكفر المتمردون عن إجابة محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان بما جاء ~~به. وقد أخرج ابن إسحاق، والطبراني في الكبير، وابن مردويه، عن ابن عباس ~~قال قال رجل من اليهود يقال له النباش بن قيس إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل ~~الله { وقالت اليهود يد الله مغلولة } الآية. وأخرج ~~أبو الشيخ عنه أنها نزلت في فنحاص اليهودي. وأخرج مثله ابن جرير عن ~~عكرمة. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ~~وقالت اليهود يد الله مغلولة } أي بخيلة. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وليزيدن كثيرا ~~منهم ما أنزل إليك من ربك طغينا وكفرا } قال ~~حملهم حسد محمد والعرب على أن تركوا القرآن، وكفروا بمحمد ودينه، وهم ~~يجدونه مكتوبا عندهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله { كلما أوقدوا نارا ~~للحرب } قال حرب محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم عن السدي في الآية كلما أجمعوا أمرهم على شيء فرقه الله، وأطفأ ~~حدهم ونارهم، وقذف في قلوبهم الرعب. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ولو أن ~~أهل الكتب ءامنوا واتقوا } قال آمنوا بما أنزل على ~~محمد، واتقوا ما حرم الله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن مجاهد في قوله { ولو أنهم أقاموا التوراة ~~والإنجيل } قال العمل بهما، وأما { ما أنزل إليهم } ، فمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، وما أنزل عليه، وأما { لأكلوا من فوقهم } فأرسلت ~~عليهم مطرا، وأما { من تحت ms0991 أرجلهم } يقول أنبت لهم من الأرض ~~من رزقي ما يغنيهم، { منهم أمة مقتصدة } وهم مسلمة أهل ~~الكتاب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس { لأكلوا من ~~فوقهم } يعني لأرسل عليهم السماء مدرارا { ومن تحت ~~أرجلهم } قال تخرج الأرض من بركتها. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ~~الربيع بن أنس قال الأمة المقتصدة الذين لا هم فسقوا في الدين ولا هم ~~غلوا. قال والغلو الرغبة، والفسق التقصير عنه. وأخرج أبو الشيخ، عن ~~السدي { أمة مقتصدة } يقول مؤمنة. وأخرج ابن مردويه قال ~~حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أحمد بن يونس الضبي، حدثنا عاصم بن ~~علي، حدثنا أبو معشر عن يعقوب بن زيد بن طلحة، عن زيد بن أسلم، عن أنس ~~بن مالك قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا، قال ثم ~~حدثهم النبي صلى الله عليه وسلم قال # " تفرقت أمة موسى على اثنتين وسبعين ملة، واحدة منها في الجنة وإحدى ~~وسبعون منها في النار وتفرقت أمة عيسى على اثنتين وسبعين ملة، واحدة ~~منها في الجنة وإحدى وسبعون منها في النار، تعلوا أمتي على الفريقين ~~جميعا ملة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون منها في النار " # ،قالوا من هم يا رسول الله؟ قال # " الجماعات الجماعات " # قال يعقوب بن زيد كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تلا فيه قرآنا، قال { ولو أن أهل ~~الكتب ءامنوا واتقوا لكفرنا عنهم ~~سيئتهم } إلى قوله { منهم أمة مقتصدة وكثير ~~منهم ساء ما يعملون } وتلا أيضا # وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # الأعراف 181 يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير في تفسيره ~~بعد ذكره لهذا الحديث ما لفظه وحديث افتراق الأمم إلى بضع وسبعين، مروي ~~من طرق عديدة قد ذكرناها في موضع آخر انتهى. قلت أما زيادة كونها في ~~النار إلا واحدة، فقد ضعفها جماعة من المحدثين، بل قال ابن حزم إنها ~~موضوعة. ### || [5.67] # العموم الكائن في { ما ms0992 أنزل } يفيد أنه يجب عليه صلى الله عليه وسلم أن ~~يبلغ جميع ما أنزله الله إليه، لا يكتم منه شيئا. وفيه دليل على أنه لم ~~يسر إلى أحد مما يتعلق بما أنزل الله إليه شيئا، ولهذا ثبت في الصحيحين ~~عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~كتم شيئا من الوحي فقد كذب. وفي صحيح البخاري من حديث أبي جحيفة وهب بن ~~عبد الله السوائي قال قلت لعلي ابن أبي طالب رضي الله عنه هل عندكم شيء ~~من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا ~~فهما يعطيه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة، قلت وما في هذه ~~الصحيفة؟ قال العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر. { فإن ~~لم تفعل } ما أمرت به من تبليغ الجميع، بل كتمت ولو بعضا من ذلك { ~~فما بلغت رسالته }. قرأ أبو عمرو، وأهل الكوفة إلا شعبة ~~«رسالته» على التوحيد. وقرأ أهل المدينة وأهل الشام «رسالاته» على الجمع، ~~قال النحاس والجمع أبين لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه ~~الوحي شيئا فشيئا، ثم يبينه انتهى. وفيه نظر، فإن نفي التبليغ عن ~~الرسالة الواحدة أبلغ من نفيه عن الرسالات، كما ذكره علماء البيان على ~~خلاف في ذلك، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ما نزل إليهم، ~~وقال لهم في غير موطن # " هل بلغت؟ " # فيشهدون له بالبيان، فجزاه الله عن أمته خيرا ثم إن الله سبحانه وعده ~~بالعصمة من الناس دفعا لما يظن أنه حامل على كتم البيان، وهو خوف لحوق ~~الضرر من الناس، وقد كان ذلك بحمد الله، فإنه بين لعباد الله ما نزل ~~إليهم على وجه التمام، ثم حمل من أبى من الدخول في الدين على الدخول فيه ~~طوعا أو كرها، وقتل صناديد الشرك وفرق جموعهم وبدد شملهم، وكانت كلمة ~~الله هي العليا، فأسلم كل من نازعه ممن لم يسبق فيه السيف العذل، حتى ms0993 قال ~~يوم الفتح لصناديد قريش وأكابرهم # " ما تظنون أني فاعل بكم؟ " # فقالوا أخ كريم وابن أخ كريم فقال # " اذهبوا فأنتم الطلقاء ". # وهكذا من سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه الله من الناس، إن ~~قام ببيان حجج الله، وإيضاح براهينه، وصرخ بين ظهراني من ضاد الله ~~وعانده ولم يمتثل لشرعه كطوائف المبتدعة، وقد رأينا من هذا في أنفسنا ~~وسمعنا منه في غيرنا ما يزيد المؤمن إيمانا وصلابة في دين الله وشدة ~~شكيمة في القيام بحجة الله، وكل ما يظنه متزلزلو الأقدام، ومضطربو ~~القلوب، من نزول الضرر بهم وحصول المحن عليهم فهو خيالات مختلة وتوهمات ~~باطلة، فإن كل محنة في الظاهر هي منحة في الحقيقة، لأنها لا تأتي إلا ~~بخير في الأولى والأخرى # إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى ~~السمع وهو شهيد # ق 37. قوله { إن الله لا يهدى القوم الكفرين }. ~~جملة متضمنة لتعليل ما سبق من العصمة أي إن الله لا يجعل لهم سبيلا إلى ~~الإضرار بك، فلا تخف وبلغ ما أمرت بتبليغه. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد قال لما نزلت { بلغ ما ~~أنزل إليك من ربك } قال # " يا رب إنما أنا واحد كيف أصنع؟ يجتمع علي الناس " # ، فنزلت { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته }. وأخرج ~~أبو الشيخ، عن الحسن، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله بعثني برسالته فضقت بها ذرعا وعرفت أن الناس مكذبي، فوعدني ~~لأبلغن أو ليعذبني، فأنزلت { يأيها الرسول بلغ ما أنزل ~~إليك من ربك } " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { وإن لم ~~تفعل فما بلغت رسالته } يعني إن كتمت آية مما أنزل إليك ~~لم تبلغ رسالته. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر، عن أبي ~~سعيد الخدري قال نزلت هذه الآية { يأيها الرسول بلغ ما ~~أنزل إليك } على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم، في ~~علي بن أبي طالب رضي ms0994 الله عنه. وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود قال كنا ~~نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا أيها الرسول بلغ ما أنزل ~~إليك من ربك إن عليا مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله ~~يعصمك من الناس». وأخرج ابن ابن أبي حاتم، عن عنترة، قال كنت عند ابن ~~عباس فجاءه رجل فقال إن ناسا يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئا لم يبده ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس، فقال ألم تعلم أن الله قال { ~~يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } ~~والله ما ورثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء في بيضاء. وأخرج ابن ~~مردويه، والضياء في المختارة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سئل أي آية أنزلت من السماء أشد عليك؟ فقال # " كنت بمنى أيام موسم الحج، فاجتمع مشركو العرب وأفناء الناس في الموسم، ~~فأنزل علي جبريل " # فقال { يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك } الآية، ~~قال # " فقمت عند العقبة فناديت يا أيها الناس من ينصرني على أن أبلغ رسالة ~~ربي وله الجنة، أيها الناس قولوا لا إله إلا الله وأنا رسول الله إليكم، ~~تفلحوا وتنجحوا ولكم الجنة " # ، قال # " فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي إلا يرمون بالتراب والحجارة ويبزقون ~~في وجهي ويقولون كذب صابىء، فعرض علي عارض فقال يا محمد إن كنت رسول ~~الله فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك " # ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " # ، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه. قال الأعمش فبذلك يفتخر بنو ~~العباس ويقولون فيهم نزلت # إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من ~~يشاء # القصص 56 هوى النبي صلى الله عليه وسلم أبا طالب، وشاء الله عباس بن ~~عبد المطلب. وأخرج عبد بن حميد، والترمذي وابن جرير وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، وأبو نعيم والبيهقي كلاهما ~~في الدلائل، عن عائشة قالت كان ms0995 رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس حتى ~~نزلت { والله يعصمك من الناس } فأخرج رأسه من القبة فقال # " أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله " # قال الحاكم في المستدرك صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأخرج الطبراني، وابن ~~مردويه من حديث أبي سعيد. وقد روى في هذا المعنى أحاديث. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن جابر بن عبد الله قال لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني ~~أنمار نزل ذات الرقيع بأعلى نخل، فبينما هو جالس على رأس بئر قد دلى ~~رجليه، فقال الوارث من بني النجار لأقتلن محمدا، فقال له أصحابه كيف ~~تقتله؟ قال أقول له أعطني سيفك فإذا أعطانيه قتلته به فأتاه فقال يا محمد ~~أعطني سيفك أشمه، فأعطاه إياه، فرعدت يده حتى سقط السيف من يده، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " حال الله بينك وبين ما تريد " # ، فأنزل الله سبحانه { يأيها الرسول بلغ ما أنزل ~~إليك } الآية. قال ابن كثير وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وأخرج ابن ~~حبان في صحيحه، وابن مردويه عن أبي هريرة نحو هذه القصة، ولم يسم الرجل. ~~وأخرج ابن جرير من حديث محمد بن كعب القرظي نحوه، وفي الباب روايات. وقصة ~~غورث بن الحارث ثابتة في الصحيح، وهي معروفة مشهورة. ### || [5.68-75] # قوله { على شىء } فيه تحقير وتقليل لما هم عليه، أي لستم على شيء ~~يعتد به حتى تقيموا التوراة والإنجيل، أي تعملوا بما فيهما من أوامر ~~الله ونواهيه التي من جملتها أمركم باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ~~ونهيكم عن مخالفته. قال أبو علي الفارسي ويجوز أن يكون ذلك قبل النسخ ~~لهما. قوله { وما أنزل إليكم من ربكم } قيل هو القرآن، ~~فإن إقامة الكتابين لا تصح بغير إقامته، ويجوز أن يكون المراد ما أنزل ~~إليهم على لسان الأنبياء من غير الكتابين. قوله { وليزيدن ~~كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغينا ~~وكفرا } أي كفرا إلى كفرهم وطغيانا إلى طغيانهم، والمراد بالكثير ~~منهم من لم يسلم، واستمر على المعاندة وقيل المراد به العلماء ms0996 منهم، ~~وتصدير هذه الجملة بالقسم لتأكيد مضمونها، قوله { فلا تأس على ~~القوم الكفرين } أي دع عنك التأسف على هؤلاء، فإن ضرر ذلك ~~راجع إليهم ونازل بهم، وفي المتبعين لك من المؤمنين غنى لك عنهم. قوله { ~~إن الذين ءامنوا } إلخ، جملة مستأنفة لترغيب من عداهم من ~~المؤمنين. والمراد بالمؤمنين هنا الذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون { ~~والذين هادوا } أي دخلوا في دين اليهود { والصابئون } مرتفع على ~~الابتداء وخبره محذوف، والتقدير والصابئون والنصارى كذلك. قال الخليل ~~وسيبويه الرفع محمول على التقديم والتأخير، والتقدير إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر، وعمل صالحا، فلا خوف عليهم، ~~ولا هم يحزنون والصابئون والنصارى كذلك، وأنشد سيبويه، قول الشاعر # وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق # أي وإلا فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك، ومثله قول ضابي البرجمي # فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب # أي فإني لغريب وقيار كذلك. وقال الكسائي والأخفش إن { الصابئون } معطوف ~~على المضمر في { هادوا }. قال النحاس سمعت الزجاج يقول وقد ذكر له قول ~~الكسائي والأخفش هذا خطأ من وجهين أحدهما أن المضمر المرفوع لا يعطف عليه ~~حتى يؤكد. وثانيهما أن المعطوف شريك المعطوف عليه، فيصير المعنى إن ~~الصابئين قد دخلوا في اليهودية، وهذا محال. وقال الفراء إنما جاز الرفع ~~لأن إن ضعيفة فلا تؤثر إلا في الاسم دون الخبر، فعلى هذا هو عنده معطوف ~~على محل اسم إن، أو على مجموع إن واسمها، وقيل إن خبر إن مقدر، ~~والجملة الآتية خبر الصابئون والنصارى، كما في قول الشاعر # نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف # وقيل إن " إن " هنا بمعنى نعم فالصابون مرتفع بالابتداء، ومثله قول قيس ~~بن الرقيات # بكر العواذل في الصبا ح يلمنني وألومهنه ويقلن شيب قد علا ك وقد ~~كبرت فقلت إنه # قال الأخفش إنه بمعنى نعم والهاء للسكت. وقد تقدم الكلام على الصابئين ~~والنصارى في البقرة، وقرىء " الصابيون " صريحة تخفيفا للهمزة، وقرىء " ~~الصابون " بدون ياء، وهو من صبا يصبو لأنهم ms0997 صبوا إلى اتباع الهوى، وقرىء ~~«والصابئين» عطفا على اسم إن قوله { من ءامن بالله } مبتدأ ~~وخبره { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } والمبتدأ خبره ~~خبر لأن، ودخول الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، والعائد إلى اسم إن ~~محذوف أي من آمن منهم، ويجوز أن يكون { من آمن } بدلا من اسم " إن " وما ~~عطف عليه، ويكون خبر " إن " { فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون } والمعنى على تقدير كون المراد الذين آمنوا المنافقين كما ~~قدمنا أن من آمن من هذه الطوائف إيمانا خالصا على الوجه المطلوب، وعمل ~~عملا صالحا، فهو الذي لا خوف عليه ولا حزن، وأما على تقدير كون المراد ~~بالذين آمنوا جميع أهل الإسلام المخلص والمنافق، فالمراد بمن آمن من اتصف ~~بالإيمان الخالص واستمر عليه، ومن أحدث إيمانا خالصا بعد نفاقه. قوله ~~{ لقد أخذنا ميثاق بنى إسرءيل } كلام مبتدأ لبيان بعض ~~أفعالهم الخبيثة. وقد تقدم في البقرة بيان معنى الميثاق { وأرسلنا ~~إليهم رسلا } ليعرفوهم بالشرائع وينذروهم { كلما جاءهم ~~رسول بما لا تهوى أنفسهم } جملة شرطية وقعت جوابا لسؤال ~~ناس من الأحبار بإرسال الرسل كأنه قيل ماذا فعلوا بالرسل؟ وجواب الشرط ~~محذوف أي عصوه. وقوله { فريقا كذبوا وفريقا يقتلون } ~~جملة مستأنفة أيضا جواب عن سؤال ناس عن الجواب الأول كأنه قيل كيف ~~فعلوا بهم؟ فقيل فريقا منهم كذبوهم ولم يتعرضوا لهم بضرر، وفريقا آخر ~~منهم قتلوهم، وإنما قال { وفريقا يقتلون } لمراعاة رؤوس الآي، ~~فمن كذبوه عيسى وأمثاله من الأنبياء، وممن قتلوه زكريا ويحيى. قوله { ~~وحسبوا أن لا تكون فتنة } أي حسب هؤلاء الذين أخذ الله ~~عليهم الميثاق أن لا يقع من الله عز وجل ابتلاء واختبار بالشدائد ~~اعتزازا بقولهم # نحن أبناء الله وأحباؤه # المائدة 18 قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي " تكون " بالرفع على أن " إن ~~" هي المخففة من الثقيلة، و { حسب } بمعنى علم، لأن " أن " معناها ~~التحقيق. وقرأ الباقون بالنصب على أن " أن " ناصبة للفعل، " وحسب " ~~بمعنى الظن، قال النحاس والرفع عند النحويين في حسبت وأخواتها أجود، ~~ومثله # ألا زعمت بسباسة اليوم ms0998 أنني كبرت وأن لا يشهد اللهو أمثالي # قوله { فعموا وصموا } أي عموا عن إبصار الهدى، وصموا عن استماع ~~الحق، وهذه إشارة إلى ما وقع من بني إسرائيل في الابتداء من مخالفة أحكام ~~التوراة، وقتل شعيا، ثم تاب الله عليهم حين تابوا، فكشف عنهم القحط { ~~ثم عموا وصموا كثير منهم } وهذا إشارة إلى ما وقع منهم ~~بعد التوبة من قتل يحيى بن زكريا وقصدهم لقتل عيسى، وارتفاع { كثير } ~~على البدل من الضمير في الفعلين. # قال الأخفش كما تقول رأيت قومك ثلاثتهم، وإن شئت كان على إضمار مبتدأ أي ~~العمى والصم كثير منهم، ويجوز أن يكون كثير مرتفعا على الفاعلية على ~~لغة من قال أكلوني البراغيث، ومنه قول الشاعر # ولكن ديافي أبوه وأمه بحوران يعصرن السليط أقاربه # وقرىء " عموا وصموا " بالبناء للمفعول أي أعماهم الله وأصمهم. قوله { ~~لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن ~~مريم } هذا كلام مبتدأ يتضمن بيان بعض فضائح أهل الكتاب، والقائلون ~~بهذه المقالة هم فرقة منهم يقال لهم اليعقوبية وقيل هم الملكانية، قالوا ~~إن الله عز وجل حل في ذات عيسى، فرد الله عليهم بقوله { وقال ~~المسيح يابنى إسرءيل اعبدوا الله ربى وربكم } ~~أي والحال أنه قد قال المسيح هذه المقالة، فكيف يدعون الإلهية لمن ~~يعترف على نفسه بأنه عبد مثلهم؟ قوله { إنه من يشرك بالله ~~فقد حرم الله عليه الجنة } الضمير للشأن، وهذا كلام ~~مبتدأ يتضمن بيان أن الشرك يوجب تحريم دخول الجنة، وقيل هو من قول عيسى { ~~وما للظلمين من أنصار } ينصرونهم فيدخلونهم الجنة أو ~~يخلصونهم من النار. قوله { لقد كفر الذين قالوا إن ~~الله ثلث ثلثة } وهذا كلام أيضا مبتدأ لبيان بعض مخازيهم. ~~والمراد بثالث ثلاثة واحد من ثلاثة، ولهذا يضاف إلى ما بعده، ولا يجوز ~~فيه التنوين كما قال الزجاج وغيره، وإنما ينون وينصب ما بعده إذا كان ما ~~بعده دونه بمرتبة نحو ثالث اثنين ورابع ثلاثة، والقائل بأنه سبحانه ~~وتعالى ثالث ثلاثة هم النصارى، والمراد بالثلاثة الله سبحانه، وعيسى، ~~ومريم كما ms0999 يدل عليه قوله # أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من # المائدة 116 وهذا هو المراد بقولهم ثلاثة أقانيم إقنيم الأب وإقنيم ~~الابن، وإقنيم روح القدس، وقد تقدم في سورة النساء كلام في هذا، ثم رد ~~الله سبحانه عليهم هذه الدعوى الباطلة فقال { وما من إله إلا ~~إله وحد } أي ليس في الوجود إلا الله سبحانه، وهذه الجملة حالية، ~~والمعنى قالوا تلك المقالة، والحال أنه لا موجود إلا الله، و " من " في ~~قوله { من إله } لتأكيد الاستغراق المستفاد من النفي { وإن لم ~~ينتهوا عما يقولون } من الكفر، { ليمسن الذين ~~كفروا منهم عذاب أليم } جواب قسم محذوف ساد مسد جواب ~~الشرط، و " من " في { منهم } بيانية أو تبعيضية { أفلا يتوبون ~~إلى الله ويستغفرونه } الفاء للعطف على مقدر، والهمزة ~~للإنكار. # قوله { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل } أي هو مقصور على الرسالة، لا يجاوزها كما زعمتم، ~~وجملة { قد خلت من قبله الرسل } صفة لرسول أي ما هو إلا ~~رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله، وما وقع منه من المعجزات لا يوجب ~~كونه إلها، فقد كان لمن قبله من الرسل مثلها، فإن الله أحيا العصا في ~~يد موسى، وخلق آدم من غير أب، فكيف جعلتم إحياء عيسى للموتى، ووجوده من ~~غير أب يوجبان كونه إلها؟ فإن كان كما تزعمون إلها لذلك، فمن قبله من ~~الرسل الذين جاؤوا بمثل ما جاء به آلهة، وأنتم لا تقولون بذلك. قوله { ~~وأمه صديقة } عطف على المسيح، أي وما أمه إلا صديقة أي صادقة ~~فيما تقوله أو مصدقة لما جاء به ولدها من الرسالة، وذلك لا يستلزم ~~الإلهية لها، بل هي كسائر من يتصف بهذا الوصف من النساء. قوله { كانا ~~يأكلان الطعام } استئناف يتضمن التقرير لما أشير إليه من أنهما ~~كسائر أفراد البشر، أي من كان يأكل الطعام كسائر المخلوقين فليس برب، بل ~~هو عبد مربوب ولدته النساء، فمتى يصلح لأن يكون ربا؟ وأما قولكم إنه كان ~~يأكل الطعام بناسوته لا بلاهوته، ms1000 فهو كلام باطل يستلزم اختلاط الإله ~~بغير الإله واجتماع الناسوت واللاهوت، ولو جاز اختلاط القديم بالحادث ~~لجاز أن يكون القديم حادثا، ولو صح هذا في حق عيسى لصح في حق غيره من ~~العباد { انظر كيف نبين لهم الآيت } أي الدلالات، وفيه ~~تعجيب من حال هؤلاء الذين يجعلون تلك الأوصاف مستلزمة للإلهية، ويغفلون ~~عن كونها موجودة في من لا يقولون بأنه إله { ثم انظر أنى ~~يؤفكون } أي كيف يصرفون عن الحق بعد هذا البيان؟ يقال أفكه يأفكه ~~إذا صرفه، وكرر الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب، وجاء ب { ثم } لإظهار ~~ما بين العجبين من التفاوت. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس قال جاء نافع بن حارثة وسلام بن ~~مشكم، ومالك بن الصيف، ورافع بن حرملة فقالوا يا محمد ألست تزعم أنك على ~~ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة وتشهد أنها من الله حق؟ ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " بلى ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق، وكفرتم ~~منها بما أمرتم أن تبينوه للناس، فبرئت من إحداثكم " # ، قالوا فإنا نأخذ بما في أيدينا وإنا على الهدى والحق، ولا نؤمن بك ولا ~~نتبعك، فأنزل الله فيهم { قل يأهل الكتب لستم على ~~شىء حتى تقيموا التوراة والإنجيل } إلى قوله { ~~القوم الكفرين }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن في قوله { وحسبوا أن لا تكون ~~فتنة } قال بلاء. # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة ~~مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي نحوه. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله { ~~لقد كفر الذين قالوا إن الله ثلث ثلثة } ~~قال النصارى يقولون إن الله ثالث ثلاثة وكذبوا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ~~قال تفرقت بنو إسرائيل ثلاث فرق في عيسى، فقالت فرقة هو الله، وقالت ~~فرقة هو ابن ms1001 الله، وقالت فرقة هو عبد الله وروحه، وهي المقتصدة وهي مسلمة ~~أهل الكتاب. ### || [5.76-81] # أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذا القول ~~إلزاما لهم وقطعا لشبهتهم، أي أتعبدون من دون الله متجاوزين إياه ما لا ~~يملك لكم ضرا ولا نفعا؟ بل هو عبد مأمور، وما جرى على يده من النفع، ~~أو دفع من الضر، فهو بإقدار الله له وتمكينه منه، وأما هو فهو يعجز عن أن ~~يملك لنفسه شيئا من ذلك، فضلا عن أن يملكه لغيره، ومن كان لا ينفع ولا ~~يضر فكيف تتخذونه إلها وتعبدونه، وأي سبب يقتضي ذلك؟ والمراد هنا ~~المسيح عليه السلام، وقدم سبحانه الضر على النفع لأن دفع المفاسد أهم ~~من جلب المصالح. { والله هو السميع العليم } أي كيف تعبدون ~~ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا، والحال أن الله هو السميع العليم، ومن ~~كان كذلك فهو القادر على الضر والنفع لإحاطته بكل مسموع ومعلوم، ومن ~~جملة ذلك مضاركم ومنافعكم. قوله { تغلوا فى دينكم } لما أبطل ~~سبحانه جميع ما تعلقوا به من الشبه الباطلة، نهاهم عن الغلو في دينهم، ~~وهو المجاوزة للحد كإثبات الإلهية لعيسى، كما يقوله النصارى، أو حطه عن ~~مرتبته العلية، كما يقوله اليهود فإن كل ذلك من الغلو المذموم وسلوك ~~طريقة الإفراط أو التفريط، واختيارهما على طريق الصواب. " وغير " ~~منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي غلوا غير غلو الحق، وأما الغلو في ~~الحق بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه، واستخراج حقائقه فليس بمذموم، وقيل ~~إن النصب على الاستثناء المتصل وقيل على المنقطع { ولا تتبعوا ~~أهواء قوم قد ضلوا من قبل } وهم أسلاف أهل الكتاب من ~~طائفتي اليهود والنصارى، أي قبل البعثة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة ~~والتسليم { وأضلوا كثيرا } من الناس { وضلوا عن سواء ~~السبيل } أي عن قصدهم طريق محمد صلى الله عليه وسلم بعد البعثة، ~~والمراد أن أسلافهم ضلوا من قبل البعثة وأضلوا كثيرا من الناس إذ ذاك، ~~وضلوا من بعد البعثة، إما بأنفسهم، أو جعل ms1002 ضلال من أضلوه ضلالا لهم ~~لكونهم سنوا لهم ذلك ونهجوه لهم وقيل المراد بالأول كفرهم بما يقتضيه ~~العقل، وبالثاني كفرهم بما يقتضيه الشرع. قوله { لعن الذين ~~كفروا من بنى إسرءيل } أي لعنهم الله سبحانه { على لسان ~~داوود وعيسى ابن مريم } أي في الزبور والإنجيل على لسان داود ~~وعيسى بما فعلوه من المعاصي، كاعتدائهم في السبت، وكفرهم بعيسى. قوله { ~~ذلك بما عصوا } جملة مستأنفة جواب عن سؤال مقدر، والإشارة بذلك ~~إلى اللعن، أي ذلك اللعن بسبب المعصية والاعتداء لا بسبب آخر، ثم بين ~~سبحانه المعصية والاعتداء بقوله { كانوا لا يتنهون عن ~~منكر فعلوه } ، فأسند الفعل إليهم لكونه فاعله من جملتهم وإن لم ~~يفعلوه جميعا. # والمعنى أنهم كانوا لا ينهون العاصي عن معاودة معصية قد فعلها، أو تهيأ ~~لفعلها، ويحتمل أن يكون وصفهم بأنهم قد فعلوا المنكر باعتبار حالة النزول ~~لا حالة ترك الإنكار، وبيان العصيان والاعتداء بترك التناهي عن المنكر ~~لأن من أخل بواجب النهي عن المنكر فقد عصى الله سبحانه وتعدى حدوده. ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية، وأجل ~~الفرائض الشرعية، ولهذا كان تاركه شريكا لفاعل المعصية، ومستحقا لغضب ~~الله وانتقامه كما وقع لأهل السبت، فإن الله سبحانه مسخ من لم يشاركهم في ~~الفعل، ولكن ترك الإنكار عليهم، كما مسخ المعتدين فصاروا جميعا قردة ~~وخنازير # إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى ~~السمع وهو شهيد # ق 37 ثم إن الله سبحانه قال مقبحا لعدم التناهي عن المنكر { لبئس ~~ما كانوا يفعلون } أي من تركهم لإنكار ما يجب عليهم إنكاره { ~~ترى كثيرا منهم } أي من اليهود مثل كعب بن الأشرف وأصحابه { ~~يتولون الذين كفروا } أي المشركين وليسوا على دينهم { ~~لبئس ما قدمت لهم أنفسهم } أي سولت وزينت، أو ما ~~قدموه لأنفسهم ليردوا عليه يوم القيامة، والمخصوص بالذم هو { أن سخط ~~الله عليهم } أي موجب سخط الله عليهم على حذف مضاف أو هو سخط ~~الله عليهم على حذف المبتدأ. وقيل هو أي أن سخط الله عليهم ms1003 بدل من " ما " ~~{ ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى } أي نبيهم { وما ~~أنزل إليه } من الكتاب { ما اتخذوهم } أي المشركين { ~~أولياء } لأن الله سبحانه، ورسوله المرسل إليهم، وكتابه المنزل عليهم ~~قد نهوهم عن ذلك { ولكن كثيرا منهم فسقون } أي ~~خارجون عن ولاية الله وعن الإيمان به وبرسوله وبكتابه. وقد أخرج ابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله { لا تغلوا ~~فى دينكم } يقول لا تبتدعوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال ~~كانوا مما غلوا فيه أن دعوا لله صاحبة وولدا. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله { وضلوا عن ~~سواء السبيل } قال يهود. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، وأبو ~~داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، والبيهقي عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول له ~~يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا ~~يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب ~~بعضهم ببعض " # ثم قال { لعن الذين كفروا من بنى إسرءيل على ~~لسان داوود } إلى قوله { فسقون } ثم قال # " كلا، والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد ~~الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا " # وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا ~~فلا نطول بذكرها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ~~لعن الذين كفروا من بنى إسرءيل على لسان داوود ~~} يعني في الزبور { وعيسى ابن مريم } يعني في الإنجيل. وأخرج ~~أبو عبيد، وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن أبي مالك الغفاري في الآية قال لعنوا على لسان داود فجعلوا ~~قردة، وعلى لسان عيسى فجعلوا خنازير. وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله. ~~وأخرج عبد ms1004 بن حميد وأبو الشيخ، عن قتادة نحوه. وأخرج الديلمي في مسند ~~الفردوس، عن أبي عبيدة ابن الجراح مرفوعا # " قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار، فقام مائة ~~واثنا عشر رجلا من عبادهم فأمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا ~~جميعا في آخر النهار، فهم الذين ذكر الله { لعن الذين كفروا ~~من بنى إسرءيل } الآيات " # وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله { لبئس ما ~~قدمت لهم أنفسهم } قال ما أمرتهم. وأخرج ابن أبي حاتم ~~والخرائطي في مساوىء الأخلاق، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان. ~~وضعفه، عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " يا معشر المسلمين إياكم والزنا، فإن فيه ست خصال ثلاث في الدنيا وثلاث ~~في الآخرة فأما التي في الدنيا فذهاب البهاء، ودوام الفقر، وقصر العمر ~~وأما التي في الآخرة فسخط الله، وسوء الحساب، والخلود في النار ثم تلا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم { لبئس ما قدمت لهم ~~أنفسهم أن سخط الله عليهم وفى العذاب هم ~~خلدون } " # قال ابن كثير في تفسيره هذا الحديث ضعيف على كل حال. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله { ~~ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى وما أنزل إليه ~~ما اتخذوهم أولياء } قال المنافقون. ### || [5.82-86] # قوله { لتجدن } الخ هذه جملة مستأنفة مقررة لما قبلها من تعداد ~~مساوىء اليهود وهناتهم، ودخول لام القسم عليها يزيدها تأكيدا وتقريرا، ~~والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له كما في غير ~~هذا الموضع من الكتاب العزيز. والمعنى في الآية أن اليهود والمشركين ~~لعنهم الله أشد جميع الناس عداوة للمؤمنين وأصلبهم في ذلك. وأن النصارى ~~أقرب الناس مودة للمؤمنين، واللام في { للذين ءامنوا } في ~~الموضعين متعلقة بمحذوف وقع صفة لعداوة ومودة، وقيل هو متعلق بعداوة ~~ومودة والإشارة بقوله { ذلك } إلى كونهم أقرب مودة، والباء في { ~~بأن منهم قسيسين } للسببية أي ذلك بسبب أن منهم قسيسين، وهو ~~جمع قس وقسيس ms1005 قاله قطرب. والقسيس العالم، وأصله من قس إذا تتبع الشيء ~~وطلبه. قال الراجز # يصبحن عن قس الأذى غوافلا # وتقسست أصواتهم بالليل تسمعتها والقس النميمة. والقس أيضا رئيس ~~النصارى في الدين والعلم، وجمعه قسوس أيضا، وكذلك القسيس مثل الشر ~~والشرير، ويقال في جمع قسيس تكسيرا قساوسة بإبدال أحد السينين واوا، ~~والأصل قساسة، فالمراد بالقسيسين في الآية المتبعون للعلماء والعباد، وهو ~~إما عجمي خلطته العرب بكلامها، أو عربي، والرهبان جمع راهب كركبان ~~وراكب، والفعل رهب الله يرهبه أي خافه. والرهبانية والترهب التعبد في ~~الصوامع. قال أبو عبيد وقد يكون رهبان للواحد والجمع. قال الفراء ويجمع ~~رهبان إذا كان للمفرد رهبان ورهابين كقربان وقرابين. وقد قال جرير في ~~الجمع # رهبان مدين لو رأوك ترهبوا # وقال الشاعر في استعمال رهبان مفردا # لو أبصرت رهبان دير في الجبل لانحدر الرهبان يسعى ونزل # ثم وصفهم الله سبحانه بأنهم لا يستكبرون عن قول الحق، بل هم متواضعون، ~~بخلاف اليهود فإنهم على ضد ذلك، وهذه الجملة معطوفة على الجملة التي ~~قبلها { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول } معطوف على ~~جملة { وأنهم لا يستكبرون }. { تفيض من الدمع } ~~أي تمتلىء فتفيض، لأن الفيض لا يكون إلا بعد الامتلاء، جعل الأعين تفيض، ~~والفائض إنما هو الدمع قصدا للمبالغة كقولهم دمعت عينه. قال امرؤ القيس # ففاضت دموع العين مني صبابة على النحر حتى بل دمعي محملي # قوله { مما عرفوا من الحق } من الأولى لابتداء الغاية، ~~والثانية بيانية، أي كان ابتداء الفيض ناشئا من معرفة الحق، ويجوز أن ~~تكون الثانية تبعيضية، وقرىء " ترى أعينهم " على البناء للمجهول. ~~وقوله { يقولون ربنا ءامنا } استئناف مسوق لجواب سؤال مقدر، ~~كأنه قيل فما حالهم عند سماع القرآن؟ فقال { يقولون ربنا ~~ءامنا فاكتبنا مع الشهدين } أي آمنا بهذا الكتاب النازل ~~من عندك على محمد وبمن أنزلته عليه { فاكتبنا مع الشاهدين } على الناس ~~يوم القيامة، من أمة محمد أو مع الشاهدين بأنه حق، أو مع الشاهدين بصدق ~~محمد وأنه رسولك إلى الناس. # قوله { وما لنا لا نؤمن بالله } كلام ms1006 مستأنف، والاستفهام ~~للاستبعاد { ولنا } متعلق بمحذوف، و { لا نؤمن } في محل نصب في ~~الحال، والتقدير أي شيء حصل لنا حال كوننا لا نؤمن بالله وبما جاءنا من ~~الحق؟ والمعنى أنهم استبعدوا انتفاء الإيمان منهم مع جود المقتضى له، وهو ~~الطمع في إنعام الله، فالاستفهام والنفي متوجهان إلى القيد والمقيد ~~جميعا كقوله تعالى # ما لكم لا ترجون لله وقارا # نوح 13، والواو في { ونطمع أن يدخلنا ربنا مع ~~القوم الصلحين } للحال أيضا بتقدير مبتدأ أي، أي شيء حصل ~~لنا غير مؤمنين ونحن نطمع في الدخول مع الصالحين؟ فالحال الأولى والثانية ~~صاحبهما الضمير في { لنا } وعاملها الفعل المقدر أي حصل، ويجوز أن ~~تكون الحال الثانية من الضمير في { نؤمن } والتقدير وما لنا نجمع بين ~~ترك الإيمان وبين الطمع في صحبة الصالحين. قوله { فأثابهم الله ~~بما قالوا } الخ أثابهم على هذا القول مخلصين له معتقدين لمضمونه. ~~قوله { والذين كفروا وكذبوا بئايتنا أولئك ~~أصحب الجحيم } التكذيب بالآيات كفر، فهو من باب عطف الخاص على ~~العام. والجحيم النار الشديدة الإيقاد، ويقال جحم فلان النار إذا شدد ~~إيقادها، ويقال أيضا لعين الأسد جحمة لشدة اتقادها. قال الشاعر # والحرب لا تبقى لجا حمها التحيل والمزاح # وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد، ~~في قوله { ولتجدن أقربهم مودة } الآية قال هم الوفد ~~الذين جاؤوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة. وأخرج أبو الشيخ، وابن ~~مردويه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله " # وفي لفظ # " إلا حدث نفسه بقتله " # قال ابن كثير وهو غريب جدا. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال ما ذكر ~~الله به النصارى من خير فإنما يراد به النجاشي وأصحابه. وأخرج أبو الشيخ ~~عنه قال هم ناس من الحبشة آمنوا إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين فذلك لهم. ~~وأخرج النسائي وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو ~~الشيخ، وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال نزلت هذه الآية ms1007 في النجاشي ~~وأصحابه { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى ~~أعينهم تفيض من الدمع }. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي ~~حاتم وأبو نعيم، في الحلية والواحدي من طريق ابن شهاب قال أخبرني سعيد بن ~~المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعروة بن الزبير قالوا ~~بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري وكتب معه كتابا ~~إلى النجاشي، فقدم على النجاشي فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسل النجاشي إلى الرهبان ~~والقسيسين فجمعهم، ثم أمر جعفر بن أبي طالب أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ ~~عليهم سورة مريم، فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع، وهم الذين أنزل ~~الله فيهم { ولتجدن أقربهم مودة } إلى قوله { من ~~الشهدين }. # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ ~~وابن مردويه، عن سعيد بن جبير في الآية قال هم رسل النجاشي بإسلامه ~~وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلا يختارهم من قومه، الخير فالخير، في الفقه ~~والسن، وفي لفظ بعث من خيار أصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثلاثين رجلا، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا عليه فقرأ ~~عليهم سورة يس، فبكوا حين سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق، فأنزل الله ~~فيهم { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا }. الآية ونزلت ~~هذه الآية فيهم أيضا # الذين ءاتينهم الكتب من قبله هم به ~~يؤمنون # القصص 52 إلى قوله # أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا # القصص 54. وأخرج عبد بن حميد، والطبراني، وأبو الشيخ وابن مردويه، عن ~~ابن عباس نحوه بدون ذكر العدد. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي ~~قال بعث النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر رجلا، سبعة ~~قسيسين وخمسة رهبانا، ينظرون إليه ويسألونه فلما لقوه فقرأ عليهم ما ~~أنزل الله بكوا وآمنوا، فأنزل الله فيهم { وإذا سمعوا ما أنزل ~~إلى الرسول } الآية، والروايات في هذا الباب كثيرة، وهذا المقدار ~~يكفي، ms1008 فليس المراد إلا بيان سبب نزول الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ~~في قوله { قسيسين } قال هم علماؤهم. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال ~~القسيسون عبادهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله { فاكتبنا مع ~~الشهدين } قال أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [5.87-88] # الطيبات هي المستلذات لما أحله الله لعباده، نهى الذين آمنوا عن أن ~~يحرموا على أنفسهم شيئا منهم، إما لظنهم أن في ذلك طاعة لله وتقربا ~~إليه، وأنه من الزهد في الدنيا فرفع النفس عن شهواتها، أو لقصد أن ~~يحرموا على أنفسهم شيئا مما أحله لهم كما يقع من كثير من العوام من ~~قولهم حرام علي، وحرمته على نفسي، ونحو ذلك من الألفاظ التي تدخل تحت ~~هذا النهي القرآني. قال ابن جرير الطبري لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم ~~شيء مما أحل الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس ~~والمناكح، ولذلك رد النبي صلى الله عليه وسلم التبتل على عثمان بن ~~مظعون. فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده، وأن الفضل ~~والبر إنما هو في فعل ما ندب الله عباده إليه، وعمل به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون، إذ ~~كان خير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا كان ذلك كذلك، ~~تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على ~~لباس ذلك من حله، وآثر أكل الخشن من الطعام، وترك اللحم، وغيره حذرا من ~~عارض الحاجة إلى النساء. قال فإن ظن ظان أن الفضل في غير الذي قلنا لما ~~في لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس وصرف ما فضل بينهما من القيمة ~~إلى أهل الحاجة، فقد ظن خطأ، وذلك أن الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه ~~لها على طاعة ربها، ولا شيء أضر للجسم من المطاعم الردية، لأنها مفسدة ~~لعقله، ومضعفة لأدواته ms1009 التي جعلها الله سببا إلى طاعته. قوله { ولا ~~تعتدوا } أي لا تعتدوا على الله بتحريم طيبات ما أحل الله لكم، أو ~~لا تعتدوا فتحلوا ما حرم الله عليكم أي تترخصوا فتحللوا حراما كما ~~نهيتم عن التشديد على أنفسكم بتحريم الحلال. وقد ذهب جمهور العلماء إلى ~~أن من حرم على نفسه شيئا مما أحله الله له فلا يحرم عليه ولا يلزمه ~~كفارة. وقال أبو حنيفة وأحمد ومن تابعهما إن من حرم شيئا صار محرما ~~عليه، وإذا تناوله لزمته الكفارة، وهو خلاف ما في هذه الآية، وخلاف ما ~~دلت عليه الأحاديث الصحيحة، ولعله يأتي في سورة التحريم ما هو أبسط من ~~هذا إن شاء الله. وقوله { إن الله لا يحب المعتدين } ~~تعليل لما قبله، وظاهره أن تحريم كل اعتداء أي مجاوزة لما شرعه الله في ~~كل أمر من الأمور { وكلوا مما رزقكم الله } حال كونه { ~~حللا طيبا } أي غير محرم ولا مستقذر، أو أكلا حلالا طيبا، أو ~~كلوا حلالا طيبا مما رزقكم الله، ثم وصاهم الله سبحانه بالتقوى فقال { ~~واتقوا الله الذى أنتم به مؤمنون }. # وقد أخرج الترمذي وحسنه وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن عدي في ~~الكامل، والطبراني، وابن مردويه، عن ابن عباس، أن رجلا أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، إني إذا أكلت اللحم انتشرت للنساء، ~~وأخذتني شهوة، وإني حرمت علي اللحم، فنزلت { يأيها الذين ~~ءامنوا لا تحرموا طيبت ما أحل الله لكم }. وقد ~~روي من وجه آخر مرسلا، وروي موقوفا على ابن عباس. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، وابن مردويه، عنه في الآية قال نزلت في رهط من الصحابة قالوا ~~نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان، ~~فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهم، فذكر لهم ذلك فقالوا ~~نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ~~ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني " # وقد ثبت نحو هذا في ms1010 الصحيحين وغيرهما، من دون ذكر أن ذلك سبب نزول ~~الآية. وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، في المراسيل، وابن جرير، عن أبي ~~مالك أن هؤلاء الرهط هم عثمان بن مظعون وأصحابه. وفي الباب روايات كثيرة ~~بهذا المعنى، وكثير منها مصرح بأن ذلك سبب نزول الآية. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أن عبد الله بن رواحة ضافه ضيف من أهله، ~~وهو عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى أهله، فوجدهم لم يطعموا ~~ضيفهم انتظارا له، فقال لامرأته حبست ضيفي من أجلي هو حرام علي، فقالت ~~امرأته هو حرام علي فقال الضيف هو حرام علي، فلما رأى ذلك وضع يده وقال ~~كلوا بسم الله، ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " قد أصبت " # فأنزل الله { يأيها الذين ءامنوا لا تحرموا ~~طيبت ما أحل الله لكم } وهذا أثر منقطع، ولكن في صحيح ~~البخاري في قصة الصديق مع أضيافه ما هو شبيه بهذا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~مسروق قال كنا عند عبد الله فجيء بضرع، فتنحى رجل، فقال له عبد الله ادن، ~~فقال إني حرمت أن آكله، فقال عبد الله ادن فاطعم وكفر عن يمينك، وتلا ~~هذه الآية. وأخرجه أيضا الحاكم في مستدركه، وقال صحيح على شرط الشيخين ~~ولم يخرجاه. ### || [5.89] # قد تقدم تفسير اللغو، والخلاف فيه، في سورة البقرة، و { فى ~~أيمنكم } صلة { يؤاخذكم } ، قيل و " فى " بمعنى " من " ~~والأيمان جمع يمين. وفي الآية دليل على أن أيمان اللغو لا يؤاخذ الله ~~الحالف بها، ولا تجب فيها كفارة. وقد ذهب الجمهور من الصحابة، ومن بعدهم، ~~إلى أنها قول الرجل لا والله وبلى والله في كلامه، غير معتقد لليمين، وبه ~~فسر الصحابة الآية وهم أعرف بمعاني القرآن. قال الشافعي وذلك عند اللجاج ~~والغضب والعجلة. قوله { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمن } قرىء بتشديد { عقدتم } وبتخفيفه، وقرىء «عاقدتم». والعقد ~~على ضربين حسي، كعقد الحبل وحكمي، كعقد البيع، واليمين، والعهد. ms1011 قال ~~الشاعر # قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا # فاليمين المعقدة من عقد القلب ليفعلن أو لايفعلن في المستقبل، أي ولكن ~~يؤاخذكم بأيمانكم المعقدة الموثقة بالقصد والنية إذا حنثتم فيها. وأما ~~اليمين الغموس فهي يمين مكر وخديعة، وكذب قد باء الحالف بإثمها، وليست ~~بمعقودة ولا كفارة فيها كما ذهب إليه الجمهور، وقال الشافعي هي يمين ~~معقودة لأنها مكتسبة بالقلب معقودة بخبر مقرونة باسم الله، والراجح ~~الأول، وجميع الأحاديث الواردة في تكفير اليمين متوجهة إلى المعقودة ولا ~~يدل شيء منها على الغموس، بل ما ورد في الغموس إلا الوعيد والترهيب، ~~وأنها من الكبائر، بل من أكبر الكبائر، وفيها نزل قوله تعالى # إن الذين يشترون بعهد الله وأيمنهم ثمنا ~~قليلا # الآية آل عمران 77. قوله { فكفارته } الكفارة هي مأخوذة من ~~التكفير وهو التستير، وكذلك الكفر هو الستر، والكافر هو الساتر، لأنها ~~تستر الذنب وتغطيه، والضمير في { كفارته } راجع إلى «ما» في قوله { بما ~~عقدتم }. { إطعام عشرة مسكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم } المراد بالوسط هنا المتوسط بين طرفي الإسراف ~~والتقتير، وليس المراد به الأعلى كما في غير هذا الموضع، أي أطعموهم من ~~المتوسط مما تعتادون إطعام أهليكم منه، ولا يجب عليكم أن تطعموهم من ~~أعلاه، ولا يجوز لكم أن تطعموهم من أدناه، وظاهره أنه يجزىء إطعام عشرة ~~حتى يشبعوا. وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه قال لا يجزىء إطعام العشرة ~~غداء دون عشاء حتى يغديهم ويعشيهم. قال أبو عمر هو قول أئمة الفتوى ~~بالأمصار. وقال الحسن البصري وابن سيرين يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة ~~واحدة خبزا وسمنا، أو خبزا ولحما. وقال عمر بن الخطاب، وعائشة، ~~ومجاهد، والشعبي، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وميمون بن مهران، وأبو ~~مالك، والضحاك والحكم، ومكحول، وأبو قلابة، ومقاتل يدفع إلى كل واحد من ~~العشرة نصف صاع من بر أو تمر. # وروي ذلك عن علي. وقال أبو حنيفة نصف صاع بر وصاع مما عداه. وقد أخرج ~~ابن ماجه، وابن مردويه، عن ابن عباس ms1012 قال كفر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بصاع من تمر وكفر الناس به، ومن لم يجد فنصف صاع من بر، وفي ~~إسناده عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي وهو مجمع على ضعفه. وقال ~~الدارقطني متروك. قوله { أو كسوتهم } عطف على إطعام. قرىء بضم ~~الكاف وكسرها وهما لغتان مثل أسوة وإسوة. وقرأ سعيد بن جبير، ومحمد بن ~~السميفع اليماني «أو كإسوتهم» يعني كإسوة أهليكم، والكسوة في الرجال تصدق ~~على ما يكسو البدن، ولو كان ثوبا واحدا، وهكذا في كسوة النساء وقيل ~~الكسوة للنساء درع وخمار وقيل المراد بالكسوة ما تجزىء به الصلاة. قوله { ~~أو تحرير رقبة } أي إعتاق مملوك، والتحرير الإخراج من الرق، ~~ويستعمل التحرير في فك الأسير وإعفاء المجهود بعمل عن عمله وترك إنزال ~~الضرر به، ومنه قول الفرزدق # أبني غدانة أنني حررتكم فوهبتكم لعطية بن جعال # أي حررتكم من الهجاء الذي كان سيضع منكم ويضر بأحسابكم. ولأهل العلم ~~أبحاث في الرقبة التي تجزىء في الكفارة، وظاهر هذه الآية أنها تجزىء كل ~~رقبة على أي صفة كانت. وذهب جماعة منهم الشافعي إلى اشتراط الإيمان فيها ~~قياسا على كفارة القتل { فمن لم يجد فصيام ثلثة ~~أيام } أي فمن لم يجد شيئا من الأمور المذكورة فكفارته صيام ثلاثة ~~أيام، وقرىء «متتابعات» حكى ذلك عن ابن مسعود وأبي، فتكون هذه القراءة ~~مقيدة لمطلق الصوم. وبه قال أبو حنيفة والثوري، وهو أحد قول الشافعي. ~~وقال مالك، والشافعي في قوله الآخر يجزىء التفريق { ذلك كفارة ~~أيمنكم إذا حلفتم } أي ذلك المذكور كفارة أيمانكم إذا ~~حلفتم وحنثتم، ثم أمرهم بحفظ الأيمان، وعدم المسارعة إليها أو إلى الحنث ~~بها، والإشارة بقوله { كذلك } إلى مصدر الفعل المذكور بعده، أي مثل ~~ذلك البيان { يبين الله لكم } وقد تكرر هذا في مواضع من ~~الكتاب العزيز، { لعلكم تشكرون } ما أنعم به عليكم من بيان ~~شرائعه وإيضاح أحكامه. وقد أخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال لما نزلت { ~~يأيها الذين ءامنوا لا تحرموا طيبت ما أحل ~~الله لكم } في القوم ms1013 الذين كانوا حرموا على أنفسهم النساء واللحم ~~قالوا يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فأنزل الله { ~~لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمنكم } وأخرج عبد ~~بن حميد، عن سعيد بن جبير، في اللغو قال هو الرجل يحلف على الحلال. وأخرج ~~عبد بن حميد عن مجاهد قال هما الرجلان يتبايعان، يقول أحدهما والله لا ~~أبيعك بكذا، ويقول الآخر والله لا أشتريه بكذا. وأخرج عبد بن حميد، وأبو ~~الشيخ، عن النخعي قال اللغو أن يصل كلامه بالحلف والله لتأكلن والله ~~لتشربن ونحو هذا لا يريد به يمينا ولا يتعمد حلفا، فهو لغو اليمين ليس ~~عليه كفارة، وقد تقدم الكلام في البقرة. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد { ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الأيمن } قال بما تعمدتم. وأخرج عبد بن حميد، وأبو ~~الشيخ، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عمر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يقيم كفارة اليمين مدا من حنطة، وفي إسناده النضر ~~بن زرارة بن عبد الكريم الذهلي الكوفي. قال أبو حاتم مجهول، وذكره ابن ~~حبان في الثقات. وقد تقدم حديث ابن عباس وتضعيفه. وأخرج ابن مردويه عن ~~أسماء بنت أبي بكر قالت كنا نعطي في كفارة اليمين بالمد الذي نقتات به، ~~وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وأبو الشيخ، عن عمر بن الخطاب قال إني أحلف لا أعطي أقواما، ثم يبدو لي ~~فأعطيهم، فأطعم عشرة مساكين كل مسكين صاعا من شعير، أو صاعا من تمر أو ~~نصف صاع من قمح. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال في كفارة اليمين ~~إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من حنطة. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن ~~عباس مثله. وأخرج عنه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ من طرق قال في ms1014 كفارة ~~اليمين مد من حنطة لكل مسكين. وأخرج هؤلاء إلا ابن أبي حاتم عن زيد بن ~~ثابت مثله. وأخرج هؤلاء أيضا عن ابن عمر مثله. وأخرج ابن المنذر عن أبي ~~هريرة مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~عن علي ابن أبي طالب قال تغديهم وتعشيهم إن شئت خبزا ولحما، أو خبزا ~~وزيتا، أو خبزا وسمنا، أو خبزا وتمرا. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم } قال من عسركم ويسركم. وأخرج ابن ماجه عنه قال ~~كان الرجل يقوت أهله قوتا فيه سعة، وكان الرجل يقوت أهله قوتا فيه ~~شدة، فنزلت { من أوسط ما تطعمون أهليكم }. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عنه نحو ذلك. وأخرج ~~الطبراني وابن مردويه، عن عائشة عن النبي صلى الله عيله وسلم في قوله { ~~أو كسوتهم } قال # " عباءة لكل مسكين " # ، قال ابن كثير حديث غريب. وأخرج ابن مردويه عن حذيفة قال قلت يا رسول ~~الله { أو كسوتهم } ما هو؟ قال # " عباءة عباءة " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال عباءة لكل مسكين أو ~~شملة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عمر قال الكسوة ثوب أو إزار. وأخرج ابن ~~جرير، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال في كفارة اليمين هو بالخيار في ~~هؤلاء الثلاثة الأول فالأول، فإن لم يجد من ذلك شيئا فصيام ثلاثة أيام ~~متتابعات. وأخرج ابن مردويه عنه نحوه. ### || [5.90-93] # قوله { يأيها الذين آمنوا } خطاب لجميع المؤمنين. وقد ~~تقدم تفسير الميسر في سورة البقرة { والأنصاب } هي الأصنام المنصوبة ~~للعبادة، { والأزلام }. قد تقدم تفسيرها في أول هذه السورة، والرجس ~~يطلق على العذرة والأقذار، وهو خبر للخمر، وخبر المعطوف عليه محذوف. ~~وقوله { من عمل الشيطن } صفة لرجس أي كائن من عمل الشيطان، ~~بسبب تحسينه لذلك وتزيينه له. وقيل هو الذي كان عمل هذه الأمور بنفسه ~~فاقتدى به بنو آدم والضمير في { فاجتنبوه ms1015 } راجع إلى الرجس أو إلى ~~المذكور. وقوله { لعلكم تفلحون } علة لما قبله. قال في الكشاف ~~أكد تحريم الخمر والميسر وجوها من التأكيد، منها تصدير الجملة بإنما، ~~ومنها أنه قرنهما بعبادة الأصنام ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # " شارب الخمر كعابد الوثن " # ، ومنها أنه جعلهما رجسا، كما قال # فاجتنبوا الرجس من الأوثن # الحج 30، ومنها أنه جعلهما من عمل الشيطان، والشيطان لا يأتي منه إلا ~~الشر البحت، ومنها أنه أمر بالاجتناب، ومنها أنه جعل الاجتناب من ~~الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحا كان الارتكاب خيبة ومحقة، ومنها أنه ~~ذكر ما ينتج منهما من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر ~~والقمر، وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله، وعن مراعاة أوقات الصلوات ~~انتهى. وفي هذه الآية دليل على تحريم الخمر لما تضمنه الأمر بالاجتناب من ~~الوجوب وتحريم الصد، ولما تقرر في الشريعة من تحريم قربان الرجس، فضلا ~~عن جعله شرابا يشرب. قال أهل العلم من المفسرين وغيرهم كان تحريم الخمر ~~بتدريج ونوازل كثيرة، لأنهم كانوا قد ألفوا شربها وحببها الشيطان إلى ~~قلوبهم، فأول ما نزل في أمرها # يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم ~~كبير ومنفع للناس # البقرة 219 فترك عند ذلك بعص من المسلمين شربها، ولم يتركه آخرون، ثم ~~نزل قوله تعالى # لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى # النساء 43 فتركها البعض أيضا، وقالوا لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن ~~الصلاة، وشربها البعض في غير أوقات الصلاة، حتى نزلت هذه الآية { ~~إنما الخمر والميسر } فصارت حراما عليهم، حتى كان يقول ~~بعضهم ما حرم الله شيئا أشد من الخمر، وذلك لما فهموه من التشديد فيما ~~تضمنته هذه الآية من الزواجر، وفيما جاءت به الأحاديث الصحيحة من الوعيد ~~لشاربها، وأنها من كبائر الذنوب. وقد أجمع على ذلك المسلمون إجماعا لا ~~شك فيه ولا شبهة، وأجمعوا أيضا على تحريم بيعها والانتفاع بها ما دامت ~~خمرا، وكما دلت هذه الآية على تحريم الخمر، دلت أيضا على تحريم الميسر، ~~والأنصاب، والأزلام. وقد أشارت هذه الآية إلى ms1016 ما في الخمر والميسر من ~~المفاسد الدنيوية بقوله { إنما يريد الشيطن أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء } ومن المفاسد الدينية بقوله { ~~ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة }. # قوله { فهل أنتم منتهون } فيه زجر بليغ يفيده الاستفهام ~~الدال على التقريع والتوبيخ. ولهذا قال عمر رضي الله عنه لما سمع هذا ~~انتهينا، ثم أكد الله سبحانه هذا التحريم بقوله { وأطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول واحذروا } أي مخالفتهما أي مخالفة الله ~~ورسوله، فإن هذا وإن كان أمرا مطلقا فالمجيء به في هذا الموضع يفيد ما ~~ذكرناه من التأكيد، وهكذا ما أفاده بقوله { فإن توليتم ~~فاعلموا أنما على رسولنا البلغ المبين } أي إن ~~أعرضتم عن الامتثال، فقد فعل الرسول ما هو الواجب عليه من البلاغ الذي ~~فيه رشادكم وصلاحكم، ولم تضروا بالمخالفة إلا أنفسكم، وفي هذا من الزجر ~~ما لا يقدر قدره ولا يبلغ مداه. قوله { ليس على الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت جناح فيما طعموا } أي من المطاعم ~~التي يشتهونها، والطعم وإن كان استعماله في الأكل أكثر لكنه يجوز ~~استعماله في الشرب، ومنه قوله تعالى # ومن لم يطعمه فإنه منى # البقرة 249 أباح الله سبحانه لهم في هذه الآية جميع ما طعموا كائنا ما ~~كان مقيدا بقوله { إذا ما اتقوا } أي اتقوا ما هو محرم عليهم ~~كالخمر وغيره من الكبائر، وجميع المعاصي { وءامنوا } بالله { ~~وعملوا الصلحات } من الأعمال التي شرعها الله لهم أي استمروا ~~على عملها. قوله { ثم اتقوا } عطف على اتقوا الأول، أي اتقوا ما ~~حرم عليهم بعد ذلك مع كونه كان مباحا فيما سبق { وءامنوا } بتحريمه ~~{ ثم اتقوا } ما حرم عليهم بعد التحريم المذكور قبله مما كان ~~مباحا من قبل { وأحسنوا } أي عملوا الأعمال الحسنة، هذا معنى ~~الآية وقيل التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة وقيل إن التكرير باعتبار ~~المراتب الثلاث، المبدأ، والوسط، والمنتهى وقيل إن التكرار باعتبار ما ~~يتقيه الإنسان، فإنه ينبغي له أن يترك المحرمات توقيا من العذاب، ~~والشبهات توقيا من الوقوع في الحرام، وبعض المباحات حفظا للنفس عن ~~الخسة وقيل إنه لمجرد التأكيد، ms1017 كما في قوله تعالى # كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون # التكاثر 3، 4، هذه الوجوه كلها مع قطع النظر عن سبب نزول الآية إما مع ~~النظر إلى سبب نزولها، وهو أنه لما نزل تحريم الخمر، قال قوم من الصحابة ~~كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر؟ فنزلت، فقد قيل إن المعنى { ~~اتقوا } الشرك { وءامنوا } بالله ورسوله { ثم اتقوا } ~~الكبائر { وءامنوا } أي ازدادوا إيمانا { ثم اتقوا } الصغائر ~~{ وأحسنوا } أي تنفلوا. قال ابن جرير الطبري الاتقاء الأول هو ~~الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول والتصديق والدينونة به والعمل، والاتقاء ~~الثاني الاتقاء بالثبات على التصديق، والثالث الاتقاء بالإحسان والتقرب ~~بالنوافل. # وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن ~~ابن عمر قال نزل في الخمر ثلاث آيات، فأول شيء # يسئلونك عن الخمر والميسر # البقرة 219 الآية، فقيل حرمت الخمر، فقيل يا رسول الله دعنا ننتفع بها ~~كما قال الله، فسكت عنهم، ثم نزلت هذه الآية # لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى # النساء 43، فقيل حرمت الخمر، فقالوا يا رسول الله لا نشربها قرب ~~الصلاة، فسكت عنهم، ثم نزلت { ياأيها الذين آمنوا إنما ~~الخمر } الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " حرمت الخمر " # وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال حرمت الخمر ثلاث مرات، وذكر نحو حديث ابن ~~عمر، فقال الناس يا رسول الله، ناس قتلوا في سبيل الله وماتوا على فراشهم ~~كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسا من عمل الشيطان، ~~فأنزل الله { ليس على الذين ءامنوا } الآية، وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " لو حرم عليهم لتركوه كما تركتم " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في ناسخه، وأبو ~~الشيخ، وابن مردويه، عن سعد بن أبي وقاص قال في نزل تحريم الخمر، صنع ~~رجل من الأنصار طعاما، فدعا ناسا، فأتوه، فأكلوا وشربوا، حتى انتشوا من ~~الخمر، وذلك قبل تحريم الخمر فتفاخروا، فقالت الأنصار الأنصار خير من ~~المهاجرين، وقالت قريش قريش خير، فأهوى رجل بلحى جمل فضرب على ms1018 أنفي، ~~فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فنزلت هذه الآية { ~~ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر } ~~الآية. وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، ~~وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس قال أنزل ~~تحريم الخمر في قبيلتين من الأنصار شربوا، فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ~~ببعض، فلما أن صحوا جعل يرى الرجل منهم الأثر بوجهه وبرأسه ولحيته، فيقول ~~صنع بي هذا أخي فلان وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، والله لو كان بي ~~رؤوفا رحيما ما صنع بي هذا حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله هذه ~~الآية { ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر } إلى قوله { فهل أنتم منتهون } فقال ناس من ~~المتكلفين هي رجس، وهي في بطن فلان قتل يوم بدر، وفلان قتل يوم أحد؟ ~~فأنزل الله هذه الآية { ليس على الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت جناح فيما طعموا } الآية. وقد رويت في سبب ~~النزول روايات كثيرة موافقة لما قد ذكرناه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ~~قال الميسر هو القمار كله. وأخرج ابن مردويه، عن وهب بن كيسان قال قلت ~~لجابر متى حرمت الخمر؟ قال بعد أحد. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ~~قتادة قال نزل تحريم الخمر في سورة المائدة، بعد غزوة الأحزاب. # وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني، وأبو الشيخ، عن ابن عباس ~~قال كل القمار من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وابن المنذر، عن علي بن أبي طالب قال النرد والشطرنج من الميسر. ~~وأخرج عبد بن حميد عن علي قال الشطرنج ميسر الأعاجم. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن القاسم بن محمد، أنه سئل عن النرد أهي من الميسر؟ قال كل من ~~ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي ~~الدنيا في ذم الملاهي، والبيهقي في الشعب، عنه أيضا أنه قيل له ms1019 هذه ~~النرد تكرهونها فما بال الشطرنج؟ قال كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة ~~فهو من الميسر. وأخرجوا أيضا عن ابن الزبير قال يا أهل مكة بلغني عن ~~رجال يلعبون بلعبة يقال لها النردشير، والله يقول في كتابه { ~~ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر } إلى ~~قوله { فهل أنتم منتهون } وإني أحلف بالله لا أوتى بأحد يلعب ~~بها إلا عاقبته في شعره وبشره، وأعطيت سلبه من أتاني به. وأخرج ابن أبي ~~الدنيا عن مالك بن أنس قال الشطرنج من النرد، بلغنا عن ابن عباس أنه ولي ~~مال يتيم فأحرقها. وأخرج ابن أبي الدنيا، عن عبد الله بن عمير قال سئل ~~ابن عمر عن الشطرنج؟ فقال هي شر من النرد. وأخرج ابن أبي الدنيا، عن عبد ~~الملك بن عبيد قال رأى رجل من أهل الشام أنه يغفر لكل مؤمن في كل يوم ~~اثنتي عشرة مرة إلا أصحاب الشاه، يعني أصحاب الشطرنج. وأخرج ابن أبي ~~الدنيا عن أبي جعفر أنه سئل عن الشطرنج، فقال تلك المجوسية فلا تلعبوا ~~بها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، عن أبي موسى الأشعري قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من لعب بالنردشير فقد عصى الله ورسوله " # وأخرج أحمد عن عبد الرحيم الخطمي، سمعت رسول الله يقول # " مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم فيصلي مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم ~~الخنزير ثم يقوم فيصلي " # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا عن عبد الله بن عمر قال اللاعب ~~بالنرد قمارا كآكل لحم الخنزير، واللاعب بها من غير قمار كالمدهن بودك ~~الخنزير. وأخرج ابن أبي الدنيا، عن يحيى بن كثير قال مر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بقوم يلعبون بالنرد فقال # " قلوب لاهية وأيدي عليلة وألسنة لاغية " # وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ، عن قتادة قال الميسر ~~القمار. # وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، من طريق ليث عن عطاء وطاوس، ومجاهد ms1020 قالوا كل شيء ~~فيه قمار، فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ عن ابن سيرين قال القمار من الميسر. ~~وأخرج ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ، عنه قال ما كان من لعب فيه قمار، أو ~~قيام أو صياح، أو شر، فهو من الميسر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن يزيد بن ~~شريح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ثلاث من الميسر الصفير بالحمام، والقمار، والضرب بالكعاب " # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال الأنصاب حجارة كانوا يذبحون لها، ~~والأزلام قداح كانوا يستقسمون بها الأمور. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن ~~جبير قال كانت لهم حصيات إذا أراد أحدهم أن يغزو أو يجلس استقسم بها. ~~وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الأزلام قال هي كعاب فارس التي يقتمرون ~~بها، وسهام العرب. وقد وردت أحاديث كثيرة في ذم الخمر وشاربها، والوعيد ~~الشديد عليها، وأن كل مسكر حرام، وهي مدونة في كتب الحديث، فلا نطول ~~المقام بذكرها، فلسنا بصدد ذلك، بل نحن بصدد ما هو متعلق بالتفسير. ### || [5.94-99] # قوله { ليبلونكم } أي ليختبرنكم، واللام جواب قسم محذوف، كان ~~الصيد أحد معايش العرب فابتلاهم الله بتحريمه مع الإحرام وفي الحرم، كما ~~ابتلى بني إسرائيل أن لا يعتدوا في السبت، وكان نزول الآية في عام ~~الحديبية، أحرم بعضهم وبعضهم لم يحرم، فكان إذا عرض صيدهم اختلفت فيه ~~أحوالهم. وقد اختلف العلماء في المخاطبين بهذه الآية، هل هم المحلون أو ~~المحرمون؟ فذهب إلى الأول مالك وإلى الثاني ابن عباس، والراجح أن الخطاب ~~للجميع، ولا وجه لقصره على البعض دون البعض، و«من» في { من الصيد } ~~للتبعيض وهو صيد البر، قاله ابن جرير الطبري وغيره وقيل إن «من» بيانية ~~أي شيء حقير من الصيد، وتنكير { شيء } للتحقير. قوله { تناله ~~أيديكم ورمحكم } قرأ ابن وثاب " يناله " بالياء التحتية، ~~هذه الجملة تقتضي تعميم الصيد، وأنه لا فرق بين ما يؤخذ باليد، وهو ما لا ~~يطيق الفرار كالصغار والبيض، وبين ما ms1021 تناله الرماح وهو ما يطيق الفرار، ~~وخص الأيدي بالذكر لأنها أكثر ما يتصرف به الصائد في أخذ الصيد، وخص ~~الرماح بالذكر لأنها أعظم الآلات للصيد عند العرب. قوله { ليعلم ~~الله من يخافه بالغيب } أي ليتميز عند الله من يخافه منكم ~~بسبب عقابه الأخروي فإنه غائب عنكم غير حاضر، { فمن اعتدى بعد ~~ذلك فله عذاب أليم } أي بعد هذا البيان الذي امتحنكم الله ~~به، لأن الاعتداء بعد العلم بالتحريم معاندة لله سبحانه وتجرئة عليه. ~~قوله # لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم # المائدة 1 نهاهم عن قتل الصيد في حال الإحرام، وفي معناه { غير ~~محلى الصيد وأنتم حرم } وهذا النهي شامل لكل أحد من ذكور ~~المسلمين وإناثهم، لأنه يقال رجل حرام وامرأة حرام والجمع حرم، وأحرم ~~الرجل دخل في الحرم. قوله { ومن قتله منكم متعمدا } ~~المتعمد هو القاصد للشيء مع العلم بالإحرام، والمخطىء هو الذي يقصد شيئا ~~فيصيب صيدا، والناسي هو الذي يتعمد الصيد ولا يذكر إحرامه. وقد استدل ~~ابن عباس، وأحمد في رواية، وداود عنه باقتصاره سبحانه على العامد بأنه لا ~~كفارة على غيره، بل لا تجب إلا عليه وحده. وبه قال سعيد بن جبير، وطاوس، ~~وأبو ثور. وقيل إنها تلزم الكفارة المخطىء والناسي كما تلزم المتعمد، ~~وجعلوا قيد التعمد خارجا مخرج الغالب، روي عن عمر، والحسن، والنخعي، ~~والزهري، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم، وروي عن ابن عباس. ~~وقيل إنه يجب التكفير على العامد الناسي لإحرامه، وبه قال مجاهد، قال فإن ~~كان ذاكرا لإحرامه فقد حل، ولا حج له، لارتكابه محظور إحرامه، فبطل ~~عليه كما لو تكلم في الصلاة أو أحدث فيها. # قوله { فجزاء مثل ما قتل من النعم } أي فعليه جزاء ~~مماثل لما قتله، و { من النعم } بيان للجزاء المماثل. قيل المراد ~~المماثلة في القيمة، وقيل في الخلقة. وقد ذهب إلى الأول أبو حنيفة، وذهب ~~إلى الثاني مالك والشافعي وأحمد والجمهور، وهو الحق لأن البيان المماثل ~~للنعم يفيد ذلك، وكذلك يفيده هديا بالغ الكعبة. وروي عن أبي حنيفة أنه ms1022 ~~يجوز إخراج القيمة ولو وجد المثل، وأن المحرم مخير. وقرىء " فجزاؤه ~~مثل ما قتل " وقرىء " فجزاء مثل " على إضافة جزاء إلى مثل، ~~وقرىء بنصبهما على تقدير فليخرج جزاء مثل ما قتل، وقرأ الحسن " النعم ~~" بسكون العين تخفيفا. { يحكم به } أي بالجزاء أو بمثل ما قتل { ~~ذوا عدل منكم } أي رجلان معروفان بالعدالة بين المسلمين، فإذا ~~حكما بشيء لزم، وإن اختلفا رجع إلى غيرهما، ولا يجوز أن يكون الجاني أحد ~~الحكمين وقيل يجوز، وبالأول قال أبو حنيفة، وبالثاني قال الشافعي في أحد ~~قوليه وظاهر الآية يقتضي حكمين غير الجاني. قوله { هديا بلغ ~~الكعبة } نصب هديا على الحال، أو البدل من { مثل } ، و { بلغ ~~الكعبة } صفة لهديا لأن الإضافة غير حقيقية، والمعنى أنهما إذا ~~حكما بالجزاء فإنه يفعل به ما يفعل بالهدي من الإرسال إلى مكة والنحر ~~هنالك، والإشعار والتقليد، ولم يرد الكعبة بعينها، فإن الهدي لا يبلغها، ~~وإنما أراد الحرم، ولا خلاف في هذا. قوله { أو كفارة } معطوف على ~~محل من النعم وهو الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، و { طعام مسكين } ~~عطف بيان لكفارة، أو بدل منه، أو خبر مبتدأ محذوف { أو عدل ذلك } ~~معطوف على طعام. وقيل هو معطوف على جزاء، وفيه ضعف، فالجاني مخير بين هذه ~~الأنواع المذكورة، وعدل الشيء ما عادله من غير جنسه، و { صياما } ~~منصوب على التمييز، وقد قرر العلماء عدل كل صيد من الإطعام والصيام، وقد ~~ذهب إلى أن الجاني يخير بين الأنواع المذكورة جمهور العلماء. وروي عن ابن ~~عباس أنه لا يجزىء المحرم الإطعام والصوم إلا إذا لم يجد الهدي. والعدل ~~بفتح العين وكسرها لغتان، وهما الميل قاله الكسائي. وقال الفراء عدل ~~الشيء بكسر العين مثله من جنسه، وبفتح العين مثله من غير جنسه، وبمثل قول ~~الكسائي قال البصريون. قوله { ليذوق وبال أمره } عليه لإيجاب ~~الجزاء أي أوجبنا ذلك عليه ليذوق وبال أمره، والذوق مستعار لإدراك ~~المشقة، ومثله # ذق إنك أنت العزيز الكريم # الدخان 49 والوبال سوء العاقبة، والمرعى الوبيل الذي يتأذى به بعد ms1023 أكله، ~~وطعام وبيل إذا كان ثقيلا. قوله { عفا الله عما سلف } يعني في ~~جاهليتكم من قتلكم للصيد. وقيل عما سلف قبل نزول الكفارة { ومن عاد ~~} إلى ما نهيتم عنه من قتل الصيد بعد هذا البيان { فينتقم الله ~~منه } خبر مبتدأ محذوف أي فهو ينتقم الله منه. # وقيل المعنى إن الله ينتقم منه في الآخرة فيعذبه بذنبه. وقيل ينتقم منه ~~بالكفارة. قال شريح وسعيد بن جبير يحكم عليه في أول مرة، فإذا عاد لم ~~يحكم عليه بل يقال له اذهب ينتقم الله منك أي ذنبك أعظم من أن يكفر. قوله ~~{ أحل لكم صيد البحر } الخطاب لكل مسلم أو للمحرمين خاصة، ~~وصيد البحر ما يصاد فيه والمراد بالبحر هنا كل ماء يوجد فيه صيد بحري ~~وإن كان نهرا أو غديرا. قوله { وطعامه متعا لكم ~~وللسيارة } الطعام لكل ما يطعم، وقد تقدم. وقد اختلف في المراد ~~به هنا فقيل هو ما قذف به البحر وطفا عليه، وبه قال كثير من الصحابة ~~والتابعين وقيل طعامه ما ملح منه وبقي، وبه قال جماعة، وروي عن ابن عباس ~~وقيل طعامه ملحه الذي ينعقد من مائه وسائر ما فيه من نبات وغيره، وبه قال ~~قوم. وقيل المراد به ما يطعم من الصيد أي ما يحل أكله وهو السمك فقط، وبه ~~قالت الحنفية. والمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر، وأحل ~~لكم المأكول منه وهو السمك، فيكون التخصيص بعد التعميم، وهو تكلف لا وجه ~~له، ونصب { متاعا } على أنه مصدر أي متعتم به متاعا، وقيل مفعول له ~~مختص بالطعام أي أحل لكم طعام البحر متاعا، وهو تكلف جاء به من قال ~~بالقول الأخير، بل إذا كان مفعولا له كان من الجميع، أي أحل لكم مصيد ~~البحر وطعامه تمتيعا لكم، أي لمن كان مقيما منكم يأكله طريا { ~~وللسيارة } أي المسافرين منكم يتزودونه ويجعلونه قديدا، وقيل ~~السيارة هم الذين يركبونه خاصة. قوله { وحرم عليكم صيد ~~البر ما دمتم حرما } أي حرم عليكم ما يصاد في البر ما دمتم ms1024 ~~محرمين، وظاهره تحريم صيده على المحرم ولو كان الصائد حلالا، وإليه ذهب ~~الجمهور إن كان الحلال صاده للمحرم لا إذا لم يصده لأجله، وهو القول ~~الراجح، وبه يجمع بين الأحاديث وقيل إنه يحل له مطلقا، وإليه ذهب جماعة ~~وقيل يحرم عليه مطلقا، وإليه ذهب آخرون، وقد بسطنا هذا في شرحنا ~~للمنتقى. قوله { واتقوا الله الذى إليه تحشرون } أي ~~اتقوا الله فيما نهاكم عنه. { الذي إليه تحشرون } لا إلى غيره، وفيه ~~تشديد ومبالغة في التحذير. وقرىء " وحرم عليكم صيد البر " ~~بالبناء للفاعل وقرىء " ما دمتم " بكسر الدال. قوله { جعل ~~الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس } جعل هنا ~~بمعنى خلق، وسميت الكعبة كعبة لأنها مربعة، والتكعيب التربيع، وأكثر بيوت ~~العرب مدورة لا مربعة وقيل سميت كعبة لنتوئها وبروزها، وكل بارز كعب ~~مستديرا كان أو غير مستدير، ومنه كعب القدم، وكعوب القنا، وكعب ثدي ~~المرأة، و { البيت الحرام } عطف بيان، وقيل مفعول ثان ولا وجه ~~له، وسمي بيتا لأن له سقوفا وجدرا وهي حقيقة البيت، وإن لم يكن به ~~ساكن، وسمي حراما لتحريم الله سبحانه إياه. # وقوله { قياما للناس } كذا قرأ الجمهور، وقرأ ابن عامر " ~~قيما " وهو منصوب على أنه المفعول الثاني إن كان جعل هو المتعدي إلى ~~مفعولين، وإن كان بمعنى خلق كما تقدم، فهو منتصب على الحال، ومعنى كونه ~~قياما أنه مدار لمعاشهم ودينهم أي يقومون فيه بما يصلح دينهم ودنياهم ~~يأمن فيه خائفهم، وينصر فيه ضعيفهم، ويربح فيه تجارهم، ويتعبد فيه ~~متعبدهم. قوله { والشهر الحرام } عطف على الكعبة، وهو ذو الحجة، ~~وخصه من بين الأشهر الحرم لكونه زمان تأدية الحج، وقيل هو اسم جنس. ~~والمراد به الأشهر الحرم، ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب، فإنهم ~~كانوا لا يطلبون فيها دما، ولا يقاتلون بها عدوا، ولا يهتكون فيها ~~حرمة، فكانت من هذه الحيثية قياما للناس { والهدى والقلئد ~~} أي وجعل الله الهدي والقلائد قياما للناس. والمراد بالقلائد ذوات ~~القلائد من الهدي، ولا مانع من أن يراد بالقلائد أنفسها، والإشارة بذلك ~~إلى الجعل ms1025 أي ذلك الجعل { لتعلموا أن الله يعلم ما فى ~~السموات وما في الأرض } أي لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل أمر ~~السموات والأرض، ويعلم مصالحكم الدينية والدنيوية فإنها من جملة ما ~~فيهما، فكل ما شرعه لكم فهو جلب لمصالحكم، ودفع لما يضركم { وأن ~~الله بكل شىء عليم } هذا تعميم بعد التخصيص، ثم أمرهم بأن ~~يعلموا بأن الله لمن انتهك محارمه ولم يتب عن ذلك شديد العقاب، وأنه لمن ~~تاب وأناب غفور رحيم، ثم أخبرهم أن ما على رسوله إلا البلاغ لهم، فإن لم ~~يمتثلوا ويطيعوا فما ضروا إلا أنفسهم، وما جنوا إلا عليها، وأما الرسول ~~عليه الصلاة والسلام فقد فعل ما يجب عليه، وقام بما أمره الله به. وقد ~~أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن ~~عباس في قوله { ومن قتله منكم متعمدا } قال إن قتله ~~متعمدا أو ناسيا أو خطأ حكم عليه، فإن عاد متعمدا عجلت له العقوبة إلا ~~أن يعفو الله عنه، وفي قوله { فجزاء مثل ما قتل من النعم ~~} قال إذا قتل المحرم شيئا من الصيد حكم عليه فيه، فإن قتل ظبيا أو ~~نحوه فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد ~~فصيام ثلاثة أيام، فإن قتل أيلا ونحوه فعليه بقرة، فإن لم يجد أطعم ~~عشرين مسكينا، فإن لم يجد صام عشرين يوما، وإن قتل نعامة أو حمار وحش ~~أو نحوه فعليه بدنة، فإن لم يجد أطعم ستين مسكينا، فإن لم يجد صام ~~ثلاثين يوما، والطعام مد يشبعهم. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن الحكم، أن عمر كتب أن يحكم عليه ~~في الخطأ والعمد. وأخرجا نحوه عن عطاء. وقد روي نحو هذا عن جماعات من ~~السلف، من غير فرق بين العامد والخاطىء والناسي، وروي عن آخرين اختصاص ~~ذلك بالعامد. وللسلف في تقدير الجزاء المماثل، وتقدير القيمة أقوال ~~مبسوطة في مواطنها. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال في بيضة ms1026 النعام # " صيام يوم أو إطعام مسكين " # وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن ذكوان، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مثله. وأخرج أيضا عن عائشة، عنه صلى الله عليه وسلم نحوه. وأخرج أبو ~~الشيخ، وابن مردويه، من طريق أبي المهزم عن أبي هريرة، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " في بيض النعام ثمنه " # وقد استثنى النبي صلى الله عليه وسلم من حيوانات الحرم الخمس الفواسق، ~~كما ورد ذلك في الأحاديث فإنه يجوز للمحرم أن يقتلها ولا شيء عليه. وأخرج ~~ابن جرير، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ~~تعالى { أحل لكم صيد البحر وطعامه متعا لكم ~~} # " ما لفظه ميتا فهو طعامه " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة موقوفا مثله. وأخرج أبو ~~الشيخ، عن أبي بكر الصديق نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة أن أبا بكر الصديق قال في قوله { أحل ~~لكم صيد البحر وطعامه } قال صيد البحر ما تصطاده أيدينا، ~~وطعامه مالاثه البحر، وفي لفظ «طعامه كل ما فيه». وفي لفظ «طعامه ميتته». ~~ويؤيد هذا ما في الصحيحين من حديث العنبرة التي ألقاها البحر فأكل ~~الصحابة منها، وقررهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، وحديث هو # " الطهور ماؤه والحل ميتته " # وحديث # " أحل لكم ميتتان ودمان " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { جعل الله ~~الكعبة البيت الحرام قياما للناس } قال قياما ~~لدينهم ومعالم حجهم. وأخرج ابن جرير، عنه قال قيامها أن يأمن من توجه ~~إليها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شهاب قال جعل الله الكعبة البيت ~~الحرام والشهر الحرام قياما للناس يأمنون به في الجاهلية الأولى، لا ~~يخاف بعضهم من بعض حين يلقونهم عند البيت، أو في الحرم، أو في الشهر ~~الحرام. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ~~قتادة في قوله { جعل الله الكعبة البيت الحرام ~~قياما للناس والشهر ms1027 الحرام والهدى والقلئد ~~} قال حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية، فكان الرجل لو جر كل ~~جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يقرب، وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه ~~في الشهر الحرام، لم يعرض له ولم يقربه، وكان الرجل لو لقي الهدي مقلدا ~~وهو يأكل العصب من الجوع لم يعرض له ولم يقربه، وكان الرجل إذا أراد ~~البيت تقلد قلادة من شعر، فحمته ومنعته من الناس، وكان إذا نفر تقلد ~~قلادة من الأذخر أو من السمر، فتمنعه من الناس حتى يأتي أهله حواجز ~~أبقاها الله بين الناس في الجاهلية. # وأخرج أبو الشيخ، عن زيد بن أسلم { قياما للناس } قال أمنا. ### || [5.100-104] # قيل المراد بالخبيث والطيب الحرام والحلال، وقيل المؤمن والكافر، وقيل ~~العاصي والمطيع، وقيل الرديء والجيد. والأولى أن الاعتبار بعموم اللفظ ~~فيشمل هذه المذكورات وغيرها مما يتصف بوصف الخبث والطيب من الأشخاص ~~والأعمال والأقوال، فالخبيث لا يساوي الطيب بحال من الأحوال. قوله { ~~ولو أعجبك كثرة الخبيث } قيل الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، وقيل لكل مخاطب يصلح لخطابه بهذا. والمراد نفي الاستواء في كل ~~الأحوال، ولو في حال كون الخبيث معجبا للرائي للكثرة التي فيه، فإن هذه ~~الكثرة مع الخبيث في حكم العدم، لأن خبث الشيء يبطل فائدته، ويمحو بركته، ~~ويذهب بمنفعته، والواو إما للحال أو للعطف على مقدر أي لا يستوي الخبيث ~~والطيب، لو لم تعجبك كثرة الخبيث، ولو أعجبك كثرة الخبيث، كقولك أحسن إلى ~~فلان، وإن أساء إليك، أي أحسن إليه إن لم يسىء إليك، وإن أساء إليك، ~~وجواب " لو " محذوف أي ولو أعجبك كثرة الخبيث فلا يستويان. قوله { ~~ياأيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء إن ~~تبد لكم تسؤكم } أي لا تسألوا عن أشياء لا حاجة لكم بالسؤال ~~عنها، ولا هي مما يعنيكم في أمر دينكم، فقوله { إن تبد لكم ~~تسؤكم } في محل جر صفة لأشياء أي لا تسألوا عن أشياء متصفة بهذه ~~الصفة من كونها إذا بدت لكم أي ظهرت وكلفتم بها ساءتكم، نهاهم ms1028 الله عن ~~كثرة مساءلتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن السؤال عما لا يعني ~~ولا تدعو إليه حاجة قد يكون سببا لإيجابه على السائل وعلى غيره. قوله { ~~وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم } ~~هذه الجملة من جملة صفة أشياء، والمعنى لا تسألوا عن أشياء إن تسألوا ~~عنها حين ينزل القرآن، وذلك مع وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~أظهركم، ونزول الوحي عليه { تبد لكم } أي تظهر لكم بما يجيب عليكم ~~به النبي صلى الله عليه وسلم، أو ينزل به الوحي، فيكون ذلك سببا ~~للتكاليف الشاقة وإيجاب ما لم يكن واجبا وتحريم ما لم يكن محرما، ~~بخلاف السؤال عنها بعد انقطاع الوحي بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فإنه لا إيجاب ولا تحريم يتسبب عن السؤال. وقد ظن بعض أهل التفسير، أن ~~الشرطية الثانية فيها إباحة السؤال، مع وجود رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ونزول الوحي عليه، فقال إن الشرطية الأولى أفادت عدم جواز السؤال، ~~والثانية أفادت جوازه، فقال إن المعنى وإن تسألوا عن غيرها مما مست إليه ~~الحاجة تبد لكم بجواب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، وجعل الضمير في ~~{ عنها } راجعا إلى أشياء غير الأشياء المذكورة، وجعل ذلك كقوله # ولقد خلقنا الإنسن من سللة من طين # المؤمنون 12 وهو آدم، ثم قال # ثم جعلنه نطفة # المؤمنون 13 أي ابن آدم. قوله { عفا الله عنها } أي عما سلف من ~~مسألتكم فلا تعودوا إلى ذلك. وقيل المعنى إن تلك الأشياء التي سألتم عنها ~~هي مما عفا عنه، ولم يوجبه عليكم، فكيف تتسببون بالسؤال لإيجاب ما هو عفو ~~من الله غير لازم؟ وضمير { عنها } عائد إلى المسألة الأولى، وإلى ~~أشياء على الثاني، على أن تكون جملة { عفا الله عنها } صفة ثالثة لأشياء، ~~والأول أولى لأن الثاني يستلزم أن يكون ذلك المسؤول عنه قد شرعه الله ثم ~~عفا عنه، ويمكن أن يقال إن العفو بمعنى الترك أي تركها الله ولم يذكرها ~~بشيء فلا تبحثوا عنها، ms1029 وهذا معنى صحيح لا يستلزم ذلك اللازم الباطل، ثم ~~جاء سبحانه بصيغة المبالغة في كونه غفورا حليما ليدل بذلك على أنه لا ~~يعاجل من عصاه بالعقوبة لكثرة مغفرته وسعة حلمه. قوله { قد سألها ~~قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كفرين } الضمير ~~يرجع إلى المسألة المفهومة من { لا تسألوا } لكن ليست هذه المسألة ~~بعينها، بل مثلها في كونها مما لا حاجة إليه، ولا توجبه الضرورة الدينية ~~ثم لم يعملوا بها، بل أصبحوا بها كافرين أي ساترين لها تاركين للعمل بها، ~~وذلك كسؤال قوم صالح الناقة، وأصحاب عيسى المائدة، ولا بد من تقييد النهي ~~في هذه الآية بما لا تدعو إليه حاجة كما قدمنا، لأن الأمر الذي تدعو ~~الحاجة إليه في أمور الدين والدنيا، قد أذن الله بالسؤال عنه فقال # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # الأنبياء 7 وقال صلى الله عليه وسلم # " قاتلهم الله ألا سألوا فإنما شفاء العي السؤال " # قوله { ما جعل الله من بحيرة } هذا كلام مبتدأ يتضمن الرد ~~على أهل الجاهلية فيما ابتدعوه، وجعل ههنا بمعنى سمي كما قال # إنا جعلنه قرءانا عربيا # الزخرف 3. والبحيرة فعيلة بمعنى مفعولة كالنطيحة والذبيحة، وهي مأخوذة ~~من البحر، وهو شق الأذن، قال ابن سيده البحيرة هي التي خليت بلا راع قيل ~~هي التي يجعل درها للطواغيت، فلا يحتلبها أحد من الناس، وجعل شق أذنها ~~علامة لذلك. وقال الشافعي كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن إناثا بحرت ~~أذنها فحرمت. وقيل إن الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، فإن كان الخامس ذكرا، ~~بحروا أذنه فأكله الرجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى، بحروا أذنها ~~وكانت حراما على النساء لحمها ولبنها. وقيل إذا نتجت الناقة خمسة أبطن ~~من غير تقييد بالإناث شقوا أذنها وحرموا ركوبها ودرها. والسائبة الناقة ~~تسيب، أو البعير يسيب نذر على الرجل إن سلمه الله من مرض أو بلغه منزلة، ~~فلا يحبس عن رعي ولا ماء، ولا يركبه أحد قاله أبو عبيد. # قال الشاعر # وسائبة لله تنمي تشكرا إن الله عافا عامرا ومجاشعا ms1030 # وقيل هي التي تسيب لله فلا قيد عليها ولا راعي لها، ومنه قول الشاعر # عقرتم ناقة كانت لربي مسيبة فقوموا للعقاب # وقيل هي التي تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر، فعند ذلك لا يركب ~~ظهرها، ولا يجز وبرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف. وقيل كانوا يسيبون العبد، ~~فيذهب حيث يشاء لا يد عليه لأحد. والوصيلة قيل هي الناقة إذا ولدت أنثى ~~بعد أنثى. وقيل هي الشاة كانت إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرا فهو ~~لآلهتهم، وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر ~~لآلهتهم. وقيل كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا فإن كان السابع ~~ذكرا ذبح فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت في الغنم، وإن ~~كان ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبح لمكانها، وكان لحمها حراما ~~على النساء، إلا أن يموت فيأكلها الرجال والنساء. والحام الفحل الحامي ~~ظهره عن أن يركب، وكانوا إذا ركب ولد الفحل قالوا حمى ظهره فلا يركب، قال ~~الشاعر # حماها أبو قابوس في عز ملكه كما قد حمى أولاد أولاده الفحل # وقيل هو الفحل إذا نتج من صلبه عشرة، قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا ~~يمنع من كلأ ولا ماء، ثم وصفهم الله سبحانه بأنهم ما قالوا ذلك إلا ~~افتراء على الله وكذبا، لا لشرع شرعه الله لهم، ولا لعقل دلهم عليه، ~~وسبحان الله العظيم ما أرك عقول هؤلاء وأضعفها؟ يفعلون هذه الأفاعيل ~~التي هي محض الرقاعة، ونفس الحمق { وإذا قيل لهم تعالوا ~~إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما ~~وجدنا عليه ءاباءنا } وهذا أفعال آبائهم وسننهم التي سنوها ~~لهم، وصدق الله سبحانه حيث يقول { أولو كان آباؤهم لا ~~يعلمون شيئا ولا يهتدون } أي ولو كانوا جهلة ضالين، والواو ~~للحال دخلت عليها همزة الاستفهام. وقيل للعطف على جملة مقدرة أي أحسبهم ~~ذلك ولو كان آباؤهم. وقد تقدم الكلام على مثل هذه الآية في البقرة. وقد ~~صارت هذه المقالة التي قالتها الجاهلية نصب أعين المقلدة ms1031 وعصاهم التي ~~يتوكؤون عليها إن دعاهم داعي الحق وصرخ لهم صارخ الكتاب والسنة فاحتجاجهم ~~بمن قلدوه ممن هو مثلهم في التعبد بشرع الله، مع مخالفة قوله لكتاب الله، ~~أو لسنة رسوله، هو كقول هؤلاء، وليس الفرق إلا في مجرد العبارة اللفظية، ~~لا في المعنى الذي عليه تدور الإفادة والاستفادة، اللهم غفرا. وقد أخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي في الآية قال الخبيث هم ~~المشركون، والطيب هم المؤمنون، وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما، عن أنس قال ~~خطب النبي صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال رجل من أبي؟ ~~فقال فلان، فنزلت هذه الآية { لا تسألوا عن أشياء }. # وأخرج البخاري وغيره نحوه من حديث ابن عباس، وقد بين هذا السائل في ~~روايات أخر، أنه عبد الله بن حذافة، وأنه قال من أبي؟ قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " أبوك حذافة " # وأخرج ابن حبان، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ~~فقال # " يا أيها الناس إن الله قد افترض عليكم الحج " # ، فقام رجل، فقال أكل عام يا رسول الله؟ فسكت عنه، فأعادها ثلاث مرات، ~~فقال # " لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها، ذروني ما تركتكم فإنما هلك ~~الذين قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء ~~فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم " # ، وذلك أن هذه الآية أعني { لا تسألوا عن أشياء } نزلت في ~~ذلك. وقد أخرج عنه نحو هذا ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه. وأخرج ابن ~~جرير، والطبراني، وابن مردويه، عن أبي أمامة الباهلي نحوه. وأخرج ابن ~~مردويه، عن أبي مسعود، نحوه أيضا. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس نحوه ~~أيضا. وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجه وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والدارقطني، والحاكم، وابن مردويه، عن علي نحوه، وكل هؤلاء صرحوا في ~~أحاديثهم أن الآية نزلت في ذلك. وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما، عن سعد بن ~~أبي وقاص، قال كانوا يسألون عن الشيء وهو لهم حلال، فما ms1032 زالوا يسألون حتى ~~يحرم عليهم، وإذا حرم عليهم وقعوا فيه. وأخرج ابن المنذر عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فيحرم من أجل ~~مسألته " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، عن أبي ثعلبة الخشني قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرم ~~أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء في غير نسيان ولكن رحمة لكم فاقبلوها ولا ~~تبحثوا عنها " # وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، ~~عن ابن عباس في قوله { لا تسألوا عن أشياء } قال البحيرة ~~والسائبة والوصيلة والحام. وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما، عن سعيد بن ~~المسيب قال البحيرة التي يمنع درها للطواغيت، ولا يجلها أحد من الناس ~~والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء والوصيلة الناقة ~~البكر، تبكر في أول نتاج الإبل ثم تثني بعد بأنثى. وكانوا يسيبونها ~~لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى، ليس بينهما ذكر والحامي فحل الإبل، ~~يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل، ~~فلم يحمل عليه شيء وسموه الحامي. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طريق علي بن أبي طلحة ~~عن ابن عباس قال البحيرة الناقة إذا نتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس، ~~فإن كان ذكرا ونحوه فأكله الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى جدعوا ~~آذانها فقالوا هذه بحيرة. وأما السائبة فكانوا يسيبون من أنعامهم لآلهتهم ~~لا يركبون لها ظهرا، ولا يحلبون لها لبنا، ولا يجزون لها وبرا، ولا ~~يحملون عليها شيئا. وأما الوصيلة فالشاة إذا نتجت سبعة أبطن نظروا إلى ~~السابع، فإن كان ذكرا أو أثنى وهو ميت اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن ~~كانت أنثى استحيوها، وإن كان ذكرا أو أنثى في بطن استحيوهما وقالوا ~~وصلته أخته فحرمته علينا، وأما الحام فالفحل من الإبل إذا ولد لولده ~~قالوا حمى هذا ظهره فلا يحملون عليه شيئا، ولا ms1033 يجزون له وبرا، ولا ~~يمنعونه من حمى ولا من حوض يشرب منه، وإن كان الحوض لغير صاحبه. وأخرج ~~نحوه عنه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق العوفي. ### || [5.105] # أي الزموا أنفسكم أو احفظوها كما تقول عليك زيدا أي الزمه، قرىء " لا ~~يضركم " بالجزم على أنه جواب الأمر الذي يدل عليه اسم الفعل. وقرأ ~~نافع وغيره بالرفع على أنه مستأنف، كقول الشاعر # فقال رائدهم أرسوا نزاولها # أو على أن ضم الراء للاتباع، وقرىء { لا يضركم } بكسر الضاد، ~~وقرىء «لا يضيركم» والمعنى لا يضركم ضلال من ضل من الناس إذا اهتديتم ~~للحق أنتم في أنفسكم، وليس في الآية ما يدل على سقوط الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر فإن من تركه مع كونه من أعظم الفروض الدينية فليس ~~بمهتد. وقد قال الله سبحانه { إذا اهتديتم } وقد دلت الآيات ~~القرآنية، والأحاديث المتكاثرة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~وجوبا مضيقا متحتما، فتحمل هذه الآية على من لا يقدر على القيام بواجب ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو لا يظن التأثير بحال من الأحوال، أو ~~يخشى على نفسه أن يحل به ما يضره ضررا يسوغ له معه الترك { إلى ~~الله مرجعكم } يوم القيامة { فينبئكم بما كنتم ~~تعملون } في الدنيا فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. وقد ~~أخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد ابن حميد، وأبو داود، والترمذي وصححه، ~~والنسائي وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، ~~والدارقطني والضياء، في المختارة وغيرهم، عن قيس بن أبي حازم قال قام أبو ~~بكر، فحمد الله وأثنى عليه وقال يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية { ~~ياأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم ~~من ضل إذا اهتديتم } وإنكم تضعونها على غير مواضعها، وإني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب " # وفي لفظ لابن جرير عنه # " والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليعمنكم الله منه ~~بعقاب " # وأخرج الترمذي وصححه، ms1034 وابن ماجه، وابن جرير، والبغوي في معجمه، وابن أبي ~~حاتم والطبراني، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في ~~الشعب عن أبي أمية الشعثاني قال أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له كيف تصنع ~~في هذه الآية؟ قال أية آية؟ قلت قوله { ياأيها الذين ءامنوا ~~عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ~~} قال أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال # " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى ~~متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر ~~العوام، فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل ~~فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم " # وفي لفظ قيل يا رسول الله أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال # " بل أجر خمسين منكم " # وأخرج أحمد وابن أبي حاتم، والطبرني وابن مردويه، عن عامر الأشعري أنه ~~كان فيهم أعمى، فاحتبس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه فقال # " ما حبسك؟ " # قال يا رسول الله قرأت هذه الآية { ياأيها الذين ءامنوا ~~عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ~~} قال فقال له النبي صلى الله عليه وسلم # " أين ذهبتم؟ إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم " # وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~والطبراني، وأبو الشيخ عن الحسن أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله { ~~عليكم أنفسكم } فقال يا أيها الناس إنه ليس بزمانها إنها اليوم ~~مقبولة، ولكنه قد أوشك أن يأتي زمان تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا، ~~أو قال فلا يقبل منكم، فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم. ~~وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد عنه في الآية قال # " مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما لم يكن من دون ذلك السوط والسيف، ~~فإذا كان كذلك فعليكم أنفسكم " # وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن ابن عمر، أنه قال في هذه ms1035 الآية إنها ~~لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن ~~جرير، عن رجل قال كنت في خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة في حلقة فيهم ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيهم شيخ حسبت أنه قال أبي ~~بن كعب، فقرأ { عليكم أنفسكم } فقال إنما تأويلها في آخر ~~الزمان. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن أبي مازن قال ~~انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قوم جلوس فقرأ أحدهم { ~~عليكم أنفسكم } فقال أكثرهم لم يجيء تأويل هذه الآية اليوم. ~~وأخرج ابن جرير عن جبير بن نفير قال كنت في حلقة فيها أصحاب النبي وإني ~~لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت أليس الله ~~يقول { عليكم أنفسكم }؟ فأقبلوا علي بلسان واحد فقالوا تنزع ~~آية من القرآن لا نعرفها ولا ندري ما تأويلها؟ حتى تمنيت أني لم أكن ~~تكلمت، ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا إنك غلام حدث السن، ~~وإنك نزعت آية لا ندري ما هي؟ وعسى أن تدرك ذلك الزمان # " إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك ~~بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت " # وأخرج ابن مردويه، عن معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو ~~حديث أبي ثعلبة الخشني المتقدم، وفي آخره # " كأجر خمسين رجلا منكم " # وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري قال ذكرت هذه الآية عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " لم يجيء تأويلها، لا يجيء تأويلها حتى يهبط عيسى ابن مريم عليه السلام ~~" # ، والروايات في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية، ففيه ما يرشد إلى ~~ما قدمناه من الجمع بين هذه الآية وبين الآيات والأحاديث الواردة في ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ### || [5.106-108] # قال مكي هذه الآيات الثلاث عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن ~~إعرابا ومعنى وحكما. قال ابن عطية هذا كلام من لم يقع له النتاج في ~~تفسيرها، وذلك ms1036 بين من كتابه رحمه الله، يعني من كتاب مكي. قال القرطبي ما ~~ذكره مكي ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضا. قال السعد في حاشيته على ~~الكشاف واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعرابا ونظما وحكما. قوله ~~{ شهدة بينكم } أضاف الشهادة إلى البين توسعا لأنها جارية ~~بينهم وقيل أصله شهادة ما بينكم فحذفت «ما»، وأضيفت إلى الظرف كقوله ~~تعالى # بل مكر اليل والنهار # سبأ 33 ومنه قول الشاعر # تصافح من لاقيت لي ذا عداوة صفايا وعني بين عينيك منزوي # أراد ما بين عينيك، ومثله قول الآخر # ويوما شهدناه سليما وعامرا # أي شهدنا فيه، ومنه قوله تعالى # هذا فراق بينى وبينك # الكهف 78 قيل والشهادة هنا بمعنى الوصية وقيل بمعنى الحضور للوصية. وقال ~~ابن جرير الطبري هي هنا بمعنى اليمين، فيكون المعنى يمين ما بينكم أن ~~يحلف اثنان، واستدل على ما قاله بأنه لا يعلم لله حكما يجب فيه على ~~الشاهد يمين. واختار هذا القول القفال، وضعف ذلك ابن عطية، واختار أن ~~الشهادة هنا هي الشهادة التي تؤدى من الشهود. قوله { إذا حضر ~~أحدكم الموت } ظرف للشهادة، والمراد إذا حضرت علاماته، لأن من ~~مات لا يمكنه الإشهاد، وتقديم المفعول للاهتمام ولكمال تمكن الفاعل عند ~~النفس. وقوله { حين الوصية } ظرف لحضر أو للموت، أو بدل من الظرف ~~الأول. وقوله { اثنان } خبر شهادة على تقدير محذوف، أي شهادة اثنين ~~أو فاعل للشهادة على أن خبرها محذوف، أي فيما فرض عليكم شهادة بينكم ~~اثنان على تقدير أن يشهد اثنان، ذكر الوجهين أبو علي الفارسي. قوله { ~~ذوا عدل منكم } صفة للاثنان وكذا منكم أي كائنان منكم، أي من ~~أقاربكم { أو آخران } معطوف على { اثنان } ، و { من غيركم } ~~صفة له، أي كائنان من الأجانب وقيل إن الضمير في { منكم } للمسلمين، ~~وفي { غيركم } للكفار وهو الأنسب لسياق الآية، وبه قال أبو موسى ~~الأشعري، وعبد الله بن عباس وغيرهما، فيكون في الآية دليل على جواز شهادة ~~أهل الذمة على المسلمين في السفر، في خصوص الوصايا كما يفيده النظم ms1037 ~~القرآني، ويشهد له السبب للنزول وسيأتي، فإذا لم يكن مع الموصي من يشهد ~~على وصيته من المسلمين فليشهد رجلان من أهل الكفر، فإذا قدما وأديا ~~بالشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا ولا بدلا، وأن ما ~~شهدا به حق، فيحكم حينئذ بشهادتهما { فإن عثر } بعد ذلك { على ~~أنهما } كذبا أو خانا حلف رجلان من أولياء الموصي وغرم الشاهدان ~~الكافران ما ظهر عليهما من خيانة أو نحوها، هذا معنى الآية عند من تقدم ~~ذكره، وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر، وسعيد بن جبير، وأبو مجلز، ~~والنخعي وشريح، وعبيدة السلماني، وابن سيرين، ومجاهد، وقتادة، والسدي، ~~والثوري، وأبو عبيد، وأحمد بن حنبل. # وذهب إلى الأول أعني تفسير ضمير { منكم } بالقرابة أو العشيرة، ~~وتفسير { من غيركم } بالأجانب الزهري والحسن وعكرمة. وذهب مالك ~~والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم من الفقهاء أن الآية منسوخة، واحتجوا بقوله # ممن ترضون من الشهداء # البقرة 282 وقوله # وأشهدوا ذوى عدل منكم # الطلاق 2 والكفار ليسوا بمرضيين ولا عدول، وخالفهم الجمهور فقالوا الآية ~~محكمة، وهو الحق لعدم وجود دليل صحيح يدل على النسخ. وأما قوله تعالى # ممن ترضون من الشهداء # البقرة 282 وقوله # وأشهدوا ذوى عدل منكم # الطلاق 2 فهما عامان في الأشخاص والأزمان والأحوال، وهذه الآية خاصة ~~بحالة الضرب في الأرض وبالوصية وبحالة عدم الشهود المسلمين، ولا تعارض ~~بين عام وخاص. قوله { إن أنتم } هو فاعل فعل محذوف يفسره ضربتم، أو ~~مبتدأ وما بعده خبر، والأول مذهب الجمهور من النحاة، والثاني مذهب ~~الأخفش والكوفيين، والضرب في الأرض هو السفر. وقوله { فأصابتكم ~~مصيبة الموت } معطوف على ما قبله وجوابه محذوف أي إن ضربتم في ~~الأرض فنزل بكم الموت، وأردتم الوصية، ولم تجدوا شهودا عليها مسلمين، ثم ~~ذهبا إلى ورثتكم بوصيتكم وبما تركتم فارتابوا في أمرهما وادعوا عليها ~~خيانة، فالحكم أن تحبسوهما، ويجوز أن يكون استئنافا لجواب سؤال مقدر، ~~كأنهم قالوا فكيف نصنع إن ارتبنا في الشهادة؟ فقال تحبسونهما من بعد ~~الصلاة إن ارتبتم في شهادتهما. وخص بعد الصلاة، ms1038 أي صلاة العصر، قاله ~~الأكثر لكونه الوقت الذي يغضب الله على من حلف فيه فاجرا كما في الحديث ~~الصحيح. وقيل لكونه وقت اجتماع الناس وقعود الحكام للحكومة وقيل صلاة ~~الظهر. وقيل أي صلاة كانت. قال أبو علي الفارسي { تحبسونهما } ~~صفة لآخران، واعترض بين الصفة والموصوف بقوله { إن أنتم ضربتم ~~فى الأرض } ، والمراد بالحبس توقيف الشاهدين في ذلك الوقت لتحليفهما، ~~وفيه دليل على جواز الحبس بالمعنى العام، وعلى جواز التغليظ على الحالف ~~بالزمان والمكان ونحوهما. قوله { فيقسمان بالله } معطوف على { ~~تحبسونهما } أي يقسم بالله الشاهدان على الوصية أو الوصيان. وقد ~~استدل بذلك ابن أبي ليلى على تحليف الشاهدين مطلقا إذا حصلت الريبة في ~~شهادتهما، وفيه نظر لأن تحليف الشاهدين هنا إنما هو لوقوع الدعوى عليهما ~~بالخيانة أو نحوها. قوله { إن ارتبتم } جواب هذا الشرط محذوف دل ~~عليه ما تقدم كما سبق. قوله { لا نشترى به ثمنا } جواب القسم، ~~والضمير في { به } راجع إلى الله تعالى. # والمعنى لا نبيع حظنا من الله تعالى بهذا العرض النزر، فنحلف به كاذبين ~~لأجل المال الذي ادعيتموه علينا. وقيل يعود إلى القسم أي لا نستبدل بصحة ~~القسم بالله عرضا من أعراض الدنيا. وقيل يعود إلى الشهادة، وإنما ذكر ~~الضمير لأنها بمعنى القول، أي لا نستبدل بشهادتنا ثمنا. قال الكوفيون ~~المعنى ذا ثمن، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وهذا مبني على أن ~~العروض لا تسمى ثمنا، وعند الأكثر أنها تسمى ثمنا، كما تسمى مبيعا. ~~قوله { ولو كان ذا قربى } أي ولو كان المقسم له، أو المشهود له ~~قريبا فإنا نؤثر الحق والصدق، ولا نؤثر العرض الدنيوي، ولا القرابة، ~~وجواب " لو " محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي ولو كان ذا قربى، لا نشتري ~~به ثمنا. قوله { ولا نكتم شهدة الله } معطوف على { لا ~~نشترى } داخل معه في حكم القسم، وأضاف الشهادة إلى الله سبحانه لكونه ~~الآمر بإقامتها والناهي عن كتمها. قوله { فإن عثر على ~~أنهما استحقا إثما } عثر على كذا اطلع عليه، يقال عثرت منه ~~على خيانة ms1039 أي اطلعت وأعثرت غيري عليه، ومنه قوله تعالى # وكذلك أعثرنا عليهم # الكهف 21 وأصل العثور الوقوع والسقوط على الشيء، ومنه قول الأعشى # بذات لوث عفرناة إذ عثرت فالتعس أولى لها من أن أقول لعا # والمعنى أنه إذا اطلع بعد التحليف على أن الشاهدين أو الوصيين استحقا ~~إثما، أي استوجبا إثما إما بكذب في الشهادة أو اليمين، أو بظهور خيانة. ~~قال أبو علي الفارسي الإثم هنا اسم الشيء المأخوذ لأن آخذه يأثم بأخذه، ~~فسمى إثما كما سمى ما يؤخذ بغير حق مظلمة. وقال سيبويه المظلمة اسم ما ~~أخذ منك فكذلك سمي هذا المأخوذ، باسم المصدر. قوله { فآخران ~~يقومان مقامهما } أي فشاهدان آخران أو فحالفان آخران يقومان ~~مقام اللذين عثر على أنهما استحقا إثما فيشهدان أو يحلفان على ما هو ~~الحق، وليس المراد أنهما يقومان مقامهما في أداء الشهادة التي شهدها ~~المستحقان للإثم. قوله { من الذين استحق عليهم ~~الأوليان } استحق مبني للمفعول، في قراءة الجمهور، وقرأ علي وأبي ~~وابن عباس وحفص على البناء للفاعل، و { الأوليان } على القراءة ~~الأولى مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هما الأوليان، كأنه قيل من ~~هما؟ فقيل هما الأوليان. وقيل هو بدل من الضمير في يقومان أو من آخران. ~~وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة " الأولين " جمع أول على أنه بدل من ~~الذين، أو من الهاء والميم في عليهم. وقرأ الحسن «الأولان». والمعنى على ~~بناء الفعل للمفعول من الذين استحق عليهم الإثم أي جنى عليهم، وهم أهل ~~الميت وعشيرته فإنهم أحق بالشهادة أو اليمين من غيرهم، فالأوليان تثنية ~~أولى. # والمعنى على قراءة البناء للفاعل من الذين استحق عليهم الأوليان من ~~بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة. وقيل المفعول محذوف، ~~والتقدير من الذين استحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها. ~~قوله { فيقسمان } بالله عطف على { يقومان } أي فيحلفان بالله ~~لشهادتنا، أي يميننا، فالمراد بالشهادة هنا اليمين، كما في قوله تعالى # فشهدة أحدهم أربع شهدات بالله # النور 6 أي يحلفان لشهادتنا على أنهما كاذبان خائنان أحق من ms1040 شهادتهما، ~~أي من يمينهما على أنهما صادقان أمينان { وما اعتدينا } أي ~~تجاوزنا الحق في يميننا { إنا إذا لمن الظلمين } إن كنا ~~حلفنا على باطل. قوله { ذلك أدنى أن يأتوا بالشهدة ~~على وجهها } أي ذلك البيان الذي قدمه الله سبحانه، في هذه القصة ~~وعرفنا كيف يصنع من أراد الوصية في السفر؟ ولم يكن عنده أحد من أهله، ~~وعشيرته، وعنده كفار، أدنى أي أقرب إلى أن يؤدي الشهود المتحملون للشهادة ~~على الوصية بالشهادة على وجهها، فلا يحرفوا ولا يبدلوا، ولا يخونوا ~~وهذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر المنفعة والفائدة، في هذا الحكم الذي شرعه ~~الله في هذا الموضع من كتابه فالضمير في { يأتوا } عائد إلى شهود ~~الوصية من الكفار. وقيل إنه راجع إلى المسلمين المخاطبين بهذا الحكم. ~~والمراد تحذيرهم من الخيانة، وأمرهم بأن يشهدوا بالحق. قوله { أو ~~يخفوا أن ترد أيمن بعد أيمنهم } أي ترد على ~~الورثة فيحلفون على خلاف ما شهد به شهود الوصية فيفتضح حينئذ شهود ~~الوصية، وهو معطوف على قوله { أن يأتوا } فتكون الفائدة في شرع الله ~~سبحانه لهذا الحكم هي أحد الأمرين إما احتراز شهود الوصية عن الكذب ~~والخيانة فيأتون بالشهادة على وجهها، أو يخافوا الافتضاح إذا ردت ~~الأيمان على قرابة الميت فحلفوا بما يتضمن كذبهم أو خيانتهم فيكون ذلك ~~سببا لتأدية شهادة شهود الوصية على وجهها من غير كذب ولا خيانة. وقيل إن ~~{ يخفوا } معطوف على مقدر بعد الجملة الأولى، والتقدير ذلك أدنى ~~أن يأتوا بالشهادة على وجهها، ويخافوا عذاب الآخرة بسبب الكذب والخيانة، ~~أو يخافوا الافتضاح برد اليمين، فأي الخوفين وقع حصل المقصود { ~~واتقوا الله } في مخالفة أحكامه { والله لا يهدى ~~القوم الفسقين } الخارجين عن طاعته بأي ذنب، ومنه الكذب في ~~اليمين أو الشهادة.وحاصل ما تضمنه هذا المقام من الكتاب العزيز، أن من ~~حضرته علامات الموت أشهد على وصيته عدلين من عدول المسلمين، فإن لم يجد ~~شهودا مسلمين، وكان في سفر، ووجد كفارا جاز له أن يشهد رجلين منهم على ~~وصيته، فإن ارتاب بهما ورثة الموصي حلفا ms1041 بالله على أنهما شهدا بالحق، ~~وما كتما من الشهادة شيئا ولا خانا مما تركه الميت شيئا، فإن تبين بعد ~~ذلك خلاف ما أقسما عليه من خلل في الشهادة أو ظهور شيء من تركة الميت ~~زعما أنه قد صار في ملكهما بوجه من الوجوه حلف رجلان من الورثة وعمل ~~بذلك. # وقد أخرج الترمذي وضعفه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والنحاس في تاريخه، ~~وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة من طريق أبي النضر، وهو ~~الكلبي، عن باذان مولى أم هانىء عن ابن عباس، عن تميم الداري في هذه ~~الآية { ياأيها الذين ءامنوا شهدة بينكم إذا ~~حضر أحدكم الموت } قال برىء الناس منها غيري وغير عدي بن ~~بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام ~~لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بديل بن أبي مريم بتجارة، ~~ومعه جام من فضة يريد به الملك، وهو عظم تجارته، فمرض فأوصى إليهما ~~وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله قال تميم فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه ~~بألف درهم، ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بداء، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا ~~إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه، فقلنا ما ترك غير هذا، أو ~~ما دفع إلينا غيره قال تميم فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، وأديت إليهم ~~خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فأتوا به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على ~~أهل دينه، فحلف فأنزل الله { ياأيها الذين ءامنوا ~~شهدة بينكم } إلى قوله { أن ترد أيمن بعد ~~أيمنهم } فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا، فنزعت الخمسمائة ~~درهم من عدي بن بداء. وفي إسناده أبو النضر، وهو محمد بن السائب الكلبي ~~صاحب التفسير، قال الترمذي تركة أهل العلم بالحديث. وأخرج البخاري في ~~تاريخه، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر، والنحاس، والطبراني، ~~وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي ms1042 في سننه، عن ابن عباس قال خرج رجل من ~~بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم، ~~فأوصى إليهما فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب، ~~فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم # " بالله ما كتمتماها ولا اطلعتما " # ، ثم وجدوا الجام بمكة. فقيل اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من ~~أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وإن الجام لصاحبهم، ~~وأخذوا الجام، قال وفيهم نزلت { ياأيها الذين ءامنوا ~~شهدة بينكم } الآية، وفي إسناده محمد بن أبي القاسم الكوفي، ~~قال الترمذي قيل إنه صالح الحديث. وقد روى ذلك أبو داود من طريقه. وقد ~~روى جماعة من التابعين أن هذه القصة هي السبب في نزول الآية، وذكرها ~~المفسرون في تفاسيرهم. وقال القرطبي إنه أجمع أهل التفسير على أن هذه ~~القصة هي سبب نزول الآية. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس من طريق علي بن ~~أبي طلحة، عن ابن عباس { ياأيها الذين ءامنوا شهدة ~~بينكم } الآية قال هذا لمن مات وعنده المسلمون أمره الله أن يشهد ~~على وصيته عدلين مسلمين. ثم قال { أو آخران من غيركم إن ~~أنتم ضربتم في الأرض } فهذا لمن مات وليس عنده أحد من ~~المسلمين، أمر الله بشهادة رجلين من غير المسلمين، فإن ارتيب بشهادتهما ~~استحلفا بالله بعد الصلاة ما اشتريا بشهادتهما ثمنا قليلا، فإن اطلع ~~الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، وثم رجلان من الأولياء ~~فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة، فذلك قوله { فإن عثر على ~~أنهما استحقا إثما } يقول إن اطلع على أن الكافرين كذبا. { ~~ذلك أدنى أن } يأتي الكافران { بالشهدة على وجهها ~~أو يخفوا أن ترد أيمن بعد أيمنهم } فتترك ~~شهادة الكافرين ويحكم بشهادة الأولياء، فليس على شهود المسلمين أقسام ~~إنما الأقسام إذا كانا كافرين. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن ~~مسعود أنه سئل عن هذه الآية فقال هذا رجل خرج مسافرا ومعه مال فأدركه ~~قدره، فإن وجد رجلين من المسلمين ms1043 دفع إليهما تركته، وأشهد عليهما عدلين ~~من المسلمين، فإن لم يجد عدلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب، فإن ~~أدى فسبيل ما أدى، وإن جحد استحلف بالله الذي لا إله إلا هو دبر صلاة، ~~إن هذا الذي دفع إلي وما غيبت منه شيئا، فإذا حلف برىء. فإذا أتى بعد ~~ذلك صاحبا الكتاب فشهدا عليه، ثم ادعى القوم عليه من تسميتهم ما لهم جعلت ~~أيمان الورثة مع شهادتهم ثم اقتطعوا حقه، فذلك الذي يقول الله { اثنان ~~ذوا عدل منكم أو ءاخران من غيركم }. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله ~~{ آخران من غيركم } قال من غير المسلمين من أهل الكتاب. وأخرج ~~ابن جرير، عن ابن عباس قال هذه الآية منسوخة. وأخرج ابن جرير عن زيد بن ~~أسلم في الآية قال كان ذلك في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام، ~~وذلك في أول الإسلام، والأرض حرب، والناس كفار، إلا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه بالمدينة، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نسخت ~~الوصية وفرضت الفرائض وعمل المسلمون بها. وأخرج ابن جرير أيضا عن الزهري ~~قال مضت السنة أن لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر، إنما هي في ~~المسلمين. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن عبيدة في ~~قوله { تحبسونهما من بعد الصلوة } قال صلاة العصر. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله { لا نشترى به ~~ثمنا } قال لا نأخذ به رشوة { ولا نكتم شهدة الله } ~~وإن كان صاحبها بعيدا. # وأخرج عبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله { فإن ~~عثر على أنهما استحقا إثما } قال بالميت. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله { ~~ذلك أدنى أن يأتوا بالشهدة على وجهها } يقول ~~ذلك أحرى أن يصدقوا في شهادتهم { أو يخفوا أن ترد ~~أيمن بعد أيمنهم } يقول وأن يخافوا العتب. وأخرج ابن ~~جرير ms1044 عن ابن زيد في قوله { أو يخفوا أن ترد أيمن ~~بعد أيمنهم } قال فيبطل أيمانهم ويؤخذ أيمان هؤلاء. ### || [5.109-111] # قوله { يوم يجمع الله الرسل } العامل في الظرف فعل مقدر، ~~أي اسمعوا، أو اذكروا، أو احذروا. وقال الزجاج هو منصوب بقوله # واتقوا الله # المائدة 108 المذكور في الآية الأولى. وقيل بدل من مفعول { اتقوا } ~~بدل اشتمال. وقيل ظرف لقوله { لا يهدى } المذكور قبله. وقيل منصوب ~~بفعل مقدر متأخر تقديره يوم يجمع الله الرسل يكون من ~~الأحوال كذا وكذا. قوله { ماذا أجبتم } أي أي إجابة أجابتكم به ~~أممكم الذين بعثكم الله إليهم؟ أو أي جواب أجابوكم به؟ وعلى الوجهين ~~تكون " ما " منصوبة بالفعل المذكور بعدها، وتوجيه السؤال إلى الرسل لقصد ~~توبيخ قومهم، وجوابهم بقولهم { لا علم لنا } مع أنهم عالمون بما ~~أجابوا به عليهم تفويض منهم، وإظهار للعجز، وعدم القدرة، ولا سيما مع ~~علمهم بأن السؤال سؤال توبيخ فإن تفويض الجواب إلى الله أبلغ في حصول ~~ذلك، وقيل المعنى لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا. وقيل لا علم لنا بما ~~اشتملت عليه بواطنهم. وقيل المعنى لا علم لنا إلا علم ما أنت أعلم به ~~منا. وقيل إنهم ذهلوا عما أجاب به قومهم لهول المحشر. قوله { إذ قال ~~الله يعيسى ابن مريم } " إذ " بدل، من { يوم يجمع } ، وهو ~~تخصيص بعد التعميم وتخصيص عيسى عليه السلام من بين الرسل لاختلاف طائفتي ~~اليهود والنصارى فيه إفراطا وتفريطا، هذه تجعله إلها، وهذه تجعله ~~كاذبا. وقيل هو منصوب بتقدير اذكر، قوله { اذكر نعمتى عليك ~~وعلى ولدتك } ذكره سبحانه نعمته عليه وعلى أمه، مع كونه ذاكرا ~~لها عالما بتفضل الله سبحانه بها، لقصد تعريف الأمم بما خصهما الله به ~~من الكرامة وميزهما به من علو المقام، أو لتأكيد الحجة، وتبكيت الجاحد، ~~بأن منزلتهما عند الله هذه المنزلة، وتوبيخ من اتخذهما إلهين، ببيان أن ~~ذلك الإنعام عليهما كله من عند الله سبحانه، وأنهما عبدان من جملة عباده ~~منعم عليهما بنعم الله سبحانه، ليس لهما من الأمر شيء. قوله { إذ ms1045 ~~أيدتك بروح القدس } " إذ " ظرف للنعمة لأنها بمعنى المصدر، ~~أي اذكر إنعامي عليك وقت تأييدي لك، أو حال من النعمة أي كائنة ذلك الوقت ~~{ أيدتك } قويتك مأخوذ من الأيد، وهو القوة. وفي روح القدس وجهان ~~أحدهما أنها الروح الطاهرة التي خصه الله بها، وقيل إنه جبريل عليه ~~السلام، وقيل إنه الكلام الذي يحيى به الأرواح. والقدس الطهر، وإضافته ~~إليه لكونه سببه، وجملة { تكلم الناس } مبينة لمعنى التأييد، و { ~~فى المهد } في محل نصب على الحال، أي تكلم الناس حال كونك صبيا ~~وكهلا لا يتفاوت كلامك في الحالتين مع أن غيرك يتفاوت كلامه فيهما ~~تفاوتا بينا. # وقوله { وإذ علمتك الكتب } معطوف على { إذ أيدتك ~~} أي واذكر نعمتي عليك وقت تعليمي لك الكتاب أي جنس الكتاب، أو المراد ~~بالكتاب الخط، وعلى الأول يكون ذكر التوراة والإنجيل من عطف الخاص على ~~العام، وتخصيصهما بالذكر لمزيد اختصاصه بهما. أما التوراة فقد كان يحتج ~~بها على اليهود في غالب ما يدور بينه وبينهم من الجدال كما هو مصرح بذلك ~~في الإنجيل، وأما الإنجيل فلكونه نازلا عليه من عند الله سبحانه، ~~والمراد بالحكمة جنس الحكمة. وقيل هي الكلام المحكم { وإذ تخلق ~~من الطين كهيئة الطير } أي تصور تصويرا مثل صورة الطير { ~~بإذنى } لك بذلك وتيسيري له { فتنفخ } في الهيئة المصورة { ~~فتكون } هذه الهيئة " طائرا " متحركا حيا كسائر الطيور { ~~وتبرىء الأكمه والأبرص بإذنى } لك وتسهيله عليك وتيسيره ~~لك. وقد تقدم تفسير هذا مطولا في البقرة، فلا نعيده { وإذ تخرج ~~الموتى } من قبورهم، فيكون ذلك آية لك عظيمة { بإذنى } ، وتكرير ~~بإذني في المواضع الأربعة للاعتناء بأن ذلك كله من جهة الله ليس لعيسى ~~عليه السلام فيه فعل إلا مجرد امتثاله لأمر الله سبحانه. قوله { وإذ ~~كففت } معطوف على { إذ تخرج } كففت معناه دفعت وصرفت { بنى ~~إسرءيل عنك } حين هموا بقتلك { إذ جئتهم بالبينت } ~~بالمعجزات الواضحات { فقال الذين كفروا منهم إن هذا ~~إلا سحر مبين } أي ما هذا الذي جئت به إلا سحر بين، لما عظم ~~ذلك في صدورهم ms1046 وانبهروا منه لم يقدروا على جحده بالكلية، بل نسبوه إلى ~~السحر. قوله { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن ءامنوا ~~بى وبرسولى } هو معطوف على ما قبله. وقد تقدم تفسير ذلك. والوحي ~~في كلام العرب معناه الإلهام، أي ألهمت الحواريين وقذفت في قلوبهم. وقيل ~~معناه أمرتهم على ألسنة الرسل أن يؤمنوا بي بالتوحيد والإخلاص ويؤمنوا ~~برسالة رسولي. قوله { قالوا ءامنا } جملة مستأنفة كأنه قيل ماذا ~~قالوا؟ فقال قالوا آمنا { واشهد بأننا مسلمون } أي مخلصون ~~للإيمان أي واشهد يا رب، أو واشهد يا عيسى.وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في ~~قوله { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم } ~~فيفزعون فيقولون { لا علم لنا } فترد إليهم أفئدتهم فيعلمون. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي في الآية قال ذلك ~~أنهم نزلوا منزلا ذهلت فيه العقول، فلما سئلوا قالوا لا علم لنا، ثم ~~نزلوا منزلا آخر فشهدوا على قومهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~ابن عباس قال قالوا لا علم لنا فرقا يذهل عقولهم، ثم يرد الله إليهم ~~عقولهم، فيكونون هم الذين يسألون بقول الله # فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن ~~المرسلين # الأعراف 6. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي موسى ~~الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا كان يوم القيامة يدعى بالأنبياء وأممها ثم يدعى بعيسى فيذكره ~~نعمته عليه فيقر بها، فيقول { يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى ~~والدتك } الآية، ثم يقول ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ ~~فينكر أن يكون قال ذلك، فيؤتى بالنصارى فيسألون، فيقولون نعم هو أمرنا ~~بذلك، فيطول شعر عيسى حتى يأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه ~~وجسده، فيجاثيهم بين يدي الله مقدار ألف عام حتى يوقع عليهم الحجة، ويرفع ~~لهم الصليب وينطلق بهم إلى النار " # وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { وإذ كففت بنى ~~إسرءيل عنك ms1047 إذ جئتهم بالبينت } أي بالآيات التي وضع ~~على يديه من إحياء الموتى وخلقه من الطين كهيئة الطير وإبراء الأسقام، ~~والخبر بكثير من الغيوب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ~~السدي في قوله { وإذ أوحيت إلى الحواريين } يقول قذفت ~~في قلوبهم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة نحوه. ### || [5.112-115] # قوله { إذ قال الحواريون } الظرف منصوب بفعل مقدر، أي، اذكر ~~أو نحوه كما تقدم، قيل والخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم. قرأ الكسائي " ~~هل تستطيع " بالفوقية، ونصب " ربك " ، وبه قرأ علي وابن عباس، ~~وسعيد بن جبير، ومجاهد. وقرأ الباقون بالتحتية ورفع " ربك " واستشكلت ~~القراءة الثانية بأنه قد وصف سبحانه الحواريين بأنهم قالوا # آمنا واشهد بأننا مسلمون # المائدة 111 والسؤال عن استطاعته لذلك ينافي ما حكوه عن أنفسهم. وأجيب ~~بأن هذا كان في أول معرفتهم قبل أن تستحكم معرفتهم بالله، ولهذا قال ~~عيسى في الجواب عن هذا الاستفهام الصادر منهم، { اتقوا الله إن ~~كنتم مؤمنين } أي لا تشكوا في قدرة الله. وقيل إنهم ادعوا ~~الإيمان والإسلام دعوى باطلة، ويرده أن الحواريين هم خلصاء عيسى ~~وأنصاره، كما قال # من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار ~~الله # آل عمران 52 وقيل إن ذلك صدر ممن كان معهم، وقيل إنهم لم يشكوا في ~~استطاعة البارىء سبحانه، فإنهم كانوا مؤمنين عارفين بذلك، وإنما هو كقول ~~الرجل هل يستطيع فلان أن يأتي؟ مع علمه بأنه يستطيع ذلك ويقدر عليه، ~~فالمعنى هل يفعل ذلك وهل يجيب إليه؟ وقيل إنهم طلبوا الطمأنينة كما قال ~~إبراهيم عليه السلام # رب أرنى كيف تحى الموتى # الآية البقرة 260. ويدل على هذا قولهم من بعد { وتطمئن ~~قلوبنا } وأما على القراءة الأولى، فالمعنى هل تستطيع أن تسأل ربك؟ ~~قال الزجاج المعنى هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله؟ فهو من باب # واسئل القرية # يوسف 82، والمائدة الخوان إذا كان عليه الطعام، من ماده إذا أعطاه ورفده ~~كأنها تميد من تقدم إليه قاله قطرب وغيره. وقيل هي فاعلة بمعنى مفعولة ~~كعيشة راضية قاله أبو عبيدة، ms1048 فأجابهم عيسى عليه السلام بقوله { اتقوا ~~الله إن كنتم مؤمنين } أي اتقوه من هذا السؤال، وأمثاله إن ~~كنتم صادقين في إيمانكم، فإن شأن المؤمن ترك الاقتراح على ربه على هذه ~~الصفة وقيل إنه أمرهم بالتقوى ليكون ذلك ذريعة إلى حصول ما طلبوه. قوله { ~~قالوا نريد أن نأكل منها } بينوا به الغرض من سؤالهم نزول ~~المائدة، وكذا ما عطف عليه من قولهم { وتطمئن قلوبنا ~~ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من ~~الشهدين } والمعنى تطمئن قلوبنا بكمال قدرة الله، أو بأنك مرسل ~~إلينا من عنده، أو بأن الله قد أجابنا إلى ما سألناه، ونعلم علما يقينا ~~بأنك قد صدقتنا في نبوتك، ونكون عليها من الشاهدين عند من لم يحضرها من ~~بني إسرائيل، أو من سائر الناس، أو من الشاهدين لله بالوحدانية، أو من ~~الشاهدين، أي الحاضرين دون السامعين. # ولما رأى عيسى ما حكوه عن أنفسهم من الغرض بنزول المائدة قال { ~~اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء } أي ~~كائنة أو نازلة من السماء، وأصل اللهم عند سيبويه وأتباعه ياالله، فجعلت ~~الميم بدلا من حرف النداء، وربنا نداء ثان، وليس بوصف، و { تكون ~~لنا عيدا } وصف لمائدة. وقرأ الأعمش «يكون لنا عيدا» أي يكون يوم ~~نزولها لنا عيدا. وقد كان نزولها يوم الأحد، وهو يوم عيد لهم والعيد ~~واحد الأعياد، وإنما جمع بالياء وأصله الواو للزومها في الواحد. وقيل ~~للفرق بينه وبين أعواد جمع عود، ذكر معناه الجوهري. وقيل أصله من عاد ~~يعود أي رجع، فهو عود بالواو، وتقلب ياء لانكسار ما قبلها، مثل الميزان ~~والميقات والميعاد، فقيل ليوم الفطر والأضحى عيدان، لأنهما يعودان في كل ~~سنة. وقال الخليل العيد كل يوم جمع كأنهم عادوا إليه. قوله { لأولنا ~~وءاخرنا } بدل من الضمير في { لنا } بتكرير العامل أي لمن في عصرنا ~~ولمن يأتي بعدنا من ذرارينا وغيرهم. قوله { وآية منك } عطف على { ~~عيدا } أي دلالة وحجة واضحة على كمال قدرتك، وصحة إرسالك من أرسلته { ~~وارزقنا } أي أعطنا هذه المائدة المطلوبة، أو ارزقنا رزقا نستعين ms1049 ~~به على عبادتك { وأنت خير الرازقين } بل لا رازق في الحقيقة ~~غيرك ولا معطى سواك، فأجاب الله سبحانه سؤال عيسى عليه السلام فقال { ~~إنى منزلها } أي المائدة { عليكم }. وقد اختلف أهل العلم هل ~~نزلت عليهم المائدة أم لا؟ فذهب الجمهور إلى الأول وهو الحق، لقوله ~~سبحانه { إنى منزلها عليكم } ووعده الحق وهولا يخلف الميعاد. ~~وقال مجاهد ما نزلت وإنما هو ضرب مثل ضربه الله لخلقه نهيا لهم عن مسألة ~~الآيات لأنبيائه، وقال الحسن وعدهم بالإجابة، فلما قال { فمن يكفر ~~بعد منكم } استغفروا الله وقالوا لا نريدها. قوله { فمن يكفر ~~بعد منكم } أي بعد تنزيلها { فإنى أعذبه عذابا } أي ~~تعذيبا { لا أعذبه } صفة ل { عذابا } ، والضمير عائد إلى ~~العذاب بمعنى التعذيب، أي لا أعذب مثل ذلك التعذيب { أحدا من ~~العلمين } قيل المراد عالمي زمانهم. وقيل جميع العالمين، وفي هذا ~~من التهديد والترهيب ما لا يقادر قدره.وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عائشة قالت كان ~~الحواريون أعلم بالله من أن يقولوا { هل يستطيع ربك } إنما ~~قالوا هل تستطيع أنت ربك أن تدعوه، ويؤيد هذا ما أخرجه الحاكم وصححه، ~~والطبراني وابن مردويه، عن معاذ بن جبل أنه قال أقرأني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم " هل تستطيع ربك " بالتاء يعني الفوقية. وأخرج ~~أبو عبيد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، أنه ~~قرأها كذلك. # وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال المائدة الخوان، وتطمئن توقن. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله { تكون لنا ~~عيدا } يقول نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيدا نعظمه نحن، ومن بعدنا. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس أنه كان يحدث ~~عن عيسى ابن مريم أنه قال لبني إسرائيل هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين ~~يوما ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم؟ فإن أجر العامل على من عمل له، ففعلوا ~~ثم قالوا يا معلم الخير، قلت ms1050 لنا إن أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا ~~أن نصوم ثلاثين يوما ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوما إلا أطعمنا ~~{ فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة } إلى ~~قوله { أحدا من العلمين } فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من ~~السماء عليها سبعة أحوات، وسبعة أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها ~~آخر الناس كما أكل أولهم. وأخرج الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عمار بن ياسر، قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " نزلت المائدة من السماء خبزا ولحما، وأمروا أن لا يخونوا ولا ~~يدخروا لغد، فخافوا وادخروا، ورفعوا لغد فمسخوا قردة وخنازير " # وقد روي موقوفا على عمار. قال الترمذي والوقف أصح. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس قال المائدة سمكة وأرغفة. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي ~~عنه قال نزلت على عيسى ابن مريم، والحواريين، خوان عليه سمك وخبز، يأكلون ~~منه أينما تولوا إذا شاءوا. وأخرج ابن جرير نحوه عنه من طريق عكرمة. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمرو قال إن ~~أشد الناس عذابا يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة، والمنافقون، وآل ~~فرعون. ### || [5.116-120] # قوله { وإذ قال الله } معطوف على ما قبله في محل نصب بعامله أو ~~بعامل مقدر، هنا أي اذكر. وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذا القول منه ~~سبحانه هو يوم القيامة. والنكتة توبيخ عباد المسيح وأمه من النصارى. وقال ~~السدي وقطرب إنه قال له هذا القول عند رفعه إلى السماء، لما قالت ~~النصارى فيه ما قالت، والأول أولى قيل " وإذ " هنا بمعنى إذا كقوله ~~تعالى # ولو ترى إذ فزعوا # سبأ 51 أي إذا فزعوا، وقول أبي النجم # ثم جزاك الله عني إذ جزى جنات عدن في السموات العلى # أي إذا جزى، وقول الأسود بن جعفر الأسدي # في الآن إذ هازلتهن فإنما يقلن ألا لم يذهب الشيخ مذهبا # أي إذا هازلتهن تعبيرا عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيها على تحقيق ~~وقوعه. وقد ms1051 قيل في توجيه هذا الاستفهام منه تعالى إنه لقصد التوبيخ كما ~~سبق. وقيل لقصد تعريف المسيح بأن قومه غيروا بعده وادعوا عليه ما لم ~~يقله. وقوله { من دون الله } متعلق بقوله { اتخذونى } على أنه ~~حال، أي متجاوزين الحد، ويجوز أن يتعلق بمحذوف هو صفة لإلهين، أي ~~كائنين من دون الله. قوله { سبحنك } تنزيه له سبحانه، أي أنزهك ~~تنزيها { ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق } أي ما ~~ينبغي لي أن أدعي لنفسي ما ليس من حقها { إن كنت قلته فقد ~~علمته } رد ذلك إلى علمه سبحانه، وقد علم أنه لم يقله، فثبت بذلك ~~عدم القول منه. قوله { تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى ~~نفسك } هذه الجملة في حكم التعليل لما قبلها، أي تعلم معلومي ولا ~~أعلم معلومك، وهذا الكلام من باب المشاكلة كما هو معروف عند علماء ~~المعاني والبيان. وقيل المعنى تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك. وقيل ~~تعلم ما أخفيه ولا أعلم ما تخفيه. وقيل تعلم ما أريد ولا أعلم ما تريد. ~~قوله { ما قلت لهم إلا ما أمرتنى به } هذه جملة مقررة ~~لمضمون ما تقدم، أي ما أمرتهم إلا بما أمرتني { أن اعبدوا الله ~~ربى وربكم } هذا تفسير لمعنى { ما قلت لهم } أي ما ~~أمرتهم، وقيل عطف بيان للمضمر في { به } وقيل بدل منه { وكنت ~~عليهم شهيدا } أي حفيظا ورقيبا أرعى أحوالهم وأمنعهم عن مخالفة ~~أمرك { ما دمت فيهم } أي مدة دوامي فيهم { فلما ~~توفيتنى } قيل هذا يدل على أن الله سبحانه توفاه قبل أن يرفعه، ~~وليس بشيء لأن الأخبار قد تضافرت بأنه لم يمت، وأنه باق في السماء على ~~الحياة التي كان عليها في الدنيا، حتى ينزل إلى الأرض آخر الزمان، وإنما ~~المعنى فلما رفعتني إلى السماء. # قيل الوفاة في كتاب الله سبحانه جاءت على ثلاثة أوجه بمعنى الموت، ومنه ~~قوله تعالى # الله يتوفى الأنفس حين موتها # الزمر 42 وبمعنى النوم، ومنه قوله تعالى # وهو الذى يتوفكم باليل # الأنعام 60 ms1052 أي ينيمكم، وبمعنى الرفع، ومنه { فلما توفيتنى }. # وإذ قال الله يعيسى إني متوفيك # آل عمران 55. { كنت أنت الرقيب عليهم } أصل المراقبة ~~المراعاة، أي كنت الحافظ لهم والعالم بهم والشاهد عليهم { إن ~~تعذبهم فإنهم عبادك } تصنع بهم ما شئت وتحكم فيهم بما ~~تريد { وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } ~~أي القادر على ذلك الحكيم في أفعاله، قيل قاله على وجه الاستعطاف كما ~~يستعطف السيد لعبده. ولهذا لم يقل إن تعذبهم فإنهم عصوك وقيل قاله على ~~وجه التسليم لأمر الله والانقياد له، ولهذا عدل عن الغفور الرحيم إلى ~~العزيز الحكيم. قوله { قال الله هذا يوم ينفع ~~الصدقين صدقهم } أي صدقهم في الدنيا، وقيل في الآخرة، ~~والأول، أولى. قرأ نافع وابن محيصن " يوم " بالنصب، وقرأ الباقون ~~بالرفع، فوجه النصب أنه ظرف للقول، أي قال الله هذا القول يوم ينفع ~~الصادقين، ووجه الرفع أنه خبر للمبتدأ هو وما أضيف إليه. وقال الكسائي ~~نصب " يوم " هاهنا لأنه مضاف إلى الجملة، وأنشد # على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألما أصح والشيب وازع # وبه قال الزجاج، ولا يجيز البصريون ما قالاه إلا إذا أضيف الظرف إلى فعل ~~ماض. وقرأ الأعمش " هذا يوم ينفع " بتنوين يوم كما في قوله # واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا # البقرة 48 فكلاهما مقطوع عن الإضافة بالتنوين. وقد تقدم تفسير قوله { ~~لهم جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها ~~أبدا }. قوله { رضى الله عنهم ورضوا عنه } أي رضي ~~عنهم بما عملوه من الطاعات الخالصة له، ورضوا عنه بما جازاهم به مما لا ~~يخطر لهم على بال ولا تتصوره عقولهم، والرضا منه سبحانه هو أرفع درجات ~~النعيم، وأعلى منازل الكرامة، والإشارة بذلك إلى نيل ما نالوه من دخول ~~الجنة والخلود فيها أبدا، ورضوان الله عليهم. والفوز الظفر بالمطلوب على ~~أتم الأحوال. قوله { لله ملك السموات والأرض وما ~~فيهن وهو على كل شىء قدير } جاء سبحانه بهذه الخاتمة ~~دفعا لما سبق من إثبات من أثبت إلهية عيسى وأمه، وأخبر بأن ملك ms1053 السموات ~~والأرض له دون عيسى وأمه ودون سائر مخلوقاته، وأنه القادر على كل شيء دون ~~غيره. وقيل المعنى أن له ملك السموات والأرض يعطي الجنات للمطيعين، جعلنا ~~الله منهم. وقد أخرج الترمذي وصححه، والنسائي، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، وابن مردويه، عن أبي هريرة قال تلقى عيسى حجته والله لقاه في ~~قوله { وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت ~~للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله } قال ~~أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلقاه الله سبحانه { ما ~~يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق } الآية. # وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية قال ~~يقول الله هذا يوم القيامة، ألا ترى أنه يقول { هذا يوم ينفع ~~الصدقين صدقهم }. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ~~قال قال الله ذلك لما رفع عيسى إليه، وقالت النصارى ما قالت. وأخرج أبو ~~الشيخ عن ابن عباس في قوله { أن اعبدوا الله ربى وربكم ~~} قال سيدي وسيدكم. وأخرج ابن المنذر، عنه في قوله { كنت أنت الرقيب ~~عليهم } قال الحفيظ. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } ~~قال # " ما كنت فيهم ". # وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس { إن تعذبهم فإنهم عبادك ~~} يقول عبيدك قد استوجبوا العذاب بمقالتهم { وإن تغفر لهم } أي ~~من تركت منهم ومد في عمره حتى أهبط من السماء إلى الأرض لقتل الدجال، ~~فزالوا عن مقالتهم ووحدوك { فإنك أنت العزيز الحكيم }. ~~وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه في قوله { هذا يوم ينفع ~~الصدقين صدقهم } يقول هذا يوم ينفع الموحدين توحيدهم. ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1-3] # بدأ سبحانه هذه السورة بالحمد لله، للدلالة على أن الحمد كله لله، ~~ولإقامة الحجة على الذين هم بربهم يعدلون. وقد تقدم في سورة الفاتحة ما ~~يغني عن الإعادة له هنا، ثم وصف نفسه بأنه الذي خلق السموات والأرض ~~إخبارا عن قدرته الكاملة، الموجبة لاستحقاقه لجميع المحامد، فإن من ms1054 ~~اخترع ذلك وأوجده، هو الحقيق بإفراده بالثناء وتخصيصه بالحمد، والخلق ~~يكون بمعنى الاختراع، وبمعنى التقدير. وقد تقدم تحقيق ذلك، وجمع السموات ~~لتعدد طباقها، وقدمها على الأرض لتقدمها في الوجود # والأرض بعد ذلك دحها # النازعات 30. قوله { وجعل الظلمت والنور } معطوف على ~~خلق. ذكر سبحانه خلق الجواهر بقوله { خلق السموات والأرض } ~~ثم ذكر خلق الأعراض بقوله { وجعل الظلمت والنور } لأن ~~الجواهر لا تستغني عن الأعراض. واختلف أهل العلم في المعنى المراد ~~بالظلمات والنور فقال جمهور المفسرين المراد بالظلمات سواد الليل، ~~وبالنور ضياء النهار. وقال الحسن الكفر والإيمان. قال ابن عطية وهذا خروج ~~عن الظاهر انتهى. والأولى أن يقال إن الظلمات تشمل كل ما يطلق عليه اسم ~~الظلمة، والنور يشمل كل ما يطلق عليه اسم النور، فيدخل تحت ذلك ظلمة ~~الكفر ونور الإيمان # أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا ~~يمشي به فى الناس كمن مثله في الظلمت # الأنعام 122 وأفرد النور لأنه جنس يشمل جميع أنواعه، وجمع الظلمات لكثرة ~~أسبابها وتعدد أنواعها. قال النحاس جعل هنا بمعنى خلق، وإذا كانت بمعنى ~~خلق لم تتعد إلا إلى مفعول واحد، وقال القرطبي جعل هنا بمعنى خلق لا ~~يجوز غيره. قال ابن عطية وعليه يتفق اللفظ والمعنى في النسق، فيكون الجمع ~~معطوفا على الجمع، والمفرد معطوفا على المفرد، وتقديم الظلمات على ~~النور لأنها الأصل، ولهذا كان النهار مسلوخا من الليل. قوله { ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون } معطوف على الحمد لله، أو ~~على خلق السموات والأرض، و " ثم " لاستبعاد ما صنعه الكفار من كونهم ~~بربهم يعدلون مع ما تبين من أن الله سبحانه حقيق بالحمد على خلقه السموات ~~والأرض والظلمات والنور، فإن هذا يقتضي الإيمان به وصرف الثناء الحسن ~~إليه، لا الكفر به واتخاذ شريك له، وتقديم المفعول للاهتمام، ورعاية ~~الفواصل، وحذف المفعول لظهوره، أي يعدلون به مالا يقدر على شيء مما يقدر ~~عليه، وهذا نهاية الحمق وغاية الرقاعة حيث يكون منه سبحانه تلك النعم، ~~ويكون من الكفرة الكفر. قوله { هو الذى خلقكم من طين ms1055 } في ~~معناه قولان أحدهما، وهو الأشهر، وبه قال الجمهور أن المراد آدم عليه ~~السلام، وأخرج مخرج الخطاب للجميع، لأنهم ولده ونسله. الثاني، أن يكون ~~المراد جميع البشر باعتبار أن النطفة التي خلقوا منها مخلوقة من الطين، ~~ذكر الله سبحانه خلق آدم وبنيه بعد خلق السموات والأرض إتباعا للعالم ~~الأصغر بالعالم الأكبر، والمطلوب بذكر هذه الأمور دفع كفر الكافرين ~~بالبعث، ورد لجحودهم بما هو مشاهد لهم لا يمترون فيه. # قوله { ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده } جاء بكلمة «ثم» ~~لما بين خلقهم وبين موتهم من التفاوت. وقد اختلف السلف ومن بعدهم في ~~تفسير الأجلين، فقيل { قضى أجلا } يعني الموت { وأجل مسمى ~~عنده } يعني القيامة، وهو مروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ~~وقتادة، والضحاك، ومجاهد، وعكرمة، وزيد بن أسلم، وعطية والسدي وخصيف، ~~ومقاتل وغيرهم، وقيل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت والثاني ما بين ~~أن يموت إلى أن يبعث، وهو قريب من الأول. وقيل الأول مدة الدنيا ~~والثاني عمر الإنسان إلى حين موته. وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد. وقيل ~~الأول قبض الأرواح في النوم والثاني قبض الروح عند الموت. وقيل الأول ~~ما يعرف من أوقات الأهلة والبروج وما يشبه ذلك والثاني أجل الموت. وقيل ~~الأول لمن مضى. والثاني لمن بقي ولمن يأتي. وقيل إن الأول الأجل الذي ~~هو محتوم والثاني الزيادة في العمر لمن وصل رحمه، فإن كان برا تقيا ~~وصولا لرحمه زيد في عمره، وإن كان قاطعا للرحم لم يزد له، ويرشد إلى ~~هذا قوله تعالى # وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا فى ~~كتب # فاطر 11. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صلة الرحم تزيد في ~~العمر، وورد عنه أن دخول البلاد التي قد فشا بها الطاعون والوباء من ~~أسباب الموت وجاز الابتداء بالنكرة في قوله { وأجل مسمى عنده ~~} لأنها قد تخصصت بالصفة. قوله { ثم أنتم تمترون } استبعاد ~~لصدور الشك منهم مع وجود المقتضى لعدمه، أي كيف تشكون في البعث ms1056 مع ~~مشاهدتكم في أنفسكم من الابتداء، والابتداء ما يذهب بذلك ويدفعه، من ~~خلقكم من طين، وصيركم أحياء تعلمون وتعقلون، وخلق لكم هذه الحواس ~~والأطراف، ثم سلب ذلك عنكم فصرتم أمواتا، وعدتم إلى ما كنتم عليه من ~~الجمادية، لا يعجزه أن يبعثكم ويعيد هذه الأجسام كما كانت، ويرد إليها ~~الأرواح التي فارقتها بقدرته وبديع حكمته. قوله { وهو الله فى ~~السموات وفى الأرض يعلم سركم وجهركم ~~ويعلم ما تكسبون } قيل إن في السموات وفي الأرض متعلق باسم ~~الله باعتبار ما يدل عليه من كونه معبودا ومتصرفا ومالكا، أي هو ~~المعبود أو المالك أو المتصرف في السموات والأرض كما تقول زيد الخليفة في ~~الشرق والغرب، أي حاكم أو متصرف فيهما وقيل المعنى وهو الله يعلم سركم ~~وجهركم في السموات وفي الأرض، فلا تخفى عليه خافية، فيكون العامل فيهما ~~ما بعدهما. # قال النحاس وهذا من أحسن ما قيل فيه. وقال ابن جرير هو الله في السموات ~~ويعلم سركم وجهركم في الأرض. والأول أولى، ويكون { يعلم سركم وجهركم } ~~جملة مقررة لمعنى الجملة الأولى، لأن كونه سبحانه في السماء والأرض، ~~يستلزم علمه بأسرار عباده وجهرهم، وعلمه بما يكسبونه من الخير والشر، ~~وجلب النفع ودفع الضرر. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن علي أن هذه الآية ~~أعني { الحمد لله } ، إلى قوله { ثم الذين كفروا بربهم ~~يعدلون } نزلت في أهل الكتاب. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو ~~الشيخ، عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن مجاهد قال نزلت هذه الآية في الزنادقة، قالوا إن الله لم يخلق ~~الظلمة ولا الخنافس، ولا العقارب، ولا شيئا قبيحا، وإنما يخلق النور ~~وكل شيء حسن، فأنزلت فيهم هذه الآية. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس { ~~وجعل الظلمت والنور } قال الكفر والإيمان. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة قال ~~إن الذين بربهم يعدلون هم أهل الشرك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ~~السدي مثله. ms1057 وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد قال { يعدلون } يشركون. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله { ثم الذين ~~كفروا بربهم يعدلون } قال الآلهة التي عبدوها عدلوها ~~بالله، وليس لله عدل ولا ند، وليس معه آلهة ولا اتخذ صاحبة ولا ولدا. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس { هو الذى ~~خلقكم من طين } يعني آدم { ثم قضى أجلا } يعني أجل الموت ~~{ وأجل مسمى عنده } أجل الساعة والوقوف عند الله. وأخرج ابن ~~أبي شيبة وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم ~~وصححه، عنه في قوله { ثم قضى أجلا } قال أجل الدنيا، وفي لفظ أجل ~~موته { وأجل مسمى عنده } قال الآخرة لا يعلمه إلا الله. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه { قضى أجلا } قال هو اليوم يقبض فيه ~~الروح، ثم يرجع إلى صاحبه من اليقظة { وأجل مسمى عنده } قال ~~هو أجل موت الإنسان. ### || [6.4-11] # قوله { وما تأتيهم } الخ كلام مبتدأ لبيان بعض أسباب كفرهم ~~وتمردهم، وهو الإعراض عن آيات الله التي تأتيهم كمعجزات الأنبياء، وما ~~يصدر عن قدرة الله الباهرة مما لا يشك من له عقل أنه فعل الله سبحانه، ~~والإعراض ترك النظر في الآيات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله و ~~«من» في { من ءاية } مزيدة للاستغراق و «من» في { من آيت } ~~تبعيضية، أي وما تأتيهم آية من الآيات التي هي بعض آيات ربهم، إلا كانوا ~~عنها معرضين، والفاء في { فقد كذبوا } جواب شرط مقدر، أي إن ~~كانوا معرضين عنها فقد كذبوا بما هم أعظم من ذلك، وهو الحق { لما ~~جاءهم } قيل المراد بالحق هنا القرآن، وقيل محمد صلى الله عليه وسلم { ~~فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون } أي ~~أخبار الشيء الذي كانوا به يستهزءون وهو القرآن، أو محمد صلى الله عليه ~~وسلم، على أن " ما " عبارة عن ذلك تهويلا للأمر وتعظيما له، أي سيعرفون ms1058 ~~أن هذا الشيء الذي استهزءوا به ليس بموضع للاستهزاء، وذلك عند إرسال عذاب ~~الله عليهم، كما يقال اصبر فسوف يأتيك الخبر عند إرادة الوعيد والتهديد، ~~وفي لفظ الأنباء ما يرشد إلى ذلك، فإنه لا يطلق إلا على خبر عظيم. قوله { ~~ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } كلام مبتدأ ~~لبيان ما تقدمه، والهمزة للإنكار، و «كم» يحتمل أن تكون الاستفهامية وأن ~~تكون الخبرية وهي معلقة لفعل الرؤية عن العمل فيما بعده، و { من قرن ~~} تمييز، والقرن يطلق على أهل كل عصر، سموا بذلك لاقترانهم، أي ألم ~~يعرفوا بسماع الأخبار، ومعاينة الآثار، كم أهلكنا من قبلهم من الأمم ~~الموجودة في عصر بعد عصر لتكذيبهم أنبياءهم. وقيل القرن مدة من الزمان. ~~وهي ستون عاما أو سبعون أو ثمانون أو مائة على اختلاف الأقوال، فيكون ما ~~في الآية على تقدير مضاف محذوف، أي من أهل قرن. قوله { مكنهم ~~فى الأرض ما لم نمكن لكم } مكن له في الأرض جعل له مكانا ~~فيها، ومكنه في الأرض أثبته فيها، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه ~~قيل كيف ذلك؟ وقيل إن هذه الجملة صفة لقرن، والأول أولى، و «ما» في { ما ~~لم نمكن } نكرة موصوفة بما بعدها، أي مكناهم تمكينا لم نمكنه لكم، ~~والمعنى أنا أعطينا القرون الذين هم قبلكم، ما لم نعطكم من الدنيا، وطول ~~الأعمار وقوة الأبدان، وقد أهلكناهم جميعا، فإهلاككم وأنتم دونهم ~~بالأولى. قوله { وأرسلنا السماء عليهم مدرارا } يريد ~~المطر الكثير، عبر عنه بالسماء، لأنه ينزل من السماء، ومنه قول الشاعر # إذا نزل السماء بأرض قوم # والمدرار صيغة مبالغة تدل على الكثرة كمذكار للمرأة التي كثرت ولادتها ~~للذكور، وميناث للتي تلد الإناث، يقال در اللبن يدر، إذا أقبل على ~~الحالب بكثرة. وانتصاب { مدرارا } على الحال وجريان الأنهار من ~~تحتهم معناه من تحت أشجارهم ومنازلهم، أي أن الله وسع عليهم النعم بعد ~~التمكين لهم في الأرض، فكفروها، فأهلكهم الله بذنوبهم { وأنشأنا ~~من بعدهم } أي من بعد إهلاكهم { قرنا آخرين } فصاروا بدلا ~~من الهالكين، ms1059 وفي هذا بيان لكمال قدرته سبحانه، وقوة سلطانه، وأنه يهلك ~~من يشاء ويوجد من يشاء. قوله { ولو نزلنا عليك كتبا فى ~~قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن ~~هذا إلا سحر مبين } في هذه الجملة بيان شدة صلابتهم في ~~الكفر، وأنهم لا يؤمنون ولو أنزل الله على رسوله كتابا مكتوبا في قرطاس ~~بمرأى منهم ومشاهدة { فلمسوه بأيديهم } حتى يجتمع لهم إدراك ~~الحاستين حاسة البصر، وحاسة اللمس { لقال الذين كفروا } منهم ~~{ إن هذا إلا سحر مبين } ولم يعملوا بما شاهدوا ولمسوا، ~~وإذا كان هذا حالهم في المرئي المحسوس، فكيف فيما هو مجرد وحي إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بواسطة ملك، لا يرونه، ولا يحسونه؟ والكتاب مصدر ~~بمعنى الكتابة، والقرطاس الصحيفة. قوله { وقالوا لولا أنزل ~~عليه ملك } هذه الجملة مشتملة على نوع آخر من أنواع جحدهم لنبوته ~~صلى الله عليه وسلم وكفرهم بها، أي قالوا هلا أنزل الله عليك ملكا نراه ~~ويكلمنا أنه نبي حتى نؤمن به ونتبعه؟ كقولهم # لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا # الفرقان 7 { ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر } أي لو ~~أنزلنا ملكا على الصفة التي اقترحوها بحيث يشاهدونه ويخاطبونه ويخاطبهم ~~{ لقضى الأمر } أي لأهلكناهم إذ لم يؤمنوا عند نزوله، ورؤيتهم له ~~لأن مثل هذه الآية البينة، وهي نزول الملك على تلك الصفة إذا لم يقع ~~الإيمان بعدها، فقد استحقوا الإهلاك والمعاجلة بالعقوبة { ثم لا ~~ينظرون } أي لا يمهلون بعد نزوله ومشاهدتهم له وقيل إن المعنى إن ~~الله سبحانه لو أنزل ملكا مشاهدا لم تطق قواهم البشرية أن يبقوا بعد ~~مشاهدته أحياء، بل تزهق أرواحهم عند ذلك، فيبطل ما أرسل الله له رسله، ~~وأنزل به كتبه من هذا التكليف الذي كلف به عباده # لنبلوهم أيهم أحسن عملا # الكهف 7. قوله { ولو جعلنه ملكا لجعلنه رجلا } ~~أي لو جعلنا الرسول إلى النبي ملكا يشاهدونه، ويخاطبونه، لجعلنا ذلك ~~الملك رجلا، لأنهم لا يستطيعون أن يروا الملك على صورته التي خلفه الله ~~عليها إلا بعد أن يتجسم بالأجسام الكثيفة المشابهة ms1060 لأجسام بني آدم لأن كل ~~جنس يأنس بجنسه، فلو جعل الله سبحانه الرسول إلى البشر، أو الرسول إلى ~~رسوله، ملكا مشاهدا مخاطبا لنفروا منه ولم يأنسوا به، ولداخلهم الرعب ~~وحصل معهم من الخوف ما يمنعهم من كلامه ومشاهدته، هذا أقل حال فلا تتم ~~المصلحة من الإرسال. # وعند أن يجعله الله رجلا، أي على صورة رجل من بني آدم، ليسكنوا إليه ~~ويأنسوا به، سيقول الكافرون إنه ليس بملك وإنما هو بشر، ويعودون إلى مثل ~~ما كانوا عليه. قوله { وللبسنا عليهم ما يلبسون } أي ~~لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم لأنهم إذا رأوه في صورة إنسان قالوا ~~هذا إنسان وليس بملك، فإن استدل لهم بأنه ملك كذبوه قال الزجاج المعنى ~~للبسنا عليهم، أي على رؤسائهم كما يلبسون على ضعفتهم، وكانوا يقولون لهم ~~إنما محمد بشر وليس بينه وبينكم فرق. فيلبسون عليهم بهذا ويشككونهم، ~~فأعلم الله عز وجل أنه لو نزل ملكا في صورة رجل، لوجدوا سبيلا إلى ~~اللبس كما يفعلون. واللبس الخلط، يقال لبست عليه الأمر ألبسه لبسا، أي ~~خلطته، وأصله التستر بالثوب ونحوه. ثم قال سبحانه مؤنسا لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم ومسليا له { ولقد استهزىء برسل من قبلك ~~فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به ~~يستهزءون } يقال حاق الشيء يحيق حيقا وحيوقا وحيقانا نزل أي ~~فنزل ما كانوا به يستهزءون، وأحاط بهم، وهو الحق حيث أهلكوا من أجل ~~الاستهزاء به { قل سيروا فى الأرض } أي قل يا محمد لهؤلاء ~~المستهزئين سافروا في الأرض، وانظروا آثار من كان قبلكم لتعرفوا ما حل ~~بهم من العقوبات، وكيف كانت عاقبتهم بعدما كانوا فيه من النعيم العظيم ~~الذي يفوق ما أنتم فيه، فهذه ديارهم خاربة وجناتهم مغبرة وأراضيهم ~~مكفهرة، فإذا كانت عاقبتهم هذه العاقبة، فأنتم بهم لاحقون، وبعد هلاكهم ~~هالكون. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله { وما تأتيهم ~~من ءاية من ءايت ربهم إلا كانوا عنها معرضين ~~} يقول ما يأتيهم من شيء من كتاب الله إلا أعرضوا عنه، وفي قوله { فقد ms1061 ~~كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما ~~كانوا به يستهزءون } يقول سيأتيهم يوم القيامة أنباء ما ~~استهزءوا به من كتاب الله عز وجل. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في ~~قوله { من قرن } قال أمة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله { ~~مكنهم فى الأرض ما لم نمكن لكم } يقول أعطيناهم ~~ما لم نعطكم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن هارون ~~التيمي في الآية قال المطر في إبانة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من ~~طريق العوفي عن ابن عباس، في قوله { ولو نزلنا عليك ~~كتبا فى قرطاس فلمسوه بأيديهم } يقول لو أنزلنا من ~~السماء صحفا فيها كتاب { فلمسوه بأيديهم } لزادهم ذلك ~~تكذيبا. # وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله { فلمسوه بأيديهم } قال ~~فمسوه ونظروا إليه لم يصدقوا به. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~محمد بن إسحاق قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الإسلام، ~~وكلمهم فأبلغ إليهم فيما بلغني، فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب، ~~والنضر بن الحارث بن كلدة، وعبدة بن عبد يغوث، وأبي بن خلف بن وهب، ~~والعاص بن وائل بن هشام لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى ~~معك، فأنزل الله { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } الآية. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن مجاهد في قوله { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } قال ملك ~~في صورة رجل { ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر } لقامت ~~الساعة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله { لقضى الأمر } يقول لو ~~أنزل الله ملكا ثم لم يؤمنوا لعجل لهم العذاب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله { ولو ms1062 أنزلنا ملكا } ~~قال ولو أتاهم ملك في صورته { لقضى الأمر } لأهلكناهم { ثم لا ~~ينظرون } لا يؤخرون { ولو جعلنه ملكا لجعلنه ~~رجلا } قال في صورة رجل في خلق رجل. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله { ولو جعلنه ملكا ~~لجعلنه رجلا } يقول في صورة آدمي. وأخرج ابن جرير، عن ابن ~~زيد نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ~~وللبسنا عليهم } يقول شبهنا عليهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي في الآية قال شبهنا عليهم ما يشبهون على ~~أنفسهم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن محمد بن إسحاق قال مر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني بالوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، ~~وأبي جهل بن هشام فهمزوه واستهزءوا به فغاظه ذلك، فأنزل الله { ولقد ~~استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا ~~منهم ما كانوا به يستهزءون }. ### || [6.12-21] # قوله { قل لمن ما فى السموات والأرض } هذا احتجاج عليهم ~~وتبكيت لهم، والمعنى قل لهم هذا القول فإن قالوا فقل لله، وإذا ثبت أن له ~~ما في السموات والأرض إما باعترافهم، أو بقيام الحجة عليهم، فالله قادر ~~على أن يعاجلهم بالعقاب، ولكنه كتب على نفسه الرحمة، أي وعد بها فضلا ~~منه وتكرما، وذكر النفس هنا عبارة عن تأكد وعده، وارتفاع الوسائط دونه، ~~وفي الكلام ترغيب للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وتسكين خواطرهم بأنه ~~رحيم بعباده لا يعاجلهم بالعقوبة، وأنه يقبل منهم الإنابة والتوبة، ومن ~~رحمته لهم إرسال الرسل، وإنزال الكتب، ونصب الأدلة. قوله { ~~ليجمعنكم إلى يوم القيمة } اللام جواب قسم محذوف. ~~قال الفراء وغيره يجوز أن يكون تمام الكلام عند قوله { الرحمة } ~~ويكون ما بعدها مستأنفا على جهة التبيين، فيكون المعنى { ~~ليجمعنكم } ليمهلنكم وليؤخرن جمعكم. وقيل المعنى ليجمعنكم في ~~القبور إلى اليوم الذي أنكرتموه. وقيل " إلى " بمعنى في، أي ليجمعنكم ~~في يوم القيامة. وقيل يجوز أن يكون موضع { ليجمعنكم } النصب على ~~البدل من الرحمة، فتكون اللام ms1063 بمعنى " أن ". والمعنى كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة أن يجمعنكم كما قالوا في قوله تعالى # ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيت ليسجننه # يوسف 35 أي أن يسجنوه. وقيل إن جملة { ليجمعنكم } مسوقة ~~للترهيب بعد الترغيب، وللوعيد بعد الوعد، أي إن أمهلكم برحمته فهو ~~مجازيكم بجمعكم في معاقبة من يستحق عقوبته من العصاة، والضمير في { لا ~~ريب فيه } لليوم أو للجمع. قوله { الذين خسروا أنفسهم ~~فهم لا يؤمنون }. قال الزجاج إن الموصول مرتفع على الابتداء وما ~~بعده خبره كما تقول الذي يكرمني فله درهم، فالفاء لتضمن المبتدأ معنى ~~الشرط. وقال الأخفش إن شئت كان { الذين } في موضع نصب على البدل من ~~الكاف والميم في { ليجمعنكم } أي ليجمعن المشركين الذين خسروا ~~أنفسهم، وأنكره المبرد، وزعم أنه خطأ، لأنه لا يبدل من المخاطب ولا من ~~المخاطب. لا يقال مررت بك زيد ولا مررت بي زيد. وقيل يجوز أن يكون { ~~الذين } مجرورا على البدل من المكذبين الذين تقدم ذكرهم، أو على ~~النعت لهم. وقيل إنه منادى وحرف النداء مقدر. قوله { وله ما سكن ~~فى اليل والنهار } أي لله، وخص الساكن بالذكر، لأن ما يتصف ~~بالسكون أكثر مما يتصف بالحركة وقيل المعنى ما سكن فيهما أو تحرك فاكتفى ~~بأحد الضدين عن الآخر، وهذا من جملة الاحتجاج على الكفرة. قوله { قل ~~أغير الله أتخذ وليا } الاستفهام للإنكار، قال لهم ذلك ~~لما دعوه إلى عبادة الأصنام، ولما كان الإنكار لاتخاذ غير الله وليا، لا ~~لاتخاذ الولي مطلقا دخلت الهمزة على المفعول لا على الفعل. # والمراد بالولي هنا المعبود أي كيف أتخذ غير الله معبودا؟ و { فاطر ~~السموات والأرض } مجرور على أنه نعت لاسم الله، وأجاز الأخفش ~~الرفع على إضمار مبتدأ، وأجاز الزجاج النصب على المدح، وأجاز أبو علي ~~الفارسي نصبه بفعل مضمر، كأنه قيل أترك فاطر السموات والأرض. قوله { ~~وهو يطعم ولا يطعم } قرأ الجمهور بضم الياء وكسر العين في ~~الأول، وضمها وفتح العين في الثاني، أي يرزق ولا يرزق، وقرأ سعيد بن ~~جبير، ومجاهد، ms1064 والأعمش بفتح الياء في الثاني وفتح العين، وقرىء بفتح ~~الياء والعين في الأول، وضمها وكسر العين في الثاني على أن الضمير يعود ~~إلى الولي المذكور، وخص الإطعام دون غيره من ضروب الإنعام لأن الحاجة ~~إليه أمس. قوله { قل إنى أمرت أن أكون أول من ~~أسلم } أمره سبحانه بعد ما تقدم من اتخاذ غير الله وليا أن يقول ~~لهم إنه مأمور بأن يكون أول من أسلم وجهه لله من قومه، وأخلص من أمته ~~وقيل معنى { أسلم } استسلم لأمر الله، ثم نهاه الله عز وجل أن يكون ~~من المشركين. والمعنى أمرت بأن أكون أول من أسلم ونهيت عن الشرك، أي ~~يقول لهم هذا، ثم أمره أن يقول { إنى أخاف إن عصيت ربى ~~عذاب يوم عظيم } أي إن عصيته بعبادة غيره أو مخالفة أمره و ~~نهيه. والخوف توقع المكروه وقيل هو هنا بمعنى العلم، أي إني أعلم إن عصيت ~~ربي أن لي عذابا عظيما. قوله { من يصرف عنه يومئذ فقد ~~رحمه } قرأ أهل المدينة وأهل مكة، وابن عامر، على البناء للمفعول، أي ~~من يصرف عنه العذاب، واختار هذه القراءة سيبويه. وقرأ الكوفيون على ~~البناء للفاعل، وهو اختيار أبي حاتم، فيكون الضمير على هذه القراءة لله. ~~ومعنى { يومئذ } يوم العذاب العظيم، { فقد رحمه } الله أي ~~نجاه وأنعم عليه وأدخله الجنة، والإشارة بذلك إلى الصرف أو إلى الرحمة، ~~أي فذلك الصرف أو الرحمة { الفوز المبين } أي الظاهر الواضح، ~~وقرأ أبي { من يصرف عنه }. قوله { وإن يمسسك الله ~~بضر } أي إن ينزل الله بك ضرا من فقر أو مرض { فلا كشف له ~~إلا هو } أي لا قادر على كشفه سواه { وإن يمسسك بخير } ~~من رخاء أو عافية { فهو على كل شىء قدير } ومن جملة ذلك ~~المس بالشر والخير. قوله { وهو القاهر فوق عباده } القهر ~~الغلبة، والقاهر الغالب، وأقهر الرجل إذا صار مقهورا ذليلا، ومنه قول ~~الشاعر # تمنى حصين أن يسود خزاعة فأمسى حصين قد أذل وأقهرا # ومعنى { فوق عباده } فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم، لا ~~فوقية ms1065 المكان كما تقول السلطان فوق رعيته، أي بالمنزلة والرفعة. # وفي القهر معنى زائد ليس في القدرة، وهو منع غيره عن بلوغ المراد { ~~وهو الحكيم } في أمره { الخبير } بأفعال عباده. قوله { قل ~~أى شىء أكبر شهدة } أي مبتدأ، وأكبر خبره، وشهادة تمييز، ~~والشيء يطلق على القديم والحادث، والمحال والممكن. والمعنى أي شهيد أكبر ~~شهادة، فوضع شيء موضع شهيد. وقيل إن { شىء } هنا موضوع موضع اسم الله ~~تعالى. والمعنى الله أكبر شهادة، أي انفراده بالربوبية، وقيام البراهين ~~على توحيده أكبر شهادة، وأعظم فهو شهيد بيني وبينكم. وقيل إن قوله { ~~الله شهيد بينى وبينكم } هو الجواب، لأنه إذا كان الشهيد ~~بينه وبينهم كان أكبر شهادة له صلى الله عليه وسلم. وقيل إنه قد تم ~~الجواب عند قوله { قل الله } يعني الله أكبر شهادة، ثم ابتدأ فقال { ~~شهيد بينى وبينكم } أي شهيد بيني وبينكم. قوله { وأوحي ~~إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ } أي أوحى ~~الله إلي هذا القرآن الذي تلوته عليكم لأجل أن أنذركم به، وأنذر به من ~~بلغ إليه، أي كل من بلغ إليه من موجود ومعدوم سيوجد في الأزمنة ~~المستقبلة، وفي هذه الآية من الدلالة على شمول أحكام القرآن لمن سيوجد، ~~كشمولها لمن قد كان موجودا وقت النزول، ما لا يحتاج معه إلى تلك ~~الخزعبلات المذكورة في علم أصول الفقه، وقرأ أبو نهيك " وأوحى " على ~~البناء للفاعل، وقرأ ابن عدي على البناء للمفعول. قوله { أئنكم ~~لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى } الاستفهام للتوبيخ ~~والتقريع على قراءة من قرأ بهمزتين على الأصل أو بقلب الثانية، وأما من ~~قرأ على الخبر فقد حقق عليهم شركهم، وإنما قال { آلهة أخرى } لأن ~~الآلهة جمع، والجمع يقع عليه التأنيث، كذا قال الفراء، ومثله قوله تعالى # ولله الأسماء الحسنى # الأعراف 180 وقال # فما بال القرون الاولى # طه 51 { قل لا أشهد } أي فأنا لا أشهد معكم فحذف لدلالة الكلام ~~عليه، وذلك لكون هذه الشهادة باطلة، ومثله # فإن شهدوا فلا تشهد معهم # الأنعام 150 و " ما " في { مما ms1066 تشركون } موصولة أو مصدرية، أي ~~من الأصنام التي تجعلونها آلهة، أو من إشراككم بالله. قوله { الذين ~~آتينهم الكتب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ~~} الكتاب للجنس فيشمل التوراة والإنجيل وغيرهما، أي يعرفون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. قال به جماعة من السلف، وإليه ذهب الزجاج. وقيل إن ~~الضمير يرجع إلى الكتاب، أي يعرفونه معرفة محققة، بحيث لا يلتبس عليهم ~~منه شيء، و { كما يعرفون أبناءهم } بيان لتحقيق تلك المعرفة ~~وكمالها وعدم وجود شك فيها، فإن معرفة الآباء للأبناء هي المبالغة إلى ~~غاية الإتقان إجمالا وتفصيلا. قوله { الذين خسروا أنفسهم } ~~في محل رفع على الابتداء، وخبره { فهم لا يؤمنون } ودخول الفاء ~~في الخبر، لتضمن المبتدأ معنى الشرط. # وقيل إن الموصول خبر مبتدأ محذوف. وقيل هو نعت للموصول الأول. وعلى ~~الوجهين الأخيرين يكون { فهم لا يؤمنون } معطوفا على جملة { ~~الذين ءاتينهم الكتب }. والمعنى على الوجه الأول أن ~~الكفار الخاسرين لأنفسهم بعنادهم وتمردهم لا يؤمنون بما جاء به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الوجهين الأخيرين أن أولئك الذين آتاهم ~~الله الكتاب هم الذين خسروا أنفسهم بسبب ما وقعوا فيه من البعد عن الحق، ~~وعدم العمل بالمعرفة التي ثبتت لهم فهم لا يؤمنون. قوله { ومن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا } أي اختلق على الله ~~الكذب فقال إن في التوراة و الإنجيل ما لم يكن فيهما { أو كذب ~~بآياته } التي يلزمه الإيمان بها من المعجزة الواضحة البينة، فجمع بين ~~كونه كاذبا على الله، ومكذبا بما أمره الله بالإيمان به، ومن كان هكذا ~~فلا أحد من عباد الله أظلم منه، والضمير في { إنه لا يفلح ~~الظلمون } للشأن. وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سلمان الفارسي قال إنا نجد في التوراة ~~أن الله خلق السموات والأرض، ثم جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق ~~الخلق فوضع بينهم رحمة واحدة، وأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة، فبها ~~يتراحمون، وبها يتعاطفون، وبها يتبادلون، وبها يتزاورون وبها تحن ms1067 ~~الناقة، وبها تنتج البقرة، وبها تيعر الشاة، وبها تتابع الطير، وبها ~~تتابع الحيتان في البحر، فإذا كان يوم القيامة جمع تلك الرحمة إلى ما ~~عنده، ورحمته أفضل وأوسع. وقد أخرج مسلم، وأحمد، وغيرهما، عن سلمان عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " خلق الله يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة منها رحمة يتراحم بها ~~الخلق، وتسعة وتسعون ليوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه ~~الرحمة " # وثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " لما قضى الله الخلق كتب كتابا فوضعه عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت ~~غضبي " # وقد روي من طرق أخرى بنحو هذا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن السدي في قوله { وله ما سكن فى اليل والنهار ~~} يقول ما استقر في الليل والنهار، وفي قوله { قل أغير الله ~~أتخذ وليا } قال أما الولي فالذي تولاه، ويقر له بالربوبية. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله { فاطر ~~السموات والأرض } قال بديع السموات والأرض. وأخرج أبو عبيد في ~~فضائله وابن جرير، وابن الأنباري، عنه قال كنت لا أدري ما فاطر السموات ~~والأرض؟ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما أنا فطرتها، يقول ~~أنا ابتدأتها. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي في قوله { وهو ~~يطعم ولا يطعم } قال يرزق ولا يرزق. وأخرج عبد الرزاق، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله { من يصرف عنه } قال من ~~يصرف عنه العذاب. وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله { وإن يمسسك ~~بخير } يقول بعافية. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس قال جاء التمام بن زيد، وقردم بن كعب، ~~وبحري بن عمرو فقالوا يا محمد ما تعلم مع الله إلها غيره؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " لا إله إلا الله، بذلك بعثت وإلى ذلك أدعو " # ، فأنزل الله { قل أى شىء أكبر شهدة ms1068 } الآية. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد قال أمر محمد صلى الله عليه ~~وسلم أن يسأل قريشا أي شيء أكبر شهادة؟ ثم أمره أن يخبرهم فيقول الله ~~شهيد بيني وبينكم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي ~~في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله { وأوحي إلي هذا ~~القرآن لأنذركم به } يعني أهل مكة { ومن بلغ } يعني من ~~بلغه هذا القرآن من الناس فهو له نذير. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ~~أنس قال لما نزلت هذه الآية { وأوحي إلي هذا القرآن } ~~كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى، وقيصر، والنجاشي، وكل جبار ~~يدعوهم إلى الله عز وجل، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم، والخطيب وابن النجار، عن ابن ~~عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من بلغه القرآن فكأنما شافهته به " # ، ثم قرأ، { وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ }. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن الضريس، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن محمد بن كعب القرظي قال «من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وفي لفظ من بلغه القرآن حتى تفهمه وتعقله كان كمن عاين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وكلمه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ~~مجاهد في قوله { وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ~~} قال العرب { ومن بلغ } قال العجم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة ~~قال قال النضر وهو من بني عبد الدار إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات ~~والعزى، فأنزل الله { ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا } الآية. ### || [6.22-30] # قوله { ويوم نحشرهم } قرأ الجمهور بالنون في الفعلين، وقرىء ~~بالياء فيهما، وناصب الظرف محذوف مقدر متأخرا، أي يوم نحشرهم كان كيت ~~وكيت، ms1069 والاستفهام في { أين شركاؤكم } للتقريع والتوبيخ ~~للمشركين. وأضاف الشركاء إليهم، لأنها لم تكن شركاء لله في الحقيقة، بل ~~لما سموها شركاء أضيفت إليهم، وهي ما كانوا يعبدونه من دون الله، أو ~~يعبدونه مع الله. قوله { الذين كنتم تزعمون } أي تزعمونها ~~شركاء، فحذف المفعولان معا، ووجه التوبيخ بهذا الاستفهام أن معبوداتهم ~~غابت عنهم في تلك الحال، أو كانت حاضرة ولكن لا ينتفعون بها بوجه من ~~الوجوه، فكان وجودها كعدمها. قوله { ثم لم تكن فتنتهم ~~إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } قال ~~الزجاج تأويل هذه الآية أن الله عز وجل أخبر بقصص المشركين وافتتانهم ~~بشركهم، ثم أخبر أن فتنتهم لم تكن حتى رأوا الحقائق إلا أن انتفوا من ~~الشرك، ونظير هذا في اللغة أن ترى إنسانا يحب غاويا، فإذا وقع في هلكة ~~تبرأ منه فتقول ما كانت محبتك إياه إلا أن تبرأت منه انتهى. فالمراد ~~بالفتنة على هذا كفرهم أي لم تكن عاقبة كفرهم الذي افتخروا به، وقاتلوا ~~عليه، إلا ما وقع منهم من الجحود والحلف على نفيه بقولهم { والله ~~ربنا ما كنا مشركين } وقيل المراد بالفتنة هنا جوابهم، أي لم ~~يكن جوابهم إلا الجحود والتبريء، فكان هذا الجواب فتنة لكونه كذبا، ~~وجملة { ثم لم تكن فتنتهم } معطوفة على عامل الظرف المقدر ~~كما مر والاستثناء مفرغ، وقرىء " فتنتهم " بالرفع وبالنصب. ويكن وتكن ~~والوجه ظاهر، وقرىء " وما كان فتنتهم " وقرىء " ربنا " ~~بالنصب على النداء { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } ~~بإنكار ما وقع منهم في الدنيا من الشرك، { وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون } أي زال وذهب افتراؤهم وتلاشى، وبطل ما كانوا ~~يظنونه من أن الشركاء يقربونهم إلى الله. هذا على أن " ما " مصدرية. ~~وقيل هي موصولة عبارة عن الآلهة أي فارقهم ما كانوا يعبدون من دون الله ~~فلم يغن عنهم شيئا، وهذا تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حالهم ~~المختلفة ودعواهم المتناقضة. وقيل لا يجوز أن يقع منهم كذب في الآخرة ~~لأنها دار لا يجري فيها غير الصدق، فمعنى { والله ms1070 ربنا ما كنا ~~مشركين } نفي شركهم عند أنفسهم، وفي اعتقادهم، ويؤيد هذا قوله تعالى # ولا يكتمون الله حديثا # النساء 42. قوله { ومنهم من يستمع إليك } هذا كلام ~~مبتدأ لبيان ما كان يصنعه بعض المشركين في الدنيا، والضمير عائد إلى ~~الذين أشركوا، أي وبعض الذين أشركوا يستمع إليك حين تتلو القرآن { ~~وجعلنا على قلوبهم أكنة } أي فعلنا ذلك بهم مجازاة على ~~كفرهم، والأكنة الأغطية جمع كنان مثل الأسنة والسنان، كننت الشيء في كنه ~~إذا جعلته فيه، وأكننته أخفيته، وجملة { جعلنا على قلوبهم ~~أكنة } مستأنفة للإخبار بمضمونها، أو في محل نصب على الحال، أي وقد ~~جعلنا على قلوبهم أغطية كراهة أن يفقهوا القرآن، أو لئلا يفقهوه، والوقر ~~الصمم، يقال وقرت أذنه تقر وقرا أي صمت. # وقرأ طلحة ابن مصرف " وقرا " بكسر الواو، أي جعل في آذانهم ما سدها ~~عن استماع القول على التشبيه بوقر البعير، وهو مقدار ما يطيق أن يحمله، ~~وذكر الأكنة والوقر تمثيل لفرط بعدهم عن فهم الحق وسماعه، كأن قلوبهم لا ~~تعقل، وأسماعهم لا تدرك، { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا ~~بها } أي لا يؤمنوا بشيء من الآيات التي يرونها من المعجزات، ونحوها ~~لعنادهم وتمردهم. قوله { حتى إذا جاءوك يجدلونك يقول ~~الذين كفروا إن هذا إلا أسطير الأولين } " ~~حتى " هنا هي الابتدائية التي تقع بعدها الجمل، وجملة { يجادلونك } في ~~محل نصب على الحال. والمعنى أنهم بلغوا من الكفر والعناد أنهم إذا جاءوك ~~مجادلين لم يكتفوا بمجرد عدم الإيمان، بل يقولون إن هذا إلا أساطير ~~الأولين. وقيل " حتى " هي الجارة وما بعدها في محل جر، والمعنى حتى وقت ~~مجيئهم مجادلين يقولون إن هذا إلا أساطير الأولين، وهذا غاية التكذيب ~~ونهاية العناد. والأساطير قال الزجاج واحدها أسطار. وقال الأخفش أسطورة. ~~وقال أبو عبيدة أسطارة. وقال النحاس أسطور. وقال القشيري أسطير. وقيل هو ~~جمع لا واحد له كعباديد وأبابيل، والمعنى ما سطره الأولون في الكتب من ~~القصص والأحاديث. قال الجوهري الأساطير الأباطيل والترهات. قوله { وهم ~~ينهون عنه وينأون عنه } أي ينهى المشركون الناس ms1071 عن الإيمان ~~بالقرآن، أو بمحمد صلى الله عليه وسلم ويبعدون هم في أنفسهم عنه. وقيل ~~إنها نزلت في أبي طالب، فإنه كان ينهى الكفار عن أذية النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ويبعد هو عن إجابته { وإن يهلكون إلا أنفسهم ~~وما يشعرون } أي ما يهلكون بما يقع منهم من النهي والنأي، إلا ~~أنفسهم بتعريضها لعذاب الله وسخطه، والحال أنهم ما يشعرون بهذا البلاء ~~الذي جلبوه على أنفسهم. قوله { ولو ترى إذ وقفوا على ~~النار } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من تتأتى منه ~~الرؤية. وعبر عن المستقبل يوم القيامة بلفظ الماضي تنبيها على تحقق ~~وقوعه، كما ذكره علماء المعاني، و { وقفوا } معناه حبسوا، يقال وقفته ~~وقفا ووقف وقوفا، وقيل معنى { وقفوا على النار } أدخلوها، ~~فتكون " على " بمعنى " في ". وقيل هي بمعنى الباء أي وقفوا بالنار أي ~~بقربها معاينين لها، ومفعول ترى محذوف، وجواب " لو " محذوف، ليذهب السامع ~~كل مذهب، والتقدير لو تراهم إذا وقفوا على النار لرأيت منظرا هائلا ~~وحالا فظيعا { فقالوا يليتنا نرد } أي إلى الدنيا { ولا ~~نكذب بئايت ربنا } أي التي جاءنا بها رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، { ونكون من المؤمنين } بها العاملين بما فيها، ~~والأفعال الثلاثة داخلة تحت التمني أي تمنوا الرد، وأن لا يكذبوا، وأن ~~يكونوا من المؤمنين، برفع الأفعال الثلاثة كما هي قراءة الكسائي وأهل ~~المدينة، وشعبة، وابن كثير، وأبي عمرو. # وقرأ حفص، وحمزة، بنصب نكذب ونكون بإضمار أن بعد الواو على جواب التمني، ~~واختار سيبويه القطع في { ولا نكذب } فيكون غير داخل في التمني، ~~والتقدير ونحن لا نكذب على معنى الثبات على ترك التكذيب، أي لا نكذب ~~رددنا أو لم نرد، قال وهو مثل دعني ولا أعود، أي لا أعود على كل حال ~~تركتني أو لم تتركني. واستدل أبو عمرو بن العلاء على خروجه من التمني ~~بقوله { وإنهم لكذبون } لأن الكذب لا يكون في التمني. وقرأ ~~ابن عامر { ونكون } بالنصب، وأدخل الفعلين الأولين في التمني، وقرأ ~~أبي " ولا نكذب بئايت ربنا أبدا ms1072 " وقرأ هو وابن ~~مسعود " يليتنا نرد فلا نكذب " بالفاء والنصب، والفاء ينصب ~~بها في جواب التمني كما ينصب بالواو كما قال الزجاج، وقال أكثر البصريين ~~لا يجوز الجواب إلا بالفاء. قوله { بل بدا لهم ما كانوا ~~يخفون من قبل } هذا إضراب عما يدل عليه التمني من الوعد بالإيمان ~~والتصديق، أي لم يكن ذلك التمني منهم عن صدق نية وخلوص اعتقاد، بل هو ~~لسبب آخر، وهو أنه بدا لهم ما كانوا يخفون، أي يجحدون من الشرك، وعرفوا ~~أنهم هالكون بشركهم، فعدلوا إلى التمني والمواعيد الكاذبة. وقيل بدا لهم ~~ما كانوا يخفون من النفاق والكفر بشهادة جوارحهم عليهم. وقيل بدا لهم ما ~~كانوا يكتمون من أعمالهم القبيحة كما قال تعالى # وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون # الزمر 47 وقال المبرد بدا لهم جزاء كفرهم الذي كانوا يخفونه، وهو مثل ~~القول الأول. وقيل المعنى أنه ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة ~~يخفون عنهم من أمر البعث والقيامة { ولو ردوا } إلى الدنيا حسبما ~~تمنوا { لعدوا } لفعل ما نهوا عنه من القبائح التي رأسها الشرك، ~~كما عاين إبليس ما عاين من آيات الله ثم عاند { وإنهم ~~لكذبون } أي متصفون بهذه الصفة لا ينفكون عنها بحال من الأحوال ~~ولو شاهدوا ما شاهدوا. وقيل المعنى وإنهم لكاذبون فيما أخبروا به عن ~~أنفسهم من الصدق والإيمان. وقرأ يحيى بن وثاب " ولو ردوا " بكسر ~~الراء لأن الأصل رددوا فنقلت كسرة الدال إلى الراء، وجملة { وإنهم ~~لكذبون } معترضة بين المعطوف وهو { وقالوا } ، وبين المعطوف عليه ~~وهو { لعادوا } أي لعادوا إلى ما نهوا عنه { وقالوا إن هى إلا ~~حياتنا الدنيا } أي ما هي إلا حياتنا الدنيا { وما نحن ~~بمبعوثين } بعد الموت، وهذا من شدة تمردهم وعنادهم، حيث يقولون ~~هذه المقالة على تقدير أنهم رجعوا إلى الدنيا بعد مشاهدتهم للبعث. # قوله { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } قد تقدم تفسيره ~~في قوله { ولو ترى إذ وقفوا على النار } أي حبسوا على ~~ما يكون من أمر ربهم فيهم. وقيل " على ms1073 " بمعنى " عند " ، وجواب " لو " ~~محذوف، أي لشاهدت أمرا عظيما، والاستفهام في { أليس هذا ~~بالحق } للتقريع والتوبيخ، أي أليس هذا البعث الذي ينكرونه كائنا ~~موجودا، وهذا الجزاء الذي يجحدونه حاضرا. { قالوا بلى وربنا ~~} اعترفوا بما أنكروا، وأكدوا اعترافهم بالقسم { قال فذوقوا العذاب ~~} الذي تشاهدونه وهو عذاب النار { بما كنتم تكفرون } أي بسبب ~~كفركم به أو بكل شيء مما أمرتم بالإيمان به في دار الدنيا. وقد أخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ثم لم تكن ~~فتنتهم } قال معذرتهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه { ثم ~~لم تكن فتنتهم } قال حجتهم { إلا أن قالوا والله ~~ربنا ما كنا مشركين } يعني المنافقين والمشركين قالوا وهم في ~~النار هلم فلنكذب فلعله أن ينفعنا، فقال الله { انظر كيف كذبوا ~~على أنفسهم وضل عنهم } في القيامة { ما كانوا ~~يفترون } يكذبون في الدنيا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عنه في ~~قوله { والله ربنا ما كنا مشركين } ثم قال # ولا يكتمون الله حديثا # النساء 42 قال بجوارحهم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { انظر كيف ~~كذبوا على أنفسهم } قال باعتذارهم الباطل { وضل عنهم ~~ما كانوا يفترون } قال ما كانوا يشركون. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~مجاهد في قوله { ومنهم من يستمع إليك } قال قريش، وفي ~~قوله { وجعلنا على قلوبهم أكنة } قال كالجعبة للنبل. ~~وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله { ~~وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى ~~ءاذانهم وقرا } قال يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئا، كمثل ~~البهيمة التي لا تسمع النداء ولا تدري ما يقال لها. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن السدي قال الغطاء أكن قلوبهم أن يفقهوه، والوقر الصمم، و ~~{ أسطير الأولين } أساجيع الأولين. وأخرج ابن جرير، عن ابن ~~عباس قال أساطير الأولين أحاديث الأولين. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة قال أساطير الأولين كذب الأولين ~~وباطلهم. ms1074 # وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس في قوله { وهم ينهون ~~عنه وينأون عنه } قال نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن ~~يردوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتباعد عما جاء به. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن القاسم بن مخيمرة نحوه. ~~وأخرج ابن جرير عن عطاء نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس في الآية قال ينهون عنه الناس أن ~~يؤمنوا به، وينأون عنه يتباعدون. وأخرج ابن جرير، من طريق العوفي عنه ~~قال لا يلقونه ولا يدعون أحدا يأتيه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن محمد بن الحنفية، في الآية قال كفار مكة ~~كانوا يدفعون الناس عنه ولا يجيبونه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد ~~الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة ~~قال ينهون عن القرآن، وعن النبي صلى الله عليه وسلم، وينأون عنه ~~يتباعدون عنه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن أبي هلال، في الآية قال ~~نزلت في عمومة النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا عشرة، فكانوا أشد الناس ~~معه في العلانية، وأشد الناس عليه في السر. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في ~~قوله { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } قال من ~~أعمالهم { ولو ردوا لعدوا لما نهوا عنه } يقول ولو ~~وصل الله لهم دنيا كدنياهم التي كانوا فيها لعادوا إلى أعمالهم، أعمال ~~السوء التي كانوا نهوا عنها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال أخبر ~~الله سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى، فقال { ولو ردوا ~~لعدوا لما ms1075 نهوا عنه } أي ولو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم ~~وبين الهدى كما حيل بينهم وبينه أول مرة، وهم في الدنيا. ### || [6.31-36] # قوله { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } هم الذين ~~تقدم ذكرهم. والمراد من تكذيبهم بلقاء الله تكذيبهم بالبعث، وقيل ~~تكذيبهم بالجزاء. والأول أولى، لأنهم الذين قالوا قريبا # إن هى إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين # الأنعام 29 { حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة } أي ~~القيامة، وسميت ساعة لسرعة الحساب فيها. ومعنى بغتة فجأة، يقال بغتهم ~~الأمر يبغتهم بغتا وبغتة. قال سيبويه وهي مصدر في موضع الحال، قال ولا ~~يجوز أن يقاس عليه، فلا يقال جاء فلان سرعة، و " حتى } غاية للتكذيب ~~لا للخسران، فإنه لا غاية له { قالوا يحسرتنا } هذا جواب { إذا ~~جاءتهم } أوقعوا النداء على الحسرة، وليست بمنادى في الحقيقة ليدل ذلك ~~على كثرة تحسرهم. والمعنى يا حسرتنا احضري، فهذا أوانك، كذا قال سيبويه ~~في هذا النداء وأمثاله، كقولهم يا للعجب ويا للرجل. وقيل هو تنبيه للناس ~~على عظم ما يحل بهم من الحسرة، كأنهم قالوا يا أيها الناس تنبهوا على ~~عظيم ما بنا من الحسرة، والحسرة الندم الشديد { على ما فرطنا ~~فيها } أي على تفريطنا في الساعة، أي في الاعتداد لها، والاحتفال ~~بشأنها، والتصديق بها. ومعنى فرطنا ضيعنا، وأصله التقدم، يقال فرط فلان ~~أي تقدم وسبق إلى الماء، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # " وأنا فرطكم على الحوض " # ، ومنه الفارط أي المتقدم فكأنهم أرادوا بقولهم { على ما فرطنا ~~} أي على ما قدمنا من عجزنا عن التصديق بالساعة والاعتداد لها، وقال ابن ~~جرير الطبري إن الضمير في { فرطنا فيها } يرجع إلى الصفقة، وذلك أنهم ~~لما تبين لهم خسران صفقتهم ببيعهم الإيمان بالكفر، والدنيا بالآخرة { ~~قالوا يحسرتنا على ما فرطنا فيها } في صفقتنا، وإن ~~لم تذكر في الكلام، فهو دال عليها لأن الخسران لا يكون إلا في صفقة. ~~وقيل الضمير راجع إلى الحياة أي على ما فرطنا في حياتنا. قوله { وهم ~~يحملون أوزارهم على ظهورهم } هذه الجملة حالية، أي ~~يقولون ms1076 تلك المقالة، والحال أنهم { يحملون أوزارهم على ~~ظهورهم } أي ذنوبهم، جمع وزر يقال وزر يزر، فهو وازر وموزور، وأصله ~~من الوزر. قال أبو عبيدة يقال للرجال إذا بسط ثوبه، فجعل فيه المتاع احمل ~~وزرك، أي ثقلك، ومنه الوزير، لأنه يحمل أثقال ما يسند إليه من تدبير ~~الولاية. والمعنى أنها لزمتهم الآثام فصاروا مثقلين بها، وجعلها محمولة ~~على الظهور تمثيل { ألا ساء ما يزرون } أي بئس ما يحملون. قوله { ~~وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو } أي وما متاع ~~الدنيا إلا لعب ولهو على تقدير حذف مضاف، أو ما الدنيا من حيث هي، إلا ~~لعب ولهو. والقصد بالآية تكذيب الكفار في قولهم { ما هى إلا ~~حياتنا الدنيا } ، واللعب معروف، وكذلك اللهو، وكل ما يشغلك فقد ~~ألهاك. # وقيل أصله الصرف عن الشيء. ورد بأن اللهو بمعنى الصرف لامه " ياء " ، ~~يقال لهيت عنه، ولام اللهو واو، يقال لهوت بكذا { وللدار الآخرة ~~خير للذين يتقون أفلا تعقلون } سميت آخرة لتأخرها ~~عن الدنيا، أي هي خير للذين يتقون الشرك والمعاصي، أفلا تعقلون ذلك. قرأ ~~ابن عامر " ولدار الآخرة " بلام واحدة، وبالإضافة وقرأ الجمهور ~~باللام التي للتعريف معها، وجعل الآخرة نعتا لها والخبر " خير " ، وقرىء ~~تعقلون بالفوقية والتحتية. قوله { قد نعلم إنه ليحزنك ~~الذى يقولون } هذا الكلام مبتدأ مسوق لتسلية رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عما ناله من الغم والحزن بتكذيب الكفار له. ودخول قد للتكثير، ~~فإنها قد تأتي لإفادته كما تأتي رب. والضمير في " إنه " للشأن، وقرىء ~~بفتح الياء من " يحزنك " وضمها. وقرىء { يكذبونك } مشددا ومخففا، ~~واختار أبو عبيد قراءة التخفيف. قال النحاس وقد خولف أبو عبيد في هذا. ~~ومعنى { يكذبونك } على التشديد ينسبونك إلى الكذب ويردون عليك ما قلته. ~~ومعنى المخفف أنهم لا يجدونك كذابا، يقال أكذبته وجدته كذابا، وأبخلته ~~وجدته بخيلا. وحكى الكسائي عن العرب أكذبت الرجل أخبرت أنه جاء بالكذب، ~~وكذبته أخبرت أنه كاذب. وقال الزجاج كذبته إذا قلت له كذبت، وأكذبته إذا ~~أردت أن ما أتى به كذب. والمعنى أن تكذيبهم ms1077 ليس يرجع إليك، فإنهم يعترفون ~~لك بالصدق، ولكن تكذيبهم راجع إلى ما جئت به، ولهذا قال { ولكن ~~الظلمين بئايت الله يجحدون } ووضع الظاهر موضع ~~المضمر لزيادة التوبيخ لهم، والإزراء عليهم، ووصفهم بالظلم لبيان أن هذا ~~الذي وقع منهم ظلم بين. قوله { ولقد كذبت رسل من قبلك ~~فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتهم ~~نصرنا } هذا من جملة التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي أن ~~هذا الذي وقع من هؤلاء إليك ليس هو بأول ما صنعه الكفار مع من أرسله ~~الله إليهم، بل قد وقع التكذيب لكثير من الرسل المرسلين من قبلك، فاقتد ~~بهم ولا تحزن واصبر كما صبروا على ما كذبوا به، وأوذوا، حتى يأتيك نصرنا ~~كما أتاهم فإنا لا نخلف الميعاد و # لكل أجل كتاب # الرعد 38 # إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا # غافر 51 # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم ~~لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغلبون # الصافات 171 173 # كتب الله لأغلبن أنا ورسلى # المجادلة 21 { ولا مبدل لكلمت الله } بل وعده كائن، ~~وأنت منصور على المكذبين، ظاهر عليهم. وقد كان ذلك ولله الحمد. { ولقد ~~جاءك من نبإ المرسلين } ما جاءك من تجرى قومهم عليهم في ~~الابتداء، وتكذيبهم لهم، ثم نصرهم عليهم في الانتهاء، وأنت ستكون عاقبة ~~هؤلاء المكذبين لك كعاقبة المكذبين للرسل، فيرجعون إليك ويدخلون في الدين ~~الذي تدعوهم إليه طوعا أو كرها. # قوله { وإن كان كبر عليك إعراضهم } ، كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يكبر عليه إعراض قومه، ويتعاظمه، ويحزن له، فبين له الله ~~سبحانه أن هذا الذي وقع منهم من توليهم عن الإجابة له، والإعراض عما دعا ~~إليه، هو كائن لا محالة لما سبق في علم الله عز وجل، وليس في استطاعته ~~وقدرته إصلاحهم وإجابتهم قبل أن يأذن الله بذلك، ثم علق ذلك بما هو محال، ~~فقال { فإن استطعت أن تبتغى نفقا فى الأرض } فتأتيهم ~~بآية منه { أو سلما في السمآء فتأتيهم بآية } منها ~~فافعل، ولكنك لا تستطيع ذلك فدع الحزن، # ولا تذهب نفسك ms1078 عليهم حسرت # فاطر 8 و # ما أنت عليهم بمسيطر # الغاشية 22 والنفق السرب والمنفذ، ومنه النافقاء لجحر اليربوع، ومنه ~~المنافق. وقد تقدم في البقرة ما يغني عن الإعادة. والسلم الدرج الذي ~~يرتقي عليه، وهو مذكر لا يؤنث، وقال الفراء إنه يؤنث. قال الزجاج وهو ~~مشتق من السلامة، لأنه يسلك به إلى موضع الأمن. وقيل إن الخطاب وإن كان ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فالمراد به أمته، لأنها كانت تضيق صدورهم ~~بتمرد الكفرة وتصميمهم على كفرهم، ولا يشعرون أن لله سبحانه في ذلك ~~حكمة، لا تبلغها العقول، ولا تدركها الأفهام، فإن الله سبحانه لو جاء ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم بآية تضطرهم إلى الإيمان لم يبق للتكليف الذي ~~هو الابتلاء والامتحان معنى، ولهذا قال { ولو شاء الله ~~لجمعهم على الهدى } جمع إلجاء وقسر، ولكنه لم يشأ ذلك، ولله ~~الحكمة البالغة { فلا تكونن من الجهلين } فإن شدة الحرص ~~والحزن لإعراض الكفار عن الإجابة قبل أن يأذن الله بذلك هو صنيع أهل ~~الجهل، ولست منهم، فدع الأمور مفوضة إلى عالم الغيب والشهادة، فهو أعلم ~~بما فيه المصلحة، ولا تحزن لعدم حصول ما يطلبونه من الآيات التي لو بدا ~~لهم بعضها، لكان إيمانهم بها اضطرارا { إنما يستجيب الذين ~~يسمعون } أي إنما يستجيب لك إلى ما تدعو إليه الذين يسمعون سماع ~~تفهم بما تقتضيه العقول وتوجبه الأفهام، وهؤلاء ليسوا كذلك، بل هم بمنزلة ~~الموتى الذين لا يسمعون ولا يعقلون لما جعلنا على قلوبهم من الأكنة، وفي ~~آذانهم من الوقر، ولهذا قال { والموتى يبعثهم الله } ~~شبههم بالأموات بجامع أنهم جميعا لا يفهمون الصواب، ولا يعقلون الحق، أي ~~أن هؤلاء لا يلجئهم الله إلى الإيمان وإن كان قادرا على ذلك، كما يقدر ~~على بعثة الموتى للحساب { ثم إليه يرجعون } إلى الجزاء ~~فيجازى كلا بما يليق به كما تقتضيه حكمته البالغة. وقد أخرج ابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس، في قوله { قالوا يحسرتنا } قال الحسرة ~~الندامة. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني وأبو الشيخ، وابن مردويه، ms1079 ~~والخطيب بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول صلى الله عليه وسلم ~~في قوله { يا حسرتنا } قال # " الحسرة أن يرى أهل النار منازلهم من الجنة، فتلك الحسرة " # وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في ~~قوله { ألا ساء ما يزرون } قال ما يعملون. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~مجاهد في قوله { لعب ولهو } قال كل لعب لهو. وأخرج الترمذي، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والضياء ~~في المختارة، عن علي بن أبي طالب، قال قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله { فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ~~}. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي يزيد المدني، أن أبا جهل قال ~~والله إني لأعلم أنه صادق، ولكن متى كنا تبعا لبني عبد مناف؟. وأخرج عبد ~~بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، عن أبي ميسرة، نحو رواية علي بن أبي ~~طالب. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~قتادة في قوله { ولكن الظلمين بئايت الله ~~يجحدون } قال يعلمون أنك رسول الله ويجحدون. وأخرج ابن جرير عن ~~الضحاك في قوله { ولقد كذبت رسل من قبلك } قال يعزي ~~نبيه صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج مثله. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسما والصفات، ~~عن ابن عباس قال { فإن استطعت أن تبتغى نفقا فى ~~الأرض } والنفق السرب، فتذهب فيه فتأتيهم بآية، أو تجعل لهم سلما في ~~السماء فتصعد عليه { فتأتيهم بآية } أفضل مما أتيناهم به، فافعل ~~{ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } يقول سبحانه لو ~~شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ~~نفقا فى الأرض } قال سربا { أو سلما فى السماء } قال ~~يعني الدرج. وأخرج ابن أبي ms1080 شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن الحسن في قوله { إنما يستجيب الذين ~~يسمعون } قال المؤمنون { والموتى } قال الكفار. وأخرج هؤلاء ~~عن مجاهد مثله. ### || [6.37-39] # هذا كان منهم تعنتا ومكابرة، حيث لم يقتدوا بما قد أنزله الله على ~~رسوله من الآيات البينات التي من جملتها القرآن، وقد علموا أنهم قد عجزوا ~~عن أن يأتوا بسورة مثله، ومرادهم بالآية هنا هي التي تضطرهم إلى الإيمان ~~كنزول الملائكة بمرأى منهم ومسمع، أو نتق الجبل كما وقع لبني إسرائيل، ~~فأمره الله سبحانه أن يجيبهم بأن الله قادر على أن ينزل على رسوله آية ~~تضطرهم إلى الإيمان، ولكنه ترك ذلك لتظهر فائدة التكليف الذي هو الابتلاء ~~والامتحان، وأيضا لو أنزل آية كما طلبوا لم يمهلهم بعد نزولها بل ~~سيعاجلهم بالعقوبة إذا لم يؤمنوا. قال الزجاج طلبوا أن يجمعهم على الهدى، ~~يعني جمع إلجاء { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن الله ~~قادر على ذلك، وأنه تركه لحكمة بالغة لا تبلغها عقولهم. قوله { وما من ~~دابة فى الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا ~~أمم أمثلكم } الدابة من دب يدب فهو داب إذا مشى مشيا فيه ~~تقارب خطو. وقد تقدم بيان ذلك في البقرة { ولا طائر } معطوف على { ~~دابة } مجرور في قراءة الجمهور. وقرأ الحسن وعبد الله بن أبي إسحاق " ~~ولا طائر " بالرفع عطفا على موضع من دابة على تقدير زيادة من، و { ~~بجناحيه } لدفع الإبهام لأن العرب تستعمل الطيران لغير الطير، ~~كقولهم طر في حاجتي أي أسرع. وقيل إن اعتدال جسد الطائر بين الجناحين ~~يعينه على الطيران، ومع عدم الاعتدال يميل، فأعلمنا سبحانه أن الطيران ~~بالجناحين. وقيل ذكر الجناحين للتأكيد كضرب بيده وأبصر بعينيه. والجناح ~~أحد ناحيتي الطير الذي يتمكن به من الطيران في الهواء، وأصله الميل إلى ~~ناحية من النواحي. والمعنى ما من دابة من الدواب التي تدب في أي مكان ~~من أمكنة الأرض، ولا طائر يطير في أي ناحية من نواحيها { إلا أمم ~~أمثلكم } أي جماعات مثلكم خلقهم الله كما خلقكم، ms1081 ورزقهم كما ~~رزقكم داخلة تحت علمه وتقديره وإحاطته بكل شيء. وقيل أمثالنا في ذكر الله ~~والدلالة عليه. وقيل أمثالنا في كونهم محشورين، روى ذلك عن أبي هريرة. ~~وقال سفيان بن عيينة أي ما من صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه ~~منه، فمنهم من يعدو كالأسد، ومنهم من يشره كالخنزير، ومنهم من يعوي ~~كالكلب، ومنهم من يزهو كالطاوس. وقيل أمثالكم في أن لها أسماء تعرف بها، ~~وقال الزجاج أمثالكم في الخلق والرزق، والموت، والبعث، والاقتصاص. ~~والأولى أن تحمل المماثلة على كل ما يمكن وجود شبه فيه كائنا ما كان. ~~قوله { ما فرطنا فى الكتب من شىء } أي ما أغفلنا عنه ولا ~~ضيعنا فيه من شيء. والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ، فإن الله أثبت فيه ~~جميع الحوادث. # وقيل إن المراد به القرآن، أي ما تركنا في القرآن من شيء من أمر الدين ~~إما تفصيلا أو إجمالا، ومثله قوله تعالى # ونزلنا عليك الكتب تبيانا لكل شىء # النحل 89، وقال # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم # النحل 44، ومن جملة ما أجمله في الكتاب العزيز قوله # ما آتكم الرسول فخذوه وما نهكم عنه ~~فانتهوا # الحشر 7 فأمر في هذه الآية باتباع ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فكل حكم سنه الرسول لأمته قد ذكره الله سبحانه في كتابه العزيز، بهذه ~~الآية وبنحو قوله تعالى # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى # آل عمران 31 وبقوله # لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة # الأحزاب 21، «ومن» في { من شىء } مزيدة للإستغراق. قوله { ثم ~~إلى ربهم يحشرون } يعني الأمم المذكورة، وفيه دلالة على أنها ~~تحشر كما يحشر بنو آدم، وقد ذهب إلى هذا جمع من العلماء، ومنهم أبو ذر، ~~وأبو هريرة، والحسن، وغيرهم. وذهب ابن عباس إلى أن حشرها موتها، وبه قال ~~الضحاك. والأول أرجح للآية، ولما صح في السنة المطهرة من أنه يقاد يوم ~~القيامة للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، ولقول الله تعالى # وإذا الوحوش حشرت # التكوير 5 وذهبت طائفة من العلماء إلى ms1082 أن المراد بالحشر المذكور في ~~الآية حشر الكفار، وما تخلل كلام معترض. قالوا وأما الحديث فالمقصود به ~~التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص. واستدلوا أيضا بأن في هذا ~~الحديث خارج الصحيح عن بعض الرواة زيادة، ولفظه«حتى يقاد للشاة الجلحاء ~~من القرناء، وللحجر لم ركب على الحجر؟ والعود لم خدش العود؟» قالوا ~~والجمادات لا يعقل خطابها ولا ثوابها ولا عقابها. قوله { والذين ~~كذبوا بايتنا صم وبكم } أي لا يسمعون بأسماعهم ولا ~~ينطقون بألسنتهم، نزلهم منزلة من لا يسمع ولا ينطق، لعدم قبولهم لما ~~ينبغي قوله من الحجج الواضحة والدلائل الصحيحة. وقال أبو علي يجوز أن ~~يكون صممهم وبكمهم في الآخرة. قوله { فى الظلمت } أي في ظلمات ~~الكفر، والجهل والحيرة، لا يهتدون لشيء مما فيه صلاحهم. والمعنى كائنين ~~في الظلمات التي تمنع من إبصار المبصرات، وضموا إلى الصمم، والبكم، عدم ~~الانتفاع بالأبصار لتراكم الظلمة عليهم، فكانت حواسهم كالمسلوبة التي لا ~~ينتفع بها بحال، وقد تقدم في البقرة تحقيق المقام بما يغني عن الإعادة، ~~ثم بين سبحانه أن الأمر بيده ما شاء يفعل، من شاء تعالى أن يضله أضله، ~~ومن شاء أن يهديه جعله على صراط مستقيم، لا يذهب به إلى غير الحق، ولا ~~يمشي فيه إلا إلى صوب الاستقامة. وقد أخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في قوله { إلا أمم ~~أمثلكم } قال أصنافا مصنفة تعرف بأسمائها. # وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن قتادة في الآية قال الطير أمة، والإنس أمة، والجن أمة. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي قال خلق أمثالكم. وأخرج ابن جرير، ~~وأبو الشيخ، عن ابن جريح في الآية قال الذرة فما فوقها من ألوان ما خلق ~~الله من الدواب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس { ما ~~فرطنا فى الكتب من شىء } يعني ما تركنا شيئا إلا وقد ~~كتبناه في أم الكتاب. وأخرج عبد الرزاق، وأبو الشيخ، عن قتادة ms1083 نحوه. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله { ثم ~~إلى ربهم يحشرون } قال موت البهائم حشرها، وفي لفظ قال يعني ~~بالحشر الموت. وأخرج عبد الرزاق، وأبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة قال ما من دابة ولا طائر إلا ~~سيحشر يوم القيامة، ثم يقتص لبعضها من بعض، حتى يقتص للجلحاء من ذات ~~القرن، ثم يقال لها كوني ترابا، فعند ذلك يقول الكافر # يليتنى كنت تربا # النبأ 40 وإن شئتم فاقرءوا { وما من دابة فى الأرض } الآية. ~~وأخرج ابن جرير، عن أبي ذر قال انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال لي # " يا أبا ذر أتدري فيم انتطحتا؟ " # قلت لا قال # " لكن الله يدري وسيقضي بينهما " # قال أبو ذر ولقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يقلب طائر ~~جناحيه في السماء ولا ذكر لنا منه علما. وأخرجه أيضا أحمد، وفي صحيح ~~مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من ~~الشاة القرناء ". ### || [6.40-45] # قوله { أرأيتكم } الكاف والميم عند البصريين للخطاب، ولا حظ لهما ~~في الإعراب، وهو اختيار الزجاج. وقال الكسائي والفراء وغيرهما إن الكاف ~~والميم في محل نصب بوقوع الرؤية عليهما. والمعنى أرأيتم أنفسكم. قال في ~~الكشاف مرجحا للمذهب الأول إنه لا محل للضمير الثاني، يعني الكاف من ~~الإعراب، لأنك تقول أرأيتك زيدا ما شأنه، فلو جعلت للكاف محلا لكنت كأنك ~~تقول أرأيت نفسك زيدا ما شأنه، وهو خلف من القول انتهى. والمعنى أخبروني ~~{ إن أتكم عذاب الله } كما أتى غيركم من الأمم { أو ~~أتتكم الساعة } أي القيامة { أغير الله تدعون } هذا ~~على طريقة التبكيت والتوبيخ، أي أتدعون غير الله في هذه الحالة من ~~الأصنام التي تعبدونها، أم تدعون الله سبحانه؟ وقوله { إن كنتم ~~صدقين } تأكيد لذلك التوبيخ، أي أغير الله من الأصنام تدعون إن ~~كنتم صادقين أن أصنامكم تضر وتنفع، وأنها آلهة ms1084 كما تزعمون. قوله { بل ~~إيه تدعون } معطوف على منفي مقدر، أي لا تدعون غيره، بل إياه ~~تخصون بالدعاء { فيكشف ما تدعون إليه } أي فيكشف عنكم ما ~~تدعونه إلى كشفه إن شاء أن يكشفه عنكم لا إذا لم يشأ ذلك. قوله { ~~وتنسون ما تشركون } أي وتنسون عند أن يأتيكم العذاب ما تشركون ~~به تعالى، أي ما تجعلونه شريكا له من الأصنام ونحوها فلا تدعونها، ولا ~~ترجون كشف ما بكم منها، بل تعرضون عنها إعراض الناس. وقال الزجاج يجوز أن ~~يكون المعنى وتتركون ما تشركون. قوله { ولقد أرسلنا إلى ~~أمم من قبلك } كلام مبتدأ مسوق لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أي ولقد أرسلنا إلى أمم كائنة من قبلك رسلا فكذبوهم { فأخذنهم ~~بالبأساء والضراء } أي البؤس والضر. وقيل البأساء المصائب في ~~الأموال، والضراء المصائب في الأبدان، وبه قال الأكثر { لعلهم ~~يتضرعون } أي يدعون الله بضراعة، مأخوذ من الضراعة وهي الذل، ~~يقال ضرع فهو ضارع، ومنه قول الشاعر # ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح # قوله { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا } أي فهلا إذ ~~جاءهم بأسنا تضرعوا لكنهم لم يتضرعوا، وهذا عتاب لهم على ترك الدعاء في ~~كل الأحوال حتى عند نزول العذاب بهم لشدة تمردهم وغلوهم في الكفر، ~~ويجوز أن يكون المعنى أنهم تضرعوا عند أن نزل بهم العذاب، وذلك تضرع ~~ضروري لم يصدر عن إخلاص، فهو غير نافع لصاحبه، والأول أولى، كما يدل عليه ~~{ ولكن قست قلوبهم } أي صلبت وغلظت { وزين لهم ~~الشيطن ما كانوا يعملون } أي أغواهم بالتصميم على الكفر ~~والاستمرار على المعاصي. قوله { فلما نسوا ما ذكروا به } ~~أي تركوا ما ذكروا به، أو أعرضوا عما ذكروا به، لأن النسيان لو كان على ~~حقيقته لم يؤاخذوا به، إذ ليس هو من فعلهم، وبه قال ابن عباس، وابن جريج، ~~وأبو علي الفارسي. # والمعنى أنهم لما تركوا الاتعاظ بما ذكروا به من البأساء والضراء ~~وأعرضوا عن ذلك { فتحنا عليهم أبواب كل شىء } أي لما ~~نسوا ما ذكروا به استدرجناهم بفتح ms1085 أبواب كل نوع من أنواع الخير عليهم { ~~حتى إذا فرحوا بما أوتوا } من الخير على أنواعه فرح بطر ~~وأشر وأعجبوا بذلك وظنوا أنهم إنما أعطوه لكون كفرهم الذي هم عليه حقا ~~وصوابا { أخذنهم بغتة } أي فجأة وهم غير مترقبين لذلك ~~والبغتة الأخذ على غرة من غير تقدمة أمارة، وهي مصدر في موضع الحال، لا ~~يقاس عليها عند سيبويه. قوله { فإذا هم مبلسون } المبلس ~~الحزين الآيس من الخير لشدة ما نزل به من سوء الحال، ومن ذلك اشتق اسم ~~إبليس، يقال أبلس الرجل إذا سكت، وأبلست الناقة إذا لم ترع. قال العجاج # صاح هل تعرف رسما مكرسا قال نعم أعرفه وأبلسا # أي تحول لهول ما رأى، والمعنى فإذا هم محزونون متحيرون آيسون من الفرح. ~~قوله { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } الدابر الآخر، ~~يقال دبر القوم يدبرهم دبرا إذا كان آخرهم في المجيء، والمعنى أنه قطع ~~آخرهم أي استؤصلوا جميعا حتى آخرهم. قال قطرب يعني أنهم استؤصلوا ~~وأهلكوا. قال أمية بن أبي الصلت # فأهلكوا بعذاب حص دابرهم فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا # ومنه التدبير لأنه إحكام عواقب الأمور. قوله { والحمد لله رب ~~العلمين } أي على هلاكهم، وفيه تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه سبحانه ~~عند نزول النعم التي من أجلها هلاك الظلمة الذين يفسدون في الأرض، ولا ~~يصلحون، فإنهم أشد على عباد الله من كل شديد، اللهم أرح عبادك المؤمنين ~~من ظلم الظالمين، واقطع دابرهم، وأبدلهم بالعدل الشامل لهم. وقد أخرج أبو ~~الشيخ، عن سعيد بن جبير، في قوله { فأخذنهم بالبأساء ~~والضراء } قال خوف السلطان وغلاء السعر. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { فلما نسوا ما ~~ذكروا به } قال يعني تركوا ما ذكروا به. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، عن ابن جريج { فلما نسوا ما ذكروا به } قال ما ~~دعاهم الله إليه ورسله، أبوه وردوه عليهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في ~~قوله ms1086 { فتحنا عليهم أبواب كل شىء } قال رخاء الدنيا ~~ويسرها. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة نحوه. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن السدي، في قوله { حتى ~~إذا فرحوا بما أوتوا } قال من الرزق { أخذنهم ~~بغتة فإذا هم مبلسون } قال مهلكون متغير حالهم { فقطع ~~دابر القوم الذين ظلموا } يقول فقطع أصل الذين ظلموا. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن محمد بن ~~النضر الحارثي في قوله { أخذنهم بغتة } قال أمهلوا عشرين ~~سنة، ولا يخفى أن هذا مخالف لمعنى البغتة لغة ومحتاج إلى نقل عن الشارع، ~~وإلا فهو كلام لا طائل تحته. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد ~~قال المبلس المجهود المكروب الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه، والمبلس ~~أشد من المستكين، وفي قوله { فقطع دابر القوم والذين ~~ظلموا } قال استؤصلوا. ### || [6.46-49] # هذا تكرير للتوبيخ لقصد تأكيد الحجة عليهم، ووحد السمع لأنه مصدر يدل ~~على الجمع بخلاف البصر، ولهذا جمعه. والختم الطبع، وقد تقدم تحقيقه في ~~البقرة، والمراد أخذ المعاني القائمة بهذه الجوارح أو أخذ الجوارح نفسها، ~~والاستفهام في { من إله غير الله يأتيكم به } ~~للتوبيخ، «ومن» مبتدأ. و { إله } خبره، و { غير الله } صفة للخبر، ووحد ~~الضمير في «به» مع أن المرجع متعدد على معنى فمن يأتيكم بذلك المأخوذ أو ~~المذكور، وقيل الضمير راجع إلى أحد هذه المذكورات. وقيل إن الضمير بمنزلة ~~اسم الإشارة، أي يأتيكم بذلك المذكور، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالنظر في تصريف الآيات، وعدم قبولهم لها تعجيبا له من ذلك، ~~والتصريف المجيء بها على جهات مختلفة، تارة إنذار وتارة إعذار، وتارة ~~ترغيب، وتارة ترهيب. وقوله { ثم هم يصدفون } عطف على نصرف، ~~ومعنى يصدفون يعرضون، يقال صدف عن الشيء إذا أعرض عنه صدفا وصدوفا. ~~قوله { قل أرأيتكم إن أتكم عذاب الله } أي أخبروني ~~عن ذلك، وقد تقدم تفسير البغتة قريبا أنها الفجأة. قال الكسائي بغتهم ~~يبغتهم بغتا وبغتة إذا ms1087 أتاهم فجأة، أي من دون تقديم مقدمات تدل على ~~العذاب. والجهرة أن يأتي العذاب بعد ظهور مقدمات تدل عليه. وقيل البغتة ~~إتيان العذاب ليلا، والجهرة إتيان العذاب نهارا كما في قوله تعالى # بياتا أو نهارا # يونس 50. { هل يهلك إلا القوم الظلمون } الاستفهام ~~للتقرير، أي ما يهلك هلاك تعذيب وسخط إلا القوم الظالمون. وقرىء «يهلك» ~~على البناء للفاعل. قال الزجاج معناه هل يهلك إلا أنتم ومن أشبهكم؟ ~~انتهى. قوله { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ~~ومنذرين } كلام مبتدأ لبيان الغرض من إرسال الرسل، أي مبشرين لمن ~~أطاعهم بما أعد الله له من الجزاء العظيم، ومنذرين لمن عصاهم بما له عند ~~الله من العذاب الوبيل. وقيل مبشرين في الدنيا بسعة الرزق وفي الآخرة ~~بالثواب، ومنذرين مخوفين بالعقاب، وهما حالان مقدرتان، أي ما نرسلهم ~~إلا مقدرين تبشيرهم وإنذارهم { فمن ءامن وأصلح } أي آمن بما ~~جاءت به الرسل { وأصلح } حال نفسه بفعل ما يدعونه إليه { فلا ~~خوف عليهم } بوجه من الوجوه { ولا هم يحزنون } بحال من ~~الأحوال، هذا حال من آمن وأصلح، وأما حال المكذبين فهو أنه يمسهم العذاب ~~بسبب فسقهم، أي خروجهم عن التصديق والطاعة. وقد أخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله { يصدفون } ~~قال يعدلون. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهدا، في قوله { يصدفون } قال ~~يعرضون، وقال في قوله { قل أرأيتكم إن أتكم عذاب ~~الله بغتة } قال فجأة آمنين، أو جهرة، قال وهم ينظرون. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن زيد قال كل فسق في القرآن فمعناه الكذب. ### || [6.50-55] # أمره الله سبحانه بأن يخبرهم لما كثر اقتراحهم عليه وتعنتهم بإنزال ~~الآيات التي تضطرهم إلى الإيمان، أنه لم يكن عنده خزائن الله حتى يأتيهم ~~بما اقترحوه من الآيات، والمراد خزائن قدرته التي تشتمل على كل شيء من ~~الأشياء ويقول لهم إنه لا يعلم الغيب حتى يخبرهم به ويعرفهم بما سيكون ~~في مستقبل الدهر { ولا أقول ms1088 لكم إنى ملك } حتى تكلفوني من ~~الأفعال الخارقة للعادة مالا يطيقه البشر. وليس في هذا ما يدل على أن ~~الملائكة أفضل من الأنبياء. وقد اشتغل بهذه المفاضلة قوم من أهل العلم، ~~ولا يترتب على ذلك فائدة دينية ولا دنيوية. بل الكلام في مثل هذا من ~~الاشتغال بما لا يعني، # " ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " # { إن أتبع إلا ما يوحى إلى } أي ما أتبع إلا ما يوحيه ~~الله إلي. وقد تمسك بذلك من لم يثبت اجتهاد الأنبياء عملا بما يفيده ~~القصر في هذه الآية، والمسألة مدونة في الأصول والأدلة عليها معروفة. ~~وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # " أوتيت القرآن ومثله معه " # { قل هل يستوى الأعمى والبصير } هذا الاستفهام للإنكار، ~~والمراد أنه لا يستوي الضال والمهتدي، أو المسلم الكافر أو من اتبع ما ~~أوحي إليه ومن لم يتبعه، والكلام تمثيل { أفلا تتفكرون } في ~~ذلك حتى تعرفوا عدم الاستواء بينهما، فإنه بين لا يلتبس على من له أدنى ~~عقل، وأقل تفكر. قوله { وأنذر به الذين يخافون أن ~~يحشروا إلى ربهم } الإنذار الإعلام، والضمير في به راجع إلى ~~{ ما يوحى } وقيل إلى { الله } وقيل إلى { اليوم الآخر }. وخص الذين ~~يخافون أن يحشروا، لأن الإنذار يؤثر فيهم لما حل بهم من الخوف، بخلاف من ~~لا يخاف الحشر من طوائف الكفر لجحوده به وإنكاره له، فإنه لا يؤثر فيه ~~ذلك. قيل ومعنى يخافون يعلمون ويتيقنون أنهم محشورون، فيشمل كل من آمن ~~بالبعث من المسلمين، وأهل الذمة، وبعض المشركين. وقيل معنى الخوف على ~~حقيقته، والمعنى أنه ينذر به من يظهر عليه الخوف من الحشر عند أن يسمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يذكره، وإن لم يكن مصدقا به في الأصل، لكنه ~~يخاف أن يصح ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فإن من كان كذلك تكون ~~الموعظة فيه أنجع والتذكير له أنفع. قوله { ليس لهم من دونه ~~ولى ولا شفيع } الجملة في محل نصب على الحال أي أنذر به هؤلاء ms1089 ~~الذين يخافون الحشر حال كونهم لا ولي لهم يواليهم ولا نصير يناصرهم، ولا ~~شفيع يشفع لهم من دون الله، وفيه رد على من زعم من الكفار المعترفين ~~بالحشر أن آباءهم يشفعون لهم، وهم أهل الكتاب، أو أن أصنامهم تشفع لهم، ~~وهم المشركون. # قوله { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشى يريدون وجهه } الدعاء العبادة مطلقا. وقيل المحافظة ~~على صلاة الجماعة. وقيل الذكر وقراءة القرآن. وقيل المراد الدعاء لله ~~بجلب النفع ودفع الضرر. قيل والمراد بذكر الغداة والعشي الدوام على ذلك ~~والاستمرار. وقيل هو على ظاهره، و { يريدون وجهه } في محل نصب ~~على الحال. والمعنى أنهم مخلصون في عبادتهم لا يريدون بذلك إلا وجه الله ~~تعالى، أي يتوجهون بذلك إليه لا إلى غيره. قوله { ما عليك من ~~حسابهم من شىء وما من حسابك عليهم من شىء } هذا ~~كلام معترض بين النهي وجوابه متضمن لنفي الحامل على الطرد، أي حساب هؤلاء ~~الذين أردت أن تطردهم موافقة لمن طلب ذلك منك هو على أنفسهم ما عليك منه ~~شيء، وحسابك على نفسك ما عليهم منه شيء فعلام تطردهم؟ هذا على فرض صحة ~~وصف من وصفهم بقوله # ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا # هود 27 وطعن عندك في دينهم وحسبهم، فكيف وقد زكاهم الله عز وجل ~~بالعبادة والإخلاص؟! وهذا هو مثل قوله تعالى # ولا تزر وازرة وزر أخرى # الأنعام 164 وقوله # وأن ليس للإنسن إلا ما سعى # النجم 39. وقوله # إن حسابهم إلا على ربى # الشعراء 113. قوله { فتطردهم } جواب النفي في قوله { ما ~~عليك من حسابهم من شىء } وهو من تمام الاعتراض، أي إذا كان ~~الأمر كذلك فأقبل عليهم وجالسهم ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل ~~حالهم في الدين والفضل، و " من " في { ما عليك من حسابهم من شيء } ~~للتبعيض، والثانية للتوكيد. وكذا في { ما من حسابك عليهم من شيء }. قوله ~~{ فتكون من الظلمين } جواب للنهي أعني { ولا تطرد ~~الذين يدعون ربهم } أي فإن فعلت ذلك كنت من الظالمين، ~~وحاشاه عن وقوع ذلك. ms1090 وإنما هو من باب التعريض لئلا يفعل ذلك غيره صلى ~~الله عليه وسلم من أهل الإسلام، كقوله تعالى # لئن أشركت ليحبطن عملك # الزمر 65. وقيل إن { فتكون من الظالمين } معطوف على { فتطردهم } على ~~طريق التسبب، والأول أولى. قوله { وكذلك فتنا بعضهم ~~ببعض } أي مثل ذلك الفتن العظيم فتنا بعض الناس ببعض، والفتنة ~~الإختبار، أي عاملناهم معاملة المختبرين، واللام في { ليقولوا } ~~للعاقبة، أي ليقول البعض الأول مشيرين إلى البعض الثاني { أهؤلاء } ~~الذين { من الله عليهم من بيننا } أي أكرمهم بإصابة الحق ~~دوننا. قال النحاس وهذا من المشكل، لأنه يقال كيف فتنوا ليقولوا هذا ~~القول؟ وهو إن كان على طريقة الإنكار كفر، وأجاب بجوابين الأول أن ذلك ~~واقع منهم على طريقة الاستفهام لا على سبيل الإنكار والثاني أنهم لما ~~اختبروا بهذا كان عاقبة هذا القوم منهم كقوله # فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # القصص 8. قوله { أليس الله بأعلم بالشكرين } هذا ~~الاستفهام للتقرير. والمعنى أن مرجع الاستحقاق لنعم الله سبحانه هو ~~الشكر، وهو أعلم بالشاكرين له، فما بالكم تعترضون بالجهل وتنكرون الفضل. ~~قوله { وإذا جاءك الذين يؤمنون بئايتنا } هم الذين ~~نهاه الله عن طردهم وهم المستضعفون من المؤمنين، كما سيأتي بيانه { ~~فقل سلم عليكم } أمره الله بأن يقول لهم هذا القول تطييبا ~~لخواطرهم، وإكراما لهم. والسلام، والسلامة بمعنى واحد، فمعنى سلام عليكم ~~سلمكم الله. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية إذا ~~رآهم بدأهم بالسلام. وقيل إن هذا السلام هو من جهة الله، أي أبلغهم منا ~~السلام. قوله { كتب ربكم على نفسه الرحمة } أي أوجب ~~ذلك إيجاب فضل وإحسان. وقيل كتب ذلك في اللوح المحفوظ. قيل هذا من جملة ~~ما أمره الله سبحانه بإبلاغه إلى أولئك الذين أمره بإبلاغ السلام إليهم ~~تبشيرا بسعة مغفرة الله، وعظيم رحمته. قوله { أنه من عمل منكم ~~سوءا بجهالة } قرأ ابن عامر، وعاصم، ونافع بفتح " أن " من { أنه } ~~، وقرأ الباقون بكسرها. فعلى القراءة الأولى تكون هذه الجملة بدلا من ~~الرحمة، أي كتب ربكم على ms1091 نفسه أنه من عمل إلى آخره. وعلى القراءة الثانية ~~تكون هذه الجملة مفسرة للرحمة بطريق الاستئناف وموضع بجهالة النصب على ~~الحال، أي عمله وهو جاهل. قيل والمعنى أنه فعل فعل الجاهلين لأن من عمل ~~ما يؤدي إلى الضرر في العاقبة مع علمه بذلك أو ظنه، فقد فعل فعل أهل ~~الجهل والسفه، لا فعل أهل الحكمة والتدبير. وقيل المعنى أنه عمل ذلك وهو ~~جاهل لما يتعلق به من المضرة، فتكون فائدة التقييد بالجهالة الإيذان بأن ~~المؤمن لا يباشر ما يعلم أنه يؤدي إلى الضرر. قوله { ثم تاب من ~~بعده } أي من بعد عمله { وأصلح } ما أفسده بالمعصية، فراجع ~~الصواب وعمل الطاعة { فإنه غفور رحيم }. قرأ ابن عامر، وعاصم، ~~بفتح الهمزة من «فإنه»، وقرأ الباقون بالكسر. فعلى القراءة الأولى تكون ~~أن وما بعدها خبر مبتدأ محذوف، أي فأمره أن الله غفور رحيم، وهذا اختيار ~~سيبويه، واختار أبو حاتم أن الجملة في محل رفع على الابتداء، والخبر ~~مضمر، كأنه قيل فله " أنه غفور رحيم " قال لأن المبتدأ هو ما ~~بعد الفاء. وأما على القراءة الثانية فالجملة مستأنفة. قوله { وكذلك ~~نفصل الآيت } أي مثل ذلك التفصيل نفصلها، والتفصيل التبيين، ~~والمعنى أن الله فصل لهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين، وبين لهم حكم كل ~~طائفة. قوله { ولتستبين سبيل المجرمين }. قال الكوفيون ~~هو معطوف على مقدر، أي وكذلك نفصل الآيات لنبين لكم ولتستبين. # قال النحاس وهذا الحذف لا يحتاج إليه. وقيل إن دخول الواو للعطف على ~~المعنى. قرىء { لتستبين } بالفوقية والتحتية، فالخطاب على الفوقية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، أي لتستبين يا محمد سبيل المجرمين، وسبيل منصوب على ~~قراءة نافع. وأما على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وحفص ~~بالرفع، فالفعل مسند إلى سبيل وأما على التحتية فالفعل مسند إلى سبيل ~~أيضا، وهي قراءة حمزة والكسائي وشعبة بالرفع، وإذا استبان سبيل المجرمين ~~فقد استبان سبيل المؤمنين. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ms1092 { قل هل ~~يستوى الأعمى والبصير } قال الأعمى الكافر، الذي عمي عن حق ~~الله وأمره ونعمه عليه، والبصير العبد المؤمن، الذي أبصر بصرا نافعا ~~فوحد الله وحده، وعمل بطاعة ربه، وانتفع بما أتاه الله. وأخرج أحمد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، ~~وأبو نعيم في الحلية، عن عبد الله بن مسعود قال مر الملأ من قريش على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده صهيب، وعمار، وبلال، وخباب ونحوهم من ~~ضعفاء المسلمين، فقالوا يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك { أهؤلاء من ~~الله عليهم من بيننا } أنحن نكون تبعا لهؤلاء، اطردهم عنا ~~فلعلك إن طردتهم أن نتبعك، فأنزل الله فيهم القرآن { وأنذر به ~~الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } إلى قوله { ~~والله عليم بالظلمين }. وقد أخرج هذا السبب مطولا ابن ~~جرير، وابن المنذر، عن عكرمة، وفيه إن الذين جاءوا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل، ~~والحارث بن عامر بن نوفل، ومطعم بن عدي بن الخيار بن نوفل في أشراف ~~الكفار من عبد مناف. وأخرجه ابن أبي شيبة، وابن ماجه وأبو يعلى، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ وابن مردويه، ~~وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الدلائل، عن خباب قال جاء الأقرع بن ~~حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فذكر نحو حديث عبد الله بن مسعود ~~مطولا. قال ابن كثير هذا حديث غريب، فإن هذه الآية مكية، والأقرع ~~وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر. وأخرج مسلم والنسائي، وابن ماجه، ~~وغيرهم، عن سعد بن أبي وقاص قال لقد نزلت هذه الآية في ستة أنا وعبد الله ~~بن مسعود، وبلال، ورجل من هذيل، ورجلان لست أسميهما، فقال المشركون للنبي ~~صلى الله عليه وسلم اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا، فوقع في نفس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله { ~~ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى ms1093 ~~}. # وقد روي في بيان السبب روايات موافقة لما ذكرنا في المعنى. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { بالغداة ~~والعشى } قال يعني الصلاة المكتوبة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~عن مجاهد قال الصلاة المكتوبة الصبح والعصر. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن إبراهيم النخعي في ~~الآية قال هم أهل الذكر لا تطردهم عن الذكر. قال سفيان أي أهل الفقه. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ~~وكذلك فتنا بعضهم ببعض } يعني أنه جعل بعضهم أغنياء ~~وبعضهم فقراء، فقال الأغنياء للفقراء { أهؤلاء من الله ~~عليهم من بيننا } يعني أهؤلاء هداهم الله، وإنما قالوا ذلك ~~استهزاء وسخرية. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج { أهؤلاء الذين ~~من الله عليهم من بيننا } أي لو كان لهم كرامة على الله ~~ما أصابهم هذا الجهد. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ماهان قال أتى قوم النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقالوا إنا أصبنا ذنوبا عظاما فما رد عليهم شيئا فانصرفوا، فأنزل ~~الله { وإذا جاءك الذين يؤمنون بئايتنا } الآية، ~~فدعاهم فقرأها عليهم. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، قال أخبرت أن قوله ~~{ سلم عليكم } كانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~بدأهم بالسلام، فقال { سلم عليكم } وإذا لقيهم فكذلك أيضا. ~~وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة في قوله { وكذلك نفصل ~~الآيت } قال نبين الآيات. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد ~~في قوله { ولتستبين سبيل المجرمين } قال الذين يأمرونك ~~بطرد هؤلاء. ### || [6.56-59] # قوله { قل إنى نهيت } أمره الله سبحانه أن يعود إلى مخاطبة ~~الكفار، ويخبرهم بأنه نهى عن عبادة ما يدعونه ويعبدونه من دون الله، أي ~~نهاه الله عن ذلك وصرفه وزجره، ثم أمره سبحانه بأن يقول لهم { لا ~~أتبع أهواءكم } أي لا أسلك المسلك الذي سلكتموه في دينكم، من ~~اتباع الأهواء والمشي ms1094 على ما توجبه المقاصد الفاسدة التي يتسبب عنها ~~الوقوع في الضلال. قوله { قد ضللت إذا } أي إن اتبعت أهواءكم ~~فيما طلبتموه من عبادة معبوداتكم، وطرد من أردتم طرده { وما أنا ~~من المهتدين } إن فعلت ذلك، وهذه الجملة الإسمية معطوفة على ~~الجملة التي قبلها، والمجيء بها اسمية عقب تلك الفعلية للدلالة على ~~الدوام والثبات، وقرىء " ضللت " بفتح اللام وكسرها وهما لغتان. قال ~~أبو عمرو ضللت بكسر اللام لغة تميم، وهي قراءة ابن وثاب وطلحة بن مصرف، ~~والأولى هي الأصح والأفصح لأنها لغة أهل الحجاز، وهي قراءة الجمهور. قال ~~الجوهري والضلال والضلالة ضد الرشاد، وقد ضللت أضل، قال الله تعالى # قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى # سبأ 50 قال فهذه يعني المفتوحة لغة نجد وهي الفصيحة، وأهل العالية يقول ~~" ضللت " بالكسر أضل انتهى. قوله { قل إنى على بينة من ~~ربى } البينة الحجة والبرهان، أي إني على برهان من ربي ويقين، لا على ~~هوى وشك، أمره الله سبحانه بأن يبين لهم أن ما هو عليه من عبادة ربه هو ~~عن حجة برهانية يقينية، لا كما هم عليه من اتباع الشبه الداحضة والشكوك ~~الفاسدة التي لا مستند لها إلا مجرد الأهوية الباطلة. قوله { ~~وكذبتم به } أي بالرب أو بالعذاب أو بالقرآن أو بالبينة، ~~والتذكير للضمير باعتبار المعنى. وهذه الجملة إما حالية بتقدير قد، أي ~~والحال أن قد كذبتم به، أو جملة مستأنفة مبينة لما هم عليه من التكذيب ~~بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحجج الواضحة والبراهين ~~البينة. قوله { ما عندى ما تستعجلون به } أخبرهم بأنه لم ~~يكن عنده ما يتعجلونه من العذاب، فإنهم كانوا لفرط تكذيبهم يستعجلون ~~نزوله استهزاء، نحو قوله # أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا # الإسراء 92، وقولهم # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء # الأنفال 32، وقولهم # متى هذا الوعد إن كنتم صدقين # سبأ 29، وقيل { ما عندى ما تستعجلون به } من الآيات التي ~~تقترحونها علي. قوله { إن الحكم إلا الله ms1095 } أي ما الحكم في ~~كل شيء إلا لله سبحانه، ومن جملة ذلك ما تستعجلون به من العذاب أو الآيات ~~المقترحة. والمراد الحكم الفاصل بين الحق والباطل. # قوله { يقص الحق } قرأ نافع وابن كثير وعاصم { يقص } بالقاف ~~والصاد المهملة، وقرأ الباقون " يقضى " بالضاد المعجمة والياء، وكذا ~~قرأ علي وأبو عبد الرحمن السلمي، وسعيد بن المسيب، وهو مكتوب في المصحف ~~بغير ياء. فعلى القراءة الأولى، هو من القصص، أي يقص القصص الحق، أو من ~~قص أثره، أي يتبع الحق فيما يحكم به. وعلى القراءة الثانية، هو من ~~القضاء، أي يقضي القضاء بين عباده، و { الحق } منتصب على المفعولية، أو ~~على أنه صفة لمصدر محذوف، أي يقضي القضاء الحق، أو يقص القصص الحق { ~~وهو خير الفصلين } أي بين الحق والباطل بما يقضي به بين ~~عباده ويفصله لهم في كتابه. ثم أمره الله سبحانه أن يقول لهم { لو ~~أن عندى ما تستعجلون به } أي ما تطلبون تعجيله بأن يكون ~~إنزاله بكم مقدورا إلي وفي وسعي { لقضى الأمر بينى ~~وبينكم } أي لقضى الله الأمر بيننا بأن ينزله الله سبحانه بكم ~~بسؤالي له وطلبي ذلك، أو المعنى لو كان العذاب الذي تطلبونه وتستعجلون به ~~عندي، وفي قبضتي لأنزلته بكم، وعند ذلك يقضى الأمر بيني وبينكم { ~~والله أعلم بالظلمين } وبالوقت الذي ينزل فيه عذابهم ~~وبما تقتضيه مشيئته من تأخيره استدراجا لهم وإعذارا إليهم. قوله { ~~وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } المفاتح ~~جمع مفتح بالفتح وهو المخزن، أي عنده مخازن الغيب، جعل للأمور الغيبية ~~مخازن تخزن فيها على طريق الاستعارة، أو جمع مفتح بكسر الميم، وهو ~~المفتاح، جعل للأمور الغيبية مفاتح يتوصل بها إلى ما في المخازن منها على ~~طريق الاستعارة أيضا، ويؤيد أنها جمع مفتح بالكسر قراءة ابن السميفع " ~~وعنده مفاتيح الغيب " فإن المفاتيح جمع مفتاح والمعنى إن عنده ~~سبحانه خاصة مخازن الغيب، أو المفاتيح التي يتوصل بها. وقوله { لا ~~يعلمها إلا هو } جملة مؤكدة لمضمون الجملة الأولى، وأنه لا ~~علم لأحد من خلقه بشيء من ms1096 الأمور الغيبية التي استأثر الله بعلمها، ~~ويندرج تحت هذه الآية علم ما يستعجله الكفار من العذاب كما يرشد إليه ~~السياق اندراجا أوليا. وفي هذه الآية الشريفة ما يدفع أباطيل الكهان ~~والمنجمين والرمليين وغيرهم من المدعين ما ليس من شأنهم، ولا يدخل تحت ~~قدرتهم، ولا يحيط به علمهم، ولقد ابتلى الإسلام وأهله بقوم سوء من هذه ~~الأجناس الضالة، والأنواع المخذولة، ولم يربحوا من أكاذيبهم وأباطيلهم ~~بغير خطة السوء المذكورة في قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم # " من أتى كاهنا أو منجما فقد كفر بما أنزل على محمد " # قوله { ويعلم ما فى البر والبحر } خصهما بالذكر لأنهما ~~من أعظم مخلوقات الله، أي يعلم ما فيهما من حيوان وجماد علما مفصلا لا ~~يخفى عليه منه شيء، أو خصهما لكونهما أكثر ما يشاهده الناس ويتطلعون لعلم ~~ما فيهما { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } أي من ورق ~~الشجر وهو تخصيص بعد التعميم، أي يعلمها ويعلم زمان سقوطها ومكانه. # وقيل المراد بالورقة ما يكتب فيه الآجال والأرزاق. وحكى النقاش عن جعفر ~~بن محمد أن الورقة يراد بها هنا السقط من أولاد بني آدم، قال ابن عطية ~~وهذا قول جار على طريقة الرموز، ولا يصح عن جعفر بن محمد ولا ينبغي أن ~~يلتفت إليه { ولا حبة } كائنة { فى ظلمت الأرض } أي في ~~الأمكنة المظلمة. وقيل في بطن الأرض { ولا رطب ولا يابس } ~~بالخفض عطفا على حبة، وهي معطوفة على ورقة. وقرأ ابن السميفع، والحسن، ~~وغيرهما بالرفع عطفا على موضع { من ورقة } ، وقد شمل وصف الرطوبة ~~واليبوسة جميع الموجودات. قوله { إلا فى كتب مبين } هو ~~اللوح المحفوظ، فتكون هذه الجملة بدل اشتمال من { إلا يعلمها }. ~~وقيل هو عبارة عن علمه فتكون هذه الجملة بدل كل من تلك الجملة. وقد أخرج ~~ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي عمران الجوني، في قوله { قل إنى ~~على بينة من ربى } قال على ثقة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة في قوله { لقضى ms1097 الأمر ~~بينى وبينكم } قال لقامت الساعة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن السدي في قوله { وعنده مفاتح الغيب } قال يقول ~~خزائن الغيب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله { ~~وعنده مفاتح الغيب } قال هن خمس { إن الله عنده ~~علم الساعة } إلى قوله # عليم خبير # لقمان 34. وأخرج أحمد، والبخاري، وغيرهما، عن ابن عمر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا ~~يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، ولا ~~تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله ~~" # وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه، عن ابن عباس { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } ~~قال ما من شجرة في بر ولا بحر إلا وبها ملك يكتب ما يسقط من ورقها. ~~وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن محمد بن جحادة في ~~قوله { وما تسقط من ورقة } قال لله تبارك وتعالى شجرة تحت ~~العرش ليس مخلوق إلا له فيها ورقة فإذا سقطت ورقته خرجت روحه من جسده، ~~فذلك قوله { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها }. وأخرج ~~الخطيب في تاريخه بسند ضعيف، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " ما من زرع على الأرض ولا ثمار على أشجار، إلا عليها مكتوب بسم الله ~~الرحمن الرحيم، هذا رزق فلان بن فلان " # فذلك قوله تعالى { وما تسقط من } الآية. وقد رواه يزيد بن هارون، ~~عن محمد ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فذكره. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس أنه تلا هذه الآية { ولا رطب ~~ولا يابس } فقال الرطب واليابس من كل شيء. ### || [6.60-62] # قوله { يتوفكم باليل } أي ينيمكم فيقبض فيه نفوسكم التي ~~بها تميزون وليس ذلك موتا حقيقة، فهو مثل قوله # الله ms1098 يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت ~~فى منامها # الزمر 42 والتوفي استيفاء الشيء، وتوفيت الشيء واستوفيته إذا أخذته ~~أجمع، قال الشاعر # إن بني الأدرم ليسوا من أحد ولا توفاهم قريش في العدد # قيل الروح إذا خرجت من البدن في المنام بقيت فيه الحياة، وقيل لا تخرج ~~منه الروح بل الذهن فقط، والأولى أن هذا أمر لا يعرفه إلا الله سبحانه. ~~قوله { ويعلم ما جرحتم بالنهار } أي كسبتم بجوارحكم من ~~الخير والشر. قوله { ثم يبعثكم فيه } أي في النهار يعني ~~اليقظة وقيل يبعثكم من القبور فيه، أي في شأن ذلك الذي قطعتم فيه أعماركم ~~من النوم بالليل والكسب بالنهار. وقيل في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير ~~هو الذي يتوفاكم بالليل ثم يبعثكم بالنهار ويعلم ما جرحتم فيه. وقيل ثم ~~يبعثكم فيه، أي في المنام، ومعنى الآية أن إمهاله تعالى للكفار ليس ~~للغفلة عن كفرهم، فإنه عالم بذلك ولكن { ليقضى أجل مسمى } ~~أي معين لكل فرد من أفراد العباد من حياة ورزق { ثم إليه ~~مرجعكم } أي رجوعكم بعد الموت { ثم ينبئكم بما كنتم ~~تعملون } فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. قوله { وهو ~~القاهر فوق عباده } المراد فوقية القدرة والرتبة كما يقال ~~السلطان فوق الرعية، وقد تقدم بيانه في أول السورة. قوله { ويرسل ~~عليكم حفظة } أي ملائكة جعلهم الله حافظين لكم، ومنه قوله # وإن عليكم لحفظين # الإنفطار 10 بمعنى أنه يرسل عليكم من يحفظكم من الآفات ويحفظ أعمالكم، ~~والحفظة جمع حافظ، مثل كتبة جمع كاتب { وعليكم } متعلق { بيرسل } ~~لما فيه من معنى الاستيلاء، وتقديمه على حفظة ليفيد العناية بشأنه، وأنه ~~أمر حقيق بذلك. وقيل هو متعلق بحفظة. قوله { حتى إذا جاء ~~أحدكم الموت توفته رسلنا } " حتى " يحتمل أن تكون هي ~~الغائية، أي ويرسل عليكم حفظة يحفظون ما أمروا بحفظه مما يتعلق بكم { ~~حتى إذا جاء أحدكم الموت } ويحتمل أن تكون الابتدائية. ~~والمراد بمجيء الموت مجيء علاماته. وقرأ حمزة «توفاه رسلنا» وقرأ الأعمش ~~«تتوفاه» والرسل هم أعوان ملك الموت، ومعنى توفته استوفت روحه { لا ~~يفرطون ms1099 } أي لا يقصرون ويضيعون، وأصله من التقدم، وقال أبو عبيدة ~~لا يتوانون. وقرأ عبيد بن عمير «لا يفرطون» بالتخفيف، أي لا يجاوزون الحد ~~فيما أمروا به من الإكرام والإهانة. قوله { ثم ردوا إلى ~~الله مولهم الحق } معطوف على توفته، والضمير راجع إلى أحد ~~لأنه في معنى الكل مع الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، أي ردوا بعد الحشر ~~إلى الله، أي إلى حكمه وجزائه { مولهم } مالكهم الذي يلي أمورهم { ~~الحق } قرأ الجمهور بالجر صفة لاسم الله. # وقرأ الحسن " الحق " بالنصب على إضمار فعل، أي أعني أو أمدح، أو على ~~المصدر { وهو أسرع الحسبين } لكونه لا يحتاج إلى ما ~~يحتاجون إليه من الفكر والروية والتدبر. وقد أخرج أبو الشيخ، وابن ~~مردويه، عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " مع كل إنسان ملك إذا نام يأخذ نفسه، فإذا أذن الله في قبض روحه قبضه ~~وإلا ردها إليه، فذلك قوله تعالى { يتوفكم باليل } " # وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة، في الآية قال ما من ليلة إلا ~~والله يقبض الأرواح كلها، فيسأل كل نفس عما عمل صاحبها من النهار، ثم ~~يدعو ملك الموت فيقول اقبض روح هذا وما من يوم إلا وملك الموت ينظر في ~~كتاب حياة الإنسان، قائل يقول ثلاثا، وقائل يقول خمسا. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ ~~عن مجاهد في الآية قال أما وفاته إياهم بالليل فمنامهم، وأما { جرحتم ~~بالنهار } فيقول ما اكتسبتم بالنهار { ثم يبعثكم فيه } ~~قال في النهار { ليقضى أجل مسمى } وهو الموت. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس { ويعلم ما ~~جرحتم } قال ما كسبتم من الإثم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن السدي في قوله { ويرسل عليكم حفظة } قال هم ~~المعقبات من الملائكة يحفظونه ويحفظون عمله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في الآية قال ms1100 ~~أعوان ملك الموت من الملائكة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله ~~{ وهم لا يفرطون } يقول لا يضيعون. ### || [6.63-65] # قيل المراد بظلمات البر والبحر شدائدهما. قال النحاس والعرب تقول يوم ~~مظلم إذا كان شديدا، فإذا عظمت ذلك قالت يوم ذو كوكب، أي يحتاجون فيه ~~لشدة ظلمته إلى كوكب، وأنشد سيبويه # بني أسد هل تعلمون بلاءنا إذا كان يوم ذو كواكب أشنعا # والاستفهام للتقريع والتوبيخ، أي من ينجيكم من شدائدهما العظيمة؟ قرأ ~~أبو بكر عن عاصم " خفية " بكسر الخاء. وقرأ الباقون بضمها، وهما لغتان. ~~وقرأ الأعمش " وخيفة " من الخوف. وجملة { تدعونه } في محل نصب ~~على الحال، أي من ينجيكم من ذلك حال دعائكم له دعاء تضرع وخفية، أو ~~متضرعين ومخفين. والمراد بالتضرع هنا دعاء الجهر. قوله { لئن ~~أنجيتنا } كذا قرأ أهل المدينة وأهل الشام. وقرأ الكوفيون " ~~لئن أنجنا " والجملة في محل نصب على تقدير القول، أي قائلين لئن ~~أنجيتنا من هذه الشدة التي نزلت بنا، وهي الظلمات المذكورة { ~~لنكونن من الشكرين } لك على ما أنعمت به علينا من تخليصنا ~~من هذه الشدائد. قوله { قل الله ينجيكم منها ومن كل ~~كرب } قرأ الكوفيون وهشام " ينجيكم " بالتشديد، وقرأ الباقون ~~بالتخفيف، وقراءة التشديد تفيد التكثير. وقيل معناهما واحد، والضمير في { ~~منها } راجع إلى الظلمات. والكرب الغم يأخذ بالنفس، ومنه رجل مكروب. ~~قال عنترة # ومكروب كشفت الكرب عنه بطعنة فيصل لما دعاني # { ثم أنتم تشركون } بالله سبحانه بعد أن أحسن إليكم بالخلوص ~~من الشدائد، وذهاب الكروب، شركاء لا ينفعونكم ولا يضرونكم، ولا يقدرون ~~على تخليصكم من كل ما ينزل بكم، فكيف وضعتم هذا الشرك موضع ما وعدتم به ~~من أنفسكم من الشكر؟ ثم أمره الله سبحانه أن يقول لهم { هو القادر ~~على أن يبعث عليكم عذابا } أي الذي قدر على إنجائكم من ~~تلك الشدائد، ودفع عنكم تلك الكروب، قادر على أن يعيدكم في شدة ومحنة ~~وكرب، يبعث عذابه عليكم من كل جانب. فالعذاب المبعوث من جهة الفوق ما ~~ينزل من السماء من المطر ms1101 والصواعق. والمبعوث من تحت الأرجل الخسف ~~والزلازل والغرق. وقيل { من فوقكم } يعني الأمراء الظلمة { ومن ~~تحت أرجلكم } يعني السفلة، وعبيد السوء. قوله { أو ~~يلبسكم شيعا } قرأ الجمهور بفتح التحتية، من لبس الأمر إذا ~~خلطه. وقرأ أبو عبد الله المديني بضمها، أي يجعل ذلك لباسا لكم. قيل ~~والأصل أو يلبس عليكم أمركم، فحذف أحد المفعولين مع حرف الجر كما في ~~قوله تعالى # وإذا كالوهم أو وزنوهم # المطففين 3. والمعنى يجعلكم مختلطي الأهواء مختلفي النحل متفرقي الآراء. ~~وقيل يجعلكم فرقا يقاتل بعضكم بعضا. والشيع الفرق، أي يخلطكم فرقا. # قوله { ويذيق بعضكم بأس بعض } أي يصيب بعضكم بشدة بعض ~~من قتل وأسر ونهب { ويذيق } معطوف على { يبعث } ، وقرىء " نذيق " ~~بالنون { انظر كيف نصرف الأيت } نبين لهم الحجج والدلالات ~~من وجوه مختلفة { لعلهم يفقهون } الحقيقة فيعودون إلى الحق ~~الذي بيناه لهم بيانات متنوعة. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله { قل من ~~ينجيكم من ظلمت البر والبحر } يقول من كرب البر ~~والبحر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، في تفسير الآية عن ابن عباس قال ~~يقول إذا أضل الرجل الطريق دعا الله لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في قوله { ~~قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من ~~فوقكم } قال يعني من أمرائكم { أو من تحت أرجلكم } يعني ~~سفلتكم { أو يلبسكم شيعا } يعني بالشيع الأهواء المختلفة { ~~ويذيق بعضكم بأس بعض } قال يسلط بعضكم على بعض بالقتل ~~والعذاب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه من وجه آخر في ~~تفسير الآية قال { عذابا من فوقكم } أئمة السوء { أو من ~~تحت أرجلكم } قال خدم السوء. وأخرج أبو الشيخ عنه أيضا من وجه ~~آخر قال { من فوقكم } من قبل أمرائكم وأشرافكم { أو من تحت ~~أرجلكم } قال من قبل سفلتكم وعبيدكم. وأخرج عبد ابن حميد، وأبو ~~الشيخ، عن أبي مالك { عذابا من فوقكم } قال القذف ms1102 { أو من ~~تحت أرجلكم } قال الخسف. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد مثله. وأخرج ~~أبو الشيخ، عن مجاهد أيضا { من فوقكم } قال الصيحة والحجارة ~~والريح { أو من تحت أرجلكم } قال الرجفة والخسف، وهما عذاب ~~أهل التكذيب { ويذيق بعضكم بأس بعض } قال عذاب أهل ~~الإقرار. وأخرج البخاري وغيره، عن جابر بن عبد الله قال لما نزلت هذه ~~الآية { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا ~~من فوقكم } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أعوذ بوجهك " # { أو من تحت أرجلكم } قال # " أعوذ بوجهك " # { أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض } قال # " هذا أهون و أيسر ". # وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه ~~وغيرهم، من حديث طويل عن ثوبان، وفيه # " وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا ~~يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها " # وأخرج مسلم وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ~~ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلا، ثم انصرف إلينا فقال # " سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا يهلك أمتي ~~بالغرق، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيهما، وسألته أن لا يجعل ~~بأسهم بينهم فمنعنيها " # وأخرج أحمد، والحاكم وصححه، من حديث جابر بن عتيك نحوه. وأخرج نحوه ~~أيضا ابن مردويه، من حديث أبي هريرة. وأخرج أيضا ابن أبي شيبة وابن ~~مردويه، من حديث حذيفة بن اليمان نحوه. وأخرج أحمد والنسائي، وابن ~~مردويه، عن أنس نحوه أيضا. وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن أبي حاتم، ~~وابن مردويه، عن سعد بن أبي وقاص عن النبي في هذه الآية { قل هو ~~القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو ~~من تحت أرجلكم } فقال النبي # " أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد " # وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم في ms1103 الحلية، والضياء في ~~المختارة، عن أبي بن كعب في هذه الآية قال هن أربع وكلهن عذاب وكلهن ~~واقع لا محالة. فمضت اثنتان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس ~~وعشرين سنة، فألبسوا شيعا، وذاق بعضهم بأس بعض وبقيت اثنتان واقعتان لا ~~محالة الخسف، والرجم. والأحاديث في هذا الباب كثيرة وفيما ذكرناه كفاية. ### || [6.66-73] # قوله { وكذب به قومك } الضمير راجع إلى القرآن، أو إلى ~~العذاب. وقومه المكذبون هم قريش. وقيل كل معاند، وجملة { وهو الحق ~~} في محل نصب على الحال، أي كذبوا بالقرآن، أو العذاب، والحال أنه حق. ~~وقرأ ابن أبي عبلة " وكذبت " بالتاء { قل لست عليكم بوكيل ~~} أي لست بحفيظ على أعمالكم حتى أجازيكم عليها. وقيل وهذه الآية منسوخة ~~بآية القتال. وقيل ليست بمنسوخة إذ لم يكن إيمانهم في وسعه. قوله { ~~لكل نبإ مستقر } أي لكل شيء وقت يقع فيه. والنبأ الشيء الذي ~~ينبأ عنه. وقيل المعنى لكل عمل جزاء. قال الزجاج يجوز أن يكون وعيدا لهم ~~بما ينزل بهم في الدنيا. وقال الحسن هذا وعيد من الله للكفار، لأنهم ~~كانوا لا يقرون بالبعث { وسوف تعلمون } ذلك بحصوله ونزوله بهم، ~~كما علموا يوم بدر بحصول ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوعدهم به. ~~قوله { وإذا رأيت الذين يخوضون فى ءايتنا ~~فأعرض عنهم } الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح ~~له. والخوض أصله في الماء ثم استعمل في غمرات الأشياء التي هي مجاهل ~~تشبيها بغمرات الماء، فاستعير من المحسوس للمعقول. وقيل هو مأخوذ من ~~الخلط، وكل شيء خضته فقد خلطته، ومنه خاض الماء بالعسل خلطه. والمعنى إذا ~~رأيت الذين يخوضون في آياتنا بالتكذيب والرد والاستهزاء فدعهم، ولا تقعد ~~معهم لسماع مثل هذا المنكر العظيم حتى يخوضوا في حديث مغاير له، أمره ~~الله سبحانه بالإعراض عن أهل المجالس التي يستهان فيها بآيات الله إلى ~~غاية هي الخوض في غير ذلك. وفي هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتسمح بمجالسة ~~المبتدعة، الذين يحرفون كلام الله، ويتلاعبون بكتابه وسنة ms1104 رسوله، ~~ويردون ذلك إلى أهوائهم المضلة وبدعهم الفاسدة، فإن إذا لم ينكر عليهم ~~ويغير ما هم فيه فأقل الأحوال أن يترك مجالستهم، وذلك يسير عليه غير ~~عسير. وقد يجعلون حضوره معهم مع تنزهه عما يتلبسون به شبهة يشبهون بها ~~على العامة، فيكون في حضوره مفسدة زائدة على مجرد سماع المنكر. وقد ~~شاهدنا من هذه المجالس الملعونة ما لا يأتي عليه الحصر، وقمنا في نصرة ~~الحق ودفع الباطل بما قدرنا عليه، وبلغت إليه طاقتنا، ومن عرف هذه ~~الشريعة المطهرة حق معرفتها، علم أن مجالسة أهل البدع المضلة فيها من ~~المفسدة أضعاف أضعاف ما في مجالسة من يعصي الله بفعل شيء من المحرمات، ~~ولا سيما لمن كان غير راسخ القدم في علم الكتاب والسنة، فإنه ربما ينفق ~~عليه من كذباتهم وهذيانهم ما هو من البطلان بأوضح مكان، فينقدح في قلبه ~~ما يصعب علاجه ويعسر دفعه، فيعمل بذلك مدة عمره ويلقى الله به معتقدا ~~أنه من الحق، وهو من أبطل الباطل وأنكر المنكر. # قوله { وإما ينسينك الشيطن فلا تقعد بعد ~~الذكرى } «إما» هذه هي الشرطية وتلزمها غالبا نون التأكيد ولا ~~تلزمها نادرا، ومنه قول الشاعر # إما يصبك عدو في منازلة يوما فقل كيف يستعلي وينتصر # وقرأ ابن عباس «ينسينك» بتشديد السين، ومثله قول الشاعر # وقد ينسيك بعض الحاجة الكسل # والمعنى إن أنساك الشيطان أن تقوم عنهم فلا تقعد بعد الذكرى إذا ذكرت { ~~مع القوم الظلمين } أي الذين ظلموا أنفسهم بالاستهزاء ~~بالآيات والتكذيب بها. قيل وهذا الخطاب وإن كان ظاهره للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فالمراد التعريض لأمته لتنزهه عن أن ينسيه الشيطان. وقيل لا ~~وجه لهذا، فالنسيان جائز عليه كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة # " إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني " # ونحو ذلك. قوله { وما على الذين يتقون من حسابهم من ~~شىء } أي ما على الذين يتقون مجالسة الكفار عند خوضهم في آيات الله من ~~حساب الكفار من شيء. وقيل المعنى ما على الذين يتقون ما يقع منهم من ~~الخوض في ms1105 آيات الله في مجالستهم لهم من شيء، وعلى هذا التفسير ففي الآية ~~الترخيص للمتقين من المؤمنين في مجالسة الكفار إذا اضطروا إلى ذلك كما ~~سيأتي عند ذكر السبب. قيل وهذا الترخيص كان في أول الإسلام، وكان الوقت ~~وقت تقية، ثم نزل قوله تعالى # وقد نزل عليكم فى الكتب أن إذا سمعتم ~~ءايت الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا ~~معهم حتى يخوضوا في حديث غيره # النساء 140 فنسخ ذلك، قوله { ولكن ذكرى لعلهم } " ذكرى " ~~في موضع نصب على المصدر، أو رفع على أنها مبتدأ، وخبرها محذوف، أي ولكن ~~عليهم ذكرى. وقال الكسائي المعنى ولكن هذه ذكرى، والمعنى على الاستدراك ~~من النفي السابق أي ولكن عليهم الذكرى للكافرين بالموعظة والبيان لهم بأن ~~ذلك لا يجوز. أما على التفسير الأول فلأن مجرد اتقاء مجالس هؤلاء الذين ~~يخوضون في آيات الله لا يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأما ~~على التفسير الثاني فالترخيص في المجالسة لا يسقط التذكير { لعلهم ~~يتقون } الخوض في آيات الله إذا وقعت منكم الذكرى لهم. وأما جعل ~~الضمير للمتقين فبعيد جدا. قوله { وذر الذين اتخذوا ~~دينهم لعبا ولهوا } أي اترك هؤلاء الذين اتخذوا الدين الذي ~~كان يجب عليهم العمل به والدخول فيه لعبا ولهوا، ولا تعلق قلبك بهم ~~فإنهم أهل تعنت، وإن كنت مأمورا بإبلاغهم الحجة. وقيل هذه الآية منسوخة ~~بآية القتال. وقيل المعنى أنهم اتخذوا دينهم الذي هم عليه لعبا ولهوا، ~~كما في فعلهم بالأنعام من تلك الجهالات والضلالات المتقدم ذكرها. # وقيل المراد بالدين هنا العيد، أي اتخذوا عيدهم لعبا ولهوا، وجملة { ~~وغرتهم الحيوة الدنيا } معطوفة على { اتخذوا } أي ~~غرتهم حتى آثروها على الآخرة وأنكروا البعث وقالوا # إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن ~~بمبعوثين # المؤمنون 37. قوله { وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ~~} الضمير في " به " للقرآن أو للحساب. والإبسال تسليم المرء نفسه ~~للهلاك، ومنه أبسلت ولدي، أي رهنته في الدم، لأن عاقبة ذلك الهلاك. قال ~~النابغة # ونحن رهنا بالأفاقة عامرا بما كان في ms1106 الدرداء رهنا فأبسلا # أي فهلك، والدرداء كتيبة كانت لهم معروفة بهذا الاسم، فالمعنى وذكر به ~~خشية أو مخافة أو كراهة أن تهلك نفس بما كسبت، أي ترتهن وتسلم للهلكة، ~~وأصل الإبسال المنع، ومنه شجاع باسل، أي ممتنع من قرنه. قوله { وإن ~~تعدل كل عدل لا يؤخذ منها } العدل هنا الفدية. ~~والمعنى وإن بذلت تلك النفس التي سلمت للهلاك كل فدية لا يؤخذ منها ذلك ~~العدل حتى تنجو به من الهلاك، وفاعل { يؤخذ } ضمير يرجع إلى العدل، ~~لأنه بمعنى المفدى به كما في قوله # ولا يؤخذ منها عدل # البقرة 48. وقيل فاعله { منها } ، لأن العدل هنا مصدر لا يسند إليه ~~الفعل. وكل عدل منصوب على المصدر، أي عدلا كل عدل، والإشارة بقوله { ~~أولئك } إلى المتخذين دينهم لعبا ولهوا، وحبره { الذين أبسلوا ~~بما كسبوا } أي هؤلاء الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا هم الذين سلموا ~~للهلاك بما كسبوا، و { لهم شراب من حميم } جواب سؤال مقدر ~~كأنه قيل كيف حال هؤلاء؟ فقيل لهم شراب من حميم، وهو الماء الحار، ومثله ~~قوله تعالى # يصب من فوق رءوسهم الحميم # الحح 19 وهو هنا شراب يشربونه فيقطع أمعاءهم. قوله { قل أندعوا ~~من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } أمره الله ~~سبحانه بأن يقول لهم هذه المقالة، والاستفهام للتوبيخ، أي كيف ندعوا من ~~دون الله أصناما لا تنفعنا بوجه من وجوه النفع إن إردنا منها نفعا، ولا ~~نخشى ضرها بوجه من الوجوه، ومن كان هكذا فلا يستحق العبادة { ونرد ~~على أعقبنا } عطف على { ندعوا }. والأعقاب جمع عقب، أي كيف ~~ندعو من كان كذلك ونرجع إلى الضلالة التي أخرجنا الله منها. قال أبو ~~عبيدة يقال لمن رد عن حاجته ولم يظفر بها قد رد على عقبيه. وقال ~~المبرد # تعقب بالشر بعد الخير # وأصله من المعاقبة والعقبى، وهما ما كان تاليا للشيء واجبا أن يتبعه، ~~ومنه # والعقبة للمتقين # الأعراف 128، ومنه عقب الرجل، ومنه العقوبة، لأنها تالية للذنب. قوله { ~~كالذى استهوته الشيطين فى الأرض } هوى يهوى إلى ~~الشيء أسرع إليه. ms1107 وقال الزجاج هو من هوى النفس، أي زين له الشيطان هواه، ~~و { استهوته الشيطين } هوت به، والكاف في { كالذى } إما ~~نعت مصدر محذوف، أي نرد على أعقابنا ردا كالذي، أو في محل نصب على ~~الحال من فاعل نرد، أي نرد حال كوننا مشبهين للذي استهوته الشياطين، أي ~~ذهبت به مردة الجن بعد أن كان بين الإنس. # قرأ الجمهور «استهوته» وقرأ حمزة { استهواه } على تذكير الجمع. وقرأ ابن ~~مسعود والحسن " استهواه الشيطن " وهو كذلك في قراءة أبي، و { ~~حيران } حال، أي حال كونه متحيرا تائها لا يدري كيف يصنع؟ والحيران ~~هو الذي لا يهتدي لجهة، قود حار يحار حيرة وحيرورة إذا تردد، وبه سمى ~~الماء المستنقع الذي لا منفذ له حائرا. قوله { له أصحب ~~يدعونه إلى الهدى } صفة لحيران، أو حالية، أي له رفقة يدعونه ~~إلى الهدى يقولون له ائتنا فلا يجيبهم ولا يهتدي بهديهم. قوله { قل ~~إن هدى الله هو الهدى } أمره الله سبحانه بأن يقول لهم { ~~إن هدى الله } أي دينه الذي ارتضاه لعباده { هو الهدى } ~~وما عداه باطل # ومن يبتغ غير الإسلم دينا فلن يقبل منه # آل عمران 85. { وأمرنا } معطوف على الجملة الإسمية، أي من جملة ما ~~أمره الله بأن يقوله، واللام في { لنسلم } هي لام العلة، والمعلل هو ~~الأمر، أي أمرنا لأجل نسلم لرب العالمين. وقال الفراء المعنى أمرنا بأن ~~نسلم، لأن العرب تقول أمرتك لتذهب، وبأن تذهب بمعنى. وقال النحاس سمعت ~~ابن كيسان يقول هي لام الخفض. قوله { وأن أقيموا الصلوة ~~واتقوه } معطوف على { لنسلم } على معنى وأمرنا أن نسلم وأن أقيموا، ~~ويجوز أن يكون عطفا على { يدعونه } على المعنى، أي يدعونه إلى الهدى، ~~ويدعونه أن أقيموا { وهو الذى إليه تحشرون } فكيف تخالفون ~~أمره { وهو الذى خلق السموات والأرض } خلقا { ~~بالحق } أو حال كون الخلق بالحق فكيف تعبدون الأصنام المخلوقة؟ قوله ~~{ ويوم يقول كن فيكون قوله الحق } أي واذكر يوم يقول ~~" كن فيكون " ، أو واتقوا يوم يقول كن فيكون. وقيل هو عطف على الهاء في { ~~واتقوه ms1108 }. وقيل إن { يوم } ظرف لمضمون جملة { قوله الحق } ~~والمعنى وأمره المتعلق بالأشياء الحق، أي المشهود له بأنه حق. وقيل { ~~قوله } مبتدأ، و { الحق } صفة له و { يوم يقول كن فيكون } ~~خبره مقدما عليه، والمعنى قوله المتصف بالحق كائن يوم يقول كن فيكون. ~~وقيل إن { قوله } مرتفع { بيكون } ، و { الحق } صفته، أي يوم يقول كن ~~يكون قوله الحق. وقرأ ابن عامر " فنكون " بالنون، وهو إشارة إلى سرعة ~~الحساب. وقرأ الباقون بالياء التحتية وهو الصواب. قوله { وله ~~الملك يوم ينفخ فى الصور } الظرف منصوب بما قبله، أي له ~~الملك في هذا اليوم. وقيل هو بدل من اليوم الأول، والصور قرن ينفخ فيه ~~النفخة الأولى للفناء، والثانية للإنشاء، وكذا قال الجوهري إن الصور ~~القرن، قال الراجز # لقد نطحناهم غداة الجمعين نطحا شديدا لا كنطح الصورين # والصور بفتح الصاد وبكسرها لغة، وحكي عن عمرو بن عبيد أنه قرأ " يوم ~~ينفخ فى الصور " بتحريك الواو، جمع صورة، والمراد الخلق. قال أبو ~~عبيدة وهذا وإن كان محتملا يرد بما في الكتاب والسنة. وقال الفراء كن ~~فيكون، يقال إنه للصور خاصة، أي ويوم يقول للصور كن فيكون. قوله { ~~علم الغيب والشهدة } رفع { عالم } على أنه صفة للذي خلق ~~السموات والأرض، ويجوز أن يرتفع على إضمار مبتدأ، أي هو عالم الغيب ~~والشهادة، وروي عن بعضهم أنه قرأ «ينفخ» بالبناء للفاعل، فيجوز على هذه ~~القراءة أن يكون الفاعل { علم الغيب } ويجوز أن يرتفع بفعل ~~مقدر كما أنشد سيبويه # ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح # أي يبكيه مختبط. وقرأ الحسن والأعمش " علم " بالخفض على البدل من ~~الهاء في { له الملك }. { وهو الحكيم } في جميع ما يصدر عنه ~~{ الخبير } بكل شيء. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن السدي في قوله { وكذب به قومك } يقول كذبت قريش بالقرآن { ~~وهو الحق } وأما الوكيل فالحفيظ، وأما { لكل نبإ ~~مستقر } فكان نبأ القوم استقر يوم بدر بما كان بعدهم من العذاب. ~~وأخرج النحاس في ناسخه، عن ابن عباس في ms1109 قوله { وما أنا عليكم ~~بوكيل } قال نسخ هذه الآية آية السيف # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # التوبة 5. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس { ~~لكل نبإ مستقر } قال حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها أرسلت ~~عقوبتها. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { لكل ~~نبإ مستقر } قال فعل وحقيقة ما كان منه في الدنيا وما كان منه ~~في الآخرة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في ~~قوله { وإذا رأيت الذين يخوضون فى ءايتنا ~~فأعرض عنهم } ونحو هذا في القرآن قال أمر الله المؤمنين ~~بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم أنما أهلك من كان قبلهم ~~بالمراء والخصومات في دين الله. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله { وإذا رأيت ~~الذين يخوضون فى ءايتنا } قال يستهزئون بها، نهى محمدا ~~صلى الله عليه وسلم أن يقعد معهم إلا أن ينسى، فإذا ذكر فليقم وذلك قول ~~الله { فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظلمين ~~}. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن سيرين أنه ~~كان يرى أن هذه الآية نزلت في أهل الأهواء. # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو نعيم في الحلية، عن أبي جعفر قال لا ~~تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن المنذر، عن محمد بن علي قال إن أصحاب الأهواء من الذين يخوضون ~~في آيات الله. وأخرج أبو الشيخ، عن مقاتل قال كان المشركون بمكة إذا ~~سمعوا القرآن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاضوا واستهزءوا، فقال ~~المسلمون لا تصلح لنا مجالستهم نخاف أن نخرج حين نسمع قولهم ونجالسهم فلا ~~نعيب عليهم، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج أبو الشيخ أيضا عن السدي أنه ~~قال إن هذه الآية منسوخة بآية السيف. وأخرج النحاس عن ابن عباس في قوله { ~~وما على الذين يتقون من حسابهم من شىء } قال ms1110 نسخت ~~هذه الآية المكية بالآية المدنية، وهي قوله # وقد نزل عليكم فى الكتب أن إذا سمعتم ~~ءايت الله يكفر بها # الآية النساء 140. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن مجاهد { وما ~~على الذين يتقون من حسابهم من شىء } إن قعدوا ولكن ~~لا يقعدوا. وأخرج ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة، عن عمر بن عبد العزيز، ~~أنه أتى بقوم قعدوا على شراب معهم رجل صائم فضربه وقال لا تقعدوا معهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله { وذر الذين اتخذوا دينهم ~~لعبا ولهوا } قال هو مثل قوله # ذرنى ومن خلقت وحيدا # المدثر 11 يعني أنه للتهديد. وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، عن ~~قتادة، في هذه الآية قال نسختها آية السيف. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عنه في قوله { لعبا ولهوا } قال أكلا وشربا. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { أن تبسل } ~~قال أن تفضح، وفي قوله { أبسلوا } قال فضحوا وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عنه في قوله { أن تبسل } قال تسلم، وفي قوله { ~~أبسلوا بما كسبوا } قال أسلموا بجرائرهم. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه أيضا في قوله { قل أندعوا من ~~دون الله } قال هذا مثل ضربه الله للآلهة وللدعاة الذين يدعون إلى ~~الله. وقوله { كالذى استهوته الشيطين فى الأرض } ~~يقول أضلته، وهم الغيلان يدعونه باسمه، واسم أبيه، وجده، فيتبعها ويرى ~~أنه في شيء فيصبح وقد ألقته في هلكة، وربما أكلته أو تلقيه في مضلة من ~~الأرض، يهلك فيها عطشا. فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه أيضا في قوله { كالذى ~~استهوته الشيطين } قال هو الرجل لا يستجيب لهدى الله، وهو ~~الرجل أطاع الشيطان وعمل في الأرض بالمعصية، وحاد عن الحق وضل عنه، و { ~~له أصحب يدعونه إلى الهدى } ويزعمون أن الذي ms1111 يأمرونه ~~به هدى، يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس يقول { إن الهدى هدى ~~الله } والضلالة ما تدعو إليه الجن. # وأخرج ابن المبارك في الزهد، وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، ~~والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي في البعث، عن عبد الله بن عمرو قال سئل النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن الصور فقال # " قرن ينفخ فيه " # والأحاديث الواردة في كيفية النفخ ثابتة في كتب الحديث لا حاجة لنا إلى ~~إيرادها ها هنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس، في قوله { علم الغيب والشهدة } يعني إن عالم ~~الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور. ### || [6.74-83] # قوله { لأبيه ءازر } قال الجوهري آزر اسم أعجمي، وهو مشتق من آزر ~~فلان فلانا إذا عاونه، فهو مؤازر قومه على عبادة الأصنام. وقال ابن فارس ~~إنه مشتق من القوة. قال الجويني في النكت من التفسير له ليس بين الناس ~~اختلاف في أن اسم والد إبراهيم تارخ، والذي في القرآن يدل على أن اسمه ~~آزر. وقد تعقب في دعوى الاتفاق بما روي عن ابن إسحاق، والضحاك، والكلبي ~~أنه كان له اسمان آزر وتارخ. وقال مقاتل آزر لقب، وتارخ اسم، وقال سليمان ~~التيمي إن آزر سب وعتب، ومعناه في كلامهم المعوج. وقال الضحاك معنى آزر ~~الشيخ الهرم بالفارسية. وقال الفراء هي صفة ذم بلغتهم كأنه قال يا مخطىء. ~~وروي مثله عن الزجاج. وقال مجاهد هو اسم صنم. وعلى هذا إطلاق اسم الصنم ~~على أبيه إما للتعيير له لكونه معبوده، أو على حذف مضاف، أي قال لأبيه ~~عابد آزر، أو أتعبد آزر على حذف الفعل. وقرأ ابن عباس «أإزر» بهمزتين ~~الأولى مفتوحة والثانية مكسورة، وروي عنه أنه قرأ بهمزتين مفتوحتين، ومحل ~~{ إذ قال } النصب على تقدير واذكر إذ قال إبراهيم، ويكون هذا المقدر ~~معطوفا على { قل أندعوا من دون الله } وقيل هو معطوف على { ~~وذكر به أن تبسل } وآزر عطف بيان. قوله { أتتخذ أصناما آلهة ~~} الاستفهام ms1112 للإنكار، أي أتجعلها آلهة لك تعبدها { إنى أراك ~~وقومك } المتبعين لك في عبادة الأصنام { فى ضلل } عن طريق ~~الحق { مبين } واضح، { وكذلك نري إبرهيم } أي ومثل تلك ~~الإراءة نري إبراهيم، والجملة معترضة، و { ملكوت السموات ~~والأرض } ملكهما، وزيدت التاء والواو للمبالغة في الصفة. ومثله ~~الرغبوت والرهبوت مبالغة في الرغبة والرهبة. قيل أراد بملكوت السموات ~~والأرض ما فيهما من الخلق. وقيل كشف الله له عن ذلك حتى رأى إلى العرش ~~وإلى أسفل الأرضين. وقيل رأى من ملكوت السموات والأرض ما قصه الله في هذه ~~الآية. وقيل المراد بملكوتهما الربوبية والإلهية، أي نريه ذلك ونوفقه ~~لمعرفته بطريق الاستدلال التي سلكها. ومعنى { نرى } أريناه، حكاية حال ~~ماضية. قوله { وليكون من الموقنين } متعلق بمقدر، أي أريناه ~~ذلك { ليكون من الموقنين } وقد كان آزر وقومه يعبدون الأصنام ~~والكواكب والشمس والقمر، فأراد أن ينبههم على الخطأ. وقيل إنه ولد في ~~سرب، وجعل رزقه في أطراف أصابعه، فكان يمصها. وسبب جعله في السرب، أن ~~النمروذ رأى رؤيا أن ملكه يذهب على يد مولود فأمر بقتل كل مولود، والله ~~أعلم. قوله { فلما جن عليه اليل } أي ستره بظلمته، ومنه ~~الجنة والمجن والجن كله من الستر، قال الشاعر # ولولا جنان الليل أدرك ركضنا بذي الرمث والأرطي عياض بن ثابت # والفاء للعطف على { قال إبراهيم } أي واذكر إذ قال، وإذ جن عليه الليل، ~~فهو قصة أخرى غير قصة عرض الملكوت عليه، وجواب لما { رأى كوكبا } ~~قيل رآه من شق الصخرة الموضوعة على رأس السرب الذي كان فيه. وقيل رآه لما ~~أخرجه أبوه من السرب وكان وقت غيبوبة الشمس، قيل رأى المشتري، وقيل ~~الزهرة. قوله { هذا ربى } جملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل ~~فماذا قال عند رؤية الكوكب؟ قيل وكان هذا منه عند قصور النظر لأنه في زمن ~~الطفولية. وقيل أراد قيام الحجة على قومه كالحاكي لما هو عندهم، وما ~~يعتقدونه، لأجل إلزامهم، وبالثاني قال الزجاج. وقيل هو على حذف حرف ~~الاستفهام، أي أهذا ربي؟ ومعناه إنكار أن يكون مثل ms1113 هذا ربا، ومثله قوله ~~تعالى # أفإن مت فهم الخالدون # الأنبياء 34 أي أفهم الخالدون، ومثله قول الهذلي # رقوني وقالوا يا خويلد لم ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم # أي أهم هم؟ وقول الآخر # لعمرك ما أدري وإن كنت داريا بسبع رمين الجمر أم بثمانيا # أي أبسبع، وقيل المعنى وأنتم تقولون هذا ربي فأضمر القول، وقيل المعنى ~~على حذف مضاف، أي هذا دليل ربي { فلما أفل } أي غرب { قال } ~~إبراهيم { لا أحب الآفلين } أي الآلهة التي تغرب، فإن الغروب تغير ~~من حال إلى حال، وهو دليل الحدوث { فلما رأى القمر بازغا } ~~أي طالعا، يقال بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع، والبزغ الشق كأنه يشق ~~بنوره الظلمة { فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى } أي ~~لئن لم يثبتني على الهداية، ويوفقني للحجة { لاكونن من القوم ~~الضالين } الذين لا يهتدون للحق فيظلمون أنفسهم، ويحرمونها حظها من ~~الخير، { فلما رأى الشمس بازغة } بازغا وبازغة منصوبان ~~على الحال، لأن الرؤية بصرية، وإنما { قال هذا ربى } مع كون ~~الشمس مؤنثة، لأن مراده هذا الطالع، قاله الكسائي والأخفش. وقيل هذا ~~الضوء. وقيل الشخص { هذا أكبر } أي بما تقدمه من الكوكب والقمر ~~{ قال ياقوم إنى برىء مما تشركون } أي من الأشياء التي ~~تجعلونها شركاء لله وتعبدونها، وما موصولة أو مصدرية، قال بهذا لما ظهر ~~له أن هذه الأشياء مخلوقة لا تنفع ولا تضر، مستدلا على ذلك بأفولها ~~الذي هو دليل حدوثها { إنى وجهت وجهى } أي قصدت بعبادتي ~~وتوحيدي الله عز وجل. وذكر الوجه لأنه العضو الذي يعرف به الشخص، أو ~~لأنه يطلق على الشخص كله كما تقدم. وقد تقدم معنى { فطر ~~السموات والأرض حنيفا } مائلا إلى الدين الحق. قوله { ~~وحاجه قومه } أي وقعت منهم المحاججة له في التوحيد بما يدل على ~~ما يدعونه من أن ما يشركون به ويعبدونه من الأصنام آلهة، فأجاب إبراهيم ~~عليه السلام بما حكاه الله عنه أنه قال { أتحاجونى فى الله } ~~أي في كونه لا شريك له ولا ند ولا ضد. # وقرأ نافع بتخفيف ms1114 نون أتحاجوني. وقرأ الباقون بتشديدها بإدغام نون الجمع ~~في نون الوقاية، ونافع خفف فحذف إحدى النونين، وقد أجاز ذلك سيبويه. وحكى ~~عن أبي عمرو بن العلاء أن قراءة نافع لحن، وجملة { وقد هدانى } في ~~محل نصب على الحال، أي هداني إلى توحيده وأنتم تريدون أن أكون مثلكم في ~~الضلالة والجهالة وعدم الهداية. قوله { ولا أخاف ما تشركون ~~به } قال هذا لما خوفوه من آلهتهم بأنها ستغضب عليه وتصيبه بمكروه، أي ~~إني لا أخاف ما هو مخلوق من مخلوقات الله لا يضر ولا ينفع، والضمير في " ~~به " يجوز رجوعه إلى الله وإلى معبوداتهم المدلول عليها بما في { ما ~~تشركون به إلا أن يشاء ربى شيئا } أي إلا وقت مشيئته ~~ربي بأن يلحقني شيئا من الضرر بذنب عملته فالأمر إليه، وذلك منه لا من ~~معبوداتكم الباطلة التي لا تضر ولا تنفع. والمعنى على نفي حصول ضرر من ~~معبوداتهم على كل حال، وإثبات الضرر والنفع لله سبحانه، وصدورهما حسب ~~مشيئته، ثم علل ذلك بقوله { وسع ربى كل شىء علما } أي إن ~~علمه محيط بكل شيء، فإذا شاء الخير كان حسب مشيئته، وإذا شاء إنزال شر ~~بي كان، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ثم قال لهم مكملا للحجة ~~عليهم، ودافعا لما خوفوه به { وكيف أخاف ما أشركتم ولا ~~تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به ~~عليكم سلطنا } أي كيف أخاف ما لا يضر ولا ينفع ولا يخلق ولا ~~يرزق، والحال أنكم لا تخافون ما صدر منكم من الشرك بالله، وهو الضار ~~النافع الخالق الرازق، والاستفهام للإنكار عليهم والتقريع لهم. و " ما " ~~في { ما لم ينزل به عليكم سلطنا } مفعول أشركتم، أي ~~ولا تخافون أنكم جعلتم الأشياء التي لم ينزل بها عليكم سلطانا شركاء ~~لله، أو المعنى أن الله سبحانه لم يأذن بجعلها شركاء له، ولا نزل عليهم ~~بإشراكها حجة يحتجون بها، فكيف عبدوها واتخذوها آلهة، وجعلوها شركاء لله ~~سبحانه؟ قوله { فأى الفريقين أحق بالأمن } المراد ~~بالفريقين فريق المؤمنين وفريق ms1115 المشركين، أي إذا كان الأمر على ما تقدم ~~من أن معبودي هو الله المتصف بتلك الصفات، ومعبودكم هي تلك المخلوقات، ~~فكيف تخوفوني بها، وكيف أخافها؟ وهي بهذه المنزلة، ولا تخافون من ~~إشراككم بالله سبحانه، وبعد هذا فأخبروني أي الفريقين أحق بالأمن وعدم ~~الخوف { إن كنتم تعلمون } بحقيقة الحال، وتعرفون البراهين ~~الصحيحة وتميزونها عن الشبه الباطلة؟ ثم قال الله سبحانه قاضيا بينهم ~~ومبينا لهم { الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمنهم ~~بظلم } أي هم الأحق بالأمن من الذين أشركوا. # وقيل هو من تمام قول إبراهيم، وقيل هو من قول قوم إبراهيم. ومعنى { لم ~~يلبسوا إيمنهم بظلم } لم يخلطوه بظلم. والمراد بالظلم ~~الشرك، لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود قال لما نزلت هذه ~~الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا أينا لم ~~يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان " # يبنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم # لقمان 13»، والعجب من صاحب الكشاف حيث يقول في تفسير هذه الآية وأبى ~~تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس، وهو لا يدري أن الصادق المصدوق قد فسرها ~~بهذا، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، والإشارة بقوله { أولئك } ~~إلى الموصول المتصف بما سبق. و { لهم الأمن } جملة وقعت خبرا عن ~~اسم الإشارة. هذا أوضح ما قيل مع احتمال غيره من الوجوه. { وهم ~~مهتدون } إلى الحق ثابتون عليه، وغيرهم على ضلال وجهل. والإشارة ~~بقوله { تلك حجتنا } إلى ما تقدم من الحجج التي أوردها إبراهيم ~~عليهم، أي تلك البراهين التي أوردها إبراهيم عليهم من قوله { فلما ~~جن عليه اليل } إلى قوله { وهم مهتدون } { تلك ~~حجتنا ءاتينها إبرهيم } أي أعطيناه إياها وأرشدناه ~~إليها، وجملة { آتيناهآ إبرهيم } في محل نصب على الحال، أو في ~~محل رفع على أنها خبر ثان لاسم الإشارة { على قومه } أي حجة على ~~قومه { نرفع درجت من نشاء } بالهداية والإرشاد إلى الحق ~~وتلقين الحجة، أو بما هو أعم من ذلك ms1116 { إن ربك حكيم عليم } ~~أي حكيم في كل ما يصدر عنه عليم بحال عباده، وأن منهم من يستحق الرفع ~~ومنهم من لا يستحقه. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس قال ~~في قوله تعالى { وإذ قال إبرهيم لأبيه ءازر } قال الآزر ~~الضم، وأبو إبراهيم اسمه يازر، وأمه اسمها مثلي، وامرأته اسمها سارة، ~~وسريته أم إسماعيل اسمها هاجر. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال آزر لم يكن بأبيه ولكنه ~~اسم صنم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي قال اسم أبيه تارخ، واسم الصنم ~~آزر. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~عن سليمان التيمي، أنه قرأ { وإذ قال إبرهيم لأبيه ءازر } ~~قال بلغني أنها أعوج وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم لأبيه. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس أنه قال إن والد إبراهيم لم يكن اسمه آزر، ~~وإنما اسمه تارخ. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء ~~والصفات، عنه في قوله تعالى { وكذلك نرى إبرهيم ملكوت ~~السموات والأرض } قال الشمس والقمر والنجوم. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عنه قال في الآية كشف ما بين السموات حتى نظر إليهن ~~على صخرة، والصخرة على حوت، وهو الحوت الذي منه طعام الناس، والحوت في ~~سلسلة، والسلسلة في خاتم العزة. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن ~~المنذر، عن مجاهد في الآية قال سلطانهما. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع ~~بن أنس، في قوله { وحاجه قومه } يقول خاصموه، وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس في قوله { أتحاجونى } قال أتخاصموني. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، والحكيم الترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن ~~مردويه، عن أبي بكر الصديق أنه فسر { ولم يلبسوا إيمنهم ~~بظلم } بالشرك. وكذلك أخرج أبو الشيخ عن عمر بن الخطاب. وكذلك أخرج ~~ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، ms1117 عن ~~حذيفة بن اليمان. وكذلك أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن سلمان الفارسي. ~~وكذلك أخرجا أيضا عن أبي بن كعب. وكذلك أخرج ابن المنذر، وابن مردويه، ~~عن ابن عباس. وأخرج عنه من طريق أخرى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر وأبو الشيخ مثله، وقد روي عن جماعة من التابعين مثل ذلك، ويغني عن ~~الجميع ما قدمنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير الآية كما هو ~~ثابت في الصحيحين وغيرهما. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله تعالى ~~{ وتلك حجتنا ءاتينها إبرهيم على قومه } قال ~~خصمهم. وأخرج أبو الشيخ، عن زيد بن أسلم، في قوله { نرفع درجت ~~من نشاء } قال بالعلم. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك قال إن للعلماء ~~درجات كدرجات الشهداء. ### || [6.84-90] # قوله { ووهبنا له } معطوف على جملة { وتلك حجتنا } عطف جملة ~~فعلية على جملة اسمية. وقيل معطوف على { آتيناها } والأول أولى. والمعنى ~~ووهبنا له ذلك جزاء له على الاحتجاج في الدين وبذل النفس فيه، و { كلا ~~هدينا } انتصاب { كلا } على أنه مفعول لما بعده مقدم عليه للقصر، ~~أي كل واحد منهما هديناه، وكذلك نوحا منصوب بهدينا الثاني، أو بفعل مضمر ~~يفسره ما بعده { ومن ذريته } أي من ذرية إبراهيم، وقال الفراء من ~~ذرية نوح. واختاره ابن جرير الطبري، والقشيري، وابن عطية، واختار الأول ~~الزجاج، واعترض عليه بأنه عد من هذه الذرية يونس ولوطا، وما كان من ~~ذرية إبراهيم، فإن لوطا هو ابن أخي إبراهيم، وانتصب { داوود ~~وسليمن } بفعل مضمر، أي وهدينا من ذرية داود وسليمان، وكذلك ما ~~بعدها، وإنما عد الله سبحانه هداية هؤلاء الأنبياء من النعم التي عددها ~~على إبراهيم، لأن شرف الأبناء متصل بالآباء. ومعنى { من قبل } في قوله { ~~ونوحا هدينا من قبل } أي من قبل إبراهيم، والإشارة بقوله { ~~وكذلك } إلى مصدر الفعل المتأخر، أي ومثل ذلك الجزاء { نجزى ~~المحسنين }. { وإلياس } قال الضحاك هو من ولد إسماعيل، وقال ~~القتيبي هو من سبط يوشع ابن نون، وقرأ الأعرج والحسن، وقتادة " ~~وإلياس " بوصل ms1118 الهمزة، وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وعاصم «واليسع» ~~مخففا. وقرأ الكوفيون إلا عاصما بلامين، وكذلك قرأ الكسائي، ورد ~~القراءة الأولى، ولا وجه للرد فهو اسم أعجمي، والعجمة لا تؤخذ بالقياس، ~~بل تؤدي على حسب السماع، ولا يمتنع أن يكون في الاسم لغتان للعجم، أو ~~تغيره العرب تغييرين. قال المهدوي من قرأ بلام واحدة فالاسم يسع والألف ~~واللام مزيدتان، كما في قول الشاعر # رأيت الوليد بن اليزيد مباركا شديدا بأعباء الخلافة كاهله # ومن قرأ بلامين فالاسم ليسع، وقد توهم قوم أن اليسع هو إلياس وهو وهم، ~~فإن الله أفرد كل واحد منهما، وقال وهب اليسع صاحب إلياس، وكانوا قبل ~~يحيى وعيسى وزكريا. وقيل إلياس هو إدريس، وهذا غير صحيح، لأن إدريس جد ~~نوح وإلياس من ذريته. وقيل إلياس هو الخضر وقيل لا بل اليسع هو الخضر { ~~وكلا فضلنا على العلمين } أي كل واحد فضلناه بالنبوة ~~على عالمي زمانه، والجملة معترضة. قوله { ومن ءابائهم ~~وذريتهم وإخونهم } أي هدينا، و«من» للتبعيض، أي هدينا ~~بعض آبائهم وذرياتهم وأزواجهم { واجتبينهم } معطوف على فضلنا. ~~والاجتباء الاصطفاء أو التخليص أو الاختيار، مشتق من جبيت الماء في الحوض ~~جمعته، فالاجتباء ضم الذي تجتبيه إلى خاصتك. قال الكسائي جبيت الماء في ~~الحوض جبا مقصورة، والجابية الحوض، قال الشاعر # كجابية الشيخ العراقي تفهق # والإشارة بقوله { ذلك هدى الله } إلى الهداية والتفضيل ~~والاجتباء المفهومة من الأفعال السابقة { يهدى به } الله { من ~~يشاء من عباده } وهم الذين وفقهم للخير واتباع الحق { ولو ~~أشركوا } أي هؤلاء المذكورون بعبادة غير الله { لحبط عنهم } ~~من حسناتهم { ما كانوا يعملون } والحبوط البطلان. وقد تقدم ~~تحقيقه في البقرة. والإشارة بقوله { أولئك الذين ~~ءاتينهم الكتب } إلى الأنبياء المذكورين سابقا، أي جنس ~~الكتاب، ليصدق على كل ما أنزل على هؤلاء المذكورين { والحكم } العلم ~~{ والنبوة } الرسالة، أي ما هو أعم من ذلك { فإن يكفر ~~بها هؤلاء } الضمير في بها للحكم والنبوة والكتاب، أو للنبوة فقط، ~~والإشارة بهؤلاء إلى كفار قريش المعاندين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{ فقد وكلنا بها ms1119 قوما } هذا جواب الشرط، أي ألزمنا بالإيمان ~~بها قوما { ليسوا بها بكفرين } وهم المهاجرون والأنصار أو ~~الأنبياء المذكورون سابقا، وهذا أولى لقوله فيما بعد { أولئك ~~الذين هدى الله فبهداهم اقتده } فإن الإشارة إلى ~~الأنبياء المذكورين لا إلى المهاجرين والأنصار، إذ لا يصح أن يؤمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهداهم، وتقديم بهداهم على الفعل يفيد ~~تخصيص هداهم بالاقتداء. والاقتداء طلب موافقة الغير في فعله. وقيل المعنى ~~اصبر كما صبروا. وقيل اقتد بهم في التوحيد، وإن كانت جزئيات الشرائع ~~مختلفة، وفيها دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم مأمور بالاقتداء بمن ~~قبله من الأنبياء فيما لم يرد عليه فيه نص. قوله { قل لا ~~أسألكم عليه أجرا } أمره الله بأن يخبرهم بأنه لا يسألهم ~~أجرا على القرآن، وأن يقول لهم ما { هو إلا ذكرى } يعني القرآن ~~{ للعلمين } أي موعظة وتذكير للخلق كافة، الموجودين عند نزوله، ~~ومن سيوجد من بعد. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب ~~قال الخال والد والعم والد، نسب الله عيسى إلى أخواله فقال { ومن ~~ذريته } حتى بلغ إلى قوله { وزكريا ويحيى وعيسى }. ~~وأخرج أبو الشيخ، والحاكم، والبيهقي عن عبد الملك بن عمير قال دخل يحيى ~~بن يعمر على الحجاج فذكر الحسين، فقال الحجاج لم يكن من ذرية النبي، فقال ~~يحيى كذبت، فقال لتأتيني على ما قلت ببينة، فتلا { ومن ذريته } ~~إلى قوله { وعيسى } فأخبر الله أن عيسى من ذرية آدم بأمه، فقال صدقت. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي حرب بن أبي الأسود قال أرسل الحجاج إلى يحيى ~~بن يعمر فقال بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي تجده في ~~كتاب الله؟ وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده، فذكر يحيى بن يعمر ~~نحو ما تقدم. # وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في ~~قوله { واجتبينهم } قال أخلصناهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن ~~زيد في قوله { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا ~~يعملون ms1120 } قال يريد هؤلاء الذين هديناهم وفعلنا بهم. وأخرج أبو ~~الشيخ، عن مجاهد قال الحكم اللب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس في قوله { فإن يكفر بها هؤلاء } يعني أهل ~~مكة. يقول إن يكفروا بالقرآن { فقد وكلنا بها قوما ~~ليسوا بها بكفرين } يعني أهل المدينة والأنصار. وأخرج عبد ~~الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله { فقد ~~وكلنا بها قوما } قال هم الأنبياء الثمانية عشر الذين قال الله ~~فيهم { فبهداهم اقتده }. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي رجاء العطاردي قال في ~~الآية هم الملائكة. وأخرج البخاري، والنسائي وغيرهما، عن ابن عباس، في ~~قوله { فبهداهم اقتده } قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يقتدي بهداهم وكان يسجد في ص، ولفظ ابن أبي حاتم عن مجاهد سألت ابن ~~عباس عن السجدة التي في ص، فقال هذه الآية، وقال أمر نبيكم أن يقتدي ~~بداود عليه السلام. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { قل لا ~~أسألكم عليه أجرا } قال قل لهم يا محمد لا أسألكم على ما ~~أدعوكم إليه عرضا من عروض الدنيا. ### || [6.91-94] # قوله { وما قدروا الله حق قدره } قدرت الشيء وقدرته ~~عرفت مقداره، وأصله الستر، ثم استعمل في معرفة الشيء، أي لم يعرفوه حق ~~معرفته، حيث أنكروا إرساله للرسل، وإنزاله للكتب. وقيل المعنى وما قدروا ~~نعم الله حق تقديرها. وقرأ أبو حيوة " وما قدروا الله حق ~~قدره " بفتح الدال وهي لغة، ولما وقع منهم هذا الإنكار وهم من ~~اليهود، أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يورد عليهم حجة لا يطيقون ~~دفعها، فقال { قل من أنزل الكتب الذى جاء به موسى ~~} وهم يعترفون بذلك ويذعنون له، فكان في هذا من التبكيت لهم والتقريع ما ~~لا يقادر قدره، مع إلجائهم إلى الاعتراف بما أنكروه، من وقوع إنزال الله ~~على البشر، وهم الأنبياء عليهم السلام، فبطل جحدهم وتبين فساد إنكارهم ~~وقيل إن ms1121 القائلين بهذه المقالة هم كفار قريش، فيكون إلزامهم بإنزال الله ~~الكتاب على موسى من جهة أنهم يعترفون بذلك، ويعلمونه بالأخبار من اليهود، ~~وقد كانوا يصدقونهم، و { نورا وهدى } منتصبان على الحال، و { ~~للناس } متعلق بمحذوف هو صفة لهدى، أي كائنا للناس. قوله { ~~تجعلونه قرطيس } أي تجعلون الكتاب الذي جاء به موسى في قراطيس ~~تضعونه فيها ليتم لكم ما تريدونه من التحريف والتبديل، وكتم صفة النبي ~~صلى الله عليه وسلم المذكورة فيه، وهذا ذم لهم، والضمير في { ~~تبدونها } راجع إلى القراطيس، وفي { تجعلونه } راجع إلى ~~الكتاب، وجملة { تجعلونه } في محل نصب على الحال، وجملة { تبدونها } صفة ~~لقراطيس { وتخفون كثيرا } معطوف على { تبدونها } أي وتخفون ~~كثيرا منها، والخطاب في { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ~~ولا ءاباؤكم } لليهود، أي والحال أنكم قد علمتم ما لم تعلموا أنتم ~~ولا آباؤكم، ويحتمل أن تكون هذه الجملة استئنافية مقررة لما قبلها، ~~والذي علموه هو الذي أخبرهم به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الأمور ~~التي أوحى الله إليه بها، فإنها اشتملت على ما لم يعلموه من كتبهم، ولا ~~على لسان أنبيائهم، ولا علمه آباؤهم، ويجوز أن يكون " ما " في { ما لم ~~تعلموا } عبارة عما علموه من التوراة، فيكون ذلك على وجه المن عليهم ~~بإنزال التوراة. وقيل الخطاب للمشركين من قريش وغيرهم، فتكون «ما» عبارة ~~عما علموه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أمره الله رسوله بأن يجيب ~~عن ذلك الإلزام الذي ألزمهم به حيث قال { من أنزل الكتب ~~الذى جاء به موسى } فقال { قل الله } أي أنزله الله { ~~ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون } أي ذرهم في باطلهم حال ~~كونهم يلعبون، أي يصنعون صنع الصبيان الذين يلعبون. # قوله { وهذا كتب أنزلنه مبارك } هذا من جملة الرد ~~عليهم في قولهم { ما أنزل الله على بشر من شىء } أخبرهم ~~بأن الله أنزل التوراة على موسى، وعقبه بقوله { وهذا كتب ~~أنزلنه } يعني على محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف تقولون { ما ~~أنزل الله على بشر من شىء ms1122 }؟ ومبارك ومصدق صفتان لكتاب، ~~والمبارك كثير البركة، والمصدق كثير التصديق، والذي بين يديه ما أنزل ~~الله من الكتب على الأنبياء من قبله، كالتوراة والإنجيل، فإنه يوافقها في ~~الدعوة إلى الله، وإلى توحيده، وإن خالفها في بعض الأحكام. قوله { ~~ولتنذر } قيل هو معطوف على ما دل عليه مبارك، كأنه قيل أنزلناه ~~للبركات ولتنذر، وخص أم القرى وهي مكة، لكونها أعظم القرى شأنا، ولكونها ~~أول بيت وضع للناس، ولكونها قبلة هذه الأمة ومحل حجهم، فالإنذار لأهلها ~~مستتبع لإنذار سائر أهل الأرض، والمراد بمن حولها جميع أهل الأرض، ~~والمراد بأنذر أم القرى إنذار أهلها وأهل سائر الأرض، فهو على تقدير ~~مضاف محذوف كسؤال القرية { والذين يؤمنون بالآخرة } مبتدأ، ~~و { ويؤمنون به } خبره، والمعنى أن من حق من صدق بالدار الآخرة ~~أن يؤمن بهذا الكتاب، ويصدق، ويعمل بما فيه، لأن التصديق بالآخرة يوجب ~~قبول من دعا الناس إلى ما ينال به خيرها، ويندفع به ضرها. وجملة { ~~وهم على صلاتهم يحافظون } في محل نصب على الحال، وخص ~~المحافظة على الصلاة من بين سائر الواجبات لكونها عمادها وبمنزلة الرأس ~~لها. قوله { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ~~هذه الجملة مقررة لمضمون ما تقدم من الاحتجاج عليهم بأن الله أنزل الكتب ~~على رسله، أي كيف تقولون ما أنزل الله على بشر من شيء، وذلك يستلزم تكذيب ~~الأنبياء عليهم السلام، ولا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا فزعم أنه ~~نبي وليس بنبي، أو كذب على الله في شيء من الأشياء { أو قال ~~أوحى إلى ولم يوح إليه شىء } أي والحال أنه لم يوح ~~إليه شيء، وقد صان الله أنبياءه عما تزعمون عليهم، وإنما هذا شأن ~~الكذابين رؤوس الإضلال، كمسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وسجاح. قوله { ~~ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله } معطوف على { من ~~افترى } أي ومن أظلم ممن افترى أو ممن قال أوحى إلي ولم يوح إليه شيء، ~~أو ممن قال سأنزل مثل ما أنزل الله، وهم القائلون # لو نشاء لقلنا مثل هذا # الأنفال 31 ms1123 وقيل هو عبد الله بن أبي سرح، فإنه كان يكتب الوحي لرسول صلى ~~الله عليه وسلم، فأملى عليه رسول صلى الله عليه وسلم # ثم أنشأناه خلقا آخر # المؤمنون 14 فقال عبد الله # فتبارك الله أحسن الخلقين # المؤمنون 14 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " هكذا أنزلت " # فشك عبد الله حينئذ وقال لئن كان محمد صادقا لقد أوحى إلي كما أوحى ~~إليه، ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال، ثم ارتد عن الإسلام، ولحق ~~بالمشركين، ثم أسلم يوم الفتح كما هو معروف، قوله { ولو ترى إذ ~~الظلمون فى غمرات الموت } الخطاب لرسول الله صلى الله ~~عيله وسلم أو لكل من يصلح له، والمراد كل ظالم، ويدخل فيه الجاحدون لما ~~أنزل الله، والمدعون للنبوات افتراء على الله دخولا أوليا، وجواب " ~~لو " محذوف، أي لرأيت أمرا عظيما. والغمرات جمع غمرة وهي الشدة، ~~وأصلها الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها، ومنه غمرة الماء، ثم استعملت في ~~الشدائد، ومنه غمرة الحرب. قال الجوهري والغمرة الشدة والجمع غمر مثل ~~نوبة ونوب، وجملة { والملئكة باسطوا أيديهم } في محل ~~نصب، أي والحال أن الملائكة باسطو أيديهم لقبض أرواح الكفار. وقيل للعذاب ~~وفي أيديهم مطارق الحديد، ومثله قوله تعالى # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملئكة ~~يضربون وجوههم وأدبرهم # الأنفال 50. قوله { أخرجوا أنفسكم } أي قائلين لهم أخرجوا ~~أنفسكم من هذه الغمرات التي وقعتم فيها، أو أخرجوا أنفسكم من أيدينا ~~وخلصوها من العذاب، أو أخرجوا أنفسكم من أجسادكم، وسلموها إلينا لنقبضها ~~{ اليوم تجزون عذاب الهون } أي اليوم الذي تقبض فيه ~~أرواحكم، أو أرادوا باليوم الوقت الذي يعذبون فيه الذي مبدؤه عذاب القبر، ~~والهون والهوان بمعنى أي اليوم تجزون عذاب الهوان الذي تصيرون به في ~~إهانة ومذلة، بعدما كنتم فيه من الكبر والتعاظم، والباء في { بما ~~كنتم تقولون على الله غير الحق } للسببية، أي بسبب ~~قولكم هذا من إنكار إنزال الله كتبه على رسله والإشراك به { وكنتم ~~عن ءايته تستكبرون } عن التصديق لها والعمل بها، فكان ما ~~جوزيتم به من عذاب ms1124 الهون # جزاء وفقا # النبأ 26. قوله { ولقد جئتمونا فرادى } قرأ أبو حيوة " ~~فرادى " بالتنوين، وهي لغة تميم، وقرأ الباقون بألف التأنيث للجمع فلم ~~ينصرف. وحكى ثعلب «فراد» بلا تنوين مثل ثلاث ورباع، وفرادى جمع فرد ~~كسكارى جمع سكران، وكسالى جمع كسلان، والمعنى جئتمونا منفردين واحدا ~~واحدا كل واحد منفرد عن أهله وماله، وما كان يعبده من دون الله، فلم ~~ينتفع بشيء من ذلك { كما خلقنكم أول مرة } أي على ~~الصفة التي كنتم عليها عند خروجكم من بطون أمهاتكم، والكاف نعت مصدر ~~محذوف، أي جئتمونا مجيئا مثل مجيئكم عند خلقنا لكم، أو حال من ضمير { ~~فرادى } أي متشابهين ابتداء خلقنا لكم { وتركتم ما ~~خولنكم وراء ظهوركم } أي أعطيناكم، والخول ما أعطاه الله ~~للإنسان من متاع الدنيا، أي تركتم ذلك خلفكم لم تأتونا بشيء منه، ولا ~~انتفعتم به بوجه من الوجوه { وما نرى معكم شفعاءكم ~~الذين } عبدتموهم وقلتم # ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى # الزمر 3 و { زعمتم أنهم فيكم شركاء } لله يستحقون منكم ~~العبادة كما يستحقها. قوله { لقد تقطع بينكم } قرأ نافع ~~والكسائي وحفص بنصب { بينكم } على الظرفية، وفاعل { تقطع } محذوف، أي ~~تقطع الوصل بينكم أنتم وشركاؤكم، كما يدل عليه { وما نرى معكم ~~شفعاءكم }. وقرأ الباقون بالرفع على إسناد التقطع إلى البين، أي وقع ~~التقطع بينكم، ويجوز أن يكون معنى قراءة النصب معنى قراءة الرفع في إسناد ~~الفعل إلى الظرف، وإنما نصب لكثرة استعماله ظرفا. وقرأ ابن مسعود «لقد ~~تقطع ما بينكم» على إسناد الفعل إلى " ما " أي الذي بينكم { وضل ~~عنكم ما كنتم تزعمون } من الشركاء والشرك، وحيل بينكم ~~وبينهم. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله { وما قدروا الله حق ~~قدره } قال هم الكفار لم يؤمنوا بقدرة الله، فمن آمن أن الله على كل ~~شيء قدير، قد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره، ~~إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من ms1125 شيء. قالت اليهود يا محمد أنزل الله ~~عليك كتابا؟ قال # " نعم " # ، قالوا والله ما أنزل الله من السماء كتابا، فأنزل الله { قل } يا ~~محمد { من أنزل الكتب الذى جاء به موسى } إلى آخر ~~الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد { وما قدروا ~~الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر ~~من شىء } قالها مشركو قريش. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~السدي قال قال فنحاص اليهودي ما أنزل الله على محمد من شيء، فنزلت. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة قال نزلت في مالك بن الصيف. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، قال جاء رجل من ~~اليهود يقال له مالك بن الصيف، فخاصم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم # " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد في التوراة أن الله يبغض ~~الحبر السمين؟ " # وكان حبرا سمينا، فغضب وقال والله ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال ~~له أصحابه ويحك ولا على موسى؟ قال ما أنزل الله على بشر من شيء، فنزلت. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { تجعلونه ~~قرطيس } قال اليهود، وقوله { وعلمتم ما لم تعلموا ~~أنتم ولا ءاباؤكم } قال هذه للمسلمين. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~أبي حاتم، عن قتادة في قوله { وعلمتم ما لم تعلموا } قال ~~هم اليهود آتاهم الله علما فلم يقتدوا به، ولم يأخذوا به ولم يعملوا به، ~~فذمهم الله في علمهم ذلك. # وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله { وهذا كتب ~~أنزلنه مبارك } قال هو القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى ~~الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد، عنه قال { مصدق الذى بين ~~يديه } أي من الكتب التي قد خلت قبله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله { ~~ولتنذر أم القرى } قال مكة ومن حولها. قال يعني ما حولها ms1126 من ~~القرى، إلى المشرق والمغرب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي قال إنما سميت ~~أم القرى لأن أول بيت وضعت بها. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن ~~المنذر، عن قتادة في قوله { ولتنذر أم القرى } قال هي مكة، ~~قال وبلغني أن الأرض دحيت من مكة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء بن دينار ~~نحوه. وأخرج الحاكم في المستدرك، عن شرحبيل بن سعد قال نزلت في عبد الله ~~بن أبي سرح { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شىء } الآية. فلما ~~دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فر إلى عثمان أخيه من الرضاعة، ~~فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكة، ثم استأمن له. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ~~أبي خلف الأعمى أنها نزلت في عبد الله بن أبي سرح. وكذلك روى ابن أبي ~~حاتم عن السدي. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله { ~~ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال ~~أوحى إلى ولم يوح إليه شىء } قال نزلت في مسيلمة ~~الكذاب ونحوه ممن دعا إلى مثل ما دعا إليه { ومن قال سأنزل ~~مثل ما أنزل الله } قال نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح. ~~وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ~~لما نزلت # والمرسلت عرفا فالعصفت عصفا # المرسلات 1، 2 قال النضر وهو من بني عبد الدار والطاحنات طحنا ~~والعاجنات عجنا قولا كثيرا، فأنزل الله { ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله { غمرات الموت } ~~قال سكرات الموت. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال ~~في قوله { والملئكة باسطوا أيديهم } هذا عند الموت، ~~والبسط الضرب # يضربون وجوههم وأدبرهم # الأنفال 50، محمد 27. وأخرج أبو الشيخ عنه قال في الآية هذا ملك الموت ~~عليه السلام. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي ms1127 حاتم، عن الضحاك ~~في قوله { والملئكة باسطوا أيديهم } قال بالعذاب. # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله { عذاب ~~الهون } قال الهوان. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن عكرمة قال قال النضر بن الحارث سوف تشفع لي اللات ~~والعزى، فنزلت { ولقد جئتمونا فرادى } الآية. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، في قوله { ولقد ~~جئتمونا فرادى } الآية، قال كيوم ولد يرد عليه كل شيء نقص منه ~~يوم ولد. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي في قوله { ~~وتركتم ما خولنكم } قال من المال والخدم { وراء ~~ظهوركم } قال في الدنيا. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد وأبو ~~الشيخ، عن قتادة في قوله { لقد تقطع بينكم } قال ما كان ~~بينهم من الوصل. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله { لقد تقطع بينكم } ~~قال تواصلكم في الدنيا. ### || [6.95-99] # قوله { إن الله فالق الحب والنوى } هذا شروع في تعداد ~~عجائب صنعه تعالى، وذكر ما يعجز آلهتهم عن أدنى شيء منه، والفلق الشق أي ~~هو سبحانه فالق الحب فيخرج منه النبات، وفالق النوى فيخرج منه النوى ~~فيخرج منه الشجر. وقيل معنى { فالق الحب والنوى } الشق الذي ~~فيهما من أصل الخلقة. وقيل معنى { فالق } خالق، والنوى جمع نواة يطلق ~~على كل ما فيه عجم كالتمر والمشمش والخوخ. قوله { يخرج الحى من ~~الميت } هذه الجملة خبر بعد خبر، فهي في محل رفع. وقيل هي جملة مفسرة ~~لما قبلها، لأن معناها معناه، والأول أولى، فإن معنى { يخرج الحى ~~من الميت } يخرج الحيوان من مثل النطفة والبيضة وهي ميتة. ومعنى { ~~ومخرج الميت من الحى } مخرج النطفة والبيضة وهي ميتة من ~~الحي، وجملة { ومخرج الميت من الحى } معطوفة على { ~~يخرج الحى من الميت } عطف جملة اسمية على جملة فعلية، ولا ~~ضير في ذلك. وقيل معطوفة على فالق على تقدير أن جملة { يخرج الحى ~~من ms1128 الميت } مفسرة لما قبلها، والأول أولى، والإشارة ب { ذلكم } ~~إلى صانع ذلك الصنع العجيب المذكور سابقا و { الله } خبره. والمعنى ~~أن صانع هذا الصنع العجيب هو المستجمع لكل كمال، والمفضل بكل إفضال، ~~والمستحق لكل حمد وإجلال { فأنى تؤفكون } فكيف تصرفون عن الحق ~~مع ما ترون من بديع صنعه وكمال قدرته؟ قوله { فالق الإصباح } ~~مرتفع على أنه من جملة أخبار «إن» في { إن الله فالق الحب ~~والنوى }. وقيل هو نعت للاسم الشريف في { ذلكم الله } ، ~~وقرأ الحسن، وعيسى بن عمر " فالق الأصباح " بفتح الهمزة، وقرأ ~~الجمهور بكسرها، وهو على قراءة الفتح جمع صبح، وعلى قراءة الكسر مصدر ~~أصبح. والصبح والصباح أول النهار، وكذا الإصباح، وقرأ النخعي " فالق ~~الإصباح " بفعل وهمزة مكسورة. والمعنى في { فالق الإصباح } ~~أنه شاق الضياء عن الظلام وكاشفه، أو يكون المعنى على حذف مضاف، أي فالق ~~ظلمة الإصباح، وهي الغبش، أو فالق عمود الفجر عن بياض النهار، لأنه يبدو ~~مختلطا بالظلمة ثم يصير أبيض خالصا. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر، وعاصم ~~وحمزة، والكسائي { وجعل اليل سكنا } حملا على معنى { فالق ~~} عند حمزة والكسائي، وأما عند الحسن وعيسى فعطفا على " فلق ". وقرأ ~~الجمهور، " وجاعل " عطفا على { فالق }. وقرىء " فالق وجاعل " بنصبهما ~~على المدح. وقرأ يعقوب «وجاعل الليل ساكنا». والسكن محل السكون، من سكن ~~إليه إذ اطمأن إليه، لأنه يسكن فيه الناس عن الحركة في معاشهم، ~~ويستريحون من التعب والنصب. # قوله { والشمس والقمر حسبانا } بالنصب على إضمار فعل، أي ~~وجعل الشمس والقمر، وبالرفع على الابتداء، والخبر محذوف تقديره والشمس ~~والقمر مجعولان حسبانا، وبالجر عطفا على الليل على قراءة من قرأ " ~~وجاعل الليل " ، قال الأخفش والحسبان جمع حساب مثل شهبان وشهاب. وقال ~~يعقوب حسبان مصدر حسبت الشيء أحسبه حسابا وحسبانا. والحساب الاسم. وقيل ~~الحسبان بالضم مصدر حسب بالفتح، والحسبان بالكسر مصدر حسب. والمعنى ~~جعلهما محل حساب تتعلق به مصالح العباد وسيرهما على تقدير لا يزيد ولا ~~ينقص ليدل عباده بذلك على عظيم قدرته وبديع صنعه. وقيل الحسبان الضياء، ~~وفي لغة أن ms1129 الحسبان النار، ومنه قوله تعالى # ويرسل عليها حسبانا من السماء # الكهف 40 والإشارة ب { ذلك تقدير العزيز العليم } إلى ~~الجعل المدلول عليه بجاعل، أو يجعل على القراءتين. والعزيز القاهر ~~الغالب. والعليم كثير العلم، ومن جملة معلوماته تسييرهما على هذا التدبير ~~المحكم. قوله { وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا ~~بها في ظلمات البر والبحر } أي خلقها للاهتداء بها { فى ~~ظلمت } الليل عند المسير في { البر والبحر } وإضافة ~~الظلمات إلى البر، لكونها ملابسة لهما، أو المراد بالظلمات اشتباه ~~طرقهما التي لا يهتدى فيها إلا بالنجوم، وهذه إحدى منافع النجوم التي ~~خلقها الله لها، ومنها ما ذكره الله في قوله # وحفظا من كل شيطن مارد # الصافات 7. # وجعلنها رجوما للشيطين # الملك 5، ومنها جعلها زينة للسماء، ومن زعم غير هذه الفوائد فقد أعظم ~~على الله الفرية { قد فصلنا الآيت } التي بيناها بيانا ~~مفصلا لتكون أبلغ في الاعتبار { لقوم يعلمون } بما في هذه ~~الآيات من الدلالة على قدرة الله وعظمته وبديع حكمته. قوله { وهو ~~الذى أنشأكم من نفس وحدة } أي آدم عليه السلام كما ~~تقدم. وهذا نوع آخر من بديع خلقه الدال على كمال قدرته { فمستقر ~~ومستودع } قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وأبو عمرو وعيسى ~~والأعرج والنخعي بكسر القاف، والباقون بفتحها، وهما مرفوعان على أنهما ~~مبتدآن وخبرهما محذوف، والتقدير فمنكم مستقر أو فلكم مستقر، التقدير ~~الأول على القراءة الأولى، والثاني على الثانية، أي فمنكم مستقر على ~~ظهر الأرض، أو فلكم مستقر على ظهرها، ومنكم مستودع في الرحم، أو في باطن ~~الأرض، أو في الصلب. وقيل المستقر في الرحم، والمستودع في الأرض. وقيل ~~المستقر في القبر. قال القرطبي وأكثر أهل التفسير يقولون المستقر ما ~~كان في الرحم، والمستودع ما كان في الصلب. وقيل المستقر من خلق، ~~والمستودع من لم يخلق. وقيل الاستيداع إشارة إلى كونهم في القبور إلى ~~المبعث. ومما يدل على تفسير المستقر بالكون على الأرض قول الله تعالى # ولكم فى الأرض مستقر ومتع إلى حين # البقرة 36، وذكر سبحانه هاهنا { يفقهون } وفيما قبله { يعلمون ms1130 ~~} لأن في إنشاء الأنفس من نفس واحدة وجعل بعضها مستقرا وبعضها مستودعا ~~من الغموض والدقة ما ليس في خلق النجوم للاهتداء، فناسبه ذكر الفقه ~~لإشعاره بمزيد تدقيق وإمعان فكر. # قوله { وهو الذى أنزل من السماء ماء } هذا نوع آخر من ~~عجائب مخلوقاته. والماء هو ماء المطر، وفي { فأخرجنا به } التفات ~~من الغيبة إلى التكلم، إظهارا للعناية بشأن هذا المخلوق وما ترتب عليه، ~~والضمير في " به " عائد إلى الماء، و { نبات كل شىء } يعني كل ~~صنف من أصناف النبات المختلفة. وقيل المعنى رزق كل شيء، والتفسير الأول ~~أولى. ثم فصل هذا الإجمال فقال { فأخرجنا منه خضرا } قال ~~الأخفش أي أخضر. والخضر رطب البقول، وهو ما يتشعب من الأغصان الخارجة من ~~الحبة. وقيل يريد القمح والشعير والذرة والأرز وسائر الحبوب { نخرج ~~منه حبا } هذه الجملة صفة ل { خضر } أي نخرج من الأغصان الخضر ~~حبا متراكبا أي مركبا بعضه على بعضه كما في السنابل { ومن ~~النخل } خبر مقدم، و { من طلعها } بدل منه، وعلى قراءة من قرأ ~~" يخرج منه حب " يكون ارتفاع { قنوان } على أنه معطوف على حب، وأجاز ~~الفراء في غير القرآن " قنوانا " عطفا على { حبا } ، وتميم يقولون ~~قنيان. وقرىء بضم القاف وفتحها باعتبار اختلاف اللغتين لغة قيس ولغة أهل ~~الحجاز. والطلع الكفري قبل أن ينشق عن الإغريض، والإغريض يسمى طلعا ~~أيضا. والقنوان جمع قنو، والفرق بين جمعه وتثنيته أن المثنى مكسورة ~~النون، والجمع على ما يقتضيه الاعراب، ومثله صنوان. والقنو العذق. ~~والمعنى أن القنوان أصله من الطلع. والعذق هو عنقود النخل، وقيل القنوان ~~الجمار. والدانية القريبة التي ينالها القائم والقاعد. قال الزجاج المعنى ~~منها دانية ومنها بعيدة فحذف، ومثله # سرابيل تقيكم الحر # النحل 81 وخص الدانية بالذكر، لأن الغرض من الآية بيان القدر ~~والامتنان، وذلك فيما يقرب تناوله أكثر. قوله { وجنت من ~~أعنب } قرأ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، والأعمش، وعاصم في ~~قراءته الصحيحة عنه برفع " جنات " ، وقرأ الباقون بالنصب. وأنكر القراءة ~~الأولى أبو عبيدة، وأبو حاتم، حتى قال ms1131 أبو حاتم هي محال، لأن الجنات لا ~~تكون من النخل. قال النحاس ليس تأويل الرفع على هذا، ولكنه رفع ~~بالابتداء، والخبر محذوف، أي ولهم جنات كما قرأ جماعة من القراء # وحور عين # الواقعة 22 وقد أجاز مثل هذا سيبويه والكسائي والفراء، وأما على النصب ~~فقيل هو معطوف على { نبات كل شىء } أي وأخرجنا به جنات كائنة من ~~أعناب، أو النصب بفعل يقدر متأخرا أي وجنات من أعناب أخرجناها، وهكذا ~~القول في انتصاب الزيتون والرمان. وقيل هما منصوبان على الاختصاص لكونهما ~~عزيزين، و { مشتبها } منتصب على الحال، أي كل واحد منهما يشبه بعضه ~~بعضا في بعض أوصافه، ولا يشبه بعضه بعضا في البعض الآخر، وقيل إن ~~أحدهما يشبه الآخر في الورق باعتبار اشتماله على جميع الغصن وباعتبار ~~حجمه، ولا يشبه أحدهما الآخر في الطعم، وقيل خص الزيتون والرمان لقرب ~~منابتهما من العرب كما في قول الله سبحانه # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت # الغاشية 17، ثم أمرهم سبحانه بأن ينظروا نظر اعتبار إلى ثمره إذا أثمر، ~~وإلى ينعه إذا أينع. والثمر في اللغة جنى الشجر. واليانع الناضج الذي قد ~~أدرك وحان قطافه. قال ابن الأنباري الينع جمع يانع، كركب وراكب. وقال ~~الفراء أينع احمر. قرأ حمزة والكسائي «ثمره» بضم الثاء والميم، وقرأ ~~الباقون بفتحها، إلا الأعمش فإنه قرأ " ثمره " بضم الثاء، وسكون الميم ~~تخفيفا. وقرأ محمد بن السميفع، وابن محيصن، وابن أبي إسحاق «وينعه» بضم ~~الياء التحتية. قال الفراء هي لغة بعض أهل نجد. وقرأ الباقون بفتحها، ~~والإشارة بقوله { إن فى ذلكم } إلى ما تقدم ذكره مجملا ومفصلا ~~{ لآيت لقوم يؤمنون } بالله استدلالا بما يشاهدونه من ~~عجائب مخلوقاته التي قصها عليهم. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في ~~قوله تعالى { إن الله فالق الحب والنوى } يقول خلق الحب ~~والنوى. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~قتادة قال يفلق الحب والنوى عن النبات. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن ~~حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ms1132 الشيخ، عن مجاهد قال الشقان ~~اللذان فيهما. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، عن أبي مالك نحوه. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه في قوله { يخرج ~~الحى من الميت } قال النخلة من النواة والسنبلة من الحبة { ~~ومخرج الميت من الحى } قال النواة من النخلة والحبة من ~~السنبلة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد { يخرج الحى من ~~الميت ومخرج الميت من الحى } قال الناس الأحياء من ~~النطف، والنطفة ميتة تخرج من الناس الأحياء، ومن الأنعام والنبات كذلك ~~أيضا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال { فأنى تؤفكون } ~~أي فكيف تكذبون. وأخرج أيضا عن الحسن قال أنى تصرفون. وأخرج أيضا عن ~~ابن عباس في { فالق الإصباح } قال خلق الليل والنهار. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال يعني بالإصباح ضوء الشمس ~~بالنهار، وضوء القمر بالليل. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في { فالق الإصباح } قال إضاءة الفجر. ~~وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة في قوله { ~~فالق الإصباح } قال فالق الصبح. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في ~~قوله { وجاعل الليل سكنا } قال سكن فيه كل طير ودابة. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ~~والشمس والقمر حسبانا } يعني عدد الأيام والشهور والسنين. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { وهو الذى جعل ~~لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمت البر ~~والبحر } قال يضل الرجل، وهو في الظلمة والجور عن الطريق. وأخرج ~~ابن أبي شيبة، وابن المنذر، والخطيب في كتاب النجوم، عن عمر بن الخطاب ~~قال تعلموا من النجوم ما تهتدون به في بركم وبحركم، ثم أمسكوا، فإنها ~~والله ما خلقت إلا زينة للسماء ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها. ~~وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن مردويه، والخطيب، عن ابن عمر قال ~~قال ms1133 رسول الله صلى الله عليه وسلم # " تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم انتهوا " # وقد ورد في استحباب مراعاة الشمس والقمر لذكر الله سبحانه لا لغير ذلك ~~أحاديث، منها عند الحاكم وصححه، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " أحب عباد الله إلى الله الذين يراعون الشمس والقمر لذكر الله " # وأخرج ابن شاهين والطبراني، والحاكم، والخطيب، عن عبد الله بن أبي أوفى ~~قال قال رسول الله، فذكر نحوه. وأخرج أحمد في الزهد، والخطيب، عن أبي ~~الدرداء نحوه. وأخرج الخطيب في كتاب النجوم، عن أبي هريرة نحو حديثه ~~الأول مرفوعا. وأخرج الحاكم في تاريخه، والديلمي بسند ضعيف، عن أبي ~~هريرة أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ثلاثة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله التاجر الأمين، والإمام ~~المقتصد، وراعي الشمس بالنهار " # وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن سلمان الفارسي قال «سبعة في ~~ظل الله يوم لا ظل إلا ظله، فذكر منهم الرجل الذي يراعي الشمس لمواقيت ~~الصلاة». فهذه الأحاديث مقيدة بكون المراعاة لذكر الله، والصلاة، لا لغير ~~ذلك. وقد جعل الله انقضاء وقت صلاة الفجر طلوع الشمس، وأول صلاة الظهر ~~زوالها، ووقت العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية، ووقت المغرب غروب الشمس، ~~وورد في صلاة العشاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها لوقت مغيب ~~القمر ليلة ثالث الشهر، وبها يعرف أوائل الشهور وأوساطها وأواخرها. فمن ~~راعى الشمس والقمر بهذه الأمور فهو الذي أراده، ومن راعاها لغير ذلك فهو ~~غير مراد بما ورد. وهكذا النجوم، وورد النهي عن النظر فيها كما أخرجه ابن ~~مردويه، والخطيب، عن علي قال نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~النظر في النجوم. وأخرج ابن مردويه، والمرهبي، والخطيب، عن أبي هريرة قال ~~نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر في النجوم. # وأخرج الخطيب، عن عائشة مرفوعا مثله. وأخرج الطبراني، وأبو نعيم في ~~الحلية، والخطيب، عن ابن ms1134 مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم ~~فأمسكوا " # وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، وابن مردويه، عن ابن عباس قال قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم # " من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد " # فهذه الأحاديث محمولة على النظر فيها لما عدا الاهتداء والتفكر ~~والاعتبار. وما ورد في جواز النظر في النجوم فهو مقيد بالاهتداء والتفكر ~~والاعتبار كما يدل عليه حديث ابن عمر السابق، وعليه يحمل ما روي عن ~~عكرمة فيما أخرجه الخطيب عنه أنه سأل رجلا عن حساب النجوم، فجعل الرجل ~~يتحرج أن يخبره، فقال عكرمة سمعت ابن عباس يقول علم عجز الناس عنه ووددت ~~أني علمته. وقد أخرج أبو داود، والخطيب، عن سمرة بن جندب، أنه خطب فذكر ~~حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # " أما بعد، فإن ناسا يزعمون أن كسوف هذه الشمس وكسوف هذا القمر وزوال ~~هذه النجوم عن مواضعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض، وإنهم قد كذبوا، ~~ولكنها آيات من آيات الله يعتبر بها عباده لينظر ما يحدث لهم من توبة " # وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما في كسوف الشمس والقمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله بهما عباده " # وأخرج ابن مردويه، عن أبي أمامة مرفوعا # " إن الله نصب آدم بين يديه، ثم ضرب كتفه اليسرى فخرجت ذريته من صلبه ~~حتى ملئوا الأرض " # فهذا الحديث هو معنى ما في الآية، { وهو الذى أنشأكم من ~~نفس وحدة }. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه من ~~طرق عن ابن عباس في قوله { فمستقر ومستودع } قال المستقر ~~ما كان في الرحم، والمستودع ما استودع في أصلاب الرجال والدواب. وفي لفظ ~~المستقر ما في الرحم، وعلى ظهر الأرض وبطنها مما هو حي ومما قد مات. ms1135 وفي ~~لفظ المستقر ما كان في الأرض، والمستودع ما كان في الصلب. وأخرج عبد ~~الرزاق، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن مسعود في الآية قال مستقرها ~~في الدنيا ومستودعها في الآخرة. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن ~~أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود قال المستقر الرحم، ~~والمستودع المكان الذي يموت فيه. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن وقتادة في ~~الآية قالا مستقر في القبر، ومستودع في الدنيا، أوشك أن يلحق بصاحبه. # وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي في قوله { نخرج منه ~~حبا متراكبا } قال هذا السنبل. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن البراء بن عازب { قنون ~~دانية } قال قريبة وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~ابن عباس { قنون دانية } قال قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه قنوان الكبائس، والدانية المنصوبة. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عنه أيضا في { قنون دانية } قال تهدل ~~العذوق من الطلع. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ عن قتادة، في قوله { مشتبها وغير متشبه } قال ~~متشابها ورقه مختلفا ثمره. وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي، ~~في قوله { انظروا إلى ثمره إذا أثمر } قال رطبه وعنبه. ~~وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن البراء { وينعه } ~~قال نضجه. ### || [6.100-103] # هذا الكلام يتضمن ذكر نوع آخر من جهالاتهم وضلالاتهم. قال النحاس { ~~الجن } المفعول الأول، و { شركاء } المفعول الثاني كقوله تعالى # وجعلكم ملوكا # المائدة 20 # وجعلت له مالا ممدودا # المدثر 12 وأجاز الفراء أن يكون الجن بدلا من شركاء ومفسرا له. وأجاز ~~الكسائي رفع الجن بمعنى هم الجن، كأنه قيل من هم؟ فقيل الجن، وبالرفع ~~قرأ يزيد بن أبي قطيب، وأبو حيان، وقرىء بالجر على إضافة شركاء إلى الجن ~~للبيان. والمعنى أنهم جعلوا شركاء لله فعبدوهم كما عبدوه، وعظموهم كما ~~عظموه. وقيل المراد بالجن هاهنا الملائكة لاجتنانهم، أي ms1136 استتارهم، وهم ~~الذين قالوا الملائكة بنات الله. وقيل نزلت في الزنادقة الذين قالوا إن ~~الله تعالى وإبليس أخوان، فالله خالق الناس والدواب، وإبليس خالق الحيات ~~والسباع والعقارب. وروي ذلك عن الكلبي، ويقرب من هذا قول المجوس، فإنهم ~~قالوا للعالم صانعان هما الرب سبحانه والشيطان. وهكذا القائلون كل خير ~~من النور، وكل شر من الظلمة، وهم المانوية. قوله { وخلقهم } جملة ~~حالية بتقدير قد، أي وقد علموا أن الله خلقهم، أو خلق ما جعلوه شريكا ~~لله. قوله { وخرقوا له بنين وبنات } قرأ نافع بالتشديد على ~~التكثير، لأن المشركين ادعوا أن الملائكة بنات الله، والنصارى ادعوا أن ~~المسيح ابن الله، واليهود ادعوا أن عزيرا ابن الله، فكثر ذلك من كفرهم ~~فشدد الفعل لمطابقة المعنى. وقرأ الباقون بالتخفيف. وقرىء " حرفوا " من ~~التحريف أي زوروا. قال أهل اللغة معنى { خرقوا } اختلقوا وافتعلوا ~~وكذبوا، يقال اختلق الإفك، واخترقه وخرقه، أو أصله من خرق الثوب إذا شقه، ~~أي اشتقوا له بنين وبنات. قوله { بغير علم } متعلق بمحذوف هو حال، ~~أي كائنين بغير علم، بل قالوا ذلك عن جهل خالص، ثم بعد حكاية هذا الضلال ~~البين، والبهت الفظيع من جعل الجن شركاء لله، وإثبات بنين وبنات له، نزه ~~الله نفسه، فقال { سبحنه وتعلى عما يصفون } وقد ~~تقدم الكلام في معنى { سبحانه }. ومعنى { تعالى } تباعد وارتفع عن قولهم ~~الباطل الذي وصفوه به. قوله { بديع السموات والأرض } أي ~~مبدعهما، فكيف يجوز أن { يكون له ولد } وقد جاء البديع بمعنى ~~المبدع، كالسميع بمعنى المسمع كثيرا، ومنه قول عمرو بن معدي كرب # أمن ريحانة الداعى السميع يؤرقني وأصحابي هجوع # أي المسمع. وقيل هو من إضافة الصفة المشبهة إلى الفاعل، والأصل بديع ~~سمواته وأرضه. وأجاز الكسائي خفضه على النعت لله. والظاهر أن رفعه على ~~تقدير مبتدأ محذوف، أو على أنه مبتدأ وخبره { أنى يكون له ~~ولد }. وقيل هو مرفوع على أنه فاعل { تعالى } ، وقرىء بالنصب على ~~المدح، والاستفهام في { أنى يكون له ولد } للإنكار ~~والاستبعاد، أي من كان هذا وصفه، وهو أنه خالق ms1137 السموات والأرض وما فيهما، ~~كيف يكون له ولد؟ وهو من جملة مخلوقاته، وكيف يتخذ ما يخلقه ولدا، ثم ~~بالغ في نفي الولد، فقال { ولم تكن له صحبة } أي كيف يكون ~~له ولد والحال أنه لم تكن له صاحبة؟ والصاحبة إذا لم توجد استحال وجود ~~الولد، وجملة { وخلق كل شىء } لتقرير ما قبلها، لأن من كان ~~خالقا لكل شيء استحال منه أن يتخذ بعض مخلوقاته ولدا { وهو بكل ~~شىء عليم } لا تخفى عليه من مخلوقاته خافية، والإشارة بقوله { ~~ذلكم } إلى الأوصاف السابقة، وهو في موضع رفع على الابتداء وما بعده ~~خبره، وهو الاسم الشريف، و { ربكم } خبر ثان، و { لا إله ~~إلا هو } خبر ثالث، و { خلق كل شىء } خبر رابع، ويجوز أن ~~يكون { الله ربكم } بدلا من اسم الإشارة، وكذلك { لا إله ~~إلا هو خلق كل شىء } خبر المبتدأ، ويجوز ارتفاع خالق على ~~إضمار مبتدأ، وأجاز الكسائي والفراء النصب فيه. # { فاعبدوه } أي من كانت هذه صفاته، فهو الحقيق بالعبادة فاعبدوه ~~ولا تعبدوا غيره ممن ليس له من هذه الصفات العظيمة شيء. قوله { لا ~~تدركه الأبصر } الأبصار جمع بصر، وهو الحاسة، وإدراك الشيء ~~عبارة عن الإحاطة به. قال الزجاج أي لا تبلغ كنه حقيقته، فالمنفي هو هذا ~~الإدراك لا مجرد الرؤية. فقد ثبتت بالأحاديث المتواترة تواترا لا شك ~~فيه ولا شبهة، ولا يجهله إلا من يجهل السنة المطهرة جهلا عظيما، وأيضا ~~قد تقرر في علم البيان، والميزان أن رفع الإيجاب الكلي سلب جزئي، ~~فالمعنى لا تدركه بعض الأبصار وهي أبصار الكفار، هذا على تسليم أن نفي ~~الإدراك يستلزم نفي الرؤية، فالمراد به هذه الرؤية الخاصة، والآية من سلب ~~العموم لا من عموم السلب، والأول تخلفه الجزئية، والتقدير لا تدركه كل ~~الأبصار بل بعضها، وهي أبصار المؤمنين. والمصير إلى أحد الوجهين متعين ~~لما عرفناك من تواتر الرؤية في الآخرة، واعتضادها بقوله تعالى # وجوه يومئذ ناضرة # الآية القيامة 22.قوله { وهو يدرك الأبصر } أي يحيط بها ~~ويبلغ كنهها لا تخفى عليه منها خافية، وخص ms1138 الأبصار ليجانس ما قبله. وقال ~~الزجاج في هذا دليل على أن الخلق لا يدركون الأبصار، أي لا يعرفون كيفية ~~حقيقة البصر، وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر ~~من غيرهما من سائر أعضائه انتهى. { وهو اللطيف } أي الرفيق ~~بعباده، يقال لطف فلان بفلان أي رفق به، واللطف في العمل الرفق به. ~~واللطف من الله التوفيق والعصمة، وألطفه بكذا إذا أبره. والملاطفة ~~المبارة. هكذا قال الجوهري وابن فارس، و { الخبير } المختبر بكل شيء ~~بحيث لا يخفى عليه شيء. # وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { ~~وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم } قال والله خلقهم { ~~وخرقوا له بنين وبنات بغير علم } قال تخرصوا. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عنه في قوله { وخرقوا } قال جعلوا وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال كذبوا. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن أبي حاتم، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، والعقيلي، وابن ~~عدي وأبو الشيخ، وابن مردويه بسند ضعيف، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في قوله { لا تدركه الأبصر } قال # " لو أن الإنس والجن والملائكة والشياطين منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا ~~صفا واحدا ما أحاطوا بالله أبدا " # قال الذهبي هذا حديث منكر انتهى. وفي إسناده عطية العوفى وهو ضعيف. ~~وأخرج الترمذي وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن عباس قال رأى محمد ربه. قال عكرمة ~~فقلت له أليس الله يقول { لا تدركه الأبصر وهو يدرك ~~الأبصر } قال لا أم لك، ذاك نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء. ~~وفي لفظ «إنما ذلك إذا تجلى بكيفيته لم يقم له بصر». وأخرج ابن جرير عنه ~~قال لا يحيط بصر أحد بالله. وأخرج أبو الشيخ، والبيهقي في كتاب الرؤية، ~~عن الحسن في قوله { لا تدركه الأبصر } قال في الدنيا. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن إسماعيل بن علية مثله. ms1139 ### || [6.104-108] # البصائر جمع بصيرة، وهي في الأصل نور القلب، والمراد بها هنا الحجة ~~البينة والبرهان الواضح. وهذا الكلام وارد على لسان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ولهذا قال في آخره { وما أنا عليكم بحفيظ } ~~ووصف البصائر بالمجيء تفخيما لشأنها، وجعلها بمنزلة الغائب المتوقع ~~مجيئه، كما يقال جاءت العافية، وانصرف المرض، وأقبلت السعود، وأدبرت ~~النحوس { فمن أبصر فلنفسه } أي فمن تعقل الحجة وعرفها وأذعن ~~لها فنفع ذلك لنفسه لأنه ينجو بهذا الإبصار من عذاب النار { ومن ~~عمى } عن الحجة ولم يتعقلها ولا أذعن لها، فضرر ذلك على نفسه لأنه ~~يتعرض لغضب الله في الدنيا ويكون مصيره النار { وما أنا عليكم ~~بحفيظ } برقيب أحصي عليكم أعمالكم، وإنما أنا رسول أبلغكم رسالات ربي ~~وهو الحفيظ عليكم. قال الزجاج نزل هذا قبل فرض القتال ثم أمر أن يمنعهم ~~بالسيف من عبادة الأوثان. { وكذلك نصرف الآيت } أي مثل ذلك ~~التصريف البديع نصرفها في الوعد والوعيد والوعظ والتنبيه. قوله { ~~وليقولوا درست } العطف على محذوف، أي نصرف الآيات لتقوم الحجة ~~وليقولوا درست. أو علة لفعل محذوف يقدر متأخرا، أي وليقولوا درست ~~صرفناها، وعلى هذا تكون اللام للعاقبة أو للصيرورة. والمعنى ومثل ذلك ~~التصريف نصرف الآيات وليقولوا درست، فإنه لا احتفال بقولهم ولا اعتداد ~~بهم، فيكون معناه الوعيد والتهديد لهم وعدم الاكتراث بقولهم. وقد أشار ~~إلى مثل هذا الزجاج. وقال النحاس وفي المعنى قول آخر حسن، وهو أن يكون ~~معنى { نصرف الآيت } نأتي بها آية بعد آية { وليقولوا ~~درست } علينا، فيذكرون الأول بالآخر، فهذا حقيقته، والذي قاله أبو ~~إسحاق يعني الزجاج مجاز. وفي { درست } قراءات، قرأ أبو عمرو، وابن ~~كثير «دارست» بألف بين الدال والراء كفاعلت، وهي قراءة علي، وابن عباس، ~~وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وأهل مكة. وقرأ ابن عامر «درست» بفتح ~~السين وإسكان التاء من غير ألف كخرجت، وهي قراءة الحسن. وقرأ الباقون ~~«درست» كضربت، فعلى القراءة الأولى المعنى دارست أهل الكتاب ودارسوك، أي ~~ذاكرتهم وذاكروك، ويدل على هذا ما وقع في الكتاب العزيز من ms1140 إخبار الله ~~عنهم بقوله # وأعانه عليه قوم آخرون # الفرقان 4 أي أعان اليهود النبي صلى الله عليه وسلم على القرآن، ومثله ~~قولهم # أسطير الأولين اكتتبها فهى تملى عليه ~~بكرة وأصيلا # الفرقان 5، وقولهم # إنما يعلمه بشر # النحل 103. والمعنى على القراءة الثانية قدمت هذه الآيات وعفت وانقطعت، ~~وهو كقولهم # أسطير الأولين # الأنعام 25، وفي ثمانية مواضع أخر من كتاب الله العزيز. والمعنى على ~~القراءة الثالثة مثل المعنى على القراءة الأولى. قال الأخفش هي بمعنى ~~دارست إلا أنه أبلغ. وحكى عن المبرد أنه قرأ " وليقولوا " بإسكان ~~اللام، فيكون فيه معنى التهديد، أي وليقولوا ما شاءوا فإن الحق بين، وفي ~~اللفظ أصله درس يدرس دراسة، فهو من الدرس، وهو القراءة. # وقيل من درسته أي ذللته بكثرة القراءة، وأصله درس الطعام، أي داسه. ~~والدياس الدراس بلغة أهل الشام. وقيل أصله من درست الثوب أدرسه درسا، أي ~~أخلقته، ودرست المرأة درسا، أي حاضت. ويقال إن فرج المرأة يكنى أبا دراس ~~وهو من الحيض، والدرس أيضا الطريق الخفي. وحكى الأصمعي بعير لم يدرس أي ~~لم يركب. وروى عن ابن عباس وأصحابه، وأبي، وابن مسعود، والأعمش، أنهم ~~قرءوا «درس» أي درس محمد الآيات، وقرىء «درست» وبه قرأ زيد بن ثابت، ~~أي الآيات على البناء للمفعول، «ودارست» أي دارست اليهود محمدا. واللام ~~في { لنبينه } لام كي، أي نصرف الآيات لكي نبينه لقوم يعلمون، والضمير ~~راجع إلى الآيات لأنها في معنى القرآن، أو إلى القرآن، وإن لم يجر له ~~ذكر، لأنه معلوم من السياق أو إلى التبيين المدلول عليه بالفعل. قوله { ~~اتبع ما أوحى إليك من ربك } أمره الله باتباع ما أوحى ~~إليه وأن لا يشغل خاطره بهم، بل يشتغل باتباع ما أمره الله، وجملة { لا ~~إله إلا هو } معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، لقصد تأكيد ~~إيجاب الاتباع { وأعرض } معطوف على { اتبع } أمره الله بالإعراض ~~عن المشركين بعدما أمره باتباع ما أوحي إليه، وهذا قبل نزول آية السيف { ~~ولو شاء الله ما أشركوا } أي لو شاء الله عدم إشراكهم ما ~~أشركوا، ms1141 وفيه أن الشرك بمشيئة الله سبحانه، والكلام في تقرير هذا على ~~الوجه الذي يتعارف به أهل علم الكلام والميزان معروف فلا نطيل بإيراده، { ~~وما جعلنك عليهم حفيظا } أي رقيبا { وما أنت ~~عليهم بوكيل } أي قيم بما فيه نفعهم فتجلبه إليهم، ليس عليك إلا ~~إبلاغ الرسالة. قوله { ولا تسبوا الذين يدعون من دون ~~الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } الموصول عبارة ~~عن الآلهة التي كانت تعبدها الكفار. والمعنى لا تسب يا محمد آلهة هؤلاء ~~الكفار التي يدعونها من دون الله، فيتسبب عن ذلك سبهم لله عدوانا ~~وتجاوزا عن الحق، وجهلا منهم. وفي هذه الآية دليل على أن الداعي إلى ~~الحق، والناهي عن الباطل، إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من ~~انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد كان الترك أولى به، بل كان ~~واجبا عليه، وما أنفع هذه الآية وأجل فائدتها لمن كان من الحاملين لحجج ~~الله، المتصدين لبيانها للناس، إذا كان بين قوم من الصم البكم الذين إذا ~~أمرهم بمعروف تركوه، وتركوا غيره من المعروف. وإذا نهاهم عن منكر فعلوه ~~وفعلوا غيره من المنكرات عنادا للحق وبغضا لاتباع المحقين، وجراءة على ~~الله سبحانه، فإن هؤلاء لا يؤثر فيهم إلا السيف، وهو الحكم العدل لمن ~~عاند الشريعة المطهرة وجعل المخالفة لها والتجرؤ على أهلها ديدنه ~~وهجيراه، كما يشاهد ذلك في أهل البدع الذين إذا دعوا إلى حق وقعوا في ~~كثير من الباطل، وإذا أرشدوا إلى السنة، قابلوها بما لديهم من البدعة، ~~فهؤلاء هم المتلاعبون بالدين المتهاونون بالشرائع، وهم شر من الزنادقة، ~~لأنهم يحتجون بالباطل وينتمون إلى البدع، ويتظاهرون بذلك غير خائفين ولا ~~وجلين، والزنادقة قد ألجمتهم سيوف الإسلام، وتحاماهم أهله، وقد ينفق ~~كيدهم، ويتم باطلهم وكفرهم نادرا على ضعيف من ضعفاء المسلمين، مع تكتم ~~وتحرز وخيفة ووجل، وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة ثابتة ~~غير منسوخة، وهي أصل أصيل في سد الذرائع، وقطع التطرق إلى الشبه. # وقرأ أهل مكة «عدوا» بضم العين ms1142 والدال وتشديد الواو، وهي قراءة ~~الحسن، وأبي رجاء وقتادة. وقرأ من عداهم بفتح العين وضم الدال وتشديد ~~الواو، ومعنى القراءتين واحد أي ظلما وعدوانا، وهو منتصب على الحال، أو ~~على المصدر، أو على أنه مفعول له { كذلك زينا لكل أمة ~~عملهم } أي مثل ذلك التزيين زينا لكل أمة من أمم الكفار عملهم من ~~الخير والشر # يضل من يشآء ويهدى من يشآء # النحل 93، فاطر 8 { ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم ~~بما كانوا يعملون } في الدنيا من المعاصي التي لم ينتهوا عنها، ~~ولا قبلوا من المرسلين ما أرسلهم الله به إليهم، وما تضمنته كتبه المنزلة ~~عليهم. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن قتادة في قوله { قد جاءكم بصائر } أي بينة { فمن أبصر ~~فلنفسه } أي فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه { ومن عمى } أي من ~~ضل { فعليها }. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، ~~وابن مردويه، والضياء في المختارة، عن ابن عباس أنه كان يقرأ «دارست» ~~وقال قرأت. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~وابن مردويه عنه { درست } قال قرأت وتعلمت. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد ~~بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عنه أيضا قال " دارست " خاصمت، ~~جادلت، تلوت. وأخرج أبو الشيخ، عن السدي، { وأعرض عن ~~المشركين } قال كف عنهم، وهذا منسوخ، نسخه القتال # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # التوبة 5. وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن ~~عباس في قوله { ولو شاء الله ما أشركوا } يقول الله تبارك ~~وتعالى لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة ~~في قوله { وما أنت عليهم بوكيل } أي بحفيظ. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله { ولا ~~تسبوا الذين يدعون من دون الله } قال قالوا يا محمد ~~لتنتهين عن سبك آلهتنا أو لنهجون ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم { ~~فيسبوا ms1143 الله عدوا بغير علم }. وقد ثبت في الصحيح أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ملعون من سب والديه " # ، قالوا يا رسول الله وكيف يسب الرجل والديه؟ قال # " يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه ". ### || [6.109-113] # قوله { وأقسموا بالله } أي الكفار مطلقا، أو كفار قريش، وجهد ~~الأيمان أشدها، أي أقسموا بالله أشد أيمانهم التي بلغتها قدرتهم، وقد ~~كانوا يعتقدون أن الله هو الإله الأعظم، فلهذا أقسموا به، وانتصاب { جهد ~~} على المصدرية، وهو بفتح الجيم المشقة، وبضمها الطاقة، ومن أهل اللغة من ~~يجعلهما لمعنى واحد، والمعنى أنهم اقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~آية من الآيات التي كانوا يقترحونها، وأقسموا لئن جاءتهم هذه الآية التي ~~اقترحوها { ليؤمنن بها } وليس غرضهم الإيمان، بل معظم قصدهم ~~التهكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم والتلاعب بآيات الله، فأمره ~~الله سبحانه أن يجيب عليهم بقوله { إنما الآيت عند الله } ~~هذه الآية التي يقترحونها، وغيرها، وليس عندي من ذلك شيء، فهو سبحانه إن ~~أراد إنزالها أنزلها، وإن أراد أن لا ينزلها لم ينزلها. قوله { وما ~~يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون }. قرأ أبو عمرو، ~~وابن كثير، بكسر الهمزة من " أنها " ، وهي قراءة مجاهد، ويؤيد هذه ~~القراءة قراءة ابن مسعود " وما يشعركم إذا جاءت لا ~~يؤمنون " قال مجاهد وابن زيد المخاطب بهذا المشركون أي وما يدريكم، ~~ثم حكم عليهم بقوله { أنها إذا جاءت لا يؤمنون } وقال ~~الفراء وغيره الخطاب للمؤمنين، لأن المؤمنين قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم يا رسول الله لو نزلت الآية لعلهم يؤمنون، فقال الله تعالى { وما ~~يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون } وقرأ أهل المدينة ~~والأعمش، وحمزة والكسائي، وعاصم، وابن عامر { أنها إذا جاءت } بفتح ~~الهمزة. قال الخليل { أنها } بمعنى لعلها، وفي التنزيل # وما يدريك لعله يزكى # عبس 3 أي أنه يزكي. وحكى عن العرب ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا أي ~~لعلك، ومنه قول عدي بن زيد # أعاذل ما يدريك أن منيتي إلى ساعة في اليوم أو ms1144 في ضحى الغد # أي لعل منيتي، ومنه قول دريد بن الصمة # أريني جوادا مات هزلا لأنني أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا # أي لعلني، وقول أبي النجم # قلت لشيبان ادن من لقائه أني نغد اليوم من شوائه # أي لعلي، وقول جرير # هل أنتم عائجون بنا لأن نرى العرصات أو أثر الخيام # أي لعلنا ا ه. وقد وردت في كلام العرب كثيرا بمعنى لعل. وحكى الكسائي ~~أنها كذلك في مصحف أبي بن كعب. وقال الكسائي أيضا والفراء إن «لا» ~~زائدة، والمعنى وما يشعركم أنها أي الآيات، إذا جاءت يؤمنون، فزيدت كما ~~زيدت في قوله تعالى # وحرام على قرية أهلكنها أنهم لا يرجعون # الأنبياء 95 وفي قوله # ما منعك أن لا تسجد # الأعراف 12 وضعف الزجاج والنحاس وغيرهما زيادة " لا " وقالوا هو غلط ~~وخطأ. وذكر النحاس وغيره، أن في الكلام حذفا والتقدير أنها إذا جاءت لا ~~يؤمنون أو يؤمنون، ثم حذف هذا المقدر لعلم السامع. قوله { ونقلب ~~أفئدتهم وأبصرهم } معطوف على { لا يؤمنون } قيل والمعنى ~~تقليب أفئدتهم وأبصارهم يوم القيامة على لهب النار، وحر الجمر { كما ~~لم يؤمنوا } في الدنيا { ونذرهم } في الدنيا، أي نمهلهم ولا ~~نعاقبهم فعلى هذا بعض الآية في الآخرة، وبعضها في الدنيا. وقيل المعنى ~~ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في الدنيا، أي نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم ~~تلك الآية، كما حلنا بينهم وبين ما دعوتهم إليه أول مرة عند ظهور ~~المعجزة. وقيل في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير أنها إذا جاءت لا يؤمنون ~~كما لم يؤمنوا، ونقلب أفئدتهم وأبصارهم، ونذرهم في طغيانهم يعمهون، أي ~~يتحيرون، والكاف في { كما لم يؤمنوا } نعت مصدر محذوف، و " ما " ~~مصدرية، و { يعمهون } في محل نصب على الحال. قوله { ولو ~~أننا نزلنا إليهم الملئكة } أي لا يؤمنون ولو نزلنا ~~إليهم الملائكة كما اقترحوه بقولهم # لولا أنزل عليه ملك # الأنعام 8 { وكلمهم الموتى } الذين يعرفونهم بعد إحيائنا ~~لهم، فقالوا لهم إن هذا النبي صادق مرسل من عند الله، فآمنوا به، لم ~~يؤمنوا { وحشرنا عليهم كل شىء ms1145 } مما سألوه من الآيات { ~~قبلا } أي كفلا وضمنا بما جئناهم به من الآيات البينات. هذا على ~~قراءة من قرأ { قبلا } بضم القاف وهم الجمهور. وقرأ نافع، وابن عامر، " ~~قبلا " بكسرها أي مقابلة. وقال محمد بن يزيد المبرد { قبلا } بمعنى ~~ناحية، كما تقول لي قبل فلان مال، فقبلا نصب على الظرف، وعلى المعنى ~~الأول ورد قوله تعالى # أو تأتى بالله والملئكة قبيلا # الإسراء 92 أي يضمنون، كذا قال الفراء. وقال الأخفش هو بمعنى قبيل قبيل ~~أي جماعة جماعة. وحكى أبو زيد، لقيت فلانا قبلا ومقابلة وقبلا كله ~~واحد، بمعنى المواجهة، فيكون على هذا الضم كالكسر وتستوي القراءتان. ~~والحشر الجمع { ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله } ~~إيمانهم، فإن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، والاستثناء مفرغ { ~~ولكن أكثرهم يجهلون } جهلا يحول بينهم وبين درك الحق ~~والوصول إلى الصواب. قوله { وكذلك جعلنا لكل نبى } هذا ~~الكلام لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفع ما حصل معه من الحزن ~~بعدم إيمانهم، أي مثل هذا الجعل { جعلنا لكل نبى عدوا } ~~والمعنى كما ابتليناك بهؤلاء فقد ابتلينا الأنبياء من قبلك بقوم من ~~الكفار، فجعلنا لكل واحد منهم عدوا من كفار زمنهم، و { شيطين ~~الإنس والجن } بدل من { عدوا }. وقيل هو المفعول الثاني لجعلنا. ~~وقرأ الأعمش " الجن والإنس " بتقديم الجن، والمراد بالشياطين المردة من ~~الفريقين، والإضافة بيانية، أو من إضافة الصفة إلى الموصوف، والأصل الإنس ~~والجن الشياطين، وجملة { يوحى بعضهم إلى بعض } في محل نصب ~~على الحال، أي حال كونه يوسوس بعضهم لبعض. # وقيل إن الجملة مستأنفة لبيان حال العدو، وسمي وحيا لأنه إنما يكون ~~خفية بينهم، وجعل تمويههم زخرف القول لتزيينهم إياه، والمزخرف المزين، ~~وزخارف الماء طرائفه، و { غرورا } منتصب على المصدر، لأن معنى يوحي ~~بعضهم إلى بعض يغرونهم بذلك غرورا، ويجوز أن يكون في موضع الحال، ويجوز ~~أن يكون مفعولا له، والغرور الباطل. قوله { ولو شاء ربك ما ~~فعلوه } الضمير يرجع إلى ما ذكر سابقا من الأمور التي جرت من ms1146 الكفار ~~في زمنه وزمن الأنبياء قبله، أي لو شاء ربك عدم وقوع ما تقدم ذكره ما ~~فعلوه وأوقعوه وقيل ما فعلوا الايحاء المدلول عليه بالفعل { فذرهم } ~~أي اتركهم، وهذا الأمر للتهديد للكفار كقوله # ذرنى ومن خلقت وحيدا # المدثر 11 { وما يفترون } إن كانت " ما " مصدرية فالتقدير اتركهم ~~وافتراءهم، وإن كانت موصولة فالتقدير اتركهم والذي يفترونه. قوله { ~~ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~} اللام في لتصغي لام كي، فتكون علة كقوله { يوحى } والتقدير يوحي ~~بعضهم إلى بعض لغرورهم ولتصغى. وقيل هو متعلق بمحذوف يقدر متأخرا، أي ~~لتصغى { جعلنا لكل نبى عدوا } وقيل إن اللام للأمر وهو ~~غلط، فإنها لو كانت لام الأمر جزمت الفعل، والإصغاء الميل، يقال صغوت ~~أصغو صغوا، وصغيت أصغى ويقال صغيت بالكسر ويقال أصغيت الإناء إذا أملته ~~ليجتمع ما فيه، وأصله الميل إلى الشيء لغرض من الأغراض، ويقال صغت النجوم ~~إذا مالت للغروب، وأصغت الناقة إذا أمالت رأسها، ومنه قول ذي الرمة # تصغي إذا شدها بالكور جانحة حتى إذا ما استوى في غرزها وثبت # والضمير في { إليه } لزخرف القول، أو لما ذكر سابقا من زخرف القول ~~وغيره، أي أوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغروهم { ولتصغى إليه ~~أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة } من الكفار، { ~~وليرضوه } لأنفسهم بعد الإصغاء إليه { وليقترفوا ما هم ~~مقترفون } من الآثام، والاقتراف الاكتساب يقال خرج ليقترف لأهله، ~~أي ليكتسب لهم، وقارف فلان هذا الأمر إذا واقعه، وقرفه إذا رماه بالريبة، ~~واقترف كذب، وأصله اقتطاع قطعة من الشيء. وقد أخرج أبو الشيخ، عن ابن ~~عباس، قال نزلت { وأقسموا بالله جهد أيمنهم } في ~~قريش { وما يشعركم } يا أيها المسلمون { أنها إذا جاءت ~~لا يؤمنون }. وأخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي، قال كلم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قريشا فقالوا يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه ~~عصى يضرب بها البحر، وأن عيسى كان يحيي الموتى، وأن ثمود لهم ناقة، ~~فأتنا من الآيات حتى نصدقك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أي ms1147 شيء تحبون أن آتيكم به؟ " # قالوا تجعل لنا الصفا ذهبا، قال # " فإن فعلت تصدقوني؟ " # قالوا نعم، والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون، فقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يدعو، فجاءه جبريل فقال له إن شئت أصبح ذهبا، فإن لم يصدقوا ~~عند ذلك لنعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم، فقال # " بل يتوب تائبهم " # ، فأنزل الله { وأقسموا بالله جهد أيمنهم } إلى ~~قوله { يجهلون }. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { ~~ونقلب أفئدتهم وأبصرهم } قال لما جحد المشركون ما ~~أنزل الله، لم تثبت قلوبهم على شيء وردت عن كل أمر. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، عنه { وحشرنا عليهم كل شىء قبلا } قال ~~معاينة { ما كانوا ليؤمنوا } أي أهل الشقاء { إلا أن ~~يشاء الله } أي أهل السعادة والذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في ~~الإيمان. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن قتادة { وحشرنا ~~عليهم كل شىء قبلا } أي فعاينوا ذلك معاينة. وأخرج أبو ~~الشيخ، عن مجاهد قال أفواجا قبيلا. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن ابن عباس، في قوله { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا ~~شيطين الإنس والجن } قال إن للجن شياطين يضلونهم مثل ~~شياطين الإنس يضلونهم، فيلتقي شيطان الإنس وشيطان الجن، فيقول هذا لهذا ~~أضلله بكذا، وأضلله بكذا، فهو { يوحى بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول غرورا } وقال ابن عباس الجن هم الجان وليسوا ~~شياطين، والشياطين ولد إبليس وهم لا يموتون إلا مع إبليس والجن يموتون، ~~فمنهم المؤمن ومنهم الكافر. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن مسعود قال الكهنة هم ~~شياطين الإنس. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { ~~يوحى بعضهم إلى بعض } قال شياطين الجن يوحون إلى شياطين ~~الإنس، فإن الله يقول # وإن الشيطين ليوحون إلى أوليائهم # الأنعام 121. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن قتادة، في الآية قال من ~~الإنس شياطين، ومن الجن شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~عن ابن عباس، زخرف القول قال يحسن بعضهم لبعض القول ليتبعوهم في فتنتهم. ms1148 ~~وقد أخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن أبي أمامة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الجن والإنس " # ، قال يا نبي الله وهل للإنس شياطين؟ قال # " نعم، شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا " # وأخرج أحمد، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن أبي ذر مرفوعا نحوه. ~~وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس { ولتصغى } لتميل. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عنه { ولتصغي } تزيغ { ~~وليقترفوا } يكتسبوا. ### || [6.114-117] # قوله { أفغير الله } الاستفهام للإنكار، والفاء للعطف على فعل ~~مقدر، والكلام هو على إرادة القول، والتقدير قل لهم يا محمد كيف أضل ~~أوابتغى غير الله حكما؟ و " غير " مفعول لأبتغي مقدم عليه، وحكما ~~المفعول الثاني أو العكس. ويجوز أن ينتصب { حكما } على الحال، والحكم ~~أبلغ من الحاكم كما تقرر في مثل هذه الصفة المشتقة، أمره الله سبحانه ~~وتعالى أن ينكر عليهم ما طلبوه منه، من أن يجعل بينه وبينهم حكما فيما ~~اختلفوا فيه، وإن الله هو الحكم العدل بينه وبينهم، وجملة { وهو ~~الذى أنزل إليكم الكتب مفصلا } في محل نصب على ~~الحال، أي كيف أطلب حكما غير الله، وهو الذي أنزل عليكم القرآن مفصلا ~~مبينا واضحا، مستوفيا لكل قضية على التفصيل؟ ثم أخبر نبيه صلى الله ~~عليه وسلم بأن أهل الكتاب، وإن أظهروا الجحود والمكابرة، فإنهم يعلمون أن ~~القرآن منزل من عند الله بما دلتهم عليه كتب الله المنزلة، كالتوراة ~~والإنجيل، من أنه رسول الله وأنه خاتم الأنبياء، و { بالحق } متعلق ~~بمحذوف وقع حالا، أي متلبسا بالحق الذي لا شك فيه ولا شبهة، ثم نهاه ~~الله عن أن يكون من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون بأن القرآن منزل من ~~عند الله بالحق، أو نهاه عن مطلق الامتراء، ويكون ذلك تعريضا لأمته عن ~~أن يمتري أحد منهم، أو الخطاب لكل من يصلح له، أي فلا يكونن أحد من ~~الناس من الممترين، ولا يقدح في ذلك كون الخطاب ms1149 لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فإن خطابه خطاب لأمته. قوله { وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا } قرأ ~~أهل الكوفة { كلمة } بالتوحيد، وقرأ الباقون بالجمع، والمراد بالكلمات ~~العبارات أو متعلقاتها من الوعد والوعيد. والمعنى أن الله قد أتم وعده ~~ووعيده، فظهر الحق وانطمس الباطل. وقيل المراد بالكلمة أو الكلمات ~~القرآن، و { صدقا وعدلا } منتصبان على التمييز، أو الحال، على ~~أنهما نعت مصدر محذوف، أي تمام صدق وعدل { لا مبدل لكلمته } ~~لا خلف فيها ولا مغير لما حكم به، والجملة المنفية في محل نصب على الحال، ~~أو مستأنفة { وهو السميع } لكل مسموع { العليم } بكل معلوم. ~~قوله { وإن تطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل ~~الله } أخبره الله سبحانه بأنه إذا رام طاعة أكثر من في الأرض أضلوه، ~~لأن الحق لا يكون إلا بيد الأقلين، وهم الطائفة التي لا تزال على الحق، ~~ولا يضرها خلاف من يخالفها، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقيل المراد بالأكثر الكفار. وقيل المراد بالأرض مكة أي أكثر أهل ~~مكة، ثم علل ذلك سبحانه بقوله { إن يتبعون إلا الظن } أي ~~ما يتبعون إلا الظن الذي لا أصل له، وهو ظنهم أن معبوداتهم تستحق ~~العبادة وأنها تقربهم إلى الله { وإن هم إلا يخرصون } أي ~~وما هم إلا يخرصون، أي يحدسون ويقدرون، وأصل الخرص القطع، ومنه خرص ~~النخل يخرص إذا حزره ليأخذ منه الزكاة، فالخارص يقطع بما لا يجوز القطع ~~به، إذ لا يقين منه. # وإذا كان هذا حال أكثر من في الأرض، فالعلم الحقيقي هو عند الله، فاتبع ~~ما أمرك به، ودع عنك طاعة غيره، وهو العالم بمن يضل عن سبيله ومن يهتدي ~~إليه. قال بعض أهل العلم إن { أعلم } في الموضعين بمعنى يعلم، قال ~~ومنه قول حاتم الطائي # فحالفت طي من دوننا حلفا والله أعلم ما كنا لهم خولا # والوجه في هذا التأويل أن أفعل التفضيل لا ينصب الاسم الظاهر، فتكون " ~~من " منصوبة بالفعل الذي جعل أفعل التفضيل نائبا عنه. وقيل إن أفعل ms1150 ~~التفضيل على بابه والنصب بفعل مقدر. وقيل إنها منصوبة بأفعل التفضيل، أي ~~إن ربك أعلم أي الناس يضل عن سبيله، وقيل في محل نصب بنزع الخافض، أي ~~بمن يضل، قاله بعض البصريين. وقيل في محل جر بإضافة أفعل التفضيل ~~إليها. وقد أخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في ~~قوله { مفصلا } قال مبينا. وأخرج عبد ابن حميد، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله { صدقا وعدلا } قال صدقا ~~فيما وعد، وعدلا فيما حكم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وأبو نصر ~~السجزي في الإبانة، عن محمد بن كعب القرظي، في قوله { لا مبدل ~~لكلمته } قال لا تبديل لشيء قاله في الدنيا والآخرة لقوله # ما يبدل القول لدى # ق 29. وأخرج ابن مردويه، وابن النجار، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا } قال # " لا إله إلا الله " # وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي اليمان عامر بن عبد الله قال دخل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام يوم فتح مكة، ومعه مخصرة، ولكل قوم صنم ~~يعبدونه، فجعل يأتيها صنما صنما ويطعن في صدر الصنم بعصا ثم يعقره، ~~فكلما طعن صنما أتبعه ضربا بالقوس حتى يكسروه ويطرحوه خارجا من ~~المسجد، والنبي يقول { وتمت * كلمة ربك صدقا وعدلا ~~لا مبدل لكلمته وهو السميع العليم }. ### || [6.118-120] # لما تقدم ذكر ما يصنعه الكفار في الأنعام من تلك السنن الجاهلية، أمر ~~الله المسلمين بأن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه. وقيل إنها نزلت في سبب ~~خاص وسيأتي، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما ذكر ~~الذابح عليه اسم الله حل إن كان مما أباح الله أكله. وقال عطاء في هذه ~~الآية الأمر بذكر الله على الشراب والذبح وكل مطعوم، والشرط في { إن ~~كنتم بآيته مؤمنين } للتهييج والإلهاب، أي بأحكامه من ~~الأوامر والنواهي التي من جملتها الأمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه، ~~والاستفهام في { وما لكم ألا تأكلوا مما ms1151 ذكر اسم ~~الله عليه } للإنكار، أي ما المانع لكم من أكل ما سميتم عليه بعد ~~أن أذن الله لكم بذلك؟ والحال أن { قد فصل لكم ما حرم ~~عليكم } أي بين لكم بيانا مفصلا يدفع الشك، ويزيل الشبهة بقوله # قل لا أجد فيما أوحى إلي محرما # الأنعام 145 إلى آخر الآية، ثم استثنى فقال { إلا ما اضطررتم ~~إليه } أي من جميع ما حرمه عليكم، فإن الضرورة تحلل الحرام، وقد ~~تقدم تحقيقه في البقرة. قرأ نافع، ويعقوب " وقد فصل لكم ما ~~حرم عليكم " بفتح الفعلين على البناء للفاعل، وهو الله سبحانه. ~~وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وابن كثير، بالضم فيهما على البناء للمفعول. ~~وقرأ عطية العوفي «فصل» بالتخفيف، أي أبان وأظهر. قوله { وإن ~~كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم } هم الكفار ~~الذين كانوا يحرمون البحيرة والسائبة ونحوهما، فإنهم بهذه الأفعال ~~المبنية على الجهل، كانوا يضلون الناس، فيتبعونهم، ولا يعلمون أن ذلك جهل ~~وضلالة، لا يرجع إلى شيء من العلم، ثم أمرهم الله أن يتركوا ظاهر الإثم ~~وباطنه. والظاهر ما كان يظهر كأفعال الجوارح. والباطن ما كان لا يظهر ~~كأفعال القلب وقيل ما أعلنتم وما أسررتم. وقيل الزنا الظاهر، والزنا ~~المكتوم وأضاف الظاهر والباطن إلى الإثم، لأنه يتسبب عنهما، ثم توعد ~~الكاسبين للإثم بالجزاء بسبب افترائهم على الله سبحانه. وقد أخرج أبو ~~داود، والترمذي وحسنه، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال جاءت اليهود إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم قالوا إنا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله، فأنزل ~~الله { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } إلى قوله { ~~وإن أطعتموهم إنكم لمشركون }. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~عن سعيد بن جبير { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } ~~فإنه حلال { إن كنتم بآيته } يعني القرآن { مؤمنين } قال ~~مصدقين { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله ~~عليه } يعني الذبائح { وقد فصل لكم ما حرم عليكم ~~} يعني ما حرم عليكم من الميتة { وإن كثيرا } يعني من ms1152 مشركي ~~العرب { ليضلون بأهوائهم بغير علم } يعني في أمر ~~الذبائح. # وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن قتادة في قوله { إلا ما اضطررتم إليه } أي من ~~الميتة، والدم، ولحم الخنزير. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس { وذروا ظهر الإثم } قال هو نكاح الأمهات ~~والبنات { وباطنه } قال هو الزنا. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن ~~حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال الظاهر منه # لا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء # النساء 22 و # حرمت عليكم أمهتكم وبنتكم وأخوتكم # النساء 23 الآية، والباطن الزنا. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال علانيته وسره. ### || [6.121] # نهى الله سبحانه عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، بعد أن أمر بالأكل ~~مما ذكر اسم الله عليه، وفيه دليل على تحريم أكل ما لم يذكر اسم الله ~~عليه. وقد اختلف أهل العلم في ذلك، فذهب ابن عمر، ونافع مولاه، والشعبي، ~~وابن سيرين وهو رواية عن مالك وعن أحمد بن حنبل، وبه قال أبو ثور، وداود ~~الظاهري أن ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح حرام من غير فرق بين ~~العامد والناسي لهذه الآية. ولقوله تعالى في آية الصيد # فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله ~~عليه # المائدة 4 ويزيد هذا الاستدلال تأكيدا قوله سبحانه في هذه الآية { ~~وإنه لفسق }. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة، الأمر بالتسمية في ~~الصيد وغيره. وذهب الشافعي وأصحابه، وهو رواية عن مالك، ورواية عن أحمد ~~أن التسمية مستحبة لا واجبة، وهو مروي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء ~~بن أبي رباح، وحمل الشافعي الآية على من ذبح لغير الله، وهو تخصيص للآية ~~بغير مخصص. وقد روى أبو داود في المرسل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكر " # وليس في هذا المرسل ما يصلح لتخصيص ms1153 الآية، نعم حديث عائشة أنها قالت ~~للنبي صلى الله عليه وسلم إن قوما يأتوننا بلحمان لا ندري أذكر اسم الله ~~عليه أم لا؟ فقال # " سموا أنتم وكلوا " # يفيد أن التسمية عند الأكل تجزىء مع التباس وقوعها عند الذبح. وذهب ~~مالك، وأحمد في المشهور عنهما، وأبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق بن راهويه، أن ~~التسمية إن تركت نسيانا لم تضر، وإن تركت عمدا لم يحل أكل الذبيحة. ~~وهو مروي عن علي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعطاء وطاووس، والحسن ~~البصري، وأبي مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد، وربيعة بن ~~أبي عبد الرحمن، واستدلوا بما أخرجه البيهقي عن ابن عباس، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " المسلم إن نسي أن يسمي حين يذبح فليذكر اسم الله وليأكله " # وهذا الحديث رفعه خطأ، وإنما هو من قول ابن عباس. وكذا أخرجه من قوله ~~عبد الرزاق، وسعيد ابن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر نعم يمكن ~~الاستدلال لهذا المذهب بمثل قوله تعالى # ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا # البقرة 286 كما سبق تقريره، وبقوله صلى الله عليه وسلم # " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " # وأما حديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن عدي أن رجلا جاء إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمى؟ ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " اسم الله على كل مسلم " # فهو حديث ضعيف، قد ضعفه البيهقي وغيره. قوله { وإنه لفسق } ~~الضمير يرجع إلى " ما " بتقدير مضاف، أي وإن أكل ما لم يذكر لفسق، ويجوز ~~أن يرجع إلى مصدر تأكلوا، أي فإن الأكل لفسق، وقد تقدم تحقيق الفسق. وقد ~~استدل من حمل هذه الآية على ما ذبح لغير الله بقوله { وإنه ~~لفسق } ووجه الاستدلال أن الترك لا يكون فسقا، بل الفسق الذبح لغير ~~الله. ويجاب عنه بأن إطلاق اسم الفسق على تارك ما فرضه الله عليه غير ~~ممتنع شرعا { وإن الشيطين ليوحون إلى أوليائهم ~~} أي يوسوسون لهم بالوساوس المخالفة للحق، المباينة ms1154 للصواب، قاصدين بذلك ~~أن يجادلكم هؤلاء الأولياء بما يوسوسون لهم { وإن أطعتموهم } ~~فيما يأمرونكم به وينهونكم عنه { إنكم لمشركون } مثلهم. وقد ~~أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والنحاس، والطبراني وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، قال قال المشركون، وفي لفظ قال ~~اليهود لا تأكلوا مما قتل الله وتأكلوا مما قتلتم أنتم، فأنزل الله { ~~ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه }. وأخرج ~~ابن جرير، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عنه قال لما نزلت { ولا ~~تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } أرسلت فارس ~~إلى قريش أن خاصموا محمدا، فقالوا له ما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال، ~~وما ذبح الله بشمشار من ذهب يعني الميتة فهو حرام؟ فنزلت { وإن ~~الشيطين ليوحون إلى أوليائهم ليجدلوكم } ~~قال الشياطين من فارس وأولياؤهم من قريش. وقد روى نحو ما تقدم في حديث ~~ابن عباس الأول من غير طريق. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عنه أيضا ~~في قوله { وإن الشيطين ليوحون إلى أوليائهم } ~~قال إبليس أوحى إلى مشركي قريش. وأخرج أبو داود، وابن مردويه، والبيهقي ~~في سننه، عنه أيضا في قوله { ولا تأكلوا مما لم يذكر ~~اسم الله عليه وإنه لفسق } فنسخ، واستثنى من ذلك فقال # وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم # المائدة 5. وأخرج عبد بن حميد، عن عبد الله بن يزيد الخطمي قال كلوا ~~ذبائح المسلمين وأهل الكتاب مما ذكر اسم الله عليه. وروى ابن أبي حاتم عن ~~مكحول نحو قول ابن عباس في النسخ. ### || [6.122-124] # قوله { أو من كان ميتا فأحيينه } قرأ الجمهور بفتح ~~الواو بعد همزة الاستفهام. وقرأ نافع، وابن أبي نعيم بإسكانها، قال ~~النحاس يجوز أن يكون محمولا على المعنى، أي انظروا وتدبروا { أفغير ~~الله أبتغى حكما أو من كان ميتا فأحيينه } ~~والمراد بالميت هنا الكافر، أحياه الله بالإسلام. وقيل معناه كان ميتا ~~حين كان نطفة، فأحييناه بنفخ الروح فيه. والأول أولى، لأن السياق يشعر ms1155 ~~بذلك لكونه في تنفير المسلمين عن اتباع المشركين، وكثيرا ما تستعار ~~الحياة للهداية وللعلم، ومنه قول القائل # وفي الجهل قبل الموت موت لأهله فأجسامهم قبل القبور قبور وإن امرأ ~~لم يحيي بالعلم ميت فليس له حتى النشور نشور # والنور عبارة عن الهداية والإيمان. وقيل هو القرآن. وقيل الحكمة. وقيل ~~هو النور المذكور في قوله تعالى # يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمنهم # الحديد 12 والضمير في " به " راجع إلى النور { كمن مثله في ~~الظلمت } أي كمن صفته في الظلمات، ومثله مبتدأ والظلمات خبره، ~~والجملة صفة لمن. وقيل مثل زائدة، والمعنى كمن في الظلمات، كما تقول أنا ~~أكرم من مثلك، أي منك، ومثله # فجزاء مثل ما قتل من النعم # المائدة 95 # ليس كمثله شىء # الشورى 11. وقيل المعنى كمن مثله مثل من هو في الظلمات، و { ليس ~~بخارج منها } في محل نصب على الحال، أي حال كونه ليس بخارج منها ~~بحال من الأحوال. قوله { وكذلك جعلنا في كل قرية ~~أكبر مجرميها ليمكروا فيها } أي مثل ذلك الجعل جعلنا ~~في كل قرية. والأكابر جمع أكبر، قيل هم الرؤساء والعظماء، وخصهم بالذكر ~~لأنهم أقدر على الفساد، والمكر الحيلة في مخالفة الاستقامة، وأصله الفتل، ~~فالماكر يفتل عن الاستقامة أي يصرف عنها { وما يمكرون إلا ~~بأنفسهم } أي وبال مكرهم عائد عليهم { وما يشعرون } بذلك ~~لفرط جهلهم { وإذا جاءتهم ءاية } من الآيات، { قالوا لن ~~نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله } يريدون ~~أنهم لا يؤمنون حتى يكونوا أنبياء، وهذا نوع عجيب من جهالاتهم الغريبة ~~وعجرفتهم العجيبة، ونظيره # يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة # المدثر 52. والمعنى إذا جاءت الأكابر آية قالوا هذه المقالة، فأجاب الله ~~عنهم بقوله { الله أعلم حيث يجعل رسالته } أي إن الله ~~أعلم بمن يستحق أن يجعله رسولا، ويكون موضعا لها، وأمينا عليها، وقد ~~اختار أن يجعل الرسالة في محمد صفيه وحبيبه، فدعوا طلب ما ليس من شأنكم، ~~ثم توعدهم بقوله { سيصيب الذين أجرموا صغار } أي ذل ~~وهوان، وأصله من الصغر كأن الذل يصغر ms1156 إلى المرء نفسه. وقيل الصغار هو ~~الرضا بالذل، روي ذلك عن ابن السكيت. # وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس { أو ~~من كان ميتا فأحيينه } قال كان كافرا ضالا فهديناه { ~~وجعلنا له نورا } هو القرآن { كمن مثله في ~~الظلمت } الكفر والضلالة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة في الآية قال نزلت في عمار بن ياسر. ~~وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله { أو من كان ~~ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به فى ~~الناس } يعني عمر بن الخطاب، { كمن مثله في الظلمت ~~ليس بخارج منها } يعني أبا جهل بن هشام. وأخرج ابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن زيد بن أسلم، في الآية قال نزلت في عمر ~~ابن الخطاب، وأبي جهل بن هشام، كانا ميتين في ضلالتهما، فأحيا الله عمر ~~بالإسلام وأعزه، وأقر أبا جهل في ضلالته وموته، وذلك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم دعا فقال # " اللهم أعز الإسلام بأبي جهل بن هشام، أو بعمر بن الخطاب ". # وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن عكرمة في قوله { وكذلك جعلنا ~~في كل قرية أكبر مجرميها } قال نزلت في المستهزئين. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال سلطنا شرارها فعصوا فيها، ~~فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ~~وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال { أكبر مجرميها } ~~عظماءها. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج في قوله { وإذا ~~جاءتهم ءاية } الآية قال قالوا لمحمد حين دعاهم إلى ما دعاهم إليه ~~من الحق. لو كان هذا حقا لكان فينا من هو أحق أن يؤتي به محمد # وقالوا لولا نزل هذا القرءان على رجل من ~~القريتين عظيم # الزخرف 31. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله { سيصيب ~~الذين أجرموا } قال أشركوا { صغار } قال هوان. ### || [6.125-128] # قوله { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلم } الشرح الشق وأصله التوسعة، ms1157 وشرحت الأمر بينته وأوضحته، ~~والمعنى من يرد الله هدايته للحق يوسع صدره حتى يقبله بصدر منشرح، { ~~ومن يرد } إضلاله { يجعل صدره ضيقا حرجا } قرأ ابن ~~كثير " ضيقا " بالتخفيف مثل هين ولين. وقرأ الباقون بالتشديد وهما ~~لغتان. وقرأ نافع " حرجا " بالكسر، ومعناه الضيق، كرر المعنى تأكيدا، ~~وحسن ذلك اختلاف اللفظ. وقرأ الباقون بالفتح، جمع حرجة، وهي شدة الضيق، ~~والحرجة الغيظة، والجمع حرج وحرجات، ومنه فلان يتحرج أي يضيق على نفسه. ~~وقال الجوهري مكان حرج وحرج، أي ضيق كثير الشجر لا تصل إليه الراعية، ~~والحرج الإثم. وقال الزجاج الحرج أضيق الضيق. وقال النحاس حرج اسم ~~الفاعل، وحرج مصدر وصف به كما يقال رجل عدل. قوله { كأنما ~~يصعد فى السماء } قرأ ابن كثير بالتخفيف من الصعود، شبه الكافر ~~في ثقل الإيمان عليه، بمن يتكلف ما لا يطيقه كصعود السماء. وقرأ النخعي ~~«يصاعد» وأصله يتصاعد. وقرأ الباقون { يصعد } بالتشديد وأصله يتصعد، ~~ومعناه يتكلف ما لا يطيق مرة بعد مرة، كما يتكلف من يريد الصعود إلى ~~السماء. وقيل المعنى على جميع القراءات كاد قلبه يصعد إلى السماء نبوا ~~على الإسلام، و " ما " في { كأنما } هي المهيئة لدخول كأن على الجمل ~~الفعلية. قوله { كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا ~~يؤمنون } أي مثل ذلك الجعل الذي هو جعل الصدر ضيقا حرجا يجعل الله ~~الرجس. والرجس في اللغة النتن، وقيل هو العذاب، وقيل هو الشيطان يسلطه ~~الله عليهم. وقيل هو ما لا خير فيه والمعنى الأول هو المشهور في لغة ~~العرب، وهو مستعار لما يحل بهم من العقوبة وهو يصدق على جميع المعاني ~~المذكورة. والإشارة بقوله { وهذا صرط ربك } إلى ما عليه النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ومن معه من المؤمنين، أي هذا طريق دين ربك لا اعوجاج ~~فيه. وقيل الإشارة إلى ما تقدم مما يدل على التوفيق والخذلان، أي هذا هو ~~عادة الله في عباده يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وانتصاب { مستقيما ~~} على الحال كقوله تعالى # وهو الحق مصدقا # البقرة 91، # وهذا بعلى شيخا # هود 72 ms1158 { وقد فصلنا الآيت } أي بيناها وأوضحناها { لقوم ~~يذكرون } ما فيها، ويتفهمون معانيها. { لهم دار السلم ~~عند ربهم } أي لهؤلاء المتذكرين الجنة، لأنها دار السلامة من كل ~~مكروه، أو دار الرب السلام مدخرة لهم عند ربهم، ويوصلهم إليها { وهو ~~وليهم } أي ناصرهم، والباء في { بما كانوا يعملون } ~~للسببية أي بسبب أعمالهم. قوله { ويوم نحشرهم جميعا } ~~الظرف منصوب بمضمر يقدر متقدما، أي واذكر يوم نحشرهم أو { ويوم ~~نحشرهم } نقول { يامعشر الجن } والمراد حشر جميع الخلق في ~~القيامة، والمعشر الجماعة أي يوم الحشر نقول، يا جماعة الجن { قد ~~استكثرتم من الإنس } أي من الاستمتاع بهم، كقوله { ربنا ~~استمتع بعضنا ببعض } وقيل استكثرتم من إغوائهم وإضلالهم حتى ~~صاروا في حكم الأتباع لكم فحشرناهم معكم، ومثله قوله استكثر الأمير من ~~الجنود، والمراد التقريع والتوبيخ، وعلى الأول، فالمراد بالاستمتاع ~~التلذذ من الجن بطاعة الإنس لهم ودخولهم فيما يريدون منهم { وقال ~~أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض } ~~أما استمتاع الجن بالإنس فهو ما تقدم من تلذذهم باتباعهم لهم، وأما ~~استمتاع الإنس بالجن فحيث قبلوا منهم تحسين المعاصي، فوقعوا فيها وتلذذوا ~~بها. # فذلك هو استمتاعهم بالجن وقيل استمتاع الإنس بالجن أنه كان إذا مر ~~الرجل بواد في سفره وخاف على نفسه قال أعوذ برب هذا الوادي من جميع ما ~~أحذر، يعني ربه من الجن، ومنه قوله تعالى # وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا # الجن 6 وقيل استمتاع الجن بالإنس أنهم كانوا يصدقونهم فيما يقولون من ~~الأخبار الغيبية الباطلة، واستمتاع الإنس بالجن أنهم كانوا يتلذذون بما ~~يلقونه إليهم من الأكاذيب، وينالون بذلك شيئا من حظوظ الدنيا كالكهان { ~~وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا } أي يوم القيامة ~~اعترافا منهم بالوصول إلى ما وعدهم الله به مما كانوا يكذبون به. ولما ~~قالوا هذه المقالة أجاب الله عليهم ف { قال النار مثواكم } أي ~~موضع مقامكم. والمثوى المقام، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر. قوله { ~~خلدين فيها إلا ما شاء الله } المعنى الذي تقتضيه لغة ~~العرب في هذا التركيب ms1159 أنهم يخلدون في النار في كل الأوقات، إلا في الوقت ~~الذي يشاء الله عدم بقائهم فيها. وقال الزجاج إن الاستثناء يرجع إلى يوم ~~القيامة، أي خالدين في النار إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ~~ومقدار مدتهم في الحساب، وهو تعسف، لأن الاستثناء هو من الخلود الدائم، ~~ولا يصدق على من لم يدخل النار، وقيل الاستثناء راجع إلى النار، أي إلا ~~ما شاء الله من تعذيبهم بغيرها في بعض الأوقات كالزمهرير. وقيل الاستثناء ~~لأهل الإيمان، و " ما " بمعنى من، أي إلا من شاء الله إيمانه فإنه لا ~~يدخل النار. وقيل المعنى إلا ما شاء الله من كونهم في الدنيا بغير عذاب. ~~وكل هذه التأويلات متكلفة، والذي ألجأ إليها ما ورد في الآيات القرآنية ~~والأحاديث النبوية من خلود الكفار في النار أبدا، ولكن لا تعارض بين عام ~~وخاص، لا سيما بعد وروده في القرآن مكررا كما سيأتي في سورة هود # خلدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما ~~شاء ربك إن ربك فعال لما يريد # هود 107 ولعله يأتي هنالك إن شاء الله زيادة تحقيق. وقد أخرج ابن ~~المبارك في الزهد، وعبد الرزاق والفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء ~~والصفات، عن أبي جعفر المدائني رجل من بني هاشم، وليس هو محمد ابن علي ~~قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية { فمن يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره للإسلم } قالوا كيف يشرح صدره ~~يا رسول الله؟ قال # " نور يقذف فيه فينشرح صدره له وينفسح له " # ، قالوا فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال # " الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت ~~قبل لقاء الموت " # وأخرج عبد بن حميد، عن فضيل نحوه. وأخرج ابن أبي الدنيا، عن الحسن نحوه ~~أيضا. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وأبو الشيخ، ~~والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، من طرق عن ابن مسعود قال ms1160 قال ~~رسول الله حين نزلت هذه الآية فذكر نحوه. وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعا ~~من طريق أخرى. وأخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي ~~في الأسماء والصفات، وابن النجار في تاريخه عن عبد الله بن المستورد، ~~وكان من ولد جعفر بن أبي طالب قال تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ~~الآية فذكر نحوه. وهذه الطرق يقوي بعضها بعضا، والمتصل يقوي المرسل، ~~فالمصير إلى هذا التفسير النبوي متعين. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس في الآية قال كما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء، ~~كذلك لا يقدر على أن يدخل الإيمان والتوحيد قلبه حتى يدخله الله في قلبه. ~~وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عنه في الآية يقول من أراد أن يضله ~~يضيق عليه حتى يجعل الإسلام عليه ضيقا، والإسلام واسع وذلك حين يقول # وما جعل عليكم فى الدين من حرج # الحج 78 يقول ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق. وأخرج عبد الرزاق، وابن ~~أبي حاتم، عن قتادة في قوله { دار السلم } قال الجنة. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عن جابر بن زيد قال السلام هو الله. وأخرج أبو الشيخ، عن ~~السدي قال الله هو السلام، وداره الجنة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { قد استكثرتم ~~من الإنس } يقول من ضلالتكم إياهم، يعني أضللتم منهم كثيرا، وفي ~~قوله { خلدين فيها إلا ما شاء الله } قال إن هذه الآية ~~لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، لا ينزلهم جنة ولا نارا. ### || [6.129-132] # قوله { وكذلك نولى بعض الظلمين بعضا } أي مثل ما ~~جعلنا بين الجن والإنس ما سلف { كذلك نولى بعض الظلمين ~~بعضا } والمعنى نجعل بعضهم يتولى البعض، فيكونون أولياء لبعضهم بعضا، ~~ثم يتبرأ بعضهم من البعض، فمعنى نولي على هذا نجعله وليا له. وقال عبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم معناه نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس. وروي عنه ~~أيضا أنه فسر ms1161 هذه الآية بأن بالمعنى نسلط بعض الظلمة على بعض فيهلكه ~~ويذله، فيكون في الآية على هذا تهديد للظلمة بأن من لم يمتنع من ظلمه ~~منهم سلط الله عليه ظالما آخر. وقال فضيل بن عياض إذا رأيت ظالما ينتقم ~~من ظالم، فقف وانظر متعجبا. وقيل معنى نولي نكل بعضهم إلى بعض فيما ~~يختارونه من الكفر، والباء في { بما كانوا يكسبون } للسببية، ~~أي بسبب كسبهم للذنوب ولينا بعضهم بعضا. قوله { يمعشر الجن ~~والإنس ألم يأتكم رسل منكم } أي يوم نحشرهم نقول لهم { ~~ألم يأتكم } أوهو شروع في حكاية ما سيكون في الحشر، وظاهره أن ~~الله يبعث في الدنيا إلى الجن رسلا منهم، كما يبعث إلى الإنس رسلا ~~منهم. وقيل معنى منكم أي ممن هو مجانس لكم في الخلق والتكليف، والقصد ~~بالمخاطبة، فإن الجن والإنس متحدون في ذلك، وإن كان الرسل من الإنس خاصة ~~فهم من جنس الجن من تلك الحيثية. وقيل إنه من باب تغليب الإنس على الجن ~~كما يغلب الذكر على الأنثى. وقيل المراد بالرسل إلى الجن هاهنا هم النذر ~~منهم، كما في قوله # ولوا إلى قومهم منذرين # الأحقاف 29. قوله { يقصون عليكم ءايتى } صفة أخرى لرسل، ~~وقد تقدم بيان معنى القص. قوله { قالوا شهدنا على أنفسنا ~~} هذا إقرار منهم بأن حجة الله لازمة لهم بإرسال رسله إليهم، والجملة ~~جواب سؤال مقدر فهي مستأنفة، وجملة { وغرتهم الحيوة ~~الدنيا } في محل نصب على الحال، أو هي جملة معترضة { وشهدوا ~~على أنفسهم أنهم كانوا كفرين } هذه شهادة أخرى منهم ~~على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين في الدنيا بالرسل المرسلين إليهم، والآيات ~~التي جاءوا بها، وقد تقدم ما يفيد أن مثل هذه الآية المصرحة بإقرارهم ~~بالكفر على أنفسهم، ومثل قولهم # والله ربنا ما كنا مشركين # الأنعام 23 محمول على أنهم يقرون في بعض مواطن يوم القيامة، وينكرون في ~~بعض آخر لطول ذلك اليوم، واضطراب القلوب فيه وطيشان العقول، وانغلاق ~~الأفهام وتبلد الأذهان. والإشارة بقوله { ذلك } إلى شهادتهم على ~~أنفسهم أو إلى إرسال الرسل إليهم. وأن في ms1162 { أن لم يكن ربك ~~مهلك القرى } هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف. # والمعنى ذلك أن الشأن لم يكن ربك مهلك القرى، أو هي المصدرية، والباء في ~~{ بظلم } سببية، أي لم أكن أهلك القرى بسبب ظلم من يظلم منهم، والحال ~~أن أهلها غافلون، لم يرسل الله إليهم رسولا. والمعنى أن الله أرسل الرسل ~~إلى عباده لأنه لا يهلك من عصاه بالكفر من القرى، والحال أنهم غافلون عن ~~الأعذار والإنذار بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، بل إنما يهلكهم بعد إرسال ~~الرسل إليهم، وارتفاع الغفلة عنهم بإنذار الأنبياء لهم # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # الإسراء 15 وقيل المعنى ما كان الله مهلك أهل القرى بظلم منه، فهو ~~سبحانه يتعالى عن الظلم، بل إنما يهلكهم بعد أن يستحقوا ذلك وترتفع ~~الغفلة عنهم بإرسال الأنبياء وقيل المعنى أن الله لا يهلك أهل القرى بسبب ~~ظلم من يظلم منهم مع كون الآخرين غافلين عن ذلك، فهو مثل قوله # ولا تزر وازرة وزر أخرى # الأنعام 164. { ولكل درجت مما عملوا } أي لكل من ~~الجن والإنس درجات متفاوتة مما عملوا، فنجازيهم بأعمالهم. كما قال في ~~آية أخرى # ولكل درجت مما عملوا وليوفيهم أعملهم ~~وهم لا يظلمون # الأحقاف 19، وفيه دليل على أن المطيع من الجن في الجنة، والعاصي في ~~النار { وما ربك بغفل عما يعملون } من أعمال الخير ~~والشر، والغفلة ذهاب الشيء عنك لاشتغالك بغيره، قرأ ابن عامر { ~~تعملون } بالفوقية، وقرأ الباقون بالتحتية. وقد أخرج عبد الرزاق، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله { وكذلك نولى ~~بعض الظلمين بعضا } قال يولي الله بعض الظالمين بعضا في ~~الدنيا يتبع بعضهم بعضا في النار. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~عبد الرحمن بن زيد، في الآية مثل ما حكينا عنه قريبا. وأخرج أبو الشيخ، ~~عن الأعمش في تفسير الآية قال سمعتهم يقولون إذا فسد الزمان أمر عليهم ~~شرارهم. وأخرج الحاكم في التاريخ، والبيهقي في الشعب، من طريق يحيى بن ~~هاشم حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه ms1163 قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " كما تكونون كذلك يؤمر عليكم " # قال البيهقي هذا منقطع ويحيى ضعيف. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~مجاهد في قوله { رسل منكم } قال ليس في الجن رسل، وإنما الرسل في ~~الإنس، والنذارة في الجن، وقرأ # فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين # الأحقاف 29. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة، أيضا عن الضحاك ~~قال الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون. وأخرج أبو الشيخ في العظمة ~~أيضا، عن ليث بن أبي سليم قال مسلمو الجن لا يدخلون الجنة ولا النار، ~~وذلك أن الله أخرج أباهم من الجنة فلا يعيده ولا يعيد ولده. وأخرج أبو ~~الشيخ في العظمة أيضا، عن ابن عباس قال الخلق أربعة فخلق في الجنة كلهم، ~~وخلق في النار كلهم، وخلقان في الجنة والنار، فأما الذين في الجنة كلهم ~~فالملائكة، وأما الذين في النار كلهم فالشياطين، وأما الذين في الجنة ~~والنار فالإنس والجن، لهم الثواب وعليهم العقاب. ### || [6.133-137] # قوله { وربك الغنى } أي عن خلقه لا يحتاج إليهم ولا إلى ~~عبادتهم لا ينفعه إيمانهم، ولا يضره كفرهم، ومع كونه غنيا عنهم، فهو ذو ~~رحمة بهم لا يكون غناه عنهم مانعا من رحمته لهم، وما أحسن هذا الكلام ~~الرباني وأبلغه، وما أقوى الاقتران بين الغنى والرحمة في هذا المقام، فإن ~~الرحمة لهم مع الغنى عنهم هي غاية التفضل والتطول { إن يشأ ~~يذهبكم } أيها العباد العصاة، فيستأصلكم بالعذاب المفضي إلى الهلاك ~~ويستخلف من بعد إهلاككم ما يشاء من خلقه ممن هو أطوع له ~~وأسرع إلى امتثال أحكامه منكم { كما أنشأكم من ذرية قوم ~~ءاخرين } الكاف نعت مصدر محذوف، وما مصدرية، أي ويستخلف استخلافا مثل ~~إنشائكم من ذرية قوم آخرين، قيل هم أهل سفينة نوح، ولكنه سبحانه لم يشأ ~~ذلك فلم يهلكهم، ولا استخلف غيرهم رحمة لهم، ولطفا بهم { إن ما ~~توعدون } من البعث والمجازاة { لآت } لا محالة، فإن الله لا يخلف ~~الميعاد { وما أنتم بمعجزين } أي بفائتين عما هو نازل بكم، ~~وواقع عليكم يقال أعجزني ms1164 فلان، أي فاتني وغلبني. قوله { قل ياقوم ~~اعملوا على مكانتكم } المكانة الطريقة، أي اثبتوا على ما ~~أنتم عليه، فإني غير مبال بكم ولا مكترث بكفركم، إني ثابت على ما أنا ~~عليه { فسوف تعلمون } من هو على الحق ومن هو على الباطل، وهذا ~~وعيد شديد، فلا يرد ما يقال كيف يأمرهم بالثبات على الكفر و { عقبة ~~الدار } هي العاقبة المحمودة التي يحمد صاحبها عليها، أي من له النصر ~~في دار الدنيا، ومن له وراثة الأرض، ومن له الدار الآخرة. وقال الزجاج ~~معنى مكانتكم تمكنكم في الدنيا، أي اعملوا على تمكنكم من أمركم. وقيل على ~~ناحيتكم. وقيل على موضعكم. قرأ حمزة والكسائي " من يكون " بالتحتية، وقرأ ~~الباقون بالفوقية. والضمير في { إنه لا يفلح الظلمون } ~~للشأن أي لا يفلح من اتصف بصفة الظلم، وهو تعريض لهم بعدم فلاحهم لكونهم ~~المتصفين بالظلم. قوله { وجعلوا لله مما ذرأ من ~~الحرث والأنعام } هذا بيان نوع آخر من أنواع كفرهم وجهلهم ~~وتأثيرهم لآلهتهم على الله سبحانه، أي جعلوا لله سبحانه مما خلق من حرثهم ~~ونتاج دوابهم نصيبا، ولآلهتهم نصيبا من ذلك، يصرفونه في سدنتها ~~والقائمين بخدمتها، فإذا ذهب ما لآلهتهم بانفاقه في ذلك عوضوا عنه ما ~~جعلوه لله، وقالوا الله غني عن ذلك، والزعم الكذب قرأ يحيى بن وثاب ~~والسلمي والأعمش والكسائي " بزعمهم " بضم الزاي، وقرأ الباقون ~~بفتحها، وهما لغتان { فما كان لشركائهم فلا يصل إلى ~~الله } أي إلى المصارف التي شرع الله الصرف فيها كالصدقة وصلة الرحم، ~~وقرى الضيف { وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم } ~~أي يجعلونه لآلهتهم وينفقونه في مصالحها { ساء ما يحكمون } أي ساء ~~الحكم حكمهم في إيثار آلهتهم على الله سبحانه. # وقيل معنى الآية أنهم كانوا إذا ذبحوا ما جعلوه لله ذكروا عليه اسم ~~أصنامهم، وإذا ذبحوا ما لأصنامهم لم يذكروا عليه اسم الله، فهذا معنى ~~الوصول إلى الله، والوصول إلى شركائهم، وقد قدمنا الكلام في ذرأ. قوله { ~~وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولدهم ~~شركاؤهم } أي ومثل ذلك التزيين الذي زينه ms1165 الشيطان لهم في قسمة ~~أموالهم بين الله وبين شركائهم، زين لهم قتل أولادهم. قال الفراء والزجاج ~~شركاؤهم هاهنا هم الذين كانوا يخدمون الأوثان وقيل هم الغواة من الناس. ~~وقيل هم الشياطين، وأشار بهذا إلى الوأد، وهو دفن البنات مخافة السبي ~~والحاجة. وقيل كان الرجل يحلف بالله لئن ولد له كذا من الذكور لينحرن ~~أحدهم كما فعله عبد المطلب. قرأ الجمهور { زين } بالبناء للفاعل ونصب { ~~قتل } على أنه مفعول زين، وجر أولاد بإضافة قتل إليه، ورفع شركاؤهم ~~على أنه فاعل زين، وقرأ الحسن بضم الزاي ورفع قتل وخفض أولاد، ورفع ~~شركاؤهم على أن قتل هو نائب الفاعل، ورفع شركاؤهم بتقدير يجعل يرجعه، أي ~~زينه شركاؤهم، ومثله قول الشاعر # ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط ما تطيح الطوائح # أي يبكيه ضارع، وقرأ ابن عامر، وأهل الشام بضم الزاي، ورفع قتل، ونصب ~~أولاد، وخفض شركائهم على أن قتل مضاف إلى شركائهم، ومعموله أولادهم، ففيه ~~الفصل بين المصدر وما هو مضاف إليه بالمفعول، ومثله في الفصل بين المصدر ~~وما أضيف إليه، قول الشاعر # تمر على ما تستمر وقد شفت غلائل عبد القيس منها صدورها # بجر صدورها، والتقدير شفت عبد القيس غلائل صدورها. قال النحاس إن هذه ~~القراءة لا تجوز في كلام ولا في شعر، وإنما أجاز النحويون التفريق بين ~~المضاف والمضاف إليه بالظرف في الشعر لاتساعهم في الظروف، وهو أي الفصل ~~بالمفعول به في الشعر بعيد، فإجازته في القرآن أبعد. وقال أبو غانم أحمد ~~بن حمدان النحوي إن قراءة ابن عامر لا تجوز في العربية وهي زلة عالم، ~~وإذا زل العالم لم يجز اتباعه، ورد قوله إلى الإجماع، وإنما أجازوا في ~~الضرورة للشاعر أن يفرق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف، كقول الشاعر # كما خط الكتاب بكف يوما يهودي يقارب أو يزيل # وقول الآخر # لله در اليوم من لامها # وقال قوم ممن انتصر لهذه القراءة إنها إذا ثبتت بالتواتر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فهي فصيحة لا قبيحة. قالوا وقد ورد ذلك في كلام العرب، ms1166 ~~وفي مصحف عثمان رضي الله عنه «شركايهم» بالياء. # وأقول دعوى التواتر باطلة بإجماع القراء المعتبرين، كما بينا ذلك في ~~رسالة مستقلة، فمن قرأ بما يخالف الوجه النحوي فقراءته رد عليه، ولا يصح ~~الاستدلال لصحة هذه القراءة بما ورد من الفصل في النظم كما قدمنا، وكقول ~~الشاعر # فزججتها بمزجة زج القلوص أبي مزاده # فإن ضرورة الشعر لا يقاس عليها، وفي الآية قراءة رابعة وهي جر الأولاد ~~والشركاء، ووجه ذلك أن الشركاء بدل من الأولاد لكونهم شركاءهم في النسب ~~والميراث. قوله { ليردوهم } اللام لام كي، أي لكي يردوهم، من ~~الإرداء وهو الإهلاك { وليلبسوا عليهم دينهم } معطوف على ~~ما قبله، أي فعلوا ذلك التزيين لإهلاكهم ولخلط دينهم عليهم { ولو شاء ~~الله ما فعلوه } أي لو شاء الله عدم فعلهم ما فعلوه، فما شاء كان ~~وما لم يشأ لم يكن. وإذا كان ذلك بمشيئة الله { فذرهم وما ~~يفترون } فدعهم وافتراءهم فذلك لا يضرك. وقد أخرج ابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن أبان بن عثمان قال الذرية الأصل، والذرية النسل. وأخرجا ~~أيضا عن ابن عباس { وما أنتم بمعجزين } قال بسابقين. وأخرج ~~ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في قوله { على مكانتكم } قال ~~على ناحيتكم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عنه ~~أيضا في قوله { وجعلوا لله } الآية. قال جعلوا لله من ثمارهم ~~ومائهم نصيبا وللشيطان والأوثان نصيبا، فإن سقط من ثمره ما جعلوه لله ~~في نصيب الشيطان تركوه، وإن سقط مما جعلوه للشياطين في نصيب الله، ردوه ~~إلى نصيب الشيطان، وإن انفجر من سقي ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه، ~~وإن انفجر من سقي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله نزحوه، فهذا ما جعلوا ~~لله من الحرث وسقي الماء، وأما ما جعلوه للشيطان من الأنعام فهو قول الله # ما جعل الله من بحيرة # المائدة 103 الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه نحوه من طريق أخرى. وأخرج ~~ابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن مجاهد ms1167 قال جعلوا لله مما ذرأ من الحرث جزءا أو لشركائهم جزءا، فما ~~ذهب به الريح مما سموا لله إلى جزء أوثانهم تركوه وقالوا الله عن هذا ~~غني، وما ذهب به الريح من جزء أوثانهم إلى جزء الله أخذوه. والأنعام التي ~~سموا لله البحيرة والسائبة. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله { وكذلك ~~زين لكثير من المشركين قتل أولدهم ~~شركاؤهم } قال شياطينهم يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خوف العيلة. ### || [6.138-140] # هذا بيان نوع آخر من جهالاتهم وضلالاتهم، والحجر بكسر أوله وسكون ثانيه ~~في قراءة الجمهور. وقرأ أبان بن عثمان «حجر» بضم الحاء والجيم، وقرأ ~~الحسن وقتادة بفتح الحاء وإسكان الجيم، وقرأ ابن عباس وابن الزبير «حرج» ~~بتقديم الراء على الجيم، وكذا هو في مصحف أبي، وهو من الحرج، يقال فلان ~~يتحرج، أي يضيق على نفسه الدخول فيما يشتبه عليه. والحجر على اختلاف ~~القراءات فيه هو مصدر بمعنى اسم المفعول، أي محجور، وأصله المنع، فمعنى ~~الآية هذه أنعام وحرث ممنوعة، يعنون أنها لأصنامهم، لا يطعمها إلا من ~~يشاءون بزعمهم، وهم خدام الأصنام. والقسم الثاني قولهم { وأنعم ~~حرمت ظهورها } وهي البحيرة والسائبة والحام. وقيل إن هذا القسم ~~الثاني مما جعلوه لآلهتهم أيضا. والقسم الثالث { أنعم لا ~~يذكرون اسم الله عليها } وهي ما ذبحوا لآلهتهم فإنهم ~~يذبحونها باسم أصنامهم لا باسم الله. وقيل إن المراد لا يحجون عليها ~~افتراء على الله، أي للافتراء عليه { سيجزيهم بما كانوا ~~يفترون } أي بافترائهم أو بالذي يفترونه، ويجوز أن يكون افتراء ~~منتصبا على أنه مصدر، أي افتروا افتراء أو حال، أي مفترين، وانتصابه على ~~العلة أظهر، ثم بين الله سبحانه نوعا آخر من جهالاتهم، فقال { ~~وقالوا ما فى بطون هذه الأنعم } يعنون البحائر ~~والسوائب من الأجنة { خالصة لذكورنا } أي حلال لهم { ~~ومحرم على أزوجنا } أي على جنس الأزواج، وهن النساء فيدخل ~~في ذلك البنات والأخوات ونحوهن. وقيل هو اللبن جعلوه حلالا للذكور، ~~ومحرما على الإناث، والهاء في خالصة ms1168 للمبالغة في الخلوص كعلامة ونسابة، ~~قاله الكسائي والأخفش. وقال الفراء تأنيثها لتأنيث الأنعام. ورد بأن ما ~~في بطون الأنعام غير الأنعام، وتعقب هذا الرد بأن ما في بطون الأنعام ~~أنعام، وهي الأجنة، وما عبارة عنها، فيكون تأنيث خالصة باعتبار معنى ما، ~~وتذكير محرم باعتبار لفظها. وقرأ الأعمش «خالص» قال الكسائي معنى خالص ~~وخالصة واحد، إلا أن الهاء للمبالغة كما تقدم عنه. وقرأ قتادة «خالصة» ~~بالنصب على الحال من الضمير في متعلق الظرف الذي هو صلة لما، وخبر ~~المبتدأ محذوف كقولك الذي في الدار قائما زيد، هذا قول البصريين. وقال ~~الفراء إنه انتصب على القطع. وقرأ ابن عباس «خالصة» بإضافة خالص إلى ~~الضمير على أنه بدل من ما. وقرأ سعيد ابن جبير «خالصا» { وإن يكن ~~ميتة }. قرىء بالتحتية والفوقية، أي وإن يكن الذي في بطون الأنعام { ~~ميتة فهم فيه } أي في الذي في البطون { شركاء } يأكل منه ~~الذكور والإناث { سيجزيهم وصفهم } أي بوصفهم على أنه منتصب ~~بنزع الخافض، والمعنى سيجزيهم بوصفهم الكذب على الله. # وقيل المعنى سيجزيهم جزاء وصفهم. ثم بين الله سبحانه نوعا آخر من ~~جهالاتهم فقال { قد خسر الذين قتلوا أولدهم سفها ~~} أي بناتهم بالوأد الذي كانوا يفعلونه سفها، أي لأجل السفه، وهو الطيش ~~والخفة لا لحجة عقلية ولا شرعية، كائنا ذلك منهم { بغير علم } ~~يهتدون به. قوله { وحرموا ما رزقهم الله } من الأنعام ~~التي سموها بحائر وسوائب { افتراء على الله } أي للافتراء عليه ~~أو افتروا افتراء عليه { قد ضلوا } عن طريق الصواب بهذه الأفعال { ~~وما كانوا مهتدين } إلى الحق، ولا هم من أهل الاستعداد لذلك. ~~وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { وقالوا ~~هذه أنعم وحرث حجر } قال الحجر ما حرموا من الوصيلة، ~~وتحريم ما حرموا. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، عن مجاهد في قوله { وقالوا هذه أنعم وحرث ~~حجر } قال ما جعلوا لله ولشركائهم. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، ~~عن قتادة { وحرث حجر } قال ms1169 حرام. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن السدي في الآية قال يقولون حرام أن يطعم الابن شيئا { وأنعم ~~حرمت ظهورها } قال البحيرة والسائبة والحامي { وأنعم لا ~~يذكرون اسم الله عليها } إذا نحروها. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن أبي وائل في ~~قوله { وأنعم لا يذكرون اسم الله عليها } قال لم ~~تكن يحج عليها وهي البحيرة. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس { وقالوا ~~ما فى بطون هذه الأنعم } الآية قال اللبن. وأخرج هؤلاء ~~إلا ابن جرير عن مجاهد في الآية قال السائبة والبحيرة محرم على أزواجنا ~~قال النساء { سيجزيهم وصفهم } قال قولهم الكذب في ذلك. وأخرج ~~أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس في الآية قال كانت الشاة إذا ولدت ~~ذكرا ذبحوه، فكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركوها فلم تذبح، ~~وإن كانت ميتة كانوا فيها شركاء. وأخرج عبد بن حميد، والبخاري، وأبو ~~الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس قال إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ~~ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام { قد خسر الذين ~~قتلوا أولدهم } إلى قوله { وما كانوا مهتدين }. ~~وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن عكرمة في الآية قال نزلت فيمن كان يئد ~~البنات من مضر وربيعة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن قتادة في الآية قال هذا صنع أهل الجاهلية كان أحدهم يقتل ~~ابنته مخافة السبي والفاقة، ويغذو كلبه { وحرموا ما رزقهم ~~الله } قال جعلوه بحيرة وسائبة ووصيلة وحاميا تحكما من الشيطان في ~~أموالهم. ### || [6.141-142] # هذا فيه تذكير لهم ببديع قدرة الله وعظيم صنعه { أنشأ } أي خلق، ~~والجنات البساتين { معروشت } مرفوعات على الأعمدة { وغير ~~معروشت } غير مرفوعات عليها. وقيل المعروشات ما انبسط على وجه ~~الأرض مما يعرش مثل الكرم والزرع والبطيخ، وغير المعروشات ما قام على ساق ~~مثل النخل وسائر الأشجار. وقيل المعروشات ما أنبته ms1170 الناس وعرشوه، وغير ~~المعروشات ما نبت في البراري والجبال. قوله { والنخل والزرع } ~~معطوف على جنات، وخصهما بالذكر مع دخولهما في الجنات لما فيها من الفضيلة ~~{ مختلفا أكله } أي حال كونه مختلفا أكله في الطعم والجودة ~~والرداءة. قال الزجاج وهذه مسألة مشكلة في النحو، يعني انتصاب { مختلفا ~~} على الحال لأنه يقال قد أنشأها ولم يختلف أكلها، فالجواب أن الله ~~سبحانه أنشأها مقدرا فيها الاختلاف، وقد بين هذا سيبويه بقوله مررت ~~برجل معه صقر صائدا به غدا، أي مقدرا للصيد به غدا، كما تقول ~~لتدخلن الدار آكلين شاربين، أي مقدرين ذلك، وهذه هي الحال المقدرة ~~المشهورة عند النحاة المدونة في كتب النحو. وقال { مختلفا أكله ~~} ولم يقل أكلهما، اكتفاء بإعادة الذكر على أحدهما كقوله # وإذا رأوا تجرة أو لهوا انفضوا إليها # الجمعة 11 أو الضمير بمنزلة اسم الإشارة، أي أكل ذلك. قوله { ~~والزيتون والرمان } معطوف على جنات، أي وأنشأ الزيتون ~~والرمان حال كونه متشابها وغير متشابه، وقد تقدم الكلام على تفسير هذا { ~~كلوا من ثمره } أي من ثمر كل واحد منهما، أو من ثمر ذلك { إذا ~~أثمر } أي إذا حصل فيه الثمر وإن لم يدرك ويبلغ حد الحصاد. قوله { ~~وآتوا حقه يوم حصاده }. وقد اختلف أهل العلم هل هذه محكمة ~~أو منسوخة أو محمولة على الندب؟ فذهب ابن عمر، وعطاء، ومجاهد وسعيد بن ~~جبير، إلى أن الآية محكمة، وأنه يجب على المالك يوم الحصاد أن يعطي من ~~حضر من المساكين القبضة والضغث ونحوهما. وذهب ابن عباس، ومحمد بن ~~الحنفية، والحسن، والنخعي، وطاووس، وأبو الشعثاء، وقتادة، والضحاك وابن ~~جريج، أن هذه الآية منسوخة بالزكاة. واختاره ابن جرير، ويؤيده أن هذه ~~الآية مكية، وآية الزكاة مدنية في السنة الثانية بعد الهجرة، وإلى هذا ~~ذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف. وقالت طائفة من العلماء إن الآية ~~محمولة على الندب لا على الوجوب. قوله { ولا تسرفوا } أي في ~~التصدق، وأصل الإسراف في اللغة الخطأ. والإسراف في النفقة التبذير. وقيل ~~هو خطاب للولاة يقول لهم لا ms1171 تأخذوا فوق حقكم. وقيل المعنى لا تأخذوا ~~الشيء بغير حقه وتضعونه في غير مستحقه. قوله { ومن الأنعم ~~حمولة وفرشا } معطوف على جنات، أي وأنشأ لكم من الأنعام حمولة ~~وفرشا، والحمولة ما يحمل عليها، وهو يختص بالإبل فهي فعولة بمعنى فاعلة، ~~والفرش ما يتخذ من الوبر والصوف والشعر، فراشا يفترشه الناس. # وقيل الحمولة الإبل، والفرش الغنم. وقيل الحمولة كل ما حمل عليه من ~~الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، والفرش الغنم، وهذا لا يتم إلا على ~~فرض صحة إطلاق اسم الأنعام على جميع هذه المذكورات. وقيل الحمولة ما ~~تركب، والفرش ما يؤكل لحمه { كلوا مما رزقكم } من هذه الأشياء ~~{ ولا تتبعوا خطوت الشيطن } كما فعل المشركون من ~~تحريم ما لم يحرمه الله، وتحليل ما لم يحلله { إنه } أي الشيطان { ~~لكم عدو مبين } مظهر للعداوة ومكاشف بها. وقد أخرج ابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { وهو الذى أنشأ ~~جنت معروشت } قال المعروشات ما عرش الناس { وغير ~~معروشت } ما خرج في الجبال والبرية من الثمار. وأخرج عبد بن ~~حميد، عن قتادة قال معروشات بالعيدان والقصب وغير معروشات قال الضاحي. ~~وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس { معروشت } قال الكرم خاصة. وأخرج ~~ابن المنذر، والنحاس، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { وآتوا حقه يوم حصاده } ~~قال # " ما سقط من السنبل " # وأخرج أبو عبيد، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، والنحاس، والطبراني، وأبو ~~الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عمر في قوله { وآتوا ~~حقه يوم حصاده } قال كانوا يعطون من اعتز بهم شيئا سوى ~~الصدقة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة وعبد بن حميد، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي عن مجاهد في الآية قال إذا حصدت ~~فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ~~وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ميمون بن مهران ويزيد الأصم قال كان أهل ~~المدينة إذا صرموا النخل يجيئون بالعذق ms1172 فيضعونه في المسجد فيجيء السائل، ~~فيضربه بالعصا فيسقط منه، فهو قوله { وآتوا حقه يوم حصاده ~~}. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن حماد بن أبي سليمان، في الآية قال ~~كانوا يطعمون منه رطبا. وأخرج أحمد، وأبو داود في سننه، من حديث جابر بن ~~عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم، أمر من كل حادي عشرة أوسق من ~~التمر بقنو يعلق في المسجد للمساكين. وإسناده جيد. وأخرج سعيد بن منصور، ~~وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والبيهقي في سننه، ~~عن ابن عباس، قال { وآتوا حقه يوم حصاده } نسخها العشر، ~~ونصف العشر. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن ~~المنذر عن السدي نحوه. وأخرج النحاس، وأبو الشيخ، والبيهقي، عن سعيد بن ~~جبير نحوه. # وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة نحوه. وأخرج أبو عبيد، وابن أبي شيبة، ~~وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن الضحاك نحوه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن ~~المنذر، عن الشعبي قال إن في المال حقا سوى الزكاة. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي العالية قال ما كانوا ~~يعطون شيئا سوى الزكاة، ثم إنهم تبادروا وأسرفوا، فأنزل الله { ولا ~~تسرفوا إنه لا يحب المسرفين }. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، عن ابن جريج قال نزلت في ثابت بن قيس بن شماس جذ نخلا فقال ~~لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته، فأطعم حتى أمسى وليس له تمرة، فأنزل ~~الله { ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين }. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن مجاهد قال لو أنفقت مثل أبي قبيس ذهبا في طاعة الله لم ~~يكن إسرافا. ولو أنفقت صاعا في معصية الله كان إسرافا، وللسلف في هذا ~~مقالات طويلة. وأخرج الفريابي، وأبو عبيد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن ابن مسعود قال ~~الحمولة ما حمل عليه من الإبل، والفرش صغار الإبل التي لا تحمل. وأخرج ~~أبو الشيخ عن ابن عباس ms1173 قال الحمولة الكبار من الإبل، والفرش الصغار من ~~الإبل. وأخرج أبو الشيخ عنه قال الحمولة ما حمل عليه، والفرش ما أكل منه. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه أيضا قال الحمولة ~~الإبل والخيل والبغال والحمير، وكل شيء يحمل عليه، والفرش الغنم. وأخرج ~~عبد بن حميد عن أبي العالية قال الحمولة الإبل والبقر، والفرش الضأن ~~والمعز. ### || [6.143-144] # اختلف في انتصاب { ثمنية } على ماذا؟ فقال الكسائي بفعل مضمر، أي ~~وأنشأ ثمانية أزواج، وقال الأخفش سعيد هو منصوب على البدل من حمولة ~~وفرشا وقال الأخفش علي بن سليمان هو منصوب ب { كلوا } ، أي كلوا لحم ~~ثمانية أزواج. وقيل منصوب على أنه بدل من «ما» في «ممارزقكم الله» والزوج ~~خلاف الفرد، يقال زوج أو فرد، كما يقال شفع أو وتر، فقوله { ثمنية ~~أزوج } يعني ثمانية أفراد، وإنما سمي الفرد زوجا في هذه الآية لأن ~~كل واحد من الذكر والأنثى زوج بالنسبة إلى الآخر، ويقع لفظ الزوج على ~~الواحد، فيقال هما زوج، وهو زوج، ويقول اشتريت زوجي حمام، أي ذكرا وأنثى. ~~والحاصل أن الواحد إذا كان منفردا سواء كان ذكرا أو أنثى، قيل له فرد، ~~وإن كان الذكر مع أنثى من جنسه قيل لهما زوج، ولكل واحد على انفراده ~~منهما زوج، ويقال لهما أيضا زوجان، ومنه قوله تعالى # فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى # القيامة 39. قوله { من الضأن اثنين } بدل من ثمانية منتصب ~~بناصبه على حسب الخلاف السابق، والضأن ذوات الصوف من الغنم، وهو جمع ~~ضائن، ويقال للأنثى ضائنة، والجمع ضوائن. وقيل هو جمع لا واحد له. وقيل ~~في جمعه ضئين كعبد وعبيد. وقرأ طلحة بن مصرف «الضأن» بفتح الهمزة، وقرأ ~~الباقون بسكونها. وقرأ أبان بن عثمان { ومن الضأن اثنان ومن ~~المعز اثنان } رفعا بالابتداء. قوله { ومن المعز ~~اثنين } معطوف على ما قبله مشارك له في حكمه. وقرأ ابن عامر، وأبو ~~عمرو، وابن كثير، وأهل البصرة، بفتح العين { من المعز }. وقرأ الباقون ~~بسكونها. قال النحاس الأكثر في كلام العرب المعز والضأن بالإسكان، والمعز ms1174 ~~من الغنم خلاف الضأن، وهي ذوات الأشعار والأذناب القصار، وهو اسم جنس، ~~وواحد المعز ماعز، مثل صحب وصاحب، وركب وراكب، وتجر وتاجر، والأنثى ~~ماعزة. والمراد من هذه الآية أن الله سبحانه بين حال الأنعام وتفاصيلها ~~إلى الأقسام المذكورة توضيحا للامتنان بها على عباده، ودفعا لما كانت ~~الجاهلية تزعمه من تحليل بعضها وتحريم بعضها، تقولا على الله سبحانه ~~وافتراء عليه، والهمزة في { قل ءآلذكرين حرم أم ~~الانثيين } للإنكار. والمراد بالذكرين الكبش والتيس، وبالأنثيين ~~النعجة والعنز، وانتصاب الذكرين بحرم، والأنثيين معطوف عليه منصوب ~~بناصبه. والمعنى الإنكار على المشركين في أمر البحيرة وما ذكر معها. ~~وقولهم { ما فى بطون هذه الأنعم خالصة لذكورنا ~~ومحرم على أزوجنا } أي قل لهم إن كان حرم الذكور فكل ذكر ~~حرام، وإن كان حرم الإناث فكل أنثى حرام، وإن كان حرم ما اشتملت عليه ~~أرحام الأنثيين، يعني من الضأن والمعز، فكل مولود حرام، ذكرا كان أو ~~أنثى وكلها مولود. # فيستلزم أن كلها حرام. وقوله { نبئونى بعلم إن كنتم ~~صدقين } أي أخبروني بعلم لا بجهل إن كنتم صادقين. والمراد من هذا ~~التبكيت لهم وإلزام الحجة لأنه يعلم أنه لا علم عندهم، وهكذا الكلام في ~~قوله { ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين } إلى ~~آخره. قوله { أم كنتم شهداء إذ وصكم الله بهذا ~~} أم هي المنقطعة، والإستفهام للإنكار، وهي بمعنى بل والهمزة، أي بل ~~أكنتم شهداء حاضرين مشاهدين إذ وصاكم الله بهذا التحريم؟ والمراد التبكيت ~~وإلزام الحجة كما سلف قبله. قوله { فمن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا } أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا فحرم ~~شيئا لم يحرمه الله، ونسب ذلك افتراء عليه كما فعله كبراء المشركين، ~~واللام في { ليضل الناس بغير علم } للعلة، أي لأجل أن يضل ~~الناس بجهل، وهو متعلق ب { افترى } { إن الله لا يهدى ~~القوم الظلمين } على العموم. وهؤلاء المذكورون في السياق ~~داخلون في ذلك دخولا أوليا، وينبغي أن ينظر في وجه تقديم المعز والضأن ~~على الإبل والبقر مع كون الإبل والبقر أكثر نفعا ms1175 وأكبر أجساما وأعود ~~فائدة، لا سيما في الحمولة والفرش اللذين وقع الإبدال منهما على ما هو ~~الوجه الأوضح في إعراب ثمانية. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، من طرق عن ابن عباس قال ~~الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والضأن والمعز. وليت شعري ما فائدة نقل ~~هذا الكلام عن ابن عباس من مثل هؤلاء الأئمة، فإنها لا تتعلق به فائدة، ~~وكون الأزواج الثمانية هي المذكورة، هو هكذا في الآية مصرحا به تصريحا ~~لا لبس فيه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال الذكر والأنثى زوجان. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله { ~~ثمنية أزوج } قال في شأن ما نهى الله عنه من البحيرة ~~والسائبة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ليث بن أبي سليم قال الجاموس والبختي ~~من الأزواج الثمانية. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طرق عن ابن ~~عباس، في قوله { ثمنية أزوج من الضأن اثنين ومن ~~المعز اثنين } قال فهذه أربعة { قل ءآلذكرين حرم ~~أم الأنثيين } يقول لم أحرم شيئا من ذلك { أما اشتملت ~~عليه أرحام الأنثيين } يعني هل تشتمل الرحم إلا على ذكر أو ~~أنثى فلم يحرمون بعضا ويحلون بعضا؟ { نبئوني بعلم إن كنتم ~~صدقين } يقول كلها حلال، يعني ما تقدم ذكره مما حرمه أهل ~~الجاهلية. ### || [6.145] # أمره الله سبحانه بأن يخبرهم أنه لا يجد في شيء مما أوحي إليه محرما ~~غير هذه المذكورات، فدل ذلك على انحصار المحرمات فيها لولا أنها مكية، ~~وقد نزل بعدها بالمدينة سورة المائدة وزيد فيها على هذه المحرمات ~~المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وصح عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم ~~الحمر الأهلية والكلاب ونحو ذلك. وبالجملة فهذا العموم إن كان بالنسبة ~~إلى ما يؤكل من الحيوانات كما يدل عليه السياق ويفيده الاستثناء، فيضم ~~إليه كل ما ورد بعده في الكتاب أو السنة مما ms1176 يدل على تحريم شيء من ~~الحيوانات. وإن كان هذا العموم هو بالنسبة إلى كل شيء حرمه الله من ~~حيوان وغيره، فإنه يضم إليه كل ما ورد بعده مما فيه تحريم شيء من ~~الأشياء. وقد روي عن ابن عباس، وابن عمر، وعائشة، أنه لا حرام إلا ما ~~ذكره الله في هذه الآية، وروى ذلك عن مالك وهو قول ساقط، ومذهب في غاية ~~الضعف لاستلزامه لإهمال غيرها مما نزل بعدها من القرآن، وإهمال ما صح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قاله بعد نزول هذه الآية، بلا سبب يقتضي ~~ذلك ولا موجب يوجبه. قوله { محرما } صفة لموصوف محذوف، أي طعاما ~~محرما " على " أي { طاعم يطعمه } من المطاعم، وفي { ~~يطعمه } زيادة تأكيد وتقرير لما قبله { إلا أن يكون ميتة } ~~أي ذلك الشيء أو ذلك الطعام أو العين أو الجثة أو النفس. وقرىء { يكون } ~~بالتحتية والفوقية، وقرىء «ميتة» بالرفع على أن يكون تامة. والدم المسفوح ~~الجاري، وغير المسفوح معفو عنه، كالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح، ~~ومنه الكبد والطحال، وهكذا ما يتلطخ به اللحم من الدم. وقد حكى القرطبي ~~الإجماع على هذا. قوله { أو لحم خنزير } ظاهر تخصيص اللحم أنه لا ~~يحرم الانتفاع منه بما عدا اللحم، والضمير في { فإنه } راجع إلى ~~اللحم، أو إلى الخنزير. والرجس النجس، وقد تقدم تحقيقه. قوله { أو ~~فسقا } عطف على لحم خنزير، و { أهل به لغير الله } صفة ~~فسق، أي ذبح على الأصنام، وسمي فسقا لتوغله في باب الفسق. قيل ويجوز أن ~~يكون { فسقا } مفعولا له لأهل، أي أهل به لغير الله، فسقا، على ~~عطف أهل على يكون، وهو تكلف لا حاجة إليه { فمن اضطر غير ~~باغ ولا عاد } قد تقدم تفسيره في سورة البقرة، فلا نعيده { فإن ~~ربك غفور رحيم } أي كثير المغفرة والرحمة، فلا يؤاخذ المضطر ~~بما دعت إليه ضرورته. وقد أخرج عبد بن حميد عن طاووس قال إن أهل الجاهلية ~~كانوا يحرمون أشياء ويحلون أشياء، فنزلت { قل لا أجد } الآية. # وأخرج عبد بن ms1177 حميد، وأبو داود، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه، عن ابن عباس قال كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ~~ويتركون أشياء تعذرا، فبعث الله نبيه، وأنزل كتابه، وأحل حلاله وحرم ~~حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، ثم ~~تلا هذه الآية { قل لا أجد } إلى آخرها. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن ~~حميد، عنه أنه تلا هذه الآية فقال ما خلا هذا حلال. وأخرج البخاري، وأبو ~~داود، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن عمرو بن دينار قال قلت لجابر بن زيد ~~إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية ~~زمن خيبر، فقال قد كان يقول ذلك الحكم ابن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس، وقرأ { ~~قل لا أجد } الآية. وأقول وإن أبى ذلك البحر، فقد صح عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، والتمسك بقول صحابي في مقابلة قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم، من سوء الاختيار، وعدم الإنصاف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن ~~عباس قال ليس شيء من الدواب حرام إلا ما حرم الله في كتابه { قل لا ~~أجد فيما أوحى إلى محرما } الآية. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وأبو داود، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عمر أنه سئل عن ~~أكل القنفد، فقرأ { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما } ~~الآية، فقال شيخ عنده سمعت أبا هريرة يقول ذكر عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال # " خبيثة من الخبائث " # ، فقال ابن عمر إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله، فهو كما قال. ~~وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ~~عائشة أنها كانت إذا سئلت عن كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير، تلت { ~~قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما } الآية. وأخرج أحمد، ~~والبخاري، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن ~~مردويه، عن ابن عباس ms1178 أن شاة لسودة بنت زمعة ماتت فقالت يا رسول الله ماتت ~~فلانة تعني الشاة، قال # " فلولا أخذتم مسكها؟ " # قالت يا رسول الله أنأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة } وأنتم لا تطعمونه، وإنما تدبغونه ~~حتى تستنفعوا به " # ، فأرسلت إليها فسلختها ثم دبغته، فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها. # ومثل هذا حديث شاة ميمونة، وهو في الصحيح. ومثله حديث # " إنما حرم من الميتة أكلها " # وهو أيضا في الصحيح. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~ابن عباس، في قوله { أو دما مسفوحا } قال مهراقا. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عنه قال كان أهل الجاهلية إذا ذبحوا أودجوا الدابة وأخذوا الدم ~~فأكلوه، قال هو دم مسفوح. وأخرج أبو الشيخ عن الشعبي أنه سئل عن لحم ~~الفيل والأسد فتلا { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما } ~~الآية. والأحاديث الواردة بتحريم كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير، ~~والحمر الأهلية، ونحوها مستوفاة في كتب الحديث. ### || [6.146-147] # قدم { على الذين هادوا } على الفعل للدلالة على أن هذا ~~التحريم مختص بهم لا يجاوزهم إلى غيرهم. والذين هادوا اليهود، ذكر الله ~~ما حرمه عليهم عقب ذكر ما حرمه على المسلمين. والظفر واحد الأظفار، ~~ويجمع أيضا على أظافير، وزاد الفراء في جموع ظفر أظافر وأظافرة، وذو ~~الظفر ما له أصبع من دابة أو طائر، ويدخل فيه الحافر والخف والمخلب، ~~فيتناول الإبل والبقر، والغنم والنعام، والأوز والبط، وكل ما له مخلب من ~~الطير، وتسمية الحافر والخف ظفرا مجاز. والأولى حمل الظفر على ما يصدق ~~عليه اسم الظفر في لغة العرب، لأن هذا التعميم يأباه ما سيأتي من قوله { ~~ومن البقر والغنم } فإن كان في لغة العرب بحيث يقال على ~~البقر والغنم كان ذكرهما من بعد تخصيصا حرم الله ذلك عليهم عقوبة لهم ~~على ما وقعوا فيه من الظلم كما قال تعالى # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبت ms1179 ~~أحلت لهم # النساء 160. قوله { ومن البقر والغنم حرمنا عليهم ~~شحومهما } لا غير هذه المذكورات كلحمهما، والشحوم يدخل فيها الثروب ~~وشحم الكلية. وقيل الثروب جمع ثرب، وهو الشحم الرقيق الذي يكون على ~~الكرش، ثم استثنى الله سبحانه من الشحوم ما حملت ظهورهما من الشحم، فإنه ~~لم يحرمه الله عليهم، و " ما " في موضع نصب على الاستثناء { أو ~~الحوايا } معطوف على ظهورهما، أي إلا ما حملت ظهورهما أو حملت ~~الحوايا، وهي المباعر التي يجتمع البعر فيها، فما حملته من الشحم غير ~~حرام عليهم، وواحدها حاوية، مثل ضاربة وضوارب. وقيل واحدها حاوياء مثل ~~قاصعاء وقواصع، وقيل حوية كسفينة وسفائن. وقال أبو عبيدة الحوايا ما ~~تحوى من البطن أي استدار، وهي متحوية أي مستديرة. وقيل الحوايا خزائن ~~اللبن، وهي تتصل بالمباعر. وقيل الحوايا الأمعاء التي عليها الشحوم. قوله ~~{ أو ما اختلط بعظم } معطوف على «ما» في { ما حملت } كذا ~~قال الكسائي والفراء وثعلب. وقيل إن الحوايا وما اختلط بعظم معطوفة على ~~الشحوم. والمعنى حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، إلا ~~ما حملت ظهورهما فإنه غير محرم، ولا وجه لهذا التكلف، ولا موجب له، لأنه ~~يكون المعنى إن الله حرم عليهم إحدى هذه المذكورات. والمراد بما اختلط ~~بعظم ما لصق بالعظام من الشحوم في جميع مواضع الحيوان، ومنه الإلية فإنها ~~لاصقة بعجب الذنب، والإشارة بقوله { ذلك } إلى التحريم المدلول عليه ~~بحرمنا، أي ذلك التحريم جزيناهم به بسبب بغيهم. وقيل إن الإشارة إلى ~~الجزاء المدلول عليه بقوله { جزينهم } أي ذلك الجزاء جزيناهم، وهو ~~تحريم ما حرمه الله عليهم { وإنا لصدقون } في كل ما نخبر به، ~~ومن جملة ذلك هذا الخبر، وهو موجود عندهم في التوراة، ونصها «حرمت عليكم ~~الميتة والدم ولحم الخنزير وكل دابة ليست مشقوقة الحافر، وكل حوت ليس فيه ~~سفاسف» أي بياض انتهى. # والضمير في { كذبوك } لليهود أي فإن كذبك اليهود فيما وصفت من ~~تحريم الله عليهم تلك الأشياء { فقل ربكم ذو رحمة وسعة ~~} ومن رحمته حلمه عنكم، وعدم معاجلته لكم ms1180 بالعقوبة في الدنيا، وهو وإن ~~أمهلكم ورحمكم ف { لا يرد بأسه عن القوم المجرمين } إذا أنزله بهم ~~واستحقوا المعاجلة بالعقوبة. وقيل المراد لا يرد بأسه في الآخرة عن ~~القوم المجرمين، والأول أولى، فإنه سبحانه قد عاجلهم بعقوبات منها تحريم ~~الطيبات عليهم في الدنيا. وقيل الضمير يعود إلى المشركين الذين قسموا ~~الأنعام إلى تلك الأقسام، وحللوا بعضها وحرموا بعضها. وقيل المراد أنه ~~ذو رحمة للمطيعين { ولا يرد بأسه عن القوم ~~المجرمين } ولا ملجىء لهذا. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، ~~في قوله { كل ذى ظفر } قال هو الذي ليس بمنفرج الأصابع، يعني ليس ~~بمشقوق الأصابع. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي ~~في سننه، عنه { كل ذى ظفر } قال البعير والنعامة. وأخرج أبو الشيخ ~~عن مجاهد قال هو كل شيء لم تنفرج قوائمه من البهائم، وما انفرج أكلته ~~اليهود، قال انفرجت قوائم الدجاج، والعصافير، فيهود تأكله، ولم ينفرج خف ~~البعير ولا النعامة، ولا قائمة الوزينة، فلا تأكل اليهود الإبل ولا ~~النعام ولا الوزينة، ولا كل شيء لم تنفرج قائمته كذلك، ولا تأكل حمار ~~الوحش. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، ~~عن ابن عباس، في قوله { ومن البقر والغنم حرمنا ~~عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما } يعني ما علق ~~بالظهر من الشحم { أو الحوايا } هي المبعر. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن أبي صالح، في قوله { إلا ما حملت ظهورهما } ~~قال الإلية { أو الحوايا } قال المبعر { أو ما اختلط ~~بعظم } قال الشحم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، ~~عن مجاهد في قوله { أو الحوايا } قال المباعر. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وابن أبي حاتم، عن الضحاك { أو الحوايا } قال المرائض والمباعر. ~~وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس { أو ما اختلط ~~بعظم } قال الإلية اختلط شحم الإلية بالعصعص، فهو حلال، وكل شحم ~~القوائم، والجنب، والرأس، والعين، والأذن، يقولون قد اختلط ذلك بعظم فهو ~~حلال لهم، إنما حرم عليهم الثرب ms1181 وشحم الكلية، وكل شيء كان كذلك ليس في ~~عظم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { فإن كذبوك } قال اليهود. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، عن السدي قال كانت اليهود يقولون إن ما حرمه إسرائيل ~~فنحن نحرمه، فلذلك قوله { فإن كذبوك } الآية. ### || [6.148-150] # أخبر الله عن المشركين أنهم سيقولون هذه المقالة، وهم كفار قريش أو جميع ~~المشركين، يريدون أنه لو شاء الله عدم شركهم ما أشركوا هم ولا آباؤهم، ~~ولا حرموا شيئا من الأنعام، كالبحيرة ونحوها، وظنوا أن هذا القول ~~يخلصهم عن الحجة التي ألزمهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ما ~~فعلوه حق، ولو لم يكن حقا لأرسل الله إلى آبائهم الذين ماتوا على الشرك، ~~وعلى تحريم ما لم يحرمه الله رسلا يأمرونهم بترك الشرك، وبترك التحريم ~~لما لم يحرمه الله، والتحليل لما لم يحلله { كذلك كذب الذين ~~من قبلهم } أي مثل ما كذب هؤلاء كذب من قبلهم من المشركين أنبياء ~~الله { حتى ذاقوا بأسنا } أي استمروا على التكذيب حتى ذاقوا ~~بأسنا الذي أنزلناه بهم، ثم أمره الله أن يقول لهم { هل عندكم من ~~علم فتخرجوه لنا } أي هل عندكم دليل صحيح بعد من العلم ~~النافع، فتخرجوه إلينا لننظر فيه ونتدبره، والمقصود من هذا التبكيت لهم، ~~لأنه قد علم أنه لا علم عندهم يصلح للحجة، ويقوم به البرهان، ثم أوضح لهم ~~أنهم ليسوا على شيء من العلم، وأنهم إنما يتبعون الظنون، أي ما يتبعون ~~إلا الظن الذي هو محل الخطأ، ومكان الجهل { وإن أنتم إلا ~~تخرصون } أي تتوهمون مجرد توهم فقط كما يتوهم الخارص، وقد سبق ~~تحقيقه، ثم أمره الله سبحانه بأن يخبرهم أن لله الحجة البالغة على الناس، ~~أي التي تنقطع عندها معاذيرهم، وتبطل شبههم، وظنونهم وتوهماتهم. والمراد ~~بها الكتب المنزلة، والرسل المرسلة، وما جاءوا به من المعجزات { فلو ~~شاء } هدايتكم جميعا { لهداكم أجمعين } ولكنه لم يشأ ذلك، ~~ومثله قوله تعالى # ولو شاء الله ما أشركوا ms1182 # الأنعام 107 و # ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله # الأنعام 111 ومثله كثير. ثم أمره الله أن يقول لهؤلاء المشركين { ~~هلم شهداءكم } أي هاتوهم وأحضرهم، وهو اسم فعل يستوي فيه المذكر ~~والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والمجموع عند أهل الحجاز، وأهل نجد يقولون ~~هلما هلمي هلموا، فينطقون به كما ينطقون بسائر الأفعال، وبلغة أهل الحجاز ~~نزل القرآن، ومنه قوله تعالى # والقائلين لإخونهم هلم إلينا # الأحزاب 18 والأصل عند الخليل " ها " ضمت إليها " لم " ، وقال غيره ~~أصلها " هل " زيدت عليها الميم، وفي كتاب العين للخليل أن أصلها هل أؤم، ~~أي هل أقصدك، ثم كثر استعمالهم لها، وهذا أيضا من باب التبكيت لهم، حيث ~~يأمرهم بإحضار الشهود على أن الله حرم تلك الأشياء، مع علمه أن لا شهود ~~لهم { فإن شهدوا } لهم بغير علم، بل مجازفة وتعصب { فلا تشهد ~~معهم } أي فلا تصدقهم ولا تسلم لهم، فإنهم كاذبون جاهلون، وشهادتهم ~~باطلة { ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآيتنا } ~~أي ولا تتبع أهواءهم، فإنهم رأس المكذبين بآياتنا. # قوله { والذين لا يؤمنون بالآخرة } معطوف على الموصول، ~~أي لا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا، وأهواء الذين لا يؤمنون بالآخرة { ~~وهم بربهم يعدلون } أي يجعلون له عدلا من مخلوقاته ~~كالأوثان، والجملة إما في محل نصب على الحال، أو معطوفة على لا يؤمنون. ~~وقد أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن مجاهد، في قوله { سيقول ~~الذين أشركوا } قال هذا قول قريش إن الله حرم هذا، أي البحيرة ~~والسائبة، والوصيلة والحام. وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة { قل فلله ~~الحجة البلغة } قال السلطان. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن ~~حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، والبيهقي ~~في الأسماء والصفات، عن ابن عباس أنه قيل له إن ناسا يقولون ليس الشر ~~بقدر، فقال ابن عباس بيننا وبين أهل القدر هذه الآية { سيقول ~~الذين أشركوا } إلى قوله { فلله الحجة البلغة ~~فلو شاء لهداكم أجمعين } قال ابن عباس والعجز ms1183 والكيس من ~~القدر. وأخرج أبو الشيخ، عن علي بن زيد، قال انقطعت حجة القدرية عند هذه ~~الآية { قل فلله الحجة البلغة فلو شاء ~~لهداكم أجمعين }. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن السدي، ~~في قوله { قل هلم شهداءكم } قال أروني شهداءكم. ### || [6.151-153] # قوله { قل تعالوا } أي تقدموا. قال ابن الشجري إن المأمور ~~بالتقدم في أصل وضع هذا الفعل كأنه كان قاعدا، فقيل له تعال، أي ارفع ~~شخصك بالقيام وتقدم، واتسعوا فيه حتى جعلوه للواقف والماشي. وهكذا قال ~~الزمخشري في الكشاف إنه من الخاص الذي صار عاما، وأصله أن يقوله من كان ~~في مكان عال لمن هو أسفل منه، ثم كثروا واتسع فيه حتى عم. قوله { أتل ~~ما حرم ربكم } { أتل } جواب الأمر، و " ما " موصولة في محل ~~نصب به، أي أتل الذين حرمه ربكم عليكم. والمراد من تلاوة ما حرم الله ~~تلاوة الآيات المشتملة عليه، ويجوز أن تكون " ما " مصدرية، أي أتل تحريم ~~ربكم. والمعنى ما اشتمل على التحريم. قيل ويجوز أن تكون ما استفهامية أي ~~أتل أي شيء حرم ربكم، على جعل التلاوة بمعنى القول، وهو ضعيف جدا، و { ~~عليكم } أن تعلق ب { أتل } ، فالمعنى أتل عليكم الذي حرم ربكم، وإن ~~تعلق ب { حرم } ، فالمعنى أتل الذي حرم ربكم عليكم، وهذا أولى، لأن ~~المقام مقام بيان ما هو محرم عليكم لا مقام بيان ما هو محرم مطلقا ~~وقيل إن عليكم للإغراء ولا تعلق لها بما قبلها. والمعنى عليكم أن لا ~~تشركوا إلى آخره، أي الزموا ذلك كقوله تعالى # عليكم أنفسكم # المائدة 105 وهو أضعف مما قبله، وأن في { أن لا تشركوا } مفسرة ~~لفعل التلاوة، وقال النحاس يجوز أن تكون في موضع نصب بدلا من " ما " ، ~~أي أتل عليكم تحريم الإشراك. وقيل يجوز أن يكون في محل رفع بتقدير مبتدأ، ~~أي المتلو أن لا تشركوا، و { شيئا } مفعول أو مصدر أي لا تشركوا به ~~شيئا من الأشياء، أو شيئا من الإشراك. قوله { وبالولدين ~~إحسنا } أي أحسنوا بهما إحسانا، والإحسان إليهما ms1184 البر بهما، ~~وامتثال أمرهما ونهيهما. وقد تقدم الكلام على هذا. قوله { ولا ~~تقتلوا أولدكم من إملق } لما ذكر حق الوالدين على ~~الأولاد، ذكر حق الأولاد على الوالدين، وهو أن لا يقتلوهم من أجل إملاق. ~~والإملاق الفقر، فقد كانت الجاهلية تفعل ذلك بالذكر والإناث خشية ~~الإملاق، وتفعله بالإناث خاصة خشية العار، وحكى النقاش عن مؤرج أن ~~الإملاق الجوع بلغة لخم، وذكر منذر بن سعيد البلوطي أن الإملاق الإنفاق. ~~يقال أملق ماله بمعنى أنفقه. والمعنى الأول هو الذي أطبق عليه أئمة ~~اللغة، وأئمة التفسير ها هنا. { ولا تقربوا الفوحش } أي ~~المعاصي، ومنه # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة # الإسراء 32 وما في { ما ظهر } بدل من الفواحش، وكذا ما بطن. والمراد ~~ب { ما ظهر } ما أعلن به منها، و { ما بطن } ما أسر. # وقد تقدم { ولا تقتلوا النفس } اللام في النفس للجنس، و { ~~التى حرم الله } صفة للنفس، أي لا تقتلوا شيئا من الأنفس التي ~~حرمها الله { إلا بالحق } أي إلا بما يوجبه الحق، والاستثناء ~~مفرغ، أي لا تقتلوه في حال من الأحوال إلا في حال الحق، أو لا تقتلوها ~~بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، ومن الحق قتلها قصاصا، وقتلها بسبب زنا ~~المحصن، وقتلها بسبب الردة، ونحو ذلك من الأسباب التي ورد الشرع بها، ~~والإشارة بقوله { ذلكم } إلى ما تقدم مما تلاه عليهم، وهو مبتدأ { ~~ووصاكم به } خبره أي أمركم به، وأوجبه عليكم { ولا تقربوا ~~مال اليتيم } أي لا تتعرضوا له بوجه من الوجوه إلا بالخصلة { ~~التى هى أحسن } من غيرها، وهي ما فيه صلاحه وحفظه وتنميته، ~~فيشمل كل وجه من الوجوه التي فيها نفع لليتيم وزيادة في ماله وقيل المراد ~~بالتي هي أحسن التجارة { حتى يبلغ أشده } أي إلى غاية هي أن ~~يبلغ اليتيم أشده، فإن بلغ ذلك فادفعوا إليه ماله، كما قال تعالى # فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أمولهم # النساء 6. واختلف أهل العلم في الأشد، فقال أهل المدينة بلوغه وإيناس ~~رشده. وقال أبو حنيفة خمس وعشرون سنة. وقال ms1185 عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هو ~~البلوغ. وقيل إنه انتهاء الكهولة، ومنه قول سحيم الرباحي # أخو الخمسين مجتمع أشدي ويحديني مداورة الشؤون # والأولى في تحقيق بلوغ الأشد أنه البلوغ إلى سن التكليف مع إيناس الرشد، ~~وهو أن يكون في تصرفاته بماله سالكا مسلك العقلاء، لا مسلك أهل السفه ~~والتبذير، ويدل على هذا قوله تعالى في سورة النساء # وابتلوا اليتمى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ~~ءانستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أمولهم # النساء 6 فجعل بلوغ النكاح، وهو بلوغ سن التكليف مقيدا بإيناس الرشد، ~~ولعله قد سبق هنالك كلام في هذا، والأشد واحد لا جمع له، وقيل واحده شد ~~كفلس وأفلس، وأصله من شد النهار، أي ارتفع. وقال سيبويه واحده شدة. قال ~~الجوهري وهو حسن في المعنى، لأنه يقال بلغ الكلام شدته، ولكن لا تجمع ~~فعلة على أفعل. قوله { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ~~} أي بالعدل في الأخذ والإعطاء عند البيع والشراء { لا نكلف نفسا ~~إلا وسعها } أي إلا طاقتها في كل تكليف من التكاليف، ومنه التكليف ~~بإيفاء الكيل والوزن، فلا يخاطب المتولي لهما بما لا يمكن الاحتراز عنه ~~في الزيادة والنقصان { وإذا قلتم فاعدلوا } أي إذا قلتم بقول ~~في خير أو شهادة، أو جرح أو تعديل، فاعدلوا فيه، وتحروا الصواب، ولا ~~تتعصبوا في ذلك لقريب ولا على بعيد، ولا تميلوا إلى صديق، ولا على عدو، ~~بل سووا بين الناس، فإن ذلك من العدل الذي أمر الله به، والضمير في { ~~ولو كان } راجع إلى ما يفيده { وإذا قلتم } فإنه لا بد للقول من ~~مقول فيه، أو مقول له، أي ولو كان المقول فيه، أو المقول له { ذا ~~قربى } أي صاحب قرابة لكم. # وقيل إن المعنى ولو كان الحق على مثل قراباتكم والأول أولى، ومثل هذه ~~الآية قوله # ولو على أنفسكم أو الولدين والأقربين # النساء 135. قوله { وبعهد الله أوفوا } أي أوفوا بكل عهد ~~عهده الله إليكم، ومن جملة ما عهده إليكم، ما تلاه عليكم رسوله بأمره في ~~هذا المقام، ويجوز أن يراد به ms1186 كل عهد، ولو كان بين المخلوقين، لأن الله ~~سبحانه لما أمر بالوفاء به في كثير من الآيات القرآنية كان ذلك مسوغا ~~لإضافته إليه. والإشارة بقوله { ذلكم } إلى ما تقدم ذكره { ~~وصكم به } أمركم به أمرا مؤكدا { لعلكم تذكرون } ~~فتتعظون بذلك. قوله { وأن هذا صرطي مستقيما } أن في موضع ~~نصب، أي واتل أن هذا صراطي، قاله الفراء والكسائي. قال الفراء ويجوز أن ~~يكون خفضا، أي وصاكم به، وبأن هذا. وقال الخليل وسيبويه إن التقدير ولأن ~~هذا صراطي مستقيما، كما في قوله سبحانه # وأن المسجد لله # الجن 18 وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي " وإن هذا " بكسر الهمزة ~~على الاستئناف، والتقدير الذي ذكر في هذه الآيات صراطي. وقرأ ابن أبي ~~إسحاق، ويعقوب " وإن هذا صرطي " بالتخفيف على تقدير ضمير الشأن. ~~وقرأ الأعمش " وهذا صرطي " وفي مصحف عبد الله بن مسعود " ~~وهذا صرط ربكم " وفي مصحف أبي " وهذا صرط ربك ~~" والصراط الطريق، وهو طريق الإسلام، ونصب مستقيما على الحال، والمستقيم ~~المستوي الذي لا اعوجاج فيه، ثم أمرهم باتباعه ونهاهم عن اتباع سائر ~~السبل، أي الأديان المتباينة طرقها { فتفرق بكم } أي تميل بكم { ~~عن سبيله } أي عن سبيل الله المستقيم الذي هو دين الإسلام. قال ابن ~~عطية وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية، وسائر أهل الملل، ~~وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل ~~التعمق في الجدل والخوض في الكلام، هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء ~~المعتقد. والإشارة ب { ذلكم } إلى ما تقدم وهو مبتدأ وخبره { ~~وصكم به } أي أكد عليكم الوصية به { لعلكم تتقون } ~~ما نهاكم عنه. وقد أخرج الترمذي وحسنه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عبادة بن الصامت، قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟ " # ثم تلا { قل تعالوا } إلى ثلاث آيات، ثم قال # " فمن وفى بهن فأجره على الله ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله في ~~الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره ms1187 إلى الله إن شاء آخذه ~~وإن شاء عفا عنه " # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن الضريس، وابن المنذر، عن كعب الأحبار قال أول ~~ما أنزل في التوراة عشر آيات، وهي العشر التي أنزلت من آخر الأنعام { ~~قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } إلى آخرها. ~~وأخرج أبو الشيخ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عدي بن الخيار قال سمع كعب ~~رجلا يقرأ { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ~~ألا تشركوا به شيئا } فقال كعب والذي نفس كعب بيده إنها ~~لأول آية في التوراة بسم الله الرحمن الرحيم { قل تعالوا أتل ~~ما حرم ربكم عليكم } إلى آخر الآيات انتهى. قلت هي ~~الوصايا العشر التي في التوراة، وأولها أنا الرب إلهك الذي أخرجك من ~~أرض مصر من بيت العبودية، لا يكن لك إله غيري. ومنها أكرم أباك وأمك ~~ليطول عمرك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، ~~لا تشهد على قريبك شهادة زور، لا تشته بنت قريبك، ولا تشته امرأة قريبك، ~~ولا عبده، ولا أمته، ولا ثوره، ولا حماره، ولا شيئا مما لقريبك، فلعل ~~مراد كعب الأحبار هذا، ولليهود بهذه الوصايا عناية عظيمة وقد كتبها أهل ~~الزبور في آخر زبورهم. وأهل الإنجيل في أول إنجيلهم، وهي مكتوبة في ~~لوحين، وقد تركنا منها ما يتعلق بالسبت. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، ~~عن قتادة { ولا تقتلوا أولدكم من إملق } قال من ~~خشية الفاقة، قال وكان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته مخافة الفاقة عليها ~~والسبي { ولا تقربوا الفوحش ما ظهر منها وما بطن ~~} قال سرها وعلانيتها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وابن مردويه، عن ابن عباس { ولا تقتلوا أولدكم من ~~إملق } قال خشية الفقر { ولا تقربوا الفوحش ما ظهر ~~منها وما بطن } قال كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأسا في ~~السر، ويستقبحونه في العلانية، فحرم الله الزنا في السر والعلانية. ~~وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله { وأن هذا ~~صرطي مستقيما ms1188 } قال اعلموا أن السبيل سبيل واحد، جماعه الهدى ~~ومصيره الجنة، وأن إبليس اشترع سبلا متفرقة، جماعه الضلالة ومصيرها ~~النار. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والبزار، والنسائي، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن مسعود، قالخط ~~رسول الله خطا بيده ثم قال # " هذا سبيل الله مستقيما " # ، ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط، وعن شماله، ثم قال # " وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه " # ، ثم قرأ { وأن هذا صرطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } وأخرج أحمد، ~~وابن ماجه، وابن مردويه، من حديث جابر نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن ~~جرير، وابن مردويه، عن ابن مسعود أن رجلا سأله ما الصراط المستقيم؟ قال ~~تركنا محمدا صلى الله عليه وسلم، في أدناه وطرفه الجنة، وعن يمينه جواد ~~وعن شماله جواد، وثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجواد ~~انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط المستقيم انتهى به إلى الجنة، ثم ~~قرأ ابن مسعود { وأن هذا صرطي مستقيما فاتبعوه } ~~الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس { ولا تتبعوا ~~السبل } قال الضلالات. ### || [6.154-157] # هذا الكلام مسوق لتقرير التوصية التي وصى الله عباده بها، وقد استشكل ~~العطف بثم مع كون قصة موسى وإيتائه الكتاب قبل المعطوف عليه. وهو ما ~~تقدم من قوله { ذلكم وصكم به } فقيل إن ثم ها هنا بمعنى ~~الواو وقيل تقدير الكلام، ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا ~~القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل المعنى قل تعالوا أتل ما حرم ~~ربكم عليكم، ثم أتل إيتاء موسى الكتاب وقيل إن التوصية المعطوف عليها ~~قديمة لم يزل كل نبي يوصي بها أمته وقيل إن ثم للتراخي في الإخبار كما ~~تقول بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت بالأمس أعجب. قوله { تماما } ~~مفعول لأجله أو مصدر، و { على الذى أحسن } قرىء بالرفع، وهي ~~قراءة يحيى بن يعمر، وابن أبي إسحاق، فيكون رفع ms1189 أحسن على تقدير مبتدأ، ~~أي على الذي هو أحسن، ومنه ما حكى سيبويه عن الخليل أنه سمع ما أنا بالذي ~~قائل لك شيئا. وقرأ الباقون بالنصب على أنه فعل ماض عند البصريين، وأجاز ~~الفراء والكسائي أن يكون اسما نعتا للذي، وهذا محال عند البصريين لأنه ~~نعت للاسم قبل أن يتم، والمعنى عندهم تماما على من أحسن قبوله والقيام ~~به كائنا من كان، ويؤيد هذا أن ابن مسعود قرأ { تماما على الذي ~~أحسنوا } وقال الحسن كان فيهم محسن وغير محسن، فأنزل الله الكتاب ~~تماما على المحسنين. وقيل المعنى أعطينا موسى التوراة زيادة على ما كان ~~يحسنه موسى مما علمه الله قبل نزول التوراة عليه. وقيل المعنى تماما على ~~الذي أحسن به الله عز وجل إلى موسى من الرسالة وغيرها. وقيل تماما على ~~إحسان موسى بطاعة الله عز وجل قاله الفراء. قوله { وتفصيلا لكل ~~شىء } معطوف على تماما، أي ولأجل تفصيل كل شيء، وكذا { هدى ~~ورحمة } معطوفتان، عليه أي وللهدى والرحمة، والضمير في لعلهم راجع ~~إلى بني إسرائيل، المدلول عليه بذكر موسى، والباء في { بلقاء } متعلقة ~~ب { يؤمنون }. قوله { وهذا كتب أنزلنه مبارك } ~~الإشارة إلى القرآن، واسم الإشارة مبتدأ وخبره كتاب، وأنزلناه صفة لكتاب، ~~ومبارك صفة أخرى له، وتقديم صفة الإنزال لكون الإنكار متعلقا بها، ~~والمبارك كثير البركة لما هو مشتمل عليه من المنافع الدنيوية والدينية { ~~فاتبعوه } فإنه لما كان من عند الله، وكان مشتملا على البركة، كان ~~اتباعه متحتما عليكم { واتقوا } مخالفته، والتكذيب بما فيه { ~~لعلكم } إن قبلتموه ولم تخالفوه { ترحمون } برحمة الله ~~سبحانه، و " أن " في { أن تقولوا } في موضع نصب. قال الكوفيون لئلا ~~تقولوا. وقال البصريون كراهة أن تقولوا. # وقال الفراء والكسائي المعنى فاتقوا أن تقولوا يا أهل مكة { إنما ~~أنزل الكتب } أي التوراة والإنجيل { على طائفتين من ~~قبلنا } وهم اليهود والنصارى ولم ينزل علينا كتاب { وإن كنا عن ~~دراستهم } أي عن تلاوة كتبهم بلغاتهم { لغفلين } أي لا ندري ~~ما فيها، ومرادهم إثبات نزول الكتابين مع الاعتذار عن اتباع ms1190 ما فيهما ~~بعدم الدراية منهم، والغفلة عن معناهما. قوله { أو تقولوا لو ~~أنا أنزل علينا الكتب } معطوف على { تقولوا } أي أو ~~أن تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب كما أنزل على الطائفتين من قبلنا { ~~لكنا أهدى منهم } إلى الحق الذي طلبه الله، فإن هذه المقالة ~~والمعذرة منهم مندفعة بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، وإنزال ~~القرآن عليه، ولهذا قال { فقد جاءكم بينة من ربكم } أي ~~كتاب أنزله الله على نبيكم، وهو منكم يا معشر العرب، فلا تعتذروا ~~بالأعذار الباطلة وتعللوا أنفسكم بالعلل الساقطة، فقد أسفر الصبح لذي ~~عينين { وهدى ورحمة } معطوف على { بينة } أي جاءكم البينة ~~الواضحة، والهدى الذي يهتدي به كل من له رغبة في الاهتداء، ورحمة من الله ~~يدخل فيها كل من يطلبها ويريد حصولها، ولكنكم ظلمتم أنفسكم بالتكذيب ~~بآيات الله، والصدوف عنها، أي الانصراف عنها. وصرف من أراد الإقبال إليها ~~{ فمن أظلم ممن كذب بآيات الله } التي هي رحمة وهدى ~~للناس { وصدف عنها } فضل بانصرافه عنها، وأضل بصرف غيره عن ~~الإقبال إليها { سنجزى الذين يصدفون عن آيتنا سوء ~~العذاب } أي العذاب السيء بسبب { ما كانوا يصدفون } وقيل ~~معنى صدف أعرض، ويصدفون يعرضون، وهو مقارب لمعنى الصرف، وقد تقدم تحقيق ~~معنى هذا اللفظ، والاستفهام في { فمن أظلم } للإنكار، أي إنكار أن يكون ~~أحد أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها، مع ما يفيده ذلك من التبكيت لهم. ~~وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد ~~{ تماما على الذى أحسن } قال على المؤمنين المحسنين. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، عن أبي صخر { تماما على الذى أحسن } قال ~~تماما لما كان قد أحسن الله. وأخرج أيضا عن ابن زيد قال تماما لنعمته ~~عليهم وإحسانه إليهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله { وهذا كتب } قال هو القرآن ~~الذي أنزل الله على محمد { فاتبعوه واتقوا } يقول فاتبعوا ما ~~أحل الله فيه، واتقوا ما حرم. وأخرج هؤلاء عن ms1191 مجاهد في قوله { على ~~طائفتين من قبلنا } قال اليهود والنصارى، خاف أن تقوله قريش. ~~وأخرج ابن المنذر، وابن حاتم، عن ابن عباس، قال هم اليهود والنصارى، { ~~وإن كنا عن دراستهم } قال تلاوتهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله { لكنا أهدى منهم ~~} قال هذا قول كفار العرب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، في قوله { ~~فقد جاءكم بينة من ربكم } يقول قد جاءتكم بينة لسان عربي ~~مبين حين لم يعرفوا دراسة الطائفتين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~عن ابن عباس، في قوله { صدف عنها } قال أعرض عنها. وأخرج عبد بن ~~حميد، عن الضحاك، في قوله { يصدفون } قال يعرضون. ### || [6.158] # أي لما أقمنا عليهم الحجة، وأنزلنا الكتاب على رسولنا المرسل إليهم، فلم ~~ينفعهم ذلك ولم يرجعوا به عن غوايتهم، فما بقي بعد هذا إلا أنهم { ~~ينظرون } أي ينتظرون { أن تأتيهم الملئكة } أي ملائكة ~~الموت لقبض أرواحهم، وعند ذلك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ~~{ أو يأتى ربك } يا محمد كما اقترحوه بقولهم # لولا أنزل علينا الملئكة أو نرى ربنا # الفرقان 21 وقيل معناه أو يأتي أمر ربك بإهلاكهم. وقيل المعنى أو يأتي ~~كل آيات ربك بدليل قوله { أو يأتي بعض آيات ربك } وقيل هو ~~من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، وقد جاء في القرآن حذف المضاف ~~كثيرا، كقوله # واسأل القرية # يوسف 82 وقوله # وأشربوا فى قلوبهم العجل # البقرة 93 أي حب العجل. وقيل إتيان الله مجيئه يوم القيامة لفصل القضاء ~~بين خلقه، كقوله # وجاء ربك والملك صفا صفا # الفجر 22. قوله { يوم يأتي بعض آيات ربك } قرأ ابن عمر ~~وابن الزبير " يوم تأتي " بالفوقية، وقرأ الباقون بالتحتية، قال ~~المبرد التأنيث على المجاورة لمؤنث، لا على الأصل، ومنه قول جرير # لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع # وقرأ ابن سيرين " لا تنفع " بالفوقية. قال أبو حاتم إن هذا غلط عن ابن ~~سيرين. وقد قال الناس في هذا شيء دقيق ms1192 من النحو ذكره نفطويه، وذلك أن ~~الإيمان والنفس كل واحد منهما مشتمل على الآخر، فأنث الإيمان إذ هو من ~~النفس. قال النحاس، وفيه وجه آخر، وهو أن يؤنث الإيمان، لأنه مصدر كما ~~يذكر المصدر المؤنث مثل # فمن جاءه موعظة من ربه # البقرة 275. ومعنى { يوم يأتى بعض ءايت ربك } يوم يأتي ~~الآيات التي اقترحوها، وهي التي تضطرهم إلى الإيمان { لا ينفع ~~نفسا إيمانها } أو ما هو أعم من ذلك، فيدخل فيه ما ينتظرونه. ~~وقيل هي الآيات التي هي علامات القيامة المذكورة في الأحاديث الثابتة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي التي إذا جاءت لا ينفع نفسا إيمانها. ~~قوله { لم تكن ءامنت من قبل } أي من قبل إتيان بعض الآيات، ~~فأما التي قد كانت آمنت من قبل مجيء بعض الآيات فإيمانها ينفعها، وجملة { ~~لم تكن ءامنت من قبل } في محل نصب على أنها صفة { نفسا }. ~~قوله { أو كسبت فى إيمنها خيرا } معطوف على { ءامنت } ~~والمعنى أنه لا ينفع نفسا إيمانها عند حضور الآيات متصفة بأنها لم تكن ~~آمنت من قبل، أو آمنت من قبل ولكن لم تكسب في إيمانها خيرا، فحصل من هذا ~~أنه لا ينفع إلا الجمع بين الإيمان من قبل مجيء بعض الآيات مع كسب الخير ~~في الإيمان، فمن آمن من قبل فقط، ولم يكسب خيرا في إيمانه، أو كسب خيرا ~~ولم يؤمن، فإن ذلك غير نافعه، وهذا التركيب هو كقولك لا أعطي رجلا اليوم ~~أتاني لم يأتني بالأمس، أو لم يمدحني في إتيانه إلي بالأمس، فإن ~~المستفاد من هذا أنه لا يستحق العطاء إلا رجل أتاه بالأمس ومدحه في ~~إتيانه إليه بالأمس، ثم أمره الله سبحانه أن يقول لهم { انتظروا } ما ~~تريدون إتيانه { إنا منتظرون } له، وهذا تهديد شديد ووعيد عظيم، وهو ~~يقوي ما قيل في تفسير { يوم يأتى بعض ءايت ربك } إنها ~~الآيات التي اقترحوها من إتيان الملائكة، وإتيان العذاب لهم من قبل الله ~~كما تقدم بيانه. # وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن ms1193 مسعود { هل ينظرون ~~إلا أن تأتيهم الملئكة } قال عند الموت { أو يأتى ~~ربك } قال يوم القيامة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في تفسير الآية مثله. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن مقاتل { أو يأتى ربك } قال يوم القيامة في ظلل من ~~الغمام. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، في مسنده، والترمذي وأبو يعلى، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، في قوله { يوم يأتى بعض ءايت ربك } قال # " طلوع الشمس من مغربها " # ، قال الترمذي غريب. ورواه ابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، عن أبي سعيد ~~موقوفا. وأخرجه الطبراني، وابن عدي، وابن مردويه من حديث أبي هريرة ~~مرفوعا. وأخرجه سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ونعيم بن ~~حماد، والطبراني عن ابن مسعود موقوفا. فإذا ثبت رفع هذا التفسير النبوي ~~من وجه صحيح لا قادح فيه، فهو واجب التقديم له، متحتم الأخذ به، ويؤيده ~~ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس ~~آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها " # ، ثم قرأ الآية. وأخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، عن ~~أبي ذر مرفوعا نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، ~~مرفوعا نحوه أيضا. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي، في قوله ~~{ أو كسبت فى إيمنها خيرا } يقول كسبت في تصديقها عملا ~~صالحا، هؤلاء أهل القبلة، وإن كانت مصدقة لم تعمل قبل ذلك خيرا فعملت ~~بعد أن رأت الآية لم يقبل منها، وإن عملت قبل الآية خيرا، ثم عملت بعد ~~الآية خيرا قبل. منها وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مقاتل، في ~~قوله { أو كسبت فى إيمنها خيرا } قال يعني المسلم الذي ~~لم يعمل في إيمانه خيرا، وكان قبل الآية مقيما على الكبائر. والآيات ~~التي هي علامات ms1194 القيامة، قد وردت الأحاديث المتكاثرة في بيانها وتعدادها، ~~وهي مذكورة في كتب السنة. ### || [6.159-160] # قرأ حمزة والكسائي «فارقوا دينهم» وهي قراءة علي بن أبي طالب أي تركوا ~~دينهم وخرجوا عنه. وقرأ الباقون { فرقوا } بالتشديد إلا النخعي فإنه ~~بالتخفيف. والمعنى أنهم جعلوا دينهم متفرقا فأخذوا ببعضه، وتركوا بعضه. ~~قيل المراد بهم اليهود والنصارى. وقد رود في معنى هذا في اليهود قوله ~~تعالى # وما تفرق الذين أوتوا الكتب إلا من بعد ما ~~جاءتهم البينة # البينة 4. وقيل المراد بهم المشركون، عبد بعضهم الصنم، وبعضهم الملائكة. ~~وقيل الآية عامة في جميع الكفار، وكل من ابتدع وجاء بما لم يأمر به الله، ~~وهذا هو الصواب، لأن اللفظ يفيد العموم، فيدخل فيه طوائف أهل الكتاب، ~~طوائف المشركين، وغيرهم ممن ابتدع من أهل الإسلام، ومعنى { شيعا } فرقا ~~وأحزابا، فتصدق على كل قوم كان أمرهم في الدين واحدا مجتمعا، ثم اتبع ~~كل جماعة منهم رأى كبير من كبرائهم، يخالف الصواب ويباين الحق { لست ~~منهم فى شىء } أي لست من تفرقهم، أو من السؤال عن سبب تفرقهم ~~والبحث عن موجب تحزبهم في شيء من الأشياء، فلا يلزمك من ذلك شيء، ولا ~~تخاطب به، إنما عليك البلاغ، وهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم # " من غشنا فليس منا " # أي نحن برآء منه، وموضع { في شىء } نصب على الحال. قال الفراء هو على ~~حذف مضاف، أي لست من عقابهم في شيء، وإنما عليك الإنذار، ثم سلاه الله ~~تعالى بقوله { إنما أمرهم إلى الله } فهو مجاز لهم بما ~~تقتضيه مشيئته والحصر، بإنما هو في حكم التعليل لما قبله، والتأكيد له " ~~ثم " هو يوم القيامة { ينبئهم } أي يخبرهم بما ينزله بهم من ~~المجازاة { بما كانوا يعملون } من الأعمال التي تخالف ما شرعه ~~الله لهم، وأوجبه عليهم، وهذه الآية من جملة ما هو منسوخ بآية السيف. ~~قوله { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } لما توعد ~~سبحانه المخالفين له بما توعد، بين عقب ذلك مقدار جزاء العاملين بما ~~أمرهم به الممتثلين لما شرعه لهم، بأن ms1195 من جاء بحسنة واحدة من الحسنات فله ~~من الجزاء عشر حسنات، والتقدير فله عشر حسنات أمثالها، فأقيمت الصفة مقام ~~الموصوف. قال أبو علي الفارسي حسن التأنيث في عشر أمثالها، لما كان ~~الأمثال مضافا إلى مؤنث، نحو ذهبت بعض أصابعه. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير ~~والأعمش " فله عشر أمثالها " برفعهما. وقد ثبت هذا التضعيف في ~~السنة بأحاديث كثيرة، وهذا التضعيف هو أقل ما يستحقه عامل الحسنة. وقد ~~وردت الزيادة على هذا عموما وخصوصا، ففي القرآن كقوله # كمثل حبة أنبتت سبع سنابل # البقرة 261. وورد في بعض الحسنات، أن فاعلها يجازى عليها بغير حساب، ~~وورد في السنة المطهرة تضعيف الجزاء إلى ألوف مؤلفة. # وقد قدمنا تحقيق هذا في موضعين من هذا التفسير، فليرجع إليهما. { ومن ~~جاء بالسيئة } من الأعمال السيئة { فلا يجزى إلا مثلها ~~} من دون زيادة عليها على قدرها في الخفة والعظم، فالمشرك يجازى على سيئة ~~الشرك بخلوده في النار، وفاعل المعصية من المسلمين يجازى عليها بمثلها، ~~مما ورد تقديره من العقوبات، كما ورد بذلك كثير من الأحاديث المصرحة بأن ~~من عمل كذا فعليه كذا، وما لم يرد لعقوبته تقدير من الذنوب، فعلينا أن ~~نقول يجازيه الله بمثله، وإن لم نقف على حقيقة ما يجازى به، وهذا إن لم ~~يتب، أما إذا تاب و غلبت حسناته سيئاته، أو تغمده الله برحمته، وتفضل ~~عليه بمغفرته، فلا مجازاة، وأدلة الكتاب والسنة مصرحة بهذا تصريحا لا ~~يبقى بعده ريب لمرتاب، { وهم } أي من جاء بالحسنة ومن جاء بالسيئة { ~~لا يظلمون } بنقص ثواب حسنات المحسنين، ولا بزيادة عقوبات ~~المسيئين. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال اختلفت اليهود ~~والنصارى قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم فتفرقوا، فلما بعث محمد ~~أنزل عليه { إن الذين فرقوا دينهم } الآية. وأخرج ~~النحاس، عنه في ناسخه { إن الذين فرقوا دينهم } قال ~~اليهود والنصارى، تركوا الإسلام والدين الذي أمروا به { وكانوا ~~شيعا } فرقا أحزابا مختلفة { لست منهم فى شىء } نزلت ~~بمكة ثم نسخها # وقاتلوا المشركين # التوبة 36. وأخرج أبو ms1196 الشيخ عنه { وكانوا شيعا } قال مللا شتى. ~~وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي هريرة، في قوله { إن ~~الذين فرقوا دينهم } الآية قال هم في هذه الأمة. وأخرج ~~الحكيم الترمذي وابن جرير، والطبراني، والشيرازي في الألقاب، وابن ~~مردويه، عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قال # " هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة " # ، وفي إسناده عبد بن كثير، وهو متروك الحديث، ولم يرفعه غيره، ومن عداه ~~وقفوه على أبي هريرة. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ~~أبي أمامة في الآية قال هم الحرورية، وقد رواه ابن أبي حاتم، والنحاس، ~~وابن مردويه، عن أبي غالب عن أبي أمامة مرفوعا ولا يصح رفعه. وأخرج ~~الحكيم الترمذي، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن شاهين، وابن ~~مردويه، وأبو نعيم في الحلية، وأبو نصر السجزي في الإبانة، والبيهقي في ~~شعب الإيمان، عن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة # " يا عائشة { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا } هم أصحاب البدع ~~وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة ليست لهم توبة، يا عائشة إن ~~لكل صاحب ذنب توبة غير أصحاب البدع وأصحاب الأهواء ليس لهم توبة وهم مني ~~برآء " # قال ابن كثير هو غريب ولا يصح رفعه. وأخرج عبد بن حميد، عن سعيد بن ~~جبير، قال لما نزلت { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ~~} قال رجل من المسلمين يا رسول الله، لا إله إلا الله حسنة؟ قال # " نعم، أفضل الحسنات " # ، وهذا مرسل ولا ندري كيف إسناده إلى سعيد؟ وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم، في الحلية، عن ابن مسعود { من جاء ~~بالحسنة }. قال لا إله إلا الله. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، ~~مثله. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي هريرة، مثله أيضا. وقد قدمنا الإشارة ~~إلى أنها قد ثبتت الأحاديث الصحيحة بمضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها، فلا ~~نطيل ms1197 بذكرها، ووردت أحاديث كثيرة في الزيادة على هذا المقدار، وفضل الله ~~واسع، وعطاؤه جم. ### || [6.161-163] # لما بين سبحانه أن الكفار تفرقوا فرقا، وتحزبوا أحزابا، أمر رسوله ~~صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم { إننى هدانى ربى } أي أرشدني ~~بما أوحاه إلي { إلى صرط مستقيم } وهو ملة إبراهيم عليه ~~السلام، و { دينا } منتصب على الحال كما قال قطرب، أو على أنه مفعول { ~~هداني } كما قال الأخفش. وقيل منتصب بفعل يدل عليه { هداني } لأن معناه ~~عرفني، أي عرفني دينا. وقيل إنه بدل من محل { إلى صراط } ، لأن معناه ~~هداني صراطا مستقيما كقوله تعالى # ويهديكم صرطا مستقيما # الفتح 2 وقيل منصوب بإضمار فعل، كأنه قيل اتبعوا دينا. قوله { قيما ~~} قرأه الكوفيون، وابن عامر بكسر القاف، والتخفيف وفتح الياء. وقرأه ~~الباقون بفتح القاف وكسر الياء المشددة، وهما لغتان ومعناه الدين ~~المستقيم الذي لا عوج فيه، وهو صفة ل { دينا } ، وصف به مع كونه مصدرا ~~مبالغة، وانتصاب { ملة إبرهيم } على أنها عطف بيان ل { دينا } ~~، ويجوز نصبها بتقدير أعني، و { حنيفا } منتصب على أنه حال من ~~إبراهيم، قاله الزجاج. وقال علي بن سليمان هو منصوب بإضمار أعني. والحنيف ~~المائل إلى الحق، وقد تقدم تحقيقه { وما كان من المشركين } ~~في محل نصب معطوف على { حنيفا } ، أو جملة معترضة مقررة لما قبلها. قوله ~~{ قل إن صلاتى } أمره الله سبحانه أن يقول لهم بهذه المقالة، عقب ~~أمره بأن يقول لهم بالمقالة السابقة. قيل ووجه ذلك أن ما تضمنه القول ~~الأول إشارة إلى أصول الدين، وهذا إلى فروعها. والمراد بالصلاة جنسها، ~~فيدخل فيه جميع أنواعها. وقيل المراد بها هنا صلاة الليل، وقيل صلاة ~~العيد. والنسك جمع نسيكة، وهي الذبيحة كذا قال مجاهد والضحاك، وسعيد بن ~~جبير، وغيرهم، أي ذبيحتي في الحج والعمرة. وقال الحسن ديني. وقال الزجاج ~~عبادتي من قولهم نسك فلان هو ناسك، إذا تعبد، وبه قال جماعة من أهل العلم ~~{ ومحياى ومماتى } أي ما أعمله في حياتي، ومماتي من أعمال ~~الخير، ومن أعمال الخير في الممات الوصية ms1198 بالصدقات، وأنواع القربات. وقيل ~~نفس الحياة ونفس الموت { لله } قرأ الحسن " نسكي " بسكون السين. ~~وقرأ الباقون بضمها. وقرأ أهل المدينة " محياي " بسكون الياء. وقرأ ~~الباقون بفتحها لئلا يجتمع ساكنان قال النحاس لم يجزه، أي السكون، أحد من ~~النحويين إلا يونس، وإنما أجازه لأن المدة التي في الألف تقوم مقام ~~الحركة. وقرأ ابن أبي إسحاق، وعيسى بن عمرو، عاصم الجحدري، " محيي " ، من ~~غير ألف وهي لغة عليا مضر، ومنه قول الشاعر # سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم فتخرموا ولكل جنب مصرع # { لله رب العلمين } أي خالصا له لا شريك له فيه، والإشارة ~~{ بذلك } إلى ما أفاده { لله رب العلمين لا شريك ~~له } من الإخلاص في الطاعة وجعلها لله وحده. # قوله { وأنا أول المسلمين } أي أول مسلمي أمته. وقيل ~~أول المسلمين أجمعين، لأنه وإن كان متأخرا في الرسالة، فهو أولهم في ~~الخلق، ومنه قوله تعالى # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح # الأحزاب 7 الآية، والأول أولى. قال ابن جرير الطبري استدل بهذه الآية ~~الشافعي على مشروعية افتتاح الصلاة بهذا الذكر، فإن الله أمر به نبيه ~~وأنزله في كتابه، ثم ذكر حديثا على، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا قام إلى الصلاة قال # وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين # الأنعام79 إلى قوله { وأنا أول المسلمين } قلت هذا هو في ~~صحيح مسلم مطولا، وهو أحد التوجهات الواردة، ولكنه مفيد بصلاة الليل ~~كما في الروايات الصحيحة، وأصح التوجهات الذي كان يلازمه النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويرشد إليه هو # " اللهم باعد بيني وبين خطاياي " # إلى آخره، وقد أوضحنا هذا في شرحنا للمنتقى بما لا يحتاج إلى زيادة عليه ~~هنا. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل، في قوله { وإن صلاتى } قال ~~يعني المفروضة { ونسكى } يعني الحج. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، ~~عن سعيد بن جبير { ونسكى } قال ذبيحتي. وأخرجا أيضا عن قتادة { ~~إن صلاتى ونسكى } قال حجي وذبيحتي. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد ~~بن حميد، وابن المنذر، ms1199 وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { ~~ونسكى } قال ذبيحتي في الحج والعمرة. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله { ونسكى } قال ضحيتي. وفي قوله { ~~وأنا أول المسلمين } قال من هذه الأمة. وأخرج الحاكم ~~وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، عن عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك، فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها ~~كل ذنب عملتيه، وقولي { إن صلاتي } إلى { وأنا أول المسلمين } " # ، قلت يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصة، فأهل ذلك أنتم أم للمسلمين ~~عامة؟ قال # " لا بل للمسلمين عامة ". ### || [6.164-165] # الاستفهام في { أغير الله أبغى ربا } للإنكار، وهو جواب على ~~المشركين لما دعوه إلى عبادة غير الله، أي كيف أبغي غير الله ربا ~~مستقلا وأترك عبادة الله، أو شريكا لله فأعبدهما معا، والحال أنه رب ~~كل شيء، والذي تدعونني إلى عبادته هو من جملة من هو مربوب له، مخلوق مثلي ~~لا يقدر على نفع ولا ضر، وفي هذا الكلام من التقريع والتوبيخ لهم ما لا ~~يقادر قدره، و { غير } منصوب بالفعل الذي بعده، و { ربا } تمييز أو مفعول ~~ثان على جعل الفعل ناصبا لمفعولين. قوله { ولا تكسب كل نفس ~~إلا عليها } أي لا يؤاخذ مما أتت من الذنب وارتكبت من المعصية ~~سواها، فكل كسبها للشر عليها لا يتعداها إلى غيرها، وهو مثل قوله تعالى # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت # البقرة 286 وقوله # لتجزى كل نفس بما تسعى # طه 15. قوله { ولا تزر وزرة وزر أخرى } أصل الوزر ~~الثقل، ومنه قوله تعالى # ووضعنا عنك وزرك # الشرح 2 وهو هنا الذنب # وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم # الأنعام 31 قال الأخفش، يقال وزر يوزر، ووزر يزر وزرا، ويجوز إزرا، ~~وفيه رد لما كانت عليه الجاهلية من مؤاخذة القريب بذنب قريبه، والواحد ~~من القبيلة بذنب الآخر. وقد قيل إن المراد بهذه الآية في الآخرة، وكذلك ~~التي قبلها لقوله تعالى # واتقوا فتنة لا تصيبن ms1200 الذين ظلموا منكم ~~خاصة # الأنفال 25، ومثله قول زينب بنت جحش يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ ~~قال # " نعم إذا كثر الخبث " # ، والأولى حمل الآية على ظاهرها أعني العموم، وما ورد من المؤاخذة بذنب ~~الغير كالدية التي تحملها العاقلة ونحو ذلك، فيكون في حكم المخصص بهذا ~~العموم، ويقر في موضعه ولا يعارض هذه الآية قوله تعالى # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # العنكبوت 13 فإن المراد بالأثقال التي مع أثقالهم هي أثقال الذين ~~يضلونهم كما في الآية الأخرى # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيمة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم # النحل 25 { ثم إلى ربكم مرجعكم } يوم القيامة { ~~فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } في الدنيا، وعند ذلك ~~يظهر حق المحقين وباطل المبطلين. قوله { وهو الذى جعلكم ~~خلئف الأرض } خلائف جمع خليفة أي جعلكم خلفاء الأمم الماضية ~~والقرون السالفة، قال الشماخ # أصيبهم وتخطئني المنايا وأخلف في ربوع عن ربوع # أو المراد أنه يخلف بعضهم بعضا، أو أن هذا النوع الإنساني خلفاء الله ~~في أرضه { ورفع بعضكم فوق بعض درجت } في الخلق، ~~والرزق، والقوة، والفضل، والعلم، و { درجات } منصوب بنزع الخافض، أي إلى ~~درجات { ليبلوكم فيما ءاتكم } أي ليختبركم فيما آتاكم من ~~تلك الأمور، أو ليبتلي بعضكم ببعض كقوله تعالى # وجعلنا بعضكم لبعض فتنة # الفرقان 20 ثم خوفهم فقال { إن ربك سريع العقاب } فإنه ~~وإن كان في الآخرة فكل آت قريب كما قال # وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب # النحل 77 ثم رغب من يستحق الترغيب من المسلمين، فقال { وإنه ~~لغفور رحيم } أي كثير الغفران والرحمة. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { ولا تزر ~~وازرة } قال لا يؤاخذ أحد بذنب غيره. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن السدي في قوله { وهو الذى جعلكم خلئف ~~الأرض } قال أهلك القرون الأولى، فاستخلفنا فيها بعدهم { ورفع ~~بعضكم فوق بعض درجت } قال في الرزق. ### | [7 - سورة الأعراف] ### || [7.1-7] # قوله { المص } قد تقدم في فاتحة سورة ms1201 البقرة ما يغني عن الإعادة، وهو ~~إما مبتدأ وخبره { كتاب } ، أي { المص } حروف { كتب أنزل ~~إليك } أو هو خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا «المص» أي المسمى به، وأما ~~إذا كانت هذه الفواتح مسرودة على نمط التعديد فلا محل له، و { كتاب } خبر ~~المبتدأ على الوجه الأول، أو خبر مبتدأ محذوف على الثاني، أي هو كتاب. ~~قال الكسائي أي هذا كتاب، و { أنزل إليك } صفة له. { فلا يكن فى ~~صدرك حرج منه } الحرج الضيق، أي لا يكن في صدرك ضيق منه، من ~~إبلاغه إلى الناس مخافة أن يكذبوك ويؤذوك، فإن الله حافظك وناصرك. وقيل ~~المراد لا يضق صدرك حيث لم يؤمنوا به ولم يستجيبوا لك { فإنما ~~عليك البلغ } ، وقال مجاهد وقتادة الحرج هنا الشك، لأن الشاك ~~ضيق الصدر، أي لا تشك في أنه منزل من عند الله، وعلى هذا يكون النهي له ~~صلى الله عليه وسلم من باب التعريض، والمراد أمته، أي لا يشك أحد منهم في ~~ذلك، والضمير في { منه } راجع إلى الكتاب، فعلى الوجه الأول يكون على ~~تقدير مضاف، أي من إبلاغه، وعلى الثاني يكون التقدير من إنزاله، والضمير ~~في { لتنذر به } راجع إلى الكتاب، أي لتنذر الناس بالكتاب الذي ~~أنزلناه إليك، وهو متعلق بأنزل، أي أنزل إليك لإنذارك للناس به، أو متعلق ~~بالنهي، لأن انتفاء الشك في كونه منزلا من عند الله، أو انتفاء الخوف من ~~قومه يقويه على الانذار ويشجعه، لأن المتيقن يقدم على بصيرة، ويباشر ~~بقوة نفس. قوله { وذكرى للمؤمنين } الذكرى التذكير. قال ~~البصريون الذكرى في محل رفع على إضمار مبتدأ. وقال الكسائي هي في محل رفع ~~عطفا على كتاب، ويجوز النصب على المصدر، أي وذكر به ذكرى قاله البصريون. ~~ويجوز الجر حملا على موضع { لتنذر } أي للإنذار والذكرى، وتخصيص الذكرى ~~بالمؤمنين، لأنهم الذين ينجع فيهم ذلك، وفيه إشارة إلى تخصيص الإنذار ~~بالكافرين. قوله { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم } ~~يعني الكتاب، ومثله السنة لقوله # وما ءاتكم الرسول فخذوه وما نهكم عنه ~~فانتهوا # الحشر 7 ونحوها ms1202 من الآيات، وهو أمر للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته. ~~وقيل هو أمر للأمة بعد أمره صلى الله عليه وسلم بالتبليغ، وهو منزل إليهم ~~بواسطة إنزاله إلى النبي صلى الله عليه وسلم { ولا تتبعوا من ~~دونه أولياء } نهي للأمة عن أن يتبعوا أولياء من دون الله ~~يعبدونهم ويجعلونهم شركاء لله، فالضمير على هذا في { من دونه } يرجع ~~إلى رب، ويجوز أن يرجع إلى «ما» في { ما أنزل إليكم } أي لا تتبعوا من ~~دون كتاب الله أولياء تقلدونهم في دينكم، كما كان يفعله أهل الجاهلية من ~~طاعة الرؤساء فيما يحللونه لهم ويحرمونه عليهم. # قوله { قليلا ما تذكرون } انتصاب { قليلا } على أنه صفة ~~لمصدر محذوف للفعل المتأخر، أي تذكرا قليلا، و " ما " مزيدة للتوكيد أو ~~هو منتصب على الحال من فاعل { لا تتبعوا } ، و " ما " مصدرية، أي لا ~~تتبعوا من دونه أولياء قليلا تذكرهم، قرىء " تذكرون " بالتخفيف بحذف ~~إحدى التاءين، وقرىء بالتشديد على الإدغام. قوله { وكم من قرية ~~أهلكنها } " كم " هي الخبرية المفيدة للتكثير، وهي في موضع رفع ~~على الابتداء و { أهلكنها } الخبر، { من } قرية تمييز، ويجوز أن ~~تكون في محل نصب بإضمار فعل بعدها لا قبلها، لأن لها صدر الكلام، ولولا ~~اشتغال { أهلكناها } بالضمير لجاز انتصاب " كم " به، والقرية موضع اجتماع ~~الناس، أي كم من قرية من القرى الكبيرة أهلكناها نفسها بإهلاك أهلها، أو ~~أهلكنا أهلها، والمراد أردنا إهلاكها. قوله { فجاءها بأسنا } ~~معطوف على أهلكنا بتقدير الإرادة كما مر لأن ترتيب مجيء البأس على ~~الإهلاك لا يصح إلا بهذا التقدير، إذ الإهلاك هو نفس مجيء البأس. وقال ~~الفراء إن الفاء بمعنى الواو فلا يلزم التقدير، والمعنى أهلكناها وجاءها ~~بأسنا، والواو لمطلق الجمع لا ترتيب فيها. وقيل إن الإهلاك واقع لبعض أهل ~~القرية فيكون المعنى وكم من قرية أهلكنا بعض أهلها فجاءها بأسنا فأهلكنا ~~الجميع. وقيل المعنى وكم من قرية حكمنا بإهلاكها فجاءها بأسنا. وقيل ~~أهلكناها بإرسال ملائكة العذاب إليها فجاءها بأسنا، والبأس هو العذاب. ~~وحكي عن الفراء أنه إذا كان معنى ms1203 الفعلين واحدا أو كالواحد قدمت أيهما ~~شئت فيكون المعنى وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها، مثل دنا فقرب، وقرب ~~فدنا. { بياتا } أي ليلا، لأنه يبات فيه، يقال بات يبيت بيتا ~~وبياتا، وهو مصدر واقع موقع الحال، أي بائتين. قوله { أو هم ~~قائلون } معطوف على { بياتا } أي بائتين أو قائلين، وجاءت الجملة ~~الحالية بدون واو استثقالا لاجتماع الواوين واو العطف وواو الحال، هكذا ~~قال الفراء. واعترضه الزجاج فقال هذا خطأ بل لا يحتاج إلى الواو، تقول ~~جاءني زيد راكبا، أو هو ماش، لأن في الجملة ضميرا قد عاد إلى الأول، و ~~" أو " في هذا الموضع للتفصيل لا للشك. والقيلولة هي نوم نصف النهار. ~~وقيل هي مجرد الاستراحة في ذلك الوقت لشدة الحر من دون نوم، وخص ~~الوقتين لأنهما وقت السكون والدعة، فمجيء العذاب فيهما أشد وأفظع. قوله ~~{ فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا ~~إنا كنا ظلمين } الدعوى الدعاء، أي فما كان دعاؤهم ربهم عند ~~نزول العذاب، إلا اعترافهم بالظلم على أنفسهم، ومثله # وآخر دعواهم # يونس 10 أي آخر دعائهم. وقيل الدعوى هنا بمعنى الادعاء، والمعنى ما كان ~~ما يدعونه لدينهم وينتحلونه إلا اعترافهم ببطلانه وفساده، واسم كان { ~~إلا أن قالوا } وخبرها دعواهم ويجوز العكس، والمعنى ما كان دعواهم ~~إلا قولهم إنا كنا ظالمين. قوله { فلنسئلن الذين أرسل ~~إليهم } هذا وعيد شديد، والسؤال للقوم الذين أرسل الله إليهم الرسل ~~من الأمم السالفة للتقريع والتوبيخ، واللام لام القسم، أي لنسألنهم عما ~~أجابوا به رسلهم عند دعوتهم، والفاء لترتيب الأحوال الأخروية على الأحوال ~~الدنيوية { ولنسألن المرسلين } أي الأنبياء الذين بعثهم ~~الله، أي نسألهم عما أجاب به أممهم عليهم، ومن أطاع منهم ومن عصى. وقيل ~~المعنى فلنسألن الذين أرسل إليهم، يعني الأنبياء، ولنسألن المرسلين، يعني ~~الملائكة، ولا يعارض هذا قول الله سبحانه # ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون # القصص 78 لما قدمنا غير مرة أن الآخرة مواطن، ففي موطن يسألون، وفي ~~موطن لا يسألون، وهكذا سائر ما ورد مما ظاهره التعارض بأن أثبت ms1204 تارة ونفى ~~أخرى، بالنسبة إلى يوم القيامة، فإنه محمول على تعدد المواقف مع طول ذلك ~~اليوم طولا عظيما { فلنقصن عليهم بعلم } أي على الرسل ~~والمرسل إليهم، ما وقع بينهم عند الدعوة منهم بعلم لا بجهل، أي عالمين ~~بما يسرون وما يعلنون { وما كنا غائبين } عنهم في حال من ~~الأحوال حتى يخفى علينا شيء مما وقع بينهم. وقد أخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء ~~والصفات، وابن النجار في تاريخه، عن ابن عباس، في قوله { المص } قال أنا ~~الله أفصل. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير، مثله. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، أن هذا ونحوه من فواتح السور قسم ~~أقسم الله به، وهي من أسماء الله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ~~السدي في قوله { المص } قال هو المصور. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن محمد بن كعب القرظي في قوله { المص } قال الألف من الله والميم من ~~الرحمن والصاد من الصمد. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، قال معناه أنا الله ~~الصادق، ولا يخفى عليك أن هذا كله قول بالظن، وتفسير بالحدس، ولا حجة في ~~شيء من ذلك، والحق ما قدمنا في فاتحة سورة البقرة. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن أبي حاتم، عن ابن عباس { فلا يكن فى صدرك حرج منه } ~~قال الشك، وقال الأعرابي ما الحرج فيكم؟ قال اللبس. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، عن مجاهد، نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، قال ضيق. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم، ثم قرأ { ~~فما كان دعواهم } الآية. وأخرجه ابن جرير عنه مرفوعا. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس { ~~فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن ~~المرسلين } قال نسأل الناس عما أجابوا المرسلين، ونسأل المرسلين ~~عما بلغوا، { فلنقصن عليهم بعلم } ، قال بوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم ~~بما كانوا يعملون. وأخرج عبد بن ms1205 حميد، عن فرقد، في الآية قال أحدهما ~~الأنبياء، وأحدهما الملائكة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد، في الآية قال ~~نسأل الناس عن قول لا إله إلا الله، ونسأل جبريل. ### || [7.8-18] # قوله { والوزن يومئذ الحق } الوزن مبتدأ وخبره الحق، أي ~~الوزن في هذا اليوم العدل الذي لا جور فيه، أو الخبر يومئذ، والحق وصف ~~للمبتدأ، أي الوزن العدل كائن في هذا اليوم وقيل إن الحق خبر مبتدأ ~~محذوف. واختلف أهل العلم في كيفية هذا الوزن الكائن في هذا اليوم، فقيل ~~المراد به وزن صحائف أعمال العباد بالميزان وزنا حقيقيا، وهذا هو ~~الصحيح، وهو الذي قامت عليه الأدلة وقيل توزن نفس الأعمال، وإن كانت ~~أعراضا فإن الله يقلبها يوم القيامة أجساما كما جاء في الخبر الصحيح # " إن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو ~~فرقان من طير صواف " # وكذلك ثبت في الصحيح أنه يأتي القرآن في صورة شاب شاحب اللون ونحو ذلك. ~~وقيل الميزان الكتاب الذي فيه أعمال الخلق. وقيل الوزن والميزان بمعنى ~~العدل والقضاء، وذكرهما من باب ضرب المثل، كما تقول هذا الكلام في وزن ~~هذا. قال الزجاج هذا سائغ من جهة اللسان، والأولى أن نتبع ما جاء في ~~الأسانيد الصحاح من ذكر الميزان. قال القشيري وقد أحسن الزجاج فيما قال، ~~إذ لو حمل الميزان على هذا، فليحمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار ~~على ما يرد على الأرواح دون الأجساد، والشياطين والجن على الأخلاق ~~المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة، ثم قال وقد أجمعت الأمة في ~~الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل، وإذا أجمعوا على منع ~~التأويل وجب الأخذ بالظاهر، وصارت هذه الظواهر نصوصا انتهى. والحق هو ~~القول الأول. وأما المستبعدون لحمل هذه الظواهر على حقائقها فما يأتون ~~في استبعادهم بشيء من الشرع يرجع إليه، بل غاية ما تشبثوا به مجرد ~~الاستبعادات العقلية، وليس في ذلك حجة على أحد، فهذا إذا لم تقبله ~~عقولهم، فقد قبلته عقول قوم هي أقوى من عقولهم من الصحابة ms1206 والتابعين ~~وتابعيهم، حتى جاءت البدع كالليل المظلم وقال كل ما شاء، وتركوا الشرع ~~خلف ظهورهم وليتهم جاءوا بأحكام عقلية يتفق العقلاء عليها، ويتحد قبولهم ~~لها، بل كل فريق يدعى على العقل ما يطابق هواه، ويوافق ما يذهب إليه هو ~~أو من هو تابع له، فتتناقض عقولهم على حسب ما تناقضت مذاهبهم، يعرف هذا ~~كل منصف، ومن أنكره فليصف فهمه وعقله عن شوائب التعصب والتمذهب، فإنه إن ~~فعل ذلك أسفر الصبح لعينيه. وقد ورد ذكر الوزن والموازين في مواضع من ~~القرآن كقوله # ونضع الموزين القسط ليوم القيمة فلا تظلم ~~نفس شيئا # الأنبياء 47، وقوله # فإذا نفخ فى الصور فلا أنسب بينهم يومئذ ~~ولا يتساءلون # المؤمنون 101، وقوله # فمن ثقلت موزينه فأولئك هم المفلحون ومن ~~خفت موزينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم فى ~~جهنم خلدون # المؤمنون 102، 103، وقوله # إن الله لا يظلم مثقال ذرة # النساء 40، وقوله # فأما من ثقلت موزينه فهو فى عيشة راضية ~~وأما من خفت موزينه فأمه هاوية # القارعة 6-9. والفاء في { فمن ثقلت موزينه } للتفصيل. ~~والموازين جمع ميزان، وأصله موزان قلبت الواو ياء لكسر ما قبلها، وثقل ~~الموازين هذا يكون بثقل ما وضع فيها من صحائف الأعمال. وقيل إن الموازين ~~جمع موزون، أي فمن رجحت أعماله الموزونة، والأول أولى. وظاهر جمع ~~الموازين المضافة إلى العامل أن لكل واحد من العاملين موازين يوزن بكل ~~واحد منها صنف من أعماله. وقيل وهو ميزان واحد عبر عنه بلفظ الجمع كما ~~يقال خرج فلان إلى مكة على البغال، والإشارة بقوله { فأولئك } إلى ~~" من " ، والجمع باعتبار معناه كما رجع إليه ضمير { موزينه } ~~باعتبار لفظه هو مبتدأ خبره { هم المفلحون } والكلام في قوله { ~~ومن خفت موزينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم } مثله، والباء في { بما كانوا بآيتنا يظلمون ~~} سببية، و " ما " مصدرية. ومعنى { يظلمون } يكذبون. قوله { ~~ولقد مكنكم فى الأرض } أي جعلنا لكم فيها مكانا وهيأنا ~~لكم فيها أسباب المعايش. والمعايش جمع معيشة، أي ما يتعايش به من المطعوم ~~والمشروب، وما تكون به الحياة، يقال عاش يعيش عيشا ومعاشا ومعيشا. ms1207 قال ~~الزجاج المعيشة ما يتوصلون به إلى العيش، والمعيشة عند الأخفش وكثير من ~~النحويين مفعلة. وقرأ الأعرج «معائش» بالهمز، وكذا روى خارجة بن مصعب، عن ~~نافع. قال النحاس والهمز لحن لا يجوز، لأن الواحدة معيشة والياء أصلية، ~~كمدينة ومداين، وصحيفة وصحايف. قوله { قليلا ما تشكرون } ~~الكلام فيه كالكلام فيما تقدم قريبا من قوله تعالى # قليلا ما تذكرون # الأعراف 3. قوله { ولقد خلقنكم ثم صورنكم } هذا ~~ذكر نعمة أخرى من نعم الله على عبيده. والمعنى خلقناكم نطفا ثم صورناكم ~~بعد ذلك، وقيل المعنى خلقنا آدم من تراب، ثم صورناكم في ظهره. وقيل { ~~ولقد خلقنكم } يعني آدم ذكر بلفظ الجمع لأنه أبو البشر، { ~~ثم صورنكم } راجع إليه، ويدل عليه { ثم قلنا ~~للملئكة اسجدوا لآدم } فإن ترتيب هذا القول على الخلق ~~والتصوير يفيد أن المخلوق المصور آدم عليه السلام. وقال الأخفش إن " ثم ~~" في { ثم صورنكم } بمعنى الواو. وقيل المعنى خلقناكم من ظهر ~~آدم، ثم صورناكم حين أخذنا عليكم الميثاق. قال النحاس وهذا أحسن الأقوال ~~وقيل المعنى ولقد خلقنا الأرواح أولا، ثم صورنا الأشباح، ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم، أي أمرناهم بذلك فامتثلوا الأمر، وفعلوا السجود ~~بعد الأمر { إلا إبليس } قيل الاستثناء متصل بتغليب الملائكة على ~~إبليس لأنه كان منفردا بينهم، أو كما قيل لأن من الملائكة جنسا يقال ~~لهم الجن. # وقيل غير ذلك. وقد تقدم تحقيقه في البقرة. قوله { لم يكن من ~~السجدين }. جملة مبينة لما فهم من معنى الاستثناء، ومن جعل ~~الاستثناء منقطعا قال معناه لكن إبليس لم يكن من الساجدين، وجملة { ~~قال ما منعك ألا تسجد } مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل ~~فماذا قال له الله؟ و«لا» في { ألا تسجد } زائدة للتوكيد بدليل قوله ~~تعالى في سورة ص # ما منعك أن تسجد # ص 75 وقيل إن " منع " بمعنى قال، والتقدير من قال لك أن لا تسجد وقيل " ~~منع " بمعنى دعا، أي ما دعاك إلى أن لا تسجد. وقيل في الكلام حذف، ~~والتقدير ما منعك من الطاعة وأحوجك إلى أن لا تسجد ms1208 { إذ أمرتك } ~~أي وقت أمرتك، وقد استدل به على أن الأمر للفور، والبحث مقرر في علم ~~الأصول، والاستفهام في { ما منعك } للتقريع والتوبيخ، وإلا فهو ~~سبحانه عالم بذلك، وجملة { قال أنا خير منه } مستأنفة جواب ~~سؤال مقدر كأنه قيل فما قال إبليس؟ وإنما قال في الجواب { أنا خير منه } ~~، ولم يقل منعني كذا، لأن في هذه الجملة التي جاء بها مستأنفة ما يدل على ~~المانع، وهو اعتقاده أنه أفضل منه. والفاضل لا يفعل مثل ذلك للمفضول مع ~~ما تفيده هذه الجملة من إنكار أن يؤمر مثله بالسجود لمثله. ثم علل ما ~~ادعاه من الخيرية بقوله { خلقتني من نار وخلقته من ~~طين } اعتقادا منه أن عنصر النار أفضل من عنصر الطين. وقد أخطأ عدو ~~الله، فإن عنصر الطين أفضل من عنصر النار من جهة رزانته وسكونه، وطول ~~بقائه، وهي حقيقة مضطربة سريعة النفاد، ومع هذا فهو موجود في الجنة ~~دونها، وهي عذاب دونه، وهي محتاجة إليه لتتحيز فيه، وهو مسجد وطهور، ~~ولولا سبق شقاوته، وصدق كلمة الله عليه، لكان له بالملائكة المطيعين لهذا ~~الأمر أسوة وقدوة، فعنصرهم النوري أشرف من عنصره الناري. وجملة { قال ~~فاهبط } استئنافية كالتي قبلها، والفاء لترتيب الأمر بالهبوط على ~~مخالفته للأمر، أي اهبط من السماء التي هي محل المطيعين من الملائكة ~~الذين لا يعصون الله فيما أمرهم، إلى الأرض التي هي مقر من يعصي ويطيع، ~~فإن السماء لا تصلح لمن يتكبر، ويعصى أمر ربه مثلك، ولهذا قال { فما ~~يكون لك أن تتكبر فيها }. ومن التفاسير الباطلة ما قيل إن ~~معنى { اهبط منها } أي أخرج من صورتك النارية التي افتخرت بها صورة ~~مشوهة مظلمة وقيل المراد هبوطه من الجنة. وقيل من زمرة الملائكة، وجملة ~~{ فاخرج } لتأكيد الأمر بالهبوط، وجملة { إنك من الصاغرين } تعليل للأمر، ~~أي إنك من أهل الصغار، والهوان على الله، وعلى صالحي عباده، وهكذا كل من ~~تردى برداء الاستكبار، عوقب بلبس رداء الهوان والصغار. # ومن ليس رداء التواضع ألبسه الله رداء الترفع. وجملة { قال أنظرنى ~~إلى ms1209 يوم يبعثون } استئنافية كما تقدم في الجمل السابقة، أي ~~أمهلني إلى يوم البعث، وكأنه طلب أن لا يموت، لأن يوم البعث لا موت بعده، ~~والضمير في { يبعثون } لآدم وذريته، فأجابه الله بقوله { إنك ~~من المنظرين } أي الممهلين إلى ذلك اليوم، ثم تعاقب بما قضاه الله ~~لك، وأنزله بك في دركات النار. قيل الحكمة في إنظاره ابتلاء العباد، ~~ليعرف من يطيعه ممن يعصيه. وجملة { قال فبما أغويتنى } مستأنفة ~~كالجمل السابقة، واردة جوابا لسؤال مقدر، والباء في { فبما } ~~للسببية، والفاء لترتيب الجملة على ما قبلها. وقيل الباء للقسم كقوله # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # ص 82 أي فباغوائك إياي { لأقعدن لهم صرطك المستقيم } ~~، والإغواء الإيقاع في الغي. وقيل الباء بمعنى اللام، وقيل بمعنى مع. ~~والمعنى فمع إغوائك إياي. وقيل " ما " في { فبما أغويتنى } ~~للاستفهام. والمعنى فبأي شيء أغويتني؟ والأول أولى. ومراده بهذا الإغواء ~~الذي جعله سببا لما سيفعله مع العباد هو ترك السجود منه، وأن ذلك كان ~~بإغواء الله له، حتى اختار الضلالة على الهدى. وقيل أراد به اللعنة التي ~~لعنه الله، أي فبما لعنتني فأهلكتني، لأقعدن لهم ومنه # فسوف يلقون غيا # مريم 59 أي هلاكا. وقال ابن الأعرابي يقال غوى الرجل يغوي غيا، إذا ~~فسد عليه أمره أو فسد هو في نفسه، ومنه # وعصى ءادم ربه فغوى # طه 121 أي فسد عيشه في الجنة { لأقعدن لهم } أي لأجهدن في ~~إغوائهم حتى يفسدوا بسببي كما فسدت بسبب تركي السجود لأبيهم. والصراط ~~المستقيم هو الطريق الموصل إلى الجنة. وانتصابه على الظرفية، أي في صراطك ~~المستقيم كما حكى سيبويه ضرب زيد الظهر والبطن، واللام في لأقعدن لام ~~القسم، والباء في { فبمآ أغويتنى } متعلقة بفعل القسم المحذوف، ~~أي فبما أغويتني أقسم لأقعدن. قوله { ثم لآتينهم من بين ~~أيديهم ومن خلفهم وعن أيمنهم وعن ~~شمائلهم } ذكر الجهات الأربع لأنها هي التي يأتي منها العدو عدوه، ~~ولهذا ترك ذكر جهة الفوق والتحت، وعدى الفعل إلى الجهتين الأوليين " بمن ~~" ، وإلى الآخريين " بعن " ، لأن الغالب فيمن يأتي من قدام وخلف أن ms1210 يكون ~~متوجها إلى ما يأتيه بكلية بدنه، والغالب فيمن يأتي من جهة اليمين ~~والشمال أن يكون منحرفا، فناسب في الأوليين التعدية بحرف الابتداء، وفي ~~الأخريين التعدية بحرف المجاوزة، وهو تمثيل لوسوسته وتسويله بمن يأتي ~~حقيقة. وقيل المراد { من بين أيديهم } من دنياهم { ومن ~~خلفهم } من آخرتهم { وعن أيمنهم } من جهة حسناتهم { ~~وعن شمائلهم } من جهة سيئاتهم، واستحسنه النحاس. قوله { ولا ~~تجد أكثرهم شكرين } أي وعند أن أفعل ذلك لا تجد أكثرهم ~~شاكرين، لتأثير وسوستي فيهم وإغوائي لهم، وهذا قاله على الظن، ومنه قوله ~~تعالى # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه # سبأ 20. وقيل إنه سمع ذلك من الملائكة فقاله، وعبر بالشكر عن الطاعة أو ~~هو على حقيقته وأنهم لم يشكروا الله بسبب الإغواء. وجملة { قال اخرج ~~منها } استئناف، كالجمل التي قبلها، أي من السماء أو الجنة أو من بين ~~الملائكة كما تقدم { مذءوما } أي مذموما من ذأمه إذا ذمه، يقال ~~ذأمته وذممته بمعنى. وقرأ الأعمش «مذموما». وقرأ الزهري «مذوما» بغير ~~همزة وقيل المذءوم المنفي، والمدحور المطرود. قوله { لمن تبعك ~~منهم } قرأ الجمهور بفتح اللام على أنها لام القسم، وجوابه { ~~لأملان جهنم منكم أجمعين } وقيل اللام في { لمن ~~تبعك } للتوكيد، وفي { لأملان } لام القسم. والأول أولى، وجواب ~~القسم سد مسد جواب الشرط، لأن من شرطية، وفي هذا الجواب من التهديد ~~ما لا يقادر قدره. وقرأ عاصم في رواية عنه " لمن تبعك " بكسر ~~اللام، وأنكره بعض النحويين. قال النحاس وتقديره والله أعلم، من أجل من ~~اتبعك كما يقال أكرمت فلانا لك. وقيل هو علة لا خرج، وضمير { منكم } ~~له ولمن اتبعه، وغلب ضمير الخطاب على ضمير الغيبة، والأصل منك ومنهم. وقد ~~أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في ~~قوله { والوزن يومئذ الحق } قال العدل { فمن ثقلت ~~موزينه } قال حسناته { ومن خفت موزينه } قال حسناته. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، توزن الأعمال. وقد ورد في كيفية الميزان ~~والوزن والموزون أحاديث كثيرة. وأخرج أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن ~~حبان، ms1211 والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، عن عبد الله بن عمرو قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة ~~وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر، فيقول أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك ~~كتبتي الحافظون؟ فيقول لا يا رب، فيقول أفلك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل ~~فيقول لا يا رب، فيقول بلى إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم، ~~فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله، فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال إنك لا تظلم، ~~فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة " # وقد صححه أيضا الترمذي، وإسناده أحمد حسن. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم ~~وصححه، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس، في قوله { ولقد ~~خلقنكم ثم صورنكم } قال خلقوا في أصلاب الرجال، ~~وصوروا في أرحام النساء. # وأخرج الفريابي عنه أنه قال خلقوا في ظهر آدم، ثم صوروا في الأرحام. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه أيضا قال أما { خلقناكم } فآدم، ~~وأما { ثم صورناكم } فذريته. وأخرج أبو الشيخ، عن عكرمة، في الآية قال ~~خلق إبليس من نار العزة. وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة قالت قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من نار، وخلق آدم مما وصف لكم " # وأخرج ابن جرير عن الحسن قال أول من قاس إبليس في قوله { خلقتني ~~من نار وخلقته من طين } وإسناده صحيح إلى الحسن. وأخرج أبو ~~نعيم في الحلية، والديلمي، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جده، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس قال الله له اسجد لآدم، فقال أنا ~~خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " # قال جعفر فمن قاس أمر الدين برأيه، قرنه الله ms1212 يوم القيامة بإبليس، لأنه ~~اتبعه بالقياس، وينبغي أن ينظر في إسناد هذا الحديث، فما أظنه يصح رفعه ~~وهو لا يشبه كلام النبوة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~عن ابن عباس، قال { فبما أغويتنى } أضللتني. وأخرج عبد بن حميد، ~~عنه، في قوله { لأقعدن لهم صرطك المستقيم } قال طريق ~~مكة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود مثله. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس { ~~ثم لآتينهم من بين أيديهم } قال أشككهم في آخرتهم { ~~ومن خلفهم } قال أرغبهم في دنياهم { وعن أيمنهم } ~~أشبه عليهم أمر دينهم { وعن شمائلهم } قال أسن لهم المعاصي وأحق ~~عليهم الباطل { ولا تجد أكثرهم شكرين } قال موحدين. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه { ثم لآتينهم من بين ~~أيديهم } يقول من حيث يبصرن { ومن خلفهم } من حيث لا يبصرون ~~{ وعن أيمنهم } من حيث يبصرون { وعن شمائلهم } من حيث ~~لا يبصرون. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عنه، أيضا في الآية قال لم ~~يستطع أن يقول من فوقهم. وفي لفظ علم أن الرحمة تنزل من فوقهم. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عنه، في قوله { مذءوما } قال ملوما، مدحورا قال مقيتا. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن مجاهد { مذءوما } قال منفيا { مدحورا } قال مطرودا. ### || [7.19-25] # قوله { ويا ءادم } هو على تقدير القول، أي وقلنا يا آدم. قال له هذا ~~القول، بعد إخراج إبليس من الجنة، أو من السماء، أو من بين الملائكة كما ~~تقدم. وقد تقدم معنى الإسكان، ومعنى { ولا تقربا هذه ~~الشجرة } في البقرة. ومعنى { من حيث شئتما } من أي نوع من ~~أنواع الجنة شئتما أكله، ومثله ما تقدم من قوله تعالى # وكلا منها رغدا حيث شئتما # البقرة 35 وحذف النون من { فتكونا } لكونه معطوفا على المجزوم، أو ~~منصوبا على أنه جواب النهي. قوله { فوسوس لهما الشيطن } ~~الوسوسة الصوت الخفي، والوسوسة حديث النفس، يقال وسوست إليه نفسه وسوسة ~~ووسواسا ms1213 بكسر الواو، والوسوسة بالفتح الاسم مثل الزلزلة والزلزال، ويقال ~~لهمس الصائد والكلاب، وأصوات الحلي وسواس. قال الأعشى # تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت # والوسواس اسم الشيطان. ومعنى وسوس له وسوس إليه، أو فعل الوسوسة لأجله. ~~قوله { ليبدي لهما } أي ليظهر لهما، واللام للعاقبة، كما في قوله # ليكون لهم عدوا وحزنا # القصص 8. وقيل هي لام كي، أي فعل ذلك ليتعقبه الإيذاء، أو لكي يقع ~~الإيذاء. قوله { ما ووري } أي ما ستر وغطي { عنهما من ~~سوآتهما } سمي الفرج سوءة، لأن ظهوره يسوء صاحبه، أراد الشيطان أن ~~يسوءهما بظهور ما كان مستورا عنهما من عوراتهما، فإنهما كانا لا يريان ~~عورة أنفسهما، ولا يراها أحدهما من الآخر، وإنما لم تقلب الواو في { ما ~~ووري } همزة، لأن الثانية مدة. قيل إنما بدت عورتهما لهما لا لغيرهما، ~~وكان عليهما نور يمنع من رؤيتها { وقال } أي الشيطان لهما { ما ~~نهكما ربكما عن } أكل هذه الشجرة { إلا أن تكونا ~~ملكين } " أن " في موضع نصب، وفي الكلام مضاف محذوف تقديره ولا ~~كراهة أن تكونا ملكين، هكذا قال البصريون. وقال الكوفيون التقدير لئلا ~~تكونا ملكين { أو تكونا من الخلدين } في الجنة، أو من ~~الذين لا يموتون. قال النحاس فضل الله الملائكة على جميع الخلق في غير ~~موضع في القرآن، فمنها هذا، ومنها # ولا أقول إنى ملك # هود 31، ومنها # ولا الملئكة المقربون # النساء 172. قال ابن فورك لا حجة في هذه الآية، لأنه يحتمل أن يريد ~~ملكين في أن لا يكون لهما شهوة في الطعام. وقد اختلف الناس في هذه ~~المسألة اختلافا كثيرا، وأطالوا الكلام في غير طائل، وليست هذه المسألة ~~مما كلفنا الله بعلمه، فالكلام فيها لا يعنينا. وقرأ ابن عباس، ويحيى بن ~~أبي كثير، والضحاك «ملكين» بكسر اللام، وأنكر أبو عمرو بن العلاء هذه ~~القراءة وقال لم يكن قبل آدم ملك فيصيرا ملكين. وقد احتج من قرأ بالكسر ~~بقوله تعالى # هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى # طه 120. قال أبو عبيد هذه حجة بينة لقراءة الكسر، ولكن الناس على تركها ms1214 ~~فلهذا تركناها. قال النحاس هي قراءة شاذة، وأنكر على أبي عبيد، هذا ~~الكلام وجعله من الخطأ الفاحش. قال وهل يجوز أن يتوهم على آدم عليه ~~السلام أن يصل إلى أكثر من ملك الجنة وهي غاية الطالبين؟ وإنما معنى { ~~وملك لا يبلى } المقام في ملك الجنة والخلود فيه. قوله { ~~وقاسمهما إني لكما لمن النصحين } أي حلف لهما فقال ~~أقسم قساما أي حلف، ومنه قول الشاعر # وقاسمهما بالله جهدا لأنتما ألذ من السلوى إذا ما نشورها # وصيغة المفاعلة وإن كانت في الأصل تدل على المشاركة، فقد جاءت كثيرا ~~لغير ذلك. وقد قدمنا تحقيق هذا في المائدة، والمراد بها هنا المبالغة في ~~صدور الأقسام لهما من إبليس. وقيل إنهما أقسما له بالقبول، كما أقسم لهما ~~على المناصحة، قوله { فدلهما بغرور } التدلية والإدلاء إرسال ~~الشيء من أعلى إلى أسفل، يقال أدلى دلوه أرسلها، والمعنى أنه أهبطهما ~~بذلك من الرتبة العلية إلى الأكل من الشجرة. وقيل معناه أوقعهما في ~~الهلاك. وقيل خدعهما، وأنشد نفطويه # إن الكريم إذا تشاء خدعته وترى اللئيم مجربا لا يخدع # وقيل معنى { دلاهما } دللهما من الدالة، وهي الجرأة، أي جرأهما على ~~المعصية، فخرجا من الجنة. قوله { فلما ذاقا الشجرة بدت ~~لهما سوآتهما } أي لما طعماها ظهرت لهما عوراتهما، بسبب زوال ما كان ~~ساترا لهما، وهو تقلص النور الذي كان عليها. وقد تقدم في البقرة، قوله ~~{ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } طفق يفعل ~~كذا، بمعنى شرع يفعل كذا. وحكى الأخفش طفق يطفق مثل ضرب يضرب أي شرعا أو ~~جعلا يخصفان عليهما. قرأ الحسن «يخصفان» بكسر الخاء وتشديد الصاد، والأصل ~~يختصفان، فأدغم وكسرت الخاء لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن بريدة ويعقوب ~~بفتح الخاء. وقرأ الزهري «يخصفان» من أخصف. وقرأ الجمهور { يخصفان } من ~~خصف. والمعنى أنهما أخذا يقطعان الورق ويلزقانه بعورتهما ليستراها، من ~~خصف النعل إذا جعله طبقة فوق طبقة { وناداهما ربهما } قائلا ~~لهما { ألم أنهكما عن تلكما الشجرة } التي نهيتكما عن ~~أكلها، وهذا عتاب من الله لهما وتوبيخ، حيث لم يحذرا ما حذرهما ms1215 منه { ~~وأقل لكما } معطوف على { أنهكما } { إن الشيطن لكما ~~عدو مبين } أي مظهر للعداوة. قوله { قالا ربنا ظلمنا ~~أنفسنا } جملة استئنافية مبنية على تقدير سؤال كأنه قيل فماذا قالا؟ ~~وهذا منهما اعتراف بالذنب، وأنهما ظلما أنفسهما مما وقع منهما من ~~المخالفة، ثم قالا { وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخسرين }. وجملة { قال اهبطوا } استئناف ~~كالتي قبلها، والخطاب لآدم وحواء وذريتهما، أو لهما ولإبليس، وجملة { ~~بعضكم لبعض عدو } في محل نصب على الحال { ولكم فى ~~الأرض مستقر } أي موضع استقرار و لكم { متع } تتمتعون به ~~في الدنيا، وتنتفعون به من المطعم والمشرب ونحوهما { إلى حين } أي ~~إلى وقت، وهو وقت موتكم. # وجملة { قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها ~~تخرجون } استئنافية كالتي قبلها، أي في الأرض تحيون، وفيها يأتيكم ~~الموت، ومنها تخرجون إلى دار الآخرة، ومثله قوله تعالى # منها خلقنكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم ~~تارة أخرى # طه 55 واعلم أنه قد سبق شرح هذه القصة مستوفى في البقرة فارجع إليه. وقد ~~أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، وابن عساكر، عن وهب بن منبه في قوله { ليبدي لهما ما ~~ووري عنهما من سوءاتهما } قال كان على كل واحد منهما نور ~~لا يبصر كل واحد منهما سوءة صاحبه، فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال أتاهما إبليس فقال ما ~~نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكون ملكين مثله، يعني مثل الله عز ~~وجل، فلم يصدقاه حتى دخل في جوف الحية فكلمهما. وأخرج أبو الشيخ، عن ~~ابن عباس، في الآية { إلا أن تكونا ملكين } فإن أخطأكما أن ~~تكونا ملكين لم يخطئكما أن تكونا خالدين فلا تموتان فيها أبدا { ~~وقاسمهما } قال حلف لهما { إني لكما لمن النصحين }. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب، في قوله { ~~فدلهما بغرور } قال مناهما بغرور. وأخرج ابن المنذر، وابن ~~أبي شيبة، عن عكرمة قال لباس كل دابة منها، ولباس ms1216 الإنسان الظفر، فأدركت ~~آدم التوبة عند ظفره. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ وابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر، ~~عن ابن عباس، قال كان لباس آدم وحواء كالظفر، فلما أكلا من الشجرة لم يبق ~~عليهما إلا مثل الظفر { وطفقا يخصفان عليهما من ورق ~~الجنة } قال ينزعان ورق التين، فيجعلانه على سوآتهما. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عنه قال لما أسكن الله آدم الجنة كساه سربالا من الظفر، فلما أصاب ~~الخطيئة سلبه السربال، فبقي في أطراف أصابعه. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، نحوه من طريق أخرى. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن أنس بن مالك، قال كان لباس آدم في الجنة الياقوت، ~~فلما عصى قلص فصار الظفر. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله { وطفقا ~~يخصفان } قال يرقعان كهيئة الثوب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي { ~~وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ~~} قال آدم رب إنه حلف لي بك، ولم أكن أعلم أن أحدا من خلقك يحلف بك إلا ~~صادقا، وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن { قالا ربنا ظلمنا ~~أنفسنا } الآية قال هي الكلمات التي تلقى آدم من ربه. وأخرج عبد بن ~~حميد عن الضحاك مثله. ### || [7.26-27] # عبر سبحانه بالإنزال عن الخلق، أي خلقنا لكم لباسا يواري سوآتكم التي ~~أظهرها إبليس من أبويكم، والسوأة العورة كما سلف، والكلام في قدرها وما ~~يجب ستره منها مبين في كتب الفروع. قوله { وريشا } قرأ الحسن وعاصم، ~~من رواية المفضل الضبي، وأبو عمرو، من رواية الحسن بن علي الجعفي ~~«ورياشا» وقرأ الباقون { وريشا } والرياش جمع ريش وهو اللباس. قال ~~الفراء ريش ورياش كما يقال لبس ولباس، وريش الطائر ما ستره الله به. وقيل ~~المراد بالريش هنا الخصب ورفاهية العيش. قال القرطبي والذي عليه أكثر أهل ~~اللغة أن الريش ما ستر من لباس أو معيشة. وحكى أبو حاتم ms1217 عن أبي عبيدة ~~وهبت له دابة وريشها، أي وما عليها من اللباس. وقيل المراد بالريش هنا ~~لباس الزينة لذكره بعد قوله { قد أنزلنا عليكم لباسا } ~~وعطفه عليه. قوله { ولباس التقوى } قرأ أهل المدينة وابن عامر ~~والكسائي بنصب لباس. وقرأ الباقون بالرفع فالنصب على أنه معطوف على لباس ~~الأول، والرفع على أنه مبتدأ، وجملة { ذلك خير } خبره، والمراد ~~بلباس التقوى لباس الورع، واتقاء معاصي الله، وهو الورع نفسه والخشية من ~~الله، فذلك خير لباس وأجمل زينة. وقيل لباس التقوى الحياء. وقيل العمل ~~الصالح، وقيل هو لباس الصوف والخشن من الثياب لما فيه من التواضع لله. ~~وقيل هو الدرع والمغفر الذي يلبسه من يجاهد في سبيل الله، والأول أولى. ~~وهو يصدق على كل ما فيه تقوى لله فيندرج تحته جميع ما ذكر من الأقوال، ~~ومثل هذه الاستعارة كثيرة الوقوع في كلام العرب، ومنه # إذ المرء لم يلبس ثيابا من التقى تقلب عريانا وإن كان كاسيا # ومثله # تغط بأثواب السخاء فإنني أرى كل عيب والسخاء غطاؤه # والإشارة بقوله { ذلك } إلى لباس التقوى، أي هو خير لباس، وقرأ ~~الأعمش " ولباس التقوى خير " والإشارة بقوله { ذلك من ~~آيت الله } إلى الإنزال المدلول عليه بأنزلنا، أي ذلك الإنزال من ~~آيات الله الدالة على أن له خالقا. ثم كرر الله سبحانه النداء لبني آدم ~~تحذيرا لهم من الشيطان، فقال { يبنى آدم لا يفتننكم ~~الشيطن } أي لا يوقعنكم في الفتنة، فالنهي وإن كان للشيطان، فهو ~~في الحقيقة لبني آدم بأن لا يفتتنوا بفتنته ويتأثروا لذلك، والكاف في { ~~كما أخرج } نعت مصدر محذوف، أي لا يفتننكم فتنة مثل إخراج أبويكم ~~من الجنة، وجملة { ينزع عنهما لباسهما } في محل نصب على ~~الحال، وقد تقدم تفسيره، واللام في { ليريهما سوآتهما } لام كي، ~~أي لكي يريهما، وقد تقدم تفسيره أيضا. قوله { إنه يراكم هو ~~وقبيله من حيث لا ترونهم } هذه الجملة تعليل لما قبلها، ~~مع ما تتضمنه من المبالغة في تحذريهم منه، لأن من كان بهذه المثابة يرى ~~بني آدم من حيث ms1218 لا يرونه، كان عظيم الكيد، وكان حقيقا بأن يحترس منه ~~أبلغ احتراس { وقبيله } أعوانه من الشياطين وجنوده. # وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على أن رؤية الشياطين غير ~~ممكنة، وليس في الآية ما يدل على ذلك، وغاية ما فيها أنه يرانا من حيث لا ~~نراه، وليس فيها أنا لا نراه أبدا، فإن انتفاء الرؤية منا له في وقت ~~رؤيته لنا لا يستلزم انتفاءها مطلقا، ثم أخبر الله سبحانه بأنه جعل ~~الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون من عباده وهم الكفار. وقد أخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في ~~قوله { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم } قال كان ناس من ~~العرب يطوفون بالبيت عراة، وفي قوله { وريشا } قال المال. وأخرج ابن ~~جرير، عن عروة بن الزبير، في قوله { لباسا يورى سوآتكم } قال ~~الثياب { وريشا } قال المال { ولباس التقوى } قال خشية الله. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن زيد بن علي، في قوله { لباسا يورى سواتكم ~~} قال لباس العامة { وريشا } قال لباس الزينة { ولباس التقوى ~~} قال الإسلام. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~من طرق عن ابن عباس، في قوله { وريشا } قال المال واللباس والعيش ~~والنعيم، وفي قوله { ولباس التقوى } قال الإيمان والعمل الصالح ~~{ ذلك خير } قال الإيمان والعمل خير من الريش واللباس، وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عنه، في قوله " ورياشا } يقول المال. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن مجاهد، في قوله { ينزع عنهما لباسهما } قال ~~التقوى، وفي قوله { إنه يراكم هو وقبيله } قال الجن ~~والشياطين. ### || [7.28-30] # الفاحشة ما تبالغ في فحشه وقبحه من الذنوب. قال أكثر المفسرين هي طواف ~~المشركين بالبيت عراة. وقيل هي الشرك، والظاهر أنها تصدق على ما هو أعم ~~من الأمرين جميعا، والمعنى أنهم إذا فعلوا ذنبا قبيحا متبالغا في ~~القبح، اعتذروا عن ذلك بعذرين الأول أنهم فعلوا ذلك ms1219 اقتداء بآبائهم لما ~~وجدوهم مستمرين على فعل تلك الفاحشة، والثاني أنهم مأمورون بذلك من جهة ~~الله سبحانه. وكلا العذرين في غاية البطلان والفساد، لأن وجود آبائهم على ~~القبح لا يسوغ لهم فعله، والأمر من الله سبحانه لهم لم يكن بالفحشاء، بل ~~أمرهم باتباع الأنبياء والعمل بالكتب المنزلة ونهاهم عن مخالفتهما، ومما ~~نهاهم عنه فعل الفواحش، ولهذا رد الله سبحانه عليهم بأن أمر نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أن يقول لهم { إن الله لا يأمر بالفحشاء ~~} فكيف تدعون ذلك عليه سبحانه، ثم أنكر عليهم ما أضافوه إليه، فقال { ~~أتقولون على الله ما لا تعلمون } وهو من تمام ما أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم، وفيه من التقريع والتوبيخ أمر ~~عظيم، فإن القول بالجهل إذا كان قبيحا في كل شيء، فكيف إذا كان في ~~التقول على الله؟ وإن في هذه الآية الشريفة لأعظم زاجر، وأبلغ واعظ، ~~للمقلدة الذين يتبعون آباءهم في المذاهب المخالفة للحق، فإن ذلك من ~~الاقتداء بأهل الكفر لا بأهل الحق، فإنهم القائلون # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون # الزخرف 23 والقائلون { وجدنا عليها ءاباءنا والله ~~أمرنا بها } والمقلد لولا اغتراره بكونه وجد أباه على ذلك المذهب، ~~مع اعتقاده بأنه الذي أمر الله به، وأنه الحق لم يبق عليه، وهذه الخصلة ~~هي التي بقي بها اليهودي على اليهودية، والنصراني على النصرانية، ~~والمبتدع على بدعته، فما أبقاهم على هذه الضلالات إلا كونهم وجدوا آباءهم ~~في اليهودية، والنصرانية، أو البدعية، وأحسنوا الظن بهم، بأن ما هم عليه ~~هو الحق الذي أمر الله به، ولم ينظروا لأنفسهم، ولا طلبوا الحق كما يجب، ~~وبحثوا عن دين الله كما ينبغي، وهذا هو التقليد البحت والقصور الخالص، ~~فيا من نشأ على مذهب من هذه المذاهب الإسلامية أنا لك النذير المبالغ في ~~التحذير، من أن تقول هذه المقالة وتستمر على الضلالة، فقد اختلط الشر ~~بالخير، والصحيح بالسقيم، وفاسد الرأي بصحيح الرواية، ولم يبعث الله إلى ~~هذه الأمة إلا نبيا واحدا أمرهم ms1220 باتباعه ونهى عن مخالفته فقال # وما آتكم الرسول فخذوه وما نهكم عنه ~~فانتهوا # الحشر 7 ولو كان محض رأى أئمة المذاهب وأتباعهم حجة على العباد، لكان ~~لهذه الأمة رسل كثيرون متعددون بعدد أهل الرأي المكلفين للناس بما لم ~~يكلفهم الله به. # وإن من أعجب الغفلة، وأعظم الذهول عن الحق، اختيار المقلدة لآراء الرجال ~~مع وجود كتاب الله، ووجود سنة رسوله، ووجود من يأخذونهما عنه، ووجود آلة ~~الفهم لديهم، وملكة العقل عندهم. قوله { قل أمر ربي بالقسط } ~~القسط العدل، وفيه أن الله سبحانه يأمر بالعدل، لا كما زعموه من أن الله ~~أمرهم بالفحشاء. وقيل القسط هنا هو لا إله إلا الله، وفي الكلام حذف، أي ~~قل أمر ربي بالقسط فأطيعوه. قوله { وأقيموا وجوهكم عند كل ~~مسجد } معطوف على المحذوف المقدر، أي توجهوا إليه في صلاتكم إلى ~~القبلة في أي مسجد كنتم، أو في كل وقت سجود، أو في كل مكان سجود، على أن ~~المراد بالسجود الصلاة { وادعوه مخلصين له الدين } أي ادعوه ~~أو اعبدوه حال كونكم مخلصين الدعاء، أو العبادة له. وقيل وحدوه ولا ~~تشركوا به. قوله { كما بدأكم تعودون } الكاف نعت مصدر محذوف. ~~وقال الزجاج هو متعلق بما قبله. والمعنى كما أنشأكم في ابتداء الخلق ~~يعيدكم، فيكون المقصود الاحتجاج على منكري البعث، فيجازي المحسن بإحسانه، ~~والمسيء بإساءته. وقيل كما أخرجكم من بطون أمهاتكم تعودون إليه كذلك ليس ~~معكم شيء، فيكون مثل قوله تعالى # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقنكم أول مرة # الأنعام 94. وقيل كما بدأكم من تراب تعودون إلى التراب { فريقا ~~هدى } منتصب بفعل يفسره ما بعده. وقيل منتصب على الحال من المضمر في ~~تعودون، أي تعودون فريقين سعداء وأشقياء، ويقويه قراءة أبي «فريقين ~~فريقا هدى»، والفريق الذي هداه الله هم المؤمنون بالله المتبعون ~~لأنبيائه، والفريق الذي حقت عليه الضلالة هم الكفار. قوله { إنهم ~~اتخذوا الشيطين أولياء من دون الله } تعليل لقوله { ~~وفريقا حق عليهم الضللة } أي ذلك بسبب أنهم أطاعوا ~~الشياطين في معصية الله، ومع هذا فإنهم { يحسبون أنهم ~~مهتدون ms1221 } ، ولم يعترفوا على أنفسهم بالضلالة، وهذا أشد في تمردهم ~~وعنادهم. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في ~~قوله { إذا فعلوا فحشة } قال كانوا يطوفون بالبيت عراة، ~~فنهوا عن ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي مثله. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عن محمد بن كعب نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة في الآية ~~قال والله ما أكرم الله عبدا قط على معصيته، ولا رضيها له ولا أمر بها، ~~ولكن رضي لكم بطاعته، ونهاكم عن معصيته، وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد، في ~~قوله { أمر ربي بالقسط } قال بالعدل { وأقيموا ~~وجوهكم عند كل مسجد } قال إلى الكعبة حيثت صليتم في كنيسة ~~أو غيرها { كما بدأكم تعودون } قال شقي وسعيد. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { ~~كما بدأكم تعودون } الآية قال إن الله بدأ خلق بني آدم مؤمنا ~~وكافرا كما قال # هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن # التغابن 2 ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنا وكافرا. وأخرج ~~ابن جرير، عن جابر في الآية قال يبعثون على ما كانوا عليه المؤمن على ~~إيمانه والمنافق على نفاقه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، عنه أنه ~~ذكر القدرية فقال قاتلهم الله، أليس قد قال الله تعالى { كما ~~بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضللة }. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، أيضا في الآية يقول كما ~~خلقناكم أول مرة كذلك تعودون. ### || [7.31-33] # هذا خطاب لجميع بني آدم، وإن كان واردا على سبب خاص، فالاعتبار بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب والزينة ما يتزين به الناس من الملبوس، أمروا ~~بالتزين عند الحضور إلى المساجد للصلاة والطواف. وقد استدل بالآية على ~~وجوب ستر العورة في الصلاة، وإليه ذهب جمهور أهل العلم، بل سترها واجب في ~~كل حال من الأحوال، وإن كان الرجل خاليا كما دلت عليه الأحاديث ~~الصحيحة، والكلام على ms1222 العورة وما يجب ستره منها مفصل في كتب الفروع. قوله ~~{ كلوا واشربوا * ولا تسرفوا } أمر الله سبحانه عباده ~~بالأكل والشرب، ونهاهم عن الإسراف، فلا زهد في ترك مطعم ولا مشرب، وتاركه ~~بالمرة قاتل لنفسه، وهو من أهل النار، كما صح في الأحاديث الصحيحة، ~~والمقلل منه على وجه يضعف به بدنه ويعجز عن القيام بما يجب عليه القيام ~~به من طاعة أو سعي على نفسه، وعلى من يعول مخالفا لما أمر الله به وأرشد ~~إليه، والمسرف في إنفاقه على وجه لا يفعله إلا أهل السفه، والتبذير مخالف ~~لما شرعه الله لعباده واقع في النهي القرآني وهكذا من حرم حلالا أو حلل ~~حراما، فإنه يدخل في المسرفين ويخرج عن المقتصدين. ومن الإسراف الأكل لا ~~لحاجة، وفي وقت شبع. قوله { قل من حرم زينة الله التى ~~أخرج لعباده } الزينة ما يتزين به الإنسان، من ملبوس أو غيره من ~~الأشياء المباحة، كالمعادن التي لم يرد نهي عن التزين بها، والجواهر ~~ونحوها وقيل الملبوس خاصة، ولا وجه له، بل هو من جملة ما تشمله الآية، ~~فلا حرج على من لبس الثياب الجيدة الغالية القيمة إذا لم يكن مما حرمه ~~الله، ولا حرج على من تزين بشيء من الأشياء التي لها مدخل في الزينة، ولم ~~يمنع منها مانع شرعي، ومن زعم أن ذلك يخالف الزهد فقد غلط غلطا بينا. ~~وقد قدمنا في هذا ما يكفي، وهكذا الطيبات من المطاعم والمشارب ونحوهما، ~~مما يأكله الناس، فإنه لا زهد في ترك الطيب منها، ولهذا جاءت الآية هذه ~~معنونة بالاستفهام المتضمن للإنكار على من حرم ذلك على نفسه، أو حرمه ~~على غيره. وما أحسن ما قال ابن جرير الطبري ولقد أخطأ من آثر لباس الشعر ~~والصوف على لباس القطن والكتان، مع وجود السبيل إليه من حله، ومن أكل ~~البقول والعدس، واختاره على خبز البر، ومن ترك أكل اللحم خوفا من عارض ~~الشهوة. وقد قدمنا نقل مثل هذا عنه مطولا. والطيبات المستلذات من ~~الطعام وقيل هو اسم عام لما طاب ms1223 كسبا ومطعما. قوله { قل من حرم ~~زينة الله التى أخرج } أي أنها لهم بالأصالة، وإن شاركهم ~~الكفار فيها ما داموا في الحياة { خالصة يوم القيمة } أي ~~مختصة بهم يوم القيامة، لا يشاركهم فيها الكفار. # وقرأ نافع «خالصة» بالرفع، وهي قراءة ابن عباس، على أنها خبر بعد خبر. ~~وقرأ الباقون بالنصب على الحال. قال أبو علي الفارسي ولا يجوز الوقف على ~~الدنيا لأن ما بعدها متعلق بقوله { للذين ءامنوا } حال منه ~~بتقدير قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها لهم يوم ~~القيامة، قوله { كذلك نفصل الآيت لقوم يعلمون } أي ~~مثل هذا التفصيل نفصل الآيات المشتملة على التحليل والتحريم. قوله { قل ~~إنما حرم ربي الفوحش } جمع فاحشة. وقد تقدم تفسيرها { ~~ما ظهر منها وما بطن } أي ما أعلن منها وما أسر، وقيل هي ~~خاصة بفواحش الزنا، ولا وجه لذلك والإثم يتناول كل معصية يتسبب عنها ~~الإثم وقيل هو الخمر خاصة ومنه قول الشاعر # شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم تذهب بالعقول # ومثله قول الآخر # يشرب الإثم بالصواع جهارا # وقد أنكر جماعة من أهل العلم على من جعل الإثم خاصا بالخمر. قال النحاس ~~فأما أن يكون الإثم الخمر فلا يعرف ذلك، وحقيقته أنه جميع المعاصي، كما ~~قال الشاعر # إني وجدت الأمر أرشده تقوى الإله وشره الإثم # قال الفراء الإثم ما دون الحق والاستطالة على الناس انتهى. وليس في ~~إطلاق الإثم على الخمر ما يدل على اختصاصه به، فهو أحد المعاصي التي يصدق ~~عليها. قال في الصحاح وقد يسمى الخمر إثما، وأنشد # شربت الإثم # البيت، وكذا أنشده الهروي قبله في غريبته. قوله { والبغى بغير ~~الحق } أي الظلم المجاوز للحد، وأفرده بالذكر بعد دخوله فيما قبله ~~لكونه ذنبا عظيما كقوله # وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى # النحل 90 { وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطنا } أي وأن تجعلوا لله شريكا لم ينزل عليكم به حجة. والمراد ~~التهكم بالمشركين، لأن الله لا ينزل برهانا بأن يكون غيره شريكا له { ~~وأن تقولوا ms1224 على الله ما لا تعلمون } بحقيقته وأن الله ~~قاله، وهذا مثل ما كانوا ينسبون إلى الله سبحانه من التحليلات والتحريمات ~~التي لم يأذن بها. وقد أخرج ابن أبي شيبة، ومسلم، والنسائي، وغيرهم، عن ~~ابن عباس، أن النساء كن يطفن عراة إلا أن تجعل المرأة على فرجها خرقة ~~وتقول # اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله # فنزلت { خذوا زينتكم عند كل مسجد }. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عنه، في الآية قال كان الرجال يطوفون بالبيت ~~عراة فأمرهم الله بالزينة. والزينة اللباس وما يواري السوءة، وما سوى ذلك ~~من جيد البر والمتاع. وأخرج ابن عدي، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي ~~هريرة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " خذوا زينة الصلاة، قالوا وما زينة الصلاة؟ قال البسوا نعالكم فصلوا ~~فيها " # وأخرج العقيلي، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وابن عساكر، عن أنس، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في قول الله { خذوا زينتكم عند كل ~~مسجد } قال صلوا في نعالكم. والأحاديث في مشروعية الصلاة في النعل ~~كثيرة جدا، وأما كون ذلك هو تفسير الآية كما روي في هذين الحديثين فلا ~~أدري كيف إسنادهما. وقد ورد النهي عن أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس ~~على عاتقه منه شيء، وهو في الصحيحين وغيرهما، من حديث أبي هريرة. وأخرج ~~عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب، ~~عن ابن عباس، قال أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه، في قوله { إنه لا يحب ~~المسرفين } قال في الطعام والشراب. وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، ~~وابن ماجه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، من طريق عمرو بن شعيب، عن ~~أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة ولا سرف، فإن الله سبحانه ~~يحب أن يرى أثر نعمته على عبده " # وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو ms1225 الشيخ، وابن مردويه، ~~عن ابن عباس، قال كانت قريش تطوف بالبيت، وهم عراة يصفرون ويصفقون، فأنزل ~~الله { قل من حرم زينة الله } فأمروا بالثياب أن يلبسوها. ~~{ قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده ~~والطيبت من } قال ينتفعون بها في الدنيا لا يتبعهم فيها مأثم ~~يوم القيامة. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن الضحاك { قل من ~~حرم زينة الله التى أخرج } قال المشركون يشاركون ~~المؤمنين في زهرة الدنيا، وهي خالصة يوم القيامة للمؤمنين دون المشركين. ~~وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس { والطيبت من الرزق } قال ~~الودك، واللحم، والسمن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~عنه، قال كان أهل الجاهلية يحرمون أشياء أحلها الله من الثياب وغيرها، ~~وهو قول الله # قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم ~~منه حراما وحلالا # يونس 59 وهذا هذا، فأنزل الله { قل من حرم زينة الله ~~التى أخرج لعباده والطيبت من الرزق قل هى ~~للذين ءامنوا فى الحيوة الدنيا } يعني شارك المسلمون ~~الكفار في الطيبات في الحياة الدنيا، فأكلوا من طيبات طعامها، ولبسوا من ~~جياد ثيابها ونكحوا من صالحي نسائها، ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة ~~للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، قال ~~ما ظهر منها العرية، وما بطن الزنا، وكانوا يطوفون بالبيت عراة. وأخرج ~~ابن جرير، عن مجاهد، في الآية قال ما ظهر منها طواف الجاهلية عراة، وما ~~بطن الزنا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي، في ~~قوله { والإثم } قال المعصية { والبغى } قال أن يبغي على الناس ~~بغير حق. ### || [7.34-39] # قوله { ولكل أمة أجل } أي وقت معين محدود ينزل فيه عذابهم من ~~الله أو يميتهم فيه، ويجوز أن تحمل الآية على ما هو أعم من الأمرين ~~جميعا. والضمير في { أجلهم } لكل أمة أي إذا جاء أجل كل أمة من ~~الأمم كان ما قدره عليهم واقعا في ذلك الأجل، لا يستأخرون عنه ساعة ولا ~~يستقدمون عنه ساعة. قال أبو السعود ما ms1226 معناه إن قوله { ولا ~~يستقدمون } عطف على { يستأخرون } لكن " لا " لبيان انتفاء ~~التقدم، مع إمكانه في نفسه كالتأخر، بل للمبالغة في انتفاء التأخر بنظمه ~~في سلك المستحيل عقلا. وقيل المراد بالمجيء الدنو بحيث يمكن التقدم في ~~الجملة كمجيء اليوم الذي ضرب لهلاكهم ساعة منه وليس بذاك. وقرأ ابن سيرين ~~" آجالهم " بالجمع، وخص الساعة بالذكر لأنها أقل أسماء الأوقات. وقد ~~استدل بالآية الجمهور على أن كل ميت يموت بأجله، وإن كان موته بالقتل أو ~~التردي أو نحو ذلك، والبحث في ذلك طويل جدا، ومثل هذه الآية قوله تعالى # ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون # الحجر 5، المؤمنون43. قوله { يبنى آدم إما يأتينكم } ~~الآية " إن " هي الشرطية، و " ما " زائدة للتوكيد، ولهذا لزمت الفعل ~~النون المؤكدة. والقصص قد تقدم معناه، والمعنى إن أتاكم رسل كائنون منكم ~~يخبرونكم بأحكامي ويبينونها لكم، { فمن اتقى وأصلح } أي اتقى ~~معاصي الله، وأصلح حال نفسه باتباع الرسل وإجابتهم { فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون } وهذه الجملة الشرطية هي الجواب ~~للشرط الأول. وقيل جوابه ما دل عليه الكلام، أي إما يأتينكم رسل منكم ~~يقصون عليكم آياتي، فأطيعوهم. والأول أولى، وبه قال الزجاج. { ~~والذين كذبوا بئايتنا } التي يقصها عليهم رسلنا { ~~واستكبروا } عن إجابتها، والعمل بما فيها { فأولئك ~~أصحب النار هم فيها خلدون } لا يخرجون منها، بسبب ~~كفرهم بتكذيب الآيات والرسل. { فمن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا أو كذب بئايته } أي لا أحد أظلم منه. وقد ~~تقدم تحقيقه. والإشارة بقوله { أولئك } إلى المكذبين المستكبرين ~~{ ينالهم نصيبهم من الكتب } أي مما كتب الله لهم من خير ~~وشر. وقيل ينالهم من العذاب بقدر كفرهم. وقيل الكتاب هنا القرآن لأن ~~عذاب الكفار مذكور فيه. وقيل هو اللوح المحفوظ. قوله { حتى إذا ~~جاءتهم رسلنا } أي إلى غاية هي هذه. وجملة { يتوفونهم } ~~في محل نصب على الحال. والمراد بالرسل هنا ملك الموت وأعوانه. وقيل { حتى ~~} هنا هي التي للابتداء. ولكن لا يخفى أن كونها لابتداء الكلام بعدها لا ~~ينافي كونها غاية لما قبلها. والاستفهام ms1227 في قوله { أين ما كنتم ~~تدعون من دون الله } للتقريع والتوبيخ، أي أين الآلهة التي ~~كنتم تدعونها من دون الله وتعبدونها؟ وجملة { قالوا ضلوا عنا ~~} استئنافية بتقدير سؤال وقعت هي جوابا عنه، أي ذهبوا عنا وغابوا فلا ~~ندري أي هم؟ { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا ~~كفرين } أي أقروا بالكفر على أنفسهم. # قوله { قال ادخلوا فى أمم قد خلت من قبلكم } القائل ~~هو الله عز وجل، «وفي» بمعنى " مع " ، أي مع أمم. وقيل هي على بابها. ~~والمعنى ادخلوا في جملتهم. وقيل هو قول مالك خازن النار. والمراد بالأمم ~~التي قد خلت من قبلهم من الجن والإنس هم الكفار من الطائفتين من الأمم ~~الماضية { كلما دخلت أمة } من الأمم الماضية { لعنت ~~أختها } أي الأمة الأخرى التي سبقتها إلى النار، وجعلت أختا لها ~~باعتبار الدين، أو الضلالة، أو الكون في النار { حتى إذا ~~اداركوا فيها } أي تداركوا. والتدارك التلاحق والتتابع، والاجتماع ~~في النار. وقرأ الأعمش «تداركوا» على الأصل من دون إدغام. وقرأ ابن مسعود ~~" حتى إذا ادركوا " أي أدرك بعضهم بعضا. وروي عن أبي عمرو أنه قرأ ~~بقطع ألف الوصل، فكأنه سكت على " إذا " للتذكر، فلما طال سكوته، قطع ألف ~~الوصل كالمبتدىء بها. وهو مثل قول الشاعر # يا نفس صبرا كل حي لاقى وكل اثنين إلى افتراق # { قالت أخراهم لأولهم } أي أخراهم دخولا لأولاهم دخولا. ~~وقيل { أخراهم } أي سفلتهم وأتباعهم { لأولهم } لرؤسائهم وكبارهم. ~~وهذا أولى كما يدل عليه { ربنا هؤلاء أضلونا } فإن المضلين ~~هم الرؤساء. ويجوز أن يراد أنهم أضلوهم لأنهم تبعوهم واقتدوا بدينهم من ~~بعدهم، فيصح الوجه الأول، لأن أخراهم تبعت دين أولاهم. قوله { فآتهم ~~عذابا ضعفا من النار } الضعف الزائد على مثله مرة أو مرات. ~~ومثله قوله تعالى # ربنا ءاتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا ~~كبيرا # الأحزاب 68 وقيل الضعف هنا الأفاعي والحيات، وجملة { قال لكل ~~ضعف } استئنافية جوابا لسؤال مقدر، والمعنى لكل طائفة منكم ضعف من ~~العذاب، أي الطائفة الأولى والطائفة الأخرى { ولكن لا تعلمون ~~} بما لكل نوع من العذاب ms1228 { وقالت أولهم لأخراهم } أي قال ~~السابقون للاحقين، أو المتبعون للتابعين { فما كان لكم ~~علينا من فضل } بل نحن سواء في الكفر بالله واستحقاق عذابه. { ~~فذوقوا } عذاب النار، كما ذقناه { بما كنتم تكسبون } من ~~معاصي الله والكفر به. وقد أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، ~~وابن مردويه، والخطيب، وابن النجار، عن أبي الدرداء قال تذاكرنا زيادة ~~العمر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا من وصل رحمه أنسىء في ~~أجله فقال # " إنه ليس بزائد في عمره، قال الله تعالى { فإذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } ولكن الرجل يكون له ~~الذرية الصالحة، فيدعون الله من بعده، فيبلغه ذلك، فذلك الذي ينسأ في ~~أجله " # وفي لفظ # " فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر " # وهذا الحديث ينبغي أن يكشف عن إسناده، ففيه نكارة، وقد جاءت الأحاديث ~~الصحيحة في الصحيحين وغيرهما بخلافه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن أبي ~~عروبة، قال كان الحسن يقول ما أحمق هؤلاء القوم يقولون اللهم أطل عمره، ~~والله يقول { فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون }. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، من طريق الزهري، عن ابن المسيب قال لما طعن عمر قال كعب لو دعا ~~الله لأخر في أجله، فقيل له أليس قد قال الله { فإذا جاء أجلهم ~~لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } فقال كعب وقد قال ~~الله # وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا فى ~~كتب # فاطر 11. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن ~~عباس، في قوله { أولئك ينالهم نصيبهم من الكتب } ~~قال ما قدر لهم من خير وشر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عنه، في الآية قال من الأعمال، من عمل خيرا جزى به، ومن عمل شرا ~~جزى به. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عنه، أيضا قال نصيبهم من الشقاوة ~~والسعادة. وأخرج عبد ابن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في ~~الآية قال ما سبق من ms1229 الكتاب. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن محمد بن كعب في الآية قال رزقه وأجله وعمله. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي صالح، في ~~الآية قال من العذاب. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن مثله. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي، في قوله { قد خلت } قال قد ~~مضت { كلما دخلت أمة لعنت أختها } قال كلما دخلت ~~أهل ملة لعنوا أصحابهم على ذلك، يلعن المشركون المشركين، واليهود اليهود، ~~والنصارى النصارى، والصابئون الصابئين، والمجوس المجوس، تلعن الآخرة ~~الأولى { حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم ~~} الذين كانوا في آخر الزمان { لأولهم } الذين شرعوا لهم ذلك الدين ~~{ ربنا هؤلاء أضلونا فئاتهم عذابا ضعفا من ~~النار قال لكل ضعف } الأولى والآخرة { وقالت أولهم ~~لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل } وقد ضللتم كما ~~ضللنا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن مجاهد، في قوله { عذابا ضعفا } قال مضاعفا { قال ~~لكل ضعف } قال مضاعف، وفي قوله { فما كان لكم علينا من ~~فضل } قال تخفيف من العذاب. ### || [7.40-43] # قوله { لا تفتح لهم أبوب السماء } قرأ ابن عباس، وحمزة، ~~والكسائي بفتح التحتية، لكون تأنيث الجمع غير حقيقي فجاز تذكيره. وقرأ ~~الباقون بالفوقية على التأنيث. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، " تفتح " ~~بالتخفيف. وقرأ الباقون بالتشديد، والمعنى أنها لا تفتح أبواب السماء ~~لأرواحهم إذا ماتوا. وقد دل على هذا المعنى، وأنه المراد من الآية ما ~~جاء في الأحاديث الصحيحة، أن الملائكة إذا انتهوا بروح الكافر إلى السماء ~~الدنيا يستفتحون فلا تفتح لهم أبواب السماء. وقيل لا تفتح أبواب السماء ~~لأدعيتهم إذا دعوا، قاله مجاهد والنخعي. وقيل لأعمالهم، أي لا تقبل، بل ~~ترد عليهم فيضرب بها في وجوههم. وقيل المعنى أنها لا تفتح لهم أبواب ~~الجنة يدخلونها، لأن الجنة في السماء، فيكون على هذا القول العطف لجملة { ~~ولا يدخلون الجنة } من عطف التفسير، ولا مانع من ms1230 حمل الآية ~~على ما يعم الأرواح والدعاء والأعمال، ولا ينافيه ورود ما ورد من أنها لا ~~تفتح أبواب السماء لواحد من هذه، فإن ذلك لا يدل على فتحها لغيره، مما ~~يدخل تحت عموم الآية. قوله { ولا يدخلون الجنة حتى ~~يلج الجمل فى سم الخياط } أي أن هؤلاء الكفار المكذبين ~~المستكبرين، لا يدخلون الجنة بحال من الأحوال، ولهذا علقه بالمستحيل، ~~فقال { حتى يلج الجمل فى سم الخياط } وهو لا يلج ~~أبدا، وخص الجمل بالذكر، لكونه يضرب به المثل في كبر الذات، وخص سم ~~الخياط، وهو ثقب الإبرة بالذكر، لكونه غاية في الضيق. والجمل الذكر من ~~الإبل، والجمع جمال وأجمال وجمالات. وإنما يسمى جملا إذا أربع. وقرأ ابن ~~عباس «الجمل» بضم الجيم وفتح الميم مشددة. وهو حبل السفينة الذي يقال ~~له القلس. وهو حبال مجموعة قاله ثعلب. وقيل الحبل الغليظ من القنب. وقيل ~~الحبل الذي يصعد به في النخل. وقرأ سعيد بن جبير «الجمل» بضم الجيم ~~وتخفيف الميم وهو القلس أيضا. وقرأ أبو السماك «الجمل» بضم الجيم ~~وسكون الميم. وقرىء أيضا بضمهما. وقرأ عبد الله بن مسعود «حتى يلج الجمل ~~الأصغر في سم الخياط» وقرىء " فى سم " بالحركات الثلاث. والسم كل ثقب ~~لطيف، ومنه ثقب الإبرة. والخياط ما يخاط به يقال خياط ومخيط. { ~~وكذلك نجزى المجرمين } أي مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي ~~المجرمين، أي جنس من أجرم وقد تقدم تحقيقه. والمهاد الفراش، والغواش جمع ~~غاشية، أي نيران تغشاهم من فوقهم كالأغطية { وكذلك نجزى ~~الظلمين } أي مثل ذلك الجزاء العظيم نجزى من اتصف بصفة الظلم. ~~قوله { لا نكلف نفسا إلا وسعها } أي لا نكلف العباد إلا ~~بما يدخل تحت وسعهم ويقدرون عليه. # ولا نكلفهم ما لا يدخل تحت وسعهم. وهذه الجملة معترضة بين المبتدأ ~~والخبر. ومثله # لا يكلف الله نفسا إلا ما ءاتاها # الطلاق 7 وقرأ الأعمش " تكلف " بالفوقية ورفع " نفس " ، والإشارة بقوله ~~{ أولئك } إلى الموصول، وخبره { أصحب الجنة } والجملة ~~خبر الموصول. وجملة { هم فيها خلدون } في محل نصب على الحال. ~~قوله { ونزعنا ms1231 ما فى صدورهم من غل } هذا من جملة ما ينعم ~~الله به على أهل الجنة، أن ينزع الله ما في قلوبهم من الغل على بعضهم ~~بعضا، حتى تصفو قلوبهم ويود بعضهم بعضا، فإن الغل لو بقي في صدورهم ~~كما كان في الدنيا، لكان في ذلك تنغيص لنعيم الجنة، لأن المتشاحنين لا ~~يطيب لأحدهم عيش مع وجود الآخر. والغل الحقد الكامن في الصدور. وقيل نزع ~~الغل في الجنة، أن لا يحسد بعضهم بعضا في تفاضل المنازل { وقالوا ~~الحمد لله الذى هدانا لهذا } أي لهذا الجزاء العظيم، ~~وهو الخلود في الجنة، ونزع الغل من صدورهم، والهداية هذه { لهذا } هي ~~الهداية لسببه من الإيمان والعمل الصالح في الدنيا { وما كنا ~~لنهتدى } قرأ ابن عامر بإسقاط الواو، وقرأ الباقون بإثباتها، وما ~~كنا نطيق أن نهتدي بهذا الأمر لولا هداية الله لنا، والجملة مستأنفة أو ~~حالية، وجواب { لولا } محذوف يدل عليه ما قبله، أي لولا هداية الله لنا ~~ما كنا لنهتدي. قوله { لقد جاءت رسل ربنا بالحق } اللام ~~لام القسم، قالوا هذا لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الجزاء العظيم، ~~اغتباطا بما صاروا فيه بسبب ما تقدم منهم من تصديق الرسل وظهور صدق ما ~~أخبروهم به في الدنيا من أن جزاء الإيمان والعمل الصالح هو هذا الذي ~~صاروا فيه. قوله { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ~~بما كنتم تعملون } أي وقع النداء لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات، فقيل لهم تلكم الجنة أورثتموها، أي ورثتم منازلها بعملكم. قال ~~في الكشاف بسبب أعمالكم لا بالتفضل كما تقوله المبطلة انتهى. أقول يا ~~مسكين هذا قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه # " سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله " # ، قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال # " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " # والتصريح بسبب لا يستلزم نفي سبب آخر. ولولا التفضل من الله سبحانه ~~وتعالى على العامل باقداره على العمل، لم يكن عمل أصلا، فلو لم يكن ~~التفضل إلا بهذا الإقدار، لكان القائلون ms1232 به محقة لا مبطلة، وفي التنزيل # ذلك الفضل من الله # النساء 70 وفيه # فسيدخلهم فى رحمة منه وفضل # النساء 175. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { ~~لا تفتح لهم أبوب السماء } يعني لا يصعد إلى الله من ~~عملهم شيء. # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عنه، قال لا تفتح لهم لعمل ولا لدعاء. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، أيضا في الآية قال لا تفتح لأرواحهم، ~~وهي تفتح لأرواح المؤمنين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عنه أيضا { ~~حتى يلج الجمل } قال ذو القوائم { فى سم الخياط } قال ~~في خرت الإبرة. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني في الكبير، وأبو الشيخ، عن ابن ~~مسعود، في قوله { حتى يلج الجمل } قال زوج الناقة. وأخرج أبو ~~عبيد، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو ~~الشيخ، من طرق عن ابن عباس، أنه كان يقرأ " الجمل " بضم الجيم وتشديد ~~الميم. وقال هو الحبل الغليظ أو هو من حبال السفن. وأخرج عبد بن حميد، عن ~~ابن عمر، أنه سئل عن سم الخياط فقال الجمل في ثقب الإبرة. وأخرج ابن ~~المنذر، عن ابن عباس قال المهاد الفراش، والغواش اللحف. وأخرج ابن جرير، ~~وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب مثله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن علي بن أبي طالب، قال فينا والله ~~أهل بدر نزلت هذه الآية { ونزعنا ما فى صدورهم من غل }. ~~وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن مردويه، عن أبي هريرة، قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " كل أهل النار يرى منزله من الجنة يقول لو هدانا الله. فيكون حسرة ~~عليهم، وكل أهل الجنة يرى منزله من النار، فيقول لولا أن هدانا الله. ~~فهذا شكرهم " # وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد وعبد بن حميد، والدارمي، ومسلم، وابن ms1233 جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن أبي سعيد، وأبي هريرة، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم { ونودوا أن تلكم الجنة ~~أورثتموها بما كنتم تعملون } قال # " نودوا أن صحوا فلا تسقموا، وانعموا فلا تبأسوا، وشبوا فلا تهرموا، ~~واخلدوا فلا تموتوا ". ### || [7.44-49] # مناداة أصحاب الجنة لأصحاب النار لم تكن لقصد الإخبار لهم بما نادوهم ~~به، بل لقصد تبكيتهم وإيقاع الحسرة في قلوبهم، و { أن قد وجدنا } ~~هو نفس النداء، أي إنا قد وصلنا إلى ما وعدنا الله به من النعيم، فهل ~~وصلتم إلى ما وعدكم الله به من العذاب الأليم؟ والاستفهام هو للتقريع ~~والتوبيخ. وحذف مفعول وعد الثاني لكون الوعد لم يكن لهم بخصوصهم، بل لكل ~~الناس كالبعث والحساب والعقاب. وقيل حذف لإسقاط الكفار عن رتبة التشريف ~~بالخطاب عند الوعد { قالوا نعم } أي وجدنا ما وعدنا ربنا حقا. ~~وقرأ الأعمش والكسائي «نعم» بكسر العين. قال مكي من قال " نعم " بكسر ~~العين فكأنه أراد أن يفرق بين نعم التي جواب وبين نعم التي هي اسم للبقر ~~والغنم والإبل. والمؤذن المنادي، أي فنادي مناد بينهم أي بين الفريقين ~~قيل هو من الملائكة { أن لعنة الله على الظلمين } قرأ ~~ابن عامر، وحمزة، والكسائي، والبزي، بتشديد " أن " وهو الأصل. وقرأ ~~الباقون بالتخفيف على أنها المخففة من الثقيلة أو المفسرة. وقرأ الأعمش ~~بكسر همزة " إن " على إضمار القول، وجملة { الذين يصدون عن ~~سبيل الله } صفة للظالمين، ويجوز الرفع والنصب على إضمارهم، أو ~~أعني. والصد المنع، أي يمنعون الناس عن سلوك سبيل الحق { ويبغونها ~~عوجا } أي يطلبون اعوجاجها، أي ينفرون الناس عنها ويقدحون في ~~استقامتها، بقولهم إنها غير حق وإن الحق ما هم فيه، والعوج بالكسر في ~~المعاني والأعيان، ما لم يكن منتصبا، وبالفتح ما كان في المنتصب كالرمح، ~~وجملة { وهم بالآخرة كفرون } في محل نصب على الحال. قوله { ~~وبينهما حجاب } أي بين الفريقين، أو بين الجنة والنار. والحجاب ~~هو السور المذكور في قوله تعالى # فضرب بينهم بسور # الحديد 13. قوله { وعلى الأعراف رجال } الأعراف جمع ms1234 عرف، وهي ~~شرفات السور المضروب بينهم، ومنه عرف الفرس وعرف الديك والأعراف في اللغة ~~المكان المرتفع، وهذا الكلام خارج مخرج المدح كما في قوله # رجال لا تلهيهم تجرة ولا بيع عن ذكر الله # النور 37. وقد اختلف العلماء في أصحاب الأعراف من هم؟ فقيل هم الشهداء، ~~ذكره القشيري وشرحبيل بن سعد. وقيل هم فضلاء المؤمنين، فرغوا من شغل ~~أنفسهم وتفرغوا لمطالعة أحوال الناس ذكره مجاهد. وقيل هم قوم أنبياء، ~~ذكره الزجاج. وقيل هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، قاله ابن مسعود وحذيفة ~~بن اليمان، وابن عباس والشعبي، والضحاك وسعيد بن جبير. وقيل هم العباس ~~وحمزة وعلي وجعفر الطيار، يعرفون محبيهم ببياض الوجوه، ومبغضيهم بسوادها، ~~حكي ذلك عن ابن عباس وقيل هم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس ~~بأعمالهم وهم في كل أمة، واختار هذا القول النحاس. # وقيل هم أولاد الزنا، روي ذلك عن ابن عباس. وقيل هم ملائكة موكلون بهذا ~~السور، يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار، ذكره أبو ~~مجلز. وجملة { يعرفون كلا بسيمهم } صفة لرجال والسيما ~~العلامة، أي يعرفون كلا من أهل الجنة والنار بعلاماتهم كبياض الوجوه ~~وسوادها، أو مواضع الوضوء من المؤمنين، أو علامة يجعلها الله لكل فريق في ~~ذلك الموقف، يعرف رجال الأعراف بها السعداء من الأشقياء. { ونادوا ~~أصحب الجنة } أي نادى رجال الأعراف أصحاب الجنة حين رأوهم { ~~أن سلم عليكم } أي نادوهم بقولهم سلام عليكم، تحية لهم ~~وإكراما وتبشيرا، أو أخبروهم بسلامتهم من العذاب. قوله { لم ~~يدخلوها وهم يطمعون } أي لم يدخل الجنة أصحاب الأعراف، ~~والحال أنهم يطمعون في دخولها. وقيل معنى { يطمعون } يعلمون أنهم ~~يدخلونها، وذلك معروف عند أهل اللغة، أي طمع بمعنى علم. ذكره النحاس. ~~وهذا القول أعني كونهم أهل الأعراف مروي عن جماعة منهم ابن عباس وابن ~~مسعود. وقال أبو مجلز هم أهل الجنة، أي أن أهل الأعراف قالوا لهم { سلام ~~عليكم } ، حال كون أهل الجنة لم يدخلوها والحال أنهم يطمعون في دخولها. ~~قوله { وإذا صرفت أبصرهم تلقاء أصحب النار } ~~أي إذا صرفت ms1235 أبصار أهل الأعراف تلقاء أصحاب النار أي جهة أصحاب، وأصل ~~معنى { تلقاء } جهة اللقاء، وهي جهة المقابلة، ولم يأت مصدر على تفعال ~~بكسر أوله غير مصدرين، أحدهما هذا، والآخر تبيان. وما عداهما بالفتح { ~~قالوا } أي قال أهل الأعراف { ربنا لا تجعلنا مع ~~القوم الظلمين } سألوا الله أن لا يجعلهم منهم { ونادى ~~أصحب الأعراف رجالا } من الكفار { يعرفونهم ~~بسيمهم } أي بعلاماتهم { قالوا } بدل من نادى { ما أغنى ~~عنكم جمعكم } الذي كنتم تجمعون للصد عن سبيل الله، والاستفهام ~~للتقريع والتوبيخ. قوله { وما كنتم تستكبرون }. «ما» مصدرية، ~~أي وما أغنى عنكم استكباركم { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ~~ينالهم الله برحمة } هذا من كلام أصحاب الأعراف، أي قالوا ~~للكفار مشيرين إلى المسلمين الذين صاروا إلى الجنة هذه المقالة. وقد كان ~~الكفار يقسمون في الدنيا عند رؤيتهم لضعفاء المسلمين بهذا القسم. وهذا ~~تبكيت للكفار وتحسير لهم. قوله { ادخلوا الجنة لا خوف ~~عليكم ولا أنتم تحزنون } هذا تمام كلام أصحاب الأعراف، أي ~~قالوا للمسلمين ادخلوا الجنة، فقد انتفى عنكم الخوف والحزن بعد الدخول. ~~وقرأ طلحة بن مصرف «أدخلوا» بكسر الخاء. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس، في قوله { أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا ~~حقا } قال من النعيم والكرامة { فهل وجدتم ما وعد ~~ربكم حقا } قال من الخزي والهوان والعذاب. # وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عمر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما وقف على قليب بدر تلا هذه الآية. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن السدي، في قوله { وبينهما حجاب } ~~قال هو السور، وهو الأعراف، وإنما سمي الأعراف لأن أصحابه يعرفون الناس. ~~وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، عن حذيفة قال الأعراف سور بين الجنة ~~والنار. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في البعث ~~والنشور، عن ابن عباس قال الأعراف هو الشيء المشرف. وأخرج الفريابي، وعبد ~~بن حميد، ms1236 وابن جرير، وأبو الشيخ، عنه، قال الأعراف سور له عرف كعرف ~~الديك. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، ~~قال الأعراف جبال بين الجنة والنار، فهم على أعرافها، يقول على ذراها. ~~وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، أنها تل بين الجنة والنار حبس عليه ناس من ~~أهل الذنوب وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن جرير، قال زعموا أنه الصراط. ~~وأخرج ابن جرير، عن حذيفة قال أصحاب الأعراف قوم كانت لهم أعمال أنجاهم ~~الله بها من النار، وهم آخر من يدخل الجنة، قد عرفوا أهل الجنة وأهل ~~النار. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود أنهم من استوت حسناتهم وسيئاتهم ~~يقفون على الصراط. وأخرج ابن جرير عن حذيفة نحوه. وكذا أخرج نحوه عنه عبد ~~الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، وابن عساكر، عن جابر بن ~~عبد الله نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن أبي زرعة بن عمرو بن ~~جرير قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف؟ فقال # " هم آخر من يفصل بينهم من العباد، فإذا فرغ رب العالمين من الفصل بين ~~العباد، قال أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار، ولم تدخلوا الجنة فأنتم ~~عتقائي، فارعوا من الجنة حيث شئتم " # قال ابن كثير وهذا مرسل حسن. وأخرج البيهقي في البعث عن حذيفة أراه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يجمع الناس يوم القيامة، فيؤمر بأهل الجنة إلى الجنة، ويؤمر بأهل ~~النار إلى النار، ثم يقال لأصحاب الأعراف ما تنتظرون؟ قالوا ننتظر أمرك، ~~فيقال لهم إن حسناتكم تجاوزت بكم النار أن تدخلوها، وحالت بينكم وبين ~~الجنة خطاياكم، فادخلوا بمغفرتي ورحمتي " # وأخرج سعيد بن منصور، وابن منيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ وابن مردويه، والبيهقي في البعث، عن عبد ~~الرحمن المزني قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف؟ ms1237 ~~فقال # " هم قوم قتلوا في سبيل الله في معصية آبائهم، فمنعهم من النار قتلهم في ~~سبيل الله، ومنعهم من الجنة معصيتهم آباءهم " # وأخرج الطبراني، وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري مرفوعا ~~نحوه. وأخرج ابن مردويه، والبيهقي في البعث، عن أبي هريرة مرفوعا نحوه ~~أيضا. وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده، وابن جرير، وابن مردويه، عن ~~عبد الله بن مالك الهلالي، عن أبيه مرفوعا نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن ~~ابن عباس مرفوعا نحوه. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن رجل من مزينة ~~مرفوعا نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار، أنه سئل ~~عن قوله { لم يدخلوها وهم يطمعون } قال سلمت عليهم ~~الملائكة وهم لم يدخلوها وهم يطمعون أن يدخلوها حين سلمت. وأخرج ابن ~~جرير، وأبو الشيخ، عن السدي قال أصحاب الأعراف يعرفون الناس بسيماهم، ~~أهل النار بسواد وجوههم، وأهل الجنة ببياض وجوههم، فإذا مروا بزمرة يذهب ~~بهم إلى الجنة، قالوا سلام عليكم، وإذا مروا بزمرة يذهب بها إلى النار ~~قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، ~~عن ابن عباس { ونادى أصحب الأعراف رجالا } قال في النار ~~{ يعرفونهم بسيمهم قالوا ما أغنى عنكم ~~جمعكم وما كنتم تستكبرون } قال الله لأهل التكبر { ~~أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ~~}؟ يعني أصحاب الأعراف { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ~~ولا أنتم تحزنون }. ### || [7.50-54] # قوله { أن أفيضوا علينا من الماء } الإفاضة التوسعة، يقال ~~أفاض عليه نعمه، طلبوا منهم أن يواسوهم بشيء من الماء، أو بشيء مما رزقهم ~~الله من غيره من الأشربة أو الأطعمة، فأجابوا بقولهم { إن الله ~~حرمهما } أي الماء وما رزقهم الله من غيره { على الكفرين ~~} فلا نواسيكم بشيء مما حرمه الله عليكم. وقيل إن هذا النداء من أهل ~~النار كان بعد دخول أهل الأعراف الجنة، وجملة { الذين اتخذوا ~~دينهم لهوا ولعبا } في محل جر صفة الكافرين، وقد تقدم تفسير ~~اللهو واللعب والغرر. قوله { فاليوم ننسهم } أي نتركهم في ~~النار { كما ms1238 نسوا لقاء يومهم هذا } " الكاف " نعت مصدر ~~محذوف، و " ما " مصدرية، أي نسيانا كنسيانهم لقاء يومهم هذا. قوله { ~~وما كانوا بئايتنا يجحدون } معطوف على ما نسوا، أي كما ~~نسوا، وكما كانوا بآياتنا يجحدون، أي ينكرونها. واللام في { ولقد ~~جئنهم } جواب القسم. والمراد بالكتاب الجنس، إن كان الضمير للكفار ~~جميعا، وإن كان للمعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم، فالمراد بالكتاب ~~القرآن، والتفصيل التبيين، و { على علم } في محل نصب على الحال، أي ~~عالمين حال كونه { هدى } للمؤمنين { ورحمة } لهم. قال الكسائي ~~والفراء ويجوز «هدى ورحمة» بالخفض على النعت لكتاب. قوله { هل ~~ينظرون إلا تأويله } بالهمز من آل، وأهل المدينة يخفون ~~الهمزة. والنظر الانتظار، أي هل ينتظرون إلا ما وعدوا به في الكتاب من ~~العقاب الذي يؤول الأمر إليه. وقيل تأويله جزاؤه. وقيل عاقبته. والمعنى ~~متقارب. و { يوم } ظرف ل { يقول } أي يوم يأتي تأويله، وهو يوم القيامة ~~{ يقول الذين نسوه من قبل } أي تركوه من قبل أن يأتي ~~تأويله { قد جاءت رسل ربنا بالحق } الذي أرسلهم الله به ~~إلينا، { فهل لنا من شفعاء } استفهام منهم، ومعناه التمني { ~~فيشفعوا لنا } منصوب لكونه جوابا للاستفهام. قوله { أو ~~نرد } قال الفراء المعنى أو هل نرد { فنعمل غير الذى ~~كنا نعمل } وقال الزجاج { نرد } عطف على المعنى، أي هل يشفع لنا ~~أحد، أو نرد. وقرأ ابن أبي إسحاق «أو نرد فنعمل» بنصبهما، كقول امرىء ~~القيس # فقلت له لا تبك عينا إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذرا # وقرأ الحسن برفعهما. ومعنى الآية هل لنا شفعاء يخلصونا مما نحن فيه من ~~العذاب، أو هل نرد إلى الدنيا فنعمل صالحا غير ما كنا نعمل من ~~المعاصي { قد خسروا أنفسهم } أي لم ينتفعوا بها، فكانت أنفسهم ~~بلاء عليهم ومحنة لهم، فكأنهم خسروها كما يخسر التاجر رأس ماله. وقيل ~~خسروا النعيم وحظ الأنفس { وضل عنهم ما كانوا يفترون } ~~أي افتراؤهم أو الذي كانوا يفترونه. # والمعنى أنه بطل كذبهم الذي كانوا يقولونه في الدنيا، أو غاب عنهم ما ~~كانوا يجعلونه شريكا ms1239 لله، فلم ينفعهم ولا حضر معهم. قوله { إن ~~ربكم الله الذى خلق السموات والأرض في ستة ~~أيام } هذا نوع من بديع صنع الله وجليل قدرته، وتفرده بالإيجاد، ~~الذي يوجب على العباد توحيده وعبادته. وأصل ستة سدسة، أبدلت التاء من أحد ~~السينين، وأدغم فيها الدال، والدليل على هذا أنك تقول في التصغير سديسة، ~~وفي الجمع أسداس، وتقول جاء فلان سادسا. واليوم من طلوع الشمس إلى ~~غروبها، قيل هذه الأيام من أيام الدنيا. وقيل من أيام الآخرة، وهذه ~~الأيام الست أولها الأحد وآخرها الجمعة، وهو سبحانه قادر على خلقها في ~~لحظة واحدة، يقول لها كوني فتكون، ولكنه أراد أن يعلم عباده الرفق ~~والتأني في الأمور، أو خلقها في ستة أيام لكون لكل شيء عنده أجلا، وفي ~~آية أخرى # ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما فى ~~ستة أيام وما مسنا من لغوب # ق 38. قوله { ثم استوى على العرش } قد اختلف العلماء في ~~معنى هذا على أربعة عشر قولا، وأحقها وأولاها بالصواب مذهب السلف الصالح ~~أنه استوى سبحانه عليه بلا كيف، بل على الوجه الذي يليق به مع تنزهه عما ~~لا يجوز عليه، والاستواء في لغة العرب هو العلو والاستقرار. قال الجوهري ~~استوى على ظهر دابته، أي استقر. واستوى إلى السماء أي صعد. واستوى أي ~~استولى وظهر، ومنه قول الشاعر # قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق # واستوى الرجل أي انتهى شبابه. واستوى أي انتسق واعتدل. وحكي عن أبي ~~عبيدة أن معنى { استوى } هنا علا، ومثله قول الشاعر # فأورد بهم ماء ثقيفا بقفرة وقد حلق النجم اليماني فاستوى # أي علا وارتفع. { والعرش }. قال الجوهري هو سرير الملك. ويطلق العرش على ~~معان أخر، منها عرش البيت سقفه، وعرش البئر طيها بالخشب، وعرش السماك ~~أربعة كواكب صغار. ويطلق على الملك والسلطان والعز، ومنه قول زهير # تداركتما عبسا وقد ثل عرشها وذبيان إذ زلت بأقدامها النعل # وقول الآخر # إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم بعتيبة بن الحارث بن شهاب # وقول الآخر # رأوا عرشي تثلم جانباه ms1240 فلما أن تثلم أفردوني # وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة صفة عرش الرحمن، وإحاطته بالسموات والأرض ~~وما بينهما وما عليهما، وهو المراد هنا. قوله { يغشي الليل ~~النهار } أي يجعل الليل كالغشاء للنهار، فيغطى بظلمته ضياءه. وقرأ ~~عاصم وحمزة والكسائي «يغشي» بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف وهما لغتان، ~~يقال أغشى يغشي، وغشي يغشي، والتغشية في الأصل إلباس الشيء الشيء. ولم ~~يذكر في هذه الآية يغشي الليل بالنهار اكتفاء بأحد الأمرين عن الآخركقوله ~~تعالى # سرابيل تقيكم الحر # النحل 8. وقرأ حميد بن قيس «يغشي الليل النهار» على إسناد الفعل إلى ~~الليل، ومحل هذه الجملة النصب على الحال، والتقدير استوى على العرش ~~مغشيا الليل والنهار، وهكذا قوله { يطلبه حثيثا } حال من الليل، ~~أي حال كون الليل طالبا للنهار طلبا حثيثا لا يفتر عنه بحال، وحثيثا ~~صفة مصدر محذوف، أي يطلبه طلبا حثيثا، أو حال من فاعل يطلب. والحث ~~الاستعجال والسرعة، يقال ولى حثيثا أي مسرعا. قوله { والشمس ~~والقمر والنجوم مسخرت بأمره } قال الأخفش معطوف على ~~السموات، وقرأ ابن عامر برفعها كلها على الابتداء والخبر. والمعنى على ~~الأول وخلق الشمس والقمر والنجوم حال كونها مسخرات، وعلى الثاني الإخبار ~~عن هذه بالتسخير. قوله { ألا له الخلق والأمر } إخبار منه ~~سبحانه لعباده بأنهما له، والخلق المخلوق، والأمر كلامه، وهو " كن " في ~~قوله # إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # النحل 40، أو المراد بالأمر ما يأمر به على التفصيل، أو التصرف في ~~مخلوقاته. ولما ذكر سبحانه في هذه الآية خلق السموات والأرض في ذلك الأمد ~~اليسير، ثم ذكر استواءه على عرشه وتسخير الشمس والقمر والنجوم، وأن له ~~الخلق والأمر. قال { تبارك الله رب العلمين } أي كثرت ~~بركته واتسعت، ومنه بورك الشيء وبورك فيه، كذا قال ابن عرفة. وقال ~~الأزهري في { تبرك } معناه تعالى وتعاظم. وقد تقدم تفسير { رب ~~العلمين } في الفاتحة مستكملا. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، ~~في قوله { ونادى أصحب النار ms1241 أصحب الجنة } الآية ~~قال ينادي الرجل أخاه فيقول يا أخي أغثني، فإني قد احترقت، فأفض علي من ~~الماء، فيقال أجبه، فيقول { إن الله حرمهما على الكافرين }. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي في قوله { أفيضوا ~~علينا من الماء أو مما رزقكم الله } قال من الطعام. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في الآية قال يستسقونهم ~~ويستطعمونهم. وفي قوله { إن الله حرمهما على ~~الكفرين } قال طعام الجنة وشرابها.وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس، في قوله { ~~فاليوم ننسهم كما نسوا لقاء يومهم هذا } يقول ~~نتركهم في النار كما تركوا لقاء يومهم هذا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن مجاهد، في قوله { فاليوم ننسهم } قال نؤخرهم. وأخرج ~~عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله { ~~هل ينظرون إلا تأويله } قال عاقبته. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~مجاهد، قال { يوم يأتى تأويله } جزاؤه. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس { يوم يأتى ~~تأويله } قال يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس { ما ~~كانوا يفترون } قال ما كانوا يكذبون في الدنيا. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله { خلق ~~السموات والأرض في ستة أيام } قال كل يوم مقداره ألف ~~سنة. وأخرج ابن مردويه، عن أم سلمة، قالت في قوله { استوى على ~~العرش } الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به إيمان، ~~والجحود كفر. وأخرج اللالكائي عن مالك أن رجلا سأله كيف استوى على ~~العرش؟ فقال الكيف غير معقول والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، ~~والسؤال عنه بدعة. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الدعاء والخطيب في ~~تاريخه، عن الحسن بن علي، قال أنا ضامن لمن قرأ هذه العشرين آية في كل ~~ليلة أن يعصمه الله من كل سلطان ظالم، ومن ms1242 كل شيطان مريد، ومن كل سبع ~~ضاري، ومن كل لص عادي آية الكرسي، وثلاث آيات من الأعراف { إن ~~ربكم الله الذى خلق السموات والأرض } الأعراف 54 ~~وعشرا من أول سورة الصافات، وثلاث آيات من الرحمن. أولها # يمعشر الجن والإنس # الرحمن 33، وخاتمة الحشر. وأخرج أبو الشيخ عن عبيد بن أبي مرزوق قال من ~~قرأ عند نومه { إن ربكم الله الذى خلق السموات ~~والأرض } الآية، بسط عليه ملك جناحه حتى يصبح، وعوفي من السرق. وأخرج ~~أبو الشيخ عن محمد بن قيس صاحب عمر بن عبد العزيز قال مرض رجل من أهل ~~المدينة فجاءه زمرة من أصحابه يعودونه، فقرأ رجل منهم { إن ربكم ~~الله الذى خلق السموات والأرض } الآية كلها، وقد أصمت ~~الرجل فتحرك ثم استوى جالسا، ثم سجد يومه وليلته حتى كان من الغد من ~~الساعة التي سجد فيها، قال له أهله، الحمد لله الذي عافاك، قال بعث إلى ~~نفسي ملك يتوفاها، فلما قرأ صاحبكم الآية التي قرأ، سجد الملك وسجدت ~~بسجوده، فهذا حين رفع رأسه، ثم مال فقضى. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ عن السدي، في قوله { يغشي الليل النهار } قال ~~يغشى الليل النهار فيذهب بضوئه، ويطلبه سريعا حتى يدركه. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن قتادة، قال يلبس الليل النهار. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن ~~عباس، في قوله { حثيثا } قال سريعا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان بن ~~عيينة، في قوله { ألا له الخلق والأمر } قال الخلق ما دون ~~العرش، والأمر ما فوق ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي، عنه، قال الخلق ~~هو الخلق، والأمر هو الكلام. ### || [7.55-58] # أمرهم الله سبحانه بالدعاء، وقيد ذلك بكون الداعي متضرعا بدعائه ~~مخفيا له. وانتصاب { تضرعا وخفية } على الحال، أي متضرعين ~~بالدعاء مخفين له، أو صفة مصدر محذوف، أي ادعوه دعاء تضرع ودعاء خفية. ~~والتضرع من الضراعة، وهي الذلة والخشوع والاستكانة. والخفية الإسرار به، ~~فإن ذلك أقطع لعرق الرياء، وأحسم لباب ما يخالف الإخلاص. ثم علل ذلك ~~بقوله { إنه لا يحب ms1243 المعتدين } أي المجاوزين لما أمروا به ~~في الدعاء وفي كل شيء. فمن جاوز ما أمره الله به في شيء من الأشياء فقد ~~اعتدى، والله لا يحب المعتدين. وتدخل المجاوزة في الدعاء في هذا العموم ~~دخولا أوليا. ومن الاعتداء في الدعاء أن يسأل الداعي ما ليس له، ~~كالخلود في الدنيا، أو إدراك ما هو محال في نفسه، أو يطلب الوصول إلى ~~منازل الأنبياء في الآخرة، أو يرفع صوته بالدعاء صارخا به. قوله { ولا ~~تفسدوا فى الأرض بعد إصلحها } نهاهم الله سبحانه عن ~~الفساد في الأرض بوجه من الوجوه، قليلا كان أو كثيرا، ومنه قتل الناس، ~~وتخريب منازلهم، وقطع أشجارهم، وتغوير أنهارهم. ومن الفساد في الأرض ~~الكفر بالله، والوقوع في معاصيه، ومعنى { بعد إصلحها } بعد أن ~~أصلحها الله بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتقرير الشرائع. قوله { ~~وادعوه خوفا وطمعا } إعرابهما يحتمل الوجهين المتقدمين في { ~~تضرعا وخفية }. وفيه أنه يشرع للداعي أن يكون عند دعائه خائفا ~~وجلا طامعا في إجابة الله لدعائه. فإنه إذا كان عند الدعاء جامعا بين ~~الخوف والرجاء، ظفر بمطلوبه. والخوف الانزعاج من المضار التي لا يؤمن من ~~وقوعها. والطمع توقع حصول الأمور المحبوبة. قوله { إن رحمة ~~الله قريب من المحسنين } هذا إخبار من الله سبحانه بأن ~~رحمته قريبة من عباده المحسنين، بأي نوع من الأنواع كان إحسانهم. وفي ~~هذا ترغيب للعباد إلى الخير وتنشيط لهم، فإن قرب هذه الرحمة التي يكون ~~بها الفوز بكل مطلب مقصود لكل عبد من عباد الله. وقد اختلف أئمة اللغة ~~والإعراب في وجه تذكير خبر رحمة الله، حيث قال { قريب } ولم يقل قريبة، ~~فقال الزجاج إن الرحمة مؤولة بالرحم، لكونها بمعنى العفو والغفران. ورجح ~~هذا التأويل النحاس. وقال النضر بن شميل الرحمة مصدر بمعنى الترحم، وحق ~~المصدر التذكير. وقال الأخفش سعيد أراد بالرحمة هنا المطر، وتذكير بعض ~~المؤنث جائز، وأنشد # فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل أبقالها # وقال أبو عبيدة تذكير قريب على تذكير المكان أي مكان قريب. قال علي بن ~~سليمان الأخفش وهذا ms1244 خطأ، ولو كان كما قال لكان قريب منصوبا كما تقول إن ~~زيدا قريبا منك. وقال الفراء إن القريب إذا كان بمعنى المسافة، فيذكر ~~ويؤنث، وإن كان بمعنى النسب فيؤنث بلا اختلاف بينهم. # وروي عن الفراء أنه قال يقال في النسب قريبة فلان، وفي غير النسب يجوز ~~التذكير والتأنيث فيقال دارك عنا قريب، وفلانة منا قريب قال الله تعالى # وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا # الأحزاب 63 ومنه قول امرىء القيس # لك الويل أن أمسني ولا أم هاشم قريب ولا البسباسة ابنة يشكر # وروي عن الزجاج أنه خطأ الفراء فيما قاله وقال إن سبيل المذكر والمؤنث، ~~أن يجريا على أفعالهما. وقيل إنه لما كان تأنيث الرحمة غير حقيقي، جاز في ~~خبرها التذكير، ذكر معناه الجوهري. قوله { وهو الذى يرسل ~~الرياح بشرا بين يدى رحمته } عطف على قوله { يغشي ~~الليل النهار } يتضمن ذكر نعمة من النعم التي أنعم بها على ~~عباده، مع ما في ذلك من الدلالة على وحدانيته وثبوت إلهيته. ورياح جمع ~~ريح، وأصل ريح روح، وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو «نشرا» بضم النون ~~والشين، جمع ناشر على معنى النسب. أي ذات نشر. وقرأ الحسن وقتادة، وابن ~~عامر «نشرا» بضم النون وإسكان الشين من نشر. وقرأ الأعمش وحمزة ~~والكسائي «نشرا» بفتح النون، وإسكان الشين على المصدر، ويجوز أن يكون ~~مصدرا في موضع الحال. ومعنى هذه القراءات يرجع إلى النشر، الذي هو خلاف ~~الطي، فكأن الريح مع سكونها كانت مطوية، ثم ترسل من طيها فتصير ~~كالمنفتحة. وقال أبو عبيدة معناه متفرقة في وجوهها، على معنى ننشرها ~~هاهنا وهاهنا. وقرأ عاصم { بشرا } بالباء الموحدة، وإسكان الشين جمع ~~بشير، أي الرياح تبشر بالمطر، ومثله قوله تعالى # ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرت # الروم 46. قوله { بين يدى رحمته } أراد بالرحمة هنا المطر، ~~أي قدام رحمته، والمعنى أنه سبحانه يرسل الرياح ناشرات أو مبشرات بين ~~يدي المطر. قوله { حتى إذا أقلت سحابا ثقالا } أقل فلان ~~الشيء حمله ورفعه. والسحاب يذكر ويؤنث، والمعنى حتى إذا حملت الرياح ms1245 ~~سحابا ثقالا بالماء الذي صارت تحمله { سقنه } أي السحاب { ~~لبلد ميت } أي مجدب ليس فيه نبات. يقال سقته لبلد كذا، وإلى بلد ~~كذا. وقيل اللام هنا لام العلة، أي لأجل بلد ميت. والبلد هو الموضع ~~العامر من الأرض { فأنزلنا به الماء } أي بالبلد الذي سقناه ~~لأجله، أو بالسحاب أي أنزلنا بالسحاب الماء الذي تحمله، أو بالريح أي ~~فأنزلنا بالريح المرسلة بين يدي المطر الماء. وقيل إن " الباء " هنا ~~بمعنى " من " أي فأنزلنا معه الماء { فأخرجنا به } أي بالماء { ~~من كل الثمرت } أي من جميع أنواعها. قوله { كذلك نخرج ~~الموتى } أي مثل ذلك الإخراج، وهو إخراج الثمرات نخرج الموتى من ~~القبور يوم حشرهم { لعلكم تذكرون } أي تتذكرون، فتعلمون ~~بعظيم قدرة الله وبديع صنعته، وأنه قادر على بعثكم كما قدر على إخراج ~~الثمرات التي تشاهدونها. # قوله { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه } أي ~~التربة الطيبة يخرج نباتها بإذن الله وتيسيره إخراجا حسنا تاما وافيا ~~{ والذى خبث لا يخرج إلا نكدا } أي والتربة الخبيثة لا ~~يخرج نباتها إلا نكدا أي لا خير فيه. وقرأ طلحة بن مصرف «نكدا» بسكون ~~الكاف. وقرأ ابن القعقاع «نكدا» بفتح الكاف أي ذا نكد. وقرأ الباقون ~~«نكدا» بفتح النون وكسر الكاف. وقرىء " يخرج " أي يخرجه البلد قيل ~~ومعنى الآية التشبيه، شبه تعالى السريع الفهم بالبلد الطيب، والبليد ~~بالبلد الخبيث، ذكره النحاس وقيل هذا مثل للقلوب، فشبه القلب القابل ~~للوعظ بالبلد الطيب، والنائي عنه بالبلد الخبيث، قاله الحسن. وقيل هو مثل ~~لقلب المؤمن والمنافق قاله قتادة. وقيل هو مثل للطيب والخبيث من بني آدم، ~~قاله مجاهد، { كذلك نصرف الآيت } أي مثل ذلك التصريف { ~~لقوم يشكرون } الله، ويعترفون بنعمته. وقد أخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } قال السر ~~{ إنه لا يحب المعتدين } في الدعاء ولا في غيره. وأخرج أبو الشيخ عن ~~قتادة، قال التضرع علانية. والخفية سر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن ~~جبير، في قوله { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } يعني ms1246 مستكينا. وخفية يعني ~~في خفض وسكون في حاجاتكم من أمر الدنيا والآخرة، { إنه لا يحب المعتدين } ~~يقول لا تدعوا على المؤمن والمؤمنة بالشر اللهم اخزه والعنه ونحو ذلك، ~~فإن ذلك عدوان. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي مجلز، في قوله { ~~إنه لا يحب المعتدين } قال لا تسألوا منازل الأنبياء. وأخرج ابن المبارك، ~~وابن جرير، وأبو الشيخ، عن الحسن قال لقد كان المسلمون يجتهدون في ~~الدعاء، وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن ~~الله يقول { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا ~~فرضي قوله فقال # إذ نادى ربه نداء خفيا # مريم 3. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي صالح، في قوله { ولا تفسدوا في ~~الأرض بعد إصلاحها } قال بعدما أصلحها الأنبياء وأصحابهم. وأخرج أبو ~~الشيخ، عن أبي سنان، في الآية قال أحللت حلالي، وحرمت حرامي، وحددت ~~حدودي، فلا تفسدوها. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { ادعوه ~~خوفا وطمعا } قال خوفا منه، وطمعا لما عنده { إن رحمة الله قريب من ~~المحسنين } يعني المؤمنين، ومن لم يؤمن بالله فهو من المفسدين. وأخرج ابن ~~جريج، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي في قوله { وهو الذي يرسل ~~الرياح } قال إن الله يرسل الريح، فيأتي بالسحاب من بين الخافقين طرف ~~السماء والأرض، من حيث يلتقيان، فيخرجه من ثم، ثم ينشره فيبسطه في السماء ~~كيف يشاء، ثم يفتح أبواب السماء، فيسيل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب ~~بعد ذلك. # وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { بشرا بين يدي ~~رحمته } قال يستبشر بها الناس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي ~~في قوله { بين دي رحمته } قال هو المطر، وفي قوله { كذلك نخرج الموتى } ~~قال كذلك تخرجون، وكذلك النشور، كما يخرج الزرع بالماء. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وعبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن مجاهد، في قوله { كذلك نخرج الموتى } قال إذا أراد ms1247 الله أن ~~يخرج الموتى أمطر السماء حتى يشقق عنهم الأرض، ثم يرسل الأرواح فيهوي كل ~~روح إلى جسده، فكذلك يحيي الله الموتى بالمطر، كإحيائه الأرض. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { والبلد الطيب ~~} الآية قال هو مثل ضربه الله للمؤمن، يقول هو طيب وعمله طيب، كما أن ~~البلد الطيب ثمرها طيب { والذي خبث } ضرب مثلا للكافر، كالبلد السبخة ~~المالحة التي لا تخرج منها البركة، فالكافر هو الخبيث وعمله خبيث، وقد ~~روي نحو هذا عن جماعة من التابعين. ### || [7.59-64] # لما بين سبحانه كمال قدرته، وبديع صنعته في الآيات السابقة، ذكر هنا ~~أقاصيص الأمم وما فيها من تحذير الكفار ووعيدهم، لتنبيه هذه الأمة على ~~الصواب، وأن لا يقتدوا بمن خالف الحق من الأمم السالفة. واللام جواب قسم ~~محذوف. وهو أول الرسل إلى أهل الأرض بعد آدم. وقد تقدم ذكر نوح في آل ~~عمران، فأغني عن الإعادة هنا. وما قيل من أن إدريس قبل نوح، فقال ابن ~~العربي إنه وهم. قال المازري فإن صح ما ذكره المؤرخون كان محمولا على أن ~~إدريس كان نبيا غير مرسل. وجملة { فقال يا قوم اعبدوا الله } استئنافية ~~جواب سؤال مقدر. قوله { ما لكم من إله غيره } هذه الجملة في حكم العلة، ~~لقوله { اعبدوا } أي اعبدوه، لأنه لم يكن لكم إله غيره، حتى يستحق منكم ~~أن يكون معبودا. قرأ نافع، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، وابن كثير، وابن ~~عامر برفع { غيره } على أنه نعت لإله على الموضع. وقرأ الكسائي بالخفض ~~في جميع القرآن، على أنه نعت على اللفظ. وأجاز الفراء والكسائي النصب على ~~الاستثناء. يعني ما لكم من إله إلا إياه. وقال أبو عمرو ما أعرف الجر ~~ولا النصب. ويرده أن بعض بني أسد ينصبون «غير» في جميع الأحوال، ومنه ~~قول الشاعر # لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت حمامة في غصون ذات أو قال # وجملة { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } جملة متضمنة لتعليل الأمر ~~بالعبادة، أي إن لم تعبدوه، فإني ms1248 أخاف عليكم عذاب يوم القيامة، أو عذاب ~~يوم الطوفان. قوله { قال الملأ من قومه } جملة استئنافية جواب سؤال ~~مقدر. والملأ أشراف القوم ورؤساؤهم. وقيل هم الرجال، وقد تقدم بيانه في ~~البقرة. والضلال العدول عن طريق الحق والذهاب عنه، أي إنا لنراك في دعائك ~~إلى عبادة الله وحده في ضلال عن طريق الحق. وجملة { قال يا قوم } ~~استئنافية أيضا، جواب سؤال مقدر. { ليس بي ضلالة } كما تزعمون { ولكني ~~رسول من رب العالمين } أرسلني إليكم لسوق الخير إليكم، ودفع الشر عنكم، ~~نفي عن نفسه الضلالة، وأثبت لها ما هو أعلى منصبا وأشرف رفعة، وهو أنه ~~رسول الله إليهم. وجملة { أبلغكم رسالات ربي } في محل رفع، على أنها صفة ~~لرسول، أو هي مستأنفة مبينة لحال الرسول. والرسالات ما أرسله الله به ~~إليهم مما أوحاه إليه { وأنصح لكم } عطف على { أبلغكم } يقال نصحته ونصحت ~~له، وفي زيادة اللام دلالة على المبالغة في إمحاض النصح. قال الأصمعي ~~الناصح الخالص من الغل، وكل شيء خلص فقد نصح، فمعنى أنصح هنا أخلص النية ~~لكم عن شوائب الفساد، والاسم النصيحة. وجملة { وأعلم من الله ما لا ~~تعلمون } معطوفة على الجملة التي قبلها، مقررة لرسالته، ومبينة لمزيد ~~علمه، وأنه يختص بعلم الأشياء التي لا يعلمونها بإخبار الله له بذلك. # قوله { أو عجبتم } فتحت الواو لكونها العاطفة، ودخلت عليها همزة ~~الاستفهام للإنكار عليهم. والمعطوف عليه مقدر، كأنه قيل استبعدتم ~~وعجبتم، أو أكذبتم وعجبتم، أو أنكرتم وعجبتم { أن جاءكم ذكر من ربكم } أي ~~وحي وموعظة { على رجل منكم } أي على لسان رجل منكم تعرفونه. ولم يكن ذلك ~~على لسان من لا تعرفونه، أو لا تعرفون لغته. وقيل " على " بمعنى " مع " ~~أي مع رجل منكم لأجل ينذركم به. { ولتتقوا } ما يخالفه { ولعلكم ترحمون } ~~بسبب ما يفيده الإنذار لكم، والتقوى منكم من التعرض لرحمة الله سبحانه ~~لكم ورضوانه عنكم. { فكذبوه } أي فبعد ذلك كذبوه، ولم يعملوا بما جاء به ~~من الإنذار { فأنجيناه والذين معه } من المؤمنين به المستقرين معه { في ~~الفلك وأغرقنا الذين ms1249 كذبوا بآياتنا } واستمروا على ذلك، ولم يرجعوا إلى ~~التوبة. وجملة { إنهم كانوا قوما عمين } علة لقوله { وأغرقنا } أي ~~أغرقنا المكذبين، لكونهم عمي القلوب، لا تنجع فيهم الموعظة، ولا يفيدهم ~~التذكير. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وابن عساكر، ~~عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " أول نبي أرسل نوح " # وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وأبو نعيم، وابن عساكر، عن يزيد ~~الرقاشي قال إنما سمي نوح عليه السلام نوحا لطول ما ناح على نفسه. وأخرج ~~ابن المنذر عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن ~~عباس قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عن أبي مالك قال الملأ يعني الأشراف من قومه. وأخرج أبو الشيخ، ~~عن السدي { أن جاءكم ذكر من ربكم } يقول بيان من ربكم. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس، في قوله { إنهم كانوا قوما عمين } قال كفارا. وأخرج ~~ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~مجاهد { إنهم كانوا قوما عمين } قال عن الحق. ### || [7.65-72] # قوله { وإلى عاد أخاهم هودا } أي وأرسلنا إلى قوم عاد أخاهم أي واحدا ~~من قبيلتهم أو صاحبهم، أو سماه أخا لكونه ابن آدم مثلهم. وعاد من هو ولد ~~سام بن نوح. قيل هو عاد بن عوص بن إرم بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، ~~وهود هو ابن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عوص بن إرم بن شالخ ابن ~~أرفخشذ بن سام بن نوح. و { هودا } عطف بيان { قال يا قوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره }. قد تقدم تفسير هذا قريبا. والاستفهام في { أفلا ~~تتقون } للإنكار. وقد تقدم أيضا تفسير الملأ، والسفاهة الخفة والحمق، ~~وقد تقدم بيان ذلك في البقرة. نسبوه إلى الخفة والطيش ولم يكتفوا بذلك ~~حتى قالوا { إنا لنظنك من الكاذبين } مؤكدين لظنهم كذبه فيما ادعاه من ~~الرسالة، ثم أجاب عليهم ms1250 بنفي السفاهة عنه. واستدرك من ذلك بأنه رسول رب ~~العالمين، وقد تقدم بيان معنى هذا قريبا، وكذلك سبق تفسير { أبلغكم ~~رسالات ربي } وتقدم معنى الناصح. والأمين المعروف بالأمانة. وسبق أيضا ~~تفسير { أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم } في قصة ~~نوح التي قبل هذه القصة. قوله { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } ~~أذكرهم نعمة من نعم الله عليهم، وهي أنه جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح أي، ~~جعلهم سكان الأرض التي كانوا فيها، أو جعلهم ملوكا. و " إذ " منصوب ب { ~~اذكر } ، وجعل الذكر للوقت. والمراد ما كان فيه من الاستخلاف على الأرض ~~لقصد المبالغة، لأن الشيء إذا كان وقته مستحقا للذكر، فهو مستحق له ~~بالأولى { وزادكم في الخلق بسطة } أي طولا في الخلق وعظم جسم، زيادة على ~~ما كان عليه آباؤهم في الأبدان. وقد ورد عن السلف حكايات عن عظم أجرام ~~قوم عاد. قوله { فاذكروا آلاء الله } الآلاء جمع إلى ومن جملتها نعمة ~~الاستخلاف في الأرض، والبسطة في الخلق وغير ذلك مما أنعم به عليهم، وكرر ~~التذكير لزيادة التقرير، والآلاء النعم { لعلكم تفلحون } إن تذكرتم ذلك، ~~لأن الذكر للنعمة سبب باعث على شكرها، ومن شكر فقد أفلح. قوله { قالوا ~~أجئتنا لنعبد الله وحده } هذا استنكار منهم لدعائه إلى عبادة الله وحده، ~~دون معبوداتهم التي جعلوها شركاء لله، وإنما كان هذا مستنكرا عندهم ~~لأنهم وجدوا آباءهم على خلاف ما دعاهم إليه. { ونذر ما كان يعبد آباؤنا } ~~أي نترك الذي كانوا يعبدونه، وهذا داخل في جملة ما استنكروه. قوله { ~~فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين } هذا استعجال منهم للعذاب الذي كان ~~هود يعدهم به، لشدة تمردهم على الله، ونكوصهم عن طريق الحق، وبعدهم عن ~~اتباع الصواب، فأجابهم بقوله { قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب } جعل ما ~~هو متوقع كالواقع، تنبيها على تحقق وقوعه، كما ذكره أئمة المعاني ~~والبيان. # وقيل معنى وقع وجب. والرجس العذاب. وقيل هو هنا الرين على القلب بزيادة ~~الكفر. ثم استنكر ms1251 عليهم ما وقع منهم من المجادلة، فقال { أتجادلونني في ~~أسماء } يعني أسماء الأصنام التي كانوا يعبدونها، جعلها أسماء، لأن ~~مسمياتها لا حقيقة لها، بل تسميتها بالآلهة باطلة، فكأنها معدومة لم ~~توجد، بل الموجود أسماؤها فقط { سميتموها أنتم وآباؤكم } أي سميتم بها ~~معبوداتكم من جهة أنفسكم أنتم وآباؤكم، ولا حقيقة لذلك. { وما نزل الله ~~بها من سلطان } أي من حجة تحتجون بها على ما تدعونه لها من الدعاوي ~~الباطلة، ثم توعدهم بأشد وعيد فقال { فانتظروا إني معكم من المنتظرين } ~~أي فانتظروا ما طلبتموه من العذاب، فإني معكم من المنتظرين له، وهو واقع ~~بكم لا محالة، ونازل عليكم بلا شك. ثم أخبر الله سبحانه أنه نجى هودا ~~ومن معه من المؤمنين به من العذاب النازل بمن كفر به، ولم تقبل رسالته، ~~وأنه قطع دابر القوم المكذبين، أي استأصلهم جميعا. وقد تقدم تحقيق ~~معناه، وجملة { وما كانوا مؤمنين } معطوفة على { كذبوا } أي استأصلنا ~~هؤلاء القوم الجامعين بين التكذبين بآياتنا وعدم الإيمان. وقد أخرج ابن ~~المنذر، عن ابن عباس، في قوله { وإلى عاد أخاهم هودا } قال ليس بأخيهم ~~في الدين، ولكنه أخوهم في النسب لأنه منهم، فلذلك جعل أخاهم. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عن الربيع بن خيثم قال كانت عاد ما بين اليمن إلى الشام مثل ~~الذر. وأخرج ابن عساكر عن وهب قال كان الرجل من عاد ستين ذراعا ~~بذراعهم، وكان هامة الرجل مثل القبة العظيمة، وكان عين الرجل لتفرخ فيها ~~السباع، وكذلك مناخرهم. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة قال ذكر لنا أنهم ~~كانوا اثني عشر ذراعا طولا. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن ~~ابن عباس قال كان الرجل منهم ثمانين باعا، وكانت البرة فيهم ككلية ~~البقرة، والرمانة الواحدة يقعد في قشرها عشرة نفر. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عنه { وزادكم في الخلق بسطة } قال شدة. وأخرج عبد الله بن ~~أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة، قال إن كان الرجل من ~~قوم عاد ليتخذ المصراع من الحجارة، ms1252 لو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة ~~لم يستطيعوا أن يقلوه، وإن كان أحدهم ليدخل قدمه في الأرض فتدخل فيها. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، ~~في قوله { آلاء الله } قال نعم الله، وفي قوله { رجس } قال سخط. وأخرج ~~ابن عساكر قال لما أرسل الله الريح على عاد، اعتزل هود ومن معه من ~~المؤمنين في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا ما تلين عليه الجلود وتلتذ به ~~الأنفس، وإنها لتمر بالعادي فتحمله بين السماء والأرض، وتدمغه بالحجارة. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله { وقطعنا دابر ~~الذين كذبوا } قال استأصلناهم. وأخرج البخاري في تاريخه، وابن جرير، وابن ~~عساكر، عن علي بن أبي طالب، قال قبر هود بحضرموت في كثيب أحمر عند رأسه ~~سدرة. وأخرج ابن عساكر، عن عثمان بن أبي العاتكة، قال قبلة مسجد دمشق قبر ~~هود. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي هريرة، قال كان عمر هود أربعمائة سنة ~~واثنتين وسبعين سنة. ### || [7.73-79] # قوله { وإلى ثمود أخاهم صلحا } معطوف على ما تقدم، أي ~~وأرسلنا إلى ثمود أخاهم، وثمود قبيلة سموا باسم أبيهم، وهو ثمود بن عاد ~~بن إرم بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وصالح عطف بيان، وهو صالح بن ~~عبيد بن أسف بن ماشح بن عبيد بن حاذر بن ثمود، وامتناع ثمود من الصرف ~~لأنه جعل اسما للقبيلة. وقال أبو حاتم لم ينصرف لأنه أعجمي. قال النحاس ~~وهو غلط لأنه من الثمد، وهو الماء القليل، وقد قرأ القراء # ألا إن ثمودا كفروا ربهم # هود 68 على أنه اسم للحي، وكانت مساكن ثمود الحجر، بين الحجاز والشام ~~إلى وادي القرى. قوله { قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره } قد تقدم تفسيره في قصة نوح. { قد جاءتكم ~~بينة من ربكم } أي معجزة ظاهرة، وهي إخراج الناقة من الحجر ~~الصلد. وجملة { هذه ناقة الله لكم ءاية } مشتملة على ~~بيان البينة المذكورة، وانتصاب { آية } على الحال. والعامل فيها ms1253 معنى ~~الإشارة، وفي إضافة الناقة إلى الله تشريف لها وتكريم. قوله { فذروها ~~تأكل فى أرض الله } أي دعوها تأكل في أرض الله، فهي ناقة ~~الله، والأرض أرضه فلا تمنعوها مما ليس لكم، ولا تملكونه، { ولا ~~تمسوها } بشيء من السوء، أي لا تتعرضوا لها بوجه من الوجوه التي ~~تسوءها. قوله { فيأخذكم عذاب أليم } هو جواب النهي، أي إذا ~~لم تتركوا مسها بشيء من السوء أخذكم عذاب أليم أي شديد الألم. قوله { ~~واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد } أي استخلفكم ~~في الأرض أو جعلكم ملوكا فيها، كما تقدم في قصة هود. { وبوأكم ~~فى الأرض } أي جعل لكم فيها مباءة، وهي المنزل الذي تسكنونه { ~~تتخذون من سهولها قصورا } أي تتخذون من سهولة الأرض ~~قصورا، أو هذه الجملة مبينة لجملة { وبوأكم في الأرض } ، وسهول الأرض ~~ترابها، يتخذون منه اللبن والآجر، ونحو ذلك، فيبنون به القصور. { ~~وتنحتون الجبال بيوتا } أي تتخذون في الجبال التي هي صخور ~~بيوتا تسكنون فيها، وقد كانوا لقوتهم وصلابة أبدانهم ينحتون الجبال ~~فيتخذون فيها، كهوفا يسكنون فيها، لأن الأبنية والسقوف كانت تفنى قبل ~~فناء أعمارهم. وانتصاب { بيوتا } على أنها حال مقدرة، أو على أنها ~~مفعول ثان ل { تنحتون } على تضمينه معنى { تتخذون }. قوله { ~~فاذكروا ءالآء الله } تقدم تفسيره في القصة التي قبل هذه. قوله ~~{ ولا تعثوا فى الأرض مفسدين } العثي والعثو لغتان، وقد ~~تقدم تحقيقه في البقرة بما يغني عن الإعادة. { قال الملا الذين ~~استكبروا من قومه } أي قال الرؤساء المستكبرون من قوم صالح ~~للمستضعفين، الذين استضعفهم المستكبرون، و { لمن ءامن منهم } ~~بدل من الذين { استضعفوا } ، بإعادة حرف الجر، بدل البعض من الكل، لأن في ~~المستضعفين من ليس بمؤمن، هذا على عود ضمير { منهم } إلى الذين استضعفوا، ~~فإن عاد إلى قومه كان بدل كل من المستضعفين، ومقول القول { أتعلمون ~~أن صلحا مرسل من ربه } قالوا هذا على طريق الاستهزاء ~~والسخرية. # قوله { قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون } أجابوهم ~~بأنهم مؤمنون برسالته، مع كون سؤال المستكبرين لهم إنما هو عن العلم ms1254 منهم ~~هل تعلمون برسالته أم لا؟ مسارعة إلى إظهار ما لهم من الإيمان، وتنبيها ~~على أن كونه مرسلا أمر واضح مكشوف، لا يحتاج إلى السؤال عنه، فأجابوا ~~تمردا وعنادا بقولهم { إنا بالذى آمنتم به كافرون } ~~وهذه الجمل المعنوية، يقال مستأنفة لأنها جوابات عن سؤالات مقدرة كما ~~سبق بيانه. قوله { فعقروا الناقة } العقر الجرح. وقيل قطع عضو ~~يؤثر في تلف النفس. يقال عقرت الفرس إذا ضربت قوائمه بالسيف. وقيل أصل ~~العقر كسر عرقوب البعير، ثم قيل للنحر عقر، لأن العقر سبب النحر في ~~الغالب، وأسند العقر إلى الجميع، مع كون العاقر واحدا منهم، لأنهم راضون ~~بذلك موافقون عليه. وقد اختلف في عاقر الناقة ما كان اسمه؟ فقيل قدار بن ~~سالف، وقيل غير ذلك { وعتوا عن أمر ربهم } أي استكبروا، ~~يقال عتا يعتو عتوا استكبر، وتعتي فلان إذا لم يطع، والليل العاتي ~~الشديد الظلمة { وقالوا ياصالح ائتنا بما تعدنا } من ~~العذاب { إن كنت من المرسلين } هذا استعجال منهم للنقمة، وطلب ~~منهم لنزول العذاب، وحلول البلية بهم. { فأخذتهم الرجفة } أي ~~الزلزلة. يقال رجف الشيء يرجف رجفانا، وأصله حركة مع صوت، ومنه # يوم ترجف الراجفة # النازعات 6. وقيل كانت صيحة شديدة، خلعت قلوبهم { فأصبحوا في ~~دارهم } أي بلدهم { جثمين } لاصقين بالأرض على ركبهم ووجوههم، ~~كما يجثم الطائر. وأصل الجثوم للأرنب وشبهها. وقيل للناس والطير، والمراد ~~أنهم أصبحوا في دورهم ميتين لا حراك بهم { فتولى عنهم } صالح ~~عند اليأس من إجابتهم { وقال } لهم هذه المقالة { لقد ~~أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ولكن لا ~~تحبون النصحين } ويحتمل أنه قال لهم هذه المقالة بعد موتهم ~~على طريق الحكاية لحالهم الماضية. كما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم ~~من التكليم لأهل قليب بدر بعد موتهم، أو قالها لهم عند نزول العذاب بهم، ~~وكأنه كان مشاهدا لذلك، فنحسر على ما فاتهم من الإيمان والسلامة من ~~العذاب، ثم أبان عن نفسه أنه لم يأل جهدا في إبلاغهم الرسالة ومحض ~~النصح، لكن أبوا ذلك فلم يقبلوا منه، فحق عليهم العذاب، ونزل ms1255 بهم ما ~~كذبوا به واستعجلوه. وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن أبي شيبة، ~~وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي الطفيل قال ~~قالت ثمود لصالح # ائتنا بآية إن كنت من الصادقين # الشعراء 154، قال اخرجوا، فخرجوا إلى هضبة من الأرض، فإذا هي تمخض كما ~~تمخض الحامل، ثم إنها انفرجت، فخرجت الناقة من وسطها، فقال لهم صالح # هذه ناقة الله لكم آية # هود 64، فلما ملوها عقروها # فقال تمتعوا فى داركم ثلثة أيام # هود 65. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~قتادة أن صالحا قال لهم حين عقروا الناقة تمتعوا ثلاثة أيام، ثم قال لهم ~~آية هلاككم أن تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وتصبح اليوم الثاني محمرة، ثم ~~تصبح اليوم الثالث مسودة. فأصبحت كذلك. فلما كان اليوم الثالث أيقنوا ~~بالهلاك، فتكفنوا وتحنطوا. ثم أخذتهم الصيحة فأهمدتهم. وقال عاقر الناقة ~~لا أقتلها حتى ترضوا أجمعين، فجعلوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون ~~أترضين؟ فتقول نعم، والصبي حتى رضوا أجمعون، فعقرها. وأخرج أحمد، ~~والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، ~~وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر قام فخطب فقال # " يا أيها الناس، لا تسألوا نبيكم عن الآيات، فإن قوم صالح سألوا نبيهم ~~أن يبعث إليهم آية، فبعث الله لهم الناقة، فكانت ترد من هذا الفج، فتشرب ~~ماءهم يوم وردها، ويحتلبون من لبنها مثل الذي كانوا يأخذون من مائها يوم ~~غبها، وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها. فوعدهم الله العذاب ~~بعد ثلاثة أيام، وكان وعد من الله غير مكذوب، ثم جاءتهم الصيحة فأهلك ~~الله من كان منهم تحت مشارق الأرض ومغاربها، إلا رجلا كان في حرم الله، ~~فمنعه حرم الله من عذاب الله " # ، فقيل يا رسول الله من هو؟ فقال # " أبو رغال. فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه " # قال ابن كثير هذا الحديث على ms1256 شرط مسلم. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، ~~وابن مردويه، من حديث أبي الطفيل مرفوعا مثله. وأخرج أحمد من حديث ابن ~~عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر # " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا ~~باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم " # ، وأصل الحديث في الصحيحين من غير وجه. وفي لفظ لأحمد من هذا الحديث قال ~~لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ~~ثمود. وأخرج أحمد، وابن المنذر، نحوه مرفوعا من حديث أبي كبشة ~~الأنماري.وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله { ولا تمسوها ~~بسوء } قال لا تعقروها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، في قوله { ~~وتنحتون من الجبال بيوتا } قال كانوا ينقبون في الجبال ~~البيوت. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله { وعتوا عن أمر ~~ربهم } قال غلوا في الباطل { فأخذتهم الرجفة } قال ~~الصيحة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن زيد { ~~فأصبحوا في دارهم جثمين } قال ميتين. وأخرج عبد بن ~~حميد، عن قتادة مثله. ### || [7.80-84] # قوله { ولوطا } معطوف على ما سبق، أي وأرسلنا لوطا، أو منصوب بفعل ~~مقدر، أي واذكر لوطا وقت قال لقومه. قال الفراء لوط مشتق من قولهم هذا ~~أليط بقلبي، أي ألصق. قال الزجاج زعم بعض النحويين أن لوطا يجوز أن يكون ~~مشتقا من لطت الحوض إذا ملسته بالطين، وهذا غلط. لأن الأسماء الأعجمية ~~لا تشتق. وقال سيبويه نوح ولوط أسماء أعجمية إلا أنها خفيفة، فلذلك صرفت. ~~ولوط هو ابن هاران بن تارخ، فهو ابن أخي إبراهيم، بعثه الله إلى أمة تسمى ~~سدوم. { أتأتون الفحشة } أي الخصلة الفاحشة المتمادية في ~~الفحش والقبح. قال ذلك إنكارا عليهم وتوبيخا لهم { ما سبقكم ~~بها من أحد من العلمين } أي لم يفعلها أحد قبلكم. فإن ~~اللواط لم يكن في أمة من الأمم قبل هذه الأمة، ms1257 و «من» مزيدة للتوكيد ~~للعموم في النفي، وإنه مستغرق لما دخل عليه، والجملة مسوقة لتأكيد النكير ~~عليهم والتوبيخ لهم. قوله { إنكم لتأتون الرجال شهوة } ~~قرأ نافع وحفص على الخبر بهمزة واحدة مكسورة. وقرأ الباقون بهمزتين على ~~الاستفهام المقتضي للتوبيخ والتقريع، واختار القراءة الأولى أبو عبيد ~~والكسائي وغيرهما، واختار الخليل وسيبويه القراءة الثانية، فعلى القراءة ~~الأولى تكون هذه الجملة مبينة لقوله { أتأتون الفحشة } وكذلك ~~على القراءة الثانية، مع مزيد الاستفهام وتكريره المفيد للمبالغة في ~~التقريع والتوبيخ، وانتصاب { شهوة } على المصدرية، أي تشتهونهم شهوة، ~~ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال، أي مشتهين. ويجوز أن يكون مفعولا ~~له، أي لأجل الشهوة، وفيه أنه لا غرض لهم بإتيان هذه الفاحشة إلا مجرد ~~قضاء الشهوة من غير أن يكون لهم في ذلك غرض يوافق العقل، فهم في هذا ~~كالبهائم التي ينزو بعضها على بعض، لما يتقاضاها من الشهوة { من دون ~~النساء } أي متجاوزين في فعلكم هذا للنساء، اللاتي هن محل لقضاء ~~الشهوة، وموضع لطلب اللذة، ثم أضرب عن الإنكار المتقدم إلى الإخبار بما ~~هم عليه من الإسراف الذي تسبب عنه إتيان هذه الفاحشة الفظيعة. قوله { ~~وما كان جواب قومه } الواقعين في هذه الفاحشة على ما أنكره ~~عليهم منها { إلا أن قالوا أخرجوهم } أي لوطا وأتباعه { من ~~قريتكم } أي ما كان لهم جواب إلا هذا القول المباين للإنصاف، ~~المخالف لما طلبه منهم وأنكره عليهم، وجملة { إنهم أناس ~~يتطهرون } تعليل لما أمروا به من الإخراج، ووصفهم بالتطهر، يمكن ~~أن يكون على حقيقته، وأنهم أرادوا أن هؤلاء يتنزهون عن الوقوع في هذه ~~الفاحشة، فلا يساكنونا في قريتنا، ويحتمل أنهم قالوا ذلك على طريق ~~السخرية والاستهزاء، ثم أخبر الله سبحانه أنه أنجى لوطا وأهله المؤمنين ~~به، واستثنى امرأته من الأهل، لكونها لم تؤمن به، ومعنى { كانت من ~~الغبرين } أنها كانت من الباقين في عذاب الله، يقال غبر الشيء إذا ~~مضى، وغبر إذا بقي فهو من الأضداد. # وحكى ابن فارس في المجمل عن قوم أنهم قالوا الماضي عابر بالعين ms1258 المهملة، ~~والباقي غابر بالمعجمة. وقال الزجاج { من الغبرين } أي من ~~الغائبين عن النجاة. وقال أبو عبيد المعنى { من الغبرين } أي من ~~المعمرين، وكانت قد هرمت، وأكثر أهل اللغة على أن الغابر الباقي. قوله { ~~وأمطرنا عليهم مطرا } قيل أمطر بمعنى إرسال المطر. وقال ~~أبو عبيدة مطر في الرحمة وأمطر في العذاب، والمعنى هنا أن الله أمطر ~~عليهم مطرا غير ما يعتادونه، وهو رميهم بالحجارة كما في قوله # وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل # الحجر 74 { فانظر كيف كان عقبة المجرمين } هذا ~~خطاب لكل من يصلح له، أو لمحمد صلى الله عليه وسلم، وسيأتي في هود قصة ~~لوط بأبين مما هنا. وقد أخرج ابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~والبيهقي في شعب الإيمان، وابن عساكر، عن ابن عباس في قوله { أتأتون ~~الفحشة } قال أدبار الرجال. وأخرج ابن عساكر، عن ابن عباس، قال ~~إنما كان بدء عمل قوم لوط أن إبليس جاءهم في هيئة صبي، أجمل صبي رآه ~~الناس، فدعاهم إلى نفسه، فنكحوه ثم جسروا على ذلك. وأخرج عبد الرزاق، ~~وابن جرير، وابن المنذر، عنه، في قوله { إنهم أناس ~~يتطهرون } قال من أدبار الرجال، ومن أدبار النساء. وأخرج عبد ~~الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله { ~~إلا امرأته كانت من الغبرين } قال من الباقين في ~~عذاب الله. وأخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن أبي عروبة، قال كان قوم لوط ~~أربعة آلاف ألف. ### || [7.85-93] # قوله { وإلى مدين أخهم شعيبا } معطوف على ما تقدم، ~~أي وأرسلنا. ومدين اسم قبيلة، وقيل اسم بلد والأول أولى. وسميت القبيلة ~~باسم أبيهم، وهو مدين بن إبراهيم كما يقال بكر وتميم. قوله { أخهم ~~شعيبا } شعيب عطف بيان، وهو شعيب بن ميكائيل بن يشجب بن مدين بن ~~إبراهيم، قاله عطاء وابن إسحاق وغيرهما. وقال الشرقي بن القطامي إنه شعيب ~~بن عيفاء بن ثويب بن مدين بن إبراهيم. وزعم ابن سمعان أنه شعيب بن حرة ~~بن يشجب بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. ms1259 وقال قتادة هو شعيب بن ~~صفوان بن عيفاء بن ثابت بن مدين بن إبراهيم. قوله { قال يقوم } إلى ~~قوله { بينة من ربكم } قد سبق شرحه في قصة نوح. قوله { ~~فأوفوا الكيل والميزان } أمرهم بإيفاء الكيل والميزان، ~~لأنهم كانوا أهل معاملة بالكيل والوزن، وكانوا لا يوفونهما، وذكر الكيل ~~الذي هو المصدر، وعطف عليه الميزان الذي هو اسم للآلة. واختلف في توجيه ~~ذلك، فقيل المراد بالكيل المكيال، فتناسب عطف الميزان عليه. وقيل المراد ~~بالميزان الوزن فيناسب الكيل، والفاء في { فأوفوا } للعطف على اعبدوا. ~~قوله { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } البخس النقص، وهو يكون ~~بالتعييب للسلعة أو التزهيد فيها، أو المخادعة لصاحبها والاحتيال عليه، ~~وكل ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، وظاهر قوله { أشياءهم } أنهم ~~كانوا يبخسون الناس في كل الأشياء. وقيل كانوا مكاسين، يمكسون كل ما دخل ~~إلى أسواقهم، ومنه قول زهير # أفي كل أسواق العراق إتاوة وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم # قوله { ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلحها } قد تقدم ~~تفسيره قريبا، ويدخل تحته قليل الفساد وكثيره، ودقيقه وجليله، والإشارة ~~بقوله { ذلكم } إلى العمل بما أمرهم به، وترك ما نهاهم عنه، والمراد ~~بالخيرية هنا الزيادة المطلقة، لأنه لا خير في عدم إيفاء الكيل والوزن، ~~وفي بخس الناس، وفي الفساد في الأرض أصلا. قوله { ولا تقعدوا ~~بكل صرط توعدون } الصراط الطريق، أي لا تقعدوا بكل طريق توعدون ~~الناس بالعذاب. قيل كانوا يقعدون في الطرقات المفضية إلى شعيب، فيتوعدون ~~من أراد المجيء إليه، ويقولون إنه كذاب فلا تذهب إليه، كما كانت قريش ~~تفعله مع النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، ~~والسدي، وغيرهم. وقيل المراد القعود على طرق الدين ومنع من أراد سلوكها. ~~وليس المراد به القعود على الطرق حقيقة. ويؤيده { وتصدون عن ~~سبيل الله من ءامن به } وقيل المراد بالآية النهي عن قطع ~~الطريق، وأخذ السلب، وكان ذلك من فعلهم. وقيل إنهم كانوا عشارين يأخذون ~~الجباية في الطرق من أموال الناس، فنهوا عن ذلك. # والقول الأول أقربها إلى ms1260 الصواب، مع أنه لا مانع من حمل النهي على جميع ~~هذه الأقوال المذكورة. وجملة { توعدون } في محل نصب على الحال، وكذلك ما ~~عطف عليها، أي لا تقعدوا بكل طريق موعدين لأهله، صادين عن سبيل الله، ~~باغين لها عوجا، والمراد بالصد { عن سبيل الله } صد الناس عن الطريق ~~الذي قعدوا عليه، ومنعهم من الوصول إلى شعيب، فإن سلوك الناس في ذلك ~~السبيل للوصول إلى نبي الله هو سلوك سبيل الله، و { من ءامن به } ~~مفعول { تصدون } ، والضمير في { آمن به } يرجع إلى الله، أو إلى سبيل ~~الله، أو إلى كل صراط أو إلى شعيب، و { تبغونها عوجا } أي تطلبون ~~سبيل الله أن تكون معوجة غير مستقيمة، وقد سبق الكلام على العوج. قال ~~الزجاج كسر العين في المعاني وفتحها في الأجرام { واذكروا إذ ~~كنتم } أي وقت كنتم { قليلا } عددكم { فكثركم } بالنسل. ~~وقيل كنتم فقراء فأغناكم. { وانظروا كيف كان عقبة ~~المفسدين } من الأمم الماضية، فإن الله أهلكهم، وأنزل بهم من ~~العقوبات ما ذهب بهم ومحا أثرهم. { وإن كان طائفة منكم ~~ءامنوا بالذى أرسلت به } إليكم من الأحكام التي شرعها الله ~~لكم { وطائفة } منكم { لم يؤمنوا فاصبروا حتى ~~يحكم الله بيننا وهو خير الحكمين } هذا من باب ~~التهديد والوعيد الشديد لهم. وليس هو من باب الأمر بالصبر على الكفر. ~~وحكم الله بين الفريقين هو نصر المحقين على المبطلين، ومثله قوله تعالى # فتربصوا إنا معكم متربصون # التوبة 52 أو هو أمر للمؤمنين بالصبر على ما يحل بهم من أذى الكفار، ~~حتى ينصرهم الله عليهم. { قال الملأ الذين استكبروا من ~~قومه } أي قال الأشراف المستكبرون { لنخرجنك يشعيب ~~والذين ءامنوا معك } لم يكتفوا بترك الإيمان والتمرد عن ~~الإجابة إلى ما دعاهم إليه، بل جاوزوا ذلك بغيا وبطرا وأشرا إلى توعد ~~نبيهم، ومن آمن به، بالإخراج من قريتهم، أو عوده هو ومن معه في ملتهم ~~الكفرية، أي لا بد من أحد الأمرين إما الإخراج، أو العود. قال الزجاج ~~يجوز أن يكون العود بمعنى الإبتداء. يقال عاد إلي من ms1261 فلان مكروه، أي صار ~~وإن لم يكن سبقه مكروه قبل ذلك، فلا يرد ما يقال كيف يكون شعيب على ملتهم ~~الكفرية من قبل أن يبعثه الله رسولا؟ ويحتاج إلى الجواب بتغليب قومه ~~المتبعين له عليه في الخطاب، بالعود إلى ملتهم. وجملة { قال أو لو ~~كنا كرهين } مستأنفة جواب عن سؤال مقدر. والهمزة لإنكار وقوع ~~ما طلبوه من الإخراج أو العود، والواو للحال، أي أتعيدوننا في ملتكم في ~~حال كراهتنا للعود إليها، أو أتخرجوننا من قريتكم في حال كراهتنا للخروج ~~منها، أو في حال كراهتنا للأمرين جميعا، والمعنى إنه ليس لكم أن تكرهونا ~~على أحد الأمرين، ولا يصح لكم ذلك، فإن المكره لا اختيار له، ولا تعد ~~موافقته مكرها موافقة، ولا عوده إلى ملتكم مكرها عودا، وبهذا التقرير ~~يندفع ما استشكله كثير من المفسرين في هذا المقام، حتى تسبب عن ذلك تطويل ~~ذيول الكلام. # { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا فى ~~ملتكم } التي هي الشرك { بعد إذ نجانا الله منها } ~~بالإيمان، فلا يكون منا عود إليها أصلا { وما يكون لنا } أي ما ~~يصح لنا ولا يستقيم { أن نعود فيها } بحال من الأحوال { إلا ~~أن يشاء الله } أي إلا حال مشيئته سبحانه، فإنه ما شاء كان وما لم ~~يشأ لم يكن. قال الزجاج أي إلا بمشيئة الله عز وجل، قال وهذا قول أهل ~~السنة. والمعنى أنه لا يكون منا العود إلى الكفر، إلا أن يشاء الله ذلك، ~~فالاستثناء منقطع. وقيل إن الاستثناء هنا على جهة التسليم لله عز وجل، ~~كما في قوله # وما توفيقى إلا بالله # هود 88 وقيل هو كقولهم لا أكلمك حتى يبيض الغراب، وحتى يلج الجمل في ~~سم الخياط، والغراب لا يبيض، والجمل لا يلج، فهو من باب التعليق ~~بالمحال. { وسع ربنا كل شيء علما } أي أحاط علمه بكل ~~المعلومات، فلا يخرج عنه منها شيء، و { علما } منصوب على التمييز. وقيل ~~المعنى { وما يكون لنا أن نعود فيها } أي القرية بعد أن ~~كرهتم مجاورتنا لهم { إلا أن يشاء ms1262 الله } عودنا إليها { على ~~الله توكلنا } أي عليه اعتمدنا في أن يثبتنا على الإيمان، ويحول ~~بيننا وبين الكفر وأهله، ويتم علينا نعمته، ويعصمنا من نقمته. قوله { ~~ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير ~~الفتحين } الفتاحة الحكومة، أي احكم بيننا وبين قومنا بالحق وأنت ~~خير الحاكمين. دعوا الله سبحانه أن يحكم بينهم، ولا يكون حكمه سبحانه إلا ~~بنصر المحقين على المبطلين، كما أخبرنا به في غير موضع من كتابه فكأنهم ~~طلبوا نزول العذاب بالكافرين، وحلول نقمة الله بهم { وقال الملأ ~~الذين كفروا من قومه } معطوف على { قال الملأ ~~الذين استكبروا } يحتمل أن يكون هؤلاء هم أولئك، ويحتمل أن ~~يكونوا غيرهم من طوائف الكفار الذين أرسل إليهم شعيب، واللام في { لئن ~~اتبعتم شعيبا } موطئة لجواب قسم محذوف، أي دخلتم في دينه، وتركتم دينكم { ~~إنكم إذا لخسرون } جواب القسم ساد مسد جواب الشرط. ~~وخسرانهم هلاكهم، أو ما يخسرونه بسبب إيفاء الكيل والوزن، وترك التطفيف ~~الذي كانوا يعاملون الناس به { فأخذتهم الرجفة } أي الزلزلة. ~~وقيل الصيحة كما في قوله { وأخذت الذين ظلموا الصيحة ~~فأصبحوا فى دارهم جثمين } هود 94 قد تقدم تفسيره في قصة ~~صالح. # قوله { الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها } ~~هذه الجملة مستأنفة مبينة لما حل بهم من النعمة، والموصول مبتدأ، و { ~~كأن لم يغنوا } خبره يقال غنيت بالمكان إذا أقمت به، وغنى القوم في ~~دارهم، أي طال مقامهم فيها، والمغني المنزل، والجمع المغاني. قال حاتم ~~الطائي # غنينا زمانا بالتصعلك والغنى وكلا سقاناه بكاسيهما الدهر فما زادنا ~~بغيا على ذي قرابة غنانا ولا أزرى باحساننا الفقر # ومعنى الآية الذين كذبوا شعيبا كأن لم يقيموا في دارهم، لأن الله ~~سبحانه استأصلهم بالعذاب، والموصول { في الذين كذبوا } شعيبا مبتدأ خبره ~~{ كانوا هم الخسرين } ، وهذه الجملة مستأنفة كالأولى، متضمنة ~~لبيان خسران القوم المكذبين { فتولى عنهم } أي شعيب لما شاهد ~~نزول العذاب بهم { وقال ياقوم لقد أبلغتكم رسلت ~~ربى } التي أرسلني بها إليكم { ونصحت لكم } ببيان ما فيه سلامة ~~دينكم ودنياكم { فكيف ءاسى } أي ms1263 أحزن { على قوم كفرين ~~} بالله، مصرين على كفرهم، متمردين عن الإجابة، أو الأسى شدة الحزن، آسى ~~على ذلك فهو آس. قال شعيب هذه المقالة تحسرا على عدم إيمان قومه، ثم سلا ~~نفسه بأنه كيف يقع منه الأسى على قوم ليس بأهل للحزن عليهم لكفرهم بالله، ~~وعدم قبولهم لما جاء به رسوله. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن عساكر، عن ~~عكرمة، والسدي قالا ما بعث الله نبيا مرتين إلا شعيبا مرة إلى مدين ~~فأخذتهم الصيحة، ومرة إلى أصحاب الأيكة # فأخذهم عذاب يوم الظلة # الشعراء 189. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس { ولا تبخسوا ~~الناس أشياءهم } قال لا تظلموا الناس. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وأبو الشيخ، عن قتادة { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } ~~قال لا تظلموهم { ولا تقعدوا بكل صرط توعدون } قال ~~كانوا يوعدون من أتى شعيبا وغشيه وأراد الإسلام. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس { ولا تقعدوا بكل صرط ~~توعدون } قال كانوا يجلسون في الطريق، فيخبرون من أتى عليهم أن ~~شعيبا كذاب، فلا يفتننكم عن دينكم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد { بكل ~~صرط توعدون } قال بكل سبيل حق { وتصدون عن سبيل الله ~~} قال تصدون أهلها { وتبغونها عوجا } قال تلتمسون لها الزيغ. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي { ولا ~~تقعدوا بكل صرط توعدون } قال هو العاشر { وتصدون ~~عن سبيل الله } قال تصدون عن الإسلام { وتبغونها عوجا } ~~قال هلاكا. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد، قال هم العشار. وأخرج ابن ~~جرير، عن أبي العالية، عن أبي هريرة أو غيره، شك أبو العالية قال أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به على خشبة على الطريق لا يمر بها ~~ثوب إلا شقته، ولا شيء إلا خرقته، قال # " ما هذا يا جبريل؟ " # قال هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه ثم تلا { ولا ~~تقعدوا بكل صرط توعدون }. وأخرج ابن جرير، وابن ms1264 أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن السدي، في قوله { وما يكون لنا أن نعود ~~فيها } قال ما ينبغي لنا أن نعود في شرككم بعد إذ نجانا الله { إلا ~~أن يشاء الله ربنا } والله لا يشاء الشرك، ولكن يقول إلا أن ~~يكون الله قد علم شيئا، فإنه قد وسع كل شيء علما. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، ~~وابن الأنباري في الوقف والابتداء، عن ابن عباس قال ما ما كنت أدري ما ~~قوله { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق } حتى ~~سمعت ابنته ذي يزن تقول تعال أفاتحك، تعني أقاضيك. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عنه، في قوله { ربنا افتح } يقول اقض. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، قال الفتح القضاء لغة يمانية إذا قال ~~أحدهم تعال أقاضيك القضاء قال تعال أفاتحك. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن ابن عباس { لم يغنوا فيها } قال لم يعيشوا فيها. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة، مثله. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس { فكيف ءاسى } قال أحزن. وأخرج ~~ابن عساكر، عن ابن عباس قال في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما، قبر ~~إسماعيل، وقبر شعيب، فقبر إسماعيل في الحجر، وقبر شعيب مقابل الحجر ~~الأسود. وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه أن شعيبا مات بمكة، ومن معه من ~~المؤمنين، فقبورهم في غربي الكعبة بين دار الندوة وبين باب بني سهم. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم، عن ابن إسحاق قال ذكر لي يعقوب بن أبي ~~مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر شعيبا قال # " ذاك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه فيما يريدهم به، فلما كذبوه ~~وتوعدوه بالرجم والنفي من بلادهم وعتوا على الله أخذهم عذاب يوم الظلة ". ### || [7.94-100] # قوله { وما أرسلنا فى قرية من نبى } لما فصل الله ~~سبحانه أحوال بعض الأنبياء مع أممهم، وهم المذكورون سابقا، أجمل حال ~~سائر الأمم المرسل ms1265 إليها، أي وما أرسلنا في قرية من القرى من نبي من ~~الأنبياء. وفي الكلام محذوف، أي فكذب أهلها { إلا أخذناهم } ، والاستثناء ~~مفرغ، أي ما أرسلنا في حال من الأحوال، إلا في حال أخذنا أهلها، فمحل ~~أخذنا النصب. والبأساء البؤس والفقر. والضراء الضر. وقد تقدم تحقيق معنى ~~البأساء والضراء { لعلهم يضرعون } أي لكي يتضرعوا ويتذللوا، ~~فيدعوا ما هم عليه من الاستكبار وتكذيب الأنبياء. قوله { ثم ~~بدلنا } معطوف على { أخذنا } أي ثم بعد الأخذ لأهل القرى بدلناهم { ~~مكان السيئة } التي أصبناهم بها من البلاء والامتحان { ~~الحسنة } أي الخصلة الحسنة، فصاروا في خير وسعة وأمن { حتى ~~عفوا } يقال عفا كثر، وعفا درس، فهو من أسماء الأضداد، والمراد هنا ~~أنهم كثروا في أنفسهم وفي أموالهم، أي أعطيناهم الحسنة مكان السيئة، حتى ~~كثروا { وقالوا قد مس ءاباءنا الضراء والسراء } أي ~~قالوا هذه المقالة عند أن صاروا في الحسنة بعد السيئة، أي أن هذا الذي ~~مسنا من البأساء والضراء، ثم من الرخاء والخصب من بعد، هو أمر وقع ~~لآبائنا قبلنا مثله. فمسهم من البأساء والضراء ما مسنا، ومن النعمة ~~والخير ما نلناه، ومعناهم أن هذه العادة الجارية في السلف والخلف، وأن ~~ذلك ليس من الله سبحانه ابتلاء لهم، واختبار لما عندهم، وفي هذا من شدة ~~عنادهم وقوة تمردهم وعتوهم ما لا يخفى، ولهذا عاجلهم الله بالعقوبة ولم ~~يمهلهم فقال { فأخذنهم بغتة } أي فجأة عقب أن قالوا هذه ~~المقالة من دون تراخ ولا إمهال " و " الحال أن { هم لا يشعرون } ~~بذلك ولا يترقبونه. واللام في { القرى } للعهد، أي { ولو أن ~~أهل القرى } التي أرسلنا إليها رسلنا { ءامنوا } بالرسل ~~المرسلين إليهم { واتقوا } ما صمموا عليه من الكفر، ولم يصروا على ~~ما فعلوا من القبائح { لفتحنا عليهم بركت من السماء ~~والأرض } أي يسرنا لهم خير السماء والأرض، كما يحصل التيسير للأبواب ~~المغلقة بفتح أبوابها. قيل المراد بخير السماء المطر، وخير الأرض النبات، ~~والأولى حمل ما في الآية على ما هو أعم من ذلك. ويجوز أن تكون اللام في ~~{ القرى ms1266 } للجنس. والمراد لو أن أهل القرى أين كانوا، وفي أي بلاد سكنوا ~~{ آمنوا واتقوا } إلى آخر الآية. { ولكن كذبوا } بالآيات ~~والأنبياء ولم يؤمنوا ولا اتقوا { فأخذنهم } بالعذاب بسبب { ~~ما كانوا يكسبون } من الذنوب الموجبة لعذابهم. والاستفهام في { ~~أفأمن أهل القرى } للتقريع والتوبيخ، وأهل القرى هم أهل القرى ~~المذكورة قبله، والفاء للعطف، وهو مثل # أفحكم الجهلية يبغون # المائدة 50. وقيل المراد بالقرى مكة وما حولها، لتكذيبهم للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، والحمل على العموم أولى. قوله { أن يأتيهم بأسنا ~~بيتا } أي وقت بيات، وهو الليل، على أنه منصوب على الظرفية، ويجوز ~~أن يكون مصدرا، بمعنى تبيتا، أو مصدرا في موضع الحال، أي مبيتين، ~~وجملة { وهم نائمون } في محل نصب على الحال، والاستفهام في { أو ~~أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم ~~يلعبون } كالاستفهام الذي قبله. والضحى ضحوة النهار، وهو في الأصل ~~اسم لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت. قرأ ابن عامر والحرميان " أو أمن " ~~بإسكان الواو، وقرأ الباقون بفتحها. وجملة { وهم يلعبون } في محل ~~نصب على الحال، أي يشتغلون بما لا يعود عليهم بفائدة. والاستفهام في { ~~أفأمنوا مكر الله } للتقريع والتوبيخ، وإنكار ما هم عليه من ~~أمان مالا يؤمن من مكر الله بهم وعقوبته لهم، وفي تكرير هذا الاستفهام ~~زيادة تقرير، لإنكار ما أنكره عليهم، ثم بين حال من أمن مكر الله، فقال { ~~فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخسرون } أي ~~الذين أفرطوا في الخسران، ووقعوا في وعيده الشديد. وقيل مكر الله هنا هو ~~استدراجه بالنعمة والصحة. والأولى حمله على ما هو أعم من ذلك. قوله { ~~أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها } ~~قرىء «نهد» بالنون وبالتحتية. فعلى القراءة بالنون يكون فاعل الفعل هو ~~الله سبحانه، ومفعول الفعل { أن لو نشاء أصبنهم ~~بذنوبهم } أي أن الشأن هو هذا، وعلى القراءة بالتحتية يكون فاعل ~~يهد هو { أن لو نشاء أصبنهم بذنوبهم } أي أخذناهم ~~بكفرهم وتكذيبهم. والهداية هنا بمعنى التبيين، ولهذا عديت باللام. قوله { ~~ونطبع على قلوبهم } أي ونحن نطبع على قلوبهم ms1267 على الاستئناف، ~~ولا يصح عطفه على { أصبنا } لأنهم ممن طبع الله على قلبه، لعدم قبولهم ~~للإيمان. وقيل هو معطوف على فعل مقدر دل عليه الكلام. كأنه قيل يغفلون ~~عن الهداية ونطبع. وقيل معطوف على { يرثون } قوله { فهم لا ~~يسمعون } جواب " لو " أي صاروا بسبب إصابتنا لهم بذنوبهم، والطبع ~~على قلوبهم، لا يسمعون ما يتلوه عليهم من أرسله الله إليهم من الوعظ، ~~والإعذار، والإنذار. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~ابن عباس، في قوله { ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة } ~~قال مكان الشدة الرخاء { حتى عفوا } قال كثروا، وكثرت أموالهم. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن ابن عباس في قوله { حتى عفوا } قال جموا. # وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله { قد مس ~~ءاباءنا الضراء والسراء } قال قالوا قد أتى على آبائنا مثل ~~هذا فلم يكن شيئا { فأخذنهم بغتة وهم لا يشعرون ~~}. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عنه في قوله { ولو أن أهل ~~القرى ءامنوا } قال بما أنزل الله { واتقوا } قال ما حرمه ~~الله { لفتحنا عليهم بركت من السماء والأرض } ~~يقول أعطتهم السماء بركتها والأرض نباتها. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ~~معاذ بن رفاعة، عن موسى الطائفي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أكرموا الخبز، فإن الله أنزله من بركات السماء، وأخرجه من بركات الأرض ~~" # وأخرج البزار والطبراني، قال السيوطي، بسند ضعيف، عن عبد الله ابن أم ~~حرام قال صليت القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول # " أكرموا الخبز، فإن الله أنزله من بركات السماء، وسخر له بركات الأرض، ~~ومن تتبع ما يسقط من السفرة، غفر له " # وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال كان أهل قرية أوسع الله عليهم، حتى ~~كانوا يستنجون بالخبز، فبعث الله عليهم الجوع. ms1268 وأخرج ابن جرير، وأبو ~~الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { أو لم يهد } قال أو لم نبين. وأخرج ~~ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله { ~~للذين يرثون الأرض من بعد أهلها } قال المشركون. ### || [7.101-102] # قوله { تلك القرى } أي التي أهلكناها، وهي قرى قوم نوح وهود ~~وصالح ولوط وشعيب، المتقدم ذكرها. { نقص عليك } أي نتلو عليك { ~~من أنبائها } أي من أخبارها. وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وللمؤمنين. و { نقص } إما في محل نصب على أنه حال، و { تلك ~~القرى } مبتدأ وخبر، أو يكون في محل رفع على أنه الخبر، و { ~~القرى } صفة { لتلك } ، و { من } في { من أنبائها } للتبعيض، ~~أي نقص عليك بعض أنبائها، واللام في { ولقد جاءتهم رسلهم ~~بالبينت } جواب القسم. والمعنى أن من أخبارهم أنها جاءتهم رسل ~~الله ببيناته، كما سبق بيانه في قصص الأنبياء المذكورين قبل هذا { فما ~~كانوا ليؤمنوا } عند مجيء الرسل { بما كذبوا } به { من ~~قبل } مجيئهم، أو فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل، في حال من ~~الأحوال، ولا في وقت من الأوقات بما كذبوا به قبل مجيئهم، بل هم مستمرون ~~على الكفر، متشبثون بأذيال الطغيان دائما، ولم ينجع فيهم مجيء الرسل، ~~ولا ظهر له أثر، بل حالهم عند مجيئهم كحالهم قبله. وقيل المعنى فما كانوا ~~ليؤمنوا بعد هلاكهم بما كذبوا به لو أحييناهم كقوله # ولو ردوا لعدوا # الأنعام 28 وقيل سألوا المعجزات، فلما رأوها لم يؤمنوا بما كذبوا به من ~~قبل رؤيتها، والأول أولى، ومعنى تكذيبهم قبل مجيء الرسل أنهم كانوا في ~~الجاهلية يكذبون بكل ما سمعوا به من إرسال الرسل، وإنزال الكتب. قوله { ~~كذلك يطبع الله على قلوب الكفرين } أي مثل ذلك ~~الطبع الشديد يطبع الله على قلوب الكافرين، فلا ينجع فيهم بعد ذلك وعظ ~~ولا تذكير ولا ترغيب ولا ترهيب. قوله { وما وجدنا لأكثرهم ~~من عهد } الضمير يرجع إلى أهل ms1269 القرى المذكورين سابقا، أي ما وجدنا ~~لأكثر أهل هذه القرى من عهد، أي عهد يحافظون عليه ويتمسكون به، بل دأبهم ~~نقض العهود في كل حال. وقيل الضمير يرجع إلى الناس على العموم، أي ما ~~وجدنا لأكثر الناس من عهد. وقيل المراد بالعهد هو المأخوذ عليهم في عالم ~~الذر. وقيل الضمير يرجع إلى الكفار على العموم من غير تقييد بأهل القرى، ~~أي الأكثر منهم لا عهد ولا وفاء. والقليل منهم قد يفي بعهده ويحافظ عليه، ~~و " إن " في { وإن وجدنا أكثرهم لفسقين } هي المخففة ~~من الثقيلة، وضمير الشأن محذوف، أي أن الشأن وجدنا أكثرهم لفاسقين، أو هي ~~النافية. واللام في { لفسقين } بمعنى إلا، أي إلا فاسقين خارجين ~~عن الطاعة خروجا شديدا. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي بن كعب، في قوله { فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } قال كان في علم الله يوم ~~أقروا له بالميثاق من يكذب به ممن يصدق به. # وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن مجاهد، في قوله { فما كانوا ليؤمنوا بما ~~كذبوا من قبل } قال مثل قوله # ولو ردوا لعدوا لما نهوا عنه # الأنعام 28. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن، في قوله { وما وجدنا ~~لأكثرهم من عهد } قال الوفاء. وأخرج ابن أبي حاتم، في الآية ~~قال هو ذاك العهد يوم أخذ الميثاق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { ~~وإن وجدنا أكثرهم لفسقين } قال ذاك أن الله إنما أهلك ~~القرى، لأنهم لم يكونوا حفظوا ما وصاهم به. ### || [7.103-122] # قوله { ثم بعثنا من بعدهم موسى } أي من بعد نوح وهود ~~وصالح ولوط وشعيب أي ثم أرسلنا موسى بعد إرسالنا لهؤلاء الرسل. وقيل ~~الضمير في { من بعدهم } راجع إلى الأمم السابقة، أي من بعد إهلاكهم ~~{ إلى فرعون وملئه } فرعون هو لقب لكل من يملك أرض مصر بعد ~~العمالقة. وملأ ms1270 فرعون أشراف قومه، وتخصيصهم بالذكر مع عموم الرسالة لهم ~~ولغيرهم، لأن من عداهم كالأتباع لهم. قوله { فظلموا بها } أي ~~كفروا بها. وأطلق الظلم على الكفر، لكون كفرهم بالآيات التي جاء بها موسى ~~كان كفرا متبالغا، لوجود ما يوجب الإيمان من المعجزات العظيمة التي ~~جاءهم بها. والمراد بالآيات هنا هي الآيات التسع. أو معنى { فظلموا ~~بها } ظلموا الناس بسببها لما صدوهم عن الإيمان بها، أو ظلموا أنفسهم ~~بسببها { فانظر كيف كان عقبة المفسدين } أي المكذبين ~~بالآيات الكافرين بها، وجعلهم مفسدين، لأن تكذيبهم وكفرهم من أقبح أنواع ~~الفساد. قوله { وقال موسى يفرعون إنى رسول من رب ~~العلمين } أخبره بأنه مرسل من الله إليه، وجعل ذلك عنوانا لكلامه ~~معه، لأن من كان مرسلا من جهة من هو رب العالمين أجمعين، فهو حقيق ~~بالقبول لما جاء به، كما يقول من أرسله الملك في حاجة إلى رعيته أنا رسول ~~الملك إليكم، ثم يحكي ما أرسل به فإن في ذلك من تربية المهابة، وإدخال ~~الروعة، مالا يقادر قدره. قوله { حقيق على أن لا أقول على ~~الله إلا الحق } قرىء " حقيق علي أن لا أقول " أي واجب علي، ~~ولازم لي، أن لا أقول فيما أبلغكم عن الله إلا القول الحق، وقرىء { ~~حقيق على أن لا أقول } بدون ضمير في " على " قيل في توجيهه إن " ~~على " معنى الباء، أي حقيق بأن لا أقول. ويؤيده قراءة أبي والأعمش، ~~فإنهما قرآ «حقيق بأن لا أقول». وقيل إن { حقيق } مضمن معنى حريص. ~~وقيل إنه لما كان لازما للحق، كان الحق لازما له. فقول الحق حقيق عليه، ~~وهو حقيق على قول الحق. وقيل إنه أغرق في وصف نفسه في ذلك المقام، حتى ~~جعل نفسه حقيقة على قول الحق، كأنه وجب على الحق أن يكون موسى هو قائله. ~~وقرأ عبد الله بن مسعود «حقيق أن لا أقول» بإسقاط " على " ، ومعناها ~~واضح. ثم قال بعد هذا { قد جئتكم ببينة من ربكم } أي ~~بما يتبين به صدقي، وأني رسول من رب العالمين. وقد طوى هنا ms1271 ذكر ما دار ~~بينهما من المحاورة، كما في موضع آخر أنه قال فرعون # فمن ربكما يموسى # طه 49. ثم قال بعد جواب موسى # وما رب العلمين # الشعراء 23 الآيات الحاكية لما دار بينهما. قوله { فأرسل معى ~~بنى إسرءيل } أمره بأن يدع بني إسرائيل يذهبون معه، ويرجعون إلى ~~أوطانهم، وهي الأرض المقدسة. وقد كانوا باقين لديه مستعبدين ممنوعين من ~~الرجوع إلى وطنهم، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فلما قال ذلك { ~~قال } له فرعون { إن كنت جئت بآية } من عند الله كما تزعم { ~~فأت بها } حتى نشاهدها، وننظر فيها { إن كنت من الصدقين ~~} في هذه الدعوى التي جئت بها. قوله { فألقى عصاه فإذا هى ~~ثعبان مبين } أي وضعها على الأرض فانقلبت ثعبانا، أي حية عظيمة ~~من ذكور الحيات. ومعنى { مبين } أن كونها حية في تلك الحال أمر ظاهر ~~واضح لا لبس فيه. { ونزع يده } أي أخرجها وأظهرها من جيبه، أو من ~~تحت إبطه، وفي التنزيل # وأدخل يدك فى جيبك تخرج بيضاء من غير سوء # النمل 12. قوله { فإذا هى بيضاء للنظرين } أي فإذا يده ~~التي أخرجها بيضاء تتلألأ نورا، يظهر لكل مبصر. { قال الملأ } أي ~~الأشراف { من قوم فرعون } لما شاهدوا انقلاب العصى حية، ومصير ~~يده بيضاء من غير سوء { إن هذا } أي موسى { لسحر عليم } أي ~~كثير العلم بالسحر. ولا تنافي بين نسبة هذا القول إلى الملأ هنا، وإلى ~~فرعون في سورة الشعراء، فكلهم قد قالوه، فكان ذلك مصححا لنسبته إليهم ~~تارة وإليه أخرى. وجملة { يريد أن يخرجكم من أرضكم } وصف ~~{ لساحر }. والأرض المنسوبة إليهم هي أرض مصر. وهذا من كلام الملأ. وأما ~~{ فماذا تأمرون } فقيل هو من كلام فرعون، قال للملأ لما قالوا ~~بما تقدم، أي بأي شيء تأمرونني. وقيل هو من كلام الملأ، أي قالوا ~~لفرعون، فبأي شيء تأمرنا، وخاطبوه بما تخاطب به الجماعة تعظيما له، كما ~~يخاطب الرؤساء أتباعهم. و " ما " في موضع نصب بالفعل الذي بعدها. ويجوز ~~أن تكون " ذا " بمعنى الذي، كما ذكره النحاة في ماذا ms1272 صنعت، وكون هذا من ~~كلام فرعون هو الأولى، بدليل ما بعده، وهو { قالوا أرجه وأخاه ~~} قال الملأ جوابا لكلام فرعون، حيث استشارهم وطلب ما عندهم من الرأي { ~~أرجه } ، أي أخره وأخاه. يقال أرجأته وأرجيته أخرته. قرأ عاصم والكسائي ~~وحمزة وأهل المدينة «أرجه» بغير همز. وقرأ الباقون بالهمز. وقرأ أهل ~~الكوفة إلا الكسائي " أرجه " بسكون الهاء. قال الفراء هي لغة للعرب يقفون ~~على الهاء في الوصل، وأنكر ذلك البصريون. وقيل معنى { أرجه } احبسه. وقيل ~~هو من رجا يرجو، أي أطمعه ودعه يرجوك، حكاه النحاس عن محمد بن يزيد ~~المبرد { وأرسل فى المدائن حشرين } أي أرسل جماعة ~~حاشرين في المدائن التي فيها السحرة، و { حاشرين } مفعول { أرسل }. # وقيل هو منصوب على الحال. و { يأتوك } جواب الأمر، أي يأتوك هؤلاء ~~الذين أرسلتهم { بكل سحار عليم } أي بكل ماهر في السحر، كثير ~~العلم بصناعته. قرأ أهل الكوفة إلا عاصم «سحار». وقرأ من عداهم { ساحر }. ~~قوله { وجاء السحرة فرعون } في الكلام طي، أي فبعث في ~~المدائن حاشرين، وجاء السحرة فرعون. قوله { قالوا إن لنا ~~لأجرا } أي فلما جاءوا فرعون قالوا له إن لنا لأجرا، والجملة ~~استئنافية جواب سؤال مقدر، كأنه قيل أي شيء قالوا له لما جاءوه؟ والأجر ~~الجائزة والجعل، ألزموا فرعون أن يجعل لهم جعلا، إن غلبوا موسى بسحرهم. ~~قرأ نافع، وابن كثير { إن لنا } على الإخبار. وقرأ الباقون «أئن لنا» على ~~الاستفهام. استفهموا فرعون عن الجعل الذي سيجعله لهم على الغلبة، ومعنى ~~الاستفهام التقرير. وأما على القراءة الأولى، فكأنهم قاطعون بالجعل، وأنه ~~لابد لهم منه، فأجابهم فرعون بقوله { نعم وإنكم لمن ~~المقربين } أي إن تلكم لأجرا، وإنكم مع هذا الأجر المطلوب منكم ~~لمن المقربين لدينا. قوله { قالوا يا موسى إما أن تلقى ~~وإما أن نكون نحن الملقين } هذه الجملة مستأنفة جواب ~~سؤال مقدر، كأنه قيل فما قالوا لموسى بعد أن قال لهم فرعون { نعم وإنكم ~~لمن المقربين }. والمعنى أنهم خيروا موسى بين أن يبتدىء بإلقاء ما يلقيه ~~عليهم، أو يبتدئوه هم بذلك تأدبا ms1273 معه، وثقة من أنفسهم بأنهم غالبون، ~~وإن تأخروا، و " أن " في موضع نصب، قاله الكسائي والفراء، أي إما أن تفعل ~~الإلقاء أو نفعله نحن. فأجابهم موسى بقوله { ألقوا } اختار أن ~~يكونوا المتقدمين عليه بإلقاء ما يلقونه غير مبال بهم، ولا هائب لما ~~جاءوا به. قال الفراء في الكلام حذف. المعنى قال لهم موسى إنكم لم تغلبوا ~~ربكم، ولن تبطلوا آياته. وقيل هو تهديد، أي ابتدئوا بالإلقاء فستنظرون ما ~~يحل بكم من الافتضاح. والموجب لهذين التأويلين عند من قال بهما أنه لا ~~يجوز على موسى أن يأمرهم بالسحر { فلما ألقوا } أي حبالهم ~~وعصيهم { سحروا أعين الناس } أي قلبوها وغيروها عن صحة ~~إدراكها بما جاءوا به من التمويه والتخييل الذي يفعله المشعوذون وأهل ~~الخفة { واسترهبوهم } أي أدخلوا الرهبة في قلوبهم إدخالا شديدا ~~{ وجاءوا بسحر عظيم } في أعين الناظرين لما جاءوا به، وإن كان ~~لا حقيقة له في الواقع. قوله { وأوحينا إلى موسى أن ألق ~~عصاك } أمره الله سبحانه، عند أن جاء السحرة بما جاءوا به من السحر، ~~أن يلقي عصاه { فإذا هى } أي العصا { تلقف ما يأفكون } ~~قرأ حفص { تلقف } بإسكان اللام، وتخفيف القاف من لقف يلقف. وقرأ ~~الباقون بفتح اللام، وتشديد القاف من تلقف يتلقف، يقال لقفت الشيء ~~وتلقفته إذا أخذته أو بلعته. # قال أبو حاتم وبلغني في بعض القراءات " تلقم " بالميم والتشديد، قال ~~الشاعر # أنت عصا موسى التي لم تزل تلقم ما يأفكه الساحر # و«ما» في { ما يأفكون } مصدرية أو موصولة، أي إفكهم أو ما ~~يأفكونه، سماه إفكا، لأنه لا حقيقة له في الواقع، بل هو كذب وزور وتمويه ~~وشعوذة { فوقع الحق } أي ظهر وتبين لما جاء به موسى { وبطل ~~ما كانوا يعملون } من سحرهم، أي تبين بطلانه { فغلبوا } أي ~~السحرة { هنالك } أي في الموقف الذي أظهروا فيه سحرهم { ~~وانقلبوا } من ذلك الموقف { صغرين } أذلاء مقهورين { ~~وألقى السحرة سجدين } أي خروا ساجدين، كأنما ألقاهم ملق ~~على هيئة السجود، أو لم يتمالكوا مما رأوا، فكأنهم ألقوا أنفسهم، وجملة { ~~قالوا ءامنا برب ms1274 العلمين رب موسى وهرون } ~~مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل ماذا قالوا عند سجودهم أوفي سجودهم؟ ~~وإنما قالوا هذه المقالة وصرحوا بأنهم آمنوا برب العالمين، ثم لم ~~يكتفوا بذلك حتى قالوا { رب موسى وهارون } لئلا يتوهم متوهم من قوم ~~فرعون المقرين بإلهيته، أن السجود له. وقد أخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، ~~في قوله { ثم بعثنا موسى } قال إنما سمي موسى، لأنه ألقى بين ~~ماء وشجر، فالماء بالقبطية مو والشجر سي. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد ~~أن فرعون كان فارسيا من أهل إصطخر. وأخرج أيضا عن ابن لهيعة، أنه كان ~~من أبناء مصر. وأخرج أيضا وأبو الشيخ، عن محمد بن المنكدر قال عاش فرعون ~~ثلثمائة سنة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن علي بن أبي طلحة، أن فرعون كان ~~قبطيا ولد زنا طوله سبعة أشبار. وأخرج أيضا عن الحسن قال كان علجا من ~~همذان. وأخرج أبو الشيخ، عن إبراهيم بن مقسم الهذلي، قال مكث فرعون ~~أربعمائة سنة لم يصدع له رأس. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن قتادة، ~~في قوله { فألقى عصاه } قال ذكر لنا أن تلك العصا عصا آدم، أعطاه ~~إياها ملك حين توجه إلى مدين، فكانت تضيء بالليل، ويضرب بها الأرض ~~بالنهار، فتخرج له رزقه ويهش بها على غنمه { فإذا هى ثعبان ~~مبين } قال حية تكاد تساوره. وأخرج ابن أبي حاتم، على ابن عباس، قال ~~لقد دخل موسى على فرعون وعليه زرمانقة من صوف ما تجاوز مرفقيه، فاستأذن ~~على فرعون فقال أدخلوه، فدخل فقال إن إلهي أرسلني إليك، فقال للقوم حوله # ما علمت لكم من إله غيري # القصص 38، خذوه. قال إني قد جئتك بآية، قال فائت بها إن كنت من ~~الصادقين، فألقى عصاه، فصارت ثعبانا بين لحييه، ما بين السقف إلى الأرض، ~~وأدخل يده في جيبه، فأخرجها مثل البرق تلتمع الأبصار، فخروا على وجوههم، ~~وأخذ موسى عصاه ثم خرج، ليس أحد من الناس إلا نفر منه. # فلما أفاق وذهب عن فرعون الروع قال للملأ حوله ماذا تأمروني؟ ms1275 { قالوا ~~أرجه وأخاه } ولا تأتنا به ولا يقربنا { وأرسل فى ~~المدائن حشرين } وكانت السحرة يخشون من فرعون، فلما أرسل ~~إليهم قالوا قد احتاج إليكم إلهكم؟ قال إن هذا فعل كذا وكذا. قالوا إن ~~هذا ساحر سحر { إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغلبين ~~قال نعم وإنكم لمن المقربين }. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~عنه، قال عصى موسى اسمها ماشا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ من طرق، عنه، في قوله { فإذا هى ~~ثعبان مبين } قال الحية الذكر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~عن السدي، في قوله { فإذا هى ثعبان مبين } قال الذكر من ~~الحيات، فاتحة فمها، واضعة لحيها الأسفل في الأرض، والأعلى على سور ~~القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذعر منها ووثب فأحدث، ولم ~~يكن يحدث قبل ذلك، فصاح يا موسى خذها وأنا أؤمن بربك وأرسل معك بني ~~إسرائيل، فأخذها موسى فصارت عصا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { أرجه } قال أخره. وأخرج ~~عبد بن حميد، عن قتادة، قال احبسه وأخاه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس ~~من طرق في قوله { وأرسل فى المدائن حشرين } قال ~~الشرط. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عنه، في قوله { وجاء السحرة } قال كانوا سبعين رجلا ~~أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء. وقد اختلفت كلمة السلف في عددهم فقيل كانوا ~~سبعين كما قال ابن عباس. وقيل كانوا اثني عشر. وقيل خمسة عشر ألفا. وقيل ~~سبعة عشر ألفا. وقيل تسعة عشر ألفا. وقيل ثلاثين ألفا. وقيل سبعين ~~ألفا. وقيل ثمانين ألفا. وقيل ثلثمائة ألف. وقيل تسعمائة ألف. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله { إن لنا لأجرا } ~~أي عطاء. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، في قوله { فلما ألقوا } ~~قال ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا، ms1276 فأقبلت يخيل إليه من سحرهم أنها ~~تسعى. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي قال ألقى موسى عصاه ~~فأكلت كل حية لهم، فلما رأوا ذلك سجدوا. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، نحوه. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن ~~المنذر عن مجاهد، في قوله { تلقف ما يأفكون } قال ما يكذبون. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الحسن في قوله { تلقف ~~ما يأفكون } قال تسترط حبالهم وعصيهم. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، ~~عن ابن مسعود، وناس من الصحابة قال التقى موسى وأمير السحرة، فقال له ~~موسى أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي؟ وتشهد أن ما جئت به حق؟ فقال الساحر ~~لآتين غدا بسحر لا يغلبه سحر. فو الله لئن غلبتني لأمنن بك، ولأشهدن ~~أنه حق، وفرعون ينظر إليهما وهو قول فرعون # إن هذا لمكر مكرتموه فى المدينة # الأعراف 123. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأوزاعي قال لما خر السحرة سجدا ~~رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها. ### || [7.123-129] # قوله { آمنتم به } قرىء بحذف الهمزة على الإخبار وبإثباتها. أنكر ~~على السحرة فرعون إيمانهم بموسى قبل أن يأذن لهم بذلك، ثم قال بعد ~~الإنكار عليهم، مبينا لما هو الحامل لهم على ذلك في زعمه { إن ~~هذا لمكر مكرتموه فى المدينة } أي حيلة احتلتموها ~~أنتم وموسى عن مواطأة بينكم سابقة { لتخرجوا } من مدينة مصر { ~~أهلها } من القبط، وتستولوا عليها وتسكنوا فيها أنتم وبنو إسرائيل. ~~ومعنى { فى المدينة } أن هذه الحيلة والمواطأة كانت بينكم، وأنتم ~~بالمدينة، مدينة مصر، قبل أن تبرزوا أنتم وموسى إلى هذه الصحراء. ثم ~~هددهم بقوله { فسوف تعلمون } عاقبة صنعكم هذا، وسوء مغبته، ثم ~~لم يكتف بهذا الوعيد المجمل، بل فصله فقال { لأقطعن أيديكم ~~وأرجلكم من خلاف } أي الرجل اليمنى واليد اليسرى، أو الرجل ~~اليسرى واليد اليمنى، ثم لم يكتف عدو الله بهذا، بل جاوزه إلى غيره فقال ~~{ ثم لاصلبنكم } في جذوع النخل، ms1277 أي أجعلكم عليها مصلوبين ~~زيادة تنكيل بهم، وإفراطا في تعذيبهم، وجملة { قالوا إنا إلى ~~ربنا منقلبون } استئنافية جواب سؤال كما تقدم، ومعناه إنك وإن ~~فعلت بنا هذا الفعل، فبعده يوم الجزاء سيجازيك الله بصنعك، ويحسن ~~إلينا بما أصابنا في ذاته، فتوعدوه بعذاب الله في الآخرة، لما توعدهم ~~بعذاب الدنيا، ويحتمل أن يكون المعنى { إنا إلى ربنا ~~منقلبون } بالموت، أي لا بد لنا من الموت، ولا يضرنا كونه بسبب ~~منك. قوله { وما تنقم منا } قرأ الحسن بفتح القاف. قال الأخفش هي ~~لغة، وقرأ الباقون بكسرها. يقال نقمت الأمر أنكرته، أي لست تعيب علينا ~~وتنكر منا { إلا أن ءامنا بئايت ربنا لما جآءتنا ~~} مع أن هذا هو الشرف العظيم والخير الكامل، ومثله لا يكون موضعا للعيب ~~ومكانا للإنكار، بل هو حقيق بالثناء الحسن والاستحسان البالغ، ثم تركوا ~~خطابه وقطعوا الكلام معه والتفتوا إلى خطاب الجناب العلي، مفوضين الأمر ~~إليه، طالبين منه عز وجل أن يثبتهم على هذه المحنة بالصبر قائلين { ~~ربنا أفرغ علينا صبرا } الإفراغ الصب، أي اصببه علينا ~~حتى يفيض ويغمرنا. طلبوا أبلغ أنواع الصبر، استعدادا منهم لما سينزل بهم ~~من العذاب من عدو الله، وتوطينا لأنفسهم على التصلب في الحق، وثبوت ~~القدم على الإيمان، ثم قالوا { وتوفنا مسلمين } أي توفنا إليك ~~حال ثبوتنا على الإسلام، غير محرفين، ولا مبدلين، ولا مفتونين. ولقد ~~كان ما هم عليه من السحر، والمهارة في علمه، مع كونه شرا محضا، سببا ~~للفوز بالسعادة، لأنهم علموا أن هذا الذي جاء به موسى خارج عن طوق البشر، ~~وأنه من فعل الله سبحانه، فوصلوا بالشر إلى الخير، ولم يحصل من غيرهم ~~ممن لا يعرف هذا العلم من أتباع فرعون، ما حصل منهم من الإذعان والاعتراف ~~والإيمان، وإذا كانت المهارة في علم الشر قد تأتي بمثل هذه الفائدة، فما ~~بالك بالمهارة في علم الخير، اللهم انفعنا بما علمتنا، وثبت أقدامنا على ~~الحق، وأفرغ علينا سجال الصبر، وتوفنا مسلمين. # قوله { وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى ~~وقومه ليفسدوا فى ms1278 الأرض }؟ هذا الاستفهام منهم للإنكار ~~عليه، أي أتتركه وقومه ليفسدوا في الأرض بإيقاع الفرقة وتشتيت الشمل؟ ~~والمراد بالأرض هنا أرض مصر. قوله { ويذرك وءالهتك } قرأ نعيم ~~بن ميسرة «ويذرك» بالرفع على تقدير مبتدأ، أي وهو يذرك، أو على العطف على ~~{ أتذر موسى } أي أتذره ويذرك. وقرأ الأشهب العقيلي " ويذرك " ~~بالجزم، إما على التخفيف بالسكون لثقل الضمة، أو على ما قيل في # وأكن من الصلحين # المنافقون 10 في توجيه الجزم. وقرأ أنس بن مالك «ونذرك» بالنون والرفع، ~~ومعناه أنهم أخبروا عن أنفسهم بأنهم سيذرونه وآلهته. وقرأ الباقون { ~~ويذرك } بالنصب بأن مقدرة على أنه جواب الاستفهام، والواو نائبة عن ~~الفاء، أو عطفا على { يفسدوا } أي ليفسدوا، وليذرك، لأنهم على الفساد في ~~زعمهم، وهو يؤدي إلى ترك فرعون وآلهته. واختلف المفسرون في معنى { ~~وءالهتك } لكون فرعون كان يدعي الربوبية كما في قوله # ما علمت لكم من إله غيرى # القصص 38. وقوله # أنا ربكم # النازعات 24 فقيل معنى و { آلهتك } وطاعتك. وقيل معناه وعبادتك. ويؤيده ~~قراءة علي، وابن عباس، والضحاك «وإلهتك»، وفي حرف أبي «أتذر موسى وقومه ~~ليفسدوا في الأرض وقد تركوك أن يعبدوك» وقيل إنه كان يعبد بقرة، وقيل كان ~~يعبد النجوم. وقيل كان له أصنام يعبدها قومه تقربا إليه، فنسبت إليه، ~~ولهذا قال # أنا ربكم الأعلى # النازعات 24 قاله الزجاج. وقيل كان يعبد الشمس. فقال فرعون مجيبا لهم، ~~ومثبتا لقلوبهم على الكفر { سنقتل أبناءهم }. قرأ نافع وابن ~~كثير «سنقتل» بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، أي سنقتل الأبناء، ~~ونستحيي النساء، أي نتركهن في الحياة. ولم يقل سنقتل موسى، لأنه يعلم. ~~أنه لا يقدر عليه { وإنا فوقهم قهرون } أي مستعلون عليهم ~~بالقهر والغلبة، أو هم تحت قهرنا وبين أيدينا. ما شئنا أن نفعله بهم ~~فعلناه. وجملة { قال موسى لقومه } مستأنفة جواب سؤال مقدر، ~~لما بلغ موسى ما قاله فرعون أمر قومه بالاستعانة بالله والصبر على ~~المحنة، ثم أخبرهم { أن الارض } يعني أرض مصر { لله يورثها ~~من يشاء من عباده } أو جنس الأرض، وهو وعد من موسى ms1279 لقومه بالنصر ~~على فرعون وقومه، وأن الله سيورثهم أرضهم وديارهم. ثم بشرهم بأن العاقبة ~~للمتقين، أي العاقبة المحمودة في الدنيا والآخرة للمتقين من عباده، وهم ~~موسى ومن معه. وعاقبة كل شيء آخره. وقرىء «والعاقبة» بالنصب عطفا على ~~الأرض. # وجملة { قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ~~ما جئتنا } مستأنفة جواب سؤال مقدر كالتي قبلها، أي أوذينا من قبل ~~أن تأتينا رسولا، وذلك بقتل فرعون أبناءنا عند مولدك لما أخبر بأنه ~~سيولد مولود يكون زوال ملكه على يده { ومن بعد ما جئتنا } ~~رسولا بقتل أبنائنا الآن. وقيل المعنى أوذينا من قبل أن تأتينا ~~باستعمالنا في الأعمال الشاقة بغير جعل { ومن بعد ما جئتنا } بما ~~صرنا فيه الآن من الخوف على أنفسنا وأولادنا وأهلنا. وقيل إن الأذى من ~~قبل ومن بعد واحد، وهو قبض الجزية منهم. وجملة { قال عسى ربكم ~~أن يهلك عدوكم } مستأنفة كالتي قبلها، وعدهم بإهلاك الله ~~لعدوهم، وهو فرعون وقومه. قوله { ويستخلفكم فى الأرض } هو ~~تصريح بما رمز إليه سابقا من أن الأرض لله. وقد حقق الله رجاءه، وملكوا ~~مصر في زمان داود وسليمان، وفتحوا بيت المقدس مع يوشع ابن نون، وأهلك ~~فرعون وقومه بالغرق وأنجاهم { فينظر كيف تعملون } من الأعمال ~~بعد أن يمن عليكم بإهلاك عدوكم { ويستخلفكم فى الأرض } ~~فيجازيكم بما عملتم فيه من خير وشر. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن السدي في قوله { إن هذا لمكر مكرتموه فى ~~المدينة } إذا التقيتما لتظاهرا فتخرجا منها أهلها { لأقطعن ~~أيديكم } الآية، قال فقتلهم وقطعهم كما قال. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال كان أول من صلب فرعون، وهو أول ~~من قطع الأيدي والأرجل من خلاف. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة، في قوله { ~~من خلف } قال يدا من ها هنا، ورجلا من ها هنا. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله { أوذينا من ~~قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا } قال من قبل إرسال ms1280 ~~الله إياك ومن بعده. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~وهب بن منبه، في الآية قال قالت بنو إسرائيل لموسى كان فرعون يكلفنا ~~اللبن قبل أن تأتينا. فلما جئت كلفنا اللبن مع التبن أيضا، فقال موسى أي ~~رب أهلك فرعون، حتى متى تبقيه؟ فأوحى الله إليهم إنهم لم يعملوا الذنب ~~الذي أهلكهم به. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة في الآية قال حزا لعدو ~~الله حاز أنه يولد في العام غلام يسلب ملكك، قال فتتبع أولادهم في ذلك ~~العام بذبح الذكر منهم، ثم ذبحهم أيضا بعد ما جاءهم موسى. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس، قال إن بنا أهل البيت يفتح ويختم، ولا بد أن تقع ~~دولة لبني هاشم فانظروا فيمن تكون من بني هاشم؟ وفيهم نزلت { عسى ~~ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم فى الأرض ~~فينظر كيف تعملون } وينبغي أن ينظر في صحة هذا عن ابن عباس، ~~فالآية نازلة في بني إسرائيل، لا في بني هاشم، واقعة في هذه القصة ~~الحاكية لما جرى بين موسى وفرعون. ### || [7.130-136] # المراد بآل فرعون هنا قومه، والمراد بالسنين الجدب. وهذا معروف عند أهل ~~اللغة. يقولون أصابتهم سنة أي جدب سنة، وفي الحديث # " اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # ، وأكثر العرب يعربون السنين إعراب جمع المذكر السالم. ومن العرب من ~~يعربه إعراب المفرد، ويجري الحركات على النون، وأنشد الفراء # أرى مر السنين أخذن مني كما أخذ السرار من الهلال # بكسر النون من السنين. قال النحاس وأنشد سيبويه هذا البيت بفتح النون. ~~أقول قد ورد ما لا احتمال فيه وهو قول الشاعر # وماذا تزدري الأقوام مني وقد جاوزت حد الأربعين # وبعده # أخو الخمسين مجتمع أشدي وتجدبني مداورة السنين # فإن الأبيات قبله وبعده مكسورة. وأول هذه الأبيات # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني # وحكى الفراء عن بني عامر أنهم يقولون أقمت عنده سنينا مصروفا. قال ~~وبنو تميم لا يصرفونه. ويقال أسنت القوم، أي أجدبوا، ومنه قول ابن ~~الزبعري # ورجال ms1281 مكة مسنتون عجاف # { ونقص من الثمرات } بسبب عدم نزول المطر، وكثرة العاهات { ~~لعلهم يذكرون } فيتعظون ويرجعون عن غوايتهم. قوله { فإذا ~~جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه } أي الخصلة الحسنة من ~~الخصب بكثرة المطر، وصلاح الثمرات، ورخاء الأسعار { قالوا لنا ~~هذه } أي أعطيناها باستحقاق، وهي مختصة بنا { وإن تصبهم ~~سيئة } أي خصلة سيئة من الجدب والقحط، وكثرة الأمراض ونحوها من ~~البلاء { يطيروا بموسى ومن معه } أي يتشاءموا بموسى ومن ~~معه من المؤمنين به، والأصل يتطيروا أدغمت التاء في الطاء، وقرأ طلحة " ~~تطيروا " على أنه فعل ماض. وقد كانت العرب تتطير بأشياء من الطيور ~~والحيوانات، ثم استعمل بعد ذلك في كل من تشاءم بشيء. ومثل هذا قوله تعالى # اوإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك # النساء 78 قيل ووجه تعريف الحسنة أنها كثيرة الوقوع، ووجه تنكير السيئة ~~ندرة وقوعها. قوله { ألا إنما طائرهم عند الله } أي سبب ~~خيرهم وشرهم بجميع ما ينالهم من خصب وقحط، هو من عند الله، ليس بسبب موسى ~~ومن معه. وكان هذا الجواب على نمط ما يعتقدونه وبما يفهمونه. ولهذا عبر ~~بالطائر عن الخير والشر الذي يجري بقدر الله وحكمته ومشيئته { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون } بهذا، بل ينسبون الخير والشر ~~إلى غير الله جهلا منهم. وقرأ الحسن «طيرهم». قوله { وقالوا مهما ~~تأتنا به من ءاية لتسحرنا بها فما نحن لك ~~بمؤمنين } قال الخليل أصل { مهما } «ما» الشرطية زيدت عليه «ما» ~~التي للتوكيد، كما تزاد في سائر الحروف مثل حيثما وأينما وكيفما ومتى ما. ~~ولكنهم كرهوا اجتماع المثلين فأبدلوا ألف الأولى هاء. # وقال الكسائي أصله مه، أي اكفف ما تأتينا به من آية، وزيدت عليها «ما» ~~الشرطية. وقيل وهي كلمة مفردة يجازى بها. ومحل { مهما } الرفع على ~~الابتداء، أو النصب بفعل يفسره ما بعدها. و { من آية } لبيان { مهما } ، ~~وسموها آية استهزاء بموسى كما يفيده ما بعده. وهو { لتسحرنا بها ~~} أي لتصرفنا عما نحن عليه كما يفعله السحرة بسحرهم. والضمير في " به " ~~عائد إلى { مهما } ، والضمير في { بها } عائد إلى ms1282 { آية } وقيل إنهما ~~جميعا عائدان إلى { مهما } ، وتذكير الأول باعتبار اللفظ، وتأنيث ~~الثاني باعتبار المعنى { فما نحن لك بمؤمنين } جواب الشرط، ~~أي فما نحن لك بمصدقين. أخبروا عن أنفسهم أنهم لا يؤمنون بشيء مما يجيء ~~به من الآيات التي هي في زعمهم من السحر، فعند ذلك نزلت بهم العقوبة من ~~الله عز وجل المبينة بقوله { فأرسلنا عليهم الطوفان } ~~وهو المطر الشديد. قال الأخفش واحده طوفانة، وقيل هو مصدر كالرجحان ~~والنقصان فلا واحد له. وقيل الطوفان الموت. وقال النحاس الطوفان في اللغة ~~ما كان مهلكا من موت أو سيل، أي ما يطيف بهم فيهلكهم. والجراد هو ~~الحيوان المعروف. أرسله الله لأكل زروعهم فأكلها.والقمل قيل هي ~~الدباء. والدباء الجراد قبل أن تطير، وقيل هي السوس، وقيل البراغيث، وقيل ~~دواب سود صغار، وقيل ضرب من القردان، وقيل الجعلان. قال النحاس يجوز أن ~~تكون هذه الأشياء كلها أرسلت عليهم. وقرأ الحسن «القمل» بفتح القاف ~~وإسكان الميم. وقرأ الباقون بضم القاف وفتح الميم مشددة. وقد فسر عطاء ~~الخراساني «القمل» بالقمل { والضفادع } جمع ضفدع، وهو الحيوان ~~المعروف الذي يكون في الماء. { والدم } روي أنه سال النيل عليهم ~~دما. وقيل هو الرعاف. قوله { آيات مفصلات } أي مبينات. قال ~~الزجاج هو منصوب على الحال. والمعنى أرسلنا عليهم هذه الأشياء حال كونها ~~آيات بينات ظاهرات { فاستكبروا } أي ترفعوا عن الإيمان بالله { ~~وكانوا قوما مجرمين } لا يهتدون إلى حق، ولا ينزعون عن ~~باطل. قوله { ولما وقع عليهم الرجز } أي العذاب بهذه ~~الأمور التي أرسلها الله عليهم. وقرىء بضم الراء وهما لغتان. وقيل كان ~~هذا الرجز طاعونا مات به من القبط في يوم واحد سبعون ألفا. { قالوا ~~يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك } أي بما استودعك ~~من العلم، أو بما اختصك به من النبوة، أو بما عهد إليك أن تدعو به ~~فيجيبك. والباء متعلقة ب { ادع } على معنى أسعفنا إلى ما نطلب من الدعاء ~~بحق ما عندك من عهد الله، أو ادع لنا متوسلا إليه بعهده عندك. وقيل إن ms1283 ~~الباء للقسم، وجوابه لنؤمنن، أي أقسمنا بعهد الله عندك { لئن كشفت ~~عنا الرجز لنؤمنن لك } على أن جواب الشرط سد مسد جواب ~~القسم، وعلى أن الباء ليست للقسم، تكون اللام في { لئن كشفت عنا ~~الرجز } جواب قسم محذوف. # و { لنؤمنن } جواب الشرط ساد مسد جواب القسم { ولنرسلن ~~معك بنى إسرءيل } معطوف على لنؤمنن. وقد كانوا حابسين لبني ~~إسرائيل عندهم، يمتهنونهم في الأعمال، فوعدوه بإرسالهم معه. { فلما ~~كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بلغوه } أي رفعنا ~~عنهم العذاب عند أن رجعوا إلى موسى وسألوه بما سألوه، لكن لا رفعا ~~مطلقا، بل رفعا مقيدا بغاية هي الأجل المضروب لإهلاكهم بالغرق. وجواب ~~" لما " { إذا هم ينكثون } أي ينقضون ما عقدوه على أنفسهم، و " ~~إذا " هي الفجائية، أي فاجؤوا النكث وبادروه. { فانتقمنا منهم } ~~أي أردنا الانتقام منهم لما نكثوا بسبب ما تقدم لهم من الذنوب المتعددة ~~{ فأغرقنهم في اليم } أي في البحر. قيل هو الذي لا يدرك ~~قعره. وقيل هو لجته وأوسطه. وجملة { بأنهم كذبوا بآياتنا ~~} تعليل للإغراق { وكانوا عنها غفلين } معطوف على كذبوا، أي ~~كانوا غافلين عن النقمة المدلول عليها بانتقمنا، أو عن الآيات التي لم ~~يؤمنوا بها، بل كذبوا بها، وكانوا في تكذيبهم بمنزلة الغافلين عنها. ~~والثاني أولى لأن الجملتين تعليل للإغراق. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود { ولقد ~~أخذنا ءال فرعون بالسنين } قال السنين الجوع. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن مجاهد قال السنين الجوائح { ونقص من الثمرات } دون ~~ذلك. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، ~~قال لما أخذ الله آل فرعون بالسنين يبس كل شيء لهم، وذهبت مواشيهم حتى ~~يبس نيل مصر، واجتمعوا إلى فرعون، فقالوا إن كنت كما تزعم فائتنا في نيل ~~مصر بماء، قال غدوة يصبحكم الماء، فلما خرجوا من عنده قال أي شيء صنعت إن ~~لم أقدر على أن ms1284 أجري في نيل مصر ماء غدوة كذبوني. فلما كان جوف الليل قام ~~فاغتسل، ولبس مدرعة صوف، ثم خرج حافيا حتى أتى نيل مصر فقال اللهم إنك ~~تعلم، أني أعلم أنك تقدر على أن تملأ نيل مصر ماء فاملأه ماء. فما علم ~~إلا بجزر الماء يقبل، فخرج وأقبل النيل يزخ بالماء لما أراد الله بهم من ~~الهلكة. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { فإذا جاءتهم ~~الحسنة } قال العافية والرخاء { قالوا لنا هذه } نحن أحق ~~بها { وإن تصبهم سيئة } قال بلاء وعقوبة { يطيروا ~~بموسى } قال يتشاءموا به. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، في قوله { ~~ألا إنما طائرهم عند الله } قال الأمر من قبل الله. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عائشة، ~~قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الطوفان الموت " # قال ابن كثير هو حديث غريب. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، ~~عن ابن عباس، قال الطوفان الغرق. وأخرج هؤلاء عن مجاهد قال الطوفان الموت ~~على كل حال. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال الطوفان ~~مطروا دائما بالليل والنهار ثمانية أيام. والقمل الجراد الذي له أجنحة. ~~وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه، قال الطوفان أمر من أمر ربك، ثم ~~قرأ # فطاف عليها طائف من ربك # القلم 19. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال الطوفان الماء، والطاعون ~~والجراد. قال يأكل مسامير رتجهم يعني أبوابهم وثيابهم، والقمل الدباء. ~~والضفادع، تسقط على فرشهم وفي أطعمتهم، والدم يكون في ثيابهم ومائهم ~~وطعامهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن ابن عباس قال القمل الدباء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال كانت الضفادع برية، فلما أرسلها ~~الله على آل فرعون سمعت وأطاعت، فجعلت تقذف ms1285 نفسها في القدر وهي تغلي، وفي ~~التنانير وهي تفور. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~مجاهد، قال سال النيل دما، فكان الإسرائيلي يستقي ماء طيبا، ويستقي ~~الفرعوني دما، ويشتركان في إناء واحد، فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء ~~طيبا وما يلي الفرعوني دما. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن زيد بن ~~أسلم، في قوله { والدم } قال سلط الله عليهم الرعاف. وأخرج أبو الشيخ ~~عن ابن عباس قال مكث موسى في آل فرعون بعدما غلب السحرة أربعين سنة، ~~يريهم الآيات، والجراد، والقمل والضفادع. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه في ~~قوله { آيات مفصلات } قال كانت آيات مفصلات يتبع بعضها بعضا ~~ليكون لله الحجة عليهم. وأخرج ابن المنذر، عنه، قال يتبع بعضها بعضا ~~تمكث فيهم سبتا إلى سبت، ثم ترفع عنهم شهرا. وأخرج ابن مردويه، عن ~~عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " الرجز العذاب " # وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال الرجز الطاعون. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله { إلى أجل هم بلغوه ~~} قال الغرق. وأخرج ابن أبي حاتم، من طرق، عن ابن عباس قال اليم البحر. ~~وأخرج أيضا عن السدي مثله. ### || [7.137-141] # قوله { وأورثنا القوم } يعني بني إسرائيل { الذين ~~كانوا يستضعفون } أي يذلون ويمتهون بالخدمة لفرعون وقومه { ~~مشرق الأرض ومغربها } منصوبان بأورثنا. وقال الكسائي ~~والفراء إن الأصل في مشارق الأرض ومغاربها، جهات مغربها، ثم حذفت في ~~فنصبا. والأول أظهر، لأنه يقال أورثته المال. والأرض هي مصر والشام، ~~ومشارقها جهات مشرقها. ومغاربها، وهي التي كانت لفرعون وقومه من القبط. ~~وقيل المراد جميع الأرض لأن داود وسليمان من بني إسرائيل، وقد ملكا ~~الأرض. قوله { التى باركنا فيها } صفة للمشارق والمغارب. وقيل ~~صفة الأرض. والمباركة فيها إخراج الزرع والثمار منها على أتم ما يكون، ~~وأنفع ما يتفق. قوله { وتمت كلمت ربك الحسنى } أي مضت ~~واستمرت على التمام، والكلمة هي # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين # القصص 5، وهذا ms1286 وعد من الله سبحانه بالنصر والظفر بالأعداء والاستيلاء ~~على أملاكهم. و { الحسنى } صفة للكلمة. وهي تأنيث الأحسن. وتمام هذه ~~الكلمة { على بنى إسرءيل } بسبب صبرهم على ما أصيبوا به من ~~فرعون وقومه. قوله { ودمرنا ما كان يصنع فرعون ~~وقومه } التدمير الإهلاك، أي أهلكنا بالخراب ما كانوا يصنعونه من ~~العمارات { وما كانوا يعرشون } قرأ ابن عامر، وأبو بكر، عن ~~عاصم «يعرشون» بضم الراء. قال الكسائي هي لغة تميم. وقرأ إبراهيم بن أبي ~~عبلة «يعرشون» بتشديد الراء وضم حرف المضارعة. وقرأ الباقون بكسر ~~الراء مخففة، أي ما كانوا يعرشونه من الجنات، ومنه قوله تعالى # وهو الذى أنشأ جنت معروشت وغير ~~معروشت # الأنعام 141 وقيل معنى يعرشون يبنون، يقال عرش يعرش أي بنى يبني. قوله { ~~وجاوزنا ببنى إسرءيل البحر } هذا شروع في بيان ما فعله ~~بنو إسرائيل بعد الفراغ مما فعله فرعون وقومه. ومعنى جاوزنا ببني إسرائيل ~~البحر جزناه بهم وقطعناه. وقرىء «جوزنا» بالتشديد، وهو بمعنى قراءة ~~الجمهور { فأتوا على قوم يعكفون على أصنام ~~لهم } قرأ حمزة والكسائي «يعكفون» بكسر الكاف، وقرأ الباقون بضمها. ~~يقال عكف يعكف، ويعكف بمعنى أقام على الشيء ولزمه، والمصدر منها عكوف. ~~قيل هؤلاء القوم الذين آتاهم بنو إسرائيل هم من لخم كانوا نازلين بالرقة، ~~كانت أصنامهم تماثيل بقر. وقيل كانوا من الكنعانيين { قالوا } أي بنو ~~إسرائيل عند مشاهدتهم لتلك التماثيل { يموسى اجعل لنا إلها ~~} أي صنما نعبده كائنا كالذي لهؤلاء القوم، فالكاف متعلق بمحذوف وقع ~~صفة ل { إلها } ، فأجاب عليهم موسى، و { قال إنكم قوم ~~تجهلون } وصفهم بالجهل، لأنهم قد شاهدوا من آيات الله ما يزجر من له ~~أدنى علم عن طلب عبادة غير الله. ولكن هؤلاء القوم، أعني بني إسرائيل، ~~أشد خلق الله عنادا وجهلا وتلونا. # وقد سلف في سورة البقرة بيان ما جرى منهم من ذلك. ثم قال لهم موسى { ~~إن هؤلآء } يعني القوم العاكفين على الأصنام { متبر ما هم ~~فيه } التبار الهلاك. وكل إناء منكسر فهو متبر، أي أن هؤلاء هالك ما هم ~~فيه مدمر ms1287 مكسر. والذي هم فيه هو عبادة الأصنام. أخبرهم بأن هذا الدين ~~الذي هؤلاء القوم عليه هالك مدمر لا يتم منه شيء. قوله { وبطل ~~ما كانوا يعملون } أي ذاهب مضمحل جميع ما كانوا يعملونه من ~~الأعمال مع عبادتهم للأصنام. قال في الكشاف وفي إيقاع { هؤلاء } اسما ~~لإن، وتقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبرا لها، وسم لعبدة الأصنام ~~بأنهم هم المعرضون للتبار، وأنه لا يعدوهم ألبتة، وأنه لهم ضربة لازب، ~~ليحذرهم عاقبة ما طلبوا، ويبغض إليهم ما أحبوا. قوله { أغير الله ~~أبغيكم إلها } الاستفهام للإنكار والتوبيخ، أي كيف أطلب لكم ~~غير الله إلها تعبدونه، وقد شاهدتم من آياته العظام ما يكفي البعض منه؟ ~~والمعنى أن هذا الذي طلبتم لا يكون أبدا. وإدخال الهمزة على { غير } ~~للإشعار بأن المنكر هو كون المبتغى غيره سبحانه إلها، و { غير } مفعول ~~للفعل الذي بعده. و { إلها } تمييز أو حال. وجملة { وهو فضلكم ~~على العلمين } في محل نصب على الحال، أي والحال أنه فضلكم على ~~العالمين من أهل عصركم بما أنعم به عليكم من إهلاك عدوكم، واستخلافكم في ~~الأرض، وإخراجكم من الذل والهوان إلى العز والرفعة، فكيف تقابلون هذه ~~النعم بطلب عبادة غيره؟ قوله { وإذ أنجينكم من ءال ~~فرعون } أي واذكروا وقت إنجائنا لكم من آل فرعون، بعد أن كانوا ~~مالكين لكم، يستعبدونكم فيما يريدونه منكم، ويمتهنونكم بأنواع ~~الامتهانات. هذا على أن هذا الكلام محكي عن موسى. وأما إذا كان في حكم ~~الخطاب لليهود الموجودين في عصر محمد، فهو بمعنى اذكروا إذ أنجينا ~~أسلافكم من آل فرعون. وجملة { يسومونكم سوء العذاب } في محل ~~نصب على الحال، أي أنجيناكم من آل فرعون حال كونهم { يسومونكم سوء ~~العذاب }. ويجوز أن تكون مستأنفة لبيان ما كانوا فيه مما أنجاهم منه. ~~وجملة { يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم } مفسرة ~~للجملة التي قبلها، أو بدل منها، وقد سبق بيان ذلك. والإشارة بقوله { ~~وفى ذلكم } إلى العذاب أي في هذا العذاب، الذي كنتم فيه { بلاء } ~~عليكم { من ربكم عظيم } وقيل الإشارة إلى الإنجاء، والبلاء ms1288 ~~النعمة، والأول أولى. وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن في قوله { مشرق ~~الأرض ومغربها التى باركنا فيها } قال الشام. وأخرج ~~هؤلاء عن قتادة مثله. وأخرج ابن عساكر عن زيد بن أسلم نحوه. # وأخرج أبو الشيخ، عن عبد الله بن شوذب، قال هي فلسطين. وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في فضل الشام أحاديث ليس هذا موضع ذكرها. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن مجاهد، في قوله { وتمت كلمت ربك الحسنى } قال ~~ظهور قوم موسى على فرعون وتمكين الله لهم في الأرض وما ورثهم منها. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { وما كانوا ~~يعرشون } قال يبنون. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في ~~قوله { فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم } ~~قال لخم وجذام. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن أبي عمران الجوني مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جريج، في ~~الآية قال تماثيل بقر من نحاس، فلما كان عجل السامري شبه لهم أنه من تلك ~~البقر. فذلك كان أول شأن العجل ليكون لله عليهم الحجة، فينتقم منهم بعد ~~ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وصححه، والنسائي وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن أبي ~~واقد الليثي قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين فمررنا ~~بسدرة، فقلت يا رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، ~~وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة، ويعكفون حولها فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى { اجعل لنا إلها كما لهم ~~آلهة } إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم " # وأخرج نحوه ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، من طريق كثير بن عبد ~~الله بن عوف عن أبيه عن ms1289 جده مرفوعا، وكثير ضعيف جدا. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { ~~متبر } قال خسران. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، قال هلاك. ### || [7.142] # هذا من جملة ما كرم الله به موسى عليه السلام وشرفه. والثلاثين هي ذو ~~القعدة، والعشر هي عشر ذي الحجة ضرب الله هذه المدة موعدا لمناجاة موسى ~~ومكالمته. قيل وكان التكليم في يوم النحر. والفائدة في { فتم ~~ميقت ربه أربعين ليلة } مع العلم بأن الثلاثين والعشر ~~أربعون ليلا يتوهم وأن المراد أتممنا الثلاثين بعشر منها، فبين أن العشر ~~غير الثلاثين، و { أربعين ليلة } منصوب على الحال، أي فتم حال كونه ~~بالغا أربعين ليلة. قوله { وقال موسى لأخيه هرون ~~اخلفنى فى قومي } أي كن خليفتي فيهم. قال موسى هذا لما أراد المضي ~~إلى المناجاة { وأصلح } أمر بني إسرائيل بحسن سياستهم، والرفق بهم، ~~وتفقد أحوالهم { ولا تتبع سبيل المفسدين } أي لا تسلك ~~سبيل العاصين، ولا تكن عونا للظالمين. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، من طرق، عن ابن عباس، في قوله { ووعدنا موسى } ~~الآية، قال ذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد ~~عن مجاهد مثله. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في الآية، ~~قال إن موسى قال لقومه إن ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه، وأخلف هارون ~~فيكم، فلما فصل موسى إلى ربه، زاده الله عشرا، فكانت فتنتهم في العشر ~~التي زاده الله، فلما مضى ثلاثون ليلة كان السامري قد أبصر جبريل، فأخذ ~~من أثر الفرس قبضة من تراب، ثم ذكر قصة السامري. ### || [7.143-147] # اللام في { لميقتنا } للاختصاص، أي كان مجيئه مختصا بالميقات ~~المذكور، بمعنى أنه جاء في الوقت الموعود { وكلمه ربه } أي ~~أسمعه كلامه من غير واسطة. قوله { أرنى أنظر إليك } أي، أرني ~~نفسك أنظر إليك أي سأله النظر إليه اشتياقا إلى رؤيته لما أسمعه كلامه. ~~وسؤال موسى للرؤية يدل على أنها جائزة عنده في الجملة. ولو ms1290 كانت مستحيلة ~~عنده لما سألها. والجواب بقوله { لن ترانى } يفيد أنه لا يراه هذا ~~الوقت الذي طلب رؤيته فيه، أو أنه لا يرى ما دام الرائي حيا في دار ~~الدنيا. وأما رؤيته في الآخرة فقد ثبتت بالأحاديث المتواترة تواترا لا ~~يخفى على من يعرف السنة المطهرة، والجدال في مثل هذا والمراوغة لا تأتي ~~بفائدة، ومنهج الحق واضح. ولكن الاعتقاد لمذهب نشأ الإنسان عليه وأدرك ~~عليه آباءه وأهل بلده، مع عدم التنبه لما هو المطلوب من العباد من هذه ~~الشريعة المطهرة يوقع في التعصب، والمتعصب وإن كان بصره صحيحا فبصيرته ~~عمياء، وأذنه عن سماع الحق صماء، يدفع الحق، وهو يظن أنه ما دفع غير ~~الباطل، ويحسب أن ما نشأ عليه هو الحق، غفلة منه وجهلا بما أوجبه الله ~~عليه من النظر الصحيح، وتلقى ما جاء به الكتاب والسنة بالإذعان والتسليم. ~~وما أقل المنصفين بعد ظهور هذه المذاهب في الأصول والفروع فإنه صار بها ~~باب الحق مرتجا، وطريق الإنصاف مستوعرة، والأمر لله سبحانه، والهداية ~~منه # يأبى الفتى إلا اتباع الهوى ومنهج الحق له واضح # وجملة { قال لن ترانى } مستأنفة، لكونها جوابا لسؤال مقدر، كأنه ~~قيل فما قال الله له؟ والاستدراك بقوله { ولكن انظر إلى ~~الجبل فإن استقر مكانه فسوف ترانى } معناه أنك لا ~~تثبت لرؤيتي، ولا يثبت لها ما هو أعظم منك جرما وصلابة وقوة، وهو ~~الجبل، فانظر إليه { فإن استقر مكانه } ولم يتزلزل عند رؤيتي ~~له { فسوف ترانى } وإن ضعف عن ذلك، فأنت منه أضعف. فهذا الكلام ~~بمنزلة ضرب المثل لموسى عليه السلام بالجبل. وقيل هو من باب التعليق ~~بالمحال. وعلى تسليم هذا فهو في الرؤية في الدنيا لما قدمنا. وقد تمسك ~~بهذه الآية كلا طائفتين المعتزلة والأشعرية. فالمعتزلة استدلوا بقوله { ~~لن ترانى } ، وبأمره بأن ينظر إلى الجبل. والأشعرية قالوا إن تعليق ~~الرؤية باستقرار الجبل يدل على أنها جائزة غير ممتنعة. ولا يخفاك أن ~~الرؤية الأخروية هي بمعزل عن هذا كله. والخلاف بينهم هو فيها لا في ~~الرؤية في الدنيا، فقد ms1291 كان الخلاف فيها في زمن الصحابة، وكلامهم فيها ~~معروف. قوله { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا } ~~تجلى معناه ظهر، من قولك جلوت العروس، أي أيرزتها. # وجلوت السيف أخلصته من الصدأ، وتجلى الشيء انكشف. والمعنى فلما ظهر ربه ~~للجبل جعله دكا. وقيل المتجلي هو أمره وقدرته، قاله قطرب وغيره. والدك ~~مصدر بمعنى المفعول، أي جعله مدكوكا مدقوقا فصار ترابا، هذا على قراءة ~~من قرأ { دكا } بالمصدر. وهم أهل المدينة وأهل البصرة. وأما على قراءة ~~أهل الكوفة " جعله دكاء " على التأنيث، والجمع دكاوات، كحمراء ~~وحمراوات، وهي اسم للرابية الناشزة من الأرض، أو للأرض المستوية. فالمعنى ~~أن الجبل صار صغيرا كالرابية، أو أرضا مستوية. قال الكسائي الدك الجبال ~~العراض واحدها أدك. والدكاوات جمع دكاء، وهي رواب من طين ليست بالغلاظ، ~~والدكادك ما التبد من الأرض فلم يرتفع، وناقة دكاء لا سنام لها. { ~~وخر موسى صعقا } أي مغشيا عليه مأخوذا من الصاعقة. والمعنى ~~أنه صار حاله لما غشي عليه كحال من يغشى عليه عند إصابة الصاعقة له. يقال ~~صعق الرجل، فهو صعق ومصعوق، إذا أصابته الصاعقة { فلما أفاق } من ~~غشيته { قال سبحنك } أي أنزهك تنزيها من أن أسأل شيئا لم تأذن ~~لي به { تبت إليك } عن العود إلى مثل هذا السؤال. قال القرطبي ~~وأجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية، فإن الأنبياء معصومون. ~~وقيل هي توبة من قتله للقبطي، ذكره القشيري. ولا وجه له في مثل هذا ~~المقام { وأنا أول المؤمنين } بك قبل قومي الموجودين في ~~هذا العصر المعترفين بعظمتك وجلالك. وجملة { قال يا موسى } ~~مستأنفة كالتي قبلها، متضمنة لإكرام موسى واختصاصه بما اختصه الله به. ~~والاصطفاء الاجتباء والاختيار، أي اخترتك على الناس المعاصرين لك ~~برسالتي، كذا قرأ نافع، وابن كثير، بالافراد، وقرأ الباقون بالجمع. ~~والرسالة مصدر، والأصل فيه الإفراد. ومن جمع فكأنه نظر إلى أن الرسالة هي ~~على ضروب، فجمع لاختلاف الأنواع. والمراد بالكلام هنا التكليم. امتن ~~الله سبحانه عليه بهذين النوعين العظيمين من أنواع الإكرام، وهما الرسالة ~~والتكليم من ms1292 غير واسطة، ثم أمره بأن يأخذ ما آتاه، أي أعطاه من هذا الشرف ~~الكريم، وأمره بأن يكون من الشاكرين على هذا العطاء العظيم، والإكرام ~~الجليل. قوله { وكتبنا له فى الألواح من كل شىء ~~موعظة وتفصيلا لكل شىء } من كل شيء أي من كل ما يحتاج ~~إليه بنو إسرائيل في دينهم ودنياهم. وهذه الألواح هي التوراة. قيل كانت ~~من زمردة خضراء. وقيل من ياقوتة حمراء، وقيل من زبرجد، وقيل من صخرة ~~صماء. وقد اختلف في عدد الألواح، وفي مقدار طولها وعرضها. والألواح جمع ~~لوح، وسمي لوحا لكونه تلوح فيه المعاني. وأسند الله سبحانه الكتابة إلى ~~نفسه تشريفا للمكتوب في الألواح، وهي مكتوبة بأمره سبحانه. وقيل هي ~~كتابة خلقها الله في الألواح. # و { من كل شىء } في محل نصب على أنه مفعول { كتبنا } و { ~~موعظة وتفصيلا } بدل من محل كل شيء، أي موعظة لمن يتعظ بها من ~~بني إسرائيل وغيرهم، وتفصيلا للأحكام المحتاجة إلى التفصيل { فخذها ~~بقوة } أي خذ الألواح بقوة، أي بجد ونشاط. وقيل الضمير عائد إلى ~~الرسالات، أو إلى كل شيء، أو إلى التوراة. قيل وهذا الأمر على إضمار ~~القول، أي فقلنا له خذها. وقيل إن { فخذها } بدل من قوله { فخذ ~~ما ءاتيتك } { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } أي ~~بأحسن ما فيها بما أجره أكثر من غيره، وهو مثل قوله تعالى # اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم # الزمر 55، وقوله # فيتبعون أحسنه # الزمر 18، ومن الأحسن الصبر على الغير والعفو عنه، والعمل بالعزيمة دون ~~الرخصة، وبالفريضة دون النافلة، وفعل المأمور به، وترك المنهي عنه. قوله ~~{ سأوريكم دار الفسقين } قيل هي أرض مصر التي كانت لفرعون ~~وقومه. وقيل منازل عاد وثمود. وقيل هي جهنم. وقيل منازل الكفار من ~~الجبابرة والعمالقة ليعتبروا بها. وقيل الدار الهلاك. والمعنى سأريكم ~~هلاك الفاسقين. وقد تقدم تحقيق معنى الفسق. قوله { سأصرف عن ~~ءايتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق } قيل ~~معنى { سأصرف عن ءايتي الذين يتكبرون } سأمنعهم ~~فهم كتابي. وقيل سأصرفهم عن الإيمان بها. وقيل سأصرفهم عن نفعها ms1293 مجازاة ~~على تكبرهم كما في قوله # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # الصف 5. وقيل سأطبع على قلوبهم حتى لا يتفكروا فيها ولا يعتبروا بها. ~~واختلف في تفسير الآيات، فقيل هي المعجزات. وقيل الكتب المنزلة. وقيل هي ~~خلق السموات والأرض، وصرفهم عنها أن لا يعتبروا بها. ولا مانع من حمل ~~الآيات على جميع ذلك حمل الصرف على جميع المعاني المذكورة. و { بغير ~~الحق } إما متعلق بقوله { يتكبرون } أي يتكبرون بما ليس بحق، ~~أو بمحذوف وقع حالا، أي يتكبرون متلبسين بغير الحق. قوله { وإن ~~يروا كل آية لا يؤمنوا بها } معطوف على { يتكبرون } ~~منتظم معه في حكم الصفة. والمعنى سأصرف عن آياتي المتكبرين التاركين ~~للإيمان بما يرونه من الآيات. ويدخل تحت كل آية الآيات المنزلة، والآيات ~~التكوينية، والمعجزات، أي لا يؤمنون بآية من الآيات كائنة ما كانت. وقرأ ~~مالك بن دينار «يروا» بضم الياء في الموضعين. وجملة { وإن يروا ~~سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا } معطوفة على ما قبلها ~~داخلة في حكمها. وكذلك جملة { وإن يروا سبيل الغى ~~يتخذوه سبيلا } والمعنى أنهم إذا وجدوا سبيلا من سبل الرشد ~~تركوه وتجنبوه، وإن رأوا سبيلا من سبل الغي سلكوه واختاروه لأنفسهم. ~~قرأ أهل المدينة وأهل البصرة { الرشد } بضم الراء وإسكان الشين. وقرأ أهل ~~الكوفة إلا عاصما بفتح الراء والشين. قال أبو عبيدة فرق أبو عمرو بين ~~الرشد والرشد فقال الرشد الصلاح والرشد في الدين. # قال النحاس سيبويه يذهب إلى أن الرشد والرشد، كالسخط والسخط. قال ~~الكسائي والصحيح عن أبي عمرو، وغيره، ما قال أبو عبيدة. وأصل الرشد في ~~اللغة أن يظفر الإنسان بما يريد، وهو ضد الخيبة، والإشارة بقوله { ~~ذلك } إلى الصرف، أي ذلك الصرف بسبب تكذيبهم، أو الإشارة إلى التكبر ~~وعدم الإيمان بالآيات، وتجنب سبيل الرشد، وسلوك سبيل الغي، واسم الإشارة ~~مبتدأ، وخبره جملة { بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا ~~عنها غافلين } أي بسبب تكذيبهم بالآيات وغفلتهم عنها. والموصول في ~~{ والذين كذبوا بئايتنا ولقاء الآخرة } مبتدأ. ~~وخبره { حبطت أعملهم } ، والمراد بلقاء الآخرة لقاء الدار ~~الآخرة أي لقائهم ms1294 لها، أو لقائهم ما وعدوا به فيها على أن الإضافة إلى ~~الظرف، وحباط الأعمال بطلانها، أي بطلان ما عملوه مما صورته صورة الطاعة، ~~كالصدقة والصلة، وإن كانوا في حال كفرهم لا طاعات لهم. ويحتمل أن يراد ~~أنها تبطل بعدما كانت مرجوة النفع على تقدير إسلامهم، لما في الحديث ~~الصحيح # " أسلمت على ما أسفلت من خير " # { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } من الكفر بالله، ~~والتكذيب بآياته، وتنكب سبيل الحق، وسلوك سبيل الغي. وقد أخرج الحكيم ~~الترمذي في نوادر الأصول عن كعب قال لما كلم الله موسى قال يا رب أهكذا ~~كلامك؟ قال يا موسى إنما أكلمك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن ~~كلها، ولو كلمتك بكنه كلامي لم تك شيئا. وأخرج البزار، وابن أبي حاتم، ~~وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الأسماء والصفات، من حديث جابر قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لما كلم الله موسى يوم الطور، كلمه بغير الكلام الذي كلمه به يوم ~~ناداه، فقال له موسى يا رب، أهذا كلامك الذي كلمتني به؟ قال يا موسى ~~إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها، وأقوى من ذلك. ~~فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا يا موسى صف لنا كلام الرحمن، فقال ~~لا تستطيعونه، ألم تروا إلى أصوات الصواعق التي تقتل، في أحلا حلاوة ~~سمعتموه، فذاك قريب منه وليس به " # وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن أبي الحويرث عبد ~~الرحمن بن معاوية، قال إنما كلم الله موسى بقدر ما يطيق من كلامه، ولو ~~تكلم بكلامه كله لم يطقه شيء، فمكث موسى أربعين ليلة لا يراه أحد، إلا ~~مات من نور رب العالمين. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في ~~قوله { قال رب أرنى أنظر إليك } يقول أعطني أنظر إليك. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، في الآية، قال لما سمع الكلام ~~طمع في الرؤية. # وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، قال حين قال موسى لربه تبارك ms1295 وتعالى { ~~رب أرنى أنظر إليك } قال الله يا موسى إنك لن تراني، قال ~~يقول ليس تراني ولا يكون ذلك أبدا، يا موسى إنه لن يراني أحد فيحيا، قال ~~موسى رب إني أراك ثم أموت، أحب إلي من أن لا أراك ثم أحيا، فقال الله ~~لموسى يا موسى انظر إلى الجبل العظيم الطويل الشديد { فإن استقر ~~مكانه } يقول فإن ثبت مكانه لم يتضعضع، ولم ينهد لبعض ما يرى من ~~عظمتي { فسوف ترانى } أنت لضعفك وذلتك، وإن الجبل انهد بقوته ~~وشدته وعظمته، فأنت أضعف وأذل. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي ~~وصححه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عدي في الكامل، وأبو ~~الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في كتاب الرؤية من طرق، عن ~~أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية { فلما ~~تجلى ربه للجبل جعله دكا } قال هكذا، وأشار بأصبعيه ~~ووضع إبهامه على أنملة الخنصر. وفي لفظ على المفصل الأعلى من الخنصر. ~~فساخ الجبل { وخر موسى صعقا } وفي لفظ، فساخ الجبل في الأرض، ~~فهو يهوى فيها إلى يوم القيامة، وهذا الحديث حديث صحيح على شرط مسلم. ~~وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، قال الجبل الذي أمره الله أن ينظر إليه ~~الطور. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في كتاب ~~الرؤية، عن ابن عباس { فلما تجلى ربه للجبل } قال ما ~~تجلى منه إلا قدر الخنصر { جعله دكا } قال ترابا { وخر موسى ~~صعقا } قال مغشيا عليه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن ~~مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والديلمي، عن أنس أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " لما تجلى الله للجبل طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة ~~وثلاثة بمكة بالمدينة أحد وورقان ورضوى، وبمكة حراء وثبير وثور " # وأخرج الطبراني في الأوسط، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال # " لما تجلى الله لموسى، تطايرت سبعة أجبل، ففي الحجاز خمسة منها، وفي ~~اليمن اثنان، في الحجاز أحد وثبير وحراء وورقان، ms1296 وفي اليمن حضور وصبر " # وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن عباس، أن موسى لما ~~كلمه ربه أحب أن ينظر إليه فسأله فقال { لن ترانى ولكن ~~انظر إلى الجبل } قال فحف حول الجبل الملائكة، وحف حول ~~الملائكة بنار، وحف حول النار بملائكة، وحف حولهم بنار، ثم تجلى ربه ~~للجبل تجلى منه مثل الخنصر، فجعل الجبل دكا وخر موسى صعقا، فلم يزل ~~صعقا ما شاء الله، ثم أفاق فقال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين من ~~بني إسرائيل. # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ عن علي ابن أبي طالب، قال ~~كتب الله الألواح لموسى، وهو يسمع صريف الأقلام في لوح. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " الألواح التي أنزلت على موسى كانت من سدر الجنة، كان طول اللوح اثنى ~~عشر ذراعا " # وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ابن جبير، قال كانوا يقولون كانت الألواح ~~من ياقوتة. وأنا أقول إنما كانت من زمرد وكتابها الذهب، كتبها الله ~~بيده، فسمع أهل السموات صريف الأقلام. أقول رحم الله سعيدا، ما كان ~~أغناه عن هذا الذي قاله من جهة نفسه، فمثله لا يقال بالرأي ولا بالحدس، ~~والذي يغلب به الظن أن كثيرا من السلف رحمهم الله كانوا يسألون اليهود ~~عن هذه الأمور. فلهذا اختلفت واضطربت، فهذا يقول من خشب، وهذا يقول من ~~ياقوت. وهذا يقول من زمرد، وهذا يقول من زبرجد، وهذا يقول من برد، وهذا ~~يقول من حجر. وأخرج أبو الشيخ، عن السدي { وكتبنا له فى ~~الألواح من كل شىء } كل شيء أمروا به ونهوا عنه. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، مثله. وقد اختلف السلف في ~~المكتوب في الألواح اختلافا كثيرا. ولا مانع من حمل المكتوب على جميع ~~ذلك لعدم التنافي. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس { ~~فخذها بقوة } قال بجد وحزم { سأوريكم دار ms1297 ~~الفسقين } قال دار الكفار. وأخرج ابن جرير عنه { وأمر ~~قومك يأخذوا بأحسنها } قال أمر موسى أن يأخذها بأشد مما ~~أمر به قومه. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس { ~~فخذها بقوة } قال بطاعة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ~~السدي في قوله { فخذها بقوة } يعني بجد واجتهاد { وأمر ~~قومك يأخذوا بأحسنها } قال بأحسن ما يجدون منها. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد { ~~سأوريكم دار الفسقين } قال مصيرهم في الآخرة. وأخرج عبد ~~الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن قتادة، قال منازلهم في الدنيا. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، قال جهنم. وأخرج أبو الشيخ، ~~عن قتادة، قال مصر. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي، في قوله { ~~سأصرف عن ءايتي } قال عن أن يتفكروا في آياتي. وأخرج ابن ~~المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج { عن ءايتي } قال عن خلق السموات ~~والأرض، والآيات التي فيها، سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها أو يعتبروا. ~~وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سفيان بن عيينة في ~~الآية قال أنزع عنهم فهم القرآن. ### || [7.148-151] # قوله { واتخذ قوم موسى من بعده } أي من بعد خروجه إلى ~~الطور { من حليهم } متعلق ب { اتخذ } أو بمحذوف وقع حالا، و { ~~من } للتبعيض، أو للابتداء، أو للبيان. والحلي جمع حلى. وقرأ أهل المدينة ~~وأهل البصرة { من حليهم } بضم الحاء وتشديد الياء. وقرأ أهل الكوفة ~~إلا عاصما بكسر الحاء. وقرأ يعقوب بفتح الحاء وتخفيف الياء. قال النحاس ~~جمع حلي وحلي وحلى مثل ثدي وثدي وثدي، والأصل حلوى أدغمت الواو في ~~الياء، فانكسرت اللام لمجاورتها الياء، وتكسر الحاء لكسرة اللام وضمها ~~على الأصل. وأضيفت الحلي إليهم وإن كانت لغيرهم لأن الإضافة تجوز لأدنى ~~ملابسة، و { عجلا } مفعول { اتخذ }. وقيل هو بمعنى التصيير، فيتعدى ~~إلى مفعولين ثانيهما محذوف أي اتخذوا عجلا إلها. و { جسدا } بدل من ~~عجلا. وقيل وصف له. والخوار الصياح. يقال خار يخور ms1298 خورا إذا صاح. وكذلك ~~خار يخار خوارا. ونسب اتخاذ العجل إلى القوم جميعا، مع أنه اتخذه ~~السامري وحده، لكونه واحدا منهم، وهم راضون بفعله. روي أنه لما وعد ~~موسى قومه ثلاثين ليلة فأبطأ عليهم في العشر المزيدة، قال السامري لبني ~~إسرائيل وكان مطاعا فيهم إن معكم حليا من حلي آل فرعون الذي استعرتموه ~~منهم لتتزينوا به في العيد، وخرجتم وهو معكم، وقد أغرق الله أهله من ~~القبط، فهاتوها، فدفعوها إليه، فاتخذ منها العجل المذكور. قوله { ألم ~~يروا أنه لا يكلمهم } الاستفهام للتقريع والتوبيخ، أي ألم ~~يعتبروا بأن هذا الذي اتخذوه إلها لا يقدر على تكليمهم، فضلا عن أن ~~يقدر على جلب نفع لهم، أو دفع ضر عنهم. { ولا يهديهم سبيلا } ~~أي طريقا واضحة يسلكونها { اتخذوه وكانوا ظلمين } أي ~~اتخذوه إلها { وكانوا ظلمين } لأنفسهم في اتخاذه، أو في كل ~~شيء. ومن جملة ذلك هذا الاتخاذ. قوله { ولما سقط فى أيديهم ~~} أي ندموا وتحيروا بعد عود موسى من الميقات، يقال للنادم المتحير قد سقط ~~في يده. قال الأخفش يقال سقط في يده وأسقط. ومن قال { سقط في أيديهم } ~~على البناء للفاعل، فالمعنى عنده سقط الندم. وأصله أن من شأن من اشتد ~~ندمه وحسرته أن يعض يده غما، فتصير يده مسقوطا فيها، لأن فاه قد وقع ~~فيها. وقال الأزهري والزجاج والنحاس وغيرهم معنى { سقط في أيديهم } أي في ~~قلوبهم وأنفسهم، كما يقال حصل في يده مكروه، وإن كان محالا أن يكون في ~~اليد تشبيها لما يحصل في القلب والنفس بما يحصل في اليد، لأن مباشرة ~~الأشياء في الغالب باليد، قال الله تعالى # ذلك بما قدمت يداك # الحج 10 وأيضا الندم وإن حل القلب، فأثره يظهر في البدن، لأن النادم ~~يعض يده، ويضرب إحدى يديه على الأخرى، قال الله تعالى # فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها # الكهف 42 ومنه # ويوم يعض الظلم على يديه # الفرقان 27 أي من الندم. وأيضا النادم يضع ذقنه في يده. { ورأوا ~~أنهم قد ضلوا } معطوف على { سقط } أي ms1299 تبينوا أنهم قد ضلوا ~~باتخاذهم العجل، وأنهم قد ابتلوا بمعصية الله سبحانه { قالوا لئن ~~لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا } قرأ حمزة والكسائي ~~بالفوقية في الفعلين جميعا. وقرأ الباقون بالتحتية، واللام للقسم، ~~وجوابه { لنكونن من الخسرين } وفي هذا الكلام منهم ما ~~يفيد الاستغاثة بالله والتضرع والابتهال في السؤال. وسيأتي في سورة طه إن ~~شاء الله ما يدل على أن هذا الكلام المحكي عنهم هنا وقع بعد رجوع موسى. ~~وإنما قدم هنا على رجوعه لقصد حكاية ما صدر عنهم من القول والفعل في موضع ~~واحد. قوله { ولما رجع موسى إلى قومه غضبن ~~أسفا } هذا بيان لما وقع من موسى بعد رجوعه. وانتصاب غضبان وأسفا على ~~الحال، والأسف شديد الغضب. قيل هو منزلة وراء الغضب أشد منه، وهو أسف ~~وأسيف وأسفان وأسوف، قال ابن جرير الطبري أخبره الله قبل رجوعه بأنهم قد ~~فتنوا، فلذلك رجع وهو غضبان أسفا. { قال بئسما خلفتمونى من ~~بعدى } هذا ذم من موسى لقومه، أي بئس العمل ما عملتموه من بعدي، أي ~~من بعد غيبتي عنكم، يقال خلفه بخير وخلفه بشر، استنكر عليهم ما فعلوه، ~~وذمهم لكونهم قد شاهدوا من الآيات ما يوجب بعضه الانزجار والإيمان بالله ~~وحده، ولكن هذا شأن بني إسرائيل في تلون حالهم واضطراب أفعالهم. ثم قال ~~منكرا عليهم { أعجلتم أمر ربكم } والعجلة. التقدم بالشيء ~~قبل وقته، يقال عجلت الشيء سبقته، وأعجلت الرجل حملته على العجلة، ~~والمعنى أعجلتم عن انتظار أمر ربكم؟ أي ميعاده الذي وعدنيه، وهو الأربعون ~~ففعلتم ما فعلتم. وقيل معناه تعجلتم سخط ربكم. وقيل معناه أعجلتم بعبادة ~~العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم. { وألقى الألواح } أي طرحها لما ~~اعتراه من شدة الغضب والأسف، حين أشرف على قومه، وهم عاكفون على عبادة ~~العجل. قوله { وأخذ برأس أخيه يجره إليه } أي أخذ ~~برأس أخيه هارون، أو بشعر رأسه حال كونه يجره إليه فعل به ذلك لكونه لم ~~ينكر على السامري، ولا غيره ما رآه من عبادة بني إسرائيل للعجل، فقال ~~هارون معتذرا منه { ابن أم ms1300 إن القوم استضعفونى ~~وكادوا يقتلوننى } أي إني لم أطق تغيير ما فعلوه لهذين ~~الأمرين، استضعافهم لي، ومقاربتهم لقتلي. وإنما قال { ابن أم } مع كونه ~~أخاه من أبيه وأمه، لأنها كلمة لين وعطف، ولأنها كانت كما قيل مؤمنة. ~~وقال الزجاج قيل كان هارون أخا موسى لأمه لا لأبيه. قرىء { ابن أم } ~~بفتح الميم تشبيها له بخمسة عشر، فصار كقولك يا خمسة عشر أقبلوا. # وقال الكسائي والفراء وأبو عبيد إن الفتح على تقدير يابن أما. وقال ~~البصريون هذا القول خطأ. لأن الألف خفيفة لا تحذف، ولكن جعل الاسمين ~~اسما واحدا كخمسة عشر، واختاره الزجاج والنحاس. وأما من قرأ بكسر ~~الميم، فهو على تقدير ابن أمي، ثم حذفت الياء وأبقيت الكسرة، لتدل عليها. ~~وقال الأخفش وأبو حاتم ابن أم بالكسر، كما تقول يا غلام أقبل وهي لغة ~~شاذة والقراءة بها بعيدة. وإنما هذا فيما يكون مضافا إليك. وقرىء { ابن ~~أمي } بإثبات الياء. قوله { يقتلوننى فلا تشمت بى ~~الأعداء } الشماتة السرور من الأعداء بما يصيب من يعادونه مع المصائب، ~~ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # " اللهم إني أعوذ بك من سوء القضاء، ودرك الشقاء، وجهد البلاء، وشماتة ~~الأعداء " # وهو في الصحيح. ومنه قول الشاعر # إذا ما الدهر جر على أناس كلاكله أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا ~~أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا # والمعنى لا تفعل بي ما يكون سببا للشماتة منهم. وقرأ مجاهد ومالك بن ~~دينار " فلا تشمت بى الأعداء " بفتح حرف المضارعة، وفتح الميم، ~~ورفع الأعداء على أن الفعل مسند إليهم، أي لا يكون ذلك منهم لفعل تفعله ~~بي. وروي عن مجاهد أنه قرأ " تشمت " كما تقدم عنه مع نصب الأعداء. ~~قال ابن جني والمعنى فلا تشمت بي أنت يا رب، وجاز هذا كما في قوله # الله يستهزىء بهم # البقرة 15 ونحوه، ثم عاد إلى المراد فأضمر فعلا نصب به الأعداء، كأنه ~~قال ولا تشمت يا رب بي الأعداء، وما أبعد هذه القراءة عن الصواب، وأبعد ~~تأويلها عن وجوه الإعراب. قوله { ولا تجعلنى مع ms1301 القوم ~~الظلمين } أي لا تجعلني بغضبك علي في عداد القوم الظالمين، يعني ~~الذين عبدوا العجل، أو لا تعتقد أني منهم. قوله { قال رب اغفر لي ~~ولأخي } هذا كلام مستأنف جواب سؤال مقدر، كأنه قيل فماذا قال موسى ~~بعد كلام هارون هذا؟ فقيل { قال رب اغفر لى ولأخي } طلب ~~المغفرة له أولا، ولأخيه ثانيا، ليزيل عن أخيه ما خافه من الشماتة، ~~فكأنه تذمم مما فعله بأخيه، وأظهر أنه لا وجه له، وطلب المغفرة من الله ~~مما فرط منه في جانبه، ثم طلب المغفرة لأخيه إن كان قد وقع منه تقصير ~~فيما يجب عليه من الإنكار عليهم وتغيير ما وقع منهم، ثم طلب إدخاله ~~وإدخال أخيه في رحمة الله التي وسعت كل شيء، فهو { أرحم الرحمين ~~}. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن مجاهد، في قوله ~~{ واتخذ قوم موسى } الآية، قال حين دفنوها ألقى عليها السامري ~~قبضة من تراب أثر فرس جبريل عليه السلام. # وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، ~~في الآية قال استعاروا حليا من آل فرعون، فجمعه السامري فصاغ منه { ~~عجلا } فجعله { جسدا } لحما ودما { له خوار }. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عن عكرمة، في قوله { خوار } قال الصوت. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~عن الضحاك قال خار العجل خورة لم يئن، ألم تر أن الله قال { ألم ~~يروا أنه لا يكلمهم }. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، في ~~قوله { سقط فى أيديهم } قال ندموا. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ من طرق، عن ابن عباس { أسفا } قال ~~حزينا. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي الدرداء، قال الأسف منزلة وراء الغضب ~~أشد من ذلك. وأخرج عبد بن حميد، عن محمد بن كعب، قال الأسف الغضب ~~الشديد. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن ~~عباس، قال لما ألقى موسى الألواح تكسرت فرفعت إلا سدسها. وأخرج أبو الشيخ ~~عنه قال رفع الله منها ستة أسباعها وبقي ms1302 سبع. وأخرج أبو نعيم في الحلية، ~~عن مجاهد، أو سعيد بن جبير، قال لما ألقاها موسى ذهب التفصيل وبقي الهدى. ~~وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، قال كانت تسعة رفع منها لوحان وبقي سبعة. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~مجاهد، في قوله { ولا تجعلنى مع القوم الظلمين } قال ~~مع أصحاب العجل. ### || [7.152-154] # الغضب ما نزل بهم من العقوبة في الدنيا بقتل أنفسهم، وما سينزل بهم في ~~الآخرة من العذاب، والذلة هي التي ضربها الله عليهم بقوله # ضربت عليهم الذلة # البقرة 61. وقيل هي إخراجهم من ديارهم. وقيل هي الجزية، وفيه نظر لأنها ~~لم تؤخذ منهم، وإنما أخذت من ذراريهم. والأولى أن يقيد الغضب والذلة ~~بالدنيا، لقوله { في الحياة الدنيا } وأن ذلك مختص بالمتخذين ~~للعجل إلها، لا لمن بعدهم من ذراريهم. ومجرد ما أمروا به من قتل أنفسهم ~~هو غضب من الله عليهم، وبه يصيرون أذلاء. وكذلك خروجهم من ديارهم هو من ~~غضب الله عليهم، وبه يصبرون أذلاء. وأما ما نال ذراريهم من الذلة فلا ~~يصح تفسير ما في الآية به إلا إذا تعذر حمل الآية على المعنى الحقيقي، ~~وهو لم يتعذر هنا { وكذلك نجزى المفترين } أي مثل ما فعلنا ~~بهؤلاء نفعل بالمفترين. والافتراء الكذب، فمن افترى على الله سيناله من ~~الله غضب وذلة في الحياة الدنيا. وإن لم يكن بنفس ما عوقب به هؤلاء، بل ~~المراد ما يصدق عليه أنه من غضب الله سبحانه، وأن فيه ذلة بأي نوع كان { ~~والذين عملوا السيئات } أي سيئة كانت { ثم تابوا } ~~عنها { من بعد } عملها { وءامنوا } بالله { إن ربك من ~~بعدها } أي من بعد هذه التوبة، أو من بعد عمل هذه السيئات التي قد ~~تاب عنها فاعلها وآمن بالله { لغفور رحيم } أي كثير الغفران ~~لذنوب عباده وكثير الرحمة لهم.قوله { ولما سكت عن موسى ~~الغضب } أصل السكوت السكون والإمساك، يقال جرى الوادي ثلاثا ثم سكن، ~~أي أمسك عن الجري. قيل هذا مثل كأن الغضب كان يغريه على ms1303 ما فعل، ويقول له ~~قل لقومك كذا، وألق الألواح، وجر برأس أخيك، فترك الإغراء وسكت. وقيل ~~هذا الكلام فيه قلب، والأصل سكت موسى عن الغضب، كقولهم أدخلت الإصبع ~~الخاتم، والخاتم الإصبع. وأدخلت القلنسوة رأسي، ورأسي القلنسوة. وقرأ ~~معاوية ابن قرة «ولما سكن عن موسى الغضب». وقرىء " سكت وأسكت " { ~~أخذ الألواح } التي ألقاها عند غضبه { وفى نسختها هدى ~~ورحمة } النسخ نقل ما في كتاب إلى كتاب آخر. ويقال للأصل الذي كان ~~النقل منه نسخة، وللمنقول نسخة أيضا. قال القشيري والمعنى { وفى ~~نسختها } أي فيما نسخ من الألواح المتكسرة، ونقل إلى الألواح ~~الجديدة { هدى ورحمة }. وقيل المعنى وفيما نسخ له منها، أي من ~~اللوح المحفوظ. وقيل المعنى وفيما كتب له فيها هدى ورحمة، فلا يحتاج إلى ~~أصل ينقل عنه، وهذا كما يقال أنسخ ما يقول فلان، أي أثبته في كتابك. ~~والنسخة فعلة، بمعنى مفعولة كالخطبة. # والهدى ما يهتدون به من الأحكام، والرحمة ما يحصل لهم من الله عند عملهم ~~بما فيها من الرحمة الواسعة. واللام في { للذين هم } متعلقة ~~بمحذوف، أي كائنة لهم أو لأجلهم، واللام في { لربهم يرهبون } ~~للتقوية للفعل، لما كان مفعوله متقدما عليه، فإنه يضعف بذلك بعض الضعف. ~~وقد صرح الكسائي بأنها زائدة. وقال الأخفش هي لام الأجل، أي لأجل ربهم ~~يرهبون. وقال محمد بن يزيد المبرد هي متعلقة بمصدر الفعل المذكور، ~~والتقدير للذين هم رهبتهم لربهم يرهبون. وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن ~~حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن أيوب، قال تلا أبو ~~قلابة هذه الآية { إن الذين اتخذوا العجل } إلى قوله { ~~وكذلك نجزى المفترين } قال هو جزاء كل مفتر، يكون إلى يوم ~~القيامة أن يذله الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال أعطى موسى ~~التوراة في سبعة ألواح من زبرجد، فيها تبيان لكل شيء وموعظة. ولما جاء ~~فرأى بني إسرائيل عكوفا على العجل رمى التوراة من يده فتحطمت، وأقبل على ~~هارون فأخذ برأسه، فرفع الله منها ستة أسباع وبقي سبع { فلما ذهب ms1304 ~~عن موسى الغضب أخذ الألواح وفى نسختها هدى ~~ورحمة } قال فيما بقي منها. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد، أو سعيد بن ~~جبير، قال كانت الألواح من زمرد، فلما ألقاها موسى ذهب التفصيل، وبقي ~~الهدى والرحمة، وقرأ { وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا ~~لكل شيء } وقرأ { ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ~~ورحمة } قال ولم يذكر التفصيل هاهنا. ### || [7.155-157] # قوله { واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقتنا } ~~هذا شروع في بيان ما كان من موسى، ومن القوم الذين اختارهم، وسبعين مفعول ~~{ اختار } ، وقومه منصوب بنزع الخافض، أي من قومه على الحذف والإيصال، ~~ومثله قوله الراعي # اخترتك الناس إذ رثت خلائقهم واعتل من كان يرجى عنده السول # يريد اخترتك من الناس، ومعنى { لميقتنا } للوقت الذي وقتناه له، ~~بعد أن وقع من قومه ما وقع. والميقات الكلام الذي تقدم ذكره، لأن الله ~~أمره أن يأتي إلى الطول في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه سبحانه من ~~عبادة العجل، كذا قيل. والرجفة في اللغة الزلزلة الشديدة. قيل إنهم ~~زلزلوا حتى ماتوا، فلما رأى موسى أخذ الرجفة لهم { قال رب لو ~~شئت أهلكتهم من قبل وإيى } قاله عليه السلام تحسرا ~~وتلهفا، لأن سبب أخذ الرجفة لهم ما حكى الله عنهم من قولهم # وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله ~~جهرة فأخذتكم الصعقة # البقرة 55 على ما تقدم في البقرة. وقيل هؤلاء السبعون غير من قالوا # أرنا الله جهرة # النساء 153 بل أخذتهم الرجفة، بسبب عدم انتهائهم عن عبادة العجل. وقيل ~~إنهم قوم لم يرضوا بعبادة العجل، ولا نهوا السامري ومن معه عن عبادته، ~~فأخذتهم الرجفة بسبب سكوتهم. والمعنى لو شئت إهلاكنا بذنوبنا قبل هذا ~~الوقت اعترافا منه عليه السلام بالذنب، وتلهفا على ما فرط من قومه. ~~والاستفهام في قوله { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } ~~للجحد، أي لست ممن يفعل ذلك، قاله ثقة منه برحمة الله. والمقصود منه ~~الاستعطاف والتضرع. وقيل معناه الدعاء والطلب، أي لا تهلكنا. قال ms1305 المبرد ~~المراد بالاستفهام استفهام الإعظام كأنه يقول لا تهلكنا وقد علم موسى أنه ~~لا يهلك أحد بذنب غيره. ولكنه كقول عيسى # إن تعذبهم فإنهم عبادك # المائدة 118. وقيل المراد بالسفهاء السبعون، والمعنى أتهلك بني إسرائيل ~~بما فعل هؤلاء السفهاء في قولهم # أرنا الله جهرة # النساء 153. وقيل المراد بهم السامري وأصحابه. قوله { إن هى إلا ~~فتنتك } أي ما الفتنة التي وقع فيها هؤلاء السفهاء إلا فتنتك التي ~~تختبر بها من شئت، وتمتحن بها من أردت. ولعله عليه السلام استفاد هذا من ~~قوله سبحانه # فإنا قد فتنا قومك من بعدك # طه 85 { تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء } أي تضل بهذه ~~الفتنة من تشاء من عبادك وتهدي بها من تشاء منهم، ومثله # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # هود 7، ثم رجع إلا الاستعطاف والدعاء فقال { أنت ولينا } أي ~~المتولي لأمورنا { فاغفر لنا } ما أذنبناه { وارحمنا } برحمتك ~~التي وسعت كل شيء { وأنت خير الغفرين } للذنوب. { واكتب ~~لنا فى هذه الدنيا حسنة } بتوفيقنا للأعمال الصالحة، أو ~~تفضل علينا بإفاضة النعم في هذه الدنيا من العافية، وسعة الرزق { وفي ~~الآخرة } أي واكتب لنا في الآخرة الجنة بما تجازينا به، أو بما تتفضل ~~به علينا من النعيم في الآخرة. # وجملة { إنا هدنا إليك } تعليل لما قبلها من سؤال المغفرة، ~~والرحمة، والحسنة، في الدنيا وفي الآخرة، أي إنا تبنا إليك ورجعنا عن ~~الغواية التي وقعت من بني إسرائيل. والهود التوبة. وقد تقدم في البقرة. ~~وجملة { قال عذابى أصيب به من أشاء } مستأنفة كنظائرها ~~فيما تقدم. قيل المراد بالعذاب هنا الرجفة. وقيل أمره سبحانه لهم بأن ~~يقتلوا أنفسهم، أي ليس هذا إليك يا موسى، بل ما شئت كان، وما لم أشأ لم ~~يكن. والظاهر أن العذاب هنا يندرج تحته كل عذاب، ويدخل فيه عذاب هؤلاء ~~دخولا أوليا. وقيل المراد من أشاء من المستحقين للعذاب، أو من أشاء أن ~~أضله وأسلبه التوفيق { ورحمتى وسعت كل شىء } من الأشياء من ~~المكلفين وغيرهم. ثم أخبر سبحانه أنه سيكتب هذه الرحمة الواسعة { ~~للذين يتقون ms1306 } الذنوب { ويؤتون الزكوة } المفروضة ~~عليهم { والذين هم بئايتنا يؤمنون } أي يصدقون بها ~~ويذعنون لها. ثم بين سبحانه هؤلاء الذين كتب لهم هذه الرحمة، ببيان أوضح ~~مما قبله وأصرح فقال { الذين يتبعون الرسول النبى ~~الأمى } وهو محمد عليه الصلاة والسلام، فخرجت اليهود والنصارى وسائر ~~الملل. والأمي إما نسبة إلى الأمة الأمية التي لا تكتب ولا تحسب، وهم ~~العرب، أو نسبة إلى الأم. والمعنى أنه باق على حالته التي ولد عليها لا ~~يكتب ولا يقرأ المكتوب وقيل نسبة إلى أم القرى، وهي مكة. { الذي يجدونه ~~} يعني اليهود والنصارى، أي يجدون نعته { مكتوبا عندهم فى ~~التوراة والإنجيل } وهما مرجعهم في الدين. وهذا الكلام منه ~~سبحانه مع موسى هو قبل نزول الإنجيل فهو من باب الإخبار بما سيكون. ثم ~~وصف هذا النبي الذي يجدونه كذلك بأنه يأمر بالمعروف، أي بكل ما تعرفه ~~القلوب، ولا تنكره من الأشياء التي هي من مكارم الأخلاق { وينههم ~~عن المنكر } أي ما تنكره القلوب ولا تعرفه. وهو ما كان من مساوئ ~~الأخلاق. قيل إن قوله { يأمرهم بالمعروف } إلى قوله { ~~أولئك هم المفلحون } كلام يتضمن تفصيل أحكام الرحمة التي ~~وعد بها. ذكر معناه الزجاج. وقيل هو في محل نصب على الحال من النبي. ~~وقيل هو مفسر لقوله { مكتوبا }. قوله { يحل لهم ~~الطيبت } أي المستلذات. وقيل يحل لهم ما حرم عليهم من الأشياء ~~التي حرمت عليهم بسبب ذنوبهم { ويحرم عليهم الخبئث } أي ~~المستخبئات كالحشرات والخنازير { ويضع عنهم إصرهم } الإصر ~~الثقل، أي يضع عنهم التكاليف الشاقة الثقيلة. وقد تقدم بيانه في ~~البقرةالآية 286. # { والأغلل التى كانت عليهم } أي ويضع عنهم الأغلال ~~التي كانت عليهم. الأغلال مستعارة للتكاليف الشاقة التي كانوا قد كلفوها ~~{ فالذين ءامنوا به } أي بمحمد صلى الله عليه وسلم { ~~واتبعوه } فيما جاء به من الشرائع { وعزروه } أي عظموه ~~ووقروه، قاله الأخفش. وقيل معناه منعوه من عدوه، وأصل العزر المنع، وقرأ ~~الجحدري «وعزروه» بالتخفيف { ونصروه } أي قاموا بنصره على من يعاديه { ~~واتبعوا النور الذى أنزل معه } أي اتبعوا القرآن الذي ~~أنزل عليه ms1307 مع نبوته. وقيل المعنى واتبعوا القرآن المنزل إليه مع اتباعه ~~بالعمل بسنته، مما يأمر به وينهى عنه، أو اتبعوا القرآن مصاحبين له في ~~اتباعه، والإشارة ب { أولئك } إلى المتصفين بهذه الأوصاف { هم ~~المفلحون } الفائزون بالخير والفلاح لا غيرهم من الأمم. وقد أخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { ~~واختار موسى قومه } الآية. قال كان الله أمره أن يختار من ~~قومه سبعين رجلا، فاختار سبعين رجلا فبرز بهم ليدعوا ربهم، فكان فيما ~~دعوا الله أن قالوا اللهم أعطنا مالم تعط أحدا من قبلنا ولا تعطه أحدا ~~بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرجفة. { قال } موسى { رب ~~لو شئت أهلكتهم من قبل } { إن هى إلا فتنتك ~~} يقول إن هي إلا عذابك تصيب به من تشاء وتصرفه عمن تشاء. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد { ~~لميقتنا } قال لتمام الموعد، وفي قوله { فلما أخذتهم ~~الرجفة } قال ماتوا ثم أحياهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو الشيخ، عن ~~أبي العالية، في قوله { إن هي إلا فتنتك } قال بليتك. وأخرج أبو الشيخ عن ~~ابن عباس { إن هي إلا فتنتك } قال مشيئتك. وأخرج عبد بن حميد، وأبو ~~الشيخ، عن ابن عباس، قال إن السبعين الذين اختارهم موسى من قومه، إنما ~~أخذتهم الرجفة، لأنهم لم يرضوا بالعمل ولم ينهوا عنه. وأخرج سعيد بن ~~منصور، عنه، في قوله { واكتب لنا فى هذه الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة } فلم يعطها موسى { قال عذابى أصيب به من ~~أشاء } إلى قوله { المفلحون }. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة، في ~~قوله { واكتب لنا فى هذه الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة } قال فكتب الرحمة يومئذ لهذه الأمة. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طرق، عن ابن عباس، في قوله { ~~إنا هدنا إليك } قال تبنا إليك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ~~بن جبير، مثله. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي ~~وجزة السعدي، وكان ms1308 من أعلم الناس بالعربية قال لا والله ما أعلمها في ~~كلام العرب { هدنا } قيل فكيف قال " هدنا " بكسر الهاء، يقول ملنا. # وأخرج عبد الرزاق، وأحمد في الزهد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن الحسن وقتادة، في قوله { ورحمتى وسعت كل شىء } ~~قال وسعت رحمته في الدنيا البر والفاجر، وهي يوم القيامة للذين اتقوا ~~خاصة. وأخرج مسلم وغيره، عن سلمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن لله مائة رحمة، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق. وبها تعطف الوحوش على ~~أولادها، وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة " # وأخرج نحوه أحمد، وأبو داود، والطبراني، والحاكم، والضياء المقدسي، من ~~حديث جندب بن عبد الله العجلي. وأخرج أبو الشيخ، عن السدي قال لما نزلت { ~~ورحمتى وسعت كل شىء } قال إبليس وأنا من الشيء. فنسخها ~~الله، فنزلت { فسأكتبها للذين يتقون } إلى آخر الآية. ~~وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، قال لما نزلت { ورحمتى ~~وسعت كل شىء } قال إبليس أنا من الشيء، قال الله تعالى { ~~فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة } قالت ~~اليهود فنحن نتقي ونؤتي الزكاة، قال الله { الذين يتبعون ~~الرسول النبى الأمى } فعزلها الله عن إبليس وعن اليهود، ~~وجعلها لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ~~وأبو الشيخ، عن قتادة نحوه. وأخرج البزار في مسنده، وابن المنذر، وابن ~~مردويه، عن ابن عباس، قال سأل موسى ربه مسئلة فأعطاها محمدا. قوله { ~~واختار موسى قومه } إلى قوله { فسأكتبها للذين ~~يتقون } فأعطى محمدا كل شيء سأل موسى ربه في هذه الآية. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه، عنه، في قوله { فسأكتبها للذين يتقون } قال ~~كتبها الله لهذه الأمة. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال يتقون الشرك. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن النخعي في قوله { النبى الأمى ~~} قال كان لا يقرأ ولا يكتب. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن قتادة، في الآية قال ms1309 هو نبيكم صلى الله عليه وسلم كان أميا لا ~~يكتب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله { ~~الذى يجدونه مكتوبا عندهم } قال يجدون نعته وأمره ~~ونبوته مكتوبا عندهم. وأخرج ابن سعد، والبخاري، والبيهقي في الدلائل، ~~عن عطاء بن يسار قال لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت له أخبرني عن ~~صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ~~ببعض صفته في القرآن «ياأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، ~~وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا ~~صخاب في الأسواق، ولا تجزى بالسيئة السيئة، ولكن تعفو وتصفح، ولن يقبضه ~~الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح به ~~أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا». # وأخرج ابن سعيد، والدارمي في مسنده، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر، ~~عن عبد الله بن سلام مثله. وقد روي نحو هذا مع اختلاف في بعض الألفاظ، ~~وزيادة في بعض، ونقص في بعض عن جماعة. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، في ~~قوله { ويحل لهم الطيبت } قال الحلال { ويضع ~~عنهم إصرهم والأغلل التى كانت عليهم } قال ~~التثقيل الذي كان في دينهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في ~~سننه، عن ابن عباس، في قوله { ويحرم عليهم الخبآئث } قال ~~كلحم الخنزير والربا، وما كانوا يستحلونه من المحرمات من المآكل التي ~~حرمها الله، وفي قوله { ويضع عنهم إصرهم والأغلل ~~التى كانت عليهم } قال هو ما كان الله أخذ عليهم من الميثاق ~~فيما حرم عليهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، في قوله { ويضع عنهم ~~إصرهم } قال ما غلظ على بني إسرائيل من قرض البول من جلودهم إذا ~~أصابهم ونحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، ~~في قوله { وعزروه } يعني عظموه ووقروه. ### || [7.158] # لما تقدم ذكر أوصاف رسول الله صلى الله ms1310 عليه وسلم المكتوبة في التوراة ~~والإنجيل، أمره سبحانه أن يقول هذا القول المقتضى لعموم رسالته إلى الناس ~~جميعا، لا كما كان غيره من الرسل عليهم السلام، فإنهم كانوا يبعثون إلى ~~قومهم خاصة، و { جميعا } منصوب على الحال، أي حال كونكم جميعا. و { ~~الذى له ملك السموات والأرض } إما في محل جر على ~~الصفة للاسم الشريف، أو منصوب على المدح، أو مرفوع على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف. وجملة { لا إله إلا الله } بدل من الصلة مقرر ~~لمضمونها مبين لها، لأن من ملك السموات والأرض وما فيهما هو الإله على ~~الحقيقة، وهكذا من كان يحيى ويميت هو المستحق لتفرده بالربوبية ونفى ~~الشركاء عنه. والأمر بالإيمان بالله وبرسوله متفرع على ما قبله. وقد ~~تقدم تفسير النبي الأمي. وهما وصفان لرسوله. وكذلك { الذى يؤمن ~~بالله وكلمته } وصف له، والمراد بالكلمات ما أنزله الله عليه ~~وعلى الأنبياء من قبله أو القرآن فقط. وجملة { واتبعوه } مقررة ~~لجملة { فآمنوا بالله } ، و { لعلكم تهتدون } علة ~~للأمر بالإيمان والاتباع. وقد أخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، ~~قال بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الأحمر والأسود فقال { قل ~~يأيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا }. ~~والأحاديث الصحيحة الكثيرة في هذا المعنى مشهورة، فلا نطيل بذكرها. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله { ~~يؤمن بالله وكلمته } قال آياته. وأخرج أبو عبيد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد { وكلمته } قال ~~عيسى. ### || [7.159-166] # قوله { ومن قوم موسى } لما قص الله علينا ما وقع من السامري ~~وأصحابه، وما حصل من بني إسرائيل من التزلزل في الدين، قص علينا سبحانه ~~أن قوم موسى أمة مخالفة لأولئك الذين تقدم ذكرهم، ووصفهم بأنهم { ~~يهدون بالحق } أي يدعون الناس إلى الهداية حال كونهم متلبسين ~~بالحق { وبه } أي بالحق { يعدلون } بين الناس في الحكم. وقيل هم ~~الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم منهم. قوله { وقطعنهم ~~اثنتى عشرة أسباطا } الضمير يرجع إلى قوم موسى ms1311 المتقدم ~~ذكرهم، لا إلى هؤلاء الأمة منهم الذين يهدون بالحق وبه يعدلون، والمعنى ~~صيرناهم قطعا متفرقة، وميزنا بعضهم من بعض. وهذا من جملة ما قصه الله ~~علينا من النعم التي أنعم بها على بني إسرائيل، والمعنى أنه ميز بعضهم من ~~بعض حتى صاروا أسباطا كل سبط معروف على انفراده لكل سبط نقيب، كما في ~~قوله تعالى # وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا # المائدة 12 وقد تقدم، وقوله { اثنتى عشرة } هو ثاني مفعولي { ~~قطعنا } لتضمنه معنى التصيير. و { أسباطا } تمييز له أو بدل منه. و { ~~أمما } نعت للأسباط أو بدل منه. والأسباط جمع سبط وهو ولد الولد، ~~صاروا اثنتي عشرة أمة من اثني عشر ولدا، وأراد بالأسباط القبائل، ولهذا ~~أنث العدد، كما في قول الشاعر # وإن قريشا كلها عشر أبطن وأنت بريء من قبائلها العشر # أراد بالبطن القبيلة. وقد تقدم تحقيق معنى الأسباط في البقرة الآية 58. ~~وروى المفضل عن عاصم أنه قرأ " قطعناهم " مخففا، وسماهم أمما، لأن كل ~~سبط كان جماعة كثيرة العدد، وكانوا مختلفي الآراء يؤم بعضهم غير ما يؤمه ~~الآخر. { وأوحينا إلى موسى إذ استسقه قومه } أي ~~وقت استسقائهم له لما أصابهم العطش في التيه { أن اضرب بعصاك ~~الحجر } تفسير لفعل الايحاء { فانبجست } عطف على مقدر يدل عليه ~~السياق، أي فضرب فانبجست، والانبجاس الانفجار، أي فانفجرت { منه ~~اثنتا عشرة عينا } بعدد الأسباط، لكل سبط عين يشربون منها { ~~قد علم كل أناس مشربهم } أي كل سبط منهم العين المختصة ~~به التي يشرب منها. وقد تقدم في البقرة ما فيه كفاية مغنية عن الإعادة. ~~{ وظللنا عليهم الغمم } أي جعلناه ظللا عليهم في ~~التيه، يسير بسيرهم ويقيم بإقامتهم { وأنزلنا عليهم المن ~~والسلوى } أي الترنجبين والسماني كما تقدم تحقيقه في البقرة { ~~كلوا من طيبت ما رزقنكم } أي وقلنا لهم كلوا من ~~المستلذات التي رزقناكم { وما ظلمونا } بما وقع منهم من المخالفة ~~وكفران النعم وعدم تقديرها حق قدرها { ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون } أي كان ظلمهم مختصا بهم مقصورا عليهم، لا يجاوزهم إلى ~~غيرهم. # { وإذ قيل ms1312 لهم } أي واذكر وقت قيل لهم هذا القول وهو { ~~اسكنوا هذه القرية } أي بيت المقدس أو أريحاء. وقيل غير ~~ذلك مما تقدم بيانه { وكلوا منها } أي من المأكولات الموجودة فيها ~~{ حيث شئتم } أي في أي مكان شئتم من أمكنتها، لا مانع لكم من ~~الأكل فيه { وقولوا حطة } قد تقدم تفسيرها في البقرة الآية 58 { ~~وادخلوا الباب } أي باب القرية المتقدمة حال كونكم { سجدا } ~~أمروا بأن يجمعوا بين قولهم { حطة } وبين الدخول ساجدين. فلا يقال كيف ~~قدم الأمر بالقول هنا على الدخول وأخره في البقرة؟ وقد تقدم بيان معنى ~~السجود الذي أمروا به { نغفر لكم خطيئتكم } جواب الأمر، ~~وقرىء " خطيتكم " ، ثم وعدهم بقوله { سنزيد المحسنين } أي ~~سنزيدهم على المغفرة للخطايا بما يتفضل به عليهم من النعم. والجملة ~~استئنافية جواب سؤال مقدر كأنه قيل فماذا لهم بعد المغفرة؟ { فبدل ~~الذين ظلموا منهم قولا غير الذى قيل لهم } قد ~~تقدم بيان ذلك في البقرة الآية 59 { فأرسلنا عليهم رجزا ~~من السماء } أي عذابا كائنا منها { بما كانوا يظلمون } ~~أي بسبب ظلمهم. قوله { واسئلهم عن القرية التى كانت ~~حاضرة البحر } معطوف على عامل إذ المقدر، أي اذكر إذ قيل لهم ~~واسألهم، وهذا سؤال تقريع وتوبيخ، والمراد من سؤال القرية سؤال أهلها، أي ~~اسألهم عن هذا الحادث الذي حدث لهم فيها المخالف لما أمرهم الله به. وفي ~~ضمن هذا السؤال فائدة جليلة، وهي تعريف اليهود بأن ذلك مما يعلمه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وأن اطلاعه لا يكون إلا بإخبار له من الله ~~سبحانه، فيكون دليلا على صدقه. واختلف أهل التفسير في هذه القرية أي ~~قرية هي؟ فقيل أيلة. وقيل طبرية. وقيل مدين. وقيل إيليا. وقيل قرية من ~~قرى ساحل الشام التي كانت حاضرة البحر، أي التي كانت بقرب البحر. يقال ~~كنت بحضرة الدار، أي بقربها. والمعنى سل يا محمد هؤلاء اليهود الموجودين ~~عن قصة أهل القرية المذكورة. قرىء { واسألهم } وقرىء «سلهم». { إذ ~~يعدون } أي وقت يعدون، وهو ظرف لمحذوف دل عليه الكلام، لأن ms1313 السؤال ~~هو عن حالهم وقصتهم وقت يعدون. وقيل إنه ظرف ل { كانت } أو ل { حاضرة ~~}. وقرىء «يعدون» بضم الياء وكسر العين وتشديد الدال من الإعداد ~~للآلة. وقرأ الجمهور { يعدون } بفتح الياء وسكون العين وضم الدال مخففة، ~~أي يتجاوزون حدود الله بالصيد يوم السبت الذي نهوا عن الاصطياد فيه. ~~وقرىء «يعدون» بفتح الياء والعين وضم الدال مشددة بمعنى يعتدون، أدغمت ~~التاء في الدال. والسبت هو اليوم المعروف وأصله السكون. يقال سبت إذا سكن ~~وسبت اليهود تركوا العمل في سبتهم، والجمع أسبت، وسبوت، وأسبات، وقرأ ابن ~~السمفع في «الأسبات» على الجمع. # { إذ تأتيهم حيتانهم } ظرف ل { يعدون }. والحيتان جمع حوت، ~~وأضيفت إليهم لمزيد اختصاص لهم بما كان منها على هذه الصفة من الإتيان ~~يوم السبت دون ما عداه. و { يوم سبتهم } ظرف ل { تأتيهم }. ~~وقرىء «يوم أسباتهم» و { شرعا } حال، وهو جمع شارع، أي ظاهرة على ~~الماء. وقيل رافعة رؤوسها. وقيل إنها كانت تشرع على أبوابهم كالكباش ~~البيض. قال في الكشاف يقال شرع علينا فلان إذا دنى منا وأشرف علينا، ~~وشرعت على فلان في بيته فرأيته يفعل كذا انتهى. { ويوم لا ~~يسبتون لا تأتيهم } أي لا يفعلون السبت، وذلك عند خروج يوم ~~السبت لا تأتيهم الحيتان، كما كانت تأتيهم في يوم السبت { كذلك ~~نبلوهم } أي مثل ذلك البلاء العظيم نبلوهم بسبب فسقهم. والابتلاء ~~الامتحان والاختبار. { وإذ قالت أمة } معطوف على { إذ يعدون } ~~معمول لعامله، داخل في حكمه. والأمة الجماعة، أي قالت جماعة من صلحاء أهل ~~القرية لآخرين ممن كان يجتهد في وعظ المتعدين في السبت حين أيسوا من ~~قبولهم للموعظة، وإقلاعهم عن المعصية { لم تعظون قوما الله ~~مهلكهم } أي مستأمل لهم بالعقوبة { أو معذبهم عذابا ~~شديدا } بما انتهكوا من الحرمة، وفعلوا من المعصية، وقيل إن الجماعة ~~القائلة { لم تعظون قوما }؟ هم العصاة الفاعلون للصيد في يوم السبت، ~~قالوا ذلك للواعظين لهم حين وعظوهم. والمعنى إذا علمتم أن الله مهلكنا ~~كما تزعمون فلم تعظوننا؟ { قالوا معذرة إلى ربكم } أي قال ~~الواعظون للجماعة القائلين ms1314 لهم { لم تعظون } ، وهم طائفة من صلحاء القرية ~~على الوجه الأول، أو الفاعلين على الوجه الثاني { معذرة إلى ~~ربكم } قرأ عيسى بن عمر وطلحة بن مصرف { معذرة } بالنصب، وهي ~~قراءة حفص عن عاصم، وقرأ الباقون بالرفع. قال الكسائي ونصبه على وجهين ~~أحدهما على المصدر، والثاني على تقدير فعلنا ذلك معذرة، أي لأجل المعذرة. ~~والرفع على تقدير مبتدأ أي موعظتنا معذرة إلى الله، حتى لا يؤاخذنا بترك ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اللذين أوجبهما علينا، ولرجاء أن ~~يتعظوا فيتقوا ويقلعوا عما هم فيه من المعصية. قال جمهور المفسرين إن بني ~~إسرائيل افترقت ثلاث فرق فرقة عصت وصادت وكانت نحو سبعين ألفا، وفرقة ~~اعتزلت فلم تنه ولم تعص، وفرقة اعتزلت ونهت ولم تعص، فقالت الطائفة التي ~~لم تنه ولم تعص للفرقة الناهية { لم تعظون قوما } يريدون الفرقة ~~العاصية { الله مهلكهم أو معذبهم } قالوا ذلك على غلبة ~~الظن لما جرت به عادة الله من إهلاك العصاة أو تعذيبهم، من دون استئصال ~~بالهلاك، فقالت الناهية موعظتنا معذرة إلى الله ولعلهم يتقون. ولو كانوا ~~فرقتين فقط ناهية غير عاصية، وعاصية لقال لعلكم تتقون. # قوله { فلما نسوا ما ذكروا به } أي لما ترك العصاة من أهل ~~القرية ما ذكرهم به الصالحون الناهون عن المنكر، ترك الناسي للشيء المعرض ~~عنه كلية الإعراض { أنجينا الذين ينهون عن السوء } أي ~~الذين فعلوا النهي، ولم يتركوه { وأخذنا الذين ظلموا } وهم ~~العصاة المعتدون في السبت { بعذاب بئيس } أي شديد من بؤس الشيء ~~يبؤس بأسا إذا اشتد، وفيه إحدى عشرة قراءة، للسبعة وغيرهم { بما ~~كانوا يفسقون } أي بسبب فسقهم، والجار والمجرور متعلق بأخذنا { ~~فلما عتوا عما نهوا عنه } أي تجاوزوا الحد في معصية ~~الله سبحانه تمردا وتكبرا { قلنا لهم كونوا قردة } أي ~~أمرناهم أمرا كونيا لا أمرا قوليا، أي مسخناهم قردة. قيل إنه سبحانه ~~عذبهم أولا بسبب المعصية، فلما لم يقلعوا مسخهم قردة. وقيل إن قوله { ~~فلما عتوا عما نهوا عنه } تكرير لقوله { فلما ~~نسوا ما ذكروا به } للتأكيد والتقرير، وأن المسخ ms1315 هو العذاب ~~البئيس، والخاسىء الصاغر الذليل أو المباعد المطرود، يقال خسأته فخسىء، ~~أي باعدته فتباعد. واعلم أن ظاهر النظم القرآني هو أنه لم ينجح من العذاب ~~إلا الفرقة الناهية التي لم تعص لقوله { أنجينا الذين ينهون ~~عن السوء } وأنه لم يعذب بالمسخ إلا الطائفة العاصية لقوله { ~~فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا ~~قردة خسئين } فإن كانت الطوائف منهم ثلاثا كما تقدم، ~~فالطائفة التي لم تنه ولم تعص يحتمل أنها ممسوخة مع الطائفة العاصية ~~لأنها قد ظلمت نفسها بالسكوت عن النهي، وعتت عما نهاها الله عنه من ترك ~~النهي عن المنكر. ويحتمل أنها لم تمسخ، لأنها وإن كانت ظالمة لنفسها ~~عاتية عن أمر ربها ونهيه، لكنها لم تظلم نفسها بهذه المعصية الخاصة، وهي ~~صيد الحوت في يوم السبت، ولا عتت عن نهيه لها عن الصيد. وأما إذا كانت ~~الطائفة الثالثة ناهية كالطائفة الثانية، وإنما جعلت طائفة مستقلة لكونها ~~قد جرت المقاولة بينها وبين الطائفة الأخرى من الناهين المعتزلين، فهما ~~في الحقيقة طائفة واحدة لاجتماعهما في النهي والاعتزال والنجاة من المسخ. ~~وقد أخرج الفريابي، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال قال موسى يا رب أجد ~~أمة أناجيلهم في قلوبهم، قال تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد. قال يا رب أجد ~~أمة يصلون الخمس تكون كفارات لما بينهن، قال تلك أمة تكون بعدك أمة ~~أحمد. قال يا رب أجد أمة يعطون صدقات أموالهم ثم ترجع فيهم، فيأكلون، ~~قال تلك أمة بعدك أمة أحمد. قال يا رب اجعلني من أمة أحمد. فأنزل الله ~~كهيئة المرضاة لموسى { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ~~وبه يعدلون }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن ~~جريج، في قوله { ومن قوم موسى أمة } الآية، قال بلغني أن بني ~~إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم، وكفروا وكانوا اثني عشر سبطا، تبرأ سبط ~~منهم مما صنعوا واعتذروا، وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله ~~لهم نفقا في الأرض، فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين فهم ms1316 هنالك حنفاء ~~مسلمين يستقبلون قبلتنا. # قال ابن جريج قال ابن عباس فذلك قوله # وقلنا من بعده لبنى إسرءيل اسكنوا الأرض فإذا ~~جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا # الإسراء 104 ووعد الآخرة عيسى ابن مريم. قال ابن عباس ساروا في السرب ~~سنة ونصفا. أقول ومثل هذا الخبر العجيب والنبأ الغريب محتاج إلى تصحيح ~~النقل. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن علي بن أبي طالب، قال افترقت ~~بنو إسرائيل بعد موسى إحدى وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة. وافترقت ~~النصارى بعد عيسى على اثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة، ~~ولتفترقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، فأما ~~اليهود فإن الله يقول { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ~~وبه يعدلون } فهذه التي تنجو. وأما النصارى فإن الله يقول # منهم أمة مقتصدة # المائدة 66 فهذه التي تنجو. وأما نحن فيقول # وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # الأعراف 181 فهذه التي تنجو من هذه الأمة. وقد قدمنا أن زيادة " كلها ~~في النار " لم تصح لا مرفوعة ولا موقوفة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { فانبجست } قال فانفرجت. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة قال ~~دخلت على ابن عباس، وهو يقرأ هذه الآية { واسألهم عن القرية ~~التى كانت حاضرة البحر } قال يا عكرمة هل تدري أي قرية ~~هذه؟ قلت لا، قال هي أيلة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الزهري قال هي طبرية. ~~وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، في قله { إذ يعدون فى السبت } ~~قال يظلمون. وأخرج ابن جرير، عنه، في قوله { شرعا } يقول من كل مكان. ~~وأخرج ابن جرير، عنه، أيضا قال ظاهرة على الماء. وأخرج ابن المنذر، عنه، ~~قال واردة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه، في الآية ~~قال هي قرية على شاطىء البحر بين مصر والمدينة، يقال لها أيلة، فحرم ~~الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، فكانت تأتيهم ms1317 يوم سبتهم شرعا في ساحل ~~البحر، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها، فمكثوا كذلك ما شاء الله، ثم ~~إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم، فنهتهم طائفة فلم يزدادوا إلا ~~غيا، فقالت طائفة من النهاة يعلمون أن هؤلاء قوم حق عليهم العذاب { لم ~~تعظون قوما الله مهلكهم } وكانوا أشد غضبا من الطائفة ~~الأخرى، وكل قد كانوا ينهون، فلما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان ~~اللتان قالوا { لم تعظون } والذين قالوا { معذرة إلى ~~ربكم } وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان، فجعلهم قردة. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه، أنهم ثلاث فرق فرقة ~~العصاة، وفرقة الناهون وفرقة القائلين { لم تعظون } فما نجا إلا الذين ~~نهوا وهلك سائرهم، فأصبح الذين نهوا ذات غداة في مجالسهم يتفقدون الناس ~~لا يرونهم، وقد باتوا من ليلتهم، وغلقوا عليهم دورهم، فجعلوا يقولون إن ~~للناس لشأنا فانظروا ما شأنهم؟ فاطلعوا في دورهم، فإذا القوم قد مسخوا ~~يعرفون الرجل بعينه، وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة. وأخرج عبد ~~الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن عكرمة، عن ابن ~~عباس، فذكر القصة، وفي آخرها أنه قال فأرى الذين نهوا قد نجوا، ولا أرى ~~الآخرين ذكروا. ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها. قال عكرمة فقلت ~~جعلني الله فداك ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم. وقالوا { ~~لم تعظون قوما الله مهلكهم } قال فأمر بي فكسيت ثوبين ~~غليظين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن ابن عباس، أيضا قال نجا الناهون وهلك الفاعلون، ولا أدري ما ~~صنع بالساكتين. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عنه قال والله لأن أكون ~~علمت أن القوم الذين قالوا { لم تعظون قوما } نجوا مع الذين ~~نهوا عن السوء أحب إلي مما عدل به. وفي لفظ من حمر النعم، ولكن أخاف أن ~~تكون العقوبة نزلت بهم جميعا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، عن عكرمة، قال قال ابن ms1318 عباس ما أدري أنجا الذين قالوا { لم ~~تعظون قوما الله مهلكهم } أم لا؟ قال فما زلت أبصره حتى ~~عرف أنهم قد نجوا فكساني حلة. وأخرج عبد بن حميد، عن ليث بن أبي سليم، ~~قال مسخوا حجارة الذين قالوا { لم تعظون قوما الله ~~مهلكهم }. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن ابن عباس في قوله { ~~بعذاب بئيس } قال أليم وجيع. ### || [7.167-170] # قوله { وإذ تأذن ربك } معطوف على ما قبله، أي واسألهم وقت ~~تأذن ربك، وتأذن تفعل من الأيذان، وهو الإعلام. قال أبو علي الفارسي آذن ~~بالمد أعلم، وأذن بالتشديد نادى. وقال قوم كلاهما بمعنى أعلم، كما يقال ~~أيقن وتيقن، والمعنى في الآية واسألهم وقت أن وقع الإعلام لهم من ربك { ~~ليبعثن عليهم } قيل وفي هذا الفعل معنى القسم كعلم الله، ~~وشهد الله، ولذلك أجيب بما يجاب به القسم، حيث قال { ليبعثن ~~عليهم } أي ليرسلن عليهم، ويسلطن، كقوله # بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد # الإسراء 5 { إلى يوم القيمة } غاية لسومهم سوء العذاب ممن ~~يبعثه الله عليهم، وقد كانوا أقمأهم الله هكذا أذلاء مستضعفين معذبين ~~بأيدي أهل الملل، وهكذا هم في هذه الملة الإسلامية، في كل قطر من أقطار ~~الأرض، في الذلة المضروبة عليهم والعذاب والصغار، يسلمون الجزية بحقن ~~دمائهم، ويمتهنهم المسلمون فيما فيه ذلة من الأعمال التي يتنزه عنها ~~غيرهم من طوائف الكفار. ومعنى { يسومهم } يذيقهم. وقد تقدم بيان ~~أصل معناه، ثم علل ذلك بقوله { إن ربك لسريع العقاب } ~~يعاجل به في الدنيا كما وقع لهؤلاء { وإنه لغفور رحيم } أي ~~كثير الغفران والرحمة. { وقطعنهم في الأرض } أي فرقناهم في ~~جوانبها، أو شتتنا أمرهم، فلم تجتمع لهم كلمة، و { أمما } منتصب على ~~الحال، أو مفعول ثان لقطعنا، على تضمينه معنى صيرنا، وجملة { منهم ~~الصلحون } بدل من { أمما } ، قيل هم الذين آمنوا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، ومن مات قبل البعثة المحمدية غير مبدل. وقيل هم الذين سكنوا ~~وراء الصين كما تقدم بيانه قبل هذا { ومنهم دون ذلك } أي دون ~~هذا الوصف الذي ms1319 اتصفت به الطائفة الأولى وهو الصلاح، ومحل { دون ذلك ~~} الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير ومنهم أناس دون ذلك، والمراد ~~بهؤلاء هم من لم يؤمن، بل انهمك في المخالفة لما أمره الله به. قال ~~النحاس { دون } منصوب على الظرف، ولا نعلم أحدا رفعه { ~~وبلونهم بالحسنت والسيئات } أي امتحناهم بالخير ~~والشر رجاء أن يرجعوا مما هم من الكفر والمعاصي. { فخلف من ~~بعدهم خلف } المراد بهم أولاد الذين قطعهم الله في الأرض. قال ~~أبو حاتم الخلف بسكون اللام الأولاد، الواحد والجمع سواء. والخلف بفتح ~~اللام البدل ولدا كان أو غيره. وقال ابن الأعرابي الخلف بالفتح الصالح، ~~وبالسكون الطالح. قال لبيد # ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب # ومنه قيل للرديء من الكلام خلف بالسكون، وقد يستعمل كل واحد منهما موضع ~~الآخر، ومنه قول حسان ابن ثابت # لنا القدم الأولى إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع # { ورثوا الكتب } أي التوراة من أسلافهم يقرءونها ولا يعملون ~~بها { يأخذون عرض هذا الأدنى } أخبر الله عنهم بأنهم ~~يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدة حرصهم وقوة نهمتهم، والأدنى ~~مأخوذ من الدنو، وهو القرب، أي يأخذون عرض هذا الشيء الأدنى، وهو الدنيا ~~يتعجلون مصالحها بالرشاء، وما هو مجعول لهم من السحت في مقابلة تحريفهم ~~لكلمات الله، وتهوينهم للعمل بأحكام التوراة، وكتمهم لما يكتمونه منها. ~~وقيل إن الأدنى مأخوذ من الدناءة والسقوط، أي إنهم يأخذون عرض الشيء ~~الدنيء الساقط. { ويقولون سيغفر لنا } أي يعللون أنفسهم ~~بالمغفرة، مع تماديهم في الضلالة، وعدم رجوعهم إلى الحق. وجملة { ~~يأخذون } يحتمل أن تكون مستأنفة لبيان حالهم، أو في محل نصب على ~~الحال. وجملة { يقولون } معطوفة عليها، والمراد بهذا الكلام التقريع ~~والتوبيخ لهم، وجملة { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } ~~في محل نصب على الحال، أي يتعللون بالمغفرة، والحال أنهم إذا أتاهم عرض ~~مثل العرض الذي كانوا يأخذونه أخذوه غير مبالين بالعقوبة، ولا خائفين من ~~التبعة. وقيل الضمير في { يأتهم } ليهود المدينة، أي وإن يأت هؤلاء ~~اليهود الذين ms1320 هم في عصر محمد صلى الله عليه وسلم عرض مثل العرض الذي كان ~~يأخذه أسلافهم، أخذوه كما أخذه أسلافهم. { ألم يؤخذ عليهم ~~ميثاق الكتب } أي التوراة { أن لا يقولوا على الله ~~إلا الحق } والاستفهام للتقريع والتوبيخ، وجملة { ودرسوا ما ~~فيه } معطوفة على { يؤخذ } على المعنى، وقيل على { ورثوا ~~الكتب } ، والأولى أن تكون في محل نصب على الحال بتقدير قد. ~~والمعنى أنهم تركوا العمل بالميثاق المأخوذ عليهم في الكتاب، والحال أن ~~قد درسوا ما في الكتاب وعلموه، فكان الترك منهم عن علم لا عن جهل، وذلك ~~أشد ذنبا وأعظم جرما. وقيل معنى { درسوا ما فيه } أي محوه بترك ~~العمل به والفهم له، من قولهم درست الريح الآثار إذا محتها. { والدار ~~الآخرة خير } من ذلك العرض الذي أخذوه وآثروه عليها { للذين ~~يتقون } الله، ويجتنبون معاصيه { أفلا تعقلون } فتعلمون ~~بهذا وتفهمونه، وفي هذا من التوبيخ والتقريع ما لا يقادر قدره. قوله { ~~والذين يمسكون بالكتب } قرأ الجمهور { يمسكون } ~~بالتشديد من مسك وتمسك، أي استمسك بالكتاب، وهو التوراة. وقرأ أبو ~~العالية، وعاصم، في رواية أبي بكر، بالتخفيف من أمسك يمسك. وروي عن أبي ~~بن كعب أنه قرأ «مسكوا» والمعنى أن طائفة من أهل الكتاب لا يتمسكون ~~بالكتاب، ولا يعملون بما فيه، مع كونهم قد درسوه وعرفوه، وهم من تقدم ~~ذكره. وطائفة يتمسكون بالكتاب، أي التوراة ويعملون بما فيه، ويرجعون إليه ~~في أمر دينهم، فهم المحسنون الذين لا يضيع أجرهم عند الله، والموصول ~~مبتدأ. # و { إنا لا نضيع أجر المصلحين } خبره، أي لا نضيع أجر ~~المصلحين منهم، وإنما وقع التنصيص على الصلاة مع كونها داخلة في سائر ~~العبادات التي يفعلها المتمسكون بالتوراة، لأنها رأس العبادات وأعظمها، ~~فكان ذلك وجها لتخصيصها بالذكر. وقيل لأنها تقام في أوقات مخصوصة، ~~والتمسك بالكتاب مستمر، فذكرت لهذا وفيه نظر. فإن كل عبادة في الغالب ~~تختص بوقت معين، ويجوز أن يكون الموصول معطوفا على الموصول الذي قبله، ~~وهو { للذين يتقون } ، وتكون { أفلا تعقلون } جملة معترضة. وقد ~~أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ms1321 أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، ~~في قوله { يسومهم سوء العذاب } قال محمد وأمته إلى يوم القيامة ~~وسوء العذاب الجزية. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، قال { سوء ~~العذاب } الخراج. وفي قوله { وقطعنهم } قال هم اليهود ~~بسطهم الله في الأرض، فليس منها بقعة إلا وفيها عصابة منهم وطائفة. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، في ~~قوله { ليبعثن عليهم } قال على اليهود والنصارى { إلى ~~يوم القيمة من يسومهم سوء العذاب } فبعث الله عليهم ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يأخذون منهم الجزية، وهم صاغرون { ~~وقطعنهم في الأرض أمما } قال يهود { منهم ~~الصلحون } وهم مسلمة أهل الكتاب { ومنهم دون ذلك } قال ~~اليهود { وبلونهم بالحسنت } قال الرخاء والعافية { ~~والسيئات } قال البلاء والعقوبة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن ابن عباس { وبلونهم بالحسنت والسيئات } بالخصب ~~والجدب. وأخرج أبو الشيخ، عنه، أنه سئل عن هذه الآية { فخلف من ~~بعدهم خلف ورثوا الكتب يأخذون عرض هذا ~~الأدنى } قال أقوام يقبلون على الدنيا، فيأكلونها، ويتبعون رخص القرآن ~~{ ويقولون سيغفر لنا } ولا يعرض لهم شيء من الدنيا إلا ~~أخذوه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، عن مجاهد في قوله { فخلف من بعدهم خلف } قال ~~النصارى { يأخذون عرض هذا الأدنى } قال ما أشرف لهم من ~~شيء من الدنيا حلالا أو حراما يشتهونه أخذوه، ويتمنون المغفرة، وإن ~~يجدوا الغد مثله يأخذوه. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس { فخلف من ~~بعدهم خلف } الآية يقول يأخذون ما أصابوا ويتركون ما شاءوا من ~~حلال أو حرام { ويقولون سيغفر لنا }. وأخرج أبو الشيخ، عن ~~ابن عباس، في قوله { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتب أن ~~لا يقولوا على الله إلا الحق } فيما يوجبون على الله ~~من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون إليها ولا يتوبون منها. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي زيد، في قوله { ودرسوا ما فيه } قال ~~علموا ما في الكتاب، لم يأتوه ms1322 بجهالة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن الحسن، في قوله { والذين يمسكون بالكتب } قال هي ~~لأهل الإيمان منهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله { والذين ~~يمسكون بالكتب } قال من اليهود والنصارى. ### || [7.171] # قوله { وإذ } منصوب بفعل مقدر معطوف على ما قبله، أي واسألهم إذ ~~نتقنا الجبل، أي رفعنا الجبل { فوقهم } و { كأنه ظلة } أي ~~كأنه لارتفاعه سحابة تظلهم، والظلة اسم لكل ما أظل، وقرىء «طلة» بالطاء ~~من أطل عليه إذا أشرف { وظنوا أنه واقع بهم } أي ساقط ~~عليهم. قيل الظن هنا بمعنى العلم. وقيل هو على بابه { خذوا ما ~~ءاتينكم بقوة } هو على تقدير القول، أي وقلنا لهم خذوا، ~~والقوة الجد والعزيمة، أي أخذا كائنا بقوة { واذكروا ما فيه ~~} من الأحكام التي شرعها الله لكم، ولا تنسوه { لعلكم تتقون } ~~رجاء أن تتقوا ما نهيتهم عنه، وتعملوا بما أمرتم به، وقد تقدم تفسير " ~~ما " هنا في البقرة مستوفى، فلا نعده. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { وإذ نتقنا الجبل } يقول ~~رفعناه، وهو قوله # ورفعنا فوقهم الطور # النساء 154 فقال { خذوا ما ءاتينكم بقوة } وإلا أرسلته ~~عليكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، في الآية قال رفعته الملائكة فوق ~~رؤوسهم، فقيل لهم { خذوا ما ءاتينكم بقوة } فكانوا إذا ~~نظروا إلى الجبل قالوا سمعنا وأطعنا، وإذا نظروا إلى الكتاب قالوا سمعنا ~~وعصينا. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، أيضا قال إني لأعلم لم ~~تسجد اليهود على حرف، قال الله { وإذ نتقنا الجبل فوقهم } ~~قال لتأخذن أمري أو لأرمينكم به، فسجدوا وهم ينظرون إليه مخافة أن يسقط ~~عليهم، وكانت سجدة رضيها الله سبحانه فاتخذوها سنة. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة { وإذ نتقنا ~~الجبل } قال انتزعه الله من أصله، ثم جعله فوق رؤوسهم، ثم قال ~~لتأخذن أمري أو لأرمينكم به. ### || [7.172-174] # قوله { وإذ } منصوب ms1323 بفعل مقدر معطوف على ما قبله كما تقدم. قوله { ~~من بنى ءادم } استدل بهذا على أن المراد بالمأخوذين هنا هم ذرية ~~بني آدم، أخرجهم الله من أصلابهم نسلا بعد نسل. وقد ذهب إلى هذا جماعة ~~من المفسرين، قالوا ومعنى { وأشهدهم على أنفسهم } دلهم ~~بخلقه على أنه خالقهم، فقامت هذه الدلالة مقام الإشهاد، فتكون هذه الآية ~~من باب التمثيل، كما في قوله تعالى # فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين # فصلت 11. وقيل المعنى أن الله سبحانه أخرج الأرواح قبل خلق الأجسام، ~~وأنه جعل فيها من المعرفة ما فهمت به خطابه سبحانه. وقيل المراد ببني آدم ~~هنا آدم نفسه، كما وقع في غير هذا الموضع. والمعنى أن الله سبحانه لما ~~خلق آدم مسح ظهره، فاستخرج منه ذريته، وأخذ عليهم العهد، وهؤلاء هم عالم ~~الذر، وهذا هو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه، ولا المصير إلى غيره، ~~لثبوته مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وموقوفا على غيره من ~~الصحابة، ولا ملجىء للمصير إلى المجاز، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. ~~وسنذكر آخر هذا البحث إن شاء الله بعض ما ورد في ذلك. قوله { من ~~ظهورهم } هو بدل من بني آدم، بدل بعض من كل. وقيل بدل اشتمال قوله { ~~ذرياتهم } ، قرأ الكوفيون وابن كثير «ذريتهم» بالتوحيد، وهي تقع على ~~الواحد والجمع. وقرأ الباقون «ذرياتهم» بالجمع { وأشهدهم على ~~أنفسهم } أي أشهد كل واحد منهم { ألست بربكم } أي قائلا ~~ألست بربكم، فهو على إرادة القول { قالوا بلى شهدنا } أي على ~~أنفسنا بأنك ربنا. قوله { أن تقولوا } ، قرأ أبو عمرو بالياء ~~التحتية في هذا وفي قوله { أو يقولوا } على الغيبة كما كان فيما ~~قبله على الغيبة، وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب. والمعنى كراهة أن ~~يقولوا، أو لئلا يقولوا، أي فعلنا ذلك الأخذ والإشهاد، كراهة أن يقولوا { ~~يوم القيمة إنا كنا عن هذا غفلين } أي عن ~~كون الله ربنا وحده لا شريك له. قوله { أو تقولوا إنما ~~أشرك ءاباؤنا من قبل } معطوف على ms1324 { تقولوا } الأول أي ~~فعلنا ذلك كراهة أن تعتذروا بالغفلة، أو تنسبوا الشرك إلى آبائكم دونكم، ~~و " أو " لمنع الخلو دون الجمع، فقد يعتذرون بمجموع الأمرين { من ~~قبل } أي من قبل زماننا { وكنا ذرية من بعدهم } لا ~~نهتدي إلى الحق، ولا نعرف الصواب { أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون } من آبائنا، ولا ذنب لنا لجهلنا وعجزنا عن النظر، ~~واقتفائنا آثار سلفنا، بين الله سبحانه في هذه الحكمة التي لأجلها أخرجهم ~~من ظهر آدم، وأشهدهم على أنفسهم، وأنه فعل ذلك بهم لئلا يقولوا هذه ~~المقالة يوم القيامة، ويعتلوا بهذه العلة الباطلة، ويعتذروا بهذه المعذرة ~~الساقطة { وكذلك } أي ومثل ذلك التفصيل { نفصل الآيت ~~ولعلهم يرجعون } إلى الحق، ويتركون ما هم عليه من الباطل. # وقد أخرج مالك في الموطأ، وأحمد في المسند، وعبد بن حميد، والبخاري في ~~تاريخه، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وابن حبان في صحيحه، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، ~~والبيهقي في الأسماء والصفات، والضياء في المختارة أن عمر بن الخطاب سئل ~~عن هذه الآية { وإذ أخذ ربك } الآية فقال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يسأل عنها فقال # " إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال خلقت ~~هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية، ~~فقال خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون " # ، فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال # " إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل ~~من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل ~~أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله النار " # وأخرج أحمد، وابن جرير، والنسائي، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي ~~في الأسماء والصفات، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان، يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ~~ذرية ذرأها فنثرها بين يديه، ثم كلمهم فقال { ألست بربكم ms1325 ~~قالوا بلى شهدنا } إلى قوله { المبطلون } " # وإسناده لا مطعن فيه. وقد أخرجه ابن أبي حاتم موقوفا على ابن عباس. ~~وأخرج ابن جرير، وابن منده في كتاب " الرد على الجهمية " عن عبد الله بن ~~عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } ، قال أخذهم من ظهره ~~كما يؤخذ المشط من الرأس، فقال لهم ألست بربكم؟ قالوا بلى، قالت الملائكة ~~{ شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } " # وفي إسناده أحمد بن أبي طبية أبو محمد الجرجاني قاضي قومس كان أحد ~~الزهاد، وأخرج له النسائي في سننه. وقال أبو حاتم الرازي يكتب حديثه. ~~وقال ابن عدي حدث بأحاديث كثيرة غرائب. وقد روى هذا الحديث عبد الرحمن ~~بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله ابن عمر، ~~وهؤلاء أئمة ثقات. وأخرج عبد بن حميد، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، ~~والطبراني، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، عن أبي أمامة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " لما خلق الله الخلق، وقضى القضية، وأخذ ميثاق النبيين وعرشه على ~~الماء، فأخذ أهل اليمين بيمينه، وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى وكلتا يدي ~~الرحمن يمين، فقال يا أصحاب اليمين، فاستجابوا له فقالوا لبيك ربنا ~~وسعديك، قال ألست بربكم قالوا بلى " # الحديث. والأحاديث في هذا الباب كثيرة، بعضها مقيد بتفسير هذه الآية، ~~وبعضها مطلق يشتمل على ذكر إخراج ذرية آدم من ظهره، وأخذ العهد عليهم، ~~كما في حديث أنس مرفوعا في الصحيحين وغيرهما. وأما المروي عن الصحابة في ~~تفسير هذه الآية بإخراج ذرية آدم من صلبه في عالم الذر، وأخذ العهد ~~عليهم وإشهادهم على أنفسهم فهي كثيرة، منها عن ابن عباس، عند عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، في قوله { ~~وإذ أخذ ربك من بنى ءادم } الآية قال خلق الله آدم وأخذ ~~ميثاقه أنه ربه، وكتب أجله ورزقه، ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة الذر، ms1326 فأخذ ~~مواثيقهم أنه ربهم، وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصيباتهم. وأخرج نحوه عنه ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم. وأخرج نحوه عنه أيضا ابن جرير، وابن المنذر. وأخرج ~~نحوه عنه عبد الرزاق وابن المنذر. وأخرج نحوه عنه عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن منده. وهذا المعنى مروي عنه من ~~طرق كثيرة غير هذه موقوفة عليه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عبد الله بن عمر في ~~قوله { وإذ أخذ ربك من بنى ءادم } الآية قال أخذهم كما ~~يأخذ المشط من الرأس. وأخرج ابن عبد البر في التمهيد عن ابن مسعود، وناس ~~من الصحابة في تفسير الآية نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد ~~بن حنبل في زوائد المسند، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن ~~منده، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، والضياء في المختارة، ~~وابن عساكر في تاريخه، عن أبي بن كعب في قوله { وإذ أخذ ربك ~~من بنى ءادم } الآية قال جمعهم جميعا فجعلهم أرواحا في صورهم، ثم ~~استنطقهم فتكلموا، ثم أخذ عليهم العهد والميثاق، ثم أشهدهم على أنفسهم. ~~وقد روي عن جماعة ممن بعد الصحابة تفسير هذه الآية بإخراج ذرية آدم من ~~ظهره، وفيما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسيرها مما قدمنا ~~ذكره ما يغني عن التطويل. ### || [7.175-178] # قوله { واتل } معطوف على الأفعال المقدرة في القصص السابقة وإيراد ~~هذه القصة منه سبحانه، وتذكير أهل الكتاب بها، لأنها كانت مذكورة عندهم ~~في التوراة. وقد اختلف في هذا الذي أوتي الآيات { فانسلخ منها } ~~فقيل هو بلعم بن باعوراء، وكان قد حفظ بعض الكتب المنزلة. وقيل كان قد ~~أوتي النبوة، وكان مجاب الدعوة، بعثه الله إلى مدين يدعوهم إلى الإيمان، ~~فأعطوه الأعطية الواسعة، فاتبع دينهم، وترك ما بعث به، فلما أقبل موسى في ~~بني إسرائيل لقتال الجبارين، سأل الجبارون بلعم بن باعوراء أن يدعو على ~~موسى، فقام ليدعو عليه فتحول لسانه ms1327 بالدعاء على أصحابه، فقيل له في ذلك ~~فقال لا أقدر على أكثر مما تسمعون. واندلع لسانه على صدره، فقال قد ذهبت ~~مني الآن الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والخديعة والحيلة، وسأمكر ~~لكم، وإني أرى أن تخرجوا إليهم فتياتكم، فإن الله يبغض الزنا، فإن وقعوا ~~فيه هلكوا، فوقع بنو إسرائيل في الزنا، فأرسل الله عليهم الطاعون، فمات ~~منهم سبعون ألفا. وقيل إن هذا الرجل اسمه باعم، وهو من بني إسرائيل. ~~وقيل المراد به أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكان قد قرأ الكتب وعلم أن ~~الله مرسل رسولا في ذلك، فلما أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم حسده ~~وكفر به. وقيل هو أبو عامر بن صيفي وكان يلبس المسوح في الجاهلية، فكفر ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل نزلت في قريش آتاهم الله آياته التي ~~أنزلها على محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا بها. وقيل نزلت في ~~اليهودوالنصارى، انتظروا خروج محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به. قوله { ~~فانسلخ منها } أي من هذه الآيات التي أوتيها، كما تنسلخ الشاة عن ~~جلدها، فلم يبق له بها اتصال { فأتبعه الشيطن } عند انسلاخه ~~عن الآيات، أي لحقه فأدركه، وصار قرينا له، أو فأتبعه خطواته، وقرىء ~~«فاتبعه» بالتشديد بمعنى تبعه { فكان من الغاوين } المتمكنين في ~~الغواية وهم الكفار. قوله { ولو شئنا لرفعنه بها } ~~الضمير يعود إلى الذي أوتي الآيات، والمعنى لو شئنا رفعه بما آتيناه من ~~الآيات لرفعناه بها، أي بسببها، ولكن لم نشأ ذلك لانسلاخه عنها، وتركه ~~للعمل بها. وقيل المعنى ولو شئنا لأمتناه قبل أن يعصي فرفعناه إلى الجنة ~~بها، أي بالعمل بها { ولكنه أخلد إلى الأرض } أصل ~~الإخلاد اللزوم، يقال أخلد فلان بالمكان إذا قام به ولزمه، والمعنى هنا ~~أنه مال إلى الدنيا ورغب فيها، وآثرها على الآخرة { واتبع هواه } ~~أي اتبع ما يهواه، وترك العمل بما يقتضيه العلم الذي علمه الله، وهو حطام ~~الدنيا. # وقيل كان هواه مع الكفار. وقيل اتبع رضا زوجته، وكانت هي التي حملته على ~~الانسلاخ من ms1328 آيات الله. قوله { فمثله كمثل الكلب } أي فصار ~~لما انسلخ عن الآيات ولم يعمل بها منحطا إلى أسفل رتبة، مشابها لأخس ~~الحيوانات في الدناءة مماثلا له في أقبح أوصافه، وهو أنه يلهث في كلا ~~حالتي قصد الإنسان له وتركه. فهو لاهث سواء زجر أو ترك، طرد أو لم يطرد، ~~شد عليه أو لم يشد عليه، وليس بعد هذا في الخسة والدناءة شيء، وجملة { ~~إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } في محل نصب ~~على الحال، أي مثله كمثل الكلب حال كونه متصفا بهذه الصفة، والمعنى أن ~~هذا المنسلخ عن الآيات لا يرعوى عن المعصية في جميع أحواله، سواء وعظه ~~الواعظ، وذكره المذكر، وزجره الزاجر، أو لم يقع شيء من ذلك. قال القتيبي ~~كل شيء يلهث، فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب فإنه يلهث في حال ~~الكلال، وحال الراحة، وحال المرض، وحال الصحة، وحال الري، وحال العطش. ~~فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته فقال إن وعظته ضل، وإن تركته ضل، فهو ~~كالكلب إن تركته لهث، وإن طردته لهث، كقوله تعالى # وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء ~~عليكم أدعوتموهم أم أنتم صمتون # الأعراف 193 واللهث إخراج اللسان لتعب أو عطش أو غير ذلك. قال الجوهري ~~لهث الكلب بالفتح يلهث لهثا ولهاثا بالضم إذا أخرج لسانه من التعب أو ~~العطش، وكذلك الرجل إذا أعيا. قيل معنى الآية أنك إذا حملت على الكلب نبح ~~وولى هاربا، وإن تركته شد عليك ونبح، فيتعب نفسه مقبلا عليك ومديرا ~~عنك، فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان. والإشارة ~~بقوله { ذلك } إلى ما تقدم من التمثيل بتلك الحالة الخسيسة. وهو مبتدأ ~~وخبره { مثل القوم الذين كذبوا بئايتنا } أي ذلك ~~المثل الخسيس مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا من اليهود، بعد أن علموا بها ~~وعرفوها، فحرفوا وبدلوا، وكتموا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكذبوا بها { فاقصص القصص } أي فاقصص عليهم هذا القصص الذي هو ~~صفة الرجل المنسلخ عن الآيات، فإن مثله المذكور ms1329 كمثل هؤلاء القوم ~~المكذبين من اليهود الذين تقص عليهم { لعلهم يتفكرون } في ~~ذلك ويعملون فيه أفهامهم، فينزجرون عن الضلال، ويقبلون على الصواب. قوله ~~{ ساء مثلا القوم الذين كذبوا بئايتنا } هذه ~~الجملة متضمنة لبيان حال هؤلاء القوم البالغة في القبح إلى الغاية، يقال ~~ساء الشيء قبح، فهو لازم، وساءه يسوؤه مساءة فهو متعد وهو من أفعال الذم ~~كبئس، وفاعله ضمير مستتر فيه، و { مثلا } تمييز مفسر له، والمخصوص بالذم ~~هو { الذين كذبوا بآياتنا } ، ولا بد من تقدير مضاف محذوف لأجل ~~المطابقة، أي ساء مثلا مثل القوم الذين كذبوا. # وقال الأخفش جعل المثل القوم مجازا، والقوم مرفوع بالابتداء أو على ~~إضمار مبتدأ، التقدير ساء المثل مثلا هو مثل القوم، كذا قال. وقدره أبو ~~علي الفارسي ساء مثلا مثل القوم كما قدمنا. وقرأ الجحدري والأعمش " ~~وساء مثل القوم ". قوله { وأنفسهم كانوا يظلمون } ~~أي ما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم، لا يتعداها ظلمهم إلى غيرها ولا ~~يتجاوزها. والجملة معطوفة على التي قبلها على معنى أنهم جمعوا بين ~~التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم { من يهد الله فهو ~~المهتدى } لما أمر به وشرعه لعباده { ومن يضلل فأولئك ~~هم الخسرون } الكاملون في الخسران، من هداه فلا مضل له، ومن ~~أضله فلا هادي له، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وقد أخرج الفريابي، ~~وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن مسعود، في قوله { ~~واتل عليهم نبأ الذى ءاتينه ءايتنا } قال هو ~~رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن آبر. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ~~وأبو الشيخ، وابن مردويه، من طرق عن ابن عباس قال هو بلعم بن باعوراء. ~~وفي لفظ بلعام بن باعر الذي أوتي الاسم كان في بني إسرائيل. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { واتل ~~عليهم نبأ الذى ءاتينه ءايتنا } قال هو رجل من ~~مدينة الجبارين يقال له بلعم، تعلم اسم الله الأكبر، ms1330 فلما نزل بهم موسى ~~أتاه بنو عمه وقومه فقالوا إن موسى رجل حديد، ومعه جنود كثيرة، وإنه إن ~~يظهر علينا يهلكنا، فادع الله أن يرد عنا موسى ومن معه، قال إني إن دعوت ~~الله أن يرد موسى ومن معه مضت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا الله ~~فسلخ ما كان فيه. وفي قوله { إن تحمل عليه يلهث أو ~~تتركه يلهث } قال إن حمل الحكمة لم يحملها، وإن ترك لم يهتد ~~لخير، كالكلب إن كان رابضا لهث وإن يطرد لهث. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عنه، في الآية قال هو رجل أعطى ثلاث دعوات يستجاب له فيهن، وكانت ~~له امرأة له منها ولد، فقالت اجعل لي منها واحدة، قال فلك واحدة فما الذي ~~تريدين؟ قالت ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا الله ~~فجعلها أجمل امرأة في بني إسرائيل فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه، ~~وأرادت شيئا آخر، فدعا الله أن يجعلها كلبة فصارت كلبة، فذهبت دعوتان، ~~فجاء بنوها فقالوا ليس بنا على هذا قرار قد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس ~~بها، فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليه، فدعا الله فعادت كما ~~كانت فذهبت الدعوات الثلاث وسميت البسوس. # وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عبد الله بن عمرو، في الآية قال ~~هو أمية بن أبي الصلت الثقفي، وفي لفظ نزلت في صاحبكم أمية بن أبي الصلت. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر، عنه نحوه. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن الشعبي في هذه الآية قال قال ابن ~~عباس هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعام بن باعوراء، وكانت الأنصار ~~تقول هو ابن الراهب الذي بنى له مسجد الشقاق. وكانت ثقيف تقول هو أمية بن ~~أبي الصلت. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال هو صيفي بن الراهب. ~~وأخرج ابن جرير، وابن ms1331 المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه، في قوله { ~~فانسلخ منها } قال نزع منه العلم، وفي قوله { ولو شئنا ~~لرفعنه بها } قال رفعه الله بعلمه. وأخرج مسلم، والنسائي، وابن ~~ماجه، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن جابر بن عبد الله، ~~قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته يحمد الله ويثنى عليه بما ~~هو أهله، ثم يقول # " من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، أصدق الحديث كتاب ~~الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، ~~وكل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» ثم يقول «بعثت أنا ~~والساعة كهاتين ". ### || [7.179] # { ولقد ذرأنا } أي خلقنا. وقد تقدم بيان أصل معناه مستوفى، ~~وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها، { لجهنم } أي للتعذيب بها { ~~كثيرا } أي خلقا كثيرا { من الجن والإنس } أي من طائفتي ~~الجن والإنس، جعلهم سبحانه للنار بعد له، وبعمل أهلها يعملون. وقد ~~علم ما هم عاملون قبل كونهم، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ثم وصف هؤلاء ~~فقال { لهم قلوب لا يفقهون بها } كما يفقه غيرهم بعقولهم. ~~وجملة { لا يفقهون بها } في محل رفع على أنها صفة لقلوب. وجملة ~~{ لهم قلوب } في محل نصب صفة ل { كثيرا } جعل سبحانه قلوبهم لما ~~كانت غير فاقهة لما فيه نفعهم وإرشادهم، غير فاقهة مطلقا، وإن كانت تفقه ~~في غير ما فيه النفع والرشاد فهو كالعدم، وهكذا معنى { ولهم أعين ~~لا يبصرون بها ولهم ءاذان لا يسمعون بها } فإن ~~الذي انتقى من الأعين هو إبصار ما فيه الهداية بالتفكر والاعتبار، وإن ~~كانت مبصرة في غير ذلك، والذي انتقى من الآذان هو سماع المواعظ النافعة، ~~والشرائع التي اشتملت عليها الكتب المنزلة. وما جاءت به رسل الله، وإن ~~كانوا يسمعون غير ذلك. والإشارة بقوله { أولئك } إلى هؤلاء ~~المتصفين بهذه الأوصاف كالأنعام في انتفاء انتفاعهم بهذه المشاعر، ثم حكم ~~عليهم بأنهم أضل منها، لأنها تدرك بهذه الأمور ما ينفعها ويضرها، ~~فينتفع بما ينفع، وتجتنب ما يضر، ms1332 وهؤلاء لا يميزون بين ما ينفع وما يضر ~~باعتبار ما طلبه الله منهم وكلفهم به، ثم حكم عليهم بالغفلة الكاملة لما ~~هم عليه من عدم التمييز الذي هو من شأن من له عقل وبصر وسمع. وقد أخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { ولقد ~~ذرأنا } قال خلقنا. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن الحسن في الآية ~~قال خلقنا لجهنم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن ~~مردويه، وابن النجار، عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إن الله لما ذرأ لجهنم من ذرأ كان ولد الزنا ممن ذرأ لجهنم " # وأخرج ابن جرير، عن مجاهد، في قوله { ولقد ذرأنا لجهنم } ~~قال لقد خلقنا لجهنم { لهم قلوب لا يفقهون بها } قال لا ~~يفقهون شيئا من أمور الآخرة { ولهم آذان لا يسمعون بها } ~~الهدى { ولهم أعين لا يبصرون بها } الحق، ثم جعلهم ~~كالأنعام، ثم جعلهم شرا من الأنعام، فقال { بل هم أضل } ثم أخبر ~~أنهم الغافلون. ### || [7.180] # هذه الآية مشتملة على الإخبار من الله سبحانه بماله من الأسماء، على ~~الجملة دون التفصيل، والحسنى تأنيث الأحسن، أي التي هي أحسن الأسماء ~~لدلالتها على أحسن مسمى وأشرف مدلول، ثم أمرهم بأن يدعوه بها عند الحاجة، ~~فإنه إذا دعي بأحسن أسمائه كان ذلك من أسباب الإجابة، وقد ثبت في الصحيح # " إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة " # وسيأتي، ويأتى أيضا بيان عددها، آخر البحث إن شاء الله. قوله { ~~وذروا الذين يلحدون فى أسمئه } الإلحاد الميل وترك ~~القصد. يقال لحد الرجل في الدين وألحد إذا مال، ومنه اللحد في القبر، ~~لأنه في ناحية، وقرىء «يلحدون» وهما لغتان، والإلحاد في أسمائه سبحانه ~~يكون على ثلاثة أوجه، إما بالتغيير كما فعله المشركون، فإنهم أخذوا اسم ~~اللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان أو بالزيادة عليها ~~بأن يخترعوا أسماء من عندهم لم يأذن الله بها، أو بالنقصان منها بأن ~~يدعوه ببعضها دون ms1333 بعض. ومعنى { وذروا الذين يلحدون } ~~أتركوهم ولا تحاجوهم، ولا تعرضوا لهم، وعلى هذا المعنى فالآية منسوخة ~~بآيات القتال، وقيل معناه الوعيد كقوله تعالى # ذرنى ومن خلقت وحيدا # المدثر 11، وقوله # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا # الحجر 3 وهذا أولى لقوله { سيجزون ما كانوا يعملون } ~~فإنه وعيد لهم بنزول العقوبة، وتحذير للمسلمين أن يفعلوا كفعلهم. وقد ذكر ~~مقاتل وغيره من المفسرين، أن هذه الآية نزلت في رجل من المسلمين كان يقول ~~في صلاته يا رحمن يا رحيم، فقال رجل من المشركين أليس يزعم محمد وأصحابه ~~أنهم يعبدون ربا واحدا فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟ حكى ذلك القرطبي. ~~وقد أخرج أحمد، والبخاري ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن ~~خزيمة، وأبو عوانة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن منده، ~~وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " إن لله تسعة وتسعين إسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة إنه ~~وتريحب الوتر " # وفي لفظ ابن مردويه وأبي نعيم «من دعا بها استجاب الله دعاءه» وزاد ~~الترمذي في سننه بعد قوله " يحب الوتر " «هو الله الذي لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، ~~الجبار، المتكبر، الخالق، البارىء، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، ~~الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، ~~المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، ~~الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، ~~الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، ~~الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصى، المبدىء، ~~المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الأحد، الصمد، ~~القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، ~~الوالي، المتعالى، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ~~ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، ~~النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور». # هكذا أخرج الترمذي هذه الزيادة عن الجوزجاني، عن صفوان بن صالح، عن ~~الوليد بن مسلم، عن شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن ms1334 أبي ~~هريرة مرفوعة وقال هذا حديث غريب. وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، ولا ~~يعلم في كثير شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث. ورواه ابن ~~حبان في صحيحه، وابن خزيمة، والحاكم من طريق صفوان بإسناده السابق. ورواه ~~ابن ماجه في سننه من طريق أخرى، عن موسى ابن عقبة، عن الأعرج، عن أبي ~~هريرة مرفوعا، فسرد الأسماء المتقدمة بزيادة ونقصان. قال ابن كثير في ~~تفسيره والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث ~~مدرج فيه. وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم، وعبد الملك بن محمد ~~الصنعاني، عن زهير بن محمد أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ~~ذلك، أي أنهم جمعوها من القرآن كما روي عن جعفر بن محمد، وسفيان بن ~~عيينة، وأبي زيد اللغوي. قال ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى ليست منحصرة في ~~التسعة والتسعين، بدليل ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن يزيد بن هارون، ~~عن فضيل ابن مرزوق، عن أبي سلمة الجهنى، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ~~أبيه، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # " ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن، فقال اللهم إني عبدك ابن عبدك وأمتك، ~~ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به ~~نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم ~~الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، ~~وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرجا " # فقيل يا رسول الله ألا نتعلمها؟ فقال # " بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها " # وقد أخرجه الإمام أبو حاتم بن حبان في صحيحه بمثله انتهى. وأخرجه ~~البيهقي أيضا في الأسماء والصفات. قال ابن حزم جاءت في إحصائها، يعني ~~الأسماء الحسنى أحاديث مضطربة لا يصح منها شيء أصلا. وقد أخرجها بهذا ~~العدد الذي أخرجه الترمذي، وابن مردويه، ms1335 وأبو نعيم، عن ابن عباس، وابن ~~عمر قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكراه، ولا أدري كيف إسناده. ~~وأخرج ابن أبي الدنيا، والطبراني كلاهما في الدعاء، وأبو الشيخ، والحاكم، ~~وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن أبي هريرة إن لله تسعة وتسعين اسما ~~من أحصاها دخل الجنة أسأل الله الرحمن، الرحيم، الإله، الرب، الملك، ~~القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، ~~البارىء، المصور، الحليم، العليم، السميع، البصير، الحي، القيوم، ~~الواسع، اللطيف، الخبير، الحنان، المنان، البديع، الغفور، الودود، ~~الشكور، المجيد، المبدىء، المعيد، النور، البارىء - وفي لفظ القائم - ~~الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، العفو، الغفار، الوهاب، الفرد - وفي لفظ ~~القادر - الأحد، الصمد، الوكيل، الكافي، الباقي، المغيث، الدائم، ~~المتعالي، ذا الجلال والإكرام، المولى، البصير، الحق، المتين، الوارث، ~~المنير، الباعث، القدير - وفي لفظ المجيب - المحيي، المميت الحميد - وفي ~~لفظ الجميل - الصادق، الحفيظ، المحيط، الكبير، القريب، الرقيب، الفتاح، ~~التواب، القديم، الوتر، الفاطر، الرزاق، العلام، العلي، العظيم، الغني، ~~الملك، المقتدر، الأكرم، الرؤوف، المدبر، المالك، القاهر، الهادي، ~~الشاكر، الكريم، الرفيع، الشهيد، الواحد، ذا الطول، ذا المعارج، ذا ~~الفضل، الخلاق، الكفيل، الجليل. # وأخرج أبو نعيم عن محمد بن جعفر قال سألت أبي جعفر بن محمد الصادق عن ~~الأسماء التسعة والتسعين التي من أحصاها دخل الجنة؟ فقال هي في القرآن، ~~ففي الفاتحة خمسة أسماء يا الله، يا رب، يا رحمن، يا رحيم، يا ملك. وفي ~~البقرة ثلاثة وثلاثون اسما يا محيط، يا قدير، يا عليم، يا حكيم، يا علي، ~~يا عظيم، يا تواب، يا بصير، يا ولي، يا واسع، يا كافي، يا رؤوف، يا بديع، ~~يا شاكر، يا واحد، يا سميع، يا قابض، يا باسط، يا حي، يا قيوم، يا غني، ~~يا حميد، يا غفور، يا حليم، يا إله، يا قريب، يا مجيب، يا عزيز، يا نصير، ~~يا قوي، يا شديد، يا سريع، يا خبير. وفي آل عمران يا وهاب، يا قائم، يا ~~صادق، يا باعث، يا منعم، يا متفضل. وفي النساء يا رقيب، يا حسيب، يا ~~شهيد، ms1336 يا مقيت، يا وكيل، يا علي، يا كبير. وفي الأنعام يا فاطر، يا ~~قاهر، يا لطيف، يا برهان. وفي الأعراف يا محيي، يا مميت. وفي الأنفال يا ~~نعم المولى، ويا نعم النصير، وفي هود يا حفيظ، يا مجيد، يا ودود، يا فعال ~~لما تريد. وفي الرعد يا كبير، يا متعالي. وفي إبراهيم يا منان، يا وارث. ~~وفي الحجر يا خلاق. وفي مريم يا فرد. وفي طه يا غفار. وفي قد أفلح يا ~~كريم. وفي النور يا حق، يا مبين. وفي الفرقان يا هادي. وفي سبأ يا فتاح. ~~وفي الزمر يا عالم. وفي غافر يا قابل التوب، ياذا الطول، يا رفيع. وفي ~~الذاريات يا رزاق، ياذا القوة، يا متين. وفي الطور يا بر. وفي اقتربت يا ~~مقتدر، يا مليك. وفي الرحمن ياذا الجلال والإكرام، يا رب المشرقين، يا ~~رب المغربين، يا باقي، يا معين. # وفي الحديد يا أول، يا آخر، يا ظاهر، يا باطن. وفي الحشر يا ملك، يا ~~قدوس، يا سلام، يا مؤمن، يا مهيمن، يا عزيز، يا جبار، يا متكبر، يا ~~خالق، يا بارىء، يا مصور. وفي البروج يا مبدىء، يا معيد. وفي الفجر يا ~~وتر. وفي الإخلاص يا أحد، يا صمد. انتهى. وقد ذكر ابن حجر في التلخيص أنه ~~تتبعها من الكتاب العزيز إلى أن حررها منه تسعة وتسعين ثم سردها فابحثه. ~~ويؤيد هذا ما أخرجه أبو نعيم، عن ابن عباس، وابن عمر، قالا قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " لله تسعة وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة، وهي في القرآن " # وأخرج البيهقي، عن عائشة أنها قالت «يا رسول الله علمني اسم الله الذي ~~إذا دعى به أجاب، قال لها # " قومي فتوضيء وادخلي المسجد فصلي ركعتين ثم ادعي حتى أسمع " # ، ففعلت فلما جلست للدعاء قال النبي صلى الله عليه وسلم # " اللهم وفقها " # ، فقالت اللهم إني أسألك بجميع أسمائك الحسنى كلها ما علمنا منها وما ~~لم نعلم، وأسألك باسمك العظيم الأعظم الكبير، الأكبر، الذي من دعاك به ~~أجبته، ms1337 ومن سألك به أعطيته، قال النبي صلى الله عليه وسلم # " أصبتيه أصبتيه " # وقد أطال أهل العلم الكلام على الأسماء الحسنى حتى أن ابن العربي في شرح ~~الترمذي حكى عن بعض أهل العلم أنه جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله ~~ألف اسم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { ~~وذروا الذين يلحدون فى أسمئه } قال الإلحاد، أن يدعو ~~اللات والعزى في أسماء الله. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه، قال ~~الإلحاد التكذيب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، ~~في الآية قال اشتقوا العزى من العزيز، واشتقوا اللات من الله. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عن عطاء في الآية قال الإلحاد المضاهاة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~الأعمش أنه قرأ { يلحدون } من لحد، وقال تفسيرها يدخلون فيها ما ليس ~~منها. وأخرج عبد الرزاق بن حميد، وابن جرير، عن قتادة، في الآية قال ~~يشركون. ### || [7.181-186] # قوله { وممن خلقنا } خبر مقدم و { أمة } مبتدأ مؤخر، و { ~~يهدون } وما بعده صفة له. ويجوز أن يكون { وممن خلقنا } هو ~~المبتدأ كما تقدم في قوله # ومن الناس من يقول # البقرة 8. والمعنى أن من جملة من خلقه الله أمة يهدون الناس متلبسين ~~بالحق، أو يهدونهم بما عرفوه من الحق. " و " بالحق { يعدلون } ~~بينهم. قيل هم من هذه الأمة، وإنهم الفرقة الذين لا يزالون على الحق ~~ظاهرين، كما ورد في الحديث الصحيح. ثم لما بين حال هذه الأمة الصالحة بين ~~حال من يخالفهم فقال { والذين كذبوا بئايتنا ~~سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } والاستدراج هو الأخذ ~~بالتدريج منزلة بعد منزلة، والدرج كف الشيء، يقال أدرجته ودرجته، ومنه ~~إدارج الميت في أكفانه. وقيل هو من الدرجة، فالاستدراج أن يخطو درجة بعد ~~درجة إلى المقصود، ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه، وأدرج الكتاب طواه ~~شيئا بعد شيء، ودرج القوم مات بعضهم في إثر بعض. والمعنى سنستدرجهم ~~قليلا قليلا إلى ما يهلكهم، وذلك بإدرار النعم عليهم وإنسائهم شكرها، ~~فينهمكون في الغواية، ويتنكبون طرق ms1338 الهداية لاغترارهم بذلك، وأنه لم يحصل ~~لهم إلا بما لهم عند الله من المنزلة والزلفة. قوله { وأملى لهم } ~~معطوف على سنستدرجهم، أي أطيل لهم المدة وأمهلهم، وأؤخر عنهم العقوبة. ~~وجملة { إن كيدى متين } مقررة لما قبلها من الاستدراج ~~والإملاء، ومؤكدة له. والكيد المكر، والمتين الشديد القوي، وأصله من ~~المتن وهو اللحم الغليظ الذي على جانب الصلب. قال في الكشاف سماه كيدا، ~~لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان. ~~والاستفهام في { أو لم يتفكروا } للإنكار عليهم، حيث لم ~~يتفكروا في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيما جاء به. و«ما» في { ~~ما بصاحبهم } للاستفهام الإنكاري، وهي في محل رفع بالابتداء والخبر ~~{ بصاحبهم } ، والجنة مصدر، أي وقع منهم التكذيب، ولم يتفكروا أي شيء من ~~جنون كائن بصاحبهم كما يزعمون، فإنهم لو تفكروا لوجدوا زعمهم باطلا، ~~وقولهم زورا وبهتا. وقيل إن «ما» نافية واسمها { من جنة } وخبرها ~~بصاحبهم، أي ليس بصاحبهم شيء مما يدعونه من الجنون، فيكون هذا ردا ~~لقولهم # ياأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون # الحجر 6 ويكون الكلام قد تم عند قوله { أولم يتفكروا }. ~~والوقف عليه من الأوقاف الحسنة. وجملة { إن هو إلا نذير ~~مبين } مقررة لمضمون ما قبلها، ومبينة لحقيقة حال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. والاستفهام في { أو لم ينظروا فى ملكوت ~~السموات والأرض } للإنكار والتقريع والتوبيخ، ولقصد التعجيب من ~~إعراضهم عن النظر في الآيات البينة الدالة على كمال قدرته وتفرده ~~بالإلهية، والملكوت من أبنية المبالغة، ومعناه الملك العظيم وقد تقدم ~~بيانه. # والمعنى إن هؤلاء لم يتفكروا حتى ينتفعوا بالتفكر، ولا نظروا في مخلوقات ~~الله حتى يهتدوا بذلك إلى الإيمان به، بل هم سادرون في ضلالتهم، خائضون ~~في غوايتهم، لا يعملون فكرا، ولا يمعنون نظرا. قوله { وما خلق ~~الله من شىء } أي لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض، ولا فيما خلق ~~الله من شيء من الأشياء كائنا ما كان، فإن في كل مخلوقاته عبرة ~~للمعتبرين، وموعظة للمتفكرين، سواء كانت من جلائل ms1339 مصنوعاته كملكوت ~~السموات والأرض، أومن دقائقها من سائر مخلوقاته. قوله { وأن عسى ~~أن يكون قد اقترب أجلهم } معطوف على ملكوت. و " أن " هي ~~المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن وخبرها { عسى } وما بعدها، أي أو ~~لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى أن يكون قد اقترب أجلهم، فيموتون عن ~~قريب. والمعنى إنهم إذا كانوا يجوزون قرب آجالهم فما لهم لا ينظرون فيما ~~يهتدون به، وينتفعون بالتفكر فيه والاعتبار به. { فبأي حديث ~~بعده يؤمنون } الضمير يرجع إلى ما تقدم من التفكر والنظر في ~~الأمور المذكورة، أي فبأي حديث بعد هذا الحديث المتقدم بيانه يؤمنون؟ ~~وفي هذا الاستفهام من التقريع والتوبيخ ما لا يقادر قدره وقيل الضمير ~~للقرآن. وقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل للأجل المذكور قبله. وجملة ~~{ من يضلل الله فلا هادي له } مقررة لما قبلها، أي إن هذه ~~الغفلة منهم عن هذه الأمور الواضحة البينة ليس إلا لكونهم ممن أضله الله، ~~ومن يضلله فلا هادي له، أي فلا يوجد من يهديه إلى الحق، وينزعه عن ~~الضلالة ألبتة { ويذرهم فى طغينهم يعمهون } قرىء ~~بالرفع على الاستئناف، وبالجزم عطفا على محل الجزاء. وقرىء بالنون. ~~ومعنى يعمهون يتحيرون. وقيل يترددون، وهو في محل نصب على الحال. وقد أخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله { وممن ~~خلقنا أمة يهدون بالحق } قال ذكر لنا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " هذه أمتي بالحق يحكمون ويقضون ويأخذون ويعطون " # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة، في الآية قال ~~بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقولإذا قرأها # " هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها " # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # الأعراف 159. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم متى نزل " # وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي في قوله { سنستدرجهم ms1340 ~~من حيث لا يعلمون } يقول سنأخذهم من حيث لا يعلمون. # قال عذاب بدر. وأخرج أبو الشيخ، عن يحيى بن المثنى في الآية قال كلما ~~أحدثوا ذنبا جددنا لهم نعمة، تنسيهم الاستغفار. وأخرج ابن أبي الدنيا، ~~وأبو الشيخ، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن سفيان في الآية قال نسبغ ~~عليهم النعمة ونمنعهم شكرها. وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي عن ثابت ~~البناني، أنه سئل عن الاستدراج فقال ذلك مكر الله بالعباد المضيعين. ~~وأخرج أبو الشيخ، في قوله { وأملى لهم } يقول أكف عنهم { إن ~~كيدى متين } إن مكري شديد، ثم نسخها الله فأنزل # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # التوبة 5. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال كيد الله العذاب ~~والنقمة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن قتادة، قال ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قام ~~على الصفا، فدعا قريشا فخذا فخذا يا بني فلان يا بني فلان، يحذرهم بأس ~~الله ووقائع الله إلى الصباح حتى قال قائل إن صاحبكم هذا لمجنون بات ~~يصوت حتى أصبح، فأنزل الله { أولم يتفكروا ما بصاحبهم ~~من جنة إن هو إلا نذير مبين }. ### || [7.187-192] # قوله { يسئلونك عن الساعة } السائلون هم اليهود. وقيل ~~قريش. والساعة القيامة. وهي من الأسماء الغالبة، وإطلاقها على القيامة ~~لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها. و { أيان } ظرف زمان مبني على الفتح. قال ~~الراجز # أيان تقضي حاجتي أيانا أما ترى لنجحها أوانا # ومعناه معنى متى، واشتقاقه من أي. وقيل من أين. وقرأ السلمي «إيان» ~~بكسر الهمزة وهو في موضع رفع على الخبر. و { مرسها } المبتدأ عند ~~سيبويه. و { مرساها } بضم الميم، أي وقت إرسائها من أرساها الله، أي ~~أثبتها، وبفتح الميم من رست، أي ثبتت، ومنه # وقدور راسيت # سبأ 13، ومنه رسا الجبل. والمعنى متى يرسيها الله، أي يثبتها ويوقعها. ~~وظاهر { يسئلونك عن الساعة } أن السؤال عن نفس الساعة، ~~وظاهر { أيان مرسها } أن السؤال عن وقتها، فحصل من الجميع أن ~~السؤال المذكور هو عن الساعة. باعتبار وقوعها ms1341 في الوقت المعين لذلك، ثم ~~أمره الله سبحانه بأن يجيب عنهم بقوله { قل إنما علمها عند ~~ربي } أي علمها باعتبار وقوعها عند الله، لا يعلمها غيره ولا يهتدي ~~إليها سواه { لا يجليها لوقتها إلا هو } أي لا يظهرها ~~لوقتها، ولا يكشف عنها إلا الله سبحانه. والتجلية إظهار الشيء، يقال جلى ~~لي فلان الخبر إذا أظهره وأوضحه، وفي استئثار الله سبحانه بعلم الساعة ~~حكمة عظيمة، وتدبير بليغ كسائر الأشياء التي أخفاها الله واستأثر بعلمها. ~~وهذه الجملة مقررة لمضمون التي قبلها. قوله { ثقلت فى ~~السموات والأرض } قيل معنى ذلك أنه لما خفي علمها على أهل ~~السموات والأرض كانت ثقيلة، لأن كل ما خفي علمه ثقيل على القلوب. وقيل ~~المعنى لا تطيقها السموات والأرض لعظمها، لأن السماء تنشق، والنجوم ~~تتناثر، والبحار تنضب. وقيل عظم وصفها عليهم. وقيل ثقلت المسألة عنها. ~~وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها أيضا. { لا تأتيكم إلا ~~بغتة } إلا فجأة على غفلة. والبغتة مصدر في موضع الحال. وهذه الجملة ~~كالتي قبلها في التقرير. قوله { يسئلونك كأنك حفي ~~عنها }. قال ابن فارس الحفي العالم بالشيء، والحفي المستقصى في ~~السؤال، ومنه قول الأعشى # فإن تسألي عني فيارب سائل حفي عن الأعشى به حيث أصعدا # يقال أحفى في المسألة وفي الطلب فهو محف، وحفي على التكثير مثل مخصب ~~وخصيب. والمعنى يسألونك عن الساعة كأنك عالم بها، أو كأنك مستقص للسؤال ~~عنها ومستكثر منه. والجملة التشبيهية في محل نصب على الحال، أي يسألونك ~~مشبها حالك حال من هو حفي عنها. وقيل المعنى يسألونك عنها كأنك حفي ~~بهم، أي حفي ببرهم وفرح بسؤالهم. والأول هو معنى النظم القرآني على ~~مقتضى المسلك العربي. قوله { قل إنما علمها عند ربي } ~~أمره الله سبحانه بأن يكرر ما أجاب به عليهم سابقا لتقرير الحكم ~~وتأكيده. # وقيل ليس بتكرير، بل أحدهما معناه الاستئثار بوقوعها، والآخر الاستئثار ~~بكنهها نفسها { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ~~باستئثار الله بهذا، وعدم علم خلقه به، لم يعلمه ملك مقرب ولا نبي ~~مرسل. قوله { قل لا ms1342 أملك لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ما ~~شاء الله } هذه الجملة متضمنة لتأكيد ما تقدم من عدم علمه بالساعة ~~أيان تكون ومتى تقع، لأنه إذا كان لا يقدر على جلب نفع له، أو دفع ضر ~~عنه إلا ماشاء الله سبحانه من النفع له والدفع عنه، فبالأولى أن لا يقدر ~~على علم ما استأثر الله بعلمه، وفي هذا من إظهار العبودية والإقرار ~~بالعجز عن الأمور التي ليست من شأن العبيد، والاعتراف بالضعف عن انتحال ~~ما ليس له صلى الله عليه وسلم ما فيه أعظم زاجر، وأبلغ واعظ لمن يدعي ~~لنفسه ما ليس من شأنها، وينتحل علم الغيب بالنجامة أو الرمل أو الطرق ~~بالحصا أو الزجر. ثم أكد هذا وقرره بقوله { ولو كنت أعلم ~~الغيب لاستكثرت من الخير } أي لو كنت أعلم جنس الغيب ~~لتعرضت لما فيه الخير فجلبته إلى نفسي، وتوقيت ما فيه السوء حتى لا ~~يمسني، ولكني عبد لا أدري ما عند ربي، ولا ما قضاه في وقدره لي، فكيف ~~أدري غير ذلك وأتكلف علمه؟ وقيل المعنى لو كنت أعلم ما يريد الله عز ~~وجل مني من قبل أن يعرفنيه لفعلته. وقيل لو كنت أعلم متى يكون لي النصر ~~في الحرب، لقاتلت فلم أغلب. وقيل لو كنت أعلم الغيب لأجبت عن كل ما أسأل ~~عنه، والأولى حمل الآية على العموم، فتندرج هذه الأمور وغيرها تحتها. وقد ~~قيل إن { وما مسنى السوء } كلام مستأنف، أي ليس بي ما تزعمون من ~~الجنون والأولى أنه متصل بما قبله. والمعنى لو علمت الغيب ما مسني السوء، ~~ولحذرت عنه كما قدمنا ذلك. قوله { إن أنا إلا نذير وبشير ~~لقوم يؤمنون } أي ما أنا إلا مبلغ عن الله لأحكامه أنذر بها ~~قوما، وأبشر بها آخرين، ولست أعلم بغيب الله سبحانه. واللام في { ~~لقوم } متعلق بكلا الصفتين أي بشير لقوم. ونذير لقوم، وقيل هو متعلق ~~ببشير، والمتعلق بنذير محذوف، أي نذير لقوم يكفرون، وبشير لقوم يؤمنون. ~~قوله { هو الذى خلقكم من نفس وحدة } هذا كلام مبتدأ ~~يتضمن ms1343 ذكر نعم الله على عباده وعدم مكافأتهم لها، مما يجب من الشكر ~~والاعتراف بالعبودية، وأنه المنفرد بالإلهية. قال جمهور المفسرين المراد ~~بالنفس الواحدة. آدم، وقوله { وجعل منها زوجها } معطوف على { ~~خلقكم } أي هو الذي خلقكم من نفس آدم، وجعل من هذه النفس زوجها، وهي ~~حواء، خلقها من ضلع من أضلاعه. # وقيل المعنى { جعل منها } من جنسها، كما في قوله # جعل لكم من أنفسكم أزواجا # النحل 72 والأول أولى. { ليسكن إليها } علة للجعل، أي جعله ~~منها لأجل { يسكن إليها } يأنس إليها. ويطمئن بها، فإن الجنس بجنسه أسكن ~~وإليه آنس. وكان هذا في الجنة، كما وردت بذلك الأخبار. ثم ابتدأ سبحانه ~~بحالة أخرى كانت بينهما في الدنيا بعد هبوطهما، فقال { فلما ~~تغشاها } ، والتغشي كناية عن الوقاع، أي فلما جامعها { حملت ~~حملا خفيفا } علقت به بعد الجماع، ووصفه بالخفة لأنه عند إلقاء ~~النطفة أخف منه عند كونه علقة، وعند كونه علقة أخف منه عند كونه مضغة، ~~وعند كونه مضغة أخف مما بعده. وقيل إنه خف عليها هذا الحمل من ابتدائه ~~إلى انتهائه، ولم تجد منه ثقلا. كما تجده الحوامل من النساء، لقوله { ~~فمرت به } أي استمرت بذلك الحمل تقوم وتقعد، وتمضى في حوائجها لا ~~تجد به ثقلا، والوجه الأول، لقوله { فلما أثقلت } فإن معناه ~~فلما صارت ذات ثقل لكبر الولد في بطنها. وقرىء «فمرت به» بالتخفيف، أي ~~فجزعت لذلك، وقرىء «فمارت به» من المور، وهو المجيء والذهاب. وقيل المعنى ~~فاستمرت به. وقد رويت قراءة التخفيف عن ابن عباس، ويحيى بن يعمر. ورويت ~~قراءة «فمارت» عن عبد الله بن عمر. وروي عن ابن عباس أنه قرأ «فاستمرت ~~به». قوله { دعوا الله ربهما } جواب لما، أي دعا آدم وحواء ~~ربهما ومالك أمرهما { لئن ءاتيتنا صلحا } أي ولدا صالحا، ~~واللام جواب قسم محذوف، و { لنكونن من الشكرين } جواب ~~القسم ساد مسد جواب الشرط، أي من الشاكرين لك على هذه النعمة. وفي هذا ~~الدعاء دليل على أنهما قد علما أن ما حدث في بطن حواء من أثر ms1344 ذلك الجماع ~~هو من جنسهما، وعلما بثبوت النسل المتأثر عن ذلك السبب { فلما ~~ءاتهما } ما طلباه من الولد الصالح، وأجاب دعاءهما { جعلا له ~~شركاء فيما ءاتهما } قال كثير من المفسرين إنه جاء إبليس إلى ~~حواء وقال لها إن ولدت ولدا فسميه باسمى فقالت وما اسمك؟ قال الحارث ولو ~~سمى لها نفسه لعرفته، فسمته عبد الحارث، فكان هذا شركا في التسمية، ولم ~~يكن شركا في العبادة. وإنما قصدا أن الحارث كان سبب نجاة الولد، كما ~~يسمى الرجل نفسه عبد ضيفه، كما قال حاتم الطائي # وإني لعبد الضيف مادام ثاويا وما في إلا تلك من شيمة العبد # وقال جماعة من المفسرين إن الجاعل شركا فيما آتاهما هم جنس بني آدم، ~~كما وقع من المشركين منهم، ولم يكن ذلك من آدم وحواء، ويدل على هذا جمع ~~الضمير في قوله { فتعلى الله عما يشركون } وذهب جماعة ~~من المفسرين إلى أن معنى { من نفس وحدة } من هيئة واحدة وشكل ~~واحد { وجعل منها زوجها } أي من جنسها { فلما تغشاها ~~} يعني جنس الذكر جنس الأنثى. # وعلى هذا لا يكون لآدم وحواء ذكر في الآية، وتكون ضمائر التثنية راجعة ~~إلى الجنسين. وقد قدمنا الإشارة إلى نحو هذا، وذكرنا أنه خلاف الأولى ~~لأمور منها { وجعل منها زوجها } بأن هذا إنما هو لحواء. ومنها ~~{ دعوا الله ربهما } فإن كل مولود يولد بين الجنسين، لا يكون ~~منهما عند مقاربة وضعه هذا الدعاء. وقد قرأ أهل المدينة وعاصم «شركا» ~~على التوحيد. وقرأ أبو عمرو، وسائر أهل الكوفة بالجمع. وأنكر الأخفش سعيد ~~القراءة الأولى. وأجيب عنه بأنها صحيحة على حذف المضاف، أي جعلا له ذا ~~شرك، أو ذوي شرك. والاستفهام في { أيشركون مالا يخلق شيئا ~~} للتقريع والتوبيخ، أي كيف يجعلون لله شريكا لا يخلق شيئا ولا يقدر ~~على نفع لهم، ولا دفع عنهم. قوله { وهم يخلقون } عطف على { مالا ~~يخلق } والضمير راجع إلى الشركاء الذين لا يخلقون شيئا، أي وهؤلاء ~~الذين جعلوهم شركاء من الأصنام أو الشياطين مخلوقون. وجمعهم جمع العقلاء ~~لاعتقاد من ms1345 جعلهم شركاء أنهم كذلك { ولا يستطيعون لهم } أي ~~لمن جعلهم شركاء { نصرا } إن طلبه منهم { ولا أنفسهم ~~ينصرون } إن حصل عليهم شيء من جهة غيرهم، ومن عجز عن نصر نفسه فهو عن ~~نصر غيره أعجز. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وأبو الشيخ عن ابن عباس، ~~قال قال حمل بن أبي قيس، وشمول بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيا كما تقول فإنا نعلم ما هي؟ فأنزل الله { ~~يسئلونك عن الساعة أيان مرسها قل إنما ~~علمها عند ربي } إلى قوله { ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة { أيان ~~مرسها } أي متى قيامها؟ { قل إنما علمها عند ربي ~~لا يجليها لوقتها إلا هو } قال قالت قريش يا محمد أسر ~~إلينا الساعة لما بيننا وبينك من القرابة؟ قال { يسئلونك عن ~~الساعة أيان مرسها قل إنما علمها عند الله } ~~وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول # " تهيج الساعة بالناس، والرجل يسقي على ماشيته، والرجل يصلح حوضه، ~~والرجل يخفض ميزانه ويرفعه، والرجل يقيم سلعته في السوق، قضاء الله لا ~~تأتيكم إلا بغتة " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { ~~أيان مرسها } قال { منتهاها }. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد { لا ~~يجليها لوقتها إلا هو } يقول لا يأتي بها إلا الله. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في الآية قال هو يجليها ~~لوقتها لا يعلم ذلك إلا الله. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن ~~عباس، في قوله { ثقلت فى السموات والأرض } قال ليس شيء من ~~الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله { ثقلت فى السموات ~~والأرض } قال ثقل علمها على أهل السموات والأرض. يقول كبرت عليهم. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر، وأبو ms1346 الشيخ، عن ابن جريج، في قوله { ~~ثقلت فى السموات والأرض } قال إذا جاءت انشقت السماء، ~~وانتثرت النجوم، وكورت الشمس، وسيرت الجبال، وما يصيب الأرض. وكان ما ~~قال الله سبحانه فذلك ثقلها فيهما. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد، في ~~قوله { لا تأتيكم إلا بغتة } قال فجأة آمنين. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي ~~في البعث، عن مجاهد، في قوله { كأنك حفى عنها } قال استحفيت ~~عنها السؤال حتى علمتها. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، ~~في قوله { كأنك حفى عنها } يقول كأنك عالم بها، أي لست ~~تعلمها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~والبيهقي عنه { كأنك حفى عنها } قال لطيف بها. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، عنه أيضا { كأنك ~~حفى عنها } يقول كأن بينك وبينهم مودة كأنك صديق لهم. قال لما ~~سأل الناس محمدا صلى الله عليه وسلم عن الساعة، سألوه سؤال قوم كأنهم ~~يرون أن محمدا حفي بهم، فأوحى الله إليه { إنما علمها عند ~~الله } استأثر بعلمها فلم يطلع ملكا ولا رسولا. وأخرج عبد بن حميد، ~~عن عمرو بن دينار قال كان ابن عباس يقرأ «كأنك حفي بها».وأخرج ابن جرير، ~~وأبو الشيخ، عن ابن جريج { قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا ~~} قال الهدى والضلالة { ولو كنت أعلم الغيب } متى أموت { ~~لاستكثرت من الخير } قال العمل الصالح. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ عن ابن عباس، في قوله { ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير } قال لعلمت إذا اشتريت شيئا ما أربح ~~فيه، فلا أبيع شيئا لاربح فيه { وما مسنى السوء } قال ولا ~~يصيبني الفقر. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن زيد في قوله { وما ~~مسنى السوء } قال لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون. وأخرج ~~أحمد، والترمذي وحسنه، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والروياني، ~~والطبراني، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن سمرة عن النبي ms1347 ~~صلى الله عليه وسلم قال # " لما ولدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال سميه عبد ~~الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، فكان ذلك من وحى الشيطان وأمره ~~" # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه، عن سمرة في قوله { فلما ~~ءاتهما صلحا جعلا له شركاء } قال سمياه عبد الحارث. ~~وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن أبي بن كعب، نحو حديث سمرة المرفوع ~~موقوفا عليه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن ~~عباس قال حملت حواء فأتاها إبليس فقال إني صاحبكما الذي أخرجتكما من ~~الجنة، لتطيعنني أو لأجعلن له قرني أيل، فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن، ~~ولأفعلن، يخوفهما، سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، ثم ~~حملت فأتاهما أيضا فقال مثل ذلك، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتا، ثم حملت ~~فأتاهما، فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث. فذلك قوله { ~~جعلا له شركاء فيما ءاتهما }. وأخرج ابن جرير، وأبو ~~الشيخ، عن الحسن، في الآية قال كان هذا في بعض أهل الملل وليس بآدم. ~~وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه، عن سمرة، في قوله { حملت حملا ~~خفيفا } لم يستبن { فمرت به } لما استبان حملها. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { فمرت به } قال فشكت ~~أحملت أم لا؟ وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن أيوب قال سئل الحسن عن قوله ~~{ فمرت به } قال لو كنت عربيا لعرفتها، إنما هي استمرت بالحمل. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن السدي، في قوله { حملت حملا ~~خفيفا } قال هي النطفة { فمرت به } يقول استمرت به. وأخرج سعيد ~~بن منصور، وابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله { فمرت به } قال ~~فاستمرت به. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ميمون بن مهران { فمرت به } ~~يقول استخفته. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي ~~صالح في قوله { لئن ءاتيتنا صلحا } فقال أشفق أن يكون بهيمة، ~~فقالا لئن آتيتنا بشرا سويا. وأخرج ms1348 ابن أبي حاتم، عن مجاهد نحوه. وأخرج ~~عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن في الآية ~~قال غلاما سويا. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس، في قوله { جعلا له ~~شركاء } قال كان شريكا في طاعة، ولم يكن شريكا في عبادة. وأخرج ابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عنه، قال ما أشرك آدم إن أولها شكر، وآخرها مثل ~~ضربه لمن بعده. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي، في قوله { ~~فتعلى الله عما يشركون } هذا فصل من آية آدم خاصة في ~~آلهة العرب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك نحوه. وأخرج عبد بن حميد، ~~وأبو الشيخ، عن الحسن، في الآية قال هذا في الكفار يدعون الله، فإذا ~~آتاهما صالحا هودا أو نصرا، ثم قال { أيشركون مالا يخلق ~~شيئا وهم يخلقون } يقول يطيعون مالا يخلق شيئا، وهي الشياطين ~~لا تخلق شيئا وهي تخلق { ولا يستطيعون لهم نصرا } يقول ~~لمن يدعوهم. ### || [7.193-198] # قوله { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم } هذا ~~خطاب للمشركين، أي وإن تدعوا هؤلاء الشركاء إلى الهدى والرشاد بأن تطلبوا ~~منهم أن يهدوكم ويرشدوكم لا يتبعوكم ولا يجيبوكم إلى ذلك، وهو دون ما ~~تطلبونه منهم من جلب النفع، ودفع الضر، والنصر على الأعداء. قال الأخفش ~~معناه وإن تدعوهم، أي الأصنام إلى الهدى لا يتبعوكم. وقيل المراد من سبق ~~في علم الله أنه لا يؤمن. وقرىء { لا يتبعوكم } مشددا ومخففا وهما ~~لغتان. وقال بعض أهل اللغة أتبعه مخففا إذا مضى خلفه ولم يدركه، واتبعه ~~مشددا إذا مضى خلفه فأدركه. وجملة { سواء عليكم ~~أدعوتموهم أم أنتم صمتون } مقررة لمضمون ما قبلها، ~~أي دعاؤكم لهم عند الشدائد وعدمه سواء، لا فرق بينهما لأنهم لا ينفعون ~~ولا يضرون ولا يسمعون ولا يجيبون، وقال { أم أنتم صمتون } ~~مكان أصمتم لما في الجملة الاسمية من المبالغة. وقال محمد بن يحيى إنما ~~جاء بالجملة الاسمية لكونها رأس آية، يعني لمطابقة { ولا أنفسهم ~~ينصرون } وما قبله. قوله { إن الذين تدعون من دون ~~الله ms1349 عباد أمثالكم } أخبرهم سبحانه بأن هؤلاء الذين جعلتموهم ~~آلهة هم عباد لله كما أنتم عباد له مع أنكم أكمل منهم، لأنكم أحياء ~~تنطقون وتمشون، وتسمعون وتبصرون. وهذه الأصنام ليست كذلك، ولكنها مثلكم ~~في كونها مملوكة لله مسخرة لأمره. وفي هذا تقريع لهم بالغ، وتوبيخ لهم ~~عظيم. وجملة { فادعوهم فليستجيبوا لكم } مقررة لمضمون ما ~~قبلها من أنهم إن دعوهم إلى الهدى لا يتبعوهم، وأنهم لا يستطيعون شيئا، ~~أي ادعوا هؤلاء الشركاء، فإن كانوا كما تزعمون { فليستجيبوا ~~لكم إن كنتم صدقين } فيما تدعونه لهم من قدرتهم على النفع ~~والضر. والاستفهام في قوله { ألهم أرجل }؟ وما بعده للتقريع ~~والتوبيخ، أي هؤلاء الذين جعلتموهم شركاء ليس لهم شيء من الآلات التي هي ~~ثابتة لكم، فضلا عن أن يكونوا قادرين على ما تطلبونه منهم. فإنهم كما ~~ترون هذه الأصنام التي تعكفون على عبادتها ليست لهم { أرجل } ~~يمشون بها في نفع أنفسهم، فضلا عن أن يمشوا في نفعكم، وليس { ~~لهم أيد يبطشون بها } كما يبطش غيرهم من الأحياء، وليس { ~~لهم أعين يبصرون بها } كما تبصرون، وليس { لهم آذان ~~يسمعون بها } كما تسمعون، فكيف تدعون من هم على هذه الصفة من سلب ~~الأدوات، وبهذه المنزلة من العجز، و " أم " في هذه المواضع هي المنطقة ~~التي بمعنى بل، والهمزة كما ذكره أئمة النحو. وقرأ سعيد بن جبير " إن ~~الذين تدعون " بتخفيف " إن " ونصب " عبادا " أي ما الذين تدعون { ~~من دون الله عبادا أمثلكم } على إعمال إن النافية عمل ما ~~الحجازية. # وقد ضعفت هذه القراءة بأنها خلاف ما رجحه سيبويه وغيره من اختيار الرفع ~~في خبرها. وبأن الكسائي قال إنها لا تكاد تأتي في كلام العرب بمعنى «ما» ~~إلا أن يكون بعدها إيجاب كما في قوله # إن الكفرون إلا فى غرور # الملك 20، والبطش الأخذ بقوة. وقرأ أبو جعفر " يبطشون " بضم ~~الطاء، وهي لغة. ثم لما بين لهم حال هذه الأصنام، وتعاور وجوه النقص ~~والعجز لها من كل باب، أمره الله بأن يقول لهم ادعوا شركاءكم الذين ~~تزعمون أن لهم ms1350 قدرة على النفع والضر. { ثم كيدون } أنتم وهم جميعا ~~بما شئتم من وجوه الكيد { فلا تنظرون } أي فلا تمهلوني، ولا تؤخروا ~~إنزال الضرر بي من جهتها، والكيد المكر. وليس بعد هذا التحدي لهم ~~والتعجيز لأصنامهم شيء. ثم قال لهم { إن وليى الله الذى ~~نزل الكتب } أي كيف أخاف هذه الأصنام التي هذه صفتها، ولي ولي ~~ألجأ إليه وأستنضر به، وهو الله عز وجل { الذى نزل الكتب ~~} وهذه الجملة تعليل لعدم المبالاة بها. وولي الشيء هو الذي يحفظه، ~~ويقوم بنصرته، ويمنع منه الضرر { وهو يتولى الصلحين } أي ~~يحفظهم وينصرهم، ويحول ما بينهم وبين أعدائهم. قال الأخفش وقرىء " إن ~~وليى الله الذى نزل الكتب " يعني جبرائيل. قال ~~النحاس هي قراءة عاصم الجحدري. والقراءة الأولى أبين لقوله { وهو ~~يتولى الصلحين }. قوله { والذين تدعون من دونه ~~لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون } كرر ~~سبحانه هذا لمزيد التأكيد والتقرير، ولما في تكرار التوبيخ والتقريع من ~~الإهانة للمشركين، والتنقيص بهم، وإظهار سخف عقولهم، وركاكة أحلامهم { ~~وتراهم ينظرون إليك } جملة مبتدأة لبيان عجزهم، أو حالية، ~~أي والحال أنك تراهم ينظرون إليك حال كونهم لا يبصرون. والمراد الأصنام ~~أنهم يشبهون الناظرين، ولا أعين لهم يبصرون بها. قيل كانوا يجعلون ~~للأصنام أعينا من جواهر مصنوعة، فكانوا بذلك في هيئة الناظرين، ولا ~~يبصرون. وقيل المراد بذلك المشركون، أخبر الله عنهم بأنهم لا يبصرون حين ~~لم ينتفعوا بأبصارهم، وإن أبصروا بها غير ما فيه نفعهم. وقد أخرج أبو ~~الشيخ، عن سعيد بن جبير قال يجاء بالشمس والقمر حتى يلقيا بين يدي الله ~~تعالى، ويجاء بمن كان يعبدهما، فيقال { ادعوهم فليستجيبوا ~~لكم إن كنتم صدقين }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ عن السدي، في قوله { وتراهم ينظرون إليك } قال هؤلاء ~~المشركون. وأخرج هؤلاء أيضا عن مجاهد، في قوله { وتراهم ينظرون ~~إليك وهم لا يبصرون } ما يدعوهم إليه من الهدى. ### || [7.199-206] # قوله { خذ العفو } لما عدد الله ما عدده من أحوال المشركين ~~وتسفيه رأيهم وضلال سعيهم، أمر رسوله صلى الله عليه ms1351 وسلم بأن يأخذ العفو ~~من أخلاقهم. يقال أخذت حقي عفوا، أي سهلا. وهذا نوع من التيسير الذي ~~كان يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في الصحيح أنه كان ~~يقول # " يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا " # والمراد بالعفو هنا ضد الجهد. وقيل المراد خذ العفو من صدقاتهم، ولا ~~تشدد عليهم فيها وتأخذ ما يشق عليهم. وكان هذا قبل نزول فريضة الزكاة { ~~وأمر بالعرف } أي بالمعروف. وقرأ عيسى بن عمر «بالعرف» بضمتين، ~~وهما لغتان. والعرف والمعروف والعارفة كل خصلة حسنة ترتضيها العقول، ~~وتطمئن إليها النفوس، ومنه قول الشاعر # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس # { وأعرض عن الجهلين } أي إذا أقمت الحجة في أمرهم بالمعروف ~~فلم يفعلوا، فأعرض عنهم ولا تمارهم، ولا تسافههم مكافأة لما يصدر منهم من ~~المراء والسفاهة. قيل وهذه الآية هي من جملة ما نسخ بآية السيف، قاله عبد ~~الرحمن بن زيد وعطاء. وقيل هي محكمة، قاله مجاهد وقتادة. قوله { وإما ~~ينزغنك من الشيطن نزغ } النزغ الوسوسة، وكذا النغز ~~والنخس. قال الزجاج النزغ أدنى حركة تكون، ومن الشيطان أدنى وسوسة، وأصل ~~النزغ الفساد، يقال نزغ بيننا أي أفسد، وقيل النزغ الإغواء. والمعنى ~~متقارب أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم إذا أدرك من وسوسة ~~الشيطان أن يستعيذ بالله وقيل إنه لما نزل قوله { خذ العفو } قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم # " كيف يارب بالغضب؟ " # فنزلت، وجملة { إنه سميع عليم } علة لأمره بالاستعاذة، أي ~~استعذ به والتجىء إليه، فإنه يسمع ذلك منك ويعلم به. وجملة { إن ~~الذين اتقوا إذا مسهم طئف من الشيطن ~~تذكروا } مقررة لمضمون ما قبلها، أي إن شأن الذين يتقون الله، ~~وحالهم هو التذكر لما أمر الله به من الاستعاذة به، والالتجاء إليه، عند ~~أن يمسهم طائف من الشيطان وإن كان يسيرا. قرأ أهل البصرة " طيف " وكذا ~~أهل مكة. وقرأ أهل المدينة والكوفة { طائف }. وقرأ سعيد بن جبير " ~~طيف " بالتشديد. قال النحاس كلام العرب في مثل هذا ms1352 " طيف " بالتخفيف على ~~أنه مصدر من طاف يطيف. قال الكسائي هو مخفف مثل ميت وميت. قال النحاس ~~ومعناه في اللغة ما يتخيل في القلب أو يرى في النوم، وكذا معنى طائف. قال ~~أبو حاتم سألت الأصمعي عن طيف فقال ليس في المصادر فيعل. # قال النحاس ليس هو مصدرا ولكن يكون بمعنى طائف. وقيل الطيف والطائف ~~معنيان مختلفان، فالأول التخيل. والثاني الشيطان نفسه. فالأول من طاف ~~الخيال يطوف طيفا، ولم يقولوا من هذا طائف. قال السهيلي لأنه تخيل لا ~~حقيقة له، فأما قوله # فطاف عليهم طائف من ربك # القلم 19 فلا يقال فيه طيف، لأنه اسم فاعل حقيقة. قال الزجاج طفت عليهم ~~أطوف، فطاف الخيال يطيف. قال حسان # فدع هذا ولكن من لطيف يؤرقني إذا ذهب العشاء # وسميت الوسوسة طيفا، لأنها لمة من الشيطان تشبه لمة الخيال. { فإذا ~~هم مبصرون } بسبب التذكر، أي منتبهون. وقيل على بصيرة. وقرأ سعيد ~~بن جبير " تذكروا " بتشديد الذال. قال النحاس ولا وجه له في ~~العريبة. قوله { وإخونهم يمدونهم فى الغى } قيل ~~المعنى وإخوان الشياطين، وهم الفجار من ضلال الإنس، على أن الضمير في ~~إخوانهم يعود إلى الشيطان المذكور سابقا، والمراد به الجنس. فجاز إرجاع ~~ضمير الجمع إليه. { يمدونهم فى الغى } أي تمدهم الشياطين في ~~الغي، وتكون مددا لهم. وسميت الفجار من الإنس إخوان الشياطين، لأنهم ~~يقبلون منهم ويقتدون بهم. وقيل إن المراد بالإخوان الشياطين، وبالضمير ~~الفجار من الإنس، فيكون الخبر جاريا على من هو له. وقال الزجاج في ~~الكلام تقديم وتأخير. والمعنى { والذين تدعون من دونه لا يستطيعون لكم ~~نصرا ولا أنفسهم ينصرون } { وإخونهم يمدونهم فى ~~الغى } لأن الكفار إخوان الشياطين، { ثم لا يقصرون } ~~الإقصار الانتهاء عن الشيء، أي لا تقصر الشياطين في مد الكفار في الغي. ~~قيل إن { في الغي } متصلا بقوله { يمدونهم } وقيل بالإخوان. ~~والغي الجهل. قرأ نافع " يمدونهم " بضم حرف المضارعة وكسر الميم. ~~وقرأ الباقون بفتح حرف المضارعة وضم الميم، وهما لغتان. يقال مد وأمد. ~~قال مكي ومد أكثر. وقال أبو عبيد ms1353 وجماعة من أهل اللغة فإنه يقال إذا كثر ~~شيء شيئا بنفسه مده. وإذا كثره بغيره، قيل أمده نحو # يمددكم ربكم بخمسة ءالاف من الملئكة # آل عمران 125 وقيل يقال مددت في الشر وأمددت في الخير. وقرأ عاصم ~~الجحدري " يمدونهم فى الغى ". وقرأ عيسى بن عمر " ثم لا ~~يقصرون " بفتح الياء وضم الصاد وتخفيف القاف. قوله { وإذا لم ~~تأتهم بئاية قالوا لولا اجتبيتها } اجتبى الشيء ~~بمعنى جباه لنفسه، أي جمعه، أي هلا اجتمعتها افتعالا لها من عند نفسك. ~~وقيل المعنى اختلقتها، يقال اجتبيت الكلام انتحلته واختلقته واخترعته إذا ~~جئت به من عند نفسك. كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~تراخى الوحي هذه المقالة، فأمره الله بأن يجيب عليهم بقوله { إنما ~~أتبع ما يوحى إلى } أي لست ممن يأتي بالآيات من قبل نفسه كما ~~تزعمون بل إنما أتبع ما يوحى إلى من ربى، فما ~~أوحاه إلي وأنزله علي أبلغته إليكم. # وبصائر جمع بصيرة، أي هذا القرآن المنزل علي هو { بصائر من ~~ربكم } يتبصر بها من قبلها. وقيل البصائر الحجج والبراهين. وقال ~~الزجاج البصائر الطرق { وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } معطوف ~~على بصائر أي هذا القرآن هو بصائر وهدى يهتدي به المؤمنون ورحمة لهم. ~~قوله { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا } ~~أمرهم الله سبحانه بالاستماع للقرآن والإنصات له عند قراءته لينتفعوا به ~~ويتدبروا ما فيه من الحكم والمصالح. قيل هذا الأمر خاص بوقت الصلاة عند ~~قراءة الإمام، ولا يخفاك أن اللفظ أوسع من هذا والعام لا يقصر على سببه، ~~فيكون الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في كل حالة، وعلى أي صفة مما ~~يجب على السامع. وقيل هذا خاص بقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~للقرآن دون غيره، ولا وجه لذلك. { لعلكم ترحمون } أي تنالون ~~الرحمة وتفوزون بها بامتثال أمر الله سبحانه، ثم أمره الله سبحانه أن ~~يذكره في نفسه. فإن الإخفاء أدخل في الإخلاص، وأدعى للقبول. قيل المراد ~~بالذكر هنا ما هو أعم من القرآن وغيره من الأذكار التي يذكر ms1354 الله بها. ~~وقال النحاس لم يختلف في معنى { واذكر ربك في نفسك } أنه ~~الدعاء. وقيل هو خاص بالقرآن، أي اقرأ القرآن بتأمل وتدبر، و { ~~تضرعا وخيفة } منتصبان على الحال، أي متضرعا وخائفا، والخيفة ~~الخوف، وأصلها خوفة قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وحكى الفراء أنه ~~يقال في جمع خيفة خيف. قال الجوهري والخيفة الخوف والجمع خيف، وأصله ~~الواو أي خوف. { ودون الجهر من القول } أي دون المجهور به ~~من القول، وهو معطوف على ما قبله، أي متضرعا وخائفا، ومتكلما بكلام هو ~~دون الجهر من القول. و { بالغدو والآصال } متعلق ب { اذكر } أي ~~أوقات الغدوات وأوقات الأصائل. والغدو جمع غدوة، والآصال جمع أصيل، ~~قاله الزجاج والأخفش، مثل يمين وأيمان. وقيل الآصال جمع أصل، والأصل ~~جمع أصيل، فهو على هذا جمع الجمع، قاله الفراء. قال الجوهري الأصيل الوقت ~~من بعد العصر إلى المغرب، وجمعه أصل وآصال وأصائل، كأنه جمع أصيلة. قال ~~الشاعر # لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأقعد في أفنائه بالأصائل # ويجمع أيضا على أصلان مثل بعير وبعران. وقرأ أبو مجلز «والإيصال» وهو ~~مصدر. وخص هذين الوقتين لشرفهما. والمراد دوام الذكر لله. { ولا ~~تكن من الغفلين } أي عن ذكر الله { إن الذين عند ~~ربك لا يستكبرون عن عبادته } المراد بهم الملائكة. قال ~~القرطبي بالإجماع. قال الزجاج وقال { عند ربك } والله عز وجل بكل مكان ~~لأنهم قريبون من رحمته، وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده. وقال ~~غيره لأنهم في موضع لا ينفذ فيه إلا حكم الله. # وقيل إنهم رسل الله، كما يقال عند الخليفة جيش كثير. وقيل هذا على جهة ~~التشريف والتكريم لهم، ومعنى { يسبحونه } يعظمونه وينزهونه عن كل شين { ~~ويسبحونه وله يسجدون } أي يخصونه بعبادة السجود التي هي ~~أشرف عبادة. وقيل المراد بالسجود الخضوع والذلة. وفي ذكر الملأ الأعلى ~~تعريض لبني آدم. وقد أخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبخاري، وأبو ~~داود، والنسائي، والنحاس في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، ms1355 والبيهقي في الدلائل، عن عبد ~~الله بن الزبير، في قوله { خذ العفو } الآية، قال ما نزلت هذه ~~الآية إلا في اختلاف الناس. وفي لفظه أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ~~أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، ~~وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن عمر في قوله { خذ ~~العفو } قال أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من ~~أخلاق الناس. وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن الشعبي، قال لما أنزل الله { خذ العفو ~~وأمر بالعرف وأعرض عن الجهلين } قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " ما هذا يا جبريل؟ قال لاأدري حتى أسأل العالم، فذهب ثم رجع فقال إن ~~الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك " # وأخرج ابن مردويه، عن جابر، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن قيس بن سعد بن ~~عبادة، قال لما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمزة بن عبد المطلب ~~قال # " والله لأمثلن بسبعين منهم " # ، فجاه جبريل بهذه الآية. وأخرج ابن مردويه، عن عائشة، في قوله { خذ ~~العفو } ما عفا لك من مكارم الأخلاق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~عن ابن عباس، في قوله { خذ العفو } قال خذ ما عفا من أموالهم ما ~~أتوك به من شيء فخذه. وهذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقة وتفصيلها. ~~وأخرج ابن جرير، والنحاس، في ناسخه، عن السدي في الآية قال الفضل من ~~المال نسخته الزكاة. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد، قال لما نزلت { خذ ~~العفو } الآية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كيف بالغضب يارب؟ فنزل { وإما ينزغنك من الشيطن ~~نزغ } " # وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { إن الذين ~~اتقوا } قال هم المؤمنون. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن ~~أبي الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله " ~~إذا مسهم طيف من الشيطن ms1356 " قال الغضب. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال الطيف الغضب. # وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي، في قوله { تذكروا } ~~قال إذا زلوا تابوا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه، عن ابن عباس، في الآية قال الطائف اللمة من الشيطان { ~~تذكروا فإذا هم مبصرون } يقول فإذا هم منتهون عن ~~المعصية، آخذون بأمر الله، عاصون للشيطان { وإخونهم } قال إخوان ~~الشياطين { يمدونهم فى الغى ثم لا يقصرون } قال لا ~~الإنس يمسكون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين تمسك عنهم { وإذا ~~لم تأتهم بئاية قالوا لولا اجتبيتها } يقول لولا ~~أحدثتها، لولا تلقيتها فأنشأتها. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن ~~مردويه، عنه { وإخونهم يمدونهم فى الغى } قال هم ~~الجن يوحون إلى أوليائهم من الإنس { ثم لا يقصرون } يقول لا ~~يسأمون { وإذا لم تأتهم بئاية قالوا لولا ~~اجتبيتها } يقول هلا افتعلتها من تلقاء نفسك. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وابن عساكر، عن أبي هريرة، في قوله { ~~وإذا قرىء القرءان } الآية قال نزلت في رفع الأصوات، وهم خلف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~والبيهقي، عن ابن عباس، في الآية قال يعني في الصلاة المفروضة. وأخرج ابن ~~مردويه، والبيهقي، عنه قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ خلفه قوم ~~فخلطوا، فنزلت { وإذا قرىء القرءان } الآية، فهذه في المكتوبة. ~~قال وإن كنا لم نستمع لمن يقرأ بالأخفى من الجهر. وأخرج سعيد بن منصور ~~وابن أبي حاتم، والبيهقي عن محمد بن كعب القرظي نحوه. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي عن عبد الله بن مغفل نحوه. وأخرج عبد ~~بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي، عن ابن مسعود، ~~نحوه أيضا. وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف، وصرحوا بأن هذه الآية ~~نزلت في قراءة ms1357 الصلاة من الإمام. وأخرج ابن أبي شيبة، عن الحسن، في الآية ~~قال عند الصلاة المكتوبة، وعند الذكر. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن ابن عباس، في الآية قال في الصلاة وحين ينزل الوحي. وأخرج البيهقي عنه ~~في الآية أنه قال هذا في الصلاة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { واذكر ربك ~~في نفسك } الآية قال أمره الله أن يذكره، ونهاه عن الغفلة، أما ~~بالغدو فصلاة الصبح، والآصال بالعشي. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي صخر. ~~قال الآصال ما بين الظهر والعصر. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن ~~زيد، في الآية قال لا تجهر بذاك { بالغدو والآصال } بالبكر ~~والعشي. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد { بالغدو } قال آخر ~~الفجر صلاة الصبح. والآصال آخر العشي صلاة العصر. والأحاديث والآثار عن ~~الصحابة في سجود التلاوة، وعدد المواضع التي يسجد فيها، وكيفية السجود، ~~وما يقال فيه مستوفاة في كتب الحديث والفقه، فلا نطول بإيراد ذلك هاهنا. ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1] # الأنفال جمع نفل محركا، وهو الغنيمة، ومنه قول عنترة # إنا إذا احمر الوغى نروي القنا ونعف عند تقاسم الأنفال # أي الغنائم. وأصل النفل. الزيادة. وسميت الغنيمة به لأنها زيادة فيما ~~أحل الله لهذه الأمة مما كان محرما على غيرهم. أو لأنها زيادة على ما ~~يحصل للمجاهد من أجر الجهاد. ويطلق النفل على معان أخر منها اليمين، ~~والابتغاء، ونبت معروف. والنافلة التطوع لكونها زائدة على الواجب. ~~والنافلة ولد الولد، لأنه زيادة على الولد. وكان سبب نزول الآية اختلاف ~~الصحابة رضي الله عنهم في يوم بدر كما سيأتي بيانه، فنزع الله ما غنموه ~~من أيديهم، وجعله لله والرسول، فقال { قل الأنفال لله ~~والرسول } أي حكمها مختص بهما، يقسمها بينكم رسول الله عن أمر الله ~~سبحانه، وليس لكم حكم في ذلك. وقد ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن ~~الأنفال كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، ليس لأحد فيها شيء حتى ms1358 ~~نزل قوله تعالى # واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه # الأنفال 41. وثم أمرهم بالتقوى، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله والرسول ~~بالتسليم لأمرهما، وترك الاختلاف الذي وقع بينهم، ثم قال { إن كنتم ~~مؤمنين } أي امتثلوا هذه الأوامر الثلاثة إن كنتم مؤمنين بالله. ~~وفيه من التهييج والإلهاب مالا يخفى، مع كونهم في تلك الحال على الإيمان، ~~فكأنه قال إن كنتم مستمرين على الإيمان بالله، لأن هذه الأمور الثلاثة ~~التي هي تقوى الله، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله والرسول، لا يكمل ~~الإيمان بدونها، بل لا يثبت أصلا لمن لم يمتثلها، فإن من ليس بمتق، وليس ~~بمطيع لله ورسوله ليس بمؤمن. وقد أخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن أبي أمامة، قال ~~سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا ~~في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، فقسمه رسول الله بين المسلمين عن بواء. يقول عن ~~سواء. وأخرج سعيد ابن منصور، وأحمد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن ~~حبان، والحاكم وصححه، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ~~عبادة بن الصامت قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه ~~بدرا، فالتقى الناس فهزم الله العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ~~ويقتلون، وأكبت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل ~~وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم نحن حويناها وجمعناها ~~فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو لستم بأحق بها منا، ~~نحن نفينا عنه العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لستم بأحق بها منا نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وخفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به، فنزلت { يسألونك عن ~~الأنفال قل الأنفال لله والرسول } قسمها رسول الله صلى ms1359 ~~الله عليه وسلم بين المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~أغار في أرض العدو نفل الربع، وإذا أقبل راجعا وكل الناس نفل الثلث. # وكان يكره الأنفال ويقول ليرد قوي المسلمين على ضعيفهم. وأخرج إسحاق بن ~~راهويه في مسنده، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي أيوب الأنصاري قال ~~بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، فنصرها الله وفتح عليها، فكان من ~~آتاه بشيء نفله من الخمس، فرجع رجال كانوا يستقدمون ويقتلونه ويأسرون، ~~وتركوا الغنائم خلفهم، فلم ينالوا من الغنائم شيئا، فقالوا يا رسول الله ~~ما بال رجال منا يستقدمون ويأسرون، وتخلف رجال لم يصلوا بالقتال فنفلتهم ~~بالغنيمة؟ فسكت رسول الله ونزل { يسألونك عن الأنفال } الآية، ~~فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال # " ردوا ما أخدتم واقتسموا بالعدل والسوية فإن الله يأمركم بذلك " # ، فقالوا قد أنفقنا وأكلنا، فقال # " احتسبوا ذلك ". # وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي في سننه، عن سعد بن أبي وقاص، قال قلت يا رسول الله قد ~~شفاني الله اليوم من المشركين، فهب لي هذا السيف، فقال # " إن هذا السيف لا لك ولا لي، ضعه " # ، فوضعته، ثم رجعت قلت عسى يعطى هذا السيف اليوم من لا يبلى بلائي، إذا ~~رجل يدعوني من ورائي، قلت قد أنزل الله في شيئا؟ قال # " كنت سألتني هذا السيد وليس هو لي، وإنه قد وهب لي فهو لك " # وأنزل الله هذه الآية { يسألونك عن الأنفال } وفي لفظ لأحمد ~~أن سعدا قال لما قتل أخي يوم بدر، وقتلت سعيد بن العاص، وأخذت سيفه وكان ~~يسمى ذا الكتيفة، فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحو ما ~~تقدم، وقد روي هذا الحديث عن سعد من وجوه أخر. وأخرج ابن جرير وابن ~~مردويه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن الناس سألوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الغنائم يوم بدر، ms1360 فنزلت { يسألونك عن الأنفال ~~}. وأخرج ابن مردويه عنه قال لم ينفل النبي صلى الله عليه وسلم بعد إذ ~~نزلت عليه { يسألونك عن الأنفال } إلا من الخمس، فإنه نفل يوم ~~خيبر من الخمس. # وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~حبان، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن ~~ابن عباس قال لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم # " من قتل قتيلا فله كذا وكذا " # ، ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا، فأما المشيخة فثبتوا تحت الرايات، وأما ~~الشبان فسارعوا إلى القتل والغنائم، فقالت المشيخة للشبان أشركونا معكم ~~فإنا كنا لكم ردءا، ولو كان منكم شيء للجأتم إلينا، فاختصموا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فنزلت { يسألونك عن الأنفال } الآية، فقسم ~~النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم بينهم بالسوية. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، في ~~قوله { يسألونك عن الأنفال } قال الأنفال المغانم. كانت لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خالصة ليس لأحد منها شيء ما أصاب من سرايا ~~المسلمين من شيء أتوه به. فمن حبس منه إبرة أو سلكا فهو غلول، فسألوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم منها شيئا فأنزل الله { ~~يسألونك عن الأنفال قل الأنفال } لي جعلتها لرسولي ليس لكم ~~فيها شيء { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } إلى ~~قوله { إن كنتم مؤمنين } ثم أنزل الله # واعلموا أنما غنمتم من شىء # الأنفال 41 الآية، ثم قسم ذلك الخمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ولذي القربى واليتامى، والمساكين، والمهاجرين في سبيل الله، وجعل أربعة ~~أخماس الناس فيه سواء، للفرس سهمان، ولصاحبه سهم، وللراجل سهم. وأخرج أبو ~~عبيد، وابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله { يسألونك عن الأنفال ~~} قال هي الغنائم، ثم نسخها { واعلموا أنما غنمتم من شىء ~~} الآية. وأخرج مالك وابن أبي شيبة، وأبو عبيد، وعبد بن حميد وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس وأبو الشيخ، ms1361 وابن مردويه عن القاسم ~~بن محمد قال سمعت رجلا يسأل ابن عباس عن الأنفال فقال الفرس من النفل، ~~والسلب من النفل، فأعاد المسألة فقال ابن عباس هذا مثل ضبيع الذي ضربه ~~عمر وفي لفظ فقال ما أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بضبيع العراقي، وكان ~~عمر ضربه حتى سالت الدماء على عقبيه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه، ~~قال الأنفال المغانم، أمروا أن يصلحوا ذات بينهم فيها، فيرد القوي على ~~الضعيف. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والنحاس، وأبو ~~الشيخ، عن عطاء، في قوله { يسألونك عن الأنفال } قال هو ما شذ ~~من المشركين إلى المسلمين بغير قتال، من عبد أو دابة أو متاع، فذلك للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، يصنع به ما شاء. # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن محمد بن عمرو قال أرسلنا ~~إلى سعيد بن المسيب نسأله عن الأنفال فقال تسألوني عن الأنفال، وإنه لا ~~نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد الرزاق عن سعيد أيضا ~~قال ما كانوا ينفلون إلا من الخمس. وروي عبد الرزاق عنه أنه قال لا نفل ~~في غنائم المسلمين إلا في خمس الخمس. وأخرج عبد الرزاق عن أنس أن أميرا ~~من الأمراء أراد أن ينفله قبل أن يخمسه، فأبى أنس أن يقبله حتى يخمسه. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن الشعبي، في قوله { ~~يسألونك عن الأنفال } قال ما أصابت السرايا. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن جرير، والنحاس في ناسخه، عن مجاهد، وعكرمة، قال كانت الأنفال ~~لله والرسول، حتى نسختها آية الخمس # واعلموا أنما غنمتم من شىء # الآية الأنفال 41. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري، في الأدب المفرد، وابن ~~مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس، في قوله { وأصلحوا ~~ذات بينكم } قال هذا تخريج من الله على المؤمنين أن يتقوا الله ~~وأن يصلحوا ذات بينهم حيث اختلفوا في الأنفال. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ~~مكحول، قال كان صلاح ذات بينهم ms1362 أن ردت الغنائم، فقسمت بين من ثبت عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين من قاتل وغنم. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~عن عطاء، في قوله { وأطيعوا الله ورسوله } قال طاعة الرسول ~~اتباع الكتاب والسنة. ### || [8.2-4] # الوجل الخوف والفزع، والمراد أن حصول الخوف من الله. والفزع منه عند ~~ذكره هو شأن المؤمنين الكاملي الإيمان المخلصين لله، فالحصر باعتبار كمال ~~الإيمان لا باعتبار أصل الإيمان. قال جماعة من المفسرين هذه الآية متضمنة ~~للتحريض على طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما أمر به من قسمة ~~الغنائم، ولا يخفاك أن هذا وإن صح إدراجه تحت معنى الآية، من جهة أن وجل ~~القلوب عند الذكر وزيادة الإيمان عند تلاوة آيات الله يستلزمان امتثال ما ~~أمر به سبحانه من كون الأنفال لله والرسول، ولكن الظاهر أن مقصود الآية ~~هو إثبات هذه المزية لمن كمل إيمانه من غير تقييد بحال دون حال، ولا بوقت ~~دون وقت، ولا بواقعة دون واقعة. والمراد من تلاوة آياته تلاوة الآيات ~~المنزلة أو التعبير عن بديع صنعته، وكمال قدرته في آياته التكوينية بذكر ~~خلقها البديع وعجائبها التي يخشع عند ذكرها المؤمنون. قيل والمراد بزيادة ~~الإيمان هو زيادة انشراح الصدر وطمأنينة القلب وانثلاج الخاطر عند تلاوة ~~الآيات. وقيل المراد بزيادة الإيمان زيادة العمل لأن الإيمان شيء واحد لا ~~يزيد ولا ينقص، والآيات المتكاثرة والأحاديث المتواترة ترد ذلك وتدفعه. { ~~وعلى ربهم يتوكلون } لا على غيره. والتوكل على الله تفويض ~~الأمر إليه في جميع الأمور. والموصول في قوله { الذين يقيمون ~~الصلوة } في محل رفع على أنه وصف للموصول الذي قبله، أو بدل منه، أو ~~بيان له، أو في محل نصب على المدح. وخص إقامة الصلاة والصدقة لكونهما أصل ~~الخير وأساسه. و «من» في { مما } للتبعيض. والإشارة بقوله { ~~أولئك } إلى المتصفين بالأوصاف المتقدمة، وهو مبتدأ وخبره { هم ~~المؤمنون } أي إن هؤلاء هم الكاملون الإيمان البالغون فيه إلى أعلى ~~درجاته، وأقصى غاياته. و { حقا } مصدر مؤكد لمضمون جملة { هم المؤمنون ~~} أي حق ذلك حقا ms1363 أو صفة مصدر محذوف، أي هم المؤمنون إيمانا حقا. ثم ~~ذكر ما أعد لمن كان جامعا بين هذه الأوصاف من الكرامة فقال { لهم ~~درجت } أي منازل خير وكرامة، وشرف في الجنة كائنة عند ربهم، وفي ~~كونها عنده سبحانه زيادة تشريف لهم وتكريم، وتعظيم وتفخيم. وجملة { ~~لهم درجت عند ربهم } خبر ثان ل { أولئك } أو ~~مستأنفة جوابا لسؤال مقدر { ومغفرة } معطوف على درجات أي مغفرة ~~لذنوبهم. { ورزق كريم } يكرمهم الله به من واسع فضله، وفائض جوده. ~~وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { وجلت قلوبهم } ~~قال فرقت قلوبهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه، أيضا في الآية قال ~~المنافقون لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون ~~بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون على الله، ولا يصلون إذا غابوا، ولا ~~يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر الله أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين ~~فقال { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم } فأدوا فرائضه. # وأخرج الحكيم الترمذي، وابن جرير، وأبو الشيخ، من طريق شهر بن حوشب، عن ~~أم الدرداء قالت إنما الوجل في القلب كاحتراق السعفة يا شهر بن حوشب، ~~أما تجد قشعريرة؟ قلت بلى، قالت فادع عندها فإن الدعاء يستجاب عند ذلك. ~~وأخرج الحكيم الترمذي عن ثابت البناني قال قال فلان إني لأعلم متى يستجاب ~~لي قالوا ومن أين لك؟ قال إذا اقشعر جلدي، ووجل قلبي، وفاضت عيناي، فذلك ~~حين يستجاب لي. وأخرج أيضا عن عائشة قالت ما الوجل في قلب المؤمن إلا ~~كضرمة السعفة، فإذا وجل أحدكم فليدع عند ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد ~~بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي ~~في الآية قال هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية، فيقال له اتق الله ~~فييجل قلبه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في ~~قوله { زادتهم إيمنا } قال تصديقا. وأخرج هؤلاء عن الربيع بن ~~أنس في قوله { زادتهم إيمنا } قال ms1364 خشية. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { وعلى ربهم يتوكلون } ~~يقول لا يرجون غيره. وأخرجا عنه في قوله { أولئك هم ~~المؤمنون حقا } قال برئوا من الكفر. وأخرج أبو الشيخ عنه { ~~حقا } قال خالصا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، في قوله { ~~لهم درجت } يعني فضائل ورحمة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { لهم درجت } قال أعمال رفيعة. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله { لهم ~~درجت } قال أهل الجنة بعضهم فوق بعض. فيرى الذي هو فوق فضله على ~~الذي هو أسفل منه. ولا يرى الذي هو أسفل أنه فضل عليه أحد. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، في قوله { ومغفرة } قال بترك ~~الذنوب. { ورزق كريم } قال الأعمال الصالحة. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~عن محمد بن كعب القرظي، قال إذا سمعتم الله يقول { ورزق كريم } ~~فهي الجنة. ### || [8.5-8] # قوله { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق } قال الزجاج ~~الكاف في موضع نصب، أي الأنفال ثابتة لك كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، أي ~~مثل إخراج ربك، والمعنى امض لأمرك في الغنائم. ونفل من شئت، وإن كرهوا، ~~لأن بعض الصحابة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين جعل لكل من أتى ~~بأسير شيئا قال بقي أكثر الناس بغير شيء. فموضع الكاف نصب كما ذكرنا. ~~وبه قال الفراء. وقال أبو عبيدة هو قسم، أي والذي أخرجك، فالكاف بمعنى ~~الواو، و " ما " بمعنى الذي. وقال الأخفش سعيد بن مسعدة المعنى أولئك هم ~~المؤمنون حقا كما أخرجك ربك. وقال عكرمة المعنى أطيعوا الله ورسوله كما ~~أخرجك ربك. وقيل { كما أخرجك } متعلق بقوله { لهم درجت } أي ~~هذا الوعد للمؤمنين حق في الآخرة { كما أخرجك ربك من ~~بيتك بالحق } الواجب له، فأنجز وعدك وظفرك بعدوك وأوفى لك. ذكره ~~النحاس واختاره. وقيل الكاف في { كما } كاف التشبيه على سبيل المجازاة ~~كقول القائل لعبده كما وجهتك إلى أعدائي فاستضعفوك، ms1365 وسألت مددا فأمددتك ~~وقويتك وأزحت علتك، فخذهم الآن فعاقبهم. وقيل إن الكاف في محل رفع على ~~أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذه الحال كحال إخراجك. يعني أن حالهم في ~~كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب، ذكره ~~صاحب الكشاف. و { بالحق } متعلق بمحذوف، والتقدير إخراجا متلبسا بالحق ~~الذي لا شبهة فيه، وجملة { وإن فريقا من المؤمنين ~~لكارهون } في محل نصب على الحال، أي كما أخرجك في حال كراهتهم لذلك، ~~لأنه لما وعدهم الله إحدى الطائفتين، إما العير أو النفير، رغبوا في ~~العير لما فيها من الغنيمة والسلامة من القتال كما سيأتي بيانه. وجملة { ~~يجدلونك في الحق بعدما تبين } إما في محل نصب على ~~أنها حال بعد حال، أو مستأنفة جواب سؤال مقدر. ومجادلتهم لما ندبهم إلى ~~إحدى الطائفتين، وفات العير وأمرهم بقتال النفير، ولم يكن معهم كثير ~~أهبة، لذلك شق عليهم وقالوا لو أخبرتنا بالقتال لأخدنا العدة وأكملنا ~~الأهبة. ومعنى { في الحق } أي في القتال بعد ما تبين لهم أنك لا تأمر ~~بالشيء إلا بإذن الله، أو بعد ما تبين لهم أن الله وعدهم بالظفر بإحدى ~~الطائفتين. وأن العير إذا فاتت ظفروا بالنفير. و { بعد } ظرف ليجادلونك. ~~و { ما } مصدرية أي يجادلونك بعد ما تبين الحق لهم. قوله { كأنما ~~يساقون إلى الموت وهم ينظرون } الكاف في محل نصب على ~~الحال من الضمير في { لكارهون } أي حال كونهم في شدة فزعهم من ~~القتال، يشبهون حال من يساق ليقتل، وهو مشاهد لأسباب قتله، ناظر إليها لا ~~يشك فيها. # قوله { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها ~~لكم } الظرف منصوب بفعل مقدر، أي واذكروا وقت وعد الله إياكم إحدى ~~الطائفتين. وأمرهم بتذكير الوقت مع أن المقصود ذكر ما فيه من الحوادث ~~بقصد المبالغة. والطائفتان هما العير والنفير. و { إحدى } هو ثاني مفعولي ~~{ يعد } ، و { أنها لكم } بدل منه بدل اشتمال. ومعناه أنها مسخرة ~~لكم، وأنكم تغلبونها وتغنمون منها وتصنعون بها ما شئتم من قتل وأسر ~~وغنيمة، لا يطيقون لكم ms1366 دفعا، ولا يملكون لأنفسهم منكم ضرا ولا نفعا. ~~وفي هذه الجملة تذكير لهم بنعمة من النعم التي أنعم الله بها عليهم. قوله ~~{ وتودون } معطوف على { يعدكم } من جملة الحوادث التي أمروا ~~بذكر وقتها. { أن غير ذات الشوكة } من الطائفتين، وهي طائفة ~~العير { تكون لكم } دون ذات الشوكة، وهي طائفة النفير. قال أبو ~~عبيدة أي غير ذات الحد. والشوكة السلاح، والشوكة النبت الذي له حد. ~~ومنه رجل شائك السلاح، أي حديد السلاح. ثم يقلب فيقال شاكي السلاح. ~~فالشوكة مستعارة من واحدة الشوك. والمعنى وتودون أن تظفروا بالطائفة ~~التي ليس معها سلاح، وهي طائفة الغير، لأنها غنيمة صافية عن كدر القتال، ~~إذ لم يكن معها من يقوم بالدفع عنها. قوله { ويريد الله أن ~~يحق الحق بكلمته } معطوف على { تودون } وهو من جملة ما ~~أمروا بذكر وقته، أي ويريد الله غير ما تريدون، وهو أن يحق الحق ~~بظهاره، لما قضاه من ظفركم بذات الشوكة، وقتلكم لصناديدهم، وأسر كثير ~~منهم، واغتنام ما غنمتم من أموالهم التي أجلبوا بها عليكم، وراموا دفعكم ~~بها. والمراد بالكلمات الآيات التي أنزلها في محاربة ذات الشوكة، ووعدكم ~~منه بالظفر بها. { ويقطع دابر الكفرين } الدابر الآخر، ~~وقطعه عبارة عن الاستئصال. والمعنى ويستأصلهم جميعا. قوله { ليحق ~~الحق ويبطل البطل } هذه الجملة علة لما يريده الله، أي ~~أراد ذلك، أو يريد ذلك ليظهر الحق، ويرفعه { ويبطل البطل } ~~ويضعه، أو اللام متعلقة بمحذوف، أي فعل ذلك ليحق الحق. وقيل متعلق ب { ~~يقطع } ، وليس في هذه الجملة تكرير لما قبلها، لأن الأولى لبيان التفاوت ~~فيما بين الإرادتين. وهذه لبيان الحكمة الداعية إلى ذلك، والعلة المقتضية ~~له. والمصلحة المترتبة عليه. وإحقاق الحق إظهاره، وإبطال الباطل إعدامه # بل نقذف بالحق على البطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق # الأنبياء 18 ومفعول { ولو كره المجرمون } محذوف، أي ولو ~~كرهوا أن يحق الحق، ويبطل الباطل. والمجرمون هم المشركون من قريش، أو ~~جميع طوائف الكفار. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن ~~مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن أبي أيوب ms1367 الأنصاري قال قال لنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة، وبلغه أن عير أبي سفيان قد أقبلت ~~فقال # " ما ترون فيها لعل الله يغنمناها ويسلمنا " # ، فخرجنا فلما سرنا يوما أو يومين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن نتعاد، ففعلنا، فإذا نحن ثلاثمائة وثلاثة عشر، فأخبرنا النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعدتنا، فسر بذلك وحمد الله وقال # " عدة أصحاب طالوت " # ، فقال # " ما ترون في قتال القوم، فإنهم قد أخبروا بمخرجكم " # ، فقلنا يا رسول الله، لا والله ما لنا طاقة بقتال القوم، إنما خرجنا ~~للعير، ثم قال # " ما ترون في قتال القوم؟ " # فقلنا مثل ذلك، فقال المقداد لا تقولوا كما قال قوم موسى لموسى # اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قعدون # المائدة 24 فأنزل الله { كما أخرجك ربك } إلى قوله { وإذ ~~يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم }. فلما ~~وعدنا الله إحدى الطائفتين، إما القوم وإما العير، طابت أنفسنا، ثم إنا ~~اجتمعنا مع القوم فصففنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اللهم إني أنشدك وعدك " # ، فقال ابن رواحة يا رسول الله إني أريد أن أشير عليك، ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أفضل من أن يشير عليه، إن الله أجل وأعظم من أن تنشده ~~وعده، فقال # " يا ابن رواحة لأنشدن الله وعده، فإن الله لا يخلف الميعاد " # ، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه ~~القوم فانهزموا، فأنزل الله # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى # الأنفال 17 فقتلنا وأسرنا، فقال عمر يا رسول الله ما أرى أن يكون لك ~~أسرى، فإنما نحن داعون مؤلفون، فقلنا يا معشر الأنصار إنما يحمل عمر على ~~ما قال حسد لنا. فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ فقال # " ادعوا لي عمر " # ، فدعي له فقال # " إن الله قد أنزل علي " # ما كان لنبى أن يكون له أسرى # الآية الأنفال 67. وفي إسناده ابن لهيعة، وفيه مقال معروف. وأخرج ابن ~~أبي شيبة في المصنف، وابن مردويه ms1368 عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص ~~الليثي عن أبيه عن جده قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر ~~حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال # كيف ترون؟ # فقال أبو بكر يا رسول الله، بلغنا أنهم كذا وكذا، ثم خطب الناس فقال # " كيف ترون؟ " # فقال عمر مثل قول أبي بكر. ثم خطب الناس فقال # " كيف ترون؟ " # فقال سعد بن معاذ يا رسول الله، إيانا تريد، فوالذي أكرمك وأنزل عليك ~~الكتاب ما سلكتها قط، ولا لي بها علم، ولئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ~~ذي يمن، لنسيرن معك، ولا نكونن كالذين قالوا لموسى # اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا ههنا ~~قعدون # المائدة 24 ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون، ولعلك أن تكون ~~خرجت لأمر وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض له، فصل ~~حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من ~~أموالنا ما شئت، فنزل القرآن على قول سعد { كما أخرجك ربك من ~~بيتك بالحق } إلى قوله { ويقطع دابر الكفرين } ~~وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الغنيمة مع أبي سفيان، ~~فأحدث الله إليه القتال. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { كما أخرجك ~~ربك من بيتك بالحق } قال كذلك يجادلونك في خروج القتال. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن السدي في قوله { كما ~~أخرجك ربك من بيتك بالحق } قال السدى في قوله { كما ~~أخرجك ربك من بيتك بالحق } قال خروج النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى بدر { وإن فريقا من المؤمنين ~~لكرهون } قال لطلب المشركين. { يجدلونك في الحق ~~بعدما ما تبين } أنك لا تصنع إلا ما أمرك الله به. وأخرج ابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله { وتودون أن غير ~~ذات الشوكة تكون لكم } قال هي عير أبي سفيان. ود أصحاب ~~محمد صلى الله عليه ms1369 وسلم أن العير كانت لهم، وأن القتال صرف عنهم. وأخرج ~~عبد بن حميد عن قتادة { ويقطع دابر الكفرين } أي شأفتهم. ~~ووقعة بدر قد اشتملت عليها كتب الحديث، والسير، والتاريخ مستوفاة، فلا ~~نطيل بذكرها. ### || [8.9-10] # قوله { إذ تستغيثون } الظرف متعلق بمحذوف، أي واذكروا وقت ~~استغاثتكم. وقيل بدل من # وإذ يعدكم الله # الأنفال 7 معمول لعامله. وقيل متعلق بقوله # ليحق الحق # الأنفال 8 والاستغاثة طلب الغوث. يقال استغاثني فلان فأغثته، والاسم ~~الغياث. والمعنى أن المسلمين لما علموا أنه لا بد من قتال الطائفة ذات ~~الشوكة، وهم النفير كما أمرهم الله بذلك، وأراده منهم، ورأوا كثرة عدد ~~النفير، وقلة عددهم، استغاثوا بالله سبحانه. وقد ثبت في صحيح مسلم من ~~حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن عدد المشركين يوم بدر ألف، وعدد ~~المسلمين ثلثمائة وسبعة عشر رجلا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى ~~ذلك استقبل القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه # " اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه ~~العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض " # الحديث { فاستجاب لكم } عطف على { تستغيثون } داخل معه في ~~التذكير، وهو وإن كان مستقبلا فهو بمعنى الماضي، ولهذا عطف عليه استجاب. ~~قوله { أني ممدكم بألف من الملئكة } أي بأني ممدكم، ~~فحذف حرف الجر وأوصل الفعل إلى المفعول، وقرىء بكسر الهمزة على إرادة ~~القول، أو على أن في { استجاب } معنى القول. قوله { مردفين } قرأ ~~نافع بفتح الدال اسم مفعول، وقرأ الباقون بكسرها اسم فاعل وانتصابه على ~~الحال. والمعنى على القراءة الأولى أنه جعل بعضهم تابعا لبعض. وعلى ~~القراءة الثانية أنهم جعلوا بعضهم تابعا لبعض وقيل إن { مردفين } على ~~القراءتين نعت لألف. وقيل إنه على القراءة الأولى، حال من الضمير المنصوب ~~في { ممدكم } أي ممددكم في حال إردافكم بألف من الملائكة. وقد قيل إن ردف ~~وأردف بمعنى واحد. وأنكره أبو عبيدة قال لقوله تعالى # تتبعها الرادفة # النازعات 7 ولم يقل المردفة. قال سيبويه وفي الآية قراءة ثالثة وهي ~~«مردفين» ms1370 بضم الراء وكسر الدال مشددة. وقراءة رابعة بفتح الراء وتشديد ~~الدال. وقرأ جعفر بن محمد، وعاصم الجحدري «بآلاف» جمع ألف، وهو الموافق ~~لما تقدم في آل عمران. والضمير في { وما جعله الله } راجع إلى الإمداد ~~المدلول عليه بقوله { أني ممدكم } { إلا بشرى } أي إلا ~~بشارة لكم بنصره، وهو استثناء مفرغ، أي ما جعل إمدادكم لشيء من الأشياء ~~إلا للبشرى لكم بالنصر. { ولتطمئن به } أي بالإمداد قلوبكم. ~~وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا، بل أمد الله المسلمين بهم ~~للبشرى لهم، وتطمين قلوبهم وتثبيتها. واللام في { لتطمئن } متعلقة بفعل ~~محذوف يقدر متأخرا، أي ولتطمئن قلوبكم فعل ذلك لا لشيء آخر. { وما ~~النصر إلا من عند الله } لا من عند غيره، ليس للملائكة في ~~ذلك أثر، فهو الناصر على الحقيقة، وليسوا إلا سببا من أسباب النصر التي ~~سببها الله لكم، وأمدكم بها. # { إن الله عزيز } لا يغالب { حكيم } في كل أفعاله. وقد أخرج ~~ابن جرير، عن علي رضي الله عنه، قال نزل جبريل في ألف من الملائكة عن ~~ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من ~~الملائكة عن ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الميسرة. وأخرج ~~سنيد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال ما أمد النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأكثر من هذه الألف التي ذكر الله في الأنفال، وما ذكر الثلاثة ~~الآلاف، والخمسة الآلاف إلا بشرى. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { مردفين ~~} قال متتابعين. وأخرج ابن جرير، عنه، في قوله { مردفين } يقول ~~المدد. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبو الشيخ عنه، أيضا في الآية ~~قال وراء كل ملك ملك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الشعبي، قال كان ألف ~~مردفين، وثلاثة آلاف منزلين، فكانوا أربعة آلاف، وهم مدد المسلمين في ~~ثغورهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو ~~الشيخ، عن مجاهد، في قوله { مردفين ms1371 } قال مجدين. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، عن قتادة قال متتابعين، أمدهم الله بألف ثم بثلاثة، ثم ~~أكملهم خمسة آلاف. { وما جعله الله إلا بشرى } لكم { ~~ولتطمئن به قلوبكم } قال يعني نزول الملائكة. قال وذكر ~~لنا أن عمر قال أما يوم بدر فلا نشك أن الملائكة كانوا معنا. وأما بعد ~~ذلك فالله أعلم. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن زيد { مردفين } ~~قال بعضهم على أثر بعض. ### || [8.11-14] # قوله { إذ يغشيكم } الظرف منصوب بفعل مقدر كالذي قبله، أو بدل ~~ثان من { إذ يعدكم } ، أو منصوب بالنصر المذكور قبله. وقيل غير ذلك مما ~~لا وجه له. و { إذ يغشيكم } هي قراءة نافع وأهل المدينة على أن ~~الفاعل هو الله سبحانه. وهذه القراءة هي المطابقة لما قبلها. أعني قوله { ~~وما النصر إلا من عند الله } ولما بعدها أعني { ~~وينزل عليكم } فيتشاكل الكلام ويتناسب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~" يغشاكم " على أن الفاعل للنعاس. وقرأ الباقون { يغشيكم } بفتح ~~الغين وتشديد الشين، وهي كقراءة نافع وأهل المدينة في إسناد الفعل إلى ~~الله، ونصب النعاس. قال مكي والاختيار ضم الياء والتشديد، ونصب النعاس ~~لأن بعده { أمنة منه }. والهاء في { منه } لله، فهو الذي يغشيهم ~~النعاس، ولأن الأكثر عليه، وعلى القراءة الأولى والثالثة يكون انتصاب { ~~أمنة } على أنها مفعول له. ولا يحتاج في ذلك إلى تأويل وتكلف، لأن فاعل ~~الفعل المعلل والعلة واحد بخلاف انتصابها على العلة، باعتبار القراءة ~~الثانية، فإنه يحتاج إلى تكلف. وأما على جعل الأمنة مصدرا فلا إشكال، ~~يقال أمن أمنة، وأمنا وأمانا. وهذه الآية تتضمن ذكر نعمة أنعم الله بها ~~عليهم، وهي أنهم مع خوفهم من لقاء العدو والمهابة لجانبه، سكن الله ~~قلوبهم وأمنها حتى ناموا آمنين غير خائفين، وكان هذا النوم في الليلة ~~التي كان القتال في غدها، قيل وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه ~~الليلة وجهان أحدهما أنه قواهم بالاستراحة على القتال من الغد. الثاني ~~أنه أمنهم بزوال الرعب من قلوبهم. وقيل إن النوم غشيهم في حال التقاء ms1372 ~~الصفين، وقد مضى في يوم أحد نحو من هذا في سورة آل عمران. قوله { ~~وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } هذا ~~المطر كان بعد النعاس. وقيل قبل النعاس. وحكى الزجاج أن الكفار يوم بدر ~~سبقوا المؤمنين إلى ماء بدر، فنزلوا عليه وبقي المؤمنون لا ماء لهم، ~~فأنزل الله المطر ليلة بدر. والذي في سيرة ابن إسحاق وغيره أن المؤمنين ~~هم الذين سبقوا إلى ماء بدر، وأنه منع قريشا من السبق إلى الماء مطر ~~عظيم، ولم يصب المسلمين منه إلا ما شد لهم دهس الوادي، وأعانهم على ~~المسير. ومعنى { ليطهركم به } ليرفع عنكم الأحداث { ويذهب ~~عنكم رجز الشيطن } أي وسوسته لكم، بما كان قد سبق إلى ~~قلوبهم من الخواطر التي هي منه من الخوف والفشل حتى كانت حالهم حال من ~~يساق إلى الموت { وليربط على قلوبكم } فيجعلها صابرة قوية ~~ثابتة في مواطن الحرب. والضمير في { به } من قوله { ويثبت به ~~الأقدام } راجع إلى الماء الذي أنزله الله، أي يثبت بهذا الماء الذي ~~أنزله عليكم عند الحاجة إليه أقدامكم في مواطن القتال. # وقيل الضمير راجع إلى الربط المدلول عليه بالفعل. قوله { إذ يوحى ~~ربك إلى الملائكة أني معكم } الظرف منصوب بفعل محذوف ~~خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يقف على ذلك سواه، أي واذكر يا ~~محمد وقت إيحاء ربك إلى الملائكة. وقيل هو بدل من { إذ يعدكم } ~~كما تقدم. ولكنه يأبى ذلك أن هذا لا يقف عليه المسلمون، فلا يكون من ~~جملة النعم التي عددها الله عليهم. وقيل العامل فيه يثبت فيكون المعنى ~~يثبت الأقدام وقت الوحي، وليس لهذا التقييد معنى. وقيل العامل فيه { ~~ليربط } ولا وجه لتقييد الربط على القلوب بوقت الإيحاء. ومعنى الآية أني ~~معكم بالنصر والمعونة، فعلى قراءة الفتح للهمزة هو مفعول { يوحى } وعلى ~~قراءة الكسر يكون بتقدير القول. ومعنى { فثبتوا الذين ءامنوا ~~} بشروهم بالنصر، أو ثبتوهم على القتال بالحضور معهم، وتكثير سوادهم. ~~وهذا أمر منه سبحانه للملائكة الذين أوحى إليهم بأنه معهم. والفاء لترتيب ~~ما ms1373 بعدها على ما قبلها. قوله { سألقى في قلوب الذين ~~كفروا الرعب } قد تقدم بيان معنى إلقاء الرعب في آل عمران. قيل ~~هذه الجملة تفسير لقوله { إنى معكم } ، قوله { فاضربوا فوق ~~الأعنق } قيل المراد الأعناق أنفسها. و { فوق } زائدة قاله ~~الأخفش وغيره. وقال محمد بن يزيد هذا خطأ، لأن { فوق } يفيد معنى، فلا ~~يجوز زيادتها، ولكن المعنى أنه أبيح لهم ضرب الوجوه وما قرب منها. وقيل ~~المراد بما فوق الأعناق الرؤوس. وقيل المراد بفوق الأعناق أعاليها، لأنها ~~المفاصل الذي يكون الضرب فيها أسرع إلى القطع. قيل وهذا أمر للملائكة. ~~وقيل للمؤمنين، وعلى الأول قيل هو تفسير لقوله { فثبتوا الذين ~~ءامنوا }. قوله { واضربوا منهم كل بنان } قال الزجاج ~~واحد البنان بنانة، وهي هنا الأصابع وغيرها من الأعضاء، والبنان مشتق من ~~قولهم أبن الرجل بالمكان إذا أقام به، لأنه يعمل بها ما يكون للإقامة ~~والحياة. وقيل المراد بالبنان هنا أطراف الأصابع من اليدين والرجلين وهو ~~عبارة عن الثبات في الحرب. فإذا ضربت البنان تعطل من المضروب القتال، ~~بخلاف سائر الأعضاء. قال عنترة # وقد كان في الهيجاء يحمي ذمارها ويضرب عند الكرب كل بنان # وقال عنترة أيضا # وإن الموت طوع يدي إذا ما وصلت بنانها بالهندواني # قال ابن فارس البنان الأصابع، ويقال الأطراف، والإشارة بقوله { ذلك } ~~إلى ما وقع عليهم من القتل، ودخل في قلوبهم من الرعب، وهو مبتدأ، و { ~~بأنهم شاقوا الله ورسوله } خبره، أي ذلك بسبب مشاقتهم. ~~والشقاق أصله أن يصير كل واحد من الخصمين في شق، وقد تقدم تحقيق ذلك { ~~ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ~~} له، يعاقبه بسبب ما وقع منه من الشقاق. # قوله { ذلكم فذوقوه وأن للكفرين عذاب النار } ~~الإشارة إلى ما تقدم من العقاب، أو الخطاب هنا للكافرين، كما أن الخطاب ~~في قوله { ذلكم } للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح للخطاب. ~~قال الزجاج ذلكم رفع بإضمار الأمر أو القصة، أي الأمر أو القصة ذلكم ~~فذوقوه. قال ويجوز أن يضمر واعلموا. قال في الكشاف ms1374 ويجوز أن يكون نصبا ~~على عليكم ذلكم فذوقوه، كقولك زيدا فاضربه. قال أبو حيان لا يجوز تقدير ~~عليكم لأنه اسم فعل، وأسماء الأفعال لا تضمر، وتشبيهه بزيدا فاضربه غير ~~صحيح لأنه لم يقدر فيه عليك، بل هو من باب الاشتغال. وجملة { وأن ~~للكفرين عذاب النار } معطوفة على ما قبلها فتكون الإشارة ~~على هذا إلى العقاب العاجل الذي أصيبوا به، ويكون { وأن ~~للكفرين عذاب النار } إشارة إلى العقاب الآجل. وقد أخرج ~~أبو يعلى، والبيهقي في الدلائل، عن علي قال ما كان فينا فارس يوم بدر ~~غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يصلي تحت شجرة حتى أصبح. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شهاب في ~~الآية، قال بلغنا أن هذه الآية أنزلت في المؤمنين يوم بدر، فيما أغشاهم ~~الله من النعاس أمنة منه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله { أمنة منه } قال ~~أمنا من الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله { أمنة منه ~~} قال رحمة منه، أمنة من العدو. وأخرج ابن أبي أبي حاتم، عنه قال النعاس ~~في الرأس، والنوم في القلب. وأخرج عبد بن حميد، عنه، أيضا قال كان ~~النعاس أمنة من الله، وكان النعاس نعاسين نعاس يوم بدر، ونعاس يوم أحد. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن المسيب، في قوله { وينزل عليكم ~~من السماء ماء ليطهركم به } قال طش كان يوم بدر. وأخرج ~~هؤلاء عن مجاهد في الآية قال المطر أنزله الله عليهم قبل النعاس فأطفأ ~~بالمطر الغبار، والتبدت به الأرض، وطابت به أنفسهم، وثبتت به أقدامهم. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وابن إسحاق، عن عروة بن الزبير، قال بعث الله السماء ~~وكان الوادي دهسا، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما لبد ~~الأرض، ولم يمنعهم المسير، وأصاب قريشا ما لم يقدروا على ms1375 أن يرتحلوا ~~معه. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس قال إن المشركين غلبوا ~~المسلمين في أول أمرهم على الماء، فضحى المسلمون وصلوا مجنبين محدثين، ~~فألقى الشيطان في قلوبهم الحزن، وقال أتزعمون أن فيكم نبيا وأنكم أولياء ~~الله، وتصلون مجنبين محدثين؟ فأنزل الله من السماء ماء فسال عليهم الوادي ~~ماء، فشرب المسلمون وتطهروا، وثبتت أقدامهم، وذهبت وسوسته. # وقد قدمنا أن المشهور في كتب السير المعتمدة أن المشركين لم يغلبوا ~~المؤمنين على الماء بل المؤمنون هم الذين غلبوا عليه من الابتداء. وهذا ~~المروي عن ابن عباس في إسناده العوفي، وهو ضعيف جدا. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { ~~رجز الشيطن } قال وسوسته. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، في ~~قوله { وليربط على قلوبكم } قال بالصبر { ويثبت به ~~الأقدام } قال كان بطن الوادي دهاسا، فلما مطروا اشتدت الرملة. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي في قوله { ويثبت ~~به الأقدام } قال حتى تشتد على الرمل، وهو كهيئة الأرض. وأخرج ابن ~~جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن علي قال كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يصلي تلك الليلة ويقول # " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد " # وأصابهم تلك الليلة مطر شديد، فذلك قوله { ويثبت به الأقدام ~~}. وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد، قال لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر. ~~وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قال قال لي ~~أبي يا بني لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى رأس المشرك، ~~فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع ~~بن أنس قال كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب على ~~الأعناق، وعلى البنان مثل سمة النار قد احترق به. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، عن عكرمة، في قوله { فاضربوا فوق الأعنق } يقول ~~الرؤوس. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عطية { فاضربوا ms1376 فوق ~~الأعنق } قال اضربوا الأعناق. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن الضحاك { فاضربوا فوق الأعنق } يقول اضربوا ~~الرقاب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في ~~قوله { واضربوا منهم كل بنان } قال يعني بالبنان الأطراف. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن عطية { واضربوا منهم كل بنان } قال كل مفصل. ### || [8.15-18] # الزحف الدنو قليلا قليلا، وأصله الاندفاع على الإلية. ثم سمي كل ماش ~~في الحرب إلى آخر زاحفا. والتزاحف التداني والتقارب. تقول زحف إلى ~~العدو زحفا، وازدحف القوم، أي مشى بعضهم إلى بعض، وانتصاب { زحفا } ~~إما على أنه مصدر لفعل محذوف، أي تزحفون زحفا، أو على أنه حال من ~~المؤمنين، أي حال كونكم زاحفين إلى الكفار، أو حال من الذين كفروا، أي ~~حال كون الكفار زاحفين إليكم، أو حال من الفريقين، أي متزاحفين. { فلا ~~تولوهم الأدبار } نهى الله المؤمنين أن ينهزموا عن الكفار إذا ~~لقوهم، وقد دب بعضهم إلى بعض للقتال، فظاهر هذه الآية العموم لكل ~~المؤمنين في كل زمن، وعلى كل حال، إلا حالة التحرف والتحيز. وقد روي عن ~~عمر، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي نضرة، وعكرمة، ~~ونافع، والحسن، وقتادة، وزيد بن أبي حبيب، والضحاك أن تحريم الفرار من ~~الزحف في هذه الآية مختص بيوم بدر. وأن أهل بدر لم يكن لهم أن ينحازوا، ~~ولو انحازوا لانحازوا إلى المشركين، إذ لم يكن في الأرض يومئذ مسلمون ~~غيرهم، ولا لهم فئة إلا النبي صلى الله عليه وسلم. فأما بعد ذلك فإن ~~بعضهم فئة لبعض. وبه قال أبو حنيفة، قالوا ويؤيده قوله { ومن ~~يولهم يومئذ دبره } فإنه إشارة إلى يوم بدر. وقيل إن هذه ~~الآية منسوخة بآية الضعف. وذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الآية محكمة ~~عامة غير خاصة، وأن الفرار من الزحف محرم، ويؤيد هذا أن هذه الآية نزلت ~~بعد انقضاء الحرب في يوم بدر. وأجيب عن قول الأولين بأن الإشارة في ms1377 { ~~يومئذ } إلى يوم بدر بأن الإشارة إلى يوم الزحف كما يفيده السياق، ~~ولا منافاة بين هذه الآية وآية الضعف. بل هذه الآية مقيدة بها، فيكون ~~الفرار من الزحف محرما بشرط ما بينه الله في آية الضعف، ولا وجه لما ~~ذكروه من أنه لم يكن في الأرض يوم بدر مسلمون غير من حضرها، فقد كان في ~~المدينة إذ ذاك خلق كثير لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج، ~~لأنه صلى الله عليه وسلم ومن خرج معه لم يكونوا يرون في الابتداء أنه ~~سيكون قتال. ويؤيد هذا ورود الأحاديث الصحيحة المصرحة بأن الفرار من ~~الزحف من جملة الكبائر كما في حديث # " اجتنبوا السبع الموبقات " # ، وفيه # " والتولي يوم الزحف " # ونحوه من الأحاديث، وهذا البحث تطول ذيوله وتتشعب طرقه، وهو مبين في ~~مواطنه. قال ابن عطية والأدبار جمع دبر، والعبارة بالدبر في هذه الآية ~~متمكنة في الفصاحة لما في ذلك من الشناعة على الفار والذم له. # قوله { إلا متحرفا لقتال } التحرف الزوال عن جهة الاستواء. ~~والمراد به هنا التحرف من جانب إلى جانب في المعركة طلبا لمكائد الحرب، ~~وخداعا للعدو، وكمن يوهم أنه منهزم ليتبعه العدو، فيكر عليه ويتمكن ~~منه، ونحو ذلك من مكائد الحرب، فإن الحرب خدعة. قوله { أو متحيزا ~~إلى فئة } أي إلى جماعة من المسلمين، غير الجماعة المقابلة للعدو. ~~وانتصاب { متحرفا } و { متحيزا } على الاستثناء من المولين، أي ومن ~~يولهم دبره إلا رجلا منهم متحرفا أو متحيزا. ويجوز انتصابهما على ~~الحال، ويكون حرف الاستثناء لغوا لا عمل له. وجملة { فقد باء ~~بغضب من الله } جزاء للشرط. والمعنى من ينهزم ويفر من الزحف، ~~فقد رجع بغضب كائن من الله إلا المتحرف والمتحيز. { ومأواه ~~جهنم } أي المكان الذي يأوي إليه هو النار. ففراره أوقعه إلى ما هو ~~أشد بلاء مما فر منه وأعظم عقوبة. والمأوى ما يأوى إليه الإنسان { ~~وبئس المصير } ما صار إليه من عذاب النار. وقد اشتملت هذه الآية ~~على هذا الوعيد الشديد لمن يفر عن الزحف، وفي ذلك دلالة ms1378 على أنه من ~~الكبائر الموبقة. قوله { فلم تقتلوهم ولكن الله ~~قتلهم } الفاء جواب شرط مقدر، أي إذا عرفتم ما قصه الله عليكم من ~~إمداده لكم بالملائكة، وإيقاع الرعب في قلوبهم، فلم تقتلوهم ولكن الله ~~قتلهم بما يسره لكم من الأسباب الموجبة للنصر. قوله { وما رميت ~~إذ رميت ولكن الله رمى } اختلف المفسرون في هذا الرمى ~~على أقوال فروي عن مالك أن المراد به ما كان منه صلى الله عليه وسلم في ~~يوم حنين، فإنه رمى المشركين بقبضة من حصباء الوادي، فأصابت كل واحد ~~منهم. وقيل المراد به الرمية التي رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي ~~بن خلف بالحربة في عنقه، فانهزم ومات منها. وقيل المراد به السهم الذي ~~رمى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حصن خيبر، فسار في الهوى حتى ~~أصاب ابن أبي الحقيق، وهو على فراشه. وهذه الأقوال ضعيفة، فإن الآية نزلت ~~عقب وقعة بدر. وأيضا المشهور في كتب السير والحديث في قتل ابن أبي ~~الحقيق أنه وقع على صورة غير هذه الصورة. والصحيح كما قال ابن إسحاق ~~وغيره، أن المراد بالرمي المذكور في هذه الآية هو ما كان منه صلى الله ~~عليه وسلم في يوم بدر، فإنه أخذ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه المشركين، ~~فأصابت كل واحد منهم ودخلت في عينيه ومنخريه وأنفه. قال ثعلب المعنى { ~~وما رميت } الفزع والرعب في قلوبهم { إذ رميت } بالحصباء ~~فانهزموا { ولكن الله رمى } أي أعانك وأظفرك، والعرب تقول ~~رمى الله لك، أي أعانك وأظفرك وصنع لك. # وقد حكى مثل هذا أبو عبيدة في كتاب المجاز. وقال محمد بن يزيد المبرد ~~المعنى { وما رميت } بقوتك { إذ رميت } ولكنك بقوة الله ~~رميت. وقيل المعنى إن تلك الرمية بالقبضة من التراب التي رميتها لم ترمها ~~أنت على الحقيقة، لأنك لو رميتها ما بلغ أثرها إلا ما يبلغه رمي البشر، ~~ولكنها كانت رمية الله، حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، فأثبت الرمية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأن صورتها ms1379 وجدت منه، ونفاها عنه، لأن أثرها ~~الذي لا يطيقه البشر فعل الله عز وجل، فكأن الله فاعل الرمية على ~~الحقيقة، وكأنها لم توجد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلا، هكذا في ~~الكشاف. قوله { وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا } ~~البلاء ها هنا النعمة. والمعنى ولينعم على المؤمنين إنعاما جميلا. ~~واللام متعلقة بمحذوف، أي وللإنعام عليهم بنعمه الجميلة فعل ذلك لا ~~لغيره، أو الواو عاطفة لما بعدها على علة مقدرة قبلها، أي ولكن الله رمى، ~~ليمحق الكافرين، وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا. { وإن الله ~~سميع عليم } لدعائهم، عليم بأحوالهم. والإشارة بقوله { ذلكم } إلى ~~البلاء الحسن، وهو في محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي الغرض { ~~ذلكم وأن الله موهن كيد الكفرين } أي إن الغرض ~~منه سبحانه بما وقع مما حكته الآيات السابقة، إبلاء المؤمنين وتوهين كيد ~~الكافرين. وقيل المشار إليه القتل والرمي. وقد قرىء بتشديد الهاء ~~وتخفيفها مع التنوين، وقرأ الحسن بتخفيف الهاء مع الإضافة، والكيد المكر. ~~وقد تقدم بيانه. وقد أخرج البخاري في تاريخه، والنسائي، وابن أبي حاتم، ~~وابن مردويه، عن نافع، أنه سأل ابن عمر قال إنا قوم لا نثبت عند قتال ~~عدونا، ولا ندري من الفئة أمامنا أو عسكرنا؟ فقال لي الفئة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقلت إن الله يقول { إذا لقيتم الذين ~~كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار } قال إنما نزلت هذه ~~الآية في أهل بدر، لا قبلها ولا بعدها. وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، ~~والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في ناسخه، ~~وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري، في قوله { ومن ~~يولهم يومئذ دبره } الآية قال إنها كانت لأهل بدر خاصة. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عمر بن الخطاب قال لا ~~تغرنكم هذه الآية فإنما كانت يوم بدر، وأنا فئة لكل مسلم. وأخرج أبو ~~الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، في الآية قال نزلت في أهل بدر خاصة ما ~~كان لهم ms1380 أن ينهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتركوه. وقد روي ~~اختصاص هذه الآية بأهل بدر عن جماعة من التابعين ومن بعدهم، وقد قدمنا ~~الإشارة إلى ذلك. # وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، في قوله { إلا ~~متحرفا لقتال } يعني مستطردا يريد الكرة على المشركين { أو ~~متحيزا إلى فئة } يعني أو ينجاز إلى أصحابه من غير هزيمة { ~~فقد باء بغضب من الله } يقول استوجبوا سخطا من الله { ~~ومأواه جهنم وبئس المصير } فهذا يوم بدر خاصة، كان ~~شديدا على المسلمين يومئذ، ليقطع دابر الكافرين وهو أول قتال قاتل ~~المشركين من أهل مكة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~عن الضحاك قال المتحرف المتقدم من أصحابه أن يرى عورة من العدو ~~فيصيبها. والمتحيز الفار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك من ~~فر اليوم إلى أميره وأصحابه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، ~~عن عطاء بن أبي رباح، في قوله { ومن يولهم يومئذ دبره } ~~قال هذه الآية منسوخة بالآية التي في الأنفال # الئن خفف الله عنكم # الآية الأنفال 66. وأخرج سعيد بن منصور، وابن سعد، وابن أبي شيبة، ~~وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري في الأدب المفرد، واللفظ له، وأبو داود، ~~والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، وأبو ~~الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عمر قال كنا في ~~غزاة فحاص الناس حيصة، قلنا كيف نلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ~~فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب؟ فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ~~صلاة الفجر، فخرج فقال # " من القوم؟ " # فقالنا نحن الفرارون، فقال # " لا، بل أنتم العكارون " # فقبلنا يده فقال # " أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين، ثم قرأ { إلا متحرفا لقتال ~~أو متحيزا إلى فئة } ". # وقد روي في تحريم الفرار من الزحف، وأنه من الكبائر أحاديث، وورد عن ~~جماعة من الصحابة أنه من الكبائر، كما أخرجه ابن جرير، عن ابن عباس. ~~وأخرجه ابن أبي شيبة، عن ابن ms1381 عمر. وأخرجه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، ~~عن علي بن أبي طالب. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { فلم ~~تقتلوهم } قال لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين قال هذا قتلت ~~وهذا قتلت { وما رميت إذ رميت } قال لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم حين حصب الكفار. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن ~~قتادة، في قوله { وما رميت إذ رميت } قال رماهم يوم بدر ~~بالحصباء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن ~~حكيم بن حزام قال لما كان يوم بدر سمعنا صوتا من السماء إلى الأرض كأنه ~~صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الحصباء ~~وقال # " شاهت الوجوه " # ، فانهزمنا، فذلك قوله تعالى { وما رميت إذ رميت } الآية. ~~وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن جابر، قال سمعت صوت حصيات وقعن من ~~السماء يوم بدر، كأنهن وقعن في طست، فلما اصطف الناس أخذهن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فرمى بهن في وجوه المشركين، فانهزموا. فذلك قوله { ~~وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى }. وأخرج ~~الطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس، في قوله { وما ~~رميت إذ رميت } قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي # " ناولني قبضة من حصباء " # ، فناوله فرمى بها في وجوه القوم، فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت ~~عيناه من الحصباء، فنزلت هذه الآية { وما رميت إذ رميت }. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيب، قال ~~لما كان يوم أحد أخذ أبي بن خلف يركض فرسه حتى دنا من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، واعترض رجال من المسلمين لأبي بن خلف ليقتلوه، فقال لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " استأخروا " # ، فاستأخروا فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حربته في يده، فرمى بها ~~أبي بن خلف، وكسر ضلعا من أضلاعه، فرجع أبي ms1382 بن خلف إلى أصحابه ثقيلا، ~~فاحتملوه حين ولوا قافلين، فطفقوا يقولون لا بأس، فقال أبي حين قالوا له ~~ذلك والله لو كانت بالناس لقتلتهم، ألم يقل إني أقتلك إن شاء الله، ~~فانطلق به أصحابه ينعشونه حتى مات ببعض الطريق، فدفنوه. قال ابن المسيب ~~وفي ذلك أنزل الله { وما رميت إذ رميت }. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيب، والزهري نحوه، وإسناده ~~صحيح إليهما، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك. قال ابن كثير وهذا القول عن ~~هذين الإمامين غريب جدا، ولعلهما أرادا أن الآية تتناولهما بعمومها، ~~وهكذا قال فيما قاله عبد الرحمن بن جبير كما سيأتي. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، عن عبد الرحمن بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~خرج يؤم ابن أبي الحقيق دعا بقوس فرمى بها الحصن، فأقبل السهم حتى قتل ~~ابن أبي الحقيق في فراشه، فأنزل الله { وما رميت إذ رميت ~~ولكن الله رمى }. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن عروة ~~بن الزبير، في قوله { ولكن الله رمى } أي لم يكن ذلك برميتك ~~لولا الذي جعل الله من نصرك وما ألقى في صدور عدوك حتى هزمهم { ~~وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا } أي ليعرف المؤمنين ~~من نعمته عليهم في إظهارهم على عدوهم مع كثرة عدوهم وقلة عددهم ليعرفوا ~~بذلك حقه، ويشكروا بذلك نعمته. ### || [8.19] # الاستفتاح طلب النصر، وقد اختلف في المخاطبين بالآية من هم؟ فقيل إنها ~~خطاب للكفار تهكما بهم، والمعنى إن تستنصروا الله على محمد فقد جاءكم ~~النصر. وقد كانوا عند خروجهم من مكة سألوا الله أن ينصر أحق الطائفتين ~~بالنصر، فتهكم الله بهم، وسمى ما حل بهم من الهلاك نصرا. ومعنى بقية ~~الآية على هذا القول { وإن تنتهوا } عما كنتم عليه من الكفر ~~والعداوة لرسول الله { فهو } أي الانتهاء { خير لكم وإن ~~تعودوا } إلى ما كنتم عليه من الكفر والعداوة { نعد } بتسليط ~~المؤمنين عليكم، ونصرهم كما سلطناهم ونصرناهم في يوم بدر { ولن ~~تغنى عنكم فئتكم } أي ms1383 جماعتكم { شيئا ولو كثرت } ~~أي لا تغني عنكم في حال من الأحوال، ولو في حال كثرتها، ثم قال { وأن ~~الله مع المؤمنين } ومن كان الله معه، فهو المنصور، ومن كان ~~الله عليه، فهو المخذول. قرىء بكسر " إن " وفتحها، فالكسر على الاستئناف، ~~والفتح على تقدير ولأن الله مع المؤمنين فعل ذلك. وقيل إن الآية خطاب ~~للمؤمنين، والمعنى إن تستنصروا الله فقد جاءكم النصر في يوم بدر، وإن ~~تنتهوا عن مثل ما فعلتموه من أخذ الغنائم، وفداء الأسرى قبل الإذن لكم ~~بذلك، فهو خير لكم، وإن تعودوا إلى مثل ذلك نعد إلى توبيخكم، كما في قوله # لولا كتب من الله سبق # الأنفال 68 الآية، ولا يخفى أنه يأبي هذا القول معنى { ولن تغنى ~~عنكم فئتكم شيئا } ويأباه أيضا { وأن الله مع ~~المؤمنين } وتوجيه ذلك لا يمكن إلا بتكلف وتعسف. وقيل إن الخطاب في ~~{ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } للمؤمنين، وما بعده ~~للكافرين، ولا يخفى ما في هذا من تفكيك النظم وعود الضمائر الجارية في ~~الكلام على نمط واحد إلى طائفتين مختلفتين. وقد أخرج ابن أبي شيبة، ~~وأحمد، وعبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، وابن مردويه، وابن منده، والحاكم وصححه، والبهيقي في ~~الدلائل، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير، أن أبا جهل قال حين ~~التقى القوم اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة، فكان ~~ذلك استفتاحا منه فنزلت { إن تستفتحوا } الآية. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عطية، قال قال أبو جهل ~~يوم بدر اللهم انصر أهدى الفئتين، وأفضل الفئتين، وخير الفئتين، فنزلت ~~الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس { إن ~~تستفتحوا } يعني المشركين، أي إن تستنصروا فقد جاءكم المدد. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد { إن تستفتحوا فقد جاءكم ~~الفتح } قال كفار قريش في قولهم ربنا افتح بيننا وبين محمد وأصحابه. # ففتح بينهم يوم بدر. وأخرج ms1384 عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن ~~عكرمة، في قوله { إن تستفتحوا } قال إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء ~~في يوم بدر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السندي، في ~~قوله { وإن تنتهوا } قال عن قتال محمد صلى الله عليه وسلم، { وإن ~~تعودوا نعد } قال إن تستفتحوا الثانية أفتح لمحمد { وأن ~~الله مع المؤمنين } قال مع محمد وأصحابه. وأخرج عبد بن حميد، ~~عن قتادة { وإن تعودوا نعد } يقول نعد لكم بالأسر والقتل. ### || [8.20-23] # أمر الله سبحانه المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، ونهاهم عن التولي عن ~~رسوله، فالضمير في { عنه } عائد إلى الرسول، لأن طاعة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هي من طاعة الله، و # من يطع الرسول فقد أطاع الله # النساء 80 ويحتمل أن يكون هذا الضمير راجعا إلى الله وإلى رسوله، كما ~~في قوله # والله ورسوله أحق أن يرضوه # التوبة 62 وقيل الضمير راجع إلى الأمر الذي دل عليه { أطيعوا } ، وأصل ~~تولوا تتولوا، فطرحت إحدى التاءين، هذا تفسير الآية على ظاهر الخطاب ~~للمؤمنين، وبه قال الجمهور. وقيل إنه خطاب للمنافقين، والمعنى يا أيها ~~الذين آمنوا بألسنتهم فقط. قال ابن عطية وهذا وإن كان محتملا على بعد ~~فهو ضعيف جدا، لأن الله وصف من خاطبه في هذه الآية بالإيمان وهو ~~التصديق. والمنافقون لا يتصفون من التصديق بشيء، وأبعد من هذا من قال ~~الخطاب لبني إسرائيل، فإنه أجنبي من الآية. وجملة { وأنتم ~~تسمعون } في محل نصب على الحال، والمعنى وأنتم تسمعون ما يتلى عليكم ~~من الحجج والبراهين وتصدقون بها ولستم كالصم البكم { ولا تكونوا ~~كالذين قالوا سمعنا } وهم المشركون أو المنافقون أو اليهود ~~أو الجميع من هؤلاء، فإنهم يسمعون بآذانهم من غير فهم ولا عمل، فهم كالذي ~~لم يسمع أصلا لأنه لم ينتفع بما سمعه. ثم أخبر سبحانه { إن شر ~~الدواب } أي ما دب على الأرض { عند الله } أي في حكمه { ~~الصم البكم } أي الذين لا يسمعون ولا ينطقون، وصفوا بذلك مع ~~كونهم ممن يسمع وينطق، لعدم انتفاعهم ms1385 بالسمع والنطق { الذين لا ~~يعقلون } ما فيه النفع لهم فيأتونه، وما فيه الضرر عليهم فيجتنبونه، ~~فهم شر الدواب عند الله، لأنها تميز بعض تمييز، وتفرق بين ما ينفعها ~~ويضرها. { ولو علم الله فيهم } أي في هؤلاء الصم البكم { ~~خيرا لأسمعهم } سماعا ينتفعون به، ويتعقلون عنده الحجج ~~والبراهين. قال الزجاج { لاسمعهم } جواب كل ما سألوا عنه. وقيل { ~~لأسمعهم } كلام الموتى الذين طلبوا إحياءهم، لأنهم طلبوا إحياء قصي ~~بن كلاب وغيره ليشهدوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم { ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون } لأنه قد سبق في علمه ~~أنهم لا يؤمنون. وجملة { وهم معرضون } في محل نصب على الحال. وقد ~~أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { وهم لا يسمعون } قال ~~عاصون. وأخرج ابن أبي حاتم، عن علي بن أبي طالب، في قوله { إن شر ~~الدواب عند الله } الآية قال إن هذه الآية نزلت في فلان وأصحاب ~~له. # وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبخاري، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله { إن ~~شر الدواب عند الله } قال هم نفر من قريش من بني عبد الدار. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، في قوله { الصم البكم الذين لا ~~يعقلون } قال لا يتبعون الحق. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، قال ~~نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث وقومه، ولعله المكنى عنه " بفلان " ~~فيما تقدم من قول علي رضي الله عنه. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، ~~عن عروة بن الزبير، في قوله { ولو علم الله فيهم خيرا ~~لأسمعهم } أي لأنفذ لهم قولهم الذي قالوا بألسنتهم، ولكن القلوب ~~خالفت ذلك منهم. وأخرج أبو الشيخ، عن عكرمة، في الآية قال قالوا نحن صم ~~عما يدعونا إليه محمد لا نسمعه، بكم لا نجيبه فيه بتصديق، قتلوا جميعا ~~بأحد، وكانوا أصحاب اللواء يوم أحد. ### || [8.24-25] # الأمر هنا بالاستجابة مؤكد لما سبق من الأمر بالطاعة، ووحد ms1386 الضمير هنا ~~حيث قال { إذا دعاكم } كما وحده في قوله # ولا تتولوا عنه # الأنفال 20 وقد قدمنا الكلام في وجه ذلك، والاستجابة الطاعة. قال أبو ~~عبيدة معنى استجيبوا أجيبوا. وإن كان استجاب يتعدى باللام، وأجاب بنفسه ~~كما في قوله # يقومنا أجيبوا داعى الله # الأحقاف 31، وقد يتعدى استجاب بنفسه كما في قول الشاعر # وداع دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب # { إذا دعاكم لما يحييكم } اللام متعلقة بقوله { ~~استجيبوا } أي استجيبوا لما يحييكم إذا دعاكم، ولا مانع من أن تكون ~~متعلقة " بدعا " أي إذا دعاكم إلى ما فيه حياتكم من علوم الشريعة، فإن ~~العلم حياة، كما أن الجهل موت. فالحياة هنا مستعارة للعلم. قال الجمهور ~~من المفسرين المعنى استجيبوا للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواه ~~ففيه الحياة الأبدية، والنعمة السرمدية. وقيل المراد بقوله { لما ~~يحييكم } الجهاد، فإنه سبب الحياة في الظاهر، لأن العدو إذا لم يغز ~~غزا. ويستدل بهذا الأمر بالاستجابة على أنه يجب على كل مسلم إذا بلغه ~~قول الله أو قول رسوله في حكم من الأحكام الشرعية أن يبادر إلى العمل به ~~كائنا ما كان، ويدع ما خالفه من الرأي وأقوال الرجال. وفي هذه الآية ~~الشريفة أعظم باعث على العمل بنصوص الأدلة، وترك التقيد بالمذاهب، وعدم ~~الاعتداد بما يخالف ما في الكتاب والسنة كائنا ما كان. قوله { ~~واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } قيل ~~معناه بادروا إلى الاستجابة قبل أن لا تتمكنوا منها بزوال القلوب التي ~~تعقلون بها بالموت الذي كتبه الله عليكم. وقيل معناه إنه خاف المسلمون ~~يوم بدر كثرة العدو، فأعلمهم الله أنه يحول بين المرء وقلبه بأن يبدلهم ~~بعد الخوف أمنا، ويبدل عدوهم من الأمن خوفا. وقيل هو من باب التمثيل ~~لقربه سبحانه من العبد كقوله # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # ق 16 ومعناه أنه مطلع على ضمائر القلوب، لا تخفى عليه منها خافية. ~~واختار ابن جرير أن هذا من باب الإخبار من الله عز وجل بأنه أملك لقلوب ms1387 ~~عباده منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يدرك الإنسان شيئا ~~إلا بمشيئته عز وجل. ولا يخفاك أنه لا مانع من حمل الآية على جميع هذه ~~المعاني. { وأنه إليه تحشرون } معطوف على { أن الله ~~يحول بين المرء وقلبه } وأنكم محشورون إليه، وهو مجازيكم ~~بالخير خيرا، وبالشر شرا. قال الفراء ولو استأنفت فكسرت همزة " إنه ~~" لكان صوابا. ولعل مراده أن مثل هذا جائز في العربية. # قوله { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا ~~منكم خاصة } أي اتقوا فتنة تتعدى الظالم فتصيب الصالح والطالح، ~~ولا تختص إصابتها بمن يباشر الظلم منكم. وقد اختلف النحاة في دخول هذه ~~النون المؤكدة في { تصيبن } فقال الفراء هو بمنزلة قولك انزل عن ~~الدابة لا تطرحنك، فهو جواب الأمر بلفظ النهى، أي إن تنزل عنها لا ~~تطرحنك، ومثله قوله تعالى # ادخلوا مسكنكم لا يحطمنكم سليمن ~~وجنوده # النمل 18 أي إن تدخلوا لا يحطمنكم. فدخلت النون لما فيه من معنى الجزاء. ~~وقال المبرد إنه نهى بعد أمر. والمعنى النهي للظالمين، أي لا يقربن ~~الظلم، ومثله ما روى عن سيبويه لا أرينك هاهنا. فإن معناه لا تكن هاهنا، ~~فإن من كان ها هنا رأيته. وقال الجرجاني إن { لا تصيبن } نهي في موضع ~~وصف لفتنة. وقرأ علي، وزيد بن ثابت، وأبي وابن مسعود " لتصيبن " على ~~أن اللام جواب لقسم محذوف، والتقدير اتقوا فتنة والله لتصيبن الذين ~~ظلموا منكم خاصة. فيكون معنى هذه القراءة مخالفا لمعنى قراءة الجماعة، ~~لأنها تفيد أن الفتنة تصيب الظالم خاصة، بخلاف قراءة الجماعة. { ~~واعلموا أن الله شديد العقاب } ، ومن شدة عقابه أنه ~~يصيب بالعذاب من لم يباشر أسبابه، وقد وردت الآيات القرآنية بأنه لا يصاب ~~أحد إلا بذنبه، ولا يعذب إلا بجنايته، فيمكن حمل مافي هذه الآية على ~~العقوبات التي تكون بتسليط العباد بعضهم على بعض. ويمكن أن تكون هذه ~~الآية خاصة بالعقوبات العامة، والله أعلم. ويمكن أن يقال إن الذين لم ~~يظلموا قد تسببوا للعقوبة بأسباب كترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~فتكون الأسباب ms1388 المتعدية للظالم إلى غيره مختصة بمن ترك ما يجب عليه عند ~~ظهور الظلم. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { إذا دعاكم لما ~~يحييكم } قال للحق. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في الآية قال هو هذا القرآن فيه ~~الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة. وأخرج ابن إسحاق، وابن ~~أبي حاتم، عن عروة بن الزبير، في قوله { إذا دعاكم لما ~~يحييكم } أي للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل. وقواكم بها بعد ~~الضعف، ومنعكم بها من العذاب بعد القهر منهم لكم. وقد ثبت في الصحيح من ~~حديث أبي سعيد بن المعلي، قال كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلم أجبه، ثم أتيته فقلت يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال # " ألم يقل الله تعالى { استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم } " # الحديث. وفيه دليل على ما ذكرنا من أن الآية تعم كل دعاء من الله أو من ~~رسوله. # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، والحاكم وصححه من طرق، عن ابن عباس، في قوله { واعلموا أن ~~الله يحول بين المرء وقلبه } قال يحول بين المؤمن وبين ~~الكفر ومعاصي الله. ويحول بين الكافر وبين الإيمان وطاعة الله. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عن الربيع بن أنس، في الآية قال علمه يحول بين المرء وقلبه. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في ~~الآية قال يحول بين المرء وقلبه حتى يتركه لا يعقل. وأخرج عبد بن حميد، ~~عن الحسن، في الآية قال في القرب منه. وأخرج أحمد، والبزار، وابن المنذر، ~~وابن مردويه، وابن عساكر، عن مطرف، قال قلت للزبير يا أبا عبد الله ضيعتم ~~الخليفة حتى قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه. قال الزبير إنا قرأنا على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ms1389 وعثمان { واتقوا ~~فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } ولم ~~نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت فينا حيث وقعت. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ~~الحسن، قال قرأ الزبير { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ~~ظلموا منكم خاصة } قال البلاء والأمر الذي هو كائن. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، عن الحسن، في الآية قال نزلت في علي وعثمان وطلحة ~~والزبير. وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك قال نزلت في أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم خاصة. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن السدي قال نزلت في ~~أهل بدر خاصة، فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا، فكان من المقتولين طلحة ~~والزبير، وهما من أهل بدر. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي في الآية قال تصيب الظالم والصالح عامة. ~~وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد مثله. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في الآية قال ~~هي مثل { يحول بين المرء وقلبه } حتى يتركه لا يعقل. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في الآية قال أمر ~~الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب. وقد ~~وردت الأحاديث الصحيحة الكثيرة بأن هذه الأمة إذا لم يأمروا بالمعروف ~~وينهوا عن المنكر، عمهم الله بعذاب من عنده. ### || [8.26-28] # الخطاب بقوله { واذكروا إذ أنتم قليل } للمهاجرين، أي ~~اذكروا وقت قلتكم، و { مستضعفون } خبر ثان للمبتدأ، والأرض هي ~~أرض مكة، والخطف الأخذ بسرعة، والمراد بالناس مشركو قريش. وقيل فارس ~~والروم { فآواكم } يقال آوى إليه بالمد وبالقصر بمعنى انضم إليه. ~~فالمعنى ضمكم الله إلى المدينة أو إلى الأنصار { وأيدكم بنصره ~~} أي قواكم بالنصر في مواطن الحرب التي منها يوم بدر، أو قواكم ~~بالملائكة يوم بدر { ورزقكم من الطيبات } التي من جملتها ~~الغنائم { لعلكم تشكرون } أي إرادة أن تشكروا هذه النعم، التي ~~أنعم بها عليكم، والخون أصله كما في الكشاف النقص. كما أن الوفاء التمام، ~~ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء، لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت ~~عليه النقصان. ms1390 وقيل معناه الغدر وإخفاء الشيء. ومنه قوله تعالى # يعلم خائنة الاعين # غافر 19 نهاهم الله عن أن يخونوه بترك شيء مما افترضه عليهم، أو يخونوا ~~رسوله بترك شيء مما أمنهم عليه، أو بترك شيء مما سنه لهم، أو يخونوا ~~شيئا من الأمانات التي اؤتمنوا عليها، وسميت أمانات لأنه يؤمن معها من ~~منع الحق، مأخوذة من الأمن. وجملة { وأنتم تعلمون } في محل نصب ~~على الحال، أي وأنتم تعلمون أن ذلك الفعل خيانة، فتفعلون الخيانة عن عمد، ~~أو وأنتم من أهل العلم لا من أهل الجهل. ثم قال { واعلموا أنما ~~أمولكم وأولدكم فتنة } لأنهم سبب الوقوع في كثير من ~~الذنوب، فصاروا من هذه الحيثية محنة يختبر الله بها عباده، وإن كانوا من ~~حيثية أخرى زينة الحياة الدنيا كما في الآية الأخرى { وأن الله ~~عنده أجر عظيم } فآثروا حقه على أموالكم وأولادكم، ليحصل لكم ما ~~عنده من الأجر المذكور. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ~~قتادة، في قوله { واذكروا إذ أنتم قليل } قال كان هذا الحي ~~من العرب أذل الناس ذلا، وأشقاه عيشا، وأجوعه بطونا، وأعراه جلودا، ~~وأبينه ضلالة، من عاش عاش شقيا، ومن مات منهم ردي في النار، يؤكلون ولا ~~يأكلون، لا والله ما نعلم قبيلا من حاضري الأرض يومئذ كان أشر منزلا ~~منهم حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، ~~وجعلهم به ملوكا على رقاب الناس. وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم فاشكروا ~~لله نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله عز ~~وجل. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله { يتخطفكم ~~الناس } قال في الجاهلية بمكة { فآواكم } إلى الإسلام. وأخرج عبد ~~الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن وهب، في ~~قوله { يتخطفكم الناس } قال الناس إذ ذاك فارس والروم. # وأخرج أبو الشيخ، وأبو نعيم، والديلمي، في مسند الفردوس، عن ابن عباس، ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في قوله { واذكروا إذ أنتم ms1391 ~~قليل مستضعفون فى الأرض تخافون أن يتخطفكم ~~الناس } قيل يا رسول الله ومن الناس؟ قال # " أهل فارس " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي في قوله { ~~فآواكم } قال إلى الأنصار بالمدينة { وأيدكم بنصره } قال ~~يوم بدر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن جابر بن عبد الله، ~~أن أبا سفيان خرج من مكة، فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن ~~أبا سفيان بمكان كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا، فاخرجوا إليه واكتموا " # ، فكتب رجل من المنافقين إلى أبي سفيان إن محمدا يريدكم فخذوا حذركم، ~~فأنزل الله { ياأيها الذين ءامنوا لا تخونوا الله ~~والرسول } الآية. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عبد الله بن أبي قتادة، قال نزلت هذه ~~الآية { لا تخونوا الله والرسول } في أبي لبابة بن عبد ~~المنذر، سألوه يوم قريظة ما هذا الأمر؟ فأشار إلى حلقه أنه الذبح، فنزلت. ~~قال أبو لبابة ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله. وأخرج سنيد، ~~وابن جرير، عن الزهري نحوه بأطول منه. وأخرج عبد بن حميد، عن الكلبي أن ~~رسول الله بعث أبا لبابة إلى قريظة وكان حليفا لهم، فأومأ بيده أنه ~~الذبح، فنزلت. وأخرج أبو الشيخ، عن السدي، في هذه الآية أنها نزلت في ~~أبي لبابة، ونسختها الآية التي في براءة # وءاخرون اعترفوا بذنوبهم # التوبة 102. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، ~~في قوله { لا تخونوا الله } قال بترك فرائضه { والرسول } ~~بترك سننه، وارتكاب معصيته { وتخونوا أمنتكم } يقول لا ~~تنقصوها. والأمانة الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد. وأخرج ابن ~~جرير، عن المغيرة بن شعبة، قال نزلت هذه الآية في قتل عثمان. ولعل مراده ~~أن من جملة من يدخل تحت عمومها قتل عثمان. وأخرج أبو الشيخ، عن يزيد بن ~~أبي حبيب، في الآية قال هو الإخلال بالسلاح في المغازي، ولعل مراده أن ms1392 ~~هذا مما يندرج تحت عمومها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن ابن مسعود، قال ما منكم من أحد إلا وهو يشتمل على فتنة، لأن الله يقول ~~{ إنما أمولكم وأولدكم فتنة } فمن استعاذ منكم، ~~فليستعذ بالله من مضلات الفتن. وأخرج هؤلاء عن ابن زيد في الآية قال فتنة ~~الإختبار اختبرهم، وقرأ و # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # الأنبياء 35. ### || [8.29] # جعل سبحانه التقوى شرطا في الجعل المذكور، مع سبق علمه بأنهم يتقون أو ~~لا يتقون جريا على ما يخاطب به الناس بعضهم بعضا. والتقوى اتقاء مخالفة ~~أوامره والوقوع في مناهيه. والفرقان ما يفرق به بين الحق والباطل، ~~والمعنى أنه يجعل لهم من ثبات القلوب، وثقوب البصائر، وحسن الهداية ما ~~يفرقون به بينهما عند الالتباس. وقيل الفرقان المخرج من الشبهات والنجاة ~~من كل ما يخافونه، ومنه قول الشاعر # مالك من طول الأسى فرقان بعد قطين رحلوا وبانوا # ومنه قول الآخر # وكيف أرجو الخلد والموت طالبي وما لي من كأس المنية فرقان # وقال الفراء المراد بالفرقان الفتح والنصر. قال ابن إسحاق الفرقان الفصل ~~بين الحق والباطل، وبمثله قال ابن زيد، وقال السدي الفرقان النجاة، ~~ويؤيد تفسير الفرقان بالمخرج والنجاة. قوله تعالى # ومن يتق الله يجعل له مخرجا # الطلاق 2 وبه قال مجاهد ومالك بن أنس. { ويكفر عنكم ~~سيئاتكم } أي يسترها حتى تكون غير ظاهرة { ويغفر لكم } ما ~~اقترفتم من الذنوب. وقد قيل إن المراد بالسيئات الصغائر، وبالذنوب التي ~~تغفر الكبائر. وقيل المعنى أنه يغفر لهم ما تقدم من الذنوب وما تأخر { ~~والله ذو الفضل العظيم } فهو المتفضل على عباده بتكفير ~~السيئات ومغفرة الذنوب. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~عن ابن عباس، في قوله { يجعل لكم فرقانا } قال هو المخرج. ~~وأخرج ابن جرير عنه، قال هو النجاة. وأخرج ابن جرير، عن عكرمة، مثله. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال هو النصر. ### || [8.30-33] # قوله { وإذ يمكر بك الذين كفروا } الظرف معمول لفعل ~~محذوف، أي واذكر يا ms1393 محمد وقت مكر الكافرين بك، أو معطوف على ما تقدم من ~~قوله { واذكروا } ذكر الله رسوله هذه النعمة العظمى التي أنعم بها ~~عليه، وهي نجاته من مكر الكافرين وكيدهم كما سيأتي بيانه { ليثبتوك ~~} أي يثبتوك بالجراحات، كما قال ثعلب وأبو حاتم، وغيرهما، ومنه قول ~~الشاعر # فقلت ويحكم ما في صحيفتكم قالوا الخليفة أمسى مثبتا وجعا # وقيل المعنى ليحبسوك، يقال أثبته إذا حبسه. وقيل ليوثقوك، ومنه # فشدوا الوثاق # محمد 4. وقرأ الشعبي " ليبيتوك " من البيات. وقرىء «ليثبتوك» بالتشديد { ~~أو يخرجوك } معطوف على ما قبله، أي يخرجوك من مكة التي هي بلدك ~~وبلد أهلك. وجملة { ويمكرون ويمكر الله } مستأنفة. والمكر ~~التدبير في الأمر في خفية. والمعنى أنهم يخفون ما يعدونه لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من المكايد، فيجازيهم الله على ذلك ويرد كيدهم في ~~نحورهم. وسمى ما يقع منه تعالى مكرا مشاكلة، كما في نظائره { والله ~~خير المكرين } أي المجازين لمكر الماكرين بمثل فعلهم، فهو ~~يعذبهم على مكرهم من حيث لا يشعرون، فيكون ذلك أشد ضررا عليهم وأعظم ~~بلاء من مكرهم. قوله { وإذا تتلى عليهم ءايتنا } أي ~~التي تأتيهم بها، وتتلوها عليهم { قالوا } تعنتا وتمردا وبعدا عن ~~الحق { قد سمعنا } ما تتلوه علينا { لو نشاء لقلنا مثل ~~هذا } الذي تلوته علينا. قيل إنهم قالوا هذا توهما منهم أنهم يقدرون ~~على ذلك. فلما راموا أن يقولوا مثله عجزوا عنه. ثم قالوا عنادا وتمردا ~~{ إن هذا إلا أسطير الأولين } أي ما يستطره الوراقون ~~من أخبار الأولين، وقد تقدم بيانه مستوفى. { وإذ قالوا } أي ~~واذكر إذ قالوا { اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك } بنصب الحق على أنه خبر كان، والضمير للفصل، ويجوز الرفع. قال ~~الزجاج ولا أعلم أحدا قرأ بها، ولا اختلاف بين النحويين في إجازتها، ~~ولكن القراءة سنة، والمعنى إن كان القرآن الذي جاءنا به محمد هو الحق، { ~~فأمطر علينا } قالوا هذه المقالة مبالغة في الجحود والإنكار. ~~قال أبو عبيدة يقال أمطر في العذاب، ومطر في الرحمة. وقال في الكشاف قد ~~كثر ms1394 الإمطار في معنى العذاب. { أو ائتنا بعذاب أليم } سألوا ~~أن يعذبوا بالرجم بالحجارة من السماء، أو بغيرها من أنواع العذاب الشديد. ~~فأجاب الله عليهم بقوله { وما كان الله ليعذبهم وأنت } ~~يا محمد { فيهم } موجود، فإنك ما دمت فيهم فهم في مهلة من العذاب الذي ~~هو الاستئصال { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ~~} روي أنهم كانوا يقولون في الطواف غفرانك، أي وما كان الله معذبهم في ~~حال كونهم يستغفرونه. # وقيل المعنى لو كانوا ممن يؤمن بالله ويستغفره لم يعذبهم. وقيل إن ~~الاستغفار راجع إلى المسلمين الذين هم بين أظهرهم، أي وما كان الله ~~ليعذبهم وفيهم من يستغفر من المسلمين، فلما خرجوا من بين أظهرهم عذبهم ~~بيوم بدر وما بعده. وقيل المعنى وما كان الله معذبهم وفي أصلابهم من ~~يستغفر الله. وقد أخرج عبد الرزاق، وأحمد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، ~~والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل، والخطيب، عن ~~ابن عباس، في قوله { وإذ يمكر بك الذين كفروا } قال ~~تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، يريدون ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم بل اقتلوه، وقال بعضهم بل أخرجوه، ~~فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات علي على فراش النبي صلى الله عليه وسلم ~~حتى لحق بالغار، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوه عليا رد الله مكرهم ~~فقالوا أين صاحبك هذا؟ فقال لا أدري، فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل ~~اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج ~~العنكبوت فقالوا لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ~~ليال. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~نعيم، والبيهقي، عن ابن عباس، فذكر القصة بأطول مما هنا. وفيها ذكر الشيخ ~~النجدي أي إبليس ومشورته عليهم عند اجتماعهم في دار الندوة للمشاورة في ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أبا جهل أشار بأن يأخذوا من كل قبيلة ~~من قبائل قريش غلاما، ويعطوا كل واحد منهم سيفا، ثم ms1395 يضربونه ضربة رجل ~~واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل، فقال الشيخ النجدي هذا والله هو ~~الرأي، فتفرقوا على ذلك. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عبيد بن عمير، قال لما ائتمروا بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، قال له عمه أبو طالب هل ~~تدري ما ائتمروا بك؟ قال # " يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني " # ، قال من حدثك بهذا؟ قال # " ربي " # ، قال نعم الرب ربك استوص به خيرا، قال # " أنا أستوصي به؟ بل هو يستوصي بي " # وأخرجه ابن جرير من طريق أخرى عنه. وهذا لا يصح، فقد كان أبو طالب مات ~~قبل وقت الهجرة بسنين. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله ~~{ وإذ يمكر بك الذين كفروا } قال قال عكرمة هي مكية. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عطاء في ~~قوله { ليثبتوك } يعني ليوثقوك. # وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن سعيد بن جبير، قال قتل النبي صلى الله ~~عليه وسلم يوم بدر صبرا عقبة بن أبي معيط، وطعيمة بن عدي، والنضر بن ~~الحارث، وكان المقداد أسر النضر، فلما أمر بقتله قال المقداد يا رسول ~~الله أسيري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إنه كان يقول في كتاب الله ما يقول " # ، قال وفيه أنزلت هذه الآية { وإذا تتلى عليهم ءايتنا } ~~وهذا مرسل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي أنها نزلت في النضر ~~بن الحارث. وأخرج البخاري، وابن أبي حاتم، وابن الشيخ، وابن مردويه، ~~والبيهقي، عن أنس بن مالك قال قال أبو جهل بن هشام { اللهم إن ~~كان هذا هو الحق من عندك } الآية فنزلت { وما كان ~~الله ليعذبهم } الآية. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة، أنها نزلت ~~في أبي جهل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، في الآية، ~~أنها نزلت في النضر بن الحارث. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ ~~عن ms1396 مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير، عن عطاء، نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ~~ابن عباس قال كان المشركون يطوفون بالبيت ويقولون لبيك اللهم لبيك، لا ~~شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، ويقولون غفرانك غفرانك، فأنزل ~~الله { وما كان الله ليعذبهم } الآية. قال ابن عباس، كان ~~فيهم أمانان النبي صلى الله عليه وسلم، والاستغفار، فذهب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وبقي الاستغفار. وأخرج الترمذي وضعفه، عن أبي موسى الأشعري، ~~قال قال النبي صلى الله عليه وسلم # " أنزل الله علي أمانين لأمتي { وما كان الله ليعذبهم } ~~الآية، فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار " # وأخرج أبو الشيخ، والحاكم وصححه، والبهيقي في شعب الإيمان، عن أبي هريرة ~~قال كان فيكم أمانان مضى أحدهما وبقي الآخر، قال { وما كان الله ~~ليعذبهم } الآية. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس ~~نحوه. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، والطبراني وابن مردويه، والحاكم، وابن ~~عساكر، عن أبي موسى الأشعري نحوه أيضا، والأحاديث عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في مطلق الاستغفار كثيرة جدا معروفة في كتب الحديث. ### || [8.34-37] # قوله { وما لهم ألا يعذبهم الله } لما بين سبحانه أن ~~المانع من تعذيبهم هو الأمران المتقدمان وجود رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين ظهورهم، ووقوع الاستغفار. ذكر بعد ذلك أن هؤلاء الكفار، أعني ~~كفار مكة، مستحقون لعذاب الله لما ارتكبوا من القبائح. والمعنى أي شيء ~~لهم يمنع من تعذيبهم؟ قال الأخفش إن «أن» زائدة. قال النحاس لو كان كما ~~قال لرفع { يعذبهم } ، وجملة { وهم يصدون عن المسجد ~~الحرام } في محل نصب على الحال، أي وما يمنع من تعذيبهم؟ والحال أنهم ~~يصدون الناس عن المسجد الحرام، كما وقع منهم عام الحديبية من منع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من البيت، وجملة { وما كانوا ~~أولياءه } في محل نصب على أنها حال من فاعل { يصدون } ، وهذا ~~كالرد لما كانوا يقولونه من أنهم ولاة البيت، وأن أمره ms1397 مفوض إليهم، ثم ~~قال مبينا لمن له ذلك { إن أولياؤه إلا المتقون } أي ~~ما أولياؤه إلا من كان في عداد المتقين للشرك والمعاصي { ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون } ذلك، والحكم على الأكثرين بالجهل يفيد أن ~~الأقلين يعلمون ولكنهم يعاندون. قوله { وما كان صلاتهم عند ~~البيت إلا مكاء وتصدية } المكاء الصفير من مكا يمكو مكاء، ~~ومنه قول عنترة # وخليل غانية تركت مجندلا تمكو فريصته كشدق الأعلم # أي تصوت. ومنه مكت است الدابة إذا نفخت بالريح، قيل المكاء هو الصفير ~~على لحن طائر أبيض بالحجاز يقال له المكاء. قال الشاعر # إذا غرد المكاء في غير دوحة فويل لأهل الشاء والحمرات # والتصدية التصفيق، يقال صدى يصدى تصدية إذا صفق، ومنه قول عمر بن ~~الإطنابة # وظلوا جميعا لهم ضجة مكاء لدى البيت بالتصدية # أي بالتصفيق. وقيل المكاء الضرب بالأيدي، والتصدية الصياح. وقيل المكاء ~~إدخالهم أصابعهم في أفواههم، والتصدية الصفير. وقيل التصدية صدهم عن ~~البيت. قيل والأصل على هذا تصددة، فأبدل من إحدى الدالين ياء. ومعنى ~~الآية أن المشركين كانوا يصفرون ويصفقون عند البيت الذي هو موضع للصلاة ~~والعبادة، فوضعوا ذلك موضع الصلاة، قاصدين به أن يشغلوا المصلين من ~~المسلمين عن الصلاة. وقرىء بنصب " صلاتهم " على أنها خبر كان، وما بعده ~~اسمها. قوله { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } هذا ~~التفات إلى مخاطبة الكفار تهديدا لهم ومبالغة في إدخال الروعة في ~~قلوبهم، والمراد به عذاب الدنيا كيوم بدر وعذاب الآخرة. قوله { إن ~~الذين كفروا ينفقون أمولهم ليصدوا عن سبيل ~~الله } لما فرغ سبحانه من شرح أحوال هؤلاء الكفرة في الطاعات البدنية، ~~أتبعها شرح أحوالهم في الطاعات المالية. والمعنى أن غرض هؤلاء الكفار في ~~إنفاق أموالهم هو الصد عن سبيل الحق، بمحاربة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وجمع الجيوش لذلك، وإنفاق أموالهم عليها، وذلك كما وقع من كفار قريش ~~يوم بدر، ويوم أحد، ويوم الأحزاب. # فإن الرؤساء كانوا ينفقون أموالهم على الجيش، ثم أخبر الله سبحانه عن ~~الغيب على وجه الإعجاز فقال { فسينفقونها } أي سيقع منهم هذا ms1398 ~~الإنفاق { ثم تكون } عاقبة ذلك أن يكون إنفاقهم حسرة عليهم، وكأن ~~ذات الأموال تنقلب حسرة تصير ندما. { ثم } آخر الأمر { يغلبون } ~~كما وعد الله به في مثل قوله # كتب الله لأغلبن أنا ورسلى # المجادلة 21. ومعنى { ثم } في الموضعين إما التراخي في الزمان لما ~~بين الإنفاق المذكور، وبين ظهور دولة الإسلام من الامتداد، وإما التراخي ~~في الرتبة لما بين بذل المال وعدم حصول المقصود من المباينة، ثم قال { ~~والذين كفروا إلى جهنم يحشرون } أي استمروا على ~~الكفر، لأن من هؤلاء الكفار المذكورين سابقا من أسلم وحسن إسلامه، أي ~~يساقون إليها لا إلى غيرها. ثم بين العلة التي لأجلها فعل بهم ما فعله ~~فقال { ليميز الله الخبيث } أي الفريق الخبيث من الكفار { ~~من } الفريق { الطيب } وهم المؤمنون { ويجعل الخبيث ~~بعضه على بعض } أي يجعل فريق الكفار الخبيث بعضه على بعض { ~~فيركمه جميعا } عبارة عن الجمع والضم، أي يجمع بعضهم إلى بعض، ~~ويضم بعضهم إلى بعض حتى يتراكموا لفرط ازدحامهم. يقال ركم الشيء يركمه ~~إذا جمعه وألقى بعضه على بعض. والإشارة بقوله { أولئك } إلى ~~الفريق الخبيث { هم الخسرون } أي الكاملون في الخسران. وقيل ~~الخبيث والطيب صفة للمال، والتقدير يميز المال الخبيث الذي أنفقه ~~المشركون من المال الطيب الذي أنفقه المسلمون، فيضم تلك الأموال الخبيثة ~~بعضها إلى بعض، فيلقيه في جهنم ويعذبهم بها، كما في قوله تعالى # فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم # التوبة 35. قال في الكشاف واللام على هذا متعلقة بقوله { ثم تكون ~~عليهم حسرة } ، وعلى الأول ب { يحشرون } ، و { أولئك } ~~إشارة إلى الذين كفروا. انتهى. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس { ~~وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } ثم استثنى ~~أهل الشرك فقال { وما لهم ألا يعذبهم الله }. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وابن المنذر، عن سعيد بن جبير، في قوله { وما لهم ألا ~~يعذبهم الله } قال عذابهم فتح مكة. وأخرج ابن إسحاق، وأبو حاتم، ~~عن عباد بن عبد الله بن الزبير { وما لهم ألا يعذبهم ~~الله } وهم يجحدون بآيات الله ويكذبون رسله. ms1399 وأخرج ابن إسحاق، وابن ~~أبي حاتم، عن عروة بن الزبير، في قوله { وهم يصدون عن ~~المسجد الحرام } أي من آمن بالله وعبده، أنت ومن اتبعك { وما ~~كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون } الذين ~~يخرجون منه ويقيمون الصلاة عنده، أي أنت ومن آمن بك. # وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { إن أولياؤه إلا ~~المتقون } قال من كانوا حيث كانوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ~~عن سعيد بن جبير، قال كانت قريش يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الطواف، ويستهزئون ويصفرون ويصفقون، فنزلت { وما كان صلاتهم ~~عند البيت إلا مكاء وتصدية }. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، وابن مردويه، والضياء عن ابن عباس، قال كانت قريش يطوفون بالكعبة ~~عراة تصفر وتصفق، فأنزل الله { وما كان صلاتهم عند البيت ~~إلا مكاء وتصدية } قال والمكاء الصفير، إنما شبهوا بصفير ~~الطير، وتصدية التصفيق وأنزل الله فيهم # قل من حرم زينة الله # الأعراف 32. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، نحوه. وأخرج الفريابي، وعبد ~~بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عنه نحوه أيضا. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن ~~مردويه، عن ابن عمر قال المكاء الصفير، والتصدية التصفيق. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، ~~قال المكاء إدخال أصابعهم في أفواههم، والتصدية الصفير، يخلطون بذلك كله ~~على محمد صلى الله عليه وسلم صلاته. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ~~السدي قال المكاء الصفير على نحو طير أبيض يقال له المكاء يكون بأرض ~~الحجاز، والتصدية التصفيق. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن سعيد بن جبير، في قوله { إلا مكاء } قال كانوا يشبكون أصابعهم ~~ويصفرون فيهن { وتصدية } قال صدهم الناس. وأخرج عبد بن حميد، عن ~~عكرمة قال كان المشركون يطوفون بالبيت على الشمال. وهو قوله { وما ~~كان صلاتهم عند ms1400 البيت إلا مكاء وتصدية } فالمكاء ~~مثل نفخ البوق، والتصدية طوافهم على الشمال. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الضحاك في قوله { فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون } قال يعني أهل بدر عذبهم الله ~~بالقتل والأسر. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والبيهقي في الدلائل، كلهم من طريقه، قال حدثني الزهري، ومحمد بن يحيى ~~بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحسين بن عبد الرحمن بن عمرو قالوا ~~لما أصيبت قريش يوم بدر ورجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبد ~~الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، في رجال من قريش ~~أصيب آباؤهم وأبناؤهم، فكلموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك العير من ~~قريش تجارة فقالوا يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم، فأعينوا ~~بهذا المال على حربه فلعلنا أن ندرك منه ثارا. # ففعلوا، ففيهم كما ذكر ابن عباس، أنزل الله { إن الذين كفروا ~~ينفقون أمولهم ليصدوا عن سبيل الله } إلى { ~~والذين كفروا إلى جهنم يحشرون }. وأخرج ابن ~~مردويه، عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية في أبي سفيان بن حرب. وأخرج عبد ~~بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد نحوه. وأخرج هؤلاء وغيرهم عن ~~سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن الحكم بن عتيبة، في الآية قال نزلت في أبي سفيان أنفق على ~~مشركي قريش يوم أحد أربعين أوقية من ذهب، وكانت الوقية يومئذ اثنين ~~وأربعين مثقالا من ذهب. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن شمر بن ~~عطية، في قوله { ليميز الله الخبيث من الطيب } قال يميز ~~يوم القيامة ما كان من عمل صالح في الدنيا، ثم تؤخذ الدنيا بأسرها فتلقى ~~في جهنم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله { ~~فيركمه جميعا } قال يجمعه جميعا. ### || [8.38-40] # أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار هذا ms1401 المعنى. ~~وسواء قاله بهذه العبارة أو غيرها. قال ابن عطية ولو كان كما قال الكسائي ~~إنه في مصحف عبد الله بن مسعود " قل للذين كفروا إن ~~تنتهوا " يعني بالتاء المثناة من فوق، لما تأدت الرسالة إلا بتلك ~~الألفاظ بعينها. وقال في الكشاف أي قل لأجلهم هذا القول، وهو { إن ~~ينتهوا } ولو كان بمعنى خاطبهم، لقيل إن تنتهوا يغفر لكم، وهي قراءة ~~ابن مسعود، ونحوه # وقال الذين كفروا للذين ءامنوا لو كان خيرا ~~ما سبقونا إليه # الأحقاف 11 خاطبوا به غيرهم لأجلهم ليسمعوه، أي إن ينتهوا عما هم عليه ~~من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتاله بالدخول في الإسلام { ~~يغفر لهم ما قد سلف } لهم من العداوة. انتهى. وقيل معناه ~~إن ينتهوا عن الكفر، قال ابن عطية والحامل على ذلك جواب الشرط ب { يغفر ~~لهم ما قد سلف } ، ومغفرة ما قد سلف لا تكون إلا لمنته عن الكفر. وفي هذه ~~الآية دليل على أن الإسلام يجب ما قبله. { وإن يعودوا } إلى ~~القتال والعداوة أو إلى الكفر الذي هم عليه، ويكون العود بمعنى الاستمرار ~~{ فقد مضت سنت الأولين } هذه العبارة مشتملة على الوعيد، ~~والتهديد والتمثيل بمن هلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب الله، أي قد مضت ~~سنة الله فيمن فعل مثل فعل هؤلاء من الأولين من الأمم أن يصيبه بعذاب، ~~فليتوقعوا مثل ذلك. { وقتلوهم حتى لا تكون فتنة } أي ~~كفر. وقد تقدم تفسير هذا في البقرة مستوفى { فإن انتهوا } عما ~~ذكر { فإن الله بما يعملون بصير } لا يخفى عليه ما وقع ~~منهم من الانتهاء { وإن تولوا } عما أمروا به من الانتهاء { ~~فاعلموا } أيها المؤمنون { أن الله مولاكم } أي ناصركم ~~عليهم { نعم المولى ونعم النصير } فمن والاه فاز ومن ~~نصره غلب. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { فقد مضت سنت ~~الأولين } قال في قريش وغيرها يوم بدر، والأمم قبل ذلك. وأخرج أحمد، ~~ومسلم، عن عمرو بن العاص، قال ms1402 لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقلت ابسط يدك فلأبايعك، فبسط يمينه فقبضت يدي، قال # " مالك؟ " # قلت أردت أن أشترط، قال # " تشترط ماذا؟ " # قلت أن تستغفر لي، قال # " أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، ~~وأن الحج يهدم ما كان قبله " # وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها " # وقد فسر كثير من السلف قوله تعالى { فقد مضت سنت الأولين ~~} بما مضى في الأمم المتقدمة من عذاب من قاتل الأنبياء، وصمم على الكفر. ~~وقال السدي ومحمد بن إسحاق المراد بالآية يوم بدر. وفسر جمهور السلف ~~الفتنة المذكورة هنا بالكفر. وقال محمد بن إسحاق بلغني عن الزهري عن عروة ~~ابن الزبير، وغيره من علمائنا { حتى لا تكون فتنة } حتى لا ~~يفتن مسلم عن دينه. ### || [8.41-42] # لما أمر الله سبحانه بالقتال بقوله # وقتلوهم حتى لا تكون فتنة # الأنفال 38 وكانت المقاتلة مظنة حصول الغنيمة، ذكر حكم الغنيمة. ~~والغنيمة قد قدمنا أن أصلها إصابة الغنم من العدو، ثم استعملت في كل ما ~~يصاب منهم، وقد تستعمل في كل ما ينال بسعي. ومنه قول الشاعر # وقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب # ومنه قول الآخر # ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه أنى توجه والمحروم محروم # وأما معنى الغنيمة في الشرع، فحكى القرطبي الاتفاق على أن المراد بقوله ~~تعالى { واعلموا أنما غنمتم من شىء } مال الكفار إذا ظفر ~~بهم المسلمون على وجه الغلبة والقهر. قال ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص، ~~ولكن عرف الشرع قيد اللفظ بهذا النوع. وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع ~~على أن هذه الآية بعد قوله # يسألونك عن الأنفال # الأنفال 1 وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين، وأن قوله { ~~يسألونك عن الأنفال } نزلت حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر ~~على ما تقدم أول السورة. وقيل إنها أعني قوله { يسألونك عن ms1403 ~~الأنفال } محكمة غير منسوخة، وأن الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وليست مقسومة بين الغانمين، وكذلك لمن بعده من الأئمة، حكاه ~~الماوردي عن كثير من المالكية. قالوا وللإمام أن يخرجها عنهم، واحتجوا ~~بفتح مكة وقصة حنين وكان أبو عبيدة يقول افتتح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مكة عنوة ومن على أهلها فردها عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها فيئا. ~~وقد حكى الإجماع جماعة من أهل العلم على أن أربعة أخماس الغنيمة ~~للغانمين. وممن حكى ذلك ابن المنذر، وابن عبد البر، والداودي، والمازري، ~~والقاضي عياض، وابن العربي، والأحاديث الواردة في قسمة الغنيمة بين ~~الغانمين، وكيفيتها كثيرة جدا. قال القرطبي ولم يقل أحد فيما أعلم أن ~~قوله تعالى { يسألونك عن الأنفال } الآية ناسخ لقوله { ~~واعلموا أنما غنمتم من شىء } الآية، بل قال الجمهور إن ~~قوله { واعلموا أنما غنمتم من شىء } ناسخ، وهم الذين لا ~~يجوز عليهم التحريف ولا التبديل لكتاب الله. وأما قصة فتح مكة فلا حجة ~~فيها لاختلاف العلماء في فتحها، قال وأما قصة حنين فقد عوض الأنصار لما ~~قالوا تعطى الغنائم قريشا وتتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم نفسه، فقال ~~لهم # " أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى بيوتكم " # كما في مسلم وغيره. وليس لغيره أن يقول هذا القول، بل ذلك خاص به. قوله ~~{ أنما غنمتم من شىء } يشمل كل شيء يصدق عليه اسم الغنيمة. و ~~{ من شىء } بيان ل " ما " الموصولة، وقد خصص الإجماع من عموم الآية ~~الأسارى، فإن الخيرة فيها إلى الإمام بلا خلاف. # وكذلك سلب المقتول إذا نادى به الإمام. وقيل كذلك الأرض المغنومة. ورد ~~بأنه لا إجماع على الأرض. قوله { فأن لله خمسه } قرأ النخعي " ~~فإن لله " بكسر إن. وقرأ الباقون بفتحها على { أن } أن وما بعدها ~~مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير فحق أو فواجب أن لله خمسه. وقد اختلف ~~العلماء في كيفية قسمة الخمس على أقوال ستة الأول قالت طائفة يقسم الخمس ~~على ستة فيجعل السدس للكعبة، وهو الذي ms1404 لله، والثاني لرسول الله، والثالث، ~~لذوي القربى، والرابع لليتامى، والخامس للمساكين، والسادس لابن السبيل. ~~والقول الثاني قاله أبو العالية والربيع إنها تقسم الغنيمة على خمسة، ~~فيعزل منها سهم واحد ويقسم أربعة على الغانمين، ثم يضرب يده في السهم ~~الذي عزله، فما قبضه من شيء جعله للكعبة، ثم يقسم بقية السهم الذي عزله ~~على خمسة للرسول ومن بعده الآية. القول الثالث روي عن زين العابدين علي ~~بن الحسين أنه قال إن الخمس لنا، فقيل له إن الله يقول { واليتمى ~~والمسكين وابن السبيل } فقال يتامانا ومساكيننا وأبناء ~~سبيلنا. القول الرابع قول الشافعي إن الخمس يقسم على خمسة، وإن سهم الله ~~وسهم رسوله واحد يصرف في مصالح المؤمنين، والأربعة الأخماس على الأربعة ~~الأصناف المذكورة في الآية. القول الخامس قول أبي حنيفة إنه يقسم الخمس ~~على ثلاثة اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وقد ارتفع حكم قرابة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بموته، كما ارتفع حكم سهمه، قال ويبدأ من الخمس ~~بإصلاح القناطر وبناء المساجد وأرزاق القضاة والجند. وروي نحو هذا عن ~~الشافعي. القول السادس قول مالك إنه موكول إلى نظر الإمام واجتهاده، ~~فيأخذ منه بغير تقدير، ويعطى منه الغزاة باجتهاد، ويصرف الباقي في مصالح ~~المسلمين. قال القرطبي، وبه قال الخلفاء الأربعة وبه عملوا، وعليه يدل ~~قوله صلى الله عليه وسلم # " مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم " # ، فإنه لم يقسمه أخماسا ولا أثلاثا، وإنما ذكر ما في الآية من ذكره ~~على وجه التنبيه عليهم، لأنهم من أهم من يدفع إليه. قال الزجاج محتجا ~~لهذا القول قال الله تعالى # يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير ~~فللولدين والأقربين واليتمى والمسكين ~~وابن السبيل # البقرة 215 وجائز بإجماع أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك. قوله ~~{ ولذى القربى } قيل إعادة اللام في ذي القربى دون من بعدهم، ~~لدفع توهم اشتراكهم في سهم النبي صلى الله عليه وسلم. وقد اختلف العلماء ~~في القربى على أقوال الأول أنهم قريش كلها، روي ذلك عن ms1405 بعض السلف، ~~واستدل بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما صعد الصفا جعل يهتف ~~ببطون قريش كلها قائلا # " يا بني فلان يا بني فلان " # وقال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، ومجاهد، وقتادة، وابن جريج، ومسلم ابن ~~خالد هم بنو هاشم وبنو المطلب لقوله صلى الله عليه وسلم # " إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد " # ، وشبك بين أصابعهوهو في الصحيح. وقيل هم بنو هاشم خاصة، وبه قال مالك، ~~والثوري، والأوزاعي، وغيرهم، وهو مروي عن علي بن الحسين، ومجاهد. قوله { ~~إن كنتم آمنتم بالله } قال الزجاج عن فرقة إن المعنى فاعلموا ~~أن الله مولاكم إن كنتم آمنتم بالله. وقالت فرقة أخرى إن { إن } متعلقة ~~بقوله { واعلموا أنما غنمتم } قال ابن عطية وهذا هو الصحيح ~~لأن قوله { واعلموا } يتضمن الأمر بالانقياد والتسليم لأمر الله في ~~الغنائم، فعلق { إن } بقوله { واعلموا } على هذا المعنى، أي إن كنتم ~~مؤمنين بالله فانقادوا وسلموا لأمر الله في الغنائم، فيما أعلمكم به من ~~حال قسمة الغنيمة. وقال في الكشاف إنه متعلق بمحذوف يدل عليه { ~~واعلموا } بمعنى إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن الخمس من الغنيمة ~~يجب التقرب به، فاقطعوا عنه أطماعكم، واقتنعوا بالأخماس الأربعة، وليس ~~المراد بالعلم المجرد، ولكن العلم المضمن بالعمل والطاعة لأمر الله، لأن ~~العلم المجرد يستوي فيه المؤمن والكافر. انتهى. قوله { وما أنزلنا ~~على عبدنا } معطوف على الاسم الجليل أي إن كنتم آمنتم بالله وبما ~~أنزلنا. و { يوم الفرقان } يوم بدر، لأنه فرق بين أهل الحق وأهل ~~الباطل. و { الجمعان } الفريقان من المسلمين والكافرين { والله ~~على كل شيء قدير } ومن قدرته العظيمة نصر الفريق الأقل على ~~الفريق الأكثر. قوله { إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم ~~بالعدوة القصوى } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، بكسر ~~العين في العدوة في الموضعين. وقرأ الباقون بالضم فيهما. و " إذ " بدل ~~من يوم الفرقان، ويجوز أن يكون العامل محذوفا، أي واذكروا إذ أنتم. ~~والعدوة جانب الوادي. والدنيا تأنيث الأدنى، والقصوى تأنيث الأقصى، من ~~دنا يدنو، وقصا يقصو، ويقال القصيا، ms1406 والأصل الواو. وهي لغة أهل الحجاز، ~~والعدوة الدنيا كانت مما يلي المدينة، والقصوى كانت مما يلي مكة. والمعنى ~~وقت نزولكم بالجانب الأدنى من الوادي إلى جهة المدينة، وعدوكم بالجانب ~~الأقصى منه مما يلي مكة. وجملة { والركب أسفل منكم } في محل ~~نصب على الحال، وانتصاب { أسفل } على الظرف، ومحله الرفع على ~~الخبرية، أي والحال أن الركب في مكان أسفل من المكان الذي أنتم فيه. ~~وأجاز الأخفش والكسائي والفراء رفع أسفل على معنى أشد سفلا منكم، ~~والركب جمع راكب، ولا تقول العرب ركب إلا للجماعة الراكبي الإبل، ولا ~~يقال لمن كان على فرس وغيرها ركب. وكذا قال ابن فارس، وحكاه ابن السكيت ~~عن أكثر أهل اللغة. # والمراد بالركب ها هنا ركب أبي سفيان، وهي المراد بالعير، فإنهم كانوا ~~في موضع أسفل منهم مما يلي ساحل البحر. قيل وفائدة ذكر هذه الحالة التي ~~كانوا عليها من كونهم بالعدوة الدنيا وعدوهم بالعدوة القصوى والركب أسفل ~~منهم الدلالة على قوة شأن العدو وشوكته. وذلك لأن العدوة القصوى التي ~~أناخ بها المشركون كان فيها الماء، وكانت أرضا لا يابس بها. وأما العدوة ~~الدنيا فكانت رخوة تسوخ فيها الأقدام ولا ماء بها. وكانت العير وراء ظهر ~~العدو مع كثرة عددهم، فامتن الله على المسلمين بنصرتهم عليهم والحال ~~هذه. قوله { ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعد } أي ~~لو تواعدتم أنتم والمشركون من أهل مكة على أن تلتقوا في هذا الموضع ~~للقتال لخالف بعضكم بعضا. فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد، ~~وثبطهم ما في قلوبهم من المهابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~ولكن } جمع الله بينكم في هذا الموطن { ليقضي الله أمرا ~~كان مفعولا } أي حقيقا بأن يفعل من نصر أوليائه وخذلان أعدائه ~~وإعزاز دينه وإذلال الكفر، فأخرج المسلمين لأخذ العير وغنيمتها عند ~~أنفسهم، وأخرج الكافرين للمدافعة عنها. ولم يكن في حساب الطائفتين أن يقع ~~هذا الاتفاق على هذه الصفة، واللام في { ليقضي } متعلقة بمحذوف، ~~والتقدير جمعهم ليقضي. وجملة { ليهلك من هلك عن بينة ~~ويحيا من حى } بدل من ms1407 الجملة التي قبلها، أي ليموت من يموت عن بينة ~~ويعيش عن بينة لئلا يبقى لأحد على الله حجة. وقيل الهلاك والحياة ~~مستعاران للكفر والإسلام، أي ليصدر إسلام من أسلم عن وضوح بينة، ويقين ~~بأنه دين الحق، ويصدر كفر من كفر عن وضوح بينة لا عن مخالجة شبهة. قرأ ~~نافع، وخلف، وسهل، ويعقوب، والبزي وأبو بكر { من حيي } بياءين على ~~الأصل وقرأ الباقون بياء واحدة على الإدغام، وهي اختيار أبي عبيد لأنها ~~كذلك وقعت في المصحف { وإن الله لسميع عليم } أي سميع بكفر ~~الكافرين عليم به، وسميع بإيمان المؤمنين عليم به. وقد أخرج ابن إسحاق، ~~وابن أبي حاتم، عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال ثم وضع مقاسم الفيء، ~~فقال { واعلموا أنما غنمتم من شىء } بعد الذي كان مضى من ~~بدر { فأن لله خمسه } إلى آخر الآية. وأخرج عبد الرزاق، وابن ~~أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم، ~~عن قيس بن مسلم الجدلي قال سألت الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب ابن ~~الحنفية عن قول الله { واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن ~~لله خمسه } قال هذا مفتاح كلام، لله الدنيا والآخرة { ~~وللرسول ولذى القربى } فاختلفوا بعد وفاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في هذين السهمين. # قال قائل منهم سهم ذي القربى لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ~~قائل منهم سهم ذي القربى لقرابة الخليفة. وقال قائل منهم سهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم للخليفة من بعده. واجتمع رأى أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، ~~فكان ذلك في خلافة أبي بكر وعمر. وأخرج ابن جرير، والطبراني، وأبو الشيخ، ~~وابن مردويه، عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث ~~سرية فغنموا خمس الغنيمة فضرب ذلك في خمسه، ثم قرأ { واعلموا ~~أنما غنمتم } الآية، قال قوله { فأن لله خمسه } مفتاح ~~كلام، لله ما في السموات وما ms1408 في الأرض، فجعل الله سهم الله والرسول ~~واحدا { ولذى القربى } فجعل هذين السهمين قوة في الخيل ~~والسلاح، وجعل سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل لا يعطيه غيرهم، وجعل ~~الأربعة الأسهم الباقية للفرس سهما ولراكبه سهما، وللراجل سهما. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه، قال كانت الغنيمة تقسم على ~~خمسة أخماس فأربعة منها بين من قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة ~~أخماس. فربع لله وللرسول ولذي القربى، يعني قرابة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فما كان لله وللرسول فهو لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ولم يأخذ النبي من الخمس شيئا، والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث ~~للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل، وهو الضيف الفقير الذي ينزل ~~بالمسلمين. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~عن أبي العالية، في قوله { واعلموا أنما غنمتم من شىء } ~~الآية قال كان يجاء بالغنيمة فتوضع، فيقسمها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على خمسة أسهم، فيعزل سهما منها، ويقسم أربعة أسهم بين الناس، يعني ~~لمن شهد الوقعة، ثم يضرب بيده في جميع السهم الذي عزله، فما قبض عليه من ~~شيء جعله للكعبة، فهو الذي سمى الله لا تجعلوا لله نصيبا، فإن لله ~~الدنيا والآخرة ثم يعمد إلى بقية السهم فيقسمه على خمسة أسهم سهم للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، وسهم لذي القربى وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم ~~لابن السبيل. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، قال كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يجعل سهم الله في السلاح والكراع وفي سبيل الله وفي كسوة ~~الكعبة وطيبها وما تحتاج إليه الكعبة، ويجعل سهم الرسول في الكراع ~~والسلاح ونفقة أهله، وسهم ذي القربى لقرابته، يضعه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيهم مع سهمهم مع الناس، ولليتامى والمساكين وابن السبيل ثلاثة ~~أسهم يضعها رسول الله فيمن شاء حيث شاء، ليس لبني عبد المطلب في هذه ~~الثلاثة الأسهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم مع سهام الناس. # وأخرج ابن أبي حاتم ms1409 عن حسين المعلم قال سألت عبد الله بن بريدة عن قوله ~~{ فأن لله خمسه وللرسول } فقال الذي لله لنبيه، والذي ~~للرسول لأزواجه. وأخرج الشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، ومسلم، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ~~ابن عباس، أن نجدة كتب إليه يسأله عن ذوي القربى الذين ذكر الله، فكتب ~~إليه إنا كنا نرى أناهم فأبى ذلك علينا قومنا، وقالوا قريش كلها ذوو ~~قربى، وزيادة قوله وقالوا قريش كلها تفرد بها أبو معشر. وفيه ضعف. وأخرج ~~ابن أبي شيبة، وابن المنذر، من وجه آخر عن ابن عباس أن نجدة الحروري أرسل ~~إليه يسأله عن سهم ذي القربى، ويقول لمن تراه؟ فقال ابن عباس هو لقربى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وقد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضا رأيناه دون حقنا فرددناه عليهم ~~وأبينا أن نقبله، وكان عرض عليهم أن يعين ناكحهم وأن يقضي عن غارمهم، وأن ~~يعطي فقيرهم، وأبى أن يزيدهم على ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس ~~قال رغبت لكم عن غسالة الأيدي، لأن لكم في خمس الخمس ما يكفيكم أو ~~يغنيكم. رواه ابن أبي حاتم عن إبراهيم بن مهدي المصيصي حدثنا المعتمر بن ~~سليمان عن أبيه عن حنش عن عكرمة عنه مرفوعا. قال ابن كثير هذا حديث حسن ~~الإسناد، وإبراهيم بن مهدي هذا وثقه أبو حاتم. وقال يحيى بن معين يأتي ~~بمناكير. أخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن الزهري وعبد الله بن أبي ~~بكر، عن جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم سهم ذوي القربى ~~من خيبر على بني هاشم وبني المطلب. قال فمشيت أنا وعثمان بن عفان حتى ~~دخلنا عليه، فقلنا يا رسول الله هؤلاء إخوانك من بني هاشم لا ننكر فضلهم ~~لمكانك منهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم دوننا، فإنما نحن وهم ~~بمنزلة واحدة في النسب؟ فقال # " إنهم لم يفارقونا في الجاهلية ms1410 والإسلام " # وقد أخرجه مسلم في صحيحه. وأخرج ابن مرديه، عن زيد بن أرقم قال آل محمد ~~الذين أعطوا الخمس آل علي، وآل العباس، وآل جعفر، وآل عقيل. وأخرج ابن ~~مردويه، عن ابن عباس قال كان للنبي صلى الله عليه وسلم شيء واحد من ~~المغنم يصطفيه لنفسه، إما خادم وإما فرس، ثم يصيب بعد ذلك من الخمس. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وابن مردويه، عن علي قال قلت يا رسول الله ألا ~~وليتني ما خصنا الله به من الخمس؟ فولانيه. # وأخرج الحاكم وصححه عنه قال ولاني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس ~~الخمس فوضعته مواضعه حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، ~~في قوله { يوم الفرقان } قال هو يوم بدر، وبدر ما بين مكة ~~والمدينة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، ~~وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس، في قوله { يوم ~~الفرقان } قال هو يوم بدر فرق الله فيه بين الحق والباطل. وأخرج ابن ~~مردويه، عن علي بن أبي طالب، قال كانت ليلة الفرقان ليلة التقى الجمعان ~~في صبيحتها ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان. وأخرجه عنه ابن جرير ~~أيضا. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في ~~قوله { إذ أنتم بالعدوة الدنيا } قال العدوة الدنيا شاطىء ~~الوادي { والركب أسفل منكم }. قال أبو سفيان. وأخرج ابن ~~المنذر عن عكرمة قال العدوة الدنيا شفير الوادي الأدنى، والعدوة القصوى ~~شفير الوادي الأقصى. ### || [8.43-44] # " إذ " منصوب بفعل مقدر، أي اذكر أو هو بدل ثان من يوم الفرقان. ~~والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم رآهم في منامه قليلا، فقص ذلك على ~~أصحابه، فكان ذلك سببا لثباتهم. ولو رآهم في منامه كثيرا، لفشلوا ~~وجبنوا عن قتالهم وتنازعوا في الأمر، هل يلاقونهم أم لا؟ { ولكن ~~الله سلم } أي سلمهم وعصمهم من الفشل والتنازع، فقللهم في عين ~~رسول الله صلى ms1411 الله عليه وسلم في المنام. وقيل عني بالمنام محل النوم، ~~وهو العين، أي في موضع منامك وهو عينك، روي ذلك عن الحسن. قال الزجاج هذا ~~مذهب حسن، ولكن الأول أسوغ في العربية لقوله { وإذ يريكموهم ~~إذ التقيتم فى أعينكم قليلا ويقللكم فى ~~أعينهم } فدل بهذا على أن هذه رؤية الالتقاء، وأن تلك رؤية النوم. ~~قوله { وإذ يريكموهم } الظرف منصوب بمضمر معطوف على الأول، أي ~~واذكروا وقت إراءتكم إياهم حال كونهم قليلا، حتى قال القائل من المسلمين ~~لآخر أتراهم سبعين؟ قال هم نحو المائة. وقلل المسلمين في أعين المشركين ~~حتى قال قائلهم إنما هم أكلة جزور، وكان هذا قبل القتال، فلما شرعوا فيه ~~كثر الله المسلمين في أعين المشركين، كما قال في آل عمران # يرونهم مثليهم رأى العين # آل عمران 13، ووجه تقليل المسلمين في أعين المشركين هو أنهم إذا رأوهم ~~قليلا أقدموا على القتال غير خائفين، ثم يرونهم كثيرا فيفشلون، وتكون ~~الدائرة عليهم، ويحل بهم عذاب الله وسوط عقابه. واللام في { ليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا } متعلقة بمحذوف كما سبق مثله قريبا. ~~وإنما كرره لاختلاف المعلل به { وإلى الله ترجع الأمور } ~~كلها يفعل فيها ما يريد ويقضي في شأنها ما يشاء. وقد أخرج عبد الرزاق، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله { إذ ~~يريكهم الله فى منامك قليلا } قال أراه الله إياهم في ~~منامه قليلا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك فكان ذلك ~~تثبيتا لهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله { ~~ولو أراكهم كثيرا لفشلتم } يقول لجبنتم { ~~ولتنزعتم فى الأمر } قال لاختلفتم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ~~ابن عباس، في قوله { ولكن الله سلم } أي أتم، وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم، عنه { ولكن الله سلم } يقول سلم لهم ~~أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن مسعود، في قوله { وإذ ~~يريكموهم } الآية قال لقد قلوا في أعيننا يوم ms1412 بدر حتى قلت لرجل إلى ~~جنبي تراهم سبعين؟ قال لا بل هم مائة، حتى أخذنا رجلا منهم، فسألناه قال ~~كنا ألفا. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة، في الآية قال حضض ~~بعضهم على بعض. قال ابن كثير إسناده صحيح. وأخرج ابن إسحاق عن عباد بن ~~عبد الله بن الزبير في قوله { ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا } أي ليلقي بينهم الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه، ~~والإنعام على من أراد النعمة عليه من أهل ولايته. ### || [8.45-49] # قوله { إذا لقيتم فئة } اللقاء. الحرب، والفئة الجماعة، أي إذا ~~حاربتم جماعة من المشركين { فاثبتوا } لهم ولا تجبنوا عنهم، وهذا لا ~~ينافي الرخصة المتقدمة في قوله { إلا متحرفا لقتال أو ~~متحيزا إلى فئة } الأنفال 16 فإن الأمر بالثبات هو في حال ~~السعة، والرخصة هي في حال الضرورة. وقد لا يحصل الثبات إلا بالتحرف ~~والتحيز { واذكروا الله } أي اذكروا الله عند جزع قلوبكم، فإن ~~ذكره يعين على الثبات في الشدائد وقيل المعنى اثبتوا بقلوبكم واذكروا ~~بألسنتكم فإن القلب قد يسكن عند اللقاء ويضطرب اللسان، فأمرهم بالذكر حتى ~~يجتمع ثبات القلب واللسان. قيل وينبغي أن يكون الذكر في هذه الحالة بما ~~قاله أصحاب طالوت # ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا ~~على القوم الكفرين # البقرة 250. وفي الآية دليل على مشروعية الذكر في جميع الأحوال، حتى في ~~هذه الحالة التي ترجف فيها القلوب، وتزيغ عندها البصائر، ثم أمرهم بطاعة ~~الله فيما يأمرهم به وطاعة رسوله فيما يرشدهم إليه، ونهاهم عن التنازع ~~وهو الاختلاف في الرأي، فإن ذلك يتسبب عنه الفشل، وهو الجبن في الحرب. ~~والفاء جواب النهي، والفعل منصوب بإضمار أن، ويجوز أن يكون الفعل معطوفا ~~على { تنازعوا } مجزوما بجازمه. قوله { وتذهب ريحكم } قرىء ~~بنصب الفعل، وجزمه عطفا على تفشلوا على الوجهين، والريح القوة والنصر، ~~كما يقال الريح لفلان إذا كان غالبا في الأمر. وقيل الريح الدولة، شبهت ~~في نفوذ أمرها بالريح في هبوبها، ومنه قول الشاعر # إذ هبت رياحك فاغتنمها فعقبى كل خافقة سكون # وقيل ms1413 المراد بالريح ريح الصبا، لأن بها كان ينصر النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ثم أمرهم بالصبر على شدائد الحرب، وأخبرهم بأنه مع الصابرين في كل ~~أمر ينبغي الصبر فيه، ويا حبذا هذه المعية التي لا يغلب من رزقها غالب، ~~ولا يؤتى صاحبها من جهة من الجهات، وإن كانت كثيرة، ثم نهاهم عن أن تكون ~~حالتهم كحالة هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس، وهم قريش. ~~فإنهم خرجوا يوم بدر ليحفظوا العير التي مع أبي سفيان، ومعهم القيان ~~والمعازف، فلما بلغوا الجحفة بلغهم أن العير قد نجت وسلمت، فلم يرجعوا بل ~~قالوا لا بد لهم من الوصول إلى بدر ليشربوا الخمر، وتغني لهم القيان، ~~وتسمع العرب بمخرجهم، فكان ذلك منهم بطرا وأشرا وطلبا للثناء من ~~الناس، وللتمدح إليهم، والفخر عندهم، وهو الرياء وقيل والبطر في اللغة ~~التقوي بنعم الله على معاصيه، وهو مصدر في موضع الحال، أي خرجوا بطرين ~~مرائين. وقيل هو مفعول له وكذا رياء، أي خرجوا للبطر والرياء. وقوله { ~~ويصدون } معطوف على بطرا، والمعنى كما تقدم، أي خرجوا بطرين ~~مرائين صادين عن سبيل الله، أو للصد عن سبيل الله. # والصد إضلال الناس والحيلولة بينهم وبين طرق الهداية. ويجوز أن يكون و ~~{ يصدون } معطوفا على يخرجون، والمعنى يجمعون بين الخروج على تلك الصفة ~~والصد { والله بما يعملون محيط } لا تخفى عليه من أعمالهم ~~خافية، فهو مجازيهم عليها. قوله { وإذ زين لهم الشيطن ~~أعملهم } الظرف متعلق بمحذوف، أي واذكر يا محمد وقت تزيين ~~الشيطان لهم أعمالهم، والتزيين التحسين، وقد روي أن الشيطان تمثل لهم ~~وقال لهم تلك المقالة، وهي { لا غالب لكم اليوم من الناس ~~وإني جار لكم } أي مجير لكم من كل عدو أو من بني كنانة، ومعنى ~~الجار هنا الدافع عن صاحبه أنواع الضرر، كما يدفع الجار عن الجار، وكان ~~في صورة سراقة بن مالك بن جشعم، وهو من بني بكر بن كنانة، وكانت قريش ~~تخاف من بني بكر أن يأتوهم من ورائهم. وقيل المعنى إنه ألقى في ms1414 روعهم هذه ~~المقالة، وخيل إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون { فلما تراءت ~~الفئتان } أي فئة المسلمين والمشركين { نكص على عقبيه } ~~أي رجع القهقري، ومنه قول الشاعر # ليس النكوص على الأعقاب مكرمة إن المكارم إقدام على الأمل # وقول الآخر # وما نفع المستأخرين نكوصهم ولا ضر أهل السابقات التقدم # وقيل معنى نكص هاهنا بطل كيده وذهب ما خيله { وقال إني برىء ~~منكم } أي تبرأ منهم لما رأى أمارات النصر مع المسلمين بإمداد الله ~~لهم بالملائكة، ثم علل ذلك بقوله { إنى أرى مالا ترون } يعني ~~الملائكة، ثم علل بعلة أخرى فقال { إنى أخاف الله } قيل خاف أن ~~يصاب بمكروه من الملائكة الذين حضروا الوقعة وقيل إن دعوى الخوف كذب منه، ~~ولكنه رأى أنه لا قوة له ولا للمشركين فاعتل بذلك، وجملة { والله ~~شديد العقاب } يحتمل أن تكون من تمام كلام إبليس، ويحتمل أن تكون ~~كلاما مستأنفا من جهة الله سبحانه. قوله { إذ يقول ~~المنفقون } الظرف معمول لفعل محذوف هو اذكر، ويجوز أن يتعلق بنكص ~~أو بزين أو بشديد العقاب. قيل المنافقون هم الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا ~~الكفر { والذين في قلوبهم مرض } هم الشاكون من غير نفاق، ~~بل لكونهم حديثي عهد بالإسلام، فوافقوا المنافقين في قولهم بهذه المقالة، ~~أعني { غر هؤلاء } أي المسلمين { دينهم } حتى تكلفوا ما لا ~~طاقة لهم به من قتال قريش. وقيل الذين في قلوبهم مرض هم المشركون، ولا ~~يبعد أن يراد بهم اليهود الساكنون في المدينة وما حولها، وأنهم هم ~~والمنافقون من أهل المدينة، قالوا هذه المقالة عند خروج المسلمين إلى بدر ~~لما رأوهم في قلة من العدد وضعف من العدد، فأجاب الله عليهم بقوله { ~~ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز } لا يغلبه ~~غالب، ولا يذل من توكل عليه { حكيم } له الحكمة البالغة التي تقصر ~~عندها العقول. # وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله { ~~واذكروا الله } قال افترض الله ذكره عند أشغل ما يكونون عند ~~الضراب بالسيوف. وأخرج الحاكم وصححه، عن سهل بن ms1415 سعد، قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " ثنتان لا يردان الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضا " # وأخرج الحاكم وصححه، عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يكره الصوت عند القتال. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~قتادة، في قوله { ولا تنزعوا فتفشلوا وتذهب ~~ريحكم } يقول لا تختلفوا فتجبنوا ويذهب نصركم. وأخرج الفريابي، وابن ~~أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد ~~في قوله { وتذهب ريحكم } قال نصركم. وقد ذهب ريح أصحاب محمد حين ~~نازعوه يوم أحد. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله ~~{ ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديرهم } الآية، يعني ~~المشركين الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر. وأخرج ابن ~~جرير، عن محمد بن كعب القرظي قال لما خرجت قريش من مكة إلى بدر خرجوا ~~بالقيان والدفوف، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~المنذر، عن مجاهد، في الآية قال أبو جهل وأصحابه يوم بدر. وأخرج ابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في الآية قال كان مشركو ~~قريش الذين قاتلوا نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر خرجوا ولهم بغي ~~وفخر، وقد قيل لهم يومئذ ارجعوا فقد انطلقت عيركم وقد ظفرتم، فقالوا لا ~~والله حتى يتحدث أهل الحجاز بمسيرنا وعددنا، وذكر لنا أن نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم قال يومئذ # " اللهم إن قريشا قد أقبلت بفخرها وخيلائها لتجادل رسولك " # وذكر لنا أنه صلى الله عليه وسلم قال يومئذ # " جاءت من مكة أفلاذها ". # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في ~~الدلائل، عن ابن عباس، قال جاء إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في ~~صورة رجال من بني مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال ~~الشيطان { لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار ~~لكم } وأقبل جبريل على إبليس، فلما رآه ms1416 وكانت يده في يد رجل من ~~المشركين انتزع إبليس يده وولى مدبرا وشيعته، فقال الرجل يا سراقة إنك ~~جار لنا فقال { إني أرى ما لا ترون } وذلك حين رأى الملائكة { ~~إني أخاف الله والله شديد العقاب } قال ولما دنا ~~القوم بعضهم من بعض قلل الله المسلمين في أعين المشركين، وقلل المشركين ~~في أعين المسلمين، فقال المشركون وما هؤلاء؟ غر هؤلاء دينهم، وإنما ~~قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم، وظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك، ~~فقال الله { ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز ~~حكيم }. # وأخرج الطبراني، وأبو نعيم، عن رفاعة بن رافع الأنصاري، قال لما رأى ~~إبليس ما تفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص القتل إليه فتشبث ~~به الحارث بن هشام، وهو يظن أنه سراقة بن مالك، فوكز في صدر الحارث، ~~فألقاه ثم خرج هاربا حتى ألقى نفسه في البحر، ورفع يديه فقال اللهم إني ~~أسألك نظرتك إياي. وأخرج الواقدي وابن مردويه، عن ابن عباس نحوه. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله { إني أرى ما لا ~~ترون } قال ذكر لنا أنه رأى جبريل تنزل معه الملائكة، فعلم عدو الله ~~أنه لا يدان له بالملائكة، وقال { إنى أخاف الله } وكذب عدو ~~الله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له به ولا منعة له. وأخرج ~~عبد الرزاق، وابن المنذر، عن معمر قال ذكروا أنهم أقبلوا على سراقة بن ~~مالك بعد ذلك، فأنكر أن يكون قال شيئا من ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ~~ابن عباس، في قوله { إذ يقول المنفقون } قال وهم يومئذ في ~~المسلمين. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن، في ~~قوله { والذين في قلوبهم مرض } قال هم قوم لم يشهدوا ~~القتال يوم بدر فسموا منافقين. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن الكلبي ~~في قوله { والذين في قلوبهم مرض } قال هم قوم كانوا أقروا ~~بالإسلام، وهم بمكة ثم خرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا المسلمين ~~قالوا ms1417 { غر هؤلاء دينهم }. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ~~الشعبي نحوه. ### || [8.50-54] # قوله { ولو ترى } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من ~~يصلح له كما تقدم تحقيقه في غير موضع. والمعنى ولو رأيت، لأن " لو " ~~تقلب المضارع ماضيا، و " إذ " ظرف لترى، والمفعول محذوف، أي ولو ترى ~~الكافرين وقت توفي الملائكة لهم. قيل أراد بالذين كفروا من لم يقتل يوم ~~بدر. وقيل هي فيمن قتل ببدر وجواب " لو " محذوف تقديره لرأيت أمرا ~~عظيما. وجملة { يضربون وجوههم } في محل نصب على الحال، ~~والمراد بأدبارهم أستاههم، كنى عنها بالأدبار. وقيل ظهورهم. قيل هذا ~~الضرب يكون عند الموت كما يفيده ذكر التوفي. وقيل هو يوم القيامة حين ~~يسيرون بهم إلى النار. قوله { وذوقوا عذاب الحريق } قاله ~~الفراء، المعنى ويقولون ذوقوا عذاب الحريق، والجملة معطوفة على يضربون. ~~وقيل إنه يقول لهم هذه المقالة خزنة جهنم، والذوق قد يكون محسوسا، وقد ~~يوضع موضع الابتلاء والاختبار، وأصله من الذوق بالضم، والإشارة بقوله { ~~ذلك } إلى ما تقدم من الضرب والعذاب والباء في { بما قدمت ~~أيديكم } سببية، أي ذلك واقع بسبب ما كسبتم من المعاصي، واقترفتم من ~~الذنوب. وجملة { وأن الله ليس بظلم للعبيد } في ~~محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي والأمر أنه لا يظلمهم، ويجوز أن ~~تكون معطوفة على الجملة الواقعة خبرا لقوله { ذلك } وهي { بما ~~قدمت أيديكم } أي ذلك العذاب بسبب المعاصي، وبسبب { أن ~~الله ليس بظلم للعبيد } لأنه سبحانه قد أرسل إليهم ~~رسله، وأنزل عليهم كتبه، وأوضح لهم السبيل، وهداهم النجدين كما قال ~~سبحانه # وما ظلمنهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # النحل 118. قوله { كدأب ءال فرعون } لما ذكر الله سبحانه ما ~~أنزله بأهل بدر أتبعه بما يدل على أن هذه سنته في فرق الكافرين. والدأب ~~العادة، والكاف في محل الرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف، أي دأب هؤلاء مثل ~~دأب آل فرعون { والذين من قبلهم } ، والمعنى أنه جوزي هؤلاء ~~كما جوزي أولئك، فكانت العادة في عذاب هؤلاء كالعادة الماضية لله في ~~تعذيب ms1418 طوائف الكفر، وجملة قوله { كفروا بئايت الله } مفسرة ~~لدأب آل فرعون، أي دأبهم هذا هو أنهم كفروا بآيات الله، فتسبب عن كفرهم ~~أخذ الله سبحانه لهم، والمراد بذنوبهم معاصيهم المترتبة على كفرهم، فيكون ~~الباء في { بذنوبهم } للملابسة، أي فأخذهم متلبسين بذنوبهم غير تائبين ~~عنها، وجملة { إن الله قوى شديد العقاب } معترضة مقررة ~~لمضمون ما قبلها. والإشارة بقوله { ذلك } إلى العقاب الذي أنزله الله ~~بهم، وهو مبتدأ وخبره ما بعده، والجملة جارية مجرى التعليل لما حل بهم ~~من عذاب الله. # والمعنى أن ذلك العقاب بسبب أن عادة الله في عباده عدم تغيير نعمه التي ~~ينعم بها عليهم { حتى يغيروا ما بأنفسهم } من الأحوال ~~والأخلاق بكفران نعم الله وغمط إحسانه وإهمال أوامره ونواهيه، وذلك كما ~~كان من آل فرعون ومن قبلهم ومن قريش ومن يماثلهم من المشركين، فإن الله ~~فتح لهم أبواب الخيرات في الدنيا ومن عليهم بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، ~~فقابلوا هذه النعم بالكفر فاستحقوا تغيير النعم، كما غيروا ما كان يجب ~~عليهم سلوكه، والعمل به من شكرها وقبولها، وجملة { وأن الله ~~سميع عليم } معطوفة على { بأن الله لم يك مغيرا ~~نعمة } داخلة معها في التعليل، أي ذلك بسبب أن الله لم يك مغيرا، ~~إلخ. وبسبب أن الله سميع عليم يسمع ما يقولونه ويعلم ما يفعلونه. وقرىء ~~بكسر الهمزة على الاستئناف. ثم كرر ما تقدم، فقال { كدأب ءال ~~فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيت ربهم } ~~لقصد التأكيد مع زيادة أنه كالبيان للأخذ بالذنوب بأنه كان بالإغراق، ~~وقيل إن الأول باعتبار ما فعله آل فرعون ومن شبه بهم، والثاني باعتبار ~~ما فعل بهم. وقيل المراد بالأول كفرهم بالله، والثاني تكذيبهم الأنبياء. ~~وقيل غير ذلك مما لا يخلو عن تعسف، والكلام في { أهلكنهم ~~بذنوبهم } كالكلام المتقدم في { فأخذهم الله بذنوبهم } { ~~وأغرقنا آل فرعون } معطوف على أهلكناهم، عطف الخاص على العام، ~~لفظاعته وكونه من أشد أنواع الإهلاك، ثم حكم على كلا الطائفتين من آل ~~فرعون والذين من قبلهم، ومن كفار قريش بالظلم لأنفسهم، بما ms1419 تسببوا به ~~لعذاب الله من الكفر بالله وآياته ورسله، وبالظلم لغيرهم، كما كان يجري ~~منهم في معاملاتهم للناس بأنواع الظلم. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك ~~في قوله { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ~~الملائكة } قال الذين قتلهم الله ببدر من المشركين. وأخرج ابن ~~جرير، عن الحسن، قال قال رجل يا رسول الله إني رأيت بظهر أبي جهل مثل ~~الشوك قال # " ذلك ضرب الملائكة " # وهذا مرسل. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن مجاهد، في قوله { وأدبرهم } قال وأستاههم، ولكن الله ~~كريم يكنى. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي في قوله { ذلك ~~بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم } قال نعمة الله محمد صلى الله ~~عليه وسلم أنعم الله به على قريش فكفروا فنقله الله إلى الأنصار. ### || [8.55-60] # قوله { إن شر الدواب } أي شر ما يدب على وجه الأرض { عند ~~الله } أي في حكمه { الذين كفروا } أي المصرون على الكفر ~~المتمادون في الضلال. ولهذا قال { فهم لا يؤمنون } أي إن هذا ~~شأنهم لا يؤمنون أبدا، ولا يرجعون عن الغواية أصلا، وجعلهم شر الدواب ~~لا شر الناس إيماء إلى انسلاخهم عن الإنسانية، ودخولهم في جنس غير الناس ~~من أنواع الحيوان لعدم تعقلهم لما فيه رشادهم. قوله { الذين ~~عهدت منهم } بدل من الذين كفروا أو عطف بيان أو في محل نصب ~~على الذم. والمعنى أن هؤلاء الكافرين الذين هم شر الدواب عند الله هم ~~هؤلاء الذين عاهدت منهم، أي أخذت منهم عهدهم، ثم هم { ينقضون ~~عهدهم } الذي عاهدتهم { في كل مرة } من مرات المعاهدة، ~~والحال أنهم { لا يتقون } النقض، ولا يخافون عاقبته ولا يتجنبون ~~أسبابه. وقيل إن " من " في قوله { منهم } للتبعيض، ومفعول عاهدت ~~محذوف، أي الذين عاهدتهم، وهم بعض أولئك الكفرة يعني الأشراف منهم، وعطف ~~المستقبل وهو { ثم ينقضون } على الماضي، وهو { عاهدت } للدلالة على ~~استمرار النقض منهم، وهؤلاء هم قريظة، عاهدهم رسول الله صلى الله عليه ms1420 ~~وسلم أن لا يعينوا الكفار فلم يفوا بذلك كما سيأتي، ثم أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالشدة والغلظة عليهم، فقال { فإما تثقفنهم ~~فى الحرب فشرد بهم من خلفهم } أي فإما تصادفنهم في ~~ثقاف، وتلقاهم في حالة تقدر عليهم فيها، وتتمكن من غلبهم { فشرد ~~بهم من خلفهم } أي ففرق بقتلهم والتنكيل بهم من خلفهم من ~~المحاربين لك من أهل الشرك حتى يهابوا جانبك، ويكفوا عن حربك مخافة أن ~~ينزل بهم ما نزل بهؤلاء. والثقاف في أصل اللغة ما يشد به القناة أو ~~نحوها، ومنه قول النابغة # تدعو قعيبا وقد غض الحديد بها غض الثقاف على ضم الأنابيب # يقال ثقفته وجدته، وفلان ثقف سريع الوجود لما يحاوله، والتشريد التفريق ~~مع الاضطراب. وقال أبو عبيدة { شرد بهم } سمع بهم. وقال الزجاج افعل ~~بهم فعلا من القتل تفرق به من خلفهم، يقال شردت بني فلان قلعتهم عن ~~مواضعهم وطردتهم عنها حتى فارقوها. قال الشاعر # أطوف في الأباطح كل يوم مخافة أن يشردني حكيم # ومنه شرد البعير إذا فارق صاحبه، وروي عن ابن مسعود أنه قرأ " فشرد ~~بهم " بالذال المعجمة. قال قطرب التشريذ بالذال المعجمة هو التنكيل، ~~وبالمهملة هو التفريق. وقال المهدوي الذال المعجمة لا وجه لها إلا أن ~~تكون بدلا من الدال المهملة لتقاربهما، قال ولا يعرف فشرذ في اللغة، ~~وقرىء " من خلفهم " بكسر الميم والفاء. # قوله { وإما تخافن من قوم خيانة } أي غشا ونقضا ~~للعهد من القوم المعاهدين { فانبذ إليهم } أي فاطرح إليهم العهد ~~الذي بينك وبينهم { على سواء } على طريق مستوية. والمعنى أنه يخبرهم ~~إخبارا ظاهرا مكشوفا بالنقض، ولا يناجزهم الحرب بغتة، وقيل معنى { ~~على سواء } على وجه يستوي في العلم بالنقض أقصاهم وأدناهم، أو تستوي ~~أنت وهم فيه. قال الكسائي السواء العدل، وقد يكون بمعنى الوسط، ومنه قوله # فى سواء الجحيم # الصافات 55، ومنه قول حسان # يا ويح أنصار النبي ورهطه بعد المغيب في سواء الملحد # ومن الأول قول الشاعر # فاضرب وجوه الغدر الأعداء حتى يجيبوك إلى سواء # وقيل معنى ms1421 { فانبذ إليهم على سواء } على جهر لا على سر، ~~والظاهر أن هذه الآية عامة في كل معاهد يخاف من وقوع النقض منه. قال ابن ~~عطية والذي يظهر من ألفاظ القرآن أن أمر بني قريظة انقضى عند قوله { ~~فشرد بهم من خلفهم } ثم ابتدأ تبارك وتعالى في هذه الآية ~~يأمره بما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانة، وجملة { إن ~~الله لا يحب الخئنين } تعليل لما قبلها، يحتمل أن تكون ~~تحذيرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن المناجزة قبل أن ينبذ إليهم ~~على سواء، ويحتمل أن تكون عائدة إلى القوم الذين تخاف منهم الخيانة. قوله ~~{ ولا تحسبن } قرأ ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص بالياء التحتية. ~~وقرأ الباقون بالمثناة من فوق. فعلى القراءة الأولى يكون الذين كفروا ~~فاعل الحسبان، ويكون مفعوله الأول محذوفا، أي لا يحسبن الذين كفروا ~~أنفسهم، ومفعوله الثاني سبقوا ومعناه فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم. وعلى ~~القراءة الثانية يكون الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومفعوله ~~الأول الذين كفروا، والثاني سبقوا، وقرىء " إنهم سبقوا " وقرىء ~~«يحسبن» بكسر الياء، وجملة { إنهم لا يعجزون } تعليل لما ~~قبلها، أي إنهم لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم. وقرأ ابن ~~عامر " أنهم " بفتح الهمزة، والباقون بكسرها، وكلا القراءتين مفيدة لكون ~~الجملة تعليلية. وقيل المراد بهذه الآية من أفلت من وقعة بدر من ~~المشركين. والمعنى أنهم وإن أفلتوا من هذه الوقعة ونجوا فإنهم لا يعجزون، ~~بل هم واقعون في عذاب الله في الدنيا أو في الآخرة. وقد زعم جماعة من ~~النحويين منهم أبو حاتم، أن قراءة من قرأ " يحسبن " بالتحتية لحن، لا ~~تحل القراءة بها، لأنه لم يأت ليحسبن بمفعول، وهو يحتاج إلى مفعولين. ~~قال النحاس وهذا تحامل شديد. ومعنى هذه القراءة ولا يحسبن من خلفهم ~~الذين كفروا سبقوا، فيكون الضمير يعود على ما تقدم إلا أن القراءة ~~بالتاء أبين. # وقال المهدوي يجوز على هذه القراءة أن يكون الذين كفروا فاعلا، ~~والمفعول الأول محذوف. والمعنى ولا يحسبن الذين كفروا ms1422 أنفسهم سبقوا. ~~قال مكي ويجوز أن يضمر مع سبقوا «أن» فتسد مسد المفعولين، والتقدير ولا ~~يحسبن الذين كفروا أن سبقوا، فهو مثل # أحسب الناس أن يتركوا # العنكبوت 2 في سد أن مسد المفعولين. ثم أمر سبحانه بإعداد القوة ~~للأعداء، والقوة كل ما يتقوى به في الحرب، ومن ذلك السلاح والقسي. وقد ~~ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول # " { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } ألا إن القوة الرمي، قالها ثلاث ~~مرات " # وقيل هي الحصون، والمصير إلى التفسير الثابت عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم متعين. قوله { ومن رباط الخيل }. قرأ الحسن وعمرو بن دينار ~~وأبو حيوة «ومن ربط الخيل» بضم الراء والباء ككتب جمع كتاب. قال أبو حاتم ~~الرباط من الخيل الخمس فما فوقها، وهي الخيل التي ترتبط بإزاء العدو. ~~ومنه قول الشاعر # أمر الإله بربطها لعدوه في الحرب إن الله خير موفق # قال في الكشاف والرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، ويجوز أن يسمى ~~بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة. ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصيل وفصال. ~~انتهى. ومن فسر القوة بكل ما يتقوى به في الحرب جعل عطف الخيل من عطف ~~الخاص على العام، وجملة { ترهبون به عدو الله ~~وعدوكم } في محل نصب على الحال، والترهيب التخويف، والضمير في { ~~به } عائد إلى «ما» في { ما استطعتم } أو إلى المصدر المفهوم من { ~~وأعدوا } وهو الإعداد. والمراد بعدو الله وعدوهم هم المشركون من أهل ~~مكة، وغيرهم من مشركي العرب. قوله { وآخرين من دونهم } معطوف على ~~عدو الله وعدوكم. ومعنى من دونهم من غيرهم. قيل هم اليهود. وقيل فارس ~~والروم، وقيل الجن، ورجحه ابن جرير. وقيل المراد بالآخرين من عدوهم كل ~~من لا تعرف عداوته، قاله السهيلي. وقيل هم بنو قريظة خاصة، وقيل غير ذلك. ~~والأولى الوقف في تعيينهم لقوله { لا تعلمونهم الله ~~يعلمهم }. قوله { وما تنفقوا من شىء فى سبيل الله ~~} أي في ms1423 الجهاد وإن كان يسيرا حقيرا { يوف إليكم } جزاؤه في ~~الآخرة. فالحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، كما ~~قررناه سابقا. { وأنتم لا تظلمون } في شيء من هذه النفقة ~~التي تنفقونها في سبيل الله، أي من ثوابها، بل يصير ذلك إليكم وافيا ~~وافرا كاملا # وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا ~~عظيما # النساء 40 # أنى لا أضيع عمل عامل منكم # آل عمران 195. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال نزلت { إن شر ~~الدواب عند الله } الآية في ستة رهط من اليهود فيهم ابن تابوت. # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، ~~في قوله { الذين عهدت منهم ثم ينقضون عهدهم } ~~قال قريظة يوم الخندق مالؤوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أعداءه. ~~وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { فشرد بهم ~~من خلفهم } قال نكل بهم من بعدهم. وأخرج ابن جرير، عنه، في الآية ~~قال نكل بهم من رواءهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، في الآية قال أنذر بهم. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة قال عظ بهم من سواهم ~~من الناس. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، قال أخفهم بهم. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن السدي، في قوله { لعلهم يذكرون } يقول لعلهم ~~يحذرون أن ينكثوا فيصنع بهم مثل ذلك. وأخرج أبو الشيخ عن ابن شهاب قال ~~دخل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قد وضعت السلاح وما ~~زلنا في طلب القوم، فاخرج فإن الله قد أذن لك في قريظة، وأنزل فيهم { ~~وإما تخافن من قوم خيانة } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { إنهم لا يعجزون } قال لا ~~يفوتونا. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله { ~~وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } قال الرمي والسيوف ~~والسلاح. وأخرج ابن ms1424 إسحاق، وابن أبي حاتم، عن عباد بن عبد الله بن ~~الزبير، في قوله { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } ~~قال أمرهم بإعداد الخيل. وأخرج أبو الشيخ، والبيهقي في الشعب، عن عكرمة ~~في الآية قال القوة ذكور الخيل، والرباط الإناث. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~مجاهد مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيب في ~~الآية قال القوة الفرس إلى السهم فما دونه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال القوة الحصون. { ومن رباط ~~الخيل } قال الإناث. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { ترهبون به ~~عدو الله وعدوكم } قال تخزون به عدو الله وعدوكم. وقد ~~ورد في استحباب الرمي، وما فيه من الأجر أحاديث كثيرة، وكذلك ورد في ~~استحباب اتخاذ الخيل وإعدادها، وكثرة ثواب صاحبها أحاديث لا يتسع المقام ~~لبسطها. وقد أفرد ذلك جماعة من العلماء بمصنفات. ### || [8.61-63] # الجنوح الميل، يقال جنح الرجل إلى الرجل مال إليه ومنه قيل للأضالع ~~جوانح، لأنها مالت إلى الحنوة، وجنحت الإبل إذا مالت أعناقها في السير، ~~ومنه قول ذي الرمة # إذا مات فوق الرحل أحييت روحه بذكراك والعيس المراسيل جنح # ومثله قول عنترة # جوانح قد أيقن أن قبيله إذا ما التقى الجمعان أول غالب # يعني الطير، والسلم الصلح. وقرأ الأعمش وأبو بكر، وابن محيصن، والمفضل ~~بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحها. وقرأ العقيلي " فاجنح " بضم النون، ~~وقرأ الباقون بفتحها. والأولى لغة قيس، والثانية لغة تميم. قال ابن جني ~~ولغة قيس هي القياس، والسلم تؤنث كما تؤنث الحرب، أو هي مؤولة بالخصلة، ~~أو الفعلة. وقد اختلف أهل العلم هل هذه الآية منسوخة أم محكمة؟ فقيل هي ~~منسوخة بقوله # فاقتلوا المشركين # التوبة 5 وقيل ليست بمنسوخة، لأن المراد بها قبول الجزية، وقد قبلها ~~منهم الصحابة فمن بعدهم، فتكون خاصة بأهل الكتاب. وقيل إن المشركين إن ~~دعوا إلى الصلح جاز أن يجابوا إليه، وتمسك المانعون من مصالحة المشركين ~~بقوله ms1425 تعالى # فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون ~~والله معكم # محمد 35 وقيدوا عدم الجواز بما إذا كان المسلمون في عزة وقوة، لا إذا ~~لم يكونوا كذلك، فهو جائز كما وقع منه صلى الله عليه وسلم من مهادنة ~~قريش، وما زالت الخلفاء والصحابة على ذلك، وكلام أهل العلم في هذه ~~المسألة معروف مقرر في مواطنه { وتوكل على الله } في جنوحك ~~للسلم، ولا تخف من مكرهم، ف { إنه } سبحانه { هو السميع } لما ~~يقولون { العليم } بما يفعلون. { وإن يريدوا أن يخدعوك } ~~بالصلح، وهم مضمرون الغدر والخدع { فإن حسبك الله } أي كافيك ~~ما تخافه من شرورهم بالنكث والغدر، وجملة { هو الذى أيدك ~~بنصره وبالمؤمنين } تعليلية، أي لا تخف من خدعهم ومكرهم، ~~فإن الله الذي قواك عليهم بالنصر فيما مضى، وهو يوم بدر، هو الذي سينصرك ~~ويقويك عليهم عند حدوث الخدع والنكث، والمراد بالمؤمنين المهاجرون ~~والأنصار، ثم بين كيف كان تأييده بالمؤمنين فقال { وألف بين ~~قلوبهم } وظاهره العموم وأن ائتلاف قلوب المؤمنين هو من أسباب النصر ~~التي أيد الله بها رسوله. وقال جمهور المفسرين المراد الأوس والخزرج، فقد ~~كان بينهم عصبية شديدة وحروب عظيمة، فألف الله بين قلوبهم بالإيمان برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقيل أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار، ~~والحمل على العموم أولى، فقد كانت العرب قبل البعثة المحمدية يأكل بعضهم ~~بعضا ولا يحترم ماله ولا دمه، حتى جاء الإسلام فصاروا يدا واحدة، وذهب ~~ما كان بينهم من العصبية، وجملة { لو أنفقت ما فى الأرض ~~جميعا ما ألفت بين قلوبهم } مقررة لمضمون ما قبلها. # والمعنى أن ما كان بينهم من العصبية والعداوة قد بلغ إلى حد لا يمكن ~~دفعه بحال من الأحوال، ولو أنفق الطالب له جميع ما في الأرض لم يتم له ما ~~طلبه من التأليف، لأن أمرهم في ذلك قد تفاقم جدا { ولكن الله ~~ألف بينهم } بعظيم قدرته وبديع صنعه { إنه عزيز } لا ~~يغالبه مغالب، ولا يستعصي عليه أمر من الأمور { حكيم } في تدبيره ~~ونفوذ نهيه وأمره. وقد أخرج ابن ms1426 المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في ~~قوله { وإن جنحوا للسلم } قال قريظة. وأخرج أبو الشيخ، عن ~~السدي في الآية قال نزلت في بني قريظة نسختها # فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم # محمد 35 إلى آخر الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال السلم ~~الطاعة. وأخرج أبو الشيخ عنه في الآية قال إن رضوا فارض. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن السدي في الآية قال إن أرادوا الصلح، فأرده. وأخرج أبو عبيد، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في الآية قال ~~نسختها هذه الآية # قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر # التوبة 29 إلى قوله # وهم صغرون # التوبة 29. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، والنحاس في ناسخه، وأبو ~~الشيخ، عن قتادة، قال ثم نسخ ذلك # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # التوبة 5. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في ~~قوله { وإن يريدوا أن يخدعوك } قال قريظة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ~~السدي، في قوله { وبالمؤمنين } قال بالأنصار. وأخرج ابن مردويه، ~~عن النعمان بن بشير نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، نحوه أيضا. ~~وأخرج ابن عساكر، عن أبي هريرة، قال مكتوب على العرش لا إله إلا الله، ~~أنا الله وحدي لا شريك لي، ومحمد عبدي ورسولي أيدته بعلمي، وذلك قوله { ~~هو الذى أيدك بنصره وبالمؤمنين }. وأخرج ابن ~~المبارك، وابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، والنسائي، والبزار، وابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في ~~الشعب، عن ابن مسعود، أن هذه الآية نزلت في المتحابين في الله { لو ~~أنفقت ما فى الأرض جميعا } الآية. وأخرج أبو عبيد، وابن ~~المنذر، وأبو الشيخ، والبيهقي في شعب الإيمان، واللفظ له عن ابن عباس قال ~~قرابة الرحم تقطع، ومنة المنعم تكفر، ولم نر مثل تقارب القلوب، يقول الله ~~{ لو أنفقت ما فى الأرض جميعا } الآية. وأخرج ابن المبارك، ~~وعبد الرزاق، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم، والبهيقي عنه نحوه. ~~وليس في هذا عن ابن ms1427 عباس ما يدل على أنه سبب النزول، ولكن الشأن في قول ~~ابن مسعود رضي الله عنه إن هذه الآية نزلت في المتحابين في الله مع أن ~~الواقع قبلها { هو الذى أيدك بنصره وبالمؤمنين } ~~والواقع بعدها # يأيها النبى حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين # الأنفال 64 ومع كون الضمير في قوله { ما ألفت بين قلوبهم ~~} يرجع إلى المؤمنين المذكورين قبله بلا شك ولا شبهة، وكذلك الضمير في ~~قوله { ولكن الله ألف بينهم } فإن هذا يدل على أن ~~التأليف المذكور هو بين المؤمنين الذين أيد الله بهم رسوله صلى الله عليه ~~وسلم. ### || [8.64-66] # قوله { يأيها النبى حسبك الله ومن اتبعك ~~من المؤمنين } ليس هذا تكريرا لما قبله فإن الأول مقيد بإرادة ~~الخدع # وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله # الأنفال 62 فهذه كفاية خاصة، وفي قوله { يأيها النبى ~~حسبك الله } كفاية عامة غير مقيدة، أي حسبك الله في كل حال، ~~والواو في قوله { ومن اتبعك } يحتمل أن تكون للعطف على الاسم ~~الشريف. والمعنى حسبك الله وحسبك المؤمنين، أي كافيك الله وكافيك ~~المؤمنين، ويحتمل أن تكون بمعنى مع كما تقول حسبك وزيدا درهم، والمعنى ~~كافيك وكافي المؤمنين الله، لأن عطف الظاهر على المضمر في مثل هذه الصورة ~~ممتنع كما تقرر في علم النحو، وأجازه الكوفيون. قال الفراء ليس بكثير في ~~كلامهم أن تقول حسبك وأخيك، بل المستعمل أن يقال حسبك وحسب أخيك بإعادة ~~الجار، فلو كان قوله { ومن اتبعك } مجرورا لقيل حسبك الله وحسب ~~من اتبعك، واختار النصب على المفعول معه النحاس، وقيل يجوز أن يكون ~~المعنى ومن اتبعك من المؤمنين حسبهم الله فحذف الخبر. وقوله { حرض ~~المؤمنين على القتال } أي حثهم وحضهم، والتحريض في اللغة ~~المبالغة في الحث وهو كالتحضيض، مأخوذ من الحرض، وهو أن ينهكه المرض ~~ويتبالغ فيه حتى يشفى على الموت كأنه ينسبه إلى الهلاك لو تخلف عن ~~المأمور به، ثم بشرهم تثبيتا لقلوبهم وتسكينا لخواطرهم بأن الصابرين ~~منهم في القتال يغلبون عشرة أمثالهم من الكفار، فقال { إن يكن منكم ms1428 ~~عشرون صبرون يغلبوا مائتين } ثم زاد هذا إيضاحا ~~مفيدا لعدم اختصاص هذه البشارة بهذا العدد، بل هي جارية في كل عدد فقال ~~{ وإن تكن منكم مائة يغلبوا ألفا } وفي هذا دلالة ~~على أن الجماعة من المؤمنين قليلا كانوا أو كثيرا لا يغلبهم عشرة ~~أمثالهم من الكفار بحال من الأحوال، وقد وجد في الخارج ما يخالف ذلك. فكم ~~من طائفة من طوائف الكفار يغلبون من هو مثل عشرهم من المسلمين، بل مثل ~~نصفهم بل مثلهم. وأجيب عن ذلك بأن وجود هذا بالخارج لا يخالف ما في الآية ~~لاحتمال أن لا تكون الطائفة من المؤمنين متصفة بصفة الصبر. وقيل إن هذا ~~الخبر الواقع في الآية هو في معنى الأمر، كقوله تعالى # والولدت يرضعن # البقرة 233 # والمطلقت يتربصن # البقرة 228 فالمؤمنون كانوا مأمورين من جهة الله سبحانه بأن تثبت ~~الجماعة منهم لعشرة أمثالهم، ثم لما شق ذلك عليهم واستعظموه خفف عنهم ~~ورخص لهم لما علمه سبحانه من وجود الضعف فيهم فقال { فإن تكن منكم ~~مائة صابرة يغلبوا مائتين } إلى آخر الآية، فأوجب على ~~الواحد أن يثبت لاثنين من الكفار. وقرأ حمزة وحفص عن عاصم { ضعفا } بفتح ~~الضاد. # وقوله { بأنهم قوم لا يفقهون } متعلق بقوله { ~~يغلبوا } أي إن هذا الغلب بسبب جهلهم وعدم فقههم، وأنهم يقاتلون على ~~غير بصيرة، ومن كان هكذا فهو مغلوب في الغالب. وقد قيل في نكتة التنصيص ~~على غلب العشرين للمائتين، والمائة للألف أن سراياه التي كان يبعثها صلى ~~الله عليه وسلم كان لا ينقص عددها عن العشرين ولا يجاوز المائة. وقيل في ~~التنصيص فيما بعد ذلك على غلب المائة للمائتين، والألف للألفين، على أنه ~~بشارة للمسلمين بأن عساكر الإسلام سيجاوز عددها العشرات والمئات إلى ~~الألوف. ثم أخبرهم بأن هذا الغلب هو بإذن الله وتسهيله، وتيسيره لا ~~بقوتهم وجلادتهم، ثم بشرهم بأنه مع الصابرين، وفيه الترغيب إلى الصبر ~~والتأكيد عليهم بلزومه والتوصية به، وأنه من أعظم أسباب النجاح والفلاح ~~والنصر والظفر، لأن من كان الله معه لم يستقم لأحد أن ms1429 يغلبه. وقد اختلف ~~أهل العلم، هل هذا التخفيف نسخ أم لا؟ ولا يتعلق بذلك كثير فائدة. وقد ~~أخرج البزار عن ابن عباس قال لما أسلم عمر قال المشركون قد انتصف القوم ~~منا اليوم، وأنزل الله { يأيها النبى حسبك الله ~~ومن اتبعك من المؤمنين }. وأخرج الطبراني، وأبو الشيخ، ~~وابن مردويه، عن ابن عباس قال لما أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعة ~~وثلاثون رجلا وامرأة، ثم إن عمر أسلم صاروا أربعين فنزل { يأيها ~~النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين }. ~~وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن سعيد بن جبير، قال لما ~~أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون وست نسوة ثم أسلم عمر ~~نزلت { يأيها النبى حسبك الله }. وأخرج ابن إسحاق، ~~وابن أبي حاتم، عن الزهري في الآية قال نزلت في الأنصار، وأخرج البخاري ~~في تاريخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الشعبي في قوله { ~~يأيها النبى حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين } قال حسبك الله وحسب من اتبعك. وأخرج البخاري، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن ~~ابن عباس قال لما نزلت { إن يكن منكم عشرون صبرون ~~يغلبوا مائتين } فكتب عليهم أن لا يفر واحد من العشرة، وأن ~~لا يفر عشرون من مائتين، ثم نزلت { الئن خفف الله عنكم } ~~الآية، فكتب أن لا يفر مائة من مائتين قال سفيان وقال ابن شبرمة وأرى ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا، إن كانا رجلين أمرهما وإن ~~كانوا ثلاثة فهو في سعة من تركهم، وأخرج البخاري والنحاس في ناسخه، وابن ~~مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال لما نزلت { إن يكن منكم ~~عشرون صبرون يغلبوا مائتين } شق ذلك على المسلمين ~~حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف { الئن خفف ~~الله عنكم } الآية قال فلما خفف الله عنهم من العدة نقص من الصبر ~~بقدر ما خفف عنهم. ### || [8.67-69] # هذا حكم آخر من أحكام الجهاد. ms1430 ومعنى { ما كان لنبى } ما صح له ~~وما استقام، وقرأ أبو عمرو، وسهيل ويعقوب، ويزيد، والمفضل، أن تكون ~~بالفوقية، وقرأ الباقون بالتحتية، وقرأ أيضا يزيد والمفضل «أسارى» وقرأ ~~الباقون { أسرى } والأسرى جمع أسير، مثل قتلى وقتيل، وجرحى وجريح، ويقال ~~في جمع أسير أيضا أسارى بضم الهمزة وبفتحها، وهو مأخوذ من الأسر، وهو ~~القيد، لأنهم كانوا يشدون به الأسير، فسمي كل أخيذ وإن لم يشد بالقد ~~أسيرا، قال الأعشى # وقيدني الشعر في بيته كما قيدت الأسرات الحمارا # وقال أبو عمرو بن العلاء الأسرى هم غير الموثقين عندما يؤخذون، والأسارى ~~هم الموثقون ربطا. والإثخان كثرة القتل والمبالغة فيه تقول العرب أثخن ~~فلان في هذا الأمر، أي بالغ فيه. فالمعنى ما كان لنبي أن يكون له أسرى ~~حتى يبالغ في قتل الكافرين ويستكثر من ذلك. وقيل معنى الإثخان التمكن، ~~وقيل هو القوة. أخبر الله سبحانه أن قتل المشركين يوم بدر كان أولى من ~~أسرهم، وفدائهم ثم لما كثر المسلمون رخص الله في ذلك فقال # فإما منا بعد وإما فداء # محمد 4 كما يأتي في سورة القتال إن شاء الله. قوله { تريدون عرض ~~} الحياة { الدنيا } أي نفعها ومتاعها بما قبضتم من الفداء، وسمي ~~عرضا لأنه سريع الزوال كما تزول الأعراض التي هي مقابل الجواهر { ~~والله يريد الآخرة } أي يريد لكم الدار الآخرة بما يحصل لكم من ~~الثواب في الإثخان بالقتل. وقرىء «يريد الآخرة» بالجر على تقدير مضاف وهو ~~المذكور قبله، أي والله يريد عرض الآخرة { والله عزيز } لا يغالب ~~{ حكيم } في كل أفعاله. قوله { لولا كتب من الله سبق ~~لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } اختلف المفسرون في هذا ~~الكتاب الذي سبق ما هو؟ على أقوال الأول ما سبق في علم الله من أنه ~~سيحل لهذه الأمة الغنائم بعد أن كانت محرمة على سائر الأمم. والثاني ~~أنه مغفرة الله لأهل بدر ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر، كما في الحديث ~~الصحيح # " إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " # القول ms1431 الثالث هو أنه لا يعذبهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم كما ~~قال سبحانه # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # الأنفال 33. القول الرابع أنه لا يعذب أحدا بذنب فعله جاهلا لكونه ~~ذنبا. القول الخامس أنه ما قضاه الله من محو الصغائر باجتناب الكبائر. ~~القول السادس أنه لا يعذب أحدا إلا بعد تأكيد الحجة وتقديم النهي، ولم ~~يتقدم نهي عن ذلك. وذهب ابن جرير الطبري إلى أن هذه المعاني كلها داخلة ~~تحت اللفظ، وأنه يعمها { لمسكم } أي لحل بكم { فيما أخذتم ~~} أي لأجل ما أخذتم من الفداء { عذاب عظيم } والفاء في { فكلوا ~~مما غنمتم } لترتيب ما بعدها عن سبب محذوف، أي قد أبحت لكم ~~الغنائم، فكلوا مما غنمتم ويجوز أن تكون عاطفة على مقدر محذوف، أي ~~اتركوا الفداء فكلوا مما غنمتم من غيره. # وقيل إن " ما " عبارة عن الفداء، أي كلوا من الفداء الذي غنمتم فإنه من ~~جملة الغنائم التي أحلها الله لكم و { حللا طيبا } منتصبان على ~~الحال، أو صفة المصدر المحذوف، أي أكلا حلالا طيبا { واتقوا ~~الله } فيما يستقبل، فلا تقدموا على شيء لم يأذن الله لكم به { إن ~~الله غفور } لما فرط منكم { رحيم } بكم، فلذلك رخص لكم في أخذ ~~الفداء في مستقبل الزمان. وقد أخرج أحمد، عن أنس قال استشار النبي صلى ~~الله عليه وسلم الناس في الأسرى يوم بدر فقال # " إن الله قد أمكنكم منهم " # فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبي ~~صلى الله عليه وسلم. ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال # " يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس " # ، فقام عمر فقال يا رسول الله اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم عاد فقال مثل ذلك فقام أبو بكر الصديق فقال يا رسول الله ~~نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء، فعفا عنهم وقبل منهم الفداء، ~~فأنزل الله { لولا كتب من الله سبق } الآية. وأخرج ابن ~~أبي ms1432 شيبة، وأحمد، والترمذي وحسنه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن ابن ~~مسعود قال لما كان يوم بدر جيء بالأسارى وفيهم العباس، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ " # فقال أبو بكر يا رسول الله قومك وأهلك فاستبقهم لعل الله أن يتوب ~~عليهم، وقال عمر يا رسول الله كذبوك وأخرجوك وقاتلوك، قدمهم فاضرب ~~أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة يا رسول الله انظر واديا كثير الحطب ~~فأضرمه عليهم نارا، فقال العباس وهو يسمع قطعت رحمك، فدخل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عليهم ولم يرد عليهم شيئا، فقال أناس يأخذ بقول أبي ~~بكر، وقال أناس يأخذ بقول عمر، وقال قوم يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، ~~فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال # " إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد ~~قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم ~~عليه السلام قال { ومن تبعنى فإنه منى ومن عصانى ~~فإنك غفور رحيم } إبراهيم 36، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى ~~عليه السلام إذ قال { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن ~~تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } المائدة 118، ~~ومثلك يا عمر مثل نوح عليه السلام إذ قال { رب لا تذر على ~~الأرض من الكفرين ديارا } نوح 26، ومثلك يا عمر مثل موسى ~~عليه السلام إذ قال { ربنا اطمس على أمولهم واشدد ~~على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب ~~الاليم } يونس 88 أنتم عالة فلا ينفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب ~~عنق " # ، فقال عبد الله يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر ~~الإسلام، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيتني في يوم أخوف من ~~أن تقع علي الحجارة من السماء من ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إلا سهيل بن بيضاء " # ، فأنزل الله { ما كان لنبى أن يكون له أسرى } الآية. ~~وأخرج ms1433 الحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن علي قال قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الأسارى يوم بدر # " إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتم واستمتعتم بالفداء، واستشهد منكم ~~بعدتهم، فكان آخر السبعين ثابت بن قيس اسشهد باليمامة " # وأخرج عبد الرزاق في مصنفه، وابن أبي شيبة عن عبيدة نحوه. وأخرج الحاكم ~~وصححه، وابن مردويه، عن ابن عمر، قال لما أسر الأسارى يوم بدر أسر العباس ~~فيمن أسر، أسره رجل من الأنصار وقد وعدته الأنصار أن يقتلوه. فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه " # ، فقال له عمر فآتيهم؟ قال # " نعم " # ، فأتى عمر الأنصار فقال أرسلوا العباس، فقالوا لا والله لا نرسله. فقال ~~لهم عمر فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضا، قالوا فإن كان لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رضا فخذه، فأخذه عمر، فلما صار في يده قال له يا ~~عباس أسلم، فوالله إن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه إسلامك، قال فاستشار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقال أبو بكر عشيرتك فأرسلهم، فاستشار عمر ~~فقال اقتلهم، ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله، { ما ~~كان لنبى أن يكون له أسرى } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { حتى يثخن في الأرض } يقول ~~حتى يظهروا على الأرض. # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد، قال الإثخان هو ~~القتل. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن مجاهد، أيضا في الآية قال ~~ثم نزلت الرخصة بعد، إن شئت فمن، وإن شئت ففاد. وأخرج ابن المنذر عن ~~قتادة { تريدون عرض الدنيا } قال أراد أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم يوم بدر الفداء، ففادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن عكرمة { تريدون ms1434 عرض الدنيا } قال الخراج. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله { لولا كتب من الله ~~سبق } قال سبق لهم المغفرة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد ~~بن جبير، قال ما سبق لأهل بدر من السعادة. وأخرج النسائي، وابن مردويه، ~~وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال سبقت لهم من الله الرحمة قبل أن يعملوا ~~بالمعصية. وأخرج أبو حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال سبق أن لا يعذب ~~أحدا حتى يبين له ويتقدم إليه. ### || [8.70-71] # اختلاف القراء في أسرى والأسارى هو هنا كما سبق في الآية قبل هذه. خاطب ~~الله النبي صلى الله عليه وسلم بهذا، أي قل لهؤلاء الأسرى الذين هم في ~~أيديكم أسرتموهم يوم بدر وأخذتم منهم الفداء، { إن يعلم الله في ~~قلوبكم خيرا } من حسن إيمان، وصلاح نية، وخلوص طوية { يؤتكم ~~خيرا مما أخذ منكم } من الفداء أي يعوضكم في هذه الدنيا ~~رزقا خيرا منه، وأنفع لكم، أو في الآخرة بما يكتبه لكم من المثوبة ~~بالأعمال الصالحة { ويغفر لكم } ذنوبكم { والله غفور ~~رحيم } شأنه المغفرة لعباده والرحمة لهم. ولما ذكر ما ذكره من العوض ~~لمن علم في قلبه خيرا ذكر من هو على ضد ذلك منهم فقال { وإن ~~يريدوا خيانتك } بما قالوه لك بألسنتهم من أنهم قد آمنوا بك ~~وصدقوك، ولم يكن ذلك منهم عن عزيمة صحيحة ونية خالصة، بل هو مماكرة ~~ومخادعة، فليس ذلك بمستبعد منهم، فإنهم قد فعلوا ما هو أعظم منه، وهو ~~أنهم خانوا الله من قبل أن تظفر بهم، فكفروا به وقاتلوا رسوله { ~~فأمكن منهم } بأن نصرك عليهم في يوم بدر، فقتلت منهم من قتلت ~~وأسرت من أسرت { والله عليم } بما في ضمائرهم { حكيم } في ~~أفعاله بهم. وقد أخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن عائشة قالت لما ~~بعث أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في فداء أبي العاص، وبعثت فيه بقلادة، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رق رقة شديدة وقال ms1435 # " إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها " # ، وقال العباس إني كنت مسلما يا رسول الله، قال # " الله أعلم بإسلامك، فإن تكن كما تقول فالله يجزيك، فافد نفسك وابني ~~أخويك نوفل بن الحارث وعقيل بن أبي طالب، وحليفك عتبة بن عمرو " # ، قال ما ذاك عندي يا رسول الله، قال # " فأين المال الذي دفنت أنت وأم الفضل؟ فقلت لها إن أصبت فهذا المال ~~لبني؟ " # فقال والله يا رسول الله إن هذا لشيء ما علمه غيري وغيرها، فاحسب لي ما ~~أصبتم مني عشرون أوقية من مال كان معي، قال # " لا أفعل " # ، ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه، ونزلت { قل لمن فى أيديكم من ~~الأسرى } الآية، فأعطاني مكان العشرين الأوقية في الإسلام، عشرين ~~عبدا كلهم في يده مال يضرب به مع ما أرجو من مغفرة الله. وأخرج ابن سعد، ~~والحاكم وصححه، عن أبي موسى أن العلاء ابن الحضرمي بعث إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بمال من البحرين ثمانين ألفا، فما أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مال أكثر منه، فنشره على حصير، وجاء الناس، فجعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم، وما كان يومئذ عدد ولا وزن، فجاء العباس ~~فقال يا رسول الله إني أعطيت فدائي، وفداء عقيل يوم بدر، أعطني من هذا ~~المال، فقال # " خذ " # ، فحثا في خميصته، ثم ذهب ينصرف فلم يستطع، فرفع رأسه وقال يا رسول الله ~~ارفع علي، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب وهو يقول أما أحد ~~اللذين وعد الله فقد أنجزنا، وما ندري ما يصنع في الأخرى { قل لمن فى ~~أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم ~~خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم } ~~فهذا خير مما أخذ مني ولا أدري ما يصنع في المغفرة. والروايات في هذا ~~الباب كثيرة. وأخرج ابن سعد، وابن عساكر، عن ابن عباس، في الآية قال نزلت ~~في الأسارى يوم بدر، منهم العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وعقيل ~~بن أبي طالب. وأخرج ابن المنذر، وأبو ms1436 الشيخ، عنه، في قوله { وإن ~~يريدوا خيانتك } إن كان قولهم كذبا { فقد خانوا الله ~~من قبل } فقد كفروا وقاتلوك { فأمكنك } الله منهم. ### || [8.72-75] # ختم الله سبحانه هذه السورة بذكر الموالاة ليعلم كل فريق وليه الذي ~~يستعين به، وسمى سبحانه المهاجرين إلى المدينة بهذا الاسم، لأنهم هجروا ~~أوطانهم وفارقوها طلبا لما عند الله، وإجابة لداعيه { والذين ~~ءاووا ونصروا } هم الأنصار، والإشارة بقوله { أولئك } ~~إشارة إلى الموصول الأول والآخر، وهو مبتدأ وخبره الجملة المذكورة بعده، ~~ويجوز أن يكون { بعضهم } بدلا من اسم الإشارة، والخبر { أولياء ~~بعض } أي بعضهم أولياء بعض في النصرة والمعونة، وقيل المعنى إن بعضهم ~~أولياء بعض في الميراث. وقد كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة، ثم نسخ ذلك ~~بقوله سبحانه { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض }. ~~قوله { والذين ءامنوا } مبتدأ، وخبره { ما لكم من ~~وليتهم من شىء }. قرأ يحيى بن وثاب والأعمش، وحمزة { من ~~ولايتهم } بكسر الواو. وقرأ الباقون بفتحها، أي ما لكم من نصرتهم ~~وإعانتهم، أو من ميراثهم، ولو كانوا من قراباتكم لعدم وقوع الهجرة منهم { ~~حتى يهاجروا } فيكون لهم ما كان للطائفة الأولى الجامعين بين ~~الإيمان والهجرة { وإن استنصروكم } أي هؤلاء الذين آمنوا ولم ~~يهاجروا، إذا طلبوا منكم النصرة لهم على المشركين { فعليكم ~~النصر } أي فواجب عليكم النصر { إلا } أن يستنصروكم { على قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق } فلا تنصروهم ولا تنقضوا العهد الذي ~~بينكم وبين أولئك القوم، حتى تنقضي مدته. قال الزجاج ويجوز فعليكم النصر ~~بالنصب على الإغراء. قوله { والذين كفروا } مبتدأ خبره { ~~بعضهم أولياء بعض } أي بعضهم ينصر بعضا ويتولاه في أموره، ~~أو يرثه إذا مات، وفيه تعريض للمسلمين بأنهم لا يناصرون الكفار ولا ~~يتولونهم، قوله { إلا تفعلوه } الضمير يرجع إلى ما أمروا به قبل ~~هذا من موالاة المؤمنين ومناصرتهم على التفصيل المذكور، وترك موالاة ~~الكافرين { تكن فتنة فى الأرض } أي تقع فتنة إن لم تفعلوا ذلك ~~{ وفساد كبير } أي مفسدة كبيرة في الدين والدنيا، ثم بين سبحانه ~~حكما آخر يتعلق بالمؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيل الله والمؤمنين ~~الذين آووا ms1437 من هاجر إليهم ونصروهم وهم الأنصار، فقال { أولئك هم ~~المؤمنون حقا } أي الكاملون في الإيمان، وليس في هذا تكرير لما ~~قبله فإنه وارد في الثناء على هؤلاء، والأول وارد في إيجاب الموالاة ~~والنصرة، ثم أخبر سبحانه أن { لهم } منه { مغفرة } لذنوبهم في ~~الآخرة و لهم في الدنيا { رزق كريم } خالص عن الكدر طيب مستلذ. ثم ~~أخبر سبحانه بأن من هاجر بعد هجرتهم وجاهد مع المهاجرين الأولين ~~والأنصار فهو من جملتهم، أي من جملة المهاجرين الأولين والأنصار في ~~استحقاق ما استحقوه من الموالاة والمناصرة، وكمال الإيمان والمغفرة ~~والرزق الكريم، ثم بين سبحانه بأن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض من ~~غيرهم ممن لم يكن بينه وبينهم رحم في الميراث، والمراد بهم القرابات ~~فيتناول كل قرابة. # وقيل المراد بهم هنا العصبات، قالوا ومنه قول العرب وصلتك رحم، فإنهم لا ~~يريدون قرابة الأم. قالوا ومنه قول قتيلة # ظلت سيوف بني أبيه تنوشه لله أرحام هناك تشقق # ولا يخفاك أنه ليس في هذا ما يمنع من إطلاقه على غير العصبات، وقد استدل ~~بهذه الآية من أثبت ميراث ذوي الأرحام، وهم من ليس بعصبة ولا ذي سهم على ~~حسب اصطلاح أهل علم المواريث، والخلاف في ذلك معروف مقرر في مواطنه. وقد ~~قيل إن هذه الآية ناسخة للميراث بالموالاة والنصرة عند من فسر ما تقدم ~~من قوله { بعضهم أولياء بعض } وما بعده بالتوارث، وأما من ~~فسرها بالنصرة والمعونة فيجعل هذه الآية إخبارا منه سبحانه وتعالى بأن ~~القرابات { بعضهم أولى ببعض في كتب الله } أي في ~~حكمه، أو في اللوح المحفوظ، أو في القرآن، ويدخل في هذه الأولوية الميراث ~~دخولا أوليا لوجود سببه، أعني القرابة { أن الله بكل شىء ~~عليم } لا يخفى عليه شيء من الأشياء كائنا ما كان، ومن جملة ذلك ما ~~تضمنته هذه الآيات. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في ~~قوله { إن الذين ءامنوا وهاجروا } الآية قال إن المؤمنين ~~كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاث منازل، ms1438 منهم المؤمن ~~المهاجر المباين لقومه، وفي قوله { والذين ءاووا ونصروا } ~~قال آووا ونصروا وأعلنوا ما أعلن أهل الهجرة، وشهروا السيوف على من كذب ~~وجحد، فهذان مؤمنان جعل الله بعضهم أولياء بعض، وفي قوله { والذين ~~آمنوا ولم يهاجروا } قال كانوا يتوارثون بينهم إذا توفى المؤمن ~~المهاجر بالولاية في الدين، وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث من أجل أنه ~~لم يهاجر ولم ينصر، فبرأ الله المؤمنين المهاجرين من ميراثهم، وهي ~~الولاية التي قال { ما لكم من وليتهم من شىء حتى ~~يهاجروا وإن استنصروكم فى الدين فعليكم النصر ~~إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق } كان حقا على ~~المؤمنين الذين آووا ونصروا إذا استنصروهم في الدين أن ينصروهم إن قوتلوا ~~إلا أن يستنصروا على قوم بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق، فلا ~~نصر لهم عليهم إلا على العدو الذي لا ميثاق لهم، ثم أنزل الله بعد ذلك ~~أن ألحق كل ذي رحم برحمه من المؤمنين الذين آمنوا { والذين آمنوا ~~ولم يهاجروا } فجعل لكل إنسان من المؤمنين نصيبا مفروضا، لقوله ~~{ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } الآية، وفي ~~رواية لابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله { أولئك ~~بعضهم أولياء بعض } قال يعني في الميراث جعل الله الميراث ~~للمهاجرين والأنصار دون الأرحام { والذين آمنوا ولم ~~يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء } ما لكم من ~~ميراثهم من شيء { حتى يهاجروا وإن استنصروكم فى ~~الدين } يعني إن استنصر الأعراب المسلمون المهاجرين والأنصار على عدو ~~لهم، فعليهم أن ينصروهم إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق، فكانوا يعملون ~~على ذلك حتى أنزل الله هذه الآية { وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض } فنسخت الآية التي قبلها، وصارت المواريث لذوي ~~الأرحام. # وأخرج أبو عبيد، وأبو داود، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه أيضا في ~~هذه الآيات قال كان المهاجر لا يتولى الأعرابي ولا يرثه وهو مؤمن، ولا ~~يرث الأعرابي المهاجر، فنسختها هذه الآية { وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتب الله }. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، ms1439 وأبو الشيخ، وابن مردويه، عنه، أيضا قال قال رجل من ~~المسلمين لنورثن ذوي القربى منا من المشركين، فنزلت { والذين ~~كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن ~~فتنة فى الأرض وفساد كبير }. وأخرج أحمد، وابن أبي حاتم، ~~والحاكم وصححه، عن جرير بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " المهاجرون بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة، والطلقاء من قريش، ~~والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة " # وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، عن أسامة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافرا، ولا كافر مسلما، ثم قرأ { ~~والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } الآية " # وأخرج ابن سعد، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن الزبير ~~بن العوام قال أنزل الله فينا خاصة معشر قريش { وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتب الله } وذلك أنا معشر قريش ~~لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان. ~~فواخيناهم ووارثناهم فآخونا، فآخى أبو بكر خارجة بن زيد، وآخى عمر ~~فلانا، وآخى عثمان بن عفان رجلا من بني زريق بن أسعد الزرقي، قال ~~الزبير وآخيت أنا كعب بن مالك، ووارثونا ووارثناهم، فلما كان يوم أحد قيل ~~لي قد قتل أخوك كعب بن مالك، فجئته فانتقلته فوجدت السلاح قد ثقلته فيما ~~يرى، فوالله يا بني لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري، حتى أنزل الله ~~هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار، فرجعنا إلى مواريثنا. وأخرج أبو داود ~~الطيالسي، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس قال آخى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه وورث بعضهم من بعض، حتى نزلت هذه ~~الآية { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } فتركوا ~~ذلك وتوارثوا بالنسب. ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1-3] # قوله { براءة من الله ورسوله } برئت من الشيء أبرأ براءة، ~~وأنا منه بريء إذا أزلته عن نفسك، وقطعت سبب ما بينك وبينه، وبراءة ~~مرتفعة على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هذه براءة، ويجوز أن ترتفع ms1440 على ~~الابتداء، لأنها نكرة موصوفة، والخبر { إلى الذين عاهدتم }. ~~وقرأ عيسى بن عمر { براءة } بالنصب على تقدير اسمعوا براءة، أو على تقدير ~~التزموا براءة، لأن فيها معنى الإغراء، و «من» في قوله { من الله } ~~لابتداء الغاية متعلق بمحذوف وقع صفة، أي واصلة من الله ورسوله إلى الذين ~~عاهدتم. وقرأ روح وزيد بنصب { رسوله } ، وقرأ الباقون بالرفع. والعهد ~~العقد الموثق باليمين. والخطاب في عاهدتم للمسلمين، وقد كانوا عاهدوا ~~مشركي مكة وغيرهم بإذن من الله ومن الرسول صلى الله عليه وسلم، والمعنى ~~الإخبار للمسلمين بأن الله ورسوله قد برئا من تلك المعاهدة بسبب ما وقع ~~من الكفار من النقض، فصار النبذ إليهم بعهدهم واجبا على المعاهدين من ~~المسلمين، ومعنى براءة الله سبحانه، وقوع الإذن منه سبحانه بالنبذ من ~~المسلمين لعهد المشركين بعد وقوع النقض منهم، وفي ذلك من التفخيم لشأن ~~البراءة والتهويل لها والتسجيل على المشركين بالذل والهوان ما لا يخفى. ~~قوله { فسيحوا فى الأرض أربعة أشهر } هذا أمر منه سبحانه ~~بالسياحة بعد الإخبار بتلك البراءة، والسياحة السير، يقال ساح فلان في ~~الأرض يسيح سياحة وسيوحا وسيحانا، ومنه سيح الماء في الأرض وسيح الخيل، ~~ومنه قول طرفة بن العبد # لو خفت هذا منك ما نلتني حتى ترى خيلا أمامي تسيح # ومعنى الآية أن الله سبحانه بعد أن أذن بالنبذ إلى المشركين بعهدهم أباح ~~للمشركين الضرب في الأرض والذهاب إلى حيث يريدون، والاستعداد للحرب هذه ~~الأربعة الأشهر، وليس المراد من الأمر بالسياحة تكليفهم بها. قال محمد بن ~~إسحاق وغيره إن المشركين صنفان صنف كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر، ~~فأمهل تمام أربعة أشهر، والآخر كانت أكثر من ذلك فقصر على أربعة أشهر، ~~ليرتاد لنفسه، وهو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين يقتل حيث يوجد، ~~وابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر، وانقضاؤه إلى عشر من ربيع الآخر، ~~فأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأشهر الحرم، وذلك خمسون يوما ~~عشرون من ذي الحجة وشهر محرم. وقال الكلبي إنما كانت الأربعة الأشهر ms1441 لمن ~~كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد دون أربعة أشهر، ومن كان ~~عهده أكثر من ذلك فهو الذي أمر الله أن يتم له عهده بقوله { ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم } ورجح هذا ابن ~~جرير، وغيره. وسيأتي في آخر البحث من الرواية ما يتضح به معنى الآية { ~~واعلموا أنكم غير معجزي الله } أي اعلموا أن هذا ~~الإمهال ليس لعجز، ولكن لمصلحة ليتوب من تاب، وفي ذلك ضرب من التهديد، ~~كأنه قيل افعلوا في هذه المدة كل ما أمكنكم من إعداد الآلات والأدوات، ~~فإنكم لا تفوتون الله وهو مخزيكم أي مذلكم ومهينكم في الدنيا بالقتل ~~والأسر، وفي الآخرة بالعذاب، وفي وضع الظاهر موضع المضمر، إشارة إلى أن ~~سبب هذا الإخزاء هو الكفر، ويجوز أن يكون المراد جنس الكافرين، فيدخل فيه ~~المخاطبون دخولا أوليا. # قوله { وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم ~~الحج الأكبر } ارتفاع أذان على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو على أنه ~~مبتدأ وخبره ما بعده على ما تقدم في ارتفاع براءة، والجملة هذه معطوفة ~~على جملة { براءة من الله ورسوله } وقال الزجاج إن قوله { ~~وأذان } معطوف على قوله { براءة }. واعترض عليه بأن الأمر لو كان كذلك ~~لكن { أذان } مخبر عنه بالخبر الأول، وهو { إلى الذين عاهدتم ~~من المشركين } وليس ذلك بصحيح. بل الخبر عنه هو { إلى الناس ~~} والأذان بمعنى الإيذان، وهو الإعلام، كما أن الأمان والعطاء بمعنى ~~الإيمان والإعطاء. ومعنى قوله { إلى الناس } التعميم في هذا أي أنه ~~إيذان من الله إلى كافة الناس غير مختص بقوم دون قوم، فهذه الجملة متضمنة ~~للإخبار بوجوب الإعلام لجميع الناس، والجملة الأولى متضمنة للإخبار ~~بالبراءة إلى المعاهدين خاصة، و { يوم الحج } ظرف لقوله { وأذان } ~~، ووصفه بالأكبر لأنه يجتمع فيه الناس، أو لكون معظم أفعال الحج فيه. وقد ~~اختلف العلماء في تعيين هذا اليوم المذكور في الآية، فذهب جمع، منهم علي ~~بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن أبي أوفى، والمغيرة بن شعبة، ومجاهد، أنه ~~يوم النحر. ورجحه ابن جرير. وذهب ms1442 آخرون منهم عمر، وابن عباس، وطاوس، أنه ~~يوم عرفة. والأول أرجح لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من بعثه ~~لإبلاغ هذا إلى المشركين أن يبلغهم يوم النحر. قوله { أن الله ~~برىء من المشركين ورسوله } قرىء بفتح " أن " على تقدير ~~بأن الله برىء من المشركين. فحذفت الباء تخفيفا. وقرىء بكسرها لأن في ~~الإيذان معنى القول، وارتفاع { رسوله } على أنه معطوف على موضع اسم " أن ~~" ، أو على الضمير في { برىء } ، أو على أنه مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير ~~ورسوله بريء منهم. وقرأ الحسن وغيره { ورسوله } بالنصب عطفا على لفظ اسم ~~{ أن }. وقرىء { ورسوله } بالجر على أن الواو للقسم، روى ذلك عن الحسن، ~~وهي قراءة ضعيفة جدا، إذ لا معنى للقسم برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هاهنا، مع ما ثبت من النهي عن الحلف بغير الله، وقيل أنه مجرور على ~~الجوار. قوله { فإن تبتم } أي من الكفر، وفيه التفات من الغيبة إلى ~~الخطاب، قيل وفائدة هذا الالتفات زيادة التهديد، والضمير في قوله { ~~فهو } راجع إلى التوبة المفهومة من تبتم { خير لكم } مما أنتم ~~فيه من الكفر { وإن توليتم } أي أعرضتم عن التوبة، وبقيتم على ~~الكفر { فاعلموا أنكم غير معجزى الله } أي غير ~~فائتين عليه، بل هو مدرككم، فمجازيكم بأعمالكم. # قوله { وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } هذا تهكم بهم، ~~وفيه من التهديد ما لا يخفى. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله { براءة من الله ~~ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين } إلى أهل ~~العهد خزاعة ومدلج، ومن كان له عهد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~تبوك حين فرغ منها فأراد الحج، ثم قال إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة ~~فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك، فأرسل أبا بكر وعليا فطافا في الناس ~~بذي المجاز، وبأمكنتهم التي كانوا يبيعون بها، أو بالموسم كله، فآذنوا ~~أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة أشهر، وهي الأشهر الحرم المنسلخات ~~المتواليات، عشرون من آخر ذي الحجة ms1443 إلى عشر تخلو من ربيع الآخر، ثم لا ~~عهد لهم، وآذن الناس كلهم بالقتال إلى أن يموتوا. وأخرج عبد الله بن أحمد ~~بن حنبل، في زوائد المسند، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن علي قال لما ~~نزلت عشر آيات من براءة عن النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا بكر ~~ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال # " لي أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته فخذ الكتاب منه، فاقرأه على أهل مكة " # ، فلحقته فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكر وقال يا رسول الله، نزل في ~~شيء؟ قال # " لا، ولكن جبريل جاءني فقال لن يؤدي عنك إلا أنت، أو رجل منك " # وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وحسنه، وأبو الشيخ، وابن مردويه، ~~من حديث أنس نحوه. وأخرج ابن مردويه، من حديث سعد بن أبي وقاص، نحوه ~~أيضا. وأخرج أحمد، والنسائي، وابن المنذر، وابن مردويه، عن أبي هريرة، ~~قال كنت مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ~~ببراءة، فكنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ~~ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فإن أجله وأمده إلى ~~أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة أشهر، فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ~~ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ~~أبي هريرة قال بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر ~~يؤذنون بمنى ألا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ثم ~~أردف النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، فأمره أن يؤذن ببراءة، ~~فأذن علي في يوم النحر ببراءة أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف ~~بالبيت عريان. # وأخرج الترمذي وحسنه، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، ~~والبهيقي في الدلائل، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ~~أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، ثم أتبعه عليا وأمره أن ينادي ~~بهؤلاء الكلمات، فانطلقا فحجا، فقام ms1444 علي في أيام التشريق فنادى إن الله ~~برىء من المشركين، ورسوله، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد ~~العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن فكان علي ~~ينادى، فإذا أعيا قام أبو بكر ينادي بها. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي ~~شيبة، وأحمد، والترمذي وصححه، وابن المنذر، والنحاس، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن زيد بن تبيع قال سألت عليا بأي شيء ~~بعثت مع أبي بكر في الحج؟ قال بعثت بأربع لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة. ~~ولا يطوف بالبيت عريان. ولا يجتمع مؤمن وكافر بالمسجد الحرام بعد عامهم ~~هذا. ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فعهده إلى ~~مدته، ومن لم يكن له عهد، فأجله أربعة أشهر. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس، في قوله { براءة من الله ورسوله } الآية ~~قال حد الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر يسيحون فيها حيث شاءوا، وحد ~~أجل من ليس له عهد انسلاخ الأربعة الأشهر الحرم من يوم النحر، إلى انسلاخ ~~المحرم خمسين ليلة. فإذا انسلخ الأشهر الحرم أمره أن يضع السيف فيمن ~~عاهد، إن لم يدخلوا في الإسلام، ونقض ما سمي لهم من العهد والميثاق، ~~وأذهب الشرط الأول { إلا الذين عهدتم عند المسجد ~~الحرام } يعني أهل مكة. وأخرج النحاس، عنه، نحو هذا، وقال ولم يعاهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا أحدا. وأخرج عبد الرزاق، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، والنحاس، عن الزهري { فسيحوا فى الأرض ~~أربعة أشهر } قال نزلت في شوال فهي الأربعة أشهر شوال، وذو ~~القعدة، وذو الحجة، والمحرم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله { ~~وأذان من الله ورسوله } قال هو إعلام من الله ورسوله. ~~وأخرج الترمذي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن علي قال ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحج الأكبر، فقال يوم النحر. ~~وأخرجه ابن أبي شيبة، والترمذي، وأبو الشيخ، عنه، من قوله. ms1445 وأخرج أبو ~~داود، والنسائي، والحاكم وصححه، عن عبد الله بن قرط، قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم الفر " # وأخرج ابن مردويه، عن ابن أبي أوفى، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال # " يوم الأضحى هذا يوم الحج الأكبر " # وأخرج البخاري تعليقا، وأبو داود، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، عن ابن ~~عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة ~~التي حج فقال # " أي يوم " # هذا؟ قالوا يوم النحر، قال # " هذا يوم الحج الأكبر " # وأخرج البخاري ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن مردويه، عن أبي هريرة ~~قال بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك، ~~ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر، والحج الأكبر الحج ~~وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس ~~في ذلك العام، فلم يحج عام حجة الوداع التي حج فيها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مشرك، وأنزل الله في العالم الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين # يأيها الذين ءامنوا إنما المشركون نجس # التوبة 28 الآية. وأخرج الطبراني، عن سمرة بن جندب، أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال زمن الفتح # " إن هذا عام الحج الأكبر، قال اجتمع حج المسلمين وحج المشركين في ~~ثلاثة أيام متتابعات، واجتمع النصارى واليهود في ثلاثة أيام متتابعات ~~فاجتمع حج المسلمين والمشركين والنصارى واليهود في ستة أيام متتابعات، ~~ولم يجتمع منذ خلق السموات والأرض كذلك قبل العام، ولا يجتمع بعد العام ~~حتى تقوم الساعة " # وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن، أنه سئل عن ~~يوم الحج الأكبر فقال مالكم وللحج الأكبر؟ ذاك عام حج فيه أبو بكر، ~~استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج بالناس، واجتمع فيه المسلمون ~~والمشركون، فلذلك سمي الحج الأكبر، ووافق ms1446 عيد اليهود والنصارى. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عن سعيد بن المسيب، قال الحج الأكبر اليوم الثاني من يوم ~~النحر، ألم تر أن الإمام يخطب فيه. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ~~المسور بن مخرمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم عرفة # " هذا يوم الحج الأكبر " # وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن عمر بن الخطاب، قال الحج الأكبر يوم عرفة. وأخرج ابن جرير، عن أبي ~~الصهباء البكري قال سألت علي بن أبي طالب عن يوم الحج الأكبر فقال يوم ~~عرفة. وأخرج أبو عبيدة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن ~~عباس، قال إن يوم عرفة يوم الحج الأكبر. # وأخرج ابن جرير عن الزبير نحوه. ولا يخفاك أن الأحاديث الواردة في كون ~~يوم النحر هو يوم الحج الأكبر، هي ثابتة في الصحيحين، وغيرهم من طرق، فلا ~~تقوى لمعارضتها هذه الروايات المصرحة بأنه يوم عرفة. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، عن الشعبي، أنه سئل هذا الحج الأكبر، فما الحج الأصغر؟ قال عمرة في ~~رمضان. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن إسحاق، قال سألت عبد الله بن شداد عن ~~الحج الأكبر فقال الحج الأكبر يوم النحر، والحج الأصغر العمرة. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد ابن مسعود، قال ~~سئل سفيان بن عيينة عن البشارة تكون في المكروه فقال ألم تسمع قوله { ~~وبشر الذين كفروا بعذاب أليم }. ### || [9.4-6] # الاستثناء بقوله { إلا الذين عهدتم }. قال الزجاج إنه ~~يعود إلى قوله { براءة } والتقدير براءة من الله ورسوله إلى المعاهدين ~~من المشركين إلا الذين لم ينقضوا العهد منهم. وقال في الكشاف إنه مستثنى ~~من قوله { فسيحوا } والتقدير فقولوا لهم فسيحوا، إلا الذين عاهدتم ثم ~~لم ينقصوكم، فأتموا إليهم عهدهم. قال والاستثناء بمعنى الاستدراك، كأنه ~~قيل بعد أن أمروا في الناكثين ولكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم، ~~ولا تجروهم مجراهم. وقد اعترض عليه بأنه قد تخلل الفاصل بين ms1447 المستثنى ~~والمستثنى منه، وهو { وأذان من الله } إلخ. وأجيب بأن ذلك لا ~~يضر، لأنه ليس بأجنبي. وقيل إن الاستثناء من المشركين المذكورين قبله، ~~فيكون متصلا وهو ضعيف. قوله { ثم لم ينقصوكم شيئا } أي لم ~~يقع منهم أي نقص. وإن كان يسيرا، وقرأ عكرمة، وعطاء بن يسار " ينقضوكم ~~" بالضاد المعجمة، أي لم ينقضوا عهدكم، وفيه دليل على أنه كان من أهل ~~العهد من خاس بعهده. ومنهم من ثبت عليه، فأذن الله سبحانه لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم بنقض عهد من نقض، وبالوفاء لمن لم ينقض إلى مدته { ولم ~~يظهروا عليكم أحدا } المظاهرة المعاونة أي لم يعاونوا ~~عليكم أبحدا من أعدائكم { فأتموا إليهم عهدهم } أي ~~أدوا إليهم عهدهم تاما غير ناقص { إلى مدتهم } التي عاهدتموهم ~~إليها، وإن كانت أكثر من أربعة أشهر، ولا تعاملوهم معاملة الماكثين على ~~القتال بعد مضي المدة المذكورة سابقا، وهي أربعة أشهر أو خمسون يوما ~~على الخلاف السابق. قوله { فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } انسلاخ الشهر ~~تكامله جزءا فجزءا إلى أن ينقضي كانسلاخ الجلد عما يحويه، شبه خروج ~~المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه، وأصله الانسلاخ الواقع بين ~~الحيوان وجلده، فاستعير لانقضاء الأشهر، يقال سلخت الشهر تسلخه سلخا ~~وسلوخا بمعنى خرجت منه، ومنه قول الشاعر # إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله كفى قاتلا سلخي الشهور وإهلالي # ويقال سلخت المرأة درعها نزعته، وفي التنزيل # وءاية لهم اليل نسلخ منه النهار # يس 37. واختلف العلماء في تعيين الأشهر الحرم المذكورة هاهنا، فقيل هي ~~الأشهر الحرم المعروفة التي هي ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب ثلاثة ~~سرد، وواحد فرد. ومعنى الآية على هذا وجوب الإمساك عن قتال من لا عهد له ~~من المشركين في هذه الأشهر الحرم. وقد وقع النداء والنبذ إلى المشركين ~~بعهدهم يوم النحر، فكان الباقي من الأشهر الحرم التي هي الثلاثة ~~المسرودة، خمسين يوما تنقضي بانقضاء شهر المحرم، فأمرهم الله بقتل ~~المشركين حيث يوجدون، وبه قال جماعة من أهل العلم منهم الضحاك والباقر. # وروي عن ms1448 ابن عباس، واختاره ابن جرير. وقيل المراد بها شهور العهد المشار ~~إليها بقوله { فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم } ~~وسميت حرما، لأن الله سبحانه حرم على المسلمين فيها دماء المشركين ~~والتعرض لهم، وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم منهم مجاهد، وابن إسحاق، ~~وابن زيد، وعمرو بن شعيب. وقيل هي الأشهر المذكورة في قوله { فسيحوا ~~فى الأرض أربعة أشهر }. وقد روي ذلك عن ابن عباس وجماعة، ~~ورجحه ابن كثير، وحكاه عن مجاهد، وعمرو بن شعيب، ومحمد بن إسحاق، وقتادة، ~~والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وسيأتي بيان حكم القتال في الأشهر ~~الحرم الدائرة في كل سنة في هذه السورة إن شاء الله. ومعنى { حيث ~~وجدتموهم } في أي مكان وجدتموهم من حل أو حرم. ومعنى { خذوهم } ~~الأسر، فإن الأخيذ هو الأسير. ومعنى الحصر منعهم من التصرف في بلاد ~~المسلمين إلا بإذن منهم، والمرصد الموضع الذي يرقب فيه العدو، يقال رصدت ~~فلانا أرصده، أي اقعدوا لهم في المواضع التي ترتقبونهم فيها. قال عامر ~~بن الطفيل # ولقد علمت وما أخالك عالما أن المنية للفتى بالمرصد # وقال النابغة # أعاذل إن الجهل من لذة الفتى وإن المنايا للنفوس بمرصد # وكل في { كل مرصد } منتصب على الظرفية وهو اختيار الزجاج، وقيل ~~هو منتصب بنزع الخافض أي في كل مرصد، وخطأ أبو علي الفارسي الزجاج في ~~جعله ظرفا. وهذه الآية المتضمنة للأمر بقتل المشركين عند انسلاخ الأشهر ~~الحرم عامة لكل مشرك، لا يخرج عنها إلا من خصته السنة، وهو المرأة، ~~والصبي، والعاجز الذي لا يقاتل، وكذلك يخصص منها أهل الكتاب الذين يعطون ~~الجزية على فرض تناول لفظ المشركين لهم، وهذه الآية نسخت كل آية فيها ذكر ~~الإعراض عن المشركين والصبر على أذاهم. وقال الضحاك وعطاء والسدي هي ~~منسوخة بقوله # فإما منا بعد وإما فداء # محمد 4. وأن الأسير لا يقتل صبرا بل يمن عليه أو يفادي. وقال مجاهد ~~وقتادة بل هي ناسخة لقوله { فإما منا بعد وإما فداء } ، ~~وأنه لا يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل. وقال ms1449 ابن زيد الآيتان ~~محكمتان. قال القرطبي وهو الصحيح لأن المن والقتل والفداء لم تزل من حكم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم من أول حرب جاء بهم وهو يوم بدر. ~~قوله { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة } أي ~~تابوا عن الشرك الذي هو سبب القتل، وحققوا التوبة بفعل ما هو من أعظم ~~أركان الإسلام، وهو إقامة الصلاة، وهذا الركن اكتفى به عن ذكر ما يتعلق ~~بالأبدان من العبادات، لكونه رأسها، واكتفى بالركن الآخر المالي، وهو ~~إيتاء الزكاة عن كل ما يتعلق بالأموال من العبادات، لأنه أعظمها { ~~فخلوا سبيلهم } أي اتركوهم وشأنهم، فلا تأسروهم، ولا تحصروهم، ~~ولا تقتلوهم { الله غفور } لهم { رحيم } بهم. # قوله { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره } ، ~~يقال استجرت فلانا، أي طلبت أن يكون جارا أي محاميا ومحافظا من أن ~~يظلمني ظالم، أو يتعرض لي متعرض. و { أحد } مرتفع بفعل مقدر يفسره ~~المذكور بعده أي وإن استجارك أحد استجارك، وكرهوا الجمع بين المفسر ~~والمفسر. والمعنى وإن استجارك أحد من المشركين الذين أمرت بقتالهم فأجره ~~أي كن جارا له مؤمنا محاميا { حتى يسمع كلام الله } منك ~~ويتدبره حق تدبره، ويقف على حقيقة ما تدعو إليه { ثم أبلغه ~~مأمنه } أي إلى الدار التي يأمن فيها بعد أن يسمع كلام الله إن لم ~~يسلم، ثم بعد أن تبلغه مأمنه قاتله فقد خرج من جوارك ورجع إلى ما كان ~~عليه من إباحة دمه، ووجوب قتله حيث يوجد، والإشارة بقوله { ذلك } إلى ~~ما تقدم من الأمر بالإجارة، وما بعده { بأنهم قوم لا ~~يعلمون } أي بسبب فقدانهم للعلم النافع المميز بين الخير والشر في ~~الحال والمآل. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { إلا ~~الذين عهدتم } قال هم قريش. وأخرج أيضا عن قتادة قال هم ~~مشركو قريش الذين عاهدهم نبي الله زمن الحديبية، وكان بقي من مدتهم ~~أربعة أشهر بعد يوم النحر، فأمر نبيه أن يوفي بعهدهم هذا إلى مدتهم. ~~وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد ms1450 بن عباد بن جعفر، ~~في قوله { إلا الذين عهدتم } قال هم بنو جذيمة ابن عامر من ~~بني بكر بن كنانة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله { فأتموا ~~إليهم عهدهم إلى مدتهم } قال كان بقي لبني مذحج ~~وخزاعة عهد، فهو الذي قال الله { فأتموا إليهم عهدهم ~~إلى مدتهم }. وأخرج أبو الشيخ، عن السدي، في قوله { إلا ~~الذين عهدتم من المشركين } قال هؤلاء بنو ضمرة، وبنو ~~مدلج، من بني كنانة كانوا حلفاء للنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~العشيرة من بطن ينبع { ثم لم ينقصوكم شيئا } ثم لم ~~ينقصوا عهدكم بغدر { ولم يظهروا عليكم أحدا } قال لم ~~يظاهروا عدوكم عليكم { فأتموا إليهم عهدهم إلى ~~مدتهم } يقول أجلهم الذي شرطتم لهم { إن الله يحب ~~المتقين } يقول الذين يتقون الله فيما حرم عليهم، فيوفون بالعهد. ~~قال فلم يعاهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء الآيات أحدا. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، عن السدي، في قوله { فإنه انسلخ الأشهر ~~الحرم } قال هي الأربعة عشرون من ذي الحجة والمحرم، وصفر، وشهر ربيع ~~الأول، وعشر من ربيع الآخر. قلت مراد السدي أن هذه الأشهر تسمى حرما ~~لكون تأمين المعاهدين فيها يستلزم تحريم القتال، لا أنها الأشهر الحرم ~~المعروفة. # وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك، في الآية قال هي عشر من ذي القعدة، وذو ~~الحجة، والمحرم، سبعون ليلة. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد قال هي الأربعة ~~الأشهر التي قال { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر }. وأخرج ~~ابن المنذر، عن قتادة، نحو قول السدي السابق. وأخرج أبو داود في ناسخه، ~~عن ابن عباس، في قوله { فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ثم نسخ واستثنى. ~~فقال { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم } ، وقال { وإن أحد من المشركين ~~استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله }. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله { وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره } يقول من جاءك واستمع ما تقول. ~~واستمع ما أنزل إليك، فهو آمن حين يأتيك فيسمع ms1451 كلام الله حتى يبلغ مأمنه ~~من حيث جاء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله { ثم أبلغه ~~مأمنه } قال إن لم يوافقه ما يقص عليه ويخبر به فأبلغه مأمنه، وهذا ~~ليس بمنسوخ. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة في قوله { حتى يسمع ~~كلام الله } أي كتاب الله. وأخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن أبي عروبة، ~~قال كان الرجل يجىء إذا سمع كتاب الله، وأقر به، وأسلم، فذاك الذي دعي ~~إليه، وإن أنكر ولم يقر به، رد إلى مأمنه، ثم نسخ ذلك، فقال # وقاتلوا المشركين كافة كما يقتلونكم كافة # التوبة 36. ### || [9.7-11] # قوله { كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند ~~رسوله } الاستفهام هنا للتعجب المتضمن للإنكار، وعهد اسم يكون، وفي ~~خبره ثلاثة أوجه الأول أنه كيف، وقدم للاستفهام، والثاني للمشركين، { ~~وعند } على هذين ظرف للعهد، أو ليكون، أو صفة للعهد والثالث أن الخبر عند ~~الله، وفي الآية إضمار. والمعنى كيف يكون للمشركين عهد عند الله يأمنون ~~به من عذابه، وقيل معنى الآية محال أن يثبت لهؤلاء عهد، وهم أضداد لكم ~~مضمرون للغدر، فلا يطمعوا في ذلك ولا يحدثوا به أنفسهم، ثم استدرك، فقال ~~{ إلا الذين عهدتم عند المسجد الحرام } أي لكن ~~الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، ولم ينقضوا ولم ينكثوا فلا تقاتلوهم، ~~فما داموا مستقيمين لكم على العهد الذي بينكم وبينهم { فاستقيموا ~~لهم } قيل هم بنو بكر، وقيل بنو كنانة وبنو ضمرة، وفي «ما» وجهان ~~أحدهما أنها مصدرية زمانية، والثاني أنها شرطية، وفي قوله { إن ~~الله يحب المتقين } إشارة إلى أن الوفاء بالعهد والاستقامة ~~عليه من أعمال المتقين، فيكون تعليلا للأمر بالاستقامة. قوله { كيف ~~وإن يظهروا عليكم } أعاد الاستفهام التعجيبي للتأكيد ~~والتقرير، والتقدير كيف يكون لهم عهد عند الله وعند رسوله؟ والحال أنهم ~~إن يظهروا عليكم بالغلبة لكم { لا يرقبوا } أي لا يراعوا فيكم { ~~إلا } أي عهدا { ولا ذمة }. قال في الصحاح الإل العهد والقرابة ~~ومنه قول حسان # لعمرك أن إلك من قريش كإل السقب من رئل النعام # قال الزجاج الإل ms1452 عندي على ما توجبه اللغة يدور على معنى الحدة، ومنه ~~الإلة للحربة، ومنه أذن مؤللة أي محددة، ومنه قوله طرفة بن العبد يصف ~~ناقته بالحدة والانتصاب # مؤللتان يعرف العنق منهما كسامعتي شاة بحومل مفرد # قال أبو عبيدة الإل العهد، والذمة والنديم. وقال الأزهري هو اسم لله ~~بالعبرانية، وأصله من الأليل، وهو البريق، يقال أل لونه يول إلا أي ~~صفا ولمع، والذمة العهد، وجمعها ذمم، فمن فسر الإل بالعهد كان التكرير ~~للتأكيد مع اختلاف اللفظين. وقال أبو عبيدة الذمة التذمم. وقال أبو عبيد ~~الذمة الأمان، كما في قوله صلى الله عليه وسلم # " ويسعى بذمتهم أدناهم " # وروي عن أبي عبيدة أيضا أن الذمة ما يتذمم به أي ما يجتنب فيه الذم. ~~قوله { يرضونكم بأفوههم } أي يقولون بألسنتهم ما فيه مجاملة ~~ومحاسنة لكم، طلبا لمرضاتهم وتطييب قلوبكم، وقلوبهم تأبى ذلك وتخالفه، ~~وتود ما فيه مساءتكم ومضرتكم، كما يفعله أهل النفاق وذو الوجهين، ثم حكم ~~عليهم بالفسق، وهو التمرد والتجري، والخروج عن الحق لنقضهم العهود، وعدم ~~مراعلتهم للعقود، ثم وصفهم بقوله { اشتروا بئايت الله ~~ثمنا قليلا } أي استبدلوا بآيات القرآن التي من جملتها ما فيه ~~الأمر بالوفاء بالعهود ثمنا قليلا حقيرا، وهو ما آثروه من حطام الدنيا ~~{ فصدوا عن سبيله } أي فعدلوا وأعرضوا عن سبيل الحق، أو صرفوا ~~غيرهم عنه. # قوله { لا يرقبون فى مؤمن إلا ولا ذمة } قال النحاس ~~ليس هذا تكريرا، ولكن الأول لجميع المشركين، والثاني لليهود خاصة، ~~والدليل على هذا { اشتروا بئايت الله ثمنا قليلا } ~~يعني اليهود، وقيل هذا فيه مراعاة لحقوق المؤمنين على الإطلاق، وفي ~~الأول المراعاة لحقوق طائفة من المؤمنين خاصة { وأولئك هم ~~المعتدون } أي المجاوزون للحلال إلى الحرام بنقض العهد، أو ~~البالغون في الشر والتمرد إلى الغاية القصوى { فإن تابوا } عن ~~الشرك والتزموا أحكام الإسلام، { فإخوانكم } أي فهم إخوانكم { فى ~~الدين } أي في دين الإسلام { ونفصل الآيت } أي نبينها ونوضحها ~~{ لقوم يعلمون } بما فيها من الأحكام ويفهمونه، وخص أهل العلم ~~لأنهم المنتفعون بها، والمراد بالآيات ما مر من ms1453 الآيات المتعلقة بأحوال ~~المشركين على اختلاف أنواعهم. وقد أخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن ~~عباس، في قوله { إلا الذين عهدتم عند المسجد ~~الحرام } قال قريش. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، نحوه. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مقاتل قال كان النبي صلى الله عليه وسلم عاهد ~~أناسا من بني ضمرة بن بكر وكنانة خاصة، عاهدهم عند المسجد الحرام، وجعل ~~مدتهم أربعة أشهر، وهم الذين ذكر الله { إلا الذين عهدتم ~~عند المسجد الحرام فما استقموا لكم ~~فاستقيموا لهم } يقول ما وفوا لكم بالعهد ففوا لهم. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عن السدي قال هم بنو جذيمة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن قتادة، في قوله { إلا الذين عهدتم عند المسجد ~~الحرام } قال هو يوم الحديبية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { إلا ولا ذمة } ~~قال الإل القرابة، والذمة العهد. وأخرج الفريابي، وأبو عبيد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال ~~الإل الله عز وجل. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن عكرمة مثله. ~~وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله { ~~اشتروا بئايت الله ثمنا قليلا } قال أبو سفيان بن ~~حرب أطعم حلفاءه وترك حلفاء محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله { فإن تابوا } الآية يقول إن تركوا ~~اللات والعزى، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ~~فإخوانكم في الدين. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال حرمت ~~هذه الآية قتال أو دماء أهل الصلاة. ### || [9.12-16] # قوله { وإن نكثوا } معطوف على { فإن تابوا } والنكث النقض، وأصله ~~نقض الخيط بعد إبرامه، ثم استعمل في كل نقض، ومنه نقض الإيمان والعهود ~~على طريق الاستعارة. ومعنى { من بعد عهدهم } أي من بعد أن ~~عاهدوكم. والمعنى أن الكفار إن نكثوا العهود التي عاهدوا بها المسلمين، ~~ووثقوا بها وضموا ms1454 إلى ذلك الطعن في دين الإسلام، والقدح فيه، فقد وجب على ~~المسلمين قتالهم. وأئمة الكفر جمع إمام، والمراد صناديد المشركين، وأهل ~~الرئاسة فيهم على العموم. وقرأ حمزة " أإمة " ، وأكثر النحويين يذهب إلى ~~أن هذا لحن، لأن فيه الجمع بين همزين في كلمة واحدة. وقرأ الجمهور بجعل ~~الهمزة الثانية بين بين، أي بين مخرج الهمزة والياء. وقرىء بإخلاص الياء ~~وهو لحن، كما قال الزمخشري. قوله { إنهم لا أيمن لهم } هذه ~~الجملة تعليل لما قبلها، والإيمان جمع يمين في قراءة الجمهور. وقرأ ابن ~~عامر «لا إيمان لهم» بكسر الهمزة. والمعنى على قراءة الجمهور أن إيمان ~~الكافرين وإن كانت في الصورة يمينا، فهي في الحقيقة ليست بيمين. وعلى ~~القراءة الثانية أن هؤلاء الناكثين للإيمان الطاعنين في الدين، ليسوا من ~~أهل الإيمان بالله حتى يستحقوا العصمة لدمائهم وأموالهم، فقتالهم واجب ~~على المسلمين. قوله { لعلهم ينتهون } أي عن كفرهم ونكثهم ~~وطعنهم في دين الإسلام. والمعنى أن قتالهم يكون إلى الغاية هي الانتهاء ~~عن ذلك. وقد استدل بهذه الآية على أن الذمي إذا طعن في الدين لا يقتل ~~حتى ينكث العهد، كما قال أبو حنيفة، لأن الله إنما أمر بقتلهم بشرطين ~~أحدهما نقض العهد، والثاني الطعن في الدين. وذهب مالك والشافعي وغيرهما، ~~إلى أنه إذا طعن في الدين قتل، لأنه ينتقض عهده بذلك، قالوا وكذلك إذا ~~حصل من الذمي مجرد النكث فقط من دون طعن في الدين، فإنه يقتل. قوله { ~~ألا تقتلون قوما نكثوا أيمنهم } الهمزة الداخلة ~~على حرف النفي للاستفهام التوبيخي، مع ما يستفاد منها من التحضيض على ~~القتال والمبالغة في تحققه، والمعنى أن من كان حاله كحال هؤلاء من نقض ~~العهد وإخراج الرسول من مكة والبداءة بالقتال، فهو حقيق بأن لا يترك ~~قتاله، وأن يوبخ من فرط في ذلك، ثم زاد في التوبيخ فقال { ~~أتخشونهم } فإن هذا الاستفهام للتوبيخ والتقريع أي تخشون أن ~~ينالهم منهم مكروه فتتركون قتالهم لهذه الخشية، ثم بين ما يجب أن يكون ~~الأمر عليه، فقال { فالله أحق أن تخشوه إن ms1455 كنتم ~~مؤمنين } أي هو أحق بالخشية منكم، فإنه الضار النافع بالحقيقة، ~~ومن خشيتكم له أن تقاتلوا من أمركم بقتاله، فإن قضية الإيمان توجب ذلك ~~عليكم، ثم زاد في تأكيد الأمر بالقتال فقال { قتلوهم } ورتب على ~~هذا الأمر فوائد الأولى تعذيب الله للكفار بأيدي المؤمنين بالقتل والأسر. # والثانية إخزاؤهم، قيل بالأسر. وقيل بما نزل بهم من الذل والهوان. ~~والثالثة نصر المسلمين عليهم وغلبتهم لهم. والرابعة أن الله يشفي بالقتال ~~صدور قوم مؤمنين ممن لم يشهد القتال ولا حضره. والخامسة أنه سبحانه يذهب ~~بالقتال غيظ قلوب المؤمنين الذي نالهم بسبب ما وقع من الكفار من الأمور ~~الجالبة للغيظ وحرج الصدر. فإن قيل شفاء الصدور وإذهاب غيظ القلوب كلاهما ~~بمعنى فيكون تكرارا. قيل في الجواب إن القلب أخص من الصدر. وقيل إن شفاء ~~الصدر إشارة إلى الوعد بالفتح، ولا ريب أن الانتظار لنجاز الوعد مع الثقة ~~به فيهما شفاء للصدر، وأن إذهاب غيظ القلوب إشارة إلى وقوع الفتح، وقد ~~وقعت للمؤمنين ولله الحمد هذه الأمور كلها، ثم قال { ويتوب الله ~~على من يشاء } وهو ابتداء كلام يتضمن الإخبار بما سيكون، وهو أن ~~بعض الكافرين يتوب عن كفره، كما وقع من بعض أهل مكة يوم الفتح، فإنهم ~~أسلموا وحسن إسلامهم، وهذا على قراءة الرفع في { يتوب } ، وهي قراءة ~~الجمهور. وقرىء بنصب { يتوب } بإضمار أن، ودخول التوبة في جملة ما أجيب ~~به الأمر من طريق المعنى. قرأ بذلك ابن أبي إسحاق، وعيسى الثقفي، ~~والأعرج. فإن قيل كيف تقع التوبة جزاء للمقاتلة؟ وأجيب بأن القتال قد ~~يكون سببا لها إذا كانت من جهة الكفار، وأما إذا كانت من جهة المسلمين ~~فوجهه أن النصر والظفر من جهة الله يكون سببا لخلوص النية والتوبة عن ~~الذنوب. قوله { أم حسبتم أن تتركوا } أم هذه هي المنقطعة ~~التي بمعنى بل، والهمزة والاستفهام للتوبيخ، وحرف الإضراب للدلالة على ~~الانتقال من كلام إلى آخر، والمعنى كيف يقع الحسبان منكم بأن تتركوا على ~~ما أنتم عليه، وقوله { أن تتركوا } في موضع مفعولي الحسبان ms1456 عند ~~سيبويه. وقال المبرد إنه حذف الثاني، والتقدير أم حسبتم أن تتركوا من غير ~~أن تبتلوا بما يظهر به المؤمن والمنافق، الظهور الذي يستحق به الثواب ~~والعقاب. وجملة { ولما يعلم الله الذين جهدوا ~~منكم } في محل نصب على الحال، والمراد من نفي العلم نفي المعلوم، ~~والمعنى كيف تحسبون أنكم تتركوا، ولما يتبين المخلص منكم في جهاده من غير ~~المخلص، وجملة { ولم يتخذوا } معطوفة على جاهدوا داخلة معه في ~~حكم النفي واقعة في حيز الصلة، والوليجة من الولوج وهو الدخول، ولج يلج ~~ولوجا إذا دخل، فالوليجة الدخيلة. قال أبو عبيدة كل شيء أدخلته في شيء ~~ليس منه، فهو وليجة. قال أبان بن تغلب # فبئس الوليجة للهاربي ن والمعتدين وأهل الريب # وقال الفراء الوليجة البطانة من المشركين، والمعنى واحد، أي كيف تتخذون ~~دخيلة أو بطانة من المشركين تفشون إليهم بأسراركم، وتعلمونهم أموركم من ~~دون الله { والله خبير بما تعملون } أي بجميع أعمالكم. # وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن مجاهد، في قوله { وإن ~~نكثوا أيمنهم } قال عهدهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، ~~عن ابن عباس، في الآية قال يقول الله لنبيه وإن نكثوا العهد الذي بينك ~~وبينهم، فقاتلهم إنهم أئمة الكفر. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله { أئمة الكفر } قال ~~أبو سفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هاشم، ~~وسهيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله وهموا بإخراج الرسول من مكة. ~~وأخرج ابن عساكر، عن مالك بن أنس مثله. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس { ~~فقتلوا أئمة الكفر } قال رؤوس قريش. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عمر قال أبو سفيان بن حرب منهم. وأخرج ~~أبو الشيخ عن الحسن أنهم الديلم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن حذيفة أنهم ذكروا عنده هذه الآية فقال ما ~~قوتل أهل هذه الآية بعد، وأخرج ابن مردويه، عن ms1457 علي نحوه. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، والبخاري، وابن مردويه، عن حذيفة قال ما بقي من أهل هذه الآية إلا ~~ثلاثة، ولا من المنافقين إلا أربعة، فقال أعرابي إنكم أصحاب محمد ~~تخبروننا لا ندري فما بال هؤلاء الذين ينقرون بيوتنا ويسترقون أعلاقنا، ~~قال أولئك الفساق، أجل لم يبق منهم إلا أربعة. أحدهم شيخ كبير لو شرب ~~الماء البارد لما وجد برده. والأولى أن الآية عامة في كل رؤساء الكفار من ~~غير تقييد بزمن معين أو بطائفة معينة اعتبارا بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب، ومما يفيد ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن عبد الرحمن بن جبير بن ~~نفير، أنه كان في عهد أبي بكر الصديق إلى الناس حين وجههم إلى الشام قال ~~إنكم ستجدون قوما مجوفة رؤوسهم، فاضربوا مقاعد الشيطان منهم بالسيوف، ~~فوالله لأن أقتل رجلا منهم أحب إلي من أن أقتل سبعين من غيرهم، وذلك ~~بأن الله يقول { فقتلوا أئمة الكفر }. وأخرج أبو الشيخ ~~عن حذيفة { لا أيمان لهم } قال لا عهود لهم. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن عمار مثله. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ~~مجاهد، في قوله { ألا تقتلون قوما نكثوا أيمنهم ~~} قال قتال قريش حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم وهمهم بإخراج الرسول. ~~زعموا أن ذلك عام عمرة النبي صلى الله عليه وسلم في العام التابع ~~للحديبية، نكثت قريش العهد عهد الحديبية، وجعلوا في أنفسهم إذا دخلوا مكة ~~أن يخرجوا منها فذلك همهم بإخراجه، فلم تتابعهم خزاعة على ذلك فلما خرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، قالت قريش لخزاعة عميتمونا عن إخراجه، ~~فقاتلوهم، فقتلوا منهم رجالا. # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة ~~قال نزلت في خزاعة { قتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ~~ويخزهم } الآية. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي نحوه. وأخرج أبو ~~الشيخ، عن قتادة، نحوه أيضا، وقد ساق القصة ابن إسحاق ms1458 في سيرته، وأورد ~~فيها النظم الذي أرسلته خزاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأوله # يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا # وأخرج القصة البيهقي في الدلائل. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن ابن عباس، قال الوليجة البطانة من غير دينهم. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن المنذر، عن قتادة، قال { وليجة } أي خيانة. ### || [9.17-22] # قرأ الجمهور { يعمروا } بفتح حرف المضارعة وضم الميم من عمر يعمر. ~~وقرأ ابن السميفع بضم حرف المضارعة من أعمر يعمر أي يجعلون لها من ~~يعمرها. وقرأ ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وابن ~~كثير، وأبو عمرو، وابن محيصن وسهم ويعقوب { مسجد الله } الإفراد. ~~وقرأ الباقون { مساجد } بالجمع، واختارها أبو عبيدة. قال النحاس لأنها ~~أعم، والخاص يدخل تحت العام، وقد يحتمل أن يراد بالجمع المسجد الحرام ~~خاصة، وهذا جائز فيما كان من أسماء الأجناس كما يقال فلان يركب الخيل وإن ~~لم يركب إلا فرسا قال وقد أجمعوا على الجمع في قوله { إنما يعمر ~~مسجد الله } وروي عن الحسن البصري أنه تعالى إنما قال { ~~مسجد } والمراد المسجد الحرام، لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها، ~~فعامره كعامر جميع المساجد. قال الفراء العرب قد تضع الواحد مكان الجمع ~~كقولهم فلان كثير الدرهم وبالعكس، كقولهم فلان يجالس الملوك ولعله لم ~~يجالس إلا ملكا واحدا. والمراد بالعمارة إما المعنى الحقيقي أو المعنى ~~المجازي، وهو ملازمته والتعبد فيه، وكلاهما ليس للمشركين، أما الأول ~~فلأنه يستلزم المنة على المسلمين بعمارة مساجدهم، وأما الثاني فلكون ~~الكفار لا عبادة لهم مع نهيهم عن قربان المسجد الحرام، ومعنى { ما كان ~~للمشركين } ما صح لهم وما استقام أن يفعلوا ذلك، و { على ~~أنفسهم بالكفر } حال أي ما كان لهم ذلك حال كونهم شاهدين على ~~أنفسهم بالكفر، بإظهار ما هو كفر من نصب الأوثان والعبادة لها، وجعلها ~~آلهة، فإن هذا شهادة منهم على أنفسهم بالكفر، وإن أبوا ذلك بألسنتهم، ~~فكيف يجمعون بين أمرين متنافيين عمارة المساجد التي هي من شأن المؤمنين، ms1459 ~~والشهادة على أنفسهم بالكفر التي ليست من شأن من يتقرب إلى الله بعمارة ~~مساجده. وقيل المراد بهذه الشهادة قولهم في طوافهم لبيك لا شريك لك إلا ~~شريك هو لك تملكه وما ملك وقيل شهادتهم على أنفسهم بالكفر أن اليهودي ~~يقول هو يهودي، والنصراني يقول هو نصراني، والصابىء يقول هو صابىء، ~~والمشرك يقول هو مشرك { أولئك حبطت أعملهم } التي ~~يفتخرون بها، ويظنون أنها من أعمال الخير أي بطلت ولم يبق لها أثر { ~~وفى النار هم خلدون } وفي هذه الجملة الإسمية مع تقديم ~~الظرف المتعلق بالخبر تأكيد لمضمونها. ثم بين سبحانه من هو حقيق بعمارة ~~المساجد فقال { إنما يعمر مسجد الله من ءامن ~~بالله واليوم الآخر } وفعل ما هو من لوازم الإيمان من إقامة ~~الصلاة وإيتاء الزكاة { ولم يخش } أحدا { إلا الله } فمن ~~كان جامعا بين هذه الأوصاف، فهو الحقيق بعمارة المساجد. # لا من كان خاليا منها أو من بعضها، واقتصر على ذكر الصلاة والزكاة ~~والخشية تنبيها بما هو من أعظم أمور الدين على ما عداه مما افترضه الله ~~على عباده لأن كل ذلك من لوازم الإيمان، وقد تقدم الكلام في وجه جمع ~~المساجد، وفي بيان ماهية العمارة، ومن جوز الجمع بين الحقيقة والمجاز ~~حمل العمارة هنا عليهما، وفي قوله { فعسى أولئك أن يكونوا ~~من المهتدين } حسم لأطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم، فإن ~~الموصوفين بتلك الصفات إذا كان اهتداؤهم مرجوا فقط، فكيف بالكفار الذين ~~لم يتصفوا بشيء من تلك الصفات. وقيل " عسى " من الله واجبة. وقيل هي ~~بمعنى خليق، أي فخليق أن يكونوا من المهتدين. وقيل إن الرجاء راجع إلى ~~العباد. والاستفهام في { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة ~~المسجد الحرام } للإنكار، والسقاية والعمارة مصدران كالسعاية ~~والحماية، وفي الكلام حذف، والتقدير أجعلتم أصحاب سقاية الحاج وعمارة ~~المسجد، أو أهلهما { كمن ءامن } حتى يتفق الموضوع والمحمول أو يكون ~~التقدير في الخبر أي جعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، كعمل من ~~آمن أو كإيمان من آمن. وقرأ ابن أبي وجرة السعدي، وابن الزبير، وسعيد بن ~~جبير ms1460 " أجعلتم سقاة الحاج، وعمرة المسجد الحرام " جمع ساق وعامر. وعلى ~~هذه القراءة لا يحتاج إلى تقدير محذوف، والمعنى أن الله أنكر عليهم ~~التسوية بين ما كان تعمله الجاهلية من الأعمال التي صورتها صورة الخير، ~~وإن لم ينتفعوا بها وبين إيمان المؤمنين وجهادهم في سبيل الله، وقد كان ~~المشركون يفتخرون بالسقاية والعمارة، ويفضلونهما على عمل المسلمين. فأنكر ~~الله عليهم ذلك، ثم صرح سبحانه بالمفاضلة بين الفريقين وتفاوتهم وعدم ~~استوائهم فقال { لا يستوون عند الله } أي لا تساوي تلك ~~الطائفة الكافرة الساقية للحجيج العامرة للمسجد الحرام هذه الطائفة ~~المؤمنة بالله واليوم الآخر المجاهدة في سبيله، ودل سبحانه بنفي ~~الاستواء على نفي الفضيلة، التي يدعيها المشركون، أي إذا لم تبلغ أعمال ~~الكفار إلى أن تكون مساوية لأعمال المسلمين، فكيف تكون فاضلة عليها كما ~~يزعمون، ثم حكم عليهم بالظلم وأنهم مع ظلمهم بما هم فيه من الشرك لا ~~يستحقون الهداية من الله سبحانه، وفي هذا إشارة إلى الفريق المفضول. ثم ~~صرح بالفريق الفاضل فقال { الذين آمنوا } إلى آخره أي الجامعون بين ~~الإيمان والهجرة والجهاد بالأموال والأنفس { أعظم درجة عند ~~الله } وأحق بما لديه من الخير من تلك الطائفة المشركة المفتخرة ~~بأعمالها المحيطة الباطلة. وفي قوله { عند الله } تشريف عظيم ~~للمؤمنين، والإشارة بقوله { أولئك } إلى المتصفين بالصفات ~~المذكورة { هم الفائزون } أي المختصون بالفوز عند الله، ثم فسر ~~الفوز بقوله { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضون ~~وجنت لهم فيها نعيم مقيم } والتنكير في الرحمة ~~والرضوان والجنات للتعظيم، والمعنى أنها فوق وصف الواصفين وتصور ~~المتصورين. # والنعيم المقيم الدائم المستمر الذي لا يفارق صاحبه، وذكر الأبد بعد ~~الخلود تأكيد له، وجملة { إن الله عنده أجر عظيم } مؤكدة ~~لما قبلها مع تضمنها للتعليل أي أعطاهم الله سبحانه هذه الأجور العظيمة ~~لكون الأجر الذي عنده عظيم، يهب منه ما يشاء لمن يشاء، وهو ذو الفضل ~~العظيم. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~ابن عباس، في قوله { ما كان للمشركين أن يعمروا ~~مساجد الله } وقال { إنما ms1461 يعمر مسجد الله من ~~ءامن بالله واليوم الآخر } فنفى المشركين من المسجد { من ~~ءامن بالله } يقول من وحد الله وآمن بما أنزل الله { وأقام ~~الصلاة } يعني الصلوات الخمس، { ولم يخش إلا الله } يقول ~~لم يعبد إلا الله { فعسى أولئك } يقول أولئك هم المهتدون، ~~كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم # عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا # الإسراء 79 يقول إن ربك سيبعثك مقاما محمودا، وهي الشفاعة، وكل " عسى ~~" في القرآن فهي واجبة. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، والترمذي ~~وحسنه، وابن ماجه، وابن المنذر، والبيهقي في سننه، عن أبي سعيد الخدري، ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان قال الله تعالى { ~~إنما يعمر مسجد الله من ءامن بالله واليوم ~~الآخر } " # وقد وردت أحاديث كثيرة في استحباب ملازمة المساجد، وعمارتها والتردد ~~إليها للطاعات. وأخرج مسلم، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وابن حبان، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن النعمان بن ~~بشير، قال كنت عند منبر رسول الله في نفر من أصحابه فقال رجل منهم ما ~~أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر بل ~~عمارة المسجد الحرام، وقال آخر بل جهاد في سبيل الله خير مما قلتم، ~~فزجرهم عمر، وقال لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله ~~فأستفتيه فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله { أجعلتم سقاية ~~الحاج } إلى قوله { لا يهدى القوم الظلمين }. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله { أجعلتم ~~سقاية الحاج } الآية، وذلك أن المشركين قالوا عمارة بيت الله، ~~وقيام على السقاية، خير ممن آمن وجاهد، فكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون ~~به من أجل أنهم أهله وعماره، فذكر الله سبحانه استكبارهم وإعراضهم، فقال ~~لأهل الحرم من المشركين # قد كانت ءايتى تتلى عليكم فكنتم على ~~أعقبكم تنكصون * مستكبرين به سمرا تهجرون # المؤمنون 66، 67 يعني أنهم ms1462 كانوا يستكبرون بالحرم. وقال { به سامرا } ~~كانوا به يسمرون ويهجرون بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، فخير ~~الإيمان بالله والجهاد مع نبي الله على عمران المشركين البيت وقيامهم ~~على السعاية، ولم يكن لينفعهم عند الله مع الشرك به، وإن كانوا يعمرون ~~بيته ويخدمونه قال الله { لا يستوون عند الله والله لا ~~يهدى القوم الظلمين } يعني الذين زعموا أنهم أهل العمارة ~~فسماهم ظالمين بشركهم، فلم تغن عنهم العمارة شيئا، وفي إسناده العوفي ~~وهو ضعيف. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال قال ~~العباس حين أسر يوم بدر إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد ~~كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج ونفك العاني، فأنزل الله { ~~أجعلتم سقاية الحاج } الآية يعني أن ذلك كان في الشرك، فلا ~~أقبل ما كان في الشرك. وأخرج ابن مردويه، عنه، أيضا في الآية، قال نزلت ~~في علي بن أبي طالب والعباس. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~الشعبي، قال تفاخر علي والعباس وشيبة في السقاية والحجابة فأنزل الله { ~~أجعلتم سقاية الحاج } الآية، وقد روى معنى هذا من طرق. ### || [9.23-24] # الخطاب للمؤمنين كافة، وهو حكم باق إلى يوم القيامة يدل على قطع الولاية ~~بين المؤمنين والكافرين، وقالت طائفة من أهل العلم إنها نزلت في الحض ~~على الهجرة ورفض بلاد الكفر، فيكون الخطاب لمن كان من المؤمنين بمكة ~~وغيرها من بلاد العرب، نهوا بأن يوالوا الآباء والإخوة، فيكونون لهم ~~تبعا في سكنى البلاد الكفر إن استحبوا أي أحبوا، كما يقال استجاب بمعنى ~~أجاب، وهو في الأصل طلب المحبة، وقد تقدم تحقيق المقام في سورة المائدة ~~في قوله تعالى # يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصرى أولياء # المائدة 51 ثم حكم على من يتولى من استحب الكفر على الإيمان من الآباء ~~والإخوان بالظلم. فدل ذلك على أن تولي من كان كذلك من أعظم الذنوب ~~وأشدها، ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم { إن كان ~~آباؤكم } إلى آخره، والعشيرة الجماعة التي ms1463 ترجع إلى عقد واحد، وعشيرة ~~الرجل قرابته الأدنون، وهم الذين يعاشرونه، وهي اسم جمع. وقرأ أبو بكر ~~وحماد " عشيراتكم " بالجمع. قال الأخفش لا تكاد العرب تجمع عشيرة على ~~عشيرات. وإنما يجمعونها على عشائر. وقرأ الحسن " عشائركم ". وقرأ الباقون ~~{ عشيرتكم } والاقتراف الاكتساب، وأصله اقتطاع الشيء من مكانه، والتركيب ~~يدور على الدنو. والكاسب يدني الشيء من نفسه ويدخله تحت ملكه، والتجارة ~~الأمتعة التي يشترونها ليربحوا فيها، والكساد عدم النفاق لفوات وقت بيعها ~~بالهجرة ومفارقة الأوطان. ومن غرائب التفسير ما روي عن ابن المبارك أنه ~~قال إن المراد بالتجارة في هذه الآية البنات والأخوات، إذا كسدن في البيت ~~لا يجدن لهن خاطبا، واستشهد لذلك بقول الشاعر # كسدن من الفقر في قومهن وقد زادهن مقامي كسادا # وهذا البيت وإن كان فيه إطلاق الكساد على عدم وجود الخاطب لهن فليس فيه ~~جواز إطلاق اسم التجارة عليهن. والمراد بالمساكن التي يرضونها المنازل ~~التي تعجبهم وتميل إليها أنفسهم، ويرون الإقامة فيها أحب إليهم من ~~المهاجرة إلى الله ورسوله، و { أحب } خبر { كان } أي كانت هذه الأشياء ~~المذكورة في الآية أحب إليكم من الله ورسوله ومن الجهاد في سبيل الله { ~~فتربصوا } أي انتظروا { حتى يأتى الله بأمره } ~~فيكم، وما تقتضيه مشيئته من عقوبتكم، وقيل المراد بأمر الله سبحانه ~~القتال. وقيل فتح مكة وفيه بعد، فقد روى أن هذه السورة نزلت بعد الفتح. ~~وفي هذا وعيد شديد، ويؤكده إبهام الأمر وعدم التصريح به، لتذهب أنفسهم كل ~~مذهب وتتردد بين أنواع العقوبات، { والله لا يهدى القوم ~~الفسقين } أي الخارجين عن طاعته، النافرين عن امتثال أوامره ~~ونواهيه. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن مجاهد، قال أمروا بالهجرة فقال العباس بن عبد المطلب أنا أسقي ~~الحاج. # وقال طلحة أخو بني عبد الدار أنا أحجب الكعبة فلا نهاجر، فأنزلت { لا ~~تتخذوا ءاباءكم وإخونكم } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ~~مقاتل، في هذه الآية قال هي الهجرة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو ms1464 الشيخ، عن قتادة { اقترفتموها } قال ~~أصبتموها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن مجاهد، في قوله { حتى يأتى الله بأمره } قال بالفتح ~~في أمره بالهجرة، هذا كل قبل فتح مكة. وأخرج البيهقي من حديث عبد الله بن ~~شوذب قال جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح ينعت له الآلهة يوم بدر، وجعل أبو ~~عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر الجراح قصده ابنه أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر # المجادلة 22 الآية، وهي تؤكد معنى هذه الآية، وقد تقدم بيان حكم الهجرة ~~في سورة النساء. ### || [9.25-27] # المواطن جمع موطن، ومواطن الحرب مقاماتها، والمواطن التي نصر الله ~~المسلمين فيها هي يوم بدر، وما بعده من المواطن التي نصر الله المسلمين ~~على الكفار فيها قبل يوم حنين، { ويوم حنين } معطوف على { مواطن ~~} بتقدير مضاف إما في الأول وتقديره في أيام مواطن، أو في الثاني، ~~وتقديره وموطن يوم حنين، لئلا يعطف الزمان على المكان. ورد بأنه لا ~~استبعاد في عطف الزمان على المكان، فلا يحتاج إلى تقدير. وقيل إن { يوم ~~حنين } منصوب بفعل مقدر معطوف على { نصركم } أي ونصركم يوم حنين، ~~ورجح هذا صاحب الكشاف، قال وموجب ذلك أن قوله { إذ أعجبتكم } ~~بدل من { يوم حنين } ، فلو جعلت ناصبة هذا الظاهر لم يصح لأن كثرتم لم ~~تعجبهم في جميع تلك المواطن، ولم يكونوا كثيرا في جميعها. ورد بأن ~~العطف لا يجب فيه تشارك المتعاطفين في جميع ما ثبت للمعطوف، كما تقول ~~جاءني زيد، وعمرو، مع قومه، أو في ثيابه أو على فرسه، وقيل إن { إذ ~~أعجبتكم كثرتكم } ليس ببدل من { يوم حنين } ، بل منصوب بفعل ~~مقدر أي اذكروا إذا أعجبتكم كثرتكم. وحنين واد بين مكة والطائف، وانصرف ~~على أنه اسم للمكان، ومن العرب من يمنعه على أنه اسم للبقعة، ومنه قول ~~الشاعر # نصروا نبيهم وشدوا أزره بحنين يوم تواكل الأبطال # وإنما أعجب من أعجب من المسلمين بكثرتهم لأنهم كانوا اثني عشر ألفا. ~~وقيل أحد عشر ms1465 ألفا، وقيل ستة عشر ألفا. فقال بعضهم لن نغلب اليوم من ~~قلة، فوكلوا إلى هذه الكلمة، فلم تغن الكثرة شيئا عنهم، بل انهزموا وثبت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبت معه طائفة يسيرة، منهم عمه العباس ~~وأبو سفيان بن الحارث، ثم تراجع المسلمون، فكان النصر والظفر. والإغناء ~~إعطاء ما يدفع الحاجة، أي لم تعطكم الكثرة شيئا يدفع حاجتكم، ولم تفدكم. ~~قوله { بما رحبت } الرحب بضم الراء السعة، والرحب بفتح الراء ~~المكان الواسع، والباء بمعنى " مع " ، و " ما " مصدرية، ومحل الجار ~~والمجرور النصب على الحال. والمعنى أن الأرض مع كونها واسعة الأطراف ضاقت ~~عليهم بسبب ما حل بهم من الخوف والوجل وقيل إن الباء بمعنى " على " أي ~~على رحبها { ثم وليتم مدبرين } أي انهزمتم حال كونكم ~~مدبرين أي مولين أدباركم، جاعلين لها إلى جهة عدوكم. قوله { ثم ~~أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } ~~أي أنزل ما يسكنهم، فيذهب خوفهم حتى وقع منهم الاجتراء على قتال المشركين ~~بعد أن ولوا مدبرين، والمراد بالمؤمنين هم الذين لم ينهزموا، وقيل الذين ~~انهزموا. # والظاهر جميع من حضر منهم لأنهم ثبتوا بعد ذلك وقاتلوا وانتصروا. قوله { ~~وأنزل جنودا لم تروها } هم الملائكة. وقد اختلف في عددهم ~~على أقوال قيل خمسة آلاف. وقيل ثمانية آلاف، وقيل ستة عشر ألفا. وقيل ~~غير ذلك، وهذا لا يعرف إلا من طريق النبوة. واختلفوا أيضا هل قاتلت ~~الملائكة في هذا اليوم أم لا؟ وقد تقدم أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم ~~بدر، وأنهم إنما حضروا في غير يوم بدر لتقوية قلوب المؤمنين، وإدخال ~~الرعب في قلوب المشركين { وعذب الذين كفروا } بما وقع عليهم ~~من القتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذرية، والإشارة بقوله { وذلك } ~~إلى التعذيب المفهوم من عذب، وسمي ما حل بهم من العذاب في هذا اليوم ~~جزاء مع أنه غير كاف بل لا بد من عذاب الآخرة مبالغة في وصف ما وقع ~~عليهم وتعظيما له { ثم يتوب الله من بعد ذلك على من ~~يشاء } أي من بعد هذا ms1466 التعذيب على من يشاء ممن هداه منهم إلى الإسلام { ~~والله غفور } يغفر لمن أذنب، فتاب { رحيم } بعباده يتفضل ~~عليهم بالمغفرة لما اقترفوه. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~قتادة، قال حنين ما بين مكة والطائف، قاتل نبي الله هوازن وثقيف، وعلى ~~هوازن مالك بن عوف، وعلى ثقيف عبد ياليل بن عمرو الثقفي. وأخرج ابن ~~المنذر، عن الحسن قال لما اجتمع أهل مكة وأهل المدينة قالوا الآن نقاتل ~~حين اجتمعنا، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا، وما أعجبهم من ~~كثرتهم، فالتقوا فهزموا حتى ما يقوم أحد منهم على أحد حتى جعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ينادي أحياء العرب # " إلي إلي " # ، فوالله ما يعرج عليه أحد حتى أعرى موضعه، فالتفت إلى الأنصار وهم ~~ناحية فنادهم # " يا أنصار الله وأنصار رسوله، إلي عباد الله أنا رسول الله " # ، فجثوا يبكون وقالوا يا رسول الله، ورب الكعبة إليك والله، فنكسوا ~~رءوسهم يبكون وقدموا أسيافهم يضربون بين يدي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، حتى فتح الله عليهم. وأخرج البيهقي في الدلائل، عن الربيع أن رجلا ~~قال يوم حنين لن نغلب من قلة، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأنزل الله { ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ~~} قال الربيع وكانوا اثني عشر ألفا، منهم ألفان من أهل مكة. وأخرج ~~الطبراني، والحاكم وصححه، وأبو نعيم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن مسعود ~~قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فولى عنه الناس وبقيت ~~معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار. فكنا على أقدامنا نحوا من ~~ثمانين قدما ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة، ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء يمضي قدما، فقال # " ناولني كفا من تراب " # ، فناولته فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم ترابا، وولى المشركون ~~أدبارهم. ووقعة حنين مذكورة في كتب السير والحديث بطولها وتفاصيلها، فلا ~~نطول بذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، في قوله { وأنزل جنودا ~~لم ms1467 تروها } قال هم الملائكة { وعذب الذين كفروا } قال ~~قتلهم بالسيف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ابن جبير، قال في يوم حنين ~~أمد الله رسوله بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، ويومئذ سمى الله ~~الأنصار مؤمنين قال فأنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين. وأخرج ابن ~~إسحاق، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن جبير بن مطعم، ~~قال رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود أقبل من ~~السماء حتى سقط بين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، لم ~~أشك أنها الملائكة، ولم تكن إلا هزيمة القوم. ### || [9.28-29] # النجس مصدر لا يثنى ولا يجمع، يقال رجل نجس، وامرأة نجس، ورجلان نجس، ~~وامرأتان نجس، ورجال نجس، ونساء نجس. ويقال نجس ونجس بكسر الجيم وضمها. ~~ويقال نجس بكسر النون وسكون الجيم وهو تخفيف من المحرك. قيل لا تستعمل ~~إلا إذا قيل معه رجس وقيل ذلك أكثري لا كلي. و { المشركون } مبتدأ، ~~وخبره المصدر، مبالغة في وصفهم بذلك حتى كأنهم عين النجاسة، أؤ على تقدير ~~مضاف أي ذوو نجس لأن معهم الشرك وهو بمنزلة النجس. وقال قتادة ومعمر ~~وغيرهما إنهم وصفوا بذلك لأنهم لا يتطهرون، ولا يغتسلون، ولا يتجنبون ~~النجاسات. وقد استدل بالآية من قال بأن المشرك نجس الذات، كما ذهب إليه ~~بعض الظاهرية والزيدية. وروي عن الحسن البصري، وهو محكي عن ابن عباس. ~~وذهب الجمهور من السلف والخلف ومنهم أهل المذاهب الأربعة إلى أن الكافر ~~ليس بنجس الذات لأن الله سبحانه أحل طعامهم، وثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في ذلك من فعله، وقوله، ما يفيد عدم نجاسة ذواتهم، فأكل في ~~آنيتهم، وشرب منها، وتوضأ فيها، وأنزلهم في مسجده. قوله { فلا ~~يقربوا المسجد الحرام } الفاء للتفريع، فعدم قربانهم ~~للمسجد الحرام متفرع على نجاستهم. والمراد بالمسجد الحرام جميع الحرم، ~~روي ذلك عن عطاء، فيمنعون عنده من جميع الحرم، وذهب غيره من أهل العلم ~~إلى أن المراد المسجد الحرام نفسه، فلا يمنع المشرك من دخول سائر الحرم. ~~وقد اختلف أهل ms1468 العلم في دخول المشرك غير المسجد الحرام من المساجد فذهب ~~أهل المدينة إلى منع كل مشرك عن كل مسجد. وقال الشافعي الآية عامة في ~~سائر المشركين خاصة في المسجد الحرام، فلا يمنعون من دخول غيره من ~~المساجد. قال ابن العربي وهذا جمود منه على الظاهر لأن قوله تعالى { ~~إنما المشركون نجس } تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة، ~~ويجاب عنه بأن هذا القياس مردود بربطه صلى الله عليه وسلم لثمامة بن أثال ~~في مسجده، وإنزال وفد ثقيف فيه. وروي عن أبي حنيفة مثل قول الشافعي، وزاد ~~أنه يجوز دخول الذمي سائر المساجد من غير حاجة، وقيده الشافعي بالحاجة. ~~وقال قتادة إنه يجوز ذلك للذمي دون المشرك. وروى عن أبي حنيفة أيضا أنه ~~يجوز لهم دخول الحرم والمسجد الحرام وسائر المساجد، ونهى المشركين عن أن ~~يقربوا المسجد الحرام هو نهي المسلمين عن أن يمكنوهم من ذلك، فهو من باب ~~قولهم لا أرينك هاهنا. قوله { بعد عامهم هذا } فيه قولان ~~أحدهما أنه سنة تسع، وهي التي حج فيها أبو بكر على الموسم. الثاني أنه ~~سنة عشر قاله قتادة، قال ابن العربي وهو الصحيح الذي يعطيه مقتضى اللفظ، ~~ومن العجب أن يقال إنه سنة تسع، وهو العام الذي وقع فيه الأذان، ولو دخل ~~غلام رجل داره يوما فقال له مولاه لا تدخل هذه الدار بعد يومك، لم يكن ~~المراد اليوم الذي دخل فيه. # انتهى. ويجاب عنه بأن الذي يعطيه مقتضى اللفظ هو خلاف ما زعمه، فإن ~~الإشارة بقوله { بعد عامهم هذا } إلى العام المذكور قبل اسم ~~الإشارة وهو عام النداء، وهكذا في المثال الذي ذكره، المراد النهي عن ~~دخولها بعد يوم الدخول الذي وقع فيه الخطاب، والأمر ظاهر لا يخفى، ولعله ~~أراد تفسير ما بعد المضاف إلى عامهم ولا شك أنه عام عشر، وأما تفسير ~~العام المشار إليه بهذا، فلا شك ولا ريب أنه عام تسع، وعلى هذا يحمل قول ~~قتادة. وقد استدل من قال بأنه يجوز للمشركين دخول المسجد الحرام وغيره ~~من المساجد بهذا ms1469 القيد، أعني قوله { بعد عامهم هذا } قائلا ~~إن النهي مختص بوقت الحج والعمرة، فهم ممنوعون عن الحج والعمرة فقط، لا ~~عن مطلق الدخول. ويجاب عنه بأن ظاهر النهي عن القربان بعد هذا العام يفيد ~~المنع من القربان في كل وقت من الأوقات الكائنة بعده، وتخصيص بعضها ~~بالجواز يحتاج إلى مخصص. قوله { وإن خفتم عيلة فسوف ~~يغنيكم الله من فضله } العيلة الفقر، يقال عال الرجل يعيل ~~إذا افتقر، قال الشاعر # وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل # وقرأ علقمة وغيره من أصحاب ابن مسعود «عايلة» وهو مصدر كالقايلة ~~والعافية والعاقبة وقيل معناه خصلة شاقة، يقال عالني الأمر يعولني أي شق ~~علي واشتد. وحكى ابن جرير الطبري أنه يقال عال يعول إذا افتقر. وكان ~~المسلمون لما منعوا المشركين من الموسم وهم كانوا يجلبون إليه الأطعمة ~~والتجارات، قذف الشيطان في قلوبهم الخوف من الفقر، وقالوا من أين نعيش؟ ~~فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله. قال الضحاك ففتح الله عليهم باب الجزية ~~من أهل الذمة بقوله { قتلوا الذين لا يؤمنون بالله } ~~الآية. وقال عكرمة أغناهم بإدرار المطر والنبات وخصب الأرض، وأسلمت العرب ~~فحملوا إلى مكة ما أغناهم الله به. وقيل أغناهم بالفيء، وفائدة التقييد ~~بالمشيئة التعليم للعباد بأن يقولوا ذلك في كل ما يتكلمون به، مما له ~~تعلق بالزمن المستقبل، ولئلا يفتروا عن الدعاء والتضرع { إن الله ~~عليم } بأحوالكم { حكيم } في إعطائه ومنعه، ما شاء كان ومالم يشأ ~~لم يكن. قوله { قتلوا الذين لا يؤمنون بالله } ~~الآية، فيه الأمر بقتال من جمع بين هذه الأوصاف. قال أبو الوفاء بن عقيل ~~إن قوله { قاتلوا } أمر بالعقوبة، ثم قال { الذين لا ~~يؤمنون بالله } فبين الذنب الذي توجبه العقوبة، ثم قال { ولا ~~باليوم الآخر } فأكد الذنب في جانب الاعتقاد، ثم قال { ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله } فيه زيادة للذنب في ~~مخالفة الأعمال، ثم قال { ولا يدينون دين الحق } فيه إشارة ~~إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة، والأنفة عن الاستسلام، ثم قال { ~~من الذين أوتوا ms1470 الكتب } تأكيد للحجة عليهم لأنهم كانوا ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، ثم قال { حتى يعطوا ~~الجزية } فبين الغاية التي تمتد إليها العقوبة. # انتهى. قوله { من الذين أوتوا الكتب } بيان للموصول مع ~~ما في حيزه وهم أهل التوراة والإنجيل. قوله { حتى يعطوا ~~الجزية عن يد } الجزية وزنها فعلة من جزى يجزي إذا كافأ عما أسدي ~~إليه، فكأنهم أعطوها جزاء عما منحوا من الأمن. وقيل سميت جزية لأنها ~~طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه، وهي في الشرع ما يعطيه ~~المعاهد على عهده، و { عن يد } في محل نصب على الحال. والمعنى عن يد ~~مواتية غير ممتنعة. وقيل معناه يعطونها بأيديهم غير مستنيبين فيها أحدا. ~~وقيل معناه نقد غير نسيئة. وقيل عن قهر. وقيل معناه عن إنعام منكم عليهم ~~لأن أخذها منهم نوع من أنواع الإنعام عليهم. وقيل معناه مذمومون. وقد ذهب ~~جماعة من أهل العلم منهم الشافعي، وأحمد، أبو حنيفة، وأصحابه والثوري، ~~وأبو ثور، إلى أنها لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب. وقال الأوزاعي ~~ومالك إن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الكفرة كائنا من كان، ويدخل في أهل ~~الكتاب على القول الأول المجوس. قال ابن المنذر لا أعلم خلافا في أن ~~الجزية تؤخذ منهم. واختلف أهل العلم في مقدار الجزية. فقال عطاء لا مقدار ~~لها. وإنما تؤخذ على ما صولحوا عليه، وبه قال يحيى بن آدم، وأبو عبيد، ~~وابن جرير إلا أنه قال أقلها دينار، وأكثرها لا حد له. وقال الشافعي ~~دينار على الغني والفقير من الأحرار البالغين لا ينقص منه شيء، وبه قال ~~أبو ثور. قال الشافعي وإن صولحوا على أكثر من دينار جاز، وإذا زادوا ~~وطابت بذلك أنفسهم قبل منهم. وقال مالك إنها أربعة دنانير على أهل الذهب. ~~وأربعون درهما على أهل الورق، الغني والفقير سواء، ولو كان مجوسيا لا ~~يزيد ولا ينقص. وقال أبو حنيفة وأصحابه، ومحمد بن الحسن، وأحمد بن حنبل ~~اثنا عشر، وأربعة وعشرون، وثمانية وأربعون. والكلام في الجزية مقرر في ~~مواطنه، ms1471 والحق من هذه الأقوال قد قررناه في شرحنا للمنتقى وغيره من ~~مؤلفاتنا. قوله { وهم صغرون } في محل نصب على الحال، والصغار ~~الذال. والمعنى إن الذمي يعطى الجزية حال كونه صاغرا، قيل وهو أن يأتي ~~بها بنفسه ماشيا غير راكب، ويسلمها وهو قائم، والمتسلم قاعد. وبالجملة ~~ينبغي للقابض للجزية أن يجعل المسلم لها حال قبضها صاغرا ذليلا. # وقد أخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه، عن جابر بن عبد الله، في قوله { إنما المشركون نجس ~~} الآية قال إلا أن يكون عبدا أو أحدا من أهل الذمة. وقد روي مرفوعا ~~من وجه آخرج أخرجه ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " لا يدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمكم " # قال ابن كثير تفرد به أحمد مرفوعا. والموقوف أصح. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال كان المشركون ~~يجيئون إلى البيت ويجيئون معهم بالطعام يتجرون به، فلما نهوا عن أن يأتوا ~~البيت. قال المسلمون فمن أين لنا الطعام؟ فأنزل الله { وإن خفتم ~~عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء } قال ~~فأنزل الله عليهم المطر، وكثر خيرهم حين ذهب المشركون عنهم. وأخرج ابن ~~مردويه، عنه، قال فأغناهم الله من فضله، وأمرهم بقتال أهل الكتاب. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة، في قوله { وإن ~~خفتم عيلة } قال الفاقة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، ~~في قوله { فسوف يغنيكم الله من فضله } قال بالجزية. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن الضحاك مثله. وأخرج نحوه عبد الرزاق ~~عن قتادة. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، في قوله { إنما المشركون ~~نجس } قال قذر. وأخرج أبو الشيخ عنه، أيضا قال من صافحهم فليتوضأ. ~~وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " من صافح مشركا فليتوضأ أو ليغسل كفيه " # وأخرج ابن ms1472 أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبهيقي في ~~سننه، عن مجاهد، في قوله { قتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله } قال نزلت هذه الآية حين أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~بغزوة تبوك. وأخرج ابن المنذر، عن ابن شهاب، قال نزلت في كفار قريش ~~والعرب { وقتلوهم حتى لا تكون فتنة } وأنزلت في أهل ~~الكتاب { قتلوا الذين لا يؤمنون بالله } الآية إلى ~~قوله { حتى يعطوا الجزية } ، فكان أول من أعطى الجزية أهل ~~نجران. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، في قوله { ~~قتلوا الذين لا يؤمنون بالله } يعني الذين لا ~~يصدقون بتوحيد الله { ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله } يعني الخمر والحرير { ولا يدينون دين الحق } ~~يعني دين الإسلام { من الذين أوتوا الكتب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صغرون } يعني مذللون. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله { عن يد } قال عن قهر. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان بن عيينة، في قوله { عن يد } قال من يده ~~ولا يبعث بها غيره. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي سنان في قوله ~~{ عن يد } قال عن قدرة. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله { ~~وهم صغرون } قال يمشون بها متلتلين. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، ~~قال يلكزون. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سلمان، في ~~الآية قال غير محمودين. ### || [9.30-33] # قوله { وقالت اليهود عزير عبد الله } كلام مبتدأ ~~لبيان شرك أهل الكتابين، و { عزير } مبتدأ و { ابن الله } خبره، وقد قرأ ~~عاصم والكسائي { عزير } بالتنوين، وقرأ الباقون بترك التنوين لاجتماع ~~العجمة والعلمية فيه. ومن قرأ بالتنوين فقد جعله عربيا وقيل إن سقوط ~~التنوين ليس لكونه ممتنعا بل لاجتماع الساكنين، ومنه قراءة من قرأ # قل هو الله أحد * الله الصمد # الإخلاص 1، 2. قال أبو علي الفارسي وهو كثير في الشعر، وأنشد ابن جرير ~~الطبري # لتجديني بالأمير برا وبالقناة لامرا مكرا إذا غطيت السلمى فرا # وظاهر قوله { وقالت اليهود } أن ms1473 هذه المقالة لجميعهم. وقيل هو ~~لفظ خرج على العموم، ومعناه الخصوص لأنه لم يقل ذلك إلا البعض منهم. وقال ~~النقاش لم يبق يهودي يقولها؟ بل قد انقرضوا. وقيل إنه قال ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وسلم جماعة منهم، فنزلت الآية متضمنة لحكاية ذلك عن اليهود لأن ~~قول بعضهم لازم لجميعهم. قوله { وقالت النصرى المسيح ابن ~~الله } قالوا هذا لما رأوا من إحيائه الموتى مع كونه من غير أب، فكان ~~ذلك سببا لهذه المقالة، والأولى أن يقال إنهم قالوا هذه المقالة لكون في ~~الإنجيل وصفه تارة بابن الله وتارة بابن الإنسان، كما رأينا ذلك في مواضع ~~متعددة من الإنجيل، ولم يفهموا أن ذلك لقصد التشريف والتكريم، أو لم يظهر ~~لهم أن ذلك من تحريف سلفهم لغرض من الأغراض الفاسدة. قيل وهذه المقالة ~~إنما هي لبعض النصارى لا لكلهم. قوله { ذلك قولهم بأفوههم ~~} الإشارة إلى ما صدر عنهم من هذه المقالة الباطلة. ووجه قوله بأفواههم ~~مع العلم بأن القول لا يكون إلا الفم. بأن هذا القول لما كان ساذجا ليس ~~فيه بيان، ولا عضده برهان، كان مجرد دعوى، لا معنى تحتها فارغة صادرة ~~عنهم صدور المهملات التي ليس فيها إلا كونها خارجة من الأفواه، غير مفيدة ~~لفائدة يعتد بها. وقيل إن ذكر الأفواه لقصد التأكيد، كما في كتبت بيدي ~~ومشيت برجلي، ومنه قوله تعالى # يكتبون الكتب بأيديهم # البقرة 79. وقوله # ولا طائر يطير بجناحيه # الأنعام 38. وقال بعض أهل العلم إن الله سبحانه لم يذكر قولا مقرونا ~~بذكر الأفواه والألسن، إلا وكان قولا زورا كقوله # يقولون بأفوههم ما ليس فى قلوبهم # آل عمران 167، وقوله # كبرت كلمة تخرج من أفواههم # الكهف 5، وقوله # يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم # الفتح 11. قوله { يضهئون قول الذين كفروا } المضاهاة ~~المشابهة، قيل ومنه قول العرب امرأة ضهياء، وهي التي لا تحيض لأنها شابهت ~~الرجال. قال أبو علي الفارسي من قال { يضهئون } مأخوذ من قولهم ~~امرأة ضهياء فقوله خطأ لأن الهمزة في ضاهأ أصلية، وفي ضهياء زائدة ~~كحمراء، وأصله يضاهئون وامرأة ms1474 ضهياء. # ومعنى مضاهاتهم لقول الذين كفروا فيه أقوال لأهل العلم الأول أنهم ~~شابهوا بهذه المقالة عبدة الأوثان في قولهم واللات والعزى ومناة بنات ~~الله. القول الثاني أنهم شابهوا قول من يقول من الكافرين إن الملائكة ~~بنات الله، الثالث أنهم شابهوا أسلافهم القائلين بأن عزير ابن الله وأن ~~المسيح ابن الله. قوله { قتلهم الله } دعاء عليهم بالهلاك لأن ~~من قاتله الله هلك، وقيل هو تعجب من شناعة قولهم. وقيل معنى قاتلهم الله ~~لعنهم الله، ومنه قول أبان بن تغلب # قاتلها الله تلحاني وقد علمت أني لنفسي إفسادي وإصلاحي # وحكى النقاش أن أصل قاتل الله الدعاء. ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه ~~على التعجب في الخير والشر وهم لا يريدون الدعاء. وأنشد الأصمعي # يا قاتل الله ليلى كيف تعجبني وأخبر الناس أني لا أباليها # { أنى يؤفكون } أي كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل. قوله { ~~اتخذوا أحبرهم ورهبنهم أربابا من دون ~~الله } الأحبار جمع حبر. وهو الذي يحسن القول، ومنه ثوب محبر. وقيل ~~جمع حبر بكسر الحاء. قال يونس لم أسمعه إلا بكسر الحاء. وقال الفراء ~~الفتح والكسر لغتان، وقال ابن السكيت الحبر بالكسر العالم، والحبر بالفتح ~~العالم. والرهبان جمع راهب مأخوذ من الرهبة، وهم علماء النصارى كما أن ~~الأحبار علماء اليهود. ومعنى الآية أنهم لما أطاعوهم فيما يأمرونهم به، ~~وينهونهم عنه كانوا بمنزلة المتخذين لهم أربابا، لأنهم أطاعوهم كما تطاع ~~الأرباب، قوله { والمسيح ابن مريم } معطوف على رهبانهم أي ~~اتخذه النصارى ربا معبودا، وفيه إشارة إلى أن اليهود لم يتخذوا عزيرا ~~ربا معبودا. وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو ~~شهيد عن التقليد في دين الله، وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب ~~العزيز والسنة المطهرة، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدى بقوله ويستن بسنته ~~من علماء هذه الأمة مع مخالفته لما جاءت به النصوص، وقامت به حجج الله ~~وبراهينه، ونطقت به كتبه وأنبياؤه، هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار ~~والرهبان أربابا من دون الله، للقطع بأنهم ms1475 لم يعبدوهم بل أطاعوهم، ~~وحرموا ما حرموا، وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه ~~الأمة، وهو أشبه به من شبه البيضة بالبيضة، والتمرة بالتمرة، والماء ~~بالماء، فيا عباد الله، ويا أتباع محمد بن عبد الله، ما بالكم تركتم ~~الكتاب والسنة جانبا، وعمدتم إلى رجال هم مثلكم في تعبد الله لهم بهما ~~وطلبه منهم للعمل بما دلا عليه وأفاده. فعلتم بما جاءوا به من الآراء ~~التي لم تعمد بعماد الحق، ولم تعضد بعضد الدين، ونصوص الكتاب والسنة، ~~تنادي بأبلغ نداء، وتصوت بأعلى صوت بما يخالف ذلك ويباينه، فأعرتموهما ~~آذانا صما، وقلوبا غلفا، وأفهاما مريضة، وعقولا مهيضة، وأذهانا ~~كليلة، وخواطر عليلة، وأنشدتم بلسان الحال # وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد # فدعوا - أرشدكم الله وإياي - كتبا كتبها لكم الأموات من أسلافكم، ~~واستبدلوا بها كتاب الله، خالقهم وخالقكم، ومتعبدهم ومتعبدكم، ومعبودهم ~~ومعبودكم، واستبدلوا بأقوال من تدعونهم بأئمتكم وما جاؤوكم به من الرأي ~~بأقوال إمامكم وإمامهم، وقدوتكم وقدوتهم، وهو الإمام الأول محمد بن عبد ~~الله صلى الله عليه وسلم. # دعوا كل قول عند قول محمد فما آبن في دينه كمخاطر # اللهم هادي الضال، مرشد التائه، موضح السبيل، اهدنا إلى الحق وأرشدنا ~~إلى الصواب، وأوضح لنا منهج الهداية. قوله { وما أمروا إلا ~~ليعبدوا إلها وحدا } هذه الجملة في محل نصب على الحال أي ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا، والحال أنهم ما أمروا إلا بعبادة الله ~~وحده، أو ما أمر الذين اتخذوهم أربابا من الأحبار والرهبان إلا بذلك، ~~فكيف يصلحون لما أهلوهم له من اتخاذهم أربابا. قوله { لا إله ~~إلا هو } صفة ثانية لقوله { إلها } { سبحنه عما ~~يشركون } أي تنزيها له عن الإشراك في طاعته وعبادته. قوله { ~~يريدون أن يطفئوا نور الله بأفوههم } هذا كلام ~~يتضمن ذكر نوع آخر من أنواع ضلالهم وبعدهم عن الحق، وهو ما راموه من ~~إبطال الحق بأقاويلهم الباطلة، التي هي مجرد كلمات ساذجة، ومجادلات ~~زائفة، وهذا تمثيل لحالهم في محاولة إبطال دين الحق، ونبوة نبي ms1476 الصدق، ~~بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم قد أنارت به الدنيا، وانقشعت به ~~الظلمة، ليطفئه ويذهب أضواءه { ويأبى الله إلا أن يتم ~~نوره } أي دينه القويم. وقد قيل كيف دخلت إلا الاستثنائية على يأبى، ~~ولا يجوز كرهت أو بغضت إلا زيدا. قال الفراء إنما دخلت لأن في الكلام ~~طرفا من الجحد. وقال الزجاج إن العرب تحذف مع " أبى " ، والتقدير ويأبى ~~الله كل شيء إلا أن يتم نوره. وقال علي بن سليمان إنما جاز هذا في أبى، ~~لأنها منع أو امتناع فضارعت النفي، قال النحاس وهذا أحسن. كما قال الشاعر # وهل لي أم غيرها إن تركتها أبى الله إلا أن أكون لها ابنا # وقال صاحب الكشاف إن أبر قد أجرى مجرى لم يرد أي ولا يريد إلا أن يتم ~~نوره. قوله { ولو كره الكفرون } معطوف على جملة قبله مقدرة ~~أي أبى الله إلا أن يتم نوره، ولو لم يكره الكافرون ذلك، ولو كرهوا، ثم ~~أكد هذا بقوله { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } أي بما ~~يهدي به الناس من البراهين والمعجزات، والأحكام التي شرعها الله لعباده، ~~{ ودين الحق } وهو الإسلام، { ليظهره } أي ليظهر رسوله، أو ~~دين الحق بما اشتمل عليه من الحجج والبراهين، وقد وقع ذلك ولله الحمد { ~~ولو كره المشركون } الكلام فيه كالكلام في { ولو كره ~~الكفرون } كما قدمنا ذلك. # وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن ~~مردويه، عن ابن عباس، قال أتى رسول الله سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، ~~وأبو أنس، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فقالوا كيف نتبعك وقت تركت ~~قبلتنا وأنت لا تزعم عزير ابن الله؟ فأنزل الله { وقالت اليهود ~~عزير ابن الله } الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عنه، ~~قال كن نساء بني إسرائيل يجتمعن بالليل فيصلين ويعتزلن ويذكرن ما فضل ~~الله به بني إسرائيل وما أعطاهم، ثم سلط عليهم شر خلقه بختنصر، فحرق ~~التوراة وخرب بيت المقدس، وعزير يومئذ غلام، فقال عزير أو كان هذا؟ فلحق ms1477 ~~بالجبال والوحش، فجعل يتعبد فيها، وجعل لا يخالط الناس، فإذا هو ذات يوم ~~بامرأة عند قبر وهي تبكي، فقال يا أمه اتقي الله واحتسبي واصبري، أما ~~تعلمين أن سبيل الناس إلى الموت؟ فقالت يا عزير أتنهاني أن أبكي، وأنت قد ~~خلفت بني إسرائيل، ولحقت بالجبال والوحش؟ ثم قالت إني لست بامرأة ولكني ~~الدنيا، وإنه سينبع في مصلاك عين وتنبت شجرة، فاشرب من ماء العين وكل من ~~ثمر الشجرة، فإنه سيأتيك ملكان فاتركهما يصنعان ما أرادا، فلما كان من ~~الغد نبعت العين ونبتت الشجرة، فشرب من ماء العين وأكل من ثمرة الشجرة، ~~وجاء ملكان ومعهما قارورة فيها نور فأوجراه ما فيها فألهمه الله التوراة، ~~فجاء فأملاه على الناس، فعند ذلك قالوا عزير ابن الله، تعالى الله عن ~~ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، أيضا فذكر قصة وفيها أن عزير سأل الله ~~بعد ما أنسى بني إسرائيل التوراة ونسخها من صدورهم، أن يرد الذي نسخ من ~~صدره، فبينما هو يصلي نزل نور من الله عز وجل فدخل جوفه، فعاد إليه ~~الذي كان ذهب من جوفه من التوراة، فأذن في قومه فقال يا قوم قد آتاني ~~الله التوراة وردها إلي. وأخرج أبو الشيخ، عن كعب، قال دعا عزير ربه أن ~~يلقي التوراة كما أنزل على موسى في قلبه، فأنزلها الله عليه، فبعد ذلك ~~قالوا عزير ابن الله. وأخرج ابن مردويه، وابن عساكر، عن ابن عباس، قال ~~ثلاث أشك فيهن فلا أدري عزير كان نبيا أم لا؟ ولا أدري ألعن تبع أم لا؟ ~~قال ونسيت الثالثة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه، في قوله { ~~يضهئون } قال يشبهون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عنه، في قوله { قتلهم الله } قال لعنهم ~~الله، وكل شيء في القرآن قتل فهو لعن. # وأخرج ابن سعد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن عدي بن حاتم، قال ~~أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ms1478 وهو يقرأ في سورة براءة { اتخذوا ~~أحبرهم ورهبنهم أربابا من دون الله } فقال # " أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا ~~استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه " # وأخرجه أيضا أحمد وابن جرير. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في سننه، عن أبي البحتري ~~قال سأل رجل حذيفة فقال أرأيت قوله { اتخذوا أحبرهم ~~ورهبنهم أربابا من دون الله } أكانوا يعبدونهم؟ قال ~~لا، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا ~~حرموه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الضحاك، قال أحبارهم ~~قراؤهم، ورهبانهم علماؤهم. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، قال الأحبار ~~من اليهود، والرهبان من النصارى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي مثله. ~~وأخرج أيضا عن الفضيل بن عياض قال الأحبار العلماء، والرهبان العباد. ~~وأخرج أيضا عن السدي في قوله { يريدون أن يطفئوا نور ~~الله بأفوههم } قال يريدون أن يطفئوا الإسلام بأقوالهم. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله { يريدون أن يطفئوا نور ~~الله بأفوههم } يقول يريدون أن يهلك محمد وأصحابه. وأخرج عبد ~~بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، في الآية قال هم اليهود والنصارى. وأخرج ~~أبو الشيخ، عن السدي { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } ~~يعني بالتوحيد والإسلام والقرآن. ### || [9.34-35] # لما فرغ سبحانه من ذكر حال أتباع الأحبار والرهبان المتخذين لهم أربابا ~~ذكر حال المتبوعين فقال { إن كثيرا من الأحبار } إلى آخره، ~~ومعنى أكلهم لأموال الناس بالباطل أنهم يأخذونها بالوجوه الباطلة ~~كالرشوة، وأثبت هذا للكثير منهم لأن فيهم من لم يلتبس بذلك، بل بقي على ~~ما يوجبه دينه من غير تحريف ولا تبديل، ولا ميل إلى حطام الدنيا، ولقد ~~اقتدى بهؤلاء الأحبار والرهبان من علماء الإسلام من لا يأتي عليه الحصر ~~في كل زمان، فالله المستعان، قوله { ويصدون عن سبيل الله } ~~أي عن الطريق إليه وهو دين الإسلام، أو عن ما كان حقا في شريعتهم قبل ~~نسخها بسبب أكلهم لأموال الناس بالباطل. قوله { والذين يكنزون ~~الذهب والفضة ms1479 } قيل هم المتقدم ذكرهم من الأحبار والرهبان، ~~وإنهم كانوا يصنعون هذا الصنع. وقيل هم من يفعل ذلك من المسلمين، والأولى ~~حمل الآية على عموم اللفظ، فهو أوسع من ذلك، وأصل الكنز في اللغة الضم ~~والجمع، ولا يختص بالذهب والفضة. قال ابن جرير الكنز كل شيء مجموع بعضه ~~إلى بعض في بطن الأرض كان أو على ظهرها. انتهى. ومنه ناقة كناز أي مكتنزة ~~اللحم، واكتنز الشيء اجتمع. واختلف أهل العلم في المال الذي أديت زكاته ~~هل يسمى كنزا أم لا؟ فقال قوم هو كنز، وقال آخرون ليس بكنز. ومن ~~القائلين بالقول الأول أبو ذر. وقيده بما فضل عن الحاجة. ومن القائلين ~~بالقول الثاني عمر بن الخطاب، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأبو هريرة، ~~وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم، وهو الحق لما سيأتي من الأدلة المصرحة بأن ~~ما أديت زكاته فليس بكنز. قوله { ولا ينفقونها في سبيل ~~الله } اختلف في وجه إفراد الضمير مع كون المذكور قبله شيئين، هما ~~الذهب والفضة، فقال ابن الأنباري إنه قصد إلى الأعم الأغلب، وهو الفضة ~~قال ومثله قوله تعالى # واستعينوا بالصبر والصلوة وإنها لكبيرة # البقرة 45 رد الكناية إلى الصلاة لأنها أعم، ومثله قوله # وإذا رأوا تجرة أو لهوا انفضوا إليها # الجمعة 11 أعاد الضمير إلى التجارة لأنها الأهم. وقيل إن الضمير راجع ~~إلى الذهب والفضة معطوفة عليه، والعرب تؤنث الذهب وتذكره. وقيل إن الضمير ~~راجع إلى الكنوز المدلول عليها بقوله { يكنزون } وقيل إلى الأموال. ~~وقيل للزكاة، وقيل إنه اكتفى بضمير أحدهما عن ضمير الآخر مع فهم المعنى، ~~وهو كثير في كلام العرب، وأنشد سيبويه # نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف # ولم يقل راضون، ومثله قول الآخر # رماني بأمر كنت منه ووالدي بريا ومن أجل الطوى رماني # ولم يقل بريين، ومثله قول حسان # إن شرخ الشباب والشعر الأس ود ما لم يعاض كان جنونا # ولم يقل يعاضا. وقيل إن إفراد الضمير من باب الذهاب إلى المعنى دون ~~اللفظ لأن كل واحد من الذهب ms1480 والفضة جملة وافية، وعدة كثيرة، ودنانير ~~ودراهم، فهو كقوله # وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا # الحجرات 9. وإنما خص الذهب والفضة بالذكر دون سائر الأموال لكونهما ~~أثمان الأشياء. وغالب ما يكنز وإن كان غيرهما له حكمهما في تحريم الكنز، ~~قوله { فبشرهم بعذاب أليم } هو خبر الموصول، وهو من باب ~~التهكم بهم كما في قولهتحية بينهم ضرب وجيع. وقيل إن البشارة هي الخبر ~~الذي يتغير له لون البشرة لتأثيره في القلب، سواء كان من الفرح أو من ~~الغم. ومعنى { يوم يحمى عليها فى نار جهنم } أن ~~النار توقد عليها وهي ذات حمى وحر شديد. ولو قال يوم تحمي أي الكنوز لم ~~يعط هذا المعنى. فجعل الإحماء للنار مبالغة. ثم حذف النار وأسند الفعل ~~إلى الجار، كما تقول رفعت القصة إلى الأمير، فإن لم تذكر القصة قلت رفع ~~إلى الأمير، وقرأ ابن عامر «تحمى» بالمثناة الفوقية، وقرأ أبو حيوة ~~«فيكوى» بالتحتية. وخص الجباه، والجنوب والظهور لكون التألم بكيها أشد ~~لما في داخلها من الأعضاء الشريفة. وقيل ليكون الكي في الجهات الأربع من ~~قدام، وخلف، وعن يمين، وعن يسار. وقيل لأن الجمال في الوجه، والقوة في ~~الظهر والجنبين، والإنسان إنما يطلب المال للجمال والقوة. وقيل غير ذلك ~~مما لا يخلو عن تكلف. قوله { هذا ما كنزتم لأنفسكم } أي ~~يقال لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم أي كنزتموه لتنفتعوا به، فهذا نفعه على ~~طريقة التهكم والتوبيخ { فذوقوا ما كنتم تكنزون } ما مصدرية ~~أو موصولة أي ذوقوا وباله، وسوء عاقبته، وقبح مغبته، وشؤم فائدته. وقد ~~أخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله { إن كثيرا من الأحبار ~~والرهبان } يعني علماء اليهود والنصارى { ليأكلون أموال ~~الناس بالبطل } والباطل كتب كتبوها لم ينزلها الله فأكلوا بها ~~أموال الناس، وذلك قول الله تعالى # فويل للذين يكتبون الكتب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله # البقرة 79. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله { والذين ~~يكنزون الذهب والفضة } قال هؤلاء الذين لا يؤدون الزكاة ~~من أموالهم، وكل ما لا تؤدي زكاته كان على ms1481 ظهر الأرض أو في بطنها فهو ~~كنز، وكل مال أديت زكاته، فليس بكنز، كان على ظهر الأرض أو في بطنها. ~~وأخرجه عنه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبو الشيخ، من وجه آخر. وأخرج ~~مالك، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن ~~عمر، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عنه، نحوه مرفوعا. وأخرج ابن عدي، ~~والخطيب عن جابر، نحوه مرفوعا أيضا. وأخرجه ابن أبي شيبة، عنه، ~~موقوفا. # وأخرج أحمد في الزهد، والبخاري، وابن ماجه، وابن مردويه، والبيهقي في ~~سننه، عن ابن عمر، في الآية قال إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما ~~نزلت الزكاة جعلها الله طهرة للأموال، ثم قال ما أبالي لو كان عندي مثل ~~أحد ذهبا أعلم عدده وأزكيه، وأعمل فيه بطاعات الله؟ وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وأبو الشيخ، عن عمر بن الخطاب قال ليس بكنز ما أدى زكاته. وأخرج ابن ~~مردويه، والبيهقي عن أم سلمة، مرفوعا نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، في ~~مسنده، وأبو داود، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية { ~~والذين يكنزون الذهب والفضة } كبر ذلك على المسلمين، ~~وقالوا ما يستطيع أحد منا لولده ما لا يبقى بعده، فقال عمر أنا أفرج ~~عنكم، فانطلق عمر واتبعه ثوبان فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا ~~نبي الله، إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية، فقال # " إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض ~~المواريث من أموال تبقى بعدكم " # ، فكبر عمر، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم # " ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها ~~سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته " # وقد أخرجه أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، عن سالم بن أبي الجعد من ~~غير وجه عن ثوبان. وحكى البخاري أن سالما لم يسمعه من ثوبان. وأخرج ابن ~~مردويه، عن ابن عباس، في قوله { والذين يكنزون ms1482 الذهب ~~والفضة } قال هم أهل الكتاب، وقال هي خاصة وعامة. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن علي بن أبي طالب، قال أربعة آلاف فما دونها نفقة ~~وما فوقها كنز. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، عن أبي أمامة قال حلية ~~السيوف من الكنوز ما أحدثكم إلا ما سمعت. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن عراك بن مالك، وعمر بن عبد العزيز، أنهما قالا في قوله { ~~والذين يكنزون الذهب والفضة } إنها نسختها الآية ~~الأخرى # خذ من أمولهم صدقة # التوبة 103 الآية. وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال # " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا جعل لها يوم القيامة ~~صفائح، ثم أحمى عليها في نار جهنم، ثم يكوى بها جنباه وجبهته وظهره في ~~يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين الناس فيرى سبيله، إما إلى ~~الجنة، وإما إلى النار " # وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، ~~عن زيد بن وهب، قال مررت على أبي ذر بالربذة، فقلت ما أنزلك بهذه الأرض؟ ~~فقال كنا بالشأم فقرأت { والذين يكنزون الذهب والفضة ~~} الآية، فقال معاوية ما هذه فينا، ما هذه إلا في أهل الكتاب، قلت إنها ~~لفينا وفيهم. ### || [9.36-37] # قوله { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا } ~~هذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر نوع آخر من قبائح الكفار وذلك أن الله سبحانه ~~لما حكم في كل وقت بحكم خاص، غيروا تلك الأوقات بالنسيء والكبيسة، ~~فأخبرنا الله بما هو حكمه فقال { إن عدة الشهور } أي عدد شهور ~~السنة عند الله في حكمه وقضائه وحكمته اثنا عشر شهرا. قوله { فى ~~كتب الله } أي فيما أثبته في كتابه. قال أبو علي الفارسي لا يجوز ~~أن يتعلق في { في كتاب الله } بقوله { عدة الشهور } ، للفصل بالأجنبي ~~وهو الخبر أعني { اثنا عشر شهرا } فقوله { في كتاب الله } ، وقوله { يوم ~~خلق } بدل من قوله { عند الله } ، والتقدير إن عدة الشهور عند ms1483 الله في ~~كتاب الله يوم خلق السموات والأرض. وفائدة الإبدالين تقرير الكلام في ~~الأذهان لأنه يعلم منه أن ذلك العدد واجب عند الله في كتاب الله، وثابت ~~في علمه في أول ما خلق الله العالم. ويجوز أن يكون { في كتاب الله } صفة ~~{ اثنا عشر } أي اثنا عشر مثبتة في كتاب الله، وهو اللوح المحفوظ. وفي ~~هذه الآية بيان أن الله سبحانه وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها على هذا ~~الترتيب المعروف يوم خلق السموات والأرض، وأن هذا هو الذي جاءت به ~~الأنبياء ونزلت به الكتب. وأنه لا اعتبار بما عند العجم، والروم، والقبط، ~~من الشهور التي يصطلحون عليها ويجعلون بعضها ثلاثين يوما، وبعضها أكثر، ~~وبعضها أقل. قوله { منها أربعة حرم } هي ذي القعدة، وذو ~~الحجة، والمحرم، ورجب ثلاثة سرد، وواحد فرد كما ورد بيان ذلك في السنة ~~المطهرة. قوله { ذلك الدين القيم } أي كون هذه الشهور كذلك، ~~ومنها أربعة حرم هو الدين المستقيم، والحساب الصحيح، والعدد المستوفى. ~~قوله { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } أي في هذه الأشهر الحرم ~~بإيقاع القتال فيها والهتك لحرمتها، وقيل إن الضمير يرجع إلى الشهور كلها ~~الحرم وغيرها، وإن الله نهى عن الظلم فيها، والأول أولى. وقد ذهب جماعة ~~من أهل العلم إلى أن تحريم القتال في الأشهر الحرم ثابت محكم لم ينسخ ~~لهذه الآية، ولقوله # يأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعائر الله ~~ولا الشهر الحرام # المائدة 2 أولقوله { فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين } الآية. وقد ذهب جماعة آخرون إلى أن تحريم ~~القتال في الأشهر الحرم منسوخ بآية السيف. ويجاب عنه بأن الأمر بقتل ~~المشركين ومقاتلتهم مقيد بانسلاخ الأشهر الحرم كما في الآية المذكورة، ~~فتكون سائر الآيات المتضمنة للأمر بالقتال مقيدة بما ورد في تحريم القتال ~~في الأشهر الحرم. كما هي مقيدة بتحريم القتال في الحرم للأدلة الواردة في ~~تحريم القتال فيه. # وأما ما استدلوا به من أنه صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف في شهر ~~حرام وهو ذو القعدة، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، فقد ms1484 أجيب عنه أنه لم ~~يبتد محاصرتهم في ذي القعدة بل في شوال، والمحرم إنما هو ابتداء القتال ~~في الأشهر الحرم لا إتمامه، وبهذا يحصل الجمع. قوله { وقاتلوا ~~المشركين كافة } أي جميعا، وهو مصدر في موضع الحال. قال ~~الزجاج مثل هذا من المصادر كعامة وخاصة لا يثنى ولا يجمع. { كما ~~يقتلونكم كافة } أي جميعا، وفيه دليل على وجوب قتال ~~المشركين، وأنه فرض على الأعيان إن لم يقم به البعض { واعلموا أن ~~الله مع المتقين } أي ينصرهم ويثبتهم، ومن كان الله معه فهو ~~الغالب، وله العاقبة والغلبة. قوله { إنما النسىء زيادة فى ~~الكفر } قرأ نافع في رواية ورش عنه " النسي " بياء مشددة بدون همز. ~~وقرأ الباقون بياء بعدها همزة. قال النحاس ولم يرو أحد عن نافع هذه ~~القراءة إلا ورش وحده، وهو مشتق من نسأه، وأنسأه إذا أخره، حكى ذلك ~~الكسائي. قال الجوهري النسيء فعيل بمعنى مفعول من قولك نسأت الشيء فهو ~~منسوء إذا أخرته، ثم تحول منسوء إلى نسيء كما تحول مقتول إلى قتيل. قال ~~ابن جرير في النسيء بالهمزة معنى الزيادة يقال نسأ ينسأ إذا زاد، قال ولا ~~يكون بترك الهمزة إلا من النسيان، كما قال تعالى # نسوا الله فنسيهم # التوبة 67، ورد على نافع قراءته. وكانت العرب تحرم القتال في الأشهر ~~الحرم المذكورة، فإذا احتاجوا إلى القتال فيها قاتلوا فيها وحرموا ~~غيرها. فإذا قاتلوا في المحرم، حرموا بدله شهر صفر، وهكذا في غيره. ~~وكان الذي يحملهم على هذا أن كثيرا منهم إنما كانوا يعيشون بالغارة على ~~بعضم البعض، ونهب ما يمكنهم نهبه من أموال من يغيرون عليه، ويقع بينهم ~~بسبب ذلك القتال، وكانت الأشهر الثلاثة المسرودة يضر بهم تواليها وتشتد ~~حاجتهم وتعظم فاقتهم. فيحللون بعضها ويحرمون مكانه بقدره من غير الأشهر ~~الحرم، فهذا هو معنى النسيء الذي كانوا يفعلونه. وقد وقع الخلاف في أول ~~من فعل ذلك، فقيل هو رجل من بني كنانة يقال له حذيفة بن عتيد. ويلقب ~~القلمس، وإليه يشير الكميت بقوله # ألسنا الناشئين على معد شهور الحل ms1485 نجعلها حراما # وفيه يقول قائلهم # ومنا ناسيء الشهر القلمس # وقيل هو عمرو بن لحي، وقيل هو نعيم بن ثعلبة من بني كنانة، وسمى الله ~~سبحانه النسيء زيادة في الكفر لأنه نوع من أنواع كفرهم، ومعصية من ~~معاصيهم المنضمة إلى كفرهم بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر. قوله { ~~يضل به الذين كفروا } قرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وابن عامر ~~" يضل " على البناء للمعلوم. وقرأ الكوفيون على البناء للمجهول. # ومعنى القراءة الأولى أن الكفار يضلون بما يفعلونه من النسيء، ومعنى ~~القراءة الثانية، أن الذي سن لهم ذلك يجعلهم ضالين بهذه السنة السيئة، ~~وقد اختار القراءة الأولى أبو حاتم، واختار القراءة الثانية أبو عبيد، ~~وقرأ الحسن وأبو رجاء ويعقوب " يضل " بضم الياء وكسر الضاد على أن فاعله ~~الموصول، ومفعوله محذوف. ويجوز أن يكون فاعله هو الله سبحانه، ومفعوله ~~الموصول. وقرىء بفتح الياء والضاد من ضل يضل. وقرىء «نضل» بالنون. ~~قوله { يحلونه عاما ويحرمونه عاما } الضمير راجع إلى ~~النسيء أي يحلون النسيء عاما ويحرمونه عاما، أو إلى الشهر الذي ~~يؤخرونه ويقاتلون فيه، أي يحلونه عاما بإبداله بشهر آخر من شهور الحل، ~~ويحرمون عاما، أي يحافظون عليه فلا يحلون فيه القتال، بل يبقونه على ~~حرمته. قوله { ليواطئوا عدة ما حرم الله } أي لكي ~~يواطئوا، والمواطأة الموافقة، يقال تواطأ القوم على كذا أي توافقوا عليه ~~واجتمعوا. والمعنى إنهم لم يحلوا شهرا إلا حرموا شهرا لتبقى الأشهر ~~الحرم أربعة، قال قطرب معناه عمدوا إلى صفر فزادوه في الأشهر الحرم، ~~وقرنوه بالمحرم في التحريم. وكذا قال الطبري. قوله { فيحلوا ما ~~حرم الله } أي من الأشهر الحرم التي أبدلوها بغيرها { زين ~~لهم سوء أعملهم } أي زين لهم الشيطان الأعمال السيئة التي ~~يعملونها، ومن جملتها النسيء. وقرىء على البناء للفاعل. { والله لا ~~يهدي القوم الكفرين } أي المصرين على كفرهم المستمرين ~~عليه فلا يهديهم هداية توصلهم إلى المطلوب، وأما الهداية بمعنى الدلالة ~~على الحق والإرشاد اليه فقد نصبها الله سبحانه لجميع عباده. وقد أخرج ~~البخاري ومسلم، وغيرهما، من حديث أبي بكر أن ms1486 النبي صلى الله عليه وسلم ~~خطب في حجته فقال # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا ~~عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة، وذو الحجة، ~~والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان " # وأخرج نحوه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، من حديث ~~ابن عمر. وأخرج نحوه ابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، من حديث ابن ~~عباس. وأخرج نحوه أيضا البزار، وابن جرير، وابن مردويه، من حديث أبي ~~هريرة. وأخرجه أحمد، وابن مردويه، من حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه ~~مرفوعا مطولا. وأخرج سعيد بن منصور، وابن مردويه، عن ابن عباس { ~~منها أربعة حرم } قال المحرم، ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة. ~~وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك قال إنما سمين حرما لئلا يكون فيهن حرب. ~~وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس في ~~قوله { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ~~في كتب الله } ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حرما، وعظم ~~حرماتهن، وجعل الدين فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم { فلا ~~تظلموا فيهن أنفسكم } قال في كلهن { وقاتلوا ~~المشركين كافة } يقول جميعا. # وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مقاتل، في قوله { وقاتلوا ~~المشركين كافة } قال نسخت هذه الآية كل آية فيها رخصة. وأخرج ~~الطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ~~قال كانت العرب يحلون عاما شهرا وعاما شهرين، ولا يصيبون الحج إلا في ~~كل سنة، وعشرين سنة مرة، وهي النسيء الذي ذكره الله في كتابه، فلما كان ~~عام حج أبو بكر بالناس، وافق ذلك العام، فسماه الله الحج الأكبر، ثم حج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل، واستقبل الناس الأهلة، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض " # وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عمر، قال وقف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ms1487 بالعقبة فقال # " إنما النسيء من الشيطان زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا يحلونه ~~عاما ويحرمونه عاما، فكانوا يحرمون المحرم عاما ويستحلون صفر، ~~ويحرمون صفر عاما ويستحلون المحرم، وهي النسيء " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، ~~قال كان جنادة بن عوف الكناني يوافي الموسم كل عام، وكان يكنى أبا ثمامة، ~~فينادي ألا إن أبا ثمامة لا يخاب ولا يعاب، ألا وإن صفر الأول العام ~~حلال، فيحله للناس، فيحرم صفر عاما، ويحرم المحرم عاما. فذلك قوله ~~تعالى { إنما النسىء زيادة فى الكفر } الآية. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عنه، في الآية قال المحرم كانوا يسمونه صفر، وصفر يقولون ~~صفران الأول والآخر، يحل لهم مرة الأول، ومرة الآخر. وأخرج ابن ~~مردويه، عنه، قال كانت النساءة حي من بني مالك من كنانة من بني فقيم، ~~فكان آخرهم رجلا يقال له القلمس، وهو الذي أنسأ المحرم. ### || [9.38-42] # قوله { يأيها الذين آمنوا } لما شرح معايب أولئك الكفار عاد ~~إلى ترغيب المؤمنين في قتالهم، والاستفهام في { ما لكم } للإنكار ~~والتوبيخ أي، أي شيء يمنعكم عن ذلك، ولا خلاف أن هذه الآية نزلت عتابا ~~لمن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وكانت سنة تسع ~~من الهجرة بعد الفتح بعام، والنفر هو الانتقال بسرعة من مكان إلى مكان، ~~لأمر يحدث. قوله { اثاقلتم إلى الأرض } أصله تثاقلتم، أدغمت ~~التاء في الثاء لقربها منها، وجيء بألف الوصل ليتوصل بها إلى النطق ~~بالساكن، ومثله اداركوا، واطيرتم، واطيروا، وأنشد الكسائي # توالى الضجيع إذا ما اشتاقها حضرا عذب المذاق إذا ما اتابع القبل # وقرأ الأعمش " تثاقلتم " على الأصل، ومعناه تباطأتم، وعدى ب { إلى } ~~لتضمنه معنى الميل والإخلاد. وقيل معناه ملتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء ~~فيها وقرىء { اثاقلتم } على الاستفهام، ومعناه التوبيخ، والعامل في ~~الظرف " ما " في { مالكم } من معنى الفعل، كأنه قيل ما يمنعكم، أو ما ~~تصنعون إذا قيل لكم؟ و { إلى الأرض } متعلق ب { اثاقلتم } وكما مر. ~~قوله { أرضيتم بالحياة الدنيا ms1488 } أي بنعيمها بدلا من ~~الآخرة كقوله تعالى # ولو نشاء لجعلنا منكم ملئكة فى الأرض ~~يخلفون # الزخرف 60 أي بدلا منكم، ومثله قول الشاعر # قلبت لنا من ماء زمزم شربة مبردة باتت على طهيان # أي بدلا من ماء زمزم، والطهيان عود ينصب في ناحية الدار للهواء يعلق ~~عليه الماء ليبرد، ومعنى { الآخرة } أي في جنب الآخرة، وفي مقابلتها { ~~إلا قليل } أي إلا متاع حقير لا يعبأ به، ويجوز أن يراد بالقليل ~~العدم، إذ لا نسبة للمتناهي الزائل إلى غير المتناهي الباقي، والظاهر أن ~~هذا التثاقل لم يصدر من الكل، إذ من البعيد أن يطبقوا جميعا على التباطؤ ~~والتثاقل، وإنما هو من باب نسبة ما يقع من البعض إلى الكل، وهو كثير ~~شائع. قوله { إلا تنفروا يعذبكم } هذا تهديد شديد، ووعيد ~~موكد لمن ترك النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم { يعذبكم ~~عذابا أليما } أي يهلككم بعذاب شديد مؤلم، قيل في الدنيا فقط، وقيل ~~هو أعم من ذلك. قوله { ويستبدل قوما غيركم } أي يجعل ~~لرسله بدلا منكم ممن لا يتباطأ عند حاجتهم إليهم. واختلف في هؤلاء القوم ~~من هم؟ فقيل أهل اليمن، وقيل أهل فارس، ولا وجه للتعين بدون دليل. قوله { ~~ولا تضروه شيئا } معطوف على { يستبدل } ، والضمير قيل ~~لله، وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم أي ولا تضروا الله بترك امتثال أمره ~~بالنفير شيئا، أو لا تضروا رسول الله بترك نصره والنفير معه شيئا { ~~والله على كل شيء قدير } ومن جملة مقدوراته تعذيبكم ~~والاستبدال بكم. # قوله { إلا تنصروه فقد نصره الله } أي إن تركتم نصره ~~فالله متكفل به، فقد نصره في مواطن القلة، وأظهره على عدوه بالغلبة ~~والقهر، أو فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد وقت إخراج الذين ~~كفروا له حال كونه { ثاني اثنين } أي أحد اثنين، وهما رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله عنه. وقرىء بسكون الياء. ~~قال ابن جني حكاها أبو عمرو بن العلاء، ووجهها أن تسكن الياء تشبيها ms1489 لها ~~بالألف. قال ابن عطية فهي كقراءة الحسن ما بقي من الربا، وكقول جرير # هو الخليفة فارضوا ما رضيه لكم ماضي العزيمة ما في حكمه جنف # قوله { إذ هما فى الغار } بدل من { إذ أخرجه } بدل بعض، ~~والغار ثقب في الجبل المسمى ثورا، وهو المشهور بغار ثور، وهو جبل قريب ~~من مكة، وقصة خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر ~~ودخولهما الغار مشهورة مذكورة في كتب السير والحديث. قوله { إذ يقول ~~لصاحبه } بدل ثان أي وقت قوله لأبي بكر { لا تحزن إن ~~الله معنا } أي دع الحزن، فإن الله بنصره وعونه وتأييده معنا، ومن ~~كان الله معه فلن يغلب، ومن لا يغلب فيحق له أن لا يحزن. قوله { ~~فأنزل الله سكينته عليه } السكينة تسكين جأشه وتأمينه ~~حتى ذهب روعه، وحصل له الأمن، على أن الضمير في { عليه } لأبي بكر. ~~وقيل هو للنبي صلى الله عليه وسلم، ويكون المراد بالسكينة النازلة عليه ~~عصمته عن حصول سبب من أسباب الخوف له، ويؤيد كون الضمير في { عليه } ~~للنبي صلى الله عليه وسلم الضمير في { وأيده بجنود لم ~~تروها } فإنه للنبي صلى الله عليه وسلم، لأنه المؤيد بهذه الجنود ~~التي هي الملائكة، كما كان في يوم بدر. وقيل إنه لا محذور في رجوع الضمير ~~من { عليه } إلى أبي بكر، ومن { وأيده } إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فإن ذلك كثير في القرآن، وفي كلام العرب { وجعل كلمة ~~الذين كفروا السفلى } أي كلمة الشرك، وهي دعوتهم إليه. ~~ونداؤهم للأصنام { وكلمة الله هى العليا } قرأ الأعمش، ~~ويعقوب بنصب " كلمة " حملا على جعل، وقرأ الباقون برفعها على الاستئناف. ~~وقد ضعف قراءة النصب الفراء، وأبو حاتم، وفي ضمير الفصل، أعني { هى } ~~تأكيد لفضل كلمته في العلو، وأنها المختصة به دون غيرها، وكلمة الله هي ~~كلمة التوحيد، والدعوة إلى الإسلام { والله عزيز حكيم } أي ~~غالب قاهر لا يفعل إلا ما فيه حكمة وصواب. # ثم لما توعد من لم ينفر مع الرسول صلى الله عليه ms1490 وسلم وضرب له من ~~الأمثال ما ذكره عقبه بالأمر الجزم فقال { انفروا خفافا ~~وثقالا } أي حال كونكم خفافا وثقالا، قيل المراد منفردين أو ~~مجتمعين. وقيل نشاطا وغير نشاط. وقيل فقراء وأغنياء. وقيل شبابا ~~وشيوخا. وقيل رجالا وفرسانا، وقيل من لا عيال له ومن له عيال، وقيل من ~~يسبق إلى الحرب كالطلائع، ومن يتأخر كالجيش، وقيل غير ذلك. ولا مانع من ~~حمل الآية على جميع هذه المعاني، لأن معنى الآية انفروا خفت عليكم الحركة ~~أو ثقلت. قيل وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى # ليس على الضعفاء ولا على المرضى # التوبة 91، وقيل الناسخ لها قوله # فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة # النور 122 الآية. وقيل هي محكمة وليست بمنسوخة، ويكون إخراج الأعمى ~~والأعرج بقوله # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج # النور 61. وإخراج الضعيف والمريض بقوله { ليس على الضعفاء ~~ولا على المرضى } من باب التخصيص، لا من باب النسخ على فرض ~~دخول هؤلاء تحت قوله { خفافا وثقالا } والظاهر عدم دخولهم تحت ~~العموم. قوله { وجهدوا بأمولكم وأنفسكم فى سبيل ~~الله } فيه الأمر بالجهاد بالأنفس والأموال وإيجابه على العباد، ~~فالفقراء يجاهدون بأنفسهم، والأغنياء بأموالهم وأنفسهم. والجهاد من آكد ~~الفرائض وأعظمها، وهو فرض كفاية مهما كان البعض يقوم بجهاد العدو ~~وبدفعه، فإن كان لا يقوم بالعدو إلا جميع المسلمين في قطر من الأرض، أو ~~أقطار وجب عليهم ذلك وجوب عين، والإشارة بقوله { ذلكم } إلى ما تقدم ~~من الأمر بالنفير، والأمر بالجهاد { خير لكم } أي خير عظيم في ~~نفسه، وخير من السكون والدعة { إن كنتم تعلمون } ذلك، وتعرفون ~~الأشياء الفاضلة وتميزونها عن المفضولة. قوله { لو كان عرضا ~~قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك }. قال الزجاج لو كان ~~المدعو إليه فحذف لدلالة ما تقدم عليه، والعرض ما يعرض من منافع ~~الدنيا. والمعنى غنيمة قريبة غير بعيدة { وسفرا قاصدا } عطف على ~~ما قبله أي سفرا متوسطا بين القرب والبعد، وكل متوسط بين الإفراط ~~والتفريط فهو قاصد { ولكن بعدت عليهم الشقة } قال أبو ~~عبيدة وغيره إن الشقة السفر إلى أرض ms1491 بعيدة، يقال منه شقة شاقة، قال ~~الجوهري الشقة بالضم من الثياب، والشقة أيضا السفر البعيد، وربما قالوه ~~بالكسر، والمراد بهذا غزوة تبوك، فإنها كانت سفرة بعيدة شاقة. وقرأ عيسى ~~بن عمر " بعدت عليهم الشقة " بكسر العين والشين { ~~وسيحلفون بالله } أي المتخلفون عن غزوة تبوك حال كونكم قائلين ~~{ لو استطعنا لخرجنا معكم } أي لو قدرنا على الخروج ~~ووجدنا ما نحتاج إليه فيه مما لا بد منه { لخرجنا معكم } هذه ~~الجملة سادة مسد جواب القسم والشرط. قوله { يهلكون أنفسهم } ~~هو بدل من قوله { سيحلفون } لأن من حلف كاذبا فقد أهلك نفسه أو ~~يكون حالا أي مهلكين أنفسهم موقعين لها موقع الهلاك { والله ~~يعلم إنهم لكذبون } في حلفهم الذي سيحلفون به لكم. # وقد أخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن مجاهد، في قوله { يأيها الذين ءامنوا ما لكم ~~إذا قيل لكم انفروا } الآية، قال هذا حين أمروا بغزوة تبوك بعد ~~الفتح، وحين أمرهم بالنفير في الصيف وحين خرفت النخل وطابت الثمار، ~~واشتهوا الظلال، وشق عليهم المخرج، فأنزل الله { انفروا خفافا ~~وثقالا }. وأخرج أبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، ~~في قوله { إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما } قال إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر حيا من أحياء العرب، فتثاقلوا عنه، ~~فأنزل الله هذه الآية، فأمسك عنهم المطر فكان ذلك عذابهم. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن عكرمة، قال لم نزلت { إلا تنفروا يعذبكم عذابا ~~أليما } ، وقد كان تخلف عنه أناس في البدو يفقهون قومهم، فقال ~~المؤمنون قد بقي ناس في البوادي، وقالوا هلك أصحاب البوادي، فنزلت { ~~وما كان المؤمنون لينفروا كافة }. وأخرج أبو داود، ~~وابن أبي حاتم، والنحاس، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، في قوله { ~~إلا تنفروا } الآية قال نسختها { وما كان المؤمنون ~~لينفروا كافة }. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { إلا ms1492 تنصروه فقد ~~نصره الله } قال ذكر ما كان من أول شأنه حين بعث، يقول فأنا فاعل ~~ذلك به، وناصره كما نصرته إذ ذاك وهو ثاني اثنين. وأخرج أبو نعيم، ~~والبيهقي في الدلائل، عن ابن شهاب وعروة، أنهم ركبوا في كل وجه يعني ~~المشركين يطلبون النبي صلى الله عليه وسلم، وبعثوا إلى أهل المياه ~~يأمرونهم ويجعلون لهم الحمل العظيم، وأتوا على ثور الجبل الذي فيه الغار، ~~والذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم حتى طلعوا فوقه، وسمع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبو بكر أصواتهم، فأشفق أبو بكر، وأقبل عليه الهم ~~والخوف، فعند ذلك يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا تحزن ~~إن الله معنا } ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت عليه ~~السكينة من الله، { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } الآية. ~~وأخرج ابن شاهين، وابن مردويه، وابن عساكر، عن حبشي ابن جنادة، قال أبو ~~بكر يا رسول الله، لو أن أحدا من المشركين رفع قدمه لأبصرنا، فقال # " يا أبا بكر، لا تحزن إن الله معنا " # وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن الزهري، في قوله { إذ هما فى ~~الغار } قال هو الغار الذي في الجبل الذي يسمى ثورا. # وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، ~~وابن عساكر في تاريخه، عن ابن عباس، في قوله { فأنزل الله ~~سكينته عليه } قال على أبي بكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم تزل معه السكينة. وأخرج ابن مردويه، عن أنس، قال دخل النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأبو بكر غار حراء، فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم لو ~~أن أحدهم يبصر موضع قدمه لأبصرني وإياك، فقال صلى الله عليه وسلم # " ما ظنك باثنين الله ثالثهما يا أبا بكر؟ إن الله أنزل سكينته عليك ~~وأيدني بجنود لم يروها " # وأخرج الخطيب في تاريخه، عن حبيب بن أبي ثابت { فأنزل الله ~~سكينته عليه } قال على أبي بكر، فأما النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقد كانت ms1493 عليه السكينة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والبيهقي، عن ابن عباس، في قوله { وجعل كلمة الذين كفروا ~~السفلى } قال هي الشرك بالله { وكلمة الله هى العليا ~~} قال لا إله إلا الله. وأخرج الفريابي، وأبو الشيخ، عن أبي الضحى قال ~~أول ما أنزل من براءة { انفروا خفافا وثقالا } ثم نزل أولها ~~وآخرها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أبي مالك، نحوه. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { خفافا وثقالا } قال نشاطا وغير ~~نشاط. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحكم في ~~الآية قال مشاغيل وغير مشاغيل. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~الحسن، قال في العسر واليسر. وأخرج ابن المذر، عن زيد ابن أسلم، قال ~~فتيانا وكهولا. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن عكرمة، قال شبابا ~~وشيوخا. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال قالوا إن فينا ~~الثقيل، وذا الحاجة، والضيعة، والشغل فأنزل الله { انفروا خفافا ~~وثقالا } وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا خفافا وثقالا، وعلى ما كان ~~منهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي قال جاء رجل زعموا أنه ~~المقداد، وكان عظيما سمينا، فشكا إليه وسأله أن يأذن له فأبى، فنزلت { ~~انفروا خفافا وثقالا } فلما نزلت هذه الآية اشتد على الناس ~~شأنها فنسخها الله، فقال # ليس على الضعفاء ولا على المرضى # التوبة 91 الآية. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، قال إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قيل له ألا تغزو بني الأصفر لعلك أن تصيب ابنة عظيم ~~الروم؟ فقال رجلان قد علمت يا رسول الله، أن النساء فتنة فلا تفتنا بهن ~~فأذن لنا، فأذن لهما، فلما انطلقنا قال أحدهما إن هو إلا شحمة لأول آكل، ~~فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل عليه شيء في ذلك، فلما كان ~~ببعض الطريق نزل عليه وهو على بعض المناة { لو كان عرضا قريبا ~~وسفرا قاصدا لاتبعوك } ونزل عليه { عفا الله عنك ~~لم أذنت لهم ms1494 } ونزل عليه { إنما يستأذنك الذين ~~لا يؤمنون بالله واليوم الآخر } التوبة 45 ونزل عليه # إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا ~~يكسبون # التوبة 95. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس { لو كان ~~عرضا قريبا } قال غنيمة قريبة، { ولكن بعدت عليهم ~~الشقة } قال المسير. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، في ~~قوله { والله يعلم إنهم لكذبون } قال لقد كانوا ~~يستطيعون الخروج ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم، وزهادة في الجهاد. ### || [9.43-49] # الاستفهام في { عفا الله عنك لم أذنت لهم } للإنكار من ~~الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم حيث وقع منه الإذن لما استأذنه ~~في القعود قبل أن يتبين من هو صادق منهم في عذره الذي أبداه، ومن هو كاذب ~~فيه. وفي ذكر العفو عنه صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن هذا الإذن ~~الصادر منه كان خلاف الأولى، وفي هذا عتاب لطيف من الله سبحانه. وقيل إن ~~هذا عتاب له صلى الله عليه وسلم في إذنه للمنافقين بالخروج معه، لا في ~~إذنه لهم بالقعود عن الخروج. والأول أولى، وقد رخص له سبحانه في سورة ~~النور بقوله # فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت ~~منهم # النور 62 ويمكن أن يجمع بين الآيتين بأن العتاب هنا متوجه إلى الإذن قبل ~~الاستثبات حتى يتبين الصادق من الكاذب، والإذن هنالك متوجه إلى الإذن بعد ~~الإستثبات، والله أعلم. وقيل إن قوله { عفا الله عنك } هي افتتاح ~~كلام كما تقول أصلحك الله، وأعزك ورحمك، كيف فعلت كذا، وكذا حكاه مكي ~~والنحاس، والمهدوي، وعلى هذا التأويل يحسن الوقف على عفا الله عنك، وعلى ~~التأويل الأول لا يحسن. ولا يخفاك أن التفسير الأول هو المطابق لما ~~يقتضيه اللفظ على حسب اللغة العربية، ولا وجه لإخراجه عن معناه العربي. ~~وفي الآية دليل على جواز الاجتهاد منه صلى الله عليه وسلم، والمسألة ~~مدونة في الأصول، وفيها أيضا دلالة على مشروعية الاحتراز عن العجلة، ~~والاغترار بظواهر الأمور، و«حتى» في { حتى يتبين لك ~~الذين صدقوا } للغاية، ms1495 كأنه قيل لم سارعت إلى الإذن لهم وهلا ~~تأنيث حتى يتبين لك صدق من هو صادق منهم في العذر الذي أبداه، وكذب من هو ~~كاذب منهم في ذلك؟ ثم ذكر سبحانه أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود عن الجهاد، بل كان من عادتهم أنه ~~صلى الله عليه وسلم إذا أذن لواحد منهم بالقعود شق عليه ذلك. فقال { لا ~~يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن ~~يجهدوا } وهذا على أن معنى لآية أن لا يجاهدوا على حذف حرف النفي ~~وقيل المعنى لا يستأذنك المؤمنون في التخلف كراهة الجهاد وقيل إن معنى ~~الاستئذان في الشيء الكراهة له، وأما على ما يقتضيه ظاهر اللفظ فالمعنى ~~لا يستأذنك المؤمنون في الجهاد، بل دأبهم أن يبادروا إليه من غير توقف ~~ولا ارتقاب منهم، لوقوع الإذن منك فضلا عن أن يستأذنوك في التخلف. قال ~~الزجاج { أن يجاهدوا } في موضع نصب بإضمار في أي في أن يجاهدوا { ~~والله عليم بالمتقين } وهم هؤلاء الذين لم يستأذنوا { ~~إنما يستأذنك } في القعود عن الجهاد، والتخلف عنه { الذين ~~لا يؤمنون بالله واليوم الآخر } وهم المنافقون، وذكر ~~الإيمان بالله أولا، ثم باليوم الآخر ثانيا في الموضعين، لأنهما ~~الباعثان على الجهاد في سبيل الله. # قوله { وارتابت قلوبهم } عطف على قوله { الذين لا ~~يؤمنون } وجاء بالماضي للدلالة على تحقق الريب في قلوبهم، وهو الشك. ~~قوله { فهم فى ريبهم يترددون } أي في شكهم الذي حل ~~بقلوبهم يتحيرون، والتردد التحير. والمعنى فهؤلاء الذين يستأذنونك ليسوا ~~بمؤمنين، بل مرتابين حائرين لا يهتدون إلى طريق الصواب، ولا يعرفون الحق. ~~قوله { ولو أرادوا الخروج لاعدوا لهم عدة } أي لو ~~كانوا صادقين فيما يدعونه ويخبرونك به من أنهم يريدون الجهاد معك، ولكن ~~لم يكن معهم من العدة للجهاد ما يحتاج إليه، لما تركوا إعداد العدة ~~وتحصيلها قبل وقت الجهاد، كما يستعد لذلك المؤمنون، فمعنى هذا الكلام ~~أنهم لم يريدوا الخروج أصلا ولا استعدوا للغزو. والعدة ما يحتاج إليه ~~المجاهد من الزاد ms1496 والراحلة والسلاح. قوله { ولكن كره الله ~~انبعاثهم } أي ولكن كره الله خروجهم، فتثبطوا عن الخروج، فيكون ~~المعنى ما خرجوا ولكن تثبطوا، لأن كراهة الله انبعاثهم تستلزم تثبطهم عن ~~الخروج، والانبعاث الخروج، أي حبسهم الله عن الخروج معك وخذلهم، لأنهم ~~قالوا إن لم يؤذن لنا في الجلوس، أفسدنا وحرضنا على المؤمنين. وقيل ~~المعنى لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، ولكن ما أرادوه لكراهة الله له ~~قوله { وقيل اقعدوا مع القعدين } قيل القائل لهم هو ~~الشيطان بما يلقيه إليهم من الوسوسة، وقيل قاله بعضهم لبعض. وقيل قاله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا عليهم. وقيل هو عبارة عن الخذلان، أي ~~أوقع الله في قلوبهم القعود خذلانا لهم. ومعنى { مع القعدين } ~~أي مع أولي الضرر من العميان، والمرضى، والنساء، والصبيان، وفيه من الذم ~~لهم والإزراء عليهم والتنقص بهم ما لا يخفى. قوله { لو خرجوا ~~فيكم ما زادوكم إلا خبالا } هذه تسلية لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وللمؤمنين عن تخلف المنافقين، والخبال الفساد والنميمة، وإيقاع ~~الاختلاف والأراجيف. قيل هذا الاستثناء منقطع، أي ما زادوكم قوة، ولكن ~~طلبوا الخبال. وقيل المعنى لا يزيدونكم فيما ترددون فيه من الرأي إلا ~~خبالا فيكون متصلا. وقيل هو استثناء من أعم العام أي ما زادوكم شيئا ~~إلا خبالا. فيكون الاستثناء من قسم المتصل لأن الخبال من جملة ما يصدق ~~عليه الشيء. قوله { ولأوضعوا خللكم يبغونكم ~~الفتنة } الإيضاع سرعة السير، ومنه قوله ورقة بن نوفل # يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع # يقال أوضع البعير إذا أسرع السير. وقيل الإيضاع سير الخبب، والخلل ~~الفرجة بين الشيئين، والجمع الخلال أي الفرج التي تكون بين الصفوف. # والمعنى لسعوا بينكم بالإفساد بما يختلقونه من الأكاذيب المشتملة على ~~الإرجاف والنمائم الموجبة لفساد ذات البين. قوله { يبغونكم ~~الفتنة } يقال بغيته كذا طلبته له، وأبغيته كذا أعنته على طلبه. ~~والمعنى يطلبون لكم الفتنة في ذات بينكم بما يصنعونه من التحريش ~~والإفساد. وقيل الفتنة هنا الشرك. وجملة { وفيكم سمعون لهم ~~} في محل نصب على الحال، ms1497 أي والحال أن فيكم من يستمع ما يقولونه من ~~الكذب، فينقله إليكم فيتأثر من ذلك الاختلاف بينكم، والفساد لإخوانكم { ~~والله عليم بالظلمين } وبما يحدث منهم لو خرجوا معكم، لذلك ~~اقتضت حكمته البالغة أن لا يخرجوا معكم، وكره انبعاثهم معكم، ولا ينافي ~~حالهم هذا لو خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقدم من عتابه ~~على الإذن لهم في التخلف لأنه سارع إلى الإذن لهم، ولم يكن قد علم من ~~أحوالهم لو خرجوا أنهم يفعلون هذه الأفاعيل، فعوتب صلى الله عليه وسلم ~~على تسرعه إلى الإذن لهم قبل أن يتبين له الصادق منهم في عذره من ~~الكاذب، ولهذا قال الله سبحانه فيما يأتي في هذه السورة # فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك ~~للخروج فقل لن تخرجوا معى أبدا # التوبة 83 الآية، وقال في سورة الفتح { سيقول المخلفون إذا ~~انطلقتم إلى مغانم } إلى قوله # قل لن تتبعونا # الفتح 15. قوله { لقد ابتغوا الفتنة من قبل } أي لقد ~~طلبوا الإفساد والخبال وتفريق كلمة المؤمنين وتشتيت شملهم من قبل هذه ~~الغزوة التي تخلفوا عنك فيها. كما وقع من عبد الله بن أبي وغيره { ~~ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره ~~الكفرون }. قوله { وقلبوا لك الأمور } أي صرفوها من ~~أمر إلى أمر، ودبروا لك الحيل والمكائد، ومنه قول العرب حول قلب إذا كان ~~دائرا حول المكائد والحيل، يدير الرأي فيها ويتدبره. وقرىء «وقلبوا» ~~بالتخفيف { حتى جاء الحق } أي إلى غاية هي مجيء الحق، وهو النصر ~~لك والتأييد { وظهر أمر الله } بإعزاز دينه، وإعلاء شرعه، وقهر ~~أعدائه. وقيل الحق القرآن { وهم كرهون } أي والحال أنهم كارهون ~~لمجيء الحق وظهور أمر الله، ولكن كان ذلك على رغم منهم { ومنهم } أي ~~من المنافقين { من يقول } لرسول الله صلى الله عليه وسلم { ائذن ~~لي } في التخلف عن الجهاد { ولا تفتنى } أي لا توقعني في الفتنة، ~~أي الإثم، إذا لم تأذن لي فتخلفت بغير إذنك وقيل معناه لا توقعني في ~~الهلكة بالخروج { ألا فى الفتنة سقطوا } أي ms1498 في نفس الفتنة ~~سقطوا، وهي فتنة التخلف عن الجهاد، والاعتذار الباطل. والمعنى أنهم ظنوا ~~أنهم بالخروج أو بترك الإذن لهم يقعون في الفتنة، وهم بهذا التخلف سقطوا ~~في الفتنة العظيمة. # وفي التعبير بالسقوط ما يشعر بأنهم وقعوا فيها وقوع من يهوى من أعلى إلى ~~أسفل، وذلك أشد من مجرد الدخول في الفتنة، ثم توعدهم على ذلك فقال { ~~وإن جهنم لمحيطة بالكفرين } أي مشتملة عليهم من ~~جميع الجوانب لا يجدون عنها مخلصا، ولا يتمكنون من الخروج منها بحال من ~~الأحوال. وقد أخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن جرير عن عمرو بن ميمون، ~~قال اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر فيهما بشيء إذنه ~~للمنافقين، وأخذه من الأسارى، فأنزل الله { عفا الله عنك لم ~~أذنت لهم } وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن عون بن عبد الله، قال ما سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ بدأ ~~بالعفو قبل المعاتبة. فقال { عفا الله عنك لم أذنت لهم }. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله { ~~عفا الله عنك } الآية قال ناس قالوا استأذنوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فإن أذن لكم، فاقعدوا. وإن لم يأذن لكم، فاقعدوا. وأخرج النحاس ~~في ناسخه، عن ابن عباس في قوله { عفا الله عنك لم أذنت ~~لهم } الثلاث الآيات، قال نسخها # فإذا استذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت ~~منهم # النور 62. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في ~~ناسخه، عنه، في قوله { لا يستأذنك الذين يؤمنون ~~بالله } الآية قال هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن ~~الجهاد بغير عذر، وعذر الله المؤمنين فقال # فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت ~~منهم # النور 62. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، ~~والبيهقي في سننه، عنه، أيضا في قوله { لا يستأذنك } الآيتين ~~قال نسختها الآية التي في سورة النور { إنما المؤمنون ~~الذين ءامنوا بالله ورسوله } إلى # إن الله غفور رحيم # النور 62. فجعل ms1499 الله النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى النظرين في ذلك، من ~~غزا غزا في فضيلة، ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء الله.وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله { ولكن كره الله ~~انبعاثهم } قال خروجهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { ~~فثبطهم } قال حبسهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، ~~في قوله { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا } قال ~~هؤلاء المنافقون في غزوة تبوك. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن قتادة، في قوله { ولأوضعوا خللكم } قال لأسرعوا ~~بينكم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~مجاهد، في قوله { ولأوضعوا خللكم } قال لأرفضوا { ~~يبغونكم الفتنة } يبطئونكم عبد الله بن نبتل، وعبد الله بن ~~أبي ابن سلول، ورفاعة بن تابوت، وأوس بن قيظي { وفيكم سمعون ~~لهم } محدثون لهم بأحاديثكم غير منافقين، وهم عيون للمنافقين. # وأخرج ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، عن ~~ابن عباس، قال لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك، ~~قال لجد بن قيس # " يا جد بن قيس، ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟ " # فقال يا رسول الله، إني امرؤ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر ~~أفتتن، فأذن لي ولا تفتني، فأنزل الله { ومنهم من يقول ائذن ~~لي } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، ~~نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن عائشة، نحوه أيضا. وأخرج ابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { ولا تفتنى } قال لا تخرجني { ~~ألا فى الفتنة سقطوا } يعني في الخروج. وأخرج ابن المنذر، ~~وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله { ولا تفتنى } قال لا تؤثمني { ألا ~~فى الفتنة } قال ألا في الإثم، وقصة تبوك مذكورة في كتب الحديث ~~والسير فلا نطول بذكرها. ### || [9.50-57] # قوله { إن تصبك حسنة } أي حسنة كانت بأي سبب اتفق، كما يفيده ~~وقوعها في حيز الشرط، وكذلك القول في ms1500 المصيبة، وتدخل الحسنة والمصيبة ~~الكائنة في القتال كما يفيده السياق دخولا أوليا، فمن جملة ما تصدق ~~عليه الحسنة الغنيمة والظفر. ومن جملة ما تصدق عليه المصيبة الخيبة ~~والانهزام، وهذا ذكر نوع آخر من خبث ضمائر المنافقين وسوء أفعالهم، ~~والإخبار بعظيم عدوانهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، فإن ~~المساءة بالحسنة، والفرح بالمصيبة من أعظم ما يدل على أنهم في العداوة ~~قد بلغوا إلى الغاية، ومعنى { تولوا } رجعوا إلى أهلهم عن مقامات ~~الاجتماع، ومواطن التحدث حال كونهم فرحين بالمصيبة التي أصابت المؤمنين، ~~ومعنى قولهم { قد أخذنا أمرنا من قبل } أي احتطنا لأنفسنا، ~~وأخذنا بالحزم، فلم نخرج إلى القتال كما خرج المؤمنون حتى نالهم ما نالهم ~~من المصيبة. ثم لما قالوا هذا القول أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بأن يجيب عليهم بقوله { لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ~~} أي في اللوح المحفوظ، أو في كتابه المنزل علينا، وفائدة هذا الجواب أن ~~الإنسان إذا علم أن ما قدره الله كائن، وأن كل ما ناله من خير أو شر ~~إنما هو بقدر الله وقضائه، هانت عليه المصائب، ولم يجد مرارة شماتة ~~الأعداء وتشفي الحسدة { هو مولنا } أي ناصرنا وجاعل العاقبة لنا، ~~ومظهر دينه على جميع الأديان، والتوكل على الله تفويض الأمور إليه ~~والمعنى أن من حق المؤمنين أن يجعلوا توكلهم مختصا بالله سبحانه، لا ~~يتوكلون على غيره. وقرأ طلحة بن مصرف " يصيبنا " بتشديد الياء. وقرأ أعين ~~قاضي الري «يصيبنا» بنون مشددة. وهو لحن لان الخبر لا يؤكد. ورد بمثل ~~قوله تعالى # هل يذهبن كيده ما يغيظ # الحج 15. وقال الزجاج معناه لا يصيبنا إلا ما اختصنا الله من النصرة ~~عليكم أو الشهادة. وعلى هذا القول يكون قوله { قل هل تربصون ~~بنا إلا إحدى الحسنيين } تكريرا لغرض التأكيد، والأول ~~أولى حتى يكون كل واحد من الجوابين اللذين أمر الله سبحانه رسوله بأن ~~يجيب عليهم بهما مفيدا لفائدة غير فائدة الآخر، والتأسيس خير من ~~التأكيد. ومعنى { هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ~~} هل ms1501 تنتظرون بنا إلا إحدى الخصلتين الحسنيين إما النصرة أو الشهادة، ~~وكلاهما مما يحسن لدينا، والحسنى تأنيث الأحسن، ومعنى الاستفهام التقريع ~~والتوبيخ { ونحن نتربص بكم } إحدى المساءتين لكم إما { أن ~~يصيبكم الله بعذاب من عنده } أي قارعة نازلة من السماء، ~~فيسحتكم بعذابه، { أو } بعذاب لكم { بأيدينا } أي بإظهار الله لنا ~~عليكم بالقتل والأسر والنهب والسبي. # والفاء في { فتربصوا } فصيحة، والأمر للتهديد كما في قوله # ذق إنك أنت العزيز الكريم # الدخان 49 أي تربصوا بنا ما ذكرنا من عاقبتنا فنحن معكم متربصون ما هو ~~عاقبتكم، فستنظرون عند ذلك ما يسرنا ويسوؤكم. وقرأ البزي وابن فليح «هل ~~تربصون» بإظهار اللام وتشديد التاء. وقرأ الكوفيون بإدغام اللام في ~~التاء. وقرأ الباقون بإظهار اللام وتخفيف التاء. قوله { قل أنفقوا ~~طوعا أو كرها لن يتقبل منكم } هذا الأمر معناه الشرط ~~والجزاء، لأن الله سبحانه لا يأمرهم بما لا يتقبله منهم. والتقدير إن ~~أنفقتم طائعين أو مكرهين فلن يتقبل منكم وقيل هو أمر في معنى الخبر أي ~~أنفقتم طوعا أو كرها لن يتقبل منكم، فهو كقوله # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم # التوبة 80 وفيه الإشعار بتساوي الأمرين في عدم القبول، وانتصاب طوعا أو ~~كرها على الحال، فهما مصدران في موقع المشتقين أي أنفقوا طائعين من غير ~~أمر من الله ورسوله، أو مكرهين بأمر منهما. وسمي الأمر منهما إكراها ~~لأنهم منافقون لا يأتمرون بالأمر. فكانوا بأمرهم الذي لا يأتمرون به ~~كالمكرهين على الإنفاق، أو طائعين من غير إكراه من رؤسائكم أو مكرهين ~~منهم، وجملة { إنكم كنتم قوما فسقين } تعليل لعدم قبول ~~إنفاقهم، والفسق التمرد والعتو، وقد سبق بيانه لغة وشرعا. ثم بين ~~سبحانه السبب المانع من قبول نفقاتهم فقال { وما منعهم أن ~~تقبل منهم نفقتهم إلا أنهم كفروا بالله ~~وبرسوله } أي كفرهم بالله وبرسوله جعل المانع من القبول ثلاثة أمور ~~الأول الكفر، الثاني أنهم لا يصلون في حال من الأحوال إلا في حال الكسل ~~والتثاقل لأنهم لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا، فصلاتهم ليست إلا ~~رياء للناس ms1502 وتظهرا بالإسلام الذي يبطنون خلافه، والثالث أنهم لا ينفقون ~~أموالهم إلا وهم كارهون، ولا ينفقونها طوعا لأنهم يعدون إنفاقها وضعا ~~لها في مضيعة لعدم إيمانهم بما وعد الله ورسوله. قوله { فلا تعجبك ~~أمولهم ولا أولدهم } الإعجاب بالشيء أن يسر به سرورا ~~راض به متعجب من حسنه، قيل مع نوع من الافتخار، واعتقاد أنه ليس لغيره ما ~~يساويه. والمعنى لا تستحسن ما معهم من الأموال والأولاد { إنما ~~يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا } بما ~~يحصل معهم من الغم والحزن عند أن يغنمها المسلمون، ويأخذوها قسرا من ~~أيديهم مع كونها زينة حياتهم وقرة أعينهم، وكذا في الآخرة يعذبهم بعذاب ~~النار بسبب عدم الشكر لربهم الذي أعطاهم ذلك، وترك ما يجب عليهم من ~~الزكاة فيها، والتصدق بما يحق التصدق به. وقيل في الكلام تقديم وتأخير، ~~والمعنى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ~~ليعذبهم بها في الآخرة لأنهم منافقون، فهم ينفقون كارهين، فيعذبون بما ~~ينفقون. قوله { وتزهق أنفسهم وهم كفرون } الزهوق ~~الخروج بصعوبة، والمعنى أن الله يريد أن تزهق أنفسهم وتخرج أرواحهم حال ~~كفرهم لعدم قبولهم لما جاءت به الأنبياء وأرسلت به الرسل، وتصميمهم على ~~الكفر وتماديهم في الضلالة. # ثم ذكر الله سبحانه نوعا آخر من قبائح المنافقين، فقال { ويحلفون ~~بالله إنهم لمنكم } أي من جملتكم في دين الإسلام، والانقياد ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكتاب الله سبحانه { وما هم منكم ~~} في ذلك إلا بمجرد ظواهرهم دون بواطنهم { ولكنهم قوم ~~يفرقون } أي يخافون أن ينزل بهم ما نزل بالمشركين من القتل والسبي، ~~فيظهرون لكم الإسلام تقية منهم لا عن حقيقة { لو يجدون ملجأ } ~~يلتجئون إليه ويحفظون نفوسهم فيه منكم من حصن أو غيره { أو مغرات ~~} جمع مغارة من غار يغير. قال الأخفش ويجوز أن يكون من أغار يغير، ~~والمغارات الغيران والسراديب، وهي المواضع التي يستتر فيها، ومنه غار ~~الماء وغارت العين والمعنى لو وجدوا أمكنة يغيبون فيها أشخاصهم هربا ~~منكم { أو مدخلا } من الدخول أي مكانا يدخلون ms1503 فيه من الأمكنة ~~التي ليست مغارات. قال النحاس الأصل فيه متدخل قلبت التاء دالا، وقيل ~~أصله مدتخل. وقرأ أبي «متدخلا» وروى عنه أنه قرا «مندخلا» بالنون. وقرأ ~~الحسن وابن أبي إسحاق، وابن محيصن «أو مدخلا» بفتح الميم وإسكان الدال. ~~قال الزجاج ويقرأ «أو مدخلا» بضم الميم وإسكان الدال. وقرأ الباقون ~~بتشديد الدال مع ضم الميم { لولوا إليه } أي لالتجئوا إليه ~~وأدخلوا أنفسهم فيه والحال أنهم { يجمحون } أي يسرعون إسراعا لا ~~يردهم شيء، من جمح الفرس إذا لم يرده اللجام، ومنه قول الشاعر # سبوح جموح وإحضارها كمعمعة السعف الموقد # والمعنى لو وجدوا شيئا من هذه الأشياء المذكورة لولوا إليه مسرعين ~~هربا من المسلمين. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن جابر بن عبد الله، قال جعل ~~المنافقون الذين تخلفوا بالمدينة يخبرون عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخبار السوء يقولون إن محمدا وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا، فبلغهم ~~تكذيب حديثهم وعافية النبي وأصحابه، فساءهم ذلك فأنزل الله { إن ~~تصبك حسنة تسؤهم } الآية. وأخرج سنيد، وابن جرير، عن ابن ~~عباس { إن تصبك حسنة تسؤهم } يقول إن يصبك في سفرك هذه ~~الغزوة - تبوك - حسنة تسؤهم قال الجد وأصحابه، يعني الجد بن قيس. وأخرج ~~أبو الشيخ، عن السدي { قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله ~~لنا } قال إلا ما قضى الله لنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس، قال { هل تربصون بنا إلا إحدى ~~الحسنيين } قال فتح أو شهادة. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، في ~~قوله { أو بأيدينا } قال القتل بالسيوف. وأخرج ابن جرير، عن ابن ~~عباس، قال قال الجد بن قيس إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن ولكن ~~أعينك بمالي، قال ففيه نزلت { قل أنفقوا طوعا أو كرها } ~~الآية. # وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله { ~~فلا تعجبك أمولهم } قال هذه من تقاديم الكلام، يقول لا ~~تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها ~~في الآخرة. ms1504 وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، قال إنما يريد الله ليعذبهم ~~بها في الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، في قوله { وتزهق ~~أنفسهم وهم كفرون } قال تزهق أنفسهم في الحياة الدنيا { ~~وهم كفرون } قال هذه آية فيها تقديم وتأخير. وأخرج أبو حاتم، ~~وأبو الشيخ عن الضحاك، في قوله { فلا تعجبك } يقول لا يغرنك { ~~وتزهق } قال تخرج أنفسهم، قال في الدنيا وهم كافرون. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { ~~لو يجدون ملجأ } الآية قال الملجأ الحرز في الجبال، والمغارات ~~الغيران، والمدخل السرب. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي { ~~وهم يجمحون } قال يسرعون. ### || [9.58-60] # قوله { ومنهم من يلمزك } هذا ذكر نوع آخر قبائحهم، يقال ~~لمزه يلمزه إذا عابه. قال الجوهري اللمز العيب، وأصله الإشارة بالعين ~~ونحوها، وقد لمزه يلمزه ويلمزه، ورجل لماز، ولمزة أي عياب. قال الزجاج ~~لمزت الرجل ألمزه وألمزه، بكسر الميم وضمها إذا عبته، وكذا همزته. ~~ومعنى الآية ومن المنافقين من يعيبك في الصدقات، أي في تفريقها وقسمتها. ~~وروى عن مجاهد أنه قال معنى { يلمزك } يرزؤك ويسألك، والقول عند أهل ~~اللغة هو الأول، كما قال النحاس. وقرىء " يلمزك " بضم الميم، و " يلمزك ~~" بكسرها مع التشديد. وقرأ الجمهور بكسرها مخففة { فإن أعطوا ~~منها } أي من الصدقات بقدر ما يريدون { رضوا } بما وقع من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولم يعيبوه، وذلك لأنه لا مقصد لهم إلا حطام ~~الدنيا، وليسوا من الدين في شيء { وإن لم يعطوا منها } أي من ~~الصدقات ما يريدونه ويطلبونه { إذا هم يسخطون } أي وإن لم يعطوا ~~فاجئوا السخط، وفائدة إذا الفجائية أن الشرط مفاجىء للجزاء وهاجم عليه. ~~وقد نابت إذا الفجائية مناب فاء الجزاء. { ولو أنهم رضوا ما ~~ءاتهم الله ورسوله } أي ما فرضه الله لهم وما أعطاهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الصدقات، وجوب " لو " محذوف أي لكان خيرا ~~لهم، فإن فيما أعطاهم الخير العاجل والآجل { وقالوا حسبنا ~~الله سيؤتينا الله ms1505 من فضله ورسوله } أي قالوا هذه ~~المقالة عند أن أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو لهم أي كفانا ~~الله، سيعطينا من فضله، ويعطينا رسوله بعد هذا ما نرجوه ونؤمله { إنا ~~إلى الله رغبون } في أن يعطينا من فضله ما نرجوه. قوله { ~~إنما الصدقت للفقراء } لما لمز المنافقون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في قسمة الصدقات بين الله لهم مصرفها دفعا لطعنهم، ~~وقطعا لشغبهم، و { إنما } من صيغ القصر، وتعريف الصدقات للجنس أي ~~جنس هذه الصدقات مقصور على هذه الأصناف المذكورة لا يتجاوزها، بل هي لهم ~~لا لغيرهم. وقد اختلف أهل العلم هل يجب تقسيط الصدقات على هذه الأصناف ~~الثمانية، أو يجوز صرفها إلى البعض دون البعض على حسب ما يراه الإمام أو ~~صاحب الصدقة؟ فذهب إلى الأول الشافعي وجماعة من أهل العلم، وذهب إلى ~~الثاني مالك وأبو حنيفة، وبه قال عمر، وحذيفة، وابن عباس، وأبو العالية، ~~وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران. قال ابن جرير وهو قول عامة أهل العلم ~~احتج الأولون بما في الآية من القصر، وبحديث زياد بن الحرث الصدائي عند ~~أبي داود والدارقطني قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فبايعته، فأتى ~~رجل فقال أعطني من الصدقة، فقال له # " إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، ~~فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك " # وأجاب الآخرون بأن ما في الآية من القصر إنما هو لبيان الصرف والمصرف، ~~لا لوجوب استيعاب الأصناف، وبأن في إسناد الحديث عبد الرحمن بن زياد بن ~~أنعم الإفريقي وهو ضعيف. ومما يؤيد ما ذهب إليه الآخرون قوله تعالى # إن تبدوا الصدقت فنعما هى وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم # البقرة 271 والصدقة تطلق على الواجبة كما تطلق على المندوبة. وصح عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال # " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم " # وقد ادعى مالك الإجماع على القبول الآخر. قال ابن عبد البر يريد إجماع ~~الصحابة، ms1506 فإنه لا يعلم له مخالفا منهم. قوله { للفقراء } قدمهم، ~~لأنهم أحوج من البقية على المشهور لشدة فاقتهم وحاجتهم. وقد اختلف أهل ~~العلم في الفرق بين الفقير والمسكين على أقوال فقال يعقوب بن السكيت، ~~والقتيبي، ويونس ابن حبيب إن الفقير أحسن حالا من المسكين، قالوا لأن ~~الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه. والمسكين الذي لا شيء له، وذهب ~~إلى هذا قوم من أهل الفقه منهم أبو حنيفة. وقال آخرون بالعكس، فجعلوا ~~المسكين أحسن حالا من الفقير، واحتجوا بقوله تعالى # أما السفينة فكانت لمسكين # الكهف 79. فأخبر أن لهم سفينة من سفن البحر. وربما ساوت جملة من المال، ~~ويؤيده تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من الفقر مع قوله # " اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا " # وإلى هذا ذهب الأصمعي وغيره من أهل اللغة. وحكاه الطحاوي عن الكوفيين، ~~وهو أحد قولي الشافعي وأكثر أصحابه. وقال قوم إن الفقير والمسكين سواء لا ~~فرق بينهما وهو أحد قولي الشافعي، وإليه ذهب ابن القاسم وسائر أصحاب ~~مالك، وبه قال أبو يوسف. وقال قوم الفقير المحتاج المتعفف، والمسكين ~~السائل. قاله الأزهري، واختاره ابن شعبان، وهو مروي عن ابن عباس. وقد ~~قيل غير هذه الأقوال مما لا يأتي الاستكثار منه بفائدة يعتد بها. ~~والأولى في بيان ماهية المسكين ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عند البخاري ومسلم، وغيرهما، من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال # " ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان ~~والتمرة والتمرتان " # ، قالوا فما المسكين يا رسول الله؟ قال # " الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس ~~شيئا " # قوله { والعملين عليها } أي السعاة والجباة الذين يبعثهم ~~الإمام لتحصيل الزكاة، فإنهم يستحقون منها قسطا. # وقد اختلف في القدر الذي يأخذونه منها، فقيل الثمن. روي ذلك عن مجاهد ~~والشافعي. وقيل على قدر أعمالهم من الأجرة، روي ذلك عن أبي حنيفة ~~وأصحابه. وقيل يعطون من بيت المال قدر أجرتهم. روي ذلك عن ms1507 مالك، ولا وجه ~~لهذا، فإن الله قد أخبر بأن لهم نصيبا من الصدقة فكيف يمنعون منها ~~ويعطون من غيرها؟ واختلفوا هل يجوز أن يكون العامل هاشميا أم لا؟ فمنعه ~~قوم، وأجازه آخرون. قالوا ويعطى من غير الصدقة. قوله { والمؤلفة ~~قلوبهم } هم قوم كانوا في صدر الإسلام، فقيل هم الكفار الذين كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يتألفهم ليسلموا. وكانوا لا يدخلون في الإسلام ~~بالقهر والسيف، بل بالعطاء. وقيل هم قوم أسلموا في الظاهر ولم يحسن ~~إسلامهم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألفهم بالعطاء وقيل هم من ~~أسلم من اليهود والنصارى، وقيل هم قوم من عظماء المشركين لهم أتباع، ~~أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليتألفوا أتباعهم على الإسلام. وقد أعطى ~~النبي صلى الله عليه وسلم جماعة ممن أسلم ظاهرا كأبي سفيان بن حرب، ~~والحرث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، أعطى كل واحد منهم ~~مائة من الإبل تألفهم بذلك، وأعطى آخرين دونهم. وقد اختلف العلماء هل سهم ~~المؤلفة قلوبهم باق بعد ظهور الإسلام أم لا؟ فقال عمر، والحسن، والشعبي ~~قد انقطع هذا الصنف بعزة الإسلام وظهوره، وهذا مشهور من مذهب مالك ~~وأصحاب الرأي وقد ادعى بعض الحنفية أن الصحابة أجمعت على ذلك. وقال ~~جماعة من العلماء سهمهم باق لأن الإمام ربما احتاج أن يتألف على الإسلام. ~~وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين. قال يونس سألت الزهري عنهم فقال ~~لا أعلم نسخ ذلك، وعلى القول الأول يرجع سهمهم لسائر الأصناف. قوله { ~~وفي الرقاب } أي في فك الرقاب بأن يشتري رقابا ثم يعتقها. روي ذلك ~~عن ابن عباس، وابن عمر، وبه قال مالك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق وأبو عبيد. ~~وقال الحسن البصري، ومقاتل ابن حيان، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، ~~والنخعي، والزهري، وابن زيد إنهم المكاتبون يعانون من الصدقة على مال ~~الكتابة، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي، ورواية عن مالك، والأولى حمل ما ~~في الآية على القولين جميعا لصدق الرقاب على شراء العبد ms1508 وإعتاقه، وعلى ~~إعانة المكاتب على مال الكتابة. قوله { والغرمين } هم الذين ~~ركبتهم الديون ولا وفاء عندهم بها، ولا خلاف في ذلك إلا من لزمه دين في ~~سفاهة فإنه لا يعطى منها ولا من غيرها إلا أن يتوب. وقد أعان النبي صلى ~~الله عليه وسلم من الصدقة من تحمل حمالة وأرشد إلى إعانته منها. قوله { ~~وفى سبيل الله } هم الغزاة والمرابطون، يعطون من الصدقة ما ~~ينفقون في غزوهم ومرابطتهم وإن كانوا أغنياء، وهذا قول أكثر العلماء. # وقال ابن عمر هم الحجاج والعمار، وروي عن أحمد وإسحاق أنهما جعلا الحج ~~من سبيل الله. وقال أبو حنيفة وصاحباه لا يعطى الغازي إلا إذا كان فقيرا ~~منقطعا به. قوله { وابن السبيل } هو المسافر، والسبيل الطريق، ~~ونسب إليها المسافر لملازمته إياها، والمراد الذي انقطعت به الأسباب في ~~سفره عن بلده ومستقره، فإنه يعطى منها وإن كان غنيا في بلده، وإن وجد ~~من يسلفه. وقال مالك إذا وجد من يسلفه فلا يعطى. قوله { فريضة من ~~الله } مصدر مؤكد لأن قوله { إنما الصدقت للفقراء } ~~معناه فرض الله الصدقات لهم. والمعنى أن كون الصدقات مقصورة على هذه ~~الأصناف هو حكم لازم فرضه الله على عباده ونهاهم عن مجاوزته { والله ~~عليم } بأحوال عباده { حكيم } في أفعاله وقيل إن { فريضة } منتصبة ~~بفعل مقدر، أي فرض الله ذلك فريضة. قال في الكشاف فإن قلت لم عدل عن ~~اللام إلى «في» في الأربعة الآخرة؟ قلت للإيذان بأنها أرسخ في استحقاق ~~التصدق عليهم ممن سبق ذكره وقيل النكتة في العدول أن الأصناف الأربعة ~~الأول يصرف المال إليهم حتى ينصرفوا به كما شاءوا، وفي الأربعة الأخيرة ~~لا يصرف المال إليهم، بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي ~~لأجلها استحقوا سهم الزكاة، كذا قيل. وقد أخرج البخاري، والنسائي، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي سعيد ~~الخدري قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسما إذ جاءه ابن ~~ذي الخويصرة التيمي فقال اعدل يا رسول ms1509 الله، فقال # " ويحك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ " # فقال عمر بن الخطاب ائذن لي فأضرب عنقه فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " دعه، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، ~~يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " # الحديث حتى قال وفيهم نزلت { ومنهم من يلمزك في ~~الصدقت }. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد ~~في قوله { ومنهم من يلمزك } قال يرزؤك ويسألك. وأخرج ابن ~~المنذر، عن قتادة قال يطعن عليك. وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود قال لما ~~قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين، سمعت رجلا يقول إن هذه لقسمة ~~ما أريد بها الله، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرت ذلك له، فقال # " رحمة الله على موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر " # ، ونزل { ومنهم من يلمزك في الصدقت }. وأخرج ابن ~~مردويه، عن ابن عباس، قال نسخت هذه الآية كل صدقة في القرآن { إنما ~~الصدقت للفقراء } الآية. # وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، ~~وأبو الشيخ، عن حذيفة، في قوله { إنما الصدقت للفقراء } ~~الآية قال إن شئت جعلتها في صنف واحد من الأصناف الثمانية التي سمى الله ~~أو صنفين أو ثلاثة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي العالية، والحسن، وعطاء، ~~وإبراهيم، وسعيد بن جبير، نحوه. وأخرج ابن المنذر، والنحاس، وأبو الشيخ، ~~عن قتادة، قال الفقير الذي به زمانة، والمسكين المحتاج الذي ليس به ~~زمانة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عمر، في قوله { إنما الصدقت ~~للفقراء } قال هم زمني أهل الكتاب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن ~~عباس، في قوله { والعملين عليها } قال السعاة أصحاب الصدقة. ~~وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله { والمؤلفة ~~قلوبهم } قال هم قوم كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~أسلموا، وكان يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقة فأصابوا منها ~~خيرا قالوا هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك عابوه وتركوه. وأخرج ms1510 البخاري، ~~وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن أبي سعيد، قال بعث علي بن أبي طالب من ~~اليمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة فيها تربتها، فقسمها بين ~~أربعة من المؤلفة الأقرع بن حابس الحنظلي وعلقمة بن علاثة العامري، ~~وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الخيل الطائي فقالت قريش والأنصار يقسم بين ~~صناديد أهل نجد ويدعنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " إنما أتألفهم. " # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الزهري ~~أنه سئل عن المؤلفة قلوبهم قال من أسلم من يهودي أو نصراني، قلت وإن كان ~~موسرا؟ قال وإن كان موسرا. وأخرج هؤلاء عن أبي جعفر قال ليس اليوم ~~مؤلفة قلوبهم. وأخرج هؤلاء أيضا عن الشعبي مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ~~مقاتل، في قوله { وفي الرقاب } قال هم المكاتبون. وأخرج ابن المنذر، ~~عن النخعي، نحوه. وأخرج أيضا عن عمر بن عبد الله قال سهم الرقاب نصفان ~~نصف لكل مكاتب ممن يدعي الإسلام، والنصف الآخر يشتري به رقاب ممن صلى ~~وصام، وقدم إسلامه من ذكر وأنثى، يعتقون لله. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو ~~عبيد، وابن المنذر، عن ابن عباس، أنه كان لا يرى بأسا أن يعطى الرجل من ~~زكاته في الحج، وأن يعتق منها رقبة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن الزهري، أنه ~~سئل عن الغارمين قال أصحاب الدين. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي جعفر، في قوله { والغرمين } قال هو ~~الذي يسأل في دم أو جائحه تصيبه { وفى سبيل الله } قال هم ~~المجاهدون { وابن السبيل } قال المنقطع به يعطى قدر ما يبلغه. # وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال ابن السبيل هو الضيف الفقير الذي ~~ينزل بالمسلمين. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، وابن ماجه، وابن المنذر، ~~وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة العامل عليها، أو الرجل اشتراها ~~بماله، أو غارم، أو غاز ms1511 في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه فأهدى منها ~~لغني " # وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، والترمذي، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال # " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوى " # وأخرج أحمد، عن رجل من بني هلال، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فذكر مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، والنسائي عن عبد الله ~~بن عدي بن الجيار، قال أخبرني رجلان أنهما أتيا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفضه ~~فرآنا جلدين، فقال # " إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب ". ### || [9.61-66] # قوله { ومنهم } هذا نوع آخر بما حكاه الله من فضائح المنافقين ~~وقبائحهم، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم، على وجه ~~الطعن والذم { هو أذن }. قال الجوهري يقال رجل أذن إذا كان يسمع مقال كل ~~أحد، يستوي فيه الواحد والجمع ومرادهم، أقمأهم الله، أنهم إذا آذوا ~~النبي وبسطوا فيه ألسنهم. وبلغه ذلك اعتذروا له، وقبل ذلك منهم، لأنه ~~يسمع كل ما يقال له، فيصدقه، وإنما أطلقت العرب على من يسمع ما يقال له ~~فيصدقه أنه أذن مبالغة، لأنهم سموه بالجارحة التي هي آلة السماع، حتى ~~كأن جملته أذن سامعة، ونظيره قولهم للربيئة عين، وإيذاؤهم له هو قولهم { ~~هو أذن } لأنهم نسبوه إلى أنه يصدق كل ما يقال له، ولا يفرق بين ~~الصحيح والباطل، اغترارا منهم بحلمه عنهم، وصفحه عن جناياتهم كرما ~~وحلما وتغاضيا، ثم أجاب الله عن قولهم هذا، فقال { قل أذن خير ~~لكم } بالإضافة على قراءة الجمهور. وقرأ الحسن بالتنوين، وكذا قرأ ~~عاصم في رواية أبي بكر عنه، كأنه قيل نعم هو أذن، ولكن نعم الأذن هو، ~~لكونه أذن خير لكم، وليس بأذن في غير ذلك. كقولهم رجل صدق، يريدون الجودة ~~والصلاح. والمعنى أنه يسمع الخير ولا يسمع الشر. وقرىء «أذن» بسكون ~~الذال وضمها. ثم فسر كونه أذن خير بقوله { يؤمن بالله ms1512 ويؤمن ~~للمؤمنين } أي يصدق بالله ويصدق المؤمنين لما علم فيهم من خلوص ~~الإيمان. فتكون اللام في { للمؤمنين } للتقوية، كما قال الكوفيون، ~~أو متعلقة بمصدر محذوف، كما قال المبرد. وقرأ الجمهور { ورحمة } ~~بالرفع عطف على أذن. وقرأ حمزة بالخفض عطفا على خير. والمعنى على ~~القراءة الأولى هو أنه أذن خير، وأنه هو رحمة للمؤمنين، وعلى القراءة ~~الثانية أنه أذن خير وأذن رحمة. قال النحاس وهذا عند أهل العربية بعيد، ~~يعني قراءة الجر لأنه قد تباعد بين الاسمين، وهذا يقبح في المخفوض. ~~والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن خير للمنافقين { ورحمة } ~~لهم حيث لم يكشف أسرارهم ولا فضحهم، فكأنه قال هو أذن كما قلتم لكنه أذن ~~خير لكم لا أذن سوء، فسلم لهم قولهم فيه إلا أنه فسره بما هو مدح له ~~وثناء عليه، وإن كانوا قصدوا به المذمة والتقصير بفطنته. ومعنى { ~~للذين ءامنوا منكم } أي الذين أظهروا الإيمان وإن لم يكونوا ~~مؤمنين حقيقة { والذين يؤذون رسول الله } بما تقدم من ~~قولهم هو أذن، ونحو ذلك مما يصدق عليه أنه أذية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم { لهم عذاب أليم } أي شديد الألم. وقرأ ابن أبي عبلة ~~«ورحمة للمؤمنين» بالنصب على أنها علة لمعلل محذوف أي ورحمة لكم يأذن ~~لكم. # ثم ذكر أن من قبائح المنافقين إقدامهم على الإيمان الكاذبة، فقال { ~~يحلفون بالله لكم ليرضوكم } والخطاب للمؤمنين. وذلك أن ~~المنافقين كانوا في خلواتهم يطعنون على المؤمنين، وعلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فإذا بلغ ذلك إلى رسول الله وإلى المؤمنين جاء المنافقون ~~فحلفوا على أنهم لم يقولوا ما بلغ عنهم قاصدين بهذه الأيمان الكاذبة أن ~~يرضوا رسول الله ومن معه من المؤمنين، فنعى الله ذلك عليهم. وقال { ~~والله ورسوله أحق أن يرضوه } أي هما أحق بذلك من إرضاء ~~المؤمنين بالإيمان الكاذبة، فإنهم لو اتقوا الله وآمنوا به وتركوا النفاق ~~لكان ذلك أولى لهم، وإفراد الضمير في { يرضوه } إما للتعظيم للجناب ~~الإلهي بإفراده بالذكر، أو لكونه لا فرق بين إرضاء الله ms1513 وإرضاء رسوله. ~~فإرضاء الله إرضاء لرسوله أو المراد الله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، كما ~~قال سيبويه، ورجحه النحاس، أو لأن الضمير موضوع موضع اسم الإشارة فإنه ~~يشار به إلى الواحد والمتعدد، أو الضمير راجع إلى المذكور، وهو يصدق ~~عليهما. وقال الفراء المعنى ورسوله أحق أن يرضوه. { والله } افتتاح كلام، ~~كما تقول ما شاء الله وشئت، وهذه الجملة أعني { والله ورسوله ~~أحق أن يرضوه } في محل نصب على الحال، وجواب { إن كانوا ~~مؤمنين } محذوف أي إن كانوا مؤمنين فليرضوا الله ورسوله. قوله { ~~ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن ~~له نار جهنم }. قرأ الحسن، وابن هرمز، " ألم تعلموا " بالفوقية. ~~وقرأ الباقون بالتحتية والمحاددة وقوع هذا في حد. وذلك في حد كالمشاققة ~~يقال حاد فلان فلانا أي صار في حد غير حده { فإن له نار ~~جهنم } قرأ الجمهور بفتح الهمزة على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي فحق أن ~~له نار جهنم. وقال الخليل وسيبويه إن «أن» الثانية مبدلة من الأولى، وزعم ~~المبرد أن هذا القول مردود، وأن الصحيح ما قال الجرمي أن الثانية مكررة ~~للتوكيد لما طال الكلام. وقال الأخفش المعنى فوجوب النار له، وأنكره ~~المبرد وقال هذا خطأ من أجل أن «أن» المفتوحة المشددة لا يبتدأ بها ~~ويضمر الخبر. وقرىء بكسر الهمزة. قال سيبويه، وهي قراءة جيدة، وأنشد # وإني إذا ملت ركابي مناخها فإني على حظي من الأمر جامح # وانتصاب { خالدا } على الحال. والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما ذكر من ~~العذاب، وهو مبتدأ وخبره { الخزى العظيم } أي الخزي البالغ إلى ~~الغاية التي لا يبلغ إليها غيره، وهو الذل والهوان. قوله { يحذر ~~المنفقون أن تنزل عليهم سورة } قيل هو خبر وليس ~~بأمر. وقال الزجاج معناه ليحذر. فالمعنى على القول الأول أن المنافقين ~~كانوا يحذرون نزول القرآن فيهم. # وعلى الثاني الأمر لهم بأن يحذروا ذلك، و { أن تنزل } في موضع نصب أي من ~~أن تنزل، ويجوز على قول سيبويه أن يكون في موضع خفض على تقدير " من " ~~وإعمالها. ويجوز أن يكون ms1514 النصب على المفعولية. وقد أجاز سيبويه حذرت ~~زيدا، وأنشد # حذر أمورا لا تضير وآمن ما ليس ينجيه من الأقدار # ومنع من النصب على المفعولية المبرد. ومعنى { عليهم } أي على ~~المؤمنين في شأن المنافقين، على أن الضمير للمؤمنين، والأولى أن يكون ~~الضمير للمنافقين أي في شأنهم { تنبئهم } أي المنافقين { بما في ~~قلوبهم } مما يسرونه فضلا عما يظهرونه، وهم وإن كانوا عالمين بما ~~في قلوبهم، فالمراد من إنباء السورة لهم إطلاعهم على أن المؤمنين قد ~~علموا بما في قلوبهم، ثم أمر الله رسوله بأن يجيب عليهم، فقال { قل ~~استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون } هو أمر تهديد ~~أي افعلوا الاستهزاء، إن الله مخرج ما تحذرون من ظهوره حتى يطلع عليه ~~المؤمنون، إما بإنزال سورة، أو بإخبار رسوله بذلك أو نحو ذلك. قوله { ~~ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب } ~~أي لئن سألتهم عما قالوه من الطعن في الدين، وثلب المؤمنين بعد أن يبلغ ~~إليك ذلك، ويطلعك الله عليه، ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب، ولم نكن في ~~شيء من أمرك ولا أمر المؤمنين. ثم أمره الله أن يجيب عنهم فقال { قل ~~أبالله وءايته ورسوله كنتم تستهزءون } ~~والاستفهام للتقريع والتوبيخ، وأثبت وقوع ذلك منهم، ولم يعبأ بإنكارهم، ~~لأنهم كانوا كاذبين في الإنكار، بل جعلهم كالمعترفين بوقوع ذلك منهم حيث ~~جعل المستهزأ به، والباء لحرف النفي، فإن ذلك إنما يكون بعد وقوع ~~الاستهزاء وثبوته، ثم قال { لا تعتذروا } نهيا لهم عن الاشتغال ~~بالاعتذارات الباطنة، فإن ذلك غير مقبول منهم. وقد نقل الواحدي عن أئمة ~~اللغة أن معنى الاعتذار محو أثر الذنب وقطعه، من قولهم اعتذر المنزل إذا ~~درس، واعتذرت المياه إذا انقطعت { قد كفرتم } أي أظهرتم الكفر بما ~~وقع منكم من الاستهزاء المذكور { بعد إيمنكم } أي بعد إظهاركم ~~الإيمان، مع كونكم تبطنون الكفر { إن نعف عن طائفة منكم } ~~وهم من أخلص الإيمان، وترك النفاق، وتاب عنه. قال الزجاج الطائفة في ~~اللغة الجماعة. قال ابن الأنباري ويطلق لفظ الجمع على الواحد عند العرب { ~~نعذب طائفة } بسبب ms1515 { أنهم كانوا مجرمين } مصرين ~~على النفاق، لم يتوبوا منه. قرىء { نعذب } بالنون وبالتاء الفوقية على ~~البناء للمفعول وبالتحتية على البناء للفاعل، وهو الله سبحانه. وقد أخرج ~~ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال كان نبتل بن ~~الحارث يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجلس إليه فيسمع منه، ثم ~~ينقل حديثه إلى المنافقين، وهو الذي قال لهم إنما محمد أذن، من حدثه بشيء ~~صدقه، فأنزل الله فيه { ومنهم الذين يؤذون النبى ~~ويقولون هو أذن } الآية. # وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، قال اجتمع ناس من المنافقين فيهم جلاس ~~بن سويد ابن صامت، ومخشي بن حمير، ووديعة بن ثابت، فأرادوا أن يقعوا في ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فنهى بعضهم بعضا وقالوا إنا نخاف أن يبلغ ~~محمدا فيقع بكم، فقال بعضهم إنما محمد أذن نحلف له فيصدقنا، فنزل { ~~ومنهم الذين يؤذون النبى } الآية. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله { هو ~~أذن } يعني أنه يسمع من كل أحد. قال الله تعالى { أذن خير ~~لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين } يعني يصدق ~~بالله ويصدق المؤمنين. وأخرج الطبراني، وابن عساكر، وابن مردويه، عن ~~عمير بن سعد، قال في أنزلت هذه الآية { ويقولون هم أذن } وذلك ~~أن عمير بن سعد كان يسمع أحاديث أهل المدينة، فيأتي النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فيساره حتى كانوا يتأذون بعمير بن سعد، وكرهوا مجالسته، وقال { هو ~~أذن } فأنزلت فيه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، قال ذكر ~~لنا أن رجلا من المنافقين قال والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، ولئن ~~كان ما يقول محمد حقا لهم شر من الحمير، فسمعها رجل من المسلمين فقال ~~والله إن ما يقول محمد لحق ولأنت شر من الحمار، فسعى بها الرجل إلى نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال # " ما حملك على الذي قلت؟ " # فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول ms1516 اللهم صدق ~~الصادق، وكذب الكاذب، فأنزل الله في ذلك { يحلفون بالله لكم ~~ليرضوكم } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي مثله، وسمى الرجل ~~المسلم عامر بن قيس من الأنصار. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك { ألم ~~يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله } يقول يعادي ~~الله ورسوله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن مجاهد، في قوله { يحذر المنفقون } الآية قال ~~يقولون القول فيما بينهم، ثم يقولون عسى الله أن لا يفشى علينا هذا. ~~وأخرج أبو نعيم في الحلية، عن شريح بن عبيد، أن رجلا قال لأبي الدرداء ~~يا معشر القراء ما بالكم أجبن منا وأبخل إذا سئلتم، وأعظم لقما إذا ~~أكلتم؟ فأعرض عنه أبو الدرداء ولم يرد عليه بشيء، فأخبر بذلك عمر بن ~~الخطاب، فانطلق عمر إلى الرجل الذي قال ذلك، فقال بثوبه وخنقه وقاده إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الرجل إنما كنا نخوض ونلعب، فأوحى الله ~~نبيه صلى الله عليه وسلم { ولئن سألتهم ليقولن إنما ~~كنا نخوض ونلعب }. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عبد الله ~~بن عمر، قال قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يوما ما رأينا مثل قرائنا ~~هؤلاء، لا أرغب بطونا ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في ~~المجلس كذبت ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ~~ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن. قال عبد الله فأنا رأيته ~~متعلقا بحقب ناقة رسول الله، والحجارة تنكبه وهو يقول يا رسول الله، ~~إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول { أبالله ~~وآياته ورسوله كنتم تستهزءون }. وأخرجه ابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والعقيلي في الضعفاء، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والخطيب، ~~في رواية مالك عن ابن عمر، فقال رأيت عبد الله بن أبي وهو يشتد قدام ~~النبي صلى الله عليه وسلم والأحجار تنكبه وهو يقول يا محمد إنما كنا نخوض ~~ونلعب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ms1517 { أبالله وآياته ~~ورسوله كنتم تستهزءون }. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في الآية قال بينما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في غزوة إلى تبوك وبين يديه أناس من المنافقين، فقالوا أيرجو هذا ~~الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه على ~~ذلك، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم # " احبسوا على هؤلاء الركب " # ، فأتاهم فقال # " قلتم كذا " # ، قالوا يا نبي الله، إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيهم ما تسمعون. ~~وقد روي نحو هذا من طرق عن جماعة من الصحابة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن ~~عباس، في قوله { إن نعف عن طائفة } قال الطائفة الرجل والنفر. ### || [9.67-70] # قوله { المنفقون والمنفقات بعضهم من بعض } ~~ذكر هاهنا جملة أحوال المنافقين، وأن ذكورهم في ذلك كإناثهم، وأنهم ~~متناهون في النفاق والبعد عن الإيمان، وفيه إشارة إلى نفي أن يكونوا من ~~المؤمنين، ورد لقولهم { ويحلفون بالله إنهم لمنكم } ~~، ثم فصل ذلك المجمل ببيان مضادة حالهم لحال المؤمنين فقال { ~~يأمرون بالمنكر } وهو كل قبيح عقلا أو شرعا { وينهون ~~عن المعروف } وهو كل حسن عقلا أو شرعا قال الزجاج هذا متصل ~~بقوله # ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم # التوبة 56 أي ليسوا من المؤمنين، ولكن بعضهم من بعض أي متشابهون في ~~الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف { ويقبضون أيديهم } أي ~~يشحون فيما ينبغي إخراجه من المال في الصدقة، والصلة والجهاد، فالقبض ~~كناية عن الشح، كما أن البسط كناية عن الكرم. والنسيان الترك أي تركوا ~~ما أمرهم به، فتركهم من رحمته وفضله، لأن النسيان الحقيقي لا يصح إطلاقه ~~على الله سبحانه، وإنما أطلق عليه هنا من باب المشاكلة المعروفة في علم ~~البيان، ثم حكم عليهم بالفسق أي الخروج عن طاعة الله إلى معاصيه، وهذا ~~التركيب يفيد أنهم هم الكاملون في الفسق. ثم بين مآل حال أهل النفاق ~~والكفر بأنه { نار جهنم } و { خلدين فيها } حال مقدرة أي ~~مقدرين الخلود وفي هذه الآية دليل على أن وعد يقال ms1518 في الشر، كما يقال في ~~الخير { هى حسبهم } أي كافيتهم لا يحتاجون إلى زيادة على عذابها، ~~" و " مع ذلك فقد { لعنهم الله } أي طردهم وأبعدهم من رحمته { ~~ولهم عذاب مقيم } أي نوع آخر من العذاب دائم لا ينفك عنهم. ~~قوله { كالذين من قبلكم } شبه حال المنافقين بالكفار الذين ~~كانوا من قبلهم ملتفتا من الغيبة إلى الخطاب، والكاف محلها رفع على ~~خبرية مبتدأ محذوف أي أنتم مثل الذين من قبلكم، أو محلها نصب أي فعلتم ~~مثل فعل الذين من قبلكم من الأمم. وقال الزجاج التقدير وعد الله الكفار ~~نار جهنم وعدا كما وعد الذين من قبلكم وقيل المعنى فعلتم كأفعال الذين ~~من قبلكم في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحذف المضاف. ثم وصف ~~حال أولئك الكفار الذين من قبلهم، وبين وجه تشبيههم بهم وتمثيل حالهم ~~بحالهم بأنهم كانوا أشد من هؤلاء المنافقين والكفار المعاصرين للنبي صلى ~~الله عليه وسلم { قوة وأكثر أمولا وأولدا ~~فاستمتعوا } أي تمتعوا { بخلقهم } أي نصيبهم الذي قدره ~~الله لهم من ملاذ الدنيا، { فاستمعتم } أنتم { بخلاقكم } أي نصيبكم الذي ~~قدره الله لكم { كما استمتع الذين من قبلكم ~~بخلقهم } أي انتفعتم به كما انتفعوا به، والغرض من هذا التمثيل ~~ذم هؤلاء المنافقين والكفار بسبب مشابهتهم لمن قبلهم من الكفار، في ~~الاستمتاع بما رزقهم الله. # وقد قيل ما فائدة ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرة، ثم في حق ~~المنافقين ثانيا، ثم تكريره في حق الأولين ثالثا؟ وأجيب بأنه تعالى ~~ذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا، وحرمانهم عن سعادة ~~الآخرة بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ، فلما قرر تعالى هذا عاد فشبه حال ~~المنافقين بحالهم، فيكون ذلك نهاية في المبالغة. قوله { وخضتم ~~كالذي خاضوا } معطوف على ما قبله أي كالفوج الذي خاضوا، أو كالخوض ~~الذي خاضوا. وقيل أصله كالذين فحذفت النون، والأولى أن يقال إن الذي اسم ~~موصول مثل من وما، يعبر به عن الواحد والجمع، يقال خضت الماء أخوضه خوضا ~~وخياضا، والموضع مخاضة، وهو ما جاز الناس ms1519 فيه مشاة وركبانا، وجمعها ~~المخاض والمخاوض. ويقال منه خاض القوم في الحديث، وتخاوضوا فيه، أي ~~تفاوضوا فيه. والمعنى خضتم في أسباب الدنيا، واللهو واللعب. وقيل في أمر ~~محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب، أي دخلتم في ذلك، والإشارة بقوله { ~~أولئك } إلى المتصفين بهذه الأوصاف من المشبهين، والمشبه بهم { ~~حبطت أعملهم } أي بطلت، والمراد بالأعمال ما عملوه مما هو في ~~صورة طاعة، لا هذه الأعمال المذكورة هنا فإنها من المعاصي، ومعنى { فى ~~الدنيا والآخرة } أنها باطلة على كل حال أما بطلانها في الدنيا ~~فلأن ما يترتب على أعمالهم فيها لا يحصل لهم بل يصير ما يرجونه من الغنى ~~فقرا، ومن العز ذلا، ومن القوة ضعفا. وأما في الآخرة فلأنهم يصيرون ~~إلى عذاب النار، ولا ينتفعون بشيء مما عملوه من الأعمال التي يظنونها ~~طاعة وقربة { وأولئك هم الخسرون } أي المتمكنون في ~~الخسران الكاملون فيه في الدنيا والآخرة. { ألم يأتهم } أي ~~المنافقين { نبأ الذين من قبلهم } أي خبرهم الذي له شأن، ~~وهو ما فعلوه وما فعل بهم، ولما شبه حالهم بحالهم فيما سلف على الإجمال ~~في المشبه بهم، ذكر منهم ههنا ست طوائف قد سمع العرب أخبارهم، لأن بلادهم ~~وهي الشام قريبة من بلاد العرب، فالاستفهام للتقرير، وأولهم قوم نوح، ~~وقد أهلكوا بالإغراق، وثانيهم قوم عاد، وقد أهلكوا بالريح العقيم، ~~وثالثهم قوم ثمود، وقد أخذوا بالصيحة، ورابعهم قوم إبراهيم، وقد سلط الله ~~عليهم البعوض، وخامسهم أصحاب مدين، وهم قوم شعيب، وقد أخذتهم الرجفة، ~~وسادسهم أصحاب المؤتفكات، وهي قرى قوم لوط، وقد أهلكهم الله بما أمطر ~~عليهم من الحجارة وسميت مؤتفكات لأنها انقلبت بهم حتى صار عاليها سافلها، ~~والائتفاك الانقلاب { أتتهم رسلهم بالبينت } أي رسل ~~هذه الطوائف الست. وقيل رسل أصحاب المؤتفكات لأن رسولهم لوط وقد بعث إلى ~~كل قرية من قراهم رسولا، والفاء في { فما كان الله ~~ليظلمهم } للعطف على مقدر يدل عليه الكلام أي فكذبوهم، فأهلكهم ~~الله فما ظلمهم بذلك لأنه قد بعث إليهم رسله فأنذروهم وحذروهم { ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بسبب ms1520 ما فعلوه من الكفر ~~بالله، وعدم الانقياد لأنبيائه، وهذا التركيب يدل على أن ظلمهم لأنفسهم ~~كان مستمرا. # وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { يأمرون ~~بالمنكر } قال هو التكذيب، قال وهو أنكر المنكر { وينهون عن ~~المعروف } شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله، وهو ~~أعظم المعروف. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن مجاهد، في قوله { ويقبضون أيديهم } قال لا ~~يبسطونها بنفقة في حق. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في ~~قوله { نسوا الله فنسيهم } قال تركوا الله فتركهم من كرامته ~~وثوابه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله { كالذين من ~~قبلكم } قال صنيع الكفار، كالكفار. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال ما أشبه الليلة بالبارحة { ~~كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة } إلى قوله ~~{ وخضتم كالذي خاضوا } هؤلاء بنو إسرائيل أشبهناهم، والذي ~~نفسي بيده لنتبعنهم حتى لو دخل رجل جحر ضب لدخلتموه. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عنه، في قوله { بخلقهم } قال بدينهم. وأخرجا أيضا ~~عن أبي هريرة قال الخلاق الدين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، في قوله ~~{ فاستمتعوا بخلقهم } قال بنصيبهم في الدنيا. وأخرج عبد ~~بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، في قوله { وخضتم كالذي ~~خاضوا } قال لعبتم كالذي لعبوا. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله { والمؤتفكت } قال ~~قوم لوط ائتفكت بهم أرضهم، فجعل عاليها سافلها. ### || [9.71-72] # قوله { بعضهم أولياء بعض } أي قلوبهم متحدة في التوادد، ~~والتحبابب، والتعاطف بسبب ما جمعهم من أمر الدين وضمهم من الإيمان بالله، ~~ثم بين أوصافهم الحميدة كما بين أوصاف من قبلهم من المنافقين فقال { ~~يأمرون بالمعروف } أي بما هو معروف في الشرع غير منكر، ومن ~~ذلك توحيد الله سبحانه وترك عبادة غيره { وينهون عن المنكر ~~} أي عما هو منكر في الدين غير معروف، وخصص إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ~~بالذكر ms1521 من جملة العبادات لكونهما الركنين العظيمين فيما يتعلق بالأبدان ~~والأموال، وقد تقدم معنى هذا. { ويطيعون الله } في صنع ما أمرهم ~~بفعله أو نهاهم عن تركه، والإشارة ب { أولئك } إلى المؤمنين ~~والمؤمنات المتصفين بهذه الأوصاف، والسين في { سيرحمهم الله } ~~للمبالغة في إنجاز الوعد { أن الله عزيز } لا يغالب { حكيم } ~~في أقواله وأفعاله. ثم ذكر تفصيل ما يدخل تحت الرحمة إجمالا باعتبار ~~الرحمة في الدار الآخرة، فقال { وعد الله المؤمنين ~~والمؤمنت جنت تجري من تحتها الأنهر } ~~والإظهار في موقع الإضمار لزيادة التقرير ومعنى جري الأنهار من تحت ~~الجنات أنها تجري تحت أشجارها وغرفها، وقد تقدم تحقيقه في البقرة { ~~ومسكن طيبة } أي منازل يسكنون فيها من الدر والياقوت، و { ~~جنت عدن } يقال عدن بالمكان إذا أقام به، ومنه المعدن. قيل هي ~~أعلى الجنة. وقيل أوسطها، وقيل قصور من ذهب لا يدخلها إلا نبي، أو ~~صديق، أو شهيد. وصف الجنة بأوصاف، الأول جري الأنهار من تحتها، والثاني ~~أنهم فيها خالدون، والثالث طيب مساكنها، والرابع أنها دار عدن أي إقامة ~~غير منقطعة، هذا على ما هو معنى عدن لغة. وقيل هو علم، والتنكير في { ~~رضوان } للتحقير، أي { ورضوان } حقير يستر " من " رضوان { الله ~~أكبر } من ذلك كله الذي أعطاهم الله إياه، وفيه دليل على أنه لا شيء ~~من النعم، وإن جلت وعظمت، يماثل رضوان الله سبحانه، وأن أدنى رضوان منه ~~لا يساويه شيء من اللذات الجسمانية، وإن كانت على غاية ليس وراءها غاية، ~~اللهم ارض عنا، رضا لا يشوبه سخط، ولا يكدره نكد، يا من بيده الخير كله ~~دقه وجله، والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم مما وعد الله به ~~المؤمنين والمؤمنات { هو الفوز العظيم } دون كل فوز مما يعده ~~الناس فوزا. وقد أخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله { يأمرون ~~بالمعروف } قال يدعون إلى الإيمان بالله ورسوله، والنفقات في سبيل ~~الله، وما كان من طاعة الله { وينهون عن المنكر } عن الشرك ~~والكفر قال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة من فرائض الله كتبها ~~الله ms1522 على المؤمنين. # وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { بعضهم أولياء بعض ~~} قال إخاؤهم في الله يتحابون بجلال الله والولاية لله، وقد ثبت عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأحاديث ~~ما هو معروف. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن الحسن قال سألت عمران ~~بن حصين، وأبا هريرة عن تفسير قوله تعالى { ومسكن طيبة فى ~~جنات عدن } قالا على الخبير سقطت، سألنا عنها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال # " قصر من لؤلؤة في الجنة، في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء، في ~~كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا، على كل ~~سرير سبعون فراشا من كل لون، على كل فراش امرأة من الحور العين، في كل ~~بيت سبعون مائدة، في كل مائدة سبعون لونا من كل طعام، في كل بيت سبعون ~~وصيفا ووصيفة، فيعطى المؤمن من القوة في كل غداة ما يأتي على ذلك كله " # وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، في قوله { جنت عدن } قال معدن ~~الرجل الذي يكون فيه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه، قال معدنهم فيها أبدا. ~~وأخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، في قوله { ورضون من الله ~~أكبر } يعني إذا أخبروا أن الله عنهم راض، فهو أكبر عندهم من التحف ~~والتسنيم. وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما، من حديث أبي سعيد، قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة، فيقولون لبيك ربنا وسعديك ~~والخير في يديك، فيقول هل رضيتم؟ فيقولون ربنا وما لنا لا نرضى، وقد ~~أعطيتنا ما لم تعطه أحدا من خلقك، فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قالوا ~~يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم ~~بعده أبدا ". ### || [9.73-74] # الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بهذا الجهاد أمر لأمته من بعده، وجهاد ~~الكفار يكون بمقاتلتهم حتى يسلموا. وجهاد المنافقين يكون بإقامة الحجة ~~عليهم، حتى يخرجوا ms1523 عنه ويؤمنوا بالله، وقال الحسن إن جهاد المنافقين ~~بإقامة الحدود عليهم، واختاره قتادة. قيل في توجيهه إن المنافقين كانوا ~~أكثر من يفعل موجبات الحدود. قال ابن العربي إن هذه دعوى لا برهان عليها، ~~وليس العاصي بمنافق، إنما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق دائما، لا ~~بما تتلبس به الجوارح ظاهرا، وأخبار المحدودين تشهد بسياقتها أنهم لم ~~يكونوا منافقين. قوله { واغلظ عليهم } الغلظ نقيض الرأفة، وهو ~~شدة القلب وخشونة الجانب، قيل وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو والصلح ~~والصفح، ثم ذكر من خصال المنافقين أنهم يحلفون الأيمان الكاذبة، فقال { ~~يحلفون بالله ما قالوا }. وقد اختلف أئمة التفسير في سبب ~~نزول هذه الآية، فقيل نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت، ووديعة بن ثابت، ~~وذلك أنه كثر نزول القرآن في غزوة تبوك في شأن المنافقين وذمهم، فقالا ~~لئن كان محمد صادقا على إخواننا الذين هم ساداتنا وخيارنا لنحن شر من ~~الحمير، فقال له عامر بن قيس أجل، والله إن محمدا لصادق مصدق، وإنك ~~لشر من الحمار، وأخبر عامر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء الجلاس ~~فحلف بالله أن عامرا لكاذب، وحلف عامر لقد قال، وقال اللهم أنزل على ~~نبيك شيئا فنزلت، وقيل إن الذي سمع ذلك عاصم بن عدي، وقي حذيفة، وقيل بل ~~سمعه ولد امرأته أي امرأة الجلاس، واسمه عمير بن سعد، فهم الجلاس بقتله ~~لئلا يخبر بخبره. وقيل إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي رأس ~~المنافقين لما قال ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل «سمن كلبك ~~يأكلك»، و # لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل # المنافقون 8 فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فجاء عبد الله بن ~~أبي، فحلف أنه لم يقله. وقيل إنه قول جميع المنافقين، وأن الآية نزلت ~~فيهم، وعلى تقدير أن القائل واحد أو اثنان فنسبة القول إلى جميعهم هي ~~باعتبار موافقة من لم يقل، ولم يحلف من المنافقين لمن قد قال وحلف. ثم ~~رد الله على ms1524 المنافقين وكذبهم وبين أنهم حلفوا كذبا، فقال { ولقد ~~قالوا كلمة الكفر } وهي ما تقدم بيانه على اختلاف الأقوال ~~السابقة { وكفروا بعد إسلمهم } أي كفروا بهذه الكلمة بعد ~~إظهارهم للإسلام، وإن كانوا كفارا في الباطن. والمعنى أنهم فعلوا ما ~~يوجب كفرهم على تقدير صحة إسلامهم. قوله { وهموا بما لم ~~ينالوا } قيل هو همهم بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة ~~في غزوة تبوك. # وقيل هموا بعقد التاج على رأس عبد الله بن أبي. وقيل هو هم الجلاس ~~بقتل من سمعه يقول تلك المقالة، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~قوله { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من ~~فضله } أي وما عابوا وأنكروا إلا ما هو حقيق بالمدح والثناء، وهو ~~إغناء الله لهم من فضله، والاستثناء مفرغ من أعم العام، وهو من باب ~~قول النابغة # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب # ومن باب قول الشاعر # ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا # فهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم. وقد كان هؤلاء المنافقون في ضيق من ~~العيش، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة اتسعت معيشتهم، وكثرت ~~أموالهم. قوله { فإن يتوبوا يك خيرا لهم } أي فإن تحصل ~~منهم التوبة والرجوع إلى الحق يكن ذلك الذي فعلوه من التوبة خيرا لهم في ~~الدين والدنيا، وقد تاب الجلاس بن سويد، وحسن إسلامه، وفي ذلك دليل على ~~قبول التوبة من المنافق والكافر. وقد اختلف العلماء في قبولها من ~~الزنديق، فمنع من قبولها مالك وأتباعه، لأنه لا يعلم صحة توبته إذ هو في ~~كل حين يظهر التوبة والإسلام { وإن يتولوا } أي يعرضوا عن التوبة ~~والإيمان { يعذبهم الله عذابا أليما فى الدنيا } ~~بالقتل والأسر، ونهب الأموال " و " في { الآخرة } بعذاب النار { وما ~~لهم فى الأرض من ولي } يواليهم { ولا نصير } ينصرهم. وقد ~~أخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن كعب بن مالك، قال لما نزل القرآن فيه ~~ذكر المنافقين قال الجلاس والله لئن كان ms1525 هذا الرجل صادقا لنحن شر من ~~الحمير، فسمعها عمير بن سعد، فقال والله يا جلاس إنك لأحب الناس إلي ~~وأحسنهم عندي أثرا، وأعزهم علي أن يدخل عليه شيء يكرهه، ولقد قلت ~~مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك، ولئن سكت عنها لتهلكني، ولإحداهما أشد علي ~~من الأخرى، فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر له ما قال ~~الجلاس، فحلف بالله ما قال ولكن كذب علي عمير، فأنزل الله { يحلفون ~~بالله ما قالوا } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، نحوه. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن ~~أنس بن مالك قال سمع زيد بن أرقم رجلا من المنافقين يقول والنبي صلى ~~الله عليه وسلم يخطب إن كان هذا صادقا لنحن شر من الحمير قال زيد هو ~~والله صادق، وأنت شر من الحمار، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فجحد القائل، فأنزل الله { يحلفون بالله ما قالوا } الآية. # وأخرج ابن جرير، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل شجرة فقال # " إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاءكم فلا تكلموه " # ، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~" علام تشتمني أنت وأصحابك " ، فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ~~ما قالوا حتى تجاوز عنهم، وأنزل الله { يحلفون بالله ما ~~قالوا } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة ~~قال ذكر لنا أن رجلين اقتتلا، أحدهما من جهينة والآخر من غفار، وكانت ~~جهينة حلفاء الأنصار، فظهر الغفاري على الجهني، فقال عبد الله بن أبي ~~للأوس انصروا أخاكم، والله، ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل «سمن ~~كلبك يأكلك» والله # لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل # المنافقون 8 فسعى بها رجل من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأرسل إليه فسأله، فجعل يحلف بالله ما قاله، فأنزل الله { ~~يحلفون بالله ms1526 } الآية، وفي الباب أحاديث مختلفة في سبب نزول هذه ~~الآية، وفيما ذكرناه كفاية. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، ~~وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله { وهموا بما لم ينالوا } ~~قال هم رجل يقال له الأسود بقتل النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي، في قوله { وهموا بما لم ~~ينالوا } قال أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي بتاج. وأخرج ابن ~~ماجه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في ~~سننه، عن ابن عباس، قال قتل رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فجعل ديته اثني عشر ألفا، وذلك قوله { وما نقموا إلا أن ~~أغناهم الله ورسوله من فضله } قال بأخذهم الدية. ### || [9.75-79] # اللام الأولى، وهي { لئن ءاتنا } الله { من فضله } لام ~~القسم، واللام الثانية، وهي { لنصدقن } لام الجواب للقسم ~~والشرط. ومعنى { لنصدقن } لنخرج الصدقة، وهي أعم من المفروضة ~~وغيرها { ولنكونن من الصلحين } أي من جملة أهل الصلاح من ~~المؤمنين القائمين بواجبات الدين التاركين لمحرماته { فلما ~~ءاتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم ~~معرضون } أي لما أعطاهم ما طلبوا من الرزق بخلوا به أي بما آتاهم ~~من فضله، فلم يتصدقوا بشيء منه كما حلفوا به { وتولوا } أي أعرضوا ~~عن طاعة الله وإخراج صدقات ما أعطاهم الله من فضله، والحال أنهم { ~~معرضون } في جميع الأوقات قبل أن يعطيهم الله ما أعطاهم من الرزق ~~وبعده. قوله { فأعقبهم نفاقا فى قلوبهم إلى يوم ~~يلقونه } الفاعل هو الله سبحانه، أي فأعقبهم الله بسبب البخل الذي ~~وقع منهم والإعراض، نفاقا كائنا في قلوبهم، متمكنا منها، مستمرا فيها ~~{ إلى يوم يلقون } الله عز وجل، وقيل إن الضمير يرجع إلى البخل، أي ~~فأعقبهم البخل بما عاهدوا الله عليه نفاقا كائنا في قلوبهم إلى يوم ~~يلقون بخلهم أي جزاء بخلهم. ومعنى { فأعقبهم } أن الله سبحانه جعل ~~النفاق المتمكن في قلوبهم إلى تلك الغاية عاقبة ما وقع منهم من البخل، ~~والباء في { بما أخلفوا الله ما وعدوه ms1527 } للسببية، أي بسبب ~~إخلافهم لما وعدوه من التصدق والصلاح، وكذلك الباء في { وبما ~~كانوا يكذبون } أي وبسبب تكذيبهم بما جاء به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. ثم أنكر عليهم فقال { ألم يعلموا } أي المنافقون، ~~وقرىء بالفوقية خطابا للمؤمنين { أن الله يعلم سرهم ~~ونجواهم } أي جميع ما يسرونه من النفاق، وجميع ما يتناجون به فيما ~~بينهم من الطعن على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أصحابه، وعلى دين ~~الإسلام { وأن الله علم الغيوب } فلا يخفى عليه شيء من ~~الأشياء المغيبة كائنا ما كان، ومن جملة ذلك ما يصدر عن المنافقين. قوله ~~{ الذين يلمزون المطوعين } الموصول محله النصب، أو الرفع ~~على الذم، أو الجر بدلا من الضمير في سرهم ونجواهم، ومعنى { ~~يلمزون } يعيبون. وقد تقدم تحقيقه، والمطوعين أي المتطوعين، ~~والتطوع التبرع. والمعنى أن المنافقين كانوا يعيبون المسلمين إذا ~~تطوعوا بشيء من أموالهم وأخرجوه للصدقة، فكانوا يقولون ما أغنى الله عن ~~هذا، ويقولون ما فعلوا هذا إلا رياء، ولم يكن لله خالصا، و { في ~~الصدقت } متعلق بيلمزون أي يعيبونهم في شأنها. قوله { والذين ~~لا يجدون إلا جهدهم } معطوف على المطوعين أي يلمزون ~~المتطوعين، ويلمزون الذين لا يجدون إلا جهدهم وقيل معطوف على المؤمنين ~~أي يلمزون المتطوعين من المؤمنين، ومن الذين لا يجدون إلا جهدهم، وقرىء ~~«جهدهم» بفتح الجيم، والجهد بالضم الطاقة، وبالفتح المشقة، وقيل هما ~~لغتان ومعناهما واحد، وقد تقدم بيان ذلك. # والمعنى أن المنافقين كانوا يعيبون فقراء المؤمنين الذين كانوا يتصدقون ~~بما فضل عن كفايتهم. قوله { فيسخرون منهم } معطوف على يلمزون ~~أي يستهزءون بهم لحقارة ما يخرجونه في الصدقة مع كون ذلك جهد المقل، ~~وغاية ما يقدر عليه ويتمكن منه، قوله { سخر الله منهم } أي ~~جازاهم على ما فعلوه من السخرية بالمؤمنين بمثل ذلك، فسخر الله منهم بأن ~~أهانهم وأذلهم وعذبهم، والتعبير بذلك من باب المشاكلة كما في غيره. وقيل ~~هو دعاء عليهم بأن يسخر الله بهم كما سخروا بالمسلمين { ولهم عذاب ~~أليم } أي ثابت مستمر شديد الألم. وقد أخرج ابن ms1528 المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، والعسكري في الأمثال، والطبراني، وابن منده، ~~والبارودي، وأبو نعيم، وابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر، عن أبي أمامة ~~الباهلي قال جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ~~رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، قال # " ويلك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه " # قال يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، قال # " ويحك يا ثعلبة أما تحب أن تكون مثلي، فلو شئت أن يسير ربي هذه الجبال ~~معي ذهبا لسارت " # ، فقال يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، فوالذي بعثك بالحق إن ~~آتاني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه، قال # " ويحك يا ثعلبة، قليل تطيق شكره خير من كثير لا تطيقه " # ، قال يا رسول الله، ادع الله تعالى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اللهم ارزقه مالا " # قال فاتخذ غنما فنمت كما تنمو الدود حتى ضاقت بها المدينة، فتنحى بها، ~~فكان يشهد الصلاة بالنهار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يشهدها ~~بالليل، ثم نمت كما تنمو الدود فتنحى بها، فكان لا يشهد الصلاة بالليل ~~ولا بالنهار إلا من جمعة إلى جمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ~~نمت كما تنمو الدود فضاق بها مكانه، فتنحى بها فكان لا يشهد جمعة ولا ~~جنازة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يتلقى الركبان ويسألهم عن ~~الأخبار، وفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنه، فأخبروه أنه ~~اشترى غنما، وأن المدينة ضاقت به وأخبروه خبره، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " ويح ثعلبة بن حاطب، ويح ثعلبة بن حاطب " # ثم إن الله تعالى أمر رسوله أن يأخذ الصدقات، وأنزل # خذ من أمولهم صدقة # التوبة 103 الآية، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين، رجلا من ~~جهينة ورجلا من بني سلمة يأخذان الصدقات، وكتب لهما أسنان الإبل والغنم ~~كيف يأخذانها وجوهها، وأمرهما أن يمرا على ثعلبة بن حاطب، ms1529 وبرجل من بني ~~سليم، فخرجا فمرا بثعلبة فسألا الصدقة، فقال أرياني كتابكما، فنظر فيه ~~فقال ما هذه إلا جزية، انطلقا حتى أرى رأيي، فانطلقا حتى قدما المدينة، ~~فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يكلمهما # " ويح ثعلبة بن حاطب " # ، ودعا للسلمي بالبركة، وأنزل الله { ومنهم من عهد ~~الله } الثلاث الآيات، قال فسمع بعض أقارب ثعلبة، فأتى ثعلبة فقال ~~ويحك يا ثعلبة أنزل فيك كذا وكذا، قال فقدم ثعلبة على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال يا رسول الله هذه صدقة مالي، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إن الله قد منعني أن أقبل منك " # ، فجعل يبكي ويحثي التراب على رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " هذا عملك بنفسك، أمرتك فلم تطعني " # ، فلم يقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مضى، ثم أتى أبا بكر، ~~فقال يا أبا بكر إقبل مني صدقتي فقد عرفت منزلتي من الأنصار، فقال أبو ~~بكر لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلها؟ فلم يقبلها أبو بكر ~~ثم ولي عمر بن الخطاب، فأتاه فقال يا أبا حفص يا أمير المؤمنين اقبل مني ~~صدقتي، قال ويثقل عليه بالمهاجرين والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال عمر لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ~~أقبلها أنا؟ فأبى أن يقبلها ثم ولي عثمان فسأله أن يقبل صدقته، فقال لم ~~يقبلها رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك؟ فلم يقبلها منه، ~~فهلك في خلافة عثمان، وفيه نزلت { الذين يلمزون المطوعين ~~من المؤمنين في الصدقت } قال وذلك في الصدقة، وهذا ~~الحديث هو مروي من حديث معاذ بن رفاعة، عن علي بن زيد، عن أبي عبد ~~الرحمن القاسم بن عبد الرحمن مولى عبد الله بن يزيد بن معاوية، عن أبي ~~أمامة الباهلي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في ~~الدلائل، عن ابن عباس، في قوله { ومنهم من عهد الله } ~~الآية، ms1530 وذلك أن رجلا كان يقال له ثعلبة من الأنصار أتى مجلسا فأشهدهم ~~فقال لئن آتاني الله من فضله آتيت كل ذي حق حقه، وتصدقت منه، وجعلت منه ~~للقرابة فابتلاه الله فآتاه من فضله، فأخلف ما وعده، فأغضب الله بما ~~أخلفه ما وعده، فقص الله شأنه في القرآن. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، أن ~~رجلا من الأنصار هو الذي قال هذا، فمات ابن عم له فورث منه مالا فبخل ~~به، ولم يف بما عاهد الله عليه، فأعقبه بذلك نفاقا في قلبه إلى أن ~~يلقاه. قال ذلك { بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما ~~كانوا يكذبون }. وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما، عن ابن مسعود، ~~قال لما نزلت آية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء ~~كثير، فقالوا مراء وجاء أبو عقيل بنصف صاع، فقال المنافقون إن الله لغني ~~عن صدقة هذا، فنزلت { الذين يلمزون المطوعين } الآية، ~~وفي الباب روايات كثيرة. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة في قوله { الذين ~~يلمزون المطوعين } أي يطعنون على المطوعين. ### || [9.80-83] # أخبر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن صدور الاستغفار منه ~~للمنافقين وعدمه سواء، وذلك لأنهم ليسوا بأهل لاستغفاره صلى الله عليه ~~وسلم، ولا للمغفرة من الله سبحانه لهم، فهو كقوله تعالى # قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم # التوبة 53، ثم قال { إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن ~~يغفر الله لهم } وفيه بيان لعدم المغفرة من الله سبحانه ~~للمنافقين، وإن أكثر النبي من الاستغفار لهم، وليس المراد من هذا أنه لو ~~زاد على السبعين لكان ذلك مقبولا، كما في سائر مفاهيم الأعداد، بل ~~المراد بهذا المبالغة في عدم القبول. فقد كانت العرب تجري ذلك مجرى المثل ~~في كلامها عند إرادة التكثير، والمعنى أنه لن يغفر الله لهم وإن استغفرت ~~لهم استغفارا بالغا في الكثرة، غاية المبالغ، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى ~~أن التقييد بهذا العدد المخصوص يفيد قبول الزيادة عليه، ويدل لذلك ما ~~سيأتي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " لأزيدن على السبعين ms1531 " # وذكر بعضهم لتخصيص السبعين وجها فقال إن السبعة عدد شريف لأنها عدد ~~السموات، والأرضين، والبحار، والأقاليم، والنجوم السيارة، والأعضاء، ~~وأيام الأسبوع، فصير كل واحد من السبعة إلى عشرة لأن الحسنة بعشر ~~أمثالها. وقيل خصت السبعون بالذكر لأنه صلى الله عليه وسلم كبر على عمه ~~الحمزة سبعين تكبيرة، فكأنه قال إن تستغفر لهم سبعين مرة بإذاء تكبيراتك ~~على حمزة. وانتصاب { سبعين } على المصدر كقولهم ضربته عشرين ضربة. ثم علل ~~عدم المغفرة لهم بقوله { ذلك بأنهم كفروا بالله ~~ورسوله } أي ذلك الامتناع بسبب كفرهم بالله ورسوله { والله لا ~~يهدى القوم الفسقين } أي المتمردين الخارجين عن الطاعة ~~المتجاوزين لحدودها، والمراد هنا الهداية الموصلة إلى المطلوب، لا ~~الهداية التي بمعنى الدلالة وإراءة الطريق. ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من ~~قبائح المنافقين، فقال { فرح المخلفون بمقعدهم خلف ~~رسول الله } المخلفون المتروكون، وهم الذين استأذنوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من المنافقين، فأذن لهم وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك، أو ~~الذين خلفهم الله وثبطهم، أو الشيطان، أو كسلهم، أو المؤمنون، ومعنى { ~~بمقعدهم } أي بقعودهم يقال قعد قعودا ومقعدا أي جلس، وأقعده ~~غيره، ذكر معناه الجوهري فهو متعلق بفرح أي فرح المخلفون بقعودهم، وخلاف ~~رسول الله منتصب على أنه ظرف لمقعدهم. قال الأخفش ويونس الخلاف بمعنى ~~الخلف أي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن جهة الإمام التي ~~يقصدها الإنسان تخالفها جهة الخلف. وقال قطرب والزجاج معنى خلاف رسول ~~الله مخالفة الرسول حين سار وأقاموا، فانتصابه على أنه مفعول له أي قعدوا ~~لأجل المخالفة، أو على الحال مثل وأرسلها العراك أي مخالفين له، ويؤيد ما ~~قاله الأخفش ويونس قراءة أبي حيوة " خلف رسول الله ". # قوله { وكرهوا أن يجهدوا بأمولهم وأنفسهم ~~فى سبيل الله } سبب ذلك الشح بالأموال والأنفس، وعدم وجود باعث ~~الإيمان، وداعي الإخلاص، ووجود الصارف عن ذلك، وهو ما هم فيه من النفاق، ~~وفيه تعريض بالمؤمنين الباذلين لأموالهم وأنفسهم في سبيل الله لوجود ~~الداعي معهم، وانتفاء الصارف عنهم { وقالوا لا تنفروا فى ~~الحر ms1532 } أي قال المنافقون لإخوانهم هذه المقالة تثبيطا لهم، وكسرا ~~لنشاطهم، وتواصيا بينهم بالمخالفة لأمر الله ورسوله، ثم أمر الله رسوله ~~صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم { نار جهنم أشد حرا لو ~~كانوا يفقهون } والمعنى أنكم أيها المنافقون كيف تفرون من هذا ~~الحر اليسير، ونار جهنم التي ستدخلونها خالدين فيها أبدا أشد حرا ~~مما فررتم منه، فإنكم إنما فررتم من حر يسير في زمن قصير، ووقعتم في حر ~~كثير في زمن كبير، بل غير متناه أبد الآبدين، ودهر الداهرين. # فكنت كالساعي إلى مثعب موائلا من سبل الراعد # وجواب " لو " في { لو كانوا يفقهون } مقدر، أي لو كانوا ~~يفقهون أنها كذلك لما فعلوا ما فعلوا. قوله { فليضحكوا قليلا ~~وليبكوا كثيرا } هذان الأمران معناهما الخبر، والمعنى فسيضحكون ~~قليلا، ويبكون كثيرا، وإنما جيء بهما على لفظ الأمر، للدلالة على أن ~~ذلك أمر محتوم لا يكون غيره، وقليلا كثيرا منصوبان على المصدرية أو ~~الظرفية أي ضحكا قليلا، وبكاء كثيرا، أو زمانا قليلا، وزمانا ~~كثيرا { وجزاء بما كانوا يكسبون } أي جزاء بسبب ما كانوا ~~يكسبونه من المعاصي، وانتصاب { جزاء } على المصدرية أي يجزون جزاء { ~~فإن رجعك الله إلى طائفة منهم } الرجع متعد ~~كالرد، والرجوع لازم، والفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها، وإنما قال { ~~إلى طائفة } لأن جميع من أقام بالمدينة لم يكونوا منافقين بل كان ~~فيهم غيرهم من المؤمنين لهم أعذار صحيحة، وفيهم من المؤمنين من لا عذر ~~له، ثم عفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتاب الله عليهم كالثلاثة ~~الذين خلفوا، وسيأتي بيان ذلك، وقيل إنما قال { إلى طائفة } ، لأن منهم ~~من تاب عن النفاق، وندم على التخلف { فاستأذنوك للخروج } معك ~~في غزوة أخرى بعد غزوتك هذه { فقل } لهم { لن تخرجوا معى ~~أبدا ولن تقتلوا معى عدوا } أي قل لهم ذلك عقوبة لهم، ~~ولما في استصحابهم من المفاسد، كما تقدم في قوله # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا # التوبة 47، وقرىء بفتح الياء من معي في الموضعين، وقرىء بسكونها فيهما، ~~وجملة ms1533 { إنكم رضيتم بالقعود أول مرة } للتعليل، أي ~~لن تخرجوا معي، ولن تقاتلوا، لأنكم رضيتم بالقعود والتخلف أول مرة، وهي ~~غزوة تبوك، والفاء في { فاقعدوا مع الخلفين } لتفريع ما ~~بعدها على ما قبلها، والخالفين جمع خالف، كأنهم خلفوا الخارجين، والمراد ~~بهم من تخلف عن الخروج، وقيل المعنى فاقعدوا مع الفاسدين. # من قولهم فلان خالف أهل بيته إذا كان فاسدا فيهم، من قولك خلف اللبن أي ~~فسد بطول المكث في السقاء. ذكر معناه الأصمعي، وقرىء " فاقعدوا مع ~~الخلفين " وقال الفراء معناه المخالفين. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن عروة أن عبد الله بن أبي قال لولا أنكم تنفقون على محمد ~~وأصحابه لانفضوا من حوله، وهو القائل # ليخرجن الأعز منها الأذل # المنافقون 8 فأنزل الله { استغفر لهم أو لا تستغفر ~~لهم } فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " لأزيدن على السبعين " # فأنزل الله # سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ~~لن يغفر الله لهم # المنافقون 6. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد ~~نحوه. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، نحوه. وأخرج أحمد، والبخاري، ~~والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، والنحاس، وابن حبان، وابن ~~مردويه، وأبو نعيم في الحلية، عن ابن عباس قال سمعت عمر يقول لما توفي ~~عبد الله بن أبي دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه فقام ~~عليه، فلما وقف قلت أعلى عدو الله عبد الله بن أبي القائل كذا وكذا، ~~والقائل كذا وكذا؟ أعدد أيامه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم حتى ~~إذا أكثرت قال # " يا عمر أخر عني، إني قد خيرت، قد قيل لي { استغفر لهم أو ~~لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة ~~فلن يغفر الله لهم } فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر ~~له، لزدت عليها " # ثم صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشى معه حتى قام على قبره، ~~حتى فرغ منه، فعجبت لي ولجرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ~~ورسوله ms1534 أعلم. فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان { ولا ~~تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على ~~قبره } فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق بعد حتى قبضه ~~الله عز وجل. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله { ~~فرح المخلفون } الآية قال عن غزوة تبوك. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمر الناس أن ينبعثوا معه، وذلك في الصيف، فقال رجال يا رسول الله الحر ~~شديد، ولا نستطيع الخروج، فلا تنفروا في الحر، فقال الله { قل نار ~~جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون } فأمره بالخروج. # وأخرج ابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { فليضحكوا قليلا ~~وليبكوا كثيرا } قال هم المنافقون والكفار الذين اتخذوا دينهم ~~هزوا ولعبا، يقول الله فليضحكوا قليلا في اللدنيا، وليبكوا كثيرا في ~~الآخرة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله ~~{ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم } قال ذكر لنا أنهم ~~كانوا اثني عشر رجلا من المنافقين، وفيهم قيل ما قيل. وأخرج ابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { فاقعدوا مع الخلفين ~~} قال هم الرجال الذين تخلفوا عن الغزو. ### || [9.84-87] # قوله { مات } صفة لأحد، و { أبدا } ظرف لتأييد النفي. قال الزجاج ~~معنى قوله { ولا تقم على قبره } أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا دفن الميت وقف على قبره، ودعا له، فمنع ها هنا منه وقيل ~~معناه لا تقم بمهمات إصلاح قبره، وجملة { إنهم كفروا } تعليل ~~للنهي. وإنما وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر لأن الكافر قد يكون عدلا في ~~دينه، والكذب، والنفاق، والخداع، والجبن، والخبث، مستقبحة في كل دين. ثم ~~نهى رسوله عن أن تعجبه أموالهم وأولادهم. وهو تكرير لما سبق في هذه ~~السورة وتقرير لمضمونه وقيل إن الآية المتقدمة في قوم، وهذه ms1535 في آخرين. ~~وقيل هذه في اليهود، والأولى في المنافقين. وقيل غير ذلك. وقد تقدم في ~~الآية الأولى جميع ما يحتاج إليه في تفسير هذه الآية. ثم عاد الله سبحانه ~~إلى توبيخ المنافقين، فقال { وإذا أنزلت سورة } أي من القرآن، ~~ويجوز أن يراد بعض السورة، وأن يراد تمامها وقيل هي هذه السورة أي سورة ~~براءة، و «أن» في { أن آمنوا بالله } مفسرة لما في الإنزال من ~~معنى القول، أو مصدرية حذف منها الجار أي بأن آمنوا، وإنما قدم الأمر ~~بالإيمان، لأن الاشتغال بالجهاد لا يفيد إلا بعد الإيمان { استأذنك ~~أولوا الطول منهم } أي ذوو الفضل والسعة، من طال عليه طولا، ~~كذا قال ابن عباس والحسن، وقال الأصم الرؤساء والكبراء المنظور إليهم، ~~وخصهم بالذكر لأن الذم لهم ألزم، إذ لا عذر لهم في القعود { وقالوا ~~ذرنا } أي اتركنا { نكن مع القعدين } أي المتخلفين عن ~~الغزو من المعذورين، كالضعفاء والزمنى، والخوالف النساء اللاتي يخلفن ~~الرجال في القعود في البيوت. جمع خالفة، وجوز بعضهم أن يكون جمع خالف، ~~وهو من لا خير فيه { وطبع على قلوبهم } هو كقوله # ختم الله على قلوبهم # البقرة 7 وقد مر تفسيره { فهم لا يفقهون } شيئا مما فيه ~~نفعهم وضرهم، بل هم كالأنعام. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن ابن ~~عمر قال لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول، أتى ابنه عبد الله رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه فأعطاه، ثم ~~سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام عمر فأخذ ~~ثوبه فقال يا رسول الله، أتصلي عليه، وقد نهاك الله أن تصلي على ~~المنافقين؟ فقال # " إن ربي خيرني وقال { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ~~سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } وسأزيد على السبعين " # فقال إنه منافق، فصلى عليه، فأنزل الله { ولا تصل على أحد ~~منهم مات أبدا } الآية، فترك الصلاة عليهم. # وأخرج ابن ماجه، والبزار، وابن جرير، وابن مردويه، عن جابر، قال مات رأس ~~المنافقين بالمدينة ms1536 فأوصى أن يصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأن ~~يكفنه في قميصه، فجاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال إن ~~أبي أوصى أن يكفن في قميصك، فصلى عليه وألبسه قميصه وقام على قبره، فأنزل ~~الله { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم ~~على قبره }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن ~~مرديه، عن ابن عباس، في قوله { أولوا الطول } قال أهل الغنى. ~~وأخرج هؤلاء، عن ابن عباس، في قوله { رضوا بأن يكونوا مع ~~الخولف } قال مع النساء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، في الآية ~~قال رضوا بأن يقعدوا كما قعدت النساء. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، قال ~~الخوالف النساء. ### || [9.88-89] # المقصود من الاستدراك بقوله { لكن الرسول } إلى آخره الإشعار ~~بأن تخلف هؤلاء غير ضائر، فإنه قد قام بفريضة الجهاد من هو خير منهم ~~وأخلص نية كما في قوله # فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ~~ليسوا بها بكفرين # الأنعام 89. وقد تقدم بيان الجهاد بالأموال والأنفس، ثم ذكر منافع ~~الجهاد فقال { وأولئك لهم الخيرات } وهي جمع خير، فيشمل ~~منافع الدنيا والدين، وقيل المراد به النساء الحسان، كقوله تعالى # فيهن خيرت حسان # الرحمن 70 ومفرده خيرة بالتشديد، ثم خففت مثل هينة وهينة وقد تقدم ~~معنى الفلاح، والمراد به هنا الفائزون بالمطلوب، وتكرير اسم الإشارة ~~لتفخيم شأنهم وتعظيم أمرهم، والجنات البساتين. وقد تقدم بيان جري الأنهار ~~من تحتها، وبيان الخلود والفوز، والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم ~~من الخيرات والفلاح، وإعداد الجنات الموصوفة بتلك الصفة، ووصف الفوز ~~بكونه عظيما يدل على أنه الفرد الكامل من أنواع الفوز. وقد أخرج ~~القرطبي في تفسيره، عن الحسن أنه قال الخيرات هن النساء الحسان. ### || [9.90] # قرأ الأعرج والضحاك " المعذرون " بالتخفيف، من أعذر، ورواها أبو كريب عن ~~أبي بكر عن عاصم، ورواها أصحاب القراءات عن ابن عباس. قال في الصحاح وكان ~~ابن عباس يقرأ " وجاء المعذرون " مخففة من أعذر، ويقول والله هكذا أنزلت. ~~قال النحاس إلا أن مدارها ms1537 على الكلبي، وهي من أعذر إذا بالغ في العذر، ~~ومنه " من أنذر فقد أعذر» أي بالغ في العذر. وقرأ الجمهور { المعذرون } ~~بالتشديد ففيه وجهان، أحدهما أن يكون أصله المعتذرون فأدغمت التاء في ~~الذال، وهم الذين لهم عذر، ومنه قول لبيد # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # فالمعذرون على هذا هم المحقون في اعتذارهم. وقد روي هذا عن الفراء، ~~والزجاج، وابن الأنباري، وقيل هو من عذر، وهو الذي يعتذر ولا عذر له، ~~يقال عذر في الأمر إذا قصر واعتذر بما ليس بعذر، ذكره الجوهري وصاحب ~~الكشاف فالمعذرون على هذا هم المبطلون، لأنهم اعتذروا بأعذار باطلة لا ~~أصل لها. وروي عن الأخفش، والفراء، وأبي حاتم، وأبي عبيد، أنه يجوز كسر ~~العين لالتقاء الساكنين وضمها للاتباع. والمعنى أنه جاء هؤلاء من الأعراب ~~بما جاءوا به من الأعذار بحق أو بباطل على كلا التفسيرين لأجل أن يأذن ~~لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخلف عن الغزو، وطائفة أخرى لم ~~يعتذروا، بل قعدوا عن الغزو لغير عذر، وهم منافقو الأعراب الذين كذبوا ~~الله ورسوله، ولم يؤمنوا ولا صدقوا، ثم توعدهم الله سبحانه، فقال { ~~سيصيب الذين كفروا منهم } أي من الأعراب، وهم الذين ~~اعتذروا بالأعذار الباطلة، والذين لم يعتذروا، بل كذبوا بالله ورسوله { ~~عذاب أليم } أي كثير الألم، فيصدق على عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة. ~~وقد أخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله { وجاء المعذرون من ~~الأعراب } أي أهل العذر منهم. وروى ابن أبي حاتم، عنه، نحو ذلك. ~~وأخرج ابن الأنباري في كتاب الأضداد عنه أيضا أنه كان يقول «لعن الله ~~المعذرين» ويقرأ بالتشديد كأن الأمر عنده أن المعذر بالتشديد هو المظهر ~~للعذر اعتلالا من غير حقيقة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن ابن إسحاق، في قوله { وجاء المعذرون من الأعراب ~~} قال ذكر لي أنهم نفر من بني غفار، جاءوا فاعتذروا، منهم خفاف بن إيماء ~~وقيل لهم رهط عامر بن الطفيل، قالوا إن غزونا معك أغارت ms1538 أعراب طيىء على ~~أهالينا، ومواشينا. ### || [9.91-93] # لما ذكر سبحانه المعذرين، ذكر بعدهم أهل الأعذار الصحيحة المسقطة للغزو، ~~وبدأ بالعذر في أصل الخلقة. فقال { ليس على الضعفاء } وهم ~~أرباب الزمانة، والهرم، والعمى، والعرج، ونحو ذلك، ثم ذكر العذر العارض، ~~فقال { ولا على المرضى } والمراد بالمرضى كل ما يصدق عليه اسم ~~المرض لغة أو شرعا. وقيل إنه يدخل في المرضى الأعمى والأعرج ونحوهما. ثم ~~ذكر العذر الراجع إلى المال، لا إلى البدن فقال { ولا على الذين ~~لا يجدون ما ينفقون } أي ليست لهم أموال ينفقونها فيما يحتاجون ~~إليه من التجهز للجهاد، فنفى سبحانه عن هؤلاء الحرج، وأبان أن الجهاد مع ~~هذه الأعذار ساقط عنهم غير واجب عليهم، مقيدا بقوله { إذا نصحوا ~~لله ورسوله } وأصل النصح إخلاص العمل من الغش، ومنه التوبة ~~النصوح. قال نفطويه نصح الشيء إذا خلص، ونصح له القول، أي أخلصه له. ~~والنصح لله الإيمان به، والعمل بشريعته. وترك ما يخالفها كائنا ما كان، ~~ويدخل تحته دخولا أوليا نصح عباده. ومحبة المجاهدين في سبيله، وبذل ~~النصيحة لهم في أمر الجهاد. وترك المعاونة لأعدائهم بوجه من الوجوه ~~ونصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم التصديق بنبوته وبما جاء به، وطاعته في ~~كل ما يأمر به، أو ينهي عنه، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، ومحبته ~~وتعظيم سنته، وإحياؤها بعد موته بما تبلغ إليه القدرة. وقد ثبت في الحديث ~~الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " الدين النصيحة " # ثلاثا، قالوا لمن؟ قال # " لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " # وجملة { ما على المحسنين من سبيل } مقررة لمضمون ما سبق ~~أي ليس على المعذورين الناصحين من سبيل أي طريق عقاب ومؤاخذة. و " من " ~~مزيدة للتأكيد، وعلى هذا فيكون لفظ { المحسنين } موضوعا في موضع ~~الضمير الراجع إلى المذكورين سابقا. أو يكون المراد ما على جنس المحسنين ~~من سبيل، وهؤلاء المذكورون سابقا من جملتهم، فتكون الجملة تعليلية. ~~وجملة { والله غفور رحيم } تذييلية. وفي معنى هذه الآية قوله ~~تعالى # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # البقرة 286، وقوله ms1539 # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج # النور 61. وإسقاط التكليف عن هؤلاء المعذورين، لا يستلزم عدم ثبوت ثواب ~~الغزو لهم الذي عذرهم الله عنه، مع رغبتهم إليه لولا حبسهم العذر عنه، ~~ومنه حديث أنس عند أبي داود وأحمد، وأصله في الصحيحين أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " لقد تركتم بعدكم قوما ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم ~~واديا إلا وهم معكم فيه " # قالوا يارسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال # " حبسهم العذر " # وأخرجه أحمد، ومسلم، من حديث جابر. ثم ذكر الله سبحانه من جملة ~~المعذورين من تضمنه قوله { ولا على الذين إذا ما أتوك ~~لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه } والعطف ~~على جملة { ما على المحسنين } أي ولا على الذين إذا ما أتوك إلى ~~آخره من سبيل. ويجوز أن تكون عطفا على الضعفاء أي ولا على إذا ما أتوك ~~إلى آخره حرج. والمعنى أن من جملة المعذورين هؤلاء الذين أتوك لتحملهم ~~على ما يركبون عليه في الغزو، فلم تجد ذلك الذي طلبوه منك. قيل وجملة { ~~لا أجد ما أحملكم عليه } في محل نصب على الحال من الكاف ~~في { أتوك } بإضمار قد أي إذا ما أتوك قائلا لا أجد. وقيل هي بدل من ~~أتوك. وقيل جملة معترضة بين الشرط والجزاء، والأول أولى. وقوله { ~~تولوا } جواب " إذا " ، وجملة { وأعينهم تفيض من ~~الدمع } في محل نصب على الحال أي تولوا عنك لما قلت لهم لا أجد ما ~~أحملكم عليه، حال كونهم باكين، و { حزنا } منصوب على المصدرية، أو على ~~العلية، أو الحالية، و { أن لا يجدوا } مفعول له، وناصبه { حزنا ~~} وقال الفراء إن " لا " بمعنى ليس، أي حزنا أن ليس يجدوا. وقيل المعنى ~~حزنا على أن لا يجدوا. وقيل المعنى حزنا أنهم لا يجدون ما ينفقون، لا ~~عند أنفسهم ولا عندك. ثم ذكر الله سبحانه من عليه السبيل من المتخلفين ~~فقال { إنما السبيل } أي طريق العقوبة والمؤاخذة { على ~~الذين يستأذنونك ms1540 } في التخلف عن الغزو، و الحال أنهم { ~~أغنياء } أي يجدون ما يحملهم وما يتجهزون به، وجملة { رضوا بأن ~~يكونوا مع الخولف } مستأنفة كأنه قيل ما بالهم استأذنوا وهم ~~أغنياء. وقد تقدم تفسير الخوالف قريبا. وجملة { وطبع الله ~~على قلوبهم } معطوفة على { رضوا } أي سبب الاستئذان مع الغنى ~~أمران أحدهما الرضا بالصفقة الخاسرة، وهي أن يكونوا مع الخوالف، والثاني ~~الطبع من الله على قلوبهم { فهم } بسبب هذا الطبع { لا يعلمون ~~} ما فيه الربح لهم، حتى يختاروه على ما فيه الخسر. وقد أخرج ابن أبي ~~حاتم، والدارقطني في الإفراد، وابن مردويه، عن زيد ابن ثابت، قال كنت ~~أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت براءة، فكنت أكتب ما أنزل ~~عليه، فإني لواضع القلم عن أذني إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه إذ جاء أعمى فقال كيف بي يا رسول الله ~~وأنا أعمى؟ فنزلت { ليس على الضعفاء } الآية. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، قال أنزلت هذه الآية ~~في عابد بن عمر المزني. # وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد، قال نزل من عند قوله { عفا الله ~~عنك } إلى قوله { ما على المحسنين من سبيل والله ~~غفور رحيم } في المنافقين. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله { ~~ما على المحسنين من سبيل } قال ما على هؤلاء من سبيل بأنهم ~~نصحوا لله ورسوله ولم يطيقوا الجهاد، فعذرهم الله وجعل لهم من الأجر ما ~~جعل للمجاهدين، ألم تسمع أن الله يقول # لا يستوى القعدون من المؤمنين غير أولى ~~الضرر # النساء 95. فجعل الله للذين عذر من الضعفاء، وأولي الضرر، والذين لا ~~يجدون ما ينفقون من الأجر مثل ما جعل للمجاهدين. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن ~~عباس، في قوله { ما على المحسنين من سبيل } قال والله لأهل ~~الإساءة { غفور رحيم }. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله { ~~ولا على الذين إذا ما أتوك } الآية، قال أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms1541 أن ينبعثوا غازين معه، فجاءت عصابة من أصحابه فيهم ~~عبد الله بن مغفل المزني، فقالوا يا رسول الله احملنا، فقال والله ما أجد ~~ما أحملكم عليه، فتولوا ولهم بكاء وعزيز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، ولا ~~يجدون نفقة ولا محملا، فأنزل الله عذرهم { ولا على الذين إذا ~~ما أتوك } الآية. وأخرج ابن سعد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ~~عبد الله بن مغفل، قال إني لا أجد ارهط الذين ذكر الله { ولا على ~~الذين إذا ما أتوك لتحملهم } الآية. وأخرج ابن جرير، ~~عن محمد بن كعب، قال هم سبعة نفر من بني عمر بن عوف سالم بن عمير، ومن ~~بني واقف حرمي بن عمرو، ومن بني مازن بن النجار عبد الرحمن بن كعب يكنى ~~أبا ليلى، ومن بني المعلى سلمان بن صخر، ومن بني حارثة عبد الرحمن بن زيد ~~أبو عبلة، ومن بني سلمة عمرو بن غنمة وعبد الله بن عمرو المزني. وقد اتفق ~~الرواة على بعض هؤلاء السبعة. واختلفوا في البعض، ولا يأتي التطويل في ~~ذلك بكثير فائدة. وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن الزهري، ~~ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة، وغيرهم أن ~~رجالا من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم البكاؤون، وهم ~~سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، ثم ذكروا أسماءهم، وفيه، فاستحملوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا أهل حاجة. قال { لا أجد ما ~~أحملكم عليه }. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن الحسن، قال ~~كان معقل بن يسار من البكائين الذين قال الله { ولا على الذين ~~إذا ما أتوك لتحملهم } الآية. # وأخرج ابن أبي حاتم، عن أنس بن مالك، في قوله { لا أجد ما ~~أحملكم عليه } قال الماء والزاد. وأخرج ابن المنذر، عن علي بن ~~صالح، قال حدثني مشيخة من جهينة، قالوا أدركنا الذين سألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الحملان، فقالوا ما سألناه إلا الحملان على النعال. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ms1542 عن إبراهيم بن أدهم، عمن حدثه في قوله ~~{ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم } قال ما ~~سألوه الدواب ما سألوه إلا النعال. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن بن ~~صالح، في الآية قال استحملوه النعال. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~عن مجاهد، في قوله { إنما السبيل على الذين ~~يستأذنونك } قال هي وما بعدها إلى قوله { إن الله لا ~~يرضى عن القوم الفسقين } في المنافقين. ### || [9.94-99] # قوله { يعتذرون إليكم } إخبار من الله سبحانه عن المنافقين ~~المعتذرين بالباطل، بأنهم يعتذرون إلى المؤمنين إذا رجعوا من الغزو، وهذا ~~كلام مستأنف، وإنما قال { إليهم } أي إلى المعتذرين بالباطل، ولم ~~يقل إلى المدينة لأن مدار الاعتذار هو الرجوع إليهم لا الرجوع إلى ~~المدينة، وربما يقع الاعتذار عند الملاقاة قبل الوصول إليها. ثم أخبر ~~الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بما يجيب به عليهم، فقال { قل ~~لا تعتذروا لن نؤمن لكم } فنهاهم أولا عن الاعتذار ~~بالباطل، ثم علله بقوله { لن نؤمن لكم } أي لن نصدقكم، كأنهم ~~ادعوا أنهم صادقون في اعتذارهم، لأن غرض المعتذر أن يصدق فيما يعتذر ~~به، فإذا عرف أنه لا يصدق ترك الاعتذار، وجملة { قد نبأنا ~~الله من أخباركم } تعليلية للتي قبلها أي لا يقع منا تصديق ~~لكم لأن الله قد أعلمنا بالوحي ما هو مناف لصدق اعتذاركم، وإنما خص ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بالجواب عليهم، فقال { قل لا تعتذروا ~~} مع أن الاعتذار منهم كائن إلى جميع المؤمنين، لأنه صلى الله عليه وسلم ~~رأسهم، والمتولي لما يرد عليهم من جهة الغير، ويحتمل أن يكون المراد ~~بالضمير في قوله { إليكم } هو الرسول صلى الله عليه وسلم على ~~التأويل المشهور في مثل هذا. قوله { وسيرى الله عملكم } أي ~~ما ستفعلونه من الأعمال فيما بعد هل تقلعون عما أنتم عليه الآن من الشر ~~أم تبقون عليه؟. وقوله { ورسوله } معطوف على الاسم الشريف، ووسط ~~مفعول الرؤية إيذانا، بأن رؤية الله سبحانه لما سيفعلونه من خير أو شر ~~هي التي يدور عليها الإثابة أو ms1543 العقوبة، وفي جملة { ثم تردون ~~إلى علم الغيب } إلى آخرها تخويف شديد، لما هي مشتملة عليه ~~من التهديد، ولا سيما ما اشتملت عليه من وضع الظاهر موضع المضمر، لإشعار ~~ذلك بإحاطته بكل شيء يقع منهم مما يكتمونه ويتظاهرون به، وإخباره لهم به ~~ومجازاتهم عليه. ثم ذكر أن هؤلاءالمعتذرين بالباطل سيؤكدون ما جاءوا به ~~من الأعذار الباطلة بالحلف عند رجوع المؤمنين إليهم من الغزو، وغرضهم من ~~هذا التأكيد هو أن يعرض المؤمنون عنهم، فلا يوبخونهم ولا يؤاخذونهم ~~بالتخلف، ويظهرون الرضا عنهم، كما يفيده ذكر الرضا من بعد، وحذف المحلوف ~~عليه لكون الكلام يدل عليه، وهو اعتذارهم الباطل، وأمر المؤمنين ~~بالإعراض عنهم المراد به تركهم والمهاجرة لهم. لا الرضا عنهم والصفح عن ~~ذنوبهم، كما تفيده جملة { إنهم رجس } الواقعة علة للأمر ~~بالإعراض. والمعنى أنهم في أنفسهم رجس لكون جميع أعمالهم نجسة، فكأنها قد ~~صيرت ذواتهم رجسا، أو أنهم ذوو رجس أي ذوو أعمال قبيحة، ومثله # إنما المشركون نجس # التوبة 28 وهؤلاء لما كانوا هكذا كانوا غير متأهلين لقبول الإرشاد إلى ~~الخير، والتحذير من الشر، فليس لهم إلا الترك. وقوله { ومأواهم ~~جهنم } من تمام التعليل فإن من كان من أهل النار لا يجدي فيه الدعاء ~~إلى الخير، والمأوى كل مكان يأوي إليه الشيء، ليلا أو نهارا. وقد أوى ~~فلان إلى منزله، يأوي أويا وإيواء. و { جزاء } منصوب على المصدرية، أو ~~على العلية، والباء في { بما كانوا يكسبون } للسببية، وجملة { ~~يحلفون لكم } بدل مما تقدم. وحذف هنا المحلوف به لكونه معلوما ~~مما سبق، والمحلوف عليه لمثل ما تقدم، وبين سبحانه أن مقصدهم بهذا الحلف ~~هو رضا المؤمنين عنهم، ثم ذكر ما يفيد أنه لا يجوز الرضا عن هؤلاء ~~المعتذرين بالباطل، فقال { فإن ترضوا عنهم } كما هو مطلوبهم ~~مساعدة لهم { فإن الله لا يرضى عن القوم ~~الفسقين } وإذا كان هذا هو ما يريده الله سبحانه من عدم الرضا على ~~هؤلاء الفسقة العصاة، فينبغي لكم أيها المؤمنون أن لا تفعلوا خلاف ذلك، ~~بل واجب عليكم أن ms1544 لا ترضوا عنهم على أن رضاكم عنهم لو وقع لكان غير معتد ~~به، ولا مفيد لهم. والمقصود من إخبار الله سبحانه بعدم رضاه عنهم، نهي ~~المؤمنين عن ذلك لأن الرضا على من لا يرضى الله عليه مما لا يفعله مؤمن. ~~قوله { الأعراب أشد كفرا ونفاقا } لما ذكر الله سبحانه ~~أحوال المنافقين بالمدينة، ذكر حال من كان خارجا عنها من الأعراب، وبين ~~أن كفرهم ونفاقهم أشد من كفر غيرهم ومن نفاق غيرهم، لأنهم أقسى قلبا ~~وأغلظ طبعا وأجفى قولا، وأبعد عن سماع كتب الله، وما جاءت به رسله. ~~والأعراب هم من سكن البوادي بخلاف العرب، فإنه عام لهذا النوع من بني ~~آدم، سواء سكنوا البوادي أو القرى، هكذا قال أهل اللغة، ولهذا قال سيبويه ~~إن الأعراب صيغة جمع وليست بصيغة جمع العرب. قال النيسابوري قال أهل ~~اللغة رجل عربي إذا كان نسبه إلى العرب ثابتا، وجمعه عرب، كالمجوسي ~~والمجوس، واليهودي واليهود فالأعرابي إذا قيل له يا عربي، فرح، وإذا قيل ~~للعربي يا أعرابي غضب، وذلك أن من استوطن القرى العربية فهو عربي، ومن ~~نزل البادية فهو أعرابي، ولهذا لا يجوز أن يقال لللمهاجرين والأنصار ~~أعراب، وإنما هم عرب. قال قيل إنما سمي العرب عربا لأن أولاد إسماعيل ~~عليه السلام نشئوا بالعرب، وهي من تهامة فنسبوا إلى بلدهم، وكل من يسكن ~~جزيرة العرب، وينطق بلسانهم فهو منهم. وقيل لأن ألسنتهم معربة، عما في ~~ضمائرهم، ولما في لسانهم من الفصاحة والبلاغة. انتهى. { وأجدر } ~~معطوف على { أشد } ، ومعناه أخلق، يقال فلان جدير بكذا أي خليق به، وأنت ~~جدير أن تفعل كذا، والجمع جدر، أو جديرون، وأصله من جدر الحائط، وهو رفعه ~~بالبناء. # والمعنى أنهم أحق وأخلق بألا يعلموا حدود ما أنزل الله من الشرائع ~~والأحكام، لبعدهم عن مواطن الأنبياء، وديار التنزيل { والله عليم ~~} بأحوال مخلوقاته على العموم. وهؤلاء منهم { حكيم } فيما يجازيهم به ~~من خير وشر. قوله { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق ~~مغرما } هذا تنويع لجنس إلى نوعين، الأول هؤلاء، والثاني { ومن ~~الأعراب ms1545 من يؤمن بالله } والمغرم الغرامة والخسران، وهو ~~ثاني مفعولي يتخذ، لأنه بمعنى الجعل، والمعنى اعتقد أن الذي ينفقه في ~~سبيل الله غرامة وخسران، وأصل الغرم والغرامة، ما ينفقه الرجل وليس بلازم ~~له في اعتقاده، ولكنه ينفقه للرياء والتقية. وقيل أصل الغرم اللزوم، كأنه ~~اعتقد أنه يلزمه لأمر خارج لا تنبعث له النفس. و { الدوائر } جمع ~~دائرة، وهي الحالة المنقلبة عن النعمة إلى البلية، وأصلها ما يحيط ~~بالشيء، ودوائر الزمان نوبه وتصاريفه، ودوله، وكأنها لا تستعمل إلا في ~~المكروه، ثم دعا سبحانه عليهم بقوله { عليهم دائرة السوء } ~~وجعل ما دعا به عليهم مماثلا لما أرادوه بالمسلمين، و { السوء } بالفتح ~~عند جمهور القراء مصدر أضيفت إليه الدائرة للملابسة، كقولك رجل صدق. وقرأ ~~أبو عمرو، وابن كثير، بضم السين، وهو المكروه. قال الأخفش أي عليهم دائرة ~~الهزيمة والشر. وقال الفراء { عليهم دائرة السوء } العذاب ~~والبلاء. قال والسوء بالفتح مصدر سؤته سوءا ومساءة، وبالضم اسم لا مصدر، ~~وهو كقولك دائرة البلاء والمكروه { والله سميع } لما يقولونه { ~~عليم } بما يضمرونه. قوله { ومن الأعراب من يؤمن ~~بالله واليوم الآخر } هذا النوع الثاني من أنواع الأعراب كما ~~تقدم أي يصدق بهما { ويتخذ ما ينفق } أي يجعل ما ينفقه في ~~سبيل الله { قربت } وهي جمع قربة، وهي ما يتقرب به إلى الله ~~سبحانه، تقول منه قربت لله قربانا، والجمع قرب وقربات. والمعنى أنه يجعل ~~ما ينفقه سببا لحصول القربات { عند الله } وسببا ل { صلوات ~~الرسول } أي لدعوات الرسول لهم، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو ~~للمتصدقين، ومنه قوله # وصل عليهم إن صلوتك سكن لهم # التوبة 103، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # " اللهم صل على آل أبي أوفى " # ثم إنه سبحانه بين بأن ما ينفقه هذا النوع من الأعراب تقربا إلى الله ~~مقبول واقع على الوجه الذي أرادوه، فقال { ألا إنها قربة ~~لهم } فأخبر سبحانه بقبولها خبرا مؤكدا باسمية الجملة، وحرفي ~~التنبيه والتحقيق، وفي هذا من التطييب لخواطرهم، والتطمين لقلوبهم ما لا ~~يقادر قدره، مع ما يتضمنه من ms1546 النعي على من يتخذ ما ينفق مغرما، والتوبيخ ~~له بأبلغ وجه، والضمير في { إنها } راجع إلى «ما» في { ما ينفق } ~~وتأنيثه باعتبار الخبر. # وقرأ نافع، في رواية عنه «قربة» بضم الراء، وقرأ الباقون بسكونها ~~تخفيفا، ثم فسر سبحانه القربة بقوله { سيدخلهم الله فى ~~رحمته } والسين لتحقيق الوعد. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن السدي في قوله { قد نبأنا الله من أخباركم } قال ~~أخبرنا أنكم لو خرجتم ما زدتمونا إلا خبالا، وفي قوله { فأعرضوا ~~عنهم } قال لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم، قال للمؤمنين # " لا تكلموهم ولا تجالسوهم " # ، فأعرضوا عنهم كما أمر الله. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله { ~~لتعرضوا عنهم } قال لتجاوزوا عنهم. وأخرج أبو الشيخ، عنه، في ~~قوله { الأعراب أشد كفرا ونفاقا } قال من منافقي المدينة ~~{ وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على ~~رسوله } يعني الفرائض، وما أمر به من الجهاد. وأخرج أبو الشيخ، عن ~~الكلبي، أن هذه الآية نزلت في أسد وغطفان. وأخرج أحمد، وأبو داود، ~~والترمذي، والنسائي، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال # " من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن " # وإسناد أحمد هكذا حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن أبي موسى، ~~عن وهب بن منبه، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره. قال ~~في التقريب وأبو موسى عن وهب بن منبه مجهول من السادسة، ووهم من قال إنه ~~إسرائيل بن موسى، وقال الترمذي بعد إخراجه حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ~~الثوري. وأخرج أبو داود، والبيهقي، من حديث أبي هريرة، قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن، وما ~~ازداد أحد من سلطانه قربا إلا ازداد من الله بعدا " # وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله { ومن الأعراب من ~~يتخذ ما ينفق مغرما } قال يعني بالمغرم أنه لا يرجو له ~~ثوابا ms1547 عند الله ولا مجازاة، وإنما يعطي من يعطي من الصدقات كرها { ~~ويتربص بكم الدوائر } الهلكات. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ~~ابن زيد، في الآية قال هؤلاء المنافقون من الأعراب الذين إنما ينفقون ~~رياء اتقاء على أن يغزوا ويحاربوا، ويقاتلوا ويرون نفقاتهم مغرما. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { ~~ومن الأعراب من يؤمن بالله } قال هم بنو مقرن من مزينة، ~~وهم الذين قال الله { ولا على الذين إذا ما أتوك ~~لتحملهم } الآية. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن عبد الرحمن بن ~~معقل، قال كنا عشرة ولد مقرن، فنزلت فينا { ومن الأعراب من ~~يؤمن بالله } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي أبي ~~حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله { وصلوت الرسول } يعني ~~استغفار النبي صلى الله عليه وسلم. ### || [9.100-106] # لما ذكر سبحانه أصناف الأعراب ذكر المهاجرين والأنصار، وبين أن منهم ~~السابقين إلى الهجرة. وأن منهم التابعين لهم. وروي عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه أنه قرأ " والأنصار " بالرفع على { والسبقون } وقرأ ~~سائر القراء من الصحابة فمن بعدهم بالجر. قال الأخفش الخفض في الأنصار ~~الوجه لأن السابقين منهم يدخلون في قوله { والسبقون } وفي الآية ~~تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وهم الذين صلوا القبلتين ~~في قول سعيد بن المسيب وطائفة، أو الذين شهدوا بيعة الرضوان. وهي بيعة ~~الحديبية في قول الشعبي، أو أهل بدر في قول محمد بن كعب، وعطاء بن يسار، ~~ولا مانع من حمل الآية على هذه الأصناف كلها، قال أبو منصور البغدادي ~~أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون، ثم ~~البدريون ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية. قوله { ~~والذين اتبعوهم بإحسان } قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~" الذين اتبعوهم " محذوف الواو وصفا للأنصار على قراءته برفع الأنصار، ~~فراجعه في ذلك زيد بن ثابت، فسأل أبي بن كعب فصدق زيدا، فرجع عمر عن ~~القراءة المذكورة كما رواه أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، ms1548 وابن ~~مردويه، ومعنى { الذين اتبعوهم بإحسان } الذين اتبعوا السابقين الأولين ~~من المهاجرين والأنصار، وهم المتأخرون عنهم من الصحابة فمن بعدهم إلى يوم ~~القيامة، وليس المراد بهم التابعين اصطلاحا، وهم كل من أدرك الصحابة ولم ~~يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، بل هم من جملة من يدخل تحت الآية، فتكون ~~" من " في قوله { من المهجرين } على هذا للتبعيض، وقيل إنها ~~للبيان، فيتناول المدح جميع الصحابة، ويكون المراد بالتابعين من بعدهم من ~~الأمة إلى يوم القيامة. وقوله { بإحسن } قيد للتابعين أي والذين ~~اتبعوهم متلبسين بإحسان في الأفعال والأقوال اقتداء منهم بالسابقين ~~الأولين. قوله { رضى الله عنهم } خبر للمبتدأ وما عطف عليه، ~~ومعنى رضاه سبحانه عنهم أنه قبل طاعاتهم وتجاوز عنهم، ولم يسخط عليهم { ~~ورضوا عنه } بما أعطاهم من فضله، ومع رضاه عنهم فقد { أعد ~~لهم جنت تجري تحتها الأنهر } في الدار الآخرة. ~~وقرأ ابن كثير " تجري من تحتها الأنهار " بزيادة " من ". وقرأ الباقون ~~بحذفها والنصب على الظرفية، وقد تقدم تفسير جري الأنهار من تحت الجنات، ~~وتفسير الخلود والفوز. قوله { وممن حولكم من الأعراب ~~منفقون } هذا عود إلى شرح أحوال المنافقين من أهل المدينة، ومن ~~يقرب منها من الأعراب. { وممن حولكم } خبر مقدم، و { من الأعراب } بيان، ~~وهو في محل نصب على الحال، { ومنافقون } هو المبتدأ. # وقيل وهؤلاء الذين هم حول المدينة من المنافقين هم جهينة ومزينة، وأشجع، ~~وغفار، وجملة { ومن أهل المدينة مردوا على النفاق } ~~معطوفة على الجملة الأولى، عطف جملة على جملة. وقيل إن من أهل المدينة ~~عطف على الخبر في الجملة الأولى، فعلى الأول يكون المبتدأ مقدرا أي ومن ~~أهل المدينة قوم مردوا على النفاق، وعلى الثاني يكون التقدير وممن حولكم ~~من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا، ولكون جملة { مردوا على ~~النفاق } مستأنفة لا محل لها، وأصل مرد وتمرد اللين والملاسة والتجرد، ~~فكأنهم تجردوا للنفاق، ومنه غصن أمرد لا ورق عليه، وفرس أمرد لا شعر ~~فيه. وغلام أمرد لا شعر بوجهه، وأرض مرداء لا نبات فيها، وصرح ممرد ~~مجرد ms1549 فالمعنى أنهم أقاموا على النفاق وثبتوا عليه ولم ينثنوا عنه. قال ~~ابن زيد معناه لجوا فيه وأتوا غيره، وجملة { لا تعلمهم } مبينة ~~للجملة الأولى، وهي مردوا على النفاق أي ثبتوا عليه ثبوتا شديدا، ~~ومهروا فيه حتى خفي أمرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف سائر ~~المؤمنين؟ والمراد عدم علمه صلى الله عليه وسلم بأعيانهم لا من حيث ~~الجملة، فإن للنفاق دلائل لا تخفى عليه صلى الله عليه وسلم، وجملة { ~~نحن نعلمهم } مقررة لما قبلها لما فيها من الدلالة على مهارتهم ~~في النفاق ورسوخهم فيه، على وجه يخفى على البشر، ولا يظهر لغير الله ~~سبحانه لعلمه بما يخفى، وما تجنه الضمائر وتنطوي عليه السرائر. ثم توعدهم ~~سبحانه فقال { سنعذبهم مرتين } قيل المراد بالمرتين عذاب ~~الدنيا بالقتل والسبي، وعذاب الآخرة، وقيل الفضيحة بانكشاف نفاقهم، ~~والعذاب في الآخرة وقيل المصائب في أموالهم وأولادهم، وعذاب القبر. وقيل ~~غير ذلك مما يطول ذكره مع عدم الدليل على أنه المراد بعينه. والظاهر أن ~~هذا العذاب المكرر هو في الدنيا بما يصدق عليه اسم العذاب، وأنهم يعذبون ~~مرة بعد مرة، ثم يردون بعد ذلك إلى عذاب الآخرة، وهو المراد بقوله { ~~ثم يردون إلى عذاب عظيم } ومن قال إن العذاب في المرة ~~الثانية هو عذاب الآخرة، قال معنى قوله { ثم يردون إلى ~~عذاب عظيم } أنهم يردون بعد عذابهم في النار، كسائر الكفار إلى ~~الدرك الأسفل منها أو أنهم يعذبون في النار عذابا خاصا بهم دون سائر ~~الكفار، ثم يردون بعد ذلك إلى العذاب الشامل لهم ولسائر الكفار. ثم ذكر ~~سبحانه حال طائفة من المسلمين وهم المخلطون في دينهم فقال { وءاخرون ~~اعترفوا بذنوبهم } وهو معطوف على قوله { منافقون } أي وممن ~~حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة قوم { آخرون } ، ويجوز أن يكون آخرون ~~مبتدأ، واعترفوا بذنوبهم صفته، و { خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا } ~~خبره، والمعنى أن هؤلاء الجماعة تخلفوا عن الغزو لغير عذر مسوغ للتخلف، ~~ثم ندموا على ذلك، ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة كما اعتذر المنافقون، بل ~~تابوا ms1550 واعترفوا بالذنب، ورجوا أن يتوب الله عليهم. # والمراد بالعمل الصالح ما تقدم من إسلامهم وقيامهم بشرائع الإسلام، ~~وخروجهم إلى الجهاد في سائر المواطن. والمراد بالعمل السيء هو تخلفهم عن ~~هذه الغزوة، وقد أتبعوا هذا العمل السيء عملا صالحا، وهو الاعتراف به ~~والتوبة عنه، وأصل الاعتراف الإقرار بالشيء. ومجرد الإقرار لا يكون توبة ~~إلا إذا اقترن به الندم على الماضي، والعزم على تركه في الحال ~~والاستقبال، وقد وقع منهم ما يفيد هذا كما سيأتي بيانه إن شاء الله. ~~ومعنى الخلط أنهم خلطوا كل واحد منهما بالآخر، كقولك خلطت الماء باللبن، ~~واللبن بالماء. ويجوز أن تكون الواو بمعنى الباء، كقولك بعت الشاة شاة ~~ودرهما أي بدرهم، وفي قوله { عسى الله أن يتوب عليهم } ~~دليل على أنه قد وقع منهم مع الاعتراف ما يفيد التوبة، أو أن مقدمة ~~التوبة وهي الاعتراف قامت مقام التوبة، وحرف الترجي وهو " عسى " ، هو في ~~كلام الله سبحانه يفيد تحقق الوقوع لأن الإطماع من الله سبحانه إيجاب ~~لكونه أكرم الأكرمين { إن الله غفور رحيم } أي يغفر الذنوب ~~ويتفضل على عباده. قوله { خذ من أمولهم صدقة } اختلف أهل ~~العلم في هذه الصدقة المأمور بها، فقيل هي صدقة الفرض، وقيل هي مخصوصة ~~بهذه الطائفة المعترفة بذنوبها لأنهم بعد التوبة عليهم عرضوا أموالهم على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، و " من " للتبعيض على ~~التفسيرين، والآية مطلقة مبينة بالسنة المطهرة، والصدقة مأخوذة من الصدق، ~~إذ هي دليل على صدق مخرجها في إيمانه. قوله { تطهرهم وتزكيهم ~~بها } الضمير في الفعلين للنبي صلى الله عليه وسلم أي تطهرهم وتزكيهم ~~يا محمد بما تأخذه من الصدقة منهم. وقيل الضمير في { تطهرهم } للصدقة أي ~~تطهرهم هذه الصدقة المأخوذة منهم، والضمير في { تزكيهم } للنبي صلى الله ~~عليه وسلم أي تزكيهم يا محمد بالصدقة المأخوذة، والأول أولى لما في ~~الثاني من الاختلاف في الضميرين في الفعلين المتعاطفين وعلى الأول ~~فالفعلان منتصبان على الحال، وعلى الثاني فالفعل الأول صفة لصدقة، ~~والثاني حال منه صلى الله ms1551 عليه وسلم. ومعنى التطهير إذهاب ما يتعلق بهم ~~من أثر الذنوب، ومعنى التزكية المبالغة في التطهير. قال الزجاج والأجود ~~أن تكون المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم أي فإنك يا محمد تطهرهم ~~وتزكيهم بها على القطع والاستئناف، ويجوز الجزم على جواب الأمر. والمعنى ~~أن تأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم. وقد قرأ الحسن بجزم " تطهرهم ". وعلى ~~هذه القراءة فيكون { وتزكيهم } على تقدير مبتدأ أي وأنت تزكيهم ~~بها. قوله { وصل عليهم } أي ادع لهم بعد أخذك لتلك الصدقة من ~~أموالهم، قال النحاس. # وحكى أهل اللغة جميعا فيما علمناه، أن الصلاة في كلام العرب الدعاء، ثم ~~علل سبحانه أمره لرسوله صلى الله عليه وسلم بالصلاة على من يأخذ منه ~~الصدقة فقال { إن صلوتك سكن لهم } قرأ حفص، وحمزة، ~~والكسائي { صلاتك } بالتوحيد. وقرأ الباقون بالجمع، والسكن ما تسكن إليه ~~النفس وتطمئن به. قوله { ألم يعلموا أن الله هو يقبل ~~التوبة عن عباده } لما تاب الله سبحانه على هؤلاء المذكورين ~~سابقا. قال الله { ألم يعلموا } أي غير التائبين، أو التائبون ~~قبل أن يتوب الله عليهم ويقبل صدقاتهم { أن الله هو يقبل ~~التوبة } لاستغنائه عن طاعة المطيعين، وعدم مبالاته بمعصية العاصين. ~~وقرىء " ألم تعلموا " بالفوقية، وهو إما خطاب للتائبين، أو لجماعة من ~~المؤمنين، ومعنى { ويأخذ الصدقت } أي يتقبلها منهم، وفي ~~إسناد الأخذ إليه سبحانه بعد أمره لرسوله صلى الله عليه وسلم بأخذها ~~تشريف عظيم لهذه الطاعة، ولمن فعلها. وقوله { وأن الله هو ~~التواب الرحيم } معطوف على قوله { أن الله هو يقبل ~~التوبة عن عباده } مع تضمنه لتأكيد ما اشتمل عليه المعطوف ~~عليه أي أن هذا شأنه سبحانه. وفي صيغة المبالغة في التواب، وفي الرحيم مع ~~توسيط ضمير الفصل. والتأكيد من التبشير لعباده والترغيب لهم ما لا يخفى. ~~قوله { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ~~والمؤمنون } فيه تخويف وتهديد أي إن عملكم لا يخفى على الله، ولا ~~على رسوله ولا على المؤمنين، فسارعوا إلى أعمال الخير، وأخلصوا أعمالكم ~~لله عز وجل، وفيه أيضا ترغيب وتنشيط، فإن من ms1552 علم أن عمله لا يخفى سواء ~~كان خيرا أو شرا رغب إلى أعمال الخير، وتجنب أعمال الشر، وما أحسن ~~قول زهير # ومهما تكن عند امرىء من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم # والمراد بالرؤية هنا العلم بما يصدر منهم من الأعمال، ثم جاء سبحانه ~~بوعيد شديد فقال { وستردون إلى علم الغيب ~~والشهدة } أي وستردون بعد الموت إلى الله سبحانه، الذي يعلم ما ~~تسرونه وما تعلنونه، وما تخفونه وما تبدونه. وفي تقديم الغيب على ~~الشهادة إشعار بسعة علمه عز وجل، وأنه لا يخفى عليه شيء، ويستوي عنده ~~كل معلوم. ثم ذكر سبحانه ما سيكون عقب ردهم إليه فقال { فينبئكم ~~} أي يخبركم { بما كنتم تعملون } في الدنيا، فيجازي المحسن ~~بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويتفضل على من يشاء من عباده. قوله { ~~وءاخرون مرجون لأمر الله } ذكر سبحانه ثلاثة أقسام في ~~المتخلفين الأول المنافقون الذين مردوا على النفاق، والثاني التائبون ~~المعترفون بذنوبهم، الثالث الذين بقي أمرهم موقوفا في تلك الحال، وهم ~~المرجون لأمر الله، من أرجيته وأرجأته إذا أخرته. قرأ حمزة والكسائي، ~~ونافع وحفص { مرجون } بالواو من غير همزة. # وقرأ الباقون بالهمزة المضمومة بعد الجيم. والمعنى أنهم مؤخرون في تلك ~~الحال، لا يقطع لهم بالتوبة لاو بعدمها، بل هم على ما يتبين من أمر الله ~~سبحانه في شأنهم { إما يعذبهم } إن بقوا على ما هم عليه، ولم ~~يتوبوا { وإما يتوب عليهم } إن تابوا توبة صحيحة وأخلصوا ~~إخلاصا تاما، والجملة في محل نصب على الحال، والتقدير { وءاخرون ~~مرجون لأمر الله } حال كونهم، إما معذبين، وإما متوبا عليهم ~~{ والله عليم } بأحوالهم { حكيم } فيما يفعله بهم من خير أو ~~شر. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وأبو نعيم في ~~المعرفة، عن أبي موسى، أنه سئل عن قوله { والسبقون الأولون ~~} فقال هم الذين صلوا القبلتين جميعا. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم، عن سعيد بن المسيب، مثله. وأخرج ~~ابن المنذر، وأبو نعيم، عن الحسن، ومحمد بن سيرين، مثله ms1553 أيضا. وأخرج ابن ~~مردويه، عن ابن عباس، قال هم أبو بكر، وعمر، وعلي، وسلمان، وعمار بن ~~ياسر. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن ~~مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، عن الشعبي قال هم من أدرك بيعة الرضوان. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله { والذين اتبعوهم ~~بإحسان } قال التابعون. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، قال هم من ~~بقي من أهل الإسلام، إلى أن تقوم الساعة. وأخرج أبو الشيخ، وابن عساكر، ~~عن أبي صخر حميد بن زياد قال قلت لمحمد بن كعب القرظي أخبرني عن أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أريد الفتن، قال إن الله قد غفر ~~لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ~~ومسيئهم، قلت له وفي أي موضع أوجب الله لهم الجنة في كتابه؟ قال ألا ~~تقرءون قوله تعالى { والسبقون الأولون } الآية أوجب لجميع ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الجنة والرضوان، وشرط على التابعين شرطا ~~لم يشرطه فيهم. قلت وما اشترط عليهم؟ قال اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان. ~~يقول يقتدون بهم في أعمالهم الحسنة، ولا يقتدون بهم في غير ذلك. قال أبو ~~صخر فوالله لكأني لم أقرأها قبل ذلك، وما عرفت تفسيرها حتى قرأها علي ~~ابن كعب. وأخرج ابن مردويه من طريق الأوزاعي قال حدثني يحيى بن أبي ~~كثير، والقسم ومكحول، وعبدة بن أبي لبابة، وحسان بن عطية، أنهم سمعوا ~~جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون لما أنزلت هذه الآية { ~~والسبقون الأولون } إلى قوله { ورضوا عنه } قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " هذا لأمتي كلهم، وليس بعد الرضا سخط ". # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وأبو الشيخ، وابن ~~مردويه، عن ابن عباس في قوله { وممن حولكم من الأعراب } ~~الآية، قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة خطيبا، فقال # " قم يا فلان فاخرج، فإنك منافق " # ، اخرج يا فلان، فإنك منافق، فأخرجهم بأسمائهم ms1554 ففضحهم، ولم يكن عمر بن ~~الخطاب يشهد تلك الجمعة لحاجة كانت له، فلقيهم عمر وهم يخرجون من المسجد، ~~فاختبأ منهم استحياء أنه لم يشهد الجمعة، وظن الناس قد انصرفوا، واختبئوا ~~هم من عمر، وظنوا أنه قد علم بأمرهم، فدخل عمر المسجد، فإذا الناس لم ~~ينصرفوا، فقال له رجل أبشر يا عمر فقد فضح الله المنافقين اليوم، فهو ~~العذاب الأول، والعذاب الثاني عذاب القبر. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في ~~قوله { وممن حولكم من الأعراب } قال جهينة ومزينة، وأشجع ~~وأسلم وغفار. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله { مردوا على ~~النفاق } قال أقاموا عليه، ولم يتوبوا كما تاب آخرون. وأخرج ابن ~~المنذر، عن ابن جريج، في الآية قال ماتوا عليه عبد الله بن أبي، وأبو ~~عامر الراهب، والجد بن قيس. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن مجاهد، في قوله { سنعذبهم مرتين } قال بالجوع ~~والقتل. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي مالك، قال ~~بالجوع وعذاب القبر. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي، عن قتادة ~~قال عذاب في القبر، وعذاب في النار. وقد روى عن جماعة من السلف نحو هذا ~~في تعيين العذابين، والظاهر ما قدمنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس، في قوله ~~{ وءاخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صلحا } ~~قال كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~تبوك. فلما حضر رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم ~~بسواري المسجد، وكان ممر النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع عليهم فلما ~~رآهم قال من هؤلاء الموثقون أنفسهم؟ قالوا هذا أبو لبابة، وأصحاب له ~~تخلفوا عنك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تطلقهم وتعذرهم، قال ~~وأنا أقسم بالله، لا أطلقهم، ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، ~~رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين، فلما بلغهم ذلك قالوا ونحن لا ~~نطلق ms1555 أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا، فنزلت { عسى الله أن ~~يتوب عليهم } و " عسى " من الله واجب، فلما نزلت أرسل إليهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم، فجاءوا بأموالهم فقالوا يا ~~رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا، واستغفر لنا، قال # " ما أمرت أن آخذ أموالكم " # ، فأنزل الله عز وجل { خذ من أمولهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها وصل عليهم } يقول استغفر لهم { إن ~~صلوتك سكن لهم } يقول رحمة لهم، فأخذ منهم الصدقة واستغفر ~~لهم، وكانوا ثلاثة نفر لم يوثقوا أنفسهم بالسواري، فأرجئوا سنة لا يدرون ~~أيعذبون أو يتاب عليهم؟ فأنزل الله عز وجل { لقد تاب الله على ~~النبى } إلى قوله { وعلى الثلثة الذين خلفوا } إلى ~~قوله { ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو ~~التواب الرحيم } يعني إن استقاموا. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، ~~مثله سواء. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في ~~الدلائل، عن مجاهد في قوله { اعترفوا بذنوبهم } قال هو أبو ~~لبابة إذ قال لقريظة ما قال، وأشار إلى حلقه بأن محمدا يذبحكم إن نزلتم ~~على حكمه، والقصة مذكورة في كتب السير. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، ~~في قوله { خلطوا عملا صلحا } قال غزوهم مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { وآخر سيئا } قال تخلفهم عنه. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { وصل عليهم } قال ~~استغفر لهم من ذنوبهم التي كانوا أصابوها { إن صلوتك سكن ~~لهم } قال رحمة لهم. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن عبد الله بن ~~أبي أوفى قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى بصدقة قال # " اللهم صل على آل فلان " # ، فأتاه أبي بصدقته فقال # " اللهم صل على آل أبي أوفى ". # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { ~~اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله } قال هذا وعيد من ~~الله عز وجل. وأخرج أحمد، وأبو يعلى، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي في ~~الشعب، وابن أبي الدنيا، والضياء في المختارة، عن ms1556 أبي سعيد، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال # " لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة، لأخرج الله عمله ~~للناس كائنا ما كان " # وأخرج ابن المنذر، عن عكرمة، في قوله { وءاخرون مرجون لأمر ~~الله } قال هم الثلاثة الذين خلفوا. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن مجاهد، في الآية قال هم هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، ~~وكعب بن مالك، من الأوس والخزرج. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~السدي، في قوله { إما يعذبهم } يقول يميتهم على معصية { ~~وإما يتوب عليهم } فأرجأ أمرهم ثم نسخها فقال { وعلى ~~الثلثة الذين خلفوا } ### || [9.107-110] # لما ذكر الله أصناف المنافقين، وبين طرائقهم المختلفة، عطف على ما سبق ~~هذه الطائفة منهم، وهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا، فيكون التقدير ومنهم ~~الذين اتخذوا على أن { الذين } مبتدأ، وخبره " منهم " المحذوف، والجملة ~~معطوفة على ما تقدمها، ويجوز أن يكون الموصول في محل نصب على الذم. ~~وقرأ المدنيون وابن عامر " الذين اتخذوا " بغير واو، فتكون قصة مستقلة، ~~الموصول مبتدأ، وخبره { لا تقم } قاله الكسائي، وقال النحاس إن الخبر ~~هو { لا يزال بنيانهم الذى بنوا } وقيل الخبر محذوف، ~~والتقدير يعذبون، وسيأتي بيان هؤلاء البانين لمسجد الضرار. و { ضرارا ~~} منصوب على المصدرية، أو على العلية { وكفرا وتفريقا ~~وإرصادا } معطوفة على { ضرارا } فقد أخبر الله سبحانه أن الباعث ~~لهم على بناء هذا المسجد أمور أربعة الأول الضرار لغيرهم، وهو المضاررة. ~~الثاني الكفر بالله والمباهاة لأهل الإسلام، لأنهم أرادوا ببنائه تقوية ~~أهل النفاق. الثالث التفريق بين المؤمنين لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد ~~قباء، فتقل جماعة المسلمين، وفي ذلك من اختلاف الكلمة وبطلان الألفة ما ~~لا يخفى. الرابع الإرصاد لمن حارب الله ورسوله، أي الإعداد لأجل من حارب ~~الله ورسوله. قال الزجاج الإرصاد الانتظار. وقال ابن قتيبة الإرصاد ~~الانتظار مع العداوة. وقال الأكثرون هو الإعداد، والمعنى متقارب يقال ~~أرصدت لكذا إذا أعددته مرتقبا له به. وقال أبو زيد يقال رصدته وأرصدته ~~في الخير، وأرصدت ms1557 له في الشر. وقال ابن الأعرابي لا يقال إلا أرصدت، ~~ومعناه ارتقبت، والمراد بمن حارب الله ورسوله المنافقون، ومنهم أبو عامر ~~الراهب أي أعدوه لهؤلاء، وارتقبوا به وصولهم، وانتظروهم ليصلوا فيه حتى ~~يباهوا بهم المؤمنين، وقوله { من قبل } متعلق ب { اتخذوا } أي ~~اتخذوا مسجدا من قبل أن ينافق هؤلاء ويبنوا مسجد الضرار، أو متعلق ب { ~~حارب } أي لمن وقع منه الحرب لله ولرسوله من قبل بناء مسجد الضرار. قوله ~~{ وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى } أي ما أردنا إلا ~~الخصلة الحسنى، وهي الرفق بالمسلمين، فرد الله عليهم بقوله { والله ~~يشهد إنهم لكذبون } فيما حلفوا عليه، ثم نهى الله سبحانه ~~رسوله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مسجد الضرار، فقال { لا تقم ~~فيه أبدا } أي في وقت من الأوقات، والنهي عن القيام فيه، يستلزم ~~النهي عن الصلاة فيه. وقد يعبر عن الصلاة بالقيام، يقال فلان يقوم الليل ~~أي يصلي، ومنه الحديث الصحيح # " من قام رمضان إيمانا به واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " # ثم ذكر الله سبحانه علة النهي عن القيام فيه بقوله { لمسجد أسس ~~على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه } ~~واللام في { لمسجد } لام القسم، وقيل لام الابتداء، وفي ذلك تأكيد ~~لمضمون الجملة، وتأسيس البناء تثبيته ورفعه. # ومعنى تأسيسه على التقوى تأسيسه على الخصال التي تتقى بها العقوبة. ~~واختلف العلماء في المسجد الذي أسس على التقوى، فقالت طائفة هو مسجد ~~قباء، كما روي عن ابن عباس والضحاك، والحسن، والشعبي، وغيرهم. وذهب آخرون ~~إلى أنه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. والأول أرجح لما سيأتي قريبا إن ~~شاء الله. و { من أول يوم } متعلق بأسس أي أسس على التقوى من ~~أول يوم من أيام تأسيسه، قال بعض النحاة إن { من } هنا بمعنى منذ أي ~~منذ أول يوم ابتدىء ببنائه، وقوله { أحق أن تقوم فيه } خبر ~~المبتدأ، والمعنى لو كان القيام في غيره جائزا لكان هذا أولى بقيامك فيه ~~للصلاة ولذكر الله، لكونه أسس على التقوى من أول ms1558 يوم، ولكون { فيه ~~رجال يحبون أن يتطهروا } وهذه الجملة مستأنفة لبيان ~~أحقية قيامه فيه أي كما أن هذا المسجد أولى من جهة المحل، فهو أولى من ~~جهة الحال فيه، ويجوز أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال أي حال ~~كون فيه رجال يحبون أن يتطهروا، ويجوز أن تكون صفة أخرى لمسجد. ومعنى ~~محبتهم للتطهر أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه عند عروض موجبه وقيل معناه ~~يحبون التطهر من الذنوب بالتوبة والاستغفار. والأول أولى. وقيل يحبون أن ~~يتطهروا بالحمى المطهرة من الذنوب فحموا جميعا، وهذا ضعيف جدا. ومعنى ~~محبة الله لهم الرضا عنهم، والإحسان إليهم، كما يفعل المحب بمحبوبه. ثم ~~بين سبحانه أن بين الفريقين بونا بعيدا. فقال { أفمن أسس ~~بنيانه } والهمزة للإنكار التقريري، والبنيان مصدر كالعمران، وأريد ~~به المبني، والجملة مستأنفة. والمعنى أن من أسس بناء دينه على قاعدة ~~قوية محكمة، وهي تقوى الله ورضوانه، خير ممن أسس دينه على ضد ذلك، وهو ~~الباطل والنفاق، والموصول مبتدأ، وخبره { خير } ، وقرىء «أسس بنيانه» على ~~بناء الفعل للفاعل، ونصب بنيانه، واختار هذه القراءة أبو عبيدة، وقرىء ~~على البناء للمجهول، وقرىء «أساس بنيانه» بإضافة أساس إلى بنيانه، وقرىء ~~«أس بنيانه» والمراد أصول البناء، وحكى أبو حاتم قراءة أخرى، وهي «آساس ~~بنيانه» على الجمع، ومنه # أصبح الملك ثابت الآساس بالبهاليل من بني العباس # والشفا الشفير، والجرف ما يتجرف السيول، وهي الجوانب التي تنجرف بالماء، ~~والاجتراف اقتلاع الشيء من أصله، وقرىء بضم الراء من " جرف " وبإسكانها. ~~والهار الساقط، يقال هار البناء إذا سقط، وأصله هائر، كما قالوا شاك ~~السلاح، وشائك كذا، قال الزجاج. وقال أبو حاتم إن أصله هاور. قال في شمس ~~العلوم الجرف ما جرف السيل أصله، وأشرف أعلاه فإن انصدع أعلاه فهو الهار ~~ا ه، جعل الله سبحانه هذا مثلا لما بنوا عليه دينهم الباطل المضمحل ~~بسرعة، ثم قال { فانهار به فى نار جهنم } وفاعل فانهار، ~~ضمير يعود على الجرف أي فانهار الجرف بالبنيان في النار، ويجوز أن يكون ~~الضمير في { به } يعود ms1559 إلى { من } ، وهو الباني. # والمعنى أنه طاح الباطل بالبناء، أو الباني في نار جهنم، وجاء بالانهيار ~~الذي هو للجرف ترشيحا للمجاز، وسبحان الله ما أبلغ هذا الكلام، وأقوى ~~تراكيبه، وأوقع معناه، وأفصح مبناه. ثم ذكر سبحانه أن بنيانهم هذا موجب ~~لمزيد ريبهم، واستمرار ترددهم وشكهم فقال { لا يزال بنيانهم ~~الذى بنوا ريبة فى قلوبهم } أي شكا في قلوبهم ونفاقا، ~~ومنه قول النابغة # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب # وقيل معنى الريبة الحسرة والندامة، لأنهم ندموا على بنيانه. وقال المبرد ~~أي حرارة وغيظا. وقد كان هؤلاء الذين بنوا مسجد الضرار منافقين شاكين في ~~دينهم، ولكنهم ازدادوا بهدم رسول الله صلى الله عليه وسلم نفاقا ~~وتصميما على الكفر، ومقتا للإسلام، لما أصابهم من الغيظ الشديد، والغضب ~~العظيم بهدمه، ثم ذكر سبحانه ما يدل على استمرار هذه الريبة ودوامها، ~~وهو قوله { إلا أن تقطع قلوبهم } أي لا يزال هذا إلا أن ~~تتقطع قلوبهم قطعا، وتتفرق أجزاء إما بالموت أو بالسيف، والمقصود أن ~~هذه الريبة دائمة لهم ما داموا أحياء، ويجوز أن يكون ذكر التقطع تصويرا ~~لحال زوال الريبة. وقيل معناه إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما ~~وأسفا على تفريطهم. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص، ويعقوب، وأبو جعفر، ~~بفتح حرف المضارعة. وقرأ الجمهور بضمها. وروي عن يعقوب أنه قرأ «تقطع» ~~بالتخفيف، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي إلا أن تقطع يا محمد ~~قلوبهم. وقرأ أصحاب عبد الله بن مسعود «ولو تقطعت قلوبهم». وقرأ الحسن، ~~ويعقوب، وأبو حاتم «إلى أن تقطع» على الغاية. أي لا يزالون كذلك إلى أن ~~يموتوا. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، ~~والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس، في قوله { والذين اتخذوا ~~مسجدا ضرارا } قال هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدا، فقال لهم ~~أبو عامر الراهب ابنوا مسجدكم واستمدوا بما استطعتم من قوة وسلاح، فإني ~~ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجند من الروم، فأخرج محمدا وأصحابه فلما ~~فرغوا ms1560 من مسجدهم، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا قد فرغنا من ~~بناء مسجدنا فيجب أن تصلي فيه، وتدعو بالبركة، فأنزل الله { لا تقم فيه ~~أبدا }. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عنه، قال لما بنى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مسجد قباء خرج رجال من الأنصار منهم بجدح جد عبد ~~الله بن حنيف، ووديعة بن حزام، ومجمع بن جارية الأنصاري، فبنوا مسجد ~~النفاق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبجدح # " ويلك يا بجدح، ما أردت إلى ما أرى " # ، فقال يا رسول الله، والله ما أردت إلا الحسنى وهو كاذب، فصدقه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأراد أن يعذره، فأنزل الله تعالى { والذين ~~اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين ~~المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله } يعني ~~رجلا يقال له أبو عامر، كان محاربا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وكان قد انطلق إلى هرقل، وكانوا يرصدون إذا قدم أبو عامر أن يصلي فيه، ~~وكان قد خرج من المدينة محاربا لله ولرسوله.وأخرج ابن إسحاق، وابن ~~مردويه، عنه، أيضا قال دعا رسول الله مالك بن الدخشم، فقال مالك لعاصم ~~أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل على أهله فأخذ سعفات من نار، ثم ~~خرجوا يشتدون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله، فحرقوه وهدموه، وخرج أهله ~~فتفرقوا عنه، فأنزل الله هذه الآية. ولعل في هذه الرواية حذفا بين قوله ~~صلى الله عليه وسلم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ~~وبين قوله فقال مالك لعاصم، ويبين ذلك ما أخرج ابن إسحاق، وابن مردويه، ~~عن أبي رهم كلثوم بن الحصين الغفاري، وكان من الصحابة الذين بايعوا تحت ~~الشجرة قال أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بذي أوان بلد بينه ~~وبين المدينة ساعة من نهار، وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو ~~يتجهز إلى تبوك، فقالوا يا رسول الله إنا بنينا مسجدا لذي العلة ~~والحاجة، والليلة الشاتية، والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي ~~لنا ms1561 فيه قال إني على جناح سفر، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم ~~فيه فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله مالك بن الدخشم ~~أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدي، وأخاه عاصم بن عدي، أحد بني العجلان، ~~فقال انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرقاه، فخرجا سريعين ~~حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن ~~أنظرني حتى أخرج إليك، فدخل إلى أهله، فأخذ سعفا من النخل، فأشعل فيه ~~نارا، ثم خرجا يشتدان، وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه، ونزل فيهم ~~من القرآن ما نزل { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا ~~وكفرا } إلى آخر القصة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم إن الذين ~~بنوا مسجد الضرار كانوا اثني عشر رجلا، وذكرا أسماءهم. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وأحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة، وابن حبان، وأبو الشيخ، والحاكم، ~~وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن أبي سعيد الخدري قال اختلف رجلان ~~رجل من بني خدرة، وفي لفظ تماريت أنا ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد ~~الذي أسس على التقوى، فقال الخدري هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وقال العمري هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن ~~ذلك فقال # " هو هذا المسجد " # ، لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال # " في ذلك خير كثير " # ، يعني مسجد قباء. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والزبير بن ~~بكار في أخبار المدينة، وأبو يعلى، وابن حبان، والطبراني، والحاكم في ~~الكنى، وابن مردويه، عن سهل بن سعد الساعدي نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وأحمد، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والخطيب، والضياء في ~~المختارة، عن أبي بن كعب قال «سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المسجد ~~الذي أسس على التقوى قال # " هو مسجدي هذا " # وأخرج الطبراني، والضياء المقدسي في المختارة، عن زيد بن ثابت، مرفوعا ~~مثله. ms1562 وأخرج ابن أبي شيبة، وابن مردويه، والطبراني، من طريق عروة بن ~~الزبير، عن زيد بن ثابت قال المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم مسجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم. قال عروة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم خير ~~منه، إنما أنزلت في مسجد قباء. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن مردويه، عن ابن ~~عمر، قال المسجد الذي أسس على التقوى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وأخرج المذكوران عن أبي سعيد الخدري مثله. وقد روي عن جماعة غير هؤلاء ~~مثل قولهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في ~~الدلائل، عن ابن عباس، أنه مسجد قباء. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، مثله. ~~ولا يخفاك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عين هذا المسجد الذي أسس على ~~التقوى، وجزم بأنه مسجده صلى الله عليه وسلم، كما قدمنا من الأحاديث ~~الصحيحة، فلا يقاوم ذلك قول فرد من الصحابة ولا جماعة منهم، ولا غيرهم، ~~ولا يصح لإيراده في مقابلة ما قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ~~فائدة في إيراد ما ورد في فضل الصلاة في مسجد قباء، فإن ذلك لا يستلزم ~~كونه المسجد الذي أسس على التقوى، على أن ما ورد في فضائل مسجده صلى الله ~~عليه وسلم أكثر مما ورد في فضل مسجد قباء، بلا شك ولا شبهة تعم. وأخرج ~~أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي هريرة ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نزلت هذه الآية في أهل قباء { فيه ~~رجال يحبون أن يتطهروا } قال وكانوا يستنجون بالماء ~~فنزلت فيهم هذه الآية، وفي إسناده يونس بن الحارث، وهو ضعيف. # وأخرج الطبراني، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال ~~لما نزلت هذه الآية { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عويم بن ساعدة، فقال # " ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم؟ فقالوا يا رسول الله ما خرج منا ~~رجل ولا امرأة ms1563 من الغائط إلا غسل فرجه، أو قال مقعدته، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم هو هذا " # وأخرج أحمد، وابن خزيمة، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه، عن عويم بن ~~ساعدة الأنصاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال # " إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا ~~الطهور الذي تتطهرون به؟ قالوا والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه ~~كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما ~~غسلوا " # رواه أحمد عن حسن بن محمد. حدثنا أبو أويس، حدثنا شرحبيل عن عويم بن ~~ساعدة، فذكره. وقد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه. وأخرج ابن ماجه، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الجارود في المنتقى، والدارقطني، والحاكم، ~~وابن مردويه، وابن عساكر، عن طلحة بن نافع، قال حدثني أبو أيوب، وجابر ~~بن عبد الله، وأنس بن مالك أن هذه الآية لما نزلت { فيه رجال ~~يحبون أن يتطهروا } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيرا في الطهور، فما طهوركم ~~هذا؟ قالوا نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة، قال فهل مع ذلك غيره؟ قالوا ~~لا، غير أن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحب أن يستنجي بالماء، قال هو ذاك ~~فعليكموه ". # وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري في تاريخه، وابن جرير، والبغوي في ~~معجمه، والطبراني وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، عن محمد بن عبد ~~الله بن سلام، عن أبيه، قال لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ~~الذي أسس على التقوى مسجد قباء فقال # " إن الله قد أثنى عليكم في الطهور خيرا أفلا تخبروني؟ " # يعني قوله تعالى { فيه رجال يحبون أن يتطهروا ~~والله يحب المطهرين } فقالوا يا رسول الله، إنا لنجده ~~مكتوبا علينا في التوراة الاستنجاء بالماء، ونحن نفعله اليوم. وإسناد ~~أحمد في هذا الحديث هكذا حدثنا يحيى بن آدم، حدثني مالك، يعني ابن ~~مغول، سمعت سيارا أبا الحكم، عن شهر بن حوشب عن ms1564 محمد بن عبد الله بن ~~سلام. وقد روى عن جماعة من التابعين في ذكر سبب نزول الآية نحو هذا. ولا ~~يخفاك أن بعض هذه الأحاديث ليس فيه تعيين مسجد قباء وأهله، وبعضها ضعيف، ~~وبعضها لا تصريح فيه بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، وعلى ~~كل حال لا تقاوم تلك الأحاديث المصرحة بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو ~~مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في صحتها وصراحتها. # وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { فانهار ~~به فى نار جهنم } قال يعني قواعده في نار جهنم. وأخرج مسدد في ~~مسنده، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، عن جابر بن عبد الله، قال لقد رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار ~~حيث انهار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن المنذر، ~~والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس في قوله { لا يزال بنيانهم ~~الذى بنوا ريبة فى قلوبهم } قال يعني الشك { إلا أن ~~تقطع قلوبهم } يعني الموت. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~حبيب بن أبي ثابت، في قوله { ريبة فى قلوبهم } قال غيظا في ~~قلوبهم { إلا أن تقطع قلوبهم } قال إلى أن يموتوا. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، عن سفيان، في قوله { إلا أن تقطع قلوبهم } ~~قال إلا أن يتوبوا. ### || [9.111-112] # لما شرح فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وذكر ~~أقسامهم، وفرع على كل قسم منها ما هو لائق به، عاد على بيان فضيلة ~~الجهاد والترغيب فيه، وذكر الشراء تمثيل، كما في قوله # أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى # البقرة 16 مثل سبحانه إثابة المجاهدين بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم ~~في سبيل الله بالشراء، وأصل الشراء بين العباد هو إخراج الشيء عن الملك ~~بشيء آخر مثله أو دونه، أو أنفع منه، فهؤلاء المجاهدون باعوا أنفسهم من ~~الله بالجنة التي أعدها للمؤمنين، أي بأن يكونوا من جملة أهل الجنة، وممن ~~يسكنها فقد جادوا بأنفسهم، وهي أنفس الأعلاق، والجود ms1565 بها غاية الجود # يجود بالنفس أن ضن الجبان بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود # وجاد الله عليهم بالجنة، وهي أعظم ما يطلبه العباد، ويتوسلون إليه ~~بالأعمال والمراد بالأنفس هنا أنفس المجاهدين، وبالأموال ما ينفقونه في ~~الجهاد. قوله { يقتلون فى سبيل الله } بيان للبيع الذي ~~يقتضيه الاشتراء المذكور، كأنه قيل كيف يبيعون أنفسهم وأموالهم بالجنة؟ ~~فقيل يقاتلون في سبيل الله، ثم بين هذه المقاتلة في سبيل الله بقوله { ~~فيقتلون ويقتلون } والمراد أنهم يقدمون على قتل الكفار في ~~الحرب، ويبذلون أنفسهم في ذلك، فإن فعلوا فقد استحقوا الجنة، وإن لم يقع ~~القتل عليهم بعد الإبلاء في الجهاد، والتعرض للموت بالإقدام على الكفار. ~~قرأ الأعمش، والنخعي، وحمزة، والكسائي وخلف بتقديم المبني للمفعول على ~~المبني للفاعل. وقرأ الباقون بتقديم المبني للفاعل على المبني للمفعول. ~~وقوله { وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرءان } إخبار من الله سبحانه أن فريضة الجهاد واستحقاق الجنة ~~بها قد ثبت الوعد بها من الله في التوراة والإنجيل، كما وقع في القرآن، ~~وانتصاب و { عدا } و { حقا } على المصدرية أو الثاني نعت للأول، و { ~~في التوراة } متعلق بمحذوف أي وعدا ثابتا فيها. قوله { ومن أوفى ~~بعهده من الله } في هذا من تأكيد الترغيب للمجاهدين في الجهاد، ~~والتنشيط لهم على بذل الأنفس والأموال، ما لا يخفى، فإنه أولا أخبر ~~بأنه قد اشترى منهم أنفسهم، وأموالهم، بأن لهم الجنة، وجاء بهذه العبارة ~~الفخيمة، وهي كون الجنة قد صارت ملكا لهم، ثم أخبر ثانيا بأنه قد وعد ~~بذلك في كتبه المنزلة، ثم أخبر بأنه بعد هذا الوعد الصادق، لا بد من ~~حصول الموعود به، فإنه لا أحد أوفى بعهده من الله سبحانه، وهو صادق الوعد ~~لا يخلف الميعاد، ثم زادهم سرورا وحبورا، فقال { فاستبشروا ~~ببيعكم الذى بايعتم به } أي أظهروا السرور بذلك، ~~والبشارة هي إظهار السرور، وظهوره يكون في بشرة الوجه، ولذا يقال أسارير ~~الوجه أي التي يظهر فيها السرور. # وقد تقدم إيضاح هذا، والفاء لترتيب الاستبشار على ما قبله. والمعنى ~~أظهروا السرور بهذا ms1566 البيع الذي بايعتم به الله عز وجل، فقد ربحتم فيه ~~ربحا لم يربحه أحد من الناس، إلا من فعل مثل فعلكم، والإشارة بقوله { ~~ذلك } إلى الجنة، أو إلى نفس البيع الذي ربحوا فيه الجنة، ووصف الفوز ~~وهو الظفر بالمطلوب بالعظم، يدل على أنه فوز لا فوز مثله. قوله { ~~التئبون } خبر مبتدأ محذوف أي هم التائبون، يعني المؤمنون، ~~والتائب الراجع أي هم الراجعون إلى طاعة الله عن الحالة المخالفة للطاعة. ~~وقال الزجاج الذي عندي أن قوله { التئبون العبدون } رفع ~~بالابتداء وخبره مضمر أي التائبون، ومن بعدهم إلى آخر الآية لهم الجنة ~~أيضا، وإن لم يجاهدوا. قال وهذا أحسن، إذ لو كانت هذه أوصافا للمؤمنين ~~المذكورين في قوله { اشترى من المؤمنين } لكان الوعد خاصا ~~بمجاهدين. وقد ذهب إلى ما ذهب إليه الزجاج من أن هذا الكلام منفصل عما ~~قبله طائفة من المفسرين، وذهب آخرون إلى أن هذه الأوصاف راجعة إلى ~~المؤمنين في الآية الأولى، وأنها على جهة الشرط أي لا يستحق الجنة بتلك ~~المبايعة إلا من كان من المؤمنين على هذه الأوصاف. وفي مصحف عبد الله بن ~~مسعود التائبين العابدين إلى آخرها وفيه وجهان أحدهما أنها أوصاف ~~للمؤمنين. الثاني أن النصب على المدح. وقيل إن ارتفاع هذه الأوصاف على ~~البدل من ضمير { يقاتلون } ، وجوز صاحب الكشاف أن يكون { التائبون } ~~مبتدأ، وخبره { العابدون } ، وما بعده أخبار، كذلك أي التائبون من الكفر ~~على الحقيقة، الجامعون لهذه الخصال، وفيه من البعد ما لا يخفى، والعابدون ~~القائمون بما أمروا به من عبادة الله مع الإخلاص. و { الحمدون } ~~الذين يحمدون الله سبحانه على السراء والضراء، و { السئحون } ~~قيل هم الصائمون، وإليه ذهب جمهور المفسرين، ومنه قوله تعالى # عبدت سئحت # التحريم 5 وإنما قيل للصائم سائح لأنه يترك اللذات، كما يتركها السائح ~~في الأرض، ومنه قول أبي طالب بن عبد المطلب # وبالسائحين لا يذوقون فطرة لربهم والراكدات العوامل # وقال آخر # تراه يصلي ليله ونهاره يظل كثير الذكر لله سائحا # قال الزجاج ومذهب الحسن أن السائحين ها هنا هم ms1567 الذين يصومون الفرض، وقيل ~~إنهم الذين يديمون الصيام. وقال عطاء السائحون المجاهدون. وقال عبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم السائحون المهاجرون. وقال عكرمة هم الذين يسافرون ~~لطلب الحديث والعلم. وقيل هم الجائلون بأفكارهم في توحيد ربهم وملكوته، ~~وما خلق من العبر. والسياحة في اللغة أصلها الذهاب على وجه الأرض كما ~~يسيح الماء، وهي مما يعين العبد على الطاعة لانقطاعه عن الخلق، ولما يحصل ~~له من الاعتبار بالتفكر في مخلوقات الله سبحانه، و { الركعون ~~السجدون } معناه المصلون، و { الآمرون بالمعروف } ~~القائمون بأمر الناس بما هو معروف في الشريعة { والناهون عن ~~المنكر } القائمون بالإنكار على من فعل منكرا أي شيئا ينكره الشرع ~~{ والحفظون لحدود الله } القائمون بحفظ شرائعه التي ~~أنزلها في كتبه، وعلى لسان رسله، وإنما أدخل الواو في الوصفين الآخرين، ~~وهما { والناهون عن المنكر والحفظون } الخ، لأن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر بمنزلة خصلة واحدة، ثم عطف عليه الحافظون ~~بالواو لقربه. # وقيل إن العطف في الصفات يجيء بالواو وبغيرها، كقوله # غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب # غافر 3. وقيل إن الواو زائدة. وقيل هي واو الثمانية المعروفة عند ~~النحاة، كما في قوله تعالى # ثيبت وأبكارا # التحريم 5، وقوله # وفتحت أبوبها # الزمر 73، وقوله # سبعة وثامنهم كلبهم # الكهف 22، وقد أنكروا الثمانية، أبو علي الفارسي وناظره في ذلك ابن ~~خالويه { وبشر المؤمنين } الموصوفين بالصفات السابقة. وقد أخرج ~~ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي، وغيره قالوا قال عبد الله بن رواحة ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم اشترط لربك ولنفسك ما شئت، قال # " أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني ~~مما تنعون منه أنفسكم وأموالكم " # ، قالوا فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال # " الجنة " # ، قال ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت { إن الله اشترى ~~من المؤمنين أنفسهم } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه، عن جابر بن عبد الله، قال أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو في المسجد { إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم } فكبر الناس ms1568 في المسجد، فأقبل رجل من ~~الأنصار ثانيا طرفي ردائه على عاتقه، فقال يا رسول الله، أنزلت هذه ~~الآية؟ قال # " نعم " # ، فقال الأنصاري بيع ربيح لا نقيل، ولا نستقيل. وقد أخرج ابن سعد، عن ~~عبادة بن الصامت، أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترط في بيعة العقبة على ~~من بايعه من الأنصار أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، ~~ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، والسمع والطاعة، ولا ينازعوا في الأمر ~~أهله، ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم. قالوا نعم قال قائل ~~الأنصار نعم، هذا لك يا رسول الله، فما لنا؟ قال # " الجنة " # وأخرجه ابن سعد أيضا من وجه آخر، وليس في قصة العقبة ما يدل على أنها ~~سبب نزول الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن ابن عباس، قال من ~~مات على هذه التسع، فهو في سبيل الله { التئبون العبدون } ~~إلى آخر الآية. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن المنذر، عن ابن عباس، ~~قال الشهيد من كان له التسع الخصال المذكورة في هذه الآية. وأخرج أبو ~~الشيخ عنه قال العابدون الذين يقيمون الصلاة. # وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان، عنه، أيضا قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أول من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون الله على السراء ~~والضراء ". # وأخرج ابن جرير، عن عبيد بن عمير، قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~السائحين، فقال # " هم الصائمون " # وأخرج الفريابي، وابن جرير، والبيهقي في شعب الإيمان، من طريق عبيد بن ~~عمير، عن أبي هريرة مرفوعا مثله. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن ~~مردويه، وابن النجار، من طريق أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا مثله. وأخرج ~~ابن مردويه، عن ابن مسعود، مرفوعا مثله. وقد روي عن أبي هريرة موقوفا، ~~وهو أصح من المرفوع من طريقه، وحديث عبيد بن عمير مرسل، وقد أسنده من ~~طريق أبي هريرة في الرواية الثانية. وقد روي من قول جماعة من الصحابة مثل ~~هذا منهم عائشة عند ابن جرير، وابن ms1569 المنذر، ومنهم ابن عباس عند ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبي الشيخ، ومنهم ابن مسعود، ~~عند هؤلاء المذكورين قبله. وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي أمامة ~~أن رجلا استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السياحة فقال # " إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله " # وصححه عبد الحق. وأخرج أبو الشيخ، عن الربيع، في هذه الآية قال هذه ~~أعمال قال فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إن الله قضى على نفسه في ~~التوراة والإنجيل والقرآن لهذه الأمة أن من قتل منهم على هذه الأعمال كان ~~عند الله شهيدا، ومن مات منهم عليها فقد وجب أجره على الله. وأخرج ابن ~~المنذر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال الشهيد من لو مات على فراشه دخل ~~الجنة. قال وقال ابن عباس من مات وفيه تسع، فهو شهيد، وقرأ هذه الآية. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { ~~إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأمولهم ~~} يعني بالجنة، ثم قال { التئبون } إلى قوله { والحفظون ~~لحدود الله } يعني القائمين على طاعة الله، وهو شرط اشترطه الله ~~على أهل الجهاد، وإذا وفوا لله بشرطه وفى لهم بشرطهم. ### || [9.113-114] # لما بين الله سبحانه في أول السورة وما بعده أن البراءة من المشركين ~~والمنافقين واجبة، بين سبحانه هنا ما يزيد ذلك تأكيدا، وصرح بأن ذلك ~~متحتم، ولو كانوا أولي قربى، وأن القرابة في مثل هذا الحكم لا تأثير لها. ~~وقد ذكر أهل التفسير أن { ما كان } في القرآن يأتي على وجهين الأول على ~~النفي نحو # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله # آل عمران 145، والآخر على معنى النهي نحو # ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله # الأحزاب 53 و { ما كان للنبى والذين ءامنوا أن ~~يستغفروا للمشركين } وهذه الآية متضمنة لقطع الموالاة ~~للكفار، وتحريم الاستغفار لهم، والدعاء بما لا يجوز لمن كان كافرا، ولا ms1570 ~~ينافي هذا ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال يوم أحد حين ~~كسر المشركون رباعيته وشجوا وجهه اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، لأنه ~~يمكن أن يكون ذلك قبل أن يبلغه تحريم الاستغفار للمشركين. وعلى فرض أنه ~~قد كان بلغه، كما يفيده سبب النزول، فإنه قبل يوم أحد بمدة طويلة، ~~وسيأتي. فصدور هذا الاستغفار منه لقومه إنما كان على سبيل الحكاية عمن ~~تقدمه من الأنبياء، كما في صحيح مسلم عن عبد الله، قال كأني أنظر إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه، وهو يمسح ~~الدم عن وجهه ويقول # " رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " # وفي البخاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر نبيا قبله شجه قومه، ~~فجعل النبي يخبر عنه بأنه قال # " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " # قوله { من بعد ما تبين لهم أنهم أصحب ~~الجحيم } هذه الجملة تتضمن التعليل للنهي عن الاستغفار، والمعنى أن ~~هذا التبين موجب لقطع الموالاة لمن كان هكذا، وعدم الاعتداد بالقرابة ~~لأنهم ماتوا على الشرك. وقد قال سبحانه # إن الله لا يغفر أن يشرك به # النساء 48. فطلب المغفرة لهم في حكم المخالفة لوعد الله ووعيده. قوله { ~~وما كان استغفار إبرهيم لأبيه } الآية ذكر الله سبحانه ~~السبب في استغفار إبراهيم لأبيه، أنه كان لأجل وعد تقدم من إبراهيم ~~لأبيه بالاستغفار له، ولكنه ترك ذلك وتبرأ منه لما تبين له أنه عدو لله، ~~وأنه غير مستحق للاستغفار، وهذا يدل على أنه إنما وعده قبل أن يتبين له ~~أنه من أهل النار، ومن أعداء الله، فلا حاجة إلى السؤال الذي يورده كثير ~~من المفسرين، أنه كيف خفي ذلك على إبراهيم، فإنه لم يخف عليه تحريم ~~الاستغفار لمن أصر على الكفر ومات عليه، وهو لم يعلم ذلك إلا بإخبار ~~الله سبحانه له بأنه عدو الله، فإن ثبوت هذه العداوة تدل على الكفر، ~~وكذلك لم يعلم نبينا بتحريم ذلك إلا بعد أن أخبره الله بهذه الآية، وهذا ~~حكم إنما ms1571 يثبت بالسمع لا بالعقل. # وقيل المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه إلى الإسلام، وهو ضعيف ~~جدا. وقيل المراد بالاستغفار في هذه الآية النهي عن الصلاة على جنائز ~~الكفار، فهو كقوله # ولا تصل على أحد منهم مات أبدا # التوبة 84 ولا حاجة إلى تفسير الاستغفار بالصلاة ولا ملجىء إلى ذلك، ثم ~~ختم الله سبحانه هذه الآية بالثناء العظيم على إبراهيم. فقال { إن ~~إبرهيم لأواه } وهو كثير التأوه، كما تدل على ذلك صيغة ~~المبالغة. وقد اختلف أهل العلم في معنى الأواه، فقال ابن مسعود، وعبيد ~~بن عمير إنه الذي يكثر الدعاء. وقال الحسن، وقتادة إنه الرحيم بعباد ~~الله. وروي عن ابن عباس أنه المؤمن بلغة الحبشة. وقال الكلبي إنه الذي ~~يذكر الله في الأرض القفر. وروي مثله عن ابن المسيب، وقيل الذي يكثر ~~الذكر لله من غير تقييد، روي ذلك عن عقبة بن عامر. وقيل هو الذي يكثر ~~التلاوة، حكي ذلك عن ابن عباس. وقيل إنه الفقيه، قاله مجاهد والنخعي. ~~وقيل المتضرع الخاضع، روى ذلك عن عبد الله بن شداد بن الهاد. وقيل هو ~~الذي إذا ذكر خطاياه استغفر لها، روي ذلك عن أبي أيوب. وقيل هو الشفيق ~~قاله عبد العزيز بن يحيى. وقيل إنه المعلم للخير. وقيل إنه الراجع عن كل ~~ما يكرهه الله، قاله عطاء. والمطابق لمعنى الأواه لغة أن يقال إنه الذي ~~يكثر التأوه من ذنوبه، فيقول مثلا آه من ذنوبي آه، مما أعاقب به ~~بسببها، ونحو ذلك، وبه قال الفراء، وهو مروي عن أبي ذر، ومعنى التأوه ~~هو أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء. قال في الصحاح وقد أوه الرجل ~~تأويها، وتأوه تأوها إذا قال أوه، والاسم منه آهة بالمد، قال # إذا ما قمت أرحلها بليل تأوه آهة الرجل الحزين # و { الحليم } الكثير الحلم، كما تفيده صيغة المبالغة، وهو الذي يصفح عن ~~الذنوب، ويصبر على الأذى. وقيل الذي لا يعاقب أحدا قط إلا لله. وقد أخرج ~~البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال لما ms1572 حضرت ~~الوفاة أبا طالب دخل النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو جهل وعبد الله ~~بن أمية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " أي عم، قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله " # ، فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ ~~فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، وأبو جهل وعبد الله، ~~يعاندانه بتلك المقالة. فقال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملة عبد ~~المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " # ، فنزلت { ما كان للنبى } الآية، وأنزل الله في أبي طالب # إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من ~~يشاء # القصص 56. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي، وأبو يعلى، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، ~~والبيهقي في شعب الإيمان، والضياء في المختارة، عن علي قال سمعت رجلا ~~يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت تستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال أو لم ~~يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت { ما ~~كان للنبى } الآية. وأخرج ابن سعد، وابن عساكر، عن علي قال أخبرت ~~النبي صلى الله عليه وسلم بموت أبي طالب، فبكى، فقال # " اذهب فغسله وكفنه، وواره غفر الله له ورحمه " # ، ففعلت، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر له أياما ولا يخرج ~~من بيته حتى نزل عليه { ما كان للنبى } الآية. وقد روي كون سبب ~~نزول الآية استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب من طرق كثيرة ~~منها عن محمد بن كعب، عند ابن أبي حاتم وأبي الشيخ، وهو مرسل. ومنها عن ~~عمرو بن دينار، عند ابن جرير، وهو مرسل أيضا. ومنها عن سعيد بن المسيب، ~~عند ابن جرير، وهو مرسل أيضا. ومنها عن عمر بن الخطاب عند ابن سعد، وأبي ~~الشيخ وابن عساكر. ومنها عن الحسن البصري عند ابن عساكر، وهو مرسل. وروي ms1573 ~~أنها نزلت بسبب زيارة النبي صلى الله عليه وسلم لقبر أمه، واستغفاره لها، ~~من طريق ابن عباس عند الطبراني وابن مردويه، ومن طريق ابن مسعود عند ابن ~~أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وعن بريدة عند ابن ~~مردويه، وما في الصحيحين مقدم على ما لم يكن فيهما، على فرض أنه صحيح، ~~فكيف وهو ضعيف غالبه. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله { وقضى ~~ربك ألا تعبدوا إلا إيه } إلى قوله # كما ربيانى صغيرا # الإسراء 24 قال ثم استثنى فقال { ما كان للنبى } إلى قوله { ~~إلا عن موعدة وعدها إياه }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن قتادة، في قوله { فلما تبين له أنه عدو ~~لله } قال تبين له حين مات وعلم أن التوبة قد انقطعت منه. وأخرج ~~الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وأبو بكر ~~الشافعي في فوائده، والضياء في المختارة، عن ابن عباس قال لم يزل إبراهيم ~~يستغفر لأبيه حتى مات، فلما مات تبين له أنه عدو لله، فتبرأ منه. وأخرج ~~ابن مردويه، عن جابر، أن رجلا كان يرفع صوته بالذكر، فقال رجل لو أن هذا ~~خفض صوته؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " دعه فإنه أواه " # وأخرج الطبراني وابن مردويه، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال لرجل يقال له ذو النجادين # " إنه أواه " # ، وذلك أنه كان يكثر ذكر الله بالقرآن والدعاء. وأخرجه أيضا أحمد قال ~~حدثنا موسى بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، عن عقبة بن ~~عامر، فذكره. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، ~~عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال قال رجل يا رسول، الله ما الأواه؟ ~~قال # " الخاشع المتضرع الدعاء " # وهذا إن ثبت وجب المصير إليه وتقديمه على ما ذكره أهل اللغة في معنى ~~الأواه، وإسناده عند ابن جرير هكذا حدثني المثنى، حدثني الحجاج بن ~~منهال، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر ms1574 بن حوشب، عن عبد الله بن ~~شداد، فذكره. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { إن ~~إبرهيم لأواه حليم } قال كان من حلمه أنه كان إذا أذاه الرجل ~~من قومه قال له هداك الله. ### || [9.115-119] # لما نزلت الآية المتقدمة في النهي عن الاستغفار للمشركين، خاف جماعة ~~ممن كان يستغفر لهم العقوبة من الله بسبب ذلك الاستغفار، فأنزل الله ~~سبحانه { وما كان الله ليضل قوما } إلخ أي أن الله سبحانه ~~لا يوقع الضلال على قوم، ولا يسميهم ضلالا بعد أن هداهم إلى الإسلام، ~~والقيام بشرائعه، مالم يقدموا على شيء من المحرمات بعد أن يتبين لهم أنه ~~محرم، وأما قبل أن يتبين لهم ذلك، فلا إثم عليهم ولا يؤاخذون به، ومعنى ~~{ حتى يبين لهم ما يتقون } حتى يتبين لهم ما يجب عليهم ~~اتقاؤه من محرمات الشرع { إن الله بكل شىء عليم } مما يحل ~~لعباده، ويحرم عليه، ومن سائر الأشياء التي خلقها، ثم بين لهم أن له ~~سبحانه ملك السموات والأرض لا يشاركه في ذلك مشارك، ولا ينازعه منازع ~~يتصرف في ملكه بما شاء من التصرفات التي من جملتها أنه يحيى من قضت ~~مشيئته بإحيائه، ويميت من قضت مشيته بإماتته، وما لعباده من دونه من ولي ~~يواليهم، ولا نصير ينصرهم، فلا يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى، ~~فإن القرابة لا تنفع شيئا ولا تؤثر أثرا، بل التصرف في جميع الأشياء ~~لله وحده. قوله { لقد تاب الله على النبى } فيما وقع منه صلى ~~الله عليه وسلم من الإذن في التخلف، أو فيما وقع منه من الاستغفار ~~للمشركين. وليس من لازم التوبة أن يسبق الذنب ممن وقعت منه أوله، لأن كل ~~العباد محتاج إلى التوبة والاستغفار. وقد تكون التوبة منه تعالى على ~~النبي من باب أنه ترك ما هو الأولى، والأليق، كما في قوله # عفا الله عنك لم أذنت لهم # التوبة 43. ويجوز أن يكون ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لأجل التعريض ~~للمذنبين بأن يتجنبوا الذنوب، ويتوبوا عما قد لابسوه منها، وكذلك تاب ms1575 ~~الله سبحانه على المهاجرين والأنصار، فيما قد اقترفوه من الذنوب. ومن هذا ~~القبيل ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من قوله # " إن الله اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " # ثم وصف سبحانه المهاجرين والأنصار بأنهم الذين اتبعوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فلم يتخلفوا عنه، وساعة العسرة هي غزوة تبوك، فإنهم كانوا في ~~عسرة شديدة، فالمراد بالساعة جميع أوقات تلك الغزاة، ولم يرد ساعة ~~بعينها، والعسرة صعوبة الأمر. قوله { من بعد ما كاد يزيغ ~~قلوب فريق منهم } في { كاد } ضمير الشأن، و { قلوب } مرفوع ب ~~{ يزيغ } عند سيبويه. وقيل هي مرفوعة ب { كاد } ، ويكون التقدير من بعد ~~ما كان قلوب فريق منهم تزيغ. وقرأ الأعمش وحمزة وحفص «يزيغ» بالتحتية. # قال أبو حاتم من قرأ بالياء التحتية، فلا يجوز له أن يرفع القلوب ب { ~~كاد }. قال النحاس والذي لم يجزه جائز عند غيره على تذكير الجمع، ومعنى { ~~تزيغ } تتلف بالجهد والمشقة والشدة. وقيل معناه تميل عن الحق وتترك ~~المناصرة والممانعة. وقيل معناه تهم بالتخلف عن الغزو لما هم فيه من ~~الشدة العظيمة. وفي قراءة ابن مسعود «من بعد ما زاغت» وهم المتخلفون على ~~هذه القراءة. وفي تكرير التوبة عليهم بقوله { ثم تاب عليهم ~~ليتوبوا } تأكيد ظاهر واعتناء بشأنها، هذا إن كان الضمير راجعا إلى ~~من تقدم ذكر التوبة عنهم، وإن كان الضمير إلى الفريق فلا تكرار. قوله { ~~وعلى الثلثة الذين خلفوا } أي وتاب على الثلاثة الذين ~~خلفوا أي أخروا، ولم تقبل توبتهم في الحال كما قبلت توبة أولئك المتخلفين ~~المتقدم ذكرهم. قال ابن جرير معنى خلفوا تركوا، يقال خلفت فلانا فارقته. ~~وقرأ عكرمة بن خالد «خلفوا» بالتخفيف أي أقاموا بعد نهوض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين إلى الغزو. وقرأ جعفر بن محمد «خالفوا» وهؤلاء ~~الثلاثة هم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، أو ابن ربيعة العامري، وهلال ~~ابن أمية الواقفي، وكلهم من الأنصار، لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم ~~توبتهم، حتى نزل ms1576 القرآن بأن الله قد تاب عليهم وقيل معنى { خلفوا } ~~فسدوا، مأخوذ من خلوف الفم. قوله { حتى إذا ضاقت عليهم ~~الأرض بما رحبت } معناه أنهم أخروا عن قبول التوبة إلى هذه ~~الغاية، وهي وقت أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، و " ما " مصدرية أي ~~برحبها، لإعراض الناس عنهم وعدم مكالمتهم من كل أحد، لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى الناس أن يكالموهم. والرحب الواسع. يقال منزل رحب ورحيب ~~ورحاب. وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم ~~لينزجروا عن المعاصي. ومعنى ضيق أنفسهم عليهم أنها ضاقت صدورهم بما نالهم ~~من الوحشة وبما حصل لهم من الجفوة، وعبر بالظن في قوله { وظنوا أن ~~لا ملجأ من الله إلا إليه } عن العلم أي علموا أن لا ~~ملجأ يلجؤون إليه قط، إلا إلى الله سبحانه بالتوبة والاستغفار. قوله { ~~ثم تاب عليهم ليتوبوا } أي رجع عليهم بالقبول والرحمة، ~~وأنزل في القرآن التوبة عليهم ليستقيموا أو وفقهم للتوبة فيما يستقبل من ~~الزمان إن فرطت منهم خطيئة ليتوبوا عنها، ويرجعوا إلى الله فيها ويندموا ~~على ما وقع منهم { إن الله هو التواب } أي الكثير القبول ~~لتوبة التائبين، { الرحيم } أي الكثير الرحمة لمن طلبها من عباده. ~~قوله { وكونوا مع الصدقين } هذا الأمر بالكون مع الصادقين ~~بعد قصة الثلاثة فيه الإشارة إلى أن هؤلاء الثلاثة حصل لهم بالصدق ما حصل ~~من توبة الله، وظاهر الآية الأمر للعباد على العموم. # وقد أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله { وما كان الله ~~ليضل قوما بعد إذ هداهم } قال نزلت حين أخذوا الفداء من ~~المشركين يوم الأسارى. قال لم يكن لكم أن تأخذوه حتى يؤذن لكم، ولكن ما ~~كان الله ليعذب قوما بذنب أذنبوه { حتى يبين لهم ما ~~يتقون } قال حتى ينهاهم قبل ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في الآية قال بيان الله للمؤمنين ~~في الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه طاعته ومعصيته عاما ما فعلوا أو ~~تركوا. وأخرج ms1577 ابن جرير، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي، والضياء في المختارة، عن ابن عباس، أنه قال ~~لعمر بن الخطاب حدثنا من شأن ساعة العسرة، فقال خرجنا مع رسول الله إلى ~~تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ~~ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه، فيشربه ويجعل ما بقي على ~~كبده، فقال أبو بكر الصديق يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء ~~خيرا فادع لنا، فرفع يديه، فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فأهطلت ثم ~~سكبت، فملؤوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر. وقد وقع ~~الاتفاق بين الرواة أن ساعة العسرة هي غزوة تبوك. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن منده، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وابن عساكر، عن جابر بن عبد ~~الله، في قوله { وعلى الثلثة الذين خلفوا } قال كعب بن ~~مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكلهم من الأنصار. وأخرج ابن ~~منده، وابن عساكر، عن ابن عباس، مثله. وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما، عن ~~كعب بن مالك قال لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها ~~قط إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا ~~تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى ~~جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليلة العقبة حين توافقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها ~~مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر منها في الناس وأشهر، ثم ذكر القصة الطويلة ~~المشهورة في كتب الحديث والسير، وهي معلومة عند أهل العلم فلا نطول ~~بذكرها. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله { وعلى ~~الثلثة الذين خلفوا } قال يعني خلفوا عن التوبة، لم يتب ~~عليهم حين تاب الله على أبي لبابة وأصحابه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن عساكر، ms1578 عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن نافع، في قوله { وكونوا مع ~~الصدقين } قال نزلت في الثلاثة الذين خلفوا، قيل لهم كونوا مع ~~محمد وأصحابه. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير، في قوله { وكونوا ~~مع الصدقين } قال مع أبي بكر وعمر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، وابن عساكر، عن الضحاك في الآية قال مع أبي بكر، وعمر، ~~وأصحابهما. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، قال مع علي بن أبي طالب. ~~وأخرج ابن عساكر، عن أبي جعفر، قال مع الثلاثة الذين خلفوا. ### || [9.120-121] # في قوله { ما كان لأهل المدينة } إلخ، زيادة تأكيد لوجوب ~~الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحريم التخلف عنه أي ما صح وما ~~استقام لأهل المدينة { ومن حولهم من الأعراب } كمزينة ~~وجهينة، وأشجع وأسلم وغفار { أن يتخلفوا عن رسول الله } ~~، صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وإنما خصهم الله سبحانه لأنهم قد ~~استنفروا، فلم ينفروا، بخلاف غيرهم من العرب، فإنهم لم يستنفروا مع كون ~~هؤلاء لقربهم وجوارهم أحق بالنصرة والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم { ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه } أي وما كان لهم ~~أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، فيشحون بها ويصونونها، ولا يشحون بنفس رسول ~~الله، ويصونونها كما شحوا بأنفسهم وصانوها، يقال رغبت عن كذا أي ترفعت ~~عنه، بل واجب عليهم أن يكابدوا معه المشاق، ويجاهدوا بين يديه أهل ~~الشقاق. ويبذلوا أنفسهم دون نفسه وفي هذا الإخبار معنى الأمر لهم مع ما ~~يفيده إيراده على هذه الصيغة من التوبيخ لهم، والتقريع الشديد، والتهييج ~~لهم، والإزراء عليهم. والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما يفيده السياق من ~~وجوب المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي ذلك الوجوب عليهم بسبب ~~أنهم مثابون على أنواع المتاعب، وأصناف الشدائد. والظمأ العطش، والنصب ~~التعب، والمخمصة المجاعة الشديدة التي يظهر عندها ضمور البطن. وقرأ عبيد ~~بن عمير «ظماء» بالمد. وقرأ غيره بالقصر، وهما لغتان مثل خطأ وخطاء، و " ~~لا " في هذه ms1579 المواضع زائدة للتأكيد. ومعنى { فى سبيل الله } في ~~طاعة الله. قوله { ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار } أي ~~لا يدوسون مكانا من أمكنة الكفار بأقدامهم، أو بحوافر خيولهم أو بأخفاف ~~رواحلهم، فيحصل بسبب ذلك الغيظ للكفار. والموطىء اسم مكان، ويجوز أن يكون ~~مصدرا { ولا ينالون من عدو نيلا } أي يصيبون من عدوهم ~~قتلا أو أسرا أو هزيمة أو غنيمة، وأصله من نلت الشيء أنال أي أصيب. قال ~~الكسائي هو من قولهم أمر منيل منه، وليس هو من التناول، إنما التناول من ~~نلته بالعطية. قال غيره نلت أنول من العطية، ونلته أناله أدركته، والضمير ~~في { به } يعود إلى كل واحد من الأمور المذكورة، والعمل الصالح الحسنة ~~المقبولة أي إلا كتبه الله لهم حسنة مقبولة يجازيهم بها، وجملة { إن ~~الله لا يضيع أجر المحسنين } في حكم التعليل لما سبق مع ~~كونه يشمل كل محسن، ويصدق على المذكورين هنا صدقا أوليا. قوله { ولا ~~ينفقون نفقة } معطوف على ما قبله أي ولا يقع منهم الإنفاق في ~~الحرب، وإن كان شيئا صغيرا يسيرا { ولا يقطعون واديا } وهو ~~في الأصل كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذا للسيل، والعرب تقول واد ~~وأودية على غير قياس. # قال النحاس ولا يعرف فيما علمت فاعل وأفعلة { إلا كتب لهم } أي ~~كتب لهم ذلك الذي عملوه من النفقة والسفر في الجهاد { ليجزيهم ~~الله } به { أحسن ما كانوا يعملون } أي أحسن جزاء ما ~~كانوا يعملون من الأعمال، ويجوز أن يكون في قوله { إلا كتب لهم ~~} ضمير يرجع إلى عمل صالح. وقد ذهب جماعة إلى أن هذه الآية منسوخة بالآية ~~المذكورة بعدها، وهي قوله { وما كان المؤمنون لينفروا ~~كافة } فإنها تدل على جواز التخلف من البعض، مع القيام بالجهاد من ~~البعض، وسيأتي. وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق عمر بن مالك، عن بعض ~~الصحابة قال لما نزلت { ما كان لأهل المدينة } الآية، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " والذي بعثني بالحق لولا ضعفاء الناس ما كانت سرية إلا كنت فيها " # وأخرج ms1580 ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله { ما كان ~~لأهل المدينة } قال هذا حين كان الإسلام قليلا لم يكن لأحد أن ~~يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كثر الإسلام وفشا قال الله ~~{ وما كان المؤمنون لينفروا كافة }. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن الأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، وإبراهيم بن محمد الفزاري، ~~وعيسى بن يونس السبيعي، أنهم قالوا في قوله تعالى { ولا ينالون ~~من عدو نيلا } قالوا هذه الآية للمسلمين إلى أن تقوم الساعة. ### || [9.122-123] # اختلف المفسرون في معنى { وما كان المؤمنون لينفروا ~~كافة } فذهب جماعة إلى أنه من بقية أحكام الجهاد لأن سبحانه لما بالغ ~~في الأمر بالجهاد والانتداب إلى الغزو، كان المسلمون إذا بعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سرية من الكفار ينفرون جميعا ويتركون المدينة خالية، ~~فأخبرهم الله سبحانه بأنه ما كان لهم ذلك، أي ما صح لهم، ولا استقام أن ~~ينفروا جميعا، بل ينفر من كل فرقة منهم طائفة من تلك الفرقة، ويبقى من ~~عدا هذه الطائفة النافرة. قالوا ويكون الضمير في قوله { ليتفقهوا ~~} عائدا إلى الفرقة الباقية. والمعنى أن الطائفة من هذه الفرقة تخرج إلى ~~الغزو، ومن بقي من الفرقة يقفون لطلب العلم، ويعلمون الغزاة إذا رجعوا ~~إليهم من الغزو، أو يذهبون في طلبه إلى المكان الذي يجدون فيه من يتعلمون ~~منه، ليأخذوا عنه الفقه في الدين، وينذروا قومهم وقت رجوعهم إليهم. وذهب ~~آخرون إلى أن هذه الآية ليست من بقية أحكام الجهاد، وهي حكم مستقل بنفسه ~~في مشروعية الخروج لطلب العلم، والتفقه في الدين، جعله الله سبحانه ~~متصلا بما دل على إيجاب الخروج إلى الجهاد، فيكون السفر نوعين الأول ~~سفر الجهاد، والثاني السفر لطلب العلم. ولا شك أن وجوب الخروج لطلب العلم ~~إنما يكون إذا لم يجد الطالب من يتعلم منه في الحضر من غير سفر. والفقه ~~هو العلم بالأحكام الشرعية، وبما يتوصل به إلى العلم بها من لغة ونحو، ~~وصرف وبيان وأصول. ومعنى { فلولا نفر } فهلا نفر، ms1581 والطائفة في ~~اللغة الجماعة. وقد جعل الله سبحانه الغرض من هذا هو التفقه في الدين، ~~وإنذار من لم يتفقه. فجمع بين المقصدين الصالحين والمطلبين الصحيحين، ~~وهما تعلم العلم وتعليمه، فمن كان غرضه بطلب العلم غير هذين، فهو طالب ~~لغرض دنيوي لا لغرض ديني، فهو كماقلت # وطالب الدنيا بعلم الدين أي بائس كمن غدا لنعله يمسح بالقلانس # ومعنى { لعلهم يحذرون } الترجي لوقوع الحذر منهم عن التعريض ~~فيما يجب فعله فيترك، أو فيما يجب تركه فيفعل، ثم أمر سبحانه المؤمنين ~~بأن يجتهدوا في مقاتلة من يليهم من الكفار، وأن يأخذوا في حربهم بالغلظة ~~والشدة، والجهاد واجب لكل الكفار، وإن كان الابتداء بمن يلى المجاهدين ~~منهم أهم وأقدم، ثم الأقرب فالأقرب ثم أخبرهم الله بما يقوي عزائمهم، ~~ويثبت أقدامهم فقال { واعلموا أن الله مع المتقين } ~~أي بالنصرة لهم، وتأييدهم على عدوهم، ومن كان الله معه لم يقم له شيء. ~~وقد أخرج أبو داود في ناسخه، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، ~~قال نسخ هؤلاء الآيات # انفروا خفافا وثقالا # التوبة 41 و # إلا تنفروا يعذبكم # التوبة 39 قوله { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } ~~يقول لتنفر طائفة، وتمكث طائفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فالماكثون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين يتفقهون في الدين، ~~وينذرون إخوانهم إذا رجعوا إليهم من الغزو، ولعلهم يحذرون ما نزل من ~~بعدهم من قضاء الله في كتابه وحدوده. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، عنه، نحوه من طريق أخرى بسياق أتم. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه، أيضا في هذه الآية قال ليست هذه ~~الآية في الجهاد، ولكن لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر ~~بالسنين، أجدبت بلادهم، فكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها حتى يخلوا ~~بالمدينة من الجهد، ويقبلوا بالإسلام وهم كاذبون، فضيقوا على أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأجهدوهم، فأنزل الله يخبر رسوله أنهم ليسوا ~~بمؤمنين، فردهم إلى عشائرهم وحذر قومهم ms1582 أن يفعلوا فعلهم، فذلك قوله { ~~ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم ~~يحذرون } وفي الباب روايات عن جماعة من التابعين.وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن قتادة، في قوله { قاتلوا الذين يلونكم } قال ~~الأدنى، فالأدنى. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، مثله. وأخرج ابن مردويه، ~~عن ابن عمر، أنه سئل عن غزو الديلم فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } قال " ~~الروم ". وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { ~~وليجدوا فيكم غلظة } قال شدة. ### || [9.124-129] # قوله { وإذا ما أنزلت سورة } حكاية منه سبحانه لقية فضائح ~~المنافقين، أي إذا ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم سورة من ~~كتابه العزيز، فمن المنافقين { من يقول } لإخوانه منهم { أيكم ~~زادته هذه } السورة النازلة { إيمنا } يقولون هذا استهزاء ~~بالمؤمنين، ويجوز أن يقولوه لجماعة من المسلمين قاصدين بذلك صرفهم عن ~~الإسلام وزهيدهم فيه، و { أيكم } مرفوع بالابتداء وخبره زادته. وقد تقدم ~~بيان معنى السورة. ثم حكى الله سبحانه بعد مقالتهم هذه أن المؤمنين ~~زادتهم إيمانا إلى إيمانهم، والحال أنهم يستبشرون مع هذه الزيادة بنزول ~~الوحي، وما يشتمل عليه من المنافع الدينية والدنيوية { وأما ~~الذين فى قلوبهم مرض } وهم المنافقون { فزادتهم } ~~السورة المنزلة { رجسا إلى رجسهم } أي خبثا إلى خبثهم الذين ~~هم عليه من الكفر وفساد الاعتقاد، وإظهار غير ما يضمرونه، وثبتوا على ذلك ~~واستمروا عليه إلى أن ماتوا كفارا منافقين، والمراد بالمرض هنا الشك ~~والنفاق وقيل المعنى زادتهم إثما إلى إثمهم. قوله { أو لا يرون ~~أنهم يفتنون فى كل عام مرة أو مرتين } قرأ ~~الجمهور { يرون } بالتحتية. وقرأ حمزة ويعقوب بالفوقية خطابا للمؤمنين. ~~وقرأ الأعمش «أو لم يروا». وقرأ طلحة بن مصرف «أو لا ترى» خطابا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وهي قراءة ابن مسعود. ومعنى { يفتنون } ~~يختبرون، قاله ابن جرير، وغيره، أو يبتليهم الله سبحانه بالقحط والشدة، ~~قاله مجاهد. وقال ابن عطية بالأمراض والأوجاع. وقال قتادة، والحسن، ~~بالغزو والجهاد مع النبي صلى الله عليه ms1583 وسلم، ويرون ما وعد الله من النصر ~~{ ثم لا يتوبون } بسبب ذلك { ولا هم يذكرون } و " ثم ~~" لعطف ما بعدها على يرون، والهمزة في أو لا يرون للإنكار والتوبيخ، ~~والواو للعطف على مقدر، أي لا ينظرون ولا يرون، وهذا تعجيب من الله ~~سبحانه للمؤمنين من حال المنافقين وتصلبهم في النفاق، وإهمالهم للنظر ~~والاعتبار. ثم ذكر الله سبحانه ما كانوا يفعلونه عند نزول السورة بعد ~~ذكره لما كانوا يقولونه، فقال { وإذا ما أنزلت سورة نظر ~~بعضهم إلى بعض } أي نظر بعض المنافقين إلى البعض الآخر قائلين ~~{ هل يراكم من أحد } من المؤمنين، لننصرف عن المقام الذي ينزل ~~فيه الوحي، فإنه لا صبر لنا على استماعه، ولنتكلم بما نريد من الطعن ~~والسخرية والضحك. وقيل المعنى وإذا أنزلت سورة ذكر الله فيها فضائح ~~المنافقين ومخازيهم، قال بعض من يحضر مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~للبعض الآخر منهم هل يراكم من أحد؟ ثم انصرفوا إلى منازلهم. وحكى ابن ~~جرير، عن بعض أهل العلم، أنه قال { نظر } في هذه الآية موضوع موضع قال ~~أي قال بعضهم لبعض هل يراكم من أحد؟ قوله { ثم انصرفوا } أي عن ~~ذلك المجلس إلى منازلهم، أو عن ما يتقضي الهداية والإيمان إلى ما يقتضى ~~الكفر والنفاق، ثم دعا الله سبحانه عليهم، فقال { صرف الله ~~قلوبهم } أي صرفها عن الخير وما فيه الرشد لهم والهداية، وهو سبحانه ~~مصرف القلوب ومقلبها. # وقيل المعنى أنه خذلهم عن قبول الهداية. وقيل هو دعاء لا يراد به وقوع ~~مضمونه، كقولهم قاتله الله. ثم ذكر سبحانه السبب الذي لأجله انصرفوا عن ~~مواطن الهداية، أو السبب الذي لأجله استحقوا الدعاء عليهم بقوله { صرف ~~الله قلوبهم } فقال { بأنهم قوم لا يفقهون } ما ~~يسمعونه لعدم تدبرهم وإنصافهم. ثم ختم الله سبحانه هذه السورة بما يهون ~~عنده بعض ما اشتملت عليه من التكاليف الشاقة، فقال { لقد جاءكم } ~~يا معشر العرب { رسول } أرسله الله إليكم، له شأن عظيم { من ~~أنفسكم } من جنسكم في كونه عربيا وإلى كون هذه الآية ms1584 خطابا للعرب ~~ذهب جمهور المفسرين. وقال الزجاج هي خطاب لجميع العالم. والمعنى { لقد ~~جاءكم رسول من } جنسكم في البشرية { عزيز عليه ما ~~عنتم } " ما " مصدرية. والمعنى شاق عليه عنتكم لكونه من جنسكم، ~~ومبعوثا لهدايتكم، والعنت التعب لهم والمشقة عليهم بعذاب الدنيا بالسيف ~~ونحوه، أو بعذاب الآخرة بالنار، أو بمجموعهما { حريص عليكم } أي ~~شحيح عليكم بأن تدخلوا النار، أو حريص على إيمانكم. والأول أولى، وبه ~~قال الفراء. والرؤوف الرحيم، قد تقدم بيان معناهما أي هذا الرسول { ~~بالمؤمنين } منكم أيها العرب أو الناس { رءوف رحيم } ثم قال ~~مخاطبا لرسوله ومسليا له، ومرشدا له، إلى ما يقوله عند أن يعصى { ~~فإن تولوا } أي أعرضوا عنك ولم يعملوا بما جئت به ولا قبلوه { ~~فقل } يا محمد { حسبى الله } أي كافي الله سبحانه المنفرد ~~بالألوهية { عليه توكلت } أي فوضت جميع أموري { وهو رب ~~العرش العظيم } وصفه بالعظم، لأنه أعظم المخلوقات. وقد قرأ ~~الجمهور بالجر على أنه صفة لعرش. وقرأ ابن محيصن بالرفع صفة لرب. وقد ~~رويت هذه القراءة عن ابن كثير. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه، عن ابن عباس، في قوله { فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا } قال كان إذا نزلت سورة آمنوا بها فزادهم الله ~~إيمانا وتصديقا، وكانوا بها يستبشرون. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، ~~في قوله { رجسا إلى رجسهم } قال شكا إلى شكهم. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس، في قوله { أولا يرون أنهم يفتنون } ~~قال يقتلون. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن مجاهد، نحوه وقال بالسنة والجوع. # وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن، قال بالعدو. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، قال بالغزو في سبيل الله. وأخرج أبو ~~الشيخ، عن بكار بن مالك، قال يمرضون في كل عام مرة أو مرتين. وأخرج ابن ~~مردويه، عن أبي سعيد، قال كانت لهم في كل عام كذبة أو كذبتان. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ms1585 الشيخ، وابن مردويه، عن حذيفة، ~~قال كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين، فيضل بها فئام من الناس كثير. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { نظر ~~بعضهم إلى بعض } قال هم المنافقون. وأخرج سعيد بن منصور، وابن ~~أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن ~~عباس، قال لا تقولوا انصرفنا من الصلاة، فإن قوما انصرفوا، صرف الله ~~قلوبهم ولكن قولوا قضينا الصلاة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عمر، نحوه. ~~وأقول الانصراف يكون عن الخير، كما يكون عن الشر، وليس في إطلاقه هنا ~~على رجوع المنافقين عن مجلس الخير ما يدل على أنه لا يطلق إلا على نحو ~~ذلك، وإلا لزم أن كل لفظ يستعمل في لغة العرب في الأمور المتعددة إذا ~~استعمل في القرآن في حكاية ما وقع من الكفار، لا يجوز استعماله في حكاية ~~ما وقع عن أهل الخير، كالرجوع والذهاب، والدخول والخروج، والقيام ~~والقعود. واللازم باطل بالإجماع، فالملزوم مثله، ووجه الملازمة ظاهر لا ~~يخفى. وأخرج عبد بن حميد، والحارث بن أبي أسامة، في مسنده، وابن المنذر، ~~وابن مردويه، وأبو نعيم، في دلائل النبوة، وابن عساكر، عن ابن عباس، في ~~قوله { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } قال ليس من العرب ~~قبيلة إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم مضريها وربيعها ويمانيها. ~~وأخرج ابن سعد عنه، في قوله { من أنفسكم } قال قد ولدتموه يا معشر ~~العرب. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي ~~في سننه، وأبو الشيخ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، في قوله { لقد ~~جاءكم رسول من أنفسكم } قال لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح " # وهذا فيه انقطاع، ولكنه قد وصله الحافظ الرامهرمزي في كتابه الفاصل بين ~~الراوي والواعي، فقال حدثنا أبو أحمد، يوسف بن هارون بن زياد، حدثنا ابن ~~أبي عمر، حدثنا محمد بن جعفر بن ms1586 محمد قال أشهد على أبي يحدثني، عن أبيه، ~~عن جده، عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي " # وأخرج ابن مردويه، عن أنس، قال «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~لقد جاءكم رسول من أنفسكم } فقال علي بن أبي طالب يا ~~رسول الله، ما معنى { من أنفسكم }؟ قال # " نسبا وصهرا وحسبا، ليس في ولا في آبائي من لدن آدم سفاح كلنا نكاح ~~" # وأخرج الحاكم، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { ~~لقد جاءكم رسول من أنفسكم } يعنيمن أعظمكم قدرا. وأخرج ~~ابن سعد عنه نحو حديث على الأول. وأخرج الطبراني عنه أيضا نحوه. وأخرج ~~ابن سعد، وابن عساكر، عن عائشة، نحوه. وفي الباب أحاديث بمعناه، ويؤيد ما ~~في صحيح مسلم، وغيره، من حديث واثلة بن الأسقع قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني ~~كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني ~~من بني هاشم " # وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي، عن ~~العباس بن عبد المطلب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله حين خلق الخلق جعلني من خير خلقه، ثم حين فرقهم جعلني في خير ~~الفريقين، ثم حين خلق القبائل جعلني من خير قبيلة، وحين خلق الأنفس جعلني ~~من خير أنفسهم، ثم حين خلق البيوت جعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم بيتا ~~وخيرهم نفسا " # وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وابن منيع، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل ~~من طريق يوسف بن مهران، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، قال آخر آية أنزلت ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي لفظ آخر ما أنزل من القرآن { لقد ~~جاءكم رسول من أنفسكم } إلى آخر ms1587 الآية، وروي عنه نحوه من ~~طريق أخرى أخرجها عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن الضريس، في ~~فضائله، وابن أبي داود في المصاحف، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن ~~مردويه، والبيهقي في الدلائل، والخطيب في تلخيص المتشابه، والضياء في ~~المختارة. وأخرج ابن مردويه، عن سعد بن أبي وقاص، قال لما قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المدينة جاءته جهينة فقالوا له إنك قد نزلت بين ~~أظهرنا فأوثق لنا نأمنك وتأمنا قال ولم سألتم هذا؟ قالوا نطلب الأمن، ~~فأنزل الله هذه الآية { لقد جاءكم رسول من أنفسكم }. ~~وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { ~~فإن تولوا فقل حسبى الله } يعني الكفار تولوا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، قال إنما سمي العرش عرشا لارتفاعه، وقد رويت ~~أحاديث كثيرة في صفة العرش وماهيته، وقدره. وإلى هنا انتهى الثلث الأول ~~من التفسير المسمى «فتح القدير» الجامع بين فني الرواية والدراية من علم ~~التفسير، بقلم مؤلفه محمد بن علي الشوكاني، غفر الله لهما. وكان تمام هذا ~~الثلث في نهار يوم الثلاثاء لعله يوم عشرين من شهر محرم سنة 1227 ه. ~~والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه ~~أجمعين. الحمد لله انتهى سماعا على مؤلفه. أطال الله مدته في شهر جمادى ~~الأولى من عام سنة 1235 ه. ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1-4] # قوله { الر } قد تقدم الكلام مستوفى على هذه الحروف الواقعة في أوائل ~~السور في أول سورة البقرة، فلا نعيده. ففيه ما يغني عن الإعادة. وقد قرأ ~~بالإمالة أبو عمرو، وحمزة، وخلف، وغيرهم. وقرأ جماعة من غير إمالة. وقد ~~قيل إن معنى { الر } أنا الله أرى. قال النحاس ورأيت أبا إسحاق يميل إلى ~~هذا القول، لأن سيبويه قد حكى مثله عن العرب، وأنشد # بالخير خيرات وإن شرافا # أي وإن شرا فشر. وقال الحسن وعكرمة { الر } قسم، وقال سعيد عن قتادة ~~{ الر } اسم للسورة. وقيل غير ذلك مما فيه ms1588 تكلف لعلم ما استأثر الله ~~بعلمه، وقد اتفق القراء على أن { الر } ليس بآية. وعلى أن { طه } آية، ~~وفي مقنع أبي عمرو الداني، أن العادين لطه آية هم الكوفيون فقط، قيل ~~ولعل الفرق أن { الرا } لا يشاكل مقاطع الآي التي بعده. والإشارة بقوله { ~~تلك } إلى ما تضمنته السورة من الآيات، والتبعيد للتعظيم، واسم ~~الإشارة مبتدأ وخبره ما بعده. وقال مجاهد وقتادة أراد التوراة والإنجيل ~~وسائر الكتب المتقدمة، فإن تلك إشارة إلى غائب مؤنث، وقيل { تلك } ~~بمعنى هذه أي هذه آيات الكتاب الحكيم، وهو القرآن، ويؤيد كون الإشارة إلى ~~القرآن أنه لم يجر للكتب المتقدمة ذكر، وأن الحكيم من صفات القرآن لا من ~~صفات غيره، و { الحكيم } المحكم بالحلال والحرام، والحدود والأحكام، ~~قاله أبو عبيدة وغيره. وقيل الحكيم معناه الحاكم، فهو فعيل بمعنى فاعل، ~~كقوله # وأنزل معهم الكتب بالحق ليحكم بين الناس ~~فيما اختلفوا فيه # البقرة 213. وقيل الحكيم بمعنى المحكوم فيه، فهو فعيل بمعنى مفعول، أي ~~حكم الله فيه بالعدل والإحسان، قاله الحسن وغيره. وقيل الحكيم ذو الحكمة، ~~لاشتماله عليها. والاستفهام في قوله { أكان للناس عجبا } ~~لإنكار العجب مع ما يفيده من التقريع والتوبيخ، واسم كان { أن ~~أوحينا } وخبرها { عجبا } أي أكان إيحاؤنا عجبا للناس. وقرأ ابن ~~مسعود «عجب» على أنه اسم كان، على أن كان تامة، و { أن أوحينا } ~~بدل من عجب. وقرىء بإسكان الجيم من { رجل } في قوله { إلى رجل ~~منهم } أي من جنسهم، وليس في هذا الإيحاء إلى رجل من جنسهم ما يقتضى ~~العجب، فإنه لا يلابس الجنس ويرشده ويخبره عن الله سبحانه، إلا من كان من ~~جنسه، ولو كان من غير جنسهم لكان من الملائكة، أو من الجن، ويتعذر ~~المقصود حينئذ من الإرسال لأنهم لا يأنسون إليه، ولا يشاهدونه. ولو فرضنا ~~تشكله لهم وظهوره، فإما أن يظهر في غير شكل النوع الإنساني، وذلك أوحش ~~لقلوبهم وأبعد من أنسهم، أو في الشكل الإنساني، فلا بد من إنكارهم لكونه ~~في الأصل غير إنسان، هذا إن كان العجب منهم لكونه ms1589 من جنسهم، وإن كان ~~لكونه يتيما أو فقيرا. # فذلك لا يمنع من أن يكون من كان كذلك جامعا من خصال الخير والشرف ما لا ~~يجمعه غيره، وبالغا في كمال الصفات إلى حد يقصر عنه من كان غنيا، أو ~~كان غير يتيم. وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يصطفيه الله ~~بإرساله من خصال الكمال عند قريش ما هو أشهر من الشمس، وأظهر من النهار، ~~حتى كانوا يسمونه الأمين. قوله { أن أنذر الناس } في موضع نصب ~~بنزع الخافض، أي بأن أنذر الناس. وقيل هي المفسرة لأن في الإيحاء معنى ~~القول، وقيل هي المخففة من الثقيلة، قوله { قدم صدق } أي منزل صدق، ~~وقال الزجاج درجة عالية، ومنه قول ذي الرمة # لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العالي طمت على البحر # وقال ابن الأعرابي القدم المتقدم في الشرف. وقال أبو عبيدة والكسائي كل ~~سابق من خير أو شر، فهو عند العرب قدم، يقال لفلان قدم في الإسلام، وله ~~عندي قدم صدق، وقدم خير، وقدم شر، ومنه قول العجاج # زل بنو العوام عند آل الحكم وتركوا الملك لملك ذي قدم # وقال ثعلب القدم كل ما قدمت من خير، وقال ابن الأنباري القدم كناية عن ~~العمل الذي لا يقع فيه تأخير، ولا إبطاء. وقال قتادة سلف صدق. وقال ~~الربيع ثواب صدق، وقال الحسن هو محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الحكيم ~~الترمذي قدمه صلى الله عليه وسلم في المقام المحمود، وقال مقاتل أعمالا ~~قدموها واختاره ابن جرير، ومنه قول الوضاح # صل لذي العرش واتخذ قوما ينجيك يوم الخصام والزلل # وقيل غير ما تقدم مما لا حاجة إلى التطويل بإيراده. قوله { قال ~~الكفرون إن هذا لسحر مبين }. قرأ ابن كثير، وعاصم، ~~وحمزة، والكسائي، وخلف، والأعمش، وابن محيصن { لساحر } على أنهم أرادوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم الإشارة. وقرأ الباقون «لسحر» على ~~أنهم أرادوا القرآن، وقد تقدم معنى السحر في البقرة. وجملة { قال ~~الكفرون } مستأنفة كأنه قيل ماذا صنعوا بعد ms1590 التعجب وقال القفال ~~فيه إضمار. والتقدير فلما أنذرهم قال الكافرون ذلك. ثم إن الله سبحانه ~~جاء بكلام يبطل به العجب الذي حصل للكفار من الإيحاء إلى رجل منهم، فقال ~~{ إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض في ~~ستة أيام } أي من كان له هذا الاقتدار العظيم الذي تضيق العقول ~~عن تصوره، كيف يكون إرساله لرسول إلى الناس من جنسهم محلا للتعجب مع ~~كون الكفار يعترفون بذلك، فكيف لا يعترفون بصحة هذه الرسالة بهذا الرسول، ~~وقد تقدم تفسير هذه الآية في الأعراف في قوله # إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش # الأعراف 54 فلا نعيده هنا، ثم ذكر ما يدل على مزيد قدرته وعظيم شأنه ~~فقال { يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه } ~~وترك العاطف، لأن جملة { يدبر } كالتفسير والتفصيل، لما قبلها، وقيل هي ~~في محل نصب على الحال من ضمير استوى. وقيل مستأنفة جواب سؤال مقدر، وأصل ~~التدبير النظر في أدبار الأمور وعواقبها لتقع على الوجه المقبول. وقال ~~مجاهد يقضيه ويقدره وحده، وقيل يبعث الأمر، وقيل ينزل الأمر، وقيل يأمر ~~به ويمضيه، والمعنى متقارب، واشتقاقه من الدبر، والأمر الشأن، وهو أحوال ~~ملكوت السموات والأرض، والعرش، وسائر الخلق. قال الزجاج إن الكفار الذين ~~خوطبوا بهذه الآية كانوا يقولون إن الأصنام شفعاؤنا عند الله، فرد الله ~~عليهم بأنه ليس لأحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه، لأنه أعلم بموضع ~~الحكمة والصواب. وقد تقدم معنى الشفاعة في البقرة، وفي هذا بيان ~~لاستبداده بالأمور في كل شيء سبحانه وتعالى، والإشارة بقوله { ذلكم } ~~إلى فاعل هذه الأشياء من الخلق والتدبير أي الذي فعل هذه الأشياء العظيمة ~~{ الله ربكم } واسم الإشارة مبتدأ، وخبره الاسم الشريف، و { ربكم ~~} بدل منه، أو بيان له، أو خبر ثان، وفي هذه الجملة زيادة تأكيد لقوله { ~~إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض } ثم ~~أمرهم سبحانه بعبادته بعد أن بين لهم أنه الحقيق بها دون غيره لبديع صنعه ~~وعظيم اقتداره. ms1591 فكيف يعبدون الجمادات التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ~~ولا تضر؟ والاستفهام في قوله { أفلا تذكرون } للإنكار، ~~والتوبيخ، والتقريع لأن من له أدنى تذكر، وأقل اعتبار، يعلم بهذا ولا ~~يخفى عليه. ثم بين لهم ما يكون آخر أمرهم بعد الحياة الدنيا، فقال { ~~إليه مرجعكم جميعا } وفي هذا من التهديد والتخويف ما لا ~~يخفى، وانتصاب { وعد الله } على المصدر لأن في قوله { إليه ~~مرجعكم جميعا } معنى الوعد أو هو منصوب بفعل مقدر، والمراد ~~بالمرجع الرجوع إليه سبحانه إما بالموت، أو بالبعث، أو بكل واحد منهما، ~~ثم أكد ذلك الوعد بقوله { حقا } فهو تأكيد لتأكيد، فيكون في الكلام من ~~الوكادة ما هو الغاية في ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة " وعد الله حق ~~" على الاستئناف، ثم علل سبحانه ما تقدم بقوله { إنه يبدأ ~~الخلق ثم يعيده } أي إن هذا شأنه يبتدىء خلقه من التراب ثم ~~يعيده إلى التراب، أو معنى الإعادة الجزاء يوم القيامة. قال مجاهد ينشئه ~~ثم يميته، ثم يحييه للبعث وقيل ينشئه من الماء ثم يعيده من حال إلى حال. ~~وقرأ يزيد بن القعقاع أنه يبدأ الخلق بفتح الهمزة، فتكون الجملة في وضع ~~نصب بما نصب به وعد الله أي وعدكم أنه يبدأ الخلق ثم يعيده، ويجوز أن ~~يكون التقدير لأنه يبدأ الخلق، وأجاز الفراء أن تكون «أن» في موضع رفع، ~~فتكون اسما. # قال أحمد بن يحيى بن ثعلب يكون التقدير حقا إبداؤه الخلق، ثم ذكر غاية ~~ما يترتب على الإعادة فقال { ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات بالقسط } أي بالعدل الذي لا جور فيه { والذين ~~كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون } يحتمل أن يكون الموصول الآخر معطوفا على الموصول الأول ~~أي ليجزي الذين آمنوا، ويجزي الذين كفروا، وتكون جملة { لهم شراب ~~من حميم } في محل نصب على الحال، هي وما عطف عليها أي وعذاب أليم، ~~ويكون التقدير هكذا، ويجزي الذين كفروا حال كون لهم هذا الشراب وهذا ~~العذاب، ولكن يشكل على ذلك أن هذا الشراب وهذا ms1592 العذاب الأليم هما من ~~الجزاء، ويمكن أن يقال إن الموصول في { والذين كفروا } مبتدأ ~~وما بعده خبره، فلا يكون معطوفا على الموصول الأول، والباء في { بما ~~كانوا يكفرون } للسببية أي بسبب كفرهم، والحميم الماء الحار، وكل ~~مسخن عند العرب، فهو حميم. وقد أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله { ~~الر } قال فواتح السور أسماء من أسماء الله. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الأسماء والصفات، وابن ~~النجار في تاريخه، عنه، قال في قوله { الر } أنا الله أرى. وأخرج ابن ~~المنذر، عن سعيد بن جبير، مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك، مثله ~~أيضا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك، في قوله { تلك ءايت ~~الكتب } قال يعني هذه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله { ~~تلك ءايت الكتب } قال الكتب التي خلت قبل القرآن. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال لما بعث ~~الله محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر ~~منهم، فقالوا الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد، فأنزل الله { ~~أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم } ~~الآية # وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم # الآية النحل 43، فلما كرر الله سبحانه عليهم الحجج قالوا وإذا كان ~~بشرا، فغير محمد كان أحق بالرسالة. # لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين ~~عظيم # الزخرف 31 يقول أشرف من محمد، يعنون الوليد بن المغيرة من مكة، ومسعود ~~بن عمرو الثقفي من الطائف، فأنزل الله ردا عليهم # أهم يقسمون رحمة ربك # الزخرف 32 الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عنه، في قوله { وبشر الذين ءامنوا أن لهم قدم ~~صدق عند ربهم } قال ما سبق لهم من السعادة في الذكر الأول. # وأخرج ابن جرير، عنه، أيضا قال أجرا حسنا بما قدموا من أعمالهم. ~~وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن مسعود، قال القدم هو ms1593 العمل الذي ~~قدموا. قال الله سبحانه # ونكتب ما قدموا وءاثارهم # يس 12. والآثار ممشاهم. قال مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~أسطوانتين من مسجدهم ثم قال هذا أثر مكتوب. وأخرج ابن مردويه، عن أبي ~~سعيد الخدري، في قوله { قدم صدق } قال محمد صلى الله عليه وسلم ~~يشفع لهم. وأخرج ابن مردويه، عن علي بن أبي طالب مثله. وأخرج الحاكم، ~~وصححه، عن أبي بن كعب، قال سلف صدق. والروايات عن التابعين وغيرهم في ~~هذا كثيرة، وقد قدمنا أكثرها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { يدبر ~~الأمر } قال يقضيه وحده، وفي قوله { إنه يبدأ الخلق ثم ~~يعيده } قال يحييه ثم يميته ثم يحييه. ### || [10.5-6] # ذكر ها هنا بعض نعمه على المكلفين، وهي مما يستدل به على وجوده ووحدته، ~~وقدرته وعلمه، وحكمته بإتقان صنعه في هذين النيرين المتعاقبين على ~~الدوام، بعدما ذكر قبل هذا إبداعه للسموات والأرض، واستواءه على العرش، ~~وغير ذلك. والضياء قيل جمع ضوء، كالسياط والحياض. وقرأ قنبل عن ابن كثير ~~«ضئاء» بجعل الياء همزة مع الهمزة. ولا وجه له، لأن ياءه كانت واوا ~~مفتوحة، وأصله «ضواء» فقلبت ياء لكسر ما قبلها. قال المهدوي ومن قرأ " ~~ضئاء " بالهمزة فهو مقلوب قدمت الهمزة التي بعد الألف، فصارت قبل الألف، ~~ثم قلبت الياء همزة، والأولى أن يكون { ضياء } مصدرا لا جمعا، مثل قام ~~يقوم قياما، وصام يصوم صياما، ولا بد من تقدير مضاف أي جعل الشمس ذات ~~ضياء والقمر ذا نور إلا أن يحمل على المبالغة، وكأنهما جعلا نفس الضياء ~~والنور. قيل الضياء أقوى من النور، وقيل الضياء هو ما كان بالذات، والنور ~~ما كان بالعرض، ومن هنا قال الحكماء إن نور القمر مستفاد من ضوء الشمس. ~~قوله { وقدره منازل } أي قدر مسيره في منازل، أو قدره ذا ~~منازل، والضمير راجع إلى القمر، ومنازل القمر هي المسافة التي يقطعها في ~~يوم وليلة بحركته الخاصة به، وجملتها ثمانية وعشرون وهي معروفة، ينزل ms1594 ~~القمر في كل ليلة منها منزلا لا يتخطاه، فيبدو صغيرا في أول منازله، ثم ~~يكبر قليلا قليلا حتى يبدو كاملا، وإذا كان في آخر منازله رق ~~واستقوس، ثم يستتر ليلتين إذا كان الشهر كاملا، أو ليلة إذا كان ناقصا، ~~والكلام في هذا يطول، وقد جمعنا فيه رسالة مستقلة جوابا عن سؤال أورده ~~علينا بعض الأعلام. وقيل إن الضمير راجع إلى كل واحد من الشمس والقمر، ~~كما قيل في قوله تعالى # وإذا رأوا تجرة أو لهوا انفضوا إليها # الجمعة 11. وفي قول الشاعر # نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف # وقد قدمنا تحقيق هذا فيما سبق من هذا التفسير، والأولى رجوع الضمير إلى ~~القمر وحده، كما في قوله تعالى # والقمر قدرنه منازل # يس 39، ثم ذكر بعض المنافع المتعلقة بهذا التقدير، فقال { ~~لتعلموا عدد السنين والحساب } فإن في العلم بعدد السنين ~~من المصالح الدينية والدنيوية ما لا يحصى، وفي العلم بحساب الأشهر ~~والأيام والليالي من ذلك ما لا يخفى، ولولا هذا التقدير الذي قدره الله ~~سبحانه، لم يعلم الناس بذلك ولا عرفوا ما يتعلق به كثير من مصالحهم. ~~والسنة تتحصل من اثني عشر شهرا، والشهر يتحصل من ثلاثين يوما إن كان ~~كاملا، واليوم يتحصل من ساعات معلومة هي أربع وعشرون ساعة لليل والنهار، ~~قد يكون لكل واحد منهما اثنتا عشرة ساعة في أيام الاستواء، ويزيد أحدهما ~~على الآخر في أيام الزيادة وأيام النقصان، والاختلاف بين السنة الشمسية ~~والقمرية معروف ثم بين سبحانه أنه ما خلق الشمس والقمر، واختلاف تلك ~~الأحوال إلا بالحق والصواب، دون الباطل والعبث، فالإشارة بقوله { ذلك ~~} إلى المذكور قبله، واستثناء مفرغ من أعم الأحوال، ومعنى تفصيل الآيات ~~تبينها، والمراد بالآيات التكوينية أو التنزيلية أو مجموعهما، وتدخل هذه ~~الآيات التكوينية المذكورة هنا دخولا أوليا في ذلك. # قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص، ويعقوب { يفصل } بالتحتية. وقرأ ابن ~~السميفع «تفصل» بالفوقية على البناء للمفعول. وقرأ الباقون بالنون. ~~واختار أبو عبيد، وأبو حاتم، القراءة الأولى، ولعل وجه هذا الاختيار أن ~~قبل ms1595 هذا الفعل { ما خلق الله ذلك إلا بالحق } وبعده { ~~وما خلق الله فى السموات والارض }. ثم ذكر سبحانه ~~المنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار، وما خلق في السموات والأرض من ~~تلك المخلوقات، فقال { إن فى اختلف اليل والنهار ~~وما خلق الله فى السموات والأرض لآيت لقوم ~~يتقون } أي الذين يتقون الله سبحانه، ويجتنبون معاصيه، وخصهم بهذه ~~الآيات لأنهم الذين يمعنون النظر والتفكر في مخلوقات الله سبحانه حذرا ~~منهم عن الوقوع في شيء مما يخالف مراد الله سبحانه، ونظرا لعاقبة أمرهم، ~~وما يصلحهم في معادهم. قال القفال من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا ~~مخلوقة لبقاء الناس فيها، وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم، بل جعلها لهم ~~دار عمل، وإذا كان كذلك فلا بد من أمر ونهي. وقد أخرج ابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن السدي، في قوله تعالى { جعل الشمس ضياء ~~والقمر نورا } قال لم يجعل الشمس كهيئة القمر لكي يعرف الليل من ~~النهار، وهو قوله # فمحونا ءاية اليل # الإسراء 12. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، في الآية قال ~~وجوههما إلى السموات، وأقفيتهما إلى الأرض. وأخرج ابن مردويه، عن عبد ~~الله بن عمرو، مثله. وأخرج أبو الشيخ، عن خليفة العبدي، قال لو أن الله ~~تبارك وتعالى لم يعبد إلا عن رؤية ما عبده أحد، ولكن المؤمنون تفكروا في ~~مجيء هذا الليل إذا جاء فملأ كل شيء وغطى كل شيء، وفي مجيء سلطان النهار ~~إذا جاء فمحا سلطان الليل، وفي السحاب المسخر بين السماء والأرض، وفي ~~النجوم، وفي الشتاء والصيف، فوالله ما زال المؤمنون يتفكرون فيما خلق ~~ربهم تبارك وتعالى حتى أيقنت قلوبهم بربهم. ### || [10.7-10] # شرع الله سبحانه في شرح أحوال من لا يؤمن بالمعاد، ومن يؤمن به، وقدم ~~الطائفة التي لم تؤمن، لأن الكلام في هذه السورة مع الكفار الذين يعجبون ~~مما لا عجب فيه، ويهملون النظر والتفكر فيما لا ينبغي إهماله مما هو ~~مشاهد لكل حي طول حياته، فيتسبب عن إهمال النظر، والتفكر الصادق عدم ~~الإيمان بالمعاد، ms1596 ومعنى الرجاء هنا الخوف، ومنه قول الشاعر # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عواسل # وقيل { يرجون } يطمعون. ومنه قول الشاعر # أترجو بني مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائيا # فالمعنى على الأول لا يخافون عقابا. وعلى الثاني لا يطمعون في ثواب ~~إذا لم يكن المراد باللقاء حقيقته، فإن كان المراد به حقيقته كان المعنى ~~لا يخافون رؤيتنا، أو لا يطمعون في رؤيتنا. وقيل المراد بالرجاء هنا ~~التوقع، فيدخل تحته الخوف والطمع، فيكون المعنى { لا يرجون ~~لقاءنا } لا يتوقعون لقاءنا، فهم لا يخافونه، ولا يطمعون فيه { ~~ورضوا بالحيوة الدنيا } أي رضوا بها عرضا عن الآخرة، ~~فعملوا لها { واطمأنوا بها } أي سكنت أنفسهم إليها، وفرحوا بها ~~{ والذين هم عن ءايتنا غفلون } لا يعتبرون بها، ولا ~~يتفكرون فيها { أولئك مأواهم } أي مثواهم، ومكان إقامتهم ~~النار، والإشارة إلى المتصفين بالصفات السابقة من عدم الرجاء، وحصول ~~الرضا والاطمئنان، والغفلة { بما كانوا يكسبون } أي بسبب ما ~~كانوا يكسبون من الكفر والتكذيب بالمعاد فهذا حال الذين لا يؤمنون ~~بالمعاد. وأما حال الذين يؤمنون به، فقد بينه سبحانه بقوله { إن ~~الذين ءامنوا } أي فعلوا الإيمان الذي طلبه الله منهم بسبب ما وقع ~~منهم من التفكر والاعتبار، فيما تقدم ذكره من الآيات { وعملوا ~~الصلحات } التي يقتضيها الإيمان. وهي ما شرعه الله لعباده ~~المؤمنين { يهديهم ربهم بإيمانهم } أي يرزقهم الهداية ~~بسبب هذا الإيمان المضموم إليه العمل الصالح، فيصلون بذلك إلى الجنة، ~~وجملة { تجرى من تحتهم الأنهر } مستأنفة، أو خبر ثان، أو ~~في محل نصب على الحال. ومعنى { من تحتهم } من تحت بساتينهم، أو من بين ~~أيديهم لأنهم على سرر مرفوعة. وقوله { في جنت النعيم } متعلق ~~بتجري أو ب { يهديهم } ، أو خبر آخر أو حال من { الأنهار }. قوله { ~~دعواهم } أي دعاؤهم ونداؤهم، وقيل الدعاء العبادة، كقوله تعالى # وأعتزلكم وما تدعون من دون الله # مريم 48 وقيل معنى { دعواهم } هنا الادعاء الكائن بين المتخاصمين، ~~والمعنى أن أهل الجنة يدعون في الدنيا والآخرة تنزيه الله سبحانه من ~~المعايب والإقرار ms1597 له بالإلهية. قال القفال أصله من الدعاء لأن الخصم ~~يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما، وقيل معناه طريقتهم وسيرتهم، وذلك أن ~~المدعي للشيء مواظب عليه، فيمكن أن تجعل الدعوى كناية عن الملازمة، وإن ~~لم يكن في قوله { سبحنك اللهم } دعوى ولا دعاء وقيل معناه ~~تمنيهم كقوله # ولهم ما يدعون # يس 57 وكأن تمنيهم في الجنة ليس إلا تسبيح الله وتقديسه، وهو مبتدأ ~~وخبره { سبحانك اللهم } ، و { فيها } أي في الجنة. والمعنى على القول ~~الأول أن دعاءهم الذي يدعون به في الجنة هو تسبيح الله وتقديسه، والمعنى ~~نسبحك يا الله تسبيحا. قوله { وتحيتهم فيها سلام } أي تحية ~~بعضهم للبعض. فيكون المصدر مضافا إلى الفاعل، أو تحية الله أو الملائكة ~~لهم، فيكون من إضافة المصدر إلى المفعول. وقد مضى تفسير هذا في سورة ~~النساء، قوله { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين } أي وخاتمة دعائهم الذي هو التسبيح أن يقولوا الحمد لله ~~رب العالمين. قال النحاس مذهب الخليل أن «أن» هذه مخففة من الثقيلة. ~~والمعنى أنه الحمد لله. وقال محمد بن يزيد المبرد ويجوز أن تعملها خفيفة ~~عملها ثقيلة. والرفع أقيس، ولم يحك أبو عبيد إلا التخفيف. وقرأ ابن محيصن ~~بتشديد أن ونصب الحمد. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في ~~قوله { ورضوا بالحيوة الدنيا } قال مثل قوله # من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم أعمالهم فيها # هود 15 الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن مجاهد، أيضا في قوله { يهديهم ربهم بإيمانهم } ~~قال يكون لهم نور يمشون به. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، مثله. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله { يهديهم ~~ربهم بإيمانهم } قال حدثنا الحسن قال بلغنا أن رسول الله قال # " إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة وريح طيبة، ~~فيقول له ما أنت؟ فوالله إني لأراك عين امرىء صدق، فيقول له أنا عملك، ~~فيكون له نورا وقائدا إلى ms1598 الجنة وأما الكافر، فإذا خرج من قبره صور له ~~عمله في صورة سيئة وريح منتنة، فيقول له ما أنت؟ فوالله إني لأراك عين ~~امرىء سوء، فيقول له أنا عملك، فينطلق به حتى يدخله النار " # ، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، نحوه. وأخرج ~~ابن مردويه، عن أبي بن كعب، قال قال رسول الله # " إذا قالوا سبحانك اللهم أتاهم ما اشتهوا من الجنة من ربهم " # وقد روى نحو هذا عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن أبي الهذيل، قال الحمد أول الكلام وآخر الكلام، ثم تلا { وآخر ~~دعواهم أن الحمد لله رب العالمين }. ### || [10.11-16] # لما ذكر الله سبحانه الوعيد على عدم الإيمان بالمعاد، ذكر أن هذا العذاب ~~من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة الدنيا. قال القفال لما وصفهم بالغفلة أكد ~~ذلك بأن من غاية غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب، فبين ~~الله سبحانه أنه لا مصلحة في إيصال الشر إليهم، فلعلهم يتوبون ويخرج من ~~أصلابهم من يؤمن، قيل معنى { ولو يعجل الله للناس الشر ~~استعجالهم بالخير } لو عجل الله للناس العقوبة كما يتعجلون ~~بالثواب والخير { لقضى إليهم أجلهم } أي ماتوا. وقيل ~~المعنى لو فعل الله مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله ~~معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم. وقيل الآية خاصة بالكفار الذين أنكروا ~~البعث، وما يترتب عليه. قال في الكشاف وضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله ~~لهم الخير، إشعارا بسرعة إجابته وإسعافه بطلبتهم حتى كأن استعجالهم ~~بالخير تعجيل له. والمراد أهل مكة، وقولهم # فأمطر علينا حجارة من السماء # الأنفال 32 الآية. قيل والتقدير ولو يعجل الله لهم الشر عند استعجالهم ~~به تعجيلا مثل تعجيله لهم بالخير عند استعجالهم به، فحذف ما حذف لدلالة ~~الباقي عليه. قال أبو علي الفارسي في الكلام حذف، والتقدير { ولو ~~يعجل الله للناس الشر } تعجيلا مثل { استعجالهم ~~بالخير } ثم حذف تعجيلا وأقام صفته مقامه، ثم حذف صفته وأقام ~~المضاف إليه مقامه قال هذا مذهب الخليل ms1599 وسيبويه، وهو قول الأخفش ~~والفراء، قالوا وأصله كاستعجالهم، ثم حذف الكاف ونصب. قال الفراء كما ~~تقول ضربت زيدا ضربك، أي كضربك، ومعنى { لقضى إليهم أجلهم ~~} لأهلكوا، ولكنه سبحانه لم يعجل لهم الشر فأمهلوا. وقيل معناه أميتوا. ~~وقرأ ابن عامر «لقضى» على البناء للفاعل، وهي قراءة حسنة لمناسبة ذلك ~~لقوله { ولو يعجل الله } قوله { فنذر الذين لا ~~يرجون لقاءنا فى طغيانهم يعمهون } الفاء للعطف على ~~مقدر يدل عليه الكلام، لأن قوله { ولو يعجل الله } يتضمن نفي ~~التعجيل، فكأنه قيل لكن لا يعجل لهم الشر، ولا يقضي إليهم أجلهم، فنذرهم ~~الخ أي فنتركهم ونمهلهم، والطغيان التطاول، وهو العلو والارتفاع، ومعنى ~~{ يعمهون } يتحيرون، أي نتركهم يتحيرون في تطاولهم وتكبرهم، وعدم ~~قبولهم للحق استدراجا لهم منه سبحانه وخذلانا. ثم بين الله سبحانه ~~أنهم كاذبون في استعجال الشر، ولو أصابهم ما طلبوه لأظهروا العجز ~~والجزع، فقال { وإذا مس الإنسن الضر } أي هذا الجنس ~~الصادق على كل ما يحصل التضرر به { دعانا لجنبه } اللام للوقت، ~~كقوله جئته لشهر كذا، أو في محل نصب على الحال بدلالة عطف قاعدا أو ~~قائما عليه، وتكون اللام بمعنى على أي دعانا مضطجعا { أو قاعدا ~~أو قائما } وكأنه قال دعانا في جميع الأحوال المذكورة وغيرها، وخص ~~المذكورة بالذكر لأنها الغالب على الإنسان، وما عداها نادر كالركوع ~~والسجود، ويجوز أن يراد أنه يدعو الله حال كونه مضطجعا غير قادر على ~~القعود، وقاعدا غير قادر على القيام، وقائما غير قادر على المشي، ~~والأول أولى. # قال الزجاج إن تعديل أحوال الدعاء أبلغ من تعديد أحوال المضرة، لأنه ~~إذا كان داعيا على الدوام، ثم نسي في وقت الرخاء كان أعجب. قوله { ~~فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ~~ضر مسه } أي فلما كشفنا عنه ضره الذي مسه، كما تفيده الفاء، مضى ~~على طريقته التي كان عليها قبل أن يمسه الضر، ونسي حالة الجهد والبلاء، ~~أو مضى عن موقف الدعاء والتضرع، لا يرجع إليه كأنه لا عهد له به، كأنه ~~لم يدعنا عند أن ms1600 مسه الضر إلى كشف ذلك الضر الذي مسه. وقيل معنى { ~~مر } استمر على كفره، ولم يشكر، ولم يتعظ. قال الأخفش «أن» في { ~~كأن لم يدعنا } هي المخففة من الثقيلة، والمعنى كأنه انتهى. ~~والجملة التشبيهية في محل نصب على الحال، وهذه الحالة التي ذكرها الله ~~سبحانه للداعي لا تختص بأهل الكفر، بل تتفق لكثير من المسلمين، تلين ~~ألسنهم بالدعاء وقلبهم بالخشوع والتذلل عند نزول ما يكرهون بهم. فإذا ~~كشفه الله عنهم غفلوا عن الدعاء والتضرع، وذهلوا عما يجب عليهم من شكر ~~النعمة التي أنعم الله بها عليهم، من إجابة دعائهم ورفع ما نزل بهم من ~~الضر، ودفع ما أصابهم من المكروه. وهذا مما يدل على أن الآية تعم ~~المسلم والكافر، كما يشعر به لفظ الناس، ولفظ الإنسان، اللهم أوزعنا شكر ~~نعمك، وأذكرنا الأحوال التي مننت علينا فيها بإجابة الدعاء، حتى نستكثر ~~من الشكر الذي لا نطيق سواه، ولا نقدر على غيره، وما أغناك عنه وأحوجنا ~~إليه # لئن شكرتم لأزيدنكم # إبراهيم 7. والإشارة بقوله { كذلك زين للمسرفين ما ~~كانوا يعملون } إلى مصدر الفعل المذكور بعده كما مر غير مرة، أي ~~مثل ذلك التزيين العجيب زين للمسرفين عملهم. والمسرف في اللغة هو الذي ~~ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس، ومحل { كذلك } النصب على المصدرية. ~~والتزيين هو إما من جهة الله تعالى على طريقة التحلية وعدم اللطف بهم، أو ~~من طريق الشيطان بالوسوسة، أو من طريق النفس الأمارة بالسوء. والمعنى أنه ~~زين لهم الإعراض عن الدعاء، والغفلة عن الشكر، والاشتغال بالشهوات. ثم ~~ذكر سبحانه ما يجري مجرى الردع والزجر، عما صنعه هؤلاء، فقال { ولقد ~~أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا } يعني الأمم ~~الماضية من قبل هؤلاء الكفار المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم أي ~~أهلكناهم من قبل زمانكم. وقيل الخطاب لأهل مكة على طريق الالتفات ~~للمبالغة في الزجر، و " لما " ظرف ل { أهلكنا } أي أهلكناهم حين فعلوا ~~الظلم بالتكذيب، والتجاري على الرسل، والتطاول في المعاصي من غير تأخير ~~لإهلاكهم، كما أخرنا إهلاككم، والواو في { وجاءتهم ms1601 رسلهم ~~بالبينات } للحال بإضمار قد، أي وقد جاءتهم رسلهم الذين أرسلناهم ~~إليهم بالبينات، أي بالآيات البينات الواضحات الدلالة على صدق الرسل، ~~وقيل الواو للعطف على { ظلموا } والأول أولى، وقيل المراد بالظلم ~~هنا هو الشرك. # والواو في { وما كانوا ليؤمنوا } للعطف على ظلموا، أو الجملة ~~اعتراضية. واللام لتأكيد النفي أي وما صح لهم وما استقام أن يؤمنوا لعدم ~~استعدادم لذلك، وسلب الألطاف عنهم { كذلك نجزي القوم ~~المجرمين } أي مثل ذلك الجزاء نجزي القوم المجرمين. وهو الاستئصال ~~الكلي لكل مجرم، وهذا وعيد شديد لمن كان في عصره من الكفار، أو لكفار مكة ~~على الخصوص. ثم خاطب سبحانه الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال { ثم جعلنكم خلئف } أي استخلفناكم في الأرض ~~بعد تلك القرون التي تسمعون أخبارها وتنظرون آثارها، والخلائف جمع خليفة، ~~وقد تقدم الكلام عليه في آخر سورة الأنعام، واللام في { لننظر ~~كيف تعملون } لام كي أي لكي ننظر كيف تعملون من أعمال الخير أو ~~الشر، و { كيف } في محل نصب بالفعل الذي بعده أي لننظر أي عمل ~~تعملونه، أو في محل نصب على الحالية، أي على أي حالة تعملون الأعمال ~~اللائقة بالاستخلاف. ثم حكى الله سبحانه نوعا ثالثا من تعنتهم وتلاعبهم ~~بآيات الله، فقال { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينات } ~~وفيه التفات من الخطاب إلى الغيبة إعراضا عنهم، والمراد بالآيات الآيات ~~التي في الكتاب العزيز أي وإذا تلا التالي عليهم آياتنا الدالة على إثبات ~~التوحيد، وإبطال الشرك، حال كونها بينات أي واضحات الدلالة على المطلوب { ~~قال الذين لا يرجون لقاءنا } وهم المنكرون للمعاد، وقد ~~تقدم تفسيره قريبا أي قالوا لمن يتلوها عليهم، وهو رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم { ائت بقرءان غير هذا أو بدله } طلبوا من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا ما غاظهم فيما تلاه عليهم من ~~القرآن من ذم عبادة الأوثان، والوعيد الشديد لمن عبدها أحد أمرين إما ~~الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على حاله، وإما تبديل ~~هذا القرآن ms1602 بنسخ بعض آياته، أو كلها، ووضع أخرى مكانها مما يطابق إرادتهم ~~ويلائم غرضهم، فأمره الله أن يقول في جوابهم { ما يكون لى } أي ما ~~ينبغي لي، ولا يحل لي، أن أبدله من تلقاء نفسي فنفى عن نفسه أحد ~~القسمين، وهو التبديل لأنه الذي يمكنه لو كان ذلك جائزا، بخلاف القسم ~~الآخر وهو الإتيان بقرآن آخر، فإن ذلك ليس في وسعه ولا يقدر عليه. # وقيل إنه صلى الله عليه وسلم نفى عن نفسه أسهل القسمين ليكون دليلا على ~~نفي أصعبهما بالطريق الأولى، وهذا منه من باب مجاراة السفهاء، إذ لا يصدر ~~مثل هذا الاقتراح عن العقلاء بعد أن أمره الله سبحانه بذلك. وهو أعلم ~~بمصالح عباده وبما يدفع الكفار عن هذه الطلبات الساقطة والسؤالات ~~الباردة، و { تلقاء } مصدر استعمل ظرفا، من قبل { من تلقاء نفسي }. ~~قال الزجاج سألوه إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور. وقيل سألوه أن يسقط ~~ما فيه من عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم وقيل سألوه أن يحول الوعد وعيدا ~~والحرام حلالا والحلال حراما، ثم أمره أن يؤكد ما أجاب به عليهم من أنه ~~ما صح له، ولا استقام أن يبدله من تلقاء نفسه بقوله { إن أتبع ~~إلا ما يوحى إلى } أي ما أتبع شيئا من الأشياء إلا ما يوحى ~~إلي من عند الله سبحانه من غير تبديل ولا تحويل، ولا تحريف ولا تصحيف، ~~فقصر حاله صلى الله عليه وسلم على اتباع ما يوحى إليه، وربما كان مقصد ~~الكفار بهذا السؤال التعريض للنبي صلى الله عليه وسلم بأن القرآن كلامه، ~~وأنه يقدر على الإتيان بغيره والتبديل له، ثم أمره الله سبحانه أن يقول ~~لهم تكميلا للجواب عليهم { إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب ~~يوم عظيم } فإن هذه الجملة كالتعليل لما قدمه من الجواب قبلها، ~~واليوم العظيم هو يوم القيامة أي { إنى أخاف إن عصيت ربى } ~~بفعل ما تطلبون على تقدير إمكانه عذاب يوم القيامة. ثم أكد سبحانه كون ~~هذا القرآن من عند الله، وأنه صلى الله عليه وسلم إنما ms1603 يبلغ إليهم منه ما ~~أمره الله بتبليغه لا يقدر على غير ذلك، فقال { قل لو شاء الله ~~ما تلوته عليكم } أي أن هذا القرآن المتلو عليكم هو بمشيئة ~~الله وإرادته، ولو شاء الله أن لا أتلوه عليكم ولا أبلغكم إياه ما تلوته، ~~فالأمر كله منوط بمشيئة الله، ليس لي في ذلك شيء قوله { ولا أدراكم ~~به } معطوف على ما تلوته، ولو شاء الله ما أداركم بالقرآن أي ما أعلمكم ~~به على لساني يقال دريت الشيء وأدراني الله به. هكذا قرأ الجمهور بالألف ~~من أدراه يدريه أعلمه يعلمه. وقرأ ابن كثير " ولأدراكم به " بغير ألف بين ~~اللام والهمزة، والمعنى ولو شاء الله لأعلمكم به من غير أن أتلوه عليكم. ~~فتكون اللام لام التأكيد دخلت على ألف أفعل. وقد قرىء «أدرؤكم» بالهمزة، ~~فقيل هي منقلبة عن الألف، لكونهما من واد واحد، ويحتمل أن يكون من درأته ~~إذا دفعته، وأدرأته إذا جعلته داريا. والمعنى لأجعلكم بتلاوته خصماء ~~تدرءونني بالجدال وتكذبونني. # وقرأ ابن عباس، والحسن " ولا أدراتكم به " قال أبو حاتم أصله ولا ~~أدريتكم به، فأبدل من الياء ألفا، قال النحاس وهذا غلط. والرواية عن ~~الحسن «ولا أدرأتكم» بالهمزة. قوله { فقد لبثت فيكم عمرا ~~من قبله } تعليل لكون ذلك بمشيئة الله، ولم يكن من النبي إلا ~~التبليغ، أي قد أقمت فيما بينكم عمرا من قبله، أي زمانا طويلا. وهو ~~أربعون سنة من قبل القرآن تعرفونني بالصدق والأمانة، لست ممن يقرأ ولا ~~ممن يكتب { أفلا تعقلون } الهمزة للتقريع والتوبيخ، أي أفلا ~~تجرون على ما يقتضيه العقل من عدم تكذيبي لما عرفتم من العادة المستمرة ~~إلى المدة الطويلة بالصدق والأمانة. وعدم قراءتي للكتب المنزلة على ~~الرسل وتعلمي لما عند أهلها من العلم، ولا طلبي لشيء من هذا الشأن، ولا ~~حرصي عليه، ثم جئتكم بهذا الكتاب الذي عجزتم عن الإتيان بسورة منه، ~~وقصرتم عن معارضته وأنتم العرب المشهود لهم بكمال الفصاحة، المعترف لهم ~~بأنهم البالغون فيها إلى مبلغ لا يتعلق به غيركم؟ وقد أخرج ابن أبي شيبة، ms1604 ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { ~~ولو يعجل الله الناس الشر } الآية، قال هو قول الإنسان ~~لولده وماله إذا غضب عليهم اللهم لا تبارك فيه والعنه. { لقضى ~~إليهم أجلهم } قال لأهلك من دعا عليه وأماته. وأخرج أبو الشيخ، ~~عن سعيد بن جبير، في الآية قال قول الرجل للرجل اللهم العنه، اللهم اخزه، ~~وهو يحب أن يستجاب له. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في ~~الآية قال هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له. وحكى ~~القرطبي في تفسيره عن ابن إسحاق، ومقاتل، في الآية قالا هو قول النضر بن ~~الحارث # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء # الأنفال 32. فلو عجل لهم هذا لهلكوا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ~~ابن جريج، في قوله { دعانا لجنبه } قال مضطجعا. وأخرج أبو الشيخ، ~~عن قتادة، في قوله { دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما } ~~قال على كل حال. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي الدرداء، قال ادع الله يوم ~~سرائك يستجاب لك يوم ضرائك. وأقول أنا أكثر من شكر الله على السراء ~~يدفع عنك الضراء. فإن وعده للشاكرين بزيادة النعم مؤذن بدفعه عنهم ~~النقم، لذهاب حلاوة النعمة عند وجود مرارة النقمة، اللهم اجمع لنا بين ~~جلب النعم وسلب النقم، فإنا نشكرك عدد ما شكرك الشاكرون بكل لسان في كل ~~زمان. ونحمدك عدد ما حمدك الحامدون بكل لسان في كل زمان. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله { ثم ~~جعلنكم خلئف فى الأرض } الآية، قال ذكر لنا أن عمر بن ~~الخطاب قرأ هذه الآية فقال صدق ربنا ما جعلنا خلائف في الأرض إلا لينظر ~~إلى أعمالنا. # فأروا الله خير أعمالكم بالليل والنهار، والسر والعلانية. وأخرج ابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج، قال { خلئف فى الأرض } ~~لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، ms1605 وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله { ائت بقرءان غير هذا ~~أو بدله } قال هذا قول مشركي أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، ~~في قوله { ولا أدراكم به } أعلمكم به. وأخرج أبو الشيخ، عن ~~قتادة، قال { ولا أدراكم به } ولا أشعركم به. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وابن جرير، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ " ولا أنذرتكم به ". وأخرج ~~ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي، في قوله { فقد لبثت فيكم ~~عمرا من قبله } قال لم أتل عليكم ولم أذكر. وأخرجا عنه قال لبث ~~أربعين سنة قبل أن يوحى إليه ورأى الرؤيا سنتين، وأوحى الله إليه عشر ~~سنين بمكة، وعشرا بالمدينة، وتوفي وهو ابن اثنتين وستين سنة. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، والبخاري، والترمذي، عن ابن عباس، قال بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاثة عشر يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة ~~فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة. ### || [10.17-19] # قوله { فمن أظلم } استفهام فيه معنى الجحد، أي لا أحد أظلم { ~~ممن افترى على الله } الكذب، وزيادة { كذبا } مع أن ~~الافتراء لا يكون إلا كذبا لبيان أن هذا مع كونه افتراء على الله هو كذب ~~في نفسه، فربما يكون الافتراء كذبا في الإسناد فقط، كما إذا أسند ذنب ~~زيد إلى عمرو، ذكر معنى هذا أبو السعود في تفسيره، قيل وهذا من جملة رده ~~صلى الله عليه وسلم على المشركين لما طلبوا منه أن يأتي بقرآن غير هذا ~~القرآن، أو يبدله، فبين لهم أنه لو فعل ذلك لكان من الافتراء على الله، ~~ولا ظلم يماثل ذلك، وقيل المفتري على الله الكذب هم المشركون، والمكذب ~~بآيات الله هم أهل الكتاب { إنه لا يفلح المجرمون } تعليل ~~لكونه لا أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته، أي لا يظفرون ~~بمطلوب، ولا يفوزون بخير، والضمير في { إنه } للشأن، أي إن الشأن هذا. ثم ~~نعى الله سبحانه ms1606 عليهم عبادة الأصنام، وبين أنها لا تنفع من عبدها ولا ~~تضر من لم يعبدها، فقال { ويعبدون من دون الله } أي ~~متجاوزين الله سبحانه إلى عبادة غيره، لا بمعنى ترك عبادته بالكلية { ~~مالا يضرهم ولا ينفعهم } أي ما ليس من شأنه الضرر ولا ~~النفع، ومن حق المعبود أن يكون مثيبا لمن أطاعه معاقبا لمن عصاه، ~~والواو لعطف هذه الجملة على جملة { وإذا تتلى عليهم ~~ءايتنا } و " ما " في { مالا يضرهم } موصولة أو موصوفة، ~~والواو في { ويقولون هؤلاء شفعؤنا عند الله } للعطف ~~على { ويعبدون } زعموا أنهم يشفعون لهم عند الله، فلا يعذبهم ~~بذنوبهم. وهذا غاية الجهالة منهم، حيث ينتظرون الشفاعة في المآل ممن لا ~~يوجد منه نفع ولا ضر في الحال. وقيل أرادوا بهذه الشفاعة إصلاح أحوال ~~دنياهم، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب عنهم، ~~فقال { قل أتنبئون الله بما لا يعلم فى ~~السموات ولا فى الأرض } قرأ أبو السمال العدوي " تنبئون " ~~بالتخفيف من أنبأنا ينبىء. وقرأ من عداه بالتشديد من نبأ ينبىء. والمعنى ~~أتخبرون الله أن له شركاء في ملكه يعبدون كما يعبد، أو أتخبرونه أن لكم ~~شفعاء بغير إذنه، والله سبحانه لا يعلم لنفسه شريكا ولا شفيعا بغير ~~إذنه من جميع مخلوقاته الذين هم في سمواته وفي أرضه؟ وهذا الكلام حاصله ~~عدم وجود من هو كذلك أصلا، وفي هذا من التهكم بالكفار مالا يخفى، ثم ~~نزه الله سبحانه نفسه عن إشراكهم، وهو يحتمل أن يكون ابتداء كلام غير ~~ادخل في الكلام الذي أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب ~~به عليهم، ويحتمل أن يكون من تمام ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يقوله لهم جوابا عليهم. # قرأ حمزة والكسائي { عما يشركون } بالتحتية. وقرأ الباقون ~~بالفوقية، واختار القراءة الأولى أبو عبيد. قوله { وما كان الناس ~~إلا أمة واحدة فاختلفوا } قد تقدم تفسيره في البقرة. ~~والمعنى أن الناس ما كانوا جميعا إلا أمة واحدة موحدة لله سبحانه، مؤمنة ~~به، فصار البعض كافرا ms1607 وبقي البعض الآخر مؤمنا، فخالف بعضهم بعضا. وقال ~~الزجاج هم العرب كانوا على الشرك. وقال كل مولود يولد على الفطرة، ~~فاختلفوا عند البلوغ، والأول أظهر. وليس المراد أن كل طائفة أحدثت ملة ~~من ملل الكفر مخالفة للأخرى، بل المراد كفر البعض وبقي البعض على ~~التوحيد، كما قدمنا { ولولا كلمة سبقت من ربك } وهي ~~أنه سبحانه لا يقضى بينهم فيما اختلفوا فيه إلا يوم القيامة { لقضى ~~بينهم } في الدنيا { فيما } هم { فيه يختلفون } لكنه قد ~~امتنع ذلك بالكلمة التي لا تتخلف، وقيل معنى { لقضى بينهم } ~~بإقامة الساعة عليهم، وقيل لفرغ من هلاكهم. وقيل الكلمة إن الله أمهل هذه ~~الأمة فلا يهلكهم بالعذاب في الدنيا. وقيل الكلمة أنه لا يأخذ أحدا إلا ~~بحجة، وهي إرسال الرسل كما قال تعالى # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # الإسراء 15. وقيل الكلمة قوله «سبقت رحمتي غضبي». وقرأ عيسى بن عمر ~~«لقضى» بالبناء للفاعل. وقرأ من عداه بالبناء للمفعول. وقد أخرج ابن أبي ~~حاتم، عن عكرمة، قال قال النضر إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات ~~والعزى، فأنزل الله { فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أو كذب بآيته إنه لا يفلح المجرمون ~~ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم } ~~الآية. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { وما كان الناس ~~إلا أمة واحدة فاختلفوا } قال ابن مسعود كانوا على هدى. ~~وروى أنه قرأ هكذا. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { وما كان الناس إلا ~~أمة واحدة } قال آدم وحده { فاختلفوا } قال حين قتل أحد ~~ابني آدم أخاه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، في الآية قال كان الناس ~~أهل دين واحد على دين آدم، فكفروا، فلولا أن ربك أجلهم إلى يوم القيامة ~~لقضى بينهم. ### || [10.20-23] # قوله { ويقولون } ذكر سبحانه هاهنا نوعا رابعا من مخازيهم، وهو ~~معطوف على قوله { ويعبدون } ، وجاء بالمضارع لاستحضار صورة ما ~~قالوه. قيل والقائلون هم أهل مكة، كأنهم لم يعتدوا ms1608 بما قد نزل على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الآيات الباهرة، والمعجزات القاهرة التي لو ~~لم يكن منها إلا القرآن لكفي به دليلا بينا ومصدقا قاطعا أي هلا ~~أنزلت عليه آية من الآيات التي نقترحها عليه، ونطلبها منه، كإحياء ~~الأموات، وجعل الجبال ذهبا، ونحو ذلك؟ ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم ~~فقال { فقل إنما الغيب لله } أي أن نزول الآية غيب، والله ~~هو المختص بعلمه، المستأثر به، لا علم لي ولا لكم، ولا لسائر مخلوقاته { ~~فانتظروا } نزول ما اقترحتموه من الآيات { إنى معكم من ~~المنتظرين } لنزولها، وقيل المعنى انتظروا قضاء الله بيني وبينكم ~~بإظهار الحق على الباطل. قوله { وإذا أذقنا الناس رحمة من ~~بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر فى ءايتنا } لما ~~بين سبحانه في الآية المتقدمة أنهم طلبوا آية عنادا ومكرا ولجاجا، ~~وأكد ذلك بما ذكره هنا من أنه سبحانه إذا أذاقهم رحمة منه من بعد أن ~~مستهم الضراء، فعلوا مقابل هذه النعمة العظيمة المكر منهم في آيات الله ~~والمراد بإذاقتهم رحمته سبحانه أنه وسع عليهم في الأرزاق، وأدر عليهم ~~النعم بالمطر وصلاح الثمار، بعد أن مستهم الضراء بالجدب وضيق المعايش، ~~فما شكروا نعمته ولا قدروها حق قدرها، بل أضافوها إلى أصنامهم التي لا ~~تنفع ولا تضر، وطعنوا في آيات الله، واحتالوا في دفعها بكل حيلة، وهو ~~معنى المكر فيها. و " إذا " الأولى شرطية، وجوابها { إذا لهم مكر } ، وهي ~~فجائية، ذكر معنى ذلك الخليل وسيبويه. ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يجيب ~~عنهم فقال { قل الله أسرع مكرا } أي أعجل عقوبة، وقد دل ~~أفعل التفضيل على أن مكرهم كان سريعا، ولكن مكر الله أسرع منه. وإذا ~~الفجائية يستفاد منها السرعة، لأن المعنى أنهم فاجئوا المكر أي أوقعوه ~~على جهة الفجاءة والسرعة، وتسمية عقوبة الله سبحانه مكرا من باب ~~المشاكلة، كما قرر في مواطن من عبارات الكتاب العزيز { إن رسلنا ~~يكتبون ما تمكرون } قرأ يعقوب في رواية، وأبو عمرو في رواية ~~«يمكرون» بالتحتية، وقرأ الباقون بالفوقية. والمعنى ms1609 أن رسل الله وهم ~~الملائكة يكتبون مكر الكفار، لا يخفى ذلك على الملائكة الذين هم الحفظة، ~~فكيف يخفى على العليم الخبير؟ وفي هذا وعيد لهم شديد، وهذه الجملة ~~تعليلية للجملة التي قبلها، فإن مكرهم إذا كان ظاهرا لا يخفى، فعقوبة ~~الله كائنة لا محالة، ومعنى هذه الآية قريب من معنى الآية المتقدمة وهي # وإذا مس الإنسن الضر # يونس 12 وفي هذه زيادة، وهي أنهم لا يقتصرون على مجرد الإعراض، بل ~~يطلبون الغوائل لآيات الله بما يدبرونه من المكر. { هو الذى ~~يسيركم فى البر والبحر } ضرب سبحانه لهؤلاء مثلا حتى ~~ينكشف المراد انكشافا تاما. ومعنى تسييرهم في البر أنهم يمشون على ~~أقدامهم التي خلقها لهم، لينتفعوا بها، ويركبون ما خلقه الله لركوبهم من ~~الدواب، ومعنى تسييرهم في البحر أنه ألهمهم لعمل السفائن التي يركبون ~~فيها في لجج البحر، ويسر ذلك لهم، ودفع عنهم أسباب الهلاك. وقد قرأ ابن ~~عامر " وهو الذي ينشركم في البحر " بالنون والشين المعجمة من النشر كما ~~في قوله # فانتشروا فى الأرض # الجمعة 10 أي ينشرهم سبحانه في البحر، فينجي من يشاء ويغرق من يشاء { ~~حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم } الفلك يقع على ~~الواحد والجمع ويذكر ويؤنث، وقد تقدم تحقيقه { وجرين } أي السفن ~~بهم، أي بالراكبين عليها، و { حتى } لانتهاء الغاية، والغاية مضمون ~~الجملة الشرطية بكمالها، فالقيود المعتبرة في الشرط ثلاثة أولها الكون ~~في الفلك، والثاني جريها بهم بالريح الطيبة التي ليست بعاصفة، وثالثها ~~فرحهم. والقيود المعتبرة في الجزاء ثلاثة الأول { جاءتها } أي جاءت ~~الفلك ريح عاصف، أو جاءت الريح الطيبة أي تلقتها ريح عاصف، والعصوف شدة ~~هبوب الريح، والثاني { وجاءهم الموج من كل مكان } أي من ~~جميع الجوانب للفلك، والمراد جاء الراكبين فيها، والموج ما ارتفع من ~~الماء فوق البحر، والثالث { ظنوا أنهم أحيط بهم } أي غلب ~~على ظنونهم الهلاك، وأصله من إحاطة العدو بقوم أو ببلد. فجعل هذه ~~الإحاطة مثلا في الهلاك وإن كان بغير العدو كما هنا. وجواب إذا في قوله ~~{ إذا كنتم ms1610 فى الفلك } قوله { جاءتها } إلى آخره، ويكون ~~قوله { دعوا الله } بدلا من ظنوا، لكون هذا الدعاء الواقع منهم ~~إنما كان عند ظن الهلاك وهو الباعث عليه، فكان بدلا منه بدل اشتمال ~~لاشتماله عليه، ويمكن أن يكون جملة دعوا مستأنفة كأنه قيل ماذا صنعوا؟ ~~فقيل دعوا الله، وفي قوله { وجرين بهم } التفات من الخطاب إلى ~~الغيبة، جعل الفائدة فيه صاحب الكشاف المبالغة. وقال الرازي الانتقال من ~~مقام الخطاب إلى مقام الغيبة في هذا المقام دليل المقت والتبعيد، كما أن ~~عكس ذلك في قوله # إياك نعبد # الفاتحة 5 دليل الرضا والتقريب، وانتصاب { مخلصين } على الحال أي لم ~~يشوبوا دعاءهم بشيء من الشوائب، كما جرت عادتهم في غير هذا الموطن أنهم ~~يشركون أصنامهم في الدعاء، وليس هذا لأجل الإيمان بالله وحده، بل لأجل أن ~~ينجيهم مما شارفوه من الهلاك، لعلمهم أنه لا ينجيهم سوى الله سبحانه. وفي ~~هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد، وأن ~~المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا. # وفي هذه الآية بيان أن هؤلاء المشركين كانوا لا يلتفتون إلى أصنامهم في ~~هذه الحالة، وما يشابهها، فياعجبا لما حدث في الإسلام من طوائف يعتقدون ~~في الأموات؟ فإذا عرضت لهم في البحر مثل هذه الحالة دعوا الأموات، ولم ~~يخلصوا الدعاء لله، كما فعله المشركون، كما تواتر ذلك إلينا تواترا يحصل ~~به القطع، فانظر هداك الله ما فعلت هذه الاعتقادات الشيطانية، وأين وصل ~~بها أهلها، وإلى أين رمى بهم الشيطان، وكيف اقتادهم وتسلط عليهم؟ حتى ~~انقادوا له انقيادا ما كان يطمع في مثله، ولا في بعضه، من عباد الأوثان، ~~فإنا لله وإنا إليه راجعون، واللام في { لئن أنجيتنا من ~~هذه } هي اللام الموطئة للقسم، أي قائلين ذلك، والإشارة { من ~~هذه } إلى ما وقعوا فيه من مشارفة الهلاك في البحر، واللام في { ~~لنكونن } جواب القسم، أي لنكونن في كل حال ممن يشكر نعمك التي ~~أنعمت بها علينا، منها هذه النعمة التي نحن بصدد سؤالك أن تفرجها عنا، ~~وتنجينا منها ms1611 وقيل إن هذه الجملة مفعول { دعوا }. { فلما ~~نجاهم } الله من هذه المحنة التي وقعوا فيها، وأجاب دعاءهم، لم يفوا ~~بما وعدوا من أنفسهم. بل فعلوا فعل الجاحدين لا فعل الشاكرين، وجعلوا ~~البغي في الأرض بغير الحق مكان الشكر. وإذا في { إذا هم يبغون } ~~هي الفجائية، أي فاجؤوا البغي في الأرض بغير الحق. والبغي هو الفساد، من ~~قولهم بغى الجرح إذا ترامى في الفساد، وزيادة في الأرض للدلالة على أن ~~فسادهم هذا شامل لأقطار الأرض، والبغي وإن كان ينافي أن يكون بحق، بل لا ~~يكون إلا بالباطل، لكن زيادة بغير الحق إشارة إلى أنهم فعلوا ذلك بغير ~~شبهة عندهم، بل تمردا وعنادا لأنهم قد يفعلون ذلك لشبهة يعتقدونها مع ~~كونها باطلة. قوله { يأيها الناس إنما بغيكم على ~~أنفسكم متاع الحيوة الدنيا } لما ذكر سبحانه أن هؤلاء ~~المتقدم ذكرهم يبغون في الأرض بغير الحق، ذكر عاقبة البغي وسوء مغبته. ~~قرأ ابن إسحاق، وحفص، والمفضل بنصب { متاع } ، وقرأ الباقون بالرفع. فمن ~~قرأ بالنصب جعل ما قبله جملة تامة أي بغيكم وبال على أنفسكم، فيكون بغيكم ~~مبتدأ وعلى أنفسكم خبره، ويكون { متاع } في موضع المصدر المؤكد، كأنه قيل ~~تتمتعون متاع الحياة الدنيا، ويكون المصدر مع الفعل المقدر استئنافا، ~~وقيل إن { متاع } على قراءة النصب ظرف زمان نحو مقدم الحاج أي زمن متاع ~~الحياة الدنيا، وقيل هو مفعول له أي لأجل متاع الحياة الدنيا، وقيل منصوب ~~بنزع الخافض أي كمتاع وقيل على الحال على أنه مصدر بمعنى المفعول أي ~~ممتعين، وقد نوقش غالب هذه الأقوال في توجيه النصب. # وأما من قرأ برفع { متاع } فجعله خبر المبتدأ أي بغيكم متاع الحياة ~~الدنيا، ويكون { على أنفسكم } متعلق بالمصدر، والتقدير إنما بغيكم على ~~أمثالكم، والذين جنسهم جنسكم، متاع الحياة الدنيا ومنفعتها التي لا بقاء ~~لها، فيكون المراد بأنفسكم على هذا الوجه أبناء جنسهم، وعبر عنهم بالأنفس ~~لما يدركه الجنس على جنسه من الشفقة وقيل ارتفاع متاع على أنه خبر ثان ~~وقيل على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي هو ms1612 متاع. قال النحاس على قراءة الرفع ~~يكون { بغيكم } مرتفعا بالابتداء، وخبره { متاع الحياة الدنيا } و { على ~~أنفسكم } مفعول البغي، ويجوز أن يكون { خبره على أنفسكم } ، ويضمر مبتدأ، ~~أي ذلك متاع الحياة الدنيا، أو هو متاع الحياة الدنيا. انتهى. وقد نوقش ~~أيضا بعض هذه الوجوه المذكورة في توجيه الرفع، بما يطول به البحث في غير ~~طائل. والحاصل أنه إذا جعل خبر { المبتدأ على أنفسكم } ، فالمعنى أن ما ~~يقع من البغي على الغير هو بغي على نفس الباغي، باعتبار ما يؤول إليه ~~الأمر من الانتقام منه مجازاة على بغيه، وإن جعل الخبر { متاع } ، ~~فالمراد أن بغي هذا الجنس الإنساني على بعضه بعضا هو سريع الزوال، قريب ~~الاضمحلال، كسائر أمتعة الحياة الدنيا، فإنها ذاهبة عن قرب، متلاشية ~~بسرعة، ليس لذلك كثيرة فائدة ولا عظيم جدوى. ثم ذكر سبحانه ما يكون على ~~ذلك البغي من المجازاة يوم القيامة، مع وعيد شديد فقال { ثم إلينا ~~مرجعكم } وتقديم الخبر للدلالة على القصر، والمعنى أنكم بعد هذه ~~الحياة الدنيا ومتاعها ترجعون إلى الله، فيجازي المسيء بإساءته، والمحسن ~~بإحسانه { فننبئكم بما كنتم تعملون } في الدنيا، أي ~~فنخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من خير وشر، والمراد بذلك المجازاة، ~~كما تقول لمن أساء سأخبرك بما صنعت، وفيه أشد وعيد وأفظع تهديد. وقد أخرج ~~ابن أبي حاتم، عن الربيع، في قوله { فانتظروا إنى معكم من ~~المنتظرين } قال خوفهم عذابه وعقوبته. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { ~~وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم ~~إذا لهم مكر فى ءايتنا } قال استهزاء وتكذيب. وأخرج ابن ~~المنذر، عن ابن جريج، في قوله { وظنوا أنهم أحيط بهم } ~~قال هلكوا. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، والنسائي، وابن مردويه، عن ~~سعد بن أبي وقاص، ما حاصله أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أهدر يوم ~~الفتح دم جماعة، منهم عكرمة بن أبي جهل، هرب من مكة وركب البحر فأصابهم ~~عاصف، فقال أصحاب السفينة ms1613 لأهل السفينة أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم ~~شيئا، فقال عكرمة لئن لم ينجني في البحر الإخلاص، ما ينجيني في البر ~~غيره. اللهم إن لك عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه، أن آتي محمدا حتى ~~أضع يدي في يده، فلأجدنه عفوا كريما، فجاء فأسلم. # وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم، والخطيب في تاريخه، والديلمي ~~في مسند الفردويس، عن أنس، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ثلاث هن رواجع على أهلها المكر، والنكث، والبغي " # ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { يأيها الناس إنما ~~بغيكم على أنفسكم } # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # فاطر 43 # فمن نكث فإنما ينكث على نفسه # الفتح 10. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي بكرة، ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تبغ ولا تكن باغيا، فإن الله يقول { إنما بغيكم على ~~أنفسكم } " # وأخرج أبو الشيخ عن مكحول قال ثلاث من كن فيه كن عليه المكر، والبغي، ~~والنكث، قال الله سبحانه { إنما بغيكم على أنفسكم }. ~~أقول أنا وينبغي أن يلحق بهذه الثلاث التي دل القرآن على أنها تعود على ~~فاعلها الخدع، فإن الله يقول # يخدعون الله والذين ءامنوا وما يخدعون إلا ~~أنفسهم # البقرة 9. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " لو بغى جبل على جبل لدك الباغي منهما " # وأخرج ابن مردويه من حديث ابن عمر مثله. ### || [10.24-30] # لما ذكر الله سبحانه ما تقدم من متاع الدنيا، جاء بكلام مستأنف يضمن ~~بيان حالها وسرعة تقضيها، وأنها تعود بعد أن تملأ الأعين برونقها، وتجتلب ~~النفوس ببهجتها. وتحمل أهلها على أن يسفكوا دماء بعضهم بعضا، ويهتكوا ~~حرمهم حبا لها، وعشقا لجمالها الظاهري، وتكالبا على التمتع بها، ~~وتهافتا على نيل ما تشتهي الأنفس منها بضرب من التشبيه المركب، فقال { ~~إنما مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه من ~~السماء } إلى آخر الآية. والمعنى أن مثلها في سرعة الذهاب والاتصاف ~~بوصف يضاد ما كانت عليه ويباينه، مثل ms1614 ما على الأرض من أنواع النبات في ~~زوال رونقه، وذهاب بهجته، وسرعة تقضيه، بعد أن كان غضا مخضرا طريا قد ~~تعانقت أغصانه المتمايلة، وزهت أوراقه المتصافحة، وتلألأت أنوار نوره، ~~وحاكت الزهر أنواع زهره، وليس المشبه به هو ما دخله الكاف في قوله { ~~كمآء أنزلناه من السماء } بل ما يفهم من الكلام، والباء في { ~~فاختلط به نبات الأرض } للسببية، أي فاختلط بسببه نبات ~~الأرض بأن اشتبك بعضه ببعض، حتى بلغ إلى حد الكمال، ويحتمل أن يراد أن ~~النبات كان في أول بروزه، ومبدأ حدوثه غير مهتز ولا مترعرع، فإذا نزل ~~الماء عليه اهتز وربا، حتى اختلط بعض الأنواع ببعض { مما يأكل ~~الناس والأنعم } من الحبوب والثمار، والكلأ والتبن، وأخذت ~~الأرض زخرفها. قال في الصحاح الزخرف الذهب، ثم يشبه به كل مموه مزور. ~~انتهى. والمعنى أن الأرض أخذت لونها الحسن المشابه بعضه للون الذهب، ~~وبعضه للون الفضة، وبعضه للون الياقوت، وبعضه للون الزمرد. وأصل ازينت ~~تزينت أدغمت التاء في الزاي، وجىء بألف الوصل لأن الحرف المدغم مقام ~~حرفين أولهما ساكن. والساكن لا يمكن الابتداء به. وقرأ ابن مسعود، وأبي ~~بن كعب «وتزينت» على الأصل. وقرأ الحسن والأعرج وأبو العالية «وأزينت» ~~على وزن أفعلت أي أزينت بالزينة التي عليها، شبهها بالعروس التي تلبس ~~الثياب الجيدة المتلونة ألوانا كثيرة. وقال عوف بن أبي جميلة قرأ ~~أشياخنا «وازيانت» على وزن اسوادت، وفي رواية المقدمى «وازانت» والأصل ~~فيه تزاينت على وزن تفاعلت. وقرأ الشعبي، وقتادة «أزينت»، ومعنى هذه ~~القراءات كلها هو ما ذكرنا { وظن أهلها أنهم قادرون ~~عليها } أي غلب على ظنونهم أو تيقنوا أنهم قادرون على حصادها ~~والانتفاع بها، والضمير في عليها للأرض، والمراد النبات الذي هو عليها { ~~أتاها أمرنا } جواب إذا، أي جاءها أمرنا بإهلاكها واستئصالها ~~وضربها ببعض العاهات { فجعلناها حصيدا } أي جعلنا زرعها شبيها ~~بالمحصود في قطعه من أصوله. قال أبو عبيدة الحصيد المستأصل { كأن لم ~~تغن بالأمس } أي كأن لم يكن زرعها موجودا فيها بالأمس مخضرا ~~طريا، من غنى بالمكان بالكسر يغنى ms1615 بالفتح إذا أقام به، والمراد بالأمس ~~الوقت القريب، والمغاني في اللغة المنازل. # وقال قتادة كأن لم تنعم، قال لبيد # غنيت سنينا قبل مجرى داحس لو كان للنفس اللجوج خلود # وقرأ قتادة " كن لم يغن " بالتحتية بإرجاع الضمير إلى الزخرف. وقرأ من ~~عداه { تغن } بالفوقية بإرجاع الضمير إلى الأرض { كذلك } أي مثل ~~ذلك التفصيل البديع { نفصل الآيت } القرآنية التي من جملتها هذه ~~الآية { لقوم يتفكرون } فيما اشتملت عليه، ويجوز أن يراد ~~الآيات التكوينية. قوله { والله يدعو إلى دار السلام } ~~لما نفر عباده عن الميل إلى الدنيا بما ضربه لهم من المثل السابق، رغبهم ~~في الدار الآخرة بإخبارهم بهذه الدعوة منه عز وجل إلى دار السلام، قال ~~الحسن وقتادة السلام هو الله تعالى، وداره الجنة. وقال الزجاج المعنى ~~والله يدعو إلى دار السلامة. ومعنى السلام والسلامة واحد كالرضاع ~~والرضاعة. ومنه قول الشاعر # تحيى بالسلامة أم بكر وهل لك بعد قومك من سلام # وقيل أراد دار السلام الذي هو التحية لأن أهلها ينالون من الله السلام ~~بمعنى التحية، كما في قوله # تحيتهم فيها سلم # إبراهيم 23. وقيل السلام اسم لأحد الجنان السبع أحدها دار السلام، ~~والثانية دار الجلال، والثالثة جنة عدن، والرابعة جنة المأوى، والخامسة ~~جنة الخلد، والسادسة جنة الفردوس، والسابعة جنة النعيم. وقيل المراد دار ~~السلام الواقع من المؤمنين بعضهم على بعض في الجنة، وقد اتفقوا على أن ~~دار السلام هي الجنة، وإنما اختلفوا في سبب التسمية بدار السلام { ~~ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم } جعل سبحانه الدعوة ~~إلى دار السلام عامة، والهداية خاصة بمن يشاء أن يهديه، تكميلا للحجة ~~وإظهارا للاستغناء عن خلقه. ثم قسم سبحانه أهل الدعوة إلى قسمين، وبين ~~حال كل طائفة فقال { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ~~أي الذين أحسنوا بالقيام بما أوجبه الله عليهم من الأعمال، والكف عما ~~نهاهم عنه من المعاصي، والمراد بالحسنى المثوبة الحسنى. قال ابن الأنباري ~~العرب توقع هذه اللفظة على الخصلة المحبوبة المرغوب فيها، ولذلك ترك ~~موصوفها وقيل المراد بالحسنى الجنة، وأما الزيادة فقيل المراد ms1616 بها ما ~~يزيد على المثوبة من التفضل، كقوله # ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله # فاطر 30 وقيل الزيادة النظر إلى وجهه الكريم. وقيل الزيادة هي مضاعفة ~~الحسنة إلى عشر أمثالها. وقيل الزيادة غرفة من لؤلؤ، وقيل الزيادة مغفرة ~~من الله ورضوان. وقيل هي أنه سبحانه يعطيهم في الدنيا من فضله ما لا ~~يحاسبهم عليه. وقيل غير ذلك، مما لا فائدة في ذكره، وسيأتي بيان ما هو ~~الحق في آخر البحث { ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة } ~~معنى { يرهق } يلحق، ومنه قيل غلام مراهق، إذا لحق بالرجال، وقيل يعلو، ~~وقيل يغشى، والمعنى متقارب والقتر الغبار، ومنه قول الفرزدق # متوج برداء الملك يتبعه موج ترى فوقه الرايات والقترا # وقرأ الحسن «قتر» بإسكان المثناة، والمعنى واحد، قاله النحاس، وواحد ~~القتر قترة، والذلة ما يظهر على الوجه من الخضوع والإنكسار والهوان، ~~والمعنى أنه لا يعلو وجوههم غبرة، ولا يظهر فيها هوان وقيل القتر الكآبة، ~~وقيل سواد الوجوه، وقيل هو دخان النار { أولئك أصحب ~~الجنة هم فيها خلدون } الإشارة إلى المتصفين بالصفات ~~السابقة هم أصحاب الجنة الخالدون فيها، المتنعمون بأنواع نعيمها { ~~والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها } هذا ~~الفريق الثاني من أهل الدعوة، وهو معطوف على { للذين أحسنوا } ~~كأنه قيل وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، أو يقدر. وجزاء الذين ~~كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها أي يجازي سيئة واحدة بسيئة واحدة، لا ~~يزاد عليها، وهذا أولى من الأول، لكونه من باب العطف على معمولي عاملين ~~مختلفين، والمراد بالسيئة إما الشرك، أو المعاصي التي ليست بشرك، وهي ما ~~يتلبس به العصاة من المعاصي، قال ابن كيسان الباء زائدة، والمعنى جزاء ~~سيئة مثلها وقيل الباء مع ما بعدها الخبر، وهي متعلقة بمحذوف قامت مقامه، ~~والمعنى جزاء سيئة كائن بمثلها، كقولك إنما أنا بك، ويجوز أن يتعلق ~~بجزاء، والتقدير جزاء سيئة بمثلها كائن، فحذف خبر المبتدأ، ويجوز أن يكون ~~{ جزاء } مرفوعا على تقدير فلهم جزاء سيئة، فيكون مثل قوله # فعدة من أيام أخر # البقرة 184 أي فعليه عدة. والباء ms1617 على هذا التقدير متعلقة بمحذوف، كأنه ~~قال لهم جزاء سيئة ثابت بمثلها، أو تكون مؤكدة أو زائدة. قوله { ~~ترهقهم ذلة } أي يغشاهم هوان وخزي. وقرىء «يرهقهم» بالتحتية { ~~لهم من الله من عاصم } أي لا يعصمهم أحد كائنا من كان من ~~سخط الله وعذابه، أو مالهم من جهة الله ومن عنده من يعصمهم كما يكون ~~للمؤمنين، والأول أولى، والجملة في محل نصب على الحالية، أو مستأنفة { ~~كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما } ~~قطعا جمع قطعة، وعلى هذا يكون مظلما منتصبا على الحال من الليل أي ~~أغشيت وجوههم قطعا من الليل في حالة ظلمته. وقد قرأ بالجمع جمهور ~~القراء. وقرأ الكسائي وابن كثير " قطعا " بإسكان الطاء، فيكون { مظلما } ~~على هذا صفة ل { قطعا } ، ويجوز أن يكون حالا من { الليل }. قال ابن ~~السكيت القطع طائفة من الليل { أولئك } أي الموصوفون بهذه الصفات ~~الذميمة { أصحب النار هم فيها خلدون } وإطلاق الخلود ~~هنا مقيد بما تواتر في السنة من خروج عصاة الموحدين. قوله { ويوم ~~نحشرهم جميعا } الحشر الجمع، وجميعا منتصب على الحال { ~~ويوم } منصوب بمضمر أي أنذرهم يوم نحشرهم، والجملة مستأنفة لبيان بعض ~~أحوالهم القبيحة. # والمعنى أن الله سبحانه يحشر العابد والمعبود لسؤالهم { ثم نقول ~~للذين أشركوا } في حالة الحشر، ووقت الجمع تقريعا لهم على ~~رءوس الأشهاد، وتوبيخا لهم مع حضور من يشاركهم في العبادة، وحضور ~~معبوداتهم { مكانكم } أي الزموا مكانكم، واثبتوا فيه، وقفوا في ~~موضعكم { أنتم وشركاؤكم } هذا الضمير تأكيد للضمير الذي في ~~مكانكم لسده مسد الزموا، و { شركاؤكم } معطوف عليه. وقرىء بنصب { ~~شركاؤكم } على أن الواو واو مع. قوله { فزيلنا بينهم } أي ~~فرقنا وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا يقال زيلته فتزيل أي ~~فرقته فتفرق، والمزايلة المفارقة، يقال زايله مزايلة، وزيالا إذا فارقه، ~~والتزايل التباين. قال الفراء وقرأ بعضهم " فزايلنا " والمراد بالشركاء ~~هنا الملائكة. وقيل الشياطين، وقيل الأصنام، وإن الله سبحانه ينطقها في ~~هذا الوقت. وقيل المسيح، وعزير، والظاهر أنه كل معبود للمشركين كائنا ما ~~كان، وجملة { وقال شركاؤهم ما ms1618 كنتم إيانا تعبدون ~~} في محل نصب على الحال بتقدير قد، والمعنى وقد قال شركاؤهم الذين عبدوهم ~~وجعلوهم شركاء لله سبحانه ما كنتم إيانا تعبدون، وإنما عبدتم هواكم ~~وضلالكم، وشياطينكم الذين أغووكم، وإنما أضاف الشركاء إليهم مع أنهم ~~جعلوهم شركاء لله سبحانه، لكونهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم، فهم ~~شركاؤهم في أموالهم من هذه الحيثية. وقيل لكونهم شركاؤهم في هذا الخطاب، ~~وهذا الجحد من الشركاء وإن كان مخالفا لما قد وقع من المشركين من ~~عبادتهم، فمعناه إنكار عبادتهم إياهم عن أمرهم لهم بالعبادة { فكفى ~~بالله شهيدا بيننا وبينكم } إن كنا أمرناكم بعبادتنا، ~~أو رضينا ذلك منكم { إن كنا عن عبادتكم لغفلين } " إن ~~" هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، والقائل ~~لهذا الكلام هم المعبودون. قالوا لمن عبدهم من المشركين إنا كنا عن ~~عبادتكم لنا لغافلين، والمراد بالغفلة هنا عدم الرضا بما فعله المشركون ~~من العبادة لهم، وفي هذا دليل على أن هؤلاء المعبودين غير الشياطين، ~~لأنهم يرضون بما فعله المشركون من عبادتهم، ويمكن أن يكونوا من الشياطين، ~~ويحمل هذا الجحد منهم على أنهم لم يجبروهم على عبادتهم، ولا أكرهوهم ~~عليها. { هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت } أي في ذلك ~~المكان وفي ذلك الموقف، أو في ذلك الوقت على استعارة اسم الزمان للمكان ~~تذوق كل نفس وتختبر جزاء ما أسلفت من العمل، فمعنى { تبلو } تذوق وتختبر. ~~وقيل تعلم. وقيل تتبع، وهذا على قراءة من قرأ «تبلو» بالمثناة الفوقية ~~بإسناد الفعل إلى كل نفس وأما على قراءة من قرأ «نبلو» بالنون، فالمعنى ~~أن الله يبتلي كل نفس ويختبرها، ويكون ما أسلفت بدلا من كل نفس. والمعنى ~~أنه يعاملها معاملة من يختبرها ويتفقد أحوالها. قوله { وردوا إلى ~~الله مولهم الحق } معطوف على { زيلنا } ، والضمير في { ~~ردوا } عائد إلى الذين أشركوا أي ردوا إلى جزائه، وما أعد لهم من ~~عقابه، و { مولاهم } ربهم، و { الحق } صفة له أي الصادق الربوبية دون ما ~~اتخذوه من المعبودات الباطلة، وقرىء «الحق» بالنصب على المدح، كقولهم ms1619 ~~الحمد لله أهل الحمد { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي ~~ضاع وبطل ما كانوا يفترون من أن الآلهة التي لهم حقيقة بالعبادة، لتشفع ~~لهم إلى الله وتقربهم إليه. # والحاصل أن هؤلاء المشركين يرجعون في ذلك المقام إلى الحق، ويعترفون به، ~~ويقرون ببطلان ما كانوا يعبدونه ويجعلونه إلها، ولكن حين لا ينفعهم ~~ذلك. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله { ~~فاختلط به نبات الأرض } قال اختلط فنبت بالماء كل لون { ~~مما يأكل الناس } كالحنطة والشعير، وسائر حبوب الأرض والبقول ~~والثمار، وما تأكله الأنعام والبهائم من الحشيش والمراعي. وأخرج عبد ~~الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في ~~قوله { وازينت } قال أنبتت وحسنت، وفي قوله { كأن لم تغن ~~بالأمس } قال كأن لم تعش، كأن لم تنعم. وأخرج ابن جرير، عن أبي بن ~~كعب، وابن عباس، ومروان بن الحكم، أنهم كانوا يقرءون بعد قوله { وظن ~~أهلها أنهم قادرون عليها } وما كان الله ليهلكها إلا ~~بذنوب أهلها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ~~أنه كان يقرأ وما أهلكناها إلا بذنوب أهلها " كذلك نفصل الأيات ". وأخرج ~~ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن أبي مجلز، قال كان مكتوب في سورة يونس إلى ~~حيث هذه الآية { حتى إذا أخذت الأرض زخرفها } إلى { ~~يتفكرون } ، ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمني واديا ثالثا، ~~ولا يشبع نفس ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، فمحيت. وأخرج ~~أبو نعيم، والدمياطي في معجمه من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، ~~في قوله { والله يدعو إلى دار السلم } يقول يدعو إلى ~~عمل الجنة. والله السلام، والجنة داره. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي ~~العالية، في قوله { ويهدى من يشاء } قال يهديهم للمخرج من الشبهات ~~والفتن والضلالات. وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في ms1620 الشعب، عن أبي الدرداء، قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما من يوم طلعت شمسه إلا وكل بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق ~~الله كلهم إلا الثقلين يا أيها الناس، هلموا إلى ربكم، فما قل وكفى خير ~~مما كثر وألهى، ولا آبت شمسه إلا وكل بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه ~~خلق الله كلهم غير الثقلين اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا { ~~واليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى } إلى قوله { ~~للعسرى } الليل 1 10 " # وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن ~~سعيد بن أبي هلال، سمعت أبا جعفر محمد بن علي وتلا { والله يدعو ~~إلى دار السلام ويهدى من يشاء إلى صراط ~~مستقيم } فقال حدثني جابر قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوما فقال # " إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي، يقول ~~أحدهما لصاحبه اضرب له مثلا، فقال اسمع سمعت أذنك، واعقل عقل قلبك، إنما ~~مثلك ومثل أمتك مثل ملك اتخذ دارا، ثم بنى فيها بيتا، ثم جعل فيها ~~مأدبة، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم ~~من ترك فالله هو الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد ~~رسول، فمن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة ~~أكل منها " # وقد روي معنى هذا من طرق. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن قتادة، في قوله { والله يدعوا إلى دار السلم ~~} قال ذكر لنا أن في التوراة مكتوبا يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر ~~اتقه. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، أنه كان إذا قرأ { والله يدعوا ~~إلى دار السلم } قال لبيك ربنا وسعديك. وأخرج أحمد، ومسلم، ~~والترمذي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، وغيرهم، عن صهيب «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا ~~هذه الآية { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } قال # " إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل ms1621 النار النار نادى مناد يا أهل الجنة، ~~إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيقولون وما هو؟ ألم يثقل ~~موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويزحزحنا عن النار قال فيكشف لهم ~~الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر ~~إليه، ولا أقر لأعينهم " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والدارقطني في الرؤية، وابن مردويه، عن ~~أبي موسى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادي بصوت يسمعه أولهم وآخرهم إن ~~الله وعدكم الحسنى وزيادة " # فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن. وأخرج ابن جرير، وابن ~~مردويه، والبيهقي في الرؤية، عن كعب بن عجرة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، في قوله { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } قال # " الزيادة النظر إلى وجه الرحمن " # وأخرج هؤلاء والدارقطني، وابن أبي حاتم، عن أبي بن كعب، أنه سأل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن قوله { للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة } قال # " الذين أحسنوا أهل التوحيد، والحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه ~~الله " # وأخرج ابن مردويه، عن ابن عمر، مرفوعا نحوه. وأخرج أبو الشيخ، ~~والدارقطني، وابن مردويه، والخطيب، وابن النجار، عن أنس مرفوعا نحوه. ~~وأخرج أبو الشيخ، عن أبي هريرة نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، ~~وابن خزيمة، وابن المنذر، وأبو الشيخ، والدارقطني، وابن مردويه، ~~والبيهقي، عن أبي بكر الصديق، في الآية قال الحسنى الجنة، والزيادة ~~النظر إلى وجه الله. وأخرج ابن مردويه، من طريق الحرث، عن علي بن أبي ~~طالب في الآية مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو ~~الشيخ، والدارقطني، والبيهقي، عن حذيفة في الآية قال الزيادة النظر إلى ~~وجه الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~والدارقطني، والبيهقي، عن أبي موسى نحوه. وأخرج ابن مردويه، والبيهقي في ~~الأسماء والصفات، من طريق عكرمة، عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~واللالكائي عن ابن مسعود، نحوه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي ms1622 حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي، عن علي قال الزيادة غرفة ~~من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب غرفها وأبوابها من لؤلؤة واحدة. وأخرج ~~ابن جرير، عن ابن عباس، في قوله { وزيادة } قال هو مثل قوله # ولدينا مزيد # ق 35 يقول يجزيهم بعملهم، ويزيدهم من فضله. وقال # من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها # الأنعام 160. وقد روى عن التابعين ومن بعدهم روايات في تفسير الزيادة ~~غالبها أنها النظر إلى وجه الله سبحانه. وقد ثبت التفسير بذلك من قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يبق حينئذ لقائل مقال، ولا التفات إلى ~~المجادلات الواقعة بين المتمذهبة الذين لا يعرفون من السنة المطهرة ما ~~ينتفعون به، فإنهم لو عرفوا ذلك لكفوا عن كثير من هذيانهم، والله ~~المستعان. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في ~~قوله { ولا يرهق وجوههم } قال لا يغشاهم { قتر } قال سواد ~~الوجوه. وأخرج أبو الشيخ عن عطاء في الآية قال القتر سواد الوجه. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، عن مجاهد، في الآية قال خزي. وأخرج أبو الشيخ، وابن ~~مردويه، عن صهيب عن النبي { ولا يرهق وجوههم قتر ولا ~~ذلة } قال # " بعد نظرهم إليه عز وجل " # وأخرج أبو الشيخ، عن السدي، في قوله { والذين كسبوا ~~السيئات } قال الذين عملوا الكبائر { جزاء سيئة بمثلها } ~~قال النار { كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل ~~مظلما } القطع السواد. نسختها الآية في البقرة # بلى من كسب سيئة # البقرة 81 الآية. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، في قوله { ~~وترهقهم ذلة } قال تغشاهم ذلة وشدة. # وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، في قوله { ما لهم من ~~الله من عاصم } يقول من مانع. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { ويوم نحشرهم } قال ~~الحشر الموت. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، في قوله { ~~فزيلنا بينهم } قال فرقنا بينهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال تنصب الآلهة التي ms1623 ~~كانوا يعبدونها من دون الله، فيقول هؤلاء الذين كنتم تعبدون من دون الله؟ ~~فيقولون نعم، هؤلاء الذين كنا نعبد، فتقول لهم الآلهة. والله ما كنا نسمع ~~ولا نبصر، ولا نعقل، ولا نعلم، أنكم كنتم تعبدوننا، فيقولون بلى والله ~~لإياكم كنا نعبد، فتقول لهم الآلهة { فكفى بالله شهيدا ~~بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغفلين }. ~~وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يمثل لهم يوم القيامة ما كانوا يعبدون من دون الله، فيتبعونهم حتى ~~يؤدوهم النار " # ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { هنالك تبلوا كل ~~نفس ما أسلفت }. وأخرج أبو الشيخ، عن السدي { هنالك ~~تبلوا } يقول تتبع. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال { تبلو } تختبر. وأخرج ابن ~~جرير، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، { تبلو } قال تعاين { تبلوا كل ~~نفس ما أسلفت } ما عملت { وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون } ما كانوا يدعون معه من الأنداد. وأخرج أبو الشيخ، عن ~~السدي في قوله { وردوا إلى الله مولهم الحق } قال ~~نسخها قوله # الله مولى الذين ءامنوا وأن الكفرين لا ~~مولى لهم # محمد 11. ### || [10.31-41] # لما بين فضائح المشركين أتبعها بإيراد الحجج الدامغة، من أحوال الرزق ~~والحواس، والموت والحياة، والابتداء والإعادة، والإرشاد والهدى، وبنى ~~سبحانه الحجج على الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤولين، ليكون أبلغ في ~~إلزام الحجة وأوقع في النفوس، فقال { قل } يا محمد للمشركين احتجاجا ~~لحقية التوحيد، وبطلان ما هم عليه من الشرك { من يرزقكم من ~~السماء والأرض } من السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات والمعادن، ~~فإن اعترفوا حصل المطلوب، وإن لم يعترفوا فلا بد أن يعترفوا بأن الله هو ~~الذي خلقهما { أم من يملك السمع والأبصر } " أم " هي ~~المنقطعة، وفي هذا انتقال من سؤال إلى سؤال، وخص السمع والبصر بالذكر، ~~لما فيهما من الصنعة العجيبة، والقدرة الباهرة العظيمة، أي من يستطيع ~~ملكهما وتسويتهما على هذه الصفة العجيبة، والخلقة الغريبة، حتى ينتفعوا ~~بهما هذا الانتفاع العظيم، ويحصلون ms1624 بهما من الفوائد ما لا يدخل تحت حصر ~~الحاصرين. ثم انتقل إلى حجة ثالثة، فقال { ومن يخرج الحى من ~~الميت } الإنسان من النطفة، والطير من البيضة، والنبات من الحبة، أو ~~المؤمن من الكافر { يخرج الميت من الحى } أي النطفة من ~~الإنسان، أو الكافر من المؤمن، والمراد من هذا الاستفهام عمن يحيي ~~ويميت. ثم انتقل إلى حجة رابعة، فقال { ومن يدبر الأمر } أي ~~يقدره ويقضيه، وهذا من عطف العام على الخاص لأنه قد عم ما تقدم وغيره ~~{ فسيقولون الله } أي سيكون قولهم في جواب هذه الاستفهامات إن ~~الفاعل لهذه الأمور هو الله سبحانه، إن أنصفوا وعملوا على ما يوجبه الفكر ~~الصحيح والعقل السليم، وارتفاع الاسم الشريف على أنه خبر مبتدأ محذوف أو ~~مبتدأ خبره محذوف، أي الله يفعل ذلك، ثم أمره الله سبحانه بعد أن يجيبوا ~~بهذا الجواب أن يقول لهم { أفلا تتقون } والاستفهام للإنكار، ~~والفاء للعطف على مقدر أي تعلمون ذلك، أفلا تتقون وتفعلون ما يوجبه هذا ~~العلم من تقوى الله الذي يفعل هذه الأفعال. { فذلكم الله ~~ربكم الحق } أي فذلكم الذي يفعل هذه الأفعال هو ربكم المتصف ~~بأنه الحق، لا ما جعلتموهم شركاء له، والاستفهام في قوله { فماذا ~~بعد الحق إلا الضلال } للتقريع والتوبيخ، إن كانت " ما " ~~استفهامية، لا إن كانت نافية كما يحتمله الكلام، والمعنى أي شيء بعد ~~الحق إلا الضلال، فإن ثبوت ربوبية الرب سبحانه حق بإقرارهم، فكان غيره ~~باطلا، لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحدا في ذاته وصفاته { فأنى ~~تصرفون } أي كيف تستجيزون العدول عن الحق الظاهر، وتقعون في الضلال ~~إذ لا واسطة بينهما؟ فمن تخطى أحدهما وقع في الآخر، والاستفهام للإنكار ~~والاستبعاد والتعجب { كذلك حقت كلمة ربك على الذين ~~فسقوا أنهم لا يؤمنون } أي كما حق وثبت أن الحق بعده ~~الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق، كذلك حقت كلمة ربك أي حكمه ~~وقضاؤه على الذين فسقوا أي خرجوا من الحق إلى الباطل، وتمردوا في كفرهم ~~عنادا ومكابرة، وجملة { أنهم لا يؤمنون } بدل ms1625 من الكلمة. # قاله الزجاج أي حقت عليهم هذه الكلمة، وهي عدم إيمانهم، ويجوز أن تكون ~~الجملة تعليلية لما قبلها بتقدير اللام أي لأنهم لا يؤمنون. وقال الفراء ~~إنه يجوز إنهم لا يؤمنون بالكسر على الاستئناف، وقد قرأ نافع، وابن عامر ~~" كلمات ربك " بالجمع. وقرأ الباقون بالافراد. قوله { قل هل من ~~شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده } أورد سبحانه في ~~هذا حجة خامسة على المشركين، أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقولها لهم، ~~وهم وإن كانوا لا يعترفون بالمعاد، لكنه لما كان أمرا ظاهرا بينا، وقد ~~أقام الأدلة عليه في هذه السورة على صورة لا يمكن دفعها عند من أنصف، ولم ~~يكابر، كان كالمسلم عندهم الذي لا جحد له ولا إنكار فيه، ثم أمره سبحانه ~~أن يقول لهم { قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده ~~فأنى تؤفكون } أي هو الذي يفعل ذلك لا غيره، وهذا القول الذي ~~قاله النبي صلى الله عليه وسلم، عن أمر الله سبحانه له هو نيابة عن ~~المشركين في الجواب، إما على طريق التلقين لهم، وتعريفهم كيف يجيبون، ~~وإرشادهم إلى ما يقولون، وإما لكون هذا المعنى قد بلغ في الوضوح إلى غاية ~~لا يحتاج معها إلى إقرار الخصم، ومعرفة ما لديه، وإما لكون المشركين لا ~~ينطقون بما هو الصواب في هذا الجواب، فرارا منهم عن أن تلزمهم الحجة، أو ~~أن يسجل عليهم بالعناد والمكابرة إن حادوا عن الحق، ومعنى { فأنى ~~تؤفكون } فكيف تؤفكون، أي تصرفون عن الحق وتنقلبون منه إلى غيره. ثم ~~أمره الله سبحانه أن يورد عليهم حجة سادسة فقال { قل هل من ~~شركائكم من يهدى إلى الحق } والاستفهام ها هنا، ~~كالاستفهامات السابقة، والاستدلال بالهداية بعد الاستدلال بالخلق وقع ~~كثيرا في القرآن كقوله # الذى خلقنى فهو يهدين # الشعراء 78 وقوله # الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى # طه 50 وقوله # الذى خلق فسوى * والذى قدر فهدى # الأعلى 2، 3 وفعل الهداية يجيء متعديا باللام وإلى، وهما بمعنى واحد. ~~روي ذلك عن الزجاج. والمعنى قل لهم يا محمد، ms1626 هل من شركائكم من يرشد إلى ~~دين الإسلام، ويدعو الناس إلى الحق؟ فإذا قالوا لا، فقل لهم الله يهدي ~~للحق دون غيره، ودليل ذلك ما تقدم من الأدلة الدالة على اختصاصه سبحانه ~~بهذا، وهداية الله سبحانه لعباده إلى الحق هي بما نصبه لهم من الآيات في ~~المخلوقات، وإرساله للرسل، وإنزاله للكتب، وخلقه لما يتوصل به العباد إلى ~~ذلك من العقول والأفهام، والأسماع والأبصار، والاستفهام في قوله { ~~أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن من لا ~~يهدى إلا أن يهدى } للتقرير وإلزام الحجة. # وقد اختلف القراء في { لا يهدى } فقرأ أهل المدينة إلا نافعا ~~«يهدي» بفتح الياء وإسكان الهاء وتشديد الدال فجمعوا في قراءتهم هذه بين ~~ساكنين. قال النحاس والجمع بين ساكنين لا يقدر أحد أن ينطق به. قال محمد ~~بن يزيد لا بد لمن رام مثل هذا أن يحرك حركة خفيفة إلى الكسر، وسيبويه ~~يسمي هذا اختلاسا. وقرأ أبو عمرو، وقالون، في رواية بين الفتح والإسكان. ~~وقرأ ابن عامر، وابن كثير، وورش، وابن محيصن، بفتح الياء والهاء وتشديد ~~الدال. قال النحاس هذه القراءة بينة في العربية، والأصل فيها يهتدى، ~~أدغمت التاء في الدال وقلبت حركتها إلى الهاء. وقرأ حفص، ويعقوب، والأعمش ~~مثل قراءة ابن كثير، إلا أنهم كسروا الهاء، قالوا لأن الكسر هو الأصل عند ~~التقاء الساكنين. وقرأ أبو بكر، عن عاصم " يهدي " بكسر الياء والهاء ~~وتشديد الدال، وذلك للاتباع. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ويحيى بن وثاب ~~" يهدي " بفتح الياء وإسكان الهاء، وتخفيف الدال من هدي يهدي. قال ~~النحاس وهذه القراءة لها وجهان في العربية، وإن كانت بعيدة الأول أن ~~الكسائي والفراء قالا إن { يهدي } بمعنى يهتدي. الثاني أن أبا العباس قال ~~إن التقدير أم من لا يهدي غيره، ثم تم الكلام، وقال بعد ذلك { إلا ~~أن يهدى } أي لكنه يحتاج أن يهدى، فهو استثناء منقطع، كما تقول فلان ~~لا يسمع غيره إلا أن يسمع أي لكنه يحتاج أن يسمع، والمعنى على القراءات ~~المتقدمة أفمن يهدي الناس إلى الحق، ms1627 وهو الله سبحانه أحق أن يتبع ويقتدي ~~به، أم الأحق بأن يتبع ويقتدي به من لا يهتدي بنفسه إلا أن يهديه غيره، ~~فضلا عن أن يهدي غيره؟ والاستثناء على هذا، استثناء مفرغ من أعم ~~الأحوال. قوله { فما لكم كيف تحكمون } هذا تعجيب من حالهم ~~باستفهامين متواليين، أي أي شيء لكم كيف تحكمون باتخاذ هؤلاء شركاء لله، ~~وكلا الاستفهامين للتقريع والتوبيخ، و { كيف } في محل نصب ب { تحكمون } ~~، ثم بين سبحانه ما هؤلاء عليه في أمر دينهم، وعلى أي شيء بنوه. وبأي ~~شيء اتبعوا هذا الدين الباطل، وهو الشرك فقال { وما يتبع ~~أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغنى من الحق ~~شيئا } وهذا كلام مبتدأ غير داخل في الأوامر السابقة. والمعنى ما يتبع ~~هؤلاء المشركون في إشراكهم بالله، وجعلهم له أندادا إلا مجرد الظن، ~~والتخمين والحدس، ولم يكن ذلك عن بصيرة، بل ظن من ظن من سلفهم أن هذه ~~المعبودات تقربهم إلى الله، وأنها تشفع لهم، ولم يكن ظنه هذا لمستند قط، ~~بل مجرد خيال مختل وحدس باطل، ولعل تنكير الظن هنا للتحقير أي إلا ظنا ~~ضعيفا لا يستند إلى ما تستند إليه سائر الظنون. # وقيل المراد بالآية إنه ما يتبع أكثرهم في الإيمان بالله والإقرار به ~~إلا ظنا. والأول أولى. ثم أخبرنا الله سبحانه بأن مجرد الظن لا يغني من ~~الحق شيئا، لأن أمر الدين إنما يبنى على العلم، وبه يتضح الحق من ~~الباطل، والظن لا يقوم مقام العلم، ولا يدرك به الحق، ولا يغني عن الحق ~~في شيء من الأشياء، ويجوز انتصاب شيئا على المصدرية، أو على أنه مفعول ~~به، و { من الحق } حال منه والجملة مستأنفة لبيان شأن الظن وبطلانه { ~~إن الله عليم بما يفعلون } من الأفعال القبيحة الصادرة ~~لا عن برهان. قوله { وما كان هذا القرءان أن يفترى من ~~دون الله } لما فرغ سبحانه من دلائل التوحيد وحججه، شرع في تثبيت ~~أمر النبوة أي وما صح وما استقام أن يكون هذا القرآن المشتمل على الحجج ~~البينة، والبراهين ms1628 الواضحة، يفترى من الخلق من دون الله، وإنما هو من ~~عند الله عز وجل، وكيف يصح أن يكون مفترى، وقد عجز عن الإتيان بسورة ~~منه القوم الذين هم أفصح العرب لسانا وأدقهم أذهانا { ولكن } كان ~~هذا القرآن { تصديق الذى بين يديه } من الكتب المنزلة على ~~الأنبياء، ونفس هذا التصديق معجزة مستقلة لأن أقاصيصه موافقة لما في ~~الكتب المتقدمة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يطلع على ذلك ولا ~~تعلمه ولا سأل عنه، ولا اتصل بمن له علم بذلك، وانتصاب { تصديق } على أنه ~~خبر لكان المقدرة بعد لكن، ويجوز أن يكون انتصابه على العلية لفعل محذوف، ~~أي لكن أنزله الله تصديق الذي بين يديه. قال الفراء ومعنى الآية، وما ~~ينبغي لهذا القرآن أن يفترى، كقوله # وما كان لنبى أن يغل # آل عمران 161، # وما كان المؤمنون لينفروا كافة # التوبة 122. وقيل إن { أن } بمعنى اللام، أي وما كان هذا القرآن ليفترى. ~~وقيل بمعنى لا أي لا يفترى، قال الكسائي والفراء إن التقدير في قوله { ~~ولكن تصديق } ولكن كان تصديق، ويجوز عندهما الرفع، أي ولكن هو ~~تصديق. وقيل المعنى ولكن القرآن تصديق { الذى بين يديه } من ~~الكتب، أي أنها قد بشرت به قبل نزوله، فجاء مصدقا لها. قيل المعنى ولكن ~~تصديق النبي الذي بين يدي القرآن، وهو محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم ~~شاهدوه قبل أن يسمعوا منه القرآن. قوله { وتفصيل الكتاب } عطف ~~على قوله { ولكن تصديق الذى بين يديه } فيجيء فيه ~~الرفع والنصب على الوجهين المذكورين في { تصديق } ، والتفصيل التبيين، أي ~~يبين ما في كتب الله المتقدمة، والكتاب للجنس. # وقيل أراد ما بين في القرآن من الأحكام، فيكون المراد بالكتاب القرآن. ~~قوله { لا ريب فيه } الضمير عائد إلى القرآن، وهو داخل في حكم ~~الاستدراك خبر ثالث، ويجوز أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال من ~~الكتاب، ويجوز أن تكون الجملة استئنافية لا محل لها، و { من رب ~~العلمين } خبر رابع أي كائن من رب العالمين، ويجوز أن يكون حالا ms1629 ~~من الكتاب، أو من ضمير القرآن في قوله { لا ريب فيه } أي كائنا من ~~رب العالمين، ويجوز أن يكون متعلقا بتصديق وتفصيل، وجملة { لا ريب ~~فيه } معترضة. قوله { أم يقولون افتراه } الاستفهام للإنكار ~~عليهم، مع تقرير ثبوت الحجة، و " أم " هي المنقطعة التي بمعنى بل ~~والهمزة، أي بل أيقولون افتراه واختلقه. وقال أبو عبيدة أم بمعنى الواو ~~أي ويقولون افتراه. وقيل الميم زائدة، والتقدير أيقولون افتراه، ~~والاستفهام للتقريع والتوبيخ. ثم أمره الله سبحانه أن يتحداهم حتى يظهر ~~عجزهم ويتبين ضعفهم فقال { قل فأتوا بسورة مثله } أي إن ~~كان الأمر كما تزعمون من أن محمدا افتراه، فأتوا أنتم على جهة الافتراء ~~بسورة مثله في البلاغة، وجودة الصناعة، فأنتم مثله في معرفة لغة العرب ~~وفصاحة الألسن وبلاغة الكلام { وادعوا } بمظاهريكم ومعاونيكم { من ~~استطعتم } دعاءه والاستعانة به، من قبائل العرب، ومن آلهتكم التي ~~تجعلونهم شركاء لله. وقوله { من دون الله } متعلق ب { ادعوا } أي ~~ادعوا من سوى الله من خلقه { إن كنتم صدقين } في دعواكم أن هذا ~~القرآن مفترى. وسبحان الله العظيم ما أقوى هذه الحجة وأوضحها، وأظهرها ~~للعقول، فإنهم لما نسبوا الافتراء إلى واحد منهم في البشرية والعربية، ~~قال لهم هذا الذي نسبتموه إلي وأنا واحد منكم، ليس عليكم إلا أن تأتوا، ~~وأنتم الجمع الجم، بسورة مماثلة لسورة من سوره، واستعينوا بمن شئتم من ~~أهل هذه اللسان العربية على كثرتهم وتباين مساكنهم، أو من غيرهم من بني ~~آدم، أو من الجن، أو من الأصنام، فإن فعلتم هذا بعد اللتيا والتي، فأنتم ~~صادقون فيما نسبتموه إلي وألصقتموه بي، فلم يأتوا عند سماع هذا الكلام ~~المنصف، والتنزل البالغ، بكلمة ولا نطقوا ببنت شفة، بل كاعوا عن الجواب، ~~وتشبثوا بأذيال العناد البارد، والمكابرة المجردة عن الحجة، وذلك مما لا ~~يعجز عنه مبطل، ولهذا قال سبحانه عقب هذا التحدي البالغ { بل ~~كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه } فأضرب عن الكلام الأول، ~~وانتقل إلى بيان أنهم سارعوا إلى تكذيب القرآن، قبل أن يتدبروه ويفهموا ~~معانيه، وما اشتمل عليه، ms1630 وهكذا صنع من تصلب في التقليد، ولم يبال بما جاء ~~به من دعا إلى الحق وتمسك بذيول الإنصاف، بل يرده بمجرد كونه لم يوافق ~~هواه، ولا جاء على طبق دعواه قبل أن يعرف معناه، ويعلم مبناه، كما تراه ~~عيانا وتعلمه وجدانا. # والحاصل أن من كذب بالحجة النيرة، والبرهان الواضح، قبل أن يحيط بعلمه، ~~فهو لم يتسمك بشيء في هذا التكذيب، إلا مجرد كونه جاهلا لما كذب به غير ~~عالم به، فكان بهذا التكذيب مناديا على نفسه بالجهل بأعلى صوت، ومسجلا ~~بقصوره عن تعقل الحجج بأبلغ تسجيل، وليس على الحجة ولا على من جاء بها من ~~تكذيبه شيء # ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه # قوله { ولما يأتهم تأويله } معطوف على { لم يحيطوا ~~بعلمه } أي بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وبما لم يأتهم تأويله، أو ~~هذه الجملة في محل نصب على الحال، أي كذبوا به حال كونهم لم يفهموا تأويل ~~ما كذبوا به، ولا بلغته عقولهم. والمعنى أن التكذيب منهم وقع قبل الإحاطة ~~بعلمه، وقبل أن يعرفوا ما يؤول إليه من صدق ما اشتمل عليه من حكاية ما ~~سلف من أخبار الرسل المتقدمين، والأمم السابقين، ومن حكايات ما سيحدث من ~~الأمور المستقبلة التي أخبر عنها قبل كونها، أو قبل أن يفهموه حق الفهم، ~~وتتعقله عقولهم، فإنهم لو تدبروه كلية التدبر لفهموه كما ينبغي، وعرفوا ~~ما اشتمل عليه من الأمور الدالة أبلغ دلالة على أنه كلام الله، وعلى هذا ~~فمعنى تأويله ما يؤول إليه لمن تدبره من المعاني الرشيقة، واللطائف ~~الأنيقة، وكلمة التوقع أظهر في المعنى الأول { كذلك كذب ~~الذين من قبلهم } أي مثل ذلك التكذيب كذب الذين من قبلهم من ~~الأمم عند أن جاءتهم الرسل بحجج الله وبراهينه، فإنهم كذبوا به قبل أن ~~يحيطوا بعلمه، وقبل أن يأتيهم تأويله { فانظر كيف كان عقبة ~~الظلمين } من الأمم السالفة من سوء العاقبة، بالخسف والمسخ ونحو ~~ذلك من العقوبات التي حلت بهم، كما حكى ذلك القرآن عنهم، واشتملت عليه ~~كتب ms1631 الله المنزلة عليهم. قوله { ومنهم من يؤمن به } أي ومن ~~هؤلاء الذين كذبوا بالقرآن من يؤمن به في نفسه، ويعلم أنه صدق وحق، ولكنه ~~كذب به مكابرة وعنادا. وقيل المراد ومنهم من يؤمن به في المستقبل، وإن ~~كذب به في الحال، والموصول مبتدأ، وخبره منهم { ومنهم من لا ~~يؤمن به } ولا يصدقه في نفسه، بل كذب به جهلا كما مر تحقيقه، أو ~~لا يؤمن به في المستقبل، بل يبقى على جحوده وإصراره. وقيل الضمير في ~~الموضعين للنبي صلى الله عليه وسلم. وقد قيل إن هذا التقسيم خاص بأهل ~~مكة، وقيل عام في جميع الكفار { وربك أعلم بالمفسدين } ~~فيجازيهم بأعمالهم، والمراد بهم المصرون المعاندون، أو بكلا الطائفتين، ~~وهم الذين يؤمنون به في أنفسهم، ويكذبون به في الظاهر، والذين يكذبون به ~~جهلا، أو الذين يؤمنون به في المستقبل، والذين لا يؤمنون به. # ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم إن أصروا ~~على تكذيبه واستمروا عليه { لى عملى ولكم عملكم } أي لي ~~جزاء عملي ولكم جزاء عملكم، فقد أبلغت إليكم ما أمرت بإبلاغه، وليس علي ~~غير ذلك، ثم أكد هذا بقوله { أنتم بريئون مما أعمل ~~وأنا برىء مما تعملون } أي لا تؤاخذون بعملي، ولا أؤاخذ ~~بعملكم. وقد قيل إن هذا منسوخ بآية السيف كما ذهب إليه جماعة من ~~المفسرين. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { ~~كذلك حقت كلمة ربك } يقول سبقت كلمة ربك. وأخرج أبو ~~الشيخ، عن الضحاك، قال صدقت. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { أم من لا ~~يهدى إلا أن يهدى } قال الأوثان. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله { وإن كذبوك فقل ~~لى عملى } الآية، قال أمره بهذا، ثم نسخه، فأمره بجهادهم. ### || [10.42-49] # قوله { ومنهم من يستمعون } الخ بين الله سبحانه في هذا أن ~~في أولئك الكفار من بلغت حاله في النفرة ms1632 والعداوة إلى هذا الحد، وهي أنهم ~~يستمعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن وعلم الشرائع في ~~الظاهر، ولكنهم لا يسمعون في الحقيقة لعدم حصول أثر السماع، وهو حصول ~~القبول والعمل بما يسمعونه، ولهذا قال { أفأنت تسمع الصم } ~~يعني أن هؤلاء وإن استمعوا في الظاهر فهم صم، والصمم مانع من سماعهم، ~~فكيف تطمع منهم بذلك مع حصول المانع، وهو الصمم، فكيف إذا انضم إلى ذلك ~~أنهم لا يعقلون، فإن من كان أصم غير عاقل، لا يفهم شيئا ولا يسمع ما ~~يقال له. وجمع الضمير في { يستمعون } حملا على معنى من، وأفرده في { ~~ومنهم من ينظر } حملا على لفظه. قيل والنكتة كثرة المستمعين ~~بالنسبة إلى الناظرين لأن الاستماع لا يتوقف على ما يتوقف عليه النظر، من ~~المقابلة وانتفاء الحائل وانفصال الشعاع، والنور الموافق لنور البصر، ~~والتقدير في قوله { ومنهم من يستمعون } { ومنهم من ~~ينظر } ومنهم ناس يستمعون، ومنهم بعض ينظر، والهمزتان في { أفأنت ~~تسمع } { أفأنت تهدى } للإنكار، والفاء في الموضعين للعطف ~~على مقدر، كأنه قيل أيستمعون إليك فأنت تسمعهم؟ أينظرون إليك فأنت ~~تهديهم؟ والكلام في { ومنهم من ينظر إليك أفأنت ~~تهدى العمى ولو كانوا لا يبصرون } كالكلام في { ~~ومنهم من يستمعون } الخ لأن العمى مانع، فكيف يطمع من صاحبه ~~في النظر. وقد انضم إلى فقد البصر، فقد البصيرة لأن الأعمى الذي له في ~~قلبه بصيرة قد يكون له من الحدس الصحيح ما يفهم به في بعض الأحوال فهما ~~يقوم مقام النظر، وكذلك الأصم العاقل، قد يتحدس تحدسا يفيده بعض ~~فائدة، بخلاف من جمع له بين عمي البصر والبصيرة، فقد تعذر عليه الإدراك. ~~وكذا من جمع له بين الصمم وذهاب العقل، فقد انسد عليه باب الهدى، وجواب ~~" لو " في الموضعين محذوف، دل عليهما ما قبلهما، والمقصود من هذا الكلام ~~تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الطبيب إذا رأى مريضا لا يقبل ~~العلاج أصلا أعرض عنه، واستراح من الاشتغال به. قوله { إن الله ~~لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس ms1633 أنفسهم ~~يظلمون } ذكر هذا عقب ما تقدم من عدم الاهتداء بالأسماع والأبصار، ~~لبيان أن ذلك لم يكن لأجل نقص فيما خلقه الله لهم من السمع والعقل، ~~والبصر والبصيرة، بل لأجل ما صار في طبائعهم من التعصب والمكابرة للحق، ~~والمجادلة بالباطل، والإصرار على الكفر، فهم الذين ظلموا أنفسهم بذلك، ~~ولم يظلمهم الله شيئا من الأشياء، بل خلقهم وجعل لهم من المشاعر ما ~~يدركون به أكمل إدراك، وركب فيهم من الحواس ما يصلون به إلى ما يريدون، ~~ووفر مصالحهم الدنيوية عليهم، وخلى بينهم وبين مصالحهم الدينية، فعلى ~~نفسها براقش تجني، وقرأ حمزة والكسائي " ولكن الناس " بتخفيف النون ورفع ~~الناس، وقرأ الباقون بتشديدها ونصب الناس. # قال النحاس زعم جماعة من النحويين منهم الفراء، أن العرب إذا قالت ~~«ولكن» بالواو شددوا النون، وإذا حذفوا الواو خففوها. قيل والنكتة في ~~وضع الظاهر موضع المضمر زيادة التعيين والتقرير، وتقديم المفعول على ~~الفعل لإفادة القصر، أو لمجرد الاهتمام مع مراعاة الفاصلة. قوله { ~~ويوم نحشرهم } الظرف منصوب بمضمر أي واذكر يوم نحشرهم { كأن ~~لم يلبثوا } أي كأنهم لم يلبثوا، والجملة في محل نصب على الحال ~~أي مشبهين من لم يلبث { إلا ساعة من النهار } أي شيئا ~~قليلا منه، والمراد باللبث هو اللبث في الدنيا، وقيل في القبور، ~~واستقلوا المدة الطويلة إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا، فجعلوا ~~وجودها كالعدم، أو استقصروها للدهش والحيرة، أو لطول وقوفهم في المحشر، ~~أو لشدة ما هم فيه من العذاب، نسوا لذات الدنيا وكأنها لم تكن، ومثل هذا ~~قولهم # لبثنا يوما أو بعض يوم # المؤمنون 113 وجملة { يتعارفون بينهم } في محل نصب على ~~الحال، أو مستأنفة. والمعنى يعرف بعضهم بعضا كأنهم لم يتفارقوا إلا ~~قليلا، وذلك عند خروجهم من القبور، ثم تنقطع التعاريف بينهم لما بين ~~أيديهم من الأمور المدهشة للعقول، المذهلة للأفهام. وقيل إن هذا التعارف، ~~هو تعارف التوبيخ والتقريع، يقول بعضهم لبعض أنت أضللتني وأغويتني، لا ~~تعارف شفقة ورأفة، كما قال تعالى # ولا يسئل حميم حميما # المعارج 10 وقوله # فإذا نفخ ms1634 فى الصور فلا أنسب بينهم يومئذ ~~ولا يتساءلون # المؤمنون 101 فيجمع بأن المراد بالتعارف هو تعارف التوبيخ، وعليه يحمل ~~قوله # ولو ترى إذ الظلمون موقوفون عند ربهم ~~يرجع بعضهم إلى بعض القول # سبأ 31، وقد جمع بين الآيات المختلفة في مثل هذا وغيره بأن المواقف يوم ~~القيامة مختلفة، فقد يكون في بعض المواقف ما لا يكون في الآخر { قد ~~خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا ~~مهتدين } هذا تسجيل من الله سبحانه عليهم بالخسران، والجملة في محل ~~النصب على الحال، والمراد بلقاء الله يوم القيامة عند الحساب والجزاء، ~~ونفى عنهم أن يكونوا من جنس المهتدين لجهلهم، وعدم طلبهم لما ينجيهم ~~وينفعهم. قوله { وإما نرينك بعض الذى نعدهم } أصله ~~إن نرك، وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط وزيدت نون التأكيد، والمعنى إن حصلت ~~منا الإراءة لك بعض الذي وعدناهم من إظهار دينك في حياتك بقتلهم وأسرهم، ~~وجواب الشرط محذوف، والتقدير فتراه، أو فذاك، وجملة { أو ~~نتوفينك } معطوفة على ما قبلها، والمعنى أو لا نرينك ذلك في ~~حياتك، بل نتوفينك قبل ذلك { فإلينا مرجعهم } فعند ذلك نعذبهم ~~في الآخرة، فنريك عذابهم فيها، وجواب { أو نتوفينك } محذوف ~~أيضا، والتقدير أو نتوفينك قبل الإراءة فنحن نريك ذلك في الآخرة. # وقيل إن جواب { أونتوفينك } هو قوله { فإلينا مرجعهم } ~~لدلالته على ما هو المراد من إراءة النبي صلى الله عليه وسلم تعذيبهم في ~~الآخرة، وقيل العدول إلى صيغة المستقبل في الموضعين لاستحضار الصورة، ~~والأصل أريناك أو توفيناك، وفيه نظر، فإن إراءته صلى الله عليه وسلم لبعض ~~ما وعد الله المشركين من العذاب لم تكن قد وقعت كالوفاة. وحاصل معنى هذه ~~الآية إن لم ننتقم منهم عاجلا انتقمنا منهم آجلا. وقد أراه الله سبحانه ~~قتلهم وأسرهم، وذلهم وذهاب عزهم، وانكسار سورة كبرهم بما أصابهم به في ~~يوم بدر وما بعده من المواطن، فلله الحمد. قوله { ثم الله شهيد ~~على ما يفعلون } جاء بثم الدالة على التبعيد، مع كون الله ~~سبحانه شهيدا على ما يفعلونه في الدارين، للدلالة على أن ms1635 المراد بهذه ~~الأفعال ما يترتب عليها من الجزاء، أو ما يحصل من إنطاق الجوارح بالشهادة ~~عليهم يوم القيامة، فجعل ذلك بمنزلة شهادة الله عليهم، كما ذكره ~~النيسابوري { ولكل أمة } من الأمم الخالية في وقت من الأوقات { ~~رسول } يرسله الله إليهم، ويبين لهم ما شرعه الله لهم من الأحكام ~~على حسب ما تقتضيه المصلحة { فإذا جاء رسولهم } إليهم، وبلغهم ~~ما أرسله الله به فكذبوه جميعا { قضى بينهم } أي بين الأمة ~~ورسولها { بالقسط } أي العدل فنجا الرسول، وهلك المكذبون له، كما ~~قال سبحانه # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # الإسراء 15. ويجوز أن يراد بالضمير في { بينهم } الأمة على تقدير أنه ~~كذبه بعضهم، وصدقه البعض الآخر، فيهلك المكذبون، وينجو المصدقون { وهم ~~لا يظلمون } في ذلك القضاء، فلا يعذبون بغير ذنب، ولا يؤاخذون بغير ~~حجة، ومنه قوله تعالى # وجىء بالنبيين والشهداء وقضى بينهم # الزمر 69 وقوله # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد # النساء 41. والمراد المبالغة في إظهار العدل، والنصفة بين العباد، ثم ~~ذكر سبحانه شبهة أخرى من شبه الكفار، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~كان كلما هددهم بنزول العذاب كانوا { يقولون متى هذا ~~الوعد } والاستفهام منهم للإنكار، والاستبعاد، وللقدح في النبوة { ~~إن كنتم صدقين } خطابا منهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وللمؤمنين، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، ويحتمل أن يراد ~~بالقائلين هذه المقالة جميع الأمم الذين لم يسلموا لرسلهم الذين أرسلهم ~~الله إليهم. ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يجيب عليهم بما يحسم مادة ~~الشبهة ويقطع اللجاج فقال { قل لا أملك لنفسى ضرا ولا ~~نفعا } أي لا أقدر على جلب نفع لها، ولا دفع ضر عنها، فكيف أقدر على ~~أن أملك ذلك لغيري، وقدم الضر، لأن السياق لإظهار العجز عن حضور الوعد ~~الذي استعجلوه واستبعدوه، والاستثناء في قوله { إلا ما شاء الله ~~} منقطع كما ذكره أئمة التفسير، أي ولكن ما شاء الله من ذلك كان، فكيف ~~أقدر على أن أملك لنفسي ضرا أو نفعا، وفي هذه أعظم واعظ، وأبلغ ms1636 زاجر ~~لمن صار ديدنه وهجيراه المناداة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~والاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله سبحانه، ~~وكذلك من صار يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم ما لا يقدر على تحصيله ~~إلا الله سبحانه. # فإن هذا مقام رب العالمين الذي خلق الأنبياء والصالحين، وجميع ~~المخلوقين، ورزقهم، وأحياهم ويميتهم، فكيف يطلب من نبي من الأنبياء، أو ~~ملك من الملائكة، أو صالح من الصالحين، ما هو عاجز عنه غير قادر عليه، ~~ويترك الطلب لرب الأرباب القادر على كل شيء، الخالق الرازق المعطي ~~المانع؟ وحسبك بما في هذه الآية موعظة، فإن هذا سيد ولد آدم، وخاتم ~~الرسل، يأمره الله بأن يقول لعباده لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا، فكيف ~~يملكه لغيره، وكيف يملكه غيره ممن رتبته دون رتبته، ومنزلته لا تبلغ إلى ~~منزلته لنفسه، فضلا عن أن يملكه لغيره، فيا عجبا لقوم يعكفون على قبور ~~الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا ~~يقدر عليه إلا الله عز وجل؟ كيف لا يتيقظون لما وقعوا فيه من الشرك، ~~ولا يتنبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى لا إله إلا الله، ومدلول # قل هو الله أحد # الإخلاص 1؟ وأعجب من هذا اطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء، ولا ~~ينكرون عليهم، ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى، بل إلى ~~ما هو أشد منها، فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق، ~~المحيي المميت، الضار النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله، ~~ومقربين لهم إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر والنفع، وينادونهم ~~تارة على الاستقلال، وتارة مع ذي الجلال، وكفاك من شر سماعه، والله ناصر ~~دينه، ومطهر شريعته من أوضار الشرك، وأدناس الكفر، ولقد توسل الشيطان ~~أخزاه الله بهذه الذريعة إلى ما تقر به عينه، وينثلج به صدره، من كفر ~~كثير من هذه الأمة المباركة # وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا # الكهف 104 إنا لله وإنا إليه راجعون. ms1637 ثم بين سبحانه أن لكل طائفة حدا ~~محدودا لا يتجاوزونه، فلا وجه لاستعجال العذاب فقال { لكل أمة ~~أجل } فإذا جاء ذلك الوقت، أنجز وعده وجازى كلا بما يستحقه، والمعنى ~~أن لكل أمة ممن قضى بينهم وبين رسولهم، أو بين بعضهم البعض أجلا معينا، ~~ووقتا خاصا، يحل بهم ما يريده الله سبحانه لهم عند حلوله { إذا جاء ~~أجلهم } أي ذلك الوقت المعين، والضمير راجع إلى كل أمة { فلا ~~يستأخرون } عن ذلك الأجل المعين { ساعة } أي شيئا قليلا من ~~الزمان { ولا يستقدمون } وعليه، وجملة { لا يستقدمون } معطوفة ~~على جملة { لا يستأخرون } ، ومثله قوله تعالى # ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون # الحجر 5 والكلام على هذه الآية المذكورة هنا قد تقدم في تفسير الآية ~~التي في أول الأعراف، فلا نعيده. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~الحسن، في قوله { يتعارفون بينهم } قال يعرف الرجل صاحبه إلى ~~جنبه لا يستطيع أن يكلمه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~مجاهد، في قوله { وإما نرينك } الآية. قال سوء العذاب في حياتك ~~{ أو نتوفينك } قبل { فإلينا مرجعهم } وفي قوله { ~~ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم } قال يوم القيامة. ### || [10.50-58] # قوله { قل أرءيتم إن أتاكم عذابه } هذا منه سبحانه ~~تزييف لرأي الكفار في استعجال العذاب بعد التزييف الأول أي أخبروني إن ~~أتاكم عذاب الله { بياتا } أي وقت بيات، والمراد به الوقت الذي يبيتون ~~فيه، وينامون ويغفلون، عن التحرز، والبيات بمعنى التبييت اسم مصدر ~~كالسلام بمعنى التسليم، وهو منتصب على الظرفية، وكذلك نهارا أي وقت ~~الاشتغال بطلب المعاش والكسب، والضمير في { منه } راجع إلى العذاب، وقيل ~~راجع إلى الله، والاستفهام في { ماذا يستعجل منه ~~المجرمون } للإنكار المتضمن للنهي، كما في قوله # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # النحل 1 ووجه الإنكار عليهم في استعجالهم أن العذاب مكروه تنفر منه ~~القلوب، وتأباه الطبائع فما المقتضى لاستعجالهم له؟ والجملة المصدرة ~~بالاستفهام جواب الشرط بحذف الفاء، وقيل إن الجواب محذوف، والمعنى تندموا ~~على الاستعجال، أو تعرفوا الخطأ ms1638 منكم فيه. وقيل إن الجواب قوله { أثم ~~إذا ما وقع } وتكون جملة { ماذا يستعجل منه ~~المجرمون } اعتراضا، والمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه ~~حين لا ينفعكم الإيمان. والأول أولى. وإنما قال { يستعجل منه المجرمون } ~~، ولم يقل يستعجلون منه للدلالة على ما يوجب ترك الاستعجال، وهو الإجرام ~~لأن من حق المجرم أن يخاف من العذاب بسبب إجرامه، فكيف يستعجله؟ كما ~~يقال لمن يستوخم أمرا إذا طلبه ماذا تجني على نفسك. وحكى النحاس، عن ~~الزجاج، أن الضمير في { منه } إن عاد إلى العذاب كان لك في { ماذا } ~~تقديران أحدهما أن تكون " ما " في موضع رفع بالابتداء، و " ذا " بمعنى ~~الذي، وهو خبر ما، والعائد محذوف. والتقدير الآخر أن يكون { ماذا } ~~اسما واحدا في موضع رفع بالابتداء، والخبر ما بعده، وإن جعل الضمير في ~~{ منه } عائدا إلى الله تعالى، كان { ماذا } شيئا واحدا في موضع ~~نصب ب { يستعجل } ، والمعنى أي شيء يستعجل منه المجرمون أي من الله عز ~~وجل. ودخول الهمزة الاستفهامية في { أثم إذا ما وقع ~~ءامنتم به } على ثم كدخولها على الواو والفاء، وهي لإنكار إيمانهم، ~~حيث لا ينفع الإيمان، وذلك بعد نزول العذاب، وهو يتضمن معنى التهويل ~~عليهم، وتفظيع ما فعلوه في غير وقته، مع تركهم له في وقته الذي يحصل به ~~النفع والدفع، وهذه الجملة داخلة تحت القول المأمور به، وجيء بكلمة " ثم ~~" التي للتراخي دلالة على الاستبعاد. وجيء ب { إذا } مع زيادة ما ~~للتأكيد دلالة على تحقق وقوع الإيمان منهم في غير وقته، ليكون في ذلك ~~زيادة استجهال لهم، والمعنى أبعد ما وقع عذاب الله عليكم، وحل بكم سخطه ~~وانتقامه آمنتم، حين لا ينفعكم هذا الإيمان شيئا، ولا يدفع عنكم ضرا. # وقيل إن هذه الجملة ليست داخلة تحت القول المأمور به، وأنها من قول ~~الملائكة استهزاء بهم، وإزراء عليهم. والأول أولى. وقيل إن ثم هاهنا، هي ~~بفتح الثاء، فتكون ظرفية بمعنى هناك. والأول أولى. قوله { الآن وقد ~~كنتم به تستعجلون } قيل هو استئناف بتقدير القول، غير ms1639 داخل ~~تحت القول الذي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم، أي قيل ~~لهم عند إيمانهم بعد وقوع العذاب آلآن آمنتم به وقد كنتم به تستعجلون أي ~~بالعذاب تكذيبا منكم واستهزاء لأن استعجالهم كان على جهة التكذيب ~~والاستهزاء، ويكون المقصود بأمره صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذا ~~القول التوبيخ لهم، والاستهزاء بهم، والإزراء عليهم، وجملة { وقد ~~كنتم به تستعجلون } في محل نصب على الحال، وقرىء «آلان» بحذف ~~الهمزة التي بعد اللام، وإلقاء حركتها على اللام. قوله { ثم قيل ~~للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد } معطوف على الفعل ~~المقدر، قيل آلآن، والمراد منه التقريع والتوبيخ لهم أي قيل للذين ظلموا ~~أنفسهم بالكفر وعدم الإيمان إن هذا الذي تطلبونه ضرر محض، عار عن النفع ~~من كل وجه، والعاقل لا يطلب ذلك، ويقال لهم على سبيل الإهانة لهم ذوقوا ~~عذاب الخلد أي العذاب الدائم الذي لا ينقطع، والقائل لهم هذه المقالة، ~~والتي قبلها، قيل هم الملائكة الذين هم خزنة جهنم. ولا يبعد أن يكون ~~القائل لذلك هم الأنبياء على الخصوص، أو المؤمنون على العموم { هل ~~تجزون إلا بما كنتم تكسبون } في الحياة من الكفر ~~والمعاصي. والاستفهام للتقرير، وكأنه يقال لهم هذا القول عن استغاثتهم من ~~العذاب، وحلول النقمة. ثم حكى الله سبحانه عنهم بعد هذه البيانات ~~البالغة، والجوابات عن أقوالهم الباطلة أنهم استفهموا تارة أخرى عن تحقق ~~العذاب، فقال { ويستنبئونك أحق هو } أي يستخبرونك عن جهة ~~الاستهزاء منهم والإنكار، أحق ما تعدنا به من العذاب في العاجل والآجل، ~~وهذا السؤال منهم جهل محض. وظلمات بعضها فوق بعض، فقد تقدم ذكره عنهم مع ~~الجواب عليه، فصنيعهم في هذا التكرير صنيع من لا يعقل ما يقول، ولا يقال ~~له وقيل المراد بهذا الاستخبار منهم هو عن حقية القرآن، وارتفاع حق على ~~أنه خبر مقدم. والمبتدأ هو الضمير الذي بعده، وتقديم الخبر للاهتمام، أو ~~هو مبتدأ، والضمير مرتفع به ساد مسد الخبر، والجملة في موضع نصب ب { ~~يستنبئونك } ، وقرىء «آلحق هو» على ms1640 أن اللام للجنس، فكأنه قيل أهو الحق ~~لا الباطل. قوله { قل إى وربى إنه لحق } أمر الله سبحانه ~~رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذه المقالة جوابا عن استفهامهم ~~الخارج مخرج الاستهزاء، أي قل لهم يا محمد غير ملتفت إلى ما هو مقصودهم ~~من الاستهزاء إي وربي إنه لحق، أي نعم، وربي إن ما أعدكم به من العذاب ~~لحق ثابت كائن لا محالة. # وفي هذا الجواب تأكيد من وجوه الأول القسم مع دخول الحرف الخاص بالقسم ~~الواقع موقع نعم. الثاني دخول إن المؤكدة الثالث اللام في لحق الرابع ~~إسمية الجملة، وذلك يدل على أنهم قد بلغوا في الإنكار والتمرد إلى ~~الغاية التي ليست وراءها غاية، ثم توعدهم بأشد توعد، ورهبهم بأعظم ~~ترهيب، فقال { وما أنتم بمعجزين } أي فائتين العذاب بالهرب ~~والتحيل الذي لا ينفع، والمكابرة التي لا تدفع من قضاء الله شيئا، وهذه ~~الجملة إما معطوفة على جملة جواب القسم، أو مستأنفة لبيان عدم خلوصهم من ~~عذاب الله بوجه من الوجوه. ثم زاد في التأكيد، فقال { ولو أن ~~لكل نفس ظلمت ما فى الأرض لافتدت به } أي ولو أن ~~لكل نفس من الأنفس المتصفة بأنها ظلمت نفسها بالكفر بالله وعدم الإيمان ~~به ما في الأرض، من كل شيء من الأشياء التي تشتمل عليها من الأموال ~~النفيسة، والذخائر الفائقة لافتدت به أي جعلته فدية لها من العذاب، ومثله ~~قوله تعالى # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل ~~من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به # آل عمران 91 وقد تقدم قوله { وأسروا الندامة لما ~~رأوا العذاب } الضمير راجع إلى الكفار، الذين سياق الكلام معهم. ~~وقيل راجع إلى الأنفس المدلول عليها بكل نفس. ومعنى { أسروا } أخفوا، أي ~~لم يظهروا الندامة بل أخفوها، لما قد شاهدوه في ذلك الموطن مما سلب ~~عقولهم، وذهب بتجلدهم، ويمكن أنه بقي فيهم، وهم على تلك الحالة عرق ~~ينزعهم إلى العصبية التي كانوا عليها في الدنيا، فأسروا الندامة لئلا ~~يشمت بهم المؤمنون، وقيل أسرها الرؤساء ms1641 فيما بينهم دون أتباعهم، خوفا ~~من توبيخهم لهم، لكونهم هم الذين أضلوهم، وحالوا بينهم وبين الإسلام ~~ووقوع هذا منهم كان عند رؤية العذاب، وأما بعد الدخول فيه فهم الذين # قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا # المؤمنون 106. وقيل معنى { أسروا } أظهروا. وقيل وجدوا ألم الحسرة في ~~قلوبهم لأن الندامة لا يمكن إظهارها، ومنه قول كثير # فأسررت الندامة يوم نادى برد جمال عاضرة المنادى # وذكر المبرد في ذلك وجهين الأول أنها بدت في وجوههم أسرة الندامة، وهي ~~الإنكسار، واحدها سرار، وجمعها أسارير، والثاني ما تقدم. وقيل معنى { ~~أسروا الندامة } أخلصوها لأن إخفاءها إخلاصها، و { لما } ~~في قوله { لما رأوا العذاب } ظرف بمعنى حين منصوب بأسروا، ~~أو حرف شرط جوابه محذوف للدلالة ما قبله عليه { وقضى بينهم ~~بالقسط } أي قضى الله بين المؤمنين وبين الكافرين، أو بين الرؤساء ~~والأتباع، أو بين الظالمين من الكفار والمظلومين. وقيل معنى القضاء بينهم ~~إنزال العقوبة عليهم، والقسط العدل، وجملة { وهم لا يظلمون } في ~~محل نصب على الحال، أي لا يظلمهم الله فيما فعله بهم من العذاب الذي حل ~~بهم، فإنه بسبب ما كسبوا. # وجملة { ألا إن لله ما فى السموات والأرض } مسوقة ~~لتقرير كمال قدرته لأن من ملك ما في السموات والأرض، تصرف به كيف يشاء، ~~وغلب غير العقلاء لكونهم أكثر المخلوقات، قيل لما ذكر سبحانه افتداء ~~الكفار بما في الأرض لو كان لهم ذلك بين أن الأشياء كلها لله، وليس لهم ~~شيء يتمكنون من الافتداء به. وقيل لما أقسم على حقية ما جاء به النبي صلى ~~الله عليه وسلم، أراد أن يصحب ذلك بدليل البرهان البين بأن ما في العالم ~~على اختلاف أنواعه ملكه، يتصرف به كيف يشاء، وفي تصدير الجملة بحرف ~~التنبيه تنبيه للغافلين، وإيقاظ للذاهلين، ثم أكد ما سبق بقوله { ألا ~~إن وعد الله حق } أي كائن لا محالة، وهو عام يندرج فيه ما ~~استعجلوه من العذاب اندراجا أوليا، وتصدير الجملة بحرف التنبيه، كما ~~قلنا في التي قبلها مع الدلالة على تحقق مضمون الجملتين { ولكن ms1642 ~~أكثر الناس } أي الكفار { لا يعلمون } ما فيه صلاحهم، ~~فيعملون به، وما فيه فسادهم فيجتنبونه { هو يحيى ويميت } يهب ~~الحياة ويسلبها. { وإليه ترجعون } في الدار الآخرة، فيجازي ~~كلا بما يستحقه، ويتفضل على من يشاء من عباده. قوله { يأيها ~~الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم } يعني القرآن فيه ~~ما يتعظ به من قرأه وعرف معناه، والوعظ في الأصل هو التذكير بالعواقب ~~سواء كان بالترغيب أو الترهيب، والواعظ هو كالطبيب ينهى المريض عما ~~يضره، و { من } في { من ربكم } متعلقة بالفعل، وهو { جاءتكم } ، ~~فتكون ابتدائية، أو متعلقة بمحذوف، فتكون تبعيضية { وشفاء لما فى ~~الصدور } من الشكوك التي تعتري بعض المرتابين، لوجود ما يستفاد منه ~~في من العقائد الحقة، واشتماله على تزييف العقائد الباطلة، والهدى ~~الإرشاد لمن اتبع القرآن، وتفكر فيه، وتدبر معانيه إلى الطريق الموصلة ~~إلى الجنة، والرحمة هي ما يوجد في الكتاب العزيز من الأمور التي يرحم ~~الله بها عباده، فيطلبها من أراد ذلك حتى ينالها، فالقرآن العظيم مشتمل ~~على هذه الأمور. ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل الخطاب معه ~~بعد خطابه للناس على العموم، فقال { قل بفضل الله ~~وبرحمته فبذلك فليفرحوا } المراد بالفضل من الله ~~سبحانه هو تفضله على عباده في الآجل والعاجل بما لا يحيط به الحصر، ~~والرحمة رحمته لهم. وروي عن ابن عباس أنه قال فضل الله القرآن، ورحمته ~~الإسلام. وروي عن الحسن والضحاك، ومجاهد وقتادة، أن فضل الله الإيمان، ~~ورحمته القرآن. والأولى حمل الفضل والرحمة على العموم، ويدخل في ذلك ما ~~في القرآن منهما دخولا أوليا، وأصل الكلام قل بفضل الله وبرحمته ~~فليفرحوا، ثم حذف هذا الفعل لدلالة الثاني في قوله { فبذلك ~~فليفرحوا } عليه، قيل والفاء في هذا الفعل المحذوف داخلة في جواب ~~شرط مقدر، كأنه قيل إن فرحوا بشيء فليخصوا فضل الله ورحمته بالفرح. # وتكرير الباء في برحمته للدلالة على أن كل واحد من الفضل والرحمة سبب ~~مستقل في الفرح، والفرح هو اللذة في القلب بسبب إدراك المطلوب، وقد ذم ~~الله سبحانه الفرح ms1643 في مواطن كقوله # لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين # القصص 76 وجوزه في قوله # فرحين بما ءاتهم الله من فضله # آل عمران 170 وكما في هذه الآية، ويجوز أن تتعلق الباء في { بفضل الله ~~وبرحمته } بقوله { جاءتكم } ، والتقدير جاءتكم موعظة بفضل الله ~~وبرحمته فبذلك أي فبمجيئها، فليفرحوا، وقرأ يزيد بن القعقاع ويعقوب ~~«فلتفرحوا» بالفوقية، وقرأ الجمهور بالتحتية، والضمير في { هو خير } راجع ~~إلى المذكور من الفضل والرحمة، أو إلى المجيء على الوجه الثاني، أو إلى ~~اسم الإشارة في قوله { فبذلك } والمعنى أن هذا خير لهم مما يجمعون ~~من حطام الدنيا. وقد قرىء بالتاء الفوقية في { يجمعون } مطابقة ~~للقراءة بها في { فلتفرحوا }. وقد تقرر في العربية أن لام الأمر تحذف مع ~~الخطاب إلا في لغة قليلة، جاءت هذه القراءة عليها، قورأ الجمهور بالمثناة ~~التحتية في يجمعون، كما قرءوا في { فليفرحوا }. وروي عن ابن عامر أنه قرأ ~~بالفوقية في " يجمعون " ، والتحتية في " فلتفرحوا ". وقد أخرج الطبراني، ~~وأبو الشيخ، عن أبي الأحوص، قال جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال إن ~~أخي يشتكي بطنه، فوصف له الخمر، فقال سبحان الله! ما جعل الله في رجس ~~شفاء، إنما الشفاء في شيء من القرآن والعسل، فهما شفاء لهما في الصدور، ~~وشفاء للناس. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، قال إن الله جعل القرآن شفاء ~~لما في الصدور، ولم يجعله شفاء لأمراضكم. وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه، ~~عن أبي سعيد الخدري، قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني ~~أشتكي صدري، فقال # " اقرأ القرآن، يقول الله شفاء لما في الصدور " # وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن واثلة بن الأسقع، أن رجلا شكا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وجع حلقه، قال # " عليك بقراءة القرآن والعسل، فالقرآن شفاء لما في الصدور، والعسل شفاء ~~من كل داء ". # وأخرج أبو داود، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن أبي قال أقرأني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالتاء يعني الفوقية، وقد روى نحو هذا من غير ~~هذه ms1644 الطريق. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن أنس، قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم { قل بفضل الله وبرحمته } قال # " بفضل الله القرآن، وبرحمته أن جعلكم من أهله " # وأخرج الطبراني في الأوسط، عن البراء، مثله من قوله. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، والبيهقي في الشعب، عن أبي سعيد الخدري، مثله. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس، في الآية قال بكتاب الله ~~بالإسلام. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عنه ~~قال فضله الإسلام، ورحمته القرآن. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عنه أيضا قال. بفضل الله القرآن، ~~وبرحمته حين جعلهم من أهله. وقد روي عن جماعة من التابعين نحو هذه ~~الروايات المتقدمة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس، هو خير ~~مما يجمعون من الأموال والحرث والأنعام. ### || [10.59-64] # أشار سبحانه بقوله { قل أرأيتم ما أنزل الله } إلخ إلى ~~طريق أخرى غير ما تقدم في إثبات النبوة، وتقرير ذلك ما حاصله أنكم ~~تحكمون بتحليل البعض، وتحريم البعض، فإن كان بمجرد التشهي والهوى فهو ~~مهجور باتفاق العقلاء، مسلمهم وكافرهم، وإن كان لاعتقادكم أنه حكم الله ~~فيكم وفيما رزقكم، فلا تعرفون ذلك إلا بطريق موصلة إلى الله، ولا طريق ~~يتبين بها الحلال من الحرام إلا من جهة الرسل الذين أرسلهم الله إلى ~~عباده، ومعنى { أرأيتم } أخبروني، و { ما } في محل نصب بأرأيتم المتضمن ~~لمعنى أخبروني، وقيل إن { ما } في محل الرفع بالابتداء وخبرها { آلله أذن ~~لكم } و { قل } في قوله { قل الله أذن لكم } تكرير للتأكيد ~~والرابط محذوف، ومجموع المبتدأ والخبر في محل نصب ب { أرأيتم } والمعنى ~~أخبروني الذي أنزل الله إليكم من رزق، فجعلتم منه حراما وحلالا، آلله ~~أذن لكم في تحليله وتحريمه { أم على الله تفترون } وعلى ~~الوجهين، فمن في { منه حراما } للتبعيض، والتقدير فجعلتم بعضه حراما ~~وجعلتم بعضه حلالا، وذلك كما كانوا يفعلونه في الأنعام ms1645 حسبما سبق حكاية ~~ذلك عنهم في الكتاب العزيز ومعنى إنزال الرزق كون المطر ينزل من جهة ~~العلو، وكذلك يقضي الأمر في أرزاق العباد في السماء على ما قد ثبت في ~~اللوح المحفوظ من ذكره سبحانه وتعالى، لكل شيء فيه. وروى عن الزجاج أن { ~~ما } في موضع نصب ب { أنزل } ، وأنزل بمعنى خلق، كما قال # وأنزل لكم من الأنعم ثمنية أزوج # الزمر 6 # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد # الحديد 25 وعلى هذا القول والقول الأول يكون قوله { قل الله ~~أذن لكم } مستأنفا، قيل ويجوز أن تكون الهمزة في { الله أذن ~~لكم } للإنكار، وأم منقطعة بمعنى بل أتفترون على الله، وإظهار الإسم ~~الشريف وتقديمه على الفعل للدلالة على كمال الافتراء. وفي هذه الآية ~~الشريفة ما يصك مسامع المتصدرين للإفتاء لعباد الله في شريعته، بالتحليل ~~والتحريم والجواز وعدمه، مع كونهم من المقلدين الذين لا يعقلون حجج الله، ~~ولا يفهمونها ولا يدرون ما هي. ومبلغهم من العلم الحكاية لقول قائل من ~~هذه الأمة قد قلدوه في دينهم، وجعلوه شارعا مستقلا. ما عمل به من ~~الكتاب والسنة، فهو المعمول به عندهم. وما لم يبلغه أو بلغه ولم يفهمه حق ~~فهمه، أو فهمه وأخطأ الصواب في اجتهاده وترجيحه، فهو في حكم المنسوخ ~~عندهم المرفوع حكمه عن العباد، مع كون من قلدوه متعبدا بهذه الشريعة، ~~كما هم متعبدون بها ومحكوما عليه بأحكامها، كما هو محكوم عليهم بها، وقد ~~اجتهد رأيه وأدى ما عليه، وفاز بأجرين مع الإصابة وأجر مع الخطأ، إنما ~~الشأن في جعلهم لرأيه الذي أخطأ فيه شريعة مستقلة، ودليلا معمولا به. # وقد أخطئوا في هذا خطأ بينا. واغلطوا غلطا فاحشا. فإن الترخيص ~~للمجتهد في اجتهاد رأيه يخصه وحده، ولا قائل من أهل الإسلام المعتمد ~~بأقوالهم أنه يجوز لغيره أن يعمل به تقليدا له واقتداء به، وما جاء به ~~المقلدة في تقوم هذا الباطل، فهو من الجهل العاطل، اللهم كما رزقتنا من ~~العلم ما نميز به بين الحق والباطل، فارزقنا من الإنصاف ما نظفر عنده بما ms1646 ~~هو الحق عندك يا واهب الخير. ثم قال { وما ظن الذين يفترون ~~على الله الكذب يوم القيمة } أي أي شيء ظنهم في هذا ~~اليوم، وما يصنع بهم فيه، وهذه الجملة الاستفهامية المتضمنة لتعظيم ~~الوعيد لهم غير داخلة تحت القول الذي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم ~~أن يقوله لهم، بل مبتدأة مسوقة لبيان ما سيحل بهم من عذاب الله، و { يوم ~~القيامة } منصوب بالظن، وذكر الكذب بعد الافتراء، مع أن الافتراء لا ~~يكون إلا كذبا لزيادة التأكيد. وقرأ عيسى بن عمر «وما ظن» على أنه فعل ~~{ إن الله لذو فضل على الناس } يتفضل عليهم بأنواع النعم ~~في الدنيا والآخرة { ولكن أكثرهم لا يشكرون } الله ~~على نعمه الواصلة إليهم منه سبحانه في كل وقت من الأوقات، وطرفة من ~~الطرفات. قوله { وما تكون فى شأن } الخطاب لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، و " ما " نافية، والشأن الأمر بمعنى القصد، وأصله الهمز، ~~وجمعه شؤون. قال الأخفش تقول العرب ما شأنت شأنه أي ما عملت عمله { وما ~~تتلوا منه من قرآن } قال الفراء والزجاج الضمير في منه يعود ~~على الشأن، والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف أي تلاوة كائنة منه، إذ ~~التلاوة للقرآن من أعظم شؤونه صلى الله عليه وسلم والمعنى أنه يتلو من ~~أجل الشأن الذي حدث القرآن، فيعلم كيف حكمه، أو يتلو القرآن الذي ينزل ~~في ذلك الشأن. وقال ابن جرير الطبري الضمير عائد في { منه } إلى الكتاب ~~أي ما يكون من كتاب الله من قرآن، وأعاده تفخيما له كقوله # إنني أنا الله # طه 14، والخطاب في { ولا تعملون من عمل } لرسول الله ~~وللأمة، وقيل الخطاب لكفار قريش { إلا كنا عليكم شهودا } ~~استثناء مفرغ من أعم الأحوال للمخاطبين أي شهودا عليكم بعمله منكم، ~~والضمير. في { فيه } من قوله { تفيضون فيه } عائد على العمل، يقال ~~أفاض فلان في الحديث والعمل إذا اندفع فيه. وقال الضحاك الضمير في { فيه ~~} عائد على القرآن. والمعنى إذ تشيعون في القرآن الكذب. قوله { وما ~~يعزب عن ربك من مثقال ms1647 ذرة في الأرض ولا فى ~~السماء } قرأ الكسائي «يعزب» بكسر الزاي، وقرأ الباقون بالضم وهما ~~لغتان فصيحتان، ومعنى يعزب يغيب، وقيل يبعد. # وقال ابن كيسان يذهب، وهذه المعاني متقاربة، و " من " في { من ~~مثقال } زائدة للتأكيد أي وما يغيب عن ربك وزن ذرة. أي نملة حمراء، ~~وعبر بالأرض والسماء مع أنه سبحانه لا يغيب عنه شيء، لا فيهما ولا فيما ~~هو خارج عنهما، لأن الناس لا يشاهدون سواهما وسوى ما فيهما من المخلوقات، ~~وقدم الأرض على السماء لأنها محل استقرار العالم فهم يشاهدون ما فيها من ~~قرب، والواو في { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر } لعطف على ~~لفظ مثقال، وانتصبا لكونهما ممتنعين، ويجوز أن يكون العطف على ذرة وقيل ~~انتصابهما بلا التي لنفي الجنس، والواو للاستئناف، وليس من متعلقات وما ~~يعزب، وخبر لا { إلا فى كتب } والمعنى ولا أصغر من مثقال الذرة ~~ولا أكبر منه إلا وهو في كتاب مبين، فكيف يغيب عنه؟ وقرأ يعقوب وحمزة ~~برفع أصغر وأكبر، ووجه ذلك أنه معطوف على محل من مثقال، ومحله الرفع، وقد ~~أورد على توجيه النصب والرفع على العطف على لفظ مثقال ومحله، أو على لفظ ~~ذرة إشكال، وهو أنه يصير تقدير الآية لا يعزب عنه شيء في الأرض، ولا في ~~السماء إلا في كتاب، ويلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجا ~~عن علم الله وهو محال. وقد أجيب عن هذا الإشكال بأن الأشياء المخلوقة ~~قسمان قسم أوجده الله ابتداء من غير واسطة، كخلق الملائكة والسموات ~~والأرض وقسم آخر أوجده بواسطة القسم الأول من حوادث عالم الكون والفساد، ~~ولا شك أن هذا القسم الثاني متباعد في سلسلة العلية عن مرتبة الأول، ~~فالمراد من الآية أنه لا يبعد عن مرتبة وجوده، سبحانه شيء في الأرض ولا ~~في السماء إلا وهو في كتاب مبين أثبت فيه صورة تلك المعلومات، والغرض ~~الرد على من يزعم أنه غير عالم بالجزئيات. وأجيب أيضا بأن الاستثناء ~~منقطع أي لكن هو في كتاب مبين. وذكر أبو ms1648 علي الجرجاني أن " إلا " بمعنى ~~الواو، على أن الكلام قد تم عند قوله { ولا أكبر } ثم وقع الابتداء ~~بقوله { إلا فى كتب مبين } أي وهو أيضا في كتاب مبين. ~~والعرب قد تضع إلا موضع الواو، ومنه قوله تعالى # إنى لا يخاف لدى المرسلون * إلا من ظلم # النمل10، 11 يعني ومن ظلم، وقوله # لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ~~ظلموا # البقرة 150 أي والذين ظلموا، وقدر هو بعد الواو التي جاءت إلا بمعناها، ~~كما في قوله # وقولوا حطة # البقرة 58 أي هي حطة، ومثله # ولا تقولوا ثلثة # النساء 171 # وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة فى ~~ظلمت الأرض ولا رطب ولا يابس إلا فى كتب ~~مبين # الأنعام 59. وقال الزجاج إن الرفع على الابتداء في قراءة من قرأ بالرفع، ~~وخبره { إلا فى كتب } واختاره صاحب الكشاف، واختار في قراءة ~~النصب التي قرأ بها الجمهور أنهما منصوبان بلا التي لنفي الجنس، واستشكل ~~العطف بنحو ما قدمنا. # ثم لما بين سبحانه إحاطته بجميع الأشياء، وكان في ذلك تقوية لقلوب ~~المطيعين، وكسر لقلوب العاصين ذكر حال المطيعين، فقال { ألا إن ~~أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ~~الولي في اللغة القريب. والمراد بأولياء الله خلص المؤمنين كأنهم قربوا ~~من الله سبحانه بطاعته واجتناب معصيته. وقد فسر سبحانه، هؤلاء الأولياء ~~بقوله { الذين ءامنوا وكانوا يتقون } أي يؤمنون بما يجب ~~الإيمان به، ويتقون ما يجب عليهم اتقاؤه من معاصي الله سبحانه، والمراد ~~بنفي الخوف عنهم أنهم لا يخافون أبدا كما يخاف غيرهم لأنهم قد قاموا بما ~~أوجب الله عليهم، وانتهوا عن المعاصي التي نهاهم عنها، فهم على ثقة من ~~أنفسهم، وحسن ظن بربهم، وكذلك لا يحزنون على فوت مطلب من المطالب، لأنهم ~~يعلمون أن ذلك بقضاء الله وقدره، فيسلمون للقضاء والقدر، ويريحون قلوبهم ~~عن الهم والكدر، فصدورهم منشرحة، وجوارحهم نشطة، وقلوبهم مسرورة، ومحل ~~الموصول النصب على أنه بدل من أولياء أو الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، ~~أو هو مبتدأ وخبره لهم البشرى، ms1649 فيكون غير متصل بما قبله، أو النصب أيضا ~~على المدح، أو على أنه وصف لأولياء. قوله { لهم البشرى في ~~الحيوة الدنيا وفى الآخرة } تفسير لمعنى كونهم أولياء الله ~~أي لهم البشرى من الله ما داموا في الحياة بما يوحيه إلى أنبيائه، وينزله ~~في كتبه، من كون حال المؤمنين عنده هو إدخالهم الجنة ورضوانه عنهم، كما ~~وقع كثير من البشارات للمؤمنين في القرآن الكريم، وكذلك ما يحصل لهم من ~~الرؤيا الصالحة، وما يتفضل الله به عليهم من إجابة دعائهم، وما يشاهدونه ~~من التبشير لهم عند حضور آجالهم بتنزل الملائكة عليهم قائلين لهم لا ~~تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة وأما البشرى في الآخرة، فتلقى الملائكة ~~لهم مبشرين بالفوز بالنعيم والسلامة من العذاب. والبشرى مصدر أريد به ~~المبشر به، والظرفان في محل نصب على الحال أي حال كونهم في الدنيا، وحال ~~كونهم في الآخرة، ومعنى { لا تبديل لكلمات الله } لا تغيير ~~لأقواله على العموم، فيدخل فيها ما وعد به عباده الصالحين دخولا ~~أوليا، والإشارة بقوله { ذلك } إلى المذكور قبله من كونهم مبشرين ~~بالبشارتين في الدارين { هو الفوز العظيم } الذي لا يقادر ~~قدره، ولا يماثله غيره، والجملتان أعني { لا تبديل لكلمات ~~الله } و { ذلك هو الفوز العظيم } اعتراض في آخر الكلام ~~عند من يجوزه، وفائدتهما تحقيق المبشر به وتعظيم شأنه، أو الأولى ~~اعتراضية، والثانية تذييلية. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله { قل ~~أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق } قال هم أهل الشرك ~~كانوا يحلون من الأنعام والحرث، ما شاءوا ويحرمون ما شاءوا. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه، في قوله { إذ ~~تفيضون فيه } قال إذ تفعلون. وأخرج الفريابي، وابن جرير، عن مجاهد، ~~مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، في قوله { وما يعزب عن ~~ربك } قال لا يغيب عنه وزن ذرة { ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر إلا فى كتاب مبين } قال هو الكتاب الذي عند الله. ~~وأخرج ms1650 ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله { ألا إن ~~أولياء الله } قيل من هم يا رب؟ قال هم { الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون }. وأخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، قال هم الذين إذا رؤوا ذكر ~~الله. وأخرج الطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والضياء في المختارة، عن ~~ابن عباس، مرفوعا وموقوفا قال هم الذين إذا رؤوا يذكر الله لرؤيتهم. ~~وأخرج عنه ابن المبارك، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والبزار، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه مرفوعا، مثله. وأخرجه ~~ابن المبارك، وابن شيبة، وابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن سعيد بن ~~جبير، مرفوعا وهو مرسل. وروي نحوه من طرق أخرى مرفوعا وموقوفا. وأخرج ~~أحمد، والحكيم الترمذي، عن عمرو بن الجموح، أنه سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول # " لا يحق العبد حق صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله، فإذا أحب ~~لله وأبغض لله فقد استحق الولاء من الله، وإن أوليائي من عبادي وأحبائي ~~من خلقي الذين يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم " # وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن غنم يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم # " خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله، وشرار عباده المشاءون ~~بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون البرآء العنت " # وأخرج الحكيم الترمذي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " خياركم من ذكركم الله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، ورغبكم في الآخرة ~~عمله " # وأخرج الحكيم الترمذي، عن ابن عباس، مرفوعا نحوه. وأخرج الحاكم وصححه، ~~عن ابن عمر، مرفوعا # " إن لله عبادا ليسوا بالأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء يوم ~~القيامة بقربهم ومجلسهم منه " # ، فجثا أعرابي على ركبتيه فقال يا رسول الله صفهم لنا حلهم لنا؟ قال # " قوم من أفناء الناس من نزاع القبائل، تصافوا في الله وتحابوا في الله، ~~يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم. يخاف الناس ولا يخافون، ~~هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " # وأخرج أبو ms1651 داود، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم في ~~الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان، عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه. قال ابن كثير وإسناده جيد. وأخرج ابن أبي ~~الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي، عن ~~أبي هريرة مرفوعا نحوه. وأخرج أحمد، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، عن أبي مالك الأشعري مرفوعا نحوه. ~~وأخرج ابن مردويه، عن أبي هريرة، قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~قول الله { ألا إن أولياء الله } الآية فقال # " الذين يتحابون في الله " # وأخرج ابن مردويه، عن جابر، مرفوعا مثله. وقد ورد في فضل المتحابين في ~~الله أحاديث ليس فيها أنهم المرادون بالآية. وأخرج سعيد بن منصور، وابن ~~أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وحسنه، والحكيم في نوادر الأصول، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مرودويه، والبيهقي في شعب ~~الإيمان، عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر قال سألت أبا الدرداء عن ~~معنى قوله { لهم البشرى في الحيوة الدنيا } فقال ما ~~سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال # " ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت علي هي الرؤيا الصالحة يراها ~~المسلم، أو ترى له، فهي بشراه في الحياة الدنيا، وبشراه في الآخرة الجنة ~~" # ، وفي إسناده هذا الرجل المجهول. وأخرج أبو داود الطيالسي، وأحمد، ~~والدارمي، والترمذي، وابن ماجه، والحكيم الترمذي، وابن جرير، وابن ~~المنذر، والطبراني، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، ~~عن عبادة بن الصامت قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله { ~~لهم البشرى في الحيوة الدنيا } قال # " هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له " # وأخرج أحمد، وابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي عن عبد الله ~~بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { لهم البشرى ~~في الحيوة الدنيا } قال # " الرؤيا الصالحة يبشر بها المؤمن جزء من ستة ms1652 وأربعين جزءا من النبوة، ~~فمن رأى ذلك فليخبر بها " # الحديث. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي هريرة، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قال # " هي في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له، وفي ~~الآخرة الجنة " # وأخرج ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وابن منده، من طريق أبي ~~جعفر، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر البشرى في الحياة ~~الدنيا بالرؤيا الحبيبة، وفي الآخرة ببشارة المؤمن عند الموت إن الله قد ~~غفر لك ولمن حملك إلى قبرك. # وأخرج ابن مردويه، عنه، مرفوعا مثل حديث جابر. وأخرج ابن مردويه، عن ~~ابن مسعود، مرفوعا الشطر الأول من حديث جابر. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~جرير، عن ابن عباس، مثله. وقد وردت أحاديث صحيحة بأن الرؤيا الصالحة من ~~المبشرات، وأنها جزء من أجزاء النبوة، ولكنها لم تقيد بتفسير هذه الآية. ~~وقد روي أن المراد بالبشرى في الآية هي قوله # وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا # الأحزاب 47 أخرج ذلك ابن جرير، وابن المنذر، من طريق علي بن أبي طلحة، ~~عن ابن عباس. وأخرج ابن المنذر، عنه، من طريق مقسم أنها قوله # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقموا # فصلت 30. وأخرج ابن جرير، والحاكم، والبيهقي عن نافع، قال خطب الحجاج ~~فقال إن ابن الزبير بدل كتاب الله، فقال ابن عمر لا تستطيع ذلك أنت ولا ~~ابن الزبير، { لا تبديل لكلمات الله }. ### || [10.65-70] # قوله { ولا يحزنك قولهم } نهى للنبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الحزن من قول الكفار المتضمن للطعن عليه وتكذيبه، والقدح في دينه. ~~والمقصود التسلية له والتبشير. ثم استأنف سبحانه الكلام مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم معللا لما ذكره من النهي لرسوله صلى الله عليه وسلم فقال ~~{ إن العزة لله جميعا } أي الغلبة والقهر له في مملكته ~~وسلطانه، ليست لأحد من عباده، وإذا كان ذلك كله له، فكيف يقدرون عليك حتى ~~تحزن لأقوالهم الكاذبة، وهم لا يملكون من ms1653 الغلبة شيئا. وقرىء «يحزنك» من ~~أحزنه. وقرىء «أن العزة» بفتح الهمزة على معنى، لأن العزة لله، ولا ~~ينافي ما في هذه الآية من جعل العزة جميعها لله تعالى قوله سبحانه # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # المنافقون 8 لأن كل عزة بالله، فهي كلها لله. ومنه قوله # كتب الله لأغلبن أنا ورسلى # المجادلة 21 # إنا لننصر رسلنا # غافر 51. { ألا إن لله من فى السموات ومن فى ~~الأرض } ومن جملتهم هؤلاء المشركون المعاصرون للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، وإذا كانوا في ملكه يتصرف فيهم كيف يشاء، فكيف يستطيعون أن يؤذوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يأذن الله به، وغلب العقلاء على ~~غيرهم لكونهم أشرف. وفي الآية نعي على عباد البشر، والملائكة والجمادات ~~لأنهم عبدوا المملوك، وتركوا المالك، وذلك مخالف لما يوجبه العقل، ولهذا ~~عقبه بقوله { وما يتبع الذين يدعون من دون الله ~~شركاء } والمعنى أنهم وإن سموا معبوداتهم شركاء لله، فليست شركاء له ~~على الحقيقة، لأن ذلك محال # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا # الأنبياء 22 و " ما " في و { ما يتبع } نافية وشركاء مفعول يتبع، وعلى ~~هذا يكون مفعول يدعون محذوفا، والأصل وما يتبع الذين يدعون من دون الله ~~شركاء شركاء في الحقيقة إنما هي أسماء لا مسميات لها، فحذف أحدهما لدلالة ~~المذكور عليه، ويجوز أن يكون المذكور مفعول { يدعون } ، وحذف مفعول يتبع ~~لدلالة المذكور عليه، ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى أي شيء يتبع الذين ~~يدعون من دون الله شركاء، ويكون على هذا الوجه { شركاء } منصوبا ب { ~~يدعون } ، والكلام خارج مخرج التوبيخ لهم، والإزراء عليهم. ويجوز أن تكون ~~" ما " موصولة معطوفة على { من في السموات } أي لله من في السموات، ومن ~~في الأرض، وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء والمعنى أن الله مالك ~~لمعبوداتهم لكونها من جملة من في السموات ومن في الأرض. ثم زاد سبحانه في ~~تأكيد الرد عليهم، والدفع لأقوالهم، فقال { إن يتبعون إلا ~~الظن } أي ما يتبعون يقينا إنما يتبعون ظنا، والظن لا ms1654 يغني من ~~الحق شيئا { إن هم إلا يخرصون } أي يقدرون أنهم شركاء ~~تقديرا باطلا، وكذبا بحتا، وقد تقدمت هذه الآية في الأنعام. # ثم ذكر سبحانه طرفا من آثار قدرته مع الامتنان على عباده ببعض نعمه، ~~فقال { هو الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا } أي جعل لعباده الزمان منقسما إلى قسمين أحدهما ~~مظلم وهو الليل لأجل يسكن العباد فيه عن الحركة والتعب، ويريحون أنفسهم ~~عن الكد والكسب. والآخر مبصر، لأجل يسعون فيه بما يعود على نفعهم، ~~وتوفير معايشهم، ويحصلون ما يحتاجون إليه في وقت مضيء منير، لا يخفى ~~عليهم فيه كبير ولا حقير، وجعله سبحانه للنهار مبصرا مجاز. والمعنى أنه ~~مبصر صاحبه كقولهم نهاره صائم، والإشارة بقوله { إن فى ذلك } إلى ~~الجعل المذكور { لآيات } عجيبة كثيرة { لقوم يسمعون } أي ~~يسمعون ما يتلى عليهم من الآيات التنزيلية المنبهة على الآيات التكوينية ~~مما ذكره الله سبحانه هاهنا منها، ومن غيرها مما لم يذكره، فعند السماع ~~منهم لذلك يتفكرون ويعتبرون، فيكون ذلك من أعظم أسباب الإيمان. قوله { ~~قالوا اتخذ الله ولدا سبحنه هو الغني } هذا ~~نوع آخر من أباطيل المشركين التي كانوا يتكلمون بها، وهو زعمهم بأن الله ~~سبحانه اتخذ ولدا، فرد ذلك عليهم بقوله { سبحنه هو الغني ~~} فتنزه جل وعلا عما نسبوه إليه من هذا الباطل البين، وبين أنه غني عن ~~ذلك، وأن الولد إنما يطلب للحاجة. والغني المطلق لا حاجة له حتى يكون له ~~ولد يقضيها، وإذا انتفت الحاجة انتفى الولد، وأيضا إنما يحتاج إلى الولد ~~من يكون بصدد الانقراض، ليقوم الولد مقامه، والأزلي القديم لا يفتقر إلى ~~ذلك. وقد تقدم تفسير الآية في البقرة. ثم بالغ في الرد عليهم بما هو ~~كالبرهان، فقال { له ما في السموات وما في الأرض } ، ~~وإذا كان الكل له، وفي ملكه، فلا يصح أن يكون شيء مما فيهما ولدا له ~~للمنافاة بين الملك والبنوة والأبوة. ثم زيف دعواهم الباطلة وبين أنها ~~بلا دليل فقال { إن عندكم من سلطان بهذا } أي ماعندكم من ~~حجة وبرهان ms1655 بهذا القول الذي تم لونه، و«من» في { من سلطن } زائدة ~~للتأكيد، والجار والمجرور في { بهذا } متعلق إما بسلطان، لأنه بمعنى ~~الحجة والبرهان، أو متعلق بما عندكم لما فيه من معنى الاستقرار. ثم وبخهم ~~على هذا القول العاطل عن الدليل الباطل عند العقلاء فقال { أتقولون ~~على الله ما لا تعملون } ، ويستفاد من هذا أن كل قول لا دليل ~~عليه، ليس هو من العلم في شيء، بل من الجهل المحض. ثم أمر رسوله صلى الله ~~عليه وسلم أن يقول لهم قولا يدل على أن ما قالوه كذب، وأن من كذب على ~~الله لا يفلح، فقال { قل إن الذين يفترون على الله ~~الكذب لا يفلحون } أي كل مفتر هذا شأنه، ويدخل فيه هؤلاء ~~دخولا أوليا. # وذكر الكذب مع الافتراء للتأكيد كما سبق في مواضع من الكتاب العزيز. ~~والمعنى أن هؤلاء الذين يكذبون على ربهم لا يفوزون بمطلب من المطالب. ثم ~~بين سبحانه أن هذا الافتراء وإن فاز صاحبه بشيء من المطالب العاجلة، فهو ~~متاع قليل في الدنيا، ثم يتعقبه الموت والرجوع إلى الله، فيعذب المفتري ~~عذابا مؤبدا. فيكون { متاع } خبر مبتدأ محذوف، والجملة مستأنفة لبيان ~~أن ما يحصل للمفترى بافترائه ليس بفائدة يعتد بها، بل هو متاع يسير في ~~الدنيا، يتعقبه العذاب الشديد بسبب الكفر الحاصل بأسباب من جملتها الكذب ~~على الله. وقال الأخفش إن التقدير لهم متاع في الدنيا، فيكون المحذوف على ~~هذا هو الخبر. وقال الكسائي التقدير ذلك متاع أو هو متاع، فيكون المحذوف ~~على هذا هو المبتدأ. وقد أخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، قال في قوله تعالى ~~{ ولا يحزنك } لما لم ينتفعوا بما جاءهم من الله وأقاموا على ~~كفرهم، كبر ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه من الله فيما ~~يعاتبه { ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا ~~هو السميع العليم } يسمع ما يقولون ويعلمه، فلو شاء بعزته ~~لانتصر منهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله { والنهار ~~مبصرا } قال منيرا. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، ms1656 في قوله { إن ~~عندكم من سلطان بهذا } يقول ما عندكم سلطان بهذا. ### || [10.71-74] # لما بالغ سبحانه في تقرير البراهين الواضحة ودفع الشبهة المنهارة شرع في ~~ذكر قصص الأنبياء، لما في ذلك من التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال { واتل عليهم } أي على الكفار المعاصرين لك، المعارضين لما ~~جئت به بأقوالهم الباطلة { نبأ نوح } أي خبره، والنبأ هو الخبر الذي ~~له خطر وشأن، والمراد ما جرى له مع قومه الذين كفروا بما جاء به، كما ~~فعله كفار قريش وأمثالهم { إذ قال لقومه } أي وقت قال لقومه، ~~والظرف منصوب بنبأ أو بدل منه بدل اشتمال، واللام في { لقومه } لام ~~التبليغ { يقوم إن كان كبر عليكم مقامى } أي عظم ~~وثقل، والمقام بفتح الميم الموضع الذي يقام فيه، وبالضم الإقامة. وقد ~~اتفق القراء على الفتح، وكنى بالمقام عن نفسه كما يقال فعلته لمكان فلان ~~أي لأجله. ومنه # ولمن خاف مقام ربه # الرحمن 46 أي خاف ربه، ويجوز أن يراد بالمقام المكث أي شق عليكم مكثي ~~بين أظهركم، ويجوز أن يراد بالمقام القيام لأن الواعظ يقوم حال وعظه ~~والمعنى إن كان كبر عليكم قيامي بالوعظ في مواطن اجتماعكم، وكبر عليكم ~~تذكيري لكم { بآيات الله } التكوينية والتنزيلية، { فعلى الله ~~توكلت } هذه الجملة جواب الشرط، والمعنى إني لا أقابل ذلك منكم إلا ~~بالتوكل على الله، فإن ذلك دأبي الذي أنا عليه قديما وحديثا. ويجوز أن ~~يريد إحداث مرتبة مخصوصة عن مراتب التوكل، ويجوز أن يكون جواب الشرط { ~~فأجمعوا } وجملة { فعلى الله توكلت } اعتراض، كقولك إن ~~كنت أنكرت علي شيئا فالله حسبي. ومعنى { فأجمعوا أمركم } ~~اعتزموا عليه، من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه قاله الفراء وروي عن ~~الفراء أنه قال أجمع الشيء أعده، وقال مؤرج السدوسي أجمع الأمر أفصح من ~~أجمع عليه، وأنشد # يا ليت شعري والمنى لا تنفع هل أغدون يوما وأمري مجمع # وقال أبو الهيثم أجمع أمره جعله جميعا بعدما كان متفرقا، وتفرقه أن ~~تقول مرة أفعل كذا، ومرة أفعل كذا، فلما عزم ms1657 على أمر واحد فقد جمعه أي ~~جعله جميعا، فهذا هو الأصل في الإجماع، ثم صار بمعنى العزم، وقد اتفق ~~جمهور القراء على نصب «شركاءكم» وقطع الهمزة من أجمعوا. وقرأ يعقوب، ~~وعاصم الجحدري بهمزة وصل في { أجمعوا } ، على أنه من جمع يجمع جمعا. ~~وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، ويعقوب «وشركاؤكم» بالرفع. قال النحاس وفي ~~نصب الشركاء على قراءة الجمهور ثلاثة أوجه الأول بمعنى وادعوا شركاءكم، ~~قاله الكسائي والفراء، أي ادعوهم لنصرتكم، فهو على هذا منصوب بفعل مضمر. ~~وقال محمد بن يزيد المبرد هو معطوف على المعنى، كما قال الشاعر # يا ليت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا # والرمح لا يتقلد به، لكنه محمول كالسيف. وقال الزجاج المعنى مع شركائكم، ~~فالواو على هذا واو مع. وأما على قراءة " اجمعوا " بهمزة وصل فالعطف ظاهر ~~أي اجمعوا أمركم، واجمعوا شركاءكم. وأما توجيه قراءة الرفع، فعلى عطف ~~الشركاء على الضمير المرفوع في { أجمعوا } ، وحسن هذا العطف مع عدم ~~التأكيد بمنفصل كما هو المعتبر في ذلك أن الكلام قد طال. قال النحاس ~~وغيره وهذه القراءة بعيدة لأنه لو كان { شركاءكم } مرفوعا لرسم في ~~المصحف بالواو، وليس ذلك موجودا فيه، قال المهدوي ويجوز أن يرتفع ~~الشركاء بالابتداء، والخبر محذوف أي وشركاؤكم ليجمعوا أمرهم، ونسبة ذلك ~~إلى الشركاء مع كون الأصنام لا تعقل، لقصد التوبيخ، والتقريع لمن عبدها. ~~وروي عن أبي أنه قرأ «وادعوا شركاءكم» بإظهار الفعل. قوله { ثم لا ~~يكن أمركم عليكم غمة } الغمة التغطية من قولهم، غم ~~الهلال إذا استتر، أي ليكن أمركم ظاهرا منكشفا، قال طرفة # لعمرك ما أمري علي بغمة نهاري ولا ليلي علي بسرمد # هكذا قال الزجاج، وقال الهيثم معناه لا يكن أمركم عليكم مبهما. وقيل إن ~~الغمة ضيق الأمر، كذا روي عن أبي عبيدة. والمعنى لا يكن أمركم عليكم ~~بمصاحبتي والمجاملة لي ضيقا شديدا، بل ادفعوا هذا الضيق والشدة بما ~~شئتم، وقدرتم عليه، وعلى الوجهين الأولين يكون المراد بالأمر الثاني هو ~~الأمر الأول، وعلى الثالث يكون المراد به غيره. قوله { ثم اقضوا ms1658 ~~إلى ولا تنظرون } أي ذلك الأمر الذي تريدونه بي، وأصل اقضوا من ~~القضاء، وهو الإحكام، والمعنى أحكموا ذلك الأمر. قال الأخفش والكسائي هو ~~مثل # وقضينآ إليه ذلك الأمر # الحجر 66 أي أنهيناه إليه وأبلغناه إياه، ثم { لا تنظرون } أي لا ~~تمهلون، بل عجلوا أمركم واصنعوا ما بدا لكم، وقيل معناه ثم امضوا إلي ~~ولا تؤخرون، قال النحاس هذا قول صحيح في اللغة، ومنه قضى الميت مضى، وحكى ~~الفراء عن بعض القراء أنه قرأ «ثم أفضوا» بالفاء وقطع الهمزة، أي توجهوا، ~~وفي هذا الكلام من نوح عليه السلام ما يدل على وثوقه بنصر ربه، وعدم ~~مبالاته بما يتوعده به قومه. ثم بين لهم أن كل ما أتى به إليهم من ~~الإعذار والإنذار، وتبليغ الشريعة عن الله، ليس هو لطمع دنيوي، ولا لغرض ~~خسيس، فقال { فإن توليتم فما سألتكم من أجر } أي ~~إن أعرضتم عن العمل بنصحي لكم، وتذكيري إياكم، فما سألتكم في مقابلة ذلك ~~من أجر تؤدونه إلي حتى تتهموني فيما جئت به، والفاء في { فإن ~~توليتم } لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والفاء في { فما ~~سألتكم } جزائية { إن أجرى إلا على الله } أي ما ~~ثوابي في النصح والتذكير إلا عليه سبحانه، فهو يثيبني آمنتم أو توليتم. # قرأ أهل المدينة، وأبو عمر، وابن عامر، وحفص، بتحريك الياء من { أجري } ~~، وقرأ الباقون بالسكون { وأمرت أن أكون من المسلمين } ~~المنقادين لحكم الله الذين يجعلون أعمالهم خالصة لله سبحانه، لا يأخذون ~~عليها أجرا ولا يطمعون في عاجل. قوله { فكذبوه فنجيناه ~~ومن معه فى الفلك } أي استمروا على تكذيبه أصروا على ذلك، ~~وليس المراد أنهم أحدثوا تكذيبه بعد أن لم يكن، والمراد بمن معه من قد ~~أجابه وصار على دينه، والخلائف جمع خليفة، والمعنى أنه سبحانه جعلهم ~~خلفاء يسكنون الأرض التي كانت للمهلكين بالغرق، ويخلفونهم فيها { ~~وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا } من الكفار المعاندين ~~لنوح، الذين لم يؤمنوا به أغرقهم الله بالطوفان { فانظر كيف كان ~~عاقبة المنذرين } فيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وتهديد ms1659 للمشركين، وتهويل عليهم. { ثم بعثنا من بعده } أي من ~~بعد نوح { رسلا } كهود وصالح، وإبراهيم ولوط، وشعيب { فجاءوهم ~~بالبينات } أي بالمعجزات وبما أرسلهم الله به من الشرائع التي ~~شرعها الله لقوم كل نبي { فما كانوا ليؤمنوا } أي فما أحدثوا ~~الإيمان بل استمروا على الكفر وأصروا عليه، والمعنى أنه ما صح ولا ~~استقام لقوم من أولئك الأقوام الذين أرسل الله إليهم رسله أن يؤمنوا في ~~وقت من الأوقات { بما كذبوا به من قبل } أي من قبل تكذيبهم ~~الواقع منهم عند مجيء الرسل إليهم، والمعنى أن كل قوم من العالم لم ~~يؤمنوا عند أن أرسل الله إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم المبعوث إليهم ~~على الخصوص بما كانوا مكذبين به من قبل مجيئه إليهم لأنهم كانوا غير ~~مؤمنين، بل مكذبين بالدين، ولو كانوا مؤمنين لم يبعث إليهم رسولا، وهذا ~~مبني على أن الضمير في { فما كانوا ليؤمنوا } وفي { بما ~~كذبوا } راجع إلى القوم المذكورين في قوله { إلى قومهم } ~~وقيل ضمير { كذبوا } راجع إلى قوم نوح أي فما كان قوم الرسل ليؤمنوا بما ~~كذب به قوم نوح من قبل أن يأتي هؤلاء الأقوام الذين جاءوا من بعدهم { ~~وجاءتهم رسلهم بالبينات } وقيل إن الباء في { بما كذبوا ~~به من قبل } للسببية، أي فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بسبب ما ~~اعتادوه من تكذيب الحق من قبل مجيئهم، وفيه نظر. وقيل المعنى بما كذبوا ~~به من قبل أي في عالم الذر فإن فيهم من كذب بقلبه، وإن آمنوا ظاهرا. ~~قال النحاس ومن أحسن ما قيل إنه لقوم بأعيانهم { كذلك نطبع ~~على قلوب المعتدين } أي مثل ذلك الطبع العظيم نطبع على قلوب ~~المتجاوزين للحد المعهود في الكفر، وقد تقدم تفسير هذا في غير موضع. ~~وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن الأعرج، في قوله { فأجمعوا أمركم ~~وشركاءكم } يقول فأحكموا أمركم، وادعوا شركاءكم. وأخرج أيضا عن ~~الحسن في الآية أي فليجمعوا أمرهم معكم. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله { ثم ms1660 لا يكن ~~أمركم عليكم غمة } قال لا يكبر عليكم أمركم { ثم ~~اقضوا } ما أنتم قاضون. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، ~~في قوله { ثم اقضوا } قال انهضوا { إلى ولا تنظرون } ~~يقول ولا تؤخرون. ### || [10.75-87] # قوله { ثم بعثنا من بعدهم } معطوف على قوله { ثم ~~بعثنا من بعده رسلا } والضمير في { من بعدهم } ، راجع إلى ~~الرسل المتقدم ذكرهم، وخص موسى وهارون بالذكر مع دخولهما تحت الرسل ~~لمزيد شرفهما، وخطر شأن ما جرى بينهما وبين فرعون، والمراد بالملأ ~~الأشراف، والمراد بالآيات المعجزات، وهي التسع المذكورة في الكتاب العزيز ~~{ فاستكبروا } عن قبولها، ولم يتواضعوا لها، ويذعنوا لما اشتملت ~~عليه من المعجزات الموجبة لتصديق ما جاء بها. { وكانوا قوما ~~مجرمين } أي كانوا ذوي إجرام عظام، وآثام كبيرة، فبسبب ذلك اجترءوا ~~على ردها لأن الذنوب تحول بين صاحبها وبين إدراك الحق، وإبصار الصواب. ~~قيل وهذه الجملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها. قوله { فلما جاءهم ~~الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين } أي ~~فلما جاء فرعون وملأه الحق من عند الله، وهو المعجزات، لم يؤمنوا بها بل ~~حملوها على السحر مكابرة منهم، فرد عليهم موسى قائلا { أتقولون ~~للحق لما جاءكم أسحر هذا } قيل في الكلام حذف، ~~والتقدير أتقولون للحق سحر فلا تقولوا ذلك، ثم استأنف إنكارا آخر من ~~جهة نفسه فقال { أسحر هذا } فحذف قولهم الأول اكتفاء بالثاني، ~~والملجىء إلى هذا أنهم لم يستفهموه عن السحر حتى يحكي ما قالوه بقوله { ~~أسحر هذا } بل هم قاطعون بأنه سحر لأنهم قالوا { إن هذا ~~لسحر مبين } فحينئذ لا يكون قوله { أسحر هذا } من قولهم، ~~وقال الأخفش هو من قولهم، وفيه نظر لما قدمنا، وقيل معنى { أتقولون ~~} أتعيبون الحق وتطعنون فيه، وكان عليكم أن تذعنوا له، ثم قال أسحر هذا، ~~منكرا لما قالوه. وقيل إن مفعول { أتقولون } محذوف، وهو ما دل ~~عليه قولهم { إن هذا لسحر } والتقدير أتقولون ما تقولون، ~~يعني قولهم إن هذا لسحر مبين، ثم قيل أسحر هذا، وعلى هذا التقدير ~~والتقدير الأول فتكون ms1661 جملة { أسحر هذا } مستأنفة من جهة موسى ~~عليه السلام، والاستفهام للتقريع والتوبيخ، بعد الجملة الأولى المستأنفة ~~الواقعة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل ماذا قال لهم موسى لما قالوا إن هذا ~~لسحر مبين؟ فقيل قال أتقولون للحق لما جاءكم، على طريقة الاستفهام ~~الإنكاري، والمعنى أتقولون للحق لما جاءكم إن هذا لسحر مبين، وهو أبعد ~~شيء من السحر. ثم أنكر عليهم، وقرعهم، ووبخهم، فقال { أسحر هذا ~~} فجاء موسى عليه السلام بإنكار بعد إنكار، وتوبيخ بعد توبيخ، وتجهيل بعد ~~تجهيل، وجملة { ولا يفلح السحرون } في محل نصب على الحال أي ~~أتقولون للحق إنه سحر، والحال أنه لا يفلح الساحرون، فلا يظفرون بمطلوب، ~~ولا يفوزون بخير، ولا ينجون من مكروه، فكيف يقع في هذا من هو مرسل من عند ~~الله، وقد أيده بالمعجزات والبراهين الواضحة؟ وجملة { قالوا ~~أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه ءاباءنا } ~~مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل فماذا قالوا بعد أن قال لهم موسى ما ~~قال؟ وفي هذا ما يدل على أنهم انقطعوا عن الدليل، وعجزوا عن إبراز ~~الحجة، ولم يجحدوا ما يجيبون به عما أورده عليهم، بل لجئوا إلى ما يلجأ ~~إليه أهل الجهل والبلادة، وهو الاحتجاج بما كان عليه آباؤهم من الكفر، ~~وضموا إلى ذلك ما هو غرضهم وغاية مطلبهم، وسبب مكابرتهم للحق، وجحودهم ~~للآيات البينة، وهو الرياسة الدنيوية التي خافوا عليها، وظنوا أنها ستذهب ~~عنهم إن آمنوا، وكم بقي على الباطل، وهو يعلم أنه باطل بهذه الذريعة من ~~طوائف هذا العالم في سابق الدهر ولاحقه، فمنهم من حبسه ذلك عن الخروج من ~~الكفر، ومنهم من حبسه عن الخروج إلى السنة من البدعة، وإلى الرواية ~~الصحيحة من الرأي البحت، يقال لفته لفتا إذا صرفه عن الشيء ولواه عنه، ~~ومنه قول الشاعر # تلفت نحو الحي حتى رأيتني وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا # أي تريد أن تصرفنا عن الشيء الذي وجدنا عليه آباءنا، وهو عبادة الأصنام، ~~والمراد بالكبرياء الملك، قال الزجاج سمي الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب ~~من أمر الدنيا وقيل ms1662 سمي بذلك لأن الملك يتكبر. والحاصل أنهم عللوا عدم ~~قبولهم دعوة موسى بأمرين التمسك بالتقليد للآباء، والحرص على الرياسة ~~الدنيوية لأنهم إذا أجابوا النبي وصدقوه صارت مقاليد أمر أمته إليه ولم ~~يبق للملك رئاسة تامة لأن التدبير للناس بالدين يرفع تدبير الملوك هم ~~بالسياسات والعادات، ثم قالوا { وما نحن لكما بمؤمنين } ~~تصريحا منهم بالتكذيب، وقطعا للطمع في إيمانهم، وقد أفرد الخطاب لموسى ~~في قولهم { أجئتنا لتلفتنا } ، ثم جمعوا بينه وبين هارون في الخطاب في ~~قولهم { وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن ~~لكما بمؤمنين } ووجه ذلك أنهم أسندوا المجيء والصرف عن طريق ~~آبائهم إلى موسى، لكونه المقصود بالرسالة المبلغ عن الله ما شرعه لهم، ~~وجمعوا بينهما في الضميرين الآخرين لأن الكبرياء شامل لهما في زعمهم، ~~ولكون ترك الإيمان بموسى يستلزم ترك الإيمان بهارون، وقد مرت القصة في ~~الأعراف. قوله { وقال فرعون ائتونى بكل سحر عليم } ~~قال هكذا لما رأى اليد البيضاء والعصا، لأنه اعتقد أنهما من السحر، فأمر ~~قومه بأن يأتوه بكل ساحر عليم، هكذا قرأ حمزة والكسائي، وابن وثاب، ~~والأعمش «سحار». وقرأ الباقون { ساحر } وقد تقدم الكلام على هذا في ~~الأعراف، والسحار صيغة مبالغة أي كثير السحر، كثير العلم بعمله وأنواعه { ~~فلما جاء السحرة } في الكلام حذف، والتقدير هكذا وقال فرعون ~~ائتوني بكل سحار عليم، فأتوا بهم إليه، فلما جاء السحرة، فتكون الفاء ~~للعطف على المقدر المحذوف. # قوله { قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون } أي ~~قال لهم هذه المقالة بعد أن قالوا له إما أن تلقي، وإما أن نكون نحن ~~الملقون أي اطرحوا على الأرض ما معكم من حبالكم وعصيكم { فلما ~~ألقوا } ما ألقوه من ذلك { قال } لهم { موسى ما جئتم به ~~السحر } أي الذي جئتم به السحر، على أن " ما " موصولة مبتدأ والخبر ~~السحر والمعنى أنه سحر، لا أنه آية من آيات الله. وأجاز الفراء نصب السحر ~~ب { جئتم } ، وتكون " ما " شرطية، والشرط " جئتم " ، والجزاء { إن ~~الله سيبطله } على تقدير الفاء أي فإن الله سيبطله وقيل إن ms1663 ~~السحر منتصب على المصدر أي ما جئتم به سحرا، ثم دخلت الألف واللام، فلا ~~يحتاج على هذا إلى حذف الفاء، واختاره النحاس. وقال حذف الفاء في ~~المجازاة لا يجيزه كثير من النحويين إلا في ضرورة الشعر. وقرأ أبو عمرو، ~~وأبو جعفر «آلسحر» على أن الهمزة للاستفهام، والتقدير أهو السحر، فتكون " ~~ما " على هذه القراءة استفهامية. وقرأ أبي «ما أتيتم به سحر إن الله ~~سيبطله» أي سيمحقه، فيصير باطلا بما يظهره على يدي من الآيات المعجزة { ~~إن الله لا يصلح عمل المفسدين } أي عمل هذا الجنس، ~~فيشمل كل من يصدق عليه أنه مفسد، ويدخل فيه السحر والسحرة دخولا ~~أوليا، والواو في { ويحق الله الحق } للعطف على سيبطله، أي ~~يبينه ويوضحه { بكلمته } التي أنزلها في كتبه على أنبيائه، ~~لاشتمالها على الحجج والبراهين { ولو كره المجرمون } من آل ~~فرعون، أو المجرمون على العموم، ويدخل تحتهم آل فرعون دخولا أوليا، ~~والإجرام الآثام. قوله { فما ءامن لموسى إلا ذرية من ~~قومه } الضمير يرجع إلى موسى أي من قوم موسى، وهم طائفة من ذراري بني ~~إسرائيل. وقيل المراد طائفة من ذراري فرعون، فيكون الضمير عائدا على ~~فرعون. قيل ومنهم مؤمن آل فرعون وامرأته، وماشطة ابنته، وامرأة خازنه. ~~وقيل هم قوم آباؤهم من القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل، روي هذا عن الفراء ~~{ على خوف من فرعون وملئهم } الضمير لفرعون، وجمع لأنه ~~لما كان جبارا جمعوا ضميره تعظيما له. وقيل إن قوم فرعون سموا بفرعون ~~مثل ثمود، فرجع الضمير إليهم بهذا الاعتبار. وقيل إنه عائد على مضاف ~~محذوف، والتقدير على خوف من آل فرعون، وروي هذا عن الفراء. ومنع ذلك ~~الخليل، وسيبويه، فلا يجوز عندهما قامت هند وأنت تريد غلامها. وروي عن ~~الأخفش أن الضمير يعود على الذرية، وقواه النحاس { أن يفتنهم } ~~أي يصرفهم عن دينهم بالعذاب الذي كان ينزله بهم، وهو بدل اشتمال. ويجوز ~~أن يكون في موضع نصب بالمصدر { وإن فرعون لعال في الأرض ~~} أي عات متكبر، متغلب على أرض مصر { وإنه لمن المسرفين } ~~المجاوزين للحد ms1664 في الكفر، وما يفعله من القتل والصلب، وتنويع العقوبات. # قوله { وقال موسى يا قوم إن كنتم ءامنتم بالله ~~فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين } قيل إن هذا من باب ~~التكرير للشرط، فشرط في التوكل على الله الإيمان به والإسلام أي ~~الاستسلام لقضائه وقدره. وقيل إن هذا ليس من تعليق الحكم بشرطين بل ~~المعلق بالإيمان هو وجوب التوكل، والمشروط بالإسلام وجوده، والمعنى أن ~~يسلموا أنفسهم لله أي يجعلوها له سالمة خالصة لا حظ للشيطان فيها لأن ~~التوكل لا يكون مع التخليط. قال في الكشاف ونظيره في الكلام إن ضربك زيد ~~فاضربه، إن كانت لك به قوة { فقالوا } أي قوم موسى مجيبين له { ~~على الله توكلنا } ثم دعوا الله مخلصين، فقالوا { ربنا ~~لا تجعلنا فتنة } أي موضع فتنة { للقوم الظلمين } ~~والمعنى لا تسلطهم علينا، فيعذبونا حتى يفتنونا عن ديننا، ولا تجعلنا ~~فتنة لهم، يفتنون بنا غيرنا، فيقولون لهم لو كان هؤلاء على حق لما سلطنا ~~عليهم وعذبناهم، وعلى المعنى الأول تكون الفتنة بمعنى المفتون. ولما ~~قدموا التضرع إلى الله سبحانه في أن يصون دينهم عن الفساد، أتبعوه ~~بسؤال عصمة أنفسهم، فقالوا { ونجنا برحمتك من القوم ~~الكفرين } وفي هذا دليل على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق ~~اهتمامهم بسلامة أنفسهم. قوله { وأوحينا إلى موسى وأخيه ~~أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا } " أن " هي المفسرة لأن ~~في الإيحاء معنى القول أن تبوآ أي اتخذوا لقومكما بمصر بيوتا يقال ~~بوأت زيدا مكانا، وبوأت لزيد مكانا، والمبوأ المنزل الملزوم، ومنه ~~بوأه الله منزلا أي ألزمه إياه، وأسكنه فيه، ومنه الحديث # " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " # ومنه قول الراجز # نحن بنو عدنان ليس شك تبوأ المجد بنا والملك # قيل ومصر في هذه الآية هي الإسكندرية، وقيل هي مصر المعروفة، لا ~~الإسكندرية { واجعلوا بيوتكم قبلة } أي متوجهة إلى جهة ~~القبلة، قيل والمراد بالبيوت هنا المساجد، وإليه ذهب جماعة من السلف. ~~وقيل المراد بالبيوت التي يسكنون فيها، أمروا بأن يجعلوها منا قبلة، ~~والمراد بالقبلة على القول الأول ms1665 هي جهة بيت المقدس، وهو قبلة اليهود ~~إلى اليوم. وقيل جهة الكعبة، وأنها كانت قبلة موسى ومن معه وقيل المراد ~~أنهم يجعلون بيتهم مستقبلة للقبلة، ليصلوا فيها سرا لئلا يصيبهم من ~~الكفار معرة بسبب الصلاة، ومما يؤيد هذا قوله { وأقيموا الصلاة ~~} أي التي أمركم الله بإقامتها، فإنه يفيد أن القبلة هي قبلة الصلاة، إما ~~في المساجد أو في البيوت، لا جعل البيوت متقابلة، وإنما جعل الخطاب في ~~أول الكلام مع موسى وهارون، ثم جعله لهما ولقومهما في قوله { ~~واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلوة } ثم أفرد ~~موسى بالخطاب بعد ذلك، فقال { وبشر المؤمنين } لأن اختيار ~~المكان مفوض إلى الأنبياء، ثم جعل عاما في استقبال القبلة وإقامة ~~الصلاة، لأن ذلك واجب على الجميع لا يختص بالأنبياء، ثم جعل خاصا بموسى ~~لأنه الأصل في الرسالة، وهارون تابع له، فكان ذلك تعظيما للبشارة ~~وللمبشر بها. # وقيل إن الخطاب في { وبشر المؤمنين } لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ~~على طريقة الالتفات والاعتراض، والأول أولى. وقد أخرج عبد الرزاق، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله { لتلفتنا } ~~قال لتلوينا. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي، قال لتصدنا عن ~~آلهتنا، وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن مجاهد، في قوله { وتكون ~~لكما الكبرياء فى الأرض } قال العظمة والملك والسلطان. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { فما ~~ءامن لموسى إلا ذرية } قال الذرية القليل. وأخرج هؤلاء، ~~عنه، في قوله { ذرية من قومه } قال من بني إسرائيل. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال هم أولاد الذين أرسل ~~إليهم موسى من طول الزمان ومات آباؤهم. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، قال ~~كانت الذرية التي آمنت لموسى من أناس غير بني إسرائيل من قوم فرعون منهم ~~امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه. وأخرج عبد ~~الرزاق، وسعيد بن منصور، ونعيم بن حماد في الفتن، وأبو الشيخ، عن مجاهد، ~~في قوله ms1666 { ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظلمين ~~} قال لا تسلطهم علينا فيفتنونا. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، قال في تفسير الآية لا تعذبنا بأيدي قوم ~~فرعون، ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون لو كانوا على الحق ما عذبوا ~~ولا سلطنا عليهم فيفتنون بنا. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبو ~~الشيخ، عن أبي قلابة، في الآية قال سأل ربه ألا يظهر علينا عدونا، ~~فيحسبون أنهم أولى بالعدل فيفتنون بذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، عن أبي مجلز، نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، في قوله { ~~وأوحينا إلى موسى وأخيه } الآية. قال ذلك حين منعهم ~~فرعون الصلاة، فأمروا أن يجعلوا مساجدهم في بيوتهم، وأن يوجهوها نحو ~~القبلة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ~~مجاهد، في قوله { أن تبوءا لقومكما بمصر } قال مصر ~~الإسكندرية. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن مجاهد، في الآية قال كانوا لا يصلون إلا في البيع حتى خافوا من ~~آل فرعون، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، في الآية ~~قال أمروا أن يتخذوا في بيوتهم مساجد. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي سنان، قال ~~القبلة الكعبة، وذكر أن آدم فمن بعده كانوا يصلون قبل الكعبة. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { واجعلوا بيوتكم قبلة } ~~قال يقابل بعضها بعضا. ### || [10.88-92] # لما بالغ موسى عليه السلام في إظهار المعجزات، وإقامة الحجج البينات، ~~ولم يكن لذلك تأثير في من أرسل إليهم، دعا عليهم بعد أن بين سبب إصرارهم ~~على الكفر، وتمسكهم بالجحود والعناد، فقال مبينا للسبب أولا { ~~ربنا إنك ءاتيت فرعون وملأه زينة وأموالا فى ~~الحيوة الدنيا } قد تقدم أن الملأ هم الأشراف. والزينة اسم لكل ~~ما يتزين به، من ملبوس ومركوب، وحلية وفراش وسلاح، وغير ذلك، ثم كرر ~~النداء للتأكيد فقال ms1667 { ربنا ليضلوا عن سبيلك }. وقد اختلف ~~في هذه اللام الداخلة على الفعل، فقال الخليل وسيبويه إنها لام العاقبة ~~والصيرورة. والمعنى أنه لما كان عاقبة أمرهم الضلال، صار كأنه سبحانه ~~أعطاهم ما أعطاهم من النعم ليضلوا، فتكون اللام على هذا متعلقة بآتيت ~~وقيل إنها لام كي أي أعطيتهم لكي يضلوا. وقال قوم إن المعنى أعطيتهم ذلك ~~لئلا يضلوا. فحذفت لا كما قال سبحانه # يبين الله لكم أن تضلوا # النساء 176. قال النحاس ظاهر هذا الجواب حسن إلا أن العرب لا تحذف لا ~~إلا مع أن، فموه صاحب هذا التأويل بالاستدلال بقوله { يبين الله ~~لكم أن تضلوا } ، وقيل اللام للدعاء عليهم. والمعنى، ابتلهم ~~بالهلاك عن سبيلك، واستدل هذا القائل بقوله سبحانه بعد هذا { اطمس } و { ~~اشدد }. وقد أطال صاحب الكشاف في تقرير هذا بما لا طائل تحته، والقول ~~الأول هو الأولى. وقرأ الكوفيون «ليضلوا» بضم حرف المضارعة أي يوقعوا ~~الإضلال على غيرهم. وقرأ الباقون بالفتح أي يضلون في أنفسهم { ربنا ~~اطمس على أمولهم }. قال الزجاج طمس الشيء إذهابه عن صورته ~~والمعنى الدعاء عليهم بأن يمحق الله أموالهم، ويهلكها وقرىء بضم الميم من ~~اطمس { واشدد على قلوبهم } أي اجعلها قاسية مطبوعة لا تقبل ~~الحق، ولا تنشرح للإيمان. قوله { فلا يؤمنوا } قال المبرد والزجاج ~~هو معطوف على { ليضلوا } ، والمعنى آتيتهم النعم، ليضلوا ولا يؤمنوا، ~~ويكون ما بين المعطوف والمعطوف عليه اعتراضا. وقال الفراء، والكسائي، ~~وأبو عبيدة هو دعاء بلفظ النهي، والتقدير اللهم فلا يؤمنوا، ومنه قول ~~الأعشى # فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ولا تلقني إلا وأنفك راغم # وقال الأخفش إنه جواب الأمر أي اطمس واشدد، فلا يؤمنوا، فيكون منصوبا. ~~وروي هذا عن الفراء أيضا، ومنه # يا ناق سيري عنقا فسيحا إلى سليمان فنستريحا # { حتى يروا العذاب الأليم } أي لا يحصل منهم الإيمان إلا ~~مع المعاينة لما يعذبهم الله به، وعند ذلك لا ينفع إيمانهم. وقد استشكل ~~بعض أهل العلم ما في هذه الآية من الدعاء على هؤلاء، وقال إن الرسل إنما ~~تطلب هداية ms1668 قومهم وإيمانهم. وأجيب بأنه لا يجوز لنبي أن يدعو على قومه ~~إلا بإذن الله سبحانه، وإنما يأذن الله بذلك لعلمه بأنه ليس فيهم من ~~يؤمن، ولهذا لما أعلم الله نوحا عليه السلام بأنه لا يؤمن من قومه إلا ~~من قد آمن، قال # رب لا تذر على الأرض من الكفرين ديارا # نوح 26. { قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما } جعل ~~الدعوة ها هنا مضافة إلى موسى وهارون، وفيما تقدم أضافها إلى موسى وحده، ~~فقيل إن هارون كان يؤمن على دعاء موسى، فسمي ها هنا داعيا، وإن كان ~~الداعي موسى وحده، ففي أول الكلام أضاف الدعاء إلى موسى لكونه الداعي، ~~وها هنا أضافه إليهما تنزيلا للمؤمن منزلة الداعي، ويجوز أن يكونا ~~جميعا داعيين، ولكن أضاف الدعاء إلى موسى في أول الكلام لأصالته في ~~الرسالة. قال النحاس سمعت علي بن سليمان يقول الدليل على أن الدعاء ~~لهما، قول موسى { ربنا } ولم يقل رب. وقرأ علي والسلمي «دعاؤكما» وقرأ ~~ابن السميفع «دعواكما». والاستقامة الثبات على ما هما عليه من الدعاء إلى ~~الله. قال الفراء وغيره أمر بالاستقامة على أمرهما والثبات عليه، على ~~دعاء فرعون وقومه إلى الإيمان إلى أن يأتيهما تأويل الإجابة أربعين سنة، ~~ثم أهلكوا. وقيل معنى الاستقامة ترك الاستعجال ولزوم السكينة، والرضا ~~والتسليم لما يقضي به الله سبحانه. قوله { ولا تتبعان سبيل ~~الذين لا يعلمون } بتشديد النون للتأكيد، وحركت بالكسر لكونه ~~الأصل، ولكونها أشبهت نون التثنية. وقرأ ابن ذكوان بتخفيف النون على ~~النفي لا على النهي. وقرىء بتخفيف الفوقية الثانية من { تتبعان } ، ~~والمعنى النهي لهما عن سلوك طريقة من لا يعلم بعادة الله سبحانه في إجراء ~~الأمور على ما تقتضيه المصالح، تعجيلا وتأجيلا. قوله { وجاوزنا ~~ببنى إسرءيل البحر } هو من جاوز المكان إذا خلفه وتخطاه، ~~والباء للتعدية أي جعلناهم مجاوزين البحر، حتى بلغوا الشط لأن الله ~~سبحانه جعل البحر يبسا فمروا فيه حتى خرجوا منه إلى البر. وقد تقدم ~~تفسير هذا في سورة البقرة في قوله سبحانه # وإذ فرقنا بكم البحر # البقرة 50 وقرأ ms1669 الحسن «وجوزنا» وهما لغتان { فأتبعهم فرعون ~~وجنوده } يقال تبع وأتبع بمعنى واحد، إذا لحقه. وقال الأصمعي يقال ~~أتبعه بقطع الألف، إذا لحقه وأدركه، واتبعه بوصل الألف إذا اتبع أثره ~~أدركه، أو لم يدركه. وكذا قال أبو زيد. وقال أبو عمرو إن اتبعه بالوصل ~~اقتدى به، وانتصاب بغيا وعدوا على الحال، والبغي الظلم، والعدو ~~الاعتداء، ويجوز أن يكون انتصابهما على العلة أي للبغي والعدو. وقرأ ~~الحسن «وعدوا» بضم العين والدال وتشديد الواو، مثل علا يعلو علوا، وقيل ~~إن البغي طلب الاستعلاء في القول بغير حق، والعدو في الفعل { حتى ~~إذا أدركه الغرق } أي ناله ووصله وألجمه. وذلك أن موسى خرج ~~ببني إسرائيل على حين غفلة من فرعون، فلما سمع فرعون بذلك لحقهم بجنوده، ~~ففرق الله البحر لموسى وبني إسرائيل، فمشوا فيه حتى خرجوا من الجانب ~~الآخر، وتبعهم فرعون، والبحر باق على الحالة التي كان عليها عند مضي ~~موسى ومن معه، فلما تكامل دخول جنود فرعون، وكادوا أن يخرجوا من الجانب ~~الآخر، انطبق عليهم فغرقوا كما حكى الله سبحانه ذلك { قال ءامنت ~~أنه لا إله إلا الذى ءامنت به بنوا إسرءيل } ~~أي صدقت أنه بفتح الهمزة على أن الأصل بأنه، فحذفت الباء، والضمير ~~للشأن. # وقرىء بكسر إن على الاستئناف، وزعم أبو حاتم أن القول محذوف أي آمنت، ~~فقلت إنه، ولم ينفعه هذا الإيمان أنه وقع منه بعد إدراك الغرق كله، كما ~~تقدم في النساء، ولم يقل للعين آمنت بالله أو برب العالمين، بل قال ~~آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، لأنه بقي فيه عرق من ~~دعوى الإلهية. قوله { وأنا من المسلمين } أي المستسلمين ~~لأمر الله، المنقادين له، الذين يوحدونه وينفون ما سواه، وهذه الجملة إما ~~في محل نصب على الحال أو معطوفة على آمنت. قوله { الآن وقد عصيت قبل وكنت ~~من المفسدين } هو مقول قول مقدر معطوف على { قال آمنت } أي فقيل له ~~أتؤمن الآن؟ وقد اختلف من القائل لفرعون بهذه المقالة؟ فقيل هي من قول ~~الله سبحانه، ms1670 وقيل من قول جبريل، وقيل من قول ميكائيل، وقيل من قول ~~فرعون، قال ذلك في نفسه لنفسه. وجملة { وقد عصيت قبل } في محل نصب على ~~الحال من فاعل الفعل المقدر بعد القول المقدر، وهو أتؤمن الآن، والمعنى ~~إنكار الإيمان منه عند أن ألجمه الغرق، والحال أنه قد عصى الله من قبل، ~~والمقصود التقريع والتوبيخ له. وجملة { وكنت من المفسدين } معطوفة على ~~عصيت داخلة في الحال، أي كنت من المفسدين في الأرض بضلالك عن الحق، ~~وإضلالك لغيرك. قوله { فاليوم ننجيك ببدنك } قرىء «ننجيك» ~~بالتخفيف، والجمهور على التثقيل. وقرأ اليزيدي «ننحيك» بالحاء المهملة من ~~التنحية، وحكاها علقمة عن ابن مسعود ومعنى { ننجيك } بالجيم نلقيك على ~~نجوة من الأرض، وذلك أن بني إسرائيل لم يصدقوا أن فرعون غرق، وقالوا هو ~~أعظم شأنا من ذاك، فألقاه الله على نجوة من الأرض، أي مكان مرتفع من ~~الأرض حتى شاهدوه. وقيل المعنى نخرجك مما وقع فيه قومك من الرسوب في قعر ~~البحر، ونجعلك طافيا ليشاهدوك ميتا بالغرق، ومعنى " ننحيك " بالمهملة ~~نطرحك على ناحية من الأرض، وروي عن ابن مسعود أنه قرأ «بأبدانك». وقد ~~اختلف المفسرون في معنى ببدنك، فقيل معناه بجسدك بعد سلب الروح منه. وقيل ~~معناه بدرعك، والدرع يسمى بدنا، ومنه قول كعب بن مالك # ترى الأبدان فيها مسبغات على الأبطال واليلب الحصينا # أراد بالأبدان الدروع، وقال عمرو بن معدي كرب # ومضى نساؤهم بكل مضاضة جدلاء سابغة وبالأبدان # أي بدروع سابغة، ودروع قصيرة وهي التي يقال لها أبدان كما قال أبو ~~عبيدة. وقال الأخفش وأما قول من قال بدرعك، فليس بشيء، ورجح أن البدن ~~المراد به هنا الجسد. قوله { لتكون لمن خلفك ءاية } هذا ~~تعليل لتنجيته ببدنه، وفي ذلك دليل على أنه لم يظهر جسده دون قومه إلا ~~لهذه العلة لا سوى، والمراد بالآية العلامة، أي لتكون لمن خلفك من الناس ~~علامة يعرفون بها هلاكك، وأنك لست كما تدعي، ويندفع عنهم الشك في كونك ~~قد صرت ميتا بالغرق. وقيل المراد ليكون طرحك على الساحل وحدك ms1671 دون ~~المغرقين من قومك آية من آيات الله، يعتبر بها الناس، أو يعتبر بها من ~~سيأتي من الأمم إذا سمعوا ذلك، حتى يحذروا من التكبر والتجبر والتمرد ~~على الله سبحانه، فإن هذا الذي بلغ إلى ما بلغ إليه من دعوى الإلهية، ~~واستمر على ذلك دهرا طويلا كانت له هذه العاقبة القبيحة. وقرىء «لمن ~~خلفك» على صيغة الفعل الماضي أي لمن يأتي بعدك من القرون، أو من خلفك في ~~الرياسة أو في السكون في المسكن الذي كنت تسكنه { وإن كثيرا من ~~الناس عن آياتنا } التي توجب الاعتبار والتفكر، وتوقظ من سنة ~~الغفلة { لغفلون } عما توجبه الآيات، وهذه الجملة تذييلية. وقد ~~أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { ~~ربنا اطمس على أمولهم } يقول دمر على أموالهم وأهلكها { ~~واشدد على قلوبهم } قال اطبع { فلا يؤمنوا حتى ~~يروا العذاب الأليم } وهو الغرق. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب القرظي، قال سألني عمر ابن عبد العزيز، ~~عن قوله { ربنا اطمس على أمولهم } فأخبرته أن الله طمس ~~على أموال فرعون وآل فرعون، حتى صارت حجارة، فقال عمر كما أنت حتى آتيك، ~~فدعا بكيس مختوم ففكه، فإذا فيه الفضة مقطوعة كأنها الحجارة والدنانير ~~والدراهم، وأشباه ذلك من الأموال حجارة كلها. وقد روي أن أموالهم تحولت ~~حجارة من طريق جماعة من السلف. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن ~~عباس، قال { قد أجيبت دعوتكما } ، قال فاستجاب له، وحال بين فرعون وبين ~~الإيمان. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي هريرة قال كان موسى إذا دعا أمن ~~هارون على دعائه يقول آمين. قال أبو هريرة وهو اسم من أسماء الله، فذلك ~~قوله { قد أجيبت دعوتكما }. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، ~~نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن عكرمة نحوه. وأخرج ~~سعيد بن منصور، عن محمد بن كعب القرظي، نحوه أيضا. وأخرج ابن المنذر، عن ~~ابن عباس، قال يزعمون أن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين ms1672 سنة. # وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج، مثله. وأخرج الحكيم الترمذي، عن مجاهد، ~~نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس، فاستقيما فامضيا لأمري، ~~وهي الاستقامة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة، قال العدو والعتو والعلو ~~في كتاب الله التجبر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال لما خرج آخر ~~أصحاب موسى ودخل آخر أصحاب فرعون، أوحى الله إلى البحر أن انطبق عليهم، ~~فخرجت أصبع فرعون بلا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، قال جبريل ~~فعرفت أن الرب رحيم، وخفت أن تدركه الرحمة، فرمسته بجناحي وقلت آلان وقد ~~عصيت قبل؟ فلما خرج موسى وأصحابه قال من تخلف من قوم فرعون ما غرق فرعون ~~ولا أصحابه، ولكنهم في جزائر البحر يتصيدون، فأوحى الله إلى البحر أن ~~اللفظ فرعون عريانا، فلفظه عريانا أصلع أخينس قصيرا فهو قوله { ~~فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك ءاية } ~~لمن قال إن فرعون لم يغرق، وكأن نجاة غيره لم تكن نجاة عافية، ثم أوحى ~~الله إلى البحر أن الفظ ما فيك، فلفظهم على الساحل، وكان البحر لا يلفظ ~~غريقا في بطنه حتى يأكله السمك، فليس يقبل البحر غريقا إلى يوم ~~القيامة. وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " أغرق الله فرعون فقال { آمنت أنه لا إله إلا الذي ~~آمنت به بنوا إسرائيل } قال لي جبريل يا محمد لو رأيتني وأنا ~~آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة " # وقد روى هذا الحديث الترمذي من غير وجه، وقال حسن صحيح غريب، وصححه ~~أيضا الحاكم. وروي عن ابن عباس، مرفوعا من طرق أخرى. وأخرج الطبراني في ~~الأوسط، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال # " قال لي جبريل ما كان على الأرض شيء أبغض إلي من فرعون، فلما آمن جعلت ~~أحشو فاه حمأة وأنا أغطه خشية أن تدركه الرحمة " # وأخرج ابن جرير، والبيهقي، ms1673 من حديث أبي هريرة مرفوعا نحوه. وأخرج ابن ~~مردويه، عن ابن عمر، مرفوعا نحوه أيضا. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي أمامة، ~~مرفوعا نحوه أيضا، وفي إسناد حديث أبي هريرة رجل مجهول، وباقي رجاله ~~ثقات. والعجب كل العجب ممن لا علم له بفن الرواية من المفسرين، ولا يكاد ~~يميز بين أصح الصحيح من الحديث وأكذب الكذب منه، كيف يتجارى على الكلام ~~في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والحكم ببطلان ما صح منها، ويرسل ~~لسانه وقلمه بالجهل البحت، والقصور الفاضح الذي يضحك منه، كل من له أدنى ~~ممارسة لفن الحديث، فيا مسكين مالك ولهذا الشأن الذي لست منه في شيء؟ ألا ~~تستر نفسك وتربع على ضلعك، وتعرف بأنك بهذا العلم من أجهل الجاهلين، ~~وتشتغل بما هو علمك الذي لا تجاوزه، وحاصلك الذي ليس لك غيره، وهو علم ~~اللغة وتوابعه من العلوم الآلية، ولقد صار صاحب الكشاف رحمه الله، بسبب ~~ما يتعرض له في تفسيره من علم الحديث الذي ليس هو منه في ورد، ولا صدر، ~~سخرة للساخرين وعبرة للمعتبرين، فتارة يروي في كتابه الموضوعات، وهو لا ~~يدري أنها موضوعات، وتارة يتعرض لرد ما صح، ويجزم بأنه من الكذب على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والبهت عليه، وقد يكون في الصحيحين ~~وغيرهما، مما يلتحق بهما من رواية جماعة من الصحابة بأسانيد كلها أئمة ~~ثقات أثبات حجج، وأدنى نصيب من عقل يحجر صاحبه عن التكلم في علم لا ~~يعلمه، ولا يدري به أقل دراية، وإن كان ذلك العلم من علوم الاصطلاح التي ~~يتواضع عليها طائفة من الناس، ويصطلحون على أمور فيما بينهم، فما بالك ~~بعلم السنة الذي هو قسيم كتاب الله، وقائله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وراويه عنه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وكل حرف ~~من حروفه وكلمة من كلماته يثبت بها شرع عام، لجميع أهل الإسلام. # وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، في قوله { فاليوم ننجيك ~~ببدنك } قال أنجى الله فرعون لبني إسرائيل من البحر ms1674 فنظروا إليه ~~بعدما غرق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، ~~وأبو الشيخ، عن مجاهد، في الآية قال بجسدك، قال كذب بعض بني إسرائيل بموت ~~فرعون، فألقى على ساحل البحر حتى يراه بنو إسرائيل أحمر قصيرا كأنه ثور. ~~وأخرج ابن الأنباري، عن محمد بن كعب، في قوله { فاليوم ننجيك ~~ببدنك } قال بدرعك، وكان درعه من لؤلؤة يلاقي فيها الحروب. ### || [10.93-100] # قوله { ولقد بوأنا } هذا من جملة ما عدده الله سبحانه من ~~النعم التي أنعم بها على بني إسرائيل، ومعنى { بوأنا } أسكنا، يقال ~~بوأت زيدا منزلا أسكنته فيه، والمبوأ اسم مكان أو مصدر، وإضافته إلى ~~الصدق على ما جرت عليه قاعدة العرب، فإنهم كانوا إذا مدحوا شيئا أضافوه ~~إلى الصدق، والمراد به هنا المنزل المحمود المختار، قيل هو أرض مصر. وقيل ~~الأردن وفلسطين. وقيل الشام { ورزقناهم من الطيبات } أي ~~المستلذات من الرزق { فما اختلفوا } في أمر دينهم، وتشعبوا فيه ~~شعبا بعد ما كانوا على طريقة واحدة غير مختلفة { حتى جاءهم ~~العلم } أي لم يقع منهم الاختلاف في الدين إلا بعد ما جاءهم العلم ~~بقراءتهم التوراة، وعلمهم بأحكامها، وما اشتملت عليه من الأخبار بنبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل المعنى أنهم لم يختلفوا حتى جاءهم العلم، ~~وهو القرآن النازل على نبينا صلى الله عليه وسلم، فاختلفوا في نعته ~~وصفته، وآمن به من آمن منهم، وكفر به من كفر. فيكون المراد بالمختلفين ~~على القول الأول هم اليهود بعد أن أنزلت عليهم التوراة وعلموا بها، وعلى ~~القول الثاني هم اليهود المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم { إن ~~ربك يقضى بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه ~~يختلفون } فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، والمحق بعمله ~~بالحق، والمبطل بعمله بالباطل. { فإن كنت في شك مما أنزلنا ~~إليك } الشك في أصل اللغة ضم الشيء بعضه إلى بعض، ومنه شك الجوهر في ~~العقد، والشاك كأنه يضم إلى ما يتوهمه شيئا آخر خلافه، فيتردد ويتحير، ~~والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد غيره، كما ورد في ms1675 القرآن في ~~غير موضع. قال أبو عمر، محمد بن عبد الواحد، الزاهد سمعت الإمامين ثعلبا ~~والمبرد يقولان معنى { فإن كنت في شك } أي قل يا محمد للكافر فإن ~~كنت في شك { فاسأل الذين يقرءون الكتب من قبلك } ~~يعني مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأمثاله، وقد كان عبدة الأوثان ~~يعترفون لليهود بالعلم، ويقرون بأنهم أعلم منهم، فأمر الله سبحانه نبيه ~~أن يرشد الشاكين فيما أنزله الله إليه من القرآن أن يسألوا أهل الكتاب ~~الذين قد أسلموا، فإنهم سيخبرونهم بأنه كتاب الله حقا، وأن هذا رسوله، ~~وأن التوراة شاهدة بذلك ناطقة به، وفي هذا الوجه مع حسنه مخالفة للظاهر. ~~وقال القتيبي المراد بهذه الآية من كان من الكفار غير قاطع بتكذيب النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ولا بتصديقه، بل كان في شك. وقيل المراد بالخطاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا غيره. والمعنى لو كنت ممن يلحقه الشك فيما ~~أخبرناك به فسألت أهل الكتاب لأزالوا عنك الشك. # وقيل الشك هو ضيق الصدر أي إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء، فاصبر واسأل الذين ~~يقرءون الكتاب من قبلك يخبروك بصبر من قبلك من الأنبياء على أذى قومهم. ~~وقيل معنى الآية الفرض والتقدير، كأنه قال له فإن وقع لك شك مثلا وخيل ~~لك الشيطان خيالا منه تقديرا. فاسأل الذين يقرءون الكتاب، فإنهم ~~سيخبرونك عن نبوتك وما نزل عليك، ويعترفون بذلك، لأنهم يجدونه مكتوبا ~~عندهم، وقد زال فيمن أسلم منهم ما كان مقتضيا للكتم عندهم. قوله { ~~لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من ~~الممترين } في هذا بيان ما يقلع الشك من أصله ويذهب به بجملته، وهو ~~شهادة الله سبحانه بأن هذا الذي وقع الشك فيه على اختلاف التفاسير في ~~الشاك هو الحق الذي لا يخالطه باطل، ولا تشوبه شبهة، ثم عقبه بالنهي ~~للنبي صلى الله عليه وسلم عن الامتراء فيما أنزل الله عليه، بل يستمر على ~~ما هو عليه من اليقين وانتفاء الشك. ويمكن أن يكون هذا النهي له تعريضا ~~لغيره، كما في مواطن ms1676 من الكتاب العزيز، وهكذا القول في نهيه صلى الله ~~عليه وسلم عن التكذيب بآيات الله، فإن الظاهر فيه التعريض، ولا سيما بعد ~~تعقيبه بقوله { فتكون من الخسرين } وفي هذا التعريض من ~~الزجر للممترين والمكذبين ما هو أبلغ وأوقع من النهي لهم أنفسهم لأنه إذا ~~كان بحيث ينهى عنه من لا يتصور صدوره عنه، فكيف بمن يمكن منه ذلك. قوله ~~{ إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون } ~~قد تقدم مثله في هذه السورة، والمعنى أنه حق عليهم قضاء الله وقدره ~~بأنهم يصرون على الكفر، ويموتون عليه، لا يقع منهم الإيمان بحال من ~~الأحوال، وإن وقع منهم ما صورته صورة الإيمان، كمن يؤمن منهم عند معاينة ~~العذاب، فهو في حكم العدم { ولو جاءتهم كل ءاية } من الآيات ~~التكوينية والتنزيلية، فإن ذلك لا ينفعهم، لأن الله سبحانه قد طبع على ~~قلوبهم، وحق منه القول عليهم { حتى يروا العذاب الأليم } ~~فيقع منهم ما صورته صورة الإيمان، وليس بإيمان، ولا يترتب عليه شيء من ~~أحكامه. قوله { فلولا كانت قرية ءامنت فنفعها ~~إيمانها } " لولا " هذه هي التحضيضية التي بمعنى هلا، كما قال الأخفش ~~والكسائي وغيرهما، ويدل على ذلك ما في مصحف أبي وابن مسعود «فهلا قرية»، ~~والمعنى فهلا قرية واحدة من هذه القرى التي أهلكناها آمنت إيمانا ~~معتدا به، وذلك بأن يكون خالصا لله قبل معاينة عذابه، ولم يؤخره كما ~~أخره فرعون، والاستثناء بقوله { إلا قوم يونس } منقطع، وهو ~~استثناء من القرى لأن المراد أهلها والمعنى لكن قوم يونس { لما ~~ءامنوا } إيمانا معتدا به قبل معاينة العذاب، أو عند أول ~~المعاينة قبل حلوله بهم { كشفنا عنهم عذاب الخزى } وقد قال ~~بأن هذا الاستثناء منقطع جماعة من الأئمة منهم الكسائي، والأخفش، والفراء ~~وقيل يجوز أن يكون متصلا، والجملة في معنى النفي، كأنه قيل ما آمنت قرية ~~من القرى الهالكة إلا قوم يونس، وانتصابه على أصل الاستثناء، وقرىء ~~بالرفع على البدل. # وقال الزجاج في توجيه الرفع يكون المعنى غير قوم يونس، ولكن حملت إلا ~~عليها وتعذر جعل ms1677 الإعراب عليها، فأعرب الاسم الذي بعدها بإعراب غيره. قال ~~ابن جرير خص قوم يونس من بين الأمم بأن تيب عليهم من بعد معاينة العذاب. ~~وحكى ذلك عن جماعة من المفسرين. وقال الزجاج إنه لم يقع العذاب، وإنما ~~رأوا العلامة التي تدل على العذاب، ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم ~~الإيمان، وهذا أولى من قول ابن جرير. والمراد بعذاب الخزي الذي كشفه الله ~~عنهم، وهو العذاب الذي كان قد وعدهم يونس أنه سينزل عليهم ولم يروه. أو ~~الذي قد رأوا علاماته دون عينه { ومتعناهم إلى حين } أي بعد ~~كشف العذاب عنهم، متعهم الله في الدنيا إلى حين معلوم، قدره لهم. ثم بين ~~سبحانه أن الإيمان وضده كلاهما بمشيئة الله وتقديره، فقال { ولو شاء ~~ربك لآمن من فى الارض كلهم } بحيث لا يخرج عنهم أحد { ~~جميعا } مجتمعين على الإيمان، لا يتفرقون فيه ويختلفون، ولكنه لم يشأ ~~ذلك لكونه مخالفا للمصلحة التي أرادها الله سبحانه، وانتصاب جميعا على ~~الحال كما قال سيبويه. قال الأخفش جاء بقوله { جميعا } بعد { كلهم } ~~للتأكيد كقوله # لا تتخذوا إلهين اثنين # النحل 51 ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمان جميع ~~الناس، أخبره الله بأن ذلك لا يكون لأن مشيئته الجارية على الحكمة ~~البالغة، والمصالح الراجحة، لا تقتضي ذلك، فقال { أفأنت تكره ~~الناس حتى يكونوا مؤمنين } فإن ذلك ليس في وسعك يا محمد، ~~ولا داخل تحت قدرتك، وفي هذا تسلية له صلى الله عليه وسلم، ودفع لما يضيق ~~به صدره من طلب صلاح الكل، الذي لو كان لم يكن صلاحا محققا بل يكون إلى ~~الفساد أقرب، ولله الحكمة البالغة. ثم بين سبحانه ما تقدم بقوله { وما ~~كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } أي ما صح، وما ~~استقام لنفس من الأنفس أن تؤمن بالله إلا بإذنه أي بتسهيله وتيسيره ~~ومشيئته لذلك فلا يقع غير ما يشاؤه كائنا ما كان { ويجعل الرجس ~~على الذين لا يعقلون } أي العذاب، أو الكفر، أو الخذلان الذي ~~هو سبب العذاب. وقرأ ms1678 الحسن وأبو بكر والمفضل «ونجعل» بالنون. وفي الرجس ~~لغتان ضم الراء وكسرها، والمراد بالذين لا يعقلون هم الكفار الذين لا ~~يتعقلون حجج الله، ولا يتفكرون في آياته، ولا يتدبرون فيما نصبه لهم من ~~الأدلة. # وقد أخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن ~~عساكر، عن قتادة، في قوله { ولقد بوأنا بنى إسرءيل ~~مبوأ صدق } قال بوأهم الله الشام وبيت المقدس. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الضحاك قال منازل صدق ~~مصر والشام. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، في قوله { فما ~~اختلفوا حتى جاءهم العلم } قال العلم كتاب الله الذي ~~أنزله، وأمره الذي أمرهم به. وقد ورد في الحديث أن اليهود اختلفوا على ~~إحدى وسبعين فرقة، وأن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق ~~هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، وهو في السنن والمسانيد، والكلام فيه ~~يطول. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء في ~~المختارة، عن ابن عباس، في قوله { فإن كنت في شك } الآية، قال لم ~~يشك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يسأل. وأخرج عبد الرزاق، وابن ~~جرير، عن قتادة، قال ذكر لنا أن رسول الله قال # " لا أشك ولا أسأل " # وهو مرسل. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { ~~فاسأل الذين يقرءون الكتب من قبلك } قال التوراة ~~والإنجيل الذين أدركوا محمدا من أهل الكتاب وآمنوا به، يقول سلهم إن كنت ~~في شك بأنك مكتوب عندهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { إن الذين حقت ~~عليهم كلمة ربك لا يؤمنون } قال حق عليهم سخط الله بما ~~عصوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك، في قوله { فلولا كانت ~~قرية ءامنت } يقول فما كانت قرية آمنت. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في الآية قال لم يكن هذا ~~في الأمم قبل قوم يونس لم ينفع ms1679 قرية كفرت ثم آمنت حين عاينت العذاب إلا ~~قوم يونس، فاستثنى الله قوم يونس. قال وذكر لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى ~~من أرض الموصل. فلما فقدوا نبيهم قذف الله في قلوبهم التوبة، فلبسوا ~~المسوح وأخرجوا المواشي، وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، فعجوا إلى الله ~~أربعين صباحا، فلما عرف الله الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما ~~مضى منهم، كشف عنهم العذاب بعد ما تدلى عليهم لم يكن بينهم وبين العذاب ~~إلا ميل. وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال إن يونس دعا قومه، فلما أبوا أن يجيبوه وعدهم العذاب. فقال إنه ~~يأتيكم يوم كذا وكذا، ثم خرج عنهم، وكانت الأنبياء إذا وعدت قومها العذاب ~~خرجت، فلما أظلهم العذاب خرجوا، ففرقوا بين المرأة وولدها، وبين السخلة ~~وولدها. # وخرجوا يعجون إلى الله، وعلم الله منهم الصدق فتاب عليهم، وصرف عنهم ~~العذاب، وقعد يونس في الطريق يسأل عن الخبر، فمر به رجل فقال ما فعل قوم ~~يونس؟ فحدثه بما صنعوا، فقال لا أرجع إلى قوم قد كذبتهم، وانطلق مغاضبا ~~يعني مراغما. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، قال غشى قوم يونس العذاب كما يغشى ~~القبر بالثوب إذا دخل فيه صاحبه ومطرت السماء دما. وأخرج أحمد في الزهد، ~~وابن جرير، عن ابن عباس، أن العذاب كان هبط على قوم يونس لم يكن بينهم ~~وبينه إلا قدر ثلثي ميل، فلما دعوا كشفه الله عنهم. وأخرج أحمد في الزهد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي الجلد، قال لما غشى قوم ~~يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم. فقالوا له ما ترى؟ قال قولوا ~~يا حي حين لا حي، ويا حي محيى الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت، ~~فقالوا فكشف عنهم العذاب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، ~~في قوله { ويجعل الرجس } قال السخط. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، ~~قال الرجس ms1680 الشيطان، والرجس العذاب. ### || [10.101-109] # قوله { قل انظروا ماذا فى السموات والأرض } لما بين ~~سبحانه أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله، أمر بالنظر والاستدلال ~~بالدلائل السماوية والأرضية، والمراد بالنظر التفكر والاعتبار، أي قل يا ~~محمد للكفار تفكروا واعتبروا بما في السموات والأرض من المصنوعات الدالة ~~على الصانع ووحدته، وكمال قدرته. و { ماذا } مبتدأ، وخبره { في السموات ~~والأرض }. أو المبتدأ " ما " ، و " ذا " بمعنى الذي، و { في السموات ~~والأرض } صلته، والموصول وصلته خبر المبتدأ، أي أي شيء الذي في السموات ~~والأرض، وعلى التقديرين فالجملة في محل نصب بالفعل الذي قبلها. ثم ذكر ~~سبحانه أن التفكر والتدبر في هذه الدلائل لا ينفع في حق من استحكمت ~~شقاوته، فقال { وما تغنى الآيت والنذر } أي ما تنفع على أن ~~ما نافية، ويجوز أن تكون استفهامية أي أي شيء ينفع، والآيات هي التي عبر ~~عنها بقوله { ماذا فى السموات والأرض } والنذر جمع نذير، ~~وهم الرسل أو جمع إنذار، وهو المصدر { عن قوم لا يؤمنون } في ~~علم الله سبحانه والمعنى أن من كان هكذا لا يجدى فيه شيء، ولا يدفعه عن ~~الكفر دافع. قوله { فهل ينتظرون إلا مثل أيام ~~الذين خلوا من قبلهم } أي فهل ينتظر هؤلاء الكفار ~~المعاصرون لمحمد صلى الله عليه وسلم إلا مثل وقائع الله سبحانه بالكفار ~~الذين خلوا من قبل هؤلاء، فقد كان الأنبياء المتقدمون يتوعدون كفار ~~زمانهم بأيام مشتملة على أنواع العذاب، وهم يكذبونهم ويصممون على الكفر، ~~حتى ينزل الله عليهم عذابه، ويحل بهم انتقامه، ثم قال { قل } يا محمد ~~لهؤلاء الكفار المعاصرين لك { فانتظروا } أي تربصوا لوعد ربكم، إني ~~معكم من المتربصين لوعد ربي، وفي هذا تهديد شديد، ووعيد بالغ بأنه سينزل ~~بهؤلاء ما نزل بأولئك من الإهلاك، وثم في قوله { ثم ننجى رسلنا ~~} للعطف على مقدر يدل عليه ما قبله، كأنه قيل أهلكنا الأمم ثم نجينا ~~رسلنا المرسلين إليهم. وقرأ يعقوب ثم «ننجى» مخففا. وقرأ كذلك أيضا في ~~{ حقا علينا ننج المؤمنين }. وروي كذلك عن الكسائي وحفص في ~~الثانية. ms1681 وقرأ الباقون بالتشديد، وهما لغتان فصيحتان أنجى ينجى إنجاء، ~~ونجى ينجى تنجية بمعنى واحد { والذين ءامنوا } معطوف على رسلنا ~~أي نجيناهم ونجينا الذين آمنوا، والتعبير بلفظ الفعل المستقبل لاستحضار ~~صورة الحال الماضية تهويلا لأمرها { كذلك حقا علينا } أي حق ~~ذلك علينا حقا، أو إنجاء مثل ذلك الانجاء حقا { ننج المؤمنين } ~~من عذابنا للكفار، والمراد بالمؤمنين الجنس، فيدخل في ذلك الرسل ~~وأتباعهم، أو يكون خاصا بالمؤمنين، وهم أتباع الرسل لأن الرسل داخلون في ~~ذلك بالأولى. # قوله { قل ياأهل أيها الناس إن كنتم فى شك من ~~دينى } أمر سبحانه رسوله بأن يظهر التباين بين طريقته وطريقة المشركين، ~~مخاطبا لجميع الناس، أو للكفار منهم، أو لأهل مكة على الخصوص بقوله إن ~~كنتم في شك من ديني الذي أنا عليه، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، ولم ~~تعلموا بحقيقته ولا عرفتم صحته، وأنه الدين الحق الذي لا دين غيره، ~~فاعلموا أني بريء من أديانكم التي أنتم عليها { فلا أعبد الذين ~~تعبدون من دون الله } في حال من الأحوال { ولكن ~~أعبد الله الذى يتوفاكم } أي أخصه بالعبادة، لا أعبد ~~غيره من معبوداتكم من الأصنام وغيرها، وخص صفة المتوفى من بين الصفات ~~لما في ذلك من التهديد لهم أي أعبد الله الذي يتوفاكم فيفعل بكم ما يفعل ~~من العذاب الشديد، ولكونه يدل على الخلق أولا، وعلى الإعادة ثانيا، ~~ولكونه أشد الأحوال مهابة في القلوب، ولكونه قد تقدم ذكر الإهلاك، ~~والوقائع النازلة بالكفار من الأمم السابقة، فكأنه قال أعبد الله الذي ~~وعدني بإهلاككم. ولما ذكر أنه لا يعبد إلا الله، بين أنه مأمور بالإيمان ~~فقال { وأمرت أن أكون من المؤمنين } أي بأن أكون من ~~جنس من آمن بالله، وأخلص له الدين. وجملة { وأن أقم وجهك ~~للدين } معطوفة على جملة { أن أكون من المؤمنين } ولا ~~يمنع من ذلك كون المعطوف بصيغة الأمر لأن المقصود من «أن» الدلالة على ~~المصدر، وذلك لا يختلف بالخبرية والإنشائية، أو يكون المعطوف عليه في ~~معنى الإنشاء كأنه قيل كن مؤمنا ثم أقم ms1682 والمعنى أن الله سبحانه أمره ~~بالاستقامة في الدين والثبات فيه، وعدم التزلزل عنه بحال من الأحوال. وخص ~~الوجه لأنه أشرف الأعضاء، أو أمره باستقبال القبلة في الصلاة، وعدم ~~التحول عنها. و { حنيفا } حال من الدين، أو من الوجه أي مائلا عن كل ~~دين من الأديان إلى دين الإسلام. ثم أكد الأمر المتقدم للنهي عن ضده، ~~فقال { ولا تكونن من المشركين } وهو معطوف على { أقم } ، ~~وهو من باب التعريض لغيره صلى الله عليه وسلم. قوله { ولا تدع من ~~دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك } معطوف على { قل ~~ياأهل أيها الناس } غير داخل تحت الأمر، وقيل معطوف على { ولا ~~تكونن } أي لا تدع من دون الله على حال من الأحوال ما لا ينفعك ولا يضرك ~~بشيء من النفع والضر إن دعوته، ودعاء من كان هكذا لا يجلب نفعا، ولا ~~يقدر على ضر ضائع لا يفعله عاقل على تقدير أنه لا يوجد من يقدر على ~~النفع والضر غيره، فكيف إذا كان موجودا؟ فإن العدول عن دعاء القادر إلى ~~دعاء غير القادر أقبح وأقبح { فإن فعلت } أي فإن دعوت، ولكنه كنى ~~عن القول بالفعل { فإنك إذا من الظلمين } هذا جزاء ~~الشرط، أي فإن دعوت من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك، فإنك في عداد ~~الظالمين لأنفسهم. # والمقصود من هذا الخطاب التعريض لغيره صلى الله عليه وسلم. وجملة { ~~وإن يمسسك الله بضر } إلى آخرها مقررة لمضمون ما قبلها. ~~والمعنى أن الله سبحانه هو الضار النافع. فإن أنزل بعبده ضرا لم يستطع ~~أحد أن يكشفه كائنا من كان، بل هو المختص بكشفه كما اختص بإنزاله { ~~وإن يردك بخير } أي خير كان لم يستطع أحد أن يدفعه عنك، ويحول ~~بينك وبينه كائنا من كان، وعبر بالفضل مكان الخير للإرشاد إلى أنه يتفضل ~~على عباده بمالا يستحقونه بأعمالهم. قال الواحدي إن قوله { وإن ~~يردك بخير } هو من القلب، وأصله وإن يرد بك الخير، ولكن لما تعلق ~~كل واحد منهما بالآخر جاز أن يكون كل واحد منهما مكان ms1683 لآخر. قال ~~النيسابوري وفي تخصيص الإرادة بجانب الخير، والمس بجانب الشر دليل على ~~أن الخير يصدر عنه سبحانه بالذات، والشر بالعرض. قلت وفي هذا نظر، فإن ~~المس هو أمر وراء الإرادة، فهو مستلزم لها، والضمير في { يصيب به } راجع ~~إلى فضله أي يصيب بفضله من يشاء من عباده. وجملة { وهو الغفور ~~الرحيم } تذييلية. ثم ختم هذه السورة بما يستدل به على قضائه وقدره، ~~فقال { قل ياأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم } ~~أي القرآن { فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ~~ضل فإنما يضل عليها } أي منفعة اهتدائه مختصة به، وضرر ~~كفره مقصور عليه لا يتعداه، وليس لله حاجة في شيء من ذلك، ولا غرض يعود ~~إليه { وما أنا عليكم بوكيل } أي بحفيظ يحفظ أموركم، وتوكل ~~إليه، إنما أنا بشير ونذير. ثم أمره الله سبحانه أن يتبع ما أوحاه إليه ~~من الأوامر والنواهي التي يشرعها الله له، ولأمته، ثم أمره بالصبر على ~~أذى الكفار، وما يلاقيه من مشاق التبليغ، وما يعانيه من تلون أخلاق ~~المشركين وتعجرفهم، وجعل ذلك الصبر ممتدا إلى غاية هي قوله { حتى ~~يحكم الله وهو خير الحكمين } أي يحكم الله بينه ~~وبينهم في الدنيا بالنصر له عليهم، وفي الآخرة بعذابهم بالنار، وهم ~~يشاهدونه صلى الله عليه وسلم هو وأمته، المتبعون له المؤمنون به، ~~العاملون بما يأمرهم به، المنتهون عما ينهاهم عنه، يتقلبون في نعيم الجنة ~~الذي لا ينفد، ولا يمكن وصفه، ولا يوقف على أدنى مزاياه. وقد أخرج أبو ~~الشيخ، عن السدي في قوله { وما تغنى الآيت والنذر عن ~~قوم } يقول عند قوم { لا يؤمنون } نسخت قوله # حكمة بلغة فما تغنى النذر # القمر 5. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله ~~{ فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من ~~قبلهم } قال وقائع الله في الذين خلوا من قبلهم، قوم نوح، وعاد، ~~وثمود. # وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن الربيع في الآية قال خوفهم عذابه ~~ونقمته وعقوبته، ثم أخبرهم أنه إذا وقع من ذلك أمر ms1684 نجى الله رسله والذين ~~آمنوا، فقال { ثم ننجى رسلنا والذين ءامنوا } الآية. ~~وأخرج أبو الشيخ، عن السدي، في قوله { وإن يردك بخير } يقول ~~بعافية. وأخرج البيهقي في الشعب، عن عامر بن قيس، قال ثلاث آيات في كتاب ~~الله اكتفيت بهن عن جميع الخلائق أولهن { وإن يمسسك الله ~~بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا ~~راد لفضله } ، والثانية # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له # فاطر 2، والثالثة # وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها # هود 6. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد، في ~~قوله { فلا راد لفضله } قال هو الحق المذكور في قوله { قد ~~جاءكم الحق من ربكم }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، في ~~قوله { واصبر حتى يحكم الله } قال هذا منسوخ، أمره ~~بجهادهم والغلظة عليهم. ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1-8] # قوله { الر } إن كان مسرودا على سبيل التعديد كما في سائر فواتح السور ~~فلا محل له، وإن كان اسما للسورة فهو في محل رفع على أنه مبتدأ خبره ما ~~بعده أو خبر مبتدأ محذوف، و { كتاب } يكون على هذا الوجه خبرا لمبتدأ ~~محذوف أي هذا كتاب، وكذا على تقدير أن { الر } لا محل له، ويجوز أن يكون ~~{ الر } في محل نصب بتقدير فعل يناسب المقام نحو اذكر، أو اقرأ، فيكون { ~~كتاب } على هذا الوجه خبر مبتدأ محذوف، والإشارة في المبتدأ المقدر إما ~~إلى بعض القرآن أو إلى مجموع القرآن، ومعنى { كتاب أحكمت آياته ~~} صارت محكمة متقنة، لا نقص فيها ولا نقض لها كالبناء المحكم، وقيل معناه ~~إنها لم تنسخ بخلاف التوراة والإنجيل، وعلى هذا فيكون هذا الوصف للكتاب ~~باعتبار الغالب، وهو المحكم الذي لم ينسخ وقيل معناه أحكمت آياته بالأمر ~~والنهي، ثم فصلت بالوعد والوعيد، والثواب والعقاب. وقيل أحكمها الله من ~~الباطل، ثم فصلها بالحلال والحرام. وقيل أحكمت جملته، ثم فصلت آياته. ~~وقيل جمعت في اللوح المحفوظ، ثم فصلت بالوحي. وقيل أيدت بالحجج القاطعة ms1685 ~~الدالة على كونها من عند الله وقيل معنى إحكامها أن لا فساد فيها، أخذا ~~من قولهم أحكمت الدابة إذا وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح، و { ~~ثم فصلت } معطوف على { أحكمت } ، ومعناه ما تقدم، والتراخي ~~المستفاد من " ثم " إما زماني إن فسر التفصيل بالتنجيم على حسب المصالح، ~~وإما رتبي إن فسر بغيره مما تقدم، والجمل في محل رفع على أنها صفة ~~لكتاب، أو خبر آخر للمبتدأ أو خبر لمبتدأ محذوف، وفي قوله { من لدن ~~حكيم خبير } لف ونشر، لأن المعنى أحكمها حكيم، وفصلها خبير عالم ~~بمواقع الأمور. قوله { ألا تعبدوا إلا الله } مفعول له حذف ~~منه اللام كذا في الكشاف، وفيه أنه ليس بفعل لفاعل الفعل المعلل. وقيل " ~~أن " هي المفسرة لما في التفصيل من معنى القول. وقيل هو كلام مبتدأ منقطع ~~عما قبله، محكيا على لسان النبي صلى الله عليه وسلم. قال الكسائي ~~والفراء التقدير أحكمت بأن لا تعبدوا إلا الله. وقال الزجاج أحكمت ثم ~~فصلت لئلا تعبدوا إلا الله، ثم أخبرهم رسول الله بأنه نذير وبشير، فقال { ~~إننى لكم منه نذير وبشير } أي ينذرهم ويخوفهم من ~~عذابه لمن عصاه، ويبشرهم بالجنة والرضوان لمن أطاعه، والضمير في { منه } ~~راجع إلى الله سبحانه. أي إنني لكم نذير وبشير من جهة الله سبحانه وقيل ~~هو من كلام الله سبحانه كقوله # ويحذركم الله نفسه # آل عمران 28. قوله { وأن استغفروا ربكم } معطوف على ألا ~~تعبدوا، والكلام في أن هذه كالكلام في التي قبلها. # وقوله { ثم توبوا إليه } معطوف على { استغفروا } ، وقدم ~~الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة، لكونه وسيلة إليها. وقيل إن التوبة من ~~متممات الاستغفار وقيل معنى { استغفروا } توبوا. ومعنى { توبوا } أخلصوا ~~التوبة واستقيموا عليها. وقيل استغفروا من سالف الذنوب، ثم توبوا من ~~لاحقها. وقيل استغفروا من الشرك، ثم ارجعوا إليه بالطاعة. قال الفراء " ~~ثم " هاهنا بمعنى الواو أي وتوبوا إليه، لأن الاستغفار هو التوبة، ~~والتوبة هي الاستغفار وقيل إنما قدم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض ~~المطلوب، والتوبة. هي السبب إليها، وما ms1686 كان آخرا في الحصول، كان أولا ~~في الطلب. وقيل استغفروا في الصغائر، وتوبوا إليه في الكبائر ثم رتب على ~~ما تقدم أمرين الأول { يمتعكم متاعا حسنا } أصل الإمتاع ~~الإطالة، ومنه أمتع الله بك فمعنى الآية يطول نفعكم في الدنيا بمنافع ~~حسنة مرضية من سعة الرزق ورغد العيش { إلى أجل مسمى } إلى وقت ~~مقدر عند الله، وهو الموت وقيل القيامة وقيل دخول الجنة والأول أولى. ~~والأمر الثاني قوله { ويؤت كل ذي فضل فضله } أي يعط كل ذي ~~فضل في الطاعة والعمل فضله أي جزاء فضله، إما في الدنيا، أو في الآخرة، ~~أو فيهما جميعا، والضمير في { فضله } راجع إلى كل ذي فضل. وقيل راجع إلى ~~الله سبحانه على معنى أن الله يعطي كل من فضلت حسناته فضله الذي يتفضل به ~~على عباده. ثم توعدهم على مخالفة الأمر فقال { وإن تولوا } أي ~~تتولوا وتعرضوا عن الإخلاص في العبادة، والاستغفار، والتوبة { فإني ~~أخاف عليكم عذاب يوم كبير } وهو يوم القيامة، ووصفه ~~بالكبر، لما فيه من الأهوال. وقيل اليوم الكبير يوم بدر. ثم بين سبحانه ~~عذاب اليوم الكبير بقوله { إلى الله مرجعكم } أي رجوعكم إليه ~~بالموت، ثم البعث، ثم الجزاء، لا إلى غيره { وهو على كل شىء ~~قدير } ومن جملة ذلك عذابكم على عدم الامتثال، وهذه الجملة مقررة لما ~~قبلها. ثم أخبر الله سبحانه بأن هذا الإنذار والتحذير والتوعد لم ينجع ~~فيهم، ولا لانت له قلوبهم، بل هم مصرون على العناد مصممون على الكفر، ~~فقال مصدرا لهذا الإخبار بكلمة التنبيه الدالة على التعجب من حالهم، ~~وأنه أمر ينبغي أن يتنبه له العقلاء ويفهموه { ألا إنهم يثنون ~~صدورهم } يقال ثني صدره عن الشيء إذا ازور عنه وانحرف منه، فيكون ~~في الكلام كناية عن الإعراض لأن من أعرض عن الشيء ثنى عنه صدره، وطوى عنه ~~كشحه. وقيل معناه يعطفون صدورهم على ما فيها من الكفر والإعراض عن الحق، ~~فيكون في الكلام كناية عن الإخفاء لما يعتقدونه من الكفر، كما كان دأب ~~المنافقين. # والوجه الثاني أولى، ويؤيده ms1687 قوله { ليستخفوا منه } أي ~~ليستخفوا من الله، فلا يطلع عليه رسوله والمؤمنين، أو ليستخفوا من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم كرر كلمة التنبيه مبينا للوقت الذي يثنون ~~فيه صدورهم، فقال { ألا حين يستغشون ثيابهم } أي يستخفون ~~في وقت استغشاء الثياب، وهو التغطي بها، وقد كانوا يقولون إذا أغلقنا ~~أبوابنا، واستغشينا ثيابنا، وثنينا صدورنا على عداوة محمد فمن يعلم بنا؟ ~~وقيل معنى { حين يستغشون } حين يأوون إلى فراشهم، ويتدثرون بثيابهم. وقيل ~~إنه حقيقة وذلك أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ثنى صدره، وولى ظهره، واستغشى ثيابه، لئلا يسمع كلام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وجملة { يعلم ما يسرون وما يعلنون } ~~مستأنفة لبيان أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء لأن الله سبحانه يعلم ما ~~يسرونه في أنفسهم، أو في ذات بينهم وما يظهرونه فالظاهر والباطن عنده ~~سواء، والسر والجهر سيان، وجملة { إنه عليم بذات الصدور } ~~تعليل لما قبلها وتقرير له، و { ذات الصدور } هي الضمائر التي تشتمل ~~عليها الصدور. وقيل هي القلوب، والمعنى إنه عليم بجميع الضمائر، أو عليم ~~بالقلوب وأحوالها في الإسرار والإظهار، فلا يخفى عليه شيء من ذلك. ثم أكد ~~كونه عالما بكل المعلومات بما فيه غاية الامتنان، ونهاية الإحسان، فقال ~~{ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } أي ~~الرزق الذي تحتاج إليه من الغذاء اللائق بالحيوان، على اختلاف أنواعه ~~تفضلا منه وإحسانا، وإنما جيء به على طريق الوجوب، كما تشعر به كلمة ~~«على» اعتبارا بسبق الوعد به منه، و " من " زائدة للتأكيد، ووجه اتصال ~~هذا الكلام بما قبله أن الله سبحانه لما كان لا يغفل عن كل حيوان باعتبار ~~ما قسمه له من الرزق، فكيف يغفل عن أحواله، وأقواله، وأفعاله. والدابة كل ~~حيوان يدب { ويعلم مستقرها } أي محل استقرارها في الأرض، أو ~~محل قرارها في الأصلاب { ومستودعها } موضعها في الأرحام، وما ~~يجري مجراها كالبيضة ونحوها. وقال الفراء مستقرها حيث تأوي إليه ليلا ~~ونهارا، ومستودعها موضعها الذي تموت ms1688 فيه، وقد مر تمام الأقوال في سورة ~~الأنعام، ووجه تقدم المستقر على المستودع على قول الفراء ظاهر. وأما على ~~القول الأول فلعل وجه ذلك أن المستقر أنسب باعتبار ما هي عليه حال كونها ~~دابة. والمعنى وما من دابة في الأرض إلا يرزقها الله حيث كانت من أماكنها ~~بعد كونها دابة، وقبل كونها دابة، وذلك حيث تكون في الرحم ونحوه. ثم ختم ~~الآية بقوله { كل فى كتاب مبين } أي كل من ما تقدم ذكره من ~~الدواب، ومستقرها ومستودعها، ورزقها في كتاب مبين، وهو اللوح المحفوظ ~~أي مثبت فيه. # ثم أكد دلائل قدرته بالتعرض لذكر خلق السموات والأرض، وكيف كان الحال ~~قبل خلقها فقال { وهو الذى خلق السموات والأرض في ~~ستة أيام } قد تقدم بيان هذا في الأعراف، قيل والمراد بالأيام ~~الأوقات أي في ستة أوقات، كما في قوله # ومن يولهم يومئذ دبره # الأنفال 16 وقيل مقدار ستة أيام، ولا يستقيم أن يكون المراد بالأيام هنا ~~الأيام هنا الأيام المعروفة، وهي المقابلة لليالي، لأنه لم يكن حينئذ لا ~~أرض ولا سماء، وليس اليوم إلا عبارة عن مدة كون الشمس فوق الأرض، وكان ~~خلق السموات في يومين، والأرضين في يومين، وما عليهما من أنواع الحيوان ~~والنبات والجماد، في يومين، كما سيأتي في حم السجدة. قوله { وكان ~~عرشه على الماء } أي كان قبل خلقهما عرشه على الماء، وفيه بيان ~~تقدم خلق العرش والماء على السموات والأرضين. قوله { ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا } اللام متعلقة بخلق أي خلق هذه المخلوقات ~~ليبتلي عباده بالاعتبار والتفكر والاستدلال، على كمال قدرته، وعلى البعث ~~والجزاء أيهم أحسن عملا فيما أمر به ونهى عنه، فيجازي المحسن بإحسانه، ~~والمسيء بإساءته، ويوفر الجزاء لمن كان أحسن عملا من غيره، ويدخل في ~~العمل الاعتقاد، لأنه من أعمال القلب. وقيل المراد بالأحسن عملا الأتم ~~عقلا، وقيل الأزهد في الدنيا. وقيل الأكثر شكرا، وقيل الأتقى لله. قوله ~~{ ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ~~ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين } ~~ثم لما كان الابتلاء ms1689 يتضمن حديث البعث أتبع ذلك بذكره، والمعنى لئن قلت ~~لهم يا محمد على ما توجبه قضية الابتلاء، إنكم مبعوثون من بعد الموت، ~~فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ليقولن الذين كفروا من الناس إن ~~هذا الذي تقوله يا محمد إلا باطل كبطلان السحر، وخدع كخدعه. ويجوز أن ~~تكون الإشارة ب { هذا } إلى القرآن لأنه المشتمل على الإخبار بالبعث. ~~وقرأ حمزة والكسائي " إن هذا إلا سحر " يعنون النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وكسرت " إن " من قوله { إنكم } لأنها بعد القول. ~~وحكى سيبويه الفتح على تضمين { قلت } معنى ذكرت، أو على " أن " بمعنى عل ~~أي ولئن قلت لعلكم مبعوثون، على أن الرجاء باعتبار باعتبار حال المخاطبين ~~أي توقعوا ذلك، ولا تبتوا القول بإنكاره. { ولئن أخرنا عنهم ~~العذاب } أي الذي تقدم ذكره في قوله { عذاب يوم كبير } ~~وقيل عذاب يوم القيامة وما بعده، وقيل يوم بدر { إلى أمة ~~معدودة } أي إلى طائفة من الأيام قليلة لأن ما يحصره العد قليل، ~~والأمة اشتقاقها من الأم وهو القصد، وأراد بها الوقت المقصود لإيقاع ~~العذاب. وقيل هي في الأصل الجماعة من الناس، وقد يسمى الحين باسم مايحصل ~~فيه، كقولك كنت عند فلان صلاة العصر أي في ذلك الحين، فالمراد على هذا ~~إلى حين تنقضى أمة معدودة من الناس { ليقولن ما يحبسه } أي ~~أي شيء يمنعه من النزول استعجالا له على جهة الاستهزاء والتكذيب، ~~فأجابهم الله بقوله { ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم } أي ليس محبوسا ~~عنهم، بل واقع بهم لا محالة، و { يوم } منصوب ب { مصروفا } { وحاق ~~بهم ما كانوا به يستهزءون } أي أحاط بهم العذاب الذي ~~كانوا يستعجلونه استهزاء منهم، ووضع يستهزءون مكان يستعجلون، لأن ~~استعجالهم كان استهزاء منهم، وعبر بلفظ الماضي تنبيها على تحقق وقوعه، ~~فكأنه قد حاق بهم. # وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، أنه قرأ { الر كتاب أحكمت ~~ءايته } قال هي كلها محكمة، يعني سورة هود { ثم فصلت } قال ~~ثم ذكر محمدا صلى الله عليه وسلم، فحكم فيها بينه وبين من ms1690 خالفه، وقرأ # مثل الفريقين... # الآية كلها هود 24، ثم ذكر قوم نوح ثم هود، فكان هذا تفصيل ذلك، وكان ~~أوله محكما قال وكان أبي يقول ذلك، يعني زيد بن أسلم. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، في قوله { كتاب ~~أحكمت ءايته } قال أحكمت بالأمر والنهي، وفصلت بالوعد والوعيد، ~~وأخرج هؤلاء عن مجاهد { فصلت } قال فسرت. وأخرج هؤلاء أيضا عن قتادة ~~في الآية قال أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها بعلمه، فبين حلاله وحرامه ~~وطاعته ومعصيته، وفي قوله { من لدن حكيم } يعني من عند حكيم، وفي ~~قوله { يمتعكم متاعا حسنا } قال فأنتم في ذلك المتاع، فخذوه ~~بطاعة الله ومعرفة حقه، فإن الله منعم يحب الشاكرين، وأهل الشكر في مزيد ~~من الله، وذلك قضاؤه الذي قضاه. وفي قوله { إلى أجل مسمى } ~~يعني الموت، وفي قوله { يؤت كل ذي فضل فضله } أي في ~~الآخرة. وأخرج هؤلاء أيضا عن مجاهد في قوله { يؤت كل ذي فضل فضله } أي ~~في الآخرة. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن قال يؤت كل ذي فضل في الإسلام فضل ~~الدرجات في الآخرة. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود، في قوله { ويؤت ~~كل ذي فضل فضله } قال من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل ~~حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي عملها في الدنيا بقيت له ~~عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة، ~~وبقيت له تسع حسنات، ثم يقول هلك من غلب آحاده أعشاره. وأخرج البخاري ~~وغيره، عن ابن عباس، في قوله { ألا إنهم يثنون صدورهم } ~~الآية قال كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا ~~نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم. قال البخاري، وعن ابن عباس { ~~يستغشون } يغطون رؤوسهم. # وروى البخاري أيضا عن ابن عباس في تفسير هذه الآية، يعني به الشك في ~~الله، وعمل السيئات، وكذا روي عن مجاهد والحسن وغيرهما أي أنهم كانوا ~~يثنون صدورهم إذا قالوا شيئا أو عملوه، فيظنون أنهم ms1691 يستخفون من الله ~~بذلك، فأعلمهم سبحانه أنه حين يستغشون ثيابهم عند منامهم في ظلمة الليل { ~~يعلم ما يسرون } من القول { وما يعلنون }. وأخرج سعيد ~~بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عبد ~~الله بن شداد بن الهاد، في قوله { ألا إنهم يثنون صدورهم ~~} قال كان المنافقون إذا مر أحدهم بالنبي صلى الله عليه وسلم ثنى صدره، ~~وتغشى ثوبه، لكيلا يراه، فنزلت. وأخرج ابن جرير، عن الحسن، في قوله { ~~ألا حين يستغشون ثيابهم } قال في ظلمة الليل في أجواف ~~بيوتهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~أبي رزين في الآية قال كان أحدهم يحني ظهره ويستغشى بثوبه. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في الآية قال ~~كانوا يخبون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله، قال تعالى { ألا حين ~~يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون } وذلك أخفى ما يكون ~~ابن آدم إذا أحنى ظهره، واستغشى بثوبه، وأضمر همه في نفسه، فإن الله لا ~~يخفى عليه ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال في ~~الآية يكتمون ما في قلوبهم ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما عملوا بالليل ~~والنهار. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { وما ~~من دابة } الآية قال يعني كل دابة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { وما من دابة } ~~الآية قال يعني ما جاءها من رزق فمن الله، وربما لم يرزقها حتى تموت ~~جوعا، ولكن ما كان لها من رزق لها فمن الله. وأخرج عبد الرزاق، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { ~~ويعلم مستقرها } قال حيث تأوى، و { مستودعها } قال حيث تموت. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عنه { ويعلم مستقرها } قال يأتيها رزقها ~~حيث كانت. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والحاكم وصححه، عن ابن مسعود، قال ms1692 مستقرها في الأرحام، ومستودعها حيث ~~تموت. ويؤيد هذا التفسير الذي ذكره ابن مسعود ما أخرجه الترمذي الحكيم في ~~نوادر الأصول، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن ابن ~~مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إذا كان أجل أحدكم بأرض أتيحت له إليها حاجة، حتى إذا بلغ أقصى أثره ~~منها فيقبض، فتقول الأرض يوم القيامة هذا ما استودعتني ". # وأخرج عبد الرزاق في المصنف، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ~~ابن عباس، أنه سئل عن قوله { وكان عرشه على الماء } على أي ~~شيء كان الماء؟ قال على متن الريح. وقد وردت أحاديث كثيرة في صفة العرش، ~~وفي كيفية خلق السموات والأرض ليس هذا موضع ذكرها. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، والحاكم في التاريخ، وابن مردويه، عن ابن عمر، قال تلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا } فقال ما معنى ذلك يا رسول الله؟ قال # " ليبلوكم أيكم أحسن عقلا " # ، ثم قال # " وأحسنكم عقلا أورعكم عن محارم الله، وأعملكم بطاعة الله " # وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، قال إنكم أتم عقلا. وأخرج أيضا عن ~~سفيان قال أزهدكم في الدنيا. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، ~~قال لما نزلت # اقترب للناس حسبهم # الأنبياء 1 قال ناس إن الساعة قد اقتربت فتناهوا، فتناهى القوم قليلا ~~ثم عادوا إلى أعمالهم أعمال السوء، فأنزل الله # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # النحل 1 فقال ناس من أهل الضلال هذا أمر الله قد أتى، فتناهى القوم ثم ~~عادوا إلى مكرهم، مكر السوء، فأنزل الله هذه الآية { ولئن أخرنا ~~عنهم العذاب إلى أمة معدودة } وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن ابن عباس، في قوله ~~{ إلى أمة معدودة } قال إلى أجل معدود. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن قتادة { ليقولن ما يحبسه } يعني أهل النفاق. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، ms1693 في قوله { وحاق بهم ما كانوا ~~به يستهزءون } يقول وقع بهم العذاب الذي استهزءوا به. ### || [11.9-17] # اللام في { ولئن أذقنا الإنسن } هي الموطئة للقسم، ~~والإنسان الجنس، فيشمل المؤمن والكافر، ويدل على ذلك الاستثناء بقوله { ~~إلا الذين صبروا } وقيل المراد جنس الكفار، ويؤيده أن اليأس ~~والكفران والفرح والفخر، هي أوصاف أهل الكفر لا أهل الإسلام في الغالب. ~~وقيل المراد بالإنسان الوليد بن المغيرة. وقيل عبد الله بن أمية ~~المخزومي. والمراد بالرحمة هنا النعمة من توفير الرزق والصحة والسلامة من ~~المحن { ثم نزعناها منه } أن سلبناه إياها { إنه ~~ليئوس } أي آيس من الرحمة، شديد القنوط من عودها، وأمثالها، والكفور ~~عظيم الكفران، وهو الجحود بها قاله ابن الأعرابي وفي إيراد صيغتي ~~المبالغة في { ليئوس كفور } ما يدل على أن الإنسان كثير اليأس، ~~وكثير الجحد عند أن يسلبه الله بعض نعمه، فلا يرجو عودها، ولا يشكر ما قد ~~سلف له منها. وفي التعبير بالذوق ما يدل على أنه يكون منه ذلك عند سلب ~~أدنى نعمة ينعم الله بها عليه، لأن الإذاقة والذوق أقل ما يوجد به ~~الطعم، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضراء ظهور أثر الإضرار ~~على من أصيب به. والمعنى أنه إن أذاق الله سبحانه العبد نعماءه من الصحة ~~والسلامة، والغنى بعد أن كان في ضر من فقر أو مرض أو خوف، لم يقابل ذلك ~~بما يليق به من الشكر لله سبحانه، بل يقول ذهب السيئات أي المصائب التي ~~ساءته من الضر والفقر والخوف والمرض عنه وزال أثرها، غير شاكر لله، ولا ~~مثن عليه بنعمه { إنه لفرح فخور } أي كثير الفرح بطرا ~~وأشرا، كثير الفخر على الناس، والتطاول عليهم بما يتفضل الله به عليه من ~~النعم، وفي التعبير عن ملابسة الضر له بالمس مناسبة للتعبير في جانب ~~النعماء بالإذاقة، فإن كلاهما لأدنى ما يطلق عليه اسم الملاقاة، كما ~~تقدم { إلا الذين صبروا } فإن عادتهم الصبر عند نزول المحن، ~~والشكر عند حصول الممن. قال الأخفش هو استثناء ليس من الأول أي ولكن ~~الذين ms1694 صبروا وعملوا الصالحات في حالتي النعمة والمحنة. وقال الفراء هو ~~استثناء من لئن أذقناه أي من الإنسان، فإن الإنسان بمعنى الناس، والناس ~~يشمل الكافر والمؤمن، فهو استثناء متصل، والإشارة بقوله { أولئك } ~~إلى الموصول باعتبار اتصافه بالصبر وعمل الصالحات { لهم مغفرة } ~~لذنوبهم { وأجر } يؤجرون به لأعمالهم الحسنة { كبير } متناه في ~~الكبر. ثم سلى الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال { ~~فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } أي فلعلك لعظم ما ~~تراه منهم من الكفر والتكذيب، واقتراح الآيات التي يقترحونها عليه على ~~حسب هواهم، وتعنتهم تارك بعض ما يوحى إليك مما أنزله الله عليك وأمرك ~~بتبليغه، مما يشق عليهم سماعه أو يستشقون العمل به، كسب آلهتهم وأمرهم ~~بالإيمان بالله وحده. # قيل وهذا الكلام خارج مخرج الاستفهام أي هل أنت تارك؟ وقيل هو في معنى ~~النفي مع الاستبعاد أي لا يكون منك ذلك، بل تبلغهم جميع ما أنزل الله ~~عليك، أحبوا ذلك أم كرهوه، شاءوا أم أبوا { وضائق به صدرك } ~~معطوف على { تارك } ، والضمير في " به " راجع إلى " ما " أو إلى { بعض } ~~، وعبر بضائق دون ضيق لأن اسم الفاعل فيه معنى الحدوث والعروض والصفة ~~المشبهة فيها معنى اللزوم { أن يقولوا } أي كراهة أن يقولوا، أو ~~مخافة أن يقولوا أو لئلا يقولوا { لولا أنزل عليه كنز } أي ~~هلا أنزل عليه كنز أي مال مكنوز مخزون ينتفع به { أو جاء معه ~~ملك } يصدقه ويبين لنا صحة رسالته. ثم بين سبحانه أن حاله صلى الله ~~عليه وسلم مقصور على النذارة، فقال { إنما أنت نذير } ليس عليك ~~إلا الإنذار بما أوحي إليك، وليس عليك حصول مطلوبهم وإيجاد مقترحاتهم { ~~والله على كل شىء وكيل } يحفظ ما يقولون، وهو فاعل بهم ما ~~يجب أن يفعل. قوله { أم يقولون افتراه } " أم " هي المنقطعة ~~التي بمعنى بل والهمزة، وأضرب عما تقدم من تهاونهم بالوحي، وعدم قنوعهم ~~بما جاء به من المعجزات الظاهرة، وشرع في ذكر ارتكابهم لما هو أشد من ~~ذلك، وهو افتراؤهم عليه بأنه افتراه، والاستفهام للتوبيخ والتقريع، ~~والضمير ms1695 المستتر في { افتراه } للنبي صلى الله عليه وسلم، والبارز إلى ما ~~يوحى. ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عليهم بما يقطعهم ويبين كذبهم ويظهر ~~به عجزهم، فقال { قل فأتوا بعشر سور مثله } أي مماثلة ~~له في البلاغة، وحسن النظم، وجزالة اللفظ، وفخامة المعاني. ووصف السور ~~بما يوصف به المفرد، فقال مثله، ولم يقل أمثاله، لأن المراد مماثلة كل ~~واحد من السور، أو لقصد الإيماء إلى وجه الشبه، ومداره المماثلة في شيء ~~واحد، وهو البلاغة البالغة إلى حد الإعجاز، وهذا إنما هو على القول بأن ~~المطابقة في الجمع والتثنية، والإفراد شرط، ثم وصف السور بصفة أخرى، فقال ~~{ مفتريات وادعوا } للاستظهار على المعارضة بالعشر السور { ~~من استطعتم } دعاءه، وقدرتم على الاستعانة به، من هذا النوع ~~الإنساني، وممن تعبدونه وتجعلونه شريكا لله سبحانه. وقوله { من دون ~~الله } متعلق ب { ادعوا } أي ادعوا من استطعتم متجاوزين الله تعالى { ~~إن كنتم صدقين } فيما تزعمون من افترائي له. { فإن لم ~~يستجيبوا لكم } أي فإن لم يفعلوا ما طلبته منهم، وتحديتهم به ~~من الإتيان بعشر سور مثله، ولا استجابوا إلى المعارضة المطلوبة منهم، ~~ويكون الضمير في " لكم " لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، أو ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وحده، وجمع تعظيما وتفخيما { فاعلموا } ~~أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين أو للرسول صلى الله عليه ~~وسلم وحده على التأويل الذي سلف قريبا. # ومعنى أمرهم بالعلم، أمرهم بالثبات عليه لأنهم عالمون بذلك من قبل عجز ~~الكفار عن الإتيان بعشر سور مثله، أو المراد بالأمر بالعلم الأمر ~~بالازدياد منه، إلى حد لا يشوبه شك، ولا تخالطه شبهة، وهو علم اليقين. ~~والأول أولى. ومعنى { أنما أنزل بعلم الله } أنه أنزل ~~متلبسا بعلم الله المختص به، الذي لا تطلع على كنهه العقول، ولا تستوضح ~~معناه الأفهام، لما اشتمل عليه من الإعجاز الخارج عن طوق البشر { وأن ~~لا إله إلا هو } أي واعلموا أن الله هو المتفرد بالألوهية لا ~~شريك له، ولا يقدره غيره على ما يقدر عليه. ثم ms1696 ختم الآية بقوله { فهل ~~أنتم مسلمون } أي ثابتون على الإسلام، مخلصون له، مزدادون من ~~الطاعات، لأنه قد حصل لكم بعجز الكفار عن الإتيان بمثل عشر سور من هذا ~~الكتاب طمأنينة فوق ما كنتم عليه، وبصيرة زائدة، وإن كنتم مسلمين من قبل ~~هذا فإن الثبوت عليه وزيادة البصيرة فيه والطمأنينة به مطلوب منكم. وقيل ~~إن الضمير في { فإن لم يستجيبوا } للموصول في { من استطعتم } ~~، وضمير { لكم } ، للكفار، الذين تحداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وكذلك ضمير { فاعلموا } والمعنى فإن لم يستجب لكم من دعوتموهم للمعاضدة ~~والمناصرة على الإتيان بعشر سور من سائر الكفار ومن يعبدونهم، ويزعمون ~~أنهم يضرون وينفعون، فاعلموا أن هذا القرآن الذي أنزله الله على هذا ~~الرسول، خارج عن قدرة غيره سبحانه وتعالى، لما اشتمل عليه من الإعجاز ~~الذي تتقاصر دونه قوة المخلوقين، وأنه أنزل بعلم الله الذي لا تحيط به ~~العقول، ولا تبلغه الأفهام، واعلموا أنه المنفرد بالألوهية لا شريك له، ~~فهل أنتم بعد هذا مسلمون؟ أي داخلون في الإسلام، متبعون لأحكامه، مقتدون ~~بشرائعه. وهذا الوجه أقوى من الوجه الأول من جهة، وأضعف منه من جهة، ~~فأما جهة قوته. فلا تساق الضمائر وتناسبها، وعدم احتياج بعضها إلى ~~تأويل، وأما ضعفه، فلما في ترتيب الأمر بالعلم على عدم الاستجابة ممن ~~دعوهم واستعانوا بهم من الخفاء واحتياجه إلى تكلف، وهو أن يقال إن عدم ~~استجابة من دعوهم واستعانوا بهم من الكفار والآلهة مع حرصهم على نصرهم، ~~ومعاضدتهم، ومبالغتهم في عدم إيمانهم واستمرارهم على الكفر، يقيد حصول ~~العلم لهؤلاء الكفار، بأن هذا القرآن من عند الله، وأن الله سبحانه هو ~~الإله وحده لا شريك له، وذلك يوجب دخولهم في الإسلام، واعلم أنه قد ~~اختلف التحدي للكفار بمعارضة القرآن، فتارة وقع بمجموع القرآن، كقوله # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله # الإسراء 88 وبعشر سور كما في هذه الآية، وذلك لأن العشرة أول عقد من ~~العقود، وبسورة منه كما تقدم، وذلك لأن السورة أقل ms1697 طائفة منه. ثم إن ~~الله سبحانه توعد من كان مقصور الهمة على الدنيا لا يطلب غيرها ولا يريد ~~سواها، فقال { من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها ~~نوف إليهم أعمالهم فيها } قال الفراء إن { كان } هذه ~~زائدة، ولهذا جزم الجواب. وقال الزجاج { من كان } في موضع جزم بالشرط، ~~وجوابه { نوف إليهم } أي من يكن يريد. واختلف أهل التفسير في هذه الآية، ~~فقال الضحاك نزلت في الكفار، واختاره النحاس بدليل الآية التي بعدها { ~~أولئك الذين ليس لهم فى الآخرة إلا النار }. ~~وقيل الآية واردة في الناس على العموم، كافرهم ومسلمهم. والمعنى أن من ~~كان يريد بعمله حظ الدنيا يكافأ بذلك، والمراد بزينتها ما يزينها ~~ويحسنها من الصحة والأمن، والسعة في الرزق، وارتفاع الحظ، ونفاذ القول، ~~ونحو ذلك. وإدخال { كان } في الآية يفيد أنهم مستمرون على إرادة الدنيا ~~بأعمالهم، لا يكادون يريدون الآخرة، ولهذا قيل إنهم مع إعطائهم حظوظ ~~الدنيا يعذبون في الآخرة، لأنهم جردوا قصدهم إلى الدنيا، ولم يعملوا ~~للآخرة. وظاهر قوله { نوف إليهم أعمالهم فيها } أن من ~~أراد بعمله الدنيا حصل له الجزاء الدنيوي ولا محالة، ولكن الواقع في ~~الخارج يخالف ذلك، فليس كل متمن ينال من الدنيا أمنيته، وإن عمل لها ~~وأرادها، فلا بد من تقييد ذلك بمشيئة الله سبحانه. قال القرطبي ذهب أكثر ~~العلماء إلى أن هذه الآية مطلقة، وكذلك الآية التي في الشورى # ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها # الشورى 20. وكذلك # ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها # آل عمران 145 قيدتها وفسرتها التي في سبحان # من كان يريد العجلة عجلنا له فيها ما نشاء ~~لمن نريد # الإسراء 18 قوله { وهم فيها لا يبخسون } أي وهؤلاء المريدون ~~بأعمالهم الدنيا هم فيها أي في الدنيا لا يبخسون أي لا ينقصون من جزائهم ~~فيها بحسب أعمالهم لها، وذلك في الغالب، وليس بمطرد، بل إن قضت به مشيئته ~~سبحانه، ورجحته حكمته البالغة. وقال القاضي معنى الآية من كان يريد بعمل ~~الخير الحياة الدنيا وزينتها، نوف إليهم أعمالهم وافية كاملة من غير ms1698 بخس ~~في الدنيا، وهو ما ينالون من الصحة والكفاف، وسائر اللذات والمنافع، فخص ~~الجزاء بمثل ما ذكره، وهو حاصل لكل عامل للدنيا، ولو كان قليلا يسيرا. ~~قوله { أولئك الذين ليس لهم فى الآخرة إلا ~~النار } الإشارة إلى المريدين المذكورين، ولا بد من تقييد هذا بأنهم ~~لم يريدوا الآخرة بشيء من الأعمال المعتد بها، الموجبة للجزاء الحسن في ~~الدار الآخرة، أو تكون الآية خاصة بالكفار، كما تقدم { وحبط ما ~~صنعوا } أي ظهر في الدار الآخرة حبوط ما صنعوه من الأعمال التي كانت ~~صورتها صورة الطاعات الموجبة للجزاء الأخروي، لولا أنهم أفسدوها بفساد ~~مقاصدهم، وعدم الخلوص، وإرادة ما عند الله في دار الجزاء، بل قصروا ذلك ~~على الدنيا وزينتها ثم حكم سبحانه ببطلان عملهم فقال { وبطل ما ~~كانوا يعملون } أي أنه كان عملهم في نفسه باطلا غير معتد به، ~~لأنه لم يعمل لوجه صحيح يوجب الجزاء، ويترتب عليه ما يترتب على العمل ~~الصحيح. # قوله { أفمن كان على بينة من ربه } بين سبحانه أن بين ~~من كان طالبا للدنيا فقط، ومن كان طالبا للآخرة تفاوتا عظيما، ~~وتباينا بعيدا. والمعنى أفمن كان على بينة من ربه في اتباع النبي صلى ~~الله عليه وسلم، والإيمان بالله، كغيره ممن يريد الحياة الدنيا وزينتها. ~~وقيل المراد بمن كان على بينة من ربه النبي صلى الله عليه وسلم أي أفمن ~~كان معه بيان من الله، ومعجزة كالقرآن، ومعه شاهد كجبريل، وقد بشرت به ~~الكتب السالفة، كمن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها. ومعنى البينة ~~البرهان الذي يدل على الحق، والضمير في قوله { ويتلوه شاهد } ~~راجع إلى البينة باعتبار تأويلها بالبرهان، والضمير في منه راجع إلى ~~القرآن، لأن قد تقدم ذكره في قوله # أم يقولون افتراه # يونس 38 أو راجع إلى الله تعالى. والمعنى ويتلو البرهان الذي هو البينة ~~شاهد يشهد بصحته من القرآن، أو من الله سبحانه. والشاهد هو الإعجاز ~~الكائن في القرآن، أو المعجزات التي ظهرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فإن ذلك من الشواهد التابعة للقرآن. ms1699 وقال الفراء قال بعضهم { ويتلوه شاهد ~~منه } الإنجيل، وإن كان قبله فهو يتلو القرآن في التصديق، والهاء في { ~~منه } لله عز وجل وقيل المراد بمن كان على بينة من ربه هم مؤمنو أهل ~~الكتاب، كعبد الله بن سلام، وأضرابه. قوله { ومن قبله كتاب ~~موسى } معطوف على { شاهد }. والتقدير ويتلو الشاهد شاهد آخر من قبله ~~هو كتاب موسى، فهو وإن كان متقدما في النزول، فهو يتلو الشاهد في ~~الشهادة، وإنما قدم الشاهد على كتاب موسى، مع كونه متأخرا في الوجود، ~~لكونه وصفا لازما غير مفارق، فكان أغرق في الوصفية من كتاب موسى. ومعنى ~~شهادة كتاب موسى، وهو التوراة أنه بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأخبر ~~بأنه رسول من الله. قال الزجاج والمعنى ويتلوه من قبله كتاب موسى، لأن ~~النبي موصوف في كتاب موسى، يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل. ~~وحكى أبو حاتم، عن بعضهم، أنه قرأ " ومن قبله كتاب موسى " بالنصب، وحكاه ~~المهدوي، عن الكلبي، فيكون معطوفا على الهاء في { يتلوه }. والمعنى ~~ويتلو كتاب موسى جبريل، وانتصاب { إماما ورحمة } على الحال. # والإمام هو الذي يؤتم به في الدين ويقتدى به، والرحمة النعمة العظيمة ~~التي أنعم الله بها على من أنزله عليهم، وعلى من بعدهم باعتبار ما اشتمل ~~عليه من الأحكام الشرعية الموافقة لحكم القرآن، والإشارة بقوله { ~~أولئك } إلى المتصفين بتلك الصفة الفاضلة، وهو الكون على البينة ~~من الله. واسم الإشارة مبتدأ وخبره { يؤمنون به } أي يصدقون ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو بالقرآن { ومن يكفر به من ~~الأحزاب } أي بالنبي أو بالقرآن. والأحزاب المتحزبون على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من أهل مكة وغيرهم، أو المتحزبون من أهل الأديان ~~كلها { فالنار موعده } أي هو من أهل النار لا محالة، وفي جعل ~~النار موعدا إشعار بأن فيها ما لا يحيط به الوصف من أفانين العذاب، ~~ومثله قول حسان # أوردتموها حياض الموت صاحية فالنار موعدها والموت لاقيها # { فلا تك فى مرية منه } أي لا تك في شك من القرآن، وفيه ~~تعريض ms1700 بغيره صلى الله عليه وسلم لأنه معصوم عن الشك في القرآن، أو من ~~الموعد { إنه الحق من ربك } فلا مدخل للشك فيه بحال من ~~الأحوال { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } بذلك مع وجوب ~~الإيمان به، وظهور الدلائل الموجبة له، ولكنهم يعاندون مع علمهم بكونه ~~حقا، أو قد طبع على قلوبهم فلا يفهمون أنه الحق أصلا. وقد أخرج ابن ~~جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { فهل أنتم مسلمون } ~~قال لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أنس، في قوله { من كان يريد ~~الحيوة الدنيا وزينتها } قال نزلت في اليهود والنصارى. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن معبد، قال قام رجل إلى علي فقال ~~أخبرنا عن هذه الآية { من كان يريد الحيوة الدنيا } إلى ~~قوله { وبطل ما كانوا يعملون } قال ويحك، ذاك من كان ~~يريد الدنيا لا يريد الآخرة. وأخرج النحاس عن ابن عباس { من كان ~~يريد الحيوة الدنيا } أي ثوابها { وزينتها } مالها { ~~نوف إليهم } نوفر لهم بالصحة والسرور في الأهل، والمال، والولد { ~~وهم فيها لا يبخسون } لا ينقصون. ثم نسخها # من كان يريد العجلة عجلنا له فيها ما نشاء # الإسراء 18 الآية. وأخرج أبو الشيخ، عن السدي، مثله. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في الآية قال من عمل صالحا التماس الدنيا ~~صوما أو صلاة، أو تهجدا بالليل، لا يعمله إلا التماس الدنيا، يقول الله ~~أو فيه الذي التمس في الدنيا وحبط عمله الذي كان يعمل، وهو في الآخرة من ~~الخاسرين. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك، قال نزلت هذه الآية في أهل الشرك. # وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، في قوله { نوف إليهم أعمالهم ~~} قال طيباتهم. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن جريج، نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن ~~السدي، في قوله { وحبط ما صنعوا فيها } قال حبط ما عملوا من ~~خير، وبطل في الآخرة، ليس لهم فيها جزاء. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ~~مجاهد، في الآية، ms1701 قال هم أهل الرياء. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، ~~وأبو نعيم في المعرفة، عن علي بن أبي طالب، قال ما من رجل من قريش إلا ~~نزل فيه طائفة من القرآن، فقال له رجل ما نزل فيك؟ قال أما تقرأ سورة هود ~~{ أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ~~} رسول الله صلى الله عليه وسلم بينة من ربه، وأنا شاهد منه. وأخرج ابن ~~عساكر، وابن مردويه من وجه آخر، عنه، قال قال رسول الله # " أفمن كان على بينة من ربه أنا، ويتلوه شاهد منه علي " # وأخرج أبو الشيخ، عن أبي العالية، في قوله { أفمن كان على ~~بينة من ربه } قال ذاك محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج أبو ~~الشيخ، عن إبراهيم، نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني في الأوسط، وأبو الشيخ، عن محمد بن علي بن أبي طالب، قال قلت ~~لأبي إن الناس يزعمون في قول الله سبحانه { ويتلوه شاهد منه } ~~أنك أنت التالي، قال وددت أني أنا هو، ولكنه لسان محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وأخرج أبو الشيخ، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن الشاهد جبريل ووافقه ~~سعيد بن جبير. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس، قال جبريل فهو شاهد من الله بالذي ~~يتلوه من كتاب الله الذي أنزل على محمد { ومن قبله كتاب موسى ~~} قال ومن قبله التوراة على لسان موسى، كما تلا القرآن على لسان محمد. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن عساكر، عن ~~الحسن بن علي، في قوله { ويتلوه شاهد منه } قال محمد هو ~~الشاهد من الله. وأخرج أبو الشيخ، عن إبراهيم { ومن قبله كتاب ~~موسى } قال ومن قبله جاء الكتاب إلى موسى. وأخرج عبد الرزاق، وأبو ~~الشيخ، عن قتادة { ومن يكفر به من الأحزاب } قال الكفار ~~أحزاب كلهم على الكفر. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، قال { ومن يكفر ~~به من الأحزاب } قال من ms1702 اليهود والنصارى. ### || [11.18-24] # قوله { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } أي ~~لا أحد أظلم منهم لأنفسهم لأنهم افتروا على الله كذبا بقولهم لأصنامهم ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وقولهم الملائكة بنات الله، وأضافوا كلامه ~~سبحانه إلى غيره، واللفظ وإن كان لا يقتضي إلا نفي وجود من هو أظلم منهم ~~كما يفيده الاستفهام الإنكاري، فالمقام يفيد نفي المساوي لهم في الظلم. ~~فالمعنى على هذا لا أحد مثلهم في الظلم فضلا عن أن يوجد من هو أظلم ~~منهم، والإشارة بقوله { أولئك } إلى الموصوفين بالظلم المتبالغ، وهو ~~مبتدأ، وخبره { يعرضون على ربهم } فيحاسبهم على أعمالهم، أو المراد ~~بعرضهم عرض أعمالهم { ويقول الأشهاد هؤلاء الذين ~~كذبوا على ربهم } الأشهاد هم الملائكة الحفظة، وقيل المرسلون. ~~وقيل الملائكة والمرسلون والعلماء الذين بلغوا ما أمرهم الله بإبلاغه، ~~وقيل جميع الخلائق. والمعنى أنه يقول هؤلاء الأشهاد عند العرض هؤلاء ~~المعرضون أو المعروضة أعمالهم الذين كذبوا على ربهم بما نسبوه إليه ولم ~~يصرحوا بما كذبوا به، كأنه كان أمرا معلوما عند أهل ذلك الموقف. قوله ~~{ ألا لعنة الله على الظلمين } هذا من تمام كلام ~~الأشهاد أي يقولون هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ويقولون ألا لعنة الله ~~على الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالافتراء، ويجوز أن يكون من كلام الله ~~سبحانه، قاله بعدما قال الأشهاد { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم }. ~~والأشهاد جمع شهيد، ورجحه أبو علي بكثرة ورود شهيد في القرآن كقوله # ويكون الرسول عليكم شهيدا # البقرة 143 # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # النساء 41، وقيل هو جمع شاهد كأصحاب وصاحب، والفائدة في قول الأشهاد ~~بهذه المقالة المبالغة في فضيحة الكفار، والتقريع لهم على رؤوس الأشهاد. ~~ثم وصف هؤلاء الظالمين الذين لعنوا بأنهم { الذين يصدون عن ~~سبيل الله } أي يمنعون من قدروا على منعه عن دين الله والدخول فيه ~~{ ويبغونها عوجا } أي يصفونها بالاعوجاج تنفيرا للناس عنها، أو ~~يبغون أهلها أن يكونوا معوجين بالخروج عنها إلى الكفر، يقال بغيتك شرا ~~أي طلبته لك والحال أنهم ms1703 { بالآخرة هم كفرون } أي يصفونها ~~بالعوج، والحال أنهم بالآخرة غير مصدقين، فكيف يصدون الناس عن طريق ~~الحق، وهم على الباطل البحت؟ وتكرير الضمير لتأكيد كفرهم واختصاصهم به، ~~حتى كأن كفر غيرهم غير معتد به بالنسبة إلى عظيم كفرهم { أولئك } ~~الموصوفون بتلك الصفات { لم يكونوا معجزين فى الأرض } أي ~~ما كانوا يعجزون الله في الدنيا إن أراد عقوبتهم { وما كان لهم ~~من دون الله من أولياء } يدفعون عنهم ما يريده الله سبحانه ~~من عقوبتهم، وإنزال بأسه بهم، وجملة { يضاعف لهم العذاب } ~~مستأنفة لبيان أن تأخير العذاب والتراخي عن تعجيله لهم، ليكون عذابا ~~مضاعفا. # وقرأ ابن كثير، وابن عامر، ويزيد ويعقوب «يضعف» مشددا { ما كانوا ~~يستطيعون السمع } أي أفرطوا في إعراضهم عن الحق، وبغضهم له، ~~حتى كأنهم لا يقدرون على السمع ولا يقدرون على الإبصار، لفرط تعاميهم عن ~~الصواب. ويجوز أن يراد بقوله { وما كان لهم من دون الله ~~من أولياء } أنهم جعلوا آلهتهم أولياء من دون الله، ولا ينفعهم ~~ذلك، فما كان هؤلاء الأولياء يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون، فكيف ~~ينفعونهم فيجلبون لهم نفعا أو يدفعون عنهم ضررا، ويجوز أن تكون «ما» هي ~~المدية. والمعنى أنه يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع والبصر. قال ~~الفراء ما كانوا يستطيعون السمع، لأن الله أضلهم في اللوح المحفوظ. وقال ~~الزجاج لبغضهم النبي صلى الله عليه وسلم. وعداوتهم له لا يستطيعون أن ~~يسمعوا منه ولا يفهموا عنه. قال النحاس هذا معروف في كلام العرب، يقال ~~فلان لا يستطيع أن ينظر إلى فلان إذا كان ثقيلا عليه { أولئك } ~~المتصفون بتلك الصفات { الذين خسروا أنفسهم } بعبادة غير ~~الله. والمعنى اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله، فكان خسرانهم في تجارتهم ~~أعظم خسران { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي ذهب وضاع ~~ما كانوا يفترون من الآلهة التي يدعون أنها تشفع لهم، ولم يبق بأيديهم ~~إلا الخسران. قوله { لا جرم } قال الخليل وسيبويه «لا جرم» بمعنى حق ~~فهي عندهما بمنزلة كلمة واحدة، وبه قال الفراء. وروي عن الخليل والفراء ~~أنها بمنزلة ms1704 قولك لا بد ولا محالة، ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة ~~حقا. وقال الزجاج إن جرم بمعنى كسب أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران، وفاعل ~~كسب مضمر، وأن منصوبة بجزم. قال الأزهري وهذا من أحسن ما نقل في هذه ~~اللغة. وقال الكسائي معنى لا جرم لا صد ولا منع عن أنهم في الآخرة هم ~~الأخسرون. وقال جماعة من النحويين إن معنى لا جرم لا قطع قاطع { ~~أنهم فى الآخرة هم الأخسرون } قالوا والجرم القطع، وقد ~~جرم النخل واجترمه أي قطعه، وفي هذه الآية بيان أنهم في الخسران قد بلغوا ~~إلى حد يتقاصر عنه غيرهم، ولا يبلغ إليه، وهذه الآيات مقررة لما سبق من ~~نفي المماثلة بين من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها، وبين من كان على ~~بينة من ربه { إن الذين ءامنوا } أي صدقوا بكل ما يجب التصديق ~~به من كون القرآن من عند الله، وغير ذلك من خصال الإيمان { وعملوا ~~الصلحات وأخبتوا إلى ربهم } أي أنابوا إليه، وقيل ~~خشعوا. وقيل خضعوا. قيل وأصل الإخبات الاستواء في الخبث وهو الأرض ~~المستوية الواسعة فيناسب معنى الخشوع والاطمئنان. قال الفراء إلى ربهم، ~~ولربهم واحد { أولئك } الموصوفون بتلك الصفات الصالحة { ~~أصحب الجنة هم فيها خلدون }. # قوله { مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير ~~والسميع } ضرب للفريقين مثلا وهو تشبيه فريق الكافرين بالأعمى ~~والأصم، وتشبيه فريق المؤمنين بالبصير والسميع، على أن كل فريق شبه ~~بشيئين، أو شبه بمن جمع بين الشيئين، فالكافر شبه بمن جمع بين العمى ~~والصمم، والمؤمن شبه بمن جمع بين السمع والبصر، وعلى هذا تكون الواو في ~~{ والأصم } ، وفي { والسميع } لعطف الصفة على الصفة، كما فى قول الشاعر # إلى الملك القرم وابن الهمام # والاستفهام في قوله { هل يستويان } للإنكار يعني الفريقين، وهذه ~~الجملة مقررة لما تقدم من قوله { أفمن كان على بينة من ~~ربه } وانتصاب مثلا على التمييز من فاعل يستويان أي هل يستويان ~~حالا وصفة { أفلا تذكرون } في عدم استوائهما، وفيما بينهما من ~~التفاوت الظاهر الذي لا يخفى على من له تذكر، ms1705 وعنده تفكر وتأمل، والهمزة ~~لإنكار عدم التذكر واستبعاد صدوره عن المخاطبين. وقد أخرج ابن جرير، وأبو ~~الشيخ، عن ابن جريج، في قوله { ومن أظلم } قال الكافر والمنافق { ~~أولئك يعرضون على ربهم } فيسألهم عن أعمالهم { ~~ويقول الأشهاد } الذين كانوا يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا { ~~هؤلاء الذين كذبوا على ربهم } شهدوا به عليهم يوم ~~القيامة. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد، قال " الأشهاد الملائكة ". وأخرج أبو ~~الشيخ، عن قتادة، نحوه، وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول # " إن الله يدني المؤمن حتى يضع كنفه ويستره من الناس ويقرره بذنوبه، ~~ويقول له أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول رب أعرف، حتى إذا قرره ~~بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك قال فإني سترتها عليك في الدنيا وأنا ~~أغفرها لك اليوم، ثم يعطي كتاب حسناته. وأما الكافر والمنافق فيقول ~~الأشهاد { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } " # وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي، في قوله { الذين ~~يصدون عن سبيل الله } قال هو محمد يعني سبيل الله، صدت قريش ~~عنه الناس. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك، في قوله { ويبغونها ~~عوجا } يعني يرجون بمكة غير الإسلام دينا. وأخرج ابن جرير، وأبو ~~الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { أولئك لم يكونوا معجزين ~~فى الأرض } الآية قال أخبر الله سبحانه أنه حال بين أهل الشرك وبين ~~طاعته في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا، فإنه قال { ما كانوا ~~يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } وأما في الآخرة ~~فإنه قال # فلا يستطيعون * خشعة # القلم 42، 43. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن قتادة، في ~~قوله { ما كانوا يستطيعون السمع } قال ما كانوا يستطيعون ~~أن يسمعوا خيرا فينتفعوا به، ولا يبصروا خيرا فيأخذوا به. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { *أخبتوا } قال ~~خافوا. وأخرج ابن جرير، عنه، قال الإخبات الإنابة. وأخرج عبد الرزاق، ~~وابن جرير، وأبو الشيخ، قال الإخبات الخشوع والتواضع. ms1706 وأخرج ابن جرير، ~~وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال اطمأنوا. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن ~~عباس، في قوله { مثل الفريقين كالأعمى والأصم } قال ~~الكافر { والبصير والسميع } قال المؤمن. ### || [11.25-34] # لما أورد سبحانه على الكفار المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم أنواع ~~الدلائل التي هي أوضح من الشمس، أكد ذلك بذكر القصص على طريقة التفنن في ~~الكلام، ونقله من أسلوب إلى أسلوب لتكون الموعظة أظهر والحجة أبين، ~~والقبول أتم، فقال { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ~~إنى لكم نذير مبين } قرأ ابن كثيرة، وأبو عمرو، والكسائي ~~بفتح الهمزة على تقدير حرف الجر أي أرسلناه بأنى أي أرسلناه متلبسا بذلك ~~الكلام، وهو أني لكم نذير مبين. وقرأ الباقون بالكسر على إرادة القول أي ~~قائلا إني لكم، والواو في { ولقد } للابتداء، واللام هي الموطئة للقسم، ~~واقتصر على النذارة دون البشارة، لأن دعوته كانت لمجرد الإنذار، أو ~~لكونهم لم يعملوا بما بشرهم به، وجملة { أن لا تعبدوا إلا ~~الله } بدل من إني لكم نذير مبين أي أرسلناه بأن لا تعبدوا إلا الله، ~~أو تكون أن مفسرة متعلقة بأرسلنا، أو بنذير، أو بمبين، وجملة { إنى ~~أخاف عليكم عذاب يوم أليم } تعليلية. والمعنى نهيتكم عن ~~عبادة غير الله لأني أخاف عليكم، وفيها تحقيق لمعنى الإنذار، واليوم ~~الأليم هو يوم القيامة، أو يوم الطوفان ووصفه بالأليم من باب الإسناد ~~المجازي مبالغة. ثم ذكر ما أجاب به قومه عليه، وهذا الجواب يتضمن الطعن ~~منهم في نبوته من ثلاث جهات، فقال { فقال الملأ الذين ~~كفروا من قومه } والملأ الأشراف، كما تقدم غير مرة، ووصفهم بالكفر ~~ذما لهم، وفيه دليل على أن بعض أشراف قومه لم يكونوا كفرة { ما نراك ~~إلا بشرا مثلنا } هذه الجهة الأولى من جهات طعنهم في نبوته أي ~~نحن وأنت مشتركون في البشرية، فلم يكن لك علينا مزية تستحق بها النبوة ~~دوننا، والجهة الثانية { وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا } ولم يتبعك أحد من الأشراف، فليس لك مزية علينا باتباع ~~هؤلاء الأراذل لك. والأراذل جمع ms1707 أرذل، وأرذل جمع رذل، مثل أكالب وأكلب ~~وكلب. وقيل الأراذل جمع الأرذل، كالأساود جمع أسود، وهم السفلة. قال ~~النحاس الأراذل الفقراء والذين لا حسب لهم، والحسب الصناعات. قال الزجاج ~~نسبوهم إلى الحياكة، ولم يعلموا أن الصناعات لا أثر لها في الديانة. وقال ~~ثعلب عن ابن الأعرابي السفلة هو الذي يصلح الدنيا بدينه، قيل له فمن سفلة ~~السفلة؟ قال الذي يصلح دنيا غيره بفساد دينه. والظاهر من كلام أهل اللغة ~~أن السفلة هو الذي يدخل في الحرف الدنية، والرؤية في الموضعين إن كانت ~~القلبية ف { بشرا } في الأول، و { اتبعك } في الثاني هما المفعول ~~الثاني، وإن كانت البصرية فهما منتصبان على الحال، وانتصاب { بادي الرأي ~~} على الظرفية، والعامل فيه { اتبعك }. # والمعنى في ظاهر الرأي من غير تعمق، يقال بدا يبدو إذا ظهر. قال الأزهري ~~معناه فيما يبدو لنا من الرأي. والوجه الثالث من جهات قدحهم في نبوته { ~~وما نرى لكم علينا من فضل } خاطبوه في الوجهين الأولين، ~~منفردا وفي هذا الوجه خاطبوه مع متبعيه أي ما نرى لك ولمن اتبعك من ~~الأراذل علينا من فضل يتميزون به، وتستحقون ما تدعونه، ثم أضربوا عن ~~الثلاثة المطاعن، وانتقلوا إلى ظنهم المجرد عن البرهان الذي لا مستند له ~~إلا مجرد العصبية، والحسد، واستبقاء ما هم فيه من الرياسة الدنيوية، ~~فقالوا { بل نظنكم كذبين } فيما تدعونه، ويجوز أن يكون ~~هذا خطابا للأراذل وحدهم، والأول أولى لأن الكلام مع نوح لا معهم إلا ~~بطريق التبعية له. ثم ذكر سبحانه ما أجاب به نوح عليهم، فقال { قال ~~ياقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى } أي ~~أخبروني إن كنت على برهان من ربي في النبوة يدل على صحتها ويوجب عليكم ~~قبولها، مع كون ما جعلتموه قادحا ليس بقادح في الحقيقة، فإن المساواة في ~~صفة البشرية لا تمنع المفارقة في صفة النبوة، واتباع الأراذل كما تزعمون ~~ليس مما يمنع من النبوة، فإنهم مثلكم في البشرية والعقل والفهم، ~~فاتباعهم لي حجة عليكم لا لكم، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة ms1708 { ~~وآتاني رحمة من عنده } هي النبوة، وقيل الرحمة المعجزة، ~~والبينة النبوة. قيل ويجوز أن تكون الرحمة هي البينة نفسها، والأولى ~~تفسير الرحمة بغير ما فسرت البينة، والإفراد في { فعميت } على إرادة ~~كل واحدة منهما، أو على إرادة البينة، لأنها هي التي تظهر لمن تفكر، ~~وتخفى على من لم يتفكر، ومعنى عميت خفيت وقيل الرحمة هي على الخلق، وقيل ~~هي الهداية إلى معرفة البرهان، وقيل الإيمان، يقال عميت عن كذا، وعمي ~~علي كذا إذا لم أفهمه. قيل وهو من باب القلب، لأن البينة أو الرحمة لا ~~تعمى وإنما يعمى عنها فهو كقولهم أدخلت القلنسوة رأسي. وقرأ الأعمش، ~~وحمزة، والكسائي، وحفص { فعميت } بضم العين وتشديد الميم على البناء ~~للمفعول أي فعماها الله عليكم، وفي قراءة أبي " فعماها عليكم " ~~والاستفهام في { أنلزمكموها } للإنكار أي لا يمكنني أن أضطركم ~~إلى المعرفة بها، والحال أنكم { لها كارهون } ، والمعنى أخبروني إن كنت ~~على حجة ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي إلا أنها خافية عليكم أيمكنننا أن ~~نضطركم إلى العلم بها، والحال أنكم لها كارهون غير متدبرين فيها، فإن ذلك ~~لا يقدر عليه إلا الله عز وجل. وحكى الكسائي والفراء إسكان الميم ~~الأولى في { أنلزمكموها } تخفيفا كما في قول الشاعر # فاليوم أشرب غير مستحقب إثما من الله ولا واغل # فإن إسكان الباء في أشرب للتخفيف. وقد قرأ أبو عمرو كذلك. # قوله { ويقوم لا أسألكم عليه مالا إن أجرى ~~إلا على الله } فيه التصريح منه عليه السلام بأنه لا يطلب على ~~تبليغ الرسالة مالا حتى يكون بذلك محلا للتهمة، ويكون لقول الكافرين ~~مجال بأنه إنما ادعى ما ادعى طلبا للدنيا، والضمير في عليه راجع إلى ما ~~قاله لهم، فيما قبل هذا. وقوله { وما أنا بطارد الذين ~~ءامنوا } كالجواب عما يفهم من قولهم { وما نراك اتبعك ~~إلا الذين هم أراذلنا } من التلميح منهم إلى إبعاد الأراذل ~~عنه. وقيل إنهم سألوه طردهم تصريحا لا تلميحا، ثم علل ذلك بقوله { ~~إنهم ملقوا ربهم } أي لا أطردهم، فإنهم ملاقون يوم القيامة ~~ربهم فهو ms1709 يجازيهم على إيمانهم لأنهم طلبوا ما عنده سبحانه، وكأنه قال هذا ~~على وجه الإعظام لهم، ويحتمل أنه قاله خوفا من مخاصمتهم له عند ربهم ~~بسبب طرده لهم ثم بين لهم ما هم عليه في هذه المطالب التي طلبوها منه، ~~والعلل التي اعتلوا بها عن إجابته فقال { ولكنى أراكم قوما ~~تجهلون } كل ما ينبغي أن يعلم، ومن ذلك استرذالهم للذين اتبعوه ~~وسؤالهم له أن يطردهم. ثم أكد عدم جواز طردهم بقوله { ويقوم من ~~ينصرنى من الله إن طردتهم } أي من يمنعني من عذاب الله ~~وانتقامه إن طردتهم؟ فإن طردهم بسبب سبقهم إلى الإيمان والإجابة إلى ~~الدعوة التي أرسل الله رسوله لأجلها ظلم عظيم، لا يقع من أنبياء الله ~~المؤيدين بالعصمة، ولو وقع ذلك منهم فرضا وتقديرا لكان فيه من الظلم ~~مالا يكون لو فعله غيرهم من سائر الناس. وقوله { أفلا تذكرون } ~~معطوف على مقدر كأنه قيل أتستمرون على ما أنتم عليه من الجهل بما ذكر، ~~أفلا تذكرون من أحوالهم ما ينبغي تذكره، وتتفكرون فيه، حتى تعرفوا ما ~~أنتم عليه من الخطأ، وما هم عليه من الصواب. قوله { ولا أقول لكم ~~عندى خزائن الله } بين لهم أنه كما لا يطلب منهم شيئا من ~~أموالهم على تبليغ الرسالة، كذلك لا يدعي أن عنده خزائن الله حتى ~~يستدلوا بعدمها على كذبه، كما قالوا { وما نرى لكم علينا من ~~فضل } والمراد بخزائن الله خزائن رزقه { ولا أعلم الغيب } أي ~~ولا أدعي أني أعلم بغيب الله، بل لم أقل لكم إلا أني نذير مبين، إني ~~أخاف عليكم عذاب يوم أليم { ولا أقول } لكم { إنى ملك } تقولوا ~~ما نراك إلا بشرا مثلنا. وقد استدل بهذا من قال إن الملائكة أفضل من ~~الأنبياء، والأدلة في هذه المسألة مختلفة، وليس لطالب الحق إلى تحقيقها ~~حاجة، فليست مما كلفنا الله بعلمه { ولا أقول للذين تزدرى ~~أعينكم } أي تحتقر، والازدراء مأخوذ من أزرى عليه إذا عابه، وزري ~~عليه إذا احتقره، وأنشد الفراء # يباعده الصديق وتزدريه خليلته وينهره الصغير # والمعنى إني لا ms1710 أقول لهؤلاء المتبعين لي المؤمنين بالله الذين تعيبونهم ~~وتحتقرونهم { لن يؤتيهم الله خيرا } بل قد آتاهم الخير ~~العظيم بالإيمان به واتباع نبيه فهو مجازيهم بالجزاء العظيم في الآخرة، ~~ورافعهم في الدنيا إلى أعلى محل، ولا يضرهم احتقاركم لهم شيئا { ~~الله أعلم بما فى أنفسهم } من الإيمان به، والإخلاص له، ~~فمجازيهم على ذلك، ليس لي ولا لكم من أمرهم شيء { إنى إذا لمن ~~الظلمين } لهم إن فعلت ما تريدونه بهم، أو من الظالمين لأنفسهم إن ~~فعلت ذلك بهم، ثم جاوبوه بغير ما تقدم من كلامهم وكلامه عجزا عن القيام ~~بالحجة، وقصورا عن رتبة المناظرة، وانقطاعا عن المباراة بقولهم { ~~ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا } أي خاصمتنا بأنواع ~~الخصام، ودفعتنا بكل حجة لها مدخل في المقام، ولم يبق لنا في هذا الباب ~~مجال، فقد ضاقت علينا المسالك، وانسدت أبواب الحيل { فأتنا بما ~~تعدنا } من العذاب الذي تخوفنا منه، وتخافه علينا { إن كنت من ~~الصدقين } فيما تقوله لنا، فأجاب بأن ذلك ليس إليه وإنما هو ~~بمشيئة الله وإرادته، و { قال إنما يأتيكم به الله إن ~~شاء } فإن قضت مشيئته وحكمته بتعجيله عجله لكم، وإن قضت مشيئته وحكمته ~~بتأخيره أخره { وما أنتم بمعجزين } بفائتين عما أراده الله بكم ~~بهرب أو مدافعة. { ولا ينفعكم نصحى } الذي أبذله لكم، وأستكثر ~~منه قياما مني بحق النصيحة لله بإبلاغ رسالته، ولكم بإيضاح الحق وبيان ~~بطلان ما أنتم عليه { إن أردت أن أنصح لكم } وجواب هذا ~~الشرط محذوف، والتقدير إن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي، كما يدل عليه ~~ما قبله { إن كان الله يريد أن يغويكم } أي إن كان الله ~~يريد إغواءكم، فلا ينفعكم النصح مني، فكان جواب هذا الشرط محذوفا ~~كالأول، وتقديره ما ذكرنا، وهذا التقدير إنما هو على مذهب من يمنع من ~~تقدم الجزاء على الشرط، وأما على مذهب من يجيزه، فجزاء الشرط الأول، { ~~ولا ينفعكم نصحي } ، وجزاء الشرط الثاني الجملة الشرطية الأولى وجزاؤها. ~~قال ابن جرير معنى { يغويكم } يهلككم بعذابه، وظاهر لغة العرب أن الإغواء ms1711 ~~الإضلال فمعنى الآية لا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يضلكم عن سبيل ~~الرشاد، ويخذلكم عن طريق الحق. وحكى عن طي أصبح فلان غاويا أي مريضا، ~~وليس هذا المعنى هو المراد في الآية. وقد ورد الإغواء بمعنى الإهلاك، ~~ومنه # فسوف يلقون غيا # مريم 59 وهو غير ما في هذه الآية { هو ربكم } فإليه الإغواء ~~وإليه الهداية { وإليه ترجعون } فيجازيكم بأعمالكم إن خيرا ~~فخير، وإن شرا فشر. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس، في ~~قوله { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ~~بادى الرأى } قال فيما ظهر لنا. # وأخرج أبو الشيخ، عن عطاء، مثله. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن ~~جريج، في قوله { إن كنت على بينة من ربى } قال قد عرفتها ~~وعرفت بها أمره، وأنه لا إله إلا هو، { وآتاني رحمة من عنده ~~} قال الإسلام الهدى والإيمان، والحكم والنبوة. وأخرج ابن جرير، وأبو ~~الشيخ، عن قتادة في قوله { أنلزمكموها } قال أما والله لو استطاع ~~نبي الله لألزمها قومه، ولكنه لم يستطع ذلك ولم يمكنه. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، ~~أنه كان يقرأ «أنلزمكموها من شطر أنفسنا وأنتم لها كارهون». وأخرج ابن ~~جرير، عن أبي العالية، قال في قراءة أبي «أنلزمكموها من شطر أنفسنا ~~وأنتم لها كارهون». وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن أبي بن كعب، أنه ~~قرأ «أنلزمكموها من شطر قلوبنا». وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن ~~جريج، في قوله { وما أنا بطارد الذين ءامنوا } ، قال ~~قالوا له يا نوح، إن أحببت أن نتبعك فاطردهم، وإلا فلن نرضى أن نكون نحن ~~وهم في الأرض سواء، وفي قوله { إنهم ملقوا ربهم } قال ~~فيسألهم عن أعمالهم { ولا أقول لكم عندى خزائن الله } ~~التي لا يفنيها شيء، فأكون إنما دعوتكم لتتبعوني عليها، لا أعطيكم بملكه ~~لي عليها { ولا أعلم الغيب } لا أقول اتبعوني على علمي بالغيب { ~~ولا أقول إنى ملك } نزلت من السماء برسالة، ما أنا ms1712 إلا بشر ~~مثلكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد { ولا أقول للذين ~~تزدرى أعينكم }. قال حقرتموهم. وأخرج أبو الشيخ، عن السدي، في ~~قوله { لن يؤتيهم الله خيرا } قال يعني إيمانا. وأخرج ابن ~~جرير، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله { فأتنا بما تعدنا } ~~قال تكذيبا بالعذاب، وأنه باطل. ### || [11.35-44] # قوله { أم يقولون افتراه } أنكر سبحانه عليهم قولهم إن ما ~~أوحى إلى نوح مفترى، فقال { أم يقولون افتراه } ثم أمره أن ~~يجيب بكلام متصف، فقال { قل إن افتريته فعلى إجرامى } ~~بكسر الهمزة على قراءة الجمهور، مصدر أجرم أي فعل ما يوجب الإثم، وجرم ~~وأجرم بمعنى قاله النحاس، والمعنى فعلي إثمي، أو جزاء كسبي. ومن قرأ ~~بفتح الهمزة، قال هو جمع جرم ذكره النحاس أيضا { وأنا برىء مما ~~تجرمون } أي من إجرامكم بسبب ما تنسبونه إلي من الافتراء، قيل وفي ~~الكلام حذف والتقدير لكن ما افتريته، فالإجرام وعقابه ليس إلا عليكم، ~~وأنا بريء منه. وقد اختلف المفسرون في هذه الآية، فقيل إنها حكاية عن ~~نوح، وما قاله لقومه، وقيل هي حكاية عن المحاورة الواقعة بين نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم وكفار مكة. والأول أولى لأن الكلام قبلها وبعدها مع ~~نوح عليه السلام. قوله { وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن ~~من قومك إلا من قد آمن } { أنه لن يؤمن } في محل رفع على أنه ~~نائب الفاعل الذي لم يسم. ويجوز أن يكون في موضع نصب بتقدير الباء أي ~~بأنه، وفي الكلام تأييس له من إيمانهم، وأنهم مستمرون على كفرهم، مصممون ~~عليه، لا يؤمن أحد منهم إلا من قد سبق إيمانه { فلا تبتئس بما ~~كانوا يفعلون } البؤس الحزن، أي فلا تحزن، والبائس المستكين، ~~فنهاه الله سبحانه عن أن يحزن حزن مستكين لأن الابتئاس حزن في استكانة. ~~ومنه قول الشاعر # وكم من خليل أو حميم رزئته فلم أبتئس والرزء فيه جليل # ثم إن الله سبحانه لما أخبره أنهم لا يؤمنون ألبتة عرفه وجه إهلاكهم، ~~وألهمه الأمر الذي يكون به خلاصه، وخلاص من آمن ms1713 معه، فقال { واصنع ~~الفلك بأعيننا ووحينا } أي اعمل السفينة متلبسا بأعيننا ~~أي بمرأى منا، والمراد بحراستنا لك وحفظنا لك، وعبر عن ذلك بالأعين لأنها ~~آلهة الرؤية، والرؤية هي التي تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب، وجمع ~~الأعين للتعظيم لا للتكثير. وقيل المعنى { بأعيننا } أي بأعين ~~ملائكتنا الذين جعلناهم عيونا على حفظك. وقيل { بأعيننا } بعلمنا. ~~وقيل بأمرنا. ومعنى بوحينا بما أوحينا إليك من كيفية صنعتها { ولا ~~تخطبنى فى الذين ظلموا } أي لا تطلب إمهالهم، فقد حان ~~وقت الانتقام منهم، وجملة { إنهم مغرقون } للتعليل أي لا تطلب ~~منا إمهالهم، فإنه محكوم منا عليهم بالغرق، وقد مضى به القضاء فلا سبيل ~~إلى دفعه ولا تأخيره. وقيل المعنى ولا تخاطبني في تعجيل عقابهم، فإنهم ~~مغرقون في الوقت المضروب لذلك، لا يتأخر إغراقهم عنه. وقيل المراد بالذين ~~ظلموا امرأته وابنه. # { ويصنع الفلك } أي وطفق يصنع الفلك، أو وأخذ يصنع الفلك. وقيل ~~هو حكاية حال ماضية لاستحضار الصورة، وجملة { وكلما مر عليه ~~ملأ من قومه سخروا منه } في محل نصب على الحال أي استهزءوا ~~به لعمله السفينة. قال الأخفش والكسائي يقال سخرت به ومنه. وفي وجه ~~سخريتهم منه قولان أحدهما أنهم كانوا يرونه يعمل السفينة، فيقولون يا نوح ~~صرت بعد النبوة نجارا. والثاني أنهم لما شاهدوه يعمل السفينة، وكانوا ~~لا يعرفونها قبل ذلك، قالوا يا نوح ما تصنع بها؟ قال أمشي بها على الماء ~~فعجبوا من قوله، وسخروا به. ثم أجاب عليهم بقوله { إن تسخروا ~~منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون } وهذا الكلام ~~مستأنف على تقدير سؤال كأنه قيل فماذا قال لهم؟ والمعنى إن تسخروا منا ~~بسبب عملنا للسفينة اليوم، فإنا نسخر منكم غدا عند الغرق. ومعنى السخرية ~~هنا الاستجهال، أي إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلون، واستجهاله ~~لهم باعتبار إظهاره لهم ومشافهتهم، وإلا فهم عنده جهال قبل هذا وبعده، ~~والتشبيه في قوله { كما تسخرون } لمجرد التحقق والوقوع، أو ~~التجدد والتكرر، والمعنى إنا نسخر منكم سخرية متحققة واقعة كما تسخرون ~~منا كذلك، أو متجددة متكررة كما ms1714 تسخرون منا كذلك. وقيل معناه نسخر منكم ~~في المستقبل سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق، وفيه نظر، فإن حالهم ~~إذ ذاك لا تناسبه السخرية، إذ هم في شغل شاغل عنها. ثم هددهم بقوله { ~~فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } وهو عذاب الغرق ~~في الدنيا { ويحل عليه عذاب مقيم } وهو عذاب النار ~~الدائم، ومعنى يحل يجعل المؤجل حالا، مأخوذ من حلول الدين المؤجل، و " ~~من " موصولة في محل نصب، ويجوز أن تكون استفهامية في محل رفع أي أينا ~~يأتيه عذاب يخزيه. وقيل في موضع رفع بالابتداء، و { يأتيه } الخبر، و { ~~يخزيه } صفة لعذاب. قال الكسائي إن ناسا من أهل الحجاز يقولون " سوف ~~تعلمون " قال ومن قال " ستعلمون " أسقط الواو والفاء جميعا، وجوز ~~الكوفيون «سف تعلمون» ومنعه البصريون، والمراد بعذاب الخزي العذاب الذي ~~يخزي صاحبه، ويحل عليه العار. قوله { حتى إذا جاء أمرنا ~~وفار التنور } " حتى " هي الابتدائية دخلت على الجملة الشرطية، ~~وجعلت غاية لقوله { واصنع الفلك بأعيننا }. والتنور اختلف في تفسيرها على ~~أقوال الأول أنها وجه الأرض، والعرب تسمى وجه الأرض تنورا، روي ذلك عن ~~ابن عباس، وعكرمة، والزهري، وابن عيينة. الثاني أنه تنور الخبز الذي ~~يخبزونه فيه، وبه قال مجاهد وعطية والحسن، وروي عن ابن عباس أيضا. ~~الثالث أنه موضع اجتماع الماء في السفينة، روي عن الحسن. الرابع أنه طلوع ~~الفجر، من قولهم تنور الفجر، روي عن علي بن أبي طالب. # الخامس أنه مسجد الكوفة، روي عن علي أيضا ومجاهد. قال مجاهد كان ناحية ~~التنور بالكوفة. السادس أنه أعالي الأرض، والمواضع المرتفعة، قاله ~~قتادة. السابع أنه العين التي بالجزيرة المسماة عين الوردة، روي ذلك عن ~~عكرمة. الثامن أنه موضع بالهند. قال ابن عباس كان تنور آدم بالهند. قال ~~النحاس وهذه الأقوال ليست بمتناقضة، لأن الله سبحانه قد أخبر بأن الماء ~~قد جاء من السماء والأرض، قال # ففتحنا أبوب السماء بماء منهمر * وفجرنا ~~الأرض عيونا # القمر 11، 12 فهذه الأقوال تجتمع في أن ذلك كان علامة. هكذا قال، وفيه ~~نظر، فإن ms1715 القول الرابع ينافي هذا الجمع، ولا يستقيم عليه التفسير بنبع ~~الماء. إلا إذا كان المراد مجرد العلامة، كما ذكره آخرا. وقد ذكر أهل ~~اللغة أن الفور الغليان، والتنور اسم عجمي عربته العرب. وقيل معنى فار ~~التنور التمثيل بحضور العذاب كقولهم حمي الوطيس إذا اشتد الحرب، ومنه ~~قول الشاعر # تركتم قدركم لا شيء فيها وقدر القوم حامية تفور # يريد الحرب. قوله { قلنا احمل فيها من كل زوجين ~~اثنين } أي قلنا يا نوح، احمل في السفينة من كل زوجين مما في الأرض ~~من الحيوانات اثنين ذكرا وأثنى. وقرأ حفص { من كل } بتنوين كل أي من كل ~~شيء زوجين، والزوجان للاثنين اللذين لا يستغنى أحدهما عن الآخر، ويطلق ~~على كل واحد منهما زوج، كما يقال للرجال زوج، وللمرأة زوج، ويطلق الزوج ~~على الاثنين إذا استعمل مقابلا للفرد، ويطلق الزوج على الضرب والصنف، ~~ومثله قوله تعالى # وأنبتت من كل زوج بهيج # الحج 5، ومثله قول الأعشى # وكل ضرب من الديباج يلبسه أبو حذافة مخبو بذاك معا # أراد كل صنف من الديباج { وأهلك } عطف على { زوجين } ، أو على ~~اثنين على قراءة حفص، وعلى محل كل زوجين، فإنه في محل نصب ب { احمل } ، ~~أو على { اثنين } على قراءة الجمهور، والمراد امرأته وبنوه ونساؤهم { ~~إلا من سبق عليه القول } أي من تقدم الحكم عليه بأنه من ~~المغرقين، في قوله { ولا تخطبنى فى الذين ظلموا ~~إنهم مغرقون } على الاختلاف السابق فيهم، فمن جعلهم جميع ~~الكفار من أهله وغيرهم كان هذا الاستثناء من جملة { احمل فيها من ~~كل زوجين اثنين وأهلك } ومن قال المراد بهم ولده كنعان ~~وامرأته واعلة أم كنعان جعل الاستثناء من أهلك، ويكون متصلا إن أريد ~~بالأهل ما هو أعم من المسلم والكافر منهم، ومنقطعا إن أريد بالأهل ~~المسلمون منهم فقط، قوله { ومن ءامن } معطوف على { أهلك } أي واحمل ~~في السفينة من آمن من قومك، وأفرد الأهل منهم لمزيد العناية بهم، أو ~~للاستثناء منهم على القول الآخر. ثم وصف الله سبحانه قلة المؤمنين مع نوح ~~بالنسبة إلى ms1716 من كفر به، فقال { وما ءامن معه إلا قليل } قيل ~~هم ثمانون إنسانا منهم ثلاثة من بنيه، وهو سام، وحام، ويافث، وزوجاتهم، ~~ولما خرجوا من السفينة بنوا قرية يقال لها قرية الثمانين، وهي موجودة ~~بناحية الموصل. # وقيل كانوا عشرة. وقيل سبعة، وقيل كانوا اثنين وسبعين. وقيل غير ذلك. ~~قوله { وقال اركبوا فيها } القائل نوح، وقيل الله سبحانه. ~~والأول أولى، لقوله { إن ربى لغفور رحيم } والركوب العلو ~~على ظهر الشيء حقيقة نحو ركب الدابة، أو مجازا نحو ركبه الدين، وفي ~~الكلام حذف أي اركبوا الماء في السفينة، فلا يرد أن ركب يتعدى بنفسه ~~وقيل إن الفائدة في زيادة " في " أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف السفينة لا ~~على ظهرها. وقيل إنها زيدت لرعاية جانب المحلية في السفينة كما في قوله # فإذا ركبوا فى الفلك # العنكبوت 65، وقوله # حتى إذا ركبا فى السفينة # الكهف 71 قيل ولعل نوحا قال هذه المقالة بعد إدخال ما أمر بحمله من ~~الأزواج، كأنه قيل فحمل الأزواج وأدخلها في الفلك، وقال للمؤمنين، ويمكن ~~أن يقال إنه أمر بالركوب كل من أمر بحمله من الأزواج والأهل والمؤمنين، ~~ولا يمتنع أن يفهم خطابه من لا يعقل من الحيوانات، أو يكون هذا على طريقة ~~التغليب. قوله { بسم الله } متعلق ب { اركبوا } ، أو حال من فاعله ~~أي مسمين الله، أو قائلين { بسم الله مجراها ومرساها } ~~قرأ أهل الحرمين وأهل البصرة بضم الميم فيهما إلا من شد منهم على أنهما ~~اسما زمان، وهما في موضع نصب على الظرفية أي وقت مجراها ومرساها، ويجوز ~~أن يكونا مصدرين أي وقت إجرائها وإرسائها. وقرأ الأعمش، وحمزة، والكسائي، ~~وحفص { مجراها } بفتح الميم، و { مرساها } بضمها، وقرأ يحيى بن وثاب ~~بفتحها فيهما. وقرأ مجاهد، وسليمان بن جندب، وعاصم الجحدري، وأبو رجاء ~~العطاردي { مجريها ومرسيها } على أنهما وصفان لله، ويجوز أن يكونا في ~~موضع رفع باضمار مبتدأ أي هو مجريها ومرسيها { إن ربى لغفور } ~~للذنوب { رحيم } بعباده، ومن رحمته إنجاء هذه الطائفة تفضلا منه ~~لبقاء هذا الجنس الحيواني، وعدم ms1717 استئصاله بالغرق. قوله { وهى تجرى ~~بهم فى موج كالجبال } هذه الجملة متصلة بجملة محذوفة دل ~~عليها الأمر بالركوب، والتقدير فركبوا مسمين، وهي تجرى بهم، والموج جمع ~~موجة، وهي ما ارتفع عن جملة الماء الكثير عند اشتداد الريح، وشبهها ~~بالجبال المرتفعة على الأرض. قوله { ونادى نوح ابنه } هو كنعان، ~~قيل وكان كافرا، واستبعد كون نوح ينادي من كان كافرا مع قوله # رب لا تذر على الأرض من الكفرين ديارا # نوح 26، وأجيب بأنه كان منافقا، فظن نوح أنه مؤمن. وقيل حملته شفقة ~~الأبوة على ذلك. وقيل إنه كان ابن امرأته، ولم يكن بابنه، ويؤيده ما روي ~~أن عليا قرأ " ونادى نوح ابنها ". # وقيل إنه كان لغير رشدة، وولد على فراش نوح. ورد بأن قوله { ونادى ~~نوح ابنه } ، وقوله { إن ابنى من أهلى } يدفع ذلك على ما ~~فيه من عدم صيانة منصب النبوة { وكان فى معزل } أي في مكان عزل ~~فيه نفسه عن قومه، وقرابته بحيث لم يبلغه قول نوح اركبوا فيها، وقيل في ~~معزل من دين أبيه، وقيل من السفينة. قيل وكان هذا النداء قبل أن يستيقن ~~الناس الغرق، بل كان في أول فور التنور. قوله { معزل يبنى ~~اركب معنا } قرأ عاصم بفتح الياء، والباقون بكسرها، فأما الكسر ~~فلجعله بدلا من ياء الإضافة، لأن الأصل يا بني، وأما الفتح فلقلب ياء ~~الإضافة ألفا لخفة الألف، ثم حذف الألف وبقيت الفتحة لتدل عليه. قال ~~النحاس وقراءة عاصم مشكلة. وقال أبو حاتم أصله يا بنياه ثم تحذف، وقد جعل ~~الزجاج للفتح وجهين، وللكسر وجهين. أما الفتح بالوجه الأول ما ذكرناه، ~~والوجه الثاني أن تحذف الألف لالتقاء الساكنين. وأما الكسر، فالوجه ~~الأول ما ذكرناه، والثاني أن تحذف لالتقاء الساكنين، كذا حكى عنه ~~النحاس. وقرأ أبو عمرو، والكسائي، وحفص { اركب معنا } بادغام ~~الباء في الميم لتقاربهما في المخرج. وقرأ الباقون بعدم الإدغام { ولا ~~تكن مع الكفرين } نهاه عن الكون مع الكافرين أي خارج ~~السفينة، ويمكن أن يراد بالكون معهم الكون على دينهم. ثم حكى الله سبحانه ms1718 ~~ما أجاب به ابن نوح على أبيه، فقال { قال سآوى إلى جبل ~~يعصمنى من الماء } أي يمنعني بارتفاعه من وصول الماء إلي، ~~فأجاب عنه نوح بقوله { لا عاصم اليوم من أمر الله } أي ~~لا مانع، فإنه يوم قد حق فيه العذاب وجف القلم بما هو كائن فيه، نفى ~~جنس العاصم فيندرج تحته العاصم من الغرق في ذلك اليوم اندراجا أوليا، ~~وعبر عن الماء أو عن الغرق بأمر الله سبحانه تفخيما لشأنه، وتهويلا ~~لأمره. والاستثناء قال الزجاج هو منقطع أي لكن من رحمه الله فهو يعصمه، ~~فيكون { من رحم } في موضع نصب، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا على ~~أن يكون عاصم بمعنى معصوم أي لا معصوم اليوم من أمر الله إلا من رحمه ~~الله مثل # ماء دافق # الطارق 6 # عيشة راضية # الحاقة 21 ومنه قول الشاعر # دع المكارم لا تنهض لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # أي المطعم المكسو، واختار هذا الوجه ابن جرير وقيل العاصم بمعنى ذي ~~العصمة، كلابن وتامر، والتقدير لا عاصم قط إلا مكان من رحم الله، وهو ~~السفينة، وحينئذ فلا يرد ما يقال إن معنى من رحم من رحمه الله، ومن رحمه ~~الله هو معصوم، فكيف يصح استثناؤه عن العاصم؟ لأن في كل وجه من هذه ~~الوجوه دفعا للإشكال. # وقرىء " إلا من رحم " على البناء للمفعول { وحال بينهما ~~الموج } أي حال بين نوح وابنه فتعذر خلاصه من الغرق. وقيل بين ابن ~~نوح، وبين الجبل، والأول أولى، لأن تفرع { فكان من المغرقين ~~} عليه يدل على الأول لا على الثاني، لأن الجبل ليس بعاصم. قوله { ~~وقيل يأرض ابلعى ماءك } يقال بلع الماء يبلعه مثل منع يمنع، ~~وبلع يبلع، مثل حمد يحمد لغتان حكاهما الكسائي والفراء والبلع الشرب، ~~ومنه البالوعة، وهي الموضع الذي يشرب الماء، والازدراد، يقال بلع ما في ~~فمه من الطعام إذا ازدرده، واستعير البلع الذي هو من فعل الحيوان للنشف ~~دلالة على أن ذلك ليس كالنشف المعتاد الكائن على سبيل التدريج { ~~ويسماء أقلعى } الإقلاع الإمساك، يقال أقلع ms1719 المطر إذا انقطع. ~~والمعنى أمر السماء بامساك الماء عن الإرسال، وقدم نداء الأرض على ~~السماء لكون ابتداء الطوفان منها { وغيض الماء } أي نقص، يقال غاض ~~الماء وغضته أنا { وقضى الأمر } أي أحكم وفرغ منه يعني أهلك الله ~~قوم نوح على تمام وإحكام { واستوت على الجودى } أي استقرت ~~السفينة على الجبل المعروف بالجودي، وهو جبل بقرب الموصل وقيل إن الجودي ~~اسم لكل جبل، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل # سبحانه ثم سبحانا نعوذ به وقبلنا سبح الجودي والجمد # ويقال إنه من جبال الجنة، فلذا استوت عليه { وقيل بعدا للقوم ~~الظلمين } القائل هو الله سبحانه، ليناسب صدر الآية. وقيل هو نوح ~~وأصحابه. والمعنى وقيل هلاكا للقوم الظالمين، وهو من الكلمات التي تختص ~~بدعاء السوء ووصفهم بالظلم للإشعار بأنه علة الهلاك، وللإيماء إلى قوله { ~~ولا تخطبنى فى الذين ظلموا }. وقد أطبق علماء البلاغة ~~على أن هذه الآية الشريفة بالغة من الفصاحة والبلاغة إلى محل يتقاصر عنه ~~الوصف، وتضعف عن الإتيان بما يقاربه قدرة القادرين على فنون البلاغة، ~~الثابتين الأقدام في علم البيان، الراسخين في علم اللغة، المطلعين على ما ~~هو مدون من خطب مصاقع خطباء العرب، وأشعار بواقع شعرائهم، المرتاضين ~~بدقائق علوم العربية وأسرارها. وقد تعرض لبيان بعض ما اشتملت عليه من ~~ذلك جماعة منهم، فأطالوا وأطابوا، رحمنا الله وإياهم برحمته الواسعة. وقد ~~أخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله { فعلى إجرامى } قال عملي ~~{ وأنا برىء مما تجرمون } أي مما تعملون. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله { وأوحى إلى نوح أنه ~~لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن } وذلك حين دعا عليهم ~~نوح قال # " لا تذكر على الأرض من الكفرين ديارا " # نوح 26. وأخرج أحمد في الزهد، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن الحسن، قال ~~إن نوحا لم يدع على قومه حتى نزلت الآية هذه، فانقطع عند ذلك رجاؤه ~~منهم، فدعا عليهم. # وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، في قوله { فلا تبتئس } قال فلا ~~تحزن. وأخرج ابن أبي ms1720 حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي، عنه، في قوله { ~~واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } قال بعين الله ووحيه. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، أيضا قال لم يعلم نوح كيف يصنع الفلك، فأوحى ~~الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، عن عائشة، قالت قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " كان نوح مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم، حتى كان آخر ~~زمانه غرس شجرة فعظمت وذهبت كل مذهب، ثم قطعها، ثم جعل يعملها سفينة، ~~ويمرون فيسألونه، فيقول أعملها سفينة، فيسخرون منه، ويقولون يعمل سفينة ~~في البر، وكيف تجري؟ قال سوف تعلمون، فلما فرغ منها وفار التنور، وكثر ~~الماء في السكك خشيته أم الصبي عليه، وكانت تحبه حبا شديدا، فخرجت إلى ~~الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على الجبل، فلما ~~بلغ الماء رقبته رفعته بين يديها حتى ذهب بها الماء، فلو رحم الله منهم ~~أحدا لرحم أم الصبي " # وقد ضعفه الذهبي في مستدركه على مستدرك الحاكم. وقد روي في صفة السفينة ~~وقدرها أحاديث، وآثار ليس في ذكرها هنا كثير فائدة. وأخرج ابن المنذر، عن ~~ابن عباس، في قوله { من يأتيه عذاب يخزيه } قال هو الغرق { ~~ويحل عليه عذاب مقيم } قال هو الخلود في النار. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عنه، ~~قال كان بين دعوة نوح وبين هلاك قومه ثلثمائة سنة، وكان فار التنور ~~بالهند، وطافت سفينة نوح بالبيت أسبوعا. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه أيضا ~~قال التنور العين التي بالجزيرة عين الوردة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن علي بن أبي طالب، قال فار التنور من مسجد الكوفة ~~من قبل أبواب كندة. وقد روي عنه نحو هذا من طرق. وأخرج سعيد بن منصور، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس قال ~~التنور وجه الأرض، قيل له إذا رأيت الماء على وجه الأرض، ms1721 فاركب أنت ومن ~~معك. والعرب تسمى وجه الأرض تنور الأرض. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ~~علي { وفار التنور } قال طلع الفجر، قيل له إذا طلع الفجر فاركب ~~أنت وأصحابك. وقد روي في تفسير التنور غير هذا، وقد قدمنا الإشارة إلى ~~ذلك. وروي في صفة القصة، وما حمله نوح في السفينة، وكيف كان الغرق، وكم ~~بقيت السفينة على ظهر الماء روايات كثيرة، لا مدخل لها في تفسير كلام ~~الله سبحانه. # وأخرج ابن جرير، عن مجاهد، في قوله { بسم الله مجراها ~~ومرساها } قال حين يركبون ويجرون ويرسون. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك ~~قال كان إذا أراد أن ترسي قال بسم الله، فأرست، وإذا أراد أن تجري قال ~~بسم الله، فجرت. وأخرج أبو يعلى، والطبراني، وابن السني، وابن عدي، وأبو ~~الشيخ، وابن مردويه، عن الحسن بن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا الفلك أن يقولوا بسم الله الملك ~~الرحمن، بسم الله مجراها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم، { وما قدروا الله ~~حق قدره } إلى آخر الآية الزمر 67 " # وأخرجه ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن ابن عباس، عن النبي. ~~وأخرجه أيضا أبو الشيخ، عنه، مرفوعا من طريق أخرى. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~عن قتادة، قال كان اسم ابن نوح الذي غرق كنعان. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد ~~بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن ~~عباس قال هو ابنه غير أنه خالفه في النية والعمل. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ عن عكرمة، في قوله { لا عاصم اليوم من أمر ~~الله إلا من رحم } قال لا ناج إلا أهل السفينة. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن القاسم بن أبي برة، في قوله { وحال بينهما ~~الموج } قال بين ابن نوح والجبل. وأخرج ابن المنذر، وعن عكرمة في ~~قوله { يأرض ابلعى } قال هو بالحبشية. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه، في { ابلعي } قال بالحبشية ms1722 أي ~~ازدرديه. وأخرج أبو الشيخ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال معناه اشربي، ~~بلغة الهند. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ~~مثله. أقول وثبوت لفظ البلع وما يشتق منه في لغة العرب ظاهر مكشوف، فما ~~لنا وللحبشة والهند. ### || [11.45-49] # معنى { ونادى نوح ربه } دعاه، والمراد أراد دعاءه، بدليل ~~الفاء في { فقال رب إن ابنى من أهلى } وعطف الشيء على ~~نفسه غير سائغ، فلا بد من التقدير المذكور، ومعنى قوله { إن ابنى ~~من أهلى } أنه من الأهل الذين وعدتني بتنجيتهم بقولك وأهلك. فإن قيل ~~كيف طلب نوح عليه السلام إنجاز ما وعده الله بقوله { وأهلك } وهو ~~المستثنى منه، وترك ما يفيده الاستثناء، وهو { إلا من سبق ~~عليه القول }؟ فيجاب بأنه لم يعلم إذ ذاك أنه ممن سبق عليه ~~القول، فإنه كان يظنه من المؤمنين { وإن وعدك الحق } الذي لا ~~خلف فيه، وهذا منه { وأنت أحكم الحكمين } أي أتقن المتقنين ~~لما يكون به الحكم، فلا يتطرق إلى حكمك نقض، وقيل أراد ب { أحكم ~~الحاكمين } أعلمهم وأعدلهم أي أنت أكثر علما وعدلا من ذوي الحكم. وقيل ~~إن الحاكم بمعنى ذي الحكمة كدارع. ثم أجاب الله سبحانه عن نوح ببيان أن ~~ابنه غير داخل في عموم الأهل، وأنه خارج بقيد الاستثناء فقال { يا نوح ~~إنه ليس من أهلك } الذين آمنوا بك، وتابعوك، وإن كان من ~~أهلك باعتبار القرابة ثم صرح بالعلة الموجبة لخروجه من عموم الأهل ~~المبينة له بأن المراد بالقرابة قرابة الدين، لا قرابة النسب، وحده، فقال ~~{ إنه عمل غير صلح } قرأ الجمهور { عمل } على لفظ المصدر. ~~وقرأ ابن عباس، وعكرمة، والكسائي، ويعقوب، { عمل } على لفظ الفعل ومعنى ~~القراءة الأولى المبالغة في ذمه، كأنه جعل نفس العمل، وأصله ذو عمل غير ~~صالح ثم حذف المضاف وجعل نفس العمل، كذا قال الزجاج وغيره. ومعنى القراءة ~~الثانية ظاهر أي إنه عمل عملا غير صالح، وهو كفره وتركه لمتابعة أبيه ثم ~~نهاه عن مثل هذا السؤال، فقال { فلا تسألني ما ms1723 ليس لك به ~~علم } لما بين له بطلان ما اعتقده من كونه من أهله، فرع على ذلك ~~النهي عن السؤال، وهو وإن كان نهيا عاما بحيث يشمل كل سؤال، لا يعلم ~~صاحبه أن حصول مطلوبه منه صواب، فهو يدخل تحته سؤاله هذا دخولا أوليا، ~~وفيه عدم جواز الدعاء بما لا يعلم الإنسان مطابقته للشرع، وسمى دعاءه ~~سؤالا لتضمنه معنى السؤال { إنى أعظك أن تكون من ~~الجهلين } أي أحذرك أن تكون من الجاهلين، كقوله # يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا # النور 17 وقيل المعنى أرفعك أن تكون من الجاهلين. قال ابن العربي وهذه ~~زيادة من الله وموعظة يرفع بها نوحا عن مقام الجاهلين، ويعليه بها إلى ~~مقام العلماء العاملين. ثم لما علم نوح بأن سؤاله لم يطابق الواقع، وأن ~~دعاءه ناشىء عن وهم كان يتوهمه، بادر إلى الاعتراف بالخطأ، وطلب المغفرة ~~والرحمة، فقال { رب إنى أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى ~~به علم } أي أعوذ بك أن أطلب منك ما لا علم لي بصحته وجوازه، { وإلا ~~تغفر لى } ذنب ما دعوت به على غير علم مني { وترحمنى } برحمتك ~~التي وسعت كل شيء، فتقبل توبتي { أكن من الخسرين } في أعمالي، ~~فلا أربح فيها. # القائل هو الله، أو الملائكة { قيل ينوح اهبط } أي انزل من ~~السفينة إلى الأرض، أو من الجبل إلى المنخفض من الأرض، فقد بلعت الأرض ~~ماءها، وجفت { بسلم منا } أي بسلامة وأمن، وقيل بتحية { ~~وبركت } أي نعم ثابتة، مشتق من بروك الجمل، وهو ثبوته، ومنه البركة ~~لثبوت الماء فيها، وفي هذا الخطاب له دليل على قبول توبته ومغفرة زلته { ~~وعلى أمم ممن معك } أي ناشئة ممن معك، وهم المتشعبون من ~~ذرية من كان معه في السفينة. وقيل أراد من في السفينة، فإنهم أمم مختلفة، ~~وأنواع من الحيوانات متباينة. قيل أراد الله سبحانه بهؤلاء الأمم الذين ~~كانوا معه من صار مؤمنا من ذريتهم، وأراد بقوله { وأمم ~~سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم } من صار ~~كافرا من ذريتهم إلى يوم القيامة، ms1724 وارتفاع أمم في قوله { وأمم ~~سنمتعهم } على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ومنهم أمم. وقيل على تقدير ~~ويكون أمم. وقال الأخفش هو كما تقول كلمت زيدا وعمرو جالس، وأجاز الفراء ~~في غير القراءة " وأمما سنمتعهم " أي ونمتع أمما، ومعنى الآية وأمم ~~سنمتعهم في الدنيا بما فيها من المتاع، ونعطيهم منها ما يعيشون به، ثم ~~يمسهم منا في الآخرة عذاب أليم. وقيل يمسهم إما في الدنيا أو في الآخرة. ~~والإشارة بقوله { تلك } إلى قصة نوح، وهي مبتدأ والجمل بعده أخبار { ~~من أنباء الغيب } من جنس أنباء الغيب، والأنباء جمع نبأ وهو ~~الخبر، أي من أخبار الغيب التي مرت بك في هذه السورة، والضمير في { ~~نوحيها إليك } راجع إلى القصة، والمجيء بالمضارع لاستحضار الصورة ~~{ ما كنت } يا محمد { تعلمها أنت ولا } يعلمها { قومك } ~~بل هي مجهولة عندكم من قبل الوحي، أو من قبل هذا الوقت { فاصبر } على ~~ما تلاقيه من كفار زمانك، والفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها { إن ~~العقبة } المحمودة في الدنيا والآخرة { للمتقين } لله ~~المؤمنين بما جاءت به رسله، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وتبشير له بأن الظفر للمتقين في عاقبة الأمر، ولا اعتبار بمباديه. ~~وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، قال نادى نوح ربه فقال رب ~~إن ابني من أهلي، وإنك قد وعدتني أن تنجي لي أهلي، وإن ابني من أهلي. # وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~وابن عساكر، عن ابن عباس، قال ما بغت امرأة نبي قط. وقوله { إنه ~~ليس من أهلك } يقول ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، قال إن نساء الأنبياء لا يزنين، ~~وكان يقرؤها { إنه عمل غير صلح } يقول مسألتك إياي يا نوح ~~عمل غير صالح لا أرضاه لك. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في ~~قوله { فلا تسألنى ما ليس لك به علم } قال بين الله ~~لنوح أنه ليس بابنه. وأخرج ms1725 أبو الشيخ، عن ابن زيد، في قوله { ينوح ~~اهبط بسلم منا } قال أهبطوا والله عنهم راض. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب القرظي، قال دخل ~~في ذلك السلام والبركات كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة. ودخل في ذلك ~~العذاب الأليم كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة. وأخرج ابن جرير، عن ~~الضحاك { وعلى أمم ممن معك } يعني ممن لم يولد، أوجب الله ~~لهم البركات لما سبق لهم في علم الله من السعادة { وأمم ~~سنمتعهم } يعني متاع الحياة الدنيا { ثم يمسهم منا ~~عذاب أليم } لما سبق لهم في علم الله من الشقاوة. وأخرج أبو الشيخ ~~قال ثم رجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم فقال { تلك من أنباء ~~الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا ~~قومك } يعني العرب { من قبل هذا } القرآن. ### || [11.50-60] # قوله { وإلى عاد أخاهم هودا } معطوف على { ولقد وأرسلنا ~~نوحا } أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم أي واحدا منهم، وهودا عطف بيان، وقوم ~~عاد كانوا عبدة أوثان، وقد تقدم مثل هذا في الأعراف. وقيل هم عاد الأولى ~~وعاد الأخرى، فهؤلاء هم عاد الأولى، وعاد الأخرى هم شداد ولقمان وقومهما ~~المذكورون في قوله # إرم ذات العماد # الفجر 7، وأصل عاد، اسم رجل، ثم صار اسما للقبيلة كتميم وبكر، ونحوهما ~~{ ما لكم من إله غيره } قرىء " غيره " بالجر على اللفظ. ~~وبالرفع على محل من إله، وقرىء بالنصب على الاستثناء { إن أنتم ~~إلا مفترون } أي ما أنتم باتخاذ إله غير الله إلا كاذبون على ~~الله عز وجل، ثم خاطبهم فقال { لا أسئلكم عليه أجرا } ~~أي لا أطلب منكم أجرا على ما أبلغه إليكم، وأنصحكم به من الإرشاد إلى ~~عبادة الله وحده، وأنه لا إله لكم سواه، فالضمير راجع إلى مضمون هذا ~~الكلام. وقد تقدم معنى هذا في قصة نوح { إن أجرى إلا على ~~الذى فطرنى } أي ما أجري الذي أطلب إلا من الذي فطرني أي خلقني ~~فهو الذي يثيبني على ذلك { أفلا تعقلون } أن أجر ms1726 الناصحين إنما ~~هو من رب العالمين. قيل إنما قال فيما تقدم في قصة نوح مالا، وهنا قال ~~أجرا لذكر الخزائن بعده في قصة نوح، ولفظ المال بها أليق، ثم أرشدهم إلى ~~الاستغفار والتوبة. والمعنى اطلبوا مغفرته لما سلف من ذنوبكم، ثم توسلوا ~~إليه بالتوبة. وقد تقدم زيادة بيان لمثل هذا في قصة نوح، ثم رغبهم في ~~الإيمان بالخير العاجل، فقال { يرسل السماء } أي المطر { ~~عليكم مدرارا } أي كثير الدرور، وهو منصوب على الحال، درت ~~السماء تدر، وتدر، فهي مدرار، وكان قوم هود أهل بساتين، وزرع، وعمارة، ~~وكانت مساكنهم الرمال التي بين الشام واليمن { ويزدكم قوة ~~إلى قوتكم } معطوف على يرسل أي شدة مضافة إلى شدتكم، أو خصبا ~~إلى خصبكم، أو عزا إلى عزكم. قال الزجاج المعنى يزدكم قوة في النعم { ~~ولا تتولوا مجرمين } أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه، ~~وتقيموا على الكفر مصرين عليه، والإجرام الآثام كما تقدم. ثم أجابه ~~قومه بما يدل على فرط جهالتهم، وعظيم غباوتهم، فقالوا { يهود ما ~~جئتنا ببينة } أي بحجة واضحة نعمل عليها، ونؤمن لك بها غير ~~معترفين بما جاءهم به من حجج الله وبراهينه، عنادا وبعدا عن الحق { ~~وما نحن بتاركى ءالهتنا } التي نعبدها من دون الله، ومعنى { ~~عن قولك } صادرين عن قولك، فالظرف في محل نصب على الحال { وما ~~نحن لك بمؤمنين } أي بمصدقين في شيء مما جئت به { إن ~~نقول إلا اعتراك بعض ءالهتنا بسوء } أي ما نقول إلا ~~أنه أصابك بعض آلهتنا التي تعيبها، وتسفه رأينا في عبادتها بسوء بجنون، ~~حتى نشأ عن جنونك ما تقوله لنا، وتكرره علينا من التنفير عنها، يقال عراه ~~الأمر واعتراه إذا ألم به، فأجابهم بما يدل على عدم مبالاته بهم، وعلى ~~وثوقه بربه وتوكله عليه، وأنهم لا يقدرون على شيء مما يريده الكفار به، ~~بل الله سبحانه هو الضار النافع فقال { إنى أشهد الله ~~واشهدوا } أنتم { إنى برىء مما تشركون } به { من ~~دونه } أي من إشراككم من دون الله من غير أن ينزل به سلطانا ms1727 { ~~فكيدونى جميعا } أنتم وآلهتكم إن كانت كما تزعمون من أنها تقدر ~~على الإضرار بي، وأنها اعترتني بسوء { ثم لا تنظرون } أي لا ~~تمهلوني، بل عاجلوني واصنعوا ما بدا لكم وفي هذا من إظهار عدم المبالاة ~~بهم وبأصنامهم التي يعبدونها ما يصك مسامعهم، ويوضح عجزهم، وعدم قدرتهم ~~على شيء. # { إنى توكلت على الله ربى وربكم } فهو يعصمني من ~~كيدكم، وإن بلغتم في تطلب وجوه الإضرار بي كل مبلغ، فمن توكل على الله ~~كفاه. ثم لما بين لهم توكله على الله وثقته بحفظه وكلاءته، وصفه بما يوجب ~~التوكل عليه والتفويض إليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم، وأنه مالك ~~للجميع، وأن ناصية كل دابة من دواب الأرض بيده، وفي قبضته وتحت قهره، ~~وهو تمثيل لغاية التسخير ونهاية التذليل، وكانوا إذا أسروا الأسير ~~وأرادوا إطلاقه، والمن عليه جزوا ناصيته، فجعلوا ذلك علامة لقهره. قال ~~الفراء معنى آخذ بناصيتها مالكها والقادر عليها، وقال القتيبي قاهرها لأن ~~من أخذت بناصيته فقد قهرته. والناصية قصاص الشعر من مقدم الرأس ثم علل ~~ما تقدم بقوله { إن ربى على صرط مستقيم } أي هو على ~~الحق والعدل، فلا يكاد يسلطكم علي { فإن تولوا } أي تتولوا ~~فحذفت إحدى التاءين، والمعنى فإن تستمروا على الإعراض عن الإجابة ~~والتصميم على ما أنتم عليه من الكفر { فقد أبلغتكم ما ~~أرسلت به إليكم } ليس علي إلا ذلك، وقد لزمتكم الحجة { ~~ويستخلف ربى قوما غيركم } جملة مستأنفة لتقرير الوعيد ~~بالهلاك، أي يستخلف في دياركم وأموالكم قوما آخرين، ويجوز أن يكون عطفا ~~على { فقد أبلغتكم }. وروى حفص عن عاصم أنه قرأ { ويستخلف } بالجزم حملا ~~على موضع فقد أبلغتكم { ولا تضرونه شيئا } أي بتوليكم، ولا ~~تقدرون على كثير من الضرر ولا حقير { إن ربى على كل شىء ~~حفيظ } أي رقيب مهيمن عليه يحفظه من كل شيء، قيل و " على " بمعنى ~~اللام، فيكون المعنى لكل شيء حفيظ، فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء. # { ولما جاء أمرنا } أي عذابنا الذي هو إهلاك عاد { نجينا ~~هودا والذين ءامنوا معه } من قومه ms1728 { برحمة منا } أي ~~برحمة عظيمة كائنة منا لأنه لا ينجو أحد إلا برحمة الله، وقيل هي الإيمان ~~{ من عذاب غليظ } أي شديد، قيل وهو السموم التي كانت تدخل أنوفهم ~~{ وتلك عاد } مبتدأ وخبر، وأنث الإشارة اعتبارا بالقبيلة. قال ~~الكسائي إن من العرب من لا يصرف عاد ويجعله أسماء للقبيلة { جحدوا ~~بآيت ربهم } أي كفروا بها، وكذبوها وأنكروا المعجزات { ~~وعصوا رسله } أي هودا وحده لأنه لم يكن في عصره رسول سواه، ~~وإنما جمع هنا لأن من كذب رسولا فقد كذب جميع الرسل. وقيل إنهم عصوا ~~هودا ومن كان قبله من الرسل، أو كانوا بحيث لو بعث الله إليهم رسلا ~~متعددين لكذبوهم { واتبعوا أمر كل جبار عنيد } الجبار ~~المتكبر، والعنيد الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن له. قال أبو عبيدة ~~العنيد العنود والعاند والمعاند، وهو المعارض بالخلاف منه، ومنه قيل ~~للعرق الذي يتفجر بالدم، عاند. قال الراجز # إني كبير لا أطيق العندا # { وأتبعوا فى هذه الدنيا لعنة } أي ألحقوها، وهي ~~الإبعاد من الرحمة والطرد من الخير، والمعنى أنها لازمة لهم لا تفارقهم ~~ما داموا في الدنيا وأتبعوها { يوم القيمة } فلعنوا هنالك كما ~~لعنوا في الدنيا { ألا إن عادا كفروا ربهم } أي بربهم. ~~وقال الفراء كفروا نعمة ربهم، يقال كفرته وكفرت به مثل شكرته وشكرت له { ~~ألا بعدا لعاد قوم هود } أي لا زالوا مبعدين من رحمة الله، ~~والبعد الهلاك، والبعد التباعد من الخير، يقال بعد يبعد بعدا إذا تأخر ~~وتباعد، وبعد يبعد بعدا إذا هلك، ومنه قول الشاعر # لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر # وقال النابغة # فلا تبعدن إن المنية منهل وكل امرىء يوما به الحال زائل # ومنه قول الشاعر # ما كان ينفعني مقال نسائهم وقتلت دون رجالهم لا تبعد # وقد تقدم أن العرب تستعمله في الدعاء بالهلاك. وقد أخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة { إلا على الذى ~~فطرنى } أي خلقني. وأخرج ابن عساكر، عن الضحاك، قال أمسك الله عن عاد ~~القطر ms1729 ثلاث سنين، فقال لهم هود { استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا } فأبوا إلا ~~تماديا. وأخرج أبو الشيخ، عن هارون التيمي، في قوله { يرسل ~~السماء عليكم مدرارا } قال المطر. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { ويزدكم ~~قوة إلى قوتكم } قال شدة إلى شدتكم. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن عكرمة، في قوله { ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم } قال ولد الولد. # وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، في قوله { إن نقول إلا اعتراك ~~بعض ءالهتنا بسوء } قال أصابتك بالجنون. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~يحيى بن سعيد قال ما من أحد يخاف لصا عاديا، أو سبعا ضاريا، أو ~~شيطانا ماردا فيتلو هذه الآية إلا صرفه الله عنه. وأخرج ابن جرير، وأبو ~~الشيخ عن مجاهد { إن ربى على صرط مستقيم } قال الحق. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك، في قوله { عذاب غليظ } قال شديد. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله { كل جبار ~~عنيد } قال المشرك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، قال العنيد ~~المشاق. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي، في قوله { ~~وأتبعوا فى هذه الدنيا لعنة } قال لم يبعث نبي بعد ~~عاد إلا لعنت على لسانه. وأخرج ابن المنذر، عن قتادة، في الآية قال ~~تتابعت عليهم لعنتان من الله لعنة في الدنيا، ولعنة في الآخرة. ### || [11.61-68] # قوله { وإلى ثمود أخاهم صلحا } معطوف على ما تقدم. ~~والتقدير وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا، والكلام فيه، وفي قوله { ~~يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } كما ~~تقدم في قصة هود. وقرأ الحسن ويحيى بن وثاب «وإلى ثمود» بالتنوين في ~~جميع المواضع. واختلف سائر القراء فيه، فصرفوه في موضع ولم يصرفوه في ~~موضع، فالصرف باعتبار التأويل بالحي، والمنع باعتبار التأويل بالقبيلة، ~~وهكذا سائر ما يصح فيه التأويلان، وأنشد سيبويه في التأنيث باعتبار ~~التأويل بالقبيلة # غلب المساميح الوليد جماعة وكفى قريش المعضلات وسادها # { هو أنشأكم من الأرض } أي ms1730 ابتدأ خلقكم من الأرض، لأن كل ~~بني آدم من صلب آدم، وهو مخلوق من الأرض { واستعمركم فيها } أي ~~جعلكم عمارها وسكانها، من قولهم أعمر فلان فلانا داره، فهي له عمرى، ~~فيكون استفعل بمعنى أفعل مثل استجاب بمعنى أجاب. وقال الضحاك معناه أطال ~~أعماركم، وكانت أعمارهم من ثلثمائة إلى ألف. وقيل معناه أمركم بعمارتها ~~من بناء المساكن وغرس الأشجار { فاستغفروه } أي سلوه المغفرة لكم ~~من عبادة الأصنام { ثم توبوا إليه } أي ارجعوا إلى عبادته { ~~إن ربى قريب مجيب } أي قريب الإجابة لمن دعاه، وقد تقدم ~~القول فيه في البقرة عند قوله تعالى # فإني قريب أجيب دعوة الداعى # البقرة 186 { قالوا ياصلح قد كنت فينا مرجوا قبل ~~هذا } أي كنا نرجو أن تكون فينا سيدا مطاعا ننتفع برأيك، ونسعد ~~بسيادتك قبل هذا الذي أظهرته من ادعائك النبوة، ودعوتك إلى التوحيد. ~~وقيل كان صالح يعيب آلهتهم، وكانوا يرجون رجوعه إلى دينهم، فلما دعاهم ~~إلى الله قالوا انقطع رجاؤنا منك، والاستفهام في قوله { أتنهانآ أن ~~نعبد ما يعبد آباؤنا } للإنكار، أنكروا عليه هذا النهي، وأن ~~نعبد في محل نصب بحذف الجار أي بأن نعبد، ومعنى ما يعبد آباؤنا ما كان ~~يعبد آباؤنا، فهو حكاية حال ماضية لاستحضار الصورة { وإننا لفى ~~شك مما تدعونا إليه مريب } من أربته، فأنا أريبه إذا ~~فعلت به فعلا يوجب له الريبة، وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة، أو من ~~أراب الرجل إذا كان ذا ريبة، والمعنى إننا لفي شك مما تدعونا إليه من ~~عبادة الله وحده، وترك عبادة الأوثان موقع في الريب. { قال ياقوم ~~أرأيتم إن كنت على بينة من ربى } أي حجة ظاهرة ~~وبرهان صحيح { وآتاني منه } أي من جهته { رحمة } أي نبوة، ~~وهذه الأمور وإن كانت متحققة الوقوع، لكنها صدرت بكلمة الشك اعتبارا ~~بحال المخاطبين، لأنهم في شك من ذلك، كما وصفوه عن أنفسهم { فمن ~~ينصرنى من الله } استفهام معناه النفي أي لا ناصر لي يمنعني من ~~عذاب الله { إن عصيته } في تبليغ الرسالة، وراقبتكم وفترت عما يجب ms1731 ~~علي من البلاغ { فما تزيدوننى } بتثبيطكم إياي { غير ~~تخسير } بأن تجعلوني خاسرا بإبطال عملي، والتعرض لعقوبة الله لي. # قال الفراء أي تضليل وإبعاد من الخير. وقيل المعنى فما تزيدونني ~~باحتجاجكم بدين آبائكم غير بصيرة بخسارتكم. قوله { ويقوم هذه ~~ناقة الله لكم ءاية } قد مر تفسير هذه الآية في الأعراف، ~~ومعنى { لكم آية } معجزة ظاهرة، وهي منتصبة على الحال، ولكم في محل نصب ~~على الحال من { آية } مقدمة عليها، ولو تأخرت لكانت صفة لها. وقيل إن ~~ناقة الله بدل من هذه، والخبر لكم، والأول أولى، وإنما قال { ناقة الله ~~} لأنه أخرجها لهم من جبل على حسب اقتراحهم. وقيل من صخرة صماء { ~~فذروها تأكل فى أرض الله } أي دعوها تأكل في أرض الله مما ~~فيها من المراعي التي تأكلها الحيوانات. قال أبو إسحاق الزجاج ويجوز رفع ~~تأكل على الحال والاستئناف، ولعله يعني في الأصل على ما تقتضيه لغة العرب ~~لا في الآية، فالمعتمد القراءات المروية على وجه الصحة { ولا ~~تمسوها بسوء } قال الفراء بعقر، والظاهر أن النهي عما هو أعم من ~~ذلك { فيأخذكم عذاب قريب } جواب النهي أي قريب من عقرها. ~~وذلك ثلاثة أيام { فعقروها } أي فلم يمتثلوا الأمر من صالح ولا ~~النهي، بل خالفوا كل ذلك فوقع منهم العقر لها { فقال } لهم صالح { ~~تمتعوا فى داركم ثلثة أيام } أي تمتعوا بالعيش في ~~منازلكم ثلاثة أيام، فإن العقاب نازل عليكم بعدها. قيل إنهم عقروها يوم ~~الأربعاء، فأقاموا الخميس والجمعة والسبت، وأتاهم العذاب يوم الأحد، ~~والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما يدل عليه الأمر بالتمتع ثلاثة أيام { ~~وعد غير مكذوب } أي غير مكذوب فيه، فحذف الجار اتساعا، أو من ~~باب المجاز، كأن الوعد إذا وفى به صدق ولم يكذب، ويجوز أن يكون مصدرا أي ~~وعد غير كذب. { فلما جاء أمرنا } أي عذابنا، أو أمرنا بوقوع ~~العذاب { نجينا صلحا والذين ءامنوا معه برحمة ~~منا } قد تقدم تفسير هذا في قصة هود { ومن خزى يومئذ } أي ~~ونجيناهم من خزي يومئذ وهو هلاكهم بالصيحة، والخزي الذل والمهانة. ms1732 وقيل ~~من عذاب يوم القيامة، والأول أولى. وقرأ نافع والكسائي بفتح " يوم " على ~~أنه اكتسب البناء من المضاف إليه. وقرأ الباقون بالكسر { إن ربك ~~هو القوى العزيز } القادر الغالب الذي لا يعجزه شيء { ~~وأخذ الذين ظلموا الصيحة } أي في اليوم الرابع من عقر ~~الناقة، صيح بهم فماتوا، وذكر الفعل لأن الصيحة والصياح واحد، مع كون ~~التأنيث غير حقيقي. قيل صيحة جبريل، وقيل صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم ~~وماتوا، وتقدم في الأعراف # فأخذتهم الرجفة # الأعراف 78 قيل ولعلها وقعت عقب الصيحة { فأصبحوا فى ديارهم ~~جثمين } أي ساقطين على وجوههم موتى قد لصقوا بالتراب كالطير إذا ~~جثمت { كأن لم يغنوا فيها } أي كأنهم لم يقيموا في بلادهم أو ~~ديارهم، والجملة في محل نصب على الحال والتقدير مماثلين لمن لم يوجد ولم ~~يقم في مقام قط { إلا إن ثمود كفروا ربهم } وضع الظاهر موضع ~~المضمر لزيادة البيان، وصرح بكفرهم مع كونه معلوما تعليلا للدعاء عليهم ~~بقوله { ألا بعدا لثمود } وقرأ الكسائي بالتنوين. وقد تقدم ~~تفسير هذه القصة في الأعراف بما يحتاج إلى مراجعته ليضم ما في إحدى ~~القصتين من الفوائد إلى الأخرى. وقد أخرج أبو الشيخ، عن السدي { هو ~~أنشأكم من الأرض } قال خلقكم من الأرض. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد { واستعمركم فيها } قال أعمركم ~~فيها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد { واستعمركم فيها } قال ~~استخلفكم فيها. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد { فما ~~تزيدوننى غير تخسير } يقول ما تزدادون أنتم إلا خسارا. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عطاء الخراساني نحوه. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن ابن زيد، في قوله { فأصبحوا فى ديارهم جثمين ~~} قال ميتين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس { كأن لم ~~يغنوا فيها } قال كأن لم يعيشوا فيها. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عنه، قال كأن لم يعمروا فيها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، قال ~~كأن لم ينعموا فيها. ### || [11.69-76] # هذه قصة لوط عليه السلام وقومه، ms1733 وهو ابن عم إبراهيم عليه السلام، وكانت ~~قرى لوط بنواحي الشام، وإبراهيم ببلاد فلسطين. فلما أنزل الله الملائكة ~~بعذاب قوم لوط، مروا بإبراهيم ونزلوا عنده، وكان كل من نزل عنده يحسن ~~قراه، وكان مرورهم عليه لتبشيره بهذه البشارة المذكورة، فظنهم أضيافا، ~~وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقيل كانوا تسعة. وقيل أحد عشر، والبشرى ~~التي بشروه بها هي بشارته بالولد. وقيل بإهلاك قوم لوط. والأولى أولى. { ~~قالوا سلاما } منصوب بفعل مقدر أي سلمنا عليك سلاما { قال ~~سلم } ارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي أمركم سلام، أو مرتفع على ~~أنه مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير عليكم سلام { فما لبث } أي ~~إبراهيم { أن جاء بعجل حنيذ } قال أكثر النحويين " أن " هنا ~~بمعنى حتى أي فما لبث حتى جاء. وقيل إنها في محل نصب بسقوط حرف الجر، ~~والتقدير فما لبث عن أن جاء أي ما أبطأ إبراهيم عن مجيئه بعجل، و " ما " ~~نافية قاله سيبويه. وقال الفراء فما لبث مجيئه، أي ما أبطأ مجيئه. وقيل ~~إن " ما " موصولة وهي مبتدأ والخبر { أن جاء بعجل حنيذ }. والتقدير فالذي ~~لبث إبراهيم هو مجيؤه بعجل حنيذ، والحنيذ المشوي مطلقا. وقيل المشوي ~~بحر الحجارة من غير أن تمسه النار، يقال حنذ الشاة يحنذها جعلها فوق ~~حجارة محماة لتنضجها فهي حنيذ. وقيل معنى حنيذ سمين. وقيل الحنيذ هو ~~السميط. وقيل النضيج، وهو فعيل بمعنى مفعول، وإنما جاءهم بعجل، لأن البقر ~~كانت أكثر أمواله { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه } ~~أي لا يمدونها إلى العجل كما يمد يده من يريد الأكل { نكرهم } يقال ~~نكرته وأنكرته واستنكرته إذا وجدته على غير ما تعهد، ومنه قول الشاعر # فأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا # فجمع بين اللغتين، ومما جمع فيه بين اللغتين قول الشاعر # إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها خرجت مع البازي علي سواد # وقيل يقال أنكرت لما تراه بعينك، ونكرت لما تراه بقلبك، قيل وإنما ~~استنكر منهم ذلك، لأن عادتهم أن الضيف إذا نزل بهم ولم يأكل من طعامهم ms1734 ~~ظنوا أنه قد جاء بشر { وأوجس منهم } أي أحس في نفسه منهم { ~~خيفة } أي خوفا وفزعا. وقيل معنى أوجس أضمر في نفسه خيفة، والأول ~~ألصق بالمعنى اللغوي، ومنه قول الشاعر # جاء البريد بقرطاس يحث به فأوجس القلب من قرطاسه فزعا # وكأنه ظن أنهم قد نزلوا به لأمر ينكره، أو لتعذيب قومه { قالوا لا ~~تخف } قالوا له هذه المقالة مع كونه لم يتكلم بما يدل على الخوف، بل ~~أوجس ذلك في نفسه، فلعلهم استدلوا على خوفه بأمارات كظهور أثره على وجهه، ~~أو قالوه له بعدما قال عقب ما أوجس في نفسه من الخيفة قولا يدل على ~~الخوف، كما في قوله في سورة الحجر # قال إنا منكم وجلون # الحجر 52، ولم يذكر ذلك ها هنا اكتفاء بما هنالك، ثم عللوا نهيه عن ~~الخوف بقولهم { إنا أرسلنا إلى قوم لوط } أي أرسلنا ~~إليهم خاصة، ويمكن أن يكون إبراهيم عليه السلام قد قال قولا يكون هذا ~~جوابا عنه # قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنآ ~~أرسلنآ إلى قوم مجرمين # الذاريات 31، 32. وجملة { وامرأته قائمة فضحكت } في محل ~~نصب على الحال، قيل كانت قائمة عند تحاورهم وراء الستر. وقيل كانت قائمة ~~تخدم الملائكة وهو جالس. والضحك هنا هو الضحك المعروف الذي يكون للتعجب ~~أو للسرور كما قاله الجمهور. وقال مجاهد وعكرمة إنه الحيض، ومنه قول ~~الشاعر # وإني لآتي العرس عند طهورها وأهجرها يوما إذا تك ضاحكا # وقال الآخر # وضحك الأرانب فوق الصفا كمثل دم الخوف يوم اللقا # والعرب تقول ضحكت الأرانب إذا حاضت. وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون في ~~كلام العرب ضحكت بمعنى حاضت. { فبشرنها بإسحق } ظاهره أن ~~التبشير كان بعد الضحك. وقال الفراء فيه تقديم وتأخير. والمعنى فبشرناها ~~فضحكت سرورا بالولد. وقرأ محمد بن زياد من قراء مكة " فضحكت " بفتح ~~الحاء، وأنكره المهدوي. { ومن وراء إسحق يعقوب } قرأ حمزة، ~~وابن عامر، وحفص بنصب { يعقوب } على أنه مفعول فعل دل عليه { فبشرناها } ~~، كأنه قال ووهبنا لها من وراء إسحاق يعقوب. وأجاز الكسائي، والأخفش، ~~وأبو حاتم أن ms1735 يكون { يعقوب } في موضع جر. وقال الفراء لا يجوز الجر إلا ~~بإعادة حرفه. قال سيبويه ولو قلت مررت بزيد أول من أمس، وأمس عمر، كان ~~قبيحا خبيثا، لأنك فرقت بين المجرور، وما يشركه، كما يفرق بين الجار ~~والمجرور. وقرأ الباقون برفع " يعقوب " على أنه مبتدأ وخبره الظرف الذي ~~قبله. وقيل الرفع بتقدير فعل محذوف، أي ويحدث لها، أو وثبت لها. وقد وقع ~~التبشير هنا لها، ووقع لإبراهيم في قوله تعالى # فبشرنه بغلم حليم # الصافات 101 # وبشروه بغلم عليم # الذاريات 28، لأن كل واحد منهما مستحق للبشارة به لكونه منهما. وجملة { ~~قالت يويلتا } مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل فماذا قالت؟ قال ~~الزجاج أصلها يا ويلتي، فأبدل من الياء ألف لأنها أخف من الياء والكسرة، ~~وهي لم ترد الدعاء على نفسها بالويل، ولكنها كلمة تقع كثيرا على أفواه ~~النساء إذا طرأ عليهن ما يعجبن منه، وأصل الويل الخزي، ثم شاع في كل أمر ~~فظيع، والاستفهام في قولها { ءألد وأنا عجوز } للتعجب أي كيف ~~ألد وأنا شيخة قد طعنت في السن، يقال عجزت تعجز مخففا ومثقلا عجزا ~~وتعجيزا أي طعنت في السن. # ويقال عجوز وعجوزة، وأما عجزت بكسر الجيم فمعناه عظمت عجيزتها. قيل كانت ~~بنت تسع وتسعين، وقيل بنت تسعين { وهذا بعلى شيخا } أي وهذا ~~زوجي إبراهيم شيخا لا تحبل من مثله النساء، و { شيخا } منتصب على ~~الحال، والعامل فيه معنى الإشارة. قال النحاس وفي قراءة أبي وابن مسعود ~~" شيخ " بالرفع على أنه خبر المبتدأ، أو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ ~~محذوف، وعلى الأول يكون { بعلى } بدلا من اسم الإشارة. قيل كان إبراهيم ~~ابن مائة وعشرين سنة. وقيل ابن مائة، وهذه المبشرة هي سارة امرأة ~~إبراهيم. وقد كان ولد لإبراهيم من هاجر أمته إسماعيل، فتمنت سارة أن يكون ~~لها ابن، وأيست منه لكبر سنها، فبشرها الله به على لسان ملائكته { إن ~~هذا لشىء عجيب } أي ما ذكرته الملائكة من التبشير بحصول الولد، ~~مع كونها في هذه السن العالية التي لا يولد لمثلها ms1736 شيء يقضي منه العجب. ~~وجملة { قالوا أتعجبين من أمر الله } مستأنفة جواب سؤال ~~مقدر، والاستفهام فيها للإنكار أي كيف تعجبين من قضاء الله وقدره، وهو ~~لا يستحيل عليه شيء، وإنما أنكروا عليها مع كون ما تعجبت منه من خوارق ~~العادة لأنها من بيت النبوة، ولا يخفى على مثلها أن هذا من مقدوراته ~~سبحانه، ولهذا قالوا { رحمة الله وبركاته عليكم أهل ~~البيت } أي الرحمة التي وسعت كل شيء، والبركات وهي النمو والزيادة. ~~وقيل الرحمة النبوة، والبركات الأسباط من بني إسرائيل لما فيهم من ~~الأنبياء، وانتصاب { أهل البيت } على المدح أو الاختصاص، وصرف الخطاب من ~~صيغة الواحدة إلى الجمع لقصد التعميم { إنه حميد } أي يفعل موجبات ~~حمده من عباده على سبيل الكثرة { مجيد } كثير الإحسان إلى عباده بما ~~يفيضه عليهم من الخيرات، والجملة تعليل لقوله { رحمة الله ~~وبركاته عليكم أهل البيت }. قوله { فلما ذهب ~~عن إبرهيم الروع } أي الخيفة التي أوجسها في نفسه، يقال ارتاع ~~من كذا إذا خاف، ومنه قول النابغة # فارتاع من صوت كلاب فبات له طوع الشوامت من خوف ومن حذر # { وجاءته البشرى } أي بالولد، أو بقولهم لا تخف، قوله { ~~يجدلنا فى قوم لوط } قال الأخفش والكسائي إن { يجادلنا } في ~~موضع جادلنا، فيكون هو جواب { لما }. لما تقرر من أن جوابها يكون ~~بالماضي لا بالمستقبل. قال النحاس جعل المستقبل مكانه كما يجعل الماضي ~~مكان المستقبل في الشرط، وقيل إن الجواب محذوف، و { يجادلنا } في موضع ~~نصب على الحال، قاله الفراء. وتقديره فلما ذهب عنه الروع وجاءته البشرى ~~اجترأ على خطابنا حال كونه يجادلنا أي يجادل رسلنا. وقيل إن المعنى أخذ ~~يجادلنا، ومجادلته لهم قيل إنه سمع قولهم # إنا مهلكو أهل هذه القرية # العنكبوت 31 قال أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا ~~لا، قال فأربعون؟ قالوا لا، قال فعشرون؟ قالوا لا، ثم قال فعشرة، فخمسة؟ ~~قالوا لا. قال فواحد؟ قالوا لا # قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها ~~لننجينه وأهله # العنكبوت 32 الآية، فهذا معنى ms1737 مجادلته في قوم لوط، أي في شأنهم وأمرهم. ~~ثم أثنوا على إبراهيم، أو أثنى الله عليه فقال { إن إبرهيم ~~لحليم } أي ليس بعجول في الأمور، ولا بموقع لها على غير ما ينبغي. ~~والأواه كثير التأوه، والمنيب الراجع إلى الله. وقد تقدم في براءة ~~الكلام على الأواه. قوله { يإبرهيم أعرض عن هذا } هذا ~~قول الملائكة له أي أعرض عن هذا الجدال في أمر قد فرغ منه، وجف به ~~القلم، وحق به القضاء { إنه قد جاء أمر ربك } الضمير ~~للشأن، ومعنى مجيء أمر الله مجيء عذابه الذي قدره عليهم، وسبق به قضاؤه ~~{ وإنهم آتيهم عذاب غير مردود } أي لا يرده دعاء ولا ~~جدال، بل هو واقع بهم لا محالة، ونازل بهم على كل حال، ليس بمصروف ولا ~~مدفوع. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن عثمان بن محصن، في ضيف إبراهيم قال ~~كانوا أربعة جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ورافئيل. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، عن ابن عباس، في قوله { بعجل حنيذ } قال نضيج. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عنه، قال مشوي. وأخرج أبو الشيخ، عنه، أيضا قال سميط. وأخرج ~~ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الضحاك قال الحنيذ الذي أنضج ~~بالحجارة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن يزيد بن أبي يزيد البصري، في قوله { ~~فلما رأى أيديهم لا تصل إليه } قال لم ير لهم أيديا ~~فنكرهم، وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~قتادة، في قوله { نكرهم } قال كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من ~~طعامهم ظنوا أنه لم يأت بخير، وأنه يحدث نفسه بشر، ثم حدثوه عند ذلك ~~بما جاءوا فيه، فضحكت امرأته. وأخرج ابن المنذر، عن المغيرة قال في مصحف ~~ابن مسعود «وامرأته قائمة وهو جالس». وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد { ~~وامرأته قائمة } قال في خدمة أضياف إبراهيم. وأخرج عبد الرزاق، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة قال لما ~~أوجس إبراهيم في نفسه خيفة حدثوه عند ذلك بما جاءوا فيه، فضحكت ms1738 امرأته ~~تعجبا مما فيه قوم لوط من الغفلة، ومما أتاهم من العذاب. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس { فضحكت ~~} قال فحاضت وهي بنت ثمان وتسعين سنة. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد، في قوله ~~{ فضحكت } قال حاضت، وكانت ابنة بضع وتسعين سنة، وكان إبراهيم ابن ~~مائة سنة. # وأخرج أبو الشيخ، عن عكرمة قال حاضت. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عمر مثله. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس، في قوله { ومن ~~وراء إسحق يعقوب } قال هو ولد الولد. وأخرج ابن الأنباري في ~~كتاب الوقف والابتداء، عن حسان بن أبجر قال كنت عند ابن عباس، فجاء رجل ~~من هذيل، فقال له ابن عباس ما فعل فلان؟ قال مات وترك أربعة من الولد ~~وثلاثة من الوراء، فقال ابن عباس { فبشرنها بإسحق ومن ~~وراء إسحق يعقوب } قال ولد الولد. وأخرج ابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، والحاكم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الشعب من طرق، عن ابن عباس ~~أنه كان ينهى عن أن يزاد في جواب التحية على قولهم عليكم السلام ورحمة ~~الله وبركاته، ويتلو هذه الآية { رحمة الله وبركاته ~~عليكم أهل البيت }. وأخرج البيهقي عن ابن عمر نحوه. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد، في قوله { ~~فلما ذهب عن إبرهيم الروع } قال الفرق { يجدلنا ~~فى قوم لوط } قال يخاصمنا. وأخرج عبد الرزاق، وأبو الشيخ، عن قتادة ~~في تفسير المجادلة قال إنه قال لهم يومئذ أرأيتم إن كان فيهم خمسون من ~~المسلمين؟ قالوا إن كان فيهم خمسون لم نعذبهم، قال أربعون؟ قالوا ~~وأربعون. قال ثلاثون؟ قالوا وثلاثون، حتى بلغوا عشرة، قالوا إن كان فيهم ~~عشرة لم نعذبهم، قال ما قوم لا يكون فيهم عشرة فيهم خير؟ قال قتادة إنه ~~كان في قرية لوط أربعة آلاف ألف إنسان، أو ما شاء الله من ذلك. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس قال لما جاءت الملائكة إلى إبراهيم قالوا ms1739 ~~لإبراهيم إن كان فيها خمسة يصلون رفع عنهم العذاب. وأخرج أبو الشيخ، عن ~~عمر بن ميمون قال الأواه الرحيم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال ~~المنيب، المقبل إلى طاعة الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال المنيب ~~المخلص. ### || [11.77-83] # لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم، وكان بين إبراهيم وقرية لوط أربعة ~~فراسخ، جاءوا إلى لوط. فلما رآهم لوط، وكانوا في صورة غلمان حسان مرد، { ~~سىء بهم } أي ساءه مجيئهم، يقال ساءه يسوءه، وأصل سيء بهم. سويء بهم، ~~نقلت حركة الواو إلى السين فقلبت الواو ياء، ولما خففت الهمزة ألقيت ~~حركتها على الياء. وقرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، وأبو عمرو بإشمام ~~السين الضم { وضاق بهم ذرعا } قال الأزهري الذرع يوضع موضع ~~الطاقة، وأصله أن البعير يذرع بيده في سيره على قدر سعة خطوه أي يبسطها، ~~فإذا حمل عليه أكثر من طاقته، ضاق ذرعه عن ذلك، فجعل ضيق الذرع كناية عن ~~قلة الوسع والطاقة وشدة الأمر. وقيل هو من ذرعه القيء إذا غلبه وضاق عن ~~حبسه. والمعنى أنه ضاق صدره لما رأى الملائكة في تلك الصورة خوفا عليهم ~~من قومه، لما يعلم من فسقهم وارتكابهم لفاحشة اللواط { وقال هذا ~~يوم عصيب } أي شديد. قال الشاعر # وإنك إن لم ترض بكر بن وائل يكن لك يوم بالعراق عصيب # يقال عصيب وعصيصب وعصوصب على التكثير، أي يوم مكروه يجتمع فيه الشر، ~~ومنه قيل عصبة وعصابة أي مجتمعو الكلمة، ورجل معصوب أي مجتمع الخلق { ~~وجاءه قومه يهرعون إليه } أي جاءوا لوطا. الجملة في محل ~~نصب على الحال. ومعنى { يهرعون إليه } يسرعون إليه. قال الكسائي، ~~والفراء، وغيرهما من أهل اللغة لا يكون الإهراع إلا إسراعا مع رعدة، ~~يقال أهرع الرجل إهراعا أي أسرع في رعدة من برد أو غضب أو حمى، قال ~~مهلهل # فجاؤوا يهرعون وهم أسارى نهودهم على رغم الأنوف # وقيل يهرعون يهرولون. وقيل هو مشي بين الهرولة والعدو، والمعنى أن قوم ~~لوط لما بلغهم مجيء الملائكة في تلك الصورة أسرعوا إليه، ms1740 كأنما يدفعون ~~دفعا لطلب الفاحشة من أضيافه { ومن قبل كانوا يعملون ~~السيئات } أي ومن قبل مجيء الرسل في هذا الوقت، كانوا يعملون ~~السيئات. وقيل ومن قبل لوط كانوا يعملون السيئات، أي كانت عادتهم إتيان ~~الرجال، فلما جاءوا إلى لوط، وقصدوا أضيافه لذلك العمل، قام إليهم لوط ~~مدافعا { وقال ياقوم هؤلاء بناتى هن أطهر لكم } ~~أي تزوجوهن، ودعوا ما تطلبونه من الفاحشة بأضيافي، وقد كان له ثلاث ~~بنات. وقيل اثنتان، وكانوا يطلبون منه أن يزوجهم بهن، فيمتنع لخبثهم، ~~وكان لهم سيدان مطاعان، فأراد أن يزوجهما بنتيه. وقيل أراد بقوله { ~~هؤلآء بناتى } النساء جملة، لأن نبي القوم أب لهم، وقالت طائفة ~~إنما كان هذا القول منه على طريق المدافعة، ولم يرد الحقيقة. ومعنى { ~~هن أطهر لكم } أي أحل وأنزه. # والتطهر التنزه عما لا يحل، وليس في صيغة أطهر دلالة على التفضيل، بل ~~هي مثل «الله أكبر». وقرأ الحسن، وعيسى بن عمر بنصب " أطهر " ، وقرأ ~~الباقون بالرفع ووجه النصب أن يكون اسم الإشارة مبتدأ، وخبره { بناتي } ، ~~و { هن } ضمير فصل، و { أطهر } حال. وقد منع الخليل، وسيبويه، والأخفش ~~مثل هذا، لأن ضمير الفصل الذي يسمى عمادا إنما يكون بين كلامين بحيث لا ~~يتم الكلام إلا بما بعدها، نحو كان زيد هو أخاك { فاتقوا الله ~~ولا تخزون فى ضيفى } أي اتقوا الله بترك ما تريدون من الفاحشة ~~بهم، ولا تذلوني وتجلبوا علي العار في ضيفي، والضيف يطلق على الواحد ~~والاثنين والجماعة، لأنه في الأصل مصدر، ومنه قول الشاعر # لا تعدمي الدهر شفار الجازر للضيف والضيف أحق زائر # ويجوز فيه التثنية والجمع، والأول أكثر. يقال خزي الرجل خزاية، أي ~~استحيا أو ذل أو هان، وخزي خزيا إذا افتضح، ومعنى { في ضيفي } في حق ~~ضيفي، فخزي الضيف خزي للمضيف، ثم وبخهم فقال { أليس منكم رجل ~~رشيد } يرشدكم إلى ترك هذا العمل القبيح، ويمنعكم منه، فأجابوا عليه ~~معرضين عما نصحهم به، وأرشدهم إليه، بقوله { ما لنا فى بناتك ~~من حق } أي ما لنا فيهم من شهوة ولا ms1741 حاجة، لأن من احتاج إلى شيء ~~فكأنه حصل له فيه نوع حق. ومعنى ما نسبوه إليه من العلم أنه قد علم منهم ~~المكالبة على إتيان الذكور، وشدة الشهوة إليهم، فهم من هذه الحيثية ~~كأنهم لا حاجة لهم إلى النساء ويمكن أن يريدوا أنه لا حق لنا في نكاحهن ~~لأنه لا ينكحهن ويتزوج بهن إلا مؤمن، ونحن لا نؤمن أبدا. وقيل إنهم ~~كانوا قد خطبوا بناته من قبل فردهم، وكان من سنتهم أن من خطب فرد، فلا ~~تحل المخطوبة أبدا { وإنك لتعلم ما نريد } من إتيان ~~الذكور. ثم إنه لما علم تصميمهم على الفاحشة، وأنهم لا يتركون ما قد ~~طلبوه { قال لو أن لى بكم قوة } وجواب " لو " محذوف. ~~والتقدير لدافعتكم عنهم ومنعتكم منهم، وهذا منه عليه السلام على طريق ~~التمني أي لو وجدت معينا وناصرا، فسمي ما يتقوى به قوة { أو آوى ~~إلى ركن شديد } عطف على ما بعد " لو " لما فيه من معنى الفعل، ~~والتقدير لو قويت على دفعكم، أو آويت إلى ركن شديد. وقرىء «أو آوى» ~~بالنصب عطفا على قوة كأنه قال لو أن لي بكم قوة، أو إيواء إلى ركن ~~شديد، ومراده بالركن الشديد العشيرة، وما يمتنع به عنهم هو ومن معه. وقيل ~~أراد بالقوة الولد، وبالركن الشديد من ينصره من غير ولده. وقيل أراد ~~بالقوة قوته في نفسه. ولما سمعته الملائكة يقول هذه المقالة، ووجدوا ~~قومه قد غلبوه وعجز عن مدافعتهم { قالوا يالوط إنا رسل ربك ~~لن يصلوا إليك } أخبروه أولا أنهم رسل ربه، ثم بشروه بقولهم ~~{ لن يصلوا إليك } وهذه الجملة موضحة لما قبلها لأنهم إذا كانوا ~~مرسلين من عند الله إليه لم يصل عدوه إليه ولم يقدروا عليه، ثم أمروه أن ~~يخرج عنهم، فقالوا له { فأسر بأهلك بقطع من الليل } ~~قرأ نافع وابن كثير بالوصل، وقرأ غيرهما بالقطع، وهما لغتان فصيحتان. # قال الله تعالى # واليل إذا يسر # الفجر 4 وقال # سبحان الذى أسرى # الإسراء 1 وقد جمع الشاعر بين اللغتين فقال # حي النضير وربة ms1742 الخدر أسرت عليه ولم تكن تسري # وقيل إن أسرى للمسير من أول الليل، وسرى للمسير من آخره، والقطع من ~~الليل الطائفة منه. قال ابن الأعرابي { بقطع من الليل } بساعة منه. وقال ~~الأخفش بجنح من الليل. وقيل بظلمة من الليل. وقيل بعد هدو من الليل، قيل ~~إن السرى لا يكون إلا في الليل، فما وجه زيادة بقطع من الليل؟ قيل لو لم ~~يقل بقطع من الليل لجاز أن يكون في أوله قبل اجتماع الظلمة، وليس ذلك ~~بمراد { ولا يلتفت منكم أحد } أي لا ينظر إلى ما وراءه، أو ~~يشتغل بما خلفه من مال أو غيره. قيل وجه النهي عن الالتفات أن لا يروا ~~عذاب قومهم، وهول ما نزل بهم، فيرحموهم ويرقوا لهم، أو لئلا ينقطعوا عن ~~السير المطلوب منهم بما يقع من الالتفات، فإنه لا بد للملتفت من فترة في ~~سيره { إلا امرأتك } بالنصب على قراءة الجمهور، وقرأ أبو عمرو، ~~وابن كثير بالرفع على البدل، فعلى القراءة الأولى امرأته مستثناة من قوله ~~{ فأسر بأهلك } أي أسر بأهلك جميعا إلا امرأتك فلا تسر بها، ~~فإنه { مصيبها ما أصابهم } من العذاب، وهو رميهم بالحجارة ~~لكونها كانت كافرة. وأنكر قراءة الرفع جماعة منهم أبو عبيد وقال لا يصح ~~ذلك إلا برفع { يلتفت } ويكون نعتا، لأن المعنى يصير إذا أبدلت وجزمت أن ~~المرأة أبيح لها الالتفات وليس المعنى كذلك. قال النحاس وهذا العمل من ~~أبي عبيد وغيره على مثل أبي عمرو مع جلالته ومحله من العربية لا يجب أن ~~يكون، والرفع على البدل له معنى صحيح، وهو أن يكون استثناء من النهي عن ~~الالتفات، أي لا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، فإنها تلتفت وتهلك. وقيل إن ~~الرفع على البدل من { أحد } ، ويكون الالتفات بمعنى التخلف لا بمعنى ~~النظر إلى الخلف، فكأنه قال ولا يتخلف منكم أحد إلا امرأتك، فإنها تتخلف، ~~والملجىء إلى هذا التأويل البعيد الفرار من تناقض القراءتين، والضمير في ~~{ إنه مصيبها ما أصابهم } للشأن، والجملة خبر إن { إن ~~موعدهم الصبح } هذه الجملة تقليل ms1743 لما تقدم من الأمر بالإسراء ~~والنهي عن الالتفات، والمعنى أن موعد عذابهم الصبح المسفر عن تلك الليلة، ~~والاستفهام في { أليس الصبح بقريب } للإنكار التقريري، ~~والجملة تأكيد للتعليل. # وقرأ عيسى بن عمر " أليس الصبح " بضم الباء وهي لغة، ولعل جعل الصبح ~~ميقاتا لهلاكهم لكون النفوس فيه أسكن، والناس فيه مجتمعون لم يتفرقوا ~~إلى أعمالهم. { فلما جاء أمرنا } أي الوقت المضروب لوقوع العذاب ~~فيه، أو المراد بالأمر نفس العذاب { جعلنا عليها سافلها } ~~أي عالي قرى قوم لوط سافلها، والمعنى أنه قلبها على هذه الهيئة، وهي كون ~~عاليها صار سافلها، وسافلها صار عاليها، وذلك لأن جبريل أدخل جناحه تحتها ~~فرفعها من تخوم الأرض حتى أدناها من السماء ثم قلبها عليهم { ~~وأمطرنا عليها حجارة من سجيل } قيل إنه يقال أمطرنا في ~~العذاب ومطرنا في الرحمة. وقيل هما لغتان، يقال مطرت السماء وأمطرت حكى ~~ذلك الهروي. والسجيل الطين المتحجر بطبخ أو غيره. وقيل هو الشديد الصلب ~~من الحجارة. وقيل السجيل الكثير. وقيل إن السجيل لفظة غير عربية، أصله سج ~~وجيل، وهما بالفارسية حجر وطين عربتهما العرب فجعلتهما اسما واحدا. ~~وقيل هو من لغة العرب. وذكر الهروي أن السجيل اسم لسماء الدنيا. قال ابن ~~عطية وهذا ضعيف يرده وصفه بمنضود. وقيل هو بحر معلق في الهواء بين ~~السماء والأرض. وقيل هي جبال في السماء. وقال الزجاج هو من التسجيل لهم، ~~أي ما كتب لهم من العذاب فهو في معنى سجين، ومنه قوله تعالى # وما أدراك ما سجين * كتب مرقوم # المطففين 8، 9 وقيل هو من أسجلته إذا أعطيته، فكأنه عذاب أعطوه، ومنه ~~قول الشاعر # من يساجلني يساجل ماجدا يملأ الدلو إلى عقد الكرب # ومعنى { منضود } أنه نضد بعضه فوق بعض. وقيل بعضه في أثر بعض، يقال ~~نضدت المتاع إذا جعلت بعضه على بعض، فهو منضود ونضيد، والمسومة المعلمة، ~~أي التي لها علامة قيل كان عليها أمثال الخواتيم. وقيل مكتوب على كل حجر ~~اسم من رمى به. وقال الفراء زعموا أنها كانت مخططة بحمرة وسواد في بياض. ~~فذلك ms1744 تسويمها، ومعنى { عند ربك } في خزائنه { وما هى من ~~الظلمين ببعيد } أي وما هذه الحجارة الموصوفة من الظالمين وهم ~~قوم لوط ببعيد، أو ما هي من كل ظالم من الظلمة ومنهم كفار قريش ومن ~~عاضدهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ببعيد، فهم لظلمهم مستحقون ~~لها. وقيل { وما هى } أي قرى { من الظلمين } من كفر ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم { ببعيد } فإنها بين الشام والمدينة. وفي ~~إمطار الحجارة قولان أحدهما أنها أمطرت على المدن حين رفعها جبريل. ~~والثاني أنها أمطرت على من لم يكن في المدن من أهلها، وكان خارجا عنها. # وتذكير البعيد على تأويل الحجارة بالحجر، أو إجراء له على موصوف مذكر أي ~~شيء بعيد، أو مكان بعيد، أو لكونه مصدرا كالزفير والصهيل، والمصادر ~~يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { ولما جاءت رسلنا لوطا ~~سىء بهم وضاق بهم ذرعا } قال ساء ظنا بقومه، وضاق ذرعا ~~بأضيافه { وقال هذا يوم عصيب } يقول شديد. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، عنه، في قوله { يهرعون إليه } قال يسرعون { ~~ومن قبل كانوا يعملون السيئات } قال يأتون الرجال. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، أيضا قال { يهرعون إليه ~~} يستمعون إليه. وأخرج أبو الشيخ، عنه، أيضا في قوله { هؤلآء ~~بناتى } قال ما عرض لوط بناته على قومه لا سفاحا ولا نكاحا، إنما ~~قال هؤلاء نساؤكم، لأن النبي إذا كان بين ظهراني قوم فهو أبوهم، قال ~~الله تعالى في القرآن " وأزواجه أمهاتهم وهو أبوهم " في قراءة أبي. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، قال لم تكن بناته ولكن كن من ~~أمته، وكل نبي أبو أمته. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن ~~جبير نحوه. وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن عساكر، عن السدي نحوه. قال وفي ~~قراءة عبد الله " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه ~~أمهاتهم ". وأخرج ابن أبي حاتم، عن حذيفة بن اليمان، ms1745 قال عرض عليهم بناته ~~تزويجا، وأراد أن يقي أضيافه بتزويج بناته. وأخرج أبو الشيخ، عن السدي، ~~في قوله { ولا تخزون فى ضيفى } قال لا تفضحوني. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن أبي مالك { أليس منكم رجل رشيد } قال رجل يأمر ~~بالمعروف وينهى عن المنكر. وأخرج أبو الشيخ، والبيهقي في الأسماء ~~والصفات، عن ابن عباس { أليس منكم رجل رشيد } قال واحد ~~يقول لا إله إلا الله. وأخرج أبو الشيخ، عن عكرمة مثله. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، عن السدي { وإنك لتعلم ما نريد } قال إنما ~~نريد الرجال { قال } لوط { لو أن لى بكم قوة أو آوى ~~إلى ركن شديد } يقول إلى جند شديد لمقاتلتكم. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس، { أو آوى إلى ركن شديد } قال عشيرة. وقد ثبت في ~~البخاري وغيره من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " يغفر الله للوط إن كان يأوي إلى ركن شديد " # وهو مروي في غير الصحيح من طريق غيره من الصحابة. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس { بقطع من اليل } قال جوف ~~الليل. # وأخرجا عنه قال بسواد الليل. وأخرج عبد الرزاق، عن قتادة، قال بطائفة من ~~الليل. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { ولا يلتفت ~~منكم أحد } قال لا يتخلف. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن مجاهد، في قوله { ولا يلتفت منكم أحد } قال لا ~~ينظر وراءه أحد { إلا امرأتك }. وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، عن ~~هارون قال في حرف ابن مسعود «فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك». ~~وأخرج ابن جرير، عن مجاهد، في قوله { فلما جاء أمرنا جعلنا ~~عليها سافلها } قال لما أصبحوا عدا جبريل على قريتهم، فقلعها ~~من أركانها، ثم أدخل جناحه ثم حملها على خوافي جناحه بما فيها، ثم صعد ~~بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم قلبها، فكان أول ما ~~سقط منها سرادقها، فلم يصب قوما ما أصابهم، ثم إن الله ms1746 طمس على أعينهم، ~~ثم قلبت قريتهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل. وقد ذكر المفسرون روايات ~~وقصصا في كيفية هلاك قوم لوط طويلة متخالفة، وليس في ذكرها فائدة لا ~~سيما وبين من قال بشيء من ذلك، وبين هلاك قوم لوط دهر طويل لا يتيسر له ~~في مثله إسناد صحيح، وغالب ذلك مأخوذ عن أهل الكتاب، وحالهم في الرواية ~~معروف. وقد أمرنا بأنا لا نصدقهم ولا نكذبهم، فاعرف هذا، فهو الوجه في ~~حذفنا لكثير من هذه الروايات الكائنة في قصص الأنبياء وقومهم. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { ~~وما هى من الظلمين ببعيد } قال يرهب بها قريش أن يصيبهم ~~ما أصاب القوم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، في الآية قال من ظلمة ~~العرب إن لم يؤمنوا فيعذبوا بها. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن أبي ~~حاتم، عن قتادة قال من ظالمي هذه الأمة. ### || [11.84-95] # أي وأرسلنا إلى مدين، وهم قوم شعيب، أخاهم في النسب شعيبا. وسموا مدين ~~باسم أبيهم، وهو مدين ابن إبراهيم. وقيل باسم مدينتهم. قال النحاس لا ~~ينصرف مدين لأنه اسم مدينة، وقد تقدم الكلام على هذا في الأعراف بأبسط ~~مما هنا، وقد تقدم تفسير { قال ياقوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره } في أول السورة، وهذه الجملة مستأنفة ~~كأنه قيل ماذا قال لهم شعيب لما أرسله الله إليهم؟ وقد كان شعيب عليه ~~السلام يسمى خطيب الأنبياء لحسن مراجعته لقومه، أمرهم أولا بعبادة ~~الله سبحانه الذي هو الإله وحده لا شريك له، ثم نهاهم عن أن ينقصوا ~~المكيال والميزان، لأنهم كانوا مع كفرهم أهل تطفيف، كانوا إذا جاءهم ~~البائع بالطعام أخذوا بكيل زائد، وكذلك إذا وصل إليهم الموزون أخذوا بوزن ~~زائد، وإذا باعوا باعوا بكيل ناقص ووزن ناقص وجملة { إنى أراكم ~~بخير } تعليل للنهي أي لا تنقصوا المكيال والميزان لأني أراكم بخير ~~أي بثروة وسعة في الرزق، فلا تغيروا نعمة الله عليكم بمعصيته والإضرار ~~بعباده، ففي هذه النعمة ما يغنيكم ms1747 عن أخذ أموال الناس بغير حقها، ثم ذكر ~~بعد هذه العلة علة أخرى، فقال { وإنى أخاف عليكم عذاب ~~يوم محيط } فهذه العلة فيها الإذكار لهم بعذاب الآخرة كما أن ~~العلة الأولى فيها الإذكار لهم بنعيم الدنيا ووصف اليوم بالإحاطة والمراد ~~العذاب، لأن العذاب واقع في اليوم ومعنى إحاطة عذاب اليوم بهم، أنه لا ~~يشذ منهم أحد عنه، ولا يجدون منه ملجأ ولا مهربا، واليوم هو يوم ~~القيامة، وقيل هو يوم الانتقام منهم في الدنيا بالصيحة. ثم أكد النهي عن ~~نقص الكيل والوزن بقوله { ويقوم أوفوا المكيال ~~والميزان بالقسط } والإيفاء هو الإتمام. والقسط العدل، وهو عدم ~~الزيادة والنقص وإن كان الزيادة على الإيفاء فضل وخير، ولكنها فوق ما ~~يفيده اسم العدل، والنهي عن النقص، وإن كان يستلزم الإيفاء ففي تعاضد ~~الدلالتين مبالغة بليغة وتأكيد حسن، ثم زاد ذلك تأكيدا فقال { ولا ~~تبخسوا الناس أشياءهم } قد مر تفسير هذا في الأعراف، وفيه ~~النهي عن البخس على العموم، والأشياء أعم مما يكال ويوزن، فيدخل البخس ~~بتطفيف الكيل والوزن في هذا دخولا أوليا. وقيل البخس المكس خاصة، ثم ~~قال { ولا تعثوا فى الأرض مفسدين } قد مر أيضا تفسيره ~~في البقرة، والعثي في الأرض يشمل كل ما يقع فيها من الإضرار بالناس، ~~فيدخل فيه ما في السياق من نقص المكيال والميزان، وقيده بالحال وهو قوله ~~{ مفسدين } ليخرج ما كان صورته من العثي في الأرض، والمقصود به ~~الإصلاح كما وقع من الخضر في السفينة { بقيت الله خير لكم ~~} أي ما يبقيه لكم من الحلال بعد إيفاء الحقوق بالقسط أكثر خيرا وبركة ~~مما تبقونه لأنفسكم من التطفيف والبخس، والفساد في الأرض، ذكر معناه ابن ~~جرير وغيره من المفسرين. # وقال مجاهد بقية الله طاعته. وقال الربيع وصيته. وقال الفراء مراقبته، ~~وإنما قيد ذلك بقوله { إن كنتم مؤمنين } لأن ذلك إنما ينتفع به ~~المؤمن لا الكافر، أو المراد بالمؤمنين هنا المصدقون لشعيب { وما ~~أنا عليكم بحفيظ } أحفظكم من الوقوع في المعاصي من التطفيف ~~والبخس وغيرهما، أو أحفظ عليكم أعمالكم، ms1748 وأحاسبكم بها وأجازيكم عليها. ~~وجملة { قالوا ياشعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما ~~يعبد ءاباؤنا } مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل فماذا قالوا ~~لشعيب؟ وقرىء " أصلاتك " بالإفراد، و { أن نترك } في موضع نصب. وقال ~~الكسائي موضعها خفض على إضمار الباء، ومرادهم بما يعبد آباؤهم ما كانوا ~~يعبدون من الأوثان، والاستفهام للإنكار عليه والاستهزاء به، لأن الصلوات ~~عندهم ليست من الخير الذي يقال لفاعله عند إرادة تليين قلبه وتذليل ~~صعوبته كما يقال لمن كان كثير الصدقة إذا فعل ما لا يناسب الصواب أصدقتك ~~أمرتك بهذا. وقيل المراد بالصلاة هنا القراءة. وقيل المراد بها الدين، ~~وقيل المراد بالصلوات أتباعه، ومنه المصلى الذي يتلو السابق وهذا منهم ~~جواب لشعيب عن أمره لهم بعبادة الله وحده، وقولهم { أو أن نفعل ~~في أموالنا ما نشاء } جواب له عن أمرهم بإيفاء الكيل والوزن، ~~ونهيهم عن نقصهما، وعن بخس الناس، وعن العثي في الأرض، وهذه الجملة ~~معطوفة على «ما» في { ما يعبد آباؤنا }. والمعنى أصلواتك تأمرك أن نترك ~~ما يعبد آباؤنا، وتأمرك أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء، من الأخذ ~~والإعطاء، والزيادة والنقص. وقرىء " تفعل ما تشاء " بالفوقية فيهما. قال ~~النحاس فتكون { أو } على هذه القراءة للعطف على أن الأولى، والتقدير ~~أصلواتك تأمرك أن تفعل في أموالنا ما تشاء. وقرىء «نفعل» بالنون و " ما ~~تشاء " بالفوقية، ومعناه أصلواتك تأمرك أن نفعل نحن في أموالنا ما تشاؤه ~~أنت وندع ما نشاؤه نحن وما يجري به التراضي بيننا ثم وصفوه بوصفين عظيمين ~~فقالوا { إنك لأنت الحليم الرشيد } على طريقة التهكم به، ~~لأنهم يعتقدون أنه على خلافهما، أو يريدون إنك لأنت الحليم الرشيد عند ~~نفسك، وفي اعتقادك، ومعناهم أن هذا الذي نهيتنا عنه وأمرتنا به يخالف ما ~~تعتقده في نفسك من الحلم والرشد. وقيل إنهم قالوا ذلك لا على طريقة ~~الاستهزاء بل هو عندهم كذلك، وأنكروا عليه الأمر والنهي منه لهم بما ~~يخالف الحلم والرشد في اعتقادهم. وقد تقدم تفسير الحلم والرشد. وجملة { ~~قال ياقوم أرأيتم إن كنت على ms1749 بينة من ربى } ~~مستأنفة كالجمل التي قبلها. # والمعنى أخبروني إن كنت على حجة واضحة من عند ربي فيما أمرتكم به ~~ونهيتكم عنه { ورزقنى منه } أي من فضله وخزائن ملكه { رزقا ~~حسنا } أي كثيرا واسعا حلالا طيبا، وقد كان عليه السلام كثير ~~المال. وقيل أراد بالرزق النبوة. وقيل الحكمة، وقيل العلم. وقيل ~~التوفيق، وجواب الشرط محذوف يدل عليه سياق الكلام تقديره أترك أمركم ~~ونهيكم، أو أتقولون في شأني ما تقولون مما تريدون به السخرية والاستهزاء ~~{ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهكم عنه } أي ~~وما أريد بنهيي لكم عن التطفيف والبخس أن أخالفكم إلى ما نهيتكم عنه ~~فأفعله دونكم، يقال خالفه إلى كذا إذا قصده وهو مول عنه، وخالفته عن كذا ~~في عكس ذلك { إن أريد إلا الإصلح } أي ما أريد بالأمر ~~والنهي إلا الإصلاح لكم، ودفع الفساد في دينكم ومعاملاتكم { ما ~~استطعت } ما بلغت إليه استطاعتي، وتمكنت منه طاقتي { وما ~~توفيقى إلا بالله } أي ما صرت موفقا هاديا نبيا مرشدا إلا ~~بتأييد الله سبحانه، وإقداري عليه ومنحي إياه { عليه توكلت } ~~في جميع أموري التي منها أمركم ونهيكم { وإليه أنيب } أي أرجع في ~~كل ما نابني من الأمور، وأفوض جميع أموري إلى ما يختاره لي من قضائه ~~وقدره، وقيل معناه وإليه أرجع في الآخرة. وقيل إن الإنابة الدعاء. ومعناه ~~وله أدعوا. قوله { ويقوم لا يجرمنكم شقاقى } قال الزجاج ~~معناه لا يكسبنكم شقاقي إصابة العذاب إياكم، كما أصاب من كان قبلكم. وقيل ~~معناه لا يحملنكم شقاقي، والشقاق العداوة، ومنه قول الأخطل # ألا من مبلغ عني رسولا فكيف وجدتم طعم الشقاق # و { أن يصيبكم } في محل نصب على أنه مفعول ثان ليجرمنكم { مثل ~~ما أصاب قوم نوح } من الغرق { أو قوم هود } من الريح { ~~أو قوم صلح } من الصيحة، وقد تقدم تفسير يجرمنكم وتفسير ~~الشقاق { وما قوم لوط منكم ببعيد } يحتمل أن يريد ليس ~~مكانهم ببعيد من مكانكم، أو ليس زمانهم ببعيد من زمانكم، أو ليسوا ببعيد ~~منكم في السبب الموجب لعقوبتهم، وهو ms1750 مطلق الكفر، وأفرد لفظ { بعيد } ~~لمثل ما سبق في { وما هى من الظلمين ببعيد }. ثم بعد ~~ترهيبهم بالعذاب أمرهم بالاستغفار والتوبة، فقال { واستغفروا ~~ربكم ثم توبوا إليه إن ربى رحيم ودود } وقد ~~تقدم تفسير الاستغفار مع ترتيب التوبة عليه في أول السورة، وتقدم ~~تفسير الرحيم، والمراد هنا أنه عظيم الرحمة للتائبين، والودود المحب. ~~قال في الصحاح وددت الرجل أوده ودا إذا أحببته، والودود المحب، والود ~~والود والود المحبة، والمعنى هنا أنه يفعل بعباده ما يفعله من هو ~~بليغ المودة بمن يوده من اللطف به، وسوق الخير إليه، ودفع الشر عنه. # وفي هذا تعليل لما قبله من الأمر بالاستغفار والتوبة. جملة { قالوا ~~ياشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول } مستأنفة كالجمل ~~السابقة، والمعنى أنك تأتينا بما لا عهد لنا به من الإخبار بالأمور ~~الغيبية، كالبعث والنشور، ولا نفقه ذلك أي نفهمه كما نفهم الأمور الحاضرة ~~المشاهدة، فيكون نفي الفقه على هذا حقيقة لا مجازا. وقيل قالوا ذلك ~~إعراضا عن سماعه، واحتقار الكلام مع كونه مفهوما لديهم معلوما عندهم، ~~فلا يكون نفي الفقه حقيقة بل مجازا، يقال فقه يفقه إذا فهم فقها ~~وفقها، وحكى الكسائي فقهانا، ويقال فقه فقها إذا صار فقيها { وإنا ~~لنراك فينا ضعيفا } أي لا قوة لك تقدر بها على أن تمنع نفسك ~~منا، وتتمكن بها من مخالفتنا. وقيل المراد أنه ضعيف في بدنه، قاله علي ~~بن عيسى. وقيل إنه كان مصابا ببصره. قال النحاس وحكى أهل اللغة أن حمير ~~تقول للأعمى ضعيف، أي قد ضعف بذهاب بصره كما يقال له ضرير، أي قد ضر ~~بذهاب بصره. وقيل الضعيف المهين، وهو قريب من القول الأول { ولولا ~~رهطك لرجمنك } رهط الرجل عشيرته الذين يستند إليهم، ويتقوى ~~بهم، ومنه الراهط لجحر اليربوع، لأنه يتوثق به ويخبأ فيه ولده، والرهط ~~يقع على الثلاثة إلى العشرة، وإنما جعلوا رهطه مانعا من إنزال الضرر به ~~مع كونهم في قلة، والكفار ألوف مؤلفة لأنهم كانوا على دينهم، فتركوه ~~احتراما لهم لا خوفا منهم، ثم أكدوا ما ms1751 وصفوه به من الضعف بقولهم { ~~وما أنت علينا بعزيز } حتى نكف عنك لأجل عزتك عندنا، بل ~~تركنا رجمك لعزة رهطك علينا، ومعنى { لرجمناك } لقتلناك بالرجم، وكانوا ~~إذا قتلوا إنسانا رجموه بالحجارة وقيل معنى { لرجمناك } لشتمناك، ومنه ~~قول الجعدي # تراجمنا بمر القول حتى نصير كأننا فرسا رهان # ويطلق الرجم على اللعن، ومنه الشيطان الرجيم، وجملة { قال ياقوم ~~أرهطى أعز عليكم من الله } مستأنفة، وإنما قال أعز ~~عليكم من الله، ولم يقل أعز عليكم مني لأن نفي العزة عنه وإثباتها ~~لقومه كما يدل عليه إيلاء الضمير حرف النفي استهانة به، والاستهانة ~~بأنبياء الله استهانة بالله عز وجل، فقد تضمن كلامهم أن رهطه أعز عليه ~~من الله، فاستنكر ذلك عليهم، وتعجب منه، وألزمهم ما لا مخلص لهم عنه، ولا ~~مخرج لهم منه بصورة الاستفهام، وفي هذا من قوة المحاجة ووضوح المجادلة ~~وإلقام الخصم الحجر ما لا يخفى، ولأمر ما سمي شعيب خطيب الأنبياء، ~~والضمير في { واتخذتموه } راجع إلى الله سبحانه. والمعنى واتخذتم ~~الله عز وجل بسبب عدم اعتدادكم بنبيه الذي أرسله إليكم { وراءكم ~~ظهريا } أي منبوذا وراء الظهر لا تبالون به. وقيل المعنى واتخذتم ~~أمر الله الذي أمرني بإبلاغه إليكم، وهو ما جئتكم به وراء ظهوركم، يقال ~~جعلت أمره بظهر إذا قصرت فيه، و { ظهريا } منسوب إلى الظهر، والكسر ~~لتغيير النسب { إن ربى بما تعملون محيط } لا يخفى عليه ~~شيء من أقوالكم وأفعالكم. # { ويقوم اعملوا على مكانتكم إنى عمل سوف ~~تعلمون } لما رأى إصرارهم على الكفر وتصميمهم على دين آبائهم، وعدم ~~تأثير الموعظة فيهم، توعدهم بأن يعملوا على غاية تمكنهم ونهاية ~~استطاعتهم، يقال مكن مكانة إذا تمكن أبلغ تمكن، وأخبرهم أنه عامل على حسب ~~ما يمكنه ويقدر الله له، ثم بالغ في التهديد والوعيد بقوله { سوف ~~تعلمون } أي عاقبة ما أنتم فيه من عبادة غير الله والإضرار بعباده، ~~وقد تقدم مثله في الأنعام { من يأتيه عذاب يخزيه } " من " ~~في محل نصب ب { تعلمون } أي سوف تعلمون من هو الذي يأتيه العذاب المخزي ~~الذي ms1752 يتأثر عنه الذل والفضيحة والعار { ومن هو كاذب } معطوف على ~~{ من يأتيه } والمعنى ستعلمون من هو المعذب ومن هو الكاذب؟ وفيه تعريض ~~بكذبهم في قولهم { لولا رهطك لرجمنك وما أنت ~~علينا بعزيز }. وقيل إن " من " مبتدأ، وما بعدها صلتها، والخبر ~~محذوف، والتقدير من هو كاذب فسيعلم كذبه ويذوق وبال أمره. قال الفراء ~~إنما جاء بهو في { من هو كذب } لأنهم لا يقولون من قائم، إنما ~~يقولون من قام، ومن يقوم، ومن القائم، فزادوا هو ليكون جملة تقوم مقام ~~فعل ويفعل. قال النحاس ويدل على خلاف هذا قول الشاعر # من رسولي إلى الثريا فإني ضقت ذرعا بهجرها والكتاب # { وارتقبوا إنى معكم رقيب } أي انتظروا إني معكم منتظر ~~لما يقضي به الله بيننا { ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا ~~والذين ءامنوا معه } أي لما جاء عذابنا، أو أمرنا بعذابهم، ~~نجينا شعيبا وأتباعه الذين آمنوا به { برحمة منا } لهم بسبب ~~إيمانهم، أو برحمة منا لهم وهي هدايتهم للإيمان { وأخذت الذين ~~ظلموا } غيرهم بما أخذوا من أموالهم بغير وجه، وظلموا أنفسهم ~~بالتصميم على الكفر { الصيحة } التي صاح بهم جبرائيل حتى خرجت ~~أرواحهم من أجسادهم، وفي الأعراف # فأخذتهم الرجفة # الأعراف 78 وكذا في العنكبوت. وقد قدمنا أن الرجفة الزلزلة، وأنها تكون ~~تابعة للصيحة لتموج الهوى المفضي إليها { فأصبحوا فى ديارهم ~~جثمين } أي ميتين، وقد تقدم تفسيره وتفسير { كأن لم ~~يغنوا فيها } قريبا، وكذا تفسير { ألا بعدا لمدين ~~كما بعدت ثمود } وحكى الكسائي أن أبا عبد الرحمن السلمي قرأ " ~~كما بعدت ثمود " بضم العين. قال المهدوي من ضم العين من " بعدت " فهي لغة ~~تستعمل في الخير والشر، و " بعدت " بالكسر على قراءة الجمهور تستعمل في ~~الشر خاصة، وهي هنا بمعنى اللعنة. # وقد أخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { إنى أراكم ~~بخير } قال رخص السعر { وإنى أخاف عليكم عذاب يوم ~~محيط } قال غلاء السعر، وأخرج ابن جرير، عنه { بقيت الله } ~~قال رزق الله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~عن ms1753 قتادة { بقيت الله خير لكم } يقول حظكم من ربكم خير ~~لكم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد ~~قال طاعة الله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن الأعمش في قوله { أصلوتك تأمرك } قال أقراءتك. وأخرج ~~ابن عساكر، عن الأحنف أن شعيبا كان أكثر الأنبياء صلاة. وأخرج ابن جرير، ~~وأبو الشيخ، عن ابن زيد، في قوله { أو أن نفعل في أموالنا ~~ما نشاء } قال نهاهم عن قطع هذه الدنانير والدراهم فقالوا إنما هي ~~أموالنا نفعل فيها ما نشاء، إن شئنا قطعناها، وإن شئنا أحرقناها، وإن ~~شئنا طرحناها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن محمد بن كعب نحوه. وأخرجا ~~عن زيد بن أسلم نحوه أيضا. وأخرج عبد الرزاق، وابن سعد، وابن المنذر، ~~وأبو الشيخ، وعبد بن حميد، عن سعيد بن المسيب، نحوه أيضا. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { إنك لأنت الحليم ~~الرشيد } قال يقولون إنك لست بحليم ولا رشيد. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن قتادة قال استهزاء به. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك، في ~~قوله { ورزقنى منه رزقا حسنا } قال الحلال. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله { وما أريد أن أخالفكم ~~إلى ما أنهكم عنه } قال يقول لم أكن لأنهاكم عن أمر ~~وأركبه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله { ~~وإليه أنيب } قال إليه أرجع. وأخرج أبو نعيم في الحلية، عن علي، ~~قال «قلت يا رسول، الله أوصني، قال # " قل الله ربي ثم استقم " # ، قلت ربي الله وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، قال # " ليهنك العلم أبا الحسن، لقد شربت العلم شربا ونهلته نهلا " # وفي إسناده محمد بن يوسف الكديمي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن قتادة { لا يجرمنكم شقاقى } لا يحملنكم فراقي. ~~وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد، قال شقاقي عداوتي. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن السدي ms1754 قال لا تحملنكم عداوتي. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، ~~عن قتادة، في قوله { وما قوم لوط منكم ببعيد } قال إنما ~~كانوا حديثي عهد قريب بعد نوح وثمود. وأخرج أبو الشيخ، وابن عساكر، عن ~~سعيد بن جبير { وإنا لنراك فينا ضعيفا } قال كان أعمى، ~~وإنما عمي من بكائه من حب الله عز وجل. # وأخرج الواحدي، وابن عساكر، عن شداد بن أوس، قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " بكى شعيب عليه السلام من حب الله حتى عمي " # وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والخطيب، وابن عساكر من طرق، عن ابن ~~عباس، في قوله { وإنا لنراك فينا ضعيفا } قال كان ضرير ~~البصر. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي صالح، مثله. وأخرج أبو الشيخ، عن سفيان ~~في قوله { وإنا لنراك فينا ضعيفا } قال كان أعمى، وكان يقال ~~له خطيب الأنبياء. وأخرج أبو الشيخ، عن السدي، قال معناه إنما أنت واحد. ~~وأخرج أبو الشيخ، عن علي بن أبي طالب، أنه خطب فتلا هذه الآية في شعيب { ~~وإنا لنراك فينا ضعيفا } قال كان مكفوفا، فنسبوه إلى الضعف ~~{ ولولا رهطك لرجمنك } قال علي فوالله الذي لا إله ~~غيره ما هابوا جلال ربهم ما هابوا إلا العشيرة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن مجاهد، في قوله { واتخذتموه وراءكم ظهريا } ~~قال نبذتم أمره. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة، قال في الآية ~~لا تخافونه. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال تهاونتم به. ### || [11.96-108] # المراد بالآيات التوراة، والسلطان المبين المعجزات. وقيل المراد بالآيات ~~هي التسع المذكورة في غير هذا الموضع، والسلطان المبين العصا، وهي وإن ~~كانت من التسع لكنها لما كانت أبهرها أفردت بالذكر وقيل المراد بالآيات ~~ما يفيد الظن، والسلطان المبين ما يفيد القطع بما جاء به موسى وقيل هما ~~جميعا عبارة عن شيء واحد أي أرسلناه بما يجمع وصف كونه آية، وكونه ~~سلطانا مبينا وقيل إن السلطان المبين ما أورده موسى على فرعون في ~~المحاورة بينهما { إلى فرعون وملئه } أي أرسلناه بذلك إلى ~~هؤلاء. ms1755 وقد تقدم أن الملأ أشراف القوم، وإنما خصهم بالذكر دون سائر ~~القوم، لأنهم أتباع لهم في الإصدار والإيراد، وخص هؤلاء الملأ دون فرعون ~~بقوله { فاتبعوا أمر فرعون } أي أمره لهم بالكفر، لأن حال ~~فرعون في الكفر أمر واضح، إذ كفر قومه من الأشراف وغيرهم إنما هو مستند ~~إلى كفره، ويجوز أن يراد بأمر فرعون شأنه وطريقته، فيعم الكفر وغيره { ~~وما أمر فرعون برشيد } أي ليس فيه رشد قط، بل هو غي ~~وضلال، والرشيد بمعنى المرشد، والإسناد مجازي، أو بمعنى ذي رشد، وفيه ~~تعريض بأن الرشد في أمر موسى { يقدم قومه يوم القيمة } ~~من قدمه بمعنى تقدمه أي يصير متقدما لهم يوم القيامة سابقا لهم إلى ~~عذاب النار، كما كان يتقدمهم في الدنيا { فأوردهم النار } أي ~~إنه لا يزال متقدما لهم، وهم يتبعونه حتى يوردهم النار، وعبر بالماضي ~~تنبيها على تحقق وقوعه، ثم ذم الورد الذي أوردهم إليه، فقال { وبئس ~~الورد المورود } لأن الوارد إلى الماء الذي يقول له الورد، إنما ~~يرده ليطفىء حر العطش، ويذهب ظمأه، والنار على ضد ذلك. ثم ذمهم بعد ذم ~~المكان الذي يردونه، فقال { وأتبعوا فى هذه لعنة } أي ~~أتبع قوم فرعون مطلقا، أو الملأ خاصة، أو هم وفرعون في هذه الدنيا لعنة ~~عظيمة أي طردا وإبعادا { ويوم القيمة } أي وأتبعوا لعنة يوم ~~القيامة، يلعنهم أهل المحشر جميعا، ثم إنه جعل اللعنة رفدا لهم على ~~طريقة التهكم، فقال { بئس الرفد المرفود }. قال الكسائي وأبو ~~عبيدة رفدته أرفده رفدا أمنته وأعطيته، واسم العطية الرفد أي بئس ~~العطاء، والإعانة ما أعطوهم إياه، وأعانوهم به، والمخصوص بالذم محذوف أي ~~رفدهم، وهو اللعنة التي أتبعوها في الدنيا والآخرة، كأنها لعنة بعد لعنة ~~تمد الأخرى الأولى وتؤبدها. وذكر الماوردي حكاية عن الأصمعي أن الرفد ~~بالفتح القدح، وبالكسر ما فيه من الشراب فكأنه ذم ما يستقونه في النار، ~~وهذا أنسب بالمقام. وقيل إن الرفد الزيادة أي بئس ما يرفدون به بعد ~~الغرق، وهو الزيادة قاله الكلبي. # والإشارة بقوله { ذلك من أنباء القرى ms1756 نقصه عليك } ~~أي ما قصه الله سبحانه في هذه السورة من أخبار الأمم السالفة، وما فعلوه ~~مع أنبيائهم، أي هو مقصوص عليك خبر بعد خبر، وقد تقدم تحقيق معنى القصص، ~~والضمير في { منها } عائد إلى { القرى } أي من القرى قائم، ومنها حصيد، ~~والقائم ما كان قائما على عروشه، والحصيد ما لا أثر له. وقيل القائم ~~العامر، والحصيد الخراب. وقيل القائم القرى الخاوية على عروشها، والحصيد ~~المستأصل بمعنى محصود، شبه القرى بالزرع القائم على ساقه والمقطوع. قال ~~الشاعر # والناس في قسم المنية بينهم كالزرع منه قائم وحصيد # { وما ظلمنهم } بما فعلنا بهم من العذاب { ولكن ~~ظلموا أنفسهم } بالكفر والمعاصي { فما أغنت عنهم ~~ءالهتهم } أي فما دفعت عنهم أصنامهم التي يعبدونها من دون الله ~~شيئا من العذاب { لما جاء أمر ربك } أي لما جاء عذابه { ~~وما زادوهم غير تتبيب } الهلاك والخسران أي ما زادتهم ~~الأصنام التي يعبدونها إلا هلاكا وخسرانا، وقد كانوا يعتقدون أنها ~~تعينهم على تحصيل المنافع { وكذلك أخذ ربك } قرأ الجحدري ~~وطلحة بن مصرف «أخذ» على أنه فعل. وقرأ غيرهما { أخذ } على المصدر { ~~إذا أخذ القرى وهى ظلمة } أي أهلها وهم ظالمون { إن ~~أخذه } أي عقوبته للكافرين { أليم شديد } أي موجع غليظ { إن ~~فى ذلك لآية } أي في أخذ الله سبحانه لأهل القرى، أو في القصص الذي ~~قصه على رسوله لعبرة وموعظة { لمن خاف عذاب الآخرة } لأنهم ~~الذين يعتبرون بالعبر، ويتعظون بالمواعظ، والإشارة بقوله { ذلك يوم ~~مجموع له الناس } إلى يوم القيامة المدلول عليه بذكر الآخرة ~~أن يجمع فيه الناس للمحاسبة والمجازاة { وذلك } أي يوم القيامة { ~~يوم مشهود } أي يشهده أهل المحشر، أو مشهود فيه الخلائق، فاتسع ~~في الظرف بإجرائه مجرى المفعول { وما نؤخره إلا لأجل ~~معدود } أي وما نؤخر ذلك اليوم إلا لانتهاء أجل معدود معلوم بالعدد، ~~قد عين الله سبحانه وقوع الجزاء بعده { يوم يأت } قرأ أهل المدينة ~~وأبو عمرو، والكسائي بإثبات الياء في الدرج، حذفها في الوقف. وقرأ أبي، ~~وابن مسعود بإثباتها وصلا ووقفا. وقرأ الأعمش بحذفها ms1757 فيهما، ووجه حذف ~~الياء مع الوقف ما قاله الكسائي أن الفعل السالم يوقف عليه كالمجزوم ~~فحذفت الياء كما تحذف الضمة. ووجه قراءة من قرأ بحذف الياء مع الوصل أنهم ~~رأوا رسم المصحف كذلك. وحكى الخليل وسيبويه أن العرب تقول لا أدر، فتحذف ~~الياء وتجتزىء بالكسر، وأنشد الفراء في حذف الياء # كفاك كف ما تليق درهما جودا وأخرى تعط بالسيف الدما # قال الزجاج والأجود في النحو إثبات الياء، والمعنى حين يأتي يوم القيامة ~~{ لا تكلم نفس } أي لا تتكلم حذفت إحدى التاءين تخفيفا أي لا ~~تتكلم فيه نفس إلا بما أذن لها من الكلام. # وقيل لا تكلم بحجة ولا شفاعة { إلا بإذنه } سبحانه لها في ~~التكلم بذلك، وقد جمع بين هذا وبين قوله # هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون # المرسلات 35، 36 باختلاف أحوالهم باختلاف مواقف القيامة. وقد تكرر مثل ~~هذا الجمع في مواضع { فمنهم شقى وسعيد } أي من الأنفس شقي، ~~ومنهم سعيد. فالشقي من كتبت عليه الشقاوة، والسعيد من كتبت له السعادة، ~~وتقديم الشقي على السعيد لأن المقام مقام تحذير { فأما الذين ~~شقوا ففى النار لهم فيها زفير وشهيق } أي فأما الذين ~~سبقت لهم الشقاوة، فمستقرون في النار لهم فيها زفير وشهيق. قال الزجاج ~~الزفير من شدة الأنين، وهو المرتفع جدا. قال وزعم أهل اللغة من ~~البصريين والكوفيين أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمير، والشهيق بمنزلة ~~آخره. وقيل الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف. وقيل الزفير ~~إخراج النفس، والشهيق رد النفس. وقيل الزفير من الصدر، والشهيق من ~~الحلق. وقيل الزفير ترديد النفس من شدة الخوف، والشهيق النفس الطويل ~~الممتد، والجملة إما مستأنفة كأنه قيل ما حالهم فيها؟ أو في محل نصب على ~~الحال { خلدين فيها ما دامت السموات والأرض } أي ~~مدة دوامهما. وقد اختلف العلماء في بيان معنى هذا التوقيت، لأنه قد علم ~~بالأدلة القطعية تأييد عذاب الكفار في النار، وعدم انقطاعه عنهم، وثبت ~~أيضا أن السموات والأرض تذهب عند انقضاء أيام الدنيا، فقالت طائفة إن ~~هذا الإخبار جار ms1758 على ما كانت العرب تعتاده إذا أرادوا المبالغة في دوام ~~الشيء، قالوا هو دائم ما دامت السموات والأرض، ومنه قولهم لا آتيك ما جن ~~ليل، وما اختلف الليل والنهار، وما ناح الحمام ونحو ذلك. فيكون معنى ~~الآية أنهم خالدون فيها أبدا لا انقطاع لذلك ولا انتهاء له. وقيل إن ~~المراد سموات الآخرة وأرضها، فقد ورد ما يدل على أن للآخرة سموات وأرضا ~~غير هذه الموجودة في الدنيا، وهي دائمة بدوام دار الآخرة، وأيضا لا بد ~~لهم من موضع يقلهم وآخر يظلهم، وهما أرض وسماء. قوله { إلا ما شاء ~~ربك } قد اختلف أهل العلم في معنى هذا الاستثناء على أقوال الأول ~~أنه من قوله { ففى النار } كأنه قال إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ~~ذلك. روي هذا أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري. الثاني أن الاستثناء إنما هو ~~للعصاة من الموحدين، وأنهم يخرجون بعد مدة من النار، وعلى هذا يكون قوله ~~سبحانه { فأما الذين شقوا } عاما في الكفرة والعصاة، ويكون ~~الاستثناء من { خالدين } ، وتكون " ما " بمعنى من، وبهذا قال قتادة، ~~والضحاك، وأبو سنان، وغيرهم. # وقد ثبت بالأحاديث المتواترة تواترا يفيد العلم الضروري بأنه يخرج من ~~النار أهل التوحيد، فكان ذلك مخصصا لكل عموم. الثالث أن الاستثناء من ~~الزفير والشهيق أي لهم فيها زفير وشهيق { إلا ما شاء ربك } من ~~أنواع العذاب غير الزفير والشهيق، قاله ابن الأنباري. الرابع أن معنى ~~الاستثناء أنهم خالدون فيها ما دامت السموات والأرض، لا يموتون إلا ما ~~شاء ربك، فإنه يأمر النار فتأكلهم حتى يفنوا، ثم يجدد الله خلقهم، روي ~~ذلك عن ابن مسعود. الخامس أن { إلا } بمعنى سوى، والمعنى ما دامت السموات ~~والأرض سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود، كأنه ذكر في خلودهم ما ليس عند ~~العرب أطول منه، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له حكاه الزجاج. السادس ~~ما روي عن الفراء وابن الأنباري وابن قتيبة من أن هذا لا ينافي عدم ~~المشيئة كقولك والله لأضربنه إلا أن أرى غير ذلك، ms1759 ونوقش هذا بأن معنى ~~الآية الحكم بخلودهم إلا لمدة التي شاء الله، فالمشيئة قد حصلت جزما وقد ~~حكي هذا القول الزجاج أيضا. السابع أن المعنى خالدين فيها ما دامت ~~السموات والأرض إلا ما شاء ربك من مقدار موقفهم في قبوركم وللحساب، حكاه ~~الزجاج أيضا. الثامن أن المعنى خالدين فيها إلا ما شاء ربك من زيادة ~~النعيم لأهل النعيم وزيادة العذاب لأهل الجحيم حكاه أيضا الزجاج، ~~واختاره الحكيم الترمذي. التاسع أن { إلا } بمعنى الواو، قاله الفراء ~~والمعنى وما شاء ربك من الزيادة، قال مكي وهذا القول بعيد عند البصريين ~~أن تكون إلا بمعنى الواو. العاشر أن { إلا } بمعنى الكاف، والتقدير كما ~~شاء ربك، ومنه قوله تعالى # ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء إلا ما قد ~~سلف # النساء 22 أي كما قد سلف. الحادي عشر أن هذا الاستثناء إنما هو على سبيل ~~الاستثناء الذي ندب إليه الشارع في كل كلام، فهو على حد قوله # لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين # الفتح 27 روى نحو هذا عن أبي عبيد، وهذه الأقوال هي جملة ما وقفنا عليه ~~من أقوال أهل العلم. وقد نوقش بعضها بمناقشات، ودفعت بدفوعات. وقد أوضحت ~~ذلك في رسالة مستقلة جمعتها في جواب سؤال ورد من بعض الأعلام. { ~~وأما الذين سعدوا ففى الجنة خلدين فيها ما ~~دامت السموات والأرض } قرأ الأعمش، وحفص، وحمزة، والكسائي ~~{ سعدوا } بضم السين، وقرأ الباقون بفتح السين، واختار هذه القراءة أبو ~~عبيد وأبو حاتم. قال سيبويه لا يقال سعد فلان، كما لا يقال شقي فلان ~~لكونه مما لا يتعدى، قال النحاس ورأيت علي بن سليمان يتعجب من قراءة ~~الكسائي بضم السين مع علمه بالعربية، وهذا لحن لا يجوز، ومعنى الآية كما ~~مر في قوله { فأما الذين شقوا } قوله { إلا ما شاء ~~ربك } قد عرف من الأقوال المتقدمة ما يصلح لحمل هذا الاستثناء عليه ~~{ عطاء غير مجذوذ } أي يعطيهم الله عطاء غير مجذوذ، والمجذوذ ~~المقطوع، من جذه يجذه إذا قطعه، والمعنى أنه ممتد إلى غير نهاية. ms1760 # وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { ~~يقدم قومه يوم القيمة } يقول أضلهم فأوردهم النار. ~~وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن قتادة، في الآية قال فرعون ~~يمضي بين أيدي قومه حتى يهجم بهم على النار. وأخرج عبد الرزاق، وابن ~~جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله { فأوردهم النار } ~~قال الورود الدخول. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن ~~عباس، في قوله { بئس الرفد المرفود } قال لعنة الدنيا ~~والآخرة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه { منها قائم ~~وحصيد } يعني قرى عامرة وقرى خامدة. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة { ~~منها قائم } يرى مكانه، و { حصيد } لا يرى له أثر. وأخرج أبو الشيخ، عن ~~ابن جريج { منها قائم } خاو على عروشه، و { حصيد } ملصق بالأرض. وأخرج ~~أبو الشيخ، عن أبي عاصم { فما أغنت عنهم } قال ما نفعت. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عمر، في قوله { وما ~~زادوهم غير تتبيب } أي هلكة. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن زيد قال ~~تخسير. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة معناه. وأخرج البخاري، ~~ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله سبحانه وتعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " # ، ثم قرأ { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ~~ظلمة إن أخذه أليم شديد }. وأخرج ابن جرير، عن ابن ~~زيد، في قوله { إن فى ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ~~} يقول إنا سوف نفي لهم بما وعدناهم في الآخرة كما وفينا للأنبياء أنا ~~ننصرهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله { ذلك ~~يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود } قال يوم ~~القيامة. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد، مثله. وأخرج أبو الشيخ، ~~عن ابن جريج، في قوله { يوم يأت } قال ذلك اليوم. وأخرج الترمذي ~~وحسنه، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ms1761 ~~وابن مردويه، عن عمر بن الخطاب، قال لما نزلت { فمنهم شقى ~~وسعيد } قلت يا رسول الله، فعلام نعمل، على شيء قد فرغ منه، أو على ~~شيء لم يفرغ منه؟ قال # " بل على شيء قد فرغ منه، وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل ميسر لما ~~خلق له " # وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس قال هاتان من ~~المخبآت، قول الله { فمنهم شقى وسعيد } و # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ~~قالوا لا علم لنا # المائدة 109 أما قوله { فمنهم شقى وسعيد } فهم قوم من أهل ~~الكتاب من أهل هذه القبلة يعذبهم الله بالنار ما شاء بذنوبهم، ثم يأذن في ~~الشفاعة لهم، فيشفع لهم المؤمنون فيخرجهم من النار فيدخلهم الجنة، فسماهم ~~أشقياء حين عذبهم في النار { فأما الذين شقوا ففى النار ~~لهم فيها زفير وشهيق * خلدين فيها ما دامت ~~السموات والأرض إلا ما شاء ربك } حين أذن في الشفاعة ~~لهم، وأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة وهم هم { وأما الذين ~~سعدوا } يعني بعد الشقاء الذي كانوا فيه { ففى الجنة ~~خلدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما ~~شاء ربك } يعني الذين كانوا في النار. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، ~~وابن مردويه، عن قتادة أنه تلا هذه الآية { فأما الذين شقوا } ~~فقال حدثنا أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " يخرج قوم من النار ولا نقول كما قال أهل حروراء إن من دخلها بقي فيها ~~" # وأخرج ابن مردويه، عن جابر، قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~فأما الذين شقوا } إلى قوله { إلا ما شاء ربك } قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن شاء الله أن يخرج أناسا من الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فعل ~~" # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن خالد بن معدان في قوله { إلا ما ~~شاء ربك } قال إنها في التوحيد من أهل القبلة. وأخرج عبد الرزاق، ~~وابن الضريس، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في الأسماء ~~والصفات، ms1762 عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله، أو عن أبي سعيد الخدري، أو ~~رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، في قوله { إلا ما شاء ~~ربك } قال هذه الآية قاضية على القرآن كله، يقول حيث كان في القرآن ~~خالدين فيها تأتي عليه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، ~~والبيهقي عن أبي نضرة، قال ينتهي القرآن كله إلى هذه الآية { إن ~~ربك فعال لما يريد }. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في ~~قوله { ما دامت السموات والأرض } قال لكل جنة سماء وأرض. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، عن الحسن، نحوه أيضا. وأخرج البيهقي في البعث والنشور، عن ~~ابن عباس في قوله { إلا ما شاء ربك } قال فقد شاء ربك أن يخلد ~~هؤلاء في النار، وأن يخلد هؤلاء في الجنة. # وأخرج ابن جرير، عنه، في قوله { إلا ما شاء ربك } قال استثنى ~~الله من النار أن تأكلهم. وأخرج أبو الشيخ، عن السدي، في الآية قال فجاء ~~بعد ذلك من مشيئة الله ما نسخها، فأنزل بالمدينة # إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر ~~لهم ولا ليهديهم طريقا # النساء 168 إلى آخر الآية، فذهب الرجاء لأهل النار أن يخرجوا منها، ~~وأوجب لهم خلود الأبد. وقوله { وأما الذين سعدوا } الآية. ~~قال فجاء بعد ذلك من مشيئة الله ما نسخها، فأنزل بالمدينة { والذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت سندخلهم جنت } إلى ~~قوله # ظلا ظليلا # النساء 57 فأوجب لهم خلود الأبد. وأخرج ابن المنذر، عن الحسن، قال قال ~~عمر لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج، لكان لهم على ذلك يوم ~~يخرجون فيه. وأخرج إسحاق بن راهويه عن أبي هريرة قال سيأتي على جهنم يوم ~~لا يبقى فيها أحد، وقرأ { فأما الذين شقوا } الآية. وأخرج ابن ~~المنذر، وأبو الشيخ، عن إبراهيم، قال ما في القرآن آية أرجى لأهل النار ~~من هذه الآية { خلدين فيها ما دامت السموات ~~والأرض إلا ما شاء ms1763 ربك } قال وقال ابن مسعود ليأتين عليها ~~زمان تخفق أبوابها. وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال جهنم أسرع الدارين ~~عمرانا وأسرعهما خرابا. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~عن قتادة، في قوله { إلا ما شاء ربك } قال الله أعلم بتثنيته ~~على ما وقعت. وقد روي عن جماعة من السلف مثل ما ذكره عمر، وأبو هريرة، ~~وابن مسعود، كابن عباس، وعبد الله بن عمر، وجابر، وأبي سعيد من الصحابة، ~~وعن أبي مجلز وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهما من التابعين. وورد في ~~ذلك حديث في معجم الطبراني الكبير عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي، ~~وإسناده ضعيف. ولقد تكلم صاحب الكشاف في هذا الموضع بما كان له في تركه ~~سعة، وفي السكوت عنه غنى، فقال ولا يخدعنك قول المجبرة إن المراد ~~بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار، فإن الاستثناء الثاني ينادي على ~~تكذيبهم ويسجل بافترائهم، وما ظنك بقوم نبذوا كتاب الله لما روي لهم بعض ~~الثوابت عن ابن عمرو ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها ~~أحد. ثم قال وأقول ما كان لابن عمرو في سيفيه ومقاتلته بهما علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه ما يشغله عن تسيير هذا الحديث. انتهى. وأقول أما الطعن ~~على من قال بخروج أهل الكبائر من النار، فالقائل بذلك يا مسكين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، كما صح عنه في دواوين الإسلام التي هي دفاتر السنة ~~المطهرة، وكما صح عنه في غيرها من طريق جماعة من الصحابة يبلغون عدد ~~التواتر فمالك والطعن على قوم عرفوا ما جهلته، وعملوا بما أنت عنه في ~~مسافة بعيدة، وأي مانع من حمل الاستثناء على هذا الذي جاءت به الأدلة ~~الصحيحة الكثيرة، كما ذهب إلى ذلك وقال به جمهور العلماء من السلف ~~والخلف. # وأما ما ظننته من أن الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم، ويسجل ~~بافترائهم، فلا مناداة ولا مخالفة، وأي مانع من حمل الاستثناء في ~~الموضعين على العصاة من هذه الأمة، فالاستثناء الأول يحمل ms1764 على معنى { ~~إلا ما شاء ربك } من خروج العصاة من هذه الأمة من النار، والاستثناء ~~الثاني يحمل على معنى { إلا ما شاء ربك } من عدم خلودهم في الجنة كما ~~يخلد غيرهم، وذلك لتأخر خلودهم إليها مقدار المدة التي لبثوا فيها في ~~النار. وقد قال بهذا من أهل العلم من قدمنا ذكره، وبه قال ابن عباس حبر ~~الأمة. وأما الطعن على صاحب رسول الله، وحافظ سنته، وعابد الصحابة، عبد ~~الله بن عمرو رضي الله عنه، فإلى أين يا محمود، أتدري ما صنعت، وفي أي ~~واد وقعت، وعلى أي جنب سقطت؟ ومن أنت حتى تصعد إلى هذا المكان، وتتناول ~~نجوم السماء بيديك القصيرة، ورجلك العرجاء، أما كان لك في مكسري طلبتك من ~~أهل النحو واللغة ما يردك عن الدخول فيما لا تعرف، والتكلم بما لا تدري، ~~فيالله العجب ما يفعل القصور في علم الرواية، والبعد عن معرفتها إلى أبعد ~~مكان من الفضيحة لمن لم يعرف قدر نفسه، ولا أوقفها حيث أوقفها الله ~~سبحانه. ### || [11.109-115] # لما فرغ الله سبحانه من أقاصيص الكفرة، وبيان حال السعداء والأشقياء، ~~سلى رسوله صلى الله عليه وسلم بشرح أحوال الكفرة من قومه في ضمن النهي له ~~عن الامتراء في أن ما يعبدونه غير نافع ولا ضار، ولا تأثير له في شيء. ~~وحذف النون في «لا تك» لكثرة الاستعمال، والمرية الشك. والإشارة بهؤلاء ~~إلى كفار عصره صلى الله عليه وسلم. وقيل المعنى لا تك في شك من بطلان ما ~~يعبد هؤلاء. وقيل لا تك في شك من سوء عاقبتهم. ولا مانع من الحمل على ~~جميع هذه المعاني، وهذا النهي له صلى الله عليه وسلم هو تعريض لغيره ممن ~~يداخله شيء من الشك. فإنه صلى الله عليه وسلم لا يشك في ذلك أبدا. ثم ~~بين له سبحانه أن معبودات هؤلاء كمعبودات آبائهم، أو أن عبادتهم كعبادة ~~آبائهم من قبل، وفي هذا استثناء تعليل للنهي عن الشك. والمعنى أنهم سواء ~~في الشرك بالله وعبادة غيره. فلا يكن في صدرك حرج مما ms1765 تراه من قومك، فهم ~~كمن قبلهم من طوائف الشرك، وجاء بالمضارع في { كما يعبد آباؤهم } ~~لاستحضار الصورة. ثم بين له أنه مجازيهم بأعمالهم فقال { وإنا ~~لموفوهم نصيبهم } من العذاب كما وفينا آباءهم، لا ينقص من ~~ذلك شيء، وانتصاب غير الحال، والتوفية لا تستلزم عدم النقص، فقد يجوز أن ~~يوفى وهو ناقص، كما يجوز أن يوفى وهو كامل. وقيل المراد نصيبهم من الرزق، ~~وقيل ما هو أعم من الخير والشر. { ولقد ءاتينا موسى ~~الكتب } أي التوراة { فاختلف فيه } أي في شأنه وتفاصيل ~~أحكامه، فآمن به قوم، وكفر به آخرون، وعمل بأحكامه قوم، وترك العمل ~~ببعضها آخرون، فلا يضق صدرك يا محمد بما وقع من هؤلاء في القرآن { ~~ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم } أي لولا ~~أن الله سبحانه قد حكم بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة لما علم في ذلك من ~~الصلاح لقضى بينهم أي بين قومك، أو بين قوم موسى فيما كانوا فيه مختلفين، ~~فأثيب المحق وعذب المبطل أو الكلمة هي أن رحمته سبحانه سبقت غضبه، ~~فأمهلهم ولم يعاجلهم لذلك. وقيل إن الكلمة هي أنهم لا يعذبون بعذاب ~~الاستئصال، وهذا من جملة التسلية له صلى الله عليه وسلم، ثم وصفهم بأنهم ~~في شك من الكتاب فقال { وإنهم لفى شك منه مريب } أي من ~~القرآن، إن حمل على قوم محمد صلى الله عليه وسلم، أو من التوراة، إن حمل ~~على قوم موسى عليه السلام، والمريب الموقع في الريبة. ثم جمع الأولين ~~والآخرين في حكم توفية العذاب لهم، أو هو والثواب فقال { وإن كلا ~~لما ليوفينهم ربك أعمالهم } قرأ نافع وابن كثير ~~وأبو بكر «وإن» بالتخفيف على أنها إن المخففة من الثقيلة وعملت في { كلا ~~} النصب، وقد جوز عملها الخليل وسيبويه، وقد جوز البصريون تخفيف " إن " ~~مع إعمالها، وأنكر ذلك الكسائي وقال ما أدري على أي شيء قرىء { وإن كلا ~~}؟ وزعم الفراء أن انتصاب { كلا } بقوله { ليوفينهم } ، والتقدير وإن ~~ليوفينهم كلا، وأنكر ذلك عليه جميع النحويين. # وقرأ الباقون بتشديد { إن } ونصبوا بها ms1766 { كلا }. وعلى كلا القراءتين ~~فالتنوين في { كلا } عوض عن المضاف إليه أي وإن كل المختلفين. وقرأ عاصم ~~وحمزة وابن عامر { لما } بالتشديد، وخففها الباقون. قال الزجاج لام { لما ~~} لام إن، و " ما " زائدة مؤكدة، وقال الفراء " ما " بمعنى من كقوله # وإن منكم لمن ليبطئن # النساء 72 أي وإن كلا لمن ليوفينهم! وقيل ليست بزائدة بل هي اسم دخلت ~~عليها لام التوكيد، والتقدير وإن كلا لمن خلق. قيل وهي مركبة، وأصلها ~~لمن ما، فقلبت النون ميما واجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت الوسطى حكي ذلك ~~النحاس عن النحويين. وزيف الزجاج هذا وقال " من " اسم على حرفين فلا يجوز ~~حذف النون. وذهب بعض النحويين إلى أن " لما " هذه بمعنى إلا، ومنه قوله ~~تعالى # إن كل نفس لما عليها حافظ # الطارق 4 وقال المازني الأصل لما المخففة ثم ثقلت. قال الزجاج وهذا خطأ، ~~إنما يخفف المثقل ولا يثقل المخفف. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام يجوز أن ~~يكون التشديد من قولهم لممت الشيء ألمه إذا جمعته، ثم بنى منه فعلى كما ~~قرىء # ثم أرسلنا رسلنا تترى # المؤمنون 44 وأحسن هذه الأقوال أنها بمعنى إلا الاستثنائية. وقد روي ذلك ~~عن الخليل، وسيبويه، وجميع البصريين، ورجحه الزجاج ويؤيده أن في حرف أبي ~~«وإن كلا إلا ليوفينهم» كما حكاه أبو حاتم عنه. وقرىء بالتنوين أي ~~جميعا. وقرأ الأعمش «وإن كل لما» بتخفيف إن ورفع كل وتشديد لما، وتكون ~~إن على هذه القراءة نافية { إنه بما يعملون } أيها المختلفون ~~{ خبير } لا يخفى عليه منه شيء، والجملة تعليل لما قبلها. ثم أمر ~~سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بكلمة جامعة لأنواع الطاعة له سبحانه، ~~فقال { فاستقم كما أمرت } أي كما أمرك الله، فيدخل في ذلك ~~جميع ما أمره به وجميع ما نهاه عنه، لأنه قد أمره بتجنب ما نهاه عنه، كما ~~أمره بفعل ما تعبده بفعله، وأمته أسوته في ذلك، ولهذا قال { ومن تاب ~~معك } أي رجع من الكفر إلى الإسلام، وشاركك في الإيمان، وهو معطوف على ~~الضمير في { فاستقم ms1767 } لأن الفصل بين المعطوف والضمير المرفوع المعطوف ~~عليه يقوم مقام التأكيد أي وليستقم من تاب معك، وما أعظم موقع هذه الآية ~~وأشد أمرها، فإن الاستقامة كما أمر الله لا تقوم بها إلا الأنفس ~~المطهرة، والذوات المقدسة، ولهذا يقول المصطفى «شيبتني هود» كما تقدم { ~~ولا تطغوا } الطغيان مجاوزة الحد، لما أمر الله سبحانه بالاستقامة ~~المذكورة بين أن الغلو في العبادة، والإفراط في الطاعة على وجه تخرج به ~~عن الحد الذي حده، والمقدار الذي قدره ممنوع منه منهي عنه، وذلك كمن ~~يصوم ولا يفطر، ويقوم الليل ولا ينام، ويترك الحلال الذي أذن الله به ~~ورغب فيه، ولهذا يقول الصادق المصدوق فيما صح عنه # " أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأنكح النساء فمن رغب عن سنتي فليس ~~مني " # والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته تغليبا لحالهم على حاله، أو ~~النهي عن الطغيان خاص بالأمة { إنه بما تعملون بصير } ~~يجازيكم على حسب ما تستحقون، والجملة تعليل لما قبلها. قوله { ولا ~~تركنوا إلى الذين ظلموا } ، قرأ الجمهور بفتح الكاف، وقرأ ~~طلحة بن مصرف، وقتادة، وغيرهما " تركنوا " بضم الكاف. قال الفراء وهي ~~لغة تميم وقيس، قال أبو عمرو وقراءة الجمهور هي لغة أهل الحجاز، قال ولغة ~~تميم بكسر التاء وفتح الكاف، وهم يكسرون حرف المضارعة في كل ما كان من ~~باب علم يعلم. وقرأ ابن أبي عبلة بضم التاء وفتح الكاف على البناء ~~للمفعول من أركنه. قال في الصحاح ركن إليه يركن بالضم. وحكى أبو زيد ركن ~~إليه بالكسر، يركن ركونا فيهما أي مال إليه وسكن قال الله تعالى { ولا ~~تركنوا إلى الذين ظلموا } وأما ما حكى أبو زيد ركن يركن ~~بالفتح فيهما فإنما هو على الجمع بين اللغتين. انتهى. وقال في شمس العلوم ~~الركون السكون. يقال ركن إليه ركونا، قال الله تعالى { ولا ~~تركنوا إلى الذين ظلموا } انتهى. وقال في القاموس ركن ~~إليه، كنصر وعلم، ومنع ركونا مال وسكن، انتهى. فهؤلاء الأئمة من رواة ~~اللغة فسروا الركون بمطلق الميل والسكون من غير تقييد بما ms1768 قيده به صاحب ~~الكشاف حيث قال فإن الركون هو الميل اليسير، وهكذا فسره المفسرون، بمطلق ~~الميل والسكون من غير تقييد إلا من كان من المتقيدين بما ينقله صاحب ~~الكشاف ومن المفسرين من ذكر في تفسير الركون قيودا لم يذكرها أئمة ~~اللغة. قال القرطبي في تفسيره الركون حقيقته الاستناد والاعتماد والسكون ~~إلى الشيء والرضا به. ومن أئمة التابعين من فسر الركون بما هو أخص من ~~معناه اللغوي. فروي عن قتادة، وعكرمة في تفسير الآية أن معناها لا تودوهم ~~ولا تطيعوهم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسير الآية الركون هنا ~~الإدهان، وذلك أن لا ينكر عليهم كفرهم. وقال أبو العالية معناه لا ترضوا ~~أعمالهم. وقد اختلف أيضا الأئمة من المفسرين في هذه الآية هل هي خاصة ~~بالمشركين أو عامة؟ فقيل خاصة، وإن معنى الآية النهي عن الركون إلى ~~المشركين، وأنهم المرادون بالذين ظلموا، وقد روي ذلك عن ابن عباس. # وقيل إنها عامة في الظلمة من غير فرق بين كافر ومسلم، وهذا هو الظاهر من ~~الآية، ولو فرضنا أن سبب النزول هم المشركون، لكان الاعتبار بعموم اللفظ ~~لا بخصوص السبب. فإن قلت وقد وردت الأدلة الصحيحة البالغة عدد التواتر ~~الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبوتا لا يخفى على من له أدنى ~~تمسك بالسنة المطهرة، بوجوب طاعة الأئمة والسلاطين والأمراء حتى ورد في ~~بعض ألفاظ الصحيح # " أطيعوا السلطان وإن كان عبدا حبشيا رأسه كالزبيبة " # وورد وجوب طاعتهم ما أقاموا الصلاة، وما لم يظهر منهم الكفر البواح، وما ~~لم يأمروا بمعصية الله. وظاهر ذلك أنهم وإن بلغوا في الظلم إلى أعلى ~~مراتبه، وفعلوا أعظم أنواعه مما لم يخرجوا به إلى الكفر البواح، فإن ~~طاعتهم واجبة حيث لم يكن ما أمروا به من معصية الله ومن جملة ما يأمرون ~~به تولي الأعمال لهم. والدخول في المناصب الدينية التي ليس الدخول فيها ~~من معصية الله ومن جملة ما يأمرون به الجهاد، وأخذ الحقوق الواجبة من ~~الرعايا، وإقامة الشريعة بين المتخاصمين منهم، ms1769 وإقامة الحدود على من وجبت ~~عليه. وبالجملة، فطاعتهم واجبة على كل من صار تحت أمرهم ونهيهم في كل ما ~~يأمرون به مما لم يكن من معصية الله، ولا بد في مثل ذلك من المخالطة لهم ~~والدخول عليهم، ونحو ذلك مما لا بد منه، ولا محيص عن هذا الذي ذكرناه من ~~وجوب طاعتهم بالقيود المذكورة، لتواتر الأدلة الواردة به، بل قد ورد به ~~الكتاب العزيز # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر ~~منكم # النساء 59 بل ورد أنهم يعطون الذي لهم من الطاعة، وإن منعوا ما هو عليهم ~~للرعايا كما في بعض الأحاديث الصحيحة # " أعطوهم الذي لهم، واسألوا الله الذي لكم " # بل ورد الأمر بطاعة السلطان، وبالغ في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حتى ~~قال # " وإن أخذ مالك وضرب ظهرك " # فإن اعتبرنا مطلق الميل والسكون، فمجرد هذه الطاعة المأمور بها مع ما ~~تستلزمه من المخالطة هي ميل وسكون، وإن اعتبرنا الميل والسكون ظاهرا ~~وباطنا فلا يتناول النهي في هذه الآية من مال إليهم في الظاهر، لأمر ~~يقتضي ذلك شرعا كالطاعة، أو للتقية ومخافة الضرر منهم، أو لجلب مصلحة ~~عامة أو خاصة، أو دفع مفسدة عامة أو خاصة، إذا لم يكن له ميل إليهم في ~~الباطن، ولا محبة، ولا رضا بأفعالهم. قلت أما الطاعة على عمومها بجميع ~~أقسامها حيث لم تكن في معصية الله، فهي على فرض صدق مسمى الركون عليها، ~~مخصصة لعموم النهي عنه بأدلتها التي قدمنا الإشارة إليها، ولا شك في هذا ~~ولا ريب، فكل من أمروه ابتداء أن يدخل في شيء من الأعمال التي أمرها ~~إليهم مما لم يكن من معصية الله، كالمناصب الدينية، ونحوها إذا وثق من ~~نفسه بالقيام بما وكل إليه، فذلك واجب عليه فضلا عن أن يقال جائز له. # وأما ما ورد من النهي عن الدخول في الإمارة، فذلك مقيد بعدم وقوع الأمر ~~ممن تجب طاعته من الأئمة والسلاطين، والأمراء جمعا بين الأدلة، أو مع ~~ضعف المأمور عن القيام بما أمر به، كما ورد تعليل النهي ms1770 عن الدخول في ~~الإمارة بذلك في بعض الأحاديث الصحيحة، وأما مخالطتهم والدخول عليهم لجلب ~~مصلحة عامة أو خاصة، أو دفع مفسدة عامة أو خاصة، مع كراهة ما هم عليه من ~~الظلم، وعدم ميل النفس إليهم ومحبتها لهم، وكراهة المواصلة لهم لولا جلب ~~تلك المصلحة أو دفع تلك المفسدة، فعلى فرض صدق مسمى الركون على هذا، فهو ~~مخصص بالأدلة الدالة على مشروعية جلب المصالح ودفع المفاسد، والأعمال ~~بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى، ولا تخفى على الله خافية وبالجملة فمن ~~ابتلي بمخالطة من فيه ظلم، فعليه أن يزن أقواله وأفعاله، وما يأتي وما ~~يذر بميزان الشرع، فإن زاغ عن ذلك «فعلى نفسها براقش تجني» ومن قدر على ~~الفرار منهم قبل أن يؤمر من جهتهم بأمر يجب عليه طاعته، فهو الأولى له، ~~والأليق به. يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين، اجعلنا من عبادك ~~الصالحين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر الذين لا يخافون فيك لومة ~~لائم، وقونا على ذلك ويسره لنا، وأعنا عليه. قال القرطبي في تفسيره ~~وصحبة الظالم على التقية مستثناة من النهي بحال الاضطرار. انتهى. وقال ~~النيسابوري في تفسيره قال المحققون الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه ~~الظلمة. أو تحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم، ومشاركتهم في شيء من تلك ~~الأبواب فأما مداخلتهم لرفع ضرر واجتلاب منفعة عاجلة، فغير داخلة في ~~الركون. قال وأقول هذا من طريق المعاش والرخصة، ومقتضى التقوى هو ~~الاجتناب عنهم بالكلية # أليس الله بكاف عبده # الزمر 36. انتهى. قوله { فتمسكم النار } بسبب الركون إليهم، ~~وفيه إشارة إلى أن الظلمة أهل النار، أو كالنار، ومصاحبة النار توجب لا ~~محالة مس النار، وجملة { وما لكم من دون الله من ~~أولياء } في محل نصب على الحال من قوله فتمسكم النار. والمعنى أنها ~~تمسكم النار حال عدم وجود من ينصركم، وينقذكم منها { ثم لا ~~تنصرون } من جهة الله سبحانه، إذ قد سبق في علمه أنه يعذبكم بسبب ~~الركون الذي نهيتم عنه، فلم تنتهوا عنادا وتمردا. قوله { وأقم ~~الصلوة طرفى النهار ms1771 } لما ذكر الله سبحانه الاستقامة خص من ~~أنواعها إقامة الصلاة لكونها رأس الإيمان، وانتصاب { طرفي النهار } على ~~الظرفية، والمراد صلاة الغداة والعشي، وهما الفجر والعصر. # وقيل الظهر موضع العصر، وقيل الطرفان الصبح والمغرب. وقيل هما الظهر ~~والعصر. ورجح ابن جرير أنهما الصبح والمغرب، قال والدليل عليه إجماع ~~الجميع على أن أحد الطرفين الصبح، فدل على أن الطرف الآخر المغرب { ~~وزلفا من اليل } أي في زلف من الليل، والزلف الساعات القريبة ~~بعضها من بعض، ومنه سميت المزدلفة لأنها منزل بعد عرفة بقرب مكة، وقرأ ~~ابن القعقاع وأبو إسحاق وغيرهما «زلفا» بضم اللام جمع زليف، ويجوز أن ~~يكون واحده زلفة. وقرأ ابن محيصن بإسكان اللام. وقرأ مجاهد «زلفى» مثل ~~فعلى. وقرأ الباقون «زلفا» بفتح اللام كغرفة وغرف. قال ابن الأعرابي ~~الزلف الساعات واحدتها زلفة. وقال قوم الزلفة أول ساعة من الليل بعد ~~مغيب الشمس. قال الأخفش معنى { زلفا من الليل } صلاة الليل { إن ~~الحسنت يذهبن السيئت } أي إن الحسنات على العموم، ~~ومن جملتها بل عمادها الصلاة يذهبن السيئات على العموم. وقيل المراد ~~بالسيئات الصغائر، ومعنى { يذهبن السيئات } يكفرنها حتى كأنها لم تكن، ~~والإشارة بقوله { ذلك ذكرى للذكرين } إلى قوله { فاستقم ~~} وما بعده. وقيل إلى القرآن ذكرى للذاكرين أي موعظة للمتعظين { ~~واصبر } على ما أمرت به من الاستقامة، وعدم الطغيان، والركون إلى ~~الذين ظلموا! وقيل إن المراد الصبر على ما أمر به دون ما نهى عنه، لأنه ~~لا مشقة في اجتنابه، وفيه نظر، فإن المشقة في اجتناب المنهي عنه كائنة، ~~وعلى فرض كونها دون مشقة امتثال الأمر، فذلك لا يخرجها عن مطلق المشقة { ~~فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } أي يوفيهم أجورهم ~~ولا يضيع منها شيئا فلا يهمله ولا يبخسه بنقص. وقد أخرج عبد الرزاق، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في ~~قوله { وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص } قال ما ~~قدر لهم من خير أو شر. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، في ~~الآية ms1772 قال من العذاب. وأخرجا عن أبي العالية. قال من الرزق. وأخرجا أيضا ~~عن قتادة في قوله { فاستقم كما أمرت } قال أمر الله نبيه أن ~~يستقيم على أمره، ولا يطغى في نعمته، وأخرج أبو الشيخ، عن سفيان، في ~~الآية قال استقم على القرآن. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، ~~قال لما نزلت هذه الآية { فاستقم كما أمرت } قال شمروا شمروا ~~فما رؤي ضاحكا. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج { ومن تاب معك } ~~قال آمن. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن العلاء بن عبد الله بن بدر، ~~في قوله { ولا تطغوا } قال لم يرد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما عنى الذين يجيئون من بعدهم. # وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس { ولا تطغوا } يقول لا تظلموا. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، قال الطغيان خلاف أمره وارتكاب معصيته. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله { ولا ~~تركنوا إلى الذين ظلموا } قال يعني الركون إلى الشرك. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه { ولا تركنوا } قال لا تميلوا. ~~وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه، أيضا قال { ولا تركنوا } ~~لا تدهنوا. وأخرج أبو الشيخ، عن عكرمة، في الآية قال أن تطيعوهم أو ~~تودوهم أو تصطنعوهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في ~~قوله { وأقم الصلوة طرفى النهار } قال صلاة المغرب ~~والغداة { وزلفا من اليل } قال صلاة العتمة. وأخرجا عن الحسن ~~قال الفجر والعصر { وزلفا من اليل } قال هما زلفتان صلاة ~~المغرب وصلاة العشاء. قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هما زلفتا ~~الليل». وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ~~مجاهد في الطرفين قال صلاة الفجر، وصلاتي العشي يعني الظهر والعصر { ~~وزلفا من اليل } قال المغرب والعشاء. وأخرج ابن المنذر، وأبو ~~الشيخ، عن مجاهد، في قوله { وزلفا من اليل } قال ساعة بعد ~~ساعة، يعني صلاة العشاء الآخرة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، وابن ms1773 مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس أنه كان يستحب ~~تأخير العشاء، ويقرأ { زلفا من الليل }. وأخرج ابن جرير، ومحمد بن نصر، ~~وابن مردويه، عن ابن مسعود، في قوله { إن الحسنت يذهبن ~~السيئت } قال الصلوات الخمس. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن ~~أبي شيبة، ومحمد بن نصر، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن ابن عباس { إن الحسنت يذهبن السيئت } ~~قال الصلوات الخمس، والباقيات الصالحات الصلوات الخمس. وأخرج البخاري ~~ومسلم، وأهل السنن وغيرهم عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، ~~فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له كأنه يسأل عن كفارتها، ~~فأنزلت عليه { وأقم الصلوة طرفى النهار وزلفا من ~~اليل إن الحسنت يذهبن السيئت } فقال الرجل يا ~~رسول الله ألي هذه؟ قال # " هي لمن عمل بها من أمتي " # وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود وغيرهم عن أبي أمامة أن رجلا أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، أقم في حد الله مرة أو مرتين، ~~فأعرض عنه، ثم أقيمت الصلاة، فلما فرغ قال # " أين الرجل؟ " # قال أنا ذا، قال # " أتممت الوضوء وصليت معنا آنفا؟ قال نعم. قال فإنك من خطيئتك كيوم ~~ولدتك أمك فلا تعد " # ، وأنزل الله حينئذ على رسوله { وأقم الصلوة طرفى ~~النهار }. وفي الباب أحاديث كثيرة بألفاظ مختلفة، ووردت أحاديث أيضا # " أن الصلوات الخمس كفارات لما بينهن " # وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن، في قوله { ذلك ذكرى للذكرين } ~~قال هم الذين يذكرون الله في السراء والضراء، والشدة والرخاء، ~~والعافية والبلاء. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج قال لما نزع الذي قبل ~~المرأة تذكر، فذلك قوله { ذكرى للذكرين }. ### || [11.116-123] # هذا عود إلى أحوال الأمم الخالية لبيان أن سبب حلول عذاب الاستئصال بهم ~~أنه ما كان فيهم من ينهى عن الفساد ويأمر بالرشاد، فقال { فلولا } أي ~~فهلا { كان من القرون } الكائنة { من قبلكم أولوا ~~بقية } من الرأي والعقل والدين { ينهون } قومهم { عن ~~الفساد فى الأرض } ويمنعونهم من ذلك، لكونهم ممن جمع الله له ms1774 بين ~~جودة العقل، وقوة الدين، وفي هذا من التوبيخ للكفار ما لا يخفى. والبقية ~~في الأصل لما يستبقيه الرجل مما يخرجه، وهو لا يستبقي إلا أجوده وأفضله، ~~فصار لفظ البقية مثلا في الجودة، والاستثناء في { إلا قليلا } ~~منقطع أي لكن قليلا ممن أنجينا منهم ينهون عن الفساد في الأرض. وقيل هو ~~متصل لأن في حرف التحضيض معنى النفي، فكأنه قال ما كان في القرون أولوا ~~بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم، و " من " في ~~{ ممن أنجينا } بيانية، لأنه لم ينج إلا الناهون. قيل هؤلاء القليل هم ~~قوم يونس لقوله فيما مر # إلا قوم يونس # يونس 98 وقيل هم أتباع الأنبياء وأهل الحق من الأمم على العموم { ~~واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه } معطوف على مقدر ~~يقتضيه الكلام، تقديره إلا قليلا ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد. ~~والمعنى أنه اتبع الذين ظلموا بسبب مباشرتهم الفساد وتركهم للنهي عنه ما ~~أترفوا فيه. والمترف الذي أبطرته النعمة، يقال صبي مترف منعم البدن، أي ~~صاروا تابعين للنعم التي صاروا بها مترفين من خصب العيش، ورفاهية الحال ~~وسعة الرزق، وآثروا ذلك على الاشتغال بأعمال الآخرة واستغرقوا أعمارهم في ~~الشهوات النفسانية وقيل المراد بالذين ظلموا تاركو النهي. ورد بأنه ~~يستلزم خروج مباشري الفساد عن الذين ظلموا وهم أشد ظلما ممن لم يباشر، ~~وكان ذنبه ترك النهي. وقرأ أبو عمرو في رواية عنه «وأتبع الذين ظلموا» ~~على البناء للمفعول، ومعناه أتبعوا جزاء ما أترفوا فيه، وجملة { ~~وكانوا مجرمين } متضمنة لبيان سبب إهلاكهم، وهي معطوفة على ~~أترفوا أي وكان هؤلاء الذين أتبعوا ما أترفوا فيه مجرمين، والإجرام ~~الأثام. والمعنى أنهم أهل إجرام بسبب اتباعهم الشهوات، واشتغالهم بها عن ~~الأمور التي يحق الاشتغال بها، ويجوز أن تكون جملة { وكانوا ~~مجرمين } معطوفة على { واتبع الذين ظلموا } أي اتبعوا شهواتهم، ~~وكانوا بذلك الاتباع مجرمين. { وما كان ربك ليهلك القرى ~~بظلم وأهلها مصلحون } أي ما صح ولا استقام أن يهلك الله ~~سبحانه أهل القرى بظلم يتلبسون به ms1775 وهو الشرك، والحال أن أهلها مصلحون ~~فيما بينهم في تعاطي الحقوق لا يظلمون الناس شيئا. والمعنى أنه لا ~~يهلكهم بمجرد الشرك وحده حتى ينضم إليه الفساد في الأرض، كما أهلك قوم ~~شعيب بنقص المكيال والميزان وبخس الناس أشياءهم، وأهلك قوم لوط بسبب ~~ارتكابهم للفاحشة الشنعاء. # وقيل إن قوله { بظلم } حال من الفاعل. والمعنى وما كان الله ليهلك ~~القرى ظالما هم حال كونهم مصلحين غير مفسدين في الأرض، ويكون المراد ~~بالآية تنزيهه سبحانه وتعالى عن صدور ذلك منه بلا سبب يوجبه، على تصوير ~~ذلك بصورة ما يستحيل منه، وإلا فكل أفعاله كائنة ما كانت لا ظلم فيها، ~~فإنه سبحانه ليس بظلام للعبيد. قال الزجاج يجوز أن يكون المعنى وما كان ~~ربك ليهلك أحدا وهو يظلمه، وإن كان على نهاية الصلاح، لأن تصرفه في ~~ملكه، دليله قوله تعالى # إن الله لا يظلم الناس شيئا # يونس 44 وقيل المعنى وما كان ليهلكهم بذنوبهم وهم مصلحون أي مخلصون في ~~الإيمان، فالظلم المعاصي على هذا. { ولو شاء ربك لجعل ~~الناس أمة واحدة } أي أهل دين واحد، إما أهل ضلالة، أو أهل ~~هدى. وقيل معناه جعلهم مجتمعين على الحق غير مختلفين فيه، أو مجتمعين على ~~دين الإسلام دون سائر الأديان، ولكنه لم يشأ ذلك فلم يكن، ولهذا قال { ~~ولا يزالون مختلفين } في ذات بينهم على أديان شتى، أو لا ~~يزالون مختلفين في الحق أو دين الإسلام. وقيل مختلفين في الرزق فهذا ~~غني، وهذا فقير { إلا من رحم ربك } بالهداية إلى الدين ~~الحق، فإنهم لم يختلفوا، أو إلا من رحم ربك من المختلفين في الحق أو دين ~~الإسلام، بهدايته إلى الصواب الذي هو حكم الله، وهو الحق الذي لا حق ~~غيره، أو إلا من رحم ربك بالقناعة. والأولى تفسير لجعل الناس أمة واحدة ~~بالمجتمعة على الحق حتى يكون معنى الاستثناء في { إلا من رحم ~~ربك } واضحا غير محتاج إلى تكلف { ولذلك } أي لما ذكر من ~~الاختلاف { خلقهم } أو ولرحمته خلقهم. وصح تذكير الإشارة إلى ~~الرحمة لكون تأنيثها ms1776 غير حقيقي. والضمير في خلقهم راجع إلى الناس، أو إلى ~~{ من } في { من رحم ربك } وقيل الإشارة بذلك إلى مجموع الاختلاف والرحمة، ~~ولا مانع من الإشارة بها إلى شيئين كما في قوله # عوان بين ذلك # البقرة 68، # وابتغ بين ذلك سبيلا # الإسراء 110 # فبذلك فليفرحوا # يونس 58. قوله { وتمت كلمت ربك } معنى تمت ثبتت، كما قدره ~~في أزله، وإذا تمت امتنعت من التغيير والتبديل، وقيل الكلمة هي قوله { ~~لأملان جهنم من الجنة والناس أجمعين } أي ممن ~~يستحقها من الطائفتين، والتنوين في { وكلا } للتعويض عن المضاف إليه، ~~وهو منصوب ب { نقص } ، والمعنى وكل نبأ من أنباء الرسل مما يحتاج إليه ~~نقص عليك أي، نخبرك به. وقال الأخفش { كلا } حال مقدمة كقولك كلا ~~ضربت القوم، والأنباء الأخبار { ما نثبت به فؤادك } أي ما ~~نجعل به فؤادك مثبتا بزيادة يقينه بما قصصناه عليك، ووفور طمأنينته، لأن ~~تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ في النفس وأقوى للعلم، وجملة { ما ~~نثبت } بدل من أنباء الرسل، وهو بيان لكلا، ويجوز أن يكون { ما ~~نثبت } مفعولا لنقص، ويكون { كلا } مفعولا مطلقا، والتقدير كل ~~أسلوب من أساليب الاقتصاص نقص عليك ما نثبت به فؤادك { وجاءك فى ~~هذه الحق } أي جاك في هذه السورة، أو في هذه الأنباء البراهين ~~القاطعة الدالة على صحة المبدأ والمعاد { وموعظة } يتعظ بها الواقف ~~عليها من المؤمنين { وذكرى } يتذكر بها من تفكر فيها منهم، وخص ~~المؤمنين لكونهم المتأهلين للاتعاظ والتذكر. # وقيل المعنى وجاءك في هذه الدنيا الحق، وهو النبوة، وعلى التفسير ~~الأول، يكون تخصص هذه السورة بمجيء الحق فيها مع كونه قد جاء في غيرها ~~من السور، لقصد بيان اشتمالها على ذلك، لا بيان كونه موجودا فيها دون ~~غيرها. { وقل للذين لا يؤمنون } بهذا الحق، ولا يتعظون، ولا ~~يتذكرون { اعملوا على مكانتكم } على تمكنكم وحالكم وجهتكم، ~~وقد تقدم تحقيقه { إنا عاملون } على مكانتنا وحالنا وجهتنا من ~~الإيمان بالحق، والاتعاظ، والتذكر، وفي هذا تشديد للوعيد والتهديد لهم، ~~وكذلك قوله { وانتظروا إنا منتظرون } فيه من الوعيد ~~والتهديد ما لا ms1777 يخفى. والمعنى انتظروا عاقبة أمرنا فإنا منتظرون عاقبة ~~أمركم وما يحل بكم من عذاب الله وعقوبته. { ولله غيب ~~السموات والأرض } أي علم جميع ما هو غائب عن العباد فيهما، ~~وخص الغيب من كونه يعلم بما هو مشهود، كما يعلم بما هو مغيب، لكونه من ~~العلم الذي لا يشاركه فيه غيره وقيل إن غيب السموات والأرض نزول العذاب ~~من السماء وطلوعه من الأرض، والأول أولى، وبه قال أبو علي الفارسي ~~وغيره، وأضاف الغيب إلى المفعول توسعا { وإليه يرجع الأمر ~~كله } أي يوم القيامة فيجازى كلا بعمله. وقرأ نافع وحفص { يرجع } ~~على البناء للمفعول. وقرأ الباقون على البناء للفاعل { فاعبده ~~وتوكل عليه } فإنه كافيك كل ما تكره، ومعطيك كل ما تحب، ~~والفاء لترتيب الأمر بالعبادة، والتوكل على كون مرجع الأمور كلها إلى ~~الله سبحانه { وما ربك بغفل عما تعملون } بل عالم ~~بجميع ذلك، ومجاز عليه إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وقرأ أهل المدينة ~~والشام وحفص { تعملون } بالفوقية على الخطاب. وقرأ الباقون ~~بالتحتية. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك، في قوله { فلولا } قال ~~فهلا. وأخرج ابن مردويه، عن أبي بن كعب، قال أقرأني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم { فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية } ، وأحلام، ينهون ~~عن الفساد في الأرض. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن جريج { إلا قليلا ~~ممن أنجينا منهم } يستقلهم الله من كل قوم. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد { ~~واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه } قال في ملكهم ~~وتجبرهم، وتركهم الحق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ من طريق ~~ابن جريج، قال قال ابن عباس أترفوا فيه أبطروا فيه. وأخرج الطبراني، وأبو ~~الشيخ، وابن مردويه، والديلمي عن جرير، قال «سمعت رسول الله يسئل عن ~~تفسير هذه الآية { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم ~~وأهلها مصلحون } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " وأهلها ينصف بعضهم بعضا " # وأخرجه ابن أبي حاتم، والخرائطي في مساوئ الأخلاق موقوفا على جرير. ms1778 ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك { ولو شاء ربك لجعل الناس ~~أمة واحدة } قال أهل دين واحد أهل ضلالة أو أهل هدى. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عن ابن عباس { ولا يزالون مختلفين } قال أهل الحق ~~وأهل الباطل { إلا من رحم ربك } قال أهل الحق { ولذلك ~~خلقهم } قال للرحمة. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عنه { إلا ~~من رحم ربك } قال إلا أهل رحمته فإنهم لا يختلفون. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عنه، قال لا يزالون مختلفين في الأهواء. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عطاء بن أبي رباح { ولا يزالون ~~مختلفين } أي اليهود والنصارى والمجوس والحنيفية، وهم الذين رحم ~~ربك الحنيفية. وأخرج هؤلاء عن الحسن في الآية قال الناس مختلفون على ~~أديان شتى إلا من رحم ربك، فمن رحم ربك غير مختلف { ولذلك ~~خلقهم } قال للاختلاف. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد { ~~ولا يزالون مختلفين } قال أهل الباطل { إلا من رحم ~~ربك } قال أهل الحق { ولذلك خلقهم } قال للرحمة. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة نحوه. وأخرجا عن الحسن قال لا يزالون ~~مختلفين في الرزق. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، ولذلك ~~خلقهم قال خلقهم فريقين فريقا يرحم فلا يختلف، وفريقا لا يرحم يختلف، ~~فذلك قوله { فمنهم شقى وسعيد }. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله { وكلا نقص عليك ~~من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } لتعلم يا محمد ما ~~لقيت الرسل قبلك من أممهم. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه من طرق، ~~عن ابن عباس، قال { وجاءك فى هذه الحق } قال في هذه السورة. ~~وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي موسى الأشعري مثله. ~~وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير مثله أيضا. # وأخرج أبو الشيخ عن الحسن مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن قتادة، قال في ms1779 هذه الدنيا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، عن قتادة { اعملوا على مكانتكم } أي منازلكم. وأخرج ~~ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن جريج { وانتظروا إنا منتظرون ~~} قال يقول انتظروا مواعيد الشيطان إياكم على ما يزين لكم، وفي قوله { ~~وإليه يرجع الأمر كله } قال فيقضي بينهم بحكم العدل. ~~وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن الضريس في فضائل القرآن، ~~وابن جرير، وأبو الشيخ، عن كعب قال فاتحة التوراة فاتحة الأنعام، وخاتمة ~~التوراة خاتمة هود { ولله غيب السموات والأرض } إلى ~~آخر الآية. ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1-6] # قوله { الر } قد تقدم الكلام فيه في فاتحة سورة يونس، والإشارة بقوله { ~~تلك } إلى آيات السورة، و { الكتاب المبين } السورة، أي تلك الآيات ~~التي أنزلت إليك في هذه السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم. ~~والمبين من أبان، بمعنى بان، أي الظاهر أمره في كونه من عند الله وفي ~~إعجازه، أو المبين بمعنى الواضح المعنى بحيث لا يلتبس على قارئه وسامعه، ~~أو المبين لما فيه من الأحكام. { إنا أنزلنه } أي الكتاب ~~المبين حال كونه { قرءانا عربيا } ، فعلى تقدير أن الكتاب السورة ~~تكون تسميتها قرآنا باعتبار أن القرآن اسم جنس يقع على الكل، وعلى ~~البعض، وعلى تقدير أن المراد بالكتاب كل القرآن، فتكون تسميته قرآنا ~~واضحة، و { عربيا } صفة ل { قرآنا } ، أي على لغة العرب، { ~~لعلكم تعقلون } أي لكي تعلموا معانيه، وتفهموا ما فيه. { ~~نحن نقص عليك أحسن القصص } القصص تتبع الشيء، ومنه ~~قوله تعالى # وقالت لاخته قصيه # القصص 11، أي تتبعي أثره وهو مصدر، والتقدير نحن نقص عليك قصصا أحسن ~~القصص، فيكون بمعنى الاقتصاص، أو بمعنى المفعول، أي المقصوص، { بما ~~أوحينا إليك } أي بإيحائنا إليك { هذا القرءان } ~~وانتصاب القرآن على أنه صفة لاسم الإشارة، أو بدل منه، أو عطف بيان، ~~وأجاز الزجاج الرفع على تقدير مبتدأ، وأجاز الفراء الجر، ولعل وجهه أن ~~يقدر حرف الجر في { بما أوحينا } داخلا على اسم الإشارة، فيكون المعنى ~~نحن نقص عليك أحسن القصص بهذا القرآن، { وإن كنت ms1780 من قبله لمن ~~الغفلين } " إن " هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة ~~بينها وبين النافية، والضمير في { من قبله } عائد على الإيحاء المفهوم من ~~أوحينا، والمعنى أنك قبل إيحائنا إليك من الغافلين عن هذه القصة. واختلف ~~في وجه كون ما في هذه السورة هو أحسن القصص، فقيل لأن ما في هذه السورة ~~من القصص يتضمن من العبر والمواعظ والحكم ما لم يكن في غيرها. وقيل لما ~~فيها من حسن المحاورة، وما كان من يوسف عليه السلام من الصبر على أذاهم ~~وعفوه عنهم، وقيل لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين ~~والجن والإنس والأنعام والطير وسير الملوك والمماليك، والتجار، والعلماء ~~والجهال، والرجال والنساء وحيلهن ومكرهن. وقيل لأن فيها ذكر الحبيب ~~والمحبوب، وما دار بينهما. وقيل إن { أحسن } هنا بمعنى أعجب. وقيل إن كل ~~من ذكر فيها كان مآله السعادة. قوله { إذ قال يوسف لأبيه } " ~~إذ " منصوب على الظرفية بفعل مقدر، أي اذكر وقت قال يوسف. قرأ الجمهور { ~~يوسف } بضم السين، وقرأ طلحة بن مصرف بكسرها مع الهمز مكان الواو، وحكى ~~ابن زيد الهمز وفتح السين، وهو غير منصرف للعجمة والعلمية. # وقيل هو عربي، والأول أولى بدليل عدم صرفه، { لأبيه } أي يعقوب بن ~~إسحاق بن إبراهيم { يا أبت } بكسر التاء في قراءة أبي عمرو وعاصم وحمزة ~~والكسائي ونافع وابن كثير، وهي عند البصريين علامة التأنيث ولحقت في لفظ ~~أب في النداء خاصة بدلا من الياء وأصله يا أبي، وكسرها للدلالة على أنها ~~عوض عن حرف يناسب الكسر، وقرأ ابن عامر بفتحها لأن الأصل عنده يا أبتا، ~~ولا يجمع بين العوض والمعوض، فيقال يا أبتى، وأجاز الفراء يا أبت بضم ~~التاء، { إنى رأيت } من الرؤيا النومية لا من الرؤية البصرية كما ~~يدل عليه { لا تقصص رءياك على إخوتك }. قوله { أحد ~~عشر كوكبا } قرىء بسكون العين تخفيفا لتوالي الحركات، وقرأ ~~بفتحها على الأصل { والشمس والقمر } إنما أخرهما عن الكواكب ~~لإظهار مزيتهما وشرفهما، كما في عطف جبريل وميكائيل على الملائكة. وقيل ~~إن الواو بمعنى " مع ms1781 " ، وجملة { رأيتهم لي ساجدين } مستأنفة ~~لبيان الحالة التي رآهم عليها. وأجريت مجرى العقلاء في الضمير المختص بهم ~~لوصفها بوصف العقلاء، وهو كونها ساجدة، كذا قال الخليل وسيبويه، والعرب ~~تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل، إذا أنزلوه منزلته. { قال يا بنى لا ~~تقصص رءياك على إخوتك } الرؤيا مصدر رأى في المنام، رؤيا ~~على وزن فعلى، كالسقيا والبشرى وألفه للتأنيث ولذلك لم يصرف. نهى يعقوب ~~عليه السلام ابنه يوسف عن أن يقص رؤياه على إخوته لأنه قد علم تأويلها ~~وخاف أن يقصها على إخوته فيفهمون تأويلها ويحصل منهم الحسد له، ولهذا قال ~~{ فيكيدوا لك كيدا } وهذا جواب النهي وهو منصوب بإضمار أن، أي ~~فيفعلوا لك، أي لأجلك كيدا مثبتا راسخا لا تقدر على الخلوص منه، أو ~~كيدا خفيا عن فهمك. وهذا المعنى الحاصل بزيادة اللام آكد من أن يقال ~~فيكيدوا كيدا. وقيل إنما جيء باللام لتضمينه معنى الاحتيال المتعدى ~~باللام، فيفيد هذا التضمين معنى الفعلين جميعا، الكيد والاحتيال، كما هو ~~القاعدة في التضمين أن يقدر أحدهما أصلا والآخر حالا، وجملة { إن ~~الشيطن للإنسن عدو مبين } مستأنفة، كأن يوسف عليه ~~السلام قال كيف يقع منهم؟ فنبهه بأن الشيطان يحملهم على ذلك لأنه عدو ~~للإنسان مظهر للعدواة، مجاهر بها. قوله { وكذلك يجتبيك ربك ~~} أي مثل ذلك الاجتباء البديع الذي رأيته في النوم من سجود الكواكب ~~والشمس والقمر يجتبيك ربك، ويحقق فيك تأويل تلك الرؤيا، فيجعلك نبيا، ~~ويصطفيك على سائر العباد، ويسخرهم لك كما تسخرت لك تلك الأجرام التي ~~رأيتها في منامك فصارت ساجدة لك. قال النحاس والاجتباء أصله من جبيت ~~الشيء حصلته، ومنه جبيت الماء في الحوض جمعته، ومعنى الاجتباء الاصطفاء، ~~وهذا يتضمن الثناء على يوسف، وتعديد نعم الله عليه، ومنها { ويعلمك ~~من تأويل الأحاديث } أي تأويل الرؤيا. # قال القرطبي وأجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا، وقد كان يوسف عليه السلام ~~أعلم الناس بتأويلها. وقيل المراد ويعلمك من تأويل أحاديث الأمم والكتب. ~~وقيل المراد به إحواج إخوته إليه. وقيل إنجاؤه من كل مكروه، ms1782 وقيل إنجاؤه ~~من القتل خاصة. { ويتم نعمته عليك } فيجمع لك بين النبوة ~~والملك، كما تدل عليه هذه الرؤيا التي أراك االله، أو يجمع لك بين خيري ~~الدنيا والآخرة { وعلى ءال يعقوب } وهم قرابته من إخوته وأولاده ~~ومن بعدهم، وذلك أن الله سبحانه أعطاهم النبوة كما قاله جماعة من ~~المفسرين، ولا يبعد أن يكون إشارة إلى ما حصل لهم بعد دخولهم مصر، من ~~النعم التي من جملتها كون الملك فيهم، مع كونهم أنبياء { كما ~~أتمها على أبويك } أي إتماما مثل إتمامها على أبويك وهي ~~نعمة النبوة عليهما، مع كون إبراهيم اتخذه الله خليلا، ومع كون إسحاق ~~نجاه الله سبحانه من الذبح وصار لهما الذرية الطيبة وهم يعقوب، ويوسف، ~~وسائر الأسباط. ومعنى { من قبل } من قبل هذا الوقت الذي أنت فيه، أو ~~من قبلك، وإبراهيم وإسحق عطف بيان لأبويك، وعبر عنهما بالأبوين مع كون ~~أحدهما جدا وهو إبراهيم لأن الجد أب، { إن ربك عليم } بكل ~~شيء { حكيم } في كل أفعاله. والجملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها ~~تعليلا له، أي فعل ذلك لأنه عليم حكيم، وكان هذا كلام من يعقوب مع ولده ~~يوسف تعبيرا لرؤياه على طريق الإجمال، أو علم ذلك من طريق الوحي، أو ~~عرفه بطريق الفراسة وما تقتضيه المخايل اليوسفية. وقد أخرج ابن جرير عن ~~مجاهد في قوله { تلك ءايات الكتب المبين } قال بين الله ~~حلاله وحرامه، وأخرج ابن جرير عن معاذ قال بين الله الحروف التي سقطت عن ~~ألسن الأعاجم، وهي ستة أحرف، وأخرج الحاكم عن جابر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تلا { قرآنا عربيا } ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ألهم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهاما " # وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال نزل القرآن بلسان قريش، وهو كلامهم. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال قالوا يا رسول الله، لو قصصت علينا، ~~فنزلت { نحن نقص عليك أحسن القصص }. وأخرج ابن مردويه ~~عن ابن مسعود مثله. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ms1783 { نحن ~~نقص عليك أحسن القصص } قال من الكتب الماضية، وأمور الله ~~السالفة في الأمم { وإن كنت من قبله } أي من قبل هذا القرآن { ~~لمن الغفلين }. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك { نحن نقص ~~عليك أحسن القصص } قال القرآن. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن ~~مردويه عن ابن عباس في قوله { إنى رأيت أحد عشر كوكبا } ~~قال رؤيا الأنبياء وحي. وأخرج سعيد بن منصور، والبزار، وأبو يعلى، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والعقيلي، وابن حبان في الضعفاء، وأبو ~~الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن جابر بن عبد ~~الله قال «جاء بستاني اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا ~~محمد، أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف ساجدة له ما أسماؤها؟ فسكت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فلم يجبه بشيء، فنزل عليه جبريل فأخبره بأسمائها، ~~فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهودي فقال # " هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟، قال نعم، قال خرثان، والطارق، ~~والذيال، وذو الكنفات، وقابس، ووثاب، وعمودان، والفيلق، والمصبح، ~~والضروح، وذو الفرغ، والضياء، والنور رآها في أفق السماء ساجدة له، فلما ~~قص يوسف على يعقوب قال هذا أمر مشتت يجمعه الله من بعد " # ، فقال اليهودي إي والله إنها لأسماؤها. هكذا ساقه السيوطي في الدر ~~المنثور. وأما ابن كثير فجعل قوله «فلما قص...» إلخ رواية منفردة وقال ~~تفرد بها الحكم بن ظهيرة الفزاري، وقد ضعفوه وتركه الأكثرون. وقال ~~الجوزجاني ساقط. وقال ابن الجوزي هو موضوع. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ~~في قوله { أحد عشر كوكبا } قال إخوته { والشمس } قال أمه، { ~~والقمر } قال أبوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير عن السدي نحوه أيضا. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن زيد نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن ~~عباس { وكذلك يجتبيك ربك } قال يصطفيك. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن قتادة مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن مجاهد { ويعلمك من تأويل ms1784 الأحاديث } قال عبارة الرؤيا. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد { ويعلمك من تأويل ~~الأحاديث } قال تأويل العلم والحلم، وكان يوسف من أعبر الناس. وأخرج ~~ابن جرير عن عكرمة { كما أتمها على أبويك } قال فنعمته ~~على إبراهيم أن نجاه من النار، وعلى إسحاق أن نجاه من الذبح. ### || [12.7-10] # أي لقد كان في قصتهم علامات دالة على عظيم قدرة الله وبديع صنعه { ~~للسائلين } من الناس عنها، وقرأ أهل مكة " آية " على التوحيد، وقرأ ~~الباقون على الجمع، واختار قراءة الجمع أبو عبيد. وقال النحاس و " آية " ~~ها هنا قراءة حسنة. وقيل المعنى لقد كان في يوسف وإخوته آيات دالة على ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم للسائلين له من اليهود، فإنه روى أنه قال ~~له جماعة من اليهود وهو بمكة أخبرنا عن رجل من الأنبياء كان بالشام أخرج ~~ابنه إلى مصر فبكى عليه حتى عمي، ولم يكن بمكة أحد من أهل الكتاب، ولا من ~~يعرف خبر الأنبياء، وإنما وجهوا إليه من أهل المدينة من يسأله عن هذا، ~~فأنزل الله سورة يوسف جملة واحدة كما في التوراة. وقيل معنى { آيات ~~للسائلين } عجب لهم، وقيل بصيرة، وقيل عبرة. قال القرطبي وأسماؤهم يعني ~~إخوة يوسف روبيل، وهو أكبرهم، وشمعون، ولاوى، ويهوذا، وريالون، ويشجر، ~~وأمهم ليا بنت ليان وهي بنت خال يعقوب، وولد له من سريتين أربعة، وهم ~~دان، ونفتالى، وجاد، وآشر، ثم ماتت ليا فتزوج يعقوب أختها راحيل فولدت له ~~يوسف، وبنيامين وقال السهيلي إن أم يوسف اسمها وقفا، وراحيل ماتت من نفاس ~~بنيامين، وهو أكبر من يوسف. { إذ قالوا ليوسف وأخوه } أي ~~وقت قالوا، والظرف متعلق بكان { أحب إلى أبينا منا } والمراد ~~بقوله { وأخوه } هو بنيامين، وخصوه بكونه أخاه مع أنهم جميعا إخوته، ~~لأنه أخوه لأبويه كما تقدم، ووحد الخبر فقال { أحب } مع تعدد المبتدأ لأن ~~أفعل التفضيل يستوي فيه الواحد وما فوقه إذا لم يعرف، واللام في { ليوسف ~~} هي الموطئة للقسم، وإنما قالوا هذه لأنه بلغهم خبر الرؤيا فأجمع رأيهم ~~على ms1785 كيده، وجملة { ونحن عصبة } في محل نصب على الحال، والعصبة ~~الجماعة، قيل وهي ما بين الواحد إلى العشرة. وقيل إلى الخمسة عشر، وقيل ~~من العشرة إلى الأربعين، ولا واحد لها من لفظها، بل هي كالنفر والرهط، ~~وقد كانوا عشرة، { إن أبانا لفى ضلل مبين } أي لفي ذهاب ~~عن وجه التدبير بالترجيح لهما علينا، وإيثارهما دوننا مع استوائنا في ~~الانتساب إليه، ولا يصح أن يكون مرادهم أنه في دينه في ضلال مبين. { ~~اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا } أي قالوا افعلوا به أحد ~~الأمرين إما القتل، أو الطرح في أرض، أو المشير بالقتل بعضه والمشير ~~بالطرح البعض الآخر، أو كان المتكلم بذلك واحد منهم فوافقه الباقون، ~~فكانوا كالقائل في نسبة هذا المقول إليهم، وانتصاب { أرضا } على ~~الظرفية، والتنكير للإبهام أي أرضا مجهولة، وجواب الأمر { يخل لكم ~~وجه أبيكم } أي يصف ويخلص فيقبل عليكم ويحبكم حبا كاملا { ~~وتكونوا } معطوف على { يخل } ، ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أن { ~~من بعده } أي من بعد يوسف، والمراد بعد الفراغ من قتله أو طرحه، ~~وقيل من بعد الذنب الذي اقترفوه في يوسف { قوما صلحين } في أمور ~~دينكم وطاعة أبيكم، أو صالحين في أمور دنياكم، لذهاب ما كان يشغلكم عن ~~ذلك، وهو الحسد ليوسف وتكدر خواطركم بتأثيره عليكم هو وأخوه، أو المراد ~~بالصالحين التائبون من الذنب. # { قال قائل منهم } أي من الإخوة، قيل هو يهوذا، وقيل روبيل، ~~وقيل شمعون { لا تقتلوا يوسف وألقوه فى غيابة الجب ~~} قيل ووجه الإظهار في { لا تقتلوا يوسف } استجلاب شفقتهم عليه. قرأ أهل ~~مكة وأهل البصرة وأهل الكوفة وأهل الشام { في غيابة الجب } بالإفراد، ~~وقرأ أهل المدينة في غيابات بالجمع، واختار أبو عبيد الإفراد وأنكر ~~الجمع، لأن الموضع الذي ألقوه فيه واحد. قال النحاس وهذا تضييق في اللغة، ~~و " غيابات " على الجمع تجوز، والغيابة كل شيء غيب عنك شيئا. وقيل للقبر ~~غيابة، والمراد به هنا غور البئر الذي لا يقع البصر عليه، أو طاقة فيه، ~~قال الشاعر # ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث ms1786 إلى ذا كما قد غيبتني غيابيا # والجب البئر التي لم تطو، ويقال لها قبل الطي ركية، فإذا طويت قيل لها ~~بئر، سميت جبا، لأنها قطعت في الأرض قطعا، وجمع الجب جيب وجياب، ~~وأجباب، وجمع بين الغيابة والجب مبالغة في أن يلقوه في مكان من الجب ~~شديد الظلمة حتى لا يدركه نظر الناظرين، قيل وهذه البئر ببيت المقدس. ~~وقيل بالأردن، وجواب الأمر { يلتقطه بعض السيارة } قرأ ~~مجاهد، وأبو رجاء، والحسن، وقتادة تلتقطه بالمثناة الفوقية، ووجهه أن بعض ~~السيارة سيارة، وحكي عن سيبويه سقطت بعض أصابعه. ومنه قول الشاعر # أرى مر السنين أخذن مني كما أخذ السرار من الهلال # وقرأ الباقون " تلتقطه " بالتحتية. والسيارة الجمع الذي يسيرون في ~~الطريق، والالتقاط هو أخذ شيء مشرف على الضياع، وكأنهم أرادوا أن بعض ~~السيارة إذا التقطه حمله إلى مكان بعيد، بحيث يخض عن أبيه ومن يعرفه، ولا ~~يحتاجون إلى الحركة بأنفسهم إلى المكان البعيد، فربما أن والدهم لا يأذن ~~لهم بذلك، ومعنى { إن كنتم فعلين } إن كنتم عاملين بما أشرت به ~~عليكم في أمره، كأنه لم يجزم بالأمر، بل وكله إلى ما يجمعون عليه، كما ~~يفعله المشير مع من استشاره. وفي هذا دليل على أن إخوة يوسف ما كانوا ~~أنبياء، فإن الأنبياء لا يجوز عليهم التواطؤ على القتل لمسلم ظلما ~~وبغيا. وقيل كانوا أنبياء، وكان ذلك منهم زلة قدم، وأوقعهم فيها التهاب ~~نار الحسد في صدورهم واضطرام جمرات الغيظ في قلوبهم. # ورد بأن الأنبياء معصومون عن مثل هذه المعصية الكبيرة المتبالغة في ~~الكبر، مع ما في ذلك من قطع الرحم وعقوق الوالد وافتراء الكذب. وقيل إنهم ~~لم يكونوا في ذلك الوقت أنبياء، بل صاروا أنبياء من بعد. وقد أخرج ابن ~~أبي حاتم عن الحسن في قوله { آيات للسائلين } قال عبرة. وأخرج أيضا عن ~~قتادة في الآية يقول من سأل عن ذلك فهو هكذا ما قص الله عليكم وأنبأكم ~~به. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق قال ~~إنما قص الله ms1787 على محمد صلى الله عليه وسلم خبر يوسف وبغي إخوته عليه، ~~وحسدهم إياه حين ذكر رؤياه لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بغي ~~قومه عليه وحسدهم إياه حين أكرمه الله بنبوته ليأتسى به. وأخرج ابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { إذ قالوا ليوسف وأخوه } ~~يعني بنيامين هو أخوه لأبيه وأمه، وفي قوله { ونحن عصبة } قال ~~العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن جرير، وأبو ~~الشيخ عن ابن زيد قال العصبة الجماعة، { إن أبانا لفى ضلل ~~مبين } قال لفي خطأ من رأيه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو ~~الشيخ في قوله { قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف } قال ~~قاله كبيرهم الذي تخلف، قال والجب بئر بالشام { يلتقطه بعض ~~السيارة } قال التقطه ناس من الأعراب. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عنه في قوله { وألقوه فى غيابة الجب } يعني الركية. ~~وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال الجب البئر. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ قال هي بئر ببيت المقدس، يقول في بعض نواحيها. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال الجب بحذاء طبرية بينه وبينها أميال. ### || [12.11-18] # لما أجمع رأيهم على أن يلقوه في غيابات الجب، جاءوا إلى أبيهم وخاطبوه ~~بلفظ الأبوة استعطافا له، وتحريكا للحنو الذي جبلت عليه طبائع الآباء ~~للأبناء، وتوسلا بذلك إلى تمام ما يريدونه من الكيد الذي دبروه، ~~واستفهموه استفهام المنكر لأمر ينبغي أن يكون الواقع على خلافه، ف { ~~قالوا يأبانا ملك لا تأمنا على يوسف } أي أي شيء ~~لك لا تجعلنا أمناء عليه، وكأنهم قد كانوا سألوه قبل ذلك أن يخرج معهم ~~يوسف فأبى. وقرأ يزيد بن القعقاع، وعمرو بن عبيد، والزهري " لا تأمنا " ~~بالإدغام بغير إشمام. وقرأ طلحة بن مصرف " لا تأمننا " بنونين ظاهرتين ~~على الأصل. وقرأ يحيى بن وثاب، وأبو رزين، والأعمش " لا تيمنا " وهو لغة ~~تميم كما تقدم. وقرأ سائر القراء بالإدغام والإشمام ليدل على حال الحرف ~~قبل إدغامه ms1788 { وإنا له لنصحون } في حفظه وحيطته حتى نرده ~~إليك { أرسله معنا غدا } أي إلى الصحراء التي أرادوا الخروج ~~إليها، و { غدا } ظرف، والأصل عند سيبويه غدوة، قال النضر بن شميل ما بين ~~الفجر وطلوع الشمس يقال له غدوة، وكذا يقال له بكرة { نرتع ونلعب } ~~هذا جواب الأمر. قرأ أهل البصرة وأهل مكة وأهل الشام بالنون وإسكان ~~العين، كما رواه البعض عنهم. وقرءوا أيضا بالاختلاس، وقرأ الباقون ~~بالنون وكسر العين. والقراءة الأولى مأخوذة من قول العرب رتع الإنسان أو ~~البعير إذا أكل كيف شاء، أو المعنى نتسع في الخصب، وكل مخصب راتع، قال ~~الشاعر # فارعى فزارة لا هناك المرتع # ومنه قول الشاعر # ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت فإنما هي إقبال وإدبار # والقراءة الثانية مأخوذة من رعي الغنم. وقرأ مجاهد وقتادة " يرتع ويلعب ~~" بالتحتية فيهما، ورفع يلعب على الاستئناف، والضمير ليوسف. وقال القتيبي ~~معنى { نرتع } نتحارس ونتحافظ، ويرعى بعضنا بعضا، من قولهم رعاك الله أي ~~حفظك، و { نلعب } من اللعب. قيل لأبي عمرو بن العلاء كيف قالوا ونلعب وهم ~~أنبياء؟ فقال لم يكونوا يومئذ أنبياء، وقيل المراد به اللعب المباح من ~~الأنبياء، وهو مجرد الانبساط، وقيل هو اللعب الذي يتعلمون به الحرب، ~~ويتقوون به عليه كما في قولهم { إنا ذهبنا نستبق } لا اللعب ~~المحظور الذي هو ضد الحق، ولذلك لم ينكر يعقوب عليهم لما قالوا ونلعب، ~~ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لجابر «فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك» ~~فأجابهم يعقوب بقوله { إنى ليحزننى أن تذهبوا به } أي ~~ذهابكم به، واللام في { ليحزننى } لام الابتداء للتأكيد، ولتخصيص ~~المضارع بالحال، أخبرهم أنه يحزن لغيبة يوسف عنه لفرط محبته له وخوفه ~~عليه، { وأخاف أن يأكله الذئب } أي ومع ذلك أخاف أن يأكله ~~الذئب. # قال يعقوب هذا تخوفا عليه منهم، فكنى عن ذلك بالذئب. وقيل إنه خاف أن ~~يأكله الذئب حقيقة لأن ذلك المكان كان كثير الذئاب، ولو خاف منهم عليه أن ~~يقتلوه لأرسل معهم من يحفظه. قال ثعلب والذئب مأخوذ من تذأبت الريح إذا ~~هاجت ms1789 من كل وجه، قال والذئب مهموز لأنه يجيء من كل وجه. وقد قرأ ابن كثير ~~ونافع في رواية عنه بالهمز على الأصل، وكذلك أبو عمرو في رواية عنه وابن ~~عامر، وعاصم، وحمزة. وقرأ الباقون بالتخفيف. { وأنتم عنه ~~غفلون } لاشتغالكم بالرتع واللعب، أو لكونهم غير مهتمين بحفظه. { ~~قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة } اللام هي الموطئة ~~للقسم. والمعنى والله لئن أكله الذئب، والحال إن نحن عصبة أي جماعة كثيرة ~~عشرة { إنا إذا لخسرون } أي إننا في ذلك الوقت، وهو أكل ~~الذئب له { لخاسرون } هالكون ضعفا وعجزا، أو مستحقون للهلاك لعدم ~~الاعتداد بنا، وانتفاء القدرة على أيسر شيء وأقله، أو مستحقون لأن يدعى ~~علينا بالخسارة والدمار. وقيل { لخاسرون } لجاهلون حقه، وهذه الجملة ~~جواب القسم المقدر في الجملة التي قبلها. { فلما ذهبوا به } ~~من عند يعقوب { وأجمعوا } أمرهم { أن يجعلوه فى غيابة ~~الجب } قد تقدم تفسير الغيابة والجب قريبا، وجواب " لما " محذوف ~~لظهوره ودلالة المقام عليه، والتقدير فعلوا به ما فعلوا، وقيل جوابه { ~~قالوا يأبانا إنا ذهبنا نستبق } وقيل الجواب المقدر ~~جعلوه فيها. وقيل الجواب { أوحينا } والواو مقحمة، ومثله قوله تعالى # فلما أسلما وتله للجبين * وندينه # الصافات 103 - 104 أي ناديناه { وأوحينا إليه } أي إلى يوسف ~~تيسيرا له وتأنيسا لوحشته مع كونه صغيرا اجتمع على إنزال الضرر به ~~عشرة رجال من إخوته، بقلوب غليظة فقد نزعت عنها الرحمة وسلبت منها ~~الرأفة، فإن الطبع البشري، - دع عنك الدين - يتجاوز عن ذنب الصغير، ~~ويغتفره لضعفه عن الدفع، وعجزه عن أيسر شيء يراد منه، فكيف بصغير لا ذنب ~~له، بل كيف بصغير هو أخ وله ولهم أب مثل يعقوب، فلقد أبعد من قال إنهم ~~كانوا أنبياء في ذلك الوقت، فما هكذا عمل الأنبياء ولا فعل الصالحين، وفي ~~هذا دليل على أنه يجوز أن يوحي الله إلى من كان صغيرا ويعطيه النبوة ~~حينئذ، كما وقع في عيسى ويحيى بن زكريا، وقد قيل إنه كان في ذلك الوقت ~~قد بلغ مبالغ الرجال، وهو بعيد جدا، فإن من كان ms1790 قد بلغ مبالغ الرجال لا ~~يخاف عليه أن يأكله الذئب. { لتنبئنهم بأمرهم هذا } ~~أي لتخبرن إخوتك بأمرهم هذا الذي فعلوه معك بعد خلوصك مما أرادوه بك من ~~الكيد، وأنزلوه عليك من الضرر، وجملة { وهم لا يشعرون } في محل ~~نصب على الحال، أي لا يشعرون بأنك أخوهم يوسف لاعتقادهم هلاكك بإلقائهم ~~لك في غيابة الجب، ولبعد عهدهم بك، ولكونك قد صرت عند ذلك في حال غير ما ~~كنت عليه وخلاف ما عهدوه منك، وسيأتي ما قاله لهم عند دخولهم عليه بعد أن ~~صار إليه ملك مصر. # قوله { وجاءوا أباهم عشاء يبكون } { عشاء } منتصب على ~~الظرفية، وهو آخر النهار. وقيل في الليل، و { يبكون } في محل نصب على ~~الحال أي باكين أو متباكين لأنهم لم يبكوا حقيقة، بل فعلوا فعل من يبكي ~~ترويجا لكذبهم وتنفيقا لمكرهم وغدرهم. فلما وصلوا إلى أبيهم { قالوا ~~يأبانا إنا ذهبنا نستبق } أي نتسابق في العدو أو في ~~الرمي. وقيل ننتضل، ويؤيده قراءة ابن مسعود " ننتضل " ،. قال الزجاج وهو ~~نوع من المسابقة. وقال الأزهري النضال في السهام، والرهان في الخيل، ~~والمسابقة تجمعهما. قال القشيري نستبق، أي في الرمي أو على الفرس أو على ~~الأقدام. والغرض من المسابقة التدرب بذلك في القتال { وتركنا ~~يوسف عند متعنا } أي عند ثيابنا ليحرسها { فأكله ~~الذئب } الفاء للتعقيب أي، أكله عقب ذلك. وقد اعتذروا عليه بما خافه ~~سابقا عليه، ورب كلمة تقول لصاحبها دعني. { وما أنت بمؤمن ~~لنا } بمصدق لنا في هذا العذر الذي أبدينا، والكلمة التي قلناها { ~~ولو كنا } عندك أو في الواقع { صدقين } لما قد علق بقلبك من ~~التهمة لنا في ذلك مع شدة محبتك له. قال الزجاج والمعنى ولو كنا عندك من ~~أهل الثقة والصدق ما صدقتنا في هذه القضية لشدة محبتك ليوسف، وكذا ذكره ~~ابن جرير وغيره. { وجاءوا على قميصه بدم كذب } { على ~~قميصه } في محل نصب على الظرفية، أي جاءوا فوق قميصه بدم، ووصف الدم بأنه ~~كذب مبالغة كما هو معروف في وصف اسم العين باسم المعنى. وقيل ms1791 المعنى بدم ~~ذي كذب أو بدم مكذوب فيه. وقرأ الحسن وعائشة بدم كدب بالدال المهملة أي ~~بدم طري. يقال للدم الطري كدب. وقال الشعبي إنه المتغير، والكذب أيضا ~~البياض الذي يخرج في أظفار الأحداث، فيجوز أن يكون شبه الدم في القميص ~~بالبياض الذي يخرج في الظفر من جهة اللونين. وقد استدل يعقوب على كذبهم ~~بصحة القميص، وقال لهم متى كان هذا الذئب حكيما يأكل يوسف ولا يخرق ~~القميص؟ ثم ذكر الله سبحانه ما أجاب به يعقوب عليهم فقال { قال بل ~~سولت لكم أنفسكم أمرا } أي زينت وسهلت. قال النيسابوري ~~التسويل تقرير في معنى النفس مع الطمع في تمامه، وهو تفعيل من السول وهو ~~الأمنية. قال الأزهري وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمزة { ~~فصبر جميل } قال الزجاج أي فشأني أو الذي أعتقده صبر جميل. # وقال قطرب أي فصبري صبر جميل. وقيل فصبر جميل أولى بي، قيل والصبر ~~الجميل هو الذي لا شكوى معه. قال الزجاج قرأ عيسى بن عمر فيما زعم سهل بن ~~يوسف فصبرا جميلا قال وكذا في مصحف أنس. قال المبرد { فصبر جميل } ~~بالرفع أولى من النصب. لأن المعنى قال رب عندي صبر جميل، وإنما النصب ~~على المصدر أي فلأصبرن صبرا جميلا. قال الشاعر # شكا إلي جملي طول السرى صبرا جميلا فكلانا مبتلى # { والله المستعان } أي المطلوب منه العون { على ما ~~تصفون } أي على إظهار حال ما تصفون، أو على احتمال ما تصفون، وهذا ~~منه عليه السلام إنشاء لا إخبار. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله { أرسله معنا غدا نرتع ونلعب } قال نسعى ~~وننشط ونلهو. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، والسلفي في الطيوريات عن ابن ~~عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تلقنوا الناس فيكذبوا، فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل ~~الناس، فلما لقنهم أبوهم كذبوا، فقالوا أكله الذئب " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في ~~قوله { وأوحينا إليه } قال ms1792 أوحي إلى يوسف وهو في الجب لتنبئن ~~إخوتك بما صنعوا وهم لا يشعرون بذلك الوحي. وأخرج هؤلاء عن قتادة قال ~~أوحى الله إليه وحيا وهو في الجب أن سينبئهم بما صنعوا { وهم } أي ~~إخوته { لا يشعرون } بذلك الوحي، فهون ذلك الوحي عليه ما صنع به. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { وهم لا يشعرون ~~} قال لم يعلموا بوحي الله إليه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال ~~لما دخل إخوة يوسف على يوسف فعرفهم وهم له منكرون جيء بالصواع فوضعه على ~~يده، ثم نقره فطن، فقال إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم ~~يقال له يوسف يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب، ~~فأتيتم أباكم فقلتم إن الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدم كذب، فقال بعضهم ~~لبعض إن هذا الجام ليخبره بخبركم، فقال ابن عباس فلا نرى هذه الآية نزلت ~~إلا في ذلك { لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون }. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وابن مردويه عن أبي بكر بن عياش قال كان يوسف في الجب ثلاثة أيام. وأخرج ~~أبو الشيخ عن الضحاك { وما أنت بمؤمن لنا } قال بمصدق لنا. ~~وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { وجاءوا ~~على قميصه بدم كذب } قال كان دم سخلة. وأخرج ابن جرير عن ~~مجاهد مثله. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن ابن عباس { وجاءوا على قميصه بدم كذب } قال لما ~~أتي يعقوب بقميص يوسف فلم ير فيه خرقا قال كذبتم لو كان كما تقولون أكله ~~الذئب لخرق القميص. # وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { بل سولت ~~لكم أنفسكم أمرا } يقول بل زينت لكم أنفسكم أمرا { فصبر ~~جميل والله المستعان على ما تصفون } أي على ما ~~تكذبون. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الصبر، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن حبان بن أبي حبلة قال سئل رسول الله ms1793 صلى الله عليه وسلم ~~عن قوله { فصبر جميل } قال # " لا شكوى فيه، من بث لم يصبر " # وهو من طريق هشيم عن عبد الرحمن، عن حبان بن أبي حبلة، وهو مرسل. وأخرج ~~عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ عن مجاهد في قوله { فصبر جميل } قال ليس فيه جزع. ### || [12.19-22] # هذا شروع في حكاية خلاص يوسف، وما كان بعد ذلك من خبره، وقد تقدم تفسير ~~السيارة، والمراد بها هنا رفقة مارة تسير من الشام إلى مصر، فأخطؤا ~~الطريق وهاموا حتى نزلوا قريبا من الجب، وكان في قفرة بعيدة من ~~العمران. والوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم، وكان اسمه فيما ذكر ~~المفسرون مالك بن ذعر من العرب العاربة { فأدلى دلوه } أي ~~أرسله، يقال أدلى دلوه إذا أرسلها ليملأها، ودلاها إذا أخرجها، قاله ~~الأصمعي وغيره. فتعلق يوسف بالحبل، فلما خرج الدلو من البئر أبصره الوارد ~~فقال " يا بشراي " هكذا قرأ أهل المدينة وأهل مكة وأهل البصرة، وأهل ~~الشام بإضافة البشرى إلى الضمير. وقرأ أهل الكوفة { يا بشرى } غير مضاف، ~~ومعنى مناداته للبشرى أنه أراد حضورها في ذلك الوقت، فكأنه قال هذا وقت ~~مجيئك وأوان حضورك. وقيل إنه نادى رجلا اسمه بشرى. والأول أولى. قال ~~النحاس والمعنى من نداء البشرى للتبشير لمن حضر، وهو أوكد من قولك بشرته ~~كما تقول يا عجبا أي يا عجب هذا من أيامك فاحضر. قال وهذا مذهب سيبويه { ~~وأسروه } أي أسر الوارد وأصحابه الذين كانوا معه يوسف فلم يظهروه ~~لهم. وقيل إنهم لم يخفوه، بل أخفوا وجدانهم له في الجب، وزعموا أنه دفعه ~~إليهم أهل الماء ليبيعوه لهم بمصر. وقيل ضمير الفاعل في { أسروه } لإخوة ~~يوسف، وضمير المفعول ليوسف، وذلك أنه كان يأتيه أخوه يهوذا كل يوم بطعام، ~~فأتاه يوم خروجه من البئر فأخبر إخوته فأتوا الرفقة وقالوا هذا غلام أبق ~~منا فاشتروه منهم، وسكت يوسف مخافة أن يأخذوه فيقتلوه، والأول أولى. ~~وانتصاب { بضاعة } على الحال أي أخفوه حال كونه بضاعة أي متاعا للتجارة، ms1794 ~~والبضاعة ما يبضع من المال، أي يقطع منه، لأنها قطعة من المال الذي يتجر ~~به، قيل قاله لهم الوارد وأصحابه أنه بضاعة استبضعناها من الشام مخافة أن ~~يشاركوهم فيه، وفي قوله { والله عليم بما يعملون } وعيد ~~شديد لمن كان فعله سببا لما وقع فيه يوسف من المحن وما صار فيه من ~~الابتذال بجري البيع والشراء فيه، وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن ~~الكريم يوسف بن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم، كما قال نبينا صلى الله عليه ~~وسلم في وصفه بذلك. قوله { وشروه بثمن بخس درهم ~~معدودة } يقال شراه بمعنى اشتراه، وشراه بمعنى باعه. قال الشاعر # وشريت بردا ليتني من بعد برد كنت هامه # أي بعته. وقال آخر # فلما شراها فاضت العين عبرة # أي اشتراها. والمراد هنا وباعوه، أي باعه الوارد وأصحابه { بثمن ~~بخس } أي ناقص، أو زائف، وقيل يعود إلى إخوة يوسف على القول السابق، ~~وقيل عائد إلى الرفقة، والمعنى اشتروه. # وقيل بخس ظلم، وقيل حرام. قيل باعوه بعشرين درهما، وقيل بأربعين، و { ~~دراهم } بدل من ثمن أي دنانير، و { معدودة } وصف لدراهم، وفيه إشارة إلى ~~أنها قليلة تعد ولا توزن لأنهم كانوا لا يزنون ما دون أوقية وهي أربعون ~~درهما، { وكانوا فيه من الزاهدين } يقال زهدت وزهدت بفتح ~~الهاء وكسرها. قال سيبويه والكسائي قال أهل اللغة يقال زهد فيه أي رغب ~~عنه، وزهد عنه أي رغب فيه. والمعنى أنهم كانوا فيه من الراغبين عنه الذين ~~لا يبالون به، فلذلك باعوه بذلك الثمن البخس وذلك لأنهم التقطوه، ~~والملتقط للشيء متهاون به، والضمير من { كانوا } يرجع إلى ما قبله على ~~حسب اختلاف الأقوال فيه. { وقال الذى اشتراه من مصر } هو ~~العزيز الذي كان على خزائن مصر، وكان وزيرا لملك مصر، وهو الريان بن ~~الوليد من العمالقة. وقيل إن الملك هو فرعون موسى، قيل اشتراه بعشرين ~~دينارا، وقيل تزايدوا في ثمنه فبلغ أضعاف وزنه مسكا وعنبرا وحريرا ~~وورقا وذهبا ولآلىء وجواهر، فلما اشتراه العزيز قال { لامرأته } ~~واللام متعلقة ب { اشتراه } ، { أكرمى ms1795 مثواه } أي منزله الذي ~~يثوى فيه بالطعام الطيب واللباس الحسن. يقال ثوى بالمكان أي أقام به { ~~عسى أن ينفعنا } أي يكفينا بعض المهمات مما نحتاج إلى مثله فيه { ~~أو نتخذه ولدا } أي نتبناه فنجعله ولدا لنا. قيل كان العزيز ~~حصورا لا يولد له، وقيل كان لا يأتي النساء، وقد كان تفرس فيه أنه ينوب ~~عنه فيما إليه من أمر المملكة. قوله { وكذلك مكنا ليوسف } ~~الكاف في محل نصب على أنه نعت مصدر محذوف، والإشارة إلى ما تقدم من ~~إنجائه من إخوته وإخراجه من الجب، وعطف قلب العزيز عليه أي مثل ذلك ~~التمكين البديع مكنا ليوسف حتى صار متمكنا من الأمر والنهي، يقال مكنه ~~فيه أي أثبته فيه، ومكن له فيه أي جعل له فيه مكانا، ولتقارب المعنيين ~~يستعمل كل واحد منهما مكان الآخر. قوله { ولنعلمه من تأويل ~~الأحاديث } هو علة لمعلل محذوف كأنه قيل فعلنا ذلك التمكين لنعلمه من ~~تأويل الأحاديث، أو كان ذلك الإنجاء لهذه العلة، أو معطوف على مقدر، وهو ~~أن يقال مكنا ليوسف ليترتب على ذلك ما يترتب مما جرى بينه وبين امرأة ~~العزيز، { ولنعلمه من تأويل الأحاديث } ومعنى تأويل الأحاديث تأويل ~~الرؤيا، فإنها كانت من الأسباب التي بلغ بها ما بلغ من التمكن، وقيل معنى ~~تأويل الأحاديث فهم أسرار الكتب الإلهية وسنن من قبله من الأنبياء، ولا ~~مانع من حمل ذلك على الجميع. { والله غالب على أمره } أي ~~على أمر نفسه لا يمتنع منه شيء، ولا يغالبه عليه غيره من مخلوقاته # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # يس 82. ومن جملة ما يدخل تحت هذا العام كما يفيد ذلك إضافة اسم الجنس ~~إلى الضمير، ما يتعلق بيوسف عليه السلام من الأمور التي أرادها الله ~~سبحانه في شأنه. وقيل معنى { والله غالب على أمره } أنه ~~كان من أمر يعقوب أن لا يقص رؤيا يوسف على إخوته، فغلب أمر الله سبحانه ~~حتى قصت عليهم حتى وقع منهم ما وقع، وهذا بعيد جدا { ولكن ~~أكثر الناس ms1796 لا يعلمون } أي لا يطلعون على غيب الله وما في ~~طيه من الأسرار العظيمة والحكم النافعة، وقيل المراد بالأكثر الجميع لأنه ~~لا يعلم الغيب إلا الله. وقيل إن الله سبحانه قد يطلع بعض عبيده على بعض ~~غيبه، كما في قوله # فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من ~~رسول # الجن 26 - 27. وقيل المعنى ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الله غالب على ~~أمره، وهم المشركون ومن لا يؤمن بالقدر. قوله { ولما بلغ ~~أشده اتيناه حكما وعلما } الأشد. قال سيبويه جمع واحدة ~~شدة، وقال الكسائي واحده شد. وقال أبو عبيد إنه لا واحد له من لفظه عند ~~العرب، ويرده قول الشاعر # عهدي به شد النهار كأنما خضب البنان ورأسه بالعظلم # والأشد هو وقت استكمال القوة، ثم يكون بعده النقصان. قيل هو ثلاث ~~وثلاثون سنة، وقيل بلوغ الحلم، وقيل ثماني عشرة سنة، وقيل غير ذلك مما قد ~~قدمنا بيانه في النساء والأنعام. والحكم هو ما كان يقع منه من الأحكام في ~~سلطان ملك مصر، والعلم هو العلم بالحكم الذي كان يحكمه وقيل العقل والفهم ~~والنبوة وقيل الحكم هو النبوة، والعلم هو العلم بالدين. وقيل علم ~~الرؤيا، ومن قال إنه أوتي النبوة صبيا قال المراد بهذا الحكم والعلم ~~الذي آتاه الله هو الزيادة فيهما. { وكذلك نجزى المحسنين } ~~أي ومثل ذلك الجزاء العجيب نجزي المحسنين، فكل من أحسن في عمله أحسن الله ~~جزاءه. وجعل عاقبة الخير من جملة ما يجزيه به. وهذا عام يدخل تحته جزاء ~~يوسف على صبره الحسن دخولا أوليا. قال الطبري هذا وإن كان مخرجه ظاهرا ~~على كل محسن فالمراد به محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى كما ~~فعل هذا بيوسف ثم أعطيته ما أعطيته كذلك أنجيك من مشركي قومك الذين ~~يقصدونك بالعداوة، وأمكن لك في الأرض. والأولى ما ذكرناه من حمل العموم ~~على ظاهره فيدخل تحته ما ذكره ابن جرير الطبري. وقد أخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله { وجاءت ms1797 ~~سيارة } قال جاءت سيارة فنزلت على الجب { فأرسلوا ~~واردهم } فاستسقى الماء فاستخرج يوسف، فاستبشروا بأنهم أصابوا ~~غلاما لا يعلمون علمه ولا منزلته من ربه، فزهدوا فيه فباعوه، وكان بيعه ~~حراما، وباعوه بدراهم معدودة. # وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة { ~~فأرسلوا واردهم } يقول فأرسلوا رسولهم { فأدلى دلوه ~~} فنشب الغلام بالدلو، فلما خرج { قال هذا غلام } تباشروا به ~~حين استخرجوه، وهي بئر ببيت المقدس معلوم مكانها. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن السدي في قوله { يا بشراي } قال ~~كان اسم صاحبه بشرى كما تقول يا زيد، وهذا على ما فيه من البعد لا يتم ~~إلا على قراءة من قرأ { يا بشرى } بدون إضافة. وأخرج أبو الشيخ عن ~~الشعبي نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { وأسروه ~~بضعة } يعني إخوة يوسف أسروا شأنه، وكتموا أن يكون أخاهم، وكتم ~~يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، واختار البيع فباعه إخوته بثمن بخس. ~~وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن مجاهد قال أسره التجار بعضهم من بعض. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ ~~عنه { وأسروه بضعة } قال صاحب الدلو ومن معه، قالوا لأصحابهم ~~إنا استبضعناه خيفة أن يشركوهم فيه إن علموا به، واتبعهم إخوته يقولون ~~للمدلى وأصحابه استوثقوا منه لا يأبق حتى وقفوا بمصر، فقال من يبتاعني ~~ويبشر، فابتاعه الملك والملك مسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ~~مجاهد في قوله { وشروه } قال إخوة يوسف باعوه حين أخرجه المدلي ~~دلوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن ابن عباس قال بيع ~~بينهم بثمن بخس، قال حرام لم يحل لهم بيعه، ولا أكل ثمنه. وأخرج ابن ~~جرير عن قتادة { وشروه بثمن بخس } قال هم السيارة. وأخرج أبو ~~الشيخ عن علي بن أبي طالب أنه قضى في اللقيط أنه حر، وقرأ { وشروه ~~بثمن بخس }. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال البخس القليل. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر عن ms1798 الشعبي مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن ~~المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال إنما اشتري يوسف ~~بعشرين درهما، وكان أهله حين أرسل إليهم بمصر ثلاثمائة وتسعين إنسانا ~~رجالهم أنبياء، ونساؤهم صديقات، والله ما خرجوا مع موسى حتى بلغوا ~~ستمائة ألف وسبعين ألفا. وقد روي في مقدار ثمن يوسف غير هذا المقدار مما ~~لا حاجة إلى التطويل بذكره. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ~~في قوله { وقال الذى اشتراه من مصر } قال كان اسمه قطفير. ~~وأخرج أبو الشيخ عن شعيب الجبائي أن اسم امرأة العزيز زليخا. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق قال الذي اشتراه أطيفير بن روحب، ~~وكان اسم امرأته راعيل بنت رعاييل. # وأخرج ابن جرير، وابن إسحاق، وأبو الشيخ عن ابن عباس قال اسم الذي باعه ~~من العزيز مالك بن زعر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه في قوله { ~~أكرمى مثواه } قال منزلته. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن قتادة ~~مثله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن سعد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه عن ابن ~~مسعود قال أفرس الناس ثلاثة العزيز حين تفرس في يوسف، فقال لامرأته { ~~أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا } ، والمرأة التي أتت موسى ~~فقالت لأبيها # يا أبت استأجره # القصص 26، وأبو بكر حين استخلف عمر. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { ~~ولنعلمه من تأويل الأحاديث } قال عبارة الرؤيا. وأخرج ~~سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب ~~الأضداد، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { ~~ولما بلغ أشده } قال ثلاثا وثلاثين سنة. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن الحسن قال أربعين سنة. وأخرج عن عكرمة قال خمسا وعشرين سنة. وأخرج عن ~~السدي قال ثلاثين سنة. وأخرج عن سعيد بن جبير قال ثماني عشرة سنة. وأخرج ~~عن ربيعة ms1799 قال الحلم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ~~الشعبي نحوه. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال عشرين سنة. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم عن مجاهد { اتيناه حكما وعلما } قال هو الفقه ~~والعلم والعقل قبل النبوة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { وكذلك ~~نجزى المحسنين } قال المهتدين. ### || [12.23-29] # المراودة الإرادة والطلب برفق ولين وقيل هي مأخوذة من الرود أي الرفق ~~والتأني، يقال أرودني أمهلني. وقيل المراودة مأخوذة من راد يرود إذا جاء ~~وذهب. كأن المعنى أنها فعلت في مراودتها له فعل المخادع، ومنه الرائد لمن ~~يطلب الماء والكلأ، وقد يخص بمحاولة الوقاع فيقال راود فلان جاريته عن ~~نفسها، وراودته هي عن نفسه إذا حاول كل واحد منهما الوطء والجماع، وهي ~~مفاعلة، وأصلها أن تكون من الجانبين، فجعل السبب هنا في أحد الجانبين ~~قائما مقام المسبب، فكأن يوسف عليه السلام لما كان ما أعطيه من كمال ~~الخلق والزيادة في الحسن سببا لمراودة امرأة العزيز له مراود. وإنما قال ~~{ التى هو فى بيتها } ولم يقل امرأة العزيز، وزليخا قصدا إلى ~~زيادة التقرير مع استهجان التصريح باسم المرأة والمحافظة على الستر عليها ~~{ وغلقت الأبواب } قيل في هذه الصيغة ما يدل على التكثير، ~~فيقال غلق الأبواب، ولا يقال غلق الباب، بل يقال أغلق الباب، وقد يقال ~~أغلق الأبواب، ومنه قول الفرزدق في أبي عمرو بن العلاء # ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها حتى أتيت أبا عمرو بن عمار # قيل وكانت الأبواب سبعة. قوله { هيت لك }. قرأ أبو عمرو، وعاصم، ~~والكسائي، وحمزة، والأعمش بفتح الهاء وسكون الياء وفتح التاء، وبها قرأ ~~ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، وعكرمة. قال ابن ~~مسعود لا تنطعوا في القراءة، فإنما هو مثل قول أحدكم هلم وتعال، وقرأ ~~ابن أبي إسحاق النحوي بفتح الهاء وكسر التاء. وقرأ عبد الرحمن السلمي ~~وابن كثير " هيت " بفتح الهاء وضم التاء، ومنه قول طرفة # كيس قومي بالأبعدين إذا ما قال داع من العشيرة هيت # وقرأ أبو جعفر ونافع ms1800 بكسر الهاء وسكون الياء وفتح التاء. وقرأ علي وابن ~~عباس في رواية عنه وهشام بكسر الهاء وبعدها همزة ساكنة وضم التاء. وقرأ ~~ابن عامر وأهل الشام بكسر الهاء وبالهمزة وفتح التاء. ومعنى «هيت» على ~~جميع القراءات معنى هلم وتعال لأنها من أسماء الأفعال إلا في قراءة من ~~قرأ بكسر الهاء بعدها همزة وتاء مضمومة. فإنها بمعنى تهيأت لك. وأنكر أبو ~~عمرو هذه القراءة. وقال أبو عبيدة سئل أبو عمرو عن قراءة من قرأ بكسر ~~الهاء والهمزة وضم التاء فقال باطل جعلها بمعنى تهيأت، اذهب فاستعرض ~~العرب حتى تنتهي إلى اليمن، هل تعرف أحدا يقول هكذا؟ وأنكرها أيضا ~~الكسائي. وقال النحاس هي جيدة عند البصريين لأنه يقال هاء الرجل يهاء ~~ويهيء هيئة، ورجح الزجاج القراءة الأولى، وأنشد بيت طرفة المذكور هيتا ~~بالفتح، ومنه قول الشاعر في علي ابن أبي طالب رضي الله عنه # أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتيتا أن العراق وأهله سلم إليك ~~فهيت هيتا # وتكون اللام في { لك } على القراءات الأولى التي هي فيها بمعنى اسم ~~الفعل للبيان، أي لك. أقول هذا كما في هلم لك. قال النحويون هيت جاء ~~بالحركات الثلاث فالفتح للخفة، والكسر لالتقاء الساكنين، والضم تشبيها ~~بحيث، وإذا بين باللام نحو { هيت لك } فهو صوت قائم مقام المصدر كأف له، ~~أي لك أقول هذا، وإن لم يبين باللام فهو صوت قائم مقام مصدر الفعل فيكون ~~اسم فعل، إما خبر أي تهيأت، وإما أمر أي أقبل. وقال في الصحاح يقال هوت ~~به وهيت به إذا صاح به ودعاه، ومنه قول الشاعر # يحدو بها كل فتى هيات # وقد روي عن ابن عباس والحسن أنها كلمة سريانية معناها أنها تدعوه إلى ~~نفسها. قال أبو عبيدة كان الكسائي يقول هي لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل ~~الحجاز معناها تعال. قال أبو عبيدة فسألت شيخا عالما من حوران فذكر ~~أنها لغتهم. { قال معاذ الله } أي أعوذ بالله معاذا مما دعوتني ~~إليه، فهو مصدر منتصب بفعل محذوف مضاف إلى اسم الله ms1801 سبحانه، وجملة { ~~إنه ربى أحسن مثواى } تعليل للامتناع الكائن منه ببعض ~~الأسباب التي هي أقرب إلى فهم امرأة العزيز، والضمير للشأن أي إن الشأن ~~ربي، يعني العزيز أي سيدي الذي رباني وأحسن مثواي حيث أمرك بقوله { ~~أكرمى مثواه } ، فكيف أخونه في أهله وأجيبك إلى ما تريدين من ~~ذلك؟ وقال الزجاج إن الضمير لله سبحانه أي إن الله ربي تولاني بلطفه فلا ~~أركب ما حرمه، وجملة { إنه لا يفلح الظلمون } تعليل آخر ~~للامتناع منه عن إجابتها، والفلاح الظفر. والمعنى أنه لا يظفر الظالمون ~~بمطالبهم، ومن جملة الظالمين الواقعون في مثل هذه المعصية التي تطلبها ~~امرأة العزيز من يوسف. قوله { ولقد همت به وهم بها } ~~يقال هم بالأمر إذا قصده وعزم عليه. والمعنى أنه هم بمخالطتها كما همت ~~بمخالطته ومال كل واحد منهما إلى الآخر بمقتضى الطبيعة البشرية والجبلة ~~الخلقية، ولم يكن من يوسف عليه السلام القصد إلى ذلك اختيارا كما يفيده ~~ما تقدم من استعاذته بالله، وإن ذلك نوع من الظلم. ولما كان الأنبياء ~~معصومين عن الهم بالمعصية والقصد إليها شطح أهل العلم في تفسير هذه ~~الآية بما فيه نوع تكلف، فمن ذلك ما قاله أبو حاتم قال كنت أقرأ على أبي ~~عبيدة غريب القرآن، فلما أتيت على { ولقد همت به وهم بها ~~} قال هذا على التقديم والتأخير كأنه قال ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ~~ربه لهم بها. وقال أحمد بن يحيى ثعلب أي همت زليخا بالمعصية وكانت ~~مصرة، وهم يوسف ولم يوقع ما هم به، فبين الهمين فرق، ومن هذا قول ~~الشاعر # هممت بهم من ثنية لؤلؤ شفيت غليلات الهوى من فؤاديا # فهذا إنما هو حديث نفس من غير عزم، وقيل هم بها بمعنى تمنى أن ~~يتزوجها. وقد ذهب جمهور المفسرين من السلف والخلف إلى ما قدمنا من حمل ~~اللفظ على معناه اللغوي، ويدل على هذا ما سيأتي من قوله # ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب # يوسف 52، وقوله # وما أبرىء نفسى إن النفس لأمارة بالسوء # يوسف 53 ومجرد ms1802 الهم لا ينافي العصمة، فإنها قد وقعت العصمة عن الوقوع ~~في المعصية، وذلك المطلوب، وجواب " لو " في { لولا أن رأى ~~برهان ربه } محذوف أي لولا أن رأى برهان ربه لفعل ما هم به. ~~واختلف في هذا البرهان الذي رآه ما هو؟ فقيل إن زليخا قامت عند أن همت به ~~وهم بها إلى صنم لها في زاوية البيت فسترته بثوب فقال ما تصنعين؟ قالت ~~أستحي من إلهي هذا أن يراني على هذه الصورة، فقال يوسف أنا أولى أن أستحي ~~من الله تعالى. وقيل إنه رأى في سقف البيت مكتوبا # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة # الإسراء 32. وقيل رأى كفا مكتوبا عليها # وإن عليكم لحفظين # الانفطار 10 وقيل إن البرهان هو تذكره عهد الله وميثاقه وما أخذه على ~~عباده. وقيل نودي يا يوسف أنت مكتوب في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء؟ وقيل ~~رأى صورة يعقوب على الجدار عاضا على أنملته يتوعده، وقيل غير ذلك مما ~~يطول ذكره. والحاصل أنه رأى شيئا حال بينه وبين ما هم به. قوله { ~~كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء } الكاف نعت مصدر ~~محذوف، والإشارة بذلك إلى الإراءة المدلول عليها بقوله { لولا أن ~~رأى برهان ربه } أو إلى التثبيت المفهوم من ذلك أي مثل تلك ~~الإراءة أريناه، أو مثل ذلك التثبيت ثبتناه. { لنصرف عنه السوء ~~} أي كل ما يسوؤه، والفحشاء كل أمر مفرط القبح. وقيل السوء الخيانة ~~للعزيز في أهله، والفحشاء الزنا وقيل السوء الشهوة، والفحشاء المباشرة ~~وقيل السوء الثناء القبيح. والأولى الحمل على العموم فيدخل فيه ما يدل ~~عليه السياق دخولا أوليا، وجملة { إنه من عبادنا ~~المخلصين } تعليل لما قبله. قرأ ابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو " ~~المخلصين " بكسر اللام، وقرأ الآخرون بفتحها. والمعنى على القراءة الأولى ~~أن يوسف عليه السلام كان ممن أخلص طاعته لله، وعلى الثانية أنه كان ممن ~~استخلصه الله للرسالة، وقد كان عليه السلام مخلصا مستخلصا. { ~~واستبقا الباب } أي تسابقا إليه، فحذف حرف الجر وأوصل الفعل ~~بالمفعول، أو ضمن الفعل معنى فعل آخر يتعدى بنفسه ms1803 كابتدرا الباب، وهذا ~~الكلام متصل بقوله { ولقد همت به وهم بها لولا أن ~~رأى برهان ربه } وما بينهما اعتراض. # ووجه تسابقهما أن يوسف يريد الفرار والخروج من الباب، وامرأة العزيز ~~تريد أن تسبقه إليه لتمنعه، ووحد الباب هنا وجمعه فيما تقدم، لأن ~~تسابقهما كان إلى الباب الذي يخلص منه إلى خارج الدار { وقدت ~~قميصه من دبر } أي جذبت قميصه من ورائه فانشق إلى أسفله، والقد ~~القطع، وأكثر ما يستعمل فيما كان طولا، والقط بالطاء يستعمل فيما كان ~~عرضا، وقع منها ذلك عند أن فر يوسف لما رأى برهان ربه، فأرادت أن تمنعه ~~من الخروج بجذبها لقميصه { وألفيا سيدها لدى الباب } أي ~~وجدا العزيز هنالك، وعني بالسيد الزوج لأن القبط يسمون الزوج سيدا، ~~وإنما لم يقل سيدهما، لأن ملكه ليوسف لم يكن صحيحا فلم يكن سيدا له. ~~وجملة { قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا } مستأنفة ~~جواب سؤال مقدر كأنه قيل فما كان منهما عند أن ألفيا سيدها لدى الباب، و ~~" ما " استفهامية، والمراد بالسوء هنا الزنا. قالت هذه المقالة طلبا ~~منها للحيلة وللستر على نفسها، فنسبت ما كان منها إلى يوسف أي جزاء ~~يستحقه من فعل مثل هذا، ثم أجابت عن استفهامها بقولها { إلا أن ~~يسجن } أي ما جزاؤه إلا أن يسجن، ويحتمل أن تكون " ما " نافية أي ~~ليس جزاؤه إلا السجن أو العذاب الأليم. قيل والعذاب الأليم هو الضرب ~~بالسياط، والظاهر أنه ما يصدق عليه العذاب الأليم من ضرب أو غيره، وفي ~~الإبهام للعذاب زيادة تهويل. وجملة { قال هى راودتنى عن ~~نفسى } مستأنفة كالجملة الأولى. وقد تقدم بيان معنى المراودة أي هي ~~التي طلبت مني ذلك ولم أرد بها سوءا { وشهد شاهد من أهلها ~~} أي من قرابتها، وسمي الحكم بينهما شهادة لما يحتاج فيه من التثبت ~~والتأمل، قيل لما التبس الأمر على العزيز احتاج إلى حاكم يحكم بينهما ~~ليتبين له الصادق من الكاذب. قيل كان ابن عم لها واقفا مع العزيز في ~~الباب. وقيل ابن خال لها. وقيل إنه ms1804 طفل في المهد تكلم. قال السهيلي وهو ~~الصحيح للحديث الوارد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر من تكلم ~~في المهد، وذكر من جملتهم شاهد يوسف. وقيل إنه رجل حكيم كان العزيز ~~يستشيره في أموره، وكان من قرابة المرأة { إن كان قميصه قد من ~~قبل } أي فقال الشاهد هذه المقالة مستدلا على بيان صدق الصادق منهما، ~~وكذب الكاذب، بأن قميص يوسف إن كان مقطوعا من قبل أي من جهة القبل { ~~فصدقت } أي فقد صدقت بأنه أراد بها سوءا { وهو من ~~الكذبين } في قوله إنها راودته عن نفسه. وقرأ يحيى بن يعمر وابن ~~أبي إسحاق " من قبل " بضم اللام، وكذا قرأ " من دبر " قال الزجاج جعلاهما ~~غايتين كقبل وبعد كأنه قيل من قبله ومن دبره، فلما حذف المضاف إليه وهو ~~مراد صار المضاف غاية بعد أن كان المضاف إليه هو الغاية. # { وإن كان قميصه قد من دبر } أي من ورائه { فكذبت ~~} في دعواها عليه { وهو من الصدقين } في دعواه عليها، ولا ~~يخفى أن هاتين الجملتين الشرطيتين لا تلازم بين مقدميهما وتالييهما، لا ~~عقلا ولا عادة، وليس ها هنا إلا مجرد أمارة غير مطردة، إذ من الجائز أن ~~تجذبه إليها وهو مقبل عليها فينقد القميص من دبر، وأن تجذبه وهو مدبر ~~عنها فينقد القميص من قبل. { فلما رأى } أي العزيز { قميصه } ~~أي قميص يوسف { قد من دبر قال إنه } أي هذا الأمر الذي وقع ~~فيه الاختلاف بينكما، أو أن قولك { ما جزاء من أراد بأهلك ~~سوءا } { من كيدكن } أي من جنس كيدكن يا معشر النساء { إن ~~كيدكن عظيم } والكيد المكر والحيلة. ثم خاطب العزيز يوسف عليه ~~السلام بقوله { يوسف أعرض عن هذا } أي عن هذا الأمر الذي ~~جرى واكتمه ولا تتحدث به، ثم أقبل عليها بالخطاب فقال { واستغفرى ~~لذنبك } الذي وقع منك { إنك كنت } بسبب ذلك { من ~~الخطئين } أي من جنسهم، والجملة تعليل لما قبلها من الأمر ~~بالاستغفار ولم يقل من الخاطئات تغليبا للمذكر على المؤنث كما في قوله ms1805 # وكانت من القنتين # التحريم 12 ومعنى { من الخاطئين } من المتعمدين، يقال خطىء إذا أذنب ~~متعمدا، وقيل إن القائل ليوسف ولامرأة العزيز بهذه المقالة هو الشاهد ~~الذي حكم بينهما. وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ~~وراودته التى هو فى بيتها عن نفسه } قال هي امرأة ~~العزيز. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال راودته حين بلغ مبلغ الرجال. ~~وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن ~~عباس في قوله { هيت لك } قال هلم لك تدعوه إلى نفسها. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال هلم لك بالقبطية، وأخرج ~~ابن جرير عن الحسن قال هي كلمة بالسريانية أي عليك. وأخرج ابن جرير، وأبو ~~الشيخ عن سعيد بن جبير قال معناها تعال. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن مجاهد إنها لغة عربية تدعوه بها إلى نفسها. وأخرج أبو ~~عبيد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قرأ هئت لك مكسورة الهاء ~~مضمومة التاء مهموزة، قال تهيأت لك. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { إنه ربى } ~~قال سيدي، قال يعني زوج المرأة. # وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال لما همت به ~~تزينت ثم استلقت على فراشها، { وهم بها } جلس بين رجليها يحل ثيابه، ~~فنودي من السماء يا ابن يعقوب لا تكن كطائر نتف ريشه، فبقي لا ريش له، ~~فلم يتعظ على النداء شيئا حتى رأى برهان ربه جبريل في صورة يعقوب، عاضا ~~على أصبعه،ففزع فخرجت شهوته من أنامله، فوثب إلى الباب فوجده مغلقا، ~~فرفع يوسف رجله فضرب بها الباب الأدنى فانفرج له، واتبعته فأدركته، فوضعت ~~يديها في قميصه فشقته حتى بلغت عضلة ساقه، فألفيا سيدها لدى الباب. وأخرج ~~أبو نعيم في الحلية عن علي بن أبي ms1806 طالب في قوله { همت به وهم ~~بها } قال طمعت فيه وطمع فيها، وكان فيه من الطمع أن هم بحل التكة، ~~فقامت إلى صنم لها مكلل بالدر والياقوت في ناحية البيت، فسترته بثوب ~~أبيض بينها وبينه، فقال أي شيء تصنعين؟ فقالت أستحي من إلهي أن يراني ~~على هذه السوءة، فقال يوسف تستحين من صنم لا يأكل ولا يشرب، ولا أستحي ~~أنا من إلهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت؟ ثم قال لا تناليها مني ~~أبدا، وهو البرهان الذي رأى. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله { لولا أن رأى برهان ~~ربه } قال مثل له يعقوب، فضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله. ~~وقد أطال المفسرون في تعيين البرهان الذي رآه، واختلفت أقوالهم في ذلك ~~اختلافا كثيرا. وأخرج ابن جرير عن زيد بن ثابت قال السيد الزوج، يعني ~~في قوله { وألفيا سيدها لدى الباب }. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد نحوه. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ~~في قوله { إلا أن يسجن أو عذاب أليم } قال القيد. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { وشهد ~~شاهد من أهلها } قال صبي أنطقه الله كان في الدار. وأخرج أحمد، ~~وابن جرير، والبيهقي، في الدلائل عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " تكلم أربعة وهم صغار ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، ~~وعيسى ابن مريم " # وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { وشهد شاهد من ~~أهلها } قال كان رجلا ذا لحية. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وأبو ~~الشيخ عنه قال كان من خاصة الملك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ~~الحسن قال هو رجل له فهم وعلم. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال ~~ابن عم لها كان حكيما. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ms1807 حاتم، وأبو الشيخ عن ~~مجاهد قال إنه ليس بإنسي ولا جني هو خلق من خلق الله. قلت ولعله لم ~~يستحضر قوله تعالى { من أهلها }. ### || [12.30-34] # يقال " نسوة " بضم النون، وهي قراءة الأعمش، والمفضل والسلمى، ~~ويقال { نسوة } بكسر النون، وهي قراءة الباقين، والمراد جماعة من النساء، ~~ويجوز التذكير في الفعل المسند إليهن كما يجوز التأنيث. قيل وهي امرأة ~~ساقي العزيز وامرأة خبازه، وامرأة صاحب دوابه، وامرأة صاحب سجنه، وامرأة ~~حاجبه. والفتى في كلام العرب الشاب، والفتاة الشابة، والمراد به هنا ~~غلامها، يقال فتاي وفتاتي أي غلامي وجاريتي، وجملة { قد شغفها ~~حبا } في محل رفع على أنها خبر ثان للمبتدأ، أو في محل نصب على الحال، ~~ومعنى { شغفها حبا } غلبها حبه، وقيل دخل حبه في شغافها. قال أبو عبيدة ~~وشغاف القلب غلافه وهو جلدة عليه. وقيل هو وسط القلب، وعلى هذا يكون ~~المعنى دخل حبه إلى شغافها فغلب عليه، وأنشد الأصمعي قول الراجز # يتبعها وهي له شغاف # وقرأ جعفر بن محمد، وابن محيصن، والحسن " شعفها " بالعين المهملة. قال ~~ابن الأعرابي معناه أجرى حبه عليها. وقرأ غيرهم بالمعجمة. قال الجوهري ~~شغفه الحب أحرق قلبه. وقال أبو زيد أمرضه. قال النحاس معناه عند أكثر ~~أهل اللغة قد ذهب بها كل مذهب لأن شغاف الجبال أعاليها، وقد شغف بذلك ~~شغفا بإسكان الغين المعجمة إذا ولع به، وأنشد أبو عبيدة بيت امرىء القيس # أتقتلني وقد شغفت فؤادها كما شغف المهنوءة الرجل الطالي # قال فشبهت لوعة الحب بذلك. وقرأ الحسن " قد شغفها " بضم الغين. قال ~~النحاس وحكي قد شغفها بكسر الغين، ولا يعرف ذلك في كلام العرب إلا شغفها ~~بفتح الغين. ويقال إن الشغاف الجلدة اللاصقة بالكبد التي لا ترى، وهي ~~الجلدة البيضاء، فكأنه لصق حبه بقلبها كلصوق الجلدة بالكبد، وجملة { ~~إنا لنراها فى ضلل مبين } مقررة لمضمون ما قبلها. ~~والمعنى إنا لنراها، أي نعلمها في فعلها هذا، وهو المراودة لفتاها في ~~ضلال عن طريق الرشد والصواب المبين واضح لا يلتبس على من نظر فيه. { ~~فلما سمعت ms1808 } امرأة العزيز { بمكرهن } أي بغيبتهن إياها، ~~سميت الغيبة مكرا لاشتراكهما في الإخفاء، وقيل أردن أن يتوسلن بذلك إلى ~~رؤية يوسف، فلهذا سمي قولهن مكرا. وقيل إنها أسرت عليهن فأفشين سرها ~~فسمي ذلك مكرا، { أرسلت إليهن } أي تدعوهن إليها لينظرن إلى ~~يوسف حتى يقعن فيما وقعت فيه { وأعتدت لهن متكأ } أي هيأت لهن ~~مجالس يتكئن عليها، وأعتدت من الاعتداد، وهو كل ما جعلته عدة لشيء. وقرأ ~~مجاهد وسعيد بن جبير { متكأ } مخففا غير مهموز، والمتك هو الأترج بلغة ~~القبط، ومنه قول الشاعر # نشرب الإثم بالصواع جهارا وترى المتك بيننا مستعارا # وقيل إن ذلك هو لغة أزد شنوءة. وقيل حكي ذلك عن الأخفش. # وقال الفراء إنه ماء الورد. وقرأ الجمهور { متكأ } بالهمز والتشديد، ~~وأصح ما قيل فيه إنه المجلس، وقيل هو الطعام، وقيل المتكأ كل ما اتكىء ~~عليه عند طعام أو شراب أو حديث. وحكى القتيبي أنه يقال اتكأنا عند فلان، ~~أي أكلنا، ومنه قول الشاعر # فظللنا بنعمة واتكأنا وشربنا الحلال من قلله # ويؤيد هذا قوله { وآتت كل واحدة منهن سكينا } فإن ذلك إنما يكون لشيء ~~يأكلنه بعد أن يقطعنه، والسكين تذكر وتؤنث، قاله الكسائي والفراء. قال ~~الجوهري والغالب عليه التذكير، والمراد من إعطائها لكل واحدة سكينا أن ~~يقطعن ما يحتاج إلى التقطيع من الأطعمة، ويمكن أنها أرادت بذلك ما سيقع ~~منهن من تقطيع أيديهن وقالت ليوسف { اخرج عليهن } أي في تلك ~~الحالة التي هن عليها من الاتكاء والأكل وتقطيع ما يحتاج إلى التقطيع من ~~الطعام. قوله { فلما رأينه أكبرنه } أي عظمنه، وقيل ~~أمذين، ومنه قول الشاعر # إذا ما رأين الفحل من فوق قلة صهلن وأكبرن المني المقطرا # وقيل حضن. قال الأزهري " أكبرن " بمعنى حضن، والهاء للسكت، يقال أكبرت ~~المرأة أي دخلت في الكبر بالحيض، وقع منهن ذلك دهشا وفزعا لما شاهدنه ~~من جماله الفائق، وحسنه الرائق، ومن ذلك قول الشاعر # نأتي النساء على أطهارهن ولا نأتي النساء إذا أكبرن إكبارا # وأنكر ذلك أبو عبيدة وغيره، قالوا ليس ذلك في كلام العرب. ms1809 قال الزجاج ~~يقال أكبرنه ولا يقال حضنه، فليس الإكبار بمعنى الحيض. وأجاب الأزهري ~~فقال يجوز أن تكون هاء الوقف لا هاء الكناية. وقد زيف هذا بأن هاء الوقف ~~تسقط في الوصل. وقال ابن الأنباري إن الهاء كناية عن مصدر الفعل أي أكبرن ~~إكبارا بمعنى حضن حيضا { وقطعن أيديهن } أي جرحنها، وليس ~~المراد به القطع الذي تبين منه اليد، بل المراد به الخدش والحز، وذلك ~~معروف في اللغة كما قال النحاس، يقال قطع يد صاحبه إذا خدشها. وقيل ~~المراد بأيديهن هنا أناملهن، وقيل أكمامهن. والمعنى أنه لما خرج يوسف ~~عليهن أعظمنه ودهشن، وراعهن حسنه حتى اضطربت أيديهن فوقع القطع عليها، ~~وهن في شغل عن ذلك، بما دهمهن، مما تطيش عنده الأحلام، وتضطرب له ~~الأبدان، وتزول به العقول " وقلن حاشا لله " كذا قرأ أبو عمرو بن العلاء ~~بإثبات الألف في حاشا. وقرأ الباقون بحذفها. وقرأ الحسن " حاش لله " ~~بإسكان الشين. وروي عنه أنه قرأ " حاش الإله ". وقرأ ابن مسعود وأبي " ~~حاشا لله ". قال الزجاج وأصل الكلمة من الحاشية بمعنى الناحية، تقول كنت ~~في حاشية فلان أي في ناحيته، فقولك حاشا لزيد من هذا أي تباعد منه. وقال ~~أبو علي هو من المحاشاة وقيل إن حاش حرف، وحاشا فعل، وكلام أهل النحو في ~~هذه الكلمة معروف، ومعناها هنا التنزيه، كما تقول أسى القوم حاشا زيدا، ~~فمعنى { حاشا لله } براءة لله وتنزيه له. # قوله { ما هذا بشرا } إعمال " ما " عمل ليس هي لغة أهل الحجاز، ~~وبها نزل القرآن كهذه الآية، وكقوله سبحانه # ما هن أمهتهم # المجادلة 2. وأما بنو تميم فلا يعملونها عمل ليس. وقال الكوفيون أصله ما ~~هذا ببشر، فلما حذفت الباء انتصب. قال أحمد بن يحيى ثعلب إذا قلت ما زيد ~~بمنطلق، فموضع الباء موضع نصب، وهكذا سائر حروف الخفض. وأما الخليل، ~~وسيبويه، وجمهور النحويين فقد أعملوها عمل ليس، وبه قال البصريون والبحث ~~مقرر في كتب النحو بشواهده وحججه، وإنما نفين عنه البشرية لأنه قد برز ~~في صورة قد لبست من الجمال البديع ms1810 ما لم يعهد على أحد من البشر، ولا أبصر ~~المبصرون ما يقاربه في جميع الصور البشرية، ثم لما نفين عنه البشرية لهذه ~~العلة أثبتن له الملكية وإن كن لا يعرفن الملائكة لكنه قد تقرر في ~~الطباع أنهم على شكل فوق شكل البشر في الذات والصفات، وأنهم فائقون في كل ~~شيء، كما تقرر أن الشياطين على العكس من ذلك، ومن هذا قول الشاعر # فلست لإنسي ولكن لملاك تنزل من جو السماء يصوب # وقرأ الحسن " ما هذا بشراء " ، على أن الباء حرف جر، والشين مكسورة أي ~~ما هذا بعبد يشترى، وهذه قراءة ضعيفة لا تناسب ما بعدها من قوله { إن ~~هذا إلا ملك كريم }. واعلم أنه لا يلزم من قول النسوة هذا ~~أن الملائكة صورهم أحسن من صور بني آدم، فإنهن لم يقلنه لدليل، بل حكمن ~~على الغيب بمجرد الاعتقاد المرتكز في طباعهن وذلك ممنوع، فإن الله سبحانه ~~يقول # لقد خلقنا الإنسن فى أحسن تقويم # التين 4. وظاهر هذا أنه لم يكن شيء مثله من أنواع المخلوقات في حسن ~~تقويمه وكمال صورته. فما قاله صاحب الكشاف في هذا المقام هو من جملة ~~تعصباته لما رسخ في عقله من أقوال المعتزلة، على أن هذه المسألة أعني ~~مسألة المفاضلة بين الملائكة والبشر ليست من مسائل الدين في ورد ولا صدر، ~~فما أغنى عباد الله عنها وأحوجهم إلى غيرها من مسائل التكليف. { قالت ~~فذلكن الذى لمتننى فيه } الإشارة إلى يوسف، والخطاب ~~للنسوة أي عيرتنني فيه. قالت لهن هذا لما رأت افتتانهن بيوسف إظهارا ~~لعذر نفسها، ومعنى { فيه } أي في حبه. وقيل الإشارة إلى الحب، والضمير له ~~أيضا، والمعنى فذلك الحب الذي لمتنني فيه هو ذلك الحب، والأول أولى. ~~ورجحه ابن جرير. وأصل اللوم الوصف بالقبيح. ثم لما أظهرت عذر نفسها عند ~~النسوة بما شاهدته مما وقعن فيه عند ظهوره لهن ضاق صدرها عن كتم ما تجده ~~في قلبها من حبه، فأقرت بذلك وصرحت بما وقع منها من المراودة له، فقالت ~~{ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } أي ms1811 استعف وامتنع ~~مما أريده طالبا لعصمة نفسه عن ذلك، ثم توعدته إن لم يفعل ما تريده ~~كاشفة لجلباب الحياء، هاتكة لستر العفاف، فقالت { ولئن لم يفعل ~~ما ءامره ليسجنن وليكونا من الصغرين } أي لئن لم ~~يفعل ما قد أمرته به فيما تقدم ذكره عند أن غلقت الأبواب، وقالت هيت لك ~~{ ليسجنن } أي يعتقل في السجن { وليكونن من الصاغرين } الأذلاء لما يناله ~~من الإهانة، ويسلب عنه من النعمة والعزة في زعمها، قرىء " ليكونن " ~~بالتثقيل والتخفيف، قيل والتخفيف أولى لأن النون كتبت في المصحف ألفا ~~على حكم الوقف. # وذلك لا يكون إلا في الخفيفة، وأما { ليسجنن } فبالتثقيل لا غير. فلما ~~سمع يوسف مقالها هذا، وعرف أنها عزمة منها مع ما قد علمه من نفاذ قولها ~~عند زوجها العزيز قال مناجيا لربه سبحانه { رب السجن } أي يا رب ~~السجن الذي أوعدتني هذه به { أحب إلى مما يدعوننى ~~إليه } من مؤاتاتها والوقوع في المعصية العظيمة التي تذهب بخير ~~الدنيا والآخرة. قال الزجاج أي دخول السجن، فحذف المضاف. وحكى أبو حاتم ~~أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قرأ " السجن " بفتح السين، وقرأ كذلك ابن ~~أبي إسحاق وعبد الرحمن الأعرج، ويعقوب، وهو مصدر سجنه سجنا، وإسناد ~~الدعوة إليهن جميعا، لأن النسوة رغبنه في مطاوعتها وخوفنه من ~~مخالفتها، ثم جرى على هذا في نسبة الكيد إليهن جميعا فقال { وإلا ~~تصرف عنى كيدهن } أما الكيد من امرأة العزيز فما قد قصه الله ~~سبحانه في هذه السورة، وأما كيد سائر النسوة فهو ما تقدم من الترغيب له ~~في المطاوعة والتخويف من المخالفة. وقيل إنها كانت كل واحدة تخلو به ~~وحدها وتقول له يا يوسف اقض لي حاجتي فأنا خير لك من امرأة العزيز، وقيل ~~إنه خاطب امرأة العزيز بما يصلح لخطاب جماعة النساء تعظيما لها، أو ~~عدولا عن التصريح إلى التعريض. والكيد الاحتيال. وجزم { أصب ~~إليهن } على أنه جواب الشرط أي أمل إليهن، من صبا يصبو إذا مال ~~واشتاق، ومنه قول الشاعر # إلى هند صبا قلبي وهند حبها ms1812 يصبي # { وأكن من الجهلين } معطوف على { أصب } أي أكن ممن يجهل ما ~~يحرم ارتكابه ويقدم عليه، أو ممن يعمل عمل الجهال. قوله { فاستجاب ~~له ربه } لما قال { وإلا تصرف عني كيدهن } كان ذلك منه تعرضا ~~للدعاء، وكأنه قال اللهم اصرف عني كيدهن، فالاستجابة من الله تعالى له ~~هي بهذا الاعتبار لأنه لم يتقدم دعاء صريح منه عليه السلام، والمعنى أنه ~~لطف به وعصمه عن الوقوع في المعصية لأنه إذا صرف عنه كيدهن لم يقع شيء ~~مما رمنه منه، ووجه إسناد الكيد قد تقدم، وجملة { إنه هو ~~السميع العليم } تعليل لما قبلها من صرف كيد النسوة عنه أي إنه ~~هو السميع لدعوات الداعين له، العليم بأحوال الملتجئين إليه. # وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { قد شغفها } ~~غلبها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه { قد شغفها } قال قتلها ~~حب يوسف. الشغف الحب القاتل، والشعف حب دون ذلك، والشغاف حجاب القلب. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضا { قد شغفها } قال قد ~~علقها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { فلما ~~سمعت بمكرهن } قال بحديثهن. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان { ~~فلما سمعت بمكرهن } قال بعملهن، وكل مكر في القرآن فهو ~~عمل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في قوله { ~~وأعتدت لهن متكأ } قال هيأت لهن مجلسا، وكان سنتهم إذا وضعوا ~~المائدة أعطوا كل إنسان سكينا يأكل بها { فلما رأينه } قال ~~فلما خرج عليهن يوسف { أكبرنه } قال أعظمنه ونظرن إليه، وأقبلن ~~يحززن أيديهن بالسكاكين وهن يحسبن أنهن يقطعن الطعام. وأخرج ابن جرير، ~~وابن مردويه عن ابن عباس { وأعتدت لهن متكأ } قال أعطتهن ~~أترنجا، وأعطت كل واحدة منهن سكينا، فلما رأين يوسف أكبرنه، وجعلن ~~يقطعن أيديهن وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترنج. وأخرج مسدد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عنه المتكأ ~~الأترنج، وكان يقرأها خفيفة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر ~~عن مجاهد ms1813 { متكأ } قال طعاما. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر عنه قال هو ~~الأترنج. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال هو كل شيء يقطع بالسكين. وأخرج ~~ابن جرير، وأبو الشيخ عن الضحاك مثله. وأخرج أبو الشيخ من طريق عبد ~~العزيز بن الوزير بن الكميت بن زيد قال حدثني أبي، عن جدي يقول في قوله ~~{ فلما رأينه أكبرنه } قال أمنين. وأنشد # ولما رأته الخيل من رأس شاهق صهلن وأمنين المنى المدفقا # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عبد الصمد بن علي ~~بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده ابن عباس في قوله { فلما ~~رأينه أكبرنه } قال لما خرج عليهن يوسف حضن من الفرح، وذكر ~~قول الشاعر الذي قدمنا ذكره # نأتي النساء لدى أطهارهن ولا نأتي النساء إذ أكبرن إكبارا # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ ~~عن مجاهد في قوله { أكبرنه } قال أعظمنه { وقطعن ~~أيديهن } قال حزا بالسكين حتى ألقينها { وقلن حاشا لله } ~~قال معاذ الله. # وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ~~قتادة في قوله { إن هذا إلا ملك كريم } قال قلن ملك من ~~الملائكة من حسنه. وأخرج أبو الشيخ عن منبه، عن أبيه قال مات من النسوة ~~التي قطعن أيديهن تسع عشرة امرأة كمدا. وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال # " أعطي يوسف وأمه شطر الحسن " # ، وقد وردت روايات عن جماعة من السلف في وصف حسن يوسف، والمبالغة في ~~ذلك، ففي بعضها أنه أعطي نصف الحسن، وفي بعضها ثلثه، وفي بعضها ثلثيه. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس { ~~فاستعصم } قال امتنع. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن قتادة { ~~فاستعصم } قال فاستعصى. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن زيد ~~في قوله { وإلا تصرف عنى كيدهن } قال إن لا تكن منك أنت ~~القوي ms1814 والمنعة لا تكن مني ولا عندي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ { أصب إليهن } قال أتبعهن. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ~~قال أطاوعهن. ### || [12.35-40] # معنى { بدا لهم } ظهر لهم، والضمير للعزيز وأصحابه الذين يدبرون ~~الأمر معه ويشيرون عليه، وأما فاعل { بدا لهم } فقال سيبويه هو { ~~ليسجننه } أي ظهر لهم أن يسجنوه. قال المبرد وهذا غلط لأن الفاعل لا يكون ~~جملة، ولكن الفاعل ما دل عليه { بدا } وهو المصدر كما قال الشاعر # وحق لمن أبو موسى أبوه يوفقه الذي نصب الجبالا # أي وحق الحق، فحذف الفاعل لدلالة الفعل عليه. وقيل الفاعل المحذوف هو ~~أي وظهر لهم رأي لم يكونوا يعرفونه من قبل، وهذا الفاعل حذف لدلالته { ~~ليسجننه } عليه، واللام في ليسجننه جواب قسم محذوف على تقدير القول، أي ~~ظهر لهم من بعد ما رأوا الآيات قائلين والله ليسجننه، وقرىء " لتسجننه " ~~بالمثناة الفوقية على الخطاب، إما للعزيز ومن معه، أو له وحده على طريق ~~التعظيم، والآيات قيل هي القميص وشهادة الشاهد وقطع الأيدي، وقيل هي ~~البركات التي فتحها الله عليهم بعد وصول يوسف إليهم ولم يجد ذلك فيهم بل ~~كانت امرأته هي الغالبة على رأيه، الفاعلة لما يطابق هواها في يوسف، ~~وإنفاذ ما تقدم منها من الوعيد له بقولها { ولئن لم يفعل ما ~~ءامره به * ليسجنن وليكونا من الصغرين } قيل ~~وسبب ظهور هذا الرأي لهم في سجن يوسف أنهم أرادوا ستر القالة، وكتم ما ~~شاع في الناس من قصة امرأة العزيز معه. وقيل إن العزيز قصد بسجنه ~~الحيلولة بينه وبين امرأته، لما علم أنها قد صارت بمكان من حبه لا تبالي ~~معه بحمل نفسها عليه على أي صفة كانت، ومعنى قوله { حتى حين } إلى ~~مدة غير معلومة كما قاله أكثر المفسرين. وقيل إلى انقطاع ما شاع في ~~المدينة. وقال سعيد ابن جبير إلى سبع سنين، وقيل إلى خمس، وقيل إلى ستة ~~أشهر، وقد تقدم في البقرة الكلام على تفسير الحين. وحتى بمعنى إلى. قوله ~~{ ودخل معه السجن فتيان } في ms1815 الكلام حذف متقدم عليه، ~~والتقدير وبدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين فسجنوه، { ودخل ~~معه السجن فتيان } ، ومع للمصاحبة، وفتيان تثنية فتى، وذلك يدل على ~~أنهما عبدان له، ويحتمل أن يكون الفتى اسما للخادم وإن لم يكن مملوكا، ~~وقد قيل إن أحدهما خباز الملك، والآخر ساقيه، وقد كانا وضعا للملك سما ~~لما ضمن لهما أهل مصر مالا في مقابلة ذلك، ثم إن الساقي رجع عن ذلك وقال ~~للملك لا تأكل الطعام فإنه مسموم، وقال الخباز لا تشرب فإن الشراب مسموم، ~~فقال الملك للساقي اشرب فشرب فلم يضره، وقال للخباز كل فأبى، فجرب ~~الطعام على حيوان فهلك مكانه فحبسهما، وكان دخولهما السجن مع دخول يوسف، ~~وقيل قبله، وقيل بعده. # قال ابن جرير إنهما سألا يوسف عن علمه فقال إني أعبر الرؤيا، فسألاه عن ~~رؤياهما كما قص الله سبحانه { قال أحدهما إنى أرانى أعصر ~~خمرا } أي رأيتني، والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة. والمعنى إني ~~أراني أعصر عنبا، فسماه باسم ما يئول إليه لكونه المقصود من العصر. وفي ~~قراءة ابن مسعود " أعصر عنبا ". قال الأصمعي أخبرني المعتمر بن سليمان ~~أنه لقي أعرابيا ومعه عنب، فقال له ما معك؟ فقال خمر. وقيل معنى { أعصر ~~خمرا } أي عنب خمر، فهو على حذف المضاف، وهذا الذي رأى هذه الرؤيا هو ~~الساقي، وهذه الجملة مستأنفة بتقدير سؤال، وكذلك الجملة التي بعدها وهي { ~~وقال الآخر إنى أرانى أحمل فوق رأسى خبزا } ثم ~~وصف الخبز هذا بقوله { تأكل الطير منه } وهذا الرائي لهذه ~~الرؤيا هو الخباز، ثم قالا ليوسف جميعا بعد أن قصا رؤياهما عليه { ~~نبئنا بتأويله } أي بتأويل ما قصصناه عليك من مجموع المرئيين، ~~أو بتأويل المذكور لك من كلامنا وقيل إن كل واحد منهما قال له ذلك عقب ~~قص رؤياه عليه، فيكون الضمير راجعا إلى ما رآه كل واحد. منهما وقيل إن ~~الضمير في بتأويله موضوع موضع اسم الإشارة، والتقدير بتأويل ذلك { إنا ~~نراك من المحسنين } أي من الذين يحسنون عبارة الرؤيا، وكذا ~~قال الفراء ms1816 إن معنى { من المحسنين } من العالمين الذين أحسنوا العلم، ~~وقال ابن إسحاق من المحسنين إلينا إن فسرت ذلك، أو من المحسنين إلى أهل ~~السجن، فقد روي أنه كان ذلك. وجملة { قال لا يأتيكما طعام ~~ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن ~~يأتيكما } مستأنفة جواب سؤال مقدر، ومعنى ذلك أنه يعلم شيئا من ~~الغيب، وأنه لا يأتيهما إلى السجن طعام إلا أخبرهما بماهيته قبل أن ~~يأتيهما، وهذا ليس من جواب سؤالهما تعبير ما قصاه عليه، بل جعله عليه ~~السلام مقدمة قبل تعبيره لرؤياهما بيانا لعلو مرتبته في العلم، وأنه ~~ليس من المعبرين الذين يعبرون الرؤيا عن ظن وتخمين، فهو كقول عيسى عليه ~~السلام # وأنبئكم بما تأكلون # آل عمران 49 وإنما قال يوسف عليه السلام لهما بهذا ليحصل الانقياد منهما ~~له فيما يدعوهما إليه بعد ذلك من الإيمان بالله والخروج من الكفر، ومعنى ~~{ ترزقانه } يجري عليهما من جهة الملك أو غيره، والجملة صفة لطعام، أو ~~يرزقكما الله سبحانه، والاستثناء بقوله { إلا نبأتكما ~~بتأويله } مفرغ من أعم الأحوال أي لا يأتيكما طعام في حال من ~~الأحوال إلا حال ما نبأتكما أي بينت لكما ماهيته وكيفيته قبل أن يأتيكما، ~~وسماه تأويلا بطريق المشاكلة لأن الكلام في تأويل الرؤيا، أو المعنى إلا ~~نبأتكما بما يؤول إليه الكلام من مطابقة ما أخبركما به للواقع. # والإشارة بقوله { ذلكما } إلى التأويل، والخطاب للسائلين له عن ~~تعبير رؤياهما { مما علمنى ربى } بما أوحاه إلي وألهمني إياه ~~لا من قبيل الكهانة والتنجيم ونحو ذلك مما يكثر فيه الخطأ، ثم بين لهما ~~أن ذلك الذي ناله من هذه الرتبة العلية والعلوم الجمة هو بسبب ترك الملة ~~التي لا يؤمن أهلها بالله ولا بالآخرة واتباعه لملة الأنبياء من آبائه ~~فقال { إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله } وهو ~~كلام مستأنف يتضمن التعليل لما قبله، والمراد بالترك هو عدم التلبس بذلك ~~من الأصل، لا أنه قد كان تلبس به، ثم تركه كما يدل عليه قوله { ما ~~كان لنا أن نشرك بالله } ثم وصف هؤلاء ms1817 القوم بما يدل على ~~تصلبهم في الكفر وتهالكهم عليه. فقال { وهم بالاخرة هم } أي هم ~~مختصون بذلك دون غيرهم لإفراطهم في الكفر بالله. وقوله { واتبعت } ~~معطوف على { تركت } ، وسماهم آباء جميعا لأن الأجداد آباء، وقدم الجد ~~الأعلى، ثم الجد الأقرب، ثم الأب لكون إبراهيم هو أصل هذه الملة التي ~~كان عليها أولاده، ثم تلقاها عنه إسحاق، ثم يعقوب، وهذا منه عليه السلام ~~لترغيب صاحبيه في الإيمان بالله { ما كان لنا أن نشرك ~~بالله } أي ما صح لنا ذلك فضلا عن وقوعه، والضمير في { لنا } له ~~وللأنبياء المذكورين، والإشارة بقوله { ذلك } إلى الإيمان المفهوم من ~~قوله ما كان لنا أن نشرك بالله، و { من فضل الله علينا } خبر ~~اسم الإشارة أي ناشىء من تفضلات الله علينا ولطفه بنا بما يجعله لنا من ~~النبوة المتضمنة للعصمة عن معاصيه، ومن فضل الله على الناس كافة ببعثة ~~الأنبياء إليهم وهدايتهم إلى ربهم، وتبيين طرائق الحق لهم { ولكن ~~أكثر الناس لا يشكرون } الله سبحانه على نعمه التي أنعم بها ~~عليهم، فيؤمنون به ويوحدونه، ويعملون بما شرعه لهم. قوله { يصاحبى ~~السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد ~~القهار } جعلهما مصاحبين للسجن لطول مقامهما فيه، وقيل المراد يا ~~صاحبي في السجن لأن السجن ليس بمصحوب فيه، وأن ذلك من باب يا سارق ~~الليلة، وعلى الأول يكون من باب قوله # أصحب الجنة أصحب النار # الأعراف 42 # أصحاب النار # المائدة 29 والاستفهام للإنكار مع التقريع والتوبيخ. ومعنى التفرق هنا ~~هو التفرق في الذوات والصفات والعدد أي هل الأرباب المتفرقون في ذواتهم، ~~المختلفون في صفاتهم، المتنافون في عددهم خير لكما يا صاحبي السجن، أم ~~الله المعبود بحق، المتفرد في ذاته وصفاته، الذي لا ضد له ولا ند ولا ~~شريك، القهار الذي لا يغالبه مغالب، ولا يعانده معاند؟ أورد يوسف عليه ~~السلام على صاحبي السجن هذه الحجة القاهرة على طريق الاستفهام، لأنهما ~~كانا ممن يعبد الأصنام. وقد قيل إنه كان بين أيديهما أصنام يعبدونها عند ~~أن خاطبهما بهذا الخطاب، ولهذا قال ms1818 لهما { ما تعبدون من دونه ~~إلا أسماء سميتموها } أي إلا أسماء فارغة سميتموها ولا ~~مسميات لها، وإن كنتم تزعمون أن لها مسميات، وهي الآلهة التي تعبدونها، ~~لكنها لما كانت لا تستحق التسمية بذلك صارت الأسماء كأنها لا مسميات لها. # وقيل المعنى ما تعبدون من دون الله إلا مسميات أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم من تلقاء أنفسكم، وليس لها من الإلهية شيء إلا مجرد الأسماء ~~لكونها جمادات لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر وإنما قال { ما ~~تعبدون } على خطاب الجمع، وكذلك ما بعده من الضمائر لأنه قصد خطاب ~~صاحبي السجن ومن كان على دينهم، ومفعول سميتموها الثاني محذوف أي ~~سميتموها آلهة من عند أنفسكم { ما أنزل الله بها } أي بتلك ~~التسمية { من سلطن } من حجة تدل على صحتها { إن الحكم ~~إلا لله } أي ما الحكم إلا لله في العباد، فهو الذي خلقكم وخلق هذه ~~الأصنام التي جعلتموها معبودة بدون حجة ولا برهان، وجملة { أمر ألا ~~تعبدوا إلا إياه } مستأنفة، والمعنى أنه أمركم بتخصيصه ~~بالعبادة دون غيره مما تزعمون أنه معبود، ثم بين لهم أن عبادته وحده دون ~~غيره هي دين الله الذي لا دين غيره، فقال { ذلك } أي تخصيصه بالعبادة ~~{ الدين القيم } أي المستقيم الثابت { ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } أن ذلك هو دينه القويم، وصراطه المستقيم، ~~لجهلكم وبعدكم عن الحقائق. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة ~~قال سألت ابن عباس عن قوله { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا ~~الآيت } فقال ما سألني عنها أحد قبلك، من الآيات قد القميص، وأثرها ~~في جسده، وأثر السكين، وقالت امرأة العزيز إن أنت لم تسجنه ليصدقنه ~~الناس. وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد قال من الآيات كلام الصبي. وأخرج ابن ~~جرير عن قتادة قال الآيات حزهن أيديهن، وقد القميص. وأقول إن كان ~~المراد بالآيات الآيات الدالة على براءته فلا يصح عد قطع أيدي النسوة ~~منها لأنه وقع منهن ذلك لما حصل لهن من الدهشة عند ظهوره لهن مع ما ms1819 ألبسه ~~الله سبحانه من الجمال، الذي تنقطع عند مشاهدته عرى الصبر، وتضعف عند ~~رؤيته قوى التجلد، وإن كان المراد الآيات الدالة على أنه قد أعطي من ~~الحسن ما يسلب عقول المبصرين، ويذهب بإدراك الناظرين، فنعم يصح عد قطع ~~الأيدي من جملة الآيات، ولكن ليس هذه الآيات هي المرادة هنا. وأخرج عبد ~~بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم ~~وصححه عن ابن عباس قال عوقب يوسف ثلاث مرات أما أول مرة فبالحبس لما كان ~~من همه بها، والثانية لقوله { اذكرنى عند ربك } { فلبث ~~فى السجن بضع سنين } عوقب بطول الحبس، والثالثة حيث قال { ~~أيتها العير إنكم لسارقون } فاستقبل في وجهه { إن ~~يسرق فقد سرق أخ له من قبل }. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ودخل معه السجن ~~فتيان قال أحدهما } خازن الملك على طعامه، والآخر ساقيه على ~~شرابه. وأخرج ابن جرير عنه في قوله { إنى أرانى أعصر خمرا } ~~قال عنبا. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد { نبئنا ~~بتأويله } قال عبارته. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ ~~عن قتادة في قوله { إنا نراك من المحسنين } قال كان إحسانه ~~فيما ذكر لنا أنه كان يعزي حزينهم، ويداوي مريضهم. ورأوا منه عبادة ~~واجتهادا فأحبوه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الشعب عن الضحاك قال كان إحسانه أنه ~~إذا مرض إنسان في السجن قام عليه، وإذا ضاق عليه المكان أوسع له، وإذا ~~احتاج جمع له. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال دعا يوسف لأهل السجن فقال ~~اللهم لا تعم عليهم الأخبار، وهون عليهم مر الأيام. وأخرج أبو عبيد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله { لا ~~يأتيكما طعام } الآية، قال كره العبارة لهما فأجابهما بغير ~~جوابهما ليريهما أن عنده علما، وكان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له ~~طعاما معلوما فأرسل به إليه، فقال يوسف { لا يأتيكما طعام ~~ترزقانه ms1820 } إلى قوله { يشكرون } فلم يدعه صاحبا الرؤية حت يعبر ~~لهما، فكره العبارة فقال { يصاحبى السجن ءأرباب ~~متفرقون } إلى قوله { ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } قال إن المؤمن ليشكر ما به من نعمة الله، ويشكر ما بالناس ~~من نعم الله، وذكر لنا أن أبا الدرداء كان يقول يا رب شاكر نعمة غير ~~منعم عليه لا يدري، ويا رب حامل فقه غير فقيه. وأخرج ابن جرير، وأبو ~~الشيخ عن قتادة في قوله { ءأرباب متفرقون } الآية، قال لما ~~عرف يوسف أن أحدهما مقتول دعاهما إلى حظهما من ربهما، وإلى نصيبهما من ~~آخرتهما. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج في قوله { ذلك الدين ~~القيم } قال العدل، فقال ### || [12.41-42] # هذا هو بيان ما طلباه منه من تعبير رؤياهما. والمراد بقوله { أما ~~أحدكما } هو الساقي، وإنما أبهمه لكونه مفهوما أو لكراهة التصريح ~~للخباز بأنه الذي سيصلب { فيسقى ربه خمرا } أي مالكه، وهي ~~عهدته التي كان قائما بها في خدمة الملك، فكأنه قال أما أنت أيها الساقي ~~فستعود إلى ما كنت عليه ويدعو بك الملك ويطلقك من الحبس { وأما ~~الآخر } وهو الخباز { فيصلب فتأكل الطير من رأسه } ~~تعبيرا لما رآه من أنه يحمل فوق رأسه خبزا فتأكل الطير منه { قضى ~~الأمر الذى فيه تستفتيان } وهو ما رأياه وقصاه عليه، يقال ~~استفتاه إذا طلب منه بيان حكم شيء سأله عنه مما أشكل عليه، وهما قد سألاه ~~تعبير ما أشكل عليهما من الرؤيا. { وقال للذى ظن أنه ناج ~~منهما } أي قال يوسف، والظان هو أيضا يوسف. والمراد بالظن العلم ~~لأنه قد علم من الرؤيا نجاة الشرابي وهلاك الخباز، هكذا قال جمهور ~~المفسرين. وقيل الظاهر على معناه لأن عابر الرؤيا إنما يظن ظنا، والأول ~~أولى وأنسب بحال الأنبياء. ولا سيما وقد أخبر عن نفسه عليه السلام بأنه ~~قد أطلعه الله على شيء من علم الغيب كما في قوله { لا يأتيكما ~~طعام ترزقانه } الآية، وجملة { اذكرنى عند ربك } هي ~~مقول القول، أمره بأن يذكره عند سيده، ويصفه بما شاهده منه من ms1821 جودة ~~التعبير والاطلاع على شيء من علم الغيب، وكانت هذه المقالة منه عليه ~~السلام صادرة عن ذهول ونسيان عن ذكر الله بسبب الشيطان، فيكون ضمير ~~المفعول في أنساه عائدا إلى يوسف، هكذا قال بعض المفسرين ويكون المراد ~~بربه في قوله { ذكر ربه } وهو الله سبحانه، أي إنساء الشيطان يوسف ~~ذكر الله تعالى في تلك الحال. { وقال للذى ظن أنه ناج ~~منهما } يذكره عند سيده ليكون ذلك سببا لانتباهه على ما أوقعه من ~~الظلم البين عليه بسجنه بعد أن رأى من الآيات ما يدل على براءته. وذهب ~~كثير من المفسرين إلى أن الذي أنساه الشيطان ذكر ربه هو الذي نجا من ~~الغلامين، وهو الشرابي، والمعنى إنساء لشيطان الشرابي ذكر سيده، أي ذكره ~~لسيده فلم يبلغ إليه ما أوصاه به يوسف من ذكره عند سيده، ويكون المعنى ~~فأنساه الشيطان ذكر إخباره بما أمره به يوسف مع خلوصه من السجن، ورجوعه ~~إلى ما كان عليه من القيام بسقي الملك، وقد رجح هذا بكون الشيطان لا سبيل ~~له على الأنبياء. وأجيب بأن النسيان وقع من يوسف، ونسبته إلى الشيطان على ~~طريق المجاز، والأنبياء غير معصومين عن النسيان إلا فيما يخبرون به عن ~~الله سبحانه، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # " إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني " # ورجح أيضا بأن النسيان ليس بذنب، فلو كان الذي أنساه الشيطان ذكر ربه ~~هو يوسف لم يستحق العقوبة على ذلك بلبثه في السجن بضع سنين، وأجيب بأن ~~النسيان هنا بمعنى الترك، وأنه عوقب بسبب استعانته بغير الله سبحانه، ~~ويؤيد رجوع الضمير إلى يوسف ما بعده من قوله { فلبث فى السجن ~~بضع سنين } ويؤيد رجوعه إلى الذي نجا من الغلامين قوله فيما سيأتي # وقال الذى نجا منهما وادكر بعد أمة # يوسف 45 سنة. { فلبث } أي يوسف { فى السجن } بسبب ذلك القول ~~الذي قاله للذي نجا من الغلامين، أو بسبب ذلك الإنساء { بضع سنين } ~~البضع ما بين الثلاث إلى التسع كما ms1822 حكاه الهروي عن العرب، وحكي عن أبي ~~عبيدة أن البضع ما دون نصف العقد، يعني ما بين واحد إلى أربعة. وقيل ما ~~بين ثلاث إلى سبع، حكاه قطرب. وحكى الزجاج أنه ما بين الثلاث إلى الخمس. ~~وقد اختلف في تعيين قدر المدة التي لبث فيها يوسف في السجن، فقيل سبع ~~سنين. وقيل اثنتا عشرة سنة. وقيل أربع عشرة سنة، وقيل خمس سنين. وقد أخرج ~~ابن جرير عن عكرمة في قوله { أما أحدكما } قال أتاه فقال رأيت ~~فيما يرى النائم أني غرست حبلة من عنب فنبتت، فخرج فيه عناقيد فعصرتهن ~~ثم سقيتهن الملك فقال تمكث في السجن ثلاثة أيام، ثم تخرج فتسقيه خمرا. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ ~~عن ابن مسعود قال ما رأى صاحبا يوسف شيئا، إنما تحالما ليجربا علمه. ~~فلما أول رؤياهما قالا إنما كنا نلعب، ولم نر شيئا، فقال { قضى ~~الأمر الذى فيه تستفتيان } يقول وقعت العبارة فصار الأمر ~~على ما عبر يوسف. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن أبي مجلز ~~قال كان أحد اللذين قصا على يوسف الرؤيا كاذبا. وأخرج ابن جرير، وأبو ~~الشيخ عن ابن ساباط { وقال للذى ظن أنه ناج منهما ~~اذكرنى عند ربك } قال عند ملك الأرض. وأخرج ابن أبي الدنيا في ~~كتاب العقوبات، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لو لم يقل يوسف الكلمة التي قال، ما لبث في السجن طول ما لبث حيث ~~يبتغي الفرج من عند غير الله " # وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن عكرمة مرفوعا نحوه، وهو ~~مرسل، وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة ~~مرفوعا نحوه. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ عن الحسن مرفوعا نحوه. # وهو مرسل. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن قتادة فذكر نحوه، وهو مرسل ~~أيضا. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد الله ms1823 بن أحمد في زوائد الزهد، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن أنس قال أوحي إلى يوسف من استنقذك ~~من القتل حين هم إخوتك أن يقتلوك؟ قال أنت يا رب، قال فمن استنقذك من ~~الجب إذ ألقوك فيه؟ قال أنت يا رب، قال فمن استنقذك من المرأة إذ همت ~~بك؟ قال أنت يا رب، قال فما لك نسيتني، وذكرت آدميا؟ قال جزعا، وكلمة ~~تكلم بها لساني، قال فوعزتي لأخلدنك في السجن بضع سنين، فلبث فيه سبع ~~سنين، وقد اختلف السلف في تقدير مدة لبثه في السجن على حسب ما قدمنا ~~ذكره، فلم نشتغل ها هنا بذكر من قال بذلك ومن خرجه. ### || [12.43-49] # المراد بالملك هنا هو الملك الأكبر، وهو الريان بن الوليد الذي كان ~~العزيز وزيرا له، رأى في نومه لما دنا فرج يوسف عليه السلام أنه خرج من ~~نهر يابس { سبع بقرت سمان } جمع سمين وسمينة، في إثرهن سبع ~~عجاف أي مهازيل، وقد أقبلت العجاف على السمان فأكلتهن. والمعنى إني ~~رأيت، ولكنه عبر بالمضارع لاستحضار الصورة، وكذلك قوله { يأكلهن } ~~عبر بالمضارع للاستحضار، والعجاف جمع عجفاء، وقياس جمعه عجف لأن فعلاء ~~وأفعل لا تجمع على فعال، ولكنه عدل عن القياس حملا على سمان { وسبع ~~سنبلت } معطوف على سبع بقرات. والمراد بقوله { خضر } أنه قد ~~انعقد حبها، واليابسات قد أدركت الخضر والتوت عليها حتى غلبتها، ولعل عدم ~~التعرض لذكر هذا في النظم القرآني للاكتفاء بما ذكر من حال البقرات. { ~~يأيها الملأ } خطاب للأشراف من قومه { أفتونى فى رؤيى ~~} أي أخبروني بحكم هذه الرؤيا { إن كنتم للرؤيا تعبرون } ~~أي تعلمون عبارة الرؤيا، وأصل العبارة مشتقة من عبور النهر، فمعنى عبرت ~~النهر بلغت شاطئه، فعابر الرؤيا يخبر بما يئول إليه أمرها. قال الزجاج ~~اللام في { للرؤيا } للتبيين، أي إن كنتم تعبرون. ثم بين فقال { للرؤيا } ~~وقيل هو للتقوية، وتأخير الفعل العامل فيه لرعاية الفواصل. وجملة { ~~قالوا أضغث أحلام } مستأنفة جواب سؤال مقدر، والأضغاث جمع ~~ضغث، وهو كل مختلط من بقل أو حشيش ms1824 أو غيرهما، والمعنى أخاليط أحلام، ~~والأحلام جمع حلم وهي الرؤيا الكاذبة التي لا حقيقة لها كما يكون من حديث ~~النفس ووسواس الشيطان، والإضافة بمعنى من، وجمعوا الأحلام ولم يكن من ~~الملك إلا رؤيا واحدة مبالغة منهم في بالبطلان، ويجوز أن يكون رأى مع ~~هذه الرؤيا غيرها مما لم يقصه الله علينا { وما نحن بتأويل ~~الاحلم بعلمين } قال الزجاج المعنى بتأويل الأحلام ~~المختلطة، نفوا عن أنفسهم علم ما لا تأويل له، لا مطلق العلم بالتأويل. ~~وقيل إنهم نفوا عن أنفسهم علم التعبير مطلقا، ولم يدعوا أنه لا تأويل ~~لهذه الرؤيا. وقيل إنهم قصدوا محوها من صدر الملك حتى لا يشتغل بها، ولم ~~يكن ما ذكروه من نفي العلم حقيقة. { وقال الذى نجا منهما } ~~أي من الغلامين، وهو الساقي الذي قال له يوسف { اذكرنى عند ربك ~~} { وادكر بعد أمة } بالدال المهملة على قراءة الجمهور، وهي القراءة ~~الفصيحة، أي تذكر الساقي يوسف وما شاهده منه من العلم بتعبير الرؤيا، ~~وقرىء بالمعجمة، ومعنى { بعد أمة } بعد حين، ومنه # إلى أمة معدودة # هود 8 أي إلى وقت، قال ابن درستويه والأمة لا تكون على الحين إلا على ~~حذف مضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، كأنه قال والله أعلم وادكر بعد حين ~~أمة أو بعد زمن أمة، والأمة الجماعة الكثيرة من الناس. # قال الأخفش هو في اللفظ واحد وفي المعنى جمع، وكل جنس من الحيوان أمة. ~~وقرأ ابن عباس وعكرمة " بعد أمة " بفتح الهمزة وتخفيف الميم، أي بعد ~~نسيان، ومنه قول الشاعر # أمهت وكنت لا أنسى حديثا كذاك الدهر يودي بالعقول # ويقال أمه يأمه أمها إذا نسي. وقرأ الأشهب العقيلي { بعد إمة } بكسر ~~الهمزة، أي بعد نعمة، وهي نعمة النجاة. { أنا أنبئكم ~~بتأويله } أي أخبركم به بسؤالي عنه من له علم بتأويله، وهو يوسف. { ~~فأرسلون } خاطب الملك بلفظ التعظيم، أو خاطبه ومن كان عنده من ~~الملأ، طلب منهم أن يرسلوه إلى يوسف ليقص عليه رؤيا الملك حتى يخبره ~~بتأويلها فيعود بذلك إلى الملك. { يوسف أيها الصديق أفتنا ms1825 ~~} أي يا يوسف، وفي الكلام حذف، والتقدير فأرسلوه إلى يوسف فسار إليه، ~~فقال له { يوسف أيها الصديق } إلى آخر الكلام، والمعنى أخبرنا ~~في رؤيا من رأى سبع بقرات إلخ، وترك ذكر ذلك اكتفاء بما هو واثق به من ~~فهم يوسف بأن ذلك رؤيا، وأن المطلوب منه تعبيرها { لعلى أرجع ~~إلى الناس } أي إلى الملك ومن عنده من الملأ { لعلهم ~~يعلمون } ما تأتي به من تأويل هذه الرؤيا، أو يعلمون فضلك ومعرفتك ~~لفن التعبير. وجملة { قال تزرعون } إلخ مستأنفة جواب سؤال مقدر ~~كغيرها مما يرد هذا المورد { سبع سنين دأبا } أي متوالية ~~متتابعة، وهو مصدر. وقيل هو حال، أي دائبين، وقيل صفة لسبع، أي دائبة. ~~وحكى أبو حاتم عن يعقوب أنه قرأ " دأبا " بتحريك الهمزة، وكذا روى حفص عن ~~عاصم وهما لغتان قال الفراء حرك لأن فيه حرفا من حروف الحلق، وكذلك كل ~~حرف فتح أوله وسكن ثانيه فتثقيله جائز في كلمات معروفة. فعبر يوسف عليه ~~السلام السبع البقرات السمان بسبع سنين فيها خصب، والعجاف بسبع سنين فيها ~~جدب، وهكذا عبر السبع السنبلات الخضر، والسبع السنبلات اليابسات، واستدل ~~بالسبع السنبلات الخضر على ما ذكره في التعبير من قوله { فما ~~حصدتم فذروه فى سنبله } أي ما حصدتم في كل سنة من السنين ~~المخصبة فذروا ذلك المحصود في سنبله ولا تفصلوه عنها لئلا يأكله السوس ~~إلا قليلا مما تأكلون في هذه السنين المخصبة، فإنه لا بد لكم من فصله ~~عن سنبله وإخراجه عنها. واقتصر على استثناء المأكول دون ما يحتاجون إليه ~~من البذر الذي يبذرونه في أموالهم، لأنه قد علم من قوله { تزرعون } { ~~ثم يأتى من بعد ذلك } أي من بعد السبع السنين المخصبة { ~~سبع شداد } أي سبع سنين مجدبة يصعب أمرها على الناس { يأكلن ~~ما قدمتم لهن } من تلك الحبوب المتروكة في سنابلها، وإسناد ~~الأكل إلى السنين مجاز، والمعنى يأكل الناس فيهن، أو يأكل أهلهن ما ~~قدمتم لهن أي ما ادخرتم لأجلهن، فهو من باب نهاره صائم، ومنه قول ~~الشاعر # نهارك يا ms1826 مغرور سهو وغفلة وليلك نوم والردى لك لازم # { إلا قليلا مما تحصنون } أي مما تحبسون من الحب لتزرعوا ~~به لأن في استبقاء البذر تحصين الأقوات. وقال أبو عبيدة معنى { تحصنون } ~~تحرزون. وقيل تدخرون، والمعنى واحد. قوله { ثم يأتى من بعد ~~ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون } أي من بعد ~~السنين المجدبات، فالإشارة إليها، والعام السنة { فيه يغاث الناس ~~} من الإغاثة أو الغوث، والغيث المطر، وقد غاث الغيث بالأرض، أي أصابها، ~~وغاث الله البلاد يغيثها غوثا أمطرها، فمعنى { يغاث الناس } يمطرون { ~~وفيه يعصرون } أي يعصرون الأشياء التي تعصر كالعنب والسمسم ~~والزيتون. وقيل أراد حلب الألبان. وقيل معنى { يعصرون } ينجون، مأخوذ من ~~العصرة وهي المنجاة. قال أبو عبيدة والعصر بالتحريك الملجأ والمنجاة، ~~ومنه قول الشاعر # صاديا يستغيث غير مغاث ولقد كان عصرة المنجود # واعتصرت بفلان التجأت به. وقرأ حمزة والكسائي { تعصرون } بتاء الخطاب، ~~وقرىء " يعصرون " بضم حرف المضارعة وفتح الصاد، ومعناه يمطرون، ومنه قوله ~~تعالى # وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا # النبأ 14. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال قال يوسف ~~للساقي أذكرني عند ربك، أي الملك الأعظم، ومظلمتي وحبسي في غير شيء، فقال ~~أفعل، فلما خرج الساقي رد على ما كان عليه، ورضي عنه صاحبه، وأنساه ~~الشيطان ذكر الملك الذي أمره يوسف أن يذكره له، فلبث يوسف بعد ذلك في ~~السجن بضع سنين، ثم إن الملك ريان بن الوليد رأى رؤياه التي أري فيها ~~فهالته، وعرف أنها رؤيا واقعة، ولم يدر ما تأويلها، فقال للملأ حوله من ~~أهل مملكته { إنى أرى سبع بقرت سمان يأكلهن سبع ~~عجاف وسبع سنبلت خضر وأخر يابست } فلما سمع ~~من الملك ما سمع منه ومسألته عن تأويلها، ذكر يوسف ما كان عبر له ~~ولصاحبه، وما جاء من ذلك على ما قال، فقال أنا أنبئكم بتأويله. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن عباس في قوله { أضغث أحلام } يقول مشتبهة. وأخرج ~~أبو يعلى، وابن جرير عنه قال من الأحلام الكاذبة. وأخرج ابن جرير عن ~~الضحاك مثله. ms1827 وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس في قوله { وادكر بعد ~~أمة } قال بعد حين. وأخرج ابن جرير عن مجاهد والحسن وعكرمة وعبد الله ~~بن كثير والسدي مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال بعد سنين. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن الحسن قال بعد أمة من الناس. # وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ ~~عن قتادة في قوله { أفتنا فى سبع بقرت } الآية، قال أما ~~السمان فسنون فيها خصب، وأما العجاف فسنون مجدبة، وسبع سنبلات خضر هي ~~السنون المخاصيب، تخرج الأرض نباتها وزرعها وثمارها، وآخر يابسات المحول ~~الجدوب لا تنبت شيئا. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، عن عكرمة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره، والله يغفر له حين سئل عن البقرات ~~العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترطت عليهم أن يخرجوني، ~~ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين أتاه الرسول، ولو كنت ~~مكانه لبادرتهم الباب، ولكنه أراد أن يكون له العذر " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~إلا قليلا مما تحصنون } يقول تخزنون، وفي قوله { وفيه ~~يعصرون } يقول الأعناب والدهن. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه ~~في قوله { فيه يغاث الناس } يقول يصيبهم فيه غيث { وفيه ~~يعصرون } يقول يعصرون فيه العنب، ويعصرون فيه الزبيب، ويعصرون من كل ~~الثمرات. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ عنه أيضا { وفيه يعصرون } قال يحتلبون. وأخرج ابن ~~جرير، وأبو الشيخ عنه أيضا { ثم يأتى من بعد ذلك عام } ~~قال أخبرهم بشيء لم يسألوه عنه كأن الله قد علمه إياه فيه يغاث الناس ~~بالمطر، وفيه يعصرون السمسم دهنا، والعنب خمرا والزيتون زيتا. ### || [12.50-57] # قوله { وقال الملك ائتونى به } في الكلام حذف قبل هذا، ~~والتقدير فذهب الرسول ms1828 إلى الملك فأخبره بما أخبره به يوسف من تعبير تلك ~~الرؤيا، وقال الملك لمن بحضرته { ائتوني به } أي بيوسف، رغب إلى رؤيته ~~ومعرفة حاله، بعد أن علم من فضله ما علمه، من وصف الرسول له ومن تعبيره ~~لرؤياه. { فلما جاءه } أي جاء إلى يوسف { الرسول } واستدعاه ~~إلى حضرة الملك، وأمره بالخروج من السجن { قال } يوسف للرسول { ارجع ~~إلى ربك } أي سيدك { فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن } ~~أمره بأن يسأل الملك عن ذلك، وتوقف عن الخروج من السجن، ولم يسارع إلى ~~إجابة الملك، ليظهر للناس براءة ساحته ونزاهة جانبه، وأنه ظلم بكيد امرأة ~~العزيز ظلما بينا، ولقد أعطى عليه السلام من الحلم والصبر والأناة ما ~~تضيق الأذهان عن تصوره، ولهذا ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم # " ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي " # يعني الرسول الذي جاء يدعوه إلى الملك. قال ابن عطية هذا الفعل من يوسف ~~أناة وصبرا، وطلبا لبراءة ساحته، وذلك أنه خشي أن يخرج وينال من الملك ~~مرتبة، ويسكت عن أمر ذنبه فيراه الناس بتلك العين يقولون هذا الذي راود ~~امرأة العزيز، وإنما قال { فاسأله ما بال النسوة } وسكت عن ~~امرأة العزيز رعاية لذمام الملك العزيز، أو خوفا منه من كيدها وعظيم ~~شرها، وذكر السؤال عن تقطيع الأيدي ولم يذكر مراودتهن له، تنزها منه ~~عن نسبة ذلك إليهن، ولذلك لم ينسب المراودة فيما تقدم إلى امرأة العزيز ~~إلا بعد أن رمته بدائها وانسلت. وقد اكتفى هنا بالإشارة الإجمالية بقوله ~~{ إن ربى بكيدهن عليم } فجعل علم الله سبحانه بما وقع عليه من ~~الكيد منهن مغنيا عن التصريح. وجملة { قال فما خطبكن إذ ~~راودتن يوسف عن نفسه } مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل ~~فماذا قال الملك بعد أن أبلغه الرسول ما قال يوسف؟ والخطب الشأن العظيم ~~الذي يحق له أن يخاطب فيه صاحبه خاصة، والمعنى ما شأنكن إذ راودتن يوسف ~~عن نفسه. وقد تقدم معنى المراودة، وإنما نسب إليهن المراودة، لأن كل ~~واحدة ms1829 منهن وقع منها ذلك كما تقدم، ومن جملة ما شمله خطاب الملك امرأة ~~العزيز، أو أراد بنسبة ذلك إليهن وقوعه منهن في الجملة كما كان من ~~امرأة العزيز تحاشيا عن التصريح منه بنسبة ذلك إليها لكونها امرأة وزيره ~~وهو العزيز، فأجبن عليه بقولهن { قلن حاش لله } أي معاذ الله { ما ~~علمنا عليه من سوء } أي من أمر سيء ينسب إليه، فعند ذلك { ~~قالت امرأت العزيز } منزهة لجانبه مقرة على نفسها بالمراودة ~~له { الآن حصحص الحق } أي تبين وظهر. # وأصله حص، فقيل حصحص كما قيل في كبوا # فكبكبوا # الشعراء 94 قاله الزجاج، وأصل الحص استئصال الشيء، يقال حص شعره، إذا ~~استأصله، ومنه قول أبي قيس بن الأسلت # قد حصت البيضة رأسي فما أطعم نوما غير تهجاع # والمعنى أنه انقطع الحق عن الباطل بظهوره وبيانه، ومنه # فمن مبلغ عني خداشا فإنه كذوب إذا ما حصحص الحق ظالم # وقيل هو مشتق من الحصة، والمعنى بانت حصة الباطل. قال الخليل معناه ظهر ~~الحق بعد خفائه، ثم أوضحت ذلك بقولها { أنا رودته عن نفسه ~~} ولم تقع منه المراودة لي أصلا { وإنه لمن الصدقين } ~~فيما قاله من تبرئة نفسه، ونسبة المراودة إليها، وأرادت بالآن زمان ~~تكلمها بهذا الكلام. قوله { ذلك ليعلم أنى لم أخنه ~~بالغيب } ذهب أكثر المفسرين إلى أن هذا من كلام يوسف عليه السلام. ~~قال الفراء ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر، إذا دلت القرينة ~~الصارفة إلى كل منهما إلى ما يليق به، والإشارة إلى الحادثة الواقعة منه، ~~وهي تثبته وتأنيه، أي فعلت ذلك ليعلم العزيز أني لم أخنه في أهله بالغيب، ~~والمعنى بظهر الغيب، والجار والمجرور في محل نصب على الحال أي وهو غائب ~~عني، أو وأنا غائب عنه، قيل إنه قال ذلك وهو في السجن بعد أن أخبره ~~الرسول بما قالته النسوة، وما قالته امرأة العزيز. وقيل إنه قال ذلك وقد ~~صار عند الملك، والأول أولى، وذهب الأقلون من المفسرين إلى أن هذا من ~~كلام امرأة العزيز، والمعنى ذلك القول ms1830 الذي قلته في تنزيهه، والإقرار على ~~نفسي بالمراودة ليعلم يوسف أني لم أخنه، فأنسب إليه ما لم يكن منه، وهو ~~غائب عني، أو وأنا غائبة عنه، والإقرار على نفسي به. { وأن الله ~~لا يهدى كيد الخئنين } أي لا يثبته ويسدده، أو لا يهديهم ~~في كيدهم حتى يوقعوه على وجه يكون له تأثير يثبت به ويدوم، وإذا كان من ~~قول يوسف ففيه تعريض بامرأة العزيز حيث وقع منها الكيد له والخيانة ~~لزوجها. وتعريض بالعزيز حيث ساعدها على حبسه بعد أن علم براءته ونزاهته. ~~{ وما أبرىء نفسى } إن كان من كلام يوسف فهو من باب الهضم للنفس، ~~وعدم التزكية بها مع أنه قد علم هو وغيره من الناس أنه بريء، وظهر ذلك ~~ظهور الشمس، وأقرت به المرأة التي ادعت عليه الباطل، ونزهته النسوة ~~اللاتي قطعن أيديهن، وإن كان من كلام امرأة العزيز فهو واقع على الحقيقة ~~لأنها قد أقرت بالذنب، واعترفت بالمراودة وبالافتراء على يوسف. وقد قيل ~~إن هذا من قول العزيز وهو بعيد جدا، ومعناه وما أبرىء نفسي من سوء الظن ~~بيوسف، والمساعدة على حبسه بعد أن علمت ببراءته { إن النفس ~~لأمارة بالسوء } أي إن هذا الجنس من الأنفس البشرية شأنه الأمر ~~بالسوء لميله إلى الشهوات، وتأثيرها بالطبع، وصعوبة قهرها، وكفها عن ذلك ~~{ إلا ما رحم ربى } أي إلا من رحم من النفوس فعصمها عن أن تكون ~~أمارة بالسوء، أو إلا وقت رحمة ربي وعصمته لها، وقيل الاستثناء منقطع، ~~والمعنى لكن رحمة ربي هي التي تكفها عن أن تكون أمارة بالسوء، وجملة { ~~إن ربى غفور رحيم } تعليل لما قبلها، أي إن من شأنه كثرة ~~المغفرة لعباده والرحمة لهم. # قوله { وقال الملك ائتونى به أستخلصه لنفسى } ~~الملك هو الريان بن الوليد لا العزيز كما تقدم. ومعنى { أستخلصه ~~لنفسى } أجعله خالصا لي دون غيري، وقد كان قبل ذلك خالصا للعزيز، ~~والاستخلاص طلب خلوص الشيء من شوائب الشركة، قال ذلك لما كان يوسف ~~نفيسا، وعادة الملوك أن يجعلوا الأشياء النفيسة خالصة لهم دون غيرهم ms1831 { ~~فلما كلمه } في الكلام حذف، وتقديره فأتوه به، فلما كلمه، أي ~~فلما كلم الملك يوسف، ويحتمل أن يكون المعنى فلما كلم يوسف الملك، قيل ~~والأول أولى لأن مجالس الملوك لا يتكلم فيها ابتداء إلا هم دون من يدخل ~~عليهم. وقيل الثاني أولى لقول الملك { قال إنك اليوم لدينا ~~مكين أمين } فإن هذا يفيد أنه لما تكلم يوسف في مقام الملك جاء بما ~~حببه إلى الملك، وقربه من قلبه، فقال هذه المقالة، ومعنى { مكين } ذو ~~مكانة وأمانة بحيث يتمكن مما يريده من الملك ويأمنه الملك على ما يطلع ~~عليه من أمره، أو على ما يكله إليه من ذلك. قيل إنه لما وصل إلى الملك ~~أجلسه على سريره، وقال له إني أحب أن أسمع منك تعبير رؤياي، فعبرها له ~~بأكمل بيان، وأتم عبارة، فلما سمع الملك منه ذلك قال له { إنك ~~اليوم لدينا مكين أمين }. فلما سمع يوسف منه ذلك قال { ~~اجعلنى على خزائن الأرض } أي ولني أمر الأرض التي أمرها ~~إليك وهي أرض مصر، أو اجعلني على حفظ خزائن الأرض، وهي الأمكنة التي تخزن ~~فيها الأموال. طلب يوسف عليه السلام منه ذلك ليتوصل به إلى نشر العدل، ~~ورفع الظلم، ويتوسل به إلى دعاء أهل مصر إلى الإيمان بالله، وترك عبادة ~~الأوثان. وفيه دليل على أنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور ~~السلطان أن يرفع منار الحق، ويهدم ما أمكنه من الباطل، وطلب ذلك لنفسه، ~~ويجوز له أن يصف نفسه بالأوصاف التي لها، ترغيبا فيما يرومه، وتنشيطا ~~لمن يخاطبه من الملوك بإلقاء مقاليد الأمور إليه، وجعلها منوطة به، ولكنه ~~يعارض هذا الجواز ما ورد عن نبينا صلى الله عليه وسلم من النهي عن طلب ~~الولاية والمنع من تولية من طلبها، أو حرص عليها. # والخزائن جمع خزانة، وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء، والحفيظ الذي ~~يحفظ الشيء، أي { إنى حفيظ } لما جعلته إلي من حفظ الأموال لا ~~أخرجها في غير مخارجها، ولا أصرفها في غير مصارفها { عليم ms1832 } بوجوده ~~جمعها وتفريقها ومدخلها ومخرجها. { وكذلك مكنا ليوسف } أي ~~ومثل ذلك التمكين العجيب مكنا ليوسف في الأرض أي جعلنا له مكانا، وهو ~~عبارة عن كمال قدرته، ونفوذ أمره ونهيه، حتى صار الملك يصدر عن رأيه، ~~وصار الناس يعملون على أمره ونهيه { يتبوأ منها حيث يشاء } ~~أي ينزل منها حيث أراد ويتخذه مباءة، وهو عبارة عن كمال قدرته كما تقدم، ~~وكأنه يتصرف في الأرض التي أمرها إلى سلطان مصر، كما يتصرف الرجل في ~~منزله. وقرأ ابن كثير بالنون، وقد استدل بهذه الآية على أنه يجوز تولي ~~الأعمال من جهة السلطان الجائر، بل الكافر لمن وثق من نفسه بالقيام ~~بالحق. وقد قدمنا الكلام على هذا مستوفيا في قوله سبحانه # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا # هود 113 { نصيب برحمتنا من نشاء } من العباد فنرحمه في ~~الدنيا بالإحسان إليه، والإنعام عليه، وفي الآخرة بإدخاله الجنة وإنجائه ~~من النار { ولا نضيع أجر المحسنين } في أعمالهم الحسنة ~~التي هي مطلوب الله منهم، أي لا نضيع ثوابهم فيها، ومجازاتهم عليها { ~~ولأجر الأخرة } أي أجرهم في الآخرة، وأضيف الأجر إلى الآخرة ~~للملابسة، وأجرهم هوالجزاء الذي يجازيهم الله به فيها، وهو الجنة التي لا ~~ينفد نعيمها ولا تنقضي مدتها { خير للذين ءامنوا } بالله { ~~وكانوا يتقون } الوقوع فيما حرمه عليهم. والمراد بهم المحسنون ~~المتقدم ذكرهم، وفيه تنبيه على أن الإحسان المعتد به، هو الإيمان ~~والتقوى. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { ما بال ~~النسوة } قال أراد يوسف العذر قبل أن يخرج من السجن. وأخرج الفريابي، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الشعب ~~عنه قال لما قالت امرأة العزيز أنا راودته، قال يوسف { ذلك ليعلم ~~أنى لم أخنه بالغيب } فغمزه جبريل فقال ولا حين هممت بها؟ ~~فقال { وما أبرىء نفسى } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عنه أيضا { حصحص الحق } قال تبين. وأخرج ابن جرير ~~عن مجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، والسدي مثله. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وابن أبي حاتم، ms1833 عن حكيم بن حزام في قوله { ذلك ليعلم ~~أنى لم أخنه بالغيب } فقال له جبريل ولا حين حللت السراويل؟ ~~فقال عند ذلك { وما أبرئ نفسي }. وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر من ~~طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله { وقال الملك ~~ائتونى به أستخلصه لنفسى } قال فأتاه الرسول فقال ألق ~~عنك ثياب السجن والبس ثيابا جددا وقم إلى الملك، فدعا له أهل السجن وهو ~~يومئذ ابن ثلاثين سنة، فلما أتاه رأى غلاما حدثا، فقال أيعلم هذا ~~رؤياي ولا يعلمها السحرة والكهنة؟ وأقعده قدامه وقال لا تخف، وألبسه ~~طوقا من ذهب وثياب حرير، وأعطاه دابة مسروجة مزينة كدابة الملك، وضرب ~~الطبل بمصر إن يوسف خليفة الملك. # وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن ~~عباس قال قال الملك ليوسف إني أحب أن تخالطني في كل شيء إلا في أهلي. ~~وأنا آنف أن تأكل معي، فغضب يوسف، وقال أنا أحق أن آنف، أنا ابن إبراهيم ~~خليل الله، وأنا ابن إسحاق ذبيح الله، وأنا ابن يعقوب نبي الله. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن شيبة بن نعامة الضبي في قوله { ~~اجعلنى على خزائن الارض } يقول على جميع الطعام { إنى ~~حفيظ } لما استودعتني { عليم } بسني المجاعة. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { وكذلك مكنا ليوسف في ~~الأرض } قال ملكناه فيها يكون فيها حيث يشاء من تلك الدنيا يصنع فيها ~~ما يشاء. وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم، أن يوسف تزوج امرأة العزيز ~~فوجدها بكرا، وكان زوجها عنينا. ### || [12.58-66] # قوله { وجاء إخوة يوسف } أي جاءوا إلى مصر من أرض كنعان ~~ليمتاروا لما أصابهم القحط { فدخلوا } على يوسف { فعرفهم } ~~لأنه فارقهم رجالا { وهم له منكرون } لأنهم فارقوه صبيا يباع ~~بالدراهم في أيدي السيارة بعد أن أخرجوه من الجب، ودخلوا عليه الآن وهو ~~رجل عليه أبهة الملك، ورونق الرئاسة، وعنده الخدم والحشم. وقيل إنهم ~~أنكروه لكونه كان في تلك ms1834 الحال على هيئة ملك مصر، ولبس تاجه وتطوق ~~بطوقه. وقيل كانوا بعيدا منه فلم يعرفوه، وقيل غير ذلك. { ولما ~~جهزهم بجهازهم } المراد به هنا أنه أعطاهم ما طلبوه من ~~الميرة، وما يصلحون به سفرهم من العدة التي يحتاجها المسافر. يقال جهزت ~~القوم تجهيزا إذا تكلفت لهم جهازا للسفر. قال الأزهري القراء كلهم على ~~فتح الجيم، والكسر لغة جيدة. { قال ائتونى بأخ لكم من ~~أبيكم } قيل لا بد من كلام ينشأ عنه طلبه لهم بأن يأتوه بأخ لهم من ~~أبيهم، فروي أنه لما رآهم وكلموه بالعبرانية قال لهم ما أنتم وما شأنكم ~~فإني أنكركم؟ فقالوا نحن قوم من أهل الشام جئنا نمتار ولنا أب شيخ صديق ~~نبي من الأنبياء اسمه يعقوب. قال كم أنتم؟ قالوا عشرة، وقد كنا اثني ~~عشر، فذهب أخ لنا إلى البرية فهلك، وكان أحبنا إلى أبينا، وقد سكن بعده ~~إلى أخ له أصغر منه هو باق لديه، يتسلى به، فقال لهم حينئذ { ائتونى ~~بأخ لكم من أبيكم } يعني أخاه " بنيامين " الذي تقدم ذكره، ~~وهو أخو يوسف لأبيه وأمه، فوعدوه بذلك، فطلب منهم أن يتركوا أحدهم رهينة ~~عنده حتى يأتوه بالأخ الذي طلبه، فاقترعوا فأصابت القرعة " شمعون " ~~فخلفوه عنده، ثم قال لهم { ألا ترون أنى أوفى الكيل } أي ~~أتممه، وجاء بصيغة الاستقبال مع كونه قال لهم هذه المقالة بعد تجهيزهم ~~للدلالة على أن ذلك عادته المستمرة، ثم أخبرهم بما يزيدهم وثوقا به ~~وتصديقا لقوله، فقال { وأنا خير المنزلين } أي والحال أني ~~خير المنزلين لمن نزل بي كما فعلته بكم من حسن الضيافة، وحسن الإنزال. ~~قال الزجاج قال يوسف { وأنا خير المنزلين } لأنه حين أنزلهم ~~أحسن ضيافتهم. ثم توعدهم إذا لم يأتوه به فقال { فإن لم تأتونى ~~به فلا كيل لكم عندى ولا تقربون } أي فلا أبيعكم ~~شيئا فيما بعد، وأما في الحال فقد أوفاهم كيلهم، ومعنى لا تقربون لا ~~تدخلون بلادي فضلا عن أن أحسن إليكم وقيل معناه لا أنزلكم عندي كما ~~أنزلتكم هذه المرة، ولم يرد أنهم ms1835 لا يقربون بلاده، و { تقربون } مجزوم ~~إما على أن " لا " ناهية أو على أنها نافية، وهو معطوف على محل الجزاء ~~داخل في حكمه كأنه قال فإن لم تأتوني تحرموا ولا تقربوا. # فلما سمعوا منه ذلك وعدوه بما طلبه منهم، قالوا { سنرود عنه ~~أباه } أي سنطلبه منه، ونجتهد في ذلك بما نقدر عليه. وقيل معنى ~~المراودة هنا المخادعة منهم لأبيهم والاحتيال عليه حتى ينتزعوه منه { ~~وإنا لفعلون } هذه المراودة غير مقصرين فيها. وقيل معناه وإنا ~~لقادرون على ذلك، لا نتعانى به ولا نتعاظمه. { وقال لفتيانه ~~اجعلوا بضعتهم فى رحالهم }. قرأ أهل المدينة وأبو عمرو ~~وعاصم من رواية شعبة وابن عامر " لفتيته " ، واختار هذه القراءة أبو حاتم ~~والنحاس وغيرهما. وقرأ سائر الكوفيين. { لفتيانه } ، وأختار هذه القراءة ~~أبو عبيد، وفي مصحف عبد الله بن مسعود كالقراءة الآخرة. قال النحاس ~~لفتيانه مخالف للسواد الأعظم، ولا يترك السواد المجمع عليه لهذا الإسناد ~~المنقطع وأيضا فإن فتية أشبه من " فتيان " ، لأن فتية عند العرب لأقل ~~العدد، وأمر القليل بأن يجعلوا البضاعة في الرحال أشبه، والجملة مستأنفة ~~جواب سؤال، كأنه قيل فما قال يوسف بعد وعدهم له بذلك، فأجيب بأنه قال ~~لفتيته. قال الزجاج الفتية والفتيان في هذا الموضع المماليك. وقال ~~الثعلبي هما لغتان جيدتان، مثل الصبيان والصبية. والمراد بالبضاعة هنا هي ~~التي وصلوا بها من بلادهم ليشتروا بها الطعام، وكانت نعالا وأدما، فعل ~~يوسف عليه السلام ذلك تفضلا عليهم. وقيل فعل ذلك ليرجعوا إليه مرة أخرى ~~لعلمه أنهم لا يقبلون الطعام إلا بثمن. قاله الفراء. وقيل فعل ذلك ~~ليستعينوا بها على الرجوع إليه لشراء الطعام. وقيل إنه استقبح أن يأخذ من ~~أبيه وإخوته ثمن الطعام. ثم علل يوسف عليه السلام ما أمر به من جعل ~~البضاعة في رحالهم بقوله { لعلهم يعرفونها إذا ~~انقلبوا إلى أهلهم } فجعل علة جعل البضاعة في الرحال هي ~~معرفتهم لها إذا انقلبوا إلى أهلهم، وذلك لأنهم لا يعلمون برد البضاعة ~~إليهم إلا عند تفريغ الأوعية التي جعلوا فيها الطعام، وهم لا يفرغونها ms1836 ~~إلا عند الوصول إلى أهلهم، ثم علل معرفتهم للبضاعة المردودة إليهم، ~~المجعولة في رحالهم بقوله { لعلهم يرجعون } فإنهم إذا عرفوا ~~ذلك وعلموا أنهم أخذوا الطعام بلا ثمن، وأن ما دفعوه عوضا عنه قد رجع ~~إليهم، وتفضل به من وصلوا إليه عليهم، نشطوا إلى العود إليه، ولا سيما مع ~~ما هم فيه من الجدب الشديد، والحاجة إلى الطعام وعدم وجوده لديهم، فإن ~~ذلك من أعظم ما يدعوهم إلى الرجوع، وبهذا يظهر أن يوسف عليه السلام لم ~~يرد البضاعة إليهم إلا لهذا المقصد، وهو رجوعهم إليه، فلا يتم تعليل ~~ردها بغير ذلك، والرحال جمع رحل، والمراد به هنا ما يستصحبه الرجل معه ~~من الأثاث. # قال الواحدي الرحل كل شيء معد للرحيل من وعاء للمتاع، ومركب للبعير، ~~ومجلس ورسن انتهى. والمراد هنا الأوعية التي يجعلون فيها ما يمتارونه من ~~الطعام. قال ابن الأنباري يقال للوعاء رحل، وللبيت رحل. { فلما ~~رجعوا إلى أبيهم قالوا يأبانا منع منا الكيل } ~~أرادوا بهذا ما تقدم من قول يوسف لهم { فإن لم تأتونى به ~~فلا كيل لكم عندى } أي منع منا الكيل في المستقبل، وفيه دلالة ~~على أن الامتيار مرة بعد مرة معهود فيما بينهم وبينه، ولعلهم قالوا له ~~بهذه المقالة قبل أن يفتحوا متاعهم ويعلموا برد بضاعتهم كما يفيد ذلك ~~قوله فيما بعد { ولما فتحوا متعهم } إلى آخره، ثم ذكروا ~~له ما أمرهم به يوسف، فقالوا { فأرسل معنا أخانا } يعنون ~~بنيامين، و { نكتل } جواب الأمر، أي نكتل بسبب إرساله معنا ما نريده ~~من الطعام. قرأ أهل الحرمين، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم { نكتل } ~~بالنون، وقرأ سائر الكوفيون بالياء التحتية، واختار أبو عبيد القراءة ~~الأولى. قال ليكونون كلهم داخلين فيمن يكتال، وزعم أنه إذا كان بالياء ~~كان للأخ وحده، أي يكتال أخونا بنيامين، واعترضه النحاس مما حاصله أن ~~إسناد الكيل إلى الأخ لا ينافي كونه للجميع، والمعنى يكتال بنيامين لنا ~~جميعا. قال الزجاج أي إن أرسلته اكتلنا وإلا منعنا الكيل { وإنا ~~له } أي لأخيهم بنيامين { لحفظون } من أن ms1837 يصيبه سوء أو مكروه. ~~وجملة { قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على ~~أخيه من قبل } مستأنفة جواب سؤال مقدر كما تقدم في نظائر ذلك في ~~مواضع كثيرة، والمعنى أنه لا يأمنهم على بنيامين إلا كما أمنهم على أخيه ~~يوسف، وقد قالوا له في يوسف { وإنا له لحفظون } كما قالوا ~~هنا { وإنا له لحفظون } ثم خانوه في يوسف فهو إن أمنهم في ~~بنيامين خاف أن يخونوه فيه كما خانوه في يوسف { فالله خير ~~حفظا وهو أرحم الرحمين } لعل هنا إضمار والتقدير فتوكل ~~يعقوب على الله ودفعه إليهم، وقال { فالله خير حفظا }. قرأ أهل المدينة ~~" حفظا " وهو منتصب على التمييز. وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم، وابن عامر، ~~وقرأ سائر الكوفيين { حافظا } وهو منتصب على الحال. وقال الزجاج على ~~البيان يعني التمييز، ومعنى الآية أن حفظ الله إياه خير من حفظهم له، لما ~~وكل يعقوب حفظه إلى الله سبحانه حفظه وأرجعه إليه، ولما قال في يوسف { ~~وأخاف أن يأكله الذئب } وقع له من الامتحان ما وقع. { ~~ولما فتحوا متعهم } أي أوعية الطعام أو ما هو أعم من ذلك ~~مما يطلق عليه لفظ المتاع سواء كان الذي فيه طعاما أو غير طعام { ~~وجدوا بضعتهم ردت إليهم } أي البضاعة التي حملوها ~~إلى مصر ليمتاروا بها، وقد تقدم بيانها. # وجملة { قالوا يأبانا } مستأنفة كما تقدم { ما نبغى } " ما " ~~استفهامية والمعنى أي شيء نطلب من هذا الملك بعد أن صنع معنا ما صنع من ~~الإحسان برد البضاعة والإكرام عند القدوم إليه، وتوفير ما أردناه من ~~الميرة؟ ويكون الاستفهام للإنكار، وجملة { هذه بضعتنا ~~ردت إلينا } مقررة لما دل عليه الاستفهام من الإنكار لطلب شيء ~~مع كونها قد ردت إليهم. وقيل إن " ما " في { ما نبغي } نافية، أي ما ~~نبغي في القول، وما نتزيد فيما وصفنا لك من إحسان الملك إلينا وإكرامه ~~لنا، ثم برهنوا على ما لقوه من التزيد في وصف الملك بقولهم { هذه ~~بضعتنا ردت إلينا } فإن من تفضل عليهم برد ذلك حقيق ~~بالثناء عليه منهم، ms1838 مستحق لما وصفوه به. ومعنى { ونمير أهلنا }. ~~نجلب إليهم الميرة وهي الطعام، والمائر الذي يأتي بالطعام. وقرأ السلمي ~~بضم النون، وهو معطوف على مقدر يدل عليه السياق، والتقدير هذه بضاعتنا ~~ردت إلينا فنحن نستعين بها على الرجوع ونمير أهلنا. { ونحفظ ~~أخانا } بنيامين مما تخافه عليه { ونزداد } بسبب إرساله معنا { ~~كيل بعير } أي حمل بعير زائد على ما جئنا به هذه المرة، لأنه كان ~~يكال لكل رجل وقر بعير، ومعنى { ذلك كيل يسير } أن زيادة كيل ~~بعير لأخينا يسهل على الملك، ولا يمتنع علينا من زيادته له لكونه يسيرا ~~لا يتعاظمه ولا يضايقنا فيه. وقيل إن المعنى ذلك المكيل لأجلنا قليل نريد ~~أن ينضاف إليه حمل بعير لأخينا. واختار الزجاج الأول. وقيل إن هذا من ~~كلام يعقوب جوابا على ما قاله أولاده، { ونزداد كيل بعير } ~~يعني إن حمل بعير شيء يسير لا يخاطر لأجله بالولد، وهو ضعيف لأن جواب ~~يعقوب هو { قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا ~~من الله } أي حتى تعطوني ما أثق به، وأركن إليه من جهة الله سبحانه، ~~وهو الحلف به، واللام في { لتأتننى به } جواب القسم لأن معنى { ~~حتى تؤتون موثقا من الله } حتى تحلفوا بالله لتأتنني به ~~أي لتردن بنيامين إلي. والاستثناء بقوله { إلا أن يحاط بكم } ~~هو من أعم العام لأن { لتأتننى به } وإن كان كلاما مثبتا فهو ~~في معنى النفي، فكأنه قال لا تمنعون من إتياني به في حال من الأحوال لعلة ~~من العلل إلا لعلة الإحاطة بكم، والإحاطة مأخوذة من إحاطة العدو، ومن ~~أحاط به العدو فقد غلب أو هلك. فأخذ يعقوب عليهم العهد بأن يأتوه ~~ببنيامين إلا أن تغلبوا عليه أو تهلكوا دونه، فيكون ذلك عذرا لكم عندي ~~{ فلما ءاتوه موثقهم } أي أعطوه ما طلبه منهم من اليمين { ~~قال الله على ما نقول وكيل } أي قال يعقوب الله على ما ~~قلناه من طلبي الموثق منكم وإعطائكم لي ما طلبته منكم مطلع رقيب لا يخفى ~~عليه منه خافية، فهو المعاقب لمن خاس ms1839 في عهده، وفجر في الحلف به، أو ~~موكول إليه القيام بما شهد عليه منا. # وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس قال إن إخوة ~~يوسف لما دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون، جاء بصواع الملك الذي كان ~~يشرب فيه، فوضعه على يده فجعل ينقره ويطن، وينقره ويطن، فقال إن هذا ~~الجام ليخبرني عنكم خبرا، هل كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف؟ وكان ~~أبوه يحبه دونكم، وإنكم انطلقتم به فألقيتموه في الجب، وأخبرتم أباكم أن ~~الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدم كذب؟ قال فجعل بعضهم ينظر إلى بعض ~~ويعجبون. وأخرج أبو الشيخ عن وهيب قال لما جعل يوسف ينقر الصواع ويخبرهم، ~~قام إليه بعض إخوته فقال أنشدك بالله أن لا تكشف لنا عورة. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { ائتونى بأخ ~~لكم من أبيكم } قال يعني بنيامين، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { وأنا خير ~~المنزلين } قال خير من يضيف بمصر. وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله ~~{ لفتيانه } أي لغلمانه { اجعلوا بضعتهم } أي أوراقهم. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ما نبغى ~~هذه بضعتنا ردت إلينا } يقولون ما نبغي وراء هذا { ~~ونزداد كيل بعير } أي حمل بعير. وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، ~~وابن المنذر عن مجاهد { ونزداد كيل بعير } قال حمل حمار، قال ~~وهي لغة. قال أبو عبيد يعني هذا أن الحمار يقال له في بعض اللغات بعير. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ ~~عن مجاهد في قوله { إلا أن يحاط بكم } قال تهلكوا جميعا. وفي ~~قوله { فلما ءاتوه موثقهم } قال عهدهم. وأخرج عبد الرزاق، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { إلا أن ~~يحاط بكم } قال إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك. ### || [12.67-76] # لما تجهز أولاد يعقوب ms1840 للمسير إلى مصر خاف عليهم أبوهم أن تصيبهم العين ~~لكونهم كانوا ذوي جمال ظاهر، وثياب حسنة مع كونهم أولاد رجل واحد، فنهاهم ~~أن يدخلوا مجتمعين من باب واحد، لأن في ذلك مظنة لإصابة الأعين لهم، ~~وأمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة، ولم يكتف بقوله { لا تدخلوا من ~~باب واحد } عن قوله { وادخلوا من أبواب متفرقة } ~~لأنهم لو دخلوا من بابين مثلا كانوا قد امتثلوا النهي عن الدخول من باب ~~واحد، ولكنه لما كان في الدخول من بابين مثلا نوع اجتماع يخشى معه أن ~~تصيبهم العين، أمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة، قيل وكانت أبواب مصر ~~أربعة. وقد أنكر بعض المعتزلة كأبي هاشم، والبلخي، أن للعين تأثيرا، ~~وقالا لا يمتنع أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به كانت المصلحة له ~~في تكليفه أن يغير الله ذلك الشيء حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف معلقا به. ~~وليس هذا بمستنكر من هذين وأتباعهما، فقد صار دفع أدلة الكتاب والسنة ~~بمجرد الاستبعادات العقلية دأبهم وديدنهم، وأي مانع من إصابة العين ~~بتقدير الله سبحانه لذلك؟ وقد وردت الأحاديث الصحيحة بأن العين حق، ~~وأصيب بها جماعة في عصر النبوة، ومنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وأعجب من إنكار هؤلاء لما وردت به نصوص هذه الشريعة ما يقع من بعضهم من ~~الإزراء على من يعمل بالدليل المخالف لمجرد الاستبعاد العقلي والتنطع في ~~العبارات كالزمخشري في تفسيره، فإنه في كثير من المواطن لا يقف على دفع ~~دليل الشرع بالاستبعاد الذي يدعيه على العقل حتى يضم إلى ذلك الوقاحة ~~في العبارة على وجه يوقع المقصرين في الأقوال الباطلة، والمذاهب الزائفة، ~~وبالجملة فقول هؤلاء مدفوع بالأدلة المتكاثرة وإجماع من يعتد به من هذه ~~الأمة سلفا وخلفا، وبما هو مشاهد في الوجود، فكم من شخص من هذا النوع ~~الإنساني وغيره من أنواع الحيوان هلك بهذا السبب. وقد اختلف العلماء فيمن ~~عرف بالإصابة بالعين، فقال قوم يمنع من الاتصال بالناس دفعا لضرره بحبس ~~أو غيره من لزوم بيته. وقيل ينفي، ms1841 وأبعد من قال إنه يقتل، إلا إذا كان ~~يتعمد ذلك، وتتوقف إصابته على اختياره وقصده ولم ينزجر عن ذلك، فإنه إذا ~~قتل كان له حكم القاتل. ثم قال يعقوب لأولاده { وما أغنى عنكم ~~من الله من شىء } أي لا أدفع عنكم ضررا ولا أجلب إليكم نفعا ~~بتدبيري هذا، بل ما قضاه الله عليكم فهو واقع لا محالة. قال الزجاج وابن ~~الأنباري لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم مع الاجتماع لكان تفرقهم ~~كاجتماعهم. وقال آخرون ما كان يغني عنهم يعقوب شيئا قط، حيث أصابهم ما ~~أصابهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم، ثم صرح يعقوب بأنه لا حكم إلا ~~لله سبحانه فقال { إن الحكم إلا لله } لا لغيره ولا يشاركه فيه ~~مشارك في ذلك { عليه توكلت } في كل إيراد وإصدار لا على غيره ~~أي اعتمدت ووثقت { وعليه } لا على غيره { فليتوكل ~~المتوكلون } على العموم، ويدخل فيه أولاده دخولا أوليا. # { ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم } أي من الأبواب ~~المتفرقة ولم يجتمعوا داخلين من باب واحد. وجواب لما { ما كان ~~يغنى عنهم } ذلك الدخول { من الله } أي من جهته { من شىء ~~} من الأشياء مما قدره الله عليهم لأن الحذر لا يدفع القدر، والاستثناء ~~بقوله { إلا حاجة فى نفس يعقوب قضاها } منقطع، والمعنى ~~ولكن حاجة كانت في نفس يعقوب، وهي شفقته عليهم، ومحبته لسلامتهم، قضاها ~~يعقوب، أي أظهرها لهم، ووصاهم بها غير معتقد أن للتدبير الذي دبره لهم ~~تأثيرا في دفع ما قضاه الله عليهم. وقيل إنه خطر ببال يعقوب أن الملك ~~إذا رآهم مجتمعين مع ما يظهر فيهم من كمال الخلقة، وسيما الشجاعة أوقع ~~بهم حسدا وحقدا أو خوفا منهم، فأمرهم بالتفرق لهذه العلة. وقد اختار ~~هذا النحاس وقال لا معنى للعين ها هنا. وفيه أن هذا لو كان هو السبب ~~لأمرهم بالتفرق، ولم يخص النهي عن ذلك بالاجتماع عند الدخول من باب ~~واحد لأن هذا الحسد أو الخوف يحصل باجتماعهم داخل المدينة، كما يحصل ~~باجتماعهم عند الدخول من باب ms1842 واحد. وقيل إن الفاعل في { قضاها } ضمير ~~يعود إلى الدخول لا إلى يعقوب. والمعنى ما كان الدخول يغني عنهم من جهة ~~الله شيئا، ولكنه قضى ذلك الدخول حاجة في نفس يعقوب لوقوعه حسب إرادته { ~~وإنه لذو علم لما علمناه } أي وإن يعقوب لصاحب علم ~~لأجل تعليم الله إياه بما أوحاه الله من أن الحذر لا يدفع القدر، وأن ما ~~قضاه الله سبحانه فهو كائن لا محالة. { ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون } بذلك كما ينبغي. وقيل لا يعلمون أن الحذر مندوب إليه، ~~وإن كان لا يغني من القدر شيئا، والسياق يدفعه. وقيل المراد بأكثر الناس ~~المشركون. { ولما دخلوا على يوسف أوى إليه أخاه } ~~أي ضم إليه أخاه بنيامين، قيل إنه أمر بإنزال كل اثنين في منزل فبقي ~~أخوه منفردا فضمه إليه و { قال إنى أنا أخوك } يوسف، قال له ~~ذلك سرا، من دون أن يطلع عليه إخوته { فلا تبتئس } أي فلا تحزن ~~{ بما كانوا يعملون } أي إخوتك من الأعمال الماضية التي عملوها ~~وقيل إنه لم يخبره بأنه يوسف، بل قال له إني أخوك مكان أخيك يوسف فلا ~~تحزن بما كنت تلقاه منهم من الجفاء حسدا وبغيا. # وقيل إنه أخبره بما سيدبره معهم من جعل السقاية في رحله. فقال لا أبالي، ~~وقيل إنه لما أخبر يوسف أخاه بنيامين بأنه أخوه قال لا تردني إليهم، ~~فقال قد علمت اغتمام أبينا يعقوب، فإذا حبستك عندي ازداد غمه، فأتى ~~بنيامين فقال له يوسف لا يمكن حبسك عندي إلا بأن أنسبك إلى ما لا يجمل ~~بك، فقال لا أبالي، فدس الصاع في رحله، وهو المراد بالسقاية وأصلها ~~المشربة التي يشرب بها جعلت صاعا يكال به. وقيل كان تسقى بها الدواب ~~ويكال بها الحب، وقيل كانت من فضة. وقيل كانت من ذهب، وقيل غير ذلك. وقد ~~تقدم تفسير الجهاز والرحل، والمعنى أنه جعل السقاية التي هو الصواع في ~~رحل أخيه الذي هو الوعاء الذي يجعل فيه ما يشتريه من الطعام من مصر { ~~ثم } بعد ذلك { أذن مؤذن ms1843 } أي نادى مناد قائلا { أيتها ~~العير } قال الزجاج معناه يا أصحاب العير، وكل ما امتير عليه من الإبل ~~والحمير والبغال فهو عير. وقيل هي قافلة الحمير. وقال أبو عبيدة العير ~~الإبل المرحولة المركوبة { إنكم لسارقون } نسبة السرق إليهم ~~على حقيقتها لأن المنادي غير عالم بما دبره يوسف. وقيل إن المعنى إن ~~حالكم حال السارقين كون الصواع صار لديكم من غير رضا من الملك. { ~~قالوا } أي إخوة يوسف { وأقبلوا عليهم } أي حال كونهم ~~مقبلين على من نادى منهم المنادي من أصحاب الملك { ماذا تفقدون } ~~أي ما الذي فقدتموه؟ يقال فقدت الشيء إذا عدمته بضياع أونحوه، فكأنهم ~~قالوا ماذا ضاع عليكم؟ وصيغة المستقبل لاستحضار الصورة { قالوا } في ~~جوابهم { نفقد صواع الملك }. قرأ يحيى بن يعمر " صواغ " ~~بالغين المعجمة، وقرأ أبو رجاء " صوع " بضم الصاد المهملة وسكون الواو ~~بعدها عين مهملة. وقرأ أبي " صياع ". وقرأ أبو جعفر " صاع " ، وبها قرأ ~~أبو هريرة، وقرأ الجمهور { صواع } بالصاد والعين المهملتين، قال الزجاج ~~الصواع هو الصاع بعينه، وهو يذكر ويؤنث، وهو السقاية، ومنه قول الشاعر # نشرب الخمر بالصواع جهارا # { ولمن جاء به حمل بعير } أي قالوا ولمن جاء بالصواع من جهة ~~نفسه حمل بعير. والبعير الجمل، وفي لغة بعض العرب أنه الحمار، والمراد ~~بالحمل ها هنا ما يحمله البعير من الطعام، ثم قال المنادي { وأنا ~~به زعيم } أي بحمل البعير الذي جعل لمن جاء بالصواع قبل التفتيش ~~للأوعية، والزعيم هو الكفيل، ولعل القائل { نفقد صواع الملك } هو ~~المنادي، وإنما نسب القول إلى الجماعة لكونه واحدا منهم، ثم رجع الكلام ~~إلى نسبة القول إلى المنادي وحده، لأنه القائل بالحقيقة. # { قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد فى ~~الأرض } التاء بدل من واو القسم عند الجمهور. وقيل من الباء، وقيل أصل ~~بنفسها، ولا تدخل إلا على هذا الاسم الشريف دون سائر أسمائه سبحانه، وقد ~~دخلت نادرا على الرب، وعلى الرحمن، والكلام على هذا مستوفي في علم ~~الإعراب، وجعلوا المقسم عليه هو علم يوسف وأصحابه بنزاهة جانبهم، وطهارة ~~ذيلهم، ms1844 عن التلوث بقذر الفساد في الأرض، الذي من أعظم أنواعه السرقة. ~~لأنهم قد شاهدوا منهم في قدومهم عليه المرة الأولى، وهذه المرة من ~~التعفف والزهد عما هو دون السرقة، بمراحل ما يستفاد منه العلم الجازم ~~بأنهم ليسوا بمن يتجارأ على هذا النوع العظيم من أنواع الفساد، ولو لم ~~يكن من ذلك إلا ردهم لبضاعتهم التي وجدوها في رحالهم، والمراد بالأرض ~~هنا أرض مصر. ثم أكدوا هذه الجملة التي أقسموا بالله عليها بقولهم { ~~وما كنا سرقين } لزيادة التبري مما قذفوهم به والتنزه عن هذه ~~النقيصة الخسيسة والرذيلة الشنعاء. { قالوا فما جزاؤه إن ~~كنتم كذبين } هذه الجملة مستأنفة كما تقدم غير مرة في ~~نظائرها. والقائلون هم أصحاب يوسف، أو المنادي منهم وحده كما مر، ~~والضمير في { جزاؤه } للصواع على حذف مضاف أي فما جزاء سرقة الصواع ~~عندكم، أو الضمير للسارق، أي فما جزاء سارق الصواع عندكم { إن كنتم ~~كذبين } فيما تدعونه لأنفسكم من البراءة عن السرقة، وذلك بأن يوجد ~~الصواع معكم، فأجاب أخوة يوسف وقالوا { جزاؤه من وجد فى رحله ~~فهو جزاؤه } أي جزاء سرقة الصواع، أو جزاء سارق الصواع. وجزاؤه ~~مبتدأ، والجملة الشرطية وهي { من وجد في رحله فهو جزاؤه } خبر المبتدأ، ~~على إقامة الظاهر مقام المضمر فيها، والأصل جزاؤه من وجد في رحله فهو، ~~فيكون الضمير الثاني عائدا إلى المبتدأ، والأول إلى " من " ، ويجوز أن ~~يكون خبر المبتدأ و { من وجد في رحله } والتقدير جزاء السرقة للصواع أخذ ~~من وجد في رحله، وتكون جملة { فهو جزاؤه } لتأكيد الجملة الأولى، ~~وتقريرها. قال الزجاج وقوله { فهو جزاؤه } زيادة في البيان أي ~~جزاؤه أخذ السارق فهو جزاؤه لا غير. قال المفسرون وكان حكم السارق في آل ~~يعقوب أن يسترق سنة، فلذلك استفتوهم في جزائه { كذلك نجزى ~~الظلمين } أي مثل ذلك الجزاء الكامل نجزي الظالمين لغيرهم من ~~الناس بسرقة أمتعتهم، وهذه الجملة مؤكدة لما قبلها إذا كانت من كلام إخوة ~~يوسف، ويجوز أن تكون من كلام أصحاب يوسف، أي كذلك نحن نجزي الظالمين ~~بالرق. ms1845 ثم لما ذكروا جزاء السارق أرادوا أن يفتشوا أمتعتهم حتى يتبين ~~الأمر، فأقبل يوسف على ذلك، فبدأ بتفتيش { أوعيتهم } أي أوعية الإخوة ~~العشرة { قبل وعاء أخيه } أي قبل تفتيشه لوعاء أخيه بنيامين ~~دفعا للتهمة ورفعا لما دبره من الحيلة { ثم استخرجها } أي ~~السقاية أو الصواع لأنه يذكر ويؤنث { كذلك كدنا ليوسف } أي ~~مثل ذلك الكيد العجيب كدنا ليوسف يعني علمناه إياه أوحيناه إليه، والكيد ~~مبدؤه السعي في الحيلة والخديعة، ونهايته إلقاء المخدوع من حيث لا يشعر ~~في أمر مكروه لا سبيل إلى دفعه، وهو محمول في حق الله سبحانه على النهاية ~~لا على البداية، قال القتيبي معنى { كدنا } دبرنا، وقال ابن الأنباري ~~أردنا. # وفي الآية دليل على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة ~~الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعا ثابتا. { ما كان ليأخذ ~~أخاه فى دين الملك } أي ما كان يوسف ليأخذ أخاه بنيامين في دين ~~الملك، أي ملك مصر، وفي شريعته التي كان عليها، بل كان دينه وقضاؤه أن ~~يضرب السارق ويغرم ضعف ما سرقه دون الاستعباد سنة، كما هو دين يعقوب ~~وشريعته، وحاصله أن يوسف ما كان يتمكن من إجراء حكم يعقوب على أخيه مع ~~كونه مخالفا لدين الملك وشريعته لولا ما كاد الله له ودبره وأراده حتى ~~وجد السبيل إليه، وهو ما أجراه على ألسن إخوته من قولهم إن جزاء السارق ~~الاسترقاق، فكان قولهم هذا هو بمشيئة الله وتدبيره، وهو معنى قوله { ~~إلا أن يشاء الله } أي إلا حال مشيئته وإذنه بذلك وإرادته له، ~~وهذه الجملة أعني { ما كان ليأخذ أخاه } إلخ، تعليل لما صنعه الله من ~~الكيد ليوسف، أو تفسير له { نرفع درجت من نشاء } بضروب ~~العلوم والمعارف والعطايا والكرامات كما رفعنا درجة يوسف بذلك { وفوق ~~كل ذى علم } ممن رفعه الله بالعلم { عليم } أرفع رتبة منهم ~~وأعلى درجة لا يبلغون مداه، ولا يرتقون شأوه. وقيل معنى ذلك أن فوق كل ~~أهل العلم عليم وهو الله سبحانه. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي ms1846 حاتم عن ~~ابن عباس في قوله { وقال يا بنى لا تدخلوا من باب واحد ~~} قال رهب يعقوب عليهم العين. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن ~~المنذر عن محمد بن كعب قال خشي عليهم العين. وأخرج سعيد بن منصور، وابن ~~المنذر، وأبو الشيخ عن النخعي في قوله { وادخلوا من أبواب ~~متفرقة } قال أحب يعقوب أن يلقى يوسف أخاه في خلوة. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في ~~قوله { إلا حاجة فى نفس يعقوب قضاها } قال خيفة العين ~~على بنيه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ~~وإنه لذو علم لما علمناه } قال إنه لعامل بما علم، ومن ~~لا يعمل لا يكون عالما. وأخرج هؤلاء عنه في قوله { آوى إليه ~~أخاه } قال ضمه إليه، وفي قوله { فلا تبتئس } قال لا تحزن ولا ~~تيأس، وفي قوله { فلما جهزهم بجهازهم } قال قضى حاجتهم، ~~وكال لهم طعامهم، وفي قوله { جعل السقاية } قال هو إناء الملك ~~الذي يشرب منه { فى رحل أخيه } قال في متاع أخيه. # وأخرج ابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس في قوله { ~~جعل السقاية } قال هو الصواع، وكل شيء يشرب منه فهو صواع. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، ~~ابن أبي حاتم عن ابن زيد نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن مجاهد في قوله { أيتها العير } قال كانت العير حميرا. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله ~~{ ولمن جاء به حمل بعير } قال حمل حمار طعام، وهي لغة. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { وأنا به زعيم } ~~يقول كفيل. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والضحاك ~~مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس في ~~قوله { ما جئنا لنفسد فى الارض } يقول ms1847 ما جئنا لنعصي في ~~الأرض. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { فما ~~جزاؤه } قال عرفوا الحكم في حكمهم فقالوا من وجد في رحله فهو جزاؤه. ~~وكان الحكم عند الأنبياء يعقوب وبنيه أن يؤخذ السارق بسرقته عبدا ~~يسترق. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن قتادة في قوله { فبدأ بأوعيتهم } قال ذكر لنا أنه ~~كان كلما فتح متاع رجل استغفر تأثما مما صنع حتى بقي متاع الغلام قال ما ~~أظن أن هذا أخذ شيئا. قالوا بلى فاستبره. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { كذلك كدنا ~~ليوسف } قال كذلك صنعنا ليوسف { ما كان ليأخذ أخاه فى ~~دين الملك } يقول في سلطان الملك. قال كان في دين ملكهم أنه من سرق ~~أخذت منه السرقة ومثلها معها من ماله فيعطيه المسروق. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { ما كان ليأخذ ~~أخاه فى دين الملك } يقول في سلطان الملك. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { إلا أن ~~يشاء الله } قال إلا بعلة كادها الله ليوسف فاعتل بها. وأخرج ابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه في قوله { نرفع درجت ~~من نشاء } قال يوسف وإخوته أوتوا علما فرفعنا يوسف في العلم فوقهم ~~درجة. # وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ~~سعيد بن جبير قال كنا عند ابن عباس فحدث بحديث، فقال رجل عنده { وفوق ~~كل ذى علم عليم } فقال ابن عباس بئس ما قلت. الله العليم ~~الخبير، وهو فوق كل عالم. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب قال سأل رجل ~~عليا عن مسألة، فقال فيها، فقال الرجل ليس هكذا ولكن كذا وكذا، قال علي ~~أصبت وأخطأت { وفوق كل ذى علم عليم }. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في ms1848 الأسماء والصفات عن ~~عكرمة في قوله { وفوق كل ذي علم عليم } قال علم الله فوق كل ~~عالم. ### || [12.77-82] # قوله { قالوا إن يسرق } أي بنيامين { فقد سرق أخ له ~~من قبل } يعنون يوسف. وقد اختلف المفسرون في هذه السرقة التي نسبوها ~~إلى يوسف ما هي؟ فقيل إنه كان ليوسف عمة هي أكبر من يعقوب، وكانت عندها ~~منطقة إسحاق لكونها أسن أولاده وكانوا يتوارثونها فيأخذها الأكبر سنا، ~~من ذكر أو أنثى، وكانت قد حضنت يوسف وأحبته حبا شديدا، فلما ترعرع قال ~~لها يعقوب سلمي يوسف إلي فأشفقت من فراقه، واحتالت في بقائه لديها، ~~فجعلت المنطقة تحت ثيابه وحزمته بها، ثم قالت قد سرقت منطقة إسحاق ~~فانظروا من سرقها، فبحثوا عنها فوجدوها مع يوسف فأخذته عندها كما هو شرع ~~الأنبياء في ذلك الوقت من آل إبراهيم. وقد سبق بيان شريعتهم في السرقة، ~~وقيل إن يوسف أخذ صنما كان لجده - أبي أمه - فكسره وألقاه على الطريق ~~تغييرا للمنكر. وحكي عن الزجاج أنه كان صنما من ذهب. وحكى الواحدي عن ~~الزجاج أنه قال الله أعلم، أسرق أخ له أم لا؟ وحكى القرطبي في تفسيره عن ~~الزجاج أنه قال كذبوا عليه فيما نسبوه إليه، قلت وهذا أولى، فما هذه ~~الكذبة بأول كذباتهم، وقد قدمنا ما يدفع قول من قال إنهم قد كانوا ~~أنبياء عند صدور هذه الأمور منهم. قوله { فأسرها يوسف فى ~~نفسه } قال الزجاج وغيره الضمير في أسرها يعود إلى الكلمة أو ~~الجملة، كأنه قيل فأسر الجملة في نفسه { ولم يبدها لهم } ثم ~~فسرها بقوله { قال أنتم شر مكانا } وقد رد أبو علي ~~الفارسي هذا فقال إن هذا النوع من الإضمار على شريطة التفسير غير مستعمل. ~~وقيل الضمير عائد إلى الإجابة، أي أسر يوسف إجابتهم في ذلك الوقت إلى ~~وقت آخر، وقيل أسر في نفسه قولهم { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل }. ~~وهذا هو الأولى، ويكون معنى { ولم يبدها لهم } أنه لم يبد لهم ~~هذه المقالة التي أسرها في نفسه بأن يذكر لهم ms1849 صحتها، أو بطلانها، وجملة ~~{ قال أنتم شر مكانا } مفسرة على القول الأول، ومستأنفة ~~على القولين الآخرين، كأنه قيل فماذا قال يوسف لما قالوا هذه المقالة؟ أي ~~{ أنتم شر مكانا } أي موضعا ومنزلا ممن نسبتموه إلى السرقة وهو بريء، ~~فإنكم قد فعلتم ما فعلتم من إلقاء يوسف إلى الجب، والكذب على أبيكم وغير ~~ذلك من أفاعيلكم، ثم قال { والله أعلم بما تصفون } من ~~الباطل بنسبة السرقة إلى يوسف، وأنه لا حقيقة لذلك. ثم أرادوا أن ~~يستعطفوه ليطلق له أخاهم بنيامين يكون معهم يرجعون به إلى أبيهم لما ~~تقدم من أخذه الميثاق عليهم بأن يردوه إليه، فقالوا { يأيها العزيز ~~إن له أبا شيخا كبيرا } أي إن لبنيامين هذا أبا متصفا ~~بهذه الصفة، وهي كونه شيخا كبيرا لا يستطيع فراقه ولا يصبر عنه، ولا ~~يقدر على الوصول إليه { فخذ أحدنا مكانه } يبقى لديك، فإن له ~~منزلة في قلب أبيه ليست لواحد منا فلا يتضرر بفراق أحدنا كما لا يتضرر ~~بفراق بنيامين، ثم عللوا ذلك بقوله { إنا نراك من المحسنين ~~} إلى الناس كافة، وإلينا خاصة، فنعم إحسانك إلنيا بإجابتنا إلى هذا ~~المطلب، فأجاب يوسف عليهم بقوله { معاذ الله أن نأخذ إلا ~~من وجدنا متعنا عنده } أي نعوذ بالله معاذا، فهو مصدر ~~منصوب بفعل محذوف، والمستعيذ بالله هو المعتصم به، وأن نأخذ منصوب بنزع ~~الخافض، والأصل من أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده، وهو بنيامين لأنه ~~الذي وجد الصواع في رحله فقد حل لنا استعباده بفتواكم التي أفتيتموها ~~بقولكم { جزاؤه من وجد فى رحله فهو جزاؤه }. # { إنا إذا لظلمون } أي إنا إذا أخذنا غير من وجدنا متاعنا ~~عنده لظالمون في دينكم وما تقتضيه فتواكم. { فلما استيأسوا منه } أي ~~يئسوا من يوسف وإسعافهم منه إلى مطلبهم الذي طلبوه، والسين والتاء ~~للمبالغة { خلصوا نجيا } أي انفردوا حال كونهم متناجين فيما ~~بينهم، وهو مصدر يقع على الواحد والجمع كما في قوله # وقربناه نجيا # مريم 52. قال الزجاج معناه انفردوا وليس معهم أخوهم متناجين فيما يعملون ~~به في ذهابهم ms1850 إلى أبيهم من غير أخيهم { قال كبيرهم } ، قيل هو " ~~روبيل " لأنه الأسن، وقيل " يهوذا " لأنه الأوفر عقلا، وقيل " شمعون " ~~لأنه رئيسهم { ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ ~~عليكم موثقا من الله } أي عهدا من الله في حفظ ابنه ~~ورده إليه، ومعنى كونه من الله أنه بإذنه { ومن قبل ما فرطتم ~~فى يوسف } معطوف على ما قبله. والتقدير ألم تعلموا أن أباكم وتعلموا ~~تفريطكم في يوسف، ذكر هذا النحاس وغيره، و { من قبل } متعلقة ب { تعلموا ~~} أي وتعلموا تفريطكم في يوسف من قبل، على أن " ما " مصدرية، ويجوز أن ~~تكون زائدة، وقيل { ما فرطتم } مرفوع المحل على الابتداء، وخبره { من ~~قبل } وقيل إن " ما " موصولة، أو موصوفة، وكلاهما في محل النصب أو الرفع، ~~وما ذكرناه هو الأولى، ومعنى { فرطتم } قصرتم في شأنه، ولم تحفظوا عهد ~~أبيكم فيه { فلن أبرح الأرض }. يقال برح براحا وبروحا، أي ~~زال، فإذا دخله النفي صار مثبتا أي لن أبرح من الأرض، بل ألزمها ولا ~~أزال مقيما فيها { حتى يأذن لى أبى } في مفارقتها والخروج ~~منها، وإنما قال ذلك لأنه يستحي من أبيه أن يأتي إليه بغير ولده الذي أخذ ~~عليهم الموثق بإرجاعه إليه إلا أن يحاط بهم كما تقدم، { أو يحكم ~~الله لى } بمفارقتها والخروج منها، وقيل المعنى أو يحكم الله لي ~~بخلاص أخي من الأسر حتى يعود إلى أبي وأعود معه، وقيل المعنى أو يحكم ~~الله لي بالنصر على من أخذ أخي فأحاربه وآخذ أخي منه، أو أعجز فأنصرف بعد ~~ذلك { وهو خير الحكمين } لأن أحكامه لا تجري إلا على ما ~~يوافق الحق، ويطابق الصواب. # ثم قال كبيرهم مخاطبا لهم { ارجعوا إلى أبيكم فقولوا ~~يأبانا إن ابنك سرق } قرأ الجمهور { سرق } على البناء ~~للفاعل، وذلك لأنهم قد شاهدوا استخراج الصواع من وعائه. وقرأ ابن عباس ~~والضحاك وأبو رزين على البناء للمفعول، وروى ذلك النحاس عن الكسائي. قال ~~الزجاج إن سرق يحتمل معنيين أحدهما علم منه السرق، والآخر اتهم بالسرق { ~~وما شهدنا إلا بما علمنا } من ms1851 استخراج الصواع من وعائه، ~~وقيل المعنى ما شهدنا عند يوسف بأن السارق يسترق إلا بما علمنا من شريعتك ~~وشريعة آبائك { وما كنا للغيب حفظين } حتى يتضح لنا هل ~~الأمر على ما شاهدناه أو على خلافه؟ وقيل المعنى ما كنا وقت أخذنا له منك ~~ليخرجا معنا إلى مصر للغيب حافظين بأنه سيقع منه السرق الذي افتضحنا به. ~~وقيل الغيب هو الليل، ومرادهم أنه سرق وهم نيام، وقيل مرادهم أنه فعل ذلك ~~وهو غائب عنهم، فخفي عليهم فعله. { واسئل القرية التى كنا ~~فيها } هذا من تمام قول كبيرهم لهم أي قولوا لأبيكم أسأل القرية التي ~~كنا فيها أي مصر، والمراد أهلها أي أسأل أهل القرية وقيل هي قرية من قرى ~~مصر نزلوا فيها وامتاروا منها. وقيل المعنى واسأل القرية نفسها وإن كانت ~~جمادا فإنك نبي الله، والله سبحانه سينطقها فتجيبك. ومما يؤيد هذا أنه ~~قال سيبويه لا يجوز كلم هندا وأنت تريد غلام هند { والعير التى ~~أقبلنا فيها } أي وقولوا لأبيكم اسأل العير التي أقبلنا فيها أي ~~أصحابها وكانوا قوما معروفين من جيران يعقوب { وإنا لصدقون } ~~فيما قلنا. جاءوا بهذه الجملة مؤكدة هذا التأكيد، لأن ما قد تقدم منهم ~~مع أبيهم يعقوب يوجب كمال الريبة في خبرهم هذا عند السامع. وقد أخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله { إن يسرق فقد سرق أخ ~~له من قبل } قال يعنون يوسف. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال ~~سرق مكحلة لخالته، يعني يوسف. وأخرج أبو الشيخ عن عطية قال سرق في صباه ~~ميلين من ذهب. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " سرق يوسف صنما لجده - أبى أمه - من ذهب وفضة فكسره وألقاه على ~~الطريق فعيره بذلك إخوته " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن سعيد بن ~~جبير مثله غير مرفوع، وقد روى نحوه عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فأسرها يوسف فى ms1852 ~~نفسه } قال أسر في نفسه قوله { أنتم شر مكانا والله ~~أعلم بما تصفون }. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وأبو الشيخ عن قتادة مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق في قوله { فلما ~~استيأسوا منه } قال أيسوا منه، ورأوا شدته في أمره. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { خلصوا نجيا } قال وحدهم. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ~~مجاهد في قوله { قال كبيرهم } قال " شمعون " الذي تخلف، أكبرهم ~~عقلا، وأكبر منه في الميلاد " روبيل ". وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ عن قتادة قال كبيرهم هو " روبيل " ، وهو الذي كان نهاهم عن ~~قتله، وكان أكبر القوم. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله { أو ~~يحكم الله لى } قال أقاتل بسيفي حتى أقتل. وأخرج ابن جرير، وأبو ~~الشيخ عن أبي صالح نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ~~عكرمة { وما كنا للغيب حفظين } قال ما كنا نعلم أن ابنك ~~يسرق. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { ~~واسئل القرية } قال يعنون مصر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ عن قتادة مثله. ### || [12.83-88] # قوله { قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا } أي زينت، ~~والأمر هنا قولهم { إن ابنك سرق } وما سرق في الحقيقة، وقيل ~~المراد بالأمر إخراجهم بنيامين، والمضي به إلى مصر طلبا للمنفعة فعاد ~~ذلك بالمضرة. وقيل التسويل التخييل، أي خيلت لكم أنفسكم أمرا لا أصل ~~له. وقيل الأمر الذي سولت لهم أنفسهم فتياهم بأن السارق يؤخذ بسرقته، ~~والإضراب هنا هو باعتبار ما أثبتوه من البراءة لأنفسهم، لا باعتبار أصل ~~الكلام فإنه صحيح، والجملة مستأنفة مبنية على سؤال مقدر كغيرها، وجملة { ~~فصبر جميل } خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف أي فأمري صبر ~~جميل، أو فصبر جميل أجمل بي، وأولى لي، والصبر الجميل هو الذي ms1853 لا يبوح ~~صاحبه بالشكوى، بل يفوض أمره إلى الله ويسترجع، وقد ورد أن الصبر عند ~~أول الصدمة { عسى الله أن يأتينى بهم جميعا } أي بيوسف ~~وأخيه بنيامين، والأخ الثالث الباقي بمصر، وهو كبيرهم كما تقدم، وإنما ~~قال هكذا لأنه قد كان عنده أن يوسف لم يمت، وأنه باق على الحياة وإن غاب ~~عنه خبره { إنه هو العليم } بحالي، { الحكيم } فيما يقضي ~~به { وتولى عنهم } أي أعرض عنهم، وقطع الكلام معهم وقال { يا ~~أسفا على يوسف }. قال الزجاج الأصل يا أسفي، فأبدل من الياء ألفا لخفة ~~الفتحة، والأسف شدة الجزع. وقيل شدة الحزن، ومنه قول كثير # فيا أسفا للقلب كيف انصرافه وللنفس لما سليت فتسلت # قال يعقوب هذه المقالة لما بلغ منه الحزن غاية مبالغة بسبب فراقه ليوسف، ~~وانضمام فراقه لأخيه بنيامين، وبلوغ ما بلغه من كونه أسيرا عند ملك مصر، ~~فتضاعفت أحزانه، وهاج عليه الوجد القديم بما أثاره من الخبر الأخير. وقد ~~روي عن سعيد بن جبير أن يعقوب لم يكن عنده ما ثبت في شريعتنا من ~~الاسترجاع، والصبر على المصائب، ولو كان عنده ذلك لما قال { يا أسفا على ~~يوسف }. ومعنى المناداة للأسف طلب حضوره، كأنه قال تعال يا أسفي، وأقبل ~~إلي { وابيضت عيناه من الحزن } أي انقلب سواد عينيه ~~بياضا من كثرة البكاء. قيل إنه زال إدراكه بحاسة البصر بالمرة. وقيل كان ~~يدرك إدراكا ضعيفا. وقد قيل في توجيه ما وقع من يعقوب عليه السلام من ~~هذا الحزن العظيم المفضي إلى ذهاب بصره كلا أو بعضا بأنه إنما وقع منه ~~ذلك لأنه علم أن يوسف حي، فخاف على دينه مع كونه بأرض مصر وأهلها حينئذ ~~كفار. وقيل إن مجرد الحزن ليس بمحرم، وإنما المحرم ما يفضي منه إلى ~~الوله وشق الثياب والتكلم بما لا ينبغي، وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم عند موت ولده إبراهيم # " تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا ~~إبراهيم لمحزنون " # ويؤيد هذا قوله { فهو كظيم } أي مكظوم، فإن ms1854 معناه أنه مملوء من ~~الحزن ممسك له لا يبثه، ومنه كظم الغيظ وهو إخفاؤه، فالمكظوم المسدود ~~عليه طريق حزنه، من كظم السقاء إذا سده على ما فيه، والكظم بفتح الظاء. ~~مخرج النفس، يقال أخذ بأكظامه، وقيل الكظيم بمعنى الكاظم / أي المشتمل ~~على حزنه، الممسك له، ومنه # فإن أك كاظما لمصاب ناس فإني اليوم منطلق لساني # ومنه # والكظمين الغيظ # آل عمران 134. وقال الزجاج معنى كظيم محزون. وروي عن ابن عباس أنه قال ~~معناه مغموم مكروب. قال بعض أهل اللغة الحزن بالضم والسكون البكاء، ~~وبفتحتين ضد الفرح، وقال أكثر أهل اللغة هما لغتان { قالوا تالله ~~تفتأ تذكر يوسف } أي لا تفتأ، فحذف حرف النفي لعدم اللبس. قال ~~الكسائي فتأت وفتئت أفعل كذا، أي مازلت. وقال الفراء إن " لا " مضمرة، أي ~~لا تفتأ. قال النحاس والذي قال صحيح. وقد روي عن الخليل وسيبويه مثل قول ~~الفراء، وأنشد الفراء محتجا على ما قاله # فقلت يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # ويقال فتيء، وفتأ لغتان، ومنه قول الشاعر # فما فتئت حتى كأن غبارها سرادق يوم ذي رياح ترفع # { حتى تكون حرضا } الحرض مصدر يستوي فيه الواحد والجمع ~~والمذكر والمؤنث، والصفة المشبهة، حرض بكسر الراء كدنف ودنف، وأصل الحرض ~~الفساد في الجسم أو العقل من الحزن أو العشق أو الهرم، حكي ذلك عن أبي ~~عبيدة وغيره، ومنه قول الشاعر # سرى همي فأمرضني وقدما زادني مرضا كذاك الحب قبل اليو م مم ~~يورث الحرضا # وقيل الحرض ما دون الموت، وقيل الهرم، وقيل الحارض البالي الدائر. وقال ~~الفراء الحارض الفاسد الجسم والعقل، وكذا الحرض. وقال مؤرج هو الذائب من ~~الهم، ويدل عليه قول الشاعر # إني امرؤ لج بي حب فأحرضني حتى بليت وحتى شفني السقم # ويقال رجل محرض، ومنه قول الشاعر # طلبته الخيل يوما كاملا ولو ألفته لأضحى محرضا # قال النحاس وحكى أهل اللغة أحرضه الهم إذا أسقمه، ورجل حارض أي أحمق. ~~وقال الأخفش الحارض الذاهب. وقال ابن الأنباري هو الهالك. والأولى تفسير ~~الحرض هنا ms1855 بغير الموت والهلاك من هذه المعاني المذكورة حتى يكون لقوله { ~~أو تكون من الهلكين } معنى غير معنى الحرض، فالتأسيس أولى ~~من التأكيد، ومعنى { من الهالكين } من الميتين، وغرضهم منع يعقوب من ~~البكاء والحزن شفقة عليه وإن كانوا هم سبب أحزانه ومنشأ همومه وغمومه. { ~~قال إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله } هذه الجملة ~~مستأنفة، كأنه قيل فما قال يعقوب لما قالوا له ما قالوا؟ والبث ما يرد ~~على الإنسان من الأشياء التي يعظم حزن صاحبها بها حتى لا يقدر على ~~إخفائها، كذا قال أهل اللغة، وهو مأخوذ من بثثته، أي فرقته، فسميت ~~المصيبة بثا مجازا، قال ذو الرمة # وقفت على ربع لمية ناقتي فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وأسقيه حتى كاد ~~مما أبثه تكلمني أحجاره وملاعبه # وقد ذكر المفسرون أن الإنسان إذا قدر على كتم ما نزل به من المصائب كان ~~ذلك حزنا، وإن لم يقدر على كتمه كان ذلك بثا، فالبث على هذا أعظم ~~الحزن وأصعبه، وقيل البث الهم وقيل هو الحاجة. وعلى هذا القول يكون عطف ~~الحزن على البث واضح المعنى. وأما على تفسير البث بالحزن العظيم، فكأنه ~~قال إنما أشكو حزني العظيم وما دونه من الحزن إلى الله لا إلى غيره من ~~الناس. وقد قرىء { حزني } بضم الحاء وسكون الزاي و " حزني " بفتحهما { ~~وأعلم من الله ما لا تعلمون } أي أعلم من لطفه وإحسانه ~~وثوابه على المصيبة ما لا تعلمونه أنتم. وقيل أراد علمه بأن يوسف حي. ~~وقيل أراد علمه بأن رؤياه صادقة. وقيل أعلم من إجابة المضطرين إلى الله ~~ما لا تعلمون. { يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ~~} التحسس بمهملات طلب الشيء بالحواس، مأخوذ من الحس، أو من الإحساس أي ~~اذهبوا فتعرفوا خبر يوسف وأخيه وتطلبوه. وقرىء بالجيم، وهو أيضا التطلب ~~{ ولا تايئسوا من روح الله } أي لا تقنطوا من فرجه ~~وتنفيسه. قال الأصمعي الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه، ~~والتركيب يدل على الحركة والهزة، فكل ما يهتز الإنسان بوجوده ويلتذ به ~~فهو ms1856 روح. وحكى الواحدي عن الأصمعي أيضا أنه قال الروح الاستراحة من غم ~~القلب، وقال أبو عمرو الروح الفرج، وقيل الرحمة { إنه لا ييأس من روح ~~الله إلا القوم الكافرون } لكونهم لا يعلمون بقدرة الله سبحانه، وعظيم ~~صنعه، وخفي ألطافه. قوله { فلما دخلوا عليه } أي على يوسف، ~~وفي الكلام حذف، والتقدير فذهبوا كما أمرهم أبوهم إلى مصر ليتحسسوا من ~~يوسف وأخيه، فلما دخلوا على يوسف { قالوا أيها العزيز } أي ~~الملك الممتنع القادر { مسنا وأهلنا الضر } أي الجوع ~~والحاجة، وفيه دليل على أنه تجوز الشكوى عند الضرورة إذا خاف من إصابته ~~على نفسه، كما يجوز للعليل أن يشكو إلى الطبيب ما يجده من العلة، وهذه ~~المرة التي دخلوا فيها مصر هي المرة الثالثة، كما يفيده ما تقدم من ~~سياق الكتاب العزيز { وجئنا ببضاعة مزجاة } البضاعة هي ~~القطعة من المال يقصد بها شراء شيء، يقال أبضعت الشيء واستبضعته إذا ~~جعلته بضاعة. وفي المثل كمستبضع التمر إلى هجر. والإزجاء السوق بدفع. قال ~~الواحدي الإزجاء في اللغة السوق والدفع قليلا قليلا، ومنه قوله تعالى # ألم تر أن الله يزجى سحابا # النور 43، والمعنى أنها بضاعة تدفع ولا يقبلها التجار. قال ثعلب البضاعة ~~المزجاة الناقصة غير التامة. قال أبو عبيدة إنما قيل للدراهم الرديئة ~~مزجاة لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة. واختلف في هذه البضاعة ما هي؟ ~~فقيل كانت قديدا وحيسا، وقيل صوف وسمن، وقيل الحبة الخضراء والصنوبر، ~~وقيل دراهم رديئة، وقيل النعال والأدم. ثم طلبوا منه بعد أن أخبروه ~~بالبضاعة التي معهم أن يوفي لهم الكيل، أي يجعله تاما لا نقص فيه، ~~وطلبوا منه أن يتصدق عليهم إما بزيادة يزيدها لهم على ما يقابل بضاعتهم، ~~أو بالإغماض عن رداءة البضاعة التي جاءوا بها، وأن يجعلها كالبضاعة ~~الجيدة في إيفاء الكيل لهم بها، وبهذا قال أكثر المفسرين. وقد قيل كيف ~~يطلبون التصدق عليهم وهم أنبياء والصدقة محرمة على الأنبياء. وأجيب ~~باختصاص ذلك بنبينا صلى الله عليه وسلم، { إن الله يجزى ~~المتصدقين } بما يجعله لهم من الثواب الأخروي، أو ms1857 التوسيع عليهم ~~في الدنيا. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في ~~قوله { عسى الله أن يأتينى بهم جميعا } قال يوسف وأخيه ~~وروبيل. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال يوسف وأخيه وكبيرهم ~~الذي تخلف، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن ~~عباس في قوله { يا أسفا على يوسف } قال يا حزنا. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة مثله. وأخرجوا عن مجاهد قال يا ~~جزعا. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { فهو كظيم } قال حزين. ~~وأخرج ابن المبارك، وعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ عن قتادة قال كظم على الحزن فلم يقل إلا خيرا. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر عن عطاء الخراساني قال كظيم مكروب. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن عكرمة مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ ~~عن الضحاك قال الكظيم الكمد. وأخرج ابن جرير عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس ~~في قوله { تالله تفتأ تذكر يوسف } قال لا تزال تذكر يوسف ~~{ حتى تكون حرضا } قال دنفا من المرض. { أو تكون من ~~الهلكين } قال الميتين. وأخرج هؤلاء عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد ~~الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { تفتأ ~~تذكر يوسف } قال لا تزال تذكر يوسف { حتى تكون حرضا } ~~قال هرما { أو تكون من الهلكين } قال أو تموت. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الضحاك ~~{ حتى تكون حرضا } قال الحرض البالي { أو تكون من ~~الهلكين } قال من الميتين. # وأخرج ابن جرير، وعبد الرزاق عن مسلم بن يسار يرفعه إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " من بث لم يصبر، " # ثم قرأ { إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله } وأخرج ابن ~~منده في المعرفة عن مسلم بن يسار عن ms1858 ابن مسعود قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فذكره. وأخرج ابن مردويه من حديث عبد الله بن عمرو ~~مرفوعا مثله. وأخرجه ابن المنذر، وابن مردويه عن عبد الرحمن بن يعمر ~~مرفوعا مرسلا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن ابن عباس في ~~قوله { إنما أشكو بثى } قال همي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم ~~عنه في قوله { وأعلم من الله ما لا تعلمون } قال أعلم ~~أن رؤيا يوسف صادقة، وأني سأسجد له. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في قوله { ولا تايئسوا من ~~روح الله } قال من رحمة الله. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك مثله. ~~وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن ابن زيد قال من فرج الله يفرج عنكم الغم ~~الذي أنتم فيه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ~~مسنا وأهلنا الضر } قال أي الضر في المعيشة. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ببضاعة } قال دراهم { ~~مزجاة } قال كاسدة. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه قال { مزجاة } رثة المتاع، ~~خلقة الحبل والغرارة والشيء. وأخرج أبو عبيد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه أيضا { مزجاة } قال الورق ~~الزيوف التي لا تنفق حتى يوضع منها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو ~~الشيخ عن ابن جرير في قوله { وتصدق علينا } قال أردد علينا ~~أخانا. ### || [12.89-98] # الاستفهام في قوله { هل علمتم } للتوبيخ والتقريع، وقد كانوا ~~عالمين بذلك، ولكنه أراد ما ذكرناه، ويستفاد منه تعظيم الواقعة لكونه في ~~قوة ما أعظم الأمر الذي ارتكبتم من يوسف وأخيه، وما أقبح ما أقدمتم ~~عليه؟ كما يقال للمذنب هل تدري من عصيت؟ والذي فعلوا بيوسف هو ما تقدم ~~مما قصه الله سبحانه علينا في هذه السورة، وأما ما فعلوا بأخيه، فقال ~~جماعة من المفسرين هو ما أدخلوه عليه من الغم بفراق أخيه يوسف، ms1859 وما كان ~~يناله منهم من الاحتقار والإهانة، ولم يستفهمهم عما فعلوا بأبيهم يعقوب، ~~مع أنه قد ناله منهم ما قصه الله فيما سبق من صنوف الأذى. قال الواحدي ~~ولم يذكر أباه يعقوب مع عظم ما دخل عليه من الغم بفراقه تعظيما له، ~~ورفعا من قدره، وعلما بأن ذلك كان بلاء له من الله عز وجل ليزيد في ~~درجته عنده { إذ أنتم جهلون } نفى عنهم العلم، وأثبت لهم صفة ~~الجهل، لأنهم لم يعملوا بما يقتضيه العلم، وقيل إنه أثبت لهم صفة الجهل ~~لقصد الاعتذار عنهم، وتخفيف الأمر عليهم، فكأنه قال إنما أقدمتم على هذا ~~الفعل القبيح المنكر وقت عدم علمكم بما فيه من الإثم، وقصور معارفكم عن ~~عاقبته، وما يترتب عليه، أو أراد عند ذلك في أوان الصبا وزمان الصغر، ~~اعتذارا لهم، لما يدهمهم من الخجل والحيرة مع علمه وعلمهم بأنهم كانوا ~~في ذلك الوقت كبارا. { قالوا أءنك لانت يوسف }. قرأ ابن ~~كثير " إنك " على الخبر بدون استفهام. وقرأ الباقون على الاستفهام ~~التقريري، وكان ذلك منهم على طريق التعجب والاستغراب. قيل سبب معرفتهم له ~~بمجرد قوله لهم { ما فعلتم بيوسف وأخيه } أنهم لما قال لهم ~~ذلك تنبهوا وفهموا أنه لا يخاطبهم بمثل هذا إلا هو. وقيل إنه لما قال ~~لهم بهذه المقالة وضع التاج عن رأسه فعرفوه. وقيل إنه تبسم فعرفوا ثناياه ~~{ قال أنا يوسف وهذا أخى } أجابهم بالاعتراف بما سألوه ~~عنه. قال ابن الأنباري أظهر الاسم فقال أنا يوسف، ولم يقل أنا هو، ~~تعظيما لما وقع به من ظلم إخوته، كأنه قال أنا المظلوم المستحل منه ~~المحرم، والمراد قتله. فاكتفى بإظهار الاسم عن هذه المعاني، وقال وهذا ~~أخي مع كونهم يعرفونه ولا ينكرونه لأن قصده وهذا أخي المظلوم كظلمي، { ~~قد من الله علينا } بالخلاص عما ابتلينا به، وقيل من الله ~~علينا بكل خير في الدنيا والآخرة. وقيل بالجمع بيننا بعد التفرق، ولا ~~مانع من إرادة جميع ذلك { إنه من يتق ويصبر }. قرأ الجمهور ~~بالجزم على أن " من " شرطية. وقرأ ابن ms1860 كثير بإثبات الياء في يتقي. # كما في قول الشاعر # ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد # وقيل إنه جعل " من " موصولة لا شرطية، وهو بعيد. والمعنى إنه من يفعل ~~التقوى أو يفعل ما يقيه عن الذنوب ويصبر على المصائب { فإن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين } على العموم، فيدخل فيه ما يفيده ~~السياق دخولا أوليا، وجاء بالظاهر، وكان المقام مقام المضمر، أي أجرهم ~~للدلالة على أن الموصوفين بالتقوى موصوفون بصفة الإحسان { قالوا ~~تالله لقد آثرك الله علينا } أي لقد اختارك وفضلك علينا ~~بما خصك به من صفات الكمال، وهذا اعتراف منهم بفضله وعظيم قدره، ولا يلزم ~~من ذلك ألا يكونوا أنبياء، فإن درج الأنبياء متفاوتة، قال الله تعالى # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض # البقرة 253 { وإن كنا لخطئين } أي وإن الشأن ذلك. قال أبو ~~عبيدة خطىء وأخطأ بمعنى واحد. وقال الأزهري المخطىء من أراد الصواب فصار ~~إلى غيره، ومنه قولهم المجتهد يخطىء ويصيب، والخاطىء من تعمد ما لا ~~ينبغي. قالوا هذه المقالة المتضمنة للاعتراف بالخطأ والذنب استجلابا ~~لعفوه واستجذابا لصفحه. { قال لا تثريب عليكم } التثريب ~~التعيير والتوبيخ أي لا تعيير ولا توبيخ، ولا لوم عليكم. قال الأصمعي ~~ثربت عليه قبحت عليه فعله. وقال الزجاج المعنى لا إفساد لما بيني وبينكم ~~من الحرمة وحق الأخوة، ولكم عندي الصلح والعفو، وأصل التثريب الإفساد، ~~وهي لغة أهل الحجاز. وقال ابن الأنباري معناه. قد انقطع عنكم توبيخي عند ~~اعترافكم بالذنب. قال ثعلب ثرب فلان على فلان إذا عدد عليه ذنوبه، وأصل ~~التثريب من الثرب، وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش، ومعناه إزالة التثريب، ~~كما أن التجليد والتقريع إزالة الجلد والقرع، وانتصاب { اليوم } ~~بالتثريب، أي لا أثرب عليكم أو منتصب بالعامل المقدر في { عليكم } وهو ~~مستقر أو ثابت أو نحوهما، أي لا تثريب مستقر أو ثابت عليكم. وقد جوز ~~الأخفش الوقف على { عليكم } فيكون اليوم متعلق بالفعل الذي بعده. وقد ذكر ~~مثل هذا ابن الأنباري، ثم دعا لهم بقوله { يغفر الله لكم } على ms1861 ~~تقدير الوقف على اليوم، أو أخبرهم بأن الله قد غفر لهم ذلك اليوم على ~~تقدير الوقف على { اليوم } ، أو أخبرهم بأن الله قد غفر لهم ذلك اليوم ~~على تقدير الوقف على { عليكم } { وهو أرحم الرحمين } يرحم ~~عباده رحمة لا يتراحمون بها فيما بينهم فيجازي محسنهم ويغفر لمسيئهم. ~~قوله { اذهبوا بقميصى هذا } قيل هذا القميص هو القميص الذي ~~ألبسه الله إبراهيم لما ألقي في النار وكساه إبراهيم إسحاق، وكساه إسحاق ~~يعقوب. وكان يعقوب أدرج هذا القميص في قضيب وعلقه في عنق يوسف لما كان ~~يخاف عليه من العين، فأخبر جبريل يوسف أن يرسل به إلى يعقوب ليعود عليه ~~بصره لأن فيه ريح الجنة، وريح الجنة لا يقع على سقيم إلا شفي، ولا مبتلي ~~إلا عوفي { فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا } أي يصر ~~بصيرا، على أن { يأت } هي التي من أخوات كان. # قال الفراء يرجع بصيرا. وقال السدي يعد بصيرا. وقيل معناه يأت إلي ~~إلى مصر وهو بصير قد ذهب عنه العمى، ويؤيده قوله { وأتونى ~~بأهلكم أجمعين } أي جميع من شمله لفظ الأهل من النساء ~~والذراري، وقيل كانوا نحو سبعين، وقيل ثلاثة وتسعين. { ولما فصلت ~~العير } أي خرجت منطلقة من مصر إلى الشام. يقال فصل فصولا، وفصلته ~~فصلا، لازم ومتعد، ويقال فصل من البلد فصولا إذا انفصل عنه وجاوز ~~حيطانه { قال أبوهم } أي يعقوب لمن عنده في أرض كنعان من أهله { ~~إنى لأجد ريح يوسف } قيل إنها هاجت ريح فحملت ريح القميص إلى ~~يعقوب مع طول المسافة، فأخبرهم بما وجد، ثم قال { لولا أن ~~تفندون } لولا أن تنسبوني إلى الفند، وهو ذهاب العقل من الهرم، يقال ~~أفند الرجل إذا خرف وتغير عقله. وقال أبو عبيدة لولا أن تسفهون، فجعل ~~الفند السفه. وقال الزجاج لولا أن تجهلون، فجعل الفند الجهل، ويؤيد ذلك ~~قول من قال إنه السفه قول النابغة # إلا سليمان إذ قال المليك له قم في البرية فاحددها عن الفند # أي امنعها عن السفه. وقال أبو عمرو الشيباني التفنيد التقبيح، ومنه ms1862 قول ~~الشاعر # يا صاحبي دعا لومي وتفنيدي فليس ما فات من أمري بمردود # وقيل هو الكذب، ومنه قول الشاعر # هل في افتخار الكريم من أود؟ أم هل لقول الصديق من فند؟ # وقال ابن الأعرابي { لولا أن تفندون } لولا أن تضعفوا رأيي، ~~وروي مثله عن أبي عبيدة. وقال الأخفش التفنيد اللوم وضعف الرأي. وكل هذه ~~المعاني راجع إلى التعجيز، وتضعيف الرأي، يقال فنده تفنيدا إذا عجزه، ~~وأفند إذا تكلم بالخطأ، والفند الخطأ من الكلام، ومما يدل على إطلاقه على ~~اللوم قول الشاعر # يا عاذلي دعا الملام وأقصرا طال الهوى وأطلتما التفنيدا # أخبرهم يعقوب بأن الصبا قد حملت إليه ريح حبيبه، وأنه لولا ما يخشاه من ~~التفنيد لما شك في ذلك # فإن الصبا ريح إذا ما تنفست على نفس مهموم تجلت همومها إذا قلت هذا ~~حين أسلو يهيجني نسيم الصبا من حيث ما يطلع الفجر ولقد تهب لي الصبا ~~من أرضها فيلذ مس هبوبها ويطيب # { قالوا تالله إنك لفى ضللك القديم } أي قال ~~الحاضرون عنده من أهله إنك يا يعقوب لفي ذهابك عن طريق الصواب الذي كنت ~~عليه قديما من إفراط حبك ليوسف لا تنساه، ولا تفتر عنه، ولسان حال ~~يعقوب يقول لهم # لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها لا تعذل ~~المشتاق في أشواقه حتى تكون حشاك في أحشائه # وقيل المعنى إنك لفي جنونك القديم، وقيل في محبتك القديمة. قالوا له ذلك ~~لأنه لم يكن قد بلغهم قدوم البشير. { فلما أن جاء البشير } قال ~~المفسرون البشير هو يهوذا بن يعقوب، قال لإخوته أنا جئته بالقميص ملطخا ~~بالدم، فأعطني اليوم قميصك لأخبره أنك حي، فأفرحه كما أحزنته { ~~ألقاه على وجهه } أي ألقى البشير قميص يوسف على وجه يعقوب، أو ~~ألقاه يعقوب على وجه نفسه { فارتد بصيرا } الارتداد انقلاب الشيء ~~إلى حال قد كان عليها، والمعنى عاد ورجع إلى حالته الأولى من صحة بصره { ~~قال ألم أقل لكم } أي قال يعقوب لمن كان عنده من أهله الذين ~~قال لهم ms1863 إني لأجد ريح يوسف، ألم أقل لكم هذا القول فقلتم ما قلتم، ويكون ~~قوله { إنى أعلم من الله ما لا تعلمون } كلاما مبتدأ ~~لا يتعلق بالقول، ويجوز أن تكون جملة { إنى أعلم من الله ما ~~لا تعلمون } مقول القول، ويريد بذلك إخبارهم بما قاله لهم سابقا # إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله وأعلم من ~~الله ما لا تعلمون # يوسف 86، { قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا ~~كنا خطئين } طلبوا منه أن يستغفر لهم، واعترفوا بالذنب، وفي ~~الكلام حذف، والتقدير ولما رجعوا من مصر ووصلوا إلى أبيهم قالوا هذا ~~القول، فوعدهم بما طلبوه منه، و { قال سوف أستغفر لكم ~~ربى }. قال الزجاج أراد يعقوب أن يستغفر لهم في وقت السحر لأنه أخلق ~~بإجابة الدعاء، لا أنه بخل عليهم بالاستغفار، وقيل أخره إلى ليلة الجمعة، ~~وقيل أخره إلى أن يستحل لهم من يوسف، ولم يعلم أنه قد عفا عنهم. وجملة { ~~إنه هو الغفور الرحيم } تعليل لما قبله. وقد أخرج عبد بن ~~حميد، وابن المنذر عن عكرمة في قوله { لا تثريب } قال لا تعيير. ~~وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال قال لما فتح رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مكة التفت إلى الناس فقال # " ماذا تقولون وماذا تظنون؟ فقالوا ابن عم كريم، فقال لا تثريب عليكم ~~اليوم يغفر الله لكم " # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعا نحوه. وأخرج البيهقي في الدلائل ~~عن أبي هريرة مرفوعا نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عطاء ~~الخراساني قال طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ، ألم تر إلى ~~قول يوسف { لا تثريب عليكم اليوم }؟. وقال يعقوب { سوف أستغفر ~~لكم ربى }. أقول وفي هذا الكلام نظر فإنهم طلبوا من يوسف أن يعفو ~~عنهم بقولهم { لقد آثرك الله علينا } ، فقال لا تثريب عليكم اليوم، لأن ~~مقصودهم صدور العفو منه عنهم، وطلبوا من أبيهم يعقوب أن يستغفر الله لهم ~~وهو لا يكون إلا بطلب ذلك منه إلى الله عز وجل، ms1864 وبين المقامين فرق، ~~فلم يكن وعد يعقوب لهم بخلا عليهم بسؤال الله لهم، ولا سيما إذا صح ما ~~تقدم من أنه أخر ذلك إلى وقت الإجابة. # فإنه لو طلبه لهم في الحال لم يحصل له علم بالقبول. وأخرج الحكيم ~~الترمذي، وأبو الشيخ عن وهب بن منبه قال لما كان من أمر إخوة يوسف ما ~~كان، كتب يعقوب إلى يوسف وهو لا يعلم أنه يوسف بسم الله الرحمن الرحيم، ~~من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم إلى عزيز آل فرعون سلام عليك فإني أحمد ~~إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنا أهل بيت مولع بنا أسباب ~~البلاء، كان جدي إبراهيم خليل الله ألقي في النار في طاعة ربه، فجعلها ~~الله عليه بردا وسلاما، وأمر الله جدي أن يذبح له أبي ففداه الله بما ~~فداه، وكان لي ابن وكان من أحب الناس إلي ففقدته، فأذهب حزني عليه نور ~~بصري، وكان له أخ من أمه كنت إذا ذكرته ضممته إلى صدري فأذهب عني بعض ~~وجدي، وهوالمحبوس عندك في السرقة، وإني أخبرك أني لم أسرق، ولم ألد ~~سارقا فلما قرأ يوسف الكتاب بكى وصاح وقال { اذهبوا بقميصى ~~هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا }. وأخرج أبو ~~الشيخ عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله # " { اذهبوا بقميصى هذا } أن نمروذ لما ألقى إبراهيم في ~~النار نزل إليه جبريل بقميص من الجنة وطنفسة من الجنة، فألبسه القميص ~~وأقعده على الطنفسة، وقعد معه يتحدث، فأوحى الله إلى النار { كونى ~~بردا وسلما } الأنبياء 69 " # ولولا أنه قال { وسلاما } لآذاه البرد. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ~~مرفوعا إن الله كسا إبراهيم ثوبا من الجنة، فكساه إبراهيم إسحاق، وكساه ~~إسحاق يعقوب، فأخذه يعقوب فجعله في قصبة من حديد وعلقه في عنق يوسف، ولو ~~علم إخوته إذ ألقوه في الجب لأخذوه، فلما أراد الله أن يرد يوسف على ~~يعقوب كان بين رؤياه وتعبيره أربعون سنة، أمر البشير أن يبشره من ثمان ~~مراحل، فوجد ms1865 يعقوب ريحه فقال { إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون } ، ~~فلما ألقاه على وجهه ارتد بصيرا، وليس يقع شيء من الجنة على عامة من ~~عاهات الدنيا إلا أبرأها بإذن الله. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وأحمد ~~في الزهد، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن ~~مردويه عن ابن عباس في قوله { ولما فصلت العير } قال لما خرجت ~~العير هاجت الريح، فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف فقال { إنى لأجد ~~ريح يوسف لولا أن تفندون } تسفهون، فوجد ريحه من مسيرة ~~ثمانية أيام. # وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه قال وجد ريحه من مسيرة عشرة أيام. ~~وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عنه قال وجده من مسيرة ثمانين فرسخا. ~~وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عنه أيضا { لولا أن تفندون } قال ~~تجهلون. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال تكذبون. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد قال تهرمون، يقولون قد ذهب عقلك. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن المنذر عن الربيع قال لولا أن تحمقون. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { إنك لفى ضللك ~~القديم } يقول خطئك القديم. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال ~~جنونك القديم. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال حبك القديم. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال البشير البريد. وأخرج ابن جرير، وأبو ~~الشيخ عن الضحاك مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ عن سفيان قال البشير هو يهوذا بن يعقوب. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~الحسن قال لما أن جاء البشير إلى يعقوب فألقى عليه القميص قال على أي ~~دين خلفت يوسف؟ قال على الإسلام، قال الآن تمت النعمة. وأخرج أبو عبيد، ~~وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ~~ابن مسعود في قوله { سوف أستغفر لكم ربى } قال إن يعقوب ~~أخر بنيه إلى السحر. وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس قال ms1866 ~~أخرهم إلى السحر، وكان يصلي بالسحر. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه عنه ~~قال أخرهم إلى السحر لأن دعاء السحر مستجاب. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ ~~عنه أيضا قال قال النبي صلى الله عليه وسلم في قصه # " هو قول أخي يعقوب لبنيه سوف أستغفر لكم ربي»، يقول حتى تأتي ليلة ~~الجمعة ". ### || [12.99-101] # قوله { فلما دخلوا على يوسف } لعل في الكلام محذوفا ~~مقدرا، وهو فرحل يعقوب وأولاده وأهله إلى مصر، فلما دخلوا على يوسف آوى ~~إليه أبويه، أي ضمهما وأنزلهما عنده، قال المفسرون المراد بالأبوين هنا ~~يعقوب وزوجته خالة يوسف لأن أمه قد كانت ماتت في ولادتها لأخيه بنيامين، ~~كما تقدم. وقيل أحيا الله له أمه تحقيقا للرؤيا حتى سجدت له { وقال ~~ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين } مما تكرهون، وقد كانوا فيما ~~مضى يخافون ملوك مصر، ولا يدخلونها إلا بجواز منهم. قيل والتقييد ~~بالمشيئة عائد إلى الأمن، ولا مانع من عوده إلى الجميع لأن دخولهم لا ~~يكون إلا بمشيئة الله سبحانه، كما أنهم لا يكونون آمنين إلا بمشيئته. ~~وقيل إن التقييد بالمشيئة راجع إلى قوله { سوف أستغفر لكم ~~ربى } وهو بعيد، وظاهر النظم القرآني أن يوسف قال لهم هذه المقالة، أي ~~ادخلوا مصر قبل دخولهم، وقد قيل في توجيه ذلك أنه تلقاهم إلى خارج مصر، ~~فوقف منتظرا لهم في مكان أو خيمة، فدخلوا عليه ف { آوى إليه ~~أبويه وقال ادخلوا مصر } فلما دخلوا مصر ودخلوا عليه ~~دخولا أخر في المكان الذي له بمصر { رفع أبويه على العرش ~~} أي أجلسهما معه على السرير الذي يجلس عليه كما هو عادة الملوك. { ~~وخروا له سجدا } أي الأبوان والأخوة، والمعنى أنهم خروا ~~ليوسف سجدا، وكان ذلك جائزا في شريعتهم منزلا منزلة التحية. وقيل لم ~~يكن ذلك سجودا بل هو مجرد إيماء، وكانت تلك تحيتهم، وهو يخالف معنى ~~وخروا له سجدا، فإن الخرور في اللغة المقيد بالسجود لا يكون إلا بوضع ~~الوجه على الأرض. وقيل الضمير في قوله { له } راجع إلى الله سبحانه، أي ~~وخروا لله ms1867 سجدا، وهو بعيد جدا. وقيل إن الضمير ليوسف، واللام للتعليل ~~أي وخروا لأجله سجدا، وفيه أيضا بعد وقال يوسف { يأبت هذا ~~تأويل رؤيى } يعني التي تقدم ذكرها { من قبل } أي من قبل ~~هذا الوقت { قد جعلها ربى حقا } بوقوع تأويلها على ما دلت عليه ~~{ وقد أحسن بى إذ أخرجنى من السجن } الأصل أن يتعدى ~~فعل الإحسان بإلى، وقد يتعدى بالباء كما في قوله تعالى # وبالولدين إحسنا # الإسراء 23، وقيل إنه ضمن أحسن معنى لطف أي لطف بي محسنا، ولم يذكر ~~إخراجه من الجب، لأن في ذكره نوع تثريب للإخوة، وقد قال لا تثريب عليكم. ~~وقد تقدم سبب سجنه ومدة بقائه فيه، وقد قيل إن وجه عدم ذكر إخراجه من ~~الجب أن المنة كانت في إخراجه من السجن أكبر من المنة في إخراجه من ~~الجب، وفيه نظر، { وجاء بكم من البدو } أي البادية، وهي أرض ~~كنعان بالشام، وكانوا أهل مواش وبرية، وقيل إن الله لم يبعث نبيا من ~~البادية، وأن المكان الذي كان فيه يعقوب يقال له بدا، وإياه عني جميل ~~بقوله # وأنت الذي حببت شعبا إلى بدا إلي وأوطاني بلاد سواهما # وفيه نظر، { من بعد أن نزغ الشيطن بينى وبين ~~إخوتى } أي أفسد بيننا وحمل بعضنا على بعض، يقال نزغه إذا نخسه، ~~فأصله من نخس الدابة ليقوى مشيها. وأحال يوسف ذنب إخوته على الشيطان ~~تكرما منه وتأدبا { إن ربى لطيف لما يشاء } اللطيف ~~الرفيق، قال الأزهري اللطيف من أسماء الله تعالى معناه الرفيق بعباده، ~~يقال لطف فلان بفلان يلطف إذا رفق به، وقال عمرو بن أبي عمرو اللطيف الذي ~~يوصل إليك أربك في لطف. قال الخطابي اللطيف هو البر بعباده الذي يلطف ~~بهم من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون. وقيل اللطيف ~~العالم بدقائق الأمور. ومعنى { لما يشاء } لأجل ما يشاء حتى يجيء على وجه ~~الصواب { إنه هو العليم الحكيم } أي العليم بالأمور، ~~الحكيم في أفعاله. ولما أتم الله نعمته على يوسف عليه السلام بما أخلصه ~~منه ms1868 من المحن العظيمة، وبما خوله من الملك، وعلمه من العلم، تاقت نفسه ~~إلى الخير الأخروي الدائم الذي لا ينقطع، فقال { رب قد آتيتنى ~~من الملك } " من " للتبعيض، أي بعض الملك، لأنه لم يؤت كل الملك، ~~إنما أوتي ملكا خاصا، وهو ملك مصر في زمن خاص { وعلمتنى من ~~تأويل الأحاديث } أي بعضها، لأنه لم يؤت جميع علم التأويل، سواء ~~أريد به مطلق العلم والفهم، أو مجرد تأويل الرؤيا. وقيل " من " للجنس، ~~كما في قوله # فاجتنبوا الرجس من الأوثن # الحج 30. وقيل زائدة أي آتيتني الملك وعلمتني تأويل الأحاديث { فاطر ~~السموات والأرض } منتصب على أنه صفة لرب، لكونه منادى ~~مضافا، ويجوز أن يكون انتصابه على أنه منادى بحرف مقدر، أي يا فاطر، ~~والفاطر الخالق والمنشىء والمخترع والمبدع { أنت وليى } أي ناصري ومتولي ~~أموري { فى الدنيا والآخرة } تتولانى فيهما { توفنى ~~مسلما وألحقنى بالصلحين } أي توفني على الإسلام لا ~~يفارقني حتى أموت، وألحقني بالصالحين من النبيين من آبائي وغيرهم فأظفر ~~بثوابهم منك ودرجاتهم عندك. وقيل إنه لما دعا بهذا الدعاء توفاه الله عز ~~وجل. وقيل كان عمره عند أن ألقي في الجب سبع عشرة سنة، وكان في ~~العبودية والسجن والملك ثمانين سنة إلى قدوم أبيه يعقوب عليه، ثم عاش بعد ~~اجتماع شملهم حتى كمل عمره المقدار الذي سيأتي وتوفاه الله. قيل لم يتمن ~~الموت أحد غير يوسف لا نبي ولا غيره. وذهب الجمهور إلى أنه لم يتمن ~~الموت بهذا الدعاء، وإنما دعا ربه أن يتوفاه على الإسلام، ويلحقه ~~بالصالحين من عباده عند حضور أجله. # وقد أخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة قال دخل يعقوب مصر في ملك يوسف وهو ابن ~~مائة وثلاثين سنة، وعاش في ملكه ثلاثين سنة، ومات يوسف وهو ابن مائة ~~وعشرين سنة. قال أبو هريرة وبلغني أنه كان عمر إبراهيم خليل الله مائة ~~وخمسا وتسعين سنة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ~~آوى إليه أبويه } قال أبوه وأمه ضمهما. وأخرجا عن وهب قال أبوه وخالته، ~~وكانت توفيت أم ms1869 يوسف في نفاس أخيه بنيامين. وأخرج أبو الشيخ نحوه عن ~~سفيان بن عيينة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~ورفع أبويه على العرش } قال السرير. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن عدي بن حاتم في قوله { وخروا له سجدا } قال كانت تحية من ~~كان قبلكم فأعطاكم الله السلام مكانها. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة نحوه، وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن زيد قال ذلك سجود تشرفة كما سجدت ~~الملائكة تشرفة لآدم، وليس سجود عبادة. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله ~~{ إن ربى لطيف لما يشاء } قال لطيف ليوسف، وصنع له حين أخرجه ~~من السجن، وجاء بأهله من البدو، ونزع من قلبه نزغ الشيطان وتحريشه على ~~إخوته. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال ما سأل نبي الوفاة غير يوسف. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عنه قال اشتاق إلى لقاء الله، ~~وأحب أن يلحق به وبآبائه، فدعا الله أن يتوفاه، وأن يلحقه بهم. وأخرج أبو ~~الشيخ عن الضحاك في قوله { وألحقنى بالصلحين } قال يعني ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن عكرمة قال يعني أهل الجنة. ### || [12.102-108] # الخطاب بقوله { ذلك } لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مبتدأ خبره ~~{ من أنباء الغيب } ، و { نوحيه إليك } خبر ثان. قال ~~الزجاج ويجوز أن يكون ذلك بمعنى الذي، ونوحيه إليك خبره أي الذي من أنباء ~~الغيب نوحيه إليك. والمعنى الإخبار من الله تعالى لرسوله الله صلى الله ~~عليه وسلم بأن هذا الذي قصه عليه من أمر يوسف وإخوته من الأخبار التي ~~كانت غائبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوحاه الله إليه وأعلمه ~~به، ولم يكن عنده قبل الوحي شيء من ذلك، وفيه تعريض بكفار قريش، لأنهم ~~كانوا مكذبين له صلى الله عليه وسلم بما جاء به جحودا وعنادا وحسدا، ~~مع كونهم يعلمون حقيقة الحال ms1870 { وما كنت لديهم } لدي إخوة يوسف { ~~إذ أجمعوا أمرهم } إجماع الأمر العزم عليه، أي وما كنت لدى ~~إخوة يوسف إذ عزموا جميعا على إلقائه في الجب وهم في تلك الحالة { ~~يمكرون } به، أي بيوسف في هذا الفعل الذي فعلوه به، ويبغونه ~~الغوائل، وقيل الضمير ليعقوب، أي يمكرون بيعقوب حين جاءوه بقميص يوسف ~~ملطخا بالدم، وقالوا أكله الذئب. وإذا لم يكن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لديهم عند أن فعلوا ذلك، انتفى علمه بذلك مشاهدة، ولم يكن بين قوم ~~لهم علم بأحوال الأمم السالفة، ولا خالطهم ولا خالطوه، فانتفى علمه بذلك ~~بطريق الرواية عن الغير، فلم يبق لعلمه بذلك طريق إلا مجرد الوحي من ~~الله سبحانه، فهذا يستلزم الإيمان بما جاء به، فلما لم يؤمن بذلك من ~~عاصره من الكفار، قال الله سبحانه ذاكرا لهذا { وما أكثر الناس ~~ولو حرصت بمؤمنين } أي وما أكثر الناس المعاصرين لك يا ~~محمد، أو أكثر الناس على العموم، ولو حرصت على هدايتهم وبالغت في ذلك ~~بمؤمنين بالله لتصميمهم على الكفر الذي هو دين آبائهم، يقال حرص يحرص مثل ~~ضرب يضرب، وفي لغة ضعيفة حرص يحرص مثل حمد يحمد، والحرص طلب الشيء ~~باجتهاد. قال الزجاج ومعناه وما أكثر الناس بمؤمنين ولو حرصت على أن ~~تهديهم لأنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء. قال ابن الأنباري ~~إن قريشا واليهود سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف وإخوته ~~فشرحهما شرحا شافيا، وهو يأمل أن يكون ذلك سببا لإسلامهم، فخالفوا ~~ظنه، وحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك فعزاه الله بقوله { وما ~~أكثر الناس } الآية. { وما تسألهم عليه من أجر } ~~أي على القرآن وما تتلوه عليهم منه، أو على الإيمان، وحرصك على وقوعه ~~منهم أو على ما تحدثهم به من هذا الحديث { من أجر } من مال يعطونك إياه، ~~ويجعلونه لك كما يفعله أحبارهم { إن هو } أي القرآن، أو الحديث الذي ~~حدثهم به { إلا ذكر للعلمين } أي ما هو إلا ذكر للعالمين ms1871 ~~كافة لا يختص بهم وحدهم. # { وكأين من ءاية فى السموات والأرض } قال الخليل ~~وسيبويه والأكثرون إن { كأين } أصلها أي دخل عليها كاف التشبيه، لكنه ~~انمحى عن الحرفين المعنى الإفرادي، وصار المجموع كاسم واحد بمعنى " كم " ~~الخبرية، والأكثر إدخال " من " في مميزه، وهو تمييز عن الكاف لا عن أي ~~كما في مثلك رجلا. وقد مر الكلام على هذا مستوفى في آل عمران. والمعنى ~~كم من آية تدلهم على توحيد الله كائنة في السموات من كونها منصوبة بغير ~~عمد، مزينة بالكواكب النيرة السيارة والثوابت، وفي الأرض من جبالها ~~وقفارها وبحارها ونباتها وحيواناتها تدلهم على توحيد الله سبحانه، وأنه ~~الخالق لذلك، الرزاق له، المحيي والمميت، ولكن أكثر الناس يمرون على ~~هذه الآيات غير متأملين لها، ولا مفكرين فيها، ولا ملتفتين إلى ما تدل ~~عليه من وجود خالقها، وأنه المتفرد بالألوهية مع كونهم مشاهدين لها { ~~يمرون عليها وهم عنها معرضون } وإن نظروا إليها ~~بأعيانهم فقد أعرضوا عما هو الثمرة للنظر بالحدقة، وهي التفكر والاعتبار ~~والاستدلال. وقرأ عكرمة وعمرو بن فايد برفع { الأرض } على أنه مبتدأ، ~~وخبره { يمرون عليها }. وقرأ السدي بنصب { الأرض } بتقدير فعل. وقرأ ~~ابن مسعود " يمشون عليها " { وما يؤمن أكثرهم بالله } ~~أي وما يصدق ويقر أكثر الناس بالله من كونه الخالق الرزاق المحيي ~~المميت { إلا وهم مشركون } بالله يعبدون معه غيره، كما كانت ~~تفعله الجاهلية، فإنهم مقرون بالله سبحانه، وبأنه الخالق لهم # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # الزخرف 87. # ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ~~ليقولن الله # لقمان 25 لكنهم كانوا يثبتون له شركاء فيعبدونهم ليقربوهم إلى الله # ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله # الزمر 3 ومثل هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~المعتقدون في الأموات بأنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه ~~كما يفعله كثير من عباد القبور، ولا ينافي هذا ما قيل من أن الآية نزلت ~~في قوم مخصوصين، فالاعتبار بما يدل عليه اللفظ لا بما يفيده السبب من ~~الاختصاص بمن كان سببا لنزول ms1872 الحكم. { أفأمنوا أن تأتيهم ~~غاشية من عذاب الله } الاستفهام للإنكار، والغاشية ما يغشاهم ~~ويغمرهم من العذاب كقوله تعالى # يوم يغشهم العذاب من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم # العنكبوت 55 وقيل هي الساعة، وقيل هي الصواعق والقوارع، ولا مانع من ~~للحمل على العموم { أو تأتيهم الساعة بغتة } أي فجأة، ~~وانتصاب بغتة على الحال. قال المبرد جاء عن العرب حال بعد نكرة، وهو ~~قولهم وقع أمر بغتة، يقال بغتهم الأمر بغتا وبغتة إذا فاجأهم { وهم ~~لا يشعرون } بإتيانه، ويجوز انتصاب بغتة على أنها صفة مصدر محذوف. # { قل هذه سبيلى } أي قل يا محمد للمشركين هذه الدعوة التي ~~أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها سبيلي، أي طريقتي وسنتي، فاسم ~~الإشارة مبتدأ وخبره سبيلي، وفسر ذلك بقوله { ادعوا إلى الله ~~على بصيرة } أي على حجة واضحة، والبصيرة المعرفة التي يتميز بها ~~الحق من الباطل، والجملة في محل نصب على الحال { أنا ومن ~~اتبعنى } واهتدى بهديي. وقال الفراء والمعنى ومن اتبعني يدعو إلى ~~الله كما أدعو. وفي هذا دليل على أن كل متبع لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حق عليه أن يقتدي به في الدعاء إلى الله، أي الدعاء إلى الإيمان به ~~وتوحيده، والعمل بما شرعه لعباده { وسبحان الله وما أنا ~~من المشركين } أي وقل يا محمد لهم سبحان الله وما أنا من ~~المشركين بالله الذين يتخذون من دونه أندادا. قال ابن الأنباري ويجوز أن ~~يتم الكلام عند قوله { ادعوا إلى الله } ثم ابتدأ، فقال { على ~~بصيرة أنا ومن اتبعنى }. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { وما كنت لديهم ~~إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون } قال هم بنو يعقوب إذ ~~يمكرون بيوسف. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن قتادة في الآية يقول وما ~~كنت لديهم وهم يلقونه في غيابة الجب، وهم يمكرون بيوسف. وأخرج أبو الشيخ ~~عن الضحاك { وكأين من ءاية } قال كم من آية في السماء يعني شمسها ~~وقمرها ونجومها وسحابها، وفي الأرض ما فيها ms1873 من الخلق والأنهار والجبال ~~والمدائن والقصور. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن ~~عباس في قوله { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ~~مشركون } قال سلهم من خلقهم، ومن خلق السموات والأرض، فسيقولون ~~الله، فذلك إيمانهم وهم يعبدون غيره. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وأبو الشيخ عن عطاء في قوله { وما يؤمن أكثرهم ~~بالله إلا وهم مشركون } قال كانوا يعلمون أن الله ربهم ~~وهو خالقهم وهو رازقهم، وكانوا مع ذلك يشركون. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر عن الضحاك في الآية قال كانوا يشركون به في تلبيتهم يقولون لبيك ~~اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. وأخرج أبو ~~الشيخ عن الحسن في الآية قال ذلك المنافق يعمل بالرياء وهو مشرك بعمله. ~~وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~قوله { غاشية من عذاب الله } قال وقيعة تغشاهم. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { هذه سبيلى } قل هذه دعوتي. وأخرج ~~أبو الشيخ عنه { قل هذه سبيلى } قال صلاتي. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال أمري ومشيئتي ومنهاجي، وأخرجا عن ~~قتادة في قوله { على بصيرة } أي على هدى { أنا ومن ~~اتبعنى }. ### || [12.109-111] # قوله { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا } هذا رد على من ~~قال # لولا أنزل عليه ملك # الأنعام 8 أي لم نبعث من الأنبياء إلى من قبلهم إلا رجالا لا ملائكة. ~~فكيف ينكرون إرسالنا إياك؟ وتدل الآية على أن الله سبحانه لم يبعث نبيا ~~من النساء ولا من الجن، وهذا يرد على من قال إن في النساء أربع نبيات ~~حواء، وآسية، وأم موسى، ومريم. وقد كان بعثة الأنبياء من الرجال دون ~~النساء أمرا معروفا عند العرب، حتى قال قيس بن عاصم في سجاح المتنبئة # أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها وأصبحت أنبياء الله ذكرانا فلعنة الله ~~والأقوام كلهم على سجاح ومن باللوم أغرانا # { نوحى إليهم } كما نوحي إليك { من ms1874 أهل القرى } أي ~~المدائن دون أهل البادية لغلبة الجفاء والقسوة على البدو، ولكون أهل ~~الأمصار أتم عقلا وأكمل حلما وأجل فضلا { أفلم يسيروا فى ~~الأرض فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم ~~} يعني المشركين المنكرين لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم أي أفلم يسر ~~المشركون هؤلاء فينظروا إلى مصارع الأمم الماضية فيعتبروا بهم حتى ينزعوا ~~عما هم فيه من التكذيب { ولدار الآخرة خير للذين ~~اتقوا } أي لدار الساعة الآخرة، أو لحالة الآخرة على حذف الموصوف. ~~وقال الفراء إن الدار هي الآخرة، وأضيف الشيء إلى نفسه لاختلاف اللفظ ~~كيوم الجمعة، وصلاة الأولى، ومسجد الجامع، والكلام في ذلك مبين في كتب ~~الإعراب، والمراد بهذه الدار الجنة، أي هي خير للمتقين من دار الدنيا. ~~وقرىء " وللدار الآخرة ". وقرأ نافع وعاصم ويعقوب { أفلا تعقلون } بالتاء ~~الفوقية على الخطاب. وقرأ الباقون بالتحتية. { حتى إذا ~~استيئس الرسل } هذه الغاية المحذوف دل عليه الكلام، وتقديره { ~~وما أرسلنا من قبلك } يا محمد إلا رجالا، ولم نعاجل أممهم الذين لم ~~يؤمنوا بما جاءوا بالعقوبة { حتى إذا استيئس } من النصر ~~بعقوبة قومهم، أو { حتى إذ استيأس الرسل } من إيمان قومهم لانهماكهم في ~~الكفر { وظنوا أنهم قد كذبوا }. قرأ ابن عباس، وابن ~~مسعود، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو جعفر بن القعقاع، والحسن، وقتادة، ~~وأبو رجاء العطاردي، وعاصم وحمزة والكسائي، ويحيى بن وثاب، والأعمش وخلف ~~{ كذبوا } بالتخفيف أي ظن القوم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروا به من ~~العذاب ولم يصدقوا. وقيل المعنى ظن القوم أن الرسل قد كذبوا فيما ادعوا ~~من نصرهم، وقيل المعنى وظن الرسل أنها قد كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم ~~بأنهم ينصرون عليهم، أو كذبهم رجاؤهم للنصر، وقرأ الباقون " كذبوا " ~~بالتشديد، والمعنى عليها واضح أي ظن الرسل بأن قومهم قد كذبوهم فيما ~~وعدوهم به من العذاب، ويجوز في هذا أن يكون فاعل ظن القوم المرسل إليهم ~~على معنى أنهم ظنوا أن الرسل قد كذبوا فيما جاءوا به من الوعد والوعيد. # وقرأ مجاهد وحميد { قد كذبوا } بفتح الكاف والذال مخففتين ms1875 على معنى وظن ~~قوم الرسل أن الرسل قد كذبوا وقد قيل إن الظن في هذه الآية بمعنى اليقين ~~لأن الرسل قد تيقنوا أن قومهم كذبوهم، وليس ذلك مجرد ظن منهم. والذي ~~ينبغي أن يفسر الظن باليقين في مثل هذه الصورة يفسر بمعناه الأصلي فيما ~~يحصل فيه مجرد ظن فقط من الصور السابقة. { جاءهم نصرنا } أي فجاء ~~الرسل نصر الله سبحانه فجأة، أو جاء قوم الرسل الذين كذبوهم نصر الله ~~لرسله بإيقاع العذاب على المكذبين { فنجي من نشاء }. قرأ عاصم { ~~فنجي } بنون واحدة. وقرأ الباقون " فننجي " بنونين. واختار أبو عبيدة ~~القراءة الأولى لأنها في مصحف عثمان كذلك. وقرأ ابن محيصن " فنجا " على ~~البناء للفاعل، فتكون من على القراءة الأولى في محل رفع على أنها فاعل، ~~والذين نجاهم الله هم الرسل ومن آمن معهم، وهلك المكذبون { ولا يرد ~~بأسنا عن القوم المجرمين } عند نزوله بهم، وفيه بيان من ~~يشاء الله نجاته من العذاب وهم من عدا هؤلاء المجرمين. { لقد كان ~~فى قصصهم } أي قصص الرسل ومن بعثوا إليه من الأمم، أو في قصص يوسف ~~وإخوته وأبيه { عبرة لاولى الألبب } والعبرة الفكرة ~~والبصيرة المخلصة من الجهل والحيرة، وقيل هي نوع من الاعتبار، وهي العبور ~~من الطرف المعلوم إلى الطرف المجهول. وأولوا الألباب هم ذوو العقول ~~السليمة الذين يعتبرون بعقولهم فيدرون ما فيه مصالح دينهم، وإنما كان هذا ~~القصص عبرة لما اشتمل عليه من الإخبارات المطابقة للواقع مع بعد المدة ~~بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الرسل الذين قص حديثهم، ومنهم يوسف ~~وإخوته وأبوه مع كونه لم يطلع على أخبارهم ولا اتصل بأحبارهم { ما كان ~~حديثا يفترى } أي ما كان هذا المقصوص الذي يدل عليه ذكر القصص ~~وهو القرآن المشتمل على ذلك حديثا يفترى { ولكن تصديق ~~الذين بين يديه } أي ما قبله من الكتب المنزلة كالتوراة ~~والإنجيل والزبور. وقرىء برفع " تصديق " على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو ~~تصديق وتفصيل كل شيء من الشرائع المجملة المحتاجة إلى تفصيلها لأن الله ~~سبحانه لم يفرط ms1876 في الكتاب من شيء. وقيل تفصيل كل شيء من قصة يوسف مع ~~إخوته وأبيه. قيل وليس المراد به ما يقتضيه من العموم، بل المراد به ~~الأصول والقوانين وما يئول إليها { وهدى } في الدنيا يهتدي به كل من ~~أراد الله هدايته { ورحمة } في الآخرة يرحم الله بها عباده العاملين ~~بما فيه شرط الإيمان الصحيح، ولهذا قال { لقوم يؤمنون } أي ~~يصدقون به وبما تضمنه من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وشرائعه ~~وقدره، وأما من عداهم فلا ينتفع به ولا يهتدي بما اشتمل عليه من الهدى، ~~فلا يستحق ما يستحقونه. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وما أرسلنا من ~~قبلك إلا رجالا } قال أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال ما نعلم أن ~~الله أرسل رسولا قط إلا من أهل القرى، لأنهم كانوا أعلم وأحلم من أهل ~~العمود. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { كيف كان عقبة ~~الذين من قبلهم } قال كيف عذب الله قوم نوح وقوم لوط، وقوم ~~صالح، والأمم التي عذب الله؟ وأخرج البخاري وغيره من طريق عروة أنه سأل ~~عائشة عن قول الله سبحانه { حتى إذا استيئس الرسل ~~وظنوا أنهم قد كذبوا } قال قلت أكذبوا أم كذبوا؟ يعني ~~على هذه الكلمة مخففة أم مشددة، فقالت بل كذبوا تعني بالتشديد. قلت والله ~~لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن، قالت أجل لعمري لقد استيقنوا ~~بذلك، فقلت لعلها، وظنوا أنهم قد كذبوا مخففة، قالت معاذ الله لم تكن ~~الرسل لتظن ذلك بربها، قلت فما هذه الآية؟ قالت هم أتباع الرسل الذين ~~آمنوا بهم وصدقوهم وطال عليهم البلاء واستأخر عليهم النصر، حتى إذا ~~استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم ~~نصر الله عند ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وأبو الشيخ، ~~وابن مردويه عن عبد الله بن أبي مليكة أن ابن عباس قرأها عليه { ~~وظنوا أنهم ms1877 قد كذبوا } مخففة، يقول أخلفوا. وقال ابن ~~عباس كانوا بشرا، وتلا # حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر ~~الله # البقرة 214 قال ابن أبي مليكة وأخبرني عروة عن عائشة أنها خالفت ذلك ~~وأبته، وقالت ما وعد الله رسوله من شيء إلا علم أنه سيكون قبل أن يموت، ~~ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كذبوهم، ~~وكانت تقرؤها مثقلة. وأخرج ابن مردويه من طريق عروة عن عائشة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قرأ { وظنوا أنهم قد كذبوا } مخففة. ~~وأخرج أبو عبيد، وسعيد بن منصور، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه كان يقرأ { قد ~~كذبوا } مخففة. قال يئس الرسل من قومهم أن يستجيبوا لهم، وظن قومهم أن ~~الرسل قد كذبوهم بما جاءوا به { جاءهم نصرنا } قال جاء الرسل ~~نصرنا. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، ~~والطبراني، وأبو الشيخ عن تميم بن حذلهم قال قرأت على ابن مسعود القرآن ~~فلم يأخذ علي إلا حرفين # كل أتوه دخرين # النمل 87 فقال أتوه مخففة، وقرأت عليه { وظنوا أنهم قد ~~كذبوا } فقال { كذبوا } مخففة. قال استيأس الرسل من إيمان قومهم أن ~~يؤمنوا بهم، وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد كذبوا. وأخرج ابن مردويه ~~من طريق أبي الأحوص عنه قال حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~سورة يوسف { وظنوا أنهم قد كذبوا } خفيفة. وللسلف في هذا ~~كلام يرجع إلى ما ذكرناه من الخلاف عن الصحابة. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس { درجت من نشاء } قال فننجي الرسل ومن نشاء { ولا ~~يرد بأسنا عن القوم المجرمين } وذلك أن الله بعث ~~الرسل يدعون قومهم، فأخبروهم أن من أطاع الله نجا ومن عصاه عذب وغوى. ~~وأخرج أبو الشيخ عنه قال { جاءهم نصرنا } العذاب. وأخرج أبو الشيخ ~~عن السدي { ولا يرد بأسنا } قال عذابه. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن ms1878 مجاهد في قوله { لقد كان فى قصصهم } ~~قال يوسف وإخوته. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ { عبرة ~~لأولى الألبب } قال معروفة لذوي العقول. وأخرج ابن جرير، وأبو ~~الشيخ عن قتادة { ما كان حديثا يفترى } قال الفرية الكذب. { ~~ولكن تصديق الذى بين يديه } قال القرآن يصدق الكتب ~~التي كانت قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه كالتوراة والإنجيل ~~والزبور، ويصدق ذلك كله، ويشهد عليه أن جميعه حق من عند الله { ~~وتفصيل كل شىء } فصل الله بين حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته. ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1-4] # قوله { المر } قد تقدم الكلام في هذه الحروف الواقعة في أوائل السور ~~بما يغني عن الإعادة، وهو اسم للسورة مرفوع المحل على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف. أو على أنه مبتدأ خبره ما بعده، والتقدير على الأول هذه السورة ~~اسمها هذا، والإشارة بقوله { تلك } إلى آيات هذه السورة، والمراد ~~بالكتاب السورة أي تلك الآيات آيات السورة الكاملة العجيبة الشأن، ويكون ~~قوله { والذى أنزل إليك من ربك الحق } مرادا به ~~القرآن كله، أي هو الحق البالغ في اتصافه بهذه الصفة، أو تكون الإشارة ~~بقوله { تلك } إلى آيات القرآن جميعه على أن المراد بالكتاب جميع ~~القرآن. ويكون قوله { والذى أنزل إليك من ربك الحق } ~~جملة مبينة لكون هذا المنزل هو الحق. قال الفراء { والذي } رفع ~~بالاستئناف وخبره { الحق } ، قال وإن شئت جعلت { الذي } خفضا نعتا ~~للكتاب، وإن كانت فيه الواو كما في قوله # إلى الملك القرم وابن الهمام # ويجوز أن يكون محل { والذي أنزل إليك } الجر على تقدير وآيات الذي أنزل ~~إليك، فيكون الحق على هذا خبرا لمبتدأ محذوف { ولكن أكثر ~~الناس لا يؤمنون } بهذا الحق الذي أنزله الله عليك. قال الزجاج ~~لما ذكر أنهم لا يؤمنون ذكر الدليل الذي يوجب التصديق بالخالق فقال { ~~الله الذى رفع السموات بغير عمد } والعمد ~~الأساطين جمع عماد أي قائمات بغير عمد تعتمد عليه، وقيل لها عمد ولكن لا ~~نراه. قال الزجاج العمد قدرته التي يمسك بها السموات، وهي غير مرئية ms1879 ~~لنا، وقرىء " عمد " على أنه جمع عمود يعمد به، أي يسند إليه. قال النابغة # وخبر الجن إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد # وجملة { ترونها } مستأنفة استشهاد على رؤيتهم لها كذلك. وقيل هي صفة ~~لعمد، وقيل في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير رفع السموات ترونها بغير ~~عمد، ولا ملجىء إلى مثل هذا التكلف { ثم استوى على العرش } ~~أي استولى عليه بالحفظ والتدبير، أو استوى أمره، أو أقبل على خلق العرش، ~~وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى، والاستواء على العرش صفة لله سبحانه ~~بلا كيف كما هو مقرر في موضعه من علم الكلام { وسخر الشمس ~~والقمر } أي ذللهما لما يراد منهما من منافع الخلق، ومصالح العباد { ~~كل يجرى لأجل مسمى } أي كل من الشمس والقمر يجري إلى وقت ~~معلوم وهو فناء الدنيا وقيام الساعة التي تكور عندها الشمس ويخسف القمر، ~~وتنكدر النجوم وتنتثر، وقيل المراد بالأجل المسمى درجاتهما ومنازلهما ~~التي تنتهيان إليها لا يجاوزنها، وهي سنة للشمس، وشهر للقمر { يدبر ~~الأمر } أي يصرفه على ما يريد، وهو أمر ملكوته وربوبيته { يفصل ~~الآيت } أي يبينها، وهي الآيات الدالة على كمال قدرته وربوبيته، ~~ومنها ما تقدم من رفع السماء بغير عمد، وتسخير الشمس والقمر وجريهما ~~لأجل مسمى، والجملتان في محل نصب على الحال أو خبر إن لقوله { الله ~~الذى رفع } على أن الموصول صفة للمبتدأ، والمراد من هذا تنبيه ~~العباد أن من قدر على هذه الأشياء فهو قادر على البعث والإعادة، ولذا قال ~~{ لعلكم بلقاء ربكم توقنون } أي لعلكم عند مشاهدة هذه ~~الآيات توقنون بذلك لا تشكون فيه، ولا تمترون في صدقه. # ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها بذكر الدلائل الأرضية فقال { وهو ~~الذى مد الأرض } قال الفراء بسطها طولا وعرضا. وقال الأصم إن ~~المد هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه، وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي ~~كريتها في نفسها لتباعد أطرافها { وجعل فيها رواسى } أي جبالا ~~ثوابت، واحدها راسية لأن الأرض ترسو بها، أي تثبت. والإرساء الثبوت. قال ~~عنترة # فصرت عارفة لذلك ms1880 حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلع # وقال جميل # أحبها والذي أرسى قواعده حتى إذا ظهرت آياته بطنا # { وأنهرا } أي مياها جارية في الأرض فيها منافع الخلق، أو ~~المراد جعل فيها مجاري الماء { ومن كل الثمرت جعل فيها ~~زوجين اثنين } من كل الثمرات متعلق بالفعل الذي بعده، أي جعل ~~فيها من كل الثمرات { زوجين اثنين } ، الزوج يطلق على الاثنين، وعلى ~~الواحد المزاوج لآخر، والمراد هنا بالزوج الواحد، ولهذا أكد الزوجين ~~بالاثنين لدفع توهم أنه أريد بالزوج هنا الاثنين، وقد تقدم تحقيق هذا ~~مستوفي، أي جعل كل نوع من أنواع ثمرات الدنيا صنفين، إما في اللونية ~~كالبياض والسواد ونحوهما، أو في الطعمية كالحلو والحامض ونحوهما، أو في ~~القدر كالصغر والكبر، أو في الكيفية كالحر والبرد. قال الفراء يعني ~~بالزوجين هنا الذكر والأنثى. والأول أولى { يغشى الليل النهار } أي يلبسه ~~مكانه، فيصير أسود مظلما بعدما كان أبيض منيرا، شبه إزالة نور الهدى ~~بالظلمة بتغطية الأشياء الحسية بالأغطية التي تسترها، وقد سبق تفسير هذه ~~في الأعراف { إن فى ذلك لآيت لقوم يتفكرون } أي ~~فيما ذكر من مد الأرض وإثباتها بالجبال، وما جعله الله فيها من الثمرات ~~المتزاوجة. وتعاقب النور والظلمة آيات بينة للناظرين المتفكرين ~~المعتبرين. { وفى الأرض قطع متجورت } هذا كلام مستأنف ~~مشتمل على ذكر نوع آخر من أنواع الآيات. قيل وفي الكلام حذف، أي قطع ~~متجاورت، وغير متجاورات، كما في قوله # سرابيل تقيكم الحر # النحل 81 أي وتقيكم البرد. قيل والمتجاورات المدن وما كان عامرا، وغير ~~المتجاورات الصحارى وما كان غير عامر، وقيل المعنى متجاورات متدانيات، ~~ترابها واحد وماؤها واحد. وفيها زرع وجنات، ثم تتفاوت في الثمار فيكون ~~البعض حلوا والبعض حامضا، والبعض طيبا والبعض غير طيب، والبعض يصلح ~~فيه نوع والبعض الآخر نوع آخر { وجنت من أعنب } والجنات ~~البساتين، قرأ الجمهور برفع { جنات } على تقدير وفي الأرض جنات، فهو ~~معطوف على قطع متجاورات، أو على تقدير وبينها جنات. # وقرأ الحسن بالنصب على تقدير وجعل فيها جنات، وذكر سبحانه الزرع بين ~~الأعناب والنخيل ms1881 لأنه يكون في الخارج كثيرا كذلك، ومثله في قوله سبحانه # جعلنا لأحدهما جنتين من أعنب وحففناهما ~~بنخل وجعلنا بينهما زرعا # الكهف 32. { صنون وغير صنون } ، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~وحفص { وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان } برفع هذه الأربع عطفا على جنات، ~~وقرأ الباقون بالجر عطفا على أعناب. وقرأ مجاهد والسلمي بضم الصاد من ~~صنوان. وقرأ الباقون بالكسر، وهما لغتان. قال أبو عبيدة صنوان جمع صنو، ~~وهو أن يكون الأصل واحدا، ثم يتفرع فيصير نخلا، ثم يحمل، وهذا قول جميع ~~أهل اللغة والتفسير. قال ابن الأعرابي الصنو المثل، ومنه قوله صلى الله ~~عليه وسلم # " عم الرجل صنو أبيه " # ، فمعنى الآية على هذا أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة وقد لا تكون. ~~قال في الكشاف والصنوان جمع صنو، وهي النخلة لها رأسان وأصلها واحد، وقيل ~~الصنوان المجتمع، وغير الصنوان المتفرق. قال النحاس وهو كذلك في اللغة، ~~يقال للنخلة إذا كانت فيها نخلة أخرى أو أكثر صنوان، والصنو المثل، ولا ~~فرق بين التثنية والجمع إلا بكسر النون في المثنى، وبما يقتضيه الإعراب ~~في الجمع. { يسقى بماء وحد } ، قرأ عاصم وابن عامر { يسقى } ~~بالتحتية، أي يسقى ذلك كله. وقرأ الباقون بالفوقية بإرجاع الضمير إلى ~~جنات، واختاره أبو حاتم وأبو عبيد وأبو عمرو، قال أبو عمرو التأنيث أحسن ~~لقوله { ونفضل بعضها على بعض فى الأكل } ولم يقل ~~بعضه. وقرأ حمزة والكسائي " يفضل " بالتحتية كما في قوله # يدبر الأمر يفصل الآيت # الرعد 2 وقرأ الباقون بالنون على تقدير ونحن نفضل. وفي هذا من الدلالة ~~على بديع صنعه، وعظيم قدرته ما لا يخفى على من له عقل فإن القطع ~~المتجاورة والجنات المتلاصقة المشتملة على أنواع النبات مع كونها تسقى ~~بماء واحد وتتفاضل في الثمرات في الأكل، فيكون طعم بعضها حلوا والآخر ~~حامضا، وهذا في غاية الجودة، وهذا ليس بجيد، وهذا فائق في حسنه، وهذا ~~غير فائق مما يقطع من تفكر واعتبر ونظر نظر العقلاء أن السبب المقتضي ~~لاختلافها ليس إلا قدرة الصانع الحكيم جل سلطانه وتعالى شأنه، ms1882 لأن ~~تأثير الاختلاف فيما يخرج منها ويحصل من ثمراتها لا يكون في نظر العقلاء ~~إلا لسببين إما اختلاف المكان الذي هو المنبت، أو اختلاف الماء الذي ~~تسقى به، فإذا كان المكان متجاورا، وقطع الأرض متلاصقة، والماء الذي ~~تسقى به واحدا، لم يبق سبب للاختلاف في نظر العقل إلا تلك القدرة ~~الباهرة والصنع العجيب، ولهذا قال الله سبحانه { إن فى ذلك ~~لآيت لقوم يعقلون } أي يعلمون على قضية العقل وما يوجبه غير ~~مهملين لما يقتضيه من التفكر في المخلوقات والاعتبار في العبر الموجودات. # وقد أخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { المر } قال أنا ~~الله أرى. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن مجاهد { المر } فواتح يفتتح بها ~~كلامه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه في قوله { تلك ءايت ~~الكتب } قال التوراة والإنجيل { والذى أنزل إليك من ~~ربك الحق } قال القرآن. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن قتادة ~~نحو. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { رفع ~~السموات بغير عمد ترونها } قال وما يدريك لعلها بعمد ~~لا ترونها. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وأبو الشيخ عنه في الآية قال ~~يقول لها عمد ولكن لا ترونها يعني الأعماد. وأخرج ابن جرير عن إياس بن ~~معاوية في الآية قال السماء مقببة على الأرض مثل القبة. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس قال السماء على أربعة أملاك، كل زاوية موكل بها ملك. ~~وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ في قوله { لأجل مسمى } قال الدنيا. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { يدبر ~~الأمر } قال يقضيه وحده. وأخرج. ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو قال ~~الدنيا مسيرة خمسمائة عام، أربعمائة خراب، ومائة عمران، في أيدي المسلمين ~~من ذلك مسيرة سنة. وقد روي عن جماعة من السلف في ذلك تقديرات لم يأت ~~عليها دليل يصح. وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب قال لما خلق الله ~~الأرض قمصت. وقالت أي رب، تجعل علي ms1883 بني آدم يعملون علي الخطايا ~~ويجعلون علي الخبث، فأرسل الله فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون، ~~فكان إقرارها كاللحم ترجرج. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله { يغشى ~~الليل النهار } أي يلبس الليل النهار. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبوالشيخ عن ابن عباس في قوله { وفى الأرض قطع ~~متجورت } قال يريد الأرض الطيبة العذبة التي يخرج نباتها بإذن ~~ربها، تجاورها السبخة القبيحة المالحة التي لا تخرج، وهما أرض واحدة، ~~وماؤها شيء واحد، ملح أو عذب، ففضلت إحداهما على الأخرى. وأخرج ابن جرير، ~~وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال قرىء " متجاورات " قريب بعضها من بعض. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال الأرض تنبت حلوا، والأرض تنبت ~~حامضا، وهي متجاورات تسقى بماء واحد. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ~~البراء بن عازب في قوله { صنون وغير صنون } قال الصنوان ما ~~كان أصله واحدا وهو متفرق، { وغير صنوان } التي تنبت وحدها، وفي لفظ ~~صنوان النخلة في النخلة ملتصقة، وغير صنوان النخل المتفرق. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { صنون } ~~قال مجتمع النخل في أصل واحد { وغير صنون } قال النخل المتفرق. ~~وأخرج الترمذي وحسنه، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن ~~مردويه عن أبي هريرة، عن النبي في قوله { ونفضل بعضها على ~~بعض فى الأكل } قال " الدقل، والفارسي، والحلو، والحامض ". وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال هذا حامض، وهذا حلو، ~~وهذا دقل، وهذا فارسي. ### || [13.5-11] # قوله { وإن تعجب فعجب قولهم } أي إن تعجب يا محمد من ~~تكذيبهم لك بعد ما كنت عندهم من الصادقين فأعجب منه تكذيبهم بالبعث، ~~والله تعالى لا يجوز عليه التعجب لأنه تغير النفس بشيء تخفى أسبابه وإنما ~~ذكر ذلك ليعجب منه رسوله وأتباعه. قال الزجاج أي هذا موضوع عجب أيضا ~~أنهم أنكروا البعث، وقد بين لهم من خلق ms1884 السموات والأرض ما يدل على أن ~~البعث أسهل في القدرة. وقيل الآية في منكري الصانع، أي إن تعجب من ~~إنكارهم الصانع مع الأدلة الواضحة بأن المتغير لا بد له من مغير، فهو ~~محل التعجب، والأول أولى لقوله { أإذا كنا ترابا أئنا لفى خلق جديد } ~~وهذه الجملة في محل رفع على البدلية من { قولهم } ، ويجوز أن تكون في محل ~~نصب على أنها مقول القول، والعجب على الأول كلامهم، وعلى الثاني تكلمهم ~~بذلك، والعامل في «أإذا» ما يفيده قوله { أإنا لفى خلق جديد } ~~وهو نبعث أو نعاد، والاستفهام منهم للإنكار المفيد لكمال الاستبعاد، ~~وتقديم الظرف في قوله { لفى خلق } لتأكيد الإنكار بالبعث، وكذلك ~~تكرير الهمزة في قوله " أإنا ". ثم لما حكى الله سبحانه ذلك عنهم حكم ~~عليهم بأمور ثلاثة الأول { أولئك الذين كفروا بربهم } ~~أي أولئك المنكرون لقدرته سبحانه على البعث هم المتمادون في الكفر ~~الكاملون فيه، والثاني { وأولئك الأغلل فى أعنقهم } ~~الأغلال جمع غل، وهو طوق تشد به اليد إلى العنق، أي يغلون بها يوم ~~القيامة، وقيل الأغلال أعمالهم السيئة التي هي لازمة لهم لزوم الأطواق ~~للأعناق. والثالث { وأولئك أصحب النار هم فيها ~~خلدون } لا ينفكون عنها بحال من الأحوال، وفي توسيط ضمير الفصل ~~دلالة على تخصيص الخلود بمنكري البعث. { ويستعجلونك ~~بالسيئة قبل الحسنة } السيئة العقوبة المهلكة، والحسنة ~~العافية والسلامة. قالوا هذه المقالة لفرط إنكارهم وشدة تصميمهم ~~وتهالكهم على الكفر. وقيل معنى الآية أنهم طلبوا العقوبة قبل الحسنة، وهي ~~الإيمان { وقد خلت من قبلهم المثلت }. قرأ الجمهور " ~~مثلات " بفتح الميم وضم المثلثة جمع مثلة كسمرة، وهي العقوبة. قال ابن ~~الأنباري المثلة العقوبة التي تبقى في المعاقب شيئا بتغيير بعض خلقه من ~~قولهم مثل فلان بفلان إذا شان خلقه بقطع أنفه وسمل عينيه وبقر بطنه. وقرأ ~~الأعمش بفتح الميم وإسكان المثلثة تخفيفا لثقل الضمة، وفي لغة تميم بضم ~~الميم والمثلثة جميعا، واحدتها على لغتهم مثلة، بضم الميم وسكون ~~المثلثة مثل غرفة وغرفات. وحكي عن الأعمش في رواية أخرى أنه قرأ هذا ~~الحرف ms1885 بضمها على لغة تميم. والمعنى أن هؤلاء يستعجلونك بإنزال العقوبة ~~بهم، وقد مضت من قبلهم عقوبات أمثالهم من المكذبين، فما لهم لا يعتبرون ~~بهم، ويحذرون من حلول ما حل بهم، والجملة في محل نصب على الحال، وهذا ~~الاستعجال من هؤلاء هو على طريقة الاستهزاء كقولهم # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك # الأنفال 32 الآية. { وإن ربك لذو مغفرة } أي لذو تجاوز ~~عظيم { للناس على ظلمهم } أنفسهم باقترافهم الذنوب ووقوعهم ~~في المعاصي إن تابوا عن ذلك، ورجعوا إلى الله سبحانه، والجار والمجرور ~~أي على ظلمهم في محل نصب على الحال أي حال كونهم ظالمين، و " على " بمعنى ~~" مع " أي مع ظلمهم، وفي الآية بشارة عظيمة ورجاء كبير لأن من المعلوم أن ~~الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائبا، ولهذا قيل إنها في عصاة ~~الموحدين خاصة. وقيل المراد بالمغفرة هنا تأخير العقاب إلى الآخرة ليطابق ~~ما حكاه الله من استعجال الكفار للعقوبة. وكما تفيده الجملة المذكورة بعد ~~هذه الآية. وهي { وإن ربك لشديد العقاب } يعاقب العصاة ~~المكذبين من الكافرين عقابا شديدا على ما تقتضيه مشيئته في الدار ~~الآخرة. { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية ~~من ربه } أي هلا أنزل عليه آية غير ما قد جاء به من الآيات، وهؤلاء ~~الكفار القائلون هذه المقالة هم المستعجلون للعذاب. قال الزجاج طلبوا غير ~~الآيات التي أتى بها فالتمسوا مثل آيات موسى وعيسى، فقال الله تعالى { ~~إنما أنت منذر } تنذرهم بالنار، وليس إليك من الآيات شيء. ~~انتهى. وهذا مكابرة من الكفار وعناد، وإلا فقد أنزل الله على رسوله من ~~الآيات ما يغني البعض منه، وجاء في { إنما أنت منذر } بصيغة ~~الحصر لبيان أنه صلى الله عليه وسلم مرسل لإنذار العباد، وبيان ما يحذرون ~~عاقبته، وليس عليه غير ذلك، وقد فعل ما هو عليه، وأنذر أبلغ إنذار، ولم ~~يدع شيئا مما يحصل به ذلك إلا أتى به وأوضحه وكرره، فجزاه الله عن أمته ~~خيرا. { ولكل قوم هاد } أي نبي يدعوهم إلى ما فيه هدايتهم ms1886 ~~ورشادهم. وإن لم تقع الهداية لهم بالفعل ولم يقبلوها، وآيات الرسل مختلفة ~~هذا يأتي بآية أو آيات لم يأت بها الآخر بحسب ما يعطيه الله منها، ومن ~~طلب من بعضهم ما جاء به البعض الآخر فقد بلغ في التعنت إلى مكان عظيم، ~~فليس المراد من الآيات إلا الدلالة على النبوة لكونها معجزة خارجة عن ~~القدرة البشرية، وذلك لا يختص بفرد منها، ولا بأفراد معينة. وقيل إن ~~المعنى { ولكل قوم هاد } ، وهو الله - عز وجل - فإنه القادر على ذلك، ~~وليس على أنبيائه إلا مجرد الإنذار. { الله يعلم ما تحمل ~~كل أنثى } الجملة مستأنفة مسوقة لبيان إحاطته بالعلم سبحانه، وعلمه ~~بالغيب الذي هذه الأمور المذكورة منه، قيل ويجوز أن يكون الاسم الشريف ~~خبرا لمبتدأ محذوف، أي ولكل قوم هاد وهو الله. # وجملة { يعلم ما تحمل كل أنثى } تفسير لهاد على الوجه ~~الأخير، وهذا بعيد جدا، و " ما " موصولة، أي يعلم الذي تحمله كل أنثى في ~~بطنها من علقة، أو مضغة، أو ذكر، أو أنثى، أو صبيح، أو قبيح، أو سعيد، أو ~~شقي. ويجوز أن تكون استفهامية، أي يعلم أي شيء في بطنها، وعلى أي حال ~~هو. ويجوز أن تكون مصدرية أي يعلم حملها { وما تغيض الأرحام ~~وما تزداد } الغيض النقص، أي يعلم الذي تغيضه الأرحام، أي تنقصه، ~~ويعلم ما تزداده. فقيل المراد نقص خلقة الحمل وزيادته كنقص إصبع أو ~~زيادتها. وقيل إن المراد نقص مدة الحمل على تسعة أشهر، أو زيادتها، ~~وقيل. إذا حاضت المرأة في حال حملها كان ذلك نقصا في ولدها، وقيل الغيض ~~ما تنقصه الأرحام من الدم، والزيادة ما تزداده منه، و «ما» في { ما تغيض ~~} { وما تزداد } تحتمل الثلاثة الوجوه المتقدمة في { ما تحمل كل أنثى } ~~{ وكل شىء عنده بمقدار } أي كل شيء من الأشياء التي من ~~جملتها الأشياء المذكورة عند الله سبحانه بمقدار، والمقدار القدر الذي ~~قدره الله. وهو معنى قوله سبحانه # إنا كل شىء خلقنه بقدر # القمر 49 أي كل الأشياء عند الله سبحانه جارية على ms1887 قدره الذي قد سبق ~~وفرغ منه، لا يخرج عن ذلك شيء. { علم الغيب والشهدة } ~~أي عالم كل غائب عن الحس، وكل مشهود حاضر، أو كل معدوم وموجود ولا مانع ~~من حمل الكلام على ما هو أعم من ذلك { الكبير المتعال } أي ~~العظيم الذي كل شيء دونه، المتعالي عما يقوله المشركون، أو المستعلي على ~~كل شيء بقدرته وعظمته وقهره. ثم لما ذكر سبحانه أنه يعلم تلك المغيبات لا ~~يغادره شيء منها، بين أنه عالم بما يسرونه في أنفسهم وما يجهرون به ~~لغيره، وأن ذلك لا يتفاوت عنده فقال { سواء منكم من أسر القول ومن ~~جهر به } فهو يعلم ما أسره الإنسان كعلمه بما جهر به من خير وشر، وقوله ~~{ منكم } متعلق بسواء على معنى يستوي منكم من أسر ومن جهر، أو سر من ~~أسر وجهر من جهر { ومن هو مستخف بالليل } أي مستتر في الظلمة الكائنة في ~~الليل متوار عن الأعين. يقال خفي الشيء واستخفى أي استتر وتوارى { ~~وسارب بالنهار } قال الكسائي سرب يسرب سربا وسروبا إذا ذهب. ~~ومنه قول الشاعر # وكل أناس قاربوا قيد فحلهم ونحن خلعنا قيده فهو سارب # أي ذهب. وقال القتيبي سارب بالنهار متصرف في حوائجه بسرعة، من قولهم ~~أسرب الماء. قال الأصمعي حل سربه أي طريقته. وقال الزجاج معنى الآية ~~الجاهر بنطقه، والمضمر في نفسه، والظاهر في الطرقات والمستخفي في الظلمات ~~علم الله فيهم جميعا سوى، وهذا ألصق بمعنى الآية كما تفيده المقابلة ~~بين المستخفي والسارب، فالمستخفي المستتر، والسارب البارز الظاهر. # { له معقبت } الضمير في «له» راجع إلى " من " في قوله { من أسر ~~القول ومن جهر به ومن هو مستخف } أي لكل من هؤلاء معقبات. والمعقبات ~~المتناوبات التي يخلف كل واحد منها صاحبه، ويكون بدلا منه، وهم الحفظة ~~من الملائكة في قول عامة المفسرين. قال الزجاج المعقبات ملائكة يأتي ~~بعضهم بعقب بعض، وإنما قال معقبات مع كون الملائكة ذكورا لأن الجماعة من ~~الملائكة يقال لها معقبة، ثم جمع معقبة على معقبات ذكر معناه الفراء، ~~وقيل أنث ms1888 لكثرة ذلك منهم نحو نسابة وعلامة. قال الجوهري والتعقب العود ~~بعد البدء. قال الله تعالى # ولى مدبرا ولم يعقب # النمل 10 وقرىء " معاقيب " جمع معقب { من بين يديه ومن ~~خلفه } أي من بين يدي من له المعقبات، والمراد أن الحفظة من الملائكة ~~من جميع جوانبه. وقيل المراد بالمعقبات الأعمال، ومعنى { من بين يديه ومن ~~خلفه } ما تقدم منها وما تأخر. { يحفظونه من أمر الله } أي ~~من أجل أمر الله، وقيل يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بالاستمهال له ~~والاستغفار حتى يتوب. قال الفراء في هذا قولان أحدهما أنه على التقديم ~~والتأخير. تقديره له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، ~~والثاني أن كون الحفظة يحفظونه هو مما أمر الله به. قال الزجاج المعنى ~~حفظهم إياه من أمر الله أي مما أمرهم به لا أنهم يقدرون أن يدفعوا ~~أمرالله. قال ابن الأنباري وفي هذا قول آخر، وهو أن «من» بمعنى الباء، أي ~~يحفظونه بأمر الله. وقيل إن " من " بمعنى عن، أي يحفظونه عن أمر الله، ~~بمعنى من عند الله، لا من عند أنفسهم، كقوله # أطعمهم من جوع # قريش 4 أي عن جوع. وقيل يحفظونه من ملائكة العذاب. وقيل يحفظونه من ~~الجن. واختار ابن جرير أن المعقبات المواكب بين أيدي الأمراء، على معنى ~~أن ذلك لا يدفع عنه القضاء. { إن الله لا يغير ما بقوم } ~~من النعمة والعافية { حتى يغيروا ما بأنفسهم } من طاعة ~~الله، والمعنى أنه لا يسلب قوما نعمة أنعم بها عليهم حتى يغيروا الذي ~~بأنفسهم من الخير والأعمال الصالحة، أو يغيروا الفطرة التي فطرهم الله ~~عليها. قيل وليس المراد، أنه لا ينزل بأحد من عباده عقوبة حتى يتقدم له ~~ذنب، بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير كما في الحديث # " أنه سأل رسول الله سائل فقال أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم إذا كثر ~~الخبث " # { وإذا أراد الله بقوم سوءا } أي هلاكا وعذابا { فلا ~~مرد له } أي فلا رد له. # وقيل المعنى إذا أراد الله بقوم سوءا أعمى ms1889 قلوبهم، حتى يختاروا ما فيه ~~البلاء { وما لهم من دونه من وال } يلي أمرهم ويلتجئون إليه، ~~فيدفع عنهم ما ينزل بهم من الله سبحانه من العقاب، أو من ناصر ينصرهم ~~ويمنعهم من عذاب الله. والمعنى أنه لا راد لعذاب الله ولا ناقص لحكمه. ~~وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الحسن في قوله { وإن تعجب ~~فعجب قولهم } قال إن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك فعجب قولهم. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن زيد في الآية قال إن ~~تعجب يا محمد من تكذيبهم، وهم رأوا من قدرة الله وأمره، وما ضرب لهم من ~~الأمثال وأراهم من حياة الموتى والأرض الميتة { فعجب قولهم أئذا كنا ~~ترابا أئنا لفى خلق جديد } أو لا يرون أنه خلقهم من نطفة، فالخلق من نطفة ~~أشد من الخلق من تراب وعظام. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وقد خلت من قبلهم ~~المثلت } قال العقوبات. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ عن قتادة في { المثلات } قال وقائع الله في الأمم فيمن خلا قبلكم. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال { المثلات } ما أصاب القرون الماضية ~~من العذاب. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن سعيد بن المسيب قال لما ~~نزلت هذه الآية { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ~~ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب } قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ لأحد العيش ولولا وعيده وعقابه لاتكل، ~~كل أحد " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس { ولكل ~~قوم هاد } نبي يدعوهم إلى الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال محمد المنذر، والهادي الله - عز وجل - ~~وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد ~~نحوه أيضا. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هو ms1890 المنذر وهو الهادي. وأخرج ابن جرير عن عكرمة وأبي الضحى نحوه. ~~وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، والديلمي، وابن ~~عساكر، وابن النجار عن ابن عباس قال لما نزلت { إنما أنت منذر ~~ولكل قوم هاد } وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره ~~فقال # " أنا المنذر " # ، وأومأ بيده إلى منكب علي فقال # " أنت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون من بعدي " # قال ابن كثير في تفسيره وهذا الحديث فيه نكارة شديدة. # وأخرج ابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فذكر نحوه. وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس ~~مرفوعا نحوه أيضا. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن أبي ~~حاتم، والطبراني في الأوسط، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وابن عساكر عن ~~علي بن أبي طالب في الآية نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك { ~~الله يعلم ما تحمل كل أنثى } قال كل أنثى من خلق الله. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في الآية قال ~~يعلم ذكرا هو أو أنثى { وما تغيض الأرحام } قال هي المرأة ترى ~~الدم في حملها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ ~~عن مجاهد في قوله { وما تغيض الأرحام } قال خروج الدم { وما ~~تزداد } قال استمساكه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~{ وما تغيض الأرحام } قال أن ترى الدم في حملها { وما ~~تزداد } قال في التسعة أشهر، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عنه ~~في الآية قال ما تزداد على تسعة، وما تنقص من التسعة. وأخرج ابن المنذر، ~~وأبو الشيخ عنه أيضا في الآية { ما تغيض الأرحام } قال السقط { ~~وما تزداد } ما زادت في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماما، وذلك ~~أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهن من تحمل تسعة أشهر، ومنهن من ~~تنقص، فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله، وكل ذلك بعلمه تعالى. وأخرج ms1891 ~~ابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { علم الغيب والشهدة } ~~قال السر والعلانية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ في قوله { ومن هو مستخف بالليل } قال راكب رأسه في ~~المعاصي { وسارب بالنهار } قال ظاهر بالنهار بالمعاصي. وأخرج ~~أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن ابن عباس { وسارب ~~بالنهار } قال الظاهر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في الآية ~~قال هو صاحب ريبة مستخف بالليل، وإذا خرج بالنهار أرى الناس أنه بريء من ~~الإثم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الكبير، وابن ~~مردويه، وأبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس أن سبب ~~نزول الآية قدوم عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في القصة المشهورة، وأنه لما أصيب عامر بن الطفيل بالغدة نزل ~~قوله تعالى { الله يعلم ما تحمل كل أنثى } إلى قوله { ~~معقبت من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من ~~أمر الله } قال المعقبات من أمر الله يحفظون محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، ثم ذكر أربد بن قيس وما قتله، فقال { هو الذى يريكم ~~البرق } إلى قوله { وهو شديد المحال }. # وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه ~~عن ابن عباس في قوله { معقبت } الآية قال هذه للنبي صلى الله عليه ~~وسلم خاصة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه { يحفظونه من أمر الله ~~} قال ذلك الحفظ من أمر الله بأمر الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عنه أيضا { من أمر الله } قال بإذن الله. وأخرج ~~ابن جرير عن قتادة مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال ولي ~~السلطان يكون عليه الحراس يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، يقول يحفظونه من ~~أمري، فإني إذا أردت بقوم سوءا فلا مرد له. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه في الآية قال الملوك يتخذون الحرس ~~يحفظونه من أمامه، ms1892 ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، يحفظونه من القتل، ~~ألم تسمع أن الله يقول { إذا أراد الله بقوم سوءا فلا ~~مرد له } أي إذا أراد سوءا لم يغن الحرس عنه شيئا. وأخرج ابن ~~جرير عن عكرمة في الآية قال هؤلاء الأمراء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس قال هم الملائكة تعقب بالليل تكتب على ابن آدم. وأخرج ~~عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في ~~الآية قال ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا ~~عنه. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ عن علي في الآية قال ليس من عبد إلا ~~ومعه ملائكة يحفظونه من أن تقع عليه حائط، أو ينزوي في بئر، أو يأكله ~~سبع، أو غرق أو حرق، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبين القدر. وقد ورد في ~~ذكر الحفظة الموكلين بالإنسان أحاديث كثيرة مذكورة في كتب الحديث. ### || [13.12-18] # لما خوف سبحانه عباده بإنزال مالا مرد له أتبعه بأمور ترجى من بعض ~~الوجوه، ويخاف من بعضها، وهي البرق، والسحاب، والرعد، والصاعقة، وقد مر ~~في أول البقرة تفسير هذه الألفاظ وأسبابها. وقد اختلف في وجه انتصاب { ~~خوفا وطمعا } فقيل على المصدرية، أي لتخافوا ولتطمعوا طمعا، وقيل ~~على العلة بتقدير إرادة الخوف والطمع، لئلا يختلف فاعل الفعل المعلل ~~وفاعل المفعول له، أو على الحالية من البرق، أو من المخاطبين بتقدير ذوي ~~خوف. وقيل غير ذلك مما لا حاجة إليه. قيل والمراد بالخوف هو الحاصل من ~~الصواعق، وبالطمع هو الحاصل في المطر، وقال الزجاج الخوف للمسافر لما ~~يتأذى به من المطر، والطمع للحاضر. لأنه إذا رأى البرق طمع في المطر، ~~الذي هو سبب الخصب { وينشىء السحاب الثقال } التعريف للجنس، ~~والواحدة سحابة، والثقال جمع ثقيلة، والمراد أن الله سبحانه يجعل السحاب ~~التي ينشئها ثقالا بما يجعله فيها من الماء. { ويسبح الرعد ~~بحمده } أي يسبح الرعد نفسه بحمد الله أي متلبسا بحمده، وليس هذا ~~بمستبعد، ولا مانع من أن ينطقه الله بذلك # وإن ms1893 من شىء إلا يسبح بحمده # الإسراء 44. وأما على تفسير الرعد بملك من الملائكة فلا استبعاد في ذلك، ~~ويكون ذكره على الإفراد مع ذكر الملائكة بعده لمزيد خصوصية له، وعناية ~~به، وقيل المراد ويسبح سامعو الرعد، أي يقولون سبحان الله والحمدلله { ~~والملئكة من خيفته } أي ويسبح الملائكة من خيفة الله ~~سبحانه. وقيل من خيفة الرعد. وقد ذكر جماعة من المفسرين أن هؤلاء ~~الملائكة هم أعوان الرعد. وأن الله سبحانه جعل له أعوانا { ويرسل ~~الصوعق فيصيب بها من يشاء } من خلقه فيهلكه، وسياق هذه ~~الأمور هنا للغرض الذي سيقت له الآيات التي قبلها، وهي الدلالة على كمال ~~قدرته { وهم يجدلون فى الله } الضمير راجع إلى الكفار، ~~المخاطبين في قوله { هو الذى يريكم البرق } أي وهؤلاء ~~الكفرة مع هذه الآيات التي أراهم الله يجادلون في شأن الله سبحانه ~~فينكرون البعث تارة، ويستعجلون العذاب أخرى، ويكذبون الرسل ويعصون الله، ~~وهذه الجملة في محل نصب على الحال، ويجوز أن تكون مستأنفة. { وهو ~~شديد المحال } قال ابن الأعرابي المحال المكر، والمكر من الله ~~التدبير بالحق. وقال النحاس المكر من الله إيصال المكروه إلى من يستحقه ~~من حيث لا يشعر. وقال الأزهري المحال القوة والشدة، والميم أصلية، وما ~~حلت فلانا محالا أينا أشد. وقال أبو عبيد المحال العقوبة والمكروه. قال ~~الزجاج يقال ما حلته محالا إذا قاويته حتى يتبين أيكما أشد، والمحل في ~~اللغة الشدة. وقال ابن قتيبة أي شديد الكيد، وأصله من الحيلة جعل الميم ~~كميم المكان، وأصله من الكون، ثم يقال تمكنت. # قال الأزهري غلط ابن قتيبة أن الميم فيه زائدة، بل هي أصلية. وإذا رأيت ~~الحرف على مثال فعال أوله ميم مكسورة فهي أصلية، مثل مهاد وملاك ومراسي ~~وغير ذلك من الحروف. وقرأ الأعرج " وهو شديد المحال " بفتح الميم. وقد ~~فسرت هذه القراءة بالحول. وللصحابة والتابعين في تفسير المحال هنا أقوال ~~ثمانية الأول العداوة. الثاني الحول. الثالث الأخذ. الرابع الحقد. الخامس ~~القوة. السادس الغضب. السابع الهلاك. الثامن الحيلة. { له دعوة ~~الحق } إضافة الدعوة إلى ms1894 الحق للملابسة، أي الدعوة الملابسة للحق ~~المختصة به التي لا مدخل للباطل فيها بوجه من الوجوه، كما يقال كلمة ~~الحق، والمعنى أنها دعوة مجابة واقعة في موقعها، لا كدعوة من دونه. وقيل ~~الحق هو الله سبحانه، والمعنى أن لله سبحانه دعوة المدعو الحق، وهو الذي ~~يسمع فيجيب، وقيل المراد بدعوة الحق ها هنا كلمة التوحيد والإخلاص، ~~والمعنى لله من خلقه أن يوحدوه ويخلصوا له. وقيل دعوة الحق دعاؤه سبحانه ~~عند الخوف فإنه لا يدعى فيه سواه كما قال تعالى # ضل من تدعون إلا إياه # الإسراء 67. وقيل الدعوة العبادة، فإن عبادة الله هي الحق والصدق { ~~والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشىء } ~~أي والآلهة الذين يدعونهم - يعني الكفار - من دون الله - عز وجل - لا ~~يستجيبون لهم بشيء مما يطلبونه منهم كائنا ما كان إلا استجابة كاستجابة ~~الماء لمن بسط كفيه إليه من بعيد فإنه لا يجيبه لأنه جماد لا يشعر بحاجته ~~إليه، ولا يدري أنه طلب منه أن يبلغ فاه. ولهذا قال { وما هو } أي ~~الماء { ببالغه } أي ببالغ فيه. قال الزجاج إلا كما يستجاب للذي ~~يبسط كفيه إلى الماء يدعو الماء إلى فيه، والماء لا يستجيب، أعلم الله ~~سبحانه أن دعاءهم الأصنام كدعاء العطشان إلى الماء يدعوه إلى بلوغ فمه، ~~وما الماء ببالغه. وقيل المعنى أنه كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه فلا ~~يحصل في كفه شيء منه. وقد ضربت العرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلا بالقبض ~~على الماء كما قال الشاعر # فأصبحت مما كان بيني وبينها من الود مثل القابض الماء باليد # وقال الآخر # ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض على الماء خانته فروج الأصابع # وقال الفراء إن المراد بالماء هنا ماء البئر، لأنها معدن للماء، وأنه ~~شبهه بمن مد يده إلى البئر بغير رشاء، ضرب الله سبحانه هذا مثلا لمن ~~يدعو غيره من الأصنام. { وما دعاء الكفرين إلا فى ~~ضلل } أي يضل عنهم ذلك الدعاء فلا يجدون منه شيئا، ولا ينفعهم بوجه ~~من الوجوه، بل هو ms1895 ضائع ذاهب. { ولله يسجد من فى السموات ~~والأرض * طوعا وكرها } إن كان المراد بالسجود معناه الحقيقي، ~~وهو وضع الجبهة على الأرض للتعظيم مع الخضوع والتذلل، فذلك ظاهر في ~~المؤمنين والملائكة ومسلمي الجن، وأما في الكفار فلا يصح تأويل السجود ~~بهذا في حقهم، فلا بد أن يحمل السجود المذكور في الآية على معنى حق لله ~~السجود ووجب، حتى يناول السجود بالفعل وغيره، أو يفسر للسجود بالانقياد. # لأن الكفار وإن لم يسجدوا لله سبحانه فهم منقادون لأمره، وحكمه فيهم ~~بالصحة والمرض والحياة والموت والفقر والغنى. ويدل على إرادة هذا المعنى ~~قوله { طوعا وكرها } فإن الكفار ينقادون كرها كما ينقاد المؤمنون ~~طوعا، وهما منتصبان على المصدرية، أي انقياد طوع وانقياد كره، أو على ~~الحال، أي طائعين وكارهين، وقال الفراء الآية خاصة بالمؤمنين فإنهم ~~يسجدون طوعا، وبعض الكفار يسجدون إكراها وخوفا كالمنافقين، فالآية ~~محمولة على هؤلاء. وقيل الآية في المؤمنين، فمنهم من سجد طوعا لا يثقل ~~عليه السجود، ومنهم من يثقل عليه لأن التزام التكليف مشقة ولكنهم يتحملون ~~المشقة إيمانا بالله وإخلاصا له. { وظللهم بالغدو ~~والآصال } وظلالهم جمع ظل، والمراد به ظل الإنسان الذي يتبعه، جعل ~~ساجدا بسجوده حيث صار لازما له لا ينفك عنه. قال الزجاج، وابن الأنباري ~~ولا يبعد أن يخلق الله للظلال أفهاما تسجد بها لله سبحانه، كما جعل ~~للجبال أفهاما حتى اشتغلت بتسبيحه، فظل المؤمن يسجد لله طوعا. وظل ~~الكافر يسجد لله كرها. وخص الغدو والآصال بالذاكر، لأنه يزداد ظهور ~~الظلال فيهما، وهما ظرف للسجود المقدر، أي ويسجد ظلالهم في هذين الوقتين، ~~وقد تقدم تفسير الغدو والآصال في الأعراف، وفي معنى هذه الآية قوله ~~سبحانه # أولم يروا إلى ما خلق الله من شىء يتفيأ ~~ظلله عن اليمين والشمآئل سجدا لله وهم ~~دخرون # النحل 48 وجاء بمن في { من في السموات والأرض } تغليبا للعقلاء على ~~غيرهم، ولكون سجود غيرهم تبعا لسجودهم، ومما يؤيد حمل السجود على ~~الانقياد ما يفيده تقديم { لله } على الفعل من الاختصاص، فإن سجود الكفار ~~لأصنامهم معلوم، ولا ms1896 ينقادون لهم كانقيادهم لله في الأمور التي يقرون ~~على أنفسهم بأنها من الله، كالخلق والحياة والموت، ونحو ذلك. { قل من ~~رب السموات والأرض } أمر الله سبحانه رسوله أن يسأل ~~الكفار من رب السموات والأرض؟ ثم لما كانوا يقرون بذلك ويعترفون به كما ~~حكاه الله سبحانه في قوله # ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ~~ليقولن خلقهن العزيز العليم # الزخرف 9. وقوله # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # الزخرف 87 أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب، فقال { قل الله } ~~فكأنه حكى جوابهم وما يعتقدونه، لأنهم ربما تلعثموا في الجواب حذرا مما ~~يلزمهم، ثم أمره بأن يلزمهم الحجة ويبكتهم فقال { قل اتخذوا من ~~دونه أولياء } والاستفهام للإنكار، أي إذا كان رب السموات والأرض ~~هو الله كما تقرون بذلك وتعترفون به كما حكاه سبحانه عنكم بقوله # قل من رب * السموات * السبع ورب العرش ~~العظيم * سيقولون لله # المؤمنون 86 - 87 فما بالكم اتخذتم لأنفسكم من دونه أولياء عاجزين { لا ~~يملكون لانفسهم نفعا } ينفعونها به { ولا ضرا } يضرون ~~به غيرهم أو يدفعونه عن أنفسهم، فكيف ترجون منهم النفع والضر وهم لا ~~يملكونهما لأنفسهم، والجملة في محل نصب على الحال، ثم ضرب الله سبحانه ~~لهم مثلا وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم. فقال { قل هل ~~يستوى الأعمى والبصير } أي هل يستوي الأعمى في دينه وهو ~~الكافر، والبصير فيه وهو الموحد، فإن الأول جاهل لما يجب عليه وما يلزمه، ~~والثاني عالم بذلك. قرأ ابن محيصن، وأبو بكر، والأعمش، وحمزة، والكسائي " ~~أم هل يستوي الظلمات والنور " بالتحتية. وقرأ الباقون بالفوقية. واختار ~~القراءة الثانية أبو عبيد، والمراد بالظلمات الكفر، وبالنور الإيمان، ~~والاستفهام للتقريع والتوبيخ، أي كيف يكونان مستويين وبينهما من التفاوت ~~ما بين الأعمى والبصير، وما بين الظلمات والنور؟ ووحد النور وجمع ~~الظلمات، لأن طريق الحق واحدة لا تختلف، وطرائق الباطل كثيرة غير منحصرة. ~~{ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه } " أم " هي ~~المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة، أي بل أجعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه، ~~والاستفهام لإنكار ms1897 الوقوع. قال ابن الأنباري معناه أجعلوا لله شركاء ~~خلقوا مثل ما خلق الله فتشابه خلق الشركاء بخلق الله عندهم، أي ليس الأمر ~~على هذا حتى يشتبه الأمر عليهم، بل إذا فكروا بعقولهم وجدوا الله هو ~~المنفرد بالخلق، وسائر الشركاء لا يخلقون شيئا، وجملة { خلقوا ~~كخلقه } في محل نصب صفة لشركاء، والمعنى أنهم لم يجعلوا لله شركاء ~~متصفين بأنهم خلقوا كخلقه { فتشابه } بهذا السبب { الخلق ~~عليهم } حتى يستحقوا بذلك العبادة منهم، بل إنما جعلوا له شركاء ~~الأصنام ونحوها، وهي بمعزل عن أن تكون كذلك، ثم أمره الله سبحانه بأن ~~يوضح لهم الحق ويرشدهم إلى الصواب فقال { قل الله خلق كل ~~شىء } كائنا ما كان ليس لغيره في ذلك مشاركة بوجه من الوجوه. قال ~~الزجاج والمعنى أنه خالق كل شيء مما يصح أن يكون مخلوقا، ألا ترى أنه ~~تعالى شيء وهو غير مخلوق { وهو الواحد } أي المتفرد بالربوبية { ~~القهار } لما عداه، فكل ما عداه مربوب مقهور مغلوب. ثم ضرب سبحانه ~~مثلا آخر للحق وذويه، وللباطل ومنتحليه فقال { أنزل من السماء ~~مآء } أي من جهتها، والتنكير للتكثير أو للنوعية { فسالت أودية ~~} جمع واد، وهو كل منفرج بين جبلين أو نحوهما. قال أبو علي الفارسي لا ~~نعلم فاعلا جمع على أفعلة إلا هذا، وكأنه حمل على فعيل فجمع على أفعلة ~~مثل جريب وأجربة. # كما أن فعيلا حمل على فاعل، فجمع على أفعال مثل يتيم وأيتام وشريف ~~وأشراف، كأصحاب وأنصار في صاحب وناصر. قال وفي قوله { فسالت ~~أودية } توسع أي سال ماؤها، قال ومعنى { بقدرها } بقدر مائها، ~~لأن الأودية ما سالت بقدر أنفسها. قال الواحدي والقدر مبلغ الشيء، ~~والمعنى بقدرها من الماء، فإن صغر الوادي قل الماء وإن اتسع كثر، وقال ~~في الكشاف { بقدرها } بمقدارها الذي يعرف الله أنه نافع للممطور عليهم ~~غير ضار. قال ابن الأنباري شبه نزول القرآن الجامع للهدى والبيان بنزول ~~المطر، إذ نفع نزول القرآن يعم كعموم نفع نزول المطر، وشبه الأودية ~~بالقلوب إذ الأودية يستكن فيها الماء كما يستكن القرآن ms1898 والإيمان في ~~قلوب المؤمنين. { فاحتمل السيل زبدا رابيا } الزبد هو ~~الأبيض المرتفع المنتفخ على وجه السيل، ويقال له الغثاء والرغوة، والرابي ~~العالي المرتفع فوق الماء. قال الزجاج هو الطافي فوق الماء، وقال غيره هو ~~الزائد بسبب انتفاخه، من ربا يربو إذا زاد. والمراد من هذا تشبيه الكفر ~~بالزبد الذي يعلو الماء، فإنه يضمحل ويعلق بجنبات الوادي وتدفعه الرياح. ~~فكذلك يذهب الكفر ويضمحل. وقد تم المثل الأول، ثم شرح سبحانه في ذكر ~~المثل الثاني فقال { ومما يوقدون عليه فى النار } " من " ~~لابتداء الغاية، أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء، أو للتبعيض، بمعنى ~~وبعضه زبد مثله، والضمير للناس، أضمر مع عدم سبق الذكر لظهوره. هذا على ~~قراءة { يوقدون } بالتحتية، وبها قرأ حميد وابن محيصن، والأعمش، وحمزة، ~~والكسائي، وحفص. وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب، واختار القراءة ~~الأولى أبو عبيد. والمعنى ومما توقدون عليه في النار فيذوب من الأجسام ~~المنطرقة الذائبة. { ابتغاء حلية } أي لطلب اتخاذ حلية تتزينون ~~بها وتتجملون كالذهب والفضة { أو متع } أي أو طلب متاع تتمتعون به ~~من الأواني والآلات المتخذة من الحديد والصفر والنحاس والرصاص { زبد ~~مثله } المراد بالزبد هنا الخبث، فإنه يعلو فوق ما أذيب من تلك ~~الأجسام كما يعلو الزبد على الماء فالضمير في { مثله } يعود إلى { زبدا ~~رابيا } وارتفاع { زبد } على الابتداء وخبره { مما يوقدون } ، { ~~كذلك يضرب الله الحق والبطل } أي مثل ذلك الضرب ~~البديع يضرب الله مثل الحق ومثل الباطل، ثم شرع في تقسيم المثل فقال { ~~فأما الزبد فيذهب جفاء } يقال جفأ الوادي بالهمز جفاء إذا ~~رمى بالقذر والزبد. قال الفراء الجفاء الرمي. يقال جفأ الوادي غثاء جفاء ~~إذا رمى به، والجفاء بمنزلة الغثاء. وكذا قال أبو عمرو بن العلاء، وحكى ~~أبو عبيدة أنه سمع رؤبة يقرأ " جفالا ". قال أبو عبيدة يقال أجفلت القدر ~~إذا قذفت بزبدها. وأجفلت الريح السحاب إذا قطعته، قال أبو حاتم لا يقرأ ~~بقراءة رؤبة، لأنه كان يأكل الفأر. # واعلم أن وجه المماثلة بين الزبدين في الزبد الذي يحمله السيل والزبد ms1899 ~~الذي يعلو الأجسام المنطرقة، أن تراب الأرض لما خالط الماء وحمله معه صار ~~زبدا رابيا فوقه. وكذلك ما يوقد عليه في النار حتى يذوب من الأجسام ~~المنطرقة، فإن أصله من المعادن التي تنبت في الأرض فيخالطها التراب، فإذا ~~أذبيت صار ذلك التراب الذي خالطها خبثا مرتفعا فوقها. { وأما ما ~~ينفع الناس } منهما وهو الماء الصافي، والذائب الخالص من الخبث { ~~فيمكث فى الأرض } أي يثبت فيها. أما الماء فإنه يسلك في عروق ~~الأرض فتنتفع الناس به، وأما ما أذيب من تلك الأجسام فإنه يصاغ حلية ~~وأمتعة. وهذان مثلان ضربهما الله سبحانه للحق والباطل، يقول إن الباطل ~~وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلاه، فإن الله سبحانه سيمحقه ويبطله ~~ويجعل العاقبة للحق وأهله كالزبد الذي يعلو الماء فيلقيه الماء ويضمحل ~~وكخبث هذه الأجسام فإنه وإن علا عليها فإن الكير يقذفه ويدفعه، فهذا مثل ~~الباطل وأما الماء الذي ينفع الناس وينبت المراعي فيمكث في الأرض، كذلك ~~الصفو من هذه الأجسام فإنه يبقى خالصا لا شوب فيه، وهو مثل الحق. قال ~~الزجاج فمثل المؤمن واعتقاده ونفع الإيمان كمثل هذا الماء المنتفع به في ~~نبات الأرض وحياة كل شيء، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الجواهر لأنها ~~كلها تبقى منتفعا بها، ومثل الكافر وكفره كمثل الزبد الذي يذهب جفاء، ~~وكمثل خبث الحديد وما تخرجه النار من وسخ الفضة والذهب الذي لا ينتفع به. ~~وقد حكينا عن ابن الأنباري فيما تقدم أنه شبه نزول القرآن إلى آخر ما ~~ذكرناه فجعل ذلك مثلا ضربه الله للقرآن. { كذلك يضرب الله ~~الامثال } أي مثل ذلك الضرب العجيب يضرب الله الأمثال في كل باب ~~لكمال العناية بعباده واللطف بهم، وهذا تأكيد لقوله { كذلك يضرب ~~الله الحق والبطل }. ثم بين سبحانه من ضرب له مثل الحق ~~ومثل الباطل من عباده، فقال فيمن ضرب له مثل الحق { للذين ~~استجابوا لربهم } أي أجابوا دعوته إذ دعاهم إلى توحيده وتصديق ~~أنبيائه والعمل بشرائعه، و { الحسنى } صفة موصوف محذوف، أي المثوبة ~~الحسنى وهي الجنة، وقال ms1900 سبحانه فيمن ضرب له مثل الباطل { والذين ~~لم يستجيبوا } لدعوته إلى ما دعاهم إليه، والموصول مبتدأ وخبره ~~الجملة الشرطية، وهي { لو أن لهم ما فى الأرض جميعا } ~~من أصناف الأموال التي يتملكها العباد ويجمعونها بحيث لا يخرج عن ملكهم ~~منها شيء { ومثله معه } أي مثل ما في الأرض جميعا كائنا معه ~~ومنضما إليه { لافتدوا به } أي بمجموع ما ذكر وهو ما في الأرض ~~ومثله. والمعنى ليخلصوا به مما هم فيه من العذاب الكبير والهول العظيم، ~~ثم بين الله سبحانه ما أعده لهم فقال { أولئك } يعني الذين لم ~~يستجيبوا { لهم سوء الحسب } قال الزجاج لأن كفرهم أحبط ~~أعمالهم، وقال غيره سوء الحساب المناقشة فيه وقيل هو أن يحاسب الرجل ~~بذنبه كله لا يغفر منه شيء { ومأواهم جهنم } أي مرجعهم إليها ~~{ وبئس المهاد } أي المستقر الذي يستقرون فيه. # والمخصوص بالذم محذوف. وقد أخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { هو الذى يريكم ~~البرق خوفا وطمعا } قال خوفا للمسافر يخاف أذاه ~~ومشقته،وطمعا للمقيم يطمع في رزق الله ويرجو بركة المطر ومنفعته. وأخرج ~~أبو الشيخ عن الحسن قال خوفا لأهل البحر وطمعا لأهل البر. وأخرج أبو ~~الشيخ عن الضحاك قال الخوف ما يخاف من الصواعق، والطمع الغيث. وأخرج عبد ~~بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والخرائطي ~~في مكارم الأخلاق، والبيهقي في سننه من طرق عن علي بن أبي طالب قال ~~البرق مخاريق من نار بأيدي ملائكة السحاب يزجرون به السحاب. وروي عن ~~جماعة من السلف ما يوافق هذا ويخالفه، ولعلنا قد قدمنا في سورة البقرة ~~شيئا من ذلك. وأخرج أحمد عن شيخ من بني غفار قد صحب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن الله ينشىء السحاب فتنطق أحسن النطق وتضحك أحسن الضحك " # قيل والمراد بنطقها الرعد، وبضحكها البرق. وقد ثبت عند أحمد، والترمذي، ~~والنسائي في اليوم والليلة، والحاكم في مستدركه من ms1901 حديث ابن عمر قال كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد والصواعق قال # " اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك " # وأخرج العقيلي وضعفه، وابن مردويه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " ينشىء الله السحاب ثم ينزل فيه الماء، فلا شيء أحسن من ضحكه، ولا شيء ~~أحسن من نطقه، ومنطقه الرعد وضحكه البرق " # وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله «أن خزيمة بن ثابت، وليس ~~بالأنصاري، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن منشأ السحاب فقال # " إن ملكا موكلا يلم القاصية ويلحم الدانية، في يده مخراق، فإذا رفع ~~برقت وإذا زجر رعدت، وإذا ضرب صعقت " # وأخرج أحمد، والترمذي وصححه. والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل والضياء في ~~المختارة عن ابن عباس قال «أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا ~~أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال # الله على ما نقول وكيل # يوسف 66، قال " هاتوا " ، قالوا أخبرنا عن علامة النبي؟ قال # " تنام عيناه ولا ينام قلبه " # ، قالوا أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف تذكر؟ قال # " يلتقي الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء ~~المرأة ماء الرجل أنثت " # قالوا أخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال # " كان يشتكي عرق النساء، فلم يجد شيئا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا يعني ~~الإبل، فحرم لحومها " # قالوا صدقت، قالوا أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال # " ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب بيده مخراق من نار يزجر به السحاب ~~يسوقه حيث أمره الله " # ، قالوا فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال # " صوته " # ، قالوا صدقت إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن أخبرتنا، إنه ليس من ~~نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال # " جبريل، " # قالوا جبريل ذاك ينزل بالخراب والقتال والعذاب عدونا، ms1902 لو قلت ميكائيل ~~الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان فأنزل الله # قل من كان عدوا لجبريل # البقرة 97 إلى آخر الآية. وأخرج البخاري في الأدب المفرد، وابن أبي ~~الدنيا في المطر، وابن جرير عن ابن عباس أنه كان إذا سمع صوت الرعد قال ~~سبحان الذي سبحت له، وقال إن الرعد ملك ينعق بالغيث كما ينعق الراعي ~~بغنمه. وقد روي نحو هذا عنه من طرق. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أن ~~الرعد صوت الملك، وكذا أخرج نحوه أبو الشيخ عن ابن عمر. وأخرج ابن ~~المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس قال الرعد ملك اسمه الرعد، وصوته هذا ~~تسبيحه، فإذا اشتد زجره احتك السحاب واضطرم من خوفه، فتخرج الصواعق من ~~بينه، وأخرج ابن أبي حاتم، والخرائطي، وأبو الشيخ في العظمة عن أبي عمران ~~الجوني قال إن بحورا من نار دون العرش يكون منها الصواعق. وأخرج أبو ~~الشيخ عن السدي قال الصواعق نار. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن ~~عباس { وهو شديد المحال } قال شديد القوة. وأخرج ابن جرير عن ~~علي قال شديد الأخذ. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عنه في قوله { له ~~دعوة الحق } قال التوحيد لا إله إلا الله. وأخرج عبد الرزاق، ~~والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي ~~في الأسماء والصفات من طرق عن ابن عباس في قوله { دعوة الحق } قال ~~شهادة أن لا إله إلا الله. وأخرج ابن جرير عن علي في قوله { إلا ~~كبسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ~~ببالغه } قال كان الرجل العطشان يمد يده إلى البئر ليرتفع الماء ~~إليه وما هو ببالغه. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في ~~الآية قال هذا مثل المشرك الذي عبد مع الله غيره، فمثله كمثل الرجل ~~العطشان الذي ينظر إلى خياله في الماء من بعيد وهو يريد أن يتناوله ولا ~~يقدر عليه. وأخرج أبو الشيخ عنه في قوله { هل يستوى الاعمى ~~والبصير } قال ms1903 المؤمن والكافر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه أيضا في قوله { أنزل من السماء مآء ~~} الآية قال هذا مثل ضربه الله احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، ~~فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله، وهو قوله ~~{ فأما الزبد فيذهب جفاء } وهو الشك { وأما ما ~~ينفع الناس فيمكث فى الأرض } وهو اليقين، وكما يجعل ~~الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبثه، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك ~~الشك. وأخرج هؤلاء عنه أيضا { فسالت أودية بقدرها } قال ~~الصغير قدر صغره، والكبير قدر كبره. ### || [13.19-25] # الهمزة في قوله { أفمن يعلم } للإنكار على من يتوهم المماثلة بين ~~من يعلم أنما أنزله الله سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم من الحق ~~الذي لا شك فيه ولا شبهة، وهو القرآن، وبين من هو أعمى لا يعلم ذلك، فإن ~~الحال بينهما متباعد جدا كالتباعد الذي بين الماء والزبد، وبين الخبث ~~والخالص من تلك الأجسام، ثم بين سبحانه أنه إنما يقف على تفاوت ~~المنزلتين، وتباين الرتبتين أهل العقول الصحيحة، فقال { إنما ~~يتذكر أولوا الألبب }. ثم وصفهم بهذه الأوصاف المادحة، ~~فقال { الذين يوفون بعهد الله } أي بما عقدوه من العهود ~~فيما بينهم وبين ربهم، أو فيما بينهم وبين العباد { ولا ينقضون ~~الميثق } الذي وثقوه على أنفسهم، وأكدوه بالإيمان ونحوها، وهذا ~~تعميم بعد التخصيص، لأنه يدخل تحت الميثاق كل ما أوجبه العبد على نفسه ~~كالنذور ونحوها، ويحتمل أن يكون الأمر بالعكس فيكون من التخصيص بعد ~~التعميم على أن يراد بالعهد جميع عهود الله، وهي أوامره ونواهيه التي وصى ~~بها عبيده، ويدخل في ذلك الالتزامات التي يلزم بها العبد نفسه، ويراد ~~بالميثاق ما أخذه الله على عباده حين أخرجهم من صلب آدم في عالم الذر ~~المذكور في قوله سبحانه # وإذ أخذ ربك من بنى ءادم # الأعراف 171. { والذين يصلون ما أمر الله به أن ~~يوصل } ظاهره شمول كل ما أمر الله بصلته، ونهى عن قطعه من حقوق الله ~~وحقوق عباده، ويدخل ms1904 تحت ذلك صلة الأرحام دخولا أوليا، وقد قصره كثير ~~من المفسرين على صلة الرحم، واللفظ أوسع من ذلك { ويخشون ربهم ~~} خشية تحملهم على فعل ما وجب، واجتناب ما لا يحل { ويخافون سوء ~~الحساب } وهو الاستقصاء فيه والمناقشة للعبد، فمن نوقش الحساب عذب، ~~ومن حق هذه الخيفة أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا. { والذين ~~صبروا ابتغاء وجه ربهم } قيل هو كلام مستأنف، وقيل معطوف ~~على ما قبله، والتعبير عنه بلفظ المضي للتنبيه على أنه ينبغي تحققه، ~~والمراد بالصبر الصبر على الإتيان بما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه. ~~وقيل على الرزايا والمصائب، ومعنى كون ذلك الصبر لابتغاء وجه الله أن ~~يكون خالصا له، لا شائبة فيه لغيره { وأقاموا الصلاة } أي فعلوها في ~~أوقاتها على ما شرعه الله سبحانه في أذكارها وأركانها مع الخشوع ~~والإخلاص، والمراد بها الصلوات المفروضة، وقيل أعم من ذلك { ~~وأنفقوا مما رزقناهم } أي أنفقوا بعض ما رزقناهم، والمراد ~~بالسر صدقة النفل، والعلانية صدقة الفرض وقيل السر لمن لم يعرف بالمال، ~~أو لا يتهم بترك الزكاة، والعلانية لمن كان يعرف بالمال أو يتهم بترك ~~الزكاة { ويدرءون بالحسنة السيئة } أي يدفعون سيئة من ~~أساء إليهم بالإحسان إليه كما في قوله تعالى # ادفع بالتى هى أحسن # فصلت 34، أو يدفعون بالعمل الصالح العمل السيء، أو يدفعون الشر بالخير، ~~أو المنكر بالمعروف، أو الظلم بالعفو، أو الذنب بالتوبة، ولا مانع من حمل ~~الآية على جميع هذه الأمور، والإشارة بقوله { أولئك } إلى ~~الموصوفين بالصفات المتقدمة { لهم عقبى الدار } العقبى مصدر ~~كالعاقبة والمراد بالدار الدنيا، وعقباها الجنة وقيل المراد بالدار الدار ~~الآخرة، وعقباها الجنة للمطيعين، والنار للعصاة. { جنت عدن ~~يدخلونها } بدل من عقبى الدار أي لهم جنات عدن، ويجوز أن يكون ~~مبتدأ، وخبره يدخلونها، والعدن أصله الإقامة، ثم صار علما لجنة من ~~الجنان. قال القشيري وجنات عدن وسط الجنة وقصبتها وسقفها عرش الرحمن، ~~ولكن في صحيح البخاري وغيره # " إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه ~~عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار ms1905 الجنة " # { ومن صلح من ءابائهم } يشمل الآباء والأمهات { ~~وأزوجهم وذريتهم } معطوف على الضمير في يدخلون، وجاز ~~ذلك للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، أي ويدخلها أزواجهم وذرياتهم، وذكر ~~الصلاح دليل على أنه لا يدخل الجنة إلا من كان كذلك من قرابات أولئك، ~~ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج، أو الذرية بدون صلاح { ~~والملئكة يدخلون عليهم من كل باب } أي من جميع ~~أبواب المنازل التي يسكنونها، أو المراد من كل باب من أبواب التحف ~~والهدايا من الله سبحانه. { سلم عليكم } أي قائلين سلام عليكم ~~أي سلمتم من الآفات أو دامت لكم السلامة { بما صبرتم } أي بسبب ~~صبركم وهو متعلق بالسلام أي إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم أو ~~متعلق بعليكم، أو بمحذوف أي هذه الكرامة بسبب صبركم أو بدل ما احتملتم من ~~مشاق الصبر { فنعم عقبى الدار } جاء سبحانه بهذه الجملة ~~المتضمنة لمدح ما أعطاهم من عقبى الدار المتقدم ذكرها للترغيب والتشويق. ~~ثم اتبع أحوال السعداء بأحوال الأشقياء، فقال { والذين ينقضون ~~عهد الله من بعد ميثقه ويقطعون ما أمر الله ~~به أن يوصل } وقد مر تفسير عدم النقض وعدم القطع فعرف منهما تفسير ~~النقض والقطع، ولم يتعرض لنفي الخشية والخوف عنهم وما بعدهما من الأوصاف ~~المتقدمة لدخولها في النقض والقطع { ويفسدون فى الأرض } ~~بالكفر وارتكاب المعاصي والأضرار بالأنفس والأموال { أولئك } ~~الموصوفون بهذه الصفات الذميمة { لهم } بسبب ذلك { اللعنة } أي ~~الطرد والإبعاد من رحمة الله سبحانه { ولهم سوء الدار } أي سوء ~~عاقبة دار الدنيا، وهي النار أو عذاب النار. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله تعالى { أفمن يعلم أنما ~~أنزل إليك من ربك الحق } قال هؤلاء قوم انتفعوا بما سمعوا ~~من كتاب الله وعقلوه ووعوه { كمن هو أعمى } قال عن الحق فلا ~~يبصره ولا يعقله { إنما يتذكر أولوا الألبب } فبين من ~~هم، فقال { الذين يوفون بعهد الله }. # وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { أولوا الألباب } قال من كان له ~~لب، أي ms1906 عقل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة أن ~~الله ذكر الوفاء بالعهد والميثاق في بضع وعشرين آية من القرآن. وأخرج ~~الخطيب، وابن عساكر عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن البر والصلة ليخففان سوء الحساب يوم القيامة " # ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { والذين يصلون ما ~~أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون ~~سوء الحساب } ». وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في ~~قوله { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } ~~يعني من إيمان بالنبيين وبالكتب كلها { ويخشون ربهم } يعني ~~يخافون من قطيعة ما أمر الله به أن يوصل { ويخافون سوء الحساب } ~~يعني شدة الحساب. وقد ورد في صلة الرحم وتحريم قطعها أحاديث كثيرة. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، أبو الشيخ عن الضحاك { ~~ويدرءون بالحسنة السيئة } قال يدفعون بالحسنة السيئة. ~~وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن أبي شيبة، وهناد، وعبد بن حميد، وابن ~~المنذر، وأبو الشيخ عن ابن مسعود في قوله { جنت عدن } قال بطنان ~~الجنة، يعني وسطها. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أن عمر قال لكعب ما عدن؟ ~~قال هو قصر في الجنة لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل. ~~وأخرج ابن مردويه عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " جنة عدن قضيب غرسه الله بيده، ثم قال له كن فكان " # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ ~~عن مجاهد { ومن صلح من ءابائهم } قال من آمن في الدنيا. ~~وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن أبي عمران ~~الجوني في قوله { سلم عليكم بما صبرتم } قال على دينكم { ~~فنعم عقبى الدار } قال نعم ما أعقبكم الله من الدنيا في ~~الجنة. وأخرج أحمد، والبزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأبو ~~الشيخ، وابن مردويه، والحاكم، وصححه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في ms1907 ~~شعب الإيمان عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أول من يدخل الجنة من خلق الله فقراء المهاجرين الذين تسد بهم ~~الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته، في صدره لا يستطيع لها ~~قضاء، فيقول الله لمن يشاء من ملائكته ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة ~~ربنا نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم ~~عليهم؟ قال الله إن هؤلاء عبادي كانوا يعبدونني ولا يشركون بي شيئا، ~~وتسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا ~~يستطيع لها قضاء، فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب { ~~سلم عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبي أمامة «إن المؤمن ليكون متكئا ~~على أريكة إذا دخل الجنة وعنده سماطان من خدم، وعند طرف السماطين باب ~~مبوب، فيقبل الملك فيستأذن، فيقول أقصى الخدم للذي يليه ملك يستأذن، ~~ويقول الذي يليه ملك يستأذن، حتى يبلغ المؤمن، فيقول ائذنوا له، فيقول ~~أقربهم إلى المؤمن ائذنوا له، ويقول الذي يليه للذي يليه ائذنوا له حتى ~~يبلغ أقصاهم الذي عند الباب فيفتح له فيدخل ويسلم عليه، ثم ينصرف. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن ابن عباس { ولهم سوء الدار } قال سوء العاقبة. ### || [13.26-30] # لما ذكر الله سبحانه عاقبة المشركين بقوله { ولهم سوء الدار } ~~كان لقائل أن يقول قد نرى كثيرا منهم قد وفر الله له الرزق وبسط له فيه، ~~فأجاب عن ذلك بقوله { الله يبسط الرزق لمن يشاء ~~ويقدر } فقد يبسط الرزق لمن كان كافرا، ويقتره على من كان مؤمنا ~~ابتلاء وامتحانا، ولا يدل البسط على الكرامة ولا القبض على الإهانة، ~~ومعنى يقدر يضيق، ومنه # من قدر عليه رزقه # الطلاق 7 أي ضيق. وقيل معنى يقدر يعطي بقدر الكفاية، ومعنى الآية أنه ~~الفاعل لذلك وحده القادر عليه دون غيره { وفرحوا بالحيوة ~~الدنيا } أي مشركو مكة فرحوا بالدنيا وجهلوا ما عند الله، قيل وفي ~~هذه الآية تقديم وتأخير، والتقدير الذين ينقضون ms1908 عهد الله من بعد ميثاقه ~~ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض وفرحوا بالحياة الدنيا، ~~فيكون { وفرحوا } معطوفا على يفسدون { وما الحيوة الدنيا فى ~~الآخرة إلا متع } أي ما هي إلا شيء يستمتع به، وقيل المتاع ~~واحد الأمتعة كالقصعة والسكرجة ونحوهما، وقيل المعنى شيء قليل ذاهب، من ~~متع النهار إذا ارتفع فلا بد له من زوال، وقيل زاد كزاد الراكب يتزود ~~به منها إلى الآخرة. { ويقول الذين كفروا لولا أنزل ~~عليه آية من ربه } أي يقول أولئك المشركون من أهل مكة هلا ~~أنزل على محمد آية من ربه؟ وقد تقدم تفسير هذا قريبا، وتكرر في مواضع { ~~قل إن الله يضل من يشاء } أمره الله سبحانه أن يجيب عليهم ~~بهذا، وهو أن الضلال بمشيئة الله سبحانه، من شاء أن يضله ضل كما ضل ~~هؤلاء القائلون { لولا أنزل عليه آية من ربه } ، { ويهدى إليه ~~من أناب } أي ويهدي إلى الحق، أو إلى الإسلام، أو إلى جنابه - عز ~~وجل - { من أناب } أي من رجع إلى الله بالتوبة والإقلاع عما كان ~~عليه، وأصل الإنابة الدخول في نوبة الخير. كذا قال النيسابوري، ومحل ~~الذين آمنوا النصب على البدلية من قوله { من أناب } أي أنهم هم ~~الذين هداهم الله وأنابوا إليه، ويجوز أن يكون { الذين أمنوا } خبر مبتدأ ~~محذوف أي هم الذين آمنوا، أو منصوب على المدح { وتطمئن ~~قلوبهم بذكر الله } أي تسكن وتستأنس بذكر الله سبحانه ~~بألسنتهم، كتلاوة القرآن، والتسبيح، والتحميد، والتكبير، والتوحيد، أو ~~بسماع ذلك من غيرهم، وقد سمي سبحانه القرآن ذكرا قال # وهذا ذكر مبارك أنزلنه # الأنبياء 50، وقال # إنا نحن نزلنا الذكر # الحجر 9. قال الزجاج أي إذا ذكر الله وحده آمنوا به غير شاكين بخلاف من ~~وصف بقوله # وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة # الزمر 45 وقيل تطمئن قلوبهم بتوحيد الله، وقيل المراد بالذكر هنا ~~الطاعة، وقيل بوعد الله، وقيل بالحلف بالله، فإذا حلف خصمه بالله سكن ~~قلبه، وقيل بذكر رحمته، وقيل بذكر دلائله الدالة على ms1909 توحيده { ألا ~~بذكر الله } وحده دون غيره { تطمئن القلوب } والنظر في ~~مخلوقات الله سبحانه وبدائع صنعه وإن كان يفيد طمأنينة في الجملة، لكن ~~ليست كهذه الطمأنينة، وكذلك النظر في المعجزات من الأمور التي لا يطيقها ~~البشر، فليس إفادتها للطمأنينة كإفادة ذكر الله، فهذا وجه ما يفيده هذا ~~التركيب من القصر. { الذين امنوا وعملوا الصلحات ~~طوبى لهم وحسن مئاب } الموصول مبتدأ خبره الجملة الدعائية، ~~وهي طوبى لهم على التأويل المشهور، ويجوز أن يكون الموصول في محل نصب على ~~المدح، وطوبى لهم خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون الموصول بدلا من ~~القلوب على حذف مضاف أي قلوب الذين آمنوا. قال أبو عبيدة، والزجاج، وأهل ~~اللغة طوبى فعلى من الطيب. قال ابن الأنباري وتأويلها الحال المستطابة، ~~وقيل طوبى شجرة في الجنة، وقيل هي الجنة، وقيل هي البستان بلغة الهند، ~~وقيل معنى { طوبى لهم } حسنى لهم، وقيل خير لهم، وقيل كرامة لهم، وقيل ~~غبطة لهم، قال النحاس وهذه الأقوال متقاربة، والأصل طيبى فصارت الياء ~~واوا لسكونها وضم ما قبلها، واللام في لهم للبيان مثل سقيا لك ورعيا ~~لك، وقرىء حسن مآب بالنصب والرفع، من آب إذا رجع أي وحسن مرجع، وهو الدار ~~الآخرة. { كذلك أرسلناك فى أمة خلت من قبلها ~~أمم } أي مثل ذلك الإرسال العظيم الشأن المشتمل على المعجزة الباهرة، ~~أرسلناك يا محمد، وقيل شبه الأنعام على من أرسل إليه محمد صلى الله عليه ~~وسلم بالأنعام على من أرسل إليه الأنبياء قبله، ومعنى { فى أمة قد ~~خلت من قبلها أمم } في قرن قد مضت من قبله قرون، أو في جماعة ~~من الناس قد مضت من قبلها جماعات { لتتلو عليهم الذى ~~أوحينا إليك } أي لتقرأ عليهم القرآن { يكفرون * ~~بالرحمن } أي بالكثير الرحمة لعباده، ومن رحمته لهم إرسال الرسل ~~إليهم وإنزال الكتب عليهم كما قال سبحانه # وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين # الأنبياء 107 وجملة { قل هو ربى } مستأنفة بتقدير سؤال كأنهم ~~قالوا وما الرحمن؟ فقال سبحانه { قل } يا محمد { هو ربى } أي ~~خالقي { لا إله ms1910 إلا هو } أي لا يستحق العبادة له والإيمان به ~~سواه { عليه توكلت } في جميع أموري { وإليه } لا إلى غيره ~~{ متاب } أي توبتي، وفيه تعريض بالكفار وحث لهم على الرجوع إلى الله ~~والتوبة من الكفر والدخول في الإسلام. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ عن عبد الرحمن بن سابط في قوله { وما الحيوة ~~الدنيا فى الاخرة إلا متع } قال كزاد الراعي يزوده أهله ~~الكف من التمر أو الشيء من الدقيق، أو الشيء يشرب عليه اللبن. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال كان الرجل يخرج في الزمان ~~الأول في إبله، أو غنمه، فيقول لأهله متعوني فيمتعونه فلقة الخبز ~~أوالتمر، فهذا مثل ضربه الله للدنيا. وأخرج الترمذي وصححه عن عبد الله ~~ابن مسعود قال «نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام وقد أثر ~~في جنبه، فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك؟ فقال # " ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح ~~وتركها " # وأخرج مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن المستورد قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم ~~فلينظر بم يرجع؟ وأشار بالسبابة " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في ~~قوله { وتطمئن قلوبهم بذكر الله } قال هشت إليه ~~واستأنست به، وأخرج أبو الشيخ عن السدي في الآية قال إذا حلف لهم بالله ~~صدقوا. { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } قال تسكن. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ ~~عن مجاهد في الآية قال بمحمد وأصحابه. وأخرج أبو الشيخ عن أنس قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين نزلت هذه الآية « { ألا بذكر ~~الله تطمئن القلوب } " هل تدرون ما معنى ذلك؟ " قالوا الله ~~ورسوله أعلم، قال # " من أحب الله ورسوله وأحب أصحابي " # وأخرج ابن مردويه عن علي أن رسول الله صلى ms1911 الله عليه وسلم لما نزلت هذه ~~الآية { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } قال # " ذاك من أحب الله ورسوله، وأحب أهل بيتي صادقا غير كاذب، وأحب ~~المؤمنين شاهدا وغائبا، ألا بذكر الله يتحابون " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في ~~قوله { طوبى لهم } قال فرح وقرة عين. وأخرج ابن أبي شيبة، وهناد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله { ~~طوبى لهم } قال نعم ما لهم. وقد روي عن جماعة من السلف نحو ما ~~قدمنا ذكره من الأقوال، والأرجح تفسير الآية بما روي مرفوعا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم كما أخرجه أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن ~~حبان، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي عن عتبة ابن عبد قال # " جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله في ~~الجنة فاكهة؟ قال نعم فيها شجرة تدعى طوبى " # الحديث. وأخرج أحمد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، ~~والخطيب في تاريخه عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن رجلا قال يا رسول الله، طوبى لمن رآك وآمن بك، قال # " طوبى لمن آمن بي ورآني، ثم طوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني ~~" # ، فقال رجل وما طوبى؟ قال # " شجرة في الجنة مسير مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها " # وفي الباب أحاديث وآثار عن السلف، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ~~أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " وفي الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، اقرءوا إن شئتم { ~~وظل ممدود } الواقعة 30 وفي بعض الألفاظ «إنها شجرة الخلد " # وأخرج أبو الشيخ عن السدي { وحسن مئاب } قال حسن منقلب. وأخرج ~~ابن جرير عن الضحاك مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~قوله { وهم يكفرون بالرحمن } قال ذكر لنا أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حين صالح ms1912 قريشا كتب في الكتاب «بسم ~~الله الرحمن الرحيم، فقالت قريش أما الرحمن فلا نعرفه، وكان أهل ~~الجاهلية يكتبون باسمك اللهم، فقال أصحابه دعنا نقاتلهم، فقال " لا، ولكن ~~اكتبوا كما يريدون». وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج في هذه ~~الآية نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد { وإليه متاب } قال ~~توبتي. ### || [13.31-35] # قوله { ولو أن قرانا سيرت به الجبال } قيل هذا متصل ~~بقوله { لولا أنزل عليه ءاية من ربه } 7 وأن جماعة من ~~الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسير لهم جبال مكة حتى ~~تنفسح فإنها أرض ضيقة، فأمره الله سبحانه بأن يجيب عليهم بهذا الجواب ~~المتضمن لتعظيم شأن القرآن، وفساد رأي الكفار حيث لم يقنعوا به وأصروا ~~على تعنتهم وطلبهم، ما لو فعله الله سبحانه لم يبق ما تقتضيه الحكمة ~~الإلهية، من عدم إنزال الآيات التي يؤمن عندها جميع العباد. ومعنى { ~~سيرت به الجبال } أي بإنزاله وقراءته فسارت عن محل استقرارها { أو ~~قطعت به الأرض } أي صدعت حتى صارت قطعا متفرقة { أو كلم ~~به الموتى } أي صاروا أحياء بقراءته عليهم، فكانوا يفهمونه عند ~~تكليمهم به كما يفهمه الأحياء. وقد اختلف في جواب " لو " ماذا هو؟ فقال ~~الفراء هو محذوف، وتقديره لكان هذا القرآن، وروي عنه أنه قال إن الجواب ~~لكفروا بالرحمن، أي لو فعل بهم هذا لكفروا بالرحمن، وقيل جوابه لما ~~آمنوا كما سبق في قوله # ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله # الأنعام 111 وقيل الجواب متقدم، وفي الكلام تقديم وتأخير، أي وهم ~~يكفرون بالرحمن لو أن قرآنا إلى آخره، وكثيرا ما تحذف العرب جواب " لو ~~" إذا دل عليه سياق الكلام، ومنه قول امرىء القيس # فلو أنها نفس تموت جميعة ولكنها نفس تساقط أنفسا # أي لهان علي ذلك { بل لله الأمر جميعا } أي لو أن قرآنا فعل ~~به ذلك لكان هذا القرآن، ولكن لم يفعل بل فعل ما عليه الشأن الآن، فلو ~~شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإذا لم يشأ أن يؤمنوا لم ينفع تسيير ms1913 الجبال وسائر ~~ما اقترحوه من الآيات، فالإضراب متوجه إلى ما يؤدى إليه كون الأمر لله ~~سبحانه، ويستلزمه من توقف الأمر على ما تقتضيه حكمته ومشيئته، ويدل على ~~أن هذا هو المعنى المراد من ذلك قوله { أفلم ييأس الذين آمنوا أن يشاء ~~الله لهدى الناس جميعا }. قال الفراء قال الكلبي { أفلم ييأس } بمعنى ~~أفلم يعلم، وهي لغة النخع. قال في الصحاح وقيل هي لغة هوازن، وبهذا قال ~~جماعة من السلف. قال أبو عبيدة أفلم يعلموا ويتبينوا، قال الزجاج وهو ~~مجاز لأن اليائس من الشيء عالم بأنه لا يكون، نظيره استعمال الرجاء في ~~معنى الخوف، والنسيان في الترك لتضمنهما إياهما، ويؤيده قراءة علي، وابن ~~عباس، وجماعة " أفلم يتبين " ، ومن هذا قول رباح بن عدي # ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه وإن كنت عن أرض العشيرة نائبا # أي لم يعلم، وأنشد في هذا أبو عبيدة قول مالك بن عوف النضري # أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم # أي لم تعلموا، فمعنى الآية على هذا أفلم يعلم الذين آمنوا أن لو يشاء ~~الله لهدى الناس جميعا من غير أن يشاهدوا الآيات، وقيل إن الإياس على ~~معناه الحقيقي أي أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الكفار، لعلمهم ~~أن الله تعالى لو أراد هدايتهم لهداهم لأن المؤمنين تمنوا نزول الآيات ~~التي اقترحها الكفار طمعا في إيمانهم { ولا يزال الذين ~~كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة } هذا وعيد للكفار على ~~العموم أو لكفار مكة على الخصوص أي لا يزال الذين كفروا تصيبهم بسبب ما ~~صنعوا من الكفر والتكذيب للرسل قارعة أي داهية تفجؤهم، يقال قرعه الأمر ~~إذا أصابه، والجمع قوارع، والأصل في القرع الضرب. قال الشاعر # أفنى تلادي وما جمعت من نشب قرع القراقير أفواه الأباريق # والمعنى أن الكفار لا يزالون كذلك حتى تصيبهم داهية مهلكة من قتل أو أسر ~~أو جدب أو نحو ذلك من العذاب، وقد قيل إن القارعة النكبة، وقيل الطلائع ~~والسرايا، ولا يخفى أن القارعة تطلق على ما هو ms1914 أعم من ذلك { أو ~~تحل } أي القارعة { قريبا من دارهم } فيفزعون منها ويشاهدون ~~من آثارها ما ترجف له قلوبهم وترعد منه بوادرهم. وقيل إن الضمير في { ~~تحل } للنبي صلى الله عليه وسلم. والمعنى أو تحل أنت يا محمد قريبا ~~من دارهم محاصرا لهم آخذا بمخانقهم كما وقع منه لأهل الطائف { حتى ~~يأتى وعد الله } وهو موتهم، أو قيام الساعة عليهم، فإنه إذا ~~جاء وعد الله المحتوم حل بهم من عذابه ما هو الغاية في الشدة، وقيل ~~المراد بوعد الله هنا الإذن منه بقتال الكفار، والأول أولى { إن ~~الله لا يخلف الميعاد } فما جرى به وعده فهو كائن لا محالة. ~~{ ولقد استهزىء برسل من قبلك فأمليت للذين ~~كفروا } التنكير في رسل للتكثير أي برسل كثيرة، والإملاء الإمهال، ~~وقد مر تحقيقه في الأعراف { ثم أخذتهم } بالعذاب الذي أنزلته ~~بهم { فكيف كان عقاب } الاستفهام للتقريع والتهديد أي فكيف كان ~~عقابي لهؤلاء الكفار الذين استهزءوا بالرسل، فأمليت لهم ثم أخذتهم. ثم ~~استفهم سبحانه استفهاما آخر للتوبيخ والتقريع يجري مجرى الحجاج للكفار ~~واستركاك صنعهم والإزراء عليهم، فقال { أفمن هو قائم على ~~كل نفس } القائم الحفيظ والمتولي للأمور، وأراد سبحانه نفسه، فإنه ~~المتولي لأمور خلقه المدبر لأحوالهم بالآجال والأرزاق، وإحصاء الأعمال ~~على كل نفس من الأنفس كائنة ما كانت، والجواب محذوف أي أفمن هو بهذه ~~الصفة كمن ليس بهذه الصفة من معبوداتكم التي لا تنفع ولا تضر. قال ~~الفراء كأنه في المعنى أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم الذين ~~اتخذوهم من دون الله، والمراد من الآية إنكار المماثلة بينهما، وقيل ~~المراد بمن هو قائم على كل نفس الملائكة الموكلون ببني آدم، والأول ~~أولى، وجملة { وجعلوا لله شركاء } معطوفة على الجواب المقدر ~~مبينة له أو حالية بتقدير قد أي وقد جعلوا، أو معطوفة على { ولقد ~~استهزىء } أي استهزءوا وجعلوا { قل سموهم } أي قل يا محمد ~~جعلتم له شركاء فسموهم من هم؟ وفي هذا تبكيت لهم وتوبيخ لأنه إنما يقال ~~هكذا في الشيء المستحقر الذي ms1915 لا يستحق أن يلتفت إليه، فيقال سمه إن شئت ~~يعني أنه أحقر من أن يسمى وقيل إن المعنى سموهم بالآلهة كما تزعمون، ~~فيكون ذلك تهديدا لهم { أم تنبئونه } أي بل أتنبئون الله { ~~بما لا يعلم فى الأرض } من الشركاء الذين تعبدونهم مع كونه ~~العالم بما في السموات والأرض { أم بظهر من القول } أي بل ~~أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير أن تكون له حقيقة وقيل المعنى قل ~~لهم أتنبئون الله بباطن لا يعلمه أم بظاهر يعلمه؟ فإن قالوا بباطن ~~لايعلمه فقد جاءوا بدعوى باطلة، وإن قالوا بظاهر يعلمه فقل لهم سموهم، ~~فإذا سموا اللات والعزى ونحوهما، فقل لهم إن الله لا يعلم لنفسه شريكا، ~~وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها، وإن لم يكن له شريك في غير الأرض، ~~لأنهم ادعوا له شريكا في الأرض. # وقيل معنى { أم بظهر من القول } أم بزائل من القول باطل، ~~ومنه قول الشاعر # أعيرتنا ألبانها ولحومها وذلك عار يا ابن ريطة ظاهر # أي زائل باطل، وقيل بكذب من القول، وقيل معنى { بظاهر من القول } بحجة ~~من القول ظاهرة على زعمهم { بل زين للذين كفروا مكرهم ~~} أي ليس لله شريك، بل زين للذين كفروا مكرهم. وقرأ ابن عباس " زين " على ~~البناء للفاعل على أن الذي زين لهم ذلك هو مكرهم. وقرأ من عداه بالبناه ~~للمفعول، والمزين هو الله سبحانه، أو الشيطان ويجوز أن يسمى المكر كفرا، ~~لأن مكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم كان كفرا. وأما معناه الحقيقي ~~فهو الكيد، أو التمويه بالأباطيل { وصدوا عن السبيل } قرأ ~~حمزة والكسائي وعاصم { صدوا } على البناء للمفعول أي صدهم الله، أو صدهم ~~الشيطان. وقرأ الباقون على البناء للفاعل أي صدوا غيرهم، واختار هذه ~~القراءة أبو حاتم. وقرأ يحيى بن وثاب بكسر الصاد { ومن يضلل ~~الله فما له من هاد } أي يجعله ضالا وتقتضي مشيئته إضلاله، ~~فما له من هاد يهديه إلى الخير. قرأ الجمهور { هاد } من دون إثبات الياء ~~على اللغة الكثيرة الفصيحة. وقرىء بإثباتها على اللغة ms1916 القليلة، ثم بين ~~سبحانه ما يستحقونه، فقال { لهم عذاب فى الحيوة الدنيا ~~} بما يصابون به من القتل والأسر وغير ذلك { ولعذاب الآخرة ~~أشق } عليهم من عذاب الحياة الدنيا { وما لهم من الله من ~~واق } يقيهم عذابه، ولا عاصم يعصمهم منه. # ثم لما ذكر سبحانه مما يستحقه الكفار من العذاب في الأولى والأخرى، ذكر ~~ما أعده للمؤمنين، فقال { مثل الجنة التى وعد ~~المتقون تجرى من تحتها الأنهر } أي صفقتها العجيبة ~~الشأن التي هي في الغرابة كالمثل، قال ابن قتيبة المثل الشبه في أصل ~~اللغة، ثم قد يصير بمعنى صورة الشيء وصفته، يقال مثلت لك كذا أي صورته ~~ووصفته، فأراد هنا بمثل الجنة وصورتها وصفتها، ثم ذكرها، فقال { تجرى ~~من تحتها الأنهر } وهو كالتفسير للمثل. قال سيبويه وتقديره ~~فيما قصصنا عليك مثل الجنة. وقال الخليل وغيره إن { مثل الجنة } مبتدأ ~~والخبر { تجري }. وقال الزجاج إنه تمثيل للغائب بالشاهد، ومعناه مثل ~~الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار، وقيل إن فائدة الخبر ترجع إلى { ~~أكلها دائم } أي لا ينقطع، ومثله قوله سبحانه # لا مقطوعة ولا ممنوعة # الواقعة 33 وقال الفراء المثل مقحم للتأكيد، والمعنى الجنة التي وعد ~~المتقون تجري من تحتها الأنهار، والعرب تفعل ذلك كثيرا { وظلها } ~~أي كذلك دائم لا يتقلص ولا تنسخه الشمس، والإشارة بقوله { تلك } إلى ~~الجنة الموصوفة بالصفات المتقدمة، وهو مبتدأ خبره { عقبى الذين ~~اتقوا } أي عاقبة الذين اتقوا المعاصي، ومنتهى أمرهم { وعقبى ~~الكفرين النار } ليس لهم عاقبة ولا منتهى إلا ذلك. وقد أخرج ~~الطبراني، وأبو الشيخ عن ابن عباس قال قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~إن كان كما تقول فأرنا أشياخنا الأول من الموتى نكلمهم، وافسح لنا هذه ~~الجبال جبال مكة التي قد ضمتنا، فنزلت { ولو أن قرانا سيرت ~~به الجبال } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه ~~عن عطية العوفي قال قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم لو سيرت لنا جبال مكة ~~حتى تتسع فنحرث فيها، أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه ms1917 ~~بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان يحيي عيسى الموتى لقومه، فأنزل ~~الله { ولو أن قرانا سيرت به الجبال } الآية إلى قوله ~~{ أفلم ييأس الذين ءامنوا } قال أفلم يتبين الذين آمنوا، قالوا هل تروي ~~هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال عن أبي سعيد ~~الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرجه أيضا ابن أبي حاتم قال ~~حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحرث، أخبرنا بشر بن عمارة، حدثنا ~~عمر بن حسان، عن عطية العوفي فذكره. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه من طريق ~~العوفي عن ابن عباس نحوه مختصرا. # وأخرج أبو يعلى، وأبو نعيم في الدلائل، وابن مردويه عن الزبير بن العوام ~~في ذكر سبب نزول الآية نحو ما تقدم مطولا. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله { بل لله الأمر جميعا } لا يصنع من ~~ذلك إلا ما يشاء ولم يكن ليفعل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس { أفلم ييأس } يقول يعلم. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ ~~من طريق أخرى عنه نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن أبي العالية { ~~ولو أن } قال قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا ولو شاء الله لهدى الناس ~~جميعا. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { ~~تصيبهم بما صنعوا قارعة } قال السرايا. وأخرج الطيالسي، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، ~~والبيهقي في الدلائل عنه نحوه، وزاد { أو تحل قريبا من ~~دارهم } قال أنت يا محمد حتى يأتي وعد الله. قال فتح مكة. وأخرج ابن ~~مردويه عن أبي سعيد نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~{ قارعة } قال نكبة. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه من طريق العوفي عنه ~~قارعة قال عذاب من السماء، { أو تحل قريبا من دارهم } يعني نزول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بهم وقتاله آباءهم. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه ~~عنه أيضا في ms1918 قوله { أفمن هو قائم على كل نفس بما ~~كسبت } قال يعني بذلك نفسه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عطاء ~~في الآية قال الله تعالى قائم بالقسط والعدل على كل نفس. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في ~~قوله { أم بظهر من القول } قال الظاهر من القول هو الباطل. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله { مثل الجنة } ~~قال نعت الجنة، ليس للجنة مثل. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ~~إبراهيم التيمي في قوله { أكلها دائم } قال لذاتها دائمة في ~~أفوائهم. ### || [13.36-39] # اختلف المفسرون في تفسير الكتاب المذكور فقيل هو التوراة والإنجيل، ~~والذين يفرحون بما أنزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هم من أسلم من ~~اليهود والنصارى، وقيل الذين يفرحون هم أهل الكتابين لكون ذلك موافقا ~~لما في كتبهم مصدقا له، فعلى الأول يكون المراد بقوله { ومن ~~الأحزاب من ينكر بعضه } من لم يسلم من اليهود والنصارى، وعلى ~~الثاني يكون المراد به المشركين من أهل مكة ومن يمثالهم، أو يكون المراد ~~به البعض من أهل الكتابين أي من أحزابهما، فإنهم أنكروه لما يشتمل عليه ~~من كونه ناسخا لشرائعهم فيتوجه فرح من فرح به منهم إلى ما هو موافق لما ~~في الكتابين، وإنكار من أنكر منهم إلى ما خالفهما، وقيل المراد بالكتاب ~~القرآن، والمراد بمن يفرح به المسلمون، والمراد بالأحزاب المتحزبون على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين واليهود والنصارى، والمراد ~~بالبعض الذي أنكروه من خالف ما يعتقدونه على اختلاف اعتقادهم. واعترض على ~~هذا بأن فرح المسلمين بنزول القرآن معلوم فلا فائدة في ذكره، وأجيب عنه ~~بأن المراد زيادة الفرح والاستبشار، وقال كثير من المفسرين إن عبد الله ~~بن سلام والذين آمنوا معه من أهل الكتاب ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن ~~مع كثرة ذكره في التوراة، فأنزل الله # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن # الإسراء 110 ففرحوا بذلك، ثم لما بين ما ms1919 يحصل بنزول القرآن من الفرح ~~للبعض والإنكار للبعض صرح بما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره ~~أن يقول لهم ذلك، فقال { قل إنما أمرت أن أعبد الله ~~ولا أشرك به } أي لا أشرك به بوجه من الوجوه أي قل لهم يا محمد ~~إلزاما للحجة، وردا للإنكار إنما أمرت فيما أنزل إلي بعبادة الله ~~وتوحيده، وهذا أمر اتفقت عليه الشرائع وتطابقت على عدم إنكاره جميع الملل ~~المقتدية بالرسل. وقد اتفق القراء على نصب { ولا أشرك به } عطفا على { ~~أعبد }. وقرأ أبو خليد بالرفع على الاستئناف، وروى هذه القراءة عن نافع { ~~إليه ادعوا } أي إلى الله لا إلى غيره أو إلى ما أمرت به، وهو ~~عبادة الله وحده، والأول أولى لقوله { وإليه مآب } فإن الضمير ~~لله سبحانه أي إليه وحده لا إلى غيره مرجعي. ثم ذكر بعض فضائل القرآن، ~~وأوعد على الإعراض عن اتباعه مع التعرض لرد ما أنكروه من اشتماله على ~~نسخ بعض شرائعهم فقال { وكذلك أنزلناه حكما عربيا } أي ~~مثل ذلك الإنزال البديع أنزلنا القرآن مشتملا على أصول الشرائع وفروعها. ~~وقيل المعنى وكما أنزلنا الكتب على الرسل بلغاتهم، كذلك أنزلنا عليك ~~القرآن بلسان العرب، ونريد بالحكم ما فيه من الأحكام، أو حكمة عربية ~~مترجمة بلسان العرب، وانتصاب { حكما } على الحال { ولئن اتبعت ~~أهواءهم } التي يطلبون منك موافقتهم عليها كالاستمرار منك على التوجه ~~إلى قبلتهم وعدم مخالفتك لشيء مما يعتقدونه { بعد ما جاءك من ~~العلم } الذي علمك الله إياه { ملك من الله } أي من جنابه ~~{ من ولى } يلي أمرك وينصرك { ولا واق } يقيك من عذابه. # والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعريض لأمته، واللام في { ولئن ~~اتبعت } هي الموطئة للقسم، و { مالك } ساد مسد جواب القسم والشرط. { ~~ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم ~~أزواجا وذرية } أي إن الرسل الذين أرسلناهم قبلك هم من جنس ~~البشر، لهم أزواج من النساء، ولهم ذرية توالدوا منهم ومن أزواجهم، ولم ~~نرسل الرسل من الملائكة الذين لا يتزوجون ولا يكون لهم ذرية. ms1920 وفي هذا رد ~~على من كان ينكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجه بالنساء أي أن ~~هذا شأن رسل الله المرسلين من قبل هذا الرسول فما بالكم تنكرون عليه ما ~~كانوا عليه؟! { وما كان لرسول أن يأتى بئاية إلا ~~بإذن الله } أي لم يكن لرسول من الرسل أن يأتي بآية من الآيات، ~~ومن جملتها ما اقترحه عليه الكفار إلا بإذن الله سبحانه، وفيه رد على ~~الكفار حيث اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات ما ~~اقترحوه بما سبق ذكره. { لكل أجل كتاب } أي لكل أمر مما قضاه ~~الله، أو لكل وقت من الأوقات التي قضى الله بوقوع أمر فيها كتاب عند الله ~~يكتبه على عباده ويحكم به فيهم. وقال الفراء فيه تقديم وتأخير، والمعنى ~~لكل كتاب أجل أي لكل أمر كتبه الله أجل مؤجل، ووقت معلوم، كقوله سبحانه # لكل نبإ مستقر # الأنعام 67 وليس الأمر على حسب إرادة الكفار واقتراحاتهم، بل على حسب ما ~~يشاؤه ويختاره. { يمحو الله ما يشاء ويثبت } أي يمحو من ~~ذلك الكتاب ويثبت ما يشاء منه، يقال محوت الكتاب محوا إذا أذهبت أثره. ~~قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم { ويثبت } بالتخفيف، وقرأ الباقون ~~بالتشديد، واختار هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد، وظاهر النظم القرآني ~~العموم في كل شيء مما في الكتاب، فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة ~~أو رزق أو عمر، أو خير أو شر، ويبدل هذا بهذا، ويجعل هذا مكان هذا # لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون # الأنبياء 23 وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وابن ~~عباس، وأبو وائل، وقتادة، والضحاك، وابن جريج وغيرهم. وقيل الآية خاصة ~~بالسعادة والشقاوة. وقيل يمحو ما يشاء من ديوان الحفظة، وهو ما ليس فيه ~~ثواب ولا عقاب، ويثبت ما فيه الثواب والعقاب. # وقيل يمحو ما يشاء من الرزق، وقيل يمحو من الأجل. وقيل يمحو ما يشاء من ~~الشرائع فينسخه ويثبت ما يشاء فلا ينسخه. وقيل يمحو ما يشاء ms1921 من ذنوب ~~عباده ويترك ما يشاء. وقيل يمحو ما يشاء من الذنوب بالتوبة، ويترك ما ~~يشاء منها مع عدم التوبة. وقيل يمحو الآباء ويثبت الأبناء. وقيل يمحو ~~القمر ويثبت الشمس كقوله # فمحونا ءاية اليل وجعلنا ءاية النهار مبصرة # الإسراء 12 وقيل يمحو ما يشاء من الأرواح التي يقبضها حال النوم فيميت ~~صاحبه ويثبت ما يشاء فيرده إلى صاحبه. وقيل يمحو ما يشاء من القرون ~~ويثبت ما يشاء منها. وقيل يمحو الدنيا ويثبت الآخرة. وقيل غير ذلك مما لا ~~حاجة إلى ذكره، والأول أولى كما تفيده " ما " في قوله { ما يشاء } من ~~العموم مع تقدم ذكر الكتاب في قوله { لكل أجل كتاب } ومع قوله { ~~وعنده أم الكتب } أي أصله، وهو اللوح المحفوظ، فالمراد من ~~الآية أنه يمحو ما يشاء مما في اللوح المحفوظ فيكون كالعدم، ويثبت ما ~~يشاء مما فيه فيجري فيه قضاؤه وقدره على حسب ما تقتضيه مشيئته، وهذا لا ~~ينافي ما ثبت عنه من قوله صلى الله عليه وسلم «جف القلم»، وذلك لأن ~~المحو والإثبات هو من جملة ما قضاه الله سبحانه. وقيل إن أم الكتاب هو ~~علم الله تعالى بما خلق وما هو خالق. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { يفرحون بما أنزل ~~إليك } قال أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرحوا بكتاب الله ~~وبرسله وصدقوا به { ومن الأحزاب من ينكر بعضه } يعني ~~اليهود والنصارى والمجوس. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن ابن زيد في ~~الآية قال هؤلاء من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب ~~يفرحون بذلك. # ومنهم من يؤمن به، ومنهم من لا يؤمن به # يونس 40. { ومن الأحزاب من ينكر بعضه } قال الأحزاب ~~الأمم اليهود والنصارى والمجوس. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { وإليه ماب ~~} قال إليه مصير كل عبد. وأخرج ابن ماجه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه ms1922 من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة قال ~~نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التبتل، وقرأ قتادة { ولقد ~~أرسلنا رسلا من قبلك } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه عن سعد بن هشام قال دخلت على عائشة فقلت إني أريد أن أتبتل؟ قالت ~~لا تفعل، أما سمعت الله يقول { ولقد أرسلنا رسلا من ~~قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية }. وقد ورد في النهي ~~عن التبتل والترغيب في النكاح ما هو معروف. # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~قال قالت قريش حين أنزل { ما كان لرسول أن يأتى بئاية ~~إلا بإذن الله } ما نراك يا محمد تملك من شيء، ولقد فرغ من ~~الأمر، فأنزلت هذه الآية تخويفا لهم ووعيدا لهم { يمحو الله ما ~~يشاء ويثبت } إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا شيئا، ويحدث الله ~~في كل رمضان فيمحو ما يشاء ويثبت من أرزاق الناس ومصائبهم وما يعطيهم وما ~~يقسم لهم. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن نصر، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله { يمحو ~~الله ما يشاء ويثبت } قال ينزل الله في كل شهر رمضان إلى سماء ~~الدنيا، فيدبر أمر السنة إلى السنة فيمحو ما يشاء ويثبت، إلا الشقاوة ~~والسعادة والحياة والموت. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في الآية ~~قال هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله، ثم يعود لمعصية الله فيموت على ~~ضلالة، فهو الذي يمحو، والذي يثبت الرجل يعمل بمعصية الله وقد سبق له خير ~~حتى يموت على طاعة الله. وأخرج ابن جرير، ومحمد بن نصر، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه أيضا في الآية قال هما كتابان يمحو ~~الله ما يشاء من أحدهما ويثبت، وعنده أم الكتاب، أي جملة الكتاب. وأخرج ~~ابن جرير عنه أيضا قال إن لله لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام من درة ~~بيضاء، له دفتان من ياقوت، والدفتان لوحان لله كل يوم ثلاث وستون لحظة ms1923 { ~~يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب }. وإسناده عند ابن جرير هكذا ~~حدثنا محمد بن شهر بن عسكر، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، عن ~~عطاء، عن ابن عباس فذكره. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، ~~والطبراني عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله ينزل في ثلاث ساعات يبقين من الليل فيفتح الذكر في الساعة ~~الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو الله ما يشاء ~~ويثبت " # الحديث. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه بإسناد. قال السيوطي ~~ضعيف، عن ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الشقاوة والسعادة والحياة والممات " # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعا نحوه. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن ~~عباس قال «لا ينفع الحذر من القدر، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من ~~القدر». وأخرج ابن جرير عن قيس بن عباد قال العاشر من رجب وهو يوم يمحو ~~الله فيه ما يشاء. # وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عنه نحوه بأطول ~~منه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه ~~قال وهو يطوف بالبيت اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه، فإنك ~~تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني عن ابن مسعود نحوه. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في المدخل عن ابن عباس ~~في قوله { يمحو الله ما يشاء ويثبت } قال يبدل الله ما ~~يشاء من القرآن فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله { وعنده أم ~~الكتب } يقول وجملة ذلك عنده في أم الكتاب الناسخ والمنسوخ، ما ~~يبدل، وما يثبت كل ذلك في كتاب. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { وعنده ~~أم الكتب } قال الذكر. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد مثله. وأخرج ~~عبد الرزاق، وابن جرير عن يسار، عن ms1924 ابن عباس أنه سأل كعبا عن أم ~~الكتاب، فقال علم الله ما هو خالق، وما خلقه عالمون، فقال لعلمه كن ~~كتابا، فكان كتابا. ### || [13.40-43] # { وإما نرينك } " ما " زائدة وأصله وإن نرك { بعض الذى ~~نعدهم } من العذاب كما وعدناهم بذلك بقولنا { لهم عذاب فى ~~الحيوة الدنيا } وبقولنا { ولا يزال الذين كفروا ~~تصيبهم بما صنعوا قارعة } والمراد أريناك بعض ما نعدهم قبل ~~موتك، أو توفيناك قبل إراءتك لذلك { فإنما عليك البلغ } ~~أي فليس عليك إلا تبليغ أحكام الرسالة، ولا يلزمك حصول الإجابة منهم لما ~~بلغته إليهم { وعلينا الحساب } أي محاسبتهم بأعمالهم ومجازاتهم ~~عليها، وليس ذلك عليك. وهذا تسلية من الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم وإخبار له أنه قد فعل ما أمره الله به، وليس عليه غيره، وأن من لم ~~يجب دعوته، ويصدق نبوته فالله سبحانه محاسبه على ما اجترم واجترأ عليه ~~من ذلك. { أولم يروا } يعني أهل مكة، والاستفهام للإنكار، أي ~~أولم ينظروا { أنا نأتى الأرض ننقصها من أطرافها } ~~أي نأتي أرض الكفر كمكة ننقصها من أطرافها بالفتوح على المسلمين منها ~~شيئا فشيئا. قال الزجاج أعلم الله أن بيان ما وعد المشركين من قهرهم قد ~~ظهر، يقول أولم يروا أنا فتحنا على المسلمين من الأرض ما قد تبين لهم، ~~فكيف لا يعتبرون؟ وقيل إن معنى الآية موت العلماء والصلحاء. قال القشيري ~~وعلى هذا فالأطراف الأشراف. وقد قال ابن الأعرابي الطرف الرجل الكريم. ~~قال القرطبي وهذا القول بعيد لأن مقصود الآية أنا أريناهم النقصان في ~~أمرهم ليعلموا أن تأخير العقاب عنهم ليس عن عجز إلا أن يحمل على موت ~~أحبار اليهود والنصارى. وقيل المراد من الآية خراب الأرض المعمورة حتى ~~يكون العمران في ناحية منها. وقيل المراد بالآية هلاك من هلك من الأمم. ~~وقيل المراد نقص ثمرات الأرض. وقيل المراد جور ولاتها حتى تنقص. { ~~والله يحكم لا معقب لحكمه } أي يحكم ما يشاء في خلقه، ~~فيرفع هذا ويضع هذا، ويحيي وهذا ويميت هذا، ويغني هذا، ويفقر هذا، وقد ~~حكم بعزة الإسلام ms1925 وعلوه على الأديان. وجملة { لا معقب لحكمه ~~} في محل نصب على الحال. وقيل معترضة. والمعقب الذي يكر على الشيء ~~فيبطله، وحقيقته الذي يقفيه بالرد والإبطال. قال الفراء معناه لا راد ~~لحكمه، قال والمعقب الذي يتبع الشيء فيستدركه، ولا يستدرك أحد عليه، ~~والمراد من الآية أنه لا يتعقب أحد حكم الله سبحانه بنقص ولا تغيير. { ~~وهو سريع الحساب } فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته على ~~السرعة { وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر ~~جميعا } أي قد مكر الكفار الذين من قبل كفار مكة بمن أرسله الله إليهم ~~من الرسل فكادوهم وكفروا بهم، وهذا تسلية من الله سبحانه لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم حيث أخبره أن هذا ديدن الكفار من قديم الزمان مع رسل الله ~~سبحانه، ثم أخبره بأن مكرهم هذا كالعدم، وأن المكر كله لله، فقال { ~~فلله المكر جميعا } لا اعتداد بمكر غيره، ثم فسر سبحانه هذا ~~المكر الثابت له دون غيره، فقال { يعلم ما تكسب كل نفس } ~~من خير وشر فيجازيها على ذلك. # ومن علم ما تكسب كل نفس وأعد لها جزاءها كان المكر كله له لأنه يأتيهم ~~من حيث لا يشعرون. وقال الواحدي إن مكر الماكرين مخلوق فلا يضر إلا ~~بإرادته. وقيل المعنى فلله جزاء مكر الماكرين { وسيعلم * ~~الكفر لمن عقبى الدار }. قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو ~~" الكافر " بالإفراد، وقرأ الباقون { الكفار } بالجمع، أي سيعلم جنس ~~الكافر لمن العاقبة المحمودة من الفريقين في دار الدنيا، أو في الدار ~~الآخرة، أو فيهما. وقيل المراد بالكافر، أبو جهل. { ويقول الذين ~~كفروا لست مرسلا } أي يقول المشركون أو جميع الكفار لست يا ~~محمد مرسلا إلى الناس من الله، فأمره الله سبحانه بأن يجيب عليهم، فقال ~~{ قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } فهو يعلم صحة ~~رسالتي، وصدق دعواتي، ويعلم كذبكم { ومن عنده علم الكتب } ~~أي علم جنس الكتاب كالتوراة والإنجيل، فإن أهلهما العالمين بهما يعلمون ~~صحة رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر بذلك من أسلم منهم ~~كعبد الله بن سلام، ms1926 وسلمان الفارسي، وتميم الداري ونحوهم، وقد كان ~~المشركون من العرب يسألون أهل الكتاب ويرجعون إليهم، فأرشدهم الله سبحانه ~~في هذه الآية إلى أن أهل الكتاب يعلمون ذلك. وقيل المراد بالكتاب القرآن، ~~ومن عنده علم منه هم المسلمون. وقيل المراد من عنده علم اللوح المحفوظ، ~~وهو الله سبحانه، واختار هذا الزجاج وقال لأن الأشبه أن الله لا يستشهد ~~على خلقه بغيره. وقد أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في قوله # " { ننقصها من أطرافها } قال " ذهاب العلماء " # وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في الفتن، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله { ~~ننقصها من أطرافها } قال موت علمائها وفقهائها وذهاب خيار ~~أهلها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن مجاهد في تفسير الآية قال موت ~~العلماء. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال أولم يروا أنا نفتح ~~لمحمد الأرض بعد الأرض. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه من طريق أخرى عنه ~~نحوه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال يعني أن نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~كان ينتقص له ما حوله من الأرضين ينظرون إلى ذلك فلا يعتبرون. # وقال الله في سورة الأنبياء # نأتى الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغلبون # الأنبياء 44. بل نبي الله وأصحابه هم الغالبون. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال نقصان أهلها وبركتها. ~~وأخرج ابن المنذر عنه قال إنما ننقص الأنفس والثمرات وأما الأرض فلا ~~تنقص. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا قال أولم ~~يروا إلى القرية تخرب حتى يكون العمران في ناحية منها. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد { والله ~~يحكم لا معقب لحكمه } ليس أحد يتعقب حكمه فيرده كما يتعقب ~~أهل الدنيا بعضهم حكم ms1927 بعض فيرده. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال قدم ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقف من اليمن فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " هل تجدني في الإنجيل؟ قال لا، فأنزل الله { قل كفى بالله ~~شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتب } " # يقول عبد الله بن سلام. وأخرج ابن مردويه من طريق عبد الملك بن عمير عن ~~جندب قال جاء عبد الله بن سلام حتى أخذ بعضاضتي باب المسجد، ثم قال ~~أنشدكم بالله أتعلمون أني الذي أنزلت في { ومن عنده علم ~~الكتب }؟ قالوا اللهم نعم. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه من طريق ~~أخرى عنه نحوه. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس { ومن ~~عنده علم الكتب } قال هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى. ~~وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في الآية قال ~~كان قوم من أهل الكتاب يشهدون بالحق ويعرفونه، منهم عبد الله بن سلام، ~~والجارود، وتميم الداري، وسلمان الفارسي. وأخرج أبو يعلى، وابن جرير، ~~وابن مردويه، وابن عدي بسند ضعيف عن ابن عمر، أن النبي قرأ { ومن ~~عنده علم الكتب } قال " ومن عند الله علم الكتاب ". وأخرج ~~أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، أنه كان ~~يقرأ { ومن عنده علم الكتب } يقول ومن عند الله علم ~~الكتاب. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والنحاس في ناسخه عن سعيد بن جبير أنه سئل عن قوله { ومن عنده ~~علم الكتب } أهو عبد الله بن سلام؟ قال كيف؟ وهذه السورة مكية.. ~~وأخرج ابن المنذر عن الشعبي قال ما نزل في عبد الله بن سلام شيء من ~~القرآن. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { ومن عنده ~~علم الكتب } قال جبريل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن مجاهد قال هو الله. ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1-5] # قوله { الر } قد تقدم الكلام في أمثال هذا، وبيان قول من قال إنه ms1928 غير ~~متشابه، وهو إما مبتدأ خبره كتاب، أو خبر مبتدأ محذوف، ويكون { كتاب } ~~خبرا لمحذوف مقدر، أو خبرا ثانيا لهذا المبتدأ، أو يكون { الر } ~~مسرودا على نمط التعديد فلا محل له، و { أنزلنه إليك } صفة ~~لكتاب أي أنزلنا الكتاب إليك يا محمد، ومعنى { لتخرج الناس من ~~الظلمت إلى النور } لتخرجهم من ظلمات الكفر والجهل والضلالة ~~إلى نور الإيمان والعلم والهداية. جعل الكفر بمنزلة الظلمات، والإيمان ~~بمنزلة النور على طريق الاستعارة، واللام في { لتخرج } للغرض والغاية، ~~والتعريف في الناس للجنس، والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم يخرج بالكتاب ~~المشتمل على ما شرعه الله لهم من الشرائع مما كانوا فيه من الظلمات إلى ~~ما صاروا إليه من النور. وقيل إن الظلمة مستعارة للبدعة، والنور مستعار ~~للسنة. وقيل من الشك إلى اليقين. ولا مانع من إرادة جميع هذه الأمور، ~~والباء في { بإذن ربهم } متعلقة ب " تخرج " ، وأسند الفعل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأنه الداعي والهادي والمنذر. قال الزجاج بما ~~أذن لك من تعليمهم ودعائهم إلى الإيمان { إلى صراط العزيز ~~الحميد } هو بدل من { إلى النور } بتكرير العامل كما يقع مثله ~~كثيرا، أي لتخرج الناس من الظلمات إلى صراط العزيز الحميد، وهو طريقة ~~الله الواضحة التي شرعها لعباده، وأمرهم بالمصير إليها والدخول فيها، ~~ويجوز أن يكون مستأنفا بتقدير سؤال، كأنه قيل ما هذا النور الذي أخرجهم ~~إليه؟ فقيل صراط العزيز الحميد، والعزيز هو القادر الغالب، والحميد هو ~~الكامل في استحقاق الحمد. { الله الذى له ما فى السموات ~~وما في الأرض } قرأ نافع وابن عامر بالرفع على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف، أي هو الله المتصف بملك ما في السموات وما في الأرض، وقرأ ~~الجمهور بالجر على أنه عطف بيان لكونه من الأعلام الغالبة، فلا يصح وصف ~~ما قبله به لأن العلم لا يوصف به. وقيل يجوز أن يوصف به من حيث المعنى. ~~وقال أبو عمر إن قراءة الجر محمولة على التقديم والتأخير، والتقدير إلى ~~صراط الله العزيز الحميد. وكان يعقوب إذا وقف على ms1929 { الحميد } رفع، وإذا ~~وصل خفض. قال ابن الأنباري من خفض وقف على وما في الأرض. ثم توعد من لا ~~يعترف بربوبيته فقال { وويل للكفرين من عذاب شديد } ~~قد تقدم بيان معنى الويل، وأصله النصب. كسائر المصادر، ثم رفع للدلالة ~~على الثبات. قال الزجاج هي كلمة تقال للعذاب والهلكة، فدعا سبحانه وتعالى ~~بذلك على من لم يخرج من الكفار بهداية رسول الله صلى الله عليه وسلم له ~~بما أنزله الله عليه من العذاب الشديد الذي صاروا فيه. # ثم وصف هؤلاء الكفار بقوله { الذين يستحبون الحيوة ~~الدنيا } أي يؤثرونها لمحبتهم لها { على الآخرة } الدائمة ~~والنعيم الأبدي. وقيل إن الموصول في موضع رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، ~~أي هم الذين. وقيل الموصول مبتدأ وخبره أولئك، وجملة { ويصدون } ~~وكذلك { ويبغون } معطوفتان على { يستحبون } ، ومعنى الصد { عن سبيل الله ~~} صرف الناس عنه ومنعهم منه، وسبيل الله دينه الذي شرعه لعباده { ~~ويبغونها عوجا } أي يطلبون لها زيغا وميلا لموافقة أهوائهم ~~وقضاء حاجاتهم وأغراضهم، والعوج بكسر العين في المعاني وبفتح العين في ~~الأعيان، وقد سبق تحقيقه. والأصل يبغون لها. فحذف الحرف وأوصل الفعل إلى ~~الضمير، واجتماع هذه الخصال نهاية الضلال، ولهذا وصف ضلالهم بالبعد عن ~~الحق فقال { أولئك فى ضلل بعيد } والإشارة إلى الموصوفين ~~بتلك الصفات القبيحة والبعد وإن كان من صفة الضال لكنه يجوز وصف الضلال ~~به مجازا لقصد المبالغة. ثم لما من على المكلفين بإنزال الكتاب وإرسال ~~الرسل ذكر من كمال تلك النعمة أن ذلك المرسل بلسان قومه فقال { وما ~~أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } أي متلبسا ~~بلسانهم، متكلما بلغتهم لأنه إذا كان كذلك فهم عنه المرسل إليهم ما ~~يقوله لهم وسهل عليهم ذلك بخلاف ما لو كان بلسان غيرهم فإنهم لا يدرون ما ~~يقول، ولا يفهمون ما يخاطبهم به، حتى يتعلموا ذلك اللسان دهرا طويلا، ~~ومع ذلك فلا بد أن يصعب عليهم فهم ذلك بعض صعوبة ولهذا علل سبحانه ما ~~امتن به على العباد بقوله { ليبين لهم } أي ليوضح لهم ما أمرهم ms1930 ~~الله به من الشريعة التي شرعها لهم ووحد اللسان لأن المراد بها اللغة. ~~وقد قيل في هذه الآية إشكال لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى الناس ~~جميعا، بل إلى الجن والإنس ولغاتهم متباينة وألسنتهم مختلفة. وأجيب ~~بأنه وإن كان صلى الله عليه وسلم مرسلا إلى الثقلين كما مر لكن لما كان ~~قومه العرب، وكانوا أخص به وأقرب إليه كان إرساله بلسانهم أولى من ~~إرساله بلسان غيرهم، وهم يبينونه لمن كان على غير لسانهم، ويوضحونه حتى ~~يصير فإهما له كفهمهم إياه، ولو نزل القرآن بجميع لغات من أرسل إليهم، ~~وبينه رسول الله لكل قوم بلسانهم لكان ذلك مظنة للاختلاف وفتحا لباب ~~التنازع لأن كل أمة قد تدعي من المعاني في لسانها ما لا يعرفه غيرها، ~~وربما كان ذلك أيضا مفضيا إلى التحريف والتصحيف بسبب الدعاوي الباطلة ~~التي يقع فيها المتعصبون. وجملة { فيضل الله من يشاء ~~ويهدى من يشاء } مستأنفة أي يضل من يشاء إضلاله ويهدي من يشاء ~~هدايته. # قال الفراء إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر فإن لم يكن النسق مشاكلا للأول ~~فالرفع على الاستئناف هو الوجه، فيكون معنى هذه الآية وما أرسلنا من رسول ~~إلا بلسان قومه ليبين لهم تلك الشرائع باللغة التي ألفوها وفهموها، ومع ~~ذلك فإن المضل والهادي هو، الله عز وجل، والبيان لا يوجب حصول الهداية ~~إلا إذا جعله الله سبحانه واسطة وسببا، وتقديم الإضلال على الهداية ~~لأنه متقدم عليها، إذ هو إبقاء على الأصل، والهداية إنشاء ما لم يكن { ~~وهو العزيز } الذي لا يغالبه مغالب { الحكيم } الذي يجري ~~أفعاله على مقتضى الحكمة. ثم لما بين أن المقصود من بعثة نبينا صلى الله ~~عليه وسلم هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور أراد أن يبين أن الغرض من ~~إرسال الأنبياء لم يكن إلا ذلك، وخص موسى بالذكر لأن أمته أكثر الأمم ~~المتقدمة على هذه الأمة المحمدية فقال { ولقد أرسلنا موسى ~~بئايتنا } أي متلبسا بها، والمراد بالآيات المعجزات التي ~~لموسى، ومعنى { أن أخرج } أي أخرج، لأن ms1931 الإرسال فيه معنى القول، ~~ويجوز أن يكون التقدير بأن أخرج، والمراد بقومه بنو إسرائيل بعد ملك ~~فرعون. { من الظلمت } من الكفر أو من الجهل الذي قالوا بسببه # اجعل لنا إلها كما لهم ءالهة # الأعراف 138. { إلى النور } إلى الإيمان، أو إلى العلم { ~~وذكرهم بأيام الله } أي بوقائعه. قال ابن السكيت العرب ~~تقول الأيام، في معنى الوقائع، يقال فلان عالم بأيام العرب، أي بوقائعها. ~~وقال الزجاج أي ذكرهم بنعم الله عليهم وبنقم أيام الله التي انتقم فيها ~~من قوم نوح وعاد وثمود، والمعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد { ~~إن فى ذلك } أي في التذكير بأيام الله، أو في نفس أيام الله { ~~لآيات } لدلالات عظيمة دالة على التوحيد وكمال القدرة { لكل ~~صبار } أي كثير الصبر على المحن والمنح { شكور } كثير الشكر للنعم ~~التي أنعم الله بها عليه. وقيل المراد بذلك كل مؤمن، وعبر عنه بالوصفين ~~المذكورين لأنهما ملاك الإيمان، وقدم الصبار على الشكور لكون الشكر ~~عاقبة الصبر. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة ~~في قوله { لتخرج الناس من الظلمت إلى النور } قال ~~من الضلالة إلى الهدى. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله { ~~يستحبون } قال يختارون. وأخرج عبد بن حميد، وأبو يعلى، وابن أبي ~~حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ~~ابن عباس قال إن الله فضل محمدا على أهل السماء وعلى الأنبياء، قيل ما ~~فضله على أهل السماء؟ قال إن الله قال لأهل السماء # ومن يقل منهم إنى إله من دونه فذلك نجزيه ~~جهنم # الأنبياء 29 وقال لمحمد # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # الفتح 2. فكتب له براءة من النار. قيل فما فضله على الأنبياء؟ قال إن ~~الله يقول { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } ~~، وقال لمحمد # وما أرسلنك إلا كافة للناس # سبأ 28 فأرسله إلى الإنس والجن. وأخرج ابن مردويه عن عثمان بن عفان { ~~إلا بلسان قومه } قال نزل القرآن بلسان قريش. وأخرج ابن ~~المنذر عن ms1932 مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد وعطاء وعبيد بن عمير في قوله { ولقد أرسلنا موسى ~~بئايتنا } قال بالآيات التسع الطوفان والجراد والقمل والضفادع ~~والدم والعصا ويده والسنين ونقص من الثمرات. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس { أن أخرج قومك من الظلمت إلى ~~النور } قال من الضلالة إلى الهدى. وأخرج النسائي، وعبد الله بن أحمد ~~في زوائد المسند، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، ~~والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله # " { وذكرهم بأيام الله } قال " بنعم الله وآلائه " # وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر عن ابن عباس { وذكرهم بأيام ~~الله } قال نعم الله. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد { ~~وذكرهم بأيام الله } قال وعظهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~الربيع في الآية قال بوقائع الله في القرون الأولى. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { إن فى ~~ذلك لآيت لكل صبار شكور } قال نعم العبد عبد إذا ابتلي ~~صبر، وإذا أعطي شكر. ### || [14.6-12] # قوله { وإذ قال موسى } الظرف متعلق بمحذوف هو أذكر، أي اذكر وقت ~~قول موسى، و { إذ أنجاكم } متعلق ب { اذكروا } أي اذكروا إنعامه ~~عليكم وقت إنجائه لكم من آل فرعون، أو بالنعمة، أو بمتعلق عليكم، أي ~~مستقرة عليكم وقت إنجائه، وهو بدل اشتمال من النعمة مرادا بها الإنعام ~~أو العطية { يسومونكم سوء العذاب } أي يبغونكم، يقال سامه ~~ظلما أي أولاه ظلما، وأصل السوم الذهاب في طلب الشيء، وسوء العذاب مصدر ~~ساء يسوء، والمراد حبس العذاب السيء. وهو استعبادهم واستعمالهم في ~~الأعمال الشاقة، وعطف { يذبحون أبناءكم } على { يسومونكم ~~سوء العذاب } وإن كان التذبيح من جنس سوء العذاب إخراجا له عن ~~مرتبة العذاب المعتاد حتى كأنه جنس آخر لما فيه من الشدة، ومع طرح الواو ~~كما في الآية الأخرى يكون التذبيح تفسيرا لسوء العذاب { ويستحيون ~~نساءكم } أي يتركونهن في الحياة ms1933 لإهانتهن وإذلالهن { وفى ~~ذلكم } المذكور من أفعالهم { بلاء من ربكم عظيم } أي ~~ابتلاء لكم، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة مستوفى. { وإذ ~~تأذن ربكم } { تأذن } بمعنى أذن، قاله الفراء، قال في الكشاف ~~ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليست في أفعل، كأنه قيل وإذ أذن ربكم ~~إيذانا بليغا تنتفي عنه الشكوك وتنزاح الشبه. والمعنى وإذ تأذن ربكم ~~فقال { لئن شكرتم } أو أجرى { تأذن } مجرى قال، لأنه ضرب من ~~القول. انتهى. وهذا من قول موسى لقومه، وهو معطوف على نعمة الله أي ~~اذكروا نعمة الله عليكم، واذكروا حين تأذن ربكم. وقيل هو معطوف على قوله ~~إذ أنجاكم، أي اذكروا نعمة الله تعالى في هذين الوقتين، فإن هذا التأذن ~~أيضا نعمة. وقيل هو من قول الله سبحانه، أي واذكر يا محمد إذ تأذن ربكم، ~~وقرأ ابن مسعود " وإذ قال ربكم " والمعنى واحد كما تقدم، واللام في لئن ~~شكرتم هي الموطئة للقسم. وقوله { لأزيدنكم } ساد مسد جوابي ~~الشرط والقسم، وكذا اللام في { ولئن كفرتم } وقوله { إن ~~عذابى لشديد } ساد مسد الجوابين أيضا، والمعنى لأن شكرتم ~~إنعامي عليكم بما ذكر لأزيدنكم نعمة إلى نعمة تفضلا مني. وقيل لأزيدنكم ~~من طاعتي. وقيل لأزيدنكم من الثواب. والأول أظهر، فالشكر سبب المزيد، ~~ولئن كفرتم ذلك وجحدتموه { إن عذابي لشديد } ، فلا بد أن يصيبكم منه ما ~~يصيب. وقيل إن الجواب محذوف، أي ولئن كفرتم لأعذبنكم، والمذكور تعليل ~~للجواب المحذوف. { وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن فى ~~الأرض جميعا } أي إن تكفروا نعمته تعالى أنتم وجميع الخلق ولم ~~تشكروها { فإن الله } سبحانه { لغنى } عن شكركم لا يحتاج ~~إليه ولا يلحقه بذلك نقص { حميد } أي مستوجب للحمد لذاته لكثرة ~~إنعامه، وإن لم تشكروه، أو يحمده غيركم من الملائكة. # { ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم } يحتمل أن يكون ~~هذا خطابا من موسى لقومه، فيكون داخلا تحت التذكير بأيام الله، ويحتمل ~~أن يكون من كلام الله سبحانه ابتداء خطابا لقوم موسى، وتذكيرا لهم ~~بالقرون الأولى وأخبارهم، ومجيء رسل الله ms1934 إليهم، ويحتمل أنه ابتداء خطاب ~~من الله سبحانه لقوم محمد صلى الله عليه وسلم تحذيرا لهم عن مخالفته، ~~والنبأ الخبر، والجمع الأنباء، ومنه قول الشاعر # ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد # و { قوم نوح } بدل من الموصول، أو عطف بيان { وعاد وثمود ~~والذين من بعدهم } أي من بعد هؤلاء المذكورين { لا ~~يعلمهم إلا الله } أي لا يحصي عددهم ويحيط بهم علما إلا ~~الله سبحانه، والموصول مبتدأ وخبره لا يعلمهم إلا الله، والجملة معترضة، ~~أو يكون الموصول معطوفا على ما قبله، ولا يعلمهم إلا الله اعتراض، وعدم ~~العلم من غير الله إما أن يكون راجعا إلى صفاتهم وأحوالهم وأخلاقهم ومدد ~~أعمارهم، أي هذه الأمور لا يعلمها إلا الله، ولا يعلمها غيره، أو يكون ~~راجعا إلى ذواتهم، أي لا يعلم ذوات أولئك الذين من بعدهم إلا الله ~~سبحانه. وجملة { جاءتهم رسلهم بالبينت } مستأنفة لبيان ~~النبأ المذكور في { ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم } ~~أي جاءتهم الرسل بالمعجزات الظاهرة وبالشرائع الواضحة { فردوا ~~أيديهم فى أفواههم } أي جعلوا أيدي أنفسهم في أفواههم ~~ليعضوها غيظا مما جاءت به الرسل كما في قوله تعالى # عضوا عليكم الأنامل من الغيظ # آل عمران 119، لأن الرسل جاءتهم بتسفيه أحلامهم، وشتم أصنامهم. وقيل إن ~~المعنى أنهم أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم لما جاءتهم الرسل بالبينات، أي ~~اسكتوا واتركوا هذا الذي جئتم به تكذيبا لهم وردا لقولهم. وقيل المعنى ~~أنهم أشاروا إلى أنفسهم وما يصدر عنها من المقالة، وهي قولهم { إنا ~~كفرنا بما أرسلتم به } أي لا جواب لكم سوى هذا الذي قلناه ~~لكم بألسنتا هذه. وقيل وضعوا أيديهم على أفواههم استهزاءا وتعجبا. كما ~~يفعله من غلبه الضحك من وضع يده على فيه. وقيل المعنى ردوا على الرسل ~~قولهم، وكذبوهم بأفواههم، فالضمير الأول للرسل والثاني للكفار. وقيل ~~جعلوا أيديهم في أفواه الرسل ردا لقولهم، فالضمير الأول على هذا ~~للكفار، والثاني للرسل. وقيل معناه أومئوا إلى الرسل أن اسكتوا. وقيل ~~أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم. ms1935 وقيل ~~إن الأيدي هنا النعم، أي ردوا نعم الرسل بأفواههم، أي بالنطق والتكذيب، ~~والمراد بالنعم هنا ما جاءهم به من الشرائع، وقال أبو عبيدة ونعم ما قال ~~هو ضرب مثل، أي لم يؤمنوا ولم يجيبوا. # والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت قد رد يده في فيه. وهكذا ~~قال الأخفش، واعترض ذلك القتيبي فقال لم يسمع أحد من العرب يقول رد يده ~~في فيه إذا ترك ما أمر به، وإنما المعنى عضوا على الأيدي حنقا وغيظا، ~~كقول الشاعر # يردن في فيه غيظ الحسود حتى يعض علي الأكفا # وهذا هو القول الذي قدمناه على جميع هذه الأقوال، ومنه قول الشاعر # لو أن سلمى أبصرت تخددي عضت من الوجد بأطراف اليد # وهو أقرب التفاسير للآية إن لم يصح عن العرب ما ذكره أبو عبيدة والأخفش، ~~فإن صح ما ذكراه فتفسير الآية به أقرب { وقالوا إنا كفرنا ~~بما أرسلتم به } أي قال الكفار للرسل إنا كفرنا بما أرسلتم به ~~من البينات على زعمكم { وإنا لفى شك مما تدعوننا ~~إليه } أي في شك عظيم مما تدعوننا إليه من الإيمان بالله وحده وترك ~~ما سواه { مريب } أي موجب للريب. يقال أربته إذا فعلت أمرا أوجب ريبة ~~وشكا. والريب قلق النفس وعدم سكونها. وقد قيل كيف صرحوا بالكفر ثم أمرهم ~~على الشك؟ وأجيب بأنهم أرادوا إنا كافرون برسالتكم وإن نزلنا عن هذا ~~المقام فلا أقل من أنا نشك في صحة نبوتكم. ومع كمال الشك لا مطمع في ~~الاعتراف بنبوتكم، وجملة { قالت رسلهم أفى الله شك } ~~مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل فماذا قالت لهم الرسل؟ والاستفهام ~~للتقريع والتوبيخ أي أفي وحدانيته سبحانه شك؟ وهي في غاية الوضوح ~~والجلاء. ثم إن الرسل ذكروا بعد إنكارهم على الكفار ما يؤكد ذلك الإنكار ~~من الشواهد الدالة على عدم الشك في وجوده سبحانه ووحدانيته، فقالوا { ~~فاطر السموات والأرض } أي خالقهما ومخترعهما ومبدعهما ~~وموجدهما بعد العدم { يدعوكم } إلى الإيمان به وتوحيده { ليغفر ~~لكم من ذنوبكم } قال أبو عبيدة " من " زائدة، ms1936 ووجه ذلك قوله في ~~موضع آخر # إن الله يغفر الذنوب جميعا # الزمر 53. وقال سيبويه هي للتبعيض، ويجوز أن يذكر البعض ويراد منه ~~الجميع وقيل التبعيض على حقيقته، ولا يلزم من غفران جميع الذنوب لأمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم غفران جميعها لغيرهم. وبهذه الآية احتج من جوز ~~زيادة " من " في الإثبات. وقيل " من " للبدل وليست بزائدة ولا تبعيضية، ~~أي لتكون المغفرة بدلا من الذنوب { ويؤخركم إلى أجل ~~مسمى } أي إلى وقت مسمى عنده سبحانه، وهو الموت فلا يعذبكم في ~~الدنيا { قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا } أي ما أنتم ~~إلا بشر مثلنا في الهيئة والصورة، تأكلون وتشربون كما نأكل ونشرب، ولستم ~~ملائكة { تريدون أن تصدونا } وصفوهم بالبشر أولا، ثم بإرادة ~~الصد لهم عما كان يعبد آباؤهم ثانيا أي تريدون أن تصرفونا عن معبودات ~~آبائنا من الأصنام ونحوها { فأتونا } إن كنتم صادقين بأنكم مرسلون من ~~عند الله { بسلطن مبين } أي بحجة ظاهرة تدل على صحة ما ~~تدعونه، وقد جاؤهم بالسلطان المبين والحجة الظاهرة، ولكن هذا النوع من ~~تعنتاتهم، ولون من تلوناتهم. # { قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم } أي ~~ما نحن في الصورة والهيئة إلا بشر مثلكم كما قلتم { ولكن الله ~~يمن على من يشاء من عباده } أي يتفضل على من يشاء منهم ~~بالنبوة. وقيل بالتوفيق والهداية { وما كان لنا أن نأتيكم ~~بسلطن } أي ما صح ولا استقام لنا أن نأتيكم بحجة من الحجج { ~~إلا بإذن الله } أي إلا بمشيئته وليس ذلك في قدرتنا. قيل ~~المراد بالسلطان هنا هو ما يطلبه الكفار من الآيات على سبيل التعنت، وقيل ~~أعم من ذلك، فإن ما شاءه الله كان وما لم يشأه لم يكن { وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون } أي عليه وحده، وهذا أمر منهم للمؤمنين ~~بالتوكل على الله دون من عداه، وكأن الرسل فصدوا بهذا الأمر للمؤمنين ~~الأمر لهم أنفسهم قصدا أوليا، ولهذا قالوا { وما لنا ألا ~~نتوكل على الله } أي وأي عذر لنا في ألا نتوكل عليه سبحانه؟ ~~{ وقد هدانا سبلنا } أي ms1937 والحال أنه قد فعل بنا ما يوجب توكلنا ~~عليه من هدايتنا إلى الطريق الموصل إلى رحمته، وهو ما شرعه لعباده وأوجب ~~عليهم سلوكه { ولنصبرن على ما آذيتمونا } بما يقع منكم ~~من التكذيب لنا والاقتراحات الباطلة { وعلى الله } وحده دون من ~~عداه { فليتوكل المتوكلون } قيل المراد بالتوكل الأول ~~استحداثه، وبهذا السعي في بقائه وثبوته. وقيل معنى الأول إن الذين ~~يطلبون المعجزات يجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله سبحانه لا ~~علينا، فإن شاء سبحانه أظهرها وإن شاء لم يظهرها. ومعنى الثاني أبداء ~~التوكل على الله في دفع شر الكفار وسفاهتهم. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ~~الربيع في قوله { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم ~~لأزيدنكم } قال أخبرهم موسى عن ربه أنهم إن شكروا النعمة زادهم من ~~فضله وأوسع لهم من الرزق وأظهرهم على العالم. وأخرج ابن جرير عن الحسن { ~~لأزيدنكم } قال من طاعتي. وأخرج ابن المبارك، وابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، والبيهقي في الشعب عن علي بن صالح مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم عن سفيان الثوري في الآية قال لا تذهب أنفسكم إلى الدينا فإنها أهون ~~عند الله من ذلك، ولكن يقول لئن شكرتم لأزيدنكم من طاعتي. وأخرج أحمد، ~~والبيهقي عن أنس قال # " أتى النبي صلى الله عليه وسلم سائل فأمر له بتمرة فلم يأخذها، وأتاه ~~آخر فأمر له بتمرة فقبلها وقال تمرة من رسول الله، فقال للجارية اذهبي ~~إلى أم سلمة فأعطيه الأربعين درهما التي عندها " # ، وفي إسناد أحمد عمارة بن زاذان، وثقه أحمد ويعقوب بن سفيان وابن حبان. ~~وقال ابن معين صالح، وقال أبو زرعة لا بأس به. وقال أبو حاتم يكتب حديثه ~~ولا يحتج به ليس بالمتين، وقال البخاري ربما يضطرب في حديثه، وقال أحمد ~~روي عنه أحاديث منكرة، وقال أبو داود ليس بذاك. وضعفه الدارقطني، وقال ~~ابن عدي لا بأس به. وأخرج البخاري في تاريخه، والضياء المقدسي في ~~المختارة عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من ألهم خمسة لم يحرم ms1938 خمسة، وفيها ومن ألهم الشكر لم يحرم الزيادة " # وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأغر أن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " أربع من أعطيهن لم يمنع من الله أربعا، وفيها ومن أعطي الشكر لم ~~يمنع الزيادة؟ " # ولا وجه لتقييد الزيادة بالزيادة في الطاعة، بل الظاهر من الآية العموم ~~كما يفيده جعل الزيادة جزاء للشكر، فمن شكر الله على ما رزقه وسع الله ~~عليه في زرقه، ومن شكر الله على ما أقدره عليه من طاعته زاده من طاعته، ~~ومن شكره على ما أنعم عليه به من الصحة زاده الله صحة ونحو ذلك. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود أنه ~~كان يقرأ { والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ~~} ويقول كذب النسابون. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن عمرو بن ميمون ~~مثله. وأخرج ابن الضريس عن أبي مجلز قال قال رجل لعلي بن أبي طالب أنا ~~أنسب الناس، قال إنك لا تنسب الناس، فقال بلى فقال له علي أرأيت قوله # وعادا وثمودا وأصحب الرس وقرونا بين ذلك ~~كثيرا # الفرقان 38 قال أنا أنسب ذلك الكثير، قال أرأيت قوله { ألم ~~يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد ~~وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله } ~~فسكت. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير قال ~~ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء معد بن عدنان. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر ~~عن ابن عباس قال بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله { فردوا أيديهم فى ~~أفواههم } قال لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى ~~أفواههم { وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا ~~لفى شك مما تدعوننا إليه مريب } يقولون لا نصدقكم ~~فيما جئتم به فإن عندنا فيه شكا قويا. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، ~~وأبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم ~~وصححه عن ابن ms1939 مسعود { فردوا أيديهم في أفواههم } قال عضوا عليها. وفي ~~لفظ على أناملهم غيظا على رسلهم. ### || [14.13-18] # قوله { وقال الذين كفروا } هؤلاء القائلون هم طائفة ~~المتمردين عن إجابة الرسل، واللام في لنخرجنكم هي الموطئة للقسم، أي ~~والله لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا، لم يقنعوا بردهم لما جاءت ~~به الرسل وعدم امتثالهم لما دعوهم إليه حتى اجترءوا عليهم بهذا، وخيروهم ~~بين الخروج من أرضهم، أو العود في ملتهم الكفرية. وقد قيل إن «أو» في { ~~أو لتعودن } بمعنى حتى، أو يعني إلا أن تعودوا كما قاله بعض المفسرين، ~~ورد بأنه لا حاجة إلى ذلك، بل " أو " على بابها للتخيير بين أحد ~~الأمرين، وقد تقدم تفسير الآية في سورة الأعراف. قيل والعود هنا بمعنى ~~الصيرورة لعصمة الأنبياء عن أن يكونوا على ملة الكفر قبل النبوة وبعدها. ~~وقيل إن الخطاب للرسل ولمن آمن بهم فغلب على أتباعهم { فأوحى ~~إليهم ربهم } أي إلى الرسل { لنهلكن الظلمين } ~~أي قال لهم لنهلكن الظالمين. { ولنسكننكم الأرض } أي أرض ~~هؤلاء الكفار الذين توعدوكم بما توعدوا من الإخراج أو العود، ومثل هذه ~~الآية قوله سبحانه # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشرق ~~الأرض ومغربها # الأعراف 137. وقال # وأورثكم أرضهم وديرهم # الأحزاب 27 وقرىء " ليهلكن " ، " وليسكننكم " بالتحتية في الفعلين ~~اعتبارا بقوله { فأوحى } ، والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم من ~~إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين في مساكنهم { لمن خاف مقامى } أي ~~موقفي، وذلك يوم الحساب، فإنه موقف الله سبحانه، والمقام بفتح الميم مكان ~~الإقامة. وبالضم فعل الإقامة، وقيل إن المقام هنا مصدر بمعنى القيام، أي ~~لمن خاف قيامي عليه ومراقبتي له، كقوله تعالى # أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت # الرعد 33. وقال الأخفش { ذلك لمن خاف مقامي } أي عذابي { وخاف ~~وعيد } أي خاف وعيدي بالعذاب. وقيل بالقرآن وزواجره. وقيل هو نفس ~~العذاب، والوعيد الاسم من الوعد. { واستفتحوا } معطوف على { أوحى ~~} ، والمعنى أنهم استنصروا بالله على أعدائهم، أو سألوا الله القضاء ~~بينهم، من الفتاحة وهي الحكومة ومن المعنى الأول قوله # إن تستفتحوا فقد جاءكم ms1940 الفتح # الأنفال 19 أي إن تستنصروا فقد جاءكم النصر. ومن المعنى الثاني قوله # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق # الأعراف 19 أي احكم، والضمير في { استفتحوا } للرسل. وقيل للكفار. وقيل ~~للفريقين { وخاب كل جبار عنيد } الجبار المتكبر الذي لا يرى ~~لأحد عليه حقا، هكذا حكاه النحاس عن أهل اللغة، والعنيد المعاند للحق ~~والمجانب له، وهو مأخوذ من العند، وهو الناحية، أي أخذ في ناحية معرضا. ~~قال الشاعر # إذا نزلت فاجعلوني وسطا إني كبير لا أطيق العندا # قال الزجاج العنيد الذي يعدل عن القصد، وبمثله قال الهروي، وقال أبو ~~عبيد هو الذي عند وبغى. # وقال ابن كيسان هو الشامخ بأنفه. وقيل المراد به العاصي. وقيل الذي أبى ~~أن يقول لا إله إلا الله. ومعنى الآية أنه خسر وهلك من كان متصفا بهذه ~~الصفة { من ورائه جهنم } أي من بعده جهنم، والمراد بعد هلاكه ~~على أن وراءها ها هنا بمعنى بعد، ومنه قول النابغة # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب # أي ليس بعد الله، ومثله قوله { ومن من ورائه عذاب غليظ } أي ~~من بعده. كذا قال الفراء. وقيل من ورائه أي من أمامه، قال أبو عبيد هو من ~~أسماء الأضداد، لأن أحدهما ينقلب إلى الآخر، ومنه قول الشاعر # ومن ورائك يوم أنت بالغه لا حاضر معجز عنه ولا بادي # وقال آخر # أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائيا # أي أمامي، ومنه قوله تعالى # وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا # الكهف 79. أي أمامهم، ويقول أبي عبيدة هذا قاله قطرب. وقال الأخفش هو ~~كما يقال هذا الأمر من ورائك، أي سوف يأتيك، وأنا من وراء فلان، أي في ~~طلبه. وقال النحاس من ورائه، أي من أمامه، وليس من الأضداد، ولكنه من ~~توارى، أي استتر فصارت جهنم من ورائه لأنها لا ترى، وحكى مثله ابن ~~الأنباري. { ويسقى من ماء صديد } معطوف على مقدر جوابا عن ~~سؤال سائل، كأنه قيل فماذا يكون إذن؟ قيل يلقى فيها ويسقى، والصديد ما ms1941 ~~يسيل من جلود أهل النار، واشتقاقه من الصد، لأنه يصد الناظرين عن ~~رؤيته، وهو دم مختلط بقيح، والصديد صفة لماء. وقيل عطف بيان منه { ~~ويتجرعه } في محل جر على أنه صفة لماء، أو في محل نصب على أنه حال. وقيل ~~هو استئناف مبني على سؤال. والتجرع التحسي أي يتحساه مرة بعد مرة لا ~~مرة واحدة لمرارته وحرارته { ولا يكاد يسيغه } أي يبتلعه، يقال ~~ساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغا إذا كان سهلا، والمعنى ولا يقارب ~~إساغته، فكيف تكون الإساغة؟ بل يغص به فيطول عذابه بالعطش تارة، ويشربه ~~على هذه الحال أخرى. وقيل إنه يسيغه بعد شدة وإبطاء، كقوله # وما كادوا يفعلون # البقرة 71 أي يفعلون بعد إبطاء، كما يدل عليه قوله تعالى في آية أخرى # يصهر به ما فى بطونهم # الحج 20 { ويأتيه الموت من كل مكان } أي تأتيه أسباب ~~الموت من كل جهة من الجهات. أو من كل موضع من مواضع بدنه. وقال الأخفش ~~المراد بالموت هنا البلايا التي تصيب الكافر في النار، سماها موتا ~~لشدتها { وما هو بميت } أي والحال أنه لم يمت حقيقة فيستريح. ~~وقيل تعلق نفسه في حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من ~~جوفه فيحيا، ومثله قوله تعالى # لا يموت فيها ولا يحيا # الأعلى 13، وقيل معنى { وما هو بميت } لتطاول شدائد الموت به وامتداد ~~سكراته عليه، والأولى تفسير الآية بعدم الموت حقيقة لما ذكرنا من قوله ~~سبحانه { لا يموت فيها ولا يحيا } وقوله # لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها # فاطر 36 { ومن ورائه عذاب غليظ } أي من أمامه، أو من بعده ~~عذاب شديد. وقيل هو الخلود. وقيل حبس النفس. { مثل الذين ~~كفروا بربهم أعمالهم كرماد } قال سيبويه مثل مرتفع ~~على الابتداء، والخبر مقدر، أي فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا وبه قال ~~الزجاج. وقال الفراء التقدير { مثل } أعمال الذين كفروا فحذف المضاف. ~~وروي عنه أنه قال بإلغاء مثل. والتقدير الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد. ~~وقيل هو أعني { مثل ms1942 } مبتدأ وخبره { أعمالهم كرماد } على أن معناه الصفة، ~~فكأنه قال صفتهم العجيبة أعمالهم كرماد. والمعنى أن أعمالهم باطلة غير ~~مقبولة، والرماد ما يبقى بعد احتراق الشيء، ضرب الله سبحانه هذه الآية ~~مثلا لأعمال الكفار في أنه يمحقها كما تمحق الريح الشديدة الرماد في يوم ~~عاصف، ومعنى اشتدت به الريح حملته بشدة وسرعة، والعصف شدة الريح، وصف ~~به زمانها مبالغة كما يقال يوم حار ويوم بارد، والبرد والحر فيهما لا ~~منهما { لا يقدرون مما كسبوا على شىء } أي لا يقدر ~~الكفار مما كسبوا من تلك الأعمال الباطلة على شيء منها، ولا يرون له ~~أثرا في الآخرة يجازون به ويثابون عليه، بل جميع ما عملوه في الدنيا ~~باطل ذاهب كذهاب الريح بالرماد عند شدة هبوبها. والإشارة بقوله { ذلك ~~} إلى ما دل عليه التمثيل أي هذا البطلان لأعمالهم وذهاب أثرها { هو ~~الضلال البعيد } عن طريق الحق المخالف لمنهج الصواب، لما كان ~~هذا خسرانا لا يمكن تداركه سماه بعيدا. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { لنخرجنكم من ~~أرضنا } الآية، قال كانت الرسل والمؤمنون يستضعفهم قومهم، ويقهرونهم، ~~ويكذبونهم، ويدعونهم إلى أن يعودوا في ملتهم، فأبى الله لرسوله والمؤمنين ~~أن يعودوا في ملة الكفر، وأمرهم أن يتوكلوا على الله، وأمرهم أن يستفتحوا ~~على الجبابرة، ووعدهم أن يسكنهم الأرض من بعدهم، فأنجز لهم ما وعدهم. ~~واستفتحوا كما أمرهم الله أن يستفتحوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال وعدهم النصر في الدنيا ~~والجنة في الآخرة، فبين الله من يسكنها من عباده فقال # ولمن خاف مقام ربه جنتان # الرحمن 46 وإن لله مقاما هو قائمه، وإن أهل الإيمان خافوا ذلك المقام ~~فنصبوا ودأبوا الليل والنهار. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن مجاهد في قوله { واستفتحوا } قال للرسل كلها يقول ~~استنصروا، وفي قوله { وخاب كل جبار عنيد } قال معاند للحق ~~مجانب له. # وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، ms1943 وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~الآية قال استنصرت الرسل على قومها { وخاب كل جبار عنيد } ~~يقول عنيد عن الحق معرض عنه، أبى أن يقول لا إله إلا إله. وأخرج ابن ~~جرير عن إبراهيم النخعي قال العنيد الناكب عن الحق. وأخرج أحمد، ~~والترمذي، والنسائي، وابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو نعيم في الحلية، وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله # " { ويسقى من ماء صديد * يتجرعه } قال " يقرب إليه ~~فيتكرهه " ، فإذا دنا منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع ~~أمعاءه حتى تخرج من دبره. يقول الله تعالى { وسقوا ماء حميما ~~فقطع أمعاءهم } " # محمد 15. وقال # وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه # الكهف 29. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس في قوله { من ماء صديد ~~} قال يسيل من جلد الكافر ولحمه. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن ~~عكرمة قال { من ماء صديد } هو القيح والدم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله { ويأتيه الموت من كل مكان } قال أنواع ~~العذاب، وليس منها نوع إلا الموت يأتيه منه لو كان يموت، ولكنه لا يموت ~~لأن الله يقول # لا يقضى عليهم فيموتوا # فاطر 36. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران { ~~ويأتيه الموت من كل مكان } قال من كل عظم وعرق وعصب. ~~وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن محمد بن كعب نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي قال من موضع كل ~~شعرة في جسده { ومن ورائه عذاب غليظ } قال الخلود. وأخرج ابن ~~المنذر عن الفضيل بن عياض { ومن ورائه عذاب غليظ } قال حبس ~~الأنفاس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { مثل ~~الذين كفروا بربهم } الآية قال مثل الذين عبدوا غيره ~~فأعمالهم يوم القيامة كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، لا يقدرون على ~~شيء من أعمالهم، ms1944 ينفعهم كما لا يقدر على الرماد إذا أرسل في يوم عاصف. ### || [14.19-23] # قوله { ألم تر أن الله خلق السموات والأرض ~~بالحق } الرؤية هنا هي القلبية، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تعريضا لأمته، أو الخطاب لكل من يصلح له. وقرأ حمزة والكسائي { ~~خالق السموات } ومعنى بالحق بالوجه الصحيح الذي يحق أن يخلقها عليه ~~ليستدل بها على كمال قدرته. ثم بين كمال قدرته سبحانه واستغناءه عن كل ~~واحد من خلقه فقال { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ~~} فيعدم الموجودين ويوجد المعدومين، ويهلك العصاة، ويأتي بمن يطيعه من ~~خلقه، والمقام يحتمل أن يكون هذا الخلق الجديد من نوع الإنسان، ويحتمل أن ~~يكون من نوع آخر { وما ذلك على الله بعزيز } أي بممتنع ~~لأنه سبحانه قادر على كل شيء، وفيه أن الله تعالى هو الحقيق بأن يرجى ~~ثوابه ويخاف عقابه فلذلك أتبعه بذكر أحوال الآخرة فقال { وبرزوا ~~لله جميعا } أي برزوا من قبورهم يوم القيامة، والبروز الظهور، ~~والبراز المكان الواسع لظهوره، ومنه امرأة برزة، أي تظهر للرجال، فمعنى { ~~برزوا } ظهروا من قبورهم. وعبر بالماضي عن المستقبل تنبيها على تحقيق ~~وقوعه كما هو مقرر في علم المعاني، وإنما قال { وبرزوا لله } مع كونه ~~سبحانه عالما بهم لا تخفى عليه خافية من أحوالهم برزوا أو لم يبرزوا ~~لأنهم كانوا يستترون عن العيون عند فعلهم للمعاصي ويظنون أن ذلك يخفى على ~~الله تعالى، فالكلام خارج على ما يعتقدونه. { فقال الضعفاء ~~للذين استكبروا } أي قال الأتباع الضعفاء للرؤساء الأقوياء ~~المتكبرين لما هم فيه من الرياسة { إنا كنا لكم تبعا } أي في ~~الدنيا، فكذبنا الرسل وكفرنا بالله متابعة لكم. والتبع جمع تابع، أو مصدر ~~وصف به للمبالغة، أو على تقدير ذوي تبع. قال الزجاج جمعهم في حشرهم ~~فاجتمع التابع والمتبوع، فقال الضعفاء للذين استكبروا من أكابرهم عن ~~عبادة الله إنا كنا لكم تبعا. جمع تابع، مثل خادم وخدم، وحارس وحرس، ~~وراصد ورصد { فهل أنتم مغنون عنا } أي دافعون عنا { من ~~عذاب الله من شيء } ، " من " الأولى للبيان، ms1945 والثانية للتبعيض، أي بعض ~~الشيء الذي هو عذاب الله يقال أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى، وأغناه إذا ~~أوصل إليه النفع. { قالوا لو هدانا الله لهديناكم } أي ~~قال المستكبرون مجيبين عن قول المستضعفين، والجملة مستأنفة بتقدير سؤال ~~كأنه قيل كيف أجابوا؟ أي لو هدانا الله إلى الإيمان لهديناكم إليه. وقيل ~~لو هدانا الله إلى طريق الجنة لهديناكم إليها. وقيل لو نجانا الله من ~~العذاب لنجيناكم منه. { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما ~~لنا من محيص } أي مستو علينا الجزع والصبر، والهمزة و " أم " ~~لتأكيد التسوية في قوله # سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم # البقرة 6. { ما لنا من محيص } أي من منجى ومهرب من العذاب، يقال ~~حاص فلان عن كذا، أي فر وزاغ، يحيص حيصا وحيوصا وحيصانا، والمعنى ما ~~لنا وجه نتباعد به عن النار، ويجوز أن يكون هذا من كلام الفريقين، وإن ~~كان الظاهر أنه من كلام المستكبرين. { وقال الشيطن لما ~~قضى الأمر } أي قال للفريقين هذه المقالة، ومعنى { لما قضي الأمر } ~~لما دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار على ما يأتي بيانه في سورة ~~مريم. { إن الله وعدكم وعد الحق } وهو وعده سبحانه ~~بالبعث والحساب، ومجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته { ~~ووعدتكم فأخلفتكم } أي وعدتكم وعدا باطلا، بأنه لا بعث ~~ولا حساب، ولا جنة ولا نار، فأخلفتكم ما وعدتكم به من ذلك. قال الفراء ~~وعد الحق هو من إضافة الشيء إلى نفسه كقولهم مسجد الجامع. وقال البصريون ~~وعدكم وعد اليوم الحق { وما كان لى عليكم من سلطن } أي ~~تسلط عليكم بإظهار حجة على ما وعدتكم به وزينته لكم { إلا أن ~~دعوتكم فاستجبتم لى } أي إلا مجرد دعائي لكم إلى الغواية ~~والضلال بلا حجة ولا برهان، ودعوته إياهم ليست من جنس السلطان حتى تستثنى ~~منه، بل الاستثناء منقطع، أي لكن دعوتكم فاستجبتم لي، أي فسارعتم إلى ~~إجابتي. وقيل المراد بالسلطان هنا القهر، أي ما كان لي عليكم من قهر ~~يضطركم إلى إجابتي. وقيل هذا الاستثناء هو من باب تحية بينهم ms1946 ضرب وجيع. ~~مبالغة في نفيه للسلطان عن نفسه كأنه قال إنما يكون لي عليكم سلطان إذا ~~كان مجرد الدعاء من السلطان، وليس منه قطعا. { فلا تلومونى } بما ~~وقعتم فيه بسبب وعدي لكم بالباطل وإخلافي لهذا الموعد { ولوموا ~~أنفسكم } باستجابتكم لي بمجرد الدعوة التي لا سلطان عليها ولا حجة، ~~فإن من قبل المواعيد الباطلة والدعاوي الزائغة عن طريق الحق فعلى نفسه ~~جنى، ولمارنه قطع، ولا سيما ودعوتي هذه الباطلة، وموعدي الفاسد وقعا ~~معارضين لوعد الله لكم وعد الحق، ودعوته لكم إلى الدار السلام، مع قيام ~~الحجة التي لا تخفى على عاقل، ولا تلتبس إلا على مخذول، وقريب من هذا من ~~يقتدي بآراء الرجال المخالفة لما في كتاب الله سبحانه، ولما في سنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم ويؤثرها على ما فيهما، فإنه قد استجاب للباطل ~~الذي لم تقع عليه حجة، ولا دل عليه برهان، وترك الحجة والبرهان خلف ~~ظهره، كما يفعله كثير من المقتدين بالرجال المتنكبين طريق الحق بسوء ~~اختيارهم، اللهم غفرا. { ما أنا بمصرخكم وما أنتم ~~بمصرخى } يقال صرخ فلان إذا استغاث يصرخ صراخا وصرخا، واستصرخ ~~بمعنى صرخ، والمصرخ المغيث، والمستصرخ المستغيث. يقال استصرخني فأصرخته، ~~والصريخ صوت المستصرخ، والصريخ أيضا الصارخ، وهو المغيث والمستغيث، وهو ~~من أسماء الأضداد كما في الصحاح. # قال ابن الأعرابي الصارخ المستغيث، والمصرخ المغيث، ومعنى الآية ما أنا ~~بمغيثكم مما أنتم فيه من العذاب، وما أنتم بمغيثي مما أنا فيه، وفيه ~~إرشاد لهم إلى أن الشيطان في تلك الحالة مبتلى بما ابتلوا به من العذاب، ~~محتاج إلى من يغيثه ويخلصه مما هو فيه، فكيف يطمعون في إغاثة من هو محتاج ~~إلى من يغيثه؟ ومما ورد مورد هذه الأقوال من قول العرب قول أمية بن أبي ~~الصلت # فلا تجزعوا إني لكم غير مصرخ وليس لكم عندي غناء ولا نفر # و { مصرخي } بفتح الياء في قراءة الجمهور، وقرأ الأعمش وحمزة بكسر ~~الياء على أصل التقاء الساكنين. قال الفراء قراءة حمزة وهم منه، وقل من ~~سلم عن خطأ. وقال ms1947 الزجاج هي قراءة رديئة ولا وجه لها إلا وجه ضعيف يعني ~~ما ذكرناه من أنه كسرها على الأصل في التقاء الساكنين. وقال قطرب هذه لغة ~~بني يربوع يزيدون على ياء الإضافة ياء، وأنشد الفراء فيما ورد على هذه ~~القراءة قول الشاعر # قلت لها يا تاء هل لك في قالت له ما أنت بالمرضي # { إنى كفرت بما أشركتمون من قبل } لما كشف لهم ~~القناع بأنه لا يغني عنهم من عذاب الله شيئا، ولا ينصرهم بنوع من أنواع ~~النصر، صرح لهم بأنه كافر بإشراكهم له مع الله في الربوبية، من قبل هذا ~~الوقت الذي قال لهم الشيطان فيه هذه المقالة، وهو ما كان منهم في الدنيا ~~من جعله شريكا. ولقد قام لهم الشيطان في هذا اليوم مقاما يقصم ظهورهم ~~ويقطع قلوبهم، فأوضح لهم أولا أن مواعيده التي كان يعدهم بها في الدنيا ~~باطلة معارضة لوعد الحق من الله سبحانه وأنه أخلفهم ما وعدهم من تلك ~~المواعيد ولم يف لهم بشيء منها، ثم أوضح لهم ثانيا بأنهم قبلوا قوله بما ~~لا يوجب القبول، ولا يتفق على عقل عاقل لعدم الحجة التي لا بد للعاقل ~~منها في قبول قول غيره، ثم أوضح ثالثا بأنه لم يكن منه إلا مجرد ~~الدعوة العاطلة عن البرهان، الخالية عن أيسر شيء مما يتمسك به العقلاء، ~~ثم نعى عليهم رابعا ما وقعوا فيه، ودفع لومهم له وأمرهم بأن يلوموا ~~أنفسهم لأنهم هم الذين قبلوا الباطل البحت، الذي لا يلتبس بطلانه على من ~~له أدنى عقل، ثم أوضح لهم خامسا بأنه لا نصر عنده ولا إغاثة، ولا يستطيع ~~لهم نفعا، ولا يدفع عنهم ضرا، بل هو مثلهم في الوقوع في البلية والعجز ~~عن الخلوص عن هذه المحنة، ثم صرح لهم سادسا بأنه قد كفر بما اعتقدوه فيه ~~وأثبتوه له، فتضاعفت عليهم الحسرات وتوالت عليهم المصائب. # وإذا كان جملة { إن الظلمين لهم عذاب أليم } من تتمة ~~كلامه كما ذهب إليه البعض فهو نوع سابع من كلامه الذي خاطبهم به، فأثبت ~~لهم ms1948 الظلم، ثم ذكر ما هو جزاؤهم عليه من العذاب الأليم، لا على قول من ~~قال إنه ابتداء كلام من جهة الله سبحانه. وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن ~~" ما " مصدرية في { ما أشركتمون } وقيل يجوز أن تكون موصولة على معنى { ~~إني كفرت } بالذي أشركتمونيه وهو الله، عز وجل، ويكون هذا حكاية لكفره ~~بالله عند أن أمره بالسجود لآدم. { وأدخل الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحات جنت تجرى من تحتها ~~الأنهر } لما أخبر سبحانه بحال أهل النار أخبر بحال أهل الجنة. ~~وقرأ الجمهور { أدخل } على البناء للمفعول، وقرأ الحسن " وأدخل " على ~~الاستقبال والبناء للفاعل، أي وأنا أدخل الذين آمنوا، ثم ذكر سبحانه ~~خلودهم في الجنات وعدم انقطاع نعيمهم، ثم ذكر أن ذلك بإذن ربهم، أي ~~بتوفيقه ولطفه وهدايته، هذا على قراءة الجمهور، وأما على قراءة الحسن ~~فيكون { بإذن ربهم } متعلقا بقوله { تحيتهم فيها سلم } أي ~~تحية الملائكة في الجنة سلام بإذن ربهم، وقد تقدم تفسير هذا في سورة ~~يونس. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة في قوله { ويأت ~~بخلق جديد } قال بخلق آخر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن ~~جريج في قوله { فقال الضعفاء } قال الأتباع { للذين استكبروا ~~} قال للقادة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم في قوله { سواء ~~علينا أجزعنا أم صبرنا } قال زيد بن أسلم جزعوا مائة سنة. ~~وصبروا مائة سنة. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن كعب بن ~~مالك يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { سواء علينا } ~~الآية قال # " يقول أهل النار هلموا فلنصبر، فيصبرون خمسمائة عام، فلما رأوا ذلك لا ~~ينفعهم قالوا هلموا فلنجزع، فبكوا خمسمائة عام، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم ~~قالوا { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } " # والظاهر أن هذه المراجعة كانت بينهم بعد دخولهم النار، كما في قوله ~~تعالى # وإذ يتحاجون فى النار فيقول الضعفاء للذين ~~استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون ~~عنا نصيبا من النار * قال الذين استكبروا إنا ~~كل فيها ms1949 إن الله قد حكم بين العباد # غافر 47 - 48. وأخرج ابن المبارك في الزهد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني، وابن مردويه، وابن عساكر عن عقبة بن عامر يرفعه، وذكر فيه ~~حديث الشفاعة، ثم قال # " ويقول الكافر عند ذلك قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فمن يشفع لنا؟ ما ~~هو إلا إبليس فهو الذي أضلنا، فيأتون إبليس فيقولون قد وجد المؤمنون من ~~يشفع لهم قم أنت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا، فيقوم إبليس فيثور من مجلسه ~~من أنتن ريح شمها أحد قط، ثم يعظهم بجهنم، ويقول عند ذلك { إن الله ~~وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم } " # الآية. وضعف السيوطي إسناده، ولعل سبب ذلك كون في إسناده رشدين ابن سعد ~~عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن دجين الحجزي، عن عقبة. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن قال إذا كان يوم القيامة قام ~~إبليس خطيبا على منبر من نار فقال { إن الله وعدكم } إلى ~~قوله { وما أنتم بمصرخى } قال بناصري { إنى كفرت ~~بما أشركتمون من قبل } قال بطاعتكم إياي في الدنيا. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر عن الشعبي في هذه الآية قال خطيبان يقومان يوم ~~القيامة إبليس، وعيسى، فأما إبليس فيقوم في حزبه فيقول هذا القول يعني ~~المذكور في الآية، وأما عيسى فيقول # ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به أن اعبدوا الله ~~ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ~~فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت ~~على كل شيء شهيد # المائدة 117. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ما أنا ~~بمصرخكم وما أنتم بمصرخى } قال ما أنا بنافعكم، وما ~~أنتم بنافعي { إنى كفرت بما أشركتمون من قبل } قال ~~شركه عبادته. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر عن قتادة { ما أنا ~~بمصرخكم } قال ما أنا بمغيثكم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ~~ابن جريج في قوله { تحيتهم فيها سلم } قال الملائكة يسلمون ~~عليهم في الجنة. ### || [14.24-27] # لما ذكر سبحانه مثل أعمال الكفار، وأنها كرماد اشتدت به ms1950 الريح، ثم ذكر ~~نعيم المؤمنين، وما جازاهم الله به من إدخالهم الجنة خالدين فيها، وتحية ~~الملائكة لهم ذكر تعالى ها هنا مثلا للكلمة الطيبة، وهي كلمة الإسلام، ~~أي لا إله إلا الله، أو ما هو أعم من ذلك من كلمات الخير، وذكر مثلا ~~للكلمة الخبيثة، وهي كلمة الشرك، أو ما هو أعم من ذلك من كلمات الشر، ~~فقال مخاطبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو مخاطبا لمن يصلح للخطاب ~~{ ألم تر كيف ضرب الله مثلا } أي اختار مثلا وضعه في ~~موضعه اللائق به، وانتصاب { مثلا } على أنه مفعول ضرب، و { كلمة } بدل ~~منه، ويجوز أن تنتصب الكلمة على أنها عطف بيان ل { مثلا } ، ويجوز أن ~~تنتصب الكلمة بفعل مقدر، أي جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة، وحكم بأنها ~~مثلها، ومحل { كشجرة } النصب على أنها صفة لكلمة، أو الرفع على تقدير ~~مبتدأ، أي هي كشجرة، ويجوز أن تكون { كلمة } أول مفعولي { ضرب } ، وأخرت ~~عن المفعول الثاني، وهو { مثلا } لئلا تبعد عن صفتها، والأول أولى، و { ~~كلمة } وما بعدها تفسير للمثل، ثم وصف الشجرة بقوله { أصلها ثابت ~~} أي راسخ آمن من الانقلاع بسبب تمكنها من الأرض بعروقها { فى السماء ~~} أي أعلاها ذاهب إلى جهة السماء مرتفع في الهواء. ثم وصفها سبحانه بأنها ~~{ تؤتى أكلها كل حين } كل وقت { بإذن ربها } بإرادته ~~ومشيئته، قيل وهي النخلة. وقيل غيرها. وقيل والمراد بكونها { تؤتي أكلها ~~كل حين } أي كل ساعة من الساعات من ليل أو نهار في جميع الأوقات من غير ~~فرق بين شتاء وصيف. وقيل المراد في أوقات مختلفة من غير تعيين وقيل كل ~~غدوة وعشية، وقيل كل شهر. وقيل كل ستة أشهر. قال النحاس وهذه الأقوال ~~متقاربة غير متناقضة لأن الحين عند جميع أهل اللغة إلا من شذ منهم ~~بمعنى الوقت يقع لقليل الزمان وكثيره، وأنشد الأصمعي قول النابغة # تطلقه حينا وحينا تراجع # قال النحاس وهذا يبين لك أن الحين بمعنى الوقت. وقد ورد الحين في بعض ~~المواضع يراد به أكثر كقوله # هل ms1951 أتى على الإنسن حين من الدهر # الإنسان 1. وقد تقدم بيان أقوال العلماء في الحين في سورة البقرة في ~~قوله # ولكم فى الأرض مستقر ومتع إلى حين # البقرة 36. وقال الزجاج الحين الوقت طال أم قصر. { ويضرب الله ~~الأمثال للناس لعلهم يتذكرون } يتفكرون أحوال ~~المبدأ والمعاد. وبدائع صنعه سبحانه الدالة على وجوده ووحدانيته، وفي ضرب ~~الأمثال زيادة تذكير وتفهيم وتصوير للمعاني. { ومثل كلمة ~~خبيثة } قد تقدم تفسيرها. وقيل هي الكافر نفسه، والكلمة الطيبة ~~المؤمن نفسه. # { كشجرة خبيثة } أي كمثل شجرة خبيثة، قيل هي شجرة الحنظل. وقيل ~~هي شجرة الثوم. وقيل الكمأة وقيل الطحلبة. وقيل هي الكشوث بالضم وآخره ~~مثلثة، وهي شجرة لا ورق لها ولا عروق في الأرض. قال الشاعر # وهي كشوث فلا أصل ولا ثمر # وقرىء " ومثلا كلمة " بالنصب عطفا على كلمة طيبة { اجتثت من ~~فوق الأرض } أي استؤصلت واقتلعت من أصلها، ومنه قول الشاعر # هو الجلاء الذي يجتث أصلكم # قال المؤرج أخذت جثتها وهي نفسها، والجثة شخص الإنسان، يقال جثه قلعه، ~~واجتثه اقتلعه. ومعنى { من فوق الأرض } أنه ليس لها أصل راسخ، وعروق ~~متمكنة من الأرض { ما لها من قرار } أي من استقرار على الأرض. وقيل ~~من ثبات على الأرض، كما أن الكافر وكلمته لا حجة له ولا ثبات فيه، ولا ~~خير يأتي منه أصلا، ولا يصعد له قول طيب ولا عمل طيب. { يثبت ~~الله الذين ءامنوا بالقول الثابت } أي بالحجة ~~الواضحة، وهي الكلمة الطيبة المتقدم ذكرها، وقد ثبت في الصحيح أنها كلمة ~~الشهادة «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» وذلك إذا قعد ~~المؤمن في قبره. قال النبي صلى الله عليه وسلم # " فذلك قوله تعالى { يثبت الله الذين ءامنوا بالقول ~~الثابت } " # وقيل معنى تثبيت الله لهم هو أن يدوموا على القول الثابت، ومنه قول عبد ~~الله بن رواحة # يثبت الله ما آتاك من حسن تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا # ومعنى { في الحياة الدنيا } أنهم يستمرون على القول الثابت في الحياة ~~الدنيا. قال جماعة المراد بالحياة الدنيا ms1952 في هذه الآية القبر لأن الموتى ~~في الدنيا حتى يبعثوا. ومعنى { وفي الآخرة } وقت الحساب. وقيل ~~المراد بالحياة الدنيا وقت المساءلة في القبر، وفي الآخرة وقت المساءلة ~~يوم القيامة والمراد أنهم إذا سئلوا عن معتقدهم ودينهم أوضحوا ذلك بالقول ~~الثابت من دون تلعثم ولا تردد ولا جهل، كما يقول من لم يوفق لا أدري، ~~فيقال له لا دريت ولا تليت { ويضل الله الظلمين } أي ~~يضلهم عن حجتهم التي هي القول الثابت فلا يقدرون على التكلم بها في ~~قبورهم، ولا عند الحساب، كما أضلهم عن اتباع الحق في الدنيا. قيل والمراد ~~بالظالمين هنا الكفرة. وقيل كل من ظلم نفسه ولو بمجرد الإعراض عن البينات ~~الواضحة، فإنه لا يثبت في مواقف الفتن، ولا يهتدي إلى الحق. ثم ذكر ~~سبحانه أنه يفعل ما يشاء من التثبيت والخذلان لا راد لحكمه، ولا يسأل ~~عما يفعل. قال الفراء أي لا تنكر له قدرة ولا يسأل عما يفعل، والإظهار في ~~محل الإضمار في الموضعين لتربية المهابة كما قيل والله أعلم. وقد أخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس في قوله { ~~ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة } قال ~~شهادة أن لا إله إلا الله { كشجرة طيبة } وهو المؤمن { ~~أصلها ثابت } يقول لا إله إلا الله ثابت في قلب المؤمن { ~~وفرعها فى السماء } يقول يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء. # { ومثل كلمة خبيثة } وهي الشرك { كشجرة خبيثة } ~~يعني الكافر { اجتثت من فوق الأرض لها من قرار } يقول ~~الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر ولا برهان، ولا يقبل الله مع الشرك ~~عملا. وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين ومن بعدهم. وأخرج الترمذي، ~~والنسائي، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أنس قال «أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بقناع من بسر فقال { مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة } ~~حتى بلغ { تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها } قال " هي ~~النخلة " { ومثل كلمة ms1953 خبيثة } حتى بلغ { ما لها من قرار } ~~قال " هي الحنظلة ". وروي موقوفا على أنس، قال الترمذي الموقوف أصح. ~~وأخرج أحمد وابن مردويه. قال السيوطي بسند جيد عن عمر، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في قوله { كشجرة طيبة } قال # " هي التي لا ينقص ورقها قال هي النخلة " # وأخرج البخاري وغيره من حديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوما لأصحابه # " إن شجرة من الشجر، لا يطرح ورقها مثل المؤمن " قال فوقع الناس في شجر ~~البوادي. ووقع في قلبي أنها النخلة، فاستحييت حتى قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم " هي النخلة " # وفي لفظ للبخاري قال # " أخبروني عن شجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها وتؤتي أكلها كل حين " # فذكر نحوه. وفي لفظ لابن جرير وابن مردويه من حديث ابن عمر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " هل تدرون ما الشجرة الطيبة؟ " ، " ثم قال هي النخلة " # وروي نحو هذا عن جماعة من الصحابة والتابعين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها } قال كل ~~ساعة بالليل والنهار والشتاء والصيف، وذلك مثل المؤمن يطيع ربه بالليل ~~والنهار والشتاء والصيف. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال يكون أخضر ~~ثم يكون أصفر. وأخرج عنه أيضا في قوله { كل حين } قال جذاذ النخل. ~~وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا { ~~تؤتى أكلها كل حين } قال تطعم في كل ستة أشهر. وأخرج أبو ~~عبيد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عنه أيضا قال الحين هنا ~~سنة. # وأخرج البيهقي عنه أيضا قال الحين قد يكون غدوة وعشية. وقد روي عن ~~جماعة من السلف في هذا أقوال كثيرة. وأخرج البخاري، ومسلم، وأهل السنن، ~~وغيرهم عن البراء بن عازب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله، فذلك قوله سبحانه { يثبت الله الذين ءامنوا ~~بالقول ms1954 الثابت فى الحيوة الدنيا وفى الآخرة } " # وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي عن البراء بن عازب في قوله { يثبت ~~الله الذين ءامنوا } الآية قال التثبيت في الحياة الدنيا إذا ~~جاء الملكان إلى الرجل في القبر فقالا من ربك؟ فقال ربي الله، قال وما ~~دينك؟ قال ديني الإسلام. قال ومن نبيك؟ قال نبيي محمد صلى الله عليه ~~وسلم. فذلك التثبيت في الحياة الدنيا. وأخرج البيهقي عن ابن عباس نحوه. ~~وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه عن أبي سعيد في الآية قال في ~~الآخرة القبر. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت # " قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى { يثبت الله ~~الذين ءامنوا } الآية. قال " هذا في القبر " # وأخرج البيهقي من حديثها نحوه. وأخرج البزار عنها أيضا قالت # " قلت يا رسول الله، تبتلى هذه الأمة في قبورها، فكيف بي وأنا امرأة ~~ضعيفة؟ قال { يثبت الله الذين ءامنوا } الآية " # وقد وردت أحاديث كثيرة في سؤال الملائكة للميت في قبره، وفي جوابه عليهم ~~وفي عذاب القبر وفتنته، وليس هذا موضع بسطها، وهي معروفة. ### || [14.28-34] # قوله { ألم تر } هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من ~~يصلح له، وهو تعجيب من حال الكفار حيث جعلوا بدل نعمة الله عليهم الكفر ~~أي بدل شكرها الكفر، بها، وذلك بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم حين ~~بعثه الله منهم، وأنعم عليهم به، وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أنهم كفار ~~مكة وأن الآية نزلت فيهم. وقيل نزلت في الذين قاتلوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم بدر. وقيل نزلت في بطنين من بطون قريش بني مخزوم، وبني ~~أمية. وقيل نزلت في منتصرة العرب. وهم جبلة بن الأيهم وأصحابه، وفيه نظر، ~~فإن جبلة وأصحابه لم يسلموا إلا في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ~~وقيل إنها عامة في جميع المشركين. وقيل المراد بتبديل نعمة الله كفرا ~~أنهم لما كفروها سلبهم الله ذلك فصاروا متبدلين بها الكفر { ~~وأحلوا قومهم دار البوار } أي أنزلوا قومهم بسبب ما ms1955 ~~زينوه لهم من الكفر دار البوار، وهي جهنم، والبوار الهلاك. وقيل هم قادة ~~قريش أحلوا قومهم يوم بدر دار البوار أي الهلاك وهو القتل الذي أصيبوا ~~به، ومنه قول الشاعر # فلم أر مثلهم أبطال حرب غداة الحرب إذ خيف البوار # والأول أولى لقوله { جهنم } فإنه عطف بيان لدار البوار، و { ~~يصلونها } في محل نصب على الحال، أو هو مستأنف لبيان كيفية حلولهم ~~فيها { وبئس القرار } أي بئس القرار قرارهم فيها، أو بئس المقر ~~جهنم، فالمخصوص بالذم محذوف { وجعلوا لله أندادا } معطوف على ~~{ وأحلوا } أي جعلوا لله شركاء في الربوبية، أو في التسمية وهي الأصنام. ~~قرأ ابن كثير وأبو عمرو " ليضلوا " بفتح الياء أي ليضلوا أنفسهم عن سبيل ~~الله، وتكون اللام للعاقبة، أي ليتعقب جهلهم لله أندادا ضلالهم، لأن ~~العاقل لا يريد ضلال نفسه، وحسن استعمال لام العاقبة هنا لأنها تشبه ~~الغرض والغاية من جهة حصولها في آخر المراتب، والمشابهة أحد الأمور ~~المصححة للمجاز. وقرأ الباقون بضم الياء ليوقعوا قومهم في الضلال عن سبيل ~~الله، فهذا هو الغرض من جعلهم لله أندادا. ثم هددهم سبحانه، فقال لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم { قل تمتعوا } بما أنتم فيه من الشهوات، وما ~~زينته لكم أنفسكم من كفران النعم وإضلال الناس { فإن مصيركم ~~إلى النار } أي مردكم ومرجعكم إليها ليس إلا، ولما كان هذا حالهم، ~~وقد صاروا لفرط تهالكهم عليه وانهماكهم فيه لا يقلعون عنه، ولا يقبلون ~~فيه نصح الناصحين، جعل الأمر بمباشرته مكان النهي قربانه إيضاحا لما ~~تكون عليه عاقبتهم، وأنهم لا محالة صائرون إلى النار فلا بد لهم من ~~تعاطي الأسباب المقتضية ذلك، فجملة { فإن مصيركم إلى النار ~~} تعليل للأمر بالتمتع، وفيه من التهديد ما لا يقادر قدره. # ويجوز أن تكون هذه الجملة جوابا لمحذوف دل عليه سياق الكلام، كأنه قيل ~~فإن دمتم على ذلك فإن مصيركم إلى النار، والأول أولى والنظم القرآني ~~عليه أدل. وذلك كما يقال لمن يسعى في مخالفة السلطان اصنع ما شئت من ~~المخالفة، فإن مصيرك إلى السيف. { قل ms1956 لعبادى الذين ءامنوا ~~يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية } لما أمره بأن يقول للمبدلين نعمة الله كفرا الجاعلين ~~لله أندادا ما قاله لهم، أمره سبحانه أن يقول للطائفة المقابلة لهم، وهي ~~طائفة المؤمنين، هذا القول، والمقول محذوف دل عليه المذكور، أي قل ~~لعبادي أقيموا وأنفقوا ويقيموا وينفقوا، فجزم { يقيموا } على أنه جواب ~~الأمر المحذوف، وكذلك { ينفقوا } ، ذكر معنى هذا الفراء. وقال الزجاج إن ~~يقيموا مجزوم بمعنى اللام، أي ليقيموا فأسقطت اللام، ثم ذكر وجها آخر ~~للجزم مثل ما ذكره الفراء. وانتصاب { سرا } و { علانية } ، إما على ~~الحال، أي مسرين ومعلنين، أو على المصدر، أي إنفاق سر وإنفاق علانية، أو ~~على الظرف، أي وقت سر ووقت علانية. قال الجمهور السر ما خفي. والعلانية ~~ما ظهر. وقيل السر التطوع، والعلانية الفرض، وقد تقدم بيان هذا عند ~~تفسير قوله # إن تبدوا الصدقت فنعما هى # البقرة 271. { من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا ~~خلل } قال أبو عبيدة البيع ها هنا الفداء، والخلال المخالة، وهو ~~مصدر. قال الواحدي هذا قول جميع أهل اللغة، وقال أبو علي الفارسي يجوز ~~أن يكون جمع خلة مثل برمة وبرام وعلبة وعلاب، والمعنى أن يوم القيامة لا ~~بيع فيه حتى يفتدي المقصر في العمل نفسه من عذاب الله بدفع عوض عن ذلك، ~~وليس هناك مخاللة حتى يشفع الخليل لخليله، وينقذه من العذاب، فأمرهم ~~سبحانه بالإنفاق في وجوه الخير مما رزقهم الله، ما داموا في الحياة ~~الدنيا قادرين على إنفاق أموالهم من قبل أن يأتي يوم القيامة فإنهم لا ~~يقدرون على ذلك، بل لا مال لهم إذ ذاك، فالجملة، أعني { من قبل أن ~~يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلل } ، لتأكيد مضمون ~~الأمر بالإنفاق مما رزقهم الله، ويمكن أن يكون فيها أيضا تأكيد لمضمون ~~الأمر بإقامة الصلاة وذلك لأن تركها كثيرا ما يكون سبب الاشتغال بالبيع، ~~ورعاية حقوق الأخلاء، وقد تقدم في البقرة تفسير البيع والخلال. { الله ~~الذى خلق السموات والأرض } أي أبدعهما واخترعهما على ~~غير مثال، وخلق ms1957 ما فيهما من الأجرام العلوية والسفلية، والاسم الشريف ~~مبتدأ، وما بعده خبره { وأنزل من السماء ماء } المراد بالسماء ~~هنا جهة العلو، فإنه يدخل في ذلك الفلك عند من قال إن ابتداء المطر منه. # ويدخل فيه السحاب عند من قال إن ابتداء المطر منها، وتدخل فيه الأسباب ~~التي تثير السحاب كالرياح. وتنكير الماء هنا للنوعية أي نوعا من أنواع ~~الماء، وهو ماء المطر { فأخرج به من الثمرت رزقا ~~لكم } أي أخرج بذلك الماء من الثمرات المتنوعة رزقا لبني آدم يعيشون ~~به، و «من» في { من الثمرات } للبيان كقولك أنفقت من الدراهم، وقيل ~~للتبعيض لأن الثمرات منها ما هو رزق لبني آدم، ومنها ما ليس برزق لهم، ~~وهو ما لا يأكلونه ولا ينتفعون به { وسخر لكم الفلك } فجرت ~~على إرادتكم واستعملتموها في مصالحكم. ولذا قال { لتجرى فى ~~البحر } كما تريدون وعلى ما تطلبون { بأمره } أي بأمر الله ~~ومشيئته، وقد تقدم تفسير هذا في البقرة { وسخر لكم الأنهر ~~} أي ذللها لكم بالركوب عليها، والإجراء لها إلى حيث تريدون. { وسخر ~~لكم الشمس والقمر } لتنتفعوا بهما وتستضيئوا بضوئهما. ~~وانتصاب { دائبين } على الحال، والدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة ~~جارية، أي دائبين في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره. وقيل { دائبين } ~~في السير امتثالا لأمر الله، والمعنى يجريان إلى يوم القيامة لا يفتران ~~ولا ينقطع سيرهما { وسخر لكم الليل والنهار } يتعاقبان، فالنهار لسعيكم ~~في أمور معاشكم وما تحتاجون إليه من أمور دنياكم. والليل لتسكنوا كما قال ~~سبحانه # ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله # القصص 73 { وآتاكم من كل ما سألتموه } قال الأخفش أي ~~أعطاكم من كل مسؤول سألتموه شيئا، فحذف شيئا. وقيل المعنى وآتاكم من كل ~~ما سألتموه ومن كل ما لم تسألوه، فحذفت الجملة الأخرى قاله ابن الأنباري. ~~وقيل " من " زائدة، أي آتاكم كل ما سألتموه. وقيل للتبعيض، أي آتاكم بعض ~~كل ما سألتموه. وقرأ ابن عباس، والضحاك، والحسن، وقتادة " من كل " بتنوين ~~كل، وعلى هذه القراءة يجوز أن ms1958 تكون «ما» نافية، أي آتاكم من جميع ذلك ~~حال كونكم غير سائلين له، ويجوز أن تكون موصولة أي آتاكم من كل شيء الذي ~~سألتموه { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } أي وإن ~~تتعرضوا لتعداد نعم الله التي أنعم بها عليكم إجمالا فضلا عن التفصيل ~~لا تطيقوا إحصاءها بوجه من الوجوه، ولا تقوموا بحصرها على حال من ~~الأحوال، وأصل الإحصاء أن الحاسب إذا بلغ عقدا معينا من عقود الأعداد، ~~وضع حصاة ليحفظه بها، ومعلوم أنه لو رام فرد من أفراد العباد أن يحصي ما ~~أنعم الله به عليه في خلق عضو من أعضائه، أو حاسة من حواسه لم يقدر على ~~ذلك قط، ولا أمكنه أصلا، فكيف بما عدا ذلك من النعم في جميع ما خلقه ~~الله في بدنه، فكيف بما عدا ذلك من النعم الواصلة إليه في كل وقت على ~~تنوعها، واختلاف أجناسها، اللهم إنا نشكرك على كل نعمة أنعمت بها علينا ~~مما لا يعلمه إلا أنت، ومما علمناه شكرا لا يحيط به حصر، ولا يحصره عد، ~~وعدد ما شكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان { إن الإنسان لظلوم ~~} لنفسه بإغفاله لشكر نعم الله عليه، وظاهره شمول كل إنسان، وقال الزجاج ~~إن الإنسان اسم جنس يقصد به الكافر خاصة كما قال # إن الإنسن لفى خسر # العصر 2. { كفار } أي شديد كفران نعم الله عليه جاحد لها، غير شاكر ~~لله سبحانه عليها، كما ينبغي ويجب عليه. وقد أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن ~~منصور، والبخاري، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، ~~والبيهقي عن ابن عباس في قوله { ألم تر إلى الذين بدلوا ~~نعمة الله كفرا } قال هم كفار أهل مكة. وأخرج البخاري في ~~تاريخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن عمر بن الخطاب في قوله { ~~ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا } قال ~~هما الأفجران من قريش بنو المغيرة، وبنو أمية، فأما بنو المغيرة ~~فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. وأخرج ابن مردويه عن ~~ابن عباس، عن ms1959 عمر نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني في الأوسط، والحاكم وصححه، وابن مردويه من طرق عن علي في ~~الآية نحوه أيضا. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، والنسائي، وابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن ~~أبي الطفيل، أن ابن الكواء سأل عليا عن الذين بدلوا نعمة الله كفرا. ~~قال هم الفجار من قريش كفيتهم يوم بدر. قال فمن الذين ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا؟ قال منهم أهل حروراء. وقد روي في تفسير هذه الآية عن علي ~~من طرق نحو هذا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال هم جبلة بن ~~الأيهم، والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر عن ابن عباس { وأحلوا قومهم دار البوار } قال ~~الهلاك. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة في قوله { وجعلوا ~~لله أندادا } قال أشركوا بالله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن مجاهد { وسخر لكم الأنهر } قال بكل فائدة. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { وسخر لكم الشمس والقمر ~~دائبين } قال دؤوبهما في طاعة الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة { ~~وآتاكم من كل ما سألتموه } قال من كل شيء رغبتم إليه فيه. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال ~~من كل الذي سألتموه. وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي في الشعب عن سليمان ~~التيمي قال إن الله أنعم على العباد على قدره، وكلفهم الشكر على قدرهم. # وأخرجا أيضا عن بكر بن عبد الله المزني قال يا ابن آدم إن أردت أن تعلم ~~قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك. وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء قال من ~~لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه، فقد قل عمله وحضر عذابه. ~~وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي عن أبي أيوب القرشي مولى بني هاشم قال ~~قال داود عليه السلام «رب أخبرني ما أدنى نعمتك علي، فأوحى إلي يا ~~داود تنفس ms1960 فتنفس، فقال هذا أدنى نعمتي عليك». وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر ~~بن الخطاب أنه قال اللهم اغفر لي ظلمي وكفري. فقال قائل يا أمير ~~المؤمنين، هذا الظلم، فما بال الكفر؟ قال { إن الإنسان لظلوم كفار }. ### || [14.35-41] # قوله { وإذ قال إبراهيم } متعلق بمحذوف، أي اذكر وقت قوله، ~~ولعل المراد بسياق ما قاله إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع بيان كفر ~~قريش بالنعم الخاصة بهم، وهي إسكانهم مكة بعد ما بين كفرهم بالنعم ~~العامة. وقيل إن ذكر قصة إبراهيم ها هنا لمثال الكلمة الطيبة. وقيل لقصد ~~الدعاء إلى التوحيد، وإنكار عبادة الأصنام { رب اجعل هذا ~~البلد آمنا } المراد بالبلد هنا مكة. دعا إبراهيم ربه أن يجعله ~~آمنا، أي ذا أمن، وقدم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده، لأنه ~~إذا انتفى الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا. وقد ~~تقدم تفسير مثل هذه الآية في البقرة عند قوله تعالى # رب اجعل هذا بلدا آمنا # البقرة 126 والفرق بين ما هنا وما هنالك أن المطلوب هنا مجرد الأمن ~~للبلد، والمطلوب هنالك البلدية والأمن { واجنبنى وبنى أن ~~نعبد الأصنام } ، يقال جنبته كذا، وأجنبته وجنبته، أي باعدته ~~عنه، والمعنى باعدني، وباعد بني عن عبادة الأصنام، قيل أراد بنيه من ~~صلبه وكانوا ثمانية، وقيل أراد من كان موجودا حال دعوته من بنيه وبني ~~بنيه. وقيل أراد جميع ذريته ما تناسلوا، ويؤيد ذلك ما قيل من أنه لم يعبد ~~أحد من أولاد إبراهيم صنما، والصنم هو التمثال الذي كانت تصنعه أهل ~~الجاهلية من الأحجار ونحوها فيعبدونه. وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر { ~~وأجنبني } بقطع الهمزة على أن أصله أجنب. { رب إنهن أضللن ~~كثيرا من الناس } أسند الإضلال إلى الأصنام مع كونها جمادات لا ~~تعقل لأنها سبب لضلالهم فكأنها أضلتهم، وهذه الجملة تعليل لدعائه لربه، ~~ثم قال { فمن تبعنى } أي من تبع ديني من الناس فصار مسلما موحدا ~~{ فإنه منى } أي من أهل ديني، جعل أهل ملته كنفسه مبالغة. { ~~ومن عصانى } فلم يتابعني ويدخل في ms1961 ملتي { فإنك غفور ~~رحيم } قادر على أن تغفر له. قيل قال هذا قبل أن يعلم أن الله لا ~~يغفر أن يشرك به. كما وقع منه الاستغفار لأبيه وهو مشرك، كذا قال ابن ~~الأنباري. وقيل المراد عصيانه هنا فيما دون الشرك. وقيل إن هذه المغفرة ~~مقيدة بالتوبة من الشرك. ثم قال { ربنا إنى أسكنت من ~~ذريتى } قال الفراء من للتبعيض، أي بعض ذريتي. وقال ابن الأنباري ~~إنها زائدة، أي أسكنت ذريتي، والأول أولى لأنه إنما أسكن إسماعيل وهو ~~بعض ولده { بواد غير ذى زرع } أي لا زرع فيه، وهو وادي مكة { ~~عند بيتك المحرم } أي الذي يحرم فيه ما يستباح في غيره وقيل ~~إنه محرم على الجبابرة. وقيل محرم من أن تنتهك حرمته، أو يستخف به، وقد ~~تقدم في سورة المائدة ما يغني عن الإعادة، ثم قال { ربنا ليقيموا الصلاة ~~} اللام متعلقة بأسكنت، أي أسكنتهم ليقيموا الصلاة فيه، متوجهين إليه، ~~متبركين به، وخصها دون سائر العبادات لمزيد فضلها، ولعل تكرير النداء ~~لإظهار العناية الكاملة بهذه العبادة { فاجعل أفئدة من ~~الناس تهوى إليهم } الأفئدة جمع فؤاد، وهو القلب، عبر به عن ~~جميع البدن لأنه أشرف عضو فيه. # وقيل هو جمع وفد والأصل أوفدة، فقدمت الفاء، وقلبت الواو ياء، فكأنه ~~قال وجعل وفودا من الناس تهوي إليهم، و «من» في { من الناس } للتبعيض. ~~وقيل زائدة، ولا يلزم منه أن يحج اليهود والنصارى بدخولهم تحت لفظ الناس ~~لأن المطلوب توجيه قلوب الناس إليهم للسكون معهم والجلب إليهم، لا ~~توجيهها إلى الحج، ولو كان هذا مرادا لقال تهوي إليه، وقيل من للابتداء ~~كقولك القلب مني سقيم، يريد قلبي، ومعنى { تهوي إليهم } تنزع إليهم، يقال ~~هوى نحوه إذا مال، وهوت الناقة تهوي هويا فهي هاوية إذا عدت عدوا ~~شديدا كأنها تهوي في بئر، ويحتمل أن يكون المعنى تجيء إليهم أو تسرع ~~إليهم، والمعنى متقارب، { وارزقهم من الثمرت } أي أرزق ~~ذريتي الذين أسكنتهم هنالك، أو هم ومن يساكنهم من الناس من أنواع الثمرات ~~التي تنبت فيه، أو ms1962 تجلب إليه { لعلهم يشكرون } نعمك التي ~~أنعمت بها عليهم. { ربنا إنك تعلم ما نخفى وما ~~نعلن } أي ما نكتمه وما نظهره، لأن الظاهر والمضمر بالنسبة إليه ~~سبحانه سيان. قيل والمراد هنا بما نخفي ما يقابل ما نعلن، فالمعنى ما ~~نظهره وما لا نظهره، وقدم ما نخفي على ما نعلن للدلالة على أنهما ~~مستويان في علم الله سبحانه. وظاهر النظم القرآني عموم كل ما لا يظهر وما ~~يظهر من غير تقييد بشيء معين من ذلك. وقيل المراد ما يخفيه إبراهيم من ~~وجده بإسماعيل وأمه، حيث أسكنهما بواد غير ذي زرع، وما يعلنه من ذلك. ~~وقيل ما يخفيه إبراهيم من الوجد ويعلنه من البكاء والدعاء. والمجيء بضمير ~~الجماعة يشعر بأن إبراهيم لم يرد نفسه فقط، بل أراد جميع العباد، فكأن ~~المعنى أن الله سبحانه يعلم بكل ما يظهره العباد وبكل ما لا يظهرونه. ~~وأما قوله { وما يخفى على الله من شىء فى الأرض ولا ~~فى السماء } فقال جمهور المفسرين هو من كلام الله سبحانه تصديقا لما ~~قاله إبراهيم من أنه سبحانه يعلم ما يخفيه العباد وما يعلنونه، فقال ~~سبحانه { وما يخفى على الله شيء } من الأشياء الموجودة كائنا ما كان. ~~وإنما ذكر السموات والأرض لأنها المشاهدة للعباد، وإلا فعلمه سبحانه ~~محيط بكل ما هو داخل في العالم، وكل ما هو خارج عنه لا تخفى عليه منه ~~خافية. # قيل ويحتمل أن يكون هذا من قول إبراهيم تحقيقا لقوله الأول، وتعميما ~~بعد التخصيص. ثم حمد الله سبحانه على بعض نعمه الواصلة إليه فقال { ~~الحمد لله الذى وهب لى على الكبر إسمعيل ~~وإسحق } أي وهب لي على كبر سني وسن امرأتي، قيل ولد له إسماعيل ~~وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة، ~~قيل و «على» هنا بمعنى " مع " أي وهو لي مع كبري ويأسي عن الولد { إن ~~ربى لسميع الدعاء } أي لمجيب الدعاء، من قولهم سمع كلامه إذا ~~أجابه واعتد به وعمل بمقتضاه، وهو من إضافة الصفة المتضمنة ms1963 للمبالغة إلى ~~المفعول، والمعنى إنك لكثير إجابة الدعاء لمن يدعوك، ثم سأل الله سبحانه ~~بأن يجعله مقيم الصلاة محافظا عليها غير مهمل لشيء منها، ثم قال { ومن ~~ذريتى } أي بعض ذريتي، أي اجعلني واجعل بعض ذريتي مقيمين للصلاة، ~~وإنما خص البعض من ذريته لأنه علم أن منهم من لا يقيمها كما ينبغي. قال ~~الزجاج أي اجعل من ذريتي من يقيم الصلاة، ثم سأل الله سبحانه أن يتقبل ~~دعاءه على العموم، ويدخل في ذلك دعاؤه في هذا المقام دخولا أوليا. قيل ~~والمراد بالدعاء هنا العبادة، فيكون المعنى وتقبل عبادتي التي أعبدك بها، ~~ثم طلب من الله سبحانه أن يغفر له ما وقع منه، مما يستحق أن يغفره الله ~~وإن لم يكن كبيرا، لما هو معلوم من عصمة الأنبياء عن الكبائر. ثم طلب من ~~الله سبحانه أن يغفر لوالديه، وقد قيل إنه دعا لهما بالمغفرة قبل أن يعلم ~~أنهما عدوان لله سبحانه كما في قوله سبحانه # وما كان استغفار إبرهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه # التوبة 114. وقيل كانت أمه مسلمة، وقيل أراد بوالديه آدم وحواء. وقرأ ~~سعيد بن جبير " ولوالدي " بالتوحيد على إرادة الأب وحده. وقرأ إبراهيم ~~النخعي " ولولدي " يعني إسماعيل وإسحاق، وكذا قرأ يحيى بن يعمر، ثم ~~استغفر للمؤمنين. وظاهره شمول كل مؤمن سواء كان من ذريته أو لم يكن ~~منهم. وقيل أراد المؤمنين من ذريته فقط. { يوم يقوم الحساب } ~~أي يوم يثبت حساب المكلفين في المحشر، استعير له لفظ يقوم الذي هو حقيقته ~~في قيام الرجل للدلالة على أنه في غاية الاستقامة. وقيل إن المعنى يوم ~~يقوم الناس للحساب. والأول أولى. وقد أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { ~~وإذ قال إبرهيم } الآية قال فاستجاب الله لإبراهيم دعوته في ~~ولده، فلم يعبد أحد من ولده صنما بعد دعوته. واستجاب الله له، وجعل هذا ~~البلد آمنا، ورزق أهله من الثمرات، وجعله إماما، وجعل من ذريته من يقيم ~~الصلاة، وتقبل دعاءه فأراه مناسكه ms1964 وتاب عليه. # وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن عقيل بن أبي طالب «أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما أتاه الستة النفر من الأنصار جلس إليهم عند جمرة العقبة، ~~فدعاهم إلى الله وإلى عبادته والمؤازرة على دينه، فسألوه أن يعرض عليهم ~~ما أوحي إليه، فقرأ من سورة إبراهيم { وإذ قال إبرهيم رب ~~اجعل هذا البلد آمنا واجنبنى وبنى أن نعبد ~~الأصنام } إلى آخر السورة، فرق القوم وأخبتوا حين سمعوا منه ما ~~سمعوا وأجابوه. وأخرج الواقدي، وابن عساكر من طريق عامر بن سعد عن أبيه ~~قال كانت سارة تحت إبراهيم، فمكثت تحته دهرا لا ترزق منه ولدا، فلما ~~رأت ذلك وهبت له هاجر أمة لها قبطية، فولدت له إسماعيل، فغارت من ذلك ~~سارة ووجدت في نفسها، وعتبت على هاجر، فحلفت أن تقطع منها ثلاثة أطراف، ~~فقال لها إبراهيم هل لك أن تبري يمينك؟ قالت كيف أصنع؟ قال اثقبي أذنيها ~~واخفضيها، والخفض هو الختان، ففعلت ذلك بها فوضعت هاجر في أذنيها قرطين ~~فازدادت بهما حسنا، فقالت سارة أراني إنما زدتها جمالا، فلم تقاره ~~على كونه معها ووجد بها إبراهيم وجدا شديدا، فنقلها إلى مكة فكان ~~يزورها في كل يوم من الشام على البراق من شغفه بها وقلة صبره عنها. وأخرج ~~ابن جرير عن ابن عباس في قوله { إنى أسكنت من ذريتى } قال ~~أسكن إسماعيل وأمه مكة. وأخرج ابن المنذر عنه قال إن إبراهيم حين قال { ~~فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم } لو قال أفئدة ~~الناس تهوي إليهم لازدحمت عليه فارس والروم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحكم قال سألت عكرمة وطاوسا وعطاء ~~بن أبي رباح عن هذه الآية { فاجعل أفئدة من الناس تهوى ~~إليهم } فقالوا البيت تهوي إليه قلوبهم يأتونه. وفي لفظ قالوا هواهم ~~إلى مكة أن يحجوا. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في ~~قوله { تهوى إليهم } قال تنزع إليهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم عن محمد بن مسلم الطائفي ms1965 أن إبراهيم لما دعا للحرم { وارزق ~~أهله من الثمرت } نقل الله الطائف من فلسطين. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن الزهري قال إن الله نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف لدعوة ~~إبراهيم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في شعب الإيمان، قال ~~السيوطي بسند حسن، عن ابن عباس قالوا لو كان إبراهيم عليه السلام قال ~~فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم لحج اليهود والنصارى والناس كلهم، ولكنه ~~قال أفئدة من الناس فخص به المؤمنين. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله { ~~ما نخفى وما نعلن } قال من الحزن. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~إبراهيم النخعي في قوله { ربنا إنك تعلم ما نخفى } قال ~~من حب إسماعيل وأمه { وما نعلن } قال ما نظهر لسارة من الجفاء ~~لهما. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~الحمد لله الذى وهب لى على الكبر إسمعيل ~~وإسحق } قال هذا بعد ذلك بحين. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ~~قال بشر إبراهيم بعد سبع عشرة سنة ومائة سنة. ### || [14.42-46] # قوله { ولا تحسبن } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. وهو تعريض ~~لأمته، فكأنه قال ولا تحسب أمتك يا محمد، ويجوز أن يكون خطابا لكل من ~~يصلح له من المكلفين، وإن كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم من غير ~~تعريض لأمته، فمعناه التثبيت على ما كان عليه من عدم الحسبان كقوله # ولا تكونن من المشركين # الأنعام 14 ونحوه. وقيل المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما ~~يعملون، ولكن معاملة الرقيب عليهم، أو يكون المراد بالنهي عن الحسبان ~~الإيذان بأنه عالم بذلك لا تخفى عليه منه خافية، وفي هذا تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وإعلام للمشركين بأن تأخير العذاب عنهم ليس ~~للرضا بأفعالهم، بل سنة الله سبحانه في إمهال العصاة { إنما ~~يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصر } أي يؤخر جزاءهم، ولا ~~يؤاخذهم بظلمهم. وهذه الجملة تعليل للنهي السابق. وقرأ الحسن والسلمي وهو ~~رواية عن أبي عمرو بالنون في " نؤخرهم ". وقرأ الباقون ms1966 بالتحتية. ~~واختارها أبو عبيد، وأبو حاتم لقوله { ولا تحسبن الله } ومعنى ~~{ ليوم تشخص فيه الأبصر } أي ترفع فيه أبصار أهل الموقف، ~~ولا تغمض من هول ما تراه في ذلك اليوم، هكذا قال الفراء، يقال شخص الرجل ~~بصره، وشخص البصر نفسه إلى السماء من هول ما يرى، والمراد أن الأبصار ~~بقيت مفتوحة لا تتحرك من شدة الحيرة والدهشة. { مهطعين } أي مسرعين ~~من أهطع يهطع إهطاعا إذا أسرع. وقيل المهطع الذي ينظر في ذل وخشوع، ~~ومنه # بدجلة دارهم ولقد أراهم بدجلة مهطعين إلى السماع # وقيل المهطع الذي يديم النظر. قال أبو عبيدة قد يكون الوجهان جميعا، ~~يعني الإسراع مع إدامة النظر وقيل المهطع الذي لا يرفع رأسه. وقال ثعلب ~~المهطع الذي ينظر في ذل وخضوع. وقيل هو الساكت. قال النحاس والمعروف في ~~اللغة أهطع إذا أسرع { مقنعى رؤوسهم } أي رافعي رؤوسهم، وإقناع ~~الرأس رفعه، وأقنع صوته إذا رفعه، والمعنى أنهم يومئذ رافعون رؤوسهم إلى ~~السماء ينظرون إليها نظر فزع وذل، ولا ينظر بعضهم إلى بعض. وقيل إن ~~إقناع الرأس نكسه وقيل يقال أقنع إذا رفع رأسه، وأقنع إذا طأطأ ذلة ~~وخضوعا، والآية محتملة للوجهين. قال المبرد والقول الأول أعرف في ~~اللغة. قال الشاعر # أنغض نحوي رأسه وأقنعا كأنما أبصر شيئا أطمعا # { لا يرتد إليهم طرفهم } أي لا ترجع إليهم أبصارهم، ~~وأصل الطرف تحريك الأجفان، وسميت العين طرفا، لأنه يكون بها، ومن إطلاق ~~الطرف على العين قول عنترة # وأغض طرفي ما بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها # { وأفئدتهم هواء } الهواء في اللغة المجوف الخالي الذي لم ~~تشغله الأجرام. # والمعنى أن قلوبهم خالية عن العقل والفهم، لما شاهدوا من الفزع والحيرة ~~والدهش، وجعلها نفس الهوى مبالغة، ومنه قيل للأحمق والجبان قلبه هواء، أي ~~لا رأي فيه ولا قوة. وقيل معنى الآية أنها خرجت قلوبهم عن مواضعها فصارت ~~في الحناجر. وقيل المعنى أن أفئدة الكفار في الدنيا خالية عن الخير. وقيل ~~المعنى أفئدتهم ذات هواء، ومما يقارب معنى هذه الآية قوله تعالى # وأصبح فؤاد ms1967 أم موسى فارغا # القصص 10، أي خاليا من كل شيء إلا من هم موسى. { وأنذر الناس ~~} هذا رجوع إلى خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمره الله سبحانه بأن ~~ينذر الناس. والمراد الناس على العموم وقيل المراد كفار مكة. وقيل الكفار ~~على العموم. والأول أولى لأن الإنذار كما يكون للكافر يكون أيضا ~~للمسلم. ومنه قوله تعالى # إنما تنذر من اتبع الذكر # يس 11. ومعنى { يوم يأتيهم العذاب } يوم القيامة، أي ~~خوفهم هذا اليوم، وهو يوم إتيان العذاب، وإنما اقتصر على ذكر إتيان ~~العذاب فيه مع كونه يوم إتيان الثواب لأن المقام مقام تهديد. وقيل المراد ~~به يوم موتهم فإنه أول أوقات إتيان العذاب وقيل المراد يوم هلاكهم ~~بالعذاب العاجل، وانتصاب يوم على أنه مفعول ثان لأنذر { فيقول ~~الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب } المراد ~~بالذين ظلموا ها هنا هم الناس، أي فيقولون. والعدول إلى الإظهار مكان ~~الإضمار للإشعار بأن الظلم هو العلة فيما نزل بهم، هذا إذا كان المراد ~~بالناس هم الكفار. وعلى تقدير كون المراد بهم من يعم المسلمين، فالمعنى ~~فيقول الذين ظلموا منهم وهم الكفار { ربنا أخرنا } أمهلنا { إلى أجل قريب ~~} إلى أمد من الزمان معلوم غير بعيد { نجب دعوتك } أي دعوتك ~~لعبادك على ألسن أنبيائك إلى توحيدك { ونتبع الرسل } المرسلين ~~منك إلينا فنعمل بما بلغوه إلينا من شرائعك، ونتدارك ما فرط منا من ~~الإهمال، وإنما جمع الرسل لأن دعوتهم إلى التوحيد متفقة فاتباع واحد منهم ~~اتباع لجميعهم، وهذا منهم سؤال للرجوع إلى الدنيا لما ظهر لهم الحق في ~~الآخرة # ولو ردوا لعدوا لما نهوا عنه # الأنعام 28. ثم حكى سبحانه ما يجاب به عنهم عند أن يقولوا هذه المقالة، ~~فقال { أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من ~~زوال } أي فيقال لهم هذا القول توبيخا وتقريعا، أي أولم تكونوا ~~أقسمتم من قبل هذا اليوم مالكم من زوال من دار الدنيا. وقيل إنه لا قسم ~~منهم حقيقة. وإنما كان لسان حالهم ذلك لاستغراقهم في الشهوات، وإخلادهم ~~إلى الحياة الدنيا. ms1968 وقيل قسمهم هذا هو ما حكاه الله عنهم في قوله # وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا يبعث الله ~~من يموت # النحل 38، وجواب القسم { مالكم من زوال } وإنما جاء بلفظ الخطاب ~~في { مالكم من زوال } لمراعاة { أقسمتم } ولولا ذلك لقال مالنا من زوال. # { وسكنتم فى مسكن الذين ظلموا أنفسهم } أي ~~استقررتم، يقال سكن الدار وسكن فيها، وهي بلاد ثمود ونحوهم من الكفار ~~الذين ظلموا أنفسهم بالكفر بالله، والعصيان له { وتبين لكم ~~كيف فعلنا بهم } قرأ عبد الرحمن السلمي " نبين " بالنون ~~والفعل المضارع، وقرأ من عداه بالتاء الفوقية والفعل الماضي، أي تبين لكم ~~بمشاهدة الآثار كيف فعلنا بهم من العقوبة والعذاب الشديد بما فعلوه من ~~الذنوب، وفاعل تبين ما دلت عليه الجملة المذكورة بعده، أي تبين لكم فعلنا ~~العجيب بهم { وضربنا لكم الأمثال } في كتب الله وعلى ألسن ~~رسله إيضاحا لكم وتقريرا وتكميلا للحجة عليكم. { وقد مكروا ~~مكرهم } الجملة في محل نصب على الحال، أي فعلنا بهم ما فعلنا، ~~والحال أنهم قد مكروا في رد الحق وإثبات الباطل مكرهم العظيم، الذي ~~استفرغوا فيه وسعهم { وعند الله مكرهم } أي وعند الله جزاء ~~مكرهم، أو وعند الله مكتوب مكرهم فهو مجازيهم، أو وعند الله مكرهم الذي ~~يمكرهم به، على أن يكون المكر مضافا إلى المفعول، قيل والمراد بهم قوم ~~محمد صلى الله عليه وسلم مكروا بالنبي صلى الله عليه وسلم حين هموا بقتله ~~أو نفيه. وقيل المراد ما وقع من النمروذ حيث حاول الصعود إلى السماء، ~~فاتخذ لنفسه تابوتا، وربط قوائمه بأربعة نسور. { وإن كان مكرهم ~~لتزول منه الجبال } قرأ عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي " وإن ~~كاد مكرهم " بالدال المهملة مكان النون. وقرأ غيرهم من القراء وإن كان ~~بالنون. وقرأ ابن محيص، وابن جريج، والكسائي " لتزول " بفتح اللام على ~~أنها لام الابتداء، وقرأ الجمهور بكسرها على أنها لام الجحود. قال ابن ~~جرير الاختيار هذه القراءة، يعني قراءة الجمهور لأنها لو كانت زالت لم ~~تكن ثابتة، فعلى قراءة الكسائي ومن معه تكون إن هي المخففة من ms1969 الثقيلة. ~~واللام هي الفارقة، وزوال الجبال مثل لعظم مكرهم وشدته، أي وإن الشأن ~~كان مكرهم معدا لذلك. قال الزجاج وإن كان مكرهم يبلغ في الكيد إلى ~~إزالة الجبال، فإن الله ينصر دينه. وعلى قراءة الجمهور يحتمل وجهين ~~أحدهما أن تكون " إن " هي المخففة من الثقيلة، والمعنى كما مر. والثاني ~~أن تكون نافية، واللام المكسورة لتأكيد النفي كقوله # وما كان الله ليضيع إيمنكم # البقرة 143 والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم، على أن الجبال مثل ~~لآيات الله وشرائعه الثابتة على حالها مدى الدهر، فالجملة على هذا حال من ~~الضمير في { مكروا } لا من قوله { وعند الله مكرهم } أي ~~والحال أن مكرهم لم يكن لتزول منه الجبال. وقد أخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والخرائطي في مساوئ الأخلاق عن ميمون بن مهران في ~~قوله { ولا تحسبن الله غفلا عما يعمل ~~الظلمون } قال هي تعزية للمظلوم ووعيد للظالم. # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ~~ليوم تشخص فيه الأبصر } قال شخصت فيه والله أبصارهم فلا ~~ترتد إليهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~مهطعين } قال يعني بالإهطاع النظر من غير أن يطرف { مقنعى ~~رؤوسهم } قال الإقناع رفع رؤوسهم { لا يرتد إليهم ~~طرفهم } قال شاخصة أبصارهم { وأفئدتهم هواء } ليس فيها ~~شيء من الخير، فهي كالخربة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد { ~~مهطعين } قال مديمي النظر. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن ~~قتادة { مهطعين } قال مسرعين. وأخرج هؤلاء عن قتادة في قوله { ~~وأفئدتهم هواء } قال ليس فيها شيء، خرجت من صدورهم فنشبت في ~~حلوقهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ~~قتادة في قوله { وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب } ~~يقول أنذرهم في الدنيا من قبل أن يأتيهم العذاب. وأخرج ابن جرير عن مجاهد ~~قال { يوم يأتيهم العذاب } هو يوم القيامة. وأخرج ابن المنذر ~~عن ابن عباس { مالكم من زوال } قال عما أنتم فيه ms1970 إلى ما تقولون. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { مالكم من زوال } قال بعث ~~بعد الموت. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن الحسن في قوله { ~~وسكنتم فى مسكن الذين ظلموا أنفسهم } قال عملتم ~~بمثل أعمالهم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { وإن كان ~~مكرهم } يقول ما كان مكرهم { لتزول منه الجبال }. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { وإن كان ~~مكرهم } يقول شركهم كقوله # تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا # مريم 90. وأخرج عبد بن حميد، ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وابن الأنباري عن علي ابن أبي طالب، أنه قرأ هذه الآية { وإن كان ~~مكرهم لتزول منه الجبال } ثم فسرها فقال إن جبارا من ~~الجبابرة قال لا أنتهي حتى أنظر إلى ما في السماء، فأمر بفراخ النسور ~~تعلف اللحم حتى شبت وغلظت، وأمر بتابوت فنجر يسع رجلين، ثم جعل في وسطه ~~خشبة، ثم ربط أرجلهن بأوتاد، ثم جوعهن، ثم جعل على رأس الخشبة لحما، ~~ثم دخل هو وصاحبه في التابوت، ثم ربطهن إلى قوائم التابوت، ثم خلي عنهن ~~يردن اللحم، فذهبن به ما شاء الله، ثم قال لصاحبه افتح فانظر ماذا ترى، ~~ففتح فقال انظر إلى الجبال كأنها الذباب، قال أغلق فأغلق، فطرن به ما شاء ~~الله، ثم قال افتح ففتح، فقال انظر ماذا ترى، فقال ما أرى إلا السماء، ~~وما أراها تزداد إلا بعدا، قال صوب الخشبة فصوبها فانقضت تريد اللحم، ~~فسمع الجبال هدتها فكادت تزول عن مراتبها. وقد روي نحو هذه القصة ~~لبختنصر وللنمروذ من طرق ذكرها في الدر المنثور. ### || [14.47-52] # { مخلف } منتصب على أنه مفعول { تحسبن } ، وانتصاب { رسله } على ~~أنه مفعول { وعده } ، قيل وذلك على الاتساع، والمعنى مخلف رسله وعده. قال ~~القتيبي هو من المقدم الذي يوضحه التأخير. والمؤخر الذي يوضحه التقديم، ~~وسواء في ذلك مخلف وعده رسله، ومخلف رسله وعده، ومثل ما في الآية قول ~~الشاعر # ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه وسائره ms1971 باد إلى الشمس أجمع # وقال الزمخشري قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا كقوله # إن الله لا يخلف الميعاد # آل عمران 9. ثم قال { رسله } ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحدا، وليس من ~~شأنه إخلاف المواعيد، فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته. والمراد ~~بالوعد هنا هو ما وعدهم سبحانه بقوله # إنا لننصر رسلنا # غافر 51 و # كتب الله لأغلبن أنا ورسلى # المجادلة 21. وقرىء " مخلف وعده رسله " بجر { رسله } ونصب { وعده }. ~~قال الزمخشري وهذه القراءة في الضعف كمن قرأ # قتل أولادهم شركائهم # الأنعام 137. { إن الله عزيز } غالب لا يغالبه أحد { ذو ~~انتقام } ينتقم من أعدائه لأوليائه والجملة تعليل للنهي، وقد مر ~~تفسيره في أول آل عمران. { يوم تبدل الأرض غير الأرض } ~~قال الزجاج انتصاب { يوم } على البدل من { يوم يأتيهم } ، أو على الظرف ~~للانتقام. انتهى. ويجوز أن ينتصب بمقدر يدل عليه الكلام، أي واذكر، أو ~~وارتقب، والتبديل قد يكون في الذات، كما في بدلت الدراهم دنانير، وقد ~~يكون في الصفات كما في بدلت الحلقة خاتما. والآية تحتمل الأمرين. وقد ~~قيل المراد تغير صفاتها. وبه قال الأكثر، وقيل تغير ذاتها، ومعنى { ~~*والسموات } أي وتبدل السموات غير السموات على الاختلاف الذي مر { ~~والسموت وبرزوا لله الواحد القهار } أي برز ~~العباد لله، أو الظالمون كما يفيده السياق، أي ظهروا من قبورهم، أو ظهر ~~من أعمالهم ما كانوا يكتمونه. والتعبير على المستقبل بلفظ الماضي للتنبيه ~~على تحقق وقوعه كما في قوله # ونفخ فى الصور # يس 51، الزمر 68، ق 20 و { الواحد القهار } المتفرد بالألوهية الكثير ~~القهر لمن عانده. { وترى المجرمين يومئذ مقرنين فى ~~الأصفاد } معطوف على { برزوا } أو على { تبدل } ، والمجيء بالمضارع ~~لاستحضار الصورة، والمجرمون هم المشركون، و { يومئذ } يعني يوم القيامة، ~~و { مقرنين } أي مشدودين إما بجعل بعضهم مقرونا مع بعض، أو قرنوا ~~مع الشياطين، كما في قوله # نقيض له شيطانا فهو له قرين # الزخرف 36. أو جعلت أيديهم مقرونة إلى أرجلهم، والأصفاد الأغلال، ~~والقيود. والجار والمجرور متعلق بمقرنين، أو حال من ضميره. يقال ms1972 صفدته ~~صفدا، أي قيدته، والاسم الصفد، فإذا أردت التكثير، قلت صفدته. قال ~~عمرو بن كلثوم # فآبوا بالنهاب وبالسبايا وأبنا بالملوك مصفدينا # وقال حسان بن ثابت # من بين مأسور يشد صفاده صقر إذا لاقى الكريهة حامي # ويقال صفدته وأصفدته إذا أعطيته. ومنه قول النابغة # ولم أعرض أبيت اللعن بالصفد # { سرابيلهم من قطران } السرابيل القمص، واحدها سربال. ومنه ~~قول كعب بن مالك # تلقاكم عصب حول النبي لهم من نسج داود في الهيجا سرابيل # والقطران هو قطران الإبل الذي تهنأ، به أي قمصانهم من قطران تطلى به ~~جلودهم، حتى يعود ذلك الطلاء كالسرابيل. وخص القطران لسرعة اشتعال النار ~~فيه مع نتن رائحته. وقال جماعة هو النحاس، أي قمصانهم من نحاس. وقرأ عيسى ~~بن عمر " من قطران " بفتح القاف، وتسكين الطاء. وقرىء بكسر القاف وسكون ~~الطاء. وقرىء بفتح القاف والطاء. رويت هذه القراءة عن ابن عباس، وأبي ~~هريرة، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ويعقوب وهذه الجملة في محل نصب على الحال ~~{ وتغشى وجوههم النار } أي تعلو وجوههم وتضر بها وخص الوجوه ~~لأنها أشرف ما في البدن، وفيها الحواس المدركة، والجملة في محل نصب على ~~الحال أيضا، و { ليجزى الله } متعلق بمحذوف، أي يفعل ذلك بهم ~~ليجزي { كل نفس ما كسبت } من المعاصي، أي جزاء موافقا لما ~~كسبت من خير أو شر { إن الله سريع الحساب } لا يشغله عنه ~~شيء. وقد تقدم تفسيره. { هذا بلغ } أي هذا الذي أنزل إليك ~~بلاغ، أي تبليغ وكفاية في الموعظة والتذكير. قيل إن الإشارة إلى ما ذكره ~~سبحانه هنا من قوله { فلا تحسبن الله غفلا } إلى { ~~سريع الحساب } أي هذا فيه كفاية من غير ما انطوت عليه السورة. ~~وقيل الإشارة إلى جميع السورة. وقيل إلى القرآن. ومعنى { للناس } ~~للكفار، أو لجميع الناس على ما قيل في قوله { وأنذر الناس } ، { ~~ولينذروا به } معطوف على محذوف، أي لينصحوا ولينذروا به، والمعنى ~~وليخوفوا به، وقرىء ولينذروا بفتح الياء التحتية والذال المعجمة. يقال ~~نذرت بالشيء أنذر إذا علمت به فاستعددت له. { وليعلموا أنما ~~هو ms1973 إله واحد } أي ليعلموا بالأدلة التكوينية المذكورة سابقا ~~وحدانية الله سبحانه، وأنه لا شريك له { وليذكر أولوا ~~الألبب } أي وليتعظ أصحاب العقول. وهذه اللامات متعلقة بمحذوف، ~~والتقدير وكذلك أنزلنا، أو متعلقة بالبلاغ المذكور، أي كفاية لهم في أن ~~ينصحوا وينذروا ويعلموا بما أقام الله من الحجج والبراهين وحدانيته ~~سبحانه، وأنه لا شريك له، وليتعظ بذلك أصحاب العقول التي تعقل وتدرك. وقد ~~أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { إن الله ~~عزيز ذو انتقام } قال عزيز والله في أمره، يملي وكيده متين، ثم ~~إذا انتقم انتقم بقدرة. وأخرج مسلم وغيره من حديث ثوبان، قال «جاء رجل من ~~اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أين يكون الناس يوم تبدل ~~الأرض غير الأرض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في " الظلمة دون ~~الجسر ". # وأخرج مسلم أيضا وغيره من حديث عائشة، قالت أنا أول من سأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية { يوم تبدل الأرض غير ~~الأرض } قالت أين الناس يومئذ؟ قال # " على الصراط " # وأخرج البزار، وابن المنذر، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه، والبيهقي ~~في البعث، وابن عساكر عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في قول الله { يوم تبدل الأرض غير الأرض } قال # " أرض بيضاء، كأنها فضة لم يسفك فيها دم حرام، ولم يعمل بها خطيئة " # وأخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، ~~والبيهقي في البعث عنه موقوفا نحوه، قال البيهقي والموقوف أصح. وأخرج ~~ابن جرير، وابن مردويه عن زيد بن ثابت قال أتى اليهود النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال # " جاءوني يسألونني وسأخبرهم قبل أن يسألوني { يوم تبدل الأرض ~~غير الأرض } قال أرض بيضاء كالفضة، فسألهم فقالوا أرض بيضاء ~~كالنقي " # وأخرج ابن مردويه مرفوعا عن علي نحو ما تقدم عن ابن مسعود. وأخرج ابن ~~جرير، وابن مردويه عن أنس موقوفا نحوه، وقد ms1974 روي نحو ذلك عن جماعة من ~~الصحابة، وثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد، قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول # " يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة نقي " # وفيهما أيضا من حديث أبي سعيد، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده... " # الحديث. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { مقرنين فى ~~الأصفاد } قال الكبول. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير عن قتادة في { ~~الأصفاد } قال القيود والأغلال. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال ~~في السلاسل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ~~فى الأصفاد } يقول في وثاق. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي { ~~سرابيلهم } قال قمصهم. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد مثله. وأخرج عبد ~~الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { من ~~قطران } قال قطران الإبل. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال ~~هذا القطران يطلى به حتى يشتعل نارا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس قال هو النحاس المذاب. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد ~~بن جبير أنه قرأ { من قطران } فقال القطر الصفر، والآن الحار. ~~وأخرج أبو عبيد، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر عن عكرمة نحوه. ~~وأخرج مسلم وغيره عن أبي مالك الأشعري، قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من ~~قطران، ودرع من جرب " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { هذا بلغ ~~للناس } قال القرآن، { ولينذروا به } قال القرآن. ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1-15] # قوله { الر } قد تقدم الكلام في محله مستوفي، والإشارة بقوله { تلك ~~} إلى ما تضمنته السورة من الآيات، والتعريف في { الكتاب }. قيل هو ~~للجنس، والمراد جنس الكتب المتقدمة. وقيل المراد به القرآن، ولا يقدح في ~~هذا ذكر القرآن بعد ms1975 الكتاب، فقد قيل إنه جمع له بين الإسمين، وقيل المراد ~~بالكتاب هذه السورة، وتنكير القرآن للتفخيم، أي القرآن الكامل { ربما ~~يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين } قرأ نافع وعاصم ~~بتخفيف الباء من { ربما }. وقرأ الباقون بتشديدها، وهما لغتان. قال أبو ~~حاتم أهل الحجاز يخففون، ومنه قول الشاعر # ربما ضربة سيف صقيل بين بصرى وطعنة نجلاء # وتميم وربيعة يثقلونها. وقد تزاد التاء الفوقية، وأصلها أن تستعمل في ~~القليل. وقد تستعمل في الكثير. قال الكوفيون أي يود الكفار في أوقات ~~كثيرة لو كانوا مسلمين. ومنه قول الشاعر # رب رفد هرقته ذلك اليو م وأسرى من معشر أقيال # وقيل هي هنا للتقليل لأنهم ودوا ذلك في بعض المواضع لا في كلها لشغلهم ~~بالعذاب. قيل و " ما " هنا لحقت رب لتهيئها للدخول على الفعل. وقيل هي ~~نكرة بمعنى شيء، وإنما دخلت " رب " هنا على المستقبل مع كونها لا تدخل ~~إلا على الماضي لأن المترقب في أخباره سبحانه كالواقع المتحقق، فكأنه ~~قيل ربما ود الذين كفروا لو كانوا مسلمين، أي منقادين لحكمه مذعنين له ~~من جملة أهله. وكانت هذه الودادة منهم عند موتهم أو يوم القيامة. والمراد ~~أنه لما انكشف لهم الأمر، واتضح بطلان ما كانوا عليه من الكفر وأن الدين ~~عند الله سبحانه هو الإسلام لا دين غيره، حصلت منهم هذه الودادة التي لا ~~تسمن ولا تغني من جوع، بل هي لمجرد التحسر والتندم ولوم النفس على ما ~~فرطت في جنب الله. وقيل كانت هذه الودادة منهم عند معاينة حالهم وحال ~~المسلمين. وقيل عند خروج عصاة الموحدين من النار، والظاهر أن هذه الودادة ~~كائنة منهم في كل وقت مستمرة في كل لحظة بعد انكشاف الأمر لهم. { ~~ذرهم يأكلوا ويتمتعوا } هذا تهديد لهم أي دعهم عما أنت ~~بصدده من الأمر لهم والنهي، فهم لا يرعوون أبدا ولا يخرجون من باطل ولا ~~يدخلون في حق، بل مرهم بما هم فيه من الاشتغال بالأكل والتمتع بزهرة ~~الدنيا، فإنهم كالأنعام التي لا تهتم إلا بذلك، ولا تشتغل بغيره، ms1976 ~~والمعنى اتركهم على ما هم عليه من الاشتغال بالأكل ونحوه من متاع الدنيا ~~ومن إلهاء الأمل لهم عن اتباعك فسوف يعلمون عاقبة أمرهم وسوء صنيعهم. وفي ~~هذا من التهديد والزجر ما لا يقدر قدره، يقال ألهاه كذا أي شغله، ولهى هو ~~عن الشيء يلهى، أي شغلهم الأمل عن اتباع الحق، وما زالوا في الآمال ~~الفارغة والتمنيات الباطلة حتى أسفر الصبح لذي عينين، وانكشف الأمر ورأوا ~~العذاب يوم القيامة، فعند ذلك يذوقون وبال ما صنعوا. # والأفعال الثلاثة مجزومة على أنها جواب الأمر، وهذه الآية منسوخة بآية ~~السيف. { ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتب ~~معلوم } أي وما أهلكنا قرية من القرى بنوع من أنواع العذاب { إلا ~~ولها } أي لتلك القرية { كتاب } أي أجل مقدر لا تتقدم عليه ولا ~~تتأخر عنه { معلوم } غير مجهول ولا منسي، فلا يتصور التخلف عنه ~~بوجه من الوجوه. وجملة { لها كتاب } في محل نصب على الحال من { قرية ~~} وإن كانت نكرة لأنها قد صارت بما فيها من العموم في حكم الموصوفة، ~~والواو للفرق بين كون هذه الجملة حالا، أو صفة فإنها تعينها للحالية ~~كقولك حالي رجل على كتفه سيف. وقيل إن الجملة صفة { لقرية }. والواو ~~لتأكيد اللصوق بين الصفة والموصوف. { ما تسبق من أمة ~~أجلها } أي ما تسبق أمة من الأمم أجلها المضروب لها، المكتوب في ~~اللوح المحفوظ والمعنى أنه لا يأتي هلاكها قبل مجيء أجلها { وما يستأخرون ~~} أي وما يتأخرون عنه، فيكون مجيء هلاكهم بعد مضي الأجل المضروب له، ~~وإيراد الفعل على صيغة جمع المذكر للحمل على المعنى مع التغليب، ولرعاية ~~الفواصل، ولذلك حذف الجار والمجرور، والجملة مبينة لما قبلها، فكأنه قيل ~~إن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العقلاء، فإن لكل أمة وقتا معينا ~~في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر. وقد تقدم تفسير الأجل في أول سورة ~~الأنعام. ثم لما فرغ من تهديد الكفار شرع في بيان بعض عتوهم في الكفر، ~~وتماديهم في الغي مع تضمنه لبيان كفرهم بمن أنزل عليه الكتاب بعد ms1977 بيان ~~كفرهم بالكتاب، فقال { وقالوا يأيهاالذى نزل عليه ~~الذكر } أي قال كفار مكة مخاطبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ومتهكمين به حيث أثبتوا له إنزال الذكر عليه مع إنكارهم لذلك في الواقع ~~أشد إنكار، ونفيهم له أبلغ نفي، أو أرادوا ب { يأيها الذي نزل عليه ~~الذكر } في زعمه، وعلى وفق ما يدعيه { إنك لمجنون } أي إنك بسبب ~~هذه الدعوى التي تدعيها من كونك رسولا لله مأمورا بتبليغ أحكامه ~~لمجنون، فإنه لا يدعي مثل هذه الدعوى العظيمة عندهم من كان عاقلا، ~~فقولهم هذا لمحمد صلى الله عليه وسلم هو كقول فرعون # إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون # الشعراء 27. { لو ما تأتينا بالملئكة } { لو ما } حرف ~~تحضيض مركب من " لو " المفيدة للتمني، ومن " ما " المزيدة، فأفاد المجموع ~~الحث على الفعل الداخلة هي عليه، والمعنى هلا تأتينا بالملائكة ليشهدوا ~~على صدقك { إن كنت من الصدقين }. # قال الفراء الميم في { لو ما } بدل من اللام في " لولا ". وقال الكسائي ~~لولا ولو ما سواء في الخبر والاستفهام. قال النحاس لو ما ولولا وهلا ~~واحد. وقيل المعنى لو ما تأتينا بالملائكة فيعاقبونا على تكذيبنا لك. { ~~ما ننزل الملئكة إلا بالحق } قرىء ما ننزل بالنون مبنيا ~~للفاعل، وهو الله سبحانه فهو على هذا من التنزيل، والمعنى على هذه ~~القراءة قال الله سبحانه مجيبا على الكفار لما طلبوا إتيان الملائكة ~~إليهم ما ننزل نحن { الملئكة إلا بالحق } أي تنزيلا ~~متلبسا بالحق الذي يحق عنده تنزيلنا لهم فيما تقتضيه الحكمة الإلهية ~~والمشيئة الربانية، وليس هذا الذي اقترحتموه مما يحق عنده تنزيل ~~الملائكة، وقرىء " ننزل " مخففا من الإنزال، أي ما ننزل نحن الملائكة ~~إلا بالحق، وقرىء " ما تنزل " بالمثناة من فرق مضارعا مثقلا مبنيا ~~للفاعل من التنزيل بحذف إحدى التاءين، أي تتنزل، وقرىء أيضا بالفوقية ~~مضارعا مبنيا للمفعول. وقيل معنى { إلا بالحق } إلا بالقرآن. وقيل ~~بالرسالة، وقيل بالعذاب { وما كانوا إذا منظرين } في الكلام ~~حذف، والتقدير ولو أنزلنا الملائكة لعوجلوا بالعقوبة، وما كانوا إذا ~~منظرين. فالجملة المذكورة جزاء للجملة ms1978 الشرطية المحذوفة. ثم أنكر على ~~الكفار استهزاءهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم { يأيها ~~الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون } فقال سبحانه { ~~إنا نحن نزلنا الذكر } أي نحن نزلنا ذلك الذكر الذي أنكروه ~~ونسبوك بسببه إلى الجنون { وإنا له لحفظون } عن كل ما لا ~~يليق به من تصحيف وتحريف وزيادة ونقص ونحو ذلك. وفيه وعيد شديد للمكذبين ~~به، المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل الضمير في { له } ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والأول أولى بالمقام. ثم ذكر سبحانه أنه ~~عادة أمثال هؤلاء الكفار مع أنبيائهم كذلك تسلية لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال { ولقد أرسلنا من قبلك } أي رسلا، وحذف ~~لدلالة الإرسال عليه، أي رسلا كائنة من قبلك { فى شيع الأولين ~~} في أممهم وأتباعهم وسائر فرقهم وطوائفهم. قال الفراء الشيع الأمة ~~التابعة بعضهم بعضا فيما يجتمعون عليه، وأصله من شاعه إذا تبعه. وإضافته ~~إلى { الأولين } من إضافة الصفة إلى الموصوف عند بعض النحاة، أو من حذف ~~الموصوف عند آخرين منهم. { وما يأتيهم من رسول إلا ~~كانوا به يستهزءون } أي ما يأتي رسول من الرسل شيعته إلا ~~كانوا به يستهزءون، كما يفعله هؤلاء الكفار مع محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وجملة { إلا كانوا به يستهزءون } في محل نصب على الحال، أو في محل رفع ~~على أنها صفة { رسول } أو في محل جر على أنها صفة له على اللفظ لا على ~~المحل. # { كذلك نسلكه فى قلوب المجرمين } أي مثل ذلك الذي ~~سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين برسلهم { نسلكه } أي الذكر. { فى ~~قلوب المجرمين } ، فالإشارة إلى ما دل عليه الكلام السابق من ~~إلقاء الوحي مقرونا بالاستهزاء. والسلك إدخال الشيء في الشيء، كالخيط في ~~المخيط، قاله الزجاج، قال والمعنى كما فعل بالمجرمين الذين استهزءوا نسلك ~~الضلال في قلوب المجرمين. وجملة { لا يؤمنون به } في محل نصب على ~~الحال من ضمير { نسلكه } أي لا يؤمنون بالذكر الذي أنزلناه، ويجوز أن ~~تكون مستأنفة لبيان ما قبلها فلا محل لها، وقيل إن ms1979 الضمير في { نسلكه } ~~للاستهزاء، وفي { لا يؤمنون } به للذكر، وهو بعيد، والأولى أن الضميرين ~~للذكر { وقد خلت سنة الأولين } أي مضت طريقتهم التي سنها ~~الله في إهلاكهم، حيث فعلوا ما فعلوا من التكذيب والاستهزاء. وقال الزجاج ~~وقد مضت سنة الله في الأولين بأن سلك الكفر والضلال في قلوبهم. ثم حكى ~~الله سبحانه إصرارهم على الكفر وتصميمهم على التكذيب والاستهزاء، فقال { ~~ولو فتحنا عليهم } أي على هؤلاء المعاندين لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم المكذبين له المستهزئين به { بابا من السماء } أي من ~~أبوابها المعهودة، ومكناهم من الصعود إليه { فظلوا فيه } أي في ~~ذلك الباب { يعرجون } يصعدون بآلة، أو بغير آلة حتى يشاهدوا ما في ~~السماء من عجائب الملكوت التي لا يجحدها جاحد، ولا يعاند عند مشاهدتها ~~معاند. وقيل الضمير في { فظلوا } للملائكة، أي فظل الملائكة يعرجون في ~~ذلك الباب، والكفار يشاهدونهم، وينظرون صعودهم من ذلك الباب { لقالوا ~~} أي الكفار لفرط عنادهم وزيادة عتوهم { إنما سكرت ~~أبصرنا } قرأ ابن كثير " سكرت " بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، ~~وهو من سكر الشراب، أو من السكر، وهو سدها عن الإحساس، يقال سكر النهر ~~إذا سده وحبسه عن الجري. ورجح الثاني بقراءة التخفيف، وقال أبو عمرو بن ~~العلاء سكرت غشيت وغطت، ومنه قول الشاعر # وطلعت شمس عليها مغفر وجعلت عين الجزور تسكر # وبه قال أبو عبيد، وأبو عبيدة، وروي عن أبي عمرو أيضا أنه من سكر ~~الشراب، أي غشيهم ما غطى أبصارهم كما غشي السكران ما غطى عقله، وقيل معنى ~~سكرت حبست، كما تقدم، ومنه قول أوس بن حجر # فصرت على ليلة ساهره فليست بطلق ولا ساكره # قال النحاس وهذه الأقوال متقاربة { بل نحن قوم مسحورون } ~~أضربوا عن قولهم { سكرت أبصارنا } ثم ادعوا أنهم مسحورون، أي سحرهم محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وفي هذا بيان لعنادهم العظيم الذي لا يقلعهم عنه شيء ~~من الأشياء كائنا ما كان، فإنهم إذا رأوا آية توجب عليم الإيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله نسبوا إلى أبصارهم أن إدراكها غير حقيقي لعارض ~~السكر، ms1980 أو أن عقولهم قد سحرت، فصار إدراكهم غير صحيح. # ومن بلغ في التعنت إلى هذا الحد فلا تنفع فيه موعظة، ولا يهتدي بآية. ~~وقد أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { تلك ءايت الكتب } قال ~~التوراة والإنجيل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم في { تلك ءايت الكتب } قال الكتب التي كانت قبل القرآن ~~و { قرآن مبين } قال مبين، والله هداه ورشده وخيره. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله { ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ~~} قال ود المشركون يوم بدر حين ضربت أعناقهم فعرضوا على النار أنهم ~~كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في ~~الآية قال هذا في الجهنميين إذا رأوهم يخرجون من النار. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وهناد بن السري في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم ~~وصححه، والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس قال ما يزال الله يشفع ~~ويدخل ويشفع ويرحم حتى يقول من كان مسلما فليدخل الجنة، فذلك قوله { ~~ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين }. ~~وأخرج ابن المبارك في الزهد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، ~~والبيهقي في البعث عن ابن عباس وأنس أنهما تذاكرا هذه الآية { ربما ~~يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين } فقالا هذا حيث ~~يجمع الله من أهل الخطايا من المسلمين والمشركين في النار، فيقول ~~المشركون ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون، فيغضب الله لهم فيخرجهم بفضله ~~ورحمته. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه بسند، قال السيوطي صحيح ~~عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن ناسا من أمتي يعذبون بذنوبهم، فيكونون في النار ما شاء الله أن ~~يكونوا، ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم ~~نفعكم، فلا يبقى موحد إلا أخرجه الله من النار " # ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ربما يود ms1981 الذين ~~كفروا لو كانوا مسلمين }. وأخرج ابن أبي عاصم في السنة، ~~وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه، ~~والبيهقي عن أبي موسى الأشعري مرفوعا نحوه. وأخرج إسحاق بن راهويه، وابن ~~حبان، والطبراني، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري مرفوعا نحوه أيضا. ~~وأخرج هناد بن السري، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم عن أنس مرفوعا ~~نحوه أيضا. وفي الباب أحاديث في تعيين هذا السبب في نزول هذه الآية. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { ذرهم يأكلوا ~~ويتمتعوا } الآية قال هؤلاء الكفرة. # وأخرج أيضا عن أبي مالك في قوله { ذرهم } قال خل عنهم. وأخرج ابن ~~جرير عن الزهري في قوله { ما تسبق من أمة أجلها وما ~~يستأخرون } قال نرى أنه إذا حضره أجله، فإنه لا يؤخر ساعة ولا ~~يقدم، وأما ما لم يحضر أجله، فإن الله يؤخر ما شاء ويقدم ما شاء. قلت ~~وكلام الزهري هذا لا حاصل له ولا مفاد فيه. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في ~~قوله { يأيها الذى نزل عليه الذكر } قال القرآن. وأخرج ~~ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ~~ما ننزل الملئكة إلا بالحق } قال بالرسالة والعذاب. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { وما كانوا إذا ~~منظرين } قال وما كانوا لو نزلت الملائكة بمنظرين من أن يعذبوا. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد { ~~وإنا له لحفظون } قال عندنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فى شيع الأولين } قال أمم ~~الأولين. وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس في قوله { كذلك نسلكه فى ~~قلوب المجرمين } قال الشرك نسلكه في قلوب المشركين. وأخرج عبد ~~بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة مثله. وأخرج ~~عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن الحسن مثله أيضا. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة { وقد خلت ms1982 ~~سنة الأولين } قال وقائع الله فيمن خلا من الأمم. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر عن ابن جريج في قوله { فظلوا فيه يعرجون } ~~قال ابن جريج قال ابن عباس فظلت الملائكة تعرج فنظروا إليهم لقالوا { ~~إنما سكرت أبصرنا } قال قريش تقوله. وأخرج عبد الرزاق، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في الآية عن ابن عباس أيضا يقول ~~ولو فتحنا عليهم بابا من أبواب السماء فظلت الملائكة تعرج فيه يختلفون ~~فيه ذاهبين وجائين لقال أهل الشرك إنما أخذ أبصارنا، وشبه علينا، وإنما ~~سحرنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد { سكرت ~~أبصارنا } قال سدت، وأخرج ابن جرير عن قتادة نحوه قال ومن قرأ " سكرت " ~~مخففة، فإنه يعني سحرت. ### || [15.16-25] # لما ذكر سبحانه كفر الكافرين وعجزهم وعجز أصنامهم، ذكر قدرته الباهرة ~~وخلقه البديع ليستدل بذلك على وحدانيته، فقال { ولقد جعلنا فى ~~السماء بروجا } الجعل إن كان بمعنى الخلق، ففي السماء متعلق به، ~~وإن كان بمعنى التصيير، ففي السماء خبره، والبروج في اللغة القصور ~~والمنازل، والمراد بها هنا منازل الشمس والقمر والنجوم السيارة، وهي ~~الاثنا عشر المشهورة كما تدل على ذلك التجربة، والعرب تعد المعرفة ~~بمواقع النجوم ومنازلها من أجل العلوم. ويستدلون بها على الطرقات ~~والأوقات والخصب والجدب. وقالوا الفلك إثنا عشر برجا، وأسماء هذه البروج ~~الحمل، الثور، الجوزاء، السرطان، الأسد، السنبلة، الميزان، العقرب، ~~القوس، الجدي، الدلو، الحوت. كل ثلاثة منها على طبيعة عنصر من العناصر ~~الأربعة المشتغلين بهذا العلم، ويسمون الحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، ~~والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة ~~هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية. وأصل البروج الظهور، ومنه ~~تبرج المرأة بإظهار زينتها. وقال الحسن وقتادة البروج النجوم، وسميت ~~بذلك، لظهورها وارتفاعها. وقيل السبعة السيارة منها، قاله أبو صالح. وقيل ~~هي قصور وبيوت في السماء فيها حرس. والضمير في { وزيناها } راجع إلى ~~السماء، أي وزينا السماء بالشمس والقمر والنجوم والبروج للناظرين إليها، ~~أو للمتفكرين المعتبرين، المستدلين إذا كان من النظر، وهو الاستدلال. { ~~وحفظنها } أي ms1983 السماء { من كل شيطن رجيم } قال أبو ~~عبيدة الرجيم المرجوم بالنجوم، كما في قوله # رجوما للشيطين # الملك 5 والرجم في اللغة هو الرمي بالحجارة، ثم قيل للعن والطرد ~~والإبعاد رجم. لأن الرامي بالحجارة يوجب هذه المعاني. { إلا من ~~استرق السمع } استثناء متصل، أي إلا ممن استرق السمع، ويجوز أن ~~يكون منقطعا، أي ولكن من استرق السمع { فأتبعه شهاب مبين } ~~والمعنى حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئا من الوحي وغيره إلا من ~~استرق السمع، فإنها تتبعه الشهب فتقتله أو تخبله، ومعنى { فأتبعه } تبعه ~~ولحقه أو أدركه. والشهاب الكوكب أو النار المشتعلة الساطعة كما في قوله # بشهاب قبس # النمل 7 قال ذو الرمة # كأنه كوكب في إثر عفريت # وسمي الكوكب شهابا، لبريقه شبه النار، والمبين الظاهر للمبصرين يرونه ~~لا يلتبس عليهم. قال القرطبي واختلف في الشهاب، هل يقتل أم لا؟ فقال ابن ~~عباس الشهاب يجرح ويحرق ويخبل ولا يقتل، وقال الحسن وطائفة يقتل، فعلى ~~هذا القول في قتلهم بالشهب قبل إلقاء السمع إلى الجن قولان أحدهما أنهم ~~يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم، فلا تصل أخبار السماء ~~إلى غير الأنبياء، ولذلك انقطعت الكهانة. والثاني أنهم يقتلون بعد ~~إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجن. قال ذكره الماوردي، ثم ~~قال والقول الأول أصح. # قال واختلف هل كان رمي بالشهب قبل المبعث؟ فقال الأكثرون نعم، وقيل لا، ~~وإنما ذلك بعد المبعث، قال الزجاج والرمي بالشهب من آيات النبي صلى الله ~~عليه وسلم مما حدث بعد مولده لأن الشعراء في القديم لم يذكروه في ~~أشعارهم. قال كثير من أهل العلم نحن نرى انقضاض الكواكب، فيجوز أن يكون ~~ذلك كما نرى. ثم يصير نارا إذا أدرك الشيطان. ويجوز أن يقال يرمون بشعلة ~~من نار الهواء فيخيل إليناء أنه نجم يسري. { والأرض مددنها } ~~أي بسطناها وفرشناها، كما في قوله # والارض بعد ذلك دحها # النازعات 30، وفي قوله # والأرض فرشنها فنعم المهدون # الذاريات 48 وفيه رد على من زعم أنها كالكرة. { وألقينا فيها ms1984 ~~روسي } أي جبال ثابتة، لئلا تحرك بأهلها، وقد تقدم بيان ذلك في سورة ~~الرعد. { وأنبتنا فيها من كل شىء موزون } أي أنبتنا في ~~الأرض من كل شيء مقدر معلوم، فعبر عن ذلك بالوزن لأنه مقدار تعرف به ~~الأشياء، ومنه قول الشاعر # قد كنت قبل لقائكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانه # وقيل معنى { موزون } مقسوم. وقيل معدود. والمقصود من الإثبات الإنشاء ~~والإيجاد وقيل الضمير راجع إلى الجبال أي أنبتنا في الجبال من كل شيء ~~موزون من الذهب والفضة والنحاس والرصاص ونحو ذلك. وقيل موزون بميزان ~~الحكمة، ومقدر بقدر الحاجة. وقيل الموزون هو المحكوم بحسنه، كما يقال ~~كلام موزون، أي حسن { وجعلنا لكم فيها معيش } تعيشون بها ~~من المطاعم والمشارب جمع معيشة. وقيل هي الملابس. وقيل هي التصرف في ~~أسباب الرزق مدة الحياة. قال الماوردي وهو الظاهر. قلت بل القول الأول ~~أظهر، ومنه قول جرير # تكلفني معيشة آل زيد ومن لي بالمرقق والضباب # { ومن لستم له برزقين } معطوف على معايش، أي وجعلنا لكم ~~فيها من لستم له برازقين، وهم المماليك والخدم والأولاد الذين رازقهم في ~~الحقيقة هو الله، وإن ظن بعض العباد أنه الرازق لهم باعتبار استقلاله ~~بالكسب، ويجوز أن يكون معطوفا على محل { لكم } أي جعلنا لكم فيها معايش، ~~وجعلنا لمن لستم له برازقين فيها معايش، وهم من تقدم ذكره، ويدخل في ذلك ~~الدواب على اختلاف أجناسها، ولا يجوز العطف على الضمير المجرور في { لكم ~~} لأنه لا يجوز عند الأكثر إلا بإعادة الجار. وقيل أراد الوحش. { وإن ~~من شىء إلا عندنا خزائنه } " إن " هي النافية و " من " ~~مزيدة للتأكيد، وهذا التركيب عام لوقوع النكرة في حيز النفي مع زيادة من، ~~ومع لفظ { شيء } المتناول لكل الموجودات الصادقة على كل فرد منها. فأفاد ~~ذلك أن جميع الأشياء عند الله خزائنها لا يخرج منها شيء، والخزائن جمع ~~خزانة وهي المكان الذي يحفظ فيه نفائس الأمور، وذكر الخزائن تمثيل ~~لاقتداره على كل مقدور والمعنى أن كل الممكنات مقدورة ومملوكة يخرجها من ~~العدم إلى ms1985 الوجوب بمقدار كيف شاء. # وقال جمهور المفسرين إن المراد بما في هذه الآية هو المطر، لأنه سبب ~~الأرزاق والمعايش وقيل الخزائن المفاتيح أي ما من شيء إلا عندنا في ~~السماء مفاتيحه، والأولى ما ذكرناه من العموم لكل موجود، بل قد يصدق ~~الشيء على المعدوم على الخلاف المعروف في ذلك { وما ننزله إلا ~~بقدر معلوم } أي ما ننزله من السماء إلى الأرض أو نوجده للعباد ~~إلا بقدر معلوم. والقدر المقدار والمعنى أن الله سبحانه لا يوجد للعباد ~~شيئا من تلك الأشياء المذكورة إلا متلبسا ذلك الإيجاد بمقدار معين ~~حسبما تقتضيه مشيئته على مقدار حاجة العباد إليه كما قال سبحانه # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الأرض ~~ولكن ينزل بقدر ما يشاء # الشورى 27. وقد فسر الإنزال بالإعطاء، وفسر بالإنشاء، وفسر بالإيجاد، ~~والمعنى متقارب، وجملة وما { ننزله } معطوفة على مقدر، أي وإن من شيء ~~إلا عندنا خزائنه ننزله وما ننزله، أو في محل نصب على الحال. { ~~وأرسلنا الرياح لواقح } معطوف على { وجعلنا لكم ~~فيها معيش } وما بينهما اعتراض. قرأ حمزة " الريح " بالتوحيد. ~~وقرأ من عداه { الرياح } بالجمع. وعلى قراءة حمزة فتكون اللام في الريح ~~للجنس. قال الأزهري وجعل الرياح لواقح لأنها تحمل السحاب أي تقله وتصرفه، ~~ثم تمر به فتنزله. قال الله سبحانه # حتى إذا أقلت سحابا ثقالا # الأعراف 57 أي حملت. وناقة لاقح إذا حملت الجنين في بطنها. وبه قال ~~الفراء وابن قتيبة. وقيل { لواقح } بمعنى ملقحة. قال ابن الأنباري تقول ~~العرب أبقل النبت فهو باقل أي مبقل. والمعنى أنها تلقح الشجر أي بقوتها. ~~وقيل معنى { لواقح } ذوات لقح. قال الزجاج معناه وذات لقحة، لأنها تعصر ~~السحاب وتدره كما تدر اللقحة. يقال رامح أي ذو رمح، ولابن أي ذو لبن، ~~وتامر أي ذو تمر. قال أبو عبيدة لواقح بمعنى ملاقح، ذهب إلى أنها جمع ~~ملقحة. وفي هذه الآية تشبيه الرياح التي تحمل الماء بالحامل، ولقاح الشجر ~~بلقاح الحمل. { فأنزلنا من السماء ماء } أي من الحساب وكل ما ~~علاك فأظلك فهو سماء، ms1986 وقيل من جهة السماء، والمراد بالماء هنا ماء المطر ~~{ فأسقيناكموه } أي جعلنا ذلك المطر لسقياكم ولشرب مواشيكم ~~وأرضكم. قال أبو علي يقال سقيته الماء إذا أعطيته قدر ما يروي وأسقيته ~~نهرا أي جعلته شربا له، وعلى هذا { فأسقيناكموه } أبلغ من سقيناكموه. ~~وقيل سقى وأسقى بمعنى واحد { ومآ أنتم له بخزنين } أي ~~ليست خزائنه عندكم، بل خزائنه عندنا، ونحن الخازنون له، فنفى عنهم سبحانه ~~ما أثبته لنفسه في قوله { وإن من شىء إلا عندنا خزائنه } ~~وقيل المعنى إن ما أنتم له بخازنين بعد أن أنزلناه عليكم أي لا تقدرون ~~على حفظه في الآبار والغدران والعيون، بل نحن الحافظون له فيها ليكون ~~ذخيرة لكم عند الحاجة إليه. # { وإنا لنحن نحى ونميت } أي نوجد الحياة في المخلوقات ~~ونسلبها عنها متى شئنا، والغرض من ذلك الاستدلال بهذه الأمور على كمال ~~قدرته - عز وجل - وأنه القادر على البعث والنشور والجزاء لعباده على ~~حسب ما يستحقونه وتقتضيه مشيئته. ولهذا قال { ونحن الورثون } أي ~~للأرض ومن عليها، لأنه سحبانه الباقي بعد فناء خلقه، الحي الذي لا يموت، ~~الدائم الذي لا ينقطع وجوده. # ولله ميراث السموات والأرض # آل عمران 180. { ولقد علمنا المستقدمين منكم } هذه ~~اللام هي الموطئة للقسم، وهكذا اللام في { ولقد علمنا ~~المستأخرين } ، والمراد من تقدم ولادة وموتا، ومن تأخر فيهما. ~~وقيل من تقدم طاعة ومن تأخر فيها. وقيل من تقدم في صف القتال ومن تأخر. ~~وقيل المراد بالمستقدمين الأموات، وبالمستأخرين الأحياء. وقيل المستقدمين ~~هم الأمم المتقدمون على أمة محمد، والمستأخرون هم أمة محمد. وقيل ~~المستقدمون من قتل في الجهاد، والمستأخرون من لم يقتل. { وإن ربك ~~هو يحشرهم } أي هو المتولى لذلك، القادر عليه دون غيره، كما ~~يفيده ضمير الفصل من الحصر. وفيه أنه سبحانه يجازي المحسن بإحسانه، ~~والمسيء بإساءته، لأنه الأمر المقصود من الحشر { إنه حكيم } يجري ~~الأمور على ما تقتضيه حكمته البالغة { عليم } أحاط علمه بجميع ~~الأشياء، لا يخفى عليه شيء منها، ومن كان كذلك فله القدرة البالغة على كل ~~شيء مما وسعه علمه، وجرى ms1987 فيه حكمه سبحانه لا إله إلا هو. وقد أخرج ابن ~~أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله { ولقد جعلنا ~~فى السماء بروجا } قال كواكب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ~~قتادة مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح قال الكواكب العظام. وأخرج ~~أيضا عن عطية قال قصورا في السماء فيها الحرس. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة قال الرحيم الملعون. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إلا من استرق السمع } ~~أراد أن يخطف السمع كقوله # إلا من خطف الخطفة # الصافات 10. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الضحاك قال كان ابن عباس ~~يقول «إن الشهب لا تقتل، ولكن تحرق وتخبل وتجرح من غير أن تقتل». وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر عنه في قوله { وأنبتنا فيها من كل شىء ~~موزون } قال معلوم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا { من كل شىء ~~موزون } قال بقدر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال ~~الأشياء التي توزن. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ~~عكرمة قال ما أنبتت الجبال مثل الكحل وشبهه. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ومن ~~لستم له برزقين } قال الدواب والأنعام. وأخرج هؤلاء عن ~~منصور، قال الوحش. وأخرج البزار، وابن مردويه، وأبو الشيخ في العظمة عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " خزائن الله الكلام، فإذا أراد شيئا، قال له كن فكان " # وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله { إلا عندنا خزائنه } ~~قال المطر خاصة. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس قال «ما نقص المطر منذ أنزله الله، ولكن تمطر أرض ~~أكثر مما تمطر أخرى. ثم قرأ { وما ننزله إلا بقدر ~~معلوم }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن مسعود ~~قال «ما من عام بأمطر من عام، ms1988 ولكن الله يصرفه حيث يشاء، ثم قرأ { وإن ~~من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر ~~معلوم } ». وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعا. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن مسعود في قوله { وأرسلنا ~~الرياح لواقح } قال يرسل الله الريح فتحمل الماء فتلقح به السحاب ~~فتدر كما تدر اللقحة ثم تمطر. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في ~~العظمة عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ عن عبيد بن عمير قال يبعث الله المبشرة فتقم الأرض قما، ثم ~~يبعث المثيرة فتثير السحاب فتجعله كسفا ثم يبعث المؤلفة فتؤلف بينه ~~فيجعله ركاما، ثم يبعث اللواقح فتلقحه فتمطر. وأخرج ابن أبي الدنيا، ~~وابن جرير، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، والديلمي بسند ضعيف عن ~~أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " ريح الجنوب من الجنة، وهي الريح اللواقح التي ذكر الله في كتابه " # وأخرج الطيالسي، وسعيد ابن منصور، وأحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ~~ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة، وابن حبان، ~~والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال «كانت امرأة تصلي خلف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حسناء من أحسن النساء، فكان بعض القوم يتقدم ~~حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف ~~المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه، فأنزل الله { ولقد علمنا ~~المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين } ». ~~وهذا الحديث هو من رواية أبي الجوزاء عن ابن عباس. وقد رواه عبد الرزاق، ~~وابن المنذر من قول أبي الجوزاء قال الترمذي وهذا أشبه أن يكون أصح. وقال ~~ابن كثير في هذا الحديث نكارة شديدة. # وأخرج الحاكم، وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال المستقدمين الصفوف ~~المقدمة، والمستأخرين الصفوف المؤخرة. وقد وردت أحاديث كثيرة في أن خير ~~صفوف الرجال أولها وشرها آخرها. وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ومقاتل بن حبان أن ms1989 الآية في صفوف القتال. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن قال المستقدمين في طاعة الله، ~~والمستأخرين في معصية الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وابن مردويه عن ابن عباس قال يعني بالمستقدمين من مات، وبالمستأخرين من ~~هو حي لم يمت. وأخرج هؤلاء عنه أيضا قال المستقدمين آدم ومن مضى من ~~ذريته، والمستأخرين في أصلاب الرجال. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر عن ~~قتادة نحوه. ### || [15.26-44] # المراد بالإنسان في قوله { ولقد خلقنا الإنسن } هو آدم لأنه ~~أصل هذا النوع، والصلصال، قال أبو عبيدة هو الطين المخلوط بالرمل الذي ~~يتصلصل إذا حرك، فإذا طبخ في النار فهو الفخار. وهذا قول أكثر المفسرين. ~~وقال الكسائي هو الطين المنتن، مأخوذ من قول العرب صل اللحم وأصل إذا ~~أنتن، مطبوخا كان أو نيئا. قال الحطيئة # ذاك فتى يبذل ذا قدرة لا يفسد اللحم لديه الصلول # والحمأ الطين الأسود المتغير، أو الطين الأسود من غير تقييد بالمتغير. ~~قال ابن السكيت تقول منه. حمأت البئر حمأ بالتسكين إذا نزعت حمأتها، ~~وحمئت البئر حمأ بالتحريك كثرت حمأتها، وأحميتها إحماء ألقيت فيها ~~الحمأة. قال أبو عبيدة الحمأة بسكون الميم مثل الحمأة، يعني بالتحريك. ~~والجمع حمء مثل تمرة وتمر، والحمأ المصدر مثل الهلع والجزع، ثم سمي به. ~~والمسنون قال الفراء هو المتغير، وأصله من سننت الحجر على الحجر إذا ~~حككته. وما يخرج بين الحجرين يقال له السنانة والسنين، ومنه قول عبد ~~الرحمن بن حسان # ثم حاصرتها إلى القبة الحمراء تمشي في مرمر وسنون # أي محكوك، ويقال أسن الماء إذا تغير. ومنه قوله # لم يتسنه # البقرة 259. وقوله # ماء غير ءاسن # محمد 15. وكلا الاشتقاقين يدل على التغير لأن ما يخرج بين الحجرين لا ~~يكون إلا منتنا. وقال أبو عبيدة المسنون المصوب، وهو من قول العرب. سننت ~~الماء على الوجه إذا صببته، والسن الصب. وقال سيبويه المسنون المصور، ~~مأخوذ من سنة الوجه، وهي صورته، ومنه قول ذي الرمة # تريك سنة وجه غير مقرفة ملساء ليس بها خال ولا ندب ms1990 # وقال الأخفش المسنون المنصوب القائم، من قولهم وجه مسنون إذا كان فيه ~~طول. والحاصل على هذه الأقوال أن التراب لما بل، صار طينا، فلما أنتن ~~صار حمأ مسنونا، فلما يئس صار صلصالا. فأصل الصلصال هو الحمأ المسنون، ~~ولهذا وصف بهما. { والجآن خلقنه من قبل من نار ~~السموم } الجان أبو الجن عند جمهور المفسرين. وقال عطاء والحسن ~~وقتادة ومقاتل هو إبليس. وسمي جانا، لتواريه عن الأعين. يقال جن الشيء ~~إذا ستره. فالجان يستر نفسه عن أعين بني آدم، ومعنى { من قبل } من قبل ~~خلق آدم. والسموم الريح الحادة النافذة في المسام، تكون بالنهار، وقد ~~تكون بالليل. كذا قال أبو عبيدة، وذكر خلق الإنسان والجان في هذا الموضع ~~للدلالة على كمال القدرة الإلهية، وبيان أن القادر على النشأة الأولى ~~قادر على النشأة الأخرى. { وإذ قال ربك للملئكة } ~~الظرف منصوب بفعل مقدر، أي اذكر. بين سبحانه بعد ذكره لخلق الإنسان ما ~~وقع عند خلقه له، وقد تقدم تفسير ذلك في البقرة. # والبشر مأخوذ من البشرة، وهي ظاهر الجلد، وقد تقدم تفسير الصلصال ~~والحمأ المسنون قريبا مستوفى { فإذا سويته } أي سويت خلقه، ~~وعدلت صورته الإنسانية وكملت أجزاءه { ونفخت فيه من روحى } ~~النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر. فمن قال إن الروح جسم لطيف كالهواء ~~فمعناه ظاهر، ومن قال إنه جوهر مجرد غير متحيز، ولا حال في متحيز. فمعنى ~~النفخ عنده تهيئة البدن لتعلق النفس الناطقة به. قال النيسابوري ولا خلاف ~~في أن الإضافة في روحي للتشريف والتكريم، مثل " ناقة الله " ، و " بيت ~~الله ". قال القرطبي والروح جسم لطيف، أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة ~~في البدن مع ذلك الجسم. وحقيقته إضافة خلق إلى خالق، فالروح خلق من خلقه ~~أضافه إلى نفسه تشريفا وتكريما. قال ومثله # وروح منه # النساء 171. وقد تقدم في النساء { فقعوا له سجدين } الفاء ~~تدل على أن سجودهم واجب عليهم عقب التسوية والنفح من غير تراخ، وهو أمر ~~بالوقوع، من وقع يقع. وفيه دليل على أن المأمور به هو السجود، لا ms1991 مجرد ~~الانحناء كما قيل، وهذا السجود هو سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة، ولله ~~أن يكرم من يشاء من مخلوقاته كيف يشاء بما يشاء وقيل كان السجود لله ~~تعالى وكان آدم قبلة لهم. { فسجد الملئكة كلهم ~~أجمعون } أخبر سبحانه بأن الملائكة سجدوا جميعا عند أمر الله ~~سبحانه لهم بذلك من غير تراخ، قال المبرد قوله { كلهم } أزال احتمال أن ~~بعض الملائكة لم يسجد، وقوله { أجمعون } توكيد بعد توكيد، ورجح هذا ~~الزجاج. قال النيسابوري وذلك لأن أجمع معرفة فلا يقع حالا، ولو صح أن ~~يكون حالا لكان منتصبا، ثم استثنى إبليس من الملائكة فقال { إلا ~~إبليس أبى أن يكون مع السجدين } قيل هذا الاستثناء ~~متصل لكونه كان من جنس الملائكة ولكنه أبى ذلك استكبارا واستعظاما ~~لنفسه وحسدا لآدم، فحقت عليه كلمة الله. وقيل إنه لم يكن من الملائكة، ~~ولكنه كان معهم، فغلب اسم الملائكة عليه وأمر بما أمروا به، فكان ~~الاستثناء بهذا الاعتبار متصلا. وقيل إن الاستثناء منفصل بناء على عدم ~~كونه منهم، وعدم تغليبهم عليه، أي ولكن إبليس أبى أن يكون مع الساجدين ~~وقد تقدم الكلام في هذا في سورة البقرة، وجملة { أبى أن يكون ~~مع السجدين } استئناف مبين لكيفية ما فيهم من الاستثناء من عدم ~~السجود لأن عدم السجود قد يكون مع التردد، فبين سبحانه أنه كان على وجه ~~الإباء. وجملة { قال يا إبليس ملك ألا تكون مع ~~السجدين } مستأنفة أيضا جواب سؤال مقدر، كأنه قيل فماذا قال ~~الله سبحانه لإبليس بعد أن أبى السجود؟ وهذا الخطاب له ليس للتشريف ~~والتكريم، بل للتقريع والتوبيخ، والمعنى أي غرض لك في الامتناع؟ وأي سبب ~~حملك عليه على أن لا تكون مع الساجدين لآدم مع الملائكة وهم في الشرف ~~وعلو المنزلة والقرب من الله بالمنزلة التي قد علمتها. # وجملة { قال لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصل ~~من حمإ مسنون } مستأنفة كالتي قبلها، جعل العلة لترك سجوده كون ~~آدم بشرا مخلوقا من صلصال من حمأ مسنون زعما منه أنه مخلوق من عنصر ms1992 ~~أشرف من عنصر آدم، وفيه إشارة إجمالية في كونه خيرا منه. وقد صرح بذلك ~~في موضع آخر، فقال # أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين # الأعراف 76. وقال في موضع آخر # أأسجد لمن خلقت طينا # الإسراء 61. واللام في { لأسجد } لتأكيد النفي، أي لا يصح ذلك مني، ~~فأجاب الله سبحانه عليه بقوله { قال فاخرج منها فإنك ~~رجيم } والضمير في { منها } ، قيل عائد إلى الجنة، وقيل إلى السماء. ~~وقيل إلى زمرة الملائكة أي فأخرج من زمرة الملائكة { فإنك رجيم } أي ~~مرجوم بالشهب. وقيل معنى رجيم ملعون، أي مطرود لأن من يطرد يرجم ~~بالحجارة. { وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين } أي ~~عليك الطرد والإبعاد من رحمة الله سبحانه مستمرا عليك لازما لك إلى يوم ~~الجزاء، وهو يوم القيامة. وجعل يوم الدين غاية للعنة لا يستلزم انقطاعها ~~في ذلك الوقت، لأن المراد دوامها من غير انقطاع، وذكر يوم الدين، ~~للمبالغة كما في قوله تعالى # ما دامت السموات والأرض # هود 107. أو أن المراد أنه في يوم الدين وما بعده يعذب بما هو أشد من ~~اللعن من أنواع العذاب، فكأنه لا يجد له ما كان يجده قبل أن يمسه العذاب. ~~{ قال رب فأنظرنى } أي أخرني وأمهلني ولا تمتني إلى يوم يبعثون، ~~أي آدم وذريته. طلب أن يبقى حيا إلى هذا اليوم لما سمع ذلك علم أن الله ~~قد أخر عذابه إلى الدار الآخرة وكأنه طلب أن لا يموت أبدا، لأنه إذا أخر ~~موته إلى ذلك اليوم فهو يوم لا موت فيه. وقيل إنه لم يطلب أن لا يموت، بل ~~طلب أن يؤخر عذابه إلى يوم القيامة ولا يعذب في الدنيا { قال فإنك ~~من المنظرين } لما سأل الإنظار، أجابه الله سبحانه إلى ما طلبه، ~~وأخبره بأنه من جملة من أنظره ممن أخر آجالهم من مخلوقاته، أو من جملة من ~~أخر عقوبتهم بما اقترفوا. ثم بين سبحانه الغاية التي أمهله إليها، فقال { ~~إلى يوم الوقت المعلوم } وهو يوم القيامة، فإن { يوم ~~الدين } و { يوم يبعثون } و { يوم ms1993 الوقت المعلوم } كلها عبارات عن يوم ~~القيامة. وقيل المراد بالوقت المعلوم هو الوقت القريب من البعث، فعند ذلك ~~يموت. { قال رب بمآ أغويتنى لأزينن لهم فى ~~الأرض } الباء للقسم، و " ما " مصدرية، وجواب القسم { لأزينن لهم } أي ~~أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم في الأرض، أي ما داموا في الدنيا. # والتزيين منه إما بتحسين المعاصي لهم وإيقاعهم فيها، أو يشغلهم بزينة ~~الدنيا عن فعل ما أمرهم الله به فلا يلتفتون إلى غيرها. وإقسامه ها هنا ~~بإغواء الله له لا ينافي إقسامه في موضع آخر بعزة الله التي هي سلطانه ~~وقهره، لأن الإغراء له هو من جملة ما تصدق عليه العزة { ~~ولأغوينهم أجمعين } أي لأضلنهم عن طريق الهدى وأوقعهم في ~~طريق الغواية، وأحملهم عليه { إلا عبادك منهم المخلصين ~~} قرأ أهل المدينة وأهل الكوفة بفتح اللام، أي الذين استخلصتهم من ~~العباد. وقرأ الباقون بكسر اللام، أي الذين أخلصوا لك العبادة، فلم ~~يقصدوا بها غيرك. { قال هذا صرط على مستقيم } أي حق علي ~~أن أراعيه، وهو ألا يكون لك على عبادي سلطان. قال الكسائي هذا على الوعيد ~~والتهديد، كقولك لمن تهدده طريقك علي ومصيرك إلي. وكقوله # إن ربك لبالمرصاد # الفجر 14. فكأن معنى هذا الكلام هذا طريق مرجعه إلي، فأجازي كلا بعمله، ~~وقيل { على } هنا بمعنى إلى. وقيل المعنى على أن الصراط المستقيم بالبيان ~~والحجة. وقيل بالتوفيق والهداية. وقرأ ابن سيرين، وقتادة، والحسن، وقيس ~~بن عباد، وأبو رجاء، وحميد، ويعقوب " هذا صراط علي " على أنه صفة مشبهة، ~~ومعناه رفيع. { إن عبادى ليس لك عليهم سلطن } ~~المراد بالعباد هنا هم المخلصون، والمراد أنه لا تسلط له عليهم بإيقاعهم ~~في ذنب يهلكون به، ولا يتوبون منه، فلا ينافي هذا ما وقع من آدم وحواء ~~ونحوهما، فإنه ذنب مغفور لوقوع التوبة عنه { إلا من اتبعك من ~~الغاوين } استثنى سبحانه من عباده هؤلاء. وهم المتبعون لإبليس من ~~الغاوين عن طريق الحق الواقعين في الضلال، وهو موافق لما قاله إبليس ~~اللعين من قوله { ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك ~~منهم المخلصين } ، ويمكن ms1994 أن يقال إن بين الكلامين فرقا فكلام ~~الله سبحانه فيه نفي سلطان إبليس على جميع عباده إلا من اتبعه من ~~الغاوين، فيدخل في ذلك المخلصون وغيرهم ممن لم يتبع إبليس من الغاوين ~~وكلام إبليس اللعين يتضمن إغواء الجميع إلا المخلصين، فدخل فيهم من لم ~~يكن مخلصا ولا تابعا لإبليس غاويا. والحاصل أن بين المخلصين والغاوين ~~التابعين لإبليس طائفة لم تكن مخلصة ولا غاوية تابعة لإبليس. وقد قيل إن ~~الغاوين المتبعين لإبليس هم المشركون. ويدل على ذلك قوله تعالى # إنما سلطنه على الذين يتولونه والذين ~~هم به مشركون # النحل 100. ثم قال الله سبحانه متوعدا لأتباع إبليس { وإن ~~جهنم لموعدهم أجمعين } أي موعد المتبعين الغاوين، و { ~~أجمعين } تأكيد للضمير، أو حال { لها سبعة أبواب } يدخل أهل ~~النار منها، وإنما كانت سبعة لكثرة أهلها { لكل باب منهم } أي ~~من الأتباع الغواة { جزء مقسوم } أي قدر معلوم متميز عن غيره. # وقيل المراد بالأبواب الأطباق طبق فوق طبق، وهي جهنم، ثم لظى، ثم ~~الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، فأعلاها للموحدين، ~~والثانية لليهود، والثالثة للنصارى، والرابعة للصابئين، والخامسة للمجوس، ~~والسادسة للمشركين، والسابعة للمنافقين، فجهنم أعلى الطباق، ثم ما بعدها ~~تحتها، ثم كذلك، كذا قيل. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ في ~~العظمة عن ابن عباس قال خلق الإنسان من ثلاث من طين لازب، وصلصال، وحمأ ~~مسنون، فالطين اللازب اللازم الجيد، والصلصال المدقق الذي يصنع منه ~~الفخار، والحمأ المسنون الطين الذي فيه الحمأة. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه قال الصلصال الماء ~~يقع على الأرض الطيبة ثم يحسر عنها، فتشقق ثم تصير مثل الخزف الرقاق. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا قال الصلصال هو ~~التراب اليابس الذي يبل بعد يبسه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال ~~الصلصال طين خلط برمل. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا. قال الصلصال الذي ~~إذا ضربته صلصل. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا. ms1995 قال الصلصال الطين تعصر ~~بيدك، فيخرج الماء من بين أصابعك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عنه أيضا في قوله { من حمإ مسنون } قال من طين رطب. ~~وأخرج هؤلاء عنه أيضا { من حمإ مسنون } قال من طين منتن. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال الجان مسيخ الجن، كالقردة والخنازير ~~مسيخ الإنس. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عن قتادة قال الجان هو إبليس، خلق من قبل آدم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { والجآن خلقنه من قبل من نار ~~السموم } قال من أحسن النار. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عنه قال نار السموم الحارة التي تقتل. وأخرج الطيالسي، والفريابي، ~~وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن ابن ~~مسعود قال السموم. التي خلق منها الجان جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، ~~ثم قرأ { والجآن خلقنه من قبل من نار السموم }. ~~وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعا. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن ~~عباس في قوله { قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون } قال ~~أراد إبليس لا يذوق الموت فقيل إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، ~~قال النفخة الأولى يموت فيها إبليس، وبين النفخة والنفخة أربعون سنة. ~~وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن سيرين { هذا صرط ~~على مستقيم } أي رفيع. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة ~~نحوه. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لها سبعة أبواب } ~~بعدد أطباق جهنم كما قدمنا. وأخرج ابن المبارك، وابن أبي شيبة، وأحمد في ~~الزهد، وهناد، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في صفة النار، وابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث من طرق عن علي قال أطباق جهنم سبعة، ~~بعضها فوق بعض، فيملأ الأول، ثم الثاني، ثم الثالث حتى. تملأ كلها، ~~وأخرج البخاري في تاريخه، والترمذي، وابن مردويه عن ابن عمر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه ms1996 وسلم # " بجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سل السيف على أمتي " # وقد ورد في صفة النار أحاديث وآثار. وأخرج ابن مردويه، والخطيب في ~~تاريخه عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " في قوله تعالى { لكل باب منهم جزء مقسوم } قال «جزء ~~أشركوا بالله، وجزء شكوا في الله، وجزء غفلوا عن الله ". ### || [15.45-66] # قوله { إن المتقين فى جنت وعيون } أي المتقين للشرك ~~بالله كما قاله جمهور الصحابة والتابعين. وقيل هم الذين اتقوا جميع ~~المعاصي { في جنات } وهي البساتين، { وعيون } وهي الأنهار. قرىء بضم ~~العين من { عيون } على الأصل، وبالكسر مراعاة للياء. والتركيب يحتمل أن ~~يكون لجميع المتقين جنات وعيون، أو لكل واحد منهم جنات وعيون، أو لكل ~~واحد منهم جنة وعين { ادخلوها } قرأ الجمهور بلفظ الأمر على تقدير ~~القول أي قيل لهم أدخلوها. وقرأ الحسن وأبو العالية، وروي عن يعقوب بضم ~~الهمزة مقطوعة، وفتح الخاء على أنه فعل مبني للمفعول أي أدخلهم الله ~~إياها. وقد قيل إنهم إذا كانوا في جنات وعيون، فكيف يقال لهم بعد ذلك ~~ادخلوها على قراءة الجمهور؟ فإن الأمر لهم بالدخول يشعر بأنهم لم يكونوا ~~فيها، وأجيب بأن المعنى أنهم لما صاروا في الجنات، فإذا انتلقوا من بعضها ~~إلى بعض يقال لهم عند الوصول إلى التي أرادوا الانتقال إليها ادخلوها، ~~ومعنى { بسلام ءامنين } بسلامة من الآفات، وأمن من المخافات، أو ~~مسلمين على بعضهم بعضا، أو مسلما عليهم من الملائكة، أو من الله عز ~~وجل. { ونزعنا ما فى صدورهم من غل } الغل الحقد ~~والعداوة، وقد مر تفسيره في الأعراف، وانتصاب { إخوانا } على الحال، ~~أي إخوة في الدين والتعاطف { على سرر متقبلين } أي حال ~~كونهم على سرر، وعلى صورة مخصوصة وهي التقابل، ينظر بعضهم إلى وجه بعض، ~~والسرر جمع سرير. وقيل هو المجلس الرفيع المهيأ للسرور، ومنه قولهم سر ~~الوادي لأفضل موضع منه { لا يمسهم فيها نصب } أي تعب وإعياء ~~لعدم وجود ما يتسبب عنه ذلك في الجنة لأنها نعيم خالص، ولذة محضة تحصل ~~لهم بسهولة، ms1997 وتوافيهم مطالبهم بلا كسب ولا جهد، بل بمجرد خطور شهوة الشيء ~~بقلوبهم يحصل ذلك الشيء عندهم صفوا عفوا { وما هم منها ~~بمخرجين } أبدا، وفي هذا الخلود الدائم وعلمهم به تمام اللذة ~~وكمال النعيم. فإن علم من هو في نعمة ولذة بانقطاعها وعدمها بعد حين ~~موجب لتنغص نعيمه وتكدر لذته. ثم قال سبحانه بعد أن قص علينا ما ~~للمتقين عنده من الجزاء العظيم والأجر الجزيل { نبىء عبادى أنى ~~أنا الغفور الرحيم } أي أخبرهم يا محمد أني أنا الكثير المغفرة ~~لذنوبهم، الكثير الرحمة لهم، كما حكمت به على نفسي «إن رحمتي سبقت غضبي»، ~~اللهم اجعلنا من عبادك الذين تفضلت عليهم بالمغفرة، وأدخلتهم تحت واسع ~~الرحمة. ثم إنه سبحانه لما أمر رسوله بأن يخبر عباده بهذه البشارة ~~العظيمة، أمره بأن يذكر لهم شيئا مما يتضمن التخويف والتحذير حتى يجتمع ~~الرجاء والخوف، ويتقابل التبشير والتحذير، ليكونوا راجين خائفين، فقال { ~~وأن عذابى هو العذاب الأليم } أي الكثير الإيلام. # وعند أن جمع الله لعباده بين هذين الأمرين من التبشير والتحذير، صاروا ~~في حالة وسط بين اليأس والرجاء، وخير الأمور أوساطها، وهي القيام على ~~قدمي الرجاء والخوف، وبين حالتي الأنس والهيبة. وجملة { ونبئهم عن ~~ضيف إبراهيم } معطوفة على جملة { نبىء عبادي } أي أخبرهم بما جرى ~~على إبراهيم من الأمر الذي اجتمع فيه له الرجاء والخوف، والتبشير الذي ~~خالطه نوع من الوجل ليعتبروا بذلك ويعلموا أنها سنة الله سبحانه في ~~عباده، وأيضا لما اشتملت القصة على إنجاء المؤمنين وإهلاك الظالمين، كان ~~في ذلك تقريرا لكونه الغفور الرحيم، وأن عذابه هو العذاب الأليم، وقد ~~مر تفسير هذه القصة في سورة هود، وانتصاب { إذ دخلوا عليه } ~~بفعل مضمر معطوف على { نبىء عبادى } أي واذكر لهم دخولهم عليه، أو ~~في محل نصب على الحال. والضيف في الأصل مصدر، ولذلك وحد وإن كانوا جماعة، ~~وسمي ضيفا لإضافته إلى المضيف { فقالوا سلاما } أي سلمنا سلاما { ~~قال إنا منكم وجلون } أي فزعون خائفون، وإنما قال هذا بعد ~~أن قرب إليهم العجل فرآهم لا يأكلون ms1998 منه كما تقدم في سورة هود # فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس ~~منهم خيفة # هود 70 وقيل أنكر السلام منهم، لأنه لم يكن في بلادهم. وقيل أنكر دخولهم ~~عليه بغير استئذان. { قالوا لا توجل } أي قالت الملائكة لا تخف. ~~وقرىء " لا تاجل " و " لا توجل " من أوجله أي أخافه، وجملة { إنا ~~نبشرك بغلم عليم } مستأنفة لتعليل النهي عن الوجل، والعليم ~~كثير العلم. وقيل هو الحليم كما وقع في موضع آخر من القرآن، وهذا الغلام ~~هو إسحاق كما تقدم في هود، ولم يسمه هنا ولا ذكر التبشير بيعقوب اكتفاء ~~بما سلف { قال أبشرتمونى } قرأ الجمهور بألف الاستفهام. وقرأ ~~الأعمش " بشرتموني " بغير الألف { على أن مسنى الكبر } في ~~محل نصب على الحال، أي مع حالة الكبر والهرم { فبم تبشرون } ~~استفهام تعجب، كأنه عجب من حصول الولد له مع ما قد صار إليه من الهرم ~~الذي جرت العادة بأنه لا يولد لمن بلغ إليه، والمعنى فبأي شيء تبشرون؟ ~~فإن البشارة بما لا يكون عادة لا تصح. وقرأ نافع " تبشرون " بكسر النون ~~والتخفيف وإبقاء الكسرة لتدل على الياء المحذوفة. وقرأ ابن كثير، وابن ~~محيصن بكسر النون مشددة على إدغام النون في النون، وأصله تبشرونني. وقرأ ~~الباقون " تبشرون " بفتح النون. { قالوا بشرنك بالحق } أي ~~باليقين الذي لا خلف فيه، فإن ذلك وعد الله وهو لا يخلف الميعاد، ولا ~~يستحيل عليه شيء، فإنه القادر على كل شيء { فلا تكن من ~~القنطين } هكذا قرأ الجمهور بإثبات الألف. # وقرأ الأعمش، ويحيى بن وثاب " من القنطين " بغير ألف. وروي ذلك عن أبي ~~عمرو أي من الآيسين من ذلك الذي بشرناك به { قال ومن يقنط من ~~رحمة ربه إلا الضآلون } قرىء بفتح النون من " يقنط " ~~وبكسرها وهما لغتان. وحكي فيه ضم النون، و { الضالون } المكذبون، أو ~~المخطئون الذاهبون عن طريق الصواب، أي إنما استبعدت الولد لكبر سني، لا ~~لقنوطي من رحمة ربي. ثم سألهم عما لأجله أرسلهم الله سبحانه فقال { فما ~~خطبكم أيها المرسلون } الخطب الأمر الخطير والشأن ms1999 العظيم، ~~أي فما أمركم وشأنكم، وما الذي جئتم به غير ما قد بشرتموني به، وكأنه قد ~~فهم أن مجيئهم ليس لمجرد البشارة، بل لهم شأن آخر لأجله أرسلوا { ~~قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } أي إلى قوم ~~لهم إجرام، فيدخل تحت ذلك الشرك، وما هو دونه، وهؤلاء القوم هم قوم لوط. ~~ثم استثنى منهم من ليسوا مجرمين فقال { إلا ءال لوط } وهو استثناء ~~متصل لأنه من الضمير في { مجرمين } ولو كان من قوم لكان منقطعا لكونهم ~~قد وصفوا بكونهم مجرمين، وليس آل لوط مجرمين. ثم ذكر ما سيختص به آل لوط ~~من الكرامة لعدم دخولهم مع القوم في إجرامهم فقال { إنا ~~لمنجوهم أجمعين } أي آل لوط، وهم أتباعه وأهل دينه، وهذه الجملة ~~مستأنفة على تقدير كون الاستثناء متصلا كأنه قيل ماذا يكون حال آل لوط؟ ~~فقال { إنا لمنجوهم أجمعين } وأنما على تقدير كون الاستثناء منقطعا فهي ~~خبر، أي لكن آل لوط ناجون من عذابنا. وقرأ حمزة والكسائي " لمنجوهم " ~~بالتخفيف من أنجا. وقرأ الباقون بالتشديد من نجي. واختار هذه القراءة ~~الأخيرة أبو عبيدة وأبو حاتم، والتنجية والإنجاء التخليص مما وقع فيه ~~غيرهم. { إلا امرأته } هذا الاستثناء من الضمير في منجوهم ~~إخراجا لها من التنجية، والمعنى قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ~~لنهلكهم إلا آل لوط إنا لمنجوهم إلا إمرأته فإنها من الهالكين. ومعنى { ~~قدرنآ إنها لمن الغبرين } قضينا وحكمنا أنها من ~~الباقين في العذاب مع الكفرة. والغابر الباقي، قال الشاعر # لا تكسع الشول بأغبارها إنك لا تدري من الناتج # والإغبار بقايا اللبن. قال الزجاج معنى قدرنا دبرنا، وهو قريب من معنى ~~قضينا. وأصل التقدير جعل الشيء على مقدار الكفاية. وقرأ عاصم من رواية ~~أبي بكر والمفضل " قدرنا " بالتخفيف. وقرأ الباقون بالتشديد. قال الهروي ~~هما بمعنى، وإنما أسند التقدير إلى الملائكة من كونه مع فعل الله سبحانه، ~~لما لهم من القرب عند الله. { فلما جآء ءال لوط المرسلون } ~~هذه الجملة مستأنفة لبيان وإهلاك من يستحق الهلاك، وتنجية من يستحق ~~النجاة { قال إنكم ms2000 قوم منكرون } أي قال لوط مخطابا لهم ~~إنكم قوم منكرون، أي لا أعرفكم، بل أنكركم { قالوا بل جئنك ~~بما كانوا فيه يمترون } أي بالعذاب الذي كانوا يشكون فيه، ~~فالإضراب هو عن مجيئهم بما ينكره، كأنهم قالوا ما جئناك بما خطر ببالك من ~~المكروه، بل جئناك بما فيه سرورك، وهو عذابهم الذي كنت تحذرهم منه وهم ~~يكذبونك. # { واتينك بالحق } أي باليقين الذي لا مرية فيه ولا تردد، ~~وهو العذاب النازل بهم لا محالة { وإنا لصدقون } في ذلك الخبر ~~الذي أخبرناك. وقد تقدم تفسير قوله { فأسر بأهلك بقطع من الليل } في ~~سورة هود { واتبع أدبرهم } أي كن ورائهم تذودهم لئلا يختلف ~~منهم أحد فيناله العذاب { ولا يلتفت منكم أحد } أي لا تلتفت ~~أنت ولا يلفتت أحد منهم فيرى ما نزل بهم من العذاب، فيشتغل بالنظر في ~~ذلك، ويتباطأ عن سرعة السير والبعد عن ديار الظالمين. وقيل معنى لا يلتفت ~~لا يتخلف { وامضوا حيث تؤمرون } أي إلى الجهة التي أمركم ~~الله سبحانه بالمضي إليها، وهي جهة الشام. وقيل مصر. وقيل قرية من قرى ~~لوط. وقيل أرض الخليل. { وقضينآ إليه } أي أوحينا إلى لوط { ~~ذلك الأمر } وهو إهلاك قومه، ثم فسره بقوله { أن دابر ~~هؤلآء مقطوع } قال الزجاج موضع " أن " نصب، وهو بدل من { ذلك ~~الأمر } ، والدابر هو الآخر، أي أن آخر من يبقى منهم يهلك وقت الصبح. ~~وانتصاب { مصبحين } على الحال، أي حال كونهم داخلين في وقت الصبح، ~~ومثله # فقطع دابر القوم الذين ظلموا # الأنعام 45. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { ءامنين } قال ~~آمنوا الموت، فلا يموتون، ولا يكبرون، ولا يسقمون، ولا يعرون، ولا ~~يجوعون. وأخرج ابن جرير عن علي { ونزعنا ما فى صدورهم من ~~غل } قال العداوة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~مردويه عن الحسن البصري قال قال علي بن أبي طالب فينا والله أهل بدر ~~نزلت { ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا على ~~سرر متقبلين }. وأخرج ابن عساكر، وابن مردويه عنه في الآية، ms2001 ~~قال نزلت في ثلاثة أحياء من العرب، في بني هاشم، وبني تميم، وبني عدي، ~~في وفي أبي بكر وعمر. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن عساكر عن كثير النواء، ~~قال قلت لأبي جعفر إن فلانا حدثني عن علي بن الحسين أن هذه الآية نزلت ~~في أبي بكر وعمر وعلي { ونزعنا ما فى صدورهم من غل } قال ~~والله إنها لفيهم أنزلت وفيمن تنزل إلا فيهم؟ قلت وأي غل هو؟ قال غل ~~الجاهلية، إن بني تميم وبني عدي وبني هاشم كان بينهم في الجاهلية، فلما ~~أسلم هؤلاء القوم تحابوا، فأخذت أبا بكر الخاصرة، فجعل علي يسخن يده، ~~فيكمد بها خاصرة أبي بكر، فنزلت هذه الآية. # وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والحاكم، وابن مردويه عن علي من طرق أنه قال لابن طلحة إني لأرجو ~~أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله فيهم { ونزعنا ما فى ~~صدورهم } الآية، فقال رجل من همدان الله أعدل من ذلك، فصاح علي عليه ~~صيحة تداعى لها القصر، وقال فيمن إذن إن لم نكن نحن أولئك. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وابن أبي شيبة، والطبراني، وابن مردويه عن علي قال إني لأرجو أن ~~أكون أنا وعثمان والزبير وطلحة فيمن قال الله { ونزعنا ما فى ~~صدورهم من غل }. وأخرج ابن مردويه، وابن عساكر من طريق الكلبي عن ~~أبي صالح، عن ابن عباس في هذه الآية، قال نزلت في عشرة أبي بكر وعمر، ~~وعثمان وعلي، وطلحة والزبير، وسعد وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله ~~بن مسعود. وأخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي صالح موقوفا عليه. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وهناد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ~~على سرر متقبلين } قال لا يرى بعضهم قفا بعض. وأخرجه ابن ~~المنذر، وابن مردويه عن مجاهد، عن ابن عباس. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~والطبراني، وأبو القاسم البغوي، وابن مردويه، وابن عساكر عن زيد بن أبي ~~أوفى قال خرج علينا رسول الله ms2002 صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية # " { إخوانا على سرر متقبلين } قال المتحابون في الله ~~في الجنة ينظر بعضهم إلى بعض " # وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { لا يمسهم فيها نصب ~~} قال المشقة والأذى. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه من طريق عطاء بن أبي ~~رباح عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال «اطلع علينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة فقال " ألا ~~أراكم تضحكون "؟ ثم أدبر، حتى إذا كان عند الحجر رجع القهقري، فقال إني ~~لما خرجت جاء جبريل فقال يا محمد، إن الله - عز وجل - يقول لم تقنط ~~عبادي؟ { نبىء عبادى أنى أنا الغفور الرحيم * وأن ~~عذابى هو العذاب الأليم } ». وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن مصعب بن ثابت قال «مر النبي صلى الله عليه وسلم على ناس من ~~أصحابه يضحكون فقال اذكروا الجنة، واذكروا النار»، فنزلت { نبىء ~~عبادى أنى أنا الغفور الرحيم }. وأخرج الطبراني، والبزار، ~~وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير، قال مر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فذكر نحوه. # وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعة وتسعين ~~رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر كل الذي عند الله ~~من رحمته، لم ييأس من الرحمة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من ~~العذاب، لم يأمن من النار " # وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة { قالوا لا توجل } لا تخف. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن السدي { من القنطين } قال الآيسين. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن قتادة { إنها لمن الغبرين } يعني الباقين في ~~عذاب الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ~~{ إنكم قوم منكرون } قال أنكرهم لوط، وفي قوله { بما ~~كانوا فيه يمترون } قال بعذاب قوم لوط. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن المنذر عن قتادة { بما كانوا فيه ms2003 يمترون } قال يشكون. ~~وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله { ~~واتبع أدبرهم } قال أمر أن يكون خلف أهله يتبع أدبارهم في ~~آخرهم إذا مشوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي { وامضوا حيث ~~تؤمرون } قال أخرجهم الله إلى الشام. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم ~~عن ابن زيد { وقضينآ إليه ذلك الأمر } قال أوحيناه إليه. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { أن دابر هؤلآء مقطوع } يعني ~~استئصالهم وهلاكهم. ### || [15.67-77] # ذكر سبحانه ما كان من قوم لوط عند وصول الملائكة إلى قريتهم فقال { ~~وجآء أهل المدينة يستبشرون } أي أهل مدينة قوم لوط، وهي ~~سلام كما سبق، وجملة { يستبشرون } في محل نصب على الحال، أي مستبشرون ~~بأضياف لوط طمعا في ارتكاب الفاحشة منهم فقال لهم لوط { إن هؤلآء ~~ضيفى } وحد الضيف لأنه مصدر كما تقدم، والمراد أضيافي، وسماهم ضيفا ~~لأنه رآهم على هيئة الأضياف، وقومه رأوهم مردا حسان الوجوه، فلذلك طمعوا ~~فيهم { فلا تفضحون } يقال فضحه يفضحه فضيحة وفضحا إذا أظهر من ~~أمره ما يلزمه العار بإظهاره. والمعنى لا تفضحون عندهم بتعرضكم لهم ~~بالفاحشة فيعلمون أني عاجز عن حماية من نزل بي، أو لا تفضحون بفضيحة ~~ضيفي، فإن من فعل ما يفضح الضيف فقد فعل ما يفضخ المضيف { واتقوا ~~الله } في أمرهم { ولا تخزون } يجوز أن تكون من الخزي وهو الذل ~~والهوان، ويجوز أن يكون من الخزاية وهي الحياء والخجل. وقد تقدم تفسير ~~ذلك في هود. { قالوا } أي قوم لوط، مجيبين له { أولم ننهك ~~عن العلمين } الاستفهام للإنكار، والواو للعطف على مقدر، أي ~~ألم نتقدم إليك وننهك عن أن تكلمنا في شأن أحد من الناس إذا قصدناه ~~بالفاحشة؟ وقيل نهوه عن ضيافة الناس، ويجوز حمل ما في الآية على ما هو ~~أعم من هذين الأمرين. { قال هؤلآء بناتى } فتزوجوهن { إن ~~كنتم فعلين } ما عزمتم عليه من فعل الفاحشة بضيفي فهؤلاء بناتي ~~تزوجوهن حلالا ولا تركبوا الحرام. وقيل أراد ببناته نساء قومه، لكون ~~النبي بمنزلة الأب لقومه، وقد تقدم تفسير ms2004 هذا في هود { لعمرك ~~إنهم لفى سكرتهم يعمهون } العمر والعمر بالفتح والضم ~~واحد، لكنهم خصوا القسم بالمفتوح، لإيثار الأخف فإنه كثير الدور على ~~ألسنتهم. ذكر ذلك الزجاج. قال القاضي عياض اتفق أهل التفسير في هذا أنه ~~قسم من الله، جل جلاله، بمدة حياة محمد صلى الله عليه وسلم، وكذا حكى ~~إجماع المفسرين على هذا المعنى أبو بكر بن العربي، فقال قال المفسرون ~~بأجمعهم أقسم الله تعالى ها هنا بحياة محمد صلى الله عليه وسلم تشريفا ~~له. قال أبو الجوزاء ما أقسم الله سبحانه بحياة أحد غير محمد صلى الله ~~عليه وسلم لأنه أكرم البرية عنده. قال ابن العربي ما الذي يمتنع أن يقسم ~~الله سبحانه بحياة لوط ويبلغ به من التشريف ما شاء، وكل ما يعطيه الله ~~تعالى للوط من فضل يؤتى ضعفه من شرف لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه أكرم ~~على الله منه، أو لا تراه سبحانه أعطى إبراهيم الخلة وموسى التكليم، ~~وأعطى ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم؟ فإذا أقسم الله سبحانه بحياة لوط ~~فحياة محمد أرفع. # قال القرطبي ما قاله حسن، فإنه يكون قسمه سبحانه بحياة محمد صلى الله ~~عليه وسلم كلاما معترضا في قصة لوط. فإن قيل قد أقسم الله سبحانه ~~بالتين والزيتون وطور سينين، ونحو ذلك فما فيهما من فضل؟ وأجيب بأنه ما ~~من شيء أقسم الله به إلا وفي ذلك دلالة على فضله على جنسه، وذكر صاحب ~~الكشاف وأتباعه أن هذا القسم هو من الملائكة على إرادة القول أي قالت ~~الملائكة للوط لعمرك، ثم قال وقيل الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأنه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد قط كرامة له. انتهى. وقد كره كثير ~~من العلماء القسم بغير الله سبحانه، وجاءت بذلك الأحاديث الصحيحة في ~~النهي عن القسم بغير الله، فليس لعباده أن يقسموا بغيره. وهو سبحانه يقسم ~~بما شاء من مخلوقاته # لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون # الأنبياء 23. وقيل الإقسام منه سبحانه بالتين والزيتون، وطور سينين، ~~والنجم، والضحى، والشمس، ms2005 والليل، ونحو ذلك هو على حذف مضاف هو المقسم به، ~~أي وخالق التين، وكذلك ما بعده. وفي قوله { لعمرك } أي وخالق عمرك. ~~ومعنى { إنهم لفى سكرتهم يعمهون } لفي غوايتهم ~~يتحيرون، جعل الغواية، لكونها تذهب بعقل صاحبها كما تذهب به الخمر سكرة، ~~والضمير لقريش. على أن القسم بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو القوم لوط على ~~أن القسم للرسول عليه السلام { فأخذتهم الصيحة } العظيمة، أو ~~صيحة جبريل حال كونهم { مشرقين } أي داخلين في وقت الشروق، يقال ~~أشرقت الشمس أي أضاءت. وشرقت إذا طلعت، وقيل هما لغتان بمعنى واحد. وأشرق ~~القوم إذا دخلوا في وقت شروق الشمس. وقيل أراد شروق الفجر. وقيل أول ~~العذاب كان عند شروق الفجر وامتد إلى طلوع الشمس. والصيحة العذاب { ~~فجعلنا عليها سافلها } أي عالي المدينة سافلها { ~~وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل } من طين متحجر. وقد ~~تقدم الكلام مستوفى على هذا في سورة هود. { إن فى ذلك } أي في ~~المذكور من قصتهم، وبيان ما أصابهم { لآيات } لعلامات يستدل بها { ~~للمتوسمين } للمتفكرين الناظرين في الأمر ومنه قول زهير # وفيهن ملهى للصديق ومنظر أنيق لعين الناظر المتوسم # وقال الآخر # أو كلما وردت عكاظ قبيلة بعثوا إلي عريفهم يتوسم # وقال أبو عبيدة للمتبصرين. وقال ثعلب الواسم الناظر إليك من قرنك إلى ~~قدمك. والمعنى متقارب، وأصل التوسم التثبت والتفكر، مأخوذ من الوسم، وهو ~~التأثير بحديدة في جلد البعير { وإنها لبسبيل مقيم } يعني ~~قرى قوم لوط أو معدينتهم على طريق ثابت، وهي الطريق من المدينة إلى ~~الشام، فإن السالك في هذه الطريق يمر بتلك القرى { إن فى ذلك } ~~المذكور من المدينة أو القرى { لآية للمؤمنين } يعتبرون بها، ~~فإن المؤمنين من العباد هم الذين يعتبرون بما يشاهدونه من الآثار. # وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وجآء أهل ~~المدينة يستبشرون } قال استبشروا بأضياف نبي الله لوط حين ~~نزلوا به لما أرادوا أن يأتوا إليهم من المنكر. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله ms2006 { أولم ننهك عن ~~العلمين } قال يقولون أولم ننهك أن تضيف أحدا، أو تؤويه؟ { قال ~~هؤلآء بناتى إن كنتم فعلين } أمرهم لوط بتزويج النساء، ~~وأراد أن يبقي أضيافه ببناته. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو يعلى، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم عن ابن عباس قال ما ~~خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره قال { لعمرك إنهم لفى ~~سكرتهم يعمهون } يقول وحياتك يا محمد، وعمرك وبقائك في ~~الدنيا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله { لعمرك } قال ~~لعيشك. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال ما حلف الله بحياة أحد إلا ~~بحياة محمد قال { لعمرك } الآية. وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي ~~قال كانوا يكرهون أن يقول الرجل لعمري يرونه كقوله وحياتي. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة { إنهم لفى سكرتهم ~~يعمهون } أي في ضلالهم يلعبون. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ~~الأعمش في الآية لفي غفلتهم يترددون. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج { ~~فأخذتهم الصيحة } مثل الصاعقة، وكل شيء أهلك به قوم فهو صاعقة وصيحة. ~~وأخرج ابن جرير عنه { مشرقين } قال حين أشرقت الشمس. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم عن ابن عباس في قوله { إن ~~فى ذلك لآية } قال علامة، أما ترى الرجل يرسل خاتمه إلى أهله، ~~فيقول هاتوا كذا وكذا، فإذا رأوه، عرفوا أنه حق. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عنه { للمتوسمين } قال للناظرين. وأخرج ~~عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في ~~العظمة عن قتادة قال للمعتبرين. وأخرج ابن جريج، وابن المنذر عن مجاهد ~~قال للمتفرسين، وأخرج البخاري، في التاريخ، والترمذي، وابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، وابن السني، وأبو نعيم، وابن مردويه، والخطيب عن أبي سعيد ~~الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله، ثم ms2007 قرأ { إن فى ذلك ~~لآيت للمتوسمين } " # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { وإنها لبسبيل مقيم } ~~يقول لبهلاك. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عن مجاهد قال لبطريق مقيم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة قال ~~لبطريق واضح. ### || [15.78-86] # قوله { وإن كان أصحب الأيكة } " إن " هي المخففة من ~~الثقيلة، واسمها ضمير الشأن المحذوف، أي وإن الشأن كان أصحاب الأيكة. ~~والأيكة الغيضة، وهي جماع الشجر. والجمع الأيك. ويروى أن شجرهم كان ~~دوما، وهو المقل، فالمعنى وإن كان أصحاب الشجر المجتمع. وقيل الأيكة اسم ~~القرية التي كانوا فيها. قال أبو عبيدة الأيكة، وليكة مدينتهم كمكة وبكة، ~~وأصحاب الأيكة هم قوم شعيب، وقد تقدم خبرهم، واقتصر الله سبحانه هنا على ~~وصفهم بالظلم، وقد فصل ذلك الظلم فيما سبق، والضمير في { وإنهما ~~لبإمام مبين } يرجع إلى مدينة قوم لوط، ومكان أصحاب الأيكة، أي ~~وإن المكانين لبطريق واضح. والإمام اسم لما يؤتم به، ومن جملة ذلك ~~الطريق التي تسلك. قال الفراء والزجاج سمي الطريق إماما، لأنه يؤتم ~~ويتبع. وقال ابن قتيبة لأن المسافر يأتم به حتى يصل إلى الموضع الذي ~~يريده. وقيل الضمير للأيكة ومدين، لأن شعيبا كان ينسب إليهما. ثم إن ~~الله سبحانه ختم القصص بقصة ثمود فقال { ولقد كذب أصحب ~~الحجر المرسلين } الحجر اسم لديار ثمود، قاله الأزهري. وهي ما ~~بين مكة وتبوك. وقال ابن جرير هي أرض بين الحجاز والشام. وقال { المرسلين ~~} ، ولم يرسل إليهم إلا صالح لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب ~~الباقين لكونهم متفقين في الدعوة إلى الله. وقيل كذبوا صالحا ومن تقدمه ~~من الأنبياء. وقيل كذبوا صالحا، ومن معه من المؤمنين { وءاتينهم ~~ءايتنا } أي الآيات المنزلة على نبيهم، ومن جملتها الناقة. فإن فيها ~~آيات جمة، كخروجها من الصخرة، ودنو نتاجها عند خروجها وعظمها وكثرة ~~لبنها { فكانوا عنها معرضين } أي غير معتبرين، ولهذا عقروا ~~الناقة وخالفوا ما أمرهم به نبيهم. { وكانوا ينحتون من ~~الجبال بيوتا } النحت في كلام العرب البري والنجر، ms2008 نحته ينحته ~~بالكسر نحتا أي براه، وفي التنزيل # أتعبدون ما تنحتون # الصافات 95 أي تنجرون. وكانوا يتخذون لأنفسهم من الجبال بيوتا، أي ~~يخرقونها في الجبال. وانتصاب { ءامنين } على الحال. قال الفراء آمنين ~~من أن ينقع عليهم، وقيل آمنين من الموت. وقيل من العذاب ركونا منهم على ~~قوتها ووثاقتها. { فأخذتهم الصيحة مصبحين } أي داخلين ~~في وقت الصبح. وقد تقدم ذكر الصيحة في الأعراف، وفي هود، وتقدم أيضا ~~قريبا. { فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } أي لم ~~يدفع عنهم شيئا من عذاب الله ما كانوا يكسبون من الأموال والحصون في ~~الجبال. { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما ~~إلا بالحق } أي متلبسة بالحق، وهو ما فيهما من الفوائد والمصالح، ~~وقيل المراد بالحق مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته كما في قوله ~~سبحانه # ولله ما فى * السموات وما في الارض * ليجزى ~~الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا ~~بالحسنى # النجم 31. وقيل المراد بالحق الزوال لأنها مخلوقة وكل مخلوق زائل { ~~وإن الساعة لآتية } وعند إتيانها ينتقم الله ممن يستحق ~~العذاب، ويحسن إلى من يستحق الإحسان، وفيه وعيد للعصاة وتهديد، ثم أمر ~~الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يصفح عن قومه، فقال { ~~فاصفح الصفح الجميل } أي تجاوز عنهم واعف عفوا حسنا. وقيل ~~فأعرض عنهم إعراضا جميلا ولا تعجل عليهم، وعاملهم معاملة الصفوح ~~الحليم. قيل وهذا منسوخ بآية السيف { إن ربك هو الخلق ~~العليم } أي الخالق للخلق جميعا، العليم بأحوالهم وبالصالح والطالح ~~منهم. وقد أخرج ابن مردويه، وابن عساكر عن ابن عمرو قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " إن مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيبا " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس قال أصحاب الأيكة هم قوم شعيب، ~~والأيكة. ذات آجام وشجر كانوا فيها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس قال الأيكة الغيضة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال ~~أصحاب الأيكة أهل مدين، والأيكة الملتفة من الشجر. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عنه أيضا قال الأيكة مجمع ms2009 الشيء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عنه أيضا قال في قوله { وإنهما لبإمام مبين } طريق ~~ظاهر. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة ~~في أصحاب الحجر قال أصحاب الوادي. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال كان أصحاب ~~الحجر ثمود وقوم صالح. وأخرج البخاري، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وابن مردويه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأصحاب الحجر # " لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين ~~فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم " # وأخرج ابن مردويه عنه قال «نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة ~~تبوك بالحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من مياه الآبار التي كانت تشرب ~~منها ثمود، وعجنوا منها، ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم بإهراق القدور، ~~وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم على البئر التي كانت تشرب منها ~~الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا، فقال " إني أخشى أن ~~يصيبكم مثل الذي أصابهم، فلا تدخلوا عليهم ". وأخرج ابن مردويه، عن سبرة ~~بن معبد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بالحجر لأصحابه # " من عمل من هذا الماء شيئا فليلقه " # قال ومنهم من عجن العجين، ومنهم من حاس الحيس. وأخرج ابن مردويه، وابن ~~النجار عن علي في قوله { فاصفح الصفح الجميل } قال الرضا ~~بغير عتاب. وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر عن مجاهد قال هذه الآية قبل القتال. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~عكرمة مثله. ### || [15.87-99] # اختلف أهل العلم في السبع المثاني ماذا هي؟ فقال جمهور المفسرين إنها ~~الفاتحة. قال الواحدي وأكثر المفسرين على أنها فاتحة الكتاب، وهو قول ~~عمر، وعلي، وابن مسعود، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والربيع، والكلبي. وزاد ~~القرطبي أبا هريرة وأبا العالية، وزاد النيسابوري الضحاك وسعيد بن جبير. ~~وقد روي ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي بيانه، فتعين ~~المصير إليه. وقيل ms2010 هي السبع الطوال البقرة، وآل عمران، والنساء، ~~والمائدة، والأنعام، والأعراف، والسابعة الأنفال والتوبة لأنها كسورة ~~واحدة إذ ليس بينهما تسمية. روي هذا القول عن ابن عباس. وقيل المراد ~~بالمثاني السبعة الأحزاب، فإنها سبع صحائف. والمثاني جمع مثناة من ~~التثنية، أو جمع مثنية. وقال الزجاج تثنى بما يقرأ بعدها معها، فعلى ~~القول الأول يكون وجه تسمية الفاتحة مثاني أنها تثنى، أي تكرر في كل ~~صلاة، وعلى القول بأنها السبع الطوال فوجه التسمية أن العبر والأحكام ~~والحدود كررت فيها، وعلى القول بأنها السبعة الأحزاب يكون وجه التسمية هو ~~تكرير ما في القرآن من القصص ونحوها، وقد ذهب إلى أن المراد بالسبع ~~المثاني القرآن كله الضحاك، وطاوس، وأبو مالك، وهو رواية عن ابن عباس ~~واستدلوا بقوله تعالى # كتبا متشبها مثاني # الزمر 23. وقيل المراد بالسبع المثاني أقسام القرآن، وهي الأمر، والنهي، ~~والتبشير، والإنذار، وضرب الأمثال، وتعريف النعم، وأنباء قرون ماضية. قال ~~زياد بن أبي مريم، ولا يخفى عليك أن تسمية الفاتحة مثاني لا تستلزم نفي ~~تسمية غيرها بهذا الاسم، وقد تقرر أنها المرادة بهذه الآية، فلا يقدح في ~~ذلك صدق وصف المثاني على غيرها. { والقرآن العظيم } معطوف على { سبعا من ~~المثاني } ، ويكون من عطف العام على الخاص، لأن الفاتحة بعض من القرآن. ~~وكذلك إن أريد بالسبع المثاني السبع الطوال لأنها بعض من القرآن. وأما ~~إذا أريد بها السبعة الأحزاب أو جميع القرآن أو أقسامه، فيكون من باب عطف ~~أحد الوصفين على الآخر، كما قيل في قول الشاعر # إلى الملك القرم وابن الهمام # ومما يقوي كون السبع المثاني هي الفاتحة أن هذه السورة مكية، وأكثر ~~السبع الطوال مدنية، وكذلك أكثر القرآن وأكثر أقسامه، وظاهر قوله { ~~ولقد ءاتينك سبعا من المثاني } أنه قد تقدم إيتاء ~~السبع على نزول هذه الآية، و «من» في المثاني للتبعيض أو البيان على ~~اختلاف الأقوال. ذكر معنى ذلك الزجاج فقال هي للتبعيض إذا أردت بالسبع ~~الفاتحة أو الطوال، وللبيان إذا أردت الإشباع. ثم لما بين لرسوله الله ~~صلى الله عليه وسلم ms2011 ما أنعم به عليه من هذه النعمة الدينية نفره عن ~~اللذات العاجلة الزائلة فقال { لا تمدن عينيك إلى ما ~~متعنا به أزواجا منهم } أي لا تطمح ببصرك إلى زخارف ~~الدنيا طموح رغبة فيها وتمن لها، والأزواج الأصناف، قاله ابن قتيبة. # وقال الجوهري الأزواج القرناء. قال الواحدي إنما يكون مادا عينيه إلى ~~الشيء إذا أدام النظر نحوه. وإدامة النظر إليه تدل على استحسانه وتمنيه. ~~وقال بعضهم معنى الآية لا تحسدن أحدا على ما أوتي من الدنيا، ورد بأن ~~الحسد منهي عنه مطلقا، وإنما قال في هذه السورة لا تمدن بغير واو، لأنه ~~لم يسبقه طلب بخلاف ما في سورة طه، ثم لما نهاه عن الالتفات إلى أموالهم ~~وأمتعتهم نهاه عن الالتفات إليهم فقال { ولا تحزن عليهم } حيث ~~لم يؤمنوا، وصمموا على الكفر والعناد. وقيل المعنى لا تحزن على ما متعوا ~~به في الدنيا، فلك الآخرة. والأول أولى. ثم لما نهاه عن أن يمد عينيه إلى ~~أموال الكفار ولا يحزن عليهم، وكان ذلك يستلزم التهاون بهم وبما معهم، ~~أمره أن يتواضع للمؤمنين، فقال { واخفض جناحك للمؤمنين } ~~وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب، ومنه قوله سبحانه # واخفض لهما جناح الذل # الإسراء 24، وقول الكميت # خفضت لهم مني جناحي مودة إلى كنف عطفاه أهل ومرحب # وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إلى نفسه، بسط جناحه، ثم قبضه على الفرخ، ~~فجعل ذلك وصفا لتواضع الإنسان لأتباعه. ويقال فلان خافض الجناح، أي وقور ~~ساكن، والجناحان من ابن آدم جانباه، ومنه # واضمم يدك إلى جناحك # طه 22 ومنه قول الشاعر # وحسبك فتنة لزعيم قوم يمد على أخي سقم جناحا # { وقل إنى أنا النذير المبين } أي المنذر المظهر لقومه ~~ما يصيبهم من عذاب الله { كمآ أنزلنا على المقتسمين } ~~قيل المفعول محذوف، أي مفعول { أنزلنا } والتقدير كما أنزلنا على ~~المقتسمين عذابا، فيكون المعنى إني أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل ~~عذاب المقتسمين الذي أنزلناه عليهم، كقوله تعالى # أنذرتكم صعقة مثل صعقة عاد وثمود # فصلت 13. وقيل إن الكاف زائدة، ms2012 والتقدير إني أنا النذير المبين أنذرتكم ~~ما أنزلنا على المقتسمين من العذاب. وقيل هو متعلق بقوله { ولقد ~~ءاتينك } أي أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب وهم ~~المقتسمون، والأولى أن يتعلق بقوله { إنى أنا النذير المبين ~~} لأنه في قوة الأمر بالإنذار. وقد اختلف في المقتسمين من هم؟ فقال ~~الفراء هم ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم، فاقتسموا ~~أنقاب مكة وفجاجها يقولون لمن دخلها لا تغتروا بهذا الخارج فينا فإنه ~~مجنون، وربما قالوا ساحر، وربما قالوا شاعر، وربما قالوا كاهن، فقيل لهم ~~مقتسمين لأنهم اقتسموا هذه الطرق. وقيل إنهم قوم من قريش اقتسموا كتاب ~~الله، فجعلوا بعضه شعرا، وبعضه سحرا، وبعضه كهانة، وبعضه أساطير ~~الأولين. قاله قتادة. وقيل هم أهل الكتاب، وسموا مقتسمين لأنهم كانوا ~~يقتسمون القرآن استهزاء، فيقول بعضهم هذه السورة لي وهذه لك، روي هذا عن ~~ابن عباس. # وقيل إنهم قسموا كتابهم وفرقوه وبددوه وحرفوه. وقيل المراد قوم صالح ~~تقاسموا على قتله فسموا مقتسمين، كما قال تعالى # تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله # النمل 49. وقيل تقاسموا أيمانا تحالفوا عليها، قاله الأخفش. وقيل إنهم ~~العاص بن وائل، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام والنضر بن ~~الحارث وأمية بن خلف، ومنبه بن الحجاج. ذكره الماوردي. { الذين ~~جعلوا القرءان عضين } جمع عضة، وأصلها عضوة، فعلة من عضى ~~الشاة إذا جعلها أجزاء، فيكون المعنى على هذا الذين جعلوا القرآن أجزاء ~~متفرقة، بعضه شعر، وبعضه سحر، وبعضه كهانة، ونحو ذلك. وقيل هو مأخوذ من ~~عضته إذا بهته، فالمحذوف منه الهاء لا الواو، وجمعت العضة على المعنيين ~~جمع العقلاء لما لحقها من الحذف، فجعلوا ذلك عوضا عما لحقها من الحذف ~~وقيل معنى { عضين } إيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض، ومما يؤيد، أن معنى ~~عضين التفريق، قول رؤبة # وليس دين الله بالعضين # أي بالمفرق. وقيل العضة والعضين في لغة قريش السحر، وهم يقولون للساحر ~~عاضه، وللساحرة عاضهة، ومنه قول الشاعر # أعوذ بربي من النافثات في عقد العاضهة والعضه # وفي الحديث أن رسول الله ms2013 صلى الله عليه وسلم لعن العاضهة والمستعضهة، ~~وفسر بالساحرة والمستسحرة، والمعنى أنهم أكثروا البهت على القرآن، وسموه ~~سحرا وكذبا وأساطير الأولين، ونظير عضة في النقصان شفة، والأصل شفهة، ~~وكذلك سنة، والأصل سنهة. قال الكسائي العضة الكذب والبهتان، وجمعها ~~عضون. وقال الفراء إنه مأخوذ من العضاه. وهي شجر يؤذي ويجرح كالشوك. ~~ويجوز أن يراد بالقرآن التوراة والإنجيل لكونهما مما يقرأ، ويراد ~~بالمقتسمين هم اليهود والنصارى، أي جعلوهما أجزاء متفرقة، وهو أحد ~~الأقوال المتقدمة. { فوربك لنسئلنهم أجمعين } أي ~~لنسألن هؤلاء الكفرة أجمعين يوم القيامة عما كانوا يعملون في الدنيا من ~~الأعمال التي يحاسبون عليها ويسألون عنها وقيل إن المراد سؤالهم عن كلمة ~~التوحيد، والعموم في { عما كانوا يعملون } ، يفيد ما هو أوسع من ذلك. ~~وقيل إن المسؤولين ها هنا هم جميع المؤمنين والعصاة والكفار. ويدل عليه ~~قوله # ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم # التكاثر 8، وقوله # وقفوهم إنهم مسئولون # الصافات 24، وقوله # إن إلينا إيابهم * ثم إن علينا حسابهم # الغاشية 25 - 26. ويمكن أن يقال إن قصر هذا السؤال على المذكورين في ~~السياق وصرف العموم إليهم لا ينافي سؤال غيرهم. { فاصدع بما ~~تؤمر } قال الزجاج يقول أظهر ما تؤمر به. أخذ من الصديع وهو الصبح ~~انتهى. وأصل الصدع الفرق والشق، يقال صدعته فانصدع، أي انشق، وتصدع ~~القوم، أي تفرقوا، ومنه # يومئذ يصدعون # الروم 43 أي يتفرقون. قال الفراء أراد فاصدع بالأمر أي أظهر دينك فما مع ~~الفعل على هذا بمنزلة المصدر، وقال ابن الأعرابي معنى اصدع بما تؤمر أي ~~اقصد وقيل فاصدع بما تؤمر أي فرق جمعهم وكلمتهم بأن تدعوهم إلى التوحيد ~~فإنهم يتفرقون، والأولى أن الصدع الإظهار، كما قاله الزجاج والفراء ~~وغيرهم. # قال النحويون المعنى بما تؤمر به من الشرائع، وجوزوا أن تكون مصدرية أي ~~بأمرك وشأنك. قال الواحدي قال الفسرون أي اجهر بالأمر أي بأمرك بعد إظهار ~~الدعوة، وما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيا حتى نزلت هذه الآية، ~~ثم أمره سبحانه بعد أمره بالصدع بالإعراض وعدم الالتفات إلى المشركين، ~~فقال { وأعرض عن ms2014 المشركين } أي لا تبال بهم ولا تلتفت إليهم ~~إذا لاموك على إظهار الدعوة. ثم أكد هذا الأمر، وثبت قلب رسوله بقوله { ~~إنا كفينك المستهزءين } مع كونهم كانوا من أكابر ~~الكفار، وأهل الشوكة فيهم فإذا كفاه الله أمرهم بقمعهم وتدميرهم كفاه أمر ~~من هو دونهم بالأولى، وهؤلاء المستهزئون كانوا خمسة من رؤساء أهل مكة ~~الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب بن الحارث بن ~~زمعة، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن الطلاطلة، كذا قال القرطبي ~~ووافقه غيره من المفسرين. وقد أهلكهم الله جميعا وكفاهم أمرهم في يوم ~~واحد، ثم وصف هؤلاء المستهزئين بالشرك فقال { الذين يجعلون مع ~~الله إلها ءاخر } فلم يكن ذنبهم مجرد الاستهزاء، بل لهم ذنب ~~آخر وهو الشرك بالله سبحانه، ثم توعدهم فقال { فسوف يعلمون } ~~كيف عاقبتهم في الآخرة وما يصيبهم من عقوبة الله سبحانه. ثم ذكر تسلية ~~أخرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد التسلية الأولى بكفايته شرهم ~~ودفعه لمكرهم، فقال { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما ~~يقولون } من الأقوال الكفرية المتضمنة للطعن على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالسحر والجنون والكهانة والكذب. وقد كان يحصل ذلك مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بمقتضى الجبلة البشرية والمزاج الإنساني، ثم ~~أمره سبحانه بأن يفزع لكشف ما نابه من ضيق الصدر إلى تسبيح الله سبحانه ~~وحمده فقال { فسبح بحمد ربك } أي متلبسا بحمده، أي افعل ~~التسبيح المتلبس بالحمد { وكن من السجدين } أي المصلين، فإنك ~~إذا فعلت ذلك، كشف الله همك، وأذهب غمك، وشرح صدرك. ثم أمره بعبادة ربه، ~~أي بالدوام عليها إلى غاية هي قوله { حتى يأتيك اليقين } أي ~~الموت. قال الواحدي قال جماعة المفسرين يعني الموت لأنه موقن به. قال ~~الزجاج المعنى اعبد ربك أبدا، لأنه لو قيل اعبد ربك بغير توقيت، لجاز ~~إذا عبد الإنسان مرة أن يكون مطيعا. فإذا قال حتى يأتيك اليقين، فقد ~~أمره بالإقامة على العبادة أبدا ما دام حيا. وقد أخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر عن عمر في ms2015 قوله { ولقد ءاتينك سبعا من المثاني ~~} قال السبع المثاني فاتحة الكتاب. # وأخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والدارقطني وابن مردويه، والبيهقي من طرق عن علي بمثله. وأخرجه ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن مسعود مثله، وزاد والقرآن العظيم ~~} سائر القرآن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، ~~وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس في الآية قال فاتحة الكتاب استثناها ~~الله لأمة محمد، فرفعها في أم الكتاب فادخرها لهم حتى أخرجها ولم يعطها ~~أحد قبل. قيل فأين الآية السابعة؟ قال بسم الله الرحمن ~~الرحيم. وروي عنه نحو هذا من طرق. وأخرج ابن الضريس، وأبو الشيخ، ~~وابن مروديه عن أبي هريرة قال السبع المثاني فاتحة الكتاب. وأخرج ابن ~~جرير عن أبي بن كعب قال السبع المثاني { الحمد لله رب ~~العلمين }. وروي نحو قول هؤلاء الصحابة عن جماعة من التابعين. وقد ~~ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى أنه قال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " ألا أعلمك أفضل سورة قبل أن أخرج من المسجد؟ فذهب النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليخرج، فذكرت، فقال { الحمد لله رب العلمين } هي ~~السبع المثاني والقرآن العظيم " # وأخرج البخاري أيضا من حديث أبي هريرة، قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم " # ، فوجب بهذا المصير إلى القول بأنها فاتحة الكتاب، ولكن تسميتها بذلك لا ~~ينافي تسمية غيرها به كما قدمنا. وأخرج ابن مردويه عن عمر، قال في الآية ~~هي السبع الطوال. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود مثله. وأخرج الفريابي، ~~وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس قال في الآية هي السبع ~~الطوال. وأخرج الدارمي، وابن مردويه عن أبي بن كعب مثله. وروي نحو ذلك ~~عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس، قال هي فاتحة الكتاب والسبع الطوال. وأخرج ms2016 ابن جرير عنه في الآية ~~قال ماثنى من القرآن، ألم تسمع لقول الله # الله نزل أحسن الحديث كتبا متشبها ~~مثاني # الزمر 23. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال المثاني القرآن، يذكر الله ~~القصة الواحدة مرارا. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والبيهقي عن زياد بن أبي مريم في الآية قال أعطيتك سبعة ~~أجزاء مر، وأنه، وبشر وأنذر، واضرب الأمثال، واعدد النعم، واتل نبأ ~~القرآن. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { لا ~~تمدن عينيك } قال نهى الرجل أن يتمنى مال صاحبه، وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { أزوجا منهم } قال الأغنياء ~~الأمثال والأشباه. # وأخرج ابن المنذر عن سفيان بن عيينة قال من أعطي القرآن فمد عينه إلى ~~شيء مما صغر القرآن فقد خالف القرآن، ألم يسمع إلى قوله { ولقد ~~ءاتينك سبعا من المثاني } ، وإلى قوله # ورزق ربك خير وأبقى # طه 131 وقد فسر ابن عيينة أيضا الحديث الصحيح # " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " # فقال إن المعنى يستغنى به. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ~~{ واخفض جناحك } قال اخضع. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، ~~والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه ~~من طرق عن ابن عباس في قوله { كمآ أنزلنا على المقتسمين ~~} الآية قال هم أهل الكتاب، جزءوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. ~~وأخرج ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه قال عضين فرقا. وأخرج ابن ~~إسحاق، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم، والبيهقي عن ابن عباس أنها نزلت في نفر ~~من قريش، كانوا يصدون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ~~الوليد بن المغيرة. وأخرج الترمذي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن أنس عن النبي في قوله { فوربك لنسئلنهم ~~أجمعين * عما كانوا يعملون } قال " عن قول لا إله إلا ~~الله ". وأخرجه ابن أبي شيبة، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر من وجه ~~آخر عن ms2017 أنس موقوفا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عمر مثله. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس { فاصدع بما تؤمر } فامضه، وفي علي بن أبي طلحة مقال ~~معروف. وأخرج ابن جرير عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال ما زال ~~النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيا حتى نزل { فاصدع بما تؤمر } ~~فخرج هو وأصحابه. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير عن ابن عباس في الآية قال ~~هذا أمر من الله لنبيه بتبليغ رسالته قومه، وجميع من أرسل إليه. وأخرج ~~ابن المنذر عنه { فاصدع بما تؤمر } قال أعلن بما تؤمر. وأخرج ~~أبو داود في ناسخه، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { وأعرض عن ~~المشركين } قال نسخه قوله تعالى # فاقتلوا المشركين # التوبة 5. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه، وأبو نعيم، والضياء ~~في المختارة عن ابن عباس في قوله { إنا كفينك ~~المستهزئين } قال المستهزئون الوليد بن المغيرة، والأسود بن يغوث، ~~والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطل السهمي، والعاص بن وائل، وذكر قصة ~~هلاكهم. وقد روي هذا عن جماعة من الصحابة مع زيادة في عددهم، ونقص على ~~طول في ذلك. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، والحاكم في التاريخ، وابن ~~مردويه، والديلمي عن أبي مسلم الخولاني قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " ما أوحي إلي أن أجمع المال، وأكن من التاجرين، ولكن أوحي إلي أن سبح ~~بحمد ربك وكن من الساجدين. { وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين } " # وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعا مثله. وأخرج ابن مردويه، ~~والديلمي عن أبي الدرداء مرفوعا نحوه. وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق ~~من طريق عبيد الله بن أبان بن عثمان بن حذيفة ابن أوس الطائفي قال حدثني ~~أبان بن عثمان عن أبيه، عن جده يرفعه مثل حديث أبي مسلم الخولاني. وأخرج ~~ابن أبي شيبة عن سالم بن عبد الله بن عمر { حتى يأتيك ~~اليقين } قال الموت. وأخرج ابن المبارك عن الحسن مثله. وأخرج ابن ms2018 ~~جرير عن ابن زيد مثله. ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1-9] # قوله { أتى أمر الله } أي عقابه للمشركين. وقال جماعة من ~~المفسرين القيامة. قال الزجاج هو ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم، ~~وعبر عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيها على تحقق وقوعه. وقيل إن المراد ~~بأمر الله حكمه بذلك، وقد وقع وأتى، فأما المحكوم به فإنه لم يقع، لأنه ~~سبحانه حكم بوقوعه في وقت معين، فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود. ~~وقيل إن المراد بإتيانه إتيان مباديه ومقدماته { فلا تستعجلوه ~~} نهاهم عن استعجاله، أي فلا تطلبوا حضوره قبل ذلك الوقت، وقد كان ~~المشركون يستعجلون عذاب الله كما قال النضر بن الحارث # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك # الأنفال 32، الآية. والمعنى قرب أمر الله فلا تستعجلوه، وقد كان ~~استعجالهم له على طريقة الاستهزاء من دون استعجال على الحقيقة، وفي نهيهم ~~عن الاستعجال تهكم بهم. { سبحانه وتعالى عما يشركون } ~~أي تنزه وترفع عن إشراكهم، أو عن أن يكون له شريك، وشركهم ههنا هو ما ~~وقع منهم من استعجال العذاب، أو قيام الساعة استهزاء وتكذيبا، فإنه ~~يتضمن وصفهم له سبحانه بأنه لا يقدر على ذلك، وأنه عاجز عنه والعجز وعدم ~~القدرة من صفات المخلوق، لا من صفات الخالق، فكان ذلك شركا. { ينزل ~~الملئكة بالروح من أمره } قرأ المفضل عن عاصم " تنزل ~~الملائكة " ، والأصل تتنزل، فالفعل مسند إلى الملائكة. وقرأ الأعمش " ~~تنزل " على البناء للمفعول، وقرأ الجعفي عن أبي بكر عن عاصم " ننزل " ~~بالنون، والفاعل هو الله سبحانه. وقرأ الباقون { ينزل الملائكة } بالياء ~~التحتية إلا أن ابن كثير، وأبا عمرو يسكنان النون، والفاعل هو الله ~~سبحانه ووجه اتصال هذه الجملة بما قبلها أنه صلى الله عليه وسلم لما ~~أخبرهم عن الله أنه قد قرب أمره، ونهاهم عن الاستعجال، ترددوا في الطريق ~~التي علم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فأخبر أنه علم بها ~~بالوحي على ألسن رسل الله سبحانه من ملائكته، والروح الوحي، ومثله # يلقى الروح من أمره على من ms2019 يشاء من عباده # غافر 15. وسمي الوحي روحا لأنه يحيي قلوب المؤمنين، فإن من جملة الوحي ~~القرآن، وهو نازل من الدين منزلة الروح من الجسد. وقيل المراد أرواح ~~الخلائق. وقيل الروح الرحمة. وقيل الهداية لأنها تحيا بها القلوب كما ~~تحيا الأبدان بالأرواح. قال الزجاج الروح ما كان فيه من الله حياة ~~بالإرشاد إلى أمره. وقال أبو عبيد الروح هنا جبريل، وتكون الباء على هذا ~~بمعنى مع، «ومن» في { من أمره } بيانية، أي بأشياء أو مبتدئا من ~~أمره، أو صفة للروح، أو متعلق ب { ينزل } ، ومعنى { على من يشاء ~~من عباده } على من اختصه بذلك، وهم الأنبياء { أن أنذروا }. # قال الزجاج { أن أنذروا } بدل من الروح، أي ينزلهم بأن أنذروا، و ~~" أن " إما مفسرة لأن تنزل الوحي فيه معنى القول، وإما مخففة من الثقيلة، ~~وضمير الشأن مقدر، أي بأن الشأن أقول لكم أنذروا، أي أعلموا الناس { ~~أنه لا إله إلا أنا } أي مروهم بتوحيدي، وأعلموهم ذلك مع ~~تخويفهم، لأن في الإنذار تخويفا وتهديدا. والضمير في أنه للشأن. { ~~فاتقون } الخطاب للمستعجلين على طريق لالتفات، وهو تحذير لهم من ~~الشرك بالله، ثم إن الله سبحانه لما أرشدهم إلى توحيده، ذكر دلائل ~~التوحيد فقال { خلق السموات والأرض بالحق } أي أوجدهما ~~على هذه الصفة التي هما عليهما بالحق، أي للدلالة على قدرته ووحدانيته. ~~وقيل المراد بالحق هنا الفناء والزوال { تعالى } الله { عما ~~يشركون } أي ترفع وتقدس عن إشراكهم، أو عن شركة الذي يجعلونه ~~شريكا له. ثم لما كان نوع الإنسان أشرف أنواع المخلوقات السفلية، قدمه ~~وخصه بالذكر، فقال { خلق الإنسن } وهو اسم لجنس هذا النوع { من ~~نطفة } من جماد يخرج من حيوان، وهو المني فنقله أطوارا إلى أن ~~كملت صورته، ونفخ فيه الروح، وأخرجه من بطن أمه إلى هذه الدار فعاش فيها ~~{ فإذا هو } بعد خلقه على هذه الصفة { خصيم } أي كثير الخصومة ~~والمجادلة، والمعنى أنه كالمخاصم لله سبحانه في قدرته، ومعنى { مبين ~~} ظاهر الخصومة وأضحها، وقيل يبين عن نفسه ما يخاصم به من الباطل، ~~والمبين ms2020 هو المفصح عما في ضميره بمنطقه ومثله قوله تعالى # أولم ير الإنسن أنا خلقنه من نطفة فإذا ~~هو خصيم مبين # يس 77. ثم عقب ذكر خلق الإنسان بخلق الأنعام لما فيها من النفع لهذا ~~النوع، فالامتنان بها أكمل من الامتنان بغيرها، فقال { والأنعم ~~خلقها لكم } وهي الإبل، والبقر، والغنم، وأكثر ما يقال نعم وأنعام ~~للإبل، ويقال للمجموع، ولا يقال للغنم مفردة، ومنه قول حسان # وكانت لا يزال بها أنيس خلال مروجها نعم وشاء # فعطف الشاء على النعم، وهي هنا الإبل خاصة. قال الجوهري والنعم واحد ~~الأنعام، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل. ثم لما أخبر سبحانه بأنه ~~خلقها لبني آدم بين المنفعة التي فيها لهم فقال { فيها دفء } الدفء ~~السخانة، وهو ما استدفىء به من أصوافها وأوبارها وأشعارها. والجملة في ~~محل النصب على الحال { ومنفع } معطوف على { دفء } وهي درها ~~وركوبها ونتاجها، والحراثة بها ونحو ذلك. وقد قيل إن الدفء النتاج ~~واللبن. قال في الصحاح الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها، ثم ~~قال والدفء أيضا السخونة، وعلى هذا فإن أريد بالدفء المعنى الأول فلا ~~بد من حمل المنافع على ما عداه مما ينتفع به منها، وإن حمل على المعنى ~~الثاني كان تفسير المنافع بما ذكرناه واضحا. # وقيل المراد بالمنافع النتاج خاصة وقيل الركوب { ومنها تأكلون ~~} أي من لحومها وشحومها. وخص هذه المنفعة بالذكر مع دخولها تحت المنافع ~~لأنها أعظمها. وقيل خصها لأن الانتفاع بلحمها وشحمها تعدم عنده عينها ~~بخلاف غيره من المنافع التي فيها، وتقديم الظرف المؤذن بالاختصاص للإشارة ~~إلى أن الأكل منها هو الأصل، وغيره نادر. { ولكم فيها جمال } أي ~~لكم فيها مع ما تقدم ذكره جمال، والجمال ما يتجمل به ويتزين، والجمال ~~الحسن، والمعنى هنا لكم فيها تجمل وتزين عند الناظرين إليها { حين ~~تريحون وحين تسرحون } أي في هذين الوقتين، وهما وقت ردها من ~~مراعيها، ووقت تسريحها إليها، فالرواح رجوعها بالعشي من المراعي. ~~والسراح مسيرها إلى مراعيها بالغداة. يقال سرحت الإبل أسرحها سرحا ~~وسروحا إذا غدوت ms2021 بها إلى المرعى، وقدم الإراحة على التسريح لأن منظرها ~~عند الإراحة أجمل، وذواتها أحسن لكونها في تلك الحالة قد نالت حاجتها من ~~الأكل والشرب، فعظمت بطونها وانتفخت ضروعها، وخص هذين الوقتين لأنهما ~~وقت نظر الناظرين إليها، لأنها عند استقرارها في الحظائر لا يراها أحد، ~~وعند كونها في مراعيها هي متفرقة غير مجتمعة كل واحد منها يرعى في جانب. ~~{ وتحمل أثقالكم } الأثقال جمع ثقل، وهو متاع المسافر من طعام ~~وغيره، وسمي ثقلا لأنه يثقل الإنسان حمله، وقيل المراد أبدانهم { إلى ~~بلد لم تكونوا بلغيه إلا بشق الأنفس } أي لم ~~تكونوا واصلين إليه لو لم يكن معكم إبل تحمل أثقالكم إلا بشق الأنفس ~~لبعده عنكم، وعدم وجود ما يحمل ما لا بد لكم منه في السفر، وظاهره ~~يتناول كل بلد بعيدة من غير تعيين وقيل المراد بالبلد مكة، وقيل اليمن ~~ومصر والشام لأنها متاجر العرب، { وشق الأنفس } مشقتها. قرأ الجمهور بكسر ~~الشين، وقرأ أبو جعفر بفتحها. قال الجوهري والشق المشقة، ومنه قوله { ~~لم تكونوا بلغيه إلا بشق الأنفس } وحكى أبو عبيدة ~~بفتح الشين، وهما بمعنى، ويجوز أن يكون المفتوح مصدرا من شققت عليه أشق ~~شقا. والمكسور بمعنى النصف. يقال أخذت شق الشاة، وشقة الشاة، ويكون ~~المعنى على هذا في الآية لم تكونوا بالغيه إلا بذهاب نصف الأنفس من ~~التعب، وقد امتن الله سبحانه على عباده بخلق الأنعام على العموم، ثم خص ~~الإبل بالذكر لما فيها من نعمة حمل الأثقال دون البقر والغنم، والاستثناء ~~من أعم العام، أي لم تكونوا بالغيه بشيء من الأشياء إلا بشق الأنفس. { ~~والخيل والبغال والحمير } بالنصب عطفا على الأنعام، أي ~~وخلق لكم هذه الثلاثة الأصناف. وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع فيها كلها. ~~وسميت الخيل خيلا لاختيالها في مشيها، وواحد الخيل خائل. # كضائن واحد الضأن. وقيل لا واحد له. ثم علل سبحانه خلق هذه الثلاثة ~~الأنواع بقوله { لتركبوها } وهذه العلة هي باعتبار معظم منافعها، ~~لأن الانتفاع بها في غير الركوب معلوم كالتحميل عليها وعطف { زينة } ~~على محل { لتركبوها } لأنه ms2022 في محل نصب على أنه علة لخلقها. ولم يقل ~~لتتزينوا بها، حتى يطابق { لتركبوها } لأن الركوب فعل المخاطبين، والزينة ~~فعل الزائن وهو الخالق. والتحقيق فيه أن الركوب هو المعتبر في المقصود، ~~بخلاف الزينة، فإنه لا يلتفت إليه أهل الهمم العالية، لأنه يورث العجب، ~~فكأنه سبحانه قال خلقها لتركبوها، فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر ~~الإعياء والمشقة. وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر، ولكنه غير ~~مقصود بالذات. وقد استدل بهذه الآية القائلون بتحريم لحوم الخيل، قائلين ~~بأن التعليل بالركوب يدل على أنها مخلوقة لهذه المصلحة دون غيرها. قالوا ~~ويؤيد ذلك إفراد هذه الأنواع الثلاثة بالذكر، وإخراجها عن الأنعام، فيفيد ~~ذلك اتحاد حكمها في تحريم الأكل. قالوا ولو كان أكل الخيل جائزا لكان ~~ذكره، والامتنان به أولى من ذكر الركوب، لأنه أعظم فائدة منه، وقد ذهب ~~إلى هذا مالك، وأبو حنيفة، وأصحابهما، والأوزاعي، ومجاهد وأبو عبيدة ~~وغيرهم. وذهب الجمهور من الفقهاء والمحدثين وغيرهم إلى حل لحوم الخيل. ~~ولا حجة لأهل القول الأول في التعليل بقوله { لتركبوها } لأن ذكر ~~ما هو الأغلب من منافعها لا ينافي غيره، ولا نسلم أن الأكل أكثر فائدة من ~~الركوب حتى يذكر، ويكون ذكره أقدم من ذكر الركوب. وأيضا لو كانت هذه ~~الآية تدل على تحريم الخيل، لدلت على تحريم الحمر الأهلية، وحينئذ لا ~~يكون ثم حاجة لتحديد التحريم لها عام خيبر، وقد قدمنا أن هذه السورة ~~مكية. والحاصل أن الأدلة الصحيحة قد دلت على حل أكل لحوم الخيل. فلو ~~سلمنا أن في هذه الآية متمسكا للقائلين بالتحريم، لكانت السنة المطهرة ~~الثابتة رافعة لهذا الاحتمال، ودافعة لهذا الاستدلال. وقد أوضحنا هذه ~~المسألة في مؤلفاتنا بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. { ويخلق ما ~~لا تعلمون } أي يخلق ما لا يحيط علمكم به من المخلوقات غير ما قد ~~عدده ها هنا. وقيل المراد من أنواع الحشرات والهوام في أسافل الأرض، ~~وفي البحر مما لم يره البشر ولم يسمعوا به. وقيل هو ما أعد الله لعباده ~~في الجنة وفي ms2023 النار مما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولا خطر على قلب ~~بشر. وقيل هو خلق السوس في النبات، والدود في الفواكه وقيل عين تحت العرش ~~وقيل نهر من النور. وقيل أرض بيضاء، ولا وجه للاقتصار في تفسير هذه الآية ~~على نوع من هذه الأنواع، بل المراد أنه سبحانه يخلق ما لا يعلم به ~~العباد، فيشمل كل شيء لا يحيط علمهم به، والتعبير هنا بلفظ المستقبل ~~لاستحضار الصورة، لأنه سبحانه قد خلق ما لا يعلم به العباد. # { وعلى الله قصد السبيل } القصد مصدر بمعنى الفاعل، ~~فالمعنى وعلى الله قاصد السبيل، أي هداية قاصد الطريق المستقيم بموجب ~~وعده المحتوم وتفضله الواسع وقيل هو على حذف مضاف، والتقدير وعلى الله ~~بيان قصد السبيل، والسبيل الإسلام، وبيانه بإرسال الرسل وإقامة الحجج ~~والبراهين. والقصد في السبيل هو كونه موصلا إلى المطلوب، فالمعنى وعلى ~~الله بيان الطريق الموصل إلى المطلوب { ومنها جائر } الضمير في { ~~منها } راجع إلى السبيل بمعنى الطريق، لأنها تذكر وتؤنث. وقيل راجع إليها ~~بتقدير مضاف أي ومن جنس السبيل جائر مائل عن الحق عادل عنه، فلا يهتدي ~~به، ومنه قول امرىء القيس # ومن الطريقة جائر وهدى قصد السبيل ومنه ذو دخل # وقيل إن الطريق كناية عن صاحبها، والمعنى ومنهم جائر عن سبيل الحق أي ~~عادل عنه، فلا يهتدي إليه، قيل وهم أهل الأهواء المختلفة، وقيل أهل الملل ~~الكفرية، وفي مصحف عبد الله " ومنكم جائر " ، وكذا قرأ علي، { ولو ~~شآء لهداكم أجمعين } أي ولو شاء أن يهديكم جميعا إلى الطريق ~~الصحيح، والمنهج الحق لفعل ذلك، ولكنه لم يشأ، بل اقتضت مشيئته سبحانه ~~إراءة الطريق، والدلالة عليها # وشفتين وهدينه النجدين # البلد 10. وأما الإيصال إليها بالفعل، فذلك يستلزم أن لا يوجد في العباد ~~كافر، ولا من يستحق النار من المسلمين، وقد اقتضت المشيئة الربانية أنه ~~يكون البعض مؤمنا، والبعض كافرا كما نطق بذلك القرآن في غير موضع. وقد ~~أخرج ابن مردويه عن ابن عباس، قال لما نزل { أتى أمر الله } ذعر ~~أصحاب رسول الله ms2024 صلى الله عليه وسلم حتى نزلت { فلا تستعجلوه } ~~فسكنوا. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير، وابن أبي ~~حاتم عن أبي بكر بن حفص قال لما نزلت { أتى أمر الله } قاموا، ~~فنزلت { فلا تستعجلوه }. وأخرج ابن مردويه من طريق الضحاك عن ~~ابن عباس { أتى أمر الله } قال خروج محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج قال «لما نزلت هذه الآية { ~~أتى أمر الله } قال رجال من المنافقين بعضهم لبعض إن هذا يزعم ~~أن أمر الله أتى، فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى تنظروا ما هو كائن، ~~فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا ما نراه نزل شيء، فنزلت # اقترب للناس حسابهم # الأنبياء 1 فقالوا إن هذا يزعم مثلها أيضا، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء ~~قالوا ما نراه نزل شيء، فنزلت # ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة # هود 8. الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك في ~~قوله { أتى أمر الله } قال الأحكام والحدود والفرائض. # وأخرج هؤلاء عن ابن عباس في قوله { ينزل الملئكة ~~بالروح } قال بالوحي. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، والبيهقي عنه قال الروح أمر من ~~أمر الله، وخلق من خلق الله، وصورهم على صورة بني آدم. وما ينزل من ~~السماء ملك إلا ومعه واحد من الروح. ثم تلا # يوم يقوم الروح والملئكة صفا # النبأ 38. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن { ينزل الملئكة ~~بالروح } قال القرآن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس في قوله { لكم فيها دفء } قال الثياب { ومنفع ~~} قال ما تنتفعون به من الأطعمة والأشربة. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا، قال نسل كل دابة. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { ~~وتحمل أثقالكم إلى بلد } يعني مكة { لم تكونوا ~~بلغيه إلا بشق الأنفس } قال ms2025 لو تكلفتموه، لم تطيقوه إلا ~~بجهد شديد. وقد ورد في حل أكل لحوم الخيل أحاديث منها في الصحيحين ~~وغيرهما، من حديث أسماء، قالت نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأكلناه. وأخرج أبو عبيد، وابن أبي شيبة، والترمذي وصححه، ~~والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن جابر قال أطعمنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر الأهلية. وأخرج أبو ~~داود نحوه من حديثه أيضا. وهما على شرط مسلم. وثبت أيضا في الصحيحين من ~~حديث جابر، قال # " نهى رسول الله عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في الخيل " # وأما ما أخرجه أبو عبيد، وأبو داود، والنسائي من حديث خالد بن الوليد ~~قال # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن ~~لحوم الخيل والبغال والحمير " # ، ففي إسناده صالح بن يحيى بن أبي المقدام، وفيه مقال. ولو فرضنا أن ~~الحديث صحيح، لم يقو على معارضة أحاديث الحل، على أنه يكون أن هذا ~~الحديث المصرح بالتحريم متقدم على يوم خيبر، فيكون منسوخا. وأخرج ~~الخطيب وابن عساكر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { ~~ويخلق ما لا تعلمون } قال «البراذين». وأخرج ابن مردويه عن ~~ابن عباس، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن مما خلق الله أرضا من لؤلؤة بيضاء " # ثم ساق من أوصافها ما يدل على أن الحديث موضوع، ثم قال في آخره «فذلك ~~قوله { ويخلق ما لا تعلمون } ». وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس { وعلى الله قصد السبيل } يقول على الله أن يبين الهدى ~~والضلالة. { ومنها جائر } قال السبل المتفرقة. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وعلى ~~الله قصد السبيل } قال على الله بيان حلاله، وحرامه، وطاعته، ~~ومعصيته { ومنها جائر } قال من السبل ناكب عن الحق. قال وفي قراءة ~~ابن مسعود " ومنكم جائر ". وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن ~~الأنباري في ms2026 المصاحف عن علي أنه كان يقرأ هذه الآية " ومنكم جائر ". ### || [16.10-19] # لما استدل سبحانه على وجوده وكمال قدرته وبديع صنعته بعجائب أحوال ~~الحيوانات، أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال ~~{ هو الذى أنزل من السماء } أي من جهة السماء، وهي السحاب ~~{ ماء } أي نوعا من أنواع الماء، وهو المطر { لكم منه شراب } ~~يجوز أن يتعلق { لكم } ب { أنزل } أو هو خبر مقدم، وشراب مبتدأ مؤخر، ~~والجملة صفة لماء، { ومنه } في محل نصب على الحال، والشراب اسم لما ~~يشرب كالطعام لما يطعم، والمعنى أن الماء النازل من السماء قسمان قسم ~~يشربه الناس، ومن جملته ماء الآبار والعيون، فإنه من المطر لقوله # فسلكه ينابيع فى الأرض # الزمر 21 وقسم يحصل منه شجر ترعاه المواشي. قال الزجاج كل ما ينبت من ~~الأرض فهو شجر، لأن التركيب يدل على الاختلاط، ومنه تشاجر القوم إذا ~~اختلط أصوات بعضهم بالبعض، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ~~ساق. وقال ابن قتيبة المراد من الشجر في الآية الكلأ، وقيل الشجر كل ماله ~~ساق كقوله تعالى # والنجم والشجر يسجدان # الرحمن 6. والعطف يقتضي التغاير، فلما كان النجم ما لا ساق له، وجب أن ~~يكون الشجر ماله ساق، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز { فيه ~~تسيمون } أي في الشجر ترعون مواشيكم، يقال سامت السائمة تسوم سوما ~~رعت فهي سائمة، وأسمتها، أي أخرجتها إلى الرعي فأنا مسيم وهي مسامة ~~وسائمة، وأصل السوم الإبعاد في المرعى. قال الزجاج أخذ من السومة، وهي ~~العلامة، لأنها تؤثر في الأرض علامات برعيها. { ينبت لكم به ~~الزرع والزيتون والنخيل والأعنب } قرأ أبو بكر عن ~~عاصم " ننبت " بالنون، وقرأ الباقون بالياء التحتية، أي ينبت الله لكم ~~بذلك الماء الذي أنزله من السماء، وقدم الزرع لأنه أصل الأغذية التي ~~يعيش بها الناس، وأتبعه بالزيتون لكونه فاكهة من وجه وإداما من وجه لكثرة ~~ما فيه من الدهن، وهو جمع زيتونة. ويقال للشجرة نفسها زيتونة. ثم ذكر ~~النخيل لكونه غذاء وفاكهة وهو مع العنب أشرف ms2027 الفواكه، وجمع الأعناب ~~لاشتمالها على الأصناف المختلفة، ثم أشار إلى سائر الثمرات فقال { ومن ~~كل الثمرت } كما أجمل الحيوانات التي لم يذكرها فيما سبق بقوله { ~~ويخلق ما لا تعلمون } وقرأ أبي بن كعب " ينبت لكم به الزرع ~~" يرفع الزرع وما بعده { إن فى ذلك } أي الإنزال والإنبات { ~~لآية } عظيمة دالة على كمال القدرة والتفرد بالربوبية { لقوم ~~يتفكرون } في مخلوقات الله ولا يهملون النظر في مصنوعاته. { ~~وسخر لكم الليل والنهار } معنى تسخيرهما للناس تصييرهما نافعين ~~لهم بحسب ما تقتضيه مصالحهم وتستدعيه حاجاتهم، يتعاقبان دائما، كالعبد ~~الطائع لسيده لا يخالف ما يأمره به ولا يخرج عن إرادته ولا يهمل السعي في ~~نفعه. # وكذا الكلام في تسخير الشمس والقمر والنجوم، فإنها تجري على نمط متحد ~~يستدل بها العباد على مقادير الأوقات، ويهتدون بها ويعرفون أجزاء الزمان. ~~ومعنى مسخرات مذللات. وقرأ ابن عامر وأهل الشام " والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات " بالرفع على الابتداء والخبر. وقرأ الباقون بالنصب عطفا على { ~~الليل والنهار } ، وقرأ حفص عن عاصم برفع { النجوم } على أنه مبتدأ وخبره ~~{ مسخرات بأمره } وعلى قراءة النصب في مسخرات يكون حالا مؤكدة، لأن ~~التسخير قد فهم من قوله { وسخر } وقرأ حفص في رواية برفع مسخرات مع ~~نصب ما قبله على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هي مسخرات، { إن فى ذلك ~~} التسخير { لآيت لقوم يعقلون } أي يعملون عقولهم في هذه ~~الآثار الدالة على وجود الصانع وتفرده، وعدم وجود شريك له. وذكر الآيات ~~لأن الآثار العلوية أظهر دلالة على القدرة الباهرة، وأبين شهادة للكبرياء ~~والعظمة. وجمعها ليطابق قوله { مسخرات } وقيل إن وجه الجمع هو أن كلا من ~~تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم آية في نفسها، بخلاف ما تقدم ~~من الإنبات، فإنه آية واحدة، ولا يخلو كل هذا عن تكلف، والأولى أن يقال ~~إن هذه المواضع الثلاثة التي أفرد الآية في بعضها وجمعها في بعضها كل ~~واحد منها يصلح للجمع باعتبار، وللإفراد باعتبار، فلم يجرها على طريقة ~~واحدة افتنانا وتنبيها على جواز الأمرين وحسن كل واحد منهما. { وما ms2028 ~~ذرأ لكم فى الأرض } أي خلق يقال ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءا ~~خلقهم، فهو ذارىء، ومنه الذرية، وهي نسل الثقلين، وقد تقدم تحقيق هذا، ~~وهو معطوف على النجوم رفعا ونصبا، أي وسخر لكم ما ذرأ في الأرض. ~~فالمعنى أنه سبحانه سخر لهم تلك المخلوقات السماوية والمخلوقات الأرضية. ~~وانتصاب { مختلفا ألوانه } على الحال، و { ألوانه } هيئاته ومناظره، فإن ~~ذرء هذه الأشياء على اختلاف الألوان والأشكال مع تساوي الكل في الطبيعة ~~الجسمية آية عظيمة دالة على وجود الصانع سبحانه وتفرده { إن فى ~~ذلك } التسخير لهذه الأمور { لآية } واضحة { لقوم يذكرون ~~} فإن من تذكر اعتبر، ومن اعتبر، استدل على المطلوب، قيل وإنما خص ~~المقام الأول بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة المذكورة. وخص المقام الثاني ~~بالعقل لذكره بعد إماطة الشبهة، وإراحة العلة، فمن لم يعترف بعدها ~~بالوحداينة فلا عقل له. وخص المقام الثالث بالتذكر لمزيد الدلالة. فمن شك ~~بعد ذلك، فلا حس له. وفي هذا من التكلف ما لا يخفى. والأولى أن يقال هنا ~~كما قلنا فيما تقدم في إفراد الآية في البعض، وجمعها في البعض الآخر. ~~وبيانه أن كلا من هذه المواضع الثلاثة يصلح لذكر التفكر، ولذكر التعقل، ~~ولذكر التذكر، لاعتبارات ظاهرة غير خفية. # فكان في التعبير في كل موضع بواحد منها افتنان حسن لا يوجد في التعبير ~~بواحد منها في جميع المواضع الثلاثة. { وهو الذى سخر البحر ~~} امتن الله سبحانه بتسخير البحر بإمكان الركوب عليه واستخراج ما فيه من ~~صيد وجواهر، لكونه من جملة النعم التي أنعم الله بها على عباده مع ما فيه ~~من الدلالة على وحدانية الرب سبحانه وكمال قدرته، وقد جمع الله سبحانه ~~لعباده في هذا المقام بين التذكير لهم بآياته الأرضية والسماوية ~~والبحرية، فأرشدهم إلى النظر والاستدلال بالآيات المتنوعة المختلفة ~~الأمكنة إتماما للحجة، وتكميلا للإنذار، وتوضيحا لمنازع الاستدلال، ~~ومناطات البرهان، ومواضع النظر والاعتبار، ثم ذكر العلة في تسخير البحر ~~فقال { لتأكلوا منه لحما طريا } المراد به السمك، ووصفه ~~بالطراوة للإشعار بلطافته، والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد ~~بسرعة ms2029 { وتستخرجوا منه حلية تلبسونها } أي لؤلؤا ~~ومرجانا كما في قوله سبحانه # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # الرحمن 22 وظاهر قوله { تلبسونها } أنه يجوز للرجال أن يلبسوا ~~اللؤلؤ والمرجان أي يجعلونه حلية لهم كما يجوز للنساء، ولا حاجة لما ~~تكلفه جماعة من المفسرين في تأويل قوله { تلبسونها } بقوله تلبسه ~~نساؤهم، لأنهن من جملتهم، أو لكونهن يلبسنها لأجلهم، وليس في الشريعة ~~المطهرة ما يقتضي منع الرجال من التحلي باللؤلؤ والمرجان ما لم يستعمله ~~على صفة لا يستعمله عليها إلا النساء خاصة، فإن ذلك ممنوع من جهة كونه ~~تشبها بهن، وقد ورد الشرع بمعنه لا من جهة كونه حلية لؤلؤ أو مرجان. { ~~وترى الفلك مواخر فيه } أي ترى السفن شواق للماء تدفعه ~~بصدرها. ومخر السفينة شقها الماء بصدرها. قال الجوهري مخر السابح إذا شق ~~الماء بصدره، ومخر الأرض شقها للزراعة، وقيل مواخر جواري، وقيل معترضة. ~~وقيل تذهب وتجيء، وقيل ملججة. قال ابن جرير المخر في اللغة صوت هبوب ~~الريح، ولم يقيد بكونه في ماء { ولتبتغوا من فضله } معطوف ~~على { تستخرجوا } ، وما بينهما اعتراض، أو على علة محذوفة تقديره ~~لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا، أو على تقدير فعل ذلك لتبتغوا أي لتتجروا فيه، ~~فيحصل لكم الربح من فضل الله سبحانه { ولعلكم تشكرون } أي ~~إذا وجدتم فضله عليكم وإحسانه إليكم، اعترفتم بنعمته عليكم فشكرتم ذلك ~~باللسان والأركان. قيل ولعل وجه تخصيص هذه النعمة بالتعقيب بالشكر من ~~حيث أن فيها قطعا لمسافة طويلة مع أحمال ثقيلة من غير مزاولة أسباب ~~السفر، بل من غير حركة أصلا مع أنها في تضاعيف المهالك، ويمكن أن يضم ~~إلى ما ذكر من قطع المسافة على الصفة المذكورة ما اشتمل عليه البحر من ~~كون فيه أطيب مأكول وأنفس ملبوس وكثرة النعم مع نفاستها وحسن موقعها من ~~أعظم الأسباب المستدعية للشكر الموجبة له. # ثم أردف هذه النعم الموجبة للتوحيد، المفيدة للاستدلال على المطلوب ~~بنعمة أخرى وآية كبرى، فقال { وألقى فى الأرض رواسى } أي ~~جبالا ثابتة، يقال رسا يرسو إذا ثبت وأقام، قال الشاعر # فصبرت عارفة ms2030 لذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلع # { أن تميد بكم } أي كراهة أن تميد بكم على ما قاله البصريون، أو ~~لئلا تميد بكم على ما قاله الكوفيون، والميد الاضطراب يمينا وشمالا، ~~ماد الشيء يميد ميدا تحرك، ومادت الأغصان تمايلت، وماد الرجل تبختر { ~~وأنهرا } أي وجعل فيها أنهارا، لأن الإلقاء، ها هنا بمعنى الجعل ~~والخلق كقوله # وألقيت عليك محبة منى # طه 39. { وسبلا } أي وجعل فيها سبلا وأظهرها وبينها لأجل تهتدون ~~بها في أسفاركم إلى مقاصدكم. والسبل الطرق { وعلامت } أي وجعل فيها ~~علامات، وهي معالم الطرق، والمعنى أنه سبحانه جعل للطرق علامات يهتدون ~~بها { وبالنجم هم يهتدون } المراد بالنجم الجنس، أي يهتدون ~~به في سفرهم ليلا. وقرأ ابن وثاب " وبالنجم " بضم النون والجيم، ومراده ~~النجوم فقصره، أو هو جمع نحو كسقف وسقف. وقيل المراد بالنجم هنا الجدي ~~والفرقدان قاله الفراء وقيل الثريا، وقيل العلامات الجبال، وقيل هي ~~النجوم، لأن من النجوم ما يهتدى به، ومنها ما يكون علامة لا يهتدى بها. ~~وذهب الجمهور إلى أن المراد في الآية الاهتداء في الأسفار وقيل هو ~~الاهتداء إلى القبلة، ولا مانع من حمل ما في الآية على ما هو أعم من ~~ذلك. قال الأخفش ثم الكلام عند قوله { وعلامات } ، وقوله { ~~وبالنجم هم يهتدون } كلام منفصل عن الأول ثم لما عدد ~~الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته وكمال قدرته أراد أن يوبخ أهل الشرك ~~والعناد فقال { أفمن يخلق } هذه المصنوعات العظيمة ويفعل هذه ~~الأفاعيل العجيبة { كمن لا يخلق } شيئا منها ولا يقدر على إيجاد ~~واحد منها، وهو هذه الأصنام التي تعبدونها وتجعلونها شركاء لله سبحانه. ~~وأطلق عليها لفظ «من» إجراء لها مجرى أولى العلم جريا على زعمهم بأنها ~~آلهة، أو مشاكلة لقوله { أفمن يخلق } لوقوعها في صحبته، وفي هذا ~~الاستفهام من التقريع والتوبيخ للكفار ما لا يخفى، وما أحقهم بذلك، فإنهم ~~جعلوا بعض المخلوقات شريكا لخالقه تعالى الله عما يشركون. { أفلا ~~تذكرون } مخلوقات الله الدالة على وجوده وتفرده بالربوبية وبديع ~~صنعته فتستدلون بها على ذلك، فإنها لوضوحها ms2031 يكفي في الاستدلال بها مجرد ~~التذكر لها. ثم لما فرغ من تعديد الآيات، التي هي بالنسبة إلى المكلفين ~~نعم، قال { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } وقد مر ~~تفسير هذا في سورة إبراهيم. قال العقلاء إن كل جزء من أجزاء الإنسان لو ~~ظهر فيه أدنى خلل وأيسر نقص لنغص النعم على الإنسان، وتمنى أن ينفق ~~الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل، فهو سبحانه يدير بدن هذا ~~الإنسان على الوجه الملائم له، مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك فكيف ~~يطيق حصر بعض نعم الله عليه أو يقدر على إحصائها، أو يتمكن من شكر ~~أدناها؟. # يا ربنا هذه نواصينا بيدك خاضعة لعظيم نعمك معترفة بالعجز عن بادية ~~الشكر لشيء منها، لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، ولا نطيق ~~التعبير بالشكر لك، فتجاوز عنا واغفر لنا وأسبل ذيول سترك على عوارتنا ~~فإنك إن لا تفعل ذلك نهلك بمجرد التقصير في شكر نعمك، فكيف بما قد فرط ~~منا من التساهل في الائتمار بأوامرك والانتهاء عن مناهيك، وما أحسن ما ~~قال من قال # العفو يرجى من بني آدم فكيف لا يرجى من الرب # فقلت مذيلا لهذا البيت الذي هو قصر مشيد # فإنه أرأف بي منهم حسبي به حسبي به حسبي # وما أحسن ما ختم به هذا الامتنان الذي لا يلتبس على إنسان مشيرا إلى ~~عظيم غفرانه وسعة رحمته فقال { إن الله لغفور رحيم } أي ~~كثير المغفرة والرحمة لا يؤاخذكم بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن ~~إحصائها، والعجز عن القيام بأدناها، ومن رحمته إدامتها عليكم وإدرارها في ~~كل لحظة وعند كل نفس تتنفسونه وحركة تتحركون بها. اللهم إني أشكرك عدد ما ~~شكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان، وعدد ما سيشكرك الشاكرون بكل لسان ~~في كل زمان، فقد خصصتني بنعم لم أرها على كثير من خلقك، وإن رأيت منها ~~شيئا على بعض خلقك لم أر عليه بقيتها، فأني أطيق شكرك وكيف أستطيع ~~بادية أدنى شكر أدناها فكيف ms2032 أستطيع أعلاها؟ فكيف أستطيع شكر نوع من ~~أنواعها؟ ثم بين لعباده بأنه عالم بجميع ما يصدر منهم، لا تخفى عليه منه ~~خافية فقال { والله يعلم ما تسرون } أي تضمرونه من الأمور ~~{ وما تعلنون } أي تظهرونه منها. وفيه وعيد وتعريض وتوبيخ، وتنبيه ~~على أن الإله يجب أن يكون عالما بالسر والعلانية، لا كالأصنام التي ~~يعبدونها، فإنها جمادات لا شعور لها بشيء من الظواهر فضلا عن السرائر ~~فكيف يعبدونها؟. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن قتادة في قوله { وما ذرأ لكم فى الأرض } قال ما خلق ~~لكم في الأرض مختلفا من الدواب، والشجر والثمار، نعم من الله متظاهرة، ~~فاشكروها لله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله { ~~لتأكلوا منه لحما طريا } يعني حيتان البحر { ~~وتستخرجوا منه حلية تلبسونها } قال هذا اللؤلؤ. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { وهو الذى سخر ~~البحر لتأكلوا منه لحما طريا } قال هو السمك وما فيه ~~من الدواب. # وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جعفر، قال ليس في الحلى زكاة، ثم قرأ { ~~وتستخرجوا منه حلية تلبسونها }. أقول وفي هذا ~~الاستدلال نظر، والذي ينبغي التعويل عليه أن الأصل البراءة من الزكاة حتى ~~يرد الدليل بوجوبها في شيء من أنواع المال فتلزم، وقد ورد في الذهب ~~والفضة ما هو معروف، ولم يرد في الجواهر على اختلاف أصنافها ما يدل على ~~وجوب الزكاة فيها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ~~مواخر } قال جواري. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن عكرمة { مواخر } قال تشق الماء بصدرها. وأخرج ابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك { مواخر } قال السفينتان تجريان ~~بريح واحدة مقبلة ومدبرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { ~~ولتبتغوا من فضله } قال هي التجارة. وأخرج عبد الرزاق، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { رواسى } قال ~~الجبال، { أن تميد بكم } قال حتى لا تميد بكم، كانوا ms2033 على الأرض ~~تمور بهم لا تستقر، فأصبحوا صبحا وقد جعل الله الجبال، وهي الرواسي ~~أوتادا في الأرض. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { وسبلا } ~~قال السبل هي الطرق بين الجبال. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والخطيب عن قتادة { وسبلا } قال طرقا { ~~وعلامت } قال هي النجوم. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية ~~قال علامات النهار الجبال. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن ~~الكلبي { وعلامت } قال الجبال وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس { وعلامت } يعني معالم الطرق ~~بالنهار { وبالنجم هم يهتدون } يعني بالليل. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { أفمن ~~يخلق كمن لا يخلق } قال الله هو الخالق الرازق، وهذه الأوثان ~~التي تعبد من دون الله تخلق ولا تخلق شيئا، ولا تملك لأهلها ضرا ولا ~~نفعا. ### || [16.20-26] # شرع سبحانه في تحقيق كون الأصنام التي أشار إليها بقوله { كمن لا ~~يخلق } عاجزة على أن يصدر منها خلق شيء فلا تستحق عبادة فقال { ~~والذين تدعون من دون الله } أي الآلهة الذين يدعوهم ~~الكفار من دون الله سبحانه صفتهم هذه الصفات المذكورة، وهي أنهم { لا ~~يخلقون شيئا } من المخلوقات أصلا، لا كبيرا ولا صغيرا، ولا ~~جليلا ولا حقيرا. { وهم يخلقون } أي وصفتهم أنهم يخلقون، فكيف ~~يتمكن المخلوق من أن يخلق غيره؟ ففي هذه الآية زيادة بيان، لأنه أثبت لهم ~~صفة النقصان بعد أن سلب عنهم صفة الكمال، بخلاف قوله { أفمن يخلق ~~كمن لا يخلق } فإنه اقتصر على مجرد سلب صفة الكمال. وقراءة ~~الجمهور " والذين تدعون " بالمثناة الفوقية على الخطاب مطابقة لما قبله. ~~وروى أبو بكر عن عاصم، وروى هبيرة عن حفص { يدعون } بالتحتية، وهي قراءة ~~يعقوب. ثم ذكر صفة أخرى من صفاتهم فقال { أموت غير أحياء } ~~يعني أن هذه الأصنام أجسادها ميتة، لا حياة بها أصلا، فزيادة { غير ~~أحياء } لبيان أنها ليست كبعض الأجساد التي تموت بعد ثبوت ms2034 الحياة لها، بل ~~لا حياة لهذه أصلا، فكيف يعبدونها وهم أفضل منها؟ لأنهم أحياء { وما ~~يشعرون أيان يبعثون } الضمير في { يشعرون } للآلهة، وفي ~~يبعثون للكفار الذين يعبدون الأصنام، والمعنى ما تشعر هذه الجمادات من ~~الأصنام أيان يبعث عبدتهم من الكفار، ويكون هذا على طريقة التهكم بهم، ~~لأن شعور الجماد مستحيل بما هو من الأمور الظاهرة فضلا عن الأمور التي ~~لا يعلمها إلا الله سبحانه، وقيل يجوز أن يكون الضمير في { يبعثون } ~~للآلهة، أي وما تشعر هذه لأصنام أيان تبعث، ويؤيد ذلك ما روي أن الله ~~يبعث الأصنام ويخلق لها أرواحا معها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار، ~~ويدل على هذا قوله # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # الأنبياء 98. وقيل قد تم الكلام عند قوله { وهم يخلقون } ثم ~~ابتدأ فوصف المشركين بأنهم أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون، ~~فيكون الضميران على هذا للكفار، وعلى القول بأن الضميرين أو أحدهما ~~للأصنام يكون التعبير عنها مع كونها لا تعقل بما هو للعقلاء جريا على ~~اعتقاد من يعبدها بأنها تعقل. وقرأ السلمي " إيان " بكسر الهمزة، وهما ~~لغتان، وهو في محل نصب بالفعل الذي قبله. { إلهكم إله وحد ~~} لما زيف سبحانه طريقة عبدة الأوثان، صرح بما هو الحق في نفس الأمر، وهو ~~وحدانيته سبحانه، ثم ذكر ما لأجله أصر الكفار على شركهم فقال { ~~فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة } ~~للوحدانية، لا يؤثر فيها وعظ، ولا ينجع فيها تذكير { وهم ~~مستكبرون } عن قبول الحق، متعظمون عن الإذعان للصواب، مستمرون ~~على الجحد { لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون } قال الخليل { لا جرم } كلمة تحقيق، ولا تكون إلا جوابا، ~~أي حقا أن الله يعلم ما يسرون من أقوالهم وأفعالهم وما يعلنون من ذلك، ~~وقد مر تحقيق الكلام في { لا جرم } { إنه لا يحب المستكبرين } ~~أي لا يحب هؤلاء الذين يستكبرون عن توحيد الله والاستجابة لأنبيائه، ~~والجملة تعليل لما تضمنه الكلام المتقدم. # { وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم } أي وإذا قال لهؤلاء ~~الكفار المنكرين ms2035 المستكبرين قائل ماذا أنزل ربكم؟ أي أي شيء أنزل ربكم؟ ~~أو ماذا الذي أنزل؟ قيل القائل النضر بن الحارث والآية نزلت فيه فيكون ~~هذا القول منه على طريق التهكم وقيل القائل هو من يفد عليه وقيل القائل ~~المسلمون، فأجاب المشركون المنكرون المستكبرون فقالوا { أسطير ~~الأولين } بالرفع أي ما تدعون أيها المسلمون نزوله أساطير ~~الأولين، أو أن المشركين أرادوا السخرية بالمسلمين فقالوا المنزل عليكم ~~أساطير الأولين. وعلى هذا فلا يرد ما قيل من أن هذا لا يصلح أن يكون ~~جوابا من المشركين، وإلا لكان المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأولين ~~والكفار لا يقرون بالإنزال، ووجه عدم وروده هو ما ذكرناه وقيل هو كلام ~~مستأنف، أي ليس ما تدعون إنزاله أيها المسلمون منزلا بل هو أساطير ~~الأولين وقد جوز على مقتضى علم النحو نصب " أساطير " وإن لم تقع ~~القراءة به، ولا بد في النصب من التأويل الذي ذكرنا، أي أنزل على دعواكم ~~أساطير الأولين، أو يقولون ذلك من أنفسهم على طريق السخرية. والأساطير ~~الأباطيل والترهات التي يتحدث الناس بها عن القرون الأولى. وليس من ~~كلام الله في شيء، ولا مما أنزله الله أصلا في زعمهم. { ليحملوا ~~أوزارهم كاملة } أي قالوا هذه المقالة لكي يحملوا أوزارهم ~~كاملة. لم يكفر منها شيء لعدم إسلامهم الذي هو سبب لتكفير الذنوب. وقيل ~~إن اللام هي لام العاقبة، لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لأجل ~~يحملون الأوزار، ولكن لما كان عاقبتهم ذلك حسن التعليل به كقوله # ليكون لهم عدوا وحزنا # القصص 8. وقيل هي لام الأمر { ومن أوزار الذين ~~يضلونهم } أي ويحملون بعض أوزار الذين أضلوهم، لأن من سن سنة ~~سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها. وقيل " من " للجنس، لا للتبعيض أي ~~يحملون كل أوزار الذين يضلونهم، ومحل { بغير علم } النصب على ~~الحال من فاعل { يضلونهم } أي يضلون الناس جاهلين غير عالمين بما يدعونهم ~~إليه. ولا عارفين بما يلزمهم من الآثام. وقيل إنه حال من المفعول أي ~~يضلون من لا علم له، ومثل هذه الآية # وليحملن ms2036 أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # العنكبوت 13. وقد تقدم في الأنعام الكلام على قوله # ولا تزر وازرة وزر أخرى # الأنعام 164 { ألا ساء ما يزرون } أي بئس شيئا يزرونه ذلك. ثم ~~حكى سبحانه حال أضرابهم من المتقدمين فقال { قد مكر الذين من ~~قبلهم } ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد به نمروذ بن كنعان حيث بنى ~~بناء عظيما ببابل، ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها، فأهب الله ~~الريح، فخر ذلك البناء عليه وعلى قومه فهلكوا، والأولى أن الآية عامة في ~~جميع المبطلين من المتقدمين الذين يحاولون إلحاق الضر بالمحقين. ومعنى ~~المكر هنا الكيد والتدبير الذي لا يطابق الحق، وفي هذا وعيد للكفار ~~المعاصرين له صلى الله عليه وسلم بأن مكرهم سيعود عليهم كما عاد مكر من ~~قبلهم على أنفسهم { فأتى الله بنينهم } أي أتى أمر الله، ~~وهو الريح التي أخربت بنيانهم. قال المفسرون أرسل الله ريحا، فألقت رأس ~~الصرح في البحر، وخر عليهم الباقي { من القواعد } قال الزجاج من ~~الأساطين، والمعنى أنه أتاها أمر الله من جهة قواعدها فزعزعها { فخر ~~عليهم السقف من فوقهم } قرأ ابن أبي هريرة، وابن محيصن " السقف ~~" بضم السين والقاف جميعا. وقرأ مجاهد بضم السين وسكون القاف، وقرأ ~~الباقون { السقف } بفتح السين وسكون القاف، والمعنى أنه سقط عليهم السقف، ~~لأنه بعد سقوط قواعد البناء يسقط جميع ما هو معتمد عليها. قال ابن ~~الأعرابي، وإنما قال { من فوقهم } ليعلمك أنهم كانوا حالين تحته، والعرب ~~تقول خر علينا سقف، ووقع علينا حائط إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه، ~~فجاء بقوله { من فوقهم } ليخرج هذا الشك الذي في كلام العرب، فقال ~~{ من فوقهم } أي عليهم وقع، وكانوا تحته فهلكوا، وما أفلتوا. وقيل ~~إن المراد بالسقف السماء، أي أتاهم العذاب من السماء التي فوقهم. وقيل إن ~~هذه الآية تمثيل لهلاكهم والمعنى أهلكهم فكانوا بمنزلة من سقط بنيانه ~~عليه. وقد اختلف في هؤلاء الذين خر عليهم السقف، فقيل هو نمروذ كما ~~تقدم، وقيل إنه بختنصر وأصحابه، وقيل هم المقسمون الذين تقدم ذكرهم ms2037 في ~~سورة الحجر { وأتهم العذاب } أي الهلاك { من حيث لا ~~يشعرون } به، بل من حيث أنهم في أمان. ثم بين سبحانه أن عذابهم غير ~~مقصور على عذاب الدنيا. فقال { ثم يوم القيمة يخزيهم } ~~بإدخالهم النار، ويفضحهم بذلك ويهينهم، وهو معطوف على مقدر، أي هذا ~~عذابهم في الدنيا، { ثم يوم القيامة يخزيهمويقول } لهم مع ذلك ~~توبيخا وتقريعا { أين شركائى } كما تزعمون وتدعون، قرأ ابن ~~كثير من رواية البزي " شركاي " من دون همز، وقرأ الباقون بالهمز، ثم وصف ~~هؤلاء الشركاء بقوله { الذين كنتم تشقون فيهم } قرأ ~~نافع بكسر النون على الإضافة، وقرأ الباقون بفتحها، أي تخاصمون الأنبياء ~~والمؤمنين فيهم، وعلى قراءة نافع تخاصمونني فيهم وتعادونني، ادعوهم ~~فليدفعوا عنكم هذا العذاب النازل بكم. # وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي ~~طلحة عن ابن عباس في قوله { لا جرم } يقول بلى. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن أبي مالك { لا جرم } قال يعني الحق. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ~~قال لا كذب. وأخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه وغيرهم عن ابن ~~مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من ~~كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان " # ، فقال رجل يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا، ~~فقال # " إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمص الناس " # وفي ذم الكبر، ومدح التواضع أحاديث كثيرة، وكذلك في إخراج محبة حسن ~~الثوب وحسن النعل، ونحو ذلك من الكبر أحاديث كثيرة. والحاصل أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد بين ماهية الكبر أنه بطر الحق وغمص الناس، فهذا هو ~~الكبر المذموم. وقد ساق صاحب الدر المنثور عند تفسيره لهذه الآية أعني ~~قوله سبحانه { إنه لا يحب المستكبرين } أحاديث كثيرة ~~ليس هذا مقام إيرادها، بل المقام مقام ذكر ماله علاقة بتفسير الكتاب ~~العزيز. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ms2038 { قالوا أسطير ~~الأولين } أن ناسا من مشركي العرب كانوا يقعدون بطريق من أتى نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم، فإذا مروا سألوهم فأخبروهم بما سمعوا من النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا إنما هو أساطير الأولين. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ليحملوا أوزارهم } الآية ~~يقول يحملون مع ذنوبهم ذنوب الذين يضلونهم بغير علم. وذلك مثل قوله ~~سبحانه # وأثقالا مع أثقالهم # العنكبوت 13. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن مجاهد نحوه، وزاد ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئا. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { قد مكر ~~الذين من قبلهم } قال نمروذ بن كنعان حين بنى الصرح. وأخرج ~~عبد الرزاق، وابن جرير عن زيد بن أسلم أنه النمروذ أيضا. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { فأتى الله ~~بنينهم من القواعد } قال أتاها أمر الله من أصلها { ~~فخر عليهم السقف من فوقهم } والسقف أعالي البيوت ~~فائتكفت بهم بيوتهم، فأهلكم الله ودمرهم { وأتهم العذاب من ~~حيث لا يشعرون }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق علي ~~بن أبي طلحة عن ابن عباس { تشقون فيهم } قال تخالفوني. ### || [16.27-32] # قوله { قال الذين أوتوا العلم } قيل هم العلماء، قالوه ~~لأممهم الذين كانوا يعظونهم، ولا يلتفتون إلى وعظهم، وكان هذا القول منهم ~~على طريق الشماتة. وقيل هم الأنبياء، وقيل الملائكة، والظاهر الأول، لأن ~~ذكرهم بوصف العلم يفيد ذلك وإن كان الأنبياء والملائكة هم من أهل العلم، ~~بل هم أعرق فيه لكن لهم وصف يذكرون به هو أشرف من هذا الوصف، وهو كونهم ~~أنبياء أو كونهم ملائكة، ولا يقدح في هذا جواز الإطلاق، لأن المراد ~~الاستدلال على الظهور فقط { إن الخزى اليوم } أي الذل ~~والهوان والفضيحة يوم القيامة { والسوء } أي العذاب { على ~~الكفرين } مختص بهم. { الذين تتوفهم الملئكة ~~ظالمى أنفسهم ms2039 } قد تقدم تفسيره. والموصول في محل الجر على أنه ~~نعت للكافرين، أو بدل منه، أو في محل نصب على الاختصاص، أو في محل رفع ~~على تقدير مبتدأ، أي هم الذين تتوفاهم. وانتصاب { ظالمي أنفسهم } على ~~الحال { فألقوا السلم } معطوف على { فيقول أين ~~شركائى } وما بينهما اعتراض أي أقروا بالربوبية، وانقادوا عند ~~الموت، ومعناه الاستسلام قاله قطرب، وقيل معناه المسالمة، أي سالموا ~~وتركوا المشاقة قاله الأخفش وقيل معناه الإسلام، أي أقروا بالإسلام ~~وتركوا ما كانوا فيه من الكفر، وجملة { ما كنا نعمل من سوء } ~~يجوز أن تكون تفسيرا للسلم على أن يكون المراد بالسلم الكلام الدال ~~عليه، ويجوز أن يكون المراد بالسوء هنا الشرك، ويكون هذا القول منهم على ~~وجه الجحود والكذب، ومن لم يجوز الكذب على أهل القيامة حمله على أنهم ~~أرادوا أنهم لم يعملوا سوءا في اعتقادهم وعلى حسب ظنونهم، ومثله قولهم # والله ربنا ما كنا مشركين # الأنعام 23فلما قالوا هذا، أجاب عليهم أهل العلم بقولهم { بلى إن ~~الله عليم بما كنتم تعملون } أي بلى كنتم تعملون السوء. ~~إن الله عليم بالذي كنتم تعملونه، فمجازيكم عليه، ولا ينفعكم هذا الكذب ~~شيئا. { فادخلوا أبواب جهنم } أي يقال لهم ذلك عند الموت. ~~وقد تقدم ذكر أبواب جهنم، وأن جهنم درجات بعضها فوق بعض، و { ~~خلدين فيها } حال مقدرة، لأن خلودهم مستقبل { فلبئس مثوى ~~المتكبرين } المخصوص بالذم محذوف، والتقدير، لبئس مثوى المتكبرين ~~جهنم، والمراد بتكبرهم هنا هو تكبرهم عن الإيمان والعبادة كما في قوله # إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون # الصافات 35. ثم أتبع أوصاف الأشقياء بأوصاف السعداء، فقال { وقيل ~~للذين اتقوا } وهم المؤمنون { ماذا أنزل ربكم ~~قالوا خيرا } أي أنزل خيرا. قال الثعلبي فإن قيل لم ارتفع الجواب ~~في قوله { أساطير الأولين } وانتصب في قوله { خيرا }؟ فالجواب أن ~~المشركين لم يؤمنوا بالتنزيل، فكأنهم قالوا الذي يقوله محمد هو أساطير ~~الأولين، والمؤمنون آمنوا بالنزول. # فقال أنزل خيرا { للذين أحسنوا فى هذه الدنيا ~~حسنة } قيل هذا من كلام الله عز ms2040 وجل، وقيل هو حكاية لكلام الذين ~~اتقوا، فيكون على هذا بدلا من { خيرا } ، وعلى الأول يكون كلاما ~~مستأنفا مسوقا للمدح للمتقين، والمعنى للذين أحسنوا أعمالهم في الدنيا ~~حسنة أي مثوبة حسنة { ولدار الآخرة } أي مثوبتها { خير } مما ~~أوتوا في الدنيا { ولنعم دار المتقين } دار الآخرة، فحذف ~~المخصوص بالمدح لدلالة ما قبله عليه. وارتفاع { جنت عدن } على ~~أنها مبتدأ خبرها ما بعدها، أو خبر مبتدأ محذوف، وقيل يجوز أن تكون هي ~~المخصوص بالمدح { يدخلونها } هو إما خبر المبتدأ، أو خبر بعد خبر، ~~وعلى تقدير تنكير { عدن } تكون صفة لجنات، وكذلك { تجرى من تحتها ~~الأنهر } وقيل يجوز أن تكون الجملتان في محل نصب على الحال على ~~تقدير أن لفظ { عدن } علم، وقد تقدم معنى جري الأنهار من تحت الجنات { ~~لهم فيها ما يشاءون } أي لهم في الجنات ما تقع عليه مشيئتهم ~~صفوا عفوا يحصل لهم بمجرد ذلك { كذلك يجزى الله المتقين ~~} أي مثل ذلك الجزاء يجزيهم، والمراد بالمتقين. كل من يتقي الشرك وما ~~يوجب النار من المعاصي. والموصول في قوله { الذين تتوفهم ~~الملئكة طيبين } في محل نصب نعت للمتقين المذكور قبله، قرأ ~~الأعمش وحمزة { تتوفاهم } في هذا الموضع، وفي الموضع الأول بالياء ~~التحتية، وقرأ الباقون بالمثناة الفوقية. واختار القراءة الأولى أبو عبيد ~~مستدلا بما روي عن ابن مسعود أنه قال إن قريشا زعموا أن الملائكة إناث ~~فذكروهم أنتم. و { طيبين } فيه أقوال طاهرين من الشرك، أو الصالحين، أو ~~زاكية أفعالهم وأقوالهم، أو طيبي الأنفس ثقة بما يلقونه من ثواب الله، أو ~~طيبة نفوسهم بالرجوع إلى الله، أو طيبين الوفاة، أي هي عليهم سهلة، لا ~~صعوبة فيها، وجملة { يقولون سلم عليكم } في محل نصب على ~~الحال من الملائكة أي قائلين سلام عليكم. ومعناه يحتمل وجهين أحدهما أن ~~يكون السلام إنذارا لهم بالوفاة. الثاني أن يكون تبشيرا لهم بالجنة لأن ~~السلام أمان. وقيل إن الملائكة يقولون السلام عليك ولي الله إن الله ~~يقرأ عليك السلام { ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } ~~أي بسبب عملكم. قيل ms2041 يحتمل هذا وجهين الأول أن يكون تبشيرا بدخول الجنة ~~عند الموت. الثاني أن يقولوا ذلك لهم في الآخرة. ولا ينافي هذا دخول ~~الجنة بالتفضل كما في الحديث الصحيح # " سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله " # قيل ولا أنت يا رسول الله؟ قال # " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " # وقد قدمنا البحث عن هذا. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وقيل للذين اتقوا ~~} قال هؤلاء المؤمنون، يقال لهم { ماذا أنزل ربكم } فيقولون { ~~خيرا } { للذين أحسنوا } أي آمنوا بالله وكتبه، وأمروا ~~بطاعته، وحثوا عباد الله على الخير، ودعوهم إليه. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { الذين تتوفهم ~~الملئكة طيبين } قال أحياء وأمواتا قدر الله لهم ذلك. ### || [16.33-40] # قوله { هل ينظرون } الآية هذا جواب شبهة أخرى لمنكري النبوة، ~~فإنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم ملكا من السماء ~~يشهد على صدقه في ادعاء النبوة فقال { هل ينظرون } في تصديق نبوتك { ~~إلا أن تأتيهم الملئكة } شاهدين بذلك. ويحتمل أن يقال ~~إنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأولين أو عدهم الله بقوله { ~~هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملئكة } لقبض أرواحهم { ~~أو يأتى أمر ربك } أي عذابه في الدنيا المستأصل لهم، أو ~~المراد بأمر الله القيامة. وقرأ الأعمش، وابن وثاب، وحمزة، والكسائي، ~~وخلف " إلا أن يأتيهم الملائكة " بالياء التحتية وقرأ الباقون بالمثناة ~~الفوقية. والمراد بكونهم { ينظرون } أي ينتظرون إتيان الملائكة أو إتيان ~~أمر الله على التفسير الآخر أنهم قد فعلوا فعل من وجب عليه العذاب، وصار ~~منتظرا له، وليس المراد أنهم ينتظرون ذلك حقيقة، فإنهم لا يؤمنون بذلك ~~ولا يصدقونه { كذلك فعل الذين من قبلهم } أي مثل فعل ~~هؤلاء من الإصرار على الكفر والتكذيب والاستهزاء فعل الذين خلوا من قبلهم ~~من طوائف الكفار، فأتاهم أمر الله فهلكوا { وما ظلمهم الله } ~~بتدميرهم بالعذاب، فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم { ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون ms2042 } بما ارتكبوه من القبائح. وفيه أن ظلمهم مقصور ~~عليهم باعتبار ما إليه يئول. وجملة { فأصابهم سيئات ما ~~عملوا } معطوفة على { فعل الذين من قبلهم } ، وما بينهما اعتراض. ~~وقيل في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم ~~سيئات ما عملوا وما ظلمهم الله، والمعنى فأصابهم جزاء سيئات أعمالهم، أو ~~جزاء أعمالهم السيئة { وحاق بهم } أي نزل بهم على وجه الإحاطة { ~~ما كانوا به يستهزءون } أي العذاب الذي كانوا به يستهزئون، ~~أو عقاب استهزائهم. { وقال الذين أشركوا } هذا نوع آخر من ~~كفرهم الذي حكاه الله عنهم. والمراد بالذين أشركوا هنا. أهل مكة { لو ~~شآء الله ما عبدنا من دونه من شىء } أي لو شاء عدم ~~عبادتنا لشيء غيره ما عبدنا ذلك { نحن ولا ءاباؤنا } الذين كانوا ~~على ما نحن عليه الآن من دين الكفر والشرك بالله. قال الزجاج إنهم قالوا ~~هذا على جهة الاستهزاء، ولو قالوه عن اعتقاد لكانوا مؤمنين. وقد مضى ~~الكلام على مثل هذا في سورة الأنعام { ولا حرمنا من دونه من ~~شيء } من السوائب والبحائر ونحوهما، ومقصودهم بهذا القول المعلق ~~بالمشيئة الطعن في الرسالة، أي لو كان ما قاله الرسول حقا من المنع من ~~عبادة غير الله، والمنع من تحريم ما لم يحرمه الله حاكيا ذلك عن الله ~~لم يقع منا ما يخالف ما أراده منا فإنه قد شاء ذلك، وما شاءه كان وما لم ~~يشأه لم يكن، فلما وقع منا العبادة لغيره وتحريم ما لم يحرمه كان ذلك ~~دليلا على أن ذلك هو المطابق لمراده والموافق لمشيئته، مع أنهم في ~~الحقيقة لا يعترفون بذلك ولا يقرون به لكنهم قصدوا ما ذكرنا من الطعن ~~على الرسل { كذلك فعل الذين من قبلهم } من طوائف الكفر، ~~فإنهم أشركوا بالله وحرموا ما لم يحرمه، وجادلوا رسله بالباطل ~~واستهزءوا بهم، ثم قال { فهل على الرسل } الذين يرسلهم الله إلى ~~عباده بما شرعه لهم من شرائعه التي رأسها توحيده، وترك الشرك به { إلا ~~البلغ } إلى من أرسلوا إليهم بما أمروا بتبليغه ms2043 بلاغا واضحا ~~يفهمه المرسل إليهم ولا يلتبس عليهم. # ثم إنه سبحانه أكد هذا، وزاده إيضاحا فقال { ولقد بعثنا فى ~~كل أمة رسولا } كما بعثنا في هؤلاء لإقامة الحجة عليهم # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # الإسراء 15 و «أن» في قوله { أن اعبدوا الله } إما مصدرية أي ~~بعثنا بأن اعبدوا الله، أو مفسرة لأن في البعث معنى القول { ~~واجتنبوا الطغوت } أي اتركوا كل معبود دون الله كالشيطان، ~~والكاهن، والصنم، وكل من دعا إلى الضلال. { فمنهم } أي من هذه الأمم ~~التي بعث الله إليها رسله { من هدى الله } أي أرشده إلى دينه ~~وتوحيده وعبادته واجتناب الطاغوت { ومنهم من حقت عليه ~~الضللة } أي وجبت وثبتت، لإصراره على الكفر والعناد. قال الزجاج ~~أعلم الله أنه بعث الرسل بالأمر بالعبادة، وهو من وراء الإضلال والهداية. ~~ومثل هذه الآية قوله تعالى # فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضللة # الأعراف 30. وفي هذه الآية التصريح بأن الله أمر جميع عباده بعبادته، ~~واجتناب الشيطان، وكل ما يدعو إلى الضلال، وأنهم بعد ذلك فريقان فمنهم من ~~هدى، ومنهم من حقت عليه الضلالة، فكان في ذلك دليل على أن أمر الله ~~سبحانه لا يستلزم موافقة إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان، ولا يريد ~~الهداية إلا للبعض، إذ لو أرادها للكل لم يكفر أحد، وهذا معنى ما حكيناه ~~عن الزجاج هنا. { فسيروا فى الأرض } سير معتبرين { فانظروا ~~كيف كان عقبة المكذبين } من الأمم السابقة عند مشاهدتكم ~~لآثارهم كعاد وثمود، أي كيف صار آخر أمرهم إلى خراب الديار بعد هلاك ~~الأبدان. بالعذاب ثم خصص الخطاب برسوله صلى الله عليه وسلم مؤكدا لما ~~تقدم فقال { إن تحرص على هداهم } أي تطلب بجهدك ذلك { ~~فإن الله لا يهدى من يضل } قرأ ابن مسعود وأهل الكوفة { ~~لا يهدي } بفتح حرف المضارعة على أنه فعل مستقبل مسند إلى الله سبحانه، ~~أي فإن الله لا يرشد من أضله، و { من } في موضع نصب على المفعولية. # وقرأ الباقون " لا يهدي " بضم حرف المضارعة على أنه مبني للمجهول، ~~واختار هذه القراءة ms2044 أبو عبيد، وأبو حاتم على معنى أنه لا يهديه هاد ~~كائنا من كان. و { من } في موضع رفع على أنها نائب الفاعل المحذوف، ~~فتكون هذه الآية على هذه القراءة كقوله في الآية الأخرى # من يضلل الله فلا هادي له # الأعراف 186. والعائد على القراءتين محذوف، أي من يضله. وروى أبو عبيد ~~عن الفراء على القراءة الأولى أن معنى { لا يهدى } لا يهتدي كقوله ~~تعالى # أمن لا يهدى إلا أن يهدى # يونس 35. بمعنى يهتدي. قال أبو عبيد ولا نعلم أحدا روى هذا غير الفراء، ~~وليس بمتهم فيما يحكيه. قال النحاس حكي عن محمد بن يزيد المبرد، كأن معنى ~~{ لا يهدى من يضل } من علم ذلك منه، وسبق له عنده { وما لهم ~~من نصرين } ينصرونهم على الهداية لمن أضله الله، أو ينصرونهم ~~بدفع العذاب عنهم. ثم ذكر عناد قريش وإنكارهم للبعث فقال { وأقسموا ~~بالله جهد أيمنهم } مصدر في موضع الحال أي جاهدين { لا ~~يبعث الله من يموت } من عباده، زعموا أن الله سبحانه عاجز عن ~~بعث الأموات، فرد الله عليهم ذلك بقوله { بلى وعدا عليه حقا ~~} هذا إثبات لما بعد النفي، أي بلى يبعثهم، و { وعدا } مصدر مؤكد لما دل ~~عليه " بلى " وهو يبعثهم لأن البعث وعد من الله وعد عباده به. والتقدير ~~وعد البعث وعدا عليه حقا لا خلف فيه، و { حقا } صفة ل { وعد } ، وكذا ~~{ عليه } فإنه صفة ل { وعدا } أي كائنا عليه، أو نصب حقا على المصدرية ~~أي حق حقا { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أن ذلك ~~يسير عليه سبحانه غير عسير. وقوله { ليبين لهم } أي ليظهر لهم، ~~وهو غاية لما دل عليه " بلى " من البعث، والضمير في { لهم } راجع إلى ~~من يموت، والموصول في قوله { الذى يختلفون فيه } في محل نصب ~~على أنه مفعول ليبين، أي الأمر الذي وقع الخلاف بينهم فيه، وبيانه إذ ذاك ~~يكون بما جاءتهم به الرسل، ونزلت عليهم فيه كتب الله. وقيل إن { ليبين } ~~متعلق بقوله { ولقد بعثنا } أي بعثنا في كل أمة رسولا ليبين ms2045 وهو ~~بعيد { وليعلم الذين كفروا } بالله سبحانه، وأنكروا البعث ~~{ أنهم كانوا كذبين } في جدالهم وإنكارهم البعث بقولهم { ~~لا يبعث الله من يموت }. وجملة { إنما قولنا لشىء ~~إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } مستأنفة لبيان ~~كيفية الإبداء والإعادة بعد بيان سهولة البعث عليه سبحانه. قال الزجاج ~~أعلمهم بسهولة خلق الأشياء عليه فأخبر أنه متى أراد الشيء كان، وهذا ~~كقوله # وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون # البقرة 117. وقرأ ابن عامر، والكسائي { فيكون } بالنصب عطفا على { أن ~~نقول }. قال الزجاج يجوز أن يكون نصبا غلى جواب { كن }. وقرأ الباقون ~~بالرفع على معنى فهو يكون. قال ابن الأنباري أوقع لفظ الشيء على المعلوم ~~عند الله تعالى قبل الخلق، لأنه بمنزلة ما قد وجد وشوهد. وقال الزجاج إن ~~معنى «لشيء» لأجل شيء فجعل اللام سببية. وقيل هي لام التبليع، كما في ~~قولك قلت له قم فقام، و { إنما قولنا } مبتدأ و { أن نقول ~~له كن } خبره، وهذا الكلام من باب التمثيل على معنى أنه لا يمتنع ~~عليه شيء، وأن وجوده عند إرادته كوجود المأمورية عند أمر الآمر المطاع ~~إذا ورد على المأمور المطيع، وليس هناك قول ولا مقول له، ولا أمر، ولا ~~مأمور حتى يقال إنه يلزم منه أحد محالين، إما خطاب المعدوم، أو تحصيل ~~لحاصل. وقد مضى تفسير ذلك في سورة البقرة مستوفى. وقد أخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { هل ~~ينظرون إلا أن تأتيهم الملئكة } قال بالموت، وقال في ~~آية أخرى # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملئكة # الأنفال 50، وهو ملك الموت، وله رسل { أو يأتى أمر ربك } ~~وذاكم يوم القيامة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~عكرمة في قوله { فإن الله لا يهدى من يضل } قال من يضله ~~الله لا يهديه أحد. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن أبي العالية قال كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين ms2046 دين ~~فأتاه يتقاضاه فكان فيما تكلم به والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا وكذا، ~~فقال له المشرك إنك لتزعم أنك تبعث من بعد الموت، فأقسم بالله جهد يمينه ~~لا يبعث الله من يموت، فأنزل الله { وأقسموا بالله جهد ~~أيمنهم لا يبعث الله من يموت } الآية. وأخرج ابن ~~العقيلي، وابن مردويه عن علي في قوله { وأقسموا بالله جهد ~~أيمنهم لا يبعث الله من يموت } قال نزلت في. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر عن أبي هريرة، قال «قال الله تعالى ~~سبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يسبني، وكذبني ولم يكن ينبغي له أن ~~يكذبني، أما تكذيبه إياي، فقال { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله ~~من يموت } ، وقلت { بلى وعدا عليه حقا } وأما سبه إياي، فقال # إن الله ثالث ثلاثة # المائدة 73، وقلت # قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد # سورة الإخلاص 1 - 4، هكذا ذكره أبو هريرة موقوفا وهو في الصحيحين ~~مرفوعا بلفظ آخر. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن قتادة في قوله { ليبين لهم الذى يختلفون فيه ~~} يقول للناس عامة. ### || [16.41-50] # قد تقدم تحقيق معنى الهجرة في سورة النساء، وهي ترك الأهل والأوطان، ~~ومعنى { هجروا فى الله } في شأن الله سبحانه وفي رضاه. وقيل { ~~فى الله } في دين الله. وقيل في بمعنى اللام أي لله { من بعد ~~ما ظلموا } أي عذبوا وأهينوا، فإن أهل مكة عذبوا جماعة من المسلمين ~~حتى قالوا ما أرادوا منهم، فلما تركوهم هاجروا. وقد اختلف في سبب نزول ~~الآية، فقيل نزلت في صهيب وبلال وخباب وعمار. واعترض بأن السورة مكية، ~~وذلك يخالف قوله { والذين هجروا }. وأجيب بأنه يمكن أن تكون ~~هذه الآية من جملة الآيات المدنية في هذه السورة كما قدمنا في عنوانها، ~~وقيل نزلت في أبي جندل بن سهيل، وقيل نزلت في أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم لما ظلمهم المشركون بمكة وأخرجوهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة. ms2047 { ~~لنبوئنهم فى الدنيا حسنة } اختلف في معنى هذا على ~~أقوال. فقيل المراد نزولهم المدينة، قاله ابن عباس، والحسن، والشعبي، ~~وقتادة. وقيل المراد الرزق الحسن، قاله مجاهد. وقيل النصر على عدوهم ~~قاله الضحاك. وقيل ما استولوا عليه من فتوح البلاد، وصار لهم فيها من ~~الولايات. وقيل ما بقي لهم فيها من الثناء، وصار لأولادهم من الشرف. ولا ~~مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور. ومعنى { لنبوئنهم فى ~~الدنيا حسنة } لنبوئنهم مباءة حسنة، أو تبوئة حسنة، فحسنة صفة ~~مصدر محذوف { ولأجر الآخرة } أي جزاء أعمالهم في الآخرة { ~~أكبر } من أن يعلمه أحد من خلق الله قبل أن يشاهده، ومنه قوله تعالى # وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا # الإنسان 20. { لو كانوا يعلمون } أي لو كان هؤلاء الظلمة ~~يعلمون ذلك. وقيل إن الضمير في { يعلمون } راجع إلى المؤمنين، أي لو رأوا ~~ثواب الآخرة وعاينوه لعلموا أنه أكبر من حسنة الدنيا. { الذين ~~صبروا } الموصول في محل نصب على المدح، أو الرفع على تقدير مبتدأ، أو ~~هو بدل من الموصول الأول، أو من الضمير في { لنبؤئنهم } ، { وعلى ~~ربهم يتوكلون } أي على ربهم خاصة يتوكلون في جميع أمورهم ~~معرضين عما سواه، والجملة معطوفة على الصلة أو في محل نصب على الحال. { ~~وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم }. ~~قرأ حفص عن عاصم { نوحي } بالنون، وقرأ الباقون " يوحي " بالياء التحتية، ~~وهذه الآية رد على قريش حيث زعموا أن الله سبحانه أجل من أن يرسل ~~رسولا من البشر، فرد الله عليهم بأن هذه عادته وسنته أن لا يرسل إلا ~~رجالا من البشر يوحي إليهم. وزعم أبو علي الجبائي أن معنى الآية أن ~~الله سبحانه لم يرسل إلى الأنبياء بوحيه إلا من هو على صورة الرجال من ~~الملائكة. # ويرد عليه بأن جبريل كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم على صور ~~مختلفة. ولما كان كفار مكة مقرين بأن اليهود والنصارى هم أهل لعلم بما ~~أنزل الله في التوراة والإنجيل، صرف الخطاب إليهم، وأمرهم أن يرجعوا إلى ms2048 ~~أهل الكتاب، فقال { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون } أي فاسألوا أيها المشركون مؤمن أهل الكتاب إن كنتم لا ~~تعلمون، فإنهم سيخبرونكم أن جميع الأنبياء كانوا بشرا، أو اسألوا أهل ~~الكتاب من غير تقييد بمؤمنيهم كما يفيده الظاهر، فإنهم كانوا يعترفون ~~بذلك ولا يكتمونه. وقيل المعنى فاسألوا أهل القرآن. و { بالبينت ~~والزبر } يتعلق ب { أرسلنا } ، فيكون داخلا في حكم الاستثناء مع { ~~رجالا } ، وأنكر الفراء ذلك، وقال إن صفة ما قبل " إلا " لا تتأخر إلا ~~ما بعدها، لأن المستثنى عنه هو مجموع ما قبل " إلا " مع صلته، كما لو ~~قيل ما أرسلنا إلا رجالا بالبينات، فلما لم يصر هذا المجموع مذكورا ~~بتمامه، امتنع إدخال الاستثناء عليه. وقيل في الكلام تقديم وتأخير، ~~والتقدير وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالا. وقيل يتعلق ~~بمحذوف دل عليه المذكور، أي أرسلناهم بالبينات والزبر، ويكون جوابا عن ~~سؤال مقدر كأنه قيل لماذا أرسلهم؟ فقال أرسلناهم بالبينات والزبر. وقيل ~~متعلق ب { تعلمون } على أنه مفعوله. والباء زائدة، أي إن كنتم لا تعلمون ~~بالبينات والزبر وقيل متعلق ب { رجالا } أي رجالا متلبسين بالبينات ~~والزبر. وقيل ب { نوحى } أي نوحي إليهم بالبينات والزبر. وقيل منصوب ~~بتقدير أعني، والباء زائدة، وأهل الذكر هم أهل الكتاب كما تقدم. وقال ~~الزجاج اسألوا كل من يذكر بعلم، والبينات الحجج والبراهين، والزبر الكتب. ~~وقد تقدم الكلام على هذا في " آل عمران " { وأنزلنا إليك ~~الذكر } أي القرآن. ثم بين الغاية المطلوبة من الإنزال، فقال { ~~لتبين للناس } جميعا { ما نزل إليهم } في هذا الذكر ~~من الأحكام الشرعية، والوعد والوعيد { ولعلهم يتفكرون } أي ~~إرادة أن يتأملوا ويعملوا أفكارهم فيتعظوا. { أفأمن الذين ~~مكروا السيئات } يحتمل أن تكون { السيئات } صفة مصدر محذوف أي ~~مكروا المكرات السيئات، وأن تكون مفعولة للفعل المذكور على تضمينه معنى ~~العمل، أي عملوا السيئات، أو صفة لمفعول مقدر، أي أفأمن الماكرون ~~العقوبات السيئات. أو على حذف حرف الجر، أي مكروا بالسيئات { أن ~~يخسف الله بهم الأرض } هو مفعول " أمن " ، أو بدل من مفعوله ms2049 ~~على القول بأن مفعوله محذوف، وأن السيئات صفة للمحذوف، والاستفهام ~~للتقريع والتوبيخ. ومكر السيئات وسعيهم في إيذاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وإيذاء أصحابه على وجه الخفية، واحتيالهم في إبطال الإسلام، وكيد ~~أهله { أن يخسف الله بهم } كما خسف بقارون. # يقال خسف المكان يخسف خسوفا، ذهب في الأرض، وخسف الله به الأرض خسوفا ~~أي غاب به فيها، ومنه قوله # فخسفنا به وبداره الأرض # القصص 81 وخسف هو في الأرض، وخسف به { أو يأتيهم العذاب ~~من حيث لا يشعرون } به في حال غفلتهم عنه كما فعل بقوم لوط ~~وغيرهم. وقيل يريد يوم بدر، فإنهم أهلكوا ذلك اليوم، ولم يكن في حسبانهم. ~~{ أو يأخذهم فى تقلبهم }. ذكر المفسرون فيه وجوها، فقيل ~~المراد في أسفارهم ومتاجرهم، فإنه سبحانه قادر على أن يهلكهم في السفر ~~كما يهلكهم في الحضر، وهم لا يفوتونه بسبب ضربهم في الأرض، وبعدهم عن ~~الأوطان. وقيل المراد في حال تقلبهم في قضاء أوطارهم بوجود الحيل. فيحول ~~الله بينهم وبين مقاصدهم وحيلهم. وقيل في حال تقلبهم في الليل على فرشهم. ~~وقيل في حال إقبالهم وإدبارهم، وذهابهم ومجيئهم بالليل والنهار. والقلب ~~بالمعنى الأول مأخوذ من قوله # لا يغرنك تقلب الذين كفروا فى البلد # آل عمران 196. وبالمعنى الثاني مأخوذ من قوله # وقلبوا لك الأمور # التوبة 48. { فما هم بمعجزين } أي بفائتين ولا ممتنعين. { أو ~~يأخذهم على تخوف } أي حال تخوف وتوقع للبلايا بأن يكونوا ~~متوقعين للعذاب، حذرين منه غير غافلين عنه، فهو خلاف ما تقدم من قوله { ~~أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون } ، وقيل معنى ~~{ على تخوف } على تنقص. قال ابن الأعرابي أي على تنقص من الأموال ~~والأنفس والثمرات حتى أهلكهم. قال الواحدي قال عامة المفسرين { على تخوف ~~} قال تنقص، إما بقتل أو بموت، يعني بنقص من أطرافهم ونواحيهم يأخذهم ~~الأول فالأول حتى يأتي الأخذ على جميعهم. قال والتخوف التنقص، يقال هو ~~يتخوف المال، أي يتنقصه، ويأخذ من أطرافه، انتهى. يقال تخوفه الدهر ~~وتخونه بالفاء والنون تنقصه، قال ذو الرمة # لا بل ms2050 هو الشوق من دار تخوفها مرا سحاب ومرا بارح ترب # وقال لبيد # تخوفها نزولي وارتحالي # أي تنقص لحمها وشحمها قال الهيثم بن عدي التخوف بالفاء التنقص. لغة ~~لأزد شنودة. وأنشد # تخوف عدوهم مالي وأهدي سلاسل في الحلوق لها صليل # وقيل { على تخوف } على عجل، قاله الليث بن سعد، وقيل على تقريع بما ~~قدموه من ذنوبهم، روي ذلك عن ابن عباس، وقيل { على تخوف } أن يعاقب ~~ويتجاوز، قاله قتادة { فإن ربكم لرءوف رحيم } لا يعاجل، ~~بل يمهل رأفة بكم ورحمة لكم مع استحقاقهم للعقوبة. { أولم يروا ~~إلى ما خلق الله من شىء } لما خوف سبحانه الماكرين بما ~~خوف، أتبعه ذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي ~~والسفلي ومكانهما، والاستفهام في { أولم يروا } للإنكار، و " ما ~~" مبهمة مفسرة بقوله { من شيء } ، قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ويحيى بن ~~وثاب، والأعمش " تروا " بالمثناة الفوقية، على أنه خطاب لجميع الناس، ~~وقرأ الباقون بالتحتية بإرجاع الضمير إلى { الذين مكروا السيئات } ، وقرأ ~~أبو عمرو ويعقوب تتفيؤا ظلاله بالمثناة الفوقية. # وقرأ الباقون بالتحتية، واختارها أبو عبيد، أي يميل من جانب إلى جانب، ~~ويكون أول النهار على حال ويتقلص، ثم يعود في آخر النهار على حالة أخرى. ~~قال الأزهري تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار، فالتفيؤ لا يكون إلا ~~بالعشي، وما انصرف عنه الشمس والقمر، والذي يكون بالغداة هو الظل. وقال ~~ثعلب أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه ~~فهو فيء، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل. ومعنى { من شىء } من شيء له ~~ظل، وهي الأجسام، فهو عام أريد به الخاص. و { ظلاله } جمع ظل، وهو مضاف ~~إلى مفرد لأنه واحد يراد به الكثرة. { عن اليمين والشمآئل } ~~أي عن جهة أيمانها وشمائلها، أي عن جانبي كل واحد منها. قال الفراء وحد ~~اليمين لأنه أراد واحدا من ذوات الأظلال، وجمع الشمائل لأنه أراد كلها، ~~لأن ما خلق الله لفظه مفرد ومعناه جمع. وقال الواحدي وحد اليمين والمراد ~~به ms2051 الجميع إيجازا في اللفظ كقوله # ويولون الدبر # القمر 45، ودلت الشمائل على أن المراد به الجمع. وقيل إن العرب إذا ذكرت ~~صيغتي جمع، عبرت عن أحدهما بلفظ الواحد كقوله # وجعل الظلمت والنور # الأنعام 1، و # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم # البقرة 7، وقيل المراد باليمين النقطة التي هي مشرق الشمس، وأنها واحدة. ~~والشمائل عبارة عن الانحراف في فلك الإظلال بعد وقوعها على الأرض، وهي ~~كثيرة. وإنما عبر عن المشرق باليمين لأن أقوى جانبي الإنسان يمينه، ومنه ~~تظهر الحركة القوية. { سجدا لله } منتصب على الحال، أي حال كون ~~الظلال سجدا لله. قال الزجاج يعني أن هذه الأشياء مجبولة على الطاعة، ~~وقال أيضا سجود الجسم انقياده وما يرى من أثر الصنعة { وهم دخرون ~~} في محل نصب على الحال، أي خاضعون صاغرون، والدخور الصغار والذل، يقال ~~دخر الرجل، فهو داخر، وأدخره الله. قال الشاعر # فلم يبق إلا داخر في مخيس ومنجحر في غير أرضك في حجر # ومخيس اسم سجن كان بالعراق { ولله يسجد ما فى السموات ~~وما في الأرض من دابة } أي له وحده يخضع وينقاد، لا لغيره ما ~~في السموات جميعا، { وما في الأرض من دابة } تدب على الأرض. والمراد به ~~كل دابة. قال الأخفش هو كقولك ما أتاني من رجل مثله، وما أتاني من الرجال ~~مثله. وقد دخل في عموم ما في السموات وما في الأرض جميع الأشياء الموجودة ~~فيهما، وإنما خص الدابة بالذكر، لأنه قد علم من قوله { أولم ~~يروا إلى ما خلق الله من شىء } انقياد الجمادات، وعطف ~~الملائكة على ما قبلهم، تشريفا لهم، وتعظيما لدخولهم في المعطوف عليه { ~~وهم لا يستكبرون } أي والحال أنهم لا يستكبرون عن عبادة ربهم، ~~والمراد الملائكة. # ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة. وفي هذا رد على قريش حيث زعموا أن ~~الملائكة بنات الله. ويجوز أن تكون حالا من فاعل { يسجد } ، و " ما " ~~عطف عليه، أي يسجد لله ما في السموات وما في الأرض، والملائكة، وهم ~~جميعا لا يستكبرون عن السجود. { يخفون ربهم من فوقهم } ~~هذه الجملة ms2052 في محل نصب على الحال، أي حال كونهم يخافون ربهم من فوقهم. أو ~~جملة مستأنفة لبيان نفي استكبارهم، ومن آثار الخوف عدم الاستكبار، و { من ~~فوقهم } متعلق ب { يخافون } على حذف مضاف، أي يخافون عذاب ربهم من ~~فوقهم، أو يكون حالا من الرب، أي يخافون ربهم حال كونه من فوقهم. وقيل ~~معنى { يخفون ربهم من فوقهم } يخافون الملائكة، فيكون ~~على حذف المضاف، أي يخافون ملائكة ربهم كائنين من فوقهم. وهو تكلف لا ~~حاجة إليه، وإنما اقتضى مثل هذه التأويلات البعيدة المحاماة على مذاهب قد ~~رسخت في الأذهان، وتقررت في القلوب. قيل وهذه المخافة هي مخافة الإجلال، ~~واختاره الزجاج فقال { يخفون ربهم } خوف مجلين. ويدل على صحة ~~هذا المعنى قوله # وهو القاهر فوق عباده # الأنعام 18. وقوله إخبارا عن فرعون # وإنا فوقهم قهرون # الأعراف 127. { ويفعلون ما يؤمرون } أي ما يؤمرون به من ~~طاعة الله يعني الملائكة، أو جميع من تقدم ذكره، وحمل هذه الجمل على ~~الملائكة أولى لأن في مخلوقات الله من يستكبر عن عبادته، ولا يخافه ولا ~~يفعل ما يؤمر به، كالكفار والعصاة الذين لا يتصفون بهذه الصفات وإبليس ~~وجنوده. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في ~~قوله { والذين هجروا فى الله من بعد ما ظلموا } ~~قال هم قوم من أهل مكة هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~ظلمهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن داود ~~بن أبي هند قال نزلت هذه الآية في أبي جندل بن سهيل. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { والذين ~~هجروا فى الله } الآية قال هؤلاء أصحاب محمد، ظلمهم أهل مكة ~~فأخرجوهم من ديارهم، حتى لحق طوائف منهم بأرض الحبشة، ثم بوأهم الله ~~المدينة بعد ذلك، فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصارا من المؤمنين { ~~ولأجر الأخرة أكبر } قال أي والله لما يصيبهم الله من جنته ~~ونعمته أكبر { لو كانوا يعلمون }. وأخرج ابن ms2053 جرير، وابن المنذر ~~عن الشعبي في قوله { فى الدنيا حسنة } قال المدينة. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال ~~لنرزقنهم في الدنيا رزقا حسنا. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال «لما بعث الله محمدا ~~رسولا أنكرت العرب ذلك، فأنزل الله { ما أرسلنا من قبلك ~~إلا رجالا نوحى إليهم } ». وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في قوله { ~~فاسألوا أهل الذكر } الآية، يعني مشركي قريش، أن محمدا رسول ~~الله في التوراة والإنجيل. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال نزلت ~~في عبد الله بن سلام ونفر من أهل التوراة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { بالبينت } ~~قال الآيات. { والزبر } قال الكتب. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، ~~وابن المنذر عن مجاهد في قوله { أفأمن الذين مكروا ~~السيئات } قال نمروذ بن كنعان وقومه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم ~~عن قتادة في الآية قال أي الشرك. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك، قال ~~تكذيبهم الرسل، وإعمالهم بالمعاصي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { أو يأخذهم فى تقلبهم } قال في اختلافهم. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه { فى تقلبهم } قال إن شئت ~~أخذته في سفره { أو يأخذهم على تخوف } يقول على أثر موت ~~صاحبه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا { على تخوف } قال تنقص من ~~أعمالهم. وأخرج ابن جرير عن عمر أنه سألهم عن هذه الآية { أو ~~يأخذهم على تخوف } فقالوا ما نرى إلا أنه عند تنقص ما ~~يردده من الآيات. فقال عمر ما أرى إلا أنه على ما ينقصون من معاصي الله، ~~فخرج رجل ممن كان عند عمر فلقي أعرابيا، فقال يا فلان ما فعل ربك؟ قال ~~قد تخيفته، يعني انتقصته، فرجع إلى عمر فأخبره، فقال قد رأيته ذلك. وأخرج ~~ابن أبي شيبة، وابن ms2054 جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله { أو ~~يأخذهم على تخوف } قال يأخذهم بنقص بعضهم بعضا. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { يتفيؤ } قال يتميل. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله { وهم دخرون } قال صاغرون. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد مثله. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ولله يسجد } الآية قال ~~لم يدع شيئا من خلقه إلا عبده له طائعا أو كارها. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن الحسن في الآية، قال يسجد من في السموات طوعا، ومن في الأرض طوعا ~~وكرها. ### || [16.51-62] # لما بين سبحانه أن مخلوقاته السماوية والأرضية منقادة له، خاضعة لجلاله، ~~أتبع ذلك بالنهي عن الشرك بقوله { وقال الله لا تتخذوا ~~إلهين اثنين إنما هو إله واحد } فنهى سبحانه عن ~~اتخاذ إلهين، ثم أثبت أن الإلهية منحصرة في إله واحد وهو الله سبحانه. ~~وقد قيل إن التثنية في إلهين قد دلت على الاثنينية، والإفراد في إله قد ~~دل على الوحدة، فما وجه وصف إلهين باثنين، ووصف إله واحد؟ فقيل في ~~الجواب إن في الكلام تقديما وتأخيرا، والتقدير لا تتخذوا اثنين إلهين ~~إنما هو واحد إله، وقيل إن التكرير لأجل المبالغة في التنفير عن اتخاذ ~~الشريك. وقيل إن فائدة زيادة اثنين هي أن يعلم أن النهي راجع إلى التعدد ~~لا إلى الجنسية، وفائدة زيادة واحد دفع توهم أن المراد إثبات الإلهية دون ~~الواحدية، مع أن الإلهية له سبحانه مسلمة في نفسها، وإنما خلاف المشركين ~~في الواحدية. ثم نقل الكلام سبحانه من الغيبة إلى التكلم على طريقة ~~الالتفات لزيادة الترهيب، فقال { فإيي فارهبون } أي إن كنتم ~~راهبين شيئا، فإياي فارهبون لا غيري. وقد مر مثل هذا في أول البقرة. ~~ثم لما قرر سبحانه وحدانيته، وأنه الذي يجب أن يخص بالرهبة منه والرغبة ~~إليه، ذكر أن الكل في ملكه وتحت تصرفه فقال { وله ما فى ~~السموات والأرض } وهذه الجملة مقررة لمن تقدم في قوله ms2055 { ~~ولله يسجد ما فى * السموات وما في الارض } إلى ~~آخره، وتقديم الخبر لإفادة الاختصاص { وله الدين واصبا } أي ~~ثابتا واجبا دائما لا يزول، والدين هو الطاعة والإخلاص. قال الفراء { ~~واصبا } معناه دائما، ومنه قول الدؤلي # لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه بذم يكون الدهر أجمع واصبا # أي دائما. وروي عن الفراء أيضا أنه قال الواصب الخالص، والأول أولى، ~~ومنه قوله سبحانه # ولهم عذاب واصب # الصافات 9 أي دائم. وقال الزجاج أي طاعته واجبة أبدا. ففسر الواصب ~~بالواجب. وقال ابن قتيبة في تفسير الواصب أي ليس أحد يطاع إلا انقطع ذلك ~~بزوال أو بهلكة غير الله تعالى، فإن الطاعة تدوم له. ففسر الواصب ~~بالدائم. وإذا دام الشيء دواما لا ينقطع فقد وجب وثبت. يقال وصب الشيء ~~يصب وصوبا، فهو واصب إذا دام، ووصب الرجل على الأمر إذا واظب عليه. وقيل ~~الوصب التعب والإعياء، أي يجب طاعة الله سبحانه وإن تعب العبد فيها وهو ~~غير مناسب لما في الآية، والاستفهام في قوله { أفغير الله ~~تتقون } للتقريع والتوبيخ، وهو معطوف على مقدر، كما في نظائره. ~~والمعنى إذا كان الدين أي الطاعة واجبا له دائما لا ينقطع كان المناسب ~~لذلك تخصيص التقوى به وعدم إيقاعها لغيره. # ثم امتن سبحانه عليهم بأن جميع ما هم متقلبون فيه من النعم هو منه لا ~~من غيره، فقال { وما بكم من نعمة } أي ما يلابسكم من النعم على ~~اختلاف أنواعها فمن الله، أي فهي منه، فتكون ما شرطية، ويجوز أن تكون ~~موصولة متضمنة معنى الشرط، و { بكم } صلتها، و { من نعمة } حال من الضمير ~~في الجار والمجرور، أو بيان ل " ما ". وقوله { فمن الله } الخبر، ~~وعلى كون " ما " شرطية يكون فعل الشرط محذوفا، أي ما يكن، والنعمة إما ~~دينية وهي معرفة الحق لذاته، ومعرفة الخير لأجل العمل به. وإما دنيوية ~~نفسانية، أو بدنية، أو خارجية، كالسعادات المالية وغيرها، وكل واحدة من ~~هذه جنس تحته أنواع لا حصر لها، والكل من الله سبحانه، فعلى العاقل أن لا ~~يشكر إلا إياه، ms2056 ثم بين تلون الإنسان بعد استغراقه في بحر النعم فقال { ~~ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون } أي إذا مسكم ~~الضر أي مس، فإلى الله سبحانه لا إلى غيره تتضرعون في كشفه، فلا كاشف ~~له إلا هو. يقال جأر يجأر في لسان العرب جؤارا إذا رفع صوته في تضرع. ~~قال الأعشى يصف بقرة # فطافت ثلاثا بين يوم وليلة وكان النكير أن تطيف وتجأرا # والضر المرض والبلاء والحاجة والقحط وكل ما يتضرر به الإنسان. { ثم ~~إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم ~~يشركون } أي إذا رفع عنكم ما نزل بكم من الضر { إذا فريق } أي ~~جماعة منكم بربهم الذي رفع الضر عنهم يشركون، فيجعلون معه إلها آخر من ~~صنم أو نحوه، والآية مسوقة للتعجيب من فعل هؤلاء، حيث يضعون الإشراك ~~بالله الذي أنعم عليهم بكشف ما نزل بهم من الضر مكان الشكر له، وهذا ~~المعنى قد تقدم في الأنعام ويونس، ويأتي في سبحان. قال الزجاج هذا خاص ~~بمكر من كفر، وقابل كشف الضر عنه بالجحود والكفر، وعلى هذا فتكون " من " ~~في { منكم } للتبعيض، حيث كان الخطاب للناس جميعا. والفريق هم الكفرة ~~وإن كان الخطاب موجها إلى الكفار، ف " من " للبيان، واللام في { ~~ليكفروا بمآ ءاتينهم } لام كي، أي لكي يكفروا بما آتيناهم ~~من نعمة كشف الضر، حتى كأن هذا الكفر منهم الواقع في موضع الشكر الواجب ~~عليهم غرض لهم ومقصد من مقاصدهم. وهذا غاية في العتو والعناد ليس وراءها ~~غاية. وقيل اللام للعاقبة، يعني ما كانت عاقبة تلك التضرعات إلا هذا ~~الكفر. ثم قال سبحانه على سبيل التهديد والترهيب ملتفتا من الغيبة إلى ~~الخطاب { فتمتعوا } بما أنتم فيه من ذلك { فسوف تعلمون } ~~عاقبة أمركم، وما يحل بكم في هذه الدار، وما تصيرون إليه في الدار ~~الآخرة. # ثم حكى سبحانه نوعا آخر من قبائح أعمالهم فقال { ويجعلون لما ~~لا يعلمون نصيبا مما رزقنهم } أي يقع منهم هذا الجعل ~~بعد ما وقع منهم الجؤار إلى الله سبحانه في كشف الضر عنهم، وما يعقب ms2057 كشفه ~~عنهم من الكفر منهم بالله والإشراك به، ومع ذلك يجعلون لما لا يعلمون ~~حقيقته من الجمادات والشياطين نصيبا مما رزقناهم من أموالهم يتقربون به ~~إليه. وقيل المعنى أنهم، أي الكفار يجعلون للأصنام، وهم لا يعلمون شيئا ~~لكونهم جمادات، ففاعل { يعلمون } على هذا هي الأصنام وأجراها مجرى ~~العقلاء في جمعها بالواو والنون، جريا على اعتقاد الكفار فيها، وحاصل ~~المعنى ويجعل هؤلاء الكفار للأصنام. التي لا تعقل شيئا نصيبا من ~~أموالهم التي رزقهم الله إياها { تالله لتسئلن عما ~~كنتم تفترون } هذا رجوع من الغيبة إلى الخطاب. وهذا السؤال سؤال ~~تقريع وتوبيخ { عما كنتم تفترون } تختلقونه من الكذب على ~~الله سبحانه في الدنيا. { ويجعلون لله البنت } هذا نوع ~~آخر من فضائحهم وقبائحهم، وقد كانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات الله ~~{ سبحنه } نزه سبحانه نفسه عما نسبه إليه هؤلاء الجفاة الذين لا ~~عقول لهم صحيحة ولا أفهام مستقيمة. # إن هم إلا كالأنعم بل هم أضل # الفرقان 44 وفي هذا التنزيه تعجيب من حالهم { ولهم ما يشتهون ~~} أي ويجعلون لأنفسهم ما يشتهوونه من البنين على أن «ما» في محل نصب ~~بالفعل المقدر، ويجوز أن تكون في محل رفع على الابتداء. وأنكر النصب ~~الزجاج. قال لأن العرب لا يقولون جعل له كذا، وهو يعني نفسه، وإنما ~~يقولون جعل لنفسه كذا، فلو كان منصوبا، لقال ولأنفسهم ما يشتهون. وقد ~~أجاز النصب الفراء. ثم ذكر سبحانه كراهتهم للإناث التي جعلوها لله سبحانه ~~فقال { وإذا بشر أحدهم بالأنثى } أي إذا أخبر أحدهم ~~بولادة بنت له { ظل وجهه مسودا } أي متغيرا، وليس المراد ~~السواد الذي هو ضد البياض، بل المراد الكناية بالسواد عن الانكسار ~~والتغير بما يحصل من الغم، والعرب تقول لكل من لقي مكروها قد اسود وجهه ~~غما وحزنا. قاله الزجاج. وقال المارودي بل المراد سواد اللون حقيقة، ~~قال وهو قول الجمهور، والأول أولى، فإن المعلوم بالوجدان أن من غضب وحزن ~~واغتم لا يحصل في لونه إلا مجرد التغير وظهور الكآبة والانكسار لا ~~السواد الحقيقي. وجملة { وهو كظيم ms2058 } في محل نصب على الحال، أي ~~ممتلىء من الغم غيظا وحنقا. قال الأخفش هو الذي يكظم غيظه ولا يظهره. ~~وقيل إنه المغموم الذي يطبق فاه من الغم. مأخوذ من الكظامة، وهو سد فم ~~البئر قاله علي بن عيسى، وقد تقدم في سورة يوسف. { يتوارى من ~~القوم } أي يتغيب ويختفي { من سوء ما بشر به } أي من سوء ~~الحزن والعار والحياء الذي يلحقه بسبب حدوث البنت له { أيمسكه ~~على هون } أي لا يزال مترددا بين الأمرين، وهو إمساك البنت التي ~~بشر بها، أو دفنها في التراب { على هون } أي هوان. # وكذا قرأ عيسى الثقفي. قال اليزيدي والهون الهوان بلغة قريش. وكذا حكاه ~~أبو عبيد عن الكسائي، وحكي عن الكسائي أنه البلاء والمشقة، قالت الخنساء # نهين النفوس وهون النفو س يوم الكريهة أبقى لها # وقال الفراء الهون القليل بلغة تميم. وحكى النحاس عن الأعمش أنه قرأ " ~~أيمسكه على سوء " { أم يدسه في التراب } أي يخفيه في التراب بالوأد كما ~~كانت تفعله العرب، فلا يزال الذي بشر بحدوث الأنثى مترددا بين هذين ~~الأمرين. والتذكير في { يمسكه } و { يدسه } مع كونه عبارة عن الأنثى ~~لرعاية اللفظ. وقرأ الجحدري " أم يدسها في التراب " ويلزمه أن يقرأ " ~~أيمسكها " ، وقيل دسها إخفاؤها عن الناس حتى لا تعرف كالمدسوس لإخفائه عن ~~الأبصار { ألا سآء ما يحكمون } حيث أضافوا البنات التي يكرهونها ~~إلى الله سبحانه وأضافوا البنين المحبوبين عندهم إلى أنفسهم. ومثل هذا ~~قوله تعالى # ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى # النجم 21 22. { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل ~~السوء } أي لهؤلاء الذين وصفهم الله سبحانه بهذه القبائح الفظيعة { ~~مثل السوء } أي صفة السوء من الجهل والكفر بالله. وقيل هو وصفهم لله ~~سبحانه بالصاحبة والولد. وقيل هو حاجتهم إلى الولد ليقوم مقامهم. ووأد ~~البنات لدفع العار وخشية الإملاق. وقيل العذاب والنار { ولله ~~المثل الأعلى } وهو أضداد صفة المخلوقين من الغنى الكامل، والجود ~~الشامل، والعلم الواسع، أو التوحيد وإخلاص العبادة، أو أنه خالق رازق ~~قادر مجاز وقيل شهادة أن ms2059 لا إله إلا الله وقيل # الله نور السموات والأرض مثل نوره # النور 35. { وهو العزيز } الذي لا يغالب، فلا يضره نسبتهم إليه ~~ما لا يليق به { الحكيم } في أفعاله وأقواله. ثم لما حكى سبحانه عن ~~القوم عظيم كفرهم، بين سعة كرمه وحلمه حيث لم يعاجلهم بالعقوبة، ولم ~~يؤاخذهم بظلمهم، فقال { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ~~} والمراد بالناس هنا الكفار، أو جميع العصاة { ما ترك عليها } ~~أي على الأرض، وإن لم يذكر فقد دل عليها ذكر الناس وذكر الدابة. فإن ~~الجميع مستقرون على الأرض، والمراد بالدابة الكافر، وقيل كل ما دب. وقد ~~قيل على هذا كيف يعم بالهلاك مع أن فيهم من لا ذنب له؟ وأجيب بإهلاك ~~الظالم انتقاما منه، وإهلاك غيره إن كان من أهل التكليف فلأجل توفير ~~أجره، وإن كان من غيرهم، فبشؤم ظلم الظالمين، ولله الحكمة البالغة # لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون # الأنبياء 23، ومثل هذا قوله # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خاصة # الأنفال 25. وفي معنى هذا أحاديث منها ما عند مسلم وغيره من حديث ابن ~~عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إذا أراد الله بقوم عذابا، أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على ~~نياتهم " # وكذلك حديث الجيش الذين يخسف بهم في البيداء، وفي آخره أنهم يبعثون على ~~نياتهم وقد قدمنا عند تفسير قوله سبحانه # واتقوا فتنة # الأنفال 25 الآية تحقيقا حقيقا بالمراجعة له { ولكن يؤخرهم ~~إلى أجل مسمى } معلوم عنده، وهو منتهى حياتهم وانقضاء ~~أعمارهم، أو أجل عذابهم. وفي هذا التأخير حكمة بالغة منها الإعذار إليهم ~~وإرخاء العنان معهم، ومنها حصول من سبق في علمه من أولادهم { فإذا ~~جاء أجلهم } الذي سماه لهم، حقت عليهم كلمة الله سبحانه في ذلك ~~الوقت من دون تقدم عليه ولا تأخر عنه، والساعة المدة القليلة، وقد تقدم ~~تفسيرها هذا وتحقيقه. ثم ذكر نوعا آخر من جهلهم وحمقهم فقال { ~~ويجعلون لله ما يكرهون } أي ينسبون إليه سبحانه ما ~~يكرهون نسبته إلى أنفسهم من البنات، وهو تكرير ms2060 لما قد تقدم لقصد التأكيد ~~والتقرير، ولزيادة التوبيخ والتقريع { وتصف ألسنتهم الكذب ~~} هذا من النوع الآخر الذي ذكره سبحانه من قبائحهم، وهو، أي هذا الذي ~~تصفه ألسنتهم من الكذب، هو قولهم { أن لهم الحسنى } أي الخصلة ~~الحسنى، أو العاقبة الحسنى. قال الزجاج يصفون أن لهم مع قبح قولهم من ~~الله الجزاء الحسن. قال الزجاج أيضا والفراء أبدل من قوله { وتصف ~~ألسنتهم الكذب } قوله { أن لهم الحسنى } ، و { الكذب } منصوب على أنه ~~مفعول { تصف }. وقرأ ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، وابن محيصن " الكذب ~~" برفع الكاف والذال والباء على أنه صفة للألسن. وهو جمع كذب، فيكون ~~المفعول على هذا هو { أن لهم الحسنى }. ثم رد الله سبحانه عليهم بقوله { ~~لا جرم أن لهم النار } أي حقا أن لهم مكان ما جعلوه ~~لأنفسهم من الحسنى النار، وقد تقدم تحقيق هذا { وأنهم ~~مفرطون } قال ابن الأعرابي وأبو عبيدة أي متروكون منسيون في النار. ~~وبه قال الكسائي والفراء، فيكون مشتقا من أفرطت فلانا خلفي إذا خلفته ~~ونسيته. وقال قتادة والحسن معجلون إليها، مقدمون في دخولها، من أفرطته، ~~أي قدمته في طلب الماء، والفارط هو الذي يتقدم إلى الماء. والفراط ~~المتقدمون في طلب الماء، والوراد المتأخرون، ومنه قوله صلى الله عليه ~~وسلم # " أنا فرطكم على الحوض " # ، أي متقدمكم، قال القطامي # فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا كما تعجل فراط لوراد # وقرأ نافع في رواية ورش " مفرطون " بكسر الراء وتخفيفها. وهي قراءة ابن ~~مسعود وابن عباس. ومعناه مسرفون في الذنوب والمعاصي. يقال أفرط فلان على ~~فلان إذا أربى عليه، وقال له أكثر مما قال من الشر. # وقرأ أبو جعفر القاري " مفرطون " بكسر الراء وتشديدها، أي مضيعون أمر ~~الله، فهو من التفريط في الواجب. وقرأ الباقون " مفرطون " بفتح الراء ~~مخففا. ومعناه مقدمون إلى النار. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وله الدين واصبا ~~} قال { الدين } الإخلاص، و { واصبا } دائما. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~أبي صالح { وله الدين واصبا } قال ms2061 لا إله إلا الله. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { واصبا } قال دائما. ~~وأخرج الفريابي، وابن جرير عنه قال واجبا. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد { تجئرون } قال تتضرعون ~~دعاء. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال تصيحون بالدعاء. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن الحسن في قوله { فتمتعوا فسوف تعلمون } قال ~~وعيد. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { ويجعلون لما لا ~~يعلمون } الآية، قال يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم، ثم ~~يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرهم ولا ينفعهم { نصيبا مما ~~رزقنهم }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة ~~في الآية، قال هم مشركو العرب، جعلوا لأوثانهم وشياطينهم مما رزقهم الله، ~~وجزءوا من أموالهم جزءا فجعلوه لأوثانهم وشياطينهم. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن السدي في الآية، قال هو قولهم # هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا # الأنعام 136. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس ~~في قوله { ويجعلون لله البنت } الآية، يقول يجعلون لي ~~البنات يرتضونهن لي، ولا يرتضونهن لأنفسهم. وذلك أنهم كانوا في ~~الجاهلية إذا ولد للرجل منهم جارية أمسكها على هوان أو دسها في التراب ~~وهي حية. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك { ولهم ما ~~يشتهون } قال يعني به البنين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن ~~جريج { أم يدسه فى التراب } قال يئد ابنته. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن السدي في قوله { ألا سآء ما يحكمون } قال بئس ما ~~حكموا، يقول شيء لا يرضونه لأنفسهم، فكيف يرضونه لي. وأخرج عبد الرزاق، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ولله ~~المثل الأعلى } قال شهادة أن لا إله إلا الله. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس { ولله المثل الاعلى } ~~قال يقول ليس كمثله شيء. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { ~~ما ترك عليها من دآبة } قال ما ms2062 سقاهم المطر. وأخرج أيضا ~~عن السدي نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر ~~عن قتادة في الآية، قال قد فعل ذلك في زمن نوح، أهلك الله ما على ظهر ~~الأرض من دابة إلا ما حمل في سفينته. # وأخرج أحمد في الزهد عن ابن مسعود قال ذنوب ابن آدم قتلت الجعل في جحره، ~~ثم قال أي والله زمن غرق قوم نوح. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عنه قال كاد ~~الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم. ثم قرأ { ولو يؤاخذ الله ~~الناس بظلمهم ما ترك عليها من دآبة }. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن أبي الدنيا عن أنس نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي ~~الدنيا، وابن جرير، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة، أنه سمع رجلا يقول ~~إن الظالم لا يضر إلا نفسه. قال أبو هريرة بلى، والله إن الحبارى لتموت ~~هزالا في وكرها من ظلم الظالم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك { ~~ويجعلون لله ما يكرهون } قال يجعلون لي البنات، ويكرهون ~~ذلك لأنفسهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عن مجاهد في قوله { وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم ~~الحسنى } قال قول كفار قريش لنا البنون، وله البنات. وأخرج عبد ~~الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد { وأنهم مفرطون } ~~قال منسبون. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن ~~قتادة قال معجلون. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن نحوه. ### || [16.63-69] # بين سبحانه أن مثل صنيع قريش قد وقع من سائر الأمم، فقال مسليا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { تالله لقد أرسلنآ إلى أمم ~~من قبلك } أي رسلا { فزين لهم الشيطن ~~أعمالهم } الخبيثة { فهو وليهم اليوم } يحتمل أن ms2063 يكون ~~ليوم عبارة عن زمان الدنيا، فيكون المعنى فهو قرينهم في الدنيا، ويحتمل ~~أن يكون اليوم عبارة عن يوم القيامة وما بعده، فيكون للحال الآتية، ويكون ~~الولي بمعنى الناصر. والمراد نفي الناصر عنهم على أبلغ الوجوه، لأن ~~الشيطان لا يتصور منه النصرة أصلا في الدار الآخرة، وإذا كان الناصر ~~منحصرا فيه، لزم أن لا نصرة من غيره. ويحتمل أن يراد باليوم بعض زمان ~~الدنيا، وهو على وجهين الأول أن يراد البعض الذي قد مضى، وهو الذي وقع ~~فيه التزيين من الشيطان للأمم الماضية، فيكون على طريق الحكاية للحال ~~الماضية. الثاني أن يراد البعض الحاضر، وهو وقت نزول الآية. والمراد ~~تزيين الشيطان لكفار قريش، فيكون الضمير في { وليهم } لكفار قريش أي فهو ~~ولي هؤلاء اليوم. أو على حذف مضاف، أي فهو ولي أمثال أولئك الأمم اليوم ~~{ ولهم عذاب أليم } أي في الآخرة، وهو عذاب النار. ثم ذكر ~~سبحانه أنه ما هلك من هلك إلا بعد إقامة الحجة عليهم وإزاحة العلة منهم، ~~فقال { ومآ أنزلنا عليك الكتب إلا لتبين لهم ~~الذى اختلفوا فيه } وهذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~والمراد بالكتاب القرآن، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي ما أنزلناه ~~عليك لحال من الأحوال، ولا لعلة من العلل إلا لعلة التبيين لهم، أي ~~للناس الذي اختلفوا فيه من التوحيد، وأحوال البعث، وسائر الأحكام ~~الشرعية، وانتصاب { هدى ورحمة } على أنهما مفعول لهما معطوفان على ~~محل لتبين. ولا حاجة إلى اللام، لأنهما فعلا فاعل الفعل المعلل، بخلاف ~~التبيين، فإنه فعل المخاطب، لا فعل المنزل { لقوم يؤمنون } ~~بالله سبحانه، ويصدقون ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب. ثم عاد سبحانه ~~إلى تقرير وجوده وتفرده بالإلهية بذكر آياته العظام فقال { والله ~~أنزل من السماء مآء } أي من السحاب، أو من جهة العلو كما مر، ~~أي نوعا من أنواع الماء { فأحيا به الأرض بعد موتها } ~~أي أحياها بالنبات بعد أن كانت يابسة لا حياة بها { إن فى ذلك } ~~الإنزال والإحياء { لآية } أي علامة دالة على ms2064 وحدانيته، وعلى بعثه ~~للخلق ومجازاتهم { لقوم يسمعون } كلام الله ويفهمون ما يتضمنه ~~من العبر، ويتفكرون في خلق السموات والأرض. { وإن لكم فى ~~الأنعم لعبرة } الأنعام هي الإبل والبقر والغنم ويدخل في ~~الغنم المعز. # والعبرة أصلها تمثيل الشيء بالشيء ليعرف حقيقته بطريق المشاكلة. ومنه # فاعتبروا يأولى الأبصر # الحشر 2. وقال أبو بكر الوارق العبرة في الأنعام تسخيرها لأربابها ~~وطاعتها لهم، والظاهر أن العبرة هي قوله { نسقيكم مما فى ~~بطونه } فتكون الجملة مستأنفة لبيان العبرة. قرأ أهل المدينة، وابن ~~عامر، وعاصم في رواية أبي بكر " نسقيكم " بفتح النون، من سقى يسقي. وقرأ ~~الباقون وحفص عن عاصم بضم النون من أسقى يسقي، قيل هما لغتان. قال لبيد # سقى قومي بني مجد وأسقى نميرا والقبائل من هلال # وقرىء بالتاء الفوقية، على أن الضمير راجع إلى الأنعام. وقرىء بالتحتية ~~على إرجاع الضمير إلى الله سبحانه، وهما ضعيفتان. وجميع القراء على ~~القراءتين الأوليين، والفتح لغة قريش، والضم لغة حمير. وقيل إن بين سقى ~~وأسقى فرقا، فإذا كان الشراب من يد الساقي إلى فم المسقى فيقال سقيته، ~~وإن كان بمجرد عرضه عليه وتهيئته له، قيل أسقاه. والضمير في قوله { ~~مما فى بطونه } راجع إلى الأنعام. قال سيبويه العرب تخبر عن ~~الأنعام بخبر الواحد. وقال الزجاج لما كان لفظ الجمع يذكر ويؤنث، فيقال ~~هو الأنعام، وهي الأنعام جاز عود الضمير بالتذكير. وقال الكسائي معناه ~~مما في بطون ما ذكرنا، فهو على هذا عائد إلى المذكور. قال الفراء وهو ~~صواب. وقال المبرد هذا فاش في القرآن كثير، مثل قوله للشمس # هذا ربى # الأنعام 78 يعني هذا الشيء الطالع. وكذلك # وإنى مرسلة إليهم بهدية # النمل 35، ثم قال # فلما جاء سليمان # النمل 36، ولم يقل جاءت لأن المعنى جاء الشيء الذي ذكرنا. انتهى، ومن ~~ذلك قوله # كلا إنه تذكرة * فمن شاء ذكره # المدثر 54، 55 ومثله قول الشاعر # مثل الفراخ نتفت حواصله # ولم يقل حواصلها. وقول الآخر # وطاب ألبان اللقاح وبرد # ولم يقل وبردت. وحكي عن الكسائي أن المعنى مما في بطون بعضه وهي ms2065 الإناث ~~لأن الذكور لا ألبان لها، وبه قال أبو عبيدة وحكي عن الفراء أنه قال ~~النعم والأنعام واحد، يذكر ويؤنث، ولهذا تقول العرب هذه نعم وارد، فرجع ~~الضمير إلى لفظ النعم الذي هو بمعنى الأنعام. وهو كقول الزجاج. ورجحه ابن ~~العربي فقال إنما يرجع التذكير إلى معنى الجمع، والتأنيث إلى معنى ~~الجماعة. فذكره هنا باعتبار لفظ الجمع، وأنثه في سورة المؤمنين باعتبار ~~لفظ الجماعة { من بين فرث ودم } الفرث الزبل الذي ينزل إلى ~~الكرش، فإذا خرج منه لم يسم فرثا. يقال أفرثت الكرش إذا أخرجت ما فيها. ~~والمعنى أن الشيء الذي تأكله يكون منه ما في الكرش، وهو الفرث، ويكون منه ~~الدم، فيكون أسفله فرثا، وأعلاه دما وأوسطه لبنا فيجري الدم في العروق، ~~واللبن في الضروع، ويبقى الفرث كما هو { خالصا } يعني من حمرة الدم، ~~وقذارة الفرث بعد أن جمعهما وعاء واحد { سآئغا للشاربين } أي ~~لذيذا هنيئا، لا يغص به من شربه يقال ساغ الشراب، يسوغ سوغا، أي سهل ~~مدخله في الحلق. # { ومن ثمرت النخيل والأعنب } قال ابن جرير التقدير ومن ~~ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون، فحذف " ما " ودل على حذفه قوله { منه ~~}. وقيل هو معطوف على الأنعام، والتقدير وإن لكم من ثمرات النخيل ~~والأعناب لعبرة. ويجوز أن يكون معطوفا على { مما في بطونه } أي نسقيكم ~~مما في بطونه ومن ثمرات النخيل. ويجوز أن يتعلق بمحذوف دل عليه ما قبله، ~~تقديره ونسقيكم من ثمرات النخيل، ويكون على هذا { تتخذون منه ~~سكرا } بيانا للإسقاء وكشفا عن حقيقته، ويجوز أن يتعلق ب { تتخذون ~~} ، تقديره ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكرا، ويكون تكرير ~~الظرف، وهو قوله منه للتأكيد كقولك زيد في الدار فيها، وإنما ذكر الضمير ~~في { منه } لأنه يعود إلى المذكور، أو إلى المضاف المحذوف، وهو العصير، ~~كأنه قيل ومن عصير ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه، والسكر ما يسكر من ~~الخمر، والرزق الحسن جميع ما يؤكل من هاتين الشجرتين كالثمر والدبس ~~والزبيب والخل. وكان نزول هذه الآية قبل تحريم الخمر. ms2066 وقيل إن السكر ~~الخل بلغة الحبشة، والرزق الحسن الطعام من الشجرتين. وقيل السكر العصير ~~الحلو الحلال، وسمي سكرا لأنه قد يصير مسكرا إذا بقي، فإذا بلغ الإسكار ~~حرم. والقول الأول أولى وعليه الجمهور، وقد صرح أهل اللغة بأن السكر ~~اسم للخمر، ولم يخالف في ذلك إلا أبو عبيدة، فإنه قال السكر الطعم، ومما ~~يدل على ما قاله جمهور أهل اللغة قول الشاعر # بئس الصحاب وبئس الشرب شربهم إذا جرى فيهم الهذي والسكر # ومما يدل على ما قاله أبو عبيدة ما أنشده # جعلت عيب الأكرمين سكرا # أي جعلت ذمهم طعما، ورجح هذا ابن جرير فقال إن السكر ما يطعم من الطعام ~~ويحل شربه من ثمار النخيل والأعناب، وهو الرزق الحسن، فاللفظ مختلف. ~~والمعنى واحد، مثل # إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله # يوسف 86. قال الزجاج قول أبي عبيدة هذا لا يعرف، وأهل التفسير على ~~خلافه. ولا حجة في البيت الذي أنشده لأن معناه عند غيره أنه يصف أنها ~~تتخمر بعيوب الناس، وقد حمل السكر جماعة من الحنفية على ما لا يسكر من ~~الأنبذة وعلى ما ذهب ثلثاه بالطبخ. قالوا وإنما يمتن الله على عباده بما ~~أحله لهم، لا بما حرمه عليهم، وهذا مردود بالأحاديث الصحيحة المتواترة ~~على فرض تأخره عن آية تحريم الخمر. ا ه. { إن فى ذلك لآية ~~لقوم يعقلون } أي لدلالة لمن يستعمل العقل، ويعمل بما يقتضيه ~~عند النظر في الآيات التكوينية. { وأوحى ربك إلى النحل } ~~قد تقدم الكلام في الوحي، وأنه يكون بمعنى الإلهام، وهو ما يخلقه في ~~القلب ابتداء من غير سبب ظاهر، ومنه قوله سبحانه # ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها # الشمس 7 - 8. ومن ذلك إلهام البهائم لفعل ما ينفعها وترك ما يضرها، وقرأ ~~يحيى بن وثاب " إلى النحل " بفتح الحاء. قال الزجاج وسمي نحلا، لأن ~~الله سبحانه نحله العسل الذي يخرج منه. قال الجوهري والنحل والنحلة ~~الدبر، يقع على الذكر والأنثى { أن اتخذى من الجبال بيوتا ~~} أي بأن اتخذي على أن «أن» هي المصدرية، ويجوز أن ms2067 تكون تفسيرية لأن في ~~الإيحاء معنى القول، وأنث الضمير في اتخذي لكونه أحد الجائزين كما تقدم، ~~أو للحمل على المعنى، أو لكون النحل جمعا. وأهل الحجاز يؤنثون النحل ~~«ومن» في { من الجبال بيوتا } وكذا في { من الشجر } وكذا في { ~~مما يعرشون } للتبعيض، أي مساكن توافقها وتليق بها في كوى ~~الجبال، وتجويف الشجر، وفي العروش التي يعرشها بنو آدم من الأجناح ~~والحيطان وغيرها. وأكثر ما يستعمل فيما يكون من الخشب، يقال عرش يعرش ~~بكسر الراء وضمها. وبالضم قرأ ابن عامر وشعبة، وقرأ الباقون بالكسر. ~~وقرىء أيضا " بيوتا " بكسر الباء وضمها. { ثم كلى من كل ~~الثمرت } " من " للتبغيض، لأنها تأكل النور من الأشجار، فإذا أكلتها ~~{ فاسلكى سبل ربك } أي الطرق التي فهمك الله وعلمك، وأضافها ~~إلى الرب لأنه خالقها وملهم النحل أن تسلكها، أي ادخلي طرق ربك لطلب ~~الرزق في الجبال وخلال الشجر، أو اسلكي ما أكلت في سبل ربك، أي في مسالكه ~~التي يحيل فيها بقدرته النور عسلا، أو إذا أكلت الثمار في الأمكنة ~~البعيدة، فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك، لا تضلين فيها، وا نتصاب { ~~ذللا } على الحال من السبل، وهي جمع ذلول، أي مذللة، غير متوعرة، ~~واختار هذا الزجاج وابن جرير. وقيل حال من النحل، يعني مطيعة للتسخير، ~~وإخراج العسل من بطونها، واختار هذا ابن قتيبة. وجملة { يخرج من ~~بطونها } مستأنفة عدل به عن خطاب النحل، تعديدا للنعم، وتعجيبا لكل ~~سامع، وتنبيها على الغير، وإرشادا إلى الآيات العظيمة الحاصلة من هذا ~~الحيوان الشبيه بالذباب. والمراد بالشراب هو العسل، ومعنى { مختلف ~~ألوانه } أن بعضه أبيض، وبعضه أحمر، وبعضه أزرق، وبعضه أصفر باختلاف ~~ذوات النحل وألونها ومأكولاتها. وجمهور المفسرين على أن العسل يخرج من ~~أفواه النحل. وقيل من أسفلها. وقيل لا يدري من أين يخرج منها، والضمير في ~~قوله { فيه شفآء للناس } راجع إلى الشراب الخارج من بطون النحل، ~~وهو العسل، وإلى هذا ذهب الجمهور. وقال الفراء، وابن كيسان، وجماعة من ~~السلف إن الضمير راجع إلى القرآن، ويكون التقدير فيما قصصنا ms2068 عليكم من ~~الآيات والبراهين شفاء للناس، ولا وجه للعدول عن الظاهر ومخالفة المرجع ~~الواضح والسياق البين. # وقد اختلف أهل العلم هل هذا الشفاء الذي جعله الله في العسل عام لكل ~~داء، أو خاص ببعض الأمراض؟ فقالت طائفة هو على العموم، وقالت طائفة إن ~~ذلك خاص ببعض الأمراض. ويدل على هذا أن العسل نكرة في سياق الإثبات فلا ~~يكون عاما، وتنكيره إن أريد به التعظيم لا يدل إلا على أن فيه شفاء ~~عظيما لمرض أو أمراض، لا لكل مرض، فإن تنكير التعظيم لا يفيد العموم، ~~والظاهر المستفاد من التجربة ومن قوانين علم الطب، أنه إذا استعمل ~~منفردا، كان دواء لأمراض خاصة وإن خلط مع غيره كالمعاجين ونحوها، كان مع ~~ما خلط به دواء لكثير من الأمراض. وبالجملة فهو من أعظم الأغذية وأنفع ~~الأدوية، وقليلا ما يجتمع هذان الأمران في غيره { إن فى ذلك } ~~المذكور من أمر النحل { لآية لقوم يتفكرون } أي يعملون ~~أفكارهم عند النظر في صنع الله سبحانه وعجائب مخلوقاته. فإن أمر النحل من ~~أعجبها وأغربها وأدقها وأحكمها. وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد ~~بن منصور، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والنحاس، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، وابن مردويه عن ابن عباس أنه ~~سئل عن قوله { تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا } قال ~~السكر ما حرم من ثمرتهما، والرزق الحسن ما حل. وأخرج الفريابي، وابن أبي ~~حاتم، وابن مردويه عنه قال السكر الحرام، والرزق الحسن زبيبه وخله وعنبه ~~ومنافعه. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا ~~قال السكر النبيذ، والرزق الحسن الزبيب. فنسختها هذه الآية # إنما الخمر والميسر # المائدة 90. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عنه ~~أيضا في الآية قال فحرم الله بعد ذلك السكر منع تحريم الخمر لأنه منه، ~~ثم قال { ورزقا حسنا } فهو الحلال من الخل والزبيب والنبيذ ~~وأشباه ذلك، فأقره الله وجعله حلالا للمسلمين. وأخرج الفريابي، وابن ~~أبي شيبة، وابن أبي حاتم عن ابن ms2069 عمر أنه سئل عن السكر، فقال الخمر ~~بعينها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن مسعود قال ~~السكر خمر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس { وأوحى ربك إلى ~~النحل } قال ألهمها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله { فاسلكى سبل ربك ذللا } ~~قال طرقا لا يتوعر عليها مكان سلكته. وأخرج عبد الرازق، وابن جرير، وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة { ذللا } قال مطيعة. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن السدي قال ذليلة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { يخرج من ~~بطونها شراب } قال العسل. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن ~~أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال هو العسل فيه الشفاء، وفي القرآن. # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن ابن مسعود قال إن العسل شفاء من كل ~~داء. والقرآن شفاء لما في الصدور. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن ابن مسعود قال ~~عليكم بالشفاءين العسل والقرآن. وأخرج ابن ماجه، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي في الشعب، وابن السني، وأبو نعيم، والخطيب عن ابن مسعود ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " عليكم بالشفاءين العسل والقرآن " # وقد وردت أحاديث في كون العسل شفاء منها ما أخرجه البخاري من حديث ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " الشفاء في ثلاثة في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنا أنهي ~~أمتي عن الكي " # وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما من حديث أبي سعيد «أن رجلا أتى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أخي استطلق بطنه، فقال # " اسقه عسلا " # فسقاه عسلا، ثم جاء فقال سقيته عسلا، فما زاده إلا استطلاقا، قال # " إذهب فاسقه عسلا " # فذهب فسقاه، ثم جاء فقال ما زاده إلا استطلاقا، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلا " # ، فذهب فسقاه ms2070 عسلا فبرأ. ### || [16.70-74] # لما ذكر سبحانه بعض أحوال الحيوان، وما فيها من عجائب الصنعة الباهرة، ~~وخصائص القدرة القاهرة، أتبعه بعجائب خلق الإنسان، وما فيه من العبر فقال ~~{ والله خلقكم } ولم تكونوا شيئا { ثم يتوفكم } ~~عند انقضاء آجالكم { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } ~~يقال رذل يرذل رذالة، والأرذل والرذالة أردأ الشيء وأوضعه. قال ~~النيسابوري واعلم أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع أولاها سن ~~النشو، وثانيها سن الوقوف، وهو سن الشباب، وثالثها سن الانحطاط ~~اليسير، وهو سن الكهولة، ورابعها سن الانحطاط الظاهر، وهو سن ~~الشيخوخة. قيل وأرذل العمر هو عند أن يصير الإنسان إلى الخرف، وهو أن ~~يصير بمنزلة الصبي الذي لا عقل له وقيل خمس وسبعون سنة، وقيل تسعون سنة، ~~ومثل هذه الآية قوله سبحانه # لقد خلقنا الإنسن فى أحسن تقويم * ثم ~~رددنه أسفل سفلين # التين 4 - 5 ثم علل سبحانه رد من يرده إلى أرذل العمر بقوله { ~~لكيلا يعلم بعد علم } كان قد حصل له { شيئا } من العلم، ~~لا كثيرا ولا قليلا، أو شيئا من المعلومات إذا كان العلم هنا بمعنى ~~المعلوم. وقيل المراد بالعلم هنا العقل، وقيل المراد لئلا يعلم زيادة على ~~علمه الذي قد حصل له قبل ذلك. ثم لما بين سبحانه خلق الإنسان وتقلبه في ~~أطوار العمر، ذكر طرفا من أحواله، لعله يتذكر عند ذلك، فقال { والله ~~فضل بعضكم على بعض فى الرزق } فجعلكم متفاوتين فيه، ~~فوسع على بعض عباده حتى جعل له من الرزق ما يكفي ألوفا مؤلفة من بني ~~آدم، وضيقه على بعض عباده حتى صار لا يجد القوت إلا بسؤال الناس والتكفف ~~لهم، وذلك لحكمة بالغة تقصر عقول العباد عن تعقلها والاطلاع على حقيقة ~~أسبابها، وكما جعل التفاوت بين عباده في المال، جعله بينهم في العقل ~~والعلم والفهم وقوة البدن وضعفه، والحسن والقبح، والصحة والسقم، وغير ~~ذلك من الأحوال، وقيل معنى الآية أن الله سبحانه أعطى الموالي أفضل مما ~~أعطى مماليكهم، بدليل قوله { فما الذين فضلوا برآدى ~~رزقهم على ما ملكت ms2071 أيمنهم } أي فما الذين فضلهم ~~الله بسعة الرزق على غيرهم برادي رزقهم الذي رزقهم الله إياه على ما ~~ملكت أيمانهم من المماليك { فهم } أي المالكون والمماليك { فيه } أي ~~في الرزق { سوآء } أي لا يردونه عليهم بحيث يساوونهم، فالفاء على هذا ~~للدلالة على أن التساوي مترتب على التراد، أي لا يردونه عليهم ردا ~~مستتبعا للتساوي، وإنما يردون عليهم منه شيئا يسيرا، وهذا مثل ضربه ~~الله سبحانه بعبدة الأصنام، أي إذا لم يكونوا عبيدكم معكم سواء، ولا ~~ترضون بذلك، فكيف تجعلون عبيدي معي سواء. # والحال أن عبيدكم مساوون لكم في البشرية والمخلوقية، فلما لم تجعلوا ~~عبيدكم مشاركين لكم في أموالكم، فكيف تجعلون بعض عباد الله سبحانه شركاء ~~له فتعبدونهم معه؟ أو كيف تجعلون بعض مخلوقاته كالأصنام شركاء له في ~~العبادة؟ ذكر معنى هذا ابن جرير، ومثل هذه الآية قوله سبحانه # ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ~~ملكت أيمنكم من شركاء فيما رزقنكم # الروم 28 وقيل إن الفاء في { فهم فيه سواء } بمعنى حتى { أفبنعمة ~~الله تجحدون } حيث تفعلون ما تفعلون من الشرك، والنعمة هي كونه سبحانه ~~جعل المالكين مفضلين على المماليك. وقد قرىء { يجحدون } بالتحتية ~~والفوقية. قال أبو عبيدة، وأبو حاتم وقراءة الغيبة أولى، لقرب المخبر ~~عنه، ولأنه لو كان خطابا، لكان ظاهره للمسلمين، والاستفهام للإنكار، ~~والفاء للعطف على مقدر، أي يشركون به، فيجحدون نعمته، ويكون المعنى على ~~قراءة الخطاب أن المالكين ليسوا برادي رزقهم على مماليكم، بل أنا الذي ~~أرزقهم وإياهم، فلا يظنوا أنهم يعطونهم شيئا، وإنما هو رزقي أجريه على ~~أيديهم، وهم جميعا في ذلك سواء، لا مزية لهم على مماليكهم، فيكون ~~المعطوف عليه المقدر فعلا يناسب هذا المعنى، كأن يقال لا يفهمون ذلك ~~فيجحدون نعمة الله. ثم ذكر سبحانه الحالة الأخرى من أحوال الإنسان فقال { ~~والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } قال المفسرون ~~يعني النساء فإنه خلق حواء من ضلع آدم. أو المعنى خلق لكم من جنسكم ~~أزواجا لتستأنسوا بها، لأن الجنس يأنس إلى جنسه، ويستوحش ms2072 من غير جنسه، ~~وبسبب هذه الأنسة يقع بين الرجال والنساء ما هو سبب للنسل الذي هو ~~المقصود بالزواج، ولهذا قال { وجعل لكم من أزوجكم بنين ~~وحفدة } الحفدة جمع حافد، يقال حفد يحفد حفدا وحفودا إذا أسرع، ~~فكل من أسرع في الخدمة، فهو حافد، قال أبو عبيد الحفد العمل والخدمة. قال ~~الخليل بن أحمد الحفدة عند العرب الخدم، ومن ذلك قول الشاعر، وهو الأعشى # كلفت مجهولنا نوقا يمانية إذ الحداة على أكتافها حفدوا # أي الخدم والأعوان. وقال الأزهري قيل الحفدة أولاد الأولاد. وروي عن ابن ~~عباس، وقيل الأختان. قاله ابن مسعود، وعلقمة، وأبو الضحى، وسعيد بن جبير، ~~وإبراهيم النخعي، ومنه قول الشاعر # فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت لها حفد مما تعد كثير ولكنها نفس علي ~~أبية عيوف لأصهار اللئام قذور # وقيل الحفدة الأصهار. قال الأصمعي الختن من كان من قبل المرأة، كابنها، ~~وأخيها وما أشبههما. والأصهار منهما جميعا. يقال أصهر فلان إلى بني فلان ~~وصاهر. وقيل هم أولاد امرأة الرجل من غيره. وقيل الأولاد الذين يخدمونه. ~~وقيل البنات الخادمات لأبيهن. ورجح كثير من العلماء أنهم أولاد الأولاد، ~~لأنه سبحانه امتن على عباده بأن جعل لهم من الأزواج بنين وحفدة. # فالحفدة في الظاهر معطوفون على البنين، وإن كان يجوز أن يكون المعنى جعل ~~لكم من أزواجكم بنين، وجعل لكم حفدة. ولكن لا يمتنع على هذا المعنى ~~الظاهر أن يراد بالبنين من لا يخدم، وبالحفدة من يخدم الأب منهم، أو يراد ~~بالحفدة البنات فقط. ولا يفيد أنهم أولاد الأولاد إلا إذا كان تقدير ~~الآية وجعل لكم من أزواجكم بنين، ومن البنين حفدة. { ورزقكم من ~~الطيبات } التي تستطيبونها وتستلذونها، و " من " للتعبيض لأن ~~الطيبات لا تكون مجتمعة إلا في الجنة، ثم ختم سبحانه الآية بقوله { ~~أفبالبطل يؤمنون } والاستفهام للإنكار التوبيخي، والفاء ~~للعطف على مقدر، أي يكفرون بالله، فيؤمنون بالباطل، وفي تقدم { بالباطل ~~} على الفعل دلالة على أنه ليس لهم إيمان إلا به. والباطل هو اعتقادهم في ~~أصنامهم أنها تضر وتنفع. وقيل الباطل ما زين ms2073 لهم الشيطان من تحريم ~~البحيرة والسائبة ونحوهما. قرأ الجمهور { يؤمنون } بالتحتية، وقرأ أبو ~~بكر بالفوقية على الخطاب { وبنعمة الله هم يكفرون } أي ما أنعم به عليهم ~~مما لا يحيط به حصر. وفي تقديم النعمة، وتوسيط ضمير الفصل دليل على أن ~~كفرهم مختص بذلك، لا يتجاوزه لقصد المبالغة والتأكيد. { ويعبدون ~~من دون الله } هو معطوف على { يكفرون } داخل تحت الإنكار التوبيخي، ~~إنكارا منه سبحانه عليهم حيث يعبدون الأصنام، وهي لا تنفع ولا تضر، ~~ولهذا قال { ما لا يملك لهم رزقا من السموات ~~والأرض شيئا } قال الأخفش إن { شيئا } بدل من الرزق. وقال الفراء ~~هو منصوب بإيقاع الرزق عليه، فجعل { رزقا } مصدرا عاملا في { شيئا } ~~، والأخفش جعله اسما للرزق. وقيل يجوز أن يكون تأكيدا لقوله { لا يملك ~~} أي لا يملك شيئا من الملك، والمعنى أن هؤلاء الكفار يعبدون معبودات لا ~~تملك لهم رزقا، أي رزق، و { من السموات والأرض } صفة لرزق، أي كائنا ~~منهما، والضمير في { ولا يستطيعون } راجع إلى " ما " ، وجمع جمع ~~العقلاء بناء على زعمهم الباطل، والفائدة في نفي الاستطاعة عنهم أن من ~~لا يملك شيئا قد يكون موصوفا باستطاعة التملك بطريق من الطرق. فبين ~~سبحانه أنها لا تملك ولا تستطيع. وقيل يجوز أن يكون الضمير في { يستطيعون ~~} للكفار، أي لا يستطيع هؤلاء الكفار، مع كونهم أحياء متصرفين، فكيف ~~بالجمادات التي لا حياة لها ولا تستطيع التصرف؟ ثم نهاهم سبحانه عن أن ~~يشبهوه بخلقه، فقال { فلا تضربوا لله الأمثال } فإن ضارب ~~المثل يشبه حالا بحال وقصة بقصة. قال الزجاج لا تجعلوا لله مثلا لأنه ~~واحد لا مثل له، وكانوا يقولون إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد ~~منا، فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون ~~أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن ذلك، وعلل النهي ~~بقوله { إن الله } عليم { يعلم } ما عليكم من العبادة { ~~وأنتم لا تعلمون } ما في عبادتها من سوء العاقبة، والتعرض ~~لعذاب الله سبحانه، أو أنتم لا تعلمون بشيء من ذلك، ms2074 وفعلكم هذا هو عن ~~توهم فاسد وخاطر باطل وخيال مختل، ويجوز أن يراد فلا تضربوا الله ~~الأمثال إن الله يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك. # وقد أخرج ابن جرير عن علي في قوله { ومنكم من يرد إلى ~~أرذل العمر } قال خمس وسبعون سنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ~~قال هو الخرف. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن عكرمة قال من قرأ القرآن، لم يرد إلى أرذل العمر، ثم قرأ { ~~لكيلا يعلم بعد علم شيئا }. وأخرج ابن أبي شيبة عن ~~طاوس، قال العالم لا يخرف. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح ~~وغيره أنه كان يتعوذ بالله أن يرد إلى أرذل العمر. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { والله فضل بعضكم ~~على بعض فى الرزق } قال لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ~~ونسائهم فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني؟ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال هذا مثل لآلهة الباطل مع الله. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~قوله { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } قال خلق ~~آدم، ثم خلق زوجته منه. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، والبخاري في ~~تاريخه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي ~~في سننه عن ابن مسعود في قوله { بنين وحفدة } قال الحفدة ~~الأختان. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال الحفدة الأصهار، ~~وأخرجا عنه، قال الحفدة الولد وولد الولد. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا ~~قال الحفدة بنو البنين. وأخرج ابن جرير، عن أبي جمرة قال سئل ابن عباس عن ~~قوله { بنين وحفدة } قال من أعابك فقد حفدك، أما سمعت الشاعر ~~يقول # حفد الولائد حولهن وأسلمت بأكفهن أزمة الأجمال # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضا، قال الحفدة بنو امرأة الرجل، ~~ليسوا منه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ms2075 قتادة { أفبالبطل يؤمنون ~~} قال الشرك. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال هو الشيطان { وبنعمة الله ~~} قال محمد. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عن قتادة في قوله { ويعبدون من دون الله } الآية، قال هذه ~~الأوثان التي تعبد من دون الله لا تملك لمن يعبدها { رزقا من ~~السموات والأرض } ولا خيرا ولا حياة ولا نشورا { فلا ~~تضربوا لله الامثال } فإنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له ~~كفوا أحد. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله سبحانه { فلا تضربوا لله الأمثال } يعني اتخاذهم ~~الأصنام. يقول لا تجعلوا معي إلها غيري، فإنه لا إله غيري. ### || [16.75-79] # قوله { ضرب الله مثلا } لما قال سبحانه { إن الله يعلم } أي ~~بالمعلومات التي من جملتها كيف يضرب الأمثال، وأنتم لا تعلمون؟ علمهم ~~سبحانه كيف تضرب الأمثال، فقال { ضرب الله مثلا } أي ذكر شيئا يستدل ~~به على تباين الحال بين جناب الخالق سبحانه، وبين ما جعلوه شريكا له من ~~الأصنام. ثم ذكر ذلك فقال { عبدا مملوكا } والمثل في الحقيقة هي ~~حالة للعبد عارضة له، وهي المملوكية والعجز عن التصرف، فقوله { عبدا ~~مملوكا لا يقدر على شىء } تفسير للمثل وبدل منه، ووصفه ~~بكونه مملوكا لأن العبد والحر مشتركان في كون كل واحد منهما عبد الله ~~سبحانه. ووصفه بكونه لا يقدر على شيء لأن المكاتب والمأذون يقدران على ~~بعض التصرفات. فهذا الوصف لتمييزه عنهما { ومن رزقناه } " من " ~~هي الموصولة، وهي معطوفة على { عبدا } أي والذي رزقناه { منا } أي من ~~جهتنا { رزقا حسنا } من الأحرار الذين يملكون الأموال ويتصرفون بها ~~كيف شاءوا، والمراد بكون الرزق حسنا أنه مما يحسن في عيون الناس، لكونه ~~رزقا كثيرا مشتملا على أشياء مستحسنة نفيسة تروق الناظرين إليها. ~~والفاء في قوله { فهو ينفق منه } لترتيب الإنفاق على الرزق، أي ~~ينفق منه في وجوه الخير ويصرف منه إلى أنواع البر والمعروف، وانتصاب { ~~سرا وجهرا } على الحال، أي ينفق منه في حال السر ms2076 وحال الجهر. ~~والمراد بيان عموم الإنفاق للأوقات، وتقديم السر على الجهر مشعر بفضيلته ~~عليه، وأن الثواب فيه أكثر. وقيل إن «من» في { ومن رزقناه } ~~موصوفة، كأنه قيل وحرا رزقناه، ليطابق عبدا. { هل يستوون } أي ~~الحر والعبد الموصوفان بالصفات المتقدمة، وجمع الضمير لمكان من، لأنه ~~اسم مبهم يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث. وقيل إنه ~~أريد بالعبد والموصول الذي هو عبارة عن الحر الجنس أي من اتصف بتلك ~~الأوصاف من الجنسين، والاستفهام للإنكار، أي هل يستوي العبيد والأحرار ~~الموصوفون بتلك الصفات مع كون كلا الفريقين مخلوقين لله سبحانه من جملة ~~البشر، ومن المعلوم أنهم لا يستوون عندهم، فكيف يجعلون لله سبحانه شركاء ~~لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا، ويجعلونهم مستحقين للعبادة مع الله ~~سبحانه؟ وحاصل المعنى أنه كما لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر من أمره ~~على شيء ورجل حر قد رزقه الله رزقا حسنا، فهو ينفق منه، كذلك لا يستوي ~~الرب الخالق الرازق، والجمادات من الأصنام التي تعبدونها، وهي لا تبصر ~~ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع. وقيل المراد بالعبد المملوك في الآية هو ~~الكافر المحروم من طاعة الله وعبوديته، والآخر هو المؤمن. والغرض أنهما ~~لا يستويان في الرتبة والشرف، وقيل العبد هو الصنم، والثاني عابد الصنم، ~~والمراد أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف لأن الأول جماد، والثاني ~~إنسان. # { الحمد لله } أي الحمد لله كله، لأنه المنعم، لا يستحق غيره من ~~العباد شيئا منه، فكيف تستحق الأصنام منه شيئا ولا نعمة منها أصلا لا ~~بالأصالة ولا بالتوسط وقيل أراد الحمد لله على ما أنعم به على أوليائه من ~~نعمة التوحيد وقيل أراد قل الحمد لله، والخطاب إما لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم أو لمن رزقه الله رزقا حسنا، وقيل إنه لما ذكر مثلا مطابقا ~~للغرض كاشفا عن المقصود، قال الحمد لله أي على قوة هذه الحجة { بل ~~أكثرهم لا يعلمون } ذلك حتى يعبدوا من تحق له العبادة، ~~ويعرفوا المنعم عليهم بالنعم الجليلة، ونفي العلم عنهم إما لكونهم من ms2077 ~~الجهل بمنزلة لا يفهمون بسببها ما يجب عليهم، أو هم يتركون الحق عنادا ~~مع علمهم به، فكانوا كمن لا علم له، وخص الأكثر بنفي العلم إما لكونه ~~يريد الخلق جميعا، وأكثرهم المشركون، أو ذكر الأكثر، وهو يريد الكل، أو ~~المراد أكثر المشركين لأن فيهم من يعلم ولا يعمل بموجب العلم. ثم ذكر ~~سبحانه مثلا ثانيا ضربه لنفسه، ولما يفيض على عباده من النعم الدينية ~~والدنيوية، وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع فقال { وضرب ~~الله مثلا } أي مثلا آخر أوضح مما قبله وأظهر منه، و { ~~رجلين } بدل من مثل وتفسير له، والأبكم العيي المفحم. وقيل هو ~~الأقطع اللسان الذي لا يحسن الكلام، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه الذي ~~لا يسمع ولا يبصر، ثم وصف الأبكم فقال { لا يقدر على شىء } ~~من الأشياء المتعلقة بنفسه أو بغيره لعدم فهمه، وعدم قدرته على النطق، ~~ومعنى { كل على مولاه } ثقيل على وليه وقرابته وعيال على من يلي ~~أمره ويعوله، ووبال على إخوانه، وقد يسمى اليتيم كلا لثقله على من يكفله، ~~ومنه قول الشاعر # أكول لمال الكل قبل شبابه إذا كان عظم الكل غير شديد # وفي هذا بيان لعدم قدرته على إقامة مصالح نفسه بعد ذكر عدم قدرته على ~~شيء مطلقا، ثم وصفه بصفة رابعة فقال { أينما يوجهه لا يأت ~~بخير } أي إذا وجهه إلى أي جهة لا يأت بخير قط لأنه لا يفهم ولا ~~يعقل ما يقال له ولا يمكنه أن يقول. وقرأ يحيى بن وثاب " أينما يوجه " ~~على البناء للمجهول، وقرأ ابن مسعود " أينما توجه " على صيغة الماضي { ~~هل يستوى هو } في نفسه مع هذه الأوصاف التي اتصف بها { ومن ~~يأمر بالعدل } أي يأمر الناس بالعدل مع كونه في نفسه ينطق بما ~~يريد النطق به ويفهم. # ويقدر على التصرف في الأشياء. { وهو } في نفسه { على صرط ~~مستقيم } على دين قويم، وسيرة صالحة ليس فيه ميل إلى أحد جانبي ~~الإفراط والتفريط، قابل أوصاف الأول بهذين الوصفين المذكورين للآخر، لأن ~~حاصل أوصاف ms2078 الأول عدم استحقاقه لشيء، وحاصل وصفي هذا أنه مستحق أكمل ~~استحقاق، والمقصود الاستدلال بعدم تساوي هذين المذكورين على امتناع ~~التساوي بينه سبحانه وبين ما يجعلونه شريكا له. ولما فرغ سبحانه من ذكر ~~المثلين، مدح نفسه بقوله { ولله غيب السموات والأرض } ~~أي يختص ذلك به، لا يشاركه فيه غيره، ولا يستقل به، والمراد علم ما غاب ~~عن العباد فيهما، أو أراد بغيبهما يوم القيامة، لأن علمه غائب عن العباد، ~~ومعنى الإضافة إليهما التعلق بهما. والمعنى التوبيخ للمشركين والتقريع ~~لهم، أي أن العبادة إنما يستحقها من كانت هذه صفته لا من كان جاهلا ~~عاجزا لا يضر ولا ينفع ولا يعلم بشيء من أنواع العلم { وما أمر ~~الساعة } التي هي أعظم ما وقعت فيه المماراة من الغيوب المختصة به ~~سبحانه { إلا كلمح البصر } اللمح النظر بسرعة، ولا بد فيه من ~~زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي، وكل زمان قابل للتجزئة، ولذا قال { ~~أو هو } أي أمرهما { أقرب } وليس هذا من قبيل المبالغة، بل هو ~~كلام في غاية الصدق، لأن مدة ما بين الخطاب وقيام الساعة متناهية، ومنها ~~إلى الأبد غير متناه، ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي. أو يقال إن ~~الساعة لما كانت آتية ولا بد جعلت من القرب كلمح البصر. وقال الزجاج لم ~~يرد أن الساعة تأتي في لمح البصر، وإنما وصف سرعة القدرة على الإتيان ~~بها، لأنه يقول للشيء كن فيكون، وقيل المعنى هي عند الله كذلك وإن لم تكن ~~عند المخلوقين بهذه الصفة. ومثله قوله سبحانه # إنهم يرونه بعيدا * ونراه قريبا # المعارج 6 - 7. ولفظ " أو " في { أو هو أقرب } ليس للشك، بل للتمثيل. ~~وقيل دخلت لشك المخاطب، وقيل هي بمنزلة بل { إن الله على كل ~~شىء قدير } ومجيء الساعة بسرعة من جملة مقدوراته. ثم إنه سبحانه ذكر ~~حالة أخرى للإنسان دالة على غاية قدرته، ونهاية رأفته، فقال { والله ~~أخرجكم من بطون أمهتكم لا تعلمون شيئا } وهذا ~~معطوف على قوله { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } ~~منتظم معه في سلك أدلة ms2079 التوحيد، أي أخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا لا ~~علم لكم بشيء، وجملة { لا تعلمون شيئا } في محل نصب على الحال، وقيل ~~المراد لا تعلمون شيئا مما أخذ عليكم من الميثاق. وقيل لا تعلمون شيئا ~~مما قضي به عليكم من السعادة والشقاوة. وقيل لا تعلمون شيئا من منافعكم. ~~والأولى التعميم لتشمل الآية هذه الأمور وغيرها اعتبارا بعموم اللفظ، ~~فإن { شيئا } نكرة واقعة في سياق النفي. # وقرأ الأعمش، وابن وثاب، وحمزة " إمهاتكم " بكسر الهمزة والميم هنا، وفي ~~النور، والزمر، والنجم. وقرأ الكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم. وقرأ ~~الباقون بضم الهمزة وفتح الميم. { وجعل لكم السمع ~~والأبصر والأفئدة } أي ركب فيكم هذه الأشياء، وهو معطوف على ~~{ أخرجكم } وليس فيه دلالة على تأخير هذا الجعل عن الإخراج لما أن مدلول ~~الواو هو مطلق الجمع. والمعنى جعل لكم هذه الأشياء لتحصلوا بها العلم ~~الذي كان مسلوبا عنكم عند إخراجكم من بطون أمهاتكم، وتعملوا بموجب ذلك ~~العلم من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه، والأفئدة جمع فؤاد، وهو وسط ~~القلب، منزل منه بمنزلة القلب من الصدر، وقد قدمنا الوجه في إفراد ~~السمع، وجمع الأبصار والأفئدة، وهو أن إفراد السمع لكونه مصدرا في الأصل ~~يتناول القليل والكثير { لعلكم تشكرون } أي لكي تصرفوا كل آلة ~~فيما خلقت له، فعند ذلك تعرفون مقدار ما أنعم الله به عليكم فتشكرونه، أو ~~أن هذا الصرف هو نفس الشكر. ثم ذكر سبحانه دليلا آخر على كمال قدرته، ~~فقال { ألم يروا إلى الطير مسخرت } أي ألم ينظروا ~~إليها حال كونها مسخرات أي مذللات للطيران بما خلق الله لها من الأجنحة، ~~وسائر الأسباب المواتية لذلك، كرقة قوام الهواء وإلهامها بسط الجناح ~~وقبضه، كما يفعل السابح في الماء { فى جو السمآء } أي في الهواء ~~المتباعد من الأرض في سمت العلو، وإضافته إلى السماء لكونه في جانبها { ~~ما يمسكهن } في الجو { إلا الله } سبحانه بقدرته الباهرة، ~~فإن ثقل أجسامها، ورقة قوام الهواء يقتضيان سقوطها، لأنها لم تتعلق بشيء ~~من فوقها، ولا اعتمدت على شيء تحتها. وقرأ يحيى ms2080 بن وثاب، والأعمش، وابن ~~عامر، وحمزة، ويعقوب " ألم تروا " بالفوقية على الخطاب. واختار هذه ~~القراءة أبو عبيد. وقرأ الباقون بالتحتية { إن فى ذلك لآيات } ~~أي إن في ذلك التسخير على تلك الصفة لآيات ظاهرات تدل على وحدانية الله ~~سبحانه وقدرته الباهرة { لقوم يؤمنون } بالله سبحانه، وبما جاءت ~~به رسله من الشرائع التي شرعها الله. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس في قوله { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا } ~~الآية قال يعني الكافر أنه لا يستطيع أن ينفق نفقة في سبيل الله { ومن ~~رزقناه منا رزقا حسنا } الآية، قال يعني المؤمن وهذا ~~المثل في النفقة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم نحوه بأطول منه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن مجاهد في الآية، وفي قوله { مثلا رجلين أحدهما ~~أبكم } قال كل هذا مثل إله الحق وما تدعون من دونه الباطل. # وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال في المثل الأول، ~~يعني بذلك الآلهة التي لا تملك ضرا ولا نفعا، ولا تقدر على شيء ينفعها ~~{ ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه ~~سرا وجهرا } قال علانية الذي ينفق سرا وجهرا لله. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم وابن مردويه، وابن عساكر عنه، قال نزلت هذه الآية { ~~ضرب الله مثلا عبدا مملوكا } في رجل من قريش، وعبدة بن ~~هشام بن عمرو، وهو الذي ينفق سرا وجهرا، وفي عبدة أبي الجوزاء الذي ~~كان ينهاه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { وضرب ~~الله مثلا رجلين أحدهما أبكم } الآية قال يعني ~~بالأبكم الذي هو كل على مولاه الكافر { ومن يأمر بالعدل } ~~المؤمن، وهذا المثل في الأعمال. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر عنه أيضا قال نزلت هذه الآية { وضرب ~~الله مثلا رجلين } الآية في عثمان بن عفان ومولى له كافر، ~~وهو أسيد بن أبي العيص كان يكره ms2081 الإسلام، وكان عثمان ينفق عليه ويكفله ~~ويكفيه المؤنة، وكان الآخر ينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما. وأخرج ~~ابن سعد، وابن أبي شيبة، والبخاري في تاريخه، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه، والضياء في المختارة عنه أيضا في قوله { ومن يأمر ~~بالعدل } قال عثمان بن عفان. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه ~~أيضا في قوله { كل } قال الكل العيال، كانوا إذا ارتحلوا حملوه على ~~بعير ذلول، وجعلوا معه نفرا يمسكونه خشية أن يسقط عليهم، فهو عناء وعذاب ~~وعيال عليهم { هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل وهو ~~على صرط مستقيم } يعني نفسه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وما أمر الساعة ~~إلا كلمح البصر } هو أن يقول كن فهو كلمح البصر { أو هو ~~أقرب } فالساعة كلمح البصر أو هي أقرب. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ~~في قوله { والله أخرجكم من بطون أمهتكم } قال من ~~الرحم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { فى جو ~~السمآء } أي في كبد السماء. ### || [16.80-83] # قوله { والله جعل لكم } معطوف على ما قبله. وهذا المذكور من جملة أحوال ~~الإنسان، ومن تعديد نعم الله عليه، والسكن مصدر يوصف به الواحد والجمع. ~~وهو بمعنى مسكون، أي تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة. وهذه نعمة، ~~فإن الله سبحانه لو شاء لخلق العبد مضطربا دائما كالأفلاك، ولو شاء ~~لخلقه ساكنا أبدا كالأرض { وجعل لكم من جلود الأنعم ~~بيوتا } لما ذكر سبحانه بيوت المدن، وهي التي للإقامة الطويلة، عقبها ~~بذكر بيوت البادية والرحلة، أي جعل لكم من جلود الأنعام، وهي الأنطاع ~~والأدم بيوتا كالخيام والقباب { تستخفونها } أي يخف عليكم ~~حملها في الأسفار وغيرها، ولهذا قال { يوم ظعنكم } والظعن بفتح ~~العين وسكونها، وقرىء بهما سير أهل البادية للانتجاع والتحول من موضع ~~إلى موضع، ومنه قول عنترة # ظعن الذين فراقهم أتوقع وجرى ببيتهم الغراب الأبقع # والظعن الهودج أيضا { ومن أصوافها وأوبارها ~~وأشعارها أثثا } معطوف على { جعل } أي وجعل لكم من أصواف ~~الأنعام ms2082 وأوبارها وأشعارها. والأنعام تعم الإبل والبقر والغنم كما ~~تقدم. والأصواف للغنم، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز، وهي من جملة ~~الغنم، فيكون ذكر هذه الثلاثة على وجه التنويع كل واحد منها لواحد من ~~الثلاثة، أعني الإبل، ونوعي الغنم، والأثاث متاع البيت، وأصله الكثرة ~~والاجتماع، ومنه شعر أثيث، أي كثير مجتمع، قال الشاعر # وفرع يزين المتن أسود فاحم أثيث كقنو النخلة المتعثكل # قال الخليل أثاثا، أي منضما بعضه إلى بعض، من أث إذا أكثر، قال ~~الفراء لا واحد له، والمتاع ما يتمتع به بأنواع التمتع، وعلى قول أبي زيد ~~الأنصاري إن الأثاث المال أجمع الإبل والغنم والعبيد والمتاع، يكون عطف ~~المتاع على الأثاث من عطف الخاص على العام، وقيل إن الأثاث ما يكتسي به ~~الإنسان ويستعمله من الغطاء والوطاء، والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين ~~به، ومعنى { إلى حين } إلى أن تقضوا أوطاركم منه، أو إلى أن يبلى ~~ويفنى، أو إلى الموت، أو إلى القيامة. ثم لما كان الإنسان قد لا يكون له ~~خيام، أو أبنية يستظل بها لفقر، أو لعارض آخر، فيحتاج إلى أن يستظل بشجر ~~أو جدار أو غمام أو نحو ذلك، نبه سبحانه على ذلك فقال { وجعل لكم ~~مما خلق ظللا } أي أشياء تستظلون بها كالأشياء المذكورة، ~~والحاصل أن الظلال تعم الأشياء التي تظل. ثم لما كان المسافر قد يحتاج ~~إلى ركن يأوي إليه في نزوله، وإلى ما يدفع به عن نفسه آفات الحر والبرد، ~~نبه سبحانه على ذلك فقال { وجعل لكم من الجبال أكننا ~~} وهي جمع كن وهو ما يستكن به من المطر، وهي هنا الغيران في الجبال، ~~جعلها الله سبحانه عدة للخلق يأوون إليها ويتحصنون بها، ويعتزلون عن ~~الخلق فيها { وجعل لكم سرابيل } جمع سربال، وهي القمصان ~~والثياب من الصوف والقطن والكتان وغيرها. # قال الزجاج كل ما لبسته فهو سربال. ومعنى { تقيكم الحر } تدفع ~~عنكم ضرر الحر، وخص الحر ولم يذكر البرد اكتفاء بذكر أحد الضدين عن ~~ذكر الآخر، لأن ما وقى من الحر وقى من البرد. ووجه ms2083 تخصيص الحر بالذكر ~~أن الوقاية منه كانت أهم عندهم من الوقاية من البرد لغلبة الحر في ~~بلادهم { وسربيل تقيكم بأسكم } وهي الدروع والجواشن، يتقون ~~بها الطعن والضرب والرمي. والمعنى أنها تقيهم البأس الذي يصل من بعضهم ~~إلى بعض في الحرب. { كذلك يتم نعمته عليكم } أي مثل ~~ذلك الإتمام البالغ يتم نعمته عليكم، فإنه سبحانه قد من على عباده ~~بصنوف النعم المذكورة ها هنا وبغيرها، وهو بفضله وإحسانه سيتم لهم نعمة ~~الدين والدنيا. { لعلكم تسلمون } إرادة أن تسلموا، فإن من ~~أمعن النظر في هذه النعم لم يسعه إلا الإسلام والانقياد للحق. وقرأ ابن ~~محيصن، وحميد " تتم نعمته " بتاءين فوقيتين، على أن فاعله نعمته، وقرأ ~~الباقون بالتحتية على أن الفاعل هو الله سبحانه. وقرأ ابن عباس، وعكرمة " ~~تسلمون " بفتح التاء واللام من السلامة من الجراح، وقرأ الباقون بضم ~~التاء وكسر اللام من الإسلام. قال أبو عبيد والاختيار قراءة العامة، لأن ~~ما أنعم الله به علينا من الإسلام أفضل مما أنعم به من السلامة من ~~الجراح. وقيل الخطاب لأهل مكة أي لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية، ~~والأولى الحمل على العموم، وإفراد النعمة هنا لأن المراد بها المصدر. { ~~فإن تولوا فإنما عليك البلغ المبين } أي إن ~~تولوا عنك ولم يقبلوا ما جئت به، فقد تمهد عذرك، فإنما عليك البلاغ لما ~~أرسلت به إليهم { المبين } أي الواضح، وليس عليك غير ذلك، وصرف الخطاب ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسلية له. وجملة { يعرفون ~~نعمت الله ثم ينكرونها } استئناف لبيان توليهم، أي هم ~~يعرفون نعمة الله التي عددها، ويعترفون بأنها من عند الله سبحانه، ثم ~~ينكرونها بما يقع من أفعالهم القبيحة من عبادة غير الله وبأقوالهم ~~الباطلة، حيث يقولون هي من الله ولكنها بشفاعة الأصنام. وحيث يقولون إنهم ~~ورثوا تلك النعم من آبائهم، وأيضا كونهم لا يستعملون هذه النعم في مرضاة ~~الرب سبحانه، وفي وجوه الخير التي أمرهم الله بصرفها فيها. وقيل نعمة ~~الله نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يعرفونه، ثم ms2084 ينكرون نبوته { ~~وأكثرهم الكفرون } أي الجاحدون لنعم الله، أو الكافرون ~~بالله. وعبر هنا بالأكثر عن الكل، أو أراد بالأكثر العقلاء دون الأطفال ~~ونحوهم، أو أراد كفر الجحود، ولم يكن كفر كلهم كذلك، بل كان كفر بعضهم ~~كفر جهل، وكفر بعضهم بسبب تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم مع اعترافهم ~~بالله وعدم الجحد لربوبيته، ومثل هذه الآية قوله تعالى # وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ~~فانظر كيف كان عقبة المفسدين # النمل 14. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن مجاهد { سكنا } قال تسكنون فيها. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ~~نحوه قال { وجعل لكم من جلود الأنعم بيوتا } وهي ~~خيام العرب { تستخفونها } يقول في الحمل { ومتعا } يقول ~~بلاغا { إلى حين } قال إلى الموت. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~{ تستخفونها يوم ظعنكم } قال بعض بيوت السيارة بنيانه في ~~ساعة، وفي قوله { وأوبارها } قال الإبل { وأشعارها } قال ~~الغنم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله { أثاثا } قال الأثاث المتاع. ~~وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال الأثاث المال { ومتعا إلى حين } ~~يقول تنتفعون به إلى حين.وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { والله جعل لكم مما خلق ~~ظللا } قال من الشجر ومن غيرها { وجعل لكم من الجبال ~~أكننا } قال غارات يسكن فيها { وجعل لكم سرابيل ~~تقيكم الحر } قال من القطن والكتان والصوف { وسربيل ~~تقيكم بأسكم } من الحديد { كذلك يتم نعمته ~~عليكم لعلكم تسلمون } ولذلك هذه السورة تسمى سورة النعم. ~~وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في ~~قوله { سرابيل تقيكم الحر } قال يعني الثياب، { وسربيل ~~تقيكم بأسكم } قال يعني الدروع والسلاح { كذلك يتم ~~نعمته عليكم لعلكم تسلمون } يعني من الجراحات، وكان ~~ابن عباس يقرؤها " تسلمون " كما قدمنا، وإسناده ضعيف. ### || [16.84-90] # لما بين سبحانه من حال هؤلاء أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها، وأن ~~أكثرهم كافرون، أتبعه بأصناف وعيد يوم القيامة، فقال { ويوم نبعث ms2085 ~~من كل أمة شهيدا } أي واذكر يوم نبعث، أو يوم نبعث وقعوا فيما ~~وقعوا فيه، وشهيد كل أمة نبيها، يشهد لهم بالإيمان والتصديق، وعليهم ~~بالكفر والجحود والتكذيب { ثم لا يؤذن للذين كفروا } أي ~~في الاعتذار، إذ لا حجة لهم ولا عذر، كقوله سبحانه # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # المرسلات 36 أو في كثرة الكلام، أو في الرجوع إلى دار الدنيا، وإيراد " ~~ثم " ها هنا للدلالة على أن ابتلاءهم بالمنع عن الاعتذار المنبيء عن ~~الإقناط الكلي أشد من ابتلائهم بشهادة الأنبياء { ولا هم ~~يستعتبون } لأن العتاب إنما يطلب لأجل العود إلى الرضا، فإذا كان ~~على عزم السخط، فلا فائدة في العتاب. والمعنى أنهم لا يسترضون أي لا ~~يكلفون أن يرضوا ربهم، لأن الآخرة ليست بدار تكليف، ولا يتركون إلى رجوع ~~الدنيا فيتوبون، وأصل الكلمة من العتب وهو الموجد، يقال عتب عليه يعتب ~~إذا وجد عليه، فإذا أفاض عليه ما عتب فيه عليه قيل عاتبه، فإذا رجع إلى ~~مسرته قيل أعتبه، والاسم العتبى، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي ~~العاتب قاله الهروي، ومنه قول النابغة # فإن كنت مظلوما فعبدا ظلمته وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب # { وإذا رأى الذين ظلموا العذاب } أي وإذا رأى الذين ~~أشركوا العذاب الذي يستحقونه بشركهم، وهو عذاب جهنم { فلا يخفف } ~~ذلك العذاب { عنهم ولا هم ينظرون } أي ولا هم يمهلون ~~ليتوبوا، إذ لا توبة هنالك { وإذا رءا الذين أشركوا ~~شركآءهم } أي أصنامهم وأوثانهم التي عبدوها، لما تقرر من أنهم ~~يبعثون مع المشركين ليقال لهم " من كان يعبد شيئا فليتبعه " ، كما ثبت ~~في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم. { قالوا ربنا هؤلآء ~~شركآؤنا الذين كنا ندعوا من دونك } أي الذين كنا ~~نعبدهم من دونك. قال أبو مسلم الأصفهاني مقصود المشركين بهذا القول إحالة ~~الذنب على تلك الأصنام تعللا بذلك، واسترواحا، مع كونهم يعلمون أن ~~العذاب واقع بهم لا محالة، ولكن الغريق يتعلق بكل ما تقع يده عليه. { ~~فألقوا إليهم القول } أي ألقى أولئك الأصنام والأوثان ~~والشياطين ونحوهم ms2086 إلى المشركين القول { إنكم لكذبون } أي ~~قالوا لهم إنكم أيها المشركون لكاذبون فيما تزعمون من إحالة الذنب علينا ~~الذي هو مقصودكم من هذا القول. فإن قيل إن المشركين أشاروا إلى الأصنام ~~ونحوها أن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك، وقد كانوا صادقين في ~~ذلك، فكيف كذبتهم الأصنام ونحوها؟ فالجواب بأن مرادهم من قولهم { هؤلاء ~~شركاؤنا } هؤلاء شركاء الله في المعبودية، فكذبتهم الأصنام في دعوى هذه ~~الشركة. # والأصنام والأوثان وإن كانت لا تقدر على النطق، فإن الله سبحانه ينطقها ~~في تلك الحال، لتخجيل المشركين وتوبيخهم، وهذا كما قالت الملائكة # بل كانوا يعبدون الجن # سبأ 41. يعنون أن الجن هم الذين كانوا راضين بعبادتهم لهم. { ~~وألقوا إلى الله يومئذ السلم } أي ألقى المشركون ~~يوم القيامة الاستسلام والانقياد لعذابه، والخضوع لعزته. وقيل استسلم ~~العابد والمعبود وانقادوا لحكمه فيهم { وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون } أي ضاع وبطل ما كانوا يفترونه من أن لله سبحانه شركاء وما ~~كانوا يزعمون من شفاعتهم لهم، وأن عبادتهم لهم تقربهم إلى الله سبحانه. ~~{ الذين كفروا } في أنفسهم { وصدوا } غيرهم { عن سبيل ~~الله } أي عن طريق الحق، وهي طريق الإسلام والإيمان بأن منعوهم من ~~سلوكها وحملوهم على الكفر. وقيل المراد بالصد عن سبيل الله الصد عن ~~المسجد الحرام. والأولى العموم. ثم أخبر عن هؤلاء الذين صنعوا هذا الصنع ~~بقوله { زدنهم عذابا فوق العذاب } أي زادهم الله عذابا ~~لأجل الإضلال لغيرهم فوق العذاب الذي استحقوه لأجل ضلالهم. وقيل المعنى ~~زدنا القادة عذابا فوق عذاب أتباعهم، أي أشد منه. وقيل إن هذه الزيادة ~~هي إخراجهم من النار إلى الزمهرير، وقيل غير ذلك. { ويوم نبعث ~~فى كل أمة شهيدا عليهم } أي نبيا يشهد عليهم { من ~~أنفسهم } من جنسهم، إتماما للحجة وقطعا للمعذرة، وهذا تكرير لما ~~سبق لقصد التأكيد والتهديد { وجئنا بك } يا محمد { شهيدا على ~~هؤلآء } أي تشهد على هذه الأمم وتشهد لهم. وقيل على أمتك، وقد تقدم ~~مثل هذا في البقرة والنساء { ونزلنا عليك الكتب } أي ~~القرآن. والجملة مستأنفة أو في محل ms2087 نصب على الحال بتقدير قد { تبيانا ~~لكل شىء } أي بيانا له، والتاء للمبالغة، ونظيره من المصادر ~~التلقاء، ولم يأت غيرهما. ومثل هذه الآية قوله سبحانه # ما فرطنا فى الكتب من شىء # الأنعام 38. ومعنى كونه { تبيانا لكل شيء } أن فيه البيان لكثير من ~~الأحكام، والإحالة فيما بقي منها على السنة، وأمرهم باتباع رسوله صلى ~~الله عليه وسلم فيما يأتي به من الأحكام، وطاعته كما في الآيات القرآنية ~~الدالة على ذلك. وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # " إني أوتيت القرآن ومثله معه " # { وهدى } للعباد { ورحمة } لهم { وبشرى للمسلمين } ~~خاصة دون غيرهم، أو يكون الهدى والرحمة والبشرى خاصة بهم لأنهم المنتفعون ~~بذلك. ثم لما ذكر سبحانه أن في القرآن تبيان كل شيء ذكر عقبة آية جامعة ~~لأصول التكليف كلها تصديقا لذلك، فقال { إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان }. # وقد اختلف أهل العلم في تفسير العدل والإحسان فقيل العدل لا إله إلا ~~الله، والإحسان أداء الفرائض. وقيل العدل الفرض. والإحسان النافلة. وقيل ~~العدل استواء العلانية والسريرة، والإحسان. أن تكون السريرة أفضل من ~~العلانية. وقيل العدل الإنصاف، والإحسان التفضل، والأولى تفسير العدل ~~بالمعنى اللغوي، وهو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط. فمعنى أمره ~~سبحانه بالعدل أن يكون عباده في الدين على حالة متوسطة، ليست بمائلة إلى ~~جانب الإفراط، وهو الغلو المذموم في الدين، ولا إلى جانب التفريط، وهو ~~الإخلال بشيء مما هو من الدين. وأما الإحسان فمعناه اللغوي يرشد إلى أنه ~~التفضل بما لم يجب، كصدقة التطوع، ومن الإحسان فعل ما يثاب عليه العبد ~~مما لم يوجبه الله عليه في العبادات وغيرها. وقد صح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه فسر الإحسان بأن يعبد الله العبد حتى كأنه يراه، فقال في ~~حديث ابن عمر الثابت في الصحيحين # " والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # وهذا هو معنى الإحسان شرعا. { وإيتآء ذى القربى } أي إعطاء ~~القرابة ما تدعو إليه حاجتهم. وفي الآية إرشاد إلى صلة الأقارب وترغيب في ~~التصدق ms2088 عليهم. وهو من باب عطف الخاص على العام، إن كان إعطاء الأقارب قد ~~دخل تحت العدل والإحسان. وقيل من باب عطف المندوب على الواجب. ومثل هذه ~~الآية قوله # وءات ذا القربى حقه # الإسراء 26. وإنما خص ذوي القربى لأن حقهم آكد، فإن الرحم قد اشتق الله ~~اسمها من اسمه، وجعل صلتها من صلته، وقطيعتها من قطيعته. { وينهى ~~عن الفحشاء } هي الخصلة المتزايدة في القبح من قول أو فعل. وقيل هي ~~الزنا. وقيل البخل { والمنكر } ما أنكره الشرع بالنهي عنه، وهو ~~يعم جميع المعاصي على اختلاف أنواعها. وقيل هو الشرك وأما { البغى } ~~فقيل هو الكبر، وقيل الظلم. وقيل الحقد، وقيل التعدي، وحقيقته تجاوز ~~الحد فيشمل هذه المذكورة، ويندرج بجميع أقسامه تحت المنكر. وإنما خص ~~بالذكر اهتماما به لشدة ضرره ووبال عاقبته. وهو من الذنوب التي ترجع ~~على فاعلها لقوله سبحانه # إنما بغيكم على أنفسكم # يونس 23، وهذه الآية هي من الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف، ~~والنهي عن المنكر. ثم ختم سبحانه هذه الآية بقوله { يعظكم ~~لعلكم تذكرون } أي يعظكم بما ذكره في هذه الآية مما أمركم به ~~ونهاكم عنه. فإنها كافية في باب الوعظ والتذكير، { لعلكم تذكرون } إرادة ~~أن تتذكروا ما ينبغي تذكره، فتتعظوا بما وعظكم الله به. وقد أخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ~~ويوم نبعث من كل أمة شهيدا } قال شهيدها نبيها على ~~أنه قد بلغ رسالات ربه، قال الله { وجئنا بك شهيدا على ~~هؤلآء } قال ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه ~~الآية، فاضت عيناه. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ~~فألقوا إليهم القول } قال حدثوهم. وأخرج ابن المنذر عن ابن ~~جريج { وألقوا إلى الله يومئذ السلم } قال ~~استسلموا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه. وأخرج عبد ~~الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وهناد بن السري، ~~وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ms2089 أبي حاتم، والطبراني، والحاكم ~~وصححه، والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن مسعود في قوله { زدنهم ~~عذابا فوق العذاب } قال زيدوا عقارب لها أنياب كالنخل الطوال. ~~وأخرج ابن مردويه والخطيب عن البراء «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ~~قول الله تعالى { زدنهم عذابا فوق العذاب } ، فقال # " عقارب أمثال النخل الطوال ينهشونهم في جهنم " # وأخرج أبو يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~زدنهم عذابا فوق العذاب } أنهار من نار صبها الله عليهم ~~يعذبون ببعضها بالليل، وببعضها بالنهار، وقد روى ابن مردويه من حديث جابر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " الزيادة خمسة أنهار تجري من تحت العرش على رءوس أهل النار، ثلاثة ~~أنهار على مقدار الليل، ونهران على مقدار النهار فذلك قوله { ~~زدنهم عذابا فوق العذاب } " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود، قال إن الله أنزل في هذا ~~الكتاب تبيانا لكل شيء، ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن، ثم قرأ ~~{ ونزلنا عليك الكتب تبيانا لكل شىء }. وأخرج ~~سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن ~~الضريس في فضائل القرآن، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة، والطبراني، ~~والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود، قال من أراد العلم، فليثور القرآن، فإن ~~فيه علم الأولين والآخرين. وأخرج أحمد عن عثمان بن أبي العاص، قال «كنت ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا، إذ شخص بصره فقال # " أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من السورة { إن ~~الله يأمر بالعدل والإحسان } الآية " # وفي إسناده شهر بن حوشب. وقال ابن كثير في تفسيره إسناده لا بأس به. وقد ~~أخرجه مطولا أحمد، والبخاري في الأدب، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن ~~مردويه من حديث ابن عباس. وحسن ابن كثير إسناده. وأخرج الماوردي، وابن ~~السكن، وابن منده، وأبو نعيم في معرفة الصحابة عن عبد الملك بن عمير، أن ~~هذه الآية لما بلغت أكثم بن صيفي، حكيم العرب قال ms2090 إني أراه يأمر بمكارم ~~الأخلاق، وينهى عن ملائمها، ثم قال لقومه كونوا في هذا الأمر رؤوسا، ولا ~~تكونوا فيه أذنابا، وكونوا فيه أولا ولا تكونوا فيه آخرا. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء ~~والصفات عن ابن عباس في قوله { إن الله يأمر بالعدل } قال ~~شهادة أن لا إله إلا الله. { والإحسان } أداء الفرائض { وإيتآء ذى ~~القربى } قال إعطاء ذوي الأرحام الحق الذي أوجبه الله عليك بسبب ~~القرابة والرحم. { وينهى عن الفحشاء } قال الزنا { ~~والمنكر } قال الشرك { والبغى } قال الكبر والظلم { ~~يعظكم } قال يوصيكم { لعلكم تذكرون }. وأخرج سعيد بن ~~منصور، والبخاري في الأدب، ومحمد بن نصر في الصلاة، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب قال ~~أعظم آية في كتاب الله # الله لا إله إلا هو الحى القيوم... # البقرة 255. وأجمع آية في كتاب الله للخير والشر الآية التي في النحل { ~~إن الله يأمر بالعدل والإحسان... }. وأكثر آية في ~~كتاب الله تفويضا # ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # الطلاق 2 - 3. وأشد آية في كتاب الله رجاء # يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم... # الزمر 53 الآية. وأخرج البيهقي في الشعب عن الحسن أنه قرأ هذه الآية { ~~إن الله يأمر بالعدل والإحسان... } إلى آخرها، ثم ~~قال إن الله عز وجل جمع لكم الخير كله، والشر كله، في آية واحدة، ~~فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئا إلا جمعه، ولا ترك ~~الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئا إلا جمعه. وأخرج البخاري في ~~تاريخه من طريق الكلبي عن أبيه قال مر علي بن أبي طالب بقوم يتحدثون، ~~فقال فيم أنتم؟ قالوا نتذاكر المروءة. فقال أو ما كفاكم الله عز وجل ~~ذلك في كتابه، إذ يقول { إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان } فالعدل الإنصاف، والإحسان التفضل، فما بقي بعد هذا!. ### || [16.91-96] # خص سبحانه من جملة المأمورات التي تضمنها قوله { إن الله ~~يأمر بالعدل } الوفاء بالعهد، فقال { وأوفوا بعهد ~~الله إذا ms2091 عهدتم } وظاهره العموم في كل عهد يقع من الإنسان من ~~غير فرق بين عهد البيعة وغيره. وخص هذا العهد المذكور في هذه الآية بعض ~~المفسرين بالعهد الكائن في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، ~~وهو خلاف ما يفيده العهد المضاف إلى اسم الله سبحانه من العموم الشامل ~~لجميع عهود الله. ولو فرض أن السبب خاص بعهد من العهود، لم يكن ذلك ~~موجبا لقصره على السبب، فالاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وفسره ~~بعضهم باليمين، وهو مدفوع بذكر الوفاء بالأيمان بعده حيث قال سبحانه { ~~ولا تنقضوا الأيمن بعد توكيدها } أي بعد تشديدها ~~وتغليظها وتوثيقها، وليس المراد اختصاص النهي عن النقض بالأيمان ~~المؤكدة، لا بغيرها مما لا تأكيد فيه. فإن تحريم النقض يتناول الجميع، ~~ولكن في نقض اليمين المؤكدة من الإثم فوق الإثم الذي في نقض ما لم يوكد ~~منها. يقال وكد وأكد توكيدا وتأكيدا، وهما لغتان. وقال الزجاج الأصل ~~الواو، والهمزة بدل منها، وهذا العموم مخصوص بما ثبت في الأحاديث الصحيحة ~~من قوله صلى الله عليه وسلم فقال # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير وليكفر عن ~~يمينه " # ، حتى بالغ في ذلك صلى الله عليه وسلم فقال # والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير ~~وكفرت عن يميني # وهذه الألفاظ ثابتة في الصحيحين وغيرهما، ويخص أيضا من هذا العموم ~~يمين اللغو، لقوله سبحانه # لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمنكم # البقرة 225 ويمكن أن يكون التقييد بالتوكيد هنا لإخراج أيمان اللغو. وقد ~~تقدم بسط الكلام على الأيمان في البقرة. { وقد جعلتم الله ~~عليكم كفيلا } أي شهيدا. وقيل حافظا. وقيل ضامنا. وقيل رقيبا ~~لأن الكفيل يراعي حال المكفول به. وقيل إن توكيد اليمين هو حلف الإنسان ~~على الشيء الواحد مرارا. وحكى القرطبي عن ابن عمر أن التوكيد هو أن يحلف ~~مرتين، فإن حلف واحدة فلا كفارة عليه { إن الله يعلم ما ~~تفعلون } فيجازيكم بحسب ذلك، إن خيرا فخير، وإن شرا ms2092 فشر، وفيه ~~ترغيب وترهيب. ثم أكد وجوب الوفاء وتحريم النقض، فقال { ولا تكونوا ~~كالتى نقضت غزلها } أي لا تكونوا فيما تصنعون من النقض، بعد ~~التوكيد كالتي نقضت غزلها، أي ما غزلته { من بعد قوة } أي من بعد ~~إبرام الغزل وإحكامه، وهو متعلق ب { نقضت } { أنكثا } جمع نكث ~~بكسر النون، ما ينكث فتله. قال الزجاج انتصب { أنكاثا } على المصدر لأن ~~معنى نقضت نكثت. # ورد بأن { أنكاثا } ليس بمصدر، وإنما هو جمع كما ذكرنا. وقال الواحدي ~~هو منصوب على أنه مفعول ثان كما تقول كسرته أقطاعا وأجزاء، أي جعلته ~~أقطاعا وأجزاء. ويحتمل أن يكون حالا. قال ابن قتيبة هذه الآية متعلقة ~~بما قبلها، والتقدير وأوفوا بعهد الله ولا تنقضوا الأيمان، فإنكم إن ~~فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلا وأحكمته ثم جعلته أنكاثا. وجملة { ~~تتخذون أيمنكم دخلا بينكم } في محل نصب على الحال. ~~قال الجوهري والدخل المكر والخديعة، وقال أبو عبيدة كل أمر لم يكن ~~صحيحا فهو دخل، وقيل الدخل ما أدخل في الشيء على فساده. وقال الزجاج ~~غشا وغلا { أن تكون أمة هى أربى من أمة } أي بأن ~~تكون جماعة هي أربى من جماعة، أي أكثر عددا منها وأوفر مالا. يقال ربا ~~الشيء يربو إذا كثر، قال الفراء المعنى لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم، ~~أو لقلتكم وكثرتهم، وقد عزرتموهم بالأيمان. قيل وقد كانت قريش إذا رأوا ~~شوكة في أعادي حلفائهم، نقضوا عهدهم وحالفوا أعداءهم. وقيل هو تحذير ~~للمؤمنين أن يغتروا بكثرة قريش وسعة أموالهم فينقضوا بيعة النبي صلى ~~الله عليه وسلم. { إنما يبلوكم الله به } أي يختبركم ~~بكونكم أكثر وأوفر، لينظر هل تتمسكون بحبل الوفاء، أم تنقضون اغترارا ~~بالكثرة؟ فالضمير في { به } راجع إلى مضمون جملة { أن تكون أمة هي أربى ~~من أمة } أي إنما يبلوكم الله بتلك الكثرة، ليعلم ما تصنعون، أو إنما ~~يبلوكم الله بما يأمركم وينهاكم. { وليبينن لكم يوم ~~القيمة ما كنتم فيه تختلفون } فيوضح الحق والمحقين، ~~ويرفع درجاتهم، ويبين الباطل والمبطلين، فينزل بهم من العذاب ما ~~يستحقونه. ms2093 وفي هذا إنذار وتحذير من مخالفة الحق والركون إلى الباطل. أو ~~يبين لكم ما كنتم تختلفون فيه من البعث والجنة والنار. ثم بين سبحانه ~~أنه قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء أو على الإيمان فقال ~~{ ولو شاء الله لجعلكم أمة وحدة } متفقة على الحق { ~~ولكن } بحكم الإلهية { يضل من يشاء } بخذلانه إياهم عدلا ~~منه فيهم { ويهدى من يشاء } بتوفيقه إياهم فضلا منه عليهم # لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون # الأنبياء 23. ولهذا قال { ولتسألن عما كنتم تعملون } من الأعمال في ~~الدنيا، واللام في { وليبينن لكم } وفي { ولتسألن } هما الموطئتان ~~للقسم. ثم لما نهاهم سبحانه عن نقض مطلق الأيمان، نهاهم عن نقض أيمان ~~مخصوصة، فقال { ولا تتخذوا أيمنكم دخلا بينكم } ~~وهي أيمان البيعة. قال الواحدي قال المفسرون وهذا في نهي الذين بايعوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقض العهد على الإسلام ونصرة الدين. ~~واستدلوا على هذا التخصيص بما في قوله { فتزل قدم بعد ~~ثبوتها } من المبالغة، وبما في قوله { وتذوقوا السوء بما ~~صددتم } لأنهم إذا نقضوا العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صدوا غيرهم عن الدخول في الإسلام. # وعلى تسليم أن هذه الأيمان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هي سبب نزول ~~هذه الآية، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقال جماعة من ~~المفسرين إن هذا تكرير لما قبله، لقصد التأكيد والتقرير. ومعنى { ~~فتزل قدم بعد ثبوتها } فتزل قدم من اتخذ يمينه دخلا عن ~~محجة الحق { بعد ثبوتها } عليها ورسوخها فيها. قيل وأفرد القدم للإيذان ~~بأن زلل قدم واحد، أي قدم كانت عزت أو هانت محذور عظيم، فكيف بأقدام ~~كثيرة؟ وهذا استعارة للمستقيم الحال، يقع في شر عظيم ويسقط فيه، لأن ~~القدم إذا زلت، نقلت الإنسان من حال خير إلى حال شر. ويقال لمن أخطأ في ~~شيء زلت به قدمه، ومنه قول الشاعر # تداركتما عبسا وقد ثل عرشها وذبيان قد زلت بأقدامها النعل # { وتذوقوا السوء بما صددتم } أي تذوقوا العذاب السيء في ~~الدنيا أو في ms2094 الآخرة، أو فيهما بما صددتم { عن سبيل الله } أي ~~بسبب صدودكم أنتم عن سبيل الله، وهو الإسلام، أو بسبب صدكم لغيركم عن ~~الإسلام، فإن من نقض البيعة وارتد، اقتدى به غيره في ذلك، فكان فعله ~~سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها ولهذا قال { ولكم عذاب ~~عظيم } أي متبالغ في العظم، وهو عذاب الآخرة إن كان المراد بما قبله ~~عذاب الدنيا. ثم نهاهم سبحانه عن الميل إلى عرض الدنيا والرجوع عن العهد ~~لأجله فقال { ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا } أي ~~لا تأخذوا في مقابلة عهدكم عوضا يسيرا حقيرا. وكل عرض دنيوي وإن كان ~~في الصورة كثيرا، فهو لكونه ذاهبا زائلا يسير، ولهذا ذكر سبحانه بعد ~~تقليل عرض الدنيا خيرية ما عند الله فقال { إنما عند الله هو ~~خير لكم } أي ما عنده من النصر في الدنيا والغنائم والرزق الواسع، ~~وما عنده في الآخرية من نعيم الجنة الذي لا يزول ولا ينقطع هو خير لهم. ~~ثم علل النهي عن أن يشتروا بعهد الله ثمنا قليلا، وأن ما عند الله هو ~~خير لهم بقوله { إن كنتم تعلمون } أي إن كنتم من أهل العلم ~~والتمييز بين الأشياء. ثم ذكر دليلا قاطعا على حقارة عرض الدنيا وخيرية ~~ما عند الله فقال { ما عندكم ينفد وما عند الله باق } ~~ومعلوم لكل عاقل أن ما ينفد ويزول وإن بلغ في الكثرة إلى أي مبلغ فهو ~~حقير يسير، وما كان يبقى ولا يزول فهو كثير جليل. أما نعيم الآخرة فظاهر، ~~وأما نعيم الدنيا الذي أنعم الله به على المؤمنين فهو وإن كان زائلا، ~~لكنه لما كان متصلا بنعيم الآخرة، كان من هذه الحيثية في حكم الباقي ~~الذي لا ينقطع، ثم قال { ولنجزين الذين صبروا أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون } اللام هي الموطئة، أي لنجزينهم ~~بسبب صبرهم على ما نالهم من مشاق التكليف وجهاد الكافرين والصبر على ما ~~ينالهم منهم من الإيذاء بأحسن ما كانوا يعملون من الطاعات. # قيل وإنما خص أحسن أعمالهم لأن ما عداه ms2095 وهو الحسن مباح، والجزاء إنما ~~يكون على الطاعة، وقيل المعنى ولنجزينهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم، ~~كقوله # من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها # الأنعام 160، أو لنجزينهم بحسب أحسن أفراد أعمالهم على معنى لنعطينهم ~~بمقابلة الفرد الأعلى من أعمالهم المذكورة ما نعطيهم بمقابلة الفرد ~~الأعلى منها من الجزاء الجزيل، لا أنا نعطي الأجر بحسب أفرادها المتفاوتة ~~في مراتب الحسن بأن نجزي الحسن منها بالأجر الحسن، والأحسن بالأحسن، كذا ~~قيل. قرأ عاصم وابن كثير { لنجزين } بالنون. وقرأ الباقون بالياء ~~التحتية. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مزيدة بن جابر في قوله { ~~وأوفوا بعهد الله إذا عهدتم } قال أنزلت هذه الآية ~~في بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن من أسلم بايع على الإسلام، ~~فقال { وأوفوا بعهد الله... } الآية، فلا يحملنكم قلة محمد ~~وأصحابه، وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ولا ~~تنقضوا الأيمن بعد توكيدها } يقول بعد تغليظها. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن ~~جبير نحوه. وأخرج ابن مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس، أن ~~سعيدة الأسدية كانت تجمع الشعر والليف، فنزلت فيها هذه الآية { ولا ~~تكونوا كالتى نقضت غزلها }. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي ~~بكر بن حفص مثله. وفي الروايتين جميعا أنها كانت مجنونة. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم عن السدي في سبب نزول الآية، قال كانت امرأة بمكة ~~تسمى خرقاء مكة كانت تغزل فإذا أبرمت غزلها نقضته. وأخرج ابن جرير عن عبد ~~الله بن كثير معناه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { أن تكون أمة هى أربى من أمة } قال ناس ~~أكثر من ناس. وأخرجوا عن مجاهد في الآية قال كانوا يحالفون الحلفاء ~~فيجدون أكثر منهم وأعز، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون هؤلاء الذين هم ~~أعز، فنهوا عن ذلك. ### || [16.97-105] # هذا ms2096 شروع في ترغيب كل مؤمن في كل عمل صالح، وتعميم للوعد. ومعنى { من ~~عمل صلحا } من عمل عملا صالحا أي عمل كان. وزيادة التمييز بذكر ~~أو أنثى مع كون لفظ { من } شاملا لهما لقصد التأكيد والمبالغة في تقرير ~~الوعد. وقيل إن لفظ { من } ظاهر في الذكور، فكان في التنصيص على الذكر ~~والأنثى بيان لشموله للنوعين، وجملة { وهو مؤمن } في محل نصب على ~~الحال، جعل سبحانه الإيمان قيدا في الجزاء المذكور لأن عمل الكافر لا ~~اعتداد به، لقوله سبحانه # وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا # الفرقان 23. ثم ذكر سبحانه الجزاء لمن عمل ذلك العمل الصالح فقال { ~~فلنحيينه حيوة طيبة } وقد وقع الخلاف في الحياة الطيبة ~~بماذا تكون؟ فقيل بالرزق الحلال، روي ذلك عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، ~~وعطاء، والضحاك. وقيل بالقناعة، قاله الحسن البصري، وزيد بن وهب، ووهب بن ~~منبه. وروي أيضا عن علي وابن عباس. وقيل بالتوفيق إلى الطاعة، قاله ~~الضحاك. وقيل الحياة الطيبة هي حياة الجنة. روي عن مجاهد وقتادة وعبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم. وحكي عن الحسن أنه قال لا تطيب الحياة لأحد إلا ~~في الجنة، وقيل الحياة الطيبة. هي السعادة. روي ذلك عن ابن عباس. وقيل هي ~~المعرفة بالله، حكي ذلك عن جعفر الصادق. وقال أبو بكر الوراق هي حلاوة ~~الطاعة. وقال سهل بن عبد الله التستري هي أن ينزع عن العبد تدبير نفسه، ~~ويرد تدبيره إلى الحق. وقيل هي الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الحق. ~~وأكثر المفسرين على أن هذه الحياة الطيبة هي في الدنيا، لا في الآخرة لأن ~~حياة الآخرة قد ذكرت بقوله { ولنجزينهم أجرهم بأحسن ~~ما كانوا يعملون } وقد قدمنا قريبا تفسير الجزاء بالأحسن. ~~ووحد الضمير في " لنحيينه " وجمعه في { ولنجزينهم } حملا على لفظ { من } ~~وعلى معناه. ثم لما ذكر سبحانه العمل الصالح والجزاء عليه أتبعه بذكر ~~الاستعاذة التي تخلص بها الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية، فقال { ~~فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطن ~~الرجيم } والفاء لترتيب الاستعاذة على ms2097 العمل الصالح، وقيل هذه الآية ~~متصلة بقوله { ونزلنا عليك الكتب تبيانا لكل ~~شىء } والتقدير فإذا أخذت في قراءته، فاستعذ. قال الزجاج وغيره من أئمة ~~اللغة معناه إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ وليس معناه أستعذ بعد أن ~~تقرأ القرآن، ومثله إذا أكلت فقل بسم الله. قال الواحدي وهذا إجماع ~~الفقهاء أن الاستعاذة قبل القراءة، إلا ما روي عن أبي هريرة، وابن ~~سيرين، وداود، ومالك، وحمزة من القراء، فإنهم قالوا الاستعاذة بعد ~~القراءة، ذهبوا إلى ظاهر الآية، ومعنى { فاستعذ بالله } اسأله سبحانه أن ~~يعيذك من الشيطان الرجيم، أي من وساوسه. # وتخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها ~~للتنبيه على أنها لسائر الأعمال الصالحة عند إرادتها أهم لأنه إذا وقع ~~الأمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه كانت عند إرادة غيره أولى، كذا قيل. وتوجيه الخطاب إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم للإشعار بأن غيره أولى منه بفعل الاستعاذة لأنه إذا ~~أمر بها لدفع وساوس الشيطان مع عصمته، فكيف بسائر أمته؟ وقد ذهب الجمهور ~~إلى أن الأمر في الآية للندب. وروي عن عطاء الوجوب أخذا بظاهر الأمر. ~~وقد تقدم الكلام في الاستعاذة مستوفى في أول هذا التفسير. والضمير في { ~~إنه ليس له سلطان } للشأن أو للشيطان، أي ليس له تسلط " ~~على " إغواء { الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون ~~} وحكى الواحدي عن جميع المفسرين أنهم فسروا السلطان بالحجة. وقالوا ~~المعنى ليس له حجة على المؤمنين في إغوائهم ودعائهم إلى الضلالة. ومعنى { ~~وعلى ربهم يتوكلون } يفوضون أمورهم إليه في كل قول وفعل. ~~فإن الإيمان بالله والتوكل عليه يمنعان الشيطان من وسوسته لهم، وإن وسوس ~~لأحد منهم، لا تؤثر فيه وسوسته. وهذه الجملة تعليل للأمر بالاستعاذة، ~~وهؤلاء الجامعون بين الإيمان والتوكل هم الذين قال فيهم إبليس # إلا عبادك منهم المخلصين # الحجر 40 وقال الله فيهم # إن عبادى ليس لك عليهم سلطن إلا من ~~اتبعك من الغاوين # الحجر 42. ثم حصر سبحانه سلطان الشيطان، فقال { إنما ms2098 سلطنه } ~~أي تسلطه على الإغواء { على الذين يتولونه } أي يتخذونه ~~وليا ويطيعونه في وساوسه { والذين هم به مشركون } الضمير ~~في { به } يرجع إلى الله تعالى، أي الذين هم بالله مشركون. وقيل يرجع إلى ~~الشيطان. والمعنى والذين هم من أجله وبسبب وسوسته مشركون بالله. { ~~وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية } هذا شروع منه سبحانه في ~~حكاية شبه كفرية ودفعها. ومعنى التبديل رفع الشيء مع وضع غيره مكانه. ~~وتبديل الآية رفعها بأخرى غيرها، وهو نسخها بآية سواها. وقد تقدم الكلام ~~في النسخ في البقرة { قالوا } أي كفار قريش الجاهلون للحكمة في النسخ ~~{ إنما أنت } يا محمد { مفتر } أي كاذب مختلق على الله، متقول ~~عليه بما لم يقل، حيث تزعم أنه أمرك بشيء. ثم تزعم أنه أمرك بخلافه، فرد ~~الله سبحانه عليهم بما يفيد جهلهم، فقال { بل أكثرهم لا ~~يعلمون } شيئا من العلم أصلا، أو لا يعلمون بالحكمة في النسخ، ~~فإنه مبني على المصالح التي يعلمها الله سبحانه، فقد يكون في شرع هذا ~~الشيء مصلحة مؤقتة بوقت، ثم تكون المصلحة بعد ذلك الوقت في شرع غيره، ولو ~~انكشف الغطاء لهؤلاء الكفرة، لعرفوا أن ذلك وجه الصواب ومنهج العدل ~~والرفق واللطف. # ثم بين سبحانه لهؤلاء المعترضين على حكمة النسخ، الزاعمين أن ذلك لم يكن ~~من عند الله، وأن رسوله افتراه فقال { قل نزله } أي القرآن ~~المدلول عليه بذكر الآية. { روح القدس } أي جبريل، والقدس التطهير. ~~والمعنى نزله الروح المطهر من أدناس البشرية، فهو من إضافة موصوف إلى ~~الصفة { من ربك } أي ابتداء تنزيله من عنده سبحانه، و { بالحق } ~~في محل نصب على الحال، أي متلبسا بكونه حقا ثابتا لحكمة بالغة { ~~ليثبت الذين ءامنوا } على الإيمان، فيقولون كل من الناسخ ~~والمنسوخ من عند ربنا ولأنهم أيضا إذا عرفوا ما في النسخ من المصالح ~~ثبتت أقدامهم على الإيمان ورسخت عقائدهم. وقرىء { ليثبت } من الإثبات { ~~وهدى وبشرى للمسلمين } وهما معطوفان على محل { ليثبت } أي ~~تثبيتا لهم وهداية وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم. ~~ثم ذكر سبحانه ms2099 شبهة أخرى من شبههم فقال { ولقد نعلم أنهم ~~يقولون إنما يعلمه بشر } اللام هي الموطئة، أي ولقد نعلم ~~أن هؤلاء الكفار يقولون إنما يعلم محمدا القرآن بشر من بني آدم غير ملك. ~~وقد اختلف أهل العلم في تعيين هذا البشر الذي زعموا عليه ما زعموا، فقيل ~~هو غلام الفاكه بن المغيرة، واسمه جبر، وكان نصرانيا فأسلم، وكان كفار ~~قريش إذا سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم أخبار القرون الأولى مع كونه ~~أميا، قالوا إنما يعلمه جبر، وقيل اسمه يعيش، عبد لبني الحضرمي، وكان ~~يقرأ الكتب الأعجمية. وقيل غلام لبني عامر بن لؤي، وقيل هما غلامان اسم ~~أحدهما يسار، واسم الآخر جبر، وكانا صيقليين يعملان السيوف، وكانا يقرآن ~~كتابا لهم. وقيل كانا يقرآن التوراة والإنجيل. وقيل هو سلمان الفارسي. ~~وقيل عنوا نصرانيا بمكة اسمه بلعام، وكان يقرأ التوراة. وقيل عنوا رجلا ~~نصرانيا كان اسمه أبا ميسرة يتكلم بالرومية، وفي رواية اسمه عداس. قال ~~النحاس وهذه الأقوال غير متناقضة، لأنه يجوز أنهم زعموا أنهم جميعا ~~يعلمونه، ولكن لا يمكن الجمع باعتبار قول من قال إنه سلمان، لأن هذه ~~الآية مكية، وهو إنما أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة. ثم ~~أجاب سبحانه عن قولهم هذا فقال { لسان الذى يلحدون إليه ~~أعجمى } الإلحاد الميل، يقال لحد وألحد أي مال عن القصد. وقد تقدم ~~في الأعراف. وقرأ حمزة والكسائي " يلحدون " بفتح الياء والحاء. وقرأ من ~~عداهما بضم الياء وكسر الحاء، أي لسان الذين يميلون إليه ويزعمون أنه ~~يعلمك أعجمي، يقال رجل أعجم وإمرأة عجماء، أي لا يفصحان، والعجمة ~~الإخفاء، وهي ضد البيان. والعرب تسمي كل من لا يعرف لغتهم ولا يتكلم بها ~~أعجميا. قال الفراء الأعجم الذي في لسانه عجمة وإن كان من العرب، ~~والأعجمي هو العجمي الذي أصله من العجم. # وقال أبو علي الفارسي العجمي المنسوب إلى العجم الذي لا يفصح، سواء كان ~~من العرب أو من العجم، وكذلك الأعجم. والأعجمي المنسوب إلى العجم وإن كان ~~فصيحا. { وهذا لسان عربى مبين ms2100 } الإشارة إلى القرآن، ~~وسماه لسانا لأن العرب تقول للقصيدة والبيت لسانا، ومنه قول الشاعر # لسان الشر تهديها إلينا وخنت وما حسبتك أن تخونا # أو أراد باللسان البلاغة، فكأنه قال وهذا القرآن ذو بلاغة عربية وبيان ~~واضح، فكيف تزعمون أن بشرا يعلمه من العجم؟ وقد عجزتم أنتم عن معارضة ~~سورة منه، وأنتم أهل اللسان العربي ورجال الفصاحة، وقادة البلاغة، وهاتان ~~الجملتان مستأنفتان سيقتا لإبطال طعنهم ودفع كذبهم. ولما ذكر سبحانه ~~جوابهم، وبخهم وهددهم فقال { إن الذين لا يؤمنون بآيت ~~الله } أي لا يصدقون بها { لا يهديهم الله } إلى الحق الذي ~~هو سبيل النجاة، هداية موصلة إلى المطلوب لما علم من شقاوتهم { ولهم ~~فى الآخرة عذاب عظيم } بسبب ما هم عليه من الكفر والتكذيب ~~بآيات الله. ثم لما وقع منهم نسبة الافتراء إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رد عليهم بقوله { إنما يفترى الكذب الذين لا ~~يؤمنون بآيت الله } فكيف يقع الافتراء من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وهو رأس المؤمنين بها، والداعين إلى الإيمان بها. وهؤلاء ~~الكفار هم الذين لا يؤمنون بها، فهم المفترون للكذب. قال الزجاج المعنى ~~إنما يفتري الكذب الذين إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلا الله ~~كذبوا بها هؤلاء أكذب الكذبة، ثم سماهم الكاذبين. فقال { وأولئك } ~~أي المتصفون بذلك { هم الكذبون } أي إن الكذب نعت لازم لهم ~~وعادة من عادتهم فهم الكاملون في الكذب، إذ لا كذب أعظم من تكذيبهم بآيات ~~الله. وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد ابن منصور، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، أنه سئل عن الحياة الطيبة المذكورة ~~في الآية فقال الحياة الطيبة الرزق الحلال في هذه الحياة الدنيا، وإذا ~~صار إلى ربه، جازاه بأحسن ما كان يعمل. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال الكسب ~~الطيب، والعمل الصالح. وأخرج العسكري في الأمثال عن علي في الآية قال ~~القناعة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، ~~والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس ms2101 قال القنوع، قال «وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يدعو اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه، واخلف ~~علي كل غائبة لي بخير». وأخرج أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه عن ابن ~~عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه " # وأخرج الترمذي، والنسائي من حديث فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول # " قد أفلح من هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا وقنع به " # وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر عن عطاء قال الاستعاذة واجبة ~~لكل قراءة في الصلاة وغيرها من أجل قوله { فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطن الرجيم }. وقد ورد في ~~مشروعية الاستعاذة عند التلاوة ما لعلنا قد قدمنا ذكره. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إنما سلطنه على ~~الذين يتولونه } يقول سلطان الشيطان على من تولى الشيطان ~~وعمل بمعصية الله. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن مردويه، والحاكم وصححه ~~عن ابن عباس في قوله { وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية } ~~وقوله { ثم إن ربك للذين هجروا من بعد ما ~~فتنوا } قال عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان يكتب لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله أن يقتل ~~يوم الفتح، فاستجار له عثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاره. وأخرج ~~ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ~~وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية } قال هو كقوله # ما ننسخ من ءاية أو ننسها # البقرة 106. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه قال السيوطي ~~بسند ضعيف عن ابن عباس، قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم بمكة ~~قينا اسمه بلعام، وكان أعجميا، فكان المشركون يرون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله ~~{ ولقد نعلم أنهم يقولون.. } الآية. وأخرج الحاكم ~~وصححه، ms2102 والبيهقي في شعب الإيمان عنه في الآية، قال قالوا إنما يعلم ~~محمدا عبد بن الحضرمي وهو صاحب الكتب، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج آدم ~~بن أبي إياس، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والبيهقي عن عبد الله ابن مسلم الحضرمي قال كان لنا عبدان من أهل عين ~~التمر، يقال لأحدهما يسار. والآخر جبر، وكان يصنعان السيوف بمكة، وكانا ~~يقرآن الإنجيل، فربما مر بهما النبي صلى الله عليه وسلم وهما يقرآن فيقف ~~ويستمع، فقال المشركون إنما يتعلم منهما، فنزلت هذه الآية. ### || [16.106-111] # قوله { من كفر بالله من بعد إيمنه } قد اختلف أهل ~~العلم في إعرابه، فذهب الأكثرون على أنه بدل إما من { الذين لا ~~يؤمنون بآيت الله } وما بينهما اعتراض، والمعنى إنما يفتري ~~الكذب من كفر، واستثنى منهم المكره، فلا يدخل تحت حكم الافتراء. ثم قال { ~~ولكن من شرح بالكفر صدرا } أي اعتقده وطابت به نفسه ~~واطمأن إليه { فعليهم غضب } وإما من المبتدأ الذي هو { ~~أولئك } أو من الخبر الذي هو { الكذبون }. وذهب الزجاج إلى ~~الأول. وقال الأخفش إن { من } مبتدأ وخبره محذوف اكتفي منه بخبر { من } ~~الثانية، كقولك من يأتنا منكن نكرمه. وقيل هو أي { من } في { من كفر } ~~منصوب على الذم وقيل إن من شرطية والجواب محذوف لأن جواب «من شرح» دال ~~عليه، وهو كقول الأخفش، وإنما خالفه في إطلاق لفظ الشرط على من والجواب ~~على خبرها، فكأنه قيل على هذا من كفر بالله فعليهم غضب إلا من أكره، ~~ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب، وإنما صح استثناء المكره من الكافر ~~مع أنه ليس بكافر لأنه ظهر منه بعد الإيمان ما لا يظهر إلا من الكافر ~~لولا الإكراه. قال القرطبي أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى ~~خشي على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا ~~تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر. وحكي عن محمد بن الحسن أنه ~~إذا أظهر الكفر، كان مرتدا في ms2103 الظاهر، وفيما بينه وبين الله على ~~الإسلام، وتبين منه امرأته، ولا يصلى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات ~~مسلما، وهذا القول مردود على قائله، مدفوع بالكتاب والسنة. وذهب الحسن ~~البصري، والأوزاعي، والشافعي، وسحنون إلى أن هذه الرخصة المذكورة في هذه ~~الآية إنما جاءت في القول. وأما في الفعل فلا رخصة، مثل أن يكره على ~~السجود لغير الله، ويدفعه ظاهر الآية، فإنها عامة فيمن أكره من غير فرق ~~بين القول والفعل، ولا دليل لهؤلاء القاصرين للآية على القول، وخصوص ~~السبب، لا اعتبار به مع عموم اللفظ كما تقرر في علم الأصول. وجملة { ~~وقلبه مطمئن بالإيمن } في محل نصب على الحال من ~~المستثنى، أي إلا من كفر بإكراه، والحال أن قلبه مطمئن بالإيمان لم تتغير ~~عقيدته، وليس بعد هذا الوعيد العظيم، وهو الجمع للمرتدين، بين غضب الله ~~وعظيم عذابه. والإشارة بقوله { ذلك } إلى الكفر بعد الإيمان، أو إلى ~~الوعيد بالغضب والعذاب، والباء في { بأنهم استحبوا ~~الحيوة الدنيا } للسببية، أي ذلك بسبب تأثيرهم للحياة الدنيا { ~~على الآخرة وأن الله لا يهدى القوم الكفرين ~~} معطوف على { أنهم استحبوا } أي ذلك بأنهم استحبوا، وبأن ~~الله لا يهدي القوم الكافرين إلى الإيمان به. # ثم وصفهم بقوله { أولئك } أي الموصوفون بما ذكر من الأوصاف ~~القبيحة { الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم ~~وأبصرهم } فلم يفهموا المواعظ ولا سمعوها، ولا أبصروا الآيات ~~التي يستدل بها على الحق. وقد سبق تحقيق الطبع في أول البقرة، ثم أثبت ~~لهم صفة نقص غير الصفة المتقدمة، فقال { وأولئك هم ~~الغفلون } عما يراد بهم، وضمير الفصل يفيد أنهم متناهون في ~~الغفلة، إذ لا غفلة أعظم من غفلتهم هذه. { لا جرم أنهم فى ~~الآخرة هم الخسرون } أي الكاملون في الخسران، البالغون إلى ~~غاية منه ليس فوقها غاية، وقد تقدم تحقيق الكلام في معنى { لا جرم } ~~في مواضع، منها ما هو في هذه السورة. { ثم إن ربك للذين ~~هجروا } من دار الكفر إلى دار الإسلام، وخبر " إن " محذوف، ~~والتقدير لغفور رحيم، وإنما حذف لدلالة ms2104 خبر { إن ربك } المتأخرة عليه. ~~وقيل الخبر هو { للذين هاجروا } أي إن ربك لهم بالولاية والنصرة لا ~~عليهم، وفيه بعد. وقيل إن خبرها هو قوله { لغفور رحيم } ، و { إن ~~ربك } الثانية تأكيد للأولى. قال في الكشاف «ثم» ها هنا للدلالة على ~~تباعد حال هؤلاء، يعني الذين نزلت الآية فيهم عن حال أولئك، وهم عمار ~~وأصحابه، ويدل على ذلك ما روي أنها نزلت في عبد الله بن أبي سرح، وسيأتي ~~بيان ذلك { من بعد ما فتنوا } أي فتنهم الكفار بتعذيبهم لهم ~~ليرجعوا في الكفر، وقرىء " فتنوا " على البناء للفاعل، أي الذين فتنوا ~~المؤمنين وعذبوهم على الإسلام { ثم جهدوا } في سبيل الله { ~~وصبروا } على ما أصابهم من الكفار، وعلى ما يلقونه من مشاق التكليف { ~~لغفور رحيم } أي كثير الغفران والرحمة لهم. ومعنى الآية على ~~قراءة من قرأ " فتنوا " على البناء للفاعل واضح ظاهر، أي إن ربك لهؤلاء ~~الكفار الذين فتنوا من أسلم وعذبوهم، ثم جاهدوا وصبروا لغفور رحيم. وأما ~~على قراءة البناء للمفعول وهي قراءة الجمهور، فالمعنى أن هؤلاء المفتونين ~~الذين تكلموا بكلمة الكفر مكرهين وصدورهم غير منشرحة للكفر إذا صلحت ~~أعمالهم وجاهدوا في الله وصبروا على المكاره لغفور لهم، رحيم بهم. وأما ~~إذا كان سبب الآية هذه هو عبد الله بن أبي سرح الذي ارتد عن الإسلام ثم ~~رجع بعد ذلك إلى الإسلام، فالمعنى أن هذا المفتون في دينه بالردة إذا ~~أسلم وجاهد وصبر، فالله غفور له، رحيم به. والضمير في { بعدها } يرجع إلى ~~الفتنة، أو إلى المهاجرة والجهاد والصبر، أو إلى الجميع. { يوم ~~تأتى كل نفس تجدل عن نفسها } قال الزجاج { يوم تأتي ~~} منتصب بقوله { رحيم } ، أو بإضمار اذكر، أو ذكرهم، أو أنذرهم، وقد ~~استشكل إضافة ضمير النفس إلى النفس، ولا بد من التغاير بين المضاف ~~والمضاف إليه. # وأجيب بأن المراد بالنفس الأولى جملة بدن الإنسان، وبالنفس الثانية ~~الذات، فكأن قيل يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته، لا يهمه غيرها. ومعنى ~~المجادلة عنها الاعتذار عنها، فهو مجادل ومخاصم عن ms2105 نفسه، لا يتفرغ ~~لغيرها يوم القيامة. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ~~ابن عباس قال لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجر إلى ~~المدينة قال لأصحابه # " تفرقوا عني، فمن كانت به قوة فليتأخر إلى آخر الليل، ومن لم تكن به ~~قوة فليذهب في أول الليل، فإذا سمعتم بي قد استقرت بي الأرض فألحقوا ~~بي " # ، فأصبح بلال المؤذن، وخباب، وعمار، وجارية من قريش كانت أسلمت، فأخذهم ~~المشركون وأبو جهل، فعرضوا على بلال أن يكفر فأبى، فجعلوا يضعون درعا من ~~حديد في الشمس، ثم يلبسونها إياه، فإذا ألبسوها إياه، قال أحد أحد، وأما ~~خباب، فجعلوا يجرونه في الشوك، وأما عمار، فقال لهم كلمة أعجبتهم تقية، ~~وأما الجارية فوتد لها أبو جهل أربع أوتاد، ثم مدها فأدخل الحربة في ~~قبلها حتى قتلها، ثم خلوا عن بلال وخباب وعمار، فلحقوا برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبروه بالذي كان من أمرهم، واشتد على عمار الذي كان ~~تكلم به. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كيف كان قلبك حين قلت الذي قلت؟ أكان منشرحا بالذي قلت أم لا " # ؟ قال لا، فأنزل الله { إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمن }. وأخرج عبد الرزاق، وابن سعد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر من طريق أبي عبيدة بن ~~محمد بن عمار عن أبيه قال أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير، فتركوه، فلما أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال # " ما وراءك؟ " # قال شر، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال # " كيف تجد قلبك " # ؟ قال مطمئنا بالإيمان. قال # " إن عادوا فعد " # فنزلت { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمن } ~~قال ذاك عمار بن ياسر { ولكن من شرح بالكفر صدرا } عبد ~~الله بن أبي سرح. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~عساكر عن أبي مالك في قوله { إلا من أكره وقلبه ms2106 ~~مطمئن بالإيمن } قال نزلت في عمار بن ياسر، وفي الباب روايات ~~مصرحة بأنها نزلت في عمار ابن ياسر. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن ~~سيرين قال نزلت هذه الآية { إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمن } في عياش بن أبي ربيعة. # وأخرج ابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال في سورة النحل { ~~فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } ثم نسخ ~~واستثنى من ذلك فقال { ثم إن ربك للذين هجروا من ~~بعد ما فتنوا } الآية قال وهو عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأزله الشيطان، فلحق بالكفار. فأمر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم فتح مكة، فاستجار له عثمان بن ~~عفان، فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن ~~مثله. وأخرج ابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال نزلت هذه ~~الآية { ثم إن ربك للذين هجروا من بعد ما ~~فتنوا } فيمن كان يفتن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ~~ابن مردويه عنه قال كان قوم من أهل مكة قد أسلموا، وكانوا يستخفون ~~بالإسلام، فنزلت فيهم { ثم إن ربك للذين هجروا } ~~الآية، فكتبوا إليهم بذلك إن الله قد جعل لكم مخرجا فأخرجوا، فأدركهم ~~المشركون فقاتلوهم، فنجا من نجا، وقتل من قتل. وأخرج ابن أبي شيبة عن ~~الحسن أن عيونا لمسيلمة أخذوا رجلين من المسلمين، فأتوه بهما، فقال ~~لأحدهما أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال نعم. قال أتشهد أني رسول الله؟ ~~فأهوى إلى أذنيه فقال إني أصم، فأمر به فقتل. وقال للآخر أتشهد أن ~~محمدا رسول الله؟ قال نعم، قال أتشهد أني رسول الله؟ قال نعم، فأرسله ~~فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له " أما صاحبك، فمضى على إيمانه، ~~وأما أنت فأخذت بالرخصة " وهو مرسل. ### || [16.112-119] # قوله { وضرب الله مثلا قرية } قد قدمنا أن ضرب مضمن معنى ~~جعل، حتى تكون { قرية } المفعول الأول و { مثلا } المفعول الثاني، ~~وإنما تأخرت { قرية ms2107 } لئلا يقع الفصل بينها وبين صفاتها. وقدمنا أيضا ~~أنه يجوز أن يكون { ضرب } على بابه غير مضمن، ويكون { مثلا } مفعوله ~~الأول وقرية بدلا منه. وقد اختلف المفسرون هل المراد بهذه القرية قرية ~~معينة، أو المراد قرية غير معينة؟ بل كل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم ~~النعمة؟ فذهب الأكثر إلى الأول وصرحوا بأنها مكة، وذلك لما دعا عليهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال # " اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # ، فابتلوا بالقحط حتى أكلوا العظام، والثاني أرجح، لأن تنكير قرية يفيد ~~ذلك، ومكة تدخل في هذا العموم البدلي دخولا أوليا. وأيضا يكون ~~الوعيد أبلغ، والمثل أكمل، وغير مكة مثلها. وعلى فرض إرادتها، ففي المثل ~~إنذار لغيرها من مثل عاقبتها. ثم وصف القرية بأنها { كانت ءامنة } ~~غير خائفة { مطمئنة } غير منزعجة، أي لا يخاف أهلها ولا ينزعجون ~~{ يأتيها رزقها } أي ما يرتزق به أهلها { رغدا } واسعا { من ~~كل مكان } من الأمكنة التي يجلب ما فيها إليها { فكفرت } أي ~~كفر أهلها { بأنعم الله } التي أنعم بها عليهم، والأنعم جمع نعمة ~~كالأشد جمع شدة. وقيل جمع نعمى مثل بؤسى وأبؤس. وهذا الكفر منهم هو ~~كفرهم بالله سبحانه وتكذيب رسله { فأذاقها الله } أي أذاق أهلها ~~{ لباس الجوع والخوف } سمي ذلك لباسا لأنه يظهر به عليهم من ~~الهزال، وشحوبة اللون، وسوء الحال، ما هو كاللباس، فاستعير له اسمه، ~~وأوقع عليه الإذاقة، وأصلها الذوق بالفم. ثم استعيرت لمطلق الاتصال مع ~~إنبائها بشدة الإصابة لما فيها من اجتماع الإدراكين إدراك اللمس، ~~والذوق. روي أن ابن الراوندي الزنديق قال لابن الأعرابي - إمام اللغة ~~والأدب - هل يذاق اللباس؟ فقال له ابن الأعرابي لا بأس أيها النسناس، هب ~~أن محمدا ما كان نبيا أما كان عربيا؟ كأنه طعن في الآية بأن المناسب ~~أن يقال فكساها الله لباس الجوع، أو فأذاقها الله طعم الجوع، فرد عليه ~~ابن الأعرابي. وقد أجاب علماء البيان أن هذا من تجريد الاستعارة، وذلك ~~أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث ms2108 كالجوع والخوف، ~~لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس، ثم ذكر الوصف ملائما للمستعار ~~له، وهو الجوع والخوف لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم ~~مجرى الحقيقة، فيقولون ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه غيره، فكانت ~~الاستعارة مجردة. ولو قال فكساها كانت مرشحة. قيل وترشيح الاستعارة، وإن ~~كان مستحسنا من جهة المبالغة، إلا أن للتجريد ترجيحا من حيث أنه روعي ~~جانب المستعار له، فازداد الكلام وضوحا. # وقيل إن أصل الذوق بالفم، ثم قد يستعار، فيوضع موضع التعرف والاختبار. ~~ومن ذلك قول الشاعر # ومن يذق الدنيا فإني طعمتها وسيق إلينا عذبها وعذابها # وقرأ حفص بن غياث ونصر بن عاصم وابن أبي إسحاق وأبو عمرو فيما روى عنه ~~عبد الوارث بنصب الخوف عطفا على لباس، وقرأ الباقون بالضم عطفا على ~~الجوع، قال الفراء كل الصفات أجريت على القرية إلا قوله { يصنعون } ~~تنبيها على أن المراد في الحقيقة أهلها. { ولقد جاءهم } يعني أهل ~~مكة { رسول منهم } من جنسهم يعرفونه ويعرفون نسبه، فأمرهم بما فيه ~~نفعهم ونهاهم عما فيه ضرهم { فكذبوه } فيما جاء به { فأخذهم ~~العذاب } النازل بهم من الله سبحانه، والحال أنهم في حال أخذ العذاب ~~لهم { ظلمون } لأنفسهم بإيقاعها في العذاب الأبدي، ولغيرهم ~~بالإضرار بهم وصدهم عن سبيل الله، وهذا الكلام من تمام المثل المضروب. ~~وقيل إن المراد بالعذاب هنا هو الجوع الذي أصابهم، وقيل القتل يوم بدر. ~~ثم لما وعظهم الله سبحانه بما ذكروه من حال أهل القرية المذكورة، أمرهم ~~أن يأكلوا مما رزقهم الله من الغنائم ونحوها، وجاء بالفاء للإشعار بأن ~~ذلك متسبب عن ترك الكفر. والمعنى أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر، فكلوا ~~الحلال الطيب وهو الغنيمة، واتركوا الخبائث وهو الميتة والدم { ~~واشكروا نعمت الله } التي أنعم بها عليكم واعرفوا حقها { إن ~~كنتم إياه تعبدون } ولا تعبدون غيره، أو إن صح زعمكم أنكم ~~تقصدون بعبادة الآلهة التي زعمتم عبادة الله تعالى. وقيل إن الفاء في { ~~فكلوا } داخلة على الأمر بالشكر، وإنما أدخلت على الأمر بالأكل، لأن ~~الأكل ذريعة إلى الشكر. ms2109 { إنما حرم عليكم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله } ~~كرر سبحانه ذكر هذه المحرمات في البقرة والمائدة والأنعام، وفي هذه ~~السورة قطعا للأعذار، وإزالة للشبهة، ثم ذكر الرخصة في تناول شيء مما ~~ذكر فقال { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله ~~غفور رحيم } وقد تقدم الكلام على جميع ما هو مذكور هنا مستوفى. ~~ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة والسائبة، وفي ~~النقصان عنها كتحليل الميتة والدم، فقال { ولا تقولوا لما ~~تصف ألسنتكم الكذب } قال الكسائي، والزجاج " ما " هنا ~~مصدرية. وانتصاب الكذب ب { لا تقولوا } أي لا تقولوا الكذب لأجل وصف ~~ألسنتكم، ومعناه لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير ~~حجة، ويجوز أن تكون " ما " موصولة، والكذب منتصب ب { تصف } أي لا تقولوا ~~للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه { هذا حلل وهذا حرام } فحذف ~~لفظة فيه لكونه معلوما، فيكون قوله { هذا حلال وهذا حرام } بدلا من ~~الكذب، ويجوز أن يكون في الكلام حذف بتقدير القول أي ولا تقولوا لما تصف ~~ألسنتكم، فتقول هذا حلال وهذا حرام، أو قائلة هذا حلال وهذا حرام، ويجوز ~~أن ينتصب الكذب أيضا ب { تصف } وتكون " ما " مصدرية، أي لا تقولوا هذا ~~حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب. # وقرىء " الكذب " بضم الكاف والذال والباء على أنه نعت للألسنة، وقرأ ~~الحسن بفتح الكاف وكسر الذال والباء نعتا ل " ما ". وقيل على البدل من ~~" ما " أي ولا تقولوا الكذب الذي تصفه ألسنتكم هذا حلال وهذا حرام، ~~واللام في { لتفتروا على الله الكذب } هي لام العاقبة، ~~لا لام العرض، أي فيتعقب ذلك افتراؤكم على الله الكذب بالتحليل والتحريم، ~~وإسناد ذلك إليه من غير أن يكون منه { إن الذين يفترون على ~~الله الكذب } أي افتراء كان { لا يفلحون } بنوع من أنواع ~~الفلاح، وهو الفوز بالمطلوب، وارتفاع { متع قليل } على أنه خبر ~~مبتدأ محذوف. قال الزجاج أي متاعهم متاع قليل، أو هو مبتدأ خبره محذوف، ~~أي لهم متاع قليل { ولهم عذاب ms2110 أليم } يردون إليه في الآخرة. ~~ثم خص محرمات اليهود بالذكر فقال { وعلى الذين هادوا ~~حرمنا } أي حرمنا عليهم خاصة دون غيرهم { ما قصصنا عليك } ~~بقولنا # حرمنا كل ذى ظفر ومن البقر والغنم حرمنا ~~عليهم شحومهما # الأنعام 146، الآية، و { من قبل } متعلق ب { قصصنا } أو ب { حرمنا ~~} { وما ظلمنهم } بذلك التحريم، بل جزيناهم ببغيهم { ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } حيث فعلوا أسباب ذلك ~~فحرمنا عليهم تلك الأشياء عقوبة لهم. ثم بين سبحانه أن الافتراء على ~~الله سبحانه ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة فقال { ~~ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهلة } أي ~~متلبسين بجهالة، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة النساء { ثم ~~تابوا من بعد ذلك } أي من بعد عملهم للسوء، وفيه تأكيد، فإن " ~~ثم " قد دلت على البعدية، فأكدها بزيادة ذكر البعدية { وأصلحوا } ~~أعمالهم التي كان فيها فساد بالسوء الذي عملوه، ثم كرر ذلك تأكيدا ~~وتقريرا فقال { إن ربك من بعدها } أي من بعد التوبة { ~~لغفور رحيم } كثير الغفران، واسع الرحمة. وقد أخرج ابن جرير عن ~~ابن عباس في قوله { وضرب الله مثلا قرية } قال يعني مكة. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية في الآية مثله. وزاد فقال ألا ~~ترى أنه قال { ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه }. وأخرج ~~ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر نحوه. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن ابن شهاب قال القرية التي قال الله { كانت ءامنة ~~مطمئنة } هي يثرب. # قلت ولا أدري أي دليل دله على هذا التعيين، ولا أي قرينة قامت له على ~~ذلك، ومتى كفرت دار الهجرة ومسكن الأنصار بأنعم الله، وأي وقت أذاقها ~~الله لباس الجوع والخوف، وهي التي تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد ~~كما صح ذلك عن الصادق المصدوق. وصح عنه أيضا أنه قال # " والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون " # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في ~~قوله { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب } الآية، ~~قال ms2111 في البحيرة والسائبة. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة قال قرأت هذه ~~الآية في سورة النحل { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم ~~الكذب هذا حلل وهذا حرام } إلى آخر الآية، فلم أزل ~~أخاف الفتيا إلى يومي هذا. قلت صدق رحمه الله، فإن هذه الآية تتناول ~~بعموم لفظها فتيا من أفتى بخلاف ما في كتاب الله أو في سنة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم، كما يقع كثيرا من المؤثرين للرأي المقدمين له على ~~الرواية، أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنة كالمقلدة، وإنهم لحقيقون بأن ~~يحال بينهم وبين فتاويهم ويمنعوا من جهالاتهم، فإنهم أفتوا بغير علم من ~~الله ولا هدى ولا كتاب منير، فضلوا وأضلوا، فهم ومن يستفتيهم كما قال ~~القائل # كبهيمة عمياء قاد زمامها أعمى على عوج الطريق الجائر # وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال عسى رجل أن يقول إن الله أمر بكذا، أو ~~نهى عن كذا، فيقول الله عز وجل له كذبت. أو يقول إن الله حرم كذا أو ~~أحل كذا، فيقول الله له كذبت. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن ~~في قوله { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا ~~عليك } قال في سورة الأنعام. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة ~~مثله، وقال حيث يقول { وعلى الذين هادوا } إلى قوله # وإنا لصدقون # الأنعام 146. ### || [16.120-128] # لما فرغ سبحانه من دفع شبه المشركين وإبطال مطاعنهم، وكان إبراهيم عليه ~~السلام من الموحدين وهو قدوة كثير من النبيين ذكره الله في آخر هذه ~~السورة فقال { إن إبرهيم كان أمة } قال ابن الأعرابي يقال ~~للرجل العالم أمة، والأمة الرجل الجامع للخير. قال الواحدي قال أكثر ~~أهل التفسير أي معلما للخير، وعلى هذا فمعنى كون إبراهيم كان أمة أنه ~~كان معلما للخير أو جامعا لخصال الخير أو عالما بما علمه الله من ~~الشرائع. وقيل أمة بمعنى مأموم أي يؤمه الناس ليأخذوا منه الخير كما قال ~~سبحانه # إنى جعلك للناس إماما # البقرة 124 والقانت المطيع. وقد تقدم بيان معاني القنوت في البقرة. ~~والحنيف المائل عن ms2112 الأديان الباطلة إلى دين الحق، وقد تقدم بيانه في ~~الأنعام. { ولم يك من المشركين } بالله كما تزعمه كفار قريش ~~أنه كان على دينهم الباطل. { شاكرا لأنعمه } التي أنعم الله بها ~~عليه وإن كانت قليلة كما يدل عليه جمع القلة، فهو شاكر لما كثر منها ~~بالأولى { اجتبه } أي اختاره للنبوة واختصه بها { وهداه ~~إلى صرط مستقيم } وهو ملة الإسلام ودين الحق. { ~~وءاتينه فى الدنيا حسنة } أي خصلة حسنة أو حالة حسنة. ~~وقيل هي الولد الصالح. وقيل الثناء الحسن. وقيل النبوة. وقيل الصلاة منا ~~عليه في التشهد. وقيل هي أنه يتولاه جميع أهل الأديان. ولا مانع أن يكون ~~ما آتاه الله شاملا لذلك كله ولما عداه من خصال الخير { وإنه فى ~~الآخرة لمن الصلحين } حسبما وقع منه السؤال لربه حيث قال # وألحقنى بالصلحين * واجعل لى لسان صدق فى ~~الآخرين * واجعلنى من ورثة جنة النعيم # الشعراء 83 - 85. { ثم أوحينا إليك } يا محمد مع علو درجتك ~~وسمو منزلتك، وكونك سيد ولد آدم { أن اتبع ملة إبرهيم } ~~وأصل الملة اسم لما شرعه الله لعباده على لسان نبي من أنبيائه. وقيل ~~والمراد هنا اتباع النبي صلى الله عليه وسلم لملة إبراهيم في التوحيد ~~والدعوة إليه. وقال ابن جرير في التبري من الأوثان، والتدين بدين ~~الإسلام. وقيل في مناسك الحج. وقيل في الأصول دون الفروع. وقيل في جميع ~~شريعته، إلا ما نسخ منها، وهذا هو الظاهر، وقد أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالاقتداء بالأنبياء مع كونه سيدهم، فقال تعالى # فبهداهم اقتده # الأنعام 90. وانتصاب { حنيفا } على الحال من إبراهيم، وجاز مجيء ~~الحال منه لأن الملة كالجزء منه. وقد تقرر في علم النحو أن الحال من ~~المضاف إليه جائز إذا كان يقتضي المضاف العمل في المضاف إليه، أو كان ~~جزءا منه أو كالجزء { وما كان من المشركين } وهو تكرير لما ~~سبق للنكتة التي ذكرناها. # { إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه } أي ~~إنما جعل وبال السبت وهو المسخ على الذين اختلفوا فيه، أو إنما جعل فرض ~~تعظيم السبت ms2113 وترك الصيد فيه على الذين اختلفوا فيه، لا على غيرهم من ~~الأمم. وقد اختلف العلماء في كيفية الاختلاف الكائن بينهم في السبت، ~~فقالت طائفة إن موسى أمرهم بيوم الجمعة وعينه لهم، وأخبرهم بفضيلته على ~~غيره، فخالفوه وقالوا إن السبت أفضل، فقال الله له دعهم وما اختاروا ~~لأنفسهم. وقيل إن الله سبحانه أمرهم بتعظيم يوم في الأسبوع، فاختلف ~~اجتهادهم فيه، فعينت اليهود السبت، لأن الله سبحانه فرغ فيه من الخلق، ~~وعينت النصارى يوم الأحد لأن الله بدأ فيه الخلق. فألزم الله كلا منهم ما ~~أدى إليه اجتهاده، وعين لهذه الأمة الجمعة من غير أن يكلهم إلى ~~اجتهادهم فضلا منه ونعمة. ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن اليهود ~~كانوا يزعمون أن السبت من شرائع إبراهيم، فأخبر الله سبحانه أنه إنما جعل ~~السبت على الذين اختلفوا فيه، ولم يجعله على إبراهيم ولا على غيره { ~~وإن ربك ليحكم بينهم } أي بين المختلفين فيه { يوم ~~القيمة فيما كانوا فيه يختلفون } فيجازي كلا فيه بما ~~يستحقه ثوابا وعقابا، كما وقع منه سبحانه من المسخ لطائفة منهم ~~والتنجية لأخرى. ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يدعو أمته إلى الإسلام فقال ~~{ ادع إلى سبيل ربك } وحذف المفعول للتعميم، لكونه بعث إلى ~~الناس كافة، وسبيل الله هو الإسلام { بالحكمة } أي بالمقالة ~~المحكمة الصحيحة. قيل وهي الحجج القطعية المفيدة لليقين { ~~والموعظة الحسنة } وهي المقالة المشتملة على الموعظة الحسنة ~~التي يستحسنها السامع، وتكون في نفسها حسنة باعتبار انتفاع السامع بها. ~~قيل وهي الحجج الظنية الإقناعية الموجبة للتصديق بمقدمات مقبولة. قيل ~~وليس للدعوة إلا هاتان الطريقتان، ولكن الداعي قد يحتاج مع الخصم الألد ~~إلى استعمال المعارضة والمناقضة، ونحو ذلك من الجدل. ولهذا قال سبحانه { ~~وجدلهم بالتى هى أحسن } أي بالطريق التي هي أحسن طرق ~~المجادلة. وإنما أمر سبحانه بالمجادلة الحسنة لكون الداعي محقا وغرضه ~~صحيحا، وكان خصمه مبطلا وغرضه فاسدا { إن ربك هو أعلم ~~بمن ضل عن سبيله } لما حث سبحانه على الدعوة بالطرق المذكورة، ~~بين أن الرشد والهداية ليس إلى ms2114 النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ذلك إليه ~~تعالى فقال { إن ربك هو أعلم } أي هو العالم بمن يضل ومن ~~يهتدي { وهو أعلم بالمهتدين } أي بمن يبصر الحق فيقصده ~~غير متعنت، وإنما شرع لك الدعوة، وأمرك بها قطعا للمعذرة، وتتميما ~~للحجة، وإزاحة للشبهة، وليس عليك غير ذلك. ثم لما كانت الدعوة تتضمن ~~تكليف المدعوين بالرجوع إلى الحق، فإن أبوا قوتلوا، أمر الداعي بأن يعدل ~~في العقوبة فقال { وإن عاقبتم } أي أردتم المعاقبة { ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } أي بمثل ما فعل بكم، لا ~~تجاوزوا ذلك. # قال ابن جرير أنزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة أن لا ينال من ظالمه إذا ~~تمكن إلا مثل ظلامته، لا يتعداها إلى غيرها. وهذا صواب لأن الآية وإن ~~قيل إن لها سببا خاصا كما سيأتي، فالاعتبار بعموم اللفظ، وعمومه يؤدي ~~هذا المعنى الذي ذكره، وسمى سبحانه الفعل الأول الذي هو فعل البادىء ~~بالشر عقوبة، مع أن العقوبة ليست إلا فعل الثاني، وهو المجازي ~~للمشاكلة، وهي باب معروف وقع في كثير من الكتاب العزيز. ثم حث سبحانه ~~على العفو فقال { ولئن صبرتم لهو خير للصبرين } أي ~~لئن صبرتم عن المعاقبة بالمثل، فالصبر خير لكم من الانتصاف، ووضع { ~~الصابرين } موضع الضمير، ثناء من الله عليهم بأنهم صابرون على الشدائد. ~~وقد ذهب الجمهور إلى أن هذه الآية محكمة لأنها واردة في الصبر عن ~~المعاقبة والثناء على الصابرين على العموم. وقيل هي منسوخة بآيات القتال، ~~ولا وجه لذلك. ثم أمر الله سبحانه رسوله بالصبر فقال { واصبر } على ~~ما أصابك من صنوف الأذى { وما صبرك إلا بالله } أي بتوفيقه ~~وتثبيته. والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء، أي وما صبرك مصحوبا بشيء من ~~الأشياء إلا بتوفيقه لك. وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. ثم نهاه ~~عن الحزن فقال { ولا تحزن عليهم } أي على الكافرين في إعراضهم ~~عنك، أو لا تحزن على قتلى أحد، فإنهم قد أفضوا إلى رحمة الله. { ولا ~~تك فى ضيق مما يمكرون } قرأ الجمهور بفتح الضاد، وقرأ ابن ms2115 ~~كثير بكسرها. قال ابن السكيت هما سواء، يعني المفتوح والمكسور. وقال ~~الفراء الضيق بالفتح ما ضاق عنه صدرك، والضيق بالكسر ما يكون في الذي ~~يتسع، مثل الدار والثوب. وكذا قال الأخفش، وهو من الكلام المقلوب لأن ~~الضيق. وصف للإنسان يكون فيه ولا يكون الإنسان فيه، وكأنه أراد وصف الضيق ~~بالعظم حتى صار كالشيء المحيط بالإنسان من جميع جوانبه، ومعنى { مما ~~يمكرون } من مكرهم لك فيما يستقبل من الزمان. ثم ختم هذه السورة بآية ~~جامعة لجميع المأمورات والمنهيات فقال { إن الله مع الذين ~~اتقوا } أي اتقوا المعاصي على اختلاف أنواعها { والذين هم ~~محسنون } بتأدية الطاعات والقيام بما أمروا بها منها. وقيل المعنى ~~{ إن الله مع الذين اتقوا } الزيادة في العقوبة، { والذين هم محسنون } في ~~أصل الانتقام، فيكون الأول إشارة إلى قوله { فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به } والثاني إشارة إلى قوله { ولئن صبرتم لهو ~~خير للصبرين } ، وقيل { الذين اتقوا } إشارة إلى ~~التعظيم لأمر الله { والذين هم محسنون } إشارة إلى الشفقة ~~على عباد الله تعالى. # وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد، بن منصور، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن ~~مسعود أنه سئل عن الأمة ما هي؟ فقال الذي يعلم الناس الخير، قالوا فما ~~القانت؟ قال الذي يطيع الله ورسوله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله { إن إبرهيم كان أمة قنتا لله } قال كان على ~~الإسلام ولم يكن في زمانه من قومه أحد على الإسلام غيره، فلذلك قال الله ~~{ كان أمة قنتا لله }. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله { ~~كان أمة } قال إماما في الخير { قنتا } قال مطيعا. وأخرج ~~ابن مردويه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما من عبد تشهد له أمة، إلا قبل الله شهادتهم " # والأمة الرجل فما فوقه، إن الله يقول { إن إبرهيم كان أمة ~~} والأمة الرجل فما فوقه. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن ms2116 عمرو وقال صلى جبريل بإبراهيم ~~الظهر والعصر بعرفات، ثم وقف حتى إذا غابت الشمس دفع به، ثم صلى المغرب ~~والعشاء، بجمع ثم صلى الفجر به كأسرع ما يصلي أحدكم من المسلمين، ثم وقف ~~به حتى إذا كان كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين دفع، به، ثم رمى الجمرة، ~~ثم ذبح، ثم حلق، ثم أفاض به إلى البيت فطاف به، فقال الله لنبيه { ثم ~~أوحينا إليك أن اتبع ملة إبرهيم حنيفا }. ~~وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في ~~قوله { إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه } ~~قال أراد الجمعة، فأخذوا السبت مكانها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك وسعيد بن جبير في الآية قال ~~باستحلالهم إياه. رأى موسى رجلا يحمل حطبا يوم السبت، فضرب عنقه، وفي ~~الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة، قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ~~وأوتيناه من بعدهم. ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم، يعني الجمعة، فاختلفوا ~~فيه، فهدانا الله له، فالناس فيه لنا تبع، اليهود غدا والنصارى بعد غد " # وأخرج مسلم وغيره من حديث حذيفة نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وجدلهم بالتى ~~هى أحسن } قال أعرض عن أذاهم إياك. وأخرج الترمذي وحسنه، وعبد الله ~~بن أحمد في زوائد المسند، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن ~~خزيمة في الفوائد، وابن حبان، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، ~~والبيهقي في الدلائل، والضياء في المختارة عن أبي بن كعب، قال لما كان ~~يوم أحد، أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا، ومن المهاجرين ستة منهم ~~حمزة، فمثلوا بهم، فقالت الأنصار لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربين ~~عليهم، فلما كان يوم فتح مكة، أنزل الله تعالى { وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو ~~خير للصبرين } فقال رسول الله صلى الله ms2117 عليه وسلم # " نصبر ولا نعاقب، كفوا عن القوم إلا أربعة " # وأخرج ابن سعد، والبزار، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وأبو ~~نعيم في المعرفة، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة «أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة حيث استشهد، فنظر إلى منظر لم ~~ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه، ونظر إليه قد مثل به، فقال # " رحمة الله عليك، فإنك كنت ما علمت وصولا للرحم، فعولا للخير، ولولا ~~حزن من بعدك عليك، لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من أرواح شتى، أما ~~والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك " # ، فنزل جبريل، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بخواتيم سورة النحل { ~~وإن عاقبتم... } الآية، فكفر النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه ~~وأمسك عن الذي أراد وصبر. وأخرج ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، ~~والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس مرفوعا نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن ~~مردويه عن ابن عباس في قوله { وإن عاقبتم... } الآية، قال هذا ~~حين أمر الله نبيه أن يقاتل من قاتله، ثم نزلت براءة وانسلاخ الأشهر ~~الحرم فهذا منسوخ. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { إن الله مع الذين ~~اتقوا والذين هم محسنون } قال اتقوا فيما حرم عليهم، ~~وأحسنوا فيما افترض عليهم. ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1-3] # قوله { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا } هو مصدر سبح، ~~يقال سبح يسبح تسبيحا وسبحانا، مثل كفر اليمين تكفيرا وكفرانا، ~~ومعناه التنزيه والبراءة لله من كل نقص. وقال سيبويه العامل فيه فعل لا ~~من لفظه، والتقدير أنزه الله تنزيها، فوقع سبحان مكان تنزيها، فهو على ~~هذا مثل قعد القرفصاء واشتمل الصماء وقيل هو علم للتسبيح كعثمان للرجل، ~~وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره تقديره أسبح الله سبحان، ثم نزل منزلة ~~الفعل وسد مسده، وقد قدمنا في قوله # سبحنك لا علم لنا إلا ما علمتنا # البقرة 32. طرفا من الكلام المتعلق بسبحان. والإسراء قيل هو سير الليل، ~~يقال سرى وأسرى، كسقى وأسقى لغتان، ms2118 وقد جمع بينهما الشاعر في قوله # حي النضير ربة الخدر أسرت إلي ولم تكن تسري # وقيل هو سير أول الليل خاصة، وإذا كان الإسراء لا يكون إلا في الليل ~~فلا بد للتصريح بذكر الليل بعده من فائدة، فقيل أراد بقوله { ليلا } ~~تقليل مدة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسافة ~~أربعين ليلة. ووجه دلالة { ليلا } على تقليل المدة ما فيه من التنكير ~~الدال على البعضية، بخلاف ما إذا قلت سريت الليل فإنه يفيد استيعاب ~~السير له جميعا. وقد استدل صاحب الكشاف على إفادة ليلا للبعضية بقراءة ~~عبد الله وحذيفة من الليل. وقال الزجاج معنى { أسرى بعبده ليلا } سير ~~عبده، يعني محمدا ليلا، وعلى هذا فيكون معنى أسرى معنى سير، فيكون ~~للتقيد بالليل فائدة، وقال { بعبده } ولم يقل بنبيه أو رسوله، أو بمحمد ~~تشريفا له صلى الله عليه وسلم. قال أهل العلم لو كان غير هذا الاسم أشرف ~~منه، لسماه الله سبحانه به في هذا المقام العظيم، والحالة العلية # لا تدعني إلا بياعبدها فإنه أشرف أسمائي ادعاء بأسماء نبزا في ~~قبائلها كأن أسماء أضحت بعض أسمائي # { من المسجد الحرام } قال الحسن وقتادة يعني المسجد نفسه، ~~وهو ظاهر القرآن. وقال عامة المفسرين أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من دار أم هانىء، فحملوا المسجد الحرام على مكة، أو الحرام، لإحاطة كل ~~واحد منهما بالمسجد الحرام، أو لأن الحرم كله مسجد. ثم ذكر سبحانه الغاية ~~التي أسرى برسوله إليها فقال { إلى المسجد الاقصى } وهو بيت ~~المقدس. وسمي الأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام، ولم يكن ~~حينئذ وراءه مسجد، ثم وصف المسجد الأقصى بقوله { الذى باركنا ~~حوله } بالثمار والأنهار والأنبياء والصالحين، فقد بارك الله سبحانه ~~حول المسجد الأقصى ببركات الدنيا والآخرة. وفي { باركنا } بعد قوله { ~~أسرى } التفات من الغيبة إلى التكلم. ثم ذكر العلة التي أسرى به لأجلها ~~فقال { لنريه من ءايتنا } أي ما أراه الله سبحانه في تلك ~~الليلة من العجائب التي من جملتها قطع هذه ms2119 المسافة الطويلة في جزء من ~~الليل { إنه } سبحانه { هو السميع } بكل مسموع، ومن جملة ذلك ~~قول رسوله صلى الله عليه وسلم { البصير } بكل مبصر، ومن جملة ذلك ذات ~~رسوله وأفعاله. # وقد اختلف أهل العلم هل كان الإسراء بجسده صلى الله عليه وسلم مع روحه، ~~أو بروحه فقط؟ فذهب معظم السلف والخلف إلى الأول، وذهب إلى الثاني طائفة ~~من أهل العلم منهم عائشة، ومعاوية، والحسن، وابن إسحاق، وحكاه ابن جرير ~~عن حذيفة بن اليمان، وذهبت طائفة إلى التفصيل فقالوا كان الإسراء بجسده ~~يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح، واستدلوا على هذا التفصيل ~~بقوله { إلى المسجد الاقصى } ، فجعله غاية للإسراء بذاته صلى ~~الله عليه وسلم. فلو كان الإسراء من بيت المقدس إلى السماء، وقع بذاته ~~لذكره، والذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة هو ما ذهب إليه معظم ~~السلف والخلف من أن الإسراء بجسده وروحه يقظة إلى بيت المقدس، ثم إلى ~~السموات، ولا حاجة إلى التأويل وصرف هذا النظم القرآني وما يماثله من ~~ألفاظ الأحاديث إلى ما يخالف الحقيقة، ولا مقتضى لذلك إلا مجرد ~~الاستبعاد وتحكيم محض العقول القاصرة عن فهم ما هو معلوم من أنه لا ~~يستحيل عليه سبحانه شيء، ولو كان ذلك مجرد رؤيا كما يقوله من زعم أن ~~الإسراء كان بالروح فقط، وأن رؤيا الأنبياء حق لم يقع التكذيب من الكفرة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم عند إخباره لهم بذلك حتى ارتد من ارتد ممن لم ~~يشرح بالإيمان صدرا، فإن الإنسان قد يرى في نومه ما هو مستبعد، بل ما هو ~~محال ولا ينكر ذلك أحد وأما التمسك لمن قال بأن هذا الإسراء إنما كان ~~بالروح على سبيل الرؤيا بقوله # وما جعلنا الرءيا التى أرينك إلا فتنة ~~للناس # الإسراء 60 فعلى تسليم أن المراد بهذه الرؤيا هو هذا الإسراء فالتصريح ~~الواقع هنا بقوله { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا } ~~والتصريح في الأحاديث الصحيحة الكثيرة بأنه أسرى به لا تقصر عن الاستدلال ~~بها على تأويل هذه الرؤيا الواقعة في الآية برؤية ms2120 العين، فإنه قد يقال ~~لرؤية العين رؤيا، وكيف يصح حمل هذا الإسراء على الرؤيا مع تصريح ~~الأحاديث الصحيحة بأن النبي صلى الله عليه وسلم ركب البراق؟ وكيف يصح وصف ~~الروح بالركوب؟ وهكذا كيف يصح حمل هذا الإسراء على الرؤيا مع تصريحه بأنه ~~كان عند أن أسري به بين النائم واليقظان؟ وقد اختلف أيضا في تاريخ ~~الإسراء، فروي أن ذلك كان قبل الهجرة إلى المدينة بسنة. وروي أن الإسراء ~~كان قبل الهجرة بأعوام. ووجه ذلك أن خديجة صلت مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقد ماتت قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل بثلاث وقيل بأربع، ولم تفرض ~~الصلاة إلا ليلة الإسراء. # وقد استدل بهذا ابن عبد البر على ذلك، وقد اختلفت الرواية عن الزهري. ~~وممن قال بأن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة الزهري في رواية عنه، وكذلك ~~الحربي فإنه قال أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة سبع وعشرين من ربيع ~~الأول قبل الهجرة بسنة. وقال ابن القاسم في تاريخه كان الإسراء بعد ~~مبعثه بثمانية عشر شهرا. قال ابن عبد البر لا أعلم أحدا من أهل السير ~~قال بمثل هذا. وروي عن الزهري أنه أسري به قبل مبعثه بسبعة أعوام، وروي ~~عنه أنه قال كان قبل مبعثه بخمس سنين. وروى يونس عن عروة عن عائشة أنها ~~قالت توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة. { وءاتينآ موسى الكتب ~~} أي التوراة، قيل والمعنى كرمنا محمدا بالمعراج وأكرمنا موسى بالكتاب ~~{ وجعلنه } أي ذلك الكتاب وقيل موسى { هدى لبنى إسرءيل ~~} يهتدون به { أن لا تتخذوا }. قرأ أبو عمر بالياء التحتية، وقرأ ~~الباقون بالفوقية أي لئلا يتخذوا. والمعنى آتيناه الكتاب لهداية بني ~~إسرائيل لئلا يتخذوا { من دونى وكيلا } قال الفراء أي كفيلا ~~بأمورهم، وروي عنه أنه قال كافيا وقيل أي متوكلون عليه في أمورهم، وقيل ~~شريكا، ومعنى الوكيل في اللغة من توكل إليه الأمور. { ذرية من ~~حملنا مع نوح } نصب على الاختصاص أو النداء، ذكرهم سبحانه إنعامه ~~عليهم في ضمن إنجاء آبائهم من الغرق، ويجوز أن يكون المفعول ms2121 الأول لقوله ~~{ أن لا تتخذوا } أي لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح من دوني وكيلا، ~~كقوله # ولا يأمركم أن تتخذوا الملئكة والنبيين ~~أربابا # آل عمران 80. وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو بدل من فاعل { ~~تتخذوا } ، وقرأ مجاهد بفتح الذال، وقرأ زيد بن ثابت بكسرها، والمراد ~~بالذرية هنا جميع من في الأرض، لأنهم من ذرية من كان في السفينة وقيل ~~موسى وقومه من بني إسرائيل. وهذا هو المناسب لقراءة النصب على النداء ~~والنصب على الاختصاص، والرفع على البدل وعلى الخبر، فإنها كلها راجعة إلى ~~بني إسرائيل المذكورين، وأما على جعل النصب على أن { ذرية } هي المفعول ~~الأول لقوله { لا تتخذوا } ، فالأولى تفسير الذرية بجميع من في الأرض من ~~بني آدم. { إنه كان عبدا شكورا } أي نوحا، وصفه الله بكثرة ~~الشكر وجعله كالعلة لما قبله إيذانا بكون الشكر من أعظم أسباب الخير، ~~ومن أفضل الطاعات حثا لذريته على شكر الله سبحانه. وقد أخرج ابن مردويه ~~عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة. # وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب قال أسري برسول الله إلى بيت ~~المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة. وأخرج البيهقي عن عروة مثله. وأخرج ~~البيهقي أيضا عن السدي قال أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ~~مهاجره بستة عشر شهرا. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { الذى ~~باركنا حوله } قال أنبتنا حوله الشجر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم عن قتادة في قوله { وءاتينآ موسى الكتب وجعلناه ~~هدى لبنى إسرءيل } قال جعله الله هدى يخرجهم من الظلمات إلى ~~النور وجعله رحمة لهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ألا تتخذوا من دونى وكيلا } ~~قال شريكا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله { ذرية من حملنا ~~مع نوح } قال هو على النداء. يا ذرية من حملنا مع ms2122 نوح. وأخرج ابن ~~مردويه عن عبد الله بن زيد الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " { ذرية من حملنا مع نوح } ، ما كان مع نوح إلا أربعة أولاد حام، ~~وسام، ويافث، وكوش، فذلك أربعة أولاد انتسلوا هذا الخلق " # واعلم أنه قد أطال كثير من المفسرين كابن كثير والسيوطي وغيرهما في هذا ~~الموضع بذكر الأحاديث الواردة في الإسراء على اختلاف ألفاظها، وليس في ~~ذلك كثير فائدة، فهي معروفة في موضعها من كتب الحديث، وهكذا أطالوا بذكر ~~فضائل المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهو مبحث آخر، والمقصود في كتب ~~التفسير ما يتعلق بتفسير ألفاظ الكتاب العزيز، وذكر أسباب النزول، وبيان ~~ما يؤخذ منه من المسائل الشرعية، وما عدا ذلك فهو فضلة لا تدعو إليه ~~حاجة. ### || [17.4-11] # قوله { وقضينا إلى بنى إسرءيل فى الكتب } أي ~~أعلمنا وأخبرنا، أو حكمنا وأتممنا، وأصل القضاء الإحكام للشيء والفراغ ~~منه وقيل أوحينا، ويدل عليه قوله إلى بني إسرائيل، ولو كان بمعنى الإعلام ~~والإخبار لقال قضينا بني إسرائيل، ولو كان بمعنى حكمنا لقال على بني ~~إسرائيل، ولو كان بمعنى أتممنا لقال لبني إسرائيل، والمراد بالكتاب ~~التوراة، ويكون إنزالها على نبيهم موسى كإنزالها عليهم لكونهم قومه وقيل ~~المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. وقرأ أبو العالية وسعيد بن جبير في الكتب. ~~وقرأ عيسى الثقفي لتفسدن في الأرض بفتح المثناة، ومعنى هذه القراءة قريب ~~من معنى قراءة الجمهور، لأنهم إذا أفسدوا فسدوا في نفوسهم، والمراد ~~بالفساد مخالفة ما شرعه الله لهم في التوراة، والمراد بالأرض أرض الشام ~~وبيت المقدس وقيل أرض مصر، واللام في { لتفسدن } جواب قسم محذوف. قال ~~النيسابوري أو أجري القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل وأقسمنا لتفسدن. ~~وانتصاب { مرتين } على أنه صفة مصدر محذوف، أو على أنه في نفسه ~~مصدر عمل فيه ما هو من غير جنسه، والمرة الأولى قتل شعياء أو حبس أرمياء، ~~أو مخالفة أحكام التوراة، والثانية قتل يحيى بن زكريا والعزم على قتل ~~عيسى { ولتعلن علوا كبيرا } هذه اللام كاللام التي قبلها، ~~أي لتستكبرن عن ms2123 طاعة الله ولتستعلن على الناس بالظلم والبغي مجاوزين ~~للحد في ذلك { فإذا جآء وعد أولهما } أي أولى المرتين ~~المذكورتين { بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس ~~شديد } أي قوة في الحروب وبطش عند اللقاء. قيل هو بختنصر وجنوده وقيل ~~جالوت وقيل جند من فارس وقيل جند من بابل { فجاسوا خلل ~~الديار } أي عاثوا وترددوا، يقال جاسوا وهاسوا وداسوا بمعنى، ذكره ~~ابن غرير والقتيبي. قال الزجاج معناه طافوا خلال الديار، هل بقي أحد لم ~~يقتلوه؟ قال والجوس طلب الشيء باستقصاء. قال الجوهري الجوس مصدر قولك ~~جاسوا خلال الديار، أي تخللوها، كما يجوس الرجل للأخبار، أي يطلبها، وكذا ~~قال أبو عبيدة. وقال ابن جرير معنى جاسوا طافوا بين الديار يطلبونهم ~~ويقتلونهم ذاهبين وجائين. وقال الفراء معناه قتلوهم بين بيوتهم وأنشد ~~لحسان # ومنا الذي لاقي بسيف محمد فجاس به الأعداء عرض ~~العساكر # وقال قطرب معناه نزلوا. وأنشد قول الشاعر # فجسنا ديارهم عنوة وأبنا بساداتهم موثقينا # وقرأ ابن عباس فحاسوا بالحاء المهملة. قال أبو زيد الحوس، والجوس، ~~والعوس، والهوس الطوف بالليل، وقيل الطوف بالليل هو الجوسان محركا، كذا ~~قال أبو عبيدة. وقرىء خلل الديار. ومعناه معنى خلال وهو وسط الديار { ~~وكان } ذلك { وعدا مفعولا } أي كائنا لا محالة. { ثم ~~رددنا لكم الكرة عليهم } أي الدولة والغلبة والرجعة، ~~وذلك عند توبتهم. # قيل وذلك حين قتل داود جالوت، وقيل حين قتل بختنصر { وأمددنكم ~~بأمول وبنين } بعد نهب أموالكم وسبي أبنائكم، حتى عاد أمركم كما ~~كان. { وجعلنكم أكثر نفيرا } قال أبو عبيدة النفير العدد ~~من الرجال فالمعنى أكثر رجالا من عدوكم، والنفير من ينفر مع الرجل من ~~عشيرته، يقال نفير ونافر مثل قدير وقدر، ويجوز أن يكون النفير جمع نفر { ~~إن أحسنتم } أي أفعالكم وأقوالكم على الوجه المطلوب منكم، { ~~أحسنتم لانفسكم } لأن ثواب ذلك عائد إليكم { وإن أسأتم ~~} أفعالكم وأقوالكم فأوقعتموها لا على الوجه المطلوب منكم، { فلها } ~~أي فعليها. ومثله قول الشاعر # فخر صريعا لليدين وللفم # أي على اليدين وعلى الفم. قال ابن جرير اللام بمعنى إلى، أي ms2124 فإليها ترجع ~~الإساءة كقوله تعالى # بأن ربك أوحى لها # الزلزلة 5 أي إليها وقيل المعنى فلها الجزاء أو العقاب. وقال الحسين بن ~~الفضل فلها رب يغفر الإساءة، وهذا الخطاب قيل هو لبني إسرائيل الملابثين ~~لما ذكر في هذه الآيات، وقيل لبني إسرائيل الكائنين في زمن محمد صلى الله ~~عليه وسلم، ومعناه إعلامهم ما حل بسلفهم فليرتقبوا مثل ذلك، وقيل هو خطاب ~~لمشركي قريش. { فإذا جاء وعد الآخرة } أي حضر وقت ما وعدوا من ~~عقوبة المرة الآخرة، والمرة الآخرة هي قتلهم يحيى بن زكريا كما سبق، ~~وقصة قتله مستوفاة في الإنجيل، واسمه فيه يوحنا، قتله ملك من ملوكهم بسبب ~~امرأة حملته على قتله، واسم الملك لاخت قاله ابن قتيبة. وقال ابن جرير ~~هيردوس، وجواب { إذا } محذوف، تقديره بعثناهم، لدلالة جواب " إذا " ~~الأولى عليه، { يسؤووا وجوهكم } متعلق بهذا الجواب المحذوف أي ~~ليفعلوا بكم ما يسوء وجوهكم حتى تظهر عليكم آثار المساءة، وتتبين في ~~وجوهكم الكآبة، وقيل المراد بالوجوه السادة منهم. وقرأ الكسائي لنسوء ~~بالنون، على أن الضمير لله سبحانه. وقرأ أبي لنسوءن بنون التأكيد. وقرأ ~~أبو بكر، والأعمش، وابن وثاب، وحمزة، وابن عامر " ليسوء " بالتحتية ~~والإفراد. قال الزجاج كل شيء كسرته وفتته فقد تبرته، والضمير لله أو ~~الوعد { وليدخلوا المسجد } معطوف على { ليسوءوا }. { كما ~~دخلوه أول مرة وليتبروا } أي يدمروا ويهلكوا، وقال ~~قطرب يهدموا، ومنه قول الشاعر # فما الناس إلا عاملان فعامل يتبر ما يبني، وآخر رافع # وقرأ الباقون بالتحتية، وضم الهمزة، وإثبات واو بعدها على أن الفاعل ~~عباد لنا { ما علوا } أي ما غلبوا عليه من بلادكم، أو مدة علوهم { ~~تتبيرا } أي تدميرا، ذكر المصدر إزالة للشك وتحقيقا للخبر. { ~~عسى ربكم أن يرحمكم } يا بني إسرائيل بعد انتقامه منكم في ~~المرة الثانية. { وإن عدتم } للثالثة { عدنا } إلى عقوبتكم. ~~قال أهل السير ثم إنهم عادوا إلى ما لا ينبغي وهو تكذيب محمد صلى الله ~~عليه وسلم وكتمان ما ورد من بعثه في التوراة والإنجيل، فعاد الله إلى ~~عقوبتهم على أيدي العرب، فجرى ms2125 على بني قريظة والنضير وبني قينقاع وخيبر ~~ما جرى من القتل والسبي والإجلاء وضرب الجزية على من بقي منهم، وضرب ~~الذلة والمسكنة. # { وجعلنا جهنم للكفرين حصيرا } وهو المحبس، فهو ~~فعيل بمعنى فاعل أو مفعول. والمعنى أنهم محبوسون في جهنم لا يتخلصون عنها ~~أبدا. قال الجوهري حصره يحصره حصرا ضيق عليه وأحاط به وقيل فراشا ~~ومهادا، - وأراد على هذا - بالحصير الحصير الذي يفرشه الناس { إن ~~هذا القرءان يهدى للتى هى أقوم } يعني القرآن يهدي ~~الناس الطريقة التي هي أقوم من غيرها من الطرق وهي ملة الإسلام، فالتي هي ~~أقوم صفة لموصوف محذوف وهي الطريق. وقال الزجاج للحال التي هي أقوم ~~الحالات، وهي توحيد الله والإيمان برسله، وكذا قال الفراء. { ويبشر ~~المؤمنين } قرأ حمزة والكسائي يبشر بفتح الياء وضم الشين. وقرأ ~~الباقون بضم الياء وكسر الشين من التبشير أي يبشر بما اشتمل عليه من ~~الوعد بالخير آجلا وعاجلا للمؤمنين { الذين يعملون ~~الصلحات } التي أرشد إلى عملها القرآن { أن لهم أجرا ~~كبيرا } أي بأن لهم. { وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~} وأحكامها المبينة في القرآن { أعتدنا لهم عذابا أليما } ~~وهو عذاب النار، وهذه الجملة معطوفة على جملة يبشر بتقدير يخبر، أي ويخبر ~~بأن الذين لا يؤمنون بالآخرة وقيل معطوفة على قوله { أن لهم ~~أجرا كبيرا } ، ويراد بالتبشير مطلق الإخبار، أو يكون المراد منه ~~معناه الحقيقي، ويكون الكلام مشتملا على تبشير المؤمنين ببشارتين الأولى ~~مالهم من الثواب، والثانية ما لأعدائهم من العقاب. { ويدع ~~الإنسن بالشر } المراد بالإنسان هنا الجنس، لوقوع هذا الدعاء ~~من بعض أفراده، وهو دعاء الرجل على نفسه وولده عند الضجر بما لا يحب أن ~~يستجاب له { دعاءه بالخير } أي مثل دعائه لربه بالخير لنفسه ~~ولأهله كطلب العافية والرزق ونحوهما، فلو استجاب الله دعاءه على نفسه ~~بالشر هلك، لكنه لم يستجب تفضلا منه ورحمة، ومثل ذلك # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير # يونس 11. وقد تقدم وقيل المراد بالإنسان هنا القائل هذه المقالة هو ~~الكافر يدعو لنفسه بالشر، وهو استعجال العذاب دعاءه بالخير ms2126 كقول القائل # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم # الأنفال 32. وقيل هو أن يدعو في طلب المحظور كدعائه في طلب المباح، ~~وحذفت الواو من { ويدع الإنسان } في رسم المصحف لعدم التلفظ بها لوقوع ~~اللام الساكنة بعدها كقوله # سندع الزبانية # العلق 18 و # ويمح الله البطل # الشورى 24 و # وسوف يؤت الله المؤمنين # النساء 146 ونحو ذلك. # { وكان الإنسن عجولا } أي مطبوعا على العجلة، ومن عجلته ~~أنه يسأل الشر كما يسأل الخير وقيل إشارته إلى آدم عليه السلام حين نهض ~~قبل أن تكمل فيه الروح، والمناسب للسياق هو الأول. وقد أخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وقضينا إلى ~~بنى إسرءيل } قال أعلمناهم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال أخبرناهم. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا { وقضينا إلى بنى ~~إسرءيل } قضينا عليهم. وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن علي في قوله { ~~لتفسدن فى الارض مرتين } قال الأولى قتل زكريا، والآخرة ~~قتل يحيى. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في الآية، قال كان أول الفساد ~~قتل زكريا، فبعث الله عليهم ملك النبط، ثم إن بني إسرائيل تجهزوا فغزوا ~~النبط فأصابوا منهم، فذلك قوله { ثم رددنا لكم الكرة ~~عليهم }. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال بعث الله ~~عليهم في الأولى جالوت، وبعث عليهم في المرة الأخرى بختنصر، فعادوا فسلط ~~الله عليهم المؤمنين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه { فجاسوا } ~~قال فمشوا. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال { تتبيرا } تدميرا. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { عسى ربكم أن يرحمكم } ~~قال كانت الرحمة التي وعدهم بعث محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد ~~الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وإن عدتم ~~عدنا } قال فعادوا فبعث الله سبحانه عليهم محمدا، فهم يعطون الجزية ~~عن يد وهم صاغرون. واعلم أنها قد اختلفت الروايات في تعيين الواقع منهم ms2127 ~~في المرتين، وفي تعيين من سلطه الله عليهم، وفي كيفية الانتقام منهم، ~~ولا يتعلق بذلك كثير فائدة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس في قوله { وجعلنا جهنم للكفرين حصيرا } ~~قال سجنا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه، قال معنى حصيرا جعل الله ~~مأواهم فيها. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عن الحسن في قوله { حصيرا } قال فراشا ومهادا. وأخرج ابن جرير عن ~~ابن زيد في قوله { إن هذا القرءان يهدى للتى هى ~~أقوم } قال للتي هي أصوب. وأخرج الحاكم عن ابن مسعود أنه كان يتلو ~~كثيرا " إن هذا القرءان يهدى للتى هى أقوم ~~ويبشر " بالتخفيف. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { ويدع ~~الإنسن بالشر دعاءه بالخير } يعني قول الإنسان اللهم ~~العنه واغضب عليه. وأخرج ابن جرير عنه في قوله { وكان الإنسن ~~عجولا } قال ضجرا، لا صبر له على سراء ولا ضراء. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن سلمان ~~الفارسي قال أول ما خلق الله من آدم رأسه، فجعل ينظر وهو يخلق وبقيت ~~رجلاه، فلما كان بعد العصر قال يا رب أعجل قبل الليل، فذلك قوله { ~~وكان الإنسن عجولا }. ### || [17.12-17] # لما ذكر سبحانه دلائل النبوة والتوحيد، أكدها بدليل آخر من عجائب صنعه ~~وبدائع خلقه فقال { وجعلنا اليل والنهار ءايتين } وذلك ~~لما فيهما من الإظلام والإنارة مع تعاقبهما وسائر ما اشتملا عليه من ~~العجائب التي تحار في وصفها الأفهام، ومعنى كونهما آيتين أنهما يدلان على ~~وجود الصانع وقدرته، وقدم الليل على النهار لكونه الأصل. { فمحونا ~~ءاية اليل } أي طمسنا نورها، وقد كان القمر كالشمس في الإنارة ~~والضوء. قيل ومن آثار المحو السواد الذي يرى في القمر، وقيل المراد ~~بمحوها أنه سبحانه خلقها ممحوة الضوء مطموسة، وليس المراد أنه محاها بعد ~~أن لم تكن كذلك { وجعلنا آية النهار مبصرة } أي جعل سبحانه شمسه مضيئة ~~تبصر فيها الأشياء. قال أبو عمرو بن العلاء والكسائي ms2128 هو من قول العرب ~~أبصر النهار إذا صار بحالة يبصر بها وقيل مبصرة للناس من قوله أبصره ~~فبصر. فالأول وصف لها بحال أهلها، والثاني وصف لها بحال نفسها، وإضافة ~~آية إلى الليل والنهار بيانية أي فمحونا الآية التي هي الليل والآية التي ~~هي النهار كقولهم نفس الشيء وذاته. { لتبتغوا فضلا من ~~ربكم } أي لتتوصلوا ببياض النهار إلى التصرف في وجوه المعاش، واللام ~~متعلق بقوله { وجعلنا آية النهار مبصرة } أي جعلناها لتبتغوا فضلا من ~~ربكم أي رزقا، إذ غالب تحصيل الأرزاق وقضاء الحوائج يكون بالنهار، ولم ~~يذكر هنا السكون في الليل اكتفاء بما قاله في موضع آخر # وهو الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا # يونس 67. ثم ذكر مصلحة أخرى في ذلك الجعل فقال { ولتعلموا عدد ~~السنين والحساب } وهذا متعلق بالفعلين جميعا، أعني محونا آية ~~الليل وجعلنا آية النهار مبصرة، لا بأحدهما فقط كالأول. إذ لا يكون علم ~~عدد السنين والحساب، إلا باختلاف الجديدين ومعرفة الأيام والشهور ~~والسنين. والفرق بين العدد والحساب أن العدد إحصاء ماله كمية بتكرير ~~أمثاله من غير أن يتحصل منه شيء، والحساب إحصاء ماله كمية بتكرير أمثاله ~~من حيث يتحصل بطائفة معينة منها حد معين منه له اسم خاص فالسنة مثلا إن ~~وقع النظر إليها من حيث عدد أيامها فذلك هو العدد، وإن وقع النظر إليها ~~من حيث تحققها وتحصلها من عدة أشهر. قد يحصل كل شهر من عدة أيام، قد ~~يحصل كل يوم من عدة ساعات، قد تحصلت كل ساعة من عدة دقائق، فذلك هو ~~الحساب. { وكل شىء فصلناه تفصيلا } أي كل ما تفتقرون ~~إليه في أمر دينكم ودنياكم بيناه تبيينا واضحا لا يلتبس. وعند ذلك ~~تنزاح العلل وتزول الأعذار # ليهلك من هلك عن بينة # الأنفال 42. ولهذا قال { وكل إنسن ألزمنه طئره ~~فى عنقه } قال أبو عبيدة الطائر عند العرب الحظ. # ويقال له البخت فالطائر ما وقع للشخص في الأزل بما هو نصيبه من العقل ~~والعمل والعمر والرزق والسعادة والشقاوة كأن طائرا يطير إليه من ms2129 وكر ~~الأزل وظلمات عالم الغيب طيرانا لا نهاية له ولا غاية إلى أن انتهى إلى ~~ذلك الشخص في وقته المقدر من غير خلاص ولا مناص. وقال الأزهري الأصل في ~~هذا أن الله سبحانه لما خلق آدم علم المطيع من ذريته والعاصي، فكتب ما ~~علمه منهم أجمعين، وقضى سعادة من علمه مطيعا وشقاوة من علمه عاصيا، ~~فطار لكل منهم ما هو صائر إليه عند خلقه وإنشائه وذلك قوله { وكل ~~إنسن ألزمنه طآئره فى عنقه } أي ما طار له في علم ~~الله، وفي عنقه عبارة عن اللزوم، كلزوم القلادة العنق من بين ما يلبس. ~~قال الزجاج ذكر العنق عبارة عن اللزوم كلزوم القلادة العنق. { ونخرج ~~له يوم القيمة كتابا يلقه منشورا }. قرأ ابن ~~عباس، والحسن، ومجاهد، وابن محيصن، وأبو جعفر، ويعقوب ويخرج بالمثناة ~~التحتية المفتوحة وبالراء المضمومة على معنى ويخرج له الطائر. { وكتابا ~~} منصوب على الحال، ويجوز أن يكون المعنى يخرج لها الطائر فيصير كتابا. ~~وقرأ يحيى بن وثاب يخرج بضم الياء وكسر الراء أي يخرج الله. وقرأ شيبة ~~ومحمد بن السميفع، وروي أيضا عن أبي جعفر يخرج بضم الياء وفتح الراء ~~على البناء للمفعول أي ويخرج له الطائر كتابا. وقرأ الباقون { ونخرج } ~~بالنون على أن المخرج هو الله سبحانه. و { كتابا } مفعول به، واحتج أبو ~~عمرو لهذه القراءة بقوله تعالى { ألزمنه }. وقرأ أبو جعفر، ~~والحسن، وابن عامر يلقاه بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف، وقرأ ~~الباقون بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف. وإنما قال سبحانه { ~~يلقه منشورا } تعجيلا للبشرى بالحسنة وللتوبيخ على السيئة. { ~~اقرأ كتبك } أي نقول له إقرأ كتابك، أو قائلين له، قيل يقرأ ذلك ~~الكتاب من كان قارئا، ومن لم يكن قارئا { كفى بنفسك اليوم ~~عليك حسيبا } الباء في { بنفسك } زائدة. و { حسيبا } تمييز، أي ~~حاسبا. قال سيبويه ضريب القادح بمعنى ضاربها، وصريم بمعنى صارم، ويجوز ~~أن يكون الحسيب بمعنى الكافي، ثم وضع موضع الشهيد فعدي ب { على } ، ~~والنفس بمعنى الشخص، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب كالشريك ~~والجليس. ms2130 { من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه } بين سبحانه ~~أن ثواب العمل الصالح وعقاب ضده يختصان بفاعلهما لا يتعدان منه إلى ~~غيره، فمن اهتدى بفعل ما أمره الله به وترك ما نهاه الله عنه، فإنما تعود ~~منفعة ذلك إلى نفسه، { ومن ضل } عن طريق الحق فلم يفعل ما أمر به، ~~ولم يترك ما نهي عنه { فإنما يضل عليها } أي فإن وبال ضلاله ~~واقع على نفسه لا يجاوزها، فكل أحد محاسب عن نفسه، مجزي بطاعته معاقب ~~بمعصيته، ثم أكد هذا الكلام بأبلغ تأكيد فقال { ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى } والوزر الإثم، يقال وزر يزر وزرا ووزرة، أي إثما، ~~والجمع أوزار، والوزر الثقل. # ومنه # يحملون أوزارهم على ظهورهم # الأنعام 31 أي أثقال ذنوبهم. ومعنى الآية لا تحمل نفس حاملة للوزر وزر ~~نفس أخرى حتى تخلص الأخرى عن وزرها وتؤخذ به الأولى، وقد تقدم مثل هذا ~~في الأنعام. قال الزجاج في تفسير هذه الآية إن الآثم والمذنب لا يؤاخذ ~~بذنب غيره. { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } لما ~~ذكر سبحانه اختصاص المهتدي بهدايته، والضال بضلاله، وعدم مؤاخذة الإنسان ~~بجناية غيره، ذكر أنه لا يعذب عباده إلا بعد الإعذار إليهم بإرسال رسله، ~~وإنزال كتبه، فبين سبحانه أنه لم يتركهم سدى، ولا يؤاخذهم قبل إقامة ~~الحجة عليهم، والظاهر أنه لا يعذبهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بعد ~~الإعذار إليهم بإرسال الرسل، وبه قالت طائفة من أهل العلم. وذهب الجمهور ~~إلى أن المنفي هنا هو عذاب الدنيا لا عذاب الآخرة. { وإذا أردنا ~~أن نهلك قرية أمرنا } اختلف المفسرون في معنى { أمرنا } ~~على قولين الأول أن المراد به الأمر الذي هو نقيض النهي، وعلى هذا ~~اختلفوا في المأمور به، فالأكثر على أنه الطاعة والخير. وقال في الكشاف ~~معناه أمرناهم بالفسق ففسقوا، وأطال الكلام في تقرير هذا وتبعه المقتدون ~~به في التفسير، وما ذكره هو ومن تابعه معارض بمثل قول القائل أمرته ~~فعصاني، فإن كل من يعرف اللغة العربية يفهم من هذا أن المأمور به شيء غير ~~المعصية، ms2131 لأن المعصية منافية للأمر، مناقضة له، فكذلك أمرته ففسق يدل على ~~أن المأمور به شيء غير الفسق لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به، ~~فكونه فسقا ينافي كونه مأمورا به ويناقضه. القول الثاني أن معنى { ~~أمرنا مترفيها } أكثرنا فساقها. قال الواحدي تقول العرب أمر ~~القوم، إذا كثروا وأمرهم الله إذا أكثرهم. وقد قرأ أبو عثمان النهدي، ~~وأبو رجاء، وأبو العالية، والربيع، ومجاهد، والحسن أمرنا بتشديد الميم، ~~أي جعلناهم أمراء مسلطين. وقرأ الحسن أيضا، وقتادة، وأبو حيوة الشامي، ~~ويعقوب، وخارجة عن نافع، وحماد بن سلمة عن ابن كثير وعلي وابن عباس ~~آمرنا بالمد والتخفيف، أي أكثرنا جبابرتها وأمراءها، قاله الكسائي. وقال ~~أبو عبيدة " آمرته " بالمد و " أمرته " لغتان بمعنى كثرته، ومنه الحديث # " خير المال مهرة مأمورة " # أي كثيرة النتاج والنسل، وكذا قال ابن عزيز. وقرأ الحسن أيضا. ويحيى ~~بن يعمر أمرنا بالقصر وكسر الميم على معنى فعلنا، ورويت هذه القراءة عن ~~ابن عباس. قال قتادة والحسن المعنى أكثرنا. وحكى نحوه أبو زيد وأبو عبيد ~~وأنكره الكسائي وقال لا يقال من الكثرة إلا آمرنا بالمد. # قال في الصحاح وقال أبو الحسن أمر ماله بالكسر، أي كثر، وأمر القوم، أي ~~كثروا، ومنه قول لبيد # إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا يوما يكن للهلاك والفند # وقرأ الجمهور { أمرنا } من الأمر، ومعناه ما قدمنا في القول الأول، ~~ومعنى { مترفيها } المنعمون الذين قد أبطرتهم النعمة وسعة العيش، ~~والمفسرون يقولون في تفسير المترفين إنهم الجبارون المتسلطون، والملوك ~~الجائرون، قالوا وإنما خصوا بالذكر لأن من عداهم أتباع لهم، ومعنى { ~~فسقوا فيها } خرجوا عن الطاعة وتمرضوا في كفرهم، لأن الفسوق الخروج إلى ~~ما هو أفحش { فحق عليها القول } أي ثبت وتحقق عليهم العذاب ~~بعد ظهور فسقهم. { فدمرناها تدميرا } أي تدميرا عظيما لا ~~يوقف على كنهه لشدته وعظم موقعه، وقد قيل في تأويل { أمرنا } بأنه مجاز ~~عن الأمر الحامل لهم على الفسق، وهو إدرار النعم عليهم، وقيل أيضا إن ~~المراد ب { أردنا أن نهلك قرية } أنه قرب إهلاك قرية، وهو ms2132 عدول عن ~~الظاهر بدون ملجىء إليه. ثم ذكر سبحانه أن هذه عادته الجارية مع القرون ~~الخالية فقال { وكم أهلكنا من القرون } أي كثيرا ما ~~أهلكنا منهم، ف { كم } مفعول { أهلكنا } ، و { من القرون } بيان ل { كم ~~} وتمييز له أي كم من قوم كفروا من بعد نوح كعاد وثمود، فحل بهم البوار ~~ونزل بهم سوط العذاب؟ وفيه تخويف لكفار مكة. ثم خاطب رسوله بما هو ردع ~~للناس كافة فقال { وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا ~~بصيرا } قال الفراء إنما يجوز إدخال الباء في المرفوع إذا كان يمدح به ~~صاحبه أو يذم به، كقولك كفاك، وأكرم به رجلا، وطاب بطعامك طعاما، ولا ~~يقال قام بأخيك، وأنت تريد قام أخوك. وفي الآية بشارة عظيمة لأهل الطاعة ~~وتخويف شديد لأهل المعصية، لأن العلم التام والخبرة الكاملة والبصيرة ~~النافذة تقتضي إيصال الجزاء إلى مستحقه بحسب استحقاقه، ولا ينافيه مزيد ~~التفضل على من هو أهل لذلك، والمراد بكونه سبحانه { خبيرا بصيرا } أنه ~~محيط بحقائق الأشياء ظاهرا وباطنا لا تخفى عليه منها خافية. وقد أخرج ~~البيهقي في دلائل النبوة، وابن عساكر عن سعيد المقبري أن عبد الله بن ~~سلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن السواد الذي في القمر، فقال # " كانا شمسين، قال الله { وجعلنا اليل والنهار ءايتين ~~فمحونا ءاية اليل } فالسواد الذي رأيت هو المحو " # وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~معنى هذا بأطول منه. قال السيوطي وإسناده واه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف عن علي في ~~قوله { فمحونا ءاية اليل } قال هو السواد الذي في القمر. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم عن قتادة في قوله { وجعلنا آية النهار مبصرة } قال منيرة. { ~~لتبتغوا فضلا من ربكم } قال جعل لكم سبحا طويلا. وأخرج ~~ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فصلناه } قال ~~بيناه. وأخرج أحمد، وعبد ms2133 بن حميد، وابن جرير بسند حسن عن جابر سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول # " طائر كل إنسان في عنقه " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~ألزمنه طآئره فى عنقه } قال سعادته وشقاوته وما قدر ~~الله له وعليه فهو لازمه أين كان. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن ~~أنس في قوله { طئره } قال كتابه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس قال عمله. { ونخرج له يوم القيمة كتابا ~~يلقه منشورا } قال هو عمله الذي أحصي عليه، فأخرج له يوم ~~القيامة ما كتب له من العمل فقرأه منشورا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم عن قتادة في قوله { اقرأ كتبك } قال سيقرأ يومئذ من لم ~~يكن قارئا في الدنيا. وأخرج ابن عبد البر في التمهيد عن عائشة في قوله ~~{ ولا تزر وازرة وزر أخرى } قال سألت خديجة عن أولاد ~~المشركين فقال «هم من آبائهم " ثم سألته بعد ذلك فقال الله أعلم بما ~~كانوا عاملين، ثم سألته بعد ما استحكم الإسلام فنزلت { ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى } فقال " هم على الفطرة ". أو قال " في الجنة ~~". قال السيوطي وسنده ضعيف. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سئل فقيل له يا رسول الله إنا نصيب في البيات من ذراري ~~المشركين، قال " هم منهم ". وفي ذلك أحاديث كثيرة وبحث طويل. وقد ذكر ابن ~~كثير في تفسير هذه الآية غالب الأحاديث الواردة في أطفال المشركين، ثم ~~نقل كلام أهل العلم في المسألة فليرجع إليها. وأخرج إسحاق بن راهويه، ~~وأحمد، وابن حبان، وأبو نعيم في المعرفة، والطبراني، وابن مردويه، ~~والبيهقي في كتاب الاعتقاد عن الأسود بن سريع، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " أربعة يحتجون يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئا، ورجل أحمق، ورجل ~~هرم، ورجل مات في الفترة " # ، ثم قال # " فيأخذ الله مواثيقهم ليطيعنه ويرسل إليهم رسولا أن أدخلوا النار " # ، قال # " فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت ms2134 عليهم بردا وسلاما، ومن لم ~~يدخلها يسحب إليها " # ، وإسناده عند أحمد، هكذا حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن هشام، ~~حدثني أبي عن أبي قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع. # وأخرج نحوه إسحاق بن راهويه، وأحمد، وابن مردويه عن أبي هريرة، وهو عند ~~أحمد بالإسناد المذكور عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة. ~~وأخرج قاسم بن أصبع، والبزار، وأبو يعلى، وابن عبد البر في التمهيد عن ~~أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه. وجعل مكان الأحمق ~~المعتوه. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والطبراني وأبو نعيم عن ~~معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " يؤتى يوم القيامة بالممسوح عقلا وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيرا ~~" # فذكر معناه مطولا. وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس في ~~قوله { أمرنا مترفيها } قال بطاعة الله فعصوا. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب ~~قال سمعت ابن عباس يقول في الآية { أمرنا مترفيها } بحق ~~فخالفوه، فحق عليهم بذلك التدمير. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عنه في الآية قال سلطنا شرارنا فعصوا، ~~فإذا فعلوا ذلك، أهلكناهم بالعذاب، وهو كقوله # وكذلك جعلنا في كل قرية أكبر مجرميها ~~ليمكروا فيها # الأنعام 123. وأخرج البخاري، وابن مردويه عن ابن مسعود، قال كنا نقول ~~للحى إذا كثروا في الجاهلية قد أمر بنو فلان. ### || [17.18-24] # قوله { من كان يريد العجلة } هذا تأكيد لما سلف من جملة { ~~كل إنسان ألزمناه } ، ومن جملة { من اهتدى } ، والمراد بالعاجلة المنفعة ~~العاجلة، أو الدار العاجلة. والمعنى من كان يريد بأعمال البر أو بأعمال ~~الآخرة ذلك، فيدخل تحته الكفرة والفسقة والمراءون والمنافقون { ~~عجلنا له } أي عجلنا لذلك المريد { فيها } أي في تلك العاجلة، ~~ثم قيد المعجل بقيدين الأول قوله { ما نشاء } أي ما يشاء الله سبحانه ~~تعجيله له منها، لا ما ms2135 يشاؤه ذلك المريد، ولهذا ترى كثيرا من هؤلاء ~~المريدين للعاجلة يريدون من الدنيا ما لا ينالون، ويتمنون ما لا يصلون ~~إليه، والقيد الثاني قوله { لمن نريد } أي لمن نريد التعجيل له ~~منهم ما اقتضته مشيئتنا، وجملة { لمن نريد } بدل من الضمير في " له " ~~بإعادة الجار بدل البعض من الكل. لأن الضمير يرجع إلى " من " وهو للعموم، ~~وهذه الآية تقيد الآيات المطلقة كقوله سبحانه # من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها # الشورى 20. وقوله # من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون # هود 15. وقد قيل إنه قرىء ما يشاء بالياء التحتية، ولا ندري من قرأ بذلك ~~من أهل الشواذ، وعلى هذه القراءة فقيل الضمير لله سبحانه، أي ما يشاؤه ~~الله، فيكون معناها معنى القراءة بالنون، وفيه بعد لمخالفته لما قبله، ~~وهو { عجلنا } وما بعده وهو { لمن نريد }. وقيل الضمير راجع إلى { من } ~~في قوله { من كان يريد } فيكون ذلك مقيدا بقوله { لمن نريد } أي ~~عجلنا له ما يشاؤه، لكن بحسب إرادتنا فلا يحصل لمن أراد العاجلة ما يشاؤه ~~إلا إذا أراد الله له ذلك. ثم بعد هذا كله فمن وراء هذه الطلبة الفارغة ~~التي لا تأثير لها إلا بالقيدين المذكورين عذاب الآخرة الدائم، ولهذا ~~قال { ثم جعلنا له جهنم } أي جعلنا له بسبب تركه لما أمر ~~به من العمل للآخرة وإخلاصه عن الشوائب عذاب جهنم على اختلاف أنواعه { ~~يصلها } في محل نصب على الحال أي يدخلها { مذموما مدحورا ~~} أي مطرودا من رحمة الله مبعدا عنها، فهذه عقوبته في الآخرة، مع أنه ~~لا ينال من الدنيا إلا ما قدره الله سبحانه له، فأين حال هذا الشقي من ~~حال المؤمن التقي؟ فإنه ينال من الدنيا ما قدره الله له وأراده بلا هلع ~~منه ولا جزع، مع سكون نفسه واطمئنان قلبه وثقته بربه، وهو مع ذلك عامل ~~للآخرة منتظر للجزاء من الله سبحانه، وهو الجنة، ولهذا قال { ومن ~~أراد الآخرة } أي أراد بأعماله الدار الآخرة { وسعى لها ~~سعيها } أي ms2136 السعي الحقيق بها اللائق بطالبها، وهو الإتيان بما أمر ~~به، وترك ما نهى عنه خالصا لله غير مشوب، وكان الإتيان به على القانون ~~الشرعي من دون ابتداع ولا هوى { وهو مؤمن } بالله إيمانا صحيحا، ~~لأن العمل الصالح لا يستحق صاحبه الجزاء عليه إلا إذا كان من المؤمنين # إنما يتقبل الله من المتقين # المائدة 27، والجملة في محل نصب على الحال، والإشارة بقوله { ~~فأولئك } إلى المريدين للآخرة الساعين لها سعيها وخبره { كان ~~سعيهم مشكورا } عند الله، أي مقبولا غير مردود، وقيل مضاعفا ~~إلى أضعاف كثيرة، فقد اعتبر سبحانه في كون السعي مشكورا أمورا ثلاثة ~~الأول إرادة الآخرة، الثاني أن يسعى لها السعي الذي يحق لها، والثالث أن ~~يكون مؤمنا. ثم بين سبحانه كمال رأفته وشمول رحمته فقال { كلا ~~نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك } التنوين في «كلا» ~~عوض عن المضاف إليه، والتقدير كل واحد من الفريقين نمد، أي نزيده من ~~عطائنا على تلاحق من غير انقطاع، نرزق المؤمنين والكفار، وأهل الطاعة ~~وأهل المعصية، لا تؤثر معصية العاصي في قطع رزقه، وما به الإمداد هو ما ~~عجله لمن يريد الدنيا، وما أنعم به في الأولى والأخرى على من يريد ~~الآخرة، وفي قوله { من عطاء ربك } إشارة إلى أن ذلك بمحض التفضل ~~وهو متعلق ب { نمد } ، { وما كان عطاء ربك محظورا } أي ~~ممنوعا، يقال حظره يحظره حظرا منعه، وكل ما حال بينك وبين شيء، فقد ~~حظره عليك، و { هؤلاء } بدل من «كلا» وهؤلاء معطوف على البدل. قال الزجاج ~~أعلم الله سبحانه أنه يعطي المسلم الكافر وأنه يرزقهما جميعا الفريقين ~~فقال { هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك }. { انظر كيف ~~فضلنا بعضهم على بعض } الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~ويحتمل أن يكون لكل من له أهلية النظر والاعتبار، وهذه الجملة مقررة لما ~~مر من الإمداد وموضحة له، والمعنى انظر كيف فضلنا في العطايا العاجلة ~~بعض العباد على بعض، فمن غني وفقير، وقوي وضعيف، وصحيح ومريض، وعاقل ~~وأحمق، وذلك لحكمة بالغة تقصر العقول عن إدراكها. { وللآخرة ~~أكبر ms2137 درجت وأكبر تفضيلا } وذلك لأن نسبة التفاضل في ~~درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا، وليس ~~للدنيا بالنسبة إلى الآخرة مقدار، فلهذا كانت الآخرة أكبر درجات وأكبر ~~تفضيلا، وقيل المراد أن المؤمنين يدخلون الجنة، والكافرين يدخلون النار، ~~فتظهر فضيلة المؤمنين على الكافرين. وحاصل المعنى أن التفاضل في الآخرة ~~ودرجاتها فوق التفاضل في الدنيا ومراتب أهلها فيها من بسط وقبض ونحوهما. ~~ثم لما أجمل سبحانه أعمال البر في قوله { وسعى لها سعيها ~~وهو مؤمن } أخذ في تفصيل ذلك مبتدئا بأشرفها الذي هو التوحيد ~~فقال { لا تجعل مع الله إلها ءاخر } والخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والمراد به أمته، تهييجا وإلهابا، أو لكل متأهل له صالح ~~لتوجيهه إليه، وقيل هو على إضمار القول، والتقدير قل لكل مكلف لا تجعل، ~~وانتصاب { تقعد } على جواب النهي، والتقدير لا يكون منك جعل فقعود ومعنى ~~{ تقعد } تصير، من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها خربة، وليس المراد ~~حقيقة القعود المقابل للقيام وقيل هو كناية عن عدم القدرة على تحصيل ~~الخيرات، فإن السعي فيه إنما يتأتى بالقيام، والعجز عنه يلزمه أن يكون ~~قاعدا عن الطلب وقيل إن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادما مفكرا ~~على ما فرط منه، فالقعود على هذا حقيقة، وانتصاب { مذموما ~~مخذولا } على خبرية تقعد أو على الحال أي فتصير جامعا بين الأمرين ~~الذم لك من الله ومن ملائكته، ومن صالحي عباده، والخذلان لك منه سبحانه، ~~أو حال كونك جامعا بين الأمرين. # ثم لما ذكر ما هو الركن الأعظم وهو التوحيد، أتبعه سائر الشعائر ~~والشرائع فقال { وقضى ربك } أي أمر أمرا جزما، وحكما قطعا، ~~وحتما مبرما { أن لا تعبدوا } أي بأن لا تعبدوا، فتكون «أن» ~~ناصبة، ويجوز أن تكون مفسرة، و " لا " نهي. وقرىء ووصى ربك أي وصى عباده ~~بعبادته وحده، ثم أردفه بالأمر ببر الوالدين فقال { وبالولدين ~~إحسنا } أي وقضى بأن تحسنوا بالوالدين إحسانا، أو وأحسنوا بهما ~~إحسانا، ولا يجوز أن يتعلق { بالوالدين ب { إحسانا } ، لأن المصدر ms2138 لا ~~يتقدم عليه ما هو متعلق به. قيل ووجه ذكر الإحسان إلى الوالدين بعد ~~عبادة الله سبحانه أنهما السبب الظاهر في وجود المتولد بينهما، وفي جعل ~~الإحسان إلى الأبوين قرينا لتوحيد الله وعبادته من الإعلان بتأكد حقهما ~~والعناية بشأنهما ما لا يخفى، وهكذا جعل سبحانه في آية أخرى شكرهما ~~مقترنا بشكره فقال # أن اشكر لى ولولديك # لقمان 14. ثم خص سبحانه حالة الكبر بالذكر، لكونها إلى البر من الولد ~~أحوج من غيرها، فقال { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما ~~أو كلاهما } " إما " مركبة من " إن " الشرطية و " ما " الإبهامية ~~لتأكيد معنى الشرط، ثم أدخلت نون التوكيد في الفعل لزيادة التقرير، كأنه ~~قيل إن هذا الشرط مما سيقع ألبتة عادة. قال النحويون إن الشرط يشبه النهي ~~من حيث الجزم وعدم الثبوت، فلهذا صح دخول النون المؤكدة عليه. وقرأ حمزة ~~والكسائي يبلغان. قال الفراء ثنى لأن الوالدين قد ذكرا قبله، فصار الفعل ~~على عددهما، ثم قال { أحدهما أو كلاهما } على الاستئناف، وأما ~~على قراءة { يبلغن } فأحدهما فاعل بالاستقلال. وقوله { أو كلاهما } ~~فاعل أيضا، لكن لا بالاستقلال، بل بتبعية العطف، والأولى أن يكون أحدهما ~~على قراءة يبلغان بدل من الضمير الراجع إلى الوالدين في الفعل، ويكون { ~~كلاهما } عطفا على البدل، ولا يصح جعل { كلاهما } تأكيدا للضمير، ~~لاستلزام العطف المشاركة، ومعنى { عندك } في كنفك وكفالتك، وتوحيد الضمير ~~في { عندك } و { لا تقل } وما بعدهما للإشعار بأن كل فرد من الأفراد ~~منهي بما فيه النهي، ومأمور بما فيه الأمر، ومعنى { فلا تقل ~~لهما أف } لا تقل لواحد منهما في حالتي الاجتماع والانفراد، وليس ~~المراد حالة الاجتماع فقط. # وفي { أف } لغات ضم الهمزة مع الحركات الثلاث في الفاء، وبالتنوين ~~وعدمه، وبكسر الهمز والفاء بلا تنوين، وأفى ممالا، وأفه بالهاء. قال ~~الفراء تقول العرب فلان يتأفف من ريح وجدها، أي يقول أف أف. وقال الأصمعي ~~الأف وسخ الأذن، والثف وسخ الأظفار، يقال ذلك عند استقذار الشيء، ثم كثر ~~حتى استعملوه في كل ما يتأذون به. وروى ثعلب عن ابن ms2139 الأعرابي أن الأفف ~~الضجر، وقال القتيبي أصله أنه إذا سقط عليه تراب ونحوه نفخ فيه ليزيله، ~~فالصوت الحاصل عند تلك النفخة هو قول القائل أف، ثم توسعوا فذكروه عند ~~كل مكروه يصل إليهم. وقال الزجاج معناه النتن. وقال أبو عمرو بن العلاء ~~الأف وسخ بين الأظفار، والثف قلامتها. والحاصل أنه اسم فعل ينبىء عن ~~التضجر والاستثقال، أو صوت ينبىء عن ذلك، فنهى الولد عن أن يظهر منه ما ~~يدل على التضجر من أبويه أو الاستثقال لهما، وبهذا النهي يفهم النهي عن ~~سائر ما يؤذيهما بفحوى الخطاب أو بلحنه كما هو متقرر في الأصول. { ولا ~~تنهرهما } النهر الزجر والغلظة، يقال نهره وانتهره إذا استقبله ~~بكلام يزجره. قال الزجاج معناه لا تكلمهما ضجرا صائحا في وجوههما. { ~~وقل لهما } بدل التأفيف والنهر { قولا كريما } أي لينا ~~لطيفا أحسن ما يمكن التعبير عنه من لطف القول وكرامته مع التأدب والحياء ~~والاحتشام { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } ذكر ~~القفال في معنى خفض الجناح وجهين الأول أن الطائر إذا أراد ضم فراخه إليه ~~للتربية خفض لها جناحه، فلهذا صار خفض الجناح كناية عن حسن التدبير، ~~فكأنه قال للولد أكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك بك في حال ~~صغرك. والثاني أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه، وإذا ~~أراد النزول خفض جناحه، فصار خفض الجناح كناية عن التواضع وترك الارتفاع ~~وفي إضافة الجناح إلى الذل وجهان الأول أنها كإضافة حاتم إلى الجود في ~~قولك حاتم الجود، فالأصل فيه الجناح الذليل، والثاني سلوك سبيل الاستعارة ~~كأنه تخيل للذل جناحا، ثم أثبت لذلك الجناح خفضا. وقرأ الجمهور الذل ~~بضم الذال من ذل يذل ذلا وذلة ومذلة فهو ذليل. وقرأ سعيد بن جبير، ~~وعروة بن الزبير بكسر الذال، وروي ذلك عن ابن عباس وعاصم، من قولهم دابة ~~ذلول، بنية الذل، أي منقادة سهلة لا صعوبة فيها، و { من الرحمة } فيه ~~معنى التعليل، أي من أجل فرط الشفقة والعطف عليهما لكبرهما وافتقارهما ~~اليوم لمن كان أفقر ms2140 خلق الله إليهما بالأمس، ثم كأنه قال له سبحانه ولا ~~تكتف برحمتك التي لا دوام لها ولكن { قل رب ارحمهما كما ~~ربيانى صغيرا } والكاف في محل نصب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي ~~رحمة مثل تربيتهما لي، أو مثل رحمتهما لي، وقيل ليس المراد رحمة مثل ~~الرحمة، بل الكاف لاقترانهما في الوجود، فلتقع هذه كما وقعت تلك. # والتربية التنمية، ويجوز أن يكون الكاف للتعليل، أي لأجل تربيتهما، لي ~~كقوله # واذكروه كما هداكم # البقرة 198. ولقد بالغ سبحانه في التوصية بالوالدين مبالغة تقشعر لها ~~جلود أهل العقوق وتقف عندها شعورهم. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في ~~قوله { من كان يريد العجلة } قال من كان يريد بعمله ~~الدنيا، { عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد } ذاك به. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية عن الحسن في قوله { ~~كلا نمد } الآية، قال كل يرزق الله في الدنيا البر والفاجر. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال يرزق الله من أراد ~~الدنيا، ويرزق من أراد الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال { ~~محظورا } ممنوعا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد مثله. ~~وأخرج الطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية عن سلمان عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " ما من عبد يريد أن يرتفع في الدنيا درجة، فارتفع بها إلا وضعه الله ~~في الآخرة درجة أكبر منها وأطول، ثم قرأ { وللآخرة أكبر ~~درجت وأكبر تفضيلا } " # ، وهو من رواية زاذان عن سلمان. وثبت في الصحيحين # " أن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين كما يرون الكوكب الغابر في أفق ~~السماء " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~مذموما } يقول ملوما. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~أنه قرأ ووصى ربك، مكان { وقضى } ، وقال التزقت الواو والصاد، وأنتم ~~تقرءونها وقضى ربك. وأخرج ابن ms2141 أبي حاتم من طريق الضحاك عنه مثله. وأخرج ~~أبو عبيد، وابن منيع، وابن المنذر، وابن مردويه من طريق ميمون بن مهران ~~عنه أيضا مثله، وزاد " ولو نزلت على القضاء ما أشرك به أحد ". وأقول ~~إنما يلزم هذا لو كان القضاء بمعنى الفراغ من الأمر، وهو وإن كان أحد ~~معاني مطلق القضاء، كما في قوله # قضى الامر الذى فيه تستفتيان # يوسف 41. وقوله # فإذا قضيتم منسككم # البقرة 200. # فإذا قضيتم الصلوة # النساء 103. ولكنه ها هنا بمعنى الأمر، وهو أحد معاني القضاء، والأمر لا ~~يستلزم ذلك، فإنه سبحانه قد أمر عباده بجميع ما أوجبه، ومن جملة ذلك ~~إفراده بالعبادة وتوحيده، وذلك لا يستلزم أن لا يقع الشرك من المشركين، ~~ومن معاني مطلق القضاء معان أخر غير هذين المعنيين، كالقضاء بمعنى ~~الخلق، ومنه # فقضاهن سبع سموات # فصلت 12. وبمعنى الإرادة كقوله # إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون # آل عمران 47. وبمعنى العهد كقوله # وما كنت بجانب الغربى إذ قضينا إلى موسى ~~الأمر # القصص 44. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس في قوله { وقضى ربك } قال أمر. وأخرج ابن المنذر عن ~~مجاهد في الآية قال عهد ربك. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { ~~وبالولدين إحسنا } يقول برا. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { فلا تقل ~~لهما أف } لما تميط عنهما من الأذى الخلاء، والبول كما كانا لا ~~يقولانه فيما كانا يميطان عنك من الخلاء والبول. وأخرج الديلمي عن الحسين ~~بن علي مرفوعا لو علم الله شيئا من العقوق أدنى من أف لحرمه. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله { وقل لهما قولا كريما ~~} قال إذا دعواك فقل لبيكما وسعديكما. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ~~قتادة في الآية، قال قولا لينا سهلا. وأخرج البخاري في الأدب، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عروة في قوله { واخفض لهما ~~جناح الذل } قال يلين ms2142 لهما حتى لا يمتنع من شيء أحباه. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية، قال اخضع لوالديك كما يخضع العبد ~~للسيد الفظ الغليظ. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي ~~طلحة عن ابن عباس في قوله { وقل رب ارحمهما } ثم أنزل الله بعد ~~هذا # ما كان للنبى والذين ءامنوا أن يستغفروا ~~للمشركين ولو كانوا أولى قربى # التوبة 113. وأخرج البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، وابن جرير، وابن ~~المنذر من طرق عنه نحوه، وقد ورد في بر الوالدين أحاديث كثيرة ثابتة في ~~الصحيحين وغيرهما، وهي معروفة في كتب الحديث. ### || [17.25-33] # قوله { ربكم أعلم بما فى نفوسكم } أي بما في ضمائركم ~~من الإخلاص وعدمه في كل الطاعات، ومن التوبة من الذنب الذي فرط منكم أو ~~الإصرار عليه، ويندرج تحت هذا العموم ما في النفس من البر والعقوق ~~اندراجا أوليا وقيل إن الآية خاصة بما يجب للأبوين من البر، ويحرم ~~على الأولاد من العقوق، والأول أولى اعتبارا بعموم اللفظ، فلا تخصصه ~~دلالة السياق ولا تقيده { إن تكونوا صلحين } قاصدين الصلاح، ~~والتوبة من الذنب، والإخلاص للطاعة فلا يضركم ما وقع من الذنب الذي تبتم ~~عنه. { فإنه كان للأوابين غفورا } أي الرجاعين عن الذنوب ~~إلى التوبة، وعن عدم الإخلاص إلى محض الإخلاص. غفورا لما فرط منهم من ~~قول أو فعل أو اعتقاد، فمن تاب تاب الله عليه، ومن رجع إلى الله رجع الله ~~إليه. ثم ذكر سبحانه التوصية بغير الوالدين من الأقارب بعد التوصية بهما ~~فقال { وءات ذا القربى حقه } والخطاب إما لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تهييجا وإلهابا لغيره من الأمة، أو لكل من هو صالح لذلك ~~من المكلفين كما في قوله # وقضى ربك # الإسراء 23 والمراد بذي القربى ذو القرابة، وحقهم هو صلة الرحم التي أمر ~~الله بها، وكرر التوصية فيها. والخلاف بين أهل العلم في وجوب النفقة ~~للقرابة، أو لبعضهم كالوالدين على الأولاد. والأولاد على الوالدين معروف، ~~والذي ينبغي الاعتماد عليه وجوب صلتهم بما ms2143 تبلغ إليه القدرة وحسبما ~~يقتضيه الحال { والمسكين } معطوف على { ذا القربى } ، وفي هذا ~~العطف دليل على أن المراد بالحق الحق المالي { وابن السبيل } معطوف ~~على المسكين، والمعنى وآت من اتصف بالمسكنة، أو بكونه من أبناء السبيل ~~حقه. وقد تقدم بيان حقيقة المسكين وابن السبيل في البقرة، وفي التوبة، ~~والمراد في هذه الآية التصدق عليهما بما بلغت إليه القدرة من صدقة ~~النفل، أو مما فرضه الله لهما من صدقة الفرض، فإنهما من الأصناف الثمانية ~~التي هي مصرف الزكاة. ثم لما أمر سبحانه بما أمر به ها هنا، نهى عن ~~التبذير فقال { ولا تبذر تبذيرا } التبذير تفريق المال كما ~~يفرق البذر كيفما كان من غير تعمد لمواقعه، وهو الإسراف المذموم ~~لمجاوزته للحد المستحسن شرعا في الإنفاق، أو هو الإنفاق في غير الحق، ~~وإن كان يسيرا. قال الشافعي التبذير إنفاق المال في غير حقه، ولا تبذير ~~في عمل الخير. قال القرطبي بعد حكايته القول الشافعي هذا وهذا قول ~~الجمهور. قال أشهب عن مالك التبذير هو أخذ المال من حقه، ووضعه في غير ~~حقه، وهو الإسراف، وهو حرام لقوله { إن المبذرين كانوا ~~إخون الشيطين } فإن هذه الجملة تعليل للنهي عن التبذير، ~~والمراد بالأخوة الممائلة التامة، وتجنب مماثلة الشيطان ولو في خصلة ~~واحدة من خصاله واجب، فكيف فيما هو أعم من ذلك كما يدل عليه إطلاق ~~المماثلة، والإسراف في الإنفاق من عمل الشيطان، فإذا فعله أحد من بني آدم ~~فقد أطاع الشيطان واقتدى به { وكان الشيطن لربه كفورا } ~~أي كثير الكفران عظيم التمرد عن الحق، لأنه مع كفره لا يعمل إلا شرا، ~~ولا يأمر إلا بعمل الشر، ولا يوسوس إلا بما لا خير فيه. # وفي هذه الآية تسجيل على المبذرين بمماثلة الشياطين، ثم التسجيل على جنس ~~الشيطان بأنه كفور، فاقتضى ذلك أن المنذر مماثل للشيطان، وكل مماثل ~~للشيطان له حكم الشيطان، وكل شيطان كفور، فالمبذر كفور. { وإما ~~تعرضن عنهم } قد تقدم قريبا أن أصل «إما» هذه مركب من " إن " ~~الشرطية و " ما " الإبهامية، وأن دخول ms2144 نون التأكيد على الشرط لمشابهته ~~للنهي أي إن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل لأمر اضطرك إلى ذلك ~~الإعراض { ابتغاء رحمة من ربك } أي لفقد رزق من ربك، ولكنه ~~أقام المسبب الذي هو ابتغاء رحمة الله مقام السبب الذي هو فقد الرزق، لأن ~~فاقد الرزق مبتغ له، والمعنى وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن ~~يفتح الله به عليك { فقل لهم قولا ميسورا } أي قولا سهلا ~~لينا كالوعد الجميل أو الاعتذار المقبول. قال الكسائي يسرت له القول أي ~~لينته. قال الفراء معنى الآية إن تعرض عن السائل إضاقة وإعسارا { فقل ~~لهم قولا ميسورا } عدهم عدة حسنة. ويجوز أن يكون المعنى وإن تعرض عنهم ~~ولم تنفعهم لعدم استطاعتك فقل لهم قولا ميسورا، وليس المراد هنا ~~الإعراض بالوجه. وفي هذه الآية تأديب من الله سبحانه لعباده إذا سألهم ~~سائل ما ليس عندهم كيف يقولون. ربما يردون، ولقد أحسن من قال # إن لا يكن ورق يوما أجود بها للسائلين فإني لين ~~العود لا يعدم السائلون الخير من خلقي إما نوال ~~وإما حسن مردود # لما ذكر سبحانه أدب المنع بعد النهي عن التبذير بين أدب الإنفاق فقال { ~~ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط } وهذا النهي يتناول كل مكلف، سواء كان الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم تعريضا لأمته وتعليما لهم، أو الخطاب لكل من يصلح له من ~~المكلفين. والمراد النهي للإنسان بأن يمسك إمساكا يصير به مضيقا على ~~نفسه وعلى أهله، ولا يوسع في الإنفاق توسيعا لا حاجة إليه، بحيث يكون به ~~مسرفا، فهو نهى عن جانبي الإفراط والتفريط. ويتحصل من ذلك مشروعية ~~التوسط، وهو العدل الذي ندب الله إليه # ولا تك فيها مفرطا أو مفرطا كلا طرفي قصد الأمور ذميم # وقد مثل الله سبحانه في هذه الآية حال الشحيح بحال من كانت يده مغلولة ~~إلى عنقه، بحيث لا يستطيع التصرف بها، ومثل حال من يجاوز الحد في ~~التصرف بحال من يبسط يده بسطا لا يتعلق بسببه ms2145 فيها شيء مما تقبض الأيدي ~~عليه، وفي هذا التصوير مبالغة بليغة. ثم بين سبحانه غائلة الطرفين ~~المنهي عنهما فقال { فتقعد ملوما } عند الناس بسبب ما أنت عليه ~~من الشح { محسورا } بسبب ما فعلته من الإسراف، أي منقطعا عن ~~المقاصد بسبب الفقر، والمحسور في الأصل المنقطع عن السير، من حسره السفر ~~إذا بلغ منه، والبعير الحسير هو الذي ذهبت قوته فلا انبعاث به، ومنه ~~قوله تعالى # ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير # الملك 4. أي كليل منقطع وقيل معناه نادما على ما سلف، فجعله هذا القائل ~~من الحسرة التي هي الندامة، وفيه نظر، لأن الفاعل من الحسرة حسران. ولا ~~يقال محسور إلا للملوم. ثم سلى رسوله والمؤمنين بأن الذين يرهقهم من ~~الإضافة ليس لهوانهم على الله سبحانه، ولكن لمشيئة الخالق الرازق فقال { ~~إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } أي يوسعه على ~~بعض ويضيقه على بعض لحكمة بالغة لا لكون من وسع له رزقه مكرما عنده، ومن ~~ضيقه عليه هائنا لديه. قيل ويجوز أن يراد أن البسط والقبض إنما هما من ~~أمر الله الذي لا تفنى خزائنه. فأما عباده فعليهم أن يقتصدوا. ثم علل ما ~~ذكره من البسط للبعض والتضييق على البعض بقوله { إنه كان ~~بعباده خبيرا بصيرا } أي يعلم ما يسرون وما يعلنون، لا يخفى ~~عليه من ذلك خافية، فهو الخبير بأحوالهم، البصير بكيفية تدبيرهم في ~~أرزاقهم، وفي هذه الآية دليل على أنه المتكفل بأرزاق عباده، فلذلك قال ~~بعدها { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملق } أملق ~~الرجل لم يبق له إلا الملقات، وهي الحجارة العظام الملس، قال الهذلي يصف ~~صائدا # أتيح لها أقيدر ذو خشيف إذا سامت على الملقات ساما # الأقيدر تصغير الأقدر وهو الرجل القصير، والخشيف من الثياب الخلق، وسامت ~~مرت، ويقال أملق إذا افتقر وسلب الدهر ما بيده. قال أوس # وأملق ما عندي خطوب تنبل # نهاهم الله سبحانه عن أن يقتلوا أولادهم خشية الفقر، وقد كانوا يفعلون ~~ذلك، ثم بين لهم أن خوفهم من الفقر حتى يبلغوا بسبب ذلك إلى ms2146 قتل الأولاد ~~لا وجه له، فإن الله سبحانه هو الرازق لعباده، يرزق الأبناء كما يرزق ~~الآباء، فقال { نحن نرزقهم وإياكم } ولستم لهم برازقين ~~حتى تصنعوا بهم هذا الصنع، وقد مر مثل هذه الآية في الأنعام ثم علل ~~سبحانه النهي عن قتل الأولاد لذلك بقوله { إن قتلهم كان خطئا ~~كبيرا }. قرأ الجمهور بكسر الخاء وسكون الطاء وبالهمز المقصور. # وقرأ ابن عامر خطأ بفتح الخاء والطاء والقصر في الهمز، يقال خطىء في ~~دينه خطئا إذا أثم، وأخطأ إذا سلك سبيل خطأ عامدا أو غير عامد. قال ~~الأزهري، خطىء يخطأ خطئا، مثل أثم يأثم إثما، إذا تعمد الخطأ، وأخطأ ~~إذا لم يتعمد إخطاء وخطأ، قال الشاعر # دعيني إنما خطئي وصوبي علي وأن ما أهلكت، مال # والخطأ الاسم يقوم مقام الأخطاء، وفيه لغتان القصر، وهو الجيد، والمد ~~وهو قليل. وقرأ ابن كثير بكسر الخاء وفتح الطاء ومد الهمز. قال النحاس ~~ولا أعرف لهذه القراءة وجها، وكذلك جعلها أبو حاتم غلطا. وقرأ الحسن ~~خطا بفتح الخاء والطاء منونة من غير همز. ولما نهى سبحانه عن قتل ~~الأولاد المستدعي لإفناء النسل، ذكر النهي عن الزنا المفضي إلى ذلك لما ~~فيه من اختلاط الأنساب فقال { ولا تقربوا الزنى } وفي النهي عن ~~قربانه بمباشرة مقدماته نهي عنه بالأولى، فإن الوسيلة إلى الشيء إذا كانت ~~حراما كان المتوسل إليه حراما بفحوى الخطاب، والزنى فيه لغتان المد، ~~والقصر. قال الشاعر # كانت فريضة ما تقول كما كان الزناء فريضة الرجم # ثم علل النهي عن الزنا بقوله { إنه كان فاحشة } أي قبيحا ~~متبالغا في القبح، مجاوزا للحد { وساء سبيلا } أي بئس طريقا ~~طريقه، وذلك لأنه يؤدي إلى النار، ولا خلاف في كونه من كبائر الذنوب. وقد ~~ورد في تقبيحه والتنفير عنه من الأدلة ما هو معلوم. ولما فرغ من ذكر ~~النهي عن القتل لخصوص الأولاد، وعن النهي عن الزنا الذي يفضي إلى ما يفضي ~~إليه قتل الأولاد، من اختلاط الأنساب، وعدم استقرارها، نهى عن قتل الأنفس ~~المعصومة على العموم فقال { ولا تقتلوا ms2147 النفس التى حرم ~~الله إلا بالحق }. والمراد بالتي حرم الله التي جعلها معصومة ~~بعصمة الدين أو عصمة العهد. والمراد بالحق الذي استثناه هو ما يباح به ~~قتل الأنفس المعصومة في الأصل، وذلك كالردة، والزنا من المحصن، وكالقصاص ~~من القاتل عمدا عدوانا، وما يلتحق بذلك. والاستثناء مفرغ، أي لا ~~تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب متلبس بالحق، أو إلا متلبسين بالحق، ~~وقد تقدم الكلام في هذا في الأنعام. ثم بين حكم بعض المقتولين بغير حق ~~فقال { ومن قتل مظلوما } أي لا بسبب من الأسباب المسوغة لقتله ~~شرعا { فقد جعلنا لوليه سلطنا } أي لمن يلي أمره من ~~ورثته إن كانوا موجودين، أو ممن له سلطان إن لم يكونوا موجودين، والسلطان ~~التسلط على القاتل، إن شاء قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية. ثم لما ~~بين إباحة القصاص، لمن هو مستحق لدم المقتول، أو ما هو عوض عن القصاص ~~نهاه عن مجاوزة الحد فقال { فلا يسرف فى القتل } أي لا يجاوز ~~ما أباحه الله له، فيقتل بالواحد اثنين أو جماعة، أو يمثل بالقاتل أو ~~يعذبه. # قرأ الجمهور { لا يسرف } بالياء التحتية، أي الولي، وقرأ حمزة والكسائي ~~تسرف بالتاء الفوقية، وهو خطاب للقاتل الأول، ونهي له عن القتل أي فلا ~~تسرف أيها القاتل بالقتل فإن عليك القصاص مع ما عليك من عقوبة الله وسخطه ~~ولعنته. وقال ابن جرير الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وللأئمة من بعده، ~~أي لا تقتل يا محمد غير القاتل، ولا يفعل ذلك الأئمة بعدك. وفي قراءة أبي ~~ولا تسرفوا، ثم علل النهي عن السرف فقال { إنه كان منصورا } أي ~~مؤيدا معانا، يعني الولي، فإن الله سبحانه قد نصره بإثبات القصاص له ~~بما أبرزه من الحجج، وأوضحه من الأدلة، وأمر أهل الولايات بمعونته ~~والقيام بحقه حتى يستوفيه، ويجوز أن يكون الضمير راجعا إلى المقتول، أي ~~إن الله نصره بوليه، قيل وهذه الآية من أول ما نزل من القرآن في شأن ~~القتل لأنها مكية. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، ms2148 وابن أبي حاتم عن ~~سعيد بن جبير في قوله { إن تكونوا صلحين } قال تكون البادرة ~~من الولد إلى الوالد، فقال الله { إن تكونوا صلحين } إن تكن ~~النية صادقة { فإنه كان للأوابين غفورا } للبادرة التي ~~بدرت منه، وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي في الشعب عنه في قوله { ~~إنه كان للأوابين غفورا } قال الرجاعين إلى الخير. وأخرج ~~سعيد بن منصور، وهناد، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن الضحاك في الآية، قال ~~الرجاعين من الذنب إلى التوبة، ومن السيئات إلى الحسنات. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { للأوابين } قال للمطيعين ~~المحسنين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عنه، قال ~~للتوابين. وأخرج البخاري في تاريخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه ~~أيضا في قوله { وءات ذا القربى حقه } قال أمره بأحق ~~الحقوق، وعلمه كيف يصنع إذا كان عنده، وكيف يصنع إذا لم يكن عنده، فقال { ~~وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ~~ترجوها } قال إذا سألوك وليس عندك شيء انتظرت رزقا من الله { فقل ~~لهم قولا ميسورا } يكون إن شاء الله يكون شبه العدة. قال ~~سفيان والعدة من النبي صلى الله عليه وسلم دين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم عنه أيضا في الآية قال هو أن تصل ذا القرابة، وتطعم المسكين، وتحسن ~~إلى ابن السبيل. وأخرج ابن جرير عن علي بن الحسين أنه قال لرجل من أهل ~~الشام أقرأت القرآن؟ قال نعم، قال فما قرأت في بني إسرائيل { وءات ذا ~~القربى حقه }؟ قال وإنكم للقرابة التي أمر الله أن يؤتي حقهم؟ ~~قال نعم. # وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية، قال والقربى قربى بني عبد ~~المطلب. وأقول ليس في السياق ما يفيد هذا التخصيص، ولا دل على ذلك دليل، ~~ومعنى النظم القرآني واضح، إن كان الخطاب مع كل من يصلح له من الأمة، لأن ~~معناه أمر كل مكلف متمكن من صلة قرابته بأن يعطيهم حقهم وهو الصلة التي ~~أمر الله بها. وإن كان الخطاب للنبي ms2149 صلى الله عليه وسلم، فإن كان على وجه ~~التعريض لأمته فالأمر فيه كالأول، وإن كان خطابا له من دون تعريض، ~~فأمته أسوته، فالأمر له صلى الله عليه وسلم بإيتاء ذي القربى حقه، أمر ~~لكل فرد من أفراد أمته، والظاهر أن هذا الخطاب ليس خاصا بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم بدليل ما قبل هذه الآية، وهي قوله # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إيه # الأسراء 23 وما بعدها، وهي قوله { ولا تبذر تبذيرا إن ~~المبذرين كانوا إخون الشيطين }. وفي معنى هذه الآية ~~الدالة على وجوب صلة الرحم أحاديث كثيرة. وأخرج أحمد، والحاكم وصححه عن ~~أنس أن رجلا قال يا رسول الله إني ذو مال كثير وذو أهل وولد وحاضرة، ~~فأخبرني كيف أنفق وكيف أصنع؟ قال # " تخرج الزكاة المفروضة، فإنها طهرة تطهرك وتصل أقاربك وتعرف حق السائل ~~والجار والمسكين " # ، فقال يا رسول الله أقلل لي؟ قال # " فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا " # قال حسبي يا رسول الله. وأخرج البزار، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه عن أبي سعيد الخدري قال لما نزلت هذه الآية { وءات ذا ~~القربى حقه } دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فأعطاها ~~فدك. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال لما نزلت { وءات ذا ~~القربى حقه } أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فدك. قال ~~ابن كثير بعد أن ساق حديث أبي سعيد هذا ما لفظه وهذا الحديث مشكل لو صح ~~إسناده، لأن الآية مكية، وفدك إنما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة، فكيف ~~يلتئم هذا مع هذا؟ انتهى. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي ~~شيبة، والبخاري في الأدب، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني، والحاكم، وصححه، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود في قوله { ~~ولا تبذر تبذيرا } قال التبذير إنفاق المال في غير حقه. وأخرج ~~ابن جرير عنه قال كنا - أصحاب محمد - نتحدث أن التبذير النفقة في غير ~~حقه. وأخرج سعيد بن منصور، والبخاري في الأدب، وابن ms2150 جرير، وابن المنذر، ~~والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله { إن المبذرين } قال هم ~~الذين ينفقون المال في غير حقه. وأخرج البيهقي في الشعب عن علي قال ما ~~أنفقت على نفسك وأهل بيتك في غير سرف ولا تبذير وما تصدقت فلك، وما أنفقت ~~رياء وسمعة فذلك حظ الشيطان. # وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { فقل لهم ~~قولا ميسورا } قال العدة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن ~~يسار أبي الحكم قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بر من العراق، ~~وكان معطاء كريما، فقسمه بين الناس، فبلغ ذلك قوما من العرب، فقالوا ~~إنا نأتي النبي صلى الله عليه وسلم نسأله، فوجدوه وقد فرغ منه، فأنزل ~~الله { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } قال محبوسة ~~{ ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما } يلومك الناس ~~{ محسورا } ليس بيدك شيء. أقول ولا أدري كيف هذا؟ فالآية مكية، ولم ~~يكن إذ ذاك عرب يقصدون رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحمل إليه شيء ~~من العراق ولا مما هو أقرب منه، على أن فتح العراق لم يكن إلا بعد موته ~~صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عن المنهال بن عمرو بعثت امرأة إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم بابنها فقالت قل له اكسني ثوبا، فقال " ما ~~عندي شيء " ، فقالت ارجع إليه فقل له اكسني قميصك، فرجع إليه، فنزع قميصه ~~فأعطاها إياه، فنزلت { ولا تجعل يدك مغلولة } الآية. وأخرج ~~ابن مردويه عن ابن مسعود نحوه. وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لعائشة وضرب بيده # " أنفقي ما على ظهر كفي " # ، قالت إذن لا يبقى شيء. قال ذلك ثلاث مرات، فأنزل الله { ولا ~~تجعل يدك مغلولة } الآية، ويقدح في ذلك أنه صلى الله عليه ~~وسلم لم يتزوج بعائشة إلا بعد الهجرة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس في قوله { ولا تجعل يدك مغلولة } قال يعني ~~بذلك البخل. وأخرجا عنه في ms2151 الآية قال هذا في النفقة، يقول لا تجعلها ~~مغلولة لا تبسطها بخير، ولا تبسطها كل البسط، يعني التبذير { فتقعد ~~ملوما } ، يلوم نفسه على ما فاته من ماله { محسورا } ذهب ماله ~~كله. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { إن ربك يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر } قال ينظر له، فإن كان الغنى خيرا ~~له، أغناه، وإن كان الفقر خيرا له، أفقره. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { خشية إملق } قال مخافة ~~الفقر والفاقة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه في قوله { خطأ } قال ~~خطيئة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { ولا تقربوا الزنا ~~} قال يوم نزلت هذه الآية لم يكن حدود، فجاءت بعد ذلك الحدود في سورة ~~النور. # وأخرج أبو يعلى، وابن مردويه عن أبي بن كعب أنه قرأ { ولا ~~تقربوا الزنا إنه كان فحشة ومقتا وساء سبيلا ~~إلا من تاب فإن الله كان غفورا رحيما } فذكر لعمر، ~~فأتاه فسأله، فقال أخذتها من في رسول الله، وليس لك عمل إلا الصفق ~~بالبقيع. وقد ورد في الترهيب عن فاحشة الزنا أحاديث كثيرة. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر عن الضحاك في قوله { ولا تقتلوا النفس... } ~~الآية، قال هذا بمكة ونبي الله صلى الله عليه وسلم بها، وهو أول شيء نزل ~~من القرآن في شأن القتل، كان المشركون من أهل مكة يغتالون أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال الله من قتلكم من المشركين، فلا يحملنكم ~~قتله إياكم على أن تقتلوا له أبا أو أخا أو واحدا من عشيرته وإن كانوا ~~مشركين، فلا تقتلوا إلا قاتلكم، وهذا قبل أن تنزل براءة، وقبل أن يؤمر ~~بقتال المشركين، فذلك قوله { فلا يسرف فى القتل إنه كان ~~منصورا } يقول لا تقتل غير قاتلك، وهي اليوم على ذلك الموضع من ~~المسلمين لا يحل لهم أن يقتلوا إلا قاتلهم. وأخرج البيهقي في سننه عن ~~زيد بن أسلم أن الناس في الجاهلية كانوا إذا قتل الرجل من القوم رجلا ms2152 لم ~~يرضوا حتى يقتلوا به رجلا شريفا، إذا كان قاتلهم غير شريف لم يقتلوا ~~قاتلهم وقتلوا غيره، فوعظوا في ذلك بقول الله سبحانه { ولا تقتلوا ~~النفس... } إلى قوله { فلا يسرف فى القتل }. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { ومن قتل ~~مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطنا } قال بينة من الله ~~أنزلها، يطلبها ولي المقتول، القود أو العقل، وذلك السلطان. وأخرج ابن ~~أبي حاتم من طريق مجاهد عنه { فلا يسرف فى القتل } قال لا يكثر ~~في القتل. وأخرج ابن المنذر من طريق أبي صالح عنه أيضا لا يقاتل إلا ~~قاتل رحمه. ### || [17.34-41] # لما ذكر سبحانه النهي عن إتلاف النفوس، أتبعه بالنهي عن إتلاف الأموال، ~~وكان أهمها بالحفظ والرعايا مال اليتيم فقال { ولا تقربوا مال ~~اليتيم }. والنهي عن قربانه مبالغة في النهي عن المباشرة له وإتلافه. ~~ثم بين سبحانه أن النهي عن قربانه، ليس المراد منه النهي عن مباشرته ~~فيما يصلحه ويفسده، بل يجوز لولي اليتيم أن يفعل في مال اليتيم ما ~~يصلحه، وذلك يسلتزم مباشرته، فقال { إلا بالتى هى أحسن } أي ~~إلا بالخصلة التي هي أحسن الخصال، وهي حفظه وطلب الربح فيه والسعي فيما ~~يزيد به. ثم ذكر الغاية التي للنهي عن قربان مال اليتيم فقال { حتى ~~يبلغ أشده } أي لا تقربوه إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ اليتيم ~~أشده، فإذا بلغ أشده كان لكم أن تدفعوه إليه، أو تتصرفوا فيه بإذنه. ~~وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى في الأنعام { وأوفوا بالعهد } ~~قد مضى الكلام فيه في غير موضع. قال الزجاج كل ما أمر الله به ونهى عنه، ~~فهو من العهد، فيدخل في ذلك ما بين العبد وربه، وما بين العباد بعضهم ~~البعض. والوفاء بالعهد هو القيام بحفظه على الوجه الشرعي والقانون ~~المرضي، إلا إذا دل دليل خاص على جواز النقض { إن العهد كان ~~مسئولا } أي مسئولا عنه، فالمسئول هنا هو صاحبه، وقيل إن العهد ~~يسأل تبكيتا لناقضه. { وأوفوا الكيل إذا كلتم } أي أتموا ms2153 ~~الكيل ولا تخسروه وقت كيلكم للناس. { وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم }. قال الزجاج هو ميزان العدل أي ميزان كان من موازين ~~الدراهم وغيرها، وفيه لغتان ضم القاف، وكسرها، وقيل هو القبان المسمى ~~بالقرسطون وقيل هو العدل نفسه، وهي لغة الروم، وقيل لغة سريانية. وقرأ ~~ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر القسطاس ~~بضم القاف، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بكسر القاف، والإشارة بقوله ~~{ ذلك } إلى إيفاء الكيل والوزن، وهو مبتدأ، وخبره { خير } أي خير ~~لكم عند الله وعند الناس، يتأثر عنه حسن الذكر وترغيب الناس في معاملة من ~~كان كذلك { وأحسن تأويلا } أي أحسن عاقبة، من آل إذا رجع. ثم ~~أمر سبحانه بإصلاح اللسان والقلب فقال { ولا تقف ما ليس لك ~~به علم } أي لا تتبع ما لا تعلم، من قولك قفوت فلانا إذا اتبعت ~~أثره، ومنه قافية الشعر، لأنها تقفو كل بيت، ومنه القبيلة المشهورة ~~بالقافة، لأنهم يتبعون آثار أقدام الناس. وحكى ابن جرير عن فرقة أنها ~~قالت قفا وقاف، مثل عثا وعاث. قال منذر بن سعيد البلوطي قفا وقاف، مثل ~~جذب وجبذ. وحكى الكسائي عن بعض القراء أنه قرأ تقف بضم القاف وسكون ~~الفاء. # وقرأ الفراء بفتح القاف وهي لغة لبعض العرب، وأنكرها أبو حاتم وغيره. ~~ومعنى الآية النهي عن أن يقول الإنسان ما لا يعلم، أو يعمل بما لا علم له ~~به، وهذه قضية كلية، وقد جعلها جماعة من المفسرين خاصة بأمور فقيل لا تذم ~~أحدا بما ليس لك به علم وقيل هي في شهادة الزور وقيل هي في القذف. وقال ~~القتيبي معنى الآية لا تتبع الحدس والظنون، وهذا صواب، فإن ما عدا ذلك هو ~~العلم وقيل المراد بالعلم هنا هو الاعتقاد الراجح المستفاد من مستند ~~قطعيا كان أو ظنيا. قال أبو السعود في تفسيره واستعماله بهذا المعنى ~~مما لا ينكر شيوعه. وأقول إن هذه الآية قد دلت على عدم جواز العمل بما ~~ليس بعلم، ولكنها عامة مخصصة بالأدلة الواردة بجواز العمل بالظن ms2154 كالعمل ~~بالعام، وبخبر الواحد، والعمل بالشهادة، والاجتهاد في القبلة وفي جزاء ~~الصيد ونحو ذلك، فلا تخرج من عمومها ومن عموم # إن الظن لا يغنى من الحق شيئا # يونس 36. إلا ما قام دليل جواز العمل به، فالعمل بالرأي في مسائل الشرع ~~إن كان لعدم وجود الدليل في الكتاب والسنة، فقد رخص فيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم كما في قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه قاضيا «بم ~~تقضي؟ قال بكتاب الله، قال فإن لم تجد، قال فبسنة رسول الله، قال فإن لم ~~تجد، قال أجتهد رأيي». وهو حديث صالح للاحتجاج به كما أوضحنا ذلك في بحث ~~مفرد. وأما التوثب على الرأي مع وجود الدليل في الكتاب أو السنة، ولكنه ~~قصر صاحب الرأي عن البحث فجاء برأيه فهو داخل تحت هذا النهي دخولا ~~أوليا، لأنه محض رأي في شرع الله، وبالناس عنه غنى بكتاب الله سبحانه ~~وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولم تدع إليه حاجة، على أن الترخيص في ~~الرأي عند عدم وجود الدليل إنما هو رخصة للمجتهد يجوز له أن يعمل به، ولم ~~يدل دليل على أنه يجوز لغيره العمل به، وينزله منزلة مسائل الشرع، وبهذا ~~يتضح لك أتم اتضاح، ويظهر لك أكمل ظهور أن هذه الآراء المدونة في الكتب ~~الفروعية ليست من الشرع في شيء، والعامل بها على شفا جرف هار، فالمجتهد ~~المستكثر من الرأي قد قفا ما ليس له به علم، والمقلد المسكين العامل برأي ~~ذلك المجتهد قد عمل بما ليس له به علم ولا لمن قلده # ظلمت بعضها فوق بعض # النور 40. وقد قيل إن هذه الآية خاصة بالعقائد ولا دليل على ذلك أصلا. ~~ثم علل سبحانه النهي عن العمل بما ليس بعلم بقوله { إن السمع ~~والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا } ~~إشارة إلى الأعضاء الثلاثة، وأجريت مجرى العقلاء لما كانت مسئولة عن ~~أحوالها شاهدة على أصحابها. # وقال الزجاج إن العرب تعبر عما يعقل وعما لا يعقل ب أولئك، وأنشد ابن ~~جرير مستدلا على جواز ms2155 هذا قول الشاعر # ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام # واعترض بأن الرواية بعد أولئك الأقوام، وتبعه غيره على هذا الخطأ كصاحب ~~الكشاف. والضمير في { كان } من قوله { كان عنه مسئولا } يرجع ~~إلى " كل " ، وكذا الضمير في " عنه " ، وقيل الضمير في { كان } يعود إلى ~~القافي المدلول عليه بقوله { ولا تقف }. وقوله «عنه» في محل رفع ~~لإسناد { مسئولا } إليه، ورد بما حكاه النحاس من الإجماع على عدم جواز ~~تقديم القائم مقام الفاعل إذا كان جارا أو مجرورا. قيل والأولى أن يقال ~~إنه فاعل { مسئولا } المحذوف، والمذكور مفسر له. ومعنى سؤال هذه الجوارح ~~أنه يسأل صاحبها عما استعملها فيه لأنها آلات، والمستعمل لها هو الروح ~~الإنساني، فإن استعملها في الخير استحق الثواب، وإن استعملها في الشر ~~استحق العقاب وقيل إن الله سبحانه ينطق الأعضاء هذه عند سؤالها فتخبر عما ~~فعله صاحبها. { ولا تمش فى الأرض مرحا } المرح قيل هو شدة ~~الفرح، وقيل التكبر في المشي وقيل تجاوز الإنسان قدره وقيل الخيلاء في ~~المشي وقيل البطر والأشر، وقيل النشاط. والظاهر أن المراد به هنا الخيلاء ~~والفخر، قال الزجاج في تفسير الآية لا تمش في الأرض مختالا فخورا، وذكر ~~الأرض مع أن المشي لا يكون إلا عليها، أو على ما هو معتمد عليها تأكيدا ~~وتقريرا، ولقد أحسن من قال # ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا فكم تحتها قوم هم منك أرفع وإن كنت في ~~عز وحرز ومنعة فكم مات من قوم هم منك أمنع # والمرح مصدر وقع حالا، أي ذا مرح. وفي وضع المصدر موضع الصفة نوع ~~تأكيد. وقرأ الجمهور { مرحا } بفتح الراء على المصدر. وحكى يعقوب عن ~~جماعة كسرها على أنه اسم فاعل ثم علل سبحانه هذا النهي فقال { إنك ~~لن تخرق الأرض } يقال خرق الثوب أي شقه، وخرق الأرض قطعها، ~~والخرق الواسع من الأرض، والمعنى أنك لن تخرق الأرض بمشيك عليها تكبرا، ~~وفيه تهكم بالمختال المتكبر { ولن تبلغ الجبال طولا } أي ولن ~~تبلغ قدرتك إلى أن تطاول الجبال حتى يكون ms2156 عظم جثتك حاملا لك على الكبر ~~والاختيال، فلا قوة لك حتى تخرق الأرض بالمشي عليها، ولا عظم في بدنك ~~حتى تطاول الجبال، فما الحامل لك على ما أنت فيه؟. و { طولا } مصدر في ~~موضع الحال، أو تمييز، أو مفعول له وقيل المراد بخرق الأرض نقبها، لا ~~قطعها بالمسافة. وقال الأزهري خرقها قطعها، قال النحاس وهذا أبين كأنه ~~مأخوذ من الخرق، وهو الفتحة الواسعة، ويقال فلان أخرق من فلان أي أكثر ~~سفرا، والإشارة بقوله { كل ذلك } إلى جميع ما تقدم ذكره من ~~الأوامر والنواهي، أو إلى ما نهى عنه فقط من قوله { ولا تقف } { ~~ولا تمش }. # قرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، ومسروق سيئه على إضافة سيء إلى ~~الضمير، ويؤيد هذه القراءة قوله { مكروها } فإن السيء هو المكروه. ~~ويؤيدها أيضا قراءة أبي كان سيئاته، واختار هذه القراءة أبو عبيد. وقرأ ~~ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو سيئة على أنها واحدة السيئات، وانتصابها على ~~خبرية كان، ويكون { مكروها } صفة ل " سيئة " على المعنى، فإنها بمعنى " ~~سيئا " ، أو هو بدل من " سيئة " وقيل هو خبر ثان ل " كان " حملا على ~~لفظ { كل } ، ورجح أبو علي الفارسي البدل، وقد قيل في توجيهه بغير هذا ~~مما فيه تعسف لا يخفى. قال الزجاج والإضافة أحسن، لأن ما تقدم من الآيات ~~فيها سيء وحسن، فسيئه المكروه. ويقوي ذلك التذكير في المكروه، قال ومن ~~قرأ بالتنوين جعل { كل ذلك } إحاطة بالمنهي عنه دون الحسن. المعنى كل ما ~~نهى الله عنه كان سيئة وكان مكروها. قال والمكروه على هذه القراءة بدل ~~من السيئة، وليس بنعت. والمراد بالمكروه عند الله هو الذي يبغضه ولا ~~يرضاه، لا أنه غير مراد مطلقا، لقيام الأدلة القاطعة على أن الأشياء ~~واقعة بإرادته سبحانه، وذكر مطلق الكراهة مع أن في الأشياء المتقدمة ما ~~هو من الكبائر إشعارا بأن مجرد الكراهة عنده تعالى يوجب انزجار السامع ~~واجتنابه لذلك. والحاصل أن في الخصال المتقدمة ما هو حسن وهو المأمور ~~به، وما هو مكروه وهو المنهي عنه، فعلى قراءة ms2157 الإضافة تكون الإشارة ~~بقوله { كل ذلك } إلى جميع الخصال حسنها ومكروهها، ثم الإخبار بأن ~~ما هو سيء من هذه الأشياء وهو المنهي عنه مكروه عند الله، وعلى قراءة ~~الإفراد من دون إضافة تكون الإشارة إلى المنهيات، ثم الإخبار عن هذه ~~المنهيات بأنها سيئة مكروهة عند الله. { ذلك مما أوحى إليك ~~ربك من الحكمة } الإشارة إلى ما تقدم ذكره من قوله { لا ~~تجعل } إلى هذه الغاية، وترتقي إلى خمسة وعشرين تكليفا، { مما ~~أوحى إليك ربك } أي من جنسه أو بعض منه، وسمي حكمة لأنه كلام ~~محكم، وهو ما علمه من الشرائع، أو من الأحكام المحكمة التي لا يتطرق ~~إليها الفساد، وعند الحكماء أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته، و { من ~~الحكمة } متعلق بمحذوف وقع حالا، أي كائنا من الحكمة، أو بدل من ~~الموصول بإعادة الجار، أو متعلق ب { أوحى }. { ولا تجعل مع ~~الله إلها ءاخر } كرر سبحانه النهي عن الشرك تأكيدا وتقريرا ~~وتنبيها عن أنه رأس خصال الدين وعمدته. # قيل وقد راعى سبحانه في هذا التأكيد دقيقة، فرتب على الأول كونه ~~مذموما مخذولا، وذلك إشارة إلى حال الشرك في الدنيا، ورتب على الثاني ~~أنه يلقى { فى جهنم ملوما مدحورا } وذلك إشارة إلى حاله في ~~الآخرة، وفي القعود هناك، والإلقاء هنا إشارة إلى أن للإنسان في الدنيا ~~صورة اختيار بخلاف الآخرة، وقد تقدم تفسير الملوم والمدحور. { ~~أفأصفكم ربكم بالبنين واتخذ من الملئكة ~~إناثا } قال أبو عبيدة { أصفاكم } خصكم، وقال الفضل أخلصكم، وهو خطاب ~~للكفار القائلين بأن الملائكة بنات الله، وفيه توبيخ شديد، وتقريع بالغ ~~لما كان يقوله هؤلاء الذين هم كالأنعام بل هم أضل، والفاء للعطف على ~~مقدر، كنظائره مما قد كررناه. { إنكم لتقولون } يعني القائلين ~~بأن لهم الذكر ولله الإناث { قولا عظيما } بالغا في العظم ~~والجراءة على الله إلى مكان لا يقادر قدره. { ولقد صرفنا فى ~~هذا القرءان } أي بينا ضروب القول فيه من الأمثال وغيرها، أو ~~كررنا فيه وقيل. «في» زائدة، والتقدير ولقد صرفنا هذا القرآن. والتصريف ~~في الأصل ms2158 صرف الشيء من جهة إلى جهة وقيل معنى التصريف المغايرة، أي ~~غايرنا بين المواعظ ليتذكروا ويعتبروا، وقراءة الجمهور { صرفنا } ~~بالتشديد، وقرأ الحسن بالتخفيف، ثم علل تعالى ذلك فقال { ليذكروا } ~~أي ليتعظوا ويتدبروا بعقولهم ويتفكروا فيه حتى يقفوا على بطلان ما ~~يقولونه. قرأ يحيى بن وثاب، والأعمش، وحمزة، والكسائي ليذكروا مخففا، ~~والباقون بالتشديد، واختارها أبو عبيد لما تفيده من معنى التكثير، وجملة ~~{ وما يزيدهم إلا نفورا } في محل نصب على الحال، أي والحال ~~أن هذا التصريف والتذكير ما يزيدهم إلا تباعدا عن الحق وغفلة عن النظر ~~في الصواب، لأنهم قد اعتقدوا في القرآن أنه حيلة وسحر وكهانة وشعر، وهم ~~لا ينزعون عن هذه الغواية ولا وازع لهم يزعهم إلى الهداية. وقد أخرج ابن ~~جرير عن قتادة في قوله { ولا تقربوا مال اليتيم } قال كانوا ~~لا يخالطونهم في مال ولا مأكل ولا مركب حتى نزلت # وإن تخالطوهم فإخونكم # البقرة 220. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { إن ~~العهد كان مسئولا } قال يسأل الله ناقض العهد عن نقضه. وأخرج ~~ابن المنذر عن ابن جريج في الآية، قال يسأل عهده من أعطاه إياه. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { وأوفوا الكيل إذا ~~كلتم } يعني لغيركم { وزنوا بالقسطاس } يعني الميزان، ~~وبلغة الروم الميزان القسطاس { ذلك خير } يعني وفاء الكليل ~~والميزان خير من النقصان { وأحسن تأويلا } عاقبة. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عن مجاهد قال القسطاس العدل بالرومية. # وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال القسطاس القبان. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~الحسن قال الحديد. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~ولا تقف } قال لا تقل. وأخرج ابن جرير عنه قال لا ترم أحدا بما ليس ~~لك به علم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن الحنفية ~~في الآية قال شهادة الزور. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { إن ~~السمع ms2159 والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ~~مسئولا } يقول سمعه وبصره وفؤاده تشهد عليه. وأخرج الفريابي عن ابن ~~عباس في قوله { كل أولئك كان عنه مسئولا } قال يوم ~~القيامة أكذلك كان أم لا؟. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~قوله { ولا تمش فى الارض مرحا } قال لا تمش فخرا وكبرا، ~~فإن ذلك لا يبلغ بك الجبال ولا أن تخرق الأرض بفخرك وكبرك. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن عباس قال إن التوارة في خمس عشرة آية من بني إسرائيل ثم تلا ~~{ ولا تجعل مع الله إلها ءاخر }. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله { ~~مدحورا } قال مطرودا. ### || [17.42-48] # قوله { قل لو كان معه ءالهة كما تقولون }. قرأ ابن ~~كثير، وحفص { يقولون } بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب ~~للقائلين بأن مع الله آلهة أخرى، وإذن جواب عن مقالتهم الباطلة وجزاء ل ~~" لو " { لابتغوا إلى ذى العرش } وهو الله سبحانه. { ~~سبيلا } طريقا للمغالبة والممانعة كما تفعل الملوك مع بعضهم البعض من ~~المقاتلة والمصاولة وقيل معناه إذن لابتغت الآلهة إلى الله القربة ~~والزلفة عنده، لأنهم دونه، والمشركون إنما اعتقدوا أنها تقربهم إلى ~~الله. والظاهر المعنى الأول، ومثل معناه قوله سبحانه # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا # الأنبياء 22. ثم نزه تعالى نفسه، فقال { سبحنه } والتسبيح ~~التنزيه، وقد تقدم، { وتعالى } متباعد { عما يقولون } من ~~الأقوال الشنيعة والفرية العظيمة { علوا } أي تعاليا، ولكنه وضع ~~العلو موضع التعالي كقوله # والله أنبتكم من الأرض نباتا # نوح 17. ثم وصف العلو بالكبر مبالغة في النزاهة، وتنبيها على أن بين ~~الواجب لذاته والممكن لذاته، وبين الغني المطلق، والفقير المطلق، مباينة ~~لا تعقل الزيادة عليها. ثم بين سبحانه جلالة ملكه وعظمة سلطانه فقال { ~~يسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن } قرىء ~~بالمثناة التحتية في يسبح، وبالفوقية، وقال { فيهن } بضمير العقلاء ~~لإسناده إليها التسبيح الذي هو فعل العقلاء، وقد أخبر سبحانه عن السموات ~~والأرض بأنها تسبحه، وكذلك من ms2160 فيها من مخلوقاته الذين لهم عقول وهم ~~الملائكة والإنس والجن وغيرهم من الأشياء التي لا تعقل، ثم زاد ذلك ~~تعميما وتأكيدا فقال { وإن من شىء إلا يسبح بحمده } ~~فشمل كل ما يسمى شيئا كائنا ما كان، وقيل إنه يحمل قوله { ومن ~~فيهن } على الملائكة والثقلين، ويحمل { وإن من شىء إلا ~~يسبح بحمده } على ما عدا ذلك من المخلوقات. وقد اختلف أهل العلم ~~في هذا العموم هل هو مخصوص أم لا؟ فقالت طائفة ليس بمخصوص، وحملوا ~~التسبيح على تسبيح الدلالة، لأن كل مخلوق يشهد على نفسه ويدل غيره بأن ~~الله خالق قادر. وقالت طائفة هذا التسبيح على حقيقته والعموم على ظاهره. ~~والمراد أن كل المخلوقات تسبح لله سبحانه هذا التسبيح الذي معناه التنزيه ~~وإن كان البشر لا يسمعون ذلك ولا يفهمونه، ويؤيد هذا قوله سبحانه { ~~ولكن لا تفقهون تسبيحهم } فإنه لو كان المراد تسبيح ~~الدلالة لكان أمرا مفهوما لكل أحد، وأجيب بأن المراد بقوله { لا ~~تفقهون } الكفار الذين يعرضون عن الاعتبار. وقالت طائفة إن هذا ~~العموم مخصوص بالملائكة والثقلين دون الجمادات، وقيل خاص بالأجسام ~~النامية فيدخل النباتات، كما روي هذا القول عن عكرمة والحسن وخصا تسبيح ~~النباتات بوقت نموها لا بعد قطعها. # وقد استدل لذلك بحديث " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين... ~~وفيه ثم دعا بعسيب رطب فشقه اثنين، وقال " إنه يخفف عنهما ما لم ييبسا ". ~~ويؤيد حمل الآية على العموم قوله # إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشى ~~والإشراق # ص 18. وقوله # وإن منها لما يهبط من خشية الله # البقرة 74. وقوله # وتخر الجبال هدا # مريم 90، ونحو ذلك من الآيات. وثبت في الصحيح أنهم كانوا يسمعون تسبيح ~~الطعام، وهم يأكلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا حديث حنين ~~الجذع، وحديث أن حجرا بمكة كان يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وكلها في الصحيح، ومن ذلك تسبيح الحصى في كفه صلى الله عليه وسلم، ~~ومدافعة عموم هذه الآية بمجرد الاستبعادات ليس دأب من يؤمن بالله سبحانه ~~ويؤمن بما ms2161 جاء من عنده. ومعنى { إلا يسبح بحمده } إلا يسبح ~~متلبسا بحمده { ولكن لا تفقهون تسبيحهم }. قرأ الحسن، ~~وأبو عمرو، ويعقوب، وحفص، وحمزة، والكسائي، وخلف تسبح بالمثناة الفوقية ~~على الخطاب، وقرأ الباقون بالتحتية، واختار هذه القراءة أبو عبيدة { ~~إنه كان حليما غفورا } فمن حلمه الإمهال لكم وعدم إنزال ~~عقوبته عليكم، ومن مغفرته لكم أنه لا يؤاخذ من تاب منكم. ولما فرغ سبحانه ~~من الإلهيات شرع في ذكر بعض من آيات القرآن وما يقع من سامعيه فقال { ~~وإذا قرأت القرءان جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا } جعلنا بينك يا محمد وبين ~~المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا أي إنهم لإعراضهم عن قراءتك ~~وتغافلهم عنك كمن بينك وبينه حجاب يمرون بك ولا يرونك، ذكر معناه الزجاج ~~وغيره، ومعنى { مستورا } ساتر. قال الأخفش أراد ساترا، والفاعل قد يكون ~~في لفظ المفعول كما تقول إنك لمشئوم وميمون، وإنما هو شائم ويامن وقيل ~~معنى { مستورا } ذا ستر، كقولهم سيل مفعم أي ذو إفعام، وقيل هو حجاب لا ~~تراه الأعين فهو مستور عنها، وقيل حجاب من دونه حجاب فهو مستور بغيره، ~~وقيل المراد بالحجاب المستور الطبع والختم. { وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة } الأكنة جمع كنان. وقد تقدم تفسيره في الأنعام، ~~وقيل هو حكاية لما كانوا يقولونه، من قولهم # قلوبنا غلف # البقرة 88 # وفي آذننا وقر ومن بينا وبينك حجاب # فصلت 5. و { أن يفقهوه } مفعول لأجله، أي كراهة أن يفقهوه، أو ~~لئلا يفقهوه، أي يفهموا ما فيه من الأوامر والنواهي والحكم والمعاني { ~~وفي آذانهم وقرا } أي صمما وثقلا، وفي الكلام حذف، والتقدير أن يسمعوه. ~~ومن قبائح المشركين أنهم كانوا يحبون أن يذكر آلهتهم كما يذكر الله ~~سبحانه، فإذا سمعوا ذكر الله دون ذكر آلهتهم نفروا عن المجلس، ولهذا قال ~~الله { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده } أي واحدا غير مشفوع بذكر آلهتهم، ~~فهو مصدر وقع موقع الحال { ولوا على أدبرهم نفورا } ~~هو مصدر، والتقدير هربوا نفورا، أو نفروا نفورا وقيل جمع نافر كقاعد ~~وقعود. # والأول أولى. ms2162 ويكون المصدر في موضع الحال أي ولوا نافرين. { نحن ~~أعلم بما يستمعون به } أي يستمعون إليك متلبسين به من ~~الاستخفاف بك وبالقرآن واللغو في ذكرك لربك وحده، وقيل الباء زائدة ~~والظرف في { إذ يستمعون إليك } متعلق ب { أعلم } أي نحن ~~أعلم وقت يستمعون إليك بما يستمعون به، وفيه تأكيد للوعيد، وقوله { ~~وإذ هم نجوى } متعلق بأعلم أيضا، أي ونحن أعلم بما يتناجون به ~~فيما بينهم وقت تناجيهم، وقد كانوا يتناجون بينهم بالتكذيب والاستهزاء، { ~~يقول } بدل من { إذ هم نجوى }. { إن تتبعون إلا رجلا ~~مسحورا } أي يقول كل منهم للآخرين عند تناجيهم ما تتبعون إلا رجلا ~~سحر فاختلط عقله وزال عن حد الاعتدال. قال ابن الأعرابي المسحور الذاهب ~~العقل الذي أفسد، من قولهم طعام مسحور إذا أفسد عمله، وأرض مسحورة أصابها ~~من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها وقيل المسحور المخدوع، لأن السحر حيلة ~~وخديعة، وذلك لأنهم زعموا أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يتعلم من بعض ~~الناس، وكانوا يخدعونه بذلك التعليم. وقال أبو عبيدة معنى { مسحورا } أن ~~له سحرا، أي رئة، فهو لا يستغني عن الطعام والشراب فهو مثلكم، وتقول ~~العرب للجبان قد انتفخ سحره، وكل من كان يأكل من آدمي أو غيره مسحور، ~~ومنه قول امرىء القيس # أرانا موضعين لأمر غيب ونسحر بالطعام وبالشراب # أي نغذى ونعلل. قال ابن قتيبة لا أدري ما حمله على هذا التفسير المستكره ~~مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة. { انظر كيف ضربوا لك ~~الأمثال } أي قالوا تارة إنك كاهن، وتارة ساحر، وتارة شاعر، وتارة ~~مجنون { فضلوا } عن طريق الصواب في جميع ذلك { فلا يستطيعون ~~سبيلا } إلى الهدى أو إلى الطعن الذي تقبله العقول ويقع التصديق له لا ~~أصل الطعن، فقد فعلوا منه ما قدروا عليه وقيل لا يستطيعون مخرجا لتناقض ~~كلامهم كقولهم ساحر مجنون. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في ~~قوله { إذا لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا } قال على أن ~~يزيلوا ملكه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم، والطبراني، ms2163 وأبو نعيم ~~في الحلية، والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى كان جبريل عن ~~يمينه وميكائيل عن يساره، فطارا به حتى بلغ السموات العلى، فلما رجع قال # " سمعت تسبيحا من السموات العلى مع تسبيح كثير سبحت السموات العلى من ~~ذي المهابة مشفقات لذي العلو بما علا، سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى ~~" # وأخرج ابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو جالس ~~مع أصحابه إذ سمع هدة فقال # " أطت السماء ويحقها أن تئط، والذي نفس محمد بيده ما فيها موضع شبر إلا ~~فيه جبهة ملك ساجد يسبح بحمده " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن جابر قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحا قال لابنه يا بني آمرك أن ~~تقول سبحان الله، فإنها صلاة الخلائق، وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق " # قال الله تعالى { وإن من شىء إلا يسبح بحمده }. وأخرج ~~أحمد، وابن مردويه من حديث ابن عمر نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي ~~أمامة قال ما من عبد سبح تسبيحة إلا سبح ما خلق الله من شيء، قال الله ~~{ وإن من شىء إلا يسبح بحمده } قال ابن كثير إسناده فيه ~~ضعف. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " قرصت نملة نبيا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحي الله ~~إليه من أجل نملة واحدة أحرقت أمة من الأمم تسبح " # وأخرج النسائي، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عمرو قال نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع وقال # " نقيقها تسبيح " # وأخرج أبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { وإن ~~من شىء إلا يسبح بحمده } قال الزرع يسبح وأجره لصاحبه، ~~والثوب يسبح ويقول الوسخ إن كنت مؤمنا فاغسلني إذن. وأخرج أبو الشيخ عنه ms2164 ~~قال كل شيء يسبح إلا الكلب والحمار. وأخرج ابن راهويه في مسنده من طريق ~~الزهري قال أتى أبو بكر بغراب وافر الجناحين، فجعل ينشر جناحيه ويقول ما ~~صيد من صيد ولا عضد من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح. وأخرجه أحمد في ~~الزهد، وأبو الشيخ عن ميمون بن مهران قال أتى أبو بكر الصديق فذكره من ~~قوله غير مرفوع. وأخرجه أبو نعيم في الحلية، وابن مردويه من حديث أبي ~~هريرة بنحوه. وأخرج ابن مردويه من حديث ابن مسعود بمعنى بعضه. وأخرج أبو ~~الشيخ من حديث أبي الدرداء بمعناه. وأخرج ابن عساكر من حديث أبي رهم ~~نحوه. وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال هذه الآية في التوراة كقدر ألف آية ~~{ وإن من شىء إلا يسبح بحمده } قال في التوراة تسبح له ~~الجبال ويسبح له الشجر، ويسبح له كذا ويسبح له كذا. وأخرج أحمد، وأبو ~~الشيخ عن ابن عباس قال صلى داود ليلة حتى أصبح، فلما أصبح وجد في نفسه ~~سرورا، فنادته ضفدعة يا داود، كنت أدأب منك قد أغفيت إغفاء. # وأخرج البيهقي في الشعب عن صدقة بن يسار قال كان داود في محرابه فأبصر ~~دودة صغيرة ففكر في خلقها وقال ما يعبأ الله بخلق هذه، فأنطقها الله ~~فقالت يا داود، أتعجبك نفسك، لأنا على قدر ما آتاني الله أذكر لله وأشكر ~~له منك على ما آتاك الله، قال الله { وإن من شىء إلا يسبح ~~بحمده }. وفي الباب أحاديث وروايات عن السلف فيها التصريح بتسبيح ~~جميع المخلوقات. وأخرج أبو يعلى، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن أسماء بنت أبي بكر قال لما نزلت # تبت يدا أبى لهب # المسد 1 أقبلت العوراء أم جميل ولها ولولة، وفي يدها فهر وهي تقول # مذمما أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا # ورسول الله جالس وأبو بكر إلى جنبه، فقال أبو بكر لقد أقبلت هذه وأنا ~~أخاف أن تراك، فقال إنها لن تراني، وقرأ قرآنا اعتصم به كما قال تعالى { ~~وإذا قرأت القرءان ms2165 جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا } فجاءت حتى قامت على أبي ~~بكر فلم تر النبي فقالت يا أبا بكر بلغني أن صاحبك هجاني، فقال أبو بكر ~~لا ورب هذا البيت ما هجاك، فانصرفت وهي تقول قد علمت قريش أني بنت ~~سيدها، وقد رويت هذه القصة بألفاظ مختلفة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم ~~عن قتادة في قوله { وإذا قرأت القرءان جعلنا بينك ~~وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا } ~~قال الحجاب المستور أكنة على قلوبهم أن يفقهوه وأن ينتفعوا به، أطاعوا ~~الشيطان فاستحوذ عليهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في الآية قال ~~ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن على المشركين بمكة ~~سمعوا قراءته ولا يرونه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن ~~مردويه عن ابن عباس في قوله { ولوا على أدبرهم نفورا ~~} قال الشياطين. وأخرج ابن مردويه عنه في قوله { إذ يستمعون ~~إليك } قال عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن المغيرة والعاص بن ~~وائل. ### || [17.49-55] # لما فرغ سبحانه من حكاية شبه القوم في النبوات حكى شبهتهم في أمر ~~المعاد فقال { وقالوا أءذا كنا عظما ورفتا } ~~والاستفهام، للاستنكار والاستبعاد. وتقرير الشبهة أن الإنسان إذا مات جفت ~~عظامه وتناثرت وتفرقت في جوانب العالم، واختلطت بسائطها بأمثالها من ~~العناصر، فكيف يعقل بعد ذلك اجتماعها بأعيانها، ثم عود الحياة إلى ذلك ~~المجموع، فأجاب سبحانه عنهم بأن إعادة بدن الميت إلى حال الحياة أمر ~~ممكن، ولو فرضتم أن بدنه قد صار أبعد شيء من الحياة ومن رطوبة الحي ~~كالحجارة والحديد، فهو كقول القائل أتطمع في وأنا ابن فلان؟ فيقول كن ~~ابن السلطان أو ابن من شئت فسأطلب منك حقي. والرفات ما تكسر وبلى من كل ~~شيء كالفتات والحطام والرضاض، قاله أبو عبيدة، والكسائي، والفراء، ~~والأخفش. تقول منه رفت الشيء رفتا، أي حطم فهو مرفوت. وقيل الرفات ~~الغبار، وقيل التراب { أءنا لمبعوثون خلقا جديدا } كرر ~~الاستفهام الدال على الاستنكار والاستبعاد تأكيدا وتقريرا، والعامل في ~~" إذا ms2166 " هو ما دل عليه { لمبعوثون } ، لا هو نفسه، لأن ما بعد إن ~~والهمزة واللام لا يعمل فيما قبلها، والتقدير { ءإذا كنا عظاما ورفاتا ~~} نبعث { ءإنا لمبعوثون } ، وانتصاب { خلقا } على المصدرية من غير لفظه، ~~أو على الحال، أي مخلوقين، و { جديدا } صفة له. { قل كونوا ~~حجارة أو حديدا. أو خلقا } آخر { مما يكبر فى ~~صدوركم } قال ابن جرير معناه إن عجبتم من إنشاء الله لكم عظاما ~~ولحما فكونوا أنتم حجارة أو حديدا إن قدرتم على ذلك، وقال علي بن عيسى ~~معناه إنكم لو كنتم حجارة أو حديدا لم تفوتوا الله عز وجل إذا أرادكم. ~~إلا أنه خرج مخرج الأمر لأنه أبلغ في الإلزام وقيل معناه لو كنتم حجارة ~~أو حديدا لأعادكم كما بدأكم ولأماتكم ثم أحياكم، قال النحاس وهذا قول ~~حسن، لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا حجارة أو حديدا، وإنما المعنى أنهم قد ~~أقروا بخالقهم وأنكروا البعث، فقيل لهم استشعروا أن تكونوا ما شئتم، فلو ~~كنتم حجارة أو حديدا لبعثتم كما خلقتم أول مرة. قلت وعلى هذا الوجه ~~قررنا جواب الشبهة قبل هذا. { أو خلقا مما يكبر فى ~~صدوركم } أي يعظم عندكم مما هو أكبر من الحجارة والحديد مباينة ~~للحياة فإنكم مبعوثون لا محالة، وقيل المراد به السموات والأرض والجبال ~~لعظمها في النفوس. وقال جماعة من الصحابة والتابعين المراد به الموت، ~~لأنه ليس شيء أكبر في نفس ابن آدم منه. والمعنى لو كنتم الموت لأماتكم ~~الله ثم بعثكم. ولا يخفى ما في هذا من البعد، فإن معنى الآية الترقي من ~~الحجارة إلى الحديد، ثم من الحديد إلى ما هو أكبر في صدور القوم منه، ~~والموت نفسه ليس بشيء يعقل ويحس حتى يقع الترقي من الحديد إليه { ~~فسيقولون من يعيدنا } إذا كنا عظاما ورفاتا، أو حجارة أو ~~حديدا مع ما بين الحالتين من التفاوت. # { قل الذى فطركم أول مرة } أي يعيدكم الذي خلقكم ~~واخترعكم عند ابتداء خلقكم من غير مثال سابق ولا صورة متقدمة { ~~فسينغضون إليك رءوسهم } أي يحركونها استهزاء، يقال نغض ms2167 ~~رأسه ينغض وينغض وينغض نغضا ونغوضا أي تحرك، وأنغض رأسه حركه كالمتعجب، ~~ومنه قول الراجز # أنغض نحوي رأسه وأقنعا # وقول الراجز الآخر # ونغضت من هرم أسنانها # وقال آخر # لما رأتني أنغضت لي رأسها # { ويقولون متى هو } أي البعث والإعادة استهزاء منهم وسخرية { ~~قل عسى أن يكون قريبا } أي هو قريب، لأن عسى في كلام الله ~~واجب الوقوع، ومثله # وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا # الأحزاب 63، وكل ما هو آت قريب { يوم يدعوكم } الظرف منتصب ~~بفعل مضمر أي اذكر، أو بدل من { قريبا } ، أو التقدير يوم يدعوكم كان ما ~~كان، الدعاء النداء إلى المحشر بكلام يسمعه الخلائق، وقيل هو الصيحة التي ~~تسمعونها، فتكون داعية لهم إلى الاجتماع في أرض المحشر { ~~فتستجيبون بحمده } أي منقادين له، حامدين لما فعله بكم، فهو ~~في محل نصب على الحال. وقيل المعنى فتستجيبون والحمد لله كما قال الشاعر # وإني بحمد الله لا ثوب فاخر لبست ولا من غدرة أتقنع # وقد روي أن الكفار عند خروجهم من قبورهم يقولون سبحانك وبحمدك وقيل ~~المراد بالدعاء هنا البعث، وبالاستجابة أنهم يبعثون، فالمعنى يوم يبعثكم ~~فتبعثون منقادين { وتظنون إن لبثتم إلا قليلا } أي تظنون ~~عند البعث أنكم ما لبثتم في قبوركم إلا زمنا قليلا، وقيل بين ~~النفختين، وذلك أن العذاب يكف عن المعذبين بين النفختين، وذلك أربعون ~~عاما ينامون فيها، فلذلك # قالوا من بعثنا من مرقدنا # يس 52، وقيل إن الدنيا تحقرت في أعينهم وقلت حين رأوا يوم القيامة، ~~فقالوا هذه المقالة. { وقل لعبادى يقولوا التى هى ~~أحسن } أي قل يا محمد لعبادي المؤمنين أن يقولو عند محاورتهم ~~للمشركين الكلمة التي هي أحسن من غيرها من الكلام الحسن كقوله سبحانه # ولا تجدلوا أهل الكتب إلا بالتى هى أحسن # العنكبوت 46. وقوله # فقولا له قولا لينا # طه 44 لأن المخاشنة لهم ربما تنفرهم عن الإجابة أو تؤدي إلى ما قال ~~سبحانه # ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا ~~الله عدوا بغير علم # الأنعام 108. وهذا كان قبل نزول آية السيف، وقيل المعنى قل ms2168 لهم يأمروا ~~بما أمر الله وينهوا عما نهى عنه، وقيل هذه الآية للمؤمنين فيما بينهم ~~خاصة، والأول أولى كما يشهد به السبب الذي سنذكره إن شاء الله { إن ~~الشيطن ينزغ بينهم } أي بالفساد وإلقاء العداوة والإغراء. # قال اليزيدي يقال نزغ بيننا أي أفسد. وقال غيره النزغ الإغراء { إن ~~الشيطن كان للإنسن عدوا مبينا } أي متظاهرا ~~بالعداوة مكاشفا بها، وهو تعليل لما قبله، وقد تقدم مثل هذا في البقرة. ~~{ ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ ~~يعذبكم } قيل هذا خطاب للمشركين. والمعنى إن يشأ يوفقكم للإسلام ~~فيرحمكم أو يميتكم عن الشرك فيعذبكم، وقيل هو خطاب للمؤمنين أي { إن يشأ ~~يرحمكم } بأن يحفظكم من الكفار { أو إن يشأ يعذبكم } بتسليطهم عليكم وقيل ~~إن هذا تفسير لكلمة { التي هي أحسن } { وما أرسلنك عليهم ~~وكيلا } أي ما وكلناك في منعهم من الكفر، وقسرهم على الإيمان وقيل ما ~~جعلناك كفيلا لهم تؤخذ بهم، ومنه قول الشاعر # ذكرت أبا أروى فبت كأنني برد الأمور الماضيات وكيل # أي كفيل. { وربك أعلم بمن فى السموات والارض } ~~أعلم بهم ذاتا وحالا واستحقاقا، وهو أعم من قوله { ربكم ~~أعلم بكم } لأن هذا يشمل كل ما في السموات والأرض من مخلوقاته، ~~وذاك خاص ببني آدم أو ببعضهم، وهذا كالتوطئة لقوله { ولقد فضلنا ~~بعض النبيين على بعض } أي إن هذا التفضيل عن علم منه بمن ~~هو أعلى رتبة وبمن دونه، وبمن يستحق مزيد الخصوصية بتكثير فضائله ~~وفواضله. وقد تقدم هذا في البقرة. وقد اتخذ الله إبراهيم خليلا، وموسى ~~كليما، وجعل عيسى كلمته وروحه، وجعل لسليمان ملكا عظيما، وغفر لمحمد ~~ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وجعله سيد ولد آدم. وفي هذه الآية دفع لما ~~كان ينكره الكفار مما يحكيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ارتفاع ~~درجته عند ربه عز وجل، ثم ذكر ما فضل به داود، فقال { وءاتينا داود ~~زبورا } أي كتابا مزبورا. قال الزجاج أي فلا تنكروا تفضيل محمد وإعطاءه ~~القرآن فقد أعطى الله داود زبورا. وقد ms2169 أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ورفتا } قال غبارا. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ~~ورفتا } قال ترابا، وفي قوله { قل كونوا حجارة أو ~~حديدا } قال ما شئتم فكونوا، فسيعيدكم الله كما كنتم. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن ابن عمر في قوله { أو خلقا مما يكبر فى ~~صدوركم } قال الموت، لو كنتم موتا لأحييتكم. وأخرج عبد الله بن ~~أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير، والحاكم عن ابن عباس مثله. وأخرج أبو ~~الشيخ في العظمة عن الحسن مثله أيضا. وأخرج عبد الله بن أحمد، وابن ~~جرير، وابن المنذر عن سعيد بن جبير نحوه، وزاد قال فكونوا الموت إن ~~استطعتم فإن الموت سيموت. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~فسينغضون إليك رءوسهم } قال سيحركونها استهزاء. وأخرج ~~ابن المنذر عن مجاهد في قوله { ويقولون متى هو } قال الإعادة. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في ~~قوله { فتستجيبون بحمده } قال بأمره. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال يخرجون من ~~قبورهم وهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم ~~عن قتادة { فتستجيبون بحمده } قال بمعرفته وطاعته { ~~وتظنون إن لبثتم إلا قليلا } أي في الدنيا، تحاقرت ~~الدنيا في أنفسهم، وقلت حين عاينوا يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن سيرين في قوله { وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن ~~} قال لا إله إلا الله. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال ~~يعفو عن السيئة. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال يقول له يرحمك الله، يغفر ~~الله لك. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال نزغ الشيطان تحريشه. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة ms2170 في قوله { وءاتينا داوود زبورا } ~~قال كنا نحدث أنه دعاء علمه داود، وتحميد وتمجيد لله عز وجل ليس فيه ~~حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا حدود. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس ~~قال الزبور ثناء على الله ودعاء وتسبيح. قلت الأمر كما قاله قتادة ~~والربيع، فإنا وقفنا على الزبور فوجدناه خطبا يخطبها داود عليه السلام، ~~ويخاطب بها ربه سبحانه عند دخوله الكنيسة، وجملته مائة وخمسون خطبة، كل ~~خطبة تسمى مزمورا بفتح الميم الأولى وسكون الزاي وضم الميم الثاينة ~~وآخره راء، ففي بعض هذه الخطب يشكو داود على ربه من أعدائه ويستنصره ~~عليهم، وفي بعضها يحمد الله ويمجده ويثني عليه بسبب ما وقع من النصر ~~عليهم والغلبة لهم، وكان عند الخطبة يضرب بالقيثارة، وهي آلة من آلات ~~الملاهي. وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور ها هنا روايات عن جماعة من ~~السلف يذكرون ألفاظا وقفوا عليها في الزبور ليس لها كثير فائدة، فقد ~~أغنى عنها وعن غيرها ما اشتمل عليه القرآن من المواعظ والزواجر. ### || [17.56-60] # قوله { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه } هذا رد على ~~طائفة من المشركين كانوا يعبدون تماثيل على أنها صور الملائكة، وعلى ~~طائفة من أهل الكتاب كانوا يقولون بإلهية عيسى ومريم وعزير، فأمر الله ~~سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ادعوا الذين زعمتم أنهم ~~آلهة من دون الله وقيل أراد ب { الذين زعمتم } نفرا من الجن عندهم ناس ~~من العرب، وإنما خصصت الآية بمن ذكرنا لقوله { يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة } ، فإن هذا لا يليق بالجمادات { فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم } أي لا يستطيعون ذلك، والمعبود ~~الحق هو الذي يقدر على كشف الضر، وعلى تحويله من حال إلى حال، ومن مكان ~~إلى مكان، فوجب القطع بأن هذه التي تزعمونها آلهة ليست بآلهة، ثم إنه ~~سبحانه أكد عدم اقتدارهم ببيان غاية افتقارهم إلى الله في جلب المنافع ~~ودفع المضار، فقال { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة } ف { أولئك } مبتدأ { والذين يدعون } صفته، ~~وضمير الصلة ms2171 محذوف أي يدعونهم، وخبر المبتدأ { يبتغون إلى ربهم الوسيلة } ~~، ويجوز أن يكون { الذين يدعون } خبر المبتدأ أي الذين يدعون عباده إلى ~~عبادتهم، ويكون { يبتغون } في محل نصب على الحال. وقرأ ابن مسعود تدعون ~~بالفوقية على الخطاب. وقرأ الباقون بالتحتية على الخبر ولا خلاف في { ~~يبتغون } أنه بالتحتية. و { الوسيلة } القربة بالطاعة والعبادة أي ~~يتضرعون إلى الله في طلب ما يقربهم إلى ربهم، والضمير في ربهم يعود إلى ~~العابدين أو المعبودين { أيهم أقرب } مبتدأ وخبر. قال الزجاج ~~المعنى أيهم أقرب بالوسيلة إلى الله أي يتقرب إليه بالعمل الصالح، ويجوز ~~أن يكون بدلا من الضمير في { يبتغون } أي يبتغي من هو أقرب إليه تعالى ~~الوسيلة، فكيف بمن دونه؟ وقيل إن يبتغون مضمن معنى يحرصون أي يحرصون أيهم ~~أقرب إليه سبحانه بالطاعة والعبادة { ويرجون رحمته } كما ~~يرجوها غيرهم { ويخفون عذابه } كما يخافه غيرهم { إن ~~عذاب ربك كان محذورا } تعليل قوله { يخافون عذابه } أي إن ~~عذابه سبحانه حقيق بأن يحذره العباد من الملائكة والأنبياء وغيرهم. ثم ~~بين سبحانه مآل الدنيا وأهلها فقال { وإن من قرية إلا نحن ~~مهلكوها قبل يوم القيمة } " إن " نافية، و " من " ~~للاستغراق أي ما من قرية، أي قرية كانت من قرى الكفار. قال الزجاج أي ما ~~من أهل قرية إلا سيهلكون إما بموت وإما بعذاب يستأصلهم، فالمراد بالقرية ~~أهلها، وإنما قيل { قبل يوم القيامة } لأن الإهلاك يوم القيامة غير مختص ~~بالقرى الكافرة، بل يعم كل قرية لانقضاء عمر الدنيا وقيل الإهلاك للصالحة ~~والتعذيب للطالحة، والأول أولى لقوله # وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظلمون # القصص 59. { كان ذلك } المذكور من الإهلاك، والتعذيب { فى ~~الكتب } أي اللوح المحفوظ { مسطورا } أي مكتوبا، والسطر الخط ~~وهو في الأصل مصدر، والسطر بالتحريك مثله. قال جرير # من شاء بايعته مالي وخلعته ما يكمل التيم في ديوانهم سطرا # والخلفة بضم الخاء خيار المال، والسطر جمع أسطار، وجمع السطر بالسكون ~~أسطر. { وما منعنا أن نرسل بالأيت ولا أن كذب ~~بها الأولون } قال المفسرون إن أهل مكة سألوا رسول ms2172 الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي عنهم جبال مكة، فأتاه جبريل ~~فقال إن شئت كان ما سأل قومك، ولكنهم إن لم يؤمنوا بها يمهلوا وإن شئت ~~استأنيت بهم، فأنزل الله هذه الآية. والمعنى وما منعنا من إرسال الآيات ~~التي سألوها إلا تكذيب الأولين، فإن أرسلناها وكذب بها هؤلاء عوجلوا ~~ولم يمهلوا كما هو سنة الله سبحانه في عباده، فالمنع مستعار للترك، ~~والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء، أي ما تركنا إرسالها لشيء من الأشياء ~~إلا تكذيب الأولين، فإن كذب بها هؤلاء كما كذب بها أولئك لاشتراكهم في ~~الكفر والعناد حل بهم ما حل بهم، و «أن» الأولى في محل نصب وبإيقاع ~~المنع عليها، و «أن» الثانية في محل رفع، والباء في { بالآيات } زائدة. ~~والحاصل أن المانع من إرسال الآيات التي اقترحوها هو أن الاقتراح مع ~~التكذيب موجب للهلاك الكلي وهو الاستئصال، وقد عزمنا على أن نؤخر أمر من ~~بعث إليهم محمد إلى يوم القيامة وقيل معنى الآية إن هؤلاء الكفار من قريش ~~ونحوهم مقلدون لآبائهم فلا يؤمنون ألبتة كما لم يؤمن أولئك، فيكون إرسال ~~الآيات ضائعا، ثم إنه سبحانه استشهد على ما ذكر بقصة صالح وناقته، فإنهم ~~لما اقترحوا عليه ما اقترحوا من الناقة وصفتها التي قد بينت في محل آخر، ~~وأعطاهم الله ما اقترحوا فلم يؤمنوا استؤصلوا بالعذاب. وإنما خص قوم ~~صالح بالاستشهاد، لأن آثار إهلاكهم في بلاد العرب قريبة من قريش وأمثالهم ~~يبصرها صادرهم وواردهم فقال { وآتينا ثمود الناقة مبصرة } أي ذات إبصار ~~يدركها الناس بأبصارهم كقوله # وجعلنا آية النهار مبصرة # الإسراء 12 أو أسند إليها حال من يشاهدها مجازا، أو أنها جعلتهم ذوي ~~إبصار، من أبصره جعله بصيرا. وقرىء على صيغة المفعول. وقرىء بفتح الميم ~~والصاد وانتصابها على الحال. وقرىء برفعها على أنها خبر مبتدأ محذوف، ~~والجملة معطوفة على محذوف يقتضيه سياق الكلام أي فكذبوها وآتينا ثمود ~~الناقة، ومعنى { فظلموا بها } فظلموا بتكذيبها أو على تضمين ظلموا ~~معنى جحدوا أو كفروا أي ms2173 فجحدوا بها أو كفروا بها ظالمين ولم يكتفوا بمجرد ~~الكفر أو الجحد { وما نرسل بالأيت إلا تخويفا } اختلف ~~في تفسير { بالآيات } على وجوه الأول أن المراد بها العبر والمعجزات ~~التي جعلها الله على أيدي الرسل من دلائل الإنذار تخويفا للمكذبين ~~الثاني أنها آيات الانتقام تخويفا من المعاصي الثالث تقلب الأحوال من ~~صغر إلى شباب ثم إلى تكهل ثم إلى شيب، ليعتبر الإنسان بتقلب أحواله فيخاف ~~عاقبة أمره الرابع آيات القرآن، الخامس الموت الذريع، والمناسب للمقام أن ~~تفسر الآيات المذكورة بالآيات المقترحة، أي لا نرسل الآيات المقترحة إلا ~~تخويفا من نزول العذاب، فإن لم يخافوا وقع عليهم. # والجملة مستأنفة لا محل لها، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من ~~ضمير ظلموا بها أي فظلموا بها، ولم يخافوا، والحال أن ما نرسل بالآيات ~~التي هي من جملتها إلا تخويفا. قال ابن قتيبة وما نرسل بالآيات ~~المقترحة إلا تخويفا من نزول العذاب العاجل. ولما ذكر سبحانه الامتناع ~~من إرسال الآيات المقترحة على رسوله للصارف المذكور، قوي قلبه بوعد النصر ~~والغلبة فقال { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } ~~الظرف متعلق بمحذوف، أي اذكر إذ قلنا لك، أي أنهم في قبضته وتحت قدرته، ~~فلا سبيل لهم إلى الخروج مما يريده بهم لإحاطته لهم بعلمه وقدرته، وقيل ~~المراد بالناس أهل مكة، وإحاطته بهم إهلاكه إياههم أي إن الله سيهلكهم، ~~وعبر بالماضي تنبيها على تحقق وقوعه، وذلك كما وقع يوم بدر ويوم الفتح، ~~وقيل المراد أنه سبحانه عصمه من الناس أن يقتلوه حتى يبلغ رسالة ربه { ~~وما جعلنا الرؤيا التى أرينك إلا فتنة للناس ~~} لما بين سبحانه أن إنزال الآيات يتضمن التخويف ضم إليه ذكر آية ~~الإسراء، وهي المذكورة في صدر السورة، وسماها رؤيا لأنها وقعت بالليل، أو ~~لأن الكفرة قالوا لعلها رؤيا، وقد قدمنا في صدر السورة وجها آخر في ~~تفسير هذه الرؤيا، وكانت الفتنة ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسري به، وقيل كانت رؤيا نوم، ms2174 وأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم رأى أنه يدخل مكة فافتتن المسلمون لذلك، فلما فتح ~~الله مكة نزل قوله تعالى # لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق # الفتح 27 وقد تعقب هذا بأن هذه الآية مكية، والرؤيا المذكورة كانت ~~بالمدينة، وقيل إن هذه الرؤيا المذكورة في هذه الآية هي أنه رأى بني ~~مروان ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك، فقيل إنما هي الدنيا أعطوها ~~فسري عنه، وفيه ضعف، فإنه لا فتنة للناس في هذه الرؤيا إلا أن يراد ~~بالناس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، ويراد بالفتنة ما حصل من ~~المساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يحمل على أنه قد كان أخبر ~~الناس بها فافتتنوا، وقيل إن الله سبحانه أراه في المنام مصارع قريش حتى ~~قال " والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم " ، وهو يومىء إلى الأرض ويقول " ~~هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان " فلما سمع قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية. # { والشجرة الملعونة فى القرءان } عطف على الرؤيا، قيل ~~وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة ~~الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس. قال جمهور المفسرين وهي شجرة ~~الزقوم، والمراد بلعنها لعن آكلها كما قال سبحانه # إن شجرة الزقوم طعام الأثيم # الدخان 43 - 44. وقال الزجاج إن العرب تقول لكل طعام مكروه ملعون، ومعنى ~~الفتنة فيها أن أبا جهل وغيره قالوا زعم صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجر، ~~ثم يقول ينبت فيها الشجر، فأنزل الله هذه الآية. وروي أن أبا جهل أمر ~~جارية فأحضرت تمرا وزبدا وقال لأصحابه تزقموا. وقال ابن الزبعري كثر ~~الله من الزقوم في داركم، فإنه التمر بالزبد بلغة اليمن، وقيل إن الشجرة ~~الملعونة هي الشجرة التي تلتوي على الشجر فتقتلها، وهي شجرة الكشوث وقيل ~~هي الشيطان وقيل اليهود وقيل بنو أمية { ونخوفهم فما ~~يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } أي نخوفهم بالآيات فما يزيدهم ~~التخويف إلا طغيانا متجاوزا للحد، متماديا غاية التمادي، فما يفيدهم ~~إرسال الآيات إلا الزيادة في الكفر، فعند ذلك نفعل بهم ms2175 ما فعلناه بمن ~~قبلهم من الكفار، وهو عذاب الاستئصال، ولكنا قد قضينا بتأخير العقوبة. ~~وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، ~~والبخاري، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، ~~والحاكم، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود في قوله { قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا } قال كان نفر من الإنس يعبدون نفرا ~~من الجن فأسلم النفر من الجن وتمسك الإنسيون بعبادتهم، فأنزل الله { ~~أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة } كلاهما، يعني الفعلين بالياء التحتية، وروي نحو هذا عن ~~ابن مسعود من طرق أخرى. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ~~ابن عباس في الآية قال كان أهل الشرك يعبدون الملائكة والمسيح وعزيرا. ~~وروي عنه من وجه آخر بلفظ عيسى وأمه وعزير. وروي عنه أيضا من وجه آخر ~~بلفظ هم عيسى وعزير، والشمس والقمر. وأخرج الترمذي، وابن مردويه عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " سلوا الله لي الوسيلة، قالوا وما الوسيلة؟ قال القرب من الله، ثم قرأ ~~{ يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب } " # وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي في قوله { كان ذلك فى ~~الكتب مسطورا } قال في اللوح المحفوظ. وأخرج أحمد، والنسائي، ~~والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي في الدلائل، والضياء في المختارة عن ابن عباس قال «سأل ~~أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي ~~عنهم الجبال فيزرعوا، فقيل له إن شئت أن تستأني بهم وإن شئت أن نؤتيهم ~~الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم من الأمم، قال " لا بل ~~أستأني بهم " ، فأنزل الله { وما منعنا أن نرسل بالايت ~~} " الآية. # وأخرج أحمد، والبيهقي من طريق أخرى عنه نحوه. وأخرج البيهقي في الدلائل ~~عن الربيع بن أنس قال قال الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم لو جئتنا ~~بآية كما جاء بها ms2176 صالح والنبيون؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن شئتم دعوت الله فأنزلها عليكم، فإن عصيتم هلكتم " # ، فقالوا لا نريدها. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن ~~عباس { وما نرسل بالآيت إلا تخويفا } قال الموت. وأخرج ~~سعيد بن منصور، وأحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر عن الحسن قال هو ~~الموت الذريع. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن الحسن في قوله { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط ~~بالناس } قال عصمك من الناس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~في الآية قال فهم في قبضته. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وأحمد، ~~والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في ~~قوله { وما جعلنا الرءيا } الآية قال هي رؤيا عين أريها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس، وليست برؤيا منام ~~{ والشجرة الملعونة فى القرءان } قال هي شجرة الزقوم. ~~وأخرج أبو سعيد، وأبو يعلى، وابن عساكر عن أم هانىء أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما أسري به أصبح يحدث نفرا من قريش وهم يستهزئون به، ~~فطلبوا منه آية فوصف لهم بيت المقدس، وذكر لهم قصة العير، فقال الوليد بن ~~المغيرة هذا ساحر، فأنزل الله إليه { وما جعلنا الرءيا } الآية. ~~وأخرج ابن جرير عن سهل بن سعد قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني ~~فلان ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكا حتى مات. ~~فأنزل الله { وما جعلنا الرءيا التى أرينك إلا ~~فتنة للناس }. قال ابن كثير بعد أن ساق إسناده وهذا السند ضعيف ~~جدا. وذكر من جملة رجال السند محمد بن الحسن بن زبالة وهو متروك وشيخه ~~عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد ضعيف جدا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " رأيت ولد الحكم بن أبي ms2177 العاص على المنابر كأنهم القردة، فأنزل الله { ~~وما جعلنا الرءيا التى أرينك إلا فتنة ~~للناس والشجرة الملعونة } " # يعني الحكم وولده. وأخرج ابن أبي حاتم عن يعلى بن مرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " رأيت بني أمية على منابر الأرض وسيملكونكم فتجدونهم أرباب سوء " # ، واهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك، فأنزل الله الآية. وأخرج ~~ابن مردويه عن الحسين بن علي نحوه مرفوعا وهو مرسل. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر عن سعيد بن المسيب نحوه وهو ~~مرسل. وأخرج ابن مردويه عن عائشة أنها قالت لمروان بن الحكم سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول لأبيك وجدك # " إنكم الشجرة الملعونة في القرآن " # وفي هذا نكارة، لقولها يقول لأبيك وجدك، ولعل جد مروان لم يدرك زمن ~~النبوة. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أري أنه دخل مكة هو وأصحابه، وهو يومئذ ~~بالمدينة فسار إلى مكة قبل الأجل فرده المشركون، فقال ناس قد رد، وقد ~~كان حدثنا أنه سيدخلها، فكانت رجعته فتنتهم. وقد تعارضت هذه الأسباب، ~~ولم يمكن الجمع بينها فالواجب المصير إلى الترجيح، والراجح كثرة وصحة هو ~~كون سبب نزول هذه الآية قصة الإسراء فيتعين ذلك. وقد حكى ابن كثير إجماع ~~الحجة من أهل التأويل على ذلك في الرؤيا، وفي تفسير الشجرة وأنها شجرة ~~الزقوم، فلا اعتبار بغيرهم معهم. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه، والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال قال أبو جهل لما ذكر رسول ~~الله شجرة الزقوم تخويفا لهم يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم التي ~~يخوفكم بها محمد؟ قالوا لا، قال عجوة يثرب بالزبد. والله لئن استمكنا ~~منها لنزقمنها تزقما. قال الله سبحانه # إن شجرة الزقوم طعام الأثيم # الدخان 43 44، وأنزل { والشجرة الملعونة فى القرءان ~~} الآية. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله { والشجرة الملعونة } ~~قال ملعونة لأنه قال # طلعها كأنه رءوس الشيطين # الصافات ms2178 65. والشياطين ملعونون. ### || [17.61-65] # لما ذكر سبحانه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في بلية عظيمة من قومه ~~ومحنة شديدة، أراد أن يبين أن جميع الأنبياء كانوا كذلك، حتى أن هذه عادة ~~قديمة، سنها إبليس اللعين، وأيضا لما ذكر أن الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ذكر ها هنا ما يحقق ~~ذلك فقال { وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لآدم } هذه ~~القصة قد ذكرها الله سبحانه في سبعة مواضع في البقرة، والأعراف، والحجر، ~~وهذه السورة، والكهف، وطه، وص، وقد تقدم تفسيرها مبسوطا فلنقتصر ها ~~هنا على تفسير ما لم يتقدم ذكره من الألفاظ، فقوله { طينا } منتصب ~~بنزع الخافض، أي من طين، أو على الحال. قال الزجاج المعنى لمن خلقته ~~طينا، وهو منصوب على الحال. { أرءيتك } أي أخبرني عن هذا الذي ~~فضلته علي لم فضلته؟ وقد # خلقتني من نار وخلقته من طين # الاعراف 12 فحذف هذا للعلم به { لأحتنكن ذريته } أي ~~لأستولين عليهم بالإغواء والإضلال. قال الواحدي أصله من احتناك الجراد ~~الزرع، وهو أن تستأصله بأحناكها وتفسده، هذا هو الأصل، ثم سمي الاستيلاء ~~على الشيء وأخذه كله احتناكا وقيل معناه لأسوقنهم حيث شئت، وأقودنهم ~~حيث أردت، من قولهم حنكت الفرس أحنكه حنكا إذا جعلت في فيه الرسن، ~~والمعنى الأول أنسب بمعنى هذه الآية، ومنه قول الشاعر # أشكو إليك سنة قد أجحفت جهدا إلى جهد بنا وأضعفت واحتنكت أموالنا ~~واختلفت # أي استأصلت أموالنا، واللام في { لئن أخرتن } هي الموطئة، ~~وإنما أقسم اللعين هذا القسم على أنه سيفعل بذرية آدم ما ذكره لعلم قد ~~سبق إليه من سمع استرقه، أو قاله لما ظنه من قوة نفوذ كيده في بني آدم، ~~وأنه يجري منهم في مجاري الدم، وأنهم بحيث يروج عندهم كيده وتنفق لديهم ~~وسوسته إلا من عصم الله، وهم المرادون بقوله { إلا قليلا } وفي ~~معنى هذا الاستثناء قوله سبحانه { إن عبادى ليس لك عليهم ~~سلطن } ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه # سبأ 20. فإنه يفيد أنه ms2179 قال ما قاله هنا اعتمادا على الظن، وقيل إنه ~~استنبط ذلك من قول الملائكة # أتجعل فيها من يفسد فيها # البقرة 30، وقيل علم ذلك من طبع البشر لما ركب فيهم من الشهوات، أو ظن ~~ذلك لأنه وسوس لآدم، فقبل منه ذلك ولم يجد له عزما، كما روي عن الحسن. { ~~قال اذهب فمن تبعك منهم } أي أطاعك { فإن جهنم ~~جزاؤكم } أي إبليس ومن أطاعه { جزاء موفورا } أي وافرا ~~مكملا، يقال وفرته أفره وفرا، ووفر المال بنفسه يفر وفورا، فهو وافر، ~~فهو مصدر، ومنه قول زهير # ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتقي الشتم يشتم # ثم كرر سبحانه الإمهال لإبليس اللعين فقال { واستفزز من ~~استطعت منهم بصوتك } أي استزعج واستخف من استطعت من بني ~~آدم، يقال أفزه واستفزه أي أزعجه واستخفه، والمعنى أستخفهم بصوتك داعيا ~~لهم إلى معصية الله، وقيل هو الغناء واللهو واللعب والمزامير { ~~وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } قال الفراء وأبو عبيدة ~~أجلب من الجلبة والصياح، أي صح عليهم. وقال الزجاج أي أجمع عليهم كل ما ~~تقدر من مكايدك. فالإجلاب الجمع. والباء في { بخيلك } زائدة. وقال ابن ~~السكيت الإجلاب الإعانة، والخيل تقع على الفرسان كقوله صلى الله عليه ~~وسلم «يا خيل الله اركبي»، وتقع على الأفراس، والرجل بسكون الجيم جمع رجل ~~كتاجر وتجر، وصاحب وصحب. وقرأ حفص بكسر الجيم على أنه صفة. قال أبو زيد ~~يقال رجل ورجل، بمعنى راجل، فالخيل والرجل كناية عن جميع مكايد الشيطان، ~~أو المراد كل راكب وراجل في معصية الله. { وشاركهم فى الأمول ~~والأولد } أما المشاركة في الأموال، فهي كل تصرف فيها يخالف وجه ~~الشرع سواء كان أخذا من غير حق، أو وضعا في غير حق كالغصب والسرقة ~~والربا، ومن ذلك تبتيك آذان الأنعام وجعلها بحيرة وسائبة، والمشاركة في ~~الأولاد دعوى الولد بغير سبب شرعي، وتحصيله بالزنا وتسميتهم بعبد اللات ~~وعبد العزى، والإساءة في تربيتهم على وجه يألفون فيه خصال الشر وأفعال ~~السوء ويدخل فيه ما قتلوا من أولادهم خشية إملاق، ووأد البنات وتصيير ms2180 ~~أولادهم على الملة الكفرية التي هم عليها، ومن ذلك مشاركة الشيطان ~~للمجامع إذا لم يسم، ثم قال { وعدهم } قال الفراء قل لهم لا جنة ولا ~~نار. وقال الزجاج وعدهم بأنهم لا يبعثون { وما يعدهم ~~الشيطن إلا غرورا } أي باطلا، وأصل الغرور تزيين الخطأ بما ~~يوهم الصواب وقيل معناه وعدهم النصرة على من خالفهم، وهذه الأوامر ~~للشيطان من باب التهديد والوعيد الشديد، وقيل هي على طريقة الاستخفاف به ~~وبمن تبعه. { إن عبادى ليس لك عليهم سلطن } يعني ~~عباده المؤمنين كما في غير هذا الموضع من الكتاب العزيز من أن إضافة ~~العباد إليه يراد بها المؤمنون لما في الإضافة من التشريف، وقيل المراد ~~جميع العباد بدليل الاستثناء بقوله في غير هذا الموضع # إلا من اتبعك من الغاوين # الحجر 42 والمراد بالسلطان التسلط { وكفى بربك وكيلا } ~~يتوكلون عليه، فهو الذي يدفع عنهم كيد الشيطان ويعصمهم من إغوائه. وقد ~~أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال قال إبليس إن آدم خلق من تراب من طين، ~~خلق ضعيفا وإني خلقت من نار، والنار تحرق كل شيء { لأحتنكن ~~ذريته إلا قليلا } فصدق ظنه عليهم. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عنه { لأحتنكن ذريته } قال لأستولين. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد { لأحتنكن ذريته } ~~قال لأحتوينهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال لأضلنهم. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد { ~~موفورا } قال وافرا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله { واستفزز من استطعت منهم بصوتك ~~} قال صوته كل داع دعا إلى معصية الله { وأجلب عليهم بخيلك ~~} قال كل راكب في معصية الله { ورجلك } قال كل راجل في معصية الله { ~~وشاركهم فى الأمول } قال كل مال في معصية الله { والأولد ~~} قال كل ما قتلوا من أولادهم وأتوا فيهم الحرام. وأخرج الفريابي، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في الآية قال كل خيل تسير في ~~معصية الله، ms2181 وكل مال أخذ بغير حقه، وكل ولد زنا. وأخرج ابن جرير، وابن ~~مردويه عن ابن عباس في الآية قال { الأموال } ما كانوا يحرمون من ~~أنعامهم { والأولد } أولاد الزنا. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال { ~~الأموال } البحيرة والسائبة والوصيلة لغير الله { والأولد } سموا ~~عبد الحارث وعبد شمس. ### || [17.66-70] # قوله { ربكم الذى يزجى لكم الفلك فى البحر } ~~الإزجاء السوق والإجراء والتسيير، ومنه قوله سبحانه # ألم تر أن الله يزجى سحابا # النور 43. وقول الشاعر # يا أيها الراكب المزجي مطيته سائل بني أسد ما هذه الصور # وقول الآخر # عوذا تزجي خلفها أطفالها # والمعنى أن الله سبحانه يسير الفلك في البحر بالريح، والفلك ها هنا ~~جمع، وقد تقدم، والبحر هو الماء الكثير عذبا كان أو مالحا، وقد غلب ~~هذا الاسم على المشهور { لتبتغوا من فضله } أي من رزقه الذي ~~تفضل به على عباده، أو من الربح بالتجارة، و " من " زائدة أو للتبعيض، ~~وفي هذه الآية تذكير لهم بنعم الله سبحانه عليهم حتى لا يعبدوا غيره ولا ~~يشركوا به أحدا، وجملة { إنه كان بكم رحيما } تعليل لما ~~تقدم أي كان بكم رحيما فهداكم إلى مصالح دنياكم. { وإذا مسكم ~~الضر } يعني خوف الغرق { فى البحر ضل من تدعون } من ~~الآلهة وذهب عن خواطركم، ولم يوجد لإغاثتكم ما كنتم تدعون من دونه من ~~صنم، أو جن، أو ملك، أو بشر { إلا إياه } وحده فإنكم تعقدون ~~رجاءكم برحمته وإغاثته، والاستثناء منقطع، ومعنى الآية أن الكفار إنما ~~يعتقدون في أصنامهم وسائر معبوداتهم أنها نافعة لهم في غير هذه الحالة، ~~فأما في هذه الحالة فإن كل واحد منهم يعلم بالفطرة علما لا يقدر على ~~مدافعته أن الأصنام ونحوها لا فعل لها { فلما نجكم إلى ~~البر أعرضتم } عن الإخلاص لله وتوحيده ورجعتم إلى دعاء أصنامكم ~~والاستغاثة بها { وكان الإنسن كفورا } أي كثير الكفران لنعمة ~~الله، وهو تعليل لما تقدمه، والمعنى أنهم عند الشدائد يتمسكون برحمة ~~الله، وفي الرخاء يعرضون عنه. ثم أنكر سبحانه عليهم سوء معاملتهم قائلا ~~{ أفأمنتم أن يخسف بكم جانب ms2182 البر } الهمزة للإنكار ~~والفاء للعطف على محذوف تقديره أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض، ~~فبين لهم أنه قادر على هلاكهم في البر وإن سلموا من البحر. والخسف أن ~~تنهار الأرض بالشيء، يقال بئر خسيف إذا انهدم أصلها، وعين خاسف أي. غائرة ~~حدقتها في الرأس، وخسفت عين الماء إذا غار ماؤها، وخسفت الشمس إذا غابت ~~عن الأرض، و { جانب البر } ناحية الأرض، وسماه جانبا، لأنه يصير بعد ~~الخسف جانبا، وأيضا فإن البحر جانب من الأرض والبر جانب وقيل إنهم ~~كانوا على ساحل البحر، وساحله جانب البر فكانوا فيه آمنين من مخاوف ~~البحر، فحذرهم ما أمنوه من البر كما حذرهم ما خافوه من البحر { أو ~~يرسل عليكم حاصبا } قال أبو عبيدة والقتيبي الحصب الرمي أي ~~ريحا شديدة حاصبة، وهي التي ترمي بالحصى الصغار. # وقال الزجاج الحاصب التراب الذي فيه حصباء، فالحاصب ذو الحصباء كاللابن، ~~والتامر وقيل الحاصب حجارة من السماء تحصبهم كما فعل بقوم لوط، ويقال ~~للسحابة التي ترمي بالبرد حاصب، ومنه قول الفرزدق # مستقبلين جبال الشام تضربنا بحاصب كنديف القطن منثور # { ثم لا تجدوا لكم وكيلا } أي حافظا ونصيرا يمنعكم من ~~بأس الله. { أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى } أي ~~في البحر مرة أخرى بأن يقوي دواعيكم ويوفر حوائجكم إلى ركوبه، وجاء بفي ~~ولم يقل إلى البحر، للدلالة على استقرارهم فيه { فيرسل عليكم ~~قاصفا من الريح } القاصف الريح الشديدة التي تكسر بشدة، من قصف ~~الشيء يقصفه أي كسره بشدة، والقصف الكسر، أو هو الريح التي لها قصيف أي ~~صوت شديد من قولهم رعد قاصف أي شديد الصوت { فيغرقكم } قرأ أبو ~~جعفر، وشيبة، ورويس، ومجاهد فتغرقكم بالتاء الفوقية على أن فاعله الريح. ~~وقرأ الحسن وقتادة، وابن وردان فيغرقكم بالتحتية والتشديد في الراء. وقرأ ~~أبو جعفر أيضا الرياح. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالنون في جميع هذه ~~الأفعال. وقرأ الباقون بالياء التحتية في جميعها أيضا، والباء في { بما ~~كفرتم } للسببية أي بسبب كفركم { ثم لا تجدوا لكم علينا ~~به تبيعا } أي ثائرا ms2183 يطالبنا بما فعلنا. قال الزجاج لا تجدوا من ~~يتبعنا بإنكار ما نزل بكم. قال النحاس وهو من الثأر، وكذا يقال لكل من ~~طلب بثأر أو غيره تبيع وتابع. { ولقد كرمنا بنى ءادم } هذا ~~إجمال لذكر النعمة التي أنعم الله بها على بني آدم أي كرمناهم جميعا، ~~وهذه الكرامة يدخل تحتها خلقهم على هذه الهيئة الحسنة وتخصيصهم بما خصهم ~~به من المطاعم والمشارب والملابس على وجه لا يوجد لسائر أنواع الحيوان ~~مثله. وحكى ابن جرير عن جماعة أن هذا التكريم هو أنهم يأكلون بأيديهم، ~~وسائر الحيوانات تأكل بالفم، وكذا حكاه النحاس. وقيل ميزهم بالنطق والعقل ~~والتمييز، وقيل أكرم الرجال باللحى والنساء بالذوائب. وقال ابن جرير ~~أكرمهم بتسليطهم على سائر الخلق وتسخير سائر الخلق لهم، وقيل بالكلام ~~والخط والفهم، ولا مانع من حمل التكريم المذكور في الآية على جميع هذه ~~الأشياء. وأعظم خصال التكريم العقل، فإن به تسلطوا على سائر الحيوانات، ~~وميزوا بين الحسن والقبيح، وتوسعوا في المطاعم والمشارب، وكسبوا الأموال ~~التي تسببوا بها إلى تحصيل أمور لا يقدر عليها الحيوان، وبه قدروا على ~~تحصيل الأبنية التي تمنعهم مما يخافون، وعلى تحصيل الأكسية التي تقيهم ~~الحر والبرد، وقيل تكريمهم هو أن جعل محمدا صلى الله عليه وسلم منهم { ~~وحملنهم فى البر والبحر } هذا تخصيص لبعض أنواع ~~التكريم، حملهم سبحانه في البر على الدواب، وفي البحر على السفن، وقيل ~~حملناهم فيهما حيث لم نخسف بهم ولم نغرقهم { ورزقناهم من ~~الطيبات } أي لذيذ المطاعم والمشارب وسائر ما يستلذونه وينتفعون به ~~{ وفضلنهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } أجمل ~~سبحانه هذا الكثير ولم يبين أنواعه فأفاد ذلك أن بني آدم فضلهم سبحانه ~~على كثير من مخلوقاته. # وقد جعل بعض أهل العلم الكثير هنا بمعنى الجميع وهو تعسف لا حاجة إليه. ~~وقد شغل كثير من أهل العلم بما لم تكن إليه حاجة ولا تتعلق به فائدة، وهو ~~مسألة تفضيل الملائكة على الأنبياء أو الأنبياء على الملائكة، ومن جملة ~~ما تمسك به مفضلو الأنبياء على الملائكة هذه الآية، ms2184 ولا دلالة لها على ~~المطلوب لما عرفت من إجمال الكثير وعدم تبيينه، والتعصب في هذه المسألة ~~هو الذي حمل بعض الأشاعرة على تفسير الكثير هنا بالجميع حتى يتم له ~~التفضيل على الملائكة، وتمسك بعض المعتزلة بهذه الآية على تفضيل الملائكة ~~على الأنبياء. ولا دلالة بها على ذلك، فإنه لم يقم دليل على أن الملائكة ~~من القليل الخارج عن هذا الكثير، ولو سلمنا ذلك فليس فيما خرج عن هذا ~~الكثير ما يفيد أنه أفضل من بني آدم، بل غاية ما فيه أنه لم يكن الإنسان ~~مفضلا عليه. فيحتمل أن يكون مساويا للإنسان، ويحتمل أن يكون أفضل منه، ~~ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال، والتأكيد بقوله { تفضيلا } يدل على ~~عظم هذا التفضيل وأنه بمكان مكين، فعلى بني آدم أن يتلقوه بالشكر ويحذروا ~~من كفرانه. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~في قوله { يزجى } قال يجري، وأخرجوا عن قتادة قال يسيرها في البحر. ~~وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { حصبا } قال مطر الحجارة. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة قال حجارة من السماء. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر عن ابن عباس { قاصفا من الريح } قال التي تغرق. ~~وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، عن عبد الله بن عمرو قال القاصف والعاصف في ~~البحر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~{ قاصفا } قال عاصفا، وفي قوله { ثم لا تجدوا لكم ~~علينا به تبيعا } قال نصيرا. وأخرج الطبراني، والبيهقي في ~~الشعب، والخطيب في تاريخه عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " ما من شيء أكرم على الله يوم القيامة من ابن آدم قيل يا رسول الله ولا ~~الملائكة؟ قال ولا الملائكة، الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر " # ، وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن ابن عمرو موقوفا قال وهو الصحيح. وأخرج ~~البيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال المؤمن أكرم على الله من ملائكته. ~~وأخرج الطبراني عن ms2185 ابن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن الملائكة قالت يا رب أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ~~ويلبسون ونحن نسبح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم ~~الدنيا فاجعل لنا الآخرة، قال لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت ~~له كن فكان " # وأخرجه عبد الرزاق، وابن جرير عن زيد بن أسلم قال قالت الملائكة. وإسناد ~~الطبراني هكذا حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي، حدثنا إبراهيم بن ~~عبد الله بن خالد المصيصي، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو غسان محمد بن ~~مطرف، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فذكره. وأخرج ابن عساكر من طريق عروة بن رويم قال ~~حدثني أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحو حديث ابن ~~عمرو الأول مع زيادة. وأخرج نحوه البيهقي أيضا في الأسماء والصفات من ~~وجه آخر عن عروة بن رويم عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فذكره. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، ~~والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس في قوله { ولقد كرمنا ~~بنى ءادم } قال جعلناهم يأكلون بأيديهم وسائر الخلق يأكلون بأفواههم. ~~وأخرج الحاكم في التاريخ، والديلمي عن جابر بن عبد الله قال قال رسول ~~الله # " الكرامة الأكل بالأصابع ". ### || [17.71-77] # قوله { يوم ندعوا كل أناس بإممهم } قال الزجاج ~~يعني يوم القيامة، وهو منصوب على معنى أذكر يوم ندعوا. وقرى يدعو بالياء ~~التحتية على البناء للفاعل و يدعى على البناء للمفعول، والباء في { ~~بإمامهم } للإلصاق كما تقول أدعوك باسمك، ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف هو ~~حال، والتقدير ندعو كل أناس متلبسين بإمامهم، أي يدعون وإمامهم فيهم نحو ~~ركب بجنوده، والأول أولى. والإمام في اللغة كل ما يؤتم به من نبي أو ~~مقدم في الدين أو كتاب. وقد اختلف المفسرون في تعيين الإمام الذي تدعى ~~كل أناس ms2186 به، فقال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والضحاك إنه كتاب كل إنسان ~~الذي فيه عمله أي يدعى كل إنسان بكتاب عمله، ويؤيد هذا قوله # فأما من أوتى كتبه # الحاقة 19. الآية، وقال ابن زيد الإمام هو الكتاب المنزل عليهم فيدعى ~~أهل التوراة بالتوراة، وأهل الإنجيل بالإنجيل، وأهل القرآن بالقرآن، ~~فيقال يا أهل التوراة، يا أهل الإنجيل، يا أهل القرآن. وقال مجاهد وقتادة ~~إمامهم نبيهم فيقال هاتوا متبعي إبراهيم، هاتوا متبعي موسى، هاتوا متبعي ~~عيسى، هاتوا متبعي محمد، وبه قال الزجاج. وقال علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه المراد بالإمام إمام عصرهم، فيدعى أهل كل عصر بإمامهم الذي كانوا ~~يأتمرون بأمره وينتهون بنهيه. وقال الحسن وأبو العالية المراد { بإمامهم ~~} أعمالهم، فيقال مثلا أين المجاهدون، أين الصابرون، أين الصائمون، أين ~~المصلون؟ ونحو ذلك. وروي عن ابن عباس وأبي هريرة. وقال أبو عبيدة، المراد ~~بإمامهم صاحب مذهبهم، فيقال مثلا أين التابعون للعالم فلان بن فلان، ~~وهذا من البعد بمكان. وقال محمد بن كعب { بإمامهم } بأمهاتهم، على أن ~~إمام جمع أم كخف وخفاف، وهذا بعيد جدا. وقيل الإمام هو كل خلق يظهر من ~~الإنسان حسن كالعلم والكرم والشجاعة، أو قبيح كأضدادها، فالداعي إلى تلك ~~الأفعال خلق باطن هو كالإمام، ذكر معناه الرازي في تفسيره { فمن ~~أوتى كتبه بيمينه } من أولئك المدعوين، وتخصيص اليمين ~~بالذكر للتشريف والتبشير { فأولئك } الإشارة إلى " من " باعتبار ~~معناه. قيل ووجه الجمع الإشارة إلى أنهم مجتمعون على شأن جليل، أو ~~الإشعار بأن قراءتهم لكتبهم تكون على وجه الاجتماع لا على وجه الانفراد { ~~يقرءون كتبهم } الذي أوتوه { ولا يظلمون فتيلا } أي ~~لا ينقصون من أجورهم قدر فتيل، وهو القشرة التي في شق النواة، أو هو ~~عبارة عن أقل شيء، ولم يذكر أصحاب الشمال تصريحا، ولكنه ذكر سبحانه ما ~~يدل على حالهم القبيح فقال { ومن كان فى هذه أعمى } أي من ~~كان من المدعوين في هذه الدنيا أعمى أي فاقد البصيرة. قال النيسابوري لا ~~خلاف أن المراد بهذا العمى عمى القلب، وأما قوله { فهو ms2187 فى الآخرة ~~أعمى } فيحتمل أن يراد به عمى البصر كقوله # ونحشره يوم القيمة أعمى * قال رب لم ~~حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا # طه 124 125 وفي هذا زيادة العقوبة، ويحتمل أن يراد عمى القلب وقيل ~~المراد بالآخرة عمل الآخرة، أي فهو في عمل، أو في أمر الآخرة أعمى وقيل ~~المراد من عمي عن النعم التي أنعم الله بها عليه في الدنيا فهو عن نعم ~~الآخرة أعمى وقيل من كان في الدنيا التي تقبل فيها التوبة أعمى فهو في ~~الآخرة التي لا توبة فيها أعمى وقيل من كان في الدنيا أعمى عن حجج الله ~~فهو في الآخرة أعمى، وقد قيل إن قوله { فهو فى الآخرة أعمى } ~~أفعل تفضيل، أي أشد عمى، وهذا مبني على أنه من عمى القلب، إذ لا يقال ~~ذلك في عمى العين. قال الخليل وسيبويه لأنه خلقه بمنزلة اليد والرجل، فلا ~~يقال ما أعماه كما لا يقال ما أيداه. وقال الأخفش لا يقال فيه ذلك لأنه ~~أكثر من ثلاثة أحرف. وقد حكى الفراء عن بعض العرب أنه سمعه يقول ما أسود ~~شعره، ومن ذلك قول الشاعر # أما الملوك فأنت اليوم ألأمهم لؤما وأبيضهم سربال طباخ # والبحث مستوفي في النحو. وقرأ أبو بكر، وحمزة، والكسائي، وخلف. أعمى ~~بالإمالة في الموضعين. وقرأهما أبو عمرو ويعقوب والباقون بغير إمالة، ~~وأمال أبو عبيد الأول دون الثاني { وأضل سبيلا } يعني أن هذا ~~أضل سبيلا من الأعمى لكونه لا يجد طريقا إلى الهداية، بخلاف الأعمى ~~فقد يهتدي في بعض الأحوال. ثم لما عدد سبحانه في الآيات المتقدمة أقسام ~~النعم على بني آدم أردفه بما يجري مجرى التحذير من الاغترار بوساوس ~~الأشقياء فقال { وإن كادوا ليفتنونك عن الذى ~~أوحينا إليك } " إن " هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن ~~محذوف، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، والمعنى وإن الشأن قاربوا ~~أن يخدعوك فاتنين، وأصل الفتنة الاختبار، ومنه فتن الصائغ الذهب، ثم ~~استعمل في كل من أزال الشيء عن حده وجهته، وذلك لأن في إعطائهم ما سألوه ms2188 ~~مخالفة لحكم القرآن وافتراء على الله سبحانه من تبديل الوعد بالوعيد وغير ~~ذلك { عن الذى أوحينا إليك } من الأوامر والنواهي والوعد ~~والوعيد { لتفترى علينا غيره } لتتقول علينا غير الذي ~~أوحينا إليك مما اقترحه عليك كفار قريش { وإذا لاتخذوك ~~خليلا } أي لو اتبعت أهواءهم لاتخذوك خليلا لهم أي والوك وصافوك، ~~مأخوذ من الخلة بفتح الخاء. { ولولا أن ثبتنك } على الحق ~~وعصمناك عن موافقتهم { لقد كدت تركن إليهم } لقاربت أن ~~تميل إليهم أدنى ميل، والركون هو الميل اليسير، ولهذا قال { شيئا ~~قليلا } لكن أدركته صلى الله عليه وسلم العصمة فمنعته من أن يقرب من ~~أدنى مراتب الركون إليهم، فضلا عن نفس الركون، وهذا دليل على أنه صلى ~~الله عليه وسلم ما هم بإجابتهم، ذكر معناه القشيري وغيره، وقيل المعنى ~~وإن كادوا ليخبرون عنك بأنك ملت إلى قولهم، فنسب فعلهم إليه مجازا ~~واتساعا كما تقول للرجل كدت تقتل نفسك، أي كاد الناس يقتلونك بسبب ما ~~فعلت، ذكر معناه المهدوي. # ثم توعده سبحانه في ذلك أشد الوعيد فقال { إذا لأذقنك ضعف ~~الحيوة وضعف الممات } أي لو قاربت أن تركن إليهم، أي مثلي ~~ما يعذب به غيرك ممن يفعل هذا الفعل في الدارين، والمعنى عذابا ضعفا في ~~الحياة وعذابا ضعفا في الممات أي مضاعفا، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة ~~مقامه وأضيفت، وذلك لأن خطأ العظيم عظيم كما قال سبحانه # ينساء النبى من يأت منكن بفحشة مبينة ~~يضاعف لها العذاب ضعفين # الأحزاب 30. وضعف الشيء مثلاه، وقد يكون الضعف النصيب كقوله # لكل ضعف # الأعراف 38 أي نصيب. قال الرازي حاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان ~~من قلبك وعقدت على الركون همك لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا ~~والآخرة ولصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة { ~~ثم لا تجد لك علينا نصيرا } ينصرك فيدفع عنك هذا العذاب. ~~قال النيسابوري اعلم أن القرب من الفتنة لا يدل على الوقوع فيها، ~~والتهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها، فلا يلزم من الآية طعن ~~في ms2189 العصمة. { وإن كادوا ليستفزونك } الكلام في هذا كالكلام ~~في { وإن كادوا ليفتنونك } أي وإن الشأن أنهم قاربوا أن ~~يزعجوك من أرض مكة لتخرج عنها، ولكنه لم يقع ذلك منهم، بل منعهم الله منه ~~حتى هاجر بأمر ربه بعد أن هموا به، وقيل إنه أطلق الإخراج على إرادة ~~الإخراج تجويزا { وإذا لا يلبثون خلفك إلا قليلا } ~~معطوف على { ليستفزونك } أي لا يبقون بعد إخراجك إلا زمنا قليلا، ثم ~~عوقبوا عقوبة تستأصلهم جميعا. وقرأ عطاء بن أبي رباح لا يلبثوا بتشديد ~~الباء الموحدة. وقرىء لا يلبثوا بالنصب على إعمال " إذ " ، على أن الجملة ~~معطوف على جملة { وإن كادوا } لا على الخبر فقط. وقرأ نافع، وابن ~~كثير، وأبو بكر، وأبو عمرو خلفك ومعناه بعدك. وقرأ ابن عامر، وحفص، ~~وحمزة، والكسائي { خلافك } ومعناه أيضا بعدك. وقال ابن الأنباري { خلافك ~~} بمعنى مخالفتك، واختار أبو حاتم القراءة الثانية لقوله # فرح المخلفون بمقعدهم خلف رسول الله # التوبة 81 ومما يدل على أن خلاف بمعنى بعد قول الشاعر # عفت الديار خلافها فكأنما بسط الشواطب بينهن حصيرا # يقال شطبت المرأة الجريد إذا شققته لتعمل منه الحصير. قال أبو عبيدة ثم ~~تلقيه الشاطبة إلى المثقبة. # { سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا } { سنة } ~~منتصبة على المصدرية، أي سن الله سنة. وقال الفراء أي يعذبون كسنة من ~~قد أرسلنا فلما سقط الخافض عمل الفعل. وقيل المعنى سنتنا سنة من قد ~~أرسلنا. قال الزجاج يقول إن سنتنا هذه السنة فيمن أرسلنا قبلك إليهم ~~أنهم إذا أخرجوا نبيهم من بين أظهرهم أو قتلوه أن ينزل العذاب بهم { ~~ولا تجد لسنتنا تحويلا } أي ما أجرى الله به العادة لم ~~يتمكن أحد من تحويله ولا يقدر على تغييره. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { يوم ~~ندعوا كل أناس بإممهم } قال إمام هدى وإمام ضلالة. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والخطيب في تاريخه عن أنس في الآية قال ~~نبيهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر ms2190 عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير عن ~~ابن عباس في الآية قال بكتاب أعمالهم. وأخرج ابن مردويه عن علي في الآية ~~قال يدعى كل قوم بإمام زمانهم، وكتاب ربهم وسنة نبيهم. وأخرج الترمذي ~~وحسنه، والبزار، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه ~~عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { يوم ندعوا ~~كل أناس بإممهم } قال # " يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه ويمد له في جسمه ستين ذراعا ويبيض ~~وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه فيرونه من ~~بعيد فيقولون اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا، حتى يأتيهم فيقول ~~أبشروا لكل رجل منكم مثل هذا، وأما الكافر فيسود وجهه ويمد له في جسمه ~~ستين ذراعا على صورة آدم، ويلبس تاجا فيراه أصحابه فيقولون نعوذ بالله ~~من شر هذا، اللهم لا تأتنا بهذا، قال فيأتيهم فيقولون اللهم اخزه، فيقول ~~أبعدكم الله، فإن لكل رجل منكم مثل هذا " # قال البزار بعد إخراجه لا يروى إلا من هذا الوجه. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله { ومن كان فى هذه ~~أعمى } يقول من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرتي من خلق السماء ~~والأرض والجبال والبحار والناس والدواب وأشباه هذا { فهو } عما وصفت ~~له { فى الآخرة } ولم يره { أعمى وأضل سبيلا } يقول أبعد ~~حجة. وأخرج الفريابي، وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عنه نحو هذا. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضا يقول من عمي عن قدرة الله في الدنيا فهو ~~في الآخرة أعمى. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه أيضا ~~قال إن أمية بن خلف وأبا جهل بن هشام ورجالا من قريش أتوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا تعال فتمسح آلهتنا وندخل معك في دينك، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه فراق قومه ويحب إسلامهم فرق لهم، ~~فأنزل الله { وإن كادوا ليفتنونك } إلى قوله { نصيرا }. # وأخرج ابن مردويه ms2191 من طريق الكلبي عن ياذان، عن جابر بن عبد الله مثله. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يستلم الحجر، فقالوا لا ندعك تستلمه حتى تستلم بآلهتنا، ~~فقال رسول الله " وما علي لو فعلت والله يعلم مني خلافه "؟ فأنزل الله { ~~وإن كادوا ليفتنونك } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب ~~نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن جبير بن نفير أن قريشا أتوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا له إن كنت أرسلت إلينا فاطرد الذين اتبعوك من سقاط ~~الناس ومواليهم لنكون نحن أصحابك، فركن إليهم، فأوحى الله إليه { وإن ~~كادوا ليفتنونك } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب ~~القرظي قال أنزل الله # والنجم إذا هوى # النجم 1. فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية # أفرءيتم اللت والعزى # النجم 19. فألقى عليه الشيطان تلك الغراييق العلى. وأين شفاعتهم لترتجى، ~~فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ما بقي من السورة وسجد، فأنزل الله { ~~وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك } ~~الآية، فما زال مهموما مغموما حتى أنزل الله # وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا ~~تمنى # الآية الحج 52. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس أن ثقيفا ~~قالوا للنبي أجلنا سنة حتى يهدى لآلهتنا، فإذا قبضنا الذي يهدى للآلهة ~~أحرزناه ثم أسلمنا وكسرنا الآلهة فهم أن يؤجلهم، فنزلت { وإن كادوا ~~ليفتنونك } الآية. وأخرج ابن جرير عنه في قوله { ضعف ~~الحيوة وضعف الممات } يعني ضعف عذاب الدنيا والآخرة. وأخرج ~~البيهقي عن الحسن في الآية قال هو عذاب القبر. وأخرج أيضا عن عطاء مثله. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال قال المشركون للنبي صلى الله ~~عليه وسلم كانت الأنبياء تسكن الشام، فمالك والمدينة؟ فهم أن يشخص، ~~فأنزل الله { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض } الآية. ~~وأخرج ابن جرير عن حضرمي أنه بلغه أن بعض اليهود فذكر نحوه. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، والبيهقي في ms2192 الدلائل، وابن عساكر عن عبد الرحمن بن غنم، أن ~~اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا إن كنت نبيا فالحق ~~بالشام، فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء، فصدق النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما قالوا، فتحرى غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل ~~الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعدما ختمت السورة { وإن كادوا ~~ليستفزونك } إلى قوله { تحويلا } فأمره بالرجوع إلى ~~المدينة، وقال فيها محياك وفيها مماتك ومنها تبعث، وقال له جبريل سل ربك ~~فإن لكل نبي مسألة فقال " ما تأمرني أن أسأل؟ " قال { قل رب ~~أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق واجعل لى ~~من لدنك سلطنا نصيرا } فهؤلاء نزلن عليه في رجعته من ~~تبوك. # قال ابن كثير وفي هذا الإسناد نظر، والظاهر أنه ليس بصحيح، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يغز تبوك عن قول اليهود، وإنما غزاها امتثالا ~~لقوله # قاتلوا الذين يلونكم من الكفار # التوبة 123. وغزاها ليقتص وينتقم ممن قتل أهل مؤتة من أصحابه. وأخرج ~~عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ~~وإن كادوا ليستفزونك من الارض } قال هم أهل مكة ~~بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، وقد فعلوا بعد ذلك، فأهلكهم ~~الله يوم بدر، ولم يلبثوا بعده إلا قليلا حتى أهلكهم الله يوم بدر، ~~وكذلك كانت سنة الله في الرسل إذا فعل بهم قومهم مثل ذلك. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وإذا لا يلبثون ~~خلفك إلا قليلا } قال يعني بالقليل يوم أخذهم ببدر، فكان ذلك ~~هو القليل الذين لبثوا بعده. ### || [17.78-85] # لما ذكر سبحانه الإلهيات والمعاد والجزاء أردفها بذكر أشرف الطاعات، وهي ~~الصلاة، فقال { أقم الصلوة لدلوك الشمس }. وقد أجمع ~~المفسرون على أن هذه الآية المراد بها الصلوات المفروضة. وقد اختلف ~~العلماء في الدلوك المذكور في هذه الآية على قولين أحدهما أنه زوال الشمس ~~عن كبد السماء، قاله عمر وابنه، وأبو هريرة، وأبو برزة، وابن عباس، ~~والحسن، ms2193 والشعبي، وعطاء، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وأبو جعفر الباقر، ~~واختاره ابن جرير. والقول الثاني أنه غروب الشمس، قاله علي، وابن مسعود، ~~وأبي بن كعب، وروي عن ابن عباس. قال الفراء دلوك الشمس من لدن زوالها ~~إلى غروبها. قال الأزهري معنى الدلوك في كلام العرب الزوال، ولذلك قيل ~~للشمس إذا زالت نصف النهار دالكة، وقيل لها إذا أفلت دالكة، لأنها في ~~الحالتين زائلة. قال والقول عندي أنه زوالها نصف النهار لتكون الآية ~~جامعة للصلوات الخمس، والمعنى أقم الصلاة من وقت دلوك الشمس { إلى غسق ~~الليل } فيدخل فيها الظهر والعصر وصلاتا غسق الليل، وهما العشاءان، ثم ~~قال { وقرآن الفجر } هذه خمس صلوات. وقال أبو عبيد دلوكها غروبها، ودلكت ~~براح يعني الشمس أي غابت، وأنشد قطرب على هذا قول الشاعر # هذا مقام قدمي رباح ذبب حتى دلكت براح # اسم من أسماء الشمس على وزن حذام وقطام، ومن ذلك قول ذي الرمة # مصابيح ليست باللواتي تقودها نجوم، ولا بالآفلات الدوالك # أي الغوارب، وغسق الليل اجتماع الظلمة. قال الفراء والزجاج يقال غسق ~~الليل وأغسق إذا أقبل بظلامه، قال أبو عبيد الغسق سواد الليل. قال قيس بن ~~الرقيات # إن هذا الليل قد غسقا واشتكيت الهم والأرقا # وقيل غسق الليل مغيب الشفق، ومنه قول زهير # طلت تجود يداها وهي لاهية حتى إذا جنح الإظلام والغسق # وأصل الكلمة من السيلان يقال غسقت إذا سالت. وحكى الفراء غسق الليل ~~وأغسق، وظلم وأظلم، ودجى وأدجى، وغبش وأغبش، وقد استدل بهذه الغاية، أعني ~~قوله { إلى غسق الليل } من قال إن صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى ~~الغروب، روي ذلك عن الأوزاعي، وأبي حنيفة وجوزه مالك والشافعي في حال ~~الضرورة، وقد وردت الأحاديث الصحيحة المتواترة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في تعيين أوقات الصلوات، فيجب حمل مجمل هذه الآية على ما بينته ~~السنة فلا نطيل بذكر ذلك. قوله { وقرآن الفجر } انتصاب { قرآن } لكونه ~~معطوفا على { الصلاة } أي وأقم قرآن الفجر، قاله الفراء. وقال الزجاج ~~والبصريون انتصابه على الإغراء أي فعليك ms2194 قرآن الفجر. قال المفسرون المراد ~~بقرآن الفجر صلاة الصبح. قال الزجاج وفي هذه فائدة عظيمة تدل على أن ~~الصلاة لا تكون إلا بقراءة حتى سميت الصلاة قرآنا، وقد دلت الأحاديث ~~الصحيحة على أنه " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " ، وفي بعض الأحاديث ~~الخارجة من مخرج حسن " وقرآن معها " ، وورد ما يدل على وجوب الفاتحة في ~~كل ركعة، وقد حررته في مؤلفاتي تحريرا مجودا. # ثم علل سبحانه ذلك بقوله { إن قرآن الفجر مشهودا } أي تشهده ملائكة ~~الليل وملائكة النهار كما ورد ذلك في الحديث الصحيح، وبذلك قال جمهور ~~المفسرين { ومن اليل فتهجد به نافلة لك } " من " ~~للتبعيض، وانتصابه على الظرفية بمضمر، أي قم بعض الليل فتهجد به، والضمير ~~المجرور راجع إلى القرآن، وما قيل من أنه منتصب على الإغراء، والتقدير ~~عليك بعض الليل، فبعيد جدا، والتهجد مأخوذ من الهجود. قال أبو عبيدة ~~وابن الأعرابي هو من الأضداد، لأنه يقال هجد الرجل إذا نام، وهجد إذا ~~سهر، فمن استعماله في السهر قول الشاعر # ألا زارت وأهل منى هجود فليت خيالها بمنى يعود # يعني منتبهين، ومن استعماله في النوم قول الآخر # ألا طرقتنا والرفاق هجود فباتت بعلات النوال تجود # يعني نياما. وقال الأزهري الهجود في الأصل هو النوم بالليل، ولكن جاء ~~التفعل فيه لأجل التجنب ومنه تأثم وتحرج، أي تجنب الإثم والحرج، ~~فالمتهجد من تجنب الهجود، فقام بالليل. وروي عن الأزهري أيضا أنه قال ~~المتهجد القائم إلى الصلاة من النوم، هكذا حكى عنه الواحدي، فقيد التهجد ~~بالقيام من النوم، وهكذا قال مجاهد، وعلقمة، والأسود فقالوا التهجد بعد ~~النوم. قال الليث تهجد إذا استيقظ للصلاة { نافلة لك } معنى ~~النافلة في اللغة الزيادة على الأصل، فالمعنى أنها للنبي صلى الله عليه ~~وسلم نافلة زائدة على الفرائض، والأمر بالتهجد وإن كان ظاهره الوجوب لكن ~~التصريح بكونه نافلة قرينة صارفة للأمر، وقيل المراد بالنافلة هنا أنها ~~فريضة زائدة على الفرائض الخمس في حقه صلى الله عليه وسلم، ويدفع ذلك ~~التصريح بلفظ النافلة، وقيل كانت صلاة الليل فريضة في ms2195 حقه صلى الله عليه ~~وسلم، ثم نسخ الوجوب فصار قيام الليل تطوعا، وعلى هذا يحمل ما ورد في ~~الحديث أنها عليه فريضة، ولأمته تطوع. قال الواحدي إن صلاة الليل كانت ~~زيادة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة لرفع الدرجات، لا للكفارات، لأنه ~~غفر له من ذنبه ما تقدم وما تأخر، وليس لنا بنافلة لكثرة ذنوبنا، إنما ~~نعمل لكفارتها، قال وهو قول جميع المفسرين. والحاصل أن الخطاب في هذه ~~الآية وإن كان خاصا بالنبي في قوله { أقم الصلوة } ، فالأمر له ~~أمر لأمته، فهو شرع عام، ومن ذلك الترغيب في صلاة الليل، فإنه يعم جميع ~~الأمة، والتصريح بكونه نافلة يدل على عدم الوجوب، فالتهجد من الليل مندوب ~~إليه ومشروع لكل مكلف. # ثم وعده سبحانه على إقامة الفرائض والنوافل فقال { عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا } قد ذكرنا في مواضع أن { عسى } ~~من الكريم إطماع واجب الوقوع، وانتصاب { مقاما } على الظرفية بإضمار ~~فعل، أو بتضمين البعث معنى الإقامة، ويجوز أن يكون انتصابه على الحال أي ~~يبعثك ذا مقام محمود ومعنى كون المقام محمودا أنه يحمده كل من علم به. ~~وقد اختلف في تعيين هذا المقام على أقوال الأول أنه المقام الذي يقومه ~~النبي صلى الله عليه وسلم للشفاعة يوم القيامة للناس ليريحهم ربهم سبحانه ~~مما هو فيه، وهذا القول هو الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة في تفسير الآية، ~~وحكاه ابن جرير عن أكثر أهل التأويل، قال الواحدي وإجماع المفسرين على أن ~~المقام المحمود هو مقام الشفاعة. القول الثاني أن المقام المحمود إعطاء ~~النبي لواء الحمد يوم القيامة. ويمكن أن يقال إن هذا لا ينافي القول ~~الأول، إذ لا منافاة بين كونه قائما مقام الشفاعة وبيده لواء الحمد. ~~القول الثالث أن المقام المحمود هو أن الله سبحانه يجلس محمدا صلى الله ~~عليه وسلم معه على كرسيه، حكاه ابن جرير عن فرقة منهم مجاهد، وقد ورد في ~~ذلك حديث. وحكى النقاش عن أبي داود السجستاني أنه قال من أنكر هذا الحديث ~~فهو عندنا متهم، ما ms2196 زال أهل العلم يتحدثون بهذا الحديث. قال ابن عبد ~~البر مجاهد وإن كان أحد الأئمة بالتأويل، فإن له قولين مهجورين عند أهل ~~العلم أحدهما هذا، والثاني في تأويل # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة # القيامة 22 23. قال معناه تنتظر الثواب، وليس من النظر. انتهى. وعلى ~~كل حال فهذا القول غير مناف للقول الأول لإمكان أن يقعده الله سبحانه ~~هذا المقعد ويشفع تلك الشفاعة. القول الرابع أنه مطلق في كل مقام يجلب ~~الحمد من أنواع الكرامات، ذكره صاحب الكشاف والمقتدون به في التفسير، ~~ويجاب عنه بأن الأحاديث الصحيحة الواردة في تعيين هذا المقام المحمود ~~متواترة، فالمصير إليها متعين، وليس في الآية عموم في اللفظ حتى يقال ~~الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومعنى قوله " وهو مطلق في كل ما ~~يجلب الحمد " أنه عام في كل ما هو كذلك، ولكنه يعبر عن العام بلفظ ~~المطلق، كما ذكره في ذبح البقرة، ولهذا قال هنا. وقيل المراد الشفاعة، ~~وهي نوع واحد مما يتناوله، يعني لفظ المقام، والفرق بين العموم البدلي ~~والعموم الشمولي معروف، فلا نطيل بذكره. { وقل رب أدخلنى ~~مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق }. قرأ الجمهور { مدخل ~~صدق ومخرج صدق } بضم الميمين. وقرأ الحسن، وأبو العالية، ونصر بن عاصم ~~بفتحهما، وهما مصدران بمعنى الإدخال والإخراج، والإضافة إلى الصدق لأجل ~~المبالغة نحو حاتم الجود أي إدخالا يستأهل أن يسمى إدخالا، ولا يرى فيه ~~ما يكره. # قال الواحدي وإضافتهما إلى الصدق مدح لهما، وكل شيء أضفته إلى الصدق فهو ~~مدح. وقد اختلف المفسرون في معنى الآية، فقيل نزلت حين أمر بالهجرة، يريد ~~إدخال المدينة والإخراج من مكة واختاره ابن جرير، وقيل المعنى أمتني ~~إماتة صدق، وابعثني يوم القيامة مبعث صدق، وقيل المعنى أدخلني فيما ~~أمرتني به، وأخرجني مما نهيتني عنه، وقيل إدخاله موضع الأمن وإخراجه من ~~بين المشركين، وهو كالقول الأول، وقيل المراد إدخال عز وإخراج نصر، ~~وقيل المعنى أدخلني في الأمر الذي أكرمتني به من النبوة مدخل صدق، ~~وأخرجني منه إذا أمتني مخرج صدق، وقيل ms2197 أدخلني القبر عند الموت مدخل صدق، ~~وأخرجني منه عند البعث مخرج صدق، وقيل أدخلني حيثما أدخلتني بالصدق، ~~وأخرجني بالصدق. وقيل الآية عامة في كل ما تتناوله من الأمور فهي دعاء، ~~ومعناها رب أصلح لي وردي في كل الأمور وصدري عنها. { واجعل لى من ~~لدنك سلطنا نصيرا } أي حجة ظاهرة قاهرة تنصرني بها على ~~جميع من خالفني، وقيل اجعل لي من لدنك ملكا وعزا قويا وكأنه صلى الله ~~عليه وسلم علم أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانا ~~نصيرا. وبه قال الحسن وقتادة واختاره ابن جرير. قال ابن كثير وهو الأرجح ~~لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه، ولهذا يقول تعالى # لقد أرسلنا رسلنا بالبينت وأنزلنا معهم ~~الكتب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد ومنفع للناس وليعلم ~~الله من ينصره ورسله بالغيب # الحديد 25 وفي الحديث # " إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن " # ، أي ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمنع كثيرا من ~~الناس بالقرآن، وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد، وهذا هو ~~الواقع. انتهى. { وقل جاء الحق وزهق البطل } المراد ~~بالحق الإسلام، وقيل القرآن، وقيل الجهاد ولا مانع من حمل الآية على جميع ~~ذلك وعلى ما هو حق كائنا ما كان، والمراد بالباطل الشرك، وقيل الشيطان ~~ولا يبعد أن يحمل على كل ما يقابل الحق من غير فرق بين باطل وباطل. ومعنى ~~زهق بطل واضمحل، ومنه زهوق النفس وهو بطلانها { إن البطل كان ~~زهوقا } أي إن هذا شأنه فهو يبطل ولا يثبت، والحق ثابت دائما. { ~~وننزل من القرءان ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ~~} قرأ الجمهور { ننزل } بالنون. وقرأ أبو عمرو بالتخفيف. وقرأ مجاهد ~~بالياء التحتية والتخفيف، ورواها المروزي عن حفص، و " من " لابتداء ~~الغاية، ويصح أن تكون لبيان الجنس. وقيل للتبعيض، وأنكره بعض المفسرين ~~لاستلزامه أن بعضه لا شفاء فيه، ورده ابن عطية بأن المبعض هو إنزاله. ~~واختلف أهل العلم في معنى كونه شفاء على القولين الأول ms2198 أنه شفاء للقلوب ~~بزوال الجهل عنها وذهاب الريب وكشف الغطاء عن الأمور الدالة على الله ~~سبحانه. # القول الثاني أنه شفاء من الأمراض الظاهرة بالرقي والتعوذ ونحو ذلك، ~~ولا مانع من حمل الشفاء على المعنيين من باب عموم المجاز، أو من باب حمل ~~المشترك على معنييه. ثم ذكر سبحانه أنه رحمة للمؤمنين لما فيه من العلوم ~~النافعة المشتملة على ما فيه صلاح الدين والدنيا، ولما في تلاوته وتدبره ~~من الأجر العظيم الذي يكون سببا لرحمة الله سبحانه ومغفرته ورضوانه، ~~ومثل هذه الآية قوله تعالى # قل هو للذين ءامنوا هدى وشفاء والذين لا ~~يؤمنون فى ءاذانهم وقر وهو عليهم عمى # فصلت 44. ثم لما ذكر سبحانه ما في القرآن من المنفعة لعباده المؤمنين، ~~ذكر ما فيه لمن عداهم من المضرة عليهم فقال { ولا يزيد ~~الظلمين إلا خسارا } أي ولا يزيد القرآن كله أو كل بعض منه ~~الظالمين الذي وضعوا التكذيب موضع التصديق، والشك والارتياب موضع اليقين ~~والاطمئنان { إلا خسارا } أي هلاكا، لأن سماع القرآن يغيظهم ~~ويحنقهم ويدعوهم إلى زيادة ارتكاب القبائح تمردا وعنادا، فعند ذلك ~~يهلكون وقيل الخسار النقص كقوله # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # التوبة 125. ثم نبه سبحانه على فتح بعض ما جبل عليه الإنسان من الطبائع ~~المذمومة فقال { وإذا أنعمنا على الإنسن } أي على هذا ~~الجنس بالنعم التي توجب الشكر كالصحة والغنى { أعرض } عن الشكر لله ~~والذكر له { ونأى بجانبه } النأي البعد، والباء للتعدية أو ~~للمصاحبة، وهو تأكيد للإعراض، لأن الإعراض عن الشيء هو أن يوليه عرض وجهه ~~أي ناحيته، والنأي بالجانب أن يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره، ولا يبعد أن ~~يراد بالإعراض هنا الإعراض عن الدعاء والابتهال الذي كان يفعله عند نزول ~~البلوى والمحنة به، ويراد بالنأي بجانبه التكبر والبعد بنفسه عن القيام ~~بحقوق النعم. وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان وأبو جعفر ناء مثل باع ~~بتأخير الهمزة على القلب، وقرأ حمزة ناءى بإمالة الفتحتين ووافقه ~~الكسائي، وأمال شعبة والسوسي الهمزة فقط. وقرأ الباقون بالفتح فيهما { ~~وإذا مسه الشر } من ms2199 مرض أو فقر { كان يئوسا } شديد اليأس ~~من رحمة الله، والمعنى أنه إن فاز بالمطلوب الدنيوي وظفر بالمقصود نسي ~~المعبود، وإن فاته شيء من ذلك استولى عليه الأسف، وغلب عليه القنوط، ~~وكلتا الخصلتين قبيحة مذمومة ولا ينافي ما في هذه الآية قوله تعالى # وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض # فصلت 51. ونظائره، فإن ذلك شأن بعض آخر منهم غير البعض المذكور في هذه ~~الآية، ولا يبعد أن يقال لا منافاة بين الآيتين، فقد يكون مع شدة يأسه ~~وكثرة قنوطه كثير الدعاء بلسانه. { قل كل يعمل على ~~شاكلته } الشاكلة قال الفراء الطريقة، وقيل الناحية، وقيل الطبيعة، ~~وقيل الدين، وقيل النية، وقيل الجبلة، وهي مأخوذة من الشكل، يقال لست على ~~شكلي ولا على شاكلتي، والشكل هو المثل والنظير. # والمعنى أن كل إنسان يعمل على ما يشاكل أخلاقه التي ألفها، وهذا ذم ~~للكافر ومدح للمؤمن { فربكم أعلم بمن هو أهدى ~~سبيلا } لأنه الخالق لكم، العالم بما جبلتم عليه من الطبائع وما ~~تباينتم فيه من الطرائق، فهو الذي يميز بين المؤمن الذي لا يعرض عند ~~النعمة ولا ييأس عند المحنة، وبين الكافر الذي شأنه البطر للنعم والقنوط ~~عند النقم. ثم لما انجر الكلام إلى ذكر الإنسان وما جبل عليه، ذكر ~~سبحانه سؤال السائلين لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح فقال { ~~ويسئلونك عن الروح } قد اختلف الناس في الروح المسئول عنه، ~~فقيل هو الروح المدبر للبدن الذي تكون به حياته، وبهذا قال أكثر ~~المفسرين. قال الفراء الروح الذي يعيش به الإنسان لم يخبر الله سبحانه به ~~أحدا من خلقه، ولم يعط علمه أحدا من عباده فقال { قل الروح من ~~أمر ربى } أي إنكم لا تعلمونه، وقيل الروح المسئول عنه جبريل، وقيل ~~عيسى، وقيل القرآن، وقيل ملك من الملائكة عظيم الخلق، وقيل خلق كخلق بني ~~آدم، وقيل غير ذلك مما لا طائل تحته ولا فائدة في إيراده، والظاهر القول ~~الأول، وسيأتي ذكر سبب نزول هذه الآية، وبيان السائلين لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن ms2200 الروح، ثم الظاهر أن السؤال عن حقيقة الروح، لأن معرفة ~~حقيقة الشيء أهم وأقدم من معرفة حال من أحواله، ثم أمره سبحانه أن يجيب ~~على السائلين له عن الروح فقال { قل الروح من أمر ربى } " من ~~" بيانية، والأمر الشأن، والإضافة للاختصاص، أي هو من جنس ما استأثر الله ~~بعلمه من الأشياء التي لم يعلم بها عباده، وقيل معنى { من أمر ربى ~~} من وحيه وكلامه لا من كلام البشر. وفي هذه الآية ما يزجر الخائضين في ~~شأن الروح المتكلفين لبيان ما هيئته وإيضاح حقيقته أبلغ زجر ويردعهم أعظم ~~ردع، وقد أطالوا المقال في هذا البحث بما لا يتم له المقام، وغالبه بل ~~كله من الفضول الذي لا يأتي بنفع في دين ولا دنيا. وقد حكى بعض المحققين ~~أن أقوال المختلفين في الروح بلغت إلى ثمانية عشر مائة قول، فانظر إلى ~~هذا الفضول الفارغ والتعب العاطل عن النفع، بعد أن علموا أن الله سبحانه ~~قد استأثر بعلمه ولم يطلع عليه أنبياءه ولا أذن لهم بالسؤال عنه ولا ~~البحث عن حقيقته فضلا عن أممهم المقتدين بهم، فيالله العجب حيث تبلغ ~~أقوال أهل الفضول إلى هذا الحد الذي لم تبلغه ولا بعضه في غير هذه ~~المسألة مما أذن الله بالكلام فيه، ولم يستأثر بعلمه. # ثم ختم سبحانه هذه الآية بقوله سبحانه { وما أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا } أي أن علمكم الذي علمكم الله، ليس إلا المقدار القليل ~~بالنسبة إلى علم الخالق سبحانه، وإن أوتي حظا من العلم وافرا، بل علم ~~الأنبياء عليهم السلام ليس هو بالنسبة إلى علم الله سبحانه إلا كما يأخذ ~~الطائر في منقاره من البحر، كما في حديث موسى والخضر عليهم السلام. وقد ~~أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن ~~مسعود قال { دلوك الشمس } غروبها، تقول العرب إذا غربت الشمس دلكت الشمس. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن علي قال دلوكها ms2201 ~~غروبها. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن ~~عباس، قال { لدلوك الشمس } لزوال الشمس. وأخرج البزار، وأبو ~~الشيخ، وابن مردويه، والديلمي عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " دلوك الشمس زوالها " # وضعف السيوطي إسناده. وأخرجه مالك في الموطأ، وعبد الرزاق، والفريابي، ~~وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عمر من ~~قوله. وأخرج عبد الرزاق عنه قال # " دلوك الشمس زياغها بعد نصف النهار " # وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير عن ابن عباس قال دلوكها زوالها. وأخرج ~~ابن أبي شيبة، وابن المنذر عنه في قوله { لدلوك الشمس } قال إذا ~~فاء الفيء. وأخرج ابن جرير عن أبي مسعود وعقبة بن عمرو قالا قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر " # وأخرج ابن جرير عن أبي برزة الأسلمي قال كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يصلي الظهر إذا زالت الشمس، ثم تلا { أقم الصلوة لدلوك ~~الشمس }. وأخرج ابن مردويه من حديث أنس نحوه. ومما يستشهد به على أن ~~الدلوك الزوال وسط النهار ما أخرجه ابن جرير عن جابر قال دعوت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومن شاء من أصحابه يطعمون عندي، ثم خرجوا حين زالت ~~الشمس، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال # " أخرج يا أبا بكر فهذا حين دلكت الشمس " # ، وفي إسناده رجل مجهول ولكنه أخرجه عنه من طريق أخرى عن سهل بن بكار، ~~عن أبي عوانة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنبري، عن جابر فذكر نحوه ~~مرفوعا. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود في قوله { إلى غسق الليل } قال إلى ~~العشاء الآخرة. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال { غسق اليل } ~~اجتماع الليل وظلمته. وأخرج ابن جرير عنه قال { غسق اليل } بدو ~~الليل. # وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة قال دلوك الشمس إذا زالت الشمس عن بطن ~~السماء وغسق الليل غروب الشمس. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ms2202 في قوله { ~~وقرآن الفجر } قال صلاة الصبح. وأخرج أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، ~~وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله { وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا } قال " تشهده ملائكة الليل ~~وملائكة النهار تجتمع فيها " ، وهو في الصحيحين عنه مرفوعا بلفظ " تجتمع ~~ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر " ، ثم يقول أبو هريرة اقرءوا ~~إن شئتم { وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا }. وأخرج سعيد بن منصور، ~~وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني عن ابن مسعود موقوفا نحوه. وأخرج ~~الحكيم الترمذي، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه عن أبي الدرداء قال ~~قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن قرآن الفجر كان مشهودا } قال # " تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { ~~نافلة لك } يعني خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم، أمر بقيام الليل ~~وكتب عليه. وأخرج الطبراني في الأوسط، والبيهقي في سننه عن عائشة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ثلاث هن علي فرائض وهن لكم سنة الوتر، والسواك، وقيام الليل " # وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي أمامة في ~~قوله { نافلة لك } قال كانت للنبي صلى الله عليه وسلم نافلة ولكم ~~فضيلة، وفي لفظ إنما كانت النافلة خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، ~~والبيهقي عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { عسى ~~أن يبعثك ربك مقاما محمودا } وسئل عنه، قال " هو ~~المقام المحمود الذي أشفع فيه لأمتي ". وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن كعب بن مالك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل، ويكسوني ربى حلة ~~خضراء، ثم يؤذن لي فأقول ما ms2203 شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود " # وأخرج البخاري وغيره عن ابن عمر قال إن كل أمة يوم القيامة تتبع نبيها، ~~يقولون يا فلان، اشفع، يا فلان، اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله مقاما محمودا. وأخرج عنه نحوه ~~مرفوعا، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا ثابتة في الصحيحين وغيرهما ~~فلا نطيل بذكرها، ومن رام الاستيفاء نظر في أحاديث الشفاعة في الأمهات ~~وغيرها. # وأخرج الطبراني في قوله { عسى أن يبعثك ربك مقاما ~~محمودا } قال يجلسه فيما بينه وبين جبريل ويشفع لأمته، فذلك المقام ~~المحمود. وأخرج الديلمي عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } ، قال يجلسني معه على السرير " # وينبغي الكشف عن إسناد هذين الحديثين. وأخرج أحمد، والترمذي، وصححه، ~~وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو ~~نعيم، والبيهقي، والضياء في المختارة عن ابن عباس قال كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم بمكة ثم أمر بالهجرة، فأنزل الله { وقل رب ~~أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق واجعل لى ~~من لدنك سلطنا نصيرا }. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في ~~الدلائل عن قتادة في قوله { وقل رب أدخلنى } الآية، قال أخرجه ~~الله من مكة مخرج صدق، وأدخله المدينة مدخل صدق. قال وعلم نبي الله أنه ~~لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان فسأل سلطانا نصيرا لكتاب الله ~~وحدوده وفرائضه ولإقامة كتاب الله، فإن السلطان عزة من الله جعلها بين ~~أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، وأكل شديدهم ضعيفهم. وأخرج ~~الخطيب عن عمر بن الخطاب قال والله لما يزع الله بالسلطان أعظم مما يزع ~~بالقرآن. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال دخل النبي صلى ~~الله عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في ~~يده ويقول { جاء الحق وزهق البطل إن البطل كان ~~زهوقا } و # جاء الحق وما يبدىء البطل وما يعيد # سبأ 49. وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن أبي ms2204 شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ونأى بجانبه } قال تباعد. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { كان ~~يئوسا } قال قنوطا، وفي قوله { كل يعمل على شاكلته } ~~قال على ناحيته. وأخرج هناد، وابن المنذر عن الحسن قال على شاكلته على ~~نيته. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال كنت أمشي مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم في خرب المدينة وهو متكىء على عسيب، فمر بقوم من ~~اليهود فقال بعضهم لبعض اسألوه عن الروح، فقال بعضهم لا تسألوه، فقالوا ~~يا محمد، ما الروح؟ فما زال متكئا على العسيب، فظننت أنه يوحى إليه، ~~فقال { ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى ~~وما أوتيتم من العلم إلا قليلا }. وأخرج أحمد، والترمذي ~~وصححه، والنسائي، وابن المنذر، وابن حبان، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن ابن عباس قال قالت قريش ~~لليهود أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل، قالوا سلوه عن الروح، فنزلت { ~~ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى وما ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا } قالوا أوتينا علما كثيرا، ~~أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا، فأنزل الله # قل لو كان البحر مدادا لكلمت ربى لنفد ~~البحر قبل أن أن تنفد كلمت ربى ولو جئنا ~~بمثله مددا # الكهف 109. وفي الباب أحاديث وآثار. ### || [17.86-93] # لما بين سبحانه أنه ما آتاهم من العلم إلا قليلا بين أنه لو شاء أن ~~يأخذ منهم هذا القليل لفعل، فقال { ولئن شئنا لنذهبن ~~بالذى أوحينا إليك } واللام هي الموطئة، و { لنذهبن } جواب ~~القسم ساد مسد جواب الشرط. قال الزجاج معناه لو شئنا لمحوناه من القلوب ~~ومن الكتب حتى لا يوجد له أثر. انتهى. وعبر عن القرآن بالموصول تفخيما ~~لشأنه { ثم لا تجد لك به } أي بالقرآن { علينا وكيلا } ~~أي لا تجد من يتوكل علينا في رد شيء منه بعد أن ذهبنا به، والاستثناء ~~بقوله { إلا رحمة من ربك } إن ms2205 كان متصلا فمعناه إلا أن ~~يرحمك ربك فلا نذهب به، وإن كان منقطعا فمعناه لكن لا يشأ ذلك رحمة من ~~ربك، أو لكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به { إن فضله كان ~~عليك كبيرا } حيث جعلك رسولا وأنزل عليك الكتاب وصيرك سيد ولد ~~آدم، وأعطاك المقام المحمود وغير ذلك مما أنعم به عليه. ثم احتج سبحانه ~~على المشركين بإعجاز القرآن فقال { قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرءان } المنزل ~~من عند الله الموصوف بالصفات الجليلة من كمال البلاغة وحسن النظم وجزالة ~~اللفظ { لا يأتون بمثله } أظهر في مقام الإضمار، ولم يكتف بأن ~~يقول لا يأتون به على أن الضمير راجع إلى المثل المذكور، لدفع توهم أن ~~يكون له مثل معين، وللإشعار بأن المراد نفي المثل على أي صفة كان، وهو ~~جواب قسم محذوف كما تدل عليه اللام الموطئة، وساد مسد جواب الشرط، ثم ~~أوضح سبحانه عجزهم عن المعارضة سواء كان المتصدي لها كل واحد منهم على ~~الانفراد، أو كان المتصدر بها المجموع بالمظاهرة فقال { ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا } أي عونا ونصيرا، وجواب لو محذوف، ~~والتقدير ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا لا يأتون بمثله، فثبت أنهم لا يأتون ~~بمثله على كل حال، وقد تقدم وجه إعجاز القرآن في أوائل سورة البقرة. وفي ~~هذه الآية رد لما قاله الكفار # لو نشاء لقلنا مثل هذا # الأنفال 31، وإكذاب لهم. ثم بين سبحانه أن الكفار مع عجزهم عن المعارضة ~~استمروا على كفرهم وعدم إيمانهم فقال { ولقد صرفنا للناس ~~فى هذا القرءان من كل مثل } أي رددنا القول فيه بكل مثل ~~يوجب الاعتبار من الآيات والعبر والترغيب والترهيب والأوامر والنواهي ~~وأقاصيص الأولين والجنة والنار والقيامة { فأبى أكثر الناس ~~إلا كفورا } يعني من أهل مكة، فإنهم جحدوا وأنكروا كون القرآن كلام ~~الله بعد قيام الحجة عليهم، واقترحوا من الآيات ما ليس لهم، وأظهر في ~~مقام الإضمار حيث قال { فأبى أكثر الناس } توكيدا أو توضيحا، ولما كان ~~{ أبى } مؤولا بالنفي، أي ما ms2206 قبل، أو لم يرض، صح الاستثناء منه قوله { ~~إلا كفورا }. # { وقالوا لن نؤمن لك } أي قال رؤساء مكة كعتبة وشيبة ابني ~~ربيعة وأبي سفيان والنضر بن الحرث، ثم علقوا نفي إيمانهم بغاية طلبوها ~~فقالوا { حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا }. قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم { ~~حتى تفجر } مخففا، مثل تقتل. وقرأ الباقون بالتشديد، ولم يختلفوا في { ~~فتفجر الأنهار } أنها مشددة، ووجه ذلك أبو حاتم بأن الأولى بعدها ينبوع ~~وهو واحد، والثانية بعدها الأنهار وهي جمع. وأجيب عنه بأن الينبوع وإن ~~كان واحدا في اللفظ فالمراد به الجمع، فإن الينبوع العيون التي لا تنضب. ~~ويرد بأن الينبوع عين الماء، والجمع الينابيع، وإنما يقال للعين ينبوع ~~إذا كانت غزيرة من شأنها النبوع من غير انقطاع، والياء زائدة كيعبوب، من ~~عب الماء. { أو تكون لك جنة } أي بستان تستر أشجاره أرضه. ~~والمعنى هب أنك لا تفجر الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك بأن تكون لك جنة { ~~من نخيل وعنب فتفجر الأنهر } أي تجريها بقوة { ~~خللها تفجيرا } أي وسطها تفجيرا كثيرا { أو تسقط ~~السماء كما زعمت علينا كسفا } قرأ مجاهد أو تسقط مسندا ~~إلى السماء. وقرأ من عداه أو تسقط على الخطاب، أي أو تسقط أنت يا محمد ~~السماء. والكسف بفتح السين جمع كسفة. وهي قراءة نافع وابن عامر، وعاصم، ~~والكسفة القطعة. وقرأ الباقون «كسفا» بإسكان السين. قال الأخفش من قرأ ~~بإسكان السين جعله واحدا ومن قرأ بفتحها جعله جمعا. قال المهدوي ويجوز ~~أن يكون على قراءة الكون جمع كسفة، ويجوز أن يكون مصدرا. قال الجوهري ~~الكسفة القطعة من الشيء، يقال أعطني كسفة من ثوبك، والجمع كسف ~~وكسف، ويقال الكسف والكسفة واحد، وانتصاب { كسفا } على الحال، والكاف ~~في { كما زعمت } في محل نصب على أنه صفة مصدر محذوف، أي إسقاطا ممائلا ~~لما زعمت، يعنون بذلك قول الله سبحانه # إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا ~~من السماء # سبأ 9. قال أبو علي الكسف بالسكون الشيء المقطوع، كالطحن للمطحون، ~~واشتقاقه على ما قال أبو زيد من ms2207 كسفت الثوب كسفا إذا قطعته. وقال الزجاج ~~من كسفت الشيء، إذا غطيته، كأنه قيل أو تسقطها طبقا علينا { أو ~~تأتى بالله والملئكة قبيلا }. اختلف المفسرون في معنى ~~{ قبيلا } فقيل معناه معاينة، قاله قتادة وابن جريج، واختاره أبو علي ~~الفارسي فقال إذا حملته على المعاينة كان القبيل مصدرا كالنكير والنذير. ~~وقيل معناه كفيلا، قاله الضحاك، وقيل شهيدا، قاله مقاتل، وقيل هو جمع ~~القبيلة، أي تأتي بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة، قاله مجاهد وعطاء، وقيل ~~ضمنا، وقيل مقابلا كالعشير والمعاشر. { أو يكون لك بيت من ~~زخرف } أي من ذهب، وبه قرأ ابن مسعود، وأصله الزينة، والمزخرف ~~المزين، وزخارف الماء طرائقه، وقال الزجاج هو الزينة، فرجع إلى الأصل ~~معنى الزخرف، وهو بعيد لأنه يصير المعنى أو يكون لك بيت من زينة { أو ~~ترقى فى السماء } أي تصعد في معارجها يقال رقيت في السلم إذا ~~صعدت وارتقيت. # مثله { ولن نؤمن لرقيك } أي لأجل رقيك، وهو مصدر نحو مضى ~~يمضي مضيا، وهوى يهوي هويا { حتى تنزل علينا كتابا ~~نقرءه } أي حتى تنزل علينا من السماء كتابا يصدقك ويدل على نبوتك ~~نقرؤه جميعا، أو يقرؤه كل واحد منا، وقيل معناه كتابا من الله إلى كل ~~واحد منا كما في قوله # بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة # المدثر 52 فأمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بما يفيد ~~التعجب من قولهم، والتنزيه للرب سبحانه عن اقتراحاتهم القبيحة فقال { ~~قل سبحن ربى } أي تنزيها لله عن أن يعجز عن شيء. وقرأ أهل مكة ~~والشام قال سبحان ربي يعني النبي صلى الله عليه وسلم { هل كنت إلا ~~بشرا } من البشر لا ملكا حتى أصعد السماء { رسولا } مأمورا من ~~الله سبحانه بإبلاغكم، فهل سمعتم أيها المقترحون لهذه الأمور أن بشرا ~~قدر على شيء منها؟ وإن أردتم أني أطلب ذلك من الله سبحانه حتى يظهرها على ~~يدي، فالرسول إذا أتى بمعجزة واحدة كفاه ذلك، لأن بها يتبين صدقه، ولا ~~ضرورة إلى طلب الزيادة، وأنا عبد مأمور ليس ms2208 لي أن أتحكم على ربي بما ليس ~~بضروري، ولا دعت إليه حاجة، ولو لزمتني الإجابة لكل متعنت لاقترح كل ~~معاند في كل وقت اقتراحات، وطلب لنفسه إظهار آيات، فتعالى الله عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا، وتنزه عن تعنتاتهم، وتقدس عن اقتراحاتهم. وقد ~~أخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن ابن ~~مسعود قال إن هذا القرآن سيرفع، قيل كيف يرفع وقد أثبته الله في قلوبنا ~~وأثبتناه في المصاحف؟ قال يسري عليه في ليلة واحدة فلا يترك منه آية في ~~قلب ولا مصحف إلا رفعت، فتصبحون وليس فيكم منه شيء، ثم قرأ { ولئن ~~شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك } وقد روي عنه هذا ~~من طرق. وأخرج ابن عدي عن أبي هريرة مرفوعا نحوه. وأخرج محمد بن نصر عن ~~عبد الله بن عمرو نحوه موقوفا. وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن معاذ ~~بن جبل مرفوعا نحوه أيضا. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن أبي ~~هريرة موقوفا نحوه أيضا. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، والديلمي عن ~~حذيفة بن اليمان مرفوعا نحوه أيضا. # وأخرج ابن مردويه عن جابر مرفوعا نحوه أيضا. وأخرج ابن مردويه عن ابن ~~عباس وابن عمر مرفوعا نحوه. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمود ~~بن شيخان ونعيمان بن آصي وبحري بن عمرو وسلام بن مشكم، فقالوا أخبرنا يا ~~محمد بهذا الذي جئت به أحق من عند الله، فإنا لا نراه متناسقا كما تناسق ~~التوراة؟ فقال لهم " والله إنكم لتعرفونه أنه من عند الله " ، قالوا إنا ~~نجيئك بمثل ما تأتي به، فأنزل الله { قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن } »، الآية. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، عنه أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب، ورجلا من ~~بني عبد الدار، وأبا البحتري أخا بني أسيد والأسود بن ms2209 عبد المطلب وربيعة ~~بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي ~~أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ونبيها ومنبها ابني الحجاج ~~السهميين اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض ابعثوا ~~إلى محمد وكلموه وخاصموه، وذكر حديثا طويلا يشتمل على ما سألوه عنه ~~وتعنتوه، وأن ذلك كان سبب نزول قوله { وقالوا لن نؤمن لك } ~~إلى قوله { بشرا رسولا }. وإسناده عند ابن جرير هكذا حدثنا أبو ~~كريب، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني شيخ من أهل ~~مصر، قدم منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره، ففيه هذا ~~الرجل المجهول. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { وقالوا لن نؤمن لك } قال ~~نزلت في أخي أم سلمة عبد الله بن أبي أمية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله { ينبوعا } قال عيونا. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن السدي قال الينبوع هو النهر الذي يجري من العين. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أو تكون لك جنة } يقول ~~ضيعة. وأخرج ابن جرير عنه { كسفا } قال قطعا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ~~أيضا { قبيلا } قال عيانا. وأخرج ابن جرير عنه أيضا { من زخرف ~~} قال من ذهب. وأخرج أبو عبيد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، وأبو نعيم عن مجاهد قال لم أكن أحس ما ~~الزخرف؟ حتى سمعتها في قراءة عبد الله أو يكون لك بيت من ذهب. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله { كتابا نقرءه } ~~قال من رب العالمين إلى فلان ابن فلان. يصبح عند كل رجل صحيفة عند رأسه ~~موضوعة يقرؤها. ### || [17.94-100] # حكى سبحانه عنهم شبهة أخرى قد تكرر في الكتاب العزيز التعرض لإيرادها ~~وردها في غير موضع فقال { وما منع الناس أن يؤمنوا } ~~المراد الناس على العموم، وقيل المراد ms2210 أهل مكة على الخصوص أي ما منعهم ~~الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو المفعول الثاني ~~لمنع، ومعنى { إذ جاءهم الهدى } أنه جاءهم الوحي من الله سبحانه ~~على رسوله، وبين ذلك لهم وأرشدهم إليه، وهو ظرف ل { منع } أو { يؤمنوا ~~} أي ما منعهم وقت مجيء الهدى أن يؤمنوا بالقرآن والنبوة { إلا أن ~~قالوا } أي ما منعهم إلا قولهم، فهو في محل رفع على أنه فاعل منع، ~~والهمزة في { أبعث الله بشرا رسولا } للإنكار منهم أن يكون ~~الرسول بشرا، والمعنى أن هذا الاعتقاد الشامل لهم، وهو إنكار أن يكون ~~الرسول من جنس البشر، هو الذي منعهم عن الإيمان بالكتاب وبالرسول، وعبر ~~عنه بالقول للإشعار بأنه ليس إلا مجرد قول قالوه بأفواههم. ثم أمر رسوله ~~صلى الله عليه وسلم أن يجيب عن شبهتهم هذه فقال { قل لو كان فى ~~الأرض ملئكة يمشون مطمئنين } أي لو وجد وثبت أن في ~~الأرض بدل من فيها من البشر، ملائكة يمشون على الأقدام كما يمشي الإنس ~~مطمئنين مستقرين فيها ساكنين بها. قال الزجاج { مطمئنين } مستوطنين في ~~الأرض، ومعنى الطمأنينة السكون، فالمراد ها هنا المقام والاستيطان، فإنه ~~يقال سكن البلد فلان إذا أقام فيها وإن كان ماشيا متقلبا في حاجاته { ~~لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } حتى يكون من ~~جنسهم، وفيه إعلام من الله سبحانه بأن الرسل ينبغي أن تكون من جنس المرسل ~~إليهم، فكأنه سبحانه اعتبر في تنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين الأول ~~كون سكان الأرض ملائكة، والثاني كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على ~~الطيران بأجنحتهم إلى السماء، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا إليها، ~~وسمعوا من أهلها ما يجب معرفته وسماعه فلا يكون في بعثة الملائكة إليهم ~~فائدة. وانتصاب { بشرا } و { ملكا } على أنهما مفعولان للفعلين، و { ~~رسولا } في الموضعين وصف لهما. وجوز صاحب الكشاف أن يكونا حالين في ~~الموضعين من { رسولا } فيهما وقواه صاحب الكشاف، ولعل وجه ذلك أن ~~الإنكار يتوجه إلى الرسول المتصف بالبشرية في الموضع الأول، فيلزم ms2211 بحكم ~~التقابل أن يكون الآخر كذلك. ثم ختم الكلام بما يجري مجرى التهديد، فقال ~~{ قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } أي قل لهم يا ~~محمد من جهتك كفى بالله وحده شهيدا على إبلاغي إليكم ما أمرني به من ~~أمور الرسالة، وقال { بيني وبينكم } ولم يقل بيننا تحقيقا للمفارقة ~~الكلية، وقيل إن إظهار المعجزة على وفق دعوى النبي شهادة من الله له على ~~الصدق، ثم علل كونه سبحانه شهيدا كافيا بقوله { إنه كان ~~بعباده خبيرا بصيرا } أي عالما بجميع أحوالهم محيطا ~~بظواهرها وبواطنها بصيرا بما كان منها وما يكون. # ثم بين سبحانه أن الإقرار والإنكار مستندان إلى مشيئته فقال { ومن ~~يهد الله فهو المهتدى } أي من يرد الله هدايته فهو المهتدي ~~إلى الحق أو إلى كل مطلوب { ومن يضلل } أي يرد إضلاله { فلن ~~تجد لهم أولياء } ينصرونهم { من دونه } يعني الله سبحانه، ~~ويهدونهم إلى الحق الذي أضلهم الله عنه أو إلى طريق النجاة، وقوله { ~~فهو المهتدى } حملا على لفظ «من»، وقوله { فلن تجد لهم ~~} حملا على المعنى، والخطاب في قوله { فلن تجد } إما للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له { ونحشرهم يوم ~~القيمة على وجوههم } هذا الحشر على الوجوه فيه وجهان ~~للمفسرين الأول أنه عبارة عن الإسراع بهم إلى جهنم، من قول العرب قد مر ~~القوم على وجوههم إذا أسرعوا. الثاني أنهم يسحبون يوم القيامة على وجوههم ~~حقيقة كما يفعل في الدنيا بمن يبالغ في إهانته وتعذيبه، وهذا هو الصحيح، ~~لقوله تعالى # يوم يسحبون فى النار على وجوههم # القمر 48. ولما صح في السنة كما سيأتي، ومحل { على وجوههم } النصب على ~~الحال من ضمير المفعول. و { عميا } منتصب على الحال { وبكما ~~وصما } معطوفان عليه، والأبكم الذي لا ينطق، والأصم الذي لا يسمع، ~~وهذه هيئة يبعثون عليها في أقبح صورة، وأشنع منظر، قد جمع الله لهم بين ~~عمى البصر وعدم النطق وعدم السمع مع كونهم مسحوبين على وجوههم، ثم من ~~وراء ذلك { مأواهم جهنم } أي المكان الذي يأوون إليه، والجملة ms2212 ~~في محل نصب على الحال أو هي مستأنفة لا محل لها { كلما خبت ~~زدناهم سعيرا } أي كلما سكن لهبها، يقال خبت النار تخبو خبوا ~~إذا خمدت وسكن لهبها. قال ابن قتيبة ومعنى { زدناهم سعيرا } تسعرا، وهو ~~التلهب. وقد قيل إن في خبو النار تخفيفا لعذاب أهلها، فكيف يجمع بينه ~~وبين قوله # لا يخفف عنهم العذاب # البقرة 162؟ وأجيب بأن المراد بعدم التخفيف أنه لا يتخلل زمان محسوس بين ~~الخبو والتسعر، وقيل إنها تخبو من غير تخفيف عنهم من عذابها. { ذلك } ~~أي العذاب { جزآؤهم } الذي أوجبه الله لهم واستحقوه عنده، والباء في ~~قوله { بأنهم كفروا بآياتنا } للسببية أي بسبب كفرهم بها فلم يصدقوا ~~بالآيات التنزيلية، ولا تفكروا في الآيات التكوينية، واسم الإشارة مبتدأ ~~وخبره { جزاؤهم } ، و { بأنهم كفروا } خبر آخر، ويجوز أن يكون ~~{ جزاؤهم } مبتدأ ثانيا، وخبره ما بعده، والجملة خبر المبتدأ الأول. { ~~وقالوا أءذا كنا عظما ورفتا } الهمزة للإنكار، وقد ~~تقدم تفسير الآية في هذه السورة، و { خلقا } في قوله { أءنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا } مصدر من غير لفظه أو حال أي مخلوقين، ~~فجاء سبحانه بحجة تدفعهم عن الإنكار وتردهم عن الجحود. # فقال { أولم يروا أن الله الذى خلق السموات ~~والأرض *قادر على أن يخلق مثلهم } أي من هو قادر على ~~خلق هذا، فهو على إعادة ما هو أدون منه أقدر، وقيل المراد أنه قادر على ~~إفنائهم وإيجاد غيرهم، وعلى القول الأول يكون الخلق بمعنى الإعادة، وعلى ~~هذا القول هو على حقيقته، وجملة { وجعل لهم أجلا لا ريب ~~فيه } عطف على { أولم يروا } ، والمعنى قد علموا بدليل العقل ~~أن من قدر على خلق السموات والأرض فهو قادر على خلق أمثالهم، لأنهم ليسوا ~~بأشد خلقا منهن كما قال # أشد خلقا أم السماء # النازعات 27. { وجعل لهم أجلا لا ريب فيه } وهو الموت ~~أو القيامة، ويحتمل أن تكون الواو للاستئناف، وقيل في الكلام تقديم ~~وتأخير، أي أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض وجعل لهم أجلا لا ~~ريب فيه قادر على أن يخلق مثلهم ms2213 { فأبى الظلمون إلا ~~كفورا } أي أبى المشركون إلا جحودا، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر ~~للحكم عليهم بالظلم ومجاوزة الحد. ثم لما وقع من هؤلاء الكفار طلب إجراء ~~الأنهار والعيون في أراضيهم لتتسع معايشهم، بين الله سبحانه أنهم لا ~~يقنعون، بل يبقون على بخلهم وشحهم فقال { قل لو أنتم تملكون ~~خزائن رحمة ربى } { أنتم } مرتفع على أنه فاعل فعل محذوف يفسره ~~ما بعده، أي لو تملكون أنتم تملكون على أن الضمير المنفصل مبدل من الضمير ~~المتصل وهو الواو، وخزائن رحمته سبحانه هي خزائن الأرزاق. قال الزجاج ~~أعلمهم الله أنهم لو ملكوا خزائن الأرزاق لأمسكوا شحا وبخلا، وهو خشية ~~الإنفاق، أي خشية أن ينفقوا فيفتقروا، وفي حذف الفعل الذي ارتفع به أنتم، ~~وإيراد الكلام في صورة المبتدأ والخبر دلالة على أنهم هم المختصون ~~بالشح. قال أهل اللغة أنفق وأصرم وأعدم وأقتر بمعنى قل ماله، فيكون ~~المعنى لأمسكتم خشية قل المال { وكان الإنسن قتورا } أي ~~بخيلا مضيقا عليه. يقال قتر على عياله يقتر ويقتر قترا وقتورا ضيق ~~عليهم في النفقة، ويجوز أن يراد وكان الإنسان قتورا أي قليل المال، ~~والظاهر أن المراد المبالغة في وصفه بالشح، لأن الإنسان ليس بقليل المال ~~على العموم. بل بعضهم كثير المال، إلا أن يراد أن جميع النوع الإنساني ~~قليل المال بالنسبة إلى خزائن الله وما عنده. وقداختلف في هذه الآية على ~~قولين أحدهما أنها نزلت في المشركين خاصة، وبه قال الحسن، والثاني أنها ~~عامة وهو قول الجمهور، حكاه الماوردي. وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ~~أنس قال قيل يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم قال # " الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم " # وأخرج أبو داود، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي عن ~~أبي هريرة. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف صنف مشاة، وصنف ركبانا، وصنف ~~على وجوههم " # ، ثم ذكر نحو حديث أنس. وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم عن ابن ms2214 عباس، في قوله { مأواهم جهنم } قال يعني أنهم ~~وقودها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي ~~طلحة عنه في قوله { كلما خبت } قال سكنت. وأخرج هؤلاء عنه أيضا ~~في الآية قال كلما أحرقهم سعرتهم حطبا، فإذا أحرقتهم فلم يبق منهم شيء ~~صارت جمرا تتوهج فذلك خبوها، فإذا بدلوا خلقا جديدا عاودتهم. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله { خزائن رحمة ربى } قال الرزق. ~~وأخرج أيضا عن عكرمة في قوله { إذا لأمسكتم خشية الإنفاق ~~} قال إذا ما أطعمتم أحدا شيئا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن ~~عباس في قوله { خشية الإنفاق } قال الفقر { وكان الإنسن ~~قتورا } قال بخيلا. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ~~قتادة { خشية الإنفاق } قال خشية الفاقة { وكان الإنسن ~~قتورا } قال بخيلا ممسكا. ### || [17.101-109] # قوله { ولقد ءاتينا موسى تسع ءايت } أي علامات دالة ~~على نبوته، قيل ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن المعجزات المذكورة ~~كأنها مساوية لتلك الأمور التي اقترحها كفار قريش، بل أقوى منها، فليس ~~عدم الاستجابة لما طلبوه من الآيات إلا لعدم المصلحة في استئصالهم إن لم ~~يؤمنوا بها. قال أكثر المفسرين الآيات التسع هي الطوفان، والجراد، ~~والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، والسنين، ونقص الثمرات. وجعل ~~الحسن مكان السنين ونقص الثمرات البحر والجبل. وقال محمد بن كعب القرظي ~~هي الخمس التي في الأعراف، والبحر، والعصا، والحجر، والطمس على أموالهم. ~~وقد تقدم الكلام على هذه الآيات مستوفى، وسيأتي حديث صفوان بن عسال في ~~تعداد هذه الآيات التسع. { فاسأل بنى إسرءيل } قرأ ابن عباس ~~وابن نهيك فسأل على الخبر، أي سأل موسى فرعون أن يخلي بني إسرائيل ويطلق ~~سبيلهم ويرسلهم معه، وقرأ الآخرون { فاسأل } على الأمر أي سلهم يا محمد ~~حين { جاءهم } موسى، والسؤال سؤال استشهاد لمزيد الطمأنينية والإيقان، ~~لأن الأدلة إذا تظافرت كان ذلك أقوى، والمسئولون مؤمنو بني إسرائيل كعبد ~~الله بن سلام وأصحابه { فقال له فرعون إنى لأظنك ~~يموسى مسحورا } الفاء هي الفصيحة، أي ms2215 فأظهر موسى عند فرعون ما ~~آتيناه من الآيات البينات وبلغه ما أرسل به فقال له فرعون. المسحور الذي ~~سحر فخولط عقله. وقال أبو عبيدة والفراء هو بمعنى الساحر، فوضع المفعول ~~موضع الفاعل، ف { قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء } يعني ~~الآيات التي أظهرها، وأنزل بمعنى أوجد { إلا رب السموات ~~والارض بصائر } أي دلالات يستدل بها على قدرته ووحدانيته، ~~وانتصاب { بصائر } على الحال. قرأ الكسائي بضم التاء من " علمت " على ~~أنها لموسى، وروي ذلك عن علي، وقرأ الباقون بفتحها على الخطاب لفرعون. ~~ووجه القراءة الأولى أن فرعون لم يعلم ذلك، وإنما علمه موسى. ووجه قراءة ~~الجمهور أن فرعون كان عالما بذلك كما قال تعالى # وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا # النمل 14. قال أبو عبيد المأخوذ به عندنا فتح التاء، وهو الأصح للمعنى، ~~لأن موسى لا يقول علمت أنا وهو الداعي، وروي نحو هذا عن الزجاج. { ~~وإنى لاظنك يفرعون مثبورا } الظن هنا بمعنى اليقين، ~~والثبور الهلاك والخسران. قال الكميت # ورأت قضاعة في الأيا من رأى مثبور وثابر # أي مخسور وخاسر، وقيل المثبور الملعون، ومنه قول الشاعر # يا قومنا لا تروموا حربنا سفها إن السفاه وإن البغي مثبور # أي ملعون، وقيل المثبور ناقص العقل، وقيل هو الممنوع من الخير، يقال ما ~~ثبرك عن كذا ما منعك منه، حكاه أهل اللغة، وقيل المسحور. # { فأراد أن يستفزهم من الارض } أي أراد فرعون أن يخرج ~~بني إسرائيل وموسى ويزعجهم من الأرض، يعني أرض مصر بإبعادهم عنها، وقيل ~~أراد أن يقتلهم، وعلى هذا يراد بالأرض مطلق الأرض، وقد تقدم قريبا معنى ~~الاستفزاز { فأغرقناه ومن معه جميعا } فوقع عليه وعليهم ~~الهلاك بالغرق، ولم يبق منهم أحدا { وقلنا من بعده لبنى ~~إسرءيل اسكنوا الأرض } أي من بعد إغراقه ومن معه، والمراد ~~بالأرض هنا أرض مصر التي أراد أن يستفزهم منها { فإذا جاء وعد ~~الآخرة } أي الدار الآخرة وهو القيامة، أو الكرة الآخرة، أو الساعة ~~الآخرة { جئنا بكم لفيفا } قال الجوهري اللفيف ما اجتمع من ~~الناس من قبائل شتى، يقال ms2216 جاء القوم بلفهم ولفيفهم أي بأخلاطهم، فالمراد ~~هنا جئنا بكم من قبوركم مختلطين من كل موضع، قد اختلط المؤمن بالكافر. ~~قال الأصمعي اللفيف جمع وليس له واحد، وهو مثل الجمع. { وبالحق ~~أنزلناه وبالحق نزل } الضمير يرجع إلى القرآن، ومعنى { ~~بالحق أنزلنه } أوحيناه متلبسا بالحق، ومعنى { وبالحق ~~نزل } أنه نزل وفيه الحق، وقيل الباقي، وبالحق الأول بمعنى مع، أي مع ~~الحق أنزلناه كقولهم ركب الأمير بسيفه أي مع سيفه، و { بالحق نزل } أي ~~بمحمد كما تقول نزلت يزيد. وقال أبو علي الفارسي الباء في الموضعين بمعنى ~~مع، وقيل يجوز أن يكون المعنى وبالحق قدرنا أن ينزل وكذلك نزل، أو ما ~~أنزلناه من السماء إلا محفوظا، وما نزل على الرسول إلا محفوظا من ~~تخليط الشياطين، والتقديم في الموضعين للتخصص. { وما أرسلناك ~~إلا مبشرا ونذيرا } أي مبشرا لمن أطاع بالجنة ونذيرا ~~مخوفا لمن عصى بالنار. { وقرءانا فرقناه } انتصاب { قرآنا } ~~بفعل مضمر يفسره ما بعده، قرأ علي، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي بن ~~كعب، وقتادة، وأبو رجاء، والشعبي فرقناه بالتشديد، أي أنزلناه شيئا بعد ~~شيء لا جملة واحدة. وقرأ الجمهور { فرقناه } بالتخفيف، أي بيناه ~~وأوضحناه، وفرقنا فيه بين الحق والباطل. وقال الزجاج فرقه في التنزيل ~~ليفهمه الناس. قال أبو عبيد التخفيف أعجب إلي، لأن تفسيره بيناه، وليس ~~للتشديد معنى إلا أنه نزل متفرقا. ويؤيده ما رواه ثعلب عن ابن الأعرابي ~~أنه قال فرقت مخففا بين الكلام، وفرقت مشددا بين الأجسام، ثم ذكر ~~سبحانه العلة لقوله فرقناه، فقال { لتقرأه على الناس ~~على مكث } أي على تطاول في المدة شيئا بعد شيء على القراءة ~~الأولى، أو أنزلناه آية آية، وسورة سورة. ومعناه على القراءة الثانية { ~~على مكث } أي على ترسل وتمهل في التلاوة، فإن ذلك أقرب إلى الفهم وأسهل ~~للحفظ. وقد اتفق القراء على ضم الميم في { مكث } إلا ابن محيصن فإنه قرأ ~~بفتح الميم { ونزلنه تنزيلا } التأكيد بالمصدر للمبالغة، ~~والمعنى أنزلناه منجما مفرقا لما في ذلك من المصلحة، ولو أخذوا بجميع ~~الفرائض في وقت واحد ms2217 لنفروا ولم يطيقوا. # { قل ءامنوا به أو لا تؤمنوا } أمر الله سبحانه نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أن يقول للكافرين المقترحين للآيات آمنوا به أو لا ~~تؤمنوا، فسواء إيمانكم به وامتناعكم عنه لا يزيده ذلك ولا ينقصه. وفي هذا ~~وعيد شديد لأمره بالإعراض عنهم واحتقارهم، ثم علل ذلك بقوله { إن ~~الذين أوتوا العلم من قبله } أي أن العلماء الذين قرؤوا ~~الكتب السابقة قبل إنزال القرآن وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوة كزيد ~~بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وعبد الله بن سلام { إذا يتلى ~~عليهم } أي القرآن { يخرون للاذقان سجدا } أي يسقطون ~~على وجوههم ساجدين لله سبحانه، وإنما قيد الخرور، وهو السقوط، بكونه ~~للأذقان، أي عليها، لأن الذقن، وهو مجتمع اللحيين أول ما يحاذي الأرض. ~~قال الزجاج لأن الذقن مجتمع اللحيين، وكما يبتدىء الإنسان بالخرور ~~للسجود، فأول ما يحاذي الأرض به من وجهه الذقن، وقيل المراد تعفير ~~اللحية في التراب، فإن ذلك غاية الخضوع، وإيثار اللام في الأذقان على " ~~على " للدلالة على الاختصاص، فكأنهم خصوا أذقانهم بالخرور، أو خصوا ~~الخرور بأذقانهم، وقيل الضمير في قوله { من قبله } راجع إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، والأولى ما ذكرناه من رجوعه إلى القرآن لدلالة ~~السياق على ذلك، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وحاصلها ~~أنه إن لم يؤمن به هؤلاء الجهال الذين لا علم عندهم ولا معرفة بكتب الله ~~ولا بأنبيائه، فلا تبال بذلك، فقد آمن به أهل العلم وخشعوا له وخضعوا عند ~~تلاوته عليهم خضوعا ظهر أثره البالغ بكونهم يخرون على أذقانهم سجدا ~~لله. { ويقولون سبحان ربنا } أي يقولون في سجودهم تنزيها ~~لربنا عما يقوله الجاهلون من التكذيب، أو تنزيها له عن خلف وعده { إن ~~كان وعد ربنا لمفعولا } " إن " هذه هي المخففة من الثقيلة، ~~واللام هي الفارقة. ثم ذكر أنهم خروا لأذقانهم باكين فقال { ويخرون ~~للأذقان يبكون } وكرر ذكر الخرور للأذقان، لاختلاف السيب، فإن ~~الأول لتعظيم الله سبحانه وتنزيهه، والثاني للبكاء بتأثير مواعظ القرآن ~~في قلوبهم ومزيد ms2218 خشوعهم، ولهذا قال { ويزيدهم } أي سماع القرآن، أو ~~القرآن بسماعهم له { خشوعا } أي لين قلب ورطوبة عين. وقد أخرج عبد ~~الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { تسع ءايت } فذكر ما ذكرناه عن أكثر المفسرين. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال يده، وعصاه ولسانه، والبحر، والطوفان، ~~والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. وأخرج الطيالسي، وسعيد بن منصور، وابن ~~أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، وأبو يعلى، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن قانع، والحاكم وصححه، ~~وأبو نعيم، والبيهقي، وابن مردويه عن صفوان بن عسال أن يهوديين قال ~~أحدهما لصاحبه انطلق بنا إلى هذا النبي نسأله، فأتياه فسألاه عن قول ~~الله { ولقد ءاتينا موسى تسع ءايت بينات } فقال # " لا تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا، ولا تسرفوا، ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق، ولا تسرقوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببرىء إلى سلطان ~~فيقتله، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة - أو قال لا تفروا من الزحف ~~- شك شعبة - وعليكم يا يهود خاصة أن لا تعتدوا في السبت " # ، فقبلا يديه ورجليه وقالا نشهد أنك نبي الله، قال فما يمنعكما أن ~~تسلما؟ قالا إن داود دعا الله أن يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن ~~أسلمنا أن يقتلنا اليهود. وأخرج ابن أبي الدينا في ذم الغضب عن أنس بن ~~مالك أنه سئل عن قوله { وإنى لأظنك يفرعون مثبورا } قال ~~مخالفا، وقال الأنبياء أكرم من أن تلعن أو تسب. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس «مثبورا» قال ملعونا. وأخرج ~~الشيرازي في الألقاب، وابن مردويه عنه قال قليل العقل. وأخرج ابن جرير ~~عنه أيضا { لفيفا } قال جميعا. وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس أنه قرأ وقرآنا ~~فرقناه مثقلا قال نزل القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر من رمضان ~~جملة واحدة، فكان المشركون إذا أحدثوا ms2219 شيئا أحدث لهم جوابا، ففرقه الله ~~في عشرين سنة. وقد روي نحو هذا عنه من طرق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر ~~عنه أيضا { فرقناه } قال فصلناه على مكث بأمد { يخرون ~~للأذقان } يقول للوجوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد { ~~إذا يتلى عليهم } قال كتابهم. ### || [17.110-111] # أراد سبحانه أن يعلم عباده كيفية الدعاء والخشوع فقال { قل ادعوا ~~الله أو ادعوا الرحمن } ومعناه أنهما مستويان في جواز ~~الإطلاق وحسن الدعاء بهما، ولهذا قال { أيا ما تدعوا فله ~~الاسماء الحسنى } التنوين في " أيا " عوض عن المضاف إليه، و " ما ~~" مزيدة لتوكيد الإبهام في " أيا " والضمير في " له " راجع إلى المسمى، ~~وكان أصل الكلام أيا ما تدعوا فهو حسن، فوضع موضعه فله الأسماء الحسنى ~~للمبالغة، وللدلالة على أنها إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الإسمان، ~~ومعنى حسن الأسماء استقلالها بنعوت الجلال والإكرام، ذكر معنى هذا ~~النيسابوري وتبعه أبو السعود. قال الزجاج أعلمهم الله أن دعاءهم الله ~~ودعاءهم الرحمن يرجعان إلى قول واحد، وسيأتي ذكر سبب نزول الآية، وبه ~~يتضح المراد منها، ثم ذكر كيفية أخرى للدعاء فقال { ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها } أي بقراءة صلاتك على حذف المضاف ~~للعلم بأن الجهر والمخافتة من نعوت الصوت، لا من نعوت أفعال الصلاة، فهو ~~من إطلاق الكل وإرادة الجزء، يقال خفت صوته خفوتا إذا انقطع كلامه وضعف ~~وسكن، وخفت الزرع إذا ذبل، وخافت الرجل بقراءته إذا لم يرفع بها صوته، ~~وقيل معناه لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها، والأول أولى { ~~وابتغ بين ذلك } أي الجهر والمخافتة المدلول عليها بالفعلين { ~~سبيلا } أي طريقا متوسطا بين الأمرين فلا تكن مجهورة ولا مخافتا ~~بها، وعلى التفسير الثاني يكون معنى ذلك النهي عن الجهر بقراءة الصلوات ~~كلها، والنهي عن المخافتة بقراءة الصلوات كلها، والأمر بجعل البعض منها ~~مجهورا به، وهو صلاة الليل والمخافتة بصلاة النهار، وذهب قوم إلى أن هذه ~~الآية منسوخة بقوله # ادعوا ربكم تضرعا وخفية # الأعراف 55. ولما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه ms2220 الحسنى نبه على ~~كيفية الحمد له فقال { وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ~~ولدا } كما تقوله اليهود والنصارى، ومن قال من المشركين إن الملائكة ~~بنات الله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا { ولم يكن له شريك فى ~~الملك } أي مشارك له في ملكه وربوبيته كما تزعمه الثنوية ونحوهم من ~~الفرق القائلين بتعدد الآلهة { ولم يكن له ولى من ~~الذل } أي لم يحتج إلى موالاة أحد لذل يلحقه فهو مستغن عن الولي ~~والنصير. قال الزجاج أي لم يحتج أن ينتصر بغيره، وفي التعرض في أثناء ~~الحمد لهذه الصفات الجليلة إيذان بأن المستحق للحمد من له هذه الصفات، ~~لأنه القادر على الإيجاد وإفاضة النعم لكون الولد مجبنة ومبخلة، ولأنه ~~أيضا يستلزم حدوث الأب لأنه متولد من جزء من أجزائه، والمحدث غير قادر ~~على كمال الإنعام، والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يقدر على ~~الاستقلال به، ومن لا يقدر على الاستقلال عاجز فضلا عن تمام ما هو له، ~~فضلا عن نظام ما هو عليه، وأيضا الشركة موجبة للتنازع بين الشريكين، ~~فقد يمنعه الشريك من إفاضة الخير إلى أوليائه ومؤدية إلى الفساد # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا # الأنبياء 22. والمحتاج إلى ولي يمنعه من الذل وينصره على من أراد ~~إذلاله، ضعيف لا يقدر على ما يقدر عليه من هو مستغني بنفسه { وكبره ~~تكبيرا } أي عظمه تعظيما وصفه بأنه أعظم من كل شيء. وقد أخرج ابن ~~جرير، وابن مردويه عن ابن عباس قال «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بمكة ذات يوم فقال في دعائه " يا ألله يا رحمن " فقال المشركون انظروا ~~إلى هذا الصابىء ينهانا أن ندعو إلهين، وهو يدعو إلهين، فأنزل الله { ~~قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } الآية. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن إبراهيم النخعي قال إن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الرحمن، وكان لهم كاهن باليمامة يسمونه الرحمن، فنزلت الآية. ~~وهو مرسل. وأخرج ابن جرير عن مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يتهجد ms2221 بمكة ذات ليلة يقول في سجوده " يا رحمن يا رحيم " فسمعه رجل من ~~المشركين، فلما أصبح قال لأصحابه إن ابن أبي كبشة يدعو الليلة الرحمن ~~الذي باليمن، وكان رجل باليمن يقال له رحمن، فنزلت. وأخرج البيهقي في ~~الدلائل من طريق نهشل بن سعيد عن الضحاك، عن ابن عباس قال سئل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن قول الله { قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن أيا ما تدعوا } إلى آخر الآية، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " هو أمان من السرق " # وإن رجلا من المهاجرين من أصحاب رسول الله تلاها حيث أخذ مضجعه، فدخل ~~عليه سارق فجمع ما في البيت وحمله والرجل ليس بنائم حتى انتهى إلى الباب ~~فوجد الباب مردودا، فوضع الكارة، ففعل ذلك ثلاث مرات، فضحك صاحب الدار ~~ثم قال إني حصنت بيتي. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس في قوله ~~{ ولا تجهر بصلاتك } الآية قال نزلت ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم متوار، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك ~~المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله لنبيه { ولا ~~تجهر بصلاتك } أي بقراءتك، فيسمع المشركون، فيسبوا القرآن { ~~ولا تخافت بها } عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك { ~~وابتغ بين ذلك سبيلا } يقول بين الجهر والمخافتة. وأخرج ابن ~~مردويه عنه قال كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يجهر بالقراءة بمكة ~~فيؤذى، فأنزل الله { ولا تجهر بصلاتك }. # وأخرج ابن أبي شيبة عنه أيضا نحوه. وأخرج أبو داود في ناسخه عنه نحوه. ~~وأخرج الطبراني، وابن مردويه عنه أيضا قال كان مسيلمة الكذاب قد سمي ~~الرحمن، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى فجهر ببسم الله الرحمن ~~الرحيم قال المشركون يذكر إله اليمامة، فأنزل الله { ولا تجهر ~~بصلاتك }. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في ~~الشعب عن محمد بن سيرين قال نبئت أن أبا بكر كان إذا قرأ خفض، وكان عمر ~~إذا قرأ جهر، فقيل لأبي بكر ms2222 لم تصنع هذا؟ قال أنا أناجي ربي، وقد عرف ~~حاجتي، وقيل لعمر لم تصنع هذا؟ قال أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، فلما نزل ~~{ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } قيل لأبي بكر ارفع ~~شيئا، وقيل لعمر اخفض شيئا. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، ~~والبخاري، ومسلم وغيرهم عن عائشة قالت إنما نزلت هذه الآية { ولا ~~تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } في الدعاء. وأخرج ابن جرير، ~~والحاكم عنها قالت نزلت في التشهد. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن منيع، وابن ~~جرير، ومحمد بن نصر، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس مثل حديث ~~عائشة الأول. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال ~~إن اليهود والنصارى قالوا اتخذ الله ولدا، وقالت العرب لبيك لا شريك لك ~~إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، وقال الصابئون والمجوس لولا أولياء ~~الله لذل. فأنزل الله هذه الآية { وقل الحمد لله } إلى آخرها. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في ~~قوله { ولم يكن له ولى من الذل } قال لم يحالف أحدا ~~ولم يبتغ نصر أحد. وأخرج أحمد، والطبراني عن معاذ بن أنس قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «آية العز { الحمد لله الذى لم ~~يتخذ ولدا } » الآية كلها. وأخرج أبو يعلى وابن السني عن أبي ~~هريرة قال «خرجت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ويده في يدي، فأتى ~~علي رجل رث الهيئة فقال " أي فلان ما بلغ بك ما أرى "؟ قال السقم ~~والضر، قال " ألا أعلمك كلمات تذهب عنك السقم والضر؟ توكلت على الحي ~~الذي لا يموت، الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا " إلى ~~آخر الآية، فأتى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حسنت حاله فقال " ~~مم "؟ قال لم أزل أقول الكلمات التي علمتني. وفي لفظ أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم علم ذلك أبا هريرة. # قال ابن كثير وإسناده ضعيف وفي متنه نكارة. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال ms2223 ~~ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم أهله هذه الآية { ~~الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا } إلى آخرها الصغير من ~~أهله والكبير. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبد الكريم بن أبي أمية قال ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الغلام من بني هاشم إذا أفصح سبع ~~مرات { الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا } إلى آخر ~~السورة. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف من طريق عبد الكريم، عن عمرو بن ~~شعيب فذكره. وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة من طريق عمرو بن ~~شعيب، عن أبيه، عن جده. ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1-8] # علم عباده كيف يحمدونه على إفاضة نعمه عليهم، ووصفه بالموصول يشعر ~~بعلية ما في حيز الصلة لما قبله ووجه كون إنزال الكتاب، وهو القرآن نعمة ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم كونه اطلع بواسطته على أسرار التوحيد، ~~وأحوال الملائكة والأنبياء، وعلى كيفية الأحكام الشرعية التي تعبده الله ~~وتعبد أمته بها، وكذلك العباد كان إنزال الكتاب على نبيهم نعمة لهم لمثل ~~ما ذكرناه في النبي { ولم يجعل له عوجا } أي شيئا من العوج ~~بنوع من أنواع الاختلال في اللفظ والمعنى، والعوج بالكسر في المعاني، ~~وبالفتح في الأعيان كذا قيل، ويرد عليه قوله سبحانه # لا ترى فيها عوجا ولا أمتا # طه 107، يعني الجبال، وهي من الأعيان. قال الزجاج المعنى في الآية لم ~~يجعل فيها اختلافا كما قال # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلفا ~~كثيرا # النساء 82. والقيم المستقيم الذي لا ميل فيه، أو القيم بمصالح العباد ~~الدينية والدنيوية، أو القيم على ما قبله من الكتب السماوية مهيمنا ~~عليها، وعلى الأول يكون تأكيدا لما دل عليه نفي العوج، فرب مستقيم في ~~الظاهر لا يخلو عن أدنى عوج في الحقيقة، وانتصاب { قيما } بمضمر، أي ~~جعله قيما، ومنع صاحب الكشاف أن يكون حالا من الكتاب، لأن قوله { ولم ~~يجعل } معطوف على { أنزل } فهو داخل في حيز الصلة، فجاعله حالا من ~~الكتاب فاصل بين الحال ms2224 وذي الحال ببعض الصلة. وقال الأصفهاني هما حالان ~~متواليان إلا أن الأول جملة والثاني مفرد، وهذا صواب لأن قوله { ولم ~~يجعل } لم يكن معطوفا على ما قبله بل الواو للحال، فلا فصل بين الحال ~~وذي الحال ببعض الصلة، وقيل إن { قيما } حال من ضمير { لم يجعل له }. ~~وقيل في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير أنزل على عبده الكتاب قيما ولم ~~يجعل له عوجا، ثم أراد سبحانه أن يفصل ما أجمله في قوله قيما فقال { ~~لينذر بأسا شديدا } وحذف المنذر للعلم به مع قصد التعميم، ~~والمعنى لينذر الكافرين، والبأس العذاب، ومعنى { من لدنه } صادرا ~~من لدنه نازلا من عنده. روى أبو بكر، عن عاصم أنه " قرأ من لدنه " ~~بإشمام الدال الضمة، وبكسر النون والهاء، وهي لغة الكلابيين. وروى أبو ~~زيد عن جميع القراء فتح اللام وضم الدال وسكون النون { ويبشر ~~المؤمنين الذين يعملون الصلحات } ، قرىء " يبشر " ~~بالتشديد والتخفيف، وأجرى الموصول على موصوفه المذكور، لأن مدار قبول ~~الأعمال هو الإيمان { أن لهم أجرا حسنا } وهو الجنة حال ~~كونهم { ماكثين فيه } أي في ذلك الأجر { أبدا } أي مكثا ~~دائما لا انقطاع له، وتقديم الإنذار على التبشير لإظهار كمال العناية ~~بزجر الكفار. # ثم كرر الإنذار وذكر المنذر لخصوصه وحذف المنذر به، وهو البأس الشديد، ~~لتقدم ذكره فقال { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ~~ولدا } وهم اليهود والنصارى وبعض كفار قريش، القائلون بأن الملائكة ~~بنات الله، فذكر سبحانه أولا قضية كلية، وهي إنذار عموم الكفار، ثم عطف ~~عليها قضية خاصة هي بعض جزئيات تلك الكلية، تنبيها على كونها أعظم ~~جزئيات تلك الكلية. فأفاد ذلك أن نسبة الولد إلى الله سبحانه أقبح أنواع ~~الكفر. { ما لهم به من علم } أي بالولد، أو اتخاذ الله إياه، ~~و " من " مزيدة لتأكيد النفي، والجملة في محل نصب على الحال أو هي ~~مستأنفة، والمعنى ما لهم بذلك علم أصلا { ولا لآبائهم } علم، بل ~~كانوا في زعمهم هذا على ضلالة، وقلدهم أبناؤهم فضلوا جميعا { كبرت ~~كلمة تخرج من أفواههم } انتصاب { كلمة } على التمييز، ms2225 ~~وقرىء بالرفع على الفاعلية. قال الفراء كبرت تلك الكلمة كلمة. وقال ~~الزجاج كبرت مقالتهم كلمة، والمراد بهذه الكلمة هي قولهم اتخذ الله ~~ولدا. ثم وصف الكلمة بقوله { تخرج من أفواههم } وفائدة هذا ~~الوصف استعظام اجترائهم على التفوه بها، والخارج من الفم وإن كان هو ~~مجرد الهوى، لكن لما كانت الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهوى أسند إلى ~~الحال ما هو من شأن المحل. ثم زاد في تقبيح ما وقع منهم فقال { إن ~~يقولون إلا كذبا } أي ما يقولون إلا كذبا لا مجال للصدق فيه ~~بحال. ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله { فلعلك بخع ~~نفسك على ءاثرهم } قال الأخفش والفراء البخع الجهد. وقال ~~الكسائي بخعت الأرض بالزراعة إذا جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة، وبخع ~~الرجل نفسه إذا نهكها. وقال أبو عبيدة معناه مهلك نفسك، ومنه قول ذي ~~الرمة # ألا أيها ذا الباخع الوجد نفسه # فيكون المعنى على هذه الأقوال لعلك مجهد نفسك أو مضعفها أو مهلكها { ~~على ءاثرهم } على فراقهم ومن بعد توليهم وإعراضهم { إن لم ~~يؤمنوا بهذا الحديث } أي القرآن وجواب الشرط محذوف دل عليه ~~ما قبله. وقرىء بفتح " أن ". أي لأن لم يؤمنوا { أسفا } أي غيظا ~~وحزنا وهو مفعول له أو مصدر في موضع الحال، كذا قال الزجاج. { إنا ~~جعلنا ما على الأرض زينة لها } هذه الجملة استئناف. ~~والمعنى إنا جعلنا ما على الأرض مما يصلح أن يكون زينة لها من الحيوانات ~~والنبات والجماد، كقوله سبحانه # هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا # البقرة 29، وانتصاب { زينة } على أنها مفعول ثان ل { جعل } ، واللام ~~في { لنبلوهم أيهم أحسن عملا } متعلقة ب { جعلنا } ، ~~وهي إما للغرض أو للعاقبة، والمراد بالابتلاء أنه سبحانه يعاملهم معاملة ~~لو كانت تلك المعاملة من غيره لكانت من قبيل الابتلاء والامتحان. # وقال الزجاج { أيهم } رفع بالابتداء إلا أن لفظه لفظ الاستفهام، والمعنى ~~لنمتحن أهذا أحسن عملا أم ذاك؟ قال الحسن أيهم أزهد، وقال مقاتل أيهم ~~أصلح فيما أوتي من المال. ثم أعلم سبحانه أنه مبيد ms2226 لذلك كله ومفنيه فقال ~~{ وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا } أي لجاعلون ما ~~عليها من هذه الزينة عند تناهي عمر الدنيا { صعيدا } ترابا. قال أبو ~~عبيدة الصعيد المستوي من الأرض. وقال الزجاج هو الطريق الذي لا نبات فيه. ~~قال الفراء الجرز الأرض التي لا نبات فيها، ومن قولهم امرأة جرزا إذا ~~كانت أكولا. وسيفا جرازا إذا كان مستأصلا، وجرز الجراد والشاة والإبل ~~الأرض إذا أكلت ما عليها. قال ذو الرمة # طوى النحز والإجراز ما في بطونها # ومعنى النظم لا تحزن يا محمد مما وقع من هؤلاء من التكذيب، فإنا قد ~~جعلنا ما على الأرض زينة لاختبار أعمالهم، وإنا لمذهبون ذلك عند انقضاء ~~عمر الدنيا فمجازوهم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وقد أخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس في قوله { الحمد لله الذى أنزل على عبده ~~الكتب } الآية قال أنزل الكتاب عدلا قيما { ولم يجعل له ~~عوجا } ملتبسا. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك { قيما } قال ~~مستقيما. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة { من لدنه } أي من عنده. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي { حسنا } يعني الجنة { وينذر ~~الذين قالوا اتخذ الله ولدا } قال هم اليهود والنصارى. ~~وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال اجتمع عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ~~وأبوجهل والنضر بن الحارث وأمية بن خلف والعاص بن وائل والأسود بن عبد ~~المطلب وأبو البحتري في نفر من قريش، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد كبر عليه ما يرى من خلاف قومه إياه، وإنكارهم ما جاء به من النصيحة، ~~فأحزنه حزنا شديدا، فأنزل الله سبحانه { فلعلك بخع ~~نفسك }. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه { بخع نفسك } ~~يقول قاتل نفسك، وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~السدي مثله. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد { أسفا } قال ~~جزعا. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة ms2227 { أسفا ~~} قال حزنا. وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس في قوله { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } قال ~~الرجال. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير من قوله مثله. وأخرج أبو نصر ~~السجزي في الإبانة من طريق مجاهد عن ابن عباس في الآية قال العلماء زينة ~~الأرض. # وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال هم الرجال العباد العمال لله بالطاعة. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم والحاكم في التاريخ، وابن مردويه عن ابن ~~عمر قال تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا } فقلت ما معنى ذلك يا رسول الله؟ قال # " ليبلوكم أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرعكم في طاعة الله " # وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال ليختبرهم { أيهم أحسن عملا ~~} قال أيهم أتم عقلا. وأخرج عن الحسن { أيهم أحسن عملا } ~~قال أشدهم للدنيا تركا، وأخرج أيضا عن الثوري قال أزهدهم في الدنيا. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { وإنا لجاعلون ما ~~عليها صعيدا جرزا } قال يهلك كل شيء ويبيد. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة قال الصعيد التراب والجبال ~~التي ليس فيها زرع. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال يعني بالجرز الخراب. ### || [18.9-16] # قوله { أم حسبت } " أم " هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة عند ~~الجمهور، وببل وحدها عند بعضهم والتقدير بل أحسبت، أو بل حسبت، ومعناها ~~الانتقال من حديث إلى حديث آخر، لا لإبطال الأول والإضراب عنه كما هو ~~معنى بل في الأصل. والمعنى أن القوم لما تعجبوا من قصة أصحاب الكهف ~~وسألوا عنها الرسول على سبيل الامتحان، قال سبحانه بل أظننت يا محمد أنهم ~~كانوا عجبا من آياتنا فقط؟ لا تحسب ذلك فإن آياتنا كلها عجب، فإن من كان ~~قادرا على جعل ما على الأرض زينة لها للابتلاء، ثم جعل ما عليها صعيدا ~~جرزا كأن لم تغن بالأمس، لا تستبعد قدرته وحفظه ورحمته بالنسبة ms2228 إلى ~~طائفة مخصوصة، وإن كانت قصتهم خارقة للعادة، فإن آيات الله سبحانه كذلك ~~وفوق ذلك. و { عجبا } منتصبة على أنه خبر كان أي ذات عجب، أو موصوفة ~~بالعجب مبالغة، و { من آياتنا } في محل نصب على الحال، و { إذ أوى ~~الفتية } ظرف لحسبت أو لفعل مقدر، وهو أذكر، أي صاروا إليه وجعلوه ~~مأواهم، والفتية هم أصحاب الكهف، والكهف هو الغار الواسع في الجبل، فإن ~~كان صغيرا سمي غارا، والرقيم قال كعب والسدي إنه اسم القرية التي خرج ~~منها أصحاب الكهف. وقال سعيد بن جبير ومجاهد إنه لوح من حجارة أو رصاص ~~رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف. قال الفراء ويروى أنه إنما سمي ~~رقيما لأن أسماءهم كانت مرقومة فيه. والرقم الكتابة. وروي مثل ذلك عن ~~ابن عباس. ومنه قول العجاج في أرجوزة له # ومستقرى المصحف الرقيم # وقيل إن الرقيم اسم كلبهم، وقيل هو اسم الوادي الذي كانوا فيه، وقيل اسم ~~الجبل الذي فيه الغار. قال الزجاج أعلم الله سبحانه أن قصة أصحاب الكهف ~~ليست بعجيبة من آيات الله، لأن خلق السموات والأرض وما بينهما أعجب من ~~قصة أصحاب الكهف { فقالوا ربنا ءاتنا من لدنك رحمة } ~~أي من عندك، و " من " ابتدائية متعلقة ب { آياتنا } ، أو لمحذوف وقع ~~حالا، والتنوين في { رحمة } إما للتعظيم أو للتنويع، وتقديم { من لدنك } ~~للاختصاص أي رحمة مختصة بأنها من خزائن رحمتك، وهي المغفرة في الآخرة ~~والأمن من الأعداء، والرزق في الدنيا { وهيىء لنا من أمرنا ~~رشدا } أي أصلح لنا، من قولك هيأت الأمر فتهيأ، والمراد بأمرهم الأمر ~~الذي هم عليه وهو مفارقتهم للكفار، والرشد نقيض الضلال، و " من " ~~للابتداء. ويجوز أن تكون للتجريد كما في قولك رأيت منك رشدا. وتقدم ~~المجرورين للاهتمام بهما. { فضربنا على ءاذانهم } قال ~~المفسرون أنمناهم. والمعنى سددنا آذانهم بالنوم الغالب عن سماع الأصوات، ~~والمفعول محذوف أي ضربنا على آذانهم الحجاب تشبيها للإنامة الثقيلة ~~المانعة من وصول الأصوات إلى الآذان بضرب الحجاب عليها، و { فى ~~الكهف } ظرف لضربنا، وانتصاب { سنين } على ms2229 الظرفية، و { عددا } ~~صفة لسنين، أي ذوات عدد على أنه مصدر، أو بمعنى معدودة على أنه لمعنى ~~المفعول، ويستفاد من وصف السنين بالعدد الكثرة. # قال الزجاج إن الشيء إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج إلى العدد، وإن ~~كثر احتاج إلى أن يعد. وقيل يستفاد منه التقليل لأن الكثير قليل عند ~~الله # وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # الحج 47. { ثم بعثنهم } أي أيقظناهم من تلك النومة { لنعلم } ~~أي ليظهر معلومنا، وقرىء بالتحتية مبنيا للفاعل على طريقة الالتفات، و { ~~أي الحزبين } مبتدأ معلق عنه العلم لما في أي من الاستفهام، ~~وخبره { أحصى } وهو فعل ماض، قيل والمراد بالعلم الذي جعل علة للبعث ~~هو الاختبار مجازا فيكون المعنى بعثناهم لنعاملهم معاملة من يختبرهم، ~~والأولى ما ذكرناه من أن المراد به ظهور معلوم الله سبحانه لعباده، ~~والمراد بالحزبين الفريقان من المؤمنين والكافرين من أصحاب الكهف ~~المختلفين في مدة لبثهم. ومعنى أحصى أضبط. وكأنه وقع بينهم تنازع في مدة ~~لبثهم في الكهف، فبعثهم الله ليتبين لهم ذلك، ويظهر من ضبط الحساب ممن لم ~~يضبطه، و " ما " في { لما لبثوا } مصدرية، أي أحصى للبثهم، وقيل ~~اللام زائدة، و " ما " بمعنى الذي، و { أمدا } تمييز، والأمد الغاية، ~~وقيل إن { أحصى } أفعل تفضيل. ورد بأنه خلاف ما تقرر في علم الإعراب، ~~وما ورد من الشاذ لا يقاس عليه كقولهم أفلس من ابن المذلق، وأعدى من ~~الجرب. وأجيب بأن أفعل التفضيل من المزيد قياس مطرد عند سيبويه وابن ~~عصفور، وقيل إنهم الحزبين هم أصحاب الكهف اختلفوا بعد انتباههم كم لبثوا، ~~وقيل إن أصحاب الكهف حزب وأصحابهم حزب. وقال الفراء إن طائفتين من ~~المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم { نحن نقص ~~عليك نبأهم بالحق } هذا شروع في تفصيل ما أجمل في قوله { إذ ~~أوى الفتية } أي نحن نخبرك بخبرهم بالحق، أي قصصناه بالحق، أو ~~متلبسا بالحق { إنهم فتية } أي أحداث شبان، و { آمنوا بربهم } ~~صفة ل { فتية }. والجملة مستأنفة بتقدير سؤال. والفتية جمع قلة، ms2230 و { ~~زدناهم هدى } بالتثبيت والتوفيق، وفيه التفات من الغيبة إلى ~~الخطاب. { وربطنا على قلوبهم } أي قويناها بالصبر على هجر ~~الأهل والأوطان، وفراق الخلان والأخدان { إذ قاموا } الظرف منصوب ~~بربطنا. واختلف أهل التفسير في هذا القيام على أقوال فقيل إنهم اجتمعوا ~~وراء المدينة من غير ميعاد، فقال رجل منهم هو أكبر القوم إني لأجد في ~~نفسي شيئا، إن ربي رب السموات والأرض، فقالوا ونحن أيضا كذلك نجد في ~~أنفسنا، فقاموا جميعا { فقالوا ربنا رب * السموات ~~والارض } قاله مجاهد. # وقال أكثر المفسرين إنه كان لهم ملك جبار يقال له دقيانوس، وكان يدعو ~~الناس إلى عبادة الطواغيت، فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين ~~يديه { فقالوا ربنا رب * السموات والارض } وقال ~~عطاء ومقاتل إنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم { لن ندعوا من ~~دونه إلها } أي لن نعبد معبودا آخر غير الله لا اشتراكا ولا ~~استقلالا { لقد قلنا إذا شططا } أي قولا ذا شطط، أو قولا ~~هو نفس الشطط لقصد المبالغة بالوصف بالمصدر، واللام هي الموطئة للقسم، ~~والشطط الغلو ومجاوزة الحد. قال أعشى بن قيس # أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل # { هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه ءالهة } هؤلاء مبتدأ، ~~وخبره { اتخذوا } ، و { قومنا } عطف بيان، وفي هذا الإخبار معنى للإنكار، ~~وفي الإشارة إليهم تحقير لهم { لولا يأتون عليهم ~~بسلطن بين } أي هلا يأتون بحجة ظاهرة تصلح للتمسك بها { فمن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا } فزعم أن له شريكا ~~في العبادة أي لا أحد أظلم منه. { وإذ اعتزلتموهم } أي ~~فارقتموهم وتنحيتم عنهم جانبا، أي عن العابدين للأصنام، وقوله { وما ~~يعبدون إلا الله } معطوف على الضمير المنصوب، و " ما " موصولة ~~أو مصدرية أي وإذ اعتزلتموهم واعتزلتم معبودهم أو الذي يعبدونه، وقوله { ~~إلا الله } استثناء منقطع على تقدير أنهم لم يعبدوا إلا الأصنام، ~~أو متصل على تقدير أنهم شركوها في العبادة مع الله سبحانه وقيل هو كلام ~~معترض إخبار من الله سبحانه عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله فتكون ms2231 ما ~~على هذا نافية { فأووا إلى الكهف } أي صيروا إليه واجعلوه ~~مأواكم. قال الفراء هو جواب إذ، ومعناه اذهبوا إليه واجعلوه مأواكم، وقيل ~~هو دليل على جوابه، أي إذ اعتزلتموهم اعتزالا اعتقاديا، فاعتزلوهم ~~اعتزالا جسمانيا، وإذا أردتم اعتزالهم فافعلوا ذلك بالالتجاء إلى الكهف ~~{ ينشر لكم ربكم من رحمته } أي يبسط ويوسع { ~~ويهيىء لكم من أمركم مرفقا } أي يسهل وييسر لكم من ~~أمركم الذي أنتم بصدده { مرفقا } المرفق بفتح الميم وكسرها لغتان ~~قرىء بهما، مأخوذ من الارتفاق وهو الانتفاع، وقيل فتح الميم أقيس، وكسرها ~~أكثر. قال الفراء وأكثر العرب على كسر الميم من الأمر ومن مرفق الإنسان، ~~وقد تفتح العرب الميم فيهما فهما لغتان، وكأن الذين فتحوا أرادوا أن ~~يفرقوا بين المرفق من الأمر، والمرفق من الإنسان. وقال الكسائي الكسر في ~~مرفق اليد، وقيل المرفق بالكسر ما ارتفقت به، والمرفق بالفتح الأمر ~~الرافق، والمراد هنا ما يرتفقون به وينتفعون بحصوله، والتقديم في ~~الموضعين يفيد الاختصاص. # وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس قال الرقيم الكتاب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي ~~عنه قال الرقيم واد دون فلسطين قريب من أيلة. والراويان عن ابن عباس ~~ضعيفان. وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عنه أيضا قال هو الجبل الذي ~~فيه الكهف. وأخرج ابن المنذر عنه، قال والله ما أدري ما الرقيم الكتاب أم ~~بنيان؟ وفي رواية عنه من طريق أخرى قال وسألت كعبا فقال اسم القرية التي ~~خرجوا منها. وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال الرقيم الكلب. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله { كانوا من ءايتنا عجبا } يقول ~~الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم. ~~وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { فضربنا على ءاذانهم ~~} يقول أرقدناهم { ثم بعثنهم لنعلم أي الحزبين } ~~من قوم الفتية، أهل الهدى، وأهل الضلالة { أحصى لما لبثوا } ، ~~وذلك أنهم كتبوا اليوم الذي خرجوا فيه والشهر ms2232 والسنة. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن الربيع بن أنس في قوله { وزدنهم هدى } قال إخلاصا. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وربطنا على قلوبهم } قال ~~بالإيمان وفي قوله { لقد قلنا إذا شططا } قال كذبا. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن السدي قال جورا. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني في قوله { وإذ اعتزلتموهم ~~وما يعبدون إلا الله } قال كان قوم الفتية يعبدون الله ~~ويعبدون معه آلهة شتى، فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة ولم تعتزل عبادة ~~الله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال هي في مصحف ~~ابن مسعود، وما يعبدون من دون الله، فهذا تفسيرها. ### || [18.17-20] # قوله { وترى الشمس إذا طلعت } شرع سبحانه في بيان حالهم، ~~بعد ما أووا إلى الكهف. { تزاور } قرأ أهل الكوفة بحذف تاء التفاعل، ~~وقرأ ابن عامر تزور قال الأخفش لا يوضع الازورار في هذا المعنى، إنما ~~يقال هو مزور عني، أي منقبض. وقرأ الباقون بتشديد الزاي وإدغام تاء ~~التفاعل فيه بعد تسكينها، وتزاور مأخوذ من الزور بفتح الواو، وهو الميل، ~~ومنه زاره إذا مال إليه، والزور الميل، فمعنى الآية أن الشمس إذا طلعت ~~تميل وتتنحى { عن كهفهم } قال الراجز الكلبي # جاب المندا عن هوانا أزور # أي مائل { ذات اليمين } أي ناحية اليمين، وهي الجهة المسماة ~~باليمين، وانتصاب { ذات } على الظرف، { وإذا غربت تقرضهم } ~~القرض القطع. قال الكسائي والأخفش والزجاج وأبو عبيدة تعدل عنهم وتتركهم، ~~قرضت المكان عدلت عنه، تقول لصاحبك هل وردت مكان كذا؟ فيقول إنما قرضته ~~إذا مر به وتجاوز عنه، والمعنى أن الشمس إذا طلعت مالت عن كهفهم ذات ~~اليمين، أي يمين الكهف، وإذا غربت تمر { ذات الشمال } أي شمال ~~الكهف لا تصيبه. بل تعدل عن سمته إلى الجهتين، والفجوة المكان المتسع، ~~وجملة { وهم فى فجوة منه } في محل نصب على الحال، وللمفسرين ~~في تفسير هذه الجملة قولان الأول أنهم مع كونهم في مكان منفتح انفتاحا ~~واسعا في ظل جميع نهارهم لا ms2233 تصيبهم الشمس في طلوعها ولا في غروبها، لأن ~~الله سبحانه حجبها عنهم. والثاني أن باب ذلك الكهف كان مفتوحا إلى جانب ~~الشمال، فإذا طلعت الشمس كانت عن يمين الكهف، وإذا غربت كانت عن يساره، ~~ويؤيد القول الأول قوله { ذلك من آيت الله } فإن صرف الشمس ~~عنهم مع توجه الفجوة إلى مكان تصل إليه عادة أنسب بمعنى كونها آية، ~~ويؤيده أيضا إطلاق الفجوة وعدم تقييدها بكونها إلى جهة كذا، ومما يدل ~~على أن الفجوة المكان الواسع قول الشاعر # ألبست قومك مخزاة ومنقصة حتى أبيحوا وخلوا فجوة الدار # ثم أثنى سبحانه عليهم بقوله { من يهد الله } أي إلى الحق { ~~فهو المهتد } الذي ظفر بالهدى وأصاب الرشد والفلاح { ومن ~~يضلل فلن تجد له وليا مرشدا } أي ناصرا يهديه إلى ~~الحق كدقيانوس وأصحابه. ثم حكى سبحانه طرفا آخر من غرائب أحوالهم فقال { ~~وتحسبهم أيقاظا } جمع يقظ بكسر القاف وفتحها { وهم رقود ~~} أي نيام، وهو جمع راقد كقعود في قاعد. قيل وسبب هذا الحسبان أن عيونهم ~~كانت مفتحة وهم نيام. وقال الزجاج لكثرة تقلبهم { ونقلبهم ذات ~~اليمين وذات الشمال } أي نقلبهم في رقدتهم إلى الجهتين لئلا ~~تأكل الأرض أجسادهم { وكلبهم بسط ذراعيه } حكاية حال ~~ماضية، لأن اسم الفاعل لا يعمل إذا كان بمعنى المضي كما تقرر في علم ~~النحو. # قال أكثر المفسرين هربوا من ملكهم ليلا، فمروا براع معه كلب فتبعهم. ~~والوصيد، قال أبو عبيد وأبو عبيدة هو فناء الباب، وكذا قال المفسرون، ~~وقيل العتبة، ورد بأن الكهف لا يكون له عتبة ولا باب، وإنما أراد أن ~~الكلب موضع العتبة من البيت { لو اطلعت عليهم لوليت ~~منهم فرارا } قال الزجاج فرارا منصوب على المصدرية بمعنى ~~التولية، والفرار الهرب { ولملئت } قرىء بتشديد اللام وتخفيفها { ~~منهم رعبا } قرىء بسكون العين وضمها أي خوفا يملأ الصدر، وانتصاب ~~{ رعبا } على التمييز، أو على أنه مفعول ثان، وسبب الرعب الهيبة التي ~~ألبسهم الله إياها، وقيل طول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم ووحشة مكانهم، ~~ويدفعه قوله تعالى { لبثنا يوما أو بعض يوم ms2234 } فإن ذلك يدل ~~على أنهم لم ينكروا من حالهم شيئا، ولا وجدوا من أظفارهم وشعورهم ما يدل ~~على طول المدة. { وكذلك بعثنهم ليتساءلوا بينهم ~~} الإشارة إلى المذكور قبله أي وكما فعلنا بهم ما فعلنا من الكرامات ~~بعثناهم من نومهم، وفيه تذكير لقدرته على الإماتة والبعث جميعا، ثم ذكر ~~الأمر الذي لأجله بعثهم فقال ليتساءلوا بينهم أي ليقع التساؤل بينهم ~~والاختلاف والتنازع في مدة اللبث لما يترتب على ذلك من انكشاف الحال ~~وظهور القدرة الباهرة، والاقتصار على علة التساؤل لا ينفي غيرها، وإنما ~~أفرده لاستتباعه لسائر الآثار، وجملة { قال قائل منهم كم ~~لبثتم } مبينة لما قبلها من التساؤل أي كم مدة لبثكم في النوم؟ ~~قالوا ذلك لأنهم رأوا في أنفسهم غير ما يعهدونه في العادة { قالوا ~~لبثنا يوما أو بعض يوم } أي قال بعضهم جوابا عن سؤال من ~~سأل منهم، قال المفسرون إنهم دخلوا الكهف غدوة، وبعثهم الله سبحانه آخر ~~النهار، فلذلك قالوا يوما، فلما رأوا الشمس قالوا أو بعض يوم، وكان قد ~~بقيت بقية من النهار، وقد مر مثل هذا الجواب في قصة عزير في البقرة. { ~~قالوا ربكم أعلم بما لبثتم } أي قال البعض الآخر هذا ~~القول، إما على طريق الاستدلال، أو كان ذلك إلهاما لهم من الله سبحانه، ~~أي أنكم لا تعلمون مدة لبثكم، وإنما يعلمها الله سبحانه { فابعثوا ~~أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة } أعرضوا عن ~~التحاور في مدة اللبث، وأخذوا في شيء آخر، كأنه قال القائل منهم اتركوا ~~ما أنتم فيه من المحاورة، وخذوا في شيء آخر مما يهمكم، والفاء للسببية، ~~والورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر ~~والكسائي وحفص عن عاصم بكسر الراء، وقرأ أبو عمرو وحمزة، وأبو بكر عن ~~عاصم بسكونها، وقرىء بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف. # وقرأ ابن محيصن بكسر الواو وسكون الراء. وفي حملهم لهذه الورق معهم دليل ~~على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان لا ينافي التوكل على الله، ~~والمدينة دقسوس، وهي مدينتهم التي كانوا فيها، ms2235 ويقال لها اليوم طرسوس، ~~كذا قال الواحدي { فلينظر أيها أزكى طعاما } أي ينظر ~~أي أهلها أطيب طعاما، وأحل مكسبا، أو أرخص سعرا، وقيل يجوز أن يعود ~~الضمير إلى الأطعمة المدلول عليها في المقام كما يقال زيد طبت أبا، على ~~أن الأب هو زيد، وفيه بعد. واستدل بالآية على حل ذبائح أهل الكتاب لأن ~~عامة أهل المدينة كانوا كفارا، وفيهم قوم يخفون إيمانهم، ووجه الاستدلال ~~أن الطعام يتناول اللحم كما يتناول غيره مما يطلق عليه اسم الطعام { ~~وليتلطف } أي يدقق النظر حتى لا يعرف أو لا يغبن، والأول أولى، ~~ويؤيده { ولا يشعرن بكم أحدا } أي لا يفعلن ما يؤدي إلى ~~الشعور ويتسبب له، فهذا النهي يتضمن التأكيد للأمر بالتلطف. ثم علل ما ~~سبق من الأمر والنهي فقال { إنهم إن يظهروا عليكم } أي ~~يطلعوا عليكم ويعلموا بمكانكم، يعني أهل المدينة { يرجموكم } ~~يقتلوكم بالرجم، وهذه القتلة هي أخبث قتلة. وكان ذلك عادة لهم، ولهذا خصه ~~من بين أنواع ما يقع به القتل { أو يعيدوكم فى ملتهم } أي ~~يردوكم إلى ملتهم التي كنتم عليها قبل أن يهديكم الله، أو المراد بالعود ~~هنا الصيرورة على تقدير أنهم لم يكونوا على ملتهم، وإيثار كلمة " في " ~~على كلمة " إلى " للدلالة على الاستقرار { ولن تفلحوا إذا ~~أبدا } في إذا معنى الشرط. كأنه قال إن رجعتم إلى دينهم فلن تفلحوا ~~إذا أبدا، لا في الدنيا ولا في الآخرة. وقد أخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { تزاور } قال تميل، وفي ~~قوله { تقرضهم } قال تذرهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن مجاهد في قوله { تقرضهم } قال تتركهم، { وهم فى ~~فجوة منه } قال المكان الداخل. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن ~~جبير، قال الفجوة الخلوة من الأرض، ويعني بالخلوة الناحية من الأرض. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { ونقلبهم } ~~الآية قال ستة أشهر على ذي الجنب اليمين، وستة أشهر على ذي الجنب الشمال. ~~وأخرج سعيد ms2236 بن منصور، وابن المنذر عن سعيد بن جبير في الآية قال كي لا ~~تأكل الأرض لحومهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد أن اسم كلبهم قطمورا. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال اسمه قطمير. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله { بالوصيد } قال ~~بالفناء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال بالباب. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { أزكى ~~طعاما } قال أحل ذبيحة، وكانوا يذبحون للطواغيت. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه { أزكى طعاما } يعني أطهر، لأنهم ~~كانوا يذبحون للطواغيت. ### || [18.21-26] # قوله { وكذلك أعثرنا عليهم } أي وكما أنمناهم وبعثناهم، ~~أعثرنا عليهم، أي أطلعنا الناس عليهم وسمي الإعلام إعثارا، لأن من كان ~~غافلا عن شيء فعثر به نظر إليه وعرفه، فكان الإعثار سببا لحصول العلم. ~~{ ليعلموا أن وعد الله حق } أي ليعلم الذين أعثرهم ~~الله عليهم أن وعد الله بالبعث حق. قيل وكان ملك ذلك العصر ممن ينكر ~~البعث، فأراه الله هذه الآية. قيل وسبب الإعثار عليهم أن ذلك الرجل الذي ~~بعثوه بالورق، وكانت من ضربة دقيانوس إلى السوق، لما اطلع عليها أهل ~~السوق اتهموه بأنه وجد كنزا، فذهبوا به إلى الملك، فقال له من أين وجدت ~~هذه الدراهم؟ قال بعت بها أمس شيئا من التمر، فعرف الملك صدقه، ثم قص ~~عليه القصة فركب الملك وركب أصحابه معه حتى وصلوا إلى الكهف { وأن ~~الساعة لا ريب فيها } أي وليعلموا أن القيامة لا شك في ~~حصولها، فإن من شاهد حال أهل الكهف علم صحة ما وعد الله به من البعث { ~~إذ يتنزعون بينهم أمرهم } الظرف متعلق بأعثرنا أي ~~أعثرنا عليهم وقت التنازع والاختلاف بين أولئك الذين أعثرهم الله في أمر ~~البعث، وقيل في أمر أصحاب الكهف في قدر مكثهم، وفي عددهم، وفيما يفعلونه ~~بعد أن اطلعوا عليهم { فقالوا ابنوا عليهم بنينا } ~~لئلا يتطرق الناس إليهم، وذلك أن الملك وأصحابه لما وقفوا عليهم ms2237 وهم ~~أحياء أمات الله الفتية، فقال بعضهم ابنوا عليهم بنيانا يسترهم عن أعين ~~الناس. ثم قال سبحانه حاكيا لقول المتنازعين فيهم وفي عددهم، وفي مدة ~~لبثهم، وفي نحو ذلك مما يتعلق بهم { ربهم أعلم بهم } من ~~هؤلاء المتنازعين فيهم، قالوا ذلك تفويضا للعلم إلى الله سبحانه، وقيل ~~هو من كلام الله سبحانه، ردا لقول المتنازعين فيهم، أي دعوا ما أنتم ~~فيه من التنازع، فإني أعلم بهم منكم، وقيل إن الظرف في { إذ ~~يتنزعون } متعلق بمحذوف هو أذكر، ويؤيده أن الإعثار ليس في زمن ~~التنازع بل قبله، ويمكن أن يقال إن أولئك القوم ما زالوا متنازعين فيما ~~بينهم قرنا بعد قرن، منذ أووا إلى الكهف إلى وقت الإعثار، ويؤيد ذلك أن ~~خبرهم كان مكتوبا على باب الغار، كتبه بعض المعاصرين لهم من المؤمنين ~~الذين كانوا يخفون إيمانهم كما قاله المفسرون { قال الذين ~~غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا } ذكر ~~اتخاذ المسجد يشعر بأن هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم هم المسلمون، وقيل هم ~~أهل السلطان، والملك من القوم المذكورين فإنهم الذين يغلبون على أمر من ~~عداهم، والأول أولى. قال الزجاج هذا يدل على أنه لما ظهر أمرهم غلب ~~المؤمنون بالبعث والنشور. # لأن المساجد للمؤمنين. { سيقولون ثلثة رابعهم ~~كلبهم } هؤلاء القائلون بأنهم ثلاثة أو خمسة أو سبعة، هم المتنازعون ~~في عددهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب والمسلمين، ~~وقيل هم أهل الكتاب خاصة، وعلى كل تقدير فليس المراد أنهم جميعا قالوا ~~جميع ذلك، بل قال بعضهم بكذا، وبعضهم بكذا، وبعضهم بكذا } ثلاثة رابعهم ~~كلبهم } أي هم ثلاثة أشخاص، وجملة { رابعهم كلبهم } في محل نصب على الحال ~~أي حال كون كلبهم جاعلهم أربعة بانضمامه إليهم { ويقولون خمسة ~~سادسهم كلبهم } الكلام فيه كالكلام فيما قبله، وانتصاب { ~~رجما بالغيب } على الحال، أي راجمين أو على المصدر، أي يرجمون ~~رجما، والرجم بالغيب هو القول بالظن والحدس من غير يقين، والموصوفون ~~بالرجم بالغيب هم كلا الفريقين القائلين بأنهم ثلاثة، والقائلين بأنهم ~~خمسة { ويقولون ms2238 سبعة وثامنهم كلبهم } كأن قول هذه ~~الفرقة أقرب إلى الصواب بدلالة عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب. قيل ~~وإظهار الواو في هذه الجملة يدل على أنها مرادة في الجملتين الأوليين. ~~قال أبو علي الفارسي قوله { رابعهم كلبهم } ، و { سادسهم كلبهم } جملتان ~~استغني عن حرف العطف فيهما بما تضمنتا من ذكر الجملة الأولى وهي قوله { ~~ثلاثة } ، والتقدير هم ثلاثة، هكذا حكاه الواحدي عن أبي علي، ثم قال وهذا ~~معنى قول الزجاج في دخول الواو في { وثامنهم } وإخراجها من الأول، وقيل ~~هي مزيدة للتوكيد، وقيل إنها واو الثمانية، وإن ذكره متداول على ألسن ~~العرب إذا وصلوا إلى الثمانية كما في قوله تعالى # وفتحت أبوبها # الزمر 73 وقوله # ثيبت وأبكارا # التحريم 5. ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر المختلفين في ~~عددهم بما يقطع التنازع بينهم فقال { قل ربى أعلم بعدتهم } ~~منكم أيها المختلفون، ثم أثبت علم ذلك لقليل من الناس فقال { ما ~~يعلمهم } أي يعلم ذواتهم فضلا عن عددهم، أو ما يعلم عددهم على حذف ~~المضاف { إلا قليل } من الناس، ثم نهى الله سبحانه رسوله صلى الله ~~عليه وسلم عن الجدال مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف فقال { فلا ~~تمار فيهم } المراء في اللغة الجدال يقال مارى يماري مماراة ومراء ~~أي جادل، ثم استثنى سبحانه من المراء ما كان ظاهرا واضحا فقال { إلا ~~مرآء ظهرا } أي غير متعمق فيه وهو أن يقص عليهم ما أوحى الله ~~إليه فحسب. وقال الرازي هو أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد، بل يقول هذا ~~التعيين لا دليل عليه، فوجب التوقف، ثم نهاه سبحانه عن الاستفتاء في ~~شأنهم فقال { ولا تستفت فيهم منهم أحدا } أي لا تستفت ~~في شأنهم من الخائفيين فيهم أحدا منهم، لأن المفتي يجب أن يكون أعلم من ~~المستفتي، وها هنا الأمر بالعكس، ولا سيما في واقعة أهل الكهف، وفيما قص ~~الله عليك في ذلك ما يغنيك عن سؤال من لا علم له. # { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدا ms2239 } أي لأجل شيء ~~تعزم عليه فيما يستقبل من الزمان، فعبر عنه بالغد، ولم يرد الغد بعينه، ~~فيدخل فيه الغد دخولا أوليا. قال الواحدي قال المفسرون لما سألت ~~اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن خبر الفتية فقال # " أخبركم غدا " # ، ولم يقل إن شاء الله، فاحتبس الوحي عنه حتى شق عليه، فأنزل الله هذه ~~الآية يأمره بالاستثناء بمشيئة الله يقول إذا قلت لشيء إني فاعل ذلك ~~غدا، فقل إن شاء الله. وقال الأخفش والمبرد والكسائي والفراء لا تقولن ~~لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن تقول إن شاء الله، فأضمر القول ولما حذف ~~تقول نقل شاء إلى لفظ الاستقبال، قيل وهذا الاستثناء مفرغ، أي لا تقولن ~~ذلك في حال من الأحوال، إلا حال ملابسته لمشيئة الله وهو أن تقول إن شاء ~~الله، أو في وقت من الأوقات إلا وقت أن يشاء الله أن تقوله مطلقا، وقيل ~~الاستثناء جار مجرى التأبيد كأنه قيل لا تقولنه أبدا كقوله # وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله # الأعراف 89. لأن عودهم في ملتهم مما لا يشاؤه الله. { واذكر ربك ~~إذا نسيت } الاستثناء بمشيئة الله أي فقل إن شاء الله، سواء كانت ~~المدة قليلة أو كثيرة. وقد اختلف أهل العلم في المدة التي يجوز إلحاق ~~الاستثناء فيها بعد المستثنى منه على أقوال معروفة في مواضعها وقيل ~~المعنى { واذكر ربك } بالاستغفار { إذا نسيت وقل عسى ~~أن يهدينى ربى لأقرب من هذا رشدا } المشار إليه ~~بقوله { من هذا } هو نبأ أصحاب الكهف، أي قل يا محمد عسى أن يوفقني ربي ~~لشيء أقرب من هذا النبأ من الآيات والدلائل الدالة على نبوتي. قال ~~الزجاج عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب ~~في الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف، وقد فعل الله به ذلك حيث آتاه من علم ~~غيوب المرسلين وخبرهم ما كان أوضح في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب ~~الكهف، وقيل الإشارة إلى قوله { واذكر ربك إذا نسيت } أي ~~عسى ms2240 أن يهديني ربي عند هذا النسيان لشيء آخر بدل هذا المنسي، وأقرب منه ~~رشدا وأدنى منه خيرا ومنفعة، والأول أولى. { ولبثوا فى ~~كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا } قرأ الجمهور بتنوين ~~مائة ونصب سنين، فيكون سنين على هذه القراءة بدلا أو عطف بيان. وقال ~~الفراء وأبو عبيدة والزجاج والكسائي فيه تقديم وتأخير، والتقدير سنين ~~ثلثمائة، ورجح الأول أبو علي الفارسي. وقرأ حمزة والكسائي بإضافة مائة ~~إلى سنين، وعلى هذه القراءة تكون سنين تمييزا على وضع الجمع موضع الواحد ~~في التمييز كقوله تعالى # بالأخسرين أعملا # الكهف 103قال الفراء ومن العرب من يضع سنين موضع سنة. قال أبو علي ~~الفارسي هذه الأعداد التي تضاف في المشهور إلى الآحاد نحو ثلثمائة رجل ~~وثوب قد تضاف إلى المجموع وفي مصحف عبد الله ثلثمائة سنة. وقال الأخفش لا ~~تكاد العرب تقول مائة سنين. وقرأ الضحاك ثلثمائة سنون بالواو. وقرأ ~~الجمهور تسعا بكسر التاء. وقرأ أبو عمرو بفتحها، وهذا إخبار من الله ~~سبحانه بمدة لبثهم. قال ابن جرير إن بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم ~~من المدة بعد الإعثار عليهم، فقال بعضهم إنهم لبثوا ثلثمائة سنة وتسع ~~سنين، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن هذه المدة في كونهم ~~نياما، وأن ما بعد ذلك مجهول للبشر، فأمر الله أن يرد علم ذلك إليه، ~~فقال { قل الله أعلم بما لبثوا } قال ابن عطية فقوله على ~~هذا لبثوا الأول يريد في يوم الكهف، ولبثوا الثاني يريد بعد الإعثار ~~عليهم إلى مدة محمد صلى الله عليه وسلم، أو إلى أن ماتوا. وقال بعضهم إنه ~~لما قال { وازدادوا تسعا } لم يدر الناس أهي ساعات أم أيام أم ~~جمع أم شهور أم أعوام؟ واختلف بنو إسرائيل بحسب ذلك، فأمر الله برد العلم ~~إليه في التسع، فهي على هذا مبهمة. والأول أولى، لأن الظاهر من كلام ~~العرب المفهوم بحسب لغتهم أن التسع أعوام، بدليل أن العدد في هذا الكلام ~~للسنين لا للشهور ولا للأيام ولا للساعات. وعن الزجاج أن المراد ثلثمائة ~~سنة ms2241 شمسية وثلثمائة وتسع سنين قمرية، وهذا إنما يكون من الزجاج على جهة ~~التقريب. ثم أكد سبحانه اختصاصه بعلم ما لبثوا بقوله { له غيب ~~السموات والأرض } أي ما خفي فيهما وغاب من أحوالهما ليس لغيره ~~من ذلك شيء، ثم زاد في المبالغة والتأكيد فجاء بما يدل على التعجب من ~~إدراكه للمبصرات والمسموعات فقال { أبصر به وأسمع } فأفاد هذا ~~التعجب على أن شأنه سبحانه في علمه بالمبصرات والمسموعات خارج عما عليه ~~إدراك المدركين، وأنه يستوي في علمه الغائب والحاضر، والخفي والظاهر، ~~والصغير والكبير، واللطيف والكثيف، وكأن أصله ما أبصره وما أسمعه، ثم نقل ~~إلى صيغة الأمر للإنشاء، والباء زائدة عند سيبويه وخالفه الأخفش، والبحث ~~مقرر في علم النحو { ما لهم من دونه من ولى } الضمير لأهل ~~السموات والأرض، وقيل لأهل الكهف، وقيل لمعاصري محمد من الكفار، أي ما ~~لهم من موال يواليهم أو يتولى أمورهم أو ينصرهم، وفي هذا بيان لغاية ~~قدرته وأن الكل تحت قهره { ولا يشرك فى حكمه أحدا } قرأ ~~الجمهور برفع الكاف على الخبر عن الله سبحانه. # وقرأ ابن عباس والحسن وأبو رجاء وقتادة بالتاء الفوقية وإسكان الكاف على ~~أنه نهي للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لله شريكا في حكمه، ورويت ~~هذه القراءة عن ابن عامر. وقرأ مجاهد بالتحتية والجزم. قال يعقوب لا أعرف ~~وجهها، والمراد بحكم الله ما يقضيه، أو علم الغيب. والأول أولى. ويدخل ~~علم الغيب في ذلك دخولا أوليا، فإن علمه سبحانه من جملة قضائه. وقد ~~أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وكذلك أعثرنا ~~عليهم } قال أطلعنا. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~قوله { قال الذين غلبوا على أمرهم } قال الأمراء، أو ~~قال السلاطين. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { سيقولون ~~ثلثة } قال اليهود { ويقولون خمسة } قال النصارى. وأخرج ~~عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { رجما بالغيب } قال ~~قذفا بالظن. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله { ما ~~يعلمهم إلا قليل ms2242 } قال أنا من القليل كانوا سبعة. وأخرج ~~الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال السيوطي بسند صحيح في قوله { ما ~~يعلمهم إلا قليل } قال أنا من أولئك القليل كانوا سبعة، ثم ~~ذكر أسماءهم. وحكاه ابن كثير عن ابن عباس في رواية قتادة وعطاء وعكرمة، ~~ثم قال فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس أنهم كانوا سبعة. وأخرج ابن جرير ~~عن ابن عباس في قوله { فلا تمار فيهم } يقول حسبك ما قصصت عليك. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه ~~من طرق عن ابن عباس في قوله { ولا تستفت فيهم منهم أحدا ~~} قال اليهود. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن عباس ~~في قوله { ولا تقولن لشىء } الآية قال إذا نسيت أن تقول لشيء ~~إني أفعله فنسيت أن تقول إن شاء الله، فقل إذا ذكرت إن شاء الله. وأخرج ~~سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، ~~والحاكم، وابن مردويه عنه أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد سنة، ثم قرأ { ~~واذكر ربك إذا نسيت }. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن ~~مردويه عنه أيضا في الآية قال هي خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وليس لأحد أن يستثني إلا في صلة يمين. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر ~~قال كل استثناء موصول فلا حنث على صاحبه، وإذا كان غير موصول فهو حانث. ~~وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على سبعين امرأة - وفي رواية تسعين ~~- تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك قل إن شاء ~~الله، فلم يقل، فطاف فلم يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لم يحنث، ~~وكان دركا لحاجته " # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن ms2243 ~~عكرمة { إذا نسيت } قال إذا غضبت. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات ~~عن الحسن { إذا نسيت } قال إذا لم تقل إن شاء الله. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال إن الرجل ليفسر الآية يرى أنها كذلك ~~فيهوي أبعد ما بين السماء والأرض، ثم تلا { ولبثوا فى كهفهم } ~~الآية، ثم قال كم لبث القوم؟ قالوا ثلثمائة وتسع سنين، قال لو كانوا ~~لبثوا كذلك لم يقل الله { قل الله أعلم بما لبثوا } ولكنه ~~حكى مقالة القوم فقال { سيقولون ثلثة } إلى قوله { رجما ~~بالغيب } فأخبر أنهم لا يعلمون، ثم قال سيقولون { ولبثوا فى ~~كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا }. وأخرج عبد الرزاق، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في حرف ابن مسعود، ~~وقالوا { ولبثوا في كهفهم } الآية، يعني إنما قاله الناس ألا ترى أنه قال ~~{ قل الله أعلم بما لبثوا }. وأخرج ابن مردويه عن الضحاك ~~عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية { ولبثوا فى كهفهم ~~ثلاثمائة } قيل يا رسول الله أياما أم أشهرا أم سنين؟ فأنزل الله { ~~سنين وازدادوا تسعا }. وأخرجه ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك بدون ذكر ابن عباس. وأخرج ابن المنذر عن ~~ابن عباس في قوله { أبصر به وأسمع } قال الله يقوله. ### || [18.27-31] # قوله { واتل ما أوحى إليك } أمره الله سبحانه أن يواظب على ~~تلاوة الكتاب الموحى إليه، قيل ويحتمل أن يكون معنى قوله { واتل } واتبع، ~~أمرا من التلو، لا من التلاوة، و { من كتب ربك } بيان للذي ~~أوحي إليه { لا مبدل لكلمته } أي لا قادر على تبديلها ~~وتغييرها، وإنما يقدر على ذلك هو وحده. قال الزجاج أي ما أخبر الله به ~~وما أمر به فلا مبدل له، وعلى هذا يكون التقدير لا مبدل لحكم كلماته { ~~ولن تجد من دونه ملتحدا } الملتحد الملتجأ، وأصل اللحد ~~الميل، قال الزجاج لن تجد معدلا عن أمره ونهيه، والمعنى أنك إن لم تتبع ~~القرآن وتتله وتعمل بأحكامه لن تجد معدلا تعدل إليه ms2244 ومكانا تميل إليه. ~~وهذه الآية آخر قصة أهل الكهف. ثم شرح سبحانه في نوع آخر كما هو دأب ~~الكتاب العزيز فقال { واصبر نفسك مع الذين يدعون ~~ربهم } قد تقدم في الأنعام نهيه صلى الله عليه وسلم عن طرد فقراء ~~المؤمنين بقوله # ولا تطرد الذين يدعون ربهم # الأنعام 52 وأمره سبحانه ههنا بأن يحبس نفسه معهم، فصبر النفس هو حبسها، ~~وذكر الغداة والعشي كناية عن الاستمرار على الدعاء في جميع الأوقات، وقيل ~~في طرفي النهار، وقيل المراد صلاة العصر والفجر. وقرأ نصر بن عاصم ومالك ~~بن دينار وأبو عبد الرحمن وابن عامر بالغدوة بالواو، واحتجوا بأنها في ~~المصحف كذلك مكتوبة بالواو. قال النحاس وهذا لا يلزم لكتبهم الحياة ~~والصلاة بالواو، ولا تكاد العرب تقول الغدوة، ومعنى { يريدون ~~وجهه } أنهم يريدون بدعائهم رضى الله سبحانه، والجملة في محل نصب على ~~الحال، ثم أمره سبحانه بالمراقبة لأحوالهم فقال { ولا تعد عيناك ~~عنهم } أي لا تتجاوز عيناك إلى غيرهم. قال الفراء معناه لا تصرف ~~عيناك عنهم، وقال الزجاج لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة، ~~واستعماله بعن لتضمنه معنى النبو، من عدوته عن الأمر، أي صرفته منه، ~~وقيل معناه لا تحتقرهم عيناك { تريد زينة الحيوة الدنيا } ~~أي مجالسة أهل الشرف والغنى، والجملة في محل نصب على الحال، أي حال كونك ~~مريدا لذلك، هذا إذا كان فاعل تريد هو النبي صلى الله عليه وسلم، وإن ~~كان الفاعل ضميرا يعود إلى العينين، فالتقدير مريدة زينة الحياة الدنيا، ~~وإسناد الإرادة إلى العينين مجاز، وتوحيد الضمير للتلازم كقول الشاعر # لمن زحلوقة زل بها العينان تنهل # { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا } أي جعلناه ~~غافلا بالختم عليه، نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طاعة من جعل ~~الله قلبه غافلا عن ذكره كأولئك الذين طلبوا منه أن ينحي الفقراء عن ~~مجلسه، فإنهم طالبوا تنحية الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ~~وهم غافلون عن ذكر الله، ومع هذا فهم ممن اتبع هواه وآثره على الحق ms2245 ~~فاختار الشرك على التوحيد { وكان أمره فرطا } أي متجاوزا عن ~~حد الاعتدال، من قولهم فرس فرط إذا كان متقدما للخيل فهو على هذا من ~~الإفراط. # وقيل هو من التفريط، وهو التقصير والتضييع. قال الزجاج ومن قدم العجز في ~~أمره أضاعه وأهلكه. ثم بين سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم ما يقوله ~~لأولئك الغافلين، فقال { وقل الحق من ربكم } أي قل لهم إن ~~ما أوحي إليك وأمرت بتلاوته هو الحق الكائن من جهة الله، لا من جهة غيره ~~حتى يمكن فيه التبديل والتغيير، وقيل المراد بالحق الصبر مع الفقراء. قال ~~الزجاج أي الذين أتيتكم به الحق من ربكم يعني لم آتكم به من ~~قبل نفسي إنما أتيتكم به من الله { فمن شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر } قيل هو من تمام القول الذي أمر رسوله أن يقوله، والفاء ~~لترتيب ما قبلها على ما بعدها، ويجوز أن يكون من كلام الله سبحانه لا من ~~القول الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه تهديد شديد، ويكون ~~المعنى قل لهم يا محمد الحق من ربكم وبعد أن تقول لهم هذا القول، من شاء ~~أن يؤمن بالله ويصدقك فليؤمن، ومن شاء أن يكفر به ويكذبك فليكفر. ثم أكد ~~الوعيد وشدده فقال { إنا أعتدنا للظالمين } أي أعددنا ~~وهيأنا للظالمين الذين اختاروا الكفر بالله والجحد له والإنكار لأنبيائه ~~نارا عظيمة { أحاط بهم سرادقها } أي اشتمل عليهم. والسرادق ~~واحد السرادقات. قال الجوهري وهي التي تمد فوق صحن الدار، وكل بيت من ~~كرسف فهو سرادق، ومنه قول رؤبة # يا حكم بن المنذر بن جارود سرادق المجد عليك ممدود # وقال الشاعر # هو المدخل النعمان بيتا سماؤه صدور الفيول بعد بيت مسردق # يقوله سلام بن جندل لما قتل ملك الفرس ملك العرب النعمان بن المنذر تحت ~~أرجل الفيلة. وقال ابن الأعرابي سرادقها سورها. وقال القتيبي السرادق ~~الحجرة التي تكون حول الفسطاط. والمعنى أنه أحاط بالكفار سرادق النار على ~~تشبيه ما يحيط بهم من النار بالسرادق المحيط بمن فيه { وإن ms2246 ~~يستغيثوا } من حر النار { يغاثوا بماء كالمهل } وهو ~~الحديد المذاب. قال الزجاج إنهم يغاثون بماء كالرصاص المذاب أو الصفر، ~~وقيل هو دردي الزيت. وقال أبو عبيدة والأخفش هو كل ما أذيب من جواهر ~~الأرض من حديد ورصاص ونحاس. وقيل هو ضرب من القطران. ثم وصف هذا الماء ~~الذي يغاثون به بأنه { يشوى الوجوه } إذا قدم إليهم صارت وجوههم ~~مشوية لحرارته { بئس الشراب } شرابهم هذا { وساءت } النار { ~~مرتفقا } متكأ، يقال ارتفقت أي اتكأت، وأصل الارتفاق نصب المرفق، ~~ويقال ارتفق الرجل إذا نام على مرفقه، وقال القتيبي هو المجلس، وقيل، ~~المجتمع. # { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } هذا شروع في ~~وعد المؤمنين بعد الفراغ من وعيد الكافرين، والمعنى إن الذين آمنوا بالحق ~~الذي أوحي إليك وعملوا الصالحات من الأعمال { إنا لا نضيع أجر ~~من أحسن عملا } هذا خبر { إن الذين آمنوا } ، والعائد محذوف، أي ~~من أحسن منهم عملا، وجملة { أولئك لهم جنات عدن } ~~استئناف لبيان الأجر، والإشارة إلى من تقدم ذكره، وقيل يجوز أن يكون { ~~أولئك } خبر { إن الذين آمنوا } ، وتكون جملة { إنا لا نضيع } ~~اعتراضا، ويجوز أن يكون { أولئك } خبرا بعد خبر، وقد تقدم الكلام { في ~~جنات عدن } ، وفي كيفية جري الأنهار من تحتها { يحلون فيها من ~~أساور من ذهب } قال الزجاج أساور جمع أسورة، وأسورة جمع سوار، ~~وهي زينة تلبس في الزند من اليد وهي من زينة الملوك، قيل يحلى كل واحد ~~منهم ثلاثة أسورة واحد من فضة، واحد من لؤلؤ، وواحد من ذهب، وظاهر الآية ~~أنها جميعها من ذهب، ويمكن أن يكون قول القائل هذا جمعا بين الآيات ~~لقوله سبحانه في آية أخرى # أساور من فضة # الإنسان 21، ولقوله في آية أخرى # ولؤلؤا # الحج 23. و«من» في قوله { من أساور } للابتداء، وفي { من ذهب } ~~للبيان. وحكى الفراء " يحلون " بفتح الياء وسكون الحاء وفتح اللام، يقال ~~حليت المرأة تحلى فهي حالية إذا لبست الحلي { ويلبسون ثيابا ~~خضرا من سندس وإستبرق } قال الكسائي السندس الرقيق، واحده ~~سندسة، والإستبرق ما ثخن وكذا قال المفسرون، وقيل ms2247 الإستبرق هو الديباج ~~كما قال الشاعر # وإستبرق الديباج طورا لباسها # وقيل هو المنسوج بالذهب. قال القتيبي هو فارسي معرب. قال الجوهري ~~وتصغيره أبيرق، وخص الأخضر لأنه الموافق للبصر، ولكونه أحسن الألوان { ~~متكئين فيها على الأرائك } قال الزجاج الأرائك جمع أريكة، ~~وهي السرر في الحجال، وقيل هي أسرة من ذهب مكللة بالدر والياقوت، وأصل ~~اتكأ اوتكأ، وأصل متكئين موتكئين، والاتكاء التحامل على الشيء { نعم ~~الثواب } ذلك الذي أثابهم الله به { وحسنت } تلك الأرائك { ~~مرتفقا } أي متكأ وقد تقدم قريبا. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ملتحدا } قال ملتجأ. ~~وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب عن سلمان قال ~~جاءت المؤلفة قلوبهم عيينة بن بدر، والأقرع بن حابس فقالوا يا رسول الله ~~لو جلست في صدر المجلس وتغيبت عن هؤلاء وأرواح جبابهم، يعنون سلمان وأبا ~~ذر وفقراء المسلمين وكانت عليهم جباب الصوف، جالسناك وحادثناك وأخذنا ~~عنك، فأنزل الله { واتل ما أوحى إليك } إلى قوله { إنا ~~أعتدنا للظالمين نارا } ، زاد أبو الشيخ عن سلمان # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر ~~المسجد يذكرون الله تعالى فقال " الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن ~~أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا والممات " # وأخرج ابن جرير، والطبراني، وابن مردويه عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف ~~قال نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته { ~~واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشى } فخرج يلتمسهم فوجد قوما يذكرون الله منهم ثائر الرأس وحاف ~~الجلد وذو الثوب الخلق، فلما رآهم جلس معهم وقال # " الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم " # وأخرج البزار عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا جاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ورجل يقرأ سورة الحجر أو سورة الكهف فسكت، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم ms2248 " # ، وفي الباب روايات. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه عن نافع قال أخبرني عبد الله بن عمر في هذه الآية { واصبر ~~نفسك مع الذين يدعون ربهم } أنهم الذين يشهدون الصلوات ~~الخمس. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وابن مردويه من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده في قوله { ~~واصبر نفسك } الآية قال نزلت في صلاة الصبح وصلاة العصر. وأخرج ~~ابن مردويه من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله { ولا ~~تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا } قال نزلت في أمية بن ~~خلف، وذلك أنه دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمر كرهه الله من طرد ~~الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة، فأنزل الله هذه الآية، يعني من ختمنا ~~على قلبه يعني التوحيد { واتبع هواه } يعني الشرك { وكان ~~أمره فرطا } يعني فرطا في أمر الله وجهالة بالله. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن ابن بريدة قال دخل عيينة بن حصن على النبي في يوم حار، وعنده ~~سلمان عليه جبة صوف، فصار منه ريح العرق في الصوف، فقال عيينة يا محمد ~~إذا نحن أتيناك فأخرج هذا وضرباءه من عندك لا يؤذينا، فإذا خرجنا فأنت ~~وهم أعلم، فأنزل الله { ولا تطع من أغفلنا قلبه } الآية. ~~وقد ثبت في صحيح مسلم في سبب نزول الآية المتضمنة لمعنى هذه الآية، وهي ~~قوله تعالى # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى # الأنعام 52، عن سعد بن أبي وقاص قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم اطرد هؤلاء لا يجترئون ~~علينا، قال وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسمهما، ~~فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث ~~نفسه، فأنزل الله { ولا تطرد الذين يدعون ربهم } ~~الآية. # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ~~وكان أمره ms2249 فرطا } قال ضياعا. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة { ~~وقل الحق } قال هو القرآن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله { ~~فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } يقول من شاء الله له ~~الإيمان آمن، ومن شاء له الكفر كفر، وهو قوله # وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العلمين # التكوير 29. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال في الآية هذا تهديد ووعيد. ~~وأخرج ابن جرير عنه أيضا في قوله { أحاط بهم سرادقها } قال ~~حائط من نار. وأخرج أحمد، والترمذي، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وأبو ~~يعلى، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أبي ~~سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " لسرادق النار أربعة جدر، كثافة كل جدار منها مسيرة أربعين سنة " # وأخرج أحمد، والبخاري، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن يعلى ~~بن أمية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن البحر هو من جهنم، ثم تلا { نارا أحاط بهم سرادقها } ~~" # وأخرج أحمد، والترمذي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { بماء كالمهل } قال # " كعكر الزيت، فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه فيه " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~كالمهل } قال أسود كعكر الزيت. وأخرج ابن أبي شيبة، وهناد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عطية قال سئل ابن عباس عن المهل ~~فقال ماء غليظ كدردي الزيت. وأخرج هناد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن مسعود أنه سئل عن المهل، فدعا ~~بذهب وفضة فأذابه، فلما ذاب قال هذا أشبه شيء بالمهل الذي هو شراب أهل ~~النار ولونه لون السماء، غير أن شراب أهل النار أشد حرا من هذا. وأخرج ~~ابن جرير عن ابن ms2250 عمر قال هل تدرون ما المهل؟ المهل سهل الزيت، يعني آخره. ~~وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وساءت ~~مرتفقا } قال مجتمعا. # وأخرج البخاري، ومسلم عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " # وأخرج البيهقي عن أبي الخير مرثد بن عبد الله قال في الجنة شجرة تنبت ~~السندس منه يكون ثياب أهل الجنة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن عكرمة ~~قال الإستبرق الديباج الغليظ. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن الهيثم بن مالك الطائي قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " إن الرجل ليتكىء المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحول منه ولا يمله، ~~يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه " # وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس قال الأرائك السرر في جوف الحجال عليها الفرش منضود في ~~السماء فرسخ. وأخرج البيهقي في البعث عنه قال لا تكون أريكة حتى يكون ~~السرير في الحجلة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن عكرمة، أنه سئل عن ~~الأرائك فقال هي الحجال على السرر. ### || [18.32-44] # قوله { واضرب لهم مثلا رجلين } هذا المثل ضربه الله ~~سبحانه لمن يتعزز بالدنيا ويستنكف عن مجالسة الفقراء فهو على هذا متصل ~~بقوله { واصبر نفسك }. وقد اختلف في الرجلين هل هما مقدران أو ~~محققان؟ فقال بالأول بعض المفسرين. وقال بالآخر بعض آخر. واختلفوا في ~~تعيينهما، فقيل هما أخوان من بني إسرائيل، وقيل هما أخوان مخزوميان من ~~أهل مكة أحدهما مؤمن، والآخر كافر، وقيل هما المذكوران في سورة الصافات ~~في قوله # قال قائل منهم إنى كان لى قرين # الصافات 51. وانتصاب { مثلا } و { رجلين } على أنهما مفعولا { اضرب } ، ~~قيل والأول هو الثاني والثاني هو الأول { جعلنا لأحدهما ~~جنتين } هو الكافر، و { من أعنب } بيان لما في الجنتين أي ~~من كروم متنوعة { وحففناهما بنخل } الحف الإحاطة، ومنه # حافين من حول العرش ms2251 # الزمر 75 ويقال حف القوم بفلان يحفون حفا أي أطافوا به، فمعنى الآية ~~وجعلنا النخل مطيفا بالجنتين من جميع جوانبهما { وجعلنا ~~بينهما زرعا } أي بين الجنتين، وهو وسطهما، ليكون كل واحد منهما ~~جامعا للأقوات والفواكه. ثم أخبر سبحانه عن الجنتين بأن كل واحدة منهما ~~كانت تؤدي حملها وما فيها، فقال { كلتا الجنتين آتت ~~أكلها } أخبر عن { كلتا } ب { آتت } ، لأن لفظه مفرد، فراعى جانب ~~اللفظ. وقد ذهب البصريون إلى أن كلتا وكلا اسم مفرد غير مثنى. وقال ~~الفراء هو مثنى. وهو مأخوذ من كل فخففت اللام وزيدت الألف للتثنية. وقال ~~سيبويه ألف كلتا للتأنيث، والتاء بدل من لام الفعل، وهي واو، والأصل ~~كلوا. وقال أبو عمرو التاء ملحقة، وأكلهما هو ثمرهما، وفيه دلالة على أنه ~~قد صار صالحا للأكل. وقرأ عبد الله بن مسعود كل الجنتين آتى أكله. { ~~ولم تظلم منه شيئا } أي لم تنقص من أكلها شيئا، يقال ظلمه ~~حقه، أي نقصه، ووصف الجنتين بهذه الصفة للإشعار بأنهما على خلاف ما يعتاد ~~في سائر البساتين فإنها في الغالب تكثر في عام، وتقل في عام { ~~وفجرنا خللهما نهرا } أي أجرينا وشققنا وسط الجنتين ~~نهرا ليسقيهما دائما من غير انقطاع، وقرىء { فجرنا } بالتشديد ~~للمبالغة، وبالتخفيف على الأصل. { وكان له } أي لصاحب الجنتين { ~~ثمر } قرأ أبو جعفر وشيبة وعاصم ويعقوب وابن أبي إسحاق { ثمر } بفح ~~الثاء والميم. وكذلك قرؤوا في قوله { أحيط بثمره } وقرأ أبو عمرو ~~بضم الثاء وإسكان الميم فيهما. وقرأ الباقون بضمهما جميعا في الموضعين. ~~قال الجوهري الثمرة واحدة الثمر، وجمع الثمر ثمار، مثل جبل وجبال. قال ~~الفراء وجمع الثمار ثمر، مثل كتاب وكتب، وجمع الثمر أثمار، مثل عنق ~~وأعناق، وقيل الثمر جميع المال من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك، وقيل ~~هو الذهب والفضة خالصة { فقال لصحبه } أي قال صاحب الجنتين ~~الكافر لصاحبه المؤمن { وهو يحوره } أي والكافر يحاور المؤمن، ~~والمعنى يراجعه الكلام ويجاوبه، والمحاورة المراجعة، والتحاور التجاوب { ~~أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا } النفر الرهط، وهو ما ~~دون العشرة، ms2252 وأراد ها هنا الأتباع والخدم والأولاد. # { ودخل جنته } أي دخل الكافر جنة نفسه. قال المفسرون أخذ بيد ~~أخيه المسلم، فأدخله جنته يطوف به فيها، ويريه عجائبها، وإفراد الجنة هنا ~~يحتمل أن وجهه كونه لم يدخل أخاه إلا واحدة منهما، أو لكونهما لما اتصلا ~~كانا كواحدة، أو لأنه أدخله في واحدة، ثم واحدة أو لعدم تعلق الغرض ~~بذكرهما. وما أبعد ما قاله صاحب الكشاف أنه وحد الجنة للدلالة على أنه لا ~~نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، وجملة { وهو ظالم لنفسه ~~} في محل نصب على الحال أي وذلك الكافر ظالم لنفسه بكفره وعجبه { قال ~~ما أظن أن تبيد هذه أبدا } أي قال الكافر لفرط غفلته ~~وطول أمله ما أظن أن تفنى هذه الجنة التي تشاهدها. { وما أظن ~~الساعة قائمة } أنكر البعث بعد إنكاره لفناء جنته. قال الزجاج ~~أخبر أخاه بكفره بفناء الدنيا وقيام الساعة { ولئن رددت إلى ~~ربى لأجدن خيرا منها منقلبا } اللام هي الموطئة للقسم، ~~والمعنى أنه إن يرد إلى ربه فرضا وتقديرا كما زعم صاحبه، واللام في { ~~لأجدن } جواب القسم، والشرط أي لأجدن يومئذ خيرا من هذه الجنة. في ~~مصاحف مكة والمدينة والشام خيرا منهما وفي مصاحف أهل البصرة والكوفة { ~~خيرا منها } على الإفراد، و { منقلبا } منتصب على التمييز أي ~~مرجعا وعاقبة، قال هذا قياسا للغائب على الحاضر، وأنه لما كان غنيا في ~~الدنيا، سيكون غنيا في الأخرى، اغترارا منه بما صار فيه من الغنى الذي ~~هو استدراج له من الله. { قال له صحبه } أي قال للكافر صاحبه ~~المؤمن حال محاورته له منكرا عليه ما قاله { أكفرت بالذى ~~خلقك من تراب } بقولك { ما أظن الساعة قائمة } وقال ~~خلقك من تراب أي جعل أصل خلقك من تراب حيث خلق أباك آدم منه، وهو أصلك، ~~وأصل البشر فلكل فرد حظ من ذلك، وقيل يحتمل أنه كان كافرا بالله فأنكر ~~عليه ما هو عليه من الكفر، ولم يقصد أن الكفر حدث له بسبب هذه المقالة { ~~ثم من نطفة } وهي المادة القريبة ms2253 { ثم سواك رجلا } ~~أي صيرك إنسانا ذكرا، وعدل أعضاءك وكملك، وفي هذا تلويخ بالدليل على ~~البعث، وأن القادر على الابتداء قادر على الإعادة، وانتصاب { رجلا } على ~~الحال أو التمييز. { لكنا هو الله ربى } كذا قرأ الجمهور بإثبات ~~الألف بعد لكن المشددة. # وأصله لكن أنا، حذفت الهمزة وألقيت حركتها على النون الساكنة قبلها فصار ~~لكننا، ثم استثقلوا اجتماع النونين فسكنت الأولى وأدغمت الثانية، وضمير ~~هو للشأن، والجملة بعده خبره والمجموع خبر أنا، والراجع ياء الضمير، ~~وتقدير الكلام لكن أنا الشأن الله ربي. قال أهل العربية إثبات ألف أنا في ~~الوصل ضعيف. قال النحاس مذهب الكسائي والفراء والمازني أن الأصل لكن أنا، ~~وذكر نحو ما قدمنا. وروي عن الكسائي أن الأصل لكن الله هو ربي أنا. قال ~~الزجاج إثبات الألف في لكنا في الإدراج جيد لأنها قد حذفت الألف من أنا، ~~فجاءوا بها عوضا، قال وفي قراءة أبي لكن أنا هو الله ربي وقرأ ابن ~~عامر والمثنى عن نافع، وورش عن يعقوب { لكنا } في حال الوصل والوقف معا ~~بإثبات الألف، ومثله قول الشاعر # أنا سيف العشيرة فاعرفوني فإني قد تذربت السناما # ومنه قول الأعشى # فكيف أنا وألحان القوافي وبعد الشيب كفى ذاك عارا # ولا خلاف في إثباتها في الوقف، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو ~~العالية، وروي عن الكسائي لكن هو الله ربي ثم نفى عن نفسه الشرك بالله، ~~فقال { ولا أشرك بربى أحدا } وفيه إشارة إلى أن أخاه كان ~~مشركا، ثم أقبل عليه يلومه فقال { ولولا إذ دخلت جنتك ~~قلت ما شاء الله } لولا للتحضيض، أي هلا قلت عندما دخلتها هذا ~~القول. قال الفراء والزجاج " ما " في موضع رفع على معنى الأمر ما شاء ~~الله، أي هلا قلت حين دخلتها الأمر بمشيئة الله، وما شاء الله كان، ~~ويجوز أن تكون " ما " مبتدأ والخبر مقدر، أي ما شاء الله كائن، ويجوز أن ~~تكون " ما " شرطية والجواب محذوف، أي أي شيء شاء الله كان { لا قوة ~~إلا بالله } أي هلا قلت ما شاء ms2254 الله لا قوة إلا بالله، تحضيضا ~~له على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله، إن شاء أبقاها وإن شاء ~~أفناها، وعلى الاعتراف بالعجز، وأن ما تيسر له من عمارتها إنما هو بمعونة ~~الله لا بقوته وقدرته. قال الزجاج لا يقوى أحد على ما في يده من ملك ~~ونعمة إلا بالله، ولا يكون إلا ما شاء الله. ثم لما علمه الإيمان وتفويض ~~الأمور إلى الله سبحانه أجابه على افتخاره بالمال والنفر فقال { إن ~~ترن أنا أقل منك مالا وولدا } المفعول الأول ياء ~~الضمير، و " أنا " ضمير فصل، و { أقل } المفعول الثاني للرؤية إن كانت ~~علمية، وإن جعلت بصرية كان انتصاب أقل على الحال، ويجوز أن يكون { أنا } ~~تأكيد لياء الضمير، وانتصاب { مالا } و { ولدا } على التمييز. { فعسى ~~ربى أن يؤتين خيرا من جنتك } هذا جواب الشرط، أي إن ~~ترني أفقر منك، فأنا أرجو أن يرزقني الله سبحانه جنة خيرا من جنتك في ~~الدنيا أو في الآخرة أو فيهما { ويرسل عليها حسبانا } أي ~~ويرسل على جنتك حسبانا، والحسبان مصدر، بمعنى الحساب كالغفران، أي ~~مقدارا قدره الله عليها، ووقع في حسابه سبحانه، وهو الحكم بتخريبها. # قال الزجاج الحسبان من الحساب أي يرسل عليها عذاب الحساب، وهو حساب ما ~~كسبت يداك. وقال الأخفش حسبانا أي مرامي { من السماء } واحدها ~~حسبانه، وكذا قال أبو عبيدة والقتيبي. وقال ابن الأعرابي الحسبانة ~~السحابة، والحسبانة الوسادة، والحسبانة الصاعقة، وقال النضر بن شميل ~~الحسبان سهام يرمي بها الرجل في جوف قصبة تنزع في قوس، ثم يرمي بعشرين ~~منها دفعة، والمعنى يرسل عليها مرامي من عذابه إما برد، وإما حجارة أو ~~غيرهما مما يشاء من أنواع العذاب. ومنه قول أبي زياد الكلابي # أصاب الأرض حسبان # أي جراد { فتصبح صعيدا زلقا } أي فتصبح جنة الكافر بعد إرسال ~~الله سبحانه عليها حسبانا صعيدا، أي أرضا لا نبات بها وقد تقدم ~~تحقيقه { زلقا } أي تزل فيها الأقدام لملاستها، يقال مكان زلق بالتحريك ~~أي دحض، وهو في الأصل مصدر قولك زلقت رجله تزلق زلقا ms2255 وأزلقها غيره، ~~والمزلقة الموضع الذي لا يثبت عليه قدم، وكذا الزلاقة، وصف الصعيد ~~بالمصدر مبالغة، أو أريد به المفعول، وجملة { أو يصبح ماؤها ~~غورا } معطوفة على الجملة التي قبلها، والغور الغائر. وصف الماء ~~بالمصدر مبالغة، والمعنى أنها تصير عادمة للماء بعد أن كانت واجدة له، ~~وكان خلالها ذلك النهر يسقيها دائما، ويجيء الغور بمعنى الغروب، ومنه ~~قول أبي ذوئيب # هل الدهر إلا ليلة ونهارها وإلا طلوع الشمس ثم غيارها # { فلن تستطيع له طلبا } أي لن تستطيع طلب الماء الغائر ~~فضلا عن وجوده ورده ولا تقدر عليه بحيلة من الحيل، وقيل المعنى فلن ~~تستطيع طلب غيره عوضا عنه. ثم أخبر سبحانه عن وقوع ما رجاه ذلك المؤمن ~~وتوقعه من إهلاك جنة الكافر فقال { وأحيط بثمره } قد قدمنا ~~اختلاف القراء في هذا الحرف وتفسيره، وأصل الإحاطة من إحاطة العدو ~~بالشخص كما تقدم في قوله # إلا أن يحاط بكم # يوسف 66، وهي عبارة عن إهلاكه وإفنائه، وهو معطوف على مقدر كأنه قيل ~~فوقع ما توقعه المؤمن وأحيط بثمره { فأصبح يقلب كفيه } أي ~~يضرب إحدى يديه على الأخرى وهو كناية عن الندم، كأنه قيل فأصبح يندم { ~~على ما أنفق فيها } أي في عمارتها وإصلاحها من الأموال، وقيل ~~المعنى يقلب ملكه فلا يرى فيه عوض ما أنفق، لأن الملك قد يعبر عنه باليد ~~من قولهم في يده مال، وهو بعيد جدا، وجملة { وهى خاوية على ~~عروشها } في محل نصب على الحال، أي والحال أن تلك الجنة ساقطة على ~~دعائمهم التي تعمد بها الكروم أو ساقط بعض تلك الجنة على بعض، مأخوذ من ~~خوت النجوم تخوى إذا سقطت ولم تمطر في نوئها، ومنه قوله تعالى # فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا # النمل 52 قيل وتخصيص ماله عروش بالذكر دون النخل والزرع لأنه الأصل، ~~وأيضا إهلاكها مغن عن ذكر إهلاك الباقي، وجملة { ويقول يليتنى ~~لم أشرك بربى أحدا } معطوفة على { يقلب كفيه } ، أو حال من ~~ضميره، أي وهو يقول تمنى عند مشاهدته لهلاك جنته بأنه لم يشرك بالله حتى ms2256 ~~تسلم جنته من الهلاك، أو كان هذا القول منه على حقيقته، لا لما فاته من ~~الغرض الدنيوي، بل لقصد التوبة من الشرك والندم على ما فرط منه. { ولم ~~تكن له فئة ينصرونه من دون الله } { فئة } اسم كان و ~~{ له } خبرها، و { ينصرونه } صفة لفئة، أي فئة ناصرة، ويجوز أن تكون { ~~ينصرونه } الخبر، ورجح الأول سيبويه، ورجح الثاني المبرد، واحتج بقوله # ولم يكن له كفوا أحد # الإخلاص 4 والمعنى أنه لم تكن له فرقة وجماعة يلتجىء إليها وينتصر بها، ~~ولا نفعه النفر الذين افتخر بهم فيما سبق { وما كان } في نفسه { ~~منتصرا } أي ممتنعا بقوته عن إهلاك الله لجنته، وانتقامه منه. { ~~هنالك الولية لله الحق } قرأ أبو عمرو والكسائي " الحق ~~" بالرفع نعتا للولاية، وقرأ أهل المدينة وأهل مكة وعاصم وحمزة { الحق } ~~بالجر نعته لله سبحانه. قال الزجاج ويجوز النصب على المصدر والتوكيد كما ~~تقول هذا لك حقا. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي " الولاية " بكسر الواو، ~~وقرأ الباقون بفتحها، وهما لغتان بمعنى، والمعنى هنالك، أي في ذلك ~~المقام، النصرة لله وحده لا يقدر عليها غيره، وقيل هو على التقديم ~~والتأخير، أي الولاية لله الحق هنالك { هو خير ثوابا وخير ~~عقبا } أي هو سبحانه خير ثوابا لأوليائه في الدنيا والآخرة { ~~وخير عقبا } أي عاقبة، قرأ الأعمش وعاصم وحمزة { عقبا } بسكون ~~القاف، وقرأ الباقون بضمها، وهما بمعنى واحد، أي هو خير عاقبة لمن رجاه ~~وآمن به، يقال هذا عاقبة أمر فلان، وعقباه أي أخراه. وقد أخرج ابن أبي ~~حاتم عن السدي في قوله { جعلنا لأحدهما جنتين } قال الجنة ~~هي البستان، فكان له بستان واحد وجدار واحد، وكان بينهما نهر، فلذلك كانا ~~جنتين، ولذلك سماه جنة من قبل الجدار الذي عليها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~يحيى بن أبي عمرو الشيباني قال نهر أبي قرطس نهر الجنتين. قال ابن أبي ~~حاتم وهو نهر مشهور بالرملة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس { ولم تظلم منه شيئا } قال لم تنقص، كل شجر الجنة ~~أطعم. ms2257 وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه { وكان له ~~ثمر } يقول مال. # وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة، قال ~~قرأها ابن عباس " وكان له ثمر " بالضم، وقال هي أنواع المال. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد { وكان له ~~ثمر } قال ذهب وفضة. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة { وهو ظالم ~~لنفسه } يقول كفور لنعمة ربه. وأخرج ابن أبي حاتم عن أسماء بنت عميس ~~قالت علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن عند الكرب # " الله الله ربي لا أشرك به شيئا " # وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن يحيى بن سليم الطائفي عمن ~~ذكره قال «طلب موسى من ربه حاجة فأبطأت عليه فقال ما شاء الله، فإذا ~~حاجته بين يديه، فقال يا رب إني أطلب حاجتي منذ كذا وكذا أعطيتها الآن، ~~فأوحى الله إليه يا موسى، أما علمت أن قولك ما شاء الله أنجح ما طلبت به ~~الحوائج». وأخرج أبو يعلى، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أنس قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل أو مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا ~~قوة إلا بالله إلا دفع الله عنه كل آفة حتى تأتيه منيته، وقرأ { ~~ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة ~~إلا بالله } " # ، وفي إسناده عيسى بن عون، عن عبد الملك بن زرارة، عن أنس. قال أبو ~~الفتح الأزدي عيسى بن عون، عن عبد الملك بن زرارة، عن أنس لا يصح حديثه. ~~وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن أنس نحوه موقوفا. وأخرج البيهقي في ~~الشعب عنه نحوه مرفوعا. وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة قال قال لي نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم # " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟ قلت نعم، قال أن تقول لا ~~قوة إلا بالله " # وقد ثبت في الصحيح ms2258 من حديث أبي موسى، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~له # " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله " # ، وقد وردت أحاديث وآثار عن السلف في فضل هذه الكلمة. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله { فتصبح صعيدا زلقا } قال ~~مثل الجرز. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~قوله { حسبانا من السماء } قال عذابا { فتصبح صعيدا زلقا } ~~أي قد حصد ما فيها فلم يترك فيها شيء { أو يصبح ماؤها غورا } ~~أي ذاهبا قد غار في الأرض { وأحيط بثمره فأصبح يقلب ~~كفيه } قال يصفق { على ما أنفق فيها } متلهفا على ما ~~فاته. ### || [18.45-46] # ثم ضرب سبحانه مثلا آخر لجبابرة قريش فقال { واضرب لهم مثل ~~الحيوة الدنيا } أي اذكر لهم ما يشبه الحياة الدنيا في حسنها ~~ونضارتها وسرعة زوالها لئلا يركنوا إليها، وقد تقدم هذا المثل في سورة ~~يونس، ثم بين سبحانه هذا المثل فقال { كماء أنزلناه من ~~السماء } ويجوز أن يكون هذا هو المفعول الثاني { لقوله } اضرب على ~~جعله بمعنى صير { فاختلط به نبات الأرض } أي اختلط بالماء ~~نبات الأرض حتى استوى وقيل المعنى إن النبات اختلط بعضه ببعض حين نزل ~~عليه الماء، لأن النبات إنما يختلط ويكثر بالمطر، فتكون الباء في { به } ~~سببية { فأصبح } النبات { هشيما } الهشيم الكسير، وهو من النبات ~~ما تكسر بسبب انقطاع الماء عنه وتفتت، ورجل هشيم ضعيف البدن، وتهشم عليه ~~فلان إذا تعطف. واهتشم ما في ضرع الناقة إذا احتلبه، وهشم الثريد كسره ~~وثرده، ومنه قول ابن الزبعري # عمرو الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف # { تذروه الرياح } تفرقه. قال أبو عبيدة وابن قتيبة تذروه تنسفه. ~~وقال ابن كيسان تذهب به وتجيء، والمعنى متقارب. وقرأ طلحة بن مصرف تذريه ~~الريح قال الكسائي وفي قراءة عبد الله تذريه يقال ذرته الريح تذروه، ~~وأذرته تذريه. وحكى الفراء أذريت الرجل عن فرسه أي قلبته { وكان ~~الله على كل شىء مقتدرا } أي على كل شيء ms2259 من الأشياء ~~يحييه ويفنيه بقدرته لا يعجز عن شيء { المال والبنون زينة ~~الحيوة الدنيا } هذا رد على الرؤساء الذين كانوا يفتخرون ~~بالمال والغنى والأبناء فأخبرهم سبحانه أن ذلك مما يتزين به في الدنيا لا ~~مما ينفع في الآخرة، كما قال في الآية الأخرى # إنما أمولكم وأولدكم فتنة # التغابن 15. وقال # إن من أزوجكم وأولدكم عدوا لكم ~~فاحذروهم # التغابن 14. ولهذا عقب هذه الزينة الدنيوية بقوله { والبقيات ~~الصلحات } أي أعمال الخير، وهي ما كان يفعله فقراء المسلمين من ~~الطاعات { خير عند ربك ثوابا } أي أفضل من هذه الزينة بالمال ~~والبنين ثوابا، وأكثر عائدة ومنفعة لأهلها { وخير أملا } أي أفضل ~~أملا، يعني أن هذه الأعمال الصالحة لأهلها من الأمل أفضل مما يؤمله أهل ~~المال والبنين، لأنهم ينالون بها في الآخرة أفضل مما كان يؤمله هؤلاء ~~الأغنياء في الدنيا، وليس في زينة الدنيا خير حتى تفضل عليها الآخرة، ~~ولكن هذا التفضيل خرج مخرج قوله تعالى # أصحب الجنة يومئذ خير مستقرا # الفرقان 24. والظاهر أن الباقيات الصالحات كل عمل خير فلا وجه لقصرها ~~على الصلاة كما قال بعض، ولا لقصرها على نوع من أنواع الذكر كما قاله بعض ~~آخر، ولا على ما كان يفعله فقراء المهاجرين باعتبار السبب، لأن العبرة ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبهذا تعرف أن تفسير الباقيات الصالحات في ~~الأحاديث بما سيأتي لا ينافي إطلاق هذا اللفظ على ما هو عمل صالح من ~~غيرها. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن علي قال { المال والبنون } حرث ~~الدنيا والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد جمعهما الله لأقوام. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { والبقيات ~~الصلحات } قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر. وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال # " استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل وما هن يا رسول الله؟ قال ~~التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا ms2260 حول ولا قوة إلا بالله " # ، وأخرج الطبراني وابن شاهين وابن مردويه عن أبي الدرداء مرفوعا بلفظ # " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله، هن الباقيات الصالحات " # وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في الصغير، والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا # " خذوا جنتكم، قيل يا رسول الله من أي عدو قد حضر؟ قال بل ~~جنتكم من النار قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات معقبات ومجنبات، وهي الباقيات ~~الصالحات " # وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، وابن مردويه عن النعمان بن بشير، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " ألا وإن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، الباقيات ~~الصالحات " # وأخرج ابن مردويه نحوه من حديث أنس مرفوعا، وزاد التكبير وسماهن ~~الباقيات الصالحات. وأخرج ابن مردويه نحوه من حديث أبي هريرة. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه من حديث عائشة مرفوعا نحوه، وزادت # " ولا حول ولا قوة إلا بالله " # وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه من حديث علي مرفوعا نحوه. وأخرج ابن ~~مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس مرفوعا فذكر نحوه دون الحوقلة. وأخرج ~~الطبراني عن سعد بن جنادة مرفوعا نحوه. وأخرج البخاري في تاريخه، وابن ~~جرير عن ابن عمر من قوله نحوه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه عن ابن عباس من قوله نحوه. وكل هذه الأحاديث مصرحة بأنها الباقيات ~~الصالحات، وأما ما ورد في فضل هذه الكلمات من غير تقييد بكونها المرادة ~~في الآية فأحاديث كثيرة لا فائدة في ذكرها هنا. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة قال كل شيء من طاعة الله، فهو من ~~الباقيات الصالحات. ### || [18.47-53] # وقوله { ويوم نسير الجبال } قرأ الحسن وابن كثير وأبو عمرو ~~وابن عامر " تسير " بمثناة فوقية مضمومة وفتح الياء التحتية على البناء ~~للمفعول، ورفع الجبال على النيابة عن الفاعل. ms2261 وقرأ ابن محيصن ومجاهد تسير ~~بفتح التاء الفوقية والتخفيف على أن الجبال فاعل. وقرأ الباقون نسير ~~بالنون على أن الفاعل هو الله سبحانه والجبال منصوبة على المفعولية، ~~ويناسب القراءة الأولى قوله تعالى # وإذا الجبال سيرت # التكوير 3، ويناسب القراءة الثانية قوله تعالى # وتسير الجبال سيرا # الطور 10، واختار القراءة الثالثة أبو عبيدة لأنها المناسبة لقوله { ~~وحشرنهم } قال بعض النحويين التقدير والباقيات الصالحات خير عند ~~ربك يوم نسير الجبال، وقيل العامل في الظرف فعل محذوف، والتقدير واذكر ~~يوم نسير الجبال، ومعنى تسيير الجبال إزالتها من أماكنها وتسييرها كما ~~تسير السحاب، ومنه قوله تعالى # وهى تمر مر السحاب # النمل 88، ثم تعود إلى الأرض بعد أن جعلها الله كما قال # وبست الجبال بسا * فكانت هباء منبثا # الواقعة 5 6. والخطاب في قوله # وترى الأرض بارزة # الكهف 47 لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح للرؤية، ومعنى ~~بروزها ظهورها وزوال ما يسترها من الجبال والشجر والبنيان. وقيل المعنى ~~ببروزها بروز ما فيها من الكنوز والأموات كما قال سبحانه # وألقت ما فيها وتخلت # الإنشقاق 4، وقال # وأخرجت الأرض أثقالها # الزلزلة 2. فيكون المعنى وترى الأرض بارزا ما في جوفها { ~~وحشرنهم } أي الخلائق، ومعنى الحشر الجمع أي جمعناهم إلى الموقف ~~من كل مكان { فلم نغادر منهم أحدا } فلم نترك منهم أحدا، ~~يقال غادره وأغدره إذا تركه، قال عنترة # غادرته متعفرا أوصاله والقوم بين مجرح ومجندل # أي تركته، ومنه الغدر، لأن الغادر ترك الوفاء للمغدور، قالوا وإنما سمي ~~الغدير غديرا، لأن الماء ذهب وتركه، ومنه غدائر المرأة لأنها تجعلها ~~خلفها { وعرضوا على ربك صفا } انتصاب { صفا } على الحال ~~أي مصفوفين كل أمة وزمرة صف، وقيل عرضوا صفا واحدا كما في قوله # ثم ائتوا صفا # طه 64 أي جميعا، وقيل قياما. وفي الآية تشبيه حالهم بحال الجيش الذي ~~يعرض على السلطان { لقد جئتمونا كما خلقنكم أول ~~مرة } هو على إضمار القول، أي قلنا لهم لقد جئتمونا، والكاف في { كما ~~خلقناكم } نعت مصدر محذوف، أي مجيئا كائنا كمجيئكم عند أن خلقناكم ms2262 أول ~~مرة، أو كائنين كما خلقناكم أول مرة، أي حفاة عراة غرلا، كما ورد ذلك ~~في الحديث. قال الزجاج أي بعثناكم وأعدناكم كما خلقناكم، لأن قوله { لقد ~~جئتمونا } معناه بعثناكم { بل زعمتم أن لن نجعل لكم ~~موعدا } هذا إضراب وانتقال من كلام إلى كلام للتقريع والتوبيخ، وهو ~~خطاب لمنكري البعث، أي زعمتم في الدنيا أن لن تبعثوا، وأن لن نجعل لكم ~~موعدا نجازيكم بأعمالكم وننجز ما وعدناكم به من البعث والعذاب. # وجملة { ووضع الكتب } معطوفة على { عرضوا } ، والمراد بالكتاب ~~صحائف الأعمال، وأفرده لكون التعريف فيه للجنس، والوضع إما حسي بأن يوضع ~~صحيفة كل واحد في يده السعيد في يمينه، والشقي في شماله، أو في الميزان. ~~وإما عقلي، أي أظهر عمل كل واحد من خير وشر بالحساب الكائن في ذلك اليوم ~~{ فترى المجرمين مشفقين مما فيه } أي خائفين وجلين ~~مما في الكتاب الموضوع لما يتعقب ذلك من الافتضاح في ذلك الجمع، ~~والمجازاة بالعذاب الأليم { ويقولون يويلتنا } يدعون على ~~أنفسهم بالويل لوقوعهم في الهلاك، ومعنى هذا النداء قد تقدم تحقيقه في ~~المائدة { مال هذا الكتب لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها } أي أي شيء له لا يترك معصية صغيرة ولا ~~معصية كبيرة إلا حواها وضبطها وأثبتها { ووجدوا ما عملوا } في ~~الدنيا من المعاصي الموجبة للعقوبة، أو وجدوا جزاء ما عملوا { حاضرا } ~~مكتوبا مثبتا { ولا يظلم ربك أحدا } أي لا يعاقب أحدا من ~~عباده بغير ذنب، ولا ينقص فاعل الطاعة من أجره الذي يستحقه. ثم إنه ~~سبحانه عاد إلى الرد على أرباب الخيلاء من قريش، فذكر قصة آدم واستكبار ~~إبليس عليه فقال { وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لآدم } ~~أي واذكر وقت قولنا لهم اسجدوا سجود تحية وتكريم، كما مر تحقيقه { ~~فجسدوا } طاعة لأمر الله وامتثالا لطلبه السجود { إلا إبليس } ~~فإنه أبى واستكبر ولم يسجد، وجملة { كان من الجن } مستأنفة لبيان ~~سبب عصيانه وأنه كان من الجن ولم يكن من الملائكة فلهذا عصى. ومعنى { ~~ففسق عن أمر ربه } أنه خرج عن طاعة ربه. قال ms2263 الفراء العرب ~~تقول فسقت الرطبة عن قشرها لخروجها منه. قال النحاس اختلف في معنى { ~~ففسق عن أمر ربه } على قولين الأول مذهب الخليل وسيبويه أن ~~المعنى أتاه الفسق لما أمر فعصى فكان سبب الفسق أمر ربه، كما تقول أطعمه ~~عن جوع. والقول الآخر قول قطرب أن المعنى على حذف المضاف أي فسق عن ترك ~~أمره. ثم إنه سبحانه عجب من حال من أطاع إبليس في الكفر والمعاصي وخالف ~~أمر الله فقال { أفتتخذونه وذريته أولياء } كأنه قال ~~أعقيب ما وجد منه من الإباء والفسق تتخذونه وتتخذون ذريته، أي أولاده ~~وقيل أتباعه مجازا { أولياء من دونى } فتطيعونهم بدل طاعتي ~~وتستبدلونهم بي، والحال أنهم أي إبليس وذريته { لكم عدو } أي ~~أعداء. وأفرده لكونه اسم جنس، أو لتشبيهه بالمصادر كما في قوله # فإنهم عدو لى # الشعراء 77. وقوله # هم العدو # المنافقون 4 أي كيف تصنعون هذا الصنع وتستبدلون بمن خلقكم وأنعم عليكم ~~بجميع ما أنتم فيه من النعم؟ بمن لم يكن لكم منه منفعة قط، بل هو عدو ~~لكم يترقب حصول ما يضركم في كل وقت { بئس للظلمين بدلا } ~~أي الواضعين للشيء في غير موضعه المستبدلين بطاعة ربهم طاعة الشيطان، ~~فبئس ذلك البدل الذي استبدلوه بدلا عن الله سبحانه. # { ما أشهدتهم خلق السموات والأرض } قال أكثر ~~المفسرون إن الضمير للشركاء، والمعنى أنهم لو كانوا شركاء لي في خلق ~~السموات والأرض وفي خلق أنفسهم لكانوا مشاهدين خلق ذلك مشاركين لي فيه، ~~ولم يشاهدوا ذلك ولا أشهدتهم إياه أنا فليسوا لي بشركاء. وهذا استدلال ~~بانتفاء الملزوم المساوي على انتفاء اللازم، وقيل الضمير للمشركين الذين ~~التمسوا طرد فقراء المؤمنين، والمراد أنهم ما كانوا شركاء لي في تدبير ~~العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم ما اعتضدت بهم بل هم كسائر الخلق، وقيل المعنى أن هؤلاء ~~الظالمين جاهلون بما جرى به القلم في الأزل، لأنهم لم يكونوا مشاهدين خلق ~~العالم، فكيف يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند الله، والأول من هذه ~~الوجوه أولى لما يلزم ms2264 في الوجهين الآخرين من تفكيك الضميرين، وهذه الجملة ~~مستأنفة لبيان عدم استحقاقهم للاتخاذ المذكور، وقرأ أبو جعفر ما أشهدناهم ~~وقرأ الباقون ما أشهدتهم ويؤيده { وما كنت متخذ المضلين ~~عضدا } والعضد يستعمل كثيرا في معنى العون، وذلك أن العضد قوام اليد، ~~ومنه قوله # سنشد عضدك بأخيك # القصص 35 أي سنعينك ونقويك به، ويقال أعضدت بفلان إذا استعنت به، وذكر ~~العضد على جهة المثل، وخص المضلين بالذكر لزيادة الذم والتوبيخ. ~~والمعنى ما استعنت على خلق السموات والأرض بهم ولا شاورتهم وما كنت متخذ ~~الشياطين أو الكافرين أعوانا، ووحد العضد لموافقة الفواصل، وقرأ أبو ~~جعفر الجحدري وما كنت بفتح التاء على أن الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم أي وما كنت يا محمد متخذا لهم عضدا ولا صح لك ذلك، وقرأ الباقون ~~بضم التاء. وفي عضد لغات ثمان أفصحها فتح العين وضم الضاد، وبها قرأ ~~الجمهور. وقرأ الحسن «عضد» بضم العين والضاد. وقرأ عكرمة بضم العين ~~وإسكان الضاد، وقرأ الضحاك بكسر العين وفتح الضاد، وقرأ عيسى بن عمر ~~بفتحهما، ولغة تميم فتح العين وسكون الضاد. ثم عاد سبحانه إلى ترهيبهم ~~بأحوال القيامة فقال { ويوم يقول نادوا شركائى الذين ~~زعمتم } قرأ حمزة ويحيى بن وثاب وعيسى بن عمر " نقول " بالنون، ~~وقرأ الباقون بالياء التحتية أي اذكر يوم يقول الله عز وجل للكفار ~~توبيخا لهم وتقريعا نادوا شركائي الذين زعمتم أنهم ينفعونكم ويشفعون ~~لكم، وأضافهم سبحانه إلى نفسه جريا على ما يعتقده المشركون، تعالى الله ~~عن ذلك { فدعوهم } أي فعلوا ما أمرهم الله به من دعاء الشركاء { ~~فلم يستجيبوا لهم } إذ ذاك، أي لم يقع منهم مجرد الاستجابة ~~لهم، فضلا عن أن ينفعوهم أو يدفعوا عنهم { وجعلنا بينهم ~~موبقا } أي جعلنا بين هؤلاء المشركين وبين من جعلوهم شركاء لله ~~موبقا، ذكر جماعة من المفسرين أنه اسم واد عميق فرق الله به تعالى ~~بينهم، وعلى هذا فهو اسم مكان. # قال ابن الأعرابي كل حاجز بين شيئين فهو موبق. وقال الفراء الموبق ~~المهلك. والمعنى جعلنا تواصلهم في ms2265 الدنيا مهلكا لهم في الآخرة، يقال وبق ~~يوبق فهو وبق. هكذا ذكره الفراء في المصادر. وحكى الكسائي وبق يبق وبوقا ~~فهو وابق، والمراد بالمهلك على هذا هو عذاب النار يشتركون فيه. والأول ~~أولى، لأن من جملة من زعموا أنهم شركاء لله الملائكة وعزير والمسيح، ~~فالموبق هو المكان الحائل بينهم. وقال أبو عبيدة الموبق هنا الموعد ~~للهلاك، وقد ثبت في اللغة أوبقه بمعنى أهلكه، ومنه قول زهير # ومن يشتري حسن الثناء بماله يصن عرضه عن كل شنعاء موبق # ولكن المناسب لمعنى الآية هو المعنى الأول. { ورأى المجرمون ~~النار فظنوا أنهم مواقعوها } { المجرمون } موضوع موضع ~~الضمير للإشارة إلى زيادة الذم لهم بهذا الوصف المسجل عليهم به، والظن ~~هنا بمعنى اليقين. والمواقعة المخالطة بالوقوع فيها، وقيل إن الكفار يرون ~~النار من مكان بعيد فيظنون ذلك ظنا { ولم يجدوا عنها ~~مصرفا } أي معدلا يعدلون إليه، أو انصرافا، لأن النار قد أحاطت بهم ~~من كل جانب. قال الواحدي المصرف الموضع الذي ينصرف إليه. وقال القتيبي أي ~~معدلا ينصرفون إليه، وقيل ملجأ يلجأون إليه. والمعنى متقارب في الجميع. ~~وقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وترى الأرض بارزة } ~~قال ليس عليها بناء ولا شجر. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~نحوه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله { لا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة } قال الصغيرة التبسم، والكبيرة الضحك. وزاد ابن أبي ~~الدنيا وابن أبي حاتم عنه قال الصغيرة التبسم بالاستهزاء بالمؤمنين، ~~والكبيرة القهقهة بذلك. وأقول صغيرة وكبيرة نكرتان في سياق النفي، فيدخل ~~تحت ذلك كل ذنب يتصف بصغر، وكل ذنب يتصف بالكبر، فلا يبقى من الذنوب شيء ~~إلا أحصاه الله وما كان من الذنوب ملتبسا بين كونه صغيرا أو كبيرا، ~~فذلك إنما هو بالنسبة إلى العباد لا بالنسبة إلى الله سبحانه. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس ~~قال إن من الملائكة قبيلة يقال لهم الجن، فكان إبليس منهم، وكان يوسوس ~~ما بين ms2266 السماء والأرض، فعصى فسخط الله عليه فمسخه الله شيطانا رجيما. ~~وأخرج ابن جرير عنه في قوله { كان من الجن } قال كان خازن الجنان، ~~فسمي بالجان. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضا قال إن إبليس كان ~~من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنا على الجنان. # وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن قال قاتل الله أقواما زعموا ~~أن إبليس كان من الملائكة، طرفة عين، إنه لأصل الجن كما أن آدم أصل ~~الإنس. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { ما أشهدتهم ~~خلق السموات والأرض } قال يقول ما أشهدت الشياطين الذين ~~اتخذتم معي هذا { وما كنت متخذ المضلين عضدا } قال ~~الشياطين عضدا، قال ولا اتخذتهم عضدا على شيء عضدوني عليه فأعانوني. ~~وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ~~في قوله { وجعلنا بينهم موبقا } يقول مهلكا. وأخرج ابن ~~أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد مثله. وأخرج أبو عبيد، وهناد، وابن المنذر ~~عنه قال واد في جهنم. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن أنس في الآية قال واد ~~في جهنم من قيح ودم. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~والبيهقي عن ابن عمرو قال هو واد عميق في النار فرق الله به يوم القيامة ~~بين أهل الهدى وأهل الضلالة، وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم، عن قتادة في قوله { فظنوا أنهم مواقعوها } قال ~~علموا. ### || [18.54-59] # لما ذكر سبحانه افتخار الكفرة على فقراء المسلمين بأموالهم وعشائرهم، ~~وأجابهم عن ذلك وضرب لهم الأمثال الواضحة، حكى بعض أهوال الآخرة فقال { ~~ولقد صرفنا } أي كررنا ورددنا { فى هذا القرآن للناس } أي ~~لأجلهم ولرعاية مصلحتهم ومنفعتهم { من كل مثل } من الأمثال التي من ~~جملتها الأمثال المذكورة في هذه السورة، وقد تقدم تفسير هذه الآية في ~~سورة بني إسرائيل، وحين لم يترك الكفار ما هم فيه من الجدال بالباطل، ختم ~~الآية ms2267 بقوله { وكان الإنسن أكثر شىء جدلا } قال الزجاج ~~المراد بالإنسان الكافر، واستدل على أن المراد الكافر بقوله تعالى { ~~ويجدل الذين كفروا بالبطل } وقيل المراد به في ~~الآية النضر بن الحارث، والظاهر العموم وأن هذا النوع أكثر الأشياء التي ~~يتأتى منها الجدال جدلا، ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ~~علي أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة ليلا، فقال " ألا ~~تصليان؟ " فقلت يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا ~~بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئا، ثم سمعته يضرب فخذه ~~ويقول { وكان الإنسن أكثر شىء جدلا } ، وانتصاب جدلا ~~على التمييز. { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ~~الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة ~~الأولين } قد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة بني إسرائيل، وذكرنا ~~أن أن الأولى في محل نصب، والثانية في محل رفع، والهدى القرآن ومحمد صلى ~~الله عليه وسلم، والناس هنا هم أهل مكة، والمعنى على حذف مضاف، أي ما منع ~~الناس من الإيمان والاستغفار إلا طلب إتيان سنة الأولين، أو انتظار ~~إتيان سنة الأولين، وزاد الاستغفار في هذه السورة لأنه قد ذكر هنا ما ~~فرط منهم من الذنوب التي من جملتها جدالهم بالباطل، وسنة الأولين هو ~~أنهم إذا لم يؤمنوا عذبوا عذاب الاستئصال. قال الزجاج سنتهم هو قولهم # إن كان هذا هو الحق من عندك # الآية الأنفال 2 { أو يأتيهم العذاب } أي عذاب الآخرة { ~~قبلا } قال الفراء إن قبلا جمع قبيل، أي متفرقا يتلو بعضه بعضا، ~~وقيل عيانا، وقيل فجأة. ويناسب ما قاله الفراء قراءة أبي جعفر وعاصم ~~والأعمش وحمزة والكسائي ويحيى بن وثاب وخلف { قبلا } بضمتين فإنه جمع ~~قبيل، نحو سبيل وسبل، والمراد أصناف العذاب، ويناسب التفسير الثاني، أي ~~عيانا، قراءة الباقين بكسر القاف وفتح الباء أي مقابلة ومعاينة، وقرىء ~~بفتحتين على معنى أو يأتيهم العذاب مستقبلا، وانتصابه على الحال. فحاصل ~~معنى الآية أنهم لا يؤمنون ولا يستغفرون إلا عند نزول عذاب الدنيا ~~المستأصل لهم، ms2268 أو عند إتيان أصناف عذاب الآخرة أو معاينته. # { وما نرسل المرسلين } من رسلنا إلى الأمم { إلا } حال ~~كونهم { مبشرين } للمؤمنين { ومنذرين } للكافرين. فالاستثناء ~~مفرغ من أعم العام، وقد تقدم تفسير هذا { ويجدل الذين ~~كفروا بالبطل ليدحضوا به الحق } أي ليزيلوا ~~بالجدال بالباطل الحق ويبطلوه وأصل الدحض الزلق يقال دحضت رجله، أي زلقت ~~تدحض دحضا، ودحضت الشمس عن كبد السماء زالت، ودحضت حجته دحوضا. بطلت، ~~ومن ذلك قول طرفة # أبا منذر رمت الوفاء فهبته وحدت كما حاد البعير عن الدحض # ومن مجادلة هؤلاء الكفار بالباطل قولهم للرسل # ما أنتم إلا بشر مثلنا # الشعراء 154. ونحو ذلك { واتخذوا ءايتى } أي القرآن { وما ~~أنذروا } به من الوعيد والتهديد { هزؤا } أي لعبا وباطلا، وقد ~~تقدم هذا في البقرة. { ومن أظلم ممن ذكر بئايت ~~ربه فأعرض عنها } أي لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بآيات ربه ~~التنزيلية أو التكوينية أو مجموعهما فتهاون بها وأعرض عن قبولها، ولم ~~يتدبرها حق التدبر ويتفكر فيها حق التفكر { ونسى ما قدمت ~~يداه } من الكفر والمعاصي، فلم يتب عنها. قيل والنسيان هنا بمعنى ~~الترك، وقيل هو على حقيقته { إنا جعلنا على قلوبهم ~~أكنة أن يفقهوه } أي أغطية، والأكنة جمع كنان، والجملة تعليل ~~لإعراضهم ونسيانهم. قال الزجاج أخبر الله سبحانه أن هؤلاء طبع على قلوبهم ~~{ وفي آذنهم وقرا } أي وجعلنا في آذانهم ثقلا يمنع من استماعه، وقد ~~تقدم تفسير هذا في الأنعام { وإن تدعهم إلى الهدى فلن ~~يهتدوا إذا أبدا } لأن الله قد طبع على قلوبهم بسبب كفرهم ~~ومعاصيهم. { وربك الغفور ذو الرحمة } أي كثير المغفرة، ~~وصاحب الرحمة التي وسعت كل شيء فلم يعاجلهم بالعقوبة، ولهذا قال { لو ~~يؤاخذهم بما كسبوا } أي بسبب ما كسبوه من المعاصي التي من ~~جملتها الكفر والمجادلة والإعراض { لعجل لهم العذاب } ~~لاستحقاقهم لذلك { بل } جعل { لهم موعد } أي أجل مقدر ~~لعذابهم، قيل هو عذاب الآخرة، وقيل يوم بدر { لن يجدوا من دونه ~~موئلا } أي ملجأ يلجئون إليه. وقال أبو عبيدة منجا، وقيل محيصا، ~~ومنه قول الشاعر # لا ms2269 وا ألت نفسك خليتها للعامريين ولم تكلم # وقال الأعشى # وقد أخالس رب البيت غفلته وقد يحاذر مني ثم ما يئل # أي ما ينجو. { وتلك القرى } أي قرى عاد وثمود وأمثالها { ~~أهلكنهم } هذا خبر اسم الإشارة و { القرى } صفته، والكلام على ~~حذف مضاف، أي أهل القرى أهلكناهم { لما ظلموا } أي وقت وقوع الظلم ~~منهم بالكفر والمعاصي { وجعلنا لمهلكهم موعدا } أي وقتا ~~معينا، وقرأ عاصم مهلكهم بفتح الميم واللام، وهو مصدر هلك، وأجاز ~~الكسائي والفراء كسر اللام وفتح الميم، وبذلك قرأ حفص، وقرأ الجمهور بضم ~~الميم وفتح اللام. # وقال الزجاج مهلك اسم للزمان، والتقدير لوقت مهلكهم. وقد أخرج ابن أبي ~~حاتم عن قتادة في قوله { إلا أن تأتيهم سنة الأولين } ~~قال عقوبة الأولين. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش في قوله { قبلا } ~~قال جهارا. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~قال فجأة. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ونسى ما قدمت ~~يداه } قال نسي ما سلف من الذنوب الكثيرة. وأخرج أيضا عن ابن عباس { ~~بما كسبوا } يقول بما عملوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي { بل ~~لهم موعد } قال الموعد يوم القيامة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله { موئلا } قال ~~ملجأ. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد { ~~موئلا } قال محرزا. ### || [18.60-70] # الظرف في قوله { وإذ قال } متعلق بفعل محذوف هو أذكر. قيل ووجه ذكر ~~هذه القصة في هذه السورة أن اليهود لما سألوا النبي عن قصة أصحاب الكهف ~~وقالوا إن أخبركم فهو نبي وإلا فلا. ذكر الله قصة موسى والخضر تنبيها ~~على أن النبي لا يلزمه أن يكون عالما بجميع القصص والأخبار. وقد اتفق ~~أهل العلم على أن موسى المذكور هو موسى بن عمران النبي المرسل إلى ~~فرعون، وقالت فرقة لا التفات إلى ما تقوله منهم نوف البكالي إنه ليس ابن ~~عمران، وإنما هو موسى بن ميشى بن يوسف ms2270 بن يعقوب، وكان نبيا قبل موسى بن ~~عمران، وهذا باطل قد رده السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم كما في صحيح ~~البخاري وغيره، والمراد بفتاه هنا هو يوشع بن نون. قال الواحدي أجمعوا ~~على أنه يوشع بن نون، وقد مضى ذكره في المائدة، وفي آخر سورة يوسف، ومن ~~قال إن موسى هو ابن ميشى قال إن هذا الفتى لم يكن هو يوشع بن نون. قال ~~الفراء وإنما سمي فتى موسى لأنه كان ملازما له يأخذ عنه العلم ويخدمه، ~~ومعنى { لا أبرح } لا أزال، ومنه قوله # لن نبرح عليه عكفين # طه 91. ومنه قول الشاعر # وأبرح ما أدام الله قومي بحمد الله منتطقا مجيدا # وبرح إذا كان بمعنى زال فهو من الأفعال الناقصة، وخبره هنا محذوف ~~اعتمادا على دلالة ما بعده وهو { حتى أبلغ مجمع ~~البحرين } قال الزجاج لا أبرح بمعنى لا أزال، وقد حذف الخبر لدلالة ~~حال السفر عليه، ولأن قوله { حتى أبلغ } غاية مضروبة، فلا بد ~~لها من ذي غاية، فالمعنى لا أزال أسير إلى أن أبلغ، ويجوز أن يراد لا ~~يبرح مسيري حتى أبلغ، وقيل معنى { لا أبرح } لا أفارقك حتى أبلغ مجمع ~~البحرين، وقيل يجوز أن يكون من برح التام، بمعنى زال يزال، ومجمع البحرين ~~ملتقاهما. قيل المراد بالبحرين بحر فارس والروم وقيل بحر الأردن وبحر ~~القلزم، وقيل مجمع البحرين عند طنجة، وقيل بإفريقية. وقالت طائفة المراد ~~بالبحرين موسى والخضر، وهو من الضعف بمكان. وقد حكي عن ابن عباس ولا يصح. ~~{ أو أمضى حقبا } أي أسير زمانا طويلا. قال الجوهري الحقب ~~بالضم ثمانون سنة. وقال النحاس الذي يعرفه أهل اللغة أن الحقب والحقبة ~~زمان من الدهر مبهم غير محدود، كما أن رهطا وقوما منهم غير محدود، ~~وجمعه أحقاب. وسبب هذه العزيمة على السير من موسى عليه السلام ما روي أنه ~~سئل موسى من أعلم الناس؟ فقال أنا، فأوحى الله إليه إن أعلم منك عبد لي ~~عند مجمع البحرين. # { فلما بلغا } أي موسى وفتاه { مجمع بينهما } أي بين ~~البحرين، ms2271 وأضيف مجمع إلى الظرف توسعا وقيل البين بمعنى الافتراق أي ~~البحران المفترقان يجتمعان هناك، وقيل الضمير لموسى والخضر، أي وصلا ~~الموضع الذي فيه اجتماع شملهما، ويكون البين على هذا بمعنى الوصل، لأنه ~~من الأضداد، والأول أولى { نسيا حوتهما } قال المفسرون إنهما ~~تزودا حوتا مملحا في زنبيل، وكانا يصيبان منه عند حاجتهما إلى الطعام، ~~وكان قد جعل الله فقدانه أمارة لهما على وجدان المطلوب. والمعنى أنهما ~~نسيا بفقد أمره، وقيل الذي نسي إنما هو فتى موسى، لأنه وكل أمر الحوت ~~إليه، وأمره أن يخبره إذا فقده، فلما انتهيا إلى ساحل البحر وضع فتاه ~~المكتل الذي فيه الحوت فأحياه الله، فتحرك واضطرب في المكتل، ثم انسرب ~~في البحر، ولهذا قال { فاتخذ سبيله فى البحر سربا } ~~انتصاب { سربا } على أنه المفعول الثاني لاتخذ، أي اتخذ سبيلا سربا، ~~والسرب النفق الذي يكون في الأرض للضب ونحوه من الحيوانات، وذلك أن الله ~~سبحانه أمسك جرية الماء على الموضع الذي انسرب فيه الحوت فصار كالطاق، ~~فشبه مسلك الحوت في البحر مع بقائه وانجياب الماء عنه بالسرب الذي هو ~~الكوة المحفورة في الأرض. قال الفراء لما وقع في الماء جمد مذهبه في ~~البحر فكان كالسرب، فلما جاوزا ذلك المكان الذي كانت عنده الصخرة وذهب ~~الحوت فيه انطلقا، فأصابهما ما يصيب المسافر من النصب والكلال، ولم يجدا ~~النصب حتى جاوزا الموضع الذي فيه الخضر، ولهذا قال سبحانه { فلما ~~جاوزا } أي مجمع البحرين الذي جعل موعدا للملاقاة { قال لفته ~~ءاتنا غداءنا } وهو ما يؤكل بالغداة، وأراد موسى أن يأتيه بالحوت ~~الذي حملاه معهما { لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا } أي ~~تعبا وإعياء، قال المفسرون الإشارة بقوله { سفرنا هذا } إلى السفر ~~الكائن منهما بعد مجاوزة المكان المذكور، فإنهما لم يجدا النصب إلا في ~~ذلك دون ما قبله { قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة } ~~أي قال فتى موسى لموسى، ومعنى الاستفهام تعجيبه لموسى مما وقع له من ~~النسيان هناك مع كون ذلك الأمر مما لا ينسى، لأنه قد شاهد أمرا عظيما ms2272 ~~من قدرة الله الباهرة، ومفعول { أرأيت } محذوف لدلالة ما ذكره من النسيان ~~عليه، والتقدير أرأيت ما دهاني، أو نابني في ذلك الوقت والمكان. وتلك ~~الصخرة كانت عند مجمع البحرين الذي هو الموعد، وإنما ذكرها دون أن يذكر ~~مجمع البحرين لكونها متضمنة لزيادة تعيين المكان، لاحتمال أن يكون المجمع ~~مكانا متسعا يتناول مكان الصخرة وغيره، وأوقع النسيان على الحوت دون ~~الغداء الذي تقدم ذكره لبيان أن ذلك الغداء المطلوب هو ذلك الحوت الذي ~~جعلاه زادا لهما، وأمارة لوجدان مطلوبهما. ثم ذكر ما يجري مجرى السبب في ~~وقوع ذلك النسيان فقال { وما أنسانيه إلا الشيطن } بما ~~يقع منه من الوسوسة، و { أن أذكره } بدل اشتمال من الضمير في ~~أنسانيه، وفي مصحف عبد الله وما أنسانيه أن أذكره إلا الشيطان { ~~واتخذ سبيله فى البحر عجبا } انتصاب { عجبا } على أنه ~~المفعول الثاني كما مر في { سربا } ، والظرف في محل نصب على الحال، ~~يحتمل أن يكون هذا من كلام يوشع، أخبر موسى أن الحوت اتخذ سبيله عجبا ~~للناس، وموضع التعجب أن يحيا حوت قد مات وأكل شقه، ثم يثب إلى البحر ~~ويبقى أثر جريته في الماء لا يمحو أثرها جريان ماء البحر، ويحتمل أن يكون ~~من كلام الله سبحانه لبيان طرف آخر من أمر الحوت، فيكون ما بين الكلامين ~~اعتراضا. # { قال ذلك ما كنا نبغ } أي، قال موسى لفتاه ذلك الذي ذكرت من ~~فقد الحوت في ذلك الموضع هو الذي كنا نطلبه، فإن الرجل الذي نريده هو ~~هنالك { فارتدا على ءاثارهما قصصا } أي رجعا على الطريق ~~التي جاءا منها يقصان أثرهما لئلا يخطئا طريقهما، وانتصاب { قصصا } على ~~أنه مصدر لفعل محذوف، أو على الحال، أي قاصين أو مقتصين، والقصص في اللغة ~~اتباع الأثر { فوجدا عبدا من عبادنا } هو الخضر في قول ~~جمهور المفسرين، وعلى ذلك دلت الأحاديث الصحيحة، وخالف في ذلك من لا ~~يعتد بقوله، فقال ليس هو الخضر بل عالم آخر قيل سمي الخضر لأنه كان إذا ~~صلى اخضر ما حوله، قيل واسمه بليا ms2273 بن ملكان. ثم وصفه الله سبحانه فقال { ~~آتيناه رحمة من عندنا } قيل الرحمة هي النبوة، وقيل النعمة ~~التي أنعم الله بها عليه { وعلمناه من لدنا علما } وهو ~~ما علمه الله سبحانه من علم الغيب الذي استأثر به، وفي قوله { من لدنا } ~~تفخيم لشأن ذلك العلم، وتعظيم له. قال الزجاج وفيما فعل موسى وهو من جملة ~~الأنبياء من طلب العلم، والرحلة في ذلك ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن ~~يترك طلب العلم وإن كان قد بلغ نهايته، وأن يتواضع لمن هو أعلم منه. ثم ~~قص الله سبحانه علينا ما دار بين موسى والخضر بعد اجتماعهما فقال { ~~قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما ~~علمت رشدا } في هذا السؤال ملاطفة ومبالغة في حسن الأدب، لأنه ~~استأذنه أن يكون تابعا له على أن يعلمه مما علمه الله من العلم. والرشد ~~الوقوف على الخير وإصابة الصواب، وانتصابه على أنه مفعول ثان ل { ~~تعلمني } أي علما ذا رشد أرشد به، وقرىء " رشدا " بفتحتين، وهما لغتان ~~كالبخل والبخل. وفي الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت ~~المراتب، وليس في ذلك ما يدل على أن الخضر أفضل من موسى، فقد يأخذ الفاضل ~~عن الفاضل وقد يأخذ الفاضل عن المفضول إذا اختص أحدهما بعلم لا يعلمه ~~الآخر، فقد كان علم موسى علم الأحكام الشرعية والقضاء بظاهرها، وكان علم ~~الخضر علم بعض الغيب ومعرفة البواطن. # { قال إنك لن تستطيع معى صبرا } أي قال الخضر لموسى ~~إنك لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي، لأن الظواهر التي هي علمك لا ~~توافق ذلك، ثم أكد ذلك مشيرا إلى علة عدم الاستطاعة، فقال { وكيف ~~تصبر على ما لم تحط به خبرا } أي كيف تصبر على علم ~~ظاهره منكر، وأنت لا تعلم، ومثلك مع كونك صاحب شرع لا يسوغ له السكوت على ~~منكر والإقرار عليه، و { خبرا } منتصب على التمييز، أي لم تحط به خبرك، ~~والخبر العلم بالشيء، والخبير بالأمور هو العالم بخفاياها، وبما يحتاج ms2274 ~~إلى الاختبار منها. { قال ستجدنى إن شاء الله صابرا } أي ~~قال موسى للخضر ستجدني صابرا معك، ملتزما طاعتك { ولا أعصى لك ~~أمرا } فجملة { ولا أعصي } معطوفة على { صابرا } ، فيكون التقييد ~~بقوله { إن شاء الله } شاملا للصبر ونفي المعصية، وقيل إن التقييد ~~بالمشيئة مختص بالصبر، لأنه أمر مستقبل لا يدري كيف يكون حاله فيه، ونفي ~~المعصية معزوم عليه في الحال، ويجاب عنه بأن الصبر، ونفي المعصية متفقان ~~في كون كل واحد منهما معزوم عليه في الحال، وفي كون كل واحد منهما لا ~~يدري كيف حاله فيه في المستقبل. { قال فإن اتبعتنى فلا ~~تسألنى عن شىء } مما تشاهده من أفعالي المخالفة لما يقتضيه ظاهر ~~الشرع الذي بعثك الله به { حتى أحدث لك منه ذكرا } أي ~~حتى أكون أنا المبتدىء لك بذكره، وبيان وجهه وما يئول إليه، وهذه الجمل ~~المعنونة بقال وقال مستأنفة، لأنها جوابات عن سؤالات مقدرة كل واحدة ~~ينشأ السؤال عنها مما قبلها. وقد أخرج الدارقطني في الإفراد، وابن عساكر ~~من طريق مقاتل بن سليمان عن الضحاك، عن ابن عباس قال الخضر ابن آدم لصلبه ~~ونسيء له في أجله حتى يكذب الدجال. وأخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء ~~" # وأخرجه ابن عساكر من حديث ابن عباس. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن مجاهد إنما سمي الخضر لأنه إذا صلى اخضر ~~ما حوله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله { لا أبرح حتى ~~أبلغ مجمع البحرين } قال حتى أنتهي. وأخرج عبد الرزاق، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله { مجمع البحرين ~~} قال بحر فارس والروم، وهما نحو المشرق والمغرب. # وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس مثله. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، عن أبي بن كعب قال { مجمع البحرين } إفريقية. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عن محمد بن كعب قال طنجة. ms2275 وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { أو أمضى حقبا } قال سبعين ~~خريفا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال دهرا. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { نسيا ~~حوتهما } قال كان مملوحا مشقوق البطن. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله ~~{ فاتخذ سبيله فى البحر سربا } قال أثره يابس في البحر ~~كأنه في حجر. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { فارتدا على ~~ءاثارهما قصصا } قال عودهما على بدئهما. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله { رحمة من عندنا } قال أعطيناه الهدى ~~والنبوة. واعلم أنها قد رويت في قصة الخضر مع موسى المذكورة في الكتاب ~~العزيز أحاديث كثيرة، وأتمها وأكملها ما روي عن ابن عباس ولكنها اختلفت ~~بعض الألفاظ، وكلها مروية من طريق سعيد بن جبير عنه، وبعضها في الصحيحين ~~وغيرهما، وبعضها في أحدهما، وبعضها خارج عنهما. وقد رويت من طريق العوفي ~~عنه كما أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، ومن طريق هارون بن عنترة، عن ~~أبيه، عنه عند ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والخطيب، وابن ~~عساكر، فلنقتصر على الرواية التي هي أتم الروايات الثابتة في الصحيحين، ~~ففي ذلك ما يغني عن غيره، وهي قال سعيد بن جبير قلت لابن عباس إن نوفا ~~البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى صاحب بني إسرائيل، قال ابن ~~عباس كذب عدو الله. حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول «إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل. فسئل أي الناس أعلم؟ ~~فقال أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه إن لي ~~عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى يا رب فكيف لي به؟ قال تأخذ ~~معك حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم، فأخذ حوتا فجعله ~~في مكتل. ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى أتيا الصخرة ms2276 وضعا ~~رءوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ ~~سبيله في البحر سربا، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل ~~الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما ~~وليلتهما، حتى إذا كانا من الغد قال موسى لفتاه { آتنا غداءنا لقد ~~لقينا من سفرنا هذا نصبا } قال ولم يجد موسى النصب حتى ~~جاوز المكان الذي أمره الله به، فقال له فتاه { أرأيت إذ ~~أوينا إلى الصخرة فإنى نسيت الحوت وما ~~أنسانيه إلا الشيطن أن أذكره واتخذ سبيله ~~فى البحر عجبا } قال فكان للحوت سربا، ولموسى وفتاه عجبا، فقال ~~موسى { ذلك ما كنا فارتدا على ءاثارهما قصصا } » ~~قال سفيان يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة لا يصيب ماؤها ميتا ~~إلا عاش، قال وكان الحوت قد أكل منه. # فلما قطر عليه الماء عاش، قال فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى ~~الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى، فقال الخضر وأني بأرضك ~~السلام؟ قال أنا موسى. قال موسى نبي إسرائيل؟ قال نعم، قال أتيتك لتعلمني ~~مما علمت رشدا، قال { إنك لن تستطيع معي صبرا } يا موسى، إني على علم ~~من الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من الله علمك الله لا أعلمه، ~~قال موسى { ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا } فقال له الخضر ~~{ فإن اتبعتنى فلا تسألنى عن شىء حتى أحدث لك ~~منه ذكرا } فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت بهما سفينة ~~فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول، فلما ركبا في السفينة ~~لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى ~~قوم ح لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا }. قال وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم " فكانت الأولى من موسى نسيانا ". قال " وجاء ~~عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر ما نقص ~~علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص ms2277 هذا العصفور الذي وقع على حرف ~~السفينة من هذا البحر. ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل ~~إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده ~~فقتله، فقال موسى { أقتلت نفسا زكية بغير نفس ~~لقد جئت شيئا نكرا * قال ألم أقل لك إنك ~~لن تستطيع معى صبرا } قال وهذه أشد من الأولى { قال إن ~~سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى قد بلغت من ~~لدنى عذرا * فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ~~استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها ~~جدارا يريد أن ينقض فأقامه } قال مائل، فقال الخضر بيده ~~هكذا فأقامه، فقال موسى قوم آتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا { لو ~~شئت لاتخذت عليه أجرا * قال هذا فراق بينى ~~وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه ~~صبرا } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وددنا أن موسى كان صبر ~~حتى يقص الله علينا من خبرهما». قال سعيد بن جبير وكان ابن عباس يقرأ " ~~وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا " وكان يقرأ " ~~وأما الغلم فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين " ~~وبقية روايات سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب هي موافقة لهذه ~~الرواية في المعنى وإن تفاوتت الألفاظ في بعضها فلا فائدة في الإطالة ~~بذكرها، وكذلك روايات غير سعيد عنه. ### || [18.71-82] # قوله { فانطلقا } أي موسى والخضر على ساحل البحر يطلبان السفينة، ~~فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فحملوهم { حتى إذا ركبا فى ~~السفينة خرقها } قيل قلع لوحا من ألواحها، وقيل لوحين مما يلي ~~الماء، وقيل خرق جدار السفينة ليعيبها ولا يتسارع الغرق إلى أهلها { ~~قال } موسى { أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت ~~شيئا إمرا } أي لقد أتيت أمرا عظيما، يقال أمر الأمر إذا كبر، ~~والأمر الاسم منه. وقال أبو عبيدة الأمر الداهية العظيمة وأنشد # قد لقي الأقران مني نكرا داهية دهيا وأمرا إمرا # وقال القتيبي الأمر العجب. وقال الأخفش أمر أمره يأمر إذا اشتد، والاسم ~~الأمر. قرأ حمزة والكسائي " ليغرق أهلها " بالياء التحتية المفتوحة، ورفع ms2278 ~~" أهلها " على أنه فاعل، وقرأ الباقون بالفوقية المضمومة ونصب " أهلها " ~~على المفعولية { قال } أي الخضر { ألم أقل إنك لن ~~تستطيع معى صبرا } أذكره ما تقدم من قوله له سابقا { إنك ~~لن تستطيع معى صبرا } الكهف 67 ف { قال } له موسى { لا ~~تؤاخذنى بما نسيت } يحتمل أن تكون " ما " مصدرية، أي لا ~~تؤاخذني بنسياني أو موصولة، أي لا تؤاخذني بالذي نسيته، وهو قول الخضر { ~~فلا تسألنى عن شىء حتى أحدث لك منه ذكرا } ~~فالنسيان إما على حقيقته على تقدير أن موسى نسي ذلك، أو بمعنى الترك على ~~تقدير أنه لم ينس ما قاله له، ولكنه ترك العمل به { ولا ترهقنى ~~من أمرى عسرا } قال أبو زيد أرهقته عسرا إذا كلفته ذلك، والمعنى ~~عاملني باليسر لا بالعسر. وقرىء " عسرا " بضمتين. { فانطلقا ~~حتى إذا لقيا غلاما فقتله } أي الخضر، ولفظ الغلام ~~يتناول الشاب البالغ كما يتناول الصغير، قيل كان الغلام يلعب مع الصبيان ~~فاقتلع الخضر رأسه { قال } موسى { أقتلت نفسا زكية بغير ~~نفس } قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وأويس بألف بعد ~~الزاي وتخفيف الياء اسم فاعل. وقرأ الباقون بتشديد الياء من دون ألف، ~~الزاكية البريئة من الذنوب. قال أبو عمرو الزاكية التي لم تذنب، والزكية ~~التي أذنبت ثم تابت. وقال الكسائي الزاكية والزكية لغتان. وقال الفراء ~~الزاكية والزكية مثل القاسية والقسية، ومعنى { بغير نفس } بغير ~~قتل نفس محرمة حتى يكون قتل هذه قصاصا { لقد جئت شيئا ~~نكرا } أي فظيعا منكرا لا يعرف في الشرع. قيل معناه أنكر من الأمر ~~الأول لكون القتل لا يمكن تداركه، بخلاف نزع اللوح من السفينة فإنه يمكن ~~تداركه بإرجاعه، وقيل النكر أقل من الإمر، لأن قتل نفس واحدة أهون من ~~إغراق أهل السفينة. # قيل استبعد موسى أن يقتل نفسا بغير نفس، ولم يتأول للخضر بأنه يحل ~~القتل بأسباب أخرى { قال } الخضر { ألم أقل لك إنك لن ~~تستطيع معى صبرا } زاد هنا لفظ " لك " ، لأن سبب العتاب أكثر، ~~وموجبه أقوى، وقيل زاد لفظ " لك " لقصد التأكيد ms2279 كما تقول لمن توبخه لك ~~أقول وإياك أعني { قال } موسى { إن سألتك عن شىء بعدها } ~~أي بعد هذه المرة، أو بعد هذه النفس المقتولة { فلا تصاحبنى } أي ~~لا تجعلني صاحبا لك، نهاه عن مصاحبته مع حرصه على التعلم لظهور عذره، ~~ولذا قال { قد بلغت من لدنى عذرا } يريد أنك قد أعذرت حيث ~~خالفتك ثلاث مرات، وهذا كلام نادم شديد الندامة، اضطره الحال إلى ~~الاعتراف وسلوك سبيل الإنصاف. قرأ الأعرج تصحبني بفتح التاء والباء ~~وتشديد النون. وقرأ الجمهور { تصاحبني } وقرأ يعقوب تصحبني بضم التاء ~~وكسر الحاء، ورواها سهل عن أبي عمرو. قال الكسائي معناه لا تتركني أصحبك. ~~وقرأ الجمهور { لدني } بضم الدال إلا أن نافعا وعاصما خففا النون، ~~وشددها الباقون. وقرأ أبو بكر عن عاصم لدني بضم اللام وسكون الدال. قال ~~ابن مجاهد وهي غلط. قال أبو علي هذا التغليط لعله من جهة الرواية، فأما ~~على قياس العربية فصحيحة. وقرأ الجمهور { عذرا } بسكون الذال. وقرأ عيسى ~~بن عمر بضم الذال. وحكى الداني أن أبيا روى عن النبي بكسر الراء وياء ~~بعدها بإضافة العذر إلى نفسه. { فانطلقا حتى إذا أتيا ~~أهل قرية } قيل هي أيلة وقيل أنطاكية وقيل برقة وقيل قرية من قرى ~~أذربيجان وقيل قرية من قرى الروم { استطعما أهلها } هذه الجملة ~~في محل الجر على أنها صفة لقرية، ووضع الظاهر موضع المضمر لزيادة ~~التأكيد، أو لكراهة اجتماع الضميرين في هذه الكلمة لما فيه من الكلفة، أو ~~لزيادة التشنيع على أهل القرية بإظهارهم { فأبوا أن يضيفوهما ~~} أي أبوا أن يعطوهما ما هو حق واجب عليهم من ضيافتهما، فمن استدل بهذه ~~الآية على جواز السؤال وحل الكدية فقد أخطأ خطأ بينا، ومن ذلك قول بعض ~~الأدباء الذين يسألون الناس # فإن رددت فما في الرد منقصة علي قد رد موسى قبل والخضر # وقد ثبت في السنة تحريم السؤال بما لا يمكن دفعه من الأحاديث الصحيحة ~~الكثيرة { فوجدا فيها } أي في القرية { جدارا يريد أن ~~ينقض } إسناد الإرادة إلى الجدار مجاز. قال الزجاج الجدار ms2280 لا يريد ~~إرادة حقيقية إلا أن هيئة السقوط قد ظهرت فيه كما تظهر أفعال المريدين ~~القاصدين فوصف بالإرادة، ومنه قول الراعي # في مهمه فلقت به هاماتها فلق الفؤوس إذا أردن نصولا # ومعنى الانقضاض السقوط بسرعة، يقال انقض الحائط إذا وقع، وانقض الطائر ~~إذا هوى من طيرانه فسقط على شيء، ومعنى { فأقامه } فسواه، لأنه وجده ~~مائلا فرده كما كان وقيل نقضه وبناه وقيل أقامه بعمود. # وقد تقدم في الحديث الصحيح أنه مسحه بيده { قال } موسى { لو شئت ~~لاتخذت عليه أجرا } أي على إقامته وإصلاحه، تحريضا من موسى ~~للخضر على أخذ الأجر. قال الفراء معناه لو شئت لم تقمه حتى يقرونا فهو ~~الأجر، قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وابن كثير، وابن محيصن، واليزيدي، والحسن ~~لتخذت يقال تخذ فلان يتخذ تخذا مثل اتخذ. وقرأ الباقون { لاتخذت }. { ~~قال } الخضر { هذا فراق بينى وبينك } على إضافة { فراق ~~} إلى الظرف اتساعا، أي هذا الكلام والإنكار منك على ترك الأجر هو ~~المفرق بيننا. قال الزجاج المعنى هذا فراق بيننا، أي هذا فراق اتصالنا، ~~وكرر " بين " تأكيدا، ولما قال الخضر لموسى بهذا، أخذ في بيان الوجه ~~الذي فعل بسببه تلك الأفعال التي أنكرها موسى فقال { سأنبئك ~~بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا } والتأويل رجوع الشيء ~~إلى مآله. ثم شرع في البيان له فقال { أما السفينة } يعني التي ~~خرقها { فكانت لمسكين } لضعفاء لا يقدرون على دفع من أراد ~~ظلمهم { يعملون فى البحر } ولم يكن لهم مال غير تلك السفينة ~~يكرونها من الذين يركبون البحر ويأخذون الأجرة، وقد استدل الشافعي بهذه ~~الآية على أن الفقير أسوأ حالا من المسكين { فأردت أن أعيبها ~~} أي أجعلها ذات عيب بنزع ما نزعته منها { وكان ورائهم ملك } قال ~~المفسرون يعني أمامهم، ووراء يكون بمعنى أمام، وقد مر الكلام على هذا في ~~قوله # ومن ورائه عذاب غليظ # إبراهيم 17. وقيل أراد خلفهم، وكان طريقهم في الرجوع عليه، وما كان ~~عندهم خبر بأنه { يأخذ كل سفينة غصبا } أي كل سفينة صالحة ~~لا معيبة، وقد قرىء بزيادة " صالحة " ، روي ms2281 ذلك عن أبي وابن عباس. وقرأ ~~جماعة بتشديد السين من مساكين، واختلف في معناها، فقيل هم ملاحو السفينة، ~~وذلك أن المساك هو الذي يمسك السفينة، والأظهر قراءة الجمهور بالتخفيف. { ~~وأما الغلم } يعني الذي قتله { فكان أبواه مؤمنين ~~} أي ولم يكن هو كذلك { فخشينا أن يرهقهما } أي يرهق الغلام ~~أبويه، يقال رهقه أي غشيه، وأرهقه أغشاه. قال المفسرون معناه خشينا أن ~~يحملهما حبه على أن يتبعاه في دينه، وهو الكفر، و { طغيانا } مفعول ~~يرهقهما { وكفرا } معطوف عليه، وقيل المعنى فخشينا أن يرهق الوالدين ~~طغيانا عليهما وكفرا لنعمتهما بعقوقه. قيل ويجوز أن يكون { فخشينا } من ~~كلام الله، ويكون المعنى كرهنا كراهة من خشي سوء عاقبة أمره فغيره، وهذا ~~ضعيف جدا، فالكلام كلام الخضر. وقد استشكل بعض أهل العلم قتل الخضر ~~لهذا الغلام بهذه العلة، فقيل إنه كان بالغا وقد استحق ذلك بكفره وقيل ~~كان يقطع الطريق فاستحق القتل لذلك، ويكون معنى { فخشينا أن يرهقهما ~~طغيانا وكفرا } أن الخضر خاف على الأبوين أن يذبا عنه ويتعصبا له فيقعا ~~في المعصية، وقد يؤدي ذلك إلى الكفر والارتداد. # والحاصل أنه لا إشكال في قتل الخضر له إذا كان بالغا كافرا أو قاطعا ~~للطريق هذا فيما تقتضيه الشريعة الإسلامية، ويمكن أن يكون للخضر شريعة من ~~عند الله سبحانه تسوغ له ذلك، وأما إذا كان الغلام صبيا غير بالغ، فقيل ~~إن الخضر علم بإعلام الله له أنه لو صار بالغا لكان كافرا يتسبب عن ~~كفره إضلال أبويه وكفرهما، وهذا وإن كان ظاهر الشريعة الإسلامية يأباه، ~~فإن قتل من لا ذنب له ولا قد جرى عليه قلم التكليف لخشية أن يقع منه بعد ~~بلوغه ما يجوز به قتله لا يحل في الشريعة المحمدية، ولكنه حل في شريعة ~~أخرى، فلا إشكال. وقد ذهب الجمهور إلى أن الخضر كان نبيا { فأردنا ~~أن يبدلهما ربهما خيرا منه } قرأ الجمهور بفتح الباء ~~الموحدة وتشديد الدال. وقرأ عاصم وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بسكون الباء ~~وتخفيف الدال، والمعنى أردنا أن يرزقهما الله بدل ms2282 هذا الولد ولدا خيرا ~~منه { زكوة } أي دينا وصلاحا وطهارة من الذنوب { وأقرب ~~رحما } قرأ ابن عباس، وحمزة، والكسائي، وابن كثير، وابن عامر رحما ~~بضم الحاء. وقرأ الباقون بسكونها، ومعنى الرحم الرحمة، يقال رحمه الله ~~رحمة ورحمى، والألف للتأنيث. { وأما الجدار } يعني الذي أصلحه { ~~فكان لغلمين يتيمين فى المدينة } هي القرية ~~المذكورة سابقا، وفيه جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة { وكان ~~تحته كنز لهما } قيل كان مالا جسيما كما يفيده اسم الكنز، إذ ~~هو المال المجموع. قال الزجاج المعروف في اللغة أن الكنز إذا أفرد فمعناه ~~المال المدفون، فإذا لم يكن مالا قيل كنز علم وكنز فهم وقيل لوح من ذهب، ~~وقيل صحف مكتوبة { وكان أبوهما صلحا } فكان صلاحه مقتضيا ~~لرعاية ولديه وحفظ مالهما، قيل هو الذي دفنه وقيل هو الأب السابع من عند ~~الدافن له، وقيل العاشر { فأراد ربك } أي مالكك ومدبر أمرك، ~~وأضاف الرب إلى ضمير موسى تشريفا له { أن يبلغا أشدهما } أي ~~كمالهما وتمام نموهما { ويستخرجا كنزهما } من ذلك الموضع ~~الذي عليه الجدار، ولو انقض لخرج الكنز من تحته { رحمة من ربك ~~} لهما، وهو مصدر في موضع الحال أي مرحومين من الله سبحانه { وما ~~فعلته عن أمرى } أي عن اجتهادي ورأيي، وهو تأكيد لما قبله، ~~فقد علم بقوله فأراد ربك أنه لم يفعله الخضر عن أمر نفسه { ذلك ~~تأويل ما لم تسطع عليه صبرا } أي ذلك المذكور من تلك ~~البيانات التي بينتها لك وأوضحت وجوهها تأويل ما ضاق صبرك عنه ولم تطق ~~السكوت عليه، ومعنى التأويل هنا هو المآل الذي آلت إليه تلك الأمور، وهو ~~اتضاح ما كان مشتبها على موسى وظهور وجهه، وحذف التاء من { تسطع } ~~تخفيفا. # وقد أخرج عبد الرزاق، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { لقد جئت ~~شيئا إمرا } يقول نكرا. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. وأخرج ~~عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ~~إمرا } قال عجبا. وأخرج ابن جرير، عن أبي بن ms2283 كعب في قوله { لا ~~تؤاخذنى بما نسيت } قال لم ينس، ولكنها من معاريض الكلام. ~~وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال كان الخضر عبدا لا ~~تراه الأعين، إلا من أراد الله أن يريه إياه، فلم يره من القوم إلا موسى، ~~ولو رآه القوم لحالوا بينه وبين خرق السفينة وبين قتل الغلام. وأقول ~~ينبغي أن ينظر من أين له هذا؟ فإن لم يكن مستنده إلا قوله ولو رآه القوم ~~إلخ، فليس ذلك بموجب لما ذكره، أما أولا فإن من الجائز أن يفعل ذلك من ~~غير أن يراه أهل السفينة وأهل الغلام، لا لكونه لا تراه الأعين، بل لكونه ~~فعل ذلك من غير اطلاعهم. وأما ثانيا فيمكن أن أهل السفينة وأهل الغلام ~~قد عرفوه وعرفوا أنه لا يفعل ذلك إلا بأمر من الله كما يفعل الأنبياء، ~~فسلموا لأمر الله. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله { نفسا زكية } ~~قال مسلمة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن ~~جبير، قال لم تبلغ الخطايا. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن الحسن ~~نحوه. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم، عن قتادة ~~في قوله { شيئا نكرا } قال النكر أنكر من العجب. وأخرج أحمد، عن ~~عطاء قال كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان، فكتب إليه ~~إن كنت الخضر تعرف الكافر من المؤمن فاقتلهم. وزاد ابن أبي شيبة من طريق ~~أخرى عنه ولكنك لا تعلم، قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلهم ~~فاعتزلهم. وأخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي، وعبد الله بن أحمد في زوائد ~~المسند، وابن مردويه، عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا، ولو أدرك لأرهق أبويه ~~طغيانا وكفرا " # وأخرج أبو داود، والترمذي، وعبد الله بن أحمد والبزار، وابن المنذر، ~~والطبراني، وابن مردويه، عن أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ { من ~~لدنى ms2284 عذرا } مثقلة. وأخرج ابن مردويه عن أبي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قرأ { أن يضيفوهما } مشددة. # وأخرج ابن الأنباري في المصاحف، وابن مردويه عن أبي بن كعب عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " أنه قرأ " فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض " فهدمه، ~~ثم قعد يبنيه " # قلت ورواية الصحيحين التي قدمناها أنه مسحه بيده أولى. وأخرج الفريابي ~~في معجمه، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أبي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قرأ " لو شئت لتخذت عليه أجر " مخففة. وأخرج ~~ابن أبي شيبة، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " رحمة الله علينا وعلى موسى. لو صبر لقص الله علينا من خبره، ولكن ~~قال { إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى } " # وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ " وكان ~~ملك يأخذ كل سفينة غصبا ". وأخرج ابن الأنباري، عن ~~أبي بن كعب أنه قرأها كذلك. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، عن أبي ~~الزاهرية قال كتب عثمان " وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا ". ~~وأخرج أبو عبيد، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن ~~الأنباري، عن ابن عباس أنه كان يقرأ " وأما الغلام فكان كافرا وكان ~~أبواه مؤمنين ". وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة قال هي في مصحف ~~عبد الله " فخاف ربك أن يرهقهما طغيانا وكفرا ". وأخرج ابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { خيرا منه زكوة } قال ~~دينا { وأقرب رحما } قال مودة، فأبدلا جارية ولدت نبيا. وأخرج ~~عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وكان ~~تحته كنز لهما } قال كان الكنز لمن قبلنا وحرم علينا، وحرمت ~~الغنيمة على من كان قبلنا وأحلت لنا، فلا يعجبن الرجل، فيقول فما شأن ~~الكنز، أحل لمن قبلنا وحرم ms2285 علينا؟ فإن الله يحل من أمره ما يشاء ~~ويحرم ما يشاء، وهي السنن والفرائض، يحل لأمة ويحرم على أخرى. وأخرج ~~البخاري في تاريخه، والترمذي وحسنه، والبزار، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أبي الدرداء عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في قوله { وكان تحته كنز لهما } قال " ~~ذهب وفضة ". وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء في قوله { وكان تحته ~~كنز لهما } قال أحلت لهم الكنوز وحرمت عليهم الغنائم، وأحلت لنا ~~الغنائم وحرمت علينا الكنوز. # وأخرج البزار، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي ذر رفعه قال إن الكنز ~~الذي ذكره الله في كتابه لوح من ذهب مصمت فيه عجبت لمن أيقن بالقدر ثم ~~نصب، وعجبت لمن ذكر النار ثم ضحك، وعجبت لمن ذكر الموت ثم غفل، لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله. وفي نحو هذا روايات كثيرة لا تتعلق بذكرها ~~فائدة. وأخرج ابن المبارك، وسعيد بن منصور، وأحمد في الزهد، والحميدي في ~~مسنده، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله ~~{ وكان أبوهما صلحا } قال حفظا بصلاح أبيهما. وأخرج ابن ~~مردويه عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله عز وجل يصلح بصلاح الرجل الصالح، ولده، وولد ولده، وأهل ~~دويرته وأهل دويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله تعالى ما دام فيهم " # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال إن الله يصلح بصلاح الرجل ولده، ~~وولد ولده، ويحفظه في دويرته، والدويرات حوله، فما يزالون في ستر من الله ~~وعافية. وأخرج ابن جرير من طريق الحسن بن عمارة عن أبيه قال قيل لابن ~~عباس لم نسمع لفتى موسى بذكر وقد كان معه؟ فقال ابن عباس قال فيما يذكر ~~من حديث الفتى إنه شرب من الماء فخلد، فأخذه العالم فطابق به سفينة ثم ~~أرسله في البحر، فإنها لتموج به إلى يوم القيامة، وذلك أنه لم يكن له أن ~~يشرب منه. قال ابن كثير إسناده ضعيف، الحسن متروك وأبوه ms2286 غير معروف. ### || [18.83-91] # لما أجاب سبحانه عن سؤالين من سؤالات اليهود، وانتهى الكلام إلى حيث ~~انتهى شرع سبحانه في السؤال الثالث والجواب عنه، فالمراد بالسائلين هنا ~~هم اليهود. واختلفوا في ذي القرنين اختلافا كثيرا، فقيل هو الإسكندر بن ~~فيلقوس الذي ملك الدنيا بأسرها اليوناني باني الإسكندرية. وقال ابن إسحاق ~~هو رجل من أهل مصر، اسمه مرزبان بن مرزبة اليوناني، من ولد يونان بن يافث ~~بن نوح وقيل هو ملك اسمه هرمس وقيل ملك اسمه هردبس وقيل شاب من الروم، ~~وقيل كان نبيا، وقيل كان عبدا صالحا وقيل اسمه عبد الله بن الضحاك ~~وقيل مصعب بن عبد الله، من أولاد كهلان بن سبأ. وحكى القرطبي عن السهيلي ~~أنه قال إن الظاهر من علم الأخبار أنهما اثنان أحدهما كان على عهد ~~إبراهيم عليه السلام. والآخر كان قريبا من عيسى عليه السلام وقيل هو أبو ~~كرب الحميري وقيل هو ملك من الملائكة، ورجح الرازي القول الأول، قال لأن ~~من بلغ ملكه من السعة والقوة إلى الغاية التي نطق بها التنزيل إنما هو ~~الإسكندر اليوناني كما تشهد به كتب التاريح قال فوجب القطع بأن ذا ~~القرنين هو الإسكندر، قال وفيه إشكال لأنه كان تلميذا لأرسطاطاليس ~~الحكيم، وكان على مذهبه، فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب ~~أرسطاطاليس حق وصدق، وذلك مما لا سبيل إليه. قال النيسابوري قلت ليس كل ~~ما ذهب إليه الفلاسفة باطلا فلعله أخذ منهم ما صفا وترك ما كدر والله ~~أعلم. ورجح ابن كثير ما ذكره السهيلي أنهما اثنان كما قدمنا ذلك، وبين ~~أن الأول طاف بالبيت مع إبراهيم أول ما بناه وآمن به واتبعه وكان وزيره ~~الخضر. وأما الثاني فهو الإسكندر المقدوني اليوناني، وكان وزيره الفيلسوف ~~المشهور أرسطاطاليس، وكان قبل المسيح بنحو من ثلثمائة سنة. فأما الأول ~~المذكور في القرآن فكان في زمن الخليل، هذا معنى ما ذكره ابن كثير في ~~تفسيره راويا له عن الأزرقي وغيره ثم قال وقد ذكرنا طرفا صالحا في ~~أخباره في كتاب البداية والنهاية بما ms2287 فيه كفاية. وحكى أبو السعود في ~~تفسيره عن ابن كثير أنه قال وإنما بينا هذا يعني أنهما اثنان، لأن كثيرا ~~من الناس يعتقد أنهما واحد، وأن المذكور في القرآن العظيم هو هذا ~~المتأخر، فيقع بذلك خطأ كبير وفساد كثير، كيف لا، والأول كان عبدا ~~صالحا مؤمنا، وملكا عادلا، ووزيره الخضر، وقد قيل إنه كان نبيا، ~~وأما الثاني فقد كان كافرا، ووزيره إرسطاطاليس الفيلسوف، وكان ما بينهما ~~من الزمان أكثر من ألفي سنة، فأين هذا من ذاك؟ انتهى. قلت لعله ذكر هذا ~~في الكتاب الذي ذكره سابقا، وسماه بالبداية والنهاية ولم يقف عليه، ~~والذي يستفاد من كتب التاريخ هو أنهما اثنان، كما ذكره السهيلي والأزرقي ~~وابن كثير وغيرهم لا كما ذكره الرازي وادعى أنه الذي تشهد به كتب ~~التواريخ، وقد وقع الخلاف هل هو نبي أم لا؟ وسيأتي ما يستفاد منه ~~المطلوب آخر هذا البحث إن شاء الله. # وأما السبب الذي لأجله سمي ذا القرنين، فقال الزجاج والأزهري إنما سمي ~~ذا القرنين، لأنه بلغ قرن الشمس من مطلعها، وقرن الشمس من مغربها وقيل ~~إنه كان له ضفيرتان من شعر، والضفائر تسمى قرونا، ومنه قول الشاعر # فلثمت فاها آخذا بقرونها شرب النزيف ببرد ماء الحشرج # والحشرج ماء من مياه العرب وقيل إنه رأى في أول ملكه كأنه قابض على ~~قرني الشمس فسمي بذلك، وقيل كان له قرنان تحت عمامته وقيل إنه دعا إلى ~~الله فشجه قومه على قرنه، ثم دعا إلى الله فشجوه على قرنه الآخر، وقيل ~~إنما سمي بذلك لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه، وقيل ~~لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس وهو حي، وقيل لأنه كان إذا قاتل قاتل ~~بيديه وركابيه جميعا، وقيل لأنه أعطي علم الظاهر والباطن، وقيل لأنه دخل ~~النور والظلمة، وقيل لأنه ملك فارس والروم، وقيل لأنه ملك الروم والترك، ~~وقيل لأنه كان لتاجه قرنان. قوله { قل سأتلوا عليكم منه ~~ذكرا } أي سأتلو عليكم أيها السائلون من ذي القرنين خبرا. وذلك ms2288 بطريق ~~الوحي المتلو. ثم شرع سبحانه في بيان ما أمر به رسوله أن يقوله لهم من ~~أنه سيتلو عليهم منه ذكرا فقال { إنا مكنا له فى الأرض } ~~أي أقدرناه بما مهدنا له من الأسباب، فجعلنا له مكنة وقدرة على التصرف ~~فيها، وسهل عليه المسير في مواضعها، وذلل له طرقها حتى تمكن منها أين ~~شاء وكيف شاء؟ ومن جملة تمكينه فيها أنه جعل له الليل والنهار سواء في ~~الإضاءة { وآتينه من كل شىء } مما يتعلق بمطلوبه { سببا } ~~أي طريقا يتوصل بها إلى ما يريده { فأتبع سببا } من تلك ~~الأسباب. قال المفسرون والمعنى طريقا تؤديه إلى مغرب الشمس. قال الزجاج ~~فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي، وذلك أنه أوتي من كل شيء سببا فأتبع ~~من تلك الأسباب التي أوتي سببا في المسير إلى المغرب، وقيل أتبع من كل ~~شيء علما يتسبب به إلى ما يريد وقيل بلاغا إلى حيث أراد وقيل من كل شيء ~~يحتاج إليه الخلق وقيل من كل شيء تستعين به الملوك من فتح المدائن وقهر ~~الأعداء. وأصل السبب الحبل، فاستعين لكل ما يتوصل به إلى شيء. قرأ ابن ~~عامر، وأهل الكوفة، وعاصم، وحمزة، والكسائي وأتبع بقطع الهمزة، وقرأ أهل ~~المدينة وأهل مكة وأبو عمرو بوصلها. # قال الأخفش تبعته وأتبعته بمعنى. مثل ردفته وأردفته، ومنه قوله # فأتبعه شهاب ثاقب # الصافات 10. قال النحاس واختار أبو عبيدة قراءة أهل الكوفة، قال لأنها ~~من السير. وحكى هو والأصمعي أنه يقال تبعته وأتبعته إذا سار ولم يلحقه، ~~وأتبعه إذا لحقه. قال أبو عبيدة ومثله { فأتبعوهم مشرقين }. ~~قال النحاس وهذا من الفرق وإن كان الأصمعي قد حكاه فلا يقبل إلا بعلم أو ~~دليل، وقوله عز وجل # فأتبعوهم مشرقين # الشعراء 60 ليس في الحديث أنهم لحقوهم، وإنما الحديث لما خرج موسى ~~وأصحابه من البحر وحصل فرعون وأصحابه في البحر انطبق عليهم البحر. والحق ~~في هذا أن تبع واتبع وأتبع لغات بمعنى واحد، وهو بمعنى السير. { حتى ~~إذا بلغ مغرب الشمس } أي نهاية الأرض من جهة المغرب، ms2289 لأن من ~~وراء هذه النهاية البحر المحيط، وهو لا يمكن المضي فيه { وجدها ~~تغرب فى عين حمئة } قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي " ~~حامية " أي حارة. وقرأ الباقون " حمئة " أي كثيرة الحمأة، وهي الطينة ~~السوداء، تقول حمئت البئر حمأ بالتسكين إذا نزعت حمأتها، وحمأت البئر ~~حمأتها بالتحريك كثرت حمأتها، ويجوز أن تكون حامية من الحمأة، فخففت ~~الهمزة وقلبت ياء، وقد يجمع بين القراءتين فيقال كانت حارة وذات حمأة. ~~قيل ولعل ذا القرنين لما بلغ ساحل البحر المحيط رآها كذلك في نظره، ولا ~~يبعد أن يقال لا مانع من أن يمكنه الله من عبور البحر المحيط حتى يصل إلى ~~تلك العين التي تغرب فيها الشمس، وما المانع من هذا بعد أن حكى الله عنه ~~أنه بلغ مغرب الشمس، ومكن له في الأرض والبحر من جملتها، ومجرد الاستبعاد ~~لا يوجب حمل القرآن على خلاف ظاهره { ووجد عندها قوما } الضمير ~~في عندها إما للعين أو للشمس. قيل هم قوم لباسهم جلود الوحش، وكانوا ~~كفارا، فخيره الله بين أن يعذبهم وبين أن يتركهم، فقال { إما أن ~~تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا } أي إما أن تعذبهم ~~بالقتل من أول الأمر، وإما أن تتخذ فيهم أمرا ذا حسن أو أمرا حسنا ~~مبالغة بجعل المصدر صفة للأمر، والمراد دعوتهم إلى الحق وتعليمهم ~~الشرائع. { قال } ذو القرنين مختارا للدعوة التي هي الشق الأخير من ~~الترديد { أما من ظلم } نفسه بالإصرار على الشرك ولم يقبل دعوتي { ~~فسوف نعذبه } بالقتل في الدنيا { ثم يرد إلى ربه ~~} في الآخرة { فيعذبه } فيها { عذابا نكرا } أي منكرا ~~فظيعا. قال الزجاج خيره الله بين الأمرين. قال النحاس ورد علي بن ~~سليمان قوله لأنه لم يصح أن ذا القرنين نبي فيخاطب بهذا، فكيف يقول لربه ~~عز وجل { ثم يرد إلى ربه } وكيف يقول { فسوف ~~نعذبه } فيخاطبه بالنون، قال والتقدير قلنا يا محمد قالوا يا ذا ~~القرنين. # قال النحاس وهذا الذي ذكره لا يلزم لجواز أن يكون الله عز وجل خاطبه ~~على لسان نبي في ms2290 وقته، وكأن ذا القرنين خاطب أولئك القوم فلا يلزم ما ~~ذكره. ويمكن أن يكون مخاطبا للنبي الذي خاطبه الله على لسانه، أو خاطب ~~قومه الذين وصل بهم إلى ذلك الموضع. قال ثعلب إن في قوله { إما أن ~~تعذب وإما أن تتخذ } في موضع نصب، ولو رفعت لكان صوابا ~~بمعنى فأما هو كقول الشاعر # فسيروا فإما حاجة تقضيانها وإما مقيل صالح وصديق # { وأما من امن } بالله وصدق دعوتي { وعمل } عملا { ~~صلحا } مما يقتضيه الإيمان { فله جزاء الحسنى } قرأ أهل ~~المدينة وأبو عمرو وعاصم وابن كثير وابن عامر فله جزاء بالرفع على ~~الابتداء أي جزاء الخصلة الحسنى عند الله، أو الفعلة الحسنى وهي الجنة ~~قاله الفراء. وإضافة الجزاء إلى الحسنى التي هي الجنة كإضافة حق اليقين ~~ودار الآخرة، ويجوز أن يكون هذا الجزاء من ذي القرنين أي أعطيه وأتفضل ~~عليه، وقرأ سائر الكوفيين " فله جزاء الحسنى " بنصب { جزاء } وتنوينه. ~~قال الفراء انتصابه على التمييز. وقال الزجاج هو مصدر في موضع الحال أي ~~مجزيا بها جزاء. وقرأ ابن عباس ومسروق بنصب جزاء من غير تنوين. قال أبو ~~حاتم هي على حذف التنوين لالتقاء الساكنين. قال النحاس وهذا عند غيره خطأ ~~لأنه ليس موضع حذف تنوين لالتقاء الساكنين. وقرىء برفع جزاء منونا على ~~أنه مبتدأ، و { الحسنى } بدل منه والخبر الجار والمجرور { وسنقول ~~له من أمرنا يسرا } أي مما نأمر به قولا ذا يسر ليس بالصعب ~~الشاق، أو أطلق عليه المصدر مبالغة. { ثم أتبع سببا } أي ~~طريقا آخر غير الطريق الأولى وهي التي رجع بها من المغرب وسار فيها إلى ~~المشرق { حتى إذا بلغ مطلع الشمس } أي الموضع الذي تطلع ~~عليه الشمس أولا من معمور الأرض، أو مكان طلوعها لعدم المانع شرعا ولا ~~عقلا من وصوله إليه كما أوضحناه فيما سبق { وجدها تطلع على ~~قوم لم نجعل لهم من دونها سترا } يسترهم، لا من ~~البيوت ولا من اللباس، بل هم حفاة عراة لا يأوون إلى شيء من العمارة. قيل ~~لأنهم بأرض لا يمكن أن ms2291 يستقر عليها البناء { كذلك وقد أحطنا ~~بما لديه خبرا } أي كذلك أمر ذي القرنين أتبع هذه الأسباب حتى ~~بلغ، وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به ~~وقيل المعنى لم نجعل لهم سترا مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الأبنية ~~والثياب، وقيل المعنى كذلك بلغ مطلع الشمس مثل ما بلغ من مغربها، وقيل ~~المعنى كذلك تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم، فقضي في هؤلاء ~~كما قضي في أولئك من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين، ويكون تأويل ~~الإحاطة بما لديه في هذه الوجوه على ما يناسب ذلك كما قلنا في الوجه ~~الأول. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال قالت اليهود للنبي صلى الله عليه ~~وسلم يا محمد إنك إنما تذكر إبراهيم وموسى وعيسى والنبيين، إنك سمعت ~~ذكرهم منا، فأخبرنا عن نبي لم يذكره الله في التوراة إلا في مكان واحد، ~~قال " ومن هو "؟ قالوا ذو القرنين، قال " ما بلغني عنه شيء " ، فخرجوا ~~فرحين قد غلبوا في أنفسهم، فلم يبلغوا باب البيت حتى نزل جبريل بهؤلاء ~~الآيات { ويسألونك عن ذى القرنين }. وأخرج عبد الرزاق، ~~ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما أدري أتبع كان نبيا أم لا؟ وما أدري أذو القرنين كان نبيا أم لا؟ ~~وما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا؟ " # ، وأخرج ابن مردويه عن سالم بن أبي الجعد قال سئل علي عن ذي القرنين ~~أنبي هو؟ قال سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول # " هو عبد ناصح الله فنصحه " # وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن ~~الأنباري في المصاحف، وابن أبي عاصم في السنة، وابن مردويه من طريق أبي ~~الطفيل أن ابن الكواء سأل علي بن أبي طالب عن ذي القرنين أنبيا كان أم ~~ملكا؟ قال لم يكن نبيا ولا ملكا، ولكن كان عبدا صالحا أحب الله ~~فأحبه الله، ونصح ms2292 لله فنصحه الله، بعثه الله إلى قومه فضربوه على قرنه ~~فمات، ثم أحياه الله لجهادهم، ثم بعثه الله إلى قومه فضربوه على قرنه ~~الآخر فمات، فأحياه الله لجهادهم، فلذلك سمي ذا القرنين، وإن فيكم مثله. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عمرو قال ذو القرنين نبي. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأخرص بن حكيم، عن أبيه، أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سئل عن ذي القرنين فقال # " هو ملك مسح الأرض بالأسباب " # وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ في العظمة عن خالد بن معدان الكلاعي مرفوعا مثله. وأخرج ابن عبد ~~الحكم، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب الأضداد، وأبو ~~الشيخ عن عمر بن الخطاب أنه سمع رجلا ينادي بمنى يا ذا القرنين، فقال ~~عمر ها أنتم قد سمعتم بأسماء الأنبياء فما بالكم وأسماء الملائكة؟ وفي ~~الباب غير ما ذكرناه مما يغني عنه ما قد أوردناه. # وقد أخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ، والبيهقي في الدلائل عن عقبة بن عامر الجهني حديثا يتضمن أن ~~نفرا من اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين، فأخبرهم ~~بما جاءوا له ابتداء، وكان فيما أخبرهم به " أنه كان شابا من الروم، ~~وأنه بنى الإسكندرية، وأنه علا به ملك في السماء، وذهب به إلى السد " ، ~~وإسناده ضعيف، وفي متنه نكارة، وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل، ~~ذكر معنى هذا ابن كثير في تفسيره وعزاه إلى ابن جرير والأموي في مغازيه، ~~ثم قال بعد ذلك والعجب أن أبا زرعة الداري مع جلالة قدره ساقه بتمامه في ~~كتابه دلائل النبوة، انتهى. وقد ساقه بتمامه السيوطي في الدر المنثور، ~~وساق أيضا خبرا طويلا عن وهب بن منبه وعزاه إلى ابن إسحاق، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والشيرازي في الألقاب، وأبي الشيخ، وفيه أشياء ~~منكرة جدا، وكذلك ذكر خبرا طويلا عن محمد الباقر أخرجه ms2293 ابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ، ولعل هذه الأخبار ونحوها منقولة عن أهل الكتاب، وقد أمرنا ~~بأن لا نصدقهم ولا نكذبهم فيما ينقلونه إلينا. وأخرج ابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وآتينه من كل شىء سببا } ~~قال علما. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن أبي هلال أن معاوية بن أبي ~~سفيان قال لكعب الأحبار أنت تقول إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا، ~~قال له كعب إن كنت قلت ذلك فإن الله قال { وآتينه من كل شىء ~~سببا }. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم من طريق عثمان بن أبي حاصر، أن ابن عباس ذكر له أن معاوية ~~بن أبي سفيان قرأ الآية التي في سورة الكهف " تغرب فى عين ~~حامية " قال ابن عباس فقلت لمعاوية ما نقرؤها إلا { حمئة } فسأل ~~معاوية عبد بن عمرو كيف تقرؤها؟ فقال عبد الله كما قرأتها، قال ابن عباس ~~فقلت لمعاوية في بيتي نزل القرآن، فأرسل إلى كعب، فقال له أين تجد الشمس ~~تغرب في التوراة؟ فقال له كعب سل أهل العربية فإنهم أعلم بها، وأما أنا ~~فإني أجد في التوراة في ماء وطين، وأشار بيده إلى المغرب. قال ابن أبي ~~حاصر لو أني عند كما أيدتك بكلام تزداد به بصيرة في حمئة. قال ابن عباس ~~وما هو؟ قلت فيما نأثر قول تبع فيما ذكر به ذا القرنين في كلفه بالعلم ~~واتباعه إياه # قد كان ذو القرنين عمر مسلما ملكا تذل له الملوك وتحشد فأتى ~~المشارق والمغارب يبتغي أسباب ملك من حكيم مرشد فرأى مغيب الشمس عند ~~غروبها في عين ذي خلب وثاط حرمد # فقال ابن عباس ما الخلب؟ قلت الطين بكلامهم، قال فما الثأط؟ قلت الحمأة. ~~قال فما الحرمد؟ قلت الأسود، فدعا ابن عباس غلاما فقال اكتب ما يقول هذا ~~الرجل. وأخرج الترمذي، وأبو داود الطيالسي، وابن جرير، وابن المنذر عن ~~أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم # " كان يقرأ { فى ms2294 عين حمئة } » ". # وأخرج الطبراني، والحاكم، وابن مردويه عن ابن عباس مرفوعا مثله. ### || [18.92-98] # ثم حكى سبحانه سفر ذي القرنين إلى ناحية أخرى، وهي ناحية القطر الشمالي ~~بعد تهيئة أسبابه فقال { ثم أتبع سببا } أي طريقا ثالثا ~~معترضا بين المشرق والمغرب { حتى إذا بلغ بين السدين ~~} قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص، وابن محيصن، ويحيى اليزيدي، وأبو زيد، ~~عن المفضل بفتح السين. وقرأ الباقون بضمها. قال أبو عبيدة وابن الأنباري ~~وأبو عمرو بن العلاء السد إن كان بخلق الله سبحانه فهو بضم السين حتى ~~يكون بمعنى مفعول، أي هو مما فعله الله وخلقه، وإن كان من عمل العباد فهو ~~بالفتح حتى يكون حدثا. وقال ابن الأعرابي كل ما قابلك فسد ما وراءه فهو ~~سد وسد نحو الضعف والضعف، والفقر والفقر، والسدان هما جبلان من قبل ~~أرمينية وأذربيجان، وانتصاب " بين " على أنه مفعول به كما ارتفع ~~بالفاعلية في قوله # لقد تقطع بينكم # الأنعام 94. وقيل موضع بين السدين هو منقطع أرض الترك مما يلي المشرق ~~لا جبلا أرمينية وأذربيجان. وحكى ابن جرير في تاريخه أن صاحب أذربيجان ~~أيام فتحها وجه إنسانا من ناحية الجزر فشاهده، ووصف أنه بنيان رفيع وراء ~~خندق وثيق منيع، و { وجد من دونهما } أي من ورائهما مجازا ~~عنهما، وقيل أمامهما { قوما لا يكادون يفقهون قولا } ~~قرأ حمزة والكسائي يفقهون بضم الياء وكسر القاف من أفقه إذا أبان، أي لا ~~يبينون لغيرهم كلاما، وقرأ الباقون بفتح الياء والقاف، أي لا يفهمون ~~كلام غيرهم، والقراءتان صحيحتان، ومعناهما لا يفهمون عن غيرهم ولا يفهمون ~~غيرهم، لأنهم لا يعرفون غير لغة أنفسهم. { قالوا } أي هؤلاء القوم ~~الذين لا يفهمون قولا، قيل إن فهم ذي القرنين لكلامهم من جملة الأسباب ~~التي أعطاه الله، وقيل إنهم قالوا ذلك لترجمانهم، فقال لذي القرنين بما ~~قالوا له { يذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون ~~فى الأرض } يأجوج ومأجوج اسمان عجميان بدليل منع صرفهما، وبه قال ~~الأكثر. وقيل مشتقان من أج الظليم في مشيه إذا هرول، وتأججت النار إذا ms2295 ~~تلهبت، قرأهما الجمهور بغير همز، وقرأ عاصم بالهمز. قال ابن الأنباري وجه ~~همزهما وإن لم يعرف له أصل أن العرب قد همزت حروفا لا يعرف للهمز فيها ~~أصل كقولهم كبأث ورثأت واستشأث الريح. قال أبو علي يجوز أن يكونا عربيين، ~~فمن همز فهو على وزن يفعول مثل يربوع، ومن لم يهمز أمكن أن يكون خفف ~~الهمزة فقبلها ألفا مثل رأس. وأما مأجوج، فهو مفعول من أج، والكلمتان ~~من أصل واحد في الاشتقاق. قال وترك الصرف فيهما على تقدير كونهما عربيين ~~للتأنيث والتعريف كأنه اسم للقبيلة. واختلف في نسبهم فقيل هم من ولد يافث ~~بن نوح، وقيل يأجوج من الترك ومأجوج من الجبل والديلم. # وقال كعب الأحبار احتلم آدم فاختلط ماؤه بالتراب فخلقوا من ذلك الماء. ~~قال القرطبي وهذا فيه نظر، لأن الأنبياء لا يحتلمون، وإنما هم من ولد ~~يافث، كذلك قال مقاتل وغيره. وقد وقع الخلاف في صفتهم فمن الناس من يصفهم ~~بصغر الجثث وقصر القامة، ومنهم من يصفهم بكبر الجثث وطول القامة، ومنهم ~~من يقول لهم مخالب كمخالب السباع، وإن منهم صنفا يفترش إحدى أذنيه ~~ويلتحف بالأخرى، ولأهل العلم من السلف ومن بعدهم أخبار مختلفة في صفاتهم ~~وأفعالهم. واختلف في إفسادهم في الأرض فقيل هو أكل بني آدم وقيل هو الظلم ~~والغشم والقتل وسائر وجوه الإفساد وقيل كانوا يخرجون إلى أرض هؤلاء القوم ~~الذين شكوهم إلى ذي القرنين في أيام الربيع فلا يدعون فيها شيئا أخضر ~~إلا أكلوه. { فهل نجعل لك خرجا } هذا الاستفهام من باب حسن ~~الأدب مع ذي القرنين. وقرىء خراجا. قال الأزهري الخراج يقع على الضريبة ~~ويقع على مال الفيء، ويقع على الجزية وعلى الغلة. والخراج أيضا اسم لما ~~يخرج من الفرائض في الأموال، والخرج المصدر. وقال قطرب الخرج الجزية ~~والخراج في الأرض، وقيل الخرج ما يخرجه كل أحد من ماله، والخراج ما يجبيه ~~السلطان وقيل هما بمعنى واحد { على أن تجعل بيننا ~~وبينهم سدا } أي ردما حاجزا بيننا وبينهم. وقرىء { سدا } بفتح ~~السين. قال الخليل ms2296 وسيبويه الضم هو الاسم، والفتح المصدر. وقال الكسائي ~~الفتح والضم لغتان بمعنى واحد، وقد سبق قريبا ما حكيناه عن أبي عمرو بن ~~العلاء، وأبي عبيدة، وابن الأنباري من الفرق بينهما. وقال ابن أبي إسحاق ~~ما رأته عيناك فهو سد بالضم، وما لا ترى فهو سد بالفتح، وقد قدمنا ~~بيان من قرأ بالفتح وبالضم في السدين. { قال ما مكنى فيه ربى ~~} أي قال لهم ذو القرنين ما بسطه الله لي من القدرة والملك { خير } من ~~خرجكم، ثم طلب منهم المعاونة له فقال { فأعينونى بقوة } أي ~~برجال منكم يعملون بأيديهم، أو أعينوني بآلات البناء، أو بمجموعهما. قال ~~الزجاج بعمل تعملونه معي. قرأ ابن كثير وحده. ما مكنني بنونين، وقرأ ~~الباقون بنون واحدة. { أجعل بينكم وبينهم ردما } هذا ~~جواب الأمر، والردم ما جعل بعضه على بعض حتى يتصل. قال الهروي يقال ردمت ~~الثلمة أردمها بالكسر ردما أي سددتها، والردم أيضا الاسم، وهو السد، ~~وقيل الردم أبلغ من السد، إذ السد كل ما يسد به، والردم وضع الشيء على ~~الشيء من حجارة أو تراب أو نحوهما حتى يقوم من ذلك حجاب منيع، ومنه ردم ~~ثوبه إذا رقعه برقاع متكاثفة بعضها فوق بعض، ومنه قول عنترة # هل غادر الشعراء من متردم # أي من قول يركب بعضه على بعض. { آتوني زبر الحديد } أي أعطوني ~~وناولوني، وزبر الحديد جمع زبرة، وهي القطعة. قال الخليل الزبرة من ~~الحديد القطعة الضخمة. قال الفراء معنى { آتوني زبر الحديد } ~~ائتوني بها فلما ألقيت الياء زيدت ألفا، وعلى هذا فانتصاب { زبر } بنزع ~~الخافض { حتى إذا ساوى بين الصدفين } والصدفان جانبا ~~الجبل. قال الأزهري يقال لجانبي الجبل صدفان إذا تحاذيا لتصادفهما أي ~~تلاقيهما، وكذا قال أبو عبيدة والهروي. قال الشاعر # كلا الصدفين ينفده سناها توقد مثل مصباح الظلام # وقد يقال لكل بناء عظيم مرتفع صدف، قاله أبو عبيدة. قرأ نافع، وحمزة، ~~والكسائي، وحفص { الصدفين } بفتح الصاد والدال. وقرأ ابن كثير، وابن ~~عامر، وأبو عمرو، ويعقوب، واليزيدي، وابن محيصن بضم الصاد والدال. وقرأ ~~عاصم ms2297 في رواية أبي بكر بضم الصاد وسكون الدال. وقرأ ابن الماجشون بفتح ~~الصاد وضم الدال، واختار القراءة الأولى أبو عبيد لأنها أشهر اللغات. ~~ومعنى الآية أنهم أعطوه زبر الحديد، فجعل يبني بها بين الجبلين حتى ~~ساواهما { قال انفخوا } أي قال للعملة انفخوا على هذه الزبر ~~بالكيران { حتى إذا جعله نارا } أي جعل ذلك المنفوخ فيه، وهو ~~الزبر نارا، أي كالنار في حرها وإسناد الجعل إلى ذي القرنين مجاز لكونه ~~الآمر بالنفخ. قيل كان يأمر بوضع طاقة من الزبر والحجارة ثم يوقد عليها ~~الحطب والفحم بالمنافخ حتى يتحمى، والحديد إذا أوقد عليه صار كالنار، ثم ~~يؤتى بالنحاس المذاب فيفرغه على تلك الطاقة، وهو معنى قوله { قال ~~آتونى أفرغ عليه قطرا } قال أهل اللغة القطر النحاس الذائب، ~~والإفراغ الصب، وكذا قال أكثر المفسرين. وقالت طائفة القطر الحديد ~~المذاب. وقالت فرقة أخرى منهم ابن الأنباري هو الرصاص المذاب. { فما ~~اسطعوا } أصله استطاعوا، فلما اجتمع المتقاربان، وهما التاء والطاء ~~خففوا بالحذف. قال ابن السكيت يقال ما أستطيع، وما أسطيع، وما أستيع. ~~وبالتخفيف قرأ الجمهور، وقرأ حمزة وحده فما اسطاعوا بتشديد الطاء كأنه ~~أراد استطاعوا فأدغم التاء في الطاء وهي قراءة ضعيفة الوجه، قال أبو علي ~~الفارسي هي غير جائزة. وقرأ الأعمش فما استطاعوا على الأصل، ومعنى { أن ~~يظهروه } أن يعلوه أي فما استطاع يأجوج ومأجوج أن يعلوا على ذلك ~~الردم لارتفاعه وملاسته { وما استطعوا له نقبا } يقال نقبت ~~الحائط إذا خرقت فيه خرقا فخلص إلى ما وراءه. قال الزجاج ما قدروا أن ~~يعلوا عليه لارتفاعه وانملاسه، وما استطاعوا أن ينقبوه من أسفله لشدته ~~وصلابته. { قال هذا رحمة من ربى } أي قال ذو القرنين ~~مشيرا إلى السد هذا السد رحمة من ربي، أي أثر من آثار رحمته لهؤلاء ~~المتجاوزين للسد ولمن خلفهم ممن يخشى عليه معرتهم لو لم يكن ذلك السد ~~وقيل الإشارة إلى التمكين من بنائه { فإذا جاء وعد ربى } أي أجل ~~ربي أن يخرجوا منه، وقيل هو مصدر بمعنى المفعول، وهو يوم القيامة ms2298 { ~~جعله دكاء } أي مستويا بالأرض ومنه قوله # حتى إذا دكت الأرض دكا # الفجر 21. قال الترمذي أي مستويا، يقال ناقة دكاء إذا ذهب سنامها. وقال ~~القتيبي أي جعله مدكوكا ملصقا بالأرض. وقال الحليمي قطعا متكسرا. قال ~~الشاعر # هل غير غار دك غارا فانهدم # قال الأزهري دككته، أي دققته. ومن قرأ { دكاء } بالمد وهو عاصم وحمزة ~~والكسائي أراد التشبيه بالناقة الدكاء، وهي التي لا سنام لها، أي مثل ~~دكاء، لأن السد مذكر فلا يوصف بدكاء. وقرأ الباقون دكا بالتنوين على ~~أنه مصدر، ومعناه ما تقدم، ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى الحال، أي ~~مدكوكا { وكان وعد ربى حقا } أي وعده بالثواب والعقاب، أو ~~الوعد المعهود حقا ثابتا لا يتخلف. وهذا أخر قول ذي القرنين. وقد أخرج ~~ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { حتى إذا بلغ بين ~~السدين } قال الجبلين أرمينية وأذربيجان. وأخرج أيضا عن ابن جريج ~~{ لا يكادون يفقهون قولا } قال الترك. وأخرج ابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والحاكم صححه، وابن مردويه عن ابن عباس قال يأجوج ومأجوج ~~شبر وشبران وأطولهم ثلاثة أشبار وهم من ولد آدم. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~المنذر والطبراني وابن مردويه، والبيهقي في البعث، وابن عساكر عن ابن ~~عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم، ~~ولا يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا، وإن من ورائهم ثلاث ~~أمم تاويل، وتاريس، ومنسك " # وأخرج النسائي من حديث عمرو بن أوس عن أبيه مرفوعا # " أنه لا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا " # وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، وابن حبان، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي هريرة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض يحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا ~~يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستفتحونه غدا، فيعودون إليه ~~أشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم ms2299 وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا، ~~حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستفتحونه غدا إن ~~شاء الله، ويستثنى فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون ~~على الناس فيستقون المياه. ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم ~~إلى السماء فترجع مخضبة بالدماء، فيقولون قهرنا من في الأرض وعلونا من في ~~السماء قسرا وعلوا، فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم فيهلكون، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن ~~وتبطر وتشكر شكرا من لحومهم " # وقد ثبت في الصحيحين من حديث زينب بنت جحش قالت استيقظ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول # " لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ~~ومأجوج مثل هذه وحلق، قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم، ~~إذا كثر الخبث " # وأخرجا نحوه من حديث أبي هريرة مرفوعا. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله { فهل نجعل لك خرجا } قال أجرا ~~عظيما. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله { ردما } قال هو كأشد الحجاب. ~~وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { زبر الحديد ~~} قال قطع الحديد. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه { بين ~~الصدفين } قال الجبلين. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن مجاهد قال رؤوس الجبلين. وأخرج هؤلاء عن ابن عباس في قوله { ~~قطرا } قال النحاس. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن قتادة { فما ~~اسطاعوا أن يظهروه } قال أن يرتقوه. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ~~قال أن يعلوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { جعله دكاء } ~~قال لا أدري الجبلين يعني به أم بينهما. ### || [18.99-108] # قوله { وتركنا بعضهم يومئذ يموج فى بعض } هذا من ~~كلام الله سبحانه بعد انقضاء كلام ذي القرنين، والضمير في { بعضهم } ~~ليأجوج ومأجوج، أي تركنا بعض يأجوج ومأجوج يوم مجيء الوعد، ms2300 أو يوم خروج ~~يأجوج ومأجوج يموج في بعض آخر منهم، يقال ماج الناس إذا دخل بعضهم في بعض ~~حيارى كموج الماء. والمعنى أنهم يضطربون ويختلطون، وقيل الضمير في { ~~بعضهم } للخلق، واليوم يوم القيامة أي وجعلنا بعض الخلق من الجن والإنس ~~يموج في بعض، وقيل المعنى وتركنا يأجوج ومأجوج يوم كمال السد وتمام ~~عمارته بعضهم يموج في بعض، وقد تقدم تفسير { ونفخ فى الصور } في ~~الأنعام، قيل هي النفخة الثانية بدليل قوله بعد { فجمعنهم ~~جمعا } فإن الفاء تشعر بذلك، ولم يذكر النفخة الأولى لأن المقصود هنا ~~ذكر أحوال القيامة. والمعنى جمعنا الخلائق بعد تلاشي أبدانهم ومصيرها ~~ترابا جمعا تاما على أكمل صفة وأبدع هيئة وأعجب أسلوب. { وعرضنا ~~جهنم يومئذ للكفرين عرضا } المراد بالعرض هنا ~~الإظهار، أي أظهرنا لهم جهنم حتى شاهدوها يوم جمعنا لهم، وفي ذلك وعيد ~~للكفار عظيم لما يحصل معهم عند مشاهدتها من الفزع والروعة، ثم وصف ~~الكافرين المذكورين بقوله { الذين كانت أعينهم فى غطاء ~~عن ذكرى } أي كانت أعينهم في الدنيا في غطاء، وهو ما غطى الشيء وستره ~~من جميع الجوانب { عن ذكري } عن سبب ذكري، وهو الآيات التي يشاهدها من له ~~تفكر واعتبار، فيذكر الله بالتوحيد والتمجيد، فأطلق المسبب على السبب، أو ~~عن القرآن العظيم، وتأمل معانيه وتدبر فوائده. ثم لما وصفهم سبحانه ~~بالعمى عن الدلائل التكوينية أو التنزيلية أو مجموعهما، أراد أن يصفهم ~~بالصمم عن استماع الحق فقال { وكانوا لا يستطيعون سمعا } ~~أي لا يقدرون على الاستماع لما فيه الحق من كلام الله وكلام رسوله، وهذا ~~أبلغ مما لو قال وكانوا صما، لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به، ~~وهؤلاء لا استطاعة لهم بالكلية، وفي ذكر غطاء الأعين وعدم استطاعة السماع ~~تمثيل لتعاميهم عن المشاهدة بالأبصار وإعراضهم عن الأدلة السمعية. { ~~أفحسب الذين كفروا } الحسبان هنا بمعنى الظن. والاستفهام ~~للتقريع والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدر كنظائره. والمعنى أفظنوا أنهم ~~ينتفعون بما عبدوه مع إعراضهم عن تدبر آيات الله وتمردهم عن قبول الحق، ~~ومعنى { أن يتخذوا عبادى ms2301 من دونى } أي يتخذوهم من دون الله، ~~وهم الملائكة والمسيح والشياطين { أولياء } أي معبودين، قال الزجاج ~~المعنى أيحسبون أن ينفعهم ذلك؟ وقرىء أفحسب بسكون السين، ومعناه أكافيهم ~~ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء على أنه مبتدأ وخبر، يريد أن ذلك لا يكفيهم ~~ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا { إنا أعتدنا جهنم ~~للكفرين نزلا } أي هيأناها لهم نزلا يتمتعون به عند ورودهم. # قال الزجاج النزل المأوى والمنزل، وقيل إنه الذي يعد للضيف، فيكون ~~تهكما بهم كقوله { فبشرهم بعذاب أليم }. والمعنى أن جهنم ~~معدة لهم عندنا كما يعد النزل للضيف، { قل هل ننبئكم ~~بالأخسرين أعملا } انتصاب { أعمالا } على التمييز، والجمع ~~للدلالة على إرادة الأنواع منها، ومحل الموصول وهو { الذين ضل ~~سعيهم فى الحيوة الدنيا } الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، ~~كأنه قيل من هم؟ فقيل هم الذين ضل سعيهم، والمراد بضلال السعي بطلانه ~~وضياعه، ويجوز أن يكون في محل نصب على الذم، ويكون الجواب { أولئك ~~الذين كفروا بئايت ربهم } ويجوز أن يكون في محل جر ~~على أنه نعت ل { لأخسرين } أو بدل منه، ويكون الجواب أيضا هو أولئك ~~وما بعده، وأول هذه الوجوه هو أولاها، وجملة { وهم يحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا } في محل نصب على الحال من فاعل { ضل } ، ~~أي والحال أنهم يظنون أنهم محسنون في ذلك منتفعون بآثاره، وتكون جملة { ~~أولئك الذين كفروا بئايت ربهم } مستأنفة مسوقة ~~لتكميل الخسران وبيان سببه، هذا على الوجه الأول الراجح لا على الوجوه ~~الآخرة، فإنها هي الجواب كما قدمنا، ومعنى كفرهم بآيات ربهم كفرهم ~~بدلائل توحيده من الآيات التكوينية والتنزيلية، ومعنى كفرهم بلقائه كفرهم ~~بالبعث وما بعده من أمور الآخرة، ثم رتب على ذلك قوله { فحبطت ~~أعمالهم } أي التي عملوها مما يظنونه حسنا، وهو خسران وضلال، ثم ~~حكم عليهم بقوله { فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا } ~~أي لا يكون لهم عندنا قدر ولا نعبأ بهم، وقيل لا يقام لهم ميزان توزن به ~~أعمالهم، لأن ذلك إنما يكون لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين، وهؤلاء ~~لا حسنات لهم. قال ms2302 ابن الأعرابي العرب تقول ما لفلان عندنا وزن، أي قدر ~~لخسته، ويوصف الرجل بأنه لا وزن له لخفته، وسرعة طيشه، وقلة تثبته. ~~والمعنى على هذا أنهم لا يعتد بهم ولا يكون لهم عند الله قدر ولا منزلة، ~~وقرأ مجاهد يقيم بالياء التحتية، أي فلا يقيم الله، وقرأ الباقون بالنون. ~~ثم بين سبحانه عاقبة هؤلاء وما يئول إليه أمرهم فقال { ذلك } أي الذي ~~ذكرناه من أنواع الوعيد جزاؤهم، ويكون قوله { جهنم } عطف بيان للجزاء، أو ~~جملة { جزاؤهم جهنم } مبتدأ وخبر، والجملة خبر { ذلك } ، والسبب في ذلك ~~أنهم ضموا إلى الكفر اتخاذ آيات الله واتخاذ رسله هزوا، فالباء في { ~~بما كفروا } للسببية، ومعنى كونهم هزوا أنهم مهزوء بهم. وقد اختلف ~~السلف في تعيين هؤلاء الأخسرين أعمالا، فقيل اليهود والنصارى، وقيل كفار ~~مكة، وقيل الخوارج، وقيل الرهبان أصحاب الصوامع، والأولى حمل الآية على ~~العموم لكل من اتصف بتلك الصفات المذكورة. # ثم ذكر سبحانه بعد هذا الوعيد لهؤلاء الكفار الوعد للمؤمنين فقال { ~~إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } أي جمعوا ~~بينهما حتى كانوا على ضد صفة من قبلهم { كانت لهم } قال ابن ~~الأنباري كانت فيما سبق من علم الله كانت لأهل طاعته { جنت ~~الفردوس نزلا } قال المبرد الفردوس فيما سمعت من كلام العرب ~~الشجر الملتف والأغلب عليه العنب. واختار الزجاج ما قاله مجاهد إن ~~الفردوس البستان باللغة الرومية، وقد تقدم بيان النزل، وانتصابه على أنه ~~خبر كان. والمعنى كانت لهم ثمار جنة الفردوس نزلا معدا لهم مبالغة في ~~إكرامهم، وانتصاب { خلدين فيها } على الحال، وكذلك جملة { لا ~~يبغون عنها حولا } في محل نصب على الحال، والحول مصدر، أي لا ~~يطلبون تحولا عنها إذ هي أعز من أن يطلبوا غيرها، أو تشتاق أنفسهم إلى ~~سواها. قال ابن الأعرابي وابن قتيبة والأزهري الحول اسم بمعنى التحول ~~يقوم مقام المصدر، وقال أبو عبيدة والفراء إن الحول التحويل. وقد أخرج ~~ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق هارون بن عنترة، عن ~~أبيه، عن ابن عباس في ms2303 قوله { وتركنا بعضهم } الآية قال الجن ~~والإنس { يموج } بعضهم { فى بعض }. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { لا يستطيعون سمعا } ~~قال لا يعقلون سمعا. وأخرج أبو عبيد، وسعيد بن منصور، وابن المنذر عن ~~علي أنه قرأ " أفحسب الذين كفروا " قال أبو عبيد بجزم ~~السين وضم الباء. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة ~~أنه قرأ كذلك. وأخرج عبد الرزاق، والبخاري، والنسائي، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه من طريق مصعب بن سعد قال ~~سألت أبي { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعملا } أهم ~~الحرورية؟ قال لا هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا لا طعام فيها ولا شراب، ~~والحرورية { الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثقه ~~} ، وكان سعد يسميهم الفاسقين. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن ~~منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن مصعب ~~قال قلت لأبي { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعملا } ~~الحرورية هم؟ قال لا ولكنهم أصحاب الصوامع، والحرورية قوم زاغوا فأزاغ ~~الله قلوبهم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي حميصة عبد الله بن ~~قيس قال سمعت علي بن أبي طالب يقول في هذه الآية { قل هل ~~ننبئكم بالأخسرين أعملا } إنهم الرهبان الذين حبسوا ~~أنفسهم في السواري. وأخرج ابن مردويه عن أبي الطفيل قال سمعت علي بن أبي ~~طالب وسأله ابن الكوا فقال { هل ننبئكم بالأخسرين ~~أعملا } قال فجرة قريش. # وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه ~~من طريقين عن علي أنه سئل عن هذه الآية { قل هل ننبئكم ~~بالأخسرين أعملا } قال لا أظن إلا أن الخوارج منهم، وفي ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح ~~بعوضة، وقال اقرءوا إن شئتم { فلا نقيم لهم يوم القيمة ~~وزنا } " # وأخرج عبد بن ms2304 حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، ~~والحاكم، وابن مردويه عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " سلوا الله الفردوس، فإنها سرة الجنة، وإن أهل الفردوس يسمعون أطيط ~~العرش " # وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه ~~عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة " # وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأحمد، والترمذي، وابن جرير، ~~والحاكم، والبيهقي، وابن مردويه عن عبادة بن الصامت، أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " إن في الجنة مائة درجة، كل درجة منها ما بين السماء والأرض، والفردوس ~~أعلاها درجة، ومن فوقها يكون العرش، ومنه تفجر أنهار الجنة الأربعة، فإذا ~~سألتم الله فاسألوه الفردوس " # والأحاديث بهذا المعنى كثيرة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن مجاهد قال الفردوس بستان بالرومية. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ~~قال هو الكرم بالنبطية. وأخرج ابن أبي شيبة، وهناد، وابن المنذر، عن عبد ~~الله بن الحارث أن ابن عباس سأل كعبا عن الفردوس قال هي جنات الأعناب ~~بالسريانية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في ~~قوله { لا يبغون عنها حولا } قال متحولا. ### || [18.109-110] # لما ذكر سبحانه أنواع الدلائل نبه على كمال القرآن فقال { قل لو ~~كان البحر مدادا لكلمت ربى } قال ابن الأنباري سمي ~~المداد مدادا لإمداده الكاتب، وأصله من الزيادة ومجيء الشيء بعد الشيء، ~~ويقال للزيت الذي يوقد به السراج مداد، والمراد بالبحر هنا الجنس. ~~والمعنى لو كتبت كلمات علم الله وحكمته، وفرض أن جنس البحر مدادا لها ~~لنفد البحر قبل نفود الكلمات، ولو جئنا بمثل البحر مدادا لنفد أيضا، ~~وقيل في بيان المعنى لو كان البحر مدادا للقلم والقلم يكتب { لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمت ربى } وقوله { ولو جئنا ~~بمثله مددا } كلام من جهته سبحانه غير داخل تحت قوله { قل لو كان ~~}. وفيه زيادة مبالغة ms2305 وتأكيد، والواو لعطف ما بعده على جملة مقدرة مدلول ~~عليها بما قبلها أي لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته لو لم يجىء بمثله ~~مددا ولو جئنا بمثله مددا، والمدد الزيادة، وقيل عنى سبحانه بالكلمات ~~الكلام القديم الذي لا غاية له ولا منتهى، وهو وإن كان واحدا فيجوز أن ~~يعبر عنه بلفظ الجمع لما فيه من الفوائد، وقد عبرت العرب عن الفرد بلفظ ~~الجمع، قال الأعشى # ووجه نقي اللون صاف يزينه مع الجيد لبات لها ومعاصم # فعبر باللبات عن اللبة. قال الجبائي إن قوله { قبل أن تنفد ~~كلمت ربى } يدل على أن كلماته قد تنفد في الجملة، وما ثبت عدمه ~~امتنع قدمه. وأجيب بأن المراد الألفاظ الدالة على متعلقات تلك الصفة ~~الأزلية، وقيل في الجواب إن نفاد شيء قبل نفاد شيء آخر لا يدل على نفاد ~~الشيء الآخر، ولا على عدم نفاده، فلا يستفاد من الآية إلا كثرة كلمات ~~الله بحيث لا تضبطها عقول البشر، أما أنها متناهية، أو غير متناهية فلا ~~دليل على ذلك في الآية. والحق أن كلمات الله تابعة لمعلوماته، وهي غير ~~متناهية، فالكلمات غير متناهية. وقرأ مجاهد وابن محيصن وحميد ولو جئنا ~~بمثله مدادا وهي كذلك في مصحف أبي، وقرأ الباقون { مددا } وقرأ حمزة ~~والكسائي قبل أن ينفد بالتحتية، وقرأ الباقون بالفوقية، ثم أمر سبحانه ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسلك مسلك التواضع، فقال { قل إنما ~~أنا بشر مثلكم } أي إن حالي مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى ~~الملكية، ومن كان هكذا فهو لا يدعي الإحاطة بكلمات الله إلا أنه امتاز ~~عنهم بالوحي إليه من الله سبحانه فقال { يوحى إلى } وكفى بهذا ~~الوصف فارقا بينه وبين سائر أنواع البشر، ثم بين أن الذي أوحى إليه هو ~~قوله { أنما إلهكم إله وحد } لا شريك له في ألوهيته، ~~وفي هذا إرشاد إلى التوحيد، ثم أمرهم بالعمل الصالح والتوحيد فقال { ~~فمن كان يرجو لقاء ربه } الرجاء توقع وصول الخير في ~~المستقبل، والمعنى من كان له هذا الرجاء الذي هو ms2306 شأن المؤمنين { ~~فليعمل عملا صلحا } وهو ما دل الشرع على أنه عمل خير يثاب ~~عليه فاعله { ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } من خلقه سواء ~~كان صالحا، أو طالحا، حيوانا أو جمادا، قال الماوردي قال جميع أهل ~~التأويل في تفسير هذه الآية إن المعنى لا يرائي بعمله أحدا. # وأقول إن دخول الشرك الجلي الذي كان يفعله المشركون تحت هذه الآية هو ~~المقدم على دخول الشرك الخفي الذي هو الرياء، ولا مانع من دخول هذا ~~الخفي تحتها، إنما المانع من كونه هو المراد بهذه الآية. وقد أخرج ابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { لكلمت ربى } يقول علم ~~ربي. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال يقول ينفد ماء البحر قبل ~~أن ينفد كلام الله وحكمته. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله { فمن كان يرجو ~~لقاء ربه } الآية قال أنزلت في المشركين الذين عبدوا مع الله إلها ~~غيره، وليست هذه في المؤمنين. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن عباس ~~قال قال رجل يا نبي الله إني أقف المواقف أبتغي وجه الله، وأحب أن يرى ~~موطني، فلم يرد عليه شيئا حتى نزلت هذه الآية { ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا }. وأخرج ابن منده، وأبو نعيم في الصحابة، ~~وابن عساكر من طريق السدي الصغير عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ~~قال كان جندب بن زهير إذا صلى أو صام أو تصدق فذكر بخير ارتاح له، فزاد ~~في ذلك لقالة الناس فلا يريد به الله، فنزل في ذلك { فمن كان يرجو ~~لقاء ربه } الآية. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال «قال رجل يا رسول ~~الله أعتق وأحب أن يرى، وأتصدق وأحب أن يرى، فنزلت { فمن كان ~~يرجو لقاء ربه } الآية وهو مرسل. وأخرجه هناد في الزهد عنه ~~أيضا. وأخرج ابن سعد، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي في الشعب عن ~~أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري وكان من الصحابة سمعت رسول ms2307 الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول # " إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه، نادى مناد من كان ~~أشرك في عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى ~~الشركاء عن الشرك " # وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي هريرة أن رجلا قال يا رسول الله، ~~الرجل يجاهد في سبيل الله وهو يبتغي عرضا من الدنيا؟ فقال # " لا أجر له، " # فأعظم الناس ذلك، فعاد الرجل فقال # " لا أجر له ". # وأخرج ابن أبي الدنيا في الإخلاص، وابن جرير في تهذيبه، والطبراني، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن شداد بن أوس قال كنا نعد ~~الرياء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر. وأخرج ~~الطيالسي، وأحمد، وابن أبي الدنيا، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي عن شداد بن أوس أيضا قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول # " من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد ~~أشرك، ثم قرأ { فمن كان يرجو لقاء ربه } الآية " # وأخرج الطيالسي، وأحمد، وابن مردويه، وأبو نعيم عن شداد أيضا قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن الله يقول أنا خير قسيم لمن أشرك بي، من أشرك بي شيئا فإن عمله ~~قليله وكثيره لشريكه الذي أشركه أنا عنه غني " # وأخرج أحمد، والحكيم الترمذي، وابن جرير في تهذيبه، والحاكم وصححه، ~~والبيهقي عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيخ؟ الشرك الخفي، أن يقوم ~~الرجل يصلي لمكان رجل " # وأخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي عن ~~شداد بن أوس سمعت رسول الله يقول صلى الله عليه وسلم # " أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية، قلت أتشرك أمتك من بعدك؟ قال ~~نعم، أما إنهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولا وثنا، ولكن ~~يراءون الناس بأعمالهم، قلت يا رسول الله ما الشهوة الخفية؟ قال يصبح ~~أحدهم صائما فتعرض له شهوة ms2308 من شهواته فيترك صومه ويواقع شهوته " # وأخرج أحمد، ومسلم، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه قال # " أنا خير الشركاء، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا بريء منه، وهو ~~للذي أشرك " # ، وفي لفظ # " فمن أشرك بي أحدا فهو له كله " # وفي الباب أحاديث كثيرة في التحذير من الرياء وأنه الشرك الأصغر، وأن ~~الله لا يقبله، وقد استوفاها صاحب الدر المنثور في هذا الموضع فليرجع ~~إليه، ولكنها لا تدل على أنه المراد بالآية، بل الشرك الجلي يدخل تحتها ~~دخولا أوليا، وعلى فرض أن سبب النزول هو الرياء كما يشير إلى ذلك ما ~~قدمنا، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر في علم ~~الأصول. وقد ورد في فضائل هذه الآية بخصوصها ما أخرجه الطبراني، وابن ~~مردويه عن أبي حكيم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لو لم ينزل على أمتي إلا خاتمة سورة الكهف لكفتهم " # وأخرج ابن راهويه، والبزار، والحاكم وصححه، والشيرازي في الألقاب، وابن ~~مردويه عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من قرأ في ليلة { فمن كان يرجو لقاء ربه } الآية، كان له ~~نور من عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة " # قال ابن كثير بعد إخراجه غريب جدا. وأخرج ابن الضريس عن أبي الدرداء ~~قال من حفظ خاتمة الكهف كان له نور يوم القيامة من لدن قرنه إلى قدمه. ~~وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن معاوية بن أبي سفيان أنه تلا هذه الآية { ~~فمن كان يرجو لقاء ربه } وقال إنها آخر آية نزلت من القرآن. ~~قال ابن كثير وهذا أثر مشكل، فإن هذه الآية هي آخر سورة الكهف، والكهف ~~كلها مكية، ولعل معاوية أراد أنه لم ينزل بعدها ما ينسخها ولا يغير ~~حكمها، بل هي مثبتة محكمة، فاشتبه ذلك على بعض الرواة فروى بالمعنى على ~~ما فهمه. ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1-11] # قوله { كهيعص } قرأ أبو جعفر هذه ms2309 الحروف مقطعة، ووصلها الباقون، وأمال ~~أبو عمرو الهاء وفتح الياء، وعكس ذلك ابن عامر وحمزة، وأمالهما جميعا ~~الكسائي وأبو بكر وخلف، وقرأهما بين اللفظين أهل المدينة وفتحهما ~~الباقون. وعن خارجة أن الحسن كان يضم كاف، وحكي عن غيره أنه كان يضم " ها ~~". وقال أبو حاتم لا يجوز ضم الكاف ولا الهاء ولا الياء. قال النحاس ~~قراءة أهل المدينة من أحسن ما في هذا، والإمالة جائزة في " ها " وفي " يا ~~" وقد اعترض على قراءة الحسن جماعة. وقيل في تأويلها أنه كان يشم الرفع ~~فقط. وأظهر الدال من هجاء " صاد " نافع وأبو جعفر وابن كثير وعاصم ~~ويعقوب، وهو اختيار أبي عبيد وأدغمها الباقون. وقد قيل في توجيه هذه ~~القراءات أن التفخيم هو الأصل، والإمالة فرع عنه، فمن قرأ بتفخيم الهاء ~~والياء فقد عمل بالأصل، ومن أمالهما فقد عمل بالفرع، ومن أمال أحدهما ~~وفخم الآخر فقد عمل بالأمرين، وقد تقدم الكلام في هذه الحروف الواقعة في ~~فواتح السورة مستوفى في أوائل سورة البقرة. ومحل هذه الفاتحة إن جعلت ~~اسما للسورة على ما عليه الأكثر الرفع على أنها مبتدأ خبرها ما بعدها، ~~قاله الفراء. واعترضه الزجاج فقال هذا محال لأن { كهيعص } ليس هو مما ~~أنبأنا الله عز وجل به عن زكريا، وقد أخبر الله تبارك وتعالى عنه وعما ~~بشر به، وليس { كهيعص } من قصته، أو على أنها خبر مبتدأ محذوف، وإن ~~جعلت مسرودة على نمط التعديد، فقوله { ذكر رحمت ربك } خبر ~~لمبتدأ محذوف أي هذا ذكر رحمة ربك وقيل هو مبتدأ خبره محذوف أي فيما يتلى ~~عليك ذكر رحمة ربك. قال الزجاج { ذكر } مرتفع بالمضمر، والمعنى هذا الذي ~~نتلوه عليك ذكر رحمة ربك { عبده زكريا } يعني إجابته إياه حين دعاه ~~وسأله الولد، وانتصاب { عبده } على أنه مفعول للرحمة، قاله الأخفش. وقيل ~~للذكر. ومعنى ذكر الرحمة بلوغها وإصابتها، كما يقال ذكرني معروف فلان أي ~~بلغني. وقرأ يحيى بن يعمر " ذكر " بالنصب، وقرأ أبو العالية " عبده " ~~بالرفع على أن المصدر مضاف إلى المفعول، وفاعل الذكر هو ms2310 عبده، وزكريا على ~~القراءتين عطف بيان له أو بدل منه، وقرأ الكلبي " ذكر " على صيغة الفعل ~~الماضي مشددا ومخففا على أن الفاعل عبده، وقرأ ابن معمر على الأمر، ~~وتكون الرحمة على هذا عبارة عن زكريا، لأن كل نبي رحمة لأمته. { إذ ~~نادى ربه نداء خفيا } العامل في الظرف رحمة. وقيل ذكر. وقيل ~~هو بدل اشتمال من زكريا. واختلف في وجه كون ندائه هذا خفيا فقيل لأنه ~~أبعد عن الرياء، وقيل أخفاه، لئلا يلام على طلبه للولد في غير وقته، ~~ولكونه من أمور الدنيا. # وقيل أخفاه مخافة من قومه. وقيل كان ذلك منه لكونه قد صار ضعيفا هرما ~~لا يقدر على الجهر. { قال رب إني وهن العظم مني } هذه ~~الجملة مفسرة لقوله { نادى ربه } يقال وهن يهن وهنا إذا ضعف فهو واهن، ~~وقرىء بالحركات الثلاث. أراد أن عظامه فترت وضعفت قوته، وذكر العظم، ~~لأنه عمود البدن، وبه قوامه، وهو أصل بنائه، فإذا وهن تداعى وتساقطت ~~قوته، ولأن أشد ما في الإنسان صلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن، ووحد ~~العظم قصدا إلى الجنس المفيد لشمول الوهن لكل فرد من أفراد العظام { ~~واشتعل الرأس شيبا } قرأ أبو عمرو بإدغام السين في الشين، ~~والباقون بعدمه، والاشتعال في الأصل انتشار شعاع النار، فشبه به انتشار ~~بياض شعر الرأس في سواده بجامع البياض والإنارة، ثم أخرجه مخرج الاستعارة ~~بالكناية، بأن حذف المشبه به وأداة التشبيه، وهذه الاستعارة من أبدع ~~الاستعارات وأحسنها. قال الزجاج يقال للشيب إذا كثر جدا قد اشتعل رأس ~~فلان، وأنشد للبيد # فإن ترى رأسي أمسى واضحا سلط الشيب عليه فاشتعل # وانتصاب { شيبا } على التمييز، قاله الزجاج. وقال الأخفش انتصابه على ~~المصدر، لأن معنى اشتعل شاب. قال النحاس قول الأخفش أولى لأنه مشتق من ~~فعل، والمصدرية أظهر فيما كان كذلك، وكان الأصل اشتعل شيب رأسي، فأسند ~~الاشتعال إلى الرأس لإفادة الشمول { ولم أكن بدعائك رب ~~شقيا } أي لم أكن بدعائي إياك خائبا في وقت من الأوقات، بل كلما ~~دعوتك استجبت لي. قال العلماء ms2311 يستحب للمرء أن يجمع في دعائه بين الخضوع، ~~وذكر نعم الله عليه كما فعل زكريا ها هنا، فإن في قوله { وهن ~~العظم مني واشتعل الرأس شيبا } غاية الخضوع والتذلل ~~وإظهار الضعف والقصور عن نيل مطالبه، وبلوغ مآربه، وفي قوله { ولم ~~أكن بدعائك رب شقيا } ذكر ما عوده الله من الإنعام عليه ~~بإجابة أدعيته، يقال شقي بكذا، أي تعب فيه ولم يحصل مقصوده منه. { ~~وإني خفت الموالى من ورائى } قرأ عثمان بن عفان ومحمد بن ~~علي بن الحسين وأبوه علي ويحيى بن يعمر " خفت " بفتح الخاء وتشديد الفاء ~~وكسر التاء وفاعله { الموالي } أي قلوا وعجزوا عن القيام بأمر الدين ~~بعدي، أو انقطعوا بالموت، مأخوذا من خفت القوم إذا ارتحلوا، وهذه قراءة ~~شاذة بعيدة عن الصواب. وقرأ الباقون { خفت } بكسر الخاء وسكون الفاء على ~~أن فاعله ضمير يعود إلى زكرياء، ومفعوله الموالي، ومن ورائي متعلق بمحذوف ~~لا بخفت، وتقديره خفت فعل الموالي من بعدي. قرأ الجمهور { ورائي } بالهمز ~~والمد وسكون الياء، وقرأ ابن كثير بالهمز والمد وفتح الياء. # وروي عنه أنه قرأ بالقصر مفتوح الياء، مثل عصاي. والموالي هنا هم ~~الأقارب الذين يرثون وسائر العصبات من بني العم ونحوهم، والعرب تسمي ~~هؤلاء موالي، قال الشاعر # مهلا بني عمنا مهلا موالينا لا تنشروا بيننا ما كان مدفونا # قيل الموالي الناصرون له. واختلفوا في وجه المخافة من زكريا لمواليه من ~~بعده، فقيل خاف أن يرثوا ماله، وأراد أن يرثه ولده، فطلب من الله سبحانه ~~أن يرزقه ولدا. وقال آخرون إنهم كانوا مهملين لأمر الدين، فخاف أن يضيع ~~الدين بموته. فطلب وليا يقوم به بعد موته، وهذا القول أرجح من الأول ~~لأن الأنبياء لا يورثون وهم أجل من أن يعتنوا بأمور الدنيا، فليس المراد ~~هنا وراثة المال، بل المراد وراثة العلم والنبوة والقيام بأمر الدين. ~~وقد ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال # " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة " # { وكانت امرأتي عاقرا } العاقر هي التي لا تلد لكبر سنها، ~~والتي لا ms2312 تلد أيضا لغير كبر وهي المرادة هنا، ويقال للرجل الذي لا يلد ~~عاقر أيضا، ومنه قول عامر ابن الطفيل # لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا # قال ابن جرير وكان اسم امرأته أشاع بنت فأقود بن ميل، وهي أخت حنة، وحنة ~~هي أم مريم. وقال القتيبي هي أشاع بنت عمران، فعلى القول يكون يحيى بن ~~زكريا ابن خالة أم عيسى، وعلى القول الثاني يكونان ابني خالة كما ورد في ~~الحديث الصحيح. { فهب لي من لدنك وليا } أي أعطني من فضلك ~~وليا، ولم يصرح بطلب الولد لما علم من نفسه بأنه قد صار هو وامرأته في ~~حالة لا يجوز فيها حدوث الولد بينهما وحصوله منهما. وقد قيل إنه كان ابن ~~بضع وتسعين سنة، وقيل بل أراد بالولي الذي طلبه هو الولد، ولا مانع من ~~سؤال من كان مثله لما هو خارق للعادة، فإن الله سبحانه قد يكرم رسله بما ~~يكون كذلك، فيكون من جملة المعجزات الدالة على صدقهم. { يرثني ~~ويرث من ءال يعقوب } قرأ أهل الحرمين والحسن وعاصم وحمزة وابن ~~محيصن واليزيدي ويحيى بن المبارك بالرفع في الفعلين جميعا، على أنهما ~~صفتان للولي وليسا بجواب للدعاء. وقرأ يحيى بن يعمر وأبو عمرو ويحيى ~~ابن وثاب والأعمش والكسائي بالجزم فيهما، على أنهما جواب للدعاء. ورجح ~~القراءة الأولى أبو عبيد وقال هي أصوب في المعنى لأنه طلب وليا هذه صفته ~~فقال هب لي الذي يكون وارثي. ورجح ذلك النحاس وقال لأن جواب الأمر عند ~~النحويين فيه معنى الشرط والمجازاة، تقول أطع الله يدخلك الجنة أي إن ~~تطعه يدخلك الجنة، وكيف يخبر الله سبحانه بهذا، أعني كونه أن يهب له ~~وليا يرثه، وهو أعلم بذلك، والوراثة هنا هي وراثة العلم والنبوة على ما ~~هو الراجح كما سلف. # وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن يعقوب المذكور هنا هو يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم. وزعم بعض المفسرين أنه يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان، وبه ~~قال الكلبي ومقاتل، وآل يعقوب هم خاصته الذين يؤول أمرهم إليه ms2313 للقرابة أو ~~الصحبة أو الموافقة في الدين، وقد كان فيهم أنبياء وملوك، وقرىء " يرثني ~~وارث من آل يعقوب " على أنه فاعل يرثني. وقرىء " وأرث آل يعقوب " أي أنا. ~~وقرىء " أو يرث آل يعقوب " بلفظ التصغير على أن هذا المصغر فاعل يرثني. ~~وهذه القراءات في غاية الشذوذ لفظا ومعنى { واجعله رب رضيا } ~~أي مرضيا في أخلاقه وأفعاله وقيل راضيا بقضائك وقدرك، وقيل رجلا ~~صالحا ترضى عنه، وقيل نبيا كما جعلت آباءه أنبياء. { رضيا ~~يزكريا إنا نبشرك بغلم اسمه يحيى } قال جمهور ~~المفسرين إن هذا النداء من الله سبحانه، وقيل إنه من جهة الملائكة، لقوله ~~في آل عمران # فنادته الملئكة # آل عمران 39، وفي الكلام حذف، أي فاستجاب له دعاءه، فقال يا زكريا، وقد ~~تقدم في آل عمران وجه التسمية بيحيى وزكريا. قال الزجاج سمي يحيى لأنه ~~حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها { لم نجعل له من قبل ~~سميا } قال أكثر المفسرين معناه لم نسم أحدا قبله يحيى. وقال ~~مجاهد وجماعة معنى { لم نجعل له من قبل سميا } أنه لم ~~يجعل له مثلا ولا نظيرا، فيكون على هذا مأخوذ من المساماة أو السمو، ~~ورد هذا بأنه يقتضي تفضيله على إبراهيم وموسى. وقيل معناه لم تلد عاقر ~~مثله، والأول أولى. وفي إخباره سبحانه بأنه لم يسم بهذا الاسم قبله أحد ~~فضيلة له من جهتين الأولى أن الله سبحانه هو الذي تولى تسميته به، ولم ~~يكلها إلى الأبوين. والجهة الثانية أن تسميته باسم لم يوضع لغيره يفيد ~~تشريفه وتعظيمه. { قال رب أنى يكون لي غلم } أي كيف أو ~~من أين يكون لي غلام؟ وليس معنى هذا الاستفهام الإنكار، بل التعجب من ~~قدرة الله وبديع صنعه، حيث يخرج ولدا من امرأة عاقر وشيخ كبير، وقد ~~تقدم الكلام على مثل هذا في آل عمران، { وقد بلغت من الكبر ~~عتيا } يقال عتا الشيخ يعتو عتيا إذا انتهى سنه وكبر، وشيخ عات إذا ~~صار إلى حال اليبس والجفاف، والأصل عتوا لأنه من ذوات الواو فأبدلوه ياء ~~لكونها أخف، ومثل ما ms2314 في الآية قول الشاعر # إنما يعذر الوليد ولا يع ذر من كان في الزمان عتيا # وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وحفص والأعمش { عتيا } بكسر العين، ~~وقرأ الباقون بضم العين وهما لغتان، ومحل جملة { وكانت امرأتي ~~عاقرا } النصب على الحال من ضمير المتكلم، ومحل جملة { وقد ~~بلغت من الكبر عتيا } النصب أيضا على الحال، وكلا ~~الجملتين لتأكيد الاستبعاد والتعجب المستفاد من قوله { أنى يكون ~~لي غلم } أي كيف يحصل بيننا ولد الآن، وقد كانت امرأتي عاقرا لم ~~تلد في شبابها وشبابي وهي الآن عجوز، وأنا شيخ هرم؟ ثم أجاب الله سبحانه ~~على هذا السؤال المشعر بالتعجب والاستبعاد بقوله { قال كذلك قال ~~ربك } الكاف في محل رفع، أي الأمر كذلك، والإشارة إلى ما سبق من قول ~~زكريا، ثم ابتدأ بقوله { قال ربك } ويحتمل أن يكون محله النصب على ~~المصدرية، أي قال قولا مثل ذلك، والإشارة بذلك إلى مبهم يفسره قوله { ~~هو على هين } وأما على الاحتمال الأول فتكون جملة { هو ~~على هين } مستأنفة مسوقة لإزالة استبعاد زكريا بعد تقريره، أي قال ~~هو مع بعده عندك، علي هين، وهو فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب ولم ~~يمتنع من المراد. # قال الفراء أي خلقه علي هين { وقد خلقتك من قبل ولم ~~تك شيئا } هذه الجملة مقررة لما قبلها. قال الزجاج أي فخلق الولد ~~لك كخلقك، والمعنى أن الله سبحانه خلقه ابتداء وأوجده من العدم المحض، ~~فإيجاد الولد له بطريق التوالد المعتاد أهون من ذلك وأسهل منه، وإنما لم ~~ينسب ذلك إلى آدم عليه السلام لكونه المخلوق من العدم حقيقة بأن يقول وقد ~~خلقت أباك آدم من قبل ولم يك شيئا، للدلالة على أن كل فرد من أفراد ~~البشر له حظ من إنشاء آدم من العدم. قرأ أهل المدينة وأهل مكة والبصرة ~~وعاصم وابن عامر { وقد خلقتك من قبل } وقرأ سائر الكوفيين " وقد خلقناك ~~من قبل ". { قال رب اجعل لى ءاية } أي علامة تدلني على وقوع ~~المسؤول وتحققه وحصول الحبل، والمقصود من ms2315 هذا السؤال تعريفه وقت العلوق ~~حيث كانت البشارة مطلقة عن تعيينه. قال ابن الأنباري وجه ذلك أن نفسه ~~تاقت إلى سرعة الأمر، فسأل الله آية يستدل بها على قرب ما من به عليه. ~~وقيل طلب آية تدله على أن البشرى من الله سبحانه لا من الشيطان، لأن ~~إبليس أوهمه بذلك، كذا قال الضحاك والسدي وهو بعيد جدا { قال ءايتك ~~ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا } قد تقدم تفسير هذا في آل عمران مستوفى، ~~وانتصاب { سويا } على الحال، والمعنى آيتك أن لا تقدر على الكلام والحال ~~أنك سوي الخلق ليس بك آفة تمنعك منه، وقد دل بذكر الليالي هنا والأيام ~~في آل عمران. أن المراد ثلاثة أيام ولياليهن. { فخرج على ~~قومه من المحراب } وهو مصلاه، واشتقاقه من الحرب، كأن ملازمه ~~يحارب الشيطان. # وقيل من الحرب محركا، كأن ملازمه يلقى حربا وتعبا ونصبا { ~~فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا } قيل معنى { ~~أوحى } أومأ بدليل قوله في آل عمران # إلا رمزا # آل عمران 41. وقيل كتب لهم في الأرض. وبالأول قال الكلبي والقرظي ~~وقتادة وابن منبه، وبالثاني قال مجاهد. وقد يطلق الوحي على الكتابة ومنه ~~قول ذي الرمة # سوى الأربع الدهم اللواتي كأنها بقية وحي في بطون الصحائف # وقال عنترة # كوحي صحائف من عهد كسرى فأهداها لأعجم طمطمي # و«أن» في قوله { أن سبحوا } مصدرية أو مفسرة، والمعنى فأوحى إليهم ~~بأن صلوا، أو أي صلوا، وانتصاب { بكرة } و { عشيا } على الظرفية. قال ~~الفراء العشي يؤنث، ويجوز تذكيره إذا أبهم. قال وقد يقال العشي جمع ~~عشية، قيل والمراد صلاة الفجر والعصر. وقيل المراد بالتسبيح هو قولهم ~~سبحان الله في الوقتين أي نزهوا ربكم طرفي النهار. وقد أخرج الفريابي ~~وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن جرير، وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، ~~والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله { كهيعص } كبير هاد أمين عزيز ~~صادق، وفي لفظ كاف بدل كبير. وأخرج عبد الرزاق وآدم بن ms2316 أبي إياس، وعثمان ~~بن سعيد الدارمي في التوحيد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس { ~~كهيعص } قال كاف من كريم، وهاء من هاد، وياء من حكيم، وعين من عليم، وصاد ~~من صادق. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة { كهيعص } هو ~~الهجاء المقطع، الكاف من الملك، والهاء من الله، والياء والعين من ~~العزيز، والصاد من المصور. وأخرج ابن مردويه عن الكلبي أنه سئل عن { ~~كهيعص } فحدث عن أبي صالح عن أم هانىء، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " كاف هاد عالم صادق " # وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي وابن ماجه وابن جرير عن فاطمة ابنة علي ~~قالت كان علي يقول يا كهيعص اغفر لي. وأخرج أبو الشيخ في العظمة، وابن ~~مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في { كهيعص } قال الكاف ~~الكافي، والهاء الهادي، والعين العالم، والصاد الصادق. وأخرج أبو عبيد ~~وابن المنذر عن السدي قال كان ابن عباس يقول في كهيعص وحم ويس ~~وأشباه هذا هو اسم الله الأعظم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال هو ~~قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله. وكما وقع الخلاف في هذا وأمثاله ~~بين الصحابة وقع بين من بعدهم ولم يصح مرفوعا في ذلك شيء، ومن روي عنه ~~من الصحابة في ذلك شيء فقد روى عن غيره ما يخالفه، وقد يروى عن الصحابي ~~نفسه التفاسير المتخالفة المتناقضة في هذه الفواتح فلا يقوم شيء من ذلك ~~حجة، بل الحق الوقف، ورد العلم في مثلها إلى الله سبحانه، وقد قدمنا ~~تحقيق هذا في فاتحة سورة البقرة. # وأخرج أحمد وأبو يعلى، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " كان زكريا نجارا " # وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال كان آخر أنبياء بني إسرائيل زكريا ~~بن أزر بن مسلم من ذرية يعقوب دعا ربه سرا { قال رب إني وهن ms2317 ~~العظم مني } إلى قوله { خفت الموالي } قال وهم العصبة { ~~يرثني } يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب، فنادته الملائكة، وهو جبريل إن ~~الله يبشرك { بغلم اسمه يحيى } فلما سمع النداء جاءه ~~الشيطان فقال يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس من الله إنما هو من ~~الشيطان سخر بك، فشك وقال { أنى يكون لي غلم } يقول من أين ~~يكون وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر، قال الله { وقد خلقتك من ~~قبل ولم تك شيئا }. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~وإني خفت الموالي من ورائي } قال الورثة وهم عصبة الرجل. ~~وأخرج الفريابي عنه قال كان زكريا لا يولد له فسأل ربه فقال { رب هب ~~لي من لدنك وليا * يرثنى ويرث من ءال يعقوب } ~~قال يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة ~~وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في ~~قوله { لم نجعل له من قبل سميا } قال مثلا. وأخرج سعيد ~~بن منصور وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير، والحاكم وصححه، وابن مردويه ~~عنه قال لا أدري كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذا الحرف ~~عتيا أو عسيا. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله { عتيا } قال ~~لبث زمانا في الكبر. وأخرج أيضا عن السدي قال هرما. وأخرج ابن جرير ~~عن ابن عباس في قوله { ألا تكلم الناس ثلث ليال ~~سويا } قال اعتقل لسانه من غير مرض، وفي لفظ من غير خرس، أخرجه ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا { فأوحى ~~إليهم } قال كتب لهم كتابا. وأخرج ابن أبي الدنيا، والحاكم وصححه ~~عن ابن عباس في قوله { أن سبحوا } قال أمرهم بالصلاة { بكرة ~~وعشيا }. ### || [19.12-15] # قوله { يا يحيى } ها هنا حذف، وتقديره وقال الله للمولود يا يحيى، ~~أو فولد له مولود فبلغ المبلغ الذي يجوز أن يخاطب فيه، فقلنا له يا ~~يحيى. وقال الزجاج المعنى فوهبنا له وقلنا له يا يحيى. والمراد ms2318 بالكتاب ~~التوراة لأنه المعهود حينئذ، ويحتمل أن يكون كتابا مختصا به وإن كنا ~~لا نعرفه الآن، والمراد بالأخذ إما الأخذ الحسي أو الأخذ من حيث المعنى، ~~وهو القيام بما فيه كما ينبغي، وذلك بتحصيل ملكة تقتضي سهولة الإقدام على ~~المأمور به، والإحجام عن المنهي عنه، ثم أكده بقوله { بقوة } أي ~~بجد وعزيمة واجتهاد { وآتيناه الحكم صبيا } المراد بالحكم ~~الحكمة، وهي الفهم للكتاب الذي أمر بأخذه وفهم الأحكام الدينية. وقيل هي ~~العلم وحفظه والعمل به وقيل النبوة وقيل العقل، ولا مانع من أن يكون ~~الحكم صالحا لحمله على جميع ما ذكر. قيل كان يحيى عند هذا الخطاب له ~~ابن سنتين، وقيل ابن ثلاث. { وحنانا من لدنا } معطوف على ~~الحكم. قال جمهور المفسرين الحنان الرحمة والشفقة والعطف والمحبة، وأصله ~~توقان النفس، مأخوذ من حنين الناقة على ولدها. قال أبو عبيدة تقول حنانك ~~يا رب، وحنانيك يا رب، بمعنى واحد، يريد رحمتك، قال طرفة # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض # وقال امرؤ القيس # ويمنحها بنو سلخ بن بكر معيزهم حنانك ذا الحنان # قال ابن الأعرابي الحنان مشددا من صفات الله عز وجل، والحنان مخففا ~~العطف والرحمة. والحنان الرزق والبركة. قال ابن عطية والحنان في كلام ~~العرب أيضا ما عظم من الأمور في ذات الله، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل ~~والله لئن قتلتم هذا العبد لأتخذن قبره حنانا، يعني بلالا، لما مر به ~~وهو يعذب. وقيل إن القائل لذلك هو ورقة بن نوفل. قال الأزهري معنى ذلك ~~لأترحمن عليه، ولأتعطفن عليه لأنه من أهل الجنة، ومثله قول الحطيئة # تحنن علي هداك المليك فإن لكل مقام مقالا # ومعنى { من لدنا } من جنابنا. قيل ويجوز أن يكون المعنى أعطيناه ~~رحمة من لدنا كائنة في قلبه يتحنن بها على الناس، ومنهم أبواه وقرابته ~~حتى يخلصهم من الكفر { وزكوة } معطوف على ما قبله، والزكاة التطهير ~~والبركة والتنمية والبر، أي جعلناه مباركا للناس يهديهم إلى الخير وقيل ~~زكيناه بحسن الثناء عليه كتزكية ms2319 الشهود وقيل صدقة تصدقنا به على أبويه ~~قاله ابن قتيبة { وكان تقيا } أي متجنبا لمعاصي الله مطيعا له. ~~وقد روي أنه لم يعمل معصية قط. { وبرا بولديه } معطوف على { ~~تقيا } ، البر هنا بمعنى البار، فعل بمعنى فاعل، والمعنى لطيفا بهما ~~محسنا إليهما { ولم يكن جبارا عصيا } أي لم يكن متكبرا ~~ولا عاصيا لوالديه أو لربه، وهذا وصف له عليه السلام بلين الجانب وخفض ~~الجناح { وسلم عليه } قال ابن جرير وغيره معناه أمان عليه من ~~الله. # قال ابن عطية والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة، فهي أشرف وأنبه من ~~الأمان لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه، وهو أقل درجاته، وإنما ~~الشرف في أن يسلم الله عليه، ومعنى { يوم ولد } أنه أمن من الشيطان ~~وغيره في ذلك اليوم، أو أن الله حياه في ذلك اليوم، وهكذا معنى { يوم ~~يموت } وهكذا معنى { يوم يبعث حيا } قيل أوحش ما يكون الإنسان ~~في ثلاثة مواطن يوم ولد لأنه خرج مما كان فيه، ويوم يموت لأنه يرى قوما ~~لم يكن قد عرفهم وأحكاما ليس له بها عهد، ويوم يبعث لأنه يرى هول يوم ~~القيامة. فخص الله سبحانه يحيى بالكرامة والسلامة في المواطن الثلاثة. ~~وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~في قوله { ييحيى خذ الكتب بقوة } قال بجد { ~~وآتيناه الحكم صبيا } قال الفهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~سعيد بن جبير قال يقول اعمل بما فيه من فرائض. وأخرج ابن المنذر عن مالك ~~بن دينار قال اللب. وأخرج أبو نعيم والديلمي وابن مردويه عن ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { وآتيناه الحكم صبيا } ~~قال # " أعطي الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين " # وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم عن قتادة بدله ~~وهو ابن ثلاث سنين. وأخرج الحاكم في تاريخه من طريق نهشل بن سعد عن ~~الضحاك عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " قال الغلمان ليحيى ms2320 بن زكريا اذهب بنا نلعب، فقال يحيى ما للعب ~~خلقنا، اذهبوا نصلي فهو قول الله { وآتيناه الحكم صبيا } " # وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " من قرأ القرآن قبل أن يحتلم، فهو ممن أوتي الحكم صبيا " # وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس موقوفا. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي ~~وابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، ~~والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس ~~في قوله { وحنانا } قال لا أدري ما هو إلا أني أظنه يعطف الله على ~~عبده بالرحمة، وقد فسرها جماعة من السلف بالرحمة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله { وزكوة } قال بركة، وفي قوله { وكان تقيا } ~~قال طهر فلم يعمل بذنب. ### || [19.16-26] # قوله { واذكر في الكتب مريم } هذا شروع في ابتداء خلق ~~عيسى، والمراد بالكتاب هذه السورة، أي اذكر يا محمد للناس في هذه السورة ~~قصة مريم، ويجوز أن يراد بالكتاب جنس القرآن وهذه السورة منه، ولما كان ~~الذكر لا يتعلق بالأعيان احتيج إلى تقدير مضاف يتعلق به الذكر، وهو قصة ~~مريم، أو خبر مريم { إذ انتبذت } العامل في الظرف هو ذلك المضاف ~~المقدر، ويجوز أن يجعل بدل اشتمال من مريم، لأن الأزمان مشتملة على ما ~~فيها، ويكون المراد بمريم خبرها، وفي هذا الإبدال دلالة على تفخيم شأن ~~الوقت لوقوع قصتها العجيبة فيه، والنبذ الطرح والرمي. قال الله سبحانه # فنبذوه وراء ظهورهم # آل عمران 187. والمعنى أنها تنحت وتباعدت. وقال ابن قتيبة اعتزلت. وقيل ~~انفردت، والمعاني متقاربة. واختلفوا في سبب انتباذها، فقيل لأجل أن تعبد ~~الله سبحانه وقيل لتطهر من حيضها، و { من أهلها } متعلق ب { ~~انتبذت } ، وانتصاب { مكانا شرقيا } على المفعولية للفعل المذكور، ~~أي مكانا من جانب الشرق، والشرق بسكون الراء المكان الذي تشرق فيه ~~الشمس، وإنما خص المكان بالشرق لأنهم كانوا يعظمون جهة الشرق لأنها مطلع ~~الأنوار، حكى معناه ابن جرير. وقد اختلف الناس ms2321 في نبوة مريم، فقيل إنها ~~نبية بمجرد هذا الإرسال إليها ومخاطبتها للملك وقيل لم تكن نبية، لأنه ~~إنما كلمها الملك وهو على مثال البشر، وقد تقدم الكلام في هذا في آل ~~عمران. { فاتخذت من دونهم حجابا } أي اتخذت من دون أهلها ~~حجابا يسترها عنهم لئلا يروها حال العبادة، أو حال التطهر من الحيض، ~~والحجاب الستر والحاجز { فأرسلنا إليها روحنا } هو جبريل ~~عليه السلام. وقيل هو روح عيسى، لأن الله سبحانه خلق الأرواح قبل ~~الأجساد، والأول أولى لقوله { فتمثل لها بشرا سويا } أي ~~تمثل جبريل لها بشرا مستوي الخلق لم يفقد من نعوت بني آدم شيئا. قيل ~~ووجه تمثل الملك لها بشرا أنها لا تطيق أن تنظر إلى الملك وهو على ~~صورته، فلما رأته في صورة إنسان حسن كامل الخلق قد خرق عليها الحجاب ظنت ~~أنه يريدها بسوء، فاستعاذت بالله منه و { قالت إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا } أي ممن يتقي الله ويخافه. ~~وقيل إن تقيا اسم رجل صالح، فتعوذت منه تعجبا. وقيل إنه اسم رجل فاجر ~~معروف في ذلك الوقت، والأول أولى. وجواب الشرط محذوف، أي فلا تتعرض لي. ~~{ قال إنما أنا رسول ربك } أي قال لها جبريل إنما أنا ~~رسول ربك الذي استعذت به، ولست ممن يتوقع منه ما خطر ببالك من إرادة ~~السوء { لأهب لك غلما زكيا } جعل الهبة من قبله لكونه ~~سببا فيها من جهة كون الإعلام لها من جهته، أو من جهة كون النفخ قام به ~~في الظاهر. # وقرأ أبو عمرو ويعقوب وورش عن نافع " ليهب " على معنى أرسلني ليهب لك، ~~وقرأ الباقون بالهمز. والزكي الطاهر من الذنوب الذي ينمو على النزاهة ~~والعفة. وقيل المراد بالزكي النبي { قالت أنى يكون لي ~~غلم ولم يمسسنى بشر } أي لم يقربني زوج ولا غيره { ~~ولم أك بغيا } البغي هي الزانية التي تبغي الرجال. قال المبرد ~~أصله بغوى على فعول، قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء وكسرت الغين ~~للمناسبة. وقال ابن جني إنه فعيل. وزيادة ذكر كونها ms2322 لم تك بغيا مع كون ~~قولها لم يمسسني بشر يتناول الحلال والحرام لقصد التأكيد تنزيها لجانبها ~~من الفحشاء وقيل ما استبعدت من قدرة الله شيئا، ولكن أرادت كيف يكون هذا ~~الولد هل من قبل زوج تتزوجه في المستقبل أم يخلقه الله سبحانه ابتداء؟ ~~وقيل إن المس عبارة عن النكاح الحلال، وعلى هذا لا يحتاج إلى بيان وجه ~~قولها { ولم أك بغيا } وما ذكرناه من شموله أولى باستعمالات أهل اللغة، ~~وما يوجد في محاوراتهم مما يطول تعداده اه. { ولنجعله ءاية ~~للناس } أي ولنجعل هذا الغلام أو خلقه من غير أب آية للناس يستدلون ~~بها على كمال القدرة، وهو علة لمعلل محذوف، والتقدير خلقناه لنجعله، أو ~~معطوف على علة أخرى مضمرة تتعلق بما يدل عليه قوله سبحانه { هو علي ~~هين } وجملة { قال كذلك قال ربك هو علي هين } ~~مستأنفة، والقائل هو الملك، والكلام فيها كالكلام فيما تقدم من قول ~~زكريا. وقوله { ورحمة منا } معطوف على آية أي ولنجعله رحمة عظيمة ~~كائنة منا للناس لما ينالونه منه من الهداية والخير الكثير، لأن كل نبي ~~رحمة لأمته { وكان أمرا مقضيا } أي وكان ذلك المذكور أمرا ~~مقدرا قد قدره الله سبحانه وجف به القلم. { فحملته } ها هنا ~~كلام مطوي، والتقدير فاطمأنت إلى قوله، فدنا منها، فنفخ في جيب درعها، ~~فوصلت النفخة إلى بطنها فحملته. وقيل كانت النفخة في ذيلها، وقيل في ~~فمها. قيل إن وضعها كان متصلا بهذا الحمل من غير مضي مدة الحمل، ويدل ~~على ذلك قوله { فانتبذت به مكانا قصيا } أي تنحت واعتزلت ~~إلى مكان بعيد، والقصي هو البعيد. قيل كان هذا المكان وراء الجبل، وقيل ~~أبعد مكان في تلك الدار. وقيل أقصى الوادي. وقيل إنها حملت به ستة أشهر. ~~وقيل ثمانية أشهر، وقيل سبعة { فأجاءها المخاض إلى جذع ~~النخلة } أي ألجأها واضطرها، ومنه قول زهير # أجاءته المخافة والرجاء # وقرأ شبل " فاجأها " من المفاجأة، ورويت هذه القراءة عن عاصم، وقرأ ~~الحسن بغير همز، وفي مصحف أبي " فلما أجاءها " قال في الكشاف إن " ~~أجاءها ms2323 " منقول من جاء، إلا أن استعماله قد تعين بعد النقل إلى معنى ~~الإلجاء، وفيه بعد، والظاهر أن كل واحد من الفعلين موضوع بوضع مستقل، ~~والمخاض مصدر مخضت المرأة تمخض مخضا ومخاضا إذا دنا ولادها. # وقرأ الجمهور بفتح الميم. وقرأ ابن كثير بكسرها، والجذع ساق النخلة ~~اليابسة، كأنها طلبت شيئا تستند إليه وتتعلق به كما تتعلق الحامل لشدة ~~وجع الطلق بشيء مما تجده عندها، والتعريف إما للجنس أو للعهد { قالت ~~يا مت قبل هذا } أي قبل هذا الوقت، تمنت الموت لأنها خافت أن ~~يظن بها السوء في دينها، أو لئلا يقع قوم بسببها في البهتان { وكنت ~~نسيا } النسي في كلاب العرب الشيء الحقير الذي من شأنه أن ينسى ولا ~~يذكر ولا يتألم لفقده كالوتد والحبل، ومنه قول الكميت # أتجعلنا خسرا لكلب قضاعة ولسنا بنسي في معد ولا دخل # وقال الفراء النسي ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها، فتقول مريم { ~~نسيا منسيا } أي حيضة ملقاة، وقد قرىء بفتح النون وكسرها، وهما ~~لغتان مثل الحجر والحجر، والوتر والوتر. وقرأ محمد بن كعب القرظي " نساء ~~" بالهمز مع كسر النون. وقرأ نوف البكالي بالهمز مع فتح النون. وقرأ بكر ~~بن حبيب { نسيا } بفتح النون وتشديد الياء بدون همز، والمنسي المتروك ~~الذي لا يذكر ولا يخطر ببال أحد من الناس { فناداها من تحتها } ~~أي جبريل لما سمع قولها، وكان أسفل منها تحت الأكمة. وقيل تحت النخلة، ~~وقيل المنادي هو عيسى، وقد قرىء بفتح الميم من { من } وكسرها. وقوله { ~~ألا تحزني } تفسير للنداء، أي لا تحزني أو المعنى بأن لا تحزني ~~على أنها المصدرية { قد جعل ربك تحتك سريا } قال جمهور ~~المفسرين السري النهر الصغير، والمعنى قد جعل ربك تحت قدمك نهرا. قيل ~~كان نهرا قد انقطع عنه الماء، فأرسل الله فيه الماء لمريم، وأحيا به ذلك ~~الجذع اليابس الذي اعتمدت عليه حتى أورق وأثمر. وقيل المراد بالسري هنا ~~عيسى، والسري العظيم من الرجال ومنه قولهم فلان سري، أي عظيم، ومن قوم ~~سراة أي عظام. { وهزي إليك ms2324 بجذع النخلة } الهز التحريك، ~~يقال هزه فاهتز، والباء في بجذع النخلة مزيدة للتوكيد. وقال الفراء ~~العرب تقول هزه وهز به، والجذع هو أسفل الشجرة. قال قطرب كل خشبة في ~~أصل شجرة فهي جذع، ومعنى إليك إلى جهتك، وأصل تساقط تتساقط، فأدغم التاء ~~في السين. وقرأ حمزة والأعمش { تساقط } مخففا. وقرأ عاصم في رواية حفص ~~والحسن بضم التاء مع التخفيف وكسر القاف. وقرىء " تتساقط " بإظهار ~~التاءين. وقرىء بالتحتية مع تشديد السين. وقرىء " تسقط، ويسقط ". # وقرأ الباقون بإدغام التاء في السين، فمن قرأ بالفوقية جعل الضمير ~~للنخلة، ومن قرأ بالتحتية جعل الضمير للجذع وانتصاب { رطبا } على بعض ~~هذه القراءات للتمييز، وعلى البعض الآخر على المفعولية لتساقط. قال ~~المبرد والأخفش يجوز انتصاب رطبا بهزي أي هزي إليك رطبا { جنيا } ~~بجذع النخلة، أي على جذعها وضعفه الزمخشري، والجني المأخوذ طريا. وقيل ~~هو ما طلب وصلح للاجتناء، وهو فعيل بمعنى مفعول. قال الفراء الجني ~~والمجني واحد. وقيل هو فعيل بمعنى فاعل، أي رطبا طريا طيبا. { فكلي ~~واشربي } أي من ذلك الرطب وذلك الماء، أو من الرطب وعصيره، وقدم ~~الأكل مع أن ذكر النهر مقدم على الرطب، لأن احتياج النفساء إلى أكل ~~الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء، ثم قال { وقري عينا } قرأ ~~الجمهور بفتح القاف. وحكى ابن جرير أنه قرىء بكسرها، قال وهي لغة نجد. ~~والمعنى طيبي نفسا وارفضي عنك الحزن، وهو مأخوذ من القر والقرة وهما ~~البرد، والمسرور بارد القلب ساكن الجوارح. وقيل المعنى وقري عينا برؤية ~~الولد الموهوب لك. وقال الشيباني معناه نامي. قال أبو عمرو أقر الله ~~عينه، أي أنام عينه وأذهب سهره { فإما ترين من البشر ~~أحدا } أصله ترأيين مثل تسمعين خففت الهمزة وسقطت النون للجزم وياء ~~الضمير للساكنين بعد لحوق نون التوكيد، ومثل هذا مع عدم لحوق نون التوكيد ~~قول ابن دريد # أما ترى رأسي حاكى لونه طرة صبح تحت أذيال الدجى # وقرأ طلحة وأبو جعفر وشيبة " ترين " بسكون الياء وفتح النون مخففة. قال ~~أبو الفتح وهي شاذة، وجواب ms2325 الشرط { فقولي إني نذرت ~~للرحمن صوما } أي قولي إن طلب منك الكلام أحد من الناس إني ~~نذرت للرحمن صوما أي صمتا وقيل المراد به الصوم الشرعي، وهو الإمساك ~~عن المفطرات، والأول أولى. وفي قراءة أبي " إني نذرت للرحمن صوما ~~صمتا " بالجمع بين اللفظين، وكذا روي عن أنس. وروي عنه أنه قرأ «صوما ~~وصمتا» بالواو، والذي عليه جمهور المفسرين أن الصوم هنا الصمت، ويدل ~~عليه { فلن أكلم اليوم إنسيا } ومعنى الصوم في اللغة أوسع ~~من المعنيين. قال أبوعبيدة كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم. ~~وقراءة أبي تدل على أن المراد بالصوم هنا الصمت، لأنه تفسير للصوم. ~~وقراءة أنس تدل على أن الصوم هنا غير الصمت كما تفيده الواو. ومعنى { ~~فلن أكلم اليوم إنسيا } أنها لا تكلم أحدا من الإنس بعد ~~إخبارهم بهذا الخبر، بل إنما تكلم الملائكة وتناجي ربها وقيل إنها لم ~~تخبرهم هنا باللفظ، بل بالإشارة المفيدة للنذر. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله { انتبذت من أهلها مكانا شرقيا } قال ~~مكانا أظلها الشمس أن يراها أحد منهم. # وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عنه قال إنما اتخذت النصارى المشرق قبلة، لأن مريم اتخذت من ~~أهلها مكانا شرقيا، فاتخذوا ميلاده قبلة، وإنما سجدت اليهود على حرف ~~حين نتق فوقهم الجبل، فجعلوا ينحرفون وهم ينظرون إليه، يتخوفون أن يقع ~~عليهم، فسجدوا سجدة رضيها الله، فاتخذوها سنة. وأخرج الحاكم وصححه، ~~والبيهقي في الأسماء والصفات، وابن عساكر من طريق السدي عن أبي مالك عن ~~ابن عباس. وعن مرة عن ابن مسعود قالا خرجت مريم بنت عمران إلى جانب ~~المحراب لحيض أصابها، فلما طهرت إذا هي برجل معها { فتمثل لها ~~بشرا } ففزعت و { قالت إنى أعوذ بالرحمن منك إن ~~كنت تقيا } فخرجت وعليها جلبابها، فأخذ بكمها فنفخ في جنب درعها، ~~وكان مشقوقا من قدامها، فدخلت النفخة صدرها فحملت، فأتتها أختها امرأة ~~زكرياء ليلة تزورها، فلما فتحت لها الباب ms2326 التزمتها، فقالت امرأة زكريا يا ~~مريم أشعرت أني حبلى، قالت مريم أشعرت أني حبلى، فقالت امرأة زكرياء فإني ~~وجدت ما في بطني سجد للذي في بطنك، فذلك قوله تعالى # مصدقا بكلمة من الله # آل عمران 39. فولدت امرأة زكرياء يحيى، ولما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى ~~جانب المحراب { فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة ~~قالت يليتنى مت قبل هذا } الآية { فناداها } جبريل ~~{ من تحتها ألا تحزني } فلما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني ~~إسرائيل أن مريم ولدت، فلما أرادوها على الكلام أشارت إلى عيسى فتكلم ~~فقال { إني عبد الله ءاتانى الكتب } الآيات، ولما ولد ~~لم يبق في الأرض صنم إلا خر لوجهه. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في مريم قال حين حملت وضعت. ~~وأخرج ابن عساكر عنه قال وضعت لثمانية أشهر. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ~~في قوله { فأرسلنا إليها روحنا } قال جبريل. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وابن المنذر عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ~~نحوه أيضا. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء ~~والصفات، وابن عساكر عن أبي بن كعب في الآية قال تمثل لها روح عيسى في ~~صورة بشر فحملته، قال حملت الذي خاطبها. دخل في فيها. وأخرج ابن جرير عن ~~ابن عباس في قوله { مكانا قصيا } قال نائيا. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عنه في قوله { إلى جذع النخلة } قال كان جذعا ~~يابسا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضا في قوله { وكنت نسيا ~~منسيا } قال لم أخلق ولم أك شيئا. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة { وكنت نسيا منسيا } قال ~~حيضة ملقاة. # وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن نوف ~~البكالي والضحاك مثله. وأخرج عبد ابن حميد عن عكرمة في قوله { ~~فناداها من تحتها } قال الذي ناداها جبريل. وأخرج ابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن ms2327 مردويه عن ابن عباس قال الذي ناداها من تحتها جبريل، ~~ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها. وقد اختلفت الروايات عن السلف، هل هذا ~~المنادي هو جبريل أو عيسى. وأخرج عبد بن حميد، عن أبي بكر بن عياش قال ~~قرأ عاصم بن أبي النجود { فناداها من تحتها } بالنصب، قال وقال ~~عاصم من قرأ بالنصب فهو عيسى، ومن قرأ بالخفض فهو جبريل. وأخرج الطبراني ~~وابن مردويه وابن النجار عن ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " إن السري الذي قال الله لمريم { قد جعل ربك تحتك ~~سريا } نهر أخرجه الله لها لتشرب منه " # وفي إسناده أيوب بن نهيك الجبلي قال فيه أبو حاتم الرازي ضعيف، وقال أبو ~~زرعة منكر الحديث، وقال أبو فتح الأزدي متروك الحديث، وقال الطبراني بعد ~~إخراج هذا الحديث إنه غريب جدا. وأخرج الطبراني في الصغير، وابن مردويه ~~عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { قد جعل ~~ربك تحتك سريا } قال # " النهر " # وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم، وصححه والحاكم، وابن مردويه عن البراء قال في الآية هو ~~الجدول، وهو النهر الصغير، فظهر بهذا أن الموقوف أصح. وقد روي عن جماعة ~~من التابعين أن السري هو عيسى. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~{ رطبا جنيا } قال طريا. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه في قوله { ~~إني نذرت للرحمن صوما } قال صمتا. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن الأنباري عنه أنه قرأ " صوما صمتا ". ### || [19.27-33] # لما اطمأنت مريم عليها السلام بما رأت من الآيات وفرغت من نفاسها { ~~أتت به } أي بعيسى، وجملة { تحمله } في محل نصب على الحال، ~~وكان إتيانها إليهم من المكان القصي التي انتبذت فيه، فلما رأوا الولد ~~معها حزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين { فقالوا } منكرين لذلك { يا مريم ~~لقد جئت } أي فعلت { شيئا فريا } قال أبو عبيدة الفري ~~العجيب النادر، وكذا قال الأخفش. والفري القطع، كأنه مما يخرق ms2328 العادة، ~~أو يقطع بكونه عجيبا نادرا. وقال قطرب الفري الجديد من الأسقية، أي ~~جئت بأمر بديع جديد لم تسبقي إليه. وقال سعيد بن مسعدة الفري المختلق ~~المفتعل، يقال فريت وأفريت بمعنى واحد، والولد من الزنا كالشيء المفترى، ~~قال تعالى # ولا يأتين ببهتن يفترينه بين أيديهن ~~وأرجلهن # الممتحنة 12 وقال مجاهد الفري العظيم. { يا أخت هرون }. قد وقع ~~الخلاف في معنى هذه الأخوة، وفي هارون المذكور من هو؟ فقيل هو هارون أخو ~~موسى، والمعنى أن من كانت نظنها مثل هارون في العبادة كيف تأتي بمثل هذا ~~وقيل كانت مريم من ولد هارون أخي موسى، فقيل لها يا أخت هارون، كما يقال ~~لمن كان من العرب يا أخا العرب وقيل كان لها أخ من أبيها اسمه هارون وقيل ~~هارون هذا رجل صالح في ذلك الوقت وقيل بل كان في ذلك الوقت رجل فاجر اسمه ~~هارون، فنسبوها إليه على وجهة التعيير والتوبيخ، حكاه ابن جرير ولم يسم ~~قائله وهو ضعيف { ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك ~~بغيا } هذا فيه تقريره لما تقدم من التعيير والتوبيخ، وتنبيه على أن ~~الفاحشة من ذرية الصالحين مما لا ينبغي أن تكون. { فأشارت إليه ~~} أي إلى عيسى، وإنما اكتفت بالإشارة ولم تأمره بالنطق، لأنها نذرت ~~للرحمن صوما عن الكلام كما تقدم، هذا على تقدير أنها كانت إذ ذاك في ~~أيام نذرها، وعلى تقدير أنها قد خرجت من أيام نذرها، فيمكن أن يقال إن ~~اقتصارها على الإشارة للمبالغة في إظهار الآية العظيمة، وأن هذا المولود ~~يفهم الإشارة ويقدر على العبارة { قالوا كيف نكلم من كان ~~في المهد صبيا } هذا الاستفهام للإنكار والتعجب من إشارتها إلى ~~ذلك المولود بأن يكلمهم. قال أبو عبيدة في الكلام حشو زائد. والمعنى كيف ~~نكلم صبيا في المهد كقول الشاعر # وجيران لنا كانوا كرام # وقال الزجاج الأجود أن تكون من في معنى الشرط والجزاء، والمعنى من يكون ~~في المهد صبيا فكيف نكلمه. ورجحه ابن الأنباري وقال لا يجوز أن يقال إن ~~{ كان } زائدة ms2329 وقد نصبت { صبيا } ، ويجاب عنه بأن القائل بزيادتها يجعل ~~الناصب له الفعل، وهو { نكلم } كما سبق تقديره. # وقيل إن { كان } هنا هي التامة التي بمعنى الحدوث والوجود. ورد بأنها ~~لو كانت تامة لاستغنت عن الخبر، والمهد هو شيء معروف يتخذ لتنويم الصبي. ~~والمعنى كيف نكلم من سبيله أن ينوم في المهد لصغره. وقيل هو هنا حجر ~~الأم. وقيل سرير كالمهد، فلما سمع عيسى كلامهم { قال إني عبد ~~الله } فكان أول ما نطق به، الاعتراف بالعبودية لله { آتاني ~~الكتب } أي الإنجيل، أي حكم لي بإيتائي الكتاب والنبوة في الأزل، ~~وإن لم يكن قد نزل عليه في تلك الحال ولا قد صار نبيا وقيل إنه آتاه ~~الكتاب وجعله نبيا في تلك الحال، وهو بعيد { وجعلني مباركا ~~أين ما كنت } أي حيثما كنت، والبركة أصلها من بروك البعير، والمعنى ~~جعلني ثابتا في دين الله، وقيل البركة هي الزيادة والعلو، فكأنه قال ~~جعلني في جميع الأشياء زائدا عاليا منجحا. وقيل معنى المبارك النفاع ~~للعباد، وقيل المعلم للخير، وقيل الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر. { ~~وأوصاني بالصلاة } أي أمرني بها { والزكوة } زكاة المال، أو تطهير ~~النفس { ما دمت حيا } أي مدة دوام حياتي، وهذه الأفعال الماضية هي ~~من باب تنزيل ما لم يقع منزلة الواقع تنبيها على تحقيق وقوعه لكونه قد ~~سبق في القضاء المبرم. { وبرا بوالدتي } معطوف على { مباركا } ~~واقتصر على البر بوالدته لأنه قد علم في تلك الحال أنه لم يكن له أب، ~~وقرىء " وبرا " بكسر الباء على أنه مصدر وصف به مبالغة { ولم ~~يجعلني جبارا شقيا } الجبار المتعظم الذي لا يرى لأحد عليه ~~حقا، والشقي العاصي لربه. وقيل الخائب. وقيل العاق. { والسلم ~~علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا } ~~قال المفسرون السلام هنا بمعنى السلامة أي السلامة علي يوم ولدت، فلم ~~يضرني الشيطان في ذلك الوقت ولا أغواني عند الموت ولا عند البعث. وقيل ~~المراد به التحية. قيل واللام للجنس. وقيل للعهد، أي وذلك السلام الموجه ~~إلى يحيى في هذه المواطن الثلاثة ms2330 موجه إلي. قيل إنه لم يتكلم المسيح ~~بعد هذا الكلام حتى بلغ المدة التي تتكلم فيها الصبيان في العادة. وقد ~~أخرج سعيد بن منصور وابن عساكر عن ابن عباس في قوله { فأتت به ~~قومها تحمله } قال بعد أربعين يوما بعد ما تعافت من نفاسها. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم ~~عن المغيرة بن شعبة قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل ~~نجران، فقالوا أرأيت ما تقرؤون { يا أخت هرون } وموسى قبل عيسى بكذا ~~وكذا، قال فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال # " ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم؟ " # وهذا التفسير النبوي يغني عن سائر ما روي عن السلف في ذلك. وأخرج ابن ~~أبي حاتم، عن أنس قال كان عيسى قد درس الإنجيل وأحكامها في بطن أمه، فذلك ~~قوله { قال إنى عبد الله ءاتانى }. وأخرج عبد الرزاق وابن ~~أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { ~~آتاني الكتاب } الآية، قال قضى أن أكون كذلك. وأخرج الإسماعيلي في معجمه، ~~وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه وابن النجار عن أبي هريرة قال قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قول عيسى { وجعلنى مباركا أين ~~ما كنت } قال # " جعلني نفاعا للناس أينما اتجهت " # وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قوله { وجعلني مباركا } قال معلما ومؤدبا. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله { ولم يجعلني جبارا شقيا } ~~يقول عصيا. ### || [19.34-40] # الإشارة بقوله { ذلك } إلى المتصف بالأوصاف السابقة. قال الزجاج ذلك ~~الذي قال إني عبد الله عيسى ابن مريم، لا ما تقوله النصارى من أنه ابن ~~الله وأنه إله. وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب { قول الحق } بالنصب. ~~وقرأ الباقون بالرفع. فوجه القراءة الأولى أنه منتصب على المدح، أو على ~~أنه مصدر مؤكد لقال إني عبد الله، قاله الزجاج. ووجه القراءة الثانية أنه ~~نعت لعيسى أي ms2331 ذلك عيسى ابن مريم قول الحق، قاله الكسائي. وسمي قول الحق ~~كما سمي كلمة الله، والحق هو الله عز وجل. وقال أبو حاتم المعنى هو قول ~~الحق. وقيل التقدير هذا لكلام قول الحق. وهو من باب إضافة الموصوف إلى ~~الصفة مثل حق اليقين. وقيل الإضافة للبيان. وقرىء " قال الحق " وروي ذلك ~~عن ابن مسعود، وقرأ الحسن " قول الحق " بضم القاف، والقول والقول والقال ~~والمقال بمعنى واحد، و { الذي فيه يمترون } صفة لعيسى أي ذلك ~~عيسى ابن مريم الذي فيه يمترون قول الحق، ومعنى { يمترون } يختلفون، على ~~أنه من المماراة، أو يشكوا على أنه من المرية. وقد وقع الاختلاف في عيسى ~~فقالت اليهود هو ساحر، وقالت النصارى هو ابن الله. { ما كان لله ~~أن يتخذ من ولد } أي ما صح ولا استقام ذلك، ف " أن " في محل ~~رفع على أنها اسم كان. قال الزجاج " من " في { من ولد } مؤكدة تدل على ~~نفي الواحد والجماعة ثم نزه سبحانه نفسه فقال { سبحنه } أي تنزه ~~وتقدس عن مقالتهم هذه، ثم صرح سبحانه بما هو شأنه تعالى سلطانه فقال { ~~إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } أي إذا قضى ~~أمرا من الأمور فيكون حينئذ بلا تأخير. وقد سبق الكلام على هذا مستوفى ~~في البقرة، وفي إيراده في هذا الموضع تبكيت عظيم للنصارى، أي من كان هذا ~~شأنه كيف يتوهم أن يكون له ولد؟ { وإن الله ربي وربكم ~~فاعبدوه } قرأ أهل المدينة وابن كثير وأبو عمرو بفتح " أن ". وقرأ ~~ابن عامر وأهل الكوفة بكسرها، وهو من تمام كلام عيسى، وقرأ أبي " إن ~~الله " بغير واو، قال الخليل وسيبويه في توجيه قراءة النصب بأن المعنى ~~ولأن الله ربي وربكم، وأجاز الفراء أن يكون في موضع خفض عطفا على ~~الصلاة، وجوز أبو عمرو بن العلاء عطفه على { أمرا }. { هذا صرط ~~مستقيم } أي هذا الذي ذكرته لكم من أنه ربي وربكم، هو الطريق القيم ~~الذي لا اعوجاج فيه ولا يضل سالكه. { فاختلف الأحزاب من ~~بينهم }. # " من " زائد للتوكيد، ms2332 والأحزاب اليهود والنصارى، أي فاختلفت الفرق من ~~أهل الكتاب في أمر عيسى، فاليهود قالوا إنه ساحر، كما تقدم، وقالوا إنه ~~ابن يوسف النجار، والنصارى اختلفت فرقهم فيه، فقالت النسطورية منهم هو ~~ابن الله. وقالت الملكانية هو ثالث ثلاثة. وقالت اليعقوبية هو الله ~~تعالى، فأفرطت النصارى وغلت، وفرطت اليهود وقصرت { فويل للذين ~~كفروا } وهم المختلفون في أمره { من مشهد يوم عظيم } أي ~~من شهود يوم القيامة وما يجري فيه من الحساب والعقاب، أو من مكان الشهود ~~فيه، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم. وقيل المعنى فويل لهم من حضورهم ~~المشهد العظيم الذي اجتمعوا فيه للتشاور. { أسمع بهم وأبصر } ~~قال أبو العباس العرب تقول هذا في موضع التعجب، فيقولون أسمع تريد وأبصر ~~به، أي ما أسمعه وأبصره، فعجب الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم منهم ~~{ يوم يأتوننا } أي للحساب والجزاء { لكن الظلمون ~~اليوم } أي في الدنيا { في ضلل مبين } أي واضح ظاهر، ~~ولكنهم أغفلوا التفكر، والاعتبار والنظر في الآثار. { وأنذرهم ~~يوم الحسرة } أي يوم يتحسرون جميعا، فالمسيء يتحسر على إساءته، ~~والمحسن على عدم استكثاره من الخير { إذ قضي الأمر } أي فرغ من ~~الحساب وطويت الصحف، وصار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، وجملة ~~{ وهم في غفلة } في محل نصب على الحال أي غافلين عما يعمل بهم، ~~وكذلك جملة { وهم لا يؤمنون } في محل نصب على الحال { إنا ~~نحن نرث الارض ومن عليها } أي نميت سكانها فلا يبقى بها ~~أحد يرث الأموات، فكأنه سبحانه ورث الأرض ومن عليها حيث أماتهم جميعا { ~~وإلينا يرجعون } أي يردون إلينا يوم القيامة فنجازي كلا ~~بعمله، وقد تقدم مثل هذا في سورة الحجر. وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن قتادة في قوله { قول الحق } قال الله الحق عز وجل. ~~وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عنه في قوله { الذي فيه يمترون ~~} قال اجتمع بنو إسرائيل وأخرجوا منهم أربعة نفر من كل قوم عالمهم، ~~فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم هو الله هبط ms2333 إلى الأرض وأحيا من ~~أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية فقالت الثلاثة ~~كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث قل فيه، فقال هو ابن الله، وهم النسطورية ~~فقال اثنان كذبت ثم قال أحد الاثنين للآخر قل فيه، فقال هو ثالث ثلاثة، ~~الله إله، وعيسى إله، وأمه إله، وهم الإسرائيلية، وهم ملوك النصارى ~~فقال الرابع كذبت، هو عبد الله ورسوله وروحه من كلمته، وهم المسلمون، ~~فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قال فاقتتلوا، فظهروا على المسلمين، فذلك ~~قول الله سبحانه # ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس # آل عمران 21. قال قتادة وهم الذين قال الله { فاختلف الأحزاب ~~من بينهم } قال اختلفوا فيه فصاروا أحزابا، فاختصم القوم، فقال ~~المرء المسلم أنشدكم بالله هل تعلمون أن عيسى كان يطعم الطعام وأن الله ~~لا يطعم؟ قالوا اللهم نعم، قال فهل تعلمون أن عيسى كان ينام وأن الله لا ~~ينام؟ قالوا اللهم نعم، فخصمهم المسلمون فاقتتل القوم، فذكر لنا أن ~~اليعقوبية ظهرت يومئذ وأصيب المسلمون، فأنزل الله { فويل للذين ~~كفروا من مشهد يوم عظيم }. وأخرج ابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله { أسمع بهم وأبصر } يقول الكفار ~~يومئذ أسمع شيء وأبصره، وهم اليوم لا يسمعون ولا يبصرون. وأخرج عبد ~~الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { يوم ~~يأتوننا } قال ذلك يوم القيامة. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي ~~سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش ~~أملح، فيوقف بين الجنة والنار فيقال يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ ~~فيشرئبون وينظرون إليه فيقولون نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادى ~~يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون إليه فيقولون نعم هذا ~~الموت، وكلهم قد رآه، فيؤمر به فيذبح ويقال يا أهل الجنة خلود فلا موت، ~~ويا أهل النار خلود فلا موت " # ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { وأنذرهم يوم ms2334 ~~الحسرة } الآية، وأشار بيده وقال # " أهل الدنيا في غفلة " # وأخرج النسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعا نحوه. ~~وأخرج ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال يوم الحسرة هو ~~من أسماء يوم القيامة، وقرأ # أن تقول نفس يحسرتى على ما فرطت فى جنب ~~الله # الزمر 56 وعلى هذا ضعيف، والآية التي استدل بها ابن عباس لا تدل على ~~المطلوب لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام. ### || [19.41-50] # قوله { واذكر } معطوف على " وأنذر " ، والمراد بذكر الرسول إياه في ~~الكتاب أن يتلو ذلك على الناس كقوله # واتل عليهم نبأ إبرهيم # الشعراء 69، وجملة { إنه كان صديقا } تعليل لما تقدم من الأمر ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يذكره، وهي معترضة ما بين البدل ~~والمبدل منه، والصديق كثير الصدق، وانتصاب { نبيا } على أنه خبر آخر ~~لكان، أي اذكر إبراهيم الجامع لهذين الوصفين، و { إذ قال لأبيه } ~~بدل اشتمال من إبراهيم، وتعليق الذكر الوقت مع أن المقصود تذكير ما وقع ~~فيه من الحوادث للمبالغة، وأبو إبراهيم هو آزر على ما تقدم تقريره، ~~التاء في { يا أبت } عوض عن الياء، ولهذا لا يجتمعان، والاستفهام في { ~~لم تعبد } للإنكار والتوبيخ { ما لا يسمع } ما تقوله من ~~الثناء عليه والدعاء له { ولا يبصر } ما تفعله من عبادته ومن ~~الأفعال التي تفعلها مريدا بها الثواب، يجوز أن يحمل نفي السمع والإبصار ~~على ما هو أعم من ذلك، أي لا يسمع شيئا من المسموعات، ولا يبصر شيئا ~~من المبصرات { ولا يغني عنك شيئا } من الأشياء، فلا يجلب لك ~~نفعا ولا يدفع عنك ضررا، وهي الأصنام التي كان يعبدها آزر. أورد ~~إبراهيم عليه السلام على أبيه الدلائل والنصائح، وصدر كلا منها بالنداء ~~المتضمن للرفق واللين استمالة لقلبه، وامتثالا لأمر ربه. ثم كرر دعوته ~~إلى الحق فقال { يأبت إنى قد جاءنى من العلم ما لم ~~يأتك } فأخبر أنه قد وصل إليه من العلم نصيب لم يصل إلى أبيه، وأنه ~~قد تجدد له حصول ما ms2335 يتوصل به منه إلى الحق، ويقتدر به على إرشاد الضال، ~~ولهذا أمره باتباعه فقال { فاتبعني أهدك صراطا سويا } ~~مستويا موصلا إلى المطلوب منجيا من المكروه. ثم أكد ذلك بنصيحة أخرى ~~زاجرة له عما هو فيه فقال { يأبت لا تعبد الشيطن } أي لا ~~تطعه، فإن عبادة الأصنام هي من طاعة الشيطان، ثم علل ذلك بقوله { إن ~~الشيطن كان للرحمن عصيا } حين ترك ما أمر به من ~~السجود لآدم، ومن أطاع من هو عاص لله سبحانه فهو عاص لله، والعاصي حقيق ~~بأن تسلب عنه النعم وتحل به النقم. قال الكسائي العصي والعاصي بمعنى ~~واحد. ثم بين له الباعث على هذه النصائح فقال { يأبت إني أخاف ~~أن يمسك عذاب من الرحمن } قال الفراء معنى أخاف هنا ~~أعلم. وقال الأكثرون إن الخوف هنا محمول على ظاهره، لأن إبراهيم غير جازم ~~بموت أبيه على الكفر، إذ لو كان جازما بذلك لم يشتغل بنصحه، ومعنى الخوف ~~على الغير هو أن يظن وصول الضرر إلى ذلك الغير { فتكون ~~للشيطن وليا } أي إنك إذا أطعت الشيطان كنت معه في النار ~~واللعنة، فتكون بهذا السبب مواليا، أو تكون بسبب موالاته في العذاب معه، ~~وليس هناك ولاية حقيقية لقوله سبحانه # الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو # الزخرف 67. وقيل الولي بمعنى التالي. وقيل الولي بمعنى القريب، أي ~~تكون للشيطان قريبا منه في النار، فلما مرت هذه النصائح النافعة ~~والمواعظ المقبولة بسمع آزر قابلها بالغلظة والفظاظة والقسوة، فقال { ~~أراغب أنت عن آلهتى يإبرهيم } والاستفهام للتقريع ~~والتوبيخ والتعجيب، والمعنى أمعرض أنت عن ذلك ومنصرف إلى غيره؟ ثم توعده ~~فقال { لئن لم تنته لأرجمنك } أي بالحجارة. وقيل باللسان، ~~فيكون معناه لأشتمنك. وقيل معناه لأضربنك. وقيل لأظهرن أمرك { ~~واهجرني مليا } أي زمانا طويلا. قال الكسائي يقال هجرته مليا ~~وملوة وملاوة، بمعنى الملاوة من الزمان، وهو الطويل، ومنه قول مهلهل # فتصدعت صم الجبال لموته وبكت عليه المرملات مليا # وقيل معناه اعتزلني سالم العرض لا تصيبك مني معرة، واختار هذا ابن ~~جرير، فمليا على هذا منتصب على الحال ms2336 من إبراهيم وعلى القول الأول ~~منتصب على الظرفية، فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على العناد { قال ~~سلم عليك } أي تحية توديع ومتاركة كقوله # وإذا خاطبهم الجهلون قالوا سلاما # الفرقان 63. وقيل معناه أمنة مني لك، قاله ابن جرير. وإنما أمنه مع كفره ~~لأنه لم يؤمر بقتاله، والأول أولى، وبه قال الجمهور. وقيل معناه الدعاء ~~له بالسلامة، استمالة له ورفقا به ثم وعده بأن يطلب له المغفرة من الله ~~سبحانه تألفا له وطمعا في لينه وذهاب قسوته # والشيخ لا يترك أخلاقه حتى يوارى في ثرى رمسه # وكان منه هذا الوعد قبل أن يعلم أنه يموت على الكفر، وتحق عليه الكلمة، ~~ولهذا قال الله سبحانه في موضع آخر { فلما تبين له أنه ~~عدو لله تبرأ منه }. بعد قوله # وما كان استغفار إبرهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدها إياه # التوبة 114 وجملة { إنه كان بي حفيا } تعليل لما قبلها ~~والمعنى سأطلب لك المغفرة من الله، فإنه كان بي كثير البر واللطف. يقال ~~حفي به وتحفى إذا بره. قال الكسائي يقال حفي بي حفاوة وحفوة. وقال ~~الفراء إنه كان بي حفيا، أي عالما لطيفا يجيبني إذا دعوته. ثم صرح ~~الخليل بما تضمنه سلامه من التوديع والمتاركة فقال { وأعتزلكم ~~وما تدعون من دون الله } أي أهاجر بديني عنكم وعن معبوداتكم ~~حيث لم تقبلوا نصحي ولا نجعت فيكم دعوتي { وادعوا ربي } وحده { ~~عسى أن لا أكون بدعاء ربى شقيا } أي خائبا. وقيل عاصيا. ~~قيل أراد بهذا الدعاء هو أن يهب الله له ولدا وأهلا يستأنس بهم في ~~اعتزاله ويطمأن إليهم عند وحشته. وقيل أراد دعاءه لأبيه بالهداية، وعسى ~~للشك لأنه كان لا يدري هل يستجاب له فيه أم لا، والأول أولى لقوله { ~~فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا ~~له إسحق ويعقوب } أي جعلنا هؤلاء الموهوبين له، أهلا ~~وولدا بدل الأهل الذين فارقهم { وكلا جعلنا نبيا } أي كل ~~واحد منهما، وانتصاب { كلا } على أنه المفعول الأول لجعلنا قدم عليه ~~للتخصيص، لكن بالنسبة إليهم أنفسهم لا بالنسبة ms2337 إلى من عداهم أي كل واحد ~~منهم جعلنا نبيا، لا بعضهم دون بعض { ووهبنا لهم من ~~رحمتنا } بأن جعلناهم أنبياء، وذكر هذا بعد التصريح بجعلهم أنبياء ~~لبيان أن النبوة هي من باب الرحمة. # وقيل المراد بالرحمة هنا المال، وقيل الأولاد، وقيل الكتاب، ولا يبعد أن ~~يندرج تحتها جميع هذه الأمور { وجعلنا لهم لسان صدق ~~عليا } لسان الصدق الثناء الحسن، عبر عنه باللسان لكونه يوجد به كما ~~عبر باليد عن العطية. وإضافته إلى الصدق ووصفه بالعلو للدلالة على أنهم ~~أحقاء بما يقال فيهم من الثناء على ألسن العباد. وقد أخرج ابن المنذر. ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لأرجمنك } قال لأشتمنك { ~~واهجرني مليا } قال حينا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه { واهجرني مليا } قال اجتنبني سويا. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عنه أيضا في الآية قال اجتنبني سالما قبل أن تصيبك مني عقوبة. ~~وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير وعكرمة { مليا } دهرا. وأخرج عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال سالما. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ~~مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { إنه ~~كان بي حفيا } قال لطيفا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله { ~~ووهبنا له إسحق ويعقوب } قال يقول وهبنا له إسحاق ~~ويعقوب ابن ابنه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في ~~قوله { وجعلنا لهم لسان صدق عليا } قال الثناء الحسن. ### || [19.51-63] # قفى سبحانه قصة إبراهيم بقصة موسى لأنه تلاه في الشرف. وقدمه على ~~إسماعيل لئلا يفصل بينه وبين ذكر يعقوب، أي واقرأ عليهم من القرآن قصة ~~موسى { إنه كان مخلصا } قرأ أهل الكوفة بفتح اللام، أي جعلناه ~~مختارا وأخلصناه، وقرأ الباقون بكسرها، أي أخلص العبادة والتوحيد لله ~~غير مراء للعباد { إنه كان رسولا نبيا } أي أرسله الله إلى ~~عباده فأنبأهم عن الله بشرائعه التي شرعها لهم، فهذا وجه ذكر النبي بعد ~~الرسول مع استلزام الرسالة للنبوة، فكأنه أراد بالرسول معناه ms2338 اللغوي لا ~~الشرعي، والله أعلم. وقال النيسابوري الرسول الذي معه كتاب من الأنبياء، ~~والنبي الذي ينبىء عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب، وكان المناسب ~~ذكر الأعم قبل الأخص، إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت عكس ذلك كقوله في طه # ا رب موسى وهرون # طه 70 انتهى. { وندينه من جانب الطور الأيمن } أي ~~كلمناه من جانب الطور، وهو جبل بين مصر ومدين اسمه زبير، ومعنى الأيمن ~~أنه كان ذلك الجانب عن يمين موسى، فإن الشجرة كانت في ذلك الجانب والنداء ~~وقع منها، وليس المراد يمين الجبل نفسه. فإن الجبال لا يمين لها ولا شمال ~~وقيل معنى الأيمن الميمون، ومعنى النداء أنه تمثل له الكلام من ذلك ~~الجانب { وقربناه نجيا } أي أدنيناه بتقريب المنزلة حتى ~~كلمناه، والنجي بمعنى المناجي كالجليس والنديم، فالتقريب هنا هو تقريب ~~التشريف والإكرام، مثلت حاله بحال من قربه الملك لمناجاته. قال الزجاج ~~قربه منه في المنزلة حتى سمع مناجاته وقيل إن الله سبحانه رفعه حتى سمع ~~صريف القلم. روي هذا عن بعض السلف. { ووهبنا له من رحمتنا ~~} أي من نعمتنا، وقيل من أجل رحمتنا، و { هرون } عطف بيان، و { ~~نبيا } حال منه، وذلك حين سأل ربه قال # واجعل لي وزيرا من أهلى * هرون أخي # طه 29 30. ووصف الله سبحانه إسماعيل بصدق الوعد مع كونه جميع ~~الأنبياء كذلك، لأنه كان مشهورا بذلك مبالغا فيه، وناهيك بأنه وعد ~~الصبر من نفسه على الذبح فوفى بذلك، وكان ينتظر لمن وعده بوعد الأيام ~~والليالي، حتى قيل إنه انتظر لبعض من وعده حولا. والمراد بإسماعيل هنا ~~هو إسماعيل بن إبراهيم، ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد به فقال هو ~~إسماعيل بن حزقيل، بعثه الله إلى قومه فسلخوا جلدة رأسه، فخيره الله فيما ~~شاء من عذابهم، فاستعفاه ورضي بثوابه، وقد استدل بقوله تعالى في إسماعيل ~~{ وكان رسولا نبيا } على أن الرسول لا يجب أن يكون صاحب شريعة ~~فإن أولاد إبراهيم كانوا على شريعته. وقيل إنه وصفه بالرسالة لكون ~~إبراهيم أرسله ms2339 إلى جرهم { وكان يأمر أهله بالصلوة ~~والزكوة } قيل المراد بأهله هنا أمته. # وقيل جرهم، وقيل عشيرته كما في قوله # وأنذر عشيرتك الأقربين # الشعراء 214 والمراد بالصلاة والزكاة هنا هما العبادتان الشرعيتان ويجوز ~~أن يراد معناهما اللغوي { وكان عند ربه مرضيا } أي رضيا ~~زاكيا صالحا. قال الكسائي والفراء من قال مرضي بنى على رضيت، قالا ~~وأهل الحجاز يقولون. مرضو. { واذكر في الكتب إدريس } اسم ~~إدريس أخنوخ، قيل هو جد نوح، فإن نوحا هو ابن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ، ~~وعلى هذا فيكون جد أبي نوح. ذكره الثعلبي وغيره، وقد قيل إن هذا خطأ، ~~وامتناع إدريس للعجمة والعلمية. وهو أول من خط بالقلم ونظر في النجوم ~~والحساب، وأول من خاط الثياب. قيل وهو أول من أعطي النبوة من بني آدم. ~~وقد اختلف في معنى قوله { ورفعناه مكانا عليا } فقيل إن ~~الله رفعه إلى السماء الرابعة. وقيل إلى السادسة. وقيل إلى الثانية. وقد ~~روى البخاري في صحيحه من حديث الإسراء وفيه ومنهم إدريس في الثانية، وهو ~~غلط من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر. والصحيح أنه في السماء ~~الرابعة كما رواه مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وقيل إن المراد برفعه مكانا عليا ما أعطيه من شرف النبوة. ~~وقيل إنه رفع إلى الجنة. { أولئك الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين } الإشارة إلى المذكورين من أول السورة ~~إلى هنا، والموصول صفته، و { من النبيين } بيان للموصول، و { من ~~ذرية * ءادم } بدل منه بإعادة الخافض. وقيل إن " من " في { من ~~ذرية } آدم للتبعيض { وممن حملنا مع نوح } أي من ذرية من ~~حملنا معه وهم من عدا إدريس، فإن إبراهيم كان من ذرية سام بن نوح { ومن ~~ذرية إبرهيم } وهم الباقون { وإسرءيل } أي ومن ذرية ~~إسرائيل، ومنهم موسى وهارون ويحيى وعيسى. وقيل إنه أراد بقوله { من ~~ذرية ءادم } إدريس وحده، وأراد بقوله { وممن حملنا مع ~~نوح } إبراهيم وحده، وأراد بقوله { ومن ذرية إبرهيم } ~~إسماعيل وإسحاق ويعقوب، ms2340 وأراد بقوله { ومن ذرية إسرءيل } موسى ~~وهارون وزكريا ويحيى وعيسى { وممن هدينا } أي من جملة من هدينا ~~إلى الإسلام { واجتبينا } بالإيمان { إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ~~خروا سجدا } وهذا خبر لأولئك، ويجوز أن يكون الخبر هو { الذين أنعم الله ~~عليهم } وهذا استئناف لبيان خشوعهم لله وخشيتهم منه. وقد تقدم في سبحان ~~بيان معنى خروا سجدا يقال بكى يبكي بكاء وبكيا. قال الخليل إذا قصرت ~~البكاء فهو مثل الحزن، أي ليس معه صوت، ومنه قول الشاعر # بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل # و { سجدا } منصوب على الحال. قال الزجاج قد بين الله أن الأنبياء كانوا ~~إذا سمعوا آيات الله بكوا وسجدوا، وقد استدل بهذه الآية على مشروعية ~~سجود التلاوة. ولما مدح هؤلاء الأنبياء بهذه الأوصاف ترغيبا لغيرهم في ~~الاقتداء بهم وسلوك طريقتهم ذكر أضدادهم تنفيرا للناس عن طريقتهم فقال { ~~فخلف من بعدهم خلف } أي عقب سوء. قال أهل اللغة يقال لعقب ~~الخير خلف بفتح اللام، ولعقب الشر خلف بسكون اللام، وقد قدمنا الكلام ~~على هذا في آخر الأعراف { أضاعوا الصلاة } قال الأكثر معنى ذلك أنهم ~~أخروها عن وقتها وقيل أضاعوا الوقت وقيل كفروا بها وجحدوا وجوبها وقيل لم ~~يأتوا بها على الوجه المشروع. والظاهر أن من أخر الصلاة عن وقتها أو ترك ~~فرضا من فروضها أو شرطا من شروطها أو ركنا من أركانها فقد أضاعها، ~~ويدخل تحت الإضاعة من تركها بالمرة أو أحدها دخولا أوليا. واختلفوا ~~فيمن نزلت هذه الآية؟ فقيل في اليهود وقيل في النصارى وقيل في قوم من أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم يأتون في آخر الزمان، ومعنى { واتبعوا ~~الشهوت } أي فعلوا ما تشتهيه أنفسهم وترغب إليه من المحرمات كشرب ~~الخمر والزنا { فسوف يلقون غيا } الغي هو الشر عند أهل ~~اللغة، كما أن الخير هو الرشاد، والمعنى أنهم سيلقون شرا لا خيرا. ~~وقيل الغي الضلال، وقيل الخيبة. وقيل هو اسم واد في جهنم وقيل في ~~الكلام حذف، والتقدير سيلقون جزاء الغي، كذا قال الزجاج، ms2341 ومثله قوله ~~سبحانه # يلق أثاما # الفرقان 68. أي جزاء أثام. { إلا من تاب وءامن وعمل ~~صلحا } أي تاب مما فرط منه من تضييع الصلوات و اتباع الشهوات فرجع ~~إلى طاعة الله وآمن به وعمل عملا صالحا، وفي هذا الاستثناء دليل على أن ~~الآية في الكفرة لا في المسلمين { فأولئك يدخلون الجنة ~~} قرأ أبو جعفر وشيبة وابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو ويعقوب وأبو بكر " ~~يدخلون " بضم الياء وفتح الخاء، وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الخاء { ~~ولا يظلمون شيئا } أي لا ينقص من أجورهم شيء وإن كان قليلا، ~~فإن الله سبحانه يوفي إليهم أجورهم. وانتصاب { جنت عدن } على ~~البدل من الجنة، بدل البعض لكون جنات عدن بعض من الجنة. قال الزجاج ويجوز ~~" جنات عدن " بالرفع على الابتداء، وقرىء كذلك. قال أبو حاتم ولولا الخط ~~لكان جنة عدن، يعني بالإفراد، مكان الجمع وليس هذا بشيء، فإن الجنة اسم ~~لمجموع الجنات التي هي بمنزلة الأنواع للجنس. وقرىء بنصب الجنات على ~~المدح، وقد قرىء جنة بالإفراد { التى وعد الرحمن عباده ~~بالغيب } هذه الجملة صفة لجنات عدن، و { بالغيب } في محل نصب على ~~الحال من الجنات، أو من عباده، أي متلبسة، أو متلبسين بالغيب، وقرىء بصرف ~~عدن، ومنعها على أنها علم لمعنى العدن وهو الإقامة، أو علم لأرض الجنة { ~~إنه كان وعده مأتيا } أي موعوده على العموم، فتدخل فيه ~~الجنات دخولا أوليا. # قال الفراء لم يقل آتيا، لأن كل ما أتاك فقد أتيته، وكذا قال الزجاج. { ~~لا يسمعون فيها لغوا } هو الهذر من الكلام الذي يلغى ولا ~~طائل تحته، وهو كناية عن عدم صدور اللغو منهم وقيل اللغو كل ما لم يكن ~~فيه ذكر الله { إلا سلما } هو استثناء منقطع أي سلام بعضهم على ~~بعض، أو سلام الملائكة عليهم. وقال الزجاج السلام اسم جامع للخير، لأنه ~~يتضمن السلامة، والمعنى أن أهل الجنة لا يسمعون ما يؤلمهم وإنما يسمعون ~~ما يسلمهم { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } قال ~~المفسرون ليس في الجنة بكرة ولا عشية، ولكنهم يؤتون رزقهم ms2342 على مقدار ما ~~يعرفون من الغداء والعشاء { تلك الجنة التى نورث من ~~عبادنا من كان تقيا } أي هذه الجنة التي وصفنا أحوالها نورثها ~~من كان من أهل التقوى كما يبقى على الوارث مال موروثه. قرأ يعقوب " نورث ~~" بفتح الواو وتشديد الراء، وقرأ الباقون بالتخفيف. وقيل في الكلام تقديم ~~وتأخير، والتقدير نورث من كان تقيا من عبادنا. وقد أخرج عبد بن حميد ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وكان رسولا ~~نبيا } قال النبي الذي يكلم وينزل عليه ولا يرسل. ولفظ ابن أبي حاتم ~~الأنبياء الذين ليسوا برسل يوحى إلى أحدهم ولا يرسل إلى أحد. والرسل ~~الأنبياء الذين يوحى إليهم ويرسلون. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن قتادة في قوله { جانب الطور الأيمن } قال جانب ~~الجبل الأيمن { وقربناه نجيا } قال نجا بصدقه. وأخرج عبد بن ~~حميد عن أبي العالية قال قربه حتى سمع صريف القلم، وروي نحو هذا عن جماعة ~~من التابعين. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في الآية قال حتى ~~سمع صريف القلم يكتب في اللوح. وأخرجه الديلمي عنه مرفوعا. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ووهبنا له من ~~رحمتنا أخاه هرون } قال كان هارون أكبر من موسى، ولكن إنما ~~وهب له نبوته. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ورفعناه ~~مكانا عليا } قال كان إدريس خياطا، وكان لا يغرز غرزة إلا قال ~~سبحان الله، وكان يمسي حين يمسي وليس على الأرض أفضل عملا منه، فاستأذن ~~ملك من الملائكة ربه فقال يا رب ائذن لي فأهبط إلى إدريس، فأذن له فأتى ~~إدريس فقال إني جئتك لأخدمك، قال كيف تخدمني وأنت ملك وأنا إنسان؟ ثم قال ~~إدريس هل بينك وبين ملك الموت شيء؟ قال الملك ذاك أخي من الملائكة، قال ~~هل تستطيع أن تنفعني؟ قال أما يؤخر شيئا أو يقدمه فلا، ولكن سأكلمه لك ms2343 ~~فيرفق بك عند الموت، فقال اركب بين جناحي، فركب إدريس فصعد إلى السماء ~~العليا فلقي ملك الموت وإدريس بين جناحيه، فقال له الملك إن لي إليك ~~حاجة، قال علمت حاجتك تكلمني في إدريس وقد محي اسمه من الصحيفة فلم يبق ~~من أجله إلا نصف طرفة عين، فمات إدريس بين جناحي الملك. # وأخرج ابن أبي شيبة في الصنف، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال سألت كعبا ~~فذكر نحوه، فهذا هو من الإسرائيليات التي يرويها كعب. وأخرج ابن أبي حاتم ~~وابن مردويه عن ابن عباس قال «رفع إدريس إلى السماء السادسة». وأخرج ~~الترمذي وصححه، وابن المنذر وابن مردويه قال حدثنا أنس بن مالك عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال # " لما عرج بي رأيت إدريس في السماء الرابعة " # وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري مرفوعا نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال رفع إدريس ~~كما رفع عيسى ولم يمت. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال إدريس هو ~~إلياس. وحسنه السيوطي. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { ~~أولئك الذين أنعم الله عليهم } إلى آخره، قال هذه ~~تسمية الأنبياء الذين ذكرهم أما من ذرية آدم فإدريس ونوح وأما من حمل مع ~~نوح فإبراهيم، وأما ذرية إبراهيم فإسماعيل، وإسحاق ويعقوب وأما ذرية ~~إسرائيل فموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~السدي في قوله { فخلف من بعدهم خلف } قال هم اليهود ~~والنصارى. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في الآية قال هم من هذه الأمة ~~يتراكبون في الطرق كما تراكب الأنعام لا يستحيون من الناس، ولا يخافون من ~~الله في السماء. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود في قوله { أضاعوا الصلاة ~~} قال ليس إضاعتها تركها قد يضيع الإنسان الشيء ولا يتركه، ولكن إضاعتها ~~إذا لم يصلها لوقتها. وأخرج أحمد، وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي ms2344 سعيد الخدري سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلا هذه الآية { فخلف من بعدهم ~~خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوت } الآية قال # " يكون خلف من بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات { فسوف ~~يلقون غيا } ، ثم يكون خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ ~~القرآن ثلاثة مؤمن، ومنافق، وفاجر " # وأخرج أحمد، والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول سيهلك من أمتي أهل الكتاب وأهل اللبن، قلت يا رسول الله ~~ما أهل الكتاب؟ قال # " قوم يتعلمون الكتاب يجادلون به الذين آمنوا " # ، قلت ما أهل اللبن؟ قال # " قوم يتبعون الشهوات ويضيعون الصلوات " # وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، والحاكم وصححه عن عائشة، أنها كانت ~~ترسل بالصدقة لأهل الصدقة وتقول لا تعطوا منها بربريا ولا بربرية، فإني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " هم الخلف الذين قال الله { فخلف من بعدهم خلف } " # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فسوف ~~يلقون غيا } قال خسرا. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وهناد وعبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، ~~والبيهقي في البعث من طرق عن ابن مسعود في قوله { فسوف يلقون ~~غيا } قال الغي نهر، أو واد في جهنم من قيح بعيد القعر خبيث الطعم، ~~يقذف فيه الذين يتبعون الشهوات. وقد قال بأنه واد في جهنم البراء بن ~~عازب. وروى ذلك عنه ابن المنذر والطبراني. وأخرج ابن جرير والطبراني ~~والبيهقي عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لو أن صخرة زنة عشر عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها ~~سبعين خريفا، ثم تنتهي إلى غي وأثام " # قلت وما غي وأثام؟ قال # " نهران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار، وهما اللذان ذكر الله ~~في كتابه { فسوف يلقون غيا } { ومن يفعل ذلك يلق أثاما } ~~الفرقان 68 " # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ms2345 # " الغي واد في جهنم " # وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله { لا يسمعون فيها ~~لغوا } قال باطلا. وأخرج سعيد ابن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { بكرة وعشيا } قال يؤتون به ~~في الآخرة على مقدار ما كانوا يؤتون به في الدنيا. وأخرج الحكيم الترمذي ~~في نوادر الأصول من طريق أبان عن الحسن وأبي قلابة قالا قال رجل يا رسول ~~الله، هل في الجنة من ليل؟ قال # " وما هيجك على هذا " # ؟ قال سمعت الله يذكر في الكتاب { ولهم رزقهم فيها بكرة ~~وعشيا } فقلت الليل من البكرة والعشي، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " ليس هناك ليل، وإنما هو ضوء ونور، يرد الغدو على الرواح والرواح على ~~الغدو، تأتيهم طرف الهدايا من الله لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون ~~فيها في الدنيا، وتسلم عليهم الملائكة " # وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ما من غداة من غدوات الجنة، وكل الجنة غدوات، إلى أنه يزف إلى ولي ~~الله فيها زوجة من الحور العين وأدناهن التي خلقت من الزعفران " # قال بعد إخراجه قال أبو محمد هذا حديث منكر. ### || [19.64-72] # قوله { وما نتنزل } أي قال الله سبحانه قل يا جبريل. وما نتنزل، ~~وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استبطأ نزول جبريل عليه، فأمر ~~جبريل أن يخبره بأن الملائكة ما تتنزل عليه إلا بأمر الله. قيل احتبس ~~جبريل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوما وقيل خمسة عشر وقيل ~~اثني عشر وقيل ثلاثة أيام وقيل إن هذا حكاية عن أهل الجنة، وأنهم يقولون ~~عند دخولها وما نتنزل هذه الجنان { إلا بأمر ربك } والأول ~~أولى بدلالة ما قبله، ومعناه يحتمل وجهين الأول وما نتنزل عليك إلا ~~بأمر ربك لنا بالتنزل. والثاني وما نتنزل عليك إلا بأمر ربك الذي يأمرك ~~به بما شرعه لك ولأمتك، والتنزل النزول على مهل، وقد يطلق على مطلق ~~النزول. ثم أكد جبريل ما ms2346 أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال { له ~~ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك } أي من ~~الجهات والأماكن، أو من الأزمنة الماضية والمستقبلة، وما بينهما من ~~الزمان أو المكان الذي نحن فيه، فلا نقدر على أن ننتقل من جهة إلى جهة، ~~أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ومشيئته، وقيل المعنى له ما سلف من أمر ~~الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة وما بين ذلك، وهو ما بين النفختين وقيل ~~الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا، والسماء التي وراءنا وما بين السماء ~~والأرض وقيل ما مضى من أعمارنا وما غبر منها والحالة التي نحن فيها. وعلى ~~هذه الأقوال كلها يكون المعنى أن الله سبحانه هو المحيط بكل شيء لا يخفى ~~عليه خافية، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة، فلا نقدم على أمر إلا بإذنه، ~~وقال { وما بين ذلك } ولم يقل وما بين ذينك، لأن المراد وما بين ما ذكرنا ~~كما في قوله سبحانه # عوان بين ذلك # البقرة 68. { وما كان ربك نسيا } أي لم ينسك وإن تأخر عنك ~~الوحي، وقيل المعنى إنه عالم بجميع الأشياء لا ينسى منها شيئا وقيل ~~المعنى وما كان ربك ينسى الإرسال إليك عند الوقت الذي يرسل فيه رسله. { ~~رب السموات والأرض وما بينهما } أي خالقهما وخالق ما ~~بينهما، ومالكهما ومالك ما بينهما، ومن كان هكذا فالنسيان محال عليه. ثم ~~أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعبادته والصبر عليها فقال { ~~فاعبده واصطبر لعبادته } والفاء للسببية لأن كونه رب ~~العالمين سبب موجب لأن يعيد، وعدى فعل الصبر باللام دون على التي يتعدى ~~بها لتضمنه معنى الثبات { هل تعلم له سميا } الاستفهام ~~للإنكار. والمعنى أنه ليس له مثل ولا نظير حتى يشاركه في العبادة، فيلزم ~~من ذلك أن تكون غير خالصة له سبحانه، فلما انتفى المشارك استحق الله ~~سبحانه أن يفرد بالعبادة وتخلص له، هذا مبني على أن المراد بالسمي هو ~~الشريك في المسمى وقيل المراد به الشريك في الاسم كما هو الظاهر من ms2347 لغة ~~العرب، فقيل المعنى إنه لم يسم شيء من الأصنام ولا غيرها بالله قط، يعني ~~بعد دخول الألف واللام التي عوضت عن الهمزة ولزمت. # وقيل المراد هل تعلم أحدا اسمه الرحمن غيره؟ قال الزجاج تأويله والله ~~أعلم هل تعلم له سميا يستحق أن يقال له خالق وقادر وعالم بما كان وبما ~~يكون، وعلى هذا لا سمي لله في جميع أسمائه، لأن غيره وإن سمي بشيء من ~~أسمائه، فلله سبحانه حقيقة ذلك الوصف، والمراد بنفي العلم المستفاد من ~~الإنكار هنا نفي المعلوم على أبلغ وجه وأكمله. { ويقول الإنسن ~~أإذا ما مت لسوف أخرج حيا } قرأ الجمهور على ~~الاستفهام، وقرأ ابن ذكوان " إذا ما مت " على الخبر، والمراد بالإنسان ~~ها هنا الكافر، لأن هذا الاستفهام هنا للإنكار والاستهزاء والتكذيب ~~بالبعث وقيل اللام في الإنسان للجنس بأسره وإن لم يقل هذه المقالة إلا ~~البعض، وهم الكفرة فقد يسند إلى الجماعة ما قام بواحد منهم، والمراد ~~بقوله { أخرج } أي من القبر، والعامل في الظرف فعل دل عليه أخرج، لأن ما ~~بعد اللام لا يعمل فيما قبلها. { أو لا يذكر إلإنسن أنا ~~خلقناه من قبل ولم يك شيئا } الهمزة للإنكار التوبيخي، ~~والواو لعطف الجملة التي بعدها على الجملة التي قبلها، والمراد بالذكر ~~هنا إعمال الفكر، أي ألا يتفكر هذا الجاحد في أول خلقه فيستدل ~~بالابتداء على الإعادة، والابتداء أعجب وأغرب من الإعادة، لأن النشأة ~~الأولى هي إخراج لهذه المخلوقات من العدم إلى الوجود ابتداعا واختراعا، ~~لم يتقدم عليه ما يكون كالمثال له، وأما النشأة الآخرة فقد تقدم عليها ~~النشأة الأولى فكانت كالمثال لها، ومعنى { من قبل } قبل الحالة التي ~~هو عليها الآن، وجملة { ولم يك شيئا } في محل نصب على الحال، أي والحال ~~أنه لم يكن حينئذ شيئا من الأشياء أصلا، فإعادته بعد أن كان شيئا ~~موجودا أسهل وأيسر. قرأ أهل مكة وأبو عمرو وأبو جعفر وأهل الكوفة إلا ~~عاصما " { أو لا يذكر } بالتشديد، وأصله يتذكر. وقرأ شيبة ونافع وعاصم ~~وابن عامر " يذكر " بالتخفيف، وفي ms2348 قرءاة أبي " أو لا يتذكر ". ثم لما ~~جاء سبحانه وتعالى بهذه الحجة التي أجمع العقلاء على أنه لم يكن في حجج ~~البعث حجة أقوى منها، أكدها بالقسم باسمه سبحانه مضافا إلى رسوله ~~تشريفا له وتعظيما، فقال { فوربك لنحشرنهم } ومعنى { ~~لنحشرنهم } لنسوقنهم إلى المحشر بعد إخراجهم من قبورهم أحياء كما كانوا، ~~والواو في قوله { والشيطين } للعطف على المنصوب، أو بمعنى مع. # والمعنى أن هؤلاء الجاحدين يحشرهم الله مع شياطينهم الذين أغووهم ~~وأضلوهم، وهذا ظاهر على جعل اللام في الإنسان للعهد، وهو الإنسان الكافر، ~~وأما على جعلها للجنس فكونه قد وجد في الجنس من يحشر مع شيطانه { ثم ~~لنحضرنهم حول جهنم جثيا } الجثي جمع جاث، من قولهم ~~جثا على ركبتيه يجثو جثوا، وهو منتصب على الحال، أي جاثين على ركبهم لما ~~يصيبهم من هول الموقف وروعة الحساب، أو لكون الجثي على الركب شأن أهل ~~الموقف كما في قوله سبحانه # وترى كل أمة جاثية # الجاثية 28. وقيل المراد بقوله { جثيا } جماعات، وأصله، جمع جثوة، ~~والجثوة هي المجموع من التراب أو الحجارة. قال طرفة # أرى جثوتين من تراب عليهما صفائح صم من صفيح منضد # { ثم لننزعن من كل شيعة } الشيعة الفرقة التي تبعت دينا ~~من الأديان، وخصص ذلك الزمخشري فقال هي الطائفة التي شاعت أي تبعت غاويا ~~من الغواة قال الله تعالى # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا # الأنعام 159. ومعنى { أيهم أشد على الرحمن عتيا } ~~من كان أعصى لله وأعتى فإنه ينزع من كل طائفة من طوائف الغي والفساد ~~أعصاهم وأعتاهم، فإذا اجتمعوا طرحهم في جهنم. والعتي ها هنا مصدر ~~كالعتو، وهو التمرد في العصيان. وقيل المعنى لننزعن من أهل كل دين ~~قادتهم ورؤساءهم في الشر. وقد اتفق القراء على قراءة { أيهم } بالضم إلا ~~هارون الغازي فإنه قرأها بالفتح. قال الزجاج في رفع أيهم ثلاثة أقوال ~~الأول قول الخليل بن أحمد إنه مرفوع على الحكاية، والمعنى ثم لننزعن من ~~كل شيعة الذين يقال لهم أيهم أشد. وأنشد الخليل في ذلك قول الشاعر # وقد أبيت من ms2349 الفتاة بمنزل فأبيت لا حرج ولا محروم # أي فأبيت بمنزلة الذي يقال له هو لا حرج ولا محروم. قال النحاس ورأيت ~~أبا إسحاق، يعني الزجاج، يختار هذا القول ويستحسنه. القول الثاني قول ~~يونس وهو أن { لننزعن } بمنزلة الأفعال التي تلغى وتعلق. فهذا الفعل ~~عنده معلق عن العمل في أي، وخصص الخليل وسيبويه وغيرهما التعليق بأفعال ~~الشك ونحوها مما لم يتحقق وقوعه. القول الثالث قول سيبويه إن أيهم ها هنا ~~مبني على الضم، لأنه خالف أخواته في الحذف، وقد غلط سيبويه في قوله هذا ~~جمهور النحويين حتى قال الزجاج ما تبين لي أن سيبويه غلط في كتابه إلا في ~~موضعين هذا أحدهما، وللنحويين في إعراب { أيهم } هذه في هذا الموضع كلام ~~طويل. { ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها ~~صليا } يقال صلى يصلي صليا مثل مضى الشيء يمضي مضيا، قال الجوهري ~~يقال صليت الرجل نارا إذا أدخلته النار وجعلته يصلاها، فإن ألقيته ~~إلقاء كأنك تريد الإحراق قلت أصليته بالألف وصليته تصلية ومنه # ويصلى سعيرا # الإنشقاق 12 ومن خفف فهو من قولهم صلي فلان النار بالكسر يصلى صليا ~~احترق، قال الله تعالى { الذين هم أولى بها صليا } قال ~~العجاج # والله لولا النار أن تصلاها # ومعنى الآية أن هؤلاء الذين هم أشد على الرحمن عتيا هم أولى بصليها، ~~أو صليهم أولى بالنار. { وإن منكم إلا واردها } الخطاب للناس ~~من غير التفات، أو للإنسان المذكور، فيكون التفاتا، أي ما منكم من أحد ~~إلا واردها، أي واصلها. وقد اختلف الناس في هذا الورود. فقيل الورود ~~الدخول ويكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم. وقالت ~~فرقة الورود هو المرور على الصراط وقيل ليس الورود الدخول إنما هو كما ~~يقول وردت البصرة ولم أدخلها، وقد توقف كثير من العلماء عن تحقيق هذا ~~الورود، وحمله على ظاهره لقوله تعالى # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون # الأنبياء 101. قالوا فلا يدخل النار من ضمن الله أن يبعده عنها، ومما ~~يدل على أن الورود لا يستلزم ms2350 الدخول قوله تعالى # ولما ورد ماء مدين # القصص 23 فإن المراد أشرف عليه لا أنه دخل فيه، ومنه قول زهير # فلما وردن الماء زرقا حمامه وضعن عصي الحاضر المتخيم # ولا يخفى أن القول بأن الورود هو المرور على الصرط، أو الورود على جهنم ~~وهي خامدة فيه، جمع بين الأدلة من الكتاب والسنة، فينبغي حمل هذه الآية ~~على ذلك، لأنه قد حصل الجمع بحمل الورود على دخول النار مع كون الداخل من ~~المؤمنين مبعدا من عذابهما، أو بحمله على المضي فوق الجسر المنصوب ~~عليها، وهو الصراط { كان على ربك حتما مقضيا } أي كان ~~ورودهم المذكور أمرا محتوما قد قضى سبحانه أنه لا بد من وقوعه لا ~~محالة. وقد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن العقاب واجب على الله، ~~وعند الأشاعرة أن هذا مشبه بالواجب من جهة استحالة تطرق الخلف إليه. { ~~ثم ننجي الذين اتقوا } أي اتقوا ما يوجب النار، وهو الكفر ~~بالله ومعاصيه، وترك ما شرعه، وأوجب العمل به. قرأ عاصم الجحدري ومعاوية ~~بن قرة " ننجي " بالتخفيف من أنجى، وبها قرأ حميد ويعقوب والكسائي، وقرأ ~~الباقون بالتشديد، وقرأ ابن أبي ليلى " ثم نذر " بفتح الثاء من ثم، ~~والمراد بالظالمين الذين ظلموا أنفسهم بفعل ما يوجب النار، أو ظلموا ~~غيرهم بمظلمة في النفس أو المال أو العرض، والجثي جمع جاث وقد تقدم ~~قريبا تفسير الجثي وإعرابه. وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل # " ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ " # فنزلت { وما نتنزل إلا بأمر ربك } إلى آخر الآية. # وزاد ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وكان ذلك الجواب لمحمد. وأخرج ~~ابن مردويه من حديث أنس قال «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ~~البقاع أحب إلى الله، وأيها أبغض إلى الله؟ قال # " ما أدري حتى أسأل " # ، فنزل جبريل، وكان قد أبطأ عليه، فقال # " لقد أبطأت علي حتى ظننت أن بربي علي موجدة " # ، فقال { وما نتنزل إلا بأمر ربك }. وأخرج عبد ms2351 بن ~~حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم أربعين يوما ثم نزل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم # " ما نزلت حتى اشتقت إليك " # ، فقال له جبريل أنا كنت إليك أشوق، ولكني مأمور، فأوحى الله إلى جبريل ~~أن قل له { وما نتنزل إلا بأمر ربك }. وهو مرسل. وأخرج ~~سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال ~~أبطأت الرسل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه جبريل فقال له # " ما حبسك عني " # ؟ قال وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تنقون براجمكم، ولا ~~تأخذون شواربكم، ولا تستاكون؟ وقرأ { وما نتنزل إلا بأمر ~~ربك } ». وهو مرسل أيضا. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { له ~~ما بين أيدينا } قال من أمر الآخرة { وما خلفنا } قال من ~~أمر الدنيا { وما بين ذلك } قال ما بين الدنيا والآخرة. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن قتادة { وما بين ذلك } قال ما بين النفختين. ~~وأخرج ابن المنذر عن أبي العالية مثله. وأخرج البزار وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه والطبراني والبيهقي، والحاكم وصححه عن أبي الدرداء ~~رفع الحديث قال # " ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو ~~عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا، ثم تلا { ~~وما كان ربك نسيا } " # وأخرج ابن مردويه من حديث جابر مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله { هل ~~تعلم له سميا } قال هل تعرف للرب شبها أو مثلا؟ وأخرج عبد ~~بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب ~~عنه { هل تعلم له سميا }؟ قال ليس أحد يسمى الرحمن غيره. ~~وأخرج ابن مردويه عنه أيضا في الآية قال يا محمد هل تعلم لإلهك من ولد؟ ~~وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { ويقول الإنسن } قال ~~العاص ms2352 بن وائل، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { جثيا } ~~قال قعودا، وفي قوله { عتيا } قال معصية. # وأخرج ابن جرير عنه في قوله { عتيا } قال عصيا. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن قتادة في قوله { ثم لننزعن } قال لننزعن من أهل كل دين ~~قادتهم ورؤوسهم في الشر. وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن ابن ~~مسعود قال نحشر الأول على الآخر حتى إذا تكاملت العدة أثارهم جميعا، ثم ~~بدأ بالأكابر فالأكابر جرما، ثم قرأ { فوربك لنحشرنهم } ~~إلى قوله { عتيا }. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { ثم ~~لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا } قال يقول ~~إنهم أولى بالخلود في جهنم. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي عن أبي ~~سمية قال اختلفنا في الورود، فقال بعضنا لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا ~~يدخلونها جميعا { ثم ننجى الذين اتقوا } فلقيت جابر بن ~~عبد الله فذكرت له، فقال وأهوى بأصبعه إلى أذنيه صمتا إن لم أكن سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما ~~كانت على إبراهيم حتى إن للنار ضجيجا من بردها. { ثم ننجي ~~الذين اتقوا ونذر الظلمين فيها جثيا } " # وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن مجاهد قال خاصم نافع بن الأزرق ابن ~~عباس، فقال ابن عباس الورود الدخول، وقال نافع لا، فقرأ ابن عباس # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون # الأنبياء 98. وقال وردوا أم لا؟ وقرأ # يقدم قومه يوم القيمة فأوردهم النار # هود 98 أوردوا أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها فانظر هل نخرج منها أم لا؟ ~~وأخرج الحاكم عن ابن مسعود في قوله { وإن منكم إلا واردها } ~~قال وإن منكم إلا داخلها. وأخرج هناد والطبراني عنه في الآية قال ورودها ~~الصراط. وأخرج أحمد وعبد بن ms2353 حميد والترمذي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ~~والبيهقي وابن الأنباري وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله { وإن ~~منكم إلا واردها } قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ليرد الناس كلهم النار، ثم يصدرون عنها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق، ~~ثم كالريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب في رحله، ثم كشد الرحل، ثم كمشيه ~~" # وقد روي نحو هذا من حديث ابن مسعود من طرق. وأخرج ابن مردويه عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " { وإن منكم إلا واردها } " # يقول # " مجتاز فيها " # وأخرج مسلم وغيره عن أم مبشر قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية " # قالت حفصة أليس الله يقول { وإن منكم إلا واردها } قالت ألم ~~تسمعيه يقول { ثم ننجي الذين اتقوا }. وأخرج البخاري ومسلم ~~وغيرهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم " # ، ثم قرأ سفيان { وإن منكم إلا واردها }. وأخرج أحمد ~~والبخاري في تاريخه، وأبو يعلى والطبراني وابن مردويه عن معاذ بن أنس عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا لا يأخذه سلطان لم ير ~~النار بعينيه إلا تحلة القسم، فإن الله يقول { وإن منكم إلا ~~واردها } " # والأحاديث في تفسير هذه الآية كثيرة جدا. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { حتما مقضيا } قال قضاء ~~من الله. وأخرج الخطيب في تالي التلخيص عن عكرمة حتما مقضيا قال قسما ~~واجبا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ونذر ~~الظلمين فيها جثيا } قال باقين فيها. ### || [19.73-80] # الضمير في { عليهم } راجع إلى الكفار الذين سبق ذكرهم في قوله { ~~أإذا ما مت لسوف أخرج حيا } أي هؤلاء إذا قرىء عليهم ~~القرآن تعذروا بالدنيا، وقالوا لو كنتم على الحق وكنا على الباطل لكان ~~حالكم في الدنيا أطيب من حالنا، ولم يكن بالعكس، ms2354 لأن الحكيم لا يليق به ~~أن يهين أولياءه ويعز أعداءه، ومعنى البينات الواضحات التي لا تلتبس ~~معانيها. وقيل ظاهرات الإعجاز. وقيل إنها حجج وبراهين، والأول أولى. وهي ~~حال مؤكدة لأن آيات الله لا تكون إلا واضحة، ووضع الظاهر موضع المضمر في ~~قوله { قال الذين كفروا } للإشعار بأن كفرهم هو السبب لصدور ~~هذا القول عنهم. وقيل المراد بالذين كفروا هنا هم المتمردون المصرون ~~منهم، ومعنى قالوا { للذين ءامنوا } قالوا لأجلهم. وقيل هذه ~~اللام هي لام التبليغ كما في قوله # وقال لهم نبيهم # البقرة 247 أي خاطبوهم بذلك وبلغوا القول إليهم { أى الفريقين ~~خير مقاما } المراد بالفريقين المؤمنون والكافرون، كأنهم قالوا ~~أفريقنا خير أم فريقكم؟ قرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد وشبل بن عباد " ~~مقاما " بضم الميم، وهو موضع الإقامة، ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى ~~الإقامة، وقرأ الباقون بالفتح أي منزلا ومسكنا. وقيل المقام الموضع ~~الذي يقام فيه بالأمور الجليلة، والمعنى أي الفريقين أكبر جاها وأكثر ~~أنصارا وأعوانا، والندي والنادي مجلس القوم ومجتمعهم، ومنه قوله تعالى # وتأتون فى ناديكم المنكر # العنكبوت 29. وناداه جالسه في النادي، ومنه دار الندوة، لأن المشركين ~~كانوا يتشاورون فيها في أمورهم، ومنه أيضا قول الشاعر # أنادي به آل الوليد جعفرا # { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } القرن الأمة والجماعة { ~~هم أحسن أثاثا ورئيا } الأثاث المال أجمع، الإبل والغنم والبقر ~~والعبيد والمتاع. وقيل هو متاع البيت خاصة. وقيل هو الجديد من الفرش. ~~وقيل اللباس خاصة. واختلفت القراءات في { ورئيا } فقرأ أهل المدينة وابن ~~ذكوان " وريا " بياء مشددة، وفي ذلك وجهان أحدهما أن يكون من رأيت ثم ~~خففت الهمزة فأبدل منها ياء وأدغمت الياء في الياء والمعنى على هذه ~~القراءة هم أحسن منظرا وبه قول جمهور المفسرين، وحسن المنظر يكون من جهة ~~حسن اللباس، أو حسن الأبدان وتنعمها، أو مجموع الأمرين. وقرأ أهل الكوفة ~~وأبو عمرو وابن كثير " ورئيا " بالهمز، وحكاها ورش عن نافع، وهشام عن ~~ابن عامر، ومعناها معنى القراءة الأولى. قال الجوهري من همز جعله من ~~المنظر من رأيت، ms2355 وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة، وأنشد أبو ~~عبيدة لمحمد بن نمير الثقفي # أشاقتك الظعائن يوم بانوا بذي الرئي الجميل من الأثاث # ومن لم يهمز إما أن يكون من تخفيف الهمزة، أو يكون من رويت ألوانهم أو ~~جلودهم ريا، أي امتلأت وحسنت. # وقد ذكر الزجاج معنى هذا كما حكاه عنه الواحدي. وحكى يعقوب أن طلحة بن ~~مصرف قرأ بياء واحدة خفيفة، فقيل إن هذه القراءة غلط، ووجهها بعض ~~النحويين أنه كان أصلها الهمزة فقلبت ياء ثم حذفت إحدى الياءين، وروي عن ~~ابن عباس أنه قرأ بالزاي مكان الراء، وروي مثل ذلك عن أبي بن كعب وسعيد ~~بن جبير والأعصم المكي واليزيدي. والزي الهيئة والحسن. قيل ويجوز أن ~~يكون من زويت أي جمعت، فيكون أصلها زويا فقلبت الواو ياء، والزي محاسن ~~مجموعة. { قل من كان فى الضللة } أمر الله سبحانه رسوله صلى ~~الله عليه وسلم أن يجيب على هؤلاء المفتخرين بحظوظهم الدنيوية، أي من كان ~~مستقرا في الضلالة { فليمدد له الرحمن مدا } هذا وإن ~~كان على صيغة الأمر، فالمراد به الخبر، وإنما خرج مخرج الأمر لبيان ~~الإمهال منه سبحانه للعصاة، وأن ذلك كائن لا محالة لتنقطع معاذير أهل ~~الضلال، ويقال لهم يوم القيامة # أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر # فاطر 37. أو للاستدراج كقوله سبحانه # إنما نملى لهم ليزدادوا إثما # آل عمران 178 وقيل المراد بالآية الدعاء بالمد والتنفيس. قال الزجاج ~~تأويله أن الله جعل جزاء ضلالته أن يتركه ويمده فيها، لأن لفظ الأمر ~~يؤكد معنى الخبر كأن المتكلم يقول أفعل ذلك وآمر به نفسي { حتى إذا ~~رأوا ما يوعدون } يعني الذين مد لهم في الضلالة، وجاء بضمير ~~الجماعة اعتبارا بمعنى من، كما أن قوله { كان في الضللة ~~فليمدد له } اعتبار بلفظها، وهذه غاية للمد، لا لقول المفتخرين ~~إذ ليس فيه امتداد { إما العذاب وإما الساعة } هذا تفصيل ~~لقوله { ما يوعدون } أي هذا الذي توعدون هو أحد أمرين إما العذاب في ~~الدنيا بالقتل والأسر، وإما يوم القيامة وما ms2356 يحل بهم حينئذ من العذاب ~~الأخروي { فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا ~~} هذا جواب الشرط، وهو جواب على المفتخرين، أي هؤلاء القائلون { أي ~~الفريقين خير مقاما } إذا عاينوا ما يوعدون به من العذاب الدنيوي بأيدي ~~المؤمنين، أو الأخروي، فسيعلمون عند ذلك من هو شر مكانا من الفريقين، ~~وأضعف جندا منهما، أي أنصارا وأعوانا. والمعنى أنهم سيعلمون عند ذلك ~~أنهم شر مكانا لا خير مكانا، وأضعف جندا لا أقوى ولا أحسن من فريق ~~المؤمنين وليس المراد أن للمفتخرين هنالك جندا ضعفاء، بل لا جند لهم ~~أصلا كما في قوله سبحانه # ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان ~~منتصرا # الكهف 43. ثم لما أخبر سبحانه عن حال أهل الضلالة، أراد أن يبين حال أهل ~~الهداية فقال { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى } وذلك أن ~~بعض الهدى يجر إلى البعض الآخر، والخير يدعو إلى الخير وقيل المراد ~~بالزيادة العبادة من المؤمنين، والواو في { ويزيد } للاستئناف، والجملة ~~مستأنفة لبيان حال المهتدين وقيل الواو للعطف على { فليمدد } وقيل للعطف ~~على جملة { من كان في الضلالة }. # قال الزجاج المعنى أن الله يجعل جزاء المؤمنين أن يزيدهم يقينا كما جعل ~~جزاء الكافرين أن يمدهم في ضلالتهم { والبقيات الصلحات ~~خير عند ربك ثوابا } هي الطاعات المؤدية إلى السعادة الأبدية، ~~ومعنى كونها خيرا عند الله ثوابا أنها أنفع عائدة مما يتمتع به الكفار ~~من النعم الدنيوية { وخير مردا } المرد ها هنا مصدر كالرد، ~~والمعنى وخير مردا للثواب على فاعلها ليست كأعمال الكفار التي خسروا ~~فيها، والمرد المرجع والعاقبة والتفضل للتهكم بهم للقطع بأن أعمال ~~الكفار لا خير فيها أصلا. ثم أردف سبحانه مقالة أولئك المفتخرين بأخرى ~~مثلها على سبيل التعجب فقال { أفرأيت الذي كفر ~~بئايتنا } أي أخبرني بقصة هذا الكافر واذكر حديثه عقب حديث ~~أولئك، وإنما استعملوا أرأيت بمعنى أخبر، لأن رؤية الشيء من أسباب صحة ~~الخبر عنه، والآيات تعم كل آية ومن جملتها آية البعث، والفاء للعطف على ~~مقدر يدل عليه المقام، أي أنظرت فرأيت، واللام ms2357 في { لأوتين مالا ~~وولدا } هي الموطئة للقسم، كأنه قال والله لأوتين في الآخرة مالا ~~وولدا، أي أنظر إلى حال هذا الكافر وتعجب من كلامه وتأليه على الله مع ~~كفره به وتكذيبه بآياته. ثم أجاب سبحانه عن قول هذا الكافر بما يدفعه ~~ويبطله، فقال { أطلع } على { الغيب } أي أعلم ما غاب عنه حتى ~~يعلم أنه في الجنة { أم اتخذ عند الرحمن عهدا } بذلك، ~~فإنه لا يتوصل إلى العلم إلا بإحدى هاتين الطريقتين وقيل المعنى أنظر في ~~اللوح المحفوظ؟ أم اتخذ عند الرحمن عهدا وقيل معنى { أم اتخذ عند ~~الرحمن عهدا } أم قال لا إله إلا الله فأرحمه بها. وقيل المعنى أم قدم ~~عملا صالحا فهو يرجوه. واطلع مأخوذ من قولهم اطلع الجبل إذا ارتقى إلى ~~أعلاه. وقرأ حمزة والكسائي ويحيى بن وثاب والأعمش " وولدا " بضم الواو، ~~والباقون بفتحها، فقيل هما لغتان معناهما واحد، يقال ولد وولد كما يقال ~~عدم وعدم، قال الحارث بن حلزة # ولقد رأيت معاشرا قد ثمروا مالا وولدا # وقال آخر # فليت فلانا كان في بطن أمه وليت فلانا كان ولد حمار # وقيل الولد بالضم للجمع وبالفتح للواحد. وقد ذهب الجمهور إلى أن هذا ~~الكافر أراد بقوله { لأوتين مالا وولدا } أنه يؤتى ذلك في الدنيا. ~~وقال جماعة في الجنة، وقيل المعنى إن أقمت على دين آبائي لأوتين. وقيل ~~المعنى لو كنت على باطل لما أوتيت مالا وولدا. { كلا سنكتب ما ~~يقول } " كلا " حرف ردع وزجر، أي ليس الأمر على ما قال هذا الكافر من ~~أنه يؤتى المال والولد، سيكتب ما يقول أي سنحفظ عليه ما يقوله فنجاز به ~~في الآخرة، أو سنظهر ما يقول، أو سننتقم منه انتقام من كتبت معصيته { ~~ونمد له من العذاب مدا } أي نزيده عذابا فوق عذابه مكان ~~ما يدعيه لنفسه من الإمداد بالمال والولد، أو نطول له من العذاب ما ~~يستحقه وهو عذاب من جمع بين الكفر والاستهزاء. # { ونرثه ما يقول } أي نميته فنرثه المال والولد الذي يقول إنه ~~يؤتاه. والمعنى مسمى ما يقول ms2358 ومصداقه. وقيل المعنى نحرمه ما تمناه ونعطيه ~~غيره. { ويأتينا فردا } أي يوم القيامة لا مال له ولا ولد، بل ~~نسلبه ذلك، فكيف يطمع في أن نؤتيه. وقيل المراد بما يقول نفس القول لا ~~مسماه، والمعنى إنما يقول هذا القول ما دام حيا، فإذا أمتناه حلنا بينه ~~وبين أن يقوله ويأتينا رافضا له منفردا عنه، والأول أولى. وقد أخرج ~~ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { أى ~~الفريقين خير مقاما } قال قريش تقوله لها ولأصحاب محمد. ~~وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { خير مقاما } قال المنازل { ~~وأحسن نديا } قال المجالس، وفي قوله { أحسن أثاثا } قال ~~المتاع والمال { ورئيا } قال المنظر. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { قل من كان في ~~الضللة فليمدد له الرحمن مدا } فليدعه الله في ~~طغيانه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حبيب بن أبي ~~ثابت قال في حرف أبي «قل من كان في الضلالة فإنه يزيده الله ضلالة». ~~وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما في قوله { أفرأيت الذي كفر } من ~~حديث خباب بن الأرت قال كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل دين، ~~فأتيته أتقاضاه فقال لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت والله لا ~~أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، قال فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال ~~وولد فأعطيك، فأنزل الله فيه هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~في قوله { أم اتخذ عند الرحمن عهدا } قال لا إله إلا ~~الله يرجو بها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله { ونرثه ~~ما يقول } قال ماله وولده. ### || [19.81-95] # حكى سبحانه ما كان عليه هؤلاء الكفار الذين تمنوا ما لا يستحقونه، ~~وتألوا على الله سبحانه من اتخاذهم الآلهة من دون الله لأجل يتعززون ~~بذلك. قال الهروي معنى ms2359 { ليكونوا لهم عزا } ليكونوا لهم ~~أعوانا. قال الفراء معناه ليكونوا لهم شفعاء في الآخرة. وقيل معناه ~~ليتعززوا بهم من عذاب الله ويمتنعوا بها. { كلا سيكفرون ~~بعبدتهم } أي ليس الأمر كما ظنوا وتوهموا، والضمير في الفعل إما ~~للآلهة أي ستجحد هذه الأصنام عبادة الكفار لها يوم ينطقها الله سبحانه، ~~لأنها عند أن عبدوها جمادات لا تعقل ذلك، وإما للمشركين، أي سيجحد ~~المشركون أنهم عبدوا الأصنام، ويدل على الوجه الأول قوله تعالى # ما كانوا إيانا يعبدون # القصص 63 وقوله # فألقوا إليهم القول إنكم لكذبون # النحل 86 ويدل على الوجه الثاني قوله تعالى # والله ربنا ما كنا مشركين # الأنعام 23 وقرأ ابن أبي نهيك " كلا " بالتنوين، وروي عنه مع ذلك ضم ~~الكاف وفتحها، فعلى الضم هي بمعنى جميعا، وانتصابها بفعل مضمر، كأنه قال ~~سيكفرون كلا سيكفرون بعبادهم، وعلى الفتح يكون مصدرا لفعل محذوف تقديره ~~كل هذا الرأي كلا، وقراءة الجمهور هي الصواب، وهي حرف ردع وزجر { ~~ويكونون عليهم ضدا } أي تكون هذه الآلهة التي ظنوها عزا ~~لهم ضدا عليهم، أي ضدا للعز وضد العز الذل، هذا على الوجه ~~الأول، وأما على الوجه الثاني فيكون المشركون للآلهة ضدا وأعداء ~~يكفرون بها بعد أن كانوا يحبونها ويؤمنون بها. { ألم تر أنا ~~أرسلنا الشيطين على الكفرين } ذكر الزجاج في معنى ~~هذا وجهين أحدهما أن معناه خلينا بين الكافرين وبين الشياطين فلم نعصمهم ~~منهم ولم نعذهم، بخلاف المؤمنين الذين قيل فيهم # إن عبادى ليس لك عليهم سلطن # الإسراء 65. الوجه الثاني أنهم أرسلوا عليهم وقيضوا لهم بكفرهم قال # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا # الزخرف 36 فمعنى الإرسال ها هنا التسليط ومن ذلك قوله سبحانه لإبليس # واستفزز من استطعت منهم بصوتك # الإسراء 64 ويؤيد الوجه الثاني تمام الآية، وهو { تؤزهم أزا } ~~فإن الأز والهز والاستفزاز معناها التحريك والتهييج والإزعاج، فأخبر ~~الله سبحانه أن الشياطين تحرك الكافرين وتهيجهم وتغويهم، وذلك هو ~~التسليط لها عليهم، وقيل معنى الأز الاستعجال، وهو مقارب لما ذكرنا لأن ~~الاستعجال تحريك وتهييج واستفزاز ms2360 وإزعاج، وسياق هذه الآية لتعجيب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من حالهم، وللتنبيه له على أن جميع ذلك بإضلال ~~الشياطين وإغوائهم، وجملة { تؤزهم أزا } في محل نصب على الحال، أو ~~مستأنفة على تقدير سؤال يدل عليه المقام، كأنه قيل ماذا تفعل الشياطين ~~بهم؟ { فلا تعجل عليهم } بأن تطلب من الله إهلاكهم بسبب ~~تصميمهم على الكفر، وعنادهم للحق، وتمردهم عن داعي الله سبحانه. # ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله { إنما نعد لهم عدا } يعني ~~نعد الأيام والليالي والشهور والسنين من أعمارهم إلى انتهاء آجالهم. ~~وقيل نعد أنفاسهم. وقيل خطواتهم. وقيل لحظاتهم. وقيل الساعات. وقال قطرب ~~نعد أعمالهم. وقيل المعنى لا تعجل عليهم فإنما نؤخرهم ليزدادوا إثما. ~~ثم لما قرر سبحانه أمر الحشر وأجاب عن شبهة منكريه أراد أن يشرح حال ~~المكلفين حينئذ، فقال { يوم نحشر المتقين إلى ~~الرحمن وفدا } الظرف منصوب بفعل مقدر، أي اذكر يا محمد يوم ~~الحشر. وقيل منصوب بالفعل الذي بعده، ومعنى حشرهم إلى الرحمن حشرهم إلى ~~جنته ودار كرامته، كقوله # إنى ذاهب إلى ربى # الصافات 99 والوفد جمع وافد، كالركب جمع راكب، وصحب جمع صاحب، يقال وفد ~~يفد وفدا إذا خرج إلى ملك أو أمر خطير كذا قال الجوهري. { ونسوق ~~المجرمين إلى جهنم وردا } السوق الحث على السير، ~~والورد العطاش قاله الأخفش وغيره. وقال الفراء وابن الأعرابي هم المشاة، ~~وقال الأزهري هم المشاة العطاش، كالإبل ترد الماء. وقيل { وردا } أي ~~للورد، كقولك جئتك إكراما، أي للإكرام، وقيل أفرادا. قيل ولا تناقض بين ~~هذه الأقوال فهم يساقون مشاة عطاشا أفرادا، وأصل الورد الجماعة التي ~~ترد الماء من طير أو إبل أو قوم أو غير ذلك. والورد الماء الذي يورد. ~~وجملة { لا يملكون الشفعة } مستأنفة لبيان بعض ما يكون في ~~ذلك اليوم من الأمور، والضمير في { يملكون } راجع إلى الفريقين. وقيل ~~للمتقين خاصة. وقيل للمجرمين خاصة، والأول أولى. ومعنى { لا يملكون ~~الشفاعة } أنهم لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم. وقيل لا يملك غيرهم أن يشفع ~~لهم، والأول أولى { إلا ms2361 من اتخذ عند الرحمن عهدا } ~~هذا الاستثناء متصل على الوجه الأول أي لا يملك الفريقان المذكوران ~~الشفاعة إلا من استعد لذلك بما يصير به من جملة الشافعين لغيرهم بأن ~~يكون مؤمنا متقيا، فهذا معنى اتخاذ العهد عند الله. وقيل معنى اتخاذ ~~العهد أن الله أمره بذلك كقولهم عهد الأمير إلى فلان إذا أمره به. وقيل ~~معنى اتخاذ العهد شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل غير ذلك. وعلى الاتصال ~~في هذا الاستثناء يكون محل " من " في { من اتخذ } الرفع على البدل، أو ~~النصب على أصل الاستثناء. وأما على الوجه الثاني فالاستثناء منقطع لأن ~~التقدير لا يملك المجرمون الشفاعة { إلا من اتخذ عند ~~الرحمن عهدا } وهم المسلمون. وقيل هو متصل على هذا الوجه ~~أيضا، والتقدير لا يملك المجرمون الشفاعة إلا من كان منهم مسلما. { ~~وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } قرأ يحيى بن وثاب والأعمش ~~وحمزة والكسائي " ولدا " بضم الواو وإسكان اللام، وقرأ الباقون في ~~الأربعة المواضع الأربعة في هذه السورة بفتح الواو واللام، وقد قدمنا ~~الفرق بين القراءتين. # والجملة مستأنفة لبيان قول اليهود والنصارى ومن يزعم من العرب أن ~~الملائكة بنات الله، وفي قوله { لقد جئتم شيئا إدا } التفات ~~من الغيبة إلى الخطاب، وفيه رد لهذه المقالة الشنعاء، والإد كما قال ~~الجوهري الداهية والأمر الفظيع، وكذلك الأدة، وجمع الأدة أدد، يقال ~~أدت فلانا الداهية تؤده أدا بالفتح. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي " ~~أدا " بفتح الهمزة، وقرأ الجمهور بالكسر، وقرأ ابن عباس وأبو العالية " ~~آدا " مثل مادا، وهي مأخوذة من الثقل، يقال أده الحمل يؤده إذا ~~أثقله. قال الواحدي { لقد جئتم شيئا إدا } أي عظيما في قول ~~الجميع، ومعنى الآية قلتم قولا عظيما. وقيل الإد العجب، والإدة ~~الشدة، والمعنى متقارب، والتركيب يدور على الشدة والثقل. { يكاد ~~السموات يتفطرن منه } قرأ نافع والكسائي وحفص ويحيى بن ~~وثاب " يكاد " بالتحتية، وقرأ الباقون بالفوقية وقرأ نافع وابن كثير وحفص ~~" يتفطرن " بالتاء الفوقية، وقرأ حمزة وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر ~~والمفضل { يتفطرن } بالتحتية من الانفطار، واختار ms2362 هذه القراءة أبو عبيد ~~لقوله # إذا السماء انفطرت # الإنفطار 1، وقوله # السماء منفطر به # المزمل 18 وقرأ ابن مسعود " يتصدعن " والانفطار والتفطر التشقق { ~~وتنشق الأرض } أي وتكاد أن تنشق الأرض، وكرر الفعل للتأكيد لأن ~~تتفطرن وتنشق معناهما واحد { وتخر الجبال } أي تسقط وتنهدم، ~~وانتصاب { هدا } على أنه مصدر مؤكد لأن الخرور في معناه، أو هو مصدر ~~لفعل مقدر، أي وتنهد هدا، أو على الحال أي مهدودة، أو على أنه مفعول ~~له، أي لأنها تنهد. قال الهروي يقال هدني الأمر وهد ركني، أي كسرني وبلغ ~~مني. قال الجوهري هد البناء يهده هدا كسره وضعضعه، وهدته المصيبة ~~أوهنت ركنه، وانهد الجبل، أي انكسر، والهدة صوت وقع الحائط، كما قال ~~ابن الأعرابي، ومحل { أن دعوا للرحمن ولدا } الجر بدلا ~~من الضمير في { منه }. وقال الفراء في محل نصب بمعنى لأن دعوا. وقال ~~الكسائي هو في محل خفض بتقدير الخافض. وقيل في محل رفع على أنه فاعل { ~~هدا }. والدعاء بمعنى التسمية، أي سموا للرحمن ولدا، أو بمعنى النسبة ~~أي نسبوا له ولدا. { وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ~~ولدا } أي لا يصلح له ولا يليق به لاستحالة ذلك عليه لأن الولد يقتضي ~~الجنسية والحدوث، والجملة في محل نصب على الحال، أي قالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا، أو أن دعوا للرحمن ولدا، والحال أنه ما يليق به سبحانه ذلك. { ~~إن كل من في السموات والأرض } أي ما كل من في السموات ~~والأرض { إلا } وهو { آتي } الله يوم القيامة مقرا بالعبودية خاضعا ~~ذليلا كما قال # وكل أتوه دخرين # النمل 87 أي صاغرين. والمعنى أن الخلق كلهم عبيده فكيف يكون واحد منهم ~~ولدا له؟ وقرى " آت " على الأصل. # { لقد أحصهم } أي حصرهم وعلم عددهم { وعدهم عدا } ~~أي عد أشخاصهم بعد أن حصرهم فلا يخفى عليه أحد منهم. { وكلهم ~~ءاتيه يوم القيمة فردا } أي كل واحد منهم يأتيه يوم ~~القيامة فردا لا ناصر له ولا مال معه، كما قال سبحانه # يوم لا ينفع مال ولا بنون # الشعراء 88. وقد أخرج ابن المنذر ms2363 وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~ويكونون عليهم ضدا } قال أعوانا. وأخرج عبد بن حميد عنه { ~~ضدا } قال حسرة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا قال { ~~تؤزهم أزا } تغويهم إغواء. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا { ~~تؤزهم أزا } قال تحرض المشركين على محمد وأصحابه. وأخرج عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال ~~تزعجهم إزعاجا إلى معاصي الله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس { وفدا } قال ركبانا. وأخرج ابن ~~أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن أبي هريرة { وفدا } قال على الإبل. ~~وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق راغبين وراهبين، واثنان على ~~بعير، وثلاثة على بعير وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم ~~النار تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا " # والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس { وردا } قال عطاشا. وأخرج ~~ابن المنذر عن أبي هريرة مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله { إلا من اتخذ ~~عند الرحمن عهدا } قال شهادة أن لا إله إلا الله، وتبرأ من ~~الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله. وأخرج ابن مردويه عنه في الآية قال من ~~مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم ~~والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قرأ { إلا ~~من اتخذ عند الرحمن عهدا } قال إن الله يقول يوم ~~القيامة من كان له عندي عهد فليقم، فلا يقوم إلا من قال هذا في الدنيا، ~~قولوا اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في ~~الحياة الدنيا أنك إن تكلني إلى عملي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، ~~وإني ms2364 لا أثق إلا برحمتك، فاجعله لي عندك عهدا تؤديه إلي يوم القيامة، ~~إنك لا تخلف الميعاد. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " من أدخل على مؤمن سرورا فقد سرني، ومن سرني فقد اتخذ عند الرحمن ~~عهدا، ومن اتخذ عند الرحمن عهدا فلا تمسه النار، إن الله لا يخلف ~~الميعاد " # وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " من جاءنا بالصلوات الخمس يوم القيامة قد حافظ على وضوئها ومواقيتها ~~وركوعها وسجودها لم ينقص منها شيئا جاء وله عند الله عهد أن لا يعذبه، ~~ومن جاء قد انتقص منهم شيئا فليس له عند الله عهد، إن شاء رحمه وإن شاء ~~عذبه " # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لقد ~~جئتم شيئا إدا } قال قولا عظيما، وفي قوله { يكاد ~~السموات } قال إن الشرك فزعت منه السموات والأرض والجبال وجميع ~~الخلائق إلا الثقلين، وكادت تزول منه لعظمة الله سبحانه، وكما لا ينفع مع ~~الشرك إحسان المشرك، كذلك يرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين، وفي قوله { ~~وتخر الجبال هدا } قال هدما. وأخرج ابن المبارك وسعيد بن ~~منصور وابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في ~~العظمة، والطبراني والبيهقي في الشعب من طريق عون عن ابن مسعود قال إن ~~الجبل لينادي الجبل باسمه، يا فلان، هل مر بك اليوم أحد ذكر الله؟ فإذا ~~قال نعم، استبشر. قال عون أفيسمعن الزور إذا قيل ولا يسمعن الخير؟ هن ~~للخير أسمع، وقرأ { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } الآيات. ### || [19.96-98] # ذكر سبحانه من أحوال المؤمنين بعض ما خصهم به بعد ذكره لقبائح الكافرين ~~فقال { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحات ~~سيجعل لهم الرحمن ودا } أي حبا في قلوب عباده، يجعله ~~لهم من دون أن يطلبوه بالأسباب التي توجب ذلك، كما يقذف في قلوب أعدائهم ~~الرعب، والسين في { سيجعل } للدلالة على أن ذلك لم يكن من قبل وأنه ms2365 مجعول ~~من بعد نزول الآية. وقرىء " ودا " بكسر الواو، والجمهور من السبعة ~~وغيرهم على الضم. ثم ذكر سبحانه تعظيم القرآن خصوصا هذه السورة ~~لاشتمالها على التوحيد والنبوة، وبيان حال المعاندين فقال { فإنما ~~يسرنه بلسانك } أي يسرنا القرآن بإنزالنا له على لغتك، ~~وفصلناه وسهلناه، والباء بمعنى على، والفاء لتعليل كلام ينساق إليه النظم ~~كأنه قيل بلغ هذا المنزل أو بشر به أو أنذر { فإنما يسرنه } ~~الآية. ثم علل ما ذكره من التيسير فقال { لتبشر به المتقين ~~} أي المتلبسين بالتقوى، المتصفين بها { وتنذر به قوما لدا ~~} اللد جمع الألد، وهو الشديد الخصومة. ومنه قوله تعالى # ألد الخصام # البقرة 204. قال الشاعر # أبيت نجيا للهموم كأنني أخاصم أقواما ذوي جدل لدا # وقال أبو عبيدة الألد الذي لا يقبل الحق ويدعي الباطل. وقيل اللد ~~الصم. وقيل الظلمة { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } أي من ~~أمة وجماعة من الناس، وفي هذا وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بهلاك ~~الكافرين ووعيد لهم { هل تحس منهم من أحد } هذه الجملة ~~مقررة لمضمون ما قبلها، أي هل تشعر بأحد منهم أو تراه { أو تسمع ~~لهم ركزا } الركز الصوت الخفي، ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه في ~~الأرض. قال طرفة # وصادفتها سمع التوجس للسرى لركز خفي أو لصوت مفند # وقال ذو الرمة # إذا توجس ركزا مقفر ندس بنبأة الصوت ما في سمعه كذب # أي في استماعه كذب بل هو صادق الاستماع، والندس الحاذق، والنبأة الصوت ~~الخفي. وقال اليزيدي وأبو عبيد الركز ما لا يفهم من صوت أو حركة. وقد ~~أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف أنه لما ~~هاجر إلى المدينة وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة منهم شيبة بن ربيعة ~~وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف، فأنزل الله { إن الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت } الآية. قال ابن كثير وهو خطأ، فإن السورة ~~مكية بكمالها لم ينزل شيء منها بعد الهجرة ولم يصح سند ذلك. وأخرج ~~الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال نزلت ms2366 في علي بن أبي طالب { إن ~~الذين ءامنوا وعملوا الصلحات سيجعل لهم ~~الرحمن ودا } قال محبة في قلوب المؤمنين. # وأخرج ابن مردويه والديلمي عن البراء قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لعلي # " قل اللهم اجعل لي عندك عهدا، واجعل لي عندك ودا، واجعل لي في صدور ~~المؤمنين مودة " # ، فأنزل الله الآية في علي. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد ~~وابن جرير عن ابن عباس { ودا } قال محبة في الناس في الدنيا. وأخرج ~~الحكيم الترمذي وابن مردويه عن علي قال سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن قوله { سيجعل لهم الرحمن ودا } ما هو؟ قال # " المحبة الصادقة في صدور المؤمنين " # وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إني قد أحببت فلانا فأحبه، فينادي في ~~السماء، ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قوله { إن الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحات سيجعل لهم الرحمن ~~ودا } وإذا أبغض الله عبدا نادى جبريل إني قد أبغضت فلانا، فينادي ~~في أهل السماء، ثم ينزل له البغضاء في الأرض " # والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في ~~قوله { وتنذر به قوما لدا } قال فجارا. وأخرج سعيد بن ~~منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال صما. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { هل تحس منهم من ~~أحد } قال هل ترى منهم من أحد. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { ركزا } قال صوتا. ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1-16] # قوله { طه } قرأ بإمالة الهاء وفتح الطاء أبو عمرو وابن أبي إسحاق، ~~وأمالهما جميعا أبو بكر وحمزة والكسائي والأعمش. وقرأهما أبو جعفر وشيبة ~~ونافع بين اللفظين، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وقرأ الباقون بالتفخيم. ~~قال الثعلبي وهي كلها لغات صحيحة فصيحة. وقال النحاس لا وجه للإمالة عند ~~أكثر أهل العربية لعلتين الأولى أنه ليس ms2367 هاهنا ياء ولا كسرة حتى تكون ~~الإمالة، والعلة الثانية أن الطاء من موانع الإمالة. وقد اختلف أهل العلم ~~في معنى هذه الكلمة على أقوال الأول أنها من المتشابه الذي لا يفهم ~~المراد به. والثاني أنها بمعنى يا رجل في لغة عكل، وفي لغة عك. قال ~~الكلبي لو قلت لرجل من عك يا رجل لم يجب حتى تقول طه، وأنشد ابن جرير في ~~ذلك # دعوت بطه في القتال فلم يجب فخفت عليه أن يكون موائلا # ويروى مزايلا وقيل إنها في لغة عك بمعنى يا حبيبي. وقال قطرب هي كذلك ~~في لغة طي أي بمعنى يا رجل، وكذلك قال الحسن وعكرمة وقيل هي كذلك في ~~اللغة السريانية، حكاه المهدوي. وحكى ابن جرير أنها كذلك في اللغة ~~النبطية، وبه قال السدي وسعيد بن جبير. وحكى الثعلبي عن عكرمة أنها كذلك ~~في لغة الحبشة، ورواه عن عكرمة، ولا مانع من أن تكون هذه الكلمة موضوعة ~~لذلك المعنى في تلك اللغات كلها إذا صح النقل. القول الثالث أنها اسم من ~~أسماء الله سبحانه. والقول الرابع أنها اسم للنبي صلى الله عليه وسلم. ~~القول الخامس أنها اسم للسورة. القول السادس أنها حروف مقطعة يدل كل واحد ~~منها على معنى. ثم اختلفوا في هذه المعاني التي تدل عليها هذه الحروف على ~~أقوال كلها متكلفة متعسفة. القول السابع أن معناها طوبى لمن اهتدى. القول ~~الثامن أن معناها طأ الأرض يا محمد. قال ابن الأنباري وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يتحمل مشقة الصلاة حتى كادت قدماه تتورم ويحتاج إلى ~~التروح، فقيل له طأ الأرض، أي لا تتعب حتى تحتاج إلى التروح. وحكى ~~القاضي عياض في الشفاء عن الربيع بن أنس قال كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله { طه } يعني طأ الأرض ~~يا محمد، وحكي عن الحسن البصري أنه قرأ " طه " على وزن دع، أمر بالوطء، ~~والأصل طأ، فقلبت الهمزة هاء. وقد حكى الواحدي عن أكثر المفسرين أن ms2368 هذه ~~الكلمة معناها يا رجل، يريد النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو قول الحسن ~~وعكرمة وسعيد ابن جبير والضحاك، وقتادة ومجاهد وابن عباس في رواية عطاء ~~والكلبي غير أن بعضهم يقول هي بلسان الحبشة والنبطية والسريانية، ويقول ~~الكلبي هي بلغة عك. # قال ابن الأنباري ولغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا المعنى لأن الله ~~سبحانه لم يخاطب نبيه بلسان غير قريش. انتهى. وإذا تقرر أنها لهذا ~~المعنى في لغة من لغات العرب كانت ظاهرة المعنى واضحة الدلالة خارجة عن ~~فواتح السور التي قدمنا بيان كونها من المتشابه في فاتحة سورة البقرة، ~~وهكذا إذا كانت لهذا المعنى في لغة من لغات العجم واستعملتها العرب في ~~كلامها في ذلك المعنى كسائر الكلمات العجمية التي استعملتها العرب ~~الموجودة في الكتاب العزيز، فإنها صارت بذلك الاستعمال من لغة العرب. ~~وجملة { ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى } مستأنفة ~~مسوقة لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يعتريه من جهة ~~المشركين من التعب، والشقاء يجيء في معنى التعب. قال ابن كيسان وأصل ~~الشقاء في اللغة العناء والتعب، ومنه قول الشاعر # ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم # والمعنى ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، ~~وتحسرك على أن يؤمنوا، فهو كقوله سبحانه # فلعلك بخع نفسك # الكهف 6. قال النحاس بعض النحويين يقول هذه اللام في { لتشقى } لام ~~النفي، وبعضهم يقول لام الجحود. وقال ابن كيسان هي لام الخفض، وهذا ~~التفسير للآية هو على قول من قال إن طه كسائر فواتح السور التي ذكرت ~~تعديدا لأسماء الحروف، وإن جعلت اسما للسورة كان قوله { ما ~~أنزلنا عليك القرءان لتشقى } خبرا عنها، وهي في موضع ~~المبتدأ، وأما على قول من قال إن معناها يا رجل، أو بمعنى الأمر بوطء ~~الأرض، فتكون الجملة مستأنفة لصرفه صلى الله عليه وسلم عما كان عليه من ~~المبالغة في العبادة. وانتصاب { إلا تذكرة } على أنه مفعول له ~~لأنزلنا كقولك ما ضربتك للتأديب إلا إشفاقا عليك. وقال ms2369 الزجاج هو بدل من ~~لتشقى، أي ما أنزلناه إلا تذكرة. وأنكره أبو علي الفارسي من جهة أن ~~التذكرة ليست بشقاء، قال وإنما هو منصوب على المصدرية، أي أنزلناه لتذكر ~~به تذكرة، أو على المفعول من أجله، أي ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى به، ~~ما أنزلناه إلا للتذكرة. وانتصاب { تنزيلا ممن خلق الأرض } ~~على المصدرية، أي أنزلناه تنزيلا. وقيل بدل من قوله { تذكرة } وقيل هو ~~منصوب على المدح. وقيل منصوب ب { يخشى } أي يخشى تنزيلا من الله على ~~أنه مفعول به. وقيل منصوب على الحال بتأوله باسم الفاعل. وقرأ أبو حيوة ~~الشامي " تنزيل " بالرفع على معنى هذا تنزيل و { ممن خلق } متعلق ب { ~~تنزيلا } أو بمحذوف هو صفة له، وتخصيص خلق الأرض والسموات لكونهما أعظم ~~ما يشاهده العباد من مخلوقاته عز وجل، والعلى جمع العليا، أي المرتفعة ~~كجمع كبرى وصغرى على كبر وصغر. # ومعنى الآية إخبار العباد عن كمال عظمته سبحانه وعظيم جلاله. وارتفاع { ~~;لرحمن } على أنه خبر مبتدأ محذوف كما قال الأخفش، ويجوز أن يكون ~~مرتفعا على المدح أو على الابتداء. وقرىء بالجر، قال الزجاج على البدل ~~ممن، وجوز النحاس أن يكون مرتفعا على البدل من المضمر في خلق، وجملة { ~~على العرش استوى } في محل رفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف، أو ~~على أنها خبر الرحمن عند من جعله مبتدأ. قال أحمد بن يحيى قال ثعلب ~~الاستواء الإقبال على الشيء، وكذا قال الزجاج والفراء. وقيل هو كناية عن ~~الملك والسلطان، والبحث في تحقيق هذا يطول، وقد تقدم البحث عنه في ~~الأعراف. والذي ذهب إليه أبو الحسن الأشعري أنه سبحانه مستو على عرشه ~~بغير حد ولا كيف، وإلى هذا القول سبقه الجماهير من السلف الصالح الذي ~~يمرون الصفات كما وردت من دون تحريف ولا تأويل. { له ما في ~~السموات وما في الأرض } أي أنه مالك كل شيء ومدبره { وما ~~بينهما } من الموجودات { وما تحت الثرى } الثرى في اللغة ~~التراب الندي، أي ما تحت التراب من شيء. قال الواحدي والمفسرون يقولون ~~إنه ms2370 سبحانه أراد الثرى الذي تحت الصخرة التي عليها الثور الذي تحت الأرض ~~ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله سبحانه { وإن تجهر بالقول ~~فإنه يعلم السر وأخفى } الجهر بالقول هو رفع الصوت به، ~~والسر ما حدث به الإنسان غيره وأسره إليه، والأخفى من السر هو ما ~~حدث به الإنسان نفسه وأخطره بباله. والمعنى إن تجهر بذكر الله ودعائه ~~فاعلم أنه غني عن ذلك، فإنه يعلم السر وما هو أخفى من السر، فلا حاجة ~~لك إلى الجهر بالقول، وفي هذا معنى النهي عن الجهر كقوله سبحانه # واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة # الأعراف 205. وقيل السر ما أسر الإنسان في نفسه، والأخفى منه هو ما خفي ~~على ابن آدم مما هو فاعله وهو لا يعلمه. وقيل السر ما أضمره الإنسان في ~~نفسه، والأخفى منه ما لم يكن ولا أضمره أحد، وقيل السر سر الخلائق، ~~والأخفى منه سر الله عز وجل، وأنكر ذلك ابن جرير وقال إن الأخفى ما ~~ليس في سر الإنسان وسيكون في نفسه. ثم ذكر أن الموصوف بالعبادة على ~~الوجه المذكور هو الله سبحانه المنزه عن الشريك المستحق لتسميته بالأسماء ~~الحسنى فقال { الله لا إله إلا هو له الأسماء ~~الحسنى } فالله خبر مبتدأ محذوف، أي الموصوف بهذه الصفات الكمالية ~~الله، وجملة. { لا إله إلا هو } مستأنفة لبيان اختصاص الإلهية به ~~سبحانه، أي لا إله في الوجود إلا هو، وهكذا جملة { له الأسماء الحسنى } ~~مبينة لاستحقاقه تعالى للأسماء الحسنى، وهي التسعة والتسعون التي ورد بها ~~الحديث الصحيح. # وقد تقدم بيانها في قوله سبحانه # ولله الأسماء الحسنى # الأعراف 180. من سورة الأعراف والحسنى تأنيث الأحسن، والأسماء مبتدأ ~~وخبرها الحسنى. ويجوز أن يكون الله مبتدأ وخبره الجملة التي بعده، ويجوز ~~أن يكون بدلا من الضمير في يعلم. ثم قرر سبحانه أمر التوحيد بذكر قصة ~~موسى المشتملة على القدرة الباهرة، والخبر الغريب، فقال { وهل أتاك ~~حديث موسى } الاستفهام للتقرير، ومعناه أليس قد أتاك حديث موسى. ~~وقيل معناه قد أتاك حديث موسى. وقال الكلبي لم يكن ms2371 قد أتاه حديث موسى إذ ~~ذاك. وفي سياق هذه القصة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم لما يلاقيه من ~~مشاق أحكام النبوة، وتحمل أثقالها ومقاساة خطوبها، وأن ذلك شأن الأنبياء ~~قبله. والمراد بالحديث القصة الواقعة لموسى. و { إذ رأى نارا } ظرف ~~للحديث. وقيل العامل فيه مقدر، أي اذكر. وقيل يقدر مؤخرا أي حين رأى ~~نارا كان كيت وكيت، وكانت رؤيته للنار في ليلة مظلمة لما خرج مسافرا ~~إلى أمه بعد استئذانه لشعيب فلما رآها { قال لأهله امكثوا } ~~والمراد بالأهل هنا امرأته، والجمع لظاهر لفظ الأهل أو للتفخيم وقيل ~~المراد بهم المرأة والولد والخادم، ومعنى { امكثوا } أقيموا مكانكم، وعبر ~~بالمكث دون الإقامة لأن الإقامة تقتضي الدوام، والمكث ليس كذلك. وقرأ ~~حمزة " لأهله " بضم الهاء، وكذا في القصص. قال النحاس وهذا على لغة من ~~قال مررت بهو يا رجل، فجاء به على الأصل وهو جائز، إلا أن حمزة خالف أصله ~~في هذين الموضعين خاصة. { إني آنست نارا } أي أبصرت، يقال آنست ~~الصوت سمعته، وآنست الرجل أبصرته. وقيل الإيناس الإبصار البين. وقيل ~~الإيناس مختص بإبصار ما يؤنس. والجملة تعليل للأمر بالمكث، ولما كان ~~الإتيان بالقبس، ووجود الهدى متوقعين بني الأمر على الرجاء، فقال { ~~لعلي آتيكم منها بقبس } أي أجيئكم من النار بقبس. والقبس ~~شعلة من النار، وكذا المقباس، يقال قبست منه نارا أقبس نارا قبسا ~~فأقبسني، أي أعطاني وكذا اقتبست. قال اليزيدي أقبست الرجل علما وقبسته ~~نارا، فإن كنت طلبتها له قلت أقبسته. وقال الكسائي أقبسته نارا وعلما ~~سواء، قال وقبسته أيضا فيهما. { أو أجد على النار هدى } أي ~~هاديا يهديني إلى الطريق ويدلني عليها. قال الفراء أراد هاديا، فذكره ~~بلفظ المصدر، أو عبر بالمصدر لقصد المبالغة على حذف المضاف، أي ذا هدى، ~~وكلمة " أو " في الموضعين لمنع الخلو دون الجمع، وحرف الاستعلاء للدلالة ~~على أن أهل النار مستعلون على أقرب مكان إليها. { فلما أتها ~~نودي } أي فلما أتى النار التي آنسها { نودي } من الشجرة، كما هو ~~مصرح بذلك في سورة القصص، أي ms2372 من جهتها، ومن ناحيتها { نودي يموسى ~~إني أنا ربك } أي نودي، فقيل يا موسى. # وقرأ أبو عمرو وابن كثير وأبو جعفر وابن محيصن وحميد واليزيدي " أني " ~~بفتح الهمزة، وقرأ الباقون بكسرها، أي بأني. { فاخلع نعليك } ~~أمره الله سبحانه بخلع نعليه لأن ذلك أبلغ في التواضع، وأقرب إلى التشريف ~~والتكريم وحسن التأدب. وقيل إنهما كانا من جلد حمار غير مدبوغ. وقيل معنى ~~الخلع للنعلين تفريغ القلب من الأهل والمال، وهو من بدع التفاسير، ثم علل ~~سبحانه الأمر بالخلع فقال { إنك بالواد المقدس طوى } ~~المقدس المطهر. والقدس الطهارة. والأرض المقدسة المطهرة سميت بذلك لأن ~~الله أخرج منها الكافرين وعمرها بالمؤمنين، و { طوى } اسم للوادي. قال ~~الجوهري وطوى اسم موضع بالشام يكسر طاؤه ويضم، يصرف ولا يصرف، فمن صرفه ~~جعله اسم واد ومكان وجعله نكرة ومن لم يصرفه جعله بلدة وبقعة وجعله ~~معرفة، وقرأ عكرمة " طوى " بكسر الطاء، وقرأ الباقون بضمها. وقيل إن طوى ~~كثنى من الطي مصدر لنودي، أو للمقدس، أي نودي نداءين، أو قدس مرة بعد ~~أخرى. { وأنا اخترتك } قرأ أهل المدينة، وأهل مكة وأبو عمرو وابن ~~عامر وعاصم والكسائي { وأنا اخترتك } بالإفراد. وقرأ حمزة " وإنا اخترناك ~~" بالجمع. قال النحاس والقراءة الأولى أولى من جهتين إحداهما أنها أشبه ~~بالخط، والثانية أنها أولى بنسق الكلام لقوله { يموسى إنى أنا ~~ربك } ومعنى { اخترتك } اصطفيتك للنبوة والرسالة، والفاء في قوله { ~~فاستمع لما يوحى } لترتيب ما بعدها على ما قبلها و " ما " ~~موصولة أو مصدرية، أي فاستمع للذي يوحى إليك، أو للوحي، وجملة { إننى ~~أنا الله } بدل من ما في { لما يوحى }. ثم أمره سبحانه بالعبادة، ~~فقال { فاعبدنى } والفاء هنا كالفاء التي قبلها لأن اختصاص الإلهية ~~به سبحانه موجب لتخصيصه بالعبادة { وأقم الصلاة لذكري } خص الصلاة ~~بالذكر مع كونها داخلة تحت الأمر بالعبادة، لكونها أشرف طاعة وأفضل ~~عبادة، وعلل الأمر بإقامة الصلاة بقوله { لذكري } أي لتذكرني فإن الذكر ~~الكامل لا يتحقق إلا في ضمن العبادة والصلاة، أو المعنى لتذكرني فيهما ~~لاشتمالهما على الأذكار، أو المعنى ms2373 أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة. ~~وقيل المعنى لأذكرك بالمدح في عليين، فالمصدر على هذا يحتمل الإضافة إلى ~~الفاعل أو إلى المفعول. وجملة { إن الساعة ءاتية } تعليل لما ~~قبلها من الأمر، أي إن الساعة التي هي وقت الحساب والعقاب آتية، فاعمل ~~الخير من عبادة الله والصلاة. ومعنى { أكاد أخفيها } مختلف فيه. ~~قال الواحدي قال أكثر المفسرين أخفيها من نفسي، وهو قول سعيد بن جبير ~~ومجاهد وقتادة. وقال المبرد وقطرب هذا على عادة مخاطبة العرب يقولون إذا ~~بالغوا في كتمان الشيء كتمته حتى من نفسي، أي لم أطلع عليه أحدا ومعنى ~~الآية أن الله بالغ في إخفاء الساعة، فذكره بأبلغ ما تعرفه العرب. # وقد روي عن سعيد بن جبير أنه قرأ " أخفيها " بفتح الهمزة، ومعناه ~~أظهرها. وكذا روى أبو عبيد عن الكسائي عن محمد بن سهل عن وفاء بن إياس عن ~~سعيد ابن جبير. قال النحاس وليس لهذه الرواية طريق غير هذا. قال القرطبي ~~وكذا رواه ابن الأنباري في كتاب الرد قال حدثني أبي، حدثنا محمد بن ~~الجهم، حدثنا الفراء حدثنا الكسائي فذكره. قال النحاس وأجود من هذا ~~الإسناد ما رواه يحيى القطان عن الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن ~~جبير أنه قرأ { أخفيها } بضم الهمزة. قال ابن الأنباري قال الفراء ومعنى ~~قراءة الفتح أكاد أظهرها، من خفيت الشيء إذا أظهرته أخفيه. قال القرطبي ~~وقد قال بعض اللغويين يجوز أن يكون { أخفيها } بضم الألف معناه أظهرها ~~لأنه يقال خفيت الشيء وأخفيته من حروف الأضداد يقع على الستر والإظهار. ~~قال أبو عبيدة خفيت وأخفيت بمعنى واحد. قال النحاس وهذا حسن، وقد أنشد ~~الفراء وسيبويه ما يدل على أن معنى أخفاه أظهر، وذلك قول امرىء القيس # فإن تكتموا الداء لا نخفه وإن تبعثوا الحرب لا نقعد # أي وإن تكتموا الداء لا نظهره. وقد حكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب أنه بضم ~~النون من نخفه، وقال امرؤ القيس # خفاهن من أنفاقهن كأنما خفاهن ودق من عشي مجلب # أي أظهرهن. وقد زيف ms2374 النحاس هذا القول وقال ليس المعنى على أظهرها، ولا ~~سيما و " أخفيها " قراءة شاذة، فكيف ترد القراءة الصحيحة الشائعة. وقال ~~ابن الأنباري في الآية تفسير آخر، وهو أن الكلام ينقطع على { أكاد } ~~وبعده مضمر، أي أكاد آتي بها، ووقع الابتداء بأخفيها لتجزى كل نفس بما ~~تسعى، ومثله قول عمير بن ضابىء البرجمي # هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائله # أي وكدت أفعل. واختار هذا النحاس. وقال أبو علي الفارسي هو من باب ~~السلب وليس من الأضداد، ومعنى أخفيها أزيل عنها خفاءها، وهو سترها، ومن ~~هذا قولهم أشكيته، أي أزلت شكواه. وحكى أبو حاتم عن الأخفش أن أكاد زائدة ~~للتأكيد، قال ومثله # إذا أخرج يده لم يكد يراها # النور 40، ومثله قول الشاعر # سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه فما أن يكاد قرنه يتنفس # قال والمعنى أكاد أخفيها أي أقارب ذلك، لأنك إذا قلت كاد زيد يقوم، جاز ~~أن يكون قام وأن يكون لم يقم، ودل على أنه قد أخفاها بدلالة غير هذه ~~الآية على هذا. وقوله { لتجزى كل نفس بما تسعى } متعلق ~~بآتية، أو بأخفيها، و " ما " مصدرية، أي لتجزى كل نفس بسعيها. والسعي وإن ~~كان ظاهرا في الأفعال، فهو هنا يعم الأفعال والتروك للقطع بأن تارك ما ~~يجب عليه معاقب بتركه مأخوذ به. # { فلا يصدنك عنها } أي لا يصرفنك عن الإيمان بالساعة، ~~والتصديق بها، أو عن ذكرها ومراقبتها { من لا يؤمن بها } من ~~الكفرة، وهذا النهي وإن كان للكافر بحسب الظاهر، فهو في الحقيقة نهي له ~~صلى الله عليه وسلم عن الانصداد، أو عن إظهار اللين للكافرين فهو من باب ~~لا أرينك ها هنا، كما هو معروف. وقيل الضمير في { عنها } للصلاة وهو ~~بعيد، وقوله { واتبع هواه } معطوف على ما قبله، أي من لا يؤمن، ~~ومن اتبع هواه أي هوى نفسه بالانهماك في اللذات الحسية الفانية { ~~فتردى } أي فتهلك لأن انصدادك عنها بصد الكفارين لك مستلزم للهلاك ~~ومستتبع له. وقد أخرج ابن المنذر وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، ms2375 وابن ~~عساكر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما نزل عليه الوحي ~~كان يقوم على صدر قدميه إذا صلى، فأنزل الله { طه * ما أنزلنا ~~عليك القرءان لتشقى }. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه قال ~~قالوا لقد شقي هذا الرجل بربه، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج ابن عساكر ~~عنه أيضا قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يربط ~~نفسه بحبل لئلا ينام، فأنزل الله هذه الآية». وأخرج البزار عن علي قال ~~«كان النبي صلى الله عليه وسلم يراوح بين قدميه يقوم على كل رجل حتى ~~نزلت { ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى } » وحسن ~~السيوطي إسناده. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا بأطول منه. وأخرج ابن مردويه ~~عن ابن عباس قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما قرأ القرآن إذا ~~صلى، فقام على رجل واحدة، فأنزل الله { طه } برجليك فما أنزلنا عليك ~~القرآن لتشقى. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عنه في قوله { ~~طه } قال يا رجل. وأخرج الحارث بن أبي أسامة وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال { طه } بالنبطية، أي طأ يا رجل. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه ~~أيضا قال هو كقولك اقعد. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه قال { طه } ~~بالنبطية يا رجل. وأخرج ابن جرير عنه قال { طه } يا رجل بالسريانية. ~~وأخرج الحاكم عنه أيضا قال { طه } هو كقولك يا محمد بلسان الحبش. وفي ~~هذه الروايات عن ابن عباس اختلاف وتدافع. وأخرج ابن مردويه عن أبي الطفيل ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن لي عند ربي عشرة أسماء " # ، قال أبو الطفيل حفظت منها ثمانية محمد، وأحمد، وأبو القاسم، والفاتح، ~~والخاتم، والماحي، والعاقب، والحاشر. وزعم سيف أن أبا جعفر قال له ~~الاسمان الباقيان طه ويس. # وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله { طه * ما أنزلنا ~~عليك القرءان لتشقى } قال يا رجل ما أنزلنا عليك القرآن ~~لتشقى، وكان يقوم الليل على رجليه ms2376 فهي لغة لعك إن قلت لعكي يا رجل، لم ~~يلتفت، وإذا قلت طه، التفت إليك. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن ~~عباس قال { طه } قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~قتادة في قوله { وما تحت الثرى } قال الثرى كل شيء مبتل. وأخرج ~~أبو يعلى عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ما تحت هذه الأرض؟ ~~قال # " الماء " # ، قيل فما تحت الماء؟ قال # " ظلمة " # قيل فما تحت الظلمة؟ قال # " الهواء " # قيل فما تحت الهواء؟ قال # " الثرى " # قيل فما تحت الثرى؟ قال # " انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق " # وأخرج ابن مردويه عنه نحوه بأطول منه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله و { يعلم السر ~~وأخفى } قال السر ما أسره ابن آدم في نفسه، وأخفى ما خفي عن ابن ~~آدم مما هو فاعله قبل أن يعمله، فإنه يعلم ذلك كله فيما مضى من ذلك وما ~~بقي علم واحد وجميع الخلائق عنده في ذلك كنفس واحدة وهو كقوله # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس وحدة # لقمان 28. وأخرج الحاكم وصححه عنه في الآية قال السر ما علمته أنت، ~~وأخفى ما قذف الله في قلبك مما لم تعلمه. وأخرجه عبد الله بن أحمد في ~~زوائد الزهد، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي بلفظ يعلم ما تسر في نفسك ~~ويعلم ما تعمل غدا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أو ~~أجد على النار هدى } يقول من يدل على الطريق. وأخرج عبد ~~الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن علي في قوله { ~~فاخلع نعليك } قال كانتا من جلد حمار ميت فقيل له اخلعهما. ~~وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { إنك بالواد ~~المقدس } قال المبارك { طوى } قال اسم الوادي. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عنه { بالواد المقدس طوى } يعني الأرض المقدسة، وذلك أنه مر ~~بواديها ليلا فطوى يقال طويت وادي كذا وكذا. وأخرج ابن ms2377 جرير عنه أيضا ~~في قوله { طوى } قال طإ الوادي. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أنس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال ~~{ أقم الصلوة لذكرى } " # وأخرج الترمذي وابن ماجه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن ~~مردويه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال { أقم الصلوة ~~لذكري } " # وكان ابن شهاب يقرؤها " للذكرى ". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله { أكاد أخفيها } قال لا أظهر عليها أحدا غيري. وأخرج سعيد ~~بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال { ~~أكاد أخفيها } من نفسي. ### || [20.17-35] # قوله { وما تلك بيمينك يموسى } قال الزجاج والفراء إن { ~~تلك } اسم ناقص وصلت { بيمينك } أي ما التي بيمينك؟ وروي عن الفراء أنه ~~قال تلك بمعنى هذه، ولو قال ما ذلك لجاز، أي ما ذلك الشيء؟ وبالأول قال ~~الكوفيون. قال الزجاج ومعنى سؤال موسى عما في يده من العصا التنبيه له ~~عليها لتقع المعجزة بها بعد التثبيت فيها والتأمل لها. قال الفراء ومقصود ~~السؤال تقرير الأمر حتى يقول موسى هي عصاي لتثبيت الحجة عليه بعد ما ~~اعترف، وإلا فقد علم الله ما هي في الأزل، ومحل «ما» الرفع على الابتداء، ~~و { تلك } خبره، و { بيمينك } في محل نصب على الحال إن كانت تلك اسم ~~إشارة على ما هو ظاهر اللفظ، وإن كانت اسما موصولا كان { بيمينك } صلة ~~للموصول. { قال هي عصاي } قرأ ابن أبي إسحاق " عصى " على لغة ~~هذيل. وقرأ الحسن " عصاي " بكسر الياء لالتقاء الساكنين { أتوكأ عليها ~~} أي أتحامل عليها في المشي وأعتمدها عند الإعياء والوقوف، ومنه الاتكاء. ~~{ وأهش بها على غنمي } هش بالعصا يهش هشا إذا خبط بها ~~الشجر ليسقط منه الورق. قال الشاعر # أهش بالعصا على أغنامي من ناعم الأوراك والشام # وقرأ النخعي " أهس " بالسين المهملة، وهو زجر ms2378 الغنم، وكذا قرأ عكرمة، ~~وقيل هما لغتان لمعنى واحد { ولي فيها مآرب أخرى } أي حوائج، ~~واحدها مأربة ومأربة ومأربة مثلث الراء، كذا قال ابن الأعرابي ~~وقطرب، ذكر تفصيل منافع العصا، ثم عقبه بالإجمال. وقد تعرض قوم لتعداد ~~منافع العصا، فذكروا من ذلك أشياء منها قول بعض العرب عصاي أركزها ~~لصلاتي، وأعدها لعداتي، وأسوق بها دابتي، وأقوى بها على سفري، وأعتمد ~~بها في مشيتي، ليتسع خطوي، وأثب بها النهر، وتؤمنني العثر، وألقي عليها ~~كسائي، فتقيني الحر، وتدفيني من القر، وتدني إلي ما بعد مني وهي تحمل ~~سفرتي، وعلاقة إداوتي، أعصي بها عند الضراب، وأقرع بها الأبواب، وأقي بها ~~عقور الكلاب، وتنوب عن الرمح في الطعان، وعن السيف عند منازلة الأقران، ~~ورثتها عن أبي وأورثها بعدي بني. انتهى. وقد وقفت على مصنف في مجلد لطيف ~~في منافع العصا لبعض المتأخرين، وذكر فيه أخبارا وأشعارا وفوائد لطيفة ~~ونكتا رشيقة. وقد جمع الله سبحانه لموسى في عصاه من البراهين العظام ~~والآيات الجسام ما أمن به من كيد السحرة ومعرة المعاندين، واتخذها ~~سليمان لخطبته وموعظته وطول صلاته، وكان ابن مسعود صاحب عصا النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعنزته، وكان يخطب بالقضيب وكذلك الخلفاء من بعده، وكان ~~عادة العرب العرباء أخذ العصا والاعتماد عليها عند الكلام، وفي المحافل ~~والخطب. { قال ألقها يموسى } هذه جملة مستأنفة جواب سؤال ~~مقدر، أمره سبحانه بإلقائها ليريه ما جعل له فيها من المعجزة الظاهرة { ~~فألقها } موسى على الأرض { فإذا هي حية تسعى } وذلك ~~بقلب الله سبحانه لأوصافها وأعراضها حتى صارت حية تسعى، أي تمشي بسرعة ~~وخفة، قيل كانت عصا ذات شعبتين فصار الشعبتان فما وباقيها جسم حية، تنتقل ~~من مكان إلى مكان وتلتقم الحجارة مع عظم جرمها وفظاعة منظرها، فلما رآها ~~كذلك خاف وفزع وولى مدبرا ولم يعقب، فعند ذلك { قال } سبحانه { ~~خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى } قال الأخفش ~~والزجاج التقدير إلى سيرتها، مثل # واختار موسى قومه # الأعراف 155. قال ويجوز أن يكون مصدرا لأن معنى سنعيدها سنسيرها، ويجوز ~~أن يكون ms2379 المصدر بمعنى اسم الفاعل، أي سائرة، أو بمعنى اسم المفعول، أي ~~مسيرة. والمعنى سنعيدها بعد أخذك لها إلى حالتها الأولى التي هي العصوية. ~~قيل إنه لما قيل له { لا تخف } بلغ من عدم الخوف إلى أن كان يدخل يده في ~~فمها ويأخذ بلحيها. { واضمم يدك إلى جناحك } قال الفراء ~~والزجاج جناح الإنسان عضده، وقال قطرب جناح الإنسان جنبه. وعبر عن الجنب ~~بالجناح لأنه في محل الجناح، وقيل إلى بمعنى مع، أي مع جناحك، وجواب ~~الأمر { تخرج بيضاء } أي تخرج يدك حال كونها بيضاء، ومحل { من ~~غير سوء } النصب على الحال، أي كائنة من غير سوء. والسوء العيب، كني ~~به عن البرص، أي تخرج بيضاء ساطعا نورها تضيء بالليل والنهار كضوء الشمس ~~من غير برص. وانتصاب { آية أخرى } على الحال أيضا، أي معجزة أخرى ~~غير العصا. وقال الأخفش إن آية منتصبة على أنها بدل من بيضاء. قال النحاس ~~وهو قول حسن. وقال الزجاج المعنى آتيناك أو نؤتيك آية أخرى لأنه لما قال ~~{ تخرج بيضاء } دل على أنه قد آتاه آية أخرى، ثم علل سبحانه ذلك ~~بقوله { لنريك من ءايتنا الكبرى } قيل والتقدير فعلنا ~~ذلك لنريك، و { من آياتنا } متعلق بمحذوف وقع حالا، و { الكبرى } معناها ~~العظمى، وهو صفة لموصوف محذوف، والتقدير لنريك من آياتنا الآية الكبرى، ~~أي لنريك بهاتين الآيتين يعني اليد والعصا بعض آياتنا الكبرى، فلا يلزم ~~أن تكون اليد هي الآية الكبرى وحدها حتى تكون أعظم من العصا، فيرد على ~~ذلك أنه لم يكن في اليد إلا تغير اللون فقط بخلاف العصا، فإن فيها مع ~~تغير اللون الزيادة في الحجم وخلق الحياة والقدرة على الأمور الخارقة. ثم ~~صرح سبحانه بالغرض المقصود من هذه المعجزات، فقال { اذهب إلى ~~فرعون } وخصه بالذكر لأن قومه تبع له، ثم علل ذلك بقوله { إنه ~~طغى } أي عصى وتكبر وكفر وتجبر وتجاوز الحد، وجملة { قال رب ~~اشرح لي صدري } مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل فماذا قال؟ ~~ومعنى شرح الصدر توسيعه، تضرع عليه السلام إلى ms2380 ربه وأظهر عجزه بقوله # ويضيق صدرى ولا ينطلق لسانى # الشعراء 13، ومعنى تيسير الأمر تسهيله. { واحلل عقدة من ~~لسانى } يعني العجمة التي كانت فيه من الجمرة التي ألقاها في فيه وهو ~~طفل، أي أطلق عن لساني العقدة التي فيه، قيل أذهب الله سبحانه تلك العقدة ~~جميعها بدليل قوله { قد أوتيت سؤلك يموسى }. وقيل لم تذهب ~~كلها لأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية، بل سأل حل عقدة تمنع الإفهام ~~بدليل قوله { من لساني } أي كائنة من عقد لساني، ويؤيد ذلك قوله # هو أفصح منى لسانا # القصص 34، وقوله حكاية عن فرعون # ولا يكاد يبين # الزخرف 52، وجواب الأمر قوله { يفقهوا قولي } أي يفهموا كلامي، ~~والفقه في كلام العرب الفهم، ثم خص به علم الشريعة والعالم به فقيه، قاله ~~الجوهري. { واجعل لى وزيرا من أهلى * هرون أخي } ~~الوزير الموازر، كالأكيل المواكل، لأنه يحمل عن السلطان وزره، أي ثقله. ~~قال الزجاج واشتقاقه في اللغة من الوزر، وهو الجبل الذي يعتصم به لينج من ~~الهلكة. والوزير الذي يعتمد الملك على رأيه في الأمور ويلتجىء إليه. وقال ~~الأصمعي هو مشتق من الموازرة، وهي المعاونة. وانتصاب { وزيرا } و { ~~هارون } على أنهما مفعولا اجعل، وقيل مفعولاه لي وزيرا، ويكون هارون عطف ~~بيان للوزير، والأول أظهر، ويكون لي متعلقا بمحذوف، أي كائنا لي، و { ~~من أهلي } صفة ل { وزيرا } ، وأخي بدل من هارون. قرأ الجمهور { اشدد } ~~بهمزة وصل، و { أشركه } بهمزة قطع كلاهما على صيغة الدعاء، أي يا رب أحكم ~~به قوتي واجعله شريكي في أمر الرسالة، والأزر القوة، يقال آزره، أي ~~قواه. وقيل الظهر، أي أشدد به ظهري. وقرأ ابن عامر ويحيى بن الحارث ~~وأبو حيوة والحسن وعبد الله بن أبي إسحاق " أشدد " بهمزة قطع " وأشركه " ~~بضم الهمزة، أي أشدد أنا به أزري وأشركه أنا في أمري. قال النحاس جعلوا ~~الفعلين في موضع جزم جوابا لقوله { اجعل لي وزيرا } ، وقرأ بفتح الياء ~~من " أخي " ابن كثير وأبو عمرو. { كي نسبحك كثيرا * ~~ونذكرك كثيرا } هذا التسبيح والذكر هما الغاية من ms2381 الدعاء ~~المتقدم. والمراد التسبيح هنا باللسان. وقيل المراد به الصلاة، وانتصاب ~~{ كثيرا } في الموضعين على أنه نعت مصدر محذوف، أو لزمان محذوف { ~~إنك كنت بنا بصيرا } البصير المبصر والبصير العالم بخفيات ~~الأمور، وهو المراد هنا، أي إنك كنت بنا عالما في صغرنا فأحسنت إلينا، ~~فأحسن إلينا أيضا كذلك الآن. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في عصا ~~موسى قال أعطاه ملك من الملائكة إذ توجه إلى مدين فكانت تضيء له بالليل، ~~ويضرب بها الأرض فتخرج له النبات، ويهش بها على غنمه ورق الشجر. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { ~~وأهش بها على غنمى } قال أضرب بها الشجر فيتساقط منه الورق ~~على غنمي، وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف. وأخرج ابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله { ولى فيها مآرب } قال حوائج. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي نحوه. وأخرج أيضا عن قتادة قال كانت تضيء ~~له بالليل، وكانت عصا آدم عليه السلام. وأخرج أيضا عن ابن عباس في قوله ~~{ فألقها فإذا هي حية تسعى } قال ولم تكن قبل ذلك ~~حية فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع ~~الصخرة في جوفها فولى مدبرا، فنودي أن يا موسى خذها، فلم يأخذها، ثم ~~نودي الثانية أن خذها ولا تخف، فقيل له في الثالثة إنك من الآمنين ~~فأخذها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه { سنعيدها سيرتها ~~الأولى } قال حالتها الأولى. وأخرجا عنه أيضا { من غير سوء } ~~قال من غير برص. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { واجعل لي ~~وزيرا من أهلي * هرون أخي } قال كان أكبر من موسى. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عنه في قوله { وأشركه في أمري } قال نبىء هارون ~~ساعتئذ حين نبىء موسى. ### || [20.36-44] # لما سأل موسى ربه سبحانه أن يشرح صدره وييسر له أمره ويحلل عقدة ms2382 من ~~لسانه ويجعل له وزيرا من أهله أخبره الله سبحانه بأنه قد أجاب ذلك ~~الدعاء، فقال { قد أوتيت سؤلك يموسى } أي أعطيت ما سألته، ~~والسؤل المسؤول، أي المطلوب، كقولك خبر بمعنى مخبور، وزيادة قوله { يا ~~موسى } لتشريفه بالخطاب مع رعاية الفواصل، وجملة { ولقد مننا ~~عليك مرة أخرى } كلام مستأنف لتقوية قلب موسى بتذكيره نعم ~~الله عليه، والمن الإحسان والإفضال، والمعنى ولقد أحسنا إليك مرة أخرى ~~قبل هذه المرة، وهي حفظ الله سبحانه له من شر الأعداء كما بينه سبحانه ~~ها هنا، وأخرى تأنيث آخر بمعنى غير. { إذ أوحينا إلى أمك ~~ما يوحى } أي مننا ذلك الوقت وهو وقت الإيحاء، فإذ ظرف للإيحاء، ~~والمراد بالإيحاء إليها إما مجرد الإلهام لها، أو في النوم بأن أراها ~~ذلك، أو على لسان نبي، أو على لسان ملك، لا على طريق النبوة كالوحي إلى ~~مريم، أو بإخبار الأنبياء المتقدمين بذلك وانتهى الخبر إليها، والمراد ~~بما يوحى ما سيأتي من الأمر لها، أبهمه أولا، وفسره ثانيا تفخيما ~~لشأنه، وجملة { أن اقذفيه في التابوت } مفسرة لأن الوحي فيه ~~معنى القول، أو مصدرية على تقدير بأن اقذفيه، والقذف ها هنا الطرح، أي ~~اطرحيه في التابوت وقد مر تفسير التابوت في البقرة في قصة طالوت { ~~فاقذفيه في اليم } أي اطرحيه في البحر، واليم البحر أو النهر ~~الكبير. قال الفراء هذا أمر وفيه المجازاة، أي اقذفيه يلقه اليم بالساحل، ~~والأمر للبحر مبني على تنزيله منزلة من يفهم ويميز، لما كان إلقاؤه إياه ~~بالساحل أمرا واجب الوقوع. والساحل هو شط البحر، سمي ساحلا، لأن الماء ~~سحله، قاله ابن دريد. والمراد هنا ما يلي الساحل من البحر لا نفس الساحل، ~~والضمائر هذه كلها لموسى لا للتابوت، وإن كان قد ألقي معه لكن المقصود هو ~~موسى مع كون الضمائر قبل هذا وبعده له، وجملة { يأخذه عدو لي ~~وعدو له } جواب الأمر بالإلقاء، والمراد بالعدو فرعون، فإن أم ~~موسى لما ألقته في البحر، وهو النيل المعروف، وكان يخرج منه نهر إلى دار ~~فرعون، فساقه ms2383 الله في ذلك النهر إلى داره، فأخذ التابوت فوجد موسى فيه ~~وقيل إن البحر ألقاه بالساحل فنظره فرعون فأمر من يأخذه. وقيل وجدته ابنة ~~فرعون، والأول أولى. { وألقيت عليك محبة منى } أي ألقى ~~الله على موسى محبة كائنة منه تعالى في قلوب عباده لا يراه أحد إلا أحبه. ~~وقيل جعل عليه مسحة من جمال لا يراه أحد من الناس إلا أحبه. وقال ابن ~~جرير المعنى وألقيت عليك رحمتي. # وقيل كلمة " من " متعلقة ب { ألقيت } ، فيكون المعنى ألقيت مني عليك ~~محبة أي أحببتك، ومن أحبه الله أحبه الناس. { ولتصنع على ~~عينى } أي ولتربى وتغذى بمرأى مني، يقال صنع الرجل جاريته إذا رباها، ~~وصنع فرسه إذا داوم على علفه والقيام عليه، وتفسير { على عيني } ~~بمرأى مني صحيح. قال النحاس وذلك معروف في اللغة، ولكن لا يكون في هذا ~~تخصيص لموسى، فإن جميع الأشياء بمرآى من الله. وقال أبو عبيدة وابن ~~الأنباري إن المعنى لتغذى على محبتي وإرادتي، تقول أتخذ الأشياء على ~~عيني، أي على محبتي. قال ابن الأنباري العين في هذه الآية يقصد بها قصد ~~الإرادة والاختيار، من قول العرب غدا فلان على عيني، أي على المحبة مني. ~~قيل واللام متعلقة بمحذوف، أي فعلت ذلك لتصنع، وقيل متعلقة ب { ألقيت } ~~، وقيل متعلقة بما بعده، أي ولتصنع على عيني قدرنا مشي أختك. وقرأ ابن ~~القعقاع " ولتصنع " بإسكان اللام على الأمر، وقرأ أبو نهيك بفتح التاء. ~~والمعنى ولتكون حركتك وتصرفك بمشيئتي، وعلى عين مني. { إذ تمشي ~~أختك } ظرف لألقيت، أو لتصنع، ويجوز أن يكون بدلا من { إذ ~~أوحينا } وأخته اسمها مريم { فتقول هل أدلكم على من ~~يكفله } وذلك أنها خرجت متعرفة لخبره، فوجدت فرعون وامرأته آسية ~~يطلبان له مرضعة، فقالت لهما هذا القول، أي هل أدلكم على من يضمه إلى ~~نفسه ويربيه؟ فقالا لها ومن هو؟ قالت أمي، فقالا هل لها لبن؟ قالت نعم ~~لبن أخي هارون، وكان هارون أكبر من موسى بسنة. وقيل بأكثر، فجاءت الأم ~~فقبل ثديها، وكان لا يقبل ثدي مرضعة ms2384 غيرها، وهذا هو معنى { ~~فرجعنك إلى أمك } وفي مصحف أبي " فرددناك " ، والفاء ~~فصيحة. { كي تقر عينها } قرأ ابن عامر في رواية عبد الحميد عنه " ~~كي تقر " بكسر القاف، وقرأ الباقون بفتحها. قال الجوهري قررت به عينا ~~قرة وقرورا، ورجل قرير العين، وقد قرت عينه تقر وتقر، نقيض سخنت، ~~والمراد بقرة العين السرور برجوع ولدها إليها بعد أن طرحته في البحر ~~وعظم عليها فراقه. { ولا تحزن } أي لا يحصل لها ما يكدر ذلك ~~السرور من الحزن بسبب من الأسباب، ولو أراد الحزن بالسبب الذي قرت عينها ~~بزواله لقدم نفي الحزن على قرة العين، فيحمل هذا النفي للحزن على ما ~~يحصل بسبب يطرأ بعد ذلك، ويمكن أن يقال إن الواو لما كانت لمطلق الجمع ~~كان هذا الحمل غير متعين. وقيل المعنى ولا تحزن أنت يا موسى بفقد ~~إشفاقها، وهو تعسف { وقتلت نفسا } المراد بالنفس هنا نفس القبطي ~~الذي وكزه موسى فقضى عليه، وكان قتله له خطأ { فنجينك من ~~الغم } أي الغم الحاصل معك من قتله خوفا من العقوبة الأخروية أو ~~الدنيوية أو منهما جميعا وقيل الغم هو القتل بلغة قريش، وما أبعد هذا { ~~وفتنك فتونا } الفتنة تكون بمعنى المحنة، وبمعنى الأمر ~~الشاق، وكل ما يبتلى به الإنسان. # والفتون يجوز أن يكون مصدرا كالثبور والشكور والكفور، أي ابتليناك ~~ابتلاء، واختبرناك اختبارا، ويجوز أن يكون جمع فتنة على ترك الاعتداد ~~بتاء التأنيث كحجور في حجرة وبدور في بدرة، أي خلصناك مرة بعد مرة مما ~~وقعت فيه من المحن التي سبق ذكرها قبل أن يصطفيه الله لرسالته. ولعل ~~المقصود بذكر تنجيته من الغم الحاصل له بذلك السبب وتنجيته من المحن هو ~~الامتنان عليه بصنع الله سبحانه له، وتقوية قلبه عند ملاقاة ما سيقع له ~~من ذلك مع فرعون وبني إسرائيل { فلبثت سنين فى أهل مدين ~~} قال الفراء تقدير الكلام وفتناك فتونا، فخرجت إلى أهل مدين فلبثت ~~سنين، ومثل هذا الحذف كثير في التنزيل، وكذا في كلام العرب فإنهم يحذفون ~~كثيرا من الكلام إذا كان المعنى ms2385 معروفا. ومدين هي بلد شعيب، وكانت على ~~ثماني مراحل من مصر، هرب إليها موسى فأقام بها عشر سنين، وهي أتم ~~الأجلين. وقيل أقام عند شعيب ثمان وعشرين سنة، منها عشر مهر امرأته ابنة ~~شعيب، ومنها ثماني عشرة سنة بقي فيها عنده حتى ولد له، والفاء في { ~~فلبثت } تدل على أن المراد بالمحن المذكورة هي ما كان قبل لبثه في ~~أهل مدين { ثم جئت على قدر يموسى } أي في وقت سبق في ~~قضائي وقدري أن أكلمك وأجعلك نبيا، أو على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى ~~الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة، أو على موعد قد عرفته بإخبار شعيب لك به. ~~قال الشاعر # نال الخلافة إذ كانت له قدرا كما أتى ربه موسى على قدر # وكلمة " ثم " المفيدة للتراخي للدلالة على أن مجيئه عليه السلام كان بعد ~~مدة، وذلك بسبب ما وقع له من ضلال الطريق وتفرق غنمه ونحو ذلك. { ~~واصطنعتك لنفسي } الاصطناع اتخاذ الصنعة، وهي الخير تسديه إلى ~~إنسان، والمعنى اصطنعتك لوحيي ورسالتي لتتصرف على إرادتي. قال الزجاج ~~تأويله اخترتك لإقامة حجتي، وجعلتك بيني وبين خلقي، وصرت بالتبليغ عني ~~بالمنزلة التي أكون أنا بها لو خاطبتهم واحتججت عليهم. قيل وهو تمثيل لما ~~خوله الله سبحانه من الكرامة العظمى بتقريب الملك لبعض خواصه. { اذهب ~~أنت وأخوك } أي وليذهب أخوك، وهو كلام مستأنف مسوق لبيان ما هو ~~المقصود من الاصطناع، ومعنى { بآيتي } بمعجزاتي التي جعلتها لك آية، ~~وهي التسع الآيات. { ولا تنيا في ذكري } أي لا تضعفا ولا تفترا، ~~يقال ونى يني ونيا إذا ضعف. قال الشاعر # فما ونى محمد مذ أن غفر له الإله ما مضى وما غبر # وقال امرؤ القيس # يسيح إذا ما السابحات على الوني أثرن غبارا بالكديد الموكل # قال الفراء في ذكري وعن ذكري سواء، والمعنى لا تقصرا عن ذكري بالإحسان ~~إليكما، والإنعام عليكما وذكر النعمة شكرها. وقيل معنى { لا تنيا } لا ~~تبطئا في تبليغ الرسالة، وفي قراءة ابن مسعود " لا تنيا في ذكري ~~". { اذهبا إلى فرعون إنه طغى ms2386 } هذا أمر لهما جميعا ~~بالذهاب، وموسى حاضر وهارون غائب تغليبا لموسى لأنه الأصل في أداء ~~الرسالة، وعلل الأمر بالذهاب بقوله { إنه طغى } أي جاوز الحد في ~~الكفر والتمرد، وخص موسى وحده بالأمر بالذهاب فيما تقدم، وجمعهما هنا ~~تشريفا لموسى بإفراده، وتأكيدا للأمر بالذهاب بالتكرير. وقيل إن في هذا ~~دليلا على أنه لا يكفي ذهاب أحدهما. وقيل الأول أمر لموسى بالذهاب إلى ~~كل الناس، والثاني أمر لهما بالذهاب إلى فرعون. ثم مرهما سبحانه بإلانة ~~القول له لما في ذلك من التأثير في الإجابة، فإن التخشين بادىء ذي بدء ~~يكون من أعظم أسباب النفور والتصلب في الكفر، والقول اللين هو الذي لا ~~خشونة فيه، يقال لان الشيء يلين لينا، والمراد تركهما للتعنيف، كقولهما # هل لك إلى أن تزكى # النازعات 18. وقيل القول اللين هو الكنية له، وقيل أن يعداه بنعيم ~~الدنيا إن أجاب، ثم علل الأمر بإلانة القول له بقوله { لعله ~~يتذكر أو يخشى } أي باشرا ذلك مباشرة من يرجو ويطمع، فالرجاء ~~راجع إليهما كما قاله جماعة من النحويين سيبويه وغيره. وقد تقدم تحقيقه ~~في غير موضع قال الزجاج " لعل " لفظة طمع وترج، فخاطبهم بما يعقلون. ~~وقيل لعل ها هنا بمعنى الاستفهام. والمعنى فانظرا هل يتذكر أو يخشى؟ ~~وقيل بمعنى كي. والتذكر النظر فيما بلغاه من الذكر وإمعان الفكر فيه حتى ~~يكون ذلك سببا في الإجابة، والخشية هي خشية عقاب الله الموعود به على ~~لسانهما، وكلمة " أو " لمنع الخلو دون الجمع. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ~~السدي في قوله { فاقذفيه في اليم } قال هو النيل. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وألقيت عليك ~~محبة مني } قال كان كل من رآه ألقيت عليه منه محبته. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن سلمة بن كهيل قال حببتك إلى عبادي. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني في قوله { ولتصنع على ~~عيني } قال تربى بعين الله. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ms2387 قتادة في الآية قال لتغذى على عيني. وأخرج ابن المنذر عن ابن ~~جريج في الآية قال يقول أنت بعيني، إذ جعلتك أمك في التابوت، ثم في ~~البحر، وإذ تمشي أختك. # وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والخطيب عن ابن عمر سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول # " إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ " # يقول الله سبحانه { وقتلت نفسا فنجينك من الغم } ~~قال # " من قتل النفس " # { وفتنك فتونا } قال # " أخلصناك إخلاصا " # وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { وفتنك فتونا } قال ابتليناك ابتلاء. وأخرج ~~ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال اختبرناك اختبارا. وقد أخرج عبد بن ~~حميد، والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن ~~عباس أثرا طويلا في تفسير الآية، فمن أحب استيفاء ذلك فلينظره في كتاب ~~التفسير من سنن النسائي. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { ثم ~~جئت على قدر } قال لميقات. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن مجاهد وقتادة { على قدر } قال موعد. وأخرج ابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ولا تنيا } قال لا تبطئا. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن علي في قوله { قولا لينا } قال كنه. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال كنياه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عنه في قوله { لعله يتذكر أو يخشى } قال هل يتذكر؟ ### || [20.45-59] # قرأ الجمهور { أن يفرط } بفتح الياء وضم الراء، ومعنى ذلك أننا نخاف أن ~~يعجل ويبادر بعقوبتنا، يقال فرط منه أمر، أي بدر، ومنه الفارط، وهو الذي ~~يتقدم القوم إلى الماء، أي يعذبنا عذاب الفارط في الذنب، وهو المتقدم ~~فيه، كذا قال المبرد، وقال أيضا فرط منه أمر وأفرط أسرف، وفرط ترك. وقرأ ~~ابن محيصن " يفرط " بضم الياء وفتح الراء، أي يحمله حامل على التسرع ~~إلينا، وقرأت طائفة بضم الياء وكسر الراء، ومنهم ابن عباس ومجاهد، وعكرمة ms2388 ~~من الإفراط، أي يشتط في أذيتنا. قال الراجز # قد أفرط العلج علينا وعجل # ومعنى { أو أن يطغى } قد تقدم قريبا، وجملة { قال لا ~~تخافا } مستأنفة جواب سؤال مقدر، نهى لهما عن الخوف الذي حصل معهما ~~من فرعون، ثم علل ذلك بقوله { إننى معكما } أي بالنصر لهما، ~~والمعونة على فرعون، ومعنى { أسمع وأرى } إدراك ما يجري بينهما ~~وبينه، بحيث لا يخفى عليه سبحانه منه خافية، وليس بغافل عنهما، ثم أمرهما ~~بإتيانه الذي هو عبارة عن الوصول إليه بعد أمرهما بالذهاب إليه فلا ~~تكرار. { فقولا إنا رسولا ربك } أرسلنا إليك { فأرسل ~~معنا بني إسرءيل } أي خل عنهم وأطلقهم من الأسر { ولا ~~تعذبهم } بالبقاء على ما كانوا عليه،وقد كانوا عند فرعون في عذاب ~~شديد يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، ويكلفهم من العمل ما لا يطيقونه، ثم ~~أمرهما سبحانه أن يقولا لفرعون { قد جئنك بئاية من ربك ~~} قيل هي العصا واليد. وقيل إن فرعون قال لهما وما هي؟ فأدخل موسى يده في ~~جيب قميصه، ثم أخرجها لها شعاع كشعاع الشمس، فعجب فرعون من ذلك، ولم يره ~~موسى العصا إلا يوم الزينة { والسلم على من اتبع ~~الهدى } أي السلامة. قال الزجاج أي من اتبع الهدى سلم من سخط الله ~~عز وجل ومن عذابه، وليس بتحية، قال والدليل على ذلك أنه ليس بابتداء ~~لقاء ولا خطاب. قال الفراء السلام على من اتبع الهدى، ولمن اتبع الهدى ~~سواء. { إنا قد أوحى إلينا } من جهة الله سبحانه { أن ~~العذاب على من كذب وتولى } المراد بالعذاب الهلاك ~~والدمار في الدنيا والخلود في النار. والمراد بالتكذيب التكذيب بآيات ~~الله وبرسله. والتولي الإعراض عن قبولها والإيمان بها. { قال فمن ~~ربكما يموسى } أي قال فرعون لهما فمن ربكما؟ فأضاف الرب ~~إليهما ولم يضفه إلى نفسه لعدم تصديقه لهما ولجحده للربوبية. وخص موسى ~~بالنداء لكونه الأصل في الرسالة وقيل لمطابقة رؤوس الآي. { قال ~~ربنا الذى أعطى كل شيء خلقه } أي قال موسى مجيبا له، ~~و { ربنا } مبتدأ، وخبره { الذي أعطى كل شيء خلقه } ، ~~ويجوز ms2389 أن يكون { ربنا } خبر مبتدأ محذوف، وما بعده صفته. # قرأ الجمهور { خلقه } بسكون اللام، وروى زائدة عن الأعمش أنه قرأ " خلقه ~~" بفتح اللام على أنه فعل، وهي قراءة ابن أبي إسحاق، ورواها نصير عن ~~الكسائي. فعلى القراءة الأولى يكون خلقه ثاني مفعولي أعطى. والمعنى أعطى ~~كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به المطابقة له كاليد ~~للبطش، والرجل للمشي واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع، كذا قال ~~الضحاك وغيره. وقال الحسن وقتادة أعطى كل شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. ~~وقال مجاهد المعنى لم يخلق خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم ~~في خلق الإنسان، ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرا، ومنه قول الشاعر # وله في كل شيء خلقه وكذاك الله ما شاء فعل # وقال الفراء المعنى خلق للرجل المرأة، ولكل ذكر ما يوافقه من الإناث. ~~ويجوز أن يكون خلقه على القراءة الأولى هو المفعول الأول لأعطى، أي أعطى ~~خلقه كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به، ومعنى { ثم هدى } أنه ~~سبحانه هداهم إلى طرق الانتفاع بما أعطاهم فانتفعوا بكل شيء فيما خلق له، ~~وأما على القراءة الآخرة، فيكون الفعل صفة للمضاف أو للمضاف إليه، أي ~~أعطى كل شيء خلقه الله سبحانه ولم يخله من عطائه، وعلى هذه القراءة يكون ~~المفعول الثاني محذوفا، أي أعطى كل شيء خلقه ما يحتاج إليه، فيوافق ~~معناها معنى القراءة الأولى. { قال فما بال القرون الاولى } ~~لما سمع فرعون ما احتج به موسى في ضمن هذا الكلام على إثبات الربوبية كما ~~لا يخفى من أن الخلق والهداية ثابتان بلا خلاف، ولا بد لهما من خالق ~~وهاد، وذلك الخالق والهادي هو الله سبحانه لا رب غيره. قال فرعون فما ~~بال القرون الأولى؟ فإنها لم تقر بالرب الذي تدعو إليه يا موسى بل عبدت ~~الأوثان ونحوها من المخلوقات، ومعنى البال الحال والشان، أي ما حالهم وما ~~شأنهم؟ وقيل إن سؤال فرعون عن القرون الأولى مغالطة لموسى لما خاف أن ~~يظهر لقومه أنه قد قهره بالحجة أي ما ms2390 حال القرون الماضية، وماذا جرى ~~عليهم من الحوادث؟ فأجابه موسى، فقال { علمها عند ربى } أي إن ~~هذا الذي سألت عنه ليس مما نحن بصدده، بل هو من علم الغيب الذي استأثر ~~الله به لا تعلمه أنت ولا أنا. وعلى التفسير الأول يكون معنى { ~~علمها عند ربي } أن علم هؤلاء الذين عبدوا الأوثان ونحوها محفوظ ~~عند الله في كتابه سيجازيهم عليها، ومعنى كونها في كتاب أنها مثبتة في ~~اللوح المحفوظ. قال الزجاج المعنى أن أعمالهم محفوظة عند الله يجازي بها، ~~والتقدير علم أعمالها عند ربي في كتاب. # وقد اختلف في معنى { لا يضل ربي ولا ينسى } على أقوال ~~الأول أنه ابتداء كلام تنزيه لله تعالى عن هاتين الصفتين. وقد تم ~~الكلام عند قوله { في كتاب } كذا قال الزجاج، قال ومعنى { لا يضل } ~~لا يهلك من قوله # أءذا ضللنا فى الأرض # السجدة 10 { ولا ينسى } شيئا من الأشياء، فقد نزهه عن الهلاك ~~والنسيان. القول الثاني أن معنى { لا يضل } لا يخطىء. القول الثالث ~~أن معناه لا يغيب. قال ابن الأعرابي أصل الضلال الغيبوبة. القول الرابع ~~أن المعنى لا يحتاج إلى كتاب، ولا يضل عنه علم شيء من الأشياء، ولا ينسى ~~ما علمه منها، حكي هذا عن الزجاج أيضا. قال النحاس وهو أشبهها بالمعنى. ~~ولا يخفى أنه كقول ابن الأعرابي. القول الخامس أن هاتين الجملتين صفة ~~لكتاب، والمعنى أن الكتاب غير ذاهب عن الله ولا هو ناس له. { الذي ~~جعل لكم الأرض مهدا } الموصول محل رفع على أنه صفة لربي ~~متضمنة لزيادة البيان، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أو في محل نصب على ~~المدح. قرأ الكوفيون { مهدا } على أنه مصدر لفعل مقدر، أي مهدها مهدا، ~~أو على تقدير مضاف محذوف، أي ذات مهد، وهو اسم لما يمهد كالفراش لما ~~يفرش. وقرأ الباقون { مهادا } واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم ~~قالا لاتفاقهم على قراءة # ألم نجعل الأرض مهدا # النبأ 6. قال النحاس والجمع أولى من المصدر لأن هذا الموضع ليس وضع ~~المصدر إلا ms2391 على حذف المضاف. قيل يجوز أن يكون مهادا مفردا كالفراش، ~~ويجوز أن يكون جمعا. ومعنى الهاد الفراش، فالمهاد جمع المهد، أي جعل كل ~~موضع منها مهدا لكل واحد منكم. { وسلك لكم فيها سبلا } ~~السلك إدخال الشيء في الشيء. والمعنى أدخل في الأرض لأجلكم طرقا ~~تسلكونها وسهلها لكم. وفي الآية الأخرى # الذى جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها ~~سبلا لعلكم تهتدون # الزخرف 10. ثم قال سبحانه ممتنا على عباده { وأنزل من السماء ~~ماء } هو ماء المطر. قيل إلى هنا انتهى كلام موسى، وما بعده هو { ~~فأخرجنا به أزواجا من نبت شتى } من كلام الله ~~سبحانه. وقيل هو من الكلام المحكي عن موسى معطوف على أنزل، وإنما التفت ~~إلى التكلم للتنبيه إلى ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة. ونوقش ~~بأن هذا خلاف الظاهر مع استلزامه فوت الالتفات لعدم اتحاد المتكلم، ويجاب ~~عنه بأن الكلام كله محكي عن واحد هو موسى، والحاكي للجميع هو الله ~~سبحانه والمعنى فأخرجنا بذلك الماء بسبب الحرث والمعالجة أزواجا، أي ~~ضروبا وأشباها من أصناف النبات المختلفة. وقوله { من نبات } صفة ل { ~~أزواجا } أو بيان له، وكذا { شتى } صفة أخرى له، أي متفرقة جمع شتيت. ~~وقال الأخفش التقدير أزواجا شتى من نبات. # قال وقد يكون النبات شتى، فيجوز أن يكون شتى { نعتا } ل { أزواجا } ~~ويجوز أن يكون نعتا للنبات، يقال أمر شت أي متفرق، وشت الأمر شتا ~~وشتاتا تفرق، واستشت مثله، والشتيت المتفرق. قال رؤبة # جاءت معا وأطرقت شتيتا # وجملة { كلوا وارعوا } في محل نصب على الحال بتقدير القول، أي ~~قائلين لهم ذلك، والأمر للإباحة، يقال رعت الماشية الكلأ ورعاها صاحبها ~~رعاية، أي أسامها وسرحها يجيء لازما ومتعديا. والإشارة بقوله { إن ~~فى ذلك لآيت لأولى النهى } إلى ما تقدم ذكره في هذه ~~الآيات، والنهى العقول جمع نهية، وخص ذوي النهى لأنهم الذين ينتهى إلى ~~رأيهم. وقيل لأنهم ينهون النفس عن القبائح، وهذا كله من موسى، احتجاج على ~~فرعون في إثبات الصانع جوابا لقوله { فمن ربكما يموسى } ~~والضمير ms2392 في { منها خلقنكم } وما بعده راجع إلى الأرض المذكورة ~~سابقا. قال الزجاج وغيره يعني أن آدم خلق من الأرض وأولاده منه. وقيل ~~المعنى أن كل نطفة مخلوقة من التراب في ضمن خلق آدم لأن كل فرد من أفراد ~~البشر له حظ من خلقه { وفيها } أي في الأرض { نعيدكم } بعد الموت ~~فتدفنون فيها وتتفرق أجزاؤكم حتى تصير من جنس الأرض، وجاء بفي دون إلى ~~للدلالة على الاستقرار { ومنها } أي من الأرض { نخرجكم تارة ~~أخرى } أي بالبعث والنشور وتأليف الأجسام ورد الأرواح إليها على ما ~~كانت عليه قبل الموت، والتارة كالمرة. { ولقد أرينه ~~ءايتنا كلها } أي أرينا فرعون وعرفناه آياتنا كلها، والمراد ~~بالآيات هي الآيات التسع المذكورة في قوله # ولقد ءاتينا موسى تسع ءايت # الإسراء 101. على أن الإضافة للعهد. وقيل المراد جميع الآيات التي جاء ~~بها موسى، والتي جاء بها غيره من الأنبياء، وأن موسى قد كان عرفه جميع ~~معجزاته ومعجزات سائر الأنبياء، والأول أولى، وقيل المراد بالآيات حجج ~~الله سبحانه الدالة على توحيده. { فكذب وأبى } أي كذب فرعون ~~موسى وأبى عليه أن يجيبه إلى الإيمان، وهذا يدل على أن كفر فرعون كفر ~~عناد لأنه رأى الآيات وكذب بها كما في قوله # وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا # النمل 14. وجملة { قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا ~~بسحرك يموسى } مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل فماذا قال ~~فرعون بعد هذا؟ والهمزة للإنكار لما جاء به موسى من الآيات، أي جئت يا ~~موسى لتوهم الناس بأنك نبي يجب عليهم اتباعك، والإيمان بما جئت به، حتى ~~تتوصل بذلك الإيهام الذي هو شعبة من السحر إلى أن تغلب على أرضنا وتخرجنا ~~منها. وإنما ذكر الملعون الإخراج من الأرض لتنفير قومه عن إجابة موسى، ~~فإنه إذا وقع في أذهانهم وتقرر في أفهامهم أن عاقبة إجابتهم لموسى ~~الخروج من ديارهم وأوطانهم كانوا غير قابلين لكلامه ولا ناظرين في ~~معجزاته ولا ملتفتين إلى ما يدعو إليه من الخير. # { فلنأتينك بسحر مثله } الفاء لترتيب ما بعدها على ما ~~قبلها واللام هي ms2393 الموطئة للقسم، أي والله لنعارضنك بمثل ما جئت به من ~~السحر، حتى يتبين للناس أن الذي جئت به سحر يقدر على مثله الساحر. { ~~فاجعل بيننا وبينك موعدا } هو مصدر، أي وعدا. وقيل اسم ~~مكان، أي اجعل لنا يوما معلوما، أو مكانا معلوما لا نخلفه. قال ~~القشيري والأظهر أنه مصدر، ولهذا قال { لا نخلفه } أي لا نخلف ذلك ~~الوعد. والإخلاف أن تعد شيئا ولا تنجزه. قال الجوهري الميعاد المواعدة ~~والوقت والموضع، وكذلك الموعد. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة والأعرج " ~~لا نخلفه " بالجزم على أنه جواب لقوله { اجعل }. وقرأ الباقون ~~بالرفع على أنه صفة لموعدا، أي لا نخلف ذلك الوعد { نحن ولا أنت } ~~وفوض تعيين الموعد إلى موسى إظهارا لكمال اقتداره على الإتيان بمثل ما ~~أتى به موسى. وانتصاب { مكانا سوى } بفعل مقدر يدل عليه المصدر، أو ~~على أنه بدل من موعد. قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة " سوى " بضم السين، وقرأ ~~الباقون بكسرها وهما لغتان. واختار أبو عبيد وأبو حاتم كسر السين، لأنها ~~اللغة العالية الفصيحة، والمراد مكانا مستويا. وقيل مكانا منصفا ~~عدلا بيننا وبينك. قال سيبويه يقال سوى وسوى، أي عدل، يعني عدلا ~~بين المكانين. قال زهير # أرونا خطة لا ضيم فيها يسوى بيننا فيها السواء # قال أبو عبيدة والقتيبي معناه مكانا وسطا بين الفريقين، وأنشد أبو ~~عبيدة لموسى بن جابر الحنفي # وجدنا أبانا كان حل ببلدة سوى بين قيس غيلان والفزر # والفزر سعد بن زيد مناة. ثم واعده موسى بوقت معلوم فقال { موعدكم ~~يوم الزينة } قال مجاهد وقتادة ومقاتل والسدي كان ذلك يوم عيد ~~يتزينون فيه. وقال سعيد بن جبير كان ذلك يوم عاشوراء. وقال الضحاك يوم ~~السبت. وقيل يوم النيروز. وقيل يوم كسر الخليج. وقرأ الحسن والأعمش وعيسى ~~الثقفي والسلمي وهبيرة عن حفص " يوم الزينة " بالنصب، ورويت هذه القراءة ~~عن أبي عمرو، أي في يوم الزينة إنجاز موعدنا، وقرأ الباقون بالرفع على ~~أنه خبر موعدكم، وإنما جعل الميعاد زمانا بعد أن طلب منه فرعون أن يكون ~~مكانا سوى ms2394 لأن يوم الزينة يدل على مكان مشهور يجتمع فيه الناس ذلك ~~اليوم، أو على تقدير مضاف محذوف، أي موعدكم مكان يوم الزينة. { وأن ~~يحشر الناس ضحى } معطوف على { يوم الزينة } فيكون في محل رفع، ~~أو على { الزينة } فيكون في محل جر، يعني ضحى ذلك اليوم. والمراد بالناس ~~أهل مصر. والمعنى يحشرون إلى العيد وقت الضحى، وينظرون في أمر موسى ~~وفرعون. قال الفراء المعنى إذا رأيت الناس يحشرون من كل ناحية ضحى فذلك ~~الموعد. # قال وجرت عادتهم بحشر الناس في ذلك اليوم. والضحى قال الجوهري ضحوة ~~النهار بعد طلوع الشمس ثم بعده الضحى، وهو حين تشرق الشمس. وخص الضحى ~~لأنه أول النهار، فإذا امتد الأمر بينهما كان في النهار متسع. وقرأ ابن ~~مسعود والجحدري " وأن يحشر " على البناء للفاعل، أي وأن يحشر الله الناس ~~ضحى. وروي عن الجحدري أنه قرأ " وأن نحشر " بالنون وقرأ بعض القراء ~~بالتاء الفوقية، أي وأن تحشر أنت يا فرعون، وقرأ الباقون بالتحتية على ~~البناء للمفعول. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إننا ~~نخاف أن يفرط علينا } قال يعجل { أو أن يطغى } قال ~~يعتدي. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { أسمع وأرى } قال ~~أسمع ما يقول وأرى ما يجاوبكما به، فأوحي إليكما فتجاوبانه. وأخرج ابن ~~أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال لما بعث الله موسى إلى فرعون ~~قال رب أي شيء أقول؟ قال قل أهيا شراهيا. قال الأعمش تفسير ذلك الحي ~~قبل كل شيء، والحي بعد كل شيء. وجود السيوطي إسناده، وسبقه إلى تجويد ~~إسناده ابن كثير في تفسيره. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ~~على من كذب وتولى } قال كذب بكتاب الله وتولى عن طاعة ~~الله. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ~~ابن عباس في قوله { أعطى كل شىء خلقه } قال خلق لكل شيء زوجه ~~{ ثم هدى } قال هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي ms2395 حاتم عن ابن عباس في قوله { لا يضل ربي } ~~قال لا يخطىء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله { من نبت شتى } قال مختلف. وفي قوله { لأولي ~~النهى } قال لأولي التقى. وأخرج ابن المنذر عنه { لأولي النهى ~~} قال لأولي الحجا والعقل. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء ~~الخراساني قال إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره ~~على النطفة، فيخلق من التراب ومن النطفة، وذلك قوله { منها ~~خلقنكم وفيها نعيدكم }. وأخرج أحمد والحاكم عن أبي أمامة ~~قال لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " { منها خلقنكم وفيها نعيدكم ومنها ~~نخرجكم تارة أخرى } بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول ~~الله " # وفي حديث في السنن # " نه أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر وقال { منها ~~خلقنكم } ثم أخرى وقال { وفيها نعيدكم } ثم أخرى وقال { ~~ومنها نخرجكم تارة أخرى } " # وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { ~~موعدكم يوم الزينة } قال يوم عاشوراء. وأخرج ابن المنذر عن ~~ابن عمرو نحوه. ### || [20.60-70] # قوله { فتولى فرعون } أي انصرف من ذلك المقام ليهيىء ما ~~يحتاج إليه مما تواعدوا عليه وقيل معنى تولى أعرض عن الحق، والأول أولى ~~{ فجمع كيده } أي جمع ما يكيد به من سحره وحيلته. والمراد أنه ~~جمع السحرة. قيل كانوا اثنين وسبعين. وقيل أربعمائة. وقيل اثنا عشر ~~ألفا. وقيل أربعة عشر ألفا. وقال ابن المنذر كانوا ثمانين ألفا { ~~ثم أتى } أي أتى الموعد الذي تواعدا إليه مع جمعه الذي جمعه، وجملة ~~{ قال لهم موسى } مستأنفة جواب سؤال مقدر { ويلكم لا ~~تفتروا على الله كذبا } دعا عليهم بالويل، ونهاهم عن افتراء ~~الكذب. قال الزجاج هو منصوب بمحذوف، والتقدير ألزمهم الله ويلا. قال ~~ويجوز أن يكون نداء، كقوله # يويلنا من بعثنا من مرقدنا # يس 52. { فيسحتكم بعذاب } السحت الاستئصال، يقال سحت وأسحت ~~بمعنى، وأصله ms2396 استقصاء الشعر. وقرأ الكوفيون إلا شعبة { فيسحتكم } بضم حرف ~~المضارعة من أسحت، وهي لغة بني تميم، وقرأ الباقون بفتحه من سحت، وهي لغة ~~الحجاز، وانتصابه على أنه جواب للنهي { وقد خاب من افترى } أي ~~خسر وهلك، والمعنى قد خسر من افترى على الله أي كذب كان { ~~فتنزعوا أمرهم بينهم } أي السحرة لما سمعوا كلام موسى، ~~تناظروا وتشاوروا وتجاذبوا أطراف الكلام في ذلك { وأسروا ~~النجوى } أي من موسى، وكانت نجواهم هي قولهم { إن هذن ~~لساحرن }. وقيل إنهم تناجوا فيما بينهم فقالوا إن كان ما جاء به ~~موسى سحرا فسنغلبه، وإن كان من عند الله فسيكون له أمر. وقيل الذي أسروه ~~أنه إذا غلبهم اتبعوه، قاله الفراء والزجاج. وقيل الذي أسروه أنهم لما ~~سمعوا قول موسى { ويلكم لا تفتروا على الله } قالوا ما هذا بقول ساحر. ~~والنجوى المناجاة يكون اسما ومصدرا. قرأ أبو عمرو " إن هذين ~~لساحرن " بتشديد الحرف الداخل على الجملة وبالياء في اسم الإشارة ~~على إعمال إن عملها المعروف، وهو نصب الاسم ورفع الخبر. ورويت هذه ~~القراءة عن عثمان وعائشة وغيرهما من الصحابة، وبها قرأ الحسن وسعيد بن ~~جبير والنخعي وغيرهم من التابعين، وبها قرأ عاصم الجحدري وعيسى بن عمر ~~كما حكاه النحاس، وهذه القراءة موافقة للإعراب الظاهر مخالفة لرسم المصحف ~~فإنه مكتوب بالألف. وقرأ الزهري والخليل بن أحمد والمفضل وأبان وابن ~~محيصن وابن كثير وعاصم في رواية حفص عنه " إن هذان " بتخفيف إن على أنها ~~نافية، وهذه القراءة موافقة لرسم المصحف وللإعراب. وقرأ ابن كثير مثل ~~قراءتهم إلا أنه يشدد النون من هذان. وقرأ المدنيون والكوفيون وابن عامر ~~" إن هذان " بتشديد إن وبالألف، فوافقوا الرسم وخالفوا الإعراب الظاهر. # وقد تكلم جماعة من أهل العلم في توجيه قراءة المدنيين والكوفيين وابن ~~عامر، وقد استوفى ذكر ذلك ابن الأنباري والنحاس، فقيل إنها لغة بني ~~الحارث بن كعب وخثعم وكنانة يجعلون رفع المثنى ونصبه وجره بالألف، ومنه ~~قول الشاعر # فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى مساغا لناباه الشجاع لصمما # وقول الآخر # تزود منا ms2397 بين أذناه ضربة # وقول الآخر # إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها # ومما يؤيد هذا تصريح سيبويه والأخفش وأبي زيد والكسائي والفراء إن هذه ~~القراءة على لغة بني الحارث بن كعب وحكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب أنها ~~لغة بني كنانة. وحكى غيره أنها لغة خثعم. وقيل إن " إن " بمعنى نعم ها ~~هنا، كما حكاه الكسائي عن عاصم، وكذا حكاه سيبويه. قال النحاس رأيت ~~الزجاج والأخفش يذهبان إليه، فيكون التقدير نعم هذان لساحران، ومنه قول ~~الشاعر # ليت شعري هل للمحب شفاء من جوى حبهن إن اللقاء # أي نعم اللقاء. قال الزجاج والمعنى في الآية أن هذا لهما ساحران، ثم حذف ~~المبتدأ وهو هما. وأنكره أبو علي الفارسي وأبو الفتح بن جني، وقيل إن ~~الألف في { هذان } مشبهة بالألف في يفعلان فلم تغير. وقيل إن الهاء ~~مقدرة، أي إنه هذان لساحران، حكاه الزجاج عن قدماء النحويين، وكذا حكاه ~~ابن الأنباري. وقال ابن كيسان إنه لما كان يقال هذا بالألف في الرفع ~~والنصب والجر على حال واحدة، وكانت التثنية لا تغير الواحد أجريت ~~التثنية مجرى الواحد فثبت الألف في الرفع والنصب والجر، فهذه أقوال تتضمن ~~توجيه هذه القراءة توجيها تصح به وتخرج به عن الخطأ، وبذلك يندفع ما روي ~~عن عثمان وعائشة أنه غلط من الكاتب للمصحف. { يريدان أن ~~يخرجاكم من أرضكم } وهي أرض مصر { بسحرهما } الذي ~~أظهراه { ويذهبا بطريقتكم المثلى } قال الكسائي ~~بطريقتكم بسنتكم. و { المثلى } نعت، كقولك امرأة كبرى، تقول العرب فلان ~~على الطريقة المثلى، يعنون على الهدى المستقيم. قال الفراء العرب تقول ~~هؤلاء طريقة قومهم وطرائق قومهم لأشرافهم، والمثلى تأنيث الأمثل، وهو ~~الأفضل، يقال فلان أمثل قومه، أي أفضلهم، وهم الأماثل. والمعنى أنهما إن ~~يغلبا بسحرهما مال إليهما السادة والأشراف منكم، أو يذهبا بمذهبكم الي هو ~~أمثل المذاهب. { فأجمعوا كيدكم } الإجماع الإحكام، والعزم على ~~الشيء قاله الفراء. تقول أجمعت على الخروج مثل أزمعت. وقال الزجاج معناه ~~ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعا عليه. وقد اتفق القراء على قطع ms2398 الهمزة في ~~أجمعوا إلا أبا عمرو، فإنه قرأ بوصلها وفتح الميم من الجمع. قال النحاس ~~وفيما حكي لي عن محمد بن يزيد المبرد أنه قال يجب على أبي عمرو أن يقرأ ~~بخلاف هذه القراءة، وهي القراءة التي عليها أكثر الناس. # { ثم ائتوا صفا } أي مصطفين مجتمعين ليكون أنظم لأمورهم وأشد ~~لهيبتهم، وهذا قول جمهور المفسرين. وقال أبو عبيدة الصف موضع المجمع ~~ويسمى المصلى الصف. قال الزجاج وعلى هذا معناه ثم ائتوا الموضع الذي ~~تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتكم، يقال أتيت الصف بمعنى أتيت المصلى، فعلى ~~التفسير الأول يكون انتصاب { صفا } على الحال، وعلى تفسير أبي عبيدة ~~يكون انتصابه على المفعولية. قال الزجاج يجوز أن يكون المعنى ثم ائتوا ~~والناس مصطفون، فيكون على هذا مصدرا في موضع الحال، ولذلك لم يجمع. ~~وقرىء بكسر الهمزة بعدها ياء، ومن ترك الهمزة أبدل منها ألفا { وقد ~~أفلح اليوم من استعلى } أي من غلب، يقال استعلى عليه إذا ~~غلبه، وهذا كله من قول السحرة بعضهم لبعض. وقيل من قول فرعون لهم. وجملة ~~{ قالوا موسى إما أن تلقي } مستأنفة جوابا لسؤال مقدر، ~~كأنه قيل فماذا فعلوا بعدما قالوا فيما بينهم ما قالوا؟ فقيل قالوا يا ~~موسى، إما أن تلقي، وإن مع ما في حيزها في محل نصب بفعل مضمر، أي اختر ~~إلقاءك أولا أو إلقاءنا، ويجوز أن تكون في محل رفع على أنها وما بعدها ~~خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر إلقاؤك، أو إلقاؤنا، ومفعول تلقي محذوف، ~~والتقدير إما أن تلقي ما تلقيه أولا { وإما أن نكون } نحن { ~~أول من ألقى } ما يلقيه، أو أول من يفعل الإلقاء. والمراد ~~إلقاء العصي على الأرض، وكانت السحرة معهم عصي، وكان موسى قد ألقى عصاه ~~يوم دخل على فرعون، فلما أراد السحرة معارضته قالوا له هذا القول، فقال ~~لهم موسى { بل ألقوا } أمرهم بالإلقاء أولا لتكون معجزته أظهر ~~إذا ألقوا هم ما معهم ثم يلقي هو عصاه فتبتلع ذلك، وإظهارا لعدم ~~المبالاة بسحرهم { فإذا حبالهم وعصيهم } في الكلام حذف، ~~والتقدير فألقوا ms2399 فإذا حبالهم، والفاء فصيحة، وإذا للمفاجأة أو ظرفية. ~~والمعنى فألقوا ففاجأ موسى وقت أن { يخيل إليه } سعي حبالهم ~~وعصيهم، وقرأ الحسن " عصيهم " بضم العين وهي لغة بني تميم، وقرأ الباقون ~~بكسرها اتباعا لكسرة الصاد، وقرأ ابن عباس، وابن ذكوان وروح عن يعقوب " ~~تخيل " بالمثناة لأن العصي والحبال مؤنثة، وذلك أنهم لطخوها بالزئبق، ~~فلما أصابها حر الشمس ارتعشت واهتزت، وقرىء " نخيل " بالنون على أن ~~الله سبحانه هو المخيل لذلك، وقرىء " يخيل " بالياء التحتية مبنيا ~~للفاعل، على أن المخيل هو الكيد. وقيل المخيل هو أنها تسعى، فأن في موضع ~~رفع، أي يخيل إليه سعيها، ذكر معناه الزجاج. وقال الفراء إنها في موضع ~~نصب، أي بأنها ثم حذف الباء. قال الزجاج ومن قرأ بالتاء يعني الفوقية جعل ~~أن في موضع نصب، أي تخيل إليه ذات سعي. قال ويجوز أن يكون في موضع رفع ~~بدلا من الضمير في تخيل، وهو عائد على الحبال والعصي، والبدل فيه بدل ~~اشتمال، يقال خيل إليه إذا شبه له وأدخل عليه البهمة والشبهة. # { فأوجس في نفسه خيفة موسى } أي أحس. وقيل وجد. وقيل ~~أضمر. وقيل خاف، وذلك لما يعرض من الطباع البشرية عند مشاهدة ما يخشى ~~منه. وقيل خاف أن يفتتن الناس قبل أن يلقي عصاه. وقيل إن سبب خوفه هو أن ~~سحرهم كان من جنس ما أراهم في العصا، فخاف أن يلتبس أمره على الناس فلا ~~يؤمنوا، فأذهب الله سبحانه ما حصل معه من الخوف بما بشره به بقوله { ~~قلنا لا تخف إنك أنت الاعلى } أي المستعلي عليهم بالظفر ~~والغلبة، والجملة تعليل للنهي عن الخوف. { وألق ما في يمينك } ~~يعني العصا، وإنما أبهمها تعظيما وتفخيما، وجزم { تلقف ما ~~صنعوا } على أنه جواب الأمر، قرىء بتشديد القاف، والأصل تتلقف فحذف ~~إحدى التاءين، وقرىء " تلقف " بكسر اللام من لقفه إذا ابتلعه بسرعة، ~~وقرىء " تلقف " بالرفع على تقدير فإنها تتلقف، ومعنى { ما صنعوا } ~~الذي صنعوه من الحبال والعصي. قال الزجاج القراءة بالجزم جواب الأمر، ~~ويجوز الرفع على معنى الحال، كأنه قال ms2400 ألقها متلقفة، وجملة { إنما ~~صنعوا كيد ساحر } تعليل لقوله { تلقف } وارتفاع كيد على أنه ~~خبر لإن، وهي قراءة الكوفيين إلا عاصما. وقرأ هؤلاء " سحر " بكسر ~~السين وسكون الحاء، وإضافة الكيد إلى السحر على الاتساع من غير تقدير، أو ~~بتقدير ذي سحر. وقرأ الباقون { كيد ساحر } { ولا يفلح السحر ~~حيث أتى } أي لا يفلح جنس الساحر حيث أتى وأين توجه، وهذا من تمام ~~التعليل { فألقي السحرة سجدا } أي فألقي ذلك الأمر الذي ~~شاهدوه من موسى والعصا السحرة سجدا لله تعالى، وقد مر تحقيق هذا في ~~سورة الأعراف. { قالوا آمنا برب هرون وموسى } إنما ~~قدم هارون على موسى في حكاية كلامهم رعاية لفواصل الآي وعناية بتوافق ~~رؤوسها. وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~فيسحتكم بعذاب } قال يهلككم. أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد ~~وابن المنذر عن قتادة { فيسحتكم } قال يستأصلكم. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال فيذبحكم. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم ~~عن علي { ويذهبا بطريقتكم المثلى } قال يصرفا وجوه ~~الناس إليهما. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال ~~يقول أمثلكم، وهم بنو إسرائيل. وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق في قوله { ~~تلقف ما صنعوا } ما يأفكون، عن قتادة قال ألقاها موسى فتحولت ~~حية تأكل حبالهم وما صنعوا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن عكرمة أن سحرة فرعون كانوا تسعمائة، فقالوا لفرعون إن يكن هذان ساحرين ~~فإنا نغلبهما فإنه لا أسحر منا، وإن كانا من رب العالمين فإنه لا طاقة ~~لنا برب العالمين، فلما كان من أمرهم أن خروا سجدا أراهم الله في ~~سجودهم منازلهم التي إليها يصيرون فعندها { قالوا لن نؤثرك ~~على ما جاءنا من البينت } إلى قوله { والله خير ~~وأبقى }. ### || [20.71-76] # قوله { قال ءامنتم له } يقال آمن له وآمن به، فمن الأول قوله # فئامن له لوط # العنكبوت 26، ومن الثاني قوله في الأعراف # ءامنتم به قبل أن آذن لكم ms2401 # الأعراف 123. وقيل إن الفعل هنا متضمن معنى الاتباع. وقرىء على ~~الاستفهام التوبيخي، أي كيف آمنتم به من غير إذن مني لكم بذلك؟ { إنه ~~لكبيركم الذي علمكم السحر } أي إن موسى لكبيركم، أي ~~أسحركم وأعلاكم درجة في صناعة السحر، أو معلمكم وأستاذكم كما يدل عليه ~~قوله { الذى علمكم السحر } قال الكسائي الصبي بالحجاز إذا ~~جاء من عند معلمه قال جئت من عند كبيري. وقال محمد بن إسحاق إنه لعظيم ~~السحر. قال الواحدي والكبير في اللغة الرئيس، ولهذا يقال للمعلم الكبير. ~~أراد فرعون بهذا القول أن يدخل الشبهة على الناس حتى لا يؤمنوا، وإلا فقد ~~علم أنهم لم يتعلموا من موسى، ولا كان رئيسا لهم، ولا بينه وبينهم ~~مواصلة { فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } أي ~~والله لأفعلن بكم ذلك. والتقطيع للأيدي والأرجل من خلاف هو قطع اليد ~~اليمنى والرجل اليسرى، و " من " للابتداء { ولأصلبنكم في ~~جذوع النخل } أي على جذوعها كقوله # أم لهم سلم يستمعون فيه # الطور 38 أي عليه، ومنه قول سويد بن أبي كاهل # هم صلبوا العبدي في جذع نخلة فلا عطست شيبان إلا بأجدعا # وإنما آثر كلمة " في " للدلالة على استقرارهم عليها كاستقرار المظروف ~~في الظرف { ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى } أراد ~~لتعلمن هل أنا أشد عذابا لكم أم موسى؟ ومعنى { أبقى } أدوم، وهو يريد ~~بكلامه هذا الاستهزاء بموسى، لأن موسى لم يكن من التعذيب في شيء، ويمكن ~~أن يريد العذاب الذي توعدهم به موسى إن لم يؤمنوا. وقيل أراد بموسى رب ~~موسى على حذف المضاف. { قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا ~~من البينت } أي لن نختارك على ما جاءنا به موسى من البينات ~~الواضحة من عند الله سبحانه كاليد والعصا. وقيل إنهم أرادوا بالبينات ما ~~رأوه في سجودهم من المنازل المعدة لهم في الجنة { والذي فطرنا } ~~معطوف على { ما جاءنا } أي لن نختارك على ما جاءنا به موسى من البينات ~~وعلى الذي فطرنا، أي خلقنا. وقيل هو قسم، أي والله الذي فطرنا لن نؤثرك، ~~أو لا نؤثرك، وهذان ms2402 الوجهان في تفسير الآية ذكرهما الفراء والزجاج { ~~فاقض ما أنت قاض } هذا جواب منهم لفرعون لما قال لهم { لأقطعن } ~~إلخ، والمعنى فاصنع ما أنت صانع، واحكم ما أنت حاكم، والتقدير ما أنت ~~صانعه { إنما تقضي هذه الحياة الدنيا } أي إنما سلطانك علينا ونفوذ أمرك ~~فينا في هذه الدنيا ولا سبيل لك علينا فيما بعدها، فاسم الإشارة في محل ~~نصب على الظرفية أو على المفعولية و " ما " كافة، وأجاز الفراء الرفع على ~~أن تجعل ما بمعنى الذي، أي أن الذي تقضيه هذه الحياة الدنيا فقضاؤك وحكمك ~~منحصر في ذلك. # { إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطينا } التي سلفت ~~منا من الكفر وغيره { وما أكرهتنا عليه من السحر } ~~معطوف على { خطايانا } أي ويغفر لنا الذي أكرهتنا عليه من عمل السحر في ~~معارضة موسى فما في محل نصب على المفعولية وقيل هي نافية، قال النحاس ~~والأول أولى. قيل ويجوز أن يكون في محل رفع بالابتداء والخبر مقدر، أي ~~وما أكرهتنا عليه من السحر موضوع عنا { والله خير وأبقى } أي ~~خير منك ثوابا وأبقى منك عقابا، وهذا جواب قوله { ولتعلمن أينا أشد ~~عذابا وأبقى }. { إنه من يأت ربه مجرما فإن له ~~جهنم لا يموت فيها ولا يحيى } المجرم هو المتلبس بالكفر ~~والمعاصي، ومعنى { لا يموت فيها ولا يحيى } أنه لا يموت فيستريح ولا ~~يحيى حياة تنفعه. قال المبرد لا يموت ميتة مريحة ولا يحيا حياة ممتعة، ~~فهو يألم كما يألم الحي، ويبلغ به حال الموت في المكروه، إلا أنه لا يبطل ~~فيها عن إحساس الألم، والعرب تقول فلان لا حي ولا ميت، إذا كان غير ~~منتفع بحياته، وأنشد ابن الأنباري في مثل هذا # ألا من لنفس لا تموت فينقضي شقاها ولا تحيا حياة لها طعم # وهذه الآية من جملة ما حكاه الله سبحانه من قول السحرة. وقيل هو ابتداء ~~كلام. والضمير في { إنه } على هذا الوجه للشأن { ومن يأته ~~مؤمنا قد عمل الصلحت } أي ومن يأت ربه مصدقا به قد ~~عمل الصالحات، أي الطاعات، والموصوف ms2403 محذوف، والتقدير الأعمال الصالحات، ~~وجملة { قد عمل } في محل نصب على الحال وهكذا { مؤمنا } منتصب على ~~الحال، والإشارة ب { أولئك } إلى من باعتبار معناه { لهم ~~الدرجت العلى } أي المنازل الرفيعة التي قصرت دونها الصفات { ~~جنت عدن } بيان للدرجات أو بدل منها، والعدن الإقامة، وقد تقدم ~~بيانه، وجملة { تجرى من تحتها الأنهر } حال من الجنات لأنها ~~مضافة إلى عدن، وعدن علم للإقامة كما سبق. وانتصاب { خلدين فيها ~~} على الحال من ضمير الجماعة في لهم، أي ماكثين دائمين، والإشارة { ذلك } ~~إلى ما تقدم لهم من الأجر، وهو مبتدأ، و { جزاء من تزكى } خبره، ~~أي جزاء من تطهر من الكفر والمعاصي الموجبة للنار. وقد أخرج ابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس في قوله { وما أكرهتنا عليه من السحر } قال ~~أخذ فرعون أربعين غلاما من بني إسرائيل، فأمر أن يعلموا السحر ~~بالفرما، قال علموهم تعليما لا يغلبهم أحد في الأرض. # قال ابن عباس فهم من الذين آمنوا بموسى، وهم الذين قالوا { آمنا بربنا ~~ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر }. وأخرج ابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي في قوله { والله خير وأبقى } ~~قال خير منك إن أطيع، وأبقى منك عذابا إن عصى. وأخرج أحمد ومسلم وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ~~فأتى على هذه الآية { إنه من يأت ربه مجرما فإن له ~~جهنم لا يموت فيها ولا يحيى } فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " أما أهلها الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ~~ليسوا بأهلها فإن النار تميتهم إماتة، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فيؤتى ~~بهم ضبائر على نهر يقال له الحياة أو الحيوان، فينبتون كما ينبت الغثاء ~~في حميل السيل " # وأخرج أبو داود وابن مردويه عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدري في أفق ~~السماء، وإن أبا بكر وعمر ms2404 منهم وأنعما " # ، وفي الصحيحين بلفظ # " إن أهل عليين ليرون من فوقهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء ". ### || [20.77-91] # هذا شروع في إنجاء بني إسرائيل وإهلاك عدوهم، وقد تقدم في البقرة، وفي ~~الأعراف، وفي يونس واللام في { لقد } هي الموطئة للقسم، وفي ذلك من ~~التأكيد ما لا يخفى، و " أن " في { أن أسر بعبادي } إما المفسرة لأن في ~~الوحي معنى القول، أو مصدرية، أي بأن أسر، أي أسر بهم من مصر. وقد تقدم ~~هذا مستوفى. { فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا } أي ~~اجعل لهم طريقا، ومعنى { يبسا } يابسا، وصف به الفاعل مبالغة، وذلك أن ~~الله تعالى أيبس لهم تلك الطريق حتى لم يكن فيها ماء ولا طين. وقرىء " ~~يبسا " بسكون الباء. على أنه مخفف من يبسا المحرك، أو جمع يابس كصحب في ~~صاحب. وجملة { لا تخاف دركا } في محل نصب على الحال، أي آمنا من ~~أن يدرككم العدو، أو صفة أخرى لطريق، والدرك اللحاق بهم من فرعون ~~وجنوده. وقرأ حمزة " لا تخف " على أنه جواب الأمر، والتقدير إن تضرب لا ~~تخف، و { لا تخشى } على هذه القراءة مستأنف، أي ولا أنت تخشى من فرعون أو ~~من البحر. وقرأ الجمهور { لا تخاف } وهي أرجح لعدم الجزم في { تخشى } ~~ويجوز أن تكون هذه الجملة على قراءة الجمهور صفة أخرى لطريق، أي لا تخاف ~~منه ولا تخشى منه. { فأتبعهم فرعون بجنوده } أتبع هنا ~~مطاوع تبع، يقال أتبعتهم إذا تبعتهم، وذلك إذا سبقوك فلحقتهم، فالمعنى ~~تبعهم فرعون ومعه جنوده. وقيل الباء زائدة والأصل أتبعهم جنوده، أي أمرهم ~~أن يتبعوا موسى وقومه، وقرىء " فاتبعهم " بالتشديد أي لحقهم بجنوده وهو ~~معهم كما يقال ركب الأمير بسيفه، أي معه سيفه، ومحل بجنوده النصب على ~~الحال، أي سائقا جنوده معه { فغشيهم من اليم ما غشيهم ~~} أي علاهم وأصابهم ما علاهم وأصابهم، والتكرير للتعظيم والتهويل كما في ~~قوله # الحاقة * ما الحاقة # الحاقة 1 2. وقيل غشيهم ما سمعت قصته. وقال ابن الأنباري غشيهم البعض ~~الذي غشيهم لأنه لم يغشهم كل ms2405 ماء البحر، بل الذي غشيهم بعضه. فهذه ~~العبارة للدلالة على أن الذي غرقهم بعض الماء، والأول أولى لما يدل عليه ~~من التهويل والتعظيم. وقرىء " فغشاهم من اليم ما غشاهم " أي غطاهم ما ~~غطاهم. { وأضل فرعون قومه وما هدى } أي أضلهم عن ~~الرشد، وما هداهم إلى طريق النجاة، لأنه قدر أن موسى ومن معه لا يفوتونه ~~لكونهم بين يديه يمشون في طريق يابسة، وبين أيديهم البحر، وفي قوله { ~~وما هدى } تأكيد لإضلاله لأن المضل قد يرشد من يضله في بعض الأمور. ~~{ هدى يبنى إسرءيل قد أنجينكم من عدوكم } ذكر ~~سبحانه ما أنعم به على بني إسرائيل بعد إنجائهم، والتقدير قلنا لهم بعد ~~إنجائهم { يا بني إسرائيل } ويجوز أن يكون خطابا لليهود المعاصرين ~~لنبينا صلى الله عليه وسلم لأن النعمة على الآباء معدودة من النعم على ~~الأبناء. # والمراد بعدوهم هنا فرعون وجنوده، وذلك بإغراقه وإغراق قومه في البحر ~~بمرأى من بني إسرائيل. { وواعدنكم جانب الطور الأيمن } ~~انتصاب { جانب } على أنه مفعول به، لا على الظرفية لأنه مكان معين غير ~~مبهم، وإنما تنتصب الأمكنة على الظرفية إذا كانت مبهمة. قال مكي وهذا أصل ~~لا خلاف فيه. قال النحاس والمعنى أمرنا موسى أن يأمركم بالخروج معه ~~لنكلمه بحضرتكم فتسمعوا الكلام. وقيل وعد موسى بعد إغراق فرعون أن يأتي ~~جانب الطور، فالوعد كان لموسى، وإنما خوطبوا به لأن الوعد كان لأجلهم. ~~وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب " ووعدناكم " بغير ألف، واختاره أبو ~~عبيدة لأن الوعد إنما هو من الله لموسى خاصة والمواعدة لا تكون إلا من ~~اثنين، وقد قدمنا في البقرة هذا المعنى. و { الأيمن } منصوب على أنه صفة ~~للجانب، والمراد يمين الشخص لأن الجبل ليس له يمين ولا شمال، فإذا قيل خذ ~~عن يمين الجبل فمعناه عن يمينك من الجبل. وقرىء بجر الأيمن على أنه صفة ~~للمضاف إليه { ونزلنا عليكم المن والسلوى } قد ~~تقدم تفسير المن بالترنجبين والسلوى بالسماني وأوضحنا ذلك بما لا مزيد ~~عليه، وإنزال ذلك عليهم كان في التيه. { كلوا من طيبت ms2406 ما ~~رزقنكم } أي وقلنا لهم كلوا والمراد بالطيبات المستلذات. وقيل ~~الحلال، على الخلاف المشهور في ذلك. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش " قد ~~أنجيتكم من عدوكم ووعدتكم جانب الطور كلوا من طيبات ما رزقتكم " بتاء ~~المتكلم في الثلاثة. وقرأ الباقون بنون العظمة فيها. { ولا تطغوا ~~فيه } الطغيان التجاوز، أي لا تتجاوزوا ما هو جائز إلى ما لا يجوز. ~~وقيل المعنى لا تجحدوا نعمة الله فتكونوا طاغين. وقيل لا تكفروا النعمة ~~ولا تنسوا شكرها، وقيل لا تعصوا المنعم، أي لا تحملنكم السعة والعافية ~~على المعصية، ولا مانع من حمل الطغيان على جميع هذه المعاني، فإن كل واحد ~~منها يصدق عليه أنه طغيان { فيحل عليكم غضبي } هذا جواب ~~النهي، أي يلزمكم غضبي وينزل بكم، وهو مأخوذ من حلول الدين، أي حضور وقت ~~أدائه { ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى } قرأ الأعمش ~~ويحيى بن وثاب والكسائي " فيحل " بضم الحاء، وكذلك قرؤوا " يحلل " بضم ~~اللام الأولى، وقرأ الباقون بالكسر فيهما وهما لغتان. قال الفراء والكسر ~~أحب إلي من الضم لأن الضم من الحلول بمعنى الوقوع. ويحل بالكسر يجب، ~~وجاء التفسير بالوجوب لا بالوقوع، وذكر نحو هذا أبو عبيدة وغيره. # ومعنى { فقد هوى } فقد هلك. قال الزجاج { فقد هوى } أي صار ~~إلى الهاوية، وهي قعر النار من هوى يهوي هويا، أي سقط من علو إلى سفل، ~~وهوى فلان، أي مات. { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل ~~صلحا } أي لمن تاب من الذنوب التي أعظمها الشرك بالله، وآمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعمل عملا صالحا مما ندب إليه ~~الشرع وحسنه { ثم اهتدى } أي استقام على ذلك حتى يموت كذا قال ~~الزجاج وغيره. وقيل لم يشك في إيمانه. وقيل أقام على السنة والجماعة، ~~وقيل تعلم العلم ليهتدي به. وقيل علم أن لذلك ثوابا وعلى تركه عقابا، ~~والأول أرجح مما بعده. { وما أعجلك عن قومك يموسى } هذا ~~حكاية لما جرى بين الله سبحانه وبين موسى عند موافاته الميقات. قال ~~المفسرون وكانت المواعدة أن يوافي موسى وجماعة من وجوه ms2407 قومه. فسار موسى ~~بهم، ثم عجل من بينهم شوقا إلى ربه، فقال الله له ما أعجلك؟ أي ما الذي ~~حملك على العجلة، حتى تركت قومك وخرجت من بينهم، فأجاب موسى عن ذلك { ~~قال هم أولاء على أثري } أي هم بالقرب مني، تابعون لأثرى ~~واصلون بعدي. وقيل لم يرد أنهم يسيرون خلفه، بل أراد أنهم بالقرب منه ~~ينتظرون عوده إليهم. ثم قال مصرحا بسبب ما سأله الله عنه فقال { ~~وعجلت إليك رب لترضى } أي لترضى عني بمسارعتي إلى امتثال ~~أمرك أو لتزداد رضا عني بذلك. قال أبو حاتم قال عيسى بن عمر بنو تميم ~~يقولون " أولى " مقصورة، وأهل الحجاز يقولون " أولاء " ممدودة. وقرأ ابن ~~أبي إسحاق ونصر، ورويس عن يعقوب " على إثري " بكسر الهمزة وإسكان الثاء، ~~وقرأ الباقون بفتحها وهما لغتان. ومعنى { عجلت إليك } عجلت إلى الموضع ~~الذي أمرتني بالمصير إليه لترضى عني. يقال رجل عجل وعجول وعجلان بين ~~العجلة. والعجلة خلاف البطء. وجملة { قال فإنا قد فتنا ~~قومك من بعدك } مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل فماذا قال ~~الله له؟ فقيل قال إنا قد فتنا قومك من بعدك، أي ابتليناهم واختبرناهم ~~وألقيناهم في فتنة ومحنة. قال ابن الأنباري صيرناهم مفتونين أشقياء ~~بعبادة العجل من بعد انطلاقك من بينهم، وهم الذين خلفهم مع هارون { ~~وأضلهم السامري } أي دعاهم إلى الضلالة، وكان من قوم يعبدون ~~البقر، فدخل في دين بني إسرائيل في الظاهر وفي قلبه ما فيه من عبادة ~~البقر، وكان من قبيلة تعرف بالسامرة، وقال لمن معه من بني إسرائيل إنما ~~تخلف موسى عن الميعاد الذي بينكم وبينه لما صار معكم من الحلي، وهي حرام ~~عليكم وأمرهم بإلقائها في النار، فكان من أمر العجل ما كان. { فرجع ~~موسى إلى قومه غضبن أسفا } قيل وكان الرجوع إلى قومه ~~بعد ما استوفى أربعين يوما ذا القعدة، وعشر ذي الحجة، والأسف الشديد ~~الغضب. # وقيل الحزين، وقد مضى في الأعراف بيان هذا مستوفى. { قال يا قوم ~~ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا } الاستفهام للإنكار ~~التوبيخي، والوعد ms2408 الحسن وعدهم بالجنة إذا أقاموا على طاعته، ووعدهم أن ~~يسمعهم كلامه في التوراة على لسان موسى ليعملوا بما فيها، فيستحقوا ثواب ~~عملهم، وقيل وعدهم النصر والظفر. وقيل هو قوله { وإنى لغفار ~~لمن تاب } الآية. { أفطال عليكم العهد } الفاء للعطف ~~على مقدر، أي أوعدكم ذلك، فطال عليكم الزمان فنسيتم { أم أردتم ~~أن يحل عليكم غضب من ربكم } أي يلزمكم وينزل بكم، ~~والغضب العقوبة والنقمة. والمعنى أم أردتم أن تفعلوا فعلا يكون سبب حلول ~~غضب الله عليكم { فأخلفتم موعدى } أي موعدكم إياي، فالمصدر ~~مضاف إلى المفعول لأنهم وعدوه أن يقيموا على طاعة الله عز وجل إلى أن ~~يرجع إليهم من الطور. وقيل وعدوه أن يأتوا على أثره إلى الميقات، فتوقفوا ~~فأجابوه، و { قالوا ما أخلفنا موعدك } الذي وعدناك { ~~بملكنا } بفتح الميم، وهي قراءة نافع وأبي جعفر وعاصم وعيسى بن عمر، ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسر الميم، واختار هذه القراءة أبو ~~عبيد وأبو حاتم لأنها على اللغة العالية الفصيحة، وهو مصدر ملكت الشيء ~~أملكه ملكا، والمصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف، أي بملكنا أمورنا، ~~أو بملكنا الصواب، بل أخطأنا ولم نملك أنفسنا وكنا مضطرين إلى الخطأ، ~~وقرأ حمزة والكسائي " بملكنا " بضم الميم، والمعنى بسلطاننا، أي لم يكن ~~لنا ملك فنخلف موعدك. وقيل إن الفتح والكسر والضم في " بملكنا " كلها ~~لغات في مصدر ملكت الشيء. { ولكنا حملنا أوزارا من ~~زينة القوم } قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص وأبو جعفر ورويسك ~~" حملنا " بضم الحاء وتشديد الميم، وقرأ الباقون بفتح الحاء والميم ~~مخففة، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم لأنهم حملوا حلية القوم ~~معهم باختيارهم، وما حملوها كرها، فإنهم كانوا استعاروها منهم حين ~~أرادوا الخروج مع موسى، وأوهموهم أنهم يجتمعون في عيد لهم أو وليمة. وقيل ~~هو ما أخذوه من آل فرعون لما قذفهم البحر إلى الساحل، وسميت أوزارا، أي ~~آثاما لأنه لا يحل لهم أخذها، ولا تحل لهم الغنائم في شريعتهم والأوزار ~~في الأصل الأثقال، كما صرح به أهل اللغة، ms2409 والمراد بالزينة هنا الحلي { ~~فقذفناها } أي طرحناها في النار طلبا للخلاص من إثمها. وقيل ~~المعنى طرحناها إلى السامري لتبقى لديه حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه { ~~فكذلك ألقى السامري } أي فمثل ذلك القذف ألقاها السامري. ~~قيل إن السامري قال لهم حين استبطأ القوم رجوع موسى إنما احتبس عنكم ~~لأجل ما عندكم من الحلي، فجمعوه ودفعوه إليه، فرمى به في النار وصاغ لهم ~~منه عجلا، ثم ألقى عليه قبضة من أثر الرسول وهو جبريل، فصار { عجلا ~~جسدا له خوار } أي يخور كما يخور الحي من العجول، والخوار صوت ~~البقر. # وقيل خواره كان بالريح لأنه كان عمل فيه خروقا. فإذا دخلت الريح في ~~جوفه خار ولم يكن فيه حياة { فقالوا هذا إلهكم وإله ~~موسى } أي قال السامري ومن وافقه هذه المقالة { فنسي } أي فضل ~~موسى ولم يعلم مكان إلهه هذا، وذهب يطلبه في الطور. وقيل المعنى فنسي ~~موسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه وإلهكم. وقيل الناسي هو السامري، أي ترك ~~السامري ما أمر به موسى من الإيمان وضل، كذا قال ابن الأعرابي. { ~~أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا } أي أفلا يعتبرون ~~ويتفكرون في أن هذا العجل لا يرجع إليهم قولا، أي لا يرد عليهم جوابا، ~~ولا يكلمهم إذا كلموه، فكيف يتوهمون أنه إله وهو عاجز عن المكالمة، فأن ~~في " ألا يرجع " هي المخففة من الثقيلة، وفيها ضمير مقدر يرجع إلى ~~العجل، ولهذا ارتفع الفعل بعدها، ومنه قول الشاعر # في فتية من سيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى وينتعل # أي أنه هالك. وقرىء بنصب الفعل على أنها الناصبة، وجملة { ولا ~~يملك لهم ضرا ولا نفعا } معطوفة على جملة { لا يرجع } أي ~~أفلا يرون أنه لا يقدر على أن يدفع عنهم ضرا ولا يجلب إليهم نفعا. { ~~ولقد قال لهم هرون من قبل } اللام هي الموطئة للقسم، ~~والجملة مؤكدة لما تضمنته الجملة التي قبلها من الإنكار عليهم والتوبيخ، ~~لهم أي ولقد قال لهم هارون من قبل أن يأتي موسى ويرجع إليهم ms2410 { يقوم ~~إنما فتنتم به } أي وقعتم في الفتنة بسبب العجل، وابتليتم به ~~وضللتم عن طريق الحق لأجله. قيل ومعنى القصر المستفاد من إنما هو أن ~~العجل صار سببا لفتنتهم لا لرشادهم وليس معناه أنهم فتنوا بالعجل لا ~~بغيره { وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا ~~أمري } أي ربكم الرحمن لا العجل، فاتبعوني في أمري لكم بعبادة الله، ~~ولا تتبعوا السامري في أمره لكم بعبادة العجل، وأطيعوا أمري لا أمره. { ~~قالوا لن نبرح عليه عكفين حتى يرجع إلينا ~~موسى } أجابوا هارون عن قوله المتقدم بهذا الجواب المتضمن لعصيانه، ~~وعدم قبول ما دعاهم إليه من الخير وحذرهم عنه من الشر، أي لن نزال ~~مقيمين على عبادة هذا العجل، حتى يرجع إلينا موسى، فينظر هل يقررنا على ~~عبادته أو ينهانا عنها؟ فعند ذلك اعتزلهم هارون في اثني عشر ألفا من ~~المنكرين لما فعله السامري. وقد أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله { يبسا } قال يابسا ليس فيه ماء ولا ~~طين. # وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. وأخرج ~~ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { لا تخاف دركا } من آل فرعون ~~{ ولا تخشى } من البحر غرقا. وأخرجا عنه أيضا في قوله { فقد ~~هوى } شقي. وأخرجا عنه أيضا { وإني لغفار لمن تاب } قال ~~من الشرك { وآمن } قال وحد الله { وعمل صلحا } قال أدى ~~الفرائض { ثم اهتدى } قال لم يشك. وأخرج سعيد بن منصور والفريابي ~~عنه أيضا { وإني لغفار لمن تاب } قال من تاب من الذنب، وآمن ~~من الشرك، وعمل صالحا فيما بينه وبين ربه { ثم اهتدى } علم أن ~~لعمله ثوابا يجزى عليه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { ثم ~~اهتدى } قال ثم استقام، لزم السنة والجماعة. وأخرج سعيد بن منصور ~~وابن أبي شيبة، والبيهقي في الشعب من طريق عمرو بن ميمون عن رجل من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال تعجل موسى إلى ربه، فقال الله { وما ~~أعجلك عن ms2411 قومك يموسى } الآية، قال فرأى في ظل العرش رجلا ~~فعجب له، فقال من هذا يا رب؟ قال لا أحدثك من هو، لكن سأخبرك بثلاث فيه ~~كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولا يعق والديه، ولا يمشي ~~بالنميمة. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، ~~والحاكم وصححه عن علي قال لما تعجل موسى إلى ربه عمد السامري فجمع ما ~~قدر عليه من حلي بني إسرائيل فضربه عجلا، ثم ألقى القبضة في جوفه فإذا ~~هو عجل جسد له خوار، فقال لهم السامري { هذا إلهكم وإله موسى } ، فقال ~~لهم هارون { يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا } فلما أن رجع موسى أخذ ~~برأس أخيه، فقال له هارون ما قال، فقال موسى للسامري ما خطبك؟ قال { ~~فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك ~~سولت لي نفسي } فعمد موسى إلى العجل، فوضع موسى عليه المبارد ~~فبرده بها وهو على شط نهر فما شرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد ذلك ~~العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب، فقالوا لموسى ما توبتنا؟ قال يقتل بعضكم ~~بعضا، فأخذوا السكاكين فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وابنه ولا يبالي بمن ~~قتل حتى قتل منهم سبعون ألفا، فأوحى الله إلى موسى مرهم فليرفعوا ~~أيديهم، فقد غفرت لمن قتل وتبت على من بقي. والحكايات لهذه القصة كثيرة ~~جدا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { بملكنا } قال ~~بأمرنا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة { ~~بملكنا } قال بطاقتنا. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي مثله. وأخرج ~~أيضا عن الحسن قال بسلطاننا. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { هذا إلهكم وإله ~~موسى فنسي } قال فنسي موسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه. ### || [20.92-101] # جملة { قال يا هرون } مستأنفة جواب سؤال مقدر، والمعنى أن ~~موسى لما وصل إليهم أخذ بشعور رأس أخيه هارون وبلحيته وقال { ما ~~منعك } من اتباعي واللحوق بي عند ms2412 أن وقعوا في هذه الضلالة ودخلوا في ~~الفتنة. وقيل معنى { ما منعك... ألا تتبعن } ما منعك من اتباعي في ~~الإنكار عليهم. وقيل معناه هلا قاتلتهم إذ قد علمت أني لو كنت بينهم ~~لقاتلتهم. وقيل معناه هلا فارقتهم. و " لا " في { ألا تتبعن } زائدة، وهو ~~في محل نصب على أنه مفعول ثان لمنع، أي أي شيء منعك حين رؤيتك لضلالهم ~~من اتباعي، والاستفهام في { أفعصيت أمري } للإنكار والتوبيخ، ~~والفاء للعطف على مقدر كنظائره، والمعنى كيف خالفت أمري لك بالقيام لله ~~ومنابذة من خالف دينه وأقمت بين هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلها؟ وقيل ~~المراد بقوله { أمري } هو قوله الذي حكى الله عنه # وقال موسى لأخيه هرون اخلفنى فى قومى وأصلح ~~ولا تتبع سبيل المفسدين # الأعراف 142 فلما أقام معهم ولم يبالغ في الإنكار عليهم نسبه إلى ~~عصيانه. { قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا ~~برأسي } قرىء بالفتح والكسر للميم، وقد تقدم الكلام على هذا في سورة ~~الأعراف. ونسبه إلى الأم مع كونه أخاه لأبيه وأمه، عند الجمهور ~~استعطافا له وترقيقا لقلبه، ومعنى { ولا برأسي } ولا بشعر رأسي، ~~أي لا تفعل هذا بي عقوبة منك لي، فإن لي عذرا هو { إني خشيت أن ~~تقول فرقت بين بنى إسرءيل } أي خشيت إن خرجت عنهم ~~وتركتهم أن يتفرقوا فتقول إني فرقت جماعتهم وذلك لأن هارون لو خرج لتبعه ~~جماعة منهم وتخلف مع السامري عند العجل آخرون، وربما أفضى ذلك إلى ~~القتال بينهم، ومعنى { ولم ترقب قولي } ولم تعمل بوصيتي لك ~~فيهم، إني خشيت أن تقول فرقت بينهم، وتقول لم تعمل بوصيتي لك فيهم ~~وتحفظها، ومراده بوصية موسى له هو قوله # اخلفنى فى قومى وأصلح # الأعراف 142. قال أبو عبيد معنى { ولم ترقب قولي } ولم تنتظر ~~عهدي وقدومي لأنك أمرتني أن أكون معهم، فاعتذر هارون إلى موسى ها هنا ~~بهذا، واعتذر إليه في الأعراف بما حكاه الله عنه هنالك حيث قال # إن القوم استضعفونى وكادوا يقتلوننى # الأعراف 150. ثم ترك موسى الكلام مع أخيه وخاطب السامري فقال ms2413 { فما ~~خطبك يسمري } أي ما شأنك وما الذي حملك على ما صنعت { قال ~~بصرت بما لم يبصروا به } أي قال السامري مجيبا على موسى ~~رأيت ما لم يروا أو علمت بما لم يعلموا وفطنت لما لم يفطنوا له، وأراد ~~بذلك أنه رأى جبريل على فرس الحياة فألقى في ذهنه أن يقبض قبضة من أثر ~~الرسول، وأن ذلك الأثر لا يقع على جماد إلا صار حيا. # وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وخلف " ما لم تبصروا به " بالمثناة من فوق ~~على الخطاب، وقرأ الباقون بالتحتية، وهي أولى لأنه يبعد كل البعد أن ~~يخاطب موسى بذلك ويدعي لنفسه أنه علم ما لم يعلم به موسى، وقرىء بضم ~~الصاد فيهما وبكسرها في الأول وفتحها في الثاني، وقرأ أبي بن كعب وابن ~~مسعود والحسن وقتادة " فقبضت قبصة " بالصاد المهملة فيهما، وقرأ الباقون ~~بالضاد المعجمة فيهما، والفرق بينهما أن القبض بالمعجمة هو الأخذ بجميع ~~الكف، وبالمهملة بأطراف الأصابع. والقبضة بضم القاف القدر المقبوض. قال ~~الجوهري هي ما قبضت عليه من شيء، قال وربما جاء بالفتح، وقد قرىء " قبضة ~~" بضم القاف وفتحها، ومعنى الفتح المرة من القبض، ثم أطلقت على المقبوض ~~وهو معنى القبضة بضم القاف، ومعنى { من أثر الرسول } من المحل ~~الذي وقع عليه حافر فرس جبريل، ومعنى { فنبذتها } فطرحتها في ~~الحلي المذابة المسبوكة على صورة العجل { وكذلك سولت لي ~~نفسي } قال الأخفش أي زينت، أي ومثل ذلك التسويل سولت لي نفسي. وقيل ~~معنى { سولت لي نفسي } حدثتني نفسي. فلما سمع موسى منه قال { فاذهب ~~فإن لك فى الحيوة أن تقول لا مساس } أي فاذهب من ~~بيننا واخرج عنا فإن لك في الحياة، أي ما دمت حيا، وطول حياتك أن تقول ~~لا مساس. المساس مأخوذ من المماسة، أي لا يمسك أحد ولا تمس أحدا، لكن ~~لا بحسب الاختيار منك، بل بموجب الاضطرار الملجىء إلى ذلك لأن الله ~~سبحانه أمر موسى أن ينفي السامري عن قومه، وأمر بني إسرائيل أن لا ~~يخالطوه ولا يقربوه ولا يكلموه عقوبة له. ms2414 قيل إنه لما قال له موسى ذلك ~~هرب، فجعل يهيم في البرية مع السباع والوحش لا يجد أحدا من الناس يمسه، ~~حتى صار كمن يقول لا مساس، لبعده عن الناس وبعد الناس عنه، كما قال ~~الشاعر # حمال رايات بها قناعسا حتى تقول الأزد لا مسايسا # قال سيبويه وهو مبني على الكسر. قال الزجاج كسرت السين لأن الكسرة من ~~علامة التأنيث. قال الجوهري في الصحاح وأما قول العرب لا مساس، مثل قطام، ~~فإنما بني على الكسر لأنه معدول عن المصدر، وهو المس. قال النحاس وسمعت ~~علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد المبرد يقول إذا اعتل الشيء من ~~ثلاث جهات وجب أن يبنى، وإذا اعتل من جهتين وجب ألا ينصرف، لأنه ليس بعد ~~الصرف إلا البناء، فمساس، دراك اعتل من ثلاث جهات منها أنه معدول، ومنها ~~أنه مؤنث، ومنها أنه معرفة، فلما وجب البناء فيه وكانت الألف قبل السين ~~ساكنة كسرت السين لالتقاء الساكنين. # وقد رأيت أبا إسحاق، يعني الزجاج، ذهب إلى أن هذا القول خطأ وألزم أبا ~~العباس إذا سميت امرأة بفرعون أن يبنيه وهذا لا يقوله أحد. وقد قرأ بفتح ~~الميم أبو حيوة والباقون بكسرها. وحاصل ما قيل في معنى { لا مساس } ثلاثة ~~أوجه الأول أنه حرم عليه مماسة الناس، وكان إذا ماسه أحد حم الماس ~~والممسوس، فلذلك كان يصيح إذا رأى أحدا لا مساس. والثاني أن المراد منع ~~الناس من مخالطته واعترض بأن الرجل إذا صار مهجورا فلا يقول هو لا مساس، ~~وإنما يقال له. وأجيب بأن المراد الحكاية، أي أجعلك يا سامري بحيث إذا ~~أخبرت عن حالك قلت لا مساس. والقول الثالث أن المراد انقطاع نسله، وأن ~~يخبر بأنه لا يتمكن من مماسة المرأة، قاله أبو مسلم وهو ضعيف جدا. ثم ~~ذكر حاله في الآخرة فقال { وإن لك موعدا لن تخلفه } أي ~~لن يخلفك الله ذلك الموعد، وهو يوم القيامة، والموعد مصدر، أي إن لك ~~وعدا لعذابك، وهو كائن لا محالة، قال الزجاج أي يكافئك الله ms2415 على ما فعلت ~~في القيامة والله لا يخلف الميعاد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن ~~محيصن واليزيدي والحسن " لن تخلفه بكسر " اللام، وله على هذه القراءة ~~معنيان أحدهما ستأتيه ولن تجده مخلفا كما تقول أحمدته، أي وجدته ~~محمودا. والثاني على التهديد، أي لا بد لك من أن تصير إليه. وقرأ ابن ~~مسعود " لن نخلفه " بالنون، أي لن يخلفه الله. وقرأ الباقون بفتح اللام، ~~وبالفوقية مبنيا للمفعول، معناه ما قدمناه. { وانظر إلى ~~إلهك الذى ظلت عليه عاكفا } ظلت أصله ظللت فحذفت ~~اللام الأولى تخفيفا، والعرب تفعل ذلك كثيرا. وقرأ الأعمش بلامين على ~~الأصل. وفي قراءة ابن مسعود " ظلت " بكسر الظاء. والمعنى انظر إلى إلهك ~~الذي دمت وأقمت على عبادته، والعاكف الملازم. { لنحرقنه } قرأ ~~الجمهور بضم النون وتشديد الراء من حرقه يحرقه. وقرأ الحسن بضم النون ~~وسكون الحاء وتخفيف الراء من أحرقه يحرقه. وقرأ علي وابن عباس وأبو جعفر ~~وابن محيصن وأشهب والعقيلي " لنحرقنه " بفتح النون وضم الراء مخففة، من ~~حرقت الشيء أحرقه حرقا إذا بردته وحككت بعضه ببعض أي لنبردنه بالمبارد، ~~ويقال للمبرد المحرق. والقراءة الأولى أولى، ومعناها الإحراق بالنار، ~~وكذا معنى القراءة الثانية، وقد جمع بين هذه الثلاث القراءات بأنه أحرق، ~~ثم برد بالمبرد، وفي قراءة ابن مسعود " لنذبحنه ثم لنحرقنه " واللام هي ~~الموطئة للقسم. { ثم لننسفنه فى اليم نسفا } النسف نفض ~~الشيء ليذهب به الريح. قرأ أبو رجاء " لننسفنه " بضم السين، وقرأ الباقون ~~بكسرها، وهما لغتان. والمنسف ما ينسف به الطعام، وهو شيء منصوب الصدر ~~أعلاه مرتفع، والنسافة ما يسقط منه. # { إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو } لا ~~هذا العجل الذي فتنتم به السامري { وسع كل شيء علما } قرأ ~~الجمهور { وسع } بكسر السين مخففة. وهو متعد إلى مفعول واحد، وهو { كل ~~شيء }. وانتصاب { علما } على التمييز المحول عن الفاعل، أي وسع علمه كل ~~شيء. وقرأ مجاهد وقتادة " وسع " بتشديد السين وفتحها فيتعدى إلى مفعولين، ~~ويكون انتصاب { علما } على أنه المفعول الأول وإن كان متأخرا لأنه في ms2416 ~~الأصل فاعل، والتقدير وسع علمه كل شيء، وقد مر نحو هذا في الأعراف. { ~~كذلك نقص عليك } الكاف في محل نصب على أنها نعت لمصدر محذوف، ~~أي كما قصصنا عليك خبر موسى كذلك نقص عليك { من أنباء ما قد ~~سبق } أي من أخبار الحوادث الماضية في الأمم الخالية لتكون تسلية لك ~~ودلالة على صدقك، و " من " للتبعيض، أي بعض أخبار ذلك { وقد ~~آتينك من لدنا ذكرا } المراد بالذكر القرآن، وسمي ذكرا ~~لما فيه من الموجبات للتذكر والاعتبار. وقيل المراد بالذكر الشرف كقوله # وإنه لذكر لك ولقومك # الزخرف 44. ثم توعد سبحانه المعرضين على هذا الذكر فقال { من ~~أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيمة وزرا } أي ~~أعرض عنه فلم يؤمن به ولا عمل بما فيه وقيل أعرض عن الله سبحانه، فإن ~~المعرض عنه يحمل يوم القيامة وزرا، أي إثما عظيما وعقوبة ثقيلة بسبب ~~إعراضه { خلدين فيه } في الوزر، والمعنى أنهم يقيمون في جزائه. ~~وانتصاب { خالدين } على الحال { وساء لهم يوم القيمة ~~حملا } أي بئس الحمل يوم القيامة، والمخصوص بالذم محذوف، أي ساء لهم ~~حملا وزرهم، واللام للبيان، كما في # هيت لك # يوسف 23. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { يهرون ما ~~منعك } إلى قوله { أفعصيت أمري } قال أمره موسى أن يصلح ولا ~~يتبع سبيل المفسدين، فكان من إصلاحه أن ينكر العجل. وأخرج عنه أيضا في ~~قوله { ولم ترقب قولى } قال لم تنتظر قولي ما أنا صانع، وقال ~~ابن عباس { لم ترقب } لم تحفظ قولي. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن ~~أبي حاتم عن قتادة في قوله { فإن لك في الحيوة أن تقول مساس ~~} قال عقوبة له { وإن لك موعدا لن تخلفه } قال لن تغيب ~~عنه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وانظر ~~إلى إلهك الذى ظلت عليه عاكفا } قال أقمت { ~~لنحرقنه } قال بالنار { ثم لننسفنه في اليم } قال ~~لنذرينه في البحر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان يقرأ " ~~لنحرقنه " خفيفة، ويقول إن ms2417 الذهب والفضة لا تحرق بالنار، بل ~~تسحل بالمبرد ثم تلقى على النار فتصير رمادا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ~~قال { اليم } البحر. وأخرج أيضا عن علي قال { اليم } النهر. وأخرج ~~أيضا عن قتادة في قوله { وسع كل شىء علما } قال ملأ. وأخرج ~~أيضا عن ابن زيد في قوله { من لدنا ذكرا } قال القرآن. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { وزرا } قال إثما. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وساء لهم ~~يوم القيمة حملا } يقول بئس ما حملوا. ### || [20.102-112] # الظرف وهو { يوم ينفخ } متعلق بمقدر هو اذكر. وقيل هو بدل من يوم ~~القيامة، والأول أولى. قرأ الجمهور { ينفخ } بضم الياء التحتية مبنيا ~~للمفعول، وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق بالنون مبنيا للفاعل، واستدل ~~أبو عمرو على قراءته هذه بقوله { ونحشر } فإنه بالنون، وقرأ ابن هرمز " ~~ينفخ " بالتحتية مبنيا للفاعل على أن الفاعل هو الله سبحانه أو إسرافيل، ~~وقرأ أبو عياض " في الصور " بفتح الواو جمع صورة، وقرأ الباقون بسكون ~~الواو. وقرأ طلحة بن مصرف والحسن " يحشر " بالياء التحتية مبنيا ~~للمفعول ورفع { المجرمين } وهو خلاف رسم المصحف، وقرأ الباقون بالنون. ~~وقد سبق تفسير هذا في الأنعام. والمراد بالمجرمين المشركون والعصاة ~~المأخوذون بذنوبهم التي لم يغفرها الله لهم، والمراد ب { يومئذ } ~~يوم النفخ في الصور. وانتصاب { زرقا } على الحال من المجرمين، أي زرق ~~العيون، والزرقة الخضرة في العين كعين السنور والعرب تتشاءم بزرقة العين، ~~وقال الفراء { زرقا } أي عميا. وقال الأزهري عطاشا، وهو قول الزجاج، ~~لأن سواد العين يتغير بالعطش إلى الزرقة. وقيل إنه كني بقوله { زرقا } ~~عن الطمع الكاذب إذا تعقبته الخيبة. وقيل هو كناية عن شخوص البصر من شدة ~~الخوف، ومنه قول الشاعر # لقد زرقت عيناك يا بن معكبر كما كل ضبي من اللؤم أزرق # والقول الأول أولى، والجمع بين هذه الآية وبين قوله # ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما # الإسراء 97. ما قيل من أن ليوم القيامة حالات ومواطن ms2418 تختلف فيها صفاتهم ~~ويتنوع عندها عذابهم، وجملة { يتخفتون بينهم } في محل نصب ~~على الحال، أو مستأنفة لبيان ما هم فيه في ذلك اليوم، والخفت في اللغة ~~السكون، ثم قيل لمن خفض صوته خفته. والمعنى يتساررون، أي يقول بعضهم لبعض ~~سرا { إن لبثتم إلا عشرا } أي ما لبثتم في الدنيا إلا عشر ~~ليال. وقيل في القبور. وقيل بين النفختين، والمعنى أنهم يستقصرون مدة ~~مقامهم في الدنيا، أو في القبور، أو بين النفختين لشدة ما يرون من أهوال ~~القيامة. وقيل المراد بالعشر عشر ساعات. ثم لما قالوا هذا القول قال الله ~~سبحانه { نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم ~~طريقة } أي أعدلهم قولا وأكملهم رأيا وأعلمهم عند نفسه { إن ~~لبثتم إلا يوما } أي ما لبثتم إلا يوما واحدا، ونسبة هذا ~~القول إلى أمثلهم لكونه أدل على شدة الهول، لا لكونه أقرب إلى الصدق. { ~~ويسئلونك عن الجبال } أي عن حال الجبال يوم القيامة، وقد ~~كانوا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأمره الله سبحانه أن ~~يجيب عنهم فقال { فقل ينسفها ربي نسفا } قال ابن الأعرابي ~~وغيره يقلعها قلعا من أصولها، ثم يصيرها رملا يسيل سيلا، ثم يصيرها ~~كالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا، ثم كالهباء المنثور. # والفاء في قوله { فقل } جواب شرط مقدر، والتقدير إن سألوك فقل، أو ~~للمسارعة إلى إلزام السائلين. والضمير في قوله { فيذرها } راجع إلى ~~الجبال باعتبار مواضعها، أي فيذر مواضعها بعد نسف ما كان عليها من الجبال ~~{ قاعا صفصفا } قال ابن الأعرابي القاع الصفصف الأرض الملساء بلا ~~نبات ولا بناء، وقال الفراء القاع مستنقع الماء، والصفصف القرعاء الملساء ~~التي لا نبات فيها. وقال الجوهري القاع المستوي من الأرض، والجمع أقوع ~~وأقواع وقيعان. والظاهر من لغة العرب أن القاع الموضع المنكشف، والصفصف ~~المستوي الأملس، وأنشد سيبويه # وكم دون بيتك من صفصف ودكداك رمل وأعقادها # وانتصاب { قاعا } على أنه مفعول ثان ليذر على تضمينه معنى التصيير، أو ~~على الحال والصفصف صفة له. ومحل { لا ترى فيها عوجا } النصب ~~على ms2419 أنه صفة ثانية ل { قاعا } ، والضمير راجع إلى الجبال بذلك ~~الاعتبار. والعوج بكسر العين التعوج، قاله ابن الأعرابي. والأمت التلال ~~الصغار. والأمت في اللغة المكان المرتفع. وقيل العوج الميل، والأمت الأثر ~~مثل الشراك. وقيل العوج الوادي، والأمت الرابية. وقيل هما الارتفاع. وقيل ~~العوج الصدوع، والأمت الأكمة. وقيل الأمت الشقوق في الأرض. وقيل الأمت أن ~~يغلظ في مكان ويدق في مكان. ووصف مواضع الجبال بالعوج بكسر العين ها هنا ~~يدفع ما يقال إن العوج بكسر العين في المعاني وبفتحها في الأعيان، وقد ~~تكلف لذلك صاحب الكشاف في هذا الموضع بما عنه غني، وفي غيره سعة. { ~~يومئذ يتبعون الداعى لا عوج له } أي يوم نسف الجبال ~~يتبع الناس داعي الله إلى المحشر. وقال الفراء يعني صوت الحشر، وقيل ~~الداعي هو إسرافيل إذا نفخ في الصور لا عوج له، أي لا معدل لهم عن دعائه ~~فلا يقدرون على أن يزيغوا عنه، أو ينحرفوا منه بل يسرعون إليه كذا قال ~~أكثر المفسرين. وقيل لا عوج لدعائه { وخشعت الأصوات ~~للرحمن } أي خضعت لهيبته، وقيل ذلت. وقيل سكتت، ومنه قول الشاعر # لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع # { فلا تسمع إلا همسا } الهمس الصوت الخفي. قال أكثر ~~المفسرين هو صوت نقل الأقدام إلى المحشر، ومنه قول الشاعر # وهن يمشين بنا هميسا # يعني صوت أخفاف الإبل. وقال رؤبة يصف نفسه # ليث يدق الأسد الهموسا ولا يهاب الفيل والجاموسا # يقال للأسد الهموس لأنه يهمس في الظلمة، أي يطأ وطئا خفيا. والظاهر أن ~~المراد هنا كل صوت خفي سواء كان بالقدم، أو من الفم، أو غير ذلك، ويؤيده ~~قراءة أبي بن كعب " فلا ينطقون إلا همسا ". # { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي يوم يقع ما ذكر لا تنفع ~~الشفاعة من شافع كائنا من كان { إلا من أذن له الرحمن ~~} أي إلا شفاعة من أذن له الرحمن أن يشفع له { ورضى له قولا } ~~أي رضي قوله في الشفاعة أو رضي لأجله قول الشافع. والمعنى إنما تنفع ~~الشفاعة لمن أذن ms2420 له الرحمن في أن يشفع له، وكان له قول يرضى، ومثل هذه ~~الآية قوله # لا يشفعون إلا لمن ارتضى # الأنبياء 28، وقوله # لا يملكون الشفعة إلا من اتخذ عند ~~الرحمن عهدا # مريم 87، وقوله # فما تنفعهم شفعة الشفعين # المدثر 48. { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } أي ~~ما بين أيديهم من أمر الساعة، وما خلفهم من أمر الدنيا، والمراد هنا جميع ~~الخلق. وقيل المراد بهم الذين يتبعون الداعي، وقال ابن جرير الضمير يرجع ~~إلى الملائكة، أعلم الله من يعبدها أنها لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها ~~{ ولا يحيطون به علما } أي بالله سبحانه، لا تحيط علومهم ~~بذاته، ولا بصفاته، ولا بمعلوماته. وقيل الضمير راجع إلى ما في الموضعين ~~فإنهم لا يعلمون جميع ذلك { وعنت الوجوه للحي القيوم } ~~أي ذلت وخضعت، قاله ابن الأعرابي. قال الزجاج معنى عنت في اللغة خضعت، ~~يقال عنى يعنو عنوا إذا خضع، ومنه قيل للأسير عان، ومنه قول أمية بن أبي ~~الصلت # مليك على عرش السماء مهيمن لعزته تعنو الوجوه وتسجد # وقيل هو من العناء، بمعنى التعب { وقد خاب من حمل ظلما } ~~أي خسر من حمل شيئا من الظلم. وقيل هو الشرك. { ومن يعمل من ~~الصلحت } أي الأعمال الصالحة { وهو مؤمن } بالله لأن ~~العمل لا يقبل من غير إيمان، بل هو شرط في القبول { فلا يخاف ~~ظلما } يصاب به من نقص ثواب في الآخرة { ولا هضما } الهضم النقص ~~والكسر، يقال هضمت لك من حقي، أي حططته وتركته. وهذا يهضم الطعام، أي ~~ينقص ثقله. وامرأة هضيم الكشح، أي ضامرة البطن. وقرأ ابن كثير ومجاهد " ~~لا يخف " بالجزم جوابا لقوله { ومن يعمل من الصالحات } وقرأ الباقون { ~~يخاف } على الخبر. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن رجلا أتاه، ~~فقال رأيت قوله { ونحشر المجرمين يومئذ زرقا } وأخرى ~~عميا قال إن يوم القيامة فيه حالات يكونون في حال زرقا، وفي حال عميا. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله { يتخفتون ~~بينهم } قال يتساررون. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ms2421 بن حميد وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { أمثلهم طريقة } قال ~~أوفاهم عقلا، وفي لفظ قال أعلمهم في نفسه. وأخرج ابن المنذر وابن جريج ~~قال قالت قريش كيف يفعل ربك بهذه الجبال يوم القيامة؟ فنزلت { ~~ويسئلونك عن الجبال } الآية. # وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فيذرها ~~قاعا صفصفا } قال لا نبات فيه { لا ترى فيها عوجا } قال ~~واديا { ولا أمتا } قال رابية. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن عكرمة أنه سئل عن قوله { قاعا صفصفا * لا ترى ~~فيها عوجا ولا أمتا } قال كان ابن عباس يقول هي الأرض الملساء ~~التي ليس فيها رابية مرتفعة ولا انخفاض. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~{ عوجا } قال ميلا { ولا أمتا } قال الأمت الأثر مثل الشراك. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال يحشر الناس يوم القيامة في ~~ظلمة تطوي السماء وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد ~~فيتبع الناس الصوت يؤمونه. فذلك قول الله { يومئذ يتبعون ~~الداعي لا عوج له }. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح في الآية ~~قال لا عوج عنه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~وخشعت الأصوات } قال سكتت { فلا تسمع إلا همسا } ~~قال الصوت الخفي. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله { إلا ~~همسا } قال صوت وطء الأقدام. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك وعكرمة ~~وسعيد بن جبير والحسن مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال ~~الصوت الخفي. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال سر الحديث وصوت ~~الأقدام. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { وعنت ~~الوجوه } قال ذلت. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة مثله. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال خشعت. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال خضعت. وأخرج ابن المنذر وابن أبي ms2422 حاتم ~~عن ابن عباس قال { وعنت الوجوه } الركوع والسجود. وأخرج ابن ~~المنذر عن ابن جريج { وقد خاب من حمل ظلما } قال شركا. ~~وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة { وقد خاب من حمل ~~ظلما } قال شركا { فلا يخاف ظلما ولا هضما } قال ظلما ~~أن يزاد في سيئاته { ولا هضما } قال ينقص من حسناته. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه قال لا يخاف أن يظلم في سيئاته، ولا يهضم في ~~حسناته. وأخرج الفريابي وعبد ابن حميد وابن أبي حاتم عنه { ولا هضما ~~} قال غصبا. ### || [20.113-122] # قوله { وكذلك أنزلنه } معطوف على قوله { كذلك نقص ~~عليك } أي مثل ذلك الإنزال أنزلناه، أي القرآن حال كونه { قرءانا ~~عربيا } أي بلغة العرب ليفهموه { وصرفنا فيه من ~~الوعيد } بينا فيه ضروبا من الوعيد تخويفا وتهديدا أو كررنا فيه ~~بعضا منه { لعلهم يتقون } أي كي يخافوا الله فيتجنبوا معاصيه ~~ويحذروا عقابه { أو يحدث لهم ذكرا } أي اعتبارا واتعاظا. ~~وقيل ورعا. وقيل شرفا. وقيل طاعة وعبادة لأن الذكر يطلق عليها. وقرأ ~~الحسن " أو نحدث " بالنون. { فتعلى الله الملك الحق } ~~لما بين للعباد عظيم نعمته عليهم بإنزال القرآن نزه نفسه عن مماثلة ~~مخلوقاته في شيء من الأشياء، أي جل الله عن إلحاد الملحدين وعما يقول ~~المشركون في صفاته فإنه الملك الذي بيده الثواب والعقاب، وأنه الحق أي ذو ~~الحق { ولا تعجل بالقرءان من قبل إن يقضى إليك ~~وحيه } أي يتم إليك وحيه. قال المفسرون كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي حرصا منه على ما كان ~~ينزل عليه منه فنهاه الله عن ذلك، ومثله قوله # لا تحرك به لسانك لتعجل به # القيامة 16. على ما يأتي إن شاء الله. وقيل المعنى ولا تلقه إلى الناس ~~قبل أن يأتيك بيان تأويله، وقرأ ابن مسعود ويعقوب والحسن والأعمش " من ~~قبل أن نقضي " بالنون ونصب " وحيه ". { وقل رب زدني علما } أي ~~سل ربك زيادة العلم بكتابه. { ولقد عهدنا إلى ءادم } اللام ~~هي الموطئة ms2423 للقسم، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها من تصريف الوعيد، أي ~~لقد أمرناه ووصيناه، والمعهود محذوف، وهو ما سيأتي من نهيه عن الأكل من ~~الشجرة، ومعنى { من قبل } أي من قبل هذا الزمان { فنسي } قرأ ~~الأعمش بإسكان الياء، والمراد بالنسيان هنا ترك العمل بما وقع به العهد ~~إليه فيه، وبه قال أكثر المفسرين. وقيل النسيان على حقيقته، وأنه نسي ما ~~عهد الله به إليه وينتهي عنه، وكان آدم مأخوذا بالنسيان في ذلك الوقت، ~~وإن كان النسيان مرفوعا عن هذه الأمة. والمراد من الآية تسلية النبي ~~صلى الله عليه وسلم على القول الأول، أي أن طاعة بني آدم للشيطان أمر ~~قديم، وأن هؤلاء المعاصرين له إن نقضوا العهد فقد نقض أبوهم آدم، كذا قال ~~ابن جرير والقشيري. واعترضه ابن عطية قائلا بأن كون آدم مماثلا للكفار ~~الجاحدين بالله ليس بشيء، وقرىء " فنسي " بضم النون وتشديد السين مكسورة ~~مبنيا للمفعول، أي فنساه إبليس { ولم نجد له عزما } العزم في ~~اللغة توطين النفس على الفعل والتصميم عليه، والمضي على المعتقد في أي ~~شيء كان، وقد كان آدم عليه السلام قد وطن نفسه على أن لا يأكل من الشجرة ~~وصمم على ذلك، فلما وسوس إليه إبليس لانت عريكته وفتر عزمه وأدركه ضعف ~~البشر. # وقيل العزم الصبر، أي لم نجد له صبرا عن أكل الشجرة. قال النحاس وهو ~~كذلك في اللغة، يقال لفلان عزم، أي صبر وثبات على التحفظ عن المعاصي حتى ~~يسلم منها، ومنه # كما صبر أولوا العزم من الرسل # الأحقاف 35. وقيل المعنى ولم نجد له عزما على الذنب، وبه قال ابن ~~كيسان. وقيل ولم نجد له رأيا معزوما عليه، وبه قال ابن قتيبة. ثم شرع ~~سبحانه في كيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه، والعامل في إذ مقدر، أي واذكر ~~{ إذ قلنا للملئكة اسجدوا لآدم } وتعليق الذكر ~~بالوقت مع أن المقصود ذكر ما فيه من الحوادث للمبالغة لأنه إذا وقع الأمر ~~بذكر الوقت كان ذكر ما فيه من الحوادث لازما بطريق الأولى وقد تقدم ~~تفسير هذه ms2424 القصة في البقرة مستوفى، ومعنى { فتشقى } فتتعب في تحصيل ~~ما لا بد منه في المعاش كالحرث والزرع، ولم يقل " فتشقيا " لأن الكلام ~~من أول القصة مع آدم وحده. ثم علل ما يوجبه ذلك النهي بما فيه الراحة ~~الكاملة عن التعب والاهتمام، فقال { إن لك أن لا تجوع فيها ~~ولا تعرى } أي في الجنة. والمعنى إن لك فيها تمتعا بأنواع المعايش ~~وتنعما بأصناف النعم من المآكل الشهية والملابس البهية، فإنه لما نفى ~~عنه الجوع والعري أفاد ثبوت الشبع والاكتساء له، وهكذا قوله { وأنك ~~لا تظمؤا فيها ولا تضحى } فإن نفي الظمأ يستلزم حصول الري ~~ووجود المسكن الذي يدفع عنه مشقة الضحو، يقال ضحي الرجل يضحى ضحوا إذا ~~برز للشمس فأصابه حرها، فذكر سبحانه ها هنا أنه قد كفاه الاشتغال بأمر ~~المعاش وتعب الكد في تحصيله، ولا ريب أن أصول المتاعب في الدنيا هي ~~تحصيل الشبع والري والكسوة والكن، وما عدا هذه ففضلات يمكن البقاء ~~بدونها، وهو إعلام من الله سبحانه لآدم أنه إن أطاعه فله في الجنة هذا ~~كله، وإن ضيع وصيته ولم يحفظ عهده أخرجه من الجنة إلى الدنيا فيحل به ~~التعب والنصب بما يدفع الجوع والعري والظمأ والضحو. فالمراد بالشقاء شقاء ~~الدنيا، كما قاله كثير من المفسرين، لا شقاء الأخرى. قال الفراء هو أن ~~يأكل من كد يديه، وقرأ أبو عمرو والكوفيون إلا عاصما " وأنك لتظمأ " ~~بفتح أن، وقرأ الباقون بكسرها على العطف على إن لك. { فوسوس ~~إليه الشيطن } قد تقدم تفسيره في الأعراف في قوله # فوسوس لهما الشيطن # الأعراف 20 أي أنهى إليه وسوسته، وجملة { قال ياءادم } إلى آخره ~~إما بدل من وسوس أو مستأنفة بتقدير سؤال، كأنه قيل فماذا قال له في ~~وسوسته؟ و { شجرة الخلد } هي الشجرة التي من أكل منها لم يمت ~~أصلا { وملك لا يبلى } أي لا يزول ولا ينقضي { فأكلا ~~منها فبدت لهما سوآتهما } قد تقدم تفسير هذا وما بعده في ~~الأعراف. # قال الفراء ومعنى طفقا في العربية أقبلا، وقيل جعلا يلصقان عليهما ms2425 من ~~ورق التين { وعصى ءادم ربه فغوى } أي عصاه بالأكل من ~~الشجرة فغوى فضل عن الصواب أو عن مطلوبه، وهو الخلود بأكل تلك الشجرة. ~~وقيل فسد عليه عيشه بنزوله إلى الدنيا. وقيل جهل موضع رشده. وقيل بشم من ~~كثرة الأكل. قال ابن قتيبة أكل آدم من الشجرة التي نهي عنها باستزلال ~~إبليس وخدائعه إياه، والقسم له بالله إنه له لمن الناصحين حتى دلاه ~~بغرور، ولم يكن ذنبه عن اعتقاد متقدم ونية صحيحة، فنحن نقول عصى آدم ربه ~~فغوى. انتهى. قال القاضي أبو بكر بن العربي لا يجوز لأحد أن يخبر اليوم ~~بذلك عن آدم. قلت لا مانع من هذا بعد أن أخبرنا الله في كتابه بأنه عصاه، ~~وكما يقال حسنات الأبرار سيئات المقربين، ومما قلته في هذا المعنى # عصى أبو العالم وهو الذي من طينة صوره الله وأسجد الأملاك من أجله ~~وصير الجنة مأواه أغواه إبليس فمن ذا أنا المس كين إن إبليس أغواه # { ثم اجتبه ربه } أي اصطفاه وقربه. قال ابن فورك كانت ~~المعصية من آدم قبل النبوة بدليل ما في هذه الآية، فإنه ذكر الاجتباء ~~والهداية بعد ذكر المعصية، وإذا كانت المعصية قبل النبوة فجائز عليهم ~~الذنوب وجها واحدا { فتاب عليه وهدى } أي تاب عليه من ~~معصيته، وهداه إلى الثبات على التوبة. قيل وكانت توبة الله عليه قبل أن ~~يتوب هو وحواء بقولهما # ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخسرين # الأعراف 23. وقد مر وجه تخصيص آدم بالذكر دون حواء. وقد أخرج عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { أو ~~يحدث لهم } أي القرآن { ذكرا } قال حذرا وورعا. وأخرج ابن ~~مردويه عن ابن عباس في قوله { ولا تعجل بالقرءان } يقول لا ~~تعجل حتى نبينه لك. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه عن الحسن قال لطم رجل امرأته، فجاءت إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم تطلب قصاصا، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بينهما ms2426 القصاص، ~~فأنزل الله { ولا تعجل بالقرءان } الآية، فوقف النبي صلى ~~الله عليه وسلم حتى نزلت # الرجال قوامون على النساء # النساء 34 الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~في قوله { ولا تعجل } الآية قال لا تتله على أحد حتى نتمه لك. # وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، ~~وابن منده في التوحيد، والطبراني في الصغير وصححه عن ابن عباس قال إنما ~~سمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي. وأخرج عبد الغني، وابن سعد عن ابن عباس ~~{ ولقد عهدنا إلى ءادم } أن لا تقرب الشجرة { فنسي } ~~فترك عهدي { ولم نجد له عزما } قال حفظا. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا { فنسي } فترك { ولم نجد ~~له عزما } يقول لم نجعل له عزما. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عنه أيضا { إنك لا وأنك لا تظمؤا فيها ولا ~~تضحى } قال لا يصيبك فيها عطش ولا حر. وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن أبي ~~حاتم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، وهي شجرة ~~الخلد " # وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " حاج آدم موسى قال له أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم ~~بمعصيتك، قال آدم يا موسى، أنت الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، ~~أتلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني، أو قدره علي قبل أن ~~يخلقني " # ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " فحج آدم موسى ". ### || [20.123-127] # قوله { قال اهبطا } قد مر تفسيره في البقرة، أي انزلا من الجنة ~~إلى الأرض، خصهما الله سبحانه بالهبوط لأنهما أصل البشر، ثم عمم الخطاب ~~لهما ولذريتهما فقال { بعضكم لبعض عدو } والجملة في محل ~~نصب على الحال، ويجوز أن يقال خاطبهما في هذا وما بعده خطاب الجمع لأنهما ~~منشأ الأولاد. ومعنى { بعضكم لبعض عدو } تعاديهم في ms2427 أمر ~~المعاش ونحوه، فيحدث بسبب ذلك القتال والخصام { فإما يأتينكم ~~منى هدى } بإرسال الرسل وإنزال الكتب { فمن اتبع هداي ~~فلا يضل ولا يشقى } أي لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. ~~{ ومن أعرض عن ذكرى } أي عن ديني، وتلاوة كتابي، والعمل بما ~~فيه، ولم يتبع هداي { فإن له معيشة ضنكا } أي فإن له في هذه ~~الدنيا معيشة ضنكا، أي عيشا ضيقا. يقال منزل ضنك وعيش ضنك، مصدر يستوي ~~فيه الواحد وما فوقه والمذكر والمؤنث، قال عنترة # إن المنية لو تمثل مثلت مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل # وقرىء { ضنكى } بضم الضاد على فعلى، ومعنى الآية أن الله عز وجل جعل ~~لمن اتبع هداه وتمسك بدينه أن يعيش في الدنيا عيشا هنيا غير مهموم ولا ~~مغموم ولا متعب نفسه، كما قال سبحانه # فلنحيينه حيوة طيبة # النحل 97. وجعل لمن لم يتبع هداه وأعرض عن دينه أن يعيش عيشا ضيقا وفي ~~تعب ونصب، ومع ما يصيبه في هذه الدنيا من المتاعب، فهو في الأخرى أشد ~~تعبا وأعظم ضيقا وأكثر نصبا، وذلك معنى { ونحشره يوم ~~القيمة أعمى } أي مسلوب البصر. وقيل المراد العمى عن الحجة. ~~وقيل أعمى عن جهات الخير لا يهتدي إلى شيء منها. وقد قيل إن المراد ~~بالمعيشة الضنك عذاب القبر، وسيأتي ما يرجح هذا ويقويه. { قال ربى ~~لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } في الدنيا { قال ~~كذلك } أي مثل ذلك فعلت أنت، ثم فسره بقوله { أتتك آيتنا ~~فنسيتها } أي أعرضت عنها وتركتها ولم تنظر فيها { وكذلك ~~اليوم تنسى } أي مثل ذلك النسيان الذي كنت فعلته في الدنيا تنسى، ~~أي تترك في العمى والعذاب في النار. قال الفراء يقال إنه يخرج بصيرا من ~~قبره فيعمى في حشره. { وكذلك نجزي من أسرف } أي مثل ذلك ~~الجزاء نجزيه. والإسراف الانهماك في الشهوات. وقيل الشرك. { ولم ~~يؤمن بئايت ربه } بل كذب بها { ولعذاب الاخرة ~~أشد } أي أفظع من المعيشة الضنك { وأبقى } أي أدوم وأثبت لأنه ~~لا ينقطع. وقد أخرج ابن أبي شيبة والطبراني وأبو نعيم ms2428 في الحلية، وابن ~~مردويه عن ابن عباس، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من اتبع كتاب الله هداه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه سوء الحساب ~~يوم القيامة، وذلك أن الله يقول { فمن اتبع هداى فلا يضل ~~ولا يشقى } " # وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومحمد بن نصر ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب من طرق عن ~~ابن عباس قال أجار الله تابع القرآن من أن يضل في الدنيا أو يشقى في ~~الآخرة، ثم قرأ { فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ~~} قال لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن ~~منصور، ومسدد في مسنده، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري مرفوعا ~~في قوله { معيشة ضنكا } قال عذاب القبر. ولفظ عبد الرزاق قال يضيق ~~عليه قبره حتى تختلف أضلاعه. ولفظ ابن أبي حاتم قال ضمة القبر. وفي ~~إسناده ابن لهيعة، وفيه مقال معروف. وقد روي موقوفا. قال ابن كثير ~~الموقوف أصح. وأخرج البزار وابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في قوله # " { فإن له معيشة ضنكا } قال " المعيشة الضنكى أن يسلط عليه ~~تسعة وتسعون حية ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة " # وأخرج ابن أبي الدنيا والحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا ~~نحوه بأطول منه. قال ابن كثير رفعه منكر جدا. وأخرج ابن أبي شيبة ~~والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله # " { فإن له معيشة ضنكا } قال عذاب القبر " # قال ابن كثير بعد إخراجه إسناد جيد. وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن ~~المنذر والطبراني والبيهقي عن ابن مسعود في قوله { فإن له ~~معيشة ضنكا } قال عذاب القبر، ومجموع ما ذكرنا ms2429 هنا يرجح تفسير ~~المعيشة الضنك بعذاب القبر. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني، والبيهقي في ~~كتاب عذاب القبر عن ابن مسعود أنه فسر المعيشة الضنكى بالشقاء. وأخرج ~~هناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { ~~ونحشره يوم القيمة أعمى } قال عمي عليه كل شيء إلا ~~جهنم، وفي لفظ لا يبصر إلا النار. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله { ~~وكذلك نجزي من أسرف } قال من أشرك بالله. ### || [20.128-135] # قوله { أفلم يهد لهم } الاستفهام للتقريع والتوبيخ، والفاء ~~للعطف على مقدر، كما مر غير مرة، والجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها ~~وفاعل يهد هو الجملة المذكورة بعدها، والمفعول محذوف، وأنكر البصريون مثل ~~هذا لأن الجمل لا تقع فاعلا، وجوزه غيرهم. قال القفال جعل كثرة ما أهلك ~~من القرون مبينا لهم. قال النحاس وهذا خطأ لأن " كم " استفهام، فلا يعمل ~~فيها ما قبلها. وقال الزجاج المعنى أو لم يهد لهم الأمر بإهلاكنا من ~~أهلكناه، وحقيقته تدل على الهدى، فالفاعل هو الهدى، وقال " كم " في ~~موضع نصب ب { أهلكنا }. وقيل إن فاعل { يهد } ضمير لله أو للرسول، ~~والجملة بعده تفسره، ومعنى الآية على ما هو الظاهر أفلم يتبين لأهل مكة ~~خبر من { أهلكنا قبلهم من القرون } حال كون القرون { ~~يمشون في مسكنهم } ويتقلبون في ديارهم، أو حال كون هؤلاء ~~يمشون من مساكن القرون الذين أهلكناهم عند خروجهم للتجارة وطلب المعيشة، ~~فيرون بلاد الأمم الماضية، والقرون الخالية خاوية خاربة من أصحاب الحجر ~~وثمود وقرى قوم لوط، فإن ذلك مما يوجب اعتبارهم، لئلا يحل بهم مثل ما حل ~~بأولئك، وقرأ ابن عباس والسلمي " نهد " بالنون، والمعنى على هذه القراءة ~~واضح، وجملة { إن في ذلك لأولي النهى } تعليل للإنكار ~~وتقرير للهداية، والإشارة بقوله { ذلك } إلى مضمون { كم أهلكنا } إلى ~~آخره. والنهى جمع نهية، وهي العقل، أي لذوي العقول التي تنهى أربابها عن ~~القبيح. { ولولا كلمة سبقت من ربك } أي ولولا الكلمة ~~السابقة، وهي وعد الله سبحانه بتأخير عذاب هذه الأمة إلى الدار الآخرة ms2430 { ~~لكان } عقاب ذنوبهم { إلزاما } أي لازما لهم، لا ينفك عنهم بحال ولا ~~يتأخر. وقوله { وأجل مسمى } معطوف على { كلمة } قاله الزجاج ~~وغيره والأجل المسمى هو يوم القيامة، أو يوم بدر، واللزام مصدر لازم. قيل ~~ويجوز عطف { وأجل مسمى } على الضمير المستتر في كان العائد إلى الأخذ ~~العاجل المفهوم من السياق تنزيلا للفصل بالخبر منزلة التأكيد، أي لكان ~~الأخذ العاجل { وأجل مسمى } لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد ~~وثمود، وفيه تعسف ظاهر. ثم لما بين الله سبحانه أنه لا يهلكهم بعذاب ~~الاستئصال أمره بالصبر، فقال { فاصبر على ما يقولون } من أنك ~~ساحر كذاب، ونحو ذلك أن مطاعنهم الباطلة، والمعنى لا تحتفل بهم، فإن ~~لعذابهم وقتا مضروبا لا يتقدم ولا يتأخر. وقيل هذا منسوخ بآية القتال ~~{ وسبح بحمد ربك } أي متلبسا بحمده. قال أكثر المفسرين ~~والمراد الصلوات الخمس كما يفيد قوله { قبل طلوع الشمس } فإنه ~~إشارة إلى صلاة الفجر { وقبل غروبها } فإنه إشارة إلى صلاة العصر ~~{ ومن ءاناء اليل } العتمة، والمراد بالآناء الساعات، وهي جمع ~~إني بالكسر والقصر، وهو الساعة، ومعنى { فسبح } أي فصل { ~~وأطراف النهار } أي المغرب والظهر لأن الظهر في آخر طرف النهار ~~الأول، وأول طرف النهار الآخر. # وقيل إن الإشارة إلى صلاة الظهر هي بقوله { وقبل غروبها } لأنها ~~هي وصلاة العصر قبل غروب الشمس. وقيل المراد بالآية صلاة التطوع. ولو ~~قيل ليس في الآية إشارة إلى الصلاة بل المراد التسبيح في هذه الأوقات أي ~~قول القائل سبحان الله، لم يكن ذلك بعيدا من الصواب. والتسبيح وإن كان ~~يطلق على الصلاة ولكنه مجاز، والحقيقة أولى إلا لقرينة تصرف ذلك إلى ~~المعنى المجازي، وجملة { لعلك ترضى } متعلقة بقوله { فسبح } أي ~~سبح في هذه الأوقات رجاء أن تنال عند الله سبحانه ما ترضى به نفسك، هذا ~~على قراءة الجمهور. وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم " ترضى " بضم التاء ~~مبنيا للمفعول، أي يرتضيك ربك. { ولا تمدن عينيك إلى ~~ما متعنا به أزوجا منهم } قد تقدم تفسير هذه الآية في ~~الحجر. والمعنى لا تطل ms2431 نظر عينيك، و { أزواجا } مفعول { متعنا }. و { ~~زهرة } منصوبة على الحال، أو بفعل محذوف، أي جعلنا أو أعطينا، ذكر معنى ~~هذا الزجاج. وقيل هي بدل من الهاء في { به } باعتبار محله، وهو النصب لا ~~باعتبار لفظه، فإنه مجرور كما تقول مررت به أخاك. ورجح الفراء النصب على ~~الحال، يجوز أن تكون بدلا، ويجوز أن تكون منتصبة على المصدر مثل صبغة ~~الله ووعد الله و { زهرة الحيوة الدنيا } زينتها وبهجتها ~~بالنبات وغيره. وقرأ عيسى بن عمر " زهرة " بفتح الهاء، وهي نور النبات، ~~واللام في { لنفتنهم فيه } متعلق ب { متعنا } أي لنجعل ذلك فتنة ~~لهم وضلالة، ابتلاء منا لهم، كقوله # إنا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم # الكهف 7 وقيل لنعذبنهم. وقيل لنشدد عليهم في التكليف { ورزق ربك ~~خير وأبقى } أي ثواب الله، وما ادخر لصالح عباده في الآخرة خير ~~مما رزقهم في الدنيا على كل حال، وأيضا فإن ذلك لا ينقطع، وهذا ينقطع، ~~وهو معنى { وأبقى }. وقيل المراد بهذا الرزق ما يفتح الله على المؤمنين ~~من الغنائم ونحوها، والأول أولى لأن الخيرية المحققة والدوام الذي لا ~~ينقطع إنما يتحققان في الرزق الأخروي لا الدنيوي، وإن كان حلالا طيبا # ما عندكم ينفد وما عند الله باق # النحل 96. { وأمر أهلك بالصلوة } أمره الله سبحانه بأن ~~يأمر أهله بالصلاة. والمراد بهم أهل بيته. وقيل جميع أمته، ولم يذكر ها ~~هنا الأمر من الله له بالصلاة، بل قصر الأمر على أهله، إما لكون إقامته ~~لها أمرا معلوما، أو لكون أمره بها قد تقدم في قوله { وسبح ~~بحمد ربك } إلى آخر الآية، أو لكون أمره بالأمر لأهله أمرا له، ~~ولهذا قال { واصطبر عليها } أي اصبر على الصلاة، ولا تشتغل عنها ~~بشيء من أمور الدنيا { لا نسألك رزقا } أي لا نسألك أن ترزق ~~نفسك ولا أهلك، وتشتغل بذلك عن الصلاة { نحن نرزقك } ونرزقهم ~~ولا نكلفك ذلك { والعقبة للتقوى } أي العاقبة المحمودة، ~~وهي الجنة لأهل التقوى على حذف المضاف كما قال الأخفش. # وفيه دليل على أن التقوى ms2432 هي ملاك الأمر وعليها تدور دوائر الخير. { ~~وقالوا لولا يأتينا بئاية من ربه } أي قال كفار مكة ~~هلا يأتينا محمد بآية من آيات ربه كما كان يأتي بها من قبله من الأنبياء؟ ~~وذلك كالناقة والعصا، أو هلا يأتينا بآية من الآيات التي قد اقترحناها ~~عليه؟ فأجاب الله سبحانه وتعالى عليهم بقوله { أو لم يأتهم ~~بينة ما في الصحف الاولى } يريد بالصحف الأولى التوراة ~~والإنجيل والزبور وسائر الكتب المنزلة، وفيها التصريح بنبوته والتبشير ~~به، وذلك يكفي، فإن هذه الكتب المنزلة هم معترفون بصدقها وصحتها، وفيها ~~ما يدفع إنكارهم لنبوته، ويبطل تعنتاتهم وتعسفاتهم. وقيل المعنى أو لم ~~يأتهم إهلاكنا للأمم الذين كفروا واقترحوا الآيات، فما يؤمنهم إن أتتهم ~~الآيات التي اقترحوها أن يكون حالهم كحالهم. وقيل المراد أو لم تأتهم آية ~~هي أم الآيات وأعظمها في باب الإعجاز يعني القرآن، فإنه برهان لما في ~~سائر الكتب المنزلة. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو ويعقوب وابن ~~أبي إسحاق وحفص { أو لم تأتهم } بالتاء الفوقية، وقرأ الباقون بالتحتية ~~لأن معنى البينة البيان والبرهان، فذكروا الفعل اعتبارا بمعنى البينة، ~~واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم. قال الكسائي ويجوز " بينة " ~~بالتنوين. قال النحاس إذا نونت بينة ورفعت جعلت " ما " بدلا منها، وإذا ~~نصبت فعلى الحال. والمعنى أو لم يأتهم ما في الصحف الأولى مبينا، وهذا ~~على ما يقتضيه الجواز النحوي وإن لم تقع القراءة به. { ولو أنا ~~أهلكنهم بعذاب من قبله } أي من قبل بعثة محمد صلى الله ~~عليه وسلم أو من قبل إتيان البينة لنزول القرآن { لقالوا } يوم ~~القيامة { ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا } أي هلا أرسلت ~~إلينا رسولا في الدنيا { فنتبع ءايتك } التي يأتي بها ~~الرسول { من قبل أن نذل } بالعذاب في الدنيا { ونخزى } ~~بدخول النار، وقرىء " نذل ونخزى " على البناء للمفعول. وقد قطع الله ~~معذرة هؤلاء الكفرة بإرسال الرسول إليهم قبل إهلاكهم ولهذا حكى الله عنهم ~~أنهم # قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما ~~نزل الله من شىء # الملك 9. { قل ms2433 كل متربص فتربصوا } أي قل لهم يا محمد ~~كل واحد منا ومنكم متربص، أي منتظر لما يؤول إليه الأمر فتربصوا أنتم { ~~فستعلمون } عن قريب { من أصحب الصراط السوي } أي ~~فستعلمون بالنصر والعاقبة من هو من أصحاب الصراط المستقيم { ومن ~~اهتدى } من الضلالة ونزع عن الغواية، و " من " في الموضعين في محل ~~رفع بالابتداء. # قال النحاس والفراء يذهب إلى أن معنى { من أصحب الصراط ~~السوي } من لم يضل، وإلى أن معنى { من اهتدى } من ضل ثم ~~اهتدى وقيل " من " في الموضعين في محل نصب، وكذا قال الفراء. وحكي عن ~~الزجاج أنه قال هذا خطأ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وقرأ أبو ~~رافع " فسوف تعلمون " وقرأ يحيى بن يعمر وعاصم الجحدري " السوى " على ~~فعلى، وردت هذه القراءة بأن تأنيث الصراط شاذ وقيل هي بمعنى الوسط ~~والعدل. وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { ~~أفلم يهد لهم } ألم نبين لهم. { كم أهلكنا قبلهم ~~من القرون يمشون في مسكنهم } نحو عاد وثمود ومن أهلك ~~من الأمم. وفي قوله { ولولا كلمة سبقت من ربك لكان ~~لزاما وأجل مسمى } يقول هذا من مقاديم الكلام، يقول لولا ~~كلمة وأجل مسمى لكان لزاما. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي نحوه. وأخرج ~~ابن المنذر عن مجاهد قال الأجل المسمى الكلمة التي سبقت من ربك. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { لكان لزاما } ~~قال موتا. وأخرج الفريابي وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عنه في قوله { وسبح بحمد ربك } الآية قال هي الصلاة ~~المكتوبة. وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن جرير عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في قوله { وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس } قال # " قبل طلوع الشمس صلاة الصبح، { وقبل غروبها } صلاة العصر " # وفي الصحيحين وغيرهما من حديث جرير قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ~~ألا ms2434 تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا " # ، وقرأ { فسبح بحمد ربك * قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها }. وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي عن عمارة بن رؤبة ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " # وأخرج ابن أبي شيبة وابن راهويه والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والخرائطي وأبو نعيم عن أبي رافع قال ~~«أضاف النبي صلى الله عليه وسلم ضيفا. ولم يكن عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما يصلحه، فأرسلني إلى رجل من اليهود أن بعنا أو أسلفنا دقيقا ~~إلى هلال رجب، فقال لا إلا برهن، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخبرته، فقال # " أما والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض، ولئن أسلفني أو باعني ~~لأديت إليه، اذهب بدرعي الحديد " # ، فلم أخرج من عنده حتى نزلت هذه الآية { ولا تمدن عينيك ~~}. كأنه يعزيه عن الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال # " إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا " # ، قالوا وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟ قال # " بركات الأرض " # وأخرج ابن مردويه وابن عساكر وابن النجار عن أبي سعيد الخدري قال لما ~~نزلت { وأمر أهلك بالصلوة } كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يجيء إلى باب علي صلاة الغداة ثمانية أشهر يقول # " الصلاة رحمكم الله { إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } " # الأحزاب 33. وأخرج ابن مردويه عن أبي الحمراء نحوه. وأخرج أحمد في ~~الزهد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن ثابت، قال «كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا أصابت أهله خصاصة نادى أهله # " يا أهلاه صلوا صلوا " # ، قال ثابت وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة. وأخرج أبو ~~عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في ~~الحلية، والبيهقي في الشعب بإسناد. قال السيوطي صحيح، عن ms2435 عبد الله بن ~~سلام قال # " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزلت بأهله شدة أو ضيق أمرهم ~~بالصلاة، وقرأ { وأمر أهلك بالصلوة } الآية. " ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1-9] # يقال قرب الشيء واقترب وقد اقترب الحساب، أي قرب الوقت الذي يحاسبون ~~فيه. قال الزجاج المعنى { اقترب للناس } وقت { حسابهم } أي ~~القيامة كما في قوله # اقتربت الساعة # القمر 1. واللام في { للناس } متعلقة بالفعل، وتقديمها هي ومجرورها على ~~الفاعل لإدخال الروعة، ومعنى اقتراب وقت الحساب دنوه منهم، لأنه في كل ~~ساعة أقرب إليهم من الساعة التي قبلها. وقيل لأن كل ما هو آت قريب، وموت ~~كل إنسان قيام ساعته. والقيامة أيضا قريبة بالإضافة إلى ما مضى من ~~الزمان، فما بقي من الدنيا أقل مما مضى، والمراد بالناس العموم. وقيل ~~المشركون مطلقا. وقيل كفار مكة، وعلى هذا الوجه قيل المراد بالحساب ~~عذابهم يوم بدر، وجملة { وهم في غفلة معرضون } في محل نصب ~~على الحال، أي هم في غفلة بالدنيا معرضون عن الآخرة، غير متأهبين بما يجب ~~عليهم من الإيمان بالله. والقيام بفرائضه، والانزجار عن مناهيه. { ما ~~يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } " من " لابتداء ~~الغاية. وقد استدل بوصف الذكر لكونه محدثا على أن القرآن محدث، لأن ~~الذكر هنا هو القرآن. وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات ~~والحروف، لأنه متجدد في النزول. فالمعنى محدث تنزيله، وإنما النزاع في ~~الكلام النفسي. وهذه المسألة أعني قدم القرآن وحدوثه، قد ابتلي بها كثير ~~من أهل العلم والفضل في الدولة المأمونية والمعتصمية والواثقية، وجرى ~~للإمام أحمد بن حنبل ما جرى من الضرب الشديد والحبس الطويل وضرب بسببها ~~عنق محمد بن نصر الخزاعي، وصارت فتنة عظيمة في ذلك الوقت وما بعده. ~~والقصة أشهر من أن تذكر، ومن أحب الوقوف على حقيقتها طالع ترجمة الإمام ~~أحمد بن حنبل في كتاب النبلاء لمؤرخ الإسلام الذهبي. ولقد أصاب أئمة ~~السنة بامتناعهم من الإجابة إلى القول بخلق القرآن وحدوثه وحفظ الله بهم ~~أمة نبيه عن الابتداع، ولكنهم رحمهم الله جاوزوا ذلك ms2436 إلى الجزم بقدمه ولم ~~يقتصروا على ذلك حتى كفروا من قال بالحدوث، بل جاوزوا ذلك إلى تكفير من ~~قال لفظي بالقرآن مخلوق، بل جاوزوا ذلك إلى تكفير من وقف، وليتهم لم ~~يجاوزوا حد الوقف وإرجاع العلم إلى علام الغيوب، فإنه لم يسمع من السلف ~~الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى وقت قيام المحنة وظهور القول ~~في هذه المسألة شيء من الكلام، ولا نقل عنهم كلمة في ذلك، فكان الامتناع ~~من الإجابة إلى ما دعوا إليه، والتمسك بأذيال الوقف، وإرجاع علم ذلك إلى ~~عالمه هو الطريقة المثلى، وفيه السلامة والخلوص من تكفير طوائف من عباد ~~الله، والأمر لله سبحانه. وقوله { إلا استمعوه } استثناء مفرغ في ~~محل نصب على الحال. # وجملة { وهم يلعبون } في محل نصب على الحال أيضا، من فاعل ~~استمعوه، و { لاهية قلوبهم } حال أيضا والمعنى ما يأتيهم من ~~ذكر من ربهم محدث في حال من الأحوال إلا في الاستماع مع اللعب والاستهزاء ~~ولهوة القلوب، وقرىء " لاهية " بالرفع كما قرىء " محدث " بالرفع { ~~وأسروا النجوى الذين ظلموا } النجوى اسم من التناجي، ~~والتناجي لا يكون إلا سرا، فمعنى إسرار النجوى المبالغة في الإخفاء. ~~وقد اختلف في محل الموصول على أقوال، فقيل إنه في محل رفع بدل من الواو ~~في { أسروا } ، قاله المبرد وغيره. وقيل هو في محل رفع على الذم. وقيل ~~هو فاعل لفعل محذوف، والتقدير يقول الذين ظلموا، واختار هذا النحاس، وقيل ~~في محل نصب بتقدير أعني. وقيل في محل خفض على أنه بدل من الناس ذكر ذلك ~~المبرد. وقيل هو في محل رفع على أنه فاعل { أسروا } على لغة من يجوز ~~الجمع بين فاعلين، كقولهم أكلوني البراغيث، ذكر ذلك الأخفش، ومثله # ثم عموا وصموا كثير منهم # المائدة 71 ومنه قول الشاعر # فاهتدين البغال للأغراض # وقول الآخر # ولكن دنا بي أبوه وأمه بحوران يعصرن السليط أقاربه # وقال الكسائي فيه تقديم وتأخير، أي والذين ظلموا أسروا النجوى. قال أبو ~~عبيدة أسروا هنا من الأضداد، يحتمل أن يكون بمعنى أخفوا كلامهم، ويحتمل ms2437 ~~أن يكون بمعنى أظهروه وأعلنوه { هل هذا إلا بشر مثلكم } ~~هذه الجملة بتقدير القول قبلها، أي قالوا هل هذا الرسول إلا بشر مثلكم لا ~~يتميز عنكم بشيء؟ ويجوز أن تكون هذه الجملة بدلا من النجوى، وهل بمعنى ~~النفي أي وأسروا هذا الحديث، والهمزة في { أفتأتون السحر } ~~للإنكار، والفاء للعطف على مقدر كنظائره، وجملة { وأنتم تبصرون ~~} في محل نصب على الحال، والمعنى إذا كان بشرا مثلكم، وكان الذي جاء به ~~سحرا، فكيف تجيبونه إليه وتتبعونه. فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم ~~على ما تناجوا به، وأمره الله سبحانه أن يجيب عليهم فقال { قل ربي ~~يعلم القول فى السماء والأرض } أي لا يخفى عليه شيء مما ~~يقال فيهما، وفي مصاحف أهل الكوفة { قال ربي } أي قال محمد ربي يعلم ~~القول، فهو عالم بما تناجيتم به. قيل القراءة الأولى أولى، لأنهم أسروا ~~هذا القول، فأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على ذلك وأمره أن يقول ~~لهم هذا. قال النحاس والقراءتان صحيحتان، وهما بمنزلة آيتين { وهو ~~السميع } لكل ما يسمع { العليم } بكل معلوم، فيدخل في ذلك ما ~~أسروا دخولا أوليا. { بل قالوا أضغث أحلام } قال ~~الزجاج أي قالوا الذي تأتي به أضغاث أحلام. قال القتيبي أضغاث الأحلام ~~الرؤيا الكاذبة. وقال اليزيدي الأضغاث ما لم يكن له تأويل، وهذا إضراب من ~~جهة الله سبحانه حكاية لما وقع منهم، وانتقال من حكاية قولهم السابق إلى ~~حكاية هذا القول. # ثم حكى سبحانه إضرابهم عن قولهم أضغاث أحلام، قال { بل افتراه } ~~أي بل قالوا افتراه من تلقاء نفسه من غير أن يكون له أصل. ثم حكى سبحانه ~~عنهم أنهم أضربوا عن هذا وقالوا { بل هو شاعر } وما أتى به من جنس ~~الشعر، وفي هذا الاضطراب منهم، والتلون والتردد أعظم دليل على أنهم ~~جاهلون بحقيقة ما جاء به، لا يدرون ما هو ولا يعرفون كنهه؟ أو كانوا قد ~~علموا أنه حق، وأنه من عند الله، ولكن أرادوا أن يدفعوه بالصدر ويرموه ~~بكل حجر ومدر، وهذا شأن من ms2438 غلبته الحجة وقهره البرهان. ثم بعد هذا كله، ~~قالوا { فليأتنا بآية } وهذا جواب شرط محذوف أي إن لم يكن كما قلنا ~~فليأتنا بآية { كما أرسل الأولون } أي كما أرسل موسى بالعصا ~~وغيرها، وصالح بالناقة، ومحل الكاف الجر صفة لآية، ويجوز أن يكون نعت ~~مصدر محذوف، وكان سؤالهم هذا سؤال تعنت، لأن الله سبحانه قد أعطاهم من ~~الآيات ما يكفي، ولو علم الله سبحانه أنهم يؤمنون إذا أعطاهم ما يقترحوه ~~لأعطاهم ذلك، كما قال # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون # الأنفال 23 قال الزجاج اقترحوا الآيات التي لا يقع معها إمهال، فقال ~~الله مجيبا لهم { ما ءامنت قبلهم من قرية } أي قبل مشركي ~~مكة، ومعنى { من قرية } من أهل قرية، ووصف القرية بقوله { ~~أهلكنها } أي أهلكنا أهلها، أو أهلكناها بإهلاك أهلها. وفيه بيان ~~أن سنة الله في الأمم السالفة أن المقترحين إذا أعطوا ما اقترحوه ثم لم ~~يؤمنوا نزل بهم عذاب الاستئصال لا محالة، و " من " في { من قرية } مزيدة ~~للتأكيد، والمعنى ما آمنت قرية من القرى التي أهلكناها بسبب اقتراحهم قبل ~~هؤلاء، فكيف نعطيهم ما يقترحون، وهم أسوة من قبلهم، والهمزة في { ~~أفهم يؤمنون } للتقريع والتوبيخ، والمعنى إن لم تؤمن أمة من ~~الأمم المهلكة عند إعطاء ما اقترحوا، فكيف يؤمن هؤلاء لو أعطوا ما ~~اقترحوا. ثم أجاب سبحانه عن قولهم هل هذا إلا بشر مثلكم بقوله { وما ~~أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم } أي لم نرسل قبلك ~~إلى الأمم السابقة إلا رجالا من البشر، ولم نرسل إليهم ملائكة كما قال ~~سبحانه # قل لو كان فى الأرض ملئكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا # الإسراء 95. وجملة { نوحي إليهم } مستأنفة لبيان كيفية الإرسال، ويجوز ~~أن تكون صفة ل { رجالا } أي متصفين بصفة الإيحاء إليهم. قرأ حفص وحمزة ~~والكسائي { نوحي } بالنون، وقرأ الباقون بالياء " يوحي ". ثم أمرهم الله ~~بأن يسألوا أهل الذكر إن كانوا يجهلون هذا فقال { فاسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون } وأهل الذكر ms2439 هم أهل الكتابين ~~اليهود والنصارى، ومعنى { إن كنتم لا تعلمون } إن كنتم لا تعلمون أن رسل ~~الله من البشر، كذا قال أكثر المفسرين. # وقد كان اليهود والنصارى لا يجهلون ذلك ولا ينكرونه، وتقدير الكلام إن ~~كنتم لا تعلمون ما ذكر فاسألوا أهل الذكر. وقد استدل بالآية على أن ~~التقليد جائز وهو خطأ، ولو سلم لكان المعنى سؤالهم عن النصوص من الكتاب ~~والسنة، لا عن الرأي البحت، وليس التقليد إلا قبول قول الغير دون حجته. ~~وقد أوضحنا هذا في رسالة بسيطة سميناها «القول المفيد في حكم التقليد». ~~ثم لما فرغ سبحانه من الجواب عن شبهتهم أكد كون الرسل من جنس البشر فقال ~~{ وما جعلنهم جسدا لا يأكلون الطعام } أي أن ~~الرسل أسوة لسائر أفراد بني آدم في حكم الطبيعة يأكلون كما يأكلون ~~ويشربون كما يشربون، والجسد جسم الإنسان. قال الزجاج هو واحد، يعني الجسد ~~ينبىء عن جماعة، أي وما جعلناهم ذوي أجساد لا يأكلون الطعام فجملة { لا ~~يأكلون الطعام } صفة ل { جسدا } أي وما جعلناهم جسدا مستغنيا عن ~~الأكل، بل هو محتاج إلى ذلك { وما كانوا خلدين } بل يموتون ~~كما يموت غيرهم من البشر، وقد كانوا يعتقدون أن الرسل لا يموتون، فأجاب ~~الله عليهم بهذا. وجملة { ثم صدقنهم الوعد } معطوفة على ~~جملة يدل عليها السياق، والتقدير أوحينا إليهم ما أوحينا. { ثم صدقناهم ~~الوعد } أي أنجزنا وعدهم الذي وعدناهم بإنجائهم وإهلاك من كذبهم، ولهذا ~~قال سبحانه { فأنجينهم ومن نشاء } من عبادنا المؤمنين، ~~والمراد إنجاؤهم من العذاب وإهلاك من كفر بالعذاب الدنيوي، والمراد ب { ~~المسرفين } المجاوزون للحد في الكفر والمعاصي، وهم المشركون. وقد ~~أخرج النسائي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { وهم ~~في غفلة معرضون } قال # " في الدنيا " # وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية ~~قال # " من أمر الدنيا " # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { بل قالوا ~~أضغث أحلام } أي فعل الأحلام إنما هي رؤيا رآها { بل ms2440 ~~افتراه بل هو شاعر } كل هذا قد كان منه { فليأتنا بآية كما ~~أرسل الأولون } كما جاء عيسى وموسى بالبينات والرسل { ما ءامنت ~~قبلهم من قرية أهلكنها } أي أن الرسل كانوا إذا جاؤوا ~~قومهم بالبينات فلم يؤمنوا لم ينظروا. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال قال ~~أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم إذا كان ما تقوله حقا ويسرك أن نؤمن ~~فحول لنا الصفا ذهبا، فأتاه جبريل فقال إن شئت كان الذي سألك قومك، ~~ولكنه إن كان، ثم لم يؤمنوا لم ينظروا، وإن شئت استأنيت بقومك، قال # " بل أستأني بقومي " # ، فأنزل الله { ما ءامنت قبلهم } الآية. وأخرج ابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وما جعلنهم جسدا لا ~~يأكلون الطعام } يقول لم نجعلهم جسدا ليس يأكلون الطعام، إنما ~~جعلناهم جسدا يأكلون الطعام. ### || [21.10-25] # نبه عباده على عظيم نعمته عليهم بقوله { لقد أنزلنا إليكم ~~كتبا } يعني القرآن { فيه ذكركم } صفة ل { كتابا } ، ~~والمراد بالذكر هنا الشرف، أي فيه شرفكم كقوله # وإنه لذكر لك ولقومك # الزخرف 44 وقيل { فيه ذكركم } أي ذكر أمر دينكم، وأحكام شرعكم وما ~~تصيرون إليه من ثواب أو عقاب. وقيل فيه حديثكم، قاله مجاهد. وقيل مكارم ~~أخلاقكم ومحاسن أعمالكم. وقيل فيه العمل بما فيه حياتكم. قاله سهل بن عبد ~~الله. وقيل فيه موعظتكم، والاستفهام في { أفلا تعقلون } للتوبيخ ~~والتقريع، أي أفلا تعقلون أن الأمر كذلك، أو لا تعقلون شيئا من الأشياء ~~التي من جملتها ما ذكر. ثم أوعدهم وحذرهم ما جرى على الأمم المكذبة، فقال ~~{ وكم قصمنا من قرية كانت ظلمة } " كم " في محل نصب ~~على أنها مفعول { قصمنا } وهي الخبرية المفيدة للتكثير. والقصم كسر الشيء ~~ودقه، يقال قصمت ظهر فلان إذا كسرته، واقتصمت سنه إذا انكسرت، والمعنى ~~هنا الإهلاك والعذاب. وأما الفصم بالفاء فهو الصدع في الشيء من غير ~~بينونة، وجملة { كانت ظلمة } في محل جر صفة لقرية، وفي الكلام ~~مضاف محذوف، أي وكم قصمنا من أهل قرية كانوا ظالمين، أي كافرين بالله ~~مكذبين بآياته، ms2441 والظلم في الأصل وضع الشيء في غير موضعه، وهم وضعوا الكفر ~~في موضع الإيمان { وأنشأنا بعدها قوما آخرين } أي أوجدنا وأحدثنا بعد ~~إهلاك أهلها قوما ليسوا منهم. { فلما أحسوا بأسنا } أي ~~أدركوا أو رأوا عذابنا، وقال الأخفش خافوا وتوقعوا، أو البأس العذاب ~~الشديد { إذا هم منها يركضون } الركض الفرار والهرب ~~والانهزام، وأصله من ركض الرجل الدابة برجليه، يقال ركض الفرس إذا كده ~~بساقيه، ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا، ومنه # " اركض برجلك " # ص 42 والمعنى أنهم يهربون منها راكضين دوابهم. فقيل لهم { لا ~~تركضوا } أي لا تهربوا. قيل إن الملائكة نادتهم بذلك عند فرارهم. ~~وقيل إن القائل لهم ذلك هم من هنالك من المؤمنين استهزاء بهم وسخرية منهم ~~{ وارجعوا إلى ما أترفتم فيه } أي إلى نعمكم التي كانت ~~سبب بطركم وكفركم، والمترف المنعم، يقال أترف فلان، أي وسع عليه في معاشه ~~{ ومسكنكم } أي وارجعوا إلى مساكنكم التي كنتم تسكنونها ~~وتفتخرون بها { لعلكم تسألون } أي تقصدون للسؤال والتشاور ~~والتدبير في المهمات، وهذا على طريقة التهكم بهم والتوبيخ لهم. وقيل ~~المعنى لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة فتخبرون به وقيل لعلكم ~~تسألون أن تؤمنوا كما كنتم تسألون ذلك قبل نزول العذاب بكم. قال المفسرون ~~وأهل الأخبار إن المراد بهذه الآية أهل حضور من اليمن، وكان الله سبحانه ~~قد بعث إليهم نبيا اسمه شعيب بن مهدم، وقبره بجبل من جبال اليمن يقال له ~~ضنن، وبينه وبين حضور نحو بريد، قالوا وليس هو شعيبا صاحب مدين. # قلت وآثار القبر بجبل ضين موجودة، والعامة من أهل تلك الناحية يزعمون ~~أنه قبر قدم بن قادم. { قالوا إنا كنا ظلمين } أي قالوا ~~لما قالت لهم الملائكة { لا تركضوا } يا ويلنا، أي ياهلاكنا إنا كنا ~~ظالمين لأنفسنا مستوجبين العذاب بما قدمنا. فاعترفوا على أنفسهم بالظلم ~~الموجب للعذاب. { فما زالت تلك دعواهم } أي ما زالت هذه ~~الكلمة دعواهم أي دعوتهم، والكلمة هي قولهم { يا ويلنا } أي يدعون بها ~~ويرددونها { حتى جعلنهم حصيدا } أي بالسيوف كما يحصد ms2442 ~~الزرع بالمنجل، والحصيد هنا بمعنى المحصود، ومعنى { خمدين } أنهم ~~ميتون من خمدت النار إذا طفئت، فشبه خمود الحياة بخمود النار، كما يقال ~~لمن مات قد طفىء. { وما خلقنا السماء والارض وما ~~بينهما لاعبين } أي لم نخلقهما عبثا ولا باطلا، بل للتنبيه ~~على أن لهما خالقا قادرا يجب امتثال أمره. وفيه إشارة إجمالية إلى ~~تكوين العالم، والمراد بما بينهما سائر المخلوقات الكائنة بين السماء ~~والأرض على اختلاف أنواعها وتباين أجناسها { لو أردنا أن ~~نتخذ لهوا } اللهو ما يتلهى به. قيل اللهو الزوجة والولد. وقيل ~~الزوجة فقط. وقيل الولد فقط. قال الجوهري قد يكفي باللهو عن الجماع، يدل ~~على ما قاله قول امرىء القيس # ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي # ومنه قول الآخر # وفيهن ملهى للصديق ومنظر # والجملة مستأنفة لتقرير مضمون ما قبلها، وجواب لقوله { ~~لاتخذنه من لدنا } أي من عندنا ومن جهة قدرتنا لا من ~~عندكم. قال المفسرون أي من الحور العين، وفي هذا رد على من قال بإضافة ~~الصاحبة والولد إلى الله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. وقيل أراد الرد ~~على من قال الأصنام أو الملائكة بنات الله. وقال ابن قتيبة الآية رد ~~على النصارى. { إن كنا فعلين } قال الواحدي قال المفسرون ما ~~كنا فاعلين. قال الفراء والمبرد والزجاج يجوز " أن " تكون إن للنفي كما ~~ذكره المفسرون، أي ما فعلنا ذلك ولم نتخذ صاحبة ولا ولدا ويجوز أن تكون ~~للشرط، أي إن كنا ممن يفعل ذلك لاتخذناه من لدنا. قال الفراء وهذا أشبه ~~الوجهين بمذهب العربية. { بل نقذف بالحق على البطل } ~~هذا إضراب عن اتخاذ اللهو، أي دع ذلك الذي قالوا فإنه كذب وباطل، بل ~~شأننا أن نرمي بالحق على الباطل { فيدمغه } أي يقهره، وأصل الدمغ ~~شج الرأس حتى يبلغ الدماغ، ومنه الدامغة. قال الزجاج المعنى نذهبه ذهاب ~~الصغار والإذلال، وذلك أن أصله إصابة الدماغ بالضرب. قيل أراد بالحق ~~الحجة، وبالباطل شبههم. # وقيل الحق المواعظ، والباطل المعاصي. وقيل الباطل الشيطان. وقيل كذبهم ~~ووصفهم الله سبحانه بغير ms2443 صفاته { فإذا هو زاهق } أي زائل ذاهب، ~~وقيل هالك تالف، والمعنى متقارب، و " إذا " هي الفجائية { ولكم ~~الويل مما تصفون } أي العذاب في الآخرة بسبب وصفكم لله بما لا ~~يجوز عليه، وقيل الويل واد في جهنم، وهو وعيد لقريش بأن لهم من العذاب ~~مثل الذي لأولئك ومن هي التعليلية. { وله من في السموات ~~والأرض } عبيدا وملكا، وهو خالقهم ورازقهم ومالكهم، فكيف يجوز أن ~~يكون له بعض مخلوقاته شريكا يعبد كما يعبد، وهذه الجملة مقررة لما قبلها ~~{ ومن عنده } يعني الملائكة، وفيه رد على القائلين بأن الملائكة ~~بنات الله، وفي التعبير عنهم بكونهم { عنده } إشارة إلى تشريفهم ~~وكرامتهم، وأنهم بمنزلة المقربين عند الملوك، ثم وصفهم بقوله { لا ~~يستكبرون عن عبادته } أي لا يتعاظمون ولا يأنفون عن عبادة ~~الله سبحانه والتذلل له { ولا يستحسرون } أي لا يعيون، مأخوذ من ~~الحسير، وهو البعير المنقطع بالإعياء والتعب، يقال حسر البعير يحسر ~~حسورا أعيا وكل، واستحسر وتحسر مثله وحسرته أنا حسرا، يتعدى ولا ~~يتعدى. قال أبو زيد لا يكلون، وقال ابن الأعرابي لا يفشلون. قال الزجاج ~~معنى الآية أن هؤلاء الذين ذكرتم أنهم أولاد الله، عباد الله لا يأنفون ~~عن عبادته ولا يتعظمون عنها كقوله # إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته # الأعراف 206. وقيل المعنى لا ينقطعون عن عبادته. وهذه المعاني متقاربة. ~~{ يسبحون الليل والنهار لا يفترون } أي ينزهون الله ~~سبحانه دائما لا يضعفون عن ذلك ولا يسأمون. وقيل يصلون الليل والنهار. ~~قال الزجاج مجرى التسبيح منهم كمجرى النفس منا لا يشغلنا عن النفس شيء، ~~فكذلك تسبيحهم دائم، وهذه الجملة إما مستأنفة جواب سؤال مقدر، أو في محل ~~نصب على الحال { أم اتخذوا الهة من الأرض } قال المفضل ~~مقصود هذا الاستفهام الجحد، أي لم يتخذوا آلهة تقدر على الإحياء، و " أم ~~" هي المنقطعة، والهمزة لإنكار الوقوع. قال المبرد إن " أم " هنا بمعنى ~~هل، أي هل اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض يحيون الموتى، ولا تكون " ~~أم " هنا بمعنى بل، لأن ذلك يوجب لهم إنشاء ms2444 الموتى إلا أن تقدر " أم " ~~مع الاستفهام، فتكون " أم " المنقطعة، فيصح المعنى، و { من الأرض } متعلق ~~باتخذوا، أو بمحذوف هو صفة لآلهة، ومعنى { هم ينشرون } هم يبعثون ~~الموتى، والجملة صفة لآلهة، وهذه الجملة هي التي يدور عليها الإنكار ~~والتجهيل، لا نفس الاتخاذ، فإنه واقع منهم لا محالة. والمعنى بل اتخذوا ~~آلهة من الأرض هم خاصة مع حقارتهم ينشرون الموتى، وليس الأمر كذلك، فإن ~~ما اتخذوها آلهة بمعزل عن ذلك. # قرأ الجمهور { ينشرون } بضم الياء وكسر الشين من أنشره أي أحياه، وقرأ ~~الحسن بفتح الياء، أي يحيون ولا يموتون. ثم إنه سبحانه أقام البرهان على ~~بطلان تعدد الآلهة، فقال { لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا } أي لو كان في السموات والأرض آلهة معبودون غير الله ~~لفسدتا، أي لبطلتا، يعني السموات والأرض بما فيهما من المخلوقات، قال ~~الكسائي وسيبويه والأخفش والزجاج وجمهور النحاة إن " إلا " هنا ليست ~~للاستثناء بل بمعنى غير صفة لآلهة، ولذلك ارتفع الاسم الذي بعدها وظهر ~~فيه إعراب غير التي جاءت " إلا " بمعناها، ومنه قول الشاعر # وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان # وقال الفراء إن " إلا " هنا بمعنى سوى، والمعنى لو كان فيهما آلهة سوى ~~الله لفسدتا، ووجه الفساد أن كون مع الله إلها آخر يستلزم أن يكون كل ~~واحد منهما قادرا على الاستبداد بالتصرف، فيقع عند ذلك التنازع ~~والاختلاف ويحدث بسببه الفساد { فسبحن الله رب العرش ~~عما يصفون } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت ~~الوحدانية بالبرهان، أي تنزه عز وجل عما لا يليق به من ثبوت الشريك ~~له، وفيه إرشاد للعباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به. { لا ~~يسأل عما يفعل } هذه الجملة مستأنفة مبينة أنه سبحانه لقوة ~~سلطانه وعظيم جلاله لا يسأله أحد من خلقه عن شيء من قضائه وقدره { وهم ~~} أي العباد { يسئلون } عما يفعلون أي يسألهم الله عن ذلك لأنهم ~~عبيده. وقيل إن المعنى أنه سبحانه لا يؤاخذ على أفعاله وهم يؤاخذون. قيل ~~والمراد بذلك أنه سبحانه ms2445 بين لعباده أن من يسأل عن أعماله كالمسيح ~~والملائكة لا يصلح لأن يكون إلها. { أم اتخذوا من دونه ~~ءالهة } أي بل اتخذوا، وفيه إضراب وانتقال من إظهار بطلان كونها آلهة ~~بالبرهان السابق، إلى إظهار بطلان اتخاذها آلهة مع توبيخهم بطلب البرهان ~~منهم، ولهذا قال { قل هاتوا برهنكم } على دعوى أنها آلهة، ~~أو على جواز اتخاذ آلهة سوى الله، ولا سبيل لهم إلى شيء من ذلك، لا من ~~عقل ولا نقل، لأن دليل العقل قد مر بيانه، وأما دليل النقل فقد أشار ~~إليه بقوله { هذا ذكر من معي وذكر من قبلي } أي هذا ~~الوحي الوارد في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطع ذكر أمتي وذكر الأمم ~~السالفة وقد أقمته عليكم وأوضحته لكم، فأقيموا أنتم برهانكم. وقيل المعنى ~~هذا القرآن وهذه الكتب التي أنزلت قبلي فانظروا هل في واحد منها أن الله ~~أمر باتخاذ إله سواه. قال الزجاج قيل لهم هاتوا برهانكم بأن رسولا من ~~الرسل أنبأ أمته بأن لهم إلها غير الله، فهل في ذكر من معي وذكر من ~~قبلي إلا توحيد الله؟ وقيل معنى الكلام الوعيد والتهديد، أي افعلوا ما ~~شئتم فعن قريب ينكشف الغطاء. # وحكى أبو حاتم أن يحيى بن يعمر وطلحة بن مصرف قرآ " هذا ذكر من معي ~~وذكر من قبلي " بالتنوين وكسر الميم، وزعم أنه لا وجه لهذه القراءة. وقال ~~الزجاج في توجيه هذه القراءة إن المعنى هذا ذكر مما أنزل إلي ومما هو ~~معي وذكر من قبلي. وقيل ذكر كائن من قبلي، أي جئت بما جاءت به الأنبياء ~~من قبلي. ثم لما توجهت الحجة عليهم ذمهم بالجهل بمواضع الحق فقال { بل ~~أكثرهم لا يعلمون الحق } وهذا إضراب من جهته سبحانه ~~وانتقال من تبكيتهم بمطالبتهم بالبرهان إلى بيان أنه لا يؤثر فيهم إقامة ~~البرهان، لكونهم جاهلين للحق لا يميزون بينه وبين الباطل. وقرأ ابن محيصن ~~والحسن " الحق " بالرفع على معنى هذا الحق، أو هو الحق، وجملة { فهم ~~معرضون } تعليل لما قبله من كون أكثرهم لا يعلمون أي فهم ms2446 لأجل هذا ~~الجهل المستولي على أكثرهم معرضون عن قبول الحق مستمرون على الإعراض عن ~~التوحيد واتباع الرسول، فلا يتأملون حجة، ولا يتدبرون في برهان، ولا ~~يتفكرون في دليل. { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~يوحى إليه } قرأ حفص وحمزة والكسائي { نوحي } بالنون، وقرأ الباقون ~~بالياء أي نوحي إليه { أنه لا إله إلا أنا } وفي هذا تقرير ~~لأمر التوحيد وتأكيد لما تقدم من قوله { هذا ذكر من معى } ~~وختم الآية بالأمر لعباده بعبادته، فقال { فاعبدون } فقد اتضح لكم ~~دليل العقل، ودليل النقل وقامت عليكم حجة الله. وقد أخرج عبد بن حميد ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس ~~في قوله { لقد أنزلنا إليكم كتبا فيه ذكركم } ~~قال شرفكم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عن الحسن في الآية قال فيه حديثكم. وفي رواية عنه قال فيه دينكم. وأخرج ~~ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال بعث الله نبيا ~~من حمير يقال له شعيب، فوثب إليه عبد فضربه بعصا، فسار إليهم بختنصر ~~فقاتلتهم فقتلهم حتى لم يبق منهم شيء، وفيهم أنزل الله { وكم ~~قصمنا } إلى قوله { خمدين }. وأخرج عبد الرزاق وعبد ابن حميد، ~~وابن المنذر عن الكلبي في قوله { وكم قصمنا من قرية } قال هي ~~حضور بني أزد، وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { ~~وارجعوا إلى ما أترفتم فيه } قال ارجعوا إلى دوركم ~~وأموالكم. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { فما زالت تلك ~~دعواهم } قال هم أهل حضور كانوا قتلوا نبيهم، فأرسل الله عليهم ~~بختنصر فقتلهم، وفي قوله { فجعلنهم حصيدا خمدين } قال ~~بالسيف ضرب الملائكة وجوههم حتى رجعوا إلى مساكنهم. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن وهب قال حدثني رجل من الجزريين قال كان ~~اليمن قريتان، يقال لإحداهما حضور، وللأخرى قلابة، فبطروا وأترفوا حتى ما ~~كانوا يغلقون أبوابهم، فلما أترفوا بعث الله إليهم نبيا فدعاهم فقتلوه، ~~فألقى الله ms2447 في قلب بختنصر أن يغزوهم، فجهز لهم جيشا، فقاتلوهم فهزموا ~~جيشه فرجعوا منهزمين إليه، فجهز إليهم جيشا آخر أكثف من الأول، فهزموهم ~~أيضا فلما رأى بختنصر ذلك غزاهم هو بنفسه، فقاتلوهم فهزمهم حتى خرجوا ~~منها يركضون، فسمعوا مناديا يقول { لا تركضوا وارجعوا إلى ~~ما أترفتم فيه ومسكنكم } فرجعوا فسمعوا صوتا مناديا ~~يقول يا لثارات النبي فقتلوا بالسيف، فهي التي قال الله { وكم ~~قصمنا من قرية } إلى قوله { خمدين } قلت وقرى حضور معروفة ~~الآن بينها وبين مدينة صنعاء نحو بريد في جهة الغرب منها. وأخرج ابن ~~المنذر عن ابن عباس في قوله { حصيدا خمدين }. قال كخمود النار ~~إذا طفئت. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله ~~{ لو أردنا أن نتخذ لهوا } قال اللهو الولد. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله { لو أردنا أن نتخذ ~~لهوا } قال النساء. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ولا ~~يستحسرون } يقول لا يرجعون. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~قتادة في قوله { لا يسأل عما يفعل } قال بعباده { وهم ~~يسئلون } قال عن أعمالهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك نحوه. ~~وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس قال ما في الأرض قوم أبغض ~~إلي من القدرية، وما ذاك إلا أنهم لا يعلمون قدرة الله، قال الله { لا ~~يسأل عما يفعل وهم يسئلون }. ### || [21.26-35] # قوله { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } هؤلاء القائلون هم ~~خزاعة، فإنهم قالوا الملائكة بنات الله، وقيل هم اليهود، ويصح حمل الآية ~~على كل من جعل لله ولدا. وقد قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله، وقالت طائفة من العرب الملائكة بنات الله. ثم نزه عز ~~وجل نفسه. فقال { سبحنه } أي تنزيها له عن ذلك، وهو مقول على ~~ألسنة العباد. ثم أضرب عن قولهم وأبطله فقال { بل عباد مكرمون ~~} أي ليسوا كما قالوا، بل هم عباد لله سبحانه مكرمون بكرامته لهم، ~~مقربون عنده. وقرىء " مكرمون " بالتشديد، ms2448 وأجاز الزجاج والفراء نصب عباد ~~على معنى بل اتخذ عبادا، ثم وصفهم بصفة أخرى فقال { لا يسبقونه ~~بالقول } أي لا يقولون شيئا حتى يقوله أو يأمرهم به. كذا قال ابن ~~قتيبة وغيره، وفي هذا دليل على كمال طاعتهم وانقيادهم. وقرىء " لا ~~يسبقونه " بضم الباء من سبقته أسبقه { وهم بأمره يعملون } ~~أي هم العاملون بما يأمرهم الله به، التابعون له المطيعون لربهم. { ~~يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } هذه الجملة تعليل ~~لما قبلها، أي يعلم ما عملوا وما هم عاملون، أو يعلم ما بين أيديهم وهو ~~الآخرة، وما خلفهم وهو الدنيا، ووجه التعليل أنهم إذا علموا بأنه عالم ~~بما قدموا وأخروا، لم يعملوا عملا ولم يقولوا قولا إلا بأمره { ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى } أي يشفع الشافعون له، وهو من رضي ~~عنه، وقيل هم أهل لا إله إلا الله، وقد ثبت في الصحيح أن الملائكة يشفعون ~~في الدار الآخرة { وهم من خشيته مشفقون } أي من خشيتهم ~~منه فالمصدر مضاف إلى المفعول، والخشية الخوف مع التعظيم، والإشفاق الخوف ~~مع التوقع والحذر، أي لا يأمنون مكر الله. { ومن يقل منهم إني ~~إله من دونه } أي من يقل من الملائكة إني إله من دون الله. قال ~~المفسرون عني بهذا إبليس لأنه لم يقل أحد من الملائكة إني إله إلا إبليس ~~وقيل الإشارة إلى جميع الملائكة { فذلك نجزيه جهنم } أي ~~فذلك القائل على سبيل الفرض، والتقدير نجزيه جهنم بسبب هذا القول الذي ~~قاله، كما نجزي غيره من المجرمين { كذلك نجزي الظلمين } أي ~~مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي الظالمين، أو مثل ما جعلنا جزاء هذا القائل ~~جهنم، فكذلك نجزي الظالمين الواضعين الألوهية والعبادة في غير موضعها، ~~والمراد بالظالمين المشركون. { أو لم ير الذين كفروا } ~~الهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدر، والرؤية هي القلبية، أي ألم ~~يتفكروا أو لم يعلموا { أن السموات والأرض * كانتا رتقا ~~} قال الأخفش إنما قال { كانتا } ، لأنهما صنفان أي جماعتا السموات ~~والأرضين كما قال سبحانه # إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا # فاطر ms2449 41 وقال الزجاج إنما قال { كانتا } لأنه يعبر عن السموات بلفظ ~~الواحد، لأن السموات كانت سماء واحدة، وكذلك الأرضون. والرتق. السد ضد ~~الفتق، يقال رتقت الفتق أرتقه فارتتق، أي التأم، ومنه الرتقاء للمنضمة ~~الفرج، يعني أنهما كانتا شيئا واحدا ملتزقتين ففصل الله بينهما، وقال { ~~رتقا } ولم يقل " رتقين " لأنه مصدر، والتقدير كانتا ذواتي رتق، ومعنى { ~~ففتقنهما } ففصلناهما، أي فصلنا بعضهما من بعض، فرفعنا السماء، ~~وأبقينا الأرض مكانها { وجعلنا من الماء كل شيء حي } أي ~~أحيينا بالماء الذي ننزله من السماء كل شيء، فيشمل الحيوان والنبات، ~~والمعنى أن الماء سبب حياة كل شيء. وقيل المراد بالماء هنا النطفة، وبه ~~قال أكثر المفسرين، وهذا احتجاج على المشركين بقدرة الله سبحانه وبديع ~~صنعه، وقد تقدم تفسير هذه الآية، والهمزة في { أفلا يؤمنون } ~~للإنكار عليهم، حيث لم يؤمنوا مع وجود ما يقتضيه من الآيات الربانية. { ~~وجعلنا في الأرض رواسي } أي جبالا ثوابت { أن تميد ~~بهم } الميد التحرك والدوران، أي لئلا تتحرك وتدور بهم، أو كراهة ~~ذلك، وقد تقدم تفسير ذلك في النحل مستوفى { وجعلنا فيها } أي في ~~الرواسي، أو في الأرض { فجاجا } قال أبو عبيدة هي المسالك. وقال ~~الزجاج كل مخترق بين جبلين فهو فج و { سبلا } تفسير للفجاج، لأن الفج ~~قد لا يكون طريقا نافذا مسلوكا { لعلهم يهتدون } إلى ~~مصالح معاشهم، وما تدعو إليه حاجاتهم { وجعلنا السماء سقفا ~~محفوظا } عن أن يقع ويسقط على الأرض كقوله # ويمسك السماء أن تقع على الأرض # الحج 65. وقال الفراء محفوظا بالنجوم من الشيطان كقوله # وحفظنها من كل شيطن رجيم # الحجر 17. وقيل محفوظا لا يحتاج إلى عماد، وقيل المراد بالمحفوظ هنا ~~المرفوع. وقيل محفوظا عن الشرك والمعاصي. وقيل محفوظا عن الهدم والنقض ~~{ وهم عن ءايتها معرضون } أضاف الآيات إلى السماء، لأنها ~~مجعولة فيها، وذلك كالشمس والقمر ونحوهما، ومعنى الإعراض أنهم لا يتدبرون ~~فيها، ولا يتفكرون فيما توجبه من الإيمان. { وهو الذي خلق ~~اليل والنهر والشمس والقمر } هذا تذكير لهم بنعمة ~~أخرى مما أنعم به عليهم، وذلك بأنه خلق ms2450 لهم الليل ليسكنوا فيه، والنهار ~~ليتصرفوا فيه في معايشهم، وخلق الشمس والقمر أي جعل الشمس آية النهار، ~~والقمر آية الليل، ليعلموا عدد الشهور والحساب كما تقدم بيانه في سبحان ~~{ كل في فلك يسبحون } أي كل واحد من الشمس والقمر والنجوم في ~~فلك يسبحون، أي يجرون في وسط الفلك، ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء، ~~والجمع في الفعل باعتبار المطالع، قال سيبويه إنه لما أخبر عنهن بفعل من ~~يعقل، وجعلهن في الطاعة بمنزلة من يعقل، جعل الضمير عنهن ضمير العقلاء، ~~ولم يقل يسبحن أو تسبح، وكذا قال الفراء. # وقال الكسائي إنما قال { يسبحون } لأنه رأس آية. والفلك واحد أفلاك ~~النجوم. وأصل الكلمة من الدوران، ومنه فلكة المغزل لاستدارتها. { وما ~~جعلنا لبشر من قبلك الخلد } أي دوام البقاء في الدنيا { ~~أفإين مت } بأجلك المحتوم { فهم الخلدون } أي أفهم ~~الخالدون؟ قال الفراء جاء بالفاء لتدل على الشرط لأنه جواب قولهم سيموت. ~~قال ويجوز حذف الفاء وإضمارها، والمعنى إن مت فهم يموتون أيضا، فلا ~~شماتة في الموت. وقرىء " مت " بكسر الميم وضمها لغتان وكان سبب نزول هذه ~~الآية قول المشركين فيما حكاه الله عنهم # أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون # الطور 30. { كل نفس ذائقة الموت } أي ذائقة مفارقة جسدها، ~~فلا يبقى أحد من ذوات الأنفس المخلوقة كائنا ما كان. { ونبلوكم ~~بالشر والخير فتنة } أي نختبركم بالشدة والرخاء، لننظر كيف ~~شكركم وصبركم. والمراد أنه سبحانه يعاملهم معاملة من يبلوهم، و { فتنة } ~~مصدر { لنبلوكم } من غير لفظه { وإلينا ترجعون } لا إلى غيرنا ~~فنجازيكم بأعمالكم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وقد أخرج ابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن قتادة قال قالت اليهود إن الله عز وجل صاهر الجن ~~فكانت بنيهم الملائكة، فقال الله تكذيبا لهم { بل عباد ~~مكرمون } أي الملائكة ليس كما قالوا، بل عباد أكرمهم بعبادته. { ~~لا يسبقونه بالقول } يثني عليهم { ولا يشفعون } قال ~~لا تشفع الملائكة يوم القيامة { إلا لمن ارتضى } قال لأهل ~~التوحيد وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ms2451 مجاهد في قوله ~~{ إلا لمن ارتضى } قال لأهل التوحيد لمن رضي عنه. وأخرج عبد بن ~~حميد عن الحسن في الآية قال قول لا إله إلا الله. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن ابن عباس في الآية قال الذين ~~ارتضاهم لشهادة أن لا إله إلا الله. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في ~~البعث عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قوله تعالى { ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى } قال # " إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " # وأخرج الفريابي وعبد بن حميد، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء و ~~الصفات عن ابن عباس في قوله { كانتا رتقا ففتقنهما } قال ~~فتقت السماء بالغيث، وفتقت الأرض بالنبات. وأخرج ابن أبي حاتم عنه { ~~كانتا رتقا } قال لا يخرج منهما شيء، وذكر مثل ما تقدم. وأخرجه ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية عنه أيضا من طريق أخرى. ~~وأخرج ابن جرير عنه { كانتا رتقا } قال ملتصقتين. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي ~~العالية في قوله { وجعلنا من الماء كل شيء حي } قال نطفة ~~الرجل. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { وجعلنا فيها فجاجا ~~سبلا } قال بين الجبال. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله { كل في فلك } قال دوران { يسبحون } قال ~~يجرون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عنه { كل ~~في فلك } قال فلك كفلكة المغزل { يسبحون } قال يدورون في أبواب ~~السماء، كما تدور الفلكة في المغزل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا قال هو فلك السماء. وأخرج ابن أبي حاتم ~~وابن مردويه والبيهقي عن عائشة قال دخل أبو بكر على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقد مات فقبله وقال وانبياه واخليلاه واصفياه، ثم تلا { وما ~~جعلنا لبشر من قبلك الخلد } الآية، وقوله # إنك ميت وإنهم ميتون # الزمر 30. وأخرج ابن جرير ms2452 وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } قال نبتليكم ~~بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة ~~والمعصية، والهدى والضلالة. ### || [21.36-43] # قوله { وإذا راك الذين كفروا } يعني المستهزئين من ~~المشركين { إن يتخذونك إلا هزوا } أي ما يتخذونك إلا مهزوءا ~~بك، والهزؤ السخرية، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم # المشركين إنا كفينك المستهزءين # الحجر 95 والمعنى ما يفعلون بك إلا اتخذوك هزؤا { أهذا الذي ~~يذكر آلهتكم } هو على تقدير القول، أي يقولون أهذا الذي، فعلى ~~هذا هو جواب إذا، ويكون قوله { إن يتخذونك إلا هزوا } ~~اعتراضا بين الشرط وجوابه، ومعنى يذكرها يعيبها. قال الزجاج يقال فلان ~~يذكر الناس، أي يغتابهم، ويذكرهم بالعيوب، وفلان يذكر الله، أي يصفه ~~بالتعظيم ويثني عليه، وإنما يحذف مع الذكر ما عقل معناه، وعلى ما قالوا ~~لا يكون الذكر في كلام العرب العيب، وحيث يراد به العيب يحذف منه السوء، ~~قيل ومن هذا قول عنترة # لا تذكري مهري وما أطعمته فيكون جلدك مثل جلد الأجرب # أي لا تعيبي مهري، وجملة { وهم بذكر الرحمن هم ~~كفرون } في محل نصب على الحال، أي وهم بالقرآن كافرون، أو هم بذكر ~~الرحمن الذي خلقهم كافرون، والمعنى أنهم يعيبون على النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء، والحال أنهم ~~بذكر الله سبحانه بما يليق به من التوحيد، أو القرآن كافرون، فهم أحق ~~بالعيب لهم والإنكار عليهم، فالضمير الأول مبتدأ خبره كافرون، وبذكر ~~متعلق بالخبر، والضمير الثاني تأكيد. { خلق الإنسان من عجل } ~~أي جعل لفرط استعجاله كأنه مخلوق من العجل. قال الفراء كأنه يقول بنيته ~~وخلقته من العجلة وعلى العجلة. وقال الزجاج خوطبت العرب بما تعقل، والعرب ~~تقول للذي يكثر منه الشيء خلقت منه كما تقول أنت من لعب، وخلقت من لعب، ~~تريد المبالغة في وصفه بذلك. ويدل على هذا المعنى قوله # وكان الإنسن عجولا # الإسراء 11. والمراد بالإنسان الجنس. وقيل المراد بالإنسان آدم، فإنه ~~لما خلقه الله ونفخ ms2453 فيه الروح صار الروح في رأسه، فذهب لينهض قبل أن تبلغ ~~الروح إلى رجليه فوقع، فقيل خلق الإنسان من عجل، كذا قال عكرمة وسعيد بن ~~جبير والسدي والكلبي ومجاهد وقال أبو عبيدة وكثير من أهل المعاني العجل ~~الطين بلغة حمير. وأنشدوا # والنخل تنبت بين الماء والعجل # وقيل إن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث، وهو القائل # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك # الأنفال 32. وقيل نزلت في قريش لأنهم استعجلوا العذاب. وقال الأخفش معنى ~~خلق الإنسان من عجل أنه قيل له كن فكان. وقيل إن هذه الآية من المقلوب، ~~أي خلق العجل من الإنسان وقد حكي هذا عن أبي عبيدة والنحاس، والقول ~~الأول أولى { سأريكم آياتي } أي سأريكم نقماتي منكم بعذاب النار { فلا ~~تستعجلون } أي لا تستعجلوني بالإتيان به، فإنه نازل بكم لا محالة، ~~وقيل المراد بالآيات ما دل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم من المعجزات ~~وما جعله الله له من العاقبة المحمودة، والأول أولى، ويدل عليه قولهم { ~~متى هذا الوعد إن كنتم صدقين } أي متى حصول هذا ~~الوعد، الذي تعدنا به من العذاب، قالوا ذلك على جهة الاستهزاء والسخرية. # وقيل المراد بالوعد هنا القيامة، ومعنى { إن كنتم صدقين } إن ~~كنتم يا معشر المسلمين صادقين في وعدكم، والخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وللمؤمنين الذين يتلون الآيات القرآنية المنذرة بمجيء الساعة وقرب ~~حضور العذاب. وجملة { لو يعلم الذين كفروا } وما بعدها ~~مقررة لما قبلها، أي لو عرفوا ذلك الوقت، وجواب لو محذوف، والتقدير لو ~~علموا الوقت الذي { لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ~~ظهورهم ولا هم ينصرون } لما استعجلوا الوعيد. وقال الزجاج ~~في تقدير الجواب لعلموا صدق الوعد. وقيل لو علموه ما أقاموا على الكفر. ~~وقال الكسائي هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة، أي لو علموه علم يقين ~~لعلموا أن الساعة آتية، ويدل عليه قوله { بل تأتيهم بغتة } ~~وتخصيص الوجوه والظهور بالذكر بمعنى الأمام والخلف لكونهما أشهر الجوانب ~~الجوانب في استلزام الإحاطة بها للإحاطة بالكل، ms2454 بحيث لا يقدرون على ~~دفعها من جانب من جوانبهم، ومحل { حين لا يكفون } النصب على أنه مفعول ~~العلم، وهو عبارة عن الوقت الموعود الذي كانوا يستعجلونه، ومعنى { ولا هم ~~ينصرون } ولا ينصرهم أحد من العباد فيدفع ذلك عنهم، وجملة { بل تأتيهم ~~بغتة } معطوفة على { يكفون } أي لا يكفونها بل تأتيهم العدة أو النار أو ~~الساعة بغتة، أي فجأة { فتبهتهم } قال الجوهري بهته بهتا أخذه ~~بغتة، وقال الفراء فتبهتهم، أي تحيرهم. وقيل فتفجؤهم { فلا ~~يستطيعون ردها } أي صرفها عن وجوههم ولا عن ظهورهم، فالضمير ~~راجع إلى النار. وقيل راجع إلى الوعد بتأويله بالعدة. وقيل راجع إلى ~~الحين بتأويله بالساعة { ولا هم ينظرون } أي يمهلون ويؤخرون ~~لتوبة واعتذار. وجملة { ولقد استهزيء برسل من قبلك } ~~مسوقة لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزيته، كأنه قال إن استهزأ ~~بك هؤلاء فقد فعل ذلك بمن قبلك من الرسل على كثرة عددهم وخطر شأنهم { ~~فحاق بالذين سخروا منهم } أي أحاط ودار بسبب ذلك بالذين ~~سخروا من أولئك الرسل وهزئوا بهم { ما كانوا به يستهزءون } ~~" ما " موصولة، أو مصدرية، أي فأحاط بهم الأمر الذي كانوا يستهزئون به، ~~أو فأحاط بهم استهزاؤهم، أي جزاؤه على وضع السبب موضع المسبب، أو نفس ~~الاستهزاء، إن أريد به العذاب الأخروي. { قل من يكلؤكم ~~باليل والنهار من الرحمن } أي يحرسكم ويحفظكم. # والكلاءة الحراسة والحفظ، يقال كلأه الله كلاء بالكسر، أي حفظه وحرسه. ~~قال ابن هرمة # إن سليمى والله يكلؤها ضنت بشيء ما كان يرزؤها # أي قل يا محمد لأولئك المستهزئين بطريق التقريع والتوبيخ من يحرسكم ~~ويحفظكم بالليل والنهار من بأس الرحمن وعذابه الذي تستحقون حلوله بكم ~~ونزوله عليكم؟ وقال الزجاج معناه من يحفظكم من بأس الرحمن. وقال الفراء ~~المعنى من يحفظكم مما يريد الرحمن إنزاله بكم من عقوبات الدنيا والآخرة. ~~وحكى الكسائي والفراء من يكلوكم بفتح اللام وإسكان الواو { بل هم عن ~~ذكر ربهم معرضون } أي عن ذكره سبحانه فلا يذكرونه ولا ~~يخطرونه ببالهم، بل يعرضون عنه، أو عن القرآن، أو ms2455 عن مواعظ الله، أو عن ~~معرفته. { أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا } " أم " هي ~~المنقطعة التي بمعنى بل، والهمزة للإضراب والانتقال عن الكلام السابق ~~المشتمل على بيان جهلهم بحفظه سبحانه إياهم إلى توبيخهم وتقريعهم ~~باعتمادهم على من هو عاجز عن نفع نفسه، والدفع عنها. والمعنى بل لهم آلهة ~~تمنعهم من عذابنا. وقيل فيه تقديم وتأخير، والتقدير أم لهم آلهة من دوننا ~~تمنعهم. ثم وصف آلهتهم هذه التي زعموا أنها تنصرهم بما يدل على الضعف ~~والعجز فقال { لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا ~~يصحبون } أي هم عاجزون عن نصر أنفسهم فكيف يستطيعون أن ينصروا غيرهم ~~{ ولا هم منا يصحبون } أي ولا هم يجارون من عذابنا. قال ابن قتيبة أي لا ~~يجيرهم منا أحد، لأن المجير صاحب الجار، والعرب تقول صحبك الله، أي حفظك ~~وأجارك، ومنه قول الشاعر # ينادي بأعلى صوته متعوذا ليصحب منا والرماح دواني # تقول العرب أنا لك جار وصاحب من فلان، أي مجير منه. قال المازني هو من ~~أصحبت الرجل إذا منعته. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال # " مر النبي صلى الله عليه وسلم على أبي سفيان وأبي جهل وهما يتحدثان، ~~فلما رآه أبو جهل ضحك وقال لأبي سفيان هذا نبي بني عبد مناف، فغضب أبو ~~سفيان فقال ما تنكرون أن يكون لبني عبد مناف نبي، فسمعها النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فرجع إلى أبي جهل فوقع به وخوفه وقال ما أراك منتهيا ~~حتى يصيبك ما أصاب عمك، وقال لأبي سفيان أما إنك لم تقل ما قلت إلا حمية ~~" # ، فنزلت هذه الآية { وإذا رآك الذين كفروا }. قلت ينظر من ~~الذي روى عنه السدي؟. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن ~~عكرمة قال لما نفخ في آدم الروح صار في رأسه فعطس فقال الحمد لله، فقالت ~~الملائكة يرحمك الله، فذهب لينهض قبل أن تمور في رجليه فوقع، فقال الله { ~~خلق الإنسان من عجل }. # وقد أخرج نحو هذا ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد ms2456 بن جبير. وأخرج نحوه ~~أيضا ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ في العظمة عن مجاهد، وكذا أخرج ابن المنذر عن ابن جريج. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { قل من يكلؤكم } قال ~~يحرسكم، وفي قوله { ولا هم منا يصحبون } قال لا ينصرون. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ولا هم منا ~~يصحبون } قال لا يجارون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه في الآية ~~قال لا يمنعون. ### || [21.44-56] # لما أبطل كون الأصنام نافعة أضرب عن ذلك منتقلا إلى بيان أن ما هم فيه ~~من الخير والتمتع بالحياة العاجلة هو من الله، لا من مانع يمنعهم من ~~الهلاك، ولا من ناصر ينصرهم على أسباب التمتع فقال { بل متعنا ~~هؤلاء وءاباءهم } يعني أهل مكة متعهم الله بما أنعم عليهم { ~~حتى طال عليهم العمر } فاغتروا بذلك وظنوا أنهم لا ~~يزالون كذلك، فرد سبحانه عليهم قائلا { أفلا يرون } أي أفلا ~~ينظرون فيرون { أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } ~~أي أرض الكفر ننقصها بالظهور عليها من أطرافها فنفتحها بلدا بعد بلد ~~وأرضا بعد أرض، وقيل ننقصها بالقتل والسبي، وقد مضى في الرعد الكلام على ~~هذا مستوفى، والاستفهام في قوله { أفهم الغلبون } للإنكار، ~~والفاء للعطف على مقدر كنظائره، أي كيف يكونون غالبين بعد نقصنا لأرضهم ~~من أطرافها؟ وفي هذا إشارة إلى أن الغالبين هم المسلمون. { قل ~~إنما أنذركم بالوحي } أي أخوفكم وأحذركم بالقرآن، وذلك شأني ~~وما أمرني الله به، وقوله { ولا يسمع الصم الدعاء } إما من ~~تتمة الكلام الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم، أو من جهة ~~الله تعالى. والمعنى أن من أصم الله سمعه وختم على قلبه وجعل على بصره ~~غشاوة لا يسمع الدعاء. قرأ أبو عبد الرحمن السلمي ومحمد بن السميفع " ~~ولا يسمع " بضم الياء وفتح الميم على ما لم يسم فاعله. وقرأ ابن عامر ~~وأبو حيوة ويحيى بن الحارث بالتاء الفوقية مضمومة ms2457 وكسر الميم، أي إنك يا ~~محمد لا تسمع هؤلاء. قال أبو علي الفارسي ولو كان كما قال ابن عامر لكان ~~إذا ما تنذرهم، فيحسن نظم الكلام، فأما { إذا ما ينذرون } فحسن أن ~~يتبع قراءة العامة. وقرأ الباقون بفتح الياء وفتح الميم ورفع الصم على ~~أنه الفاعل. { ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك } ~~المراد بالنفحة القليل، مأخوذ من نفح المسك قاله ابن كيسان، ومنه قول ~~الشاعر # وعمرة من سروات النساء تنفح بالمسك أردانها # وقال المبرد النفحة الدفعة من الشيء التي دون معظمه، يقال نفحه نفحة ~~بالسيف إذا ضربه ضربة خفيفة. وقيل هي النصيب، وقيل هي الطرف. والمعنى ~~متقارب، أي ولئن مسهم أقل شيء من العذاب { ليقولن يويلنا ~~إنا كنا ظلمين } أي ليدعون على أنفسهم بالويل والهلاك ~~ويعترفون عليها بالظلم. { ونضع الموزين القسط ليوم ~~القيمة } الموازين جمع ميزان، وهو يدل على أن هناك موازين، ويمكن ~~أن يراد ميزان واحد، عبر عنه بلفظ الجمع، وقد ورد في السنة في صفة ~~الميزان ما فيه كفاية، وقد مضى في الأعراف، وفي الكهف في هذا ما يغني عن ~~الإعادة. # والقسط صفة للموازين. قال الزجاج قسط مصدر يوصف به، تقول ميزان قسط ~~وموازين قسط، والمعنى ذوات قسط، والقسط العدل. وقرىء " القصط " بالصاد ~~والطاء، ومعنى { ليوم القيمة } لأهل يوم القيامة. وقيل اللام ~~بمعنى في، أي في يوم القيامة { فلا تظلم نفس شيئا } أي لا ~~ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في إساءة مسيء { وإن كان مثقال ~~حبة من خردل } قرأ نافع وشيبة وأبو جعفر برفع مثقال على أن كان ~~تامة، أي إن وقع أو وجد مثقال حبة. وقرأ الباقون بنصب المثقال على تقدير ~~وإن كان العمل المدلول عليه بوضع الموازين مثقال حبة، كذا قال الزجاج. ~~وقال أبو علي الفارسي وإن كان الظلامة مثقال حبة. قال الواحدي وهذا أحسن ~~لتقدم قوله { فلا تظلم نفس شيئا } ، ومثقال الشيء ميزانه، أي وإن كان ~~في غاية الخفة والحقارة، فإن حبة الخردل مثل في الصغر { أتينا بها ~~} قرأ الجمهور بالقصر، أي أحضرناها وجئنا ms2458 بها للمجازاة عليها، و { بها } ~~أي بحبة الخردل. وقرأ مجاهد وعكرمة " آتينا " بالمد على معنى جازينا ~~بها، يقال آتى يؤاتي مؤاتاة جازى { وكفى بنا حسبين } أي كفى ~~بنا محصين. والحسب في الأصل معناه العد وقيل كفى بنا عالمين، لأن من حسب ~~شيئا علمه وحفظه، وقيل كفى بنا مجازين على ما قدموه من خير وشر. ثم ~~شرع سبحانه في تفصيل ما أجمله سابقا بقوله # وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم # الأنبياء 7 فقال { ولقد ءاتينا موسى وهرون ~~الفرقان وضياء وذكرا للمتقين } المراد بالفرقان هنا ~~التوراة، لأن فيها الفرق بين الحلال والحرام، وقيل الفرقان هنا هو النصر ~~على الأعداء كما في قوله # وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان # الأنفال 41. قال الثعلبي وهذا القول أشبه بظاهر الآية، ومعنى { وضياء } ~~أنهم استضاؤوا بها في ظلمات الجهل والغواية، ومعنى { وذكرا } الموعظة، أي ~~أنهم يتعظون بما فيها، وخص المتقين لأنهم الذين ينتفعون بذلك، ووصفهم ~~بقوله { الذين يخشون ربهم بالغيب } لأن هذه الخشية ~~تلازم التقوى. ويجوز أن يكون الموصول بدلا من المتقين أو بيانا له، ~~ومحل { بالغيب } النصب على الحال، أي يخشون عذابه وهو غائب عنهم، أو هم ~~غائبون عنه لأنهم في الدنيا، والعذاب في الآخرة. وقرأ ابن عباس وعكرمة { ~~ضياء } بغير واو. قال الفراء حذف الواو والمجيء بها واحد، واعترضه الزجاج ~~بأن الواو تجيء لمعنى فلا تزاد { وهم من الساعة مشفقون } ~~أي وهم من القيامة خائفون وجلون، والإشارة بقوله { وهذا ذكر ~~مبارك } إلى القرآن. قال الزجاج المعنى وهذا القرآن ذكر لمن تذكر به ~~وموعظة لمن اتعظ به، والمبارك كثير البركة والخير. وقوله { أنزلنه ~~} صفة ثانية للذكر، أو خبر بعد خبر، والاستفهام في قوله { أفأنتم ~~له منكرون } للإنكار لما وقع منهم من الإنكار، أي كيف تنكرون كونه ~~منزلا من عند الله مع اعترافكم بأن التوراة منزلة من عنده. # { ولقد ءاتينا إبرهيم رشده } أي الرشد اللائق به ~~وأمثاله من الرسل، ومعنى { من قبل } أنه أعطى رشده قبل إيتاء موسى ~~وهرون التوراة. وقال الفراء المعنى أعطيناه هداه من ms2459 قبل النبوة، أي ~~وفقناه للنظر والاستدلال لما جن عليه الليل فرأى الشمس والقمر والنجم، ~~وعلى هذا أكثر المفسرين، وبالأول قال أقلهم { وكنا به علمين ~~} أنه موضع لإيتاء الرشد، وأنه يصلح لذلك، والظرف في قوله { إذ قال ~~لأبيه } متعلق بآتينا أو بمحذوف، أي اذكر حين قال، وأبوه هو آزر { ~~وقومه } نمروذ ومن اتبعه، والتماثيل الأصنام. وأصل التمثال الشيء ~~المصنوع مشابها لشيء من مخلوقات الله سبحانه، يقال مثلت الشيء بالشيء ~~إذا جعلته مشابها له، واسم ذلك الممثل تمثال، أنكر عليهم عبادتها بقوله ~~{ ما هذه التمثيل التى أنتم لها عكفون } ~~والعكوف عبارة عن اللزوم والاستمرار على الشيء، واللام في { لها } ~~للاختصاص، ولو كانت للتعدية لجيء بكلمة على، أي ما هذه الأصنام التي أنتم ~~مقيمون على عبادتها؟ وقيل إن العكوف مضمن معنى العبادة. { قالوا ~~وجدنا ءاباءنا لها عبدين } أجابوه بهذا الجواب الذي هو ~~العصا التي يتوكأ عليها كل عاجز، والحبل الذي يتشبث به كل غريق، وهو ~~التمسك بمجرد تقليد الآباء، أي وجدنا آباءنا يعبدونها فعبدناها اقتداء ~~بهم ومشيا على طريقتهم، وهكذا يجيب هؤلاء المقلدة من أهل هذه الملة ~~الإسلامية، وإن العالم بالكتاب والسنة إذا أنكر عليهم العمل بمحض الرأي ~~المدفوع بالدليل قالوا هذا قد قال به إمامنا الذي وجدنا آباءنا له مقلدين ~~وبرأيه آخذين، وجوابهم هو ما أجاب به الخليل ها هنا { قال لقد ~~كنتم أنتم وءاباؤكم في ضلل مبين } أي في خسران ~~واضح ظاهر لا يخفى على أحد ولا يلتبس على ذي عقل، فإن قوم إبراهيم عبدوا ~~الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولا تسمع ولا تبصر، وليس بعد هذا الضلال ~~ضلال، ولا يساوي هذا الخسران خسران، وهؤلاء المقلدة من أهل الإسلام ~~استبدلوا بكتاب الله وبسنة رسوله كتابا قد دونت فيه اجتهادات عالم من ~~علماء الإسلام زعم أنه لم يقف على دليل يخالفها، إما لقصور منه أو لتقصير ~~في البحث فوجد ذلك الدليل من وجده وأبرزه واضح المنار # كأنه علم في رأسه نار # وقال هذا كتاب الله أو هذه سنة رسوله، وأنشدهم # دعوا ms2460 كل قول عند قول محمد فما آمن في دينه كمخاطر # فقالوا كما قال الأول # ما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وأن ترشد غزية أرشد # وقد أحسن من قال # يأبى الفتى إلا اتباع الهوى ومنهج الحق له واضح # ثم لما سمع أولئك مقالة الخليل قالوا { أجئتنا بالحق أم ~~أنت من اللعبين } أي أجاد أنت فيما تقول أم أنت لاعب مازح؟ ~~قال مضربا عما بنوا عليه مقالتهم من التقليد { بل ربكم رب ~~السموات والأرض *الذى فطرهن } أي خلقهن وأبدعهن { ~~وأنا على ذلكم } الذي ذكرته لكم من كون ربكم هو رب السموات ~~والأرض دون ما عداه { من الشهدين } أي العالمين به المبرهنين ~~عليه، فإن الشاهد على الشيء هو من كان عالما به مبرهنا عليه مبينا له. ~~وقد أخرج أحمد والترمذي، وابن جرير في تهذيبه، وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن عائشة أن رجلا قال يا رسول الله إن ~~لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم؟ ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم دون ~~ذنوبهم كان فضلا لك، وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا ~~عليك ولا لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل " # ، فجعل الرجل يبكي ويهنف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أما تقرأ كتاب الله { ونضع الموزين القسط ليوم ~~القيمة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال ~~حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين } " # فقال له الرجل يا رسول الله، ما أجد لي ولهم خيرا من مفارقتهم أشهدك ~~أنهم أحرار. رواه أحمد هكذا حدثنا أبو نوح قراد، أخبرنا ليث بن سعد عن ~~مالك بن أنس عن الزهري عن عروة، عن عائشة فذكره، وفي معناه أحاديث. وأخرج ~~سعيد بن منصور، وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ { ولقد ~~ءاتينا موسى وهرون الفرقان وضياء }. وأخرج عبد بن ~~حميد عن أبي صالح { ولقد ms2461 ءاتينا موسى وهرون الفرقان ~~} قال التوراة. وأخرج ابن جرير عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ~~قال { الفرقان } الحق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن قتادة { وهذا ذكر مبارك } أي القرآن. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ~~ولقد ءاتينا إبرهيم رشده } قال هديناه صغيرا، وفي قوله ~~{ ما هذه التمثيل } قال الأصنام. ### || [21.57-70] # قوله { وتالله لأكيدن أصنمكم } أخبرهم أنه سينتقل من ~~المحاجة باللسان إلى تغيير المنكر بالفعل ثقة بالله سبحانه ومحاماة على ~~دينه. والكيد المكر، يقال كاده يكيده كيدا ومكيدة، والمراد هنا الاجتهاد ~~في كسر الأصنام. قيل إنه عليه الصلاة والسلام قال ذلك سرا. وقيل سمعه ~~رجل منهم { بعد أن تولوا مدبرين } أي بعد أن ترجعوا من ~~عبادتها ذاهبين منطلقين. قال المفسرون كان لهم عيد في كل سنة يجتمعون ~~فيه، فقالوا لإبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا، فقال إبراهيم ~~هذه المقالة. والفاء في قوله { فجعلهم جذاذا } فصيحة، أي فولوا، ~~فجعلهم جذاذا، الجذ القطع والكسر، يقال جذذت الشيء قطعته وكسرته، ~~والواحد جذاذة، والجذاذ ما كسر منه. قاله الجوهري. قال الكسائي ويقال ~~لحجارة الذهب الجذاذ لأنها تكسر. قرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن " ~~جذاذا " بكسر الجيم، أي كسرا وقطعا، جمع جذيذ، وهو الهشيم، مثل خفيف ~~وخفاف، وظريف وظراف. قال الشاعر # جذذ الأصنام في محرابها ذاك في الله العلي المقتدر # وقرأ الباقون بالضم، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، أي الحطام ~~والرفات، فعال بمعنى مفعول، وهذا هو الكيد الذي وعدهم به. وقرأ ابن عباس ~~وأبو السماك " جذاذا " بفتح الجيم { إلا كبيرا لهم } أي ~~للأصنام { لعلهم إليه } أي إلى إبراهيم { يرجعون } ~~فيحاجهم بما سيأتي فيحجهم وقيل لعلهم إلى الصنم الكبير يرجعون فيسألونه ~~عن الكاسر، لأن من شأن المعبود أن يرجع إليه في المهمات، فإذا رجعوا إليه ~~لم يجدوا عنده خبرا، فيعلمون حينئذ أنها لا تجلب نفعا ولا تدفع ضررا، ~~ولا تعلم بخير ولا شر، ولا تخبر ms2462 عن الذي ينوبها من الأمر، وقيل لعلهم ~~إلى الله يرجعون، وهو بعيد جدا. { قالوا من فعل هذا ~~بئالهتنا إنه لمن الظلمين } في الكلام حذف، ~~والتقدير فلما رجعوا من عيدهم ورأوا ما حدث بآلهتهم قالوا هذه المقالة، ~~والاستفهام للتوبيخ. وقيل إن " من " ليست استفهامية، بل هي مبتدأ وخبرها ~~{ إنه لمن الظالمين } أي فاعل هذا ظالم، والأول أولى لقولهم { سمعنا ~~فتى } إلخ، فإنه قال بهذا بعضهم مجيبا للمستفهمين لهم، وهذا القائل هو ~~الذي سمع إبراهيم يقول { تالله لأكيدن أصنمكم } ومعنى { ~~يذكرهم } يعيبهم، وقد سبق تحقيق مثل هذه العبارة، وجملة { يقال ~~له إبرهيم } صفة ثانية لفتى. قال الزجاج وارتفع إبراهيم على معنى ~~يقال له هو إبراهيم، فهو على هذا خبر مبتدأ محذوف، وقيل ارتفاعه على أنه ~~مفعول ما لم يسم فاعله، وقيل مرتفع على النداء. ومن غرائب التدقيقات ~~النحوية، وعجائب التوجيهات الإعرابية، أن الأعلم الشنتمري الأشبيلي قال ~~إنه مرتفع على الإهمال. # قال ابن عطية ذهب إلى رفعه بغير شيء. والفتى هو الشاب، والفتاة الشابة. ~~{ قالوا فأتوا به على أعين الناس } القائلون هم ~~السائلون، أمروا بعضهم أن يأتي به ظاهرا بمرأى من الناس. قيل إنه لما ~~بلغ الخبر نمروذ وأشراف قومه كرهوا أن يأخذوه بغير بينة، فقالوا هذه ~~المقالة، ليكون ذلك حجة عليه يستحلون بها منه ما قد عزموا على أن يفعلوه ~~به. ومعنى { لعلهم يشهدون } لعلهم يحضرون عقابه حتى ينزجر ~~غيره عن الاقتداء به في مثل هذا. وقيل لعلهم يشهدون عليه بأنهم رأوه يكسر ~~الأصنام، أو لعلهم يشهدون طعنه على أصنامهم. وجملة { قالوا ءأنت ~~فعلت هذا بئالهتنا يإبرهيم } مستأنفة جواب سؤال ~~مقدر، وفي الكلام حذف تقديره فجاء إبراهيم حين أتوا به فاستفهموه هل فعل ~~ذلك لإقامة الحجة عليه في زعمهم. { قال بل فعله كبيرهم ~~هذا } أي قال إبراهيم مقيما للحجة عليهم مبكتا لهم، بل فعله كبيرهم ~~هذا مشيرا إلى الصنم الذي تركه ولم يكسره { فاسألوهم إن كانوا ينطقون } ~~أي إن كانوا ممن يمكنه النطق ويقدر على الكلام ويفهم ما يقال له، فيجيب ~~عنه ms2463 بما يطابقه. أراد عليه الصلاة والسلام أن يبين لهم أن من لا يتكلم ~~ولا يعلم ليس بمستحق للعبادة، ولا يصح في العقل أن يطلق عليه أنه إله. ~~فأخرج الكلام مخرج التعريض لهم بما يوقعهم في الاعتراف بأن الجمادات التي ~~عبدوها ليست بآلهة، لأنهم إذا قالوا إنهم لا ينطقون، قال لم فكيف تعبدون ~~من يعجز عن النطق، ويقصر عن أن يعلم بما يقع عنده في المكان الذي هو فيه؟ ~~فهذا الكلام من باب فرض الباطل مع الخصم حتى تلزمه الحجة ويعترف بالحق، ~~فإن ذلك أقطع لشبهته وأدفع لمكابرته. وقيل أراد إبراهيم عليه السلام ~~بنسبة الفعل إلى ذلك الكبير من الأصنام أنه فعل ذلك لأنه غار وغضب من أن ~~يعبد وتعبد الصغار معه إرشادا لهم إلى أن عبادة هذه الأصنام التي لا ~~تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تدفع لا تستحسن في العقل مع وجود خالقها ~~وخالقهم، والأول أولى. وقرأ ابن السميفع " بل فعله " بتشديد اللام على ~~معنى بل فلعل الفاعل كبيرهم. { فرجعوا إلى أنفسهم } أي رجع ~~بعضهم إلى بعض رجوع المنقطع عن حجته المتفطن لصحة حجة خصمه المراجع ~~لعقله، وذلك أنهم تنبهوا وفهموا عند هذه المقاولة بينهم وبين إبراهيم أن ~~من لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإضرار بمن فعل به ما فعله ~~إبراهيم بتلك الأصنام، يستحيل أن يكون مستحقا للعبادة، ولهذا { قالوا ~~إنكم أنتم الظلمون } أي قال بعضهم لبعض أنتم الظالمون ~~لأنفسكم بعبادة هذه الجمادات، وليس الظالم من نسبتم الظلم إليه بقولكم ~~إنه لمن الظالمين { ثم نكسوا على رءوسهم } أي رجعوا إلى ~~جهلهم وعنادهم، شبه سبحانه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه. # وقيل المعنى أنهم طأطئوا رؤوسهم خجلا من إبراهيم، وهو ضعيف لأنه لم يقل ~~نكسوا رؤوسهم بفتح الكاف وإسناد الفعل إليهم حتى يصح هذا التفسير، بل قال ~~نكسوا على رؤوسهم، وقرىء " نكسوا " بالتشديد، ثم قالوا بعد أن نكسوا ~~مخاطبين لإبراهيم { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } أي قائلين ~~لإبراهيم لقد علمت أن النطق ليس من شأن ms2464 هذه الأصنام، فقال إبراهيم مبكتا ~~لهم ومزريا عليهم { أفتعبدون من دون الله ما لا ~~ينفعكم شيئا } من النفع { ولا يضركم } بنوع من أنواع ~~الضرر، ثم تضجر عليه السلام منهم، فقال { أف لكم ولما ~~تعبدون من دون الله } وفي هذا تحقير لهم ولمعبوداتهم، واللام ~~في { لكم } لبيان المتأفف به، أي لكم ولآلهتكم، والتأفف صوت يدل على ~~التضجر { أفلا تعقلون } أي ليس لكم عقول تتفكرون بها، فتعلمون ~~هذا الصنع القبيح الذي صنعتموه. { قالوا حرقوه } أي قال بعضهم ~~لبعض لما أعيتهم الحيلة في دفع إبراهيم، وعجزوا عن مجادلته، وضاقت عليهم ~~مسالك المناظرة، حرقوا إبراهيم. انصرافا منهم إلى طريق الظلم والغشم، ~~وميلا منهم إلى إظهار الغلبة بأي وجه كان، وعلى أي أمر اتفق، ولهذا ~~قالوا { وانصروا ءالهتكم إن كنتم فعلين } أي انصروها ~~بالانتقام من هذا الذي فعل بها ما فعل إن كنتم فاعلين للنصر. وقيل هذا ~~القائل هو نمروذ وقيل رجل من الأكراد. { قلنا يا نار كوني بردا ~~وسلما على إبرهيم } في الكلام حذف تقديره فأضرموا النار، ~~وذهبوا بإبراهيم إليها، فعند ذلك قلنا يا نار كوني ذات برد وسلام. وقيل ~~إن انتصاب { سلاما } على أنه مصدر لفعل محذوف، أي وسلمنا سلاما عليه { ~~وأرادوا به كيدا } أي مكرا { فجعلنهم الاخسرين ~~} أي أخسر من كل خاسر ورددنا مكرهم عليهم فجعلنا لهم عاقبة السوء كما ~~جعلنا لإبراهيم عاقبة الخير. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال لما ~~خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم مروا عليه، فقالوا يا إبراهيم ألا تخرج معنا؟ ~~قال إني سقيم، وقد كان بالأمس، قال { تالله لأكيدن ~~أصنمكم بعد أن تولوا مدبرين } فسمعه ناس منهم. ~~فلما خرجوا انطلق إلى أهله، فأخذ طعاما ثم انطلق إلى آلهتهم فقربه ~~إليهم، فقال ألا تأكلون؟ فكسرها إلا كبيرهم، ثم ربط في يده الذي كسر به ~~آلهتهم، فلما رجع القوم من عيدهم دخلوا، فإذا هم بآلهتهم قد كسرت، وإذا ~~كبيرهم في يده الذي كسر به الأصنام، قالوا من فعل هذا بآلهتنا؟ فقال ~~الذين سمعوا إبراهيم يقول { تالله * لاكيدن ms2465 أصنمكم } { ~~سمعنا فتى يذكرهم } فجادلهم عند ذلك إبراهيم. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { جذاذا } قال ~~حطاما. # وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال فتاتا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه ~~أيضا { بل فعله كبيرهم هذا } قال عظيم آلهتهم. وأخرج أبو ~~داود والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لم يكذب إبراهيم في شيء قط إلا في ثلاث كلهن في الله قوله { إني ~~سقيم } ولم يكن سقيما، وقوله لسارة أختي، وقوله { بل فعله ~~كبيرهم هذا } " # وهذا الحديث هو في الصحيحين من حديث أبي هريرة بأطول من هذا. وقد روى ~~نحو هذا أبو يعلى من حديث أبي سعيد. وأخرح ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال ~~لما جمع لإبراهيم ما جمع، وألقي في النار جعل خازن المطر يقول متى أومر ~~بالمطر فأرسله؟ فكان أمر الله أسرع، قال الله { كوني بردا ~~وسلما } فلم يبق في الأرض نار إلا طفئت. وأخرج أحمد وابن ماجه وابن ~~حبان وأبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني عن عائشة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال # " إن إبراهيم حين ألقي في النار لم تكن دابة إلا تطفىء عنه النار غير ~~الوزغ فإنه كان ينفخ على إبراهيم " " # فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله. وأخرج ابن أبي شيبة في ~~المصنف، وابن المنذر عن ابن عمر، قال أول كلمة قالها إبراهيم حين ألقي ~~في النار # حسبنا الله ونعم الوكيل # آل عمران 173. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { قلنا ينار ~~كوني } قال كان جبريل هو الذي ناداها. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال لو لم يتبع بردها سلاما لمات ~~إبراهيم من بردها. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد، وعبد ~~ابن حميد وابن جرير وابن المنذر عن علي نحوه. وأخرج ابن جرير عن معتمر ~~بن سليمان التيمي عن بعض أصحابه ms2466 قال جاء جبريل إلى إبراهيم وهو يوثق ~~ليلقى في النار، فقال يا إبراهيم، ألك حاجة؟ قال أما إليك فلا. وأخرج ابن ~~أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن كعب قال ما أحرقت النار من إبراهيم ~~إلا وثاقه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن المنهال بن عمرو قال أخبرت ~~أن إبراهيم ألقي في النار، فكان فيها إما خمسين وإما أربعين، قال ما كنت ~~أياما وليالي قط أطيب عيشا إذ كنت فيها، وددت أن عيشي وحياتي كلها مثل ~~عيشي إذ كنت فيها. ### || [21.71-77] # قد تقدم أن لوطا هو ابن أخي إبراهيم، فحكى الله سبحانه ها هنا أنه نجى ~~إبراهيم ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين. قال المفسرون وهي ~~أرض الشام، وكانا بالعراق وسماها سبحانه مباركة لكثرة خصبها وثمارها ~~وأنهارها، ولأنها معادن الأنبياء وأصل البركة ثبوت الخير، ومنه برك ~~البعير إذا لزم مكانه فلم يبرح. وقيل الأرض المباركة مكة، وقيل بيت ~~المقدس، لأن منها بعث الله أكثر الأنبياء، وهي أيضا كثيرة الخصب، وقد ~~تقدم تفسير العالمين. ثم قال سبحانه ممتنا على إبراهيم { ووهبنا ~~له إسحق ويعقوب نافلة } النافلة الزيادة، وكان إبراهيم ~~قد سأل الله سبحانه أن يهب له ولدا، فوهب له إسحاق، ثم وهب لإسحاق يعقوب ~~من غير دعاء، فكان ذلك نافلة، أي زيادة وقيل المراد بالنافلة هنا العطية، ~~قاله الزجاج. وقيل النافلة هنا ولد الولد، لأنه زيادة على الولد، وانتصاب ~~{ نافلة } على الحال. قال الفراء النافلة يعقوب خاصة، لأنه ولد الولد # وكلا جعلنا صلحين # الأنبياء 72 أي وكل واحد من هؤلاء الأربعة إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب، ~~لا بعضهم دون بعض جعلناه صالحا عاملا بطاعة الله تاركا لمعاصيه. وقيل ~~المراد بالصلاح هنا النبوة. { وجعلناهم أئمة يهدون ~~بأمرنا } أي رؤساء يقتدى بهم في الخيرات وأعمال الطاعات، ومعنى { ~~بأمرنا } بأمرنا لهم بذلك، أي بما أنزلنا عليهم من الوحي { وأوحينا ~~إليهم فعل الخيرت } أي أن يفعلوا الطاعات. وقيل المراد ~~بالخيرات شرائع النبوات { وكانوا لنا عبدين } أي كانوا لنا ~~خاصة دون غيرنا مطيعين، فاعلين لما ms2467 نأمرهم به، تاركين ما ننهاهم عنه. { ~~ولوطا آتينه حكما وعلما } انتصاب { لوطا } بفعل مضمر ~~دل عليه قوله { آتيناه } أي وآتينا لوطا آتيناه. وقيل بنفس الفعل ~~المذكور بعده. وقيل بمحذوف هو اذكر، والحكم النبوة. والعلم المعرفة بأمر ~~الدين. وقيل الحكم هو فصل الخصومات بالحق. وقيل هو الفهم. { ~~ونجينه من القرية التي كانت تعمل ~~الخبئث } القرية هي سدوم كما تقدم، ومعنى { تعمل الخبائث } يعمل ~~أهلها الخبائث، فوصفت القرية بوصف أهلها، والخبائث التي كانوا يعملونها ~~هي اللواطة والضراط وخذف الحصى كما سيأتي، ثم علل سبحانه ذلك بقوله { ~~إنهم كانوا قوم سوء فسقين } أي خارجين عن طاعة الله. ~~والفسوق الخروج كما تقدم. { وأدخلنه في رحمتنا } ~~بإنجائنا إياه من القوم المذكورين، ومعنى في { رحمتنا } في أهل رحمتنا. ~~وقيل في النبوة. وقيل في الإسلام. وقيل في الجنة { إنه من ~~الصلحين } الذين سبقت لهم منا الحسنى. { ونوحا إذ نادى } ~~أي واذكر نوحا إذ نادى ربه { من قبل } أي من قبل هؤلاء الأنبياء ~~المذكورين { فاستجبنا له } دعاءه { فنجينه وأهله ~~من الكرب العظيم } أي من الغرق بالطوفان، والكرب الغم الشديد، ~~والمراد بأهله المؤمنون منهم. # { ونصرنه من القوم الذين كذبوا بئايتنا ~~} أي نصرناه نصرا مستتبعا للانتقام من القوم المذكورين. وقيل المعنى ~~منعناه من القوم. وقال أبو عبيدة من بمعنى على، ثم علل سبحانه ذلك بقوله ~~{ إنهم كانوا قوم سوء فأغرقنهم أجمعين } أي ~~لم نترك منهم أحدا، بل أغرقنا كبيرهم وصغيرهم بسبب إصرارهم على الذنب. ~~وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب في قوله { إلى الأرض التي ~~باركنا فيها } قال الشام. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي مالك نحوه. ~~وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال لوط كان ابن أخي إبراهيم. وأخرج ابن ~~جرير عنه { ووهبنا له إسحق } قال ولدا { ويعقوب ~~نافلة } قال ابن الابن. وأخرج ابن جرير عن قتادة نحوه. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن الحكم نحوه أيضا. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { ووهبنا له ms2468 ~~إسحق } قال أعطيناه { ويعقوب نافلة } قال عطية. ### || [21.78-88] # قوله { *وداود } معطوف على { نوحا } ومعمول لعامله المذكور، أو المقدر ~~كما مر { وسليمن } معطوف على داود، والظرف في { إذ ~~يحكمان } متعلق بما عمل في داود، أي واذكرهما وقت حكمهما. والمراد ~~من ذكرهما ذكر خبرهما. ومعنى { في الحرث } في شأن الحرث. قيل كان ~~زرعا. وقيل كرما، واسم الحرث يطلق عليهما { إذ نفشت فيه } أي ~~تفرقت وانتشرت فيه { غنم القوم } قال ابن السكيت النفش بالتحريك ~~أن تنتشر الغنم بالليل من غير راع { وكنا لحكمهم شهدين ~~} أي لحكم الحاكمين، وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين، وهو مذهب طائفة ~~من أهل العربية كالزمخشري والرضي، وتقدمهما إلى القول به الفراء. وقيل ~~المراد الحاكمان والمحكوم عليه. ومعنى { شاهدين } حاضرين، والجملة ~~اعتراضية. وجملة { ففهمنها سليمن } معطوفة على { إذ ~~يحكمان } لأنه في حكم الماضي، والضمير في { ففهمناها } ، يعود إلى القضية ~~المفهومة من الكلام، أو الحكومة المدلول عليها بذكر الحكم. قال المفسرون ~~دخل رجلان على داود، وعنده ابنه سليمان، أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب ~~غنم، فقال صاحب الحرث إن هذا انفلتت غنمه ليلا فوقعت في حرثي فلم تبق ~~منه شيئا، فقال لك رقاب الغنم، فقال سليمان أو غير ذلك، ينطلق أصحاب ~~الكرم بالغنم فيصيبون من ألبانها ومنافعها ويقوم أصحاب الغنم على الكرم ~~حتى إذا كان كليلة نفشت فيه دفع هؤلاء إلى هؤلاء غنمهم، ودفع هؤلاء إلى ~~هؤلاء كرمهم، فقال داود القضاء ما قضيت، وحكم بذلك. قال النحاس إنما قضى ~~داود بالغنم لصاحب الحرث لأن ثمنها كانا قريبا منه، وأما في حكم سليمان ~~فقد قيل كانت قيمة ما نال من الغنم، وقيمة ما أفسدت الغنم سواء. قال ~~جماعة من العلماء إن داود حكم بوحي، وحكم سليمان بوحي نسخ الله به حكم ~~داود، فيكون التفهيم على هذا بطريق الوحي. وقال الجمهور إن حكمهما كان ~~باجتهاد، وكلام أهل العلم في حكم اجتهاد الأنبياء معروف، وهكذا ما ذكره ~~أهل العلم في اختلاف المجتهدين، وهل كل مجتهد مصيب، أو الحق مع واحد؟ وقد ~~استدل المستدلون بهذه ms2469 الآية على أن كل مجتهد مصيب، ولا شك أنها تدل على ~~رفع الإثم عن المخطىء، وأما كون كل واحد منهما مصيبا، فلا تدل عليه هذه ~~الآية ولا غيرها، بل صرح الحديث المتفق عليه في الصحيحين وغيرهما أن ~~الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر، فسماه ~~النبي صلى الله عليه وسلم مخطئا، فكيف يقال إنه مصيب لحكم الله موافق ~~له، فإن حكم الله سبحانه واحد لا يختلف باختلاف المجتهدين، وإلا لزم توقف ~~حكمه عز وجل على اجتهادات المجتهدين، واللازم باطل فالملزوم مثله. # وأيضا يستلزم أن تكون العين التي اختلف اجتهاد المجتهدين فيها بالحل ~~والحرمة حلالا حراما في حكم الله سبحانه. وهذا اللازم باطل بالإجماع، ~~فالملزوم مثله. وأيضا يلزم أن حكم الله سبحانه لا يزال يتجدد عند وجود ~~كل مجتهد له اجتهاد في تلك الحادثة، ولا ينقطع ما يريده الله سبحانه فيها ~~إلا بانقطاع المجتهدين واللازم باطل فالملزوم مثله. وقد أوضحنا هذه ~~المسألة بما لا مزيد عليه في المؤلف الذي سميناه «القول المفيد في حكم ~~التقليد» وفي «أدب الطلب ومنتهى الأرب» فمن أحب الوقوف على تحقيق الحق ~~فليرجع إليهما. فإن قلت فما حكم هذه الحادثة التي حكم فيها داود وسليمان ~~في هذه الشريعة المحمدية، والملة الإسلامية؟ قلت قد ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من حديث البراء أنه شرع لأمته أن على أهل الماشية حفظها ~~بالليل، وعلى أصحاب الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ~~مضمون على أهلها، وهذا الضمان هو مقدار الذاهب عينا أو قيمة. وقد ذهب ~~جمهور العلماء إلى العمل بما تضمنه هذا الحديث. وذهب أبو حنيفة وأصحابه ~~وجماعة من الكوفيين إلى أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعا ~~في ليل أو نهار أنه لا يلزم صاحبها شيء، وأدخلوا فسادها في عموم قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم # " جرح العجماء جبار " # قياسا لجميع أفعالها على جرحها. ويجاب عنه بأن هذا القياس فاسد ~~الاعتبار، لأنه في مقابلة النص، ومن أهل العلم من ذهب ms2470 إلى أنه يضمن رب ~~الماشية ما أفسدته من غير فرق بين الليل والنهار. ويجاب عنه بحديث ~~البراء. ومما يدل على أن هذين الحكمين من داود وسليمان كانا بوحي من الله ~~سبحانه لا باجتهاد. قوله { وكلا ءاتينا حكما وعلما } فإن ~~الله سبحانه أخبرنا بأنه أعطى كل واحد منهما هذين الأمرين، وهما إن كانا ~~خاصين فصدقهما على هذه القضية التي حكاها الله سبحانه عنهما مقدم على ~~صدقهما على غيرها، وإن كانا عامين فهذا الفرد من الحكم والعلم، وهو ما ~~وقع من كل واحد منهما في هذه القضية أحق أفراد ذلك العام بدخوله تحته ~~ودلالته عليه، ومما يستفاد من ذلك دفع ما عسى يوهمه تخصيص سليمان ~~بالتفهيم، من عدم كون حكم داود حكما شرعيا، أي وكل واحد منهما أعطيناه ~~حكما وعلما كثيرا، لا سليمان وحده. ولما مدح داود وسليمان على سبيل ~~الاشتراك، ذكر ما يختص بكل واحد منهما، فبدأ بداود فقال { وسخرنا ~~مع داود الجبال يسبحن } التسبيح إما حقيقة أو مجاز، وقد ~~قال بالأول جماعة وهو الظاهر. وذلك أن داود كان إذا سبح سبحت الجبال ~~معه. وقيل إنها كانت تصلي معه إذا صلى، وهو معنى التسبيح. وقال بالمجاز ~~جماعة آخرون وحملوا التسبيح على تسبيح من رآها تعجبا من عظيم خلقها ~~وقدرة خالقها. # وقيل كانت الجبال تسير مع داود، فكان من رآها سائرة معه سبح { ~~والطير } معطوف على الجبال، وقرىء بالرفع على أنه مبتدأ وخبره ~~محذوف، أي والطير مسخرات، ولا يصح العطف على الضمير في { يسبحن } لعدم ~~التأكيد والفصل { وكنا فعلين } يعني ما ذكر من التفهيم، وإيتاء ~~الحكم والتسخير { وعلمناه صنعة لبوس لكم } اللبوس عند ~~العرب السلاح كله درعا كان أو جوشنا، أو سيفا، أو رمحا. قال الهذلي # وعندي لبوس في اللباس كأنه # والمراد في الآية الدروع خاصة، وهو بمعنى الملبوس، كالركوب والحلوب، ~~والجار والمجرور أعني لكم متعلق بعلمنا { لتحصنكم من بأسكم ~~} قرأ الحسن وأبو جعفر وابن عامر وحفص وروح { لتحصنكم } بالتاء الفوقية، ~~بإرجاع الضمير إلى الصنعة، أو إلى اللبوس بتأويل الدرع. وقرأ شيبة ms2471 وأبو ~~بكر والمفضل وابن أبي إسحاق " لنحصنكم " بالنون بإرجاع الضمير إليه ~~سبحانه. وقرأ الباقون بالياء بإرجاع الضمير إلى اللبوس، أو إلى داود، أو ~~إلى الله سبحانه. ومعنى { من بأسكم } من حربكم، أو من وقع السلاح ~~فيكم { فهل أنتم شكرون } لهذه النعمة التي أنعمنا بها عليكم، ~~والاستفهام في معنى الأمر. ثم ذكر سبحانه ما خص به سليمان. فقال { ~~ولسليمن الريح } أي وسخرنا له الريح { عاصفة } أي شديدة ~~الهبوب. يقال عصفت الريح، أي اشتدت، فهي ريح عاصف وعصوف، وانتصاب { الريح ~~} على الحال. وقرأ عبد الرحمن الأعرج والسلمي وأبو بكر { ولسليمان الريح ~~} برفع الريح على القطع مما قبله، ويكون مبتدأ وخبره تجري، وأما على ~~قراءة النصب فيكون محل { تجري بأمره } النصب أيضا على الحالية، ~~أو على البدلية { إلى الأرض التى باركنا فيها } وهي أرض ~~الشام كما تقدم { وكنا بكل شيء علمين } أي بتدبير كل ~~شيء { ومن الشيطين } أي وسخرنا من الشياطين { من يغوصون ~~له } في البحار ويستخرجون منها ما يطلبه منهم. وقيل إن " من " مبتدأ ~~وخبره ما قبله، والغوص النزول تحت الماء، يقال غاص في الماء، والغواص ~~الذي يغوص في البحر على اللؤلؤ { ويعملون عملا دون ذلك } ~~قال الفراء أي سوى ذلك، وقيل يراد بذلك المحاريب والتماثيل وغير ذلك مما ~~يسخرهم فيه { وكنا لهم حفظين } أي لأعمالهم. وقال الفراء ~~حافظين لهم من أن يهربوا أو يتمنعوا، أو حفظناهم من أن يخرجوا عن أمره. ~~قال الزجاج كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا، وكان دأبهم أن يفسدوا ~~بالليل ما عملوا بالنهار. { وأيوب إذ نادى ربه } معطوف على ~~ما قبله، والعامل فيه إما المذكور أو المقدر كما مر، والعامل في الظرف ~~وهو { إذ نادى ربه } هو العامل في أيوب { أني مسني الضر } أي ~~بأني مسني الضر. # وقرىء بكسر " إني ". واختلف في الضر الذي نزل به ماذا هو؟ فقيل إنه قام ~~ليصلي فلم يقدر على النهوض. وقيل إنه أقر بالعجز، فلا يكون ذلك منافيا ~~للصبر. وقيل انقطع الوحي عنه أربعين يوما. وقيل إن دودة سقطت من ms2472 لحمه، ~~فأخذها وردها في موضعها فأكلت منه، فصاح مسني الضر وقيل كان الدود ~~تناول بدنه فيصبر حتى تناولت دودة قلبه. وقيل إن ضره قول إبليس لزوجته ~~اسجدي لي، فخاف ذهاب إيمانها، وقيل إنه تقذره قومه. وقيل أراد بالضر ~~الشماتة، وقيل غير ذلك. ولما نادى ربه متضرعا إليه وصفه بغاية الرحمة ~~فقال { وأنت أرحم الراحمين } فأخبر الله سبحانه باستجابته ~~لدعائه، فقال { فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر } أي ~~شفاه الله مما كان به وأعاضه بما ذهب عليه، ولهذا قال سبحانه { وآتيناه ~~أهله ومثلهم معهم } قيل تركهم الله عز وجل له، وأعطاه مثلهم في الدنيا. ~~قال النحاس والإسناد بذلك صحيح، وقد كان مات أهله جميعا إلا امرأته، ~~فأحياهم الله في أقل من طرف البصر، وآتاه مثلهم معهم. وقيل كان ذلك بأن ~~ولد له ضعف الذين أماتهم الله، فيكون معنى الآية على هذا آتيناه مثل أهله ~~ومثلهم معهم، وانتصاب { رحمة من عندنا } على العلة أي آتيناه ~~ذلك لرحمتنا له { وذكرى للعبدين } أي وتذكرة لغيره من ~~العابدين ليصبروا كما صبر. واختلف في مدة إقامته على البلاء فقيل سبع ~~سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ليال. وقيل ثلاثين سنة. وقيل ثماني عشرة ~~سنة. { وإسمعيل وإدريس وذا الكفل } أي واذكر هؤلاء، ~~وإدريس هو أخنوخ، وذا الكفل إلياس. وقيل يوشع بن نون. وقيل زكريا. ~~والصحيح أنه رجل من بني إسرائيل كان لا يتورع عن شيء من المعاصي، فتاب ~~فغفر الله له. وقيل إن اليسع لما كبر قال من يتكفل لي بكذا وكذا من خصال ~~الخير حتى أستخلفه؟ فقال رجل أنا، فاستخلفه وسمي ذا الكفل. وقيل كان ~~رجلا يتكفل بشأن كل إنسان إذا وقع في شيء من المهمات، وقيل غير ذلك. وقد ~~ذهب الجمهور إلى أنه ليس بنبي. وقال جماعة هو نبي. ثم وصف الله سبحانه ~~هؤلاء بالصبر فقال { كل من الصبرين } أي كل واحد من هؤلاء من ~~الصابرين على القيام بما كلفهم الله به. { وأدخلنهم فى ~~رحمتنا } أي في الجنة، أو في النبوة، أو في الخير ms2473 على عمومه، ثم ~~علل ذلك بقوله { إنهم من الصلحين } أي الكاملين في الصلاح ~~{ وذا النون } أي واذكر ذا النون، وهو يونس بن متى، ولقب ذا النون ~~لابتلاع الحوت له. فإن النون من أسماء الحوت، وقيل سمي ذا النون لأنه رأى ~~صبيا مليحا فقال دسموا نونته، لئلا تصيبه العين. # وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي أن نونة الصبي هي الثقبة التي تكون في ذقن ~~الصبي الصغير، ومعنى دسموا سودوا { إذ ذهب مغضبا } أي اذكر ~~ذا النون وقت ذهابه مغاضبا، أي مراغما. قال الحسن والشعبي وسعيد بن ~~جبير ذهب مغاضبا لربه، واختاره ابن جرير والقتيبي والمهدوي. وحكى عن ابن ~~مسعود قال النحاس وربما أنكر هذا من لا يعرف اللغة، وهو قول صحيح. ~~والمعنى مغاضبا من أجل ربه، كما تقول غضبت لك، أي من أجلك. وقال الضحاك ~~ذهب مغاضبا لقومه، وحكي عن ابن عباس. وقالت فرقة منهم الأخفش إنما خرج ~~مغاضبا للملك الذي كان في وقته واسمه حزقيا وقيل لم يغاضب ربه ولا قومه ~~ولا الملك، ولكنه مأخوذ من غضب إذا أنف، وذلك أنه لما وعد قومه بالعذاب ~~وخرج عنهم تابوا وكشف الله عنهم العذاب فلما رجع وعلم أنهم لم يهلكوا أنف ~~من ذلك فخرج عنهم، ومن استعمال الغضب في هذا المعنى قول الشاعر # وأغضب أن تهجى تميم بعامر # أي آنف { فظن أن لن نقدر عليه } قرأ الجمهور { نقدر } ~~بفتح النون وكسر الدال. واختلف في معنى الآية على هذه القراءة. فقيل ~~معناها أنه وقع في ظنه أن الله تعالى لا يقدر على معاقبته. وقد حكي هذا ~~القول عن الحسن وسعيد بن جبير، وهو قول مردود، فإن هذا الظن بالله كفر ~~ومثل ذلك لا يقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وذهب جمهور العلماء ~~أن معناها فظن أن لن نضيق عليه، كقوله # يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر # الشورى 12، أي يضيق، ومنه قوله # ومن قدر عليه رزقه # الطلاق 7. يقال وقدر وقدر وقتر وقتر، أي ضيق. وقيل هو من القدر ~~الذي هو القضاء والحكم، أي فظن أن لن ms2474 نقضي عليه العقوبة، قاله قتادة ~~ومجاهد، واختاره الفراء والزجاج، مأخوذ من القدر وهو الحكم دون القدرة ~~والاستطاعة. قال أحمد بن يحيى ثعلب هو من التقدير ليس من القدرة، يقال ~~منه قدر الله لك الخير يقدره قدرا، وأنشد ثعلب # فليست عشيات اللوى برواجع لنا أبدا ما أروق السلم النضر ولا عائد ~~ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما تقدر مع ذلك الشكر # أي ما تقدره وتقضي به، ومما يؤيد ما قاله هؤلاء قراءة عمر بن عبد العزيز ~~والزهري " فظن أن لن نقدر " بضم النون وتشديد الدال من التقدير. وحكى ~~هذه القراءة الماوردي عن ابن عباس، ويؤيد ذلك أيضا قراءة عبيد بن عمير ~~وقتادة والأعرج " أن لن يقدر " بضم الياء والتشديد مبنيا للمفعول، وقرأ ~~يعقوب وعبد الله بن أبي إسحاق والحسن " يقدر " بضم الياء وفتح الدال ~~مخففا مبنيا للمفعول. وقد اختلف العلماء في تأويل الحديث الصحيح في قول ~~الرجل الذي لم يعمل خيرا قط لأهله أن يحرقوه إذا مات، ثم قال فوالله لئن ~~قدر الله علي. # .. الحديث كما اختلفوا في تأويل هذه الآية، والكلام في هذا يطول وقد ~~ذكرنا ها هنا ما لا يحتاج معه الناظر إلى غيره. والفاء في قوله { ~~فنادى في الظلمت } فصيحة أي كان ما كان من التقام الحوت له، ~~فنادى في الظلمات، والمراد بالظلمات ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن ~~الحوت، وكان نداؤه هو قوله { أن لا إله إلا أنت ~~سبحنك إني كنت من الظلمين } أي بأن لا إله إلا ~~أنت... إلخ، ومعنى { سبحانك } تنزيها لك من أن يعجزك شيء، إني كنت من ~~الظالمين الذين يظلمون أنفسهم، قال الحسن وقتادة هذا القول من يونس ~~اعتراف بذنبه وتوبة من خطيئته، قال ذلك وهو في بطن الحوت. ثم أخبر الله ~~سبحانه بأنه استجاب له فقال { فاستجبنا له } دعاءه الذي دعانا به ~~في ضمن اعترافه بالذنب على ألطف وجه { ونجينه من الغم } ~~بإخراجنا له من بطن الحوت حتى قذفه إلى الساحل { وكذلك ننجي ~~المؤمنين } أي نخلصهم من همهم بما سبق من عملهم ms2475 وما أعددناه لهم من ~~الرحمة، وهذا هو معنى الآية الأخرى، وهي قوله # فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه ~~إلى يوم يبعثون # الصافات 143، 144. قرأ الجمهور " ننجي " بنونين. وقرأ ابن عامر " نجي ~~" بنون واحدة وجيم مشددة وتسكين الياء على الفعل الماضي وإضمار المصدر، ~~أي وكذلك نجي النجاء المؤمنين كما تقول ضرب زيدا، أي ضرب الضرب ~~زيدا، ومنه قول الشاعر # ولو ولدت قفيرة جرو كلب لسب بذلك الجرو الكلابا # هكذا قال في توجيه هذه القراءة الفراء وأبو عبيد وثعلب، وخطأها أبو ~~حاتم والزجاج وقالا هي لحن لأنه نصب اسم ما لم يسم فاعله، وإنما يقال ~~نجي المؤمنون. ولأبي عبيدة قول آخر، وهو أنه أدغم النون في الجيم وبه قال ~~القتيبي. واعترضه النحاس فقال هذا القول لا يجوز عند أحد من النحويين ~~لبعد مخرج النون من مخرج الجيم فلا تدغم فيها، ثم قال النحاس لم أسمع في ~~هذا أحسن من شيء سمعته من علي بن سليمان الأخفش قال الأصل ننجي، فحذف ~~إحدى النونين لاجتماعهما كما يحذف إحدى التاءين لاجتماعهما نحو قوله ~~تعالى # ولا تفرقوا # آل عمران 103. والأصل ولا تتفرقوا. قلت وكذا الواحدي عن أبي علي ~~الفارسي أنه قال إن النون الثانية تخفى مع الجيم، ولا يجوز تبيينها، ~~فالتبس على السامع الإخفاء بالإدغام، فظن أنه إدغام، ويدل على هذا ~~إسكانه الياء من نجي ونصب المؤمنين، ولو كان على ما لم يسم فاعله ما سكن ~~الياء ولوجب أن يرفع المؤمنين. قلت ولا نسلم قوله إنه لا يجوز تبيينها ~~فقد بينت في قراءة الجمهور، وقرأ محمد بن السميفع وأبو العالية " وكذلك ~~نجى المؤمنين " على البناء للفاعل، أي نجى الله المؤمنين. # وقد أخرج ابن جرير عن مرة في قوله { إذ يحكمان في الحرث } ~~قال كان الحرث نبتا فنفشت فيه ليلا فاختصموا فيه إلى داود، فقضى بالغنم ~~لأصحاب الحرث، فمروا على سليمان فذكروا ذلك له. فقال لا، تدفع الغنم ~~فيصيبون منها ويقوم هؤلاء على حرثهم، فإذا كان كما كان ردوا عليهم فنزلت ~~{ ففهمنها سليمن } وقد روي هذا ms2476 عن مرة عن ابن مسعود. ~~وأخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن مسعود في ~~قوله { وداود وسليمن إذ يحكمان في الحرث } قال ~~كرم قد أنبتت عناقيده فأفسدته الغنم، فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، فقال ~~سليمان غير هذا يا نبي الله قال وما ذاك؟ قال يدفع الكرم إلى صاحب الغنم ~~فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها، ~~حتى إذا عاد الكرم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه والغنم إلى صاحبها، فذلك ~~قوله { ففهمنها سليمن }. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ~~وابن أبي حاتم عن مسروق نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس نحوه، ولكنه لم ~~يذكر الكرم. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن جرير وابن المنذر، وابن ~~مردويه عنه نحوه بأطول منه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا { ~~نفشت } قال رعت. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة ~~وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن ~~مردويه عن حرام بن محيصة أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطا فأفسدت فيه، ~~فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، ~~وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها. وقد علل هذا الحديث، وقد ~~بسطنا الكلام عليه في شرح المنتقى. وأخرج ابن مردويه من حديث عائشة نحوه، ~~وزاد في آخره، ثم تلا هذه الآية { وداود وسليمن } الآية. وفي ~~الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " بينما امرأتان معهما ابنان جاء الذئب فأخذ أحد الابنين، فتحاكما إلى ~~داود فقضى به للكبرى، فخرجتا فدعاهما سليمان فقال هاتوا السكين أشقه ~~بينهما، فقالت الصغرى رحمك الله، هو ابنها لا تشقه، فقضى به للصغرى " # وهذا الحديث وإن لم يكن داخلا فيما حكته الآية من حكمهما لكنه من جملة ~~ما وقع لهما. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ في ms2477 العظمة عن قتادة في قوله { وسخرنا مع * ~~داوود *الجبال يسبحن والطير } قال يصلين مع داود إذا ~~صلى { وعلمناه صنعة لبوس لكم } قال كانت صفائح، فأول ~~من سردها وحلقها داود عليه السلام. # وأخرج ابن أبي شيبة، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال كان سليمان يوضع له ~~ستمائة ألف كرسي، ثم يجيء أشراف الإنس فيجلسون مما يليه، ثم يجيء أشراف ~~الجن فيجلسون مما يلي أشراف الإنس ثم يدعو الطير فتظلهم، ثم يدعو الريح ~~فتحملهم تسير مسيرة شهر في الغداة الواحدة. وأخرج ابن عساكر، والديلمي، ~~وابن النجار عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " قال الله لأيوب تدري ما جرمك علي حتى ابتليتك؟ قال لا يا رب، قال ~~لأنك دخلت على فرعون فداهنت عنده في كلمتين " # وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال إنما كان ذنب أيوب أنه استعان به مسكين ~~على ظالم يدرؤه فلم يعنه، ولم يأمر بالمعروف، ولم ينه الظالم عن ظلم ~~المسكين فابتلاه الله، وفي إسناده جويبر. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في ~~الزهد، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في ~~الحلية عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال كان لأيوب أخوان جاءا يوما فلم ~~يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه، فقاما من بعيد، فقال أحدهما للآخر لو كان ~~علم الله من أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا، فجزع أيوب من قولهما جزعا لم ~~يجزع من شيء قط مثله، فقال اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعان، ~~وأنا أعلم مكان جائع فصدقني فصدق من السماء وهما يسمعان، ثم قال اللهم ~~إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصا قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني، فصدق من ~~السماء وهما يسمعان ثم خر ساجدا وقال اللهم بعزتك لا أرفع رأسي حتى ~~تكشف عني، فما رفع رأسه حتى كشف الله عنه. وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه ~~آخر مرفوعا بنحو هذا. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، ms2478 وابن ~~أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وآتيناه أهله ومثلهم معهم } قال قيل له يا ~~أيوب، إن أهلك لك في الجنة، فإن شئت أتيناك بهم، وإن شئت تركناهم لك في ~~الجنة وعوضناك مثلهم، قال لا، بل اتركهم لي في الجنة، قال فتركوا له في ~~الجنة وعوض مثلهم في الدنيا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ~~والطبراني عن الضحاك قال بلغ ابن مسعود أن مروان قال في هذه الآية { ~~وآتيناه أهله ومثلهم معهم } قال أوتي أهلا غير أهله، فقال ابن مسعود بل ~~أوتي أهله بأعيانهم ومثلهم معهم. وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو يعلى وابن ~~جرير وابن أبي حاتم والروياني وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ~~أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين ~~من إخوانه كانا من أخص إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما ~~لصاحبه ذات يوم تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد. قال وما ~~ذاك؟ قال منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف عنه ما به، فلما راحا ~~إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر له ذلك، فقال أيوب لا أدري ما يقول غير ~~أن الله يعلم أني أمر بالرجلين يتنازعان يذكران الله فأرجع إلى بيتي ~~فأكفر عنهما كراهة أن يذكر الله إلا في حق، وكان يخرج لحاجته فإذا قضى ~~حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها، فأوحى ~~الله إلى أيوب في مكانه أن { اركض برجلك هذا مغتسل ~~بارد وشراب } ص 42 فاستبطأته فتلقته وأقبل عليها قد أذهب الله ما ~~به من البلاء وهو أحسن ما كان، فلما رأته قالت أي بارك الله فيك هل رأيت ~~نبي الله المبتلى، والله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان ~~صحيحا؟ قال فإني أنا هو، قال وكان له أندران أندر للقمح، وأندر للشعير، ~~فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت ms2479 فيه الذهب ~~حتى فاض. وأفرعت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض " # وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن مجاهد في قوله { وذا الكفل } قال رجل صالح غير نبي تكفل لنبي ~~قومه أن يكفيه أمر قومه ويقيمهم له ويقضي بينهم بالعدل، ففعل ذلك، فسمي ~~ذا الكفل. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال كان في بني إسرائيل قاض ~~فحضره الموت، فقال من يقوم مقامي على أن لا يغضب؟ فقال رجل أنا، فسمي ذا ~~الكفل، فكان ليله جميعا يصلي، ثم يصبح صائما فيقضي بين الناس، وذكر ~~قصة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن أبي موسى الأشعري قال ما كان ذو الكفل نبيا، ولكن كان في بني إسرائيل ~~رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة فتوفي، فتكفل له ذو الكفل من بعده، فكان ~~يصلي كل يوم مائة صلاة، فسمي ذا الكفل. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، ~~والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن حبان والطبراني والحاكم وابن مردويه، ~~والبيهقي في شعب الإيمان من طريق سعد مولى طلحة عن ابن عمر، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال # " كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ~~ستين دينارا على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت ~~وبكت، فقال ما يبكيك أكرهتك؟ قالت لا، ولكنه عمل ما عملته قط، وما حملني ~~عليه إلا الحاجة، فقال تفعلين أنت هذا وما فعلته، اذهبي فهي لك، وقال ~~والله لا أعصي الله بعدها أبدا، فمات من ليلته فأصبح مكتوب على بابه إن ~~الله قد غفر للكفل " # وأخرجه الترمذي وحسنه، والحاكم وابن مردويه من طريق سعد مولى طلحة. ~~وأخرجه ابن مردويه من طريق نافع عن ابن عمر وقال فيه ذو الكفل. وأخرج ابن ~~جرير، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله { وذا النون ~~إذ ذهب مغضبا } يقول غضب على قومه { فظن أن لن ms2480 ~~نقدر عليه } يقول أن لن نقضي عليه عقوبة ولا بلاء فيما صنع ~~بقومه في غضبه عليهم وفراره، قال وعقوبته أخذ النون إياه. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله { فظن أن ~~لن نقدر عليه } قال ظن أن لن يأخذه العذاب الذي أصابه. وأخرج ~~أحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن ~~مسعود { فنادى في الظلمت } قال ظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت، ~~وظلمة البحر. وأخرج أحمد والترمذي والنسائي، والحكيم الترمذي في نوادر ~~الأصول، والبزار وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، ~~والبيهقي في الشعب عن سعد بن أبي وقاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين، لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له " # وأخرج ابن جرير عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " اسم الله الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، دعوة يونس بن متى " # ، قلت يا رسول الله، هل ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال # " هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا به، ألم تسمع قول الله { ~~وكذلك ننجي المؤمنين } فهو شرط من الله لمن دعاه " # وأخرج الحاكم من حديثه أيضا نحوه، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ~~ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " # وروي أيضا في الصحيح وغيره من حديث ابن مسعود. وروي أيضا في الصحيحين ~~من حديث أبي هريرة. ### || [21.89-97] # قوله { وزكريا } أي واذكر خبر زكريا وقت ندائه لربه قال { رب ~~لا تذرني فردا } أي منفردا وحيدا لا ولد لي. وقد تقدم الكلام ~~على هذه الآية في آل عمران { وأنت خير الورثين } أي خير من ~~يبقى بعد كل من يموت، فأنت حسبي إن لم ترزقني ولدا فإني أعلم أنك ms2481 لا ~~تضيع دينك وأنه سيقوم بذلك من عبادك من تختاره له وترتضيه للتبليغ { ~~فاستجبنا له } دعاءه { ووهبنا له يحيى }. وقد تقدم ~~مستوفى في سورة مريم { وأصلحنا له زوجه }. قال أكثر المفسرين ~~إنها كانت عاقرا فجعلها الله ولودا. فهذا هو المراد بإصلاح زوجه. وقيل ~~كانت سيئة الخلق فجعلها الله سبحانه حسنة الخلق، ولا مانع من إرادة ~~الأمرين جميعا، وذلك بأن يصلح الله سبحانه ذاتها، فتكون ولودا بعد أن ~~كانت عاقرا، ويصلح أخلاقها فتكون أخلاقها مرضية بعد أن كانت غير مرضية، ~~وجملة { إنهم كانوا يسارعون في الخيرت } للتعليل لما ~~قبلها من إحسانه سبحانه إلى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، فالضمير ~~المذكور راجع إليهم، وقيل هو راجع إلى زكريا وامرأته ويحيى. ثم وصفهم ~~الله سبحانه بأنهم كانوا يدعونه { رغبا ورهبا } أي يتضرعون إليه ~~في حال الرخاء وحال الشدة، وقيل الرغب رفع بطون الأكف إلى السماء، ~~والرهب رفع ظهورها، وانتصاب رغبا ورهبا على المصدرية أي يرغبون رغبا ~~ويرهبون رهبا، أو على العلة أي للرغب والرهب، أو على الحال، أي راغبين ~~وراهبين. وقرأ طلحة بن مصرف " ويدعونا " بنون واحدة، وقرأ الأعمش بضم ~~الراء فيهما وإسكان ما بعده، وقرأ ابن وثاب بفتح الراء فيهما مع إسكان ما ~~بعده، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو، وقرأ الباقون بفتح الراء وفتح ما ~~بعده فيهما { وكانوا لنا خشعين } أي متواضعين متضرعين. { ~~والتي أحصنت فرجها } أي واذكر خبرها، وهي مريم، فإنها أحصنت ~~فرجها من الحلال والحرام ولم يمسسها بشر، وإنما ذكرها مع الأنبياء وإن لم ~~تكن منهم لأجل ذكر عيسى، وما في ذكر قصتها من الآية الباهرة { ~~فنفخنا فيها من روحنا } أضاف سبحانه الروح إليه، وهو للملك ~~تشريفا وتعظيما، وهو يريد روح عيسى { وجعلنها وابنها ~~ءاية للعلمين } قال الزجاج الآية فيهما واحدة لأنها ولدته من ~~غير فحل. وقيل إن التقدير على مذهب سيبويه وجعلناها آية وجعلنا ابنها آية ~~كقوله سبحانه # والله ورسوله أحق أن يرضوه # التوبة 62 والمعنى أن الله سبحانه جعل قصتهما آية تامة مع تكاثر آيات كل ~~واحد منهما. ms2482 وقيل أراد بالآية الجنس الشامل، لما لكل واحد منهما من آيات، ~~ومعنى { أحصنت } عفت فامتنعت من الفاحشة وغيرها. وقيل المراد بالفرج جيب ~~القميص، أي أنها طاهرة الأثواب، وقد مضى بيان مثل هذا في سورة النساء ~~ومريم. # ثم لما ذكر سبحانه الأنبياء بين أنهم كلهم مجتمعون على التوحيد فقال { ~~إن هذه أمتكم أمة واحدة } والأمة الدين كما قال ~~ابن قتيبة، ومنه # إنا وجدنا ءاباءنا على أمة # الزخرف 22 أي على دين، كأنه قال إن هذا دينكم دين واحد لا خلاف بين ~~الأمم المختلفة في التوحيد، ولا يخرج عن ذلك إلا الكفرة المشركون بالله، ~~وقيل المعنى إن هذه الشريعة التي بينتها لكم في كتابكم شريعة واحدة، وقيل ~~المعنى إن هذه ملتكم ملة واحدة، وهي ملة الإسلام. وانتصاب { أمة واحدة } ~~على الحال، أي متفقة غير مختلفة، وقرىء " إن هذه أمتكم " بنصب أمتكم على ~~البدل من اسم إن والخبر أمة واحدة. وقرىء برفع { أمتكم } ورفع { أمة } ~~على أنهما خبران وقيل على إضمار مبتدأ أي هي أمة واحدة. وقرأ الجمهور ~~برفع أمتكم على أنه الخبر ونصب أمة على الحال كما قدمنا. وقال الفراء ~~والزجاج على القطع بسبب مجيء النكرة بعد تمام الكلام { وأنا ~~ربكم فاعبدون } خاصة، لا تعبدوا غيري كائنا ما كان. { ~~وتقطعوا أمرهم بينهم } أي تفرقوا فرقا في الدين حتى ~~صار كالقطع المتفرقة. وقال الأخفش اختلفوا فيه، وهو كالقول الأول. قال ~~الأزهري أي تفرقوا في أمرهم، فنصب أمرهم بحذف في، والمقصود بالآية ~~المشركون، ذمهم الله بمخالفة الحق واتخاذهم آلهة من دون الله. وقيل ~~المراد جميع الخلق وأنهم جعلوا أمرهم في أديانهم قطعا وتقسموه بينهم، ~~فهذا موحد، وهذا يهودي، وهذا نصراني، وهذا مجوسي، وهذا عابد وثن. ثم ~~أخبر سبحانه بأن مرجع الجميع إليه فقال { كل إلينا رجعون } أي ~~كل واحد من هذه الفرق راجع إلينا بالبعث، لا إلى غيرنا. { فمن يعمل ~~من الصلحت } أي من يعمل بعض الأعمال الصالحة، لا كلها، إذ لا ~~يطيق ذلك أحد { وهو مؤمن } بالله ورسله واليوم الآخر { فلا ~~كفران لسعيه ms2483 } أي لا جحود لعمله، ولا تضييع لجزائه، والكفر ضد ~~الإيمان، والكفر أيضا جحود النعمة وهو ضد الشكر، يقال كفر كفورا ~~وكفرانا، وفي قراءة ابن مسعود " فلا كفر لسعيه ". { وإنا له ~~كتبون } أي لسعيه حافظون، ومثله قوله سبحانه # أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى # آل عمران 195. { وحرام على قرية أهلكنها }. قرأ زيد ~~بن ثابت وأهل المدينة { وحرام } وقرأ أهل الكوفة " وحرم " وقد اختار ~~القراءة الأولى أبو عبيد وأبو حاتم، ورويت القراءة الثانية عن علي وابن ~~مسعود وابن عباس وهما لغتان مثل حل وحلال. وقرأ سعيد بن جبير " وحرم " ~~بفتح الحاء وكسر الراء وفتح الميم. وقرأ عكرمة وأبو العالية " حرم " بضم ~~الراء وفتح الحاء والميم، ومعنى { أهلكنها } قدرنا إهلاكها، ~~وجملة { أنهم لا يرجعون } في محل رفع على أنه مبتدأ وخبره { ~~حرام } أو على أنه فاعل له ساد مسد خبره. # والمعنى وممتنع ألبتة عدم رجوعهم إلينا للجزاء، وقيل إن { لا } في { لا ~~يرجعون } زائدة أي حرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا بعد الهلاك إلى ~~الدنيا، واختار هذا أبو عبيدة وقيل إن لفظ حرام هنا بمعنى الواجب، أي ~~واجب على قرية، ومنه قول الخنساء # وإن حراما لا أرى الدهر باكيا على شجوه إلا بكيت على صخر # وقيل حرام أي ممتنع رجوعهم إلى التوبة، على أن لا زائدة. قال النحاس ~~والآية مشكلة، ومن أحسن ما قيل فيها وأجله ما رواه ابن عيينة وابن علية ~~وهشيم وابن إدريس ومحمد بن فضيل، وسليمان بن حيان ومعلى عن داود بن أبي ~~هند عن عكرمة عن ابن عباس في معنى الآية قال واجب أنهم لا يرجعون، أي لا ~~يتوبون. قال الزجاج وأبو علي الفارسي إن في الكلام إضمارا، أي وحرام على ~~قرية حكمنا باستئصالها، أو بالختم على قلوب أهلها، أن يتقبل منهم عمل ~~لأنهم لا يرجعون، أي لا يتوبون. { حتى إذا فتحت يأجوج ~~ومأجوج } " حتى " هذه هي التي يحكى بعدها الكلام، ويأجوج ومأجوج ~~قبيلتان من الإنس، والمراد بفتح يأجوج ومأجوج فتح السد الذي عليهم، على ms2484 ~~حذف المضاف، وقيل إن حتى هذه هي التي للغاية. والمعنى أن هؤلاء المذكورين ~~سابقا مستمرون على ما هم عليه إلى يوم القيامة، وهي يوم فتح سد يأجوج ~~ومأجوج { وهم من كل حدب ينسلون } الضمير ليأجوج ومأجوج، ~~والحدب، كل أكمة من الأرض مرتفعة والجمع أحداب، مأخوذ من حدبة الأرض، ~~ومعنى { ينسلون } يسرعون. وقيل يخرجون. قال الزجاج والنسلان مشية ~~الذئب إذا أسرع. يقال نسل فلان في العدو ينسل بالكسر والضم نسلا ونسولا ~~ونسلانا، أي أن يأجوج ومأجوج من كل مرتفع من الأرض يسرعون المشي ~~ويتفرقون في الأرض وقيل الضمير في قوله { وهم } لجميع الخلق، والمعنى ~~أنهم يحشرون إلى أرض الموقف وهم يسرعون من كل مرتفع من الأرض. وقرىء بضم ~~السين. حكى ذلك المهدوي عن ابن مسعود. وحكى هذه القراءة أيضا الثعلبي، ~~عن مجاهد، وأبي الصهباء. { واقترب الوعد } عطف على { فتحت } ، ~~والمراد ما بعد الفتح من الحساب. وقال الفراء والكسائي وغيرهما المراد ~~بالوعد الحق القيامة والواو زائدة والمعنى حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ~~اقترب الوعد الحق وهو القيامة، فاقترب جواب إذا، وأنشد الفراء # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى # أي انتحى، ومنه قوله تعالى # وتله للجبين * وندينه # الصافات 103، 104. وأجاز الفراء أن يكون جواب إذا { فإذا هي ~~شخصة أبصر الذين كفروا } وقال البصريون الجواب ~~محذوف، والتقدير قالوا يا ويلنا. # وبه قال الزجاج، والضمير في { فإذا هى } للقصة، أو مبهم يفسره ما ~~بعده، وإذا للمفاجأة. وقيل إن الكلام تم عند قوله { هي } ، والتقدير ~~فإذا هي، يعني القيامة بارزة واقعة كأنها آتية حاضرة، ثم ابتدأ فقال { ~~شاخصة أبصار الذين كفروا } على تقديم الخبر على المبتدأ، أي أبصار الذين ~~كفروا شاخصة، و { يا ويلنا } على تقدير القول { قد كنا فى غفلة ~~من هذا } أي من هذا الذي دهمنا من العبث والحساب { بل كنا ~~ظلمين } أضربوا عن وصف أنفسهم بالغفلة، أي لم نكن غافلين بل كنا ~~ظالمين لأنفسنا بالتكذيب وعدم الانقياد للرسل. وقد أخرج الحاكم وصححه عن ~~ابن عباس في قوله { وأصلحنا له زوجه } قال كان في لسان امرأة ms2485 ~~زكريا طول فأصلحه الله. وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن عباس في الآية قال وهبنا له ولدها. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال كانت عاقرا فجعلها الله ولودا ووهب ~~له منها يحيى، وفي قوله { وكانوا لنا خشعين } قال أذلاء. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله { ~~ويدعوننا رغبا ورهبا } قال رغبا في رحمة الله ورهبا من ~~عذاب الله. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن قول الله سبحانه { ويدعوننا رغبا ورهبا } ~~قال # " رغبا هكذا ورهبا هكذا وبسط كفيه " # ، يعني جعل ظهرهما للأرض في الرغبة وعكسه في الرهبة. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، والحاكم وصححه، ~~والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن حكيم قال خطبنا أبو بكر الصديق فحمد ~~الله وأثنى عليه، ثم قال أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه ~~بما هو له أهل، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، فإن الله أثنى على زكريا وأهل ~~بيته فقال { إنهم كانوا يسارعون في الخيرت ~~ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خشعين }. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إن هذه ~~أمتكم أمة واحدة } قال إن هذا دينكم دينا واحدا. وأخرج ~~ابن جرير عن مجاهد مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { وتقطعوا ~~أمرهم بينهم } قال تقطعوا اختلفوا في الدين. وأخرج الفريابي ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله { ~~وحرام على قرية أهلكنها } قال وجب إهلاكها { ~~أنهم لا يرجعون } قال لا يتوبون. وأخرج سعيد بن منصور وعبد ~~ابن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يقرأ " ~~وحرم على قرية " قال وجب على قرية { أهلكنها ~~أنهم لا يرجعون } كما ms2486 قال # ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم ~~إليهم لا يرجعون # يس 31. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وسعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { من كل حدب ~~} قال شرف { ينسلون } قال يقبلون، وقد ورد في صفة يأجوج ومأجوج وفي ~~وقت خروجهم أحاديث كثيرة لا يتعلق بذكرها ها هنا كثير فائدة. ### || [21.98-112] # بين سبحانه حال معبودهم يوم القيامة فقال { إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم } وهذا خطاب منه سبحانه ~~لأهل مكة، والمراد بقوله { وما تعبدون } الأصنام التي كانوا يعبدون. قرأ ~~الجمهور { حصب } بالصاد المهملة، أي وقود جهنم وحطبها، وكل ما أوقدت به ~~النار أو هيجتها به فهو حصب، كذا قال الجوهري. قال أبو عبيدة كل ما قذفته ~~في النار فقد حصبتها به، ومثل ذلك قوله تعالى # فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة # البقرة 24. وقرأ علي بن أبي طالب وعائشة " حطب جهنم " بالطاء، وقرأ ابن ~~عباس " حضب " بالضاد المعجمة. قال الفراء ذكر لنا أن الحضب في لغة أهل ~~اليمن الحطب، ووجه إلقاء الأصنام في النار مع كونها جمادات لا تعقل ذلك ~~ولا تحس به التبكيت لمن عبدها وزيادة التوبيخ لهم وتضاعف الحسرة عليهم. ~~وقيل إنها تحمى فتلصق بهم زيادة في تعذيبهم، وجملة { أنتم لها ~~واردون } إما مستأنفة أو بدل من { حصب جهنم } والخطاب لهم ولما ~~يعبدون تغليبا، واللام في { لها } للتقوية لضعف عمل اسم الفاعل. وقيل هي ~~بمعنى على، والمراد بالورود هنا الدخول. قال كثير من أهل العلم ولا يدخل ~~في هذه الآية عيسى وعزير والملائكة، لأن { ما } لمن لا يعقل، ولو أراد ~~العموم لقال ومن يعبدون. قال الزجاج ولأن المخاطبين بهذه الآية مشركو مكة ~~دون غيرهم. { لو كان هؤلاء ءالهة ما وردوها } أي لو ~~كانت هذه الأصنام آلهة كما تزعمون، ما وردوها أي ما ورد العابدون هم ~~والمعبودون النار، وقيل ما ورد العابدون فقط، لكنهم وردوها فلم يكونوا ~~آلهة، وفي هذا تبكيت لعباد الأصنام وتوبيخ شديد { وكل ms2487 فيها ~~خلدون } أي كل العابدين والمعبودين في النار خالدون لا يخرجون ~~منها { لهم فيها زفير } أي لهؤلاء الذين وردوا النار، والزفير ~~صوت نفس المغموم، والمراد هنا الأنين والتنفس الشديد، وقد تقدم بيان هذا ~~في هود. { وهم فيها لا يسمعون } أي لا يسمع بعضهم زفير بعض ~~لشدة الهول. وقيل لا يسمعون شيئا، لأنهم يحشرون صما كما قال سبحانه # ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما # الإسراء 97. وإنما سلبوا السماع، لأن فيه بعض تروح وتأنس، وقيل لا ~~يسمعون ما يسرهم، بل يسمعون ما يسوؤهم. ثم لما بين سبحانه حال هؤلاء ~~الأشقياء شرع في بيان حال السعداء فقال { إن الذين سبقت ~~لهم منا الحسنى } أي الخصلة الحسنى التي هي أحسن الخصال وهي ~~السعادة. وقيل التوفيق، أو التبشير بالجنة، أو نفس الجنة. { أولئك ~~عنها مبعدون } إشارة إلى الموصوفين بتلك الصفة { عنها } أي عن ~~جهنم { مبعدون } لأنهم قد صاروا في الجنة. # { لا يسمعون حسيسها } الحس والحسيس الصوت تسمعه من الشيء ~~يمر قريبا منك. والمعنى لا يسمعون حركة النار وحركة أهلها، وهذه الجملة ~~بدل من { مبعدون } أو حال من ضميره { وهم فيما اشتهت ~~أنفسهم خلدون } أي دائمون، وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ ~~به الأعين كما قال سبحانه # ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما ~~تدعون # فصلت 31. { لا يحزنهم الفزع الأكبر } قرأ أبو جعفر وابن ~~محيصن " لا يحزنهم " بضم الياء وكسر الزاي، وقرأ الباقون { لا يحزنهم } ~~بفتح الياء وضم الزاي. قال اليزيدي حزنه لغة قريش، وأحزنه لغة تميم. ~~والفزع الأكبر أهوال يوم القيامة من البعث والحساب والعقاب { ~~وتتلقهم الملئكة } أي تستقبلهم على أبواب الجنة ~~يهنئونهم ويقولون لهم { هذا يومكم الذي كنتم توعدون } ~~أي توعدون به في الدنيا وتبشرون بما فيه، هكذا قال جماعة من المفسرين إن ~~المراد بقوله { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } ~~إلى هنا هم كافة الموصوفين بالإيمان والعمل الصالح، لا المسيح وعزير ~~والملائكة، وقال أكثر المفسرين إنه لما نزل { إنكم وما ~~تعبدون } الآية # " أتى ابن الزبعري إلى رسول الله صلى الله ms2488 عليه وسلم فقال يا محمد ألست ~~تزعم أن عزيرا رجل صالح، وأن عيسى رجل صالح، وأن مريم امرأة صالحة؟ قال ~~بلى، فقال فإن الملائكة وعيسى وعزيرا ومريم يعبدون من دون الله، فهؤلاء ~~في النار، فأنزل الله { إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى } " # وسيأتي بيان من أخرج هذا قريبا إن شاء الله. { يوم نطوي ~~السماء كطي السجل للكتب } قرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة ~~والأعرج والزهري " تطوي " بمثناة فوقية مضمومة ورفع السماء، وقرأ مجاهد " ~~يطوي " بالتحتية المفتوحة مبنيا للفاعل على معنى يطوي الله السماء، وقرأ ~~الباقون { نطوي } بنون العظمة وانتصاب { يوم } بقوله { نعيده } أي ~~نعيده يوم نطوي السماء، وقيل هو بدل من الضمير المحذوف في توعدون، ~~والتقدير الذي كنتم توعدونه يوم نطوي. وقيل بقوله { لا يحزنهم الفزع } ~~وقيل بقوله { تتلقاهم }. وقيل متعلق بمحذوف، وهو اذكر، وهذا أظهر وأوضح، ~~والطي ضد النشر. وقيل المحو، والمراد بالسماء الجنس، والسجل الصحيفة، أي ~~طيا كطي الطومار. وقيل السجل الصك، وهو مشتق من المساجلة وهي المكاتبة، ~~وأصلها من السجل، وهو الدلو، يقال ساجلت الرجل إذا نزعت دلوا ونزع ~~دلوا، ثم استعيرت للمكاتبة والمراجعة في الكلام، ومنه قول الفضل بن ~~العباس بن عتبة بن أبي لهب # من يساجلني يساجل ماجدا يملأ الدلو إلى عقد الكرب # وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جرير " السجل " بضم السين والجيم وتشديد ~~اللام، وقرأ الأعمش وطلحة بفتح السين وإسكان الجيم وتخفيف اللام، والطي ~~في هذه الآية يحتمل معنيين أحدهما الطي الذي هو ضد النشر، ومنه قوله # والسموت مطويت بيمينه # الزمر 67. والثاني الإخفاء والتعمية والمحو، لأن الله سبحانه يمحو ويطمس ~~رسومها ويكدر نجومها. وقيل السجل اسم ملك، وهو الذي يطوي كتب بني آدم. ~~وقيل هو اسم كاتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والأول أولى. قرأ ~~الأعمش وحفص وحمزة والكسائي ويحيى وخلف { للكتب } جمعا، وقرأ الباقون { ~~للكتاب } وهو متعلق بمحذوف حال من السجل، أي كطي السجل كائنا للكتب أو ~~صفة له أي الكائن للكتب، فإن الكتب عبارة عن الصحائف وما كتب فيها، ~~فسجلها ms2489 بعض أجزائها، وبه يتعلق الطي حقيقة. وأما على القراءة الثانية ~~فالكتاب مصدر، واللام للتعليل، أي كما يطوي الطومار للكتابة، أي ليكتب ~~فيه، أو لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة، وهذا على تقدير أن المراد ~~بالطي المعنى الأول، وهو ضد النشر { كما بدأنا أول خلق ~~نعيده } أي كما بدأناهم في بطون أمهاتهم وأخرجناهم إلى الأرض حفاة ~~عراة غرلا كذلك نعيدهم يوم القيامة، فأول خلق مفعول نعيد مقدرا يفسره ~~نعيده المذكور، أو مفعول لبدأنا، وما كافة أو موصولة، والكاف متعلقة ~~بمحذوف، أي نعيد مثل الذي بدأناه نعيده، وعلى هذا الوجه يكون أول ظرف ~~لبدأنا، أو حال، وإنما خص أول الخلق بالذكر تصويرا للإيجاد عن العدم، ~~والمقصود بيان صحة الإعادة بالقياس على المبدأ للشمول الإمكاني الذاتي ~~لهما، وقيل معنى الآية نهلك كل نفس كما كان أول مرة، وعلى هذا فالكلام ~~متصل بقوله { يوم نطوي السماء }. وقيل المعنى نغير السماء، ثم ~~نعيدها مرة أخرى بعد طيها وزوالها، والأول أولى، وهو مثل قوله # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقنكم أول مرة # الأنعام 94. ثم قال سبحانه { وعدا علينا إنا كنا ~~فعلين } انتصاب { وعدا } على أنه مصدر أي وعدنا وعدا علينا ~~إنجازه والوفاء به. وهو البعث والإعادة، ثم أكد سبحانه ذلك بقوله { ~~إنا كنا فعلين }. قال الزجاج معنى { إنا كنا فاعلين } إنا ~~كنا قادرين على ما نشاء. وقيل إنا كنا فاعلين ما وعدناكم، ومثله قوله # كان وعده مفعولا # المزمل 18. { ولقد كتبنا فى الزبور } الزبر في الأصل ~~الكتب، يقال زبرت، أي كتبت، وعلى هذا يصح إطلاق الزبور على التوراة ~~والإنجيل، وعلى كتاب داود المسمى بالزبور. وقيل المراد به هنا كتاب داود، ~~ومعنى { من بعد الذكر } أي اللوح المحفوظ. وقيل هو التوراة، أي ~~والله لقد كتبنا في كتاب داود من بعد ما كتبنا في التوراة أو من بعد ما ~~كتبنا في اللوح المحفوظ { أن الأرض يرثها عبادي ~~الصلحون }. قال الزجاج الزبور جميع الكتب التوراة والإنجيل ~~والقرآن، لأن الزبور والكتاب في معنى واحد، يقال زبرت وكتبت، ويؤيد ما ~~قاله قراءة حمزة ms2490 في الزبور بضم الزاي، فإنه جمع زبر. وقد اختلف في معنى { ~~يرثها عبادي الصلحون } فقيل المراد أرض الجنة، واستدل ~~القائلون بهذا بقوله سبحانه # وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض # الزمر 74. وقيل هي الأرض المقدسة. وقيل هي أرض الأمم الكافرة يرثها ~~نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته بفتحها. وقيل المراد بذلك بنو إسرائيل، ~~بدليل قوله سبحانه # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشرق ~~الارض ومغربها التي باركنا فيها # الأعراف 137 والظاهر أن هذا تبشير لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بوراثة ~~أرض الكافرين، وعليه أكثر المفسرين. وقرأ حمزة " عبادي " بتسكين الياء، ~~وقرأ الباقون بتحريكها. { إن في هذا لبلغا } أي فيما جرى ~~ذكره في هذه السورة من الوعظ والتنبيه { لبلاغا } لكفاية، يقال في هذا ~~الشيء بلاغ وبلغة وتبلغ، أي كفاية. وقيل الإشارة بقوله { إن في ~~هذا } إلى القرآن { لقوم عبدين } أي مشغولين بعبادة الله ~~مهتمين بها. والعبادة هي الخضوع والتذلل، وهم أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، ورأس العبادة الصلاة. { وما أرسلنك إلا رحمة ~~للعلمين } أي وما أرسلناك يا محمد بالشرائع والأحكام إلا رحمة ~~لجميع الناس، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال والعلل، أي ما أرسلناك ~~لعلة من العلل إلا لرحمتنا الواسعة، فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين، ~~قيل ومعنى كونه رحمة للكفار أنهم أمنوا به من الخسف والمسخ والاستئصال، ~~وقيل المراد بالعالمين المؤمنون خاصة، والأول أولى بدليل قوله سبحانه # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # الأنفال 33. ثم بين سبحانه أن أصل تلك الرحمة هو التوحيد والبراءة من ~~الشرك فقال { قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم ~~إله وحد } إن كانت «ما» موصولة فالمعنى أن الذي يوحى إلي هو أن ~~وصفه تعالى مقصور على الوحدانية لا يتجاوزها إلى ما يناقضها أو يضادها، ~~وإن كانت «ما» كافة فالمعنى أن الوحي إلي مقصور على استئثار الله ~~بالوحدة، ووجه ذلك أن القصر أبدا يكون لما يلي إنما، فإنما الأولى لقصر ~~الوصف على الشيء كقولك إنما يقوم زيد، أي ما يقوم إلا زيد. والثانية لقصر ~~الشيء ms2491 على الحكم كقولك إنما زيد قائم، أي ليس به إلا صفة القيام { فهل ~~أنتم مسلمون } منقادون مخلصون للعبادة ولتوحيد الله سبحانه. { ~~فإن تولوا } أي أعرضوا عن الإسلام { فقل } لهم { آذنكم على ~~سواء } أي أعلمتكم أنا وإياكم حرب لا صلح بيننا كائنين على سواء في ~~الإعلام لم أخص به بعضكم دون بعض كقوله سبحانه # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سواء # الأنفال 58 أي أعلمهم أنك نقضت العهد نقضا سويت بينهم فيه. وقال ~~الزجاج المعنى أعلمتكم ما يوحى إلي على استواء في العلم به، ولا أظهر ~~لأحد شيئا كتمته على غيره { وإن أدري أقريب أم بعيد ما ~~توعدون } أي ما أدري أما توعدون به قريب حصوله أم بعيد، وهو غلبة ~~الإسلام وأهله على الكفر وأهله وقيل المراد بما توعدون القيامة. # وقيل آذنتكم بالحرب ولكن لا أدري ما يؤذن لي في محاربتكم { إنه ~~يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون } أي يعلم ~~سبحانه ما تجاهرون به من الكفر والطعن على الإسلام وأهله وما تكتمونه من ~~ذلك وتخفونه { وإن أدري لعله فتنة لكم } أي ما أدري ~~لعل الإمهال فتنة لكم واختبار ليرى كيف صنعكم { ومتع إلى حين ~~} أي وتمتيع إلى وقت مقدر تقتضيه حكمته. ثم حكى سبحانه وتعالى دعاء نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بقوله { قال رب احكم بالحق } أي احكم بيني ~~وبين هؤلاء المكذبين بما هو الحق عندك ففوض الأمر إليه سبحانه. وقرأ أبو ~~جعفر بن القعقاع وابن محيصن " رب " بضم الباء. قال النحاس وهذا لحن عند ~~النحويين لا يجوز عندهم رجل أقبل، حتى يقول يا رجل. وقرأ الضحاك وطلحة ~~ويعقوب " أحكم " بقطع الهمزة وفتح الكاف وضم الميم، أي قال محمد ربي أحكم ~~بالحق من كل حاكم. وقرأ الجحدري " أحكم " بصيغة الماضي، أي أحكم الأمور ~~بالحق. وقرىء " قل " بصيغة الأمر، أي قل يا محمد. قال أبو عبيدة الصفة ~~هنا أقيمت مقام الموصوف، والتقدير رب احكم بحكمك الحق، { ورب } في موضع ~~نصب، لأنه منادى مضاف إلى الضمير، وقد استجاب سبحانه دعاء ms2492 نبيه صلى الله ~~عليه وسلم فعذبهم ببدر، ثم جعل العاقبة والغلبة والنصر لعباده المؤمنين ~~والحمد لله رب العالمين. ثم قال سبحانه متمما لتلك الحكاية { ~~وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون } من ~~الكفر والتكذيب، ف { ربنا } مبتدأ وخبره { الرحمن } أي هو كثير الرحمة ~~لعباده، { المستعان } خبر آخر، أي المستعان به في الأمور التي من جملتها ~~ما تصفونه من أن الشوكة تكون لكم، ومن قولكم # هل هذا إلا بشر مثلكم # الأنبياء 3 وقولكم # اتخذ الرحمن ولدا # مريم 88 وكثيرا ما يستعمل الوصف في كتاب الله بمعنى الكذب كقوله # ولكم الويل مما تصفون # الأنبياء 18، وقوله # سيجزيهم وصفهم # الأنعام 139 وقرأ المفضل والسلمي " على ما يصفون " بالياء التحتية. وقرأ ~~الباقون بالفوقية على الخطاب. وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد، وأبو داود ~~في ناسخه، وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه من طرق عن ابن عباس قال لما نزلت { إنكم وما تعبدون ~~من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون } قال ~~المشركون فالملائكة وعيسى وعزير يعبدون من دون الله، فنزلت { إن ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون } عيسى وعزير والملائكة. وأخرج ابن مردويه، والضياء في ~~المختارة عنه قال جاء عبد الله بن الزبعري إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية { إنكم وما تعبدون ~~من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون } قال ابن ~~الزبعري قد عبدت الشمس والقمر والملائكة وعزير وعيسى ابن مريم كل هؤلاء ~~في النار مع آلهتنا، فنزلت # ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه ~~يصدون * وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه ~~لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون # الزخرف 57، 58. ثم نزلت { إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون }. وأخرج أبو داود في ناسخه ~~وابن المنذر والطبراني من وجه آخر عنه أيضا نحوه بأطول منه. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { إن ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى } قال ms2493 " عيسى وعزير ~~والملائكة ". وأخرج ابن جرير عنه أيضا في قوله { حصب جهنم } قال ~~شجر جهنم، وفي إسناده العوفي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه من وجه ~~آخر أن { حصب جهنم } وقودها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ~~أيضا قال هو حطب جهنم بالزنجية. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في قوله { لا يسمعون حسيسها } قال # " حيات على الصراط تقول حس حس " # وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عثمان النهدي في ~~قوله { لا يسمعون حسيسها } قال حيات على الصراط تلسعهم، فإذا ~~لسعتهم قالوا حس حس. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن محمد ~~بن حاطب قال سئل علي عن هذه الآية { إن الذين سبقت لهم ~~منا الحسنى } قال هو عثمان وأصحابه. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله { لا يسمعون حسيسها } يقول لا يسمع ~~أهل الجنة حسيس النار إذا نزل منزلهم من الجنة. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لا يحزنهم الفزع ~~الأكبر } قال النفخة الآخرة، وفي إسناده العوفي. وأخرج أحمد، ~~والترمذي وحسنه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ثلاثة على كثبان المسك لا يهولهم الفزع الأكبر يوم القيامة رجل أم ~~قوما وهم به راضون، ورجل كان يؤذن في كل يوم وليلة. وعبد أدى حق الله ~~وحق مواليه " # وأخرج عبد بن حميد عن علي في قوله { كطي السجل } قال ملك. وأخرج ~~عبد بن حميد عن عطية مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال ~~السجل ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال اكتبوها نورا. وأخرج ابن أبي حاتم ~~وابن عساكر عن أبي جعفر الباقر قال السجل ملك. وأخرج أبو داود والنسائي ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، وابن منده في المعرفة، ~~وابن مردويه، والبيهقي في سننه وصححه عن ابن عباس قال السجل كاتب للنبي ~~صلى الله ms2494 عليه وسلم. # وأخرج ابن المنذر وابن عدي وابن عساكر عن ابن عباس قال كان لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كاتب يسمى السجل، وهو قوله { يوم نطوي ~~السماء كطى السجل } قال كما يطوي السجل الكتاب كذلك نطوي ~~السماء. وأخرج ابن المنذر، وأبو نعيم في المعرفة وابن مردويه والخطيب ~~وابن عساكر عن ابن عمر قال كان للنبي صلى الله عليه وسلم كاتب يقال له ~~السجل، فأنزل الله { يوم نطوي السماء كطي السجل }. قال ~~ابن كثير في تفسيره بعد إخراج هذا الحديث وهذا منكر جدا من حديث نافع عن ~~ابن عمر، لا يصح أصلا. قال وكذلك ما تقدم عن ابن عباس من رواية أبي ~~داود وغيره لا يصح أيضا. وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه، وإن كان في سنن ~~أبي داود منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج وقد أفردت لهذا الحديث ~~جزءا له على حدة، ولله الحمد. قال وقد تصدى الإمام أبو جعفر ابن جرير ~~للإنكار على هذا الحديث ورده أتم رد، وقال ولا نعرف في الصحابة أحدا ~~اسمه سجل، وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا معروفين، وليس فيهم ~~أحد اسمه السجل. وصدق رحمه الله في ذلك وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا ~~الحديث. وأما من ذكر في أسماء الصحابة هذا فإنما اعتمد على هذا الحديث لا ~~على غيره والله أعلم. قال والصحيح عن ابن عباس أن السجل هو الصحيفة، ~~قاله علي بن أبي طلحة والعوفي عنه. ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير ~~واحد، واختاره ابن جرير لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا يكون معنى ~~الكلام يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب أي على الكتاب، يعني المكتوب ~~كقوله # افلما أسلما وتله للجبين # الصافات 103، أي على الجبين، وله نظائر في اللغة والله أعلم. قلت أما ~~كون هذا هو الصحيح عن ابن عباس فلا، فإن علي بن أبي طلحة والعوفي ~~ضعيفان، فالأولى التعويل على المعنى اللغوي والمصير إليه. وقد أخرج ~~النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن ابن ms2495 عباس قال ~~{ السجل } هو الرجل، زاد ابن مردويه بلغة الحبشة. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في تفسير الآية قال كطي الصحيفة على الكتاب. وأخرج ~~ابن جرير عن ابن عباس في قوله { كما بدأنا أول خلق ~~نعيده } يقول نهلك كل شيء كما كان أول مرة. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عنه في قوله { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر } ~~قال القرآن { أن الأرض } قال أرض الجنة. وأخرج ابن جرير عنه أيضا ~~{ ولقد كتبنا في الزبور } قال الكتب { من بعد الذكر ~~} قال التوراة وفي إسناده العوفي. # وأخرج سعيد بن منصور عنه أيضا، قال الزبور والتوراة والإنجيل والقرآن. ~~والذكر الأصل الذي نسخت منه هذه الكتب الذي في السماء، والأرض أرض الجنة. ~~وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { أن ~~الأرض يرثها عبادي الصلحون } قال أرض الجنة. وأخرج بن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية قال أخبر الله سبحانه في ~~التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السموات والأرض أن يورث أمة ~~محمد الأرض، ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون، وفي قوله { لبلغا ~~لقوم عبدين } قال عالمين، وفي إسناده علي بن أبي طلحة. وأخرج ~~سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي هريرة { إن في هذا لبلغا ~~لقوم عبدين } قال الصلوات الخمس. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم ~~والديلمي عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " في قول الله { إن في هذا لبلغا لقوم عبدين } ~~قال في الصلوات الخمس شغلا للعبادة " # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه ~~الآية { لبلغا لقوم عبدين } قال # " هي الصلوات الخمس في المسجد الحرام جماعة " # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، والبيهقي في ~~الدلائل عن ابن عباس في قوله { وما أرسلنك إلا رحمة ~~للعلمين } قال من آمن تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم ~~يؤمن عوفي مما كان يصيب الأمم في عاجل الدنيا من العذاب من الخسف والمسخ ms2496 ~~والقذف. وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال قيل يا رسول الله ادع الله على ~~المشركين، قال # " إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة " # وأخرج الطيالسي وأحمد والطبراني، وأبو نعيم في الدلائل عن أبي أمامة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله بعثني رحمة للعالمين وهدى للمتقين " # وأخرج أحمد والطبراني عن سلمان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أيما رجل من أمتي سببته سبة في غضبي أو لعنته لعنة، فإنما أنا رجل من ~~ولد آدم أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فاجعلها عليه صلاة ~~يوم القيامة " # وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " إنما أنا رحمة مهداة " # وقد روي معنى هذا من طرق. وأخرج ابن أبي خيثمة وابن عساكر عن الربيع بن ~~أنس قال لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم رأى فلانا، وهو بعض بني ~~أمية على المنبر يخطب الناس، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأنزل الله { وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع ~~إلى حين } يقول هذا الملك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس { وإن أدري لعله فتنة لكم } يقول ما أخبركم به ~~من العذاب والساعة، لعل تأخير ذلك عنكم فتنة لكم. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر عنه في قوله { قل رب احكم بالحق } قال لا يحكم الله إلا ~~بالحق، وإنما يستعجل بذلك في الدنيا يسأل ربه. ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1-7] # لما انجر الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها ~~وما بعدها، بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها، حثا على ~~التقوى التي هي أنفع زاد فقال { يأيها الناس اتقوا ~~ربكم } أي احذروا عقابه بفعل ما أمركم به من الواجبات وترك ما نهاكم ~~عنه من المحرمات، ولفظ الناس يشمل جميع المكلفين من الموجودين ومن سيوجد ~~على ما تقرر في موضعه، وقد قدمنا طرفا من تحقيق ذلك في سورة البقرة، ~~وجملة { إن زلزلة الساعة شيء عظيم ms2497 } تعليل لما قبلها من ~~الأمر بالتقوى، والزلزلة شدة الحركة، وأصلها من زل عن الموضع، أي زال ~~عنه وتحرك، وزلزل الله قدمه، أي حركها، وتكرير الحرف يدل على تأكيد ~~المعنى، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، وهي على هذا، الزلزلة التي هي ~~أحد أشراط الساعة التي تكون في الدنيا قبل يوم القيامة، هذا قول الجمهور. ~~وقيل إنها تكون في النصف من شهر رمضان، ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها. ~~وقيل إن المصدر هنا مضاف إلى الظرف، وهو الساعة، إجراء له مجرى المفعول، ~~أو بتقدير " في " كما في قوله # بل مكر اليل والنهار # سبأ 33. وهي المذكورة في قوله # إذا زلزلت الأرض زلزالها # الزلزلة 1. قيل وفي التعبير عنها بالشيء إيذان بأن العقول قاصرة عن ~~إدراك كنهها. { يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما ~~أرضعت } انتصاب الظرف بما بعده، والضمير يرجع إلى الزلزلة، أي وقت ~~رؤيتكم لها، تذهل كل ذات رضاع عن رضيعها وتغفل عنه. قال قطرب تذهل تشتغل، ~~وأنشد قول الشاعر # ضرب يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله # وقيل تنسى. وقيل تلهو. وقيل تسلو، وهذه معانيها متقاربة. قال المبرد إن ~~«ما» فيما أرضعت بمعنى المصدر أي تذهل عن الإرضاع، قال وهذا يدل على أن ~~هذه الزلزلة في الدنيا، إذ ليس بعد القيامة حمل وإرضاع، إلا أن يقال من ~~ماتت حاملا فتضع حملها للهول، ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك، ويقال هذا مثل ~~كما يقال # يوما يجعل الولدن شيبا # المزمل 17. وقيل يكون مع النفخة الأولى، قال ويحتمل أن تكون الساعة ~~عبارة عن أهوال يوم القيامة، كما في قوله # مستهم البأساء والضراء وزلزلوا # البقرة 214. ومعنى { وتضع كل ذات حمل حملها } أنها تلقي ~~جنينها لغير تمام من شدة الهول، كما أن المرضعة تترك ولدها بغير رضاع ~~لذلك { وترى الناس سكرى } قرأ الجمهور بفتح التاء والراء ~~خطاب لكل واحد، أي يراهم الرائي كأنهم سكارى { وما هم بسكرى } ~~حقيقة، قرأ حمزة والكسائي " سكرى " بغير ألف، وقرأ الباقون بإثباتها وهما ~~لغتان يجمع بهما سكران، مثل كسلى وكسالى، ولما نفى ms2498 سبحانه عنهم السكر ~~أوضح السبب الذي لأجله شابهوا السكارى فقال { ولكن عذاب ~~الله شديد } فبسبب هذه الشدة والهول العظيم طاشت عقولهم، واضطربت ~~أفهامهم فصاروا كالسكارى، بجامع سلب كمال التمييز وصحة الإدراك. # وقرىء " وترى " بضم التاء وفتح الراء مسندا إلى المخاطب من أرأيتك أي ~~تظنهم سكارى. قال الفراء ولهذه القراءة وجه جيد في العربية. ثم لما أراد ~~سبحانه أن يحتج على منكري البعث قدم قبل ذلك مقدمة تشمل أهل الجدال ~~كلهم فقال { ومن الناس من يجدل فى الله بغير علم ~~} وقد تقدم إعراب مثل هذا التركيب في قوله # ومن الناس من يقول # البقرة 8. ومعنى { في الله } في شأن الله وقدرته، ومحل { بغير ~~علم } النصب على الحال. والمعنى أنه يخاصم في قدرة الله، فيزعم أنه ~~غير قادر على البعث بغير علم يعلمه، ولا حجة يدلي بها { ويتبع } ~~فيما يقوله ويتعاطاه ويحتج به ويجادل عنه { كل شيطن مريد } ~~أي متمرد على الله وهو العاتي، سمي بذلك لخلوه عن كل خير، والمراد ~~إبليس وجنوده، أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر. وقال ~~الواحدي قال المفسرون نزلت في النضر بن الحارث وكان كثير الجدال، وكان ~~ينكر أن الله يقدر على إحياء الأموات. وقيل نزلت في الوليد بن المغيرة ~~وعتبة بن ربيعة. { كتب عليه أنه من تولاه } أي كتب على ~~الشيطان وفاعل كتب أنه من تولاه، والضمير للشأن، أي من اتخذه وليا { ~~فأنه يضله } أي فشأن الشيطان أن يضله عن طريق الحق، فقوله أنه ~~يضله جواب الشرط إن جعلت من شرطية أو خبر الموصول إن جعلت موصولة، فقد ~~وصف الشيطان بوصفين الأول أنه مريد، والثاني ما أفاده جملة كتب عليه ~~إلخ، وجملة { ويهديه إلى عذاب السعير } معطوفة على جملة ~~يضله أي يحمله على مباشرة ما يصير به في عذاب السعير. ثم ذكر سبحانه ما ~~هو المقصود من الاحتجاج على الكفار بعد فراغه من تلك المقدمة، فقال { ~~يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث } قرأ الحسن ~~" البعث " بفتح العين وهي لغة، وقرأ الجمهور بالسكون، وشكهم ms2499 يحتمل أن ~~يكون في وقوعه أو في إمكانه. والمعنى إن كنتم في شك من الإعادة فانظروا ~~في مبدأ خلقكم، أي خلق أبيكم آدم، ليزول عنكم الريب، ويرتفع الشك وتدحض ~~الشبهة الباطلة { فإنا خلقنكم من تراب } في ضمن خلق ~~أبيكم آدم " ثم " خلقناكم { من نطفة } أي من مني، سمي نطفة ~~لقلته، والنطفة القليل من الماء. وقد يقع على الكثير منه، والنطفة ~~القطرة، يقال نطف ينطف، أي قطر. وليلة نطوف، أي دائمة القطر { ثم من ~~علقة } والعلقة الدم الجامد، والعلق الدم العبيط، أي الطري أو ~~المتجمد، وقيل الشديد الحمرة. # والمراد الدم الجامد المتكون من المني { ثم من مضغة } وهي ~~القطعة من اللحم، قدر ما يمضغ الماضغ تتكون من العلقة { مخلقة } ~~بالجر صفة لمضغة، أي مستبينة الخلق ظاهرة التصوير { وغير ~~مخلقة } أي لم يستبن خلقها ولا ظهر تصويرها. قال ابن الأعرابي ~~مخلقة يريد قد بدأ خلقه، وغير مخلقة لم تصور. قال الأكثر ما أكمل خلقه ~~بنفخ الروح فيه فهو المخلقة وهو الذي ولد لتمام، وما سقط كان غير مخلقة ~~أي غير حي بإكمال خلقته بالروح. قال الفراء مخلقة تام الخلق، وغير ~~مخلقة السقط، ومنه قول الشاعر # أفي غير المخلقة البكاء فأين الحزم ويحك والحياء # واللام في { لنبين لكم } متعلق بخلقنا، أي خلقناكم على هذا ~~النمط البديع لنبين لكم كمال قدرتنا بتصريفنا أطوار خلقكم { ونقر ~~في الأرحام ما نشاء } روى أبو حاتم عن أبي زيد عن المفضل عن عاصم ~~أنه قرأ بنصب نقر عطفا على نبين، وقرأ الجمهور " تقر " بالرفع على ~~الاستئناف، أي ونحن نقر. قال الزجاج نقر بالرفع لا غير، لأنه ليس ~~المعنى فعلنا ذلك لنقر في الأرحام ما نشاء. ومعنى الآية ونثبت في ~~الأرحام ما نشاء فلا يكون سقطا { إلى أجل مسمى } وهو وقت ~~الولادة، وقال ما نشاء، ولم يقل من نشاء، لأنه يرجع إلى الحمل وهو جماد ~~قبل أن ينفخ فيه الروح، وقرىء " ليبين " " ويقر " و " يخرجكم " بالتحتية ~~في الأفعال الثلاثة، وقرأ ابن أبي وثاب " ما نشاء " بكسر النون { ثم ~~نخرجكم ms2500 طفلا } أي نخرجكم من بطون أمهاتكم طفلا، أي أطفالا، ~~وإنما أفرده إرادة للجنس الشامل للواحد والمتعدد. قال الزجاج طفلا في ~~معنى أطفالا، ودل عليه ذكر الجماعة يعني في نخرجكم، والعرب كثيرا ما ~~تطلق اسم الواحد على الجماعة، ومنه قول الشاعر # يلحينني من حبها ويلمنني إن العواذل لسن لي بأمير # وقال المبرد هو اسم يستعمل مصدرا كالرضا والعدل، فيقع على الواحد ~~والجمع، قال الله سبحانه # أو الطفل الذين لم يظهروا # النور 31. قال ابن جرير هو منصوب على التمييز كقوله # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا # النساء 4. وفيه بعد، والظاهر انتصابه على الحال بالتأويل المذكور، ~~والطفل يطلق على الصغير من وقت انفصاله إلى البلوغ { ثم ~~لتبلغوا أشدكم } قيل هو علة لنخرجكم معطوف على علة أخرى ~~مناسبة له، كأنه قيل نخرجكم لتكبروا شيئا فشيئا ثم لتبلغوا إلى الأشد. ~~وقيل إن ثم زائدة والتقدير لتبلغوا وقيل إنه معطوف على نبين. والأشد هو ~~كمال العقل وكمال القوة والتمييز. قيل وهو ما بين الثلاثين إلى ~~الأربعين. وقد تقدم الكلام في هذا مستوفى في الأنعام { ومنكم من ~~يتوفى } يعني قبل بلوغ الأشد، وقرىء " يتوفى " مبنيا للفاعل. # وقرأ الجمهور " يتوفى " مبنيا للمفعول { ومنكم من يرد إلى ~~أرذل العمر } أي أخسه وأدونه، وهو الهرم والخرف حتى لا يعقل، ~~ولهذا قال سبحانه { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } أي ~~شيئا من الأشياء، أو شيئا من العلم، والمعنى أنه يصير من بعد أن كان ذا ~~علم بالأشياء وفهم لها، لا علم له ولا فهم، ومثله قوله # لقد خلقنا الإنسن فى أحسن تقويم * ثم ~~رددنه أسفل سفلين # التين 4، 5، وقوله # ومن نعمره ننكسه فى الخلق # يس 68. { وترى الأرض هامدة } هذه حجة أخرى على البعث، فإنه ~~سبحانه احتج بإحياء الأرض بإنزال الماء على إحياء الأموات، والهامدة ~~اليابسة التي لا تنبت شيئا، قال ابن قتيبة أي ميتة يابسة كالنار إذا ~~طفئت. وقيل دارسة، والهمود الدروس، ومنه قول الأعشى # قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا وأرى ثيابك باليات همودا # وقيل هي التي ذهب عنها الندى. وقيل ms2501 هالكة، ومعاني هذه الأقوال متقاربة { ~~فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } المراد ~~بالماء هنا المطر، ومعنى اهتزت تحركت. والاهتزاز شدة الحركة، يقال هززت ~~الشيء فاهتز، أي حركته فتحرك، والمعنى تحركت بالنبات لأن النبات لا يخرج ~~منها حتى يزيل بعضها من بعض إزالة حقيقة، فسماه اهتزازا مجازا. وقال ~~المبرد المعنى اهتز نباتها فحذف المضاف. واهتزازه شدة حركته، والاهتزاز ~~في النبات أظهر منه في الأرض. ومعنى ربت ارتفعت، وقيل انتفخت. والمعنى ~~واحد، وأصله الزيادة، يقال ربا الشيء يربو ربوا إذا زاد، ومنه الربا ~~والربوة. وقرأ يزيد بن القعقاع وخالد بن إلياس " وربأت " أي ارتفعت حتى ~~صارت بمنزلة الرابية، وهو الذي يحفظ القوم على مكان مشرف يقال له رابىء ~~ورابئة وربيئة { وأنبتت } أي أخرجت { من كل زوج بهيج } أي ~~من كل صنف حسن ولون مستحسن، والبهجة الحسن. وجملة { ذلك بأن ~~الله هو الحق } مستأنفة، لما ذكر افتقار الموجودات إليه سبحانه ~~وتسخيرها على وفق إرادته واقتداره. قال بعد ذلك هذه المقالات، وهي إثبات ~~أنه سبحانه الحق، وأنه المتفرد بإحياء الموتى، وأنه قادر على كل شيء من ~~الأشياء، والمعنى أنه المتفرد بهذه الأمور، وأنها من شأنه لا يدعي غيره ~~أنه يقدر على شيء منها، فدل سبحانه بهذا على أنه الحق الحقيقي الغني ~~المطلق وأن وجود كل موجود مستفاد منه، والحق هو الموجود الذي لا يتغير ~~ولا يزول. وقيل ذو الحق على عباده. وقيل الحق في أفعاله. قال الزجاج { ~~ذلك } في موضع رفع، أي الأمر ما وصفه لكم وبين بأن الله هو الحق. قال ~~ويجوز أن يكون { ذلك } نصبا. ثم أخبر سبحانه بأن { الساعة ءاتية ~~} أي في مستقبل الزمان، قيل لا بد من إضمار فعل، أي ولتعلموا أن الساعة ~~آتية { لا ريب فيها } أي لا شك فيها ولا تردد، وجملة { لا ريب ~~فيها } خبر ثان للساعة، أو في محل نصب على الحال. # ثم أخبر سبحانه عن البعث فقال { وأن الله يبعث من في ~~القبور } فيجازيهم بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وأن ذلك ~~كائن لا ms2502 محالة. وقد أخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد، والترمذي ~~وصححه، والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، ~~وابن مردويه من طرق عن الحسن وغيره عن عمران بن حصين قال لما نزلت { ~~يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة ~~شيء عظيم } إلى قوله { ولكن عذاب الله شديد } أنزلت ~~عليه هذه وهو في سفر، فقال # " أتدرون أي يوم ذلك؟ " # قالوا الله ورسوله أعلم، قال # " ذلك يوم يقول الله لآدم ابعث بعث النار، قال يا رب وما بعث النار؟ ~~قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحدا إلى الجنة " # ، فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " قاربوا وسددوا وأبشروا، فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها ~~جاهلية فتؤخذ العدة من الجاهلية، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين، وما ~~مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير ~~" # ، ثم قال # " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة " # فكبروا، ثم قال # " إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة " # فكبروا، ثم قال # " إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة " # فكبروا، قال # " ولا أدري قال الثلثين أم لا " # وأخرج الترمذي وصححه، وابن جرير وابن المنذر عن عمران بن حصين مرفوعا ~~نحوه، وقال في آخره # " اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع ~~شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج، ومن مات من بني آدم ومن بني إبليس " # ، فسري عن القوم بعض الذي يجدون، قال # " اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة ~~في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة " # وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، ~~وابن حبان والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أنس مرفوعا نحوه. وأخرج البزار ~~وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أنس مرفوعا ~~نحوه أيضا. وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم فذكر نحوه، ms2503 وفي آخره فقال # " من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم واحد، وهل أنتم في الأمم إلا كالشعرة ~~السوداء في الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود " # وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~قتادة في قوله { كتب عليه } قال كتب على الشيطان. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد مثله { ~~أنه من تولاه } قال اتبعه. وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن ~~وغيرهم عن ابن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق ~~المصدوق # " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ~~ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح، ~~ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله ~~غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ~~فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل ~~أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل ~~بعمل أهل الجنة فيدخلها " # والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا. وأخرج ابن أبي حاتم وصححه عن ابن ~~عباس في قوله { مخلقة وغير مخلقة } قال المخلقة ما كان ~~حيا، وغير المخلقة ما كان سقطا. وروي نحو هذا عن جماعة من التابعين. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { من ~~كل زوج بهيج } قال حسن. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ~~عن معاذ بن جبل قال من علم أن الله عز وجل حق، وأن الساعة آتية لا ريب ~~فيها، وأن الله يبعث من في القبور دخل الجنة. ### || [22.8-16] # قوله { ومن الناس من يجدل في الله } أي في شأن الله، ~~كقول من قال إن الملائكة بنات الله، والمسيح ابن الله، وعزير ابن الله. ~~قيل نزلت في النضر بن الحارث. وقيل في أبي جهل. وقيل هي ms2504 عامة لكل من ~~يتصدى لإضلال الناس وإغوائهم، وعلى كل حال فالاعتبار بما يدل عليه اللفظ ~~وإن كان السبب خاصا. ومعنى اللفظ ومن الناس فريق يجادل في الله، فيدخل ~~في ذلك كل مجادل في ذات الله، أو صفاته أو شرائعه الواضحة، و { بغير ~~علم } في محل نصب على الحال، أي كائنا بغير علم. قيل والمراد بالعلم ~~هو العلم الضروري، وبالهدى هو العلم النظري الاستدلالي. والأولى حمل ~~العلم على العموم، وحمل الهدى على معناه اللغوي، وهو الإرشاد. والمراد ~~بالكتاب المنير هو القرآن، والمنير النير البين الحجة الواضح البرهان، ~~وهو وإن دخل تحت قوله { بغير علم } فإفراده بالذكر كإفراد جبريل ~~بالذكر عند ذكر الملائكة، وذلك لكونه الفرد الكامل الفائق على غيره من ~~أفراد العلم. وأما من حمل العلم على الضروري والهدى على الاستدلالي، فقد ~~حمل الكتاب هنا على الدليل السمعي، فتكون الآية متضمنة لنفي الدليل ~~العقلي ضروريا كان أو استدلاليا، ومتضمنة لنفي الدليل النقلي بأقسامه، ~~وما ذكرناه أولى. قيل والمراد بهذا المجادل في هذه الآية هو المجادل في ~~الآية الأولى، أعني قوله # ومن الناس من يجدل في الله بغير علم ~~ويتبع كل شيطن مريد # الحج 3 وبذلك قال كثير من المفسرين. والتكرير للمبالغة في الذم كما ~~تقول للرجل تذمه وتوبخه أنت فعلت هذا أنت فعلت هذا؟ ويجوز أن يكون ~~التكرير لكونه وصفه في كل آية بزيادة على ما وصفه به في الآية الأخرى، ~~فكأنه قال ومن الناس من يجادل في الله ويتبع كل شيطان مريد بغير علم ~~ولا هدى ولا كتب منير ليضل عن سبيل الله. وقيل الآية ~~الأولى في المقلدين اسم فاعل. والثانية في المقلدين اسم مفعول. ولا وجه ~~لهذا كما أنه لا وجه لقول من قال إن الآية الأولى خاصة بإضلال المتبوعين ~~لتابعيهم، والثانية عامة في كل إضلال وجدال. وانتصاب { ثاني عطفه ~~} على الحال من فاعل يجادل، والعطف الجانب، وعطفا الرجل جانباه من يمين ~~وشمال، وفي تفسيره وجهان الأول أن المراد به من يلوي عنقه مرحا ~~وتكبرا، ذكر معناه الزجاج. قال ms2505 وهذا يوصف به المتكبر. والمعنى ومن الناس ~~من يجادل في الله متكبرا. قال المبرد العطف ما انثنى من العنق. والوجه ~~الثاني أن المراد بقوله { ثاني عطفه } الإعراض، أي معرضا عن ~~الذكر، كذا قال الفراء والمفضل وغيرهما كقوله تعالى # ولى مستكبرا كأن لم يسمعها # لقمان 7، وقوله # لووا رؤوسهم # المنافقون 5، وقوله # أعرض ونأى بجانبه # الإسراء 83، واللام في { ليضل عن سبيل الله } متعلق ب { ~~يجادل } أي إن غرضه هو الإضلال عن السبيل وإن لم يعترف بذلك. وقرىء " ~~ليضل " بفتح الياء على أن تكون اللام هي لام العاقبة كأنه جعل ضلاله ~~غاية لجداله، وجملة { له في الدنيا خزي } مستأنفة مبينة لما ~~يحصل له بسبب جداله من العقوبة. والخزي الذل، وذلك بما يناله من العقوبة ~~في الدنيا من العذاب المعجل وسوء الذكر على ألسن الناس. وقيل الخزي ~~الدنيوي هو القتل، كما وقع في يوم بدر { ونذيقه يوم ~~القيمة عذاب الحريق } أي عذاب النار المحرقة. والإشارة ~~بقوله { ذلك } إلى ما تقدم من العذاب الدنيوي والأخروي، وهو مبتدأ ~~خبره { بما قدمت يداك } ، والباء للسببية، أي ذلك العذاب ~~النازل بك بسبب ما قدمته يداك من الكفر والمعاصي، وعبر باليد عن جملة ~~البدن لكون مباشرة المعاصي تكون بها في الغالب، ومحل أن وما بعدها في ~~قوله { وأن الله ليس بظلم للعبيد } الرفع على أنها ~~خبر مبتدأ محذوف، أي والأمر أنه سبحانه لا يعذب عباده بغير ذنب. وقد مر ~~الكلام على هذه الآية في آخر آل عمران فلا نعيده. { ومن الناس من ~~يعبد الله على حرف } هذا بيان لشقاق أهل الشقاق. قال ~~الواحدي قال أكثر المفسرين الحرف الشك، وأصله من حرف الشيء وهو طرفه، مثل ~~حرف الجبل والحائط، فإن القائم عليه غير مستقر، والذي يعبد الله على حرف ~~قلق في دينه على غير ثبات وطمأنينة كالذي هو على حرف الجبل ونحوه يضطرب ~~اضطرابا ويضعف قيامه فقيل للشاك في دينه إنه يعبد الله على حرف لأنه ~~على غير يقين من وعده ووعيده، بخلاف المؤمن لأنه يعبده على يقين وبصيرة ~~فلم يكن ms2506 على حرف. وقيل الحرف الشرط، أي ومن الناس من يعبد الله على شرط، ~~والشرط هو قوله { فإن أصابه خير اطمأن به } أي خير ~~دنيوي من رخاء وعافية وخصب وكثرة مال، ومعنى { اطمأن به } ثبت على دينه ~~واستمر على عبادته، أو اطمأن قلبه بذلك الخير الذي أصابه { وإن ~~أصابته فتنة } أي شيء يفتتن به من مكروه يصيبه في أهله أو ماله ~~أو نفسه { انقلب على وجهه } أي ارتد ورجع إلى الوجه الذي كان ~~عليه من الكفر، ثم بين حاله بعد انقلابه على وجهه فقال { خسر ~~الدنيا والآخرة } أي ذهبا منه وفقدهما، فلا حظ له في الدنيا من ~~الغنيمة والثناء الحسن، ولا في الآخرة من الأجر وما أعده الله للصالحين ~~من عباده. وقرأ مجاهد، وحميد بن قيس، والأعرج، والزهري، وابن أبي إسحاق " ~~خاسرا الدنيا والآخرة " على صيغة اسم الفاعل منصوبا على الحال. وقرىء ~~بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. # والإشارة بقوله { ذلك } إلى خسران الدنيا والآخرة وهو مبتدأ وخبره { ~~هو الخسران المبين } أي الواضح الظاهر الذي لا خسران مثله { ~~يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه } أي ~~هذا الذي انقلب على وجهه ورجع إلى الكفر { يدعو من دون الله } أي يعبد ~~متجاوزا عبادة الله إلى عبادة الأصنام { ما لا يضره } إن ترك عبادته، { ~~ولا ينفعه } إن عبده لكون ذلك المعبود جمادا لا يقدر على ضر ولا نفع، ~~والإشارة بقوله { ذلك } إلى الدعاء المفهوم من الفعل وهو يدعو، واسم ~~الإشارة مبتدأ وخبره { هو الضلال البعيد } أي عن الحق والرشد، ~~مستعار من ضلال من سلك غير الطريق فصار بضلاله بعيدا عنها. قال الفراء ~~البعيد الطويل. { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه } يدعو ~~بمعنى يقول، والجملة مقررة لما قبلها من كون ذلك الدعاء ضلالا بعيدا. ~~والأصنام لا نفع فيها بحال من الأحوال، بل هي ضرر بحت لمن يعبدها لأنه ~~دخل النار بسبب عبادتها. وإيراد صيغة التفضيل مع عدم النفع بالمرة ~~للمبالغة في تقبيح حال ذلك الداعي، أو ذلك من باب # وإنا أو ms2507 إياكم لعلى هدى أو في ضلل مبين # سبأ 24 واللام هي الموطئة للقسم، ومن موصولة أو موصوفة، و { ضره } ~~مبتدأ خبره أقرب، والجملة صلة الموصول. وجملة { لبئس المولى ~~ولبئس العشير } جواب القسم. والمعنى أنه يقول ذلك الكافر يوم ~~القيامة لمعبوده الذي ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير. ~~والمولى الناصر، والعشير الصاحب، ومثل ما في هذه الآية قول عنترة # يدعون عنتر والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم # وقال الزجاج يجوز أن يكون { يدعو } في موضع الحال، وفيه هاء محذوفة، أي ~~ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، وعلى هذا يوقف على { يدعو } ، ويكون قوله { ~~لمن ضره أقرب من نفعه } كلاما مستأنفا مرفوعا ~~بالابتداء، وخبره { لبئس المولى }. قال وهذا لأن اللام لليمين والتوكيد ~~فجعلها أول الكلام. وقال الزجاج والفراء يجوز أن يكون { يدعو } مكررة ~~على ما قبلها على جهة تكثير هذا الفعل الذي هو الدعاء، أي يدعو ما لا ~~يضره ولا ينفعه يدعو، مثل ضربت زيدا ضربت. وقال الفراء والكسائي ~~والزجاج معنى الكلام القسم، واللام مقدمة على موضعها، والتقدير يدعو من ~~لضره أقرب من نفعه، فمن في موضع نصب ب { يدعو } ، واللام جواب القسم و ~~{ ضره } مبتدأ، و { أقرب } خبره، ومن التصرف في اللام بالتقديم والتأخير ~~قول الشاعر # خالي لأنت ومن جرير خاله ينل العلاء ويكرم الأخوالا # أي لخالي أنت. قال النحاس وحكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد قال ~~في الكلام حذف، والمعنى يدعو لمن ضره أقرب من نفعه إلها. قال النحاس ~~وأحسب هذا القول غلطا عن محمد بن يزيد، ولعل وجهه أن ما قبل اللام هذه ~~لا يعمل فيما بعدها. # وقال الفراء أيضا والقفال اللام صلة، أي زائدة، والمعنى يدعو من ضره ~~أقرب من نفعه، أي يعبده، وهكذا في قراءة عبد الله بن مسعود بحذف اللام، ~~وتكون اللام في { لبئس المولى } وفي { لبئس العشير } على هذا موطئة ~~للقسم. { إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت جنت تجري من تحتها الأنهر } لما فرغ ~~من ذكر حال المشركين، ومن ms2508 يعبد الله على حرف ذكر حال المؤمنين في الآخرة، ~~وأخبر أنه يدخلهم هذه الجنات المتصفة بهذه الصفة، وقد تقدم الكلام في ~~جري الأنهار من تحت الجنات، وبينا أنه إن أريد بها الأشجار المتكاثفة ~~الساترة لما تحتها، فجريان الأنهار من تحتها ظاهر وإن أريد بها الأرض فلا ~~بد من تقدير مضاف، أي من تحت أشجارها { إن الله يفعل ما ~~يريد } هذه الجملة تعليل لما قبلها، أي يفعل ما يريده من الأفعال { ~~لا يسأل عما يفعل }. فيثيب من يشاء ويعذب من يشاء. { من ~~كان يظن أن لن ينصره الله فى الدنيا والآخرة } ~~قال النحاس من أحسن ما قيل في هذه الآية أن المعنى من كان يظن أن لن ينصر ~~الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه ~~{ فليمدد بسبب إلى السماء } أي فليطلب حيلة يصل بها إلى ~~السماء { ثم ليقطع } أي ثم ليقطع النصر إن تهيأ له { ~~فلينظر هل يذهبن كيده } وحيلته { ما يغيظ } من نصر ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل المعنى من كان يظن أن لن ينصر الله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم حتى يظهره على الدين كله فليمت غيظا، ثم فسره ~~بقوله { فليمدد بسبب إلى السماء } أي فليشدد حبلا في سقف ~~بيته { ثم ليقطع } أي ثم ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقا، ~~والمعنى فليختنق غيظا حتى يموت، فإن الله ناصره ومظهره، ولا ينفعه غيظه، ~~ومعنى { فلينظر هل يذهبن كيده } أي صنيعه وحيلته ما يغيظ، أي غيظه، و " ~~ما " مصدرية. وقيل إن الضمير في { ينصره } يعود إلى من، والمعنى من كان ~~يظن أن الله لا يرزقه فليقتل نفسه، وبه قال أبو عبيدة. وقيل إن الضمير ~~يعود إلى الدين، أي من كان يظن أن لن ينصر الله دينه. وقرأ الكوفيون ~~بإسكان اللام في " ثم ليقطع ". قال النحاس وهذه القراءة بعيدة من ~~العربية. { وكذلك أنزلنه ءايت بينت } أي مثل ذلك ~~الإنزال البديع أنزلناه آيات واضحات ظاهرة الدلالة على مدلولاتها { ~~وأن الله يهدى من يريد } هدايته ابتداء ms2509 أو زيادة فيها لمن ~~كان مهديا من قبل. وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن قتادة في قوله { ثاني عطفه } قال لاوي عنقه. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس والسدي وابن يزيد وابن جريج أنه ~~المعرض. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله ~~{ ثاني عطفه } قال أنزلت في النضر بن الحارث. وأخرج ابن مردويه عن ~~ابن عباس في الآية قال هو رجل من بني عبد الدار. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه { ثاني عطفه } قال مستكبرا في نفسه. ~~وأخرج البخاري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { ومن ~~الناس من يعبد الله على حرف } قال كان الرجل يقدم ~~المدينة، فإن ولدت امرأته غلاما وأنتجت خيله قال هذا دين صالح، وإن لم ~~تلد امرأته ولم تنتج خيله قال هذا دين سوء. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه عنه بسند صحيح قال كان ناس من الأعراب يأتون النبي صلى الله عليه ~~وسلم يسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم، فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ~~ولاد حسن قالوا إن ديننا هذا لصالح فتمسكوا به، وإن وجدوا عام جدب وعام ~~ولاد سوء وعام قحط، قالوا ما في ديننا هذا خير، فأنزل الله { ومن ~~الناس من يعبد الله على حرف }. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه عنه أيضا نحوه، وفي إسناده العوفي. وأخرج ابن مردويه ~~أيضا من طريقه أيضا عن أبي سعيد قال أسلم رجل من اليهود فذهب بصره ~~وماله وولده فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أقلني ~~أقلني، قال # " إن الإسلام لا يقال " # ، فقال لم أصب من ديني هذا خيرا، ذهب بصري ومالي ومات ولدي، فقال # " يا يهودي، الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والذهب ~~والفضة " # ، فنزلت { ومن الناس من يعبد الله على حرف } وأخرج ~~الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم ~~وصححه ms2510 وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { من كان يظن أن لن ~~ينصره الله } قال من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا في الدنيا ~~والآخرة { فليمدد بسبب } قال فليربط بحبل { إلى السماء } ~~قال إلى سماء بيته السقف { ثم ليقطع } قال ثم يختنق به حتى يموت. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه قال { من كان يظن أن لن ~~ينصره الله } يقول أن لن يرزقه الله { فليمدد بسبب ~~إلى السماء } فليأخذ حبلا فليربطه في سماء بيته فليختنق به { ~~فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ } قال فلينظر هل ~~ينفعه ذلك أو يأتيه برزق. ### || [22.17-24] # قوله { إن الذين ءامنوا } أي بالله وبرسوله، أو بما ذكر من ~~الآيات البينات { والذين هادوا } هم اليهود المنتسبون إلى ملة ~~موسى { والصبئين } قوم يعبدون النجوم. وقيل هم من جنس النصارى ~~وليس ذلك بصحيح بل هم فرقة معروفة لا ترجع إلى ملة من الملل المنتسبة إلى ~~الأنبياء { والنصرى } هم المنتسبون إلى ملة عيسى { والمجوس ~~} هم الذين يعبدون النار، ويقولون إن للعالم أصلين النور والظلمة. وقيل ~~هم قوم يعبدون الشمس والقمر، وقيل هم قوم يستعملون النجاسات. وقيل هم قوم ~~من النصارى اعتزلوهم ولبسوا المسوح. وقيل إنهم أخذوا بعض دين اليهود وبعض ~~دين النصارى { والذين أشركوا } الذين يعبدون الأصنام، وقد مضى ~~تحقيق هذا في البقرة، ولكنه سبحانه قدم هنالك النصارى على الصابئين، ~~وأخرهم عنهم هنا. فقيل وجه تقديم النصارى هنالك أنهم أهل كتاب دون ~~الصابئين، ووجه تقديم الصابئين هنا أن زمنهم متقدم على زمن النصارى، ~~وجملة { إن الله يفصل بينهم يوم القيمة } في محل ~~رفع على أنها خبر لإن المتقدمة. ومعنى الفصل أنه سبحانه يقضي بينهم ~~فيدخل المؤمنين منهم الجنة والكافرين منهم النار. وقيل الفصل هو أن يميز ~~المحق من المبطل بعلامة يعرف بها كل واحد منهما، وجملة { إن الله ~~على كل شيء شهيد } تعليل لما قبلها، أي أنه سبحانه على كل شيء ~~من أفعال خلقه وأقوالهم شهيد لا يعزب عنه شيء منها، وأنكر الفراء أن تكون ~~جملة { إن ms2511 الله يفصل بينهم } خبرا لإن المتقدمة. وقال ~~لا يجوز في الكلام إن زيدا إن أخاه منطلق، ورد الزجاج ما قاله الفراء، ~~وأنكره وأنكر ما جعله مماثلا للآية، ولا شك في جواز قولك إن زيدا إن ~~الخير عنده، وإن زيدا إنه منطلق، ونحو ذلك. { ألم تر أن الله ~~يسجد له من في السموات ومن في الارض } الرؤية هنا ~~هي القلبية لا البصرية، أي ألم تعلم. والخطاب لكل من يصلح له، وهو من ~~تتأتى منه الرؤية، والمراد بالسجود هنا هو الانقياد الكامل، لا سجود ~~الطاعة الخاصة بالعقلاء، سواء جعلت كلمة من خاصة بالعقلاء، أو عامة لهم ~~ولغيرهم، ولهذا عطف { الشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدواب } على من، فإن ذلك يفيد أن السجود هو الانقياد ~~لا الطاعة الخاصة بالعقلاء، وإنما أفرد هذه الأمور بالذكر مع كونها داخلة ~~تحت من، على تقدير جعلها عامة لكون قيام السجود بها مستبعدا في العادة، ~~وارتفاع { كثير من الناس } بفعل مضمر يدل عليه المذكور، أي ويسجد ~~له كثير من الناس. وقيل مرتفع على الابتداء وخبره محذوف وتقديره وكثير من ~~الناس يستحق الثواب، والأول أظهر. # وإنما لم يرتفع بالعطف على من، لأن سجود هؤلاء الكثير من الناس هو سجود ~~الطاعة الخاصة بالعقلاء، والمراد بالسجود المتقدم هو الانقياد، فلو ~~ارتفع بالعطف على من لكان في ذلك جمع بين معنيين مختلفين في لفظ واحد. ~~وأنت خبير بأنه لا ملجىء إلى هذا بعد حمل السجود على الانقياد، ولا شك ~~أنه يصح أن يراد من سجود كثير من الناس هو انقيادهم لا نفس السجود الخاص، ~~فارتفاعه على العطف لا بأس به، وإن أبى ذلك صاحب الكشاف ومتابعوه، وأما ~~قوله { وكثير حق عليه العذاب } فقال الكسائي والفراء إنه ~~مرتفع بالابتداء وخبره ما بعده. وقيل هو معطوف على كثير الأول، ويكون ~~المعنى وكثير من الناس يسجد وكثير منهم يأبى ذلك، وقيل المعنى وكثير من ~~الناس في الجنة، وكثير حق عليه العذاب هكذا حكاه ابن الأنباري { ومن ~~يهن الله فما له من مكرم } أي من أهانه ms2512 الله بأن جعله ~~كافرا شقيا، فما له من مكرم يكرمه فيصير سعيدا عزيزا. وحكى الأخفش ~~والكسائي والفراء أن المعنى ومن يهن الله فما له من مكرم، أي إكرام { ~~إن الله يفعل ما يشاء } من الأشياء التي من جملتها ما تقدم ~~ذكره من الشقاوة والسعادة والإكرام والإهانة. { هذان خصمان } ~~الخصمان أحدهما أنجس الفرق اليهود والنصارى والصابئون والمجوس والذين ~~أشركوا، والخصم الآخر المسلمون، فهما فريقان مختصمان. قاله الفراء وغيره. ~~وقيل المراد بالخصمين الجنة والنار. قالت الجنة خلقني لرحمته، وقالت ~~النار خلقني لعقوبته. وقيل المراد بالخصمين هم الذين برزوا يوم بدر، فمن ~~المؤمنين حمزة وعلي وعبيدة، ومن الكافرين عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد ~~بن عتبة. وقد كان أبو ذر رضي الله عنه يقسم أن هذه الآية نزلت في هؤلاء ~~المتبارزين كما ثبت عنه في الصحيح، وقال بمثل هذا جماعة من الصحابة، وهم ~~أعرف من غيرهم بأسباب النزول. وقد ثبت في الصحيح أيضا عن علي أنه قال ~~فينا نزلت هذه الآية. وقرأ ابن كثير " هذان " بتشديد النون، وقال ~~سبحانه { اختصموا } ولم يقل اختصما. قال الفراء لأنهم جمع، ولو قال ~~اختصما لجاز، ومعنى { في ربهم } في شأن ربهم، أي في دينه، أو في ~~ذاته، أو في صفاته، أو في شريعته لعباده، أو في جميع ذلك. ثم فصل سبحانه ~~ما أجمله في قوله { يفصل بينهم } فقال { فالذين كفروا ~~قطعت لهم ثياب من نار } قال الأزهري أي سويت وجعلت لبوسا ~~لهم، شبهت النار بالثياب لأنها مشتملة عليهم كاشتمال الثياب، وعبر ~~بالماضي عن المستقبل تنبيها على تحقق وقوعه. وقيل إن هذه الثياب من نحاس ~~قد أذيب فصار كالنار، وهي السرابيل المذكورة في آية أخرى. وقيل المعنى في ~~الآية أحاطت النار بهم. وقرىء " قطعت " بالتخفيف، ثم قال سبحانه { ~~يصب من فوق رءوسهم الحميم } والحميم هو الماء الحار ~~المغلي بنار جهنم، والجملة مستأنفة أو هي خبر ثان للموصول { يصهر ~~به ما فى بطونهم } الصهر الإذابة، والصهارة ما ذاب منه، يقال ~~صهرت الشيء فانصهر، أي أذبته فذاب فهو صهير، والمعنى أنه ms2513 يذاب بذلك ~~الحميم ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء { والجلود } معطوفة على ~~ما، أي ويصهر به الجلود والجملة في محل نصب على الحال. # وقيل إن الجلود لا تذاب، بل تحرق، فيقدر فعل يناسب ذلك، ويقال وتحرق به ~~الجلود كما في قول الشاعر # علفتها تبنا وماء باردا # أي وسقيتها ماء، ولا يخفى أنه لا ملجىء لهذا، فإن الحميم إذا كان يذيب ~~ما في البطون فإذابته للجلد الظاهر بالأولى. { ولهم مقامع من ~~حديد } المقامع جمع مقمعة ومقمع، قمعته ضربته بالمقمعة، وهي قطعة من ~~حديد. والمعنى لهم مقامع من حديد يضربون بها، أي للكفرة، وسميت المقامع ~~مقامع لأنها تقمع المضروب، أي تذلله. قال ابن السكيت أقمعت الرجل عني ~~إقماعا إذا اطلع عليك فرددته عنك { كلما أرادوا أن يخرجوا ~~منها } أي من النار { أعيدوا فيها } أي في النار بالضرب ~~بالمقامع، و { من غم } بدل من الضمير في منها بإعادة الجار أو مفعول ~~له، أي لأجل غم شديد من غموم النار { وذوقوا عذاب الحريق } ~~هو بتقدير القول، أي أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب الحريق، أي العذاب ~~المحرق، وأصل الحريق الاسم من الاحتراق، تحرق الشيء بالنار واحترق حرقة ~~واحتراقا، والذوق مماسة يحصل معها إدراك الطعم، وهو هنا توسع، والمراد ~~به إدراك الألم. قال الزجاج وهذا لأحد الخصمين. وقال في الخصم الآخر وهم ~~المؤمنون { إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت جنت تجرى من تحتها الأنهر } فبين ~~سبحانه حال المؤمنين بعد بيانه لحال الكافرين. ثم بين الله سبحانه بعض ~~ما أعده لهم من النعيم بعد دخولهم الجنة فقال { يحلون فيها } قرأ ~~الجمهور { يحلون } بالتشديد والبناء للمفعول، وقرىء مخففا، أي يحليهم ~~الله أو الملائكة بأمره. و " من " في قوله { من أساور } للتبعيض، ~~أي يحلون بعض أساور، أو للبيان، أو زائدة، و " من " في { من ذهب } ~~للبيان، والأساور جمع أسورة والأسورة جمع سوار. وفي السوار لغتان كسر ~~السين وضمها، وفيه لغة ثالثة، وهي أسوار. قرأ نافع وابن كثير وعاصم وشيبة ~~{ ولؤلؤا } بالنصب عطف على محل { أساور } أي ويحلون ms2514 لؤلؤا، أو بفعل ~~مقدر ينصبه، وهكذا قرأ بالنصب يعقوب والجحدري وعيسى بن عمر، وهذه ~~القراءة هي الموافقة لرسم المصحف فإن هذا الحرف مكتوب فيه بالألف، وقرأ ~~الباقون بالجر عطفا على { أساور } أي يحلون من أساور ومن لؤلؤ، واللؤلؤ ~~ما يستخرج من البحر من جوف الصدف. # قال القشيري والمراد ترصيع السوار باللؤلؤ، ولا يبعد أن يكون في الجنة ~~سوار من لؤلؤ مصمت كما أن فيها أساور من ذهب { ولباسهم فيها ~~حرير } أي جميع ما يلبسونه حرير كما تفيده هذه الإضافة، ويجوز أن يراد ~~أن هذا النوع من الملبوس الذي كان محرما عليهم في الدنيا حلال لهم في ~~الآخرة، وأنه من جملة ما يلبسونه فيها، ففيها ما تشتهيه الأنفس، وكل واحد ~~منهم يعطى ما تشتهيه نفسه وينال ما يريده. { وهدوا إلى الطيب ~~من القول } أي أرشدوا إليه، قيل هو لا إله إلا الله. وقيل الحمد ~~لله. وقيل القرآن. وقيل هو ما يأتيهم من الله سبحانه من البشارات. وقد ~~ورد في القرآن ما يدل على هذا القول المجمل هنا، وهو قوله سبحانه # الحمد لله الذي صدقنا وعده # الزمر 74، # الحمد لله الذي هدانا لهذا # الأعراف 43، # الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن # فاطر 34. ومعنى { وهدوا إلى صرط الحميد } أنهم أرشدوا إلى ~~الصراط المحمود وهو طريق الجنة، أو صراط الله الذي هو دينه القويم، وهو ~~الإسلام. وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~قتادة في قوله { والصبئين } قال هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون ~~القبلة، ويقرؤون الزبور { والمجوس } عبدة الشمس والقمر والنيران، { ~~والذين أشركوا } عبدة الأوثان { إن الله يفصل ~~بينهم } قال الأديان ستة فخمسة للشيطان، ودين الله عز وجل. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال فصل قضاءه بينهم فجعل الخمسة مشتركة ~~وجعل هذه الأمة واحدة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال الذين هادوا ~~اليهود، والصابئون ليس لهم كتاب، والمجوس أصحاب الأصنام، والمشركون نصارى ~~العرب. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي ذر أنه كان يقسم قسما أن ~~هذه ms2515 الآية { هذان خصمان } الآية نزلت في الثلاثة والثلاثة الذين ~~بارزوا يوم بدر، وهم حمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث وعلي بن أبي ~~طالب، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، قال علي وأنا أول من ~~يجثو في الخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة. وأخرجه البخاري ~~وغيره من حديث علي. وأخرجه ابن مردويه عن ابن عباس بنحوه، وهكذا روي عن ~~جماعة من التابعين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { قطعت لهم ثياب من نار } ~~قال من نحاس، وليس من الآنية شيء إذا حمي أشد حرا منه، وفي قوله { ~~يصب من فوق رءوسهم الحميم } قال النحاس يذاب على ~~رؤوسهم، وقوله { يصهر به ما فى بطونهم } قال تسيل أمعاؤهم { ~~والجلود } قال تتناثر جلودهم. وأخرج عبد بن حميد، والترمذي وصححه، ~~وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم ~~وصححه، وأبو نعيم في الحلية، وابن مردويه عن أبي هريرة أنه تلا هذه الآية ~~{ يصب من فوق رءوسهم الحميم } فقال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول # " إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما ~~في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر، ثم يعاد كما كان " # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { يصهر به ما في ~~بطونهم } قال يمشون وأمعاءهم تتساقط وجلودهم. وفي قوله { ولهم ~~مقامع من حديد } قال يضربون بها، فيقع كل عضو على حياله فيدعون ~~بالويل والثبور. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال يسقون ماء إذا دخل في ~~بطونهم أذابها والجلود مع البطون. وأخرج أحمد، وأبو يعلى وابن أبي حاتم، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث والنشور عن أبي سعيد ~~الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لو أن مقمعا من حديد وضع في الأرض فاجتمع الثقلان ما أقلوه من الأرض، ~~ولو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت ثم عاد كما ms2516 كان " # وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن سلمان قال النار سوداء مظلمة لا ~~يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ { كلما أرادوا أن يخرجوا ~~منها من غم أعيدوا فيها }. وفي الصحيحين وغيرهما عن عمر قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " # وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { وهدوا إلى الطيب من القول } قال ألهموا. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال هدوا إلى الطيب من القول في ~~الخصومة إذ قالوا الله مولانا ولا مولى لكم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن إسماعيل بن أبي خالد في الآية قال القرآن { وهدوا إلى ~~صرط الحميد } قال الإسلام. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال الإسلام. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد ~~قال لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله الذي قال # إليه يصعد الكلم الطيب # فاطر 10. ### || [22.25-29] # قوله { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله } ~~عطف المضارع على الماضي لأن المراد بالمضارع ما مضى من الصد، ومثل هذا ~~قوله # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله # محمد 1، أو المراد بالصد ها هنا الاستمرار لا مجرد الاستقبال، فصح ~~بذلك عطفه على الماضي، ويجوز أن تكون الواو في { ويصدون } واو الحال، أي ~~كفروا والحال أنهم يصدون. وقيل الواو زائدة والمضارع خبر إن والأولى أن ~~يقدر خبر إن بعد قوله { والباد } وذلك نحو خسروا أو هلكوا. وقال ~~الزجاج إن الخبر { نذقه من عذاب أليم } ورد بأنه لو كان خبرا لإن لم ~~يجزم وأيضا لو كان خبرا لإن لبقي الشرط وهو { ومن يرد } بغير ~~جواب، فالأولى أنه محذوف كما ذكرنا. والمراد بالصد المنع وبسبيل الله ~~دينه، أي يمنعون من أراد الدخول في دين الله و { المسجد الحرام } ، معطوف ~~على { سبيل الله } قيل المراد ms2517 به المسجد نفسه كما هو الظاهر من هذا النظم ~~القرآني. وقيل الحرم كله لأن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه عنه يوم الحديبية. وقيل المراد به مكة بدليل قوله { الذي ~~جعلنه للناس سواء العكف فيه والباد } أي جعلناه ~~للناس على العموم يصلون فيه ويطوفون به مستويا فيه العاكف وهو المقيم ~~فيه الملازم له، والباد أي الواصل من البادية، والمراد به الطارىء عليه ~~من غير فرق بين كونه من أهل البادية أو من غيرهم. وانتصاب { سواء } على ~~أنه المفعول الثاني لجعلناه، وهو بمعنى مستويا، و { العاكف } مرتفع به، ~~وصف المسجد الحرام بذلك لزيادة التقريع والتوبيخ للصادين عنه، ويحتمل أن ~~يكون انتصاب { سوآء } على الحال. وهذا على قراءة النصب، وبها قرأ حفص ~~عن عاصم، وهي قراءة الأعمش، وقرأ الجمهور برفع { سواء } على أنه مبتدأ ~~وخبره { العاكف } أو على أنه خبر مقدم، والمبتدأ { العاكف } أي العاكف ~~فيه والبادي سواء، وقرىء بنصب { سواء } وجر { العاكف } على أنه صفة ~~للناس، أي جعلناه للناس، العاكف والبادي سواء، وأثبت الياء في البادي ابن ~~كثير وصلا ووقفا، وحذفها أبو عمرو في الوقف، وحذفها نافع في الوصل ~~والوقف. قال القرطبي وأجمع الناس على الاستواء في المسجد الحرام نفسه. ~~واختلفوا في مكة فذهب مجاهد ومالك إلى أن دور مكة ومنازلها يستوي فيها ~~المقيم والطارىء. وذهب عمر بن الخطاب وابن عباس وجماعة إلى أن للقادم أن ~~ينزل حيث وجد، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أم أبى. وذهب الجمهور إلى أن ~~دور مكة ومنازلها ليست كالمسجد الحرام، ولأهلها منع الطارىء من النزول ~~فيها. والحاصل أن الكلام في هذا راجع إلى أصلين الأصل الأول ما في هذه ~~الآية هل المراد بالمسجد الحرام المسجد نفسه، أو جميع الحرم، أو مكة على ~~الخصوص؟ والثاني هل كان فتح مكة صلحا أو عنوة؟ وعلى فرض أن فتحها كان ~~عنوة هل أقرها النبي صلى الله عليه وسلم في يد أهلها على الخصوص؟ أو ~~جعلها لمن نزل بها على العموم؟ وقد أوضحنا هذا في شرحنا ms2518 على المنتقى بما ~~لا يحتاج الناظر فيه إلى زيادة. # { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم } مفعول يرد محذوف لقصد التعميم، والتقدير ومن يرد فيه مرادا، ~~أي مراد بإلحاد، أي بعدول عن القصد. والإلحاد في اللغة الميل إلا أنه ~~سبحانه بين هنا أنه الميل بظلم. وقد اختلف في هذا الظلم ماذا هو؟ فقيل ~~هو الشرك. وقيل الشرك والقتل، وقيل صيد حيواناته وقطع أشجاره، وقيل هو ~~الحلف فيه بالأيمان الفاجرة، وقيل المراد المعاصي فيه على العموم. وقيل ~~المراد بهذه الآية أنه يعاقب بمجرد الإرادة للمعصية في ذلك المكان. وقد ~~ذهب إلى هذا ابن مسعود وابن عمر والضحاك وابن زيد وغيرهم حتى قالوا لو ~~هم الرجل في الحرم بقتل رجل بعدن لعذبه الله. والحاصل أن هذه الآية دلت ~~على أن من كان في البيت الحرام مأخوذ بمجرد الإرادة للظلم، فهي مخصصة ~~لما ورد من أن الله غفر لهذه الأمة ما حدثت به أنفسها، إلا أن يقال إن ~~الإرادة فيها زيادة على مجرد حديث النفس، وبالجملة فالبحث عن هذا وتقرير ~~الحق فيه على وجه يجمع بين الأدلة ويرفع الإشكال يطول جدا، ومثل هذه ~~الآية حديث # " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " # قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال # " إنه كان حريصا على قتل صاحبه " # فدخل النار هنا بسبب مجرد حرصه على قتل صاحبه. وقد أفردنا هذا البحث ~~برسالة مستقلة، والباء في قوله { بإلحاد } إن كان مفعول { يرد } ~~محذوفا كما ذكرنا فليست بزائدة. وقيل إنها زائدة هنا كقول الشاعر # نحن بنو جعدة أصحاب الفلج نضرب بالسيف ونرجو بالفرج # أي نرجو الفرج، ومثله # ألم يأتيك والأنباء تنمى بما لاقت لبون بني زياد # أي ما لاقت، ومن القائلين بأنها زائدة الأخفش، والمعنى عنده ومن يرد فيه ~~إلحادا بظلم. وقال الكوفيون دخلت الباء لأن المعنى بأن يلحد، والباء مع ~~أن تدخل وتحذف، ويجوز أن يكون التقدير ومن يرد الناس بإلحاد. وقيل إن { ~~يرد } مضمن معنى يهم، والمعنى ومن يهم فيه ms2519 بإلحاد. وأما الباء في قوله ~~{ بظلم } فهي للسببية، والمعنى ومن يرد فيه بإلحاد بسبب الظلم، ويجوز أن ~~يكون { بظلم } بدلا من { بإلحاد } بإعادة الجار، ويجوز أن يكونا حالين ~~مترادفين. { وإذ بوأنا لإبرهيم مكان البيت } أي واذكر ~~وقت ذلك، يقال بوأته منزلا وبوأت له، كما يقال مكنتك ومكنت لك. # قال الزجاج معناه جعلنا مكان البيت مبوأ لإبراهيم، ومعنى { بوأنا } ~~بينا له مكان البيت، ومثله قول الشاعر # كم من أخ لي ماجد بوأته بيدي لحدا # وقال الفراء إن اللام زائدة ومكان ظرف، أي أنزلناه فيه { أن لا تشرك بي ~~شيئا } قيل إن هذه هي مفسرة لبوأنا، لتضمنه معنى تعبدنا لأن التبوئة ~~هي للعبادة. وقال أبو حاتم هي مصدرية، أي لأن لا تشرك بي. وقيل هي ~~المخففة من الثقيلة، وقيل هي زائدة. وقيل معنى الآية وأوحينا إليه أن لا ~~تعبد غيري. قال المبرد كأنه قيل له وحدني في هذا البيت، لأن معنى لا تشرك ~~بي وحدني { وطهر بيتي } من الشرك وعبادة الأوثان. وفي الآية طعن ~~على ما أشرك من قطان البيت أي هذا كان الشرط على أبيكم فمن بعده وأنتم ~~فلم تفوا بل أشركتم. وقالت فرقة الخطاب بقوله { ألا تشركوا } ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم وهذا ضعيف جدا. ومعنى { وطهر بيتى } ~~تطهيره من الكفر والأوثان والدماء وسائر النجاسات، وقيل عنى به التطهير ~~عن الأوثان فقط، وذلك أن جرهما والعمالقة كانت لهم أصنام في محل البيت، ~~وقد مر في سورة براءة ما فيه كفاية في هذا المعنى. والمراد بالقائمين ~~هنا هم المصلون وذكر { الركع السجود } بعده لبيان أركان الصلاة ~~دلالة على عظم شأن هذه العبادة، وقرن الطواف بالصلاة لأنهما لا يشرعان ~~إلا في البيت فالطواف عنده والصلاة إليه. { وأذن في الناس ~~بالحج } قرأ الحسن وابن محيصن " وآذن " بتخفيف الذال والمد. وقرأ ~~الباقون بتشديد الذال، والأذان الإعلام، وقد تقدم في براءة. قال الواحدي ~~قال جماعة المفسرين لما فرغ إبراهيم من بناء البيت جاءه جبريل فأمره أن ~~يؤذن في الناس بالحج، فقال يا رب، من يبلغ ms2520 صوتي؟ فقال الله سبحانه أذن ~~وعلي البلاغ، فعلا المقام فأشرف به حتى صار كأعلى الجبال، فأدخل أصبعيه ~~في أذنيه وأقبل بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا وقال يا أيها الناس، ~~كتب عليكم الحج إلى البيت فأجيبوا ربكم، فأجابه من كان في أصلاب الرجال ~~وأرحام النساء لبيك اللهم لبيك. وقيل إن الخطاب لنبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم. والمعنى أعلمهم يا محمد بوجوب الحج عليهم، وعلى هذا فالخطاب ~~لإبراهيم انتهى عند قوله { والركع السجود } وقيل إن خطابه ~~انقضى عند قوله { وإذ بوأنا لإبرهيم مكان البيت } ~~وأن قوله { أن لا تشرك بى } وما بعده خطاب لنبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وقرأ الجمهور { بالحج } بفتح الحاء، وقرأ ابن أبي إسحاق في ~~كل القرآن بكسرها { يأتوك رجالا } هذا جواب الأمر، وعده الله ~~إجابة الناس له إلى حج البيت ما بين راجل وراكب، فمعنى { رجالا } مشاة، ~~جمع راجل. # وقيل جمع رجل. وقرأ ابن أبي إسحاق " رجالا " بضم الراء وتخفيف الجيم. ~~وقرأ مجاهد " رجالى " على وزن فعالى مثل كسالى. وقدم الرجال على الركبان ~~في الذكر لزيادة تعبهم في المشي، وقال { يأتوك } وإن كانوا يأتون البيت، ~~لأن من أتى الكعبة حاجا فقد أتى إبراهيم، لأنه أجاب نداءه { وعلى ~~كل ضامر } عطف على { رجالا } أي وركبانا على كل بعير. والضامر ~~البعير المهزول الذي أتعبه السفر، يقال ضمر يضمر ضمورا، ووصف الضامر ~~بقوله { يأتين } باعتبار المعنى لأن ضامر في معنى ضوامر، وقرأ أصحاب ~~ابن مسعود وابن أبي عبلة والضحاك " يأتون " على أنه صفة ل { رجالا }. ~~والفج الطريق الواسع، الجمع فجاج، والعميق البعيد. واللام في { ~~ليشهدوا منفع لهم } متعلقة بقوله { ريأتوك } وقيل بقوله { ~~وأذن } والشهود الحضور، والمنافع هي تعم منافع الدنيا والآخرة. وقيل ~~المراد بها المناسك. وقيل المغفرة وقيل التجارة كما في قوله # ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم # البقرة 198. { ويذكروا اسم الله في أيام معلومت ~~} أي يذكروا عند ذبح الهدايا والضحايا اسم الله. وقيل إن هذا الذكر كناية ~~عن الذبح لأنه لا ينفك عنه. والأيام المعلومات هي ms2521 أيام النحر، كما يفيد ~~ذلك قوله { على ما رزقهم من بهيمة الأنعام }. وقيل عشر ~~ذي الحجة. وقد تقدم الكلام في الأيام المعلومات والمعدودات في البقرة ~~فلا نعيده، والكلام في وقت ذبح الأضحية معروف في كتب الفقه وشروح الحديث. ~~ومعنى { على ما رزقهم } على ذبح ما رزقهم من بهيمة الأنعام، وهي الإبل ~~والبقر والغنم، وبهيمة الأنعام هي الأنعام، فالإضافة في هذا كالإضافة في ~~قولهم مسجد الجامع وصلاة الأولى { فكلوا منها } الأمر هنا للندب ~~عند الجمهور، وذهبت طائفة إلى أن الأمر للوجوب، وهذا التفات من الغيبة ~~إلى الخطاب { وأطعموا البائس الفقير } البائس ذو البؤس وهو ~~شدة الفقر، فذكر الفقير بعده لمزيد الإيضاح. والأمر هنا للوجوب. وقيل ~~للندب. { ثم ليقضوا تفثهم } المراد بالقضاء هنا هو التأدية، ~~أي ليؤدوا إزالة وسخهم، لأن التفث هو الوسخ والقذارة من طول الشعر ~~والأظفار، وقد أجمع المفسرون، كما حكاه النيسابوري، على هذا. قال الزجاج ~~إن أهل اللغة لا يعرفون التفث. وقال أبو عبيدة لم يأت في الشرع ما يحتج ~~به في معنى التفث. وقال المبرد أصل التفث في اللغة كل قاذورة تلحق ~~الإنسان. وقيل قضاؤه ادهانه لأن الحاج مغبر شعث لم يدهن ولم يستحد، ~~فإذا قضى نسكه وخرج من إحرامه حلق شعره ولبس ثيابه، فهذا هو قضاء التفث. ~~قال الزجاج كأنه خروج من الإحرام إلى الإحلال { وليوفوا نذورهم ~~} أي ما ينذرون به من البر في حجهم، والأمر للوجوب. وقيل المراد بالنذور ~~هنا أعمال الحج { وليطوفوا بالبيت العتيق } هذا الطواف ~~هو طواف الإفاضة. # قال ابن جرير لا خلاف في ذلك بين المتأولين، والعتيق القديم كما يفيده ~~قوله سبحانه # إن أول بيت وضع للناس # آل عمران 96 الآية، وقد سمي العتيق لأن الله أعتقه من أن يتسلط عليه ~~جبار. وقيل لأن الله يعتق فيه رقاب المذنبين من العذاب. وقيل لأنه أعتق ~~من غرق الطوفان. وقيل العتيق الكريم. وقد أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ~~في قوله { والمسجد الحرام } قال الحرم كله، وهو المسجد الحرام ~~{ سواء العكف فيه والباد } قال ms2522 خلق الله فيه سواء. وأخرج ~~ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~الآية قال هم في منازل مكة سواء، فينبغي لأهل مكة أن يوسعوا لهم حتى ~~يقضوا مناسكهم. وقال البادي وأهل مكة سواء، يعني في المنزل والحرم. وأخرج ~~ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال من أخذ من أجور بيوت مكة إنما يأكل ~~في بطونه نارا. وأخرج ابن سعد عن عمر بن الخطاب، أن رجلا قال له عند ~~المروة يا أمير المؤمنين، أقطعني مكانا لي ولعقبي، فأعرض عنه عمر وقال ~~هو حرم الله، سواء العاكف فيه والباد. وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال ~~كان عمر يمنع أهل مكة أن يجعلوا لها أبوابا حتى ينزل الحاج في عرصات ~~الدور. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه قال السيوطي بإسناد ~~صحيح عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله { ~~سواء العكف فيه والباد } قال # " سواء المقيم والذي يرحل " # وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " مكة مباحة لا تؤجر بيوتها ولا تباع رباعها " # وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجه عن علقمة بن نضلة قال توفي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاح ~~سكن ومن استغنى أسكن. رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عيسى بن ~~يونس عن عمر بن سعيد بن أبي حفرة عن عثمان بن أبي سليمان عن علقمة فذكره. ~~وأخرج الدارقطني عن ابن عمر مرفوعا # " من أكل كراء بيوت مكة أكل نارا " # وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن راهويه وأحمد وعبد بن حميد والبزار ~~وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه عن ابن مسعود رفعه في قوله { ومن يرد فيه ~~بإلحاد بظلم } قال # " لو أن رجلا هم فيه بإلحاد وهو بعدن أبين لأذاقه الله عذابا أليما ms2523 ~~" # قال ابن كثير هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري، ووقفه أشبه من رفعه، ~~ولهذا صمم شعبة على وقفه. # وأخرج سعيد بن منصور والطبراني عن ابن مسعود في الآية قال من هم بخطيئة ~~فلم يعملها في سوى البيت، لم تكتب عليه حتى يعملها، ومن هم بخطيئة في ~~البيت لم يمته الله من الدنيا حتى يذيقه من عذاب أليم. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية في عبد الله بن أنيس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعثه مع رجلين، أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، ~~فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس، فقتل الأنصاري، ثم ارتد عن ~~الإسلام وهرب إلى مكة، فنزلت فيه { ومن يرد فيه بإلحاد ~~بظلم } يعني من لجأ إلى الحرم بإلحاد، يعني بميل عن الإسلام. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله { ومن ~~يرد فيه بإلحاد بظلم } قال بشرك. وأخرج عبد بن حميد، ~~والبخاري في تاريخه، وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن يعلى بن ~~أمية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه " # وأخرج سعيد بن منصور، والبخاري في تاريخه، وابن المنذر عن عمر بن الخطاب ~~قال احتكار الطعام بمكة إلحاد بظلم. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ~~ابن عمر قال بيع الطعام بمكة إلحاد. وأخرج البيهقي في الشعب عنه قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " احتكار الطعام بمكة إلحاد " # وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه عن علي قال لما أمر إبراهيم ببناء البيت ~~خرج معه إسماعيل وهاجر. فلما قدم مكة رأى على رابية في موضع البيت مثل ~~الغمامة فيه مثل الرأس، فكلمه فقال يا إبراهيم، ابن على ظلي أو على ~~قدري ولا تزد ولا تنقص، فلما بنى خرج وخلف إسماعيل وهاجر، وذلك حين يقول ~~الله { وإذ بوأنا لإبرهيم مكان البيت } الآية. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ms2524 عطاء { ~~والقائمين } قال المصلين عنده. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ~~قتادة معناه. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن منيع وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في السنن عن ابن عباس قال ~~لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال رب، قد فرغت، فقال { أذن في ~~الناس بالحج } قال رب، وما يبلغ صوتي؟ قال أذن وعلي البلاغ، قال ~~رب كيف أقول؟ قال قل يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق. ~~فسمعه من في السماء والأرض، ألا ترى أنهم يجيئون من أقصى الأرض يلبون. ~~وفي الباب آثار عن جماعة من الصحابة. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ليشهدوا ~~منفع لهم } قال أسواقا كانت لهم، ما ذكر الله منافع إلا ~~الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة، ~~فأما منافع الآخرة فرضوان الله، وأما منافع الدنيا فمما يصيبون من لحوم ~~البدن في ذلك اليوم والذبائح والتجارات. وأخرج أبو بكر المروزي في كتاب ~~العيدين عنه أيضا قال الأيام المعلومات أيام العشر. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا قال الأيام المعلومات يوم النحر ~~وثلاثة أيام بعده. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال أيام التشريق. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن المنذر عنه أيضا في الأيام المعلومات قال قبل يوم التروية ~~بيوم، ويوم التروية ويوم عرفة. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال البائس ~~الزمن. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن ~~عمر قال التفث المناسك كلها. وأخرج هؤلاء عن ابن عباس نحوه. وأخرج سعيد ~~بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال التفث حلق الرأس والأخذ من العارضين ونتف الإبط وحلق العانة والوقوف ~~بعرفة والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار وقص الأظفار وقص الشارب ~~والذبح. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه { وليطوفوا بالبيت ~~العتيق } هو طواف الزيارة يوم النحر، وورد في ms2525 وجه تسمية البيت ~~بالعتيق آثار عن جماعة من الصحابة، وقد أشرنا إلى ذلك سابقا. وورد في ~~فضل الطواف أحاديث ليس هذا موضع ذكرها. ### || [22.30-35] # محل { ذلك } الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر ذلك، أو مبتدأ ~~خبره محذوف، أو في محل نصب بفعل محذوف، أي افعلوا ذلك. والمشار إليه هو ~~ما سبق من أعمال الحج، وهذا وأمثاله يطلق للفصل بين الكلامين أو بين ~~طرفي كلام واحد، والحرمات جمع حرمة. قال الزجاج الحرمة ما وجب القيام به ~~وحرم التفريط فيه، وهي في هذه الآية ما نهي عنها، ومنع من الوقوع فيها. ~~والظاهر من الآية عموم كل حرمة في الحج وغيره كما يفيده اللفظ وإن كان ~~السبب خاصا، وتعظيمها ترك ملابستها { فهو خير له } أي فالتعظيم ~~خير له { عند ربه } يعني في الآخرة من التهاون بشيء منها. وقيل إن ~~صيغة التفضيل هنا لا يراد بها معناها الحقيقي، بل المراد أن ذلك التعظيم ~~خير ينتفع به، فهي عدة بخير { وأحلت لكم الأنعم } وهي ~~الإبل والبقر والغنم { إلا ما يتلى عليكم } أي في الكتاب ~~العزيز من المحرمات، وهي الميتة وما ذكر معها في سورة المائدة. وقيل في ~~قوله # إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم ~~حرم # المائدة 1. { فاجتنبوا الرجس من الأوثن } الرجس القذر، ~~والوثن التمثال، وأصله من وثن الشيء، أي أقام في مقامه، وسمي الصليب ~~وثنا، لأنه ينصب ويركز في مقامه، فلا يبرح عنه. والمراد اجتناب عبادة ~~الأوثان، وسماها رجسا لأنها سبب الرجس وهو العذاب. وقيل جعلها سبحانه ~~رجسا حكما، والرجس النجس، وليست النجاسة وصفا ذاتيا لها ولكنها وصف ~~شرعي، فلا تزول إلا بالإيمان كما أنها لا تزول النجاسة الحسية إلا ~~بالماء. قال الزجاج " من " هنا لتخليص جنس من أجناس، أي فاجتنبوا الرجس ~~الذي هو وثن { واجتنبوا قول الزور } الذي هو الباطل، وسمي ~~زورا لأنه مائل عن الحق، ومنه قوله تعالى # تزاور عن كهفهم # الكهف 17. وقولهم مدينة زوراء، أي مائلة، والمراد هنا قول الزور على ~~العموم، وأعظمه الشرك بالله بأي لفظ كان. ms2526 وقال الزجاج المراد بقول الزور ~~ها هنا تحليلهم بعض الأنعام وتحريمهم بعضها، وقولهم # هذا حلل وهذا حرام # النحل 116. وقيل المراد به شهادة الزور. وانتصاب { حنفاء } على ~~الحال، أي مستقيمين على الحق، أو مائلين إلى الحق. ولفظ حنفاء من الأضداد ~~يقع على الاستقامة، ويقع على الميل. وقيل معناه حجاجا، ولا وجه لهذا. { ~~غير مشركين به } هو حال كالأول، أي غير مشركين به شيئا من ~~الأشياء كما يفيده الحذف من العموم، وجملة { ومن يشرك بالله ~~فكأنما خر من السماء } مبتدأة مؤكدة لما قبلها من الأمر ~~بالاجتناب. ومعنى خر من السماء سقط إلى الأرض، أي انحط من رفيع الإيمان ~~إلى حضيض الكفر { فتخطفه الطير } ، يقال خطفه إذا سلبه، ومنه ~~قوله # يخطف أبصرهم # البقرة 20. أي تخطف لحمه وتقطعه بمخالبها. قرأ أبو جعفر ونافع بتشديد ~~الطاء وفتح الخاء، وقرىء بكسر الخاء والطاء وبكسر التاء مع كسرهما { أو ~~تهوي به الريح } أي تقذفه وترمي به { في مكان سحيق } أي ~~بعيد، يقال سحق يسحق سحقا فهو سحيق إذا بعد قال الزجاج أعلم الله أن بعد ~~من أشرك به من الحق، كبعد ما خر من السماء، فتذهب به الطير أو هوت به ~~الريح في مكان بعيد. { ذلك ومن يعظم شعئر الله } ~~الكلام في هذه الإشارة قد تقدم قريبا، والشعائر جمع الشعيرة، وهي كل ~~شيء فيه لله تعالى شعار، ومنه شعار القوم في الحرب، وهو علامتهم التي ~~يتعارفون بها، ومنه إشعار البدن، وهو الطعن في جانبها الأيمن، فشعائر ~~الله أعلام دينه، وتدخل الهدايا في الحج دخولا أوليا، والضمير في ~~قوله { فإنها من تقوى القلوب } راجع إلى الشعائر بتقدير ~~مضاف محذوف، أي فإن تعظيمها من تقوى القلوب أي من أفعال القلوب التي هي ~~من التقوى، فإن هذا التعظيم ناشىء من التقوى. { لكم فيها منفع ~~} أي في الشعائر على العموم، أو على الخصوص، وهي البدن كما يدل عليه ~~السياق. ومن منافعها الركوب والدر والنسل والصوف وغير ذلك { إلى ~~أجل مسمى } وهو وقت نحرها { ثم محلها إلى البيت ~~العتيق } أي حيث يحل ms2527 نحرها، والمعنى أنها تنتهي إلى البيت وما يليه ~~من الحرم، فمنافعهم الدنيوية المستفادة منها مستمرة إلى وقت نحرها، ثم ~~تكون منافعها بعد ذلك دينية. وقيل إن محلها ها هنا مأخوذ من إحلال ~~الحرام، والمعنى أن شعائر الحج كلها من الوقوف بعرفة ورمي الجمار والسعي ~~تنتهي إلى طواف الإفاضة بالبيت، فالبيت على هذا مراد بنفسه. { ولكل ~~أمة جعلنا منسكا } المنسك ها هنا المصدر من نسك ينسك إذا ذبح ~~القربان، والذبيحة نسيكة، وجمعها نسك. وقال الأزهري إن المراد بالمنسك في ~~الآية موضع النحر، ويقال منسك بكسر السين وفتحها لغتان، قرأ بالكسر ~~الكوفيون إلا عاصما وقرأ الباقون بالفتح. وقال الفراء المنسك في كلام ~~العرب الموضع المعتاد في خير أو شر، وقال ابن عرفة { ولكل أمة ~~جعلنا منسكا } أي مذهبا من طاعة الله. وروي عن الفراء أن المنسك ~~العيد. وقيل الحج، والأول أولى لقوله { ليذكروا اسم الله } ~~إلى آخره، والأمة الجماعة المجتمعة على مذهب واحد، والمعنى وجعلنا لكل ~~أهل دين من الأديان ذبحا يذبحونه، ودما يريقونه، أو متعبدا أو طاعة أو ~~عيدا أو حجا يحجونه، ليذكروا اسم الله وحده، ويجعلوا نسكهم خاصا به { ~~على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } أي على ذبح ما رزقهم ~~منها. وفيه إشارة إلى أن القربان لا يكون إلا من الأنعام دون غيرها، وفي ~~الآية دليل على أن المقصود من الذبح المذكور هو ذكر اسم الله عليه. # ثم أخبرهم سبحانه بتفرده بالإلهية وأنه لا شريك له، والفاء لترتيب ما ~~بعدها على ما قبلها، ثم أمرهم بالإسلام له، والانقياد لطاعته وعبادته، ~~وتقديم الجار والمجرور على الفعل للقصر، والفاء هنا كالفاء التي قبلها، ~~ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يبشر { المخبتين } من عباده، ~~أي المتواضعين الخاشعين المخلصين، وهو مأخوذ من الخبت، وهو المنخفض من ~~الأرض، والمعنى بشرهم يا محمد بما أعد الله لهم من جزيل ثوابه وجليل ~~عطائه. وقيل إن المخبتين هم الذين لا يظلمون غيرهم، وإذا ظلمهم غيرهم لم ~~ينتصروا. ثم وصف سبحانه هؤلاء المخبتين بقوله { الذين إذا ذكر ms2528 ~~الله وجلت قلوبهم } أي خافت وحذرت مخالفته، وحصول الوجل منهم ~~عند الذكر له سبحانه دليل على كمال يقينهم وقوة إيمانهم، ووصفهم بالصبر ~~{ على ما أصابهم } من البلايا والمحن في طاعة الله ثم وصفهم ~~بإقامة { الصلوة } أي الإتيان بها في أوقاتها على وجه الكمال. قرأ ~~الجمهور { والمقيمي الصلاة } بالجر على ما هو الظاهر، وقرأ أبو عمرو ~~بالنصب على توهم بقاء النون، وأنشد سيبويه على ذلك قول الشاعر # الحافظو عورة العشيرة # البيت بنصب عورة، وقيل لم يقرأ بهذه القراءة أبو عمرو، وقرأ ابن محيصن " ~~والمقيمين " بإثبات النون على الأصل، ورويت هذه القراءة عن ابن مسعود، ثم ~~وصفهم سبحانه بقوله { ومما رزقناهم ينفقون } أي يتصدقون به ~~وينفقونه في وجوه البر، ويضعونه في مواضع الخير، ومثل هذه الآية قوله ~~سبحانه # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم وإذا تليت عليهم ءايته زادتهم ~~إيمنا وعلى ربهم يتوكلون # الأنفال 2. وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { حرمت الله } قال الحرمة مكة ~~والحج والعمرة وما نهى الله عنه من معاصيه كلها. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس في قوله { فاجتنبوا الرجس من الأوثن } يقول ~~اجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان { واجتنبوا قول الزور ~~} يعني الافتراء على الله والتكذيب به. وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير ~~وابن المنذر وابن مردويه عن أيمن بن خريم قال قام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خطيبا فقال # " يا أيها الناس، عدلت شهادة الزور شركا بالله " " # ثلاثا، ثم قرأ { فاجتنبوا الرجس من الأوثن ~~واجتنبوا قول الزور، قال أحمد غريب، إنما نعرفه من حديث ~~سفيان بن زياد. وقد اختلف عنه في رواية هذا الحديث، ولا نعرف لأيمن بن ~~خريم سماعا من النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أخرجه أحمد وعبد بن حميد ~~وأبو داود وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن ~~مردويه، والبيهقي في الشعب من حديث خريم. # وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي بكرة ms2529 قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر " # ثلاثا، قلنا بلى يا رسول الله، قال # " الإشراك بالله، وعقوق الوالدين " # ، وكان متكئا، فجلس فقال # " ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور " # ، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس في قوله { حنفاء لله غير مشركين به } قال ~~حجاجا لله غير مشركين به، وذلك أن الجاهلية كانوا يحجون مشركين، فلما ~~أظهر الله الإسلام، قال الله للمسلمين حجوا الآن غير مشركين بالله. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~في قوله { ومن يعظم شعئر الله } قال البدن. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ومن يعظم ~~شعئر الله } قال الاستسمان والاستحسان والاستعظام، وفي قوله { ~~لكم فيها منفع إلى أجل مسمى } قال إلى أن تسمى ~~بدنا. وأخرج هؤلاء عن مجاهد نحوه، وفيه قال ولكم فيها منافع إلى أجل ~~مسمى، في ظهورها وألبانها وأوبارها وأشعارها وأصوافها إلى أن تسمى هديا، ~~فإذا سميت هديا ذهبت المنافع { ثم محلها } يقول حين تسمى { ~~إلى البيت العتيق }. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ~~قال إذا دخلت الحرم فقد بلغت محلها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله { ولكل أمة جعلنا منسكا } قال عيدا. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في ~~الآية قال إهراق الدماء. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال ذبحا. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال مكة لم يجعل الله لأمة قط ~~منسكا غيرها. وقد وردت أحاديث في الأضحية ليس هذا موضع ذكرها. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ~~وبشر المخبتين } قال المطمئنين. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي ~~شيبة وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في ذم الغضب، وابن المنذر وابن ms2530 أبي ~~حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان عن عمرو بن أوس قال المخبتون في الآية ~~الذين لا يظلمون الناس، وإذا ظلموا لم ينتصروا. ### || [22.36-37] # قرأ ابن أبي إسحاق " والبدن " بضم الباء والدال، وقرأ الباقون ~~بإسكان الدال وهما لغتان، وهذا الاسم خاص بالإبل. وسميت بدنة لأنها تبدن، ~~والبدانة السمن. وقال أبو حنيفة ومالك إنه يطلق على غير الإبل، والأول ~~أولى لما سيأتي من الأوصاف التي هي ظاهرة في الإبل، ولما تفيده كتب اللغة ~~من اختصاص هذا الاسم بالإبل. وقال ابن كثير في تفسيره واختلفوا في صحة ~~إطلاق البدنة على البقرة على قولين أصحهما أنه يطلق عليها ذلك شرعا كما ~~صح في الحديث { جعلنها لكم } وهي ما تقدم بيانه قريبا { ~~لكم فيها خير } أي منافع دينية ودنيوية كما تقدم { فاذكروا ~~اسم الله عليها } أي على نحرها ومعنى { صواف } أنها قائمة ~~قد صفت قوائمها، لأنها تنحر قائمة معقولة. وأصل هذا الوصف في الخيل يقال ~~صفن الفرس فهو صافن إذا قام على ثلاث قوائم وثنى الرابعة. وقرأ الحسن ~~والأعرج ومجاهد وزيد بن أسلم وأبو موسى الأشعري " صوافي " أي خوالص لله ~~لا تشركون به في التسمية على نحرها أحدا، وواحد صواف صافة، وهي قراءة ~~الجمهور. وواحد صوافي صافية، وقرأ ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبو ~~جعفر ومحمد بن علي " صوافن " بالنون جمع صافنة. والصافنة هي التي قد رفعت ~~إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب، ومنه قوله تعالى # الصفنت الجياد # ص 31، ومنه قول عمرو بن كلثوم # تركنا الخيل عاكفة عليه مقلدة أعنتها صفونا # وقال الآخر # ألف الصفون فما يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا # { فإذا وجبت جنوبها } الوجوب السقوط،أي فإذا سقطت بعد نحرها، ~~وذلك عند خروج روحها { فكلوا منها } ذهب الجمهور أن هذا الأمر ~~للندب { وأطعموا القنع والمعتر } هذا الأمر قيل هو ~~للندب كالأول، وبه قال مجاهد والنخعي وابن جرير وابن سريج. وقال الشافعي ~~وجماعة هو للوجوب. واختلف في القانع من هو؟ فقيل هو السائل، يقال قنع ~~الرجل بفتح النون يقنع بكسرها إذا سأل، ومنه قول ms2531 الشماخ # لمال المرء يصلحه فيغني مفاقره أعف من القنوع # أي السؤال، وقيل هو المتعفف عن السؤال المستغني ببلغة، ذكر معناه ~~الخليل. قال ابن السكيت من العرب من ذكر القنوع بمعنى القناعة، وهي الرضا ~~والتعفف وترك المسألة. وبالأول قال زيد بن أسلم وابنه وسعيد بن جبير ~~والحسن، وروي عن ابن عباس. وبالثاني قال عكرمة وقتادة. وأما المعتر، ~~فقال محمد بن كعب القرظي ومجاهد وإبراهيم والكلبي والحسن أنه الذي يتعرض ~~من غير سؤال. وقيل هو الذي يعتريك ويسألك. وقال مالك أحسن ما سمعت أن ~~القانع الفقير، والمعتر الزائر. وروي عن ابن عباس أن كليهما الذي لا ~~يسأل، ولكن القانع الذي يرضى بما عنده ولا يسأل، والمعتر الذي يتعرض لك ~~ولا يسألك. # وقرأ الحسن " والمعترى " ومعناه كمعنى المعتر ومنه قول زهير # على مكثريهم رزق من يعتريهم وعند المقلين السماحة والبذل # يقال اعتره واعتراه وعره وعراه إذا تعرض لما عنده أو طلبه، ذكره ~~النحاس { كذلك سخرنها لكم } أي مثل ذلك التسخير البديع ~~سخرناها لكم، فصارت تنقاد لكم إلى مواضع نحرها فتنحرونها. وتنتفعون بها ~~بعد أن كانت مسخرة للحمل عليها والركوب على ظهرها والحلب لها ونحو ذلك { ~~لعلكم تشكرون } هذه النعمة التي أنعم الله بها عليكم. { لن ~~ينال الله لحومها ولا دماؤها } أي لن يصعد إليه ولا يبلغ ~~رضاه ولا يقع موقع القبول منه لحوم هذه الإبل التي تتصدقون بها ولا ~~دماؤها التي تنصب عند نحرها من حيث إنها لحوم ودماء { ولكن ~~يناله } أي يبلغ إليه تقوى قلوبكم، ويصل إليه إخلاصكم له وإرادتكم ~~بذلك وجهه، فإن ذلك هو الذي يقبله الله ويجازي عليه. وقيل المراد أصحاب ~~اللحوم والدماء، أي لن يرضى المضحون والمتقربون إلى ربهم باللحوم ~~والدماء، ولكن بالتقوى. قال الزجاج أعلم الله أن الذي يصل إليه تقواه ~~وطاعته فيما يأمر به، وحقيقة معنى هذا الكلام تعود إلى القبول، وذلك أن ~~ما يقبله الإنسان يقال قد ناله ووصل إليه، فخاطب الله الخلق كعادتهم في ~~مخاطبتهم { كذلك سخرها لكم } كرر هذا للتذكير، ومعنى { ~~لتكبروا الله على ms2532 ما هداكم } هو قول الناحر الله أكبر ~~عند النحر، فذكر في الآية الأولى الأمر بذكر اسم الله عليها. وذكر هنا ~~التكبير. للدلالة على مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير. وقيل المراد ~~بالتكبير وصفه سبحانه بما يدل على الكبرياء، ومعنى { على ما ~~هداكم } على ما أرشدكم إليه من علمكم بكيفية التقرب بها، و " ما " ~~مصدرية، أو موصولة { وبشر المحسنين } قيل المراد بهم المخلصون. ~~وقيل الموحدون. والظاهر أن المراد بهم كل من يصدر منه من الخير ما يصح به ~~إطلاق اسم المحسن عليه. وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عبد الله بن ~~عمر قال لا نعلم البدن إلا من الإبل والبقر. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال ~~البدن ذات الجوف. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد قال ليس البدن إلا من الإبل. وأخرجوا عن الحكم نحوه. وأخرجوا عن ~~عطاء نحو ما قال ابن عمر. وأخرج ابن أبي شيبة عن، سعيد بن المسيب نحوه. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن نحوه أيضا. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد عن يعقوب الرباحي عن أبيه قال أوصى إلي رجل، وأوصى ببدنة، فأتيت ~~ابن عباس فقلت له إن رجلا أوصى إلي وأوصى ببدنة، فهل تجزىء عني بقرة؟ ~~قال نعم، ثم قال ممن صاحبكم؟ فقلت من بني رباح، فقال ومتى اقتنى بنو رباح ~~البقر إلى الإبل؟ وهم صاحبكم، إنما البقر للأسد وعبد القيس. # وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في الأضاحي، وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن أبي ظبيان قال سألت ابن عباس ~~عن قوله { فاذكروا اسم الله عليها صواف } قال إذا أردت ~~أن تنحر البدنة فأقمها على ثلاث قوائم معقولة، ثم قل بسم الله والله ~~أكبر. وأخرج الفريابي وأبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله { صواف } ~~قال قياما معقولة، وفي الصحيحين وغيرهما عنه أنه رأى رجلا ms2533 قد أناخ ~~بدنته وهو ينحرها، فقال ابعثها قياما مقيدة سنة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وأخرج أبو عبيدة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ميمون بن مهران قال ~~في قراءة ابن مسعود " صوافن " يعني قياما. وأخرج ابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس { فإذا وجبت } قال سقطت على جنبها. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عنه قال نحرت. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال { القنع ~~} المتعفف { والمعتر } السائل. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال ~~القانع الذي يقنع بما آتيته. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال القانع ~~الذي يقنع بما أوتي، والمعتر الذي يعترض. وأخرج عنه أيضا قال القانع ~~الذي يجلس في بيته. وأخرج عبد بن حميد، والبيهقي في سننه عنه، أنه سئل عن ~~هذه الآية، فقال أما القانع فالقانع بما أرسلت إليه في بيته، والمعتر ~~الذي يعتريك. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا قال القانع الذي يسأل، والمعتر ~~الذي يتعرض، ولا يسأل. وقد روي عن التابعين في تفسير هذه الآية أقوال ~~مختلفة، والمرجع المعنى اللغوي لا سيما مع الاختلاف بين الصحابة ومن ~~بعدهم في تفسير ذلك. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال كان ~~المشركون إذا ذبحوا استقبلوا الكعبة بالدماء فينضحون بها نحو الكعبة، ~~فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فأنزل الله { لن ينال الله ~~لحومها ولا دماؤها }. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج نحوه. ### || [22.38-41] # قرأ أبو عمرو وابن كثير " يدفع " وقرأ الباقون { يدافع } وصيغة المفاعلة ~~هنا مجردة عن معناها الأصلي، وهو وقوع الفعل من الجانبين كما تدل عليه ~~القراءة الأخرى. وقد ترد هذه الصيغة ولا يراد بها معناها الأصلي كثيرا ~~مثل عاقبت اللص ونحو ذلك، وقد قدمنا تحقيقه. وقيل إن إيراد هذه الصيغة ~~هنا للمبالغة. وقيل للدلالة على تكرر الواقع. والمعنى يدافع عن المؤمنين ~~غوائل المشركين. وقيل يعلي حجتهم. وقيل يوفقهم. والجملة مستأنفة لبيان ~~هذه المزية الحاصلة للمؤمنين من رب العالمين، وأنه المتولي للمدافعة ~~عنهم، وجملة { إن الله لا يحب كل خوان كفور ms2534 } ~~مقررة لمضمون الجملة الأولى، فإن المدافعة من الله لهم عن عباده ~~المؤمنين مشعرة أتم إشعار بأنهم مبغضون إلى الله غير محبوبين له. قال ~~الزجاج من ذكر غير اسم الله وتقرب إلى الأصنام بذبيحته فهو خوان كفور، ~~وإيراد صيغتي المبالغة للدلالة على أنهم كذلك في الواقع لا لإخراج من خان ~~دون خيانتهم، أو كفر دون كفرهم. { أذن للذين يقتلون ~~بأنهم ظلموا } قرىء " أذن " مبنيا للفاعل ومبنيا للمفعول ~~وكذلك " يقاتلون " ، قرىء مبنيا للفاعل ومبنيا للمفعول، وعلى كلا ~~القراءتين فالإذن من الله سبحانه لعباده المؤمنين بأنهم إذا صلحوا ~~للقتال، أو قاتلهم المشركون قاتلوهم. قال المفسرون كان مشركو مكة يؤذون ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بألسنتهم وأيديهم، فيشكون ذلك إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول لهم # " اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر " # ، فأنزل الله سبحانه هذه الآية بالمدينة، وهي أول آية نزلت في القتال. ~~وهذه الآية مقررة أيضا لمضمون قوله { إن الله يدافع } فإن ~~إباحة القتال لهم هي من جملة دفع الله عنهم، والباء في { بأنهم ~~ظلموا } للسببية، أي بسبب أنهم ظلموا بما كان يقع عليهم من المشركين ~~من سب وضرب وطرد. ثم وعدهم سبحانه النصر على المشركين، فقال { وإن ~~الله على نصرهم لقدير } وفيه تأكيد لما مر من المدافعة ~~أيضا. ثم وصف هؤلاء المؤمنين بقوله { الذين أخرجوا من ~~ديرهم بغير حق } ويجوز أن يكون بدلا من الذين يقاتلون، أو ~~في محل نصب على المدح، أو محل رفع بإضمار مبتدأ، والمراد بالديار مكة { ~~إلا أن يقولوا ربنا الله } قال سيبويه هو استثناء منقطع، ~~أي لكن لقولهم ربنا الله أي أخرجوا بغير حق يوجب إخراجهم لكن لقولهم ربنا ~~الله. وقال الفراء والزجاج هو استثناء متصل، والتقدير الذين أخرجوا من ~~ديارهم بلا حق إلا بأن يقولوا ربنا الله، فيكون مثل قوله سبحانه # هل تنقمون منا إلا آمنا بالله # المائدة 59 وقول النابغة # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب # { ولولا دفع الله الناس } قرأ نافع " ولولا دفاع ms2535 " وقرأ ~~الباقون { ولولا دفع } والمعنى لولا ما شرعه الله للأنبياء والمؤمنين من ~~قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك، وذهبت مواضع العبادة من الأرض، ومعنى { ~~لهدمت } لخربت باستيلاء أهل الشرك على أهل الملل. فالصوامع هي ~~صوامع الرهبان. وقيل صوامع الصابئين، والبيع جمع بيعة، وهي كنيسة ~~النصارى، والصلوات هي كنائس اليهود، واسمها بالعبرانية صلوثا بالمثلثة ~~فعربت، والمساجد هي مساجد المسلمين، وقيل المعنى لولا هذا الدفع لهدمت ~~في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد ~~المساجد. قال ابن عطية هذا أصوب ما قيل في تأويل الآية. وقيل المعنى ~~ولولا دفع الله ظلم الظلمة بعدل الولاة. وقيل لولا دفع الله العذاب بدعاء ~~الأخيار. وقيل غير ذلك. والصوامع جمع صومعة، وهي بناء مرتفع، يقال صمع ~~الثريدة إذا رفع رأسها، ورجل أصمع القلب، أي حاد الفطنة، والأصمع من ~~الرجال الحديد القول. وقيل الصغير الأذن. ثم استعمل في المواضع التي يؤذن ~~عليها في الإسلام، وقد ذكر ابن عطية في { صلوات } تسع قراءات، ووجه تقديم ~~مواضع عبادات أهل الملل على موضع عبادة المسلمين كونها أقدم بناء وأسبق ~~وجودا. والظاهر من الهدم المذكور معناه الحقيقي كما ذكره الزجاج وغيره. ~~وقيل المراد به المعنى المجازي، وهو تعطلها من العبادة، وقرىء { لهدمت } ~~بالتشديد، وانتصاب { كثيرا } في قوله { يذكر فيها اسم الله ~~كثيرا } على أنه صفة لمصدر محذوف أي ذكرا كثيرا، أو وقتا كثيرا، ~~والجملة صفة للمساجد وقيل لجميع المذكورات. { ولينصرن الله من ~~ينصره } اللام هي جواب لقسم محذوف، أي والله لينصر الله من ينصره، ~~والمراد بمن ينصر الله من ينصر دينه وأولياءه. والقوي القادر على الشيء، ~~والعزيز الجليل الشريف قاله الزجاج. وقيل الممتنع الذي لا يرام ولا يدافع ~~ولا يمانع، والموصول في قوله { الذين إن مكنهم في ~~الأرض } في موضع نصب صفة لمن في قوله { من ينصره } قاله الزجاج وقال ~~غيره هو في موضع جر صفة لقوله { للذين يقاتلون }. وقيل المراد بهم ~~المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان. وقيل أهل الصلوات الخمس. وقيل ~~ولاة العدل. وقيل غير ذلك، وفيه ms2536 إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~على من مكنه الله في الأرض وأقدره على القيام بذلك، وقد تقدم تفسير ~~الآية، ومعنى { ولله عقبة الأمور } أن مرجعها إلى حكمه ~~وتدبيره دون غيره. وقد أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد، والترمذي ~~وحسنه، والنسائي وابن ماجه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وابن حبان والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل ~~عن ابن عباس قال لما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر ~~أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن القوم، فنزلت { ~~أذن للذين يقتلون بأنهم ظلموا } الآية. # قال ابن عباس وهي أول آية نزلت في القتال. قال الترمذي حسن، وقد رواه ~~غير واحد عن الثوري، وليس فيه ابن عباس. انتهى. وقد روي نحو هذا عن جماعة ~~من التابعين. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال { ~~الذين أخرجوا من ديرهم } أي من مكة إلى المدينة بغير حق، ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه عن عثمان بن عفان قال فينا نزلت هذه الآية { الذين ~~أخرجوا من ديرهم بغير حق } والآية بعدها، أخرجنا من ~~ديارنا بغير حق، ثم مكناهم في الأرض أقمنا الصلاة وآتينا الزكاة وأمرنا ~~بالمعروف ونهينا عن المنكر فهي لي ولأصحابي. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال إنما أنزلت هذه الآية ~~في أصحاب محمد { ولولا دفع الله الناس } الآية قال لولا دفع ~~الله بأصحاب محمد عن التابعين لهدمت صوامع. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله { لهدمت صومع } الآية قال الصوامع ~~التي تكون فيها الرهبان، والبيع مساجد اليهود وصلوات كنائس النصارى، ~~والمساجد مساجد المسلمين. وأخرجا عنه قال البيع بيع النصارى، وصلوات ~~كنائس اليهود. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن ~~أسلم في قوله { الذين إن مكنهم في الأرض } قال أرض ~~المدينة ms2537 { الذين إن } قال المكتوبة { وإذ أخذنا } قال ~~المفروضة { وأمروا بالمعروف } قال بلا إله إلا الله { ~~ونهوا عن المنكر } قال عن الشرك بالله { ولله ~~عقبة الأمور } قال وعند الله ثواب ما صنعوا. ### || [22.42-51] # قوله { وإن يكذبوك } إلخ هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتعزية له متضمنة للوعد له بإهلاك المكذبين له كما أهلك سبحانه ~~المكذبين لمن كان قبله. وفيه إرشاد له صلى الله عليه وسلم إلى الصبر على ~~قومه والاقتداء بمن قبله من الأنبياء في ذلك، وقد تقدم ذكر هذه الأمم ~~وما كان منهم ومن أنبيائهم وكيف كانت عاقبتهم. وإنما غير النظم في قوله { ~~وكذب موسى } فجاء بالفعل مبنيا للمفعول لأن قوم موسى لم يكذبوه ~~وإنما كذبه غيرهم من القبط { فأمليت للكفرين } أي أخرت ~~عنهم العقوبة وأمهلتهم والفاء لترتيب الإمهال على التكذيب { ثم ~~أخذتهم } أي أخذت كل فريق من المكذبين بالعذاب بعد انقضاء مدة ~~الإمهال { فكيف كان نكير } هذا الاستفهام للتقرير، أي فانظر كيف ~~كان إنكاري عليهم وتغيير ما كانوا فيه من النعم وإهلاكهم، والنكير اسم من ~~الإنكار. قال الزجاج أي ثم أخذتهم فأنكرت أبلغ إنكار. قال الجوهري النكير ~~والإنكار تغيير المنكر. ثم ذكر سبحانه كيف عذب أهل القرى المكذبة فقال { ~~وكأين من قرية أهلكنها } أي أهلكنا أهلها، وقد تقدم ~~الكلام على هذا التركيب في آل عمران، وقرىء " أهلكتها " ، وجملة { وهي ~~ظلمة } حالية، وجملة { فهي خاوية } عطف على { أهلكناها } ، ~~لا على { ظالمة } لأنها حالية، والعذاب ليس في حال الظلم، والمراد بنسبة ~~الظلم إليها نسبته إلى أهلها. والخواء بمعنى السقوط فهي ساقطة { على ~~عروشها } أي على سقوفها، وذلك بسبب تعطل سكانها حتى تهدمت فسقطت ~~حيطانها فوق سقوفها، وقد تقدم تفسير هذه الآية في البقرة { وبئر ~~معطلة } معطوف على قرية، والمعنى وكم من أهل قرية، ومن أهل بئر ~~معطلة، هكذا قال الزجاج. وقال الفراء إنه معطوف على عروشها. والمراد ~~بالمعطلة المتروكة، وقيل الخالية عن أهلها لهلاكهم. وقيل الغائرة. وقيل ~~معطلة من الدلاء والأرشية، والقصر المشيد هو المرفوع البنيان، كذا قال ~~قتادة ms2538 والضحاك، ويدل عليه قول عدي بن زيد # شاده مرمرا وجلله كل سا فللطير في ذراه وكور # شاده أي رفعه. وقال سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومجاهد المراد بالمشيد ~~المجصص، مأخوذ من الشيد، وهو الجص، ومنه قول الراجز # لا تحسبني وإن كنت أمرأ غمرا كحية الماء بين الطين والشيد # وقيل المشيد الحصين قاله الكلبي. قال الجوهري المشيد المعمول بالشيد، ~~والشيد بالكسر كل شيء طليت به الحائط من جص أو بلاط، وبالفتح المصدر، ~~تقول شاده يشيده جصصه، والمشيد بالتشديد المطول. قال الكسائي المشيد ~~للواحد من قوله تعالى { وقصر مشيد } والمشيد للجمع، من قوله تعالى # فى بروج مشيدة # النساء 78 والمعنى المعني وكم من قصر مشيد معطل مثل البئر المعطلة؟ ~~ومعنى التعطيل في القصر هو أنه معطل من أهله، أو من آلاته، أو نحو ذلك. # قال القرطبي في تفسيره ويقال إن هذه البئر والقصر بحضر موت معروفان، ~~فالقصر مشرف على قلة جبل لا يرتقى إليه بحال، والبئر في سفحه لا تقر ~~الريح شيئا سقط فيها إلا أخرجته، وأصحاب القصر ملوك الحضر، وأصحاب البئر ~~ملوك البدو. حكى الثعلبي وغيره أن البئر كان بعدن من اليمن في بلد يقال ~~لها حضوراء، نزل بها أربعة آلاف ممن آمن بصالح ونجوا من العذاب ومعهم ~~صالح فمات صالح، فسمي المكان حضر موت لأن صالحا لما حضره مات فبنوا ~~حضوراء وقعدوا على هذه البئر وأمروا عليهم رجلا، ثم ذكر قصة طويلة، وقال ~~بعد ذلك وأما القصر المشيد فقصر بناه شداد بن عاد بن إرم، لم يبن في ~~الأرض مثله فيما ذكروا وزعموا، وحاله أيضا كحال هذه البئر المذكورة في ~~إيحاشه بعد الأنس، وإقفاره بعد العمران، وإن أحدا لا يستطيع أن يدنو منه ~~على أميال، لما يسمع فيه من عزيف الجن والأصوات المنكرة بعد النعيم ~~والعيش الرغد وبهاء الملك، وانتظام الأهل كالسلك فبادوا وما عادوا، ~~فذكرهم الله سبحانه في هذه الآية موعظة وعبرة. قال وقيل إنهم الذين ~~أهلكهم بختنصر على ما تقدم في سورة الأنبياء في قوله # وكم قصمنا من ms2539 قرية # الأنبياء 11. فتعطلت بئرهم وخربت قصورهم. انتهى. ثم أنكر سبحانه على أهل ~~مكة عدم اعتبارهم بهذه الآثار قائلا { أفلم يسيروا في الأرض ~~} حثا لهم على السفر ليروا مصارع تلك الأمم فيعتبروا، ويحتمل أن يكونوا ~~قد سافروا ولم يعتبروا، فلهذا أنكر عليهم، كما في قوله # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # الصافات 137، 138. ومعنى { فتكون لهم قلوب يعقلون بها ~~} أنهم بسبب ما شاهدوا من العبر تكون لهم قلوب يعقلون بها ما يجب أن ~~يتعقلوه وأسند التعقل إلى القلوب لأنها محل العقل. كما أن الآذان محل ~~السمع. وقيل إن العقل محله الدماغ ولا مانع من ذلك، فإن القلب هو الذي ~~يبعث على إدراك العقل وإن كان محله خارجا عنه. وقد اختلف علماء المعقول ~~في محل العقل وماهيته اختلافا كثيرا لا حاجة إلى التطويل بذكره { أو ~~آذان يسمعون بها } أي ما يجب أن يسمعوه مما تلاه عليهم أنبياؤهم من كلام ~~الله، وما نقله أهل الأخبار إليهم من أخبار الأمم المهلكة { فإنها ~~لا تعمى الأبصر } قال الفراء الهاء عماد يجوز أن يقال فإنه، ~~وهي قراءة عبد الله بن مسعود، والمعنى واحد، التذكير على الخبر، والتأنيث ~~على الأبصار أو القصة، أي فإن الأبصار لا تعمى، أو فإن القصة { لا تعمي ~~الأبصار } أي أبصار العيون { ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور } أي ليس الخلل في مشاعرهم، وإنما هو في عقولهم أي لا تدرك ~~عقولهم مواطن الحق ومواضع الاعتبار. # قال الفراء والزجاج إن قوله { التي في الصدور } من التوكيد الذي تزيده ~~العرب في الكلام كقوله # عشرة كاملة # البقرة 196، # يقولون بأفواههم # المائدة 41، # يطير بجناحيه # الأنعام 38. ثم حكى سبحانه عن هؤلاء ما كانوا عليه من التكذيب ~~والاستهزاء فقال { ويستعجلونك بالعذاب } لأنهم كانوا ~~منكرين لمجيئه أشد إنكار، فاستعجالهم له، هو على طريقة الاستهزاء ~~والسخرية، وكأنهم كانوا يقولون ذلك عند سماعهم لما تقوله الأنبياء عن ~~الله سبحانه من الوعد منه عز وجل بوقوعه عليهم وحلوله بهم، ولهذا قال { ~~ولن يخلف الله وعده } قال الفراء في هذه الآية وعيد لهم ~~بالعذاب في ms2540 الدنيا والآخرة. وذكر الزجاج وجها آخر فقال أعلم أن الله لا ~~يفوته شيء، وإن يوما عنده وألف سنة في قدرته واحد، ولا فرق بين وقوع ما ~~يستعجلون به من العذاب وتأخره في القدرة، إلا أن الله تفضل بالإمهال ~~انتهى. ومحل جملة { ولن يخلف الله وعده } النصب على الحال، أي والحال أنه ~~لا يخلف وعده أبدا، وقد سبق الوعد فلا بد من مجيئه حتما، أو هي ~~اعتراضية مبينة لما قبلها، وعلى الأول تكون جملة { وإن يوما ~~عند ربك كألف سنة مما تعدون } مستأنفة، وعلى الثاني ~~تكون معطوفة على الجملة التي قبلها مسوقة لبيان حالهم في الاستعجال، ~~وخطابهم في ذلك ببيان كمال حلمه، لكون المدة القصيرة عنده كالمدة الطويلة ~~عندهم كما في قوله # إنهم يرونه بعيدا * ونراه قريبا # المعارج 6، 7. قال الفراء هذا وعيد لهم بامتداد عذابهم في الآخرة أي ~~يوم من أيام عذابهم في الآخرة كألف سنة. وقيل المعنى وإن يوما من الخوف ~~والشدة في الآخرة كألف سنة من سني الدنيا فيها خوف وشدة، وكذلك يوم ~~النعيم قياسا. قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي " مما يعدون " بالتحتية، ~~واختار هذه القراءة أبو عبيد لقوله { ويستعجلونك } وقرأ الباقون ~~بالفوقية على الخطاب، واختارها أبو حاتم. { وكأين من قرية ~~أمليت لها وهي ظلمة ثم أخذتها وإلي ~~المصير } هذا إعلام منه سبحانه أنه أخذ قوما بعد الإملاء والتأخير. ~~قيل وتكرير هذا مع ذكره قبله للتأكيد، وليس بتكرار في الحقيقة لأن الأول ~~سيق لبيان الإهلاك مناسبا لقوله { فكيف كان نكير } ولهذا عطف ~~بالفاء بدلا عن ذلك والثاني سيق لبيان الإملاء مناسبا لقوله { ولن ~~يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة ~~} فكأنه قيل وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أمهلتهم حينا، ثم ~~أخذتهم بالعذاب، ومرجع الكل إلى حكمي. فجملة { وإلي المصير } تذييل ~~لتقرير ما قبلها. ثم أمره الله سبحانه أن يخبر الناس بأنه نذير لهم بين ~~يدي الساعة مبين لهم ما نزل إليهم، فمن آمن وعمل صالحا فاز بالمغفرة ~~والرزق الكريم وهو الجنة، ومن كان على ms2541 خلاف ذلك فهو في النار، وهم { ~~الذين سعوا في آيات الله معاجزين } يقال عاجزه سابقه، لأن كل واحد منهما ~~في طلب إعجاز الآخر، فإذا سبقه قيل أعجزه وعجزه، قاله الأخفش. # وقيل معنى { معاجزين } ظانين ومقدرين أن يعجزوا الله سبحانه ويفوتوه ~~فلا يعذبهم، قاله الزجاج وقيل معاندين، قاله الفراء. وقد أخرج عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة في قوله { فهي خاوية ~~على عروشها } قال خربة ليس فيها أحد { وبئر معطلة } ~~عطلها أهلها وتركوها { وقصر مشيد } قال شيدوه وحصنوه فهلكوا ~~وتركوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { وبئر معطلة ~~} قال التي تركت لا أهل لها. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه { وقصر مشيد } قال هو المجصص. وأخرج عبد بن حميد عن ~~مجاهد نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن عطاء نحوه أيضا. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } قال ~~من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض. وأخرج ابن المنذر ~~عن عكرمة، قال في الآية هو يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال ~~الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة، فقد مضى منها ستة آلاف. وأخرج ~~ابن عدي والديلمي عن أنس مرفوعا نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~{ معجزين } قال مراغمين. وأخرج ابن جرير عنه أنه قال مشاقين. ### || [22.52-57] # قوله { من رسول ولا نبي } قيل الرسول الذي أرسل إلى الخلق ~~بإرسال جبريل إليه عيانا ومحاورته شفاها، والنبي الذي تكون نبوته ~~إلهاما أو مناما. وقيل الرسول من بعث بشرع وأمر بتبليغه، والنبي من ~~أمر أن يدعو إلى شريعة من قبله، ولم ينزل عليه كتاب، ولا بد لهما جميعا ~~من المعجزة الظاهرة { إلا إذا تمنى ألقى الشيطن في ~~أمنيته } معنى تمنى تشهى وهيأ في نفسه ما يهواه. قال الواحدي وقال ~~المفسرون معنى تمنى تلا. قال جماعة المفسرين في سبب نزول هذه ms2542 الآية أنه ~~صلى الله عليه وسلم لما شق عليه إعراض قومه عنه تمنى في نفسه أن لا ~~ينزل عليه شيء ينفرهم عنه لحرصه على إيمانهم، فكان ذات يوم جالسا في ~~ناد من أنديتهم وقد نزل عليه سورة # والنجم إذا هوى # النجم 1. فأخذ يقرؤها عليهم حتى بلغ قوله # أفرءيتم اللت والعزى * ومنوة الثالثة ~~الأخرى # النجم 19، 20. وكان ذلك التمني في نفسه، فجرى على لسانه مما ألقاه ~~الشيطان عليه تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتها لترتجى، فلما سمعت قريش ~~ذلك فرحوا ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته حتى ختم السورة، ~~فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي من المسلمين والمشركين، ~~فتفرقت قريش مسرورين بذلك وقالوا قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، فأتاه ~~جبريل فقال ما صنعت؟ تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، فحزن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وخاف خوفا شديدا، فأنزل الله هذه الآية، هكذا ~~قالوا. ولم يصح شيء من هذا، ولا ثبت بوجه من الوجوه، ومع عدم صحته بل ~~بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه، قال الله # ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ~~باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين # الحاقة 44، 46. وقوله # وما ينطق عن الهوى # النجم 3. وقوله # ولولا أن ثبتنك لقد كدت تركن إليهم # الإسراء 74. فنفى المقاربة للركون فضلا عن الركون. قال البزار هذا حديث ~~لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل. وقال البيهقي ~~هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون ~~فيهم. وقال إمام الأئمة ابن خزيمة إن هذه القصة من وضع الزنادقة. قال ~~القاضي عياض في الشفاء إن الأمة أجمعت فيما طريقه البلاغ أنه معصوم فيه ~~من الإخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه، لا قصدا ولا عمدا ولا سهوا ولا ~~غلطا. قال ابن كثير قد ذكر كثير من المفسرين ها هنا قصة الغرانيق، وما ~~كان من رجوع كثير من المهاجرين إلى أرض الحبشة ظنا منهم أن مشركي ms2543 قريش ~~قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح. # وإذا تقرر لك بطلان ذلك عرفت أن معنى { تمنى } قرأ وتلا، كما ~~قدمنا من حكاية الواحدي لذلك عن المفسرين. وكذا قال البغوي إن أكثر ~~المفسرين قالوا معنى { تمنى } تلا وقرأ كتاب الله، ومعنى { ألقى ~~الشيطن في أمنيته } أي في تلاوته وقراءته. قال ابن جرير ~~هذا القول أشبه بتأويل الكلام، ويؤيد هذا ما تقدم في تفسير قوله # لا يعلمون الكتب إلا أمانى # البقرة 78. وقيل معنى { تمنى } حدث، ومعنى { ألقى ~~الشيطن في أمنيته } في حديثه، روي هذا عن ابن عباس، وقيل ~~معنى { تمنى } قال. فحاصل معنى الآية أن الشيطان أوقع في مسامع ~~المشركين ذلك من دون أن يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا جرى ~~على لسانه، فتكون هذه الآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي لا ~~يهولنك ذلك ولا يحزنك، فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء، ~~وعلى تقدير أن معنى { تمنى } حدث نفسه كما حكاه الفراء والكسائي فإنهما ~~قالا تمنى إذا حدث نفسه، فالمعنى أنه إذا حدث نفسه بشيء تكلم به ~~الشيطان وألقاه في مسامع الناس من دون أن يتكلم به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا جرى على لسانه. قال ابن عطية لا خلاف أن إلقاء الشيطان ~~إنما هو لألفاظ مسموعة وقعت بها الفتنة. وقد قيل في تأويل الآية إن ~~المراد بالغرانيق الملائكة، ويرد بقوله { فينسخ الله ما يلقي ~~الشيطن } أي يبطله، وشفاعة الملائكة غير باطلة وقيل إن ذلك جرى ~~على لسانه صلى الله عليه وسلم سهوا ونسيانا وهما مجوزان على الأنبياء، ~~ويرد بأن السهو والنسيان فيما طريقه البلاغ غير جائز كما هو مقرر في ~~مواطنه، ثم لما سلاه الله سبحانه بهذه التسلية وأنها قد وقعت لمن قبله من ~~الرسل والأنبياء بين سبحانه أنه يبطل ذلك ولا يثبته ولا يستمر تغرير ~~الشيطان به فقال { فينسخ الله ما يلقى الشيطن } أي ~~يبطله ويجعله ذاهبا غير ثابت { ثم يحكم الله ms2544 ءايته } أي ~~يثبتها { والله عليم حكيم } أي كثير العلم والحكمة في كل ~~أقواله وأفعاله. وجملة { ليجعل ما يلقي الشيطن فتنة ~~} للتعليل، أي ذلك الإلقاء الذي يلقيه الشيطان فتنة، أي ضلالة { ~~للذين في قلوبهم مرض } أي شك ونفاق { والقاسية ~~قلوبهم } هم المشركون، فإن قلوبهم لا تلين للحق أبدا ولا ترجع إلى ~~الصواب بحال، ثم سجل سبحانه على هاتين الطائفتين وهما من في قلبه مرض، ~~ومن في قلبه قسوة بأنهم ظالمون فقال { وإن الظلمين لفى ~~شقاق بعيد } أي عداوة شديدة، ووصف الشقاق بالبعد مبالغة، والموصوف ~~به في الحقيقة من قام به. # ولما بين سبحانه أن ذلك الإلقاء كان فتنة في حق أهل النفاق والشك ~~والشرك بين أنه في حق المؤمنين العالمين بالله العارفين به سبب لحصول ~~العلم لهم بأن القرآن حق وصدق فقال { وليعلم الذين أوتوا ~~العلم أنه الحق من ربك } أي الحق النازل من عنده. وقيل ~~إن الضمير في { أنه } راجع إلى تمكين الشيطان من الإلقاء، لأنه مما جرت ~~به عادته مع أنبيائه، ولكنه يرد هذا قوله { فيؤمنوا به } فإن ~~المراد الإيمان بالقرآن، أي يثبتوا على الإيمان به { فتخبت له ~~قلوبهم } أي تخشع وتسكن وتنقاد، فإن الإيمان به وإخبات القلوب له لا ~~يمكن أن يكونا تمكين من الشيطان بل للقرآن { وإن الله لهاد الذين آمنوا } ~~في أمور دينهم { إلى صرط مستقيم } أي طريق صحيح لاعوج به. ~~وقرأ أبو حيوة " وإن الله لهاد الذين آمنوا " بالتنوين. { ولا يزال ~~الذين كفروا في مرية منه } أي في شك من القرآن. وقيل في ~~الدين الذي يدل عليه ذكر الصراط المستقيم. وقيل في إلقاء الشيطان، ~~فيقولون ما باله ذكر الأصنام بخير ثم رجع عن ذلك؟ وقرأ أبو عبد الرحمن ~~السلمي " في مرية " بضم الميم { حتى تأتيهم الساعة } أي ~~القيامة { بغتة } أي فجأة { أو يأتيهم عذاب يوم ~~عقيم } وهو يوم القيامة لأنه لا يوم بعده، فكان بهذا الاعتبار عقيما، ~~والعقيم في اللغة من لا يكون له ولد، ولما كانت الأيام تتوالى جعل ذلك ~~كهيئة الولادة، ولما لم ms2545 يكن بعد ذلك اليوم يوم، وصف بالعقم. وقيل يوم حرب ~~يقتلون فيه كيوم بدر. وقيل إن اليوم وصف بالعقم، لأنه لا رأفة فيه ولا ~~رحمة، فكأنه عقيم من الخير، ومنه قوله تعالى # إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم # الذاريات 41 أي التي لا خير فيها ولا تأتي بمطر. { الملك يومئذ ~~لله } أي السلطان القاهر والاستيلاء التام يوم القيامة لله سبحانه ~~وحده لا منازع له فيه ولا مدافع له عنه، وجملة { يحكم بينهم } ~~مستأنفة جوابا عن سؤال مقدر، ثم فسر هذا الحكم بقوله سبحانه { ~~فالذين ءامنوا وعملوا الصلحت في جنت ~~النعيم } أي كائنون فيها مستقرون في أرضها منغمسون في نعيمها { ~~والذين كفروا وكذبوا بآيتنا } أي جمعوا بين الكفر ~~بالله والتكذيب بآياته { فأولئك لهم عذاب مهين } أي ~~عذاب متصف بأنه مهين للمعذبين بالغ منهم المبلغ العظيم. وقد أخرج عبد بن ~~حميد وابن الأنباري في المصاحف، عن عمرو بن دينار قال كان ابن عباس يقرأ ~~" وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا ~~محدث ". وأخرج ابن أبي حاتم عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن ~~عوف مثله، وزاد فنسخت محدث، قال والمحدثون صاحب يس ولقمان، ومؤمن آل ~~فرعون، وصاحب موسى. # وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه، والضياء في المختارة. قال السيوطي ~~بسند رجاله ثقات، من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قرأ " أفرءيتم اللت والعزى ومنوة ~~الثالثة الاخرى، تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى ". ~~ففرح المشركون بذلك وقالوا قد ذكر آلهتنا، فجاءه جبريل فقال اقرأ علي ما ~~جئت به، فقرأ { أفرءيتم اللت والعزى * ومنوة ~~الثالثة الأخرى، تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى } فقال ~~ما أتيتك بهذا، هذا من الشيطان، فأنزل الله { وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى } الآية. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، قال السيوطي بسند صحيح عن ~~سعيد بن جبير، قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة النجم، فذكر ~~نحوه، ولم يذكر ابن ms2546 عباس. وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي العالية والسدي ~~عن سعيد مرسلا. ورواه عبد بن حميد عن السدي عن أبي صالح مرسلا. ورواه ~~ابن أبي حاتم عن ابن شهاب مرسلا. وأخرج ابن جرير، عن أبي بكر بن عبد ~~الرحمن بن الحارث بن هشام نحوه مرسلا أيضا. والحاصل أن جميع الروايات ~~في هذا الباب إما مرسلة أو منقطعة لا تقوم الحجة بشيء منها. وقد أسلفنا ~~عن الحفاظ في أول هذا البحث ما فيه كفاية، وفي الباب روايات من أحب ~~الوقوف على جميعها فلينظرها في الدر المنثور للسيوطي، ولا يأتي التطويل ~~بذكرها هنا بفائدة، فقد عرفناك أنها جميعها لا تقوم بها الحجة. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { حتى إذا ~~تمنى ألقى الشيطن في أمنيته } يقول إذا حدث ألقى ~~الشيطان في حديثه. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك، قال يعني بالتمني ~~التلاوة والقراءة، ألقى الشيطان في أمنيته في تلاوته { فينسخ الله ~~} ينسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان على لسان النبي. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن أبي حاتم عن مجاهد { إذا تمنى } قال تكلم { في ~~أمنيته } قال كلامه. وأخرج ابن مردويه، والضياء في المختارة، عن ~~ابن عباس في قوله { عذاب يوم عقيم } قال يوم بدر. وأخرج ابن ~~مردويه عن أبي بن كعب نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن سعيد بن جبير { عذاب يوم عقيم } ، قال يوم بدر. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن سعيد بن جبير وعكرمة مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية ~~قال يوم القيامة لا ليلة له. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك ~~مثله. ### || [22.58-66] # أفرد سبحانه المهاجرين بالذكر تخصيصا لهم بمزيد الشرف، فقال { ~~والذين هاجروا في سبيل الله } قال بعض المفسرين هم الذين ~~هاجروا من مكة إلى المدينة. وقال بعضهم الذين هاجروا من الأوطان في سرية ~~أو عسكر، ولا ms2547 يبعد حمل ذلك على الأمرين، والكل من سبيل الله { ثم ~~قتلوا أو ماتوا } أي في حال المهاجرة، واللام في { ~~ليرزقنهم الله رزقا حسنا } جواب قسم محذوف، والجملة ~~خبر الموصول بتقدير القول، وانتصاب { رزقا } على أنه مفعول ثان، أي ~~مرزوقا حسنا، أو على أنه مصدر مؤكدة، والرزق الحسن هو نعيم الجنة الذي ~~لا ينقطع وقيل هو الغنيمة لأنه حلال. وقيل هو العلم والفهم كقول شعيب # ورزقنى منه رزقا حسنا # هود 88. قرأ ابن عامر وأهل الشام " ثم قتلوا " بالتشديد على التكثير، ~~وقرأ الباقون بالتخفيف { وإن الله لهو خير الرازقين } ~~فإنه سبحانه يرزق بغير حساب، وكل رزق يجري على يد العباد لبعضهم البعض، ~~فهو منه سبحانه، لا رازق سواه ولا معطي غيره، والجملة تذييل مقررة لما ~~قبلها. وجملة { ليدخلنهم مدخلا يرضونه } مستأنفة، أو ~~بدل من جملة { ليرزقنهم الله }. قرأ أهل المدينة " مدخلا " بفتح الميم، ~~وقرأ الباقون بضمها، وهو اسم مكان أريد به الجنة، وانتصابه على أنه مفعول ~~ثان أو مصدر ميمي مؤكد للفعل المذكور، وقد مضى الكلام على مثل هذا في ~~سورة سبحان. وفي هذا من الامتنان عليهم والتبشير لهم ما لا يقادر قدره، ~~فإن المدخل الذي يرضونه هو الأوفق لنفوسهم والأقرب إلى مطلبهم، على أنهم ~~يرون في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وذلك ~~هو الذي يرضونه وفوق الرضا { وإن الله لعليم } بدرجات ~~العاملين ومراتب استحقاقهم { حليم } عن تفريط المفرطين منهم لا ~~يعاجلهم بالعقوبة. والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم. قال الزجاج ~~أي الأمر ما قصصنا عليكم من إنجاز الوعد للمهاجرين خاصة إذا قتلوا أو ~~ماتوا، فهو على هذا خبر مبتدأ محذوف، ومعنى { ومن عاقب بمثل ~~ما عوقب به } من جازى الظالم بمثل ما ظلمه. وسمي الابتداء باسم ~~الجزاء مشاكلة كقوله تعالى # وجزاء سيئة سيئة مثلها # الشورى 40. وقوله تعالى # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم # البقرة 194. والعقوبة في الأصل إنما تكون بعد فعل تكون جزاء عنه. ~~والمراد بالمثلية أنه اقتصر على المقدار ms2548 الذي ظلم به ولم يزد عليه، ومعنى ~~{ ثم بغي عليه } أن الظالم له في الابتداء عاوده بالمظلمة بعد ~~تلك المظلمة الأولى. قيل المراد بهذا البغي هو ما وقع من المشركين من ~~إزعاج المسلمين من أوطانهم بعد أن كذبوا نبيهم وآذوا من آمن به، واللام ~~في { لينصرنه الله } جواب قسم محذوف، أي لينصرن الله المبغي ~~عليه على الباغي { إن الله لعفو غفور } أي كثير العفو ~~والغفران للمؤمين فيما وقع منهم من الذنوب. # وقيل العفو والغفران لما وقع من المؤمنين من ترجيح الانتقام على العفو. ~~وقيل إن معنى { ثم بغى عليه } أي ثم كان المجازي مبغيا عليه، ~~أي مظلوما، ومعنى ثم تفاوت الرتبة، لأن الابتداء بالقتال معه نوع ظلم ~~كما قيل في أمثال العرب البادي أظلم. وقيل إن هذه الآية مدنية، وهي في ~~القصاص والجراحات. والإشارة بقوله { ذلك بأن الله يولج ~~اليل في النهار } إلى ما تقدم من نصر الله سبحانه للمبغي ~~عليه، وهو مبتدأ وخبره جملة { بأن الله يولج } ، والباء للسببية، أي ذلك ~~بسبب أنه سبحانه قادر، ومن كمال قدرته إيلاج الليل في النهار والنهار في ~~الليل، وعبر عن الزيادة بالإيلاج، لأن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر، ~~والمراد تحصيل أحد العرضين في محل الآخر. وقد مضى في آل عمران معنى هذا ~~الإيلاج { وأن الله سميع } يسمع كل مسموع { بصير } يبصر ~~كل مبصر، أو سميع للأقوال مبصر للأفعال، فلا يعزب عنه مثقال ذرة. ~~والإشارة بقوله { ذلك بأن الله هو الحق } إلى ما تقدم ~~من اتصافه سبحانه بكمال القدرة الباهرة والعلم التام، أي هو سبحانه ذو ~~الحق، دينه حق، وعبادته حق، ونصره لأوليائه على أعدائه حق، ووعده حق، ~~فهو عز وجل في نفسه وأفعاله وصفاته حق { وإن ما تدعون من ~~دونه هو البطل } قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وشعبة " تدعون ~~" بالفوقية على الخطاب للمشركين، واختار هذه القراءة أبو حاتم. وقرأ ~~الباقون بالتحتية على الخبر، واختار هذه القراءة أبو عبيدة. والمعنى إن ~~الذين تدعونه إلها، وهي الأصنام، هو الباطل الذي لا ثبوت له ms2549 ولا لكونه ~~إلها { وأن الله هو العلي } أي العالي على كل شيء ~~بقدرته المتقدس على الأشباه والأنداد المتنزه عما يقول الظالمون من ~~الصفات { الكبير } أي ذو الكبرياء، وهو عبارة عن كمال ذاته وتفرده ~~بالإلهية. ثم ذكر سبحانه دليلا بينا على كمال قدرته، فقال { ألم ~~تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض ~~مخضرة } الاستفهام للتقرير، والفاء للعطف على { أنزل } وارتفع ~~الفعل بعد الفاء لكون استفهام التقرير بمنزلة الخبر كما قاله الخليل ~~وسيبويه. قال الخليل المعنى أنزل من السماء ماء فكان كذا وكذا، كما قال ~~الشاعر # ألم تسأل الربع القواء فينطق وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق # معناه قد سألته فنطق. قال الفراء { ألم تر } خبر، كما تقول في الكلام ~~إن الله ينزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة، أي ذات خضرة كما تقول ~~مبقلة ومسبعة، أي ذوات بقل وسباع، وهو عبارة عن استعجالها أثر نزول الماء ~~بالنبات واستمرارها كذلك عادة، وصيغة الاستقبال، لاستحضار صورة الاخضرار ~~مع الإشعار بتجدد الإنزال واستمراره، وهذا المعنى لا يحصل إلا بالمستقبل، ~~والرفع هنا متعين لأنه لو نصب لانعكس المعنى المقصود من الآية فينقلب إلى ~~نفي الاخضرار، والمقصود إثباته. # قال ابن عطية هذا لا يكون، يعني الاخضرار في صباح ليلة المطر إلا بمكة ~~وتهامة. والظاهر أن المراد بالاخضرار اخضرار الأرض في نفسها لا باعتبار ~~النبات فيها كما في قوله # فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت # الحج 5. والمراد بقوله { إن الله لطيف } أنه يصل علمه إلى كل ~~دقيق وجليل. وقيل لطيف بأرزاق عباده. وقيل لطيف باستخراج النبات، ومعنى { ~~خبير } أنه ذو خبرة بتدبير عباده وما يصلح لهم. وقيل خبير بما ينطوون ~~عليه من القنوط عند تأخير المطر. وقيل خبير بحاجتهم وفاقتهم. { له ما ~~في السموات وما في الأرض } خلقا وملكا وتصرفا وكلهم ~~محتاجون إلى رزقه { وإن الله لهو الغني } فلا يحتاج إلى ~~شيء { الحميد } المستوجب للحمد في كل حال { ألم تر أن ~~الله سخر لكم ما في الارض } هذه نعمة أخرى ذكرها الله ~~سبحانه، فأخبر عباده بأنه ms2550 سخر لهم ما يحتاجون إليه من الدواب والشجر ~~والأنهار وجعله لمنافعهم { والفلك } عطف على ما، أو على اسم أن، أي ~~وسخر لكم الفلك في حال جريها في البحر، وقرأ عبد الرحمن الأعرج " ~~والفلك " بالرفع على الابتداء وما بعده خبره، وقرأ الباقون بالنصب. ~~ومعنى { تجري في البحر بأمره } أي بتقديره، والجملة في محل ~~نصب على الحال على قراءة الجمهور { ويمسك السماء أن تقع ~~على الأرض } أي كراهة أن تقع، وذلك بأنه خلقها على صفة مستلزمة ~~للإمساك، والجملة معطوفة على تجري { إلا بإذنه } أي بإرادته ~~ومشيئته، وذلك يوم القيامة { إن الله بالناس لرءوف ~~رحيم } أي كثير الرأفة والرحمة حيث سخر هذه الأمور لعباده وهيأ لهم ~~أسباب المعاش، وأمسك السماء أن تقع على الأرض فتهلكهم تفضلا منه عل ~~عباده وإنعاما عليهم. ثم ذكر سبحانه نعمة أخرى فقال { وهو الذي ~~أحياكم } بعد أن كنتم جمادا { ثم يميتكم } عند انقضاء ~~أعماركم { ثم يحييكم } عند البعث للحساب والعقاب { إن ~~الإنسن لكفور } أي كثير الجحود لنعم الله عليه مع كونها ظاهرة ~~غير مستترة، ولا ينافي هذا خروج بعض الأفراد عن هذا الجحد لأن المراد وصف ~~جميع الجنس بوصف من يوجد فيه ذلك من أفراده مبالغة. وقد أخرج ابن أبي ~~حاتم وابن مردويه عن سلمان الفارسي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " من مات مرابطا أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر، وأجرى عليه الرزق وأمن ~~من الفتانين، واقرؤوا إن شئتم { والذين هاجروا في سبيل ~~الله ثم قتلوا أو ماتوا } إلى قوله { حليم } " # وإسناد ابن أبي حاتم هكذا حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا ابن المبارك عن ~~عبد الرحمن بن شريح عن عبد الكريم بن الحارث عن أبي عقبة، يعني أبا ~~عبيدة بن عقبة قال قال شرحبيل بن السمط طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض ~~الروم، فمر بي سلمان يعني الفارسي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فذكره. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن فضالة بن عبيد ~~الأنصاري الصحابي أنه كان برودس، فمروا ms2551 بجنازتين أحدهما قتيل والآخر ~~متوفى، فمال الناس عن القتيل، فقال فضالة مالي أرى الناس مالوا مع هذا ~~وتركوا هذا؟ فقالوا هذا القتيل في سبيل الله، فقال والله ما أبالي من أي ~~حفرتيهما بعثت اسمعوا كتاب الله { والذين هاجروا في سبيل ~~الله ثم قتلوا أو ماتوا } الآية. وإسناده عند ابن أبي ~~حاتم هكذا حدثنا أبو زرعة عن زيد بن بشر أخبرني ضمام أنه سمع أبا قبيل ~~وربيعة بن سيف المغافري يقولان كنا برودس ومعنا فضالة بن عبيد الأنصاري ~~صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره. قلت ويؤيد هذا قول الله سبحانه # ومن يخرج من بيته مهجرا إلى الله ورسوله ~~ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله # النساء 100. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله { ومن عاقب ~~بمثل ما عوقب به } قال إن النبي بعث سرية في ليلتين بقيتا من ~~المحرم فلقوا المشركين، فقال المشركون بعضهم لبعض قاتلوا أصحاب محمد ~~فإنهم يحرمون القتال في الشهر الحرام، وإن أصحاب محمد ناشدوهم وذكروهم ~~بالله أن يعرضوا لقتالهم فإنهم لا يستحلون القتال في الشهر الحرام إلا من ~~بادأهم، وإن المشركين بدأوا فقاتلوهم، فاستحل الصحابة قتالهم عند ذلك ~~فقاتلوهم ونصرهم الله عليهم. وهو مرسل. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في ~~قوله { ومن عاقب } الآية قال تعاون المشركون على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه فأخرجوه، فوعده الله أن ينصره، وهو في القصاص أيضا. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد { وإن ما تدعون من دونه هو ~~البطل } قال الشيطان. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { إن ~~الإنسن لكفور } قال يعد المصيبات وينسى النعم. ### || [22.67-72] # عاد سبحانه إلى بيان أمر التكاليف مع الزجر لمعاصري رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أهل الأديان عن منازعته فقال { لكل أمة جعلنا ~~منسكا } أي لكل قرن من القرون الماضية وضعنا شريعة خاصة، بحيث لا ~~تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها إلى شريعة أخرى، وجملة { وهم ~~ناسكوه } صفة ل { منسكا } ، والضمير لكل أمة، أي تلك الأمة ms2552 هي ~~العاملة به لا غيرها، فكانت التوراة منسك الأمة التي كانت من مبعث موسى ~~إلى مبعث عيسى، والإنجيل منسك الأمة التي من مبعث عيسى إلى مبعث محمد صلى ~~الله عليه وسلم. والقرآن منسك المسلمين، والمنسك مصدر لا اسم مكان كما ~~يدل عليه { هم ناسكوه } ، ولم يقل ناسكون فيه. وقيل المنسك موضع أداء ~~الطاعة، وقيل هو الذبائح، ولا وجه للتخصيص، ولا اعتبار بخصوص السبب، ~~والفاء في قوله { فلا ينزعنك في الأمر } لترتيب النهي على ~~ما قبله، والضمير راجع إلى الأمم الباقية آثارهم، أي قد عينا لكل أمة ~~شريعة، ومن جملة الأمم هذه الأمة المحمدية، وذلك موجب لعدم منازعة من بقي ~~منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومستلزم لطاعتهم إياه في أمر الدين، ~~والنهي إما على حقيقته، أو كناية عن نهيه عن الالتفات إلى نزاعهم له. قال ~~الزجاج إنه نهي له صلى الله عليه وسلم عن منازعتهم، أي لا تنازعهم أنت، ~~كما تقول لا يخاصمك فلان أي لا تخاصمه، وكما تقول لا يضاربنك فلان، أي لا ~~تضاربه، وذلك أن المفاعلة تقتضي العكس ضمنا، ولا يجوز لا يضربنك فلان ~~وأنت تريد لا تضربه. وحكي عن الزجاج أنه قال في معنى الآية فلا ينازعنك، ~~أي فلا يجادلنك. قال ودل على هذا { وإن جدلوك } وقرأ أبو مجلز " ~~فلا ينزعنك في الأمر " أي لا يستخفنك ولا يغلبنك على دينك. وقرأ الباقون ~~{ ينازعنك } من المنازعة { وادع إلى ربك } أي وادع هؤلاء ~~المنازعين، أو ادع الناس على العموم إلى دين الله وتوحيده والإيمان به { ~~إنك لعلى هدى مستقيم } أي طريق مستقيم لا اعوجاج فيه. { ~~وإن جدلوك } أي وإن أبوا إلا الجدال بعد البيان لهم وظهور الحجة ~~عليهم { فقل الله أعلم بما تعملون } أي فكل أمرهم إلى ~~الله وقل لهم هذا القول المشتمل على الوعيد { الله يحكم ~~بينكم } أي بين المسلمين والكافرين { يوم القيمة فيما ~~كنتم فيه تختلفون } من أمر الدين فيتبين حينئذ الحق من ~~الباطل، وفي هذه الآية تعليم لهذه الأمة بما ينبغي لهم أن يجيبوا به ms2553 من ~~أراد الجدال بالباطل وقيل إنها منسوخة بآية السيف. وجملة { ألم ~~تعلم } مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها. # والاستفهام للتقرير، أي قد علمت يا محمد وتيقنت { أن الله ~~يعلم ما في السماء والأرض } ومن جملة ذلك ما أنتم فيه مخلتفون ~~{ إن ذلك } الذي في السماء والأرض من معلوماته { فى كتب } أي ~~مكتوب عنده في أم الكتاب { إن ذلك على الله يسير } أي إن ~~الحكم منه سبحانه بين عباده فيما يختلفون فيه يسير عليه غير عسير، أو إن ~~إحاطة علمه بما في السماء والأرض يسير عليه. { ويعبدون من دون ~~الله ما لم ينزل به سلطنا } هذا حكاية لبعض فضائحهم، ~~أي إنهم يعبدون أصناما لم يتمسكوا في عبادتها بحجة نيرة من الله سبحانه ~~{ وما ليس لهم به علم } من دليل عقل يدل على جواز ذلك بوجه ~~من الوجوه { وما للظلمين من نصير } ينصرهم ويدفع عنهم ~~عذاب الله، وقد تقدم الكلام على هذه الآية في آل عمران، وجملة { وإذا ~~تتلى عليهم ءايتنا بينات } معطوفة على يعبدون، وانتصاب ~~بينات على الحال، أي حال كونها واضحات ظاهرات الدلالة { تعرف في ~~وجوه الذين كفروا المنكر } أي الأمر الذي ينكر، وهو ~~غضبهم وعبوسهم عند سماعها، أو المراد بالمنكر الإنكار، أي تعرف في وجوههم ~~إنكارها. وقيل هو التجبر والترفع، وجملة { يكدون يسطون ~~بالذين يتلون عليهم ءايتنا } مستأنفة جواب سؤال ~~مقدر، كأنه قيل ما ذلك المنكر الذي يعرف في وجوههم؟ فقيل يكادون يسطون، ~~أي يبطشون، والسطوة شدة البطش، يقال سطا به يسطو إذا بطش به بضرب، أو ~~شتم، أو أخذ باليد، وأصل السطو القهر. وهكذا ترى أهل البدع المضلة إذا ~~سمع الواحد منهم ما يتلوه العالم عليهم من آيات الكتاب العزيز، أو من ~~السنة الصحيحة مخالفا لما اعتقده من الباطل والضلالة رأيت في وجهه من ~~المنكر ما لو تمكن من أن يسطو بذلك العالم لفعل به ما لا يفعله ~~بالمشركين، وقد رأينا وسمعنا من أهل البدع ما لا يحيط به الوصف، والله ~~ناصر الحق ومظهر الدين وداحض الباطل ودامغ البدع ms2554 وحافظ المتكلمين بما ~~أخذه عليهم، المبينين للناس ما نزل إليهم، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ثم أمر ~~رسوله أن يرد عليهم. فقال { قل أفأنبئكم } أي أخبركم { بشر ~~من ذلكم } الذي فيكم من الغيظ على من يتلو عليكم آيات الله ~~ومقاربتكم للوثوب عليهم، وهو النار التي أعدها الله لكم، فالنار مرتفعة ~~على أنها خبر لمبتدأ محذوف، والجملة جواب سؤال مقدر كأنه قيل ما هذا ~~الأمر الذي هو شر مما نكابده ونناهده عند سماعنا ما تتلوه علينا؟ فقال ~~هو { النار وعدها الله الذين كفروا } وقيل إن { النار ~~} مبتدأ وخبره جملة { وعدها الله الذين كفروا } وقيل المعنى أفأخبركم ~~بشر مما يلحق تالي القرآن منكم من الأذى والتوعد لهم والتوثب عليهم؟ ~~وقرىء " النار " بالنصب على تقدير أعني. # وقرىء بالجر بدلا من شر { وبئس المصير } أي الموضع الذي ~~تصيرون إليه، وهو النار. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~هم ناسكوه } قال يعني هم ذابحوه { فلا ينزعنك فى ~~الأمر } يعني في أمر الذبح. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة نحوه. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه ~~أيضا. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال { فلا ينزعنك فى ~~الأمر } قول أهل الشرك أما ما ذبح الله بيمينه فلا تأكلوه، وأما ما ~~ذبحتم بأيديكم فهو حلال. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس ~~قال خلق الله اللوح المحفوظ لمسيرة مائة عام، وقال للقلم قبل أن يخلق ~~الخلق وهو على العرش اكتب، قال ما أكتب؟ قال علمي في خلقي إلى يوم تقوم ~~الساعة، فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة، فذلك قوله ~~للنبي صلى الله عليه وسلم { ألم تعلم أن الله يعلم ما ~~في السماء والأرض } يعني ما في السموات السبع والأرضين السبع. ~~{ إن ذلك } العلم { في كتب } يعني في اللوح المحفوظ مكتوب ~~قبل أن يخلق السموات والأرضين { إن ذلك على الله يسير } ~~يعني هين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ms2555 حاتم عن ابن عباس { ~~يكدون يسطون } يبطشون. ### || [22.73-78] # قوله { يأيها الناس ضرب مثل } هذا متصل بقوله # ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطنا # الحج 71 قال الأخفش ليس ثم مثل، وإنما المعنى ضربوا لي مثلا { ~~فاستمعوا } قولهم، يعني أن الكفار جعلوا لله مثلا بعبادتهم غيره، ~~فكأنه قال جعلوا لي شبها في عبادتي فاستمعوا خبر هذا الشبه. وقال ~~القتيبي إن المعنى يا أيها الناس، مثل من عبد آلهة لم تستطع أن تخلق ~~ذبابا، وإن سلبها شيئا لم تستطع أن تستنقذه منه. قال النحاس المعنى ضرب ~~الله عز وجل لما يعبدونه من دونه مثلا. قال وهذا من أحسن ما قيل فيه، ~~أي بين الله لكم شبها ولمعبودكم. وأصل المثل جملة من الكلام متلقاة ~~بالرضا والقبول، مسيرة في الناس مستغربة عندهم، وجعلوا مضربها مثلا ~~لموردها، ثم قد يستعيرونها للقصة أو الحالة أو الصفة المستغربة لكونها ~~مماثلة لها في الغرابة كهذه القصة المذكورة في هذه الآية. والمراد بما ~~يدعونه من دون الله الأصنام التي كانت حول الكعبة وغيرها. وقيل المراد ~~بهم السادة الذين صرفوهم عن طاعة الله لكونهم أهل الحل والعقد فيهم. ~~وقيل الشياطين الذين حملوهم على معصية الله، والأول أوفق بالمقام وأظهر ~~في التمثيل، والذباب اسم للواحد يطلق على الذكر والأنثى، وجمع القلة ~~أذبة، والكثرة ذبان مثل غراب وأغربة وغربان. وقال الجوهري الذباب معروف، ~~الواحد ذبابة. والمعنى لن يقدروا على خلقه مع كونه صغير الجسم حقير ~~الذات، وجملة { ولو اجتمعوا له } معطوفة على جملة أخرى شرطية ~~محذوفة، أي لو لم يجتمعوا له لن يخلقوه ولو اجتمعوا له، والجواب محذوف ~~والتقدير لن يخلقوه وهما في محل نصب على الحال، أي لن يخلقوه على كل ~~حال. ثم بين سبحانه كمال عجزهم وضعف قدرتهم فقال { وإن يسلبهم ~~الذباب شيئا لا يستنقذوه منه } أي إذا أخذ منهم الذباب ~~شيئا من الأشياء لا يقدرون على تخليصه منه لكمال عجزهم وفرط ضعفهم، ~~والاستنقاذ والإنقاذ التخلص، وإذا عجزوا عن خلق هذا الحيوان الضعيف، وعن ~~استنقاذ ما أخذه عليهم ms2556 فهم عن غيره مما هو أكبر منه جرما وأشد منه قوة ~~أعجز وأضعف، ثم عجب سبحانه من ضعف الأصنام والذباب، فقال { ضعف ~~الطالب والمطلوب } فالصنم كالطالب من حيث إنه يطلب خلق الذباب ~~أو يطلب استنقاذ ما سلبه منه، والمطلوب الذباب. وقيل الطالب عابد الصنم، ~~والمطلوب الصنم، وقيل الطالب الذباب، والمطلوب الآلهة. ثم بين سبحانه أن ~~المشركين الذين عبدوا من دون الله آلهة عاجزة إلى هذه الغاية في العجز، ~~ما عرفوا الله حق معرفته فقال { ما قدروا الله حق قدره } ~~أي ما عظموه حق تعظيمه ولا عرفوه حق معرفته، حيث جعلوا هذه الأصنام ~~شركاء له مع كون حالها هذا الحال، وقد تقدم في الأنعام { إن الله ~~لقوي } على خلق كل شيء { عزيز } غالب لا يغالبه أحد، بخلاف آلهة ~~المشركين، فإنها جماد لا تعقل ولا تنفع ولا تضر ولا تقدر على شيء. # ثم أراد سبحانه أن يرد عليهم ما يعتقدونه في النبوات والإلهيات فقال ~~{ الله يصطفى من الملئكة رسلا } كجبريل وإسرافيل ~~وميكائيل وعزرائيل ويصطفي أيضا رسلا { من الناس } وهم الأنبياء، ~~فيرسل الملك إلى النبي، والنبي إلى الناس، أو يرسل الملك لقبض أرواح ~~مخلوقاته، أو لتحصيل ما ينفعهم، أو لإنزال العذاب عليهم { إن الله ~~سميع } لأقوال عباده { بصير } بمن يختاره من خلقه { يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم } أي ما قدموا من الأعمال وما ~~يتركونه من الخير والشر كقوله تعالى # ونكتب ما قدموا وءاثارهم # يس 12. { وإلى الله ترجع الأمور } لا إلى غيره. ولما تضمن ~~ما ذكره من أن الأمور ترجع إليه، الزجر لعباده عن معاصيه، والحض لهم على ~~طاعاته صرح بالمقصود فقال { يأيها الذين ءامنوا اركعوا ~~واسجدوا } أي صلوا الصلاة التي شرعها الله لكم، وخص الصلاة لكونها ~~أشرف العبادات، ثم عمم فقال { واعبدوا ربكم } أي افعلوا جميع ~~أنواع العبادة التي أمركم الله بها { وافعلوا الخير } أي ما هو ~~خير، وهو أعم من الطاعة الواجبة والمندوبة. وقيل المراد بالخير هنا ~~المندوبات. ثم علل ذلك بقوله { لعلكم تفلحون } أي إذا فعلتم ~~هذه كلها رجوتم الفلاح. ms2557 وهذه الآية من مواطن سجود التلاوة عند الشافعي ~~ومن وافقه، لا عند أبي حنيفة ومن قال بقوله، وقد تقدم أن هذه السورة ~~فضلت بسجدتين، وهذا دليل على ثبوت السجود عند تلاوة هذه الآية. ثم أمرهم ~~بما هو سنام الدين وأعظم أعماله، فقال { وجهدوا في الله } أي ~~في ذاته ومن أجله، والمراد به الجهاد الأكبر، وهو الغزو للكفار ومدافعتهم ~~إذا غزوا بلاد المسلمين، وقيل المراد بالجهاد هنا امتثال ما أمرهم الله ~~به في الآية المتقدمة، أو امتثال جميع ما أمر به ونهى عنه على العموم، ~~ومعنى { حق جهده } المبالغة في الأمر بهذا الجهاد لأنه أضاف ~~الحق إلى الجهاد، والأصل إضافة الجهاد إلى الحق، أي جهادا خالصا لله، ~~فعكس ذلك لقصد المبالغة، وأضاف الجهاد إلى الضمير اتساعا، أو لاختصاصه ~~به سبحانه من حيث كونه مفعولا له ومن أجله. وقيل المراد { بحق جهاده } ~~هو أن لا تخافوا في الله لومة لائم. وقيل المراد به استفراغ ما في وسعهم ~~في إحياء دين الله. وقال مقاتل والكلبي إن الآية منسوخة بقوله تعالى # فاتقوا الله ما استطعتم # التغابن 16. كما أن قوله # اتقوا الله حق تقاته # آل عمران 102 منسوخ بذلك، ورد ذلك بأن التكليف مشروط بالقدرة، فلا حاجة ~~إلى المصير إلى النسخ. # ثم عظم سبحانه شأن المكلفين بقوله { هو اجتبكم } أي اختاركم ~~لدينه، وفيه تشريف لهم عظيم. ثم لما كان في التكليف مشقة على النفس في ~~بعض الحالات قال { وما جعل عليكم فى الدين من حرج } أي ~~من ضيق وشدة. وقد اختلف العلماء في هذا الحرج الذي رفعه الله، فقيل هو ~~ما أحله الله من النساء مثنى وثلاث ورباع وملك اليمين. وقيل المراد قصر ~~الصلاة، والإفطار للمسافر، والصلاة بالإيماء على من لا يقدر على غيره، ~~وإسقاط الجهاد عن الأعرج والأعمى والمريض، واغتفار الخطأ في تقديم الصيام ~~وتأخيره لاختلاف الأهلة، وكذا في الفطر والأضحى. وقيل المعنى أنه سبحانه ~~ما جعل عليهم حرجا بتكليف ما يشق عليهم، ولكن كلفهم بما يقدرون عليه، ~~ورفع عنهم التكاليف التي فيها حرج، ms2558 فلم يتعبدهم بها كما تعبد بها بني ~~إسرائيل. وقيل المراد بذلك أنه جعل لهم من الذنب مخرجا بفتح باب التوبة ~~وقبول الاستغفار والتكفير فيما شرع فيه الكفارة والأرش، أو القصاص في ~~الجنايات، ورد المال أو مثله أو قيمته في الغصب ونحوه. والظاهر أن الآية ~~أعم من هذا كله، فقط حط سبحانه ما فيه مشقة من التكاليف على عباده إما ~~بإسقاطها من الأصل وعدم التكليف بها كما كلف بها غيرهم، أو بالتخفيف ~~وتجويز العدول إلى بدل لا مشقة فيه، أو بمشروعية التخلص عن الذنب بالوجه ~~الذي شرعه الله، وما أنفع هذه الآية وأجل موقعها وأعظم فائدتها، ومثلها ~~قوله سبحانه # فاتقوا الله ما استطعتم # التغابن 16، وقوله # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # البقرة 185. وقوله # ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على ~~الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة ~~لنا به # البقرة 286. وفي الحديث الصحيح أنه سبحانه قال # " قد فعلت " # كما سبق بيانه في تفسير هذه الآية، والأحاديث في هذا كثيرة. وانتصاب ملة ~~في { ملة أبيكم إبرهيم } على المصدرية بفعل دل عليه ما ~~قبله أي وسع عليكم دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم. وقال الزجاج المعنى ~~اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم. وقال الفراء انتصب على تقدير حذف الكاف، أي ~~كملة، وقيل التقدير وافعلوا الخير كفعل أبيكم إبراهيم، فأقام الملة مقام ~~الفعل. وقيل على الإغراء. وقيل على الاختصاص، وإنما جعله سبحانه أباهم ~~لأنه أبو العرب قاطبة، ولأن له عند غير العرب الذين لم يكونوا من ذريته ~~حرمة عظيمة كحرمة الأب على الابن لكونه أبا لنبيهم صلى الله عليه وسلم { ~~هو سمكم المسلمين من قبل } أي في الكتب المتقدمة { ~~وفي هذا } أي القرآن، والضمير لله سبحانه. وقيل راجع إلى إبراهيم. ~~والمعنى هو، أي إبراهيم، سماكم المسلمين من قبل النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وفي هذا، أي في حكمه، أن من اتبع محمدا فهو مسلم. # قال النحاس وهذا القول مخالف لقول علماء الأمة. ثم علل سبحانه ذلك بقوله ~~{ ليكون الرسول شهيدا عليكم } أي ms2559 بتبليغه إليكم { ~~وتكونوا شهداء على الناس } أن رسلهم قد بلغتهم، وقد تقدم ~~بيان معنى هذه الآية في البقرة. ثم أمرهم بما هو أعظم الأركان الإسلامية ~~فقال { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } وتخصيص الخصلتين بالذكر لمزيد ~~شرفهما { واعتصموا بالله } أي اجعلوه عصمة لكم مما تحذرون، ~~والتجؤوا إليه في جميع أموركم، ولا تطلبوا ذلك إلا منه { هو ~~مولكم } أي ناصركم ومتولي أموركم دقيقها وجليلها { فنعم ~~المولى ونعم النصير } أي لا مماثل له في الولاية لأموركم ~~والنصرة على أعدائكم. وقيل المراد بقوله { واعتصموا بالله } تمسكوا ~~بدين الله. وقيل ثقوا به تعالى. وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله ~~{ يأيها الناس ضرب مثل } قال نزلت في صنم. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر عنه { ضعف الطالب والمطلوب } قال الطالب ~~آلهتهم، والمطلوب الذباب. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في ~~قوله { لا يستنقذوه منه } قال لا تستنقذ الأصنام ذلك الشيء من ~~الذباب. وأخرج الحاكم وصححه عنه أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " إن الله اصطفى موسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة " # وأخرج أيضا عن أنس وصححه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " موسى بن عمران صفي الله " # وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف قال قال لي عمر ألسنا كنا نقرأ ~~فيما نقرأ وجاهدوا في الله حق جهاده في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله؟ ~~قلت بلى فمتى هذا يا أمير المؤمنين؟ قال إذا كانت بنو أمية الأمراء، وبنو ~~المغيرة الوزراء. وأخرجه البيهقي في الدلائل عن المسور بن مخرمة قال قال ~~عمر لعبد الرحمن بن عوف فذكره. وأخرج الترمذي وصححه وابن حبان وابن ~~مردويه والعسكري في الأمثال عن فضالة بن عبيد قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله " # وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن عائشة أنها سألت النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية { وما جعل عليكم فى الدين ~~من حرج } قال # " الضيق " # وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد ms2560 قال قال أبو هريرة لابن عباس أما علينا في ~~الدين من حرج في أن نسرق أو نزني؟ قال بلى، قال فما جعل عليكم في الدين ~~من حرج، قال الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم. وأخرج ابن أبي ~~حاتم من طريق ابن شهاب أن ابن عباس كان يقول { وما جعل عليكم ~~في الدين من حرج } توسعة الإسلام، ما جعل الله من التوبة ~~والكفارات. # وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عثمان ~~بن يسار عن ابن عباس { ما جعل عليكم في الدين من حرج } ~~قال هذا في هلال رمضان إذا شك فيه الناس، وفي الحج إذا شكوا في الأضحى، ~~وفي الفطر وأشباهه. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر من ~~طريق سعيد بن جبير أن ابن عباس سئل عن الحرج فقال ادع لي رجلا من هذيل، ~~فجاءه فقال مما الحرج فيكم؟ قال الحرجة من الشجر التي ليس فيها مخرج، ~~فقال ابن عباس الذي ليس له مخرج. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، ~~والبيهقي في سننه من طريق عبيد الله بن أبي يزيد، أن ابن عباس سئل عن ~~الحرج فقال ها هنا أحد من هذيل؟ قال رجل أنا، فقال ما تعدون الحرجة ~~فيكم؟ قال الشيء الضيق، قال هو ذاك. وأخرج البيهقي في سننه عن محمد بن ~~زيد بن عبد الله بن عمر قال قرأ عمر بن الخطاب هذه الآية { وما جعل ~~عليكم فى الدين من حرج } ثم قال لي ادع لي رجلا من بني ~~مدلج، قال عمر ما الحرج فيكم؟ قال الضيق. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ~~في قوله { ملة أبيكم } قال دين أبيكم. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله { سمكم ~~المسلمين من قبل } قال الله عز وجل سماكم. وروي نحوه عن ~~جماعة من التابعين. وأخرج الطيالسي وأحمد، والبخاري في تاريخه، والترمذي ~~وصححه، والنسائي وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والبغوي والبارودي وابن ms2561 ~~قانع والطبراني والحاكم وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان عن الحارث ~~الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من دعا بدعوة الجاهلية فإنه من جثي جهنم " # ، قال رجل يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال # " نعم، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين والمؤمنين عباد الله ~~". ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1-11] # قوله { قد أفلح المؤمنون } قال الفراء " قد " ها هنا يجوز ~~أن تكون تأكيدا لفلاح المؤمنين، ويجوز أن تكون تقريبا للماضي من الحال ~~لأن قد تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه، ألا تراهم يقولون قد قامت ~~الصلاة قبل حال قيامها، ويكون المعنى في الآية أن الفلاح قد حصل لهم ~~وأنهم عليه في الحال، والفلاح الظفر بالمراد والنجاة من المكروه. وقيل ~~البقاء في الخير، وأفلح إذا دخل في الفلاح، ويقال أفلحه إذا أصاره إلى ~~الفلاح، وقد تقدم بيان معنى الفلاح في أول البقرة. وقرأ طلحة بن مصرف " ~~قد أفلح " بضم الهمزة وبناء الفعل للمفعول. وروي عنه أنه قرأ " أفلحوا ~~المؤمنون " على الإبهام والتفسير، أو على لغة أكلوني البراغيث. ثم وصف ~~هؤلاء المؤمنين بقوله { الذين هم في صلاتهم خشعون } ~~وما عطف عليه. والخشوع منهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة، ~~ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات والعبث، وهو في ~~اللغة السكون والتواضع والخوف والتذلل. وقد اختلف الناس في الخشوع هل هو ~~من فرائض الصلاة أو من فضائلها؟ على قولين قيل الصحيح الأول، وقيل ~~الثاني. وادعى عبد الواحد بن زيد إجماع العلماء على أنه ليس للعبد إلا ~~ما عقل من صلاته، حكاه النيسابوري في تفسيره. قال ومما يدل على صحة هذا ~~القول قوله تعالى # أفلا يتدبرون القرءان # محمد 24. والتدبر لا يتصور بدون الوقوف على المعنى، وكذا قوله # أقم الصلوة لذكري # طه 14. والغفلة تضاد الذكر، ولهذا قال # ولا تكن من الغفلين # الأعراف 205. وقوله # حتى تعلموا ما تقولون # النساء 43. نهي للسكران والمستغرق في هموم الدنيا بمنزلته. واللغو، قال ~~الزجاج هو كل باطل ولهو وهزل ومعصية وما لا يجمل من ms2562 القول والفعل، وقد ~~تقدم تفسيره في البقرة. قال الضحاك إن اللغو هنا الشرك. وقال الحسن إنه ~~المعاصي كلها. ومعنى إعراضهم عنه تجنبهم له وعدم التفاتهم إليه، وظاهره ~~اتصافهم بصفة الإعراض عن اللغو في كل الأوقات، فيدخل وقت الصلاة في ذلك ~~دخولا أوليا كما تفيده الجملة الإسمية، وبناء الحكم على الضمير، ومعنى ~~فعلهم للزكاة تأديتهم لها، فعبر عن التأدية بالفعل لأنها مما يصدق عليه ~~الفعل، والمراد بالزكاة هنا المصدر لأنه الصادر عن الفاعل، وقيل يجوز أن ~~يراد بها العين على تقدير مضاف، أي والذين هم لتأدية الزكوة * ~~فعلون. { والذين هم لفروجهم حفظون } الفرج يطلق ~~على فرج الرجل والمرأة، ومعنى حفظهم لها أنهم ممسكون لها بالعفاف عما لا ~~يحل لهم. قيل والمراد هنا الرجال خاصة دون النساء، بدليل قوله { إلا ~~على أزوجهم أو ما ملكت أيمنهم } للإجماع على أنه ~~لا يحل للمرأة أن يطأها من تملكه. # قال الفراء إن " على " في قوله { إلا على أزوجهم } بمعنى " ~~من ". وقال الزجاج المعنى أنهم يلامون في إطلاق ما حظر عليهم فأمروا ~~بحفظه إلا على أزواجهم ودل على المحذوف ذكر اللوم في آخر الآية. والجملة ~~في محل نصب على الحال. وقيل إن الاستثناء من نفي الإرسال المفهوم من ~~الحفظ، أي لا يرسلونها على أحد إلا على أزواجهم. وقيل المعنى إلا والين ~~على أزواجهم وقوامين عليهم من قولهم كان فلان على فلانة فمات عنها فخلف ~~عليها فلان. والمعنى أنهم لفروجهم حافظون في جميع الأحوال إلا في حال ~~تزوجهم أو تسريهم، وجملة { أو ما ملكت أيمنهم } في محل ~~جر عطفا على أزواجهم، و " ما " مصدرية. والمراد بذلك الإماء، وعبر ~~عنهن ب " ما " التي لغير العقلاء لأنه اجتمع فيهن الأنوثة المنبئة عن ~~قصور العقل وجواز البيع والشراء فيهن كسائر السلع، فأجراهن بهذين ~~الأمرين مجرى غير العقلاء، وجملة { فإنهم غير ملومين } ~~تعليل لما تقدم مما لا يجب عليهم حفظ فروجهم منه. { فمن ابتغى ~~وراء ذلك فأولئك هم العادون } الإشارة إلى الزوجات ~~وملك اليمين، ومعنى العادون المجاوزون إلى ما لا يحل ms2563 لهم، فسمى سبحانه ~~من نكح ما لا يحل عاديا. ووراء هنا بمعنى سوى وهو مفعول ابتغى. قال ~~الزجاج أي فمن ابتغى ما بعد ذلك فمفعول الابتغاء محذوف، و { وراء } ظرف. ~~وقد دلت هذه الآية على تحريم نكاح المتعة، واستدل بها بعض أهل العلم على ~~تحريم الاستمناء لأنه من الوراء لما ذكر، وقد جمعنا في ذلك رسالة سميناها ~~" بلوغ المني في حكم الاستمنا " ، وذكرنا فيها أدلة المنع والجواز وترجيح ~~الراجح منهما. { والذين هم لأمنتهم وعهدهم ~~رعون } قرأ الجمهور { لأماناتهم } بالجمع. وقرأ ابن كثير بالإفراد. ~~والأمانة ما يؤتمنون عليه، والعهد ما يعاهدون عليه من جهة الله سبحانه أو ~~جهة عباده، وقد جمع العهد والأمانة كل ما يتحمله الإنسان من أمر الدين ~~والدنيا، والأمانة أعم من العهد، فكل عهد أمانة، ومعنى { راعون } ~~حافظون. { والذين هم على صلوتهم يحفظون } قرأ ~~الجمهور { صلواتهم } بالجمع. وقرأ حمزة والكسائي " صلاتهم " بالإفراد، ~~ومن قرأ بالإفراد فقد أراد اسم الجنس وهو في معنى الجمع. والمحافظة على ~~الصلاة إقامتها والمحافظة عليها في أوقاتها وإتمام ركوعها وسجودها ~~وقراءتها والمشروع من أذكارها. ثم مدح سبحانه هؤلاء فقال { أولئك ~~هم الورثون } أي الأحقاء بأن يسموا بهذا الاسم دون غيرهم. ثم بين ~~الموروث بقوله { الذين يرثون الفردوس } وهو أوسط الجنة، ~~كما صح تفسيره بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمعنى أن من عمل ~~بما ذكر في هذه الآيات فهو الوارث الذي يرث من الجنة ذلك المكان، وفيه ~~استعارة لاستحقاقهم الفردوس بأعمالهم. # وقيل المعنى أنهم يرثون من الكفار منازلهم حيث فرقوها على أنفسهم لأنه ~~سبحانه خلق لكل إنسان منزلا في الجنة ومنزلا في النار. ولفظ الفردوس ~~لغة رومية معربة، وقيل فارسية. وقيل حبشية. وقيل هي عربية. وجملة { هم ~~فيها خلدون } في محل نصب على الحال المقدرة، أو مستأنفة لا محل ~~لها، ومعنى الخلود أنهم يدومون فيها لا يخرجون منها ولا يموتون فيها، ~~وتأنيث الضمير مع أنه راجع إلى الفردوس لأنه بمعنى الجنة. وقد أخرج عبد ~~الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن ms2564 المنذر والعقيلي، ~~والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل، والضياء في المختارة عن عمر بن ~~الخطاب قال كان إذا أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي يسمع ~~عند وجهه كدوي النحل، فأنزل الله عليه يوما فمكثنا ساعة، فسري عنه ~~فاستقبل القبلة فقال # " اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ~~ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا " # ، ثم قال # " لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة " # ، ثم قرأ { قد أفلح المؤمنون } حتى ختم العشر. وفي إسناده ~~يونس بن سليم الصنعاني. قال النسائي لا نعرف أحدا رواه عن ابن شهاب إلا ~~يونس بن سليم ويونس لا نعرفه. وأخرج البخاري في الأدب المفرد، والنسائي ~~وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن يزيد ~~بن بابنوس قال قلنا لعائشة كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~قالت كان خلقه القرآن، ثم قالت تقرأ سورة المؤمنين؟ اقرأ { قد أفلح ~~المؤمنون } حتى بلغ العشر، فقالت هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير، والبيهقي في سننه عن محمد بن سيرين ~~قال نبئت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع بصره إلى ~~السماء، فنزلت { الذين هم في صلاتهم خشعون }. وأخرجه ~~عبد الرزاق، عنه، وزاد فأمره بالخشوع فرمى ببصره نحو مسجده. وأخرجه عنه ~~أيضا عبد بن حميد، وأبو داود في المراسيل، وابن المنذر وابن أبي حاتم، ~~والبيهقي في السنن بلفظ كان إذا قام في الصلاة نظر هكذا وهكذا، يمينا ~~وشمالا، فنزلت { الذين هم في صلاتهم خشعون } فحنى ~~رأسه. وروي عنه من طرق مرسلا هكذا. وأخرجه الحاكم وصححه، وابن مردويه، ~~والبيهقي في سننه عنه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~صلى رفع بصره إلى السماء، فنزلت { الذين هم في صلاتهم ~~خشعون } فطأطأ رأسه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن سيرين بلفظ كان أصحاب رسول الله صلى الله ms2565 عليه وسلم ~~يرفعون رؤوسهم وأبصارهم إلى السماء في الصلاة يلتفتون يمينا وشمالا، ~~فأنزل الله { قد أفلح المؤمنون * الذين هم في ~~صلاتهم خشعون } فمالوا برؤوسهم فلم يرفعوا أبصارهم بعد ذلك في ~~الصلاة، ولم يلتفتوا يمينا وشمالا. # وأخرج ابن المبارك في الزهد، وعبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن ~~علي أنه سئل عن قوله { الذين هم فى صلاتهم خشعون } ~~قال الخشوع في القلب، وأن تلين كتفك للمرء المسلم، وأن لا تلتفت في ~~صلاتك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~الذين هم في صلاتهم خشعون } قال خائفون ساكنون. وقد ~~ورد في مشروعية الخشوع في الصلاة والنهي عن الالتفات وعن رفع البصر إلى ~~السماء أحاديث معروفة في كتب الحديث. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { والذين هم عن اللغو ~~معرضون } قال الباطل. وأخرج عبد الرزاق، وأبو داود في ناسخه عن ~~القاسم بن محمد أنه سئل عن المتعة فقال إني لأرى تحريمها في القرآن، ثم ~~تلا { والذين هم لفروجهم حفظون * إلا على ~~أزوجهم أو ما ملكت أيمنهم }. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني عن ابن مسعود أنه قيل له ~~إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن # الذين هم على صلاتهم دائمون # المعارج 23. { والذين هم على صلاتهم يحفظون } قال ذلك ~~على مواقيتها، قالوا ما كنا نرى ذلك إلا على تركها، قال تركها كفر. وأخرج ~~عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، والحاكم وصححه عن أبي هريرة في قوله ~~{ أولئك هم الورثون } قال يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم ~~التي أعدت لهم لو أطاعوا الله. وأخرج سعيد بن منصور وابن ماجه وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا ~~مات ms2566 فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله { أولئك هم ~~الورثون } " # وأخرج عبد بن حميد، والترمذي وقال حسن صحيح غريب عن أنس، فذكر قصة، ~~وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها " # ، ويدل على هذه الوراثة المذكورة هنا قوله تعالى # تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا # مريم 63. وقوله # تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون # الأعراف 43. ويشهد لحديث أبي هريرة هذا ما في صحيح مسلم عن أبي موسى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله ~~لهم، ويضعها على اليهود والنصارى " # وفي لفظ له قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا، فيقول ~~هذا فكاكك من النار ". ### || [23.12-22] # لما حث سبحانه عباده على العبادة ووعدهم الفردوس على فعلها، عاد إلى ~~تقرير المبدأ والمعاد ليتمكن ذلك في نفوس المكلفين فقال { ولقد ~~خلقنا الإنسن } إلى آخره، واللام جواب قسم محذوف، والجملة ~~مبتدأة، وقيل معطوفة على ما قبلها، والمراد بالإنسان الجنس لأنهم مخلوقون ~~في ضمن خلق أبيهم آدم، وقيل المراد به آدم. والسلالة فعالة من السل، وهو ~~استخراج الشيء من الشيء، يقال سللت الشعرة من العجين، والسيف من الغمد ~~فانسل، فالنطفة سلالة، والولد سليل، وسلالة أيضا، ومنه قول الشاعر # فجاءت به عضب الأديم غضنفرا سلالة فرج كان غير حصين # وقول الآخر # وهل هند إلا مهرة عربية سلالة أفراس تجللها بغل # و " من " في { من سللة } ابتدائية متعلقة ب { خلقنا } ، وفي { ~~من طين } بيانية متعلقة بمحذوف، وقع صفة لسلالة، أي كائنة من طين، ~~والمعنى أنه سبحانه خلق جوهر الإنسان أولا من طين لأن الأصل آدم، وهو ~~من طين خالص وأولاده من طين ومني، وقيل السلالة الطين إذا عصرته انسل ~~من بين أصابعك فالذي يخرج هو السلالة، قاله الكلبي { ثم جعلنه ~~} أي الجنس باعتبار أفراده الذين هم بنو آدم، أو جعلنا نسله على حذف مضاف ~~إن أريد ms2567 بالإنسان آدم { نطفة } وقد تقدم تفسير النطفة في سورة ~~الحج. وكذلك تفسير العلقة والمضغة. والمراد بالقرار المكين الرحم، وعبر ~~عنها بالقرار الذي هو مصدر مبالغة، ومعنى { ثم خلقنا النطفة ~~علقة } أي أنه سبحانه أحال النطفة البيضاء علقة حمراء { فخلقنا ~~العلقة مضغة } أي قطعة لحم غير مخلقة { فخلقنا المضغة ~~عظما } أي جعلها الله سبحانه متصلبة لتكون عمودا للبدن على أشكال ~~مخصوصة { فكسونا العظم لحما } أي أنبت الله سبحانه على كل ~~عظم لحما على المقدار الذي يليق به ويناسبه { ثم أنشأناه خلقا آخر } أي ~~نفخنا فيه الروح بعد أن كان جمادا. وقيل أخرجناه إلى الدنيا. وقيل هو ~~نبات الشعر. وقيل خروج الأسنان. وقيل تكميل القوى المخلوقة فيه، ولا مانع ~~من إرادة الجميع، والمجيء ب " ثم " لكمال التفاوت بين الخلقين { ~~فتبارك الله أحسن الخلقين } أي استحق التعظيم ~~والثناء. وقيل مأخوذ من البركة، أي كثر خيره وبركته. والخلق في اللغة ~~التقدير، يقال خلقت الأديم إذا قسته لتقطع منه شيئا، فمعنى { أحسن ~~الخالقين } أتقن الصانعين المقدرين، ومنه قول الشاعر # ولأنت تفري ما خلقت وب عض القوم يخلق ثم لا يفري # { ثم إنكم بعد ذلك لميتون } الإشارة بقوله { ذلك ~~} إلى الأمور المتقدمة، أي ثم إنكم بعد تلك الأمور لميتون صائرون إلى ~~الموت لا محالة { ثم إنكم يوم القيمة تبعثون } من ~~قبوركم إلى المحشر للحساب والعقاب. # واللام في { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق } جواب ~~لقسم محذوف، والجملة مبتدأة مشتملة على بيان خلق ما يحتاجون إليه بعد ~~بيان خلقهم. والطرائق هي السموات. قال الخليل والفراء والزجاج سميت ~~طرائق لأنه طورق بعضها فوق بعض كمطارقة النعل. قال أبو عبيدة طارقت الشيء ~~جعلت بعضه فوق بعض، والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة. وقيل لأنها طرائق ~~الملائكة. وقيل لأنها طرائق الكواكب { وما كنا عن الخلق ~~غفلين } المراد بالخلق هنا المخلوق، أي وما كنا عن هذه السبع ~~الطرائق وحفظها عن أن تقع على الأرض بغافلين. وقال أكثر المفسرين المراد ~~الخلق كلهم بغافلين بل حفظنا السموات عن أن تسقط، وحفظنا من في ms2568 الأرض أن ~~تسقط السماء عليهم فتهلكهم أو تميد بهم الأرض، أو يهلكون بسبب من الأسباب ~~المستأصلة لهم، ويجوز أن يراد نفي الغفلة عن القيام بمصالحهم وما يعيشون ~~به، ونفي الغفلة عن حفظهم. { وأنزلنا من السماء ماء } هذا من ~~جملة ما امتن الله سبحانه به على خلقه. والمراد بالماء ماء المطر، فإن به ~~حياة الأرض وما فيها من الحيوان، ومن جملة ذلك ماء الأنهار النازلة من ~~السماء والعيون، والآبار المستخرجة من الأرض، فإن أصلها من ماء السماء. ~~وقيل أراد سبحانه في هذه الآية الأنهار الأربعة سيحان، وجيحان، والفرات، ~~والنيل، ولا وجه لهذا التخصيص. وقيل المراد به الماء العذب، ولا وجه لذلك ~~أيضا فليس في الأرض ماء إلا وهو من السماء، ومعنى { بقدر } بتقدير ~~منا أو بمقدار يكون به صلاح الزرع والثمار، فإنه لو كثر لكان به هلاك ~~ذلك، ومثله قوله سبحانه # وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا ~~بقدر معلوم # الحجر 21 ومعنى { فأسكناه في الأرض } جعلناه مستقرا فيها ~~ينتفعون به وقت حاجتهم إليه كالماء الذي يبقى في المستنقعات والغدران ~~ونحوها { وإنا على ذهاب به لقدرون } أي كما قدرنا على ~~إنزاله فنحن قادرون على أن نذهب به بوجه من الوجوه، ولهذا التنكير حسن ~~موقع لا يخفى، وفي هذا تهديد شديد لما يدل عليه من قدرته سبحانه على ~~إذهابه وتغويره حتى يهلك الناس بالعطش وتهلك مواشيهم، ومثله قوله # قل أرءيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بماء معين # الملك 30. ثم بين سبحانه ما يتسبب عن إنزال فقال { فأنشأنا لكم ~~به جنت من نخيل وأعنب } أي أوجدنا بذلك الماء جنات ~~من النوعين المذكورين { لكم فيها } أي في هذه الجنات { فوكه ~~كثيرة }. تتفكهون بها وتتطعمون منها، وقيل المعنى ومن هذه الجنات ~~وجوه أرزاقكم ومعاشكم كقوله فلان يأكل من حرفة كذا، وهو بعيد، واقتصر ~~سبحانه على النخيل والأعناب لأنها الموجودة بالطائف والمدينة وما يتصل ~~بذلك. # كذا قال ابن جرير. وقيل لأنها أشرف الأشجار ثمرة وأطيبها منفعة وطعما ~~ولذة. قيل المعنى بقوله { لكم فيها ms2569 فوكه } أن لكم في هذه ~~الجنات فواكه من غير العنب والنخيل. وقيل المعنى لكم في هذين النوعين ~~خاصة فواكه لأن فيهما أنواعا مختلفة متفاوتة في الطعم واللون. وقد اختلف ~~أهل الفقه في لفظ الفاكهة على ماذا يطلق؟ اختلافا كثيرا، وأحسن ما قيل ~~إنها تطلق على الثمرات التي يأكلها الناس، وليست بقوت لهم ولا طعام ولا ~~إدام. واختلف في البقول هل تدخل في الفاكهة أم لا؟ وانتصاب { شجرة } على ~~العطف على { جنات }. وأجاز الفراء الرفع على تقدير وثم شجرة فتكون مرتفعة ~~على الابتداء، وخبرها محذوف مقدر قبلها، وهو الظرف المذكور. قال الواحدي ~~المفسرون كلهم يقولون إن المراد بهذه الشجرة شجرة الزيتون، وخصت بالذكر، ~~لأنه لا يتعاهدها أحد بالسقي، وهي التي يخرج الدهن منها، فذكرها الله ~~سبحانه امتنانا منه على عباده بها ولأنها أكرم الشجر وأعمها نفعا ~~وأكثرها بركة، ثم وصف سبحانه هذه الشجرة بأنها { تخرج من طور ~~سيناء } وهو جبل ببيت المقدس، والطور الجبل في كلام العرب. وقيل هو ~~مما عرب من كلام العجم. واختلف في معنى سيناء فقيل هو الحسن. وقيل هو ~~المبارك، وذهب الجمهور إلى أنه اسم للجبل كما تقول جبل أحد. وقيل سيناء ~~حجر بعينه أضيف الجبل إليه لوجوده عنده. وقيل هو كل جبل يحمل الثمار. ~~وقرأ الكوفيون { سيناء } بفتح السين، وقرأ الباقون بكسر السين، ولم يصرف ~~لأنه جعل اسما للبقعة، وزعم الأخفش أنه أعجمي. وقرأ الجمهور { تنبت ~~بالدهن } بفتح المثناة وضم الباء الموحدة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم ~~المثناة وكسر الباء الموحدة. والمعنى على القراءة الأولى أنها تنبت في ~~نفسها متلبسة بالدهن، وعلى القراءة الثانية الباء بمعنى مع، فهي ~~للمصاحبة. قال أبو علي الفارسي التقدير تنبت جناها ومعه الدهن. وقيل ~~الباء زائدة، قاله أبو عبيدة، ومثله قول الشاعر # هن الحرائر لا ربات أحمرة سود المحاجر لا يقرأن بالسور # وقال آخر # نضرب بالسيف ونرجو بالفرج # وقال الفراء والزجاج إن نبت وأنبت بمعنى، والأصمعي ينكر أنبت، ويرد عليه ~~قول زهير # رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطينا لهم حتى ms2570 إذا أنبت البقل # أي نبت. وقرأ الزهري والحسن والأعرج " تنبت " بضم المثناة وفتح الموحدة. ~~قال الزجاج وابن جني أي تنبت ومعها الدهن، وقرأ ابن مسعود " تخرج " ~~بالدهن، وقرأ زر بن حبيش " تنبت الدهن " بحذف حرف الجر. وقرأ سليمان بن ~~عبد الملك والأشهب " بالدهان " { وصبغ للآكلين } معطوف على ~~الدهن، أي تنبت بالشيء الجامع بين كونه دهنا يدهن به. وكونه صبغا يؤتدم ~~به. قرأ الجمهور { صبغ } ، وقرأ قوم " صباغ " مثل لبس ولباس. # وكل إدام يؤتدم به فهو صبغ وصباغ. وأصل الصبغ ما يلون به الثوب، وشبه ~~الإدام به لأن الخبز يكون بالإدام كالمصبوغ به. { وإن لكم في ~~الانعم لعبرة } هذه من جملة النعم التي امتن الله بها عليهم. ~~وقد تقدم تفسير الأنعام في سورة النحل. قال النيسابوري في تفسيره ولعل ~~القصد بالأنعام هنا إلى الإبل خاصة لأنها هي المحمول عليها في العادة ~~ولأنه قرنها بالفلك وهي سفائن البر، كما أن الفلك سفائن البحر. وبين ~~سبحانه أنها عبرة لأنها مما يستدل بخلقها وأفعالها على عظيم القدرة ~~الإلهية، ثم فصل سبحانه ما في هذه الأنعام من النعم بعد ما ذكره من ~~العبرة فيها للعباد فقال { نسقيكم مما في بطونها } يعني ~~سبحانه اللبن المتكون في بطونها المنصب إلى ضروعها، فإن في انعقاد ما ~~تأكله من العلف واستحالته إلى هذا الغذاء اللذيذ، والمشروب النفيس أعظم ~~عبرة للمعتبرين، وأكبر موعظة للمتعظين. وقرىء { نسقيكم } بالنون على أن ~~الفاعل هو الله سبحانه، وقرىء بالتاء الفوقية على أن الفاعل هو الأنعام، ~~ثم ذكر ما فيها من المنافع إجمالا فقال { ولكم فيها منفع ~~كثيرة } يعني في ظهورها وألبانها وأولادها وأصوافها وأشعارها، ثم ذكر ~~منفعة خاصة فقال { ومنها تأكلون } لما في الأكل من عظيم ~~الانتفاع لهم. وكذلك ذكر الركوب عليها لما فيه من المنفعة العظيمة فقال { ~~وعليها وعلى الفلك تحملون } أي وعلى الأنعام، فإن أريد ~~بالأنعام الإبل والبقر والغنم، فالمراد وعلى بعض الأنعام، وهي الإبل ~~خاصة، وإن أريد بالأنعام الإبل خاصة، فالمعنى واضح. ثم لما كانت الأنعام ~~هي غالب ما يكون الركوب ms2571 عليه في البر ضم إليها ما يكون الركوب عليه في ~~البحر، فقال { وعلى الفلك تحملون } تميما للنعمة وتكميلا ~~للمنة. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال ~~السلالة صفو الماء الرقيق الذي يكون منه الولد. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن مسعود قال إن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في كل شعر وظفر فتمكث ~~أربعين يوما، ثم تنحدر في الرحم فتكون علقة. وللتابعين في تفسير السلالة ~~أقوال قد قدمنا الإشارة إليها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { ثم ~~أنشأناه خلقا آخر } قال الشعر والأسنان. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر عنه { أنشأناه خلقا آخر } قال نفخ فيه الروح، وكذا قال ~~مجاهد وعكرمة والشعبي والحسن وأبو العالية والربيع بن أنس والسدي ~~والضحاك وابن زيد، واختاره ابن جرير. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { ثم أنشأناه خلقا آخر } قال حين استوى ~~به الشباب. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن صالح أبي ~~الخليل قال لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوله { ~~ثم أنشأناه خلقا آخر } قال عمر { فتبارك الله أحسن ~~الخلقين } قال # " والذي نفسي بيده إنها ختمت بالذي تكلمت به يا عمر " # وأخرج الطيالسي وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أنس قال قال ~~عمر وافقت ربي في أربع، قلت يا رسول الله لو صلينا خلف المقام؟ فأنزل ~~الله # واتخذوا من مقام إبرهيم مصلى # البقرة 125. وقلت يا رسول الله، لو اتخذت على نسائك حجابا فإنه يدخل ~~عليك البر والفاجر، فأنزل الله # وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب # الأحزاب 53 وقلت لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم لتنتهن أو ليبدلنه ~~الله أزواجا خيرا منكن، فنزلت # عسى ربه إن طلقكن # التحريم 5 الآية، ونزلت { ولقد خلقنا الإنسن من ~~سللة } إلى قوله { ثم أنشأناه خلقا آخر } فقلت أنا { فتبارك ~~الله أحسن الخلقين }. وأخرج ابن راهويه وابن المنذر وابن ~~أبي ms2572 حاتم، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه عن زيد بن ثابت قال أملى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { ولقد خلقنا ~~الإنسن } إلى قوله { خلقا ءاخر } فقال معاذ بن جبل { ~~فتبارك الله أحسن الخلقين } فضحك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال له معاذ مم ضحكت يا رسول الله؟ قال # " بها ختمت { فتبارك الله أحسن الخلقين } " # وفي إسناده جابر الجعفي وهو ضعيف جدا. قال ابن كثير وفي خبره هذا نكارة ~~شديدة، وذلك أن هذه السورة مكية، وزيد بن ثابت إنما كتب الوحي بالمدينة، ~~وكذلك إسلام معاذ بن جبل إنما كان بالمدينة، والله أعلم. وأخرج ابن ~~مردويه والخطيب، قال السيوطي بسند ضعيف، عن ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار سيحون وهو نهر الهند، وجيحون ~~وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر، ~~أنزلها من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي ~~جبريل، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض، وجعلها منافع للناس في أصناف ~~معايشهم، فذلك قوله { وأنزلنا من السماء ماء بقدر ~~فأسكناه في الأرض } فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله ~~جبريل، فرفع من الأرض القرآن والعلم، والحجر من ركن البيت، ومقام ~~إبراهيم، وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع كل ذلك إلى ~~السماء، فذلك قوله { وإنا على ذهاب به لقدرون } فإذا ~~رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدنيا والآخرة " # وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس، قال طور سيناء هو الجبل الذي ~~نودي منه موسى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله { ~~تنبت بالدهن } قال هو الزيت يؤكل ويدهن به. ### || [23.23-41] # لما ذكر سبحانه الفلك أتبعه بذكر نوح لأنه أول من صنعه، وذكر ما صنعه ~~قوم نوح معه بسبب إهمالهم للتفكر في مخلوقات الله سبحانه والتذكر لنعمه ~~عليهم فقال { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } وفي ذلك ~~تعزية لرسول الله صلى الله ms2573 عليه وسلم، وتسلية له ببيان أن قوم غيره من ~~الأنبياء كانوا يصنعون مع أنبيائهم ما يصنعه قومه معه، واللام جواب قسم ~~محذوف { فقال يقوم اعبدوا الله } أي اعبدوه وحده ولا ~~تشركوا به شيئا كما يستفاد من الآيات الآخرة، وجملة { ما لكم من ~~إله غيره } واقعة موقع التعليل لما قبلها، وارتفاع { غيره } ~~لكونه وصفا لإله على المحل لأنه مبتدأ خبره لكم، أي ما لكم في الوجود ~~إله غيره سبحانه، وقرىء بالجر اعتبارا بلفظ إله { أفلا تتقون ~~} أي أفلا تخافون أن تتركوا عبادة ربكم الذي لا يستحق العبادة غيره، ~~وليس لكم إله سواه. وقيل المعنى أفلا تخافون أن يرفع عنكم ما خولكم من ~~النعم ويسلبها عنكم. وقيل المعنى أفلا تقون أنفسكم عذابه الذي تقتضيه ~~ذنوبكم. { فقال الملا الذين كفروا من قومه } أي قال ~~أشراف قومه الذين كفروا به { ما هذا إلا بشر مثلكم } أي ~~من جنسكم في البشرية، لا فرق بينكم وبينه { يريد أن يتفضل ~~عليكم } أي يطلب الفضل عليكم بأن يسودكم حتى تكونوا تابعين له ~~منقادين لأمره، ثم صرحوا بأن البشر لا يكون رسولا فقالوا { ولو شاء ~~الله لانزل ملئكة } أي لو شاء الله إرسال رسول لأرسل ~~ملائكة، وإنما عبر بالإنزال عن الإرسال لأن إرسالهم إلى العباد يستلزم ~~نزولهم إليهم { ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين } أي بمثل دعوى هذا ~~المدعي للنبوة من البشر، أو بمثل كلامه، وهو الأمر بعبادة الله وحده أو ~~ما سمعنا ببشر يدعي هذه الدعوى في آبائنا الأولين، أي في الأمم الماضية ~~قبل هذا. وقيل الباء في { بهذا } زائدة، أي ما سمعنا هذا كائنا في ~~الماضين، قالوا هذا اعتمادا منهم على التقليد واعتصاما بحبله. ولم ~~يقنعوا بذلك حتى ضموا إليه الكذب البحت، والبهت الصراح فقالوا { إن ~~هو إلا رجل به جنة } أي جنون لا يدري ما يقول { ~~فتربصوا به حتى حين } أي انتظروا به حتى يستبين أمره، بأن ~~يفيق من جنونه فيترك هذه الدعوى، أو حتى يموت فتستريحوا منه. قال الفراء ~~ليس يريد بالحين هنا وقتا بعينه ms2574 إنما هو كقولهم دعه إلى يوم ما. فلما ~~سمع عليه الصلاة والسلام كلامهم وعرف تماديهم على الكفر وإصرارهم عليه { ~~قال رب انصرني } عليهم فانتقم منهم بما تشاء وكيف تريد، والباء في ~~{ بما كذبون } للسببية، أي بسبب تكذيبهم إياي. # { فأوحينا إليه } عند ذلك أي أرسلنا إليه رسولا من السماء { ~~أن اصنع الفلك } وأن هي مفسرة لما في الوحي من معنى القول { ~~بأعيننا } أي متلبسا بحفظنا وكلاءتنا، وقد تقدم بيان هذا في هود. ~~ومعنى { ووحينا } أمرنا لك وتعليمنا إياك لكيفية صنعها، والفاء في ~~قوله { فإذا جاء أمرنا } لترتيب ما بعدها على ما قبلها من صنع ~~الفلك، والمراد بالأمر العذاب { وفار التنور } معطوف على الجملة ~~التي قبله عطف النسق وقيل عطف البيان، أي إن مجيء الأمر هو فور التنور، ~~أي تنور آدم الصائر إلى نوح، أي إذا وقع ذلك { فاسلك فيها من كل ~~زوجين اثنين } أي ادخل فيها، يقال سلكه في كذا أدخله وأسلكته ~~أدخلته. قرأ حفص { من كل } بالتنوين، وقرأ الباقون بالإضافة، ومعنى ~~القراءة الأولى من كل أمة زوجين، ومعنى الثانية من كل زوجين، وهما أمة ~~الذكر والأنثى اثنين، وانتصاب { أهلك } بفعل معطوف على { فاسلك } لا ~~بالعطف على زوجين، أو على { اثنين } على القراءتين لأدائه إلى اختلاف ~~المعنى، أي واسلك أهلك { إلا من سبق عليه القول منهم ~~} أي القول بإهلاكهم منهم { ولا تخطبني في الذين ظلموا ~~} بالدعاء لهم بإنجائهم، وجملة { إنهم مغرقون } تعليل للنهي ~~عن المخاطبة أي إنهم مقضي عليهم بالإغراق لظلمهم، ومن كان هكذا فهو لا ~~يستحق الدعاء له. { فإذا استويت } أي علوت { أنت ومن معك ~~} من أهلك وأتباعك { على الفلك } راكبين عليه { فقل الحمد ~~لله الذي نجانا من القوم الظلمين } أي حال بيننا ~~وبينهم، وخلصنا منهم، كقوله # فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ~~رب العلمين # الأنعام 45. وقد تقدم تفسير هذه القصة في سورة هود على التمام والكمال، ~~وإنما جعل سبحانه استواءهم على السفينة نجاة من الغرق جزما لأنه قد سبق ~~في علمه أن ذلك سبب نجاتهم من الظلمة، وسلامتهم ms2575 من أن يصابوا بما أصيبوا ~~به من العذاب. ثم أمره أن يسأل ربه ما هو أنفع له وأتم فائدة فقال { ~~وقل رب أنزلني منزلا مباركا } أي أنزلني في السفينة. ~~قرأ الجمهور { منزلا } بضم الميم وفتح الزاي على أنه مصدر. وقرأ زر بن ~~حبيش وأبو بكر عن عاصم والمفضل بفتح الميم وكسر الزاي على أنه اسم مكان. ~~فعلى القراءة الأولى أنزلني إنزالا مباركا، وعلى القراءة الثانية ~~أنزلني مكانا مباركا، قال الجوهري والمنزل بفتح الميم والزاي النزول، ~~وهو الحلول، تقول نزلت نزولا ومنزلا. قال الشاعر # أإن ذكرتك الدار منزلها جمل بكيت فدمع العين منحدر سجل # بنصب منزلها لأنه مصدر. قيل أمره الله سبحانه بأن يقول هذا القول عند ~~دخوله السفينة. وقيل عند خروجه منها، والآية تعليم من الله لعباده إذا ~~ركبوا ثم نزلوا أن يقولوا هذا القول { وأنت خير المنزلين } ~~هذا ثناء منه على الله عز وجل إثر دعائه له. # قال الواحدي قال المفسرون إنه أمر أن يقول عند استوائه على الفلك الحمد ~~لله، وعند نزوله منها رب أنزلني منزلا مباركا، والإشارة بقوله { إن ~~في ذلك } إلى ما تقدم مما قصه الله علينا من أمر نوح عليه السلام ~~والآيات الدلالات على كمال قدرته سبحانه، والعلامات التي يستدل بها على ~~عظيم شأنه { وإن كنا لمبتلين } أي لمختبرين لهم بإرسال الرسل ~~إليهم ليظهر المطيع والعاصي للناس أو للملائكة. وقيل المعنى إنه يعاملهم ~~سبحانه معاملة المختبر لأحوالهم، تارة بالإرسال، وتارة بالعذاب. { ثم ~~أنشأنا من بعدهم قرنا ءاخرين } أي من بعد إهلاكهم. قال ~~أكثر المفسرين إن هؤلاء الذين أنشأهم الله بعدهم هم عاد قوم هود، لمجيء ~~قصتهم على إثر قصة نوح في غير هذا الموضع، ولقوله في الأعراف # واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح # الأعراف 69. وقيل هم ثمود لأنهم الذين أهلكوا بالصيحة. وقد قال سبحانه ~~في هذه القصة # فأخذتهم الصيحة # الحجر 73 و83. وقيل هم أصحاب مدين قوم شعيب لأنهم ممن أهلك بالصيحة { ~~فأرسلنا فيهم رسولا } عدى فعل الإرسال بفي مع أنه يتعدى ~~بإلى ms2576 للدلالة على أن هذا الرسول المرسل إليهم نشأ فيهم بين أظهرهم، ~~يعرفون مكانه ومولده، ليكون سكونهم إلى قوله أكثر من سكونهم إلى من ~~يأتيهم من غير مكانهم. وقيل وجه التعدية للفعل المذكور بفي أنه ضمن معنى ~~القول، أي قلنا لهم على لسان الرسول { اعبدوا الله } ولهذا جيء ~~بأن المفسرة. والأول أولى لأن تضمين أرسلنا معنى قلنا لا يستلزم تعديته ~~بفي، وجملة { ما لكم من إله غيره } تعليل للأمر بالعبادة { ~~أفلا تتقون } عذابه الذي يقتضيه شرككم. { وقال الملأ من ~~قومه } أي أشرافهم وقادتهم. ثم وصف الملأ بالكفر والتكذيب فقال { ~~الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة } أي كذبوا بما في ~~الآخرة من الحساب والعقاب، أو كذبوا بالبعث { وأترفنهم } أي ~~وسعنا لهم نعم الدنيا فبطروا بسبب ما صاروا فيه { في الحياة الدنيا } من ~~كثرة الأموال ورفاهة العيش { ما هذا إلا بشر مثلكم } أي ~~قال الملأ لقومهم هذا القول، وصفوه بمساواتهم في البشرية، وفي الأكل { ~~مما تأكلون منه } والشرب { مما تشربون } منه، وذلك يستلزم ~~عندهم أنه لا فضل له عليهم. قال الفراء إن معنى { ويشرب مما ~~تشربون } على حذف منه أي مما تشربون منه وقيل إن ما مصدرية، فلا ~~تحتاج إلى عائد. { ولئن أطعتم بشرا مثلكم } فيما ذكر من ~~الأوصاف { إنكم إذا لخسرون } أي مغبونون بترككم آلهتكم ~~واتباعكم إياه من غير فضيلة له عليكم. والاستفهام في قوله { أيعدكم ~~أنكم إذا متم } للإنكار، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها من ~~تقبيح اتباعهم له. # قرىء بكسر الميم من { متم } ، من مات يمات كخاف يخاف، وقرىء بضمها من ~~مات يموت، كقال يقول. { وكنتم ترابا وعظما } أي كان بعض ~~أجزائكم ترابا، وبعضها عظاما نخرة لا لحم فيها ولا أعصاب عليها. وقيل ~~وتقديم التراب لكونه أبعد في عقولهم. وقيل المعنى كان متقدموكم ترابا، ~~ومتأخروكم عظاما { أنكم مخرجون } أي من قبوركم أحياء كما ~~كنتم، قال سيبويه " أن " الأولى في موضع نصب بوقوع أيعدكم عليها، وأن ~~الثانية بدل منها. وقال الفراء والجرمي والمبرد إن " أن " الثانية ~~مكررة للتوكيد، وحسن تكريرها لطول الكلام، وبمثله ms2577 قال الزجاج. وقال ~~الأخفش " أن " الثانية في محل رفع بفعل مضمر، أي يحدث إخراجكم كما تقول ~~اليوم القتال، فالمعنى اليوم يحدث القتال. { هيهات هيهات لما ~~توعدون } أي بعد ما توعدون، أو بعيد ما توعدون، والتكرير للتأكيد. ~~قال ابن الأنباري وفي هيهات عشر لغات ثم سردها، وهي مبينة في علم النحو. ~~وقد قرىء ببعضها، واللام في { لما توعدون } لبيان المستبعد كما في قولهم ~~هيت لك، كأنه قيل لماذا هذا الاستبعاد؟ فقيل لما توعدون. والمعنى بعد ~~إخراجكم للوعد الذي توعدون، هذا على أن هيهات اسم فعل، وقال الزجاج هو في ~~تقدير المصدر، أي البعد لما توعدون، أو بعد لما توعدون، على قراءة من ~~نون فتكون على هذا مبتدأ خبره { لما توعدون }. ثم بين سبحانه إترافهم ~~بأنهم قالوا { إن هي إلا حياتنا الدنيا } أي ما الحياة ~~إلا حياتنا الدنيا، لا الحياة الآخرة التي تعدنا بها، وجملة { نموت ~~ونحيا } مفسرة لما ادعوه من قصرهم حياتهم على حياة الدنيا. ثم صرحوا ~~بنفي البعث، وأن الوعد به منه افتراء على الله فقالوا { وما نحن ~~بمبعوثين * إن هو إلا رجل افترى على الله ~~كذبا } أي ما هو فيما يدعيه إلا مفتر للكذب على الله { وما نحن ~~له بمؤمنين } أي بمصدقين له فيما يقوله. { قال رب انصرنى ~~} أي قال نبيهم لما علم بأنهم لا يصدقونه ألبتة رب انصرني عليهم وانتقم ~~لي منهم بسبب تكذيبهم إياي. { قال عما قليل ليصبحن ~~ندمين } أي قال الله سبحانه مجيبا لدعائه واعدا له بالقبول لما ~~دعا به عما قليل من الزمان ليصبحن نادمين على ما وقع منهم من التكذيب ~~والعناد والإصرار على الكفر. و «ما» في { عما قليل } مزيدة بين الجار ~~والمجرور للتوكيد لقلة الزمان كما في قوله # فبما رحمة من الله # آل عمران 159. ثم أخبر سبحانه بأنها { أخذتهم الصيحة } وحاق ~~بهم عذابه ونزل عليهم سخطه. قال المفسرون صاح بهم جبريل صيحة واحدة مع ~~الريح التي أهلكهم الله بها فماتوا جميعا. # وقيل الصيحة هي نفس العذاب الذي نزل بهم، ومنه قول الشاعر # صاح ms2578 الزمان بآل برمك صيحة خروا لشدتها على الأذقان # والباء في { بالحق } متعلق بالأخذ، ثم أخبر سبحانه عما صاروا إليه بعد ~~العذاب النازل بهم فقال { فجعلنهم غثاء } أي كغثاء السيل الذي ~~يحمله والغثاء ما يحمله، والغثاء ما يحمل السيل من بالي الشجر والحشيش ~~والقصب ونحو ذلك مما يحمله على ظاهر الماء. والمعنى صيرهم هلكى فيبسوا ~~كما يبس الغثاء { فبعدا للقوم الظلمين } انتصاب { بعدا ~~} على المصدرية وهو من المصادر التي لا يذكر فعلها معها، أي بعدوا بعدا، ~~واللام لبيان من قيل له ذلك. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { فاسلك فيها } يقول اجعل معك في السفينة { من كل ~~زوجين اثنين }. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { وقل رب أنزلني منزلا ~~مباركا } قال لنوح حين أنزل من السفينة. وأخرج هؤلاء عن قتادة في ~~الآية قال يعلمكم سبحانه كيف تقولون إذا ركبتم، وكيف تقولون إذا نزلتم. ~~أما عند الركوب # فسبحن الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون # الزخرف 13، 14، # بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم # هود 41. وعند النزول { رب أنزلني منزلا مباركا وأنت ~~خير المنزلين }. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله { ~~قرنا } قال أمة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { هيهات هيهات } قال بعيد بعيد. وأخرج ابن جرير عنه ~~في قوله { فجعلنهم غثاء } قال جعلوا كالشيء الميت البالي من ~~الشجر. ### || [23.42-56] # قوله { ثم أنشأنا من بعدهم } أي من بعد إهلاكهم { قرونا ~~ءاخرين } قيل هم قوم صالح ولوط وشعيب كما وردت قصتهم على هذا الترتيب ~~في الأعراف وهود، وقيل هم بنو إسرائيل. والقرون الأمم، ولعل وجه الجمع ~~هنا للقرون والإفراد فيما سبق قريبا أنه أراد ها هنا أمما متعددة ~~وهناك أمة واحدة. ثم بين سبحانه كمال علمه وقدرته في شأن عباده فقال { ~~ما تسبق من أمة أجلها وما يستئخرون } أي ما ~~تتقدم كل ms2579 طائفة مجتمعة في قرن آجالها المكتوبة لها في الهلاك ولا تتأخر ~~عنها، ومثل ذلك قوله تعالى # فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # النحل 61. ثم بين سبحانه أن رسله كانوا بعد هذه القرون متواترين، وأن ~~شأن أممهم كان واحدا في التكذيب لهم فقال { ثم أرسلنا رسلنا ~~تترا } والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها بمعنى أن إرسال كل رسول ~~متأخر عن إنشاء القرن الذي أرسل إليه، لا على معنى أن إرسال الرسل ~~جميعا متأخر عن إنشاء تلك القرون جميعا، ومعنى { تترا } تتواتر واحدا ~~بعد واحد ويتبع بعضهم بعضا، من الوتر وهو الفرد. قال الأصمعي واترت كتبي ~~عليه أتبعت بعضها بعضا إلا أن بين كل واحد منها وبين الآخر مهلة. وقال ~~غيره المتواترة المتتابعة بغير مهلة. قرأ ابن كثير، وابن عمرو " تترى " ~~بالتنوين على أنه مصدر. قال النحاس وعلى هذا يجوز " تترى " بكسر التاء ~~الأولى لأن معنى { ثم أرسلنا } واترنا، ويجوز أن يكون في موضع الحال، أي ~~متواترين { كل ما جاء أمة رسولها كذبوه } هذه الجملة ~~مستأنفة مبينة لمجيء كل رسول لأمته على أن المراد بالمجيء التبليغ { ~~فأتبعنا بعضهم بعضا } أي في الهلاك بما نزل بهم من العذاب ~~{ وجعلنهم أحاديث } الأحاديث جمع أحدوثة، وهي ما يتحدث به ~~الناس كالأعاجيب جمع أعجوبة، وهي ما يتعجب الناس منه. قال الأخفش إنما ~~يقال جعلناهم أحاديث في الشر، ولا يقال في الخير، كما يقال صار فلان ~~حديثا، أي عبرة، وكما قال سبحانه في آية أخرى # فجعلنهم أحاديث ومزقنهم كل ممزق # سبأ 19. قلت وهذه الكلية غير مسلمة فقد يقال صار فلان حديثا حسنا، ~~ومنه قول ابن دريد في مقصورته # وإنما المرء حديث بعده فكن حديثا حسنا لمن روى # { فبعدا لقوم لا يؤمنون } وصفهم هنا بعدم الإيمان، وفيما ~~سبق قريبا بالظلم لكون كل من الوصفين صادرا عن كل طائفة من الطائفتين، ~~أو لكون هؤلاء لم يقع منهم إلا مجرد عدم التصديق، وأولئك ضموا إليه تلك ~~الأقوال الشنيعة التي هي من أشد الظلم وأفظعه. ثم حكى سبحانه ما ms2580 وقع من ~~فرعون وقومه عند إرسال موسى وهارون إليهم فقال { ثم أرسلنا ~~موسى وأخاه هرون بئايتنا } هي التسع المتقدم ذكرها ~~غير مرة، ولا يصح عد فلق البحر منها هنا لأن المراد الآيات التي كذبوا ~~بها واستكبروا عنها. # والمراد بالسلطان المبين الحجة الواضحة البينة. قيل هي الآيات التسع ~~نفسها،والعطف من باب # إلى الملك القرم وابن الهمام # وقيل أراد العصي لأنها أم الآيات، فيكون من باب عطف جبريل على ~~الملائكة. وقيل المراد بالآيات التي كانت لهما، وبالسلطان الدلائل. ~~المبين التسع الآيات، والمراد بالملأ في قوله { إلى فرعون ~~وملإيه } هم الأشراف منهم كما سبق بيانه غير مرة { عاد ~~فاستكبروا } أي طلبوا الكبر وتكلفوه فلم ينقادوا للحق { ~~وكانوا قوما علين } قاهرين للناس بالبغي والظلم، مستعلين ~~عليهم، متطاولين كبرا وعنادا وتمردا، وجملة { فقالوا أنؤمن ~~لبشرين مثلنا } معطوفة على جملة { استكبروا } وما بينهما ~~اعتراض، والاستفهام للإنكار، أي كيف نصدق من كان مثلنا في البشرية؟ ~~والبشر يطلق على الواحد كقوله # بشرا سويا # مريم 17 كما يطلق على الجمع كما في قوله # فإما ترين من البشر أحدا # مريم 26. فتثنيته هنا هي باعتبار المعنى الأول، وأفرد المثل لأنه في حكم ~~المصدر، ومعنى { وقومهما لنا عبدون } أنهم مطيعون لهم ~~منقادون لما يأمرونهم به كانقياد العبيد. قال المبرد العابد المطيع ~~الخاضع. قال أبو عبيدة العرب تسمي كل من دان الملك عابدا له. وقيل يحتمل ~~أنه كان يدعي الإلهية فدعى الناس إلى عبادته فأطاعوه، واللام في { ~~لنا } متعلقة ب { عابدون } ، قدمت عليه لرعاية الفواصل، والجملة ~~حالية { فكذبوهما } أي فأصروا على تكذيبهما. { فكانوا من ~~المهلكين } بالغرق في البحر. ثم حكى سبحانه ما جرى على قوم موسى ~~بعد إهلاك عدوهم فقال { ولقد ءاتينا موسى الكتب } يعني ~~التوراة، وخص موسى بالذكر لأن التوراة أنزلت عليه في الطور، وكان هارون ~~خليفته في قومه. { لعلهم يهتدون } أي لعل قوم موسى يهتدون ~~بها إلى الحق، ويعملون بما فيها من الشرائع، فجعل سبحانه إيتاء موسى ~~إياها إيتاء لقومه لأنها وإن كانت منزلة على موسى فهي لإرشاد قومه. وقيل ~~إن ms2581 ثم مضافا محذوفا أقيم المضاف إليه مقامه، أي آتينا قوم موسى ~~الكتاب. وقيل إن الضمير في { لعلهم } يرجع إلى فرعون وملائه، وهو ~~وهم لأن موسى لم يؤت التوراة إلا بعد إهلاك فرعون وقومه، كما قال سبحانه # ولقد ءاتينا موسى الكتب من بعد ما أهلكنا ~~القرون الأولى # القصص 43. ثم أشار سبحانه إلى قصة عيسى إجمالا فقال { وجعلنا ~~ابن مريم وأمه ءاية } أي علامة تدل على عظيم قدرتنا، ~~وبديع صنعنا، وقد تقدم الكلام على هذا في آخر سورة الأنبياء في تفسير ~~قوله سبحانه # وجعلنها وابنها ءاية للعلمين # الأنبياء 91. ومعنى قوله { وآويناهما إلى ربوة } إلى مكان مرتفع، أي ~~جعلناهما يأويان إليها. # قيل هي أرض دمشق، وبه قال عبد الله بن سلام وسعيد بن المسيب ومقاتل. ~~وقيل بيت المقدس، قاله قتادة وكعب وقيل أرض فلسطين، قاله السدي. { ذات ~~قرار } أي ذات مستقر يستقر عليه ساكنوه { ومعين } أي وماء معين. ~~قال الزجاج هو الماء الجاري في العيون، فالميم على هذا زائدة كزيادتها في ~~منبع. وقيل هو فعيل بمعنى مفعول. قال علي بن سليمان الأخفش معن الماء ~~إذا جرى فهو معين وممعون وكذا قال ابن الأعرابي وقيل هو مأخوذ من ~~الماعون، وهو النفع، وبمثل ما قال الزجاج قال الفراء { يأيها ~~الرسل كلوا من الطيبت } قال الزجاج هذه مخاطبة لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ودل الجمع على أن الرسل كلهم كذا أمروا وقيل إن ~~هذه المقالة خوطب بها كل نبي، لأن هذه طريقتهم التي ينبغي لهم الكون ~~عليها، فيكون المعنى وقلنا يا أيها الرسل خطابا لكل واحد على انفراده، ~~لاختلاف أزمنتهم. وقال ابن جرير إن الخطاب لعيسى. وقال الفراء هو كما ~~تقول للرجل الواحد كفوا عنا، و { الطيبات } ما يستطاب ويستلذ، وقيل هي ~~الحلال، وقيل هي ما جمع الوصفين المذكورين. ثم بعد أن أمرهم بالأكل من ~~الطيبات أمرهم بالعمل الصالح فقال { واعملوا صلحا } أي عملا ~~صالحا وهو ما كان موافقا للشرع، ثم علل هذا الأمر بقوله { إني بما ~~تعملون عليم } لا يخفى علي شيء منه، وإني ms2582 مجازيكم على حسب ~~أعمالكم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. { وإن هذه أمتكم ~~أمة وحدة } هذا من جملة ما خوطب به الأنبياء، والمعنى أن هذه ~~ملتكم وشريعتكم أيها الرسل ملة واحدة، وشريعة متحدة يجمعها أصل هو أعظم ~~ما بعث الله به أنبياءه وأنزل فيه كتبه، وهو دعاء جميع الأنبياء إلى ~~عبادة الله وحده لا شريك له. وقيل المعنى إن هذا الذي تقدم ذكره هو ~~دينكم وملتكم فالزموه على أن المراد بالأمة هنا الدين، كما في قوله # إنا وجدنا ءاباءنا على أمة # الزخرف 22، ومنه قول النابغة # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع # قرىء بكسر " إن " على الاستئناف المقرر لما تقدمه، وقرىء بفتحها ~~وتشديدها. قال الخليل هي في موضع نصب لما زال الخافض، أي أنا عالم بأن ~~هذا دينكم الذي أمرتكم أن تؤمنوا به. وقال الفراء إن متعلقة بفعل مضمر، ~~وتقديره واعلموا أن هذه أمتكم. وقال سيبويه هي متعلقة ب { اتقون } ، ~~والتقدير فاتقون لأن أمتكم أمة واحدة، والفاء في { فاتقون } لترتيب ~~الأمر بالتقوى على ما قبله من كونه ربكم المختص بالربوبية، أي لا تفعلوا ~~ما يوجب العقوبة عليكم مني بأن تشركوا بي غيري، أو تخالفوا ما أمرتكم به ~~أو نهيتكم عنه. # ثم ذكر سبحانه ما وقع من الأمم من مخالفتهم لما أمرهم به الرسل فقال { ~~فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا } والفاء لترتيب عصيانهم ~~على ما سبق من الأمر بالتقوى، والضمير يرجع إلى ما يدل عليه لفظ الأمة، ~~والمعنى أنهم جعلوا دينهم مع اتحاده قطعا متفرقة مختلفة. قال المبرد ~~زبرا فرقا وقطعا مختلفة، واحدها زبور، وهي الفرقة والطائفة، ومثله ~~الزبرة وجمعها زبر، فوصف سبحانه الأمم بأنهم اختلفوا، فاتبعت فرقة ~~التوراة، وفرقة الزبور، وفرقة الإنجيل ثم حرفوا وبدلوا، وفرقة مشركة ~~تبعوا ما رسمه لهم آباؤهم من الضلال. قرىء " زبرا " بضم الباء جمع زبور، ~~وقرىء بفتحها، أي قطعا كقطع الحديد { كل حزب بما لديهم ~~فرحون } أي كل فريق من هؤلاء المختلفين { بما لديهم } أي بما عندهم ~~من الدين { فرحون } أي معجبون ms2583 به. { فذرهم فى غمرتهم حتى ~~حين } أي اتركهم في جهلهم، فليسوا بأهل للهداية، ولا يضق صدرك بتأخير ~~العذاب عنهم، فلكل شيء وقت. شبه سبحانه ما هم فيه من الجهل بالماء الذي ~~يغمر من دخل فيه. والغمرة في الأصل ما يغمرك ويعلوك، وأصله الستر. والغمر ~~الماء الكثير لأنه يغطي الأرض، وغمر الرداء هو الذي يشمل الناس بالعطاء، ~~ويقال للحقد الغمر، والمراد هنا الحيرة والغفلة والضلالة، والآية خارجة ~~مخرج التهديد لهم، لا مخرج الأمر له صلى الله عليه وسلم بالكف عنهم، ~~ومعنى { حتى حين } حتى يحضر وقت عذابهم بالقتل، أو حتى يموتوا على ~~الكفر فيعذبون في النار. { أيحسبون أنما نمدهم به من ~~مال وبنين } أي أيحسبون إنما نعطيهم في هذه الدنيا من الأموال ~~والبنين. { نسارع } به { لهم } فيما فيه خيرهم وإكرامهم، والهمزة ~~للإنكار، والجواب عن هذا مقدر يدل عليه قوله { بل لا يشعرون } ~~لأنه عطف على مقدر ينسحب إليه الكلام، أي كلا لا نفعل ذلك بل هم لا ~~يشعرون بشيء أصلا كالبهائم التي لا تفهم ولا تعقل، فإن ما خولناهم من ~~النعم وأمددناهم به من الخيرات إنما هو استدراج لهم ليزدادوا إثما، كما ~~قال سبحانه # إنما نملي لهم ليزدادوا إثما # آل عمران 178. قال الزجاج المعنى نسارع لهم به في الخيرات، فحذفت به، و ~~" ما " في { إنما } موصولة، والرابط هو هذا المحذوف. وقال الكسائي إن ~~أنما هنا حرف واحد فلا يحتاج إلى تقدير رابط. قيل يجوز الوقف على بنين. ~~وقيل لا يحسن، لأن يحسبون يحتاج إلى مفعولين، فتمام المفعولين في ~~الخيرات. قال ابن الأنباري وهذا خطأ لأن " ما " كافة. وقرأ أبو عبد ~~الرحمن السلمي وعبد الرحمن ابن أبي بكرة " يسارع " بالياء التحتية على ~~أن فاعله ما يدل عليه أمددنا، وهو الإمداد، ويجوز أن يكون المعنى يسارع ~~الله لهم. وقرأ الباقون " نسارع " بالنون. # قال الثعلبي وهذه القراءة هي الصواب لقوله نمدهم. وقد أخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ثم أرسلنا ~~رسلنا } قال يتبع بعضهم بعضا. وفي لفظ ms2584 قال بعضهم على إثر بعض. وأخرج ~~عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة ~~{ يهتدون وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية } قال ولدته ~~من غير أب. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن { أنس } آية قال عبرة. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { وآويناهما إلى ربوة } قال الربوة ~~المستوية، والمعين الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله # قد جعل ربك تحتك سريا # مريم 24. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه { وآويناهما ~~إلى ربوة } قال هي المكان المرتفع من الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات ~~{ ذات قرار } ذات خصب. والمعين الماء الظاهر. وأخرج وكيع والفريابي ~~وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وتمام الرازي وابن ~~عساكر. قال السيوطي بسند صحيح عن ابن عباس في قوله { إلى ربوة } ~~قال أنبئنا أنها دمشق. وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن سلام مثله. وكذا ~~أخرجه ابن أبي حاتم عنه. وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة مرفوعا نحوه، ~~وإسناده ضعيف. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وابن ~~مردويه وابن عساكر عن مرة البهزي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " الربوة الرملة " # وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم في ~~الكنى، وابن عساكر عن أبي هريرة قال هي الرملة من فلسطين. وأخرجه ابن ~~مردويه من حديثه مرفوعا. وأخرج الطبراني وابن السكن وابن منده وأبو نعيم ~~وابن عساكر عن الأقرع بن شفي العكي مرفوعا نحوه. وأخرج أحمد ومسلم ~~وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين ~~بما أمر به المرسلين، فقال { يأيها الرسل كلوا من ~~الطيبت واعملوا صلحا إني بما تعملون عليم ~~}. وقال { يأيها الذين ءامنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقنكم } البقرة 172 " # ثم ذكر # " الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه حرام، ومشربه ms2585 حرام، وملبسه حرام، ~~وغذي بالحرام، يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، فأنى يستجاب لذلك " # وأخرج سعيد بن منصور عن حفص الفزاري في قوله { يأيها الرسل ~~كلوا من الطيبت } قال ذلك عيسى بن مريم يأكل من غزل أمه. ~~وأخرجه عبدان في الصحابة عن حفص مرفوعا، وهو مرسل لأن حفصا تابعي. ### || [23.57-67] # لما نفي سبحانه الخيرات الحقيقية عن الكفرة المتنعمين أتبع ذلك بذكر من ~~هو أهل للخيرات عاجلا وآجلا فوصفهم بصفات أربع الأولى قوله { إن ~~الذين هم من خشية ربهم مشفقون } الإشفاق الخوف، تقول ~~أنا مشفق من هذا الأمر، أي خائف. قيل الإشفاق هو الخشية، فظاهر ما في ~~الآية التكرار. وأجيب بحمل الخشية على العذاب، أي من عذاب ربهم خائفون، ~~وبه قال الكلبي ومقاتل. وأجيب أيضا بحمل الإشفاق على ما هو أثر له وهو ~~الدوام على الطاعة، أي الذين هم من خشية ربهم دائمون على طاعته. وأجيب ~~أيضا بأن الإشفاق كمال الخوف فلا تكرار. وقيل هو تكرار للتأكيد. والصفة ~~الثانية قوله { والذين هم بئايت ربهم يؤمنون } ~~قيل المراد بالآيات هي التنزيلية. وقيل هي التكوينية. وقيل مجموعهما. قيل ~~وليس المراد بالإيمان بها هو التصديق بوجودها فقط. فإن ذلك معلوم ~~بالضرورة ولا يوجب المدح، بل المراد التصديق بكونها دلائل وأن مدلولها ~~حق. والصفة الثالثة قوله { والذين هم بربهم لا يشركون } ~~أي يتركون الشرك تركا كليا ظاهرا وباطنا. والصفة الرابعة قوله { ~~والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة أنهم ~~إلى ربهم رجعون } أي يعطون ما أعطوا وقلوبهم خائفة من أجل ذلك ~~الإعطاء يظنون أن ذلك لا ينجيهم من عذاب الله، وجملة { وقلوبهم ~~وجلة } في محل نصب على الحال، أي والحال أن قلوبهم خائفة أشد الخوف. ~~قال الزجاج قلوبهم خائفة لأنهم إلى ربهم راجعون، وسبب الوجل هو أن يخافوا ~~أن لا يقبل منهم ذلك على الوجه المطلوب، لا مجرد رجوعهم إليه سبحانه. ~~وقيل المعنى أن من اعتقد الرجوع إلى الجزاء والحساب وعلم أن المجازي ~~والمحاسب هو الرب الذي لا تخفى عليه خافية لم يخل من ms2586 وجل. وقرأت عائشة ~~وابن عباس والنخعي " يأتون ما أتوا " مقصورا من الإتيان. قال ~~الفراء ولو صحت هذه القراءة لم تخالف قراءة الجماعة لأن من العرب من يلزم ~~في الهمز الألف في كل الحالات. قال النحاس ومعنى هذه القراءة يعملون ما ~~عملوا. والإشارة بقوله { أولئك } إلى المتصفين بهذه الصفات، ومعنى ~~{ يسرعون في الخيرت } يبادرون بها. قال الفراء والزجاج ~~ينافسون فيها، وقيل يسابقون، وقرىء " يسرعون ". { وهم لها ~~سبقون } اللام للتقوية، والمعنى هم سابقون إياها. وقيل اللام بمعنى ~~إلى، كما في قوله # بأن ربك أوحى لها # الزلزلة 5. أي أوحى إليها، وأنشد سيبويه قول الشاعر # تجانف عن أهل اليمامة ناقتي وما قصدت من أهلها لسوائكا # أي إلى سوائكا. وقيل المفعول محذوف، والتقدير وهم سابقون الناس لأجلها. ~~ثم لما انجر الكلام إلى ذكر أعمال المكلفين ذكر لهما حكمين الأول قوله { ~~ولا نكلف نفسا إلا وسعها } الوسع هو الطاقة، وقد تقدم ~~بيان هذا في آخر سورة البقرة. # وفي تفسير الوسع قولان الأول أنه الطاقة، كما فسره بذلك أهل اللغة. ~~الثاني أنه دون الطاقة، وبه قال مقاتل والضحاك والكلبي. والمعتزلة قالوا ~~لأن الوسع إنما سمي وسعا لأنه يتسع على فاعله فعله ولا يضيق عليه، فمن ~~لم يستطع الجلوس فليوم إيماء، ومن لم يستطع الصوم فليفطر. وهذه الجملة ~~مستأنفة للتحريض على ما وصف به السابقون من فعل الطاعات المؤدي إلى نيل ~~الكرامات ببيان سهولته وكونه غير خارج عن حد الوسع والطاقة، وأن ذلك ~~عادة الله سبحانه في تكليف عباده، وجملة { ولدينا كتاب ينطق ~~بالحق } من تمام ما قبلها من نفي التكليف بما فوق الوسع والمراد ~~بالكتاب صحائف الأعمال، أي عندنا كتاب قد أثبت فيه أعمال كل واحد من ~~المكلفين على ما هي عليه، ومعنى { ينطق بالحق } يظهر به الحق ~~المطابق للواقع من دون زيادة ولا نقص، ومثله قوله سبحانه # هذا كتبنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون # الجاثية 29. وفي هذا تهديد للعصاة وتأنيس للمطيعين من الحيف والظلم. ~~وقيل المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، فإنه قد كتب ms2587 فيه كل شيء. وقيل المراد ~~بالكتاب القرآن، والأول أولى. وفي هذه الآية تشبيه للكتاب بمن يصدر عنه ~~البيان بالنطق بلسانه، فإن الكتاب يعرب عما فيه كما يعرب الناطق المحق، ~~وقوله { بالحق } ، يتعلق ب { ينطق } أو بمحذوف هو حال من فاعله، أي ~~ينطق ملتبسا بالحق، وجملة { وهم لا يظلمون } مبينة لما قبلها ~~من تفضله وعدله في جزاء عباده، أي لا يظلمون بنقص ثواب أو بزيادة عقاب، ~~ومثله قوله سبحانه # ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا # الكهف 49، ثم أضرب سبحانه عن هذا فقال { بل قلوبهم في غمرة ~~من هذا } والضمير للكفار، أي بل قلوب الكفار في غمرة غامرة لها عن ~~هذا الكتاب الذي ينطق بالحق، أو عن الأمر الذي عليه المؤمنون، يقال غمره ~~الماء إذا غطاه، ونهر غمر يغطي من دخله، والمراد بها هنا الغطاء والعمه ~~أو الحيرة والعمى، وقد تقدم الكلام على الغمرة قريبا { ولهم ~~أعمل من دون ذلك } قال قتادة ومجاهد أي لهم خطايا لا بد أن ~~يعملوها من دون الحق. وقال الحسن وابن زيد المعنى ولهم أعمال رديئة لم ~~يعملوها من دون ما هم عليه لا بد أن يعملوها فيدخلون بها النار، ~~فالإشارة بقوله { ذلك } إما إلى أعمال المؤمنين، أو إلى أعمال الكفار، ~~أي لهم أعمال من دون أعمال المؤمنين التي ذكرها الله، أو من دون أعمال ~~الكفار التي تقدم ذكرها من كون قلوبهم في غفلة عظيمة مما ذكر، وهي فنون ~~كفرهم ومعاصيهم التي من جملتها ما سيأتي من طعنهم في القرآن. # قال الواحدي إجماع المفسرين وأصحاب المعاني على أن هذا إخبار عما ~~سيعملونها من أعمالهم الخبيثة التي كتبت عليهم لا بد لهم أن يعملوها، ~~وجملة { هم لها عملون } مقررة لما قبلها، أي واجب عليهم أن ~~يعملوها فيدخلوا بها النار لما سبق لهم من الشقاوة لا محيص لهم عن ذلك. ~~ثم رجع سبحانه إلى وصف الكفار فقال { حتى إذا أخذنا ~~مترفيهم بالعذاب } حتى هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام، ~~والكلام هو الجملة الشرطية المذكورة، وهذه الجملة مبينة ms2588 لما قبلها، ~~والضمير في { مترفيهم } راجع إلى من تقدم ذكره من الكفار. والمراد ~~بالمترفين المتنعمين منهم، وهم الذين أمدهم الله بما تقدم ذكره من المال ~~والبنين، أو المراد بهم الرؤساء منهم. والمراد بالعذاب هو عذابهم بالسيف ~~يوم بدر، أو بالجوع بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم عليهم حيث قال # " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # وقيل المراد بالعذاب عذاب الآخرة ورجح هذا بأن ما يقع منهم من الجؤار ~~إنما يكون عند عذاب الآخرة، لأنه الاستغاثة بالله ولم يقع منهم ذلك يوم ~~بدر ولا في سني الجوع، ويجاب عنه بأن الجؤار في اللغة الصراخ والصياح. ~~قال الجوهري الجؤار مثل الخوار. يقال جأر، الثور يجأر أي صاح. وقد وقع ~~منهم ومن أهلهم وأولادهم عندما أن عذبوا بالسيف يوم بدر، وبالجوع في سني ~~الجوع، وليس الجؤار ها هنا مقيد بالجؤار الذي هو التضرع بالدعاء حتى يتم ~~ما ذكره ذلك القائل، وجملة { إذا هم يجأرون } جواب الشرط، وإذا هي ~~الفجائية، والمعنى حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب فاجئوا بالصراخ. ثم ~~أخبر سبحانه أنه يقال لهم حينئذ على جهة التبكيت { لا تجئروا ~~اليوم } فالقول مضمر، والجملة مسوقة لتبكيتهم وإقناطهم وقطع أطماعهم، ~~وخصص سبحانه المترفين مع أن العذاب لاحق بهم جميعا واقع على مترفيهم ~~وغير مترفيهم لبيان أنهم بعد النعمة التي كانوا فيها صاروا على حالة ~~تخالفها وتباينها، فانتقلوا من النعيم التام إلى الشقاء الخالص، وخص ~~اليوم بالذكر للتهويل، وجملة { إنكم منا لا تنصرون } تعليل ~~للنهي عن الجؤار، والمعنى إنكم من عذابنا لا تمنعون ولا ينفعكم جزعكم. ~~وقيل المعنى إنكم لا يلحقكم من جهتنا نصرة تمنعكم مما دهمكم من العذاب. ~~ثم عدد سبحانه عليهم قبائحهم توبيخا لهم فقال { قد كانت ءايتي ~~تتلى عليكم } أي في الدنيا وهي آيات القرآن { فكنتم على ~~أعقبكم تنكصون } أي ترجعون وراءكم، وأصل النكوص أن يرجع ~~القهقرى، ومنه قول الشاعر # زعموا أنهم على سبل الحق وأنا نكص على الأعقاب # وهو هنا استعارة للإعراض عن الحق، وقرأ علي بن أبي ms2589 طالب " على أدباركم ~~" بدل { على أعقبكم تنكصون } بضم الكاف، وعلى أعقابكم ~~متعلق { بتنكصون } أو متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل تنكصون { ~~مستكبرين به } الضمير في { به } راجع إلى البيت العتيق، وقيل ~~للحرم، والذي سوغ الإضمار قبل الذكر اشتهارهم بالاستكبار به وافتخارهم ~~بولايته والقيام به، وكانوا يقولون لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم ~~وخدامه. # وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين. وقيل الضمير عائد إلى القرآن، والمعنى أن ~~سماعه يحدث لهم كبرا وطغيانا فلا يؤمنون به. قال ابن عطية وهذا قول ~~جيد. وقال النحاس القول الأول أولى وبينه بما ذكرنا. فعلى القول الأول ~~يكون { به } متعلقا ب { مستكبرين } ، وعلى الثاني يكون متعلقا ب { ~~سمرا } لأنهم كانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون، وكان عامة ~~سمرهم ذكر القرآن والطعن فيه، والسامر كالحاضر في الإطلاق على الجمع. قال ~~الواحدي السامر الجماعة يسمرون بالليل، أي يتحدثون، ويجوز أن يتعلق { ~~به } بقوله { تهجرون } والهجر بالفتح الهذيان، أي تهذون في شأن ~~القرآن، ويجوز أن يكون من الهجر بالضم، وهو الفحش. وقرأ ابن مسعود وابن ~~عباس وابن عمر وأبو حيوة " سمرا " بضم السين وفتح الميم مشددة، وقرأ زيد ~~بن علي وأبو رجاء سمارا ورويت هذه القراءة عن ابن عباس، وانتصاب { سامرا ~~} على الحال، إما من فاعل { تنكصون } أو من الضمير في { مستكبرين } وقيل ~~هو مصدر جاء على لفظ الفاعل، يقال قوم سامر، ومنه قول الشاعر # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر # قال الراغب ويقال سامر وسمار، وسمر وسامرون. قرأ الجمهور " تهجرون " ~~بفتح التاء المثناة من فوق وضم الجيم. وقرأ نافع. وابن محيصن بضم التاء ~~وكسر الجيم من أهجر، أي أفحش في منطقه. وقرأ زيد بن علي وابن محيصن وأبو ~~نهيك بضم التاء وفتح الهاء وكسر الجيم مشددة مضارع هجر بالتشديد. وقرأ ~~ابن أبي عاصم كالجمهور إلا أنه بالياء التحتية، وفيه التفات. وقد أخرج ~~الفريابي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجه، وابن أبي الدنيا في نعت ~~الخائفين، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي ms2590 حاتم، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي في الشعب عن عائشة قالت قلت يا رسول الله، قول الله { ~~والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة } أهو الرجل ~~يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو مع ذلك يخاف الله؟ قال # " لا، ولكنه الرجل يصوم ويتصدق ويصلي، وهو مع ذلك يخاف الله أن لا يتقبل ~~منه " # وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير، وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه ~~عن أبي هريرة قال قالت عائشة يا رسول الله، فذكر نحوه. وأخرج عبد الرزاق ~~عن ابن عباس في قوله { والذين يؤتون ما ءاتوا } قال يعطون ~~ما أعطوا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله { ~~وقلوبهم وجلة } قال يعملون خائفين. # وأخرج الفريابي وابن جرير عن ابن عمر { والذين يؤتون ما ~~ءاتوا } قال الزكاة. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن ~~عائشة { والذين يؤتون ما ءاتوا } قالت هم الذين يخشون الله ~~ويطيعونه. وأخرج عبد بن حميد عن ابن أبي مليكة قال قالت عائشة لأن تكون ~~هذه الآية كما أقرأ أحب إلي من حمر النعم، فقال لها ابن عباس ما هي؟ ~~قالت { الذين يؤتون ما ءاتوا } وقد قدمنا ذكر قراءتها ~~ومعناها. وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عنها، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قرأ { والذين يؤتون ما ءاتوا } مقصورا من المجيء. ~~وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، وابن ~~المنذر وابن أبي شيبة، وابن الأنباري في المصاحف، والدارقطني في الأفراد، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه عن عبيد بن عمير أنه سأل عائشة كيف كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية { والذين يؤتون ما ~~ءاتوا }؟ قالت أيتهما أحب إليك؟ قلت والذي نفسي بيده لأحدهما أحب ~~إلي من الدنيا وما فيها جميعا، قالت أيهما؟ قلت " الذين يأتون ~~ما ءاتوا " فقالت أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها ~~كذلك، وكذلك أنزلت، ولكن الهجاء حرف. وفي إسناده إسماعيل بن علي وهو ~~ضعيف. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ms2591 وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~أولئك يسرعون في الخيرت وهم لها سبقون } ~~قال سبقت لهم السعادة من الله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله { بل قلوبهم في غمرة من هذا ~~} يعني بالغمرة الكفر والشك { ولهم أعمل من دون ذلك } ~~يقول أعمال سيئة دون الشرك { هم لها عملون } قال لا بد لهم أن ~~يعملوها. وأخرج النسائي عنه { حتى إذا أخذنا مترفيهم ~~بالعذاب } قال هم أهل بدر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه أيضا في قوله { إذا هم يجأرون } قال يستغيثون، وفي قوله { ~~فكنتم على أعقبكم تنكصون } قال تدبرون، وفي قوله { ~~سمرا تهجرون } قال تسمرون حول البيت وتقولون هجرا. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عنه { مستكبرين به } قال بحرم الله أنه لا ~~يظهر عليهم فيه أحد. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أيضا { ~~سمرا تهجرون } قال كانت قريش يتحلقون حلقا يتحدثون حول ~~البيت. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ { ~~مستكبرين به سمرا تهجرون } قال كان المشركون يهجرون ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم في القول في سمرهم. وأخرج النسائي وابن ~~أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس قال إنما كره السمر ~~حين نزلت هذه الآية { مستكبرين به سمرا تهجرون }. ### || [23.68-83] # قوله { أفلم يدبروا القول } بين سبحانه أن سبب إقدامهم ~~على الكفر هو أحد هذه الأمور الأربعة الأول عدم التدبر في القرآن، فإنهم ~~لو تدبروا معانيه لظهر لهم صدقه وآمنوا به وبما فيه، والهمزة للإنكار ~~والفاء للعطف على مقدر، أي فعلوا ما فعلوا فلم يتدبروا، والمراد بالقول ~~القرآن، ومثله # أفلا يتدبرون القرءان # النساء 82، محمد 24. والثاني قوله { أم جاءهم ما لم يأت ~~ءاباءهم الأولين } أم هي المنقطعة، أي بل جاءهم من الكتاب ما لم ~~يأت آباءهم الأولين، فكان ذلك سببا لاستنكارهم للقرآن، والمقصود تقرير ~~أنه لم يأت ms2592 آباءهم الأولين رسول فلذلك أنكروه، ومثله قوله # لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم # يس 6. وقيل إنه أتى آباءهم الأقدمين رسل أرسلهم الله إليهم. كما هي ~~سنة الله سبحانه في إرسال الرسل إلى عباده، فقد عرف هؤلاء ذلك، فكيف ~~كذبوا هذا القرآن؟ وقيل المعنى أم جاءهم من الأمن من عذاب الله ما لم ~~يأت آباءهم الأولين كإسماعيل ومن بعده. والثالث قوله { أم لم ~~يعرفوا رسولهم فهم له منكرون } وفي هذا إضراب وانتقال ~~من التوبيخ بما تقدم إلى التوبيخ بوجه آخر، أي بل ألم يعرفوه بالأمانة ~~والصدق فأنكروه، ومعلوم أنهم قد عرفوه بذلك. والرابع قوله { أم ~~يقولون به جنة } وهذا أيضا انتقال من توبيخ إلى توبيخ، أي بل ~~أتقولون به جنة، أي جنون، مع أنهم قد علموا أنه أرجح الناس عقلا، ولكنه ~~جاء بما يخالف هواهم فدفعوه وجحدوه تعصبا وحمية. ثم أضرب سبحانه عن ذلك ~~كله فقال { بل جاءهم بالحق } أي ليس الأمر كما زعموا في حق ~~القرآن والرسول، بل جاءهم ملتبسا بالحق، والحق هو الدين القويم { ~~وأكثرهم للحق كرهون } لما جبلوا عليه من التعصب، ~~والانحراف عن الصواب، والبعد عن الحق، فلذلك كرهوا هذا الحق الواضح ~~الظاهر، وظاهر النظم أن أقلهم كانوا لا يكرهون الحق، ولكنهم لم يظهروا ~~الإيمان خوفا من الكارهين له. وجملة { ولو اتبع الحق ~~أهواءهم } مستأنفة مسوقة لبيان أنه لو جاء الحق على ما يهوونه ~~ويريدونه لكان ذلك مستلزما للفساد العظيم، وخروج نظام العالم عن الصلاح ~~بالكلية، وهو معنى قوله { لفسدت السموات والأرض ومن ~~فيهن } قال أبو صالح وابن جريج ومقاتل والسدي الحق هو الله، والمعنى ~~لو جعل مع نفسه كما يحبون شريكا لفسدت السموات والأرض. وقال الفراء ~~والزجاج يجوز أن يكون المراد بالحق القرآن، أي لو نزل القرآن بما يحبون ~~من الشرك لفسد نظام العالم. وقيل المعنى ولو كان الحق ما يقولون من اتحاد ~~الآلهة مع الله لاختلفت الآلهة، ومثل ذلك قوله # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا # الأنبياء 22 وقد ذهب إلى القول الأول الأكثرون، ولكنه يرد ms2593 عليه أن ~~المراد بالحق هنا هو الحق المذكور قبله في قوله { بل جاءهم ~~بالحق } ولا يصح أن يكون المراد به هنالك الله سبحانه، فالأولى تفسير ~~الحق هنا وهناك بالصدق الصحيح من الدين الخالص من شرع الله، والمعنى ولو ~~ورد الحق متابعا لأهوائهم موافقا لفاسد مقاصدهم لحصل الفساد، والمراد ~~بقوله { ومن فيهن } من في السموات والأرض من المخلوقات. # وقرأ ابن مسعود " وما بينهما " وسبب فساد المكلفين من بني آدم ظاهر، وهو ~~ذنوبهم التي من جملتها الهوى المخالف للحق، وأما فساد ما عداهم فعلى وجه ~~التبع لأنهم مدبرون في الغالب بذوي العقول فلما فسدوا فسدوا. ثم ذكر ~~سبحانه أن نزول القرآن عليهم من جملة الحق فقال { بل أتينهم ~~بذكرهم } والمراد بالذكر هنا القرآن، أي بالكتاب الذي هو فخرهم ~~وشرفهم، ومثله قوله # وإنه لذكر لك ولقومك # الزخرف 44. والمعنى بل آتيناهم بفخرهم وشرفهم الذي كان يجب عليهم أن ~~يقبلوه، ويقبلوا عليه. وقال قتادة المعنى بذكرهم الذي ذكر فيه ثوابهم ~~وعقابهم. وقيل المعنى بذكر ما لهم به حاجة من أمر الدين. وقرأ ابن أبي ~~إسحاق وعيسى بن عمر " أتيتهم " بتاء التكلم. وقرأ أبو حيوة والجحدري " ~~أتيتهم " بتاء الخطاب، أي أتيتهم يا محمد. وقرأ عيسى بن عمر " بذكراهم ". ~~وقرأ قتادة " نذكرهم " بالنون والتشديد من التذكير، وتكون الجملة على هذه ~~القراءة في محل نصب على الحال. وقيل الذكر هو الوعظ والتحذير { فهم ~~عن ذكرهم معرضون } أي هم بما فعلوا من الاستكبار والنكوص عن ~~هذا الذكر المختص بهم معرضون لا يلتفتون إليه بحال من الأحوال، وفي هذا ~~التركيب ما يدل على أن إعراضهم مختص بذلك لا يتجاوزه إلى غيره. ثم بين ~~سبحانه أن دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم ليست مشبوهة بأطماع الدنيا فقال ~~{ أم تسألهم خرجا } و " أم " هي المنقطعة، والمعنى أم يزعمون ~~أنك تسألهم خرجا تأخذه على الرسالة، والخرج الأجر والجعل، فتركوا ~~الإيمان بك وبما جئت به لأجل ذلك، مع أنهم يعلمون أنك لم تسألهم ذلك ولا ~~طلبته منهم { فخراج ربك خير } أي فرزق ربك الذي ms2594 يرزقك في ~~الدنيا، وأجره الذي يعطيكه في الآخرة خير لك مما ذكر. قرأ حمزة والكسائي ~~والأعمش ويحيى ابن وثاب " أم تسألهم خراجا " ، وقرأ الباقون { خرجا } ~~وكلهم قرؤوا { فخراج } إلا ابن عامر وأبا حيوة فإنهما قرآ " فخرج " ~~بغير ألف. والخرج هو الذي يكون مقابلا للدخل، يقال لكل ما تخرجه إلى ~~غيرك خرجا، والخراج غالب في الضريبة على الأرض. قال المبرد الخرج ~~المصدر، والخراج الاسم. قال النضر بن شميل سألت أبا عمرو بن العلاء عن ~~الفرق بين الخرج والخراج فقال الخراج ما لزمك، والخرج ما تبرعت به. # وروي عنه أنه قال الخرج من الرقاب، والخراج من الأرض { وهو خير ~~الرازقين } هذه الجملة مقررة لما قبلها من كون خراجه سبحانه خير. ثم ~~لما أثبت سبحانه لرسوله من الأدلة الواضحة المقتضية لقبول ما جاء به ونفى ~~عنه أضداد ذلك قال { وإنك لتدعوهم إلى صرط مستقيم ~~} أي إلى طريق واضحة تشهد العقول بأنها مستقيمة غير معوجة، والصراط في ~~اللغة الطريق، فسمي الدين طريقا لأنها تؤدي إليه. ثم وصفهم سبحانه ~~بأنهم على خلاف ذلك فقال { وإن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة عن الصرط لنكبون } يقال نكب عن الطريق ينكب ~~نكوبا إذا عدل عنه ومال إلى غيره، والنكوب والنكب العدول والميل، ومنه ~~النكباء للريح بين ريحين، سميت بذلك لعدولها عن المهاب، و { عن الصراط } ~~متعلق ب { ناكبون } ، والمعنى أن هؤلاء الموصوفين بعدم الإيمان بالآخرة ~~عن ذلك الصراط أو جنس الصراط لعادلون عنه. ثم بين سبحانه أنهم مصرون على ~~الكفر لا يرجعون عنه بحال فقال { ولو رحمنهم وكشفنا ما ~~بهم من ضر } أي من قحط وجدب { للجوا في طغينهم } أي ~~لتمادوا في طغيانهم وضلالهم { يعمهون } يترددون ويتذبذبون ويخبطون. ~~وأصل اللجاج التمادي في العناد، ومنه اللجة بالفتح لتردد الصوت، ولجة ~~البحر تردد أمواجه، ولجة الليل تردد ظلامه. وقيل المعنى لو رددناهم إلى ~~الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم للجوا في طغيانهم. { ولقد ~~أخذنهم بالعذاب } جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها. ~~والعذاب قيل هو الجوع الذي أصابهم في سني القحط. وقيل المرض. ms2595 وقيل القتل ~~يوم بدر، واختاره الزجاج. وقيل الموت. وقيل المراد من أصابه العذاب من ~~الأمم الخالية { فما استكانوا لربهم } أي ما خضعوا ولا ~~تذللوا، بل أقاموا على ما كانوا فيه من التمرد على الله والانهماك في ~~معاصيه { وما يتضرعون } أي وما يخشعون لله في الشدائد عند ~~إصابتها لهم، ولا يدعونه لرفع ذلك { حتى إذا فتحنا عليهم ~~بابا ذا عذاب شديد } قيل هو عذاب الآخرة. وقيل قتلهم يوم بدر ~~بالسيف. وقيل القحط الذي أصابهم. وقيل فتح مكة { إذا هم فيه ~~مبلسون } أي متحيرون، لا يدرون ما يصنعون. والإبلاس التحير والإياس ~~من كل خير. وقرأ السلمي " مبلسون " بفتح اللام من أبلسه، أي أدخله في ~~الإبلاس. وقد تقدم في الأنعام. { وهو الذي أنشأ لكم ~~السمع والابصر } امتن عليهم ببعض النعم التي أعطاهم، وهي ~~نعمة السمع والبصر { والأفئدة } فصارت هذه الأمور معهم ليسمعوا ~~المواعظ وينظروا العبر ويتفكروا بالأفئدة فلم ينتفعوا بشيء من ذلك ~~لإصرارهم على الكفر وبعدهم عن الحق، ولم يشكروه على ذلك ولهذا قال { ~~قليلا ما تشكرون } أي شكرا قليلا حقيرا غير معتد به ~~باعتبار تلك النعم الجليلة. # وقيل المعنى أنهم لا يشكرونه ألبتة، لا أن لهم شكرا قليلا. كما يقال ~~لجاحد النعمة ما أقل شكره، أي لا يشكره، ومثل هذه الآية قوله # فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصرهم ولا ~~أفئدتهم # الأحقاف 26. { وهو الذي ذرأكم فى الأرض } أي بثكم فيها ~~كما تبث الحبوب لتنبت وقد تقدم تحقيقه { وإليه تحشرون } أي ~~تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم. { وهو الذي يحي ويميت } على ~~جهة الانفراد والاستقلال، وفي هذا تذكير لنعمة الحياة، وبيان الانتقال ~~منها إلى الدار الآخرة { وله اختلف اليل والنهار } قال ~~الفراء هو الذي جعلهما مختلفين يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض. ~~وقيل اختلافهما نقصان أحدهما وزيادة الآخر. وقيل تكررها يوما بعد يوم ~~وليلة بعد ليلة { أفلا تعقلون } كنه قدرته وتتفكرون في ذلك. ثم بين ~~سبحانه أنه لا شبهة لهم في إنكار البعث إلا التشبث بحبل التقليد المبني ~~على مجرد الاستبعاد فقال { بل قالوا مثل ما ms2596 قال الأولون ~~} أي آباؤهم والموافقون لهم في دينهم. ثم بين ما قاله الأولون فقال { ~~قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا ~~لمبعوثون } فهذا مجرد استبعاد لم يتعلقوا فيه بشيء من الشبه، ثم ~~كملوا ذلك القول بقولهم { لقد وعدنا نحن وءاباؤنا هذا ~~من قبل } أي وعدنا هذا البعث ووعده آباؤنا الكائنون من قبلنا فلم ~~نصدقه كما لم يصدقه من قبلنا، ثم صرحوا بالتكذيب وفروا إلى مجرد ~~الزعم الباطل فقالوا { إن هذا إلا أسطير الأولين } ~~أي ما هذا إلا أكاذيب الأولين التي سطروها في الكتب جمع أسطورة كأحدوثة، ~~والأساطير الأباطيل والترهات والكذب. وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله { أم لم ~~يعرفوا رسولهم } قال عرفوه ولكنهم حسدوه. وفي قوله { ولو ~~اتبع الحق أهواءهم } قال الحق الله عز وجل. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { بل ~~أتينهم بذكرهم } قال بينا لهم، وأخرجوا عنه في قوله { عن ~~الصرط لنكبون } قال عن الحق لحائدون. وأخرج النسائي وابن جرير ~~وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في ~~الدلائل عن ابن عباس قال جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال يا محمد أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلهز، يعني الوبر بالدم، ~~فأنزل الله { ولقد أخذنهم بالعذاب فما استكانوا ~~لربهم وما يتضرعون } ، وأصل الحديث في الصحيحين أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش حين استعصوا فقال # " اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف " # الحديث. وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في المعرفة، والبيهقي في الدلائل عن ~~ابن عباس أن ابن أثال الحنفي لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ~~وهو أسير فخلى سبيله لحق باليمامة. # فحال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة حتى أكلت قريش العلهز، فجاء ~~أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أليس تزعم أنك بعثت ~~رحمة للعالمين؟ قال " بلى ". قال فقد قتلت الآباء ms2597 بالسيف والأبناء ~~بالجوع، فأنزل الله { ولقد أخذنهم بالعذاب } الآية. ~~وأخرج العسكري في المواعظ عن علي بن أبي طالب في قوله { فما ~~استكانوا لربهم وما يتضرعون } قال أي لم يتواضعوا في ~~الدعاء ولم يخضعوا، ولو خضعوا لله لاستجاب لهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~مردويه عن ابن عباس في قوله { حتى إذا فتحنا عليهم بابا ~~ذا عذاب شديد } قال قد مضى، كان يوم بدر. ### || [23.84-98] # أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأل الكفار عن أمور لا عذر ~~لهم من الاعتراف فيها، ثم أمره أن ينكر عليهم بعد الاعتراف منهم ويوبخهم ~~فقال { قل لمن الأرض ومن فيها } أي قل يا محمد لأهل مكة هذه ~~المقالة، والمراد بمن في الأرض الخلق جميعا، وعبر عنهم بمن تغليبا ~~للعقلاء { إن كنتم تعلمون } شيئا من العلم، وجواب الشرط محذوف، ~~أي إن كنتم تعلمون فأخبروني، وفي هذا تلويح بجهلهم وفرط غباوتهم { ~~سيقولون لله } أي لا بد لهم أن يقولوا ذلك لأنه معلوم ببديهة ~~العقل. ثم أمره سبحانه أن يقول لهم بعد اعترافهم { أفلا تذكرون ~~} ترغيبا لهم في التدبر وإمعان النظر والفكر، فإن ذلك مما يقودهم إلى ~~اتباع الحق وترك الباطل لأن من قدر على ذلك ابتداء قدر على إحياء الموتى. ~~{ قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم * ~~سيقولون لله } جاء سبحانه باللام نظرا إلى معنى السؤال، فإن ~~قولك من ربه، ولمن هو في معنى واحد، كقولك من رب هذه الدار؟ فيقال زيد، ~~ويقال لزيد. وقرأ أبو عمرو، وأهل العراق " سيقولون الله " بغير لام نظرا ~~إلى لفظ السؤال، وهذه القراءة أوضح من قراءة الباقين باللام، ولكنه يؤيد ~~قراءة الجمهور أنها مكتوبة في جميع المصاحف باللام بدون ألف، وهكذا قرأ ~~الجمهور في قوله { قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن ~~كنتم تعلمون * سيقولون لله } باللام نظرا إلى معنى السؤال كما سلف. وقرأ ~~أبو عمرو وأهل العراق بغير لام نظرا إلى لفظ السؤال، ومثل هذا قول ~~الشاعر # إذا قيل من رب ms2598 المزالف والقرى ورب الجياد الجرد قيل لخالد # أي لمن المزالف، والملكوت الملك، وزيادة التاء للمبالغة، نحو جبروت ~~ورهبوت، ومعنى { وهو يجير } أنه يغيث غيره إذا شاء ويمنعه { ولا ~~يجار عليه } أي لا يمنع أحد أحدا من عذاب الله ولا يقدر على نصره ~~وإغاثته، يقال أجرت فلانا إذا استغاث بك فحميته، وأجرت عليه إذا حميت ~~عنه { قل فأنى تسحرون } قال الفراء والزجاج أي تصرفون عن ~~الحق وتخدعون، والمعنى كيف يخيل لكم الحق باطلا والصحيح فاسدا؟ والخادع ~~لهم هو الشيطان أو الهوى أو كلاهما. ثم بين سبحانه أنه قد بالغ في ~~الاحتجاج عليهم فقال { بل أتينهم بالحق } أي الأمر الواضح ~~الذي يحق اتباعه { وإنهم لكذبون } فيما ينسبونه إلى الله ~~سبحانه من الولد والشريك، ثم نفاهما عن نفسه فقال { ما اتخذ الله ~~من ولد وما كان معه من إله } " من " في الموضعين زائدة ~~لتأكيد النفي. # ثم بين سبحانه ما يستلزمه ما يدعيه الكفار من إثبات الشريك، فقال { ~~إذا لذهب كل إله بما خلق } وفي الكلام حذف تقديره لو ~~كان مع الله آلهة لانفرد كل إله بخلقه واستبد به وامتاز ملكه عن ملك ~~الآخر، ووقع بينهم التطالب والتحارب والتغالب { ولعلا بعضهم ~~على بعض } أي غلب القوي على الضعيف وقهره وأخذ ملكه كعادة الملوك ~~من بني آدم، وحينئذ فذلك الضعيف المغلوب لا يستحق أن يكون إلها، وإذا ~~تقرر عدم إمكان المشاركة في ذلك، وأنه لا يقوم به إلا واحد تعين أن يكون ~~هذا الواحد هو الله سبحانه، وهذا الدليل كما دل على نفي الشريك فإنه ~~يدل على نفي الولد لأن الولد ينازع أباه في ملكه. ثم نزه سبحانه نفسه ~~فقال { سبحن الله عما يصفون } أي من الشريك والولد ~~وإثبات ذلك لله عز وجل { علم الغيب والشهدة } أي هو ~~مختص بعلم الغيب والشهادة، وأما غيره فهو وإن علم الشهادة لا يعلم الغيب. ~~قرأ نافع وأبو بكر وحمزة والكسائي { عالم } بالرفع على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف، أي هو عالم، وقرأ الباقون بالجر على أنه صفة لله أو ms2599 بدل منه. ~~وروي عن يعقوب أنه كان يخفض إذا وصل ويرفع إذا ابتدأ { فتعلى } ~~الله { عما يشركون } معطوف على معنى ما تقدم كأنه قال علم الغيب ~~فتعالى، كقولك زيد شجاع فعظمت منزلته، أي شجع فعظمت، أو يكون على إضمار ~~القول، أي أقول فتعالى الله، والمعنى أنه سبحانه متعال عن أن يكون له ~~شريك في الملك. { قل رب إما ترينى ما يوعدون } أي إن كان ~~ولا بد أن تريني ما يوعدون من العذاب المستأصل لهم. { رب فلا ~~تجعلني في القوم الظلمين } أي قل يا رب فلا تجعلني. ~~قال الزجاج أي إن أنزلت بهم النقمة يا رب فاجعلني خارجا عنهم، ومعنى ~~كلامه هذا أن النداء معترض، و «ما» في { إما } زائدة، أي قل رب إن ~~تريني، والجواب { فلا تجعلني } وذكر الرب مرتين مرة قبل الشرط، ومرة ~~بعده مبالغة في التضرع. وأمره الله أن يسأله أن لا يجعله في القوم ~~الظالمين مع أن الأنبياء لا يكونون مع القوم الظالمين أبدا، تعليما له ~~صلى الله عليه وسلم من ربه كيف يتواضع، وقيل يهضم نفسه، أو لكون شؤم ~~الكفر قد يلحق من لم يكن من أهله، كقوله # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خاصة # الأنفال 25. ثم لما كان المشركون ينكرون العذاب، ويسخرون من النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا ذكر لهم ذلك، أكد سبحانه وقوعه بقوله { وإنا ~~على أن نريك ما نعدهم لقدرون } أي أن الله سبحانه ~~قادر على أن يري رسوله عذابهم، ولكنه يؤخره لعلمه بأن بعضهم سيؤمن، أو ~~لكون الله سبحانه لا يعذبهم والرسول فيهم. ### || [23.99-118] # " حتى " هي الابتدائية دخلت على الجملة الشرطية، وهي مع ذلك غاية ~~لما قبلها متعلقة بقوله { لكاذبون } وقيل ب { يصفون } والمراد بمجيء ~~الموت مجيء علاماته { قال رب ارجعون } أي قال ذلك الواحد الذي ~~حضره الموت تحسرا وتحزنا على ما فرط منه رب ارجعون، أي ردوني إلى ~~الدنيا، وإنما قال ارجعون بضمير الجماعة لتعظيم المخاطب. وقيل هو على ~~معنى تكرير الفعل، أي ارجعني ارجعني ارجعني، ومثله قوله # ألقيا ms2600 في جهنم # ق 24. قال المازني معناه ألق ألق، وهكذا قيل في قول امرىء القيس # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # ومنه قول الحجاج يا حرسي اضربا عنقه. ومنه قول الشاعر # ولو شئت حرمت النساء سواكم # وقول الآخر # ألا فارحموني يا إله محمد # وقيل إنهم لما استغاثوا بالله قال قائلهم رب، ثم رجع إلى مخاطبة ~~الملائكة فقال { ارجعون * لعلي أعمل صلحا } أي أعمل ~~عملا صالحا في الدنيا إذا رجعت إليها من الإيمان وما يتبعه من أعمال ~~الخير، ولما تمنى أن يرجع ليعمل رد الله عليه ذلك بقوله { كلا ~~إنها كلمة هو قائلها } فجاء بكلمة الردع والزجر، والضمير ~~في { إنها } يرجع إلى قوله { رب ارجعون } أي إن هذه الكلمة هو ~~قائلها لا محالة، وليس الأمر على ما يظنه من أنه يجاب إلى الرجوع إلى ~~الدنيا، أو المعنى أنه لو أجيب إلى ذلك لما حصل منه الوفاء، كما في قوله # ولو ردوا لعدوا لما نهوا عنه # الأنعام 28. وقيل إن الضمير في { قائلها } يرجع إلى الله، أي لا خلف في ~~خبره، وقد أخبرنا بأنه لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها { ومن ورائهم ~~برزخ } أي من أمامهم وبين أيديهم. والبرزخ هو الحاجز بين الشيئين. ~~قاله الجوهري. واختلف في معنى الآية، فقال الضحاك ومجاهد وابن زيد حاجز ~~بين الموت والبعث. وقال الكلبي هو الأجل ما بين النفختين، وبينهما أربعون ~~سنة. وقال السدي هو الأجل، و { إلى يوم يبعثون } هو يوم ~~القيامة. { فإذا نفخ في الصور } قيل هذه هي النفخة الأولى. ~~وقيل الثانية، وهذا أولى، وهي النفخة التي تقع بين البعث والنشور. وقيل ~~المعنى فإذا نفخ في الأجساد أرواحها، على أن الصور جمع صورة، لا القرن ~~ويدل على هذا قراءة ابن عباس والحسن " الصور " بفتح الواو مع ضم الصاد ~~جمع صورة. وقرأ أبو رزين بفتح الصاد والواو، وقرأ الباقون بضم الصاد ~~وسكون الواو، وهو القرن الذي ينفخ فيه { فلا أنسب بينهم ~~يومئذ } أي لا يتفاخرون بالأنساب ويذكرونها لما هم فيه من الحيرة ~~والدهشة { ولا يتساءلون } أي لا ms2601 يسأل بعضهم بعضا، فإن لهم إذ ذاك ~~شغلا شاغلا، ومنه قوله تعالى # يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ~~وصحبته وبنيه # عبس 34 36. وقوله # ولا يسئل حميم حميما # المعارج 10. ولا ينافي هذا ما في الآية الأخرى من قوله # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون # الطور 25. فإن ذلك محمول على اختلاف المواقف يوم القيامة، فالإثبات ~~باعتبار بعضها، والنفي باعتبار بعض آخر كما قررناه في نظائر هذا، مما ~~أثبت تارة ونفي أخرى. { فمن ثقلت موزينه } أي موزوناته من ~~أعماله الصالحة { فأولئك هم المفلحون } أي الفائزون ~~بمطالبهم المحبوبة، الناجون من الأمور التي يخافونها { ومن خفت ~~موزينه } وهي أعماله الصالحة { فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم } أي ضيعوها وتركوا ما ينفعها { في جهنم خلدون } ~~هذا بدل من صلة الموصول، أو خبر ثان لاسم الإشارة، وقد تقدم الكلام على ~~هذه الآية مستوفى فلا نعيده، وجملة { تلفح وجوههم النار } ~~مستأنفة، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال، أو تكون خبرا آخر لأولئك، ~~واللفح الإحراق، يقال لفحته النار إذا أحرقته، ولفحته بالسيف إذا ضربته، ~~وخص الوجوه لأنها أشرف الأعضاء { وهم فيها كلحون } هذه ~~الجملة في محل نصب على الحال. والكالح الذي قد تشمرت شفتاه وبدت أسنانه، ~~قاله الزجاج. ودهر كالح، أي شديد. قال أهل اللغة الكلوح تكشر في عبوس. ~~وجملة { ألم تكن ءايتي تتلى عليكم } هي على إضمار ~~القول، أي يقال لهم ذلك توبيخا وتقريعا أي ألم تكن آياتي تتلى عليكم في ~~الدنيا { فكنتم بها تكذبون }. وجملة { قالوا ربنا ~~غلبت علينا شقوتنا } مستأنفة جواب سؤال مقدر، أي غلبت ~~علينا لذاتنا وشهواتنا، فسمي ذلك شقوة لأنه يؤول إلى الشقاء. قرأ أهل ~~المدينة، وأبو عمرو وعاصم { شقوتنا } وقرأ الباقون " شقاوتنا " وهذه ~~القراءة مروية عن ابن مسعود والحسن { وكنا قوما ضالين } أي بسب ~~ذلك فإنهم ضلوا عن الحق بتلك الشقوة. ثم طلبوا ما لا يجابون إليه فقالوا ~~{ ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظلمون } ~~أي فإن عدنا إلى ما كنا عليه من الكفر وعدم الإيمان فإنا ظالمون لأنفسنا ~~بالعود إلى ذلك، فأجاب ms2602 الله عليهم بقوله { قال اخسئوا فيها ولا ~~تكلمون } أي اسكنوا في جهنم. قال المبرد الخسء إبعاد بمكروه، وقال ~~الزجاج تباعدوا تباعد سخط وأبعدوا بعد الكلب. فالمعنى على هذا أبعدوا في ~~جهنم. كما يقال للكلب اخسأ، أي ابعد، خسأت الكلب خسأ طردته، { ولا ~~تكلمون } في إخراجكم من النار ورجوعكم إلى الدنيا، أو في رفع العذاب ~~عنكم، وقيل المعنى لا تكلمون رأسا. ثم علل ذلك بقوله { إنه كان ~~فريق من عبادي يقولون } وهم المؤمنون. وقيل الصحابة، يقولون ~~{ ربنا ءامنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الرحمين } قرأ الجمهور { إنه كان فريق } بكسر إن استئنافا تعليليا، ~~وقرأ أبي بفتحها { فاتخذتموهم سخريا } قرأ نافع وحمزة ~~والكسائي بضم السين، وقرأ الباقون بكسرها. # وفرق بينهما أبو عمرو فجعل الكسر من جهة الهزو، والضم من جهة ~~السخرة. قال النحاس ولا يعرف هذا الفرق الخليل، ولا سيبويه ولا ~~الكسائي ولا الفراء، وحكى الثعلبي عن الكسائي أن الكسر بمعنى الاستهزاء ~~والسخرية بالقول، والضم بمعنى التسخير والاستعباد بالفعل { حتى ~~أنسوكم ذكري } أي اتخذتموهم سخريا إلى هذه الغاية فإنهم نسوا ~~ذكر الله لشدة اشتغالهم بالاستهزاء { وكنتم منهم تضحكون } ~~في الدنيا، والمعنى حتى نسيتم ذكري باشتغالكم بالسخرية والضحك، فنسب ذلك ~~إلى عباده المؤمنين لكونهم السبب. وجملة { إني جزيتهم اليوم ~~بما صبروا } مستأنفة لتقرير ما سبق، والباء في { بما صبروا } ~~للسببية { أنهم هم الفائزون } قرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة ~~على الاستئناف، وقرأ الباقون بالفتح، أي لأنهم الفائزون، ويجوز أن يكون ~~منصوبا على أنه المفعول الثاني للفعل { قل كم لبثتم في ~~الارض عدد سنين } القائل هو الله عز وجل وتذكيرا لهم كم ~~لبثوا، لما سألوا الرجوع إلى الدنيا بعد أن أخبرهم بأن ذلك غير كائن، كما ~~في قوله { اخسئوا فيها } ، والمراد بالأرض هي الأرض التي طلبوا الرجوع ~~إليها، ويحتمل أن يكون السؤال عن جميع ما لبثوه في الحياة وفي القبور. ~~وقيل هو سؤال عن مدة لبثهم في القبور لقوله { في الأرض } ولم يقل على ~~الأرض، ورد بمثل قوله تعالى # ولا تفسدوا فى الأرض # الأعراف 56. وانتصاب ms2603 { عدد سنين } على التمييز، لما في " كم " من ~~الإبهام { وسنين } بفتح النون على أنها نون الجمع، ومن العرب من يخفضها ~~وينونها. { قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } استقصروا ~~مدة لبثهم لما هم فيه من العذاب الشديد. وقيل إن العذاب رفع عنهم بين ~~النفختين، فنسوا ما كانوا فيه من العذاب في قبورهم. وقيل أنساهم الله ما ~~كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى إلى النفخة الثانية. ثم لما عرفوا ~~ما أصابهم من النسيان لشدة ما هم فيه من الهول العظيم أحالوا على غيرهم ~~فقالوا { فاسأل العادين } أي المتمكنين من معرفة العدد، وهم ~~الملائكة لأنهم الحفظة العارفون بأعمال العباد وأعمارهم. وقيل المعنى ~~فاسأل الحاسبين العارفين بالحساب من الناس. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ~~" قل كم لبثتم في الأرض " على الأمر، والمعنى قل يا محمد للكفار، أو يكون ~~أمرا للملك بسؤالهم، أو التقدير قولوا كم لبثتم، فأخرج الكلام مخرج ~~الأمر للواحد، والمراد الجماعة. وقرأ الباقون { قال كم لبثتم } على أن ~~القائل هو الله عز وجل أو الملك. { قال إن لبثتم إلا ~~قليلا } قرأ حمزة والكسائي " قل إن لبثتم " كما في الآية الأولى، وقرأ ~~الباقون " قال " على الخبر، وقد تقدم توجيه القراءتين، أي ما لبثتم في ~~الأرض إلا لبثا قليلا { لو أنكم كنتم تعلمون } شيئا ~~من العلم، والجواب محذوف، أي لو كنتم تعلمون لعلمتم اليوم قلة لبثكم في ~~الأرض أو في القبور أو فيهما، فكل ذلك قليل بالنسبة إلى لبثهم. # ثم زاد سبحانه في توبيخهم فقال { أفحسبتم أنما ~~خلقنكم عبثا } الهمزة للتوبيخ والتقرير، والفاء للعطف على ~~مقدر كما تقدم بيانه في مواضع، أي ألم تعلموا شيئا فحسبتم، وانتصاب { ~~عبثا } على الحال، أي عابثين، أو على العلة، أي للعبث. قال بالأول ~~سيبويه وقطرب، وبالثاني أبو عبيدة، وقال أيضا يجوز أن يكون منتصبا على ~~المصدرية، وجملة { وأنكم إلينا لا ترجعون } معطوفة على { ~~أنما خلقناكم عبثا } والعبث في اللغة اللعب، يقال عبث يعبث عبثا فهو ~~عابث، أي لاعب، وأصله من قولهم عبثت الأقط، أي خلطته، والمعنى أفحسبتم ms2604 أن ~~خلقناكم للإهمال كما خلقت البهائم ولا ثواب ولا عقاب، وأنكم إلينا لا ~~ترجعون بالبعث والنشور فنجازيكم بأعمالكم، قرأ حمزة والكسائي " ترجعون " ~~بفتح الفوقية وكسر الجيم مبنيا للفاعل، وقرأ الباقون على البناء ~~للمفعول. وقيل إنه يجوز عطف وأنكم إلينا لا ترجعون على { عبثا } على ~~معنى أنما خلقناكم للعبث ولعدم الرجوع. ثم نزه سبحانه نفسه فقال { ~~فتعلى الله } أي تنزه عن الأولاد والشركاء أو عن أن يخلق شيئا ~~عبثا، أو عن جميع ذلك، وهو { الملك } الذي يحق له الملك على الإطلاق ~~{ الحق } في جميع أفعاله وأقواله { لا إله إلا هو رب ~~العرش الكريم } فكيف لا يكون إلها وربا، لما هو دون العرش ~~الكريم من المخلوقات؟ ووصف العرش بالكريم لنزول الرحمة والخير منه، أو ~~باعتبار من استوى عليه، كما يقال بيت كريم إذا كان ساكنوه كراما. قرأ ~~أبو جعفر وابن محيصن وإسماعيل وأبان بن ثعلب " الكريم " بالرفع على أنه ~~نعت لرب، وقرأ الباقون بالجر على أنه نعت للعرش. ثم زيف ما عليه أهل ~~الشرك توبيخا لهم وتقريعا فقال { ومن يدع مع الله إلها ~~ءاخر } يعبده مع الله أو يعبده وحده، وجملة { لا برهان له به ~~} في محل نصب صفة لقوله إلها، وهي صفة لازمة جيء بها للتأكيد، كقوله # يطير بجناحيه # الأنعام 38. والبرهان الحجة الواضحة والدليل الواضح، وجواب الشرط قوله { ~~فإنما حسابه عند ربه }. وجملة { لا برهان له به } معترضة ~~بين الشرط والجزاء، كقولك من أحسن إلى زيد لا أحق منه بالإحسان، فالله ~~مثيبه. وقيل إن جواب الشرط قوله لا برهان له به على حذف فاء الجزاء كقول ~~الشاعر # من يفعل الحسنات الله يشكرها # { إنه لا يفلح الكفرون } قرأ الحسن وقتادة بفتح " أن " ~~على التعليل، وقرأ الباقون بالكسر على الاستئناف، وقرأ الحسن " لا يفلح " ~~بفتح الياء واللام مضارع فلح بمعنى أفلح. # ثم ختم هذه السورة بتعليم رسوله صلى الله عليه وسلم أن يدعوه بالمغفرة ~~والرحمة فقال { وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين ~~} أمره سبحانه بالاستغفار لتقتدي به أمته. وقيل أمره بالاستغفار لأمته. ms2605 ~~وقد تقدم بيان كونه أرحم الراحمين، ووجه اتصال هذا بما قبله أنه سبحانه ~~لما شرح أحوال الكفار أمر بالانقطاع إليه والالتجاء إلى غفرانه ورحمته. ~~وقد أخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال ~~إذا أدخل الكافر في قبره فيرى مقعده من النار { قال رب ارجعون } ~~أتوب أعمل صالحا، فيقال له قد عمرت ما كنت معمرا، فيضيق عليه قبره، فهو ~~كالمنهوش ينازع ويفزع تهوي إليه حيات الأرض وعقاربها. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر عن ابن جريج قال زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لعائشة # " إن المؤمن إذا عاين الملائكة قالوا نرجعك إلى الدنيا، فيقول إلى دار ~~الهموم والأحزان، بل قدما إلى الله، وأما الكافر فيقولون له نرجعك، فيقول ~~{ رب ارجعون. لعلي أعمل صلحا فيما تركت } " # هو مرسل. وأخرج الديلمي عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إذا حضر الإنسان الوفاة يجمع له كل شيء يمنعه عن الحق فيجعل بين ~~عينيه، فعند ذلك يقول { رب ارجعون. لعلي أعمل صالحا فيما تركت } " # وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله { ~~أعمل صلحا } قال أقول لا إله إلا الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~عائشة قالت ويل لأهل المعاصي من أهل القبور، يدخل عليهم في قبورهم حيات ~~سود، حية عند رأسه وحية عند رجليه، يقرصانه حتى تلتقيا في وسطه، فذلك ~~العذاب في البرزخ الذي قال الله { ومن ورائهم برزخ إلى ~~يوم يبعثون }. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { فلا أنسب بينهم يومئذ ولا ~~يتساءلون } قال حين نفخ في الصور، فلا يبقى حي إلا الله. وأخرج ~~سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه، أنه سئل عن ~~قوله { فلا أنسب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } ~~وقوله # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون # الصافات 27، الطور 25 فقال إنها مواقف، فأما الموقف الذي لا أنساب بينهم ~~ولا يتساءلون عند ms2606 الصعقة الأولى، لا أنساب بينهم فيها إذا صعقوا، فإذا ~~كانت النفخة الآخرة فإذا هم قيام يتساءلون. وأخرج ابن جرير، والحاكم ~~وصححه عنه أيضا، أنه سئل عن الآيتين فقال أما قوله { ولا ~~يتساءلون } فهذا في النفخة الأولى حين لا يبقى على الأرض شيء، وأما ~~قوله # فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون # الصافات 50 فإنهم لما دخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأخرج ~~ابن المبارك في الزهد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو نعيم ~~في الحلية وابن عساكر عن ابن مسعود قال إذا كان يوم القيامة جمع الله ~~الأولين والآخرين. وفي لفظ يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة على ~~رؤوس الأولين والآخرين، ثم ينادي مناد ألا إن هذا فلان بن فلان، فمن ~~كان له حق قبله فليأت إلى حقه. وفي لفظ من كان له مظلمة فليجىء فليأخذ ~~حقه، فيفرح والله المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن ~~كان صغيرا، ومصداق ذلك في كتاب الله { فإذا نفخ في الصور ~~فلا أنسب بينهم يومئذ ولا يتساءلون }. وأخرج ~~أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي في سننه عن المسور بن مخرمة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري " # وأخرج البزار والطبراني وأبو نعيم والحاكم، والضياء في المختارة عن عمر ~~بن الخطاب، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي " # وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري " # وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول على المنبر # " ما بال رجال يقولون إن رحم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينفع ~~قومه، بلى والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإني أيها الناس فرط ~~لكم " # وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { تلفح وجوههم النار } قال ~~تنفح. وأخرج ابن مردويه، ms2607 والضياء في صفة النار عن أبي الدرداء قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { تلفح وجوههم النار } ~~قال # " " تلفحهم لفحة فتسيل لحومهم على أعقابهم " # وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود في الآية قال لفحتهم لفحة فما ~~أبقت لحما على عظم إلا ألقته على أعقابهم. وأخرج أحمد وعبد بن حميد، ~~والترمذي وصححه، وابن أبي الدنيا في صفة النار، وأبو يعلى وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه في قوله ~~{ وهم فيها كلحون } قال تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى ~~تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته. وأخرج عبد الرزاق ~~والفريابي وابن أبي شيبة وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود في الآية قال كلوح الرأس النضيج ~~بدت أسنانهم وتقلصت شفاههم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس { كلحون } قال عابسون. # وقد ورد في صفة أهل النار وما يقولونه وما يقال لهم أحاديث كثيرة ~~معروفة. وأخرج الحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن ~~السني في عمل اليوم والليلة، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية عن ابن ~~مسعود أنه قرأ في أذن مصاب { أفحسبتم أنما خلقنكم ~~عبثا } حتى ختم السورة فبرىء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " بماذا قرأت في أذنه؟ " # فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " والذي نفسي بيده لو أن رجلا موقنا قرأ بها على جبل لزال " # وأخرج ابن السني وابن منده، وأبو نعيم في المعرفة، قال السيوطي بسند ~~حسن، من طريق محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه قال بعثنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في سرية وأمرنا أن نقول إذا أمسينا وأصبحنا { ~~أفحسبتم أنما خلقنكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون } فقرأناها فغنمنا وسلمنا. ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1-3] # السورة في اللغة اسم للمنزلة الشريفة، ولذلك سميت السورة من القرآن ~~سورة، ومنه قول النابغة # ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى ms2608 كل ملك دونها يتذبذب # أي منزلة. قرأ الجمهور سورة بالرفع وفيه وجهان أحدهما أن تكون خبرا ~~لمبتدأ محذوف أي هذه سورة، ورجحه الزجاج، والفراء، والمبرد، قالوا لأنها ~~نكرة، ولا يبتدأ بالنكرة في كل موضع. والوجه الثاني أن يكون مبتدأ وجاز ~~الابتداء بالنكرة لكونها موصوفة بقوله { أنزلنها } والخبر { ~~الزانية والزاني } ويكون المعنى السورة المنزلة المفروضة كذا ~~وكذا، إذ السورة عبارة عن آيات مسرودة لها مبدأ ومختم، وهذا معنى صحيح، ~~ولا وجه لما قاله الأولون من تعليل المنع من الابتداء بها كونها نكرة فهي ~~نكرة مخصصة بالصفة، وهو مجمع على جواز الابتداء بها. وقيل هي مبتدأ محذوف ~~الخبر على تقدير فيما أوحينا إليك سورة، ورد بأن مقتضى المقام ببيان شأن ~~هذه السورة الكريمة، لابيان أن في جملة ما أوحي إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم سورة شأنها كذا وكذا. وقرأ الحسن بن عبد العزيز، وعيسى الثقفي، ~~وعيسى الكوفي، ومجاهد، وأبو حيوة، وطلحة بن مصرف بالنصب، وفيه أوجه ~~الأول أنها منصوبة بفعل مقدر غير مفسر بما بعده، تقديره اتل سورة، أو ~~اقرأ سورة. والثاني أنها منصوبة بفعل مضمر يفسره ما بعده على ما قيل في ~~باب اشتغال الفعل عن الفاعل بضميره أي أنزلنا سورة أنزلناها، فلا محل ل ~~{ أنزلناها } هاهنا لأنها جملة مفسرة، بخلاف الوجه الذي قبله، فإنها في ~~محل نصب على أنها صفة لسورة. الوجه الثالث أنها منصوبة على الإغراء أي ~~دونك سورة، قاله صاحب الكشاف. ورده أبو حيان بأنه لا يجوز حذف أداة ~~الإغراء. الرابع أنها منصوبة على الحال من ضمير { أنزلناها } ، قال ~~الفراء هي حال من الهاء، والألف، والحال من المكنى يجوز أن تتقدم عليه، ~~وعلى هذا فالضمير في { أنزلناها } ليس عائدا على { سورة } ، بل على ~~الأحكام، كأنه قيل أنزلنا الأحكام حال كونها سورة من سور القرآن. قرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو " وفرضناها " بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف. قال أبو ~~عمرو فرضناها بالتشديد أي قطعناها في الإنزال نجما نجما، والفرض ~~القطع، ويجوز أن يكون التشديد للتكثير، أو للمبالغة، ومعنى التخفيف ~~أوجبناها، ms2609 وجعلناها مقطوعا بها، وقيل ألزمناكم العمل بها، وقيل قدرنا ~~ما فيها من الحدود، والفرض التقدير، ومنه # إن الذي فرض عليك القرءان # القصص 85. { وأنزلنا فيهآ آيات بينات } أي أنزلنا في ~~غضونها وتضاعيفها، ومعنى كونها بينات أنها واضحة الدلالة على مدلولها، ~~وتكرير { أنزلنا } لكمال العناية بإنزال هذه السورة، لما اشتملت عليه من ~~الأحكام. { الزانية والزاني } هذا شروع في تفصيل ما أجمل من ~~الآيات البينات، والارتفاع على الابتداء، والخبر { فاجلدوا كل ~~واحد منهما } ، أو على الخبرية لسورة كما تقدم، والزنا هو وطء ~~الرجل للمرأة في فرجها من غير نكاح، ولا شبهة نكاح. # وقيل هو إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا، والزانية هي المرأة ~~المطاوعة للزنا الممكنة منه كما تنبىء عنه الصيغة لا المكرهة، وكذلك ~~الزاني، ودخول الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط على مذهب الأخفش، ~~وأما على مذهب سيبويه فالخبر محذوف، والتقدير فيما يتلى عليكم حكم ~~الزانية، ثم بين ذلك بقوله { فاجلدوا } والجلد الضرب، يقال جلده إذا ~~ضرب جلده، مثل بطنه إذا ضرب بطنه، ورأسه إذا ضرب رأسه، وقوله { مائة ~~جلدة } هو حد الزاني الحر البالغ البكر، وكذلك الزانية، وثبت بالسنة ~~زيادة على هذا الجلد، وهي تغريب عام، وأما المملوك، والمملوكة، فجلد كل ~~واحد منهما خمسون جلدة لقوله سبحانه # فإن أتين بفحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنت من العذاب # النساء 25 وهذا نص في الإماء، وألحق بهن العبيد لعدم الفارق، وأما من ~~كان محصنا من الأحرار، فعليه الرجم بالسنة الصحيحة المتواترة، وبإجماع ~~أهل العلم، بل وبالقرآن المنسوخ لفظه الباقي حكمه وهو " الشيخ والشيخة ~~إذا زنيا فارجموهما ألبتة ". وزاد جماعة من أهل العلم مع الرجم جلد مائة، ~~وقد أوضحنا ما هو الحق في ذلك في شرحنا للمنتقى، وقد مضى الكلام في حد ~~الزنا مستوفى، وهذه الآية ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة ~~النساء. وقرأ عيسى بن عمر الثقفي، ويحيى بن يعمر، وأبو جعفر، وأبو شيبة ~~" الزانية والزاني " بالنصب. وقيل وهو القياس عند سيبويه لأنه عنده كقولك ~~زيدا اضرب. وأما ms2610 الفراء، والمبرد، والزجاج، فالرفع عندهم أوجه وبه قرأ ~~الجمهور. ووجه تقديم الزانية على الزاني هاهنا أن الزنا في ذلك الزمان ~~كان في النساء أكثر حتى كان لهن رايات تنصب على أبوابهن ليعرفهن من ~~أراد الفاحشة منهن. وقيل وجه التقديم أن المرأة هي الأصل في الفعل، وقيل ~~لأن الشهوة فيها أكثر، وعليها أغلب، وقيل لأن العار فيهن أكثر إذ ~~موضوعهن الحجبة، والصيانة، فقدم ذكر الزانية تغليظا، واهتماما. ~~والخطاب في هذه الآية للأئمة ومن قام مقامهم، وقيل للمسلمين أجمعين، لأن ~~إقامة الحدود واجبة عليهم جميعا، والإمام ينوب عنهم، إذ لا يمكنهم ~~الاجتماع على إقامة الحدود. { ولا تأخذكم بهما رأفة في ~~دين الله } يقال رأف رأفة على وزن فعلة، ورآفة على وزن فعالة، مثل ~~النشأة، والنشاءة وكلاهما بمعنى الرقة، والرحمة، وقيل هي أرق الرحمة. ~~وقرأ الجمهور { رأفة } بسكون الهمزة، وقرأ ابن كثير بفتحها، وقرأ ابن ~~جريج " رآفة " بالمد كفعالة، ومعنى { في دين الله } في طاعته، وحكمه، كما ~~في قوله # ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك # يوسف 76، ثم قال مثبتا للمأمورين ومهيجا لهم { إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر } كما تقول للرجل تحضه على ~~أمر إن كنت رجلا فافعل كذا أي إن كنتم تصدقون بالتوحيد، والبعث الذي ~~فيه جزاء الأعمال فلا تعطلوا الحدود { وليشهد عذابهما ~~طائفة من المؤمنين } أي ليحضره زيادة في التنكيل بهما، وشيوع ~~العار عليهما، وإشهار فضيحتهما، والطائفة الفرقة التي تكون حافة حول ~~الشيء، من الطوف، وأقل الطائفة ثلاثة، وقيل اثنان، وقيل واحد، وقيل ~~أربعة، وقيل عشرة. ثم ذكر سبحانه شيئا يختص بالزاني، والزانية، فقال { ~~الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة }. قد اختلف أهل ~~العلم في معنى هذه الآية على أقوال الأول أن المقصود منها تشنيع الزنا، ~~وتشنيع أهله، وأنه محرم على المؤمنين، ويكون معنى الزاني لا ينكح الوطء ~~لا العقد أي الزاني لا يزني إلا بزانية، والزانية لا تزني إلا بزان، ~~وزاد ذكر المشركة والمشرك لكون الشرك أعم في المعاصي من الزنا. ورد هذا ~~الزجاج وقال لا يعرف النكاح ms2611 في كتاب الله إلا بمعنى التزويج، ويرد هذا ~~الرد بأن النكاح بمعنى الوطء ثابت في كتاب الله سبحانه، ومنه قوله # حتى تنكح زوجا غيره # البقرة 230 فقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم، بأن المراد به الوطء، ~~ومن جملة القائلين بأن معنى الزاني لا ينكح إلا زانية الزاني لا يزني ~~إلا بزانية سعيد بن جبير، وابن عباس، وعكرمة، كما حكاه ابن جرير عنهم، ~~وحكاه الخطابي عن ابن عباس. القول الثاني أن الآية هذه نزلت في امرأة ~~خاصة كما سيأتي بيانه فتكون خاصة بها كما قاله الخطابي. القول الثالث ~~أنها نزلت في رجل من المسلمين، فتكون خاصة به قاله مجاهد. الرابع أنها ~~نزلت في أهل الصفة، فتكون خاصة بهم قاله أبو صالح. الخامس أن المراد ~~بالزاني والزانية المحدودان حكاه الزجاج، وغيره عن الحسن قال وهذا حكم من ~~الله، فلا يجوز لزان محدود أن يتزوج إلا محدودة. وروي نحوه عن إبراهيم ~~النخعي، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. قال ابن العربي وهذا معنى لا يصح ~~نظرا كما لم يثبت نقلا. السادس أن الآية هذه منسوخة بقوله سبحانه { ~~وأنكحوا الأيامى منكم } قال النحاس وهذا القول عليه أكثر ~~العلماء. القول السابع أن هذا الحكم مؤسس على الغالب، والمعنى أن غالب ~~الزناة لا يرغب إلا في الزواج بزانية مثله، وغالب الزواني لا يرغبن إلا ~~في الزواج بزان مثلهن، والمقصود زجر المؤمنين عن نكاح الزواني بعد زجرهم ~~عن الزنا، وهذا أرجح الأقوال، وسبب النزول يشهد له كما سيأتي. وقد اختلف ~~في جواز تزوج الرجل بامرأة قد زنى هو بها، فقال الشافعي، وأبو حنيفة ~~بجواز ذلك. وروي عن ابن عباس، وروي عن عمر، وابن مسعود، وجابر أنه لا ~~يجوز. # قال ابن مسعود إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك فهما زانيان ~~أبدا، وبه قال مالك، ومعنى { وحرم ذلك على المؤمنين } أي ~~نكاح الزواني، لما فيه من التشبه بالفسقة، والتعرض للتهمة، والطعن في ~~النسب. وقيل هو مكروه فقط، وعبر بالتحريم عن كراهة التنزيه مبالغة في ~~الزجر. وقد أخرج ms2612 ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~عن ابن عباس في قوله { سورة أنزلنها وفرضنها } قال ~~بيناها. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عمر أن جارية لابن عمر زنت ~~فضرب رجليها وظهرها، فقلت { ولا تأخذكم بهما رأفة فى ~~دين الله } قال يا بني ورأيتني أخذتني بها رأفة؟ إن الله لم يأمرني ~~أن أقتلها، ولا أن أجلد رأسها، وقد أوجعت حيث ضربت. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم. عن ابن عباس { وليشهد عذابهما ~~طائفة من المؤمنين } قال الطائفة الرجل فما فوقه. وأخرج عبد ~~الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو ~~داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، والضياء ~~المقدسي في المختارة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله { ~~الزاني لا ينكح } قال ليس هذا بالنكاح، ولكن الجماع، لا يزني بها ~~حين يزني إلا زان، أو مشرك { وحرم ذلك على المؤمنين } ~~يعني الزنا. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، عن مجاهد في قوله { ~~الزانى لا ينكح إلا زانية } قال كن نساء في الجاهلية ~~بغيات، فكانت منهن امرأة جميلة تدعى أم جميل، فكان الرجل من المسلمين ~~يتزوج إحداهن لتنفق عليه من كسبها، فنهى الله سبحانه أن يتزوجهن أحد ~~من المسلمين، وهو مرسل. وأخرج عبد بن حميد، عن سليمان بن يسار نحوه ~~مختصرا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن عطاء، عن ابن عباس قال كانت ~~بغايا آل فلان، وبغايا آل فلان، فقال الله { الزاني لا ينكح ~~إلا زانية } الآية، فأحكم الله ذلك في أمر الجاهلية، وروى نحو هذا ~~عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، عن الضحاك في ~~الآية قال إنما عنى بذلك الزنا، ولم يعن به التزويج. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عكرمة ms2613 نحوه. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس في ~~هذه الآية قال الزاني من أهل القبلة لا يزني إلا بزانية مثله من أهل ~~القبلة، أو مشركة من غير أهل القبلة، والزانية من أهل القبلة لا تزني ~~إلا بزان مثلها من أهل القبلة، أو مشرك من غير أهل القبلة، وحرم الزنا ~~على المؤمنين. # وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، والنسائي، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في ~~سننه، عن عبد الله بن عمرو قال كانت امرأة يقال لها أم مهزول، وكانت ~~تسافح، وتشترط أن تنفق عليه، فأراد رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يتزوجها، فأنزل الله { الزانية لا ينكحها إلا ~~زان أو مشرك }. وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، ~~والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال كان رجل ~~يقال له مرثد، يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت امرأة ~~بغي بمكة يقال لها عناق، وكانت صديقة له، وذكر قصة وفيها فأتيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أنكح عناقا؟، فلم يرد علي ~~شيئا حتى نزلت { الزاني لا ينكح إلا زانية } الآية، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يا مرثد { الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة ~~والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ~~ذلك على المؤمنين } فلا تنكحها " # وأخرج ابن جرير، عن عبد الله بن عمرو في الآية قال كن نساء معلومات، ~~فكان الرجل من فقراء المسلمين يتزوج المرأة منهن لتنفق عليه، فنهاهم ~~الله عن ذلك. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي ~~عن ابن عباس أنها نزلت في بغايا معلنات كن في الجاهلية وكن زواني ~~مشركات، فحرم الله نكاحهن على المؤمنين. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ms2614 أبي حاتم، وابن مردويه من طريق شعبة ~~مولى ابن عباس قال كنت مع ابن عباس، فأتاه رجل، فقال إني كنت أتبع امرأة، ~~فأصبت منها ما حرم الله علي، وقد رزقني الله منها توبة، فأردت أن ~~أتزوجها، فقال الناس { الزاني لا ينكح إلا زانية أو ~~مشركة } ، فقال ابن عباس ليس هذا موضع هذه الآية، إنما كن نساء ~~بغايا متعالنات يجعلن على أبوابهن رايات يأتيهن الناس يعرفن بذلك، ~~فأنزل الله هذه الآية، تزوجها فما كان فيها من إثم فعلى. وأخرج أبو ~~داود، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن مردويه، والحاكم عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله " # وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن علي بن أبي طالب أن رجلا تزوج ~~امرأة، ثم إنه زنى فأقيم عليه الحد، فجاءوا به إلى علي ففرق بينه وبين ~~امرأته، وقال لا تتزوج إلا مجلودة مثلك. ### || [24.4-10] # قوله { والذين يرمون } استعار الرمي للشتم بفاحشة الزنا لكونه ~~جناية بالقول كما قال النابغة # وجرح اللسان كجرح اليد # وقال آخر # رماني بأمر كنت عنه ووالدي بريا ومن أجل الطوى رماني # ويسمى هذا الشتم بهذه الفاحشة الخاصة قذفا، والمراد بالمحصنات النساء، ~~وخصهن بالذكر لأن قذفهن أشنع، والعار فيهن أعظم، ويلحق الرجال بالنساء ~~في هذا الحكم بلا خلاف بين علماء هذه الأمة، وقد جمعنا في ذلك رسالة ~~رددنا بها على بعض المتأخرين من علماء القرن الحادي عشر لما نازع في ذلك. ~~وقيل إن الآية تعم الرجال، والنساء، والتقدير والأنفس المحصنات، ويؤيد ~~هذا قوله تعالى في آية أخرى # والمحصنت من النساء # النساء 24 فإن البيان بكونهن من النساء يشعر بأن لفظ المحصنات يشمل غير ~~النساء، وإلا لم يكن للبيان كثير معنى. وقيل أراد بالمحصنات الفروج كما ~~قال # والتي أحصنت فرجها # الأنبياء 91. فتتناول الآية الرجال والنساء. وقيل إن لفظ المحصنات، وإن ~~كان للنساء لكنه هاهنا يشمل النساء والرجال تغليبا، وفيه أن تغليب النساء ~~على الرجال غير معروف في لغة العرب، والمراد ms2615 بالمحصنات هنا. العفائف، وقد ~~مضى في سورة النساء ذكر الإحصان، وما يحتمله من المعاني. وللعلماء في ~~الشروط المعتبرة في المقذوف والقاذف أبحاث مطولة مستوفاة في كتب الفقه، ~~منها ما هو مأخوذ من دليل، ومنها ما هو مجرد رأي بحت. قرأ الجمهور { ~~والمحصنات } بفتح الصاد، وقرأ يحيى بن وثاب بكسرها. وذهب الجمهور من ~~العلماء أنه لا حد على من قذف كافرا أو كافرة. وقال الزهري، وسعيد بن ~~المسيب، وابن أبي ليلى إنه يجب عليه الحد. وذهب الجمهور أيضا أن العبد ~~يجلد أربعين جلدة. وقال ابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، وقبيصة يجلد ~~ثمانين. قال القرطبي وأجمع العلماء على أن الحر لا يجلد للعبد إذا افترى ~~عليه لتباين مرتبتهما، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم # " أن من قذف مملوكه بالزنا أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون ~~كما قال ". # ثم ذكر سبحانه شرطا لإقامة الحد على من قذف المحصنات فقال { ثم ~~لم يأتوا بأربعة شهداء } أي يشهدون عليهن بوقوع الزنا ~~منهن، ولفظ ثم يدل على أنه يجوز أن تكون شهادة الشهود في غير مجلس ~~القذف، وبه قال الجمهور، وخالف في ذلك مالك، وظاهر الآية أنه يجوز أن ~~يكون الشهود مجتمعين ومفترقين، وخالف في ذلك الحسن، ومالك، وإذا لم تكمل ~~الشهود أربعة كانوا قذفة يحدون حد القذف. وقال الحسن، والشعبي إنه لا ~~حد على الشهود ولا على المشهود عليه، وبه قال أحمد، وأبو حنيفة، ومحمد ~~بن الحسن. ويرد ذلك ما وقع في خلافة عمر رضي الله عنه من جلده للثلاثة ~~الذين شهدوا على المغيرة بالزنا، ولم يخالف في ذلك أحد من الصحابة رضي ~~الله عنهم. # قرأ الجمهور { بأربعة شهداء } بإضافة أربعة إلى شهداء، وقرأ عبد الله بن ~~مسلم بن يسار، وأبو زرعة بن عمرو بتنوين أربعة. وقد اختلف في إعراب شهداء ~~على هذه القراءة، فقيل هو تمييز. ورد بأن المميز من ثلاثة إلى عشرة يضاف ~~إليه العدد كما هو مقرر في علم النحو. وقيل إنه في محل نصب على ms2616 الحال. ~~ورد بأن الحال لا يجيء من النكرة التي لم تخصص. وقيل إن شهداء في محل ~~جر نعتا لأربعة، ولما كان فيه ألف التأنيث لم ينصرف. وقال النحاس يجوز ~~أن يكون شهداء في موضع نصب على المفعولية أي ثم لم يحضروا أربعة شهداء، ~~وقد قوى ابن جني هذه القراءة، ويدفع ذلك قول سيبويه إن تنوين العدد، ~~وترك إضافته إنما يجوز في الشعر. ثم بين سبحانه ما يجب على القاذف فقال { ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة } الجلد الضرب كما تقدم، والمجالدة ~~المضاربة في الجلود، أو بالجلود، ثم استعير للضرب بالعصى، والسيف، ~~وغيرهما، ومنه قول قيس بن الخطيم # أجالدهم يوم الحديقة حاسرا كأن يدي بالسيف مخراق لاعب # وقد تقدم بيان الجلد قريبا، وانتصاب ثمانين كانتصاب المصادر، وجلدة ~~منتصبة على التمييز، وجملة { ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ~~} معطوفة على " اجلدوا " أي فاجمعوا لهم بين الأمرين الجلد، وترك قبول ~~الشهادة، لأنهم قد صاروا بالقذف غير عدول بل فسقة كما حكم الله به عليهم ~~في آخر هذه الآية. واللام في لهم متعلقة بمحذوف هو حال من شهادة ولو ~~تأخرت عليها لكانت صفة لها، ومعنى { أبدا } ما داموا في الحياة. ثم ~~بين سبحانه حكمهم بعد صدور القذف منهم، وإصرارهم عليه، وعدم رجوعهم إلى ~~التوبة، فقال { وأولئك هم الفسقون } وهذه جملة مستأنفة ~~مقررة لما قبلها. والفسق هو الخروج عن الطاعة، ومجاوزة الحد بالمعصية، ~~وجوز أبو البقاء أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال. ثم بين ~~سبحانه أن هذا التأييد لعدم قبول شهادتهم هو مع عدم التوبة فقال { إلا ~~الذين تابوا } وهذه الجملة في محل نصب على الاستثناء، لأنه من ~~موجب، وقيل يجوز أن يكون في موضع خفض على البدل، ومعنى التوبة قد تقدم ~~تحقيقه، ومعنى { من بعد ذلك } من بعد اقترافهم لذنب القذف، ومعنى ~~{ وأصلحوا } إصلاح أعمالهم التي من جملتها ذنب القذف، ومداركة ذلك ~~بالتوبة، والانقياد للحد. وقد اختلف أهل العلم في هذا الاستثناء هل يرجع ~~إلى الجملتين قبله؟ وهي جملة عدم قبول الشهادة، وجملة الحكم عليهم ms2617 ~~بالفسق، أم إلى الجملة الأخيرة؟ وهذا الاختلاف بعد اتفاقهم على أنه لا ~~يعود إلى جملة الجلد بل يجلد التائب كالمصر، وبعد إجماعهم أيضا على أن ~~هذا الاستثناء يرجع إلى جملة الحكم بالفسق، فحل الخلاف هل يرجع إلى جملة ~~عدم قبول الشهادة أم لا؟، فقال الجمهور إن هذا الاستثناء يرجع إلى ~~الجملتين، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، وزال عنه الفسق، لأن سبب ردها ~~هو ما كان متصفا به من الفسق بسبب القذف، فإذا زال بالتوبة بالإجماع ~~كانت الشهادة مقبولة. # وقال القاضي شريح، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، ~~ومكحول، وعبد الرحمن بن زيد، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة إن هذا الاستثناء ~~يعود إلى جملة الحكم بالفسق، لا إلى جملة عدم قبول الشهادة، فيرتفع ~~بالتوبة عن القاذف وصف الفسق، ولا تقبل شهادته أبدا. وذهب الشعبي، ~~والضحاك إلى التفصيل فقالا لا تقبل شهادته، وإن تاب إلا أن يعترف على ~~نفسه بأنه قد قال البهتان، فحينئذ تقبل شهادته. وقول الجمهور هو الحق، ~~لأن تخصيص التقييد بالجملة الأخيرة دون ما قبلها مع كون الكلام واحدا في ~~واقعة شرعية من متكلم واحد خلاف ما تقتضيه لغة العرب، وأولوية الجملة ~~الأخيرة المتصلة بالقيد بكونه قيدا لها لا تنفي كونه قيدا لما قبلها، ~~غاية الأمر، أن تقييد الأخيرة بالقيد المتصل بها أظهر من تقييد ما قبلها ~~به، ولهذا كان مجمعا عليه، وكونه أظهر لا ينافي قوله فيما قبلها ظاهرا. ~~وقد أطال أهل الأصول الكلام في القيد الواقع بعد جمل بما هو معروف عند من ~~يعرف ذلك الفن، والحق هو هذا، والاحتجاج بما وقع تارة من القيود عائدا ~~إلى جميع الجمل التي قبله، وتارة إلى بعضها لا تقوم به حجة، ولا يصلح ~~للاستدلال، فإنه قد يكون ذلك لدليل كما وقع هنا من الإجماع على عدم رجوع ~~هذا الاستثناء إلى جملة الجلد. ومما يؤيد ما قررناه ويقويه أن المانع من ~~قبول الشهادة، وهو الفسق المتسبب عن القذف قد زال، فلم يبق ما يوجب الرد ~~للشهادة. واختلف العلماء في صورة توبة ms2618 القاذف، فقال عمر ابن الخطاب، ~~والشعبي، والضحاك، وأهل المدينة إن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ~~ذلك القذف الذي وقع منه، وأقيم عليه الحد بسبببه. وقالت فرقة منهم مالك، ~~وغيره إن توبته تكون بأن يحسن حاله، ويصلح عمله، ويندم على ما فرط منه، ~~ويستغفر الله من ذلك، ويعزم على ترك العود إلى مثله. وإن لم يكذب نفسه، ~~ولا رجع عن قوله. ويؤيد هذا الآيات والأحاديث الواردة في التوبة، فإنها ~~مطلقة غير مقيدة بمثل هذا القيد. وقد أجمعت الأمة على أن التوبة تمحو ~~الذنب، ولو كان كفرا فتمحو ما هو دون الكفر بالأولى هكذا حكى الإجماع ~~القرطبي. قال أبو عبيدة الاستثناء يرجع إلى الجمل السابقة، وليس من رمى ~~غيره بالزنا بأعظم جرما من مرتكب الزنا، والزاني إذا تاب قبلت شهادته، ~~لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا قبل الله التوبة من العبد كان ~~العباد بالقبول أولى، مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن ~~منها قوله { إنما جزاء الذين يحاربون الله } إلى قوله # إلا الذين تابوا # المائدة 33 34. ولا شك أن هذا الاستثناء يرجع إلى الجميع. قال الزجاج ~~وليس القاذف بأشد جرما من الكافر، فحقه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته، ~~قال وقوله { أبدا } أي ما دام قاذفا، كما يقال لا تقبل شهادة الكافر ~~أبدا فإن معناه ما دام كافرا. انتهى. وجملة { فإن الله غفور ~~رحيم } تعليل لما تضمنه الاستثناء من عدم المؤاخدة للقاذف بعد ~~التوبة، وصيرورته مغفورا له، مرحوما من الرحمن الرحيم، غير فاسق، ولا ~~مردود الشهادة، ولا مرفوع العدالة. ثم ذكر سبحانه بعد ذكره لحكم القذف ~~على العموم حكم نوع من أنواع القذف، وهو قذف الزوج للمرأة التي تحته بعقد ~~النكاح فقال { والذين يرمون أزوجهم ولم يكن لهم ~~شهداء إلا أنفسهم } أي لم يكن لهم شهداء يشهدون بما رموهن به ~~من الزنا إلا أنفسهم بالرفع على البدل من شهداء. قيل ويجوز النصب على خبر ~~يكن. قال الزجاج أو على الاستثناء على الوجه المرجوح ms2619 { فشهدة ~~أحدهم أربع شهدات } قرأ الكوفيون برفع أربع على أنها خبر ~~لقوله { فشهدة أحدهم } أي فشهادة أحدهم التي تزيل عنه حد ~~القذف أربع شهادات. وقرأ أهل المدينة، وأبو عمرو " أربع " بالنصب على ~~المصدر. ويكون { فشهدة أحدهم } خبر مبتدأ محذوف أي فالواجب ~~شهادة أحدهم، أو مبتدأ محذوف الخبر أي فشهادة أحدهم واجبة. وقيل إن أربع ~~منصوب بتقدير فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات وقوله { بالله } ~~متعلق بشهادة أو بشهادات، وجملة { إنه لمن الصدقين } هي ~~المشهود به، وأصله على أنه، فحذف الجار وكسرت إن، وعلق العامل عنها. { ~~والخامسة } قرأ السبعة وغيرهم الخامسة بالرفع على الابتداء، وخبرها ~~{ أن لعنة الله عليه إن كان من الكذبين } وقرأ ~~أبو عبد الرحمن، وطلحة، وعاصم في رواية حفص " والخامسة " بالنصب على معنى ~~وتشهد الشهادة الخامسة، ومعنى { إن كان من الكذبين } أي فيما ~~رماها به من الزنا. قرأ الجمهور بتشديد { أن } من قوله { أن لعنة ~~الله } وقرأ نافع بتخفيفها، فعلى قراءة نافع يكون اسم أن ضمير الشأن، ~~و { لعنة الله } مبتدأ، و { عليه } خبره، والجملة خبر أن، وعلى قراءة ~~الجمهور تكون { لعنة الله } اسم أن، قال سيبويه لا تخفف أن في الكلام، ~~وبعدها الأسماء إلا وأنت تريد الثقيلة. وقال الأخفش لا أعلم الثقيلة إلا ~~أجود في العربية. { ويدرؤا عنها العذاب } أي عن المرأة، ~~والمراد بالعذاب الدنيوي، وهو الحد، وفاعل يدرأ قوله { أن تشهد ~~أربع شهادات بالله } والمعنى أنه يدفع عن المرأة الحد ~~شهادتها أربع شهادات بالله أن الزوج لمن الكذبين { ~~والخامسة } بالنصب عطفا على أربع أي وتشهد الخامسة، كذلك قرأ حفص، ~~والحسن، والسلمي، وطلحة، والأعمش، وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء، ~~وخبره { أن غضب الله عليها إن كان } الزوج { من ~~الصدقين } فيما رماها به من الزنا، وتخصيص الغضب بالمرأة للتغليظ ~~عليها لكونها أصل الفجور ومادته، ولأن النساء يكثرن اللعن في العادة، ~~ومع استكثارهن منه لا يكون له في قلوبهن كبير موقع بخلاف الغضب. # { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } جواب لولا محذوف. ~~قال الزجاج المعنى ولولا فضل الله لنال الكاذب ms2620 منهما عذاب عظيم. ثم بين ~~سبحانه كثير توبته على من تاب، وعظيم حكمته البالغة فقال { وأن ~~الله تواب حكيم } أي يعود على من تاب إليه، ورجع عن معاصيه ~~بالتوبة عليه، والمغفرة له، حكيم فيما شرع لعباده من اللعان، وفرض عليهم ~~من الحدود. وقد أخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، عن ابن عباس في ~~قوله { إلا الذين تابوا } قال تاب الله عليهم من الفسوق، وأما ~~الشهادة فلا تجوز. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، عن عمر ابن الخطاب، ~~أنه قال لأبي بكرة إن تبت قبلت شهادتك. وأخرج ابن مردويه عنه قال توبتهم ~~إكذابهم أنفسهم، فإن أكذبوا أنفسهم قبلت شهادتهم. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال من تاب، وأصلح، فشهادته في ~~كتاب الله تقبل. وفي الباب روايات عن التابعين. وقصة قذف المغيرة في ~~خلافة عمر مروية من طرق معروفة. وأخرج البخاري، والترمذي، وابن ماجه، عن ~~ابن عباس «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~بشريك بن سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " البينة، وإلا حد في ظهرك " # ، فقال يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس ~~البينة؟ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " البينة وإلا حد في ظهرك " # ، فقال هلال والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرىء ظهري ~~من الحد، ونزل جبريل فأنزل عليه { والذين يرمون أزوجهم } ~~حتى بلغ { إن كان من الصدقين } فانصرف النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول # " الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ " # ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها، وقالوا إنها موجبة، ~~فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم، ~~فمضت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو ~~لشريك بن سحماء " # ، فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ms2621 # " لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن " # ، وأخرج هذه القصة أبو داود الطيالسي، وعبد الرزاق، وأحمد، وعبد بن ~~حميد، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، ~~عن ابن عباس مطولة. وأخرجها البخاري، ومسلم، وغيرهما، ولم يسموا الرجل ~~ولا المرأة. وفي آخر القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له # " اذهب فلا سبيل لك عليها " # ، فقال يا رسول الله مالي، قال # " لا مال لك، وإن كنت صدقت عليها، فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت ~~كذبت عليها، فذاك أبعد لك منها " # وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن سهل بن سعد قال «جاء عويمر إلى عاصم ~~بن عدي، فقال سل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلا وجد مع ~~امرأته رجلا فقتله، أيقتل به أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم السائل، فقال عويمر والله ~~لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسألنه، فأتاه، فوجده قد أنزل ~~عليه، فدعا بهما، فلاعن بينهما. قال عويمر إن انطلقت بها يا رسول الله ~~لقد كذبت عليها، ففارقها قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فصارت سنة للمتلاعنين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أبصروها، فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين، فلا أراه إلا ~~قد صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة، فلا أراه إلا كاذبا " # ، فجاءت به مثل النعت المكروه. وفي الباب أحاديث كثيرة، وفيما ذكرنا ~~كفاية. وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب، وعلي، وابن مسعود، قالوا لا ~~يجتمع المتلاعنان أبدا. ### || [24.11-21] # خبر " إن " من قوله { إن الذين جاءو بالإفك } هو { عصبة ~~} ، و { منكم } صفة لعصبة، وقيل هو { لا تحسبوه شرا لكم ~~} ، ويكون عصبة بدلا من فاعل جاءوا. قال ابن عطية وهذا أنسق في المعنى، ~~وأكثر فائدة من أن يكون الخبر عصبة، وجملة { لا تحسبوه } ، وإن كانت ~~طلبية، فجعلها خبرا يصح بتقدير كما في نظائر ذلك، والإفك أسوأ الكذب ~~وأقبحه، ms2622 وهو مأخوذ من أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه. فالإفك هو الحديث ~~المقلوب، وقيل هو البهتان. وأجمع المسلمون على أن المراد بما في الآية ما ~~وقع من الإفك على عائشة أم المؤمنين، وإنما وصفه الله بأنه إفك لأن ~~المعروف من حالها رضي الله عنها خلاف ذلك، قال الواحدي ومعنى القلب في ~~هذا الحديث الذي جاء به أولئك النفر أن عائشة رضي الله عنها كانت تستحق ~~الثناء بما كانت عليه من الحصانة، وشرف النسب والسبب لا القذف، فالذين ~~رموها بالسوء قلبوا الأمر عن وجهه، فهو إفك قبيح، وكذب ظاهر، والعصبة هم ~~الجماعة من العشرة إلى الأربعين، والمراد بهم هنا عبد الله بن أبي رأس ~~المنافقين، زيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت ~~جحش، ومن ساعدهم. وقيل العصبة من الثلاثة إلى العشرة، وقيل من عشرة إلى ~~خمسة عشر. وأصلها في اللغة الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض، وجملة { لا ~~تحسبوه شرا لكم } إن كانت خبرا لإن فظاهر، وإن كان الخبر ~~عصبة كما تقدم، فهي مستأنفة، خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وعائشة، وصفوان بن المعطل الذي قذف مع أم المؤمنين، وتسلية لهم، والشر ~~ما زاد ضره على نفعه، والخير ما زاد نفعه على ضره، وأما الخير الذي لا ~~شر فيه فهو الجنة، والشر الذي لا خير فيه فهو النار، ووجه كونه خيرا ~~لهم أنه يحصل لهم به الثواب العظيم مع بيان براءة أم المؤمنين، وصيرورة ~~قصتها هذه شرعا عاما { لكل امرىء منهم ما اكتسب من ~~الإثم } أي بسبب تكلمه بالإفك { والذي تولى كبره منهم ~~له عذاب عظيم } قرأ الحسن، والزهري، وأبو رجاء، وحميد الأعرج، ~~ويعقوب، وابن أبي علية، ومجاهد، وعمرة بنت عبد الرحمن بضم الكاف. قال ~~الفراء وهو وجه جيد، لأن العرب تقول فلان تولى عظيم كذا وكذا أي أكبره، ~~وقرأ الباقون بكسرها. قيل هما لغتان، وقيل هو بالضم معظم الإفك، وبالكسر ~~البداءة به، وقيل هو بالكسر الإثم. فالمعنى إن الذي تولى معظم الإفك من ~~العصبة له عذاب ms2623 عظيم في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما. واختلف في هذا ~~الذي تولى كبره من عصبة الإفك من هو منهم؟ فقيل هو عبد الله بن أبي، ~~وقيل هو حسان، والأول هو الصحيح. # وقد روى محمد بن إسحاق وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد في الإفك ~~رجلين وامرأة، وهم مسطح ابن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش. وقيل ~~جلد عبد الله بن أبي، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، ولم يجلد مسطحا، ~~لأنه لم يصرح بالقذف، ولكن كان يسمع ويشيع من غير تصريح. وقيل لم يجلد ~~أحدا منهم. قال القرطبي المشهور من الأخبار، والمعروف عند العلماء أن ~~الذين حدوا حسان، ومسطح، وحمنة. ولم يسمع بحد لعبد الله بن أبي، ويؤيد ~~هذا ما في سنن أبي داود عن عائشة، قالت لما نزل عذري، قام النبي صلى الله ~~عليه وسلم فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين ~~والمرأة فضربوا حدهم، وسماهم حسان، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش. ~~واختلفوا في وجه تركه صلى الله عليه وسلم لجلد عبد الله بن أبي، فقيل ~~لتوفير العذاب العظيم له في الآخرة، وحد من عداه ليكون ذلك تكفيرا ~~لذنبهم كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الحدود أنه قال # " إنها كفارة لمن أقيمت عليه " # وقيل ترك حده تألفا لقومه، واحتراما لابنه، فإنه كان من صالحي ~~المؤمنين، وإطفاء لنائرة الفتنة، فقد كانت ظهرت مباديها من سعد بن عبادة ~~ومن معه كما في صحيح مسلم. ثم صرف سبحانه الخطاب عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ومن معه إلى المؤمنين بطريق الالتفات فقال { لولا إذ ~~سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنت بأنفسهم ~~خيرا } «لولا» هذه هي التحضيضية تأكيدا للتوبيخ، والتقريع، ومبالغة ~~في معاتبتهم أي كان ينبغي للمؤمنين حين سمعوا مقالة أهل الإفك أن يقيسوا ~~ذلك على أنفسهم، فإن كان ذلك يبعد فيهم، فهو في أم المؤمنين أبعد. قال ~~الحسن معنى { بأنفسهم } بأهل دينهم، لأن المؤمنين كنفس واحدة ألا ترى إلى ~~قوله # ولا تقتلوا أنفسكم ms2624 # النساء 29. قال الزجاج ولذلك يقال للقوم الذين يقتل بعضهم بعضا إنهم ~~يقتلون أنفسهم. قال المبرد ومثله قوله سبحانه # فاقتلوا أنفسكم # البقرة 54. قال النحاس { بأنفسهم } بإخوانهم، فأوجب الله سبحانه على ~~المسلمين إذا سمعوا رجلا يقذف أحدا، ويذكره بقبيح لا يعرفونه به أن ~~ينكروا عليه ويكذبوه. قال العلماء إن في الآية دليلا على أن درجة ~~الإيمان والعفاف لا يزيلها الخبر المحتمل وإن شاع { وقالوا هذا ~~إفك مبين } أي قال المؤمنون عند سماع الإفك هذا إفك ظاهر مكشوف. ~~وجملة { لولا جاءو عليه بأربعة شهداء } من تمام ما ~~يقوله المؤمنون أي وقالوا هلا جاء الخائضون بأربعة شهداء يشهدون على ما ~~قالوا { فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك } أي ~~الخائضون في الإفك { عند الله هم الكذبون } أي في حكم ~~الله تعالى هم الكاذبون الكاملون في الكذب { ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته فى الدنيا والآخرة } هذا خطاب ~~للسامعين، وفيه زجر عظيم { ولولا } هذه هي لامتناع الشيء لوجود غيره ~~{ لمسكم فيما أفضتم فيه } أي بسبب ما خضتم فيه من حديث ~~الإفك، يقال أفاض في الحديث، واندفع وخاض. # والمعنى لولا أني قضيت عليكم بالفضل في الدنيا بالنعم التي من جملتها ~~الإمهال، والرحمة في الآخرة بالعفو، لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من ~~حديث الإفك. وقيل المعنى لولا فضل الله عليكم لمسكم العذاب في الدنيا ~~والآخرة معا، ولكن برحمته ستر عليكم في الدنيا، ويرحم في الآخرة من أتاه ~~تائبا. { إذ تلقونه بألسنتكم } الظرف منصوب بمسكم، أو ~~بأفضتم، قرأ الجمهور { إذ تلقونه } من التلقي، والأصل تتلقونه، ~~فحذف إحدى التاءين. قال مقاتل، ومجاهد المعنى يرويه بعضكم عن بعض. قال ~~الكلبي وذلك أن الرجل منهم يلقى الرجل فيقول بلغني كذا، وكذا، ويتلقونه ~~تلقيا. قال الزجاج معناه يلقيه بعضكم إلى بعض. وقرأ محمد ابن السميفع ~~بضم التاء، وسكون اللام، وضم القاف، من الإلقاء، ومعنى هذه القراءة واضح. ~~وقرأ أبي وابن مسعود " تتلقونه " من التلقي، وهي كقراءة الجمهور. وقرأ ~~ابن عباس، وعائشة، وعيسى بن عمر، ويحيى بن يعمر، وزيد بن علي بفتح ~~التاء، وكسر اللام، ms2625 وضم القاف، وهذه القراءة مأخوذة من قول العرب، ولق ~~يلق ولقا إذا كذب. قال ابن سيده جاءوا بالمعتدي شاهدا على غير المعتدي. ~~قال ابن عطية وعندي أنه أراد يلقون فيه، فحذف حرف الجر، فاتصل الضمير. ~~قال الخليل، وأبو عمرو أصل الولق الإسراع، يقال جاءت الإبل تلق أي تسرع، ~~ومنه قول الشاعر # لما رأوا جيشا عليهم قد طرق جاءوا بأسراب من الشام ولق # وقال الآخر # جاءت به عيس من الشام تلق # قال أبو البقاء أي يسرعون فيه. قال ابن جرير وهذه اللفظة أي " تلقونه " ~~على القراءة الأخيرة مأخوذة من الولق، وهو الإسراع بالشيء بعد الشيء كعدد ~~في إثر عدد، وكلام في إثر كلام. وقرأ زيد بن أسلم، وأبو جعفر " تألقونه " ~~بفتح التاء، وهمزة ساكنة، ولام مكسورة، وقاف مضمومة من الألق، وهو الكذب، ~~وقرأ يعقوب " تيلقونه " بكسر التاء من فوق بعدها ياء تحتية ساكنة، ولام ~~مفتوحة، وقاف مضمومة، وهو مضارع ولق بكسر اللام، ومعنى { وتقولون ~~بأفوهكم ما ليس لكم به علم } أن قولهم هذا مختص ~~بالأفواه من غير أن يكون واقعا في الخارج معتقدا في القلوب. وقيل إن ~~ذكر الأفواه للتأكيد كما في قوله # يطير بجناحيه # الأنعام 38، ونحوه، والضمير في { تحسبونه } راجع إلى الحديث الذي وقع ~~الخوض فيه والإذاعة له { وتحسبونه هينا } أي شيئا يسيرا لا ~~يلحقكم فيه إثم، وجملة { وهو عند الله عظيم } في محل نصب على ~~الحال أي عظيم ذنبه وعقابه. # { ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن ~~نتكلم بهذا } هذا عتاب لجميع المؤمنين أي هلا إذا سمعتم حديث ~~الإفك قلتم تكذيبا للخائضين فيه المفترين له ما ينبغي لنا، ولا يمكننا ~~أن نتكلم بهذا الحديث، ولا يصدر ذلك منا بوجه من الوجوه، ومعنى قوله { ~~سبحنك هذا بهتن عظيم } التعجب من أولئك الذين جاءوا ~~بالإفك، وأصله التنزيه لله سبحانه، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه. ~~والبهتان هو أن يقال في الإنسان ما ليس فيه أي هذا كذب عظيم لكونه قيل في ~~أم المؤمنين رضي الله عنها، وصدوره مستحيل ms2626 شرعا من مثلها. ثم وعظ ~~سبحانه الذين خاضوا في الإفك فقال { يعظكم الله أن تعودوا ~~لمثله أبدا } أي ينصحكم الله، أو يحرم عليكم، أو ينهاكم كراهة ~~أن تعودوا، أو من أن تعودوا، أو في أن تعودوا لمثل هذا القذف مدة حياتكم ~~{ إن كنتم مؤمنين } فإن الإيمان يقتضي عدم الوقوع في مثله ما ~~دمتم، وفيه تهييج عظيم وتقريع بالغ { ويبين الله لكم ~~الآيت } في الأمر والنهي لتعملوا بذلك، وتتأدبوا بآداب الله، ~~وتنزجروا عن الوقوع في محارمه { والله عليم } بما تبدونه وتخفونه ~~{ حكيم } في تدبيراته لخلقه. ثم هدد سبحانه القاذفين، ومن أراد أن ~~يتسامع الناس بعيوب المؤمنين، وذنوبهم فقال { إن الذين يحبون ~~أن تشيع الفحشة فى الذين ءامنوا } أي يحبون أن تفشو ~~الفاحشة وتنتشر، من قولهم شاع الشيء يشيع شيوعا، وشيعا، وشيعانا إذا ~~ظهر وانتشر، والمراد بالذين آمنوا المحصنون العفيفون، أو كل من اتصف ~~بصفة الإيمان، والفاحشة هي فاحشة الزنا، أو القول السيء { لهم عذاب ~~أليم في الدنيا } بإقامة الحد عليهم { والآخرة } بعذاب ~~النار { والله يعلم } جميع المعلومات { وأنتم لا ~~تعلمون } إلا ما علمكم به وكشفه لكم، ومن جملة ما يعلمه الله عظم ~~ذنب القذف، وعقوبة فاعله { ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته } هو تكرير لما تقدم تذكيرا للمنة منه سبحانه على عباده ~~بترك المعاجلة لهم { وأن الله رءوف رحيم } ومن رأفته ~~بعباده أن لا يعاجلهم بذنوبهم، ومن رحمته لهم أن يتقدم إليهم بمثل هذا ~~الإعذار، والإنذار، وجملة { وأن الله رءوف رحيم } معطوفة ~~على فضل الله، وجواب " لولا " محذوف لدلالة ما قبله عليه أي لعاجلكم ~~بالعقوبة. { ياأيها الذين ءامنوا لا تتبعوا خطوت ~~الشيطن } الخطوات جمع خطوة، وهي ما بين القدمين، والخطوة بالفتح ~~المصدر أي لا تتبعوا مسالك الشيطان ومذاهبه، ولا تسلكوا طرائقه التي ~~يدعوكم إليها. قرأ الجمهور { خطوات } بضم الخاء، والطاء، وقرأ عاصم، ~~والأعمش بضم الخاء، وإسكان الطاء. { من يتبع خطوت ~~الشيطن فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر } قيل ~~جزاء الشرط محذوف أقيم مقامه ما هو علة له، كأنه قيل فقد ارتكب الفحشاء ~~والمنكر لأن ms2627 دأبه أن يستمر آمرا لغيره بهما، والفحشاء ما أفرط قبحه، ~~والمنكر ما ينكره الشرع، وضمير إنه للشيطان، وقيل للشأن، والأولى أن يكون ~~عائدا إلى من يتبع خطوات الشيطان، لأن من اتبع الشيطان صار مقتديا به ~~في الأمر بالفحشاء والمنكر { ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته } قد تقدم بيانه، وجواب " لولا " هو قوله { ما زكى ~~منكم من أحد أبدا } أي لولا التفضل، والرحمة من الله ما طهر ~~أحد منكم نفسه من دنسها ما دام حيا. # قرأ الجمهور { زكى } بالتخفيف، وقرأ الأعمش، وابن محيصن، وأبو جعفر ~~بالتشديد أي ما طهره الله. وقال مقاتل أي ما صلح. والأولى تفسير زكى ~~بالتطهر والتطهير، وهو الذي ذكره ابن قتيبة. قال الكسائي إن قوله { ~~ياأيها الذين ءامنوا لا تتبعوا خطوت ~~الشيطن } معترض، وقوله { ما زكى منكم من أحد أبدا } ~~جواب لقوله أولا، وثانيا، ولولا فضل الله. وقراءة التخفيف أرجح لقوله ~~{ ولكن الله يزكي من يشاء } أي من عباده بالتفضل عليهم، ~~والرحمة لهم { والله سميع } لما يقولونه { عليم } بجميع ~~المعلومات، وفيه حث بالغ على الإخلاص، وتهييج عظيم لعباده التائبين، ~~ووعيد شديد لمن يتبع الشيطان، ويحب أن تشيع الفاحشة في عباد الله ~~المؤمنين، ولا يزجر نفسه بزواجر الله سبحانه. وقد أخرج البخاري، ومسلم، ~~وأهل السنن، وغيرهم حديث عائشة الطويل في سبب نزول هذه الآيات بألفاظ ~~متعددة، وطرق مختلفة. حاصله أن سبب النزول هو ما وقع من أهل الإفك الذين ~~تقدم ذكرهم في شأن عائشة رضي الله عنها، وذلك أنها خرجت من هودجها تلتمس ~~عقدا لها انقطع من جزع، فرحلوا، وهم يظنون أنها في هودجها، فرجعت، وقد ~~ارتحل الجيش، والهودج معهم، فأقامت في ذلك المكان، ومر بها صفوان بن ~~المعطل، وكان متأخرا عن الجيش، فأناخ راحلته، وحملها عليها فلما رأى ذلك ~~أهل الإفك قالوا ما قالوا، فبرأها الله مما قالوه. هذا حاصل القصة مع ~~طولها، وتشعب أطرافها فلا نطول بذكر ذلك. وأخرج عبد الرزاق، وأحمد، وعبد ~~بن حميد، وأهل السنن الأربع، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في ~~الدلائل عن عائشة ms2628 قالت لما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على المنبر فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا ~~حدهم. قال الترمذي هذا حديث حسن. ووقع عند أبي داود تسميتهم حسان بن ~~ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ~~ابن عباس قال الذين افتروا على عائشة عبد الله بن أبي بن سلول، ومسطح، ~~وحسان، وحمنة بنت جحش. وأخرج البخاري، وابن المنذر، والطبراني، وابن ~~مردويه، والبيهقي في الدلائل عن الزهري قال كنت عند الوليد بن عبد الملك، ~~فقال الذي تولى كبره منهم على، فقلت لا، حدثني سعيد بن المسيب، وعروة بن ~~الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كلهم ~~سمع عائشة تقول الذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبي، قال فقال لي فما ~~كان جرمه؟ قلت حدثني شيخان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، ~~وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنهما سمعا عائشة تقول كان ~~مسيئا في أمري. # وقال يعقوب بن شيبة في مسنده حدثنا الحسن بن علي الحلواني، حدثنا ~~الشافعي، حدثنا عمي قال دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك فقال ~~له يا سليمان الذي تولى كبره من هو؟ قال عبد الله بن أبي. قال كذبت هو ~~علي. قال أمير المؤمنين أعلم بما يقول، فدخل الزهري فقال يا ابن شهاب من ~~الذي تولى كبره؟ فقال ابن أبي. قال كذبت هو علي. قال أنا أكذب؟ لا أبا ~~لك، والله لو نادى مناد من السماء أن الله قد أحل الكذب ما كذبت، ~~حدثني عروة وسعيد وعبد الله وعلقمة عن عائشة أن الذي تولى كبره عبد الله ~~بن أبي، وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن مسروق قال دخل حسان بن ثابت ~~على عائشة فشبب وقال # حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # قالت لكنك لست كذلك، قلت تدعين مثل هذا يدخل عليك، وقد أنزل الله { ~~والذي ms2629 تولى كبره منهم له عذاب عظيم } فقالت ~~وأي عذاب أشد من العمى؟. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر عن بعض الأنصار أن امرأة أبي ~~أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا ألا تسمع ما يقول الناس في ~~عائشة؟ قال بلى وذلك الكذب، أكنت أنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت لا ~~والله، قال فعائشة والله خير منك وأطيب، إنما هذا كذب وإفك باطل فلما نزل ~~القرآن ذكر الله من قال من الفاحشة ما قال من أهل الإفك. ثم قال { ~~لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنت ~~بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين } أي كما قال ~~أبو أيوب، وصاحبته. وأخرج الواقدي، والحاكم، وابن عساكر عن أفلح مولى أبي ~~أيوب أن أم أيوب... فذكر نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس { يعظكم ~~الله أن تعودوا لمثله أبدا } قال يحرج الله عليكم. ~~وأخرج البخاري في الأدب، والبيهقي في شعب الإيمان، عن علي بن أبي طالب ~~قال القائل الفاحشة، والذي شيع بها في الإثم سواء. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ما زكى منكم من ~~أحد أبدا } قال ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير. ### || [24.22-26] # قوله { ولا يأتل } أي يحلف، وزنه يفتعل من الألية، وهي اليمين، ~~ومنه قول الشاعر # تألى ابن أوس حلفة ليردني إلى نسوة كأنهن مفايد # وقول الآخر # قليل الألايا حافظ ليمينه وإن بدرت منه الألية برت # يقال ائتلى يأتلى إذا حلف. ومنه قوله سبحانه # للذين يؤلون من نسائهم # البقرة 226 وقالت فرقة هو من ألوت في كذا إذا قصرت، ومنه لم آل جهدا أي ~~لم أقصر، وكذا منه قوله # لا يألونكم خبالا # آل عمران 118. ومنه قول الشاعر # وما المرء ما دامت حشاشة نفسه بمدرك أطراف الخطوب ولا آل # والأول أولى بدليل سبب النزول، وهو ما سيأتي، والمراد بالفضل الغنى ~~والسعة في ms2630 المال { أن يؤتوا أولى القربى والمسكين ~~والمهجرين في سبيل الله } أي على أن لا يؤتوا. قال ~~الزجاج أن لا يؤتوا فحذف لا، ومنه قول الشاعر # فقلت يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # وقال أبو عبيدة لا حاجة إلى إضمار لا، والمعنى لا يحلفوا على أن لا ~~يحسنوا إلى المستحقين للإحسان الجامعين لتلك الأوصاف، وعلى الوجه الآخر ~~يكون المعنى لا يقصروا في أن يحسنوا إليهم، وإن كانت بينهم شحناء لذنب ~~اقترفوه، وقرأ أبو حيوة " إن تؤتوا " بتاء الخطاب على الالتفات. ثم علمهم ~~سبحانه أدبا آخر، فقال { وليعفوا } عن ذنبهم الذي أذنبوه عليهم، ~~وجنايتهم التي اقترفوها، من عفا الربع أي درس، والمراد محو الذنب حتى ~~يعفو كما يعفو أثر الربع { وليصفحوا } بالإغضاء عن الجاني، ~~والإغماض عن جنايته، وقرىء بالفوقية في الفعلين جميعا. ثم ذكر سبحانه ~~ترغيبا عظيما لمن عفا وصفح، فقال { ألا تحبون أن يغفر ~~الله لكم } بسبب عفوكم وصفحكم عن الفاعلين للإساءة عليكم { ~~والله غفور رحيم } أي كثير المغفرة والرحمة لعباده مع كثرة ~~ذنوبهم، فكيف لا يقتدي العباد بربهم في العفو والصفح عن المسيئين إليهم؟ ~~{ إن الذين يرمون المحصنت } قد مر تفسير المحصنات، ~~وذكرنا الإجماع على أن حكم المحصنين من الرجال حكم المحصنات من النساء في ~~حد القذف. وقد اختلف في هذه الآية هل هي خاصة أو عامة؟ فقال سعيد بن ~~جبير هي خاصة فيمن رمى عائشة رضي الله عنها. وقال مقاتل هي خاصة بعبد ~~الله بن أبي رأس المنافقين. وقال الضحاك، والكلبي هذه الآية هي في عائشة ~~وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم دون سائر المؤمنين والمؤمنات، فمن ~~قذف إحدى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فهو من أهل هذه الآية. قال ~~الضحاك ومن أحكام هذه الآية أنه لا توبة لمن رمى إحدى أزواجه صلى الله ~~عليه وسلم، ومن قذف غيرهن فقد جعل الله له التوبة كما تقدم في قوله # إلا الذين تابوا # النور 5. وقيل إن هذه الآية خاصة بمن أصر على القذف ولم يتب، وقيل ms2631 إنها ~~تعم كل قاذف ومقذوف من المحصنات والمحصنين، واختاره النحاس، وهو الموافق ~~لما قرره أهل الأصول من أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقيل ~~إنها خاصة بمشركي مكة لأنهم كانوا يقولون للمرأة إذا خرجت مهاجرة إنما ~~خرجت لتفجر. قال أهل العلم إن كان المراد بهذه الآية المؤمنون من القذفة، ~~فالمراد باللعنة الإبعاد، وضرب الحد، وهجر سائر المؤمنين لهم، وزوالهم ~~عن رتبة العدالة، والبعد عن الثناء الحسن على ألسنة المؤمنين، وإن كان ~~المراد بها من قذف عائشة خاصة كانت هذه الأمور في جانب عبد الله بن أبي ~~رأس المنافقين، وإن كانت في مشركي مكة فإنهم ملعونون { في الدنيا ~~والآخرة ولهم عذاب عظيم } ، والمراد بالغافلات اللاتي غفلن ~~عن الفاحشة بحيث لا تخطر ببالهن، ولا يفطن لها، وفي ذلك من الدلالة على ~~كمال النزاهة وطهارة الجيب ما لم يكن في المحصنات، وقيل هن السليمات ~~الصدور النقيات القلوب. { يوم تشهد عليهم ألسنتهم } ~~هذه الجملة مقررة لما قبلها مبينة لوقت حلول ذلك العذاب بهم، وتعيين ~~اليوم لزيادة التهويل بما فيه من العذاب الذي لا يحيط به وصف. وقرأ ~~الجمهور { يوم تشهد } بالفوقية، واختار هذه القراءة أبو حاتم، وقرأ ~~الأعمش، ويحيى بن وثاب، وحمزة، والكسائي، وخلف بالتحتية، واختار هذه ~~القراءة أبو عبيد، لأن الجار والمجرور قد حال بين الاسم والفعل. والمعنى ~~تشهد ألسنة بعضهم على بعض في ذلك اليوم، وقيل تشهد عليهم ألسنتهم في ذلك ~~اليوم بما تكلموا به { وأيديهم وأرجلهم } بما عملوا بها في ~~الدنيا، وإن الله سبحانه ينطقها بالشهادة عليهم، والمشهود محذوف، وهو ~~ذنوبهم التي اقترفوها أي تشهد هذه عليهم بذنوبهم التي اقترفوها، ومعاصيهم ~~التي عملوها. و { يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق } ~~أي يوم تشهد عليهم جوارحهم بأعمالهم القبيحة يعطيهم الله جزاءهم عليها ~~موفرا، فالمراد بالدين هاهنا الجزاء، وبالحق الثابت الذي لا شك في ~~ثبوته. قرأ زيد بن علي " يوفيهم " مخففا من أوفى، وقرأ من عداه ~~بالتشديد من وفى. وقرأ أبو حيوة، ومجاهد " الحق " بالرفع على أنه نعت ~~لله، وروي ذلك عن ابن ms2632 مسعود. وقرأ الباقون بالنصب على أنه نعت لدينهم. ~~قال أبو عبيدة ولولا كراهة خلاف الناس لكان الوجه الرفع ليكون نعتا لله ~~عز وجل، ولتكون موافقة لقراءة أبي، وذلك أن جرير بن حازم قال رأيت في ~~مصحف أبي " يوفيهم الله الحق دينهم ". قال النحاس وهذا الكلام من أبي ~~عبيدة غير مرضي، لأنه احتج بما هو مخالف للسواد الأعظم، ولا حجة أيضا ~~فيه لأنه لو صح أنه في مصحف أبي كذلك جاز أن يكون دينهم بدلا من الحق ~~{ ويعلمون أن الله هو الحق المبين } أي ويعلمون ~~عند معاينتهم لذلك، ووقوعه على ما نطق به الكتاب العزيز أن الله هو الحق ~~الثابت في ذاته، وصفاته، وأفعاله. # المبين المظهر للأشياء كما هي في أنفسها، وإنما سمى سبحانه الحق لأن ~~عبادته هي الحق دون عبادة غيره. وقيل سمي بالحق أي الموجود لأن نقيضه ~~الباطل، وهو المعدوم. ثم ختم سبحانه الآيات الواردة في أهل الإفك بكلمة ~~جامعة فقال { الخبيثت للخبيثين } أي الخبيثات من النساء ~~للخبيثين من الرجال أي مختصة بهم لا تتجاوزهم، وكذا الخبيثون مختصون ~~بالخبيثات لا يتجاوزونهن، وهكذا قوله { والطيبت للطيبين ~~والطيبون للطيبات } قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، ~~وأكثر المفسرين المعنى الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، ~~والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلمات، والكلمات الطيبات من القول ~~للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الكلمات. قال النحاس ~~وهذا أحسن ما قيل. قال الزجاج ومعناه لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من ~~الرجال والنساء، ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء، وهذا ~~ذم للذين قذفوا عائشة بالخبث، ومدح للذين برءوها. وقيل إن هذه الآية ~~مبنية على قوله # الزاني لا ينكح إلا زانية # النور 3 فالخبيثات الزواني، والطيبات العفائف، وكذا الخبيثون، والطيبون، ~~والإشارة بقوله { أولئك مبرءون مما يقولون } إلى ~~الطيبين، والطيبات أي هم مبرءون مما يقوله الخبيثون، والخبيثات، وقيل ~~الإشارة إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وعائشة، وصفوان بن المعطل، وقيل عائشة، وصفوان فقط. قال ms2633 ~~الفراء وجمع كما قال # فإن كان له إخوة # النساء 11، والمراد أخوان { لهم مغفرة } أي هؤلاء المبرءون لهم ~~مغفرة عظيمة لما لا يخلوا عنه البشر من الذنوب { ورزق كريم } ، ~~وهو رزق الجنة. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { ولا يأتل } الآية، يقول لا يقسموا أن لا ينفعوا ~~أحدا. وأخرج ابن المنذر، عن عائشة قالت كان مسطح بن أثاثة ممن تولى كبره ~~من أهل الإفك، وكان قريبا لأبي بكر، وكان في عياله، فحلف أبو بكر ألا ~~ينيله خيرا أبدا، فأنزل الله { ولا يأتل أولوا الفضل ~~منكم والسعة } الآية، قالت فأعاده أبو بكر إلى عياله، وقال لا ~~أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها إلا تحللتها، وأتيت الذي هو خير. ~~وقد روي هذا من طرق عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، ~~عن ابن عباس في الآية قال كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد رموا عائشة بالقبيح وأفشوا ذلك، وتكلموا فيها، فأقسم ناس من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر أن لا يتصدقوا على رجل تكلم ~~بشيء من هذا، ولا يصلوه، فقال لا يقسم أولوا الفضل منكم والسعة أن يصلوا ~~أرحامهم، وأن يعطوهم من أموالهم كالذي كانوا يفعلون قبل ذلك، فأمر الله ~~أن يغفر لهم، وأن يعفى عنهم. # وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه في قوله { إن ~~الذين يرمون المحصنت } الآية، قال نزلت في عائشة خاصة. ~~وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه عنه أيضا في ~~الآية قال هذه في عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجعل لمن ~~فعل ذلك توبة، وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم التوبة، ثم قرأ { والذين يرمون المحصنت ~~} إلى قوله { إلا الذين تابوا }. وأخرج أبو يعلى، وابن أبي ~~حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " إذا كان ms2634 يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم، فيقال هؤلاء ~~جيرانك يشهدون عليك فيقول كذبوا، فيقال أهلك وعشيرتك، فيقول كذبوا، فيقال ~~احلفوا فيحلفون، ثم يصمتهم الله، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم، ثم يدخلهم ~~النار " # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق جماعة من الصحابة ما ~~يتضمن شهادة الجوارح على العصاة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله سبحانه { يومئذ يوفيهم الله ~~دينهم الحق } قال حسابهم، وكل شيء في القرآن الدين، فهو الحساب. ~~وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قرأ " يومئذ يوفيهم الله الحق دينهم ". وأخرج ابن ~~جرير، والطبراني، وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله { الخبيثت } ~~قال من الكلام { للخبيثين } قال من الرجال { والخبيثون } من ~~الرجال { للخبيثت } من الكلام { والطيبت } من الكلام { ~~للطيبين } من الناس { والطيبون } من الناس { للطيبت ~~} من الكلام، نزلت في الذين قالوا في زوجة النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~قالوا من البهتان. وأخرج عبد الرزاق والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، ~~والطبراني، عن قتادة نحوه أيضا، وكذا روي عن جماعة من التابعين. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن زيد في الآية قال نزلت في ~~عائشة حين رماها المنافقون بالبهتان، والفرية، فبرأها الله من ذلك، وكان ~~عبد الله بن أبي هو الخبيث، فكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة، ويكون ~~لها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبا، فكان أولى أن تكون له ~~الطيبة، وكانت عائشة الطيبة، وكانت أولى بأن يكون لها الطيب، وفي قوله { ~~أولئك مبرءون مما يقولون } قال هاهنا برئت عائشة. ~~وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت لقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة ~~وعند طيب، ولقد وعدت مغفرة وأجرا عظيما. ### || [24.27-29] # لما فرغ سبحانه من ذكر الزجر عن الزنا والقذف، شرع في ذكر الزجر عن دخول ~~البيوت بغير ms2635 استئذان لما في ذلك من مخالطة الرجال بالنساء، فربما يؤدي ~~إلى أحد الأمرين المذكورين، وأيضا إن الإنسان يكون في بيته، ومكان خلوته ~~على حالة قد لا يحب أن يراه عليها غيره، فنهى الله سبحانه عن دخول بيوت ~~الغير إلى غاية، هي قوله { حتى تستأنسوا } ، والاستئناس ~~الاستعلام، والاستخبار أي حتى تستعلموا من في البيت، والمعنى حتى تعلموا ~~أن صاحب البيت قد علم بكم، وتعلموا أنه قد أذن بدخولكم، فإذا علمتم ذلك ~~دخلتم، ومنه قوله # فإن آنستم منهم رشدا # النساء 6 أي علمتم. قال الخليل الاستئناس الاستكشاف، من أنس الشيء إذا ~~أبصره كقوله # إني آنست نارا # طه 10 أي أبصرت. وقال ابن جرير إنه بمعنى وتؤنسوا أنفسكم. قال ابن عطية ~~وتصريف الفعل يأبى أن يكون من أنس. ومعنى كلام ابن جرير هذا أنه من ~~الاستئناس الذي هو خلاف الاستيحاش، لأن الذي يطرق باب غيره لا يدري أيؤذن ~~له أم لا؟ فهو كالمستوحش حتى يؤذن له، فإذا أذن له استأنس، فنهى سبحانه ~~عن دخول تلك البيوت حتى يؤذن للداخل. وقيل هو من الإنس، وهو يتعرف هل ثم ~~إنسان أم لا؟ وقيل معنى الاستئناس الاستئذان، أي لا تدخلوها حتى ~~تستأذنوا. قال الواحدي قال جماعة المفسرين حتى تستأذنوا، ويؤيده ما حكاه ~~القرطبي عن ابن عباس، وأبي، وسعيد بن جبير أنهم قرءوا " حتى تستأذنوا " ~~قال مالك فيما حكاه عنه ابن وهب الاستئناس فيما يرى، والله أعلم ~~الاستئذان، وقوله { وتسلموا على أهلها } قد بينه النبي صلى ~~الله عليه وسلم كما سيأتي بأن يقول # " السلام عليكم أأدخل؟ " # مرة، أو ثلاثا كما سيأتي. واختلفوا هل يقدم الاستئذان على السلام، أو ~~العكس، فقيل يقدم الاستئذان، فيقول أدخل؟ سلام عليكم، لتقديم الاستئناس ~~في الآية على السلام. وقال الأكثرون إنه يقدم السلام على الاستئذان ~~فيقول السلام عليكم، أدخل؟، وهو الحق، لأن البيان منه صلى الله عليه ~~وسلم للآية كان هكذا. وقيل إن وقع بصره على إنسان قدم السلام، وإلا ~~قدم الاستئذان { ذلكم خير لكم } الإشارة إلى الاستئناس، ~~والتسليم أي دخولكم مع الاستئذان، ms2636 والسلام خير لكم من الدخول بغتة { ~~لعلكم تذكرون } أن الاستئذان خير لكم، وهذه الجملة متعلقة ~~بمقدر أي أمرتم بالاستئذان، والمراد بالتذكر الاتعاظ، والعمل بما أمروا ~~به { فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى ~~يؤذن لكم } أي إن لم تجدوا في البيوت التي لغيركم أحدا ممن ~~يستأذن عليه فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم بدخولها من جهة من يملك الإذن. # وحكى ابن جرير عن مجاهد أنه قال معنى الآية فإن لم تجدوا فيها أحدا، أي ~~لم يكن لكم فيها متاع، وضعفه، وهو حقيق بالضعف فإن المراد بالأحد المذكور ~~أهل البيوت الذين يأذنون للغير بدخولها، لا متاع الداخلين إليها { وإن ~~قيل لكم ارجعوا فارجعوا } أي إن قال لكم أهل البيت ارجعوا، ~~فارجعوا، ولا تعاودوهم بالاستئذان مرة أخرى، ولا تنتظروا بعد ذلك أن ~~يأذنوا لكم بعد أمرهم لكم بالرجوع. ثم بين سبحانه أن الرجوع أفضل من ~~الإلحاح، وتكرار الاستئذان، والقعود على الباب فقال { هو أزكى ~~لكم } أي أفضل { وأطهر } من التدنس بالمشاحة على الدخول لما في ~~ذلك من سلامة الصدر، والبعد من الريبة، والفرار من الدناءة { والله ~~بما تعملون عليم } لا تخفى عليه من أعمالكم خافية { ليس ~~عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها ~~متاع لكم } أي لا جناح عليكم في الدخول بغير استئذان إلى البيوت ~~التي ليست بمسكونة. وقد اختلف الناس في المراد بهذه البيوت، فقال محمد بن ~~الحنفية، وقتادة ومجاهد هي الفنادق التي في الطرق السابلة الموضوعة لابن ~~السبيل يأوي إليها. وقال ابن زيد، والشعبي هي حوانيت القيساريات، قال ~~الشعبي لأنهم جاءوا ببيوعهم، فجعلوها فيها، وقالوا للناس هلم. وقال عطاء ~~المراد بها الخرب التي يدخلها الناس للبول، والغائط، ففي هذا أيضا متاع. ~~وقيل هي بيوت مكة. روي ذلك عن محمد ابن الحنفية أيضا، وهو موافق لقول من ~~قال إن الناس شركاء فيها، ولكن قد قيد سبحانه هذه البيوت المذكورة هنا ~~بأنها غير مسكونة. والمتاع المنفعة عند أهل اللغة، فيكون معنى الآية فيها ~~منفعة لكم، ومنه قوله # ومتعوهن # البقرة 236 وقولهم ms2637 أمتع الله بك، وقد فسر الشعبي المتاع في كلامه ~~المتقدم بالأعيان التي تباع. قال جابر بن زيد وليس المراد بالمتاع ~~الجهاز، ولكن ما سواه من الحاجة. قال النحاس وهو حسن موافق للغة { ~~والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } أي ما تظهرون وما ~~تخفون، وفيه وعيد لمن لم يتأدب بآداب الله في دخول بيوت الغير. وقد أخرج ~~الفريابي، وابن جرير من طريق عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار قال قالت ~~امرأة يا رسول الله إني أكون في بيتي على الحالة التي لا أحب أن يراني ~~عليها أحد ولد ولا والد، فيأتيني الأب فيدخل علي، فكيف أصنع؟ ولفظ ابن ~~جرير وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي، وأنا على تلك الحالة، فنزلت { ~~يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير ~~بيوتكم } الآية. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف، وابن ~~منده في غرائب شعبة، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، ~~والضياء في المختارة من طرق عن ابن عباس في قوله { حتى ~~تستأنسوا } قال أخطأ الكاتب " حتى تستأذنوا " { وتسلموا ~~على أهلها }. # وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، والبيهقي، عن إبراهيم ~~النخعي قال في مصحف عبد الله " حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا ". وأخرج ~~ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن عكرمة مثله. وأخرج سعيد بن ~~منصور وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال الاستئناس الاستئذان. وأخرج ~~ابن أبي شيبة، والحكيم الترمذي، والطبراني، وابن مردويه، وابن أبي حاتم، ~~عن أبي أيوب قال قلت يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى { حتى ~~تستأنسوا وتسلموا على أهلها } هذا التسليم عرفناه ~~فما الاستئناس؟ قال # " يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ويتنحنح فيؤذن أهل البيت " # قال ابن كثير هذا حديث غريب. وأخرج الطبراني عن أبي أيوب أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " الاستئناس أن يدعو الخادم حتى يستأنس أهل البيت الذين يسلم عليهم " # وأخرج ابن سعد، وأحمد، والبخاري في ms2638 الأدب، وأبو داود، والترمذي، ~~والنسائي، والبيهقي في الشعب من طريق كلدة أن صفوان بن أمية بعثه في ~~الفتح بلبأ، وضغابيس، والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى الوادي، قال فدخلت ~~عليه، ولم أسلم، ولم أستأذن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " ارجع، فقل السلام عليكم أأدخل؟ " # قال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وأحمد والبخاري في الأدب، وأبو داود، والبيهقي في السنن من طريق ربعي، ~~قال حدثنا رجل من بني عامر استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في ~~بيت، فقال أألج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه # " اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له قل السلام عليكم أأدخل؟ " # وأخرج ابن جرير عن عمر بن سعيد الثقفي نحوه مرفوعا، ولكنه قال إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لأمة له يقال لها روضة # " قومي إلى هذا فعلميه ". # وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال كنت جالسا في ~~مجلس من مجالس الأنصار، فجاء أبو موسى فزعا، فقلنا له ما أفزعك قال ~~أمرني عمر أن آتيه، فأتيته، فاستأذنت ثلاثا، فلم يؤذن لي، فقال ما منعك ~~أن تأتيني؟ فقلت قد جئت، فاستأذنت ثلاثا، فلم يؤذن لي، وقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " إذا استأذن أحدكم ثلاثا، فلم يؤذن له فليرجع " # قال لتأتيني على هذا بالبينة، فقالوا لا يقوم إلا أصغر القوم، فقام أبو ~~سعيد معه ليشهد له، فقال عمر لأبي موسى إني لم أتهمك، ولكن الحديث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد. # وفي الصحيحين، وغيرهما من حديث سهل بن سعد قال اطلع رجل من جحر في حجرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه مدري يحك بها رأسه، قال # " لو أعلم أنك تنظر لطعنت بها في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر ~~" # وفي لفظ # " إنما جعل الإذن من أجل البصر " # وأخرج أبو يعلى، وابن جرير، وابن مردويه، عن أنس قال قال رجل من ~~المهاجرين لقد طلبت عمري كله في هذه ms2639 الآية، فما أدركتها أن أستأذن على ~~بعض إخواني، فيقول لي ارجع، فأرجع، وأنا مغتبط لقوله { وإن قيل ~~لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم }. وأخرج البخاري ~~في الأدب، وأبو داود في الناسخ والمنسوخ، وابن جرير عن ابن عباس قال { ~~ياأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير ~~بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } ، ~~فنسخ، واستثنى من ذلك، فقال { ليس عليكم جناح أن ~~تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم }. ### || [24.30-31] # لما ذكر سبحانه حكم الاستئذان، أتبعه بذكر حكم النظر على العموم، فيندرج ~~تحته غض البصر من المستأذن، كما قال صلى الله عليه وسلم # " إنما جعل الإذن من أجل البصر " # وخص المؤمنين مع تحريمه على غيرهم، لكون قطع ذرائع الزنا التي منها ~~النظر هم أحق من غيرهم بها، وأولى بذلك ممن سواهم. وقيل إن في الآية ~~دليلا على أن الكفار غير مخاطبين بالشرعيات كما يقوله بعض أهل العلم، ~~وفي الكلام حذف، والتقدير قل للمؤمنين غضوا يغضوا، ومعنى ~~غض البصر إطباق الجفن على العين بحيث تمتنع الرؤية، ومنه قول جرير # فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا # وقول عنترة # وأغض طرفي ما بدت لي جارتي حتى يوارى جارتي مأواها # و«من» في قوله { من أبصرهم } هي التبعيضية، وإليه ذهب ~~الأكثرون، وبينوه بأن المعنى غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما ~~يحل. وقيل وجه التبعيض أنه يعفى للناظر أول نظرة تقع من غير قصد. وقال ~~الأخفش إنها زائدة، وأنكر ذلك سيبويه. وقيل إنها لبيان الجنس قاله أبو ~~البقاء. واعترض عليه بأنه لم يتقدم مبهم يكون مفسرا بمن، وقيل إنها ~~لابتداء الغاية قاله ابن عطية، وقيل الغض النقصان، يقال غض فلان من ~~فلان أي وضع منه، فالبصر إذا لم يمكن من عمله، فهو مغضوض منه، ومنقوص، ~~فتكون " من " صلة للغض، وليست لمعنى من تلك المعاني الأربعة. وفي هذه ~~الآية دليل على تحريم النظر إلى غير من يحل النظر إليه، ومعنى { ~~ويحفظوا فروجهم } أنه يجب عليهم حفظها عما يحرم عليهم. وقيل ~~المراد ستر فروجهم ms2640 عن أن يراها من لا تحل له رؤيتها، ولا مانع من إرادة ~~المعنيين، فالكل يدخل تحت حفظ الفرج. قيل ووجه المجيء بمن في الأبصار دون ~~الفروج أنه موسع في النظر فإنه لا يحرم منه إلا ما استثنى، بخلاف حفظ ~~الفرج فإنه مضيق فيه، فإنه لا يحل منه إلا ما استثنى. وقيل الوجه أن ~~غض البصر كله كالمتعذر، بخلاف حفظ الفرج فإنه ممكن على الإطلاق، ~~والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما ذكر من الغض، والحفظ، وهو مبتدأ، ~~وخبره { أزكى لهم } أي أظهر لهم من دنس الريبة، وأطيب من التلبس ~~بهذه الدنيئة { إن الله خبير بما يصنعون } لا يخفى عليه ~~شيء من صنعهم، وفي ذلك وعيد لمن لم يغض بصره، ويحفظ فرجه. { وقل ~~للمؤمنت يغضضن من أبصرهن } خص سبحانه الإناث ~~بهذا الخطاب على طريق التأكيد لدخولهن تحت خطاب المؤمنين تغليبا كما في ~~سائر الخطابات القرآنية، وظهر التضعيف في يغضضن، ولم يظهر في يغضوا، لأن ~~لام الفعل من الأول متحركة، ومن الثاني ساكنة، وهما في موضع جزم جوابا ~~للأمر، وبدأ سبحانه بالغض في الموضعين قبل حفظ الفرج لأن النظر وسيلة ~~إلى عدم حفظ الفرج، والوسيلة مقدمة على المتوسل إليه، ومعنى { يغضضن من ~~أبصارهن } كمعنى يغضوا من أبصارهم، فيستدل به على تحريم نظر النساء إلى ~~ما يحرم عليهن، وكذلك يجب عليهن حفظ فروجهن على الوجه الذي تقدم في ~~حفظ الرجال لفروجهم { ولا يبدين زينتهن } أي ما يتزين به من ~~الحلية، وغيرها، وفي النهي عن إبداء الزينة نهي عن إبداء مواضعها من ~~أبدانهن بالأولى. # ثم استثنى سبحانه من هذا النهي، فقال { إلا ما ظهر منها }. ~~واختلف الناس في ظاهر الزينة ما هو؟ فقال ابن مسعود، وسعيد بن جبير ظاهر ~~الزينة هو الثياب، وزاد سعيد بن جبير الوجه. وقال عطاء، والأوزاعي الوجه ~~والكفان. وقال ابن عباس، وقتادة والمسور بن مخرمة ظاهر الزينة هو الكحل ~~والسواك والخضاب إلى نصف الساق ونحو ذلك، فإنه يجوز للمرأة أن تبديه. ~~وقال ابن عطية إن المرأة لا تبدي شيئا من الزينة، وتخفي ms2641 كل شيء من ~~زينتها، ووقع الاستثناء فيما يظهر منها بحكم الضرورة. ولا يخفى عليك أن ~~ظاهر النظم القرآني النهي عن إبداء الزينة إلا ما ظهر منها كالجلباب، ~~والخمار، ونحوهما مما على الكف، والقدمين من الحلية، ونحوها، وإن كان ~~المراد بالزينة مواضعها كان الاستثناء راجعا إلى ما يشق على المرأة ستره ~~كالكفين والقدمين، ونحو ذلك. وهكذا إذا كان النهي عن إظهار الزينة يستلزم ~~النهي عن إظهار مواضعها بفحوى الخطاب، فإنه يحمل الاستثناء على ما ذكرناه ~~في الموضعين، وأما إذا كانت الزينة تشمل مواضع الزينة، وما تتزين به ~~النساء فالأمر واضح، والاستثناء يكون من الجميع. قال القرطبي في تفسيره ~~الزينة على قسمين خلقية، ومكتسبة فالخلقية وجهها فإنه أصل الزينة، ~~والزينة المكتسبة ما تحاوله المرأة في تحسين خلقها كالثياب، والحلى، ~~والكحل، والخضاب، ومنه قوله تعالى # خذوا زينتكم # الأعراف 31، وقول الشاعر # يأخذن زينتهن أحسن ما ترى وإذا عطلن فهن خير عواطل # { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } قرأ الجمهور ~~بإسكان اللام التي للأمر. وقرأ أبو عمرو بكسرها على الأصل لأن أصل لام ~~الأمر الكسر، ورويت هذه القراءة عن ابن عباس. والخمر جمع خمار، وهو ما ~~تغطي به المرأة رأسها، ومنه اختمرت المرأة، وتخمرت. والجيوب جمع جيب، وهو ~~موضع القطع من الدرع، والقميص، مأخوذ من الجوب، وهو القطع. قال المفسرون ~~إن نساء الجاهلية كن يسدلن خمرهن من خلفهن، وكانت جيوبهن من قدام ~~واسعة، فكان تنكشف نحورهن، وقلائدهن، فأمرن أن يضربن مقانعهن على ~~الجيوب لتستر بذلك ما كان يبدو، وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء الذي هو ~~الإلصاق. قرأ الجمهور { بخمرهن } بتحريك الميم، وقرأ طلحة بن مصرف ~~بسكونها. # وقرأ الجمهور { جيوبهن } بضم الجيم، وقرأ ابن كثير، وبعض الكوفيين ~~بكسرها، وكثير من متقدمي النحويين لا يجوزون هذه القراءة. وقال الزجاج ~~يجوز أن يبدل من الضمة كسرة، فأما ما روي عن حمزة من الجمع بين الضم ~~والكسر فمحال لا يقدر أحد أن ينطق به إلا على الإيماء، وقد فسر الجمهور ~~الجيوب بما قدمنا، وهو المعنى الحقيقي، وقال مقاتل إن معنى ms2642 على جيوبهن ~~على صدورهن، فيكون في الآية مضاف محذوف أي على مواضع جيوبهن. ثم كرر ~~سبحانه النهي عن إبداء الزينة لأجل ما سيذكره من الاستثناء، فقال { ولا ~~يبدين زينتهن إلا لبعولتهن } البعل هو الزوج والسيد ~~في كلام العرب، وقدم البعولة لأنهم المقصودون بالزينة، ولأن كل بدن ~~الزوجة والسرية حلال لهم، ومثله قوله سبحانه # والذين هم لفروجهم حفظون. إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين # المؤمنون 5 6، ثم لما استثنى سبحانه الزوج أتبعه باستثناء ذوي ~~المحارم، فقال { أو آبائهن أو آباء بعولتهن } إلى قوله { أو بنى ~~أخوتهن } فجوز للنساء أن يبدين الزينة لهؤلاء لكثرة المخالطة، ~~وعدم خشية الفتنة لما في الطباع من النفرة عن القرائب. وقد روي عن الحسن ~~والحسين رضي الله عنهما أنهما كانا لا ينظران إلى أمهات المؤمنين ذهابا ~~منهما إلى أن أبناء البعولة لم يذكروا في الآية التي في أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهي قوله # لا جناح عليهن فى ءابائهن # الأحزاب 55 والمراد بأبناء بعولتهن ذكور أولاد الأزواج، ويدخل في قوله ~~{ أو أبنائهن } أولاد الأولاد، وإن سفلوا، وأولاد بناتهن، وإن ~~سفلوا، وكذا آباء البعولة، وآباء الآباء، وآباء الأمهات، وإن علوا، وكذلك ~~أبناء البعولة، وإن سفلوا، وكذلك أبناء الإخوة، والأخوات. وذهب الجمهور ~~إلى أن العم والخال كسائر المحارم في جواز النظر إلى ما يجوز لهم، وليس ~~في الآية ذكر الرضاع، وهو كالنسب. وقال الشعبي، وعكرمة ليس العم والخال ~~من المحارم، ومعنى { أو نسائهن } هن المختصات بهن الملابسات ~~لهن بالخدمة، أو الصحبة، ويدخل في ذلك الإماء، ويخرج من ذلك نساء الكفار ~~من أهل الذمة، وغيرهم، فلا يحل لهن أن يبدين زينتهن لهن لأنهن لا ~~يتحرجن عن وصفهن للرجال. وفي هذه المسألة خلاف بين أهل العلم، وإضافة ~~النساء إليهن تدل على اختصاص ذلك بالمؤمنات { أو ما ملكت ~~أيمنهن } ظاهر الآية يشمل العبيد، والإماء من غير فرق بين أن ~~يكونوا مسلمين أو كافرين، وبه قال جماعة من أهل العلم، وإليه ذهبت عائشة، ~~وأم سلمة، وابن عباس، ومالك، ms2643 وقال سعيد بن المسيب لا تغرنكم هذه الآية ~~{ أو ما ملكت أيمنهن } إنما عني بها الإماء، ولم يعن بها ~~العبيد. وكان الشعبي يكره أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته، وهو قول عطاء، ~~ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وروي عن ابن مسعود، وبه قال أبو حنيفة، وابن ~~جريج { أو التبعين غير أولي الإربة من الرجال } ~~قرأ الجمهور { غير } بالجر. # وقرأ أبو بكر، وابن عامر بالنصب على الاستثناء، وقيل على القطع، والمراد ~~بالتابعين هم الذين يتبعون القوم فيصيبون من طعامهم لا همة لهم إلا ذلك، ~~ولا حاجة لهم في النساء، قاله مجاهد، وعكرمة، والشعبي، ومن الرجال في محل ~~نصب على الحال. وأصل الإربة والإرب والمأربة الحاجة، والجمع مآرب، أي ~~حوائج، ومنه قوله سبحانه # ولي فيها مآرب أخرى # طه 18 ومنه قول طرفة # إذا المرء قال الجهل والحوب والخنا تقدم يوما ثم ضاعت مآربه # وقيل المراد بغير أولي الإربة من الرجال الحمقى الذين لا حاجة لهم في ~~النساء، وقيل البله، وقيل العنين، وقيل الخصي، وقيل المخنث، وقيل الشيخ ~~الكبير، ولا وجه لهذا التخصيص، بل المراد بالآية ظاهرها، وهم من يتبع أهل ~~البيت، ولا حاجة له في النساء، ولا يحصل منه ذلك في حال من الأحوال، ~~فيدخل في هؤلاء من هو بهذه الصفة ويخرج من عداه { أو الطفل ~~الذين لم يظهروا على عورت النساء } الطفل يطلق على ~~المفرد والمثنى، أو المراد به هنا الجنس الموضوع موضع الجمع بدلالة وصفه ~~بوصف الجمع، وفي مصحف أبي " أو الأطفال " على الجمع، يقال للإنسان طفل ~~ما لم يراهق الحلم، ومعنى { لم يظهروا } لم يطلعوا، من الظهور ~~بمعنى الاطلاع، قاله ابن قتيبة. وقيل معناه لم يبلغوا حد الشهوة، قاله ~~الفراء، والزجاج، يقال ظهرت على كذا إذا غلبته، وقهرته. والمعنى لم ~~يطلعوا على عورات النساء ويكشفوا عنها للجماع، أو لم يبلغوا حد الشهوة ~~للجماع. قراءة الجمهور { عورات } بسكون الواو تخفيفا، وهي لغة جمهور ~~العرب. وقرأ ابن عامر في رواية بفتحها. وقرأ بذلك ابن أبي إسحاق، ~~والأعمش. ورويت هذه القراءة عن ابن ms2644 عباس، وهي لغة هذيل بن مدركة، ومنه ~~قول الشاعر الذي أنشده الفراء # أخو بيضات رائح متأوب رفيق لمسح المنكبين سبوح # واختلف العلماء في وجوب ستر ما عدا الوجه والكفين من الأطفال، فقيل لا ~~يلزم لأنه لا تكليف عليه، وهو الصحيح وقيل يلزم لأنها قد تشتهي المرأة. ~~وهكذا اختلف في عورة الشيخ الكبير الذي قد سقطت شهوته، والأولى بقاء ~~الحرمة كما كانت، فلا يحل النظر إلى عورته، ولا يحل له أن يكشفها. وقد ~~اختلف العلماء في حد العورة، قال القرطبي أجمع المسلمون على أن السوأتين ~~عورة من الرجل، والمرأة، وأن المرأة كلها عورة إلا وجهها، ويديها على ~~خلاف في ذلك. وقال الأكثر إن عورة الرجل من سرته إلى ركبته { ولا ~~يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } ~~أي لا تضرب المرأة برجلها إذا مشت ليسمع صوت خلخالها من يسمعه من الرجال، ~~فيعلمون أنها ذات خلخال. # قال الزجاج وسماع هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من إبدائها. ثم أرشد ~~عباده إلى التوبة عن المعاصي، فقال سبحانه { وتوبوا إلى الله ~~جميعا أيه المؤمنون } فيه الأمر بالتوبة، ولا خلاف بين ~~المسلمين في وجوبها، وأنها فرض من فرائض الدين، وقد تقدم الكلام على ~~التوبة في سورة النساء. ثم ذكر ما يرغبهم في التوبة، فقال { لعلكم ~~تفلحون } أي تفوزون بسعادة الدنيا، والآخرة، وقيل إن المراد بالتوبة ~~هنا هي عما كانوا يعملونه في الجاهلية، والأول أولى لما تقرر في السنة ~~أن الإسلام يجب ما قبله. وقد أخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال ~~مر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق من طرقات المدينة، ~~فنظر إلى امرأة، ونظرت إليه، فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى ~~الآخر إلا إعجابا به، فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائط، وهو ينظر إليها، ~~إذ استقبله الحائط، فشق أنفه، فقال والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأعلمه أمري، فأتاه، فقص عليه قصته، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم # " هذا عقوبة ms2645 ذنبك " # ، وأنزل الله { قل للمؤمنين يغضوا من أبصرهم } ~~الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس { قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصرهم } قال يعني من شهواتهم ~~مما يكره الله. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، والترمذي، والبيهقي في ~~سننه عن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تتبع النظرة النظرة، فإن الأولى لك، وليست لك الأخرى " # وفي مسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، عن جرير البجلي قال سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري، وفي ~~الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " إياكم والجلوس على الطرقات " # ، قالوا يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، فقال # " إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه " # ، قالوا وما حقه يا رسول الله؟ قال # " غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن ~~المنكر ". # وأخرج البخاري، وأهل السنن، وغيرهم عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده ~~قال قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها، وما نذر؟ قال # " احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك " # ، قلت يا نبي الله إذا كان القوم بعضهم في بعض، قال # " إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها " # ، قلت إذا كان أحدنا خاليا، قال # " فالله أحق أن يستحيا منه من الناس " # وفي الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " كتب الله على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين ~~النظر، وزنا اللسان النطق، وزنا الأذنين السماع، وزنا اليدين البطش، وزنا ~~الرجلين الخطو، والنفس تتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه " # وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة، فمن تركها من خوف الله أثابه الله ~~إيمانا يجد حلاوته في قلبه " # ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال ~~بلغنا، والله ms2646 أعلم أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث أن أسماء بنت يزيد ~~كانت في نخل لها لبني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير متزرات فيبدو ~~ما في أرجلهن، يعني الخلاخل، وتبدو صدورهن وذوائبهن، فقالت أسماء ما ~~أقبح هذا، فأنزل الله ذلك { وقل للمؤمنت يغضضن من ~~أبصرهن } الآية، وفيه - مع كونه مرسلا - مقاتل. وأخرج عبد ~~الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه عن ابن مسعود في قوله { ولا يبدين زينتهن } قال ~~الزينة السوار، والدملج، والخلخال، والقرط، والقلادة، { إلا ما ~~ظهر منها } قال الثياب والجلباب. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، ~~وابن المنذر عنه قال الزينة زينتان زينة ظاهرة، وزينة باطنة لا يراها ~~إلا الزوج، فأما الزينة الظاهرة، فالثياب، وأما الزينة الباطنة، فالكحل، ~~والسوار، والخاتم. ولفظ ابن جرير فالظاهرة منها الثياب، وما خفي ~~الخلخالان، والقرطان، والسواران. وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله { ~~إلا ما ظهر منها } قال الكحل والخاتم. وأخرج سعيد بن منصور، ~~وعبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في سننه عن ابن عباس { ~~ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } قال الكحل، ~~والخاتم، والقرط، والقلادة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عنه قال هو ~~خضاب الكف، والخاتم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد عن ابن عمر قال ~~الزينة الظاهرة الوجه والكفان. وأخرجا عن ابن عباس قال { إلا ما ~~ظهر منها } وجهها، وكفاها، والخاتم، وأخرجا أيضا عنه قال رقعة ~~الوجه وباطن الكف. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، ~~والبيهقي في سننه عن عائشة أنها سئلت عن الزينة الظاهرة قالت القلب، ~~والفتخ، وضمت طرف كمها. وأخرج أبو داود، وابن مردويه، والبيهقي عن عائشة ~~أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب ~~رقاق، فأعرض عنها وقال # " يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا " # ، وأشار إلى وجهه وكفه. قال ms2647 أبو داود، وأبو حاتم الرازي هذا مرسل لأنه ~~من طريق خالد بن دريك عن عائشة، ولم يسمع منها. وأخرج البخاري، وأبو ~~داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في سننه ~~عن عائشة قالت رحم الله نساء المهاجرات الأولات لما أنزل الله { ~~وليضربن بخمرهن على جيوبهن } شققن أكثف مروطهن، ~~فاختمرن به. وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنها بلفظ أخذ ~~النساء أزرهن، فشققنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { ~~ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } ، والزينة ~~الظاهرة الوجه، وكحل العينين، وخضاب الكف، والخاتم، فهذا تظهره في بيتها ~~لمن دخل عليها، ثم قال { ولا يبدين زينتهن إلا ~~لبعولتهن أو آبآئهن } الآية، والزينة التي تبديها لهؤلاء ~~قرطها، وقلادتها، وسوارها، فأما خلخالها، ومعضدها، ونحرها، وشعرها، فإنها ~~لا تبديه إلا لزوجها. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر من طريق الكلبي، ~~عن أبي صالح، عن ابن عباس { أو نسائهن } قال هن المسلمات لا ~~تبديه ليهودية ولا نصرانية، وهو النحر، والقرط، والوشاح، وما يحرم أن ~~يراه إلا محرم. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، والبيهقي في سننه، عن ~~عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي عبيدة أما بعد، فإنه بلغني أن نساء من ~~نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، فإنه من قبلك عن ذلك، ~~فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا ~~أهل ملتها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن ابن عباس قال لا بأس أن ~~يرى العبد شعر سيدته. وأخرج أبو داود وابن مردويه، والبيهقي عن أنس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهب لها، وعلى فاطمة ثوب ~~إذا قنع به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، ~~فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال # " إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك " # وإسناده في سنن أبي داود ms2648 هكذا، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا أبو جميع ~~سالم بن دينار، عن ثابت، عن أنس فذكره. وأخرج عبد الرزاق، وأحمد عن أم ~~سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان له ما يؤدي، فلتحتجب منه " # ، وإسناد أحمد هكذا حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن نبهان أن أم ~~سلمة... فذكره. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير ~~عن ابن عباس في قوله { أو التبعين غير أولي الإربة ~~من الرجال } قال هذا الذي لا تستحيي منه النساء. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن ~~عباس في الآية قال هذا الرجل يتبع القوم، وهو مغفل في عقله، لا يكترث ~~للنساء، ولا يشتهي النساء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه في الآية قال ~~كان الرجل يتبع الرجل في الزمان الأول لا يغار عليه، ولا ترهب المرأة أن ~~تضع خمارها عنده، وهو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال ~~هو المخنث الذي لا يقوم زبه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ومسلم وأبو ~~داود والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي، عن عائشة ~~قالت كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث، فكانوا ~~يدعونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم يوما وهو ~~عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة قال إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت ~~أدبرت بثمان، قال النبي صلى الله عليه وسلم # " ألا أرى هذا يعرف ما ها هنا لا يدخلن عليكم، فحجبوه " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ~~ولا يضربن بأرجلهن } وهو أن تقرع الخلخال بالآخر عند ~~الرجال، أو يكون في رجلها خلاخل فتحركهن عند الرجال، فنهى الله عن ذلك، ~~لأنه من عمل الشيطان. ### || [24.32-34] # لما أمر سبحانه بغض الأبصار، وحفظ الفروج أرشد بعد ms2649 ذلك إلى ما يحل ~~للعباد من النكاح الذي يكون به قضاء الشهوة، وسكون دواعي الزنا، ويسهل ~~بعده غض البصر عن المحرمات، وحفظ الفرج عما لا يحل، فقال { ~~وأنكحوا الأيمى منكم } الأيم التي لا زوج لها بكرا كانت ~~أو ثيبا، والجمع أيامى، والأصل أيايم، والأيم بتشديد الياء، ويشمل الرجل ~~والمرأة. قال أبو عمرو، والكسائي اتفق أهل اللغة على أن الأيم في الأصل ~~هي المرأة التي لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا. قال أبو عبيد يقال رجل ~~أيم، وامرأة أيم، وأكثر ما يكون في النساء، وهو كالمستعار في الرجال، ~~ومنه قول أمية ابن أبي الصلت # لله در بني علي أيم منهم وناكح # ومنه أيضا قول الآخر # لقد إمت حتى لا مني كل صاحب رجاء سليمى أن تأيم كما إمت # والخطاب في الآية للأولياء، وقيل للأزواج، والأول أرجح، وفيه دليل على ~~أن المرأة لا تنكح نفسها، وقد خالف في ذلك أبو حنيفة. واختلف أهل العلم ~~في النكاح هل مباح، أو مستحب، أو واجب؟ فذهب إلى الأول الشافعي، وغيره، ~~وإلى الثاني مالك، وأبو حنيفة، وإلى الثالث بعض أهل العلم على تفصيل لهم ~~في ذلك، فقالوا إن خشي على نفسه الوقوع في المعصية وجب عليه، وإلا فلا. ~~والظاهر أن القائلين بالإباحة والاستحباب لا يخالفون في الوجوب مع تلك ~~الخشية، وبالجملة، فهو مع عدمها سنة من السنن المؤكدة لقوله صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح بعد ترغيبه في النكاح # " ومن رغب عن سنتي فليس مني " # ، ولكن مع القدرة عليه، وعلى مؤنه كما سيأتي قريبا، والمراد بالأيامى ~~هنا الأحرار، والحرائر، وأما المماليك فقد بين ذلك بقوله { ~~والصلحين من عبادكم وإمائكم } قرأ الجمهور { عبادكم ~~} ، وقرأ الحسن " عبيدكم ". قال الفراء ويجوز " وإماءكم " بالنصب برده ~~على الصالحين، والصلاح هو الإيمان. وذكر سبحانه الصلاح في المماليك دون ~~الأحرار لأن الغالب في الأحرار الصلاح بخلاف المماليك، وفيه دليل على أن ~~المملوك لا يزوج نفسه، وإنما يزوجه مالكه. وقد ذهب الجمهور إلى أنه ~~يجوز للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح. ms2650 وقال مالك لا يجوز. ثم رجع ~~سبحانه إلى الكلام في الأحرار، فقال { إن يكونوا فقراء ~~يغنهم الله من فضله } أي لا تمتنعوا من تزويج الأحرار بسبب ~~فقر الرجل والمرأة أو أحدهما، فإنهم إن يكونوا فقراء يغنهم الله سبحانه ~~ويتفضل عليهم بذلك. قال الزجاج حث الله على النكاح، وأعلم أنه سبب لنفي ~~الفقر، ولا يلزم أن يكون هذا حاصلا لكل فقير إذا تزوج، فإن ذلك مقيد ~~بالمشيئة. # وقد يوجد في الخارج كثير من الفقراء لا يحصل لهم الغنى إذا تزوجوا. ~~وقيل المعنى إنه يغنيه بغنى النفس، وقيل المعنى إن يكونوا فقراء إلى ~~النكاح يغنهم الله من فضله بالحلال ليتعففوا عن الزنا. والوجه الأول ~~أولى، ويدل عليه قوله سبحانه # وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ~~إن شاء # التوبة 28. فيحمل المطلق هنا على المقيد هناك، وجملة { والله وسع ~~عليم } مؤكدة لما قبلها، ومقررة لها، والمراد أنه سبحانه ذو سعة لا ~~ينقص من سعة ملكه غنى من يغنيه من عباده عليم بمصالح خلقه، يغني من ~~يشاء، ويفقر من يشاء. ثم ذكر سبحانه حال العاجزين عن النكاح بعد بيان ~~جواز مناكحتهم إرشادا لهم إلى ما هو الأولى، فقال { وليستعفف ~~الذين لا يجدون نكاحا } استعف طلب أن يكون عفيفا أي ليطلب ~~العفة عن الزنا والحرام من لا يجد نكاحا أي سبب نكاح، وهو المال. وقيل ~~النكاح هنا ما تنكح به المرأة من المهر والنفقة كاللحاف اسم لما يلتحف ~~به، واللباس اسم لما يلبس، وقيد سبحانه هذا النهي بتلك الغاية، وهي { ~~حتى يغنيهم الله من فضله } أي يرزقهم رزقا يستغنون ~~به، ويتمكنون بسببه من النكاح، وفي هذه الآية ما يدل على تقييد الجملة ~~الأولى. وهي أن يكونوا فقراء يغنهم الله بالمشيئة كما ذكرنا، فإنه لو كان ~~وعدا حتما لا محالة في حصوله لكان الغنى والزواج متلازمين، وحينئذ لا ~~يكون للأمر بالاستعفاف مع الفقر كثير فائدة، فإنه سيغنى عند تزوجه لا ~~محالة، فيكون في تزوجه مع فقره تحصيل للغنى، إلا أن يقال إن هذا الأمر ~~بالاستعفاف ms2651 للعاجز عن تحصيل مبادىء النكاح، ولا ينافي ذلك وقوع الغنى له ~~من بعد أن ينكح، فإنه قد صدق عليه أنه لم يجد نكاحا إذا كان غير واجد ~~لأسبابه التي يتحصل بها، وأعظمها المال. ثم لما رغب سبحانه في تزويج ~~الصالحين من العبيد والإماء، أرشد المالكين إلى طريقة يصير بها المملوك ~~من جملة الأحرار فقال { والذين يبتغون الكتب مما ~~ملكت أيمنكم } الموصول في محل رفع على الابتداء، ويجوز أن ~~يكون في محل نصب على إضمار فعل يفسره ما بعده أي وكاتبوا الذين يبتغون ~~الكتاب، والكتاب مصدر كاتب كالمكاتبة، يقال كاتب يكاتب كتابا ومكاتبة، ~~كما يقال قاتل يقاتل قتالا ومقاتلة. وقيل الكتاب ها هنا اسم عين للكتاب ~~الذي يكتب فيه الشيء، وذلك لأنهم كانوا إذا كاتبوا العبد كتبوا عليه، ~~وعلى أنفسهم بذلك كتابا، فيكون المعنى الذين يطلبون كتاب المكاتبة. ~~ومعنى المكاتبة في الشرع أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجما، فإذا ~~أداه فهو حر، وظاهر قوله { فكتبوهم } أن العبد إذا طلب الكتابة ~~من سيده وجب عليه أن يكاتبه بالشرط المذكور بعده، وهو { إن علمتم ~~فيهم خيرا } ، والخير هو القدرة على أداء ما كوتب عليه، وإن لم يكن ~~له مال، وقيل هو المال فقط، كما ذهب إليه مجاهد والحسن وعطاء والضحاك ~~وطاوس ومقاتل. # وذهب إلى الأول ابن عمر وابن زيد، واختاره مالك والشافعي والفراء ~~والزجاج. قال الفراء يقول إن رجوتم عندهم وفاء وتأدية للمال. وقال الزجاج ~~لما قال { فيهم } كان الأظهر الاكتساب، والوفاء، وأداء الأمانة، وقال ~~النخعي إن الخير الدين والأمانة. وروي مثل هذا عن الحسن. وقال عبيدة ~~السلماني إقامة الصلاة. قال الطحاوي وقول من قال إنه المال لا يصح عندنا، ~~لأن العبد مال لمولاه، فكيف يكون له مال؟ قال والمعنى عندنا إن علمتم ~~فيهم الدين والصدق. قال أبو عمر بن عبد البر من لم يقل إن الخير هنا ~~المال، أنكر أن يقال إن علمتم فيهم مالا، وإنما يقال علمت فيه الخير، ~~والصلاح، والأمانة، ولا يقال علمت فيه المال. هذا حاصل ما ms2652 وقع من ~~الاختلاف بين أهل العلم في الخير المذكور في هذه الآية. وإذا تقرر لك ~~هذا، فاعلم أنه قد ذهب ظاهر ما يقتضيه الأمر المذكور في الآية من الوجوب. ~~عكرمة، وعطاء، ومسروق، وعمرو بن دينار، والضحاك، وأهل الظاهر، فقالوا يجب ~~على السيد أن يكاتب مملوكه إذا طلب منه ذلك، وعلم فيه خيرا. وقال ~~الجمهور من أهل العلم لا يجب ذلك، وتمسكوا بالإجماع على أنه لو سأل العبد ~~سيده، أن يبيعه من غيره لم يجب عليه ذلك، ولم يجبر عليه، فكذا الكتابة ~~لأنها معاوضة. ولا يخفاك أن هذه حجة واهية، وشبهة داحضة، والحق ما قاله ~~الأولون، وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عباس واختاره ابن جرير. ثم أمر ~~سبحانه الموالي بالإحسان إلى المكاتبين، فقال { وآتوهم من مال ~~الله الذي آتاكم } ففي هذه الآية الأمر للمالكين بإعانة ~~المكاتبين على مال الكتابة، إما بأن يعطوهم شيئا من المال، أو بأن يحطوا ~~عنهم مما كوتبوا عليه، وظاهر الآية عدم تقدير ذلك بمقدار، وقيل الثلث، ~~وقيل الربع، وقيل العشر، ولعل وجه تخصيص الموالي بهذا الأمر هو كون ~~الكلام فيهم، وسياق الكلام معهم فإنهم المأمورون بالكتابة. وقال الحسن، ~~والنخعي، وبريدة إن الخطاب بقوله { وآتوهم } لجميع الناس. وقال زيد بن ~~أسلم إن الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم كما في ~~قوله سبحانه # وفي الرقاب # التوبة 60، وللمكاتب أحكام معروفة إذا وفى ببعض مال الكتابة. ثم إنه ~~سبحانه لما أرشد الموالي إلى نكاح الصالحين من المماليك، نهى المسلمين ~~عما كان يفعله أهل الجاهلية من إكراه إمائهم على الزنا، فقال { ولا ~~تكرهوا فتيتكم على البغاء } والمراد بالفتيات هنا ~~الإماء، وإن كان الفتى والفتاة قد يطلقان على الأحرار في مواضع أخر. # والبغاء الزنا، مصدر بغت المرأة تبغي بغاء إذا زنت، وهذا مختص بزنا ~~النساء، فلا يقال للرجل إذا زنا إنه بغي، وشرط الله سبحانه هذا النهي ~~بقوله { إن أردن تحصنا } لأن الإكراه لا يتصور إلا عند ~~إرادتهم للتحصن، فإن من لم ترد التحصن لا يصح أن يقال لها ms2653 مكرهة على ~~الزنا، والمراد بالتحصن هنا التعفف، والتزوج. وقيل إن هذا القيد راجع إلى ~~الأيامى. قال الزجاج والحسن بن الفضل في الكلام تقديم وتأخير، أي وأنكحوا ~~الأيامى، والصالحين من عبادكم، وإمائكم إن أردن تحصنا. وقيل هذا الشرط ~~ملغى. وقيل إن هذا الشرط باعتبار ما كانوا عليه، فإنهم كانوا يكرهونهن، ~~وهن يردن التعفف، وليس لتخصص النهي بصورة إرادتهن التعفف. وقيل إن هذا ~~الشرط خرج مخرج الغالب لأن الغالب أن الإكراه لا يكون إلا عند إرادة ~~التحصن، فلا يلزم منه جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصن، وهذا الوجه ~~أقوى هذه الوجوه، فإن الأمة قد تكون غير مريدة للحلال، ولا للحرام كما ~~فيمن لا رغبة لها في النكاح، والصغيرة، فتوصف بأنها مكرهة على الزنا مع ~~عدم إرادتها للتحصن، فلا يتم ما قيل من أنه لا يتصور الإكراه إلا عند ~~إرادة التحصن، إلا أن يقال إن المراد بالتحصن هنا مجرد التعفف، وأنه لا ~~يصدق على من كانت تريد الزواج أنها مريدة للتحصن، وهو بعيد، فقد قال ~~الحبر ابن عباس إن المراد بالتحصن التعفف، والتزوج، وتابعه على ذلك ~~غيره. ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله { لتبتغوا عرض الحيوة ~~الدنيا } ، وهو ما تكسبه الأمة بفرجها، وهذا التعليل أيضا خارج مخرج ~~الغالب، والمعنى أن هذا العرض هو الذي كان يحملهم على إكراه الإماء على ~~البغاء في الغالب، لأن إكراه الرجل لأمته على البغاء لا لفائدة له أصلا ~~لا يصدر مثله عن العقلاء، فلا يدل هذا التعليل على أنه يجوز له أن ~~يكرهها، إذا لم يكن مبتغيا بإكراهها عرض الحياة الدنيا. وقيل إن هذا ~~التعليل للإكراه هو باعتبار أن عادتهم كانت كذلك، لا أنه مدار للنهي عن ~~الإكراه لهن، وهذا يلاقي المعنى الأول، ولا يخالفه. { ومن ~~يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور ~~رحيم } هذا مقرر لما قبله، ومؤكد له، والمعنى أن عقوبة الإكراه ~~راجعة إلى المكرهين لا إلى المكرهات، كما تدل عليه قراءة ابن مسعود، ~~وجابر بن عبد الله، وسعيد بن جبير " فإن الله غفور رحيم لهن ms2654 ". قيل وفي ~~هذا التفسير بعد، لأن المكرهة على الزنا غير آثمة. وأجيب بأنها، وإن كانت ~~مكرهة، فربما لا تخلو في تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة إما بحكم الجبلة ~~البشرية، أو يكون الإكراه قاصرا عن حد الإلجاء المزيل للاختيار. وقيل ~~إن المعنى فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهم، إما مطلقا، أو بشرط ~~التوبة. # ولما فرغ سبحانه من بيان تلك الأحكام، شرع في وصف القرآن بصفات ثلاث ~~الأولى أنه { آيات مبينات } أي واضحات في أنفسهن، أو موضحات، ~~فتدخل الآيات المذكورة في هذه الصورة دخولا أوليا. والصفة الثانية ~~كونه مثلا من الذين خلوا من قبل هؤلاء أي مثلا كائنا من جهة أمثال ~~الذين مضوا من القصص العجيبة، والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة، ~~فإن العجب من قصة عائشة رضي الله عنها، هو كالعجب من قصة يوسف ومريم وما ~~اتهما به، ثم تبين بطلانه، وبراءتهما سلام الله عليهما. والصفة الثالثة ~~كونه موعظة ينتفع بها المتقون خاصة، فيقتدون بما فيه من الأوامر، ~~وينزجرون عما فيه من النواهي. وأما غير المتقين، فإن الله قد ختم على ~~قلوبهم، وجعل على أبصارهم غشاوة عن سماع المواعظ، والاعتبار بقصص الذين ~~خلوا، وفهم ما تشتمل عليه الآيات البينات. وقد أخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وأنكحوا الأيمى ~~} الآية، قال أمر الله سبحانه بالنكاح، ورغبهم فيه، وأمرهم أن يزوجوا ~~أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى، فقال { إن يكونوا فقراء ~~يغنهم الله من فضله }. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي بكر ~~الصديق قال أطيعوا الله فيما أمركم من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من ~~الغنى، قال تعالى { إن يكونوا فقراء يغنهم الله من ~~فضله }. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وعبد بن حميد، عن قتادة قال ذكر ~~لنا أن عمر بن الخطاب قال ما رأيت كرجل لم يلتمس الغنى في الباءة، وقد ~~وعد الله فيها ما وعد، فقال { إن يكونوا فقراء يغنهم ~~الله من فضله }. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، عنه نحوه من ms2655 ~~طريق أخرى. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود نحوه. وأخرج البزار، والدارقطني ~~في العلل، والحاكم، وابن مردويه، والديلمي من طريق عروة عن عائشة قالت ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنكحوا النساء، فإنهن يأتينكم بالمال " # وأخرجه ابن أبي شيبة، وأبو داود في مراسيله، عن عروة مرفوعا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر عائشة، وهو مرسل. وأخرج عبد الرزاق، وأحمد، ~~والترمذي وصححه، والنسائي وابن ماجه وابن حبان، والحاكم وصححه، والبيهقي ~~في السنن، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ثلاثة حق على الله عونهم الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، ~~والغازي في سبيل الله " # وقد ورد في الترغيب في مطلق النكاح أحاديث كثيرة ليس هذا موضع ذكرها. ~~وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس في قوله { وليستعفف ~~الذين لا يجدون نكاحا } قال ليتزوج من لا يجد فإن الله ~~سيغنيه، وأخرج ابن السكن في معرفة الصحابة، عن عبد الله بن صبيح، عن أبيه ~~قال كنت مملوكا لحويطب بن عبد العزى، فسألته الكتابة، فأبى، فنزلت { ~~والذين يبتغون الكتب } الآية. # وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عن أنس بن مالك قال سألني ~~سيرين المكاتبة، فأبيت عليه، فأتى عمر بن الخطاب، فأقبل علي بالدرة، ~~وقال كاتبه، وتلا { فكتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } ، ~~فكاتبته. قال ابن كثير إن إسناده صحيح. وأخرج أبو داود في المراسيل، ~~والبيهقي في سننه، عن يحيى بن أبي كثير قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم { فكتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } قال # " إن علمتم فيهم حرفة، ولا ترسلوهم كلا على الناس " # وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ~~ابن عباس { إن علمتم فيهم خيرا } قال المال. وأخرج ابن ~~مردويه عن علي مثله. وأخرج البيهقي، عن ابن عباس في الآية قال أمانة ~~ووفاء. وأخرج عنه أيضا قال إن علمت مكاتبك يقضيك. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عنه في الآية قال إن علمتم لهم ms2656 حيلة، ~~ولا تلقوا مؤنتهم على المسلمين { وآتوهم من مال الله ~~الذي آتاكم } يعني ضعوا عنهم من مكاتبتهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن ~~جرير، وابن المنذر، والبيهقي، عن نافع قال كان ابن عمر يكره أن يكاتب ~~عبده إذا لم تكن له حرفة، ويقول يطعمني من أوساخ الناس. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن سعيد بن جبير قال قال ابن عباس في قوله { وآتوهم من مال ~~الله } الآية أمر المؤمنين أن يعينوا في الرقاب. وقال علي بن أبي ~~طالب أمر الله السيد أن يدع للمكاتب الربع من ثمنه. وهذا تعليم من الله ~~ليس بفريضة، ولكن فيه أجر. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والروياني في مسنده، والضياء المقدسي في ~~المختارة، عن بريدة في الآية قال حث الناس عليه أن يعطوه. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وابن أبي شيبة، ومسلم، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وابن مردويه، والبيهقي من طريق أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله قال ~~كان عبد الله بن أبي يقول لجارية له اذهبي فابغينا شيئا، وكانت كارهة، ~~فأنزل الله " ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض ~~الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم " ~~هكذا كان يقرؤها، وذكر مسلم في صحيحه عن جابر أن جارية لعبد الله بن أبي ~~يقال لها مسيكة، وأخرى يقال لها أميمة، فكان يريدهما على الزنا، فشكتا ~~ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله { ولا تكرهوا ~~فتيتكم } الآية. وأخرج البزار، وابن مردويه، عن أنس نحو حديث ~~جابر الأول. وأخرج ابن مردويه، عن علي بن أبي طالب في الآية قال كان ~~أهل الجاهلية يبغين إماءهم، فنهوا عن ذلك في الإسلام. وأخرج ابن جرير، ~~وابن مردويه، عن ابن عباس قال كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على ~~الزنا، يأخذون أجورهن، فنزلت الآية. وقد ورد النهي منه صلى الله عليه ~~وسلم عن مهر البغي، وكسب الحجام، وحلوان الكاهن. ### || [24.35-38] # لما بين سبحانه من الأحكام ms2657 ما بين أردف ذلك بكونه سبحانه في غاية ~~الكمال، فقال { الله نور السموات والأرض } ، وهذه الجملة ~~مستأنفة لتقرير ما قبلها، والاسم الشريف مبتدأ، و { نور السموات والأرض ~~} خبره، إما على حذف مضاف، أي ذو نور السموات، والأرض، أو لكون المراد ~~المبالغة في وصفه سبحانه بأنه نور لكمال جلاله، وظهور عدله، وبسطه ~~أحكامه، كما يقال فلان نور البلد، وقمر الزمن، وشمس العصر، ومنه قول ~~النابغة # فإنك شمس والملوك كواكب إذا ظهرت لم يبق منهن كوكب # وقول الآخر # هلا قصدت من البلاد لمفضل قمر القبائل خالد بن يزيد # ومن ذلك قول الشاعر # إذا سار عبد الله من مرو ليلة فقد سار منها نورها وجمالها # وقول الآخر # نسب كأن عليه من شمس الضحى نورا ومن فلق الصباح عمودا # ومعنى النور في اللغة الضياء، وهو الذي يبين الأشياء، ويري الأبصار ~~حقيقة ما تراه، فيجوز إطلاق النور على الله سبحانه على طريقة المدح، ~~ولكونه أوجد الأشياء المنورة، وأوجد أنوارها، ونورها، ويدل على هذا ~~المعنى قراءة زيد بن علي، وأبي جعفر، وعبد العزيز المكي { الله نور ~~السموات والأرض } على صيغة الفعل الماضي، وفاعله ضمير يرجع ~~إلى الله، والسماوات مفعوله فمعنى { الله نور السموات ~~والأرض } إنه سبحانه صيرهما منيرتين باستقامة أحوال أهلهما، وكمال ~~تدبيره عز وجل لمن فيهما، كما يقال الملك نور البلد، هكذا قال الحسن، ~~ومجاهد، والأزهري، والضحاك، والقرظي، وابن عرفة، وابن جرير، وغيرهم، ~~ومثله قول الشاعر # وأنت لنا نور وغيث وعصمة ونبت لمن يرجو نداك وريف # وقال هشام الجواليقي، وطائفة من المجسمة إنه سبحانه نور لا كالأنوار، ~~وجسم لا كالأجسام، وقوله { مثل نوره } مبتدأ، وخبره { كمشكاة ~~} أي صفة نوره الفائض عنه، الظاهر على الأشياء كمشكاة، والمشكاة الكوة ~~في الحائط غير النافذة، كذا حكاه الواحدي عن جميع المفسرين، وحكاه ~~القرطبي عن جمهورهم. ووجه تخصيص المشكاة أنها أجمع للضوء الذي يكون فيه ~~من مصباح، أو غيره، وأصل المشكاة الوعاء يجعل فيه الشيء. وقيل المشكاة ~~عمود القنديل الذي فيه الفتيلة. وقال مجاهد هي القنديل. والأول أولى، ~~ومنه قول ms2658 الشاعر # كأن عينيه مشكاتان في جحر # ثم قال { فيها مصباح } وهو السراج { المصباح فى زجاجة } ~~قال الزجاج النور في الزجاج، وضوء النار أبين منه في كل شيء، وضوؤه يزيد ~~في الزجاج، ووجه ذلك أن الزجاج جسم شفاف يظهر فيه النور أكمل ظهور. ثم ~~وصف الزجاجة، فقال { الزجاجة كأنها كوكب دري } أي ~~منسوب إلى الدر لكون فيه من الصفاء والحسن ما يشابه الدر. # وقال الضحاك الكوكب الدري الزهرة. قرأ أبو عمرو " دري " بكسر الدال. ~~قال أبو عمرو لم أسمع أعرابيا يقول إلا كأنه كوكب دري بكسر الدال، ~~أخذوه من درأت النجوم تدرأ إذا اندفعت. وقرأ حمزة بضم الدال مهموزا، ~~وأنكره الفراء والزجاج والمبرد. وقال أبو عبيد إن ضممت الدال وجب أن لا ~~تهمز، لأنه ليس في كلام العرب. والدراري هي المشهورة من الكواكب ~~كالمشتري، والزهري، والمريخ، وما يضاهيها من الثوابت. ثم وصف المصباح ~~بقوله { يوقد من شجرة مبركة } و«من» هذه هي الابتدائية ~~أي ابتداء إيقاد المصباح منها، وقيل هو على تقدير مضاف، أي يوقد من زيت ~~شجرة مباركة، والمباركة الكثيرة المنافع. وقيل المنماة، والزيتون من أعظم ~~الثمار نماء، ومنه قول أبي طالب، يرثي مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد ~~شمس # ليت شعري مسافر بن أبي عمرو وليت يقولها المحزون بورك الميت الغريب ~~كما بورك نبع الرمان والزيتون # قيل ومن بركتها أن أغصانها تورق من أسفلها إلى أعلاها، وهي إدام، ودهان، ~~ودباغ، ووقود، وليس فيها شيء إلا وفيه منفعة، ثم وصفها بأنها { لا ~~شرقية ولا غربية }. وقد اختلف المفسرون في معنى هذا الوصف، ~~فقال عكرمة، وقتادة، وغيرهم إن الشرقية هي التي تصيبها الشمس إذا شرقت، ~~ولا تصيبها إذا غربت. والغربية هي التي تصيبها إذا غربت، ولا تصيبها إذا ~~شرقت. وهذه الزيتونة هي في صحراء بحيث لا يسترها عن الشمس شيء لا في حال ~~شروقها، ولا في حال غروبها، وما كانت من الزيتون هكذا، فثمرها أجود. وقيل ~~إن المعنى إنها شجرة في دوحة قد أحاطت بها، فهي غير منكشفة من جهة ms2659 الشرق، ~~ولا من جهة الغرب، حكى هذا ابن جرير عن ابن عباس. قال ابن عطية وهذا لا ~~يصح عن ابن عباس، لأن الثمرة التي بهذه الصفة يفسد جناها، وذلك مشاهد في ~~الوجود. ورجح القول الأول الفراء، والزجاج. وقال الحسن ليست هذه الشجرة ~~من شجر الدنيا، وإنما هو مثل ضربه الله لنوره، ولو كانت في الدنيا لكانت ~~إما شرقية وإما غربية. قال الثعلبي قد أفصح القرآن بأنها من شجر الدنيا، ~~لأن قوله { زيتونة } بدل من قوله { شجرة }. قال ابن زيد إنها من ~~شجر الشام، فإن الشام لا شرقي، ولا غربي، والشام هي الأرض المباركة. ~~وقد قرىء " توقد " بالتاء الفوقية على أن الضمير راجع إلى الزجاجة دون ~~المصباح، وبها قرأ الكوفيون. وقرأ شيبة ونافع وأيوب وسلام وابن عامر وأهل ~~الشام وحفص { يوقد } بالتحتية مضمومة، وتخفيف القاف، وضم الدال. وقرأ ~~الحسن، والسلمي، وأبو عمرو بن العلاء، وأبو جعفر " توقد " بالفوقية ~~مفتوحة، وفتح الواو، وتشديد القاف، وفتح الدال على أنه فعل ماض من توقد ~~يتوقد، والضمير في هاتين القراءتين راجع إلى المصباح. # قال النحاس وهاتان القراءتان متقاربتان لأنهما جميعا للمصباح، وهو أشبه ~~بهذا الوصف لأنه الذي ينير ويضيء، وإنما الزجاجة وعاء له. وقرأ نصر بن ~~عاصم كقراءة أبي عمرو ومن معه إلا أنه ضم الدال على أنه فعل مضارع، ~~وأصله تتوقد. ثم وصف الزيتونة بوصف آخر، فقال { يكاد زيتها يضىء ~~ولو لم تمسسه نار } قرأ الجمهور { تمسسه } بالفوقية، لأن ~~النار مؤنثة. قال أبو عبيد إنه لا يعرف إلا هذه القراءة. وحكى أبو حاتم ~~أن السدي روى عن أبي مالك، عن ابن عباس أنه قرأ «يمسسه» بالتحتية لكون ~~تأنيث النار غير حقيقي. والمعنى أن هذا الزيت في صفائه وإنارته يكاد يضيء ~~بنفسه من غير أن تمسه النار أصلا، وارتفاع { نور } على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف أي هو نور، و { على نور } متعلق بمحذوف، هو صفة لنور مؤكدة ~~له، والمعنى هو نور كائن على نور. قال مجاهد والمراد النار على الزيت. ~~وقال الكلبي المصباح نور، والزجاجة ms2660 نور. وقال السدي نور الإيمان، ونور ~~القرآن { يهدى الله لنوره من يشاء } من عباده أي هداية خاصة ~~موصلة إلى المطلوب، وليس المراد بالهداية هنا مجرد الدلالة { ويضرب ~~الله الأمثال للناس } أي يبين الأشياء بأشباهها، ونظائرها ~~تقريبا لها إلى الأفهام وتسهيلا لإدراكها، لأن إبراز المعقول في هيئة ~~المحسوس، وتصويره بصورته يزيده وضوحا وبيانا { والله بكل شيء ~~عليم } لا يغيب عنه شيء من الأشياء معقولا كان أو محسوسا، ظاهرا، ~~أو باطنا. واختلف في قوله { فى بيوت أذن الله أن ترفع } ~~بما هو متعلق فقيل متعلق بما قبله أي كمشكاة في بعض بيوت الله، وهي ~~المساجد، كأنه قيل مثل نوره كما ترى في المسجد نور المشكاة التي من صفتها ~~كيت وكيت، وقيل متعلق بمصباح. وقال ابن الأنباري سمعت أبا العباس يقول هو ~~حال للمصباح، والزجاجة، والكوكب، كأنه قيل وهي في بيوت، وقيل متعلق بتوقد ~~أي توقد في بيوت، وقد قيل متعلق بما بعده، وهو { يسبح } أي يسبح له رجال ~~في بيوت، وعلى هذا يكون قوله { فيها } تكريرا كقولك، زيد في الدار ~~جالس فيها. وقيل إنه منفصل عما قبله، كأنه قال الله في بيوت أذن الله أن ~~ترفع. قال الحكيم الترمذي وبذلك جاءت الأخبار أنه من جلس في المسجد فإنما ~~يجالس ربه. وقد قيل على تقدير تعلقه بمشكاة، أو بمصباح، أو بتوقد ما ~~الوجه في توحيد المصباح، والمشكاة، وجمع البيوت؟ ولا تكون المشكاة ~~الواحدة، ولا المصباح الواحد إلا في بيت واحد. وأجيب بأن هذا من الخطاب ~~الذي يفتح أوله بالتوحيد، ويختم بالجمع كقوله سبحانه # يأيها النبى إذا طلقتم النساء # الطلاق 1 ونحوه. وقيل معنى { في بيوت } في كل واحد من البيوت، فكأنه ~~قال في كل بيت، أو في كل واحد من البيوت. # واختلف الناس في البيوت، على أقوال الأول أنها المساجد، وهو قول مجاهد، ~~والحسن، وغيرهما. الثاني أن المراد بها بيوت بيت المقدس، روي ذلك عن ~~الحسن. الثالث أنها بيوت النبي صلى الله عليه وسلم، روي عن مجاهد. ~~الرابع هي البيوت كلها، قاله عكرمة. ms2661 الخامس أنها المساجد الأربعة الكعبة، ~~ومسجد قباء، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، قاله ابن زيد. والقول ~~الأول أظهر لقوله { يسبح له فيها بالغدو والآصال } ، ~~والباء من بيوت تضم، وتكسر كل ذلك ثابت في اللغة، ومعنى { أذن ~~الله أن ترفع } أمر وقضى، ومعنى { ترفع } تبنى، قاله مجاهد، ~~وعكرمة، وغيرهما، ومنه قوله سبحانه # وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت # البقرة 127. وقال الحسن البصري، وغيره معنى ترفع تعظم، ويرفع شأنها، ~~وتطهر من الأنجاس، والأقذار، ورجحه الزجاج وقيل المراد بالرفع هنا مجموع ~~الأمرين، ومعنى { يذكر فيها اسمه } كل ذكر لله عز وجل، وقيل ~~هو التوحيد، وقيل المراد تلاوة القرآن، والأول أولى. { يسبح له ~~فيها بالغدو والآصال رجال } قرأ ابن عامر، وأبو بكر " يسبح ~~" بفتح الباء الموحدة مبنيا للمفعول، وقرأ الباقون بكسرها مبنيا للفاعل ~~إلا ابن وثاب، وأبا حيوة، فإنهما قرآ بالتاء الفوقية، وكسر الموحدة، ~~فعلى القراءة الأولى يكون القائم مقام الفاعل أحد المجرورات الثلاثة، ~~ويكون رجال مرفوع على أحد وجهين إما بفعل مقدر، وكأنه جواب سؤال مقدر، ~~كأنه قيل من يسبحه؟ فقيل يسبحه رجال. الثاني أن رجال مرتفع على أنه خبر ~~مبتدأ محذوف، وعلى القراءة الثانية يكون رجال فاعل يسبح، وعلى القراءة ~~الثالثة يكون الفاعل أيضا رجال، وإنما أنث الفعل لكون جمع التكسير يعامل ~~معاملة المؤنث في بعض الأحوال. واختلف في هذا التسبيح ما هو؟ فالأكثرون ~~حملوه على الصلاة المفروضة، قالوا الغدو صلاة الصبح، والآصال صلاة الظهر ~~والعصر والعشاءين، لأن اسم الآصال يشملها، ومعنى بالغدو والآصال بالغداة ~~والعشي، وقيل صلاة الصبح والعصر، وقيل المراد صلاة الضحى، وقيل المراد ~~بالتسبيح هنا معناه الحقيقي، وهو تنزيه الله سبحانه عما لا يليق به في ~~ذاته، وصفاته، وأفعاله، ويؤيد هذا ذكر الصلاة والزكاة بعده، وهذا أرجح ~~مما قبله، لكونه المعنى الحقيقي مع وجود دليل يدل على خلاف ما ذهب إليه ~~الأولون، وهو ما ذكرناه. { لا تلهيهم تجرة ولا بيع ~~عن ذكر الله } هذه الجملة صفة لرجال، أي لا تشغلهم التجارة والبيع ~~عن الذكر وخص التجارة بالذكر لأنها أعظم ms2662 ما يشتغل به الإنسان عن الذكر. ~~وقال الفراء التجارة لأهل الجلب، والبيع ما باعه الرجل على بدنه، وخص ~~قوم التجارة هاهنا بالشراء لذكر البيع بعدها، وبمثل قول الفراء. قال ~~الواقدي، فقال التجار هم الجلاب المسافرون، والباعة هم المقيمون، ومعنى { ~~عن ذكر الله } هو ما تقدم في قوله { ويذكر فيها اسمه } ~~، وقيل المراد الآذان، وقيل عن ذكره بأسمائه الحسنى أي يوحدونه، ~~ويمجدونه. # وقيل المراد عن الصلاة، ويرده ذكر الصلاة بعد الذكر هنا. والمراد بإقام ~~الصلاة إقامتها لمواقيتها من غير تأخير، وحذفت التاء لأن الإضافة تقوم ~~مقامها في ثلاث كلمات جمعها الشاعر في قوله # ثلاثة تحذف تاآتها مضافة عند جمع النحاة وهي إذا شئت أبو عذرها ~~وليت شعري وإقام الصلاة # وأنشد الفراء في الاستشهاد للحذف المذكور في هذه الآية قول الشاعر # إن الخليط أجدوا البين وانجردوا وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا # أي عدة الأمر، وفي هذا البيت دليل على أن الحذف مع الإضافة لا يختص بتلك ~~الثلاثة المواضع. قال الزجاج وإنما حذفت الهاء لأنه يقال أقمت الصلاة ~~إقامة، وكان الأصل إقواما، ولكن قلبت الواو ألفا، فاجتمعت ألفان فحذفت ~~إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي أقمت الصلاة إقاما، فأدخلت الهاء عوضا ~~من المحذوف، وقامت الإضافة هاهنا في التعويض مقام الهاء المحذوفة، وهذا ~~إجماع من النحويين. انتهى. وقد احتاج من حمل ذكر الله على الصلاة ~~المفروضة أن يحمل إقامة الصلاة على تأديتها في أوقاتها فرارا من ~~التكرار، ولا ملجىء إلى ذلك، بل يحمل الذكر على معناه الحقيقي كما ~~قدمنا. والمراد بالزكاة المذكورة هي المفروضة، وقيل المراد بالزكاة طاعة ~~الله، والإخلاص، إذ ليس لكل مؤمن مال. { يخفون يوما } أي يوم ~~القيامة، وانتصابه على أنه مفعول للفعل لا ظرف له، ثم وصف هذا اليوم ~~بقوله { تتقلب فيه القلوب والأبصر } أي تضطرب، ~~وتتحول، قيل المراد بتقلب القلوب انتزاعها من أماكنها إلى الحناجر فلا ~~ترجع إلى أماكنها، ولا تخرج، والمراد بتقلب الأبصار هو أن تصير عمياء بعد ~~أن كانت مبصرة. وقيل المراد بتقلب القلوب أنها تكون متقلبة بين الطمع في ms2663 ~~النجاة، والخوف من الهلاك، وأما تقلب الأبصار فهو نظرها من أي ناحية ~~يؤخذون، وإلى أي ناحية يصيرون. وقيل المراد تحول قلوبهم وأبصارهم عما ~~كانت عليه من الشك إلى اليقين، ومثله قوله # فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد # ق 22. فما كان يراه في الدنيا غيا يراه في الآخرة رشدا. وقيل المراد ~~التقلب على جمر جهنم، وقيل غير ذلك. { ليجزيهم الله أحسن ~~ما عملوا } متعلق بمحذوف، أي يفعلون ما يفعلون من التسبيح، والذكر، ~~وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ليجزيهم الله أحسن ما عملوا أي أحسن جزاء ~~أعمالهم حسبما وعدهم من تضعيف ذلك إلى عشرة أمثاله، وإلى سبعمائة ضعف، ~~وقيل المراد بما في هذه الآية ما يتفضل سبحانه به عليهم زيادة على ما ~~يستحقونه، والأول أولى لقوله { ويزيدهم من فضله } فإن المراد ~~به التفضل عليهم بما فوق الجزاء الموعود به { والله يرزق من ~~يشاء بغير حساب } أي من غير أن يحاسبه على ما أعطاه، أو أن ~~عطاءه سبحانه لا نهاية له، والجملة مقررة لما سبقها من الوعد بالزيادة. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { الله نور السموات ~~والأرض } قال يدبر الأمر فيهما نجومهما، وشمسهما، وقمرهما. وأخرج ~~الفريابي عنه في قوله { الله نور السموات والأرض } مثل ~~نوره الذي أعطاه المؤمن { كمشكاة } ، وقال في تفسير { زيتونة ~~لا شرقية ولا غربية } إنها التي في سفح جبل لا تصيبها ~~الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت { يكاد زيتها يضىء ولو لم ~~تمسسه نار نور على نور } فذلك مثل قلب المؤمن نور على ~~نور. وأخرج عبد بن حميد، وابن الأنباري في المصاحف، عن الشعبي قال في ~~قراءة أبي بن كعب " مثل نور المؤمن كمشكاة ". وأخرج ابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه عن ابن عباس في الآية قال يقول مثل نور من آمن بالله ~~كمشكاة، وهي الكوه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه { مثل نوره } قال هي ~~خطأ من الكاتب هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة، قال مثل نور ~~المؤمن كمشكاة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ms2664 أبي حاتم، والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عنه أيضا { الله نور السموات والأرض } ~~قال هادي أهل السماوات والأرض { مثل نوره } مثل هداه في قلب المؤمن ~~{ كمشكاة } يقول موضع الفتيلة كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن ~~تمسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءا على ضوئه، كذلك يكون قلب المؤمن ~~يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى، ~~ونورا على نور، وفي إسناده علي بن أبي طلحة، وفيه مقال. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ~~أبي بن كعب { الله نور السموات والأرض مثل نوره } ~~قال هو المؤمن الذي قد جعل الإيمان والقرآن في صدره، فضرب الله مثله، ~~فقال { نور السموات والأرض مثل نوره } فبدأ بنور ~~نفسه، ثم ذكر نور المؤمن، فقال مثل نور من آمن به، فكان أبي بن كعب ~~يقرؤها " مثل نور من آمن به " فهو المؤمن، جعل الإيمان والقرآن في صدره { ~~كمشكاة } قال فصدر المؤمن المشكاة { فيها مصباح المصباح ~~} النور، وهو القرآن والإيمان الذي جعل في صدره { فى زجاجة } و { ~~الزجاجة } قلبه { كأنها كوكب دري } يقول كوكب مضيء { ~~يوقد من شجرة مبركة } ، والشجرة المباركة أصل المبارك ~~الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له { زيتونة لا شرقية ~~ولا غربية } قال فمثله كمثل شجرة التفت بها الشجر، فهي خضراء ~~ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت، لا إذا طلعت ولا إذا غربت، ~~فكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يضله شيء من الفتن. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أن اليهود قالوا ~~لمحمد كيف يخلص نور الله من دون السماء؟ فضرب الله مثل ذلك لنوره، فقال { ~~الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة } ~~المشكاة كوة البيت فيها مصباح، وهو السراج يكون في الزجاجة، وهو مثل ~~ضربه الله لطاعته، فسمى طاعته نورا، ثم سماها أنواعا شتى { لا ~~شرقية ولا غربية } قال وهي وسط الشجر لا تنالها الشمس إذا ~~طلعت، ولا إذا غربت، ms2665 وذلك أجود الزيت { يكاد زيتها يضىء } بغير ~~نار { نور على نور } يعني بذلك إيمان العبد وعلمه { يهدى ~~الله لنوره من يشاء } وهو مثل المؤمن. وأخرج الطبراني وابن عدي ~~وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمر في قوله { كمشكاة فيها ~~مصباح } قال المشكاة جوف محمد صلى الله عليه وسلم، والزجاجة قلبه، ~~والمصباح النور الذي في قلبه. { يوقد من شجرة مبركة } ~~الشجرة إبراهيم { زيتونة لا شرقية ولا غربية } لا ~~يهودية ولا نصرانية، ثم قرأ # ما كان إبرهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان ~~حنيفا مسلما وما كان من المشركين # آل عمران 67. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، ~~وابن مردويه عن شمر بن عطية قال جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال ~~حدثني عن قول الله { الله نور السموات والأرض مثل ~~نوره } قال مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم كمشكاة قال المشكاة ~~الكوة ضربها الله مثلا لقمة فيها مصباح، والمصباح قلبه { المصباح ~~في زجاجة } ، والزجاجة صدره { كأنها كوكب دري } شبه ~~صدر محمد صلى الله عليه وسلم بالكوكب الدري، ثم رجع المصباح إلى قلبه، ~~فقال { يوقد من شجرة مبركة... يكاد زيتها يضىء ~~} قال يكاد محمد صلى الله عليه وسلم يبين للناس، ولو لم يتكلم أنه نبي، ~~كما يكاد الزيت أن يضيء، ولو لم تمسسه نار. وأقول إن تفسير النظم القرآني ~~بهذا ونحوه مما تقدم عن أبي بن كعب وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم ~~ليس على ما تقتضيه لغة العرب، ولا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما يجوز العدول عن المعنى العربي إلى هذه المعاني التي هي شبيهة ~~بالألغاز والتعمية، ولكن هؤلاء الصحابة، ومن وافقهم ممن جاء بعدهم ~~استبعدوا تمثيل نور الله سبحانه بنور المصباح في المشكاة، ولهذا قال ابن ~~عباس هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة كما قدمنا عنه، ولا وجه ~~لهذا الاستبعاد. فإنا قد قدمنا في أول البحث ما يرفع الإشكال ويوضح ما ~~هو المراد على أحسن وجه، وأبلغ أسلوب، ms2666 وعلى ما تقتضيه لغة العرب، ويفيده ~~كلام الفصحاء، فلا وجه للعدول عن الظاهر، لا من كتاب، ولا من سنة، ولا من ~~لغة. # وأما ما حكي عن كعب الأحبار في هذا كما قدمنا، فإن كان هو سبب عدول ~~أولئك الصحابة الأجلاء عن الظاهر في تفسير الآية، فليس مثل كعب رحمه الله ~~ممن يقتدى به في مثل هذا. وقد نبهناك فيما سبق أن تفسير الصحابي إذا كان ~~مستنده الرواية عن أهل الكتاب كما يقع ذلك كثيرا، فلا تقوم به الحجة، ~~ولا يسوغ لأجله العدول عن التفسير العربي، نعم إن صحت قراءة أبي بن كعب، ~~كانت هي المستند لهذه التفاسير المخالفة للظاهر، وتكون كالزيادة المبينة ~~للمراد، وإن لم تصح، فالوقوف على ما تقتضيه قراءة الجمهور من السبعة، ~~وغيرهم ممن قبلهم، وممن بعدهم هو المتعين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس { في بيوت أذن الله أن ترفع } قال هي المساجد ~~تكرم، وينهى عن اللغو فيها، ويذكر فيها اسم الله، يتلى فيها كتابه { ~~يسبح له فيها بالغدو والآصال } صلاة الغداة وصلاة العصر، ~~وهما أول ما فرض الله من الصلاة فأحب أن يذكرهما، ويذكر بهما عباده. ~~وقد ورد في تعظيم المساجد، وتنزيهها عن القذر، وتنظيفها، وتطييبها أحاديث ~~ليس هذا موضع ذكرها. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في الشعب عن ابن عباس ~~قال إن صلاة الضحى لفي القرآن، وما يغوص عليها إلى غواص في قوله { في ~~بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح ~~له فيها بالغدو والآصال }. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه ~~عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { رجال لا ~~تلهيهم تجرة ولا بيع عن ذكر الله } قال # " هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله " # وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله { لا تلهيهم تجرة ولا بيع عن ذكر ~~الله } قال # " هم الذين يبتغون من فضل الله " # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في ms2667 الآية، قال كانوا رجالا يبتغون من فضل ~~الله يشترون ويبيعون، فإذا سمعوا النداء بالصلاة ألقوا ما في أيديهم، ~~وقاموا إلى المسجد، فصلوا. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في الشعب ~~عنه في الآية، قال ضرب الله هذا المثل قوله { كمشكاة } لأولئك القوم ~~الذين لا تلهيهم تجارة، ولا بيع عن ذكر الله، وكانوا أتجر الناس، ~~وأبيعهم، ولكن لم تكن تلهيهم تجارتهم، ولا بيعهم عن ذكر الله. وأخرج، عبد ~~بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه أيضا عن ذكر الله قال عن ~~شهود الصلاة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن ابن عمر أنه كان في السوق، فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم، ثم دخلوا ~~المسجد، فقال ابن عمر فيهم نزلت { رجال لا تلهيهم تجرة ~~ولا بيع عن ذكر الله }. # وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن ~~مسعود أنه رأى ناسا من أهل السوق سمعوا الأذان، فتركوا أمتعتهم، فقال ~~هؤلاء الذين قال الله فيهم { لا تلهيهم تجرة ولا بيع ~~عن ذكر الله }. وأخرج هناد بن السري في الزهد، وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه والبيهقي في الشعب، ومحمد ابن نصر في الصلاة، عن أسماء بنت يزيد ~~قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يجمع الله يوم القيامة الناس في صعيد واحد يسمعهم الداعي، وينفذهم ~~البصر، فيقوم مناد، فينادي أين الذين كانوا يحمدون الله في السراء ~~والضراء؟ فيقومون، وهم قليل، فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يعود فينادي ~~أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون، وهم قليل فيدخلون ~~الجنة بغير حساب ثم يعود فينادي ليقم الذين كانوا لا تلهيهم تجارة، ولا ~~بيع عن ذكر الله، فيقومون، وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم يقوم ~~سائر الناس، فيحاسبون " # وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن عقبة بن عامر ~~مرفوعا نحوه. ### || [24.39-46] # لما ذكر سبحانه حال المؤمنين، وما يئول إليه أمرهم ذكر مثلا للكافرين، ~~فقال { والذين كفروا أعملهم كسراب بقيعة } ~~المراد بالأعمال هنا هي ms2668 الأعمال التي من أعمال الخير كالصدقة، والصلة، ~~وفك العاني، وعمارة البيت، وسقاية الحاج، والسراب ما يرى في المفاوز من ~~لمعان الشمس عند اشتداد حر النهار على صورة الماء في ظن من يراه، وسمي ~~سرابا لأنه يسرب أي يجري كالماء يقال سرب الفحل أي مضى، وسار في الأرض، ~~ويسمى الآل أيضا. وقيل الآل هو الذي يكون ضحى كالماء، إلا أنه يرتفع عن ~~الأرض حتى يصير كأنه بين السماء والأرض، قال امرؤ القيس # ألم أنض المطي بكل خرق طويل الطول لماع السراب # وقال آخر # فلما كففنا الحرب كانت عهودهم كلمع سراب بالفلا متألق # والقيعة جمع قاع وهو الموضع المنخفض الذي يستقر فيه الماء، مثل جيرة، ~~وجار، قاله الهروي. وقال أبو عبيد قيعة، وقاع واحد. قال الجوهري القاع ~~المستوي من الأرض، والجمع أقوع وأقواع وقيعان، صارت الواو ياء لكسر ما ~~قبلها، والقيعة مثل القاع. قال وبعضهم يقول هو جمع { يحسبه ~~الظمآن ماء } هذه صفة ثانية لسراب، والظمآن العطشان، وتخصيص الحسبان ~~بالظمآن مع كون الريان يراه كذلك، لتحقيق التشبيه المبني على الطمع { ~~حتى إذا جاءه لم يجده شيئا } أي إذا جاء العطشان ذلك ~~الذي حسبه ماء لم يجده شيئا مما قدره وحسبه، ولا من غيره، والمعنى أن ~~الكفار يعولون على أعمالهم التي يظنونها من الخير، ويطمعون في ثوابها، ~~فإذا قدموا على الله سبحانه لم يجدوا منها شيئا، لأن الكفر أحبطها، ومحا ~~أثرها، والمراد بقوله { حتى إذا جاءه } مع أنه ليس بشيء أنه جاء ~~الموضع الذي كان يحسبه فيه. ثم ذكر سبحانه ما يدل على زيادة حسرة ~~الكفرة، وأنه لم يكن قصارى أمرهم مجرد الخيبة كصاحب السراب، فقال { ~~ووجد الله عنده فوفه حسابه والله سريع ~~الحساب } أي وجد الله بالمرصاد، فوفاه حسابه أي جزاء عمله، كما قال ~~امرؤ القيس # فولى مدبرا يهوى حثيثا وأيقن أنه لاقى الحسابا # وقيل وجد وعد الله بالجزاء على عمله، وقيل وجد أمر الله عند حشره، وقيل ~~وجد حكمه وقضاءه عند المجيء، وقيل عند العمل، والمعنى متقارب. وقرأ مسلمة ~~بن محارب ms2669 " بقيعاه " بهاء مدورة كما يقال رجل عزهاه. وروى عنه أنه قرأ " ~~بقيعات " بتاء مبسوطة. قيل يجوز أن تكون الألف متولدة من إشباع العين على ~~الأول، وجمع قيعة على الثاني. وروي عن نافع، وأبي جعفر، وشيبة أنهم ~~قرؤوا " الظمآن " بغير همز، والمشهور عنهم الهمز. # { أو كظلمت } معطوف على كسراب، ضرب الله مثلا لأعمال الكفار ~~كما أنه تشبه السراب الموصوف بتلك الصفات، فهي أيضا تشبه الظلمات. قال ~~الزجاج أعلم الله سبحانه أن أعمال الكفار إن مثلت بما يوجد، فمثلها كمثل ~~السراب، وإن مثلت بما يرى، فهي كهذه الظلمات التي وصف. قال أيضا إن شئت ~~مثل بالسراب، وإن شئت مثل بهذه الظلمات، فأو للإباحة حسبما تقدم من ~~القول في # أو كصيب # البقرة 19. قال الجرجاني الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار، والثانية في ~~ذكر كفرهم، ونسق الكفر على أعمالهم لأنه أيضا من أعمالهم. قال القشيري ~~فعند الزجاج التمثيل وقع لأعمال الكفار، وعند الجرجاني لكفر الكفار { في ~~بحر لجي } اللجة معظم الماء، والجمع لجج، وهو الذي لا يدرك لعمقه. ~~ثم وصف سبحانه هذا البحر بصفة أخرى، فقال { يغشه موج } أي يعلو ~~هذا البحر موج، فيستره ويغطيه بالكلية، ثم وصف هذا الموج بقوله { من ~~فوقه موج } أي من فوق هذا الموج موج، ثم وصف الموج الثاني، فقال { ~~من فوقه سحاب } أي من فوق ذلك الموج الثاني سحاب، فيجتمع حينئذ ~~عليهم خوف البحر وأمواجه، والسحاب المرتفعة فوقه. وقيل إن المعنى يغشاه ~~موج من بعده موج، فيكون الموج يتبع بعضه بعضا حتى كأن بعضه فوق بعض، ~~والبحر أخوف ما يكون إذا توالت أمواجه، فإذا انضم إلى ذلك وجود السحاب من ~~فوقه زاد الخوف شدة، لأنها تستر النجوم التي يهتدي بها من في البحر، ثم ~~إذا أمطرت تلك السحاب، وهبت الريح المعتادة في الغالب عند نزول المطر ~~تكاثفت الهموم، وترادفت الغموم، وبلغ الأمر إلى الغاية التي ليس وراءها ~~غاية، ولهذا قال سبحانه { ظلمت بعضها فوق بعض } أي هي ~~ظلمات متكاثفة مترادفة، ففي هذه الجملة بيان لشدة الأمر وتعاظمه، وقرأ ms2670 ~~ابن محيصن، والبزي " سحاب ظلمات " بإضافة سحاب إلى ظلمات، ووجه الإضافة ~~أن السحاب يرتفع وقت هذه الظلمات، فأضيف إليها لهذه الملابسة. وقرأ ~~الباقون بالقطع، والتنوين. ومن غرائب التفاسير أنه سبحانه أراد بالظلمات ~~أعمال الكافر، وبالبحر اللجي قلبه، وبالموج فوق الموج ما يغشى قلبه من ~~الجهل، والشك، والحيرة. والسحاب الرين، والختم، والطبع على قلبه، وهذا ~~تفسير هو عن لغة العرب بمكان بعيد. ثم بالغ سبحانه في هذه الظلمات ~~المذكورة بقوله { إذا أخرج يده لم يكد يراها } وفاعل ~~أخرج ضمير يعود على مقدر دل عليه المقام أي إذا أخرج الحاضر في هذه ~~الظلمات أو من ابتلى بها. قال الزجاج، وأبو عبيدة المعنى لم يرها، ولم ~~يكد. وقال الفراء إن كاد زائدة. والمعنى إذا أخرج يده لم يرها، كما تقول ~~ما كدت أعرفه. وقال المبرد يعني لم يرها إلا من بعد الجهد. قال النحاس ~~أصح الأقوال في هذا أن المعنى لم يقارب رؤيتها، فإذن لم يرها رؤية بعيدة، ~~ولا قريبة، وجملة { ومن لم يجعل الله له نورا فما له ~~من نور } مقررة لما قبلها من كون أعمال الكفرة على تلك الصفة، ~~والمعنى ومن لم يجعل الله له هداية، فما له من هداية. # قال الزجاج ذلك في الدنيا، والمعنى من لم يهده الله لم يهتد، وقيل ~~المعنى من لم يجعل له نورا يمشي به يوم القيامة، فما له من نور يهتدي به ~~إلى الجنة. { ألم تر أن الله يسبح له من فى ~~السموات والأرض } قد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة ~~سبحان، والخطاب لكل من له أهلية النظر، أو للرسول صلى الله عليه وسلم، ~~وقد علمه من جهة الاستدلال ومعنى { ألم تر } ألم تعلم، والهمزة ~~للتقرير أي قد علمت علما يقينيا شبيها بالمشاهدة، والتسبيح التنزيه في ~~ذاته، وأفعاله، وصفاته عن كل ما لا يليق به، ومعنى { من فى ~~السموات والأرض } من هو مستقر فيهما من العقلاء، وغيرهم، ~~وتسبيح غير العقلاء ما يسمع من أصواتها، ويشاهد من أثر الصنعة البديعة ~~فيها. وقيل إن التسبيح ms2671 هنا هو الصلاة من العقلاء، والتنزيه من غيرهم. وقد ~~قيل إن هذه الآية تشمل الحيوانات، والجمادات، وأن آثار الصنعة الإلهية في ~~الجمادات ناطق، ومخبر باتصافه سبحانه بصفات الجلال، والكمال، وتنزهه عن ~~صفات النقص، وفي ذلك تقريع للكفار، وتوبيخ لهم حيث جعلوا الجمادات التي ~~من شأنها التسبيح لله سبحانه شركاء له يعبدونها كعبادته عز وجل. ~~وبالجملة، فإنه ينبغي حمل التسبيح على ما يليق بكل نوع من أنواع ~~المخلوقات على طريقة عموم المجاز. قرأ الجمهور { والطير صافات } بالرفع ~~للطير، والنصب لصافات على أن الطير معطوفة على من، وصافات منتصب على ~~الحال. وقرأ الأعرج " والطير " بالنصب على المفعول معه، وصافات حال ~~أيضا. قال الزجاج وهي أجود من الرفع. وقرأ الحسن، وخارجة عن نافع " ~~والطير صافات " برفعهما على الابتداء، والخبر، ومفعول صافات محذوف أي ~~أجنحتها، وخص الطير بالذكر مع دخولها تحت من في السماوات والأرض لعدم ~~استمرار استقرارها في الأرض، وكثرة لبثها في الهواء، وهو ليس من السماء ~~ولا من الأرض، ولما فيها من الصنعة البديعة التي تقدر بها تارة على ~~الطيران، وتارة على المشي بخلاف غيرها من الحيوانات، وذكر حالة من حالات ~~الطير، وهي كون صدور التسبيح منها حال كونها صافات لأجنحتها لأن هذه ~~الحالة هي أغرب أحوالها، فإن استقرارها في الهواء مسبحة من دون تحريك ~~لأجنحتها، ولا استقرار على الأرض من أعظم صنع الله الذي أتقن كل شيء. ثم ~~زاد في البيان فقال { كل قد علم صلاته وتسبيحه } أي ~~كل واحد مما ذكر، والضمير في علم يرجع إلى كل، والمعنى أن كل واحد من ~~هذه المسبحات لله قد علم صلاة المصلي وتسبيح المسبح. # وقيل المعنى أن كل مصل ومسبح قد علم صلاة نفسه، وتسبيح نفسه. قيل ~~والصلاة هنا بمعنى التسبيح، وكرر للتأكيد، والصلاة قد تسمى تسبيحا. ~~وقيل المراد بالصلاة هنا الدعاء أي كل واحد قد علم دعاءه، وتسبيحه. ~~وفائدة الإخبار بأن كل واحد قد علم ذلك، أن صدور هذا التسبيح هو عن علم ~~قد علمها الله ذلك، وألهمها إليه، لا أن صدوره ms2672 منها على طريقة الإتفاق ~~بلا روية، وفي ذلك زيادة دلالة على بديع صنع الله سبحانه، وعظيم شأنه، ~~كونه جعلها مسبحة له عالمة بما يصدر منها غير جاهلة له { والله ~~عليم بما يفعلون } هذه الجملة مقررة لما قبلها أي لا تخفى ~~عليه طاعتهم، ولا تسبيحهم، ويجوز أن يكون الضمير في { علم } لله سبحانه، ~~أي كل واحد من هذه المسبحة قد علم الله صلاته له، وتسبيحه إياه، والأول ~~أرجح لاتفاق القراء على رفع كل، ولو كان الضمير في علم لله لكان نصب كل ~~أولى. وذكر بعض المفسرين أنها قراءة طائفة من القراء علم على البناء ~~للمفعول. ثم بين سبحانه أن المبدأ منه، والمعاد إليه، فقال { ولله ~~ملك السموات والأرض } أي له لا لغيره { وإليه ~~المصير } لا إلى غيره، والمصير الرجوع بعد الموت. وقد تقدم تفسير ~~مثل هذه الآية في غير موضع. ثم ذكر سبحانه دليلا آخر من الآثار العلوية، ~~فقال { ألم تر أن الله يزجي سحابا } الإزجاء السوق ~~قليلا قليلا، ومنه قول النابغة # إني أتيتك من أهلي ومن وطني أزجي حشاشة نفس ما بها رمق # وقوله أيضا # أسرت عليه من الجوزاء سارية يزجي السماك عليه جامد البرد # والمعنى أنه سبحانه يسوق السحاب سوقا رقيقا إلى حيث يشاء { ثم ~~يؤلف بينه } أي بين أجزائه، فيضم بعضه إلى بعض، ويجمعه بعد ~~تفرقه ليقوى، ويتصل، ويكثف، والأصل في التأليف الهمز. وقرأ ورش، وقالون ~~عن نافع " يولف " بالواو تخفيفا، والسحاب واحد في اللفظ، ولكن معناه ~~جمع، ولهذا دخلت «بين» عليه لأن أجزاءه في حكم المفردات له. قال الفراء ~~إن الضمير في { بينه } راجع إلى جملة السحاب، كما تقول الشجر قد جلست ~~بينه، لأنه جمع، وأفرد الضمير باعتبار اللفظ { ثم يجعله ركاما ~~} أي متراكما يركب بعضه بعضا. والركم جمع الشيء، يقال ركم الشيء يركمه ~~ركما أي جمعه وألقى بعضه على بعض وارتكم الشيء، وتراكم إذا اجتمع. ~~والركمة الطين المجموع، والركام الرمل المتراكب { فترى الودق ~~يخرج من خلاله } الودق المطر عند جمهور المفسرين، ومنه قول ~~الشاعر # فلا مزنة ms2673 ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها # وقال امرؤ القيس # فدمعهما ودق وسح وديمة وسكب وتوكاف وتنهملان # يقال ودقت السحاب فهي وادقة، وودق المطر يدق أي قطر يقطر، وقيل إن الودق ~~البرق، ومنه قول الشاعر # أثرن عجاجة وخرجن منها خروج الودق من خلل السحاب # والأول أولى. ومعنى { من خلاله } من فتوقه التي هي مخارج القطر، ~~وجملة { يخرج من خلاله } في محل نصب على الحال، لأن الرؤية هنا ~~هي البصرية. وقرأ ابن عباس وابن مسعود والضحاك وأبو العالية " من خلله " ~~على الإفراد. وقد وقع الخلاف في خلال هل هو مفرد كحجاب؟ أو جمع كجبال؟ { ~~وينزل من السماء من جبال فيها من برد } المراد بقوله ~~من سماء من عال، لأن السماء قد تطلق على جهة العلو، ومعنى { من جبال } ~~من قطع عظام تشبه الجبال، ولفظ «فيها» في محل نصب على الحال، و«من» في { ~~من برد } للتبعيض، وهو مفعول ينزل. وقيل إن المفعول محذوف، والتقدير ينزل ~~من جبال فيها من برد بردا. وقيل إن من في { من برد } زائدة، والتقدير ~~ينزل من السماء من جبال فيها برد. وقيل إن في الكلام مضافا محذوفا أي ~~ينزل من السماء قدر جبال، أو مثل جبال من برد إلى الأرض. قال الأخفش إن ~~من في { من جبال } وفي { من برد } زائدة في الموضعين، والجبال والبرد في ~~موضع نصب أي ينزل من السماء بردا يكون كالجبال. والحاصل أن «من» في { من ~~السماء } لابتداء الغاية بلا خلاف، و«من» في { من جبال } فيها ثلاثة أوجه ~~الأول لابتداء الغاية، فتكون هي ومجرورها بدلا من الأولى بإعادة الخافض ~~بدل اشتمال. الثاني أنها للتبعيض فتكون على هذا هي ومجرورها في محل نصب ~~على أنها مفعول الإنزال، كأنه قال وينزل بعض جبال. الثالث أنها زائدة أي ~~ينزل من السماء جبالا. وأما « من» في { من برد } ففيها أربعة أوجه ~~الثلاثة المتقدمة. والرابع أنها لبيان الجنس، فيكون التقدير على هذا ~~الوجه وينزل من السماء بعض جبال التي هي البرد. قال الزجاج معنى الآية ~~وينزل من السماء من ms2674 جبال برد فيها كما تقول هذا خاتم في يدي من حديد أي ~~خاتم حديد في يدي، لأنك إذا قلت هذا خاتم من حديد، وخاتم حديد كان المعنى ~~واحدا. انتهى. وعلى هذا يكون { من برد } في موضع جر صفة لجبال كما كان ~~من حديد صفة لخاتم، ويكون مفعول ينزل { من جبال } ، ويلزم من كون الجبال ~~بردا أن يكون المنزل بردا. وذكر أبو البقاء أن التقدير شيئا من جبال، ~~فحذف الموصوف، واكتفى بالصفة { فيصيب به من يشاء } أي يصيب بما ~~ينزل من البرد من يشاء أن يصيبه من عباده { ويصرفه عن من يشاء ~~} منهم، أو يصيب به مال من يشاء، ويصرفه عن مال من يشاء، وقد تقدم ~~الكلام عن مثل هذا في البقرة. # { يكاد سنا برقه يذهب بالأبصر } السنا الضوء، أي ~~يكاد ضوء البرق الذي في السحاب يذهب بالأبصار من شدة بريقه، وزيادة ~~لمعانه، وهو كقوله # يكاد البرق يخطف أبصرهم # البقرة 20 قال الشماخ # وما كادت إذا رفعت سناها ليبصر ضوءها إلا البصير # وقال امرؤ القيس # يضيء سناه أو مصابيح راهب أمال السليط في الذبال المفتل # فالسنا بالقصر ضوء البرق، وبالمد الرفعة، كذا قال المبرد، وغيره. وقرأ ~~طلحة بن مصرف، ويحيى ابن وثاب " سناء برقه " بالمد على المبالغة في ~~شدة الضوء، والصفاء، فأطلق عليه اسم الرفعة، والشرف. وقرأ طلحة، ويحيى ~~أيضا بضم الباء من برقه، وفتح الراء. قال أحمد بن يحيى ثعلب وهي على ~~هذه القراءة جمع برق. وقال النحاس البرقة المقدار من البرق، والبرقة ~~الواحدة. وقرأ الجحدري، وابن القعقاع " يذهب " بضم الياء، وكسر الهاء من ~~الإذهاب. وقرأ الباقون { سنا } بالقصر و { برقه } بفتح الباء، وسكون ~~الراء، و { يذهب } بفتح الياء والهاء من الذهاب، وخطأ قراءة الجحدري ~~وابن القعقاع الأخفش وأبو حاتم. ومعنى ذهاب البرق بالأبصار خطفه إياها من ~~شدة الإضاءة، وزيادة البريق، والباء في { بالأبصار } على قراءة الجمهور ~~للإلصاق، وعلى قراءة غيرهم زائدة. { يقلب الله اليل ~~والنهار } أي يعاقب بينهما، وقيل يزيد في أحدهما، وينقص الآخر، وقيل ~~يقلبهما باختلاف ما يقدره ms2675 فيهما من خير وشر، ونفع وضر، وقيل بالحر ~~والبرد، وقيل المراد بذلك تغيير النهار بظلمة السحاب مرة، وبضوء الشمس ~~أخرى، وتغيير الليل بظلمة السحاب تارة، وبضوء القمر أخرى، والإشارة بقوله ~~{ إن فى ذلك لعبرة لأولى الأبصر } إلى ما تقدم، ~~ومعنى العبرة الدلالة الواضحة التي يكون بها الاعتبار، والمراد بأولي ~~الأبصار كل من له بصر يبصر به. ثم ذكر سبحانه دليلا ثالثا من عجائب خلق ~~الحيوان، وبديع صنعته، فقال { والله خلق كل دابة من ماء ~~} قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي " والله خالق كل دابة " ، ~~وقرأ الباقون { خلق } ، والمعنيان صحيحان، والدابة كل ما دب على الأرض ~~من الحيوان، يقال دب يدب، فهو داب، والهاء للمبالغة، ومعنى { من ~~ماء } من نطفة، وهي المني، كذا قال الجمهور. وقال جماعة إن المراد ~~الماء المعروف، لأن آدم خلق من الماء، والطين. وقيل في الآية تنزيل ~~الغالب منزلة الكل على القول الأول، لأن في الحيوانات ما يتولد لا عن ~~نطفة، ويخرج من هذا العموم الملائكة، فإنهم خلقوا من نور، والجان، فإنهم ~~خلقوا من نار. ثم فصل سبحانه أحوال كل دابة، فقال { فمنهم من ~~يمشي على بطنه } ، وهي الحيات والحوت والدود ونحو ذلك { ~~ومنهم من يمشي على رجلين } الإنسان والطير { ومنهم ~~من يمشي على أربع } سائر الحيوانات، ولم يتعرض لما يمشي على ~~أكثر من أربع لقلته، وقيل لأن المشي على أربع فقط، وإن كانت القوائم ~~كثيرة، وقيل لعدم الاعتداد بما يمشي على أكثر من أربع، ولا وجه لهذا، فإن ~~المراد التنبيه على بديع الصنع، وكمال القدرة، فكيف يقال لعدم الاعتداد ~~بما يمشي على أكثر من أربع؟ وقيل ليس في القرآن ما يدل على عدم المشي ~~على أكثر من أربع، لأنه لم ينف ذلك، ولا جاء بما يقتضي الحصر، وفي مصحف ~~أبي " ومنهم من يمشي على أكثر " ، فعم بهذه الزيادة جميع ما يمشي على ~~أكثر من أربع، كالسرطان والعناكب وكثير من خشاش الأرض { يخلق الله ~~ما يشاء } مما ذكره هاهنا، ومما لم يذكره، كالجمادات مركبها وبسيطها، ~~ناميها ms2676 وغير ناميها { إن الله على كل شىء قدير } لا ~~يعجزه شيء بل الكل من مخلوقاته داخل تحت قدرته سبحانه. # { لقد أنزلنا ءايت مبينت } أي القرآن، فإنه قد ~~اشتمل على بيان كل شيء، وما فرطنا في الكتاب من شيء، وقد تقدم بيان ~~مثل هذا في غير موضع { والله يهدي من يشاء } بتوفيقه للنظر ~~الصحيح، وإرشاده إلى التأمل الصادق { إلى صرط مستقيم } إلى ~~طريق مستوي لا عوج فيه، فيتوصل بذلك إلى الخير التام، وهو نعيم الجنة. ~~وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { والذين ~~كفروا أعملهم كسراب } قال هو مثل ضربه الله كرجل عطش، ~~فاشتد عطشه، فرأى سرابا، فحسبه ماء، فطلبه، فظن أنه قدر عليه حتى أتى، ~~فلما أتاه لم يجده شيئا، وقبض عند ذلك، يقول الكافر كذلك السراب إذا ~~أتاه الموت لم يجد عمله يغني عنه شيئا، ولا ينفعه إلا كما نفع السراب ~~العطشان { أو كظلمت في بحر لجى } قال يعني بالظلمات ~~الأعمال، وبالبحر اللجي قلب الإنسان { يغشه موج } يعني بذلك ~~الغشاوة التي على القلب، والسمع والبصر. وأخرج ابن جرير عنه { بقيعة ~~} بأرض مستوية. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق ~~السدي، عن أبيه، عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن الكفار يبعثون يوم القيامة وردا عطاشا، فيقولون أين الماء؟ ~~فيتمثل لهم السراب، فيحسبونه ماء، فينطلقون إليه، فيجدون الله عنده، ~~فيوفيهم حسابه، والله سريع الحساب " # ، وفي إسناده السدي عن أبيه، وفيه مقال معروف. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة في ~~قوله { كل قد علم صلاته وتسبيحه } قال الصلاة للإنسان، ~~والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله { ~~والطير صافت } قال بسط أجنحتهن. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة ~~نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~يكاد سنا برقه } يقول ضوء برقه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ms2677 المنذر ~~عن ابن عباس قال كل شيء يمشي على أربع إلا الإنسان. وأقول هذه الطيور ~~على اختلاف أنواعها تمشي على رجلين، وهكذا غيرها، كالنعامة، فإنها تمشي ~~على رجلين، وليست من الطير، فهذه الكلية المروية عنه رضي الله عنه لا ~~تصح. ### || [24.47-57] # شرع سبحانه في بيان أحوال من لم تحصل له الهداية إلى الصراط المستقيم، ~~فقال { ويقولون امنا بالله وبالرسول وأطعنا } ~~وهؤلاء هم المنافقون الذين يظهرون الإيمان، ويبطنون الكفر، ويقولون ~~بأفواههم ما ليس في قلوبهم، فإنهم كما حكى الله عنهم هاهنا ينسبون إلى ~~أنفسهم الإيمان بالله، وبالرسول والطاعة لله ولرسوله نسبة بمجرد اللسان، ~~لا عن اعتقاد صحيح، ولهذا قال { ثم يتولى فريق منهم } أي ~~من هؤلاء المنافقين القائلين هذه المقالة { من بعد ذلك } أي من ~~بعد ما صدر عنهم ما نسبوه إلى أنفسهم من دعوى الإيمان، والطاعة، ثم حكم ~~عليهم سبحانه وتعالى بعدم الإيمان، فقال { وما أولئك ~~بالمؤمنين } أي ما أولئك القائلون هذه المقالة بالمؤمنين على ~~الحقيقة، فيشمل الحكم بنفي الإيمان جميع القائلين، ويندرج تحتهم من تولى ~~اندراجا أوليا. وقيل إن الإشارة بقوله { أولئك } راجع إلى من ~~تولى، والأول أولى. والكلام مشتمل على حكمين الحكم الأول على بعضهم ~~بالتولي، والحكم الثاني على جميعهم بعدم الإيمان. وقيل أراد بمن تولى من ~~تولى عن قبول حكمه صلى الله عليه وسلم، وقيل أراد بذلك رؤساء المنافقين، ~~وقيل أراد بتولي هذا الفريق رجوعهم إلى الباقين، ولا ينافي ما تحتمله هذه ~~الآية باعتبار لفظها وورودها على سبب خاص، كما سيأتي بيانه. ثم وصف هؤلاء ~~المنافقين بأن فريقا منهم يعرضون عن إجابة الدعوة إلى الله، وإلى رسوله ~~في خصوماتهم، فقال { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ~~ليحكم بينهم } أي ليحكم الرسول بينهم، فالضمير راجع إليه لأنه ~~المباشر للحكم، وإن كان الحكم في الحقيقة لله سبحانه، ومثل ذلك قوله ~~تعالى # والله ورسوله أحق أن يرضوه # التوبة 62. و«إذا» في قوله { إذا فريق منهم معرضون } هي ~~الفجائية أي فاجأ فريق منهم الإعراض عن المحاكمة إلى الله والرسول، ثم ~~ذكر سبحانه أن ms2678 إعراضهم إنما هو إذا كان الحق عليهم، وأما إذا كان لهم ~~فإنهم يذعنون لعلمهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحكم إلا ~~بالحق فقال { وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه ~~مذعنين } قال الزجاج الإذعان الإسراع مع الطاعة، يقال أذعن لي بحقي ~~أي طاوعني لما كنت ألتمس منه، وصار يسرع إليه، وبه قال مجاهد. وقال ~~الأخفش، وابن الأعرابي مذعنين مقرين. وقال النقاش مذعنين خاضعين. ثم قسم ~~الأمر في إعراضهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم، فقال { أفي ~~قلوبهم مرض } ، وهذه الهمزة للتوبيخ، والتقريع لهم، والمرض ~~النفاق أي أكان هذا الإعراض منهم بسبب النفاق الكائن في قلوبهم { أم ~~ارتابوا } ، وشكوا في أمر نبوته صلى الله عليه وسلم، وعدله في الحكم ~~{ أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله } ، ~~والحيف الميل في الحكم يقال حاف في قضيته أي جار فيما حكم به، ثم أضرب عن ~~هذه الأمور التي صدرها بالاستفهام الإنكاري، فقال { بل أولئك ~~هم الظلمون } أي ليس ذلك لشيء مما ذكر، بل لظلمهم، وعنادهم فإنه ~~لو كان الإعراض لشيء مما ذكر لما أتوا إليه مذعنين إذا كان الحق لهم، وفي ~~هذه الآية دليل على وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله العادل في ~~حكمه لأن العلماء ورثة الأنبياء، والحكم من قضاة الإسلام العالمين بحكم ~~الله العارفين بالكتاب، والسنة، العادلين في القضاء. # هو حكم بحكم الله، وحكم رسوله، فالداعي إلى التحاكم إليهم قد دعا إلى ~~الله، وإلى رسوله أي إلى حكمهما. قال ابن خويز منداد واجب على كل من دعي ~~إلى مجلس الحاكم أن يجيب ما لم يعلم أن الحاكم فاسق. قال القرطبي في هذه ~~الآية دليل على وجوب إجابة الداعي إلى الحاكم، لأن الله سبحانه ذم من ~~دعي إلى رسوله ليحكم بينه وبين خصمه بأقبح الذم، فقال { أفي ~~قلوبهم مرض } الآية. انتهى. فإن كان القاضي مقصرا لا يعلم ~~بأحكام الكتاب، والسنة، ولا يعقل حجج الله، ومعاني كلامه، وكلام رسوله، ~~بل كان جاهلا جهلا بسيطا، وهو من لا علم له بشيء من ms2679 ذلك، أو جهلا ~~مركبا، وهو من لا علم عنده بما ذكرنا، ولكنه قد عرف بعض اجتهادات ~~المجتهدين، واطلع على شيء من علم الرأي، فهذا في الحقيقة جاهل، وإن اعتقد ~~أنه يعلم بشيء من العلم، فاعتقاده باطل فمن كان من القضاة هكذا، فلا تجب ~~الإجابة إليه لأنه ليس ممن يعلم بحكم الله ورسوله حتى يحكم به بين ~~المتخاصمين إليه، بل هو من قضاة الطاغوت، وحكام الباطل، فإن ما عرفه من ~~علم الرأي إنما رخص في العمل به للمجتهد الذي هو منسوب إليه عند عدم ~~الدليل من الكتاب، والسنة، ولم يرخص فيه لغيره ممن يأتي بعده. وإذا تقرر ~~لديك هذا، وفهمته حق فهمه علمت أن التقليد، والإنتساب إلى عالم من ~~العلماء دون غيره، والتقيد بجميع ما جاء به من رواية ورأي، وإهمال ما ~~عداه من أعظم ما حدث في هذه الملة الإسلامية من البدع المضلة، والفواقر ~~الموحشة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد أوضحنا هذا في مؤلفنا الذي ~~سميناه " القول المفيد في حكم التقليد " وفي مؤلفنا الذي سميناه " أدب ~~الطلب ومنتهى الأرب " فمن أراد أن يقف على حقيقة هذه البدعة التي طبقت ~~الأقطار الإسلامية، فليرجع إليهما. ثم لما ذكر ما كان عليه أهل النفاق ~~أتبع بما يجب على المؤمنين أن يفعلوه إذا دعوا إلى حكم الله، ورسوله، ~~فقال { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى ~~الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا ~~وأطعنا } قرأ الجمهور بنصب { قول } على أنه خبر كان واسمها { أن ~~يقولوا }. # وقرأ علي والحسن وابن أبي إسحاق برفع " قول " على أنه الاسم، وأن ~~المصدرية، وما في حيزها الخبر، وقد رجحت القراءة الأولى بما تقرر عند ~~النحاة من أنه إذا اجتمع معرفتان، وكانت إحداهما أعرف جعلت التي هي أعرف ~~اسما. وأما سيبويه فقد خير بين كل معرفتين، ولم يفرق هذه التفرقة، وقد ~~قدمنا الكلام على الدعوة إلى الله، ورسوله للحكم بين المتخاصمين، وذكرنا ~~من تجب الإجابة إليه من القضاة، ومن لا تجب { أن يقولوا سمعنا ~~وأطعنا } أي أن يقولوا هذا ms2680 القول لا قولا آخر، وهذا، وإن كان على ~~طريقة الخبر، فليس المراد به ذلك، بل المراد به تعليم الأدب الشرعي عند ~~هذه الدعوة من أحد المتخاصمين للآخر. والمعنى أنه ينبغي للمؤمنين أن ~~يكونوا هكذا بحيث إذا سمعوا الدعاء المذكور قابلوه بالطاعة، والإذعان. ~~قال مقاتل، وغيره يقولون سمعنا قول النبي صلى الله عليه وسلم، وأطعنا ~~أمره، وإن كان ذلك فيما يكرهونه، ويضرهم، ثم أثنى سبحانه عليهم بقوله { ~~أولئك } أي المؤمنون الذين قالوا هذا القول { هم المفلحون ~~} أي الفائزون بخير الدنيا والآخرة. ثم أردف الثناء عليهم بثناء آخر فقال ~~{ ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفائزون } وهذه الجملة مقررة لما قبلها من حسن ~~حال المؤمنين، وترغيب من عداهم إلى الدخول في عدادهم، والمتابعة لهم في ~~طاعة الله ورسوله، والخشية من الله عز وجل، والتقوى له. قرأ حفص { ~~ويتقه } بإسكان القاف على نية الجزم. وقرأ الباقون بكسرها، لأن جزم هذا ~~الفعل بحذف آخره، وأسكن الهاء أبو عمرو وأبو بكر واختلس الكسرة يعقوب ~~وقالون عن نافع والمثنى عن أبي عمرو وحفص وأشبع كسرة الهاء الباقون. قال ~~ابن الأنباري وقراءة حفص هي على لغة من قال لم أر زيدا، ولم أشتر ~~طعاما، يسقطون الياء للجزم، ثم يسكنون الحرف الذي قبلها، ومنه قول ~~الشاعر # قالت سليمى اشتر لنا دقيقا # وقول الآخر # عجبت لمولود وليس له أب وذي ولد لم يلده أبوان # وأصله يلد بكسر اللام، وسكون الدال للجزم، فلما سكن اللام التقى ساكنان، ~~فلو حرك الأول لرجع إلى ما وقع الفرار منه، فحرك ثانيهما، وهو الدال. ~~ويمكن أن يقال إنه حرك الأول على أصل التقاء الساكنين، وبقي السكون على ~~الدال لبيان ما عليه أهل هذه اللغة، ولا يضر الرجوع إلى ما وقع الفرار ~~منه، فهذه الحركة غير تلك الحركة، والإشارة بقوله { فأولئك هم ~~الفائزون } إلى الموصوفين بما ذكر من الطاعة، والخشية، والتقوى أي هم ~~الفائزون بالنعيم الدنيوي والأخروي لا من عداهم. ثم حكى سبحانه عن ~~المنافقين أنهم لما كرهوا حكمه أقسموا بأنه لو ms2681 أمرهم بالخروج إلى الغزو ~~لخرجوا، فقال { وأقسموا بالله جهد أيمنهم لئن ~~أمرتهم ليخرجن } أي لئن أمرتهم بالخروج إلى الجهاد ليخرجن، ~~و { جهد أيمانهم } منتصب على أنه مصدر مؤكد للفعل المحذوف الناصب له أي ~~أقسموا بالله يجهدون أيمانهم جهدا. # ومعنى { جهد أيمنهم } طاقة ما قدروا أن يحلفوا، مأخوذ من ~~قولهم جهد نفسه إذا بلغ طاقتها، وأقصى وسعها. وقيل هو منتصب على الحال ~~والتقدير مجتهدين في أيمانهم، كقولهم افعل ذلك جهدك، وطاقتك، وقد خلط ~~الزمخشري الوجهين، فجعلهما واحدا. وجواب القسم قوله { ليخرجن } ~~ولما كانت مقالتهم هذه كاذبة، وأيمانهم فاجرة رد الله عليهم، فقال { قل ~~لا تقسموا } أي رد عليهم زاجرا لهم، وقل لهم لا تقسموا أي لا ~~تحلفوا على ما تزعمونه من الطاعة، والخروج إلى الجهاد إن أمرتم به، ~~وهاهنا تم الكلام. ثم ابتدأ، فقال { طاعة معروفة } ، وارتفاع ~~طاعة على أنها خبر مبتدأ محذوف أي طاعتهم طاعة معروفة بأنها طاعة نفاقية ~~لم تكن عن اعتقاد، ويجوز أن تكون طاعة مبتدأ، لأنها قد خصصت بالصفة، ~~ويكون الخبر مقدرا أي طاعة معروفة أولى بكم من أيمانكم، ويجوز أن ترتفع ~~بفعل محذوف أي لتكن منكم طاعة، أو لتوجد، وفي هذا ضعف لأن الفعل لا يحذف ~~إلا إذا تقدم ما يشعر به. وقرأ زيد بن علي، والترمذي " طاعة " بالنصب ~~على المصدر لفعل محذوف أي أطيعوا طاعة { إن الله خبير بما ~~تعملون } من الأعمال، وما تضمرونه من المخالفة لما تنطق به ألسنتكم، ~~وهذه الجملة تعليل لما قبلها من كون طاعتهم طاعة نفاق. ثم أمر الله ~~سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم بطاعة الله ورسوله، فقال { ~~قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } طاعة ظاهرة، وباطنة ~~بخلوص اعتقاد، وصحة نية، وهذا التكرير منه تعالى لتأكيد وجوب الطاعة ~~عليهم، فإن قوله { قل لا تقسموا طاعة معروفة } في حكم ~~الأمر بالطاعة، وقيل إنهما مختلفان، فالأول نهي بطريق الرد، والتوبيخ، ~~والثاني أمر بطريق التكليف لهم، والإيجاب عليهم { فإن تولوا } ~~خطاب للمأمورين، وأصله فإن تتولوا، فحذف إحدى التاءين تخفيفا، وفيه رجوع ~~من ms2682 الخطاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخطاب لهم لتأكيد الأمر ~~عليهم، والمبالغة في العناية بهدايتهم إلى الطاعة، والانقياد، وجواب ~~الشرط قوله { فإنما عليه ما حمل وعليكم ما ~~حملتم } أي فاعلموا أنما على النبي صلى الله عليه وسلم ما حمل مما ~~أمر به من التبليغ، وقد فعل، وعليكم ما حملتم أي ما أمرتم به من الطاعة، ~~وهو وعيد لهم، كأنه قال لهم فإن توليتم، فقد صرتم حاملين للحمل الثقيل { ~~وإن تطيعوه } فيما أمركم به، ونهاكم عنه { تهتدوا } إلى الحق، ~~وترشدوا إلى الخير، وتفوزوا بالأجر، وجملة { وما على الرسول ~~إلا البلغ المبين } مقررة لما قبلها، واللام إما للعهد، ~~فيراد بالرسول نبينا صلى الله عليه وسلم، وإما للجنس، فيراد كل رسول، ~~والبلاغ المبين التبليغ الواضح، أو الموضح. # قيل يجوز أن يكون قوله { فإن تولوا } ماضيا، وتكون الواو لضمير ~~الغائبين، وتكون هذه الجملة الشرطية مما أمر به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يقوله لهم، ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، ~~والأول أرجح. ويؤيده الخطاب في قوله { وعليكم ما حملتم } ، ~~وفي قوله { وإن تطيعوه تهتدوا } ، ويؤيده أيضا قراءة البزي " ~~فإن تولوا " بتشديد التاء، وإن كانت ضعيفة لما فيها من الجمع بين ساكنين. ~~{ وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا ~~الصلحات } هذه الجملة مقررة لما قبلها من أن طاعتهم لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سبب لهدايتهم، وهذا وعد من الله سبحانه لمن آمن بالله ~~وعمل الأعمال الصالحات بالاستخلاف لهم في الأرض لما استخلف الذين من ~~قبلهم من الأمم، وهو وعد يعم جميع الأمة. وقيل هو خاص بالصحابة، ولا وجه ~~لذلك، فإن الإيمان وعمل الصالحات لا يختص بهم، بل يمكن وقوع ذلك من كل ~~واحد من هذه الأمة، ومن عمل بكتاب الله وسنة رسوله، فقد أطاع الله ~~ورسوله، واللام في { ليستخلفنهم فى الأرض } جواب لقسم ~~محذوف، أو جواب للوعد بتنزيله منزلة القسم، لأنه ناجز لا محالة، ومعنى { ~~ليستخلفنهم في الأرض } ليجعلنهم فيها خلفاء يتصرفون فيها ~~تصرف الملوك في مملوكاتهم، وقد ms2683 أبعد من قال إنها مختصة بالخلفاء الأربعة، ~~أو بالمهاجرين، أو بأن المراد بالأرض أرض مكة، وقد عرفت أن الاعتبار ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وظاهر قوله { كما استخلف الذين ~~من قبلهم } كل من استخلفه الله في أرضه، فلا يخص ذلك ببني إسرائيل ~~ولا أمة من الأمم دون غيرها. قرأ الجمهور { كما استخلف } بفتح ~~الفوقية على البناء للفاعل. وقرأ عيسى بن عمر، وأبو بكر، والمفضل، عن ~~عاصم بضمها على البناء للمفعول، ومحل الكاف النصب على المصدرية أي ~~استخلافا كما استخلف، وجملة { وليمكنن لهم دينهم الذي ~~ارتضى لهم } معطوفة على ليستخلفنهم داخلة تحت حكمه كائنة من جملة ~~الجواب، والمراد بالتمكين هنا التثبيت، والتقرير أي يجعله الله ثابتا ~~مقررا،ويوسع لهم في البلاد، ويظهر دينهم على جميع الأديان، والمراد ~~بالدين هنا الإسلام، كما في قوله # ورضيت لكم الإسلام دينا # المائدة 3. ذكر سبحانه وتعالى الاستخلاف لهم أولا، وهو جعلهم ملوكا، ~~وذكر التمكين ثانيا، فأفاد ذلك أن هذا الملك ليس على وجه العروض، ~~والطرو، بل على وجه الاستقرار والثبات، بحيث يكون الملك لهم، ولعقبهم من ~~بعدهم. وجملة { وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا } ~~معطوفة على التي قبلها. قرأ ابن كثير وابن محيصن ويعقوب وأبو بكر " ~~ليبدلنهم " بالتخفيف من أبدل، وهي قراءة الحسن، واختارها أبو حاتم. # وقرأ الباقون بالتشديد من بدل، واختارها أبو عبيد، وهما لغتان، وزيادة ~~البناء تدل على زيادة المعنى، فقراءة التشديد أرجح من قراءة التخفيف. ~~قال النحاس وزعم أحمد بن يحيى ثعلب أن بين التخفيف والتثقيل فرقا، ~~وأنه يقال بدلته أي غيرته، وأبدلته أزلته، وجعلت غيره. قال النحاس، وهذا ~~القول صحيح. والمعنى أنه سبحانه يجعل لهم مكان ما كانوا فيه من الخوف من ~~الأعداء أمنا، ويذهب عنهم أسباب الخوف الذي كانوا فيه بحيث لا يخشون ~~إلا الله سبحانه، ولا يرجون غيره. وقد كان المسلمون قبل الهجرة، وبعدها ~~بقليل في خوف شديد من المشركين، لا يخرجون إلا في السلاح، ولا يمسون ~~ويصبحون إلا على ترقب لنزول المضرة بهم من الكفار، ثم صاروا في غاية ~~الأمن، والدعة، ms2684 وأذل الله لهم شياطين المشركين، وفتح عليهم البلاد، ومهد ~~لهم في الأرض، ومكنهم منها، فلله الحمد، وجملة { يعبدونني } في محل ~~نصب على الحال، ويجوز أن تكون مستأنفة مسوقة للثناء عليهم، وجملة { لا ~~يشركون بي شيئا } في محل نصب على الحال من فاعل يعبدونني أي ~~يعبدونني، غير مشركين بي في العبادة شيئا من الأشياء، وقيل معناه لا ~~يراؤون بعبادتي أحدا، وقيل معناه لا يخافون غيري، وقيل معناه لا يحبون ~~غيري { ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفسقون } ~~أي من كفر هذه النعم بعد ذلك الوعد الصحيح، أو من استمر على الكفر، أو ~~من كفر بعد إيمان، فأولئك الكافرون، هم الفاسقون أي الكاملون في الفسق. ~~وهو الخروج عن الطاعة، والطغيان في الكفر. وجملة { وأقيموا ~~الصلاة } معطوفة على مقدر يدل عليه ما تقدم، كأنه قيل لهم فآمنوا، ~~واعملوا صالحا، وأقيموا الصلاة، وقيل معطوف على { وأطيعوا الله ~~} ، وقيل التقدير فلا تكفروا، وأقيموا الصلاة. وقد تقدم الكلام على ~~إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وكرر الأمر بطاعة الرسول للتأكيد، وخصه ~~بالطاعة، لأن طاعته طاعة لله، ولم يذكر ما يطيعونه فيه لقصد التعميم كما ~~يشعر به الحذف على ما تقرر في علم المعاني من أن مثل هذا الحذف مشعر ~~بالتعميم { لعلكم ترحمون } أي افعلوا ما ذكر من إقامة الصلاة، ~~وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول راجين أن يرحمكم الله سبحانه { لا ~~تحسبن الذين كفروا معجزين فى الأرض } قرأ ابن ~~عامر، وحمزة، وأبو حيوة " لا يحسبن " بالتحتية بمعنى لا تحسبن الذين ~~كفروا، وقرأ الباقون بالفوقية أي لا تحسبن يا محمد، والموصول المفعول ~~الأول، ومعجزين الثاني، لأن الحسبان يتعدى إلى مفعولين، قاله الزجاج ~~والفراء وأبو علي. وأما على القراءة الأولى، فيكون المفعول الأول ~~محذوفا أي لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم. قال النحاس وما علمت أحدا ~~بصريا ولا كوفيا إلا وهو يخطىء قراءة حمزة، و { معجزين } معناه ~~فائتين. # وقد تقدم تفسيره، وتفسير ما بعده. وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ويقولون آمنا بالله ~~وبالرسول } الآية ms2685 قال أناس من المنافقين أظهروا الإيمان، وهم في ~~ذلك يصدون عن سبيل الله وطاعته، وجهاد مع رسوله صلى الله عليه وسلم. ~~وأخرجوا أيضا عن الحسن قال إن الرجل كان يكون بينه، وبين الرجل خصومة، ~~أو منازعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا دعي إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وهو محق أذعن، وعلم أن النبي سيقضي له بالحق، وإذا ~~أراد أن يظلم فدعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أعرض، وقال أنطلق إلى ~~فلان، فأنزل الله سبحانه { وإذا دعوا إلى الله ورسوله } ~~إلى قوله { هم الظلمون } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من كان بينه وبين أخيه شيء، فدعاه إلى حكم من حكام المسلمين، فلم يجب، ~~فهو ظالم لا حق له " # قال ابن كثير بعد أن ساق هذا المتن ما لفظه وهذا حديث غريب، وهو مرسل. ~~وقال ابن العربي هذا حديث باطل، فأما قوله فهو ظالم، فكلام صحيح. وأما ~~قوله فلا حق له، فلا يصح. ويحتمل أن يريد أنه على غير الحق. انتهى. وأقول ~~أما كون الحديث مرسلا، فظاهر. وأما دعوى كونه باطلا، فمحتاجة إلى ~~برهان، فقد أخرجه ثلاثة من أئمة الحديث عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم كما ذكرنا، ويبعد كل البعد أن ينفق عليهم ما هو باطل، وإسناده ~~عند ابن أبي حاتم هكذا قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا موسى بن ~~إسماعيل حدثنا مبارك حدثنا الحسن فذكره. وليس في هؤلاء كذاب ولا وضاع. ~~ويشهد له ما أخرجه الطبراني عن الحسن عن سمرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " من دعي إلى سلطان فلم يجب فهو ظالم لا حق له " # انتهى. ولا يخفاك أن قضاة العدل، وحكام الشرع الذين هم على الصفة التي ~~قدمنا لك قريبا هم سلاطين الدين المترجمون عن الكتاب، والسنة، المبينون ~~للناس ما نزل إليهم. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال أتى قوم النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا رسول الله لو أمرتنا أن نخرج ms2686 من أموالنا ~~لخرجنا، فأنزل الله { وأقسموا بالله جهد أيمنهم } ~~الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في الآية قال ذلك في شأن الجهاد، قال ~~يأمرهم أن لا يحلفوا على شيء { طاعة معروفة } قال أمرهم أن يكون ~~منهم طاعة معروفة للنبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يقسموا. وأخرج ابن ~~المنذر، عن مجاهد { طاعة معروفة } يقول قد عرفت طاعتهم أي إنكم ~~تكذبون به. # وأخرج مسلم، والترمذي، وغيرهما، عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن أبيه قال ~~قدم زيد بن أسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أرأيت إن كان ~~علينا أمراء يأخذون منا الحق، ولا يعطونا؟ قال # " فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم " # وأخرج ابن جرير، وابن قانع، والطبراني عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن ~~سلمة بن يزيد الجعفي قال قلت يا رسول... فذكر نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن ابن الزبير عن جابر أنه سئل إن كان علي إمام فاجر، فلقيت معه أهل ~~ضلالة أقاتل أم لا؟ قال # " قاتل أهل الضلالة أينما وجدتهم، وعلى الإمام ما حمل وعليكم ما حملتم ~~". # وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن البراء في قوله { وعد الله ~~الذين ءامنوا منكم } الآية. قال فينا نزلت، ونحن في خوف شديد. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده، ~~وعبادته وحده لا شريك له سرا، وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال، حتى أمروا ~~بالهجرة إلى المدينة، فقدموا المدينة، فأمرهم الله بالقتال، وكانوا بها ~~خائفين يمسون في السلاح، ويصبحون في السلاح، فغبروا بذلك ما شاء الله، ثم ~~إن رجلا من أصحابه قال يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ ما يأتي ~~علينا يوم نأمن فيه، ونضع فيه السلاح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لن تغبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ~~ليست فيهم حديدة " # ، فأنزل الله { وعد الله الذين ءامنوا منكم ms2687 ~~وعملوا الصلحات ليستخلفنهم فى الأرض } إلى ~~آخر الآية، فأظهر الله نبيه صلى الله عليه وسلم على جزيرة العرب، فأمنوا ~~ووضعوا السلاح. ثم إن الله قبض نبيه، فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر ~~وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا وكفروا النعمة، فأدخل الله عليهم الخوف ~~الذي كان رفع عنهم، واتخذوا الحجر والشرط وغيروا فغير ما بهم. وأخرج ابن ~~المنذر والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في ~~الدلائل والضياء في المختارة عن أبي بن كعب. قال لما قدم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المدينة، وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحد، فكانوا ~~لا يبيتون إلا في السلاح، ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا أترون أنا نعيش ~~حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله، فنزلت { وعد الله ~~الذين ءامنوا منكم وعملوا الصلحات } الآية. وأخرج ~~عبد بن حميد، عن ابن عباس { يعبدونني لا يشركون بي شيئا ~~} قال لا يخافون أحدا غيري. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن ~~حميد، وابن المنذر عن مجاهد مثله، قال { ومن كفر بعد ذلك ~~فأولئك هم الفسقون } العاصون. وأخرج عبد بن حميد عن أبي ~~العالية قال كفر بهذه النعمة، ليس الكفر بالله. وأخرج عبد بن حميد عن ~~قتادة { معجزين في الأرض } قال سابقين في الأرض. ### || [24.58-61] # لما فرغ سبحانه من ذكر ما ذكره من دلائل التوحيد رجع إلى ما كان فيه من ~~الاستئذان، فذكره هاهنا على وجه أخص، فقال { يأيها الذين ~~ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمنكم } ~~والخطاب للمؤمنين، وتدخل المؤمنات فيه تغليبا كما في غيره من الخطابات. ~~قال العلماء هذه الآية خاصة ببعض الأوقات. واختلفوا في المراد بقوله { ~~ليستأذنكم } على أقوال الأول أنها منسوخة، قاله سعيد بن المسيب. ~~وقال سعيد بن جبير إن الأمر فيها للندب لا للوجوب. وقيل كان ذلك واجبا ~~حيث كانوا لا أبواب لهم، ولو عاد الحال لعاد الوجوب، حكاه المهدوي عن ابن ~~عباس. وقيل إن الأمر هاهنا للوجوب، وإن الآية محكمة غير منسوخة، وأن ~~حكمها ثابت على الرجال والنساء. قال القرطبي ms2688 وهو قول أكثر أهل العلم. ~~وقال أبو عبد الرحمن السلمي إنها خاصة بالنساء. وقال ابن عمر هي خاصة ~~بالرجال دون النساء. والمراد بقوله { ملكت أيمنكم } العبيد، ~~والإماء، والمراد ب { الذين لم يبلغوا الحلم } الصبيان { منكم } أي من ~~الأحرار، ومعنى { ثلاث مرات } ثلاثة أوقات في اليوم والليلة، وعبر ~~بالمرات عن الأوقات لأن أصل وجوب الاستئذان هو بسبب مقارنة تلك الأوقات ~~لمرور المستأذنين بالمخاطبين لا نفس الأوقات، وانتصاب { ثلاث مرات } على ~~الظرفية الزمانية أي ثلاثة أوقات، ثم فسر تلك الأوقات بقوله { من قبل ~~صلوة الفجر } إلخ، أو منصوب على المصدرية أي ثلاث استئذانات ~~ورجح هذا أبو حيان، فقال والظاهر من قوله { ثلاث مرات } ثلاث ~~استئذانات، لأنك إذا قلت ضربتك ثلاث مرات لا يفهم منه إلا ثلاث ضربات. ~~ويرد بأن الظاهر هنا متروك للقرينة المذكورة، وهو التفسير بالثلاثة ~~الأوقات. قرأ الحسن، وأبو عمرو في رواية الحلم بسكون اللام، وقرأ الباقون ~~بضمها. قال الأخفش الحلم من حلم الرجل بفتح اللام، ومن الحلم حلم بضم ~~اللام يحلم بكسر اللام. ثم فسر سبحانه الثلاث المرات، فقال { من قبل ~~صلوة الفجر } ، وذلك لأنه وقت القيام عن المضاجع، وطرح ثياب ~~النوم، ولبس ثياب اليقظة، وربما يبيت عريانا، أو على حال لا يحب أن ~~يراه غيره فيها، ومحله النصب على أنه بدل من ثلاث، ويجوز أن يكون في محل ~~رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي من قبل، وقوله { وحين تضعون ~~ثيبكم من الظهيرة } معطوف على محل { من قبل صلوة ~~الفجر } ، و«من» في { من الظهيرة } للبيان، أو بمعنى في، أو ~~بمعنى اللام. والمعنى حين تضعون ثيابكم التي تلبسونها في النهار من شدة ~~حر الظهيرة، وذلك عند انتصاف النهار، فإنهم قد يتجردون عن الثياب لأجل ~~القيلولة. ثم ذكر سبحانه الوقت الثالث، فقال { ومن بعد صلوة ~~العشاء } ، وذلك لأنه وقت التجرد عن الثياب، والخلوة بالأهل، ثم أجمل ~~سبحانه هذه الأوقات بعد التفصيل، فقال { ثلاث عورات لكم } قرأ ~~الجمهور { ثلاث عورات } برفع ثلاث وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بالنصب ~~على ms2689 البدل من ثلاث مرات. # قال ابن عطية إنما يصح البدل بتقدير أوقات ثلاث عورات، فحذف المضاف، ~~وأقيم المضاف إليه مقامه، ويحتمل أنه جعل نفس ثلاث مرات نفس ثلاث عورات ~~مبالغة ويجوز أن يكون ثلاث عورات بدلا من الأوقات المذكورة أي من قبل ~~صلاة الفجر إلخ ويجوز أن تكون منصوبة بإضمار فعل أي أعني، ونحوه، وأما ~~الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف أي هن ثلاث. قال أبو حاتم النصب ضعيف ~~مردود. وقال الفراء الرفع أحب إلي، قال وإنما اخترت الرفع لأن المعنى ~~هذه الخصال ثلاث عورات. وقال الكسائي إن ثلاث عورات مرتفعة بالابتداء، ~~والخبر ما بعدها. قال والعورات الساعات التي تكون فيها العورة. قال ~~الزجاج المعنى ليستأذنكم أوقات ثلاث عورات، فحذف المضاف، وأقيم المضاف ~~إليه مقامه، وعورات جمع عورة، والعورة في الأصل الخلل، ثم غلب في الخلل ~~الواقع فيما يهم حفظه ويتعين ستره أي هي ثلاث أوقات يختل فيها الستر. ~~وقرأ الأعمش " عورات " بفتح الواو، وهي لغة هذيل وتميم، فإنهم يفتحون عين ~~فعلات سواء كان واوا أو ياء، ومنه # أخو بيضات رايح متأوب رفيق بمسح المنكبين سبوح # وقوله # أبو بيضات رايح أو مغتدي عجلان ذا زاد وغير مزود # و { لكم } متعلق بمحذوف، هو صفة لثلاث عورات أي كائنة لكم، والجملة ~~مستأنفة مسوقة لبيان علة وجوب الاستئذان { ليس عليكم ولا ~~عليهم جناح بعدهن } أي ليس على المماليك، ولا على الصبيان ~~جناح، أي إثم في الدخول بغير استئذان لعدم ما يوجبه من مخالفة الأمر، ~~والإطلاع على العورات. ومعنى { بعدهن } بعد كل واحدة من هذه العورات ~~الثلاث، وهي الأوقات المتخللة بين كل اثنين منها، وهذه الجملة مستأنفة ~~مقررة للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة، ويجوز أن تكون في محل رفع ~~صفة لثلاث عورات على قراءة الرفع فيها. قال أبو البقاء { بعدهن } ~~أي بعد استئذانهم فيهن، ثم حذف حرف الجر والمجرور فبقي بعد استئذانهم، ~~ثم حذف المصدر، وهو الاستئذان، والضمير المتصل به. ورد بأنه لا حاجة إلى ~~هذا التقدير الذي ذكره، بل المعنى ليس عليكم ms2690 جناح، ولا عليهم، أي العبيد ~~والإماء والصبيان جناح في عدم الاستئذان بعد هذه الأوقات المذكورة، ~~وارتفاع { طوافون } على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم طوافون عليكم، ~~والجملة مستأنفة مبينة للعذر المرخص في ترك الاستئذان. قال الفراء هذا ~~كقولك في الكلام هم خدمكم، وطوافون عليكم، وأجاز أيضا نصب طوافين لأنه ~~نكرة، والمضمر في { عليكم } معرفة، ولا يجيز البصريون أن تكون حالا ~~من المضمرين اللذين في عليكم، وفي بعضكم لاختلاف العاملين. # ومعنى { طوافون عليكم } أي يطوفون عليكم، ومنه الحديث في الهرة # " إنما هي من الطوافين عليكم. أو الطوافات " # أي هم خدمكم فلا بأس أن يدخلوا عليكم في غير هذه الأوقات بغير إذن، ~~ومعنى { بعضكم على بعض } بعضكم يطوف، أو طائف على بعض، وهذه ~~الجملة بدل مما قبلها، أو مؤكدة لها. والمعنى أن كلا منكم يطوف على صاحبه ~~العبيد على الموالي، والموالي على العبيد، ومنه قول الشاعر # ولما قرعنا النبع بالنبع بعضه ببعض أبت عيدانه أن تكسرا # وقرأ ابن أبي عبلة " طوافين " بالنصب على الحال كما تقدم عن الفراء، ~~وإنما أباح سبحانه الدخول في غير تلك الأوقات الثلاثة بغير استئذان، ~~لأنها كانت العادة أنهم لا يكشفون عوراتهم في غيرها، والإشارة بقوله { ~~كذلك يبين الله لكم الآيت } إلى مصدر الفعل الذي بعده، ~~كما في سائر المواضع في الكتاب العزيز أي مثل ذلك التبيين يبين الله لكم ~~الآيات الدالة على ما شرعه لكم من الأحكام { والله عليم حكيم } ~~كثير العلم بالمعلومات، وكثير الحكمة في أفعاله. { وإذا بلغ ~~الأطفال منكم الحلم } بين سبحانه هاهنا حكم الأطفال الأحرار ~~إذا بلغوا الحلم بعد ما بين فيما مر حكم الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم ~~في أنه لا جناح عليهم في ترك الاستئذان فيما عدا الأوقات الثلاثة، فقال { ~~فليستأذنوا } يعني الذين بلغوا الحلم إذا دخلوا عليكم { كما ~~استأذن الذين من قبلهم } ، والكاف نعت مصدر محذوف أي ~~استئذانا كما استأذن الذين من قبلهم، والموصول عبارة عن الذين قيل لهم # لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا # النور 27 الآية. والمعنى أن ms2691 هؤلاء الذين بلغوا الحلم يستأذنون في جميع ~~الأوقات كما استأذن الذين من قبلهم من الكبار الذين أمروا بالاستئذان من ~~غير استثناء، ثم كرر ما تقدم للتأكيد، فقال { كذلك يبين ~~الله لكم ءايته والله عليم حكيم } وقرأ الحسن " ~~الحلم " ، فحذف الضمة لثقلها. قال عطاء واجب على الناس أن يستأذنوا إذا ~~احتلموا أحرارا كانوا أو عبيدا. وقال الزهري يستأذن الرجل على أمه، وفي ~~هذا المعنى نزلت هذه الآية، والمراد بالقواعد من النساء العجائز اللاتي ~~قعدن عن الحيض، والولد من الكبر، واحدتها قاعد بلا هاء ليدل حذفها على ~~أنه قعود الكبر، كما قالوا امرأة حامل ليدل بحذف الهاء على أنه حمل حبل، ~~ويقال قاعدة في بيتها، وحاملة على ظهرها. قال الزجاج هن اللاتي قعدن عن ~~التزويج، وهو معنى قوله { اللتي لا يرجون نكاحا } أي لا ~~يطمعن فيه لكبرهن. وقال أبو عبيدة اللاتي قعدن عن الولد، وليس هذا ~~بمستقيم، لأن المرأة تقعد عن الولد، وفيها مستمتع. # ثم ذكر سبحانه حكم القواعد، فقال { فليس عليهن جناح أن ~~يضعن ثيابهن } أي الثياب التي تكون على ظاهر البدن كالجلباب ~~ونحوه، لا الثياب التي على العورة الخاصة، وإنما جاز لهن ذلك لانصراف ~~الأنفس عنهن إذ لا رغبة للرجال فيهن، فأباح الله سبحانه لهن ما لم ~~يبحه لغيرهن، ثم استثنى حالة من حالاتهن، فقال { غير متبرجت ~~بزينة } أي غير مظهرات للزينة التي أمرن بإخفائها في قوله # ولا يبدين زينتهن # النور 31، والمعنى من غير أن يردن بوضع الجلابيب إظهار زينتهن، ولا ~~متعرضات بالتزين لينظر إليهن الرجال. والتبرج التكشف، والظهور للعيون، ~~ومنه # بروج مشيدة # النساء 78 وبروج السماء، ومنه قولهم سفينة بارجة أي لا غطاء عليها { ~~وأن يستعففن خير لهن } أي وأن يتركن وضع الثياب فهو خير ~~لهن من وضعها. وقرأ عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس " أن يضعن ~~من ثيابهن " بزيادة من، وقرأ ابن مسعود " وأن يعففن " بغير سين { ~~والله سميع عليم } كثير السماع والعلم، أو بليغهما. { ليس ~~على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على ms2692 ~~المريض حرج } اختلف أهل العلم في هذه الآية هل هي محكمة، أو ~~منسوخة؟ قال بالأول جماعة من العلماء، وبالثاني جماعة. قيل إن المسلمين ~~كانوا إذا غزوا خلفوا زمانهم، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم، ~~ويقولون لهم قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ~~ذلك وقالوا لا ندخلها، وهم غيب، فنزلت هذه الآية رخصة لهم فمعنى الآية ~~نفي الحرج عن الزمنى في أكلهم من بيوت أقاربهم، أو بيوت من يدفع إليهم ~~المفتاح إذا خرج للغزو. قال النحاس وهذا القول من أجل ما روي في الآية ~~لما فيه من الصحابة، والتابعين من التوقيف. وقيل إن هؤلاء المذكورين ~~كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأصحاء حذارا من استقذارهم إياهم، وخوفا من ~~تأذيهم بأفعالهم، فنزلت. وقيل إن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق ~~بالتكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف به ~~القدرة الكاملة على المشي على وجه يتعذر الإتيان به مع العرج، وعن المريض ~~فيما يؤثر المرض في إسقاطه، وقيل المراد بهذا الحرج المرفوع عن هؤلاء هو ~~الحرج في الغزو أي لا حرج على هؤلاء في تأخرهم عن الغزو. وقيل كان الرجل ~~إذا أدخل أحدا من هؤلاء الزمنى إلى بيته، فلم يجد فيه شيئا يطعمهم إياه ~~ذهب بهم إلى بيوت قرابته، فيتحرج الزمنى من ذلك، فنزلت. ومعنى قوله { ~~ولا على أنفسكم }. عليكم، وعلى من يماثلكم من المؤمنين { أن ~~تأكلوا } أنتم، ومن معكم، وهذا ابتداء كلام أي ولا عليكم أيها ~~الناس. والحاصل أن رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض إن كان باعتبار ~~مؤاكلة الأصحاء، أو دخول بيوتهم فيكون { ولا على أنفسكم } ~~متصلا بما قبله، وإن كان رفع الحرج عن أولئك باعتبار التكاليف التي ~~يشترط فيها وجود البصر، وعدم العرج وعدم المرض، فقوله { ولا على ~~أنفسكم } ابتداء كلام غير متصل بما قبله. # ومعنى { من بيوتكم } البيوت التي فيها متاعهم، وأهلهم، فيدخل بيوت ~~الأولاد، كذا قال المفسرون، لأنها داخلة في بيوتهم لكون بيت ابن الرجل ~~بيته، فلذا لم يذكر سبحانه بيوت ms2693 الأولاد، وذكر بيوت الآباء، وبيوت ~~الأمهات، ومن بعدهم. قال النحاس وعارض بعضهم هذا، فقال هذا تحكم على كتاب ~~الله سبحانه بل الأولى في الظاهر أن يكون الابن مخالفا لهؤلاء. ويجاب عن ~~هذه المعارضة بأن رتبة الأولاد بالنسبة إلى الآباء لا تنقص عن رتبة ~~الآباء بالنسبة إلى الأولاد، بل للآباء مزيد خصوصية في أموال الأولاد ~~لحديث # " أنت ومالك لأبيك " # ، وحديث # " ولد الرجل من كسبه " # ، ثم قد ذكر الله سبحانه هاهنا بيوت الإخوة والأخوات، بل بيوت الأعمام، ~~والعمات، بل بيوت الأخوال، والخالات، فكيف ينفي سبحانه الحرج عن الأكل من ~~بيوت هؤلاء، ولا ينفيه عن بيوت الأولاد؟ وقد قيد بعض العلماء جواز الأكل ~~من بيوت هؤلاء بالإذن منهم. وقال آخرون لا يشترط الإذن. قيل وهذا إذا كان ~~الطعام مبذولا، فإن كان محرزا دونهم لم يجز لهم أكله. ثم قال سبحانه { ~~أو ما ملكتم مفاتحه } أي البيوت التي تملكون التصرف فيها ~~بإذن أربابها، وذلك كالوكلاء، والعبيد، والخزان، فإنهم يملكون التصرف ~~في بيوت من أذن لهم بدخول بيته، وإعطائهم مفاتحه. وقيل المراد بها بيوت ~~المماليك. قرأ الجمهور { ملكتم } بفتح الميم، وتخفيف اللام. وقرأ سعيد بن ~~جبير بضم الميم، وكسر اللام مع تشديدها. وقرأ أيضا " مفاتيحه " بياء بين ~~التاء، والحاء. وقرأ قتادة { مفاتحه } على الإفراد، والمفاتح جمع مفتح، ~~والمفاتيح جمع مفتاح { أو صديقكم } أي لا جناح عليكم أن تأكلوا من ~~بيوت صديقكم، وإن لم يكن بينكم وبينه قرابة، فإن الصديق في الغالب يسمح ~~لصديقه بذلك، وتطيب به نفسه، والصديق يطلق على الواحد والجمع، ومنه قول ~~جرير # دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا بأسهم أعداء وهن صديق # ومثله العدو والخليط والقطين والعشير، ثم قال سبحانه { ليس ~~عليكم جناح أن تأكلوا } من بيوتكم { جميعا أو ~~أشتاتا } انتصاب { جميعا } و { أشتاتا } على الحال. والأشتات جمع ~~شت، والشت المصدر بمعنى التفرق، يقال شت القوم أي تفرقوا، وهذه ~~الجملة كلام مستأنف مشتمل على بيان حكم آخر من جنس ما قبله أي ليس عليكم ~~جناح أن تأكلوا من بيوتكم مجتمعين، أو متفرقين، وقد ms2694 كان بعض العرب يتحرج ~~أن يأكل وحده حتى يجد له أكيلا يؤاكله، فيأكل معه، وبعض العرب كان لا ~~يأكل إلا مع ضيف، ومنه قول حاتم # إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلا فإني لست آكله وحدي # { فإذا دخلتم بيوتا } هذا شروع في بيان أدب آخر أدب به ~~عباده أي إذا دخلتم بيوتا غير البيوت التي تقدم ذكرها { فسلموا ~~على أنفسكم } أي على أهلها الذين هم بمنزلة أنفسكم. وقيل المراد ~~البيوت المذكورة سابقا. وعلى القول الأول، فقال الحسن، والنخعي هي ~~المساجد، والمراد سلموا على من فيها من صنفكم، فإن لم يكن في المساجد ~~أحد، فقيل يقول السلام على رسول الله، وقيل يقول السلام عليكم مريدا ~~للملائكة، وقيل يقول السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين. وقال بالقول ~~الثاني أعني أنها البيوت المذكورة سابقا جماعة من الصحابة، والتابعين، ~~وقيل المراد بالبيوت هنا هي كل البيوت المسكونة، وغيرها، فيسلم على أهل ~~المسكونة، وأما غير المسكونة فيسلم على نفسه. قال ابن العربي القول ~~بالعموم في البيوت هو الصحيح، وانتصاب { تحية } على المصدرية، لأن ~~قوله { فسلموا } معناه فحيوا أي تحية ثابتة { من عند الله } ~~أي إن الله حياكم بها. وقال الفراء أي إن الله أمركم أن تفعلوها طاعة ~~له، ثم وصف هذه التحية، فقال { مبركة } أي كثيرة البركة والخير ~~دائمتهما { طيبة } أي تطيب بها نفس المستمع، وقيل حسنة جميلة. وقال ~~الزجاج أعلم الله سبحانه أن السلام مبارك طيب لما فيه من الأجر والثواب، ~~ثم كرر سبحانه، فقال { كذلك يبين الله لكم الآيت } ~~تأكيدا لما سبق. وقد قدمنا أن الإشارة بذلك إلى مصدر الفعل { ~~لعلكم تعقلون } تعليل لذلك التبيين برجاء تعقل آيات الله ~~سبحانه، وفهم معانيها. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان قال ~~بلغنا أن رجلا من الأنصار، وامرأته أسماء بنت مرشدة صنعا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم طعاما، فقالت أسماء يا رسول الله ما أقبح هذا! إنه ليدخل على ~~المرأة وزوجها، وهما في ثوب واحد غلامهما بغير إذن، فأنزل الله في ذلك { ~~يأيها ms2695 الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت ~~أيمنكم } يعني العبيد والإماء { والذين لم يبلغوا ~~الحلم منكم } قال من أحراركم من الرجال والنساء. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن السدي في هذه الآية قال كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعجبهم أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا، ثم يخرجوا ~~إلى الصلاة، فأمرهم الله أن يأمروا المملوكين، والغلمان أن لا يدخلوا ~~عليهم في تلك الساعات إلا بإذن. وأخرج ابن مردويه عن ثعلبة القرظي عن ~~عبد الله بن سويد قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العورات ~~الثلاث، فقال # " إذا أنا وضعت ثيابي بعد الظهيرة لم يلج علي أحد من الخدم من الذين لم ~~يبلغوا الحلم، ولا أحد لم يبلغ الحلم من الأحرار إلا بإذن، وإذا وضعت ~~ثيابي بعد صلاة العشاء، ومن قبل صلاة الصبح " # وأخرجه عبد بن حميد والبخاري في الأدب، عن عبد الله بن سويد من قوله. ~~وأخرج نحوه أيضا ابن سعد عن سويد بن النعمان. وأخرج سعيد بن منصور وابن ~~أبي شيبة وأبو داود، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال إنه ~~لم يؤمن بها أكثر الناس يعني آية الإذن، وإني لآمر جاريتي هذه، لجارية ~~قصيرة قائمة على رأسه أن تستأذن علي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ~~ابن عباس، قال ترك الناس ثلاث آيات لم يعملوا بهن { يأيها ~~الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت ~~أيمنكم } والآية التي في سورة النساء # وإذا حضر القسمة # النساء 8 الآية، والآية التي في الحجرات # إن أكرمكم عند الله أتقكم # الحجرات 13. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في السنن عنه ~~أيضا في الآية قال إذا خلا الرجل بأهله بعد العشاء فلا يدخل عليه صبي، ~~ولا خادم إلا بإذنه حتى يصلي الغداة، وإذا خلا بأهله عند الظهر، فمثل ~~ذلك، ورخص لهم في الدخول فيما بين ذلك بغير إذن، وهو قوله { ليس ~~عليكم ولا عليهم جناح بعدهن } ، فأما من بلغ الحلم، ~~فإنه لا يدخل على الرجل وأهله إلا بإذن ms2696 على كل حال، وهو قوله { وإذا ~~بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما ~~استأذن الذين من قبلهم }. وأخرج أبو داود، وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في السنن بسند صحيح من طريق عكرمة ~~عنه أيضا أن رجلا سأله عن الاستئذان في الثلاث العورات التي أمر الله ~~بها في القرآن، فقال ابن عباس إن الله ستير يحب الستر، وكان الناس ليس ~~لهم ستور على أبوابهم، ولا حجاب في بيوتهم، فربما فجأ الرجل خادمه، أو ~~ولده، أو يتيم في حجره، وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك ~~العورات التي سمى الله، ثم جاء الله بعد بالستور، فبسط عليهم في الرزق، ~~فاتخذوا الستور، واتخذوا الحجاب، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من ~~الاستئذان الذي أمروا به. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب، وابن ~~جرير وابن المنذر عن ابن عمر في قوله { ليستأذنكم الذين ~~ملكت أيمنكم } قال هي على الذكور دون الإناث، ولا وجه لهذا ~~التخصيص، فالاطلاع على العورات في هذه الأوقات كما يكرهه الإنسان من ~~الذكور يكرهه من الإناث. وأخرج ابن مردويه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ~~بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قالت نزلت في النساء أن ~~يستأذن علينا. وأخرج الحاكم وصححه عن علي في الآية قال النساء، فإن ~~الرجال يستأذنون. # وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن أبي عبد الرحمن السلمي في هذه الآية قال هي في النساء خاصة الرجال ~~يستأذنون على كل حال بالليل والنهار. وأخرج الفريابي، عن موسى بن أبي ~~عائشة قال سألت الشعبي عن هذه الآية أمنسوخة هي؟ قال لا. وأخرج سعيد بن ~~منصور، والبخاري في الأدب، وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ~~عطاء أنه سأل ابن عباس أأستأذن على أختي؟ قال نعم، قلت إنها في حجري، ~~وإني أنفق عليها، وإنها معي في البيت أأستأذن عليها؟ قال نعم، إن الله ~~يقول { ليستأذنكم الذين ملكت أيمنكم والذين ~~لم يبلغوا الحلم منكم ms2697 } الآية، فلم يؤمر هؤلاء بالإذن إلا ~~في هؤلاء العورات الثلاث، قال { وإذا بلغ الأطفال منكم ~~الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من ~~قبلهم } فالإذن واجب على كل خلق الله أجمعين. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وابن جرير، والبيهقي في سننه عن ابن مسعود قال عليكم إذن على أمهاتكم. ~~وأخرج سعيد بن منصور، والبخاري في الأدب عنه قال يستأذن الرجل على أبيه ~~وأمه وأخيه وأخته. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب، عن جابر نحوه. ~~وأخرج ابن جرير، والبيهقي في السنن عن عطاء بن يسار أن رجلا قال يا رسول ~~الله أأستأذن على أمي؟ قال # " نعم " # ، قال إني معها في البيت، قال # " استأذن عليها " # ، قال إني خادمها أفأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال # " أتحب أن تراها عريانة؟ " # قال لا، قال # " فاستأذن عليها " # وهو مرسل. وأخرج ابن أبي شيبة نحوه عن زيد بن أسلم أن رجلا سأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وهو أيضا مرسل. وأخرج أبو داود، والبيهقي في السنن ~~عن ابن عباس # وقل للمؤمنت يغضضن من أبصرهن # النور 31 الآية، فنسخ، واستثنى من ذلك { والقواعد من النساء ~~اللتي لا يرجون نكاحا } الآية. وأخرج ابن المنذر وابن أبي ~~حاتم، والبيهقي في السنن عنه قال هي المرأة لا جناح عليها أن تجلس في ~~بيتها بدرع وخمار، وتضع عليها الجلباب ما لم تتبرج بما يكرهه الله، وهو ~~قوله { فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير ~~متبرجت بزينة }. وأخرج أبو عبيد في فضائله، وابن المنذر، ~~وابن الأنباري في المصاحف، والبيهقي عن ابن عباس أنه كان يقرأ " أن ~~يضعن من ثيابهن " ويقول هو الجلباب. وأخرج سعيد ابن منصور ~~وابن المنذر عن ابن عمر في الآية قال تضع الجلباب. وأخرج عبد الرزاق، ~~والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في ~~السنن عن ابن مسعود { أن يضعن ثيابهن } قال الجلباب، والرداء. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال لما نزلت # يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أمولكم ~~بينكم بالبطل # النساء 29 قالت الأنصار ما بالمدينة ms2698 مال أعز من الطعام كانوا يتحرجون ~~أن يأكلوا مع الأعمى يقولون إنه لا يبصر موضع الطعام، وكانوا يتحرجون ~~الأكل مع الأعرج يقولون الصحيح يسبقه إلى المكان، ولا يستطيع أن يزاحم، ~~ويتحرجون الأكل مع المريض يقولون لا يستطيع أن يأكل مثل الصحيح، وكانوا ~~يتحرجون أن يأكلوا في بيوت أقاربهم، فنزلت { ليس على الأعمى } ~~يعني في الأكل مع الأعمى. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن مقسم نحوه. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن مجاهد قال كان الرجل يذهب بالأعمى ~~أو الأعرج أو المريض إلى بيت أبيه أو بيت أخيه أو بيت عمه أو بيت عمته أو ~~بيت خاله، أو بيت خالته، فكان الزمنى يتحرجون من ذلك يقولون إنما يذهبون ~~بنا إلى بيوت غيرهم، فنزلت هذه الآية رخصة لهم. وأخرج البزار وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه وابن النجار عن عائشة قالت كان المسلمون يرغبون في ~~النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدفعون مفاتيحهم إلى أمنائهم، ~~ويقولون لهم قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما احتجتم إليه، فكانوا يقولون إنه ~~لا يحل لنا أن نأكل إنهم أذنوا لنا من غير طيب نفس، وإنما نحن زمنى، ~~فأنزل الله { ولا على أنفسكم أن تأكلوا } إلى قوله { ~~أو ما ملكتم مفاتحه }. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والبيهقي عن ابن عباس قال لما نزلت # يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أمولكم ~~بينكم بالبطل # النساء 29 قال المسلمون إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا ~~بالباطل، والطعام هو أفضل الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، ~~فكف الناس عن ذلك، فأنزل الله { ليس على الأعمى حرج } إلى ~~قوله { أو ما ملكتم مفاتحه } ، وهو الرجل يوكل الرجل بضيعته، ~~والذي رخص الله أن يأكل من ذلك الطعام والتمر ويشرب اللبن، وكانوا أيضا ~~يتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتى يكون معه غيره، فرخص الله لهم ~~فقال { ليس عليكم جناح ms2699 أن تأكلوا جميعا أو ~~أشتاتا }. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك قال كان أهل ~~المدينة قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالطهم في طعامهم ~~أعمى، ولا مريض، ولا أعرج لا يستطيع المزاحمة على الطعام، فنزلت رخصة في ~~مؤاكلتهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود في مراسيله، وابن ~~جرير والبيهقي عن الزهري أنه سئل عن قوله { ليس على الاعمى ~~حرج } ما بال الأعمى، والأعرج، والمريض ذكروا هنا؟ فقال أخبرني عبيد ~~الله بن عبد الله أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم، وكانوا ~~يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم يقولون قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في ~~بيوتنا، وكانوا يتحرجون من ذلك يقولون لا ندخلها، وهم غيب، فأنزل الله ~~هذه الآية رخصة لهم. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال كان هذا الحي ~~من بني كنانة بن خزيمة يرى أحدهم أن عليه مخزاة أن يأكل وحده في ~~الجاهلية، حتى إن كان الرجل يسوق الذود الحفل، وهو جائع حتى يجد من ~~يؤاكله ويشاربه، فأنزل الله { ليس عليكم جناح أن تأكلوا ~~جميعا أو أشتاتا }. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة وأبي ~~صالح قالا كانت الأنصار إذا نزل بهم الضيف لا يأكلون حتى يأكل الضيف ~~معهم، فنزلت رخصة لهم. وأخرج الثعلبي عن ابن عباس في الآية، قال خرج ~~الحارث غازيا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلف على أهله خالد بن ~~يزيد، فحرج أن يأكل من طعامه، وكان مجهودا، فنزلت. وأخرج عبد الرزاق ~~وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { أو ~~صديقكم } قال إذا دخلت بيت صديقك من غير مؤامرته، ثم أكلت من طعامه ~~بغير إذنه لم يكن بذلك بأس. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { ~~أو صديقكم } قال هذا شيء قد انقطع، إنما كان هذا في أوله، ولم ~~يكن لهم أبواب، وكانت الستور مرخاة، فربما دخل الرجل البيت، وليس فيه ~~أحد، فربما وجد الطعام ms2700 وهو جائع فسوغه الله أن يأكله. وقال ذهب ذلك ~~اليوم البيوت فيها أهلها، فإذا خرجوا أغلقوا فقد ذهب ذلك. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله { فإذا ~~دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم } يقول إذا دخلتم ~~بيوتكم، فسلموا على أنفسكم { تحية من عند الله } ، وهو ~~السلام، لأنه اسم الله، وهو تحية أهل الجنة. وأخرج البخاري وابن جرير ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال ~~إذا دخلت على أهلك، فسلم عليهم تحية من عند الله { مبركة طيبة ~~}. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ~~والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس في قوله { فسلموا على ~~أنفسكم } قال هو المسجد إذا دخلته، فقل السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب عن ابن عمر قال إذا دخل ~~البيت غير المسكون، أو المسجد، فليقل السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين. ### || [24.62-64] # جملة { إنما المؤمنون } مستأنفة مسوقة لتقدير ما تقدمها من ~~الأحكام، و { إنما } من صيغ الحصر. والمعنى لا يتم إيمان ولا يكمل ~~حتى يكون { بالله ورسوله } ، وجملة { وإذا كانوا معه ~~على أمر جامع } معطوفة على آمنوا داخلة معه في حيز الصلة أي إذا ~~كانوا مع رسول الله على أمر جامع، أي على أمر طاعة يجتمعون عليها، نحو ~~الجمعة والنحر والفطر والجهاد وأشباه ذلك، وسمي الأمر جامعا مبالغة { ~~لم يذهبوا حتى يستأذنوه } قال المفسرون كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة، وأراد الرجل أن يخرج من ~~المسجد لحاجة أو عذر، لم يخرج حتى يقوم بحيال النبي صلى الله عليه وسلم ~~حيث يراه، فيعرف أنه إنما قام ليستأذن، فيأذن لمن يشاء منهم. قال مجاهد ~~وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده. قال الزجاج أعلم الله أن المؤمنين ~~إذا كانوا مع نبيه فيما يحتاج فيه إلى الجماعة لم يذهبوا حتى يستأذنوه، ~~وكذلك ينبغي أن يكونوا مع الإمام لا ms2701 يخالفونه، ولا يرجعون عنه في جمع من ~~جموعهم إلا بإذنه، وللإمام أن يأذن، وله أن لا يأذن على ما يرى لقوله ~~تعالى { فأذن لمن شئت منهم } ، وقرأ اليماني " على أمر جميع ~~". والحاصل أن الأمر الجامع، أو الجميع هو الذي يعم نفعه، أو ضرره، وهو ~~الأمر الجليل الذي يحتاج إلى اجتماع أهل الرأي، والتجارب. قال العلماء كل ~~أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه، ولا يرجعون عنه إلا ~~بإذنه. ثم قال سبحانه { إن الذين يستأذنونك أولئك ~~الذين يؤمنون بالله ورسوله } فبين سبحانه أن ~~المستأذنين هم المؤمنون بالله ورسوله كما حكم أولا بأن المؤمنين ~~الكاملين الإيمان هم الجامعون بين الإيمان بهما وبين الاستئذان { فإذا ~~استأذنوك لبعض شأنهم } أي إذا استأذن المؤمنون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لبعض الأمور التي تهمهم، فإنه يأذن لمن شاء منهم، ~~ويمنع من شاء على حسب ما تقتضيه المصلحة التي يراها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ثم أرشده الله سبحانه إلى الاستغفار لهم، وفيه إشارة إلى أن ~~الاستئذان إن كان لعذر مسوغ، فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على ~~الآخرة { إن الله غفور رحيم } أي كثير المغفرة والرحمة بالغ ~~فيهما إلى الغاية التي ليس وراءها غاية. { لا تجعلوا دعاء ~~الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } وهذه الجملة ~~مستأنفة مقررة لما قبلها أي لا تجعلوا دعوته إياكم كالدعاء من بعضكم ~~لبعض في التساهل في بعض الأحوال عن الإجابة، أو الرجوع بغير استئذان، أو ~~رفع الصوت. وقال سعيد بن جبير ومجاهد المعنى قولوا يا رسول الله في رفق ~~ولين، ولا تقولوا يا محمد بتجهم. # وقال قتادة أمرهم أن يشرفوه، ويفخموه. وقيل المعنى لا تتعرضوا لدعاء ~~الرسول عليكم بإسخاطه، فإن دعوته موجبة { قد يعلم الله ~~الذين يتسللون منكم لواذا } التسلل الخروج في خفية، ~~يقال تسلل فلان من بين أصحابه إذا خرج من بينهم، واللواذ من الملاوذة، ~~وهو أن تستتر بشيء مخافة من يراك، وأصله أن يلوذ هذا بذاك، وذاك بهذا، ~~واللوذ ما يطيف بالجبل، وقيل اللواذ الزوغان من ms2702 شيء إلى شيء في خفية. ~~وانتصاب لواذا على الحال أي متلاوذين يلوذ بعضهم ببعض، وينضم إليه، ~~وقيل هو منتصب على المصدرية لفعل مضمر هو الحال في الحقيقة أي يلوذون ~~لواذا. وقرأ زيد بن قطيب " لواذا " بفتح اللام. وفي الآية بيان ما كان ~~يقع من المنافقين، فإنهم كانوا يتسللون عن صلاة الجمعة متلاوذين ينضم ~~بعضهم إلى بعض استتارا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان يوم ~~الجمعة أثقل يوم على المنافقين لما يرون من الاجتماع للصلاة، والخطبة، ~~فكانوا يفرون عن الحضور، ويتسللون في خفية، ويستتر بعضهم ببعض، وينضم ~~إليه. وقيل اللواذ الفرار من الجهاد، وبه قال الحسن، ومنه قول حسان # وقريش تلوذ منكم لواذا لم تحافظ وخف منها الحلوم # { فليحذر الذين يخلفون عن أمره } الفاء لترتيب ~~ما بعدها على ما قبلها أي يخالفون أمر النبي صلى الله عليه وسلم بترك ~~العمل بمقتضاه، وعدي فعل المخالفة بعن مع كونه متعديا بنفسه لتضمينه ~~معنى الإعراض، أو الصد، وقيل الضمير لله سبحانه لأنه الآمر بالحقيقة، و ~~{ أن تصيبهم فتنة } مفعول يحذر، وفاعله الموصول. والمعنى ~~فليحذر المخالفون عن أمر الله، أو أمر رسوله، أو أمرهما جميعا إصابة ~~فتنة لهم { أو يصيبهم عذاب أليم } أي في الآخرة كما أن ~~الفتنة التي حذرهم من إصابتها لهم هي في الدنيا، وكلمة «أو» لمنع الخلو. ~~قال القرطبي احتج الفقهاء على أن الأمر للوجوب بهذه الآية، ووجه ذلك أن ~~الله سبحانه قد حذر من مخالفة أمره، وتوعد بالعقاب عليها بقوله { أن ~~تصيبهم فتنة } الآية، فيجب امتثال أمره، وتحرم مخالفته، والفتنة ~~هنا غير مقيدة بنوع من أنواع الفتن، وقيل هي القتل، وقيل الزلازل، وقيل ~~تسلط سلطان جائر عليهم، وقيل الطبع على قلوبهم. قال أبو عبيدة، والأخفش ~~«عن» في هذا الموضع زائدة. وقال الخليل، وسيبويه ليست بزائدة، بل هي ~~بمعنى بعد، كقوله # ففسق عن أمر ربه # الكهف 50 أي بعد أمر ربه، والأولى ما ذكرناه من التضمين. { ألا إن ~~لله ما فى السموات والأرض } من المخلوقات بأسرها، فهي ~~ملكه { قد ms2703 يعلم ما أنتم عليه } أيها العباد من الأحوال ~~التي أنتم عليها، فيجازيكم بحسب ذلك، ويعلم ها هنا بمعنى علم { ويوم ~~يرجعون إليه } معطوف على ما أنتم عليه أي يعلم ما أنتم عليه، ~~ويعلم يوم يرجعون إليه، فيجازيكم فيه بما عملتم، وتعليق علمه سبحانه بيوم ~~يرجعون لا بنفس رجعهم لزيادة تحقيق علمه، لأن العمل بوقت وقوع الشيء ~~يستلزم العلم بوقوعه على أبلغ وجه { فينبئهم بما عملوا } أي ~~يخبرهم بما عملوا من الأعمال التي من جملتها مخالفة الأمر، والظاهر من ~~السياق أن هذا الوعيد للمنافقين { والله بكل شيء عليم } لا ~~يخفى عليه شيء من أعمالهم. # وقد أخرج ابن إسحاق، وابن المنذر والبيهقي في الدلائل، عن عروة، ومحمد ~~بن كعب القرظي قالا لما أقبلت قريش عام الأحزاب نزلوا بمجمع الأسيال من ~~رومة بئر بالمدينة، قائدها أبو سفيان، وأقبلت غطفان حتى نزلوا بنقمى إلى ~~جانب أحد، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فضرب الخندق على ~~المدينة، وعمل فيه المسلمون، وأبطأ رجال من المنافقين، وجعلوا يورون ~~بالضعيف من العمل، فيتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا إذن، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة ~~التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويستأذنه في ~~اللحوق لحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع، فأنزل الله في أولئك { ~~إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله } الآية. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال هي في الجهاد ~~والجمعة والعيدين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله { ~~على أمر جامع } قال من طاعة الله عام. وأخرج ابن أبي حاتم وابن ~~مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عنه في قوله { لا تجعلوا دعاء ~~الرسول } الآية قال يعني كدعاء أحدكم إذا دعا أخاه باسمه، ولكن وقروه ~~وقولوا له يا رسول الله يا نبي الله. وأخرج عبد الغني بن سعيد في ~~تفسيره، وأبو نعيم في الدلائل عنه أيضا في الآية قال ms2704 لا تصيحوا به من ~~بعيد يا أبا القاسم، ولكن كما قال الله في الحجرات # إن الذين يغضون أصوتهم عند رسول الله # الحجرات 3. وأخرج أبو داود في مراسيله، عن مقاتل، قال كان لا يخرج أحد ~~لرعاف، أو إحداث حتى يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بإصبعه ~~التي تلي الإبهام، فيأذن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بيده، وكان ~~من المنافقين من يثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد، فكان إذا استأذن ~~رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه يستتر به حتى يخرج. فأنزل الله { ~~الذين يتسللون منكم لواذا } الآية. وأخرج أبو عبيد في ~~فضائله، والطبراني، قال السيوطي بسند حسن، عن عقبة بن عامر قال رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ هذه الآية في خاتمة سورة النور، ~~وهو جاعل على أصبعيه تحت عينيه يقول # " بكل شيء بصير ". ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1-6] # تكلم سبحانه في هذه السورة على التوحيد لأنه أقدم وأهم، ثم في النبوة ~~لأنها الواسطة، ثم في المعاد لأنه الخاتمة. وأصل تبارك مأخوذ من البركة، ~~وهي النماء والزيادة، حسية كانت أو عقلية. قال الزجاج تبارك تفاعل، من ~~البركة. قال ومعنى البركة الكثرة من كل ذي خير، وقال الفراء إن تبارك ~~وتقدس في العربية واحد، ومعناهما العظمة. وقيل المعنى تبارك عطاؤه أي ~~زاد وكثر. وقيل المعنى دام وثبت. قال النحاس وهذا أولاها في اللغة، ~~والاشتقاق من برك الشيء إذا ثبت، ومنه برك الجمل، أي دام وثبت. واعترض ما ~~قاله الفراء بأن التقديس إنما هو من الطهارة، وليس من ذا في شيء. قال ~~العلماء هذه اللفظة لا تستعمل إلا لله سبحانه، ولا تستعمل إلا بلفظ ~~الماضي، والفرقان القرآن، وسمي فرقانا لأنه يفرق بين الحق والباطل ~~بأحكامه، أو بين المحق والمبطل، والمراد بعبده نبينا صلى الله عليه وسلم. ~~ثم علل التنزيل { ليكون للعلمين نذيرا } فإن النذارة هي ~~الغرض المقصود من الإنزال، والمراد محمد صلى الله عليه وسلم، أو الفرقان، ~~والمراد بالعالمين هنا الإنس والجن، لأن النبي صلى الله عليه ms2705 وسلم مرسل ~~إليهما، ولم يكن غيره من الأنبياء مرسلا إلى الثقلين، والنذير المنذر أي ~~ليكون محمد صلى الله عليه وسلم منذرا، أو ليكون إنزال القرآن منذرا، ~~ويجوز أن يكون النذير هنا بمعنى المصدر للمبالغة أي ليكون إنزاله ~~إنذارا، أو ليكون محمد إنذارا، وجعل الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم ~~أولى، لأن صدور الإنذار منه حقيقة، ومن القرآن مجاز، والحمل على الحقيقة ~~أولى، ولكونه أقرب مذكور. وقيل إن رجوع الضمير إلى الفرقان أولى لقوله ~~تعالى # إن هذا القرءان يهدى للتى هى أقوم # الإسراء 9، ثم إنه سبحانه وصف نفسه بصفات أربع الأولى { له ملك ~~السموات والأرض } دون غيره، فهو المتصرف فيهما، ويحتمل أن ~~يكون الموصول الآخر بدلا، أو بيانا للموصول الأول، والوصف أولى، وفيه ~~تنبيه على افتقار الكل إليه في الوجود، وتوابعه من البقاء، وغيره، ~~والصفة الثانية { ولم يتخذ ولدا } ، وفيه رد على النصارى، ~~واليهود. والصفة الثالثة { ولم يكن له شريك في الملك } ، ~~وفيه رد على طوائف المشركين من الوثنية، والثنوية، وأهل الشرك الخفي. ~~والصفة الرابعة { وخلق كل شيء } من الموجودات { فقدره ~~تقديرا } أي قدر كل شيء مما خلق بحكمته على ما أراد، وهيأه لما يصلح ~~له. قال الواحدي قال المفسرون قدر له تقديرا من الأجل والرزق، فجرت ~~المقادير على ما خلق. وقيل أريد بالخلق هنا مجرد الإحداث، والإيجاد ~~مجازا من غير ملاحظة معنى التقدير، وإن لم يخل عنه في نفس الأمر، فيكون ~~المعنى أوجد كل شيء فقدره لئلا يلزم التكرار. # ثم صرح سبحانه بتزييف مذاهب عبدة الأوثان، فقال { واتخذوا من ~~دونه ءالهة } ، والضمير في { اتخذوا } للمشركين، وإن لم يتقدم ~~لهم ذكر، لدلالة نفي الشريك عليهم أي اتخذ المشركون لأنفسهم متجاوزين ~~الله آلهة { لا يخلقون شيئا } ، والجملة في محل نصب صفة لآلهة ~~أي لا يقدرون على خلق شيء من الأشياء، وغلب العقلاء على غيرهم، لأن في ~~معبودات الكفار الملائكة، وعزير والمسيح { وهم يخلقون } أي ~~يخلقهم الله سبحانه. وقيل عبر عن الآلهة بضمير العقلاء جريا على اعتقاد ~~الكفار أنها تضر وتنفع. وقيل معنى ms2706 { وهم يخلقون } أن عبدتهم ~~يصورونهم. ثم لما وصف سبحانه نفسه بالقدرة الباهرة وصف آلهة المشركين ~~بالعجز البالغ، فقال { ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا ~~نفعا } أي لا يقدرون على أن يجلبوا لأنفسهم نفعا، ولا يدفعوا عنها ~~ضررا، وقدم ذكر الضر، لأن دفعه أهم من جلب النفع، وإذا كانوا بحيث لا ~~يقدرون على الدفع والنفع فيما يتعلق بأنفسهم، فكيف يملكون ذلك لمن ~~يعبدهم؟ ثم زاد في بيان عجزهم، فنصص على هذه الأمور، فقال { ولا ~~يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا } أي لا يقدرون على ~~إماتة الأحياء، ولا إحياء الموتى، ولا بعثهم من القبور، لأن النشور ~~الإحياء بعد الموت، يقال أنشر الله الموتى، فنشروا، ومنه قول الأعشى # حتى يقول الناس مما رأوا يا عجبا للميت الناشر # ولما فرغ من بيان التوحيد، وتزييف مذاهب المشركين شرع في ذكر شبه منكري ~~النبوة، فالشبهة الأولى ما حكاه عنهم بقوله { وقال الذين ~~كفروا إن هذا إلا إفك } أي كذب { افتراه } أي اختلقه ~~محمد صلى الله عليه وسلم، والإشارة بقوله { هذا } إلى القرآن { ~~وأعانه عليه } أي على الاختلاق { قوم ءاخرون } يعنون من ~~اليهود. قيل وهم أبو فكيهة يسار مولى الحضرمي، وعداس مولى حويطب بن عبد ~~العزى، وجبر مولى ابن عامر، وكان هؤلاء الثلاثة من اليهود، وقد مر ~~الكلام على مثل هذا في النحل. ثم رد الله سبحانه عليهم، فقال { فقد ~~جاءوا ظلما وزورا } أي فقد قالوا ظلما هائلا عظيما، وكذبا ~~ظاهرا، وانتصاب { ظلما } ب { جاءوا } ، فإن جاء قد يستعمل استعمال ~~أتى، ويعدى تعديته. وقال الزجاج إنه منصوب بنزع الخافض، والأصل جاءوا ~~بظلم. وقيل هو منتصب على الحال، وإنما كان ذلك منهم ظلما، لأنهم نسبوا ~~القبيح إلى من هو مبرأ منه، فقد وضعوا الشيء في غير موضعه، وهذا هو ~~الظلم، وأما كون ذلك منهم زورا، فظاهر لأنهم قد كذبوا في هذه المقالة. ~~ثم ذكر الشبهة الثانية، فقال { وقالوا أسطير الأولين } أي ~~أحاديث الأولين، وما سطروه من الأخبار، قال الزجاج واحد الأساطير أسطورة ~~مثل أحاديث وأحدوثة، وقال غيره أساطير جمع ms2707 أسطار مثل أقاويل وأقوال { ~~اكتتبها } أي استكتبها، أو كتبها لنفسه، ومحل اكتتبها النصب على أنه ~~حال من أساطير، أو محله الرفع على أنه خبر ثان، لأن أساطير مرتفع على ~~أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذه أساطير الأولين اكتتبها، ويجوز أن يكون ~~أساطير مبتدأ، واكتتبها خبره، ويجوز أن يكون معنى اكتتبها جمعها من ~~الكتب، وهو الجمع، لا من الكتابة بالقلم، والأول أولى. # وقرأ طلحة " اكتتبها " مبنيا للمفعول، والمعنى اكتتبها له كاتب، لأنه ~~كان أميا لا يكتب، ثم حذفت اللام، فأفضى الفعل إلى الضمير، فصار اكتتبها ~~إياه، ثم بنى الفعل للضمير الذي هو إياه، فانقلب مرفوعا مستترا بعد أن ~~كان منصوبا بارزا، كذا قال في الكشاف، واعترضه أبو حيان { فهي ~~تملى عليه } أي تلقى عليه تلك الأساطير بعد ما اكتتبها، ليحفظها ~~من أفواه من يمليها عليه من ذلك المكتتب لكونه أميا لا يقدر على أن ~~يقرأها من ذلك المكتوب بنفسه، ويجوز أن يكون المعنى، اكتتبها أراد ~~اكتتابها { فهي تملى عليه } لأنه يقال أمليت عليه، فهو يكتب { ~~بكرة وأصيلا } غدوة وعشيا كأنهم قالوا إن هؤلاء يعلمون محمدا ~~طرفي النهار، وقيل معنى بكرة وأصيلا دائما في جميع الأوقات. فأجاب ~~سبحانه عن هذه الشبهة بقوله { قل أنزله الذى يعلم السر ~~في السموات والأرض } أي ليس ذلك مما يفترى ويفتعل بإعانة ~~قوم، وكتابة آخرين من الأحاديث الملفقة، وأخبار الأولين، بل هو أمر ~~سماوي أنزله الذي يعلم كل شيء لا يغيب عنه شيء من الأشياء، فلهذا عجزتم ~~عن معارضته، ولم تأتوا بسورة منه، وخص السر للإشارة إلى انطواء ما ~~أنزله سبحانه على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر، والسر الغيب أي ~~يعلم الغيب الكائن فيهما، وجملة { إنه كان غفورا رحيما } ~~تعليل لتأخير العقوبة أي إنكم وإن كنتم مستحقين لتعجيل العقوبة بما ~~تفعلونه من الكذب على رسوله، والظلم له، فإنه لا يعجل عليكم بذلك، لأنه ~~كثير المغفرة والرحمة. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس { تبرك ~~} تفاعل من البركة. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير ms2708 وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وأعانه عليه قوم آخرون ~~} قال يهود { فقد جاءوا ظلما وزورا } قال كذبا. وأخرج عبد ~~ابن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله { تبارك ~~الذى نزل الفرقان على عبده } هو القرآن فيه حلاله ~~وحرامه وشرائعه ودينه، وفرق الله بين الحق، والباطل { ليكون ~~للعلمين نذيرا } قال بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~نذيرا من الله، لينذر الناس بأس الله، ووقائعه بمن خلا قبلكم { وخلق ~~كل شيء فقدره تقديرا } قال بين لكل شيء من خلقه صلاحه، ~~وجعل ذلك بقدر معلوم { واتخذوا من دونه ءالهة } قال هي ~~الأوثان التي تعبد من دون الله { لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون } وهو الله الخالق الرازق، وهذه الأوثان تخلق ولا تخلق ~~شيئا، ولا تضر ولا تنفع، ولا تملك موتا ولا حياة ولا نشورا يعني ~~بعثا { وقال الذين كفروا } هذا قول مشركي العرب { إن ~~هذا إلا إفك } هو الكذب { افتراه وأعانه عليه } ~~أي على حديثه هذا، وأمره { أسطير الأولين } كذب الأولين، ~~وأحاديثهم. ### || [25.7-16] # لما فرغ سبحانه من ذكر ما طعنوا به على القرآن ذكر ما طعنوا به على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال { وقالوا مال هذا الرسول } ~~وفي الإشارة هنا تصغير لشأن المشار إليه، وهو رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وسموه رسولا استهزاء وسخرية { يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق } أي ما باله يأكل الطعام كما نأكل، ويتردد في الأسواق لطلب ~~المعاش كما نتردد، وزعموا أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الطعام ~~والكسب، وما الاستفهامية في محل رفع على الابتداء، والاستفهام للاستنكار، ~~أو خبر المبتدأ لهذا الرسول، وجملة { يأكل } في محل نصب على الحال، ~~وبها تتم فائدة الإخبار كقوله # فما لهم عن التذكرة معرضين # المدثر 49، والإنكار متوجه إلى السبب مع تحقق المسبب، وهو الأكل والمشي، ~~ولكنه استبعد تحقق ذلك لانتفاء سببه عندهم تهكما واستهزاء، والمعنى أنه ~~إن صح ما يدعيه من النبوة، فما باله لم يخالف حاله حالنا { لولا ~~أنزل إليه ملك ms2709 فيكون معه نذيرا } طلبوا أن يكون ~~النبي صلى الله عليه وسلم مصحوبا بملك يعضده ويساعده، تنزلوا عن اقتراح ~~أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم ملكا مستغنيا عن الأكل والكسب، إلى ~~اقتراح أن يكون معه ملك يصدقه، ويشهد له بالرسالة، قرأ الجمهور { فيكون ~~} بالنصب على كونه جواب التحضيض. وقرىء " فيكون " بالرفع على أنه معطوف ~~على أنزل، وجاز عطفه على الماضي، لأن المراد به المستقبل. { أو ~~يلقى إليه كنز } معطوف على أنزل، ولا يجوز عطفه على فيكون، ~~والمعنى أو هلا يلقى إليه كنز، تنزلوا من مرتبة نزول الملك معه، إلى ~~اقتراح أن يكون معه كنز يلقى إليه من السماء ليستغني به عن طلب الرزق { ~~أو تكون له جنة يأكل منها } قرأ الجمهور { تكون } ~~بالمثناة الفوقية، وقرأ الأعمش، وقتادة " يكون " بالتحتية، لأن تأنيث ~~الجنة غير حقيقي. وقرأ " نأكل " بالنون حمزة وعلي وخلف، وقرأ الباقون { ~~يأكل } بالمثناة التحتية أي بستان نأكل نحن من ثماره، أو يأكل هو وحده ~~منه ليكون له بذلك مزية علينا حيث يكون أكله من جنته. قال النحاس ~~والقراءتان حسنتان، وإن كانت القراءة بالياء أبين، لأنه قد تقدم ذكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وحده، فعود الضمير إليه بين { وقال ~~الظلمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } المراد ب ~~{ الظالمون } هنا هم القائلون بالمقالات الأولى، وإنما وضع الظاهر موضع ~~المضمر مع الوصف بالظلم للتسجيل عليهم به أي ما تتبعون إلا رجلا ~~مغلوبا على عقله بالسحر، وقيل إذا سحر، وهي الرئة أي بشرا له رئة لا ~~ملكا، وقد تقدم بيان مثل هذا في سبحان. # { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } ليتوصلوا بها إلى ~~تكذيبك، والأمثال هي الأقوال النادرة، والاقتراحات الغريبة، وهي ما ذكروه ~~ها هنا { فضلوا } عن الصواب فلا يجدون طريقا إليه، ولا وصلوا إلى ~~شيء منه، بل جاءوا بهذه المقالات الزائفة التي لا تصدر عن أدنى العقلاء، ~~وأقلهم تمييزا، ولهذا قال { فلا يستطيعون سبيلا } أي لا ~~يجدون إلى القدح في نبوة هذا النبي طريقا من الطرق { تبارك ~~الذي إن شاء جعل لك ms2710 خيرا من ذلك } أي تكاثر خير الذي إن ~~شاء جعل لك في الدنيا معجلا خيرا من ذلك الذي اقترحوه. ثم فسر الخير، ~~فقال { جنت تجري من تحتها الأنهر } ، فجنات بدل من { ~~خيرا } { ويجعل لك قصورا } معطوف على موضع جعل، وهو الجزم، ~~وبالجزم قرأ الجمهور. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر برفع " يجعل " ~~على أنه مستأنف، وقد تقرر في علم الإعراب أن الشرط إذا كان ماضيا جاز ~~في جوابه الجزم والرفع، فجاز أن يكون جعل ها هنا في محل جزم ورفع، فيجوز ~~فيما عطف عليه أن يجزم ويرفع. وقرىء بالنصب، وقرىء بإدغام لام لك في لام ~~يجعل لاجتماع المثلين. وقرىء بترك الإدغام لأن الكلمتين منفصلتان، والقصر ~~البيت من الحجارة لأن الساكن به مقصور عن أن يوصل إليه، وقيل هو بيت ~~الطين، وبيوت الصوف والشعر. ثم أضرب سبحانه عن توبيخهم بما حكاه عنهم من ~~الكلام الذي لا يصدر عن العقلاء، فقال { بل كذبوا بالساعة } ~~أي بل أتوا بأعجب من ذلك كله. وهو تكذيبهم بالساعة، فلهذا لا ينتفعون ~~بالدلائل، ولا يتأملون فيها. ثم ذكر سبحانه ما أعده لمن كذب بالساعة، ~~فقال { وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا } أي نارا ~~مشتعلة متسعرة، والجملة في محل نصب على الحال أي بل كذبوا بالساعة، ~~والحال أنا أعتدنا. قال أبو مسلم { أعتدنا } أي جعلناه عتيدا، ومعدا ~~لهم { إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا } هذه الجملة الشرطية في محل نصب صفة ل { سعيرا } لأنه مؤنث ~~بمعنى النار، قيل معنى { إذا رأتهم } إذا ظهرت لهم، فكانت بمرأى الناظر ~~في البعد، وقيل المعنى إذا رأتهم خزنتها، وقيل إن الرؤية منها حقيقية، ~~وكذلك التغيظ والزفير، ولا مانع من أن يجعلها الله سبحانه مدركة هذا ~~الإدراك. ومعنى { من مكان بعيد } أنها رأتهم، وهي بعيدة عنهم، ~~قيل بينها وبينهم مسيرة خمسمائة عام. ومعنى التغيظ أن لها صوتا يدل على ~~التغيظ على الكفار، أو لغليانها صوتا يشبه صوت المغتاظ. والزفير هو ~~الصوت الذي يسمع من الجوف. قال الزجاج المراد سماع ما ms2711 يدل على الغيظ، وهو ~~الصوت أي سمعوا لها صوتا يشبه صوت المتغيظ. وقال قطرب أراد علموا لها ~~تغيظا، وسمعوا زفيرا كما قال الشاعر # متقلدا سيفا ورمحا # أي وحاملا رمحا، وقيل المعنى سمعوا فيها تغيظا وزفيرا للمعذبين كما ~~قال # لهم فيها زفير وشهيق # هود 106، وفي واللام متقاربان، تقول افعل هذا في الله ولله. { وإذا ~~ألقوا منها مكانا ضيقا } وصف المكان بالضيق للدلالة على ~~زيادة الشدة، وتناهي البلاء عليهم، وانتصاب { مقرنين } على الحال ~~أي إذا ألقوا منها مكانا ضيقا حال كونهم مقرنين قد قرنت أيديهم إلى ~~أعناقهم بالجوامع مصفدين بالحديد، وقيل مكتفين، وقيل قرنوا مع الشياطين ~~أي قرن كل واحد منهم إلى شيطانه، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة ~~إبراهيم { دعوا هنالك } أي في ذلك المكان الضيق { ثبورا } أي ~~هلاكا. قال الزجاج وانتصابه على المصدرية أي ثبرنا ثبورا، وقيل منتصب ~~على أنه مفعول له، والمعنى أنهم يتمنون هنالك الهلاك، وينادونه لما حل ~~بهم من البلاء، فأجيب عليهم بقوله { لا تدعوا اليوم ثبورا ~~وحدا } أي فيقال لهم هذه المقالة، والقائل لهم هم الملائكة أي اتركوا ~~دعاء ثبور واحد، فإن ما أنتم فيه من الهلاك أكبر من ذلك، وأعظم، كذا قال ~~الزجاج { وادعوا ثبورا كثيرا } والثبور مصدر يقع على القليل ~~والكثير، فلهذا لم يجمع، ومثله ضربته ضربا كثيرا، وقعد قعودا طويلا، ~~فالكثرة ها هنا هي بحسب كثرة الدعاء المتعلق به، لا بحسب كثرته في نفسه، ~~فإنه شيء واحد، والمعنى لا تدعوا على أنفسكم بالثبور دعاء واحدا، وادعوه ~~أدعية كثيرة، فإن ما أنتم فيه من العذاب أشد من ذلك لطول مدته، وعدم ~~تناهيه، وقيل هذا تمثيل وتصوير لحالهم بحال من يقال له ذلك من غير أن ~~يكون هناك قول، وقيل إن المعنى إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا بل ~~هو ثبور كثير، لأن العذاب أنواع، والأولى أن المراد بهذا الجواب عليهم ~~الدلالة على خلود عذابهم، وإقناطهم عن حصول ما يتمنونه من الهلاك المنجي ~~لهم مما هم فيه. ثم وبخهم الله سبحانه توبيخا ms2712 بالغا على لسان رسوله، ~~فقال { قل أذلك خير أم جنة الخلد التى وعد ~~المتقون } والإشارة بقوله { ذلك } إلى السعير المتصفة بتلك الصفات ~~العظيمة أي أتلك السعير خير أم جنة الخلد؟ وفي إضافة الجنة إلى الخلد ~~إشعار بدوام نعيمها، وعدم انقطاعه، ومعنى { التي وعد المتقون ~~} التي وعدها المتقون، والمجيء بلفظ خير هنا مع أنه لا خير في النار ~~أصلا، لأن العرب قد تقول ذلك، ومنه ما حكاه سيبويه عنهم، أنهم يقولون ~~السعادة أحب إليك أم الشقاوة؟ وقيل ليس هذا من باب التفضيل، وإنما هو ~~كقولك عنده خير. قال النحاس وهذا قول حسن. كما قال # أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء # ثم قال سبحانه { كانت لهم جزاء ومصيرا } أي كانت تلك الجنة ~~للمتقين جزاء على أعمالهم، ومصيرا يصيرون إليه. # { لهم فيها ما يشاءون } أي ما يشاؤونه من النعيم، وضروب ~~الملاذ كما في قوله # ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم # فصلت 31، وانتصاب خالدين على الحال، وقد تقدم تحقيق معنى الخلود. { ~~كان على ربك وعدا مسؤولا } أي كان ما يشاؤونه، وقيل كان ~~الخلود، وقيل كان الوعد المدلول عليه بقوله { وعد المتقون } ~~ومعنى الوعد المسؤول الوعد المحقق بأن يسأل ويطلب كما في قوله # ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك # آل عمران 194، وقيل إن الملائكة تسأل لهم الجنة كقوله # وأدخلهم جنت عدن التي وعدتهم # غافر 8، وقيل المراد به الوعد الواجب، وإن لم يسأل. وقد أخرج ابن إسحاق، ~~وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس أن عتبة بن ربيعة وأبا سفيان بن حرب ~~والنضر بن الحارث وأبا البحتري والأسود بن عبد المطلب وزمعة بن الأسود، ~~والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف ~~والعاص بن وائل ونبيه بن الحجاج ومنبه بن الحجاج اجتمعوا، فقال بعضهم ~~لبعض ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه حتى تعذروا منه، فبعثوا إليه إن ~~أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، قال فجاءهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقالوا يا محمد إنا بعثنا إليك لنعذر منك، فإن ms2713 كنت إنما جئت بهذا ~~الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا، وإن كنت تطلب به الشرف فنحن ~~نسودك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " ما بي مما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف ~~فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي ~~كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت ~~لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه ~~علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم " # ، قالوا يا محمد، فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضنا عليك، أو قالوا ~~فإذا لم تفعل هذا، فسل لنفسك، وسل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول، ~~ويراجعنا عنك، وسله أن يجعل لك جنانا وقصورا من ذهب وفضة تغنيك عما ~~نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ~~ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم، فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن ~~الله بعثني بشيرا ونذيرا " # ، فأنزل الله في ذلك { وقالوا مال هذا الرسول يأكل ~~الطعام } # وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ~~ربك بصيرا # الفرقان 20 أي جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع ~~رسلي فلا يخالفون لفعلت. # وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن خيثمة قال قيل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم إن شئت أعطيناك من خزائن الأرض، ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك، ولا ~~نعطها أحدا بعدك، ولا ينقصك ذلك مما لك عند الله شيئا، وإن شئت جمعتها ~~لك في الآخرة، فقال # " اجمعوها لي في الآخرة " # ، فأنزل الله سبحانه { تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا ~~من ذلك جنت تجري من تحتها الأنهر ويجعل ~~لك قصورا }. وأخرج نحوه عنه ms2714 ابن مردويه من طريق أخرى. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق خالد بن دريك عن رجل ~~من الصحابة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم # " من يقل علي ما لم أقل، أو ادعى إلى غير والديه، أو انتمى إلى غير ~~مواليه، فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا " # ، قيل يا رسول الله وهل لها من عينين؟ قال # " نعم، أما سمعتم الله يقول { إذا رأتهم من مكان بعيد } ~~" # وأخرج آدم بن أبي إياس في تفسيره عن ابن عباس في قوله { إذا ~~رأتهم من مكان بعيد } قال من مسيرة مائة عام، وذلك إذا أتى ~~بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام يشد بكل زمام سبعون ألف ملك لو تركت لأتت ~~على كل بر وفاجر { سمعوا لها تغيظا وزفيرا } تزفر زفرة ~~لا تبقي قطرة من دمع إلا بدت، ثم تزفر الثانية، فتقطع القلوب من ~~أماكنها، وتبلغ القلوب الحناجر. وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن أسيد أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله { وإذا ألقوا ~~منها مكانا ضيقا مقرنين } قال # " والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط ~~" # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { دعوا ~~هنالك ثبورا } قال ويلا { لا تدعوا اليوم ثبورا ~~وحدا } يقول لا تدعوا اليوم ويلا واحدا. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ~~وعبد بن حميد والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، ~~والبيهقي في البعث. قال السيوطي بسند صحيح عن أنس قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " إن أول ما يكسي حلته من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه ويسحبها من ~~خلفه، وذريته من بعده، وهو ينادي يا ثبوراه، ويقولون يا ثبورهم حتى يقف ~~على الناس، فيقول يا ثبوراه، ويقولون يا ثبورهم، فيقال لهم { لا ~~تدعوا اليوم ثبورا وحدا وادعوا ثبورا كثيرا } " # وإسناد أحمد هكذا حدثنا عفان عن حميد بن سلمة عن علي بن زيد عن أنس أن ~~رسول الله ms2715 صلى الله عليه وسلم، فذكره. وفي علي بن زيد بن جدعان مقال ~~معروف. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { كان على ربك ~~وعدا مسؤولا } يقول سلوا الذي وعدتكم تنجزوه. ### || [25.17-24] # قوله { ويوم نحشرهم } الظرف منصوب بفعل مضمر أي واذكر، وتعليق ~~التذكير باليوم مع أن المقصود ذكر ما فيه للمبالغة والتأكيد كما مر ~~مرارا. قرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير وحفص ويعقوب وأبو عمرو في رواية ~~الدوري { يحشرهم } بالياء التحتية، واختارها أبو عبيد، وأبو حاتم لقوله ~~في أول الكلام { كان على ربك } والباقون بالنون على التعظيم ما ~~عدا الأعرج، فإنه قرأ " نحشرهم " بكسر الشين في جميع القرآن. قال ابن ~~عطية هي قليلة في الاستعمال قوية في القياس، لأن يفعل بكسر العين في ~~المتعدي أقيس من يفعل بضمها، ورده أبو حبان باستواء المضموم والمكسور ~~إلا أن يشتهر أحدهما، اتبع { وما يعبدون من دون الله } ~~معطوف على مفعول نحشر، وغلب غير العقلاء من الأصنام والأوثان، ونحوها على ~~العقلاء من الملائكة والجن والمسيح تنبيها على أنها جميعا مشتركة في ~~كونها غير صالحة لكونها آلهة، أو لأن من يعبد من لا يعقل أكثر ممن يعبد ~~من يعقل منها، فغلبت اعتبارا بكثرة من يعبدها، وقال مجاهد، وابن جريج ~~المراد الملائكة والإنس والجن والمسيح وعزير بدليل خطابهم وجوابهم فيما ~~بعد. وقال الضحاك، وعكرمة، والكلبي المراد الأصنام خاصة، وإنها وإن كانت ~~لا تسمع ولا تتكلم، فإن الله سبحانه يجعلها يوم القيامة سامعة ناطقة، { ~~فيقول ءأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا ~~السبيل } قرأ ابن عامر، وأبو حيوة، وابن كثير، وحفص، " فنقول " ~~بالنون، وقرأ الباقون بالياء التحتية، واختارها أبو عبيد كما اختار ~~القراءة بها في نحشرهم، وكذا أبو حاتم. والاستفهام في قوله { ءأنتم ~~أضللتم } للتوبيخ والتقريع، والمعنى أكان ضلالهم بسببكم وبدعوتكم ~~لهم إلى عبادتكم، أم هم ضلوا عن سبيل الحق بأنفسهم لعدم التفكر فيما ~~يستدل به على الحق، والتدبر فيما يتوصل به إلى الصواب؟ وجملة { قالوا ~~سبحنك } مستأنفة جواب سؤال مقدر، ومعنى سبحنك التعجب مما ~~قيل ms2716 لهم لكونهم ملائكة، أو أنبياء معصومين، أو جمادات لا تعقل أي تنزيها ~~لك { ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من ~~أولياء } أي ما صح، ولا استقام لنا أن نتخذ من دونك أولياء فنعبدهم، ~~فكيف ندعو عبادك إلى عبادتنا نحن مع كوننا لا نعبد غيرك؟ والولي يطلق ~~على التابع كما يطلق على المتبوع، هذا معنى الآية على قراءة الجمهور { ~~نتخذ } مبنيا للفاعل. وقرأ الحسن وأبو جعفر " نتخذ " مبنيا للمفعول أي ~~ما كان ينبغي لنا أن يتخذنا المشركون أولياء من دونك. قال أبو عمرو بن ~~العلاء وعيسى بن عمر لا تجوز هذه القراءة، ولو كانت صحيحة لحذفت من ~~الثانية. قال أبو عبيدة لا تجوز هذه القراءة لأن الله سبحانه ذكر «من» ~~مرتين، ولو كان كما قرأ لقال أن نتخذ من دونك أولياء. # وقيل إن «من» الثانية زائدة، ثم حكي عنهم سبحانه بأنهم بعد هذا الجواب ~~ذكروا سبب ترك المشركين للإيمان، فقال { ولكن متعتهم ~~وءاباءهم حتى نسوا الذكر } وفي هذا ما يدل على أنهم هم ~~الذين ضلوا السبيل، ولم يضلهم غيرهم، والمعنى ما أضللناهم، ولكنك يا رب ~~متعتهم، ومتعت آباءهم بالنعم، ووسعت عليهم الرزق، وأطلت لهم العمر حتى ~~غفلوا عن ذكرك ونسوا موعظتك والتدبر لكتابك والنظر في عجائب صنعك وغرائب ~~مخلوقاتك. وقرأ أبو عيسى الأسود القارىء " ينبغي " مبنيا للمفعول. قال ~~ابن خالويه زعم سيبويه أنها لغة، وقيل المراد بنسيان الذكر هنا هو ترك ~~الشكر { وكانوا قوما بورا } أي وكان هؤلاء الذين أشركوا بك، ~~وعبدوا غيرك في قضائك الأزلي قوما بورا أي هلكى، مأخوذ من البوار، ~~وهو الهلاك يقال رجل بائر وقوم بور، يستوي فيه الواحد والجماعة لأنه مصدر ~~يطلق على القليل والكثير، ويجوز أن يكون جمع بائر. وقيل البوار الفساد. ~~يقال بارت بضاعته أي فسدت، وأمر بائر أي فاسد، وهي لغة الأزد. وقيل ~~المعنى لا خير فيهم، مأخوذ من بوار الأرض، وهو تعطيلها من الزرع، فلا ~~يكون فيها خير، وقيل إن البوار الكساد، ومنه بارت السلعة إذا كسدت. { ~~فقد كذبوكم بما ms2717 تقولون } في الكلام حذف، والتقدير فقال ~~الله عند تبري المعبودين مخاطبا للمشركين العابدين لغير الله فقد كذبوكم ~~أي فقد كذبكم المعبودون بما تقولون أي في قولكم إنهم آلهة { فما ~~يستطيعون } أي الآلهة { صرفا } أي دفعا للعذاب عنكم بوجه من ~~الوجوه، وقيل حيلة { ولا نصرا } أي ولا يستطيعون نصركم، وقيل المعنى ~~فما يستطيع هؤلاء الكفار لما كذبهم المعبودون صرفا للعذاب الذي عذبهم ~~الله به، ولا نصرا من الله، وهذا الوجه مستقيم على قراءة من قرأ " ~~تستطيعون " بالفوقية، وهي قراءة حفص، وقرأ الباقون بالتحتية، وقال ابن ~~زيد المعنى فقد كذبوكم أيها المؤمنون هؤلاء الكفار بما جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وعلى هذا، فمعنى { بما تقولون } ما تقولونه من الحق، ~~وقال أبو عبيد المعنى فما يستطيعون لكم صرفا عن الحق الذي هداكم الله ~~إليه ولا نصرا لأنفسهم بما ينزل بهم من العذاب بتكذيبهم إياكم. وقرأ ~~الجمهور { بما تقولون } بالتاء الفوقية على الخطاب. وحكى الفراء أنه يجوز ~~أن يقرأ " فقد كذبوكم " مخففا بما يقولون، أي كذبوكم في قولهم، وكذا قرأ ~~بالياء التحتية مجاهد، والبزي { ومن يظلم منكم نذقه عذابا ~~كبيرا } هذا وعيد لكل ظالم، ويدخل تحته الذين فيهم السياق دخولا ~~أوليا، والعذاب الكبير عذاب النار، وقرىء " يذقه " بالتحتية، وهذه الآية ~~وأمثالها مقيدة بعدم التوبة. # ثم رجع سبحانه إلى خطاب رسوله موضحا لبطلان ما تقدم من قوله { ~~يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } فقال { وما ~~أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق } قال الزجاج ~~الجملة الواقعة بعد " إلا " صفة لموصوف محذوف، والمعنى وما أرسلنا قبلك ~~أحدا من المرسلين إلا آكلين وماشين، وإنما حذف الموصوف لأن في قوله { ~~من المرسلين } دليلا عليه، نظيره # وما منا إلا له مقام معلوم # الصافات 164 أي وما منا أحد. وقال الفراء لا محل لها من الإعراب، وإنما ~~هي صلة لموصول محذوف هو المفعول، والتقدير إلا من أنهم، فالضمير في أنهم ~~وما بعده راجع إلى من المقدرة، ومثله قوله تعالى # وإن منكم إلا واردها # مريم 71 ms2718 أي إلا من يردها، وبه قرأ الكسائي، قال الزجاج هذا خطأ لأن من ~~الموصولة لا يجوز حذفها. وقال ابن الأنباري إنها في محل نصب على الحال، ~~والتقدير إلا وأنهم، فالمحذوف عنده الواو، قرأ الجمهور { إلا إنهم } ~~بكسر إن لوجود اللام في خبرها كما تقرر في علم النحو، وهو مجمع عليه ~~عندهم. قال النحاس إلا أن علي بن سليمان الأخفش حكى لنا عن محمد بن ~~يزيد المبرد أنه قال يجوز في إن هذه الفتح، وإن كان بعدها اللام، وأحسبه ~~وهما، وقرأ الجمهور { يمشون } بفتح الياء، وسكون الميم، وتخفيف الشين. ~~وقرأ علي وابن عوف وابن مسعود بضم الياء وفتح الميم وضم الشين المشددة، ~~وهي بمعنى القراءة الأولى، قال الشاعر # أمشي بأعطان المياه وأتقي قلائص منها صعبة وركوب # وقال كعب بن زهير # منه تظل سباع الحي ضامزة ولا تمشي بواديه الأراجيل # { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة } هذا الخطاب عام للناس، ~~وقد جعل سبحانه بعض عبيده فتنة لبعض، فالصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة ~~للفقير، وقيل المراد بالبعض الأول كفار الأمم، وبالبعض الثاني الرسل. ~~ومعنى الفتنة الابتلاء والمحنة. والأول أولى، فإن البعض من الناس ممتحن ~~بالبعض مبتلى به فالمريض يقول لم لم أجعل كالصحيح؟ وكذا كل صاحب آفة، ~~والصحيح مبتلى بالمريض، فلا يضجر منه، ولا يحقره، والغني مبتلى بالفقير ~~يواسيه، والفقير مبتلى بالغني يحسده. ونحو هذا مثله، وقيل المراد بالآية ~~أنه كان إذا أراد الشريف أن يسلم، ورأى الوضيع قد أسلم قبله أنف، وقال لا ~~أسلم بعده، فيكون له علي السابقة والفضل، فيقيم على كفره، فذلك افتتان ~~بعضهم لبعض، واختار هذا الفراء، والزجاج. ولا وجه لقصر الآية على هذا، ~~فإن هؤلاء إن كانوا سبب النزول، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ~~ثم قال سبحانه بعد الإخبار بجعل البعض للبعض فتنة { أتصبرون } هذا ~~الاستفهام للتقرير، وفي الكلام حذف تقديره، أم لا تصبرون؟ أي أتصبرون على ~~ما ترون من هذه الحال الشديدة، والابتلاء العظيم. # قيل موقع هذه الجملة الاستفهامية ها هنا موقع قوله { أيكم أحسن ~~عملا } في قوله ms2719 # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # الملك 2، ثم وعد الصابرين بقوله { وكان ربك بصيرا } أي بكل من ~~يصبر ومن لا يصبر، فيجازي كلا منهما بما يستحقه. وقيل معنى { أتصبرون } ~~اصبروا مثل قوله # فهل أنتم منتهون # المائدة 91 أي انتهوا. { وقال الذين لا يرجون لقاءنا } ~~هذه المقالة من جملة شبههم التي قدحوا بها في النبوة، والجملة معطوفة على ~~{ وقالوا مال هذا } أي وقال المشركون الذين لا يبالون بلقاء ~~الله كما في قول الشاعر # لعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي # أي لا أبالي، وقيل المعنى لا يخافون لقاء ربهم كقول الشاعر # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عوامل # أي لم يخف، وهي لغة تهامة. قال الفراء وضع الرجاء موضع الخوف، وقيل لا ~~يأملون، ومنه قول الشاعر # أترجو أمة قتلت حسينا شفاعة جده يوم الحساب # والحمل على المعنى الحقيقي أولى، فالمعنى لا يأملون لقاء ما وعدنا على ~~الطاعة من الثواب، ومعلوم أن من لا يرجو الثواب لا يخاف العقاب { لولا ~~أنزل علينا الملائكة } أي هلا أنزلوا علينا، فيخبرونا أن ~~محمدا صادق، أو هلا أنزلوا علينا رسلا يرسلهم الله { أو نرى ~~ربنا } عيانا، فيخبرنا بأن محمدا رسول، ثم أجاب سبحانه عن شبهتهم ~~هذه، فقال { لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا ~~كبيرا } أي أضمروا الاستكبار عن الحق والعناد في قلوبهم كما في قوله # إن فى صدورهم إلا كبر ما هم ببلغيه # غافر 56، والعتو مجاوزة الحد في الطغيان، والبلوغ إلى أقصى غاياته، ~~ووصفه بالكبر لكون التكلم بما تكلموا به من هذه المقالة الشنيعة في غاية ~~الكبر والعظم، فإنهم لم يكتفوا بإرسال البشر حتى طلبوا إرسال الملائكة ~~إليهم، بل جاوزوا ذلك إلى التخيير بينه وبين مخاطبة الله سبحانه، ورؤيته ~~في الدنيا من دون أن يكون بينهم وبينه ترجمان، ولقد بلغ هؤلاء الرذالة ~~بأنفسهم مبلغا هي أحقر وأقل وأرذل من أن تكون من أهله، أو تعد من ~~المستعدين له، وهكذا من جهل قدر نفسه، ولم يقف عند حده، ومن ms2720 جهلت نفسه ~~قدره رأى غيره منه ما لا يرى. وانتصاب { يوم يرون الملائكة } ~~بفعل محذوف أي واذكر يوم يرون الملائكة رؤية ليست على الوجه الذي طلبوه، ~~والصورة التي اقترحوها، بل على وجه آخر، وهو يوم ظهورهم لهم عند الموت، ~~أو عند الحشر، ويجوز أن يكون انتصاب هذا الظرف بما يدل عليه قوله { لا ~~بشرى يومئذ للمجرمين } أي يمنعون البشرى يوم يرون، أو لا ~~توجد لهم بشرى فيه، فاعلم سبحانه بأن الوقت الذي يرون فيه الملائكة، وهو ~~وقت الموت، أو يوم القيامة قد حرمهم الله البشرى. # قال الزجاج المجرمون في هذا الموضع الذين اجترموا الكفر بالله { ~~ويقولون حجرا محجورا } أي ويقول الكفار عند مشاهدتهم ~~للملائكة، حجرا محجورا، وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدو ~~وهجوم نازلة يضعونها موضع الاستعاذة، يقال للرجل أتفعل كذا؟ فيقول حجرا ~~محجورا أي حراما عليك التعرض لي. وقيل إن هذا من قول الملائكة، أي ~~يقولون للكفار حراما محرما أن يدخل أحدكم الجنة، ومن ذلك قول الشاعر # ألا أصبحت أسماء حجرا محرما وأصبحت من أدنى حمومتها حماء # أي أصبحت أسماء حراما محرما، وقال آخر # حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها حجر حرام إلا تلك الدهاريس # وقد ذكر سيبويه في باب المصادر المنصوبة بأفعال متروك إظهارها هذه ~~الكلمة، وجعلها من جملتها. { وقدمنا إلى ما عملوا من ~~عمل فجعلناه هباء منثورا } هذا وعيد آخر، وذلك أنهم ~~كانوا يعملون أعمالا لها صورة الخير من صلة الرحم، وإغاثة الملهوف، ~~وإطعام الطعام وأمثالها، ولم يمنع من الإثابة عليها إلا الكفر الذي هم ~~عليه، فمثلت حالهم وأعمالهم بحال قوم خالفوا سلطانهم، واستعصوا عليه، ~~فقدم إلى ما معهم من المتاع، فأفسده، ولم يترك منها شيئا، وإلا فلا ~~قدوم ها هنا. قال الواحدي معنى قدمنا عمدنا وقصدنا، يقال قدم فلان إلى ~~أمر كذا إذا قصده أو عمده، ومنه قول الشاعر # وقدم الخوارج الضلال إلى عباد ربهم فقالوا إن دماءكم لنا حلال # وقيل هو قدوم الملائكة أخبر به عن نفسه تعالى، والهباء واحده هباءة، ~~والجمع أهباء. ms2721 قال النضر بن شميل الهباء التراب الذي تطيره الريح كأنه ~~دخان. وقال الزجاج هو ما يدخل من الكوة مع ضوء الشمس يشبه الغبار، وكذا ~~قال الأزهري والمنثور المفرق، والمعنى أن الله سبحانه أحبط أعمالهم حتى ~~صارت بمنزلة الهباء المنثور، لم يكتف سبحانه بتشبيه عملهم بالهباء حتى ~~وصفه بأنه متفرق متبدد وقيل إن الهباء ما أذرته الرياح من يابس أوراق ~~الشجر، وقيل هو الماء المهراق. وقيل الرماد. والأول هو الذي ثبت في لغة ~~العرب، ونقله العارفون بها. ثم ميز سبحانه حال الأبرار من حال الفجار، ~~فقال { أصحب الجنة يومئذ خير مستقرا } أي أفضل ~~منزلا في الجنة { وأحسن مقيلا } أي موضع قائلة، وانتصاب { ~~مستقرا } على التمييز. قال الأزهري القيلولة عند العرب الاستراحة نصف ~~النهار إذا اشتد الحر، وإن لم يكن مع ذلك يوم. قال النحاس والكوفيون ~~يجيزون العسل أحلى من الخل. وقد أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ويوم ~~نحشرهم } الآية قال عيسى، وعزير، والملائكة. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس { قوما بورا } قال هلكى. # وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن في قوله { ومن يظلم منكم } ~~قال هو الشرك. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال يشرك. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { وما أرسلنا قبلك من ~~المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون ~~في الأسواق } يقول إن الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم كانوا بهذه ~~المنزلة يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق { وجعلنا بعضكم ~~لبعض فتنة } قال بلاء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن الحسن { وجعلنا بعضكم ~~لبعض فتنة } قال يقول الفقير لو شاء الله لجعلني غنيا مثل فلان، ~~ويقول السقيم لو شاء الله لجعلني صحيحا مثل فلان، ويقول الأعمى لو شاء ~~الله لجعلني بصيرا مثل فلان. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { ~~وعتو عتوا كبيرا } قال شدة الكفر. ms2722 وأخرج الفريابي وعبد بن ~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { يوم يرون ~~الملائكة } قال يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطية العوفي ~~نحوه. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ~~{ ويقولون حجرا محجورا } قال عوذا معاذا، الملائكة تقوله. ~~وفي لفظ قال حراما محرما أن تكون البشرى في اليوم إلا للمؤمنين. ~~وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ~~عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري في قوله { ويقولون حجرا ~~محجورا } قال حراما محرما أن نبشركم بما نبشر به المتقين. وأخرج ~~عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن وقتادة { ~~ويقولون حجرا محجورا } قالا هي كلمة كانت العرب تقولها، كان ~~الرجل إذا نزلت به شدة قال حجرا محجورا حراما محرما. وأخرج ~~الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن مجاهد { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل } قال ~~عمدنا إلى ما عملوا من خير ممن لا يتقبل منه في الدنيا. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن علي بن أبي طالب ~~في قوله { هباء منثورا } قال الهباء شعاع الشمس الذي يخرج من ~~الكوة. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي ~~بن أبي طالب قال الهباء وهيج الغبار يسطع، ثم يذهب، فلا يبقي منه شيء، ~~فجعل الله أعمالهم كذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال الهباء الذي ~~يطير من النار إذا اضطرمت يطير منها الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئا. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر عنه قال هو ما تسفي الريح وتبثه. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عنه أيضا قال هو الماء المهراق. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عنه أيضا { خير مستقرا وأحسن مقيلا } قال في ~~الغرف من الجنة. وأخرج ابن المبارك في الزهد، وعبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم ms2723 والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال لا ينصرف ~~النهار من يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء، ثم قرأ { أصحب ~~الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا }. ### || [25.25-34] # قوله { ويوم تشقق السماء بالغمم } وصف سبحانه هاهنا ~~بعض حوادث يوم القيامة، والتشقق التفتح، قرأ عاصم والأعمش ويحيى بن وثاب ~~وحمزة والكسائي وأبو عمرو { تشقق } بتخفيف الشين، وأصله تتشقق، وقرأ ~~الباقون بتشديد الشين على الإدغام. واختار القراءة الأولى أبو عبيد، ~~واختار الثانية أبو حاتم، ومعنى تشققها بالغمام أنها تتشقق عن الغمام. ~~قال أبو علي الفارسي تشقق السماء، وعليها غمام كما تقول ركب الأمير ~~بسلاحه أي وعليه سلاحه، وخرج بثيابه أي وعليه ثيابه. ووجه ما قاله أن ~~الباء وعن يتعاقبان كما تقول رميت بالقوس. وعن القوس، وروي أن السماء ~~تتشقق عن سحاب رقيق أبيض، وقيل إن السماء تتشقق بالغمام الذي بينها وبين ~~الناس. والمعنى أنه يتشقق السحاب بتشقق السماء، وقيل إنها تشقق لنزول ~~الملائكة، كما قال سبحانه بعد هذا { ونزل الملئكة تنزيلا ~~} وقيل إن " الباء " في { بالغمام } سببية أي بسبب الغمام، يعني بسبب ~~طلوعه منها كأنه الذي تتشقق به السماء، وقيل إن الباء متعلقة بمحذوف أي ~~ملتبسة بالغمام. قرأ ابن كثير " وننزل الملائكة " مخففا، من الإنزال ~~بنون بعدها نون ساكنة، وزاي مخففة بكسرة مضارع أنزل، والملائكة منصوبة ~~على المفعولية. وقرأ الباقون من السبعة { ونزل } بضم النون، وكسر الزاي ~~المشددة ماضيا مبنيا للمفعول، وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء " نزل " ~~بالتشديد ماضيا مبنيا للفاعل، وفاعله الله سبحانه، وقرأ أبي بن كعب. " ~~أنزل الملائكة " وروي عنه أنه قرأ " تنزلت الملائكة " ، وقد قرىء في ~~الشواذ بغير هذه، وتأكيد هذا الفعل بقوله { تنزيلا } يدل على أن هذا ~~التنزيل على نوع غريب، ونمط عجيب. قال أهل العلم إن هذا تنزيل رضا ورحمة ~~لا تنزيل سخط وعذاب. { الملك يومئذ الحق للرحمن } ~~الملك مبتدأ، والحق صفة له وللرحمن. الخبر، كذا قال الزجاج أي الملك ~~الثابت الذي لا يزول للرحمن يومئذ، لأن الملك الذي يزول وينقطع ليس بملك ~~في الحقيقة، وفائدة التقييد بالظرف أن ms2724 ثبوت الملك المذكور له سبحانه خاصة ~~في هذا اليوم. وأما فيما عداه من أيام الدنيا، فلغيره ملك في الصورة، وإن ~~لم يكن حقيقيا. وقيل إن خبر المبتدأ هو الظرف، والحق نعت للملك. والمعنى ~~الملك الثابت للرحمن خاص في هذا اليوم { وكان يوما على ~~الكفرين عسيرا } أي وكان هذا اليوم مع كون الملك فيه لله وحده ~~شديدا على الكفار لما يصابون به فيه، وينالهم من العقاب بعد تحقيق ~~الحساب، وأما على المؤمنين فهو يسير غير عسير، لما ينالهم فيه من ~~الكرامة والبشرى العظيمة. { ويوم يعض الظلم على ~~يديه } الظرف منصوب بمحذوف أي واذكر، كما انتصب بهذا المحذوف الظرف ~~الأول، أعني { يوم تشقق } ، { ويوم يعض الظالم على يديه } ، الظاهر أن ~~العض هنا حقيقة، ولا مانع من ذلك، ولا موجب لتأويله. # وقيل هو كناية عن الغيظ والحسرة، والمراد بالظالم كل ظالم يرد ذلك ~~المكان، وينزل ذلك المنزل، ولا ينافيه ورود الآية على سبب خاص، فالإعتبار ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب { يقول يليتنى اتخذت مع ~~الرسول سبيلا } { يقول } في محل نصب على الحال، ومقول القول هو يا ~~ليتني، إلخ، والمنادى محذوف أي يا قوم { ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا } ~~طريقا، وهو طريق الحق، ومشيت فيه حتى أخلص من هذه الأمور المضلة، ~~والمراد اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به. { يويلتا ~~ليتني لم أتخذ فلانا خليلا } دعاء على نفسه بالويل ~~والثبور على مخاللة الكافر الذي أضله في الدنيا، وفلان كناية عن الأعلام. ~~قال النيسابوري زعم بعض أئمة اللغة أنه لم يثبت استعمال فلان في الفصيح ~~إلا حكاية، لا يقال جاءني فلان. ولكن يقال قال زيد جاءني فلان، لأنه اسم ~~اللفظ الذي هو علم الاسم، وكذلك جاء في كلام الله. وقيل فلان كناية عن ~~علم ذكور من يعقل، وفلانة عن علم إناثهم. وقيل كناية عن نكرة من يعقل من ~~الذكور. وفلانة عمن يعقل من الإناث، وأما الفلان والفلانة فكناية عن غير ~~العقلاء، وفل يختص بالنداء إلا في ضرورة كقول الشاعر # في لجة أمسك فلانا ms2725 عن فل # وقوله # حدثاني عن فلان وفل # وليس فل مرخما من فلان خلافا للفراء. وزعم أبو حيان أن ابن عصفور وابن ~~مالك وهما في جعل فلان كناية علم من يعقل. وقرأ الحسن " يا ويلتي " ~~بالياء الصريحة، وقرأ الدوري بالإمالة. قال أبو علي وترك الإمالة أحسن، ~~لأن أصل هذه اللفظة الياء، فأبدلت الكسرة فتحة، والياء التاء فرارا من ~~الياء، فمن أمال رجع إلى الذي فر منه. { لقد أضلني عن ~~الذكر بعد إذ جاءنى } أي والله لقد أضلني هذا الذي اتخذته ~~خليلا عن القرآن، أو عن الموعظة، أو كلمة الشهادة، أو مجموع ذلك. بعد إذ ~~جاءني، وتمكنت منه، وقدرت عليه { وكان الشيطن للإنسن ~~خذولا } الخذل ترك الإغاثة، ومنه خذلان إبليس للمشركين حيث يوالونه، ~~ثم يتركهم عند استغاثتهم به، وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها، ويحتمل ~~أن تكون من كلام الله تعالى، أو من تمام كلام الظالم، وأنه سمى خليله ~~شيطانا بعد أن جعله مضلا. أو أراد بالشيطان إبليس لكونه الذي حمله على ~~مخاللة المضلين. { وقال الرسول يرب إن قومي اتخذوا ~~هذا القرءان مهجورا } معطوف على { وقال الذين لا ~~يرجون لقاءنا } ، والمعنى إن قومي اتخذوا هذا القرآن الذي جئت ~~به إليهم، وأمرتني بإبلاغه، وأرسلتني به مهجورا متروكا لم يؤمنوا به، ~~ولا قبلوه بوجه من الوجوه. # وقيل هو من هجر إذا هذى. والمعنى أنهم اتخذوه هجرا، وهذيانا. وقيل ~~معنى مهجورا مهجورا فيه، ثم حذف الجار، وهجرهم فيه قولهم إنه سحر، ~~وشعر، وأساطير الأولين، وهذا القول يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم يوم ~~القيامة وقيل إنه حكاية لقوله في الدنيا { وكذلك جعلنا لكل ~~نبي عدوا من المجرمين } هذا تسلية من الله سبحانه لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم، والمعنى أن الله سبحانه جعل لكل نبي من الأنبياء ~~الداعين إلى الله عدوا يعاديه من مجرمي قومه، فلا تجزع يا محمد، فإن ~~هذا دأب الأنبياء قبلك، واصبر كما صبروا { وكفى بربك هاديا ~~ونصيرا } قال المفسرون الباء زائدة أي كفى ربك، وانتصاب { نصيرا } و ~~{ هاديا } على الحال، أو التمييز ms2726 أي يهدي عباده إلى مصالح الدين، ~~والدنيا، وينصرهم على الأعداء. { وقال الذين كفروا لولا ~~نزل عليه القرءان جملة وحدة } هذا من جملة اقتراحاتهم ~~وتعنتاتهم أي هلا نزل الله علينا هذا القرآن دفعة واحدة غير منجم. ~~واختلف في قائل هذه المقالة فقيل كفار قريش، وقيل اليهود، قالوا هلا ~~أتيتنا بالقرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة، والإنجيل، والزبور؟ وهذا ~~زعم باطل، ودعوى داحضة، فإن هذه الكتب نزلت مفرقة كما نزل القرآن، ~~ولكنهم معاندون، أو جاهلون لا يدرون بكيفية نزول كتب الله سبحانه على ~~أنبيائه، ثم رد الله سبحانه عليهم، فقال { كذلك لنثبت به ~~فؤادك } أي نزلنا القرآن كذلك مفرقا، والكاف في محل نصب على أنها ~~نعت مصدر محذوف، وذلك إشارة إلى ما يفهم من كلامهم، أي مثل ذلك التنزيل ~~المفرق الذي قدحوا فيه، واقترحوا خلافه نزلناه لنقوي بهذا التنزيل على ~~هذه الصفة فؤادك، فإن إنزاله مفرقا منجما على حسب الحوادث أقرب إلى ~~حفظك له، وفهمك لمعانيه، وذلك من أعظم أسباب التثبيت، واللام متعلقة ~~بالفعل المحذوف الذي قدرناه. وقال أبو حاتم إن الأخفش قال إنها جواب قسم ~~محذوف. قال وهذا قول مرجوح. وقرأ عبد الله " ليثبت " بالتحتية أي الله ~~سبحانه، وقيل إن هذه الكلمة أعني كذلك، هي من تمام كلام المشركين، ~~والمعنى كذلك أي كالتوراة والإنجيل والزبور، فيوقف على قوله { كذلك } ~~، ثم يبتدأ بقوله { لنثبت به فؤادك } على معنى أنزلناه عليك ~~متفرقا لهذا الغرض. قال ابن الأنباري وهذا أجود وأحسن. قال النحاس وكان ~~ذلك أي إنزال القرآن منجما من أعلام النبوة لأنهم لا يسألونه عن شيء ~~إلا أجيبوا عنه، وهذا لا يكون إلا من نبي، فكان ذلك تثبيتا لفؤاده ~~وأفئدتهم. { ورتلناه ترتيلا } هذا معطوف على الفعل المقدر أي ~~كذلك نزلناه ورتلناه ترتيلا، ومعنى الترتيل أن يكون آية بعد آية، قاله ~~النخعي والحسن وقتادة. وقيل إن المعنى بيناه تبيينا، حكى هذا عن ابن ~~عباس. # وقال مجاهد بعضه في إثر بعض. وقال السدي فصلناه تفصيلا. قال ابن ~~الأعرابي ما أعلم الترتيل إلا التحقيق والتبيين. ثم ms2727 ذكر سبحانه أنهم ~~محجوجون في كل أوان مدفوع قولهم بكل وجه، وعلى كل حالة، فقال { ولا ~~يأتونك بمثل إلا جئنك بالحق وأحسن تفسيرا ~~} أي لا يأتيك يا محمد المشركون بمثل من أمثالهم التي من جملتها ~~اقتراحاتهم المتعنتة إلا جئناك في مقابلة مثلهم بالجواب الحق الثابت ~~الذي يبطل ما جاءوا به من المثل ويدمغه ويدفعه. فالمراد بالمثل هنا ~~السؤال والإقتراح، و بالحق جوابه الذي يقطع ذريعته، ويبطل شبهته، ويحسم ~~مادته. ومعنى { أحسن تفسيرا } جئناك بأحسن تفسير، فأحسن تفسيرا ~~معطوف على الحق، والاستثناء بقوله { إلا جئنك } مفرغ، والجملة ~~في محل نصب على الحال أي لا يأتونك بمثل إلا في حال إيتائنا إياك ذلك. ~~ثم أوعد هؤلاء الجهلة، وذمهم، فقال { الذين يحشرون على ~~وجوههم إلى جهنم } أي يحشرون كائنين على وجوههم، والموصول ~~مبتدأ، وخبره أولئك، أو هو خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين، يجوز نصبه على ~~الذم. ومعنى { يحشرون على وجوههم } يسحبون عليها إلى جهنم ~~{ أولئك شر مكانا } أي منزلا ومصيرا { وأضل سبيلا ~~} ، وأخطأ طريقا، وذلك لأنهم قد صاروا في النار. وقد تقدم تفسير مثل ~~هذه الآية في سورة سبحان، وقد قيل إن هذا متصل بقوله { أصحب ~~الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا }. وقد ~~أخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم عن ابن عباس في قوله { ويوم تشقق السماء ~~بالغمم ونزل الملئكة تنزيلا } قال يجمع الله الخلق ~~يوم القيامة في صعيد واحد الجن والإنس والبهائم والسباع والطير وجميع ~~الخلق، فتنشق السماء الدنيا، فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض من ~~الجن والإنس وجميع الخلق، فيحيطون بالجن والإنس وجميع الخلق، فيقول أهل ~~الأرض أفيكم ربنا؟ فيقولون لا، ثم تنشق السماء الثانية، وذكر مثل ذلك، ثم ~~كذلك في كل سماء إلى السماء السابعة، وفي كل سماء أكثر من السماء التي ~~قبلها، ثم ينزل ربنا في ظلل من الغمام وحوله الكروبيون، وهم أكثر من أهل ~~السماوات السبع والإنس والجن وجميع الخلق، لهم قرون ككعوب القثاء، وهم ~~تحت العرش، ms2728 لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتقديس لله تعالى، ما بين إخمص ~~قدم أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، ومن ركبته إلى فخذه مسيرة خمسمائة ~~عام، ومن فخذه إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام، وما فوق ذلك مسيرة خمسمائة ~~عام. وإسناده عند ابن جرير هكذا قال حدثنا القاسم، وحدثنا الحسين، ~~حدثني الحجاج بن مبارك بن فضالة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن ~~مهران أنه سمع ابن عباس، فذكره. # وأخرجه ابن أبي حاتم بإسناد هكذا قال حدثنا محمد بن عمار بن الحارث ~~مأمول، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد به. وأخرج ابن مردويه، وأبو ~~نعيم في الدلائل بسند، قال السيوطي صحيح، من طريق سعيد بن جبير، عن ابن ~~عباس أن أبا معيط كان يجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة لا يؤذيه، ~~وكان رجلا حليما، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه، وكان لأبي معيط ~~خليل غائب عنه بالشام، فقالت قريش صبأ أبو معيط، وقدم خليله من الشام ~~ليلا، فقال لامرأته ما فعل محمد مما كان عليه؟ فقالت أشد ما كان أمرا، ~~فقال ما فعل خليلي أبو معيط؟ فقالت صبأ، فبات بليلة سوء، فلما أصبح أتاه ~~أبو معيط، فحياه، فلم يرد عليه التحية، فقال مالك لا ترد علي تحيتي؟، ~~فقال كيف أرد عليك تحيتك، وقد صبوت؟ قال أو قد فعلتها قريش؟ قال نعم، ~~قال فما يبريء صدورهم إن أنا فعلته؟ قال تأتيه في مجلسه فتبزق في وجهه، ~~وتشتمه بأخبث ما تعلم من الشتم، ففعل فلم يرد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على أن مسح وجهه من البزاق، ثم التفت إليه فقال # " إن وجدتك خارجا من جبال مكة أضرب عنقك صبرا " # ، فلما كان يوم بدر، وخرج أصحابه أبى أن يخرج، فقال له أصحابه أخرج ~~معنا، قال وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجا من جبال مكة أن يضرب عنقي ~~صبرا، فقالوا لك جمل أحمر لا يدرك، فلو كانت الهزيمة طرت عليه، فخرج ~~معهم، فلما هزم الله المشركين، وحمل به ms2729 جمله في جدود من الأرض، فأخذه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيرا في سبعين من قريش، وقدم إليه أبو ~~معيط، فقال أتقتلني من بين هؤلاء؟ قال # " نعم بما بزقت في وجهي " # ، فأنزل الله في أبي معيط { ويوم يعض الظلم على ~~يديه } إلى قوله { وكان الشيطن للإنسن خذولا }. ~~وأخرج أبو نعيم هذه القصة من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وذكر ~~أن خليل أبي معيط، هو أبي بن خلف. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أيضا ~~في قوله { يوم يعض الظلم على يديه } قال أبي بن خلف ~~وعقبه بن أبي معيط، وهما الخليلان في جهنم. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا ~~في قوله { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من ~~المجرمين } قال كان عدو النبي صلى الله عليه وسلم أبو جهل، وعدو ~~موسى قارون، وكان قارون ابن عم موسى. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه، والضياء في المختارة عن ابن عباس قال قال المشركون ~~لو كان محمد كما يزعم نبيا، فلم يعذبه ربه؟ ألا ينزل عليه القرآن جملة ~~واحدة ينزل عليه الآية والآيتين، والسورة والسورتين، فأنزل الله على نبيه ~~جواب ما قالوا { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه ~~القرءان جملة وحدة } إلى { وأضل سبيلا }. وأخرج ابن ~~أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس { لنثبت به فؤادك } قال ~~لنشدد به فؤادك ونربط على قلبك { ورتلناه ترتيلا } قال رسلناه ~~ترسيلا، يقول شيئا بعد شيء { ولا يأتونك بمثل } يقول لو ~~أنزلنا عليك القرآن جملة واحدة، ثم سألوك لم يكن عنده ما يجيب، ولكنا ~~نمسك عليك، فإذا سألوك أجبت. ### || [25.35-44] # اللام في قوله { ولقد ءاتينا موسى الكتب } جواب قسم ~~محذوف، أي والله لقد آتينا موسى التوراة، ذكر سبحانه طرفا من قصص ~~الأولين تسلية له صلى الله عليه وسلم بأن تكذيب قوم أنبياء الله لهم عادة ~~للمشركين بالله، وليس ذلك بخاص بمحمد صلى الله عليه وسلم، و { هرون ~~} عطف بيان ويجوز أن ينصب على القطع، و { وزيرا } المفعول الثاني. ~~وقيل حال، والمفعول الثاني ms2730 معه، والأول أولى. قال الزجاج الوزير في ~~اللغة الذي يرجع إليه، ويعمل برأيه، والوزر ما يعتصم به، ومنه # كلا لا وزر # القيامة 11. وقد تقدم تفسير الوزير في طه، والوزارة لا تنافي النبوة، ~~فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء، ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضا. ~~وقد كان هارون في أول الأمر وزيرا لموسى، ولاشتراكهما في النبوة قيل ~~لهما { اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بئايتنا } ~~، وهم فرعون وقومه، والآيات هي التسع التي تقدم ذكرها، وإن لم يكونوا قد ~~كذبوا بها عند أمر الله لموسى وهارون بالذهاب بل كان التكذيب بعد ذلك، ~~لكن هذا الماضي بمعنى المستقبل على عادة إخبار الله أي اذهبا إلى القوم ~~الذين يكذبون بآياتنا. وقيل إنما وصفوا بالتكذيب عند الحكاية لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بيانا لعلة استحقاقهم للعذاب. وقيل يجوز أن يراد إلى ~~القوم الذين آل حالهم إلى أن كذبوا. وقيل إن المراد بوصفهم بالتكذيب عند ~~الإرسال أنهم كانوا مكذبين للآيات الإلهية، وليس المراد آيات الرسالة. ~~قال القشيري وقوله تعالى في موضع آخر # اذهب إلى فرعون إنه طغى # طه 24 لا ينافي هذا لأنهما إذا كانا مأمورين، فكل واحد مأمور. ويمكن أن ~~يقال إن تخصيص موسى بالخطاب في بعض المواطن لكونه الأصل في الرسالة، ~~والجمع بينهما في الخطاب لكونهما مرسلين جميعا { فدمرنهم ~~تدميرا } في الكلام حذف أي فذهبا إليهم، فكذبوهما، فدمرناهم أي ~~أهلكناهم إثر ذلك التكذيب إهلاكا عظيما. وقيل إن المراد بالتدمير هنا ~~الحكم به، لأنه لم يحصل عقب بعث موسى وهارون إليهم، بل بعده بمدة. { ~~وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقنهم } في نصب ~~{ قوم } أقوال العطف على الهاء، والميم في دمرناهم، أو النصب بفعل محذوف ~~أي اذكر، أو بفعل مضمر يفسره ما بعده، وهو أغرقناهم أي أغرقنا قوم نوح ~~أغرقناهم. وقال الفراء هو منصوب بأغرقناهم المذكور بعده من دون تقدير ~~مضمر يفسره ما بعده. ورده النحاس بأن أغرقنا لا يتعدى إلى مفعولين حتى ~~يعمل في الضمير المتصل به، وفي قوم نوح، ومعنى { لما كذبوا ~~الرسل } أنهم ms2731 كذبوا نوحا، وكذبوا من قبله من رسل الله. وقال الزجاج ~~من كذب نبيا فقد كذب جميع الأنبياء، وكان إغراقهم بالطوفان كما تقدم ~~في هود { وجعلنهم للناس ءاية } أي جعلنا إغراقهم، أو ~~قصتهم للناس آية أي عبرة لكل الناس على العموم يتعظ بها كل مشاهد لها، ~~وسامع لخبرها { وأعتدنا للظلمين } المراد بالظالمين قوم ~~نوح على الخصوص. # ويجوز أن يكون المراد كل من سلك مسلكهم في التكذيب والعذاب الأليم هو ~~عذاب الآخرة، وانتصاب { عادا } بالعطف على قوم نوح، وقيل على محل ~~الظالمين، وقيل على مفعول جعلناهم { وثمود } معطوف على عادا، وقصة ~~عاد وثمود قد ذكرت فيما سبق { وأصحب الرس } الرس في كلام ~~العرب البئر التي تكون غير مطوية، والجمع رساس كذا قال أبو عبيدة، ومنه ~~قول الشاعر # وهم سائرون إلى أرضهم تنابلة يحفرون الرساسا # قال السدي هي بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار، فنسبوا إليها، ~~وهو صاحب يس الذي قال # ياقوم اتبعوا المرسلين # يس 20 وكذا قال مقاتل، وعكرمة، وغيرهما. وقيل هم قوم بأذربيجان قتلوا ~~أنبياءهم، فجفت أشجارهم وزروعهم، فماتوا جوعا وعطشا. وقيل كانوا يعبدون ~~الشجر، وقيل كانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم شعيبا، فكذبوه ~~وآذوه. وقيل هم قوم أرسل الله إليهم نبيا، فأكلوه، وقيل هم أصحاب ~~الأخدود. وقيل إن الرس هي البئر المعطلة التي تقدم ذكرها، وأصحابها ~~أهلها. وقال في الصحاح والرس اسم بئر كانت لبقية ثمود، وقيل الرس ماء ~~ونخل لبني أسد، وقيل الثلج المتراكم في الجبال. والرس اسم واد، ومنه قول ~~زهير # بكرن بكورا واستحرن بسحرة فهن لوادي الرس كاليد للفم # والرس أيضا الإصلاح بين الناس، والإفساد بينهم، فهو من الأضداد. وقيل ~~هم أصحاب حنظلة بن صفوان، وهم الذين ابتلاهم الله بالطائر المعروف ~~بالعنقاء { وقرونا بين ذلك كثيرا } معطوف على ما قبله، ~~والقرون جمع قرن أي أهل قرون، والقرن مائة سنة، وقيل مائة وعشرون. وقيل ~~القرن أربعون سنة، والإشارة بقوله { بين ذلك } إلى ما تقدم ذكره ~~من الأمم. وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك. { وكلا ~~ضربنا ms2732 له الأمثال } قال الزجاج أي وأنذرنا كلا ضربنا لهم ~~الأمثال، وبينا لهم الحجة، ولم نضرب لهم الأمثال الباطلة كما يفعله هؤلاء ~~الكفرة، فجعله منصوبا بفعل مضمر يفسره ما بعده، لأن حذرنا، وذكرنا، ~~وأنذرنا في معنى ضربنا، ويجوز أن يكون معطوفا على ما قبله، والتنوين عوض ~~عن المضاف إليه المحذوف، وهو الأمم أي كل الأمم ضربنا لهم الأمثال أما { ~~كلا } الأخرى فهي منصوبة بالفعل الذي بعدها، والتتبير الإهلاك ~~بالعذاب. قال الزجاج كل شيء كسرته وفتتته فقد تبرته. وقال المؤرج، ~~والأخفش معنى { تبرنا تتبيرا } دمرنا تدميرا، أبدلت التاء ~~والباء من الدال والميم { ولقد أتوا على القرية التى ~~أمطرت مطر السوء } هذه جملة مستأنفة مبينة لمشاهدتهم لآثار ~~هلاك بعض الأمم. والمعنى ولقد أتوا أي مشركو مكة على قرية قوم لوط التي ~~أمطرت مطر السوء، وهو الحجارة أي هلكت بالحجارة التي أمطروا بها، وانتصاب ~~مطر على المصدرية، أو على أنه مفعول ثان إذ المعنى أعطيتها، وأوليتها ~~مطر السوء، أو على أنه نعت مصدر محذوف أي إمطارا مثل مطر السوء، وقرأ ~~أبو السموأل " السوء " بضم السين، وقد تقدم تفسير السوء في براءة { ~~أفلم يكونوا يرونها } الاستفهام للتقريع والتوبيخ أي يرون ~~القرية المذكورة عند سفرهم إلى الشام للتجارة، فإنهم يمرون بها، والفاء ~~للعطف على مقدر أي لم يكونوا ينظرون إليها، فلم يكونوا يرونها { بل ~~كانوا لا يرجون نشورا } أضرب سبحانه عما سبق من عدم رؤيتهم ~~لتلك الآثار إلى عدم رجاء البعث منهم المستلزم لعدم رجائهم للجزاء، ويجوز ~~أن يكون معنى يرجون يخافون. # { وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا } أي ما يتخذونك ~~إلا هزؤا أي مهزوءا بك، قصر معاملتهم له على اتخاذهم إياه هزوا، ~~فجواب «إذا» هو { إن يتخذونك } وقيل الجواب محذوف، وهو قالوا ~~أهذا الذي، وعلى هذا، فتكون جملة { إن يتخذونك إلا } ~~معترضة، والأول أولى. وتكون جملة { أهذا الذى بعث الله ~~رسولا } في محل نصب على الحال بتقدير القول أي قائلين أهذا؟ إلخ، وفي ~~اسم الإشارة دلالة على استحقارهم له، وتهكمهم به، والعائد محذوف أي بعثه ms2733 ~~الله، وانتصاب { رسولا } على الحال أي مرسلا، واسم الإشارة مبتدأ، ~~وخبره الموصول، وصلته { إن كاد ليضلنا عن ءالهتنا } أي ~~قالوا إن كاد هذا الرسول ليضلنا ليصرفنا عن آلهتنا، فنترك عبادتها، وإن ~~هنا هي المخففة، وضمير الشأن محذوف أي إنه كاد أن يصرفنا عنها { لولا ~~أن صبرنا عليها } أي حبسنا أنفسنا على عبادتها، ثم إنه سبحانه ~~أجاب عليهم، فقال { وسوف يعلمون حين يرون العذاب من ~~أضل سبيلا } أي حين يرون عذاب يوم القيامة الذي يستحقونه ~~ويستوجبونه بسبب كفرهم من هو أضل سبيلا أي أبعد طريقا عن الحق والهدى، ~~أهم أم المؤمنون؟ ثم بين لهم سبحانه أنه لا تمسك لهم فيما ذهبوا إليه سوى ~~التقليد واتباع الهوى، فقال معجبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~أرءيت من اتخذ إلهه هواه } قدم المفعول الثاني ~~للعناية كما تقول علمت منطلقا زيدا أي أطاع هواه طاعة كطاعة الإله أي ~~انظر إليه يا محمد، وتعجب منه. قال الحسن معنى الآية لا يهوى شيئا إلا ~~اتبعه { أفأنت تكون عليه وكيلا } الاستفهام للإنكار ~~والاستبعاد أي أفأنت تكون عليه حفيظا وكفيلا حتى ترده إلى الإيمان، ~~وتخرجه من الكفر، ولست تقدر على ذلك ولا تطيقه، فليست الهداية والضلالة ~~موكولتين إلى مشيئتك، وإنما عليك البلاغ. وقد قيل إن هذه الآية منسوخة ~~بآية القتال. ثم انتقل سبحانه من الإنكار الأول إلى إنكار آخر، فقال { ~~أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون } أي ~~أتحسب أن أكثرهم يسمعون ما تتلو عليهم من آيات القرآن، ومن المواعظ؟ أو ~~يعقلون معاني ذلك، ويفهمونه حتى تعتني بشأنهم، وتطمع في إيمانهم، وليسوا ~~كذلك، بل هم بمنزلة من لا يسمع ولا يعقل. # ثم بين سبحانه حالهم، وقطع مادة الطمع فيهم، فقال { إن هم إلا ~~كالأنعم } أي ما هم في الانتفاع بما يسمعونه إلا كالبهائم التي هي ~~مسلوبة الفهم والعقل فلا تطمع فيهم، فإن فائدة السمع والعقل مفقودة، وإن ~~كانوا يسمعون ما يقال لهم ويعقلون ما يتلى عليهم، ولكنهم لما لم ينتفعوا ~~بذلك كانوا كالفاقد له. ثم أضرب سبحانه عن ms2734 الحكم عليهم بأنهم كالأنعام ~~إلى ما هو فوق ذلك، فقال { بل هم أضل سبيلا } أي أضل من ~~الأنعام طريقا. قال مقاتل البهائم تعرف ربها، وتهتدي إلى مراعيها، ~~وتنقاد لأربابها، وهؤلاء لا ينقادون، ولا يعرفون ربهم الذي خلقهم ورزقهم. ~~وقيل إنما كانوا أضل من الأنعام، لأنه لا حساب عليها، ولا عقاب لها، ~~وقيل إنما كانوا أضل لأن البهائم إذا لم تعقل صحة التوحيد والنبوة لم ~~تعتقد بطلان ذلك، بخلاف هؤلاء فإنهم اعتقدوا البطلان عنادا ومكابرة ~~وتعصبا وغمطا للحق. وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~قتادة في قوله { وجعلنا معه أخاه هرون وزيرا } قال ~~عونا وعضدا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~فدمرنهم تدميرا } قال أهلكناهم بالعذاب. وأخرج ابن جرير ~~عنه قال الرس قرية من ثمود. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال الرس بئر ~~بأذربيجان، وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن ابن عباس أنه سأل كعبا ~~عن أصحاب الرس قال صاحب يس الذي قال # قال يا قوم اتبعوا المرسلين # يس 20 فرسه قومه في بئر بالأحجار. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن محمد ~~بن كعب القرظي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود، وذلك أن الله بعث ~~نبيا إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها أحد إلا ذلك الأسود، ثم إن أهل ~~القرية غدوا على النبي، فحفروا له بئرا، فألقوه فيها، ثم أطبقوا عليه ~~بحجر ضخم، فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه ~~فيشتري به طعاما وشرابا، ثم يأتي به إلى تلك البئر، فيرفع تلك الصخرة ~~فيعينه الله عليها، فيدلي طعامه وشرابه، ثم يردها كما كانت، فكان كذلك ~~ما شاء الله أن يكون، ثم إنه ذهب يوما يحتطب كما كان يصنع، فجمع حطبه ~~وحزم حزمته، وفرغ منها، فلما أراد أن يحملها وجد سنة، فاضطجع فنام، فضرب ~~على أذنه سبع سنين نائما، ثم إنه ذهب فتمطى، فتحول لشقه ms2735 الآخر فاضطجع، ~~فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه ذهب فاحتمل حزمته ولا يحسب ~~إلا أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية، فباع حزمته، ثم اشترى ~~طعاما، وشرابا كما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفرة في موضعها الذي كانت ~~فيه، فالتمسه، فلم يجده، وقد كان بدا لقومه فيه بد فاستخرجوه فآمنوا به ~~وصدقوه، وكان النبي يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل؟ فيقولون ما ندري حتى ~~قبض ذلك النبي، فأهب الله الأسود من نومته بعد ذلك، إن ذلك الأسود لأول ~~من يدخل الجنة " # قال ابن كثير في تفسيره بعد إخراجه وفيه غرابة ونكارة، ولعل فيه ~~إدراجا. انتهى. الحديث أيضا مرسل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن زرارة بن أوفى قال القرن مائة وعشرون عاما. ~~وأخرج هؤلاء عن قتادة قال القرن سبعون سنة، وأخرج ابن مردويه عن أبي سلمة ~~قال القرن مائة سنة. وقد روي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال # " القرن مائة سنة " # ، وقال # " القرن خمسون سنة " # ، وقال # " القرن أربعون سنة " # وما أظنه يصح شيء من ذلك، وقد سمى الجماعة من الناس قرنا كما في الحديث ~~الصحيح # " خير القرون قرني " # وأخرج الحاكم في الكنى عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا انتهى إلى معد ابن عدنان أمسك، ثم يقول # " كذب النسابون " # قال الله { وقرونا بين ذلك كثيرا }. وأخرج ابن المنذر عن ~~ابن عباس { ولقد أتوا على القرية } قال هي سدوم قرية لوط { ~~التى أمطرت مطر السوء } قال الحجارة. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { أرءيت من اتخذ إلهه ~~هواه } قال كان الرجل يعبد الحجر الأبيض زمانا من الدهر في الجاهلية، ~~فإذا وجد حجرا أحسن منه رمى به وعبد الآخر، فأنزل الله الآية. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم في الآية قال ذلك الكافر لا يهوى شيئا إلا اتبعه. ### || [25.45-54] # لما فرغ سبحانه من ذكر جهالة الجاهلين وضلالتهم أتبعه بذكر ms2736 طرف من دلائل ~~التوحيد مع ما فيها من عظيم الإنعام، فأولها الاستدلال بأحوال الظل، ~~فقال { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } هذه الرؤية إما ~~بصرية، والمراد بها ألم تبصر إلى صنع ربك، أو ألم تبصر إلى الظل كيف مده ~~ربك؟ وإما قلبية بمعنى العلم، فإن الظل متغير، وكل متغير حادث، ولكل حادث ~~موجد. قال الزجاج { ألم تر } ألم تعلم، وهذا من رؤية القلب. قال ~~وهذا الكلام على القلب، والتقدير ألم تر إلى الظل كيف مده ربك؟ يعني ~~الظل من وقت الإسفار إلى طلوع الشمس، وهو ظل لا شمس معه، وبه قال الحسن ~~وقتادة. وقيل هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها. قال أبو عبيدة الظل ~~بالغداة، والفيء بالعشي، لأنه يرجع بعد زوال الشمس، سمي فيئا لأنه فاء ~~من المشرق إلى جانب المغرب. قال حميد بن ثور يصف سرحة، وكنى بها عن امرأة # فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ولا الفيء من برد العشي تذوق # وقال ابن السكيت الظل ما نسخته الشمس، والفيء ما نسخ الشمس. وحكى أبو ~~عبيدة عن رؤبة قال كل ما كانت عليه الشمس، فزالت عنه، فهو فيء وظل، وما ~~لم تكن عليه الشمس، فهو ظل. انتهى. وحقيقة الظل أنه أمر متوسط بين ~~الضوء الخالص والظلمة الخالصة، وهذا التوسط هو أعدل من الطرفين، لأن ~~الظلمة الخالصة يكرهها الطبع، وينفر عنها الحس، والضوء الكامل لقوته ~~يبهر الحس البصري، ويؤذي بالتسخين، ولذلك وصفت الجنة به بقوله # وظل ممدود # الواقعة 30، وجملة { ولو شاء لجعله ساكنا } معترضة بين ~~المعطوف والمعطوف عليه أي لو شاء الله سبحانه سكونه لجعله ساكنا ثابتا ~~دائما مستقرا لا تنسخه الشمس. وقيل المعنى لو شاء لمنع الشمس الطلوع، ~~والأول أولى. والتعبير بالسكون عن الإقامة، والاستقرار سائغ، ومنه قولهم ~~سكن فلان بلد كذا إذا أقام به، واستقر فيه. وقوله { ثم جعلنا ~~الشمس عليه دليلا } معطوف على قوله { مد الظل } داخل في ~~حكمه أي جعلناها علامة يستدل بها بأحوالها على أحواله، وذلك لأن الظل ~~يتبعها كما يتبع الدليل في الطريق ms2737 من جهة أنه يزيد بها وينقص، ويمتد ~~ويتقلص. وقوله { ثم قبضنه } معطوف أيضا على مد داخل في ~~حكمه. والمعنى ثم قبضنا ذلك الظل المدود، ومحوناه عند إيقاع شعاع الشمس ~~موقعه بالتدريج حتى انتهى ذلك الإظلال إلى العدم والإضمحلال. وقيل المراد ~~في الآية قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه، وهي الأجرام النيرة. والأول ~~أولى. والمعنى أن الظل يبقى في هذا الجو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ~~فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضا، وخلفه في هذا الجو شعاع الشمس، ~~فأشرقت على الأرض، وعلى الأشياء إلى وقت غروبها، فإذا غربت، فليس هناك ~~ظل، إنما فيه بقية نور النهار وقال قوم قبضه بغروب الشمس، لأنها إذا لم ~~تغرب، فالظل فيه بقية، وإنما يتم زواله بمجيء الليل، ودخول الظلمة ~~عليه. # وقيل المعنى ثم قبضنا ضياء الشمس بالفيء { قبضا يسيرا } ومعنى { ~~إلينا } أن مرجعه إليه سبحانه كما أن حدوثه منه قبضا يسيرا أي على ~~تدريج قليلا قليلا بقدر ارتفاع الشمس، وقيل يسيرا سريعا، وقيل المعنى ~~يسيرا علينا أي يسيرا قبضه علينا ليس بعسير. { وهو الذي جعل ~~لكم اليل لباسا } شبه سبحانه ما يستر من ظلام الليل باللباس ~~الساتر. قال ابن جرير وصف الليل باللباس تشبيها من حيث أنه يستر ~~الأشياء، ويغشاها، واللام متعلقة بجعل { والنوم سباتا } أي وجعل ~~النوم سباتا أي راحة لكم، لأنكم تنقطعون عن الاشتغال، وأصل السبات ~~التمدد، يقال سبتت المرأة شعرها أي نقضته وأرسلته، ورجل مسبوت أي ممدود ~~الخلقة. وقيل للنوم سبات، لأنه بالتمدد يكون، وفي التمدد معنى الراحة. ~~وقيل السبت القطع، فالنوم انقطاع عن الاشتغال، ومنه سبت اليهود لانقطاعهم ~~عن الاشتغال. قال الزجاج السبات النوم، وهو أن ينقطع عن الحركة، والروح ~~في بدنه أي جعلنا نومكم راحة لكم. وقال الخليل السبات نوم ثقيل أي جعلنا ~~نومكم ثقيلا ليكمل الإجمام والراحة { وجعل النهار نشورا } أي ~~زمان بعث من ذلك السبات، شبه اليقظة بالحياة كما شبه النوم بالسبات ~~الشبيه بالممات. وقال في الكشاف إن السبات الموت، واستدل على ذلك بكون ~~النشور في مقابلته. ms2738 { وهو الذي أرسل الريح بشرا بين ~~يدي رحمته } قرىء " الريح " ، وقرىء " بشرا " بالباء الموحدة، ~~وبالنون. وقد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى في الأعراف { وأنزلنا ~~من السماء ماء طهورا } أي يتطهر به كما يقال وضوء للماء الذي ~~يتوضأ به. قال الأزهري الطهور في اللغة الطاهر المطهر، والطهور ما يتطهر ~~به. قال ابن الأنباري الطهور بفتح الطاء الاسم، وكذلك الوضوء، والوقود، ~~وبالضم المصدر، هذا هو المعروف في اللغة وقد ذهب الجمهور إلى أن الطهور ~~هو الطاهر المطهر، ويؤيد ذلك كونه بناء مبالغة. وروي عن أبي حنيفة أنه ~~قال الطهور هو الطاهر، واستدل لذلك بقوله تعالى # وسقهم ربهم شرابا طهورا # الإنسان 21 يعني طاهرا، ومنه قول الشاعر # خليلي هل في نظرة بعد توبة أداوي بها قلبي علي فجور إلى رجح ~~الأكفال غيد من الظبي عذاب الثنايا ريقهن طهور # فوصف الريق بأنه طهور، وليس بمطهر، ورجح القول الأول ثعلب، وهو راجح ~~لما تقدم من حكاية الأزهري لذلك عن أهل اللغة. وأما وصف الشاعر للريق ~~بأنه طهور، فهو على طريق المبالغة، وعلى كل حال، فقد ورد الشرع بأن الماء ~~طاهر في نفسه مطهر لغيره، قال الله تعالى # وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به # الأنفال 11 وقال النبي صلى الله عليه وسلم # " خلق الماء طهورا " # ثم ذكر سبحانه علة الإنزال، فقال { لنحيي به } أي بالماء المنزل ~~من السماء { بلدة ميتا } وصف البلدة ب { ميتا } ، وهي صفة ~~للمذكر لأنها بمعنى البلد. وقال الزجاج أراد بالبلد المكان، والمراد ~~بالإحياء هنا إخراج النبات من المكان الذي لا نبات فيه { ونسقيه ~~مما خلقنا أنعما وأناسي كثيرا } أي نسقي ذلك ~~الماء، قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية عنهما، وأبو حيان وابن أبي عبلة بفتح ~~النون من " نسقيه " وقرأ الباقون بضمها، و«من» في { مما خلقنا } ~~للإبتداء، وهي متعلقة ب { نسقيه } ، ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنه حال، ~~والأنعام قد تقدم الكلام عليها، والأناسي جمع إنسان على ما ذهب إليه ~~سيبويه. وقال الفراء والمبرد والزجاج إنه جمع إنسي، وللفراء قول آخر ~~إنه ms2739 جمع إنسان، والأصل أناسين مثل سرحان وسراحين وبستان وبساتين، فجعلوا ~~الباء عوضا من النون. { ولقد صرفنه بينهم ~~ليذكروا } ضمير { صرفناه } ذهب الجمهور إلى أنه راجع إلى ما ذكر ~~من الدلائل أي كررنا أحوال الإظلال، وذكر إنشاء السحاب، وإنزال المطر في ~~القرآن، وفي سائر الكتب السماوية، ليتفكروا ويعتبروا { فأبى أكثر ~~} هم إلا كفران النعمة وجحدها. وقال آخرون إنه يرجع إلى أقرب المذكورات ~~وهو المطر أي صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة، فنزيد منه في بعض ~~البلدان، وننقص في بعض آخر منها، وقيل الضمير راجع إلى القرآن، وقد جرى ~~ذكره في أول السورة حيث قال # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده # الفرقان 1، وقوله # لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني # الفرقان 29، وقوله # اتخذوا هذا القرءان مهجورا # الفرقان 30 والمعنى ولقد كررنا هذا القرآن بإنزال آياته بين الناس ~~ليذكروا به، ويعتبروا بما فيه، فأبى أكثرهم { إلا كفورا } به، وقيل ~~هو راجع إلى الريح، وعلى رجوع الضمير إلى المطر فقد اختلف في معناه، فقيل ~~ما ذكرناه. وقيل صرفناه بينهم وابلا وطشا وطلا ورذاذا، وقيل تصريفه ~~تنويع الانتفاع به في الشرب، والسقي والزراعات به والطهارات. قال عكرمة ~~إن المراد بقوله { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } هو ~~قولهم في الأنواء مطرنا بنوء كذا. قال النحاس ولا نعلم بين أهل التفسير ~~اختلافا أن الكفر هنا قولهم مطرنا بنوء كذا. وقرأ عكرمة " صرفناه " ~~مخففا، وقرأ الباقون بالتثقيل. وقرأ حمزة، والكسائي " ليذكروا " مخففة ~~الذال من الذكر، وقرأ الباقون بالتثقيل من التذكر. { ولو شئنا ~~لبعثنا في كل قرية نذيرا } أي رسولا ينذرهم كما قسمنا ~~المطر بينهم، ولكنا لم نفعل ذلك بل جعلنا نذيرا واحدا، وهو أنت يا ~~محمد، فقابل ذلك بشكر النعمة { فلا تطع الكفرين } فيما ~~يدعونك إليه من اتباع آلهتهم، بل اجتهد في الدعوة، واثبت فيها، والضمير ~~في قوله { وجهدهم به جهادا كبيرا } راجع إلى القرآن أي ~~جاهدهم بالقرآن، واتل عليهم ما فيه من القوارع والزواجر والأوامر ~~والنواهي. # وقيل الضمير يرجع إلى الإسلام، وقيل بالسيف، والأول أولى. وهذه السورة ms2740 ~~مكية، والأمر بالقتال إنما كان بعد الهجرة. وقيل الضمير راجع إلى ترك ~~الطاعة المفهوم من قوله { فلا تطع الكفرين }. وقيل الضمير ~~يرجع إلى ما دل عليه قوله { ولو شئنا لبعثنا في كل ~~قرية نذيرا } لأنه سبحانه لو بعث في كل قرية نذيرا لم يكن على ~~كل نذير إلا مجاهدة القرية التي أرسل إليها، وحين اقتصر على نذير واحد ~~لكل القرى، وهو محمد، فلا جرم اجتمع عليه كل المجاهدات، فكبر جهاده وعظم، ~~وصار جامعا لكل مجاهدة، ولا يخفى ما في هذين الوجهين من البعد. ثم ذكر ~~سبحانه دليلا رابعا على التوحيد، فقال { وهو الذى مرج ~~البحرين } مرج خلى، وخلط، وأرسل، يقال مرجت الدابة، وأمرجتها إذا ~~أرسلتها في المرعى، وخليتها تذهب حيث تشاء. قال مجاهد أرسلهما، وأفاض ~~أحدهما إلى الآخر. وقال ابن عرفة خلطهما، فهما يلتقيان، يقال مرجته إذا ~~خلطته، ومرج الدين والأمر اختلط واضطرب، ومنه قوله # فى أمر مريج # ق 5 وقال الأزهري { مرج البحرين } خلى بينهما، يقال مرجت ~~الدابة إذا خليتها ترعى. وقال ثعلب المرج الإجراء، فقوله { مرج ~~البحرين } أي أجراهما. قال الأخفش ويقول قوم أمرج البحرين مثل مرج، ~~فعل وأفعل بمعنى { هذا عذب فرات } الفرات البليغ العذوبة، وهذه ~~الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل كيف مرجهما؟ فقيل هذا عذب، ~~وهذا ملح، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال. قيل سمى الماء الحلو ~~فراتا، لأنه يفرت العطش أي يقطعه، ويكسره { وهذا ملح أجاج } ~~أي بليغ الملوحة، هذا معنى الأجاج. وقيل الأجاج البليغ في الحرارة، وقيل ~~البليغ في المرارة، وقرأ طلحة " ملح " بفتح الميم، وكسر اللام { وجعل ~~بينهما برزخا وحجرا محجورا } البرزخ الحاجز، والحائل ~~الذي جعله الله بينهما من قدرته يفصل بينهما، ويمنعهما التمازج، ومعنى { ~~حجرا محجورا } سترا مستورا يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر، ~~فالبرزخ الحاجز، والحجز المانع. وقيل معنى { حجرا محجورا } هو ما ~~تقدم من أنها كلمة يقولها المتعوذ، كأن كل واحد من البحرين يتعوذ من ~~صاحبه، ويقول له هذا القول، وقيل حدا محدودا. وقيل المراد من البحر ms2741 ~~العذب الأنهار العظام كالنيل والفرات وجيحون، ومن البحر الأجاج البحار ~~المشهورة، والبرزخ بينهما الحائل من الأرض. وقيل معنى { حجرا ~~محجورا } حراما محرما أن يعذب هذا المالح بالعذب، أو يملح هذا ~~العذب بالمالح، ومثل هذه الآية قوله سبحانه في سورة الرحمن # مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا ~~يبغيان # الرحمن 19، 20. ثم ذكر سبحانه حالة من أحوال خلق الإنسان والماء، فقال ~~{ وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا ~~وصهرا } ، والمراد بالماء هنا ماء النطفة أي خلق من ماء النطفة ~~إنسانا، فجعله نسبا وصهرا، وقيل المراد بالماء الماء المطلق الذي يراد ~~في قوله # وجعلنا من الماء كل شيء حي # الأنبياء 30، والمراد بالنسب هو الذي لا يحل نكاحه. قال الفراء، ~~والزجاج واشتقاق الصهر من صهرت الشيء إذا خلطته، وسميت المناكح صهرا ~~لاختلاط الناس بها. وقيل الصهر قرابة النكاح فقرابة الزوجة هم الأختان، ~~وقرابة الزوج هم الأحماء، والأصهار تعمهما، قاله الأصمعي. قال الواحدي ~~قال المفسرون النسب سبعة أصناف من القرابة يجمعها قوله { حرمت ~~عليكم أمهتكم } إلى قوله # وأمهت نسائكم # النساء 23 ومن هنا إلى قوله # وأن تجمعوا بين الأختين # النساء 23 تحريم بالصهر، وهو الخلطة التي تشبه القرابة، حرم الله سبعة ~~أصناف من النسب، وسبعة من جهة الصهر، قد اشتملت الآية المذكورة على ستة ~~منها، والسابعة قوله # ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء # النساء 22، وقد جعل ابن عطية، والزجاج، وغيرهما الرضاع من جملة النسب، ~~ويؤيده قوله # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " # { وكان ربك قديرا } أي بليغ القدرة عظيمها، ومن جملة قدرته ~~الباهرة خلق الإنسان، وتقسيمه إلى القسمين المذكورين. وقد أخرج سعيد بن ~~منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ألم تر ~~إلى ربك كيف مد الظل } قال بعد الفجر قبل أن تطلع الشمس. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه بلفظ ألم تر أنك إذا صليت الفجر كان بين ~~مطلع الشمس إلى مغربها ظلا، ثم بعث الله عليه الشمس دليلا، فقبض الظل. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ms2742 عنه أيضا في الآية قال مد ~~الظل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس { ولو شاء لجعله ~~ساكنا } قال دائما { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } ~~يقول طلوع الشمس { ثم قبضنه إلينا قبضا يسيرا } قال ~~سريعا. وأخرج أهل السنن، وأحمد، وغيرهم من حديث أبي سعيد قال قيل يا ~~رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب ~~والنتن، فقال # " إن الماء طهور لا ينجسه شيء " # وفي إسناد هذا الحديث كلام طويل قد استوفيناه في شرحنا على المنتقى. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، ~~والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال ما من عام بأقل مطرا من عام، ولكن ~~الله يصرفه حيث يشاء، ثم قرأ هذه الآية { ولقد صرفنه ~~بينهم ليذكروا } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ~~ابن عباس في قوله { وجهدهم به } قال بالقرآن. وأخرج ابن جرير ~~عنه { هو الذي مرج البحرين } يعني خلط أحدهما على الآخر، ~~فليس يفسد العذب المالح، وليس يفسد المالح العذب. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ~~أيضا في قوله { وحجرا محجورا } يقول حجر أحدهما عن الآخر بأمره ~~وقضائه. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن المغيرة قال سئل عمر بن الخطاب ~~عن { نسبا وصهرا } ، فقال ما أراكم إلا وقد عرفتم النسب، وأما ~~الصهر فالأختان والصحابة. ### || [25.55-67] # لما ذكر سبحانه دلائل التوحيد عاد إلى ذكر قبائح الكفار، وفضائح سيرتهم، ~~فقال { ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم } إن عبدوه ~~{ ولا يضرهم } إن تركوه { وكان الكفر على ربه ~~ظهيرا } الظهير المظاهر أي المعاون على ربه بالشرك والعداوة، ~~والمظاهرة على الرب هي المظاهرة على رسوله، أو على دينه. قال الزجاج ~~لأنه يتابع الشيطان، ويعاونه على معصية الله، لأن عبادتهم للأصنام معاونة ~~للشيطان. وقال أبو عبيدة المعنى وكان الكافر على ربه هينا ذليلا، من ~~قول العرب ظهرت به أي جعلته خلف ظهرك لم تلتفت إليه، ومنه قوله # واتخذتموه وراءكم ظهريا # هود 92 أي هينا، ومنه أيضا قول الفرزدق ms2743 # تميم بن بدر لا تكونن حاجتي بظهر فلا يعيا علي جوابها # وقيل إن المعنى وكان الكافر على ربه الذي يعبده، وهو الصنم قويا غالبا ~~يعمل به ما يشاء، لأن الجماد لا قدرة له على دفع ونفع، ويجوز أن يكون ~~الظهير جمعا كقوله # والملائكة بعد ذلك ظهير # التحريم 4، والمعنى أن بعض الكفرة مظاهر لبعض على رسول الله، أو على ~~دين، والمراد بالكافر هنا الجنس، ولا ينافيه كون سبب النزول هو كافر معين ~~كما قيل إنه أبو جهل. { وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ~~} أي مبشرا للمؤمنين بالجنة، ومنذرا للكافرين بالنار. { قل ما ~~أسألكم عليه من أجر } أي قل لهم يا محمد ما أسألكم على ~~القرآن من أجر، أو على تبليغ الرسالة المدلول عليه بالإرسال، والاستثناء ~~في قوله { إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا } منقطع ~~أي لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا فليفعل، وقيل هو متصل. والمعنى ~~إلا من شاء أن يتقرب إليه سبحانه بالطاعة، وصور ذلك بصورة الأجر من حيث ~~أنه مقصود الحصول. ولما بين سبحانه أن الكفار متظاهرون على رسول الله، ~~وأمره أن لا يطلب منهم أجرا ألبتة، أمره أن يتوكل عليه في دفع المضار، ~~وجلب المنافع، فقال { وتوكل على الحي الذي لا يموت } ~~وخص صفة الحياة إشارة إلى أن الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا ~~حياة على الدوام إلا لله سبحانه دون الأحياء المنقطعة حياتهم، فإنهم إذا ~~ماتوا ضاع من يتوكل عليهم، والتوكل اعتماد العبد على الله في كل الأمور ~~{ وسبح بحمده } أي نزهه عن صفات النقصان، وقيل معنى { سبح } ~~صل، والصلاة تسمى تسبيحا { وكفى به بذنوب عباده خبيرا ~~} أي حسبك، وهذه كلمة يراد بها المبالغة كقولك كفى بالله ربا، والخبير ~~المطلع على الأمور بحيث لا يخفى عليه منها شيء، ثم زاد في المبالغة، فقال ~~{ الذى خلق السموات والارض وما بينهما في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش } قد تقدم تفسير هذا ~~في الأعراف، والموصول في محل جر على أنه صفة للحي، وقال { بينهما ms2744 } ، ~~ولم يقل بينهن لأنه أراد النوعين، كما قال القطامي # ألم يحزنك أن جبال قيس وتغلب قد تباتتا انقطاعا # فإن قيل يلزم أن يكون خلق العرش بعد خلق السماوات، والأرض كما تفيده ثم، ~~فيقال إن كلمة ثم لم تدخل على خلق العرش بل على رفعه على السموات، ~~والأرض، والرحمن مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وهو صفة أخرى للحي، ~~وقد قرأه الجمهور بالرفع، وقيل يجوز أن يكون بدلا من الضمير في { استوى ~~} ، أو يكون مبتدأ وخبره الجملة أي فاسأل على رأي الأخفش، كما في قول ~~الشاعر # وقائلة خولان فانكح فتاتهم # وقرأ زيد بن علي " الرحمن " بالجر على أنه نعت للحي، أو للموصول { ~~فاسأل به خبيرا } الضمير في به يعود إلى ما ذكر من خلق السماوات ~~والأرض، والاستواء على العرش. والمعنى فاسأل بتفاصيل ما ذكر إجمالا من ~~هذه الأمور. وقال الزجاج والأخفش الباء بمعنى عن أي فاسأل عنه، كقوله # سأل سائل بعذاب واقع # المعارج 1 وقول عنترة بن شداد # هلا سألت الخيل يا ابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلم # وقال علقمة بن عبده # فإن تسألوني بالنساء فإنني خبير بأدواء النساء طبيب # والمراد بالخبير الله سبحانه لأنه لا يعلم تفاصيل تلك المخلوقات إلا ~~هو، ومن هذا قول العرب لو لقيت فلانا للقيك به الأسد أي للقيك بلقائك ~~إياه الأسد، فخبيرا منتصب على المفعولية، أو على الحال المؤكدة، واستضعف ~~الحالية أبو البقاء، فقال يضعف أن يكون { خبيرا } حالا من فاعل اسأل، ~~لأن الخبير لا يسأل إلا على جهة التوكيد، كقوله # وهو الحق مصدقا # البقرة 91 قال ويجوز أن يكون حالا من الرحمن إذا رفعته باستوى. وقال ~~ابن جرير يجوز أن تكون الباء في به زائدة. والمعنى فاسأله حال كونه ~~خبيرا. وقيل قوله " به " يجري مجرى القسم كقوله # واتقوا الله الذي تساءلون به # النساء 1، والوجه الأول أقرب هذه الوجوه. ثم أخبر سبحانه عنهم بأنهم ~~جهلوا معنى الرحمن فقال { وإذا قيل لهم اسجدوا ~~للرحمن قالوا وما الرحمن } قال المفسرون إنهم قالوا ~~ما نعرف الرحمن ms2745 إلا رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة. قال الزجاج الرحمن ~~اسم من أسماء الله، فلما سمعوه أنكروا، فقالوا وما الرحمن { أنسجد ~~لما تأمرنا } ، والاستفهام للإنكار أي لا نسجد للرحمن الذي ~~تأمرنا بالسجود له، ومن قرأ بالتحتية، فالمعنى أنسجد لما يأمرنا محمد ~~بالسجود له. وقد قرأ المدنيون، والبصريون { لما تأمرنا } ~~بالفوقية، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، وقرأ الأعمش وحمزة ~~والكسائي بالتحتية. قال أبو عبيد يعنون الرحمن. قال النحاس وليس يجب أن ~~يتأول على الكوفيين في قراءتهم هذا التأويل البعيد، ولكن الأولى أن يكون ~~التأويل لهم اسجدوا لما يأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم، فتصح القراءة ~~على هذا، وإن كانت الأولى أبين. # { وزادهم نفورا } أي زادهم الأمر بالسجود نفورا عن الدين، ~~وبعدا عنه، وقيل زادهم ذكر الرحمن تباعدا من الإيمان، كذا قال مقاتل، ~~والأول أولى. ثم ذكر سبحانه ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود ~~للرحمن، فقال { تبارك الذي جعل في السماء بروجا } ~~المراد بالبروج بروج النجوم أي منازلها الإثنا عشر، وقيل هي النجوم ~~الكبار، والأول أولى. وسميت بروجا، وهي القصور العالية لأنها للكواكب ~~كالمنازل الرفيعة لمن يسكنها، واشتقاق البرج من التبرج، وهو الظهور. { ~~وجعل فيها سراجا } أي شمسا، ومثله قوله تعالى # وجعل الشمس سراجا # نوح 16 قرأ الجمهور { سراجا } بالإفراد. وقرأ حمزة، والكسائي { سرجا } ~~بالجمع أي النجوم العظام الوقادة، ورجح القراءة الأولى أبو عبيد. قال ~~الزجاج في تأويل قراءة حمزة والكسائي أراد الشمس والكواكب { وقمرا ~~منيرا } أي ينير الأرض إذا طلع، وقرأ الأعمش " قمرا " بضم القاف، ~~وإسكان الميم، وهي قراءة ضعيفة شاذة. { وهو الذي جعل اليل ~~والنهار خلفة } قال أبو عبيدة الخلفة كل شيء بعد شيء الليل ~~خلفة للنهار، والنهار خلفة لليل، لأن أحدهما يخلف الآخر، ويأتي بعده ومنه ~~خلفة النبات، وهو ورق يخرج بعد الورق الأول في الصيف، ومنه قول زهير بن ~~أبي سلمى # بها العين والآرام يمشين خلفة وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم # قال الفراء في تفسير الآية يقول يذهب هذا، ويجيء هذا، وقال مجاهد خلفة ~~من الخلاف، هذا ms2746 أبيض، وهذا أسود. وقيل يتعاقبان في الضياء والظلام، ~~والزيادة والنقصان. وقيل هو من باب حذف المضاف أي جعل الليل، والنهار ذوي ~~خلفة أي اختلاف { لمن أراد أن يذكر } قرأ حمزة مخففا، وقرأ ~~الجمهور بالتشديد، فالقراءة الأولى من الذكر لله، والقراءة الثانية من ~~التذكر له. وقرأ أبي بن كعب " يتذكر " ، ومعنى الآية أن المتذكر المعتبر ~~إذا نظر في اختلاف الليل والنهار علم أنه لا بد في انتقالهما من حال إلى ~~حال من ناقل { أو أراد شكورا } أي أراد أن يشكر الله على ما ~~أودعه في الليل والنهار من النعم العظيمة، والألطاف الكثيرة. قال الفراء ~~ويذكر ويتذكر يأتيان بمعنى واحد. قال الله تعالى # واذكروا ما فيه # الأعراف171، وفي حرف عبد الله " ويذكروا ما فيه ". { وعباد ~~الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا } هذا كلام ~~مستأنف مسوق لبيان صالحي عباد الله سبحانه، و { عباد الرحمن } مبتدأ ~~وخبره الموصول مع صلته، والهون مصدر، وهو السكينة والوقار. وقد ذهب جماعة ~~من المفسرين إلى أن الهون متعلق ب { يمشون } أي يمشون على الأرض مشيا ~~هونا. # قال ابن عطية ويشبه أن يتأول هذا على أن تكون أخلاق ذلك الماشي هونا ~~مناسبة لمشيه، وأما أن يكون المراد صفة المشيء وحده، فباطل، لأنه رب ماش ~~هونا رويدا، وهو ذئب أطلس، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكفأ ~~في مشيه كأنما يمشي في صيب. { وإذا خاطبهم الجهلون ~~قالوا سلاما } ذكر سبحانه أنهم يتحملون ما يرد عليهم من أذى أهل ~~الجهل والسفه، فلا يجهلون مع من يجهل، ولا يسافهون أهل السفه. قال النحاس ~~ليس هذا السلام من التسليم إنما هو من التسلم، تقول العرب سلاما أي ~~تسلما منك أي براءة منك، منصوب على أحد أمرين إما على أنه مصدر لفعل ~~محذوف أي قالوا سلمنا سلاما، وهذا على قول سيبويه، أو على أنه مفعول به ~~أي قالوا هذا اللفظ، ورجحه ابن عطية. وقال مجاهد معنى { سلاما } سدادا، ~~أي يقول للجاهل كلاما يدفعه به برفق ولين. قال سيبويه لم يؤمر المسلمون ~~يومئذ ms2747 أن يسلموا على المشركين لكنه على قوله تسليما منكم، ولا خير، ولا ~~شر بيننا وبينكم. قال المبرد كان ينبغي أن يقال لم يؤمر المسلمون يومئذ ~~بحربهم، ثم أمروا بحربهم. وقال محمد بن يزيد أخطأ سيبويه في هذا وأساء ~~العبارة. قال النحاس ولا نعلم لسيبويه كلاما في معنى الناسخ، والمنسوخ ~~إلا في هذه الآية، لأنه قال في آخر كلامه فنسختها آية السيف. وأقول هكذا ~~يكون كلام الرجل إذا تكلم في غير علمه، ومشى في غير طريقته، ولم يؤمر ~~المسلمون بالسلام على المشركين، ولا نهوا عنه. بل أمروا بالصفح، والهجر ~~الجميل، فلا حاجة إلى دعوى النسخ. قال النضر بن شميل حدثني الخليل قال ~~أتيت أبا ربيعة الأعرابي، وكان من أعلم من رأيت. فإذا هو على سطح، ~~فسلمنا، فرد علينا السلام، وقال لنا استووا، فبقينا متحيرين، ولم ندر ما ~~قال، فقال لنا أعرابي إلى جنبه أمركم أن ترتفعوا. قال الخليل هو من قول ~~الله # ثم استوى إلى السماء # البقرة 29 قال فصعدنا إليه، فقال هل لكم في خبز فطير، ولبن هجير؟ فقلنا ~~الساعة فارقناه، فقال سلاما، فلم ندر ما قال، فقال الأعرابي إنه سالمكم ~~متاركة لا خير فيها ولا شر. قال الخليل هو من قول الله { وإذا ~~خاطبهم الجهلون قالوا سلاما }. { والذين ~~يبيتون لربهم سجدا وقيما } البيتوتة هي أن يدركك ~~الليل نمت أو لم تنم. قال الزجاج من أدركه الليل، فقد بات، نام أو لم ~~ينم، كما يقال بات فلان قلقا، والمعنى يبيتون لربهم سجدا على وجوههم، ~~وقياما على أقدامهم، ومنه قول امرىء القيس # فبتنا قياما عند رأس جوادنا يزاولنا عن نفسه ونزاوله # { والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ~~إن عذابها كان غراما } أي هم مع طاعتهم مشفقون وجلون خائفون ~~من عذابه، والغرام اللازم الدائم، ومنه سمي الغريم لملازمته، ويقال فلان ~~مغرم بكذا أي ملازم له مولع به، هذا معناه في كلام العرب، كما ذكره ابن ~~الأعرابي وابن عرفة وغيرهما، ومنه قول الأعشى # إن يعاقب يكن غراما وإن يعط جزيلا فإنه لا ms2748 يبالي # وقال الزجاج الغرام أشد العذاب. وقال أبو عبيدة هو الهلاك. وقال ابن ~~زيد الشر، وجملة { إنها ساءت مستقرا ومقاما } تعليل لما ~~قبلها، والمخصوص محذوف أي هي، وانتصاب { مستقرا } على الحال، أو ~~التمييز، وكذا { مقاما } ، قيل هما مترادفان، وإنما عطف أحدهما على ~~الآخر لاختلاف لفظيهما، وقيل بل هما مختلفان معنى فالمستقر للعصاة، ~~فإنهم يخرجون، والمقام للكفار، فإنهم يخلدون، وساءت من أفعال الذم كبئست، ~~ويجوز أن يكون هذا من كلام الله سبحانه، ويجوز أن يكون حكاية لكلامهم. ثم ~~وصفهم سبحانه بالتوسط في الإنفاق، فقال { والذين إذا أنفقوا ~~لم يسرفوا ولم يقتروا } قرأ حمزة والكسائي والأعمش وعاصم ~~ويحيى بن وثاب { يقتروا } بفتح التحتية، وضم الفوقية، من قتر يقتر، كقعد ~~يقعد، وقرأ أبو عمرو وابن كثير بفتح التحتية، وكسر التاء الفوقية، وهي ~~لغة معروفة حسنة، وقرأ أهل المدينة وابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم ~~التحتية وكسر الفوقية. قال أبو عبيدة يقال قتر الرجل على عياله يقتر، ~~ويقتر قترا، وأقتر يقتر إقتارا، ومعنى الجميع التضييق في الإنفاق. قال ~~النحاس ومن أحسن ما قيل في معنى الآية أن من أنفق في غير طاعة الله، فهو ~~الإسراف، ومن أمسك عن طاعة الله، فهو الإقتار، ومن أنفق في طاعة الله، ~~فهو القوام. وقال إبراهيم النخعي هو الذي لا يجيع ولا يعرى، ولا ينفق ~~نفقة، يقول الناس قد أسرف. وقال يزيد بن أبي حبيب أولئك أصحاب محمد كانوا ~~لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة ولا يلبسون ثوبا للجمال، ولكن كانوا ~~يريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع، ويقويهم على عبادة الله، ومن ~~اللباس ما يستر عوراتهم، ويقيهم الحر والبرد. وقال أبو عبيدة لم يزيدوا ~~على المعروف، ولم يبخلوا كقوله # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط # الإسراء 29 قرأ حسان بن عبد الرحمن " وكان بين ذلك قواما " ~~بكسر القاف، وقرأ الباقون بفتحها، فقيل هما بمعنى، وقيل القوام بالكسر ما ~~يدوم عليه الشيء ويستقر، وبالفتح العدل، والإستقامة، قاله ثعلب. وقيل ~~بالفتح العدل بين الشيئين، وبالكسر ما ms2749 يقام به الشيء لا يفضل عنه ولا ~~ينقص. وقيل بالكسر السداد والمبلغ، واسم كان مقدر فيها أي كان إنفاقهم ~~بين ذلك قواما، وخبرها { قواما } ، قاله الفراء. وروي عن الفراء قول ~~آخر، وهو أن اسم كان { بين ذلك } ، وتبنى بين على الفتح لأنها من الظروف ~~المفتوحة. وقال النحاس ما أدري ما وجه هذا، لأن بين إذا كانت في موضع رفع ~~رفعت. # وقد أخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { وكان ~~الكفر على ربه ظهيرا } يعني أبا الحكم الذي سماه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل بن هشام. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في ~~قوله { قل ما أسألكم عليه من أجر } قال قل لهم يا محمد ~~لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من أجر، يقول عرض من عرض الدنيا. وأخرج ~~الخطيب في كتاب النجوم عنه أيضا في قوله { تبارك الذى جعل فى ~~السماء بروجا } قال هي هذه الإثنا عشر برجا أولها الحمل، ثم ~~الثور، ثم الجوزاء، ثم السرطان، ثم الأسد، ثم السنبلة، ثم الميزان، ثم ~~العقرب، ثم القوس، ثم الجدي، ثم الدلو، ثم الحوت. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ~~أيضا { وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة } قال ~~أبيض وأسود. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا يقول من ~~فاته شيء من الليل أن يعمله أدركه بالنهار، ومن النهار أدركه بالليل. ~~وأخرج الطيالسي وابن أبي حاتم عن الحسن أن عمر أطال صلاة الضحى، فقيل له ~~صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه، فقال إنه بقي علي من وردى شيء، فأحببت ~~أن أتمه، أو قال أقضيه، وتلا هذه الآية { وهو الذى جعل اليل ~~والنهار خلفة } الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وعباد الرحمن } قال هم ~~المؤمنون { الذين يمشون على الأرض هونا } قال بالطاعة ~~والعفاف والتواضع. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال { هونا } علما وحلما. ~~وأخرج عبد بن حميد عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله ms2750 عليه وسلم في قوله ~~{ إن عذابها كان غراما } قال " الدائم ". وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { والذين ~~إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا } قال هم المؤمنون ~~لا يسرفون فينفقوا في معصية الله، ولا يقترون فيمنعوا حقوق الله. ### || [25.68-77] # قوله { والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر } لما ~~فرغ من ذكر إتيانهم بالطاعات شرع في بيان اجتنابهم للمعاصي، فقال والذي ~~لا يدعون مع الله سبحانه ربا من الأرباب. والمعنى لا يشركون به شيئا، ~~بل يوحدونه، ويخلصون له العبادة والدعوة { ولا يقتلون النفس ~~التى حرم الله } أي حرم قتلها { إلا بالحق } أي يحق ~~أن تقتل به النفوس من كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير ~~نفس { ولا يزنون } أي يستحلون الفروج المحرمة بغير نكاح، ولا ملك ~~يمين { ومن يفعل ذلك } أي شيئا مما ذكر { يلق } في الآخرة { ~~أثاما } ، والأثام في كلام العرب العقاب. قال الفراء آثمه الله يؤثمه ~~أثاما وآثاما، أي جازاه جزاء الإثم. وقال عكرمة، ومجاهد إن أثاما واد ~~في جهنم جعله الله عقابا للكفرة. وقال السدي جبل فيها. وقرىء " يلق " ~~بضم الياء، وتشديد القاف. قال أبو مسلم والأثام والإثم واحد، والمراد هنا ~~جزاء الآثام، فأطلق اسم الشيء على جزائه. وقرأ الحسن " يلق أياما " جمع ~~يوم يعني شدائد، والعرب تعبر عن ذلك بالأيام، وما أظن هذه القراءة تصح ~~عنه { يضعف له العذاب } قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي " ~~يضاعف، ويخلد " بالجزم، وقرأ ابن كثير " يضعف " بتشديد العين وطرح الألف ~~والجزم، وقرأ طلحة بن سليمان " نضعف " بضم النون، وكسر العين المشددة ~~والجزم، وهي قراءة أبي جعفر وشيبة. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بالرفع في ~~الفعلين على الإستئناف. وقرأ طلحة بن سليمان " وتخلد " بالفوقية خطابا ~~للكافر. وروي عن أبي عمرو أنه قرأ " ويخلد " بضم الياء التحتية، وفتح ~~اللام. قال أبو علي الفارسي وهي غلط من جهة الرواية، ووجه الجزم في ~~يضاعف أنه بدل من يلق لاتحادهما في المعنى، ms2751 ومثله قول الشاعر # إن على الله أن تبايعا تؤخذ كرها أو تجيء طائعا # والضمير في قوله { ويخلد فيه } راجع إلى العذاب المضاعف، أي يخلد ~~في العذاب المضاعف { مهانا } ذليلا حقيرا. { إلا من تاب ~~وءامن وعمل عملا صلحا } قيل هو استثناء متصل، وقيل منقطع. ~~قال أبو حيان لا يظهر الاتصال لأن المستثنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له ~~العذاب، فيصير التقدير إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا، فلا يضاعف له ~~العذاب، ولا يلزم من انتفاء التضعيف انتفاء العذاب غير المضعف. قال ~~والأولى عندي أن تكون منقطعا أي لكن من تاب. قال القرطبي لا خلاف بين ~~العلماء أن الاستثناء عام في الكافر والزاني. واختلفوا في القاتل من ~~المسلمين. # وقد تقدم بيانه في النساء والمائدة، والإشارة بقوله { فأولئك ~~يبدل الله سيئاتهم حسنت } إلى المذكورين سابقا، ~~ومعنى تبديل السيئات حسنات أنه يمحو عنهم المعاصي، ويثبت لهم مكانها ~~طاعات. قال النحاس من أحسن ما قيل في ذلك أنه يكتب موضع كافر مؤمن، وموضع ~~عاص مطيع. قال الحسن قوم يقولون التبديل في الآخرة، وليس كذلك إنما ~~التبديل في الدنيا يبدل الله لهم إيمانا مكان الشرك، وإخلاصا من الشك، ~~وإحصانا من الفجور. قال الزجاج ليس يجعل مكان السيئة الحسنة، ولكن يجعل ~~مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة. وقيل إن السيئات تبدل بحسنات، ~~وبه قال جماعة من الصحابة، ومن بعدهم. وقيل التبديل عبارة عن الغفران أي ~~يغفر الله لهم تلك السيئات، لا أن يبدلها حسنات. وقيل المراد بالتبديل أن ~~يوفقه لأضداد ما سلف منه { وكان الله غفورا رحيما } هذه ~~الجملة مقررة لما قبلها من التبديل. { ومن تاب وعمل صلحا ~~فإنه يتوب إلى الله متابا } أي من تاب عما اقترف، وعمل ~~عملا صالحا بعد ذلك، فإنه يتوب بذلك إلى الله متابا أي يرجع إليه ~~رجوعا صحيحا قويا. قال القفال يحتمل أن تكون الآية الأولى فيمن تاب من ~~المشركين، ولهذا قال { إلا من تاب وءامن } ، ثم عطف عليه من ~~تاب من المسلمين، وأتبع توبته عملا صالحا، فله حكم التائبين ms2752 أيضا. ~~وقيل أي من تاب بلسانه، ولم يحقق التوبة بفعله، فليست تلك التوبة نافعة، ~~بل من تاب وعمل صالحا، فحقق توبته بالأعمال الصالحة، فهو الذي تاب إلى ~~الله متابا أي تاب حق التوبة، وهي النصوح، ولذلك أكد بالمصدر، ومعنى ~~الآية من أراد التوبة، وعزم عليها، فليتب إلى الله، فالخبر في معنى الأمر ~~كذا قيل لئلا يتحد الشرط والجزاء، فإنه لا يقال من تاب، فإنه يتوب. ثم ~~وصف سبحانه هؤلاء التائبين العاملين للصالحات، فقال { والذين لا ~~يشهدون الزور } أي لا يشهدون الشهادة الكاذبة، أو لا يحضرون ~~الزور، والزور هو الكذب والباطل ولا يشاهدونه، وإلى الثاني ذهب جمهور ~~المفسرين. قال الزجاج الزور في اللغة الكذب، ولا كذب فوق الشرك بالله. ~~قال الواحدي أكثر المفسرين على أن الزور ها هنا بمعنى الشرك. والحاصل أن ~~{ يشهدون } إن كان من الشهادة ففي الكلام مضاف محذوف أي لا يشهدون شهادة ~~الزور، وإن كان من الشهود والحضور كما ذهب إليه الجمهور، فقد اختلفوا في ~~معناه، فقال قتادة لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم، وقال محمد بن ~~الحنفية لا يحضرون اللهو والغناء، وقال ابن جريج الكذب. وروي عن مجاهد ~~أيضا، والأولى عدم التخصيص بنوع من أنواع الزور، بل المراد الذين لا ~~يحضرون ما يصدق عليه اسم الزور كائنا ما كان { وإذا مروا ~~باللغو مروا كراما } أي معرضين عنه غير ملتفتين إليه، واللغو ~~كل ساقط من قول أو فعل. # قال الحسن اللغو المعاصي كلها، وقيل المراد مروا بذوي اللغو، يقال فلان ~~يكرم عما يشينه أي يتنزه، ويكرم نفسه عن الدخول في اللغو، والاختلاط ~~بأهله. { والذين إذا ذكروا بئايت ربهم } أي ~~بالقرآن، أو بما فيه موعظة وعبرة { لم يخروا عليها صما ~~وعميانا } أي لم يقعوا عليها حال كونهم صما وعميانا، ولكنهم أكبوا ~~عليها سامعين مبصرين، وانتفعوا بها. قال ابن قتيبة المعنى لم يتغافلوا ~~عنها، كأنهم صم لم يسمعوها، وعمي لم يبصروها. قال ابن جرير ليس ثم خرور، ~~بل كما يقال قعد يبكي، وإن كان غير قاعد. قال ابن عطية كأن ms2753 المستمع للذكر ~~قائم، فإذا أعرض عنه كان ذلك خرورا، وهو السقوط على غير نظام. قيل ~~المعنى إذا تليت عليهم آيات الله وجلت قلوبهم، فخروا سجدا وبكيا، ولم ~~يخروا عليها صما وعميانا. قال الفراء أي لم يقعدوا على حالهم الأول ~~كأن لم يسمعوا. قال في الكشاف ليس بنفي للخرور، وإنما هو إثبات له، ونفي ~~للصمم والعمى، وأراد أن النفي متوجه إلى القيد لا إلى المقيد. { ~~والذين يقولون ربنا هب لنا من أزوجنا ~~وذريتنا قرة أعين } من ابتدائية، أو بيانية. قرأ نافع ~~وابن كثير وابن عباس والحسن { وذرياتنا } بالجمع، وقرأ أبو عمرو وحمزة ~~والكسائي وطلحة وعيسى " وذريتنا " بالإفراد، والذرية تقع على الجمع، ~~كما في قوله # ذرية ضعفا # النساء 9، وتقع على الفرد كما في قوله # ذرية طيبة # آل عمران 38، وانتصاب { قرة أعين } على المفعولية، يقال قرت عينه قرة. ~~قال الزجاج يقال أقر الله عينك أي صادف فؤادك ما يحبه، وقال المفضل في ~~قرة العين ثلاثة أقوال أحدها برد دمعها، لأنه دليل السرور والضحك، كما ~~أن حره دليل الحزن والغم. والثاني نومها، لأنه يكون مع فراغ الخاطر، ~~وذهاب الحزن، والثالث حصول الرضا { واجعلنا للمتقين إماما ~~} أي قدوة يقتدى بنا في الخير، وإنما قال { إماما } ، ولم يقل أئمة، ~~لأنه أريد به الجنس، كقوله # ثم نخرجكم طفلا # الحج 5 قال الفراء قال { إماما } ، ولم يقل أئمة كما قال للاثنين # إنا رسول رب العلمين # الشعراء 16 يعني أنه من الواحد الذي أريد به الجمع. وقال الأخفش الإمام ~~جمع أم من أم يأم، جمع على فعال، نحو صاحب وصحاب، وقائم وقيام. وقيل ~~إن إماما مصدر، يقال أم فلان فلانا إماما، مثل الصيام والقيام. وقيل ~~أرادوا اجعل كل واحد منا إماما، وقيل أرادوا اجعلنا إماما واحدا ~~لاتحاد كلمتنا، وقيل إنه من الكلام المقلوب، وأن المعنى واجعل المتقين ~~لنا إماما، وبه قال مجاهد. وقيل إن هذا الدعاء صادر عنهم بطريق ~~الانفراد، وأن عبارة كل واحد منهم عند الدعاء واجعلني للمتقين إماما، ~~ولكنها حكيت عبارات الكل بصيغة المتكلم مع الغير لقصد ms2754 الإيجاز كقوله # ياأيها الرسل كلوا من الطيبت واعملوا ~~صلحا # المؤمنون 51، وفي هذا إبقاء { إماما } على حاله، ومثل ما في الآية قول ~~الشاعر # يا عاذلاتي لا تزدن ملامتي إن العواذل ليس لي بأمين # أي أمناء. قال القفال وعندي أن الإمام إذا ذهب به مذهب الاسم وحد كأنه ~~قيل اجعلنا حجة للمتقين، ومثله البينة يقال هؤلاء بينة فلان. قال ~~النيسابوري قيل في الآية دلالة على أن الرياسة الدينية مما يجب أن تطلب، ~~ويرغب فيها، والأقرب أنهم سألوا الله أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي ~~يشار إليهم ويقتدى بهم، والإشارة بقوله { أولئك يجزون ~~الغرفة بما صبروا } إلى المتصفين بتلك الصفات، وهو مبتدأ ~~وخبره ما بعده، والجمل مستأنفة. وقيل إن { أولئك } وما بعده خبر لقوله { ~~وعباد الرحمن } كذا قال الزجاج، والغرفة الدرجة الرفيعة، وهي ~~أعلى منازل الجنة وأفضلها، وهي في الأصل لكل بناء مرتفع، والجمع غرف. ~~وقال الضحاك الغرفة الجنة، والباء في { بما صبروا } سببية، وما ~~مصدرية أي يجزون الغرفة بسبب صبرهم على مشاق التكليف { ويلقون ~~فيها تحية وسلما } قرأ أبو بكر والمفضل والأعمش ويحيى بن ~~وثاب وحمزة والكسائي وخلف " يلقون " بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف ~~القاف، واختار هذه القراءة الفراء، قال لأن العرب تقول فلان يلقي بالسلام ~~والتحية والخير، وقل ما يقولون يلقى. وقرأ الباقون بضم الياء وفتح اللام ~~وتشديد القاف، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم لقوله # ولقهم نضرة وسرورا # الإنسان 11، والمعنى أنه يحيي بعضهم بعضا، ويرسل إليهم الرب سبحانه ~~بالسلام، قيل التحية البقاء الدائم والملك العظيم، وقيل هي بمعنى السلام، ~~وقيل إن الملائكة تحييهم وتسلم عليهم، والظاهر أن هذه التحية والسلام هي ~~من الله سبحانه لهم، ومن ذلك قوله سبحانه # تحيتهم يوم يلقونه سلم # الأحزاب 44، وقيل معنى التحية الدعاء لهم بطول الحياة. ومعنى السلام ~~الدعاء لهم بالسلامة من الآفات، وانتصاب { خلدين فيها } على ~~الحال أي مقيمين فيها من غير موت { حسنت مستقرا ومقاما } ~~أي حسنت الغرفة مستقرا يستقرون فيه، ومقاما يقيمون به، وهذا في مقابل ~~ما تقدم من قوله { ساءت ms2755 مستقرا ومقاما }. { قل ما ~~يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم } بين سبحانه أنه غني عن ~~طاعة الكل، وإنما كلفهم لينتفعوا بالتكليف، يقال ما عبأت بفلان أي ما ~~باليت به، ولا له عندي قدر، وأصل يعبأ من العبء، وهو الثقل. قال الخليل ~~ما أعبأ بفلان أي ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره، ويدعي أن وجوده ~~وعدمه سواء، وكذا قال أبو عبيدة. قال الزجاج { ما يعبؤا بكم ~~ربي } يريد أي وزن يكون لكم عنده؟ والعبء الثقل، وما استفهامية، أو ~~نافية، وصرح الفراء بأنها استفهامية. قال ابن الشجري وحقيقة القول عندي ~~أن موضع «ما» نصب، والتقدير أي عبء يعبأ بكم؟ أي أي مبالاة يبالي بكم؟ { ~~لولا دعاؤكم } أي لولا دعاؤكم إياه، لتعبدوه، وعلى هذا، فالمصدر ~~الذي هو الدعاء مضاف إلى مفعوله، وهو اختيار الفراء، وفاعله محذوف، وجواب ~~لولا محذوف تقديره لولا دعاؤكم لم يعبأ بكم، ويؤيد هذا قوله # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # الذاريات 56، والخطاب لجميع الناس، ثم خص الكفار منهم، فقال { فقد ~~كذبتم }. وقرأ ابن الزبير " فقد كذب الكافرون " ، وفي هذه القراءة ~~دليل بين على أن الخطاب لجميع الناس. وقيل إن المصدر مضاف إلى الفاعل أي ~~لولا استغاثتكم إليه في الشدائد. وقيل المعنى ما يعبأ بكم أي بمغفرة ~~ذنوبكم لولا دعاؤكم الآلهة معه. وحكى ابن جني أن ابن عباس قرأ كقراءة ابن ~~الزبير. وحكى الزهراوي، والنحاس أن ابن مسعود قرأ كقراءتهما، وممن قال ~~بأن الدعاء مضاف إلى الفاعل القتيبي، والفارسي قالا والأصل لولا دعاؤكم ~~آلهة من دونه، وجواب لولا محذوف تقديره على هذا الوجه لولا دعاؤكم لم ~~يعذبكم، ويكون معنى { فقد كذبتم } على الوجه الأول فقد كذبتم ~~بما دعيتم إليه، وعلى الوجه الثاني فقد كذبتم بالتوحيد. ثم قال سبحانه { ~~فسوف يكون لزاما } أي فسوف يكون جزاء التكذيب لازما لكم، ~~وجمهور المفسرين على أن المراد باللزام هنا ما لزم المشركين يوم بدر، ~~وقالت طائفة هو عذاب الآخرة. قال أبو عبيدة لزاما فيصلا، أي فسوف يكون ~~فيصلا بينكم وبين المؤمنين. قال الزجاج فسوف يكون ms2756 تكذيبكم لزاما ~~يلزمكم، فلا تعطون التوبة، وجمهور القراء على كسر اللام من لزاما، وأنشد ~~أبو عبيدة لصخر # فإما ينجو من خسف أرض فقد لقيا حتوفهما لزاما # قال ابن جرير { لزاما } عذابا دائما، وهلاكا مفنيا يلحق بعضكم ~~ببعض، كقول أبي ذؤيب # ففأجأه بعادية لزام كما يتفجر الحوض اللفيف # يعني باللزام الذي يتبع بعضه بعضا، وباللفيف المتساقط من الحجارة ~~المنهدمة. وحكى أبو حاتم عن أبي زيد قال سمعت أبا السماك يقرأ " لزاما " ~~بفتح اللام. قال أبو جعفر يكون مصدر لزم، والكسر أولى. وقد أخرج البخاري، ~~ومسلم، وغيرهما عن ابن مسعود قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ~~الذنب أكبر؟ قال # " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " # قلت ثم أي؟ قال # " أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك " # ، قلت ثم أي؟ قال # " أن تزاني حليلة جارك " # ، فأنزل الله تصديق ذلك { والذين لا يدعون مع الله ~~إلها ءاخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق ولا يزنون }. وأخرجا، وغيرهما أيضا عن ابن عباس ~~أن ناسا من أهل الشرك قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم، فقالوا إن الذي تقول، وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن ~~لما عملنا كفارة، فنزلت { والذين لا يدعون } الآية، ونزلت # قل ياعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم # الزمر 53 الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله ~~بن عمرو في قوله { يلق أثاما } قال واد في جهنم. وأخرج ابن مردويه ~~عن ابن عباس قال لما نزلت { والذين لا يدعون مع الله ~~إلها ءاخر } الآية. اشتد ذلك على المسلمين، فقالوا ما منا أحد ~~إلا أشرك وقتل وزنى، فأنزل الله # يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم # الآية الزمر 53، يقول لهؤلاء الذين أصابوا هذا في الشرك، ثم نزلت هذه ~~الآية { إلا من تاب وءامن وعمل عملا صلحا ~~فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنت } فأبدلهم ~~الله بالكفر الإسلام، وبالمعصية الطاعة، وبالإنكار المعرفة، وبالجهالة ~~العلم. وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال قرأناها ms2757 ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنين { والذين لا يدعون ~~مع الله إلها ءاخر ولا يقتلون النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك ~~يلق أثاما } ، ثم نزلت { إلا من تاب وءامن } ، فما رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فرح بشيء قط فرحه بها، وفرحه ب # إنا فتحنا لك فتحا مبينا # الفتح 1، وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله { ~~فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنت } قال هم ~~المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، ~~فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات االحسنات. وأخرج أحمد وهناد ~~والترمذي وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي ذر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه، فيعرض عليه ~~صغارها، وينحى عنه كبارها، فيقال عملت يوم كذا كذا، وهو يقر، ليس ينكر، ~~وهو مشفق من الكبائر أن تجيء، فيقال أعطوه بكل سيئة عملها حسنة " # والأحاديث في تكفير السيئات، وتبديلها بالحسنات كثيرة. وأخرج ابن مردويه ~~عن ابن عباس في قوله { والذين لا يشهدون الزور } قال إن ~~الزور كان صنما بالمدينة يلعبون حوله كل سبعة أيام، وكان أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا مروا به مروا كراما لا ينظرون إليه. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { والذين ~~يقولون ربنا هب لنا من أزوجنا وذريتنا ~~قرة أعين } قال يعنون من يعمل بالطاعة، فتقر به أعيننا في ~~الدنيا والآخرة { واجعلنا للمتقين إماما } قال أئمة هدى ~~يهتدى بنا، ولا تجعلنا أئمة ضلالة، لأنه قال لأهل السعادة # وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا # الأنبياء 73، ولأهل الشقاوة # وجعلنهم أئمة يدعون إلى النار # القصص 41. وأخرج الحكيم الترمذي عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله { أولئك يجزون الغرفة } قال # " الغرفة من ياقوتة حمراء، أو زبرجدة خضراء، أو درة بيضاء ليس فيها فصم ~~ولا وصم " # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ms2758 حاتم عن ابن عباس في قوله { قل ~~ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم } يقول لولا إيمانكم، ~~فأخبر الله أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كانت له بهم ~~حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين { فسوف يكون ~~لزاما } قال موتا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~الأنباري عنه أنه كان يقرأ " فقد كذب الكفرون * فسوف ~~يكون لزاما ". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~الزبير أنه قرأها كذلك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن ابن ~~مسعود في قوله { فسوف يكون لزاما } قال القتل يوم بدر، وفي ~~الصحيحين عنه قال # " خمس قد مضين الدخان والقمر واللزوم والبطشة واللزام ". ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.1-22] # قوله { طسم } قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وأبو بكر والمفضل وحمزة ~~والكسائي، وخلف بإمالة الطاء، وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة والزهري بين ~~اللفظين، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، وقرأ الباقون بالفتح ~~مشبعا. وقرأ المدنيون وأبو عمرو وعاصم والكسائي بإدغام النون من «طسن» ~~في الميم وقرأ الأعمش وحمزة بإظهارها. قال الثعلبي الإدغام اختيار أبي ~~عبيد، وأبي حاتم. قال النحاس وحكى الزجاج في كتابه " فيما يجري وما لا ~~يجري " أنه يجوز أن يقال «طاسين ميم» بفتح النون وضم الميم كما يقال هذا ~~معدى كرب. وقرأ عيسى ويروى عن نافع بكسر الميم على البناء. وفي مصحف عبد ~~الله بن مسعود " ط س م " هكذا حروفا مقطعة، فيوقف على كل حرف وقفة يتميز ~~بها عن غيره، وكذلك قرأ أبو جعفر، ومحله الرفع على الابتداء إن كان اسما ~~للسورة كما ذهب إليه الأكثر، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون ~~في محل نصب بتقدير اذكر، أو اقرأ. وأما إذا كان مسرودا على نمط التعديد ~~كما تقدم في غير موضع من هذا التفسير، فلا محل له من الإعراب. وقد قيل ~~إنه اسم من أسماء الله سبحانه، وقيل اسم من أسماء القرآن، والإشارة بقوله ~~{ تلك ءايات الكتب المبين ms2759 } إلى السورة، ومحلها الرفع ~~على أنها وما بعدها خبر للمبتدأ إن جعلنا { طسم } مبتدأ، وإن جعلناه ~~خبرا لمبتدأ محذوف، فمحلها الرفع على أنه مبتدأ خبره ما بعده، أو خبر ~~مبتدأ محذوف أو بدل من { طسم } والمراد بالكتاب هنا القرآن، والمبين ~~المبين المظهر، أو البين الظاهر إن كان من أبان بمعنى بان. { لعلك ~~بخع نفسك } أي قاتل نفسك ومهلكها { ألا يكونوا ~~مؤمنين } أي لعدم إيمانهم بما جئت به والبخع في الأصل أن يبلغ ~~بالذبح النخاع بالنون قاموس، وهو عرق في القفا، وقد مضى تحقيق هذا في ~~سورة الكهف، وقرأ قتادة " باخع نفسك " بالإضافة. قرأ الباقون بالقطع قال ~~الفراء " أن " في قوله { أن لا يكونوا مؤمنين } في موضع نصب ~~لأنها جزاء قال النحاس وإنما يقال " إن " مكسورة لأنها جزء هكذا التعارف، ~~والقول في هذا ما قاله الزجاج في كتابه في القرآن إنها في موضع نصب مفعول ~~لأجله، والمعنى لعلك قاتل نفسك لتركهم الإيمان، وفي هذا تسلية لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأنه كان حريصا على إيمان قومه شديد الأسف لما يراه ~~من إعراضهم، وجملة { إن نشأ ننزل عليهم من السماء ~~ءاية } مستأنفة مسوقة لتعليل ما سبق من التسلية، والمعنى إن نشأ ننزل ~~عليهم من السماء آية تلجئهم إلى الإيمان، ولكن قد سبق القضاء بأنا لا ~~ننزل ذلك، ومعنى { فظلت أعنقهم لها خضعين } أنهم ~~صاروا منقادين لها أي فتظل أعناقهم إلخ، قيل وأصله، فظلوا لها خاضعين، ~~فأقحمت الأعناق لزيادة التقرير والتصوير، لأن الأعناق موضع الخضوع. # وقيل إنها لما وضعت الأعناق بصفات العقلاء أجريت مجراهم، ووصفت بما ~~يوصفون به. قال عيسى بن عمر خاضعين، وخاضعة هنا سواء، واختاره المبرد، ~~والمعنى أنها إذا ذلت رقابهم ذلوا، فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها، ~~ويسوغ في كلام العرب أن يترك الخبر عن الأول، ويخبر عن الثاني، ومنه قول ~~الراجز # طول الليالي أسرعت في نقضي طوين طولي وطوين عرضي # فأخبر عن الليالي، وترك الطول، ومنه قول جرير # أرى مر السنين أخذن مني كما أخذ السرار من الهلال ms2760 # وقال أبو عبيد والكسائي إن المعنى خاضعيها هم، وضعفه النحاس، وقال مجاهد ~~أعناقهم كبراؤهم، قال النحاس وهذا معروف في اللغة، يقال جاءني عنق من ~~الناس أي رؤساء منهم. وقال أبو زيد والأخفش أعناقهم جماعاتهم، يقال جاءني ~~عنق من الناس أي جماعة. { وما يأتيهم من ذكر من ~~الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين } بين ~~سبحانه أنه مع اقتداره على أن يجعلهم ملجئين إلى الإيمان يأتيهم بالقرآن ~~حالا بعد حال، وأن لا يجدد لهم موعظة وتذكيرا إلا جددوا ما هو نقيض ~~المقصود، وهو الإعراض والتكذيب والاستهزاء، و «من» في { من ذكر } ~~مزيدة لتأكيد العموم، و " من " في { من ربهم } لابتداء الغاية، ~~والاستثناء مفرغ من أعم العام محله النصب على الحالية من مفعول يأتيهم، ~~وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة الأنبياء { فقد كذبوا } ~~أي بالذكر الذي يأتيهم تكذيبا صريحا، ولم يكتفوا بمجرد الإعراض، وقيل ~~إن الإعراض بمعنى التكذيب، لأن من أعرض عن شيء ولم يقبله، فقد كذبه، ~~وعلى هذا فيكون ذكر التكذيب للدلالة على صدور ذلك منهم على وجه التصريح، ~~والأول أولى، فالإعراض عن الشيء عدم الالتفات إليه. ثم انتقلوا عن هذا ~~إلى ما هو أشد منه، وهو التصريح بالتكذيب، ثم انتقلوا عن التكذيب إلى ما ~~هو أشد منه، وهو الاستهزاء كما يدل عليه قوله { فقد كذبوا ~~فسيأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزءون } ، ~~والأنباء هي ما يستحقونه من العقوبة آجلا وعاجلا. وسميت أنباء لكونها ~~مما أنبأ عنه القرآن، وقال { ما كانوا به يستهزءون } ، ولم ~~يقل ما كانوا عنه معرضين، أو ما كانوا به يكذبون، لأن الاستهزاء أشد ~~منهما، ومستلزم لهما، وفي هذا وعيد شديد، وقد مر تفسير مثل هذا في سورة ~~الأنعام. ثم ذكر سبحانه ما يدل على كمال قدرته من الأمور الحسية التي ~~يحصل بها للمتأمل فيها، والناظر إليها، والمستدل بها أعظم دليل، وأوضح ~~برهان، فقال { أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها ~~من كل زوج كريم } الهمزة للتوبيخ، والواو للعطف على مقدر كما ~~في نظائره، فنبه سبحانه على عظمته ms2761 وقدرته، وأن هؤلاء المكذبين ~~المستهزئين لو نظروا حق النظر لعلموا أنه سبحانه الذي يستحق أن يعبد، ~~والمراد بالزوج هنا الصنف. # وقال الفراء هو اللون، وقال الزجاج معنى زوج نوع، وكريم محمود، والمعنى ~~من كل زوج نافع لا يقدر على إنباته إلا رب العالمين، والكريم في الأصل ~~الحسن الشريف، يقال نخلة كريمة أي كثيرة الثمرة، ورجل كريم شريف فاضل، ~~وكتاب كريم إذا كان مرضيا في معانيه، والنبات الكريم هو المرضي في ~~منافعه، قال الشعبي الناس مثل نبات الأرض، فمن صار منهم إلى الجنة، فهو ~~كريم، ومن صار منهم إلى النار، فهو لئيم، والإشارة بقوله { إن في ~~ذلك لآية } إلى المذكور قبله أي إن فيما ذكر من الإنبات في الأرض ~~لدلالة بينة، وعلامة واضحة على كمال قدرة الله سبحانه، وبديع صنعته، ثم ~~أخبر سبحانه بأن أكثر هؤلاء مستمر على ضلالته مصمم على جحوده، وتكذيبه، ~~واستهزائه، فقال { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي سبق علمي ~~فيهم أنهم سيكونون هكذا، وقال سيبويه إن { كان } هنا صلة { وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم } أي الغالب القاهر لهؤلاء ~~بالانتقام منهم مع كونه كثير الرحمة، ولذلك أمهلهم، ولم يعاجلهم ~~بالعقوبة، أو المعنى أنه منتقم من أعدائه رحيم بأوليائه. وجملة { وإذ ~~نادى ربك موسى } إلخ، مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها من ~~الإعراض، والتكذيب، والاستهزاء، والعامل في الظرف محذوف تقديره واتل إذ ~~نادى أو اذكر، والنداء الدعاء، و «أن» في قوله { أن ائت القوم ~~الظلمين } يجوز أن تكون مفسرة، وأن تكون مصدرية، ووصفهم بالظلم. ~~لأنهم جمعوا بين الكفر الذي ظلموا به أنفسهم وبين المعاصي التي ظلموا بها ~~غيرهم كاستعباد بني إسرائيل، وذبح أبنائهم. وانتصاب { قوم فرعون } ~~على أنه بدل، أو عطف بيان من القوم الظالمين، ومعنى { ألا يتقون } ~~ألا يخافون عقاب الله سبحانه، فيصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته وقيل ~~المعنى قل لهم ألا تتقون؟ وجاء بالياء التحتية لأنهم غيب وقت الخطاب، ~~وقرأ عبيد بن عمير، وأبو حازم " ألا تتقون " بالفوقية أي قل لهم ذلك، ~~ومثله # قل للذين كفروا ستغلبون # آل ms2762 عمران 12 بالتحتية والفوقية. { قال رب إني أخاف أن ~~يكذبون } أي قال موسى هذه المقالة، والمعنى أخاف أن يكذبوني في ~~الرسالة { ويضيق صدري ولا ينطلق لساني } معطوفان على { ~~أخاف } أي يضيق صدري لتكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بتأدية الرسالة، قرأ ~~الجمهور برفع { يضيق } ، { ولا ينطلق } بالعطف على { أخاف } كما ~~ذكرنا، أو على الاستئناف، وقرأ يعقوب وعيسى بن عمر وأبو حيوة بنصبهما ~~عطفا على { يكذبون }. # قال الفراء كلا القراءتين له وجه، قال النحاس الوجه. الرفع، لأن النصب ~~عطف على { يكذبون } وهذا بعيد { فأرسل إلى هرون } أي أرسل ~~إليه جبريل بالوحي ليكون معي رسولا موازرا مظاهرا معاونا، ولم يذكر ~~الموازرة هنا، لأنها معلومة من غير هذا الموضع، كقوله في طه # واجعل لي وزيرا # طه 29، وفي القصص # أرسله معى ردءا يصدقني # القصص 34. وهذا من موسى عليه السلام من باب طلب المعاونة له بإرسال ~~أخيه، لا من باب الاستعفاء من الرسالة، ولا من التوقف عن المسارعة ~~بالامتثال { ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون } الذنب ~~هو قتله للقبطي، وسماه ذنبا بحسب زعمهم، فخاف موسى أن يقتلوه به. وفيه ~~دليل على أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء. ثم أجابه ~~سبحانه بما يشتمل على نوع من الردع وطرف من الزجر { قال كلا ~~فاذهبا بئايتنا } وفي ضمن هذا الجواب إجابة موسى إلى ما طلبه ~~من ضم أخيه إليه كما يدل عليه توجيه الخطاب إليهما كأنه قال ارتدع يا ~~موسى عن ذلك، واذهب أنت ومن استدعيته، ولا تخف من القبط { إنا ~~معكم مستمعون } ، وفي هذا تعليل للردع عن الخوف، وهو كقوله ~~سبحانه # إنني معكما أسمع وأرى # طه 46، وأراد بذلك سبحانه تقوية قلوبهما، وأنه متول لحفظهما، ~~وكلاءتهما، وأجراهما مجرى الجمع فقال { معكم } لكون الاثنين أقل ~~الجمع على ما ذهب إليه بعض الأئمة، أو لكونه أراد موسى وهارون ومن أرسلا ~~إليه، ويجوز أن يكون المراد هما مع بني إسرائيل، و { معكم } ، و { ~~مستمعون } خبران لأن، أو الخبر { مستمعون } ، و { معكم } متعلق به، ولا ~~يخفى ما في المعية من ms2763 المجاز، لأن المصاحبة من صفات الأجسام، فالمراد ~~معية النصرة والمعونة { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول ~~رب العلمين } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، ووحد الرسول ~~هنا، ولم يثنه كما في قوله # إنا رسولا ربك # طه 47 لأنه مصدر بمعنى رسالة، والمصدر يوحد، وأما إذا كان بمعنى المرسل، ~~فإنه يثنى مع المثنى، ويجمع مع الجمع، قال أبو عبيدة رسول بمعنى رسالة، ~~والتقدير على هذا إنا ذوا رسالة رب العالمين، ومنه قول الشاعر # ألا أبلغ أبا عمرو رسولا فإني عن فتاحتكم غنى # أي رسالة. وقال العباس بن مرداس # ألا من مبلغ عني خفافا رسولا بيت أهلك منتهاها # أي رسالة. قال أبو عبيدة أيضا، ويجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين ~~والجمع، تقول العرب هذا رسولي ووكيلي، وهذان رسولي ووكيلي، وهؤلاء رسولي ~~ووكيلي، ومنه قوله تعالى # فإنهم عدو لي # الشعراء 77 وقيل معناه إن كل واحد منا رسول رب العالمين، وقيل إنهما لما ~~كانا متعاضدين متساندين في الرسالة كانا بمنزلة رسول واحد، و «أن» في ~~قوله { أن أرسل معنا بني إسرءيل } مفسرة لتضمن الإرسال ~~المفهوم من الرسول، معنى القول { قال ألم نربك فينا وليدا ~~} أي قال فرعون لموسى بعد أن أتياه، وقالا له ما أمرهما الله به، ومعنى { ~~فينا } أي في حجرنا ومنازلنا، أراد بذلك المن عليه، والاحتقار له أي ~~ربيناك لدينا صغيرا، ولم نقتلك فيمن قتلنا من الأطفال. # { ولبثت فينا من عمرك سنين } فمتى كان هذا الذي تدعيه؟ ~~قيل لبث فيهم ثماني عشرة سنة، وقيل ثلاثين سنة. وقيل أربعين سنة. ثم ~~قررت بقتل القبطي، فقال { وفعلت فعلتك التي فعلت } ~~الفعلة بفتح الفاء المرة من الفعل، وقرأ الشعبي " فعلتك " بكسر الفاء، ~~والفتح أولى لأنها للمرة الواحدة لا للنوع، والمعنى أنه لما عدد عليه ~~النعم ذكر له ذنوبه، وأراد بالفعل قتل القبطي، ثم قال { وأنت من ~~الكفرين } أي من الكافرين للنعمة حيث قتلت رجلا من أصحابي، وقيل ~~المعنى من الكافرين بأن فرعون إله، وقيل من الكافرين بالله في زعمه لأنه ~~كان معهم على دينهم، ms2764 والجملة في محل نصب على الحال. { قال فعلتها ~~إذا وأنا من الضالين } أي قال موسى مجيبا لفرعون فعلت هذه ~~الفعلة التي ذكرت، وهي قتل القبطي، وأنا إذ ذاك من الضالين أي الجاهلين. ~~فنفى عليه السلام عن نفسه الكفر، وأخبر أنه فعل ذلك على الجهل قبل أن ~~يأتيه العلم الذي علمه الله، وقيل المعنى من الجاهلين أن تلك الوكزة تبلغ ~~القتل، وقال أبو عبيدة من الناسين { ففررت منكم لما ~~خفتكم } أي خرجت من بينكم إلى مدين كما في سورة القصص { فوهب ~~لي ربي حكما } أي نبوة أو علما وفهما. وقال الزجاج المراد ~~بالحكم تعليمه التوراة التي فيها حكم الله { وجعلني من ~~المرسلين * وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت ~~بني إسرءيل } قيل هذا الكلام من موسى على جهة الإقرار بالنعمة، ~~كأنه قال نعم تلك التربية نعمة تمن بها علي، ولكن لا يدفع ذلك رسالتي، ~~وبهذا قال الفراء وابن جرير. وقيل هو من موسى على جهة الإنكار أي أتمن ~~علي بأن ربيتني وليدا، وأنت قد استعبدت بني إسرائيل وقتلتهم، وهم قومي؟ ~~قال الزجاج المفسرون أخرجوا هذا على جهة الإنكار بأن يكون ما ذكر فرعون ~~نعمة على موسى، واللفظ لفظ خبر، وفيه تبكيت للمخاطب على معنى أنك لو كنت ~~لا تقتل أبناء بني إسرائيل لكانت أمي مستغنية عن قذفي في اليم، فكأنك ~~تمن علي ما كان بلاؤك سببا له، وذكر نحوه الأزهري بأبسط منه، وقال ~~المبرد يقول التربية كانت بالسبب الذي ذكرت من التعبيد أي تربيتك إياي ~~كانت لأجل التملك، والقهر لقومي، وقيل إن في الكلام تقدير الاستفهام أي ~~أو تلك نعمة؟ قاله الأخفش، وأنكره النحاس. قال الفراء ومن قال إن الكلام ~~إنكار قال معناه أو تلك نعمة؟ ومعنى { أن عبدت بني إسرءيل } ~~أن اتخذتهم عبيدا، يقال عبدته وأعبدته بمعنى، كذا قال الفراء، ومحله ~~الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف بدل من نعمة، والجر بإضمار الباء، والنصب ~~بحذفها. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس { فظلت أعنقهم لها ~~خضعين } قال ذليلين. وأخرج عبد الرزاق ms2765 وعبد بن حميد وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن قتادة { ولهم على ذنب } قال قتل النفس. وأخرج ~~ابن جرير عن ابن عباس في قوله { وفعلت فعلتك التي فعلت ~~وأنت من الكفرين } قال للنعمة، وإن فرعون لم يكن ليعلم ما ~~الكفر؟ وفي قوله { فعلتها إذا وأنا من الضالين } قال من ~~الجاهلين. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { أن عبدت بني إسرءيل } قال ~~قهرتهم واستعملتهم. ### || [26.23-51] # لما سمع فرعون قول موسى وهارون { إنا رسول رب العلمين } ~~قال مستفسرا لهما عن ذلك عازما على الاعتراض لما قالاه فقال { وما ~~رب العلمين } أي شيء هو؟ جاء في الاستفهام بما التي يستفهم ~~بها عن المجهول، ويطلب بها تعيين الجنس، فلما قال فرعون ذلك قال موسى { ~~رب السموات والأرض وما بينهما } ، فعين له ما أراد ~~بالعالمين، وترك جواب ما سأل عنه فرعون لأنه سأله عن جنس رب العالمين، ~~ولا جنس له، فأجابه موسى بما يدل على عظيم القدرة الإلهية التي تتضح لكل ~~سامع أنه سبحانه الرب، ولا رب غيره { إن كنتم موقنين } أي إن ~~كنتم موقنين بشيء من الأشياء، فهذا أولى بالإيقان. { قال } فرعون { ~~لمن حوله ألا تستمعون } أي لمن حوله من الأشراف ألا ~~تستمعون ما قاله؟ يعني موسى معجبا لهم من ضعف المقالة كأنه قال أتسمعون ~~وتعجبون؟ وهذا من اللعين مغالطة، لما لم يجد جوابا عن الحجة التي أوردها ~~عليه موسى. فلما سمع موسى ما قال فرعون، أورد عليه حجة أخرى هي مندرجة ~~تحت الحجة الأولى، ولكنها أقرب إلى فهم السامعين له ففال { ربكم ~~ورب ءابائكم الأولين } ، فأوضح لهم أن فرعون مربوب لا رب ~~كما يدعيه، والمعنى أن هذا الرب الذي أدعوكم إليه هو الذي خلق آباءكم ~~الأولين، وخلقكم، فكيف تعبدون من هو واحد منكم مخلوق كخلقكم، وله آباء ~~قد فنوا كآبائكم؟ فلم يجبه فرعون عند ذلك بشيء يعتد به، بل جاء بما يشكك ~~قومه، ويخيل إليهم أن هذا الذي قاله موسى مما لا ms2766 يقوله العقلاء، فقال { ~~إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } قاصدا ~~بذلك المغالطة، وإيقاعهم في الحيرة، مظهرا أنه مستخف بما قاله موسى ~~مستهزىء به، فأجابه موسى عند ذلك بما هو تكميل لجوابه الأول، فقال { ~~رب المشرق والمغرب وما بينهما } ولم يشتغل موسى ~~بدفع ما نسبه إليه من الجنون، بل بين لفرعون شمول ربوبية الله سبحانه ~~للمشرق والمغرب وما بينهما، وإن كان ذلك داخلا تحت ربوبيته سبحانه ~~للسماوات والأرض وما بينهما، لكن فيه تصريح بإسناد حركات السماوات وما ~~فيها، وتغيير أحوالها وأوضاعها، تارة بالنور وتارة بالظلمة إلى الله ~~سبحانه، وتثنية الضمير في { وما بينهما } الأول لجنسي السموات ~~والأرض كما في قول الشاعر # تنقلت في أشرف التنقل بين رماحي مالك ونهشل # { إن كنتم تعقلون } أي شيئا من الأشياء، أو إن كنتم من أهل ~~العقل أي إن كنت يا فرعون، ومن معك من العقلاء عرفت، وعرفوا أنه لا جواب ~~لسؤالك إلا ما ذكرت لك. ثم إن اللعين لما انقطع عن الحجة رجع إلى ~~الاستعلاء والتغلب، فقال { لئن اتخذت إلها غيري ~~لأجعلنك من المسجونين } أي لأجعلنك من أهل السجن، وكان ~~سجن فرعون أشد من القتل لأنه إذا سجن أحدا لم يخرجه حتى يموت، فلما سمع ~~موسى عليه السلام ذلك لاطفه طمعا في إجابته وإرخاء لعنان المناظرة معه، ~~مريدا لقهره بالحجة المعتبرة في باب النبوة، وهي إظهار المعجزة، فعرض ~~له على وجه يلجئه إلى طلب المعجزة فقال { أولو جئتك بشيء ~~مبين } أي أتجعلني من المسجونين، ولو جئتك بشيء يتبين به صدقي ويظهر ~~عنده صحة دعواي؟ والهمزة هنا للاستفهام، والواو للعطف على مقدر كما مر ~~مرارا، فلما سمع فرعون ذلك طلب ما عرضه عليه موسى فقال { فأت به ~~إن كنت من الصدقين } في دعواك، وهذا الشرط جوابه محذوف، لأنه ~~قد تقدم ما يدل عليه، فعند ذلك أبرز موسى المعجزة. # { فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين } وقد تقدم ~~تفسير هذا وما بعده في سورة الأعراف، واشتقاق الثعبان من ثعبت الماء في ~~الأرض، فانثعب أي فجرته، فانفجر، وقد عبر ms2767 سبحانه في موضع آخر مكان ~~الثعبان بالحية بقوله # فإذا هي حية تسعى # طه 21، وفي موضع بالجان، فقال # كأنها جان # النمل 10، والجان هو المائل إلى الصغر، والثعبان هو المائل إلى الكبر، ~~والحية جنس يشمل الكبير والصغير، ومعنى { فماذا تأمرون } ما ~~رأيكم فيه، وما مشورتكم في مثله؟ فأظهر لهم الميل إلى ما يقولونه تألفا ~~لهم، واستجلابا لمودتهم، لأنه قد أشرف ما كان فيه من دعوى الربوبية على ~~الزوال، وقارب ما كان يغرر به عليهم الاضمحلال، وإلا، فهو أكبر تيها، ~~وأعظم كبرا من أن يخاطبهم مثل هذه المخاطبة المشعرة بأنه فرد من ~~أفرادهم، وواحد منهم، مع كونه قبل هذا الوقت يدعي أنه إلههم ويذعنون له ~~بذلك ويصدقونه في دعواه، ومعنى { أرجه وأخاه } أخر أمرهما، من ~~أرجأته إذا أخرته، وقيل المعنى احبسهما { وابعث في المدائن ~~حشرين } ، وهم الشرط الذين يحشرون الناس أي يجمعونهم { يأتوك ~~بكل سحار عليم } هذا ما أشاروا به عليه، والمراد بالسحار ~~العليم الفائق في معرفة السحر وصنعته. { فجمع السحرة ~~لميقت يوم معلوم } هو يوم الزينة كما في قوله # قال موعدكم يوم الزينة # طه 59 { وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } حثا لهم على ~~الاجتماع ليشاهدوا ما يكون من موسى والسحرة، ولمن تكون الغلبة، وكان ذلك ~~ثقة من فرعون بالظهور، وطلبا أن يكون بمجمع من الناس حتى لا يؤمن بموسى ~~أحد منهم، فوقع ذلك من موسى الموقع الذي يريده لأنه يعلم أن حجة الله هي ~~الغالبة، وحجة الكافرين هي الداحضة، وفي ظهور حجة الله بمجمع من الناس ~~زيادة في الاستظهار للمحقين، والانقهار للمبطلين، ومعنى { لعلنا ~~نتبع السحرة } نتبعهم في دينهم { إن كانوا هم ~~الغلبين } ، والمراد باتباع السحرة في دينهم هو البقاء على ما ~~كانوا عليه لأنه دين السحرة إذ ذاك، والمقصود المخالفة لما دعاهم إليه ~~موسى، فعند ذلك طلب السحرة من فرعون الجزاء على ما سيفعلونه فقالوا ~~لفرعون { إن لنا لأجرا } أي لجزاء تجزينا به من مال أو جاه، وقيل ~~أرادوا إن لنا ثوابا عظيما، ثم قيدوا ذلك بظهور غلبتهم لموسى، فقالوا ~~{ إن ms2768 كنا نحن الغلبين } ، فوافقهم فرعون على ذلك، { نعم ~~وإنكم إذا لمن المقربين } أي نعم لكم ذلك عندي مع ~~زيادة عليه، وهي كونكم من المقربين لدي. # { قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون } ، وفي آية ~~أخرى # قالوا يموسى إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون نحن ~~الملقين # الأعراف 115، فيحمل ما هنا على أنه قال لهم ألقوا بعد أن قالوا هذا ~~القول، ولم يكن ذلك من موسى عليه السلام أمرا لهم بفعل السحر، بل أراد ~~أن يقهرهم بالحجة، ويظهر لهم أن الذي جاء به ليس هو من الجنس الذي أرادوا ~~معارضته به { فألقوا حبلهم وعصيهم وقالوا } عند ~~الإلقاء { بعزة فرعون إنا لنحن الغلبون } يحتمل ~~قولهم { بعزة فرعون } وجهين الأول أنه قسم، وجوابه إنا لنحن الغالبون، ~~والثاني متعلق بمحذوف، والباء للسببية أي نغلب بسبب عزته، والمراد ~~بالعزة العظمة { فألقى موسى عصه فإذا هي تلقف ما ~~يأفكون } قد تقدم تفسير هذا مستوفى. والمعنى أنها تلقف ما صدر ~~منهم من الإفك بإخراج الشيء عن صورته الحقيقية { فألقى السحرة ~~سجدين } أي لما شاهدوا ذلك، وعلموا أنه صنع صانع حكيم ليس من صنيع ~~البشر، ولا من تمويه السحرة، آمنوا بالله، وسجدوا له، وأجابوا دعوة موسى، ~~وقبلوا نبوته، وقد تقدم بيان معنى { ألقى } ، ومن فاعله لوقوع التصريح ~~به، وعند سجودهم { قالوا ءامنا برب العلمين * رب ~~موسى وهرون } رب موسى عطف بيان لرب العالمين، وأضافوه سبحانه ~~إليهما لأنهما القائمان بالدعوة في تلك الحال. وفيه تبكيت لفرعون بأنه ~~ليس برب، وأن الرب في الحقيقة هو هذا. فلما سمع فرعون ذلك منهم، ورأى ~~سجودهم لله قال { ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم } أي بغير ~~إذن مني، ثم قال مغالطا للسحرة الذين آمنوا، وموهما للناس أن فعل موسى ~~سحر من جنس ذلك السحر { إنه لكبيركم الذي علمكم ~~السحر } وإنما اعترف له بكونه كبيرهم مع كونه لا يحب الاعتراف بشيء ~~يرتفع به شأن موسى لأنه قد علم كل من حضر أن ما جاء به موسى أبهر مما جاء ~~به السحرة، فأراد أن يشكك على ms2769 الناس بأن هذا الذي شاهدتم، وإن كان قد فاق ~~على ما فعله هؤلاء السحرة، فهو فعل كبيرهم، ومن هو أستاذهم الذي أخذوا ~~عنه هذه الصناعة، فلا تظنوا أنه فعل لا يقدر عليه البشر، وأنه من فعل ~~الرب الذي يدعو إليه موسى. # ثم توعد أولئك السحرة الذين آمنوا بالله لما قهرتهم حجة الله، فقال { ~~فلسوف تعلمون } أجمل التهديد أولا للتهويل، ثم فصله، فقال { ~~لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم أجمعين } ، فلما سمعوا ذلك من قوله قالوا { لا ~~ضير إنا إلى ربنا منقلبون } أي لا ضرر علينا فيما ~~يلحقنا من عقاب الدنيا فإن ذلك يزول وننقلب بعده إلى ربنا فيعطينا من ~~النعيم الدائم ما لا يحد ولا يوصف. قال الهروي لا ضير، ولا ضرر، ولا ضر ~~بمعنى واحد، وأنشد أبو عبيدة # فإنك لا يضرك بعد حول أظبي كان أمك أم حمار # قال الجوهري ضاره يضوره، ويضيره ضيرا، وضورا أي ضره. قال الكسائي ~~سمعت بعضهم يقول لا ينفعني ذلك ولا يضورني { إنا نطمع أن ~~يغفر لنا ربنا خطينا } ، ثم عللوا هذا بقولهم { أن ~~كنا أول المؤمنين } بنصب أن أي لأن كنا أول المؤمنين. ~~وأجاز الفراء، والكسائي كسرها على أن يكون مجازاة، ومعنى { أول ~~المؤمنين } أنهم أول من آمن من قوم فرعون بعد ظهور الآية. وقال ~~الفراء أول مؤمني زمانهم، وأنكره الزجاج، وقال قد روي أنه آمن معهم ~~ستمائة ألف وسبعون ألفا، وهم الشرذمة القليلون الذين عناهم فرعون بقوله ~~{ إن هؤلاء لشرذمة قليلون }. وقد أخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس في قوله { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } ~~يقول مبين له خلق حية { ونزع يده } يقول، وأخرج موسى يده من جيبه ~~{ فإذا هي بيضاء } تلمع { للنظرين } لمن ينظر إليها ~~ويراها. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { وقيل للناس هل ~~أنتم مجتمعون } قال كانوا بالإسكندرية. قال ويقال بلغ ذنب ~~الحية من وراء البحيرة يومئذ. قال وهربوا، وأسلموا فرعون، وهمت به فقال ~~خذها يا موسى، وكان مما بلى الناس به منه أنه كان لا ms2770 يضع على الأرض شيئا ~~أي يوهمهم أنه لا يحدث فأحدث يومئذ تحته. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في ~~قوله { لا ضير } قال يقولون لا يضيرنا الذي تقول وإن صنعت بنا ~~وصلبتنا { إنا إلى ربنا منقلبون } يقولون إنا إلى ربنا ~~راجعون، وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتك إيانا وثباتنا على توحيده ~~والبراءة من الكفر وفي قوله { أن كنا أول المؤمنين } قالوا ~~كانوا كذلك يومئذ أول من آمن بآياته حين رأوها. ### || [26.52-68] # قوله { أن أسر بعبادي } أمر الله سبحانه موسى أن يخرج ببني ~~إسرائيل ليلا، وسماهم عباده لأنهم آمنوا بموسى وبما جاء به، وقد تقدم ~~تفسير مثل هذا في سورة الأعراف، وجملة { إنكم متبعون } تعليل ~~للأمر المتقدم أي يتبعكم فرعون وقومه ليردوكم، و { فأرسل ~~فرعون في المدائن حشرين } ، وذلك حين بلغه مسيرهم، ~~والمراد بالحاشرين الجامعون للجيش من الأمكنة التي فيها أتباع فرعون، ثم ~~قال فرعون لقومه بعد اجتماعهم لديه { إن هؤلاء لشرذمة ~~قليلون } يريد بني إسرائيل. والشرذمة الجمع الحقير القليل، والجمع ~~شراذم. قال الجوهري الشرذمة الطائفة من الناس، والقطعة من الشيء، وثوب ~~شراذم أي قطع، ومنه قول الشاعر # جاء الشتاء وقميصي أخلاق شراذم يضحك منها الخلاق # قال الفراء يقال عصبة قليلة وقليلون وكثيرة وكثيرون. قال المبرد ~~الشرذمة القطعة من الناس غير الكثير، وجمعها الشراذم، قال الواحدي قال ~~المفسرون وكان الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف، ولا يحصى عدد أصحاب ~~فرعون { وإنهم لنا لغائظون } يقال غاظني كذا وأغاظني. ~~والغيظ الغضب، ومنه التغيظ، والاغتياظ أي غاظونا بخروجهم من غير إذن مني ~~{ وإنا لجميع حذرون } قرىء { حذرون } ، و { حاذرون } و " ~~حذرون " بضم الذال، حكى ذلك الأخفش. قال الفراء الحاذر الذي يحذرك الآن، ~~والحذر المخلوق كذلك لا تلقاه إلا حذرا. وقال الزجاج الحاذر المستعد، ~~والحذر المتيقظ، وبه قال الكسائي ومحمد بن يزيد، قال النحاس { حذرون } ~~قراءة المدنيين، وأبي عمرو، و { حاذرون } قراءة أهل الكوفة. قال وأبو ~~عبيدة يذهب إلى أن معنى حذرون، وحاذرون واحد، وهو قول سيبويه، وأنشد ~~سيبويه # حذر أمورا لا تضير وحاذر ما ليس ms2771 ينجيه من الأقدار # { فأخرجنهم من جنت وعيون * وكنوز ومقام ~~كريم } يعني فرعون وقومه أخرجهم الله من أرض مصر وفيها الجنات والعيون ~~والكنوز وهي جمع جنة وعين، وكنز، والمراد بالكنوز الخزائن. وقيل الدفائن، ~~وقيل الأنهار، وفيه نظر لأن العيون المراد بها عند جمهور المفسرين عيون ~~الماء، فيدخل تحتها الأنهار. واختلف في المقام الكريم فقيل المنازل ~~الحسان. وقيل المنابر، وقيل مجالس الرؤساء والأمراء. وقيل مرابط الخيل. ~~والأول أظهر، ومن ذلك قول الشاعر # وفيهم مقامات حسان وجوهها وأندية ينتابها القول والفعل # { كذلك وأورثنها بني إسرءيل } يحتمل أن يكون { كذلك ~~} في محل نصب أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا، ويحتمل أن يكون في ~~محل جر على الوصفية أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، ويحتمل ~~الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر كذلك. ومعنى { ~~وأورثنها بني إسرءيل } جعلناها ملكا لهم، وهو معطوف على ~~{ فأخرجناهم } { فأتبعوهم مشرقين } قراءة الجمهور بقطع ~~الهمزة، وقرأ الحسن والحارث الديناري بوصلها، وتشديد التاء، أي فلحقوهم ~~حال كونهم مشرقين أي داخلين في وقت الشروق، يقال شرقت الشمس شروقا إذا ~~طلعت كأصبح وأمسى أي دخل في هذين الوقتين. # وقيل داخلين نحو المشرق كأنجد وأتهم. وقيل معنى { مشرقين } مضيئين. ~~قال الزجاج يقال شرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت. { فلما ~~تراءا الجمعان } قرأ الجمهور { تراءى } بتخفيف الهمزة، وقرأ ابن ~~وثاب والأعمش من غير همز، والمعنى تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه، وهو ~~تفاعل من الرؤية، وقرىء " تراءت الفئتان " { قال أصحب موسى ~~إنا لمدركون } أي سيدركنا جمع فرعون ولا طاقة لنا بهم. قرأ ~~الجمهور { إنا لمدركون } اسم مفعول من أدرك، ومنه # حتى إذا أدركه الغرق # يونس 90. وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير بفتح الدال مشددة وكسر الراء. قال ~~الفراء هما بمعنى واحد. قال النحاس ليس كذلك يقول النحويون الحذاق، إنما ~~يقولون مدركون بالتخفيف ملحقون وبالتشديد مجتهدون في لحاقهم. قال وهذا ~~معنى قول سيبويه. وقال الزمخشري إن معنى هذه القراءة إنا لمتتابعون في ~~الهلاك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد. { قال ms2772 كلا إن معي ~~ربي سيهدين } قال موسى هذه المقالة زجرا لهم وردعا، والمعنى ~~أنهم لا يدركونكم، وذكرهم وعد الله بالهداية والظفر، والمعنى إن معي ربي ~~بالنصر والهداية، سيهدين أي يدلني على طريق النجاة، فلما عظم البلاء على ~~بني إسرائيل، ورأوا من الجيوش ما لا طاقة لهم به، أمر الله سبحانه موسى ~~أن يضرب البحر بعصاه، وذلك قوله { فأوحينا إلى موسى أن ~~اضرب بعصاك البحر } لما قال موسى { إن معي ربي ~~سيهدين } بين الله سبحانه له طريق الهداية، فأمره بضرب البحر، وبه ~~نجا بنو إسرائيل، وهلك عدوهم، والفاء في { فانفلق } فصيحة أي فضرب ~~فانفلق فصار اثني عشر فلقا بعدد الأسباط، وقام الماء عن يمين الطريق وعن ~~يساره كالجبل العظيم، وهو معنى قوله { فكان كل فرق كالطود ~~العظيم } ، والفرق القطعة من البحر، وقرىء " فلق " بلام بدل الراء، ~~والطود الجبل قال امرؤ القيس # فبينا المرء في الأحياء طود رماه الناس عن كثب فمالا # وقال الأسود بن يعفر # حلوا بأنقرة يسيل عليهم ماء الفرات يجيء من أطواد # { وأزلفنا ثم الآخرين } أي قربناهم إلى البحر يعني فرعون ~~وقومه. قال الشاعر # وكل يوم مضى أو ليلة سلفت فيها النفوس إلى الآجال تزدلف # قال أبو عبيدة { أزلفنا } جمعنا، ومنه قيل لليلة المزدلفة ليلة جمع، و ~~«ثم» ظرف مكان للبعيد. وقيل إن المعنى { وأزلفنا } قربنا من النجاة، ~~والمراد بالآخرين موسى وأصحابه، والأول أولى، وقرأ الحسن وأبو حيوة " ~~وزلفنا " ثلاثيا، وقرأ أبي، وابن عباس وعبد الله بن الحارث " وأزلقنا " ~~بالقاف أي أزللنا وأهلكنا من قولهم أزلقت الفرس إذا ألقت ولدها. # { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين } بمرورهم في البحر ~~بعد أن جعله الله طرقا يمشون فيها { ثم أغرقنا الآخرين } ~~يعني فرعون وقومه أغرقهم الله باطباق البحر عليهم بعد أن دخلوا فيه ~~متبعين موسى وقومه، والإشارة بقوله { إن فى ذلك لآية } إلى ما ~~تقدم ذكره مما صدر بين موسى وفرعون إلى هذه الغاية، ففي ذلك آية عظيمة ~~وقدرة باهرة من أدل العلامات على قدرة الله سبحانه، وعظيم سلطانه { ~~وما كان أكثرهم ms2773 مؤمنين } أي ما كان أكثر هؤلاء الذين مع ~~فرعون مؤمنين، فإنه لم يؤمن منهم فيما بعد إلا القليل كحزقيل وابنته، ~~وآسية امرأة فرعون، والعجوز التي دلت على قبر يوسف، وليس المراد أكثر من ~~كان مع فرعون عند لحاقه بموسى، فإنهم هلكوا في البحر جميعا بل المراد من ~~كان معه من الأصل، ومن كان متابعا له ومنتسبا إليه، هذا غاية ما يمكن ~~أن يقال، وقال سيبويه وغيره إن «كان» زائدة، وأن المراد الإخبار عن ~~المشركين بعد ما سمعوا الموعظة { وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم } ، أي المنتقم من أعدائه الرحيم بأوليائه. وقد أخرج الفريابي ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله ~~{ إن هؤلاء لشرذمة قليلون } قال ستمائة ألف وسبعون ~~ألفا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال كانوا ستمائة ألف. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن المنذر عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كان أصحاب موسى الذين جازوا البحر اثني عشر سبطا، فكان في كل طريق ~~اثنا عشر ألفا كلهم ولد يعقوب " # وأخرج ابن مردويه عنه أيضا بسند. قال السيوطي واه، قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " كان فرعون عدو الله حيث أغرقه الله هو وأصحابه في سبعين قائدا مع كل ~~قائد سبعون ألفا، وكان موسى مع سبعين ألفا حيث عبروا البحر " # وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال كان طلائع فرعون الذين بعثهم في أثرهم ~~ستمائة ألف ليس فيها أحد إلا على بهيم. وأقول هذه الروايات المضطربة قد ~~روي عن كثير من السلف ما يماثلها في الاضطراب والاختلاف، ولا يصح منها ~~شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { ~~ومقام كريم } قال المنابر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في ~~قوله { كالطود } قال كالجبل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن ~~مسعود مثله، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { وأزلفنا } قال قربنا. ~~وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم ms2774 والحاكم وصححه عن أبي موسى عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن موسى لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضل الطريق، فقال لبني ~~إسرائيل ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل إن يوسف لما حضره الموت أخذ ~~علينا موثقا أن لا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا، فقال لهم موسى ~~أيكم يدري أين قبره؟ فقالوا ما يعلم أحد مكان قبره إلا عجوز لبني ~~إسرائيل، فأرسل إليها موسى فقال دلينا على قبر يوسف؟ فقالت لا والله حتى ~~تعطيني حكمي، قال وما حكمك؟ قالت أن أكون معك في الجنة، فكأنه ثقل عليه ~~ذلك، فقيل له أعطها حكمها، فأعطاها حكمها، فانطلقت بهم إلى بحيرة مستنقعة ~~ماء، فقالت لهم انضبوا عنها الماء، ففعلوا، قالت احفروا فحفروا، ~~فاستخرجوا قبر يوسف، فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار ". ### || [26.69-104] # قوله { واتل عليهم } معطوف على العامل في قوله # وإذا نادى ربك موسى # الشعراء 10، وقد تقدم، والمراد بنبأ إبراهيم خبره أي اقصص عليهم يا ~~محمد خبر إبراهيم وحديثه، و { إذ قال } منصوب بنبأ إبراهيم أي وقت ~~قوله { لأبيه وقومه ما تعبدون } ، وقيل " إذ " بدل من نبأ ~~بدل اشتمال، فيكون العامل فيه اتل، والأول أولى. ومعنى { ما ~~تعبدون } أي شيء تعبدون؟ وهو يعلم أنهم يعبدون الأصنام، ولكنه أراد ~~إلزامهم الحجة { قالوا نعبد أصناما فنظل لها ~~عكفين } أي فنقيم على عبادتها مستمرا لا في وقت معين، يقال ظل ~~يفعل كذا إذا فعله نهارا، وبات يفعل كذا إذا فعله ليلا، فظاهره أنهم ~~يستمرون على عبادتها نهارا لا ليلا، والمراد من العكوف لها الإقامة ~~على عبادتها، وإنما قال { لها } لإفادة أن ذلك العكوف لأجلها، فلما قالوا ~~هذه المقالة قال إبراهيم منبها على فساد مذهبهم { هل يسمعونكم ~~إذ تدعون } قال الأخفش فيه حذف، والمعنى هل يسمعون منكم؟ أو هل ~~يسمعون دعاءكم؟ وقرأ قتادة " هل يسمعونكم " بضم الياء أي هل يسمعونكم ~~أصواتهم وقت دعائكم لهم { أو ينفعونكم } بوجه من وجوه النفع { ~~أو يضرون } أي يضرونكم إذا تركتم عبادتهم، وهذا الاستفهام ~~للتقرير، ms2775 فإنها إذا كانت لا تسمع، ولا تنفع، ولا تضر، فلا وجه لعبادتها، ~~فإذا قالوا نعم هي كذلك، أقروا بأن عبادتهم لها من باب اللعب والعبث، ~~وعند ذلك تقوم الحجة عليهم، فلما أورد عليهم الخليل هذه الحجة الباهرة لم ~~يجدوا لها جوابا إلا رجوعهم إلى التقليد البحت، وهو أنهم وجدوا آباءهم ~~كذلك يفعلون أي يفعلون لهذه العبادة لهذه الأصنام مع كونها بهذه الصفة ~~التي هي سلب السمع والنفع والضر عنها. وهذا الجواب هو العصى التي يتوكأ ~~عليها كل عاجز، ويمشي بها كل أعرج، ويغتر بها كل مغرور، وينخدع لها كل ~~مخدوع فإنك لو سألت الآن هذه المقلدة للرجال التي طبقت الأرض بطولها ~~والعرض، وقلت لهم ما الحجة لهم على تقليد فرد من أفراد العلماء، والأخذ ~~بكل ما يقوله في الدين، ويبتدعه من الرأي المخالف للدليل لم يجدوا غير ~~هذا الجواب، ولا فاهوا بسواه، وأخذوا يعددون عليك من سبقهم إلى تقليد ~~هذا من سلفهم، واقتداء بأقواله وأفعاله، وهم قد ملؤوا صدورهم هيبة، وضاقت ~~أذهانهم عن تصورهم، وظنوا أنهم خير أهل الأرض، وأعلمهم، وأورعهم، فلم ~~يسمعوا لناصح نصحا، ولا لداع إلى الحق دعاء، ولو فطنوا لوجدوا أنفسهم في ~~غرور عظيم وجهل شنيع وإنهم كالبهيمة العمياء، وأولئك الأسلاف كالعمي ~~الذين يقودون البهائم العمي، كما قال الشاعر # كبهيمة عمياء قاد زمامها أعمى على عوج الطريق الحائر # فعليك أيها العامل بالكتاب والسنة المبرأ من التعصب والتعسف أن تورد ~~عليهم حجج الله، وتقيم عليهم براهينه، فإنه ربما انقاد لك منهم من لم ~~يستحكم داء التقليد في قلبه، وأما من قد استحكم في قلبه هذا الداء، فلو ~~أوردت عليه كل حجة، وأقمت عليه كل برهان لما أعارك إلا أذنا صماء، ~~وعينا عمياء، ولكنك قد قمت بواجب البيان الذي أوجبه عليك القرآن، ~~والهداية بيد الخلاق العليم # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشاء # القصص 56. ولما قال هؤلاء المقلدة هذه المقالة { قال } الخليل { قال ~~أفرءيتم ما كنتم تعبدون أنتم وءاباؤكم ~~الأقدمون } أي فهل أبصرتم، وتفكرتم ما كنتم ms2776 تعبدون من هذه الأصنام ~~التي لا تسمع، ولا تنفع، ولا تضر حتى تعلموا أنكم على ضلالة وجهالة؟ ثم ~~أخبرهم بالبراءة من هذه الأصنام التي يعبدونها. فقال { فإنهم ~~عدو لي } ، ومعنى كونهم عدوا له مع كونهم جمادا أنه إن عبدهم ~~كانوا له عدوا يوم القيامة. قال الفراء هذا من المقلوب أي فإني عدو ~~لهم لأن من عاديته عاداك، والعدو كالصديق يطلق على الواحد والمثنى ~~والجماعة والمذكر والمؤنث كذا قال الفراء. قال علي بن سليمان من قال ~~عدوة الله، فأثبت الهاء، قال هي بمعنى المعادية، ومن قال عدو للمؤنث ~~والجمع جعله بمعنى النسب. وقيل المراد بقوله { فإنهم عدو لى } ~~آباؤهم الأقدمون لأجل عبادتهم الأصنام، ورد بأن الكلام مسوق فيما عبدوه ~~لا في العابدين، والاستثناء في قوله { إلا رب العلمين } ~~منقطع أي لكن رب العالمين ليس كذلك، بل هو وليي في الدنيا والآخرة. قال ~~الزجاج قال النحويون هو استثناء ليس من الأول، وأجاز الزجاج أيضا أن ~~يكون من الأول على أنهم كانوا يعبدون الله عز وجل، ويعبدون معه ~~الأصنام، فأعلمهم أنه تبرأ مما يعبدون إلا الله. قال الجرجاني تقديره ~~أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون إلا رب العالمين، فإنهم ~~عدو لي، فجعله من باب التقديم والتأخير، وجعل إلا بمعنى دون وسوى كقوله # لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى # الدخان 56 أي دون الموتة الأولى. وقال الحسن بن الفضل إن المعنى إلا من ~~عبد رب العالمين. ثم وصف رب العالمين بقوله { الذي خلقني فهو ~~يهدين } أي فهو يرشدني إلى مصالح الدين والدنيا. وقيل إن الموصول ~~مبتدأ، وما بعده خبره، والأول أولى. ويجوز أن يكون الموصول بدلا من ~~رب، وأن يكون عطف بيان له، وأن يكون منصوبا على المدح بتقدير أعني، أو ~~أمدح، وقد وصف الخليل ربه بما يستحق العبادة لأجله، فإن الخلق، والهداية، ~~والرزق يدل عليه قوله { والذي هو يطعمني ويسقين } ، ~~ودفع ضر المرض، وجلب نفع الشفاء، والإماتة، والإحياء، والمغفرة للذنب، ~~كلها نعم يجب على المنعم عليه ببعضها فضلا عن كلها أن ms2777 يشكر المنعم بجميع ~~أنواع الشكر التي أعلاها، وأولاها العبادة، ودخول هذه الضمائر في صدور ~~هذه الجمل للدلالة على أنه الفاعل لذلك دون غيره، وأسند المرض إلى نفسه ~~دون غيره من هذه الأفعال المذكورة رعاية للأدب مع الرب، وإلا فالمرض ~~وغيره من الله سبحانه، ومراده بقوله { ثم يحيين } البعث، وحذف ~~الياء من هذه الأفعال لكونها رؤوس الآي. # وقرأ ابن أبي إسحاق هذه الأفعال كلها بإثبات الياء، وإنما قال عليه ~~الصلاة والسلام { والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم ~~الدين } هضما لنفسه، وقيل إن الطمع هنا بمعنى اليقين في حقه، وبمعنى ~~الرجاء في حق سواه. وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق " خطاياي " قالا ليست ~~خطيئته واحدة. قال النحاس خطيئة بمعنى خطايا في كلام العرب. قال مجاهد ~~يعني بخطيئته قوله # بل فعله كبيرهم هذا # الأنبياء 63، وقوله # إنى سقيم # الصافات 89، وقوله إن سارة أخته، زاد الحسن وقوله للكوكب # هذا ربي # الأنعام 86، وحكى الواحدي عن المفسرين أنهم فسروا الخطايا بما فسرها به ~~مجاهد. قال الزجاج الأنبياء بشر، ويجوز أن تقع عليهم الخطيئة إلا أنهم ~~لا تكون منهم الكبيرة لأنهم معصومون، والمراد بيوم الدين يوم الجزاء ~~للعباد بأعمالهم، ولا يخفى أن تفسير الخطايا بما ذكره مجاهد، ومن معه ~~ضعيف، فإن تلك معاريض، وهي أيضا إنما صدرت عنه بعد هذه المقاولة الجارية ~~بينه وبين قومه. ثم لما فرغ الخليل من الثناء على ربه، والاعتراف بنعمه ~~عقبه بالدعاء ليقتدي به غيره في ذلك، فقال { رب هب لي حكما } ، ~~والمراد بالحكم العلم والفهم، وقيل النبوة والرسالة، وقيل المعرفة بحدود ~~الله، وأحكامه إلى آخره { وألحقني بالصلحين } يعني ~~بالنبيين من قبلي. وقيل بأهل الجنة { واجعل لي لسان صدق في ~~الآخرين } أي اجعل لي ثناء حسنا في الآخرين الذين يأتون بعدي إلى يوم ~~القيامة. قال القتيبي وضع اللسان موضع القول على الاستعارة، لأن القول ~~يكون به، وقد تكنى العرب بها عن الكلمة، ومنه قول الأعشى # إني أتتني لسان لا أسر بها # وقد أعطى الله سبحانه إبراهيم ذلك بقوله # وتركنا عليه في الآخرين # الصافات ms2778 108 فإن كل أمة تتمسك به وتعظمه. وقال مكي قيل معنى سؤاله أن ~~يكون من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، فأجيبت دعوته في محمد صلى ~~الله عليه وسلم، ولا وجه لهذا التخصيص. وقال القشيري أراد الدعاء الحسن ~~إلى قيام الساعة، ولا وجه لهذا أيضا، فإن لسان الصدق أعم من ذلك { ~~واجعلني من ورثة جنة النعيم } { من ورثة } يحتمل أن ~~يكون مفعولا ثانيا، وأن يكون صفة لمحذوف هو المفعول الثاني أي وارثا ~~من ورثة جنة النعيم، لما طلب عليه السلام بالدعوة الأولى سعادة الدنيا ~~طلب بهذه الدعوة سعادة الآخرة، وهي جنة النعيم، وجعلها مما يورث تشبيها ~~لغنيمة الآخرة بغنيمة الدنيا، وقد تقدم تفسير معنى الوراثة في سورة مريم ~~{ واغفر لأبي إنه كان من الضالين } كان أبوه قد وعده ~~أنه يؤمن به، فاستغفر له، فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه، وقد ~~تقدم تفسير هذا مستوفى في سورة التوبة وسورة مريم، ومعنى { من ~~الضالين } من المشركين الضالين عن طريق الهداية. # و { كان } زائدة على مذهب سيبويه كما تقدم في غير موضع. { ولا ~~تخزني يوم يبعثون } أي لا تفضحني على رؤوس الأشهاد بمعاتبتي، ~~أو لا تعذبني يوم القيامة، أو لا تخزني بتعذيب أبي أو ببعثه في جملة ~~الضالين، والإخزاء يطلق على الخزي، وهو الهوان، وعلى الخزاية وهي الحياء، ~~و { يوم لا ينفع مال ولا بنون } بدل من يبعثون، أي يوم لا ~~ينفع فيه المال والبنون أحدا من الناس، والابن هو أخص القرابة، وأولاهم ~~بالحماية، والدفع، والنفع، فإذا لم ينفع، فغيره من القرابة، والأعوان ~~بالأولى. وقال ابن عطية إن هذا وما بعده من كلام الله، وهو ضعيف، ~~والاستثناء بقوله { إلا من أتى الله بقلب سليم } قيل هو ~~منقطع، أي لكن من أتى الله بقلب سليم. قال في الكشاف إلا حال من أتى الله ~~بقلب سليم، فقدر مضافا محذوفا. قال أبو حيان ولا ضرورة تدعو إلى ذلك. ~~وقيل إن هذا الاستثناء بدل من المفعول المحذوف، أو مستثنى منه، إذ ~~التقدير لا ينفع ms2779 مال ولا بنون أحدا من الناس إلا من كانت هذه صفته، ~~ويحتمل أن يكون بدلا من فاعل { ينفع } ، فيكون مرفوعا. قال أبو البقاء ~~فيكون التقدير إلا مال من أو بنو من، فإنه ينفع. واختلف في معنى القلب ~~السليم، فقيل السليم من الشرك، فأما الذنوب، فليس يسلم منها أحد، قاله ~~أكثر المفسرين. وقال سعيد بن المسيب القلب السليم الصحيح، وهو قلب ~~المؤمن، لأن قلب الكافر والمنافق مريض، وقيل هو القلب الخالي عن البدعة ~~المطمئن إلى السنة، وقيل السالم من آفة المال والبنين. وقال الضحاك ~~السليم الخالص. وقال الجنيد السليم في اللغة اللديغ، فمعناه أنه قلب ~~كاللديغ من خوف الله تعالى، وهذا تحريف وتعكيس لمعنى القرآن. قال الرازي ~~أصح الأقوال أن المراد منه سلامة النفس عن الجهل والأخلاق الرذيلة. { ~~وأزلفت الجنة للمتقين } أي قربت، وأدنيت لهم ليدخلوها. ~~وقال الزجاج قرب دخولهم إياها، ونظرهم إليها { وبرزت الجحيم ~~للغاوين } أي جعلت بارزة لهم، والمراد بالغاوين الكافرون، والمعنى ~~أنها أظهرت قبل أن يدخلها المؤمنون، ليشتد حزن الكافرين، ويكثر سرور ~~المؤمنين { وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون * من دون ~~الله } من الأصنام والأنداد { هل ينصرونكم } فيدفعون عنكم ~~العذاب { أو ينتصرون } بدفعه عن أنفسهم. وهذا كله توبيخ وتقريع ~~لهم، وقرأ مالك بن دينار " وبرزت " بفتح الباء والراء مبنيا للفاعل. # { فكبكبوا فيها هم والغاوون } أي ألقوا في جهنم " هم " ~~يعني المعبودين، و { الغاوون } يعني العابدين لهم. وقيل معنى كبكبوا ~~قلبوا على رؤوسهم، وقيل ألقى بعضهم على بعض، وقيل جمعوا، مأخذوا من ~~الكبكبة، وهي الجماعة قاله الهروي. وقال النحاس هو مشتق من كوكب الشيء أي ~~معظمه، والجماعة من الخيل كوكب، وكبكبة، وقيل دهدهوا، وهذه المعاني ~~متقاربة، وأصله كببوا بباءين الأولى مشددة من حرفين، فأبدل من الباء ~~الوسطى الكاف. وقد رجح الزجاج أن المعنى طرح بعضهم على بعض. ورجح ابن ~~قتيبة أن المعنى ألقوا على رؤوسهم. وقيل الضمير في كبكبوا لقريش، ~~والغاوون الآلهة، والمراد بجنود إبليس شياطينه الذين يغوون العباد، وقيل ~~ذريته، وقيل كل من يدعو إلى عبادة الأصنام، و ms2780 { أجمعون } تأكيد ~~للضمير في كبكبوا، وما عطف عليه. وجملة { قالوا وهم فيها ~~يختصمون } مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل ماذا قالوا حين فعل ~~بهم ما فعل؟ ومقول القول { تالله إن كنا لفي ضلل مبين ~~} وجملة { وهم فيها يختصمون } في محل نصب على الحال أي قالوا ~~هذه المقالة حال كونهم في جهنم مختصمين، و«إن» في { إن كنا } هي ~~المخففة من الثقيلة، واللام فارقة بينها وبين النافية أي قالوا تالله إن ~~الشأن كوننا في ضلال واضح ظاهر، والمراد بالضلال هنا الخسار، والتبار، ~~والحيرة عن الحق، والعامل في الظرف، أعني { إذ نسويكم برب ~~العلمين } هو كونهم في الضلال المبين. وقيل العامل هو الضلال، ~~وقيل ما يدل عليه الكلام، كأنه قيل ضللنا وقت تسويتنا لكم برب العالمين. ~~وقال الكوفيون إن «إن» في { أن كنا } نافية، واللام بمعنى إلا أي ~~ما كنا إلا في ضلال مبين. والأول أولى، وهو مذهب البصريين. { فما ~~لنا من شفعين } يشفعون لنا من العذاب كما للمؤمنين { ولا ~~صديق حميم } أي ذي قرابة، والحميم القريب الذي توده، ويودك، ووحد ~~الصديق لما تقدم غير مرة أنه يطلق على الواحد والإثنين والجماعة والمذكر ~~والمؤنث، والحميم مأخوذ من حامة الرجل أي أقربائه، ويقال حم الشيء وأحم ~~إذا قرب منه، ومنه الحمى لأنه يقرب من الأجل. وقال علي بن عيسى إنما سمي ~~القريب حميما لأنه يحمى لغضب صاحبه، فجعله مأخوذا من الحمية. { فلو ~~أن لنا كرة فنكون من المؤمنين } هذا منهم على طريق ~~التمني الدال على كمال التحسر كأنهم قالوا فليت لنا كرة أي رجعة إلى ~~الدنيا، وجواب التمني { فنكون من المؤمنين } أي نصير من جملتهم، والإشارة ~~بقوله { إن في ذلك لآية } إلى ما تقدم ذكره من نبأ إبراهيم، ~~والآية العبرة والعلامة، والتنوين يدل على التعظيم والتفخيم { وما ~~كان أكثرهم مؤمنين } أي أكثر هؤلاء الذين يتلو عليهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نبأ إبراهيم، وهم قريش ومن دان بدينهم. # وقيل وما كان أكثر قوم إبراهيم بمؤمنين، وهو ضعيف لأنهم كلهم غير مؤمنين ~~{ وإن ربك ms2781 لهو العزيز الرحيم } أي هو القاهر لأعدائه ~~الرحيم بأوليائه، أو الرحيم للأعداء بتأخير عقوبتهم وترك معاجلتهم. وقد ~~أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { وألحقني ~~بالصلحين } يعني بأهل الجنة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله { ~~واجعل لي لسان صدق في الآخرين } قال اجتماع أهل الملل على ~~إبراهيم. وأخرج عنه أيضا { واغفر لأبى } قال امنن عليه بتوبة ~~يستحق بها مغفرتك. وأخرج البخاري، وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول ~~له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني، فيقول أبوه فاليوم لا أعصيك، فيقول ~~إبراهيم رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي؟ ~~الأبعد فيقول الله إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقول يا إبراهيم ما ~~تحت رجليك؟ فإذا هو بذيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار " # ، والذيخ هو الذكر من الضباع، فكأنه حول آزر إلى صورة ذيخ. وقد أخرجه ~~النسائي بأطول من هذا. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في ~~قوله { إلا من أتى الله بقلب سليم } قال شهادة أن لا ~~إله إلا الله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه { ~~فكبكبوا فيها } قال جمعوا فيها { هم والغاوون } قال مشركو ~~العرب والآلهة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا { فلو أن لنا ~~كرة } قال رجعة إلى الدنيا { فنكون من المؤمنين } حتى ~~تحل لنا الشفاعة كما حلت لهؤلاء. ### || [26.105-135] # قوله { كذبت قوم نوح المرسلين } أنث الفعل لكونه مسندا ~~إلى قوم، وهو في معنى الجماعة، أو الأمة، أو القبيلة، وأوقع التكذيب على ~~المرسلين، وهم لم يكذبوا إلا الرسول المرسل إليهم، لأن من كذب رسولا ~~فقد كذب الرسل، لأن كل رسول يأمر بتصديق غيره من الرسل. وقيل كذبوا ~~نوحا في الرسالة، وكذبوه فيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. { إذ ~~قال لهم أخوهم نوح } أي أخوهم من أبيهم، لا أخوهم في الدين. ~~وقيل هي ms2782 أخوة المجانسة، وقيل هو من قول العرب يا أخا بني تميم، يريدون ~~واحدا منهم { ألا تتقون } أي ألا تتقون الله بترك عبادة الأصنام، ~~وتجيبون رسوله الذي أرسله إليكم؟ { إني لكم رسول أمين } أي ~~إني لكم رسول من الله أمين فيما أبلغكم عنه، وقيل أمين فيما بينكم، فإنهم ~~كانوا قد عرفوا أمانته وصدقه { فاتقوا الله وأطيعون } أي ~~اجعلوا طاعة الله وقاية لكم من عذابه، وأطيعون فيما آمركم به عن الله من ~~الإيمان به وترك الشرك، والقيام بفرائض الدين { وما أسئلكم ~~عليه من أجر } أي ما أطلب منكم أجراعلى تبليغ الرسالة، ولا ~~أطمع في ذلك منكم { إن أجري } الذي أطلبه وأريده { إلا على ~~رب العلمين } أي ما أجري إلا عليه، وكرر قوله { فاتقوا ~~الله وأطيعون } للتأكيد والتقرير في النفوس مع كونه علق كل واحد ~~منهم بسبب، وهو الأمانة في الأول، وقطع الطمع في الثاني، ونظيره قولك ~~ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيرا؟ ألا تتقي الله في عقوقي وقد ~~علمتك كبيرا؟ وقدم الأمر بتقوى الله على الأمر بطاعته لأن تقوى الله ~~علة لطاعته. { قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } ~~الاستفهام للإنكار أي كيف نتبعك ونؤمن لك، والحال أن قد اتبعك الأرذلون؟ ~~وهم جمع أرذل، وجمع التكسير أرذال، والأنثى رذلى، وهم الأقلون جاها ~~ومالا، والرذالة الخسة والذلة، استرذلوهم لقلة أموالهم وجاههم، أو لاتضاع ~~أنسابهم. وقيل كانوا من أهل الصناعات الخسيسة، وقد تقدم تفسير هذه الآيات ~~في هود. وقرأ ابن مسعود، والضحاك، ويعقوب الحضرمي " وأتباعك الأرذلون " ~~قال النحاس وهي قراءة حسنة، لأن هذه الواو تتبعها الأسماء كثيرا، وأتباع ~~جمع تابع، فأجابهم نوح بقوله { وما علمي بما كانوا يعملون ~~} كان زائدة، والمعنى وما علمي بعملهم أي لم أكلف العلم بأعمالهم. إنما ~~كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان والإعتبار به، لا بالحرف والصنائع والفقر ~~والغنى، وكأنهم أشاروا بقولهم { واتبعك الأرذلون } إلى أن ~~إيمانهم لم يكن عن نظر صحيح، فأجابهم بهذا. وقيل المعنى إني لم أعلم أن ~~الله سيهديهم ويضلكم. { إن حسابهم إلا على ربي لو ~~تشعرون } أي ms2783 ما حسابهم، والتفتيش عن ضمائرهم وأعمالهم إلا على الله ~~لو كنتم من أهل الشعور والفهم، قرأ الجمهور { تشعرون } بالفوقية، وقرأ ~~ابن أبي عبلة وابن السميفع والأعرج وأبو زرعة بالتحتية، كأنه ترك الخطاب ~~للكفار، والتفت إلى الإخبار عنهم. # قال الزجاج والصناعات لا تضر في باب الديانات، وما أحسن ما قال { وما ~~أنا بطارد المؤمنين } هذا جواب من نوح على ما ظهر من كلامهم ~~من طلب الطرد لهم { إن أنا إلا نذير مبين } أي ما أنا إلا ~~نذير موضح لما أمرني الله سبحانه بإبلاغه إليكم، وهذه الجملة كالعلة لما ~~قبلها. { قالوا لئن لم تنته ينوح لتكونن من ~~المرجومين } أي إن لم تترك عيب ديننا وسب آلهتنا لتكونن من ~~المرجومين بالحجارة. وقيل من المشتومين، وقيل من المقتولين، فعدلوا بعد ~~تلك المحاورة بينهم وبين نوح إلى التجبر والتوعد، فلما سمع نوح قولهم ~~هذا، قال { رب إن قومي كذبون } أي أصروا على تكذيبي، ولم ~~يسمعوا قولي، ولا أجابوا دعائي { فافتح بيني وبينهم فتحا ~~} الفتح الحكم أي احكم بيني وبينهم حكما، وقد تقدم تحقيق معنى الفتح { ~~ونجني ومن معي من المؤمنين }. فلما دعا ربه بهذا الدعاء ~~استجاب له، فقال { فأنجينه ومن معه في الفلك ~~المشحون } أي السفينة المملوءة، والشحن ملء السفينة بالناس، ~~والدواب، والمتاع { ثم أغرقنا بعد البقين } أي ثم ~~أغرقنا بعد إنجائهم الباقين من قومه { إن في ذلك لآية } أي ~~علامة وعبرة عظيمة { وما كان أكثرهم مؤمنين } كان زائدة ~~عند سيبويه، وغيره على ما تقدم تحقيقه { وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم } أي القاهر لأعدائه، الرحيم بأوليائه. { ~~كذبت عاد المرسلين } أنث الفعل باعتبار إسناده إلى القبيلة، ~~لأن عادا اسم أبيهم الأعلى. ومعنى تكذيبهم المرسلين مع كونهم لم يكذبوا ~~إلا رسولا واحدا قد تقدم وجهه في قصة نوح قريبا { إذ قال لهم ~~أخوهم هود ألا تتقون } الكلام فيه كالكلام في قول نوح ~~المتقدم قريبا، وكذا قوله { إني لكم رسول أمين * ~~فاتقوا الله وأطيعون * وما أسئلكم عليه من ~~أجر إن أجرى إلا على رب العلمين } الكلام فيه ~~كالذي ms2784 قبله سواء { أتبنون بكل ريع ءاية تعبثون } الريع ~~المكان المرتفع من الأرض جمع ريعة، يقال كم ريع أرضك؟ أي كم ارتفاعها. ~~قال أبو عبيدة الريع الارتفاع جمع ريعة. وقال قتادة، والضحاك، والكلبي ~~الريع الطريق، وبه قال مقاتل والسدي. وإطلاق الريع على ما ارتفع من ~~الأرض معروف عند أهل اللغة، ومنه قول ذي الرمة # طراق الخوافي مشرف فوق ريعة بذي ليله في ريشه يترقرق # وقيل الريع الجبل، واحده ريعة، والجمع أرياع. وقال مجاهد هو الفج بين ~~الجبلين، وروي عنه أنه الثنية الصغيرة، وروي عنه أيضا أنه المنظرة. # ومعنى الآية أنكم تبنون بكل مكان مرتفع علما تعبثون ببنيانه، وتلعبون ~~بالمارة، وتسخرون منهم، لأنكم تشرفون من ذلك البناء المرتفع على الطريق، ~~فتؤذون المارة، وتسخرون منهم. وقال الكلبي إنه عبث العشارين بأموال من ~~يمر بهم حكاه الماوردي. قال ابن الأعرابي الريع الصومعة، والريع البرج ~~يكون في الصحراء، والريع التل العالي، وفي الريع لغتان كسر الراء ~~وفتحها. { وتتخذون مصانع } المصانع هي الأبنية التي يتخذها ~~الناس منازل. قال أبو عبيدة كل بناء مصنعة منه، وبه قال الكلبي وغيره، ~~ومنه قول الشاعر # تركن دارهم منهم قفارا وهدمنا المصانع والبروجا # وقيل هي الحصون المشيدة، قاله مجاهد، وغيره، وقال الزجاج إنها مصانع ~~الماء التي تجعل تحت الأرض واحدتها مصنعة ومصنع، ومنه قول لبيد # بلينا وما تبلى النجوم الطوالع وتبقى الجبال بعدنا والمصانع # وليس في هذا البيت ما يدل صريحا على ما قاله الزجاج، ولكنه قال ~~الجوهري المصنعة بضم النون الحوض يجمع فيه ماء المطر، والمصانع الحصون. ~~وقال عبد الرزاق المصانع عندنا بلغة اليمن القصور العالية. ومعنى { ~~لعلكم تخلدون } راجين أن تخلدوا، وقيل إن لعل هنا للاستفهام ~~التوبيخي أي هل تخلدون، كقولهم لعلك تشتمني أي هل تشتمني؟ وقال الفراء كي ~~تخلدوا، لا تتفكرون في الموت. وقيل المعنى كأنكم باقون مخلدون. قرأ ~~الجمهور { تخلدون } مخففا. وقرأ قتادة بالتشديد. وحكى النحاس أن في بعض ~~القراءات { كأنكم مخلدون } ، وقرأ ابن مسعود " كي تخلدوا ". { وإذا ~~بطشتم بطشتم جبارين } البطش السطوة والأخذ بالعنف. قال ~~مجاهد ms2785 وغيره البطش العسف قتلا بالسيف، وضربا بالسوط. والمعنى فعلتم ذلك ~~ظلما، وقيل هو القتل على الغضب قاله الحسن، والكلبي. قيل والتقدير وإذا ~~أردتم البطش، لئلا يتحد الشرط، والجزاء، وانتصاب { جبارين } على الحال. ~~قال الزجاج إنما أنكر عليهم ذلك لأنه ظلم، وأما في الحق، فالبطش بالسوط ~~والسيف جائز. ثم لما وصفهم بهذه الأوصاف القبيحة الدالة على الظلم ~~والعتو والتمرد والتجبر أمرهم بالتقوى، فقال { فاتقوا الله ~~وأطيعون } أجمل التقوى ثم فصلها بقوله { واتقوا الذي ~~أمدكم بما تعلمون * أمدكم بأنعم وبنين } ، ~~وأعاد الفعل للتقرير والتأكيد { وجنت وعيون } أي بساتين، ~~وأنهار وأبيار. ثم وعظهم وحذرهم فقال { إني أخاف عليكم عذاب ~~يوم عظيم } إن كفرتم، وأصررتم على ما أنتم فيه ولم تشكروا هذه ~~النعم، والمراد بالعذاب العظيم الدنيوي والأخروي. وقد أخرج ابن المنذر عن ~~ابن عباس { قالوا أنؤمن لك } أي أنصدقك؟. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن مجاهد { واتبعك الأرذلون } قال الحواكون. وأخرج أيضا عن ~~قتادة قال سفلة الناس، وأراذلهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس { الفلك المشحون } قال الممتلىء. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه، أنه قال «أتدرون ما المشحون؟ قلنا ~~لا، قال هو الموقر». وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال هو المثقل. وأخرج ابن ~~جرير عنه أيضا { بكل ريع } قال طريق { ءاية } قال علما { ~~تعبثون } قال تلعبون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ~~أيضا { بكل ريع } قال شرف. وأخرجوا أيضا عنه { لعلكم ~~تخلدون } قال كأنكم تخلدون. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا { ~~جبارين } قال أقوياء. ### || [26.136-159] # أي وعظك، وعدمه { سوآء } عندنا لا نبالي بشيء منه، ولا نلتفت إلى ما ~~تقوله. وقد روى العباس عن أبي عمرو، وروى بشر عن الكسائي { أوعظت } ~~بإدغام الظاء في التاء، وهو بعيد، لأن حرف الظاء حرف إطباق إنما يدغم ~~فيما قرب منه جدا، وروى ذلك عن عاصم والأعمش وابن محيصن. وقرأ الباقون ~~بإظهار الظاء { إن هذا إلا خلق الأولين } أي ما هذا ~~الذي جئتنا به، ودعوتنا إليه ms2786 من الدين إلا خلق الأولين أي عادتهم التي ~~كانوا عليها. وقيل المعنى ما هذا الذي نحن عليه إلا خلق الأولين ~~وعادتهم، وهذا بناء على ما قاله الفراء، وغيره إن معنى { خلق ~~الأولين } عادة الأولين. قال النحاس خلق الأولين عند الفراء بمعنى ~~عادة الأولين. وحكى لنا محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد قال { خلق ~~الأولين } مذهبهم، وما جرى عليه أمرهم. والقولان متقاربان. قال وحكى ~~لنا محمد بن يزيد أن معنى { خلق الأولين } تكذيبهم. قال مقاتل ~~قالوا ما هذا الذي تدعونا إليه إلا كذب الأولين. قال الواحدي وهو قول ~~ابن مسعود ومجاهد. قال والخلق والاختلاق الكذب، ومنه قوله # وتخلقون إفكا # العنكبوت 17. قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب " خلق الأولين " ~~بفتح الخاء، وسكون اللام. وقرأ الباقون بضم الخاء، واللام. قال الهروي ~~معناه على القراءة الأولى اختلاقهم، وكذبهم. وعلى القراءة الثانية ~~عادتهم، وهذا التفصيل لا بد منه. قال ابن الأعرابي الخلق الدين، والخلق ~~الطبع، والخلق المروءة. وقرأ أبو قلابة بضم الخاء، وسكون اللام، وهي ~~تخفيف لقراءة الضم لهما، والظاهر أن المراد بالآية هو قول من قال ما هذا ~~الذي نحن عليه إلا عادة الأولين وفعلهم، ويؤيده قولهم { وما نحن ~~بمعذبين } أي على ما نفعل من البطش، ونحوه مما نحن عليه الآن. { ~~فكذبوه فأهلكنهم } أي بالريح كما صرح القرآن في غير هذا ~~الموضع بذلك { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم } تقدم ~~تفسير هذا قريبا في هذه السورة. ثم لما فرغ سبحانه من ذكر قصة هود ~~وقومه، ذكر قصة صالح وقومه، وكانوا يسكنون الحجر، فقال { كذبت ~~ثمود } إلى قوله { إلا على رب العلمين } قد تقدم ~~تفسيره في قصة هود المذكورة قبل هذه القصة. { أتتركون في ما ~~هاهنا ءامنين } الاستفهام للإنكار. أي أتتركون في هذه النعم التي ~~أعطاكم الله آمنين من الموت والعذاب باقين في الدنيا. ولما أبهم النعم في ~~هذا فسرها بقوله { في جنت وعيون * وزروع ونخل ~~طلعها هضيم } ، والهضيم النضيح الرخص اللين اللطيف، والطلع ما ~~يطلع ms2787 من الثمر، وذكر النخل مع دخوله تحت الجنات لفضله على سائر الأشجار، ~~وكثيرا ما يذكرون الشيء الواحد بلفظ يعمه وغيره كما يذكرون النعم ولا ~~يقصدون إلا الإبل، وهكذا يذكرون الجنة، ولا يريدون إلا النخل. # قال زهير # كأن عيني في غربي مقبلة من النواضح تسقي جنة سحقا # وسحقا جمع سحوق، ولا يوصف به إلا النخل. وقيل المراد بالجنات غير ~~النخل من الشجر، والأول أولى. وحكى الماوردي في معنى { هضيم } اثني عشر ~~قولا، أحسنها وأوفقها للغة ما ذكرناه. { وتنحتون من الجبال ~~بيوتا فرهين } النحت النجر، والبري، نحته ينحته بالكسر براه. ~~والنحاتة البراية، وكانوا ينحتون بيوتهم من الجبال لما طالت أعمارهم ~~وتهدم بناؤهم من المدر. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن ذكوان { فرهين } ~~بغير ألف. وقرأ الباقون { فارهين } بالألف. قال أبو عبيدة وغيره وهما ~~بمعنى واحد. والفره النشاط، وفرق بينهما أبو عبيد وغيره فقالوا { فارهين ~~} حاذقين بنحتها، وقيل متجبرين، و " فرهين " بطرين أشرين، وبه قال مجاهد، ~~وغيره. وقيل شرهين. وقال الضحاك كيسين. وقال قتادة معجبين ناعمين آمنين، ~~وبه قال الحسن. وقيل فرحين، قاله الأخفش. وقال ابن زيد أقوياء { ~~فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر ~~المسرفين } أي المشركين، وقيل الذين عقروا الناقة، ثم وصف هؤلاء ~~المسرفين بقوله. { الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون ~~} أي ذلك دأبهم يفعلون الفساد في الأرض، ولا يصدر منهم الصلاح ألبتة { ~~قالوا إنما أنت من المسحرين } أي الذين أصيبوا بالسحر ~~قاله مجاهد، وقتادة. وقيل المسحر هو المعلل بالطعام والشراب قاله الكلبي، ~~وغيره، فيكون المسحر الذي له سحر، وهو الرئة، فكأنهم قالوا إنما أنت بشر ~~مثلنا تأكل وتشرب. قال الفراء أي إنك تأكل الطعام والشراب، وتسحر به، ~~ومنه قول امرىء القيس أو لبيد # فإن تسألينا فيم نحن؟ فإننا عصافير من هذا الأنام المسحر # وقال امرؤ القيس أيضا # أرانا موضعين لحتم غيب ونسحر بالطعام وبالشراب # قال المؤرج المسحر المخلوق بلغة ربيعة. { ما أنت إلا بشر ~~مثلنا فأت بئاية إن كنت من الصدقين } في قولك، ~~ودعواك { قال هذه ناقة } الله { لها شرب ولكم ms2788 شرب ~~يوم معلوم } أي لها نصيب من الماء، ولكم نصيب منه معلوم، ليس لكم ~~أن تشربوا في اليوم الذي هو نصيبها، ولا هي تشرب في اليوم الذي هو ~~نصيبكم. قال الفراء الشرب الحظ من الماء. قال النحاس فأما المصدر، فيقال ~~فيه شرب شربا، وشربا، وأكثرها المضموم، والشرب بفتح الشين جمع شارب، ~~والمراد هنا الشرب بالكسر، وبه قرأ الجمهور فيهما، وقرأ ابن أبي عبلة ~~بالضم فيهما { ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم ~~عظيم } أي لا تمسوها بعقر، أو ضرب، أو شيء مما يسوؤها، وجواب النهي ~~فيأخذكم { فعقروها فأصبحوا ندمين } على عقرها، لما ~~عرفوا أن العذاب نازل بهم، وذلك أنه أنظرهم ثلاثا، فظهرت عليهم العلامة ~~في كل يوم، وندموا حيث لا ينفع الندم، لأن ذلك لا يجدي عند معاينة ~~العذاب وظهور آثاره. # { فأخذهم العذاب } الذي وعدهم به. وقد تقدم تفسير قوله { ~~إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم } في هذه السورة، وتقدم ~~أيضا تفسير قصة صالح وقومه في غير هذه السورة. وقد أخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ونخل طلعها هضيم } قال ~~معشب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال أينع وبلغ. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عنه أيضا قال أرطب واسترخى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه أيضا في قوله { فرهين } قال حاذقين. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عنه قال { فرهين } أشرين. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال شرهين. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر والخطيب وابن عساكر من طرق عن ابن عباس في ~~قوله { إنما أنت من المسحرين } قال من المخلوقين، وأنشد ~~قول لبيد بن ربيعة # فإن تسألينا فيم نحن.. ........ البيت # وأخرج عبد بن حميد عنه أيضا في قوله { لها شرب } قال إذا كان ~~يومها أصدر لها لبنا ما شاؤوا. ### || [26.160-191] # ذكر سبحانه القصة السادسة من قصص الأنبياء مع قومهم، وهي قصة لوط. وقد ms2789 ~~تقدم تفسير قوله { إذ قال لهم } إلى قوله { إلا على رب ~~العلمين } في هذه السورة، وتقدم أيضا تفسير قصة لوط مستوفى في ~~الأعراف قوله { أتأتون الذكران من العلمين } الذكران ~~جمع الذكر ضد الأنثى، ومعنى { تأتون } تنكحون الذكران من العالمين، وهم ~~بنو آدم، أو كل حيوان، وقد كانوا يفعلون ذلك بالغرباء على ما تقدم في ~~الأعراف. { وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزوجكم } ~~أي وتتركون ما خلقه الله لأجل استمتاعكم به من النساء، وأراد بالأزواج ~~جنس الإناث { بل أنتم قوم عادون } أي مجاوزون للحد في جميع ~~المعاصي، ومن جملتها هذه المعصية التي ترتكبونها من الذكران { قالوا ~~لئن لم تنته يلوط } عن الإنكار علينا، وتقبيح أمرنا { ~~لتكونن من المخرجين } من بلدنا المنفيين عنها { قال ~~إني لعملكم } ، وهو ما أنتم فيه من إتيان الذكران { من ~~القلين } المبغضين له، والقلي البغض، قليته أقليه قلا، وقلاء، ومنه ~~قول الشاعر # فلست بمقلي الخلال ولا قالي # وقال الآخر # ومالك عندي إن نأيت قلاء # ثم رغب عليه الصلاة والسلام عن محاورتهم، وطلب من الله عز وجل أن ~~ينجيه، فقال { رب نجنى وأهلى مما يعملون } أي من عملهم ~~الخبيث، أو من عقوبته التي ستصيبهم، فأجاب الله سبحانه دعاءه، وقال { ~~فنجينه وأهله أجمعين } أي أهل بيته، ومن تابعه على ~~دينه، وأجاب دعوته { إلا عجوزا في الغبرين } هي امرأة لوط، ~~ومعنى { في الغبرين } من الباقين في العذاب. وقال أبو عبيدة من ~~الباقين في الهرم أي بقيت حتى هرمت. قال النحاس يقال للذاهب غابر، ~~وللباقي غابر. قال الشاعر # لا تكسع الشول بأغبارها إنك لا تدري من الناتج # والأغبار بقية الألبان، وتقول العرب ما مضى، وما غبر أي ما مضى، وما بقي ~~{ ثم دمرنا الآخرين } أي أهلكناهم بالخسف، والحصب. { ~~وأمطرنا عليهم مطرا } يعني الحجارة { فساء مطر ~~المنذرين } المخصوص بالذم محذوف، والتقدير مطرهم، وقد تقدم تفسير ~~{ إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم } في هذه السورة. { ~~كذب أصحب لئيكة المرسلين } قرأ نافع وابن كثير ~~وابن عامر " ليكة " بلام ms2790 واحدة وفتح التاء جعلوه اسما غير معرف بأل ~~مضافا إليه أصحاب، وقرأ الباقون. { الأيكة } معرفا، و { الأيكة } الشجر ~~الملتف، وهي الغيضة، وليكة اسم للقرية، وقيل هما بمعنى واحد اسم للغيضة. ~~قال القرطبي فأما ما حكاه أبو عبيد من أن ليكة اسم القرية التي كانوا ~~فيها، وأن الأيكة اسم البلد كله، فشيء لا يثبت، ولا يعرف من قاله ولو عرف ~~لكان فيه نظر لأن أهل العلم جميعا على خلافه. # قال أبو علي الفارسي الأيكة تعريف أيكة، فإذا حذفت الهمزة تخفيفا ~~ألقيت حركتها على اللام. قال الخليل الأيكة غيضة تنبت السدر والأراك ~~ونحوهما من ناعم الشجر { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } ~~لم يقل أخوهم كما قال في الأنبياء قبله لأنه لم يكن من أصحاب الأيكة في ~~النسب، فلما ذكر مدين قال أخاهم شعيبا لأنه كان منهم، وقد مضى تحقيق ~~نسبه في الأعراف، وقد تقدم تفسير قوله { إني لكم رسول أمين } ~~إلى قوله تعالى { إلا على رب العلمين } في هذه السورة. ~~قوله { أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين } أي ~~أتموا الكيل لمن أراده، وعامل به، ولا تكونوا من المخسرين الناقصين للكيل ~~والوزن، يقال أخسرت الكيل والوزن أي نقصته، ومنه قوله تعالى # وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون # المطففين 3، ثم زاد سبحانه في البيان، فقال { وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم } أي أعطوا الحق بالميزان السوي، وقد مر بيان تفسير ~~هذا في سورة سبحان، وقد قرىء { بالقسطاس } مضموما، ومكسورا { ولا ~~تبخسوا الناس أشياءهم } البخس النقص، يقال بخسه حقه إذا ~~نقصه، أي لا تنقصوا الناس حقوقهم التي لهم، وهذا تعميم بعد التخصيص، وقد ~~تقدم تفسيره في سورة هود، وتقدم أيضا تفسير { ولا تعثوا فى ~~الأرض مفسدين } فيها، وفي غيرها { واتقوا الذى ~~خلقكم والجبلة الأولين } قرأ الجمهور بكسر الجيم والباء ~~وتشديد اللام، وقرأ أبو حصين والأعمش والحسن والأعرج وشيبة بضمهما وتشديد ~~اللام، وقرأ السلمي بفتح الجيم مع سكون الباء. والجبلة الخليقة قاله ~~مجاهد، وغيره يعني الأمم المتقدمة، يقال جبل فلان على كذا أي خلق. قال ~~النحاس الخلق يقال له ms2791 جبلة بكسر الحرفين الأولين وبضمهما مع تشديد اللام ~~فيهما، وبضم الجيم وفتحها وسكون الباء، قال الهروي الجبلة والجبلة ~~والجبل والجبل لغات، وهو الجمع ذو العدد الكثير من الناس، ومنه ~~قوله تعالى # جبلا كثيرا # يس 62 أي خلقا كثيرا، ومن ذلك قول الشاعر # والموت أعظم حادث فيما يمر على الجبلة # { قالوا إنما أنت من المسحرين * وما أنت إلا ~~بشر مثلنا } قد تقدم تفسيره مستوفى في هذه السورة. { وإن ~~نظنك لمن الكذبين } " إن " هي المخففة من الثقيلة عملت ~~في ضمير شأن مقدر، واللام هي الفارقة أي فيما تدعيه علينا من الرسالة، ~~وقيل هي النافية، واللام بمعنى إلا أي ما نظنك إلا من الكاذبين، ~~والأول أولى. { فأسقط علينا كسفا من السماء } كان شعيب ~~يتوعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا، فقالوا له هذا القول نعتا واستبعادا ~~وتعجيزا. والكسف القطعة. قال أبو عبيدة الكسف جمع كسفة مثل سدر وسدرة. ~~قال الجوهري الكسفة القطعة من الشيء، يقال أعطني كسفة من ثوبك، والجمع ~~كسف، وقد مضى تحقيق هذا في سورة سبحان. # { إن كنت من الصدقين } في دعواك { قال ربي أعلم ~~بما تعملون } من الشرك، والمعاصي، فهو مجازيكم على ذلك إن شاء، ~~وفي هذا تهديد شديد { فكذبوه } ، فاستمروا على تكذيبه، وأصروا على ~~ذلك { فأخذهم عذاب يوم الظلة } ، والظلة السحاب، أقامها ~~الله فوق رؤوسهم، فأمطرت عليهم نارا، فهلكوا، وقد أصابهم الله بما ~~اقترحوا لأنهم إن أرادوا بالكسف القطعة من السحاب فظاهر، وإن أرادوا بها ~~القطعة من السماء، فقد نزل عليهم العذاب من جهتها، وأضاف العذاب إلى يوم ~~الظلة لا إلى الظلة تنبيها على أن لهم في ذلك اليوم عذابا غير عذاب ~~الظلة، كذا قيل. ثم وصف سبحانه هذا العذاب الذي أصابهم بقوله { إنه ~~كان عذاب يوم عظيم } لما فيه من الشدة عليهم التي لا يقادر ~~قدرها، وقد تقدم تفسير قوله { إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم } في هذه السورة مستوفى، فلا نعيده، وفي هذا التكرير لهذه ~~الكلمات في آخر هذه القصص من التهديد ms2792 والزجر والتقرير والتأكيد ما لا ~~يخفى على من يفهم مواقع الكلام ويعرف أساليبه. وقد أخرج الفريابي وابن ~~أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في ~~قوله { وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزوجكم } قال ~~تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال وأدبار النساء. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن المنذر عن عكرمة نحوه. وأخرجا أيضا عن قتادة { إلا عجوزا في ~~الغبرين } قال هي امرأة لوط غبرت في عذاب الله. وأخرج عبد بن حميد ~~عن مجاهد " ليكة " قال هي الأيكة. وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن ~~عباس في قوله { كذب أصحب لئيكة المرسلين } قال ~~كانوا أصحاب غيضة من ساحل البحر إلى مدين { إذ قال لهم شعيب } ~~، ولم يقل أخوهم شعيب. لأنه لم يكن من جنسهم { ألا تتقون } كيف لا ~~تتقون وقد علمتم أني رسول أمين، لا تعتبرون من هلاك مدين، وقد أهلكوا ~~فيما يأتون؟ وكان أصحاب الأيكة مع ما كانوا فيه من الشرك استنوا بسنة ~~أصحاب مدين، فقال لهم شعيب { إني لكم رسول أمين * ~~فاتقوا الله وأطيعون * وما أسئلكم } على ما أدعوكم ~~إليه { من أجر } في العاجل من أموالكم إن أجري إلا على ~~رب العلمين. { واتقوا الذي خلقكم والجبلة ~~الأولين } يعني القرون الأولين الذي أهلكوا بالمعاصي، ولا تهلكوا ~~مثلهم. { قالوا إنما أنت من المسحرين } يعني من ~~المخلوقين. { وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك ~~لمن الكذبين * فأسقط علينا كسفا من السماء } ~~يعني قطعا من السماء { فأخذهم عذاب يوم الظلة } أرسل ~~الله إليهم سموما من جهنم، فأطاف بهم سبعة أيام حتى أنضجهم الحر، فحميت ~~بيوتهم، وغلت مياههم في الآبار، والعيون، فخرجوا من منازلهم ومحلتهم ~~هاربين، والسموم معهم، فسلط الله عليهم الشمس من فوق رؤوسهم، فغشيتهم ~~حتى تقلقلت فيها جماجمهم، وسلط الله عليهم الرمضاء من تحت أرجلهم حتى ~~تساقطت لحوم أرجلهم ثم نشأت لهم ظلة كالسحابة السوداء، فلما رأوها ~~ابتدروها يستغيثون بظلها حتى إذا كانوا جميعا أطبقت عليهم فهلكوا ونجى ~~الله شعيبا والذين آمنوا معه. # وأخرج ms2793 ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال { والجبلة ~~الأولين } الخلق الأولين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والحاكم عنه أيضا أنه سئل عن قوله { فأخذهم عذاب ~~يوم الظلة } قال بعث الله عليهم حرا شديدا، فأخذ بأنفاسهم، ~~فدخلوا أجواف البيوت، فدخل عليهم أجوافها فأخذ بأنفسهم، فخرجوا من البيوت ~~هربا إلى البرية، فبعث الله عليهم سحابة، فأظلتهم من الشمس فوجدوا لها ~~بردا ولذة، فنادى بعضهم بعضا حتى إذا اجتمعوا تحتها أسقط الله عليهم ~~نارا، فذلك عذاب يوم الظلة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عنه ~~أيضا قال من حدثك من العلماء عذاب يوم الظلة، فكذبه. أقول فما نقول له ~~رضي الله عنه فيما حدثنا به من ذلك مما نقلناه عنه ها هنا؟ ويمكن أن ~~يقال إنه لما كان هو البحر الذي علمه الله تأويل كتابه بدعوة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم كان مختصا بمعرفة هذا الحديث دون غيره من أهل العلم، فمن ~~حدث بحديث عذاب الظلة على وجه غير هذا الوجه الذي حدثنا به، فقد وصانا ~~بتكذيبه، لأنه قد علمه، ولم يعلمه غيره. ### || [26.192-227] # قوله { وإنه لتنزيل رب العلمين } الضمير يرجع إلى ما ~~نزله عليه من الأخبار أي وإن هذه الأخبار أو وإن القرآن، وإن لم يجر له ~~ذكر للعلم به، قيل وهو على تقدير مضاف محذوف أي ذو تنزيل، وأما إذا كان ~~تنزيل بمعنى منزل فلا حاجة إلى تقدير مضاف قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~وحفص عن عاصم { نزل } مخففا، وقرأه الباقون مشددا، و { والروح ~~الأمين } على القراءة الثانية منصوب على أنه مفعول به، وقد اختار هذه ~~القراءة أبو حاتم وأبو عبيد، والروح الأمين جبريل، كما في قوله # قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على ~~قلبك # البقرة 97، ومعنى { على قلبك } أنه تلاه على قلبه، ووجه تخصيص ~~القلب، لأنه أول مدرك من الحواس الباطنة. قال أبو حيان إن { على قلبك } ~~، ولتكون متعلقان بنزل، وقيل يجوز أن يتعلقا بتنزيل، والأول أولى، وقرىء ~~" نزل ms2794 " مشددا مبنيا للمفعول، والفاعل هو الله تعالى، ويكون الروح ~~على هذه القراءة مرفوعا على النيابة { لتكون من المنذرين } ~~علة للإنزال أي أنزله لتنذرهم بما تضمنه من التحذيرات والإنذارات ~~والعقوبات. { بلسان عربى مبين } متعلق بالمنذرين أي لتكون من ~~المنذرين بهذا اللسان، وجوز أبو البقاء أن يكون بدلا من { به } ، وقيل ~~متعلق بنزل، وإنما أخر للاعتناء بذكر الإنذار، وإنما جعل الله سبحانه ~~القرآن عربيا بلسان الرسول العربي لئلا يقول مشركو العرب لسنا نفهم ما ~~تقوله بغير لساننا فقطع بذلك حجتهم وأزاح علتهم ودفع معذرتهم. { ~~وإنه لفي زبر الأولين } أي إن هذا القرآن باعتبار أحكامه ~~التي أجمعت عليها الشرائع في كتب الأولين من الأنبياء، والزبر الكتب، ~~الواحد زبور، وقد تقدم الكلام على تفسير مثل هذا. وقيل الضمير لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقيل المراد بكون القرآن في زبر الأولين أنه ~~مذكور فيها هو نفسه، لا ما اشتمل عليه من الأحكام، والأول أولى. { ~~أولم يكن لهم ءاية أن يعلمه علماء بني ~~إسرءيل } الهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدر كما تقدم مرارا، ~~والآية العلامة والدلالة أي ألم يكن لهؤلاء علامة دالة على أن القرآن حق، ~~وأنه تنزيل رب العالمين. وأنه في زبر الأولين، { أن يعلمه علماء بني ~~إسرائيل } على العموم، أو من آمن منهم كعبد الله بن سلام، وإنما صارت ~~شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين لأنهم كانوا يرجعون إليهم ويصدقونهم. ~~قرأ ابن عامر " تكن " بالفوقية، " وآية " بالرفع على أنها اسم كان، ~~وخبرها أن يعلمه إلخ، ويجوز أن تكون تامة، وقرأ الباقون " يكن " ~~بالتحتية، و { آية } بالنصب على أنها خبر { يكن } ، واسمها { أن يعلمه } ~~الخ، قال الزجاج { أن يعلمه } اسم { يكن } ، و { آية } خبره. # والمعنى أو لم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل أن محمدا نبي حق علامة ~~ودلالة على نبوته لأن العلماء الذين آمنوا من بني إسرائيل كانوا يخبرون ~~بوجود ذكره في كتبهم، وكذا قال الفراء، ووجها قراءة الرفع بما ذكرنا. وفي ~~قراءة ابن عامر نظر، لأن جعل النكرة اسما، والمعرفة خبرا غير ms2795 سائغ، وإن ~~ورد شاذا في مثل قول الشاعر # فلا يك موقف منك الوداعا # وقول الآخر # وكان مزاجها عسل وماء # ولا وجه لما قيل إن النكرة قد تخصصت بقولهم { لهم } لأنه في محل نصب ~~على الحال والحال صفة في المعنى فأحسن ما يقال في التوجيه ما قدمنا ذكره ~~من أن { يكن } تامة { ولو نزلنه على بعض الأعجمين ~~} أي لو نزلنا القرآن على الصفة التي هو عليها على رجل من الأعجمين الذي ~~لا يقدرون على التكلم بالعربية. { فقرأه عليهم } قراءة صحيحة { ~~ما كانوا به مؤمنين } مع انضمام إعجاز القراءة من الرجل ~~الأعجمي للكلام العربي إلى إعجاز القرآن. وقيل المعنى ولو نزلناه على ~~بعض الأعجمين بلغة العجم، فقرأه عليهم بلغته لم يؤمنوا به، وقالوا ما ~~نفقه هذا، ولا نفهمه، ومثل هذا قوله # ولو جعلنه قرءانا أعجميا لقالوا لولا ~~فصلت ءايته # فصلت 44 يقال رجل أعجم، وأعجمي إذا كان غير فصيح اللسان، وإن كان ~~عربيا، ورجل عجمي إذا كان أصله من العجم، وإن كان فصيحا، إلا أن ~~الفراء أجاز أن يقال رجل عجمي بمعنى أعجمي، وقرأ الحسن " على بعض ~~الأعجميين " ، وكذلك قرأ الجحدري. قال أبو الفتح بن جني أصل الأعجمين ~~الأعجميين، ثم حذفت ياء النسب، وجعل جمعه بالياء والنون دليلا عليها. { ~~كذلك سلكناه في قلوب المجرمين } أي مثل ذلك السلك ~~سلكناه أي أدخلناه في قلوبهم يعني القرآن حتى فهموا معانيه وعرفوا فصاحته ~~وأنه معجز. وقال الحسن وغيره سلكنا الشرك والتكذيب في قلوب المجرمين. ~~وقال عكرمة سلكنا القسوة، والأول أولى، لأن السياق في القرآن، وجملة { ~~لا يؤمنون } تحتمل وجهين الأول الاستئناف على جهة البيان والإيضاح ~~لما قبلها. والثاني أنها في محل نصب على الحال من الضمير في { سلكناه } ، ~~ويجوز أن يكون حالا من { المجرمين }. وأجاز الفراء الجزم في { لا يؤمنون ~~} ، لأن فيه معنى الشرط، والمجازاة، وزعم أن من شأن العرب إذا وضعت " لا ~~" موضع " كيلا " مثل هذا ربما جزمت ما بعدها، وربما رفعت، فتقول ربطت ~~الفرس لا ينفلت بالرفع والجزم لأن معناه إن لم أربطه ms2796 ينفلت، وأنشد لبعض ~~بني عقيل # وحتى رأينا أحسن الفعل بيننا مساكنه لا يقرف الشر قارف # بالرفع، ومن الجزم قول الآخر # لطال ما حللتماها لا ترد فخلياها والسجال تبترد # قال النحاس وهذا كله في { لا يؤمنون } خطأ عند البصريين، ولا يجوز الجزم ~~بلا جازم { حتى يروا العذاب الأليم } أي لا يؤمنون إلى هذه ~~الغاية، وهي مشاهدتهم للعذاب الأليم { فيأتيهم } العذاب { بغتة ~~} أي فجأة والحال أنهم { لا يشعرون } بإتيانه، وقرأ الحسن " ~~فتأتيهم " بالفوقية أي الساعة، وإن لم يتقدم لها ذكر، لكنه قد دل ~~العذاب عليها. { فيقولوا هل نحن منظرون } أي مؤخرون، ~~وممهلون، قالوا هذا تحسرا على ما فات من الإيمان، وتمنيا للرجعة إلى ~~الدنيا، لاستدراك ما فرط منهم. وقيل إن المراد بقولهم { هل نحن ~~منظرون } الاستعجال للعذاب على طريقة الاستهزاء لقوله { ~~أفبعذابنا يستعجلون } ، ولا يخفى ما في هذا من البعد ~~والمخالفة للمعنى الظاهر، فإن معنى { هل نحن منظرون } طلب ~~النظرة والإمهال، وأما قوله { أفبعذابنا يستعجلون } ~~فالمراد به الرد عليهم، والإنكار لما وقع منهم من قولهم # فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ~~أليم # الأنفال 32، وقولهم # فأتنا بما تعدنا # الأعراف 70 { أفرأيت إن متعنهم سنين } الاستفهام ~~للإنكار، والفاء للعطف على مقدر يناسب المقام كما مر في غير موضع، ~~ومعنى أرأيت أخبرني، والخطاب لكل من يصلح له أي أخبرني إن متعناهم سنين ~~في الدنيا متطاولة، وطولنا لهم الأعمار { ثم جاءهم ما كانوا ~~يوعدون } من العذاب، والهلاك { ما أغنى عنهم ما كانوا ~~يمتعون } " ما " هي الاستفهامية، والمعنى أي شيء أغنى عنهم كونهم ~~ممتعين ذلك التمتع الطويل، و «ما» في { ما كانوا يمتعون } ~~يجوز أن تكون المصدرية، ويجوز أن تكون الموصولة، والاستفهام للإنكار ~~التقريري، ويجوز أن تكون " ما " الأولى نافية، والمفعول محذوف أي لم يغن ~~عنهم تمتيعهم شيئا، وقرىء " يمتعون " بإسكان الميم، وتخفيف التاء من ~~أمتع الله زيدا بكذا { وما أهلكنا من قرية إلا لها ~~منذرون } " من " مزيدة للتأكيد أي وما أهلكنا قرية من القرى إلا لها ~~منذرون. وجملة { إلا لها منذرون } يجوز أن تكون ms2797 صفة لقرية، ~~ويجوز أن تكون حالا منها، وسوغ ذلك سبق النفي، والمعنى ما أهلكنا قرية ~~من القرى إلا بعد الإنذار إليهم، والإعذار بإرسال الرسل وإنزال الكتب، ~~وقوله { ذكرى } بمعنى تذكرة، وهي في محل نصب على العلة أو المصدرية. ~~وقال الكسائي { ذكرى } في موضع نصب على الحال. وقال الفراء، والزجاج إنها ~~في موضع نصب على المصدرية أي يذكرون ذكرى. قال النحاس وهذا قول صحيح، لأن ~~معنى { إلا لها منذرون } إلا لها مذكرون. قال الزجاج ويجوز أن ~~يكون ذكرى في موضع رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف أي إنذارنا ذكرى، أو ذلك ~~ذكرى. قال ابن الأنباري المعنى هي ذكرى، أو يذكرهم ذكرى، وقد رجح الأخفش ~~أنها خبر مبتدأ محذوف { وما كنا ظلمين } في تعذيبهم، فقد ~~قدمنا الحجة إليهم وأنذرناهم وأعذرنا إليهم. # { وما تنزلت به الشيطين } أي بالقرآن، وهذا رد لما ~~زعمه الكفرة في القرآن أنه من قبيل ما يلقيه الشياطين على الكهنة { وما ~~ينبغي لهم } ذلك، ولا يصح منهم { وما يستطيعون } ما نسبه ~~الكفار إليهم أصلا { إنهم عن السمع } للقرآن، أو لكلام ~~الملائكة { لمعزولون } محجوبون مرجومون بالشهب. وقرأ الحسن وابن ~~السميفع والأعمش " وما تنزلت به الشياطون " بالواو والنون إجراء له مجرى ~~جمع السلامة. قال النحاس وهذا غلط عند جميع النحويين. قال وسمعت علي بن ~~سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول هذا من غلط العلماء، وإنما يكون ~~بشبهة لما رأى الحسن في آخره ياء ونونا، وهو في موضع رفع اشتبه عليه ~~بالجمع السالم، فغلط. قال الفراء غلط الشيخ يعني الحسن، فقيل ذلك للنضر ~~بن شميل، فقال إن جاز أن يحتج بقول رؤبة والعجاج وذويهما جاز أن يحتج ~~بقول الحسن وصاحبه يعني محمد بن السميفع مع أنا نعلم أنهما لم يقرآ بذلك ~~إلا وقد سمعا فيه شيئا. وقال المؤرج إن كان الشيطان من شاط يشيط كان ~~لقراءتهما وجه. قال يونس بن حبيب سمعت أعرابيا يقول دخلنا بساتين من ~~ورائها بساتون. ثم لما قرر سبحانه حقية القرآن، وأنه منزل من عنده أمر ~~نبيه صلى ms2798 الله عليه وسلم بدعاء الله وحده فقال { فلا تدع مع ~~الله إلها ءاخر فتكون من المعذبين } ، وخطاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم بهذا مع كونه منزها عنه معصوما منه لحث ~~العباد على التوحيد، ونهيهم عن شوائب الشرك، وكأنه قال أنت أكرم الخلق ~~علي، وأعزهم عندي، ولو اتخذت معي إلها لعذبتك، فكيف بغيرك من ~~العباد { وأنذر عشيرتك الأقربين } خص الأقربين لأن ~~الاهتمام بشأنهم أولى، وهدايتهم إلى الحق أقدم. قيل هم قريش، وقيل بنو ~~عبد مناف، وقيل بنو هاشم. وقد ثبت في الصحيح أن هذه الآية لما نزلت دعا ~~النبي صلى الله عليه وسلم قريشا، فاجتمعوا فعم وخص، فذلك منه صلى الله ~~عليه وسلم بيان للعشيرة الأقربين، وسيأتي بيان ذلك. { واخفض ~~جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } يقال خفض جناحه إذا ~~ألانه، وفيه استعارة حسنة. والمعنى ألن جناحك وتواضع لمن اتبعك من ~~المؤمنين، وأظهر لهم المحبة والكرامة وتجاوز عنهم. { فإن عصوك } ~~أي خالفوا أمرك، ولم يتبعوك { فقل إني بريء مما تعملون } ~~أي من عملكم، أو من الذي تعملونه، وهذا يدل على أن المراد بالمؤمنين ~~المشارفون للإيمان المصدقون باللسان، لأن المؤمنين الخلص لا يعصونه، ولا ~~يخالفونه. ثم بين له ما يعتمد عليه عند عصيانهم له فقال { فتوكل ~~على العزيز الرحيم } أي فوض أمورك إليه، فإنه القادر على قهر ~~الأعداء، وهو الرحيم للأولياء، قرأ نافع، وابن عامر " فتوكل " بالفاء. # وقرأ الباقون { وتوكل } بالواو، فعلى القراءة الأولى يكون ما بعد الفاء ~~كالجزء مما قبلها مترتبا عليه، وعلى القراءة الثانية يكون ما بعد الواو ~~معطوفا على ما قبلها عطف جملة على جملة من غير ترتيب. { الذي يراك ~~حين تقوم } أي حين تقوم إلى الصلاة وحدك في قول أكثر المفسرين، وقال ~~مجاهد حين تقوم حيثما كنت { وتقلبك في السجدين } أي ويراك ~~إن صليت في الجماعة راكعا وساجدا وقائما، كذا قال أكثر المفسرين. وقيل ~~يراك في الموحدين من نبي إلى نبي حتى أخرجك في هذه الأمة. وقيل المراد ~~بقوله { يراك حين تقوم } قيامه إلى التهجد، وقوله { ~~وتقلبك في السجدين ms2799 } يريد ترددك في تصفح أحوال المجتهدين ~~في العبادة، وتقلب بصرك فيهم، كذا قال مجاهد. { إنه هو السميع ~~} لما تقوله { العليم } به. ثم أكد سبحانه معنى قوله { وما ~~تنزلت به الشيطين } ، وبينه، فقال { هل أنبئكم ~~على من تنزل الشيطين } أي على من تتنزل، فحذف إحدى ~~التاءين، وفيه بيان استحالة تنزل الشياطين على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. { تنزل على كل أفاك أثيم }. والأفاك الكثير ~~الإفك، والأثيم كثير الإثم، والمراد بهم كل من كان كاهنا، فإن الشياطين ~~كانت تسترق السمع، ثم يأتون إليهم، فيلقونه إليهم، وهو معنى قوله { ~~يلقون السمع } أي ما يسمعونه مما يسترقونه، فتكون جملة { ~~يلقون السمع } على هذا راجعة إلى الشياطين في محل نصب على الحال ~~أي حال كون الشياطين ملقين السمع أي ما يسمعونه من الملأ الأعلى إلى ~~الكهان. ويجوز أن يكون المعنى إن الشياطين يلقون السمع أي ينصتون إلى ~~الملأ الأعلى ليسترقوا منهم شيئا، ويكون المراد بالسمع على الوجه الأول ~~المسموع، وعلى الوجه الثاني نفس حاسة السمع. ويجوز أن تكون جملة { ~~يلقون السمع } راجعة إلى كل أفاك أثيم على أنها صفة، أو مستأنفة، ~~ومعنى الإلقاء أنهم يسمعون ما تلقيه إليهم الشياطين من الكلمات التي تصدق ~~الواحدة منها، وتكذب المائة الكلمة كما ورد في الحديث، وجملة { ~~وأكثرهم كذبون } راجعة إلى كل أفاك أثيم أي وأكثر هؤلاء ~~الكهنة كاذبون فيما يتلقونه من الشياطين، لأنهم يضمون إلى ما يسمعونه ~~كثيرا من أكاذيبهم المختلقة، أو أكثرهم كاذبون فيما يلقونه من السمع أي ~~المسموع من الشياطين إلى الناس، ويجوز أن تكون جملة { وأكثرهم ~~كذبون } راجعة إلى الشياطين أي وأكثر الشياطين كاذبون فيما يلقونه ~~إلى الكهنة مما يسمعونه فإنهم يضمون إلى ذلك من عند أنفسهم كثيرا من ~~الكذب، وقد قيل كيف يصح على الوجه الأول وصف الأفاكين بأن أكثرهم كاذبون ~~بعد ما وصفوا جميعا بالإفك. # وأجيب بأن المراد بالأفاك الذي يكثر الكذب لا الذي لا ينطلق إلا ~~بالكذب. فالمراد بقوله { وأكثرهم كذبون } أنه قل من يصدق ~~منهم فيما يحكي عن الشياطين، والغرض ms2800 الذي سيق لأجله هذا الكلام رد ما ~~كان يزعمه المشركون من كون النبي صلى الله عليه وسلم من جملة من يلقي ~~إليه الشيطان السمع من الكهنة ببيان أن الأغلب على الكهنة الكذب، ولم ~~يظهر من أحوال محمد صلى الله عليه وسلم إلا الصدق، فكيف يكون كما زعموا؟ ~~ثم إن هؤلاء الكهنة يعظمون الشياطين، وهذا النبي المرسل من عند الله ~~برسالته إلى الناس يذمهم ويلعنهم ويأمر بالتعوذ منهم. ثم لما كان قد قال ~~قائل من المشركين إن النبي صلى الله عليه وسلم شاعر، بين سبحانه حال ~~الشعراء، ومنافاة ما هم عليه لما عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال { ~~والشعراء يتبعهم الغاوون } والمعنى أن الشعراء يتبعهم، ~~أي يجاريهم ويسلك مسلكهم ويكون من جملتهم الغاوون أي الضالون عن الحق، ~~والشعراء جمع شاعر، والغاوون جمع غاو، وهم ضلال الجن والإنس. وقيل ~~الزائلون عن الحق. وقيل الذين يروون الشعر المشتمل على الهجاء وما لا ~~يجوز، وقيل المراد شعراء الكفار خاصة. قرأ الجمهور { والشعراء } بالرفع ~~على أنه مبتدأ وخبره ما بعده، وقرأ عيسى بن عمر " الشعراء " بالنصب على ~~الاشتغال، وقرأ نافع وشيبة، والحسن والسلمي " يتبعهم " بالتخفيف، وقرأ ~~الباقون بالتشديد. ثم بين سبحانه قبائح شعراء الباطل، فقال { ألم ~~تر أنهم في كل واد يهيمون } ، والجملة مقررة لما قبلها، ~~والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية، يقال هام يهيم هيما، وهيمانا إذا ذهب ~~على وجهه أي ألم تر أنهم في كل فن من فنون الكذب يخوضون، وفي كل شعب من ~~شعاب الزور يتكلمون؟ فتارة يمزقون الأعراض بالهجاء، وتارة يأتون من ~~المجون بكل ما يمجه السمع، ويستقبحه العقل، وتارة يخوضون في بحر السفاهة ~~والوقاحة، ويذمون الحق، ويمدحون الباطل، ويرغبون في فعل المحرمات، ~~ويدعون الناس إلى فعل المنكرات كما تسمعه في أشعارهم من مدح الخمر والزنا ~~واللواط ونحو هذه الرذائل الملعونة، ثم قال سبحانه { وأنهم ~~يقولون ما لا يفعلون } أي يقولون فعلنا وفعلنا وهم كذبة في ~~ذلك، فقد يدلون بكلامهم على الكرم والخير، ولا يفعلونه، وقد ينسبون إلى ~~أنفسهم من ms2801 أفعال الشر ما لا يقدرون على فعله كما تجده في كثير من ~~أشعارهم من الدعاوى الكاذبة والزور الخالص المتضمن لقذف المحصنات، وأنهم ~~فعلوا بهن كذا وكذا، وذلك كذب محض، وافتراء بحت. ثم استثنى سبحانه ~~الشعراء المؤمنين الصالحين الذين أغلب أحوالهم تحري الحق والصدق، فقال { ~~إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } أي دخلوا في ~~حزب المؤمنين، وعملوا بأعمالهم الصالحة، { وذكروا الله كثيرا ~~} في أشعارهم { وانتصروا من بعد ما ظلموا } كمن يهجو منهم ~~من هجاء، أو ينتصر لعالم أو فاضل كما كان يقع من شعراء النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فإنهم كانوا يهجون من يهجوه، ويحمون عنه ويذبون عن عرضه، ~~ويكافحون شعراء المشركين وينافحونهم، ويدخل في هذا من انتصر بشعره لأهل ~~السنة وكافح أهل البدعة، وزيف ما يقوله شعراؤهم من مدح بدعتهم وهجو السنة ~~المطهرة، كما يقع ذلك كثيرا من شعراء الرافضة ونحوهم، فإن الانتصار للحق ~~بالشعر وتزييف الباطل به من أعظم المجاهدة، وفاعله من المجاهدين في سبيل ~~الله، المنتصرين لدينه، القائمين بما أمر الله بالقيام به. # واعلم أن الشعر في نفسه ينقسم إلى أقسام، فقد يبلغ ما لا خير فيه منه ~~إلى قسم الحرام، وقد يبلغ ما فيه خير منه إلى قسم الواجب. وقد وردت ~~أحاديث في ذمه وذم الاستكثار منه، ووردت أحاديث أخر في إباحته، وتجويزه، ~~والكلام في تحقيق ذلك يطول، وسنذكر في آخر البحث ما ورد في ذلك من ~~الأحاديث. ثم ختم سبحانه هذه السورة بآية جامعة للوعيد كله، فقال { ~~وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون } ، فإن ~~في قوله { سيعلم } تهويلا عظيما، وتهديدا شديدا، وكذا في إطلاق { ~~الذين ظلموا } وإبهام { أي منقلب ينقلبون } ، وخصص هذه الآية بعضهم ~~بالشعراء، ولا وجه لذلك، فإن الاعتبار بعموم اللفظ، وقوله { أي ~~منقلب } صفة لمصدر محذوف أي ينقلبون منقلبا أي منقلب، وقدم لتضمنه ~~معنى الاستفهام، ولا يعمل فيه { سيعلم } لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما ~~قبله، بل هو معلق عن العمل فيه. وقرأ ابن عباس والحسن " أي منفلت ~~ينفلتون " بالفاء مكان القاف، والتاء مكان الباء ms2802 من الانفلات بالنون ~~والفاء الفوقية، وقرأ الباقون بالقاف، والباء من الانقلاب بالنون والقاف ~~والموحدة، والمعنى على قراءة ابن عباس والحسن أن الظالمين يطمعون في ~~الانفلات من عذاب الله، والانفكاك منه، ولا يقدرون على ذلك. وقد أخرج عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة { وإنه ~~لتنزيل رب العلمين } قال هذا القرآن { نزل به الروح ~~الأمين } قال جبريل. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { نزل به ~~الروح الأمين } قال جبريل. وأخرج أبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه ~~عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { الروح الأمين } قال # " الروح الأمين جبريل، رأيت له ستمائة جناح من لؤلؤ قد نشرها فيها مثل ~~ريش الطواويس " # وأخرج ابن النجار في تاريخه عن ابن عباس في قوله { بلسان عربي ~~مبين } قال بلسان قريش ولو كان غير عربي ما فهموه. وأخرج الحاكم ~~وصححه، والبيهقي في الشعب عن بريدة في قوله { بلسان عربي ~~مبين } قال بلسان جرهم. وأخرج مثله أيضا عنه ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال كان عبد الله ~~بن سلام من علماء بني إسرائيل، وكان من خيارهم فآمن بكتاب محمد، فقال لهم ~~الله { أولم يكن لهم ءاية أن يعلمه علماء بني ~~إسرءيل }. وأخرج البخاري، مسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال لما نزلت ~~هذه الآية { وأنذر عشيرتك الأقربين } دعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قريشا وعم وخص فقال # " يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرا ولا ~~نفعا، يا معشر بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ~~ضرا ولا نفعا، يا معشر بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار فإني ~~لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، يا معشر بني قصي أنقذوا أنفسكم من النار ~~فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، يا معشر بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم ~~من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، يا معشر ms2803 بني عبد المطلب ~~أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، يا فاطمة بنت ~~محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لك ضرا ولا نفعا إلا أن لكم ~~رحما وسأبلها ببلالها " # وفي الباب أحاديث من طريق جماعة من الصحابة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { الذي يراك حين تقوم } قال للصلاة. وأخرج ابن ~~جرير، وابن مردويه عنه { الذي يراك حين تقوم * وتقلبك ~~في السجدين } يقول قيامك، وركوعك، وسجودك. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر عنه أيضا { وتقلبك في السجدين } قال يراك وأنت مع ~~الساجدين تقوم وتقعد معهم. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا في قوله { ~~وتقلبك في السجدين } قال كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا قام إلى الصلاة يرى من خلفه كما يرى من بين يديه. ومنه الحديث في ~~الصحيحين، وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " هل ترون قبلتي ها هنا؟ فوالله ما يخفى علي خشوعكم، ولا ركوعكم، وإني ~~لأراكم من وراء ظهري " # وأخرج ابن أبي عمر العدني في مسنده والبزار وابن أبي حاتم والطبراني ~~وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله { وتقلبك ~~في السجدين } قال من نبي إلى نبي حتى أخرجت نبيا. وأخرج ابن ~~أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم عنه في الآية نحوه. وأخرج البخاري، ~~ومسلم، وغيرهما عن عائشة قالت سأل أناس النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الكهان قال # " إنهم ليسوا بشيء " # ، قالوا يا رسول الله إنهم يحدثون أحيانا بالشيء يكون حقا؟ قال # " تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه، فيخلطون فيها ~~أكثر من مائة كذبة " # ، وفي لفظ للبخاري # " فيزيدون معها مائة كذبة " # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال تهاجى رجلان ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما من الأنصار والآخر من قوم ~~آخرين، وكان مع كل واحد منهما غواة من قومه وهم السفهاء، فأنزل الله { ~~والشعراء يتبعهم الغاوون } الآيات. ms2804 وأخرج ابن سعد وعبد ~~بن حميد وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عروة قال لما نزلت { والشعراء ~~} إلى قوله { ما لا يفعلون } قال عبد الله بن رواحة يا رسول الله ~~قد علم الله أني منهم، فأنزل الله { إلا الذين ءامنوا } إلى ~~قوله { ينقلبون } ، وروي نحو هذا من طرق. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس { يتبعهم ~~الغاوون } قال هم الكفار يتبعون ضلال الجن والإنس { في كل واد ~~يهيمون } قال في كل لغو يخوضون { وأنهم يقولون ما لا ~~يفعلون } أكثر قولهم يكذبون، ثم استثنى منهم فقال { إلا ~~الذين ءامنوا وعملوا الصلحت وذكروا الله ~~كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا } قال ردوا على الكفار ~~كانوا يهجون المؤمنين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ~~أيضا نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضا { والشعراء } ~~قال المشركون منهم الذين كانوا يهجون النبي صلى الله عليه وسلم { ~~يتبعهم الغاوون } قال غواة الجن في كل واد يهيمون في كل ~~فن من الكلام يأخذون. ثم استثنى فقال { إلا الذين ءامنوا } ~~الآية، يعني حسان بن ثابت وعبد الله ابن رواحة وكعب بن مالك كانوا يذبون ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بهجاء المشركين. وأخرج الفريابي ~~وابن جرير وابن أبي حاتم عنه { الغاوون } قال هم الرواة. وأخرج ابن ~~مردويه وابن عساكر عنه أيضا { إلا الذين ءامنوا } الآية قال ~~أبو بكر وعمر وعلي وعبد الله بن رواحة. وأخرج أحمد، والبخاري في تاريخه، ~~وأبو يعلى وابن مردويه عن كعب بن مالك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم ~~إن الله قد أنزل في الشعراء ما أنزل فكيف ترى فيه؟ فقال # " إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به ~~نضح النبل " # وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي سعيد قال بينما نحن نسير مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا عرض شاعر ينشد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير له ms2805 من أن يمتلىء شعرا " # وأخرج الديلمي عن ابن مسعود مرفوعا # " الشعراء الذين يموتون في الإسلام يأمرهم الله أن يقولوا شعرا يتغنى ~~به الحور العين لأزواجهن في الجنة، والذين ماتوا في الشرك يدعون بالويل ~~والثبور في النار " # وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن من الشعر لحكمة " # قال وأتاه قريظة بن كعب وعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت فقالوا إنا ~~نقول الشعر، وقد نزلت هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اقرؤوا " # ، فقرؤوا { والشعراء } إلى قوله { إلا الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت } فقال # " أنتم هم " # { وذكروا الله كثيرا } فقال # " أنتم هم " # { وانتصروا من بعد ما ظلموا } فقال # " أنتم هم " # وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن البراء بن عازب قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لحسان بن ثابت # " اهج المشركين، فإن جبريل معك " # وأخرج ابن سعد عن البراء بن عازب قال قيل يا رسول الله، إن أبا سفيان بن ~~الحارث بن عبد المطلب يهجوك، فقام ابن رواحة فقال يا رسول الله، ائذن لي ~~فيه، فقال # " أنت الذي تقول ثبت الله؟ " # فقال نعم يا رسول، قلت # ثبت الله ما أعطاك من حسن تثبيت موسى ونصرا مثل ما نصرا # قال # " وأنت، ففعل الله بك مثل ذلك " # ، ثم وثب كعب فقال يا رسول الله ائذن لي فيه؟ فقال # " أنت الذي تقول همت؟ " # قال نعم يا رسول الله، قلت # همت سخينة أن تغالب ربها فلتغلبن مغالب الغلاب # فقال # " أما إن الله لم ينس ذلك لك " # ، ثم قام حسان، فقال يا رسول الله ائذن لي فيه، وأخرج لسانا له أسود، ~~فقال يا رسول الله لو شئت لفريت به المراد، ائذن لي فيه، فقال # " اذهب إلى أبي بكر فليحدثك حديث القوم وأيامهم وأحسابهم واهجهم وجبريل ~~معك " # وأخرج أحمد وابن سعد عن أبي هريرة قال مر عمر بحسان وهو ينشد في المسجد ~~فلحظ إليه فنظر إليه، فقال قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ms2806 فسكت، ~~ثم التفت حسان إلى أبي هريرة فقال أنشدك بالله هل سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول # " أجب عني، اللهم أيده بروح القدس؟ " # قال نعم. وأخرج ابن سعد من حديث جابر مرفوعا نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة ~~عن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن من الشعر حكما " # وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم # " إن من الشعر حكما، ومن البيان سحرا " # وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا يريه، خير من أن يمتلىء شعرا " # وفي الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلىء شعرا " # قال في الصحاح وروى القيح جوفه يريه، وريا إذا أكله، قال القرطبي روى ~~إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " حسن الشعر كحسن الكلام، وقبيح الشعر كقبيح الكلام " # قال القرطبي رواه إسماعيل عن عبد الله بن عون الشامي وحديثه عن أهل ~~الشام صحيح، فيما قال يحيى بن معين، وغيره. قال وروى عبد الله بن عمرو ~~بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام " # وأخرج مسلم من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه قال ردفت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال # " هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت؟ " # قلت نعم. قال # " هيه " # ، فأنشدته بيتا، فقال # " هيه " # ، ثم أنشدته بيتا، فقال # " هيه " # حتى أنشدته مائة بيت. وأخرج ابن أبي حاتم عن فضالة بن عبيد في قوله { ~~وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون } قال ~~هؤلاء الذين يخربون البيت. ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1-14] # قوله { طس } قد مر الكلام مفصلا في فواتح السور، وهذه الحروف إن كانت ~~اسما للسورة، فمحلها الرفع على الابتداء، ms2807 وما بعده خبره، ويجوز أن يكون ~~خبر مبتدأ محذوف أي هذا اسم هذه السورة، وإن لم تكن هذه الحروف اسما ~~للسورة، بل مسرودة على نمط التعديد، فلا محل لها، والإشارة بقوله { ~~تلك } إلى نفس السورة لأنها قد ذكرت إجمالا بذكر اسمها، واسم الإشارة ~~مبتدأ، وخبره { آيات القرآن } والجملة خبر المبتدأ الأول على ~~تقدير أنه مرتفع بالإبتداء { وكتب مبين } قرأ الجمهور بجر كتاب ~~عطفا على القرآن أي تلك آيات القرآن وآيات كتاب مبين، ويحتمل أن يكون ~~المراد بقوله { وكتب } القرآن نفسه، فيكون من عطف بعض الصفات على ~~بعض مع اتحاد المدلول، وأن يكون المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، أو نفس ~~السورة، وقرأ ابن أبي عبلة " وكتاب مبين " برفعهما عطفا على آيات. وقيل ~~هو على هذه القراءة على تقدير مضاف محذوف، وإقامة المضاف إليه مقامه أي ~~وآيات كتاب مبين، فقد وصف الآيات بالوصفين القرآنية الدالة على كونه ~~مقروءا مع الإشارة إلى كونه قرآنا عربيا معجزا، والكتابية الدالة على ~~كونه مكتوبا مع الإشارة إلى كونه متصفا بصفة الكتب المنزلة، فلا يكون ~~على هذا من باب عطف صفة على صفة مع اتحاد المدلول، ثم ضم إلى الوصفين ~~وصفا ثالثا، وهي الإبانة لمعانيه لمن يقرؤه، أو هو من أبان بمعنى بان، ~~معناه واتضح إعجازه بما اشتمل عليه من البلاغة. وقدم وصف القرآنية هنا ~~نظرا إلى تقدم حال القرآنية على حال الكتابة، وأخره في سورة الحجر، ~~فقال # الر تلك ءايت الكتب وقرءان مبين # الحجر 1. نظرا إلى حالته التي قد صار عليها، فإنه مكتوب. والكتابة سبب ~~القراءة، والله أعلم. وأما تعريف القرآن هنا، وتنكير الكتاب، وتعريف ~~الكتاب في سورة الحجر، وتنكير القرآن فلصلاحية كل واحد منهما للتعريف، ~~والتنكير. { هدى وبشرى للمؤمنين } في موضع نصب على الحال ~~من الآيات أو من الكتاب أي تلك آيات هادية ومبشرة، ويجوز أن يكون في محل ~~رفع على الإبتداء، أي هو هدى، أو هما خبران آخران لتلك، أو هما مصدران ~~منصوبان بفعل مقدر، أي يهدي هدى، ويبشر بشرى. ثم وصف المؤمنين الذي لهم ms2808 ~~الهدى والبشرى، فقال { الذين يقيمون الصلوة ويؤتون ~~الزكوة } ، والموصول في محل جر، أو يكون بدلا أو بيانا، أو ~~منصوبا على المدح، أو مرفوعا على تقدير مبتدأ. والمراد بالصلاة الصلوات ~~الخمس، والمراد بالزكاة الزكاة المفروضة، وجملة { وهم بالآخرة هم ~~يوقنون } في محل نصب على الحال، وكرر الضمير للدلالة على الحصر، أي ~~لا يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل ~~الصالح، وجعل الخبر مضارعا للدلالة على التجدد في كل وقت، وعدم ~~الانقطاع. # ثم لما ذكر سبحانه أهل السعادة ذكر بعدهم أهل الشقاوة، فقال { إن ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة } ، وهم الكفار، أي لا يصدقون ~~بالبعث { زينا لهم أعملهم } قيل المراد زين الله لهم ~~أعمالهم السيئة حتى رأوها حسنة. وقيل المراد أن الله زين لهم الأعمال ~~الحسنة، وذكر لهم ما فيها من خيري الدنيا والآخرة، فلم يقبلوا ذلك. قال ~~الزجاج معنى الآية أنا جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زينا لهم ما هم فيه { ~~فهم يعمهون } أي يترددون فيها متحيرين على الاستمرار لا يهتدون ~~إلى طريقة، ولا يقفون على حقيقة. وقيل معنى { يعمهون } يتمادون. وقال ~~قتادة يلعبون، وفي معنى التحير قال الشاعر # ومهمه أطرافه في مهمه أعمى الهدى الحائرين العمه # والإشارة بقوله { أولئك } إلى المذكورين قبله، وهو مبتدأ خبره { ~~لهم سوء العذاب } قيل في الدنيا كالقتل والأسر ووجه تخصيصه بعذاب ~~الدنيا قوله بعده { وهم في الآخرة هم الأخسرون } أي هم ~~أشد الناس خسرانا، وأعظمهم خيبة ثم مهد سبحانه مقدمة نافعة لما سيذكره ~~بعد ذلك من الأخبار العجيبة، فقال { وإنك لتلقى القرءان ~~من لدن حكيم عليم } أي يلقى عليك فتلقاه وتأخذه من لدن كثير ~~الحكمة والعلم قيل إن لدن هاهنا بمعنى عند. وفيها لغات كما تقدم في سورة ~~الكهف. { إذ قال موسى لأهله } الظرف منصوب بمضمر، وهو اذكر. ~~قال الزجاج موضع «إذ» نصب، المعنى اذكر إذ قال موسى، أي اذكر قصته إذ ~~قال لأهله، والمراد بأهله امرأته في مسيره من مدين إلى مصر، ولم يكن معه ~~إذ ذاك إلا زوجته بنت شعيب، فكنى ms2809 عنها بلفظ الأهل الدال على الكثرة، ~~ومثله قوله # امكثوا # طه 10 ، ومعنى { إني آنست نارا } أبصرتها { سآتيكم منها ~~بخبر } السين تدل على بعد مسافة النار { ءاتيكم بشهاب قبس ~~} قرأ عاصم وحمزة والكسائي بتنوين { شهاب } ، وقرأ الباقون بإضافته إلى ~~قبس، فعلى القراءة الأولى يكون قبس بدلا من شهاب، أو صفة له لأنه بمعنى ~~مقبوس، وعلى القراءة الثانية الإضافة للبيان، والمعنى على القراءتين ~~آتيكم بشعلة نار مقبوسة أي مأخوذة من أصلها. قال الزجاج من نون جعل { ~~قبس } من صفة شهاب، وقال الفراء هذه الإضافة كالإضافة في قولهم مسجد ~~الجامع، وصلاة الأولى، أضاف الشيء إلى نفسه لاختلاف أسمائه. وقال النحاس ~~هي إضافة النوع إلى الجنس كما تقول ثوب خز، وخاتم حديد. قال ويجوز في غير ~~القرآن بشهاب قبسا على أنه مصدر، أو بيان، أو حال { لعلكم ~~تصطلون } أي رجاء أن تستدفئوا بها. أو لكي تستدفئوا بها من البرد، ~~يقال صلى بالنار، واصطلى بها إذا استدفأ بها. قال الزجاج كل أبيض ذي نور ~~فهو شهاب. # وقال أبو عبيدة الشهاب النار، ومنه قول أبي النجم # كأنما كان شهابا واقدا أضاء ضوءا ثم صار خامدا # وقال ثعلب أصل الشهاب عود في أحد طرفيه جمرة، والآخر لا نار فيه، ~~والشهاب الشعاع المضيء، وقيل للكوكب شهاب، ومنه قول الشاعر # في كفه صعدة مثقفة فيها سنان كشعلة القبس # { فلما جاءها } أي جاء النار موسى { نودي أن بورك من في ~~النار ومن حولها } " أن " هي المفسرة لما في النداء من معنى ~~القول، أو هي المصدرية أي بأن بورك، وقيل هي المخففة من الثقيلة. قال ~~الزجاج " أن " في موضع نصب أي بأن قال، ويجوز أن يكون في موضع رفع اسم ما ~~لم يسم فاعله. والأولى أن النائب ضمير يعود إلى موسى. وقرأ أبي، وابن ~~عباس، ومجاهد " أن بوركت النار ومن حولها " حكى ذلك أبو حاتم. وحكى ~~الكسائي عن العرب باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك، وبارك لك، وكذلك ~~حكى هذا الفراء. قال ابن جرير قال { بورك من في النار } ، ولم يقل ms2810 بورك ~~على النار على لغة من يقول باركك الله أي بورك على من في النار، وهو ~~موسى، أو على من في قرب النار لا أنه كان في وسطها. وقال السدي كان في ~~النار ملائكة، والنار هنا هي مجرد نور، ولكنه ظن موسى أنها نار، فلما ~~وصل إليها وجدها نورا. وحكي عن الحسن وسعيد بن جبير أن المراد بمن في ~~النار هو الله سبحانه أي نوره. وقيل بورك ما في النار من أمر الله سبحانه ~~الذي جعلها على تلك الصفة. قال الواحدي ومذهب المفسرين أن المراد بالنار ~~النور، ثم نزه سبحانه نفسه، فقال { وسبحن الله رب ~~العلمين } ، وفيه تعجيب لموسى من ذلك. { يموسى إنه أنا ~~الله العزيز الحكيم } الضمير للشأن، أنا الله العزيز الغالب ~~القاهر الحكيم في أمره وفعله. وقيل إن موسى قال يا رب من الذي ناداني؟ ~~فأجابه الله سبحانه بقوله { إنه أنا الله } ثم أمره سبحانه بأن يلقي عصاه ~~ليعرف ما أجراه الله سبحانه على يده من المعجزة الخارقة، وجملة { ~~وألق عصاك } معطوفة على { بورك } ، وفي الكلام حذف، والتقدير، ~~فألقاها من يده، فصارت حية { فلما رءاها تهتز كأنها ~~جان } قال الزجاج صارت العصا تتحرك كما يتحرك الجان، وهي الحية ~~البيضاء، وإنما شبهها بالجان في خفة حركتها، وشبهها في موضع آخر ~~بالثعبان لعظمها، وجمع الجان جنان، وهي الحية الخفيفة الصغيرة الجسم. ~~وقال الكلبي لا صغيرة ولا كبيرة { ولى مدبرا } من الخوف { ولم ~~يعقب } أي لم يرجع، يقال عقب فلان إذا رجع، وكل راجع معقب، وقيل لم ~~يقف، ولم يلتفت. والأول أولى لأن التعقيب هو الكر بعد الفر. # فلما وقع منه ذلك قال الله سبحانه { يموسى لا تخف } أي من الحية ~~وضررها { إنى لا يخاف لدي المرسلون } أي لا يخاف عندي من ~~أرسلته برسالتي فلا تخف أنت. قيل ونفى الخوف عن المرسلين ليس في جميع ~~الأوقات، بل في وقت الخطاب لهم لأنهم إذ ذاك مستغرقون. ثم استثنى استثناء ~~منقطعا، فقال { إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء ~~فإني غفور رحيم ms2811 } أي لكن من أذنب في ظلم نفسه بالمعصية { ثم ~~بدل حسنا } أي توبة وندما { بعد سوء } أي بعد عمل سوء { فإني غفور رحيم ~~} وقيل الاستثناء من مقدر محذوف أي لا يخاف لدي المرسلون، وإنما يخاف ~~غيرهم ممن ظلم إلا من ظلم ثم بدل إلخ، كذا قال الفراء. قال النحاس ~~الاستثناء من محذوف محال، لأنه استثناء من شيء لم يذكر. وروي عن الفراء ~~أنه قال إلا بمعنى الواو. وقيل إن الاستثناء متصل من المذكور لا من ~~المحذوف. والمعنى إلا من ظلم من المرسلين بإتيان الصغائر التي لا يسلم ~~منها أحد، واختار هذا النحاس، وقال علم من عصى منهم، فاستثناه فقال { إلا ~~من ظلم } وإن كنت قد غفرت له كآدم، وداود وإخوة يوسف وموسى بقتله ~~القبطي. ولا مانع من الخوف بعد المغفرة، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم ~~الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كان يقول # " وددت أني شجرة تعضد " # { وأدخل يدك في جيبك } المراد بالجيب هو المعروف، وفي ~~القصص # اسلك يدك في جيبك # القصص 32. وفي { أدخل } من المبالغة ما لم يكن في { اسلك }. { تخرج ~~بيضاء من غير سوء } أي من غير برص، أو نحوه من الآفات، فهو ~~احتراس. وقوله { تخرج } جواب { أدخل يدك }. وقيل في الكلام حذف تقديره ~~أدخل يدك تدخل، وأخرجها تخرج، ولا حاجة لهذا الحذف، ولا ملجىء إليه. قال ~~المفسرون كانت على موسى مدرعة من صوف لا كم لها ولا إزار، فأدخل يده في ~~جيبه وأخرجها، فإذا هي تبرق كالبرق، وقوله { في تسع آيات } قال أبو ~~البقاء هو في محل نصب على الحال من فاعل تخرج، وفيه بعد. وقيل متعلق ~~بمحذوف أي اذهب في تسع آيات. وقيل متعلق بقوله { ألق عصاك } و { ~~أدخل يدك } في جملة تسع آيات أو مع تسع آيات. وقيل المعنى فهما آيتان من ~~تسع يعني العصا واليد، فتكون الآيات إحدى عشرة هاتان، والفلق، والطوفان، ~~والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمسة، والجدب في بواديهم، والنقصان ~~في مزارعهم. قال النحاس أحسن ما قيل فيه ms2812 أن هذه الآية يعني اليد داخلة في ~~تسع آيات، وكذا قال المهدوي، والقشيري. قال القشيري تقول خرجت في عشرة ~~نفر، وأنت أحدهم أي خرجت عاشر عشرة، ففي بمعنى من لقربها منها، كما تقول ~~خذ لي عشرا من الإبل فيها فحلان أي منها. # قال الأصمعي في قول امرىء القيس # وهل ينعمن من كان آخر عهده ثلاثون شهرا في ثلاثة أحوال # في بمعنى من، وقيل في بمعنى مع { إلى فرعون وقومه } قال ~~الفراء في الكلام إضمار، أي إنك مبعوث، أو مرسل إلى فرعون وقومه، وكذا ~~قال الزجاج { إنهم كانوا قوما فسقين } الجملة تعليل لما ~~قبلها { فلما جاءتهم ءايتنا مبصرة } أي جاءتهم آياتنا ~~التي على يد موسى حال كونها مبصرة أي واضحة بينة كأنها لفرط وضوحها تبصر ~~نفسها كقوله # وآتينا ثمود الناقة مبصرة # الإسراء 59. قال الأخفش ويجوز أن تكون بمعنى مبصرة على أن اسم الفاعل ~~بمعنى اسم المفعول، وقد تقدم تحقيق الكلام في هذا. وقرأ علي بن الحسين، ~~وقتادة " مبصرة " بفتح الميم، والصاد أي مكانا يكثر فيه التبصر، كما ~~يقال الولد مجبنة ومبخلة { قالوا هذا سحر مبين } أي لما ~~جاءتهم قالوا هذا القول أي سحر واضح. { وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم } أي كذبوا بها حال كون أنفسهم مستيقنة ~~لها، فالواو للحال، وانتصاب { ظلما وعلوا } على الحال أي ظالمين ~~عالين، ويجوز أن ينتصبا على العلة أي الحامل لهم على ذلك الظلم والعلو، ~~ويجوز أن يكونا نعت مصدر محذوف أي جحدوا بها جحودا ظلما وعلوا. قال ~~أبو عبيدة والباء في { وجحدوا بها } زائدة، أي وجحدوها. قال الزجاج ~~التقدير وجحدوا بها ظلما وعلوا، أي شركا، وتكبرا عن أن يؤمنوا بما ~~جاء به موسى، وهم يعلمون أنها من عند الله { فانظر } يا محمد { كيف ~~كان عقبة المفسدين } أي تفكر في ذلك، فإن فيه معتبرا ~~للمعتبرين. وقد كان عاقبة أمرهم الإغراق لهم في البحر على تلك الصفة ~~الهائلة. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في ~~قوله { فلما جاءها نودي أن بورك من في ms2813 النار } يعني ~~تبارك وتعالى نفسه كان نور رب العالمين في الشجرة { ومن حولها } ~~يعني الملائكة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية ~~قال كان الله في النور نودي من النور { ومن حولها } قال الملائكة. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه ~~أيضا قال ناداه الله، وهو في النور. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن ~~المنذر عنه أيضا { أن بورك من في النار } قال بوركت النار. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال في مصحف أبي ~~بن كعب " بوركت النار ومن حولها " ، أما النار، فيزعمون أنها نور رب ~~العالمين. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { أن بورك } قال قدس. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن ماجه وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، ~~والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق أبي عبيدة عن أبي موسى الأشعري قال ~~قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال # " إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام. يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه ~~عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور لو رفع لأحرقت ~~سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره " # ثم قرأ أبو عبيدة { أن بورك من في النار ومن حولها ~~وسبحن الله رب العلمين }. والحديث أصله مخرج في صحيح ~~مسلم من حديث عمرو بن مرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال كانت على ~~موسى جبة من صوف لا تبلغ مرفقيه، فقال له أدخل يدك في جيبك، فأدخلها. ~~وأخرج ابن المنذر عنه في قوله { واستيقنتها أنفسهم ظلما ~~وعلوا } قال تكبروا، وقد استيقنتها أنفسهم، وهذا من التقديم ~~والتأخير. ### || [27.15-26] # لما فرغ سبحانه من قصة موسى شرع في قصة داود، وابنه سليمان، وهذه القصص ~~وما قبلها وما بعدها هي كالبيان، والتقرير لقوله { وإنك لتلقى ~~القرءان من لدن حكيم عليم } ، والتنوين في { علما } إما ~~للنوع أي طائفة من العلم، أو للتعظيم أي علما كثيرا، والواو في ms2814 قوله { ~~وقالا الحمد لله } للعطف على محذوف لأن هذا المقام مقام الفاء ~~فالتقدير ولقد آتيناهما علما فعملا به، وقالا الحمد لله، ويؤيده أن ~~الشكر باللسان إنما يحسن إذا كان مسبوقا بعمل القلب، وهو العزم على فعل ~~الطاعة، وترك المعصية { الذي فضلنا على كثير من ~~عباده المؤمنين } أي فضلنا بالعلم والنبوة وتسخير الطير ~~والجن والإنس، ولم يفضلوا أنفسهم على الكل تواضعا منهم. وفي الآية ~~دليل على شرف العلم، وارتفاع محله، وأن نعمة العلم من أجل النعم التي ~~ينعم الله بها على عباده، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير من ~~العباد، ومنح شرفا جليلا. { وورث سليمن داوود } أي ورثه ~~العلم والنبوة. قال قتادة والكلبي كان لداود تسعة عشر ولدا ذكرا، فورث ~~سليمان من بينهم نبوته، ولو كان المراد وراثة المال لم يخص سليمان ~~بالذكر لأن جميع أولاده في ذلك سواء، وكذا قال جمهور المفسرين، فهذه ~~الوراثة هي وراثة مجازية كما في قوله صلى الله عليه وسلم # " العلماء ورثة الأنبياء " # { وقال ياأيها الناس علمنا منطق الطير } قال ~~سليمان هذه المقالة مخاطبا للناس تحدثا بما أنعم الله به عليه، وشكر ~~النعمة التي خصه بها. وقدم منطق الطير لأنها نعمة خاصة به لا يشاركه ~~فيها غيره. قال الفراء منطق الطير كلام الطير، فجعل كمنطق الرجل، وأنشد ~~قول حميد بن ثور # عجيب لها أن يكون غناؤها فصيحا ولم يغفر بمنطقها فما # ومعنى الآية فهمنا ما يقول الطير. قال جماعة من المفسرين إنه علم منطق ~~جميع الحيوانات، وإنما ذكر الطير لأنه كان جندا من جنده يسير معه ~~لتظليله من الشمس. وقال قتادة والشعبي إنما علم منطق الطير خاصة ولا ~~يعترض ذلك بالنملة، فإنها من جملة الطير، وكثيرا ما تخرج لها أجنحة، ~~فتطير، وكذلك كانت هذه النملة التي سمع كلامها وفهمه، ومعنى { ~~وأوتينا من كل شيء } كل شيء تدعو إليه الحاجة كالعلم والنبوة ~~والحكمة والمال وتسخير الجن والإنس والطير والرياح والوحش والدواب وكل ما ~~بين السماء والأرض. وجاء سليمان بنون العظمة، والمراد نفسه بيانا لحاله ~~من ms2815 كونه مطاعا لا يخالف، لا تكبرا وتعظيما لنفسه، والإشارة بقوله { ~~إن هذا } إلى ما تقدم ذكره من التعليم، والإيتاء { لهو ~~الفضل المبين } أي الظاهر الواضح الذي لا يخفى على أحد، أو ~~المظهر لفضيلتنا. # { وحشر لسليمن جنوده من الجن والإنس ~~والطير } الحشر الجمع أي جمع له جنوده من هذه الأجناس. وقد أطال ~~المفسرون في ذكر مقدار جنده، وبالغ كثير منهم مبالغة تستبعدها العقول، ~~ولا تصح من جهة النقل، ولو صحت لكان في القدرة الربانية ما هو أعظم من ~~ذلك وأكثر { فهم يوزعون } أي لكل طائفة منهم وزعة ترد، أولهم ~~على آخرهم فيقفون على مراتبهم، يقال وزعه يزعه وزعا كفه، والوازع في ~~الحرب الموكل بالصفوف يزع من تقدم منهم، أي يرده، ومنه قول النابغة # على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألما أصح والشيب وازع # وقول الآخر # ومن لم يزعه لبه وحياؤه فليس له من شيب فوديه وازع # وقول الآخر # ولا يزع النفس اللجوج عن الهوى من الناس إلا وافر العقل كامله # وقيل من التوزيع بمعنى التفريق، يقال القوم أوزاع أي طوائف. { حتى ~~إذا أتوا على وادي النمل } حتى هي التي يبتدأ بعدها ~~الكلام، ويكون غاية لما قبلها، والمعنى فهم يوزعون إلى حصول هذه الغاية ~~وهو إتيانهم على واد النمل، أي فهم يسيرون ممنوعا بعضهم من مفارقة بعض ~~حتى إذا أتوا إلخ، و { على واد النمل } متعلق ب { أتوا } ، وعدي بعلى ~~لأنهم كانوا محمولين على الريح فهم مستعلون. والمعنى أنهم قطعوا الوادي ~~وبلغوا آخره، ووقف القراء جميعهم على واد بدون ياء اتباعا للرسم حيث لم ~~تحذف لالتقاء الساكنين كقوله # الذين جابوا الصخر بالواد # الفجر 9 إلا الكسائي، فإنه وقف بالياء، قال لأن الموجب للحذف إنما هو ~~التقاء الساكنين بالوصل. قال كعب واد النمل بالطائف. وقال قتادة ومقاتل ~~هو بالشام { قالت نملة } هذا جواب إذا، كأنها لما رأتهم متوجهين ~~إلى الوادي فرت ونبهت سائر النمل منادية لها قائلة { ياأيها ~~النمل ادخلوا مسكنكم } جعل خطاب النمل كخطاب العقلاء ~~لفهمها لذلك الخطاب، والمساكن هي الأمكنة ms2816 التي يسكن النمل فيها. قيل وهذه ~~النملة التي سمعها سليمان هي أنثى بدليل تأنيث الفعل المسند إليها. ورد ~~هذا أبو حيان، فقال لحاق التاء في قالت لا يدل على أن النملة مؤنثة، بل ~~يصح أن يقال في المذكر قالت، لأن نملة وإن كانت بالتاء فهي مما لا يتميز ~~فيه المذكر من المؤنث بتذكير الفعل ولا بتأنيثه، بل يتميز بالإخبار عنه ~~بأنه ذكر، أو أنثى، ولا يتعلق بمثل هذا كثير فائدة، ولا بالتعرض لاسم ~~النملة، ولما ذكر من القصص الموضوعة، والأحاديث المكذوبة. قرأ الحسن ~~وطلحة ومعمر بن سليمان «نملة» والنمل بضم الميم وفتح النون بزنة رجل ~~وسمرة. وقرأ سليمان التيمي بضمتين فيهما. { لا يحطمنكم ~~سليمن وجنوده } الحطم الكسر، يقال حطمته حطما أي كسرته ~~كسرا، وتحطم تكسر، وهذا النهي هو في الظاهر للنمل، وفي الحقيقة لسليمان، ~~فهو من باب لا أرينك هاهنا، ويجوز أن يكون بدلا من الأمر، ويحتمل أن ~~يكون جوابا للأمر. # قال أبو حيان أما تخريجه على جواب الأمر، فلا يكون إلا على قراءة ~~الأعمش، فإنه قرأ " لا يحطمكم " بالجزم بدون نون التوكيد، وأما مع وجود ~~نون التوكيد، فلا يجوز ذلك إلا في الشعر. قال سيبويه وهو قليل في الشعر، ~~شبهوه بالنهي حيث كان مجزوما. وقرأ أبي " ادخلوا مساكنكن " وقرأ شهر ~~بن حوشب " مسكنكم " وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى الهمداني " لا ~~يحطمنكم " بضم الياء وفتح الحاء وتشديد الطاء. وقرأ ابن أبي إسحاق ~~ويعقوب وأبو عمرو في رواية بسكون نون التوكيد وجملة { وهم لا ~~يشعرون } في محل نصب على الحال من فاعل { يحطمنكم } أي لا يشعرون ~~بحطمكم ولا يعلمون بمكانكم، وقيل إن المعنى والنمل لا يشعرون أن سليمان ~~يفهم مقالتها، وهو بعيد. { فتبسم ضحكا من قولها } قرأ ~~ابن السميفع " ضحكا " وعلى قراءة الجمهور يكون { ضاحكا } حالا مؤكدة ~~لأنه قد فهم الضحك من التبسم. وقيل هي حال مقدرة لأن التبسم أول الضحك. ~~وقيل لما كان التبسم قد يكون للغضب كان الضحك مبينا له، وقيل إن ضحك ~~الأنبياء هو التبسم لا غير، ms2817 وعلى قراءة ابن السميفع يكون " ضحكا " ~~مصدرا منصوبا بفعل محذوف أو في موضع الحال، وكان ضحك سليمان تعجبا من ~~قولها وفهمها واهتدائها إلى تحذير النمل { وقال رب أوزعني أن ~~أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي } ~~قد تقدم بيان معنى أوزعني قريبا في قوله { فهم يوزعون } قال في ~~الكشاف وحقيقة أوزعني اجعلني أزع شكر نعمك عندي وأكفه وارتبطه لا ينفلت ~~عني حتى لا أنفك شاكرا لك. انتهى. قال الواحدي أوزعني، أي ألهمني أن ~~أشكر نعمتك التي أنعمت علي، يقال فلان موزع بكذا أي مولع به. انتهى. قال ~~القرطبي وأصله من وزع، فكأنه قال كفني عما يسخطك. انتهى. والمفعول الثاني ~~لأوزعني هو أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وقال الزجاج إن معنى { أوزعني ~~} امنعني أن أكفر نعمتك، وهو تفسير باللازم، ومعنى { وعلى والدي ~~} الدعاء منه بأن يوزعه الله شكر نعمته على والديه كما أوزعه شكر نعمته ~~عليه، فإن الإنعام عليهما إنعام عليه، وذلك يستوجب الشكر منه لله سبحانه، ~~ثم طلب أن يضيف الله له لواحق نعمه إلى سوابقها، ولا سيما النعم الدينية، ~~فقال { وأن أعمل صلحا ترضه } أي عملا صالحا ترضاه ~~مني، ثم دعا أن يجعله الله سبحانه في الآخرة داخلا في زمرة الصالحين فإن ~~ذلك هو الغاية التي يتعلق الطلب بها، فقال { وأدخلني برحمتك ~~في عبادك الصلحين } ، والمعنى أدخلني في جملتهم، وأثبت اسمي ~~في أسمائهم، واحشرني في زمرتهم إلى دار الصالحين، وهي الجنة. # اللهم وإني أدعوك بما دعاك به هذا النبي الكريم، فتقبل ذلك مني، وتفضل ~~علي به، فإني وإن كنت مقصرا في العمل، ففضلك هو سبب الفوز بالخير، فهذه ~~الآية منادية بأعلى صوت، وأوضح بيان بأن دخول الجنة التي هي دار المؤمنين ~~بالتفضل منك لا بالعمل منهم كما قال رسولك الصادق المصدوق فيما ثبت عنه ~~في الصحيح # " سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا ولا أنت ~~يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " # فإذا لم يكن إلا تفضلك الواسع، فترك طلبه منك ms2818 عجز، والتفريط في التوسل ~~إليك بالإيصال إليه تضييع. ثم شرع سبحانه في ذكر قصة بلقيس، وما جرى ~~بينها وبين سليمان، وذلك بدلالة الهدهد، فقال { وتفقد الطير } ~~التفقد تطلب ما غاب عنك، وتعرف أحواله، والطير اسم جنس لكل ما يطير، ~~والمعنى أنه تطلب ما فقد من الطير، وتعرف حال ما غاب منها، وكانت الطير ~~تصحبه في سفره، وتظله بأجنحتها { فقال مالي لا أرى الهدهد ~~أم كان من الغائبين } أي ما للهدهد لا أراه؟ فهذا الكلام من ~~الكلام المقلوب الذي تستعمله العرب كثيرا، وقيل لا حاجة إلى ادعاء ~~القلب، بل هو استفهام عن المانع له من رؤية الهدهد، كأنه قال مالي لا ~~أراه؟ هل ذلك لساتر يستره عني، أو لشيء آخر؟ ثم ظهر له أنه غائب، فقال { ~~أم كان من الغائبين } و " أم " هي المنقطعة التي بمعنى الإضراب قرأ ابن ~~كثير وابن محيصن وهشام وأيوب " مالي " بفتح الياء، وكذلك قرؤوا في يس # وما لي لا أعبد الذي فطرني # يس 22 بفتح الياء، وقرأ بإسكانها في الموضعين حمزة والكسائي، ويعقوب، ~~وقرأ الباقون بفتح التي في يس وإسكان التي هنا. قال أبو عمرو لأن هذه ~~التي هنا استفهام، والتي في يس نفي، واختار أبو حاتم وأبو عبيد الإسكان. ~~{ لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه }. اختلفوا في ~~هذا العذاب الشديد ما هو؟ فقال مجاهد وابن جريج هو أن ينتف ريشه جميعا. ~~وقال يزيد بن رومان هو أن ينتف ريش جناحيه. وقيل هو أن يحبسه مع أضداده، ~~وقيل أن يمنعه من خدمته، وفي هذا دليل على أن العقوبة على قدر الذنب لا ~~على قدر الجسد. وقوله { عذابا } اسم مصدر على حذف الزوائد كقوله # أنبتكم من الأرض نباتا # نوح 17. { أو ليأتينى بسلطن مبين } قرأ ابن كثير ~~وحده بنون التأكيد المشددة بعدها نون الوقاية، وقرأ الباقون بنون مشددة ~~فقط، وهي نون التوكيد، وقرأ عيسى بن عمر بنون مشددة مفتوحة غير موصولة ~~بالياء، والسلطان المبين هو الحجة البينة في غيبته. # { فمكث غير بعيد } أي الهدهد مكث زمانا غير بعيد. قرأ ms2819 ~~الجمهور " مكث " بضم الكاف، وقرأ عاصم وحده بفتحها، ومعناه في القراءتين ~~أقام زمانا غير بعيد. قال سيبويه مكث يمكث مكوثا كقعد يقعد قعودا. ~~وقيل إن الضمير في مكث لسليمان. والمعنى بقي سليمان بعد التفقد والتوعد ~~زمانا غير طويل، والأول أولى { فقال أحطت بما لم تحط به ~~} أي علمت ما لم تعلمه من الأمر، والإحاطة العلم بالشيء من جميع جهاته، ~~ولعل في الكلام حذفا، والتقدير فمكث الهدهد غير بعيد، فجاء، فعوتب على ~~مغيبه، فقال معتذرا عن ذلك { أحطت بما لم تحط به }. قال ~~الفراء ويجوز إدغام التاء في الطاء، فيقال أحط، وإدغام الطاء في التاء، ~~فيقال أحت { وجئتك من سبإ بنبإ يقين } قرأ الجمهور من ~~سبأ بالصرف على أنه اسم رجل، نسب إليه قوم، ومنه قول الشاعر # الواردون وتيم في ذرى سبأ قد غض أعناقهم جلد الجواميس # وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بفتح الهمزة، وترك الصرف على أنه اسم مدينة، ~~وأنكر الزجاج أن يكون اسم رجل، وقال سبأ اسم مدينة تعرف بمأرب اليمن ~~بينها وبين صنعاء ثلاثة أيام. وقيل هو اسم امرأة سميت بها المدينة. قال ~~القرطبي والصحيح أنه اسم رجل كما في كتاب الترمذي من حديث فروة ابن مسيك ~~المرادي. قال ابن عطية وخفي هذا على الزجاج، فخبط خبط عشواء. وزعم الفراء ~~أن الرؤاسي سأل أبا عمرو بن العلاء عن سبأ، فقال ما أدري ما هو؟ قال ~~النحاس وأبو عمرو أجل من أن يقول هذا، قال والقول في سبأ ما جاء التوقيف ~~فيه أنه في الأصل اسم رجل، فإن صرفته، فلأنه قد صار اسما للحي، وإن لم ~~تصرفه جعلته اسما للقبيلة مثل ثمود، إلا أن الاختيار عند سيبويه الصرف. ~~انتهى. وأقول لا شك أن سبأ اسم لمدينة باليمن كانت فيها بلقيس، وهو أيضا ~~اسم رجل من قحطان، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود، ولكن المراد ~~هنا أن الهدهد جاء إلى سليمان بخبر ما عاينه في مدينة سبأ مما وصفه، ~~وسيأتي في آخر هذا البحث من المأثور ms2820 ما يوضح هذا، ويؤيده، ومعنى الآية أن ~~الهدهد جاء سليمان من هذه المدينة بخبر يقين، والنبأ هو الخبر الخطير ~~الشأن. فلما قال الهدهد لسليمان ما قال، قال له سليمان وما ذاك؟ فقال { ~~إني وجدت امرأة تملكهم } ، وهي بلقيس بنت شرحبيل، وجدها ~~الهدهد تملك أهل سبأ، والجملة هذه كالبيان، والتفسير للجملة التي قبلها ~~أي ذلك النبأ اليقين هو كون هذه المرأة تملك هؤلاء { وأوتيت من ~~كل شيء } فيه مبالغة، والمراد أنها أوتيت من كل شيء من الأشياء التي ~~تحتاجها. # وقيل المعنى أوتيت من كل شيء في زمانها شيئا، فحذف شيئا لأن الكلام ~~قد دل عليه { ولها عرش عظيم } أي سرير عظيم، ووصفه بالعظم لأنه ~~- كما قيل - كان من ذهب طوله ثمانون ذراعا، وعرضه أربعون ذراعا، ~~وارتفاعه في السماء ثلاثون ذراعا مكلل بالدر والياقوت الأحمر والزبرجد ~~الأخضر. وقيل المراد بالعرش هنا الملك، والأول أولى لقوله { أيكم ~~يأتيني بعرشها } قال ابن عطية واللازم من الآية أنها امرأة، ~~ملكة على مدائن اليمن ذات ملك عظيم وسرير عظيم، وكانت كافرة من قوم كفار ~~{ وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله } ~~أي يعبدونها متجاوزين عبادة الله سبحانه، قيل كانوا مجوسا، وقيل زنادقة ~~{ وزين لهم الشيطن أعملهم } التي يعملونها، وهي ~~عبادة الشمس، وسائر أعمال الكفر { فصدهم عن السبيل } أي ~~صدهم الشيطان بسبب ذلك التزيين عن الطريق الواضح، وهو الإيمان بالله ~~وتوحيده { فهم لا يهتدون } إلى ذلك. { ألا يسجدوا } قرأ ~~الجمهور بتشديد { ألا }. قال ابن الأنباري الوقف على فهم لا يهتدون غير ~~تام عند من شدد ألا، لأن المعنى وزين لهم الشيطان ألا يسجدوا. قال ~~النحاس هي أن دخلت عليها لا، وهي في موضع نصب. قال الأخفش أي زين لهم أن ~~لا يسجدوا لله بمعنى لئلا يسجدوا لله. وقال الكسائي هي في موضع نصب ~~بصدهم أي فصدهم ألا يسجدوا بمعنى لئلا يسجدوا، فهو على الوجهين مفعول ~~له. وقال اليزيدي إنه بدل من أعمالهم في موضع نصب. وقال أبو عمرو في موضع ~~خفض على البدل من السبيل. وقيل العامل ms2821 فيها { لا يهتدون } أي فهم لا ~~يهتدون أن يسجدوا لله، وتكون لا على هذا زائدة كقوله # وما منعك أن لا تسجد # الأعراف 12. وعلى قراءة الجمهور ليس هذه الآية موضع سجدة لأن ذلك إخبار ~~عنهم بترك السجود إما بالتزيين أو بالصد، أو بمنع الاهتداء، وقد رجح ~~كونه علة للصد الزجاج، ورجح الفراء كونه علة لزين، قال زين لهم أعمالهم ~~لئلا يسجدوا، ثم حذفت اللام. وقرأ الزهري والكسائي بتخفيف " ألا " قال ~~الكسائي ما كنت أسمع الأشياخ يقرؤونها إلا بالتخفيف على نية الأمر، ~~فتكون «ألا» على هذه القراءة حرف تنبيه واستفتاح، وما بعدها حرف نداء، ~~واسجدوا فعل أمر، وكان حق الخط على هذه القراءة أن يكون هكذا ألا يا ~~اسجدوا، ولكن الصحابة رضي الله عنهم أسقطوا الألف من يا وهمزة الوصل من ~~اسجدوا خطأ ووصلوا الياء بسين اسجدوا، فصارت صورة الخط ألا يسجدوا، ~~والمنادى محذوف، وتقديره ألا يا هؤلاء اسجدوا. وقد حذفت العرب المنادى ~~كثيرا في كلامها، ومنه قول الشاعر # ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ولا زال منهلا بجرعائك القطر # وقول الآخر # ألا يا اسلمى ثم اسلمي ثمت اسلمى ثلاث تحيات وإن لم تكلم # وقول الآخر أيضا # ألا يا اسلمي يا هند هند بني بكر # وهو كثير في أشعارهم. قال الزجاج وقراءة التخفيف تقتضي وجوب السجود دون ~~قراءة التشديد، واختار أبو حاتم وأبو عبيد قراءة التشديد. قال الزجاج ~~ولقراءة التخفيف وجه حسن إلا أن فيها انقطاع الخبر عن أمر سبأ ثم الرجوع ~~بعد ذلك إلى ذكرهم. والقراءة بالتشديد خبر يتبع بعضه بعضا لا انقطاع في ~~وسطه، وكذا قال النحاس، وعلى هذه القراءة تكون جملة { ألا يسجدوا ~~} معترضة من كلام الهدهد، أو من كلام سليمان، أو من كلام الله سبحانه. ~~وفي قراءة عبد الله بن مسعود " هل لا تسجدوا " بالفوقية، وفي قراءة أبي ~~{ ألا تسجدوا } بالفوقية أيضا { الذي يخرج الخبء في ~~السموات والأرض } أي يظهر ما هو مخبوء ومخفي فيهما، يقال ~~خبأت الشيء أخبؤه خبأ والخبء ما خبأته. قال الزجاج جاء ms2822 في التفسير أن ~~الخبء هاهنا بمعنى القطر من السماء والنبات من الأرض. وقيل خبء الأرض ~~كنوزها ونباتها. وقال قتادة الخبء السر. قال النحاس أي ما غاب في ~~السماوات والأرض. وقرأ أبي وعيسى بن عمر " الخب " بفتح الباء من غير همز ~~تخفيفا، وقرأ عبد الله وعكرمة ومالك بن دينار " الخبا " بالألف. قال أبو ~~حاتم وهذا لا يجوز في العربية. ورد عليه بأن سيبويه حكى عن العرب أن ~~الألف تبدل من الهمزة إذا كان قبلها ساكن. وفي قراءة عبد الله «يخرج الخب ~~من السموات والأرض». قال الفراء ومن وفى يتعاقبان، والموصول يجوز أن يكون ~~في محل جر نعتا لله سبحانه، أو بدلا منه، أو بيانا له، ويجوز أن يكون ~~في محل نصب على المدح، ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف. وجملة { ويعلم ما تخفون وما تعلنون } معطوفة على ~~يخرج، قرأ الجمهور بالتحتية في الفعلين، وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر وحفص ~~والكسائي بالفوقية للخطاب، أما القراءة الأولى فلكون الضمائر المتقدمة ~~ضمائر غيبة، وأما القراءة الثانية فلكون قراءة الزهري والكسائي فيها ~~الأمر بالسجود والخطاب لهم بذلك، فهذا عندهم من تمام ذلك الخطاب. والمعنى ~~أن الله سبحانه يخرج ما في هذا العالم الإنساني من الخفاء بعلمه له كما ~~يخرج ما خفي في السماوات والأرض. ثم بعد ما وصف الرب سبحانه بما تقدم ~~مما يدل على عظيم قدرته وجليل سلطانه ووجوب توحيده، وتخصيصه بالعبادة ~~قال { الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم } ~~قرأ الجمهور { العظيم } بالجر نعتا للعرش، وقرأ ابن محيصن بالرفع نعتا ~~للرب، وخص العرش بالذكر لأنه أعظم المخلوقات كما ثبت ذلك في المرفوع ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن عبد ~~العزيز أنه كتب إن الله لم ينعم على عبد نعمة، فحمد الله عليها إلا كان ~~حمده أفضل من نعمته لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل. # قال الله عز وجل { ولقد ءاتينا داوود وسليمن ~~علما وقالا ms2823 الحمد لله الذي فضلنا على كثير ~~من عباده المؤمنين } وأي نعمة أفضل مما أعطى داود وسليمان؟ ~~أقول ليس في الآية ما يدل على ما فهمه رحمه الله، والذي تدل عليه أنهما ~~حمدا الله سبحانه على ما فضلهما به من النعم، فمن أين تدل على أن حمده ~~أفضل من نعمته؟ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~قوله { وورث سليمن داوود } قال ورثه نبوته، وملكه وعلمه. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، وابن أبي حاتم عن أبي الصديق الناجي ~~قال «خرج سليمان بن داود يستسقي بالناس، فمر على نملة مستلقية على قفاها ~~رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى ~~عن رزقك، فإما أن تسقينا وإما أن تهلكنا، فقال سليمان للناس ارجعوا، فقد ~~سقيتم بدعوة غيركم». وأخرج الحاكم في المستدرك عن جعفر بن محمد قال أعطي ~~سليمان ملك مشارق الأرض ومغاربها، فملك سليمان سبعمائة سنة وستة أشهر، ~~ملك أهل الدنيا كلهم من الجن والإنس والدواب والطير والسباع، وأعطي كل ~~شيء، ومنطق كل شيء، وفي زمانه صنعت الصنائع المعجبة، حتى إذا أراد الله ~~أن يقبضه إليه أوحى إليه أن يستودع علم الله وحكمته أخاه، وولد داود ~~كانوا أربعمائة وثمانين رجلا أنبياء بلا رسالة. قال الذهبي هذا باطل، ~~وقد رويت قصص في عظم ملك سليمان لا تطيب النفس بذكر شيء منها، فالإمساك ~~عن ذكرها أولى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله { فهم يوزعون } قال يدفعون. وأخرج ابن جرير عنه في قوله { ~~فهم يوزعون } قال جعل لكل صنف وزعة ترد أولاها على أخراها لئلا ~~تتقدمه في السير كما تصنع الملوك. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن قتادة في قوله { أوزعني } قال ألهمني. وأخرج عبد بن ~~حميد عن الحسن مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم، والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس أنه سئل كيف ms2824 تفقد سليمان ~~الهدهد من بين الطير؟ قال إن سليمان نزل منزلا، فلم يدر ما بعد الماء، ~~وكان الهدهد يدل سليمان على الماء، فأراد أن يسأله عنه، ففقده، قيل كيف ~~ذاك والهدهد ينصب له الفخ يلقى عليه التراب، ويضع له الصبي الحبالة، ~~فيغيبها، فيصيده؟ فقال إذا جاء القضاء ذهب البصر. وأخرج عبد الرزاق ~~والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله { لأعذبنه عذابا ~~شديدا } قال أنتف ريشه كله، وروي نحو هذا عن جماعة من التابعين، وروى ~~ابن أبي حاتم عن الحسن قال كان اسم هدهد سليمان غبر. # وأقول من أين جاء علم هذا للحسن رحمه الله، وهكذا ما رواه عنه ابن عساكر ~~أن اسم النملة حرس، وأنها من قبيلة يقال لها بنو الشيصان، وأنها كانت ~~عرجاء، وكانت بقدر الذئب، وهو رحمه الله أورع الناس عن نقل الكذب، ونحن ~~نعلم أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء، ونعلم أنه ~~ليس للحسن إسناد متصل بسليمان، أو بأحد من أصحابه، فهذا العلم مأخوذ من ~~أهل الكتاب، وقد أمرنا «أن لا نصدقهم، ولا نكذبهم»، فإن ترخص مترخص ~~بالرواية عنهم لمثل ما روى # " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " # فليس ذلك فيما يتعلق بتفسير كتاب الله سبحانه بلا شك، بل فيما يذكر عنهم ~~من القصص الواقعة لهم. وقد كررنا التنبيه على مثل هذا عند عروض ذكر ~~التفاسير الغريبة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { أو ليأتيني بسلطن مبين } قال خبر ~~الحق الصدق البين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال قال ابن ~~عباس كل سلطان في القرآن حجة، وذكر هذه الآية، ثم قال وأي سلطان كان ~~للهدهد؟ يعني أن المراد بالسلطان الحجة لا السلطان الذي هو الملك. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عنه في قوله { أحطت بما لم تحط به } قال اطلعت ~~على ما لم تطلع عليه. وأخرج ms2825 ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا { ~~وجئتك من سبأ } قال سبأ بأرض اليمن، يقال لها مأرب بينها وبين ~~صنعاء مسيرة ثلاث ليال { بنبإ يقين } قال بخبر حق. وأخرج ابن ~~أبي شيبة وابن المنذر عنه أيضا { إني وجدت امرأة تملكهم ~~} قال كان اسمها بلقيس بنت ذي شيرة، وكانت صلباء شعراء. وروى عن الحسن ~~وقتادة وزهير بن محمد أنها بلقيس بنت شراحيل، وعن ابن جريج بنت ذي شرح. ~~وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه وابن عساكر عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إحدى أبوي بلقيس كان جنيا " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { ولها عرش ~~عظيم } قال سرير كريم من ذهب وقوائمه من جوهر ولؤلؤ حسن الصنعة غالي ~~الثمن. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله { يخرج ~~الخبء } قال يعلم كل خبيئة في السماء والأرض. ### || [27.27-40] # جملة { قال سننظر } مستأنفة جواب سؤال مقدر أي قال سليمان للهدهد ~~سننظر فيما أخبرتنا به من هذه القصة { أصدقت } فيما قلت { أم ~~كنت من الكذبين } هذه الجملة الاستفهامية في محل نصب على أنها ~~مفعول { سننظر } ، وأم هي المتصلة، وقوله { أم كنت من ~~الكذبين } أبلغ من قوله أم كذبت لأن المعنى من الذين اتصفوا ~~بالكذب، وصار خلقا لهم. والنظر هو التأمل والتصفح، وفيه إرشاد إلى البحث ~~عن الأخبار، والكشف عن الحقائق، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم ~~واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه. ثم بين سليمان هذا ~~النظر الذي وعد به فقال { اذهب بكتابي هذا فألقه ~~إليهم } أي إلى أهل سبأ. قال الزجاج في " ألقه " خمسة أوجه إثبات ~~الياء في اللفظ وحذفها، وإثبات الكسرة للدلالة عليها، وبضم الهاء وإثبات ~~الواو، وبحذف الواو وإثبات الضمة للدلالة عليها، وبإسكان الهاء. وقرأ ~~بهذه اللغة الخامسة أبو عمرو وحمزة وأبو بكر. وقرأ قالون بكسر الهاء فقط ~~من غير ياء. وروي عن هشام وجهان إثبات الياء لفظا، وحذفها مع كسر الهاء. ~~وقرأ ms2826 الباقون بإثبات الياء في اللفظ. وقوله { بكتابي هذا } يحتمل ~~أن يكون اسم الإشارة صفة للكتاب، وأن يكون بدلا منه، وأن يكون بيانا ~~له، وخص الهدهد بإرساله بالكتاب لأنه المخبر بالقصة، ولكونه رأى منه من ~~مخايل الفهم والعلم ما يقتضي كونه أهلا للرسالة { ثم تول ~~عنهم } أي تنح عنهم، أمره بذلك لكون التنحي بعد دفع الكتاب من أحسن ~~الآداب التي يتأدب بها رسول الملوك، والمراد التنحي إلى مكان يسمع فيه ~~حديثهم حتى يخبر سليمان بما سمع، وقيل معنى التولي الرجوع إليه، والأول ~~أولى لقوله { فانظر ماذا يرجعون } أي تأمل وتفكر فيما يرجع ~~بعضهم إلى بعض من القول وما يتراجعونه بينهم من الكلام. { قالت } أي ~~بلقيس { يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم } في ~~الكلام حذف، والتقدير فذهب الهدهد، فألقاه إليهم، فسمعها تقول يا أيها ~~الملأ إلخ، ووصفت الكتاب بالكريم لكونه من عند عظيم في نفسها، فعظمته ~~إجلالا لسليمان، وقيل وصفته بذلك لاشتماله على كلام حسن، وقيل وصفته ~~بذلك لكونه وصل إليها مختوما بخاتم سليمان، وكرامة الكتاب ختمه كما روي ~~ذلك مرفوعا. ثم بينت ما تضمنه هذا الكتاب، فقالت { إنه من ~~سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } أي وإن ~~ما اشتمل عليه من الكلام، وتضمنه من القول مفتتح بالتسمية، وبعد التسمية ~~{ أن لا تعلوا علي } أي لا تتكبروا كما يفعله جبابرة الملوك، و ~~" أن " هي المفسرة، وقيل مصدرية، ولا ناهية، وقيل نافية، ومحل الجملة ~~الرفع على أنها بدل من كتاب، أو خبر مبتدأ محذوف أي هو أن لا تعلوا. # قرأ الجمهور { إنه من سليمان وإنه } بكسرهما على الاستئناف، وقرأ عكرمة ~~وابن أبي عبلة بفتحهما على إسقاط حرف الجر، وقرأ أبي " إن من سليمان ~~وإن بسم الله " بحذف الضميرين، وإسكان النونين على أنهما مفسرتان، وقرأ ~~عبد الله بن مسعود " وإنه من سليمان " بزيادة الواو، وروي ذلك أيضا عن ~~أبي، وقرأ أشهب العقيلي وابن السميفع " أن لا تغلوا " بالغين المعجمة من ~~الغلو، وهو تجاوز الحد في الكبر { وأتوني مسلمين } أي منقادين ~~للدين مؤمنين بما ms2827 جئت به. { قالت يأيها الملأ أفتوني فى ~~أمري } الملأ أشراف القوم، والمعنى يا أيها الأشراف أشيروا علي، ~~وبينوا لي الصواب في هذا الأمر، وأجيبوني بما يقتضيه الحزم، وعبرت عن ~~المشورة بالفتوى لكون في ذلك حل لما أشكل من الأمر عليها، وفي الكلام ~~حذف، والتقدير فلما قرأت بلقيس الكتاب جمعت أشراف قومها، وقالت لهم يا ~~أيها الملأ إني ألقي إلي، يا أيها الملأ أفتوني، وكرر «قالت» لمزيد ~~العناية بما قالته لهم، ثم زادت في التأدب، واستجلاب خواطرهم، ليمحضوها ~~النصح، ويشيروا عليها بالصواب، فقالت { ما كنت قطعة أمرا ~~حتى تشهدون } أي ما كنت مبرمة أمرا من الأمور حتى تحضروا عندي، ~~وتشيروا علي. فقولوا مجيبين لها { نحن أولوا قوة } في العدد ~~والعدة { وأولوا بأس شديد } عند الحرب، واللقاء لنا من ~~الشجاعة والنجدة ما نمنع به أنفسنا وبلدنا ومملكتنا. ثم فوضوا الأمر ~~إليها لعلمهم بصحة رأيها، وقوة عقلها فقالوا { والأمر إليك } أي ~~موكول إلى رأيك ونظرك { فانظري ماذا تأمرين } أي تأملي ماذا ~~تأمرينا به فنحن سامعون لأمرك مطيعون له فلما سمعت تفويضهم الأمر إليها { ~~قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها } أي ~~إذا دخلوا قرية من القرى خربوا مبانيها، وغيروا معانيها، وأتلفوا ~~أموالها، وفرقوا شمل أهلها { وجعلوا أعزة أهلها أذلة ~~} أي أهانوا أشرافها، وحطوا مراتبهم، فصاروا عند ذلك أذلة، وإنما يفعلون ~~ذلك لأجل أن يتم لهم الملك، وتستحكم لهم الوطأة، وتتقرر لهم في قلوبهم ~~المهابة. قال الزجاج أي إذا دخلوها عنوة عن قتال وغلبة، والمقصود من ~~قولها هذا تحذير قومها من مسير سليمان إليهم، ودخوله بلادهم، وقد صدقها ~~الله سبحانه فيما قالت، فقال سبحانه { وكذلك يفعلون } أي مثل ~~ذلك الفعل يفعلون. قال ابن الأنباري الوقف على قوله { وجعلوا ~~أعزة أهلها أذلة } وقف تام، فقال الله عز وجل تحقيقا ~~لقولها { وكذلك يفعلون } ، وقيل هذه الجملة من تمام كلامها، ~~فتكون من جملة مقول قولها، وعلى القول الأول تكون هذه الجملة مستأنفة لا ~~محل لها من الإعراب. # ثم لما قدمت لهم هذه المقدمة، وبينت لهم ما في ms2828 دخول الملوك إلى أرضهم ~~من المفسدة، أوضحت لهم وجه الرأي عندها، وصرحت لهم بصوابه، فقالت { ~~وإني مرسلة إليهم بهدية } أي إني أجرب هذا الرجل ~~بإرسال رسلي إليه بهدية مشتملة على نفائس الأموال، فإن كان ملكا أرضيناه ~~بذلك وكفينا أمره، وإن كان نبيا لم يرضه ذلك، لأن غاية مطلبه ومنتهى ~~أربه هو الدعاء إلى الدين، فلا ينجينا منه إلا إجابته ومتابعته والتدين ~~بدينه وسلوك طريقته ولهذا قالت { فناظرة بم يرجع ~~المرسلون } الفاء للعطف على مرسلة، و { بم } متعلق ب { يرجع } ، ~~والمعنى إني ناظرة فيما يرجع به رسلي المرسلون بالهدية من قبول أو رد ~~فعاملة بما يقتضيه ذلك، وقد طول المفسرون في ذكر هذه الهدية، وسيأتي في ~~آخر البحث بيان ما هو أقرب ما قيل إلى الصواب والصحة. { فلما جاء ~~سليمان } أي فلما جاء رسولها المرسل بالهدية سليمان، والمراد بهذا ~~المضمر الجنس، فلا ينافي كونهم جماعة كما يدل عليه قولها { بم يرجع ~~المرسلون } وقرأ عبد الله " فلما جاؤوا سليمان " أي الرسل، وجملة { قال ~~أتمدونن بمال } مستأنفة جواب سؤال مقدر، والاستفهام للاستنكار ~~أي قال منكرا لإمدادهم له بالمال مع علو سلطانه وكثرة ماله. وقرأ حمزة ~~بإدغام نون الإعراب في نون الوقاية، والباقون بنونين من غير إدغام، وأما ~~الياء، فإن نافعا وأبا عمرو وحمزة يثبتونها وصلا ويحذفونها وقفا، وابن ~~كثير يثبتها في الحالين، والباقون يحذفونها في الحالين. وروي عن نافع أنه ~~يقرأ بنون واحدة { فما ءاتني الله خير مما ءاتكم } ~~أي ما آتاني من النبوة والملك العظيم والأموال الكثيرة خير مما آتاكم من ~~المال الذي هذه الهدية من جملته. قرأ أبو عمرو ونافع وحفص { آتاني الله } ~~بياء مفتوحة وقرأ يعقوب بإثباتها في الوقف وحذفها في الوصل، وقرأ الباقون ~~بغير ياء في الوصل والوقف. ثم إنه أضرب عن الإنكار المتقدم، فقال { بل ~~أنتم بهديتكم تفرحون } توبيخا لهم بفرحهم بهذه الهدية ~~فرح فخر وخيلاء، وأما أنا فلا أفرح بها، وليست الدنيا من حاجتي، لأن الله ~~سبحانه قد أعطاني منها ما لم يعطه أحدا من العالمين، ومع ms2829 ذلك أكرمني ~~بالنبوة. والمراد بهذا الإضراب من سليمان بيان السبب الحامل لهم على ~~الهدية مع الإزراء بهم، والحط عليهم. { ارجع إليهم ~~فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها } أي قال سليمان ~~للرسول ارجع إليهم أي إلى بلقيس وقومها، خاطب المفرد ها هنا بعد خطابه ~~للجماعة فيما قبل، إما لأن الذي سيرجع هو الرسول فقط، أو خص أمير الرسل ~~بالخطاب هنا وخاطبهم معه فيما سبق افتنانا في الكلام. وقرأ عبد الله بن ~~عباس " ارجعوا " ، وقيل إن الضمير يرجع إلى الهدهد، واللام في " لنأتيهم ~~" جواب قسم محذوف. # قال النحاس وسمعت ابن كيسان يقول هي لام توكيد ولام أمر ولام خفض، وهذا ~~قول الحذاق من النحويين لأنهم يردون الشيء إلى أصله، وهذا لا يتهيأ إلا ~~لمن درب في العربية، ومعنى { لا قبل لهم } لا طاقة لهم بها، ~~والجملة في محل جر صفة لجنود { ولنخرجنهم } معطوف على جواب ~~القسم، أي لنخرجنهم من أرضهم التي هم فيها { أذلة } أي حال كونهم ~~أذلة بعد ما كانوا أعزة، وجملة { وهم صغرون } في محل نصب على ~~الحال، قيل وهي حال مؤكدة لأن الصغار هو الذلة، وقيل إن المراد بالصغار ~~هنا الأسر، والاستعباد، وقيل إن الصغار الإهانة التي تسبب عنها الذلة. ~~ولما رجع الرسول إلى بلقيس تجهزت للمسير إلى سليمان، وأخبر جبريل سليمان ~~بذلك، فقال سليمان { ياأيها الملأ أيكم يأتيني ~~بعرشها } أي عرش بلقيس الذي تقدم وصفه بالعظم { قبل أن ~~يأتوني مسلمين } أي قبل أن تأتيني هي وقومها مسلمين. قيل إنما ~~أراد سليمان أخذ عرشها قبل أن يصلوا إليه ويسلموا لأنها إذا أسلمت وأسلم ~~قومها لم يحل أخذ أموالهم بغير رضاهم. قال ابن عطية وظاهر الروايات أن ~~هذه المقالة من سليمان هي بعد مجيء هديتها ورده إياها وبعثه الهدهد ~~بالكتاب، وعلى هذا جمهور المتأولين. وقيل استدعاء العرش قبل وصولها ~~ليريها القدرة التي هي من عند الله ويجعله دليلا على نبوته، وقيل أراد ~~أن يختبر عقلها، ولهذا قال { نكروا لها عرشها }.... إلخ، وقيل ~~أراد أن يختبر صدق الهدهد في وصفه للعرش ms2830 بالعظم، والقول الأول هو الذي ~~عليه الأكثر. { قال عفريت من الجن أنا ءاتيك به قبل ~~أن تقوم من مقامك } قرأ الجمهور بكسر العين وسكون الفاء وكسر ~~الراء وسكون المثناة التحتية وبالتاء، وقرأ أبو رجاء وعيسى الثقفي وابن ~~السميفع، وأبو السمال " عفريه " بفتح التحتية بعدها تاء تأنيث منقلبة هاء ~~رويت هذه القراءة عن أبي بكر الصديق. وقرأ أبو حيان بفتح العين. والعفريت ~~المارد الغليظ الشديد. قال النحاس يقال للشديد إذا كان معه خبث ودهاء عفر ~~وعفريه وعفريت. وقال قتادة هو الداهية، وقيل هو رئيس الجن. قال ابن عطية ~~وقرأت فرقة " عفر " بكسر العين جمعه على عفار، ومما ورد من أشعار العرب ~~مطابقا لقراءة الجمهور ما أنشده الكسائي # فقال شيطان لهم عفريت ما لكم مكث ولا تبييت # ومما ورد على القراءة الثانية قول ذي الرمة # كأنه كوكب في إثر عفرية مصوب في سواد الليل منقضب # ومعنى قول العفريت أنه سيأتي بالعرش إلى سليمان قبل أن يقوم من مجلسه ~~الذي يجلس فيه للحكومة بين الناس { وإني عليه لقوي أمين } ~~إني لقوي على حمله أمين على ما فيه. # قيل اسم هذا العفريت كودن ذكره النحاس عن وهب بن منبه، وقال السهيلي ~~ذكوان. وقيل اسمه دعوان. وقيل صخر. وقوله { ءاتيك } فعل مضارع، وأصله ~~ءأتيك بهمزتين، فأبدلت الثانية ألفا. وقيل هو اسم فاعل. { قال ~~الذي عنده علم من الكتب أنا ءاتيك به قبل ~~أن يرتد إليك طرفك } قال أكثر المفسرين اسم هذا الذي عنده ~~علم من الكتاب آصف بن برخيا، وهو من بني إسرائيل، وكان وزيرا لسليمان، ~~وكان يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. قال ~~ابن عطية، وقالت فرقة هو سليمان نفسه، ويكون الخطاب على هذا للعفريت كأن ~~سليمان استبطأ ما قاله العفريت، فقال له تحقيرا له { أنا ءاتيك ~~به قبل أن يرتد إليك طرفك } ، وقيل هو جبريل، وقيل ~~الخضر. والأول أولى. وقد قيل غير ذلك بما لا أصل له. والمراد بالطرف ~~تحريك الأجفان، وفتحها للنظر وارتداده انضمامها. وقيل ms2831 هو بمعنى المطروف، ~~أي الشيء الذي ينظره، وقيل هو نفس الجفن عبر به عن سرعة الأمر كما تقول ~~لصاحبك افعل ذلك في لحظة. قاله مجاهد. وقال سعيد بن جبير إنه قال لسليمان ~~انظر إلى السماء فما طرف حتى جاء به، فوضعه بين يديه، والمعنى حتى يعود ~~إليك طرفك بعد مده إلى السماء، والأول أولى هذه الأقوال. ثم الثالث { ~~فلما رءاه مستقرا عنده } قيل في الآية حذف، والتقدير فأذن ~~له سليمان، فدعا الله، فأتى به، فلما رآه سليمان مستقرا عنده أي رأى ~~العرش حاضرا لديه { هذا من فضل ربي ليبلوني ~~أأشكر أم أكفر } الإشارة بقوله { هذا } إلى حضور العرش، { ~~ليبلوني } أي ليختبرني أشكره بذلك، وأعترف أنه من فضله من غير حول مني ~~ولا قوة، أم أكفر بترك الشكر وعدم القيام به. قال الأخفش المعنى لينظر ~~أأشكر أم أكفر، وقال غيره معنى { ليبلوني } ليتعبدني، وهو مجاز، ~~والأصل في الابتلاء الاختبار. { ومن شكر فإنما يشكر ~~لنفسه } لأنه استحق بالشكر تمام النعمة ودوامها، والمعنى أنه لا ~~يرجع نفع ذلك إلا إلى الشاكر { ومن كفر } بترك الشكر { فإن ~~ربي غني } عن شكره { كريم } في ترك المعاجلة بالعقوبة بنزع نعمه ~~عنه، وسلبه ما أعطاه منها، و " أم " في { أم أكفر } هي متصلة. وقد ~~أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { اذهب بكتابي ~~هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم } يقول كن قريبا ~~منهم { فانظر ماذا يرجعون } فانطلق بالكتاب حتى إذا توسط ~~عرشها ألقى الكتاب إليها، فقرىء عليها، فإذا فيه { إنه من ~~سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } ، ~~وأخرج ابن مردويه عنه { كتاب كريم } قال مختوم، وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن ميمون بن مهران أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب «باسمك اللهم» ~~حتى نزلت { إنه من سليمان وإنه بسم الله ~~الرحمن الرحيم }. # وأخرج أبو داود في مراسيله عن أبي مالك مرفوعا مثله. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله { أفتوني في أمري } قال جمعت رؤوس ~~مملكتها فشاورتهم في رأيها، فأجمع ms2832 رأيهم ورأيها على أن يغزوه، فسارت حتى ~~إذا كانت قريبة قالت أرسل إليهم بهدية، فإن قبلها، فهو ملك أقاتله، وإن ~~ردها تابعته، فهو نبي، فلما دنت رسلها من سليمان علم خبرهم، فأمر ~~الشياطين، فموهوا ألف قصر من ذهب وفضة، فلما رأت رسلها قصور الذهب قالوا ~~ما يصنع هذا بهديتنا، وقصوره ذهب وفضة، فلما دخلوا عليه بهديتها قال { ~~أتمدونن بمال } ، ثم قال سليمان { أيكم يأتيني ~~بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين } فقال كاتب سليمان ارفع ~~بصرك، فرفع بصره، فلما رجع إليه طرفه فإذا هو بسرير { قال نكروا ~~لها عرشها } فنزع منه فصوصه، ومرافقه، وما كان عليه من شيء ف قيل ~~لها { أهكذا عرشك قالت كأنه هو } وأمر الشياطين فجعلوا ~~لها صرحا ممردا من قوارير، وجعل فيها تماثيل السمك، فقيل لها { ~~ادخلي الصرح } فكشفت عن ساقيها فإذا فيها شعر، فعند ذلك أمر بصنعة ~~النورة فصنعت. فقيل لها { إنه صرح ممرد من قوارير ~~قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمن ~~لله رب العلمين }. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله { إن الملوك إذا دخلوا ~~قرية أفسدوها } قال إذا أخذوها عنوة أخربوها. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عنه أيضا قال يقول الرب تبارك وتعالى { وكذلك يفعلون }. ~~وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في ~~قوله { وإني مرسلة إليهم بهدية } قال أرسلت بلبنة من ~~ذهب، فلما قدموا إذا حيطان المدينة من ذهب فذلك قوله { أتمدونن ~~بمال } الآية. وقال ثابت البناني أهدت له صفائح الذهب في أوعية ~~الديباج. وقال مجاهد جواري لباسهن لباس الغلمان، وغلمان لباسهم لباس ~~الجواري. وقال عكرمة أهدت مائتي فرس على كل فرس غلام وجارية، وعلى كل ~~فرس لون ليس على الآخر. وقال سعيد بن جبير كانت الهدية جواهر، وقيل غير ~~ذلك مما لا فائدة في التطويل بذكره. وأخرج ابن المنذر من طريق علي بن ~~أبي طلحة عن ابن عباس في قوله { قبل أن يأتوني مسلمين } قال ~~طائعين. وأخرج ابن جرير ms2833 وابن المنذر وابن أبي حاتم، عنه قال اسم العفريت ~~صخر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا { قبل ~~أن تقوم من مقامك } قال من مجلسك. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ~~أيضا { قال الذي عنده علم من الكتب } قال هو آصف بن ~~برخيا، وكان صديقا يعلم الاسم الأعظم. # وأخرج أبو عبيد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال في ~~قراءة ابن مسعود " قال الذي عنده علم من الكتاب أنا أنظر في كتاب ربي، ثم ~~آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك " قال فتكلم ذلك العالم بكلام دخل العرش ~~في نفق تحت الأرض حتى خرج إليهم. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله ~~{ قبل أن يرتد إليك طرفك } قال قال لسليمان انظر إلى ~~السماء، قال فما أطرف حتى جاءه به فوضعه بين يديه. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن المنذر وابن عساكر، عن ابن عباس قال لم يجر عرش صاحبة سبأ بين الأرض ~~والسماء، ولكن انشقت به الأرض، فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان. ### || [27.41-44] # قوله { نكروا لها عرشها } التنكير التغيير، يقول غيروا سريرها ~~إلى حال تنكره إذا رأته. قيل جعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه، وقيل غير ~~بزيادة ونقصان. قال الفراء، وغيره إنما أمر بتنكيره لأن الشياطين قالوا ~~له إن في عقلها شيئا، فأراد أن يمتحنها، وقيل خافت الجن أن يتزوج بها ~~سليمان، فيولد له منها ولد فيبقون مسخرين لآل سليمان أبدا، فقالوا ~~لسليمان إنها ضعيفة العقل، ورجلها كرجل الحمار، وقوله { ننظر } بالجزم ~~على أنه جواب الأمر، وبالجزم قرأ الجمهور، وقرأ أبو حيان بالرفع على ~~الاستئناف { أتهتدى } إلى معرفته، أو إلى الإيمان بالله { أم ~~تكون من الذين لا يهتدون } إلى ذلك. { فلما جاءت } ~~أي بلقيس إلى سليمان { قيل } لها، والقائل هو سليمان، أو غيره بأمره { ~~أهكذا عرشك } لم يقل هذا عرشك لئلا يكون ذلك تلقينا لها فلا ~~يتم الاختبار لعقلها { قالت كأنه هو } قال مجاهد جعلت تعرف، ~~وتنكر، وتعجب من حضوره عند ms2834 سليمان، فقالت كأنه هو. وقال مقاتل عرفته، ~~ولكنه شبهت عليهم كما شبهوا عليها، ولو قيل لها أهذا عرشك لقالت نعم. ~~وقال عكرمة كانت حكيمة، قالت إن قلت هو هو خشيت أن أكذب، وإن قلت لا، ~~خشيت أن أكذب، فقالت كأنه هو، وقيل أراد سليمان أن يظهر لها أن الجن ~~مسخرون له { وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين } ~~قيل هو من كلام بلقيس، أي أوتينا العلم بصحة نبوة سليمان من قبل هذه ~~الآية في العرش { وكنا مسلمين } منقادين لأمره. وقيل هو من قول ~~سليمان أي أوتينا العلم بقدرة الله من قبل بلقيس، وقيل أوتينا العلم ~~بإسلامها، ومجيئها طائعة من قبلها أي من قبل مجيئها. وقيل هو من كلام قوم ~~سليمان. والقول الثاني أرجح من سائر الأقوال. { وصدها ما كانت ~~تعبد من دون الله } هذا من كلام الله سبحانه بيان لما كان ~~يمنعها من إظهار ما ادعته من الإسلام، ففاعل صد هو ما كانت تعبد أي ~~منعها من إظهار الإيمان ما كانت تعبده، وهي الشمس، قال النحاس أي صدها ~~عبادتها من دون الله، وقيل فاعل صد هو الله أي منعها الله ما كانت تعبد ~~من دونه فتكون «ما» في محل نصب، وقيل الفاعل سليمان أي ومنعها سليمان ما ~~كانت تعبد، والأول أولى، والجملة مستأنفة للبيان كما ذكرنا، وجملة { ~~إنها كانت من قوم كفرين } تعليل للجملة الأولى أي سبب ~~تأخرها عن عبادة الله، ومنع ما كانت تعبده عن ذلك أنها كانت من قوم ~~متصفين بالكفر. قرأ الجمهور { إنها } بالكسر. وقرأ أبو حيان بالفتح. وفي ~~هذه القراءة وجهان أحدهما أن الجملة بدل مما كانت تعبد. # والثاني أن التقدير لأنها كانت تعبد، فسقط حرف التعليل. { قيل لها ~~ادخلي الصرح }. قال أبو عبيدة الصرح القصر. وقال الزجاج الصرح ~~الصحن. يقال هذه صرحة الدار وقاعتها. قال ابن قتيبة الصرح بلاط اتخذ لها ~~من قوارير، وجعل تحته ماء وسمك. وحكى أبو عبيد في الغريب أن الصرح كل ~~بناء عال مرتفع، وأن الممرد الطويل { فلما رأته حسبته ~~لجة وكشفت ms2835 عن ساقيها } أي فلما رأت الصرح بين يديها حسبت ~~أنه لجة، واللجة معظم الماء، فلذلك كشفت عن ساقيها لتخوض الماء، فلما ~~فعلت ذلك { قال } سليمان { إنه صرح ممرد من قوارير } ~~الممرد المحكوك المملس، ومنه الأمرد، وتمرد الرجل إذا لم تخرج لحيته، ~~قاله الفراء. ومنه الشجرة المرداء التي لا ورق لها. والممرد أيضا ~~المطول، ومنه قيل للحصن ما رد، ومنه قول الشاعر # غدوت صباحا باكرا فوجدتهم قبيل الضحى في السابري الممرد # أي الدروع الواسعة الطويلة، فلما سمعت بلقيس ذلك أذعنت، واستسلمت، و { ~~قالت رب إني ظلمت نفسى } أي بما كنت عليه من عبادة غيرك، ~~وقيل بالظن الذي توهمته في سليمان لأنها توهمت أنه أراد تغريقها في ~~اللجة، والأول أولى { وأسلمت مع سليمن } متابعة له داخلة ~~في دينه { لله رب العلمين } التفتت من الخطاب إلى الغيبة، ~~قيل لإظهار معرفتها بالله، والأولى أنها التفتت لما في هذا الاسم الشريف ~~من الدلالة على جميع الأسماء، ولكونه علما للذات. وقد أخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { نكروا لها عرشها } قال ~~زيد فيه ونقص { ننظر أتهتدي } قال لننظر إلى عقلها فوجدت ثابتة ~~العقل. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وأوتينا العلم من قبلها } ~~قال من قول سليمان. وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد نحوه. وأخرج ابن ~~المنذر عن ابن عباس في قوله { فلما رأته حسبته لجة } ~~قال بحرا. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عنه في أثر طويل أن سليمان تزوجها بعد ذلك. قال أبو بكر بن أبي شيبة ما ~~أحسنه من حديث. قال ابن كثير في تفسيره بعد حكايته لقول أبي بكر بن أبي ~~شيبة بل هو منكر جدا، ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس، ~~والله أعلم. والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب بما ~~يوجد في صحفهم كروايات كعب ووهب سامحهما الله ms2836 فيما نقلا إلى هذه الأمة من ~~بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب مما كان ومما لم يكن ومما حرف ~~وبدل ونسخ. انتهى. وكلامه هذا هو شعبة مما قد كررناه في هذا التفسير، ~~ونبهنا عليه في عدة مواضع، وكنت أظن أنه لم ينبه على ذلك غيري. فالحمد ~~لله على الموافقة لمثل هذا الحافظ المنصف. وأخرج البخاري في تاريخه، ~~والعقيلي عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أول من صنعت له الحمامات سليمان " # وروي عنه مرفوعا من طريق أخرى رواها الطبراني، وابن عدي في الكامل، ~~والبيهقي في الشعب بلفظ # " أول من دخل الحمام سليمان فلما وجد حره قال أوه من عذاب الله ". ### || [27.45-53] # قوله { ولقد أرسلنا } معطوف على قوله { ولقد ءاتينا ~~داوود } واللام هي الموطئة للقسم، وهذه القصة من جملة بيان قوله { ~~وإنك لتلقى القرءان من لدن حكيم عليم } و { ~~صلحا } عطف بيان، و { أن اعبدوا الله } تفسير للرسالة، وأن ~~هي المفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية أي بأن اعبدوا الله، و " إذا " في { ~~فإذا هم فريقان } هي الفجائية أي ففاجئوا التفرق، والاختصام، ~~والمراد ب { الفريقان } المؤمنون منهم والكافرون. ومعنى الاختصام أن كل ~~فريق يخاصم على ما هو فيه، ويزعم أن الحق معه، وقيل إن الخصومة بينهم في ~~صالح هل هو مرسل أم لا؟ وقيل أحد الفريقين صالح، والفريق الآخر جميع ~~قومه، وهو ضعيف. { قال يقوم لم تستعجلون بالسيئة ~~قبل الحسنة } أي قال صالح للفريق الكافر منهم منكرا عليهم لم ~~تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة؟ قال مجاهد بالعذاب قبل الرحمة. والمعنى لم ~~تؤخرون الإيمان الذي يجلب إليكم الثواب وتقدمون الكفر الذي يجلب إليكم ~~العقوبة؟ وقد كانوا لفرط كفرهم يقولون ائتنا يا صالح بالعذاب { لولا ~~تستغفرون الله } هلا تستغفرون الله وتتوبون إليه من الشرك { ~~لعلكم ترحمون } رجاء أن ترحموا أو كي ترحموا فلا تعذبوا، فإن ~~استعجال الخير أولى من استعجال الشر، ووصف العذاب بأنه سيئة مجازا، إما ~~لأن العقاب من لوازمه، أو لأنه يشبهه في كونه مكروها، فكان جوابهم عليه ms2837 ~~بعد هذا الإرشاد الصحيح، والكلام اللين أنهم { قالوا اطيرنا ~~بك وبمن معك } أصله تطيرنا، وقد قرىء بذلك، والتطير التشاؤم أي ~~تشاءمنا منك وبمن معك ممن أجابك ودخل في دينك، وذلك لأنه أصابهم قحط ~~فتشاءموا بصالح، وقد كانت العرب أكثر الناس طيرة وأشقاهم بها، وكانوا إذا ~~أرادوا سفرا أو أمرا من الأمور نفروا طائرا من وكره فإن طار يمنة ~~ساروا، وفعلوا ما عزموا عليه، وإن طار يسرة تركوا ذلك فلما قالوا ذلك ~~قال لهم صالح { طائركم عند الله } أي ليس ذلك بسبب الطير الذي ~~تتشاءمون به، بل سبب ذلك عند الله، وهو ما يقدره عليكم، والمعنى أن ~~الشؤم الذي أصابكم هو من عند الله بسبب كفركم، وهذا كقوله تعالى # يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند ~~الله # الأعراف 131. ثم أوضح لهم سبب ما هم فيه بأوضح بيان، فقال { بل ~~أنتم قوم تفتنون } أي تمتحنون، وتختبرون وقيل تعذبون بذنوبكم، ~~وقيل يفتنكم غيركم، وقيل يفتنكم الشيطان بما تقعون فيه من الطيرة، أو بما ~~لأجله تطيرون، فأضرب عن ذكر الطائر إلى ما هو السبب الداعي إليه. { ~~وكان في المدينة } التي فيها صالح، وهو الحجر { تسعة رهط ~~} أي تسعة رجال من أبناء الأشراف، والرهط اسم للجماعة، فكأنهم كانوا ~~رؤساء يتبع كل واحد منهم جماعة، والجمع أرهط وأراهط، وهؤلاء التسعة هم ~~أصحاب قدار عاقر الناقة، ثم وصف هؤلاء بقوله { يفسدون في الأرض ~~ولا يصلحون } أي شأنهم وعملهم الفساد في الأرض الذي لا يخالطه ~~صلاح، وقد اختلف في أسماء هؤلاء التسعة اختلافا كثيرا لا حاجة إلى ~~التطويل بذكره. # { قالوا تقاسموا بالله } أي قال بعضهم لبعض احلفوا بالله، ~~هذا على أن { تقاسموا } فعل أمر، ويجوز أن يكون فعلا ماضيا مفسرا ~~لقالوا، كأنه قيل ما قالوا؟ فقال تقاسموا، أو يكون حالا على إضمار قد أي ~~قالوا ذلك متقاسمين، وقرأ ابن مسعود " يفسدون في الأرض ولا يصلحون ~~تقاسموا بالله " وليس فيها قالوا، واللام في { لنبيتنه ~~وأهله } جواب القسم أي لنأتينه بغتة في وقت البيات، فنقتله وأهله { ~~ثم لنقولن لوليه ms2838 } قرأ الجمهور بالنون للمتكلم في { ~~لنبيتنه } ، وفي { لنقولن } ، واختار هذه القراءة أبو حاتم. وقرأ حمزة ~~والكسائي بالفوقية فيهما على خطاب بعضهم لبعضهم، واختار هذه القراءة أبو ~~عبيد، وقرأ مجاهد وحميد بالتحتية فيهما، والمراد بولي صالح رهطه { ما ~~شهدنا مهلك أهله } أي ما حضرنا قتلهم، ولا ندري من قتله، ~~وقتل أهله، ونفيهم لشهودهم لمكان الهلاك يدل على نفي شهودهم لنفس القتل ~~بالأولى، وقيل إن المهلك بمعنى الإهلاك، وقرأ حفص والسلمي مهلك بفتح ~~الميم واللام، وقرأ أبو بكر، والمفضل بفتح الميم، وكسرها { وإنا ~~لصدقون } فيما قلناه. قال الزجاج وكان هؤلاء النفر تحالفوا أن ~~يبيتوا صالحا وأهله، ثم ينكروا عند أوليائه أنهم ما فعلوا ذلك، ولا ~~رأوه، وكان هذا مكرا منهم، ولهذا قال الله سبحانه { ومكروا مكرا ~~} أي بهذه المحالفة { ومكرنا مكرا } جازيناهم بفعلهم فأهلكناهم { ~~وهم لا يشعرون } بمكر الله بهم. { فانظر كيف كان ~~عقبة مكرهم } أي انظر ما انتهى إليه أمرهم الذي بنوه على ~~المكر، وما أصابهم بسببه { أنا دمرنهم وقومهم ~~أجمعين } قرأ الجمهور بكسر همزة أنا، وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ~~والحسن وابن أبي إسحاق وعاصم بفتحها، فمن كسر جعله استئنافا. قال ~~الفراء، والزجاج من كسر استأنف، وهو يفسر به ما كان قبله. كأنه جعله ~~تابعا للعاقبة، كأنه قال العاقبة إنا دمرناهم، وعلى قراءة الفتح يكون ~~التقدير بأنا دمرناهم أو لأنا دمرناهم، وكان تامة وعاقبة فاعل لها، أو ~~يكون بدلا من عاقبة، أو يكون خبر مبتدأ محذوف أي هي أنا دمرناهم، ويجوز ~~أن تكون كان ناقصة، وكيف خبرها، ويجوز أن يكون خبرها أنا دمرنا. قال أبو ~~حاتم وفي حرف أبي " أن دمرناهم ". والمعنى في الآية أن الله دمر التسعة ~~الرهط المذكورين، ودمر قومهم الذين لم يكونوا معهم عند مباشرتهم لذلك، ~~ومعنى التأكيد بأجمعين أنه لم يشذ منهم أحد ولا سلم من العقوبة فرد من ~~أفرادهم. # وجملة { فتلك بيوتهم خاوية } مقررة لما قبلها. قرأ ~~الجمهور { خاوية } بالنصب على الحال. قال الزجاج المعنى فانظر إلى بيوتهم ~~حال كونها خاوية، وكذا قال الفراء، والنحاس أي ms2839 خالية عن أهلها خرابا ليس ~~بها ساكن. وقال الكسائي وأبو عبيدة نصب خاوية على القطع. والأصل فتلك ~~بيوتهم الخاوية، فلما قطع منها الألف، واللام نصبت كقوله # وله الدين واصبا # النحل 52. وقرأ عاصم بن عمر ونصر بن عاصم والجحدري وعيسى بن عمر برفع { ~~خاوية } على أنه خبر اسم الإشارة، وبيوتهم بدل، أو عطف بيان، أو خبر لاسم ~~الإشارة، وخاوية خبر آخر، والباء في { بما ظلموا } للسببية أي بسبب ~~ظلمهم { إن في ذلك } التدمير، والإهلاك { لآية } عظيمة { ~~لقوم يعلمون } أي يتصفون بالعلم بالأشياء. { وأنجينا ~~الذين ءامنوا } وهم صالح ومن آمن به { وكانوا يتقون } ~~الله ويخافون عذابه. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس { طائركم } قال مصائبكم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في ~~قوله { وكان في المدينة تسعة رهط } قال هم الذين عقروا ~~الناقة، وقالوا حين عقروها نبيت صالحا وأهله فنقتلهم، ثم نقول لأولياء ~~صالح ما شهدنا من هذا شيئا، وما لنا به علم فدمرهم الله أجمعين. ### || [27.54-66] # انتصاب { لوطا } بفعل مضمر معطوف على أرسلنا، أي وأرسلنا لوطا، و { ~~إذ قال } ظرف للفعل المقدر، ويجوز أن يقدر اذكر والمعنى وأرسلنا ~~لوطا وقت قوله لقومه { أتأتون الفحشة } أي الفعلة المتناهية ~~في القبح والشناعة، وهم أهل سدوم، وجملة { وأنتم تبصرون } في ~~محل نصب على الحال متضمنة لتأكيد الإنكار أي وأنتم تعلمون أنها فاحشة. ~~وذلك أعظم لذنوبكم، على أن { تبصرون } من بصر القلب، وهو العلم، أو بمعنى ~~النظر، لأنهم كانوا لا يستترون حال فعل الفاحشة عتوا وتمردا، وقد ~~تقدم تفسير هذه القصة في الأعراف مستوفى. { أئنكم لتأتون ~~الرجال شهوة } فيه تكرير للتوبيخ مع التصريح بأن تلك الفاحشة هي ~~اللواطة، وانتصاب { شهوة } على العلة أي للشهوة، أو على أنه صفة لمصدر ~~محذوف، أي إتيانا شهوة، أو أنه بمعنى الحال، أي مشتهين لهم { من دون ~~النساء } أي متجاوزين النساء اللاتي هن محل لذلك { بل أنتم ~~قوم تجهلون } التحريم، أو العقوبة على هذه المعصية، واختار ~~الخليل وسيبويه تخفيف الهمزة من أئنكم. { فما ms2840 كان جواب قومه ~~إلا أن قالوا أخرجوا ءال لوط من قريتكم إنهم ~~أناس يتطهرون } قرأ الجمهور بنصب { جواب } على أنه خبر كان، ~~واسمها { إلا أن قالوا } أي إلا قولهم. وقرأ ابن أبي إسحاق برفع جواب ~~على أنه اسم كان، وخبرها ما بعده، ثم عللوا ما أمروا به بعضهم بعضا من ~~الإخراج بقولهم إنهم أناس يتطهرون أي يتنزهون عن أدبار الرجال! قالوا ذلك ~~استهزاء منهم بهم. { فأنجينه وأهله } من العذاب { إلا ~~امرأته قدرنها من الغبرين } أي قدرنا أنها من ~~الباقين في العذاب، ومعنى { قدرنا } قضينا، قرأ الجمهور قدرنا بالتشديد، ~~وقرأ عاصم بالتخفيف. والمعنى واحد مع دلالة زيادة البناء على زيادة ~~المعنى { وأمطرنا عليهم مطرا } هذا التأكيد يدل على شدة ~~المطر، وأنه غير معهود { فساء مطر المنذرين } المخصوص بالذم ~~محذوف أي ساء مطر المنذرين مطرهم، والمراد بالمنذرين الذين أنذروا، فلم ~~يقبلوا، وقد مضى بيان هذا كله في الأعراف والشعراء. { قل الحمد ~~لله وسلم على عباده } قال الفراء قال أهل المعاني قيل ~~للوط قل الحمد لله على هلاكهم، وخالفه جماعة فقالوا إن هذا خطاب لنبينا ~~صلى الله عليه وسلم، أي قيل الحمد لله على هلاك كفار الأمم الخالية، ~~وسلام على عباده { الذين اصطفى } قال النحاس وهذا أولى لأن القرآن ~~منزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما فيه فهو مخاطب به إلا ما لم ~~يصح معناه إلا لغيره. قيل والمراد بعباده الذين اصطفى أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، والأولى حمله على العموم، فيدخل في ذلك الأنبياء وأتباعهم { ~~ءآلله خير أما يشركون } أي آلله الذي ذكرت أفعاله وصفاته ~~الدالة على عظيم قدرته خير أما يشركون به من الأصنام؟ وهذه الخيرية ليست ~~بمعناها الأصلي، بل هي كقول الشاعر # أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء # فيكون ما في الآية من باب التهكم بهم، إذ لا خير فيهم أصلا. وقد حكى ~~سيبويه أن العرب تقول السعادة أحب إليك أم الشقاوة، ولا خير في الشقاوة ~~أصلا. وقيل المعنى أثواب الله خير، أم عقاب ما تشركون ms2841 به؟ وقيل قال لهم ~~ذلك جريا على اعتقادهم، لأنهم كانوا يعتقدون أن في عبادة الأصنام خيرا. ~~وقيل المراد من هذا الاستفهام الخبر. قرأ الجمهور " تشركون " بالفوقية ~~على الخطاب، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب ~~{ يشركون } بالتحتية، و«أم» في { أما يشركون } هي المتصلة، وأما ~~في قوله { أمن خلق السموات والأرض } فهي المنقطعة. ~~وقال أبو حاتم تقديره ءآلهتكم خير أم من خلق السماوات والأرض وقدر على ~~خلقهن؟ وقيل المعنى أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير، أم عبادة من خلق ~~السماوات والأرض؟ فتكون " أم " على هذا متصلة، وفيها معنى التوبيخ، ~~والتهكم كما في الجملة الأولى. وقرأ الأعمش " أمن " بتخفيف الميم { ~~وأنزل لكم من السماء ماء } أي نوعا من الماء، وهو المطر { ~~فأنبتنا به حدائق } جمع حديقة. قال الفراء الحديقة البستان ~~الذي عليه حائط، فإن لم يكن عليه حائط، فهو البستان، وليس بحديقة. وقال ~~قتادة، وعكرمة الحدائق النخل { ذات بهجة } أي ذات حسن، ورونق. ~~والبهجة هي الحسن الذي يبتهج به من رآه، ولم يقل ذوات بهجة على الجمع لأن ~~المعنى جماعة حدائق { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } أي ~~ما صح لكم أن تفعلوا ذلك، ومعنى هذا النفي الحظر، والمنع من فعل هذا أي ~~ما كان للبشر، ولا يتهيأ لهم ذلك، ولا يدخل تحت مقدرتهم لعجزهم عن إخراج ~~الشيء من العدم إلى الوجود. ثم قال سبحانه موبخا لهم، ومقرعا { ~~أإله مع الله } أي هل معبود مع الله الذي تقدم ذكر بعض أفعاله ~~حتى يقرن به ويجعل شريكا له في العبادة، وقرىء " ءإلها مع الله " ~~بالنصب على تقدير أتدعون إلها. ثم أضرب عن تقريعهم وتوبيخهم بما تقدم، ~~وانتقل إلى بيان سوء حالهم مع الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، فقال { ~~بل هم قوم يعدلون } أي يعدلون بالله غيره، أو يعدلون عن الحق ~~إلى الباطل. ثم شرع في الاستدلال بأحوال الأرض وما عليها، فقال { أمن ~~جعل الأرض قرارا } القرار المستقر أي دحاها، وسواها بحيث يمكن ~~الإستقرار عليها. وقيل هذه الجملة وما بعدها ms2842 من الجمل الثلاث بدل من قوله ~~{ أمن خلق السموات والأرض } ، ولا ملجىء لذلك، بل هي ~~وما بعدها إضراب وانتقال من التوبيخ والتقريع بما قبلها إلى التوبيخ ~~والتقريع بشيء آخر { وجعل خلالها أنهارا } الخلال الوسط. # وقد تقدم تحقيقه في قوله # وفجرنا خللهما نهرا # الكهف 33 { وجعل لها رواسي } أي جبالا ثوابت تمسكها، وتمنعها ~~من الحركة { وجعل بين البحرين حاجزا } الحاجز المانع، أي ~~جعل بين البحرين من قدرته حاجزا. والبحران هما العذب والمالح، فلا يختلط ~~أحدهما بالآخر فلا هذا يغير ذاك ولا ذاك يدخل في هذا، وقد مر بيانه في ~~سورة الفرقان { أإله مع الله } أي إذا ثبت أنه لا يقدر على ~~ذلك إلا الله فهل إله في الوجود يصنع صنعه، ويخلق خلقه؟ فكيف يشركون ~~به ما لا يضر ولا ينفع { بل أكثرهم لا يعلمون } توحيد ~~ربهم، وسلطان قدرته. { أمن يجيب المضطر إذا دعاه } هذا ~~استدلال منه سبحانه بحاجة الإنسان إليه على العموم، والمضطر اسم مفعول من ~~الاضطرار وهو المكروب المجهود الذي لا حول له ولا قوة. وقيل هو المذنب، ~~وقيل هو الذي عراه ضر من فقر أو مرض، فألجأه إلى التضرع إلى الله. ~~واللام في { المضطر } لجنس لا للاستغراق، فقد لا يجاب دعاء بعض المضطرين ~~لمانع يمنع من ذلك بسبب يحدثه العبد يحول بينه وبين إجابة دعائه، وإلا ~~فقد ضمن الله سبحانه إجابة دعاء المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه، ~~والوجه في إجابة دعاء المضطر أن ذلك الاضطرار الحاصل له يتسبب عنه ~~الإخلاص، وقطع النظر عما سوى الله، وقد أخبر الله سبحانه بأنه يجيب دعاء ~~المخلصين له الدين، وإن كانوا كافرين، فقال # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة ~~وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من ~~كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله ~~مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه ~~لنكونن من الشاكرين # يونس 22، وقال # فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون # العنكبوت 65 فأجابهم عند ضرورتهم، وإخلاصهم مع علمه بأنهم سيعودون إلى ~~شركهم { ويكشف السوء ms2843 } أي الذي يسوء العبد من غير تعيين، وقيل هو ~~الضر، وقيل هو الجور { ويجعلكم حلفاء الأرض } أي يخلف كل ~~قرن منكم القرن الذي قبله بعد انقراضهم، والمعنى يهلك قرنا وينشىء ~~آخرين، وقيل يجعل أولادكم خلفا منكم، وقيل يجعل المسلمين خلفا من ~~الكفار ينزلون أرضهم، وديارهم { أإله مع الله } الذي يوليكم ~~هذه النعم الجسام { قليلا ما تذكرون } أي تذكرا قليلا ما ~~تذكرون. قرأ الجمهور بالفوقية على الخطاب. وقرأ أبو عمرو وهشام ويعقوب ~~بالتحتية على الخبر ردا على قوله { بل أكثرهم لا يعلمون ~~} واختار هذه القراءة أبو حاتم. { أمن يهديكم في ظلمت ~~البر والبحر } أي يرشدكم في الليالي المظلمات إذا سافرتم في ~~البر أو البحر. # وقيل المراد مفاوز البر التي لا أعلام لها، ولجج البحار، وشبهها ~~بالظلمات لعدم ما يهتدون به فيها { ومن يرسل الرياح بشرا ~~بين يدي رحمته } والمراد بالرحمة هنا المطر أي يرسل الرياح ~~بين يدي المطر، وقبل نزوله { أإله مع الله } يفعل ذلك، ويوجده ~~{ تعالى الله عما يشركون } أي تنزه، وتقدس عن وجود ما ~~يجعلونه شريكا له { أم من يبدأ الخلق ثم يعيده } ~~كانوا يقرون بأن لله سبحانه هو الخالق، فألزمهم الإعادة أي إذا قدر على ~~الإبتداء قدر على الإعادة { ومن يرزقكم من السماء والأرض ~~} بالمطر والنبات أي هو خير أم ما تجعلونه شريكا له مما لا يقدر على شيء ~~من ذلك { أإله مع الله } حتى تجعلونه شريكا له { قل ~~هاتوا برهنكم إن كنتم صدقين } أي حجتكم على أن الله ~~سبحانه شريكا، أو هاتوا حجتكم أن ثم صانعا يصنع كصنعه، وفي هذا تبكيت ~~لهم، وتهكم بهم { قل لا يعلم من في السموات والأرض ~~الغيب إلا الله } أي لا يعلم أحد من المخلوقات الكائنة في ~~السموات والأرض الغيب الذي استأثر الله بعلمه، والاستثناء في قوله ~~إلا الله منقطع، أي لكن الله يعلم ذلك، ورفع ما بعد إلا مع كون ~~الاستثناء منقطعا هو على اللغة التميمية كما في قولهم # إلا اليعافير وإلا العيس # وقيل إن فاعل { يعلم } هو ما بعد إلا، ms2844 و { من في السماوات } مفعوله، و ~~{ الغيب } بدل من " من " أي لا يعلم غيب من في السموات والأرض إلا ~~الله، وقيل هو استثناء متصل من «من». وقال الزجاج { إلا الله } بدل من ~~«من». قال الفراء وإنما رفع ما بعد إلا لأن ما بعدها خبر كقولهم ما ذهب ~~أحد إلا أبوك، وهو كقول الزجاج. قال الزجاج ومن نصب نصب على الاستثناء { ~~وما يشعرون أيان يبعثون } أي لا يشعرون متى ينشرون من ~~القبور، وأيان مركبة من أي، وإن. وقد تقدم تحقيقه، والضمير للكفرة. وقرأ ~~السلمي " إيان " بكسر الهمزة، وهي لغة بني سليم، وهي منصوبة ب " يبعثون ~~" ، ومعلقة ل " يشعرون " ، فتكون هي وما بعدها في محل نصب بنزع الخافض، ~~أي وما يشعرون بوقت بعثهم، ومعنى أيان معنى متى. { بل ادارك ~~علمهم في الآخرة }. قرأ الجمهور { ادارك }. وأصل ادارك تدارك، ~~أدغمت التاء في الدال، وجيء بهمزة الوصل ليمكن الابتداء بالساكن. وقرأ ~~أبو جعفر وابن كثير وأبو عمر وحميد " بل أدرك " من الإدراك. وقرأ عطاء بن ~~يسار وسليمان بن يسار والأعمش " بل ادرك " بفتح لام بل، وتشديد الدال. ~~وقرأ ابن محيصن " بل أدرك " على الاستفهام. # وقرأ ابن عباس وأبو رجاء وشيبة والأعمش والأعرج " بلى أدارك " بإثبات ~~الياء في بل وبهمزة قطع وتشديد الدال. وقرأ أبي " بل تدارك " ، ومعنى ~~الآية بل تكامل علمهم في الآخرة لأنهم رأوا كل ما وعدوا به، وعاينوه. ~~وقيل معناه تتابع علمهم في الآخرة، والقراءة الثانية معناها كمل علمهم في ~~الآخرة مع المعاينة، وذلك حين لا ينفعهم العلم لأنهم كانوا في الدنيا ~~مكذبين. وقال الزجاج إنه على معنى الإنكار، واستدل على ذلك بقوله فيما ~~بعد { بل هم منها عمون } أي لم يدرك علمهم علم الآخرة، وقيل ~~المعنى بل ضل، وغاب علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم، ومعنى القراءة ~~الثالثة كمعنى القراءة الأولى، فافتعل، وتفاعل قد يجيئان لمعنى، والقراءة ~~الرابعة هي بمعنى الإنكار. قال الفراء وهو وجه حسن كأنه وجهه إلى ~~المكذبين على طريق الاستهزاء بهم، وفي الآية قراءات أخر لا ينبغي ms2845 ~~الاشتغال بذكرها وتوجيهها. { بل هم في شك منها } أي بل هم ~~اليوم في الدنيا في شك من الآخرة، ثم أضرب عن ذلك إلى ما هو أشد منه، ~~فقال { بل هم منها عمون } فلا يدركون شيئا من دلائلها لاختلال ~~بصائرهم التي يكون بها الإدراك، وعمون جمع عم وهو من كان أعمى القلب، ~~والمراد بيان جهلهم بها على وجه لا يهتدون إلى شيء مما يوصل إلى العلم ~~بها، فمن قال إن معنى الآية الأولى أعني { بل ادارك علمهم في ~~الآخرة } أنه كمل علمهم، وتم مع المعاينة فلا بد من حمل قوله { بل ~~هم في شك } إلخ على ما كانوا عليه في الدنيا، ومن قال إن معنى الآية ~~الأولى الاستهزاء بهم، والتبكيت لهم لم يحتج إلى تقييد قوله { بل هم ~~في شك } إلخ بما كانوا عليه في الدنيا. وبهذا يتضح معنى هذه الآيات، ~~ويظهر ظهورا بينا. وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وسلم على ~~عباده الذين اصطفى }. قال هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~اصطفاهم الله لنبيه، وروي مثله عن سفيان الثوري. والأولى ما قدمناه من ~~التعميم فيدخل في ذلك أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم دخولا أوليا. ~~وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والطبراني، عن رجل من بلهجيم قال قلت يا ~~رسول الله إلى ما تدعو؟ قال # " أدعو الله وحده الذي إن مسك ضر فدعوته كشفه عنك " # ، هذا طرف من حديث طويل. وقد رواه أحمد من وجه آخر فبين اسم الصحابي ~~فقال حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا يونس، حدثنا عبيد بن ~~عبيدة الهجيمي عن أبيه عن أبي تميمة الهجيمي عن جابر بن سليم الهجيمي. # ولهذا الحديث طرق عند أبي داود والنسائي. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما ~~من حديث عائشة قالت ثلاث من تكلم بواحدة منهن، فقد أعظم على الله الفرية ~~وقالت في آخره ومن زعم أنه يخبر الناس بما يكون في غد فقد أعظم على الله ms2846 ~~الفرية، والله تعالى يقول { قل لا يعلم من فى السموات ~~والأرض الغيب إلا الله }. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس { بل ادارك علمهم في الآخرة } قال ~~حين لا ينفع العلم. وأخرج أبو عبيد في فضائله، وسعيد بن منصور وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر عنه أنه قرأ " بل أدرك علمهم في الآخرة " قال ~~لم يدرك علمهم. قال أبو عبيد يعني أنه قرأها بالاستفهام. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا " بل ادرك علمهم فى ~~الآخرة " يقول غاب علمهم. ### || [27.67-82] # لما ذكر سبحانه أن المشركين في شك من البعث، وأنهم عمون عن النظر في ~~دلائله أراد أن يبين غاية شبههم، وهي مجرد استبعاد إحياء الأموات بعد ~~صيرورتهم ترابا، فقال { وقال الذين كفروا أءذا كنا ~~ترابا وءاباؤنا أءنا لمخرجون }. والعامل في " إذا " ~~محذوف دل عليه { مخرجون } تقديره أنبعث، أو نخرج إذا كنا، وإنما لم يعمل ~~فيه مخرجون لتوسط همزة الاستفهام، وإن ولام الابتداء بينهما. قرأ أبو ~~عمرو باستفهامين إلا أنه خفف الهمزة. وقرأ عاصم، وحمزة باستفهامين، إلا ~~أنهما حققا الهمزتين. وقرأ نافع بهمزة. وقرأ ابن عامر وورش ويعقوب { أإذا ~~} بهمزتين و { إننا } بنونين على الخبر، ورجح أبو عبيد قراءة نافع، ورد ~~على من جمع بين استفهامين ومعنى الآية أنهم استنكروا واستبعدوا أن يخرجوا ~~من قبورهم أحياء بعد أن قد صاروا ترابا، ثم أكدوا ذلك الاستبعاد بما هو ~~تكذيب للبعث، فقالوا { لقد وعدنا هذا } يعنون البعث { نحن ~~وءاباؤنا من قبل } أي من قبل وعد محمد لنا، والجملة مستأنفة ~~مسوقة لتقرير الإنكار مصدرة بالقسم لزيادة التقرير { إن هذا } ~~الوعد بالبعث { إلا أسطير الأولين } أحاديثهم وأكاذيبهم ~~الملفقة، وقد تقدم تحقيق معنى الأساطير في سورة المؤمنون. ثم أوعدهم ~~سبحانه على عدم قبول ما جاءت به الأنبياء من الإخبار بالبعث. فأمرهم ~~بالنظر في أحوال الأمم السابقة المكذبة للأنبياء وما عوقبوا به، وكيف ~~كانت عاقبتهم، فقال { قل سيروا في الارض فانظروا كيف ~~كان عقبة المكذبين } بما جاءت به الأنبياء ms2847 من الإخبار ~~بالبعث، ومعنى النظر هو مشاهدة آثارهم بالبصر فإن في المشاهدة زيادة ~~اعتبار. وقيل المعنى فانظروا بقلوبكم، وبصائركم كيف كان عاقبة المكذبين ~~لرسلهم، والأول أولى لأمرهم بالسير في الأرض { ولا تحزن ~~عليهم } لما وقع منهم من الإصرار على الكفر { ولا تكن في ~~ضيق } الضيق الحرج، يقال ضاق الشيء ضيقا بالفتح، وضيقا بالكسر قرىء ~~بهما، وهما لغتان. قال ابن السكيت يقال في صدر فلان ضيق وضيق، وهو ما ~~تضيق عنه الصدور. وقد تقدم تفسير هذه الآية في آخر سورة النحل { ~~ويقولون متى هذا الوعد } أي بالعذاب الذي تعدنا به { إن ~~كنتم صدقين } في ذلك. { قل عسى أن يكون ردف لكم } ~~يقال ردفت الرجل، وأردفته إذا ركبت خلفه، وردفه إذا أتبعه، وجاء في أثره، ~~والمعنى قل يا محمد لهؤلاء الكفار عسى أن يكون هذا العذاب الذي به توعدون ~~تبعكم، ولحقكم، فتكون اللام زائدة للتأكيد، أو بمعنى اقترب لكم، ودنا ~~لكم، فتكون غير زائدة. قال ابن شجرة معنى ردف لكم تبعكم، قال ومنه ردف ~~المرأة لأنه تبع لها من خلفها، ومنه قول أبي ذؤيب # عاد السواد بياضا في مفارقه لا مرحبا ببياض الشيب إذ ردفا # قال الجوهري وأردفه لغة في ردفه مثل تبعه وأتبعه بمعنى. قال خزيمة بن ~~مالك بن نهد # إذا الجوزاء أردفت الثريا ظننت بآل فاطمة الظنونا # قال الفراء ردف لكم دنا لكم، ولهذا قيل لكم. وقرأ الأعرج " ردف لكم " ~~بفتح الدال، وهي لغة، والكسر أشهر. وقرأ ابن عباس " أزف لكم " وارتفاع { ~~بعض الذي تستعجلون } أي على أنه فاعل ردف، والمراد بعض الذي ~~تستعجلونه من العذاب أي عسى أن يكون قد قرب ودنا وأزف بعض ذلك، قيل هو ~~عذابهم بالقتل يوم بدر، وقيل هو عذاب القبر. ثم ذكر سبحانه فضله في تأخير ~~العذاب، فقال { وإن ربك لذو فضل على الناس } في تأخير ~~العقوبة، والأولى أن تحمل الآية على العموم، ويكون تأخير العقوبة من جملة ~~أفضاله سبحانه وإنعامه { ولكن أكثرهم لا يشكرون } ~~فضله وإنعامه ولا يعرفون حق إحسانه. ثم بين أنه ms2848 مطلع على ما في صدورهم، ~~فقال { وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم } أي ما ~~تخفيه. قرأ الجمهور { تكن } بضم التاء من أكن. وقرأ ابن محيصن وابن ~~السميفع وحميد بفتح التاء وضم الكاف، يقال كننته بمعنى سترته وخفيت أثره ~~{ وما يعلنون } وما يظهرون من أقوالهم وأفعالهم. { وما من ~~غائبة في السماء والأرض إلا في كتب مبين } قال ~~المفسرون ما من شيء غائب، وأمر يغيب عن الخلق في السماء والأرض إلا في ~~كتاب مبين إلا هو مبين في اللوح المحفوظ، وغائبة هي من الصفات الغالبة ~~والتاء للمبالغة. قال الحسن الغائبة هنا هي القيامة. وقال مقاتل علم ما ~~تستعجلون من العذاب هو مبين عند الله وإن غاب عن الخلق. وقال ابن شجرة ~~الغائبة هنا جميع ما أخفى الله عن خلقه، وغيبه عنهم مبين في أم الكتاب، ~~فكيف يخفى عليه شيء من ذلك؟ ومن جملة ذلك ما يستعجلونه من العذاب فإنه ~~موقت بوقت، ومؤجل بأجل علمه عند الله فكيف يستعجلونه قبل أجله المضروب ~~له؟ { إن هذا القرءان يقص على بني إسرءيل ~~أكثر الذي هم فيه يختلفون } وذلك لأن أهل الكتاب ~~تفرقوا فرقا، وتحزبوا أحزابا يطعن بعضهم على بعض، ويتبرأ بعضهم من ~~بعض، فنزل القرآن مبينا لما اختلفوا فيه من الحق، فلو أخذوا به لوجدوا ~~فيه ما يرفع اختلافهم ويدفع تفرقهم. { وإنه لهدى ورحمة ~~للمؤمنين } أي وإن القرآن لهدى ورحمة لمن آمن بالله، وتابع رسوله، ~~وخص المؤمنين لأنهم المنتفعون به، ومن جملتهم من آمن من بني إسرائيل. { ~~إن ربك يقضي بينهم بحكمه } أي يقضي بين المختلفين من ~~بني إسرائيل بما يحكم به من الحق، فيجازي المحق ويعاقب المبطل، وقيل يقضي ~~بينهم في الدنيا، فيظهر ما حرفوه. # قرأ الجمهور { بحكمه } بضم الحاء وسكون الكاف. وقرأ جناح بكسرها وفتح ~~الكاف جمع حكمة { وهو العزيز العليم } العزيز الذي لا يغالب، ~~والعليم بما يحكم به، أو الكثير العلم. ثم أمره سبحانه بالتوكل وقلة ~~المبالاة، فقال { فتوكل على الله } والفاء لترتيب الأمر على ~~ما تقدم ذكره، والمعنى فوض إليه أمرك، ms2849 واعتمد عليه فإنه ناصرك. ثم علل ~~ذلك بعلتين الأولى قوله { إنك على الحق المبين } أي الظاهر، ~~وقيل المظهر. والعلة الثانية قوله { إنك لا تسمع الموتى } ~~لأنه إذا علم أن حالهم كحال الموتى في انتفاء الجدوى بالسماع، أو كحال ~~الصم الذين لا يسمعون، ولا يفهمون، ولا يهتدون صار ذلك سببا قويا في ~~عدم الاعتداد بهم، شبه الكفار بالموتى الذين لا حس لهم ولا عقل، وبالصم ~~الذين لا يسمعون المواعظ، ولا يجيبون الدعاء إلى الله. ثم ذكر جملة ~~لتكميل التشبيه وتأكيده، فقال { إذا ولوا مدبرين } أي إذا ~~أعرضوا عن الحق إعراضا تاما، فإن الأصم لا يسمع الدعاء إذا كان مقبلا ~~فكيف إذا كان معرضا عنه موليا مدبرا. وظاهر نفي إسماع الموتى العموم، ~~فلا يخص منه إلا ما ورد بدليل كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه ~~وسلم خاطب القتلى في قليب بدر، فقيل له يا رسول الله إنما تكلم أجسادا ~~لا أرواح لها، وكذلك ما ورد من أن الميت يسمع خفق نعال المشيعين له إذا ~~انصرفوا. وقرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير وابن أبي إسحاق " لا يسمع " ~~بالتحتية مفتوحة، وفتح الميم، وفاعله الصم. وقرأ الباقون { تسمع } بضم ~~الفوقية، وكسر الميم من أسمع. قال قتادة الأصم إذا ولى مدبرا، ثم ~~ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ما يدعى إليه من الإيمان. ثم ضرب ~~العمى مثلا لهم، فقال { وما أنت بهادي العمي عن ~~ضللتهم } أي ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الحق إرشادا يوصله ~~إلى المطلوب منه وهو الإيمان، وليس في وسعك ذلك، ومثله قوله # إنك لا تهدي من أحببت # القصص 56 قرأ الجمهور بإضافة هادي إلى العمي. وقرأ يحيى بن الحارث، ~~وأبو حيان " بهاد العمي " بتنوين هاد. وقرأ حمزة " تهدي " فعلا ~~مضارعا، وفي حرف عبد الله " وما أن تهدي العمي ". { إن تسمع إلا ~~من يؤمن بآياتنا } أي ما تسمع إلا من يؤمن لا من يكفر، والمراد ~~بمن يؤمن بالآيات من يصدق القرآن، وجملة { فهم مسلمون } تعليل ~~للإيمان، أي فهم منقادون ms2850 مخلصون. ثم هدد العباد بذكر طرف من أشراط ~~الساعة وأهوالها فقال { وإذا وقع القول عليهم }. واختلف في ~~معنى وقوع القول عليهم، فقال قتادة وجب الغضب عليهم. # وقال مجاهد حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون، وقيل حق العذاب عليهم، وقيل ~~وجب السخط، والمعاني متقاربة. وقيل المراد بالقول ما نطق به القرآن من ~~مجيء الساعة وما فيها من فنون الأهوال التي كانوا يستعجلونها، وقيل وقع ~~القول بموت العلماء، وذهاب العلم. وقيل إذا لم يأمروا بالمعروف، وينهوا ~~عن المنكر. والحاصل أن المراد بوقع وجب، والمراد بالقول مضمونه، أو أطلق ~~المصدر على المفعول أي القول، وجواب الشرط { أخرجنا لهم دابة ~~من الأرض تكلمهم }. واختلف في هذه الدابة على أقوال، فقيل ~~إنها فصيل ناقة صالح يخرج عند اقتراب القيامة ويكون من أشراط الساعة. ~~وقيل هي دابة ذات شعر، وقوائم طوال يقال لها الجساسة. وقيل هي دابة على ~~خلقة بني آدم، وهي في السحاب، وقوائمها في الأرض. وقيل رأسها رأس ثور، ~~وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن إيل، وعنقها عنق نعامة، ~~وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، ~~وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصل ومفصل اثنا عشر ذراعا. وقيل هي ~~الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعها العقاب حين أرادت قريش بناء ~~الكعبة، والمراد أنها هي التي تخرج في آخر الزمان، وقيل هي دابة ما لها ~~ذنب ولها لحية، وقيل هي إنسان ناطق متكلم يناظر أهل البدع ويراجع الكفار. ~~وقيل غير ذلك مما لا فائدة في التطويل بذكره، وقد رجح القول الأول ~~القرطبي في تفسيره. واختلف من أي موضع تخرج؟ فقيل من جبل الصفا بمكة، ~~وقيل تخرج من جبل أبي قبيس. وقيل لها ثلاث خرجات خرجة في بعض البوادي حتى ~~يتقاتل عليها الناس، وتكثر الدماء ثم تكمن، وتخرج في القرى ثم تخرج من ~~أعظم المساجد وأكرمها وأشرفها. وقيل تخرج من بين الركن والمقام. وقيل ~~تخرج في تهامة. وقيل من مسجد الكوفة من حيث فار التنور. وقيل من أرض ~~الطائف. ms2851 وقيل من صخرة من شعب أجياد. وقيل من صدع في الكعبة. واختلف في ~~معنى قوله { تكلمهم } فقيل تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام. وقيل ~~تكلمهم بما يسوؤهم. وقيل تكلمهم بقوله تعالى { أن الناس كانوا ~~بآياتنا لا يوقنون } أي بخروجها لأن خروجها من الآيات. قرأ ~~الجمهور { تكلمهم } من التكليم، ويدل عليه قراءة أبي " تنبئهم " ، وقرأ ~~ابن عباس وأبو زرعة وأبو رجاء والحسن " تكلمهم " بفتح الفوقية، وسكون ~~الكاف من الكلم، وهو الجرح. قال عكرمة أي تسمهم وسما، وقيل تجرحهم. وقيل ~~إن قراءة الجمهور مأخوذة من الكلم بفتح الكاف، وسكون اللام، وهو الجرح، ~~والتشديد للتكثير، قاله أبو حاتم. قرأ الجمهور " إن الناس كانوا بآياتنا ~~لا يوقنون " بكسر إن على الاستئناف، وقرأ الكوفيون وابن أبي إسحاق بفتح ~~«أن». قال الأخفش المعنى على قراءة الفتح " بأن الناس ". # وكذا قرأ ابن مسعود " بأن الناس " بالباء. وقال أبو عبيد موضعها نصب ~~بوقوع الفعل عليها أي تخبرهم أن الناس، وعلى هذه القراءة فالذي تكلم ~~الناس به هو قوله { أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } ~~كما قدمنا الإشارة إلى ذلك. وأما على قراءة الكسر فالجملة مستأنفة كما ~~قدمنا، ولا تكون من كلام الدابة. وقد صرح بذلك جماعة من المفسرين، وجزم ~~به الكسائي والفراء. وقال الأخفش إن كسر «إن» هو على تقدير القول أي تقول ~~لهم " إن الناس " إلخ، فيرجع معنى القراءة الأولى على هذا إلى معنى ~~القراءة الثانية، والمراد بالناس في الآية هم الناس على العموم، فيدخل في ~~ذلك كل مكلف، وقيل المراد الكفار خاصة، وقيل كفار مكة، والأول أولى. وقد ~~أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { عسى ~~أن يكون ردف لكم } قال اقترب لكم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه { ~~وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون } ~~قال يعلم ما عملوا بالليل والنهار. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه ~~أيضا { وما من غائبة } الآية يقول ما من شيء في السماء والأرض ~~سرا ولا علانية إلا يعلمه. وأخرج ابن المبارك في ms2852 الزهد، وعبد الرزاق ~~والفريابي وابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا ~~وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر في قوله { ~~وإذا وقع القول عليهم } الآية قال إذا لم يأمروا بمعروف، ~~ولم ينهوا عن منكر. وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعا. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير عن أبي العالية أنه فسر { وقع القول عليهم } بما ~~أوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { دابة من الأرض تكلمهم } ~~قال تحدثهم. وأخرج ابن جرير عنه قال كلامها تنبئهم أن الناس كانوا ~~بآياتنا لا يوقنون. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي ~~داود نفيع الأعمى قال سألت ابن عباس عن قوله { تكلمهم } يعني هل هو ~~من التكليم باللسان، أو من الكلم، وهو الجرح؟ فقال كل ذلك، والله تفعل، ~~تكلم المؤمن وتكلم الكافر أي تجرحه. وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ~~ابن عمر في الآية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ليس ذلك حديثا، ولا كلاما، ولكنها سمة تسم من أمرها الله به، فيكون ~~خروجها من الصفا ليلة منى، فيصبحون بين رأسها وذنبها لا يدحض داحض، ولا ~~يجرح جارح، حتى إذا فرغت مما أمرها الله به فهلك من هلك، ونجا من نجا، ~~كان أول خطوة تضعها بإنطاكية " # وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال الدابة ذات وبر وريش، مؤلفة فيها من ~~كل لون، لها أربع قوائم تخرج بعقب من الحاج. وأخرج أحمد وابن مردويه عن ~~أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " تخرج الدابة فتسم على خراطيمهم، ثم يعمرون فيكم حتى يشتري الرجل ~~الدابة، فيقال له ممن اشتريتها؟ فيقول من الرجل المخطم " # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس # " إن للدابة ثلاث خرجات " # وذكر نحو ما قدمنا. وأخرج ابن مردويه عن حذيفة بن أسيد رفعه قال # " تخرج الدابة من أعظم المساجد حرمة ms2853 " # وأخرج سعيد بن منصور ونعيم بن حماد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس قال تخرج من بعض أودية تهامة. وأخرج الطيالسي وأحمد ~~ونعيم بن حماد والترمذي وحسنه، وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والحاكم وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " تخرج دابة الأرض ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن ~~بالخاتم، وتخطم أنف الكافر بالعصا، حتى يجتمع الناس على الخوان يعرف ~~المؤمن من الكافر " # ، وأخرج الطيالسي ونعيم بن حماد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث عن حذيفة بن أسيد ~~الغفاري قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدابة، فقال # " لها ثلاث خرجات من الدهر " # وذكر نحو ما قدمنا في حديث طويل. وفي صفتها ومكان خروجها وما تصنعه ~~ومتى تخرج أحاديث كثيرة بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف. وأما كونها ~~تخرج، وكونها من علامات الساعة، فالأحاديث الواردة في ذلك صحيحة. ومنها ~~ما هو ثابت في الصحيح كحديث حذيفة مرفوعا # " لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات " # وذكر منها الدابة فإنه في صحيح مسلم وفي السنن الأربعة، وكحديث # " بادروا بالأعمال قبل طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدابة " # فإنه في صحيح مسلم أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا، وكحديث ابن عمر ~~مرفوعا # " إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ~~ضحى " # فإنه في صحيح مسلم أيضا. ### || [27.83-93] # ثم ذكر سبحانه طرفا مجملا من أهوال يوم القيامة. فقال { ويوم ~~نحشر من كل أمة فوجا } العامل في الظرف فعل محذوف خوطب به ~~النبي صلى الله عليه وسلم، والحشر الجمع. قيل والمراد بهذا الحشر هو حشر ~~العذاب بعد الحشر الكلي الشامل لجميع الخلق، و " من " لابتداء الغاية، ~~والفوج الجماعة كالزمرة، و «من» في { ممن يكذب بئايتنا } ~~بيانية { فهم يوزعون } أي يحبس أولهم على آخرهم، وقد تقدم ~~تحقيقه في هذه السورة مستوفى، وقيل معناه ms2854 يدفعون، ومنه قول الشماخ # وسمه وزعنا من خميس جحفل # ومعنى الآية واذكر يا محمد يوم نجمع من كل أمة من الأمم جماعة مكذبين ~~بآياتنا فهم عند ذلك الحشر يرد أولهم على آخرهم، أو يدفعون أي اذكر لهم ~~هذا، أو بينه تحذيرا لهم، وترهيبا. { حتى إذا جاءوا } إلى موقف ~~الحساب قال الله لهم توبيخا، وتقريعا { أكذبتم بآياتي } التي ~~أنزلتها على رسلي، وأمرتهم بإبلاغها إليكم والحال أنكم { لم تحيطوا ~~بها علما } بل كذبتم بها بادىء بدء جاهلين لها غير ناظرين فيها، ولا ~~مستدلين على صحتها، أو بطلانها تمردا، وعنادا، وجرأة على الله وعلى ~~رسله، وفي هذا مزيد تقريع وتوبيخ لأن من كذب بشيء، ولم يحط به علما فقد ~~كذب في تكذيبه، ونادى على نفسه بالجهل وعدم الإنصاف، وسوء الفهم، وقصور ~~الإدراك، ومن هذا القبيل من تصدى لذم علم من العلوم الشرعية، أو لذم ~~علم هو مقدمة من مقدماتها، ووسيلة يتوسل بها إليها، ويفيد زيادة بصيرة ~~في معرفتها، وتعقل معانيها كعلوم اللغة العربية بأسرها، وهي اثنا عشر ~~علما، وعلم أصول الفقه فإنه يتوصل به إلى استنباط الأحكام الشرعية عن ~~أدلتها التفصيلية مع اشتماله على بيان قواعد اللغة الكلية، وهكذا كل علم ~~من العلوم التي لها مزيد نفع في فهم كتاب الله، وسنة رسوله، فإنه قد نادى ~~على نفسه بأرفع صوت بأنه جاهل مجادل بالباطل طاعن على العلوم الشرعية، ~~مستحق لأن تنزل به قارعة من قوارع العقوبة التي تزجره عن جهله وضلاله ~~وطعنه على ما لا يعرفه، ولا يعلم به، ولا يحيط بكنهه حتى يصير عبرة ~~لغيره، وموعظة يتعظ بها أمثاله من ضعاف العقول، وركاك الأديان، ورعاع ~~المتلبسين بالعلم زورا وكذبا. و " أم " في قوله { أماذا كنتم ~~تعملون } هي المنقطعة، والمعنى أم أي شيء كنتم تعملون حتى شغلكم ~~ذلك عن النظر فيها، والتفكر في معانيها؟ وهذا الاستفهام على طريق التبكيت ~~لهم. { ووقع القول عليهم } قد تقدم تفسيره قريبا، والباء ~~في { بما ظلموا } للسببية أي وجب القول عليهم بسبب الظلم الذي أعظم ~~أنواعه الشرك بالله ms2855 { فهم لا ينطقون } عند وقوع القول عليهم، أي ~~ليس لهم عذر ينطقون به، أو لا يقدرون على القول لما يرونه من الهول ~~العظيم. # وقال أكثر المفسرين يختم على أفواههم فلا ينطقون. ثم بعد أن خوفهم ~~بأهوال القيامة ذكر سبحانه ما يصلح أن يكون دليلا على التوحيد، وعلى ~~الحشر، وعلى النبوة مبالغة في الإرشاد وإبلاء للمعذرة، فقال { ألم ~~يروا أنا جعلنا اليل ليسكنوا فيه والنهار ~~مبصرا } أي جعلنا الليل للسكون والاستقرار والنوم، وذلك بسبب ما فيه ~~من الظلمة فإنهم لا يسعون فيه للمعاش، والنهار مبصرا، ليبصروا فيه ما ~~يسعون له من المعاش الذي لا بد له منهم، ووصف النهار بالإبصار، وهو وصف ~~للناس مبالغة في إضاءته كأنه يبصر ما فيه. قيل في الكلام حذف، والتقدير ~~وجعلنا الليل مظلما ليسكنوا، وحذف مظلما لدلالة مبصرا عليه، وقد تقدم ~~تحقيقه في الإسراء وفي يونس { إن فى ذلك } المذكور { لآيات } أي ~~علامات ودلالات { لقوم يؤمنون } بالله سبحانه. ثم ذكر سبحانه ~~علامة أخرى للقيامة فقال { ويوم ينفخ في الصور } هو معطوف على ~~{ ويوم نحشر } منصوب بناصبه المتقدم. قال الفراء إن المعنى ~~وذلكم يوم ينفخ في الصور، والأول أولى. والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل، ~~وقد تقدم في الأنعام استيفاء الكلام عليه. والنفخات في الصور ثلاث ~~الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة البعث. وقيل إنها ~~نفختان، وإن نفخة الفزع إما أن تكون راجعة إلى نفخة الصعق، أو إلى نفخة ~~البعث، واختار هذا القشيري، والقرطبي، وغيرهما. وقال الماوردي هذه النفخة ~~المذكورة هنا يوم النشور من القبور { ففزع من فى السموات ~~ومن فى الأرض } أي خافوا وانزعجوا لشدة ما سمعوا، وقيل المراد ~~بالفزع هنا الإسراع والإجابة إلى النداء من قولهم فزعت إليك في كذا إذا ~~أسرعت إلى إجابتك، والأول أولى بمعنى الآية. وإنما عبر بالماضي مع كونه ~~معطوفا على مضارع للدلالة على تحقق الوقوع حسبما ذكره علماء البيان. ~~وقال الفراء هو محمول على المعنى لأن المعنى إذا نفخ { إلا من شاء ~~الله } أي إلا من شاء الله أن ms2856 لا يفزع عند تلك النفخة. واختلف في ~~تعيين من وقع الاستثناء له، فقيل هم الشهداء والأنبياء. وقيل الملائكة، ~~وقيل جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وقيل الحور العين. وقيل هم ~~المؤمنون كافة بدليل قوله فيما بعد { من جاء بالحسنة فله ~~خير منها وهم من فزع يومئذ ءامنون } ويمكن أن يكون ~~الاستثناء شاملا لجميع المذكورين فلا مانع من ذلك { وكل أتوه ~~دخرين } قرأ الجمهور " آتوه " على صيغة اسم الفاعل مضافا إلى الضمير ~~الراجع إلى الله سبحانه. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة وحفص عن عاصم ~~" أتوه " فعلا ماضيا، وكذا قرأ ابن مسعود. # وقرأ قتادة " وكل أتاه ". قال الزجاج إن من قرأ على الفعل الماضي فقد ~~وحد على لفظ كل، ومن قرأ على اسم الفاعل فقد جمع على معناه، وهو غلط ~~ظاهر، فإن كلا القراءتين لا توحيد فيها، بل التوحيد في قراءة قتادة فقط، ~~ومعنى { داخرين } صاغرين ذليلين، وهو منصوب على الحال، قرأ الجمهور { ~~داخرين } ، وقرأ الأعرج " دخرين " بغير ألف، وقد مضى تفسير هذا في سورة ~~النحل. { وترى الجبال تحسبها جامدة } معطوف على { ينفخ ~~}. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح للرؤية، و { ~~تحسبها جامدة } في محل نصب على الحال من ضمير ترى أو من مفعوله لأن ~~الرؤية بصرية. وقيل هي بدل من الجملة الأولى، وفيه ضعف، وهذه هي العلامة ~~الثالثة لقيام الساعة، ومعنى { تحسبها جامدة } أي قائمة ساكنة، وجملة { ~~وهي تمر مر السحاب } في محل نصب على الحال، أي وهي تسير ~~سيرا حثيثا كسير السحاب التي تسيرها الرياح. قال القتيبي وذلك أن ~~الجبال تجمع وتسير وهي في رؤية العين كالقائمة وهي تسير. قال القشيري ~~وهذا يوم القيامة، ومثله قوله تعالى # وسيرت الجبال فكانت سرابا # النبأ 20. قرأ أهل الكوفة تحسبها بفتح السين، وقرأ الباقون بكسرها { ~~صنع الله الذي أتقن كل شيء } انتصاب { صنع } على ~~المصدرية عند الخليل وسيبويه وغيرهما، أي صنع الله ذلك صنعا، وقيل هو ~~مصدر مؤكد لقوله { ويوم ينفخ في الصور }. وقيل منصوب على ~~الإغراء، أي انظروا ms2857 صنع الله، ومعنى { الذي أتقن كل شيء } ~~الذي أحكمه، يقال رجل تقن أي حاذق بالأشياء، وجملة { إنه خبير ~~بما تفعلون } تعليل لما قبلها من كونه سبحانه صنع ما صنع، وأتقن ~~كل شيء، والخبير المطلع على الظواهر والضمائر. قرأ الجمهور بالتاء ~~الفوقية على الخطاب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بالتحتية على الخبر. ~~{ من جاء بالحسنة فله خير منها } الألف واللام للجنس، ~~أي من جاء بجنس الحسنة فله من الجزاء والثواب عند الله خير منها أي أفضل ~~منها، وأكثر. وقيل خير حاصل من جهتها، والأول أولى. وقيل المراد بالحسنة ~~هنا لا إله إلا الله. وقيل هي الإخلاص. وقيل أداء الفرائض، والتعميم ~~أولى ولا وجه للتخصيص وإن قال به بعض السلف. قيل وهذه الجملة بيان لقوله ~~{ إنه خبير بما تفعلون } ، وقيل بيان لقوله { وكل ~~أتوه دخرين }. قرأ عاصم وحمزة والكسائي { وهم من فزع } بالتنوين ~~وفتح ميم { يومئذ }. وقرأ نافع بفتحها من غير تنوين، وقرأ الباقون ~~بإضافة فزع إلى يومئذ. قال أبو عبيد وهذا أعجب إلي لأنه أعم التأويلين ~~لأن معناه الأمن من فزع جميع ذلك اليوم، ومع التنوين يكون الأمن من فزع ~~دون فزع. # وقيل إنه مصدر يتناول الكثير فلا يتم الترجيح بما ذكر، فتكون القراءتان ~~بمعنى واحد. وقيل المراد بالفزع ها هنا هو الفزع الأكبر المذكور في قوله # لا يحزنهم الفزع الأكبر # الأنبياء 103. ووجه قراءة نافع أنه نصب يوم على الظرفية لكون الإعراب ~~فيه غير متمكن، ولما كانت إضافة الفزع إلى ظرف غير متمكن بني، وقد تقدم ~~في سورة هود كلام في هذا مستوفى { ومن جاء بالسيئة فكبت ~~وجوههم في النار }. قال جماعة من الصحابة، ومن بعدهم حتى قيل ~~إنه مجمع عليه بين أهل التأويل إن المراد بالسيئة هنا الشرك، ووجه ~~التخصيص قوله { فكبت وجوههم في النار } ، فهذا الجزاء لا ~~يكون إلا بمثل سيئة الشرك، ومعنى { فكبت وجوههم في النار ~~} أنهم كبوا فيها على وجوههم وألقوا فيها وطرحوا عليها، يقال كببت الرجل ~~إذا ألقيته لوجهه فانكب وأكب، وجملة { هل تجزون إلا ms2858 ما ~~كنتم تعملون } بتقدير القول، أي يقال ذلك، والقائل خزنة جهنم، أي ~~ما تجزون إلا جزاء عملكم. { إنما أمرت أن أعبد رب ~~هذه البلدة الذي حرمها } لما فرغ سبحانه من بيان أحوال ~~المبدأ، والمعاد أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذه المقالة، ~~أي قل يا محمد إنما أمرت أن أخص الله بالعبادة وحده لا شريك له، والمراد ~~بالبلدة مكة، وإنما خصها من بين سائر البلاد لكون فيها بيت الله الحرام، ~~ولكونها أحب البلاد إلى رسوله، والموصول صفة للرب، وهكذا قرأ الجمهور. ~~وقرأ ابن عباس وابن مسعود " التي حرمها " على أن الموصول صفة للبلدة، ~~ومعنى { حرمها } جعلها حرما آمنا لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها ~~أحد، ولا يصطاد صيدها، ولا يختلى خلالها { وله كل شيء } من ~~الأشياء خلقا وملكا وتصرفا، أي ولله كل شيء { وأمرت أن ~~أكون من المسلمين } أي المنقادين لأمر الله المستسلمين له ~~بالطاعة، وامتثال أمره، واجتناب نهيه. والمراد بقوله { أن أكون } أن ~~أثبت على ما أنا عليه { وأن أتلو القرءان } أي أداوم تلاوته، ~~وأواظب على ذلك. قيل وليس المراد من تلاوة القرآن هنا إلا تلاوة الدعوة ~~إلى الإيمان، والأول أولى { فمن اهتدى فإنما يهتدي ~~لنفسه } لأن نفع ذلك راجع إليه، أي فمن اهتدى على العموم، أو فمن ~~اهتدى بما أتلوه عليه، فعمل بما فيه من الإيمان بالله، والعمل بشرائعه. ~~قرأ الجمهور { وأن أتلو } بإثبات الواو بعد اللام على أنه من التلاوة، ~~وهي القراءة، أو من التلو، وهو الاتباع. وقرأ عبد الله " وأن اتل " بحذف ~~الواو أمرا له صلى الله عليه وسلم وكذا وجهه الفراء. قال النحاس ولا ~~نعرف أحدا قرأ هذه القراءة، وهي مخالفة لجميع المصاحف { ومن ضل ~~فقل إنما أنا من المنذرين } أي ومن ضل بالكفر وأعرض عن ~~الهداية، فقل له إنما أنا من المنذرين، وقد فعلت بإبلاغ ذلك إليكم، وليس ~~علي غير ذلك. # وقيل الجواب محذوف، أي فوبال ضلاله عليه، وأقيم { إنما أنا من المنذرين ~~} مقامه لكونه كالعلة له. { وقل الحمد لله ms2859 } على نعمه التي ~~أنعم بها علي من النبوة والعلم، وغير ذلك، وقوله { سيريكم ~~ءايته } هو من جملة ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله، ~~أي سيريكم الله آياته في أنفسكم، وفي غيركم { فتعرفونها } أي ~~تعرفون آياته، ودلائل قدرته ووحدانيته، وهذه المعرفة لا تنفع الكفار ~~لأنهم عرفوها حين لا يقبل منهم الإيمان، وذلك عند حضور الموت. ثم ختم ~~السورة بقوله { وما ربك بغفل عما تعملون } ، وهو ~~كلام من جهته سبحانه غير داخل تحت الكلام الذي أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يقوله، وفيه ترهيب شديد وتهديد عظيم. قرأ أهل المدينة والشام ~~وحفص عن عاصم { تعملون } بالفوقية على الخطاب، وقرأ الباقون بالتحتية. ~~وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~دخرين } قال صاغرين. وأخرج هؤلاء عنه في قوله { وترى الجبال ~~تحسبها جامدة } قال قائمة { صنع الله الذي أتقن ~~كل شيء } قال أحكم. وأخرج ابن أبي جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا في ~~قوله { صنع الله الذي أتقن كل شيء } قال أحسن كل شيء ~~خلقه، وأوثقه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم { من جاء بالحسنة فله خير ~~منها } قال # " هي لا إله إلا الله " # { ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار } قال # " هي الشرك " # ، وإذا صح هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمصير إليه في تفسير ~~كلام الله سبحانه متعين، ويحمل على أن المراد قال لا إله إلا الله ~~بحقها، وما يجب لها، فيدخل تحت ذلك كل طاعة، ويشهد له ما أخرجه الحاكم في ~~الكنى عن صفوان بن عسال قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا كان يوم القيامة جاء الإيمان والشرك يجثوان بين يدي الله سبحانه، ~~فيقول الله للإيمان انطلق أنت وأهلك إلى الجنة، ويقول للشرك انطلق أنت ~~وأهلك إلى النار " # ، ثم تلا رسولا الله صلى الله عليه وسلم { من جاء بالحسنة ~~فله خير منها } ، يعني قول ms2860 لا إله إلا الله { ومن جاء ~~بالسيئة } يعني الشرك { فكبت وجوههم في النار }. ~~وأخرج ابن مردويه من حديث أبي هريرة وأنس نحوه مرفوعا. وأخرج أبو الشيخ ~~وابن مردويه والديلمي عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم { من ~~جاء بالحسنة } يعني " شهادة أن لا إله إلا الله " { فله ~~خير منها } يعني بالخير " الجنة " { ومن جاء بالسيئة } ~~يعني " الشرك " { فكبت وجوههم في النار } ، وقال # " هذه تنجي، وهذه تردي " # وأخرج عبد ابن حميد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء ~~والصفات، والخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن مسعود { من جاء ~~بالحسنة } قال لا إله إلا الله، { ومن جاء بالسيئة } ~~قال بالشرك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم { فله خير منها } قال له منها ~~خير، يعني من جهتها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا { فله خير ~~منها } قال ثواب. وأخرج أيضا عنه أيضا قال البلدة مكة. ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.1-13] # الكلام في فاتحة هذه السورة قد مر في فاتحة الشعراء وغيرها، فلا نعيده، ~~وكذلك مر الكلام على قوله { تلك ءايات الكتب المبين } ~~فاسم الإشارة مبتدأ خبره ما بعده، أو خبر مبتدأ محذوف، و { آيات } بدل من ~~اسم الإشارة، ويجوز أن يكون تلك في موضع نصب ب { نتلو } ، والمبين ~~المشتمل على بيان الحق من الباطل. قال الزجاج مبين الحق من الباطل، ~~والحلال من الحرام، وهو من أبان بمعنى أظهر { نتلوا عليك من ~~نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون } أي نوحي ~~إليك من خبرهما ملتبسا بالحق، وخص المؤمنين لأن التلاوة إنما ينتفع بها ~~المؤمن، وقيل إن مفعول نتلو محذوف، والتقدير نتلو عليك شيئا من نبئهما، ~~ويجوز أن تكون " من " مزيدة على رأي الأخفش أي نتلو عليك نبأ موسى ~~وفرعون، والأولى أن تكون للبيان على تقدير المفعول كما ذكر أو للتبعيض، ~~ولا ملجىء للحكم بزيادتها، والحق الصدق، وجملة { إن فرعون علا ~~في الأرض } وما بعدها مستأنفة مسوقة لبيان ما أجمله من ms2861 النبأ. قال ~~المفسرون معنى { علا } تكبر، وتجبر بسلطانه، والمراد بالأرض أرض مصر. ~~وقيل معنى { علا } ادعى الربوبية، وقيل علا عن عبادة ربه { وجعل ~~أهلها شيعا } أي فرقا، وأصنافا في خدمته يشايعونه على ما يريد، ~~ويطيعونه، وجملة { يستضعف طائفة منهم } مستأنفة مسوقة ~~لبيان حال الأهل الذين جعلهم فرقا وأصنافا، ويجوز أن تكون في محل نصب ~~على الحال من فاعل جعل، أي جعلهم شيعا حال كونهم مستضعفا طائفة منهم، ~~ويجوز أن تكون صفة لطائفة، والطائفة هم بنو إسرائيل، وجملة { يذبح ~~أبناءهم ويستحيي نساءهم } بدل من الجملة الأولى، ويجوز أن ~~تكون مستأنفة للبيان، أو حالا، أو صفة كالتي قبلها على تقدير عدم كونها ~~بدلا منها، وإنما كان فرعون يذبح أبناءهم، ويترك النساء لأن المنجمين في ~~ذلك العصر أخبروه أنه يذهب ملكه على يد مولود من بني إسرائيل. قال الزجاج ~~والعجب من حمق فرعون، فإن الكاهن الذي أخبره بذلك إن كان صادقا عنده فما ~~ينفع القتل، وإن كان كاذبا فلا معنى للقتل { إنه كان من ~~المفسدين } في الأرض بالمعاصي والتجبر، وفيه بيان أن القتل من فعل ~~أهل الإفساد. { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا ~~في الأرض } جاء بصيغة المضارع لحكاية الحالة الماضية، واستحضار ~~صورتها، أي نريد أن نتفضل عليهم بعد استضعافهم، والمراد بهؤلاء بنو ~~إسرائيل، والواو في { ونريد } للعطف على جملة { إن فرعون علا } ، وإن ~~كانت الجملة المعطوف عليها اسمية لأن بينهما تناسبا من حيث أن كل واحدة ~~منهما للتفسير والبيان، ويجوز أن تكون حالا من فاعل { يستضعف } بتقدير ~~مبتدأ، أي ونحن نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض كما في قول ~~الشاعر # نجوت وأرهنتهم ملكا # والأول أولى { ونجعلهم أئمة } أي قادة في الخير، ودعاة ~~إليه، وولاة على الناس، وملوكا فيهم { ونجعلهم الوارثين } ~~لملك فرعون، ومساكن القبط، وأملاكهم، فيكون ملك فرعون فيهم، ويسكنون في ~~مساكنه، ومساكن قومه، وينتفعون بأملاكه وأملاكهم { ونمكن لهم في ~~الأرض } أي نجعلهم مقتدرين عليها وعلى أهلها مسلطين على ذلك يتصرفون ~~به كيف شاؤوا. قرأ الجمهور { نمكن } بدون لام، وقرأ ms2862 الأعمش " لنمكن " ~~بلام العلة. { ونري فرعون وهمن وجنودهما } قرأ ~~الجمهور { نرى } بنون مضمومة وكسر الراء على أن الفاعل هو الله سبحانه. ~~وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف " ويرى " بفتح الياء ~~التحتية والراء، والفاعل فرعون. والقراءة الأولى ألصق بالسياق لأن قبلها ~~نريد ونجعل ونمكن بالنون. وأجاز الفراء " ويري فرعون " بضم الياء ~~التحتية، وكسر الراء، أي ويرى الله فرعون، ومعنى { منهم } من أولئك ~~المستضعفين { ما كانوا يحذرون } الموصول هو المفعول الثاني على ~~القراءة الأولى، والمفعول الأول على القراءة الثانية، والمعنى أن الله ~~يريهم، أو يرون هم الذي كانوا يحذرون منه، ويجتهدون في دفعه من ذهاب ~~ملكهم وهلاكهم على يد المولود من بني إسرائيل المستضعفين. { ~~وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه } أي ألهمناها ~~وقذفنا في قلبها، وليس ذلك هو الوحي الذي يوحى إلى الرسل، وقيل كان ذلك ~~رؤيا في منامها، وقيل كان ذلك بملك أرسله الله يعلمها بذلك. وقد أجمع ~~العلماء على أنها لم تكن نبية، وإنما كان إرسال الملك إليها عند من قال ~~به على نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص والأعمى كما في الحديث الثابت في ~~الصحيحين وغيرهما، وقد سلمت على عمران بن حصين الملائكة كما في الحديث ~~الثابت في الصحيح فلم يكن بذلك نبيا، و " أن " في { أن أرضعيه } ~~هي المفسرة، لأن في الوحي معنى القول، ويجوز أن تكون مصدرية، أي بأن ~~أرضعيه، وقرأ عمر بن عبد العزيز بكسر نون أن، ووصل همزة أرضعيه فالكسر ~~لالتقاء الساكنين، وحذف همزة الوصل على غير القياس { فإذا خفت ~~عليه } من فرعون بأن يبلغ خبره إليه { فألقيه في اليم } ، ~~وهو بحر النيل، وقد تقدم بيان الكيفية التي ألقته في اليم عليها في ~~سورة طه { ولا تخافي ولا تحزني } أي لا تخافي عليه الغرق، أو ~~الضيعة، ولا تحزني لفراقه { إنا رادوه إليك } عن قريب على وجه ~~تكون به نجاته { وجعلوه من المرسلين } الذين نرسلهم إلى ~~العباد. والفاء في قوله { فالتقطه ءال فرعون } هي الفصيحة، ~~والالتقاط إصابة الشيء من غير طلب، والمراد بآل فرعون هم ms2863 الذين أخذوا ~~التابوت الذي فيه موسى من البحر، وفي الكلام حذف، والتقدير فألقته في ~~اليم بعد ما جعلته في التابوت، فالتقطه من وجده من آل فرعون، واللام في ~~{ ليكون لهم عدوا وحزنا } لام العاقبة، ووجه ذلك أنهم ~~إنما آخذوه ليكون لهم ولدا، وقرة عين لا ليكون عدوا فكان عاقبة ذلك ~~إنه كان لهم عدوا وحزنا، ولما كانت هذه العداوة نتيجة لفعلهم، وثمرة ~~له شبهت بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله، ومن هذا قول الشاعر # لدوا للموت وابنوا للخراب # قول الآخر # وللمنايا تربي كل مرضعة ودورنا لخراب الدهر نبنيها # قرأ الجمهور { وحزنا } بفتح الحاء، والزاي، وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب ~~وحمزة والكسائي وخلف " وحزنا " بضم الحاء وسكون الزاي، واختار القراءة ~~الأولى أبو عبيدة وأبو حاتم وهما لغتان كالعدم والعدم، والرشد ~~والرشد، والسقم والسقم، وجملة { إن فرعون وهمن ~~وجنودهما كانوا خطئين } لتعليل ما قبلها، أو للاعتراض ~~لقصد التأكيد ومعنى { خطئين } عاصين آثمين في كل أفعالهم وأقوالهم، ~~وهو مأخوذ من الخطأ المقابل للصواب، وقرىء " خاطين " بياء من دون همزة، ~~فيحتمل أن يكون معنى هذه القراءة معنى قراءة الجمهور، ولكنها خففت بحذف ~~الهمزة، ويحتمل أن تكون من خطا يخطو، أي تجاوز الصواب. { وقالت ~~امرأت فرعون قرة عين لي ولك } أي قالت امرأة فرعون ~~لفرعون، وارتفاع { قرة } على أنه خبر مبتدأ محذوف، قاله الكسائي، وغيره. ~~وقيل على أنه مبتدأ، وخبره { لا تقتلوه } قاله الزجاج، والأول ~~أولى. وكان قولها لهذا القول عند رؤيتها له لما وصل إليها، وأخرجته من ~~التابوت، وخاطبت بقولها { لا تقتلوه } فرعون، ومن عنده من قومه، أو ~~فرعون وحده على طريقة التعظيم له. وقرأ عبد الله بن مسعود " وقالت امرأة ~~فرعون لا تقتلوه قرة عين لي ولك " ، ويجوز نصب " قرة " بقوله { لا ~~تقتلوه } على الاشتغال. وقيل إنها قالت لا تقتلوه فإن الله أتى به ~~من أرض بعيدة، وليس من بني إسرائيل. ثم عللت ما قالته بالترجي منها لحصول ~~النفع منه لهم، أو التنبي له، فقالت { عسى أن ينفعنا } فنصيب منه ~~خيرا { أو نتخذه ms2864 ولدا } وكانت لا تلد، فاستوهبته من فرعون ~~فوهبه لها، وجملة { وهم لا يشعرون } في محل نصب على الحال، أي ~~وهم لا يشعرون أنهم على خطأ في التقاطه، ولا يشعرون أن هلاكهم على يده ~~فتكون حالا من آل فرعون، وهي من كلام الله سبحانه. وقيل هي من كلام ~~المرأة، أي وبنو إسرائيل لا يدرون أنا التقطناه، وهم لا يشعرون، قال ~~الكلبي، وهو بعيد جدا. وقد حكى الفراء عن السدي عن الكلبي عن أبي صالح، ~~عن ابن عباس أن قوله { لا تقتلوه } من كلام فرعون، واعترضه بكلام ~~يرجع إلى اللفظ، ويكفي في رده ضعف إسناده. # { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا } قال المفسرون معنى ذلك ~~أنه فارغ من كل شيء إلا من أمر موسى كأنها لم تهتم بشيء سواه. قال أبو ~~عبيدة خاليا من ذكر كل شيء في الدنيا إلا من ذكر موسى، وقال الحسن وابن ~~إسحاق، وابن زيد فارغا مما أوحى إليها من قوله { ولا تخافي ولا ~~تحزني } ، وذلك لما سول الشيطان لها من غرقه وهلاكه. وقال الأخفش ~~فارغا من الخوف والغم لعلمها أنه لم يغرق بسبب ما تقدم من الوحي ~~إليها، وروى مثله عن أبي عبيدة أيضا. وقال الكسائي ناسيا ذاهلا، وقال ~~العلاء بن زياد نافرا. وقال سعيد بن جبير والها كادت تقول وا ابناه من ~~شدة الجزع، وقال مقاتل كادت تصيح شفقة عليه من الغرق. وقيل المعنى أنها ~~لما سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع، والدهش، قال النحاس ~~وأصح هذه الأقوال الأول، والذين قالوه أعلم بكتاب الله، فإذا كان ~~فارغا من كل شيء إلا من ذكر موسى فهو فارغ من الوحي، وقول من قال ~~فارغا من الغم غلط قبيح لأن بعده { إن كادت لتبدي به لولا ~~أن ربطنا على قلبها } وقرأ فضالة بن عبيد الأنصاري ومحمد ~~ابن السميفع وأبو العالية وابن محيصن " فزعا " بالفاء، والزاي، والعين ~~المهملة من الفزع، أي خائفا وجلا، وقرأ ابن عباس " قرعا " بالقاف ~~المفتوحة، والراء المهملة المكسورة، والعين المهملة من قرع رأسه ms2865 إذا ~~انحسر شعره، ومعنى { وأصبح } وصار، كما قال الشاعر # مضى الخلفاء في أمر رشيد وأصبحت المدينة للوليد # { إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها } ~~" إن " هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، أي إنها كادت ~~لتظهر أمر موسى، وأنه ابنها من فرط ما دهمها من الدهش والخوف والحزن، من ~~بدا يبدو إذا ظهر، وأبدى يبدي إذا أظهر، وقيل الضمير في { به } عائد إلى ~~الوحي الذي أوحى إليها، والأول أولى. وقال الفراء إن كانت لتبدي باسمه ~~لضيق صدرها لولا أن ربطنا على قلبها. قال الزجاج ومعنى الربط على القلب ~~إلهام الصبر، وتقويته، وجواب لولا محذوف، أي لولا أن ربطنا على قلبها ~~لأبدت، واللام في { لتكون من المؤمنين } متعلق ب { ربطنا } ~~، والمعنى ربطنا على قلبها لتكون من المصدقين بوعد الله، وهو قوله { ~~إنا رادوه إليك } قيل والباء في { لتبدي به } زائدة ~~للتأكيد، والمعنى لتبديه كما تقول أخذت الحبل وبالحبل. وقيل المعنى لتبدي ~~القول به { وقالت لأخته قصيه } أي قالت أم موسى لأخت موسى، ~~وهي مريم قصيه، أي تتبعي أثره، واعرفي خبره، وانظري أين وقع، وإلى من ~~صار؟ يقال قصصت الشيء إذا اتبعت أثره متعرفا لحاله { فبصرت به ~~عن جنب } أي أبصرته عن بعد، وأصله عن مكان جنب، ومنه الأجنبي. # قال الشاعر # فلا تحرميني نائلا عن جنابة فإني امرؤ وسط الديار غريب # وقيل المراد بقوله { عن جنب } عن جانب، والمعنى أنها أبصرت إليه متجانفة ~~مخاتلة، ويؤيد ذلك قراءة النعمان بن سالم عن جانب، ومحل { عن جنب } ~~النصب على الحال إما من الفاعل، أي بصرت به مستخفية كائنة عن جنب، وإما ~~من المجرور، أي بعيدا منها. قرأ الجمهور { بصرت } به بفتح الباء وضم ~~الصاد، وقرأ قتادة بفتح الصاد، وقرأ عيسى بن عمر بكسرها. قال المبرد ~~أبصرته، وبصرت به بمعنى، وقرأ الجمهور { عن جنب } بضمتين، وقرأ قتادة ~~والحسن والأعرج وزيد بن علي بفتح الجيم وسكون النون، وروي عن قتادة ~~أيضا أنه قرأ بفتحهما. وروي عن الحسن أيضا أنه قرأ بضم الجيم وسكون ms2866 ~~النون. وقال أبو عمرو بن العلاء إن معنى { عن جنب } عن شوق. قال وهي ~~لغة جذام يقولون جنبت إليك أي اشتقت إليك { وهم لا يشعرون } ~~أنها تقصه وتتبع خبره، وأنها أخته. { وحرمنا عليه المراضع ~~} المراضع جمع مرضع، أي منعناه أن يرضع من المرضعات. وقيل المراضع جمع ~~مرضع بفتح الضاد، وهو الرضاع، أو موضعه، وهو الثدي، ومعنى { من قبل } ~~من قبل أن نرده إلى أمه، أو من قبل أن تأتيه أمه، أو من قبل قصها لأثره، ~~وقد كانت امرأة فرعون طلبت لموسى المرضعات ليرضعنه، فلم يرضع من واحدة ~~منهن فعند ذلك { قالت } أي أخته لما رأت امتناعه من الرضاع { هل ~~أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم } أي يضمنون لكم ~~القيام به، وإرضاعه { وهم له نصحون } أي مشفقون عليه لا ~~يقصرون في إرضاعه وتربيته. وفي الكلام حذف، والتقدير فقالوا لها من هم؟ ~~فقالت أمي، فقيل لها وهل لأمك لبن؟ قالت نعم لبن أخي هارون فدلتهم على ~~أم موسى، فدفعوه إليها، فقبل ثديها، ورضع منه، وذلك معنى قوله سبحانه { ~~فرددنه إلى أمه كي تقر عينها } بولدها { ولا ~~تحزن } على فراقه { ولتعلم أن وعد الله } أي جميع ~~وعده، ومن جملة ذلك ما وعدها بقوله { إنا رادوه إليك }. { ~~حق } لا خلف فيه واقع لا محالة { ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } أي أكثر آل فرعون لا يعلمون بذلك، بل كانوا في غفلة عن ~~القدر وسر القضاء، أو أكثر الناس لا يعلمون بذلك أو لا يعلمون أن الله ~~وعدها بأن يرده إليها. وقد أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { وجعل أهلها ~~شيعا } قال فرق بينهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر عن قتادة { وجعل أهلها شيعا } قال يستعبد طائفة منهم، ~~ويدع طائفة ويقتل طائفة ويستحيي طائفة. # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في ~~قوله { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في ~~الأرض ونجعلهم أئمة } قال ms2867 يوسف وولده. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ونريد أن نمن ~~على الذين استضعفوا في الأرض } قال هم بنو إسرائيل { ~~ونجعلهم أئمة } أي ولاة الأمر { ونجعلهم ~~الوارثين } أي الذين يرثون الأرض بعد فرعون وقومه { ونري ~~فرعون وهمن وجنودهما منهم ما كانوا ~~يحذرون } قال ما كان القوم حذروه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله { وأوحينا إلى أم موسى } أي ألهمناها الذي صنعت ~~بموسى. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش قال قال ابن عباس في قوله { فإذا ~~خفت عليه } قال أن يسمع جيرانك صوته. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~مسعود في قوله { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا } قال فرغ من ~~ذكر كل شيء من أمر الدنيا إلا من ذكر موسى. وأخرج الفريابي وابن أبي ~~شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه ~~من طرق عن ابن عباس في قوله { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ~~} قال خاليا من كل شيء غير ذكر موسى. وفي قوله { إن كادت لتبدي ~~به } قال تقول يا ابناه. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه في قوله { وقالت لأخته قصيه } أي ~~اتبعي أثره { فبصرت به عن جنب } قال عن جانب. وأخرج الطبراني ~~وابن عساكر عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة # " أما شعرت أن الله زوجني مريم بنت عمران وكلثوم أخت موسى وامرأة ~~فرعون؟ " # قالت هنيئا لك يا رسول الله، وأخرجه ابن عساكر عن ابن أبي رواد ~~مرفوعا بأطول من هذا، وفي آخره أنها قالت بالرفاء والبنين. وأخرج ~~الفريابي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله ~~{ وحرمنا عليه المراضع من قبل } قال لا يؤتى بمرضع ~~فيقبلها. ### || [28.14-24] # قوله { ولما بلغ أشده } قد تقدم الكلام في بلوغ الأشد في ~~الأنعام، وقد قال ربيعة ومالك هو الحلم لقوله تعالى # حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشدا # النساء 6 ms2868 الآية، وأقصاه أربع وثلاثون سنة كما قال مجاهد وسفيان الثوري ~~وغيرهما. وقيل الأشد ما بين الثمانية عشر إلى الثلاثين، والاستواء من ~~الثلاثين إلى الأربعين، وقيل الاستواء هو بلوغ الأربعين، وقيل الاستواء ~~إشارة إلى كمال الخلقة، وقيل هو بمعنى واحد، وهو ضعيف لأن العطف يشعر ~~بالمغايرة { آتيناه حكما وعلما } الحكم الحكمة على العموم، ~~وقيل النبوة. وقيل الفقه في الدين. والعلم الفهم، قاله السدي. وقال ~~مجاهد الفقه. وقال ابن إسحاق العلم بدينه ودين آبائه، وقيل كان هذا قبل ~~النبوة، وقد تقدم بيان معنى ذلك في البقرة { وكذلك نجزي ~~المحسنين } أي مثل ذلك الجزاء الذي جزينا أم موسى لما استسلمت ~~لأمر الله وألقت ولدها في البحر، وصدقت بوعد الله نجزي المحسنين على ~~إحسانهم، والمراد العموم. { ودخل المدينة } أي ودخل موسى مدينة ~~مصر الكبرى. وقيل مدينة غيرها من مدائن مصر، ومحل قوله { على حين ~~غفلة من أهلها } النصب على الحال إما من الفاعل، أي مستخفيا، ~~وإما من المفعول. قيل لما عرف موسى ما هو عليه من الحق في دينه عاب ما ~~عليه قوم فرعون، وفشا ذلك منه، فأخافوه، فخافهم، فكان لا يدخل المدينة ~~إلا مستخفيا. قيل كان دخوله بين العشاء والعتمة، وقيل وقت القائلة. قال ~~الضحاك طلب أن يدخل المدينة وقت غفلة أهلها فدخل على حين علم منهم، فكان ~~منه ما حكى الله سبحانه بقوله { فوجد فيها رجلين ~~يقتتلان هذا من شيعته } أي ممن شايعه على دينه، وهم بنو ~~إسرائيل { وهذا من عدوه } أي من المعادين له على دينه، وهم ~~قوم فرعون { فاستغثه الذي من شيعته } أي طلب منه أن ~~ينصره، ويعينه على خصمه { على الذي من عدوه } فأغاثه لأن نصر ~~المظلوم واجب في جميع الملل. قيل أراد القبطي أن يسخر الإسرائيلي ليحمل ~~حطبا لمطبخ فرعون، فأبى عليه، واستغاث بموسى { فوكزه موسى } ~~الوكز الضرب بجمع الكف، وهكذا اللكز واللهز. وقيل اللكز على اللحى، ~~والوكز على القلب. وقيل ضربه بعصاه. وقرأ ابن مسعود " فلكزه " ، وحكى ~~الثعلبي أن في مصحف عثمان " فنكزه " بالنون، قال الأصمعي " نكزه ms2869 " بالنون ~~ضربه، ودفعه. قال الجوهري اللكز الضرب على الصدر. وقال أبو زيد في جميع ~~الجسد يعني أنه يقال له لكز، واللهز الضرب بجميع اليدين في الصدر، ومثله ~~عن أبي عبيدة { فقضى عليه } أي قتله، وكل شيء أتيت عليه، وفرغت ~~منه فقد قضيت عليه، ومنه قول الشاعر # قد عضه فقضى عليه الأشجع # قيل لم يقصد موسى قتل القبطي، وإنما قصد دفعه، فأتى ذلك على نفسه، ولهذا ~~قال { هذا من عمل الشيطن } وإنما قال بهذا القول مع أن ~~المقتول كافر حقيق بالقتل لأنه لم يكن إذ ذاك مأمورا بقتل الكفار. وقيل ~~إن تلك الحالة حالة كف عن القتال لكونه مأمونا عندهم، فلم يكن له أن ~~يغتالهم. ثم وصف الشيطان بقوله { إنه عدو مضل مبين } أي ~~عدو للإنسان يسعى في إضلاله، ظاهر العداوة والإضلال. وقيل إن الإشارة ~~بقوله { هذا } إلى عمل المقتول لكونه كافرا مخالفا لما يريده الله. ~~وقيل إنه إشارة إلى المقتول نفسه يعني أنه من جند الشيطان وحزبه. ثم طلب ~~من الله سبحانه أن يغفر له ما وقع منه { قال رب إني ظلمت ~~نفسي فاغفر لي فغفر } الله { له } ذلك { إنه هو ~~الغفور الرحيم } ووجه استغفاره أنه لم يكن لنبي أن يقتل حتى ~~يؤمر، وقيل إنه طلب المغفرة من تركه للأولى كما هو سنة المرسلين، أو أراد ~~إني ظلمت نفسي بقتل هذا الكافر لأن فرعون لو يعرف ذلك لقتلني به، ومعنى { ~~فاغفر لي } فاستر ذلك علي لا تطلع عليه فرعون، وهذا خلاف الظاهر ~~فإن موسى عليه السلام ما زال نادما على ذلك خائفا من العقوبة بسببه، ~~حتى إنه يوم القيامة عند طلب الناس الشفاعة منه يقول إني قتلت نفسا لم ~~أومر بقتلها، كما ثبت ذلك في حديث الشفاعة الصحيح. وقد قيل إن هذا كان ~~قبل النبوة. وقيل كان ذلك قبل بلوغه سن التكليف، وإنه كان إذ ذاك في ~~اثنتي عشرة سنة، وكل هذه التأويلات البعيدة محافظة على ما تقرر من عصمة ~~الأنبياء، ولا شك أنهم معصومون من الكبائر، والقتل الواقع منه ms2870 لم يكن عن ~~عمد فليس بكبيرة، لأن الوكزة في الغالب لا تقتل. ثم لما أجاب الله سؤاله، ~~وغفر له ما طلب منه مغفرته، قال { رب بما أنعمت علي } هذه ~~الباء يجوز أن تكون باء القسم والجواب مقدر أي أقسم بإنعامك علي ~~لأتوبن، وتكون جملة { فلن أكون ظهيرا للمجرمين } ~~كالتفسير للجواب وكأنه أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرما. ~~ويجوز أن تكون هذه الباء هي باء السببية متعلقة بمحذوف، أي اعصمني بسبب ~~ما أنعمت به علي، ويكون قوله { فلن أكون ظهيرا } مترتبا عليه، ~~ويكون في ذلك استعطاف لله تعالى، وتوصل إلى إنعامه بإنعامه، و «ما» في ~~قوله { بما أنعمت } إما موصولة، أو مصدرية، والمراد بما أنعم به ~~عليه هو ما آتاه من الحكم والعلم أو بالمغفرة أو بالجميع، وأراد بمظاهرة ~~المجرمين إما صحبة فرعون والانتظام في جملته في ظاهر الأمر، أو مظاهرته ~~على ما فيه إثم. # قال الكسائي، والفراء ليس قوله { فلن أكون ظهيرا ~~للمجرمين } خبرا بل هو دعاء، أي فلا تجعلني يا رب ظهيرا لهم. ~~قال الكسائي، وفي قراءة عبد الله " فلا تجعلني يا رب ظهيرا للمجرمين " ~~وقال الفراء المعنى اللهم فلن أكون ظهيرا للمجرمين. وقال النحاس إن جعله ~~من باب الخبر أوفى وأشبه بنسق الكلام. { فأصبح في المدينة ~~خائفا يترقب } أي دخل في وقت الصباح في المدينة التي قتل فيها ~~القبطي، و { خائفا } خبر { أصبح } ويجوز أن يكون حالا، والخبر { في ~~المدينة } ، و { يترقب } يجوز أن يكون خبرا ثانيا، وأن يكون حالا ~~ثانية، وأن يكون بدلا من { خائفا } ، ومفعول { يترقب } محذوف، والمعنى ~~يترقب المكروه أو يترقب الفرح { فإذا الذي استنصره ~~بالأمس يستصرخه } إذا هي الفجائية، والموصول مبتدأ، وخبره { ~~يستصرخه } أي فإذا صاحبه الإسرائيلي الذي استغاثه بالأمس يقاتل قبطيا ~~آخر، أراد أن يسخره ويظلمه كما أراد القبطي الذي قد قتله موسى بالأمس، ~~والاستصراخ الاستغاثة، وهو من الصراخ، وذلك أن المستغيث يصوت، ويصرخ في ~~طلب الغوث، ومنه قول الشاعر # كنا إذا ما أتانا صارخ فزع كان الجواب له قرع ms2871 الظنابيب # { قال له موسى إنك لغوي مبين } أي بين الغواية، ~~وذلك أنك تقاتل من لا تقدر على مقاتلته، ولا تطيقه. وقيل إنما قال له هذه ~~المقالة لأنه تسبب بالأمس لقتل رجل يريد اليوم أن يتسبب لقتل آخر. { ~~فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما } ~~أي يبطش بالقبطي الذي هو عدو لموسى، وللإسرائيلي حيث لم يكن على دينهما، ~~وقد تقدم معنى يبطش، واختلاف القراء فيه. { قال ياموسى أتريد ~~أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس } القائل هو ~~الإسرائيلي لما سمع موسى يقول له { إنك لغوي مبين } ورآه ~~يريد أن يبطش بالقبطي ظن أنه يريد أن يبطش به، فقال لموسى { أتريد ~~أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس } فلما سمع القبطي ~~ذلك أفشاه، ولم يكن قد علم أحد من أصحاب فرعون أن موسى هو الذي قتل ~~القبطي بالأمس حتى أفشى عليه الإسرائيلي، هكذا قال جمهور المفسرين. وقيل ~~إن القائل { أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا ~~بالأمس } هو القبطي، وكان قد بلغه الخبر من جهة الإسرائيلي، وهذا هو ~~الظاهر، وقد سبق ذكر القبطي قبل هذا بلا فصل لأنه هو المراد بقوله ~~عدو لهما، ولا موجب لمخالفة الظاهر حتى يلزم عنه أن المؤمن بموسى ~~المستغيث به المرة الأولى، والمرة الأخرى هو الذي أفشى عليه، وأيضا إن ~~قوله { إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض } لا يليق ~~صدور مثله إلا من كافر، و " إن " في قوله { إن تريد } هي النافية، ~~أي ما تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض، قال الزجاج الجبار في اللغة ~~الذي لا يتواضع لأمر الله، والقاتل بغير حق جبار. # وقيل الجبار الذي يفعل ما يريد من الضرب، والقتل، ولا ينظر في العواقب، ~~ولا يدفع بالتي هي أحسن { وما تريد أن تكون من المصلحين ~~} أي الذين يصلحون بين الناس. { وجاء رجل من أقصى المدينة ~~يسعى } قيل المراد بهذا الرجل حزقيل، وهو مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم ~~موسى، وقيل اسمه شمعون، وقيل طالوت، وقيل شمعان. والمراد بأقصى المدينة ~~آخرها وأبعدها، و ms2872 { يسعى } يجوز أن يكون في محل رفع صفة لرجل، ويجوز أن ~~يكون في محل نصب على الحال، لأن لفظ رجل وإن كان نكرة فقد تخصص بقوله ~~من أقصى المدينة، { قال ياموسى إن الملأ ~~يأتمرون بك ليقتلوك } أي يتشاورون في قتلك، ويتآمرون ~~بسببك. قال الزجاج يأمر بعضهم بعضا بقتلك، وقال أبو عبيد يتشاورون فيك ~~ليقتلوك يعني أشراف قوم فرعون. قال الأزهري ائتمر القوم وتآمروا، أي أمر ~~بعضهم بعضا، نظيره قوله # وأتمروا بينكم بمعروف # الطلاق 6 قال النمر بن تولب # أرى الناس قد أحدثوا شيمة وفي كل حادثة يؤتمر # { فاخرج إني لك من النصحين } في الأمر بالخروج، واللام ~~للبيان لأن معمول المجرور لا يتقدم عليه { فخرج منها خائفا ~~يترقب } فخرج موسى من المدينة حال كونه خائفا من الظالمين مترقبا ~~لحوقهم به، وإدراكهم له، ثم دعا ربه بأن ينجيه مما خافه قائلا { رب ~~نجني من القوم الظلمين } أي خلصني من القوم الكافرين، ~~وادفعهم عني، وحل بيني وبينهم { ولما توجه تلقاء مدين } ~~أي نحو مدين قاصدا لها. قال الزجاج أي سلك في الطريق الذي تلقاء مدين ~~فيها. انتهى. يقال داره تلقاء دار فلان، وأصله من اللقاء، ولم تكن هذه ~~القرية داخلة تحت سلطان فرعون، ولهذا خرج إليها { قال عسى ربي أن ~~يهديني سواء السبيل } أي يرشدني نحو الطريق المستوية إلى ~~مدين. { ولما ورد ماء مدين } أي وصل إليه، وهو الماء الذي ~~يستقون منه { وجد عليه أمة من الناس يسقون } أي وجد ~~على الماء جماعة كثيرة من الناس يسقون مواشيهم، ولفظ الورود قد يطلق على ~~الدخول في المورد، وقد يطلق على البلوغ إليه، وإن لم يدخل فيه، وهو ~~المراد هنا، ومنه قول زهير # فلما وردنا الماء زرقا حمامه # وقد تقدم تحقيق معنى الورود في قوله # وإن منكم إلا واردها # مريم 71 وقيل مدين اسم للقبيلة لا للقرية، وهي غير منصرفة على كلا ~~التقديرين. { ووجد من دونهم } أي من دون الناس الذين يسقون ما ~~بينهم وبين الجهة التي جاء منها، وقيل معناه في موضع أسفل منهم ms2873 { ~~امرأتين تذودان } أي تحبسان أغنامهما من الماء حتى يفرغ الناس، ~~ويخلو بينهما وبين الماء، ومعنى الذود الدفع، والحبس، ومنه قول الشاعر # أبيت على باب القوافي كأنما أذود بها سربا من الوحش نزعا # أي أحبس، وأمنع، وورد الذود بمعنى الطرد، ومنه قول الشاعر # لقد سلبت عصاك بنو تميم فما تدري بأي عصى تذود # أي تطرد { قال ما خطبكما } أي قال موسى للمرأتين ما شأنكما لا ~~تسقيان غنمكما مع الناس؟ والخطب الشأن، قيل وإنما يقال ما خطبك لمصاب، أو ~~مضطهد، أو لمن يأتي بمنكر { قالتا لا نسقي حتى يصدر ~~الرعاء } أي إن عادتنا التأني حتى يصدر الناس عن الماء، وينصرفوا منه ~~حذرا من مخالطتهم، أو عجزا عن السقي معهم. قرأ الجمهور { يصدر } بضم ~~الياء، وكسر الدال مضارع أصدر المتعدى بالهمزة. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو ~~وأبو جعفر بفتح الياء وضم الدال من صدر يصدر لازما، فالمفعول على ~~القراءة الأولى محذوف، أي يرجعون مواشيهم، والرعاء جمع راع. قرأ الجمهور ~~{ الرعاء } بكسر الراء. وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بفتحها. قال أبو ~~الفضل هو مصدر أقيم مقام الصفة، فلذلك استوى فيه الواحد، والجمع. وقرىء " ~~الرعاء " بالضم اسم جمع. وقرأ طلحة بن مصرف " نسقى " بضم النون من أسقى { ~~وأبونا شيخ كبير } عالي السن، وهذا من تمام كلامهما، أي لا ~~يقدر أن يسقي ماشيته من الكبر، فلذلك احتجنا، ونحن امرأتان ضعيفتان أن ~~نسقي الغنم لعدم وجود رجل يقوم لنا بذلك فلما سمع موسى كلامهما { سقى ~~لهما } رحمة لهما، أي سقى أغنامهما لأجلهما، " ثم " لما فرغ من السقي ~~لهما { تولى إلى الظل } أي انصرف إليه، فجلس فيه. قيل كان هذا ~~الظل ظل سمرة هنالك. ثم قال لما أصابه من الجهد، والتعب مناديا لربه { ~~إني لما أنزلت إلي من خير } أي خير كان { فقير } أي ~~محتاج إلى ذلك. قيل أراد بذلك الطعام، واللام في { لما أنزلت } ~~معناها إلى. قال الأخفش يقال هو فقير له، وإليه. وقد أخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ms2874 الشيخ، والمحاملي في أماليه من ~~طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله { ولما بلغ أشده } قال ~~ثلاثا وثلاثين سنة { واستوى } قال أربعين سنة. وأخرج ابن أبي ~~الدنيا في كتاب المعمرين من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه قال الأشد ما ~~بين الثماني عشرة إلى الثلاثين، والاستواء ما بين الثلاثين إلى الأربعين، ~~فإذا زاد على الأربعين أخذ في النقصان. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم من طرق عنه أيضا في قوله { ودخل المدينة على حين ~~غفلة من أهلها } قال نصف النهار. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء الخراساني، عنه ~~أيضا في الآية قال ما بين المغرب والعشاء. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا ~~{ هذا من شيعته } قال إسرائيلي { وهذا من عدوه } قال ~~قبطي { فاستغثه الذي من شيعته } الإسرائيلي { على ~~الذي من عدوه } القبطي { فوكزه موسى فقضى عليه ~~} قال فمات، قال فكبر ذلك على موسى. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه ~~أيضا في قوله { فإذا الذي استنصره بالأمس ~~يستصرخه } قال هو صاحب موسى الذي استنصره بالأمس. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال الذي استنصره هو الذي ~~استصرخه. وأخرج ابن المنذر عن الشعبي قال من قتل رجلين فهو جبار، ثم تلا ~~هذه الآية { إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض } ، ~~وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال لا يكون الرجل جبارا حتى ~~يقتل نفسين. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال ~~خرج موسى خائفا يترقب جائعا ليس معه زاد حتى انتهى إلى ماء مدين، و { ~~عليه أمة من الناس يسقون } ، وامرأتان جالستان ~~بشياههما، فسألهما { ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى ~~يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير } قال فهل قربكما ماء؟ ~~قالتا لا، إلا بئر عليها صخرة قد غطيت بها لا يطيقها نفر، قال فانطلقا، ~~فأريانيها، فانطلقتا معه، فقال بالصخرة بيده، فنحاها، ثم استقى لهم سجلا ~~واحدا فسقى الغنم، ثم أعاد ms2875 الصخرة إلى مكانها { ثم تولى إلى ~~الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ~~} ، فسمعتا، قال فرجعتا إلى أبيهما فاستنكر سرعة مجيئهما، فسألهما ~~فأخبرتاه، فقال لإحداهما انطلقي فادعيه، فأتت، فقالت { قالت إن ~~أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } فمشت بين ~~يديه، فقال لها امشي خلفي، فإني امرؤ من عنصر إبراهيم لا يحل لي أن أرى ~~منك ما حرم الله علي، وأرشديني الطريق { فلما جاءه وقص ~~عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم ~~الظلمين * قالت إحداهما يأبت استئجره إن ~~خير من استجرت القوي الأمين } قال لها أبوها ما رأيت ~~من قوته وأمانته؟ فأخبرته بالأمر الذي كان، قالت أما قوته فإنه قلب ~~الحجر وحده، وكان لا يقلبه إلا النفر. وأما أمانته فقال امشي خلفي ~~وأرشديني الطريق لأني امرؤ من عنصر إبراهيم لا يحل لي منك ما حرمه ~~الله. قيل لابن عباس أي الأجلين قضى موسى؟ قال أبرهما وأوفاهما. وأخرج ~~الفريابي، وابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم، والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب قال إن موسى لما ورد ماء مدين وجد ~~عليه أمة من الناس يسقون، فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر ولا يطيق ~~رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين، قال ما خطبكما؟ فحدثتاه، فأتى ~~الحجر، فرفعه وحده، ثم استقى فلم يستق إلا ذنوبا واحدا حتى رويت ~~الغنم، فرجعت المرأتان إلى أبيهما، فحدثتاه، وتولى موسى إلى الظل فقال ~~{ رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير }. # قال { فجاءته إحداهما تمشى على استحياء } واضعة ثوبها ~~على وجهها ليست بسلفع من النساء خراجة ولاجة { قالت إن أبي ~~يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } فقام معها موسى، ~~فقال لها إمشي خلفي وانعتي لي الطريق، فإني أكره أن يصيب الريح ثيابك ~~فتصف لي جسدك، فلما انتهى إلى أبيها قص عليه، فقالت إحداهما { يا أبت ~~استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين } قال يا بنية ما علمك بأمانته ~~وقوته؟ قالت أما قوته فرفعه الحجر ولا يطيقه ms2876 إلا عشرة رجال، وأما ~~أمانته فقال امشي خلفي وانعتي لي الطريق فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك، ~~فتصف لي جسدك، فزاده ذلك رغبة فيه، فقال { إنى أريد أن أنكحك ~~إحدى ابنتي هاتين } إلى قوله { ستجدني إن شاء الله ~~من الصلحين } أي في حسن الصحبة، والوفاء بما قلت { قال } موسى ~~{ ذلك بينى وبينك أيما الأجلين قضيت فلا ~~عدوان علي } قال نعم، قال { والله على ما نقول ~~وكيل } فزوجه، وأقام معه يكفيه ويعمل في رعاية غنمه، وما يحتاج ~~إليه، وزوجه صفورا وأختها شرفا، وهما اللتان كانتا تذودان. قال ابن ~~كثير بعد إخراجه لطرق من هذا الحديث إن إسناده صحيح. والسلفع من النساء ~~الجريئة السليطة. وأخرج أحمد في الزهد، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { ولما ورد ماء مدين } قال ورد الماء حيث ورد، ~~وإنه لتتراءى خضرة البقل في بطنه من الهزال. وأخرج ابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه قال خرج موسى من مصر إلى مدين وبينه وبينها ثماني ليال، ولم ~~يكن له طعام إلا ورق الشجر، وخرج حافيا، فما وصل إليها حتى وقع خف ~~قدمه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضا قال { تذودان } تحبسان ~~غنمهما حتى ينزع الناس، ويخلو لهما البئر. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي ~~شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، والضياء في المختارة عنه ~~أيضا قال لقد قال موسى { رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير } وهو أكرم ~~خلقه عليه، ولقد افتقر إلى شق تمرة، ولقد لصق بطنه بظهره من شدة الجوع. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا قال ما سأل إلا الطعام. وأخرج ~~عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم عنه أيضا قال سأل فلقا ~~من الخبز يشد بها صلبه من الجوع. ### || [28.25-32] # قوله { فجاءته إحداهما تمشي على استحياء } في الكلام ~~حذف يدل عليه السياق. قال الزجاج تقديره فذهبتا إلى أبيهما سريعتين، ~~وكانت عادتهما الإبطاء في السقي، فحدثتاه بما كان من الرجل الذي سقى ~~لهما، ms2877 فأمر الكبرى من بنتيه، وقيل الصغرى أن تدعوه له، فجاءته. وذهب أكثر ~~المفسرين إلى أنهما ابنتا شعيب، وقيل هما ابنتا أخي شعيب، وأن شعيبا كان ~~قد مات. والأول أرجح، وهو ظاهر القرآن. ومحل { تمشي } النصب على ~~الحال من فاعل جاءت، { وعلى استحياء } حال أخرى، أي كائنة على ~~استحياء حالتي المشي والمجيء فقط، وجملة { قالت إن أبي يدعوك ~~} مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل ماذا قالت له لما جاءته؟ { ~~ليجزيك أجر ما سقيت لنا } أي جزاء سقيك لنا { فلما ~~جاءه وقص عليه القصص } القصص مصدر سمي به المفعول أي ~~المقصوص يعني أخبره بجميع ما اتفق له من عند قتله القبطي إلى عند وصوله ~~إلى ماء مدين { قال } شعيب { لا تخف نجوت من القوم ~~الظلمين } أي فرعون وأصحابه لأن فرعون لا سلطان له على مدين، ~~وللرازي في هذا الموضع إشكالات باردة جدا لا تستحق أن تذكر في تفسير ~~كلام الله عز وجل، والجواب عليها يظهر للمقصر فضلا عن الكامل، وأشف ~~ما جاء به أن موسى كيف أجاب الدعوة المعللة بالجزاء لما فعله من السقي. ~~ويجاب عنه بأنه اتبع سنة الله في إجابة دعوة نبي من أنبياء الله، ولم ~~تكن تلك الإجابة لأجل أخذ الأجر على هذا العمل، ولهذا ورد أنه لما قدم ~~إليه الطعام قال إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهبا. { قالت ~~إحداهما يأبت استئجره } القائلة هي التي جاءته، أي ~~استأجره ليرعى لنا الغنم، وفيه دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة. ~~وقد اتفق على جوازها، ومشروعيتها جميع علماء الإسلام إلا الأصم فإنه عن ~~سماع أدلتها أصم، وجملة { إن خير من استئجرت القوى ~~الأمين } تعليل لما وقع منها من الإرشاد لأبيها إلى استئجار موسى، أي ~~إنه حقيق باستئجارك له لكونه جامعا بين خصلتي القوة والأمانة. وقد ~~تقدم في المروي عن ابن عباس، وعمر أن أباها سألها عن وصفها له بالقوة ~~والأمانة فأجابته بما تقدم قريبا { قال إني أريد أن أنكحك ~~إحدى ابنتي هاتين } فيه مشروعية عرض ولي المرأة لها ms2878 على ~~الرجل، وهذه سنة ثابتة في الإسلام، كما ثبت من عرض عمر لابنته حفصة على ~~أبي بكر وعثمان، والقصة معروفة، وغير ذلك مما وقع في أيام الصحابة أيام ~~النبوة، وكذلك ما وقع من عرض المرأة لنفسها على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # { على أن تأجرني ثماني حجج } أي على أن تكون أجيرا لي ~~ثماني سنين. قال الفراء يقول على أن تجعل ثوابي أن ترعى غنمي ثماني سنين، ~~ومحل { على أن تأجرني } النصب على الحال، وهو مضارع أجرته، ~~ومفعوله الثاني محذوف، أي نفسك و { ثماني حجج } ظرف. قال المبرد ~~يقال أجرت داري ومملوكي غير ممدود وممدودا، والأول أكثر { فإن ~~أتممت عشرا فمن عندك } أي إن أتممت ما استأجرتك عليه من ~~الرعي عشر سنين فمن عندك، أي تفضلا منك لا إلزاما مني لك، جعل ما زاد ~~على الثمانية الأعوام إلى تمام عشرة أعوام، موكولا إلى المروءة. ومحل { ~~فمن عندك } الرفع على تقدير مبتدأ، أي فهي من عندك { وما أريد ~~أن أشق عليك } بإلزامك إتمام العشرة الأعوام، واشتقاق المشقة ~~من الشق، أي شق ظنه نصفين، فتارة يقول أطيق، وتارة يقول لا أطيق. ثم ~~رغبه في قبول الإجارة فقال { ستجدني إن شاء الله من ~~الصلحين } في حسن الصحبة والوفاء. وقيل أراد الصلاح على العموم، ~~فيدخل صلاح المعاملة في تلك الإجارة تحت الآية دخولا أوليا، وقيد ذلك ~~بالمشيئة تفويضا للأمر إلى توفيق الله ومعونته. ثم لما فرغ شعيب من ~~كلامه قرره موسى فقال { ذلك بيني وبينك } واسم الإشارة مبتدأ، ~~وخبره ما بعده، والإشارة إلى ما تعاقدا عليه، وجملة { أيما ~~الأجلين قضيت } شرطية، وجوابها { فلا عدوان علي } ، ~~والمراد بالأجلين الثمانية الأعوام والعشرة الأعوام، ومعنى { قضيت } ~~وفيت به، وأتممته، والأجلين مخفوض بإضافة أي إليه، وما زائدة. وقال ابن ~~كيسان «ما» في موضع خفض بإضافة أي إليها، والأجلين بدل منها، وقرأ الحسن ~~" أيما " بسكون الياء، وقرأ ابن مسعود " أي الأجلين ما قضيت " ومعنى { ~~فلا عدوان علي } فلا ظلم علي بطلب الزيادة على ما قضيته من ~~الأجلين، أي ms2879 كما لا أطالب بالزيادة على الثمانية الأعوام لا أطالب ~~بالنقصان على العشرة. وقيل المعنى كما لا أطالب بالزيادة على العشرة ~~الأعوام لا أطالب بالزيادة على الثمانية الأعوام، وهذا أظهر. وأصل ~~العدوان تجاوز الحد في غير ما يجب. قال المبرد وقد علم موسى أنه لا عدوان ~~عليه إذا أتمهما، ولكنه جمعهما ليجعل الأول كالأتم في الوفاء. قرأ ~~الجمهور { عدوان } بضم العين. وقرأ أبو حيوة بكسرها. { والله على ~~ما نقول وكيل } أي على ما نقول من هذه الشروط الجارية بيننا شاهد ~~وحفيظ، فلا سبيل لأحدنا إلى الخروج عن شيء من ذلك. قيل هو من قول موسى. ~~وقيل من قول شعيب، والأول أولى لوقوعه في جملة كلام موسى. { فلما ~~قضى موسى الأجل } هو أكملهما، وأوفاهما، وهو العشرة الأعوام، كما ~~سيأتي آخر البحث، والفاء فصيحة { وسار بأهله } إلى مصر، وفيه ~~دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء { آنس من جانب الطور ~~نارا قال } أي أبصر من الجهة التي تلي الطور نارا، وقد تقدم تفسير ~~هذا في سورة طه مستوفى. # { قال لأهله امكثوا إني ءانست نارا لعلي ~~ءاتيكم منها بخبر } وهذا تقدم تفسيره أيضا في سورة طه، وفي ~~سورة النمل. { أو جذوة } قرأ الجمهور بكسر الجيم، وقرأ حمزة ويحيى ~~بن وثاب بضمها، وقرأ عاصم، والسلمي، وذر بن حبيش بفتحها. قال الجوهري ~~الجذوة والجذوة والجذوة الجمرة، والجمع جذى وجذى وجذى. قال مجاهد ~~في الآية أن الجذوة قطعة من الجمر في لغة جميع العرب. وقال أبو عبيدة هي ~~القطعة الغليظة من الخشب كأن في طرفها نارا، ولم يكن، ومما يؤيد أن ~~الجذوة الجمرة قول السلمي # وبدلت بعد المسك والبان شقوة دخان الجذا في رأس أشمط شاحب # { لعلكم تصطلون } أي تستدفئون بالنار { فلما أتها ~~} أي أتى النار التي أبصرها، وقيل أتى الشجرة، والأول أولى لعدم تقدم ~~الذكر للشجرة { نودي من شاطيء الواد الأيمن } " من " ~~لابتداء الغاية، و { الأيمن } صفة للشاطىء، وهو من اليمن وهو البركة، أو ~~من جهة اليمين المقابل لليسار بالنسبة إلى موسى، أي الذي يلي ms2880 يمينه دون ~~يساره، وشاطىء الوادي طرفه. وكذا شطه. قال الراغب وجمع الشاطىء أشطاء، ~~وقوله { في البقعة المباركة } متعلق ب { نودي } أو بمحذوف ~~على أنه حال من الشاطىء، و { من الشجرة } بدل اشتمال من شاطىء ~~الواد لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطىء. وقال الجوهري يقول شاطىء ~~الأودية ولا يجمع. قرأ الجمهور { في البقعة } بضم الباء، وقرأ أبو سلمة ~~والأشهب العقيلي بفتحها، وهي لغة حكاها أبو زيد { أن ياموسى إني ~~أنا الله } " أن " هي المفسرة، ويجوز أن تكون هي المخففة من ~~الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وجملة النداء مفسرة له، والأول أولى. قرأ ~~الجمهور بكسر همزة { إني } على إضمار القول أو على تضمين النداء معناه. ~~وقرىء بالفتح، وهي قراءة ضعيفة. وقوله { وأن ألق عصاك } معطوف ~~على { أن ياموسى } وقد تقدم تفسير هذا وما بعده في طه والنمل، وفي ~~الكلام حذف، والتقدير فألقاها فصارت ثعبانا فاهتزت { فلما رءاها ~~تهتز كأنها جان } في سرعة حركتها مع عظم جسمها { ولى ~~مدبرا } أي منهزما، وانتصاب { مدبرا } على الحال وقوله { ولم ~~يعقب } في محل نصب أيضا على الحال أي لم يرجع { يموسى أقبل ~~ولا تخف إنك من الآمنين } قد تقدم تفسير جميع ما ذكر هنا ~~مستوفى فلا نعيده، وكذلك قوله { اسلك يدك في جيبك تخرج ~~بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك } جناح الإنسان ~~عضده، ويقال لليد كلها جناح، أي اضمم إليك يديك المبسوطتين لتتقي بهما ~~الحية كالخائف الفزع، وقد عبر عن هذا المعنى بثلاث عبارات الأولى { اسلك ~~يدك في جيبك }. # والثانية { واضمم إليك جناحك }. والثالثة { وأدخل يدك في جيبك }. ويجوز ~~أن يراد بالضم التجلد والثبات عند انقلاب العصا ثعبانا. ومعنى { من ~~الرهب } من أجل الرهب، وهو الخوف. قرأ الجمهور " الرهب " بفتح الراء ~~والهاء، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم وقرأ حفص والسلمي وعيسى ~~بن عمر وابن أبي إسحاق بفتح الراء وإسكان الهاء. وقرأ ابن عامر والكوفيون ~~إلا حفصا بضم الراء وإسكان الهاء. وقال الفراء أراد بالجناح عصاه، وقال ~~بعض أهل المعاني الرهب الكم بلغة حمير وبني ms2881 حنيفة. قال الأصمعي سمعت ~~أعرابيا يقول لآخر أعطني ما في رهبك، فسألته عن الرهب، فقال الكم. فعلى ~~هذا يكون اضمم إليك يدك وأخرجها من الكم { فذانك } إشارة إلى العصا ~~واليد { برهانن من ربك إلى فرعون وملإيه } أي ~~حجتان نيرتان ودليلان واضحان، قرأ الجمهور { فذانك } بتخفيف النون، وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو بتشديدها، قيل والتشديد لغة قريش. وقرأ ابن مسعود ~~وعيسى بن عمر وشبل وأبو نوفل بياء تحتية بعد نون مكسورة، والياء بدل من ~~إحدى النونين، وهي لغة هذيل، وقيل لغة تميم، وقوله { من ربك } متعلق ~~بمحذوف، أي كائنان منه، وكذلك قوله { إلى فرعون وملإيه } ~~متعلق بمحذوف، أي مرسلان، أو واصلان إليهم { إنهم كانوا قوما ~~فسقين } متجاوزين الحد في الظلم، خارجين عن الطاعة أبلغ خروج، ~~والجملة تعليل لما قبلها. وقد أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي ~~حاتم من طريق عبد الله بن أبي الهذيل عن عمر بن الخطاب في قوله { تمشي ~~على استحياء } قال جاءت مستترة بكم درعها على وجهها. وأخرجه ابن ~~المنذر عن أبي الهذيل موقوفا عليه. وأخرج ابن عساكر عن أبي حازم قال لما ~~دخل موسى على شعيب إذا هو بالعشاء، فقال له شعيب كل، قال موسى أعوذ ~~بالله، قال ولم؟ ألست بجائع؟ قال بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا عما ~~سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من عمل الآخرة بملء الأرض ~~ذهبا، قال لا والله، ولكنها عادتي وعادة آبائي، نقري الضيف ونطعم ~~الطعام، فجلس موسى فأكل. وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس أنه بلغه أن ~~شعيبا هو الذي قص عليه القصص. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال كان صاحب ~~موسى أثرون ابن أخي شعيب النبي. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال الذي ~~استأجر موسى يثربي صاحب مدين. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عنه قال كان ~~اسم ختن موسى يثربي. وأخرج ابن المنذر وابن أبي ms2882 حاتم عن الحسن قال يقول ~~أناس إنه شعيب، وليس بشعيب، ولكنه سيد الماء يومئذ. # وأخرج ابن ماجه والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن ~~مردويه عن عتبة بن المنذر السلمي قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقرأ سورة { طسم } حتى إذا بلغ قصة موسى قال # " إن موسى أجر نفسه ثماني سنين أو عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه، فلما ~~وفى الأجل " # قيل يا رسول الله، أي الأجلين قضى موسى؟ قال # " أبرهما وأوفاهما، فلما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها أن ~~يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت غنمه " # الحديث بطوله. وفي إسناده مسلمة بن علي الحسني الدمشقي البلاطي ضعفه ~~الأئمة. وقد روي من وجه آخر، وفيه نظر. وإسناده عند ابن أبي حاتم هكذا ~~حدثنا أبو زرعة عن يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني ابن لهيعة عن ~~الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح اللخمي قال سمعت عتبة ابن المنذر ~~السلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره. وابن لهيعة ضعيف، وينظر ~~في بقية رجال السند. وأخرج ابن جرير عن أنس طرفا منه موقوفا عليه. ~~وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد والبخاري ~~وابن المنذر وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه سئل أي الأجلين قضى ~~موسى؟ فقال قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل. وأخرج ~~البزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه ~~عنه نحوه، وقوله " إن رسول الله إذا قال فعل " فيه نظر فإن موسى لم يقل ~~إنه سيقضي أكثر الأجلين بل قال { أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي }. ~~وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن موسى قضى أتم الأجلين من ~~طرق. وأخرج الخطيب في تاريخه عن أبي ذر قال قال لي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى؟ فقل خيرهما وأبرهما، وإن سئلت أي ~~المرأتين تزوج؟ فقل ms2883 الصغرى منهما، وهي التي جاءت فقالت { يا أبت استأجره ~~} " # وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " قال لي جبريل يا محمد إن سألك اليهود أي الأجلين قضى موسى؟ فقل ~~أوفاهما، وإن سألوك أيهما تزوج؟ فقل الصغرى منهما " # وأخرج البزار وابن أبن حاتم، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه. قال ~~السيوطي بسند ضعيف، عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي ~~الأجلين قضى موسى؟ قال # " أبرهما وأوفاهما " # ، قال # " وإن سئلت أي المرأتين تزوج؟ فقل الصغرى منهما " # قال البزار لا نعلم يروي عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد، وقد رواه ابن أبي ~~حاتم من حديث عويد بن أبي عمران، وهو ضعيف. وأما روايات أنه قضى أتم ~~الأجلين فلها طرق يقوي بعضها بعضا. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي ~~قال قال ابن عباس لما قضى موسى الأجل سار بأهله، فضل الطريق، وكان في ~~الشتاء فرفعت له نار، فلما رآها ظن أنها نار، وكانت من نور الله { ~~فقال لأهله امكثوا إني ءانست نارا لعلي آتيكم ~~منها بخبر } فإن لم أجد خبرا آتيكم بشهاب قبس { لعلكم ~~تصطلون } من البرد. وأخرج ابن أبي حاتم عنه { لعلي آتيكم ~~منها بخبر } لعلي أجد من يدلني على الطريق، وكانوا قد ضلوا ~~الطريق. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { أو ~~جذوة } قال شهاب. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { نودي ~~من شاطىء الواد } قال كان النداء من السماء الدنيا، وظاهر القرآن ~~يخالف ما قاله رضي الله عنه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~والحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود قال ذكرت لي الشجرة التي أوى إليها ~~موسى، فسرت إليها يومي وليلتي حتى صبحتها، فإذا هي سمرة خضراء ترف، فصليت ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وسلمت، فأهوى إليها بعيري وهو جائع، فأخذ ~~منها ملء فيه فلاكه فلم يستطع أن يسيغه، فلفظه، فصليت على النبي وسلمت، ~~ثم انصرفت. وأخرج ابن جرير وابن ms2884 المنذر عن ابن عباس في قوله { واضمم ~~إليك جناحك } قال يدك. ### || [28.33-43] # لما سمع موسى قول الله سبحانه { فذانك برهانن من ربك ~~إلى فرعون } طلب منه سبحانه أن يقوي قلبه، فقال { رب إني ~~قتلت منهم نفسا } يعني القبطي الذي وكزه فقضى عليه { ~~فأخاف أن يقتلون } بها. { وأخى هارون هو أفصح ~~مني لسانا } لأنه كان في لسان موسى حبسة كما تقدم بيانه، والفصاحة ~~لغة الخلوص، يقال فصح اللبن، وأفصح فهو فصيح، أي خلص من الرغوة، ومنه ~~فصح الرجل جادت لغته، وأفصح تكلم بالعربية. وقيل الفصيح الذي ينطق، ~~والأعجم الذي لا ينطق. وأما في اصطلاح أهل البيان فالفصاحة خلوص الكلمة ~~عن تنافر الحروف والغرابة ومخالفة القياس. وفصاحة الكلام خلوصه من ضعف ~~التأليف، والتعقيد. وانتصاب { ردءا } على الحال، والردء المعين، من ~~أردأته، أي أعنته، يقال فلان ردء فلان إذا كان ينصره، ويشد ظهره، ومنه ~~قول الشاعر # ألم تر أن أصرم كان ردئي وخير الناس في قل ومال # وحذفت الهمزة تخفيفا في قراءة نافع، وأبي جعفر، ويجوز أن يكون ترك ~~الهمز من قولهم أردى على المائة إذا زاد عليها، فكان المعنى أرسله معي ~~زيادة في تصديقي، ومنه قول الشاعر # وأسمر خطيا كأن كعوبه نوى القسب قد أردى ذراعا على العشر # وروي البيت في الصحاح بلفظ قد أربى، والقسب الصلب، وهو الثمر اليابس ~~الذي يتفتت في الفم، وهو صلب النواة. { يصدقني } قرأ عاصم وحمزة { ~~يصدقني } بالرفع على الاستئناف، أو الصفة ل { ردءا } ، أو الحال من ~~مفعول أرسله، وقرأ الباقون بالجزم على جواب الأمر، وقرأ أبي وزيد بن علي ~~" يصدقون " أي فرعون وملؤه { إني أخاف أن يكذبون } إذا لم يكن ~~معي هارون لعدم انطلاق لساني بالمحاجة. { قال سنشد عضدك ~~بأخيك } أي نقويك به، فشد العضد كناية عن التقوية، ويقال في دعاء ~~الخير شد الله عضدك، وفي ضده فت الله في عضدك. قرأ الجمهور { عضدك } ~~بفتح العين. وقرأ الحسين وزيد ابنا علي بضمها. وروي عن الحسن أيضا أنه ~~قرأ بضمة وسكون. وقرأ عيسى بن عمر بفتحهما. { ونجعل ms2885 لكما ~~سلطنا } أي حجة وبرهانا، أو تسلطا عليه، وعلى قومه { فلا ~~يصلون إليكما } بالأذى ولا يقدرون على غلبتكما بالحجة، و { ~~بئايتنا } متعلق بمحذوف، أي تمتنعان منهم بآياتنا، أو اذهبا ~~بآياتنا. وقيل الباء للقسم، وجوابه { يصلون } وما أضعف هذا القول. وقال ~~الأخفش وابن جرير في الكلام تقديم، وتأخير، والتقدير { أنتما ومن ~~اتبعكما الغلبون } بآياتنا، وأول هذه الوجوه أولاها، وفي { ~~أنتما ومن اتبعكما الغلبون } تبشير لهما، وتقوية ~~لقلوبهما. { فلما جاءهم موسى بئايتنا بينت } ~~البينات الواضحات الدلالة، وقد تقدم وجه إطلاق الآيات، وهي جمع على ~~العصا، واليد في سورة طه { قالوا ما هذا إلا سحر ~~مفترى } أي مختلق مكذوب اختلقته من قبل نفسك { وما سمعنا ~~بهذا } الذي جئت به من دعوى النبوة، أو ما سمعنا بهذا السحر { في ~~آبآئنا الأولين } أي كائنا، أو واقعا في آبائنا الأولين. # { وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ~~} يريد نفسه، وإنما جاء بهذه العبارة لئلا يصرح لهم بما يريده قبل أن ~~يوضح لهم الحجة، والله أعلم. قرأ الجمهور { وقال موسى } بالواو، وقرأ ~~مجاهد وابن كثير وابن محيصن " قال موسى " بلا واو، وكذلك هو في مصاحف ~~أهل مكة. وقرأ الكوفيون إلا عاصما " ومن يكون عاقبة الدار " بالتحتية ~~على أن اسم يكون عاقبة الدار. والتذكير لوقوع الفصل ولأنه تأنيث مجازي، ~~وقرأ الباقون { تكون } بالفوقية، وهي أوضح من القراءة الأولى، والمراد ~~بالدار هنا الدنيا، وعاقبتها هي الدار الآخرة، والمعنى لمن تكون له ~~العاقبة المحمودة، والضمير في { إنه لا يفلح الظلمون } ~~للشأن أي إن الشأن أنه لا يفلح الظالمون أي لا يفوزون بمطلب خير، ويجوز ~~أن يكون المراد بعاقبة الدار خاتمة الخير. وقال فرعون { يأيها ~~الملأ ما علمت لكم من إله غيري } تمسك اللعين بمجرد ~~الدعوى الباطلة مغالطة لقومه منه، وقد كان يعلم أنه ربه الله عز وجل، ~~ثم رجع إلى تكبره، وتجبره، وإيهام قومه بكمال اقتداره فقال { فأوقد ~~لي يهمن على الطين } أي اطبخ لي الطين حتى يصير آجرا { ~~فاجعل لي صرحا } أي اجعل لي من هذا الطين ms2886 الذي توقد عليه حتى يصير ~~آجرا صرحا، أي قصرا عاليا { لعلي أطلع إلى إله ~~موسى } أي أصعد إليه { وإنى لأظنه من الكذبين } ~~والطلوع والإطلاع واحد، يقال طلع الجبل واطلع { واستكبر هو ~~وجنوده في الأرض بغير الحق } المراد بالأرض أرض مصر، ~~والاستكبار التعظم بغير استحقاق، بل بالعدوان لأنه لم يكن له حجة يدفع ~~بها ما جاء به موسى، ولا شبهة ينصبها في مقابلة ما أظهره من المعجزات { ~~وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون } أي فرعون، وجنوده، ~~والمراد بالرجوع البعث والمعاد. قرأ نافع، وشيبة وابن محيصن وحميد ويعقوب ~~وحمزة والكسائي " لا يرجعون " بفتح الياء وكسر الجيم مبنيا ~~للفاعل. وقرأ الباقون بضم الياء وفتح الجيم مبنيا للمفعول، واختار ~~القراءة الأولى أبو حاتم، واختار القراءة الثانية أبو عبيد. { ~~فأخذنه وجنوده } بعد أن عتوا في الكفر، وجاوزوا الحد فيه { ~~فنبذنهم في اليم } أي طرحناهم في البحر، وقد تقدم بيان ~~الكلام في هذا { فانظر كيف كان عقبة الظلمين } ~~الخطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أي انظر يا محمد كيف كان آخر أمر ~~الكافرين حين صاروا إلى الهلاك؟ { وجعلنهم أئمة يدعون ~~إلى النار } أي صيرناهم رؤساء متبوعين مطاعين في الكافرين، فكأنهم ~~بإصرارهم على الكفر والتمادي فيه يدعون أتباعهم إلى النار لأنهم اقتدوا ~~وسلكوا طريقتهم تقليدا لهم. # وقيل المعنى إنه يأتم بهم أي يعتبر بهم من جاء بعدهم، ويتعظ بما أصيبوا ~~به، والأول أولى { ويوم القيمة لا ينصرون } أي لا ينصرهم ~~أحد ولا يمنعهم مانع من عذاب الله { وأتبعنهم في هذه ~~الدنيا لعنة } أي طردا وإبعادا، أو أمرنا العباد بلعنهم، فكل ~~من ذكرهم لعنهم، والأول أولى. { ويوم القيمة هم من ~~المقبوحين } المقبوح المطرود المبعد. وقال أبو عبيدة وابن كيسان ~~معناه من المهلكين الممقوتين. وقال أبو زيد قبح الله فلانا قبحا ~~وقبوحا أبعده من كل خير. قال أبو عمرو قبحت وجهه بالتخفيف بمعنى قبحت ~~بالتشديد، ومثله قول الشاعر # ألا قبح الله البراجم كلها وقبح يربوعا وقبح دارما # وقيل المقبوح المشوه الخلقة، والعامل في يوم محذوف يفسره من المقبوحين، ~~والتقدير ms2887 وقبحوا يوم القيامة. أو هو معطوف على موضع في هذه الدنيا، أي ~~وأتبعناهم لعنة يوم القيامة، أو معطوف على لعنة على حذف مضاف، أي ولعنة ~~يوم القيامة. { ولقد ءاتينا موسى الكتب } يعني التوراة ~~{ من بعد ما أهلكنا القرون الأولى } أي قوم نوح وعاد ~~وثمود وغيرهم. وقيل من بعد ما أهلكنا فرعون وقومه وخسفنا بقارون. وانتصاب ~~{ بصائر للناس } على أنه مفعول له أو حال، أي آتيناه الكتاب لأجل ~~يتبصر به الناس، أو حال كونه بصائر للناس يبصرون به الحق ويهتدون إليه ~~وينقذون أنفسهم به من الضلالة بالاهتداء به. { ورحمة } لهم من الله ~~رحمهم بها { لعلهم يتذكرون } هذه النعم، فيشكرون الله، ~~ويؤمنون به، ويجيبون داعيه إلى ما فيه خير لهم. وقد أخرج ابن المنذر وابن ~~أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { ردءا يصدقني } ~~كي يصدقني. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال لما قال فرعون { يأيها ~~الملأ ما علمت لكم من إله غيري } قال جبريل يا رب ~~طغى عبدك فائذن لي في هلكه، فقال يا جبريل هو عبدي، ولن يسبقني، له أجل ~~قد أجلته حتى يجيء ذلك الأجل، فلما قال { أنا ربكم الأعلى } ~~قال الله يا جبريل سبقت دعوتك في عبدي وقد جاء أوان هلاكه. وأخرج ابن ~~مردويه عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كلمتان قالهما فرعون { ما علمت لكم من إله غيري } ~~وقوله { أنا ربكم الأعلى } النازعات 24 " # قال # " كان بينهما أربعون عاما { فأخذه الله نكال الآخرة ~~والأولى } " # النازعات 25. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن قتادة قال بلغني أن فرعون أول من طبخ الآجر. وأخرجه ابن المنذر عن ~~ابن جريج. وأخرج البزار وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن أبي ~~سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما أهلك الله قوما ولا قرنا ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء ~~منذ أنزل التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخت قردة، ألم تر إلى ~~قوله ms2888 { ولقد ءاتينا موسى الكتب من بعد ما ~~أهلكنا القرون الأولى } " # وأخرجه البزار وابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي سعيد موقوفا. ### || [28.44-57] # قوله { وما كنت بجانب الغربي } هذا شروع في بيان إنزال ~~القرآن، أي وما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي، فيكون من حذف الموصوف ~~وإقامة الصفة مقامه، واختاره الزجاج. وقال الكلبي بجانب الوادي الغربي، ~~أي حيث ناجى موسى ربه { إذ قضينا إلى موسى الأمر } أي ~~عهدنا إليه وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون وقومه { وما كنت ~~من الشهدين } لذلك حتى تقف على حقيقته، وتحكيه من جهة نفسك. ~~وإذا تقرر أن الوقوف على تفاصيل تلك الأحوال لا يمكن أن يكون بالحضور ~~عندها من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والمشاهدة لها منه، وانتفى ~~بالأدلة الصحيحة أنه لم يتلق ذلك من غيره من البشر، ولا علمه معلم منهم ~~كما قدمنا تقريره، تبين أنه من عند الله سبحانه بوحي منه إلى رسوله ~~بواسطة الملك النازل بذلك، فهذا الكلام هو على طريقة # وما كنت لديهم إذ يلقون أقلمهم أيهم ~~يكفل مريم # آل عمران 44 وقيل معنى { إذ قضينا إلى موسى الأمر } إذ ~~كلفناه وألزمناه. وقيل أخبرناه أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير ~~الأمم، ولا يستلزم نفي كونه بجانب الغربي نفي كونه من الشاهدين، لأنه ~~يجوز أن يحضر ولا يشهد. قيل المراد بالشاهدين السبعون الذين اختارهم موسى ~~للميقات. { ولكنا أنشأنا قرونا } أي خلقنا أمما بين زمانك ~~يا محمد وزمان موسى { فتطاول عليهم العمر } طالت عليهم ~~المهلة وتمادى عليهم الأمد فتغيرت الشرائع والأحكام وتنوسيت الأديان ~~فتركوا أمر الله، ونسوا عهده، ومثله قوله سبحانه # فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم # الحديد 16، وقد استدل بهذا الكلام على أن الله سبحانه قد عهد إلى موسى ~~عهودا في محمد صلى الله عليه وسلم وفي الإيمان به فلما طال عليهم العمر، ~~ومضت القرون بعد القرون نسوا تلك العهود، وتركوا الوفاء بها { وما ~~كنت ثاويا فى أهل مدين } أي مقيما بينهم كما أقام موسى حتى ~~تقرأ على ms2889 أهل مكة خبرهم وتقص عليهم من جهة نفسك. يقال ثوى يثوي ثواء ~~وثويا فهو ثاو. قال ذو الرمة # لقد كان في حول ثواء ثويته تقضي لبانات ويسأم سائم # وقال العجاج # فبات حيث يدخل الثوى # يعني الضيف المقيم. وقال آخر # طال الثواء على رسوم المنزل # { تتلو عليهم ءايتنا } أي تقرأ على أهل مدين آياتنا، ~~وتتعلم منهم، وقيل تذكرهم بالوعد والوعيد، والجملة في محل نصب على الحال ~~أو خبر ثان، ويجوز أن تكون هذه الجملة هي الخبر، و { ثاويا } حال. ~~وجعلها الفراء مستأنفة كأنه قيل وها أنت تتلو على أمتك { ولكنا ~~كنا مرسلين } أي أرسلناك إلى أهل مكة، وأنزلنا عليك هذه الأخبار، ~~ولولا ذلك لما علمتها. # قال الزجاج المعنى أنك لم تشاهد قصص الأنبياء، ولا تليت عليك، ولكنا ~~أوحيناها إليك وقصصناها عليك. { وما كنت بجانب الطور إذ ~~نادينا } أي وما كنت يا محمد بجانب الجبل المسمى بالطور إذ نادينا ~~موسى لما أتى إلى الميقات مع السبعين. وقيل المنادى هو أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. قال وهب وذلك أن موسى لما ذكر الله له فضل محمد، وأمته قال يا ~~رب أرنيهم، فقال الله إنك لن تدركهم، وإن شئت ناديتهم فأسمعتك صوتهم، قال ~~بلى يا رب، فقال الله يا أمة محمد، فأجابوا من أصلاب آبائهم، فيكون معنى ~~الآية على هذا ما كنت يا محمد بجانب الطور إذ كلمنا موسى، فنادينا أمتك، ~~وسيأتي ما يدل على هذا ويقويه ويرجحه في آخر البحث إن شاء الله { ~~ولكن رحمة من ربك } أي ولكن فعلنا ذلك رحمة منا بكم، وقيل ~~ولكن أرسلنا بالقرآن رحمة لكم، وقيل علمناك. وقيل عرفناك. قال الأخفش هو ~~منصوب يعني رحمة، على المصدر، أي ولكن رحمناك رحمة. وقال الزجاج هو مفعول ~~من أجله، أي فعلنا ذلك بك لأجل الرحمة. قال النحاس أي لم تشهد قصص ~~الأنبياء ولا تليت عليك، ولكن بعثناك وأوحيناها إليك للرحمة. وقال ~~الكسائي هو خبر لكان مقدرة، أي ولكن كان ذلك رحمة، وقرأ عيسى بن عمر، ~~وأبو حيوة " رحمة " بالرفع ms2890 على تقدير ولكن أنت رحمة. وقال الكسائي الرفع ~~على أنها اسم كان المقدرة، وهو بعيد إلا على تقدير أنها تامة، واللام ~~في { لتنذر قوما ما أتهم من نذير من قبلك } ~~متعلق بالفعل المقدر على الاختلاف في تقديره. والقوم هم أهل مكة، فإنه ~~لم يأتهم نذير ينذرهم قبله صلى الله عليه وسلم، وجملة { ما أتاهم } إلخ، ~~صفة ل { قوما } ، { لعلهم يتذكرون } أي يتعظون بإنذارك. { ~~ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم } لولا ~~هذه هي الامتناعية، وأن وما في حيزها في موضع رفع بالابتداء وجوابها ~~محذوف. قال الزجاج وتقديره ما أرسلنا إليهم رسلا يعني أن الحامل على ~~إرسال الرسل هو إزاحة عللهم، فهو كقوله سبحانه # لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل # النساء 165 وقدره ابن عطية لعاجلناهم بالعقوبة، ووافقه على هذا التقدير ~~الواحدي فقال والمعنى لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم ~~بالعقوبة بكفرهم، وقوله { فيقولوا } عطف على تصيبهم، ومن جملة ما هو ~~في حيز لولا، أي فيقولوا { ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا } ولولا هذه الثانية هي التحضيضية أي هلا أرسلت إلينا رسولا من ~~عندك، وجوابها هو { فنتبع ءايتك } وهو منصوب بإضمار أن لكونه ~~جوابا للتحضيض، والمراد بالآيات الآيات التنزيلية الظاهرة الواضحة، ~~وإنما عطف القول على تصيبهم لكونه هو السبب للإرسال، ولكن العقوبة لما ~~كانت هي السبب للقول وكان وجوده بوجودها جعلت العقوبة كأنها هي السبب ~~لإرسال الرسل بواسطة القول { ونكون من المؤمنين } بهذه ~~الآيات، ومعنى الآية أنا لو عذبناهم لقالوا طال العهد بالرسل، ولم يرسل ~~الله إلينا رسولا، ويظنون أن ذلك عذر لهم ولا عذر لهم بعد أن بلغتهم ~~أخبار الرسل، ولكنا أكملنا الحجة وأزحنا العلة وأتممنا البيان بإرسالك يا ~~محمد إليهم. # { فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي ~~مثل ما أوتي موسى } أي فلما جاء أهل مكة الحق من عند الله، ~~وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل عليه من القرآن قالوا تعنتا منهم ~~وجدالا بالباطل هلا أوتي هذا الرسول مثل ما أوتي موسى من الآيات ms2891 التي من ~~جملتها التوراة المنزلة عليه جملة واحدة؟ فأجاب الله عليهم بقوله { ~~أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل } أي من قبل هذا ~~القول، أو من قبل ظهور محمد والمعنى أنهم قد كفروا بآيات موسى كما كفروا ~~بآيات محمد، وجملة { قالوا ساحران تظهرا } مستأنفة مسوقة ~~لتقرير كفرهم، وعنادهم، والمراد بقولهم { ساحران } موسى ومحمد، والتظاهر ~~التعاون، أي تعاونا على السحر، والضمير في قوله { أولم يكفروا } ~~لكفار قريش، وقيل هو لليهود، والأول أولى، فإن اليهود لا يصفون موسى ~~بالسحر إنما يصفه بذلك كفار قريش وأمثالهم إلا أن يراد من أنكر نبوة ~~موسى كفرعون وقومه، فإنهم وصفوا موسى وهارون بالسحر، ولكنهم ليسوا من ~~اليهود ويمكن أن يكون الضمير لمن كفر بموسى ومن كفر بمحمد، فإن الذين ~~كفروا بموسى وصفوه بالسحر، والذين كفروا بمحمد وصفوه أيضا بالسحر. وقيل ~~المعنى أولم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبله بالبشارة ~~بعيسى ومحمد. قرأ الجمهور { ساحران } وقرأ الكوفيون { سحران } يعنون ~~التوراة والقرآن. وقيل الإنجيل والقرآن. قال بالأول الفراء، وقال ~~بالثاني أبو زيد. وقيل إن الضمير في { أولم يكفروا } لليهود، ~~وأنهم عنوا بقولهم { ساحران } عيسى ومحمدا. { وقالوا إنا بكل ~~كفرون } أي بكل من موسى ومحمد، أو من موسى وهارون، أو من موسى ~~وعيسى على اختلاف الأقوال، وهذا على قراءة الجمهور، وأما على القراءة ~~الثانية فالمراد التوراة والقرآن أو الإنجيل والقرآن. وفي هذه الجملة ~~تقرير لما تقدمها من وصف النبيين بالسحر، أو من وصف الكتابين به وتأكيد ~~لذلك. ثم أمر الله سبحانه نبيه أن يقول لهم قولا يظهر به عجزهم، فقال { ~~قل فأتوا بكتب من عند الله هو أهدى منهما ~~أتبعه } أي قل لهم يا محمد فأتوا بكتاب هو أهدى من التوراة ~~والقرآن، و { أتبعه } جواب الأمر، وقد جزمه جمهور القراء لذلك. وقرأ زيد ~~ابن علي برفع " أتبعه " على الاستئناف، أي فأنا أتبعه. قال الفراء ~~إنه على هذه القراءة صفة للكتاب، وفي هذا الكلام تهكم به. # وفيه أيضا دليل على أن قراءة الكوفيين أقوى من قراءة ms2892 الجمهور لأنه رجع ~~الكلام إلى الكتابين لا إلى الرسولين، ومعنى { إن كنتم صدقين } ~~إن كنتم فيما وصفتم به الرسولين أو الكتابين صادقين. { فإن لم ~~يستجيبوا لك } أي لم يفعلوا ما كلفتهم به من الإتيان بكتاب هو ~~أهدى من الكتابين، وجواب الشرط { فاعلم أنما يتبعون ~~أهواءهم } أي آراءهم الزائغة واستحساناتهم الزائفة بلا حجة، ولا ~~برهان، وقيل المعنى فإن لم يستجيبوا لك بالإيمان بما جئت به، وتعدية { ~~يستجيبوا } باللام هو أحد الجائزين { ومن أضل ممن اتبع ~~هواه بغير هدى من الله } أي لا أحد أضل منه، بل هو الفرد ~~الكامل في الضلال { إن الله لا يهدي القوم الظلمين ~~} لأنفسهم بالكفر وتكذيب الأنبياء والإعراض عن آيات الله. { ولقد ~~وصلنا لهم القول } قرأ الجمهور { وصلنا } بتشديد الصاد، وقرأ ~~الحسن بتخفيفها، ومعنى الآية أتبعنا بعضه بعضا وبعثنا رسولا بعد رسول. ~~وقال أبو عبيدة والأخفش معناه أتممنا. وقال ابن عيينة، والسدي بينا. ~~وقال ابن زيد وصلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة حتى كأنهم عاينوا الآخرة ~~في الدنيا، والأولى أولى، وهو مأخوذ من وصل الحبال بعضها ببعض، ومنه قول ~~الشاعر # قل لبني مروان ما بال ذمتي بحبل ضعيف لا تزال توصل # وقال امرؤ القيس # يقلب كفيه بخيط موصل # والضمير في { لهم } عائد إلى قريش. وقيل إلى اليهود. وقيل للجميع { ~~لعلهم يتذكرون } فيكون التذكر سببا لإيمانهم مخافة أن ينزل ~~بهم ما نزل بمن قبلهم. { الذين ءاتينهم الكتب من ~~قبله } أي من قبل القرآن، والموصول مبتدأ، وخبره { هم به ~~يؤمنون } أخبر سبحانه أن طائفة من بني إسرائيل آمنوا بالقرآن كعبد ~~الله بن سلام وسائر من أسلم من أهل الكتاب، وقيل الضمير في { من ~~قبله } يرجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم، والأول أولى. والضمير في ~~{ به } راجع إلى القرآن على القول الأول، وإلى محمد على القول الثاني. { ~~وإذا يتلى عليهم قالوا ءامنا به } أي وإذا يتلى ~~القرآن عليهم قالوا صدقنا به { إنه الحق من ربنا } أي الحق ~~الذي نعرفه المنزل من ربنا { إنا كنا من قبله مسلمين } أي ~~مخلصين ms2893 لله بالتوحيد، أو مؤمنين بمحمد وبما جاء به لما نعلمه من ذكره في ~~التوراة والإنجيل من التبشير به، وأنه سيبعث آخر الزمان وينزل عليه ~~القرآن، والإشارة بقوله { أولئك يؤتون أجرهم ~~مرتين } إلى الموصوفين بتلك الصفات، والباء في { بما صبروا ~~} للسببية أي بسبب صبرهم وثباتهم على الإيمان بالكتاب الأول والكتاب ~~الآخر، وبالنبي الأول والنبي الآخر { ويدرءون بالحسنة ~~السيئة } الدرء الدفع، أي يدفعون بالاحتمال والكلام الحسن ما ~~يلاقونه من الأذى. # وقيل يدفعون بالطاعة المعصية. وقيل بالتوبة، والاستغفار، من الذنوب. ~~وقيل بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك { ومما رزقنهم ~~ينفقون } أي ينفقون أموالهم في الطاعات وفيما أمر به الشرع. ثم مدحهم ~~سبحانه بإعراضهم عن اللغو، فقال { وإذا سمعوا اللغو ~~أعرضوا عنه } تكرما وتنزها وتأدبا بآداب الشرع، ومثله قوله ~~سبحانه # وإذا مروا باللغو مروا كراما # الفرقان 72 واللغو هنا هو ما يسمعونه من المشركين من الشتم لهم ولدينهم ~~والاستهزاء بهم { وقالوا لنا أعملنا ولكم ~~أعملكم } لا يلحقنا من ضرر كفركم شيء، ولا يلحقكم من نفع إيماننا ~~شيء { سلم عليكم } ليس المراد بهذا السلام سلام التحية ولكن ~~المراد به سلام المتاركة ومعناه أمنة لكم منا وسلامة، لا نجاريكم ولا ~~نجاوبكم فيما أنتم فيه. قال الزجاج وهذا قبل الأمر بالقتال { لا ~~نبتغي الجهلين } أي لا نطلب صحبتهم. وقال مقاتل لا نريد أن ~~نكون من أهل الجهل والسفه. وقال الكلبي لا نحب دينكم الذي أنتم عليه. { ~~إنك لا تهدي من أحببت } من الناس، وليس ذلك إليك { ~~ولكن الله يهدي من يشاء } هدايته { وهو أعلم ~~بالمهتدين } أي القابلين للهداية المستعدين لها، وهذه الآية نزلت ~~في أبي طالب كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، وقد تقدم ذلك في براءة. قال ~~الزجاج أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب، وقد تقرر في الأصول أن ~~الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيدخل في ذلك أبو طالب دخولا ~~أوليا. { وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من ~~أرضنا } أي قال مشركو قريش، ومن تابعهم إن ندخل في دينك يا محمد ~~نتخطف من ms2894 أرضنا، أي يتخطفنا العرب من أرضنا يعنون مكة ولا طاقة لنا بهم، ~~وهذا من جملة أعذارهم الباطلة، وتعللاتهم العاطلة، والتخطف في الأصل هو ~~الانتزاع بسرعة. قرأ الجمهور { نتخطف } بالجزم جوابا للشرط، وقرأ ~~المنقري بالرفع على الاستئناف. ثم رد الله ذلك عليهم ردا مصدرا ~~باستفهام التوبيخ والتقريع فقال { أولم نمكن لهم حرما ~~آمنا } أي ألم نجعل لهم حرما ذا أمن؟ قال أبو البقاء عداه بنفسه لأنه ~~بمعنى جعل كما صرح بذلك في قوله # أولم يروا أنا جعلنا حرما # العنكبوت 67، ثم وصف هذا الحرم بقوله { يجبى إليه ثمرات ~~كل شىء } أي تجمع إليه الثمرات على اختلاف أنواعها من الأراضي ~~المختلفة وتحمل إليه. قرأ الجمهور { يجبى } بالتحتية اعتبارا بتذكير كل ~~شيء ووجود الحائل بين الفعل وبين ثمرات، وأيضا ليس تأنيث ثمرات بحقيقي، ~~واختار قراءة الجمهور أبو عبيد لما ذكرنا، وقرأ نافع بالفوقية اعتبارا ~~بثمرات. وقرأ الجمهور أيضا { ثمرات } بفتحتين، وقرأ { أبان } بضمتين، ~~جمع ثمر بضمتين، وقرىء بفتح الثاء وسكون الميم { رزقا من لدنا } ~~منتصب على المصدرية لأن معنى { يجبى } نرزقهم، ويجوز أن ينتصب على أنه ~~مفعول له لفعل محذوف، أي نسوقه إليهم رزقا من لدنا، ويجوز أن ينتصب على ~~الحال، أي رازقين { ولكن أكثرهم لا يعلمون } لفرط ~~جهلهم ومزيد غفلتهم وعدم تفكرهم في أمر معادهم ورشادهم لكونهم ممن طبع ~~الله على قلبه، وجعل على بصره غشاوة. # وقد أخرج الفريابي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، ~~وابن مردويه، وأبو نعيم والبيهقي معا في الدلائل عن أبي هريرة في قوله { ~~وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } قال نودوا يا أمة ~~محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني، واستجبت لكم قبل أن تدعوني. وأخرجه ابن ~~مردويه من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعا. وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر ~~وابن عساكر عنه من وجه آخر بنحوه. وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في ~~الدلائل، وأبو نصر السجزي في الإبانة، والديلمي عن عمرو بن عبسة قال سألت ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله { وما كنت بجانب الطور ms2895 ~~إذ نادينا } ما كان النداء، وما كانت الرحمة؟ قال # " كتبه الله قبل أن يخلق خلقه بألفي عام، ثم وضعه على عرشه، ثم نادى يا ~~أمة محمد، سبقت رحمتي غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن ~~تستغفروني، فمن لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبدي ~~ورسولي صادقا، أدخلته الجنة " # وأخرج الختلي في الديباج عن سهل بن سعد الساعدي مرفوعا مثله. وأخرج ابن ~~مردويه وأبو نعيم عن حذيفة في قوله { وما كنت بجانب الطور ~~إذ نادينا } مرفوعا، قال # " نودوا يا أمة محمد ما دعوتمونا إذ استجبنا لكم، ولا سألتمونا إذ ~~أعطيناكم " # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعا # " إن الله نادى يا أمة محمد أجيبوا ربكم " # ، قال # " فأجابوا وهم في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم إلى يوم القيامة فقالوا ~~لبيك، أنت ربنا حقا ونحن عبيدك حقا، قال صدقتم أنا ربكم وأنتم عبيدي ~~حقا، قد عفوت عنكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني، فمن لقيني ~~منكم بشهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة " # وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " الهالك في الفترة يقول رب لم يأتني كتاب ولا رسول " # ، ثم قرأ هذه الآية { ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا } ~~الآية. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { قالوا ~~سحران تظهرا } إلخ. قال هم أهل الكتاب { إنا بكل ~~كفرون } يعني بالكتابين التوراة والفرقان. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو القاسم البغوي والباوردي وابن قانع ~~الثلاثة في معاجم الصحابة، والطبراني وابن مردويه بسند جيد عن رفاعة ~~القرظي قال نزلت { ولقد وصلنا لهم القول لعلهم ~~يتذكرون } إلى قوله { أولئك يؤتون أجرهم ~~مرتين } في عشرة رهط أنا أحدهم. # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس { الذين ءاتينهم الكتب ~~من قبله هم به يؤمنون } قال يعني من آمن بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم من أهل الكتاب. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى ~~الأشعري ms2896 قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بالكتاب الأول ~~والآخر، ورجل كانت له أمة، فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها، ~~وعبد مملوك أحسن عبادة ربه، ونصح لسيده " # وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث المسيب ومسلم وغيره من حديث أبي ~~هريرة أن قوله { إنك لا تهدي من أحببت } نزلت في أبي طالب ~~لما امتنع من الإسلام. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن ~~عباس أن ناسا من قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن نتبعك يتخطفنا ~~الناس، فنزلت { وقالوا إن نتبع الهدى معك } الآية. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه { يجبى إليه ~~ثمرات كل شىء } قال ثمرات الأرض. ### || [28.58-70] # قوله { وكم أهلكنا من قرية } أي من أهل قرية كانوا في خفض ~~عيش ودعة ورخاء، فوقع منهم البطر، فأهلكوا. قال الزجاج البطر الطغيان عند ~~النعمة. قال عطاء عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام. قال ~~الزجاج، والمازني معنى { بطرت معيشتها } بطرت في معيشتها، فلما ~~حذفت «في» تعدى الفعل كقوله # واختار موسى قومه # الأعراف 155. وقال الفراء هو منصوب على التفسير كما تقول أبطرك مالك ~~وبطرته، ونظيره عنده قوله تعالى # إلا من سفه نفسه # البقرة 130 ونصب المعارف على التمييز غير جائز عند البصريين لأن معنى ~~التفسير أن تكون النكرة دالة على الجنس. وقيل إن معيشتها منصوبة ببطرت ~~على تضمينه معنى جهلت { فتلك مسكنهم لم تسكن من ~~بعدهم إلا قليلا } أي لم يسكنها أحد بعدهم إلا زمنا قليلا، ~~كالذي يمر بها مسافرا فإنه يلبث فيها يوما أو بعض يوم، أو لم يبق من ~~يسكنها فيها إلا أياما قليلة لشؤم ما وقع فيها من معاصيهم. وقيل إن ~~الاستثناء يرجع إلى المساكن، أي لم تسكن بعد هلاك أهلها إلا قليلا من ~~المساكن، وأكثرها خراب، كذا قال الفراء، وهو قول ضعيف { وكنا نحن ~~الورثين } منهم لأنهم لم يتركوا وارثا يرث منازلهم وأموالهم، ومحل ~~جملة { لم تسكن } الرفع على ms2897 أنها خبر ثان لاسم الإشارة، ويجوز أن ~~تكون في محل نصب على الحال. { وما كان ربك مهلك القرى ~~حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم ءايتنا ~~} أي وما صح، ولا استقام أن يكون الله مهلك القرى الكافرة، أي الكافر ~~أهلها حتى يبعث في أمها رسولا ينذرهم، ويتلوا عليهم آيات الله الناطقة ~~بما أوجبه الله عليهم، وما أعده من الثواب للمطيع والعقاب للعاصي، ومعنى ~~{ أمها } أكبرها وأعظمها، وخص الأعظم منها بالبعثة إليها لأن فيها ~~أشراف القوم، وأهل الفهم والرأي، وفيها الملوك والأكابر، فصارت بهذا ~~الاعتبار كالأم لما حولها من القرى. وقال الحسن أم القرى أولها. وقيل ~~المراد بأم القرى هنا مكة، كما في قوله # إن أول بيت وضع للناس # آل عمران 96 الآية، وقد تقدم بيان ما تضمنته هذه الآية في آخر سورة ~~يوسف، وجملة { يتلوا عليهم ءايتنا } في محل نصب على الحال، ~~أي تاليا عليهم ومخبرا لهم أن العذاب سينزل بهم إن لم يؤمنوا { وما ~~كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظلمون } هذه الجملة ~~معطوفة على الجملة التي قبلها، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي وما ~~كنا مهلكين لأهل القرى بعد أن نبعث إلى أمها رسولا يدعوهم إلى الحق إلا ~~حال كونهم ظالمين قد استحقوا الإهلاك لإصرارهم على الكفر بعد الإعذار ~~إليهم، وتأكيد الحجة عليهم كما في قوله سبحانه # وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها ~~مصلحون # هود 117. ثم قال سبحانه { وما أوتيتم من شيء فمتع ~~الحيوة الدنيا وزينتها } الخطاب لكفار مكة، أي وما أعطيتم ~~من شيء من الأشياء فهو متاع الحياة الدنيا تتمتعون به مدة حياتكم أو بعض ~~حياتكم ثم تزولون عنه، أو يزول عنكم، وعلى كل حال فذلك إلى فناء، وانقضاء ~~{ وما عند الله } من ثوابه وجزائه { خير } من ذلك الزائل ~~الفاني لأنه لذة خالصة عن شوب الكدر { وأبقى } لأنه يدوم أبدا، ~~وهذا ينقضي بسرعة { أفلا تعقلون } أن الباقي أفضل من الفاني، وما ~~فيه لذة خالصة غير مشوبة أفضل من اللذات المشوبة بالكدر المنغصة بعوارض ~~البدن والقلب، وقرىء بنصب ms2898 " متاع " على المصدرية، أي فتمتعون متاع ~~الحياة، قرأ أبو عمرو " يعقلون " بالتحتية، وقرأ الباقون بالفوقية على ~~الخطاب وقراءتهم أرجح لقوله { وما أوتيتم }. { أفمن ~~وعدنه وعدا حسنا فهو لاقيه } أي وعدناه بالجنة، وما ~~فيها من النعم التي لا تحصى فهو لاقيه، أي مدركه لا محالة فإن الله لا ~~يخلف الميعاد { كمن متعناه متع الحيوة الدنيا } ~~فأعطي منها بعض ما أراد مع سرعة زواله، وتنغيصه { ثم هو يوم ~~القيمة من المحضرين } هذا معطوف على قوله { متعناه ~~} داخل معه في حيز الصلة مؤكد لإنكار التشابه، ومقرر له، والمعنى ثم هذا ~~الذي متعناه هو يوم القيامة من المحضرين النار، وتخصيص المحضرين بالذين ~~أحضروا للعذاب اقتضاه المقام، والاستفهام للإنكار، أي ليس حالهما سواء، ~~فإن الموعود بالجنة لا بد أن يظفر بما وعد به مع أنه لا يفوته نصيبه من ~~الدنيا، وهذا حال المؤمن. وأما حال الكافر فإنه لم يكن معه إلا مجرد ~~التمتيع بشيء من الدنيا يستوي فيه هو والمؤمن، وينال كل واحد منهما حظه ~~منه، وهو صائر إلى النار، فهل يستويان؟ قرأ الجمهور { ثم هو } بضم الهاء، ~~وقرأ الكسائي وقالون بسكون الهاء إجراء ل { ثم } مجرى الواو، والفاء. ~~وانتصاب «يوم» في قوله { ويوم يناديهم } بالعطف على يوم ~~القيامة، أو بإضمار اذكر، أي يوم ينادي الله سبحانه هؤلاء المشركين { ~~فيقول } لهم { أين شركائي الذين كنتم تزعمون } ~~أنهم ينصرونكم ويشفعون لكم، ومفعولا يزعمون محذوفان، أي تزعمونهم شركائي ~~لدلالة الكلام عليهما { قال الذين حق عليهم القول } أي ~~حقت عليهم كلمة العذاب، وهم رؤساء الضلال الذين اتخذوهم أربابا من دون ~~الله، كذا قال الكلبي. وقال قتادة هم الشياطين { ربنا هؤلاء ~~الذين أغوينا } أي دعوناهم إلى الغواية يعنون الأتباع { ~~أغوينهم كما غوينا } أي أضللناهم كما ضللنا { ~~تبرأنا إليك } منهم، والمعنى أن رؤساء الضلال، أو الشياطين ~~تبرؤوا ممن أطاعهم. قال الزجاج برىء بعضهم من بعض، وصاروا أعداء كما قال ~~الله تعالى # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو # الزخرف 67، و { هؤلاء } مبتدأ، { والذين أغوينا } صفته، والعائد محذوف، ~~أي أغويناهم، والخبر { أغويناهم } ، و ms2899 { كما غوينا } نعت مصدر محذوف. ~~وقيل إن خبر هؤلاء هو الذين أغوينا، وأما { أغويناهم كما غوينا } فكلام ~~مستأنف لتقرير ما قبله، ورجح هذا أبو علي الفارسي، واعترض الوجه الأول، ~~ورد اعتراضه أبو البقاء. { ما كانوا إيانا يعبدون } وإنما ~~كانوا يعبدون أهواءهم. وقيل إن «ما» في { ما كانوا } مصدرية، أي تبرأنا ~~إليك من عبادتهم إيانا، والأول أولى. { وقيل ادعوا شركاءكم } ~~أي قيل للكفار من بني آدم هذا القول، والمعنى استغيثوا بآلهتكم التي كنتم ~~تعبدونهم من دون الله في الدنيا لينصروكم ويدفعوا عنكم { فدعوهم } ~~عند ذلك { فلم يستجيبوا لهم } ولا نفعوهم بوجه من وجوه النفع ~~{ ورأوا العذاب } أي التابع والمتبوع قد غشيهم { لو أنهم ~~كانوا يهتدون } قال الزجاج جواب لو محذوف، والمعنى لو أنهم كانوا ~~يهتدون لأنجاهم ذلك، ولم يروا العذاب. وقيل المعنى لو أنهم كانوا يهتدون ~~ما دعوهم وقيل المعنى لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا لعلموا أن العذاب ~~حق. وقيل المعنى لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب. ~~وقيل قد آن لهم أن يهتدوا لو كانوا يهتدون. وقيل غير ذلك. والأول أولى، ~~ويوم في قوله { ويوم ينديهم فيقول ماذا أجبتم ~~المرسلين } معطوف على ما قبله، أي ما كان جوابكم لمن أرسل إليكم من ~~النبيين لما بلغوكم رسالاتي. { فعميت عليهم الأنباء ~~يومئذ } أي خفيت عليهم الحجج حتى صاروا كالعمي الذين لا يهتدون، ~~والأصل فعموا عن الأنباء، ولكنه عكس الكلام للمبالغة، والأنباء الأخبار، ~~وإنما سمى حججهم أخبارا لأنها لم تكن من الحجة في شيء، وإنما هي أقاصيص، ~~وحكايات { فهم لا يتساءلون } لا يسأل بعضهم بعضا، ولا ينطقون ~~بحجة ولا يدرون بما يجيبون، لأن الله قد أعذر إليهم في الدنيا فلا يكون ~~لهم عذر، ولا حجة يوم القيامة. قرأ الجمهور عميت بفتح العين، وتخفيف ~~الميم. وقرأ الأعمش وجناح بن حبيش بضم العين وتشديد الميم. { فأما ~~من تاب وءامن وعمل صلحا فعسى أن يكون من ~~المفلحين } أن تاب من الشرك وصدق بما جاء به الرسل، وأدى الفرائض ~~واجتنب المعاصي فعسى أن ms2900 يكون من المفلحين، أي الفائزين بمطالبهم من سعادة ~~الدارين، وعسى وإن كانت في الأصل للرجاء فهو من الله واجب على ما هو عادة ~~الكرام. وقيل إن الترجي هو من التائب المذكور لا من جهة الله سبحانه. { ~~وربك يخلق ما يشاء } أي يخلقه { ويختار } ما يشاء أن ~~يختاره. # لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون # الأنبياء 23 وهذا متصل بذكر الشركاء الذين عبدوهم، واختاروهم أي ~~الاختيار إلى الله { ما كان لهم الخيرة } أي التخير، وقيل ~~المراد من الآية أنه ليس لأحد من خلق الله أن يختار، بل الاختيار هو إلى ~~الله عز وجل. # وقيل إن هذه الآية جواب عن قولهم # لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين ~~عظيم # الزخرف 31 وقيل هذه الآية جواب عن اليهود حيث قالوا لو كان الرسول إلى ~~محمد غير جبريل لآمنا به. قال الزجاج الوقف على { ويختار } تام على أن " ~~ما " نافية. قال ويجوز أن تكون «ما» في موضع نصب ب { يختار } ، والمعنى ~~ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة. والصحيح الأول لإجماعهم على الوقف. ~~وقال ابن جرير إن تقدير الآية ويختار لولايته الخيرة من خلقه، وهذا في ~~غاية من الضعف. وجوز ابن عطية أن تكون «كان» تامة، ويكون لهم الخيرة ~~جملة مستأنفة. وهذا أيضا بعيد جدا. وقيل إن «ما» مصدرية، أي يختار ~~اختيارهم، والمصدر واقع موقع المفعول به، أي ويختار مختارهم، وهذا ~~كالتفسير لكلام ابن جرير، والراجح أول هذه التفاسير، ومثله قوله سبحانه # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة # الأحزاب 36 والخيرة التخير كالطيرة فإنها التطير، اسمان يستعملان ~~استعمال المصدر، ثم نزه سبحانه نفسه، فقال { سبحن الله } أي ~~تنزه تنزها خاصا به من غير أن ينازعه منازع، ويشاركه مشارك { ~~وتعالى عما يشركون } أي عن الذين يجعلونهم شركاء له، أو عن ~~إشراكهم. { وربك يعلم ما تكن صدورهم } أي تخفيه من ~~الشرك، أو من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من جميع ما يخفونه ~~مما يخالف الحق { وما ms2901 يعلنون } أي يظهرونه من ذلك. قرأ الجمهور { ~~تكن } بضم التاء الفوقية وكسر الكاف. وقرأ ابن محيصن وحميد بفتح الفوقية ~~وضم الكاف. ثم تمدح سبحانه وتعالى بالوحدانية والتفرد باستحقاق الحمد، ~~فقال { وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في ~~الأولى } أي الدنيا { والآخرة } أي الدار الآخرة { وله ~~الحكم } يقضي بين عباده بما شاء من غير مشارك { وإليه ~~ترجعون } بالبعث، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، لا ترجعون ~~إلى غيره. وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { ~~وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظلمون } قال ~~قال الله لم نهلك قرية بإيمان، ولكنه أهلك القرى بظلم إذا ظلم أهلها، ولو ~~كانت مكة آمنت لم يهلكوا مع من هلك، ولكنهم كذبوا، وظلموا فبذلك هلكوا. ~~وأخرج مسلم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " يقول الله عز وجل يا ابن آدم مرضت فلم تعدني " # الحديث بطوله. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عبد بن عبيد بن ~~عمير قال # " يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا، وأعطش ما كانوا، وأعرى ما ~~كانوا، فمن أطعم لله عز وجل أطعمه الله، ومن كسا لله عز وجل كساه ~~الله، ومن سقى لله عز وجل سقاه الله، ومن كان في رضا الله كان الله على ~~رضاه " # وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { ~~فعميت عليهم الأنباء } قال الحجج { فهم لا يتساءلون ~~} قال بالأنساب. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح تعليم ~~الاستخارة وكيفية صلاتها ودعائها، فلا نطول بذكره. ### || [28.71-88] # قوله { قل أرءيتم } أي أخبروني { إن جعل الله عليكم ~~الليل سرمدا } السرمد الدائم المستمر، من السرد، وهو المتابعة ~~فالميم زائدة، ومنه قول طرفة # لعمرك ما أمري عليك بغمة نهاري ولا ليلي عليك بسرمد # وقيل إن ميمه أصلية، ووزنه فعلل لا مفعل، وهو الظاهر، بين لهم سبحانه ~~أنه مهد لهم أسباب المعيشة ليقوموا بشكر النعمة فإنه لو كان الدهر ms2902 الذي ~~يعيشون فيه ليلا دائما إلى يوم القيامة لم يتمكنوا من الحركة فيه، وطلب ~~ما لا بد لهم منه مما يقوم به العيش من المطاعم والمشارب والملابس. ثم ~~امتن عليهم فقال { من إله غير الله يأتيكم بضياء } ~~أي هل لكم إلاه من الآلهة التي تعبدونها يقدر على أن يرفع هذه الظلمة ~~الدائمة عنكم بضياء؟ أي بنور تطلبون فيه المعيشة وتبصرون فيه ما تحتاجون ~~إليه، وتصلح به ثماركم وتنمو عنده زرائعكم وتعيش فيه دوابكم { أفلا ~~تسمعون } هذا الكلام سماع فهم وقبول، وتدبر وتفكر. ثم لما فرغ من ~~الامتنان عليهم بوجود النهار امتن عليهم بوجود الليل فقال { قل ~~أرءيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى ~~يوم القيمة } أي جعل جميع الدهر الذي تعيشون فيه نهارا إلى ~~يوم القيامة { من إله غير الله يأتيكم بليل ~~تسكنون فيه } أي تستقرون فيه من النصب والتعب، وتستريحون مما ~~تزاولون من طلب المعاش والكسب { أفلا تبصرون } هذه المنفعة ~~العظيمة إبصار متعظ متيقظ حتى تنزجروا عما أنتم فيه من عبادة غير الله، ~~وإذا أقروا بأنه لا يقدر على ذلك إلا الله عز وجل فقد لزمتهم الحجة، ~~وبطل ما يتمسكون به من الشبه الساقطة، وإنما قرن سبحانه بالضياء قوله { ~~أفلا تسمعون } لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من درك منافعه ~~ووصف فوائده، وقرن بالليل قوله { أفلا تبصرون } لأن البصر يدرك ما ~~لا يدركه السمع من ذلك { ومن رحمته جعل لكم اليل ~~والنهار لتسكنوا فيه } أي في الليل { ولتبتغوا من ~~فضله } أي في النهار بالسعي في المكاسب { ولعلكم تشكرون ~~} أي ولكي تشكروا نعمة الله عليكم، وهذه الآية من باب اللف والنشر، كما ~~في قول امرىء القيس # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العناب والحشف البالي # واعلم أنه وإن كان السكون في النهار ممكنا، وطلب الرزق في الليل ~~ممكنا، وذلك عند طلوع القمر على الأرض، أو عند الاستضاءة بشيء بما له ~~نور كالسراج، لكن ذلك قليل نادر مخالف لما يألفه العباد فلا اعتبار به. { ~~ويوم ينديهم فيقول أين ms2903 شركائي الذين كنتم ~~تزعمون } كرر سبحانه هذا لاختلاف الحالتين لأنهم ينادون مرة فيدعون ~~الأصنام، وينادون أخرى فيسكتون، وفي هذا التكرير أيضا تقريع بعد تقريع ~~وتوبيخ بعد توبيخ، وقوله { ونزعنا من كل أمة شهيدا } عطف ~~على ينادي، وجاء بصيغة الماضي للدلالة على التحقق، والمعنى وأخرجنا من كل ~~أمة من الأمم شهيدا يشهد عليهم. # قال مجاهد هم الأنبياء، وقيل عدول كل أمة، والأول أولى. ومثله قوله ~~سبحانه # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # النساء 41 ثم بين سبحانه ما يقوله لكل أمة من هذه الأمم بقوله { ~~فقلنا هاتوا برهنكم } أي حجتكم ودليلكم بأن معي شركاء، ~~فعند ذلك اعترفوا وخرسوا عن إقامة البرهان، ولذا قال { فعلموا أن ~~الحق لله } في الإلهية، وأنه وحده لا شريك له { وضل عنهم ~~ما كانوا يفترون } أي غاب عنهم وبطل وذهب ما كانوا يختلقونه من ~~الكذب في الدنيا بأن لله شركاء يستحقون العبادة. ثم عقب سبحانه حديث أهل ~~الضلال بقصة قارون لما اشتملت عليه من بديع القدرة وعجيب الصنع فقال { ~~إن قرون كان من قوم موسى } قارون على وزن فاعول اسم ~~أعجمي ممتنع للعجمة والعلمية، وليس بعربي مشتق من قرنت. قال الزجاج لو ~~كان قارون من قرنت الشيء لانصرف. قال النخعي وقتادة وغيرهما كان ابن عم ~~موسى، وهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، وموسى هو ابن عمران ~~بن قاهث. وقال ابن إسحاق كان عم موسى لأب وأم فجعله أخا لعمران، وهما ~~ابنا قاهث. وقيل ابن خالة موسى ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة منه، ~~فنافق كما نافق السامري وخرج عن طاعة موسى، وهو معنى قوله { فبغى ~~عليهم } أي جاوز الحد في التجبر والتكبر عليهم، وخرج عن طاعة موسى ~~وكفر بالله. قال الضحاك بغيه على بني إسرائيل استخفافه بهم لكثرة ماله، ~~وولده. وقال قتادة بغيه بنسبته ما آتاه الله من المال إلى نفسه لعلمه، ~~وحيلته. وقيل كان عاملا لفرعون على بني إسرائيل، فتعدى عليهم وظلمهم. ~~وقيل كان بغيه ms2904 بغير ذلك مما لا يناسب معنى الآية. { وآتيناه من ~~الكنوز } جمع كنز، وهو المال المدخر. قال عطاء أصاب كنزا من كنوز ~~يوسف. وقيل كان يعمل الكيمياء، و«ما» في قوله { ما إن مفاتحه } ~~موصولة صلتها إن وما في حيزها، ولهذا كسرت. ونقل الأخفش الصغير عن ~~الكوفيين منع جعل المكسورة، وما في حيزها صلة الذي، واستقبح ذلك منهم ~~لوروده في الكتاب العزيز في هذا الموضع. والمفاتح جمع مفتح بالكسر، وهو ~~ما يفتح به، وقيل المراد بالمفاتح الخزائن، فيكون واحدها مفتح بفتح ~~الميم. قال الواحدي إن المفاتح الخزائن في قول أكثر المفسرين، كقوله # وعنده مفاتح الغيب # الأنعام 59 قال وهو اختيار الزجاج، فإنه قال الأشبه في التفسير أن ~~مفاتحه خزائن ماله. # وقال آخرون هي جمع مفتاح، وهو ما يفتح به الباب، وهذا قول قتادة ومجاهد ~~{ لتنوأ بالعصبة أولي القوة } هذه الجملة خبر إن وهي ~~واسمها وخبرها صلة ما الموصولة، يقال ناء بحمله إذا نهض به مثقلا، ويقال ~~ناء بي الحمل إذا أثقلني، والمعنى يثقلهم حمل المفاتح. قال أبو عبيدة هذا ~~من المقلوب، والمعنى لتنوء بها العصبة، أي تنهض بها. قال أبو زيد نؤت ~~بالحمل إذا نهضت به. قال الشاعر # إنا وجدنا خلفا بئس الخلف عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف # وقال الفراء معنى تنوء بالعصبة تميلهم بثقلها كما يقال يذهب بالبؤس، ~~ويذهب البؤس وذهبت به، وأذهبته وجئت به وأجأته ونؤت به، وأنأته، واختار ~~هذا النحاس، وبه قال كثير من السلف. وقيل هو مأخوذ من النأي، وهو البعد ~~وهو بعيد. وقرأ بديل بن ميسرة " لينوء " بالياء، أي لينوء الواحد منها أو ~~المذكور، فحمل على المعنى. والمراد بالعصبة الجماعة التي يتعصب بعضها ~~لبعض. قيل هي من الثلاثة إلى العشرة، وقيل من العشرة إلى الخمسة عشر، ~~وقيل ما بين العشرة إلى العشرين، وقيل من الخمسة إلى العشرة. وقيل ~~أربعون. وقيل سبعون. وقيل غير ذلك { إذ قال له قومه لا ~~تفرح } الظرف منصوب ب { تنوء }. وقيل ب { آتيناه } ، وقيل ب { بغى ~~}. وردهما أبو حبان بأن الإيتاء والبغي ms2905 لم يكونا ذلك الوقت. وقال ابن ~~جرير هو متعلق بمحذوف، وهو اذكر، والمراد بقومه هنا هم المؤمنون من بني ~~إسرائيل. وقال الفراء هو موسى، وهو جمع أريد به الواحد، ومعنى { لا تفرح ~~} لا تبطر ولا تأشر { إن الله لا يحب الفرحين } البطرين ~~الأشرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم. قال الزجاج المعنى لا تفرح ~~بالمال، فإن الفرح بالمال لا يؤدي حقه، وقيل المعنى لا تفسد كقول الشاعر # إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة وتحمل أخرى أفرحتك الودائع # أي أفسدتك. قال الزجاج الفرحين، والفارحين سواء. وقال الفراء معنى ~~الفرحين الذين هم في حال الفرح، والفارحين الذين يفرحون في المستقبل. ~~وقال مجاهد معنى { لا تفرح } لا تبغ إن الله لا يحب الفرحين الباغين. ~~وقيل معناه لا تبخل إن الله لا يحب الباخلين. { وابتغ فيما ~~ءاتاك الله الدار الآخرة } أي واطلب فيما أعطاك الله من ~~الأموال الدار الآخرة فأنفقه فيما يرضاه الله لا في التجبر والبغي. وقرىء ~~" واتبع ". { ولا تنس نصيبك من الدنيا }. قال جمهور ~~المفسرين وهو أن يعمل في دنياه لآخرته، ونصيب الإنسان عمره، وعمله ~~الصالح. قال الزجاج معناه لا تنس أن تعمل لآخرتك لأن حقيقة نصيب الإنسان ~~من الدنيا الذي يعمل به لآخرته. وقال الحسن، وقتادة معناه لا تضيع حظك من ~~دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه، وهذا ألصق بمعنى النظم القرآني { ~~وأحسن كما أحسن الله إليك } أي أحسن إلى عباد الله كما ~~أحسن الله إليك بما أنعم به عليك من نعم الدنيا. # وقيل أطع الله واعبده كما أنعم عليك، ويؤيده ما ثبت في الصحيحين، ~~وغيرهما أن جبريل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال # " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # { ولا تبغ الفساد في الأرض } أي لا تعمل فيها بمعاصي الله ~~{ إن الله لا يحب المفسدين } في الأرض. { قال ~~إنما أوتيته على علم عندي } قال قارون هذه المقالة ردا ~~على من نصحه بما تقدم، أي إنما أعطيت ما أعطيت من المال ms2906 لأجل علمي، ~~فقوله { على علم } في محل نصب على الحال، و { عندي } إما ظرف ~~لأوتيته، وإما صلة للعلم. وهذا العلم الذي جعله سببا لما ناله من ~~الدنيا، قيل هو علم التوراة. وقيل علمه بوجوه المكاسب والتجارات. وقيل ~~معرفة الكنوز والدفائن. وقيل علم الكيمياء. وقيل المعنى إن الله آتاني ~~هذه الكنوز على علم منه باستحقاقي إياها لفضل علمه مني. واختار هذا ~~الزجاج وأنكر ما عداه. ثم رد الله عليه قوله هذا، فقال { أولم ~~يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من ~~هو أشد منه قوة وأكثر جمعا } المراد بالقرون الأمم ~~الخالية، ومعنى أكثر جمعا أكثر منه جمعا للمال، ولو كان المال أو ~~القوة يدلان على فضيلة لما أهلكهم الله. وقيل القوة الآلات. والجمع ~~الأعوان. وهذا الكلام خارج مخرج التقريع والتوبيخ لقارون لأنه قد قرأ ~~التوراة، وعلم علم القرون الأولى وإهلاك الله سبحانه لهم { ولا ~~يسأل عن ذنوبهم المجرمون } أي لا يسألون سؤال استعتاب، ~~كما في قوله # ولا هم يستعتبون # النحل 84، # وما هم من المعتبين # فصلت 24 وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ، كما في قوله # فوربك لنسئلنهم أجمعين # الحجر 92 وقال مجاهد لا تسأل الملائكة غدا عن المجرمين لأنهم يعرفون ~~بسيماهم، فإنهم يحشرون سود الوجوه زرق العيون. وقال قتادة لا يسأل ~~المجرمون عن ذنوبهم لظهورها وكثرتها، بل يدخلون النار. وقيل لا يسأل ~~مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية. { فخرج على قومه فى ~~زينته } الفاء للعطف على { قال } وما بينهما اعتراض، و { في ~~زينته } متعلق بخرج، أو بمحذوف هو حال من فاعل خرج. وقد ذكر المفسرون ~~في هذه الزينة التي خرج فيها روايات مختلفة، والمراد أنه خرج في زينة ~~انبهر لها من رآها، ولهذا تمنى الناظرون إليه أن يكون لهم مثلها كما حكى ~~الله عنهم بقوله { قال الذين يريدون الحيوة الدنيا } ~~وزينتها { الدنيا يليت لنا مثل ما أوتي قرون ~~إنه لذو حظ عظيم } أي نصيب وافر من الدنيا. # واختلف في هؤلاء القائلين بهذه المقالة، فقيل هم من مؤمني ذلك الوقت، ms2907 ~~وقيل هم قوم من الكفار. { وقال الذين أوتوا العلم } ، وهم ~~أحبار بني إسرائيل قالوا للذين تمنوا { ويلكم ثواب الله ~~خير } أي ثواب الله في الآخرة خير مما تمنونه { لمن ءامن ~~وعمل صلحا } فلا تمنوا عرض الدنيا الزائل الذي لا يدوم { ولا ~~يلقاها } أي هذه الكلمة التي تكلم بها الأحبار، وقيل الضمير يعود ~~إلى الأعمال الصالحة. وقيل إلى الجنة { إلا الصبرون } على طاعة ~~الله والمصبرون أنفسهم عن الشهوات. { فخسفنا به وبداره ~~الأرض } يقال خسف المكان يخسف خسوفا ذهب في الأرض، وخسف به الأرض ~~خسفا، أي غاب به فيها، والمعنى أن الله سبحانه غيبه وغيب داره في الأرض ~~{ فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله } أي ما ~~كان له جماعة يدفعون ذلك عنه { وما كان } هو في نفسه { من ~~المنتصرين } من الممتنعين مما نزل به من الخسف. { وأصبح ~~الذين تمنوا مكانه بالامس } أي منذ زمان قريب { ~~يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من ~~عباده ويقدر } أي يقول كل واحد منهم متندما على ما فرط منه من ~~التمني. قال النحاس أحسن ما قيل في هذا ما قاله الخليل وسيبويه ويونس ~~والكسائي أن القوم تنبهوا، فقالوا وي. والمتندم من العرب يقول في خلال ~~ندمه وي. قال الجوهري وي كلمة تعجب، ويقال ويك، وقد تدخل وي على كأن ~~المخففة، والمشددة ويكأن الله. قال الخليل هي مفصولة تقول وي، ثم ~~تبتدىء، فيقول كأن. وقال الفراء هي كلمة تقرير كقولك أما ترى صنع الله ~~وإحسانه؟ وقيل هي كلمة تنبيه بمنزلة ألا. وقال قطرب إنما هو ويلك فأسقطت ~~لامه، ومنه قول عنترة # ولقد شفا نفسي وأبرأ سقمها قول الفوارس ويك عنتر أقدم # وقال ابن الأعرابي معنى ويكأن الله أعلم أن الله. وقال القتيبي ~~معناها بلغة حمير رحمة، وقيل هي بمعنى ألم تر؟ وروي عن الكسائي أنه قال ~~هي كلمة تفجع { لولا أن من الله علينا } برحمته وعصمنا من ~~مثل ما كان عليه قارون من البطر، والبغي، ولم يؤاخذنا بما وقع منا من ذلك ~~التمني { لخسف ms2908 بنا } كما خسف به. قرأ حفص { لخسف } مبنيا ~~للفاعل، وقرأ الباقون مبنيا للمفعول { ويكأنه لا يفلح ~~الكفرون } أي لا يفوزون بمطلب من مطالبهم { تلك الدار ~~الآخرة } أي الجنة، والإشارة إليها لقصد التعظيم لها والتفخيم لشأنها، ~~كأنه قال تلك التي سمعت بخبرها وبلغك شأنها { نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا في الأرض } أي رفعة وتكبرا على المؤمنين { ~~ولا فسادا } أي عملا بمعاصي الله سبحانه فيها، وذكر العلو والفساد ~~منكرين في حيز النفي يدل على شمولهما لكل ما يطلق عليه أنه علو وأنه ~~فساد من غير تخصيص بنوع خاص، أما الفساد فظاهر أنه لا يجوز شيء منه ~~كائنا ما كان، وأما العلو فالممنوع منه ما كان على طريق التكبر على ~~الغير، والتطاول على الناس، وليس منه طلب العلو في الحق، والرئاسة في ~~الدين ولا محبة اللباس الحسن والمركوب الحسن والمنزل الحسن. # { من جاء بالحسنة فله خير منها } وهو أن الله يجازيه ~~بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف { ومن جاء بالسيئة فلا يجزى ~~الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون } أي ~~إلا مثل ما كانوا يعملون، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وقد ~~تقدم بيان معنى هذه الآية في سورة النمل { إن الذي فرض ~~عليك القرءان } قال المفسرون أي أنزل عليك القرآن. وقال الزجاج ~~فرض عليك العمل بما يوجبه القرآن، وتقدير الكلام فرض عليك أحكام القرآن ~~وفرائضه { لرادك إلى معاد } قال جمهور المفسرين أي إلى مكة. ~~وقال مجاهد وعكرمة والزهري والحسن إن المعنى لرادك إلى يوم القيامة، ~~وهو اختيار الزجاج، يقال بيني وبينك المعاد، أي يوم القيامة لأن الناس ~~يعودون فيه أحياء. وقال أبو مالك وأبو صالح لرادك إلى معاد إلى الجنة. ~~وبه قال أبو سعيد الخدري، وروي عن مجاهد. وقيل { إلى معاد } إلى ~~الموت { قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ~~ضلل مبين } هذا جواب لكفار مكة لما قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم إنك في ضلال، والمراد من جاء بالهدى هو النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ومن هو في ضلال مبين ms2909 المشركون، والأولى حمل الآية على العموم، وأن الله ~~سبحانه يعلم حال كل طائفة من هاتين الطائفتين، ويجازيها بما تستحقه من ~~خير وشر. { وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتب } أي ~~ما كنت ترجو أنا نرسلك إلى العباد، وننزل عليك القرآن. وقيل ما كنت ترجو ~~أن يلقى إليك الكتاب بردك إلى معادك، والاستثناء في قوله { إلا ~~رحمة من ربك } منقطع، أي لكن إلقاؤه عليك رحمة من ربك، ويجوز أن ~~يكون متصلا حملا على المعنى، كأنه قيل وما ألقى إليك الكتاب إلا لأجل ~~الرحمة من ربك. والأول أولى، وبه جزم الكسائي والفراء { فلا ~~تكونن ظهيرا للكفرين } أي عونا لهم، وفيه تعريض بغيره من ~~الأمة. وقيل المراد لا تكونن ظهيرا لهم بمداراتهم. { ولا ~~يصدنك عن ءايت الله بعد إذ أنزلت إليك } ~~أي لا يصدنك يا محمد الكافرون وأقوالهم وكذبهم وأذاهم عن تلاوة آيات الله ~~والعمل بها بعد إذ أنزلها الله إليك وفرضت عليك. قرأ الجمهور بفتح الياء ~~وضم الصاد من صده يصده. وقرأ عاصم بضم الياء وكسر الصاد، من أصده ~~بمعنى صده. # { وادع إلى ربك } أي ادع الناس إلى الله، وإلى توحيده، والعمل ~~بفرائضه، واجتناب معاصيه { ولا تكونن من المشركين } وفيه ~~تعريض بغيره كما تقدم، لأنه لا يكون من المشركين بحال من الأحوال، وكذلك ~~قوله { ولا تدع مع الله إلها ءاخر } فإنه تعريض لغيره. ~~ثم وحد سبحانه نفسه، ووصفها بالبقاء والدوام، فقال { لا إله إلا ~~هو كل شيء } من الأشياء كائنا ما كان { هالك إلا وجهه ~~} أي إلا ذاته. قال الزجاج وجهه منصوب على الاستثناء، ولو كان في غير ~~القرآن كان مرفوعا بمعنى كل شيء غير وجهه هالك، كما قال الشاعر # وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان # والمعنى كل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه. { له الحكم } أي القضاء ~~النافذ يقضي بما شاء، ويحكم بما أراد { وإليه ترجعون } عند ~~البعث ليجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، لا إله غيره سبحانه ~~وتعالى. وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ms2910 { ~~سرمدا } قال دائما. وأخرج ابن أبي حاتم عنه { وضل عنهم } يوم ~~القيامة { ما كانوا يفترون } قال يكذبون في الدنيا. وأخرج ابن ~~أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه عنه أيضا { إن قرون كان من قوم موسى } قال كان ~~ابن عمه، وكان يتبع العلم حتى جمع علما فلم يزل في أمره ذلك حتى بغى على ~~موسى، وحسده، فقال له موسى إن الله أمرني أن آخذ الزكاة، فأبى، فقال إن ~~موسى يريد أن يأكل أموالكم جاءكم بالصلاة، وجاءكم بأشياء فاحتملتموها، ~~فتحتملون أن تعطوه أموالكم؟ فقالوا لا نحتمل فما ترى؟ فقال لهم أرى أن ~~أرسل إلى بغي من بغايا بني إسرائيل، فنرسلها إليه، فترميه بأنه أرادها ~~على نفسها، فأرسلوا إليها، فقالوا لها نعطيك حكمك على أن تشهدي على موسى ~~أنه فجر بك، قالت نعم، فجاء قارون إلى موسى فقال اجمع بني إسرائيل ~~فأخبرهم بما أمرك ربك، قال نعم، فجمعهم فقالوا له ما أمرك ربك؟ قال أمرني ~~أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئا، وأن تصلوا الرحم وكذا وكذا، وأمرني ~~إذا زنا، وقد أحصن أن يرجم، قالوا وإن كنت أنت. قال نعم، قالوا فإنك قد ~~زنيت. قال أنا؟ فأرسلوا للمرأة، فجاءت، فقالوا ما تشهدين على موسى؟ فقال ~~لها موسى أنشدك بالله إلا ما صدقت. قالت أما إذا نشدتني بالله فإنهم ~~دعوني وجعلوا لي جعلا على أن أقذفك بنفسي، وأنا أشهد أنك بريء، وأنك ~~رسول الله، فخر موسى ساجدا يبكي، فأوحى الله إليه ما يبكيك؟ قد سلطناك ~~على الأرض، فمرها فتطيعك، فرفع رأسه، فقال خذيهم فأخذتهم إلى أعقابهم، ~~فجعلوا يقولون يا موسى يا موسى، فقال خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم، فجعلوا ~~يقولون يا موسى يا موسى، فقال خذيهم، فأخذتهم إلى أعناقهم، فجعلوا يقولون ~~يا موسى يا موسى، فقال خذيهم، فأخذتهم فغشيتهم، فأوحى الله يا موسى سألك ~~عبادي وتضرعوا إليك فلم تجبهم، وعزتي لو أنهم دعوني لأجبتهم. # قال ابن عباس وذلك قوله { فخسفنا به وبداره الأرض } خسف ~~به إلى الأرض السفلى. ms2911 وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن خيثمة قال كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود، كل مفتاح مثل ~~الأصبع، كل مفتاح على خزانة على حدة، فإذا ركب حملت المفاتيح على سبعين ~~بغلا أغر محجل. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عنه قال وجدت في ~~الإنجيل أن بغال مفاتيح خزائن قارون غر محجلة لا يزيد مفتاح منها على ~~إصبع لكل مفتاح كنز. قلت لم أجد في الإنجيل هذا الذي ذكره خيثمة. وأخرج ~~ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لتنوأ بالعصبة ~~} قال تثقل. وأخرج ابن المنذر عنه قال لا يرفعها العصبة من الرجال أولو ~~القوة. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال العصبة أربعون رجلا. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { إن الله لا يحب ~~الفرحين } قال المرحين، وفي قوله { ولا تنس نصيبك من ~~الدنيا } قال أن تعمل فيها لآخرتك. وأخرج ابن مردويه عن أوس بن أوس ~~الثقفي، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { فخرج على قومه ~~في زينته } في أربعة آلاف بغل. وقد روي عن جماعة من التابعين أقوال ~~في بيان ما خرج به على قومه من الزينة، ولا يصح منها شيء مرفوعا، بل هي ~~من أخبار أهل الكتاب كما عرفناك غير مرة، ولا أدري كيف إسناد هذا الحديث ~~الذي رفعه ابن مردويه، فمن ظفر بكتابه، فلينظر فيه. وأخرج الفريابي عن ~~ابن عباس في قوله { فخسفنا به وبداره الأرض } قال خسف به ~~إلى الأرض السفلى. وأخرج المحاملي، والديلمي في مسند الفردوس عن أبي ~~هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { تلك الدار ~~الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ~~ولا فسادا } قال # " التجبر في الأرض والأخذ بغير الحق " # وروي نحوه عن مسلم البطين، وابن جريج، وعكرمة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { لا يريدون علوا في ~~الأرض } قال بغيا في الأرض. وأخرج ابن أبي حاتم ms2912 عن الحسن قال هو ~~الشرف والعلو عند ذوي سلطانهم. وأقول إن كان ذلك للتقوي به على الحق، ~~فهو من خصال الخير لا من خصال الشر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال إن الرجل ليحب أن يكون شسع نعله أفضل ~~من شسع نعل صاحبه، فيدخل في هذه الآية { تلك الدار الآخرة ~~نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا ~~فسادا } قال ابن كثير في تفسيره بعد ذكر هذه الرواية عن علي رضي الله ~~عنه وهذا محمول على من أحب ذلك لا لمجرد التجمل، فهذا لا بأس به. # فقد ثبت أن رجلا قال يا رسول الله إني أحب أن يكون ثوبي حسنا ونعلي ~~حسنة. أفمن الكبر ذلك؟ قال # " لا، إن الله جميل يحب الجمال " # وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن علي بن أبي طالب أنه قال نزلت هذه ~~الآية، يعني { تلك الدار الآخرة } إلخ في أهل العدل والتواضع من ~~الولاة وأهل القدرة من سائر الناس. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس نحوه. ~~وأخرج ابن مردويه عن عدي بن حاتم قال لما دخل علي النبي صلى الله عليه ~~وسلم ألقى إليه وسادة، فجلس على الأرض، فقال أشهد أنك لا تبغي علوا في ~~الأرض، ولا فسادا فأسلم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك. وأخرج أيضا ابن ~~مردويه عن علي بن الحسين بن واقد أن قوله تعالى { إن الذى فرض ~~عليك القرءان } الآية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالجحفة حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي من طرق عن ابن عباس في قوله { لرادك ~~إلى معاد } قال إلى مكة. زاد ابن مردويه كما أخرجك منها. وأخرج ~~الفريابي وعبد بن حميد وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري { لرادك ~~إلى معاد } قال الآخرة. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري في تاريخه، ~~وأبو يعلى وابن ms2913 المنذر عنه أيضا في قوله { لرادك إلى معاد } ~~قال معاده الجنة، وفي لفظ معاده آخرته. وأخرج الحاكم في التاريخ، ~~والديلمي عن علي بن أبي طالب قال { لرادك إلى معاد } الجنة. ~~وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ~~نحوه. وأخرج ابن مردويه عنه قال لما نزلت # كل من عليها فان # الرحمن 26 قالت الملائكة هلك أهل الأرض، فلما نزلت # كل نفس ذائقة الموت # آل عمران 185 قالت الملائكة هلك كل نفس، فلما نزلت { كل شىء ~~هالك إلا وجهه } قالت الملائكة هلك أهل السماء والأرض. وأخرج ~~عبد بن حميد عن ابن عباس { كل شيء هالك إلا وجهه } قال ~~إلا ما أريد به وجهه. ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1-13] # قد تقدم الكلام على فاتحة هذه السورة مستوفى في سورة البقرة والاستفهام ~~في قوله { أحسب الناس } للتقريع، والتوبيخ و { أن يتركوا } ~~في موضع نصب بحسب، وهي وما دخلت عليه قائمة مقام المفعولين على قول ~~سيبويه، والجمهور، و { أن يقولوا } في موضع نصب على تقدير لأن ~~يقولوا، أو بأن يقولوا، أو على أن يقولوا وقيل هو بدل من أن يتركوا، ~~ومعنى الآية أن الناس لا يتركون بغير اختبار ولا ابتلاء { أن يقولوا ~~آمنا وهم لا يفتنون } أي وهم لا يبتلون في أموالهم، وأنفسهم، ~~وليس الأمر كما حسبوا، بل لابد أن يختبرهم حتى يتبين المخلص من المنافق، ~~والصادق من الكاذب، فالآية مسوقة لإنكار ذلك الحسبان، واستبعاده، وبيان ~~أنه لا بد من الامتحان بأنواع التكاليف وغيرها. قال الزجاج المعنى أحسبوا ~~أن نقنع منهم بأن يقولوا إنا مؤمنون فقط، ولا يمتحنون بما تتبين به حقيقة ~~إيمانهم؟ وهو قوله { أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم ~~لا يفتنون }. قال السدي وقتادة ومجاهد أي لا يبتلون في أموالهم ~~وأنفسهم بالقتل والتعذيب، وسيأتي في بيان سبب نزول هذه الآيات ما يوضح ~~معنى ما ذكرناه، وظاهرها شمول كل الناس من أهل الإيمان، وإن كان السبب ~~خاصا فالاعتبار بعموم اللفظ كما قررناه غير مرة. قال ابن عطية وهذه ms2914 ~~الآية وإن كانت نازلة في سبب خاص، فهي باقية في أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم موجود حكمها بقية الدهر، وذلك أن الفتنة من الله باقية في ثغور ~~المسلمين بالأسر، ونكاية العدو وغير ذلك. { ولقد فتنا الذين ~~من قبلهم } أي هذه سنة الله في عباده، وأنه يختبر مؤمني هذه الأمة ~~كما اختبر من قبلهم من الأمم كما جاء به القرآن في غير موضع من قصص ~~الأنبياء وما وقع مع قومهم من المحن وما اختبر الله به أتباعهم، ومن آمن ~~بهم من تلك الأمور التي نزلت بهم { فليعلمن الله الذين ~~صدقوا } في قولهم آمنا { وليعلمن الكذبين } منهم في ~~ذلك، قرأ الجمهور { فليعلمن } بفتح الياء، واللام في الموضعين، أي ~~ليظهرن الله الصادق والكاذب في قولهم ويميز بينهم، وقرأ علي بن أبي ~~طالب في الموضعين بضم الياء وكسر اللام. والمعنى أي يعلم الطائفتين في ~~الآخرة بمنازلهم، أو يعلم الناس بصدق من صدق، ويفضح الكاذبين بكذبهم، أو ~~يضع لكل طائفة علامة تشتهر بها وتتميز عن غيرها. { أم حسب ~~الذين يعملون السيئات أن يسبقونا } أي يفوتونا، ~~ويعجزونا قبل أن نؤاخذهم بما يعملون، وهو ساد مسد مفعولي حسب، وأم هي ~~المنقطعة { ساء ما يحكمون } أي بئس الذي يحكمونه حكمهم ذلك وقال ~~الزجاج { ما } في موضع نصب بمعنى ساء شيئا أو حكما يحكمون. # قال ويجوز أن تكون { ما } في موضع رفع بمعنى ساء الشيء، أو الحكم حكمهم، ~~وجعلها ابن كيسان مصدرية، أي ساء حكمهم { من كان يرجو لقاء ~~الله } أي من كان يطمع، والرجاء بمعنى الطمع. قاله سعيد بن جبير. وقيل ~~الرجاء هنا بمعنى الخوف. قال القرطبي أجمع أهل التفسير على أن المعنى من ~~كان يخاف الموت، ومنه قول الهذلي # إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها # قال الزجاج معنى من كان يرجو لقاء الله من كان يرجو ثواب لقاء الله، أي ~~ثواب المصير إليه، فالرجاء على هذا معناه الأمل { فإن أجل الله ~~لآت } أي الأجل المضروب للبعث آت لا محالة. قال مقاتل يعني يوم القيامة، ~~والمعنى فليعمل ms2915 لذلك اليوم كما في قوله # فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صلحا # الكهف 110 " ومن " في الآية التي هنا يجوز أن تكون شرطية. والجزاء { فإن ~~أجل الله لآت } ، ويجوز أن تكون موصولة، ودخلت الفاء في جوابها تشبيها ~~لها بالشرطية. وفي الآية من الوعد والوعيد والترهيب والترغيب ما لا يخفى ~~{ وهو السميع } لأقوال عباده { العليم } بما يسرونه وما ~~يعلنونه. { ومن جاهد فإنما يجهد لنفسه } أي من جاهد ~~الكفار وجاهد نفسه بالصبر على الطاعات فإنما يجاهد لنفسه، أي ثواب ذلك له ~~لا لغيره، ولا يرجع إلى الله سبحانه من نفع ذلك شيء { إن الله ~~لغني عن العلمين } فلا يحتاج إلى طاعاتهم كما لا تضره ~~معاصيهم. وقيل المعنى ومن جاهد عدوه لنفسه لا يريد بذلك وجه الله، فليس ~~لله حاجة بجهاده، والأول أولى { والذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت لنكفرن عنهم سيئاتهم } أي لنغطينها ~~عنهم بالمغفرة بسبب ما عملوا من الصالحات { ولنجزينهم أحسن ~~الذي كانوا يعملون } أي بأحسن جزاء أعمالهم. وقيل بجزاء أحسن ~~أعمالهم، والمراد بأحسن مجرد الوصف لا التفضيل لئلا يكون جزاؤهم بالحسن ~~مسكوتا عنه. وقيل يعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن منه كما في قوله # من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها # الأنعام 160 { ووصينا الإنسن بوالديه حسنا } ~~انتصاب { حسنا } على أنه نعت مصدر محذوف، أي إيصاء حسنا على المبالغة، ~~أو على حذف المضاف، أي ذا حسن. هذا مذهب البصريين، وقال الكوفيون تقديره ~~ووصينا الإنسان أن يفعل حسنا، فهو مفعول لفعل مقدر، ومنه قول الشاعر # عجبت من دهماء إذ تشكونا ومن أبى دهماء إذ يوصينا خيرا بها كأنما ~~خافونا # أي يوصينا أن نفعل بها خيرا، ومثله قول الحطيئة # وصيت من برة قلبا حرا بالكلب خيرا والحمأة شرا # قال الزجاج معناه ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن وقيل هو صفة ~~لموصوف محذوف، أي ووصيناه أمرا ذا حسن، وقيل هو منتصب على أنه مفعول به ~~على التضمين، أي ألزمناه حسنا. # وقيل منصوب بنزع الخافض، أي ووصيناه بحسن. وقيل هو مصدر لفعل محذوف، أي ~~يحسن حسنا، ms2916 ومعنى الآية التوصية للإنسان بوالديه بالبر بهما، والعطف ~~عليهما. قرأ الجمهور { حسنا } بضم الحاء، وإسكان السين، وقرأ أبو رجاء ~~وأبو العالية والضحاك بفتحهما، وقرأ الجحدري " إحسنا " وكذا في ~~مصحف أبي { وإن جهداك لتشرك بي ما ليس لك به ~~علم فلا تطعهما } أي طلبا منك وألزماك أن تشرك بي إلها ليس ~~لك به علم بكونه إلها، فلا تطعهما، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية ~~الخالق، وعبر بنفي العلم عن نفي الإله لأن ما لا يعلم صحته لا يجوز ~~اتباعه، فكيف بما علم بطلانه؟ وإذا لم تجز طاعة الأبوين في هذا المطلب مع ~~المجاهدة منهما له، فعدم جوازها مع مجرد الطلب بدون مجاهدة منهما أولى، ~~ويلحق بطلب الشرك منهما سائر معاصي الله سبحانه، فلا طاعة لهما فيما هو ~~معصية لله كما صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { إلي ~~مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون } أي أخبركم بصالح ~~أعمالكم وطالحها، فأجازي كلا منكم بما يستحقه، والموصول في قوله { ~~والذين ءامنوا وعملوا الصلحات } في محل رفع على ~~الابتداء وخبره { لندخلنهم في الصلحين } أي في زمرة ~~الراسخين في الصلاح، ويجوز أن يكون في محل نصب على الاشتغال، ويجوز أن ~~يكون المعنى لندخلنهم في مدخل الصالحين، وهو الجنة كذا قيل، والأول ~~أولى. { ومن الناس من يقول ءامنا بالله فإذا ~~أوذي في الله } أي في شأن الله ولأجله كما يفعله أهل الكفر مع أهل ~~الإيمان، وكما يفعله أهل المعاصي مع أهل الطاعات من إيقاع الأذى عليهم ~~لأجل الإيمان بالله والعمل بما أمر به { جعل فتنة الناس } التي ~~هي ما يوقعونه عليه من الأذى { كعذاب الله } أي جزع من أذاهم. فلم ~~يصبر عليه، وجعله في الشدة والعظم كعذاب الله، فأطاع الناس كما يطيع ~~الله. وقيل هو المنافق إذا أوذي في الله رجع عن الدين فكفر. قال الزجاج ~~ينبغي للمؤمن أن يصبر على الأذية في الله { ولئن جاء نصر من ~~ربك } أي نصر من الله للمؤمنين وفتح وغلبة للأعداء وغنيمة يغنمونها ~~منهم { ليقولن إنا كنا معكم } أي ms2917 داخلون معكم في دينكم، ~~ومعاونون لكم على عدوكم، فكذبهم الله وقال { أو ليس الله ~~بأعلم بما في صدور العلمين } أي هو سبحانه أعلم بما في ~~صدورهم منهم من خير وشر، فكيف يدعون هذه الدعوى الكاذبة؟ وهؤلاء هم قوم ~~ممن كان في إيمانهم ضعف، كانوا إذا مسهم الأذى من الكفار وافقوهم. وإذا ~~ظهرت قوة الإسلام ونصر الله المؤمنين في موطن من المواطن { إنا ~~كنا معكم } وقيل المراد بهذا وما قبله المنافقون. # قال مجاهد نزلت في ناس كانوا يؤمنون بالله بألسنتهم. فإذا أصابهم بلاء ~~من الله أو مصيبة افتتنوا. وقال الضحاك نزلت في ناس من المنافقين بمكة ~~كانوا يؤمنون. فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك، والظاهر أن هذا النظم من قوله ~~{ ومن الناس من يقول } إلى قوله { وقال الذين كفروا ~~} نازل في المنافقين لما يظهر من السياق، ولقوله { وليعلمن ~~الله الذين آمنوا وليعلمن المنفقين } فإنها ~~لتقرير ما قبلها وتأكيده، أي ليميزن الله بين الطائفتين ويظهر إخلاص ~~المخلصين ونفاق المنافقين، فالمخلص الذي لا يتزلزل بما يصيبه من الأذى ~~ويصبر في الله حق الصبر، ولا يجعل فتنة الناس كعذاب الله. والمنافق الذي ~~يميل هكذا وهكذا، فإن أصابه أذى من الكافرين وافقهم وتابعهم وكفر بالله ~~عز وجل، وإن خفقت ريح الإسلام وطلع نصره ولاح فتحه رجع إلى الإسلام، ~~وزعم أنه من المسلمين. { وقال الذين كفروا للذين ~~ءامنوا اتبعوا سبيلنا } اللام في { للذين آمنوا } هي لام ~~التبليغ، أي قالوا مخاطبين لهم كما سبق بيانه في غير موضع، أي قالوا لهم ~~اسلكوا طريقتنا، وادخلوا في ديننا { ولنحمل خطيكم } أي إن ~~كان اتباع سبيلنا خطيئة تؤاخذون بها عند البعث، والنشور كما تقولون، ~~فلنحمل ذلك عنكم فنؤاخذ به دونكم. واللام في { لنحمل } لام الأمر كأنهم ~~أمروا أنفسهم بذلك. وقال الفراء والزجاج هو أمر في تأويل الشرط والجزاء، ~~أي إن تتبعوا سبيلنا نحمل خطاياكم، ثم رد الله عليهم بقوله { وما هم ~~بحملين من خطيهم من شيء } من الأولى بيانية. ~~والثانية مزيدة للاستغراق، أي وما هم بحاملين شيئا من خطيئاتهم التي ~~التزموا ms2918 بها، وضمنوا لهم حملها، ثم وصفهم الله سبحانه بالكذب في هذا ~~التحمل فقال { إنهم لكذبون } فيما ضمنوا به من حمل خطاياهم. ~~قال المهدوي هذا التكذيب لهم من الله عز وجل حمل على المعنى لأن المعنى ~~إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم، فلما كان الأمر يرجع في المعنى إلى ~~الخبر أوقع عليه التكذيب كما يوقع على الخبر. { وليحملن ~~أثقالهم } أي أوزارهم التي عملوها، والتعبير عنها بالأثقال للإيذان ~~بأنها ذنوب عظيمة { وأثقالا مع أثقالهم } أي أوزارا مع ~~أوزارهم. وهي أوزار من أضلوهم، وأخرجوهم عن الهدى إلى الضلالة، ومثله ~~قوله سبحانه # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيمة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم # النحل 25 ومثله قوله صلى الله عليه وسلم # " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها " # كما في حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم وغيره { وليسألن ~~يوم القيامة } تقريعا وتوبيخا { عما كانوا يفترون } ~~أي يختلقونه من الأكاذيب التي كانوا يأتون بها في الدنيا. وقال مقاتل ~~يعني قولهم نحن الكفلاء بكل تبعة تصيبكم من الله. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله { ~~الم أحسب الناس أن يتركوا } الآية قال أنزلت في ناس كانوا ~~بمكة قد أقروا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من المدينة لما أنزلت آية الهجرة أنه لا يقبل منكم إقرار ولا إسلام حتى ~~تهاجروا، قال فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم المشركون فردوهم، فنزلت ~~فيهم هذه الآية، فكتبوا إليهم أنه قد أنزل فيكم كذا وكذا، فقالوا نخرج ~~فإن اتبعنا أحد قتلناه، فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ~~ومنهم من نجا، فأنزل الله فيهم # ثم إن ربك للذين هجروا من بعد ما فتنوا ~~ثم جهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم # النحل 110. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة نحوه بأخصر منه. وأخرج ابن سعد ~~وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عبد الله بن عبيد الله بن عمير ~~قال نزلت في عمار بن ياسر إذ ms2919 كان يعذب في الله { الم أحسب الناس ~~أن يتركوا } الآية. وأخرج ابن ماجه وابن مردويه عن ابن مسعود قال ~~أول من أظهر الله إسلامه سبعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر. ~~وسمية أم عمار، وعمار، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، ~~وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس، فما ~~منهم من أحد إلا وقد أتاهم على ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانت عليه ~~نفسه في الله وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في ~~شعاب مكة، وهو يقول أحد أحد. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { أن يسبقونا } قال أن ~~يعجزونا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص ~~قال قالت أمي لا آكل طعاما ولا أشرب شرابا حتى تكفر بمحمد، فامتنعت من ~~الطعام والشراب حتى جعلوا يشجرون فاها بالعصا، فنزلت هذه الآية { ~~ووصينا الإنسن بوالديه حسنا وإن جهداك ~~لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما } وأخرجه ~~أيضا الترمذي من حديثه، وقال نزلت في أربع آيات، وذكر نحو هذه القصة، ~~وقال حسن صحيح. وقد أخرج هذا الحديث أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي ~~أيضا. وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن ~~ماجه وأبو يعلى، وابن حبان وأبو نعيم والبيهقي والضياء عن أنس قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله، وما يخاف أحد، ~~ولقد أتت علي ثالثة ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا ما وارى إبط ~~بلال " # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { جعل فتنة ~~الناس كعذاب الله } قال يرتد عن دين الله إذا أوذي في الله. ### || [29.14-27] # أجمل سبحانه قصة نوح تصديقا لقوله في أول السورة { ولقد فتنا ~~الذين من ms2920 قبلهم } فيه تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم، كأنه ~~قيل له إن نوحا لبث ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو قومه، ولم يؤمن منهم ~~إلا قليل، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك. قيل ووقع في ~~النظم إلا خمسين عاما ولم يقل تسعمائة سنة وخمسين لأن في الاستثناء ~~تحقيق العدد بخلاف الثاني، فقد يطلق على ما يقرب منه. وقد اختلف في مقدار ~~عمر نوح. وسيأتي آخر البحث. وليس في الآية إلا أنه لبث فيهم هذه المدة، ~~وهي لا تدل على أنها جميع عمره. فقد تلبث في غيرهم قبل اللبث فيهم، وقد ~~تلبث في الأرض بعد هلاكهم بالطوفان، والفاء في { فأخذهم ~~الطوفان } للتعقيب، أي أخذهم عقب تمام المدة المذكورة، والطوفان يقال ~~لكل شيء كثير مطيف بجمع محيط بهم من مطر أو قتل أو موت قاله النحاس. وقال ~~سعيد بن جبير وقتادة والسدي هو المطر، وقال الضحاك الغرق، وقيل الموت، ~~ومنه قول الشاعر # أفناهم طوفان موت جارف # وجملة { وهم ظلمون } في محل نصب على الحال، أي مستمرون على ~~الظلم، ولم ينجع فيهم ما وعظهم به نوح، وذكرهم هذه المدة بطولها { ~~فأنجينه وأصحب السفينة } أي أنجينا نوحا، وأنجينا من ~~معه في السفينة من أولاده وأتباعه. واختلف في عددهم على أقوال { ~~وجعلنها } أي السفينة { آية للعلمين إن } أي عبرة ~~عظيمة لهم، وفي كونها آية وجوه أحدها أنها كانت باقية على الجودي مدة ~~مديدة. وثانيها أن الله سلم السفينة من الرياح المزعجة. وثالثها أن الماء ~~غيض قبل نفاذ الزاد. وهذا غير مناسب لوصف السفينة بأن الله جعلها آية. ~~وقيل إن الضمير راجع في { جعلناها } إلى الواقعة أو إلى النجاة، أو إلى ~~العقوبة بالغرق. { وإبرهيم إذ قال لقومه } انتصاب { ~~إبراهيم } بالعطف على { نوحا } وقال النسائي هو معطوف على الهاء في { ~~جعلناها } وقيل منصوب بمقدر، أي واذكر إبراهيم. و { إذ قال } منصوب على ~~الظرفية، أي وأرسلنا إبراهيم وقت قوله لقومه اعبدوا الله، أو جعلنا ~~إبراهيم آية وقت قوله هذا، أو واذكر إبراهيم وقت قوله، على ms2921 أن الظرف بدل ~~اشتمال من إبراهيم { اعبدوا الله واتقوه } أي أفردوه ~~بالعبادة وخصوه بها واتقوه أن تشركوا به شيئا { ذلكم خير لكم ~~} أي عبادة الله وتقواه خير لكم من الشرك، ولا خير في الشرك أبدا، ولكنه ~~خاطبهم باعتبار اعتقادهم { إن كنتم تعلمون } شيئا من العلم، أو ~~تعلمون علما تميزون به بين ما هو خير، وما هو شر. قرأ الجمهور { ~~وإبراهيم } بالنصب. # ووجهه ما قدمنا. وقرأ النخعي وأبو جعفر وأبو حنيفة بالرفع على الابتداء ~~والخبر مقدر، أي ومن المرسلين إبراهيم. { إنما تعبدون من ~~دون الله أوثنا } بين لهم إبراهيم أنهم يعبدون ما لا ينفع ~~ولا يضر ولا يسمع ولا يبصر، والأوثان هي الأصنام. وقال أبو عبيدة الصنم ~~ما يتخذ من ذهب أو فضة أو نحاس، والوثن ما يتخذ من جص أو حجارة. وقال ~~الجوهري الوثن الصنم والجمع أوثان { وتخلقون إفكا } أي وتكذبون ~~كذبا على أن معنى { تخلقون } تكذبون، ويجوز أن يكون معناه تعملون ~~وتنحتون، أي تعملونها، وتنحتونها للإفك. قال الحسن معنى تخلقون تنحتون أي ~~إنما تعبدون أوثانا، وأنتم تصنعونها. قرأ الجمهور { تخلقون } بفتح ~~الفوقية وسكون الخاء وضم اللام مضارع خلق وإفكا بكسر الهمزة وسكون ~~الفاء. وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن علي والسلمي وقتادة بفتح الخاء ~~واللام مشددة، والأصل تتخلقون. وروي عن زيد بن علي أنه قرأ بضم التاء ~~وتشديد اللام مكسورة. وقرأ ابن الزبير وفضيل بن ورقان " أفكا " بفتح ~~الهمزة وكسر الفاء وهو مصدر كالكذب، أو صفة لمصدر محذوف، أي خلقا أفكا { ~~إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم ~~رزقا } أي لا يقدرون على أن يرزقوكم شيئا من الرزق { فابتغوا ~~عند الله الرزق } أي اصرفوا رغبتكم في أرزاقكم إلى الله فهو الذي ~~عنده الرزق كله، فاسألوه من فضله ووحدوه دون غيره { واشكروا له } ~~أي على نعمائه، فإن الشكر موجب لبقائها وسبب للمزيد عليها، يقال شكرته ~~وشكرت له { إليه ترجعون } بالموت ثم بالبعث لا إلى غيره. { ~~وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم } قيل هذا من ~~قول إبراهيم، ms2922 أي وإن تكذبوني فقد وقع ذلك لغيري ممن قبلكم، وقيل هو من ~~قول الله سبحانه، أي وإن تكذبوا محمدا، فذلك عادة الكفار مع من سلف { ~~وما على الرسول إلا البلغ المبين } لقومه الذي أرسل ~~إليهم، وليس عليه هدايتهم، وليس ذلك في وسعه { أولم يروا كيف ~~يبديء الله الخلق ثم يعيده } قرأ الجمهور { أولم يروا } ~~بالتحتية على الخبر، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم. قال أبو ~~عبيد كأنه قال أولم ير الأمم. وقرأ أبو بكر والأعمش وابن وثاب وحمزة ~~والكسائي بالفوقية على الخطاب من إبراهيم لقومه. وقيل هو خطاب من الله ~~لقريش. قرأ الجمهور { كيف يبدىء } بضم التحتية من أبدأ يبدىء. وقرأ ~~الزبيري وعيسى بن عمر وأبو عمرو بفتحها من بدأ يبدأ. وقرأ الزهري «كيف ~~بدأ» والمعنى ألم يروا كيف يخلقهم الله ابتداء نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ~~ثم ينفخ فيه الروح، ثم يخرجه إلى الدنيا، ثم يتوفاه بعد ذلك وكذلك سائر ~~الحيوانات وسائر النباتات، فإذا رأيتم قدرة الله سبحانه على الابتداء ~~والإيجاد فهو القادر على الإعادة، والهمزة لإنكار عدم رؤيتهم، والواو ~~للعطف على مقدر { إن ذلك على الله يسير } لأنه إذا أراد ~~أمرا قال له كن فيكون. # ثم أمر سبحانه إبراهيم أن يأمر قومه بالمسير في الأرض ليتفكروا ~~ويعتبروا، فقال { قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ ~~الخلق } على كثرتهم واختلاف ألوانهم وطبائعهم وألسنتهم وانظروا إلى ~~مساكن القرون الماضية والأمم الخالية وآثارهم لتعلموا بذلك كمال قدرة ~~الله. وقيل إن المعنى قل لهم يا محمد سيروا، ومعنى قوله { ثم الله ~~ينشىء النشأة الآخرة } أن الله الذي بدأ النشأة الأولى، وخلقها ~~على تلك الكيفية ينشئها نشأة ثانية عند البعث، والجملة عطف على جملة { ~~سيروا في الأرض } داخلة معها في حيز القول، وجملة { إن الله على ~~كل شيء قدير } تعليل لما قبلها. قرأ الجمهور ب { النشأة } ~~بالقصر، وسكون الشين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالمد وفتح الشين، وهما ~~لغتان كالرأفة والرآفة. وهي منتصبة على المصدرية بحذف الزوائد، والأصل ~~الإنشاءة { يعذب من يشاء ms2923 ويرحم من يشاء } أي هو سبحانه ~~بعد النشأة الآخرة يعذب من يشاء تعذيبه وهم الكفار والعصاة ويرحم من يشاء ~~رحمته، وهم المؤمنون به المصدقون لرسله العاملون بأوامره ونواهيه { ~~وإليه تقلبون } أي ترجعون وتردون لا إلى غيره { وما أنتم ~~بمعجزين في الأرض ولا في السماء } قال الفراء ولا من في ~~السماء بمعجزين الله فيها. قال وهو كما في قول حسان # فمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء # أي ومن يمدحه، وينصره سواء. ومثله قوله تعالى # وما منا إلا له مقام معلوم # الصافات 164 أي إلا من له مقام معلوم. والمعنى أنه لا يعجزه سبحانه أهل ~~الأرض ولا أهل السماء في السماء إن عصوه. وقال قطرب إن معنى الآية ولا في ~~السماء لو كنتم فيها، كما تقول لا يفوتني فلان ها هنا، ولا بالبصرة، يعني ~~ولا بالبصرة لو صار إليها. وقال المبرد المعنى ولا من في السماء. على أن ~~" من " ليست موصولة بل نكرة، وفي السماء صفة لها، فأقيمت الصفة مقام ~~الموصوف، ورد ذلك علي بن سليمان وقال لا يجوز، ورجح ما قاله قطرب { ~~وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } " من " مزيدة ~~للتأكيد، أي ليس لكم ولي يواليكم ولا نصير ينصركم ويدفع عنكم عذاب الله ~~{ والذين كفروا بئايت الله ولقائه } المراد ~~بالآيات الآيات التنزيلية أو التكوينية أو جميعهما. وكفروا بلقاء الله، ~~أي أنكروا البعث وما بعده ولم يعملوا بما أخبرتهم به رسل الله سبحانه. ~~والإشارة بقوله { أولئك } إلى الكافرين بالآيات، واللقاء، وهو ~~مبتدأ وخبره { يئسوا من رحمتي } أي إنهم في الدنيا آيسون من ~~رحمة الله لم ينجع فيهم ما نزل من كتب الله، ولا ما أخبرتهم به رسله. # وقيل المعنى أنهم ييأسون يوم القيامة من رحمة الله، وهي الجنة. والمعنى ~~أنهم أويسوا من الرحمة { وأولئك لهم عذاب أليم } كرر ~~سبحانه الإشارة للتأكيد، ووصف العذاب بكونه أليما للدلالة على أنه في ~~غاية الشدة. { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ~~اقتلوه أو حرقوه } هذا رجوع إلى خطاب إبراهيم بعد ms2924 الاعتراض بما ~~تقدم من خطاب محمد صلى الله عليه وسلم على قول من قال إن قوله { قل ~~سيروا في الأرض } خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم. وأما على قول من قال ~~إنه خطاب لإبراهيم عليه السلام، فالكلام في سياقه سابقا ولاحقا، أي قال ~~بعضهم لبعض عند المشاورة بينهم افعلوا بإبراهيم أحد الأمرين المذكورين، ~~ثم اتفقوا على تحريقه { فأنجاه الله من النار } وجعلها عليه ~~بردا وسلاما { إن في ذلك } أي في إنجاء الله لإبراهيم { لآيات ~~} بينة، أي دلالات واضحة وعلامات ظاهرة على عظيم قدرة الله وبديع صنعه، ~~حيث أضرموا تلك النار العظيمة وألقوه فيها، ولم تحرقه ولا أثرت فيه ~~أثرا، بل صارت إلى حالة مخالفة لما هو شأن عنصرها من الحرارة والإحراق، ~~وإنما خص المؤمنون لأنهم الذين يعتبرون بآيات الله سبحانه، وأما من ~~عداهم، فهم عن ذلك غافلون. قرأ الجمهور بنصب { جواب قومه } على أنه خبر ~~كان وما بعده اسمها. وقرأ سالم الأفطس وعمرو بن دينار والحسن برفعه على ~~أنه اسم كان وما بعده في محل نصب على الخبر. { وقال إنما ~~اتخذتم من دون الله أوثنا مودة بينكم في ~~الحيوة الدنيا } أي قال إبراهيم لقومه، أي للتوادد بينكم، ~~والتواصل لاجتماعكم على عبادتها، وللخشية من ذهاب المودة فيما بينكم إن ~~تركتم عبادتها. قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي «مودة بينكم» برفع ~~مودة غير منونة، وإضافتها إلى بينكم. وقرأ الأعمش وابن وثاب «مودة» ~~برفعها منونة. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر بنصب " مودة " منونة ~~ونصب بينكم على الظرفية. وقرأ حمزة وحفص بنصب «مودة» مضافة إلى بينكم. ~~فأما قراءة الرفع فذكر الزجاج لها وجهين الأول أنها ارتفعت على خبر إن ~~في { إنما اتخذتم } وجعل ما موصولة. والتقدير إن الذي اتخذتموه من دون ~~الله أوثانا مودة بينكم. والوجه الثاني أن تكون على إضمار مبتدأ، أي هي ~~مودة، أو تلك مودة. والمعنى أن المودة هي التي جمعتكم على عبادة ~~الأوثان، واتخاذها. قيل ويجوز أن تكون مودة مرتفعة بالابتداء، وخبرها في ~~الحياة الدنيا. ومن قرأ برفع مودة ms2925 منونة فتوجيهه كالقراءة الأولى، ونصب ~~بينكم على الظرفية. ومن قرأ بنصب مودة، ولم ينونها جعلها مفعول اتخذتم، ~~وجعل إنما حرفا واحدا للحصر، وهكذا من نصبها ونونها. ويجوز أن يكون ~~النصب في هاتين القراءتين على أن المودة علة فهي مفعول لأجله، وعلى ~~قراءة الرفع يكون مفعول اتخذتم الثاني محذوفا، أي أوثانا آلهة، وعلى ~~تقدير أن ما في قوله { إنما اتخذتم } موصولة يكون المفعول الأول ضميرها ~~أي اتخذتموه، والمفعول الثاني أوثانا { ثم يوم القيمة ~~يكفر بعضكم ببعض } أي يكفر بعض هؤلاء المتخذين للأوثان ~~العابدين لها بالبعض الآخر منهم، فيتبرأ القادة من الأتباع والأتباع من ~~القادة، وقيل المعنى يتبرأ العابدون للأوثان من الأوثان، وتتبرأ الأوثان ~~من العابدين لها { ويلعن بعضكم بعضا } أي يلعن كل فريق ~~الآخر على التفسيرين المذكورين { ومأواكم النار } أي الكفار. # وقيل يدخل في ذلك الأوثان، أي هي منزلكم الذي تأوون إليه { وما لكم ~~من نصرين } يخلصونكم منها بنصرتهم لكم. { فئامن له لوط ~~} أي آمن لإبراهيم لوط فصدقه في جميع ما جاء به. وقيل إنه لم يؤمن به ~~إلا حين رأى النار لا تحرقه، وكان لوط ابن أخي إبراهيم { وقال إني ~~مهاجر إلى ربي } قال النخعي، وقتادة الذي قال { إني مهاجر إلى ~~ربي } هو إبراهيم قال قتادة هاجر من كوثى، وهي قرية من سواد الكوفة إلى ~~حران، ثم إلى الشام، ومعه ابن أخيه لوط وامرأته سارة. والمعنى إني مهاجر ~~عن دار قومي إلى حيث أعبد ربي { إنه هو العزيز الحكيم } أي ~~الغالب الذي أفعاله جارية على مقتضى الحكمة وقيل إن القائل { إني مهاجر ~~إلى ربي } هو لوط، والأول أولى لرجوع الضمير في قوله { ووهبنا له ~~إسحق ويعقوب } إلى إبراهيم، وكذا في قوله { وجعلنا في ~~ذريته النبوة والكتب } ، وكذا في قوله { وآتيناه ~~أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين } ~~فإن هذه الضمائر كلها لإبراهيم بلا خلاف، أي من الله عليه بالأولاد، ~~فوهب له إسحاق ولدا له ويعقوب ولدا لولده إسحاق، وجعل في ذريته ~~النبوة والكتاب، فلم يبعث الله نبيا بعد إبراهيم ms2926 إلا من صلبه، ووحد ~~الكتاب لأن الألف واللام فيه للجنس الشامل للكتب، والمراد التوراة ~~والإنجيل والزبور والقرآن، ومعنى { وآتيناه أجره في الدنيا ~~} أنه أعطي في الدنيا الأولاد، وأخبره الله باستمرار النبوة فيهم، وذلك ~~مما تقر به عينه، ويزداد به سروره، وقيل أجره في الدنيا أن أهل الملل ~~كلها تدعيه، وتقول هو منهم. وقيل أعطاه في الدنيا عملا صالحا وعاقبة ~~حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين، أي الكاملين في الصلاح المستحقين ~~لتوفير الأجرة وكثرة العطاء من الرب سبحانه. وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد ~~بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه عن ابن عباس قال بعث الله نوحا، وهو ابن أربعين سنة، ولبث في ~~قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله، وعاش بعد الطوفان ستين ~~سنة حتى كثر الناس وفشوا. # وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال كان عمر نوح قبل أن يبعث إلى قومه وبعد ~~ما بعث ألفا وسبعمائة سنة. وأخرج ابن جرير عن عوف بن أبي شداد قال إن ~~الله أرسل نوحا إلى قومه وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة، فلبث فيهم ألف ~~سنة إلا خمسين عاما، ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاثمائة سنة. وأخرج ابن ~~أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا عن أنس بن مالك قال جاء ملك الموت إلى نوح ~~فقال يا أطول النبيين عمرا كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال كرجل دخل بيتا ~~له بابان، فقال في وسط البيت هنيهة، ثم خرج من الباب الآخر. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ~~وجعلنها ءاية للعلمين } قال أبقاها الله آية فهي على ~~الجودي. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~{ وتخلقون إفكا } قال تقولون كذبا. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ~~في قوله { النشأة الآخرة } قال هي الحياة بعد الموت، وهو النشور. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { ~~فئامن له لوط ms2927 } قال صدق لوط إبراهيم. وأخرج أبو يعلى وابن ~~مردويه عن أنس قال أول من هاجر من المسلمين إلى الحبشة بأهله عثمان بن ~~عفان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " صحبهما الله، إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوط " # وأخرج ابن منده وابن عساكر عن أسماء بنت أبي بكر قالت هاجر عثمان إلى ~~الحبشة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " إنه أول من هاجر بعد إبراهيم ولوط " # وأخرج ابن عساكر والطبراني، والحاكم في الكنى عن زيد بن ثابت قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما كان بين عثمان وبين رقية وبين لوط مهاجر " # وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال أول من هاجر إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عثمان بن عفان كما هاجر لوط إلى إبراهيم. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ووهبنا له إسحق ~~ويعقوب } قال هما ولدا إبراهيم، وفي قوله { وآتيناه أجره ~~في الدنيا } قال إن الله وصى أهل الأديان بدينه فليس من أهل الأديان ~~دين إلا وهم يقولون إبراهيم ويرضون به. وأخرج هؤلاء عنه أيضا في قوله { ~~وآتيناه أجره في الدنيا } قال الذكر الحسن. وأخرج ابن جرير ~~عنه أيضا قال الولد الصالح، والثناء، وقول ابن عباس هما ولدا إبراهيم ~~لعله يريد ولده وولد ولده، لأن ولد الولد بمنزلة الولد، ومثل هذا لا يخفى ~~على مثل ابن عباس، فهو حبر الأمة، وهذه الرواية عنه هي من رواية العوفي، ~~وفي الصحيحين # " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق ~~بن إبراهيم ". ### || [29.28-40] # قوله { ولوطا } منصوب بالعطف على { نوحا } ، أو على إبراهيم، أو ~~بتقدير اذكر. قال الكسائي المعنى وأنجينا لوطا، أو وأرسلنا لوطا { إذ ~~قال لقومه } ظرف للعامل في لوط { إنكم لتأتون ~~الفحشة } قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر «أئنكم» ~~بالاستفهام. وقرأ الباقون بلا استفهام. والفاحشة الخصلة المتناهية في ~~القبح، وجملة { ما سبقكم بها من أحد من العلمين } ~~مقررة لكمال قبح ms2928 هذه الخصلة، وأنهم منفردون بذلك لم يسبقهم إلى عملها ~~أحد من الناس على اختلاف أجناسهم. ثم بين سبحانه هذه الفاحشة فقال { ~~أئنكم لتأتون الرجال } أي تلوطون بهم { وتقطعون ~~السبيل } قيل إنهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمر بهم من المسافرين، ~~فلما فعلوا ذلك ترك الناس المرور بهم، فقطعوا السبيل بهذا السبب. قال ~~الفراء كانوا يعترضون الناس في الطرق بعملهم الخبيث. وقيل كانوا يقطعون ~~الطريق على المارة بقتلهم ونهبهم. والظاهر أنهم كانوا يفعلون ما يكون ~~سببا لقطع الطريق من غير تقييد بسبب خاص، وقيل إن معنى قطع الطريق قطع ~~النسل بالعدول عن النساء إلى الرجال { وتأتون في ناديكم ~~المنكر } النادي والندي والمنتدى مجلس القوم ومتحدثهم. واختلف في ~~المنكر الذي كانوا يأتونه فيه فقيل كانوا يحذفون الناس بالحصباء، ~~ويستخفون بالغريب. وقيل كانوا يتضارطون في مجالسهم، وقيل كانوا يأتون ~~الرجال في مجالسهم وبعضهم يرى بعضا، وقيل كانوا يلعبون بالحمام. وقيل ~~كانوا يخضبون أصابعهم بالحناء. وقيل كانوا يناقرون بين الديكة، ويناطحون ~~بين الكباش. وقيل يلعبون بالنرد والشطرنج ويلبسون المصبغات، ولا مانع من ~~أنهم كانوا يفعلون جميع هذه المنكرات. قال الزجاج وفي هذا إعلام أنه لا ~~ينبغي أن يتعاشر الناس على المنكر وألا يجتمعوا على الهزؤ، والمناهي. ~~ولما أنكر لوط عليهم ما كانوا يفعلونه أجابوا بما حكى الله عنهم بقوله { ~~فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب ~~الله إن كنت من الصدقين } أي فما أجابوا بشيء إلا بهذا ~~القول رجوعا منهم إلى التكذيب واللجاج والعناد، وقد تقدم الكلام على ~~هذه الآية، وقد تقدم في سورة النمل # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا ءال ~~لوط من قريتكم # النمل 56 وتقدم في سورة الأعراف # وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من ~~قريتكم # الأعراف 82 وقد جمع بين هذه الثلاثة المواضع بأن لوطا كان ثابتا على ~~الإرشاد، ومكررا للنهي لهم والوعيد عليهم، فقالوا له أولا { ائتنا ~~بعذاب الله } كما في هذه الآية، فلما كثر منه ذلك، ولم يسكت عنهم قالوا { ~~أخرجوهم } كما في ms2929 الأعراف والنمل. وقيل إنهم قالوا أولا { أخرجوهم من ~~قريتكم } ثم قالوا ثانيا { ائتنا بعذاب الله }. ثم إن لوطا لما يئس ~~منهم طلب النصرة عليهم من الله سبحانه فقال { رب انصرني على ~~القوم المفسدين } بإنزال عذابك عليهم، وإفسادهم هو بما سبق من ~~إتيان الرجال وعمل المنكر في ناديهم، فاستجاب الله سبحانه وبعث لعذابهم ~~ملائكته وأمرهم بتبشير إبراهيم قبل عذابهم، ولهذا قال { ولما جاءت ~~رسلنا إبرهيم بالبشرى } أي بالبشارة بالولد وهو إسحاق، ~~وبولد الولد وهو يعقوب { قالوا إنآ مهلكو أهل هذه ~~القرية } أي قالوا لإبراهيم هذه المقالة. # والقرية هي قرية سدوم التي كان فيها قوم لوط، وجملة { إن أهلها ~~كانوا ظلمين } تعليل للإهلاك، أي إهلاكنا لهم بهذا السبب { ~~قال إن فيها لوطا } أي قال لهم إبراهيم إن في هذه القرية التي ~~أنتم مهلكوها لوطا فكيف تهلكونها؟ { قالوا نحن أعلم بمن ~~فيها } من الأخيار والأشرار، ونحن أعلم من غيرنا بمكان لوط { ~~لننجينه وأهله } من العذاب. قرأ الأعمش وحمزة ويعقوب ~~والكسائي «لننجينه» بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد { إلا ~~امرأته كانت من الغبرين } أي الباقين في العذاب، وهو ~~لفظ مشترك بين الماضي والباقي، وقد تقدم تحقيقه، وقيل المعنى من الباقين ~~في القرية التي سينزل بها العذاب، فتعذب من جملتهم، ولا تنجو فيمن نجا. { ~~ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم } أي لما جاءت الرسل ~~لوطا بعد مفارقتهم إبراهيم سيىء بهم أي جاءه ما ساءه، وخاف منه لأنه ~~ظنهم من البشر، فخاف عليهم من قومه لكونهم في أحسن صورة من الصور ~~البشرية، و«أن» في { أن جاءت } زائدة للتأكيد { وضاق بهم ذرعا } ~~أي عجز عن تدبيرهم وحزن وضاق صدره، وضيق الذراع كناية عن العجز، كما يقال ~~في الكناية عن الفقر ضاقت يده، وقد تقدم تفسير هذا مستوفى في سورة هود. ~~ولما شاهدت الملائكة ما حل به من الحزن والتضجر، قالوا { لا تخف ~~ولا تحزن } أي لا تخف علينا من قومك، ولا تحزن فإنهم لا يقدرون ~~علينا { إنا منجوك وأهلك } من العذاب الذي أمرنا الله بأن ~~ننزله بهم { إلا ms2930 امرأتك كانت من الغبرين } أخبروا ~~لوطا بما جاؤوا به من إهلاك قومه وتنجيته وأهله إلا امرأته كما أخبروا ~~بذلك إبراهيم، قرأ حمزة والكسائي وشعبة ويعقوب والأعمش «منجوك» بالتخفيف. ~~وقرأ الباقون بالتشديد. قال المبرد الكاف في { منجوك } مخفوض ولم يجز عطف ~~الظاهر على المضمر المخفوض، فحمل الثاني على المعنى وصار التقدير وننجي ~~أهلك { إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا ~~من السماء } هذه الجملة مستأنفة لبيان هلاكهم المفهوم من تخصيص ~~التنجية به وبأهله. والرجز العذاب، أي عذابا من السماء، وهو الرمي ~~بالحجارة، وقيل إحراقهم بنار نازلة من السماء. وقيل هو الخسف والحصب كما ~~في غير هذا الموضع، ومعنى كون الخسف من السماء أن الأمر به نزل من ~~السماء. # قرأ ابن عامر «منزلون» بالتشديد. وبها قرأ ابن عباس. وقرأ الباقون ~~بالتخفيف، والباء في { بما كانوا يفسقون } للسببية، أي لسبب ~~فسقهم { ولقد تركنا منها ءاية بينة } أي أبقينا من ~~القرية علامة ودلالة بينة وهي الآثار التي بها من الحجارة رجموا بها، ~~وخراب الديار. وقال مجاهد هو الماء الأسود الباقي على وجه أرضهم، ولا ~~مانع من حمل الآية على جميع ما ذكر، وخص من يعقل، لأنه الذي يفهم أن تلك ~~الآثار عبرة يعتبر بها من يراها. { وإلى مدين أخهم ~~شعيبا } أي وأرسلناه إليهم، وقد تقدم ذكره وذكر نسبه وذكر قومه في ~~سورة الأعراف وسورة هود { قال ياقوم اعبدوا الله } أي ~~أفردوه بالعبادة، وخصوه بها { وارجوا اليوم الآخر } أي توقعوه، ~~وافعلوا اليوم من الأعمال ما يدفع عذابه عنكم. قال يونس النحوي معناه ~~اخشوا الآخرة التي فيها الجزاء على الأعمال { ولا تعثوا في ~~الأرض مفسدين } العثو، والعثي أشد الفساد. وقد تقدم تفسيره ~~{ فأخذتهم الرجفة } أي الزلزلة، وتقدم في سورة هود # وأخذ الذين ظلموا الصيحة # هود 67 أي صيحة جبريل، وهي سبب الرجفة { فأصبحوا في دارهم ~~جثمين } أي أصبحوا في بلدهم أو منازلهم جاثمين على الركب ميتين. { ~~وعادا وثمودا } قال الكسائي قال بعضهم هو راجع إلى أول السورة، ~~أي ولقد فتنا الذين من قبلهم وفتنا عادا وثمود، ms2931 قال وأحب إلي أن يكون ~~على { فأخذتهم الرجفة } أي وأخذت عادا وثمود. وقال الزجاج التقدير، ~~وأهلكنا عادا وثمود. وقيل المعنى واذكر عادا وثمود إذ أرسلنا إليهم ~~هودا وصالحا { وقد تبين لكم من مسكنهم } أي وقد ~~ظهر لكم يا معاشر الكفار من مساكنهم بالحجر، والأحقاف آيات بينات تتعظون ~~بها، وتتفكرون فيها، ففاعل تبين محذوف { وزين لهم الشيطن ~~أعملهم } التي يعملونها من الكفر، ومعاصي الله { فصدهم } ~~بهذا التزيين { عن السبيل } أي الطريق الواضح الموصل إلى الحق { ~~وكانوا مستبصرين } أي أهل بصائر يتمكنون بها من معرفة الحق ~~بالاستدلال. قال الفراء كانوا عقلاء ذوي بصائر فلم تنفعهم بصائرهم. وقيل ~~المعنى كانوا مستبصرين في كفرهم وضلالتهم معجبين بها يحسبون أنهم على ~~هدى، ويرون أن أمرهم حق، فوصفهم بالاستبصار على هذا باعتبار ما عند ~~أنفسهم. { وقرون وفرعون وهمن } قال الكسائي إن شئت ~~كان محمولا على { عادا } وكان فيه ما فيه، وإن شئت كان على { فصدهم عن ~~السبيل } أي وصد قارون وفرعون وهامان. وقيل التقدير وأهلكنا هؤلاء بعد ~~أن جاءتهم الرسل { فاستكبروا في الأرض } عن عبادة الله { ~~وما كانوا سبقين } أي فائتين، يقال سبق طالبه إذا فاته وقيل ~~وما كانوا سابقين في الكفر، بل قد سبقهم إليه قرون كثيرة. { فكلا ~~أخذنا بذنبه } أي عاقبنا بكفره وتكذيبه. قال الكسائي { فكلا ~~أخذنا } أي فأخذنا كلا بذنبه { فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا } أي ريحا تأتي بالحصباء، وهي الحصى الصغار فترجمهم بها، وهم ~~قوم لوط { ومنهم من أخذته الصيحة } وهم ثمود وأهل مدين ~~{ ومنهم من خسفنا به الأرض } وهو قارون وأصحابه { ~~ومنهم من أغرقنا } وهم قوم نوح وقوم فرعون { وما كان ~~الله ليظلمهم } بما فعل بهم، لأنه قد أرسل إليهم رسله وأنزل ~~عليهم كتبه { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } باستمرارهم ~~على الكفر وتكذيبهم للرسل وعملهم بمعاصي الله. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~وتأتون في ناديكم المنكر } قال مجلسكم. وأخرج الفريابي ~~وأحمد وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن أبي الدنيا في كتاب الصمت، ~~وابن ms2932 جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي في الشعب وابن عساكر عن أم هانىء بنت أبي طالب قالت ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله سبحانه { وتأتون في ~~ناديكم المنكر } قال # " كانوا يجلسون بالطريق فيحذفون أبناء السبيل ويسخرون منهم " # قال الترمذي بعد إخراجه، وتحسينه ولا نعرفه إلا من حديث حاتم بن أبي ~~صغيرة عن سماك. وأخرج ابن مردويه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن الحذف، وهو قول الله سبحانه { وتأتون فى ناديكم ~~المنكر }. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر في الآية قال هو الحذف. ~~وأخرج عبد ابن حميد عن ابن عباس مثله. وأخرج البخاري في تاريخه، وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة في الآية قالت ~~الضراط. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم في قوله { فأخذتهم الرجفة } قال ~~الصيحة، وفي قوله { وكانوا مستبصرين } قال في الضلالة. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { فمنهم من أرسلنا ~~عليه حاصبا } قال قوم لوط { ومنهم من أخذته ~~الصيحة } قال ثمود { ومنهم من خسفنا به الأرض } ~~قال قارون { ومنهم من أغرقنا } قال قوم نوح. ### || [29.41-46] # قوله { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء } ~~يوالونهم، ويتكلون عليهم في حاجاتهم من دون الله سواء كانوا من الجماد أو ~~الحيوان، ومن الأحياء أو من الأموات { كمثل العنكبوت اتخذت ~~بيتا } فإن بيتها لا يغني عنها شيئا لا في حر ولا قر ولا مطر، كذلك ~~ما اتخذوه وليا من دون الله، فإنه لا ينفعهم بوجه من وجوه النفع، ولا ~~يغني عنهم شيئا. قال الفراء هو مثل ضربه الله لمن اتخذ من دونه آلهة لا ~~تنفعه ولا تضره، كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حرا، ولا بردا. قال ~~ولا يحسن الوقف على العنكبوت لأنه لما قصد بالتشبيه لبيتها الذي لا يقيها ~~من شيء شبهت الآلهة التي لا تنفع ولا تضر به، وقد ms2933 جوز الوقف على ~~العنكبوت الأخفش، وغلطه ابن الأنباري قال لأن اتخذت صلة للعنكبوت كأنه ~~قال كمثل العنكبوت التي { اتخذت } بيتا، فلا يحسن الوقف على الصلة دون ~~الموصول. والعنكبوت تقع على الواحد، والجمع والمذكر والمؤنث، وتجمع على ~~عناكب وعنكبوتات، وهي الدويبة الصغيرة التي تنسج نسجا رقيقا. وقد يقال ~~لها عكنبات، ومنه قول الشاعر # كأنما يسقط من لغامها بيت عكنبات على زمامها # { وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت } لا بيت أضعف ~~منه مما يتخذه الهوام بيتا، ولا يدانيه في الوهي والوهن شيء من ذلك { ~~لو كانوا يعلمون } أن اتخاذهم الأولياء من دون الله كاتخاذ ~~العنكبوت بيتا، أو لو كانوا يعلمون شيئا من العلم لعلموا بهذا { إن ~~الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء } ما استفهامية، ~~أو نافية، أو موصولة، ومن للتبعيض أو مزيدة للتوكيد. وقيل إن هذه الجملة ~~على إضمار القول، أي قل للكافرين إن الله يعلم أي شيء يدعون من دونه. ~~وحرم أبو علي الفارسي بأنها استفهامية، وعلى تقدير النفي كأنه قيل إن ~~الله يعلم أنكم لا تدعون من دونه من شيء، يعني ما تدعونه ليس بشيء، وعلى ~~تقدير الموصولة إن الله يعلم الذين تدعونهم من دونه، ويجوز أن تكون " ما ~~" مصدرية، و { من شيء } عبارة عن المصدر. قرأ عاصم وأبو عمرو ويعقوب " ~~يدعون " بالتحتية. واختار هذه القراءة أبو عبيد لذكر الأمم قبل هذه ~~الآية. وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب { وهو العزيز الحكيم ~~} الغالب المصدر أفعاله على غاية الإحكام والإتقان. { وتلك ~~الأمثل نضربها للناس } أي هذا المثل، وغيره من الأمثال ~~التي في القرآن نضربها للناس تنبيها لهم، وتقريبا لما بعد من أفهامهم { ~~وما يعقلها } أي يفهمها ويتعقل الأمر الذي ضربناها لأجله { إلا ~~العلمون } بالله الراسخون في العلم المتدبرون المتفكرون لما يتلى ~~عليهم وما يشاهدونه. # { خلق الله السموات والأرض بالحق } أي بالعدل، ~~والقسط مراعيا في خلقها مصالح عباده. وقيل المراد بالحق كلامه وقدرته، ~~ومحل { بالحق } النصب على الحال { إن في ذلك لآية ~~للمؤمنين } أي لدلالة عظيمة وعلامة ظاهرة على قدرته، وتفرده ~~بالإلهية، ms2934 وخص المؤمنين لأنهم الذين ينتفعون بذلك. { اتل ما أوحي ~~إليك من الكتب } أي القرآن، وفيه الأمر بالتلاوة للقرآن، ~~والمحافظة على قراءته مع التدبر لآياته والتفكر في معانيه { وأقم ~~الصلوة إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر ~~} أي دم على إقامتها، واستمر على أدائها كما أمرت بذلك، وجملة { إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } تعليل لما قبلها، والفحشاء ما قبح من ~~العمل، والمنكر ما لا يعرف في الشريعة، أي تمنعه عن معاصي الله، وتبعده ~~منها، ومعنى نهيها عن ذلك أن فعلها يكون سببا للانتهاء، والمراد هنا ~~الصلوات المفروضة { ولذكر الله أكبر } أي أكبر من كل شيء، أي ~~أفضل من العبادات كلها بغير ذكر. قال ابن عطية وعندي أن المعنى ولذكر ~~الله أكبر على الإطلاق، أي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فالجزء الذي ~~منه في الصلاة يفعل ذلك، وكذلك يفعل ما لم يكن منه في الصلاة لأن ~~الانتهاء لا يكون إلا من ذاكر لله مراقب له. وقيل ذكر الله أكبر من ~~الصلاة في النهي عن الفحشاء، والمنكر مع المداومة عليه. قال الفراء، وابن ~~قتيبة المراد بالذكر في الآية التسبيح، والتهليل، يقول هو أكبر وأحرى بأن ~~ينهى عن الفحشاء، والمنكر. وقيل المراد بالذكر هنا الصلاة، أي وللصلاة ~~أكبر من سائر الطاعات، وعبر عنها بالذكر كما في قوله # فاسعوا إلى ذكر الله # الجمعة 9 للدلالة على أن ما فيها من الذكر هو العمدة في تفضيلها على ~~سائر الطاعات، وقيل المعنى ولذكر الله لكم بالثواب والثناء عليكم منه ~~أكبر من ذكركم له في عبادتكم وصلواتكم، واختار هذا ابن جرير، ويؤيده حديث # " من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير ~~منهم " # { والله يعلم ما تصنعون } لا تخفى عليه من ذلك خافية، فهو ~~مجازيكم بالخير خيرا وبالشر شرا. { ولا تجدلوا أهل ~~الكتب إلا بالتي هي أحسن } أي إلا بالخصلة التي هي ~~أحسن، وذلك على سبيل الدعاء لهم إلى الله عز وجل والتنبيه لهم على حججه ~~وبراهينه رجاء إجابتهم إلى الإسلام، ms2935 لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة { ~~إلا الذين ظلموا منهم } بأن أفرطوا في المجادلة ولم ~~يتأدبوا مع المسلمين فلا بأس بالإغلاظ عليهم والتخشين في مجادلتهم، هكذا ~~فسر الآية أكثر المفسرين بأن المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى. وقيل ~~معنى الآية لا تجادلوا من آمن بمحمد من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام ~~وسائر من آمن منهم { إلا بالتي هي أحسن } يعني بالموافقة فيما حدثوكم ~~به من أخبار أهل الكتاب، ويكون المراد بالذين ظلموا على هذا القول هم ~~الباقون على كفرهم. # وقيل هي الآية منسوخة بآيات القتال، وبذلك قال قتادة، ومقاتل. قال ~~النحاس من قال هذه منسوخة، احتج بأن الآية مكية، ولم يكن في ذلك الوقت ~~قتال مفروض، ولا طلب جزية ولا غير ذلك. قال سعيد بن جبير ومجاهد إن ~~المراد بالذين ظلموا منهم الذين نصبوا القتال للمسلمين فجدالهم بالسيف ~~حتى يسلموا أو يعطوا الجزية { وقولوا ءامنا بالذي أنزل ~~إلينا } من القرآن { وأنزل إليكم } من التوراة والإنجيل، أي ~~آمنا بأنهما منزلان من عند الله، وأنهما شريعة ثابتة إلى قيام الشريعة ~~الإسلامية والبعثة المحمدية، ولا يدخل في ذلك ما حرفوه وبدلوه { ~~وإلهنا وإلهكم واحد } لا شريك له ولا ضد ولا ند { ~~ونحن له مسلمون } أي ونحن معاشر أمة محمد مطيعون له خاصة، لم ~~نقل عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله، ولا اتخذنا أحبارنا ورهباننا ~~أربابا من دون الله، ويحتمل أن يراد ونحن جميعا منقادون له، ولا يقدح ~~في هذا الوجه كون انقياد المسلمين أتم من انقياد أهل الكتاب وطاعتهم ~~أبلغ من طاعاتهم. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { مثل ~~الذين اتخذوا من دون الله أولياء } الآية قال ذاك مثل ~~ضربه الله لمن عبد غيره أن مثله كمثل بيت العنكبوت. وأخرج أبو داود في ~~مراسيله عن يزيد بن مرثد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " العنكبوت شيطان مسخها الله فمن وجدها فليقتلها " # وأخرج ابن أبي حاتم عن مزيد بن ميسرة قال العنكبوت شيطان. وأخرج الخطيب ~~عن علي قال قال ms2936 رسول الله صلى الله عليه وسلم # " دخلت أنا وأبو بكر الغار فاجتمعت العنكبوت فنسجت بالباب فلا تقتلوهن ~~" # وروى القرطبي في تفسيره عن علي أيضا أنه قال طهروا بيوتكم من نسج ~~العنكبوت فإن تركه في البيت يورث الفقر. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ~~الخراساني قال نسجت العنكبوت مرتين مرة على داود، والثانية على النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { إن الصلاة تنهى عن الفحشآء ~~والمنكر } قال في الصلاة منتهى ومزدجر عن المعاصي. وأخرج ابن أبي ~~حاتم وابن مردويه عن عمران بن حصين قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~قول الله { إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر } ~~فقال # " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له " # وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعدا ~~" # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، والبيهقي في الشعب عن الحسن قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له " # ، وفي لفظ # " لم يزدد بها من الله إلا بعدا " # وأخرج الخطيب عن ابن عمر مرفوعا نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~وابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعا نحوه. قال السيوطي وسنده ضعيف. وأخرج ~~سعيد بن منصور، وأحمد في الزهد، وابن جرير وابن المنذر، والطبراني ~~والبيهقي في الشعب عنه نحوه موقوفا. قال ابن كثير في تفسيره والأصح في ~~هذا كله الموقوفات عن ابن مسعود وابن عباس والحسن وقتادة والأعمش وغيرهم. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~ولذكر الله أكبر } يقول ولذكر الله لعباده إذا ذكروه أكبر من ~~ذكرهم إياه. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن ربيعة ms2937 قال ~~سألني ابن عباس عن قول الله { ولذكر الله أكبر } فقلت ذكر ~~الله بالتسبيح والتهليل والتكبير قال لذكر الله إياكم أكبر من ذكركم ~~إياه، ثم قال # فاذكروني أذكركم # البقرة 152. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن ~~جرير عن ابن مسعود { ولذكر الله أكبر } قال ذكر الله العبد ~~أكبر من ذكر العبد لله. وأخرج ابن السني وابن مردويه والديلمي عن ابن عمر ~~نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية ~~قال لها وجهان ذكر الله أكبر مما سواه، وفي لفظ ذكر الله عندما حرمه، ~~وذكر الله إياكم أعظم من ذكركم إياه. وأخرج أحمد في الزهد، وابن المنذر ~~عن معاذ بن جبل قال ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر ~~الله، قالوا ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال ولا أن يضرب بسيفه حتى يتقطع، ~~لأن الله يقول في كتابه العزيز { ولذكر الله أكبر }. وأخرج ~~سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر، والحاكم في الكنى، والبيهقي في ~~الشعب عن عنترة قال قلت لابن عباس أي العمل أفضل؟ قال ذكر الله. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عنه في قوله { ولا تجدلوا أهل الكتب ~~إلا بالتي هي أحسن } قال بلا إله إلا الله. وأخرج البخاري ~~والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي ~~هريرة قال كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية ~~لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا ~~وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون " # وأخرج البيهقي في الشعب، والديلمي، وأبو نصر السجزي في الإبانة عن جابر ~~بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن ~~تصدقوا بباطل، أو تكذبوا بحق، والله لو كان موسى حيا بين أظهركم ما ~~حل له إلا أن يتبعني ms2938 " # وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ابن مسعود قال لا تسألوا أهل الكتاب، ~~وذكر نحو حديث جابر، ثم قال فإن كنتم سائليهم لا محالة فانظروا ما واطأ ~~كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه. ### || [29.47-55] # قوله { وكذلك أنزلنا إليك الكتب } هذا خطاب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، والإشارة إلى مصدر الفعل كما بيناه في مواضع ~~كثيرة، أي ومثل ذلك الإنزال البديع أنزلنا إليك الكتاب، وهو القرآن، وقيل ~~المعنى كما أنزلنا الكتاب عليهم أنزلنا عليك القرآن { فالذين ~~ءاتينهم الكتب يؤمنون به } يعني مؤمني أهل الكتاب ~~كعبد الله بن سلام، وخصهم بإيتائهم الكتاب لكونهم العاملين به وكأن غيرهم ~~لم يؤتوه لعدم عملهم بما فيه، وجحدهم لصفات رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المذكورة فيه { ومن هؤلاء من يؤمن به } الإشارة إلى أهل ~~مكة، والمراد أن منهم، وهو من قد أسلم من يؤمن به، أي بالقرآن، وقيل ~~الإشارة إلى جميع العرب { وما يجحد بئايتنا } أي آيات ~~القرآن { إلا الكفرون } المصممون على كفرهم من المشركين، وأهل ~~الكتاب. { وما كنت تتلوا من قبله من كتب } الضمير ~~في قبله راجع إلى القرآن لأنه المراد بقوله { أنزلنا إليك الكتاب } أي ما ~~كنت يا محمد تقرأ قبل القرآن كتابا ولا تقدر على ذلك لأنك أمي لا تقرأ ~~ولا تكتب { ولا تخطه بيمينك } أي ولا تكتبه لأنك لا تقدر على ~~الكتابة. قال مجاهد كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم لا يخط ولا يقرأ فنزلت هذه الآية. قال النحاس وذلك دليل على ~~نبوته لأنه لا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب ولم يكن بمكة أهل كتاب فجاءهم ~~بأخبار الأنبياء والأمم { إذا لارتب المبطلون } أي لو كنت ~~ممن يقدر على التلاوة والخط لقالوا لعله وجد ما يتلوه علينا من كتب الله ~~السابقة أو من الكتب المدونة في أخبار الأمم، فلما كنت أميا لا تقرأ ~~ولا تكتب لم يكن هناك موضع للريبة ولا محل للشك أبدا، بل إنكار من أنكر ~~وكفر من كفر مجرد عناد ms2939 وجحود بلا شبهة، وسماهم مبطلين لأن ارتيابهم على ~~تقدير أنه صلى الله عليه وسلم يقرأ ويكتب ظلم منهم لظهور نزاهته ووضوح ~~معجزاته. { بل هو ءايت بينت } يعني القرآن { في صدور ~~الذين أوتوا العلم } يعني المؤمنين الذين حفظوا القرآن على ~~عهده صلى الله عليه وسلم، وحفظوه بعده، وقال قتادة ومقاتل إن الضمير يرجع ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أي بل محمد آيات بينات، أي ذو آيات. وقرأ ~~ابن مسعود " بل هي آيات بينات " قال الفراء معنى هذه القراءة بل آيات ~~القرآن آيات بينات. واختار ابن جرير ما قاله قتادة ومقاتل، وقد استدل لما ~~قالاه بقراءة ابن السميفع " بل هذا آيات بينات " ولا دليل في هذه القراءة ~~على ذلك لأن الإشارة يجوز أن تكون إلى القرآن كما جاز أن تكون إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، بل رجوعها إلى القرآن أظهر لعدم احتياج ذلك إلى ~~التأويل، والتقدير { وما يجحد بئايتنا إلا ~~الظلمون } أي المجاوزون للحد في الظلم { وقالوا لولا ~~أنزل عليه ءايت من ربه } أي قال المشركون هذا القول، ~~والمعنى هلا أنزلت عليه آيات كآيات الأنبياء، وذلك كآيات موسى وناقة صالح ~~وإحياء المسيح للموتى، ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عليهم فقال { قل ~~إنما الآيت عند الله } ينزلها على من يشاء من عباده ولا ~~قدرة لأحد على ذلك { وإنما أنا نذير مبين } أنذركم كما ~~أمرت وأبين لكم كما ينبغي، ليس في قدرتي غير ذلك. # قرأ ابن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي " لولا أنزل عليه آية " بالإفراد. ~~وقرأ الباقون بالجمع، واختار هذه القراءة أبو عبيد لقوله { قل إنما ~~الآيات }. { أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك ~~الكتب يتلى عليهم } هذه الجملة مستأنفة للرد على ~~اقتراحهم وبيان بطلانه، أي أو لم يكف المشركين من الآيات التي اقترحوها ~~هذا الكتاب المعجز الذي قد تحديتهم بأن يأتوا بمثله أو بسورة منه، ~~فعجزوا، ولو أتيتهم بآيات موسى وآيات غيره من الأنبياء لما آمنوا، كما لم ~~يؤمنوا بالقرآن الذي يتلى عليهم في كل زمان، ومكان { إن في ذلك ms2940 } ~~الإشارة إلى الكتاب الموصوف بما ذكر { لرحمة } عظيمة في الدنيا، ~~والآخرة { وذكرى } في الدنيا يتذكرون بها، وترشدهم إلى الحق { ~~لقوم يؤمنون } أي لقوم يصدقون بما جئت به من عند الله، فإنهم ~~هم الذين ينتفعون بذلك { قل كفى بالله بينى وبينكم ~~شهيدا } أي قل للمكذبين كفى الله شهيدا بما وقع بيني وبينكم { ~~يعلم ما في السموات والأرض } لا تخفى عليه من ذلك ~~خافية، ومن جملته ما صدر بينكم وبين رسوله { والذين ءامنوا ~~بالبطل وكفروا بالله أولئك هم الخسرون } ~~أي آمنوا بما يعبدونه من دون الله وكفروا بالحق وهو الله سبحانه، أولئك ~~هم الجامعون بين خسران الدنيا والآخرة. { ويستعجلونك ~~بالعذاب } استهزاء وتكذيبا منهم بذلك كقولهم # فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ~~أليم # الأنفال 32. { ولولا أجل مسمى } قد جعله الله لعذابهم ~~وعينه، وهو القيامة، وقال الضحاك الأجل مدة أعمارهم لأنهم إذا ماتوا ~~صاروا إلى العذاب { لجاءهم العذاب } أي لولا ذلك الأجل المضروب ~~لجاءهم العذاب الذي يستحقونه بذنوبهم. وقيل المراد بالأجل المسمى النفخة ~~الأولى. وقيل الوقت الذي قدره الله لعذابهم في الدنيا بالقتل والأسر يوم ~~بدر. والحاصل أن لكل عذاب أجلا لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه كما في ~~قوله سبحانه # لكل نبإ مستقر # الأنعام 67. وجملة { وليأتينهم بغتة } مستأنفة مبينة ~~لمجيء العذاب المذكور قبلها. # ومعنى بغتة فجأة، وجملة { وهم لا يشعرون } في محل نصب على ~~الحال، أي حال كونهم لا يعلمون بإتيانه. ثم ذكر سبحانه أن موعد عذابهم ~~النار، فقال { يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم ~~لمحيطة بالكفرين } أي يطلبون منك تعجيل عذابهم والحال أن ~~مكان العذاب محيط بهم، أي سيحيط بهم عن قرب، فإن ما هو آت قريب، والمراد ~~بالكافرين جنسهم، فيدخل فيه هؤلاء المستعجلون دخولا أوليا، فقوله { ~~ويستعجلونك بالعذاب } إخبار عنهم، وقوله ثانيا { ~~يستعجلونك بالعذاب } تعجب منهم. وقيل التكرير للتأكيد. ثم ~~ذكر سبحانه كيفية إحاطة العذاب بهم فقال { يوم يغشهم ~~العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم } أي من جميع ~~جهاتهم، فإذا غشيهم العذاب على هذه الصفة، فقد أحاطت بهم جهنم { ~~ونقول ذوقوا ms2941 ما كنتم تعملون } القائل هو الله سبحانه، أو ~~بعض ملائكته يأمره، أي ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون من الكفر والمعاصي. قرأ ~~أهل المدينة والكوفة " نقول " بالنون. وقرأ الباقون بالتحتية، واختار ~~القراءة الأخيرة أبو عبيد لقوله { قل كفى بالله } وقرأ ابن ~~مسعود وابن أبي عبلة " ويقال ذوقوا ". وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه، والإسماعيلي في معجمه عن ابن عباس في قوله { وما كنت ~~تتلوا من قبله من كتب ولا تخطه بيمينك } قال ~~لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ولا يكتب كان أميا، وفي قوله ~~{ بل هو ءايت بينت في صدور الذين أوتوا ~~العلم } قال كان الله أنزل شأن محمد في التوراة والإنجيل لأهل العلم ~~وعلمه لهم وجعله لهم آية فقال لهم إن آية نبوته أن يخرج حين يخرج ولا ~~يعلم كتابا ولا يخطه بيمينه، وهي الآيات البينات التي قال الله تعالى. ~~وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود في قوله { وما كنت تتلوا ~~من قبله من كتب } الآية قال لم يكن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ ولا يكتب. وأخرج الفريابي والدارمي، وأبو داود في مراسيله وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن يحيى بن جعدة قال جاء أناس من ~~المسلمين بكتب قد كتبوها فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " كفى بقوم حمقا أو ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء ~~به غيره إلى غيرهم " # فنزلت { أو لم يكفهم } الآية. وأخرجه الإسماعيلي في معجمه، ~~وابن مردويه من طريق يحيى بن جعدة عن أبي هريرة، فذكره بمعناه. وأخرج عبد ~~الرزاق في المصنف، والبيهقي في الشعب عن الزهري أن حفصة جاءت إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم بكتاب من قصص يوسف في كتف، فجعلت تقرؤه والنبي صلى ~~الله عليه وسلم يتلون وجهه فقال # " والذي نفسي بيده لو أتاكم يوسف وأنا نبيكم فاتبعتموه وتركتموني لضللتم ~~" # وأخرج عبد الرزاق، وابن سعد وابن الضريس، والحاكم في الكنى، والبيهقي ms2942 في ~~الشعب عن عبد الله ابن الحارث الأنصاري قال دخل عمر بن الخطاب على النبي ~~صلى الله عليه وسلم بكتاب فيه مواضع من التوراة فقال هذه أصبتها مع رجل ~~من أهل الكتاب أعرضها عليك، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تغيرا شديدا لم أر مثله قط، فقال عبد الله بن الحارث لعمر أما ترى وجه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر رضينا بالله ربا وبالإسلام ~~دينا وبمحمد نبيا، فسرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال # " لو نزل موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم أنا حظكم من النبيين وأنتم ~~حظكم من الأمم " # وأخرج نحوه عبد الرزاق والبيهقي من طريق أبي قلابة عن عمر. وأخرج ~~البيهقي وصححه عن عمر بن الخطاب قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن تعلم التوراة فقال # " لا تتعلمها وآمن بها، وتعلموا ما أنزل إليكم وآمنوا به " # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وإن جهنم ~~لمحيطة بالكفرين } قال جهنم هو هذا البحر الأخضر تنتثر ~~الكواكب فيه وتكون فيه الشمس والقمر ثم يستوقد فيكون هو جهنم، وفي هذا ~~نكارة شديدة، فإن الأحاديث الكثيرة الصحيحة ناطقة بأن جهنم موجودة مخلوقة ~~على الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة. ### || [29.56-69] # لما ذكر سبحانه حال الكفرة من أهل الكتاب ومن المشركين وجمعهم في ~~الإنذار وجعلهم من أهل النار اشتد عنادهم، وزاد فسادهم، وسعوا في إيذاء ~~المسلمين بكل وجه فقال الله سبحانه { يعبادي الذين آمنوا } ~~أضافهم إليه بعد خطابه لهم تشريفا وتكريما، والذين آمنوا صفة موضحة أو ~~مميزة { إن أرضي واسعة } إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار ~~الإيمان، وفي مكايدة للكفار فاخرجوا منها لتتيسر لكم عبادتي وحدي وتتسهل ~~عليكم. قال الزجاج أمروا بالهجرة من الموضع الذي لا يمكنهم فيه عبادة ~~الله، وكذلك يجب على من كان في بلد يعمل فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ~~ذلك أن يهاجر إلى حيث يتهيأ له أن يعبد الله حق عبادته. وقال مطرف بن ~~الشخير المعنى إن رحمتي واسعة ms2943 ورزقي لكم واسع، فابتغوه في الأرض. وقيل ~~المعنى إن أرضي التي هي أرض الجنة واسعة فاعبدون حتى أورثكموها. وانتصاب ~~{ إياي } بفعل مضمر، أي فاعبدوا إياي. ثم خوفهم سبحانه بالموت ليهون ~~عليهم أمر الهجرة فقال { كل نفس ذائقة الموت ثم ~~إلينا ترجعون } أي كل نفس من النفوس واجدة مرارة الموت لا ~~محالة، فلا يصعب عليكم ترك الأوطان، ومفارقة الإخوان والخلان، ثم إلى ~~الله المرجع بالموت والبعث لا إلى غيره، فكل حي في سفر إلى دار القرار ~~وإن طال لبثه في هذه الدار. { والذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت لنبوئنهم من الجنة غرفا } في هذا ~~الترغيب إلى الهجرة، وأن جزاء من هاجر أن يكون في غرف الجنة، ومعنى { ~~لنبوئنهم } لننزلنهم غرف الجنة، وهي علاليها فانتصاب { غرفا } على أنه ~~المفعول الثاني على تضمين نبوئتهم معنى ننزلنهم، أو على الظرفية مع عدم ~~التضمين لأن نبوئتهم لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد. وإما منصوب بنزع ~~الخافض اتساعا، أي في غرف الجنة، وهو مأخوذ من المباءة، وهي الإنزال. ~~قرأ أبو عمرو ويعقوب والجحدري وابن أبي إسحاق وابن محيصن والأعمش وحمزة ~~والكسائي وخلف " يا عبادي " بإسكان الياء، وفتحها الباقون. وقرأ ابن عامر ~~" إن أرضي " بفتح الياء، وسكنها الباقون. وقرأ السلمي وأبو بكر عن عاصم " ~~يرجعون " بالتحتية، وقرأ الباقون بالفوقية. وقرأ ابن مسعود والأعمش ويحيى ~~بن وثاب وحمزة والكسائي " لنثوينهم " بالثاء المثلثة مكان الباء الموحدة، ~~وقرأ الباقون بالباء الموحدة، ومعنى لنثوينهم بالمثلثة لنعطينهم غرفا ~~يثوون فيها من الثوى وهو الإقامة. قال الزجاج، يقال ثوى الرجل إذا أقام، ~~وأثويته إذا أنزلته منزلا يقيم فيه. قال الأخفش لا تعجبني هذه القراءة، ~~لأنك لا تقول أثويته الدار، بل تقول في الدار، وليس في الآية حرف جر في ~~المفعول الثاني. قال أبو علي الفارسي هو على إرادة حرف الجر، ثم حذف كما ~~تقول أمرتك الخير، أي بالخير. # ثم وصف سبحانه تلك الغرف فقال { تجري من تحتها الأنهر } ~~أي من تحت الغرف { خلدين فيها } أي في الغرف لا يموتون أبدا، أو ~~في الجنة، والأول أولى ms2944 { نعم أجر العملين } المخصوص بالمدح ~~محذوف، أي نعم أجر العاملين أجرهم، والمعنى العاملين للأعمال الصالحة. ثم ~~وصف هؤلاء العاملين فقال { الذين صبروا } على مشاق التكليف، وعلى ~~أذية المشركين لهم، ويجوز أن يكون منصوبا على المدح { وعلى ربهم ~~يتوكلون } أي يفوضون أمورهم إليه في كل إقدام وإحجام. ثم ذكر ~~سبحانه ما يعين على الصبر والتوكل، وهو النظر في حال الدواب، فقال { ~~وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها ~~وإياكم } قد تقدم الكلام في كأين، وأن أصلها أي، دخلت عليها كاف ~~التشبيه، وصار فيها معنى كم كما صرح به الخليل وسيبويه، وتقديرها عندهما ~~كشيء كثير من العدد من دابة. وقيل المعنى وكم من دابة. ومعنى { لا تحمل ~~رزقها } لا تطيق حمل رزقها لضعفها، ولا تدخره، وإنما يرزقها الله من ~~فضله ويرزقكم فكيف لا يتوكلون على الله مع قوتهم وقدرتهم على أسباب ~~العيش كتوكلها على الله مع ضعفها، وعجزها؟ قال الحسن تأكل لوقتها، لا ~~تدخر شيئا. قال مجاهد يعني الطير والبهائم تأكل بأفواهها، ولا تحمل ~~شيئا { وهو السميع } الذي يسمع كل مسموع { العليم } بكل ~~معلوم. ثم إنه سبحانه ذكر حال المشركين من أهل مكة وغيرهم، وعجب السامع ~~من كونهم يقرون بأنه خالقهم ورازقهم ولا يوحدونه ويتركون عبادة غيره ~~فقال { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ~~وسخر الشمس والقمر ليقولن الله } أي خلقها، لا ~~يقدرون على إنكار ذلك، ولا يتمكنون من جحوده { فأنى يؤفكون } ~~أي فكيف يصرفون عن الإقرار بتفرده بالإلهية؟ وأنه وحده لا شريك له، ~~والاستفهام للإنكار والاستبعاد. ولما قال المشركون لبعض المؤمنين لو كنتم ~~على حق لم تكونوا فقراء دفع سبحانه ذلك بقوله { الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له } أي التوسيع في ~~الرزق والتقتير له هو من الله الباسط القابض يبسطه لمن يشاء ويضيقه على ~~من يشاء على حسب ما تقتضيه حكمته، وما يليق بحال عباده من القبض والبسط، ~~ولهذا قال { إن الله بكل شيء عليم } يعلم ما فيه صلاح ~~عباده وفسادهم. { ولئن سألتهم من نزل من السماء ms2945 ~~ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله ~~} أي نزله، وأحيا به الأرض الله، يعترفون بذلك لا يجدون إلى إنكاره ~~سبيلا. ثم لما اعترفوا هذا الاعتراف في هذه الآيات، وهو يقتضي بطلان ما ~~هم عليه من الشرك وعدم إفراد الله سبحانه بالعبادة، أمر رسوله صلى الله ~~عليه وسلم أن يحمد الله على إقرارهم وعدم جحودهم مع تصلبهم في العناد، ~~وتشددهم في رد كل ما جاء به رسول الله من التوحيد فقال { قل ~~الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون } أي احمد الله على ~~أن جعل الحق معك، وأظهر حجتك عليهم، ثم ذمهم فقال { بل أكثرهم ~~لا يعقلون } الأشياء التي يتعقلها العقلاء. # فلذلك لا يعملون بمقتضى ما اعترفوا به مما يستلزم بطلان ماهم عليه عند ~~كل عاقل. ثم أشار سبحانه إلى تحقير الدنيا وأنها من جنس اللعب واللهو، ~~وأن الدار على الحقيقة هي دار الآخرة، فقال { وما هذه الحيوة ~~الدنيا إلا لهو ولعب } من جنس ما يلهو به الصبيان ويلعبون ~~به { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان }. قال ابن قتيبة ~~وأبو عبيدة إن الحيوان الحياة. قال الواحدي وهو قول جميع المفسرين ذهبوا ~~إلى أن معنى الحيوان ههنا الحياة، وأنه مصدر بمنزلة الحياة، فيكون ~~كالنزوان والغليان ويكون التقدير وإن الدار الآخرة لهي دار الحيوان، أو ~~ذات الحيوان أي دار الحياة الباقية التي لا تزول ولا ينغصها موت، ولا ~~مرض، ولا هم ولا غم { لو كانوا يعلمون } شيئا من العلم لما ~~آثروا عليها الدار الفانية المنغصة. ثم بين سبحانه أنه ليس المانع لهم من ~~الإيمان إلا مجرد تأثير الحياة فقال { فإذا ركبوا في الفلك ~~دعوا الله مخلصين له الدين } أي إذا انقطع رجاؤهم من ~~الحياة وخافوا الغرق رجعوا إلى الفطرة، فدعوا الله وحده كائنين على صورة ~~المخلصين له الدين بصدق نياتهم، وتركهم عند ذلك لدعاء الأصنام لعلمهم أنه ~~لا يكشف هذه الشدة العظيمة النازلة بهم غير الله سبحانه { فلما ~~نجاهم إلى البر إذا هم يشركون } أي فاجؤوا المعاودة ~~إلى الشرك، ودعوا غير الله سبحانه. ms2946 والركوب هو الاستعلاء، وهو متعد ~~بنفسه، وإنما عدي بكلمة في للإشعار بأن المركوب في نفسه من قبيل ~~الأمكنة، واللام في { ليكفروا بمآ ءاتينهم } وفي قوله { ~~وليتمتعوا } للتعليل، أي فاجؤوا الشرك بالله ليكفروا بنعمة الله ~~وليتمتعوا بهما فهما في الفعلين لام كي، وقيل هما لاما الأمر تهديدا ~~ووعيدا، أي اكفروا بما أعطيناكم من النعمة وتمتعوا، ويدل على هذه ~~القراءة قراءة أبي " وتمتعوا " وهذا الاحتمال للأمرين إنما هو على قراءة ~~أبي عمرو وابن عامر وعاصم وورش بكسر اللام، وأما على قراءة الجمهور ~~بسكونها فلا خلاف أنها لام الأمر، وفي قوله { فسوف يعلمون } ~~تهديد عظيم لهم، أي فسيعلمون عاقبة ذلك وما فيه من الوبال عليهم. { أو ~~لم يروا أنا جعلنا حرما ءامنا } أي ألم ينظروا؟ يعني ~~كفار قريش أنا جعلنا حرمهم هذا حرما آمنا يأمن فيه ساكنه من الغارة ~~والقتل والسبي والنهب فصاروا في سلامة وعافية مما صار فيه غيره من العرب ~~فإنهم في كل حين تطرقهم الغارات، وتجتاح أموالهم الغزاة، وتسفك دماءهم ~~الجنود، وتستبيح حرمهم وأموالهم شطار العرب وشياطينها، وجملة { ~~ويتخطف الناس من حولهم } في محل نصب على الحال، أي ~~يختلسون من حولهم بالقتل والسبي والنهب. # والخطف الأخذ بسرعة، وقد مضى تحقيق معناه في سورة القصص { ~~أفبالبطل يؤمنون } وهو الشرك بعد ظهور حجة الله عليهم ~~وإقرارهم بما يوجب التوحيد { وبنعمة الله يكفرون } يجعلون ~~كفرها مكان شكرها، وفي هذا الاستفهام من التقريع والتوبيخ ما لا يقادر ~~قدره. { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } أي ~~لا أحد أظلم منه، وهو من زعم أن لله شريكا { أو كذب بالحق ~~لما جاءه } أي كذب بالرسول الذي أرسل إليه والكتاب الذي أنزله على ~~رسوله. وقال السدي كذب بالتوحيد، والظاهر شموله لما يصدق عليه أنه حق. ~~ثم هدد المكذبين وتوعدهم فقال { أليس في جهنم مثوى ~~للكفرين } أي مكان يستقرون فيه، والاستفهام للتقرير، والمعنى ~~أليس يستحقون الاستقرار فيها وقد فعلوا ما فعلوا؟ ثم لما ذكر حال ~~المشركين الجاحدين للتوحيد الكافرين بنعم الله أردفه بحال عباده ~~الصالحين، فقال { والذين ms2947 جهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا } أي جاهدوا في شأن الله لطلب مرضاته ورجاء ما عنده من الخير ~~لنهدينهم سبلنا، أي الطريق الموصل إلينا. قال ابن عطية هي مكية نزلت قبل ~~فرض الجهاد العرفي، وإنما هو جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته، وقيل ~~الآية هذه نزلت في العباد. وقال إبراهيم بن أدهم هي في الذين يعملون بما ~~يعلمون { وإن الله لمع المحسنين } بالنصر والعون، ومن ~~كان معه لم يخذل، ودخلت لام التوكيد على مع بتأويل كونها اسما، أو على ~~أنها حرف ودخلت عليها لإفادة معنى الاستقرار كما تقول إن زيدا لفي ~~الدار، والبحث مقرر في علم النحو. قد أخرج ابن مردويه عن علي بن أبي ~~طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لما نزلت هذه الآية { إنك ميت وإنهم ميتون } الزمر ~~30 قلت يا رب أيموت الخلائق كلهم ويبقى الأنبياء؟ فنزلت { كل نفس ~~ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون } " # وينظر كيف صحة هذا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن يسمع قول الله ~~سبحانه { إنك ميت وإنهم ميتون } يعلم أنه ميت، وقد علم ~~أن من قبله من الأنبياء قد ماتوا، وأنه خاتم الأنبياء، فكيف ينشأ عن هذه ~~الآية ما سأل عنه علي رضي الله عنه من قوله # " أيموت الخلائق ويبقى الأنبياء " # ، فلعل هذه الرواية لا تصح مرفوعة ولا موقوفة. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر - قال السيوطي بسند ضعيف - عن ~~ابن عمر قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بعض حيطان ~~المدينة، فجعل يلتقط التمر ويأكل، فقال لي # " مالك لا تأكل؟ " # قلت لا أشتهيه يا رسول الله، قال # " لكني أشتهيه وهذه صبح رابعة منذ لم أذق طعاما ولم أجده، ولو شئت ~~لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في ~~قوم يحبون رزق سنتهم ويضعف اليقين " # قال فوالله ما برحنا، ولا رمنا حتى نزلت { وكأين من دابة لا ~~تحمل رزقها } الآية، فقال رسول ms2948 الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله لم يأمرني بكنز الدنيا ولا باتباع الشهوات، ألا وإني لا أكنز ~~دينارا ولا درهما، ولا أخبأ رزقا لغد " # وهذا الحديث فيه نكارة شديدة لمخالفته لما كان عليه النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقد كان يعطي نساءه قوت العام كما ثبت ذلك في كتب الحديث المعتبرة. ~~وفي إسناده أبو العطوف الجوزي وهو ضعيف. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ~~} قال باقية. وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي في الشعب عن أبي جعفر قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يا عجبا كل العجب للمصدق بدار الحيوان وهو يسعى لدار الغرور " # وهو مرسل. ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1-10] # قد تقدم الكلام على فاتحة هذه السورة في فاتحة سورة البقرة، وتقدم ~~الكلام على محلها من الإعراب، ومحل أمثالها في غير موضع من فواتح السور. ~~قرأ الجمهور { غلبت الروم } بضم الغين المعجمة وكسر اللام مبنيا ~~للمفعول، وقرأ علي بن أبي طالب وأبو سعيد الخدري ومعاوية بن قرة وابن ~~عمر وأهل الشام بفتح الغين، واللام مبنيا للفاعل. قال النحاس قراءة أكثر ~~الناس { غلبت } بضم الغين وكسر اللام. قال أهل التفسير غلبت فارس ~~الروم ففرح بذلك كفار مكة وقالوا الذين ليس لهم كتاب غلبوا الذين لهم ~~كتاب، وافتخروا على المسلمين وقالوا نحن أيضا نغلبكم كما غلبت فارس ~~الروم، وكان المسلمين يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب. ~~ومعنى { في أدنى الأرض } في أقرب أرضهم من أرض العرب، أو في أقرب ~~أرض العرب منهم. قيل هي أرض الجزيرة. وقيل أذرعات. وقيل كسكر وقيل ~~الأدرن. وقيل فلسطين، وهذه المواضع هي أقرب إلى بلاد العرب من غيرها، ~~وإنما حملت الأرض على أرض العرب لأنها المعهود في ألسنتهم إذا أطلقوا ~~الأرض أرادوا بها جزيرة العرب. وقيل إن الألف واللام عوض عن المضاف إليه. ~~والتقدير في أدنى أرضهم فيعود الضمير إلى الروم، ويكون المعنى في أقرب ~~أرض الروم من العرب. قال ابن عطية ms2949 إن كانت الوقعة بأذرعات، فهي من أدنى ~~الأرض بالقياس إلى مكة، وإن كانت الوقعة بالجزيرة، فهي أدنى بالقياس إلى ~~أرض كسرى، وإن كانت بالأردن، فهي أدنى إلى أرض الروم { وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون } أي والروم من بعد غلب فارس إياهم سيغلبون أهل ~~فارس، والغلب والغلبة لغتان، والمصدر مضاف إلى المفعول على قراءة ~~الجمهور، وإلى الفاعل على قراءة غيرهم. قرأ الجمهور { سيغلبون } مبنيا ~~للفاعل، وقرأ علي وأبو سعيد ومعاوية بن قرة وابن عمر، وأهل الشام على ~~البناء للمفعول، وسيأتي في آخر البحث ما يقوي قراءة الجمهور في ~~الموضعين. وقرأ أبو حيوة الشامي وابن السميفع " من بعد غلبهم " بسكون ~~اللام. { في بضع سنين } متعلق بما قبله، وقد تقدم تفسير البضع ~~واشتقاقه في سورة يوسف، والمراد به هنا ما بين الثلاثة إلى العشرة { ~~لله الأمر من قبل ومن بعد } أي هو المنفرد بالقدرة ~~وإنقاذ الأحكام وقت مغلوبيتهم ووقت غالبيتهم، فكل ذلك بأمر الله سبحانه ~~وقضائه، قرأ الجمهور { من قبل ومن بعد } بضمهما لكونهما مقطوعين عن ~~الإضافة، والتقدير من قبل الغلب ومن بعده، أو من قبل كل أمر ومن بعده. ~~وحكى الكسائي " من قبل ومن بعد " بكسر الأول منونا وضم الثاني بلا ~~تنوين. وحكى الفراء " من قبل ومن بعد " بكسرهما من غير تنوين، وغلطه ~~النحاس. # قال شهاب الدين قد قرىء بكسرهما منونين. قال الزجاج ومعنى الآية من ~~متقدم ومن متأخر { ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر ~~الله } أي يوم أن تغلب الروم على فارس في بضع سنين يفرح المؤمنون بنصر ~~الله للروم لكونهم أهل كتاب كما أن المسلمين أهل كتاب، بخلاف فارس فإنه ~~لا كتاب لهم، ولهذا سر المشركون بنصرهم على الروم. وقيل نصر الله هو ~~إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم على فارس، ~~والأول أولى. قال الزجاج وهذه الآية من الآيات التي تدل على أن القرآن ~~من عند الله لأنه إنباء بما سيكون، وهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه { ~~ينصر من يشاء } أن ينصره { وهو العزيز } الغالب القاهر { ~~الرحيم } الكثير ms2950 الرحمة لعباده المؤمنين. وقيل المراد بالرحمة هنا ~~الدنيوية، وهي شاملة للمسلم والكافر. { وعد الله لا يخلف ~~الله وعده } أي وعد الله وعدا لا يخلفه، وهو ظهور الروم على فارس ~~{ ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أن الله لا يخلف ~~وعده، وهم الكفار، وقيل كفار مكة على الخصوص. { يعلمون ظاهرا ~~من الحيوة الدنيا } أي يعلمون ظاهر ما يشاهدونه من زخارف ~~الدنيا وملاذها وأمر معاشهم وأسباب تحصيل فوائدهم الدنيوية. وقيل هو ما ~~تلقيه الشياطين إليهم من أمور الدنيا عند استراقهم السمع. وقيل الظاهر ~~الباطل { وهم عن الآخرة } التي هي النعمة الدائمة، واللذة ~~الخالصة { هم غفلون } لا يلتفتون إليها ولا يعدون لها ما يحتاج ~~إليه، أو غافلون عن الإيمان بها والتصديق بمجيئها. { أو لم ~~يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات ~~والأرض وما بينهما } الهمزة للإنكار عليهم، والواو للعطف على ~~مقدر كما في نظائره، و { في أنفسهم } ظرف للتفكر وليس مفعولا للتفكر ~~والمعنى أن أسباب التفكر حاصلة لهم، وهي أنفسهم لو تفكروا فيها كما ينبغي ~~لعلموا وحدانية الله وصدق أنبيائه. وقيل إنها مفعول للتفكر. والمعنى أو ~~لم يتفكروا في خلق الله إياهم ولم يكونوا شيئا؟ و«ما» في { ما خلق الله ~~} نافية، أي لم يخلقها إلا بالحق الثابت الذي يحق ثبوته، أو هي اسم في ~~محل نصب على إسقاط الخافض، أي بما خلق الله، والعامل فيها العلم الذي ~~يؤدي إليه التفكر. وقال الزجاج في الكلام حذف، أي فيعلموا، فجعل " ما " ~~معمولة للفعل المقدر لا للعلم المدلول عليه، والباء في { إلا ~~بالحق } إما للسببية، أو هي ومجرورها في محل نصب على الحال، أي ~~ملتبسة بالحق. قال الفراء معناه إلا للحق، أي للثواب، والعقاب. وقيل ~~بالحق بالعدل. وقيل بالحكمة. وقيل بالحق، أي أنه هو الحق وللحق خلقها { ~~وأجل مسمى } معطوف على الحق، أي وبأجل مسمى للسماوات والأرض وما ~~بينهما تنتهي إليه، وهو يوم القيامة، وفي هذا تنبيه على الفناء، وأن لكل ~~مخلوق أجلا لا يجاوزه. # وقيل معنى { وأجل مسمى } أنه خلق ما خلق في وقت سماه لخلق ms2951 ذلك ~~الشيء { وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكفرون ~~} أي لكافرون بالبعث بعد الموت، واللام هي المؤكدة، والمراد بهؤلاء ~~الكفار على الإطلاق، أو كفار مكة. { أو لم يسيروا فى الأرض } ~~الاستفهام للتقريع والتوبيخ لعدم تفكرهم في الآثار وتأملهم لمواقع ~~الاعتبار، والفاء في { فينظروا } للعطف على { يسيروا } داخل تحت ما ~~تضمنه الاستفهام من التقريع والتوبيخ، والمعنى أنهم قد ساروا وشاهدوا { ~~كيف كان عقبة الذين من قبلهم } من طوائف الكفار ~~الذين أهلكهم الله بسبب كفرهم بالله، وجحودهم للحق وتكذيبهم للرسل، وجملة ~~{ كانوا أشد منهم قوة } مبينة للكيفية التي كانوا عليها، ~~وأنهم أقدر من كفار مكة ومن تابعهم على الأمور الدنيوية، ومعنى { ~~وأثاروا الأرض } حرثوها وقلبوها للزراعة وزاولوا أسباب ذلك، ولم ~~يكن أهل مكة أهل حرث { وعمروها أكثر مما عمروها } أي ~~عمروها عمارة أكثر مما عمرها هؤلاء لأن أولئك كانوا أطول منهم أعمارا، ~~وأقوى أجساما، وأكثر تحصيلا لأسباب المعاش، فعمروا الأرض بالأبنية ~~والزراعة والغرس { وجاءتهم رسلهم } بالبينات، أي المعجزات. وقيل ~~بالأحكام الشرعية { فما كان الله ليظلمهم } بتعذيبهم على ~~غير ذنب { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بالكفر ~~والتكذيب. { ثم كان عقبة الذين أساءوا } أي عملوا ~~السيئات من الشرك والمعاصي { السوأى } هي فعلى من السوء ثأنيث الأسوأ، ~~وهو الأقبح، أي كان عاقبتهم العقوبة التي هي أسوأ العقوبات. وقيل هي اسم ~~لجهنم كما أن الحسنى اسم للجنة، ويجوز أن تكون مصدرا كالبشرى والذكرى، ~~وصفت به العقوبة مبالغة. قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " عاقبة " بالرفع ~~على أنها اسم كان، وتذكير الفعل لكون تأنيثها مجازيا، والخبر السوأى، أي ~~الفعلة أو الخصلة أو العقوبة السوأى أو الخبر { أن كذبوا } أي كان ~~آخر أمرهم التكذيب، وقرأ الباقون { عاقبة } بالنصب على خبر كان، والاسم ~~السوأى، أو أن كذبوا، ويكون التقدير ثم كان التكذيب عاقبة الذين أساؤوا، ~~والسوأى مصدر أساؤوا، أو صفة لمحذوف. وقال الكسائي إن قوله { أن ~~كذبوا } في محل نصب على العلة، أي لأن كذبوا بآيات الله التي أنزلها ~~على رسله، أو بأن كذبوا، ومن القائلين بأن السوأى جهنم، الفراء ms2952 والزجاج ~~وابن قتيبة وأكثر المفسرين، وسميت سوأى لكونها تسوء صاحبها. قال الزجاج ~~المعنى ثم كان عاقبة الذين أشركوا النار بتكذيبهم آيات الله واستهزائهم، ~~وجملة { وكانوا بها يستهزئون } عطف على كذبوا، داخلة معه في ~~حكم العلية على أحد القولين، أو في حكم الاسمية لكان، أو الخبرية لها على ~~القول الآخر. وقد أخرج أحمد، والترمذي وحسنه، والنسائي وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم، والطبراني في الكبير، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في ~~الدلائل، والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله { الم * غلبت ~~الروم } قال كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم، لأنهم كانوا ~~أصحاب أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أصحاب ~~كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أما إنهم سيغلبون " # فذكره أبو بكر لهم، فقالوا اجعل بيننا وبينك أجلا فإن ظهرنا كان لنا ~~كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل بينهم أجلا خمس سنين فلم ~~يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال # " ألا جعلته " # - أراه قال - دون العشر، فظهرت الروم بعد ذلك، فذلك قوله { الم غلبت ~~الروم } فغلبت، ثم غلبت بعد بقول الله { لله الأمر من قبل ~~ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله } ~~قال سفيان سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر. وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه وابن عساكر عن البراء بن عازب نحوه، وزاد أنه لما مضى الأجل ~~ولم تغلب الروم فارس، ساء النبي ما جعله أبو بكر من المدة وكرهه وقال # " ما دعاك إلى هذا؟ " # قال تصديقا لله ولرسوله فقال # " تعرض لهم وأعظم الخطة واجعله إلى بضع سنين " # ، فأتاهم أبو بكر فقال هل لكم في العود، فإن العود أحمد؟ قالوا نعم، فلم ~~تمض تلك السنون حتى غلبت الروم فارس، وربطوا خيولهم بالمدائن وبنوا ~~رومية، فقمر أبو بكر، فجاء به أبو بكر يحمله إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال # " هذا ms2953 السحت تصدق به ". # وأخرج الترمذي وصححه، والدارقطني في الأفراد، والطبراني وابن مردويه، ~~وأبو نعيم في الدلائل، والبيهقي في الشعب عن نيار ابن مكرم الأسلمي قال ~~لما نزلت { الم * غلبت الروم } الآية كانت فارس يوم نزلت هذه ~~الآية قاهرين الروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم، لأنهم وإياهم ~~أهل الكتاب، وفي ذلك يقول الله { ويومئذ يفرح المؤمنون * ~~بنصر الله } وكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا أهل ~~كتاب ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر يصيح في ~~نواحي مكة { الم * غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من ~~بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين } فقال ناس من قريش ~~لأبي بكر ذلك بيننا وبينكم يزعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، ~~أفلا نراهنك على ذلك؟ قال بلى، وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر ~~والمشركون وتواضعوا الرهان، وقالوا لأبي بكر لم تجعل البضع ثلاث سنين إلى ~~تسع سنين فسم بيننا وبينك وسطا ننتهي إليه، قال فسموا بينهم ست سنين، ~~فمضت الست قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة ~~السابعة ظهرت الروم، فعاب المسلمون على أبي بكر تسميته ست سنين لأن الله ~~قال { في بضع سنين } فأسلم عند ذلك ناس كثير. # وأخرج الترمذي وحسنه، وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لأبي بكر # " لا احتطت يا أبا بكر، فإن البضع ما بين ثلاث إلى تسع " # وأخرج البخاري عنه في تاريخه نحوه. وأخرج الفريابي، والترمذي وحسنه، ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد قال لما ~~كان يوم بدر ظهر الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين، فنزلت " الم * ~~غلبت الروم " قرأها بالنصب يعني للغين على البناء للفاعل إلى قوله ~~{ يفرح المؤمنون * بنصر الله }. قال ففرح المؤمنون ~~بظهور الروم على فارس، وهذه الرواية مفسرة لقراءة أبي سعيد ومن معه. ~~وأخرج الحاكم وصححه عن أبي الدرداء قال سيجيء أقوام يقرؤون " الم * ~~غلبت الروم " يعني بفتح ms2954 الغين، وإنما هي { غلبت } يعني بضمها، وفي ~~الباب روايات وما ذكرناه يغني عما سواه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس { يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا } يعني ~~معايشهم، متى يغرسون؟ ومتى يزرعون؟ ومتى يحصدون؟ وأخرج ابن مردويه عن ابن ~~عمر في قوله { كانوا أشد منهم قوة } قال كان الرجل ممن ~~كان قبلكم بين منكبيه ميل. ### || [30.11-27] # قوله { الله يبدأ الخلق ثم يعيده } أي يخلقهم أولا، ~~ثم يعيدهم بعد الموت أحياء كما كانوا { ثم إليه ترجعون } إلى ~~موقف الحساب، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيىء بإساءته، وأفرد الضمير في { ~~يعيده } باعتبار لفظ الخلق، وجمعه في { ترجعون } باعتبار معناه. قرأ أبو ~~بكر وأبو عمرو " يرجعون " بالتحتية. وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب ~~والالتفات المؤذن بالمبالغة. { ويوم تقوم الساعة يبلس ~~المجرمون } قرأ الجمهور { يبلس } على البناء للفاعل. وقرأ السلمي ~~على البناء للمفعول، يقال أبلس الرجل إذا سكت وانقطعت حجته. قال الفراء ~~والزجاج المبلس الساكت المنقطع في حجته الذي أيس أن يهتدي إليها، ومنه ~~قول العجاج # يا صاح هل تعرف رسما مكرسا قال نعم أعرفه وأبلسا # وقال الكلبي أي يئس المشركون من كل خير حين عاينوا العذاب، وقد قدمنا ~~تفسير الإبلاس عند قوله # فإذا هم مبلسون # الأنعام 44. { ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء } أي لم ~~يكن للمشركين يوم تقوم الساعة من شركائهم الذين عبدوهم من دون الله شفعاء ~~يجيرونهم من عذاب الله { وكانوا } في ذلك الوقت { بشركائهم } ~~أي بآلهتهم الذين جعلوهم شركاء لله { كفرين } أي جاحدين لكونهم ~~آلهة لأنهم علموا إذ ذاك أنهم لا ينفعون ولا يضرون وقيل إن معنى الآية ~~كانوا في الدنيا كافرين بسبب عبادتهم، والأول أولى. { ويوم تقوم ~~الساعة يومئذ يتفرقون } أي يتفرق جميع الخلق المدلول ~~عليهم بقوله { الله يبدأ الخلق } والمراد بالتفرق أن كل ~~طائفة تنفرد، فالمؤمنون يصيرون إلى الجنة، والكافرون إلى النار، وليس ~~المراد تفرق كل فرد منهم عن الآخر، ومثله قوله تعالى # فريق في الجنة وفريق في السعير # الشورى 7 وذلك بعد تمام الحساب، فلا يجتمعون أبدا. ثم بين ms2955 سبحانه ~~كيفية تفرقهم، فقال { فأما الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت فهم في روضة يحبرون } قال النحاس سمعت ~~الزجاج يقول معنى «أما» دع ما كنا فيه، وخذ في غيره، وكذا قال سيبويه إن ~~معناها مهما يكن من شيء فخذ في غير ما كنا فيه. والروضة كل أرض ذات نبات. ~~قال المفسرون والمراد بها هنا الجنة، ومعنى { يحبرون } يسرون، والحبور ~~والحبرة السرور، أي فهم في رياض الجنة ينعمون. قال أبو عبيد الروضة ما ~~كان في سفل، فإذا كان مرتفعا فهو ترعة. وقال غيره أحسن ما تكون الروضة ~~إذا كانت في مكان مرتفع، ومنه قول الأعشى # ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل # وقيل معنى { يحبرون } يكرمون. قال النحاس حكى الكسائي حبرته، أي أكرمته، ~~ونعمته، والأولى تفسير يحبرون بالسرور كما هو المعنى العربي، ونفس دخول ~~الجنة يستلزم الإكرام والنعيم، وفي السرور زيادة على ذلك. # وقيل التحبير التحسين، فمعنى { يحبرون } يحسن إليهم، وقيل هو السماع ~~الذي يسمعونه في الجنة. وقيل غير ذلك، والوجه ما ذكرناه. { وأما ~~الذين كفروا } بالله { وكذبوا بئايتنا } وكذبوا ب ~~{ لقاء الآخرة } أي البعث والجنة والنار، والإشارة بقوله { ~~فأولئك } إلى المتصفين بهذه الصفات، وهو مبتدأ وخبره { في ~~العذاب محضرون } أي مقيمون فيه. وقيل مجموعون. وقيل نازلون. ~~وقيل معذبون، والمعاني متقاربة، والمراد دوام عذابهم. ثم لما بين عاقبة ~~طائفة المؤمنين وطائفة الكافرين أرشد المؤمنين إلى ما فيه الأجر الوافر، ~~والخير العام فقال { فسبحان الله حين تمسون وحين ~~تصبحون } والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي فإذا علمتم ذلك ~~فسبحوا الله، أي نزهوه عما لا يليق به في وقت الصباح والمساء وفي العشي، ~~وفي وقت الظهيرة. وقيل المراد بالتسبيح هنا الصلوات الخمس. فقوله { حين ~~تمسون } صلاة المغرب والعشاء، وقوله { وحين تصبحون } صلاة الفجر، وقوله { ~~وعشيا } صلاة العصر، وقوله { وحين تظهرون } صلاة الظهر، وكذا قال الضحاك ~~وسعيد بن جبير وغيرهما. قال الواحدي قال المفسرون إن معنى { فسبحان الله ~~} فصلوا لله. قال النحاس أهل التفسير على أن هذه الآية في الصلوات ms2956 قال ~~وسمعت محمد بن يزيد يقول حقيقته عندي فسبحوا الله في الصلوات لأن التسبيح ~~يكون في الصلاة. وجملة { وله الحمد في السموات والأرض ~~} معترضة مسوقة للإرشاد إلى الحمد، والإيذان بمشروعية الجمع بينه وبين ~~التسبيح كما في قوله سبحانه # فسبح بحمد ربك # الحجر 98 وقوله # ونحن نسبح بحمدك # البقرة 30 وقيل معنى { وله الحمد } أي الاختصاص له بالصلاة التي يقرأ ~~فيها الحمد، والأول أولى. وقرأ عكرمة «حينا تمسون وحينا تصبحون»، والمعنى ~~حينا تمسون فيه، وحينا تصبحون فيه. والعشي من صلاة المغرب إلى العتمة. ~~قاله الجوهري، وقال قوم هو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، ومنه قول ~~الشاعر # غدونا غدوة سحرا بليل عشيا بعد ما انتصف النهار # وقوله { عشيا } معطوف على حين { وفي السماوات } متعلق بنفس الحمد، أي ~~الحمد له يكون في السماوات والأرض { يخرج الحي من الميت } ~~كالإنسان من النطفة والطير من البيضة { ويخرج الميت من ~~الحي } كالنطفة والبيضة من الحيوان. وقد سبق بيان هذا في سورة آل ~~عمران. وقيل ووجه تعلق هذه الآية بالتي قبلها أن الإنسان عند الصباح يخرج ~~من شبه الموت وهو النوم إلى شبه الوجود وهو اليقظة، وعند العشاء يخرج من ~~اليقظة إلى النوم { ويحيي الأرض بعد موتها } أي يحييها ~~بالنبات بعد موتها باليباس، وهو شبيه بإخراج الحي من الميت { وكذلك ~~تخرجون } أي ومثل ذلك الإخراج تخرجون من قبوركم. قرأ الجمهور { ~~تخرجون } على البناء للمفعول. وقرأ حمزة والكسائي على البناء للفاعل، ~~فأسند الخروج إليهم كقوله # يوم يخرجون من الأجداث # المعارج 43 { ومن ءايته أن خلقكم من تراب } أي من ~~آياته الباهرة الدالة على البعث أن خلقكم، أي خلق أباكم آدم من تراب، ~~وخلقكم في ضمن خلقه لأن الفرع مستمد من الأصل ومأخوذ منه، وقد مضى تفسير ~~هذا في الأنعام، و " أن " في موضع رفع بالابتداء، و { من آياته } خبره { ~~ثم إذا أنتم بشر تنتشرون } " إذا " هي الفجائية، أي ثم ~~فاجأتم بعد ذلك وقت كونكم بشرا تنتشرون في الأرض. # وإذا الفجائية، وإن كانت أكثر ما تقع بعد الفاء، ms2957 لكنها وقعت هنا بعد ثم ~~بالنسبة إلى ما يليق بهذه الحالة الخاصة، وهي أطوار الإنسان كما حكاه ~~الله في مواضع من كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما مكسوا لحما فاجأ ~~البشرية، والانتشار، ومعنى { تنتشرون } تنصرفون فيما هو قوام معايشكم. { ~~ومن ءايته أن خلق لكم من أنفسكم أزوجا } أي ~~ومن علاماته ودلالاته الدالة على البعث أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا، أي ~~من جنسكم في البشرية والإنسانية. وقيل المراد حواء، فإنه خلقها من ضلع ~~آدم { لتسكنوا إليها } أي تألفوها وتميلوا إليها، فإن الجنسين ~~المختلفين لا يسكن أحدهما إلى الآخر ولا يميل قلبه إليه { وجعل ~~بينكم مودة ورحمة } أي ودادا وتراحما بسبب عصمة النكاح ~~يعطف به بعضكم على بعض من غير أن يكون بينكم قبل ذلك معرفة، فضلا عن ~~مودة ورحمة. وقال مجاهد المودة الجماع، والرحمة الولد، وبه قال الحسن. ~~وقال السدي المودة المحبة، والرحمة الشفقة. وقيل المودة حب الرجل ~~امرأته، والرحمة رحمته إياها من أن يصيبها بسوء. وقوله { أن خلق لكم } في ~~موضع رفع على الابتداء، و { من آياته } خبره { إن في ذلك } ~~المذكور سابقا. { لآيات } عظيمة الشأن بديعة البيان واضحة الدلالة على ~~قدرته سبحانه على البعث والنشور { لقوم يتفكرون } ، لأنهم ~~الذين يقتدرون على الاستدلال لكون التفكر مادة له يتحصل عنه، وأما ~~الغافلون عن التفكر فما هم إلا كالأنعام. { ومن ءايته خلق ~~السموات والأرض } فإن من خلق هذه الأجرام العظيمة، التي هي ~~أجرام السماوات والأرض، وجعلها باقية ما دامت هذه الدار، وخلق فيها من ~~عجائب الصنع وغرائب التكوين، ما هو عبرة للمعتبرين، قادر على أن يخلقكم ~~بعد موتكم وينشركم من قبوركم { واختلف ألسنتكم } أي لغاتكم ~~من عرب وعجم، وترك، وروم، وغير ذلك من اللغات { وألونكم } من ~~البياض، والسواد، والحمرة، والصفرة، والزرقة، والخضرة مع كونكم أولاد رجل ~~واحد وأم واحدة، ويجمعكم نوع واحد وهو الإنسانية، وفصل واحد وهو ~~الناطقية، حتى صرتم متميزين في ذات بينكم لا يلتبس هذا بهذا، بل في كل ~~فرد من أفرادكم ما يميزه عن غيره من ms2958 الأفراد، وفي هذا من بديع القدرة ما ~~لا يعقله إلا العالمون، ولا يفهمه إلا المتفكرون { إن في ذلك ~~لآيت للعلمين } الذين هم من جنس هذا العالم من غير فرق بين ~~بر وفاجر، قرأ الجمهور بفتح لام العالمين، وقرأ حفص وحده بكسرها. # قال الفراء وله وجه جيد لأنه قد قال { لآيت لقوم يعقلون } # لآيت لأولي الألبب # آل عمران 190 # وما يعقلها إلا العلمون # العنكبوت 43. { ومن ءايته منامكم باليل والنهار ~~وابتغاؤكم من فضله } قيل في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير ~~ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار. وقيل المعنى صحيح من ~~دون تقديم وتأخير، أي ومن آياته العظيمة أنكم تنامون بالليل، وتنامون ~~بالنهار في بعض الأحوال للاستراحة كوقت القيلولة، وابتغاؤكم من فضله ~~فيهما، فإن كل واحد منهما يقع فيه ذلك، وإن كان ابتغاء الفضل في النهار ~~أكثر. والأول هو المناسب لسائر الآيات الواردة في هذا المعنى، والآخر هو ~~المناسب للنظم القرآني ها هنا. ووجه ذكر النوم والابتغاء ها هنا، وجعلهما ~~من جملة الأدلة على البعث أن النوم شبيه بالموت، والتصرف في الحاجات ~~والسعي في المكاسب شبيه بالحياة بعد الموت { إن في ذلك لآيت ~~لقوم يسمعون } أي يسمعون الآيات والمواعظ سماع متفكر متدبر، ~~فيستدلون بذلك على البعث { ومن ءايته يريكم البرق ~~خوفا وطمعا } المعنى أن يريكم، فحذف " أن " لدلالة الكلام عليه ~~كما قال طرفة # ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي؟ # والتقدير أن أحضر، فلما حذف الحرف في الآية والبيت بطل عمله، ومنه المثل ~~المشهور «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» وقيل هو على التقديم، والتأخير، ~~أي ويريكم البرق من آياته، فيكون من عطف جملة فعلية على جملة اسمية، ~~ويجوز أن يكون { يريكم } صفة لموصوف محذوف، أي ومن آياته آية يريكم بها، ~~وفيها البرق، وقيل التقدير، ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا من ~~آياته. قال الزجاج فيكون من عطف جملة على جملة. قال قتادة خوفا للمسافر، ~~وطمعا للمقيم. وقال الضحاك خوفا من الصواعق، وطمعا في الغيث. وقال ~~يحيى بن ms2959 سلام خوفا من البرد أن يهلك الزرع، وطمعا في المطر أن يحيي ~~الزرع. وقال ابن بحر خوفا أن يكون البرق برقا خلبا لا يمطر، وطمعا أن ~~يكون ممطرا، وأنشد # لا يكن برقك برقا خلبا إن خير البرق ما الغيث معه # وانتصاب { خوفا } و { طمعا } على العلة { وينزل من السماء ~~ماء فيحى به الأرض بعد موتها } أي يحييها بالنبات بعد ~~موتها باليباس { إن في ذلك لآيت لقوم يعقلون } فإن ~~من له نصيب من العقل يعلم أن ذلك آية يستدل بها على القدرة الباهرة. { ~~ومن ءايته أن تقوم السماء والأرض بأمره } أي ~~قيامهما واستمساكهما بإرادته سبحانه وقدرته بلا عمد يعمدها، ولا مستقر ~~يستقران عليه. قال الفراء يقول أن تدوما قائمتين بأمره { ثم إذا ~~دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } أي ثم بعد ~~موتكم ومصيركم في القبور، إذا دعاكم دعوة واحدة فاجأتم الخروج منها ~~بسرعة، من غير تلبث ولا توقف، كما يجيب المدعو المطيع دعوة الداعي ~~المطاع. # و { من الأرض } متعلق ب " دعا " ، أي دعاكم من الأرض التي أنتم فيها، ~~كما يقال دعوته من أسفل الوادي فطلع إلي، أو متعلق بمحذوف هو صفة لدعوة، ~~أو متعلق بمحذوف يدل عليه تخرجون، أي خرجتم من الأرض، ولا يجوز أن يتعلق ~~ب { تخرجون } لأن ما بعد إذ لا يعمل فيما قبلها، وهذه الدعوة هي نفخة ~~إسرافيل الآخرة في الصور على ما تقدم بيانه، وقد أجمع القراء على فتح ~~التاء في { تخرجون } هنا، وغلط من قال إنه قرىء هنا بضمها على البناء ~~للمفعول، وإنما قرىء بضمها في الأعراف. { وله من في السموات ~~والأرض } من جميع المخلوقات ملكا وتصرفا وخلقا، ليس لغيره في ذلك ~~شيء { كل له قنتون } أي مطيعون طاعة انقياد. وقيل مقرون ~~بالعبودية. وقيل مصلون. وقيل قائمون يوم القيامة كقوله # يوم يقوم الناس لرب العلمين # المطففين 6 أي للحساب. وقيل بالشهادة أنهم عباده. وقيل مخلصون { وهو ~~الذي يبدأ الخلق ثم يعيده } بعد الموت فيحييه الحياة ~~الدائمة { وهو أهون عليه } أي هين عليه لا يستصعبه، أو ms2960 أهون ~~عليه بالنسبة إلى قدرتكم، وعلى ما يقوله بعضكم لبعض، وإلا فلا شيء في ~~قدرته بعضه أهون من بعض، بل كل الأشياء مستوية يوجدها بقوله كن فتكون. ~~قال أبو عبيد من جعل أهون عبارة عن تفضيل شيء على شيء، فقوله مردود بقوله # وكان ذلك على الله يسيرا # النساء 30، وبقوله # ولا يؤوده حفظهما # البقرة 255 والعرب تحمل أفعل على فاعل كثيرا، كما في قول الفرزدق # إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول # أي عزيزة طويلة، وأنشد أحمد بن يحيى ثعلب على ذلك # تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد # أي لست بواحد، ومثله قول الآخر # لعمرك إن الزبرقان لباذل لمعروفه عند السنين وأفضل # أي وفاضل، وقرأ عبد الله بن مسعود " وهو عليه هين ". وقال مجاهد وعكرمة ~~والضحاك إن الإعادة أهون عليه، أي على الله من البداية، أي أيسر، وإن كان ~~جميعه هينا. وقيل المراد أن الإعادة فيما بين الخلق أهون من البداية، ~~وقيل الضمير في { عليه } للخلق، أي وهو أهون على الخلق لأنه يصاح بهم ~~صيحة واحدة فيقومون، ويقال لهم كونوا فيكونون، فلذلك أهون عليهم من أن ~~يكونوا نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى آخر النشأة { وله المثل ~~الأعلى } قال الخليل المثل الصفة، أي وله الوصف الأعلى { في ~~السموات والأرض } كما قال # مثل الجنة التي وعد المتقون # الرعد 35 أي صفتها. وقال مجاهد المثل الأعلى قول لا إله إلا الله، وبه ~~قال قتادة. وقال الزجاج { وله المثل الأعلى في ~~السموات والأرض } أي قوله { وهو أهون عليه } قد ضربه لكم ~~مثلا فيما يصعب ويسهل. وقيل المثل الأعلى هو أنه ليس كمثله شيء، وقيل هو ~~أن ما أراده كان بقول كن، و { في السماوات والأرض } متعلق بمضمون الجملة ~~المتقدمة، والمعنى أنه سبحانه عرف بالمثل الأعلى، ووصف به في السماوات ~~والأرض، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الأعلى، أو المثل، أو من ~~الضمير في الأعلى { وهو العزيز } في ملكه، القادر الذي لا يغالب { ~~الحكيم } في ms2961 أقواله وأفعاله. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله { يبلس } قال يبتئس. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم { يبلس } قال يكتئب، وعنه الإبلاس الفضيحة. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { يحبرون } قال يكرمون. وأخرج ~~الديلمي عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا كان يوم القيامة قال الله أين الذين كانوا ينزهون أسماعهم، ~~وأبصارهم عن مزامير الشيطان؟ ميزوهم، فيميزون في كثب المسك والعنبر ثم ~~يقول للملائكة أسمعوهم من تسبيحي وتحميدي وتهليلي، قال فيسبحون بأصوات لم ~~يسمع السامعون بمثلها قط " # وأخرج الدينوري في المجالسة عن مجاهد قال ينادي مناد يوم القيامة... ~~فذكر نحوه، ولم يسم من رواه له عن رسول الله. وأخرج ابن أبي الدنيا في ~~ذم الملاهي، والأصبهاني في الترغيب عن محمد بن المنكدر نحوه. وأخرج ابن ~~أبي الدنيا والضياء المقدسي كلاهما في صفة الجنة، قال السيوطي بسند صحيح، ~~عن ابن عباس قال # " في الجنة شجرة على ساق قدر ما يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام، ~~فيخرج أهل الجنة أهل الغرف، وغيرهم فيتحدثون في ظلها، فيشتهي بعضهم ~~ويذكر لهو الدنيا، فيرسل الله ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو ~~كان في الدنيا " # وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي هريرة مرفوعا نحوه. وأخرج ~~الفريابي وابن مردويه عن ابن عباس قال # " كل تسبيح في القرآن فهو صلاة " # وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني، والحاكم وصححه عن أبي رزين قال جاء نافع بن الأزرق إلى ابن ~~عباس، فقال هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال نعم، فقرأ { فسبحان ~~الله حين تمسون } صلاة المغرب { وحين تصبحون } صلاة ~~الصبح { وعشيا } صلاة العصر { وحين تظهرون } صلاة الظهر، ~~وقرأ # من بعد صلوة العشاء # النور 58. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عنه قال جمعت هذه ~~الآية مواقيت الصلاة { فسبحان الله حين تمسون } قال المغرب ~~والعشاء { وحين تصبحون } الفجر { وعشيا } العصر { وحين ~~تظهرون } الظهر. ms2962 # وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن السني في عمل يوم ~~وليلة، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدعوات عن معاذ بن أنس عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى؟ لأنه كان يقول كلما ~~أصبح وأمسى سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون. وله الحمد في السماوات ~~والأرض وعشيا وحين تظهرون " # وفي إسناده ابن لهيعة. وأخرج أبو داود والطبراني وابن السني وابن مردويه ~~عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من قال حين يصبح { سبحن الله حين تمسون وحين ~~تصبحون * وله الحمد في السموات والأرض ~~وعشيا وحين تظهرون * يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها ~~وكذلك تخرجون } أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ~~ما فاته في ليلته " # وإسناده ضعيف. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { كل له ~~قنتون } يقول مطيعون يعني الحياة والنشور والموت وهم له عاصون فيما ~~سوى ذلك من العبادة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { وهو أهون عليه } قال أيسر. وأخرج ابن الأنباري ~~عنه أيضا في قوله { وهو أهون عليه } قال الإعادة أهون على ~~المخلوق، لأنه يقول له يوم القيامة كن فيكون، وابتدأ الخلقة من نطفة، ثم ~~من علقة، ثم من مضغة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ~~أيضا في قوله { وله المثل الأعلى } يقول ليس كمثله شيء. ### || [30.28-37] # قوله { ضرب لكم مثلا } قد تقدم تحقيق معنى المثل، و " من " ~~في { من أنفسكم } لابتداء الغاية وهي ومجرورها في محل نصب صفة ~~لمثلا، أي مثلا منتزعا، ومأخوذا من أنفسكم، فإنها أقرب شيء منكم، ~~وأبين من غيرها عندكم، فإذا ضرب لكم المثل بها في بطلان الشرك كان أظهر ~~دلالة وأعظم وضوحا. ثم بين المثل المذكور فقال { هل لكم مما ~~ملكت أيمنكم من شركاء فى ما رزقنكم }. «من» في ~~{ مما ملكت } للتبعيض، وفي { من ms2963 شركاء } زائدة للتأكيد، والمعنى هل لكم ~~شركاء فيما رزقناكم كائنون من النوع الذي ملكت أيمانكم؟ وهم العبيد ~~والإماء، والاستفهام للإنكار، وجملة { فأنتم فيه سواء } جواب ~~للاستفهام الذي بمعنى النفي، ومحققه لمعنى الشركة بينهم وبين العبيد ~~والإماء المملوكين لهم في أموالهم، أي هل ترضون لأنفسكم - والحال أن ~~عبيدكم وإماءكم أمثالكم في البشرية - أن يساووكم في التصرف بما رزقناكم ~~من الأموال، ويشاركوكم فيها من غير فرق بينكم وبينهم؟ { تخافونهم ~~كخيفتكم أنفسكم } الكاف نعت مصدر محذوف، أي تخافونهم خيفة ~~كخيفتكم أنفسكم، أي كما تخافون الأحرار المشابهين لكم في الحرية وملك ~~الأموال وجواز التصرف، والمقصود نفي الأشياء الثلاثة الشركة بينهم وبين ~~المملوكين، والاستواء معهم، وخوفهم إياهم. وليس المراد ثبوت الشركة ونفي ~~الاستواء والخوف كما قيل في قولهم ما تأتينا فتحدثنا. والمراد إقامة ~~الحجة على المشركين فإنهم لا بد أن يقولوا لا نرضى بذلك، فيقال لهم فكيف ~~تنزهون أنفسكم عن مشاركة المملوكين لكم وهم أمثالكم في البشرية، وتجعلون ~~عبيد الله شركاء له؟ فإذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه ~~السادة بطلت الشركة بين الله وبين أحد من خلقه، والخلق كلهم عبيد الله ~~تعالى، ولم يبق إلا أنه الرب وحده لا شريك له. قرأ الجمهور { أنفسكم } ~~بالنصب على أنه معمول المصدر المضاف إلى فاعله، وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع ~~على إضافة المصدر إلى مفعوله { كذلك نفصل الآيت } تفصيلا ~~واضحا وبيانا جليا { لقوم يعقلون } لأنهم الذين ينتفعون ~~بالآيات التنزيلية والتكوينية باستعمال عقولهم في تدبرها والتفكر فيها. ~~ثم أضرب سبحانه عن مخاطبة المشركين وإرشادهم إلى الحق بما ضربه لهم من ~~المثل، فقال { بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير ~~علم } أي لم يعقلوا الآيات، بل اتبعوا أهواءهم الزائغة، وآراءهم ~~الفاسدة الزائفة، ومحل { بغير علم } النصب على الحال، أي جاهلين بأنهم ~~على ضلالة { فمن يهدي من أضل الله } أي لا أحد يقدر على ~~هدايته لأن الرشاد والهداية بتقدير الله وإرادته { وما لهم من ~~نصرين } أي ما لهؤلاء الذين أضلهم الله من ناصرين ينصرونهم، ~~ويحولون بينهم وبين عذاب الله سبحانه. ms2964 # ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بتوحيده وعبادته كما أمره فقال { ~~فأقم وجهك للدين حنيفا } شبه الإقبال على الدين بتقويم ~~وجهه إليه، وإقباله عليه. وانتصاب { حنيفا } على الحال من فاعل أقم أو ~~من مفعوله، أي مائلا إليه مستقيما عليه غير ملتفت إلى غيره من الأديان ~~الباطلة. { فطرة الله التي فطر الناس عليها } الفطرة ~~في الأصل الخلقة، والمراد بها هنا الملة، وهي الإسلام والتوحيد. قال ~~الواحدي هذا قول المفسرين في فطرة الله، والمراد بالناس هنا الذين فطرهم ~~الله على الإسلام لأن المشرك لم يفطر على الإسلام، وهذا الخطاب وإن كان ~~خاصا برسول الله فأمته داخلة معه فيه. قال القرطبي باتفاق من أهل ~~التأويل والأولى حمل الناس على العموم من غير فرق بين مسلمهم وكافرهم، ~~وأنهم جميعا مفطورون على ذلك لولا عوارض تعرض لهم فيبقون بسببها على ~~الكفر كما في حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " ما من مولود إلا يولد على الفطرة " # وفي رواية # " على هذه الملة - ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج ~~البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ " # ثم يقول أبو هريرة واقرؤوا إن شئتم { فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله }. وفي رواية # " حتى تكونوا أنتم تجدعونها " # وسيأتي في آخر البحث ما ورد معاضدا لحديث أبي هريرة هذا، فكل فرد من ~~أفراد الناس مفطور، أي مخلوق على ملة الإسلام، ولكن لا اعتبار بالإيمان ~~والإسلام الفطريين، وإنما يعتبر الإيمان والإسلام الشرعيان، وهذا قول ~~جماعة من الصحابة ومن بعدهم، وقول جماعة من المفسرين، وهو الحق. والقول ~~بأن المراد بالفطرة هنا الإسلام هو مذهب جمهور السلف. وقال آخرون هي ~~البداءة التي ابتدأهم الله عليها، فإنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة ~~والشقاوة. والفاطر في كلام العرب هو المبتدىء، وهذا مصير من القائلين به ~~إلى معنى الفطرة لغة، وإهمال معناها شرعا. والمعنى الشرعي مقدم على ~~المعنى اللغوي باتفاق أهل الشرع، ولا ينافي ذلك ورود الفطرة في الكتاب أو ~~السنة في ms2965 بعض المواضع مرادا بها المعنى اللغوي كقوله تعالى # الحمد لله فاطر السموات والأرض # فاطر 1 أي خالقهما، ومبتديهما، وكقوله # وما لي لا أعبد الذي فطرني # يس 22 إذ لا نزاع في أن المعنى اللغوي هو هذا، ولكن النزاع في المعنى ~~الشرعي للفطرة، وهو ما ذكره الأولون كما بيناه، وانتصاب { فطرة } على ~~أنها مصدر مؤكد للجملة التي قبلها. وقال الزجاج فطرة منصوب بمعنى اتبع ~~فطرة الله، قال لأن معنى { فأقم وجهك للدين } اتبع الدين ~~واتبع فطرة الله. وقال ابن جرير هي مصدر من معنى { فأقم وجهك } لأن معنى ~~ذلك فطرة الله الناس على الدين. # وقيل هي منصوبة على الإغراء، أي الزموا فطرة الله، أو عليكم فطرة الله، ~~ورد هذا الوجه أبو حيان وقال إن كلمة الإغراء لا تضمر إذ هي عوض عن ~~الفعل، فلو حذفها لزم حذف العوض، والمعوض عنه وهو إجحاف. وأجيب بأن هذا ~~رأي البصريين، وأما الكسائي وأتباعه فيجيزون ذلك. وجملة { لا تبديل ~~لخلق الله } تعليل لما قبلها من الأمر بلزوم الفطرة، أي هذه ~~الفطرة التي فطر الله الناس عليها لا تبديل لها من جهة الخالق سبحانه. ~~وقيل هو نفي معناه النهي، أي لا تبدلوا خلق الله. قال مجاهد وإبراهيم ~~النخعي معناه لا تبديل لدين الله. قال قتادة وابن جبير والضحاك وابن زيد ~~هذا في المعتقدات. وقال عكرمة إن المعنى لا تغيير لخلق في البهائم بأن ~~تخصى فحولها { ذلك الدين القيم } أي ذلك الدين المأمور بإقامة ~~الوجه له هو الدين القيم، أو لزوم الفطرة هو الدين القيم { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } ذلك حتى يفعلوه ويعملوا به. { ~~منيبين إليه } أي راجعين إليه بالتوبة والإخلاص، ومطيعين له في ~~أوامره ونواهيه. ومنه قول أبي قيس بن الأسلت # فإن تابوا فإن بني سليم وقومهم هوازن قد أنابوا # قال الجوهري أناب إلى الله أقبل وتاب، وانتصابه على الحال من فاعل أقم. ~~قال المبرد لأن معنى { أقم وجهك } أقيموا وجوهكم. قال الفراء المعنى فأقم ~~وجهك ومن معك منيبين، وكذا قال الزجاج، وقال تقديره فأقم ms2966 وجهك وأمتك، ~~فالحال من الجميع. وجاز حذف المعطوف لدلالة منيبين عليه. وقيل هو منصوب ~~على القطع، وقيل على أنه خبر لكان، محذوفة، أي وكونوا منيبين إليه لدلالة ~~{ ولا تكونوا من المشركين } على ذلك، ثم أمرهم سبحانه بالتقوى بعد أمرهم ~~بالإنابة فقال { واتقوه } أي باجتناب معاصيه، وهو معطوف على الفعل ~~المقدر ناصبا لمنيبين { وأقيموا الصلاة } التي أمرتم بها { ~~ولا تكونوا من المشركين } بالله. وقوله { من الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا } هو بدل مما قبله بإعادة ~~الجار، والشيع الفرق، أي لا تكونوا من الذين تفرقوا فرقا في الدين يشايع ~~بعضهم بعضا من أهل البدع والأهواء. وقيل المراد بالذين فرقوا دينهم ~~شيعا اليهود والنصارى. وقرأ حمزة والكسائي " فارقوا دينهم " ورويت هذه ~~القراءة عن علي بن أبي طالب، أي فارقوا دينهم الذي يجب اتباعه، وهو ~~التوحيد. وقد تقدم تفسير هذه الآية في آخر سورة الأنعام { كل حزب ~~بما لديهم فرحون } أي كل فريق بما لديهم من الدين المبني على ~~غير الصواب مسرورون مبتهجون يظنون أنهم على الحق، وليس بأيديهم منه شيء. ~~وقال الفراء يجوز أن يكون قوله { من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا } ~~مستأنفا كما يجوز أن يكون متصلا بما قبله { وإذا مس الناس ~~ضر } أي قحط وشدة { دعوا ربهم } أن يرفع ذلك عنهم واستغاثوا ~~به { منيبين إليه } أي راجعين إليه ملتجئين به لا يعولون على ~~غيره. # وقيل مقبلين عليه بكل قلوبهم { ثم إذا أذاقهم منه رحمة ~~} بإجابة دعائهم ورفع تلك الشدائد عنهم { إذا فريق منهم ~~بربهم يشركون } " إذا " هي الفجائية وقعت جواب الشرط لأنها ~~كالفاء في إفادة التعقيب، أي فاجأ فريق منهم الإشراك وهم الذين دعوه، ~~فخلصهم مما كانوا فيه. وهذا الكلام مسوق للتعجيب من أحوالهم وما صاروا ~~عليه من الاعتراف بوحدانية الله سبحانه عند نزول الشدائد والرجوع إلى ~~الشرك عند رفع ذلك عنهم، واللام في { ليكفروا بمآ ~~ءاتينهم } هي لام كي. وقيل لام الأمر لقصد الوعيد والتهديد، وقيل ~~هي لام العاقبة. ثم خاطب سبحانه هؤلاء الذين وقع منهم ما وقع فقال { ~~فتمتعوا ms2967 فسوف تعلمون } ما يتعقب هذا التمتع الزائل من ~~العذاب الأليم. قرأ الجمهور { فتمتعوا } على الخطاب. وقرأ أبو العالية ~~بالتحتية على البناء للمفعول، وفي مصحف ابن مسعود «فليتمتعوا». { أم ~~أنزلنا عليهم سلطنا } أم هي المنقطعة، والاستفهام للإنكار ~~والسلطان الحجة الظاهرة { فهو يتكلم } أي يدل كما في قوله # هذا كتبنا ينطق عليكم بالحق # الجاثية 29 قال الفراء إن العرب تؤنث السلطان، يقولون قضت به عليك ~~السلطان، فأما البصريون فالتذكير عندهم أفصح، وبه جاء القرآن، والتأنيث ~~عندهم جائز لأنه بمعنى الحجة. وقيل المراد بالسلطان هنا الملك { بما ~~كانوا به يشركون } أي ينطق بإشراكهم بالله سبحانه، ويجوز أن ~~تكون الباء سببية، أي بالأمر الذي بسببه يشركون { وإذا أذقنا ~~الناس رحمة } أي خصبا ونعمة وسعة وعافية { فرحوا بها } فرح ~~بطر وأشر، لا فرح شكر بها وابتهاج بوصولها إليهم # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا # يونس 58. ثم قال سبحانه { وإن تصبهم سيئة } شدة على أي صفة { ~~بما قدمت أيديهم } أي بسبب ذنوبهم { إذا هم يقنطون ~~} القنوط الإياس من الرحمة، كذا قال الجمهور. وقال الحسن القنوط ترك ~~فرائض الله سبحانه. قرأ الجمهور " يقنطون " بضم النون. وقرأ أبو عمرو ~~والكسائي ويعقوب بكسرها. { أولم يروا أن الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء } من عباده ويوسع له { ويقدر } أي يضيق على ~~من يشاء لمصلحة في التوسيع لمن وسع له، وفي التضييق على من ضيق عليه { ~~إن في ذلك لآيت لقوم يؤمنون } فيستدلون على الحق ~~لدلالتها على كمال القدرة وبديع الصنع، وغريب الخلق. وقد أخرج الطبراني ~~وابن مردويه عن ابن عباس قال كان يلبي أهل الشرك لبيك لا شريك لك إلا ~~شريكا هو لك، تملكه وما ملك، فأنزل الله { هل لكم من ما ~~ملكت أيمنكم من شركاء } الآية. # وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال هي في الآلهة، وفيه يقول تخافونهم أن ~~يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { لا ~~تبديل لخلق الله } قال دين الله { ذلك الدين القيم } ~~قال القضاء القيم. وأخرج عبد الرزاق، وابن ms2968 أبي شيبة وأحمد والنسائي، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه عن الأسود ابن سريع، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعث سرية إلى خيبر فقاتلوا المشركين، فانتهى القتل إلى الذرية، ~~فلما جاؤوا قال النبي صلى الله عليه وسلم # " ما حملكم على قتل الذرية؟ " # قالوا يا رسول الله، إنما كانوا أولاد المشركين، قال # " وهل خياركم إلا أولاد المشركين؟ والذي نفسي بيده ما من نسمة تولد ~~إلا على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها " # وأخرج أحمد من حديث جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " كل مولود يولد على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه، فإذا عبر عنه لسانه إما ~~شاكرا وإما كفورا " # رواه أحمد عن الربيع بن أنس عن الحسن عن جابر. وقال الإمام أحمد في ~~المسند حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة عن مطرف عن عياض بن ~~حماد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوما، فقال في خطبته حاكيا ~~عن الله سبحانه # " وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم ~~وحرمت عليهم ما أحللت لهم " # الحديث. ### || [30.38-46] # لما بين سبحانه كيفية التعظيم لأمر الله أشار إلى ما ينبغي من مواساة ~~القرابة، وأهل الحاجات ممن بسط الله له في رزقه، فقال { فئات ذا ~~القربى حقه } والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته أسوته، أو ~~لكل مكلف له مال وسع الله به عليه، وقدم الإحسان إلى القرابة لأن خير ~~الصدقة ما كان على قريب، فهو صدقة مضاعفة وصلة رحم مرغب فيها، والمراد ~~الإحسان إليهم بالصدقة والصلة والبر { والمسكين وابن ~~السبيل } أي وآت المسكين وابن السبيل حقهما الذي يستحقانه. ووجه ~~تخصيص الأصناف الثلاثة بالذكر أنهم أولى من سائر الأصناف بالإحسان، ولكون ~~ذلك واجبا لهم على كل من له مال فاضل عن كفايته وكفاية من يعول. وقد ~~اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ قيل هي منسوخة بآية المواريث. ~~وقيل محكمة وللقريب في مال قريبه الغني حق واحب، وبه قال مجاهد وقتادة. ~~قال ms2969 مجاهد لا تقبل صدقة من أحد، ورحمه محتاج. قال مقاتل حق المسكين أن ~~يتصدق عليه، وحق ابن السبيل الضيافة. وقيل المراد بالقربى قرابة النبي ~~صلى الله عليه وسلم. قال القرطبي والأول أصح، فإن حقهم مبين في كتاب ~~الله عز وجل في قوله # فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى # الأنفال 41 وقال الحسن إن الأمر في إيتاء ذي القربى للندب { ذلك ~~خير للذين يريدون وجه الله } أي ذلك الإيتاء أفضل من ~~الإمساك لمن يريد التقرب إلى الله سبحانه { وأولئك هم ~~المفلحون } أي الفائزون بمطلوبهم حيث أنفقوا لوجه الله امتثالا ~~لأمره. { وما ءاتيتم من ربا } قرأ الجمهور { آتيتم } بالمد ~~بمعنى أعطيتم، وقرأ مجاهد وحميد وابن كثير بالقصر بمعنى ما فعلتم، ~~وأجمعوا على القراءة بالمد في قوله { وما آتيتم من زكاة } وأصل الربى ~~الزيادة، وقراءة القصر تؤول إلى قراءة المد لأن معناها ما فعلتم على وجه ~~الإعطاء، كما تقول أتيت خطأ وأتيت صوابا والمعنى في الآية ما أعطيتم من ~~زيادة خالية عن العوض { ليربوا في أموال الناس } أي ليزيد ~~ويزكو في أموالهم { فلا يربوا عند الله } أي لا يبارك الله ~~فيه. قال السدي الربا في هذا الموضع الهدية يهديها الرجل لأخيه يطلب ~~المكافأة لأن ذلك لا يربو عند الله، لا يؤجر عليه صاحبه، ولا إثم عليه، ~~وهكذا قال قتادة والضحاك. قال الواحدي وهذا قول جماعة المفسرين. قال ~~الزجاج يعني دفع الإنسان الشيء ليعوض أكثر منه وذلك ليس بحرام، ولكنه لا ~~ثواب فيه لأن الذي يهبه يستدعي به ما هو أكثر منه. وقال الشعبي معنى ~~الآية أن ما خدم به الإنسان أحدا، لينتفع به في دنياه فإن ذلك النفع ~~الذي يجزي به الخدمة لا يربو عند الله. # وقيل هذا كان حراما على النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص لقوله ~~سبحانه # ولا تمنن تستكثر # المدثر 6 ومعناها أن تعطي فتأخذ أكثر منه عوضا عنه. وقيل إن هذه الآية ~~نزلت في هبة الثواب. قال ابن عطية وما يجري مجراه مما يصنعه الإنسان ~~ليجازى عليه. قال ms2970 عكرمة الربا ربوان فربا حلال، وربا حرام. فأما الربا ~~الحلال فهو الذي يهدي يلتمس ما هو أفضل منه يعني كما في هذه الآية. وقيل ~~إن هذا الذي في هذه الآية هو الربا المحرم، فمعنى لا يربو عند الله على ~~القول لا يحكم به، بل هو للمأخوذ منه. قال المهلب اختلف العلماء فيمن وهب ~~هبة يطلب بها الثواب، فقال مالك ينظر فيه، فإن كان مثله ممن يطلب الثواب ~~من الموهوب له فله ذلك، مثل هبة الفقير للغني، وهبة الخادم للمخدوم، ~~وهبة الرجل لأميره، وهو أحد قولي الشافعي. وقال أبو حنيفة لا يكون له ~~ثواب إذا لم يشترط، وهو قول الشافعي الآخر. قرأ الجمهور { ليربوا } ~~بالتحتية على أن الفعل مسند إلى ضمير الربا. وقرأ نافع ويعقوب بالفوقية ~~مضمومة خطابا للجماعة بمعنى لتكونوا ذوي زيادات. وقرأ أبو مالك { ~~لتربوها } ومعنى الآية أنه لا يزكو عند الله، ولا يثيب عليه لأنه لا يقبل ~~إلا ما أريد به وجهه خالصا له { وما آتيتم من زكاة ~~تريدون وجه الله } أي وما أعطيتم من صدقة لا تطلبون بها ~~المكافأة، وإنما تقصدون بها ما عند الله { فأولئك هم ~~المضعفون } المضعف دون الأضعاف من الحسنات الذين يعطون بالحسنة ~~عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الفراء هو نحو قولهم مسمن ومعطش ومضعف ~~إذا كانت له إبل سمان، أو عطاش، أو ضعيفة. وقرأ أبي " المضعفون " بفتح ~~العين اسم مفعول. { الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ~~ذلكم من شيء } عاد سبحانه إلى الاحتجاج على المشركين، وأنه الخالق ~~الرازق المميت المحيي، ثم قال على جهة الاستفهام { هل من ~~شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء } ومعلوم أنهم ~~يقولون ليس فيهم من يفعل شيئا من ذلك، فتقوم عليهم الحجة، ثم نزه ~~سبحانه نفسه، فقال { سبحانه وتعالى عما يشركون } أي ~~نزهوه تنزيها، وهو متعال عن أن يجوز عليه شيء من ذلك، وقوله { من ~~شركائكم } خبر مقدم ومن للتبعيض، والمبتدأ هو الموصول، أعني من يفعل، و ~~{ من ms2971 ذلكم } متعلق بمحذوف لأنه حال من { شيء } المذكور بعده، ومن في { من ~~شيء } مزيدة للتوكيد، وأضاف الشركاء إليهم لأنهم كانوا يسمونهم آلهة، ~~ويجعلون لهم نصيبا من أموالهم. { ظهر الفساد في البر ~~والبحر بما كسبت أيدي الناس } بين سبحانه أن الشرك ~~والمعاصي سبب لظهور الفساد في العالم. # واختلف في معنى ظهور الفساد المذكور، فقيل هو القحط وعدم النبات، ونقصان ~~الرزق، وكثرة الخوف ونحو ذلك، وقال مجاهد، وعكرمة فساد البر قتل ابن آدم ~~أخاه يعني قتل قابيل لهابيل، وفي البحر الملك الذي كان يأخذ كل سفينة ~~غصبا. وليت شعري أي دليل دلهما على هذا التخصيص البعيد والتعيين ~~الغريب، فإن الآية نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم، والتعريف في الفساد ~~يدل على الجنس، فيعم كل فساد واقع في حيزي البر والبحر. وقال السدي ~~الفساد الشرك، وهو أعظم الفساد. ويمكن أن يقال إن الشرك وإن كان الفرد ~~الكامل في أنواع المعاصي، ولكن لا دليل على أنه المراد بخصوصه. وقيل ~~الفساد كساد الأسعار وقلة المعاش. وقيل الفساد قطع السبل والظلم، وقيل ~~غير ذلك مما هو تخصيص لا دليل عليه. والظاهر من الآية ظهور ما يصح إطلاق ~~اسم الفساد عليه سواء كان راجعا إلى أفعال بني آدم من معاصيهم واقترافهم ~~السيئات، وتقاطعهم وتظالمهم وتقاتلهم، أو راجعا إلى ما هو من جهة الله ~~سبحانه بسبب ذنوبهم كالقحط وكثرة الخوف والموتان ونقصان الزرائع ونقصان ~~الثمار. والبر والبحر هما المعروفان المشهوران. وقيل البر الفيافي، ~~والبحر القرى التي على ماء قاله عكرمة، والعرب تسمي الأمصار البحار. قال ~~مجاهد البر ما كان من المدن والقرى على غير نهر، والبحر ما كان على شط ~~نهر. والأول أولى. ويكون معنى البر مدن البر، ومعنى البحر مدن البحر، ~~وما يتصل بالمدن من مزارعها ومراعيها. والباء في { بما كسبت } للسببية، " ~~ما " إما موصولة أو مصدرية { ليذيقهم بعض الذي عملوا } ~~اللام متعلقة بظهر، وهي لام العلة، أي ليذيقهم عقاب بعض عملهم أو جزاء ~~بعض عملهم { لعلهم يرجعون } عما هم فيه من المعاصي ويتوبون ~~إلى الله. ms2972 { قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف كان ~~عقبة الذين من قبل } لما بين سبحانه ظهور الفساد بما كسبت ~~أيدي المشركين والعصاة بين لهم ضلال أمثالهم من أهل الزمن الأول، ~~وأمرهم بأن يسيروا لينظروا آثارهم ويشاهدوا كيف كانت عاقبتهم، فإن ~~منازلهم خاوية وأراضيهم مقفرة موحشة كعاد وثمود ونحوهم من طوائف الكفار. ~~وجملة { كان أكثرهم مشركين } مستأنفة لبيان الحالة التي ~~كانوا عليها، وإيضاح السبب الذي صارت عاقبتهم به إلى ما صارت إليه { ~~فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم ~~لا مرد له } هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمته ~~أسوته فيه، كأن المعنى إذا قد ظهر الفساد بالسبب المتقدم فأقم وجهك يا ~~محمد إلخ. قال الزجاج اجعل جهتك اتباع الدين القيم، وهو الإسلام المستقيم ~~{ من قبل أن يأتي يوم } يعني يوم القيامة { ا مرد له } لا يقدر أحد على ~~رده، والمرد مصدر رد، وقيل المعنى أوضح الحق، وبالغ في الأعذار، و { ~~من الله } يتعلق ب { يأتي } أو بمحذوف يدل عليه المصدر، أي لا ~~يرده من الله أحد. # وقيل يجوز أن يكون المعنى لا يرده الله لتعلق إرادته القديمة بمجيئه، ~~وفيه من الضعف وسوء الأدب مع الله ما لا يخفى { يومئذ يصدعون ~~} أصله يتصدعون، والتصدع التفرق، يقال تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه قول ~~الشاعر # وكنا كندماني جذيمة برهة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا # والمراد بتفرقهم هاهنا أن أهل الجنة يصيرون إلى الجنة، وأهل النار ~~يصيرون إلى النار. { من كفر فعليه كفره } أي جزاء كفره، وهو ~~النار { ومن عمل صلحا فلأنفسهم يمهدون } أي يوطئون ~~لأنفسهم منازل في الجنة بالعمل الصالح، والمهاد الفراش، وقد مهدت الفراش ~~مهدا إذا بسطته ووطأته، فجعل الأعمال الصالحة التي هي سبب لدخول الجنة ~~كبناء المنازل في الجنة وفرشها. وقيل المعنى فعلى أنفسهم يشفقون، من ~~قولهم في المشفق أم فرشت فأنامت، وقديم الظرف في الموضعين للدلالة على ~~الاختصاص. وقال مجاهد { فلأنفسهم يمهدون } في القبر، واللام في { ~~ليجزي الذين آمنوا } متعلقة ب { يصدعون } ، أو { يمهدون } ~~، أي يتفرقون ms2973 ليجزي الله المؤمنين بما يستحقونه { من فضله } أو ~~يمهدون لأنفسهم بالأعمال الصالحة ليجزيهم. وقيل يتعلق بمحذوف. قال ابن ~~عطية تقديره ذلك ليجزي، وتكون الإشارة إلى ما تقدم من قوله { من عمل } و ~~{ من كفر }. وجعل أبو حيان قسيم قوله { الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ~~محذوفا لدلالة قوله { إنه لا يحب الكفرين } عليه لأنه ~~كناية عن بغضه لهم الموجب لغضبه سبحانه، وغضبه يستتبع عقوبته. { ومن ~~ءايته أن يرسل الريح مبشرت } أي ومن دلالات بديع ~~قدرته إرسال الرياح مبشرات بالمطر لأنها تتقدمه كما في قوله سبحانه # بشرا بين يدي رحمته # النمل63 قرأ الجمهور { الرياح } وقرأ الأعمش " الريح " بالإفراد على قصد ~~الجنس لأجل قوله { مبشرات } ، واللام في قوله { وليذيقكم من ~~رحمته } متعلقة ب { يرسل } ، أي يرسل الرياح مبشرات ويرسلها ~~ليذيقكم من رحمته، يعني الغيث والخصب. وقيل هو متعلق بمحذوف، أي وليذيقكم ~~أرسلها. وقيل الواو مزيدة على رأي من يجوز ذلك، فتتعلق اللام ب { يرسل } ~~{ ولتجري الفلك بأمره } معطوف على { ليذيقكم من رحمته } ~~أي يرسل الرياح لتجري الفلك في البحر عند هبوبها، ولما أسند الجري إلى ~~الفلك عقبه بقوله { بأمره ولتبتغوا من فضله } أي تبتغوا ~~الرزق بالتجارة التي تحملها السفن { ولعلكم تشكرون } هذه ~~النعم فتفردون الله بالعبادة، وتستكثرون من الطاعة. وقد أخرج ابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله { وما ءاتيتم من ربا } الآية قال ~~الربا ربوان ربا لا بأس به وربا لا يصلح. فأما الربا الذي لا بأس به ~~فهدية الرجل إلى الرجل يريد فضلها، وأضعافها. # وأخرج البيهقي عنه قال هذا هو الربا الحلال، أن يهدي يريد أكثر منه وليس ~~له أجر ولا وزر، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة فقال # ولا تمنن تستكثر # المدثر 6. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا { وما ~~ءاتيتم من زكاة } قال هي الصدقة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا ~~في قوله { ظهر الفساد في البر والبحر } قال البر البرية ~~التي ليس عندها نهر، والبحر ما كان من المدائن والقرى على شط نهر. وأخرج ms2974 ~~ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال نقصان البركة بأعمال ~~العباد كي يتوبوا. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا { لعلهم يرجعون ~~} قال من الذنوب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا { ~~يصدعون } قال يتفرقون. ### || [30.47-60] # قوله { ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم } ~~كما أرسلناك إلى قومك { فجاءوهم بالبينات } أي بالمعجزات، ~~والحجج النيرات { فانتقمنا } أي فكفروا فانتقمنا { من الذين ~~أجرموا } أي فعلوا الإجرام، وهي الآثام { وكان حقا علينا ~~نصر المؤمنين } هذا إخبار من الله سبحانه بأن نصره لعباده ~~المؤمنين حق عليه، وهو صادق الوعد لا يخلف الميعاد، وفيه تشريف للمؤمنين ~~ومزيد تكرمة لعباده الصالحين، ووقف بعض القراء على { حقا } وجعل اسم كان ~~ضميرا فيها وخبرها حقا، أي وكان الانتقام حقا. قال ابن عطية وهذا ~~ضعيف، والصحيح أن نصر المؤمنين اسمها وحقا خبرها وعلينا متعلق ب { حقا ~~} ، أو بمحذوف هو صفة له. { الله الذي يرسل الريح } قرأ ~~حمزة والكسائي وابن كثير وابن محيصن " يرسل الريح " بالإفراد. وقرأ ~~الباقون { الرياح } قال أبو عمرو كل ما كان بمعنى الرحمة فهو جمع، وما ~~كان بمعنى العذاب فهو موحد، وهذه الجملة مستأنفة مسوقة لبيان ما سبق من ~~أحوال الرياح، فتكون على هذا جملة { ولقد أرسلنا } إلى قوله { وكان حقا ~~علينا نصر المؤمنين } معترضة { فتثير سحبا } أي تزعجه من حيث هو ~~{ فيبسطه في السماء كيف يشاء } تارة سائرا وتارة واقفا، ~~وتارة مطبقا، وتارة غير مطبق، وتارة إلى مسافة بعيدة، وتارة إلى مسافة ~~قريبة، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة وفي سورة النور { ~~ويجعله كسفا } تارة أخرى، أو يجعله بعد بسطه قطعا متفرقة، ~~والكسف جمع كسفة. والكسفة القطعة من السحاب. وقد تقدم تفسيره واختلاف ~~القراءة فيه { فترى الودق يخرج من خلاله } الودق المطر، ~~و { من خلاله } من وسطه. وقرأ أبو العالية والضحاك " يخرج من خلله ". { ~~فإذا أصاب به } أي بالمطر { من يشاء من عباده } أي ~~بلادهم وأرضهم { إذا هم يستبشرون } إذا هي الفجائية، أي ~~فاجؤوا الاستبشار بمجيء المطر، والاستبشار الفرح. ms2975 { وإن كانوا من ~~قبل أن ينزل عليهم } أي من قبل أن ينزل عليهم المطر، وإن ~~هي المخففة، وفيها ضمير شأن مقدر هو اسمها، أي وإن الشأن كانوا من قبل أن ~~ينزل عليهم، وقوله { من قبله } تكرير للتأكيد، قاله الأخفش وأكثر ~~النحويين كما حكاه عنهم النحاس. وقال قطرب إن الضمير في { قبله } راجع ~~إلى المطر، أي وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر. وقيل المعنى من ~~قبل تنزيل الغيث عليهم من قبل الزرع والمطر. وقيل من قبل أن ينزل عليهم ~~من قبل السحاب، أي من قبل رؤيته، واختار هذا النحاس. وقيل الضمير عائد ~~إلى الكسف. وقيل إلى الإرسال. وقيل إلى الاستبشار. والراجح الوجه الأول، ~~وما بعده من هذه الوجوه كلها ففي غاية التكلف والتعسف، وخبر كان { ~~لمبلسين } أي آيسين أو بائسين. # وقد تقدم تحقيق الكلام في هذا. { فانظر إلى أثر رحمت ~~الله } الناشئة عن إنزال المطر من النبات والثمار والزرائع التي بها ~~يكون الخصب ورخاء العيش، أي انظر نظر اعتبار واستبصار لتستدل بذلك على ~~توحيد الله، وتفرده بهذا الصنع العجيب. قرأ الجمهور «أثر» بالتوحيد. وقرأ ~~ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي { آثار } بالجمع { كيف يحيي الأرض ~~بعد موتها } فاعل الإحياء ضمير يعود إلى الله سبحانه، وقيل ضمير ~~يعود إلى الأثر، وهذه الجملة في محل نصب بانظر، أي انظر إلى كيفية هذا ~~الإحياء البديع للأرض. وقرأ الجحدري، وأبو حيوة " تحيي " بالفوقية على أن ~~فاعله ضمير يعود إلى الرحمة، أو إلى الآثار على قراءة من قرأ بالجمع، ~~والإشارة بقوله { إن ذلك } إلى الله سبحانه، أي إن الله العظيم ~~الشأن المخترع لهذه الأشياء المذكورة { لمحيي الموتى } أي لقادر ~~على إحيائهم في الآخرة، وبعثهم، ومجازاتهم كما أحيا الأرض الميتة بالمطر ~~{ وهو على كل شيء قدير } أي عظيم القدرة كثيرها. { ولئن ~~أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا } الضمير في { فرأوه } يرجع ~~إلى الزرع، والنبات الذي كان من أثر رحمة الله، أي فرأوه مصفرا من البرد ~~الناشىء عن الريح التي أرسلها الله بعد اخضراره. وقيل راجع إلى الريح، ~~وهو ms2976 يجوز تذكيره وتأنيثه. وقيل راجع إلى الأثر المدلول عليه بالآثار. ~~وقيل راجع إلى السحاب لأنه إذا كان مصفرا لم يمطر، والأول أولى. واللام ~~هي الموطئة، وجواب القسم { لظلوا من بعده يكفرون } ، وهو ~~يسد مسد جواب الشرط. والمعنى ولئن أرسلنا ريحا حارة أو باردة، فضربت ~~زرعهم بالصفار لظلوا من بعد ذلك يكفرون بالله، ويجحدون نعمه، وفي هذا ~~دليل على سرعة تقلبهم وعدم صبرهم، وضعف قلوبهم، وليس كذا حال أهل ~~الإيمان. ثم شبههم بالموتى وبالصم فقال { فإنك لا تسمع ~~الموتى } إذا دعوتهم، فكذا هؤلاء لعدم فهمهم للحقائق ومعرفتهم ~~للصواب { ولا تسمع الصم الدعاء } إذا دعوتهم إلى الحق، ~~ووعظتهم بمواعظ الله وذكرتهم الآخرة وما فيها، وقوله { إذا ولوا ~~مدبرين } بيان لإعراضهم عن الحق بعد بيان كونهم كالأموات وكونهم صم ~~الآذان، قد تقدم تفسير هذا في سورة النمل. ثم وصفهم بالعمى فقال { وما ~~أنت بهاد العمى عن ضللتهم } لفقدهم للانتفاع بالأبصار ~~كما ينبغي. أو لفقدهم للبصائر { إن تسمع إلا من يؤمن ~~بآياتنا } أي ما تسمع إلا هؤلاء لكونهم أهل التفكر والتدبر ~~والاستدلال بالآثار على المؤثر { فهم مسلمون } أي منقادون للحق ~~متبعون له. { الله الذي خلقكم من ضعف } ذكر سبحانه ~~استدلالا آخر على كمال قدرته، وهو خلق الإنسان نفسه على أطوار مختلفة، ~~ومعنى من ضعف من نطفة. # قال الواحدي قال المفسرون من نطفة، والمعنى من ذي ضعف. وقيل المراد حال ~~الطفولية والصغر { ثم جعل من بعد ضعف قوة } ، وهي قوة ~~الشباب، فإنه إذ ذاك تستحكم القوة وتشتد الخلقة إلى بلوغ النهاية { ~~ثم جعل من بعد قوة ضعفا } أي عند الكبر والهرم { ~~وشيبة } الشيبة هي تمام الضعف ونهاية الكبر. قرأ الجمهور «ضعف» بضم ~~الضاد في هذه المواضع. وقرأ عاصم وحمزة بفتحها. وقرأ الجحدري بالفتح في ~~الأولين والضم في الثالث. قال الفراء الضم لغة قريش والفتح لغة تميم. ~~قال الجوهري الضعف والضعف خلاف القوة، وقيل هو بالفتح في الرأي، وبالضم ~~في الجسم { يخلق ما يشاء } يعني من جميع الأشياء، ومن جملتها ~~القوة والضعف في بني آدم { وهو ms2977 العليم } بتدبيره { القدير } ~~على خلق ما يريده، وأجاز الكوفيون " من ضعف " بفتح الضاد والعين. { ~~ويوم تقوم الساعة } أي القيامة، وسميت ساعة لأنها تقوم في آخر ~~ساعة من ساعات الدنيا { يقسم المجرمون ما لبثوا غير ~~ساعة } أي يحلفون ما لبثوا في الدنيا، أو في قبورهم غير ساعة، فيمكن ~~أن يكونوا استقلوا مدة لبثهم، واستقر ذلك في أذهانهم، فحلفوا عليه وهم ~~يظنون أن حلفهم مطابق للواقع. وقال ابن قتيبة إنهم كذبوا في هذا الوقت ~~كما كانوا يكذبون من قبل، وهذا هو الظاهر لأنهم إن أرادوا لبثهم في ~~الدنيا، فقد علم كل واحد منهم مقداره، وإن أرادوا لبثهم في القبور فقد ~~حلفوا على جهالة إن كانوا لا يعرفون الأوقات في البرزخ { كذلك ~~كانوا يؤفكون } يقال أفك الرجل إذا صرف عن الصدق، فالمعنى مثل ~~ذلك الصرف كانوا يصرفون. وقيل المراد يصرفون عن الحق. وقيل عن الخير، ~~والأول أولى، وهو دليل على أن حلفهم كذب. { وقال الذين أوتوا ~~العلم والإيمن لقد لبثتم فى كتب الله إلى ~~يوم البعث } اختلف في تعيين هؤلاء الذين أوتوا العلم، فقيل ~~الملائكة. وقيل الأنبياء. وقيل علماء الأمم. وقيل مؤمنو هذه الأمة، ولا ~~مانع من الحمل على الجميع. ومعنى في كتاب الله في علمه وقضائه. قال ~~الزجاج في علم الله المثبت في اللوح المحفوظ. قال الواحدي والمفسرون ~~حملوا هذا على التقديم والتأخير على تقدير وقال الذين أوتوا العلم في ~~كتاب الله، وكان رد الذين أوتوا العلم عليهم باليمين للتأكيد، أو ~~للمقابلة لليمين باليمين، ثم نبهوهم على طريقة التبكيت بأن { هذا } ~~الوقت الذي صاروا فيه هو { يوم البعث ولكنكم كنتم لا ~~تعلمون } أنه حق، بل كنتم تستعجلونه تكذيبا واستهزاء. { ~~فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم } أي لا ~~ينفعهم الاعتذار يومئذ ولا يفيدهم علمهم بالقيامة. وقيل لما رد عليهم ~~المؤمنون سألوا الرجوع إلى الدنيا واعتذروا فلم يعذروا. # قرأ الجمهور { لا تنفع } بالفوقية، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتحتية { ~~ولا هم يستعتبون } يقال استعتبته فأعتبني، أي استرضيته، ~~فأرضاني، وذلك إذا كنت جانيا عليه، وحقيقة أعتبته ms2978 أزلت عتبه، والمعنى ~~أنهم لا يدعون إلى إزالة عتبهم من التوبة والطاعة كما دعوا إلى ذلك في ~~الدنيا. { ولقد ضربنا للناس في هذا القرءان من ~~كل مثل } أي من كل مثل من الأمثال التي تدلهم على توحيد الله وصدق ~~رسله واحتججنا عليهم بكل حجة تدل على بطلان الشرك { ولئن جئتهم ~~بئاية } من آيات القرآن الناطقة بذلك، أو لئن جئتهم بآية كالعصا ~~واليد { ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا ~~مبطلون } أي ما أنت يا محمد وأصحابك إلا مبطلون أصحاب أباطيل ~~تتبعون السحر وما هو مشاكل له في البطلان { كذلك يطبع الله ~~على قلوب الذين لا يعلمون } أي مثل ذلك الطبع يطبع الله ~~على قلوب الفاقدين للعلم النافع الذي يهتدون به إلى الحق، وينجون به من ~~الباطل. ثم أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر معللا لذلك ~~بحقية وعد الله وعدم الخلف فيه، فقال { فاصبر } على ما تسمعه منهم من ~~الأذى وتنظره من الأفعال الكفرية فإن الله قد وعدك بالنصر عليهم وإعلاء ~~حجتك وإظهار دعوتك ووعده حق لا خلف فيه { ولا يستخفنك ~~الذين لا يوقنون } أي لا يحملنك على الخفة، ويستفزنك عن دينك، ~~وما أنت عليه، الذين لا يوقنون بالله، ولا يصدقون أنبياءه، ولا يؤمنون ~~بكتبه، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، يقال استخف فلان فلانا، أي ~~استجهله حتى حمله على اتباعه في الغي. قرأ الجمهور { يستخفنك } بالخاء ~~المعجمة والفاء، وقرأ يعقوب وابن أبي إسحاق بحاء مهملة وقاف من ~~الاستحقاق، والنهي في الآية من باب لا أرينك هاهنا. وقد أخرج ابن أبي ~~حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول # " مامن مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار ~~جهنم يوم القيامة " # ، ثم تلا { وكان حقا علينا نصر المؤمنين }. وهو من ~~طريق شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي الدرداء. وأخرج أبو يعلى وابن ~~المنذر عنه في قوله { ويجعله كسفا } قال قطعا بعضها فوق بعض ms2979 { ~~فترى الودق } قال المطر { يخرج من خلاله } قال من بينه. ~~وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال نزلت هذه ~~الآية { إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم ~~الدعاء } في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأهل بدر، والإسناد ضعيف. ~~والمشهور في الصحيحين وغيرهما أن عائشة استدلت بهذه الآية على رد رواية ~~من روى من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم نادى أهل قليب بدر، وهو ~~من الاستدلال بالعام على رد الخاص، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما قيل له إنك تنادي أجسادا بالية # " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم " # وفي مسلم من حديث أنس أن عمر بن الخطاب لما سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يناديهم، فقال يا رسول الله، تناديهم بعد ثلاث، وهل يسمعون؟ يقول ~~الله { إنك لا تسمع الموتى } ، فقال # " والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يطيقون أن يجيبوا ". ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.1-11] # قوله { الم * تلك ءايت الكتب } قد تقدم الكلام على ~~أمثال فاتحة هذه السورة ومحلها من الإعراب مستوفى فلا نعيده، وبيان مرجع ~~الإشارة أيضا، و { الحكيم } إما أن يكون بمعنى مفعل، أو بمعنى فاعل، ~~أو بمعنى ذي الحكمة أو الحكيم قائله، و { هدى ورحمة } منصوبان على ~~الحال على قراءة الجمهور. قال الزجاج المعنى تلك آيات الكتاب في حال ~~الهداية والرحمة، وقرأ حمزة " ورحمة " بالرفع على أنهما خبر مبتدأ محذوف، ~~أي هو هدى ورحمة، ويجوز أن يكونا خبر تلك. والمحسن العامل للحسنات، أو من ~~يعبد الله كأنه يراه كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح لما سأله ~~جبريل عن الإحسان فقال # " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # ، ثم بين عمل المحسنين فقال { الذين يقيمون الصلوة ~~ويؤتون الزكوة وهم بالآخرة هم يوقنون } والموصول ~~في محل جر على الوصف للمحسنين، أو في محل رفع، أو نصب على المدح أو ~~القطع، وخص هذه العبادات الثلاث لأنها عمدة العبادات { أولئك ~~على هدى ms2980 من ربهم وأولئك هم المفلحون } قد ~~تقدم تفسير هذا في أوائل سورة البقرة، والمعنى هنا أن أولئك المتصفين ~~بالإحسان وفعل تلك الطاعات التي هي أمهات العبادات هم على طريقة الهدى، ~~وهم الفائزون بمطالبهم الظافرون بخيري الدارين. { ومن الناس من ~~يشتري لهو الحديث } محل { ومن الناس } الرفع على الابتداء كما ~~تقدم بيانه في سورة البقرة، وخبره { من يشتري لهو الحديث } ، و " من " ~~إما موصولة أو موصوفة، و { لهو الحديث } كل ما يلهي عن الخير من الغناء ~~والملاهي والأحاديث المكذوبة وكل ما هو منكر، والإضافة بيانية. وقيل ~~المراد شراء القينات المغنيات والمغنين، فيكون التقدير ومن يشتري أهل لهو ~~الحديث. قال الحسن لهو الحديث المعازف والغناء. وروي عنه أنه قال هو ~~الكفر والشرك. قال القرطبي إن أولى ما قيل في هذا الباب هو تفسير لهو ~~الحديث بالغناء، قال وهو قول الصحابة والتابعين، واللام في { ليضل ~~عن سبيل الله } للتعليل.قرأ الجمهور بضم الياء من { ليضل } أي ~~ليضل غيره عن طريق الهدى ومنهج الحق، وإذا أضل غيره فقد ضل في نفسه. وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن وحميد، وورش وابن أبي إسحاق بفتح الياء. ~~أي ليضل هو في نفسه. قال الزجاج من قرأ بضم الياء، فمعناه ليضل غيره، ~~فإذا أضل غيره فقد ضل هو، ومن قرأ بفتح الياء فمعناه ليصير أمره إلى ~~الضلال، وهو وإن لم يكن يشتري للضلالة، فإنه يصير أمره إلى ذلك، فأفاد ~~هذا التعليل أنه إنما يستحق الذم من اشترى لهو الحديث لهذا المقصد، ويؤيد ~~هذا سبب نزول الآية وسيأتي. # قال الطبري قد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه، وإنما ~~فارق الجماعة إبراهيم بن سعد وعبد الله العنبري. قال القاضي أبو بكر بن ~~العربي يجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته إذ ليس شيء منها عليه حرام لا من ~~ظاهرها ولا من باطنها، فكيف يمنع من التلذذ بصوتها؟ قلت قد جمعت رسالة ~~مشتملة على أقوال أهل العلم في الغناء وما استدل به المحللون له ~~والمحرمون له، وحققت هذا المقام بما ms2981 لا يحتاج من نظر فيها وتدبر معانيها ~~إلى النظر في غيرها، وسميتها إبطال دعوى الإجماع، على تحريم مطلق السماع ~~فمن أحب تحقيق المقام كما ينبغي فليرجع إليها. ومحل قوله { بغير علم } ~~النصب على الحال، أي حال كونه غير عالم بحال ما يشتريه، أو بحال ما ينفع ~~من التجارة، وما يضر، فلهذا استبدل بالخير ما هو شر محض { ويتخذها ~~هزوا } قرأ الجمهور برفع " يتخذها " عطفا على { يشتري } فهو من جملة ~~الصلة. وقيل الرفع على الاستئناف والضمير المنصوب في { يتخذها } يعود إلى ~~الآيات المتقدم ذكرها، والأول أولى. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش { ~~ويتخذها } بالنصب عطفا على { يضل } ، والضمير المنصوب راجع إلى السبيل، ~~فتكون على هذه القراءة من جملة التعليل للتحريم، والمعنى أنه يشتري لهو ~~الحديث للإضلال عن سبيل الله واتخاذ السبيل هزوا، أي مهزوءا به، ~~والسبيل يذكر ويؤنث، والإشارة بقوله { أولئك لهم عذاب ~~مهين } إلى من، والجمع باعتبار معناها، كما أن الإفراد في الفعلين ~~باعتبار لفظها، والعذاب المهين هو الشديد الذي يصير به من وقع عليه ~~مهينا. { وإذا تتلى عليه ءايتنا } أي وإذا تتلى آيات ~~القرآن على هذا المستهزىء { ولى مستكبرا } أي أعرض عنها حال ~~كونه مبالغا في التكبر، وجملة { كأن لم يسمعها } في محل نصب ~~على الحال، أي كأن ذلك المعرض المستكبر لم يسمعها مع أنه قد سمعها، ولكن ~~أشبهت حاله حال من لم يسمع، وجملة { كأن في أذنيه وقرا } ~~حال ثانية، أو بدل من التي قبلها، أو حال من ضمير يسمعها، ويجوز أن تكون ~~مستأنفة. والوقر الثقل، وقد تقدم بيانه، وفيه مبالغة في إعراض ذلك المعرض ~~{ فبشره بعذاب أليم } أي أخبره بأن له العذاب البليغ في ~~الألم، ثم لما بين سبحانه حال من يعرض عن الآيات بين حال من يقبل ~~عليها، فقال { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } ~~أي آمنوا بالله وبآياته ولم يعرضوا عنها بل قبلوها وعملوا بها { لهم ~~جنت النعيم } أي نعيم الجنات فعكسه للمبالغة، جعل لهم جنات ~~النعيم كما جعل للفريق الأول العذاب المهين، وانتصاب { خلدين ~~فيها } على الحال. ms2982 وقرأ زيد بن علي " خالدون فيها " على أنه خبر ثان ~~لأن { وعد الله حقا } هما مصدران الأول مؤكد لنفسه، أي وعد الله ~~وعدا. # والثاني مؤكد لغيره، وهو مضمون الجملة الأولى وتقديره حق ذلك حقا. ~~والمعنى أن وعده كائن لا محالة ولا خلف فيه { وهو العزيز } الذي ~~لا يغلبه غالب { الحكيم } في كل أفعاله وأقواله. ثم بين سبحانه عزته ~~وحكمته بقوله { خلق السموات بغير عمد ترونها } ~~العمد جمع عماد، وقد تقدم الكلام فيه في سورة الرعد. و { ترونها } في محل ~~جر صفة ل { عمد } فيمكن أن تكون ثم عمد، ولكن لا ترى. ويجوز أن تكون ~~في موضع نصب على الحال، أي ولا عمد ألبتة. قال النحاس وسمعت علي بن ~~سليمان يقول الأولى أن يكون مستأنفا، أي ولا عمد ثم { وألقى في ~~الأرض رواسي } أي جبالا ثوابت { أن تميد بكم } في محل نصب ~~على العلة، أي كراهة أن تميد بكم. والكوفيون يقدرونه لئلا تميد، والمعنى ~~أنها خلقها وجعلها مستقرة ثابتة لا تتحرك بجبال جعلها عليها وأرساها ~~على ظهرها { وبث فيها من كل دابة } أي من كل نوع من أنواع ~~الدواب، وقد تقدم بيان معنى البث { وأنزلنا من السماء ماء ~~فأنبتنا فيها من كل زوج كريم } أي أنزلنا من السماء ~~مطرا فأنبتنا فيها بسبب إنزاله من كل زوج، أي من كل صنف، ووصفه بكونه ~~كريما لحسن لونه وكثرة منافعه. وقيل إن المراد بذلك الناس، فالكريم منهم ~~من يصير إلى الجنة، واللئيم من يصير إلى النار. قاله الشعبي، وغيره، ~~والأول أولى. والإشارة بقوله { هذا } إلى ما ذكر في خلق السموات ~~والأرض، وهو مبتدأ وخبره { خلق الله } أي مخلوقه { فأروني ~~ماذا خلق الذين من دونه } من آلهتكم التي تعبدونها، ~~والاستفهام للتقريع والتوبيخ، والمعنى فأروني أي شيء خلقوا مما يحاكي ~~خلق الله أو يقاربه، وهذا الأمر لهم لقصد التعجيز والتبكيت. ثم أضرب عن ~~تبكيتهم بما ذكر إلى الحكم عليهم بالضلال الظاهر فقال { بل ~~الظلمون في ضلل } فقرر ظلمهم أولا وضلالهم ثانيا، ووصف ~~ضلالهم بالوضوح والظهور، ومن ms2983 كان هكذا فلا يعقل الحجة ولا يهتدي إلى ~~الحق. وقد أخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله { ومن الناس ~~من يشتري لهو الحديث } يعني باطل الحديث. وهو النضر بن ~~الحارث بن علقمة اشترى أحاديث الأعاجم وصنيعهم في دهرهم. وكان يكتب الكتب ~~من الحيرة إلى الشام ويكذب بالقرآن. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن ~~مردويه عنه في الآية قال باطل الحديث وهو الغناء ونحوه { ليضل عن ~~سبيل الله } قال قراءة القرآن وذكر الله، نزلت في رجل من قريش ~~اشترى جارية مغنية. وأخرج البخاري في الأدب المفرد، وابن أبي الدنيا وابن ~~جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في السنن عنه أيضا في الآية ~~قال هو الغناء وأشباهه. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عنه أيضا في الآية قال الجواري ~~الضاريات. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر، ~~والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن أبي الصهباء قال سألت عبد الله بن ~~مسعود عن قوله { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } قال ~~هو والله الغناء. ولفظ ابن جرير هو الغناء، والله الذي لا إله إلا هو، ~~يرددها ثلاث مرات. وأخرج سعيد ابن منصور وأحمد والترمذي وابن ماجه وابن ~~أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه ~~والبيهقي عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن، ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام ~~" # في مثل هذا أنزلت هذه الآية { ومن الناس من يشتري لهو ~~الحديث } الآية، وفي إسناده عبيد بن زحر عن علي بن زيد عن القاسم بن ~~عبد الرحمن وفيهم ضعف. وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي، وابن مردويه ~~عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله حرم القينة وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها " # ، ثم قرأ { ومن الناس من يشتري لهو الحديث }. وأخرج ~~ابن أبي الدنيا، والبيهقي في السنن عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ms2984 # " الغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل " # وروياه عنه موقوفا. وأخرج ابن أبي الدنيا وابن مردويه عن أبي أمامة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ما رفع أحد صوته بغناء إلا بعث الله إليه شيطانين يجلسان على منكبيه ~~يضربان بأعقابهما على صدره حتى يمسك " # وفي الباب أحاديث في كل حديث منها مقال. وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن ~~مسعود في قوله { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } قال ~~الرجل يشتري جارية تغنيه ليلا ونهارا. وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن ~~عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله { ومن ~~الناس من يشتري لهو الحديث } # " إنما ذلك شراء الرجل اللعب والباطل " # وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي عن نافع قال كنت أسير مع عبد الله بن ~~عمر في طريق، فسمع زمارة فوضع أصبعيه في أذنيه، ثم عدل عن الطريق، فلم ~~يزل يقول يا نافع، أتسمع؟ قلت لا، فأخرج أصبعيه من أذنيه. وقال هكذا رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع. وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن ~~بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نغمة لهو ومزامير شيطان، ~~وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان ". ### || [31.12-19] # اختلف في لقمان هل هو عجمي أم عربي؟ مشتق من اللقم، فمن قال إنه عجمي، ~~منعه للتعريف والعجمة، ومن قال إنه عربي منعه للتعريف، ولزيادة الألف ~~والنون. واختلفوا أيضا هو نبي أم رجل صالح؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى ~~أنه ليس بنبي. وحكى الواحدي عن عكرمة والسدي والشعبي أنه كان نبيا، ~~والأول أرجح لما سيأتي في آخر البحث. وقيل لم يقل بنبوته إلا عكرمة ~~فقط، مع أن الراوي لذلك عنه جابر الجعفي وهو ضعيف جدا. وهو لقمان بن ~~باعورا بن ناحور بن تارخ، وهو آزر أبو إبراهيم، وقيل هو لقمان بن عنقا بن ~~مرون، وكان نوبيا من أهل أيلة ذكره السهيلي. قال وهب هو ابن ms2985 أخت أيوب. ~~وقال مقاتل هو ابن خالته، عاش ألف سنة وأخذ عنه العلم، وكان يفتي قبل ~~مبعث داود، فلما بعث داود قطع الفتوى، فقيل له، فقال ألا أكتفي إذ كفيت؟ ~~قال الواقدي كان قاضيا في بني إسرائيل، والحكمة التي آتاه الله هي الفقه ~~والعقل والإصابة في القول، وفسر الحكمة من قال بنبوته بالنبوة { أن ~~اشكر لي } " أن " هي المفسرة لأن في إيتاء الحكمة معنى القول. وقيل ~~التقدير قلنا له أن اشكر لي. وقال الزجاج المعنى ولقد آتينا لقمان الحكمة ~~لأن أشكر لي. وقيل بأن أشكر لي فشكر فكان حكيما بشكره، والشكر لله ~~الثناء عليه في مقابلة النعمة وطاعته فيما أمر به. ثم بين سبحانه أن ~~الشكر لا ينتفع به إلا الشاكر، فقال { ومن يشكر فإنما ~~يشكر لنفسه } لأن نفع ذلك راجع إليه وفائدته حاصلة له إذ به ~~تستبقى النعمة وبسببه يستجلب المزيد لها من الله سبحانه { ومن كفر ~~فإن الله غني حميد } أي من جعل كفر النعم مكان شكرها، فإن ~~الله غني عن شكره غير محتاج إليه، حميد مستحق للحمد من خلقه لإنعامه ~~عليهم بنعمه التي لا يحاط بقدرها، ولا يحصر عددها، وإن لم يحمده أحد من ~~خلقه، فإن كل موجود ناطق بحمده بلسان الحال. قال يحيى بن سلام غني عن ~~خلقه حميد في فعله. { وإذ قال لقمان لابنه } قال السهيلي اسم ~~ابنه ثاران في قول ابن جرير والقتيبي. وقال الكلبي مشكم. وقال النقاش ~~أنعم. وقيل ماتان. قال القشيري كان ابنه وامرأته كافرين فما زال يعظهما ~~حتى أسلما، وهذه الجملة معطوفة على ما تقدم، والتقدير آتينا لقمان ~~الحكمة حين جعلناه شاكرا في نفسه، وحين جعلناه واعظا لغيره. قال الزجاج ~~" إذ " في موضع نصب ب { آتينا }. والمعنى ولقد آتينا لقمان الحكمة إذ ~~قال. قال النحاس وأحسبه غلطا لأن في الكلام واوا، وهي تمنع من ذلك، ~~ومعنى { وهو يعظه } يخاطبه بالمواعظ التي ترغبه في التوحيد، ~~وتصده عن الشرك { يبني لا تشرك بالله } قرأ الجمهور بكسر ~~الياء. # وقرأ ابن كثير بإسكانها. وقرأ حفص ms2986 بفتحها، ونهيه عن الشرك يدل على أنه ~~كان كافرا كما تقدم، وجملة { إن الشرك لظلم عظيم } تعليل ~~لما قبلها، وبدأ في وعظه بنهيه عن الشرك لأنه أهم من غيره. وقد اختلف في ~~هذه الجملة، فقيل هي من كلام لقمان. وقيل هي من كلام الله، فتكون منقطعة ~~عما قبلها، ويؤيد هذا ما ثبت في الحديث الصحيح أنها لما نزلت # ولم يلبسوا إيمنهم بظلم # الأنعام 82 شق ذلك على الصحابة، وقالوا أينا لم يظلم نفسه. فأنزل الله { ~~إن الشرك لظلم عظيم } فطابت أنفسهم. { ووصينا ~~الإنسن بولديه } هذه التوصية بالوالدين وما بعدها إلى قوله { ~~بما كنتم تعملون } اعتراض بين كلام لقمان لقصد التأكيد لما ~~فيها من النهي عن الشرك بالله، وتفسير التوصية هي قوله { أن اشكر ~~لي ولولديك } ، وما بينهما اعتراض بين المفسر والمفسر، وفي ~~جعل الشكر لهما مقترنا بالشكر لله دلالة على أن حقهما من أعظم الحقوق ~~على الولد، وأكبرها وأشدها وجوبا، ومعنى { حملته أمه وهنا ~~على وهن } أنها حملته في بطنها وهي تزداد كل يوم ضعفا على ضعف، ~~وقيل المعنى إن المرأة ضعيفة الخلقة، ثم يضعفها الحمل. وانتصاب { وهنا } ~~على المصدر. وقال النحاس على أنه مفعول ثان بإسقاط الحرف، أي حملته بضعف ~~على ضعف، وقال الزجاج المعنى لزمها بحملها إياه أن تضعف، مرة بعد مرة. ~~وقيل انتصابه على الحال من أمه، و { على وهن } صفة ل { وهنا } أي وهنا ~~كائنا على وهن. قرأ الجمهور بسكون الهاء في الموضعين. وقرأ عيسى الثقفي ~~وهي رواية عن أبي عمرو بفتحهما وهما لغتان. قال قعنب # هل للعواذل من ناه فيزجرها إن العواذل فيها الأين والوهن # { وفصاله في عامين } الفصال الفطام، وهو أن يفصل الولد عن ~~الأم، وهو مبتدأ وخبره الظرف. وقرأ الجحدري، وقتادة وأبو رجاء، والحسن ~~ويعقوب " وفصله " وهما لغتان، يقال انفصل عن كذا، أي تميز، وبه سمي ~~الفصيل. وقد قدمنا أن أمة في قوله { أن اشكر لي ولولديك } ~~هي المفسرة. وقال الزجاج هي مصدرية. والمعنى بأن اشكر لي. قال النحاس ~~وأجود منه أن تكون ms2987 " أن " مفسرة، وجملة { إلي المصير } تعليل ~~لوجوب امتثال الأمر، أي الرجوع إلي لا إلى غيري. { وإن جهداك ~~على أن تشرك بي ما ليس لك به علم } أي ما لا علم لك ~~بشركته { فلا تطعهما } في ذلك. وقد قدمنا تفسير الآية، وسبب ~~نزولها في سورة العنكبوت، وانتصاب { معروفا } على أنه صفة لمصدر ~~محذوف، أي وصاحبهما صحابا معروفا. # وقيل هو منصوب بنزع الخافض، والتقدير بمعروف { واتبع سبيل من ~~أناب إلي } أي اتبع سبيل من رجع إلي من عبادي الصالحين بالتوبة ~~والإخلاص { ثم إلي مرجعكم } جميعا لا إلى غيري { ~~فأنبئكم } أي أخبركم عند رجوعكم { بما كنتم تعملون } من ~~خير وشر فأجازي كل عامل بعمله. وقد قيل إن هذا السياق من قوله { ووصينا ~~الإنسان } إلى هنا من كلام لقمان فلا يكون اعتراضا وفيه بعد. ثم شرع ~~سبحانه في حكاية بقية كلام لقمان في وعظه لابنه فقال { يبنى ~~إنها إن تك مثقال حبة من خردل } الضمير في { إنها } ~~عائد إلى الخطيئة، لما روي أن ابن لقمان قال لأبيه يا أبت إن عملت ~~الخطيئة حيث لا يراني أحد هل يعلمها الله؟ فقال إنها، أي الخطيئة، ~~والجملة الشرطية مفسرة للضمير، أي إن الخطيئة إن تك مثقال حبة من خردل. ~~قال الزجاج التقدير إن التي سألتني عنها إن تك مثقال حبة من خردل، وعبر ~~بالخردلة لأنها أصغر الحبوب، ولا يدرك بالحس ثقلها ولا ترجح ميزانا. ~~وقيل إن الضمير في { إنها } راجع إلى الخصلة من الإساءة والإحسان، أي إن ~~الخصلة من الإساءة والإحسان إن تك مثقال حبة إلخ، ثم زاد في بيان خفاء ~~الحبة مع خفتها فقال { فتكن في صخرة } فإن كونها في الصخرة قد ~~صارت في أخفى مكان وأحرزه { أو في السموات أو في الأرض } ~~أي أو حيث كانت من بقاع السماوات، أو من بقاع الأرض { يأت بها ~~الله } أي يحضرها، ويحاسب فاعلها عليها { إن الله لطيف } لا ~~تخفى عليه خافية، بل يصل علمه إلى كل خفي { خبير } بكل شيء لا يغيب ~~عنه شيء. قرأ الجمهور { إن تك ms2988 } بالفوقية على معنى إن تك الخطيئة أو ~~المسألة، أو الخصلة أو القصة. وقرءوا { مثقال } بالنصب على أنه خبر كان، ~~واسمها هو أحد تلك المقدرات. وقرأ نافع برفع " مثقال " على أنه اسم كان ~~وهي تامة. وأنث الفعل في هذه القراءة لإضافة مثقال إلى المؤنث. وقرأ ~~الجمهور { فتكن } بضم الكاف. وقرأ الجحدري بكسرها وتشديد النون. من الكن ~~الذي هو الشيء المغطى. قال السدي هذه الصخرة هي صخرة ليست في السماوات، ~~ولا في الأرض. ثم حكى سبحانه عن لقمان أنه أمر ابنه بإقامة الصلاة والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على المصيبة. ووجه تخصيص هذه الطاعات ~~أنها أمهات العبادات وعماد الخير كله، والإشارة بقوله { إن ذلك } ~~إلى الطاعات المذكورة، وخبر " إن " قوله { من عزم الأمور } أي ~~مما جعله الله عزيمة وأوجبه على عباده. وقيل المعنى من حق الأمور التي ~~أمر الله بها. والعزم يجوز أن يكون بمعنى المعزوم، أي من معزومات الأمور ~~أو بمعنى العازم كقوله # فإذا عزم الأمر # محمد 21 قال المبرد إن العين تبدل حاء. فيقال عزم وحزم. قال ابن جرير ~~ويحتمل أن يريد أن ذلك من مكارم أهل الأخلاق، وعزائم أهل الحزم السالكين ~~طريق النجاة، وصوب هذا القرطبي. { ولا تصعر خدك للناس } ~~قرأ الجمهور { تصعر } ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم " تصاعر " ~~والمعنى متقارب. والصعر الميل، يقال صعر خده وصاعر خده إذا أمال وجهه، ~~وأعرض تكبرا. والمعنى لا تعرض عن الناس تكبرا عليهم، ومنه قول الشاعر # وكنا إذا الجبار صعر خده مشينا إليه بالسيوف نعاتبه # ورواه ابن جرير هكذا # وكنا إذا الجبار صعر خده أقمنا له من ميله فتقوما # قال الهروي { ولا تصعر خدك للناس } أي لا تعرض عنهم ~~تكبرا، يقال أصاب البعير صعر إذا أصابه داء يلوي عنقه. وقيل المعنى ولا ~~تلو شدقك إذا ذكر الرجل عندك كأنك تحتقره. وقال ابن خويز منداد كأنه نهى ~~أن يذل الإنسان نفسه من غير حاجة، ولعله فهم من التصعير التذلل { ولا ~~تمش في الأرض مرحا } أي خيلاء وفرحا، والمعنى النهي عن التكبر ms2989 ~~والتجبر، والمختال يمرح في مشيه، وهو مصدر في موضع الحال، وقد تقدم ~~تحقيقه، وجملة { إن الله لا يحب كل مختال فخور } ~~تعليل للنهي لأن الاختيال هو المرح، والفخور هو الذي يفتخر على الناس بما ~~له من المال أو الشرف أو القوة أو غير ذلك، وليس منه التحدث بنعم الله، ~~فإن الله يقول # وأما بنعمة ربك فحدث # الضحى 11. # واقصد في مشيك # أي توسط فيه، والقصد ما بين الإسراع والبطء، يقال قصد فلان في مشيته إذا ~~مشى مستويا لا يدب دبيب المتماوتين، ولا يثب وثوب الشياطين. وقد ثبت أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى أسرع، فلا بد أن يحمل القصد ~~هنا على ما جاوز الحد في السرعة. وقال مقاتل معناه لا تختل في مشيتك. ~~وقال عطاء امش بالوقار، والسكينة. كقوله # يمشون على الأرض هونا # الفرقان 63 { واغضض من صوتك } أي انقص منه، واخفضه ولا تتكلف ~~رفعه، فإن الجهر بأكثر من الحاجة يؤذي السامع، وجملة { إن أنكر ~~الأصوت لصوت الحمير } تعليل للأمر بالغض من الصوت، أي ~~أوحشها، وأقبحها. قال قتادة أقبح الأصوات صوت الحمير أوله زفير وآخره ~~شهيق. قال المبرد تأويله إن الجهر بالصوت ليس بمحمود، وإنه داخل في باب ~~الصوت المنكر. واللام في { لصوت } للتأكيد، ووحد الصوت مع كونه مضافا ~~إلى الجمع لأنه مصدر، وهو يدل على الكثرة، وهو مصدر صات يصوت صوتا فهو ~~صائت. وقد أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " أتدرون ما كان لقمان؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال كان حبشيا " # وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا في كتاب المملوكين، ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال كان لقمان عبدا ~~حبشيا نجارا. وأخرج الطبراني، وابن حبان في الضعفاء، وابن عساكر عنه ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اتخذوا السودان فإن ثلاثة منهم سادات أهل الجنة لقمان الحكيم، ~~والنجاشي، وبلال المؤذن " # قال الطبراني أراد الحبشة. وأخرج ابن مردويه عنه ms2990 أيضا في قوله { ~~ولقد ءاتينا لقمان الحكمة } يعني العقل والفهم والفطنة ~~في غير نبوة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة أنه كان نبيا، وقد ~~قدمنا أن الراوي عنه جابر الجعفي، وهو ضعيف جدا. وأخرج أحمد والحكيم ~~والترمذي، والحاكم في الكنى، والبيهقي في الشعب عن ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " إن لقمان الحكيم كان يقول إن الله إذا استودع شيئا حفظه " # وقد ذكر جماعة من أهل الحديث روايات عن جماعة من الصحابة والتابعين ~~تتضمن كلمات من مواعظ لقمان وحكمه، ولم يصح عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من ذلك شيء ولا ثبت إسناد صحيح إلى لقمان بشيء منها حتى نقبله. وقد ~~حكى الله سبحانه من مواعظه لابنه ما حكاه في هذا الموضع، وفيه كفاية وما ~~عدا ذلك مما لم يصح فليس في ذكره إلا شغلة للحيز وقطيعة للوقت، ولم يكن ~~نبيا حتى يكون ما نقل عنه من شرع من قبلنا، ولا صح إسناد ما روي عنه من ~~الكلمات حتى يكون ذكر ذلك من تدوين كلمات الحكمة التي هي ضالة المؤمن. ~~وأخرج أبو يعلى والطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن أبي عثمان النهدي أن ~~سعد بن أبي وقاص قال أنزلت في هذه الآية { وإن جهداك على أن ~~تشرك بي } ، وقد تقدم ذكر هذا. وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال ~~نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ~~{ وهنا على وهن } قال شدة بعد شدة، وخلقا بعد خلق. وأخرج ~~الطبراني وابن عدي وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سئل عن قوله { ولا تصعر خدك للناس } ، فقال # " لي الشدق " # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ولا ~~تصعر خدك للناس } قال لا تتكبر، فتحتقر عباد الله وتعرض عنهم ~~إذا كلموك. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية قال هو الذي إذا ~~سلم عليه ms2991 لوى عنقه كالمستكبر. ### || [31.20-28] # لما فرغ سبحانه من قصة لقمان رجع إلى توبيخ المشركين وتبكيتهم وإقامة ~~الحجج عليهم، فقال { ألم تروا أن الله سخر لكم ما ~~في السموت وما في الأرض } قال الزجاج معنى تسخيرها ~~للآدميين الانتفاع بها انتهى، فمن مخلوقات السموات المسخرة لبني آدم، أي ~~التي ينتفعون بها الشمس والقمر والنجوم ونحو ذلك. ومن جملة ذلك الملائكة ~~فإنهم حفظة لبني آدم بأمر الله سبحانه، ومن مخلوقات الأرض المسخرة لبني ~~آدم الأحجار والتراب والزرع والشجر والثمر والحيوانات التي ينتفعون بها ~~والعشب الذي يرعون فيه دوابهم، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة، فالمراد ~~بالتسخير جعل المسخر بحيث ينتفع به المسخر له، سواء كان منقادا له، ~~وداخلا تحت تصرفه أم لا { وأسبغ عليكم نعمه ظهرة ~~وباطنة } أي أتم وأكمل عليكم نعمه، يقال سبغت النعمة إذا تمت ~~وكملت. قرأ الجمهور { أسبغ } بالسين، وقرأ ابن عباس ويحيى بن عمارة " ~~أصبغ " بالصاد مكان السين. والنعم جمع نعمة على قراءة نافع وأبي عمرو ~~وحفص، وقرأ الباقون " نعمة " بسكون العين على الإفراد والتنوين اسم جنس ~~يراد به الجمع ويدل به على الكثرة، كقوله # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها # إبراهيم 34 وهي قراءة ابن عباس. والمراد بالنعم الظاهرة ما يدرك بالعقل ~~أو الحس ويعرفه من يتعرفه، وبالباطنة ما لا يدرك للناس، ويخفى عليهم. ~~وقيل الظاهرة الصحة وكمال الخلق، والباطنة المعرفة، والعقل. وقيل الظاهرة ~~ما يرى بالأبصار من المال والجاه والجمال، وفعل الطاعات، والباطنة ما ~~يجده المرء في نفسه من العلم بالله وحسن اليقين وما يدفعه الله عن البعد ~~من الآفات. وقيل الظاهرة نعم الدنيا، والباطنة نعم الآخرة. وقيل الظاهرة ~~الإسلام والجمال، والباطنة ما ستره الله على العبد من الأعمال السيئة { ~~ومن الناس من يجدل في الله } أي في شأن الله سبحانه في ~~توحيده وصفاته مكابرة وعنادا بعد ظهور الحق له وقيام الحجة عليه، ولهذا ~~قال { بغير علم } من عقل ولا نقل { ولا هدى } يهتدي به إلى ~~طريق الصواب { ولا كتب منير } أنزله الله سبحانه، بل مجرد ~~تعنت، ms2992 ومحض عناد. وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة. { وإذا ~~قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله } أي إذا قيل لهؤلاء ~~المجادلين. والجمع باعتبار معنى من، اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من ~~الكتاب تمسكوا بمجرد التقليد البحت. و { قالوا بل نتبع ما ~~وجدنا عليه ءاباءنا } فنعبد ما كانوا يعبدونه من الأصنام، ~~ونمشي في الطريق التي كانوا يمشون بها في دينهم، ثم قال على طريق ~~الاستفهام للاستبعاد والتبكيت { أو لو كان الشيطن ~~يدعوهم إلى عذاب السعير } أي يدعو آباءهم الذين اقتدوا ~~بهم في دينهم، أي يتبعونهم في الشرك، ولو كان الشيطان يدعوهم فيما هم ~~عليه من الشرك، ويجوز أن يراد أنه يدعو هؤلاء الأتباع إلى عذاب السعير ~~لأنه زين لهم اتباع آبائهم والتدين بدينهم، ويجوز أن يراد أنه يدعو جميع ~~التابعين والمتبوعين إلى العذاب، فدعاؤه للمتبوعين بتزيينه لهم الشرك، ~~ودعاؤه للتابعين بتزيينه لهم دين آبائهم، وجواب لو محذوف، أي يدعوهم ~~فيتبعونهم، ومحل الجملة النصب على الحال. # وما أقبح التقليد، وأكثر ضرره على صاحبه، وأوخم عاقبته، وأشأم عائدته ~~على من وقع فيه. فإن الداعي له إلى ما أنزل الله على رسوله كمن يريد أن ~~يذود الفراش عن لهب النار لئلا تحترق، فتأبى ذلك، وتتهافت في نار الحريق، ~~وعذاب السعير. { ومن يسلم وجهه إلى الله } أي يفوض إليه ~~أمره، ويخلص له عبادته ويقبل عليه بكليته { وهو محسن } في أعماله ~~لأن العبادة من غير إحسان لها ولا معرفة بما يحتاج إليه فيها، لا تقع ~~بالموقع الذي تقع به عبادة المحسنين. وقد صح عن الصادق المصدوق لما سأله ~~جبريل عن الإحسان أنه قال له # " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # { فقد استمسك بالعروة الوثقى } أي اعتصم بالعهد ~~الأوثق وتعلق به، وهو تمثيل لحال من أسلم وجهه إلى الله بحال من أراد أن ~~يترقى إلى شاهق جبل، فتمسك بأوثق عرى حبل متدل منه { وإلى الله ~~عقبة الأمور } أي مصيرها إليه لا إلى غيره. وقرأ علي بن أبي ~~طالب والسلمي وعبد ms2993 الله بن مسلم بن يسار " ومن يسلم " بالتشديد، قال ~~النحاس والتخفيف في هذا أعرف كما قال عز وجل # فقل أسلمت وجهى لله # آل عمران 20 { ومن كفر فلا يحزنك كفره } أي لا تحزن ~~لذلك، فإن كفره لا يضرك، بين سبحانه حال الكافرين بعد فراغه من بيان حال ~~المؤمنين، ثم توعدهم بقوله { إلينا مرجعهم فننبئهم بما ~~عملوا } أي نخبرهم بقبائح أعمالهم، ونجازيهم عليها { إن الله ~~عليم بذات الصدور } أي بما تسره صدورهم لا تخفى عليه من ذلك ~~خافية. فالسر عنده كالعلانية. { نمتعهم قليلا } أي نبقيهم في ~~الدنيا مدة قليلة يتمتعون بها. فإن النعيم الزائل هو أقل قليل بالنسبة ~~إلى النعيم الدائم. وانتصاب { قليلا } على أنه صفة لمصدر محذوف، أي ~~تمتيعا قليلا { ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ } أي ~~نلجئهم إلى عذاب النار. فإنه لا أثقل منه على من وقع فيه وأصيب به، فلهذا ~~استعير له الغلظ { ولئن سألتهم من خلق السموات ~~والأرض ليقولن الله } أي يعترفون بالله خالق ذلك لوضوح ~~الأمر فيه عندهم. وهذا اعتراف منهم بما يدل على التوحيد وبطلان الشرك، ~~ولهذا قال { قل الحمد لله } أي قل يا محمد الحمد لله على ~~اعترافكم، فكيف تعبدون غيره، وتجعلونه شريكا له؟ أو المعنى فقل الحمد ~~لله على ما هدانا له من دينه، ولا حمد لغيره، ثم أضرب عن ذلك فقال { بل ~~أكثرهم لا يعلمون } أي لا ينظرون ولا يتدبرون حتى يعلموا أن ~~خالق هذه الأشياء هو الذي تجب له العبادة دون غيره. # { لله ما فى السموات والأرض } ملكا، وخلقا فلا يستحق ~~العبادة غيره { إن الله هو الغني } عن غيره { الحميد } ~~أي المستحق للحمد أو المحمود من عباده بلسان المقال أو بلسان الحال. ثم ~~لما ذكر سبحانه أن له ما في السماوات والأرض أتبعه بما يدل على أن له ~~وراء ذلك ما لا يحيط به عدد، ولا يحصر بحد فقال { ولو أنما في ~~الارض من شجرة أقلام } أي لو أن جميع ما في الأرض من الشجر ~~أقلام. ووحد الشجرة لما تقرر في علم ms2994 المعاني أن استغراق المفرد أشمل، ~~فكأنه قال كل شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر واحدة إلا وقد بريت ~~أقلاما، وجمع الأقلام لقصد التكثير، أي لو أن يعد كل شجرة من الشجر ~~أقلاما. قال أبو حيان وهو من وقوع المفرد موقع الجمع والنكرة موقع ~~المعرفة كقوله # ما ننسخ من ءاية # البقرة 106، ثم قال سبحانه { والبحر يمده من بعده ~~سبعة أبحر } أي يمده من بعد نفاده سبعة أبحر. قرأ الجمهور { ~~والبحر } بالرفع على أنه مبتدأ، و { يمده } خبره، والجملة في محل الحال، ~~أي والحال أن البحر المحيط مع سعته يمده السبعة الأبحر مدا لا ينقطع، ~~كذا قال سيبويه. وقال المبرد إن البحر مرتفع بفعل مقدر تقديره ولو ثبت ~~البحر حال كونه تمده من بعده سبعة أبحر. وقيل هو مرتفع بالعطف على أن ~~وما في حيزها. وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق " والبحر " بالنصب عطفا على ~~اسم أن، أو بفعل مضمر يفسره { يمده }. وقرأ ابن هرمز والحسن «يمده» بضم ~~حرف المضارعة، وكسر الميم، من أمد. وقرأ جعفر بن محمد " والبحر مداده " ~~وجواب لو { ما نفدت كلمت الله } أي كلماته التي هي عبارة ~~عن معلوماته. قال أبو علي الفارسي المراد بالكلمات والله أعلم ما في ~~المقدور دون ما خرج منه إلى الوجود، ووافقه القفال فقال المعنى أن ~~الأشجار لو كانت أقلاما والبحار مدادا، فكتب بها عجائب صنع الله الدالة ~~على قدرته ووحدانيته لم تنفد تلك العجائب. قال القشيري رد القفال معنى ~~الكلمات إلى المقدورات. وحمل الآية على الكلام القديم أولى. قال النحاس ~~قد تبين أن الكلمات هاهنا يراد بها العلم وحقائق الأشياء لأنه جل وعلا ~~علم قبل أن يخلق الخلق ما هو خالق في السماوات والأرض من شيء، وعلم ما ~~فيه من مثاقيل الذر، وعلم الأجناس كلها، وما فيها من شعرة وعضو وما في ~~الشجرة من ورقة، وما فيها من ضروب الخلق. # وقيل إن قريشا قالت ما أكثر كلام محمد، فنزلت قاله السدي، وقيل إنها ~~لما نزلت # وما أوتيتم من العلم إلا ms2995 قليلا # الإسراء 85 في اليهود، قالوا كيف، وقد أوتينا التوراة فيها كلام الله، ~~وأحكامه، فنزلت. قال أبو عبيدة المراد بالبحر هنا الماء العذب الذي ينبت ~~الأقلام، وأما الماء المالح، فلا ينبت الأقلام. قلت ما أسقط هذا الكلام، ~~وأقل جدواه { أن الله عزيز حكيم } أي غالب لا يعجزه شيء، ~~ولا يخرج عن حكمته وعلمه فرد من أفراد مخلوقاته. { ما خلقكم ولا ~~بعثكم إلا كنفس وحدة } أي إلا كخلق نفس واحدة، وبعثها. ~~قال النحاس كذا قدره النحويون كخلق نفس مثل قوله # واسئل القرية # يوسف 82. قال الزجاج أي قدرة الله على بعث الخلق كلهم، وعلى خلقهم ~~كقدرته على خلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة { إن الله سميع } لكل ~~ما يسمع { بصير } بكل ما يبصر. وقد أخرج البيهقي في الشعب عن عطاء قال ~~سألت ابن عباس عن قوله { وأسبغ عليكم } الآية، قال هذه من كنوز ~~علمي سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال # " أما الظاهرة فما سوى من خلقك، وأما الباطنة فما ستر من عورتك، ولو ~~أبداها لقلاك أهلك فمن سواهم " # وأخرج ابن مردويه، والبيهقي في الشعب، والديلمي وابن النجار عنه قال ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله { وأسبغ عليكم ~~نعمه ظهرة وباطنة } فقال # " أما الظاهرة فالإسلام، وما سوى من خلقك وما أسبغ عليك من رزقه، وأما ~~الباطنة فما ستر من مساوي عملك " # وأخرج ابن مردويه عنه أيضا قال النعمة الظاهرة الإسلام، والنعمة ~~الباطنة كل ما يستر عليكم من الذنوب والعيوب والحدود. وأخرج الفريابي ~~وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا أنه قال في ~~تفسير الآية هي لا إله إلا الله. وأخرج ابن أبي إسحاق وابن جرير وابن ~~أبي حاتم عنه أيضا في قوله { ولو أنما في الارض } الآية؟ أن ~~أحبار اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة يا محمد، ~~أرأيت قولك # وما أوتيتم من العلم إلا قليلا # الإسراء 85 إيانا تريد أم قومك؟ فقال # " كلا " # ، فقالوا ألست تتلو فيما جاءك أنا ms2996 قد أوتينا التوراة وفيها تبيان كل ~~شيء؟ فقال # " إنها في علم الله قليل " # ، وأنزل الله { ولو أنما في الأرض } الآية. وأخرجه ابن ~~مردويه عنه بأطول منه. وأخرج ابن مردويه أيضا عن ابن مسعود نحوه. ### || [31.29-34] # الخطاب بقوله { ألم تر } لكل أحد يصلح لذلك، أو للرسول صلى الله ~~عليه وسلم { أن الله يولج اليل فى النهار ويولج ~~النهار في الليل } أي يدخل كل واحد منهما في الآخر، وقد تقدم ~~تفسيره في سورة الحج والأنعام { وسخر الشمس والقمر } أي ~~ذللهما وجعلهما منقادين بالطلوع والأفول تقديرا للآجال، وتتميما ~~للمنافع، والجملة معطوفة على ما قبلهما مع اختلافهما { كل يجري ~~إلى أجل مسمى } اختلف في الأجل المسمى ماذا هو؟ فقيل هو يوم ~~القيامة. وقيل وقت الطلوع ووقت الأفول، والأول أولى، وجملة { وأن ~~الله بما تعملون خبير } معطوفة على أن { الله يولج } أي ~~خبير بما تعملونه من الأعمال لا تخفى عليه منها خافية لأن من قدر على مثل ~~هذه الأمور العظيمة فقدرته على العلم بما تعملونه بالأولى. قرأ الجمهور { ~~تعملون } بالفوقية، وقرأ السلمي ونصر بن عامر والدوري عن أبي عمرو ~~بالتحتية على الخبر. والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم ذكره، ~~والباء في { بأن الله } للسببية، أي ذلك بسبب أنه سبحانه { هو ~~الحق } وغيره الباطل، أو متعلقة بمحذوف، أي فعل ذلك ليعلموا أنه الحق ~~{ وأن ما يدعون من دونه البطل } قال مجاهد الذي يدعون ~~من دونه هو الشيطان. وقيل ما أشركوا به من صنم، أو غيره، وهذا أولى { ~~وأن الله هو العلي الكبير } معطوفة على جملة { أن الله ~~هو الحق } والمعنى أن ذلك الصنع البديع الذي وصفه في الآيات المتقدمة ~~للاستدلال به على حقية الله، وبطلان ما سواه، وعلوه وكبريائه { هو ~~العلي } في مكانته، ذو الكبرياء في ربوبيته وسلطانه. ثم ذكر من عجيب ~~صنعه وبديع قدرته نوعا آخر فقال { ألم تر أن الفلك تجري ~~فى البحر بنعمت الله } أي بلطفه بكم ورحمته لكم، وذلك من ~~أعظم نعمه عليكم لأنها تخلصكم من الغرق عند أسفاركم في البحر لطلب ms2997 الرزق، ~~وقرأ ابن هرمز " بنعمات الله " جمع نعمة { ليريكم من ءايته ~~} " من " للتبعيض، أي ليريكم بعض آياته. قال يحيى بن سلام وهو جري السفن ~~في البحر بالريح. وقال ابن شجرة المراد بقوله { من آياته } ما يشاهدونه ~~من قدرة الله. وقال النقاش ما يرزقهم الله في البحر { إن في ذلك ~~لآيت لكل صبار شكور } هذه الجملة تعليل لما قبلها، أي إن ~~فيما ذكر لآيات عظيمة لكل من له صبر بليغ وشكر كثير، يصبر عن معاصي الله، ~~ويشكر نعمه. { وإذا غشيهم موج كالظلل } شبه الموج لكبره ~~بما يظل الإنسان من جبل أو سحاب أو غيرهما، وإنما شبه الموج وهو واحد ~~بالظلل وهي جمع، لأن الموت يأتي شيئا بعد شيء، ويركب بعضه بعضا. # وقيل إن الموج في معنى الجمع لأنه مصدر، وأصل الموج الحركة والازدحام، ~~ومنه يقال ماج البحر وماج الناس. وقرأ محمد بن الحنفية «موج كالظلال» جمع ~~ظل { دعوا الله مخلصين له الدين } أي دعوا الله وحده لا ~~يعولون على غيره في خلاصهم لأنهم يعلمون أنه لا يضر ولا ينفع سواه، ~~ولكنه تغلب على طبائعهم العادات وتقليد الأموات، فإذا وقعوا في مثل هذه ~~الحالة اعترفوا بوحدانية الله، وأخلصوا دينهم له طلبا للخلاص والسلامة ~~مما وقعوا فيه { فلما نجاهم إلى البر } صاروا على قسمين ~~فقسم { مقتصد } أي موف بما عاهد عليه الله في البحر من إخلاص الدين ~~له، باق على ذلك بعد أن نجاه الله من هول البحر، وأخرجه إلى البر ~~سالما. قال الحسن معنى { مقتصد } مؤمن متمسك بالتوحيد والطاعة. وقال ~~مجاهد مقتصد في القول مضمر للكفر، والأولى ما ذكرناه، ويكون في الكلام ~~حذف، والتقدير فمنهم مقتصد ومنهم كافر، ويدل على هذا المحذوف قوله { ~~وما يجحد بئايتنا إلا كل ختار كفور } الختر ~~أسوأ الغدر، وأقبحه، ومنه قول الأعشى # بالأبلق الفرد من تيماء منزله حصن حصين وجار غير ختار # قال الجوهري الختر الغدر، يقال ختره فهو ختار. قال الماوردي وهذا قول ~~الجمهور. وقال ابن عطية إنه الجاحد، وجحد الآيات إنكارها، والكفور عظيم ~~الكفر بنعم ms2998 الله سبحانه. { يأيها الناس اتقوا ربكم ~~واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده } أي لا يغني ~~الوالد عن ولده شيئا، ولا ينفعه بوجه من وجوه النفع لاشتغاله بنفسه. وقد ~~تقدم بيان معناه في البقرة { ولا مولود هو جاز عن والده ~~شيئا } ذكر سبحانه فردين من القرابات وهو الوالد والولد، وهما الغاية ~~في الحنو والشفقة على بعضهم البعض، فما عداهما من القرابات لا يجزي ~~بالأولى، فكيف بالأجانب؟ اللهم اجعلنا ممن لا يرجو سواك ولا يعول على ~~غيرك { إن وعد الله حق } لا يتخلف فما وعد به من الخير وأوعد ~~به من الشر فهو كائن لا محالة { فلا تغرنكم الحيوة ~~الدنيا } وزخارفها فإنها زائلة ذاهبة { ولا يغرنكم ~~بالله الغرور } قرأ الجمهور { الغرور } بفتح الغين المعجمة. ~~والغرور هو الشيطان لأن من شأنه أن يغر الخلق ويمنيهم بالأماني الباطلة، ~~ويلهيهم عن الآخرة، ويصدهم عن طريق الحق. وقرأ سماك بن حرب وأبو حيوة ~~وابن السميفع بضم الغين مصدر غر يغر غرورا، ويجوز أن يكون مصدرا ~~واقعا وصفا للشيطان على المبالغة. { إن الله عنده علم ~~الساعة } أي علم وقتها الذي تقوم فيه. قال الفراء إن معنى هذا الكلام ~~النفي، أي ما يعلمه أحد إلا الله عز وجل. قال النحاس وإنما صار فيه ~~معنى النفي لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو # الأنعام 59 " إنها هذه " { وينزل الغيث } في الأوقات التي ~~جعلها معينة لإنزاله، ولا يعلم ذلك غيره { ويعلم ما في ~~الأرحام } من الذكور والإناث والصلاح والفساد { وما تدري نفس ~~} من النفوس كائنة ما كانت من غير فرق بين الملائكة والأنبياء والجن ~~والإنس { ماذا تكسب غدا } من كسب دين أو كسب دنيا { وما ~~تدري نفس بأي أرض تموت } أي بأي مكان يقضي الله عليها ~~بالموت. قرأ الجمهور { وينزل الغيث } مشددا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~وحمزة والكسائي مخففا. وقرأ الجمهور { بأي أرض } ، وقرأ أبي بن كعب ~~وموسى الأهوازي " بأية " وجوز ذلك الفراء وهي لغة ضعيفة. ms2999 قال الأخفش ~~يجوز أن يقال مررت بجارية أي جارية. قال الزجاج من ادعى أنه يعلم شيئا ~~من هذه الخمس فقد كفر بالقرآن لأنه خالفه. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس ~~في قوله { ختار } قال جحاد. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في ~~قوله { ولا يغرنكم بالله الغرور } قال هو الشيطان. وكذا ~~قال مجاهد وعكرمة وقتادة. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد قال جاء رجل من أهل البادية، فقال إن امرأتي حبلى، فأخبرني ما تلد؟ ~~وبلادنا مجدبة، فأخبرني متى ينزل الغيث؟ وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى ~~أموت؟ فأنزل الله { إن الله عنده علم الساعة } الآية. ~~وأخرج ابن المنذر عن عكرمة نحوه وزاد وقد علمت ما كسبت اليوم، فماذا أكسب ~~غدا؟ وزاد أيضا أنه سأله عن قيام الساعة. وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما ~~عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا ~~متى تقوم الساعة إلا الله، ولا ما في الأرحام إلا الله، ولا متى ينزل ~~الغيث إلا الله، وما تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله " # وفي الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي هريرة في حديث سؤاله عن الساعة ~~وجوابه بأشراطها، ثم قال # " في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا هذه الآية " # وفي الباب أحاديث. ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1-11] # قوله { الم } قد قدمنا الكلام على فاتحة هذه السورة وعلى محلها من ~~الإعراب في سورة البقرة وفي مواضع كثيرة من فواتح السور، وارتفاع { ~~تنزيل } على أنه خبر لمبتدأ محذوف أو خبر بعد خبر على تقدير أن { ~~الم } في محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أو خبر لقوله { الم } ~~على تقدير أنه اسم للسورة، و { لا ريب فيه } في محل نصب على الحال، ~~ويجوز أن يكون ارتفاع { تنزيل } على أنه مبتدأ وخبره لا ريب فيه، و { من ~~رب العالمين } في محل نصب على الحال، ويجوز أن تكون هذه كلها أخبارا ms3000 ~~للمبتدأ المقدر قبل { تنزيل } ، أو لقوله { الم } على تقدير أنه مبتدأ ~~لا على تقدير أنه حروف مسرودة على نمط التعديد. قال مكي وأحسن الوجوه أن ~~تكون { لا ريب فيه } في موضع الحال، و { من رب العلمين } ~~الخبر، والمعنى على هذه الوجوه أن تنزيل الكتاب المتلو لا ريب فيه ولا ~~شك وأنه منزل من رب العالمين، وأنه ليس بكذب ولا سحر ولا كهانة ولا ~~أساطير الأولين. و «أم» في { أم يقولون افتراه } هي المنقطعة ~~التي بمعنى بل، والهمزة، أي بل أيقولون هو مفترى؟ فأضرب عن الكلام الأول ~~إلى ما هو معتقد الكفار مع الاستفهام المتضمن للتقريع والتوبيخ، ومعنى { ~~افتراه } افتعله واختلقه، ثم أضرب عن معتقدهم إلى بيان ما هو الحق في شأن ~~الكتاب، فقال { بل هو الحق من ربك } فكذبهم سبحانه في دعوى ~~الافتراء، ثم بين العلة التي كان التنزيل لأجلها، فقال { لتنذر ~~قوما ما أتهم من نذير من قبلك } وهم العرب وكانوا ~~أمة أمية لم يأتهم رسول. وقيل قريش خاصة، والمفعول الثاني { لتنذر } ~~محذوف، أي لتنذر قوما العقاب، وجملة { ما أتاهم من نذير } في محل نصب ~~على الحال، و { من قبلك } صفة لنذير. وجوز أبو حيان أن تكون ما موصولة، ~~والتقدير لتنذر قوما العقاب الذي أتاهم من نذير من قبلك، وهو ضعيف ~~جدا، فإن المراد تعليل الإنزال بالإنذار لقوم لم يأتهم نذير قبله، لا ~~تعليله بالإنذار لقوم قد أنذروا بما أنذرهم به. وقيل المراد بالقوم أهل ~~الفترة ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم { لعلهم يهتدون ~~} رجاء أن يهتدوا، أو كي يهتدوا. { الله الذي خلق ~~السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش } قد تقدم تفسير هذه الآية في سورة الأعراف، ~~والمراد من ذكرها هنا تعريفهم كمال قدرته وعظيم صنعه ليسمعوا القرآن ~~ويتأملوه، ومعنى خلق أوجد وأبدع. قال الحسن الأيام هنا هي من أيام ~~الدنيا. وقيل مقدار اليوم ألف سنة من سني الدنيا، قاله الضحاك. # فعلى هذا المراد بالأيام هنا هي من أيام الآخرة لا من ms3001 أيام الدنيا، ~~وليست ثم للترتيب في قوله { ثم استوى على العرش } ، وقد ~~تقدم تفسير هذا مستوفى { ما لكم من دونه من ولي ولا ~~شفيع } أي ليس لكم من دون الله أو من دون عذابه من ولى يواليكم ويرد ~~عنكم عذابه، ولا شفيع يشفع لكم عنده { أفلا تتذكرون } تذكر ~~تدبر وتفكر وتسمعون هذه المواعظ سماع من يفهم ويعقل حتى تنتفعوا بها. { ~~يدبر الأمر من السماء إلى الأرض } لما بين سبحانه خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما، بين تدبيره لأمرهما، أي يحكم الأمر بقضائه ~~وقدره من السماء إلى الأرض، والمعنى ينزل أمره من أعلى السماوات إلى أقصى ~~تخوم الأرض السابعة، كما قال سبحانه # الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن ~~يتنزل الأمر بينهن # الطلاق 12 ومسافة ما بين سماء الدنيا والأرض التي تحتها نزولا وطلوعا ~~ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل المراد بالأمور المأمور به من الأعمال، أي ~~ينزله مدبرا من السماء إلى الأرض. وقيل يدبر أمر الدنيا بأسباب سماوية ~~من الملائكة وغيرها نازلة أحكامها وآثارها إلى الأرض. وقيل ينزل الوحي مع ~~جبريل. وقيل العرش موضع التدبير كما أن ما دون العرش موضع التفصيل كما في ~~قوله # ثم استوى على العرش يدبر الأمر يفصل الآيت # الرعد 2 وما دون السماوات موضع التصرف. قال الله # ولقد صرفنه بينهم ليذكروا # الفرقان 50. ثم لما ذكر سبحانه تدبير الأمر قال { ثم يعرج ~~إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ~~} أي ثم يرجع ذلك الأمر، ويعود ذلك التدبير إليه سبحانه في يوم مقداره ~~ألف سنة من أيام الدنيا، وذلك باعتبار مسافة النزول من السماء والطلوع من ~~الأرض كما قدمنا. وقيل إن المراد أنه يعرج إليه في يوم القيامة الذي ~~مقداره ألف سنة من أيام الدنيا، وذلك حين ينقطع أمر الدنيا ويموت من ~~فيها. وقيل هي أخبار أهل الأرض تصعد إليه مع من يرسله إليها من الملائكة، ~~والمعنى أنه يثبت ذلك عنده، ويكتب في صحف ملائكته ما عمله أهل الأرض في ~~كل وقت من الأوقات إلى ms3002 أن تبلغ مدة الدنيا آخرها. وقيل معنى يعرج إليه ~~يثبت في علمه موجودا بالفعل في برهة من الزمان هي مقدار ألف سنة، ~~والمراد طول امتداد ما بين تدبير الحوادث وحدوثها من الزمان. وقيل يدبر ~~أمر الحوادث اليومية بإثباتها في اللوح المحفوظ فتنزل بها الملائكة، ثم ~~تعرج إليه في زمان هو كألف سنة من أيام الدنيا. وقيل يقضي قضاء ألف سنة، ~~فتنزل به الملائكة، ثم تعرج بعد الألف لألف آخر. وقيل المراد أن الأعمال ~~التي هي طاعات يدبرها الله سبحانه وينزل بها ملائكته ثم لا يعرج إليه ~~منها إلا الخالص بعد مدة متطاولة لقلة المخلصين من عباده. # وقيل الضمير في { يعرج } يعود إلى الملك، وإن لم يجر له ذكر لأنه مفهوم ~~من السياق، وقد جاء صريحا في قوله # تعرج الملائكة والروح إليه # المعارج 4 والضمير في إليه يرجع إلى السماء على لغة من يذكرها، أو إلى ~~مكان الملك الذي يرجع إليه وهو الذي أقره الله فيه. وقيل المعنى يدبر ~~أمر الشمس في طلوعها وغروبها ورجوعها إلى موضعها من الطلوع في يوم كان ~~مقداره في المسافة ألف سنة، وقيل المعنى أن الملك يعرج إلى الله في يوم ~~كان مقداره لو ساره غير الملك ألف سنة لأن ما بين السماء والأرض مسافة ~~خمسمائة عام، فمسافة النزول من السماء إلى الأرض والرجوع من الأرض إلى ~~السماء ألف عام، وقد رجح هذا جماعة من المفسرين منهم ابن جرير. وقيل ~~مسافة النزول ألف سنة ومسافة الطلوع ألف سنة روي ذلك عن الضحاك. وهذا ~~اليوم هو عبارة عن زمان يتقدر بألف سنة، وليس المراد به مسمى اليوم الذي ~~هو مدة النهار بين ليلتين، والعرب قد تعبر عن المدة باليوم كما قال ~~الشاعر # يومان يوم مقامات وأندية ويوم سير إلى الأعداء تأديب # فإن الشاعر لم يرد يومين مخصوصين. وإنما أراد أن زمانهم ينقسم شطرين، ~~فعبر عن كل واحد من الشطرين بيوم، قرأ الجمهور { يعرج } على البناء ~~للفاعل. وقرأ ابن أبي عبلة على البناء للمفعول، والأصل يعرج به ثم ms3003 حذف ~~حرف الجار فاستتر الضمير. وقد استشكل جماعة الجمع بين هذه الآية وبين ~~قوله سبحانه # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة # المعارج 4 فقيل في الجواب إن يوم القيامة مقداره ألف سنة من أيام ~~الدنيا، ولكنه باعتبار صعوبته وشدة أهواله على الكفار كخمسين ألف سنة، ~~والعرب تصف كثيرا يوم المكروه بالطول، كما تصف يوم السرور بالقصر، كما ~~قال الشاعر # ويوم كظل الرمح قصر طوله دم الزق عنا واصطفاف المزاهر # وقول الآخر # ويوم كإبهام القطاة قطعته # وقيل إن يوم القيامة فيه أيام فمنها ما مقداره ألف سنة، ومنها ما مقداره ~~خمسون ألف سنة. وقيل هي أوقات مختلفة يعذب الكافر بنوع من أنواع العذاب ~~ألف سنة، ثم ينقل إلى نوع آخر، فيعذب به خمسين ألف سنة. وقيل مواقف ~~القيامة خمسون موقفا كل موقف ألف سنة، فيكون معنى { يعرج إليه ~~في يوم كان مقداره ألف سنة } أنه يعرج إليه في وقت من ~~تلك الأوقات أو موقف من تلك المواقف. وحكى الثعلبي عن مجاهد وقتادة ~~والضحاك أنه أراد سبحانه في قوله # تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة # المعارج 4 المسافة من الأرض إلى سدرة المنتهى التي هي مقام جبريل، ~~والمراد أنه يسير جبريل ومن معه من الملائكة في ذلك المقام إلى الأرض ~~مسيرة خمسين ألف سنة في مقدار يوم واحد من أيام الدنيا، وأراد بقوله { ~~في يوم كان مقداره ألف سنة } المسافة التي بين الأرض ~~وبين سماء الدنيا هبوطا وصعودا فإنها مقدار ألف سنة من أيام الدنيا. # وقيل إن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر وذلك لأن من نفذ أمره غاية ~~النفاذ في يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ينفذ أمره في سنين ~~متطاولة، فقوله { في يوم كان مقداره ألف سنة } يعني ~~يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة. فكم يكون الشهر منه؟ وكم تكون السنة ~~منه؟ وعلى هذا فلا فرق بين ألف سنة وبين خمسين ألف سنة. وقيل غير ذلك. ms3004 ~~وقد وقف حبر الأمة ابن عباس لما سئل عن الآيتين كما سيأتي في آخر البحث ~~إن شاء الله. قرأ الجمهور { مما تعدون } بالفوقية على الخطاب، ~~وقرأ الحسن والسلمي وابن وثاب والأعمش بالتحتية على الغيبة. والإشارة ~~بقوله { ذلك } إلى الله سبحانه باعتبار اتصافه بتلك الأوصاف، وهو ~~مبتدأ وخبره { علم الغيب والشهدة } أي العالم بما غاب ~~عن الخلق وما حضرهم. وفي هذا معنى التهديد لأنه سبحانه إذا علم بما يغيب ~~وما يحضر، فهو مجاز لكل عامل بعمله، أو فهو يدبر الأمر بما تقتضيه حكمته ~~{ العزيز } القاهر الغالب { الرحيم } بعباده، وهذه أخبار لذلك ~~المبتدأ، وكذلك قوله { الذي أحسن كل شيء خلقه } هو خبر ~~آخر. قرأ الجمهور { خلقه } بفتح اللام. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن ~~عامر بإسكانها، فعلى القراءة الأولى هو فعل ماض نعتا لشيء، فهو في محل ~~جر. وقد اختار قراءة الجمهور أبو عبيد وأبو حاتم، ويجوز أن تكون صفة ~~للمضاف، فيكون في محل نصب. وأما على القراءة الثانية ففي نصبه أوجه ~~الأول أن يكون بدلا من كل شيء بدل اشتمال، والضمير عائد إلى كل شيء، ~~وهذا هو الوجه المشهور عند النحاة. الثاني أنه بدل كل من كل، والضمير ~~راجع إلى الله سبحانه، ومعنى { أحسن } حسن، لأنه ما من شيء إلا وهو مخلوق ~~على ما تقتضيه الحكمة، فكل المخلوقات حسنة. الثالث أن يكون { كل شيء } هو ~~المفعول الأول، و { خلقه } هو المفعول الثاني على تضمين أحسن معنى أعطى، ~~والمعنى أعطى كل شيء خلقه الذي خصه به. وقيل على تضمينه معنى ألهم. قال ~~الفراء ألهم خلقه كل شيء مما يحتاجون إليه. الرابع أنه منصوب على المصدر ~~المؤكد لمضمون الجملة، أي خلقه خلقا كقوله # صنع الله # النمل 88 وهذا قول سيبويه. والضمير يعود إلى الله سبحانه. والخامس أنه ~~منصوب بنزع الخافض، والمعنى أحسن كل شيء في خلقه، ومعنى الآية أنه أتقن، ~~وأحكم خلق مخلوقاته، فبعض المخلوقات وإن لم تكن حسنة في نفسها، فهي متقنة ~~محكمة، فتكون هذه الآية معناها معنى # أعطى كل شىء خلقه ms3005 # طه50 أي لم يخلق الإنسان على خلق البهيمة، وخلق لا البهيمة على خلق ~~الإنسان. وقيل هو عموم في اللفظ خصوص في المعنى، أي أحسن. خلق كل شيء ~~حسن. { وبدأ خلق الإنسن من طين } يعني آدم خلقه من طين، ~~فصار على صورة بديعة وشكل حسن { جعل نسله } أي ذريته { من ~~سللة } سميت الذرية سلالة لأنها تسل من الأصل، وتنفصل عنه، وقد ~~تقدم تفسيرها في سورة " المؤمنون " ومعنى { من ماء مهين } من ماء ~~ممتهن لا خطر له عند الناس وهو المني. وقال الزجاج من ماء ضعيف. { ثم ~~سواه } أي الإنسان الذي بدأ خلقه من طين، وهو آدم، أو جميع النوع. ~~والمراد أنه عدل خلقه وسوى شكله وناسب بين أعضائه { ونفخ فيه من ~~روحه } الإضافة للتشريف والتكريم، وهذه الإضافة تقوي أن الكلام في ~~آدم لا في ذريته، وإن أمكن توجيهه بالنسبة إلى الجميع. ثم خاطب جميع ~~النوع فقال { وجعل لكم السمع والأبصر والأفئدة ~~} أي خلق لكم هذه الأشياء تكميلا لنعمته عليكم وتتميما لتسويته لخلقكم ~~حتى تجتمع لكم النعم، فتسمعون كل مسموع وتبصرون كل مبصر، وتتعقلون كل ~~متعقل، وتفهمون كل ما يفهم. وأفرد السمع لكونه مصدرا يشمل القليل ~~والكثير، وخص السمع بذكر المصدر دون البصر والفؤاد فذكرهما بالاسم ولهذا ~~جمعا لأن السمع قوة واحدة ولها محل واحد، وهو الأذن ولا اختيار لها فيه، ~~فإن الصوت يصل إليها ولا تقدر على رده. ولا على تخصيص السمع ببعض ~~المسموعات دون بعض بخلاف الأبصار، فمحلها العين وله فيه اختيار، فإنها ~~تتحرك إلى جانب المرئي دون غيره، وتطبق أجفانها إذا لم ترد الرؤية لشيء ~~وكذلك الفؤاد له نوع اختيار في إدراكه، فيتعقل هذا دون هذا، ويفهم هذا ~~دون هذا. قرأ الجمهور { وبدأ } بالهمز، والزهري بألف خالصة بدون همز، ~~وانتصاب { قليلا ما تشكرون } على أنه صفة مصدر محذوف، أي شكرا ~~قليلا، أو صفة زمان محذوف، أي زمانا قليلا. وفي هذا بيان لكفرهم لنعم ~~الله. وتركهم لشكرها إلا فيما ندر من الأحوال. { وقالوا أءذا ~~ضللنا في الأرض } قد تقدم اختلاف ms3006 القراء في هذه الهمزة وفي ~~الهمزة التي بعدها. والضلال الغيبوبة، يقال ضل الميت في التراب إذا غاب ~~وبطل، والعرب تقول للشيء إذا غلب عليه غيره حتى خفي أثره قد ضل، ومنه ~~قول الأخطل # كنت القذى في موج أكدر مزبد قذف الأتي بها فضل ضلالا # قال قطرب معنى ضللنا في الأرض غبنا في الأرض. قرأ الجمهور { ضللنا } ~~بفتح ضاد معجمة ولام مفتوحة بمعنى ذهبنا وضعنا وصرنا ترابا وغبنا عن ~~الأعين، وقرأ يحيى بن يعمر وابن محيصن وأبو رجاء " ضللنا " بكسر اللام، ~~وهي لغة العالية من نجد. # قال الجوهري وأهل العالية يقولون ضللت بالكسر. قال وأضله، أي أضاعه، ~~وأهلكه، يقال ضل الميت إذا دفن. وقرأ علي بن أبي طالب والحسن والأعمش ~~وأبان بن سعيد " صللنا " بصاد مهملة ولام مفتوحة، أي أنتنا. قال النحاس ~~ولا يعرف في اللغة صللنا، ولكن يقال صل اللحم إذا أنتن. قال الجوهري صل ~~اللحم يصل بالكسر صلولا إذا أنتن، مطبوخا كان أو نيئا، ومنه قول ~~الحطيئة # ذاك فتى يبذل ذا قدرة لا يفسد اللحم لديه الصلول # { أءنا لفي خلق جديد } أي نبعث، ونصير أحياء، والاستفهام ~~للاستنكار، وهذا قول منكري البعث من الكفار، فأضرب الله سبحانه من بيان ~~كفرهم بإنكار البعث إلى بيان ما هو أبلغ منه، وهو كفرهم بلقاء الله، فقال ~~{ بل هم بلقاء ربهم كفرون } أي جاحدون له مكابرة ~~وعنادا، فإن اعترافهم بأنه المبتدىء للخلق يستلزم اعترافهم بأنه قادر ~~على الإعادة. ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم الحق ~~ويرد عليهم ما زعموه من الباطل، فقال { قل يتوفكم ملك ~~الموت الذي وكل بكم } يقال توفاه الله واستوفى روحه إذا ~~قبضه إليه، وملك الموت هو عزرائيل، ومعنى { وكل بكم } وكل بقبض أرواحكم ~~عند حضور آجالكم { ثم إلى ربكم ترجعون } أي تصيرون إليه ~~أحياء بالبعث والنشور لا إلى غيره، فيجازيكم بأعمالكم، إن خيرا فخير، ~~وإن شرا فشر. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { ~~يدبر الأمر } الآية قال هذا في الدنيا، ms3007 تعرج الملائكة في يوم ~~مقداره ألف سنة. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه ~~عنه في قوله { في يوم كان مقداره ألف سنة } قال من ~~الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض. وأخرج عبد الرزاق ~~وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف، ~~والحاكم وصححه عن عبد الله بن أبي مليكة قال دخلت على عبد الله بن عباس ~~أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان بن عفان، فقال له ابن فيروز يا أبا ~~عباس، قوله { يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم ~~يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة } فكأن ~~ابن عباس اتهمه فقال ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ قال إنما سألتك ~~لتخبرني، فقال ابن عباس هما يومان ذكرهما الله في كتابه الله أعلم بهما، ~~وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم، فضرب الدهر من ضرباته حتى جلست ~~إلى ابن المسيب، فسأله عنهما إنسان فلم يخبره، ولم يدر فقلت ألا أخبرك ~~بما حضرت من ابن عباس؟ قال بلى، فأخبرته فقال للسائل هذا ابن عباس قد أبى ~~أن يقول فيها، وهو أعلم مني. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { كان مقداره ألف ~~سنة } قال لا ينتصف النهار في مقدار يوم من أيام الدنيا في ذلك اليوم ~~حتى يقضي بين العباد، فينزل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ولو كان ~~إلى غيره لم يفرغ في خمسين ألف سنة. وأخرج ابن جرير عنه أيضا في قوله { ~~ثم يعرج إليه في يوم } من أيامكم هذه، ومسيرة ما بين ~~السماء والأرض خمسمائة عام. وأخرج ابن أبي شيبة، والحكيم الترمذي في ~~نوادر الأصول، وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ { الذي ~~أحسن كل شيء خلقه } قال أما رأيت القردة ليست بحسنة، ولكنه ~~أحكم خلقها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية أنه قال أما إن است ~~القردة ليست بحسنة ولكنه أحكم خلقها، وقال { خلقه } صورته. وقال { ~~أحسن ms3008 كل شيء } القبيح والحسن والعقارب والحيات وكل شيء مما ~~خلق، وغيره لا يحسن شيئا من ذلك. وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال بينما ~~نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لقينا عمرو بن زرارة الأنصاري في ~~حلة قد أسبل، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بناحية ثوبه، فقال يا رسول ~~الله، إني أحمش الساقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يا عمرو بن زرارة إن الله عز وجل قد أحسن كل شيء خلقه، يا عمرو بن ~~زرارة إن الله لا يحب المسبلين " # وأخرج أحمد والطبراني عن الشريد بن سويد قال أبصر النبي صلى الله عليه ~~وسلم رجلا قد أسبل إزاره، فقال # " ارفع إزارك " # ، فقال يا رسول الله إني أحنف تصطك ركبتاي، فقال # " ارفع إزارك كل خلق الله حسن ". ### || [32.12-22] # قوله { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم } المراد بالمجرمين هم القائلون { أئذا ضللنا } ، والخطاب هنا ~~لكل من يصلح له، أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يراد ~~بالمجرمين كل مجرم، ويدخل فيه أولئك القائلون دخولا أوليا، ومعنى { ~~ناكسوا رءوسهم } مطأطئوها حياء وندما على ما فرط منهم في الدنيا ~~من الشرك بالله والعصيان له، ومعنى عند ربهم عند محاسبته لهم. قال الزجاج ~~والمخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم مخاطبة لأمته، فالمعنى ولو ترى يا ~~محمد منكري البعث يوم القيامة لرأيت العجب { ربنا أبصرنا ~~وسمعنا } أي يقولون ربنا أبصرنا الآن ما كنا نكذب به وسمعنا ما كنا ~~ننكره. وقيل أبصرنا صدق وعيدك، وسمعنا تصديق رسلك، فهؤلاء أبصروا حين لم ~~ينفعهم البصر، وسمعوا حين لم ينفعهم السمع { فارجعنا } إلى الدنيا { ~~نعمل } عملا { صلحا } كما أمرتنا { إنا موقنون } أي ~~مصدقون. وقيل مصدقون بالذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وصفوا أنفسهم ~~بالإيقان الآن طمعا فيما طلبوه من إرجاعهم إلى الدنيا، وأنى لهم ذلك فقد ~~حقت عليهم كلمة الله فإنهم # لو ردوا لعدوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكذبون # الأنعام 28. وقيل معنى { إنا موقنون } أنها قد زالت عنهم الشكوك ms3009 ~~التي كانت تخالطهم في الدنيا لما رأوا ما رأوا وسمعوا ما سمعوا، ويجوز أن ~~يكون معنى { أبصرنا وسمعنا } صرنا ممن يسمع ويبصر فلا يحتاج ~~إلى تقدير مفعول، ويجوز أن يكون صالحا مفعولا ل { نعمل } كما يجوز أن ~~يكون نعتا لمصدر محذوف، وجواب لو محذوف، أي لرأيت أمرا فظيعا وهولا ~~هائلا. { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } هذا رد ~~عليهم لما طلبوا الرجعة، أي لو شئنا لآتينا كل نفس هداها فهدينا الناس ~~جميعا فلم يكفر منهم أحد. قال النحاس في معنى هذا قولان أحدهما أنه في ~~الدنيا، والآخر أنه في الآخرة، أي ولو شئنا لرددناهم إلى الدنيا { ~~ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين } وجملة { ولو شئنا } مقدرة بقول معطوف على ~~المقدر قبل قوله { أبصرنا } أي ونقول لو شئنا، ومعنى { ولكن حق ~~القول مني } أي نفذ قضائي وقدري وسبقت كلمتي { لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين } هذا هو القول الذي ~~وجب من الله وحق على عباده ونفذ فيه قضاؤه، فكان مقتضى هذا القول أنه لا ~~يعطي كل نفس هداها، وإنما قضى عليهم بهذا لأنه سبحانه قد علم أنهم من ~~أهل الشقاوة، وأنهم ممن يختار الضلالة على الهدى. والفاء في قوله { ~~فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا } لترتيب الأمر ~~بالذوق على ما قبله، والباء في { بما نسيتم } للسببية، وفيه إشعار بأن ~~تعذيبهم ليس لمجرد سبق القول المتقدم، بل بذاك وهذا واختلف في النسيان ~~المذكور هنا، فقيل هو النسيان الحقيقي، وهو الذي يزول عنده الذكر. # وقيل هو الترك. والمعنى على الأول أنهم لم يعملوا لذلك اليوم، فكانوا ~~كالناسين له الذين لا يذكرونه. وعلى الثاني لا بد من تقدير مضاف قبل ~~لقاء، أي ذوقوا بسبب ترككم لما أمرتكم به عذاب لقاء يومكم هذا، ورجح ~~الثاني المبرد وأنشد # كأنه خارج من جنب صفحته سفود شرب نسوه عند مفتأد # أي تركوه، وكذا قال الضحاك ويحيى بن سلام إن النسيان هنا بمعنى الترك. ~~قال يحيى بن سلام والمعنى بما تركتم الإيمان بالبعث في هذا ms3010 اليوم ~~تركناكم من الخير، وكذا قال السدي، وقال مجاهد تركناكم في العذاب. وقال ~~مقاتل إذا دخلوا النار. قالت لهم الخزنة ذوقوا العذاب بما نسيتم، واستعار ~~الذوق للإحساس، ومنه قول طفيل # فذوقوا كما ذقنا غداة محجة من الغيظ في أكبادنا والتحوب # وقوله { وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون } ~~تكرير لقصد التأكيد، أي ذوقوا العذاب الدائم الذي لا ينقطع أبدا بما ~~كنتم تعملونه في الدنيا من الكفر والمعاصي. قال الرازي في تفسيره إن اسم ~~الإشارة في قوله { بما نسيتم لقاء يومكم هذا } يحتمل ~~ثلاثة أوجه أن يكون إشارة إلى اللقاء، وأن يكون إشارة إلى اليوم، وأن ~~يكون إشارة إلى العذاب. وجملة { إنما يؤمن بئايتنا } ~~مستأنفة لبيان ما يستحق الهداية إلى الإيمان، ومن لا يستحقها. والمعنى ~~إنما يصدق بآياتنا وينتفع بها { الذين إذا ذكروا بها ~~خروا سجدا } لا غيرهم ممن يذكر بها، أي يوعظ بها ولا يتذكر ولا ~~يؤمن بها، ومعنى { خروا سجدا } سقطوا على وجوههم ساجدين تعظيما لآيات ~~الله وخوفا من سطوته وعذابه { وسبحوا بحمد ربهم } أي ~~نزهوه عن كل ما لا يليق به ملتبسين بحمده على نعمه، التي أجلها وأكملها ~~الهداية إلى الإيمان، والمعنى قالوا في سجودهم سبحان الله وبحمده، أو ~~سبحان ربي الأعلى وبحمده. وقال سفيان المعنى صلوا حمدا لربهم، وجملة { ~~وهم لا يستكبرون } في محل نصب على الحال، أي حال كونهم خاضعين ~~لله، متذللين له غير مستكبرين عليه. { تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع } أي ترتفع وتنبو، يقال جفى الشيء عن الشيء، وتجافى عنه إذا ~~لم يلزمه ونبا عنه، والمضاجع جمع المضجع، وهو الموضع الذي يضطجع فيه. قال ~~الزجاج والرماني التجافي والتجفي إلى جهة فوق، وكذلك هو في الصفح عن ~~المخطىء في سب ونحوه. والجنوب جمع جنب، والجملة في محل نصب على الحال، ~~أي متجافية جنوبهم عن مضاجعهم، وهم المتهجدون في الليل الذين يقومون ~~للصلاة عن الفراش، وبه قال الحسن ومجاهد وعطاء والجمهور. # والمراد بالصلاة صلاة التنفل بالليل من غير تقييد. وقال قتادة وعكرمة هو ~~التنفل ما بين المغرب والعشاء. وقيل ms3011 صلاة العشاء فقط، وهو رواية عن الحسن ~~وعطاء. وقال الضحاك صلاة العشاء والصبح في جماعة. وقيل هم الذين يقومون ~~لذكر الله سواء كان في صلاة أو غيرها { يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا } هذه الجملة في محل نصب على الحال أيضا من الضمير الذي في ~~جنوبهم، فهي حال بعد حال، ويجوز أن تكون الجملة الأولى مستأنفة لبيان نوع ~~من أنواع طاعاتهم، والمعنى تتجافى جنوبهم حال كونهم داعين ربهم خوفا من ~~عذابه وطمعا في رحمته { ومما رزقنهم ينفقون } أي من ~~الذي رزقناهم أو من رزقهم، وذلك الصدقة الواجبة. وقيل صدقة النفل، ~~والأولى الحمل على العموم. وانتصاب { خوفا } و { طمعا } على العلة، ~~ويجوز أن يكونا مصدرين منتصبين بمقدر. { فلا تعلم نفس ما ~~أخفي لهم من قرة أعين } النكرة في سياق النفي تفيد ~~العموم، أي لا تعلم نفس من النفوس، أي نفس كانت، ما أخفاه الله سبحانه ~~لأولئك الذين تقدم ذكرهم، مما تقر به أعينهم، قرأ الجمهور { من قرة } ~~بالإفراد، وقرأ ابن مسعود وأبو هريرة وأبو الدرداء " من قرات " بالجمع، ~~وقرأ حمزة " ما أخفي " بسكون الياء على أنه فعل مضارع مسند إلى الله ~~سبحانه، وقرأ الباقون بفتحها فعلا ماضيا مبنيا للمفعول. وقرأ ابن ~~مسعود " ما نخفي " بالنون مضمومة، وقرأ الأعمش " يخفي " بالتحتية مضمومة. ~~قال الزجاج في معنى قراءة حمزة أي منه ما أخفى الله لهم، وهي قراءة محمد ~~بن كعب، و «ما» في موضع نصب. ثم بين سبحانه أن ذلك بسبب أعمالهم ~~الصالحة، فقال { جزاء بما كانوا يعملون } أي لأجل الجزاء بما ~~كانوا يعملونه في الدنيا أو جوزوا جزاء بذلك. { أفمن كان مؤمنا ~~كمن كان فاسقا } الاستفهام للإنكار، أي ليس المؤمن كالفاسق، فقد ~~ظهر ما بينهما من التفاوت، ولهذا قال { لا يستوون } ففيه زيادة ~~تصريف لما أفاده الإنكار الذي أفاده الاستفهام. قال الزجاج جعل الاثنين ~~جماعة حيث قال { لا يستوون } لأجل معنى من، وقيل لكون الاثنين ~~أقل الجمع، وسيأتي بيان سبب نزولها آخر البحث. ثم بين سبحانه عاقبة حال ~~الطائفتين وبدأ بالمؤمنين فقال { أما الذين ms3012 ءامنوا وعملوا ~~الصلحت فلهم جنت المأوى } قرأ الجمهور { جنات } ~~بالجمع. وقرأ طلحة بن مصرف " جنة المأوى " بالإفراد، والمأوى هو الذي ~~يأوون إليه، وأضاف الجنات إليه، لكونه المأوى الحقيقي. وقيل المأوى جنة ~~من الجنات، وقد تقدم الكلام على هذا، ومعنى { نزلا } أنها معدة لهم ~~عند نزولهم، وهو في الأصل ما يعد للنازل من الطعام والشراب كما بيناه ~~في آل عمران، وانتصابه على الحال. # وقرأ أبو حيوة «نزلا» بسكون الزاي. والباء في { بما كانوا ~~يعملون } للسببية، أي بسبب ما كانوا يعملونه، أو بسبب عملهم. ثم ذكر ~~الفريق الآخر، فقال { وأما الذين فسقوا } أي خرجوا عن طاعة ~~الله وتمردوا عليه وعلى رسله { فمأواهم النار } أي منزلهم الذي ~~يصيرون إليه ويستقرون فيه هو النار { كلما أرادوا أن ~~يخرجوا منها أعيدوا فيها } أي إذا أرادوا الخروج منها ~~ردوا إليها راغمين مكرهين. وقيل إذ دفعهم اللهب إلى أعلاها ردوا إلى ~~مواضعهم { وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم ~~به تكذبون } والقائل لهم هذه المقالة هو خزنة جهنم من الملائكة، ~~أو القائل لهم هو الله عز وجل، وفي هذا القول لهم حال كونهم قد صاروا ~~في النار من الإغاظة ما لا يخفى. { ولنذيقنهم من العذاب ~~الأدنى } وهو عذاب الدنيا. قال الحسن وأبو العالية والضحاك والنخعي ~~هو مصائب الدنيا وأسقامها. وقيل الحدود. وقيل القتل بالسيف يوم بدر. وقيل ~~سنين الجوع بمكة. وقيل عذاب القبر، ولا مانع من الحمل على الجميع { دون ~~العذاب الأكبر } وهو عذاب الآخرة { لعلهم يرجعون } ~~مما هم فيه من الشرك والمعاصي بسبب ما ينزل بهم من العذاب إلى الإيمان ~~والطاعة ويتوبون عما كانوا فيه. وفي هذا التعليل دليل على ضعف قول من قال ~~إن العذاب الأدنى هو عذاب القبر. { ومن أظلم ممن ذكر ~~بئايت ربه ثم أعرض عنها } أي لا أحد أظلم منه لكونه ~~سمع من آيات الله ما يوجب الإقبال على الإيمان والطاعة، فجعل الإعراض ~~مكان ذلك، والمجيء بثم للدلالة على استبعاد ذلك. وأنه مما ينبغي أن لا ~~يكون { إنا من المجرمين منتقمون } أي ms3013 من أهل الإجرام على ~~العموم فيدخل فيه من أعرض عن آيات الله دخولا أوليا. وقد أخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عباس في قوله { إنا نسينكم ~~} قال تركناكم. وأخرج البيهقي في الشعب عنه قال نزلت هذه الآية في شأن ~~الصلوات الخمس { إنما يؤمن بئايتنا الذين إذا ~~ذكروا بها خروا سجدا } أي أتوها { وسبحوا } أي صلوا ~~بأمر ربهم { وهم لا يستكبرون } عن إتيان الصلاة في الجماعات. ~~وأخرج الترمذي وصححه، وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، ومحمد بن نصر ~~في كتاب الصلاة عن أنس بن مالك أن هذه الآية { تتجافى جنوبهم ~~عن المضاجع } نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة. وأخرج ~~البخاري في تاريخه، وابن مردويه عنه قال نزلت في صلاة العشاء. وأخرج ~~الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضا في الآية قال ~~كانوا لا ينامون حتى يصلوا العشاء. وأخرج ابن أبي شيبة عنه قال كنا نجتنب ~~الفرش قبل صلاة العشاء. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن مردويه عنه ~~أيضا قال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم راقدا قط قبل العشاء، ~~ولا متحدثا بعدها، فإن هذه الآية نزلت في ذلك { تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع }. # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع } قال # " هم الذين لا ينامون قبل العشاء فأثنى عليهم " # فلما ذكر ذلك جعل الرجل يعتزل فراشه مخافة أن تغلبه عينه فوقتها قبل أن ~~ينام الصغير ويكسل الكبير. وأخرج ابن مردويه عن بلال قال كنا نجلس في ~~المسجد وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون بعد المغرب ~~العشاء تتجافى جنوبهم عن المضاجع. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ~~وابن عدي وابن مردويه عن أنس نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود ومحمد ~~بن نصر وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في ~~سننه عن أنس في قوله { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } قال ~~كانوا ينتظرون ما ms3014 بين المغرب والعشاء يصلون. وأخرج أحمد وابن جرير وابن ~~مردويه عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { ~~تتجافى جنوبهم } قال قيام العبد من الليل. وأخرج أحمد والترمذي ~~وصححه والنسائي وابن ماجه وابن نصر في كتاب الصلاة وابن جرير وابن أبي ~~حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن معاذ بن جبل عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر حديثا وأرشد فيه إلى أنواع من الطاعات، ~~وقال فيه # " وصلاة الرجل في جوف الليل " # ، ثم قرأ { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } وأخرج ابن ~~مردويه عن أبي هريرة مرفوعا في حديث قال فيه # " وصلاة المرء في جوف الليل " # ، ثم تلا هذه الآية. وأخرج ابن مردويه عن أنس في الآية قال كان لا تمر ~~عليهم ليلة إلا أخذوا منها. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد من ~~طريق أبي عبد الله الجدلي عن عبادة بن الصامت عن كعب قال «إذا حشر الناس ~~نادى مناد هذا يوم الفصل أين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع» الحديث. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية يقول تتجافى لذكر الله كلما ~~استيقظوا ذكروا الله، إما في الصلاة، وإما في القيام أو القعود. أو على ~~جنوبهم لا يزالون يذكرون الله. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير ~~ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، ~~والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال كان عرش الله على الماء، فاتخذ جنة ~~لنفسه. ثم اتخذ دونها أخرى، ثم أطبقهما بلؤلؤة واحدة، ثم قال # ومن دونهما جنتان # الرحمن 62 لم يعلم الخلق ما فيهما. # وهي التي قال الله { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من ~~قرة أعين } تأتيهم منها كل يوم تحفة. وأخرج الفريابي وابن أبي ~~شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه عن ~~ابن مسعود قال إنه لمكتوب في التوراة لقد أعد الله للذين تتجافى جنوبهم ~~عن المضاجع ما لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على ms3015 قلب بشر، ولا يعلم ~~ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنه لفي القرآن { فلا تعلم نفس ما ~~أخفي لهم من قرة أعين }. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ~~أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " قال الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ~~ولا خطر على قلب بشر " # قال أبو هريرة واقرؤوا إن شئتم { فلا تعلم نفس ما أخفي ~~لهم من قرة أعين }. وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة، ~~وهي معروفة فلا نطول بذكرها. وأخرج أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني، ~~والواحدي وابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر من طرق عن ابن عباس ~~قال قال الوليد بن عقبة لعلي بن أبي طالب أنا أحد منك سنانا، وأنشط ~~منك لسانا، وأملأ للكتيبة منك، فقال له علي اسكت فإنما أنت فاسق، فنزلت ~~{ أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } يعني ~~بالمؤمن عليا، وبالفاسق الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وأخرج ابن مردويه ~~والخطيب وابن عساكر عنه في الآية نحوه. وروي نحو هذا عن عطاء بن يسار ~~والسدي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. وأخرج الفريابي وابن منيع وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه وابن مردويه، ~~والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود في قوله { ولنذيقنهم من ~~العذاب الأدنى } قال يوم بدر { دون العذاب الأكبر } ~~قال يوم القيامة { لعلهم يرجعون } قال لعل من بقي منهم أن ~~يتوب فيرجع. وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن ~~مردويه عن ابن مسعود في الآية قال العذاب الأدنى سنون أصابتهم { ~~لعلهم يرجعون } قال يتوبون. وأخرج مسلم وعبد الله بن أحمد في ~~زوائد المسند وأبو عوانة في صحيحه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي بن كعب في قوله { ~~ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } قال مصائب الدنيا ~~والروم، والبطشة والدخان. وأخرج ابن جرير عنه قال يوم بدر. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ms3016 عن ابن عباس { من العذاب ~~الأدنى } قال الحدود { لعلهم يرجعون } قال يتوبون. وأخرج ~~ابن منيع وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، قال السيوطي ~~بسند ضعيف، عن معاذ بن جبل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " ثلاث من فعلهن فقد أجرم من عقد لواء في غير حق، أو عق والديه، أو ~~مشى مع ظالم لينصره فقد أجرم، يقول الله { إنا من المجرمين ~~منتقمون } " # قال ابن كثير بعد إخراجه هذا حديث غريب. ### || [32.23-30] # قوله { ولقد ءاتينا موسى الكتب } أي التوراة { فلا ~~تكن } يا محمد { في مرية } أي شك، وريبة { من لقائه } قال ~~الواحدي قال المفسرون وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيلقى موسى ~~قبل أن يموت، ثم لقيه في السماء أو في بيت المقدس حين أسري به. وهذا قول ~~مجاهد والكلبي والسدي. وقيل فلا تكن في شك من لقاء موسى في القيامة ~~وستلقاه فيها. وقيل فلا تكن في شك من لقاء موسى للكتاب. قاله الزجاج. ~~وقال الحسن إن معناه ولقد آتينا موسى الكتاب فكذب وأوذي، فلا تكن في شك ~~من أنه سيلقاك ما لقيه من التكذيب والأذى، فيكون الضمير في لقائه على هذا ~~عائدا على محذوف، والمعنى من لقاء ما لاقى موسى. قال النحاس وهذا قول ~~غريب. وقيل في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى قل يتوفاكم ملك الموت الذي ~~وكل بكم، فلا تكن في مرية من لقائه، فجاء معترضا بين { ولقد ~~ءاتينا موسى الكتب } وبين { وجعلنه هدى لبني ~~إسرءيل } وقيل الضمير راجع إلى الكتاب الذي هو الفرقان كقوله # وإنك لتلقى القرءان # النمل 6 والمعنى أنا آتينا موسى مثل ما آتيناك من الكتاب، ولقيناه مثل ~~ما لقيناك من الوحي، فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله ونظيره، وما أبعد ~~هذا، ولعل الحامل لقائله عليه قوله { وجعلنه هدى لبني ~~إسرءيل } فإن الضمير راجع إلى الكتاب. وقيل إن الضمير في { لقائه } ~~عائد إلى الرجوع المفهوم من قوله { ثم إلى ربكم ترجعون } ~~أي لا تكن في مرية من لقاء الرجوع، ms3017 وهذا بعيد أيضا. واختلف في الضمير في ~~قوله { وجعلناه } فقيل هو راجع إلى الكتاب، أي جعلنا التوراة هدى لبني ~~إسرائيل، قاله الحسن وغيره. وقال قتادة إنه راجع إلى موسى، أي وجعلنا ~~موسى هدى لبني إسرائيل. { وجعلنا منهم أئمة } أي قادة ~~يقتدون به في دينهم، وقرأ الكوفيون «أئمة» قال النحاس وهو لحن عند جميع ~~النحويين، لأنه جمع بين همزتين في كلمة واحدة، ومعنى { يهدون ~~بأمرنا } أي يدعونهم إلى الهداية بما يلقونه إليه من أحكام التوراة ~~ومواعظها بأمرنا، أي بأمرنا لهم بذلك، أو لأجل أمرنا. وقال قتادة المراد ~~بالأئمة الأنبياء منهم. وقيل العلماء { لما صبروا } قرأ الجمهور { ~~لما } بفتح اللام وتشديد الميم، أي حين صبروا، والضمير للأئمة، وفي " لما ~~" معنى الجزاء، والتقدير لما صبروا جعلناهم أئمة. وقرأ حمزة والكسائي ~~وخلف وورش عن يعقوب ويحيى بن وثاب بكسر اللام وتخفيف الميم، أي جعلناهم ~~أئمة لصبرهم، واختار هذه القراءة أبو عبيد مستدلا بقراءة ابن مسعود «بما ~~صبروا» بالباء، وهذا الصبر هو صبرهم على مشاق التكليف والهداية للناس، ~~وقيل صبروا عن الدنيا { وكانوا بئايتنا } التنزيلية { ~~يوقنون } أي يصدقونها، ويعلمون أنها حق، وأنها من عند الله لمزيد ~~تفكرهم، وكثرة تدبرهم. # { إن ربك هو يفصل بينهم } أي يقضي بينهم ويحكم بين ~~المؤمنين والكفار { يوم القيمة فيما كانوا فيه ~~يختلفون } وقيل يقضي بين الأنبياء، وأممهم، حكاه النقاش. { أو ~~لم يهد لهم } أي أو لم يبين لهم، والهمزة للإنكار، والفاعل ما ~~دل عليه { كم أهلكنا من قبلهم من القرون } أي أو لم ~~نبين لهم كثرة إهلاكنا من قبلهم. قال الفراء كم في موضع رفع ب { يهد }. ~~وقال المبرد إن الفاعل الهدى المدلول عليه ب { يهد } ، أي أو لم يهد لهم ~~الهدى. وقال الزجاج { كم } في موضع نصب ب { أهلكنا } ، قرأ الجمهور { أو ~~لم يهد } بالتحتية، وقرأ السلمي وقتادة وأبو زيد عن يعقوب بالنون، وهذه ~~القراءة واضحة. قال النحاس والقراءة بالياء التحتية فيها إشكال لأنه يقال ~~الفعل لا يخلو من فاعل فأين الفاعل ل { يهد }؟ ويجاب عنه بأن الفاعل هو ms3018 ~~ما قدمنا ذكره، والمراد بالقرون عاد وثمود ونحوهم، وجملة { يمشون ~~في مسكنهم } في محل نصب على الحال من ضمير لهم، أي والحال أنهم ~~يمشون في مساكن المهلكين ويشاهدونها، وينظرون ما فيها من العبر، وآثار ~~العذاب. ولا يعتبرون بذلك. وقيل يعود إلى المهلكين، والمعنى أهلكناهم حال ~~كونهم ماشين في مساكنهم، والأول أولى { إن في ذلك } المذكور { ~~لآيات } عظيمات، { أفلا يسمعونها } ، ويتعظون بها. { أو لم ~~يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز } أي أو لم ~~يعلموا بسوقنا الماء إلى الأرض التي لا تنبت إلا بسوق الماء إليها. وقيل ~~هي اليابسة، وأصله من الجرز وهو القطع أي التي قطع نباتها لعدم الماء، ~~ولا يقال للتي لا تنبت أصلا كالسباخ جرز لقوله { فنخرج به ~~زرعا } قيل هي أرض اليمن. وقيل أرض عدن. وقال الضحاك هي الأرض العطشى. ~~وقال الفراء هي الأرض التي لا نبات فيها. وقال الأصمعي هي الأرض التي لا ~~تنبت شيئا. قال المبرد يبعد أن تكون لأرض بعينها لدخول الألف واللام. ~~وقيل هي مشتقة من قولهم رجل جروز إذا كان لا يبقي شيئا إلا أكله، ومنه ~~قول الراجز # خب جروز وإذا جاع بكى ويأكل التمر ولا يلقي النوى # وكذلك ناقة جروز إذا كانت تأكل كل شيء تجده. وقال مجاهد إنها أرض النيل ~~لأن الماء إنما يأتيها في كل عام { فنخرج به } ، أي بالماء { ~~زرعا تأكل منه أنعمهم } أي من الزرع كالتبن والورق ~~ونحوهما مما لا يأكله الناس { وأنفسهم } أي يأكلون الحبوب الخارجة ~~في الزرع مما يقتاتونه، وجملة { تأكل منه أنعمهم } في ~~محل نصب على الحال { أفلا يبصرون } هذه النعم ويشكرون المنعم ~~ويوحدونه، لكونه المنفرد بإيجاد ذلك. # { ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صدقين } ~~القائلون هم الكفار على العموم، أو كفار مكة على الخصوص، أي متى الفتح ~~الذي تعدونا به، يعنون بالفتح القضاء والفصل بين العباد، وهو يوم البعث ~~الذي يقضي الله فيه بين عباده، قاله مجاهد وغيره. وقال الفراء والقتيبي ~~هو فتح مكة. قال قتادة قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ms3019 للكفار إن ~~لنا يوما ننعم فيه ونستريح ويحكم الله بيننا وبينكم، يعنون يوم القيامة، ~~فقال الكفار متى هذا الفتح؟ وقال السدي هو يوم بدر، لأن أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم كانوا يقولون للكفار إن الله ناصرنا ومظهرنا عليكم، و " ~~متى " في قوله { متى هذا الفتح } في موضع رفع، أو في موضع نصب ~~على الظرفية. ثم أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيب عليهم، ~~فقال { قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا ~~إيمنهم ولا هم ينظرون } وفي هذا دليل على أن يوم الفتح ~~هو يوم القيامة لأن يوم فتح مكة ويوم بدر هما مما ينفع فيه الإيمان. وقد ~~أسلم أهل مكة يوم الفتح، وقبل ذلك منهم النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى ~~{ ولا هم ينظرون } لا يمهلون ولا يؤخرون، " ويوم " في { يوم ~~الفتح } منصوب على الظرفية، وأجاز الفراء الرفع { فأعرض عنهم } ~~أي عن سفههم وتكذيبهم ولا تجبهم إلا بما أمرت به { وانتظر إنهم ~~منتظرون } أي وانتظر يوم الفتح، وهو يوم القيامة، أو يوم إهلاكهم ~~بالقتل، إنهم منتظرون بك حوادث الزمان من موت أو قتل أو غلبة كقوله # فتربصوا إنا معكم متربصون # التوبة 52 ويجوز أن يراد إنهم منتظرون لإهلاكهم، والآية منسوخة بآية ~~السيف. وقيل غير منسوخة، إذ قد يقع الإعراض مع الأمر بالقتال. وقرأ ابن ~~السميفع " إنهم منتظرون " بفتح الظاء مبنيا للمفعول، ورويت هذه القراءة ~~عن مجاهد وابن محيصن. قال الفراء لا يصح هذا إلا بإضمار، أي إنهم منتظر ~~بهم. قال أبو حاتم الصحيح الكسر، أي انتظر عذابهم إنهم منتظرون هلاكك. ~~وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس قال قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلا طويلا جعدا كأنه من رجال ~~شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس، ~~ورأيت مالكا خازن جهنم والدجال في آيات أراهن الله إياه " # قال { فلا تكن في مرية من لقائه } فكان قتادة يفسرها أن ~~النبي صلى الله عليه ms3020 وسلم قد لقي موسى { وجعلنه هدى لبني ~~إسرءيل } قال جعل الله موسى هدى لبني إسرائيل. # وأخرج الطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة بسند، قال السيوطي ~~صحيح، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم { فلا تكن في ~~مرية من لقائه } قال " من لقاء موسى " ، قيل أو لقي موسى؟ قال ~~نعم، ألا ترى إلى قوله # وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا # الزخرف 45. وأخرج الفريابي، وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله { أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض ~~الجرز } قال الجرز التي لا تمطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا إلا ما ~~يأتيها من السيول. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه في قوله { إلى الأرض الجرز } قال أرض باليمن. قال ~~القرطبي في تفسيره والإسناد عن ابن عباس صحيح لا مطعن فيه. وأخرج الحاكم ~~وصححه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله { ويقولون متى ~~هذا الفتح إن كنتم صدقين } قال يوم بدر فتح للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فلم ينفع الذين كفروا إيمانهم بعد الموت. ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1-6] # قوله { يأيها النبي اتق الله } أي دم على ذلك، وازدد منه ~~{ ولا تطع الكفرين } من أهل مكة، ومن هو على مثل كفرهم { ~~والمنفقين } أي الذين يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر. قال ~~الواحدي إنه أراد سبحانه بالكافرين أبا سفيان وعكرمة وأبا الأعور السلمي، ~~وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ارفض ذكر آلهتنا، وقل إن لها ~~شفاعة لمن عبدها. قال والمنافقين عبد الله بن أبي وعبد الله بن سعد بن ~~أبي سرح. وسيأتي آخر البحث بيان سبب نزول الآية { إن الله كان ~~عليما حكيما } أي كثير العلم والحكمة بليغهما، قال النحاس ودل ~~بقوله { إن الله كان عليما حكيما } على أنه كان يميل إليهم ~~يعني النبي صلى الله عليه وسلم استدعاء لهم إلى الإسلام، والمعنى أن الله ~~عز وجل لو علم أن ميلك إليهم فيه منفعة لما نهاك عنهم لأنه حكيم، ولا ms3021 ~~يخفى بعد هذه الدلالة التي زعمها، ولكن هذه الجملة تعليل لجملة الأمر ~~بالتقوى، والنهي عن طاعة الكافرين، والمنافقين، والمعنى أنه لا يأمرك أو ~~ينهاك إلا بما علم فيه صلاحا أو فسادا، لكثرة علمه وسعة حكمته. { ~~واتبع ما يوحى إليك من ربك } من القرآن، أي اتبع الوحي ~~في كل أمورك، ولا تتبع شيئا مما عداه من مشورات الكافرين والمنافقين، ~~ولا من الرأي البحت فإن فيما أوحي إليك ما يغنيك عن ذلك، وجملة { إن ~~الله كان بما تعملون خبيرا } تعليل لأمره باتباع ما أوحى ~~إليك، والأمر له صلى الله عليه وسلم أمر لأمته، فهم مأمورون باتباع ~~القرآن كما هو مأمور باتباعه، ولهذا جاء بخطابه وخطابهم في قوله { بما ~~تعملون } على قراءة الجمهور بالفوقية للخطاب، واختار هذه القراءة ~~أبو عبيد وأبو حاتم. وقرأ أبو عمرو والسلمي وابن أبي إسحاق بالتحتية. { ~~وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا } أي اعتمد عليه ~~وفوض أمورك إليه، وكفى به حافظا يحفظ من توكل عليه. ثم ذكر سبحانه ~~مثلا توطئة وتمهيدا لما يتعقبه من الأحكام القرآنية، التي هي من الوحي ~~الذي أمره الله باتباعه فقال { ما جعل الله لرجل من ~~قلبين في جوفه }. وقد اختلف في سبب نزول هذه الآية كما سيأتي، ~~وقيل هي مثل ضربه الله للمظاهر، أي كما لا يكون للرجل قلبان كذلك لا تكون ~~امرأة المظاهر أمه حتى يكون له أمان، وكذلك لا يكون الدعي ابنا ~~لرجلين. وقيل كان الواحد من المنافقين يقول لي قلب يأمرني بكذا وقلب بكذا ~~فنزلت الآية لرد النفاق، وبيان أنه لا يجتمع مع الإسلام كما لا يجتمع ~~قلبان، والقلب بضعة صغيرة على هيئة الصنوبرة خلقها الله وجعلها محلا ~~للعلم. # { وما جعل أزوجكم اللائي تظهرون منهن ~~أمهتكم } ، وقرأ الكوفيون وابن عامر { اللائي } بياء ساكنة بعد ~~همزة، وقرأ أبو عمرو والبزي بياء ساكنة بعد ألف محضة. قال أبو عمرو بن ~~العلاء إنها لغة قريش التي أمر الناس أن يقرؤوا بها، وقرأ قنبل وورش ~~بهمزة مكسورة بدون ياء. قرأ عاصم { تظاهرون } بضم الفوقية وكسر ms3022 الهاء بعد ~~ألف مضارع ظاهر، وقرأ ابن عامر بفتح الفوقية والهاء وتشديد الظاء مضارع ~~تظاهر، والأصل تتظاهرون. وقرأ الباقون " تظهرون " بفتح الفوقية وتشديد ~~الظاء بدون ألف، والأصل تتظهرون. والظهار مشتق من الظهر، وأصله أن يقول ~~الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي، والمعنى وما جعل الله نساءكم اللائي ~~تقولون لهن هذا القول كأمهاتكم في التحريم، ولكنه منكر من القول وزور ~~وكذلك { ما جعل } الأدعياء الذين تدعون أنهم { أبناءكم } ~~أبناء لكم. والأدعياء جمع دعي، وهو الذي يدعي ابنا لغير أبيه، وسيأتي ~~الكلام في الظهار في سورة المجادلة. والإشارة بقوله { ذلكم } إلى ما ~~تقدم من ذكر الظهار، والادعاء، وهو مبتدأ. وخبره { قولكم ~~بأفوهكم } أي ليس ذلك إلا مجرد قول بالأفواه ولا تأثير له، فلا ~~تصير المرأة به أما ولا ابن الغير به ابنا، ولا يترتب على ذلك شيء من ~~أحكام الأمومة والبنوة. وقيل الإشارة راجعة إلى الادعاء، أي ادعاؤكم ~~أن ابناء الغير أبناؤكم لا حقيقة له، بل هو مجرد قول بالفم { والله ~~يقول الحق } الذي يحق اتباعه لكونه حقا في نفسه لا باطلا، ~~فيدخل تحته دعاء الأبناء لآبائهم { وهو يهدي السبيل } أي يدل ~~على الطريق الموصلة إلى الحق، وفي هذا إرشاد للعباد إلى قول الحق وترك ~~قول الباطل والزور. ثم صرح سبحانه بما يجب على العباد من دعاء الأبناء ~~للآباء فقال { ادعوهم لآبائهم } للصلب، وانسبوهم إليهم ولا ~~تدعوهم إلى غيرهم، وجملة { هو أقسط عند الله } تعليل للأمر ~~بدعاء الأبناء للآباء، والضمير راجع إلى مصدر { ادعوهم }. ومعنى { أقسط } ~~أعدل، أي أعدل كل كلام يتعلق بذلك، فترك الإضافة للعموم كقوله الله ~~أكبر، وقد يكون المضاف إليه مقدرا خاصا، أي أعدل من قولكم هو ابن فلان ~~ولم يكن ابنه لصلبه. ثم تمم سبحانه الإرشاد للعباد فقال { فإن لم ~~تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم } ~~أي فهم إخوانكم في الدين وهم مواليكم، فقولوا أخي ومولاي ولا تقولوا ابن ~~فلان، حيث لم تعلموا آباءهم على الحقيقة. قال الزجاج ويجوز أن يكون ~~مواليكم أولياءكم في الدين. وقيل المعنى فإن ms3023 كانوا محررين ولم يكونوا ~~أحرارا، فقولوا موالي فلان { وليس عليكم جناح فيما ~~أخطأتم به } أي لا إثم عليكم فيما وقع منكم من ذلك خطأ من غير ~~عمد، { ولكن } الإثم في { ما تعمدت قلوبكم } وهو ما ~~قلتموه على طريقة العمد من نسبة الأبناء إلى غير آبائهم مع علمكم بذلك. # قال قتادة لو دعوت رجلا لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه لم يكن عليك بأس { ~~وكان الله غفورا رحيما } يغفر للمخطىء ويرحمه ويتجاوز عنه، ~~أو غفورا للذنوب رحيما بالعباد، ومن جملة من يغفر له ويرحمه من دعا ~~رجلا لغير أبيه خطأ. أو قبل النهي عن ذلك. ثم ذكر سبحانه لرسوله مزية ~~عظيمة وخصوصية جليلة لا يشاركه فيها أحد من العباد فقال { النبي ~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم } أي هو أحق بهم في كل ~~أمور الدين والدنيا، وأولى بهم من أنفسهم فضلا عن أن يكون أولى بهم من ~~غيرهم، فيجب عليهم أن يؤثروه بما أراده من أموالهم، وإن كانوا محتاجين ~~إليها، ويجب عليهم أن يحبوه زيادة على حبهم أنفسهم، ويجب عليهم أن ~~يقدموا حكمه عليهم على حكمهم لأنفسهم. وبالجملة فإذا دعاهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم لشيء ودعتهم أنفسهم إلى غيره وجب عليهم أن يقدموا ما ~~دعاهم إليه ويؤخروا ما دعتهم أنفسهم إليه، ويجب عليهم أن يطيعوه فوق ~~طاعتهم لأنفسهم ويقدموا طاعته على ما تميل إليه أنفسهم وتطلبه خواطرهم. ~~وقيل المراد ب { أنفسهم } في الآية بعضهم، فيكون المعنى أن النبي أولى ~~بالمؤمنين من بعضهم ببعض. وقيل هي خاصة بالقضاء، أي هو أولى بهم من ~~أنفسهم فيما قضى به بينهم. وقيل أولى بهم في الجهاد بين يديه وبذل النفس ~~دونه، والأول أولى. { وأزوجه أمهتهم } أي مثل أمهاتهم في ~~الحكم بالتحريم، ومنزلات منزلتهن في استحقاق التعظيم فلا يحل لأحد أن ~~يتزوج بواحدة منهن كما لا يحل له أن يتزوج بأمه، فهذه الأمومة مختصة ~~بتحريم النكاح لهن وبالتعظيم لجنابهن، وتخصيص المؤمنين يدل على أنهن ~~لسن أمهات نساء المؤمنين ولا بناتهن أخوات المؤمنين، ولا أخوتهن أخوال ~~المؤمنين. وقال ms3024 القرطبي الذي يظهر لي أنهن أمهات الرجال والنساء تعظيما ~~لحقهن على الرجال والنساء كما يدل عليه قوله { النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم } وهذا يشمل الرجال والنساء ضرورة. ~~قال ثم إن في مصحف أبي بن كعب " وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم " ، وقرأ ~~ابن عباس " أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب وأزواجه أمهاتهم ". ثم بين ~~سبحانه أن القرابة أولى ببعضهم البعض فقال { وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض } المراد بأولي الأرحام القرابات، أي هم ~~أحق ببعضهم البعض في الميراث، وقد تقدم تفسير هذه الآية في آخر سورة ~~الأنفال، وهي ناسخة لما كان في صدر الإسلام من التوارث بالهجرة ~~والموالاة. قال قتادة لما نزل قوله سبحانه في سورة الأنفال # والذين ءامنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء حتى يهاجروا # الأنفال 72، فتوارث المسلمون بالهجرة، ثم نسخ ذلك بهذه الآية، وكذا قال ~~غيره. # وقيل إن هذه الآية ناسخة للتوارث بالحلف والمؤاخاة في الدين، و { في ~~كتب الله } يجوز أن يتعلق بأفعل التفضيل في قوله { أولى ~~ببعض } لأنه يعمل في الظرف، ويجوز أن يتعلق بمحذوف هو حال من الضمير، ~~أي كائنا في كتاب الله. والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ أو القرآن أو آية ~~المواريث، وقوله { من المؤمنين } يجوز أن يكون بيانا ل { أولوا ~~الأرحام } ، والمعنى أن ذوي القرابات من المؤمنين { والمهجرين } ~~بعضهم أولى ببعض، ويجوز أن يتعلق ب { أولي } أي وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض من المؤمنين والمهاجرين الذين هم أجانب. وقيل إن معنى الآية ~~وأولوا الأرحام ببعضهم أولى ببعض إلا ما يجوز لأزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم من كونهم كالأمهات في تحريم النكاح، وفي هذا من الضعف ما لا ~~يخفى. { إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا } ~~هذا الاستثناء إما متصل من أعم العام، والتقدير وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كل شيء من الإرث وغيره، إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم ~~معروفا، من صدقة أو وصية فإن ذلك جائز. قاله قتادة والحسن وعطاء ومحمد ~~بن الحنفية. قال محمد بن الحنفية نزلت في إجازة الوصية لليهودي ms3025 ~~والنصراني. فالكافر ولي في النسب لا في الدين، فتجوز الوصية له، ويجوز ~~أن يكون منقطعا، والمعنى لكن فعل المعروف للأولياء لا بأس به، ومعنى ~~الآية أن الله سبحانه لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة أباح أن يوصى لهم. ~~وقال مجاهد أراد بالمعروف النصرة وحفظ الحرمة بحق الإيمان والهجرة، ~~والإشارة بقوله { كان ذلك } إلى ما تقدم ذكره، أي كان نسخ الميراث ~~بالهجرة والمحالفة والمعاقدة، ورده إلى ذوي الأرحام من القرابات { في ~~الكتب مسطورا } أي في اللوح المحفوظ، أو في القرآن مكتوبا. ~~وقد أخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه، والضياء في المختارة عن ابن عباس قال قام ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوما يصلي، فخطر خطرة، فقال المنافقون الذين ~~يصلون معه ألا ترى أن له قلبين قلبا معكم وقلبا معهم؟ فنزل { ما ~~جعل الله لرجل من قلبين في جوفه }. وأخرج ابن ~~مردويه عنه من طريق أخرى بلفظ صلى لله النبي صلى الله عليه وسلم صلاة ~~فسها فيها، فخطرت منه كلمة فسمعها المنافقون، فقالوا إن له قلبين، فنزلت. ~~وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه أيضا قال كان رجل من قريش يسمى من دهائه ~~ذا القلبين، فأنزل الله هذا في شأنه. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن ~~عمر، أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه ~~إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن { ادعوهم لآبائهم } الآية، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنت زيد بن حارثة بن شراحيل ". # وأخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم ~~{ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } فأيما مؤمن ~~ترك مالا فلترثه عصبته من كانوا، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا ~~مولاه " # وأخرج أحمد وأبو داود وابن مردويه من حديث جابر نحوه. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وأحمد والنسائي عن بريدة قال غزوت مع علي إلى ms3026 اليمن فرأيت منه ~~جفوة، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت عليا فتنقصته، ~~فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغير، وقال # " يا بريدة، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ " # قلت بلى يا رسول الله، قال # " من كنت مولاه فعلي مولاه " # وقد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال # " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله ~~وولده والناس أجمعين " # وأخرج ابن سعد وابن المنذر، والبيهقي في سننه عن عائشة أن امرأة قالت ~~لها يا أمه، فقالت أنا أم رجالكم ولست أم نسائكم. وأخرج ابن سعد عن أم ~~سلمة قالت أنا أم الرجال منكم والنساء. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور ~~وإسحاق بن راهويه وابن المنذر والبيهقي في دلائله عن بجالة قال مر عمر ~~بن الخطاب بغلام وهو يقرأ في المصحف " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم " ، فقال يا غلام حكها، فقال هذا مصحف أبي، ~~فذهب إليه فسأله، فقال إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق في الأسواق. ~~وأخرج الفريابي والحاكم وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه ~~كان يقرأ " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم ~~". ### || [33.7-17] # قوله { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم } العامل في ~~الظرف محذوف، أي واذكر، كأنه قال يا أيها النبي اتق الله، واذكر أن الله ~~أخذ ميثاق النبيين. قال قتادة أخذ الله الميثاق على النبيين خصوصا أن ~~يصدق بعضهم بعضا، ويتبع بعضهم بعضا. وقال مقاتل أخذ ميثاقهم على أن ~~يعبدوا الله، ويدعوا إلى عبادة الله، وأن يصدق بعضهم بعضا، وأن ينصحوا ~~لقومهم. والميثاق هو اليمين، وقيل هو الإقرار بالله، والأول أولى، وقد ~~سبق تحقيقه. ثم خصص سبحانه بعض النبيين بالذكر بعد التعميم الشامل لهم ~~ولغيرهم، فقال { ومنك ومن نوح وإبرهيم وموسى وعيسى ~~ابن مريم } ووجه تخصيصهم بالذكر الإعلام بأن لهم مزيد شرف وفضل ~~لكونهم من أصحاب الشرائع المشهورة ومن أولي العزم من الرسل، وتقديم ذكر ~~نبينا صلى ms3027 الله عليه وسلم مع تأخر زمانه فيه من التشريف له والتعظيم ما ~~لا يخفى. قال الزجاج وأخذ الميثاق حيث أخرجوا من صلب آدم كالذر. ثم أكد ~~ما أخذه على النبيين من الميثاق بتكرير ذكره ووصفه بالغلظ فقال { ~~وأخذنا منهم ميثقا غليظا } أي عهدا شديدا على الوفاء ~~بما حملوا وما أخذه الله عليهم، ويجوز أن يكون قد أخذ الله عليهم الميثاق ~~مرتين، فأخذ عليهم في المرة الأولى مجرد الميثاق بدون تغليظ ولا ~~تشديد. ثم أخذه عليهم ثانيا مغلظا مشددا، ومثل هذه الآية قوله # وإذ أخذ الله ميثق النبيين لما ءاتيتكم من ~~كتب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه # آل عمران 81. واللام في قوله { ليسأل الصدقين عن ~~صدقهم } يجوز أن تكون لام كي، أي لكي يسأل الصادقين من النبيين عن ~~صدقهم في تبليغ الرسالة إلى قومهم، وفي هذا وعيد لغيرهم لأنهم إذا كانوا ~~يسألون عن ذلك فكيف غيرهم؟ وقيل ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم كما ~~في قوله # فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن ~~المرسلين # الأعراف 6 ويجوز أن تتعلق بمحذوف، أي فعل ذلك ليسأل { وأعد ~~للكفرين عذابا أليما } معطوف على ما دل عليه { ليسأل ~~الصدقين } إذ التقدير أثاب الصادقين وأعد للكافرين، ويجوز أن ~~يكون معطوفا على { أخذنا } لأن المعنى أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه ~~ليثيب المؤمنين وأعد للكافرين. وقيل إنه قد حذف من الثاني ما أثبت ~~مقابله في الأول، ومن الأول ما أثبت مقابله في الثاني، والتقدير ليسأل ~~الصادقين عن صدقهم فأثابهم، ويسأل الكافرين عما أجابوا به رسلهم وأعد ~~لهم عذابا أليما. وقيل إنه معطوف على المقدر عاملا في ليسأل كما ~~ذكرنا، ويجوز أن يكون الكلام قد تم عند قوله { ليسأل ~~الصدقين عن صدقهم } وتكون جملة { وأعد } ، مستأنفة ~~لبيان ما أعده للكفا. # { يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله ~~عليكم } هذا تحقيق لما سبق من الأمر بتقوى الله بحيث لا يبقى معها ~~خوف من أحد وقوله { عليكم } متعلق بالنعمة إن كانت مصدرا أو بمحذوف هو ~~حال، أي كائنة ms3028 عليكم، ومعنى { إذ جاءتكم جنود } حين جاءتكم ~~جنود، وهو ظرف للنعمة، أو للمقدر عاملا في { عليكم } ، أو لمحذوف هو ~~اذكر، والمراد بالجنود جنود الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وغزوه إلى المدينة، وهي الغزوة المسماة «غزوة الخندق» وهم أبو ~~سفيان بن حرب بقريش ومن معهم من الألفاف، وعيينة بن حصن الفزاري ومن معه ~~من قومه غطفان وبنو قريظة والنضير، فضايقوا المسلمين مضايقة شديدة كما ~~وصف الله سبحانه في هذه الآيات، وكانت هذه الغزوة في شوال سنة خمس من ~~الهجرة، قاله ابن إسحاق. وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك كانت في سنة ~~أربع. وقد بسط أهل السير في هذه الوقعة ما هو معروف فلا نطيل بذكرها { ~~فأرسلنا عليهم ريحا } معطوف على { جاءتكم }. قال مجاهد هي ~~الصبا، أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى ألقت قدورهم ونزعت فساطيطهم، ~~ويدل على هذا ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من قوله # " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور " # والمراد بقوله { وجنودا لم تروها } الملائكة. قال المفسرون ~~بعث الله عليهم الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت ~~النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وأرسل الله عليهم ~~الرعب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب العسكر حتى كان سيد كل قوم يقول ~~لقومه يا بني فلان هلم إلي، فإذا اجتمعوا قال لهم النجاء النجاء { ~~وكان الله بما تعملون بصيرا } قرأ الجمهور { تعملون } ~~بالفوقية، أي بما تعملون أيها المسلمون من ترتيب الحرب، وحفر الخندق، ~~واستنصاركم به، وتوكلكم عليه، وقرأ أبو عمرو بالتحتية أي بما يعمله ~~الكفار من العناد لله ولرسوله، والتحزب على المسلمين واجتماعهم عليهم من ~~كل جهة. { إذ جاؤوكم من فوقكم } " إذ " هذه وما بعدها بدل من ~~" إذ " الأولى، والعامل في هذه هو العامل في تلك. وقيل منصوبة بمحذوف هو ~~اذكر، ومعنى { من فوقكم } من أعلى الوادي، وهو من جهة المشرق، ~~والذين جاؤوا من هذه الجهة هم غطفان وسيدهم عيينة بن حصن، وهوازن وسيدهم ~~عوف بن مالك، وأهل نجد، وسيدهم طليحة بن خويلد ms3029 الأسدي، وانضم إليهم عوف ~~بن مالك وبني النضير، ومعنى { ومن أسفل منكم } من أسفل الوادي ~~من جهة المغرب من ناحية مكة، وهم قريش ومن معهم من الأحابيش، وسيدهم أبو ~~سفيان بن حرب، وجاء أبو الأعور السلمي ومعه حيي بن أخطب اليهودي في يهود ~~بني قريظة من وجه الخندق، ومعهم عامر بن الطفيل، وجملة { وإذ زاغت ~~الأبصر } معطوفة على ما قبلها، أي مالت عن كل شيء، فلم تنظر إلا ~~إلى عدوها مقبلا من كل جانب. # وقيل شخصت دهشا من فرط الهول والحيرة { وبلغت القلوب ~~الحناجر } جمع حنجرة، وهي جوف الحلقوم، أي ارتفعت القلوب عن مكانها، ~~ووصلت من الفزع والخوف إلى الحناجر، فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها، وهو ~~الذي نهايته الحنجرة، لخرجت، كذا قال قتادة. وقيل هو على طريق المبالغة ~~المعهودة في كلام العرب، وإن لم ترتفع القلوب إلى ذلك المكان ولا خرجت عن ~~موضعها ولكنه مثل في اضطرابها وجبنها. قال الفراء والمعنى أنهم جبنوا ~~وجزع أكثرهم، وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته، فإذا انتفخت ~~الرئة ارتفع القلب إلى الحنجرة، ولهذا يقال للجبان انتفخ سحره. { ~~وتظنون بالله الظنونا } أي الظنون المختلفة، فبعضهم ظن ~~النصر ورجا الظفر، وبعضهم ظن خلاف ذلك. وقال الحسن ظن المنافقون أنه ~~يستأصل محمد وأصحابه، وظن المؤمنون أنه ينصر. وقيل الآية خطاب ~~للمنافقين، والأولى ما قاله الحسن. فيكون الخطاب لمن أظهر الإسلام على ~~الإطلاق أعم من أن يكون مؤمنا في الواقع أو منافقا واختلف القراء في ~~هذه الألف في { الظنونا } فأثبتها وصلا ووقفا نافع وابن عامر وأبو بكر، ~~ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو والكسائي، وتمسكوا بخط المصحف العثماني ~~وجميع المصاحف في جميع البلدان فإن الألف فيها كلها ثابتة، واختار هذه ~~القراءة أبو عبيد إلا أنه قال لا ينبغي للقارىء أن يدرج القراءة بعدهن ~~بل يقف عليهن، وتمسكوا أيضا بما في أشعار العرب من مثل هذا. وقرأ أبو ~~عمرو وحمزة والجحدري ويعقوب بحذفها في الوصل والوقف معا، وقالوا هي من ~~زيادات الخط، فكتبت كذلك، ولا ينبغي النطق ms3030 بها. وأما في الشعر فهو يجوز ~~فيه للضرورة ما لا يجوز في غيره. وقرأ ابن كثير والكسائي وابن محيصن ~~بإثباتها وقفا، وحذفها وصلا، وهذه القراءة راجحة باعتبار اللغة ~~العربية، وهذه الألف هي التي تسميها النحاة ألف الإطلاق، والكلام فيها ~~معروف في علم النحو، وهكذا اختلف القراء في الألف التي في قوله { الرسولا ~~} { والسبيلا } كما سيأتي آخر هذه السورة. { هنالك ابتلي ~~المؤمنون } الظرف منتصب بالفعل الذي بعده. وقيل ب { تظنون } ، ~~واستضعفه ابن عطية، وهو ظرف مكان، يقال للمكان البعيد هنالك، كما يقال ~~للمكان القريب هنا، وللمتوسط هناك. وقد يكون ظرف زمان، أي عند ذلك الوقت ~~ابتلي المؤمنون، ومنه قول الشاعر # وإذا الأمور تعاظمت وتشاكلت فهناك يعترفون أين المفزع؟ # أي في ذلك الوقت، والمعنى أن في ذلك المكان، أو الزمان اختبر المؤمنون ~~بالخوف والقتال والجوع والحصر والنزال ليتبين المؤمن من المنافق { ~~وزلزلوا زلزالا شديدا } قرأ الجمهور { زلزلوا } بضم الزاي ~~الأولى وكسر الثانية على ما هو الأصل في المبني للمفعول، وروي عن أبي ~~عمرو أنه قرأ بكسر الأولى، وروى الزمخشري عنه أنه قرأ بإشمامها كسرا، ~~وقرأ الجمهور { زلزالا } بكسر الزاي الأولى، وقرأ عاصم والجحدري وعيسى ~~بن عمر بفتحها. # قال الزجاج كل مصدر من المضاعف على فعلال يجوز فيه الكسر والفتح. نحو ~~قلقلته قلقالا، وزلزلوا زلزالا، والكسر أجود. قال ابن سلام معنى { ~~زلزلوا } حركوا بالخوف تحريكا شديدا. وقال الضحاك هو إزاحتهم عن ~~أماكنهم حتى لم يكن لهم إلا موضع الخندق. وقيل المعنى أنهم اضطربوا ~~اضطرابا مختلفا، فمنهم من اضطرب في نفسه، ومنهم من اضطرب في دينه. { ~~وإذ يقول المنفقون والذين في قلوبهم مرض } ~~معطوف على { إذ زاغت الأبصار } ، والمرض في القلوب هو الشك والريبة، ~~والمراد ب { المنافقون } عبد الله بن أبي وأصحابه، وب { الذين في ~~قلوبهم مرض } أهل الشك، والاضطراب. { ما وعدنا الله ورسوله ~~} من النصر والظفر { إلا غرورا } أي باطلا من القول، وكان ~~القائلون بهذه المقالة نحو سبعين رجلا من أهل النفاق والشك، وهذا القول ~~المحكي عن هؤلاء هو كالتفسير للظنون المذكورة، أي ms3031 كان ظن هؤلاء هذا ~~الظن، كما كان ظن المؤمنين النصر وإعلاء كلمة الله. { وإذ قالت ~~طائفة منهم } أي من المنافقين. قال مقاتل هم بنو سالم من ~~المنافقين. وقال السدي هم عبد الله بن أبي وأصحابه، وقيل هم أوس بن ~~قبطي وأصحابه. والطائفة تقع على الواحد فما فوقه، والقول الذي قالته هذه ~~الطائفة هو قوله { يأهل يثرب لا مقام لكم } أي لا موضع ~~إقامة لكم، أو لا إقامة لكم ها هنا في العسكر. قال أبو عبيد يثرب اسم ~~الأرض، ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم في ناحية منها قال السهيلي وسميت ~~يثرب، لأن الذي نزلها من العمالقة اسمه يثرب بن عبيل، قرأ الجمهور " لا ~~مقام لكم " بفتح الميم، وقرأ حفص والسلمي والجحدري وأبو حيوة بضمها، على ~~أنه مصدر من أقام يقيم، وعلى القراءة الأولى هو اسم مكان { فارجعوا ~~} أي إلى منازلكم، أمروهم بالهرب من عسكر النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين خرجوا عام الخندق حتى ~~جعلوا ظهورهم إلى سلع، والخندق بينهم وبين القوم، فقال هؤلاء المنافقون ~~ليس ها هنا موضع إقامة، وأمروا الناس بالرجوع إلى منازلهم بالمدينة. { ~~ويستأذن فريق منهم النبي } معطوف على { قالت طائفة ~~منهم } أي يستأذنون في الرجوع إلى منازلهم، وهم بنو حارثة، وبنو سلمة، ~~وجملة { يقولون } بدل من قوله { يستأذن } أو حال أو استئناف جوابا ~~لسؤال مقدر، والقول الذي قالوه هو قولهم { إن بيوتنا عورة } ~~أي ضائعة سائبة ليست بحصينة ولا ممتنعة من العدو. قال الزجاج يقال عور ~~المكان يعور عورا وعورة، وبيوت عورة وعورة، وهي مصدر. # قال مجاهد ومقاتل والحسن قالوا بيوتنا ضائعة نخشى عليها السراق. وقال ~~قتادة قالوا بيوتنا مما يلي العدو، ولا نأمن على أهلنا. قال الهروي كل ~~مكان ليس بممنوع ولا مستور فهو عورة، والعورة في الأصل الخلل فأطلقت على ~~المختل، والمراد ذات عورة، وقرأ ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو رجاء ~~العطاردي " عورة " بكسر الواو، أي قصيرة الجدران. قال الجوهري العورة كل ~~حال يتخوف منه في ms3032 ثغر أو حرب. قال النحاس يقال أعور المكان إذا تبينت ~~فيه عورة، وأعور الفارس إذا تبين منه موضع الخلل، ثم رد الله سبحانه ~~عليهم بقوله { وما هي بعورة } فكذبهم الله سبحانه فيما ذكروه، ~~والجملة في محل نصب على الحال، ثم بين سبب استئذانهم وما يريدونه به، ~~فقال { إن يريدون إلا فرارا } أي ما يريدون إلا الهرب من ~~القتال. وقيل المراد ما يريدون إلا الفرار من الدين { ولو دخلت ~~عليهم من أقطارها } يعني بيوتهم أو المدينة، والأقطار ~~النواحي جمع قطر، وهو الجانب والناحية، والمعنى لو دخلت عليهم بيوتهم أو ~~المدينة من جوانبها جميعا لا من بعضها، ونزلت بهم هذه النازلة الشديدة، ~~واستبيحت ديارهم، وهتكت حرمهم، ومنازلهم { ثم سئلوا الفتنة } ~~من جهة أخرى عند نزول هذه النازلة الشديدة بهم { لآتوها } أي لجاؤوها ~~أو أعطوها، ومعنى الفتنة هنا إما القتال في العصبية، كما قال الضحاك، أو ~~الشرك بالله والرجعة إلى الكفر الذي يبطنونه ويظهرون خلافه، كما قال ~~الحسن. قرأ الجمهور { لآتوها } بالمد، أي لأعطوها من أنفسهم، وقرأ نافع ~~وابن كثير بالقصر، أي لجاؤوها { وما تلبثوا بها إلا ~~يسيرا } أي بالمدينة بعد أن أتوا الفتنة إلا تلبثا يسيرا حتى ~~يهلكوا، كذا قال الحسن والسدي والفراء والقتيبي. وقال أكثر المفسرين إن ~~المعنى وما احتسبوا عن فتنة الشرك إلا قليلا، بل هم مسرعون إليها راغبون ~~فيها، لا يقفون عنها إلا مجرد وقوع السؤال لهم، ولا يتعللون عن الإجابة ~~بأن بيوتهم في هذه الحالة عورة مع أنها قد صارت عورة على الحقيقة، كما ~~تعللوا عن إجابة الرسول والقتال معه بأنها عورة، ولم تكن إذ ذاك عورة. ~~ثم حكى الله سبحانه عنهم ما قد كان وقع منهم من قبل، من المعاهدة لله ~~ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالثبات في الحرب، وعدم الفرار عنه فقال { ~~ولقد كانوا عهدوا الله من قبل لا يولون ~~الآدبر } أي من قبل غزوة الخندق ومن بعد بدر، قال قتادة وذلك أنهم ~~غابوا عن بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والنصر فقالوا ms3033 لئن ~~أشهدنا الله قتالا لنقاتلن، وهم بنو حارثة وبنو سلمة { وكان عهد ~~الله مسؤولا } أي مسؤولا عنه، ومطلوبا صاحبه بالوفاء به، ومجازي ~~على ترك الوفاء به. # { قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو ~~القتل } فإن من حضر أجله مات أو قتل فر أو لم يفر { وإذا لا ~~تمتعون إلا قليلا } أي تمتعا قليلا أو زمانا قليلا بعد ~~فرارهم إلى أن تنقضي آجالهم، وكل ما هو آت فهو قريب قرأ الجمهور { تمتعون ~~} بالفوقية، وقرأ يعقوب الحضرمي في رواية الساجي عنه بالتحتية. وفي بعض ~~الروايات «لا تمتعوا» بحذف النون إعمالا ل " إذن " ، وعلى قراءة ~~الجمهور هي ملغاة. { قل من ذا الذي يعصمكم من الله ~~إن أراد بكم سوءا } أي هلاكا أو نقصا في الأموال وجدبا ~~ومرضا { أو أراد بكم رحمة } يرحمكم بها من خصب ونصر وعافية ~~{ ولا يجدون لهم من دون الله وليا } يواليهم، ويدفع ~~عنهم { ولا نصيرا } ينصرهم من عذاب الله. وقد أخرج الطبراني وابن ~~مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن أبي مريم الغساني أن أعرابيا قال يا ~~رسول الله، أي شيء كان أول نبوتك؟ قال # " أخذ الله مني الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم، ثم تلا { وإذ ~~أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ~~وإبرهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ~~ميثاقا غليظا } ، ودعوة إبراهيم قال { وابعث فيهم رسولا ~~منهم } البقرة 29، وبشرى عيسى ابن مريم " # ورأت أم رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامها أنه خرج من بين رجليها ~~سراج أضاءت له قصور الشام. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال قيل يا رسول ~~الله، متى أخذ ميثاقك؟ قال # " وآدم بين الروح والجسد " # وأخرج البزار، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الدلائل عنه قال قيل ~~يا رسول الله، متى كنت نبيا؟ قال # " وآدم بين الروح والجسد " # وفي الباب أحاديث قد صحح بعضها. وأخرج الحسن بن سفيان وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والديلمي وابن عساكر من طريق قتادة عن ~~الحسن عن أبي هريرة عن ms3034 النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { وإذ ~~أخذنا من النبيين ميثاقهم } الآية قال # " كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث " # فبدأ به قبلهم. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال { ~~ميثقهم } عهدهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، ~~والطبراني بسند صحيح، عن ابن عباس { وإذ أخذنا من النبيين ~~ميثاقهم } قال إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وأخرج الحاكم ~~وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل، وابن عساكر ~~من طرق عن حذيفة قال لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعود وأبو سفيان ~~ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا، ~~وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أشد ريحا في أصوات ريحها أمثال ~~الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحد منا أصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون { إن بيوتنا عورة وما ~~هي بعورة } فما يستأذن أحد منهم إلا أذن له، فيتسللون ونحن ~~ثلثمائة، أو نحو ذلك إذ استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ~~رجلا حتى مر علي وما علي جنة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ~~ما يجاوز ركبتي، فأتاني وأنا جاث على ركبتي، فقال # " من هذا؟ " # فقلت حذيفة، قال # " حذيفة؟ " # ، فتقاصرت إلى الأرض، فقلت بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم، قال # " قم " # فقمت، فقال # " إنه كان في القوم خبر، فأتني بخبر القوم " # ، قال وأنا من أشد القوم فزعا وأشدهم قرا، فخرجت، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن ~~تحته " # قال فوالله ما خلق الله فزعا ولا قرا في جوفي إلا خرج من جوفي، فما ~~أجد منه شيئا فلما وليت قال # " يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتيني " # ، فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد، وإذا رجل ~~أدهم ضخم يقول بيده على النار ms3035 ويمسح خاصرته ويقول الرحيل الرحيل، ثم دخلت ~~العسكر، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون يا آل عامر، الرحيل الرحيل ~~لا مقام لكم، وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز شبرا، فوالله إني لأسمع صوت ~~الحجارة في رحالهم وفرشهم الريح تضربهم، ثم خرجت نحو النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فلما انتصفت في الطريق، أو نحو ذلك إذا أنا بنحو من عشرين ~~فارسا معتمين فقالوا أخبر صاحبك أن الله كفاه القوم، فرجعت إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته وهو مشتمل في شملة يصلي، وكان إذا حزبه ~~أمر صلى، فأخبرته خبر القوم أني تركتهم يترحلون، وأنزل الله { يأيها ~~الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~جاءتكم جنود } الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، ~~والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله { إذ جاءتكم جنود } ~~قال كان يوم أبي سفيان يوم الأحزاب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، ~~والحاكم في الكنى، وأبو الشيخ وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن ابن ~~عباس قال لما كان ليلة الأحزاب جاءت الشمال إلى الجنوب، فقالت انطلقي ~~فانصري الله ورسوله، فقالت الجنوب إن الحرة لا تسري بالليل، فغضب الله ~~عليها وجعلها عقيما، فأرسل عليهم الصبا، فأطفأت نيرانهم وقطعت أطنابهم، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور " # ، فذلك قوله { فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم ~~تروها }. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور " # وأخرج البخاري وغيره عن عائشة في قوله { إذ جاؤوكم من فوقكم ~~} الآية قالت كان ذلك يوم الخندق. وفي الباب أحاديث في وصف هذه الغزوة، ~~وما وقع فيها، وقد اشتملت عليها كتب الغزوات والسير. وأخرج البخاري ومسلم ~~وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب، وهي المدينة تنفي البأس كما ينفي ~~الكير خبث الحديد " # وأخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن البراء بن ms3036 عازب قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة، هي طابة، هي طابة " # ولفظ أحمد «إنما هي طابة» وإسناده ضعيف. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ~~مرفوعا نحوه. وأخرج ابن جرير وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن ~~عباس في قوله { ويستأذن فريق منهم النبي } قال هم بنو ~~حارثة قالوا { بيوتنا عورة } أي مختلة نخشى عليها السرق. وأخرج ~~ابن مردويه عن جابر نحوه. وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال جاء ~~تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة { ولو دخلت عليهم من ~~أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها } قال لأعطوها يعني ~~إدخال بني حارثة أهل الشام على المدينة. ### || [33.18-25] # قوله { قد يعلم الله المعوقين منكم } يقال عاقه ~~واعتاقه وعوقه إذا صرفه عن الوجه الذي يريده. قال الواحدي قال المفسرون ~~هؤلاء قوم من المنافقين كانوا يثبطون أنصار النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وذلك أنهم قالوا لهم ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحما ~~لالتقمهم أبو سفيان وحزبه، فخلوهم وتعالوا إلينا. وقيل إن القائل هذه ~~المقالة اليهود قالوا { لإخونهم } من المنافقين { هلم ~~إلينا } ومعنى { هلم } أقبل واحضر، وأهل الحجاز يسوون فيه بين الواحد ~~والجماعة والمذكر والمؤنث، وغيرهم من العرب يقولون هلم للواحد المذكر، ~~وهلمي للمؤنث، وهلما للاثنين، وهلموا للجماعة، وقد مر الكلام على هذا في ~~سورة الأنعام { ولا يأتون البأس } أي الحرب { إلا قليلا ~~} خوفا من الموت. وقيل المعنى لا يحضرون القتال إلا رياء وسمعة من غير ~~احتساب { أشحة عليكم } أي بخلاء عليكم لا يعاونوكم بحفر ~~الخندق، ولا بالنفقة في سبيل الله، قاله مجاهد وقتادة. وقيل أشحة بالقتال ~~معكم. وقيل بالنفقة على فقرائكم ومساكينكم. وقيل أشحة بالغنائم إذا ~~أصابوها. قاله السدي. وانتصابه على الحال من فاعل { يأتون }. أو من { ~~المعوقين }. وقال الفراء يجوز في نصبه أربعة أوجه منها النصب على الذم، ~~ومنها بتقدير فعل محذوف، أي يأتونه أشحة. قال النحاس ولا يجوز أن يكون ~~العامل فيه للمعوقين ولا القائلين لئلا يفرق بين ms3037 الصلة والموصول. { ~~فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور ~~أعينهم } أي تدور يمينا، وشمالا وذلك سبيل الجبان إذا شاهد ما ~~يخافه { كالذي يغشى عليه من الموت } أي كعين الذي يغشى ~~عليه من الموت، وهو الذي نزل به الموت وغشيته أسبابه، فيذهل ويذهب عقله، ~~ويشخص بصره فلا يطرف، كذلك هؤلاء تشخص أبصارهم لما يلحقهم من الخوف، ~~ويقال للميت إذا شخص بصره دارت عيناه، ودارت حماليق عينيه، والكاف نعت ~~مصدر محذوف { فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد ~~} يقال سلق فلان فلانا بلسانه إذا أغلظ له في القول مجاهرا. قال الفراء ~~أي آذوكم بالكلام في الأمن بألسنة سليطة ذربة. ويقال خطيب مسلاق ومصلاق ~~إذا كان بليغا، ومنه قول الأعشى # فيهم المجد والسماحة والنج دة فيهم والخاطب السلاق # قال القتيبي المعنى آذوكم بالكلام الشديد، والسلق الأذى، ومنه قول ~~الشاعر # ولقد سلقت هوازنا بنو أهل حتى انحنينا # قال قتادة معنى الآية بسطوا ألسنتهم فيكم في وقت قسمة الغنيمة يقولون ~~أعطنا فإنا قد شهدنا معكم. فعند الغنيمة أشح قوم وأبسطهم لسانا، ووقت ~~البأس أجبن قوم وأخوفهم. قال النحاس وهذا قول حسن، وانتصاب { أشحة ~~على الخير } على الحالية من فاعل { سلقوكم } ، ويجوز أن يكون نصبه ~~على الذم. # وقرأ ابن أبي عبلة برفع " أشحة " ، والمراد هنا أنهم أشحة على الغنيمة ~~يشاحون المسلمين عند القسمة، قاله يحيى بن سلام. وقيل على المال أن ~~ينفقوه في سبيل الله. قاله السدي. ويمكن أن يقال معناه أنهم قليلو الخير ~~من غير تقييد بنوع من أنواعه، والإشارة بقوله { أولئك } إلى ~~الموصوفين بتلك الصفات { لم يؤمنوا } إيمانا خالصا بل هم ~~منافقون، يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر { فأحبط الله ~~أعملهم } أي أبطلها بمعنى أظهر بطلانها لأنها لم تكن لهم أعمال ~~تقتضي الثواب حتى يبطلها الله. قال مقاتل أبطل جهادهم لأنه لم يكن في ~~إيمان { وكان ذلك على الله يسيرا } أي وكان ذلك الإحباط ~~لأعمالهم، أو كان نفاقهم على الله هينا. { يحسبون الأحزاب لم ~~يذهبوا } يحسب هؤلاء المنافقون لجبنهم أن الأحزاب باقون في معسكرهم ~~لم يذهبوا إلى ms3038 ديارهم، وذلك لما نزل بهم من الفشل والروع { وإن يأت ~~الأحزاب } مرة أخرى بعد هذه المرة { يودوا لو أنهم ~~بادون في الأعراب } أي يتمنون أنهم في بادية الأعراب لما حل بهم ~~من الرهبة، والبادي خلاف الحاضر، يقال بدا يبدو بداوة إذا خرج إلى ~~البادية { يسألون عن أنبائكم } أي عن أخباركم وما جرى لكم، ~~كل قادم عليهم من جهتكم. أو يسأل بعضهم بعضا عن الأخبار التي بلغته من ~~أخبار الأحزاب ورسول الله صلى الله عليه وسلم. والمعنى أنهم يتمنون أنهم ~~بعيد عنكم يسألون عن أخباركم من غير مشاهدة للقتال لفرط جبنهم وضعف ~~نياتهم { ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا } أي ~~لو كانوا معكم في هذه الغزوة مشاهدين للقتال ما قاتلوا معكم إلا قتالا ~~قليلا خوفا من العار وحمية على الديار. { لقد كان لكم في ~~رسول الله أسوة حسنة } أي قدوة صالحة، يقال لي في فلاة ~~أسوة، أي لي به، والأسوة من الائتساء، كالقدوة من الاقتداء اسم يوضع موضع ~~المصدر. قال الجوهري والأسوة والإسوة بالضم والكسر، والجمع أسى وإسى. قرأ ~~الجمهور { أسوة } بالضم للهمزة، وقرأ عاصم بكسرها، وهما لغتان كما قال ~~الفراء وغيره. وفي هذه الآية عتاب للمتخلفين عن القتال مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، أي لقد كان لكم في رسول الله حيث بذل نفسه للقتال وخرج ~~إلى الخندق لنصرة دين الله أسوة، وهذه الآية وإن كان سببها خاصا، فهي ~~عامة في كل شيء، ومثلها # ما آتكم الرسول فخذوه وما نهكم عنه ~~فانتهوا # الحشر 7، وقوله # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله # آل عمران 31، واللام في { لمن كان يرجو الله واليوم ~~الآخر } متعلق ب { حسنة } ، أو بمحذوف هو صفة ل { حسنة } ، أي كائنة ~~لمن يرجو الله. وقيل إن الجملة بدل من الكاف في لكم، ورده أبو حيان وقال ~~إنه لا يبدل من ضمير المخاطب بإعادة الجار. # ويجاب عنه بأنه قد أجاز ذلك الكوفيون والأخفش وإن منعه البصريون، ~~والمراد ب { من كان يرجو الله } المؤمنون فإنهم الذين يرجون الله ms3039 ~~ويخافون عذابه، ومعنى يرجون الله يرجون ثوابه أو لقاءه، ومعنى يرجون ~~اليوم الآخر أنهم يرجون رحمة الله فيه، أو يصدقون بحصوله وأنه كائن لا ~~محالة، وهذه الجملة تخصيص بعد التعميم بالجملة الأولى { وذكر الله ~~كثيرا } معطوف على { كان } ، أي ولمن ذكر الله في جميع أحواله ذكرا ~~كثيرا، وجمع بين الرجاء لله والذكر له، فإن بذلك تتحقق الأسوة الحسنة ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم بين سبحانه ما وقع من المؤمنين ~~المخلصين عند رؤيتهم للأحزاب، ومشاهدتهم لتلك الجيوش التي أحاطت بهم ~~كالبحر العباب فقال { ولما رأى المؤمنون الأحزاب ~~قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله } الإشارة بقوله { ~~هذا } إلى ما رأوه من الجيوش، أو إلى الخطب الذي نزل والبلاء الذي دهم، ~~وهذا القول منهم قالوه استبشارا بحصول ما وعدهم الله ورسوله من مجيء هذه ~~الجنود، وإنه يتعقب مجيئهم إليهم نزول النصر والظفر من عند الله، و «ما» ~~في { ما وعدنا الله } هي الموصولة، أو المصدرية، ثم أردفوا ما قالوه ~~بقولهم { وصدق الله ورسوله } أي ظهر صدق خبر الله ورسوله { ~~وما زادهم إلا إيمانا وتسليما } أي ما زادهم ما رأوه ~~إلا إيمانا بالله وتسليما لأمره. قال الفراء ما زادهم النظر إلى ~~الأحزاب إلا إيمانا وتسليما. قال علي بن سليمان { رأى } يدل على ~~الرؤية وتأنيث الرؤية غير حقيقي، والمعنى ما زادهم الرؤية إلا إيمانا ~~للرب وتسليما للقضاء، ولو قال ما زادتهم لجاز. { من المؤمنين ~~رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه } أي من المؤمنين ~~المخلصين رجال صدقوا أتوا بالصدق، من صدقني إذا قال الصدق، ومحل { ما ~~عاهدوا الله عليه } النصب بنزع الخافض، والمعنى أنهم وفوا بما عاهدوا ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة من الثبات معه، والمقاتلة ~~لمن قاتله، بخلاف من كذب في عهده، وخان الله ورسوله وهم المنافقون. وقيل ~~هم الذين نذروا أنهم إذا لقوا حربا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثبتوا له ولم يفروا، ووجه إظهار الاسم الشريف، والرسول في قوله { صدق ~~الله ورسوله } بعد قوله { ما ms3040 وعدنا الله ورسوله } ~~هو قصد التعظيم كما في قول الشاعر # أرى الموت لا يسبق الموت شيء # وأيضا لو أضمرهما، لجمع بين ضمير الله وضمير رسوله في لفظ واحد. وقال ~~صدقا، وقد ورد النهي عن جمعهما كما في حديث # " بئس خطيب القوم أنت " # لمن قال ومن يعصهما فقد غوى. ثم فصل سبحانه حال الصادقين بما وعدوا الله ~~ورسوله وقسمهم إلى قسمين فقال { فمنهم من قضى نحبه ~~ومنهم من ينتظر } النحب ما التزمه الإنسان واعتقد الوفاء به، ~~ومنه قول الشاعر # عشية فر الحارثيون بعد ما قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر # وقال الآخر # بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا عشية بسطام جرين على نحب # أي على أمر عظيم. والنحب يطلق على النذر والقتل والموت. قال ابن قتيبة ~~قضى نحبه أي قتل وأصل النحب النذر. كانوا يوم بدر نذروا إن لقوا العدو أن ~~يقاتلوا حتى يقتلوا، أو يفتح الله لهم فقتلوا، فقيل فلان قضى نحبه، أي ~~قتل، والنحب أيضا الحاجة وإدراك الأمنية، يقول قائلهم مالي عندهم نحب، ~~والنحب العهد، ومنه قول الشاعر # لقد نحبت كلب على الناس أنهم أحق بتاج الماجد المتكرم # وقال آخر # قد نحب المجد علينا نحبا # ومن ورود النحب في الحاجة وإدراك الأمنية قول الشاعر # أنحب فيقضى أم ضلال وباطل # ومعنى الآية أن من المؤمنين رجالا أدركوا أمنيتهم، وقضوا حاجتهم ووفوا ~~بنذرهم فقاتلوا حتى قتلوا، وذلك يوم أحد كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن ~~النضر { ومنهم من ينتظر } قضاء نحبه حتى يحضر أجله كعثمان بن ~~عفان وطلحة والزبير وأمثالهم، فإنهم مستمرون على الوفاء بما عاهدوا الله ~~عليه من الثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقتال لعدوه، ~~ومنتظرون لقضاء حاجتهم وحصول أمنيتهم بالقتل، وإدراك فضل الشهادة، وجملة ~~{ وما بدلوا تبديلا } معطوفة على صدقوا، أي ما غيروا عهدهم ~~الذي عاهدوا الله ورسوله عليه كما غير المنافقون عهدهم، بل ثبتوا عليه ~~ثبوتا مستمرا، أما الذين قضوا نحبهم فظاهر، وأما الذين ينتظرون قضاء ~~نحبهم فقد استمروا على ذلك حتى فارقوا الدنيا ولم يغيروا ولا ms3041 بدلوا. ~~واللام في قوله { ليجزي الله الصدقين بصدقهم } يجوز ~~أن يتعلق ب { صدقوا } ، أو ب { زادهم } ، أو ب { ما بدلوا } ، أو ~~بمحذوف، كأنه قيل وقع جميع ما وقع ليجزي الله الصادقين بصدقهم { ~~ويعذب المنفقين إن شاء } بما صدر عنهم من التغيير ~~والتبديل، جعل المنافقين كأنهم قصدوا عاقبة السوء، وأرادوها بسبب تبديلهم ~~وتغييرهم، كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم، فكل من الفريقين مسوق ~~إلى عاقبته من الثواب والعقاب، فكأنهما استويا في طلبها والسعي لتحصيلها، ~~ومفعول { إن شاء } ، وجوابها محذوفان، أي إن شاء تعذيبهم عذبهم، وذلك إذا ~~أقاموا على النفاق ولم يتركوه ويتوبوا عنه { إن الله كان ~~غفورا رحيما } أي لمن تاب منهم، وأقلع عما كان عليه من النفاق. ثم ~~رجع سبحانه إلى حكاية بقية القصة، وما امتن به على رسوله والمؤمنين من ~~النعمة فقال { ورد الله الذين كفروا } ، وهم الأحزاب، ~~والجملة معطوفة على { فأرسلنا عليهم ريحا } أو على المقدر ~~عاملا في { ليجزي الله الصادقين بصدقهم } ، كأنه قيل وقع ما وقع من ~~الحوادث ورد الله الذين كفروا، ومحل { بغيظهم } النصب على الحال، ~~والباء للمصاحبة، أي حال كونهم متلبسين بغيظهم ومصاحبين له، ويجوز أن ~~تكون للسببية، وجملة { لم ينالوا خيرا } في محل نصب على الحال ~~أيضا من الموصول، أو من الحال الأولى على التعاقب، أو التداخل. # والمعنى أن الله ردهم بغيظهم لم يشف صدورهم ولا نالوا خيرا في ~~اعتقادهم، وهو الظفر بالمسلمين، أو لم ينالوا خيرا أي خير، بل رجعوا ~~خاسرين لم يربحوا إلا عناء السفر وغرم النفقة { وكفى الله ~~المؤمنين القتال } بما أرسله من الريح والجنود من الملائكة { ~~وكان الله قويا عزيزا } على كل ما يريده إذا قال له كن، ~~كان، عزيزا غالبا قاهرا لا يغالبه أحد من خلقه ولا يعارضه معارض في ~~سلطانه وجبروته. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله { ~~سلقوكم } قال استقبلوكم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه { وكان ذلك ~~على الله يسيرا } قال هينا. وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن ~~عساكر وابن النجار عن عمر في ms3042 قوله { لقد كان لكم في رسول ~~الله أسوة حسنة } قال في جوع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وقد استدل بهذه الآية جماعة من الصحابة في مسائل كثيرة اشتملت عليها كتب ~~السنة، وهي خارجة عما نحن بصدده. وأخرج ابن جرير وابن مردويه، والبيهقي ~~في الدلائل عن ابن عباس في قوله { ولما رأى المؤمنون ~~الأحزاب } إلى آخر الآية قال إن الله قال لهم في سورة البقرة # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء # البقرة 214 فلما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق { قالوا ~~هذا ما وعدنا الله ورسوله } فتأول المسلمون ذلك، فلم ~~يزدهم { إلا إيمانا وتسليما }. وأخرج البخاري وغيره عن أنس ~~قال نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر { من المؤمنين رجال ~~صدقوا ما عهدوا الله عليه }. وأخرج ابن سعد وأحمد ~~ومسلم والترمذي والنسائي، والبغوي في معجمه، وابن جرير وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن أنس قال غاب عمي أنس بن النضر عن بدر ~~فشق عليه وقال أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه، لئن ~~أراني الله مشهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد، ليرين ~~الله ما أصنع، فشهد يوم أحد، فاستقبله سعد بن معاذ فقال يا أبا عمرو ~~وأين؟ قال واها لريح الجنة أجدها دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده ~~بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، ونزلت هذه الآية { رجال ~~صدقوا ما عهدوا الله عليه } وكانوا يرون أنها نزلت فيه ~~وفي أصحابه. # وقد روي عنه نحوه من طريق أخرى عند الترمذي وصححه والنسائي وغيرهما. ~~وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين انصرف من أحد مر على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف ~~عليه ودعا له، ثم قرأ { من المؤمنين رجال صدقوا ما ~~عهدوا الله عليه } الآية، ثم قال # " أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله فأتوهم وزوروهم، والذي ms3043 نفسي بيده لا ~~يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه " # ، وقد تعقب الحاكم في تصحيحه الذهبي، كما ذكر ذلك السيوطي، ولكنه قد ~~أخرج الحاكم حديثا آخر وصححه. وأخرجه أيضا البيهقي في الدلائل عن أبي ~~ذر قال # " لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد مر على مصعب بن عمير ~~مقتولا على طريقه، فقرأ { من المؤمنين رجال صدقوا ما ~~عهدوا الله عليه } الآية " # وأخرج ابن مردويه من حديث خباب مثله، وهما يشهدان لحديث أبي هريرة. ~~وأخرج الترمذي وحسنه، وأبو يعلى وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن طلحة ~~أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل سله عمن قضى ~~نحبه من هو؟ وكانوا لا يجترئون على مسألته يوقرونه ويهابونه، فسأله ~~الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم إني اطلعت من باب المسجد فقال # " أين السائل عمن قضى نحبه؟ " # قال الأعرابي أنا، قال # " هذا ممن قضى نحبه " # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من حديثه نحوه. ~~وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن معاوية قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " طلحة ممن قضى نحبه " # وأخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى وأبو نعيم وابن المنذر وابن مردويه عن ~~عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة ~~" # وأخرج ابن مردويه من حديث جابر مثله. وأخرج ابن منده وابن عساكر من حديث ~~أسماء بنت أبي بكر نحوه. وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن علي، أن هذه ~~الآية نزلت في طلحة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه عن ابن عباس { فمنهم من قضى نحبه } قال ~~الموت على ما عاهدوا الله عليه، ومنهم من ينتظر الموت على ذلك. وأخرج ~~أحمد والبخاري وابن مردويه عن سليمان بن صرد قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم الأحزاب # " الآن ms3044 نغزوهم ولا يغزونا " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله { فمنهم من ~~قضى نحبه } قال مات على ما هو عليه من التصديق، والإيمان { ~~ومنهم من ينتظر } ذلك { وما بدلوا تبديلا } لم ~~يغيروا كما غير المنافقون. ### || [33.26-27] # قوله { وأنزل الذين ظهروهم من أهل الكتب } أي ~~عاضدوهم وعاونوهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بنو قريظة فإنهم ~~عاونوا الأحزاب ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وصاروا يدا واحدة مع الأحزاب. والصياصي جمع صيصية وهي ~~الحصون، وكل شيء يتحصن به يقال له صيصية، ومنه صيصية الديك، وهي الشوكة ~~التي في رجله، وصياصي البقر قرونها لأنها تمتنع بها، ويقال لشوكة الحائك ~~التي يسوي بها السداة واللحمة صيصية، ومنه قول دريد بن الصمة # فجئت إليه والرماح تنوشه كوقع الصياصي في النسيج الممدد # ومن إطلاقها على الحصون قول الشاعر # فأصبحت الثيران صرعى وأصبحت نساء تميم يبتدرن الصياصيا # { وقذف في قلوبهم الرعب } أي الخوف الشديد حتى سلموا ~~أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي وهي معنى قوله { فريقا ~~تقتلون وتأسرون فريقا } فالفريق الأول هم الرجال، والفريق ~~الثاني هم النساء والذرية، وهذه الجملة مبينة، ومقررة لقذف الرعب في ~~قلوبهم. قرأ الجمهور { تقتلون } بالفوقية على الخطاب، وكذلك قرؤوا { ~~تأسرون } ، وقرأ ابن ذكوان في رواية عنه بالتحتية فيهما، وقرأ اليماني ~~بالفوقية في الأول، والتحتية في الثاني، وقرأ أبو حيوة " تأسرون " بضم ~~السين، وقد حكى الفراء كسر السين وضمها فهما لغتان، ووجه تقديم مفعول ~~الفعل الأول وتأخير مفعول الفعل الثاني أن الرجال لما كانوا أهل الشوكة، ~~وكان الوارد عليهم أشد الأمرين وهو القتل، كان الاهتمام بتقديم ذكرهم ~~أنسب بالمقام. وقد اختلف في عدد المقتولين والمأسورين، فقيل كان ~~المقتولون من ستمائة إلى سبعمائة. وقيل ستمائة. وقيل سبعمائة. وقيل ~~ثمانمائة. وقيل تسعمائة. وكان المأسورون سبعمائة، وقيل سبعمائة وخمسين. ~~وقيل تسعمائة. { وأورثكم أرضهم وديرهم وأمولهم ~~} المراد بالأرض العقار والنخيل، وبالديار المنازل والحصون، وبالأموال ~~الحلي والأثاث والمواشي والسلاح والدراهم والدنانير { وأرضا لم ~~تطئوها } أي وأورثكم ms3045 أرضا لم تطؤوها، وجملة { تطئوها } صفة ل { ~~أرضا }. قرأ الجمهور { لم تطئوها } بهمزة مضمومة ثم واو ساكنة، وقرأ زيد ~~بن علي " تطوها " بفتح الطاء وواو ساكنة. واختلف المفسرون في تعيين هذه ~~الأرض المذكورة، فقال يزيد بن رومان وابن زيد ومقاتل إنها خيبر، ولم ~~يكونوا إذ ذاك قد نالوها، فوعدهم الله بها. وقال قتادة كنا نتحدث أنها ~~مكة. وقال الحسن فارس والروم. وقال عكرمة كل أرض تفتح إلى يوم القيامة. { ~~وكان الله على كل شيء قديرا } أي هو سبحانه قدير على كل ~~ما أراده من خير وشر ونعمة ونقمة، وعلى إنجاز ما وعد به من الفتح ~~للمسلمين. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { من صياصيهم } ~~قال حصونهم. # وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن مردويه عن عائشة قالت خرجت يوم الخندق ~~أقفو الناس، فإذا أنا بسعد بن معاذ ورماه رجل من قريش يقال له ابن ~~الفرقدة بسهم، فأصاب أكحله فقطعه، فدعا الله سعدا، فقال اللهم لا تمتني ~~حتى تقر عيني من قريظة، فبعث الله الريح على المشركين { وكفى الله ~~المؤمنين القتال } ولحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة ~~بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأمر بقبة من أدم، فضربت على سعد في ~~المسجد، قالت فجاء جبريل، وإن على ثناياه لوقع الغبار، فقال أو قد وضعت ~~السلاح؟ لا والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة ~~فقاتلهم، فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لآمته، وأذن في الناس ~~بالرحيل أن يخرجوا فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، فلما اشتد حصرهم واشتد ~~البلاء عليهم، قيل لهم انزلوا على حكم رسول الله، قالوا ننزل على حكم سعد ~~بن معاذ، فنزلوا وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد ابن معاذ، ~~فأتي به على حمار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " احكم فيهم " # ، قال فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم، ~~فقال # " لقد ms3046 حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله ". ### || [33.28-34] # قوله { يأيها النبي قل لأزوجك } قيل هذه الآية متصلة ~~بمعنى ما تقدمها من المنع من إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد ~~تأذى ببعض الزوجات. قال الواحدي قال المفسرون إن أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم سألنه شيئا من عرض الدنيا، وطلبن منه الزيادة في النفقة، ~~وآذينه بغيرة بعضهن على بعض، فآلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهن ~~شهرا، وأنزل الله آية التخيير هذه، وكن يومئذ تسعا عائشة وحفصة وأم ~~سلمة وأم حبيبة وسودة هؤلاء من نساء قريش، وصفية الخيبرية وميمونة ~~الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. ومعنى { ~~الحياة الدنيا وزينتها } سعتها ونضارتها ورفاهيتها والتنعم ~~فيها { فتعالين } أي أقبلن إلي { أمتعكن } بالجزم جوابا ~~للأمر، أي أعطكن المتعة، وكذا { أسرحكن } بالجزم، أي أطلقكن وبالجزم ~~في الفعلين قرأ الجمهور، وقرأ حميد الخراز بالرفع في الفعلين على ~~الاستئناف، والمراد بالسراح الجميل هو الواقع من غير ضرار على مقتضى ~~السنة. وقيل إن جزم الفعلين، على أنهما جواب الشرط، وعلى هذا يكون قوله { ~~فتعالين } اعتراضا بين الشرط والجزاء { وإن كنتن تردن الله ~~ورسوله والدار الآخرة } أي الجنة ونعيمها { فإن الله ~~أعد للمحسنت منكن } أي اللاتي عملن عملا صالحا { ~~أجرا عظيما } لا يمكن وصفه، ولا يقادر قدره وذلك بسبب إحسانهن، ~~وبمقابلة صالح عملهن. وقد اختلف العلماء في كيفية تخيير النبي صلى الله ~~عليه وسلم أزواجه على قولين القول الأول أنه خيرهن بإذن الله في البقاء ~~على الزوجية أو الطلاق، فاخترن البقاء، وبهذا قالت عائشة ومجاهد وعكرمة ~~والشعبي والزهري وربيعة. والقول الثاني أنه إنما خيرهن بين الدنيا ~~فيفارقهن، وبين الآخرة فيمسكهن ولم يخيرهن في الطلاق، وبهذا قال علي ~~والحسن وقتادة، والراجح الأول. واختلفوا أيضا في المخيرة إذا اختارت ~~زوجها هل يحسب مجرد ذلك التخيير على الزوج طلقة أم لا؟ فذهب الجمهور من ~~السلف والخلف إلى أنه لا يكون التخيير مع اختيار المرأة لزوجها طلاقا لا ~~واحدة ولا أكثر. وقال علي وزيد بن ثابت إن اختارت ms3047 زوجها فواحدة بائنة، ~~وبه قال الحسن والليث. وحكاه الخطابي والنقاش عن مالك. والراجح الأول ~~لحديث عائشة الثابت في الصحيحين قالت خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاخترناه فلم يعده طلاقا. ولا وجه لجعل مجرد التخيير طلاقا، ودعوى ~~أنه كناية من كنايات الطلاق مدفوعة بأن المخير لم يرد الفرقة لمجرد ~~التخيير، بل أراد تفويض المرأة وجعل أمرها بيدها، فإن اختارت البقاء بقيت ~~على ما كانت عليه من الزوجية، وإن اختارت الفرقة صارت مطلقة. واختلفوا في ~~اختيارها لنفسها هل يكون ذلك طلقة رجعية، أو بائنة؟ فقال بالأول عمر ~~وابن مسعود وابن عباس وابن أبي ليلى والثوري والشافعي. # وقال بالثاني علي وأبو حنيفة وأصحابه، وروي عن مالك. والراجح الأول، ~~لأنه يبعد كل البعد أن يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه على خلاف ~~ما أمره الله به، وقد أمره بقوله # إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن # الطلاق 1، وروي عن زيد بن ثابت أنها إذا اختارت نفسها فثلاث طلقات، وليس ~~لهذا القول وجه. وقد روي عن علي أنها إذا اختارت نفسها فليس بشيء، وإذا ~~اختارت زوجها فواحدة رجعية. ثم لما اختار نساء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رسول الله أنزل فيهن هذه الآيات تكرمة لهن وتعظيما لحقهن فقال { ~~ينساء النبي من يأت منكن بفحشة مبينة } أي ~~ظاهرة القبح واضحة الفحش، وقد عصمهن الله عن ذلك وبرأهن وطهرهن { ~~يضاعف لها العذاب ضعفين } أي يعذبهن مثلي عذاب غيرهن من ~~النساء إذا أتين بمثل تلك الفاحشة وذلك لشرفهن وعلو درجتهن وارتفاع ~~منزلتهن. وقد ثبت في هذه الشريعة في غير موضع أن تضاعف الشرف وارتفاع ~~الدرجات يوجب لصاحبه إذا عصى تضاعف العقوبات. وقر أبو عمرو " يضعف " على ~~البناء للمفعول، وفرق هو وأبو عبيد بين يضاعف ويضعف، فقالا يكون يضاعف ~~ثلاثة عذابات ويضعف عذابين. قال النحاس هذه التفرقة التي جاء بها لا ~~يعرفها أحد من أهل اللغة، والمعنى في يضاعف ويضعف واحد، أي يجعل ضعفين، ~~وهكذا ضعف ما قالاه ابن جرير { وكان ذلك على الله يسيرا } ~~لا ms3048 يتعاظمه ولا يصعب عليه. { ومن يقنت منكن لله ورسوله ~~وتعمل صلحا } قرأ الجمهور { يقنت } بالتحتية، وكذا قرؤوا { يأت ~~منكن } حملا على لفظ من في الموضعين، وقرأ الجحدري ويعقوب وابن عامر في ~~رواية وأبو جعفر بالفوقية حملا على المعنى، ومعنى { من يقنت } من يطع، ~~وكذا اختلف القراء في { مبينة } ، فمنهم من قرأها بالكسر، ومنهم من قرأها ~~بفتح الياء كما تقدم في النساء. وقرأ ابن كثير وابن عامر " نضعف " ~~بالنون ونصب العذاب، وقرىء " نضاعف " بكسر العين على البناء للفاعل { ~~نؤتها أجرها مرتين } قرأ حمزة والكسائي بالتحتية، وكذا ~~قرأ " يعمل " بالتحتية، وقرأ الباقون " تعمل " بالفوقية، " ونؤت " ~~بالنون. ومعنى إتيانهن الأجر مرتين أنه يكون لهن من الأجر على الطاعة ~~مثلا ما يستحقه غيرهن من النساء إذا فعلن تلك الطاعة. وفي هذا دليل قوي ~~على أن معنى { يضاعف لها العذاب ضعفين } أنه يكون العذاب مرتين لا ~~ثلاثا لأن المراد إظهار شرفهن ومزيتهن في الطاعة والمعصية بكون ~~حسنتهن كحسنتين، وسيئتهن كسيئتين، ولو كانت سيئتهن كثلاث سيئات لم ~~يناسب ذلك كون حسنتهن كحسنتين، فإن الله أعدل من أن يضاعف العقوبة ~~عليهن مضاعفة تزيد على مضاعفة أجرهن { وأعتدنا لها } زيادة على ~~الأجر مرتين { رزقا كريما }. # قال المفسرون الرزق الكريم هو نعيم الجنة، حكى ذلك عنهم النحاس. ثم أظهر ~~سبحانه فضيلتهن على سائر النساء تصريحا، فقال { ينساء النبي ~~لستن كأحد من النساء } قال الزجاج لم يقل كواحدة من النساء ~~لأن أحد نفي عام للمذكر والمؤنث والواحد والجماعة. وقد يقال على ما ليس ~~بآدمي كما يقال ليس فيها أحد لا شاة، ولا بعير. والمعنى لستن كجماعة ~~واحدة من جماعات النساء في الفضل والشرف. ثم قيد هذا الشرف العظيم بقيد ~~فقال { إن اتقيتن } فبين سبحانه أن هذه الفضيلة لهن إنما تكون ~~بملازمتهن للتقوى، لا لمجرد اتصالهن بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقد ~~وقعت منهن ولله الحمد التقوى البينة، والإيمان الخالص، والمشي على طريقة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته. وجواب الشرط محذوف ~~لدلالة ما قبله عليه، أي ms3049 إن اتقيتن فلستن كأحد من النساء. وقيل إن ~~جوابه { فلا تخضعن } والأول أولى. ومعنى { فلا تخضعن ~~بالقول } لا تلن القول عند مخاطبة الناس كما تفعله المريبات من ~~النساء، فإنه يتسبب عن ذلك مفسدة عظيمة، وهي قوله { فيطمع الذي ~~فى قلبه مرض } أي فجور وشك ونفاق، وانتصاب { يطمع } لكونه جواب ~~النهي. كذا قرأ الجمهور. وحكى أبو حاتم أن الأعرج قرأ " فيطمع " بفتح ~~الياء وكسر الميم. قال النحاس أحسب هذا غلطا، ورويت هذه القراءة عن أبي ~~السمال وعيسى بن عمر وابن محيصن، وروي عنهم أنهم قرؤوا بالجزم عطفا على ~~محل فعل النهي { وقلن قولا معروفا } عند الناس بعيدا من ~~الريبة على سنن الشرع، لا ينكر منه سامعه شيئا، ولا يطمع فيهن أهل ~~الفسق والفجور بسببه. { وقرن في بيوتكن } قرأ الجمهور " وقرن ~~" بكسر القاف من وقر يقر وقارا، أي سكن، والأمر منه قر بكسر القاف، ~~وللنساء قرن مثل عدن وزن. وقال المبرد هو من القرار، لا من الوقار، تقول ~~قررت بالمكان بفتح الراء، والأصل اقررن بكسر الراء فحذفت الراء الأولى ~~تخفيفا كما قالوا في ظللت ظلت، ونقلوا حركتها إلى القاف، واستغنى عن ألف ~~الوصل بتحريك القاف. وقال أبو علي الفارسي أبدلت الراء الأولى ياء كراهة ~~التضعيف كما أبدلت في قيراط ودينار، وصار للياء حركة الحرف الذي أبدلت ~~منه، والتقدير اقيرن، ثم تلقى حركة الياء على القاف كراهة تحريك الياء ~~بالكسر فتسقط الياء لاجتماع الساكنين، وتسقط همزة الوصل لتحريك ما بعدها ~~فيصير قرن. وقرأ نافع وعاصم بفتح القاف. وأصله قررت بالمكان إذا أقمت فيه ~~بكسر الراء، أقر بفتح القاف كحمد يحمد، وهي لغة أهل الحجاز، ذكر ذلك أبو ~~عبيد عن الكسائي، وذكرها الزجاج، وغيره. قال الفراء هو كما تقول هل حست ~~صاحبك، أي هل أحسسته؟ قال أبو عبيد كان أشياخنا من أهل العربية ينكرون ~~القراءة بالفتح للقاف، وذلك لأن قررت بالمكان أقر لا يجوزه كثير من أهل ~~العربية. # والصحيح قررت أقر بالكسر، ومعناه الأمر لهن بالتوقر والسكون في ~~بيوتهن، وأن لا يخرجن، وهذا يخالف ms3050 ما ذكرناه هنا عنه عن الكسائي وهو من ~~أجل مشايخه. وقد وافقه على الإنكار لهذه القراءة أبو حاتم فقال إن " قرن ~~" بفتح القاف لا مذهب له في كلام العرب. قال النحاس قد خولف أبو حاتم في ~~قوله إنه لا مذهب له في كلام العرب، بل فيه مذهبان أحدهما حكاه الكسائي، ~~والآخر عن علي بن سليمان. فأما المذهب الذي حكاه الكسائي فهو ما قدمناه ~~من رواية أبي عبيد عنه، وأما المذهب الذي حكاه علي بن سليمان، فقال إنه ~~من قررت به عينا أقر. والمعنى واقررن به عينا في بيوتكن. قال النحاس ~~وهو وجه حسن. وأقول ليس بحسن ولا هو معنى الآية، فإن المراد بها أمرهن ~~بالسكون والاستقرار في بيوتهن، وليس من قرة العين. وقرأ ابن أبي عبلة " ~~واقررن " بألف وصل وراءين، الأولى مكسورة على الأصل. { ولا ~~تبرجن تبرج الجهلية الأولى } التبرج أن تبدي ~~المرأة من زينتها ومحاسنها ما يجب عليها ستره مما يستدعي به شهوة الرجل. ~~وقد تقدم معنى التبرج في سورة النور. قال المبرد هو مأخوذ من السعة، ~~يقال في أسنانه برج إذا كانت متفرقة. وقيل التبرج هو التبختر في المشي، ~~وهذا ضعيف جدا. وقد اختلف في المراد بالجاهلية الأولى، فقيل ما بين آدم ~~ونوح. وقيل ما بين نوح وإدريس. وقيل ما بين نوح وإبراهيم. وقيل ما بين ~~موسى وعيسى، وقيل ما بين عيسى ومحمد. وقال المبرد الجاهلية الأولى كما ~~تقول الجاهلية الجهلاء. قال وكان نساء الجاهلية تظهر ما يقبح إظهاره، حتى ~~كانت المرأة تجلس مع زوجها وخليلها، فينفرد خليلها بما فوق الإزار إلى ~~أعلى، وينفرد زوجها بما دون الإزار إلى أسفل، وربما سأل أحدهما صاحبه ~~البدل. قال ابن عطية والذي يظهر لي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها ~~فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة، ~~لأنهم كانوا لا غيرة عندهم، وليس المعنى أن ثم جاهلية أخرى. كذا قال، ~~وهو قول حسن. ويمكن أن يراد بالجاهلية الأخرى ما يقع في الإسلام من ~~التشبه بأهل ms3051 الجاهلية بقول أو فعل، فيكون المعنى ولا تبرجن أيها ~~المسلمات بعد إسلامكن تبرجا مثل تبرج أهل الجاهلية التي كنتن عليها، ~~وكان عليها من قبلكن أي لا تحدثن بأفعالكن وأقوالكن جاهلية تشابه ~~الجاهلية التي كانت من قبل. { وأقمن الصلاة وآتين ~~الزكاة وأطعن الله ورسوله } خص الصلاة والزكاة لأنهما ~~أصل الطاعات البدنية والمالية. # ثم عمم فأمرهن بالطاعة لله ولرسوله في كل ما هو شرع { إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } أي إنما ~~أوصاكن الله بما أوصاكن من التقوى، وأن لا تخضعن بالقول، ومن قول ~~المعروف، والسكون في البيوت وعدم التبرج، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ~~والطاعة ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، والمراد بالرجس الإثم والذنب ~~المدنسان للأعراض الحاصلان بسبب ترك ما أمر الله به، وفعل ما نهى عنه، ~~فيدخل تحت ذلك كل ما ليس فيه لله رضا، وانتصاب { أهل البيت } على المدح ~~كما قال الزجاج، قال وإن شئت على البدل. قال ويجوز الرفع والخفض. قال ~~النحاس إن خفض فعلى أنه بدل من الكاف والميم، واعترضه المبرد بأنه لا ~~يجوز البدل من المخاطب، ويجوز أن يكون نصبه على النداء { ويطهركم ~~تطهيرا } أي يطهركم من الأرجاس والأدران تطهيرا كاملا. وفي ~~استعارة الرجس للمعصية والترشيح لها بالتطهير تنفير عنها بليغ، وزجر ~~لفاعلها شديد. وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت المذكورين في الآية، ~~فقال ابن عباس وعكرمة وعطاء والكلبي ومقاتل وسعيد بن جبير إن أهل البيت ~~المذكورين في الآية هن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. قالوا ~~والمراد بالبيت بيت النبي صلى الله عليه وسلم ومساكن زوجاته لقوله { ~~واذكرن ما يتلى في بيوتكن }. وأيضا السياق في ~~الزوجات من قوله { يأيها النبي قل لأزوجك } إلى قوله { ~~واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من ءايت الله ~~والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا }. وقال أبو سعيد ~~الخدري ومجاهد وقتادة، وروي عن الكلبي أن أهل البيت المذكورين في الآية ~~هم علي وفاطمة والحسن والحسين خاصة، ومن حججهم الخطاب في الآية بما يصلح ~~للذكور لا للإناث، وهو قوله { عنكم ms3052 } و { ليطهركم } ولو كان للنساء خاصة ~~لقال عنكن ويطهركن. وأجاب الأولون عن هذا أن التذكير باعتبار لفظ الأهل ~~كما قال سبحانه # أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركته ~~عليكم أهل البيت # هود 73 وكما يقول الرجل لصاحبه كيف أهلك؟ يريد زوجته أو زوجاته، فيقول ~~هم بخير. ولنذكر هاهنا ما تمسك به كل فريق. أما الأولون، فتمسكوا ~~بالسياق، فإنه في الزوجات كما ذكرنا، وبما أخرجه ابن أبي حاتم وابن عساكر ~~من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله { إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } قال نزلت في نساء ~~النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وقال عكرمة من شاء باهلته أنها نزلت في ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج نحوه ابن مردويه من طريق سعيد ~~ابن جبير عن ابن عباس. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عكرمة نحوه. وأخرج ~~ابن سعد عن عروة نحوه. وأما ما تمسك به الآخرون، فأخرج الترمذي وصححه، ~~وابن جرير وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في سننه من ~~طرق عن أم سلمة قالت في بيتي نزلت { إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } وفي البيت فاطمة وعلي ~~والحسن والحسين، فجللهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكساء كان عليه، ثم ~~قال # " هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أم ~~سلمة أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيتها على منامة له عليه ~~كساء خيبري، فجاءت فاطمة ببرمة فيها خزيرة، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " ادعي زوجك وابنيك حسنا وحسينا " # ، فدعتهم، فبينما هم يأكلون إذ نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم { ~~إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا } ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بفضلة ~~كسائه فغشاهم إياها، ثم أخرج يده من الكساء وألوى بها إلى السماء، ثم قال # " اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " # ، قالها ثلاث مرات. ms3053 قالت أم سلمة فأدخلت رأسي في الستر، فقلت يا رسول ~~الله، وأنا معكم؟ فقال # " إنك إلى خير " # مرتين. وأخرجه أيضا أحمد من حديثها قال حدثنا عبد الله بن نمير ~~حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رياح، حدثني من سمع أم ~~سلمة تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره. وفي إسناده مجهول وهو ~~شيخ عطاء، وبقية رجاله ثقات. وقد أخرجه الطبراني عنها من طريقين بنحوه. ~~وقد ذكر ابن كثير في تفسيره لحديث أم سلمة طرقا كثيرة في مسند أحمد ~~وغيره. وأخرج ابن مردويه والخطيب من حديث أبي سعيد الخدري نحوه. وأخرج ~~الترمذي وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه ~~وسلم { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت } وذكر نحو حديث أم سلمة. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم ~~وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن عائشة قالت # " خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء ~~الحسن والحسين فأدخلهما معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه، ثم جاء علي ~~فأدخله معه، ثم قال { إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } " # وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن واثلة بن الأسقع قال جاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فاطمة ومعه علي وحسن وحسين حتى دخل، ~~فأدنى عليا وفاطمة وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنا وحسينا كل واحد ~~منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه، وأنا مستدبرهم، ثم تلا هذه الآية { ~~إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~} وقال # " اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " # ، قلت يا رسول الله، وأنا من أهلك؟ قال # " وأنت من أهلي " # قال واثلة إنه لأرجا ما أرجوه. وله طرق في مسند أحمد. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وأحمد، والترمذي ms3054 وحسنه، وابن جرير وابن المنذر والطبراني، والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر ~~بباب فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول # " الصلاة يا أهل البيت الصلاة، { إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } " # وأخرج مسلم عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أذكركم الله في أهل بيتي " # فقيل لزيد ومن أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال نساؤه من أهل ~~بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده آل علي وآل عقيل وآل جعفر، وآل ~~العباس. وأخرج الحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه، والبيهقي في ~~الدلائل عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله قسم الخلق قسمين، فجعلني في خيرهما قسما، فذلك قوله { ~~وأصحب اليمين... وأصحب الشمال } الواقعة27 - 41 ~~فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب اليمين. ثم جعل القسمين أثلاثا، ~~فجعلني في خيرها ثلاثا، فذلك قوله { فأصحب الميمنة... ~~وأصحب المشئمة... والسبقون السبقون } ~~الواقعة 8 - 10 فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين. ثم جعل الأثلاث ~~قبائل، فجعلني في خيرها قبيلة، وذلك قوله { وجعلنكم شعوبا ~~وقبائل لتعرفوا إن أكرمكم عند الله ~~أتقكم } الحجرات 13 وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر. ~~ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا، فذلك قوله { إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا } فأنا، وأهل بيتي مطهرون من الذنوب " # وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي الحمراء قال رابطت المدينة سبعة أشهر ~~على عهد رسول الله قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر ~~جاء إلى باب علي وفاطمة فقال # " الصلاة الصلاة، { إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } " # وفي إسناده أبو داود الأعمى، وهو وضاع كذاب. وفي الباب أحاديث وآثار، ~~وقد ذكرنا هاهنا ما يصلح للتمسك به دون ما لا يصلح. وقد توسطت طائفة ~~ثالثة بين الطائفتين، فجعلت هذه الآية شاملة للزوجات ولعلي ms3055 وفاطمة ~~والحسن والحسين، أما الزوجات فلكونهن المرادات في سياق هذه الآيات كما ~~قدمنا، ولكونهن الساكنات في بيوته صلى الله عليه وسلم النازلات في ~~منازله، ويعضد ذلك ما تقدم عن ابن عباس وغيره. # وأما دخول علي وفاطمة والحسن والحسين فلكونهم قرابته وأهل بيته في ~~النسب، ويؤيد ذلك ما ذكرناه من الأحاديث المصرحة بأنهم سبب النزول، فمن ~~جعل الآية خاصة بأحد الفريقين فقد أعمل بعض ما يجب إعماله وأهمل ما لا ~~يجوز إهماله. وقد رجح هذا القول جماعة من المحققين منهم القرطبي وابن ~~كثير وغيرهما. وقال جماعة هم بنو هاشم، واستدلوا بما تقدم من حديث ابن ~~عباس وبقول زيد بن أرقم المتقدم حيث قال ولكن آله من حرم الصدقة بعده ~~آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، فهؤلاء ذهبوا إلى أن المراد ~~بالبيت بيت النسب. قوله { واذكرن ما يتلى في بيوتكن ~~من ءايت الله والحكمة } أي اذكرن موضع النعمة إذ ~~صيركن الله في بيوت يتلى فيها آيات الله والحكمة، أو اذكرنها وتفكرن ~~فيها لتتعظن بمواعظ الله، أو اذكرنها للناس ليتعظوا بها ويهتدوا بهداها، ~~أو اذكرنها بالتلاوة لها لتحفظنها ولا تتركن الاستكثار من التلاوة. قال ~~القرطبي قال أهل التأويل آيات الله هي القرآن، والحكمة السنة. وقال مقاتل ~~المراد بالآيات والحكمة أمره، ونهيه في القرآن. وقيل إن القرآن جامع بين ~~كونه آيات بينات دالة على التوحيد وصدق النبوة، وبين كونه حكمة مشتملة ~~على فنون من العلوم والشرائع { إن الله كان لطيفا خبيرا } ~~أي لطيفا بأوليائه خبيرا بجميع خلقه، وجميع ما يصدر منهم من خير وشر ~~وطاعة ومعصية، فهو يجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. وقد أخرج أحمد ~~ومسلم والنسائي وابن مردويه من طريق أبي الزبير عن جابر قال أقبل أبو بكر ~~يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس ببابه جلوس، والنبي ~~صلى الله عليه وسلم جالس فلم يؤذن له ثم أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذن له، ~~ثم أذن لأبي بكر وعمر فدخلا والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه ~~وهو ساكت، ms3056 فقال عمر لأكلمن النبي صلى الله عليه وسلم لعله يضحك، فقال ~~عمر يا رسول الله، لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر، سألت النفقة آنفا فوجأت ~~في عنقها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال # " هن حولي يسألنني النفقة " # ، فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة، كلاهما يقولان ~~تسألان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده، فنهاهما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقلن نساؤه والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعد هذا المجلس ما ليس عنده، وأنزل الله الخيار، فنادى بعائشة فقال # " إني ذاكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك " # ، قالت ما هو؟ فتلا عليها { يأيها النبي قل لأزوجك } ~~الآية، قالت عائشة أفيك أستأمر أبوي، بل أختار الله ورسوله، وأسألك أن ~~لا تذكر لنسائك ما اخترت فقال # " إن الله لن يبعثني متعنتا ولكن بعثني معلما مبشرا، لا تسألني امرأة ~~منهن عما اخترت إلا أخبرتها " # وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه قالت فبدأ بي فقال # " إني ذاكر لك أمرا، فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك " # ، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، فقال إن الله قال { ~~يأيها النبى قل لأزوجك إن كنتن تردن ~~الحيوة الدنيا } إلى تمام الآية، فقلت له ففي أي هذا أستأمر ~~أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وفعل أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم مثل ما فعلت. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في ~~قوله { ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صلحا ~~} قال يقول من يطع الله منكن وتعمل منكن لله ورسوله بطاعته. وأخرج ابن ~~المنذر عنه في قوله { فلا تخضعن بالقول } قال يقول لا ترخصن ~~بالقول ولا تخضعن بالكلام. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا في قوله { فلا ~~تخضعن بالقول } قال مقارنة الرجال في القول حتى يطمع الذي في ~~قلبه مرض. وأخرج ms3057 عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن سيرين قال نبئت أنه ~~قيل لسودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم مالك لا تحجين ولا تعتمرين كما ~~يفعل أخواتك؟ فقالت قد حججت واعتمرت وأمرني الله أن أقر في بيتي فوالله ~~لا أخرج من بيتي حتى أموت قال فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت ~~بجنازتها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن سعد، وعبد الله بن أحمد في زوائد ~~الزهد، وابن المنذر عن مسروق قال كانت عائشة إذا قرأت { وقرن في ~~بيوتكن } بكت حتى تبل خمارها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب قال كانت الجاهلية ~~الأولى فيما بين نوح وإدريس وكانت ألف سنة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب سأله، فقال ~~أرأيت قول الله لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم { ولا تبرجن ~~تبرج الجهلية الأولى } هل كانت جاهلية غير واحدة، فقال ~~ابن عباس ما سمعت بأولى إلا ولها آخرة، فقال له عمر فأتني من كتاب الله ~~ما يصدق ذلك، فقال إن الله يقول # وجهدوا في الله حق جهده هو اجتبكم # الحج 78 أول مرة فقال عمر من أمرنا أن نجاهد؟ قال مخزوم وعبد شمس. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضا في الآية قال تكون جاهلية أخرى. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة أنها تلت هذه الآية فقالت الجاهلية الأولى ~~كانت على عهد إبراهيم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال الجاهلية الأولى ~~ما بين عيسى ومحمد. وقد قدمنا ذكر الآثار الواردة في سبب نزول قوله { ~~إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~}. وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~قتادة في قوله { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من ~~ءايت الله والحكمة } قال القرآن والسنة، يمتن بذلك ~~عليهن. وأخرج ابن سعد عن أبي أمامة عن سهل في قوله { واذكرن ما ~~يتلى في بيوتكن } الآية قال ms3058 كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يصلي في بيوت أزواجه النوافل بالليل والنهار. ### || [33.35-36] # قوله { إن المسلمين } بدأ سبحانه بذكر الإسلام الذي هو مجرد ~~الدخول في الدين والانقياد له مع العمل، كما ثبت في الحديث الصحيح أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل عن الإسلام قال # " هو أن تشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج ~~البيت، وتصوم رمضان " # ثم عطف على المسلمين { المسلمات } تشريفا لهن بالذكر، وهكذا فيما بعد ~~وإن كن داخلات في لفظ المسلمين والمؤمنين ونحو ذلك. والتذكير إنما هو ~~لتغليب الذكور على الإناث كما في جميع ما ورد في الكتاب العزيز من ذلك. ~~ثم ذكر { المؤمنين والمؤمنت } وهم من يؤمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله والقدر خيره وشره كما ثبت ذلك في الصحيح عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. والقانت العابد المطيع، وكذا القانتة. وقيل المداومين ~~على العبادة والطاعة. والصادق والصادقة هما من يتكلم بالصدق، ويتجنب ~~الكذب ويفي بما عوهد عليه. والصابر والصابرة هما من يصبر عن الشهوات وعلى ~~مشاق التكليف، والخاشع والخاشعة هما المتواضعان لله الخائفان منه ~~الخاضعان في عباداتهم لله. والمتصدق والمتصدقة هما من تصدق من ماله ~~بما أوجبه الله عليه. وقيل ذلك أعم من صدقة الفرض والنفل، وكذلك الصائم ~~والصائمة، قيل ذلك مختص بالفرض، وقيل هو أعم. والحافظ والحافظة ~~لفرجيهما عن الحرام بالتعفف والتنزه، والاقتصار على الحلال. والذاكر ~~والذاكرة هما من يذكر الله على أحواله، وفي ذكر الكثرة دليل على مشروعية ~~الاستكثار من ذكر الله سبحانه بالقلب واللسان، واكتفى في الحافظات بما ~~تقدم في الحافظين من ذكر الفروج، والتقدير والحافظين فروجهم والحافظات ~~فروجهن، وكذا في الذاكرات، والتقدير والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ~~الله كثيرا، والخبر لجميع ما تقدم هو قوله { أعد الله لهم ~~مغفرة وأجرا عظيما } أي مغفرة لذنوبهم التي أذنبوها، وأجرا ~~عظيما على طاعاتهم التي فعلوها من الإسلام والإيمان، والقنوت، والصدق ~~والصبر والخشوع، والتصدق والصوم والعفاف والذكر. ووصف الأجر بالعظم ~~للدلالة على أنه بالغ غاية المبالغ، ولا شيء ms3059 أعظم من أجر هو الجنة ~~ونعيمها الدائم الذي لا ينقطع ولا ينفد، اللهم اغفر ذنوبنا وأعظم أجورنا. ~~{ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } ~~أي ما صح ولا استقام لرجل ولا امرأة من المؤمنين، ولفظ ما كان وما ينبغي ~~ونحوهما معناها المنع والحظر من الشيء والإخبار بأنه لا يحل أن يكون ~~شرعا، وقد يكون لما يمتنع عقلا كقوله # ما كان لكم أن تنبتوا شجرها # النمل 60 ومعنى الآية أنه لا يحل لمن يؤمن بالله إذا قضى الله أمرا أن ~~يختار من أمر نفسه ما شاء، بل يجب عليه أن يذعن للقضاء، ويوقف نفسه تحت ~~ما قضاه الله عليه واختاره له، وجمع الضميرين في قوله { لهم } و { من ~~أمرهم } لأن مؤمن ومؤمنة وقعا في سياق النفي فهما يعمان كل مؤمن ومؤمنة. # قرأ الكوفيون { أن يكون } بالتحتية، واختار هذه القراءة أبو عبيد لأنه ~~قد فرق بين الفعل وفاعله المؤنث بقوله { لهم } مع كون التأنيث غير ~~حقيقي، وقرأ الباقون بالفوقية لكونه مسندا إلى الخيرة وهي مؤنثة لفظا. ~~والخيرة مصدر بمعنى الاختيار. وقرأ ابن السميفع " الخيرة " بسكون ~~التحتية، والباقون بتحريكها. ثم توعد سبحانه من لم يذعن لقضاء الله ~~وقدره، فقال { ومن يعص الله ورسوله } في أمر من الأمور، ومن ~~ذلك عدم الرضا بالقضاء { فقد ضل ضللا مبينا } أي ضل عن ~~طريق الحق ضلالا ظاهرا واضحا لا يخفى. وقد أخرج أحمد والنسائي وابن ~~جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة قالت قلت يا رسول ~~الله، مالنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ فلم يرعني منه ذات يوم ~~إلا نداؤه على المنبر وهو يقول # " إن الله يقول { إن المسلمين والمسلمت } " # إلى آخر الآية. وروي نحو هذا عنها من طريق أخرى أخرجها الفريابي وابن ~~سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد، والترمذي ~~وحسنه، والطبراني وابن مردويه عن ms3060 أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالت ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء ~~يذكرن بشيء؟ فنزلت هذه الآية { إن المسلمين والمسلمت ~~}. وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه بإسناد، قال السيوطي حسن، عن ~~ابن عباس قال قالت النساء يا رسول الله ما باله يذكر المؤمنين ولا يذكر ~~المؤمنات؟ فنزلت { إن المسلمين والمسلمت } الآية. ~~وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة، فدخل على زينب ~~بنت جحش الأسدية، فخطبها، قالت لست بناكحته، قال # " بلى فانكحيه " # ، قالت يا رسول الله، أؤامر نفسي، فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه ~~الآية على رسوله { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة } الآية، ~~قالت قد رضيته لي يا رسول الله منكحا؟ قال # " نعم " # ، قالت إذن لا أعصي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنكحته نفسي. وأخرج ~~نحوه عنه ابن جرير من طريق أخرى. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لزينب # " إني أريد أن أزوجك زيد بن حارثة فإني قد رضيته لك " # ، قالت يا رسول الله، لكني لا أرضاه لنفسي، وأنا أيم قومي وبنت عمتك فلم ~~أكن لأفعل، فنزلت هذه الآية { وما كان لمؤمن } يعني زيدا { ~~ولا مؤمنة } يعني زينب { إذا قضى الله ورسوله أمرا ~~} يعني النكاح في هذا الموضع { أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم } يقول ليس لهم الخيرة من أمرهم خلاف ما أمر الله به { ومن ~~يعص الله ورسوله فقد ضل ضللا مبينا } قالت قد ~~أطعتك فاصنع ما شئت، فزوجها زيدا ودخل عليها. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي ~~معيط، وكانت أول امرأة هاجرت فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~فزوجها زيد بن حارثة فسخطت هي وأخوها وقالا إنما أردنا رسول الله ~~فزوجنا عبده. ### || [33.37-40] # لما زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد ms3061 بن حارثة بزينب بنت جحش كما ~~مر في تفسير الآية التي قبل هذه أنزل الله سبحانه { وإذ تقول ~~للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه } أي واذكر إذ ~~تقول للذي أنعم الله عليه وهو زيد بن حارثة، أنعم الله عليه بالإسلام، ~~وأنعم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أعتقه من الرق، وكان من سبي ~~الجاهلية اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية وأعتقه ~~وتبناه، وسيأتي في بيان سبب نزول الآية في آخر البحث ما يوضح المراد ~~منها. قال القرطبي وقد اختلف في تأويل هذه الآية، فذهب قتادة وابن زيد ~~وجماعة من المفسرين منهم ابن جرير الطبري وغيره إلى أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقع منه استحسان لزينب بنت جحش وهي في عصمة زيد، وكان حريصا ~~على أن يطلقها زيد فيتزوجها هو، ثم إن زيدا لما أخبره بأنه يريد فراقها ~~ويشكو منها غلظة قول وعصيان أمر وأذى باللسان وتعظما بالشرف قال له # " اتق الله فيما تقول عنها وأمسك عليك زوجك " # ، وهو يخفي الحرص على طلاق زيد إياها، وهذا الذي كان يخفي في نفسه ولكنه ~~لزم ما يجب من الأمر بالمعروف. انتهى. { أمسك عليك زوجك } ~~يعني زينب { واتق الله } في أمرها، ولا تعجل بطلاقها { وتخفي ~~في نفسك ما الله مبديه } وهو نكاحها إن طلقها زيد. وقيل ~~حبها { وتخشى الناس } أي تستحييهم، أو تخاف من تعبيرهم بأن يقولوا ~~أمر مولاه بطلاق امرأته ثم تزوجها { والله أحق أن تخشه } ~~في كل حال وتخاف منه وتستحييه والواو للحال، أي تخفي في نفسك ذلك الأمر ~~مخافة من الناس. { فلما قضى زيد منها وطرا } قضاء الوطر ~~في اللغة بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء، يقال قضى وطرا منه إذا بلغ ما ~~أراد من حاجته فيه، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة # أيها الرائح المجد ابتكارا قد قضى من تهامة الأوطارا # أي فرغ من أعمال الحج وبلغ ما أراد منه. والمراد هنا أنه قضى وطره منها ~~بنكاحها والدخول بها بحيث لم يبق له ms3062 فيها حاجة. وقيل المراد به الطلاق ~~لأن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة. وقال المبرد الوطر ~~الشهوة والمحبة، وأنشد # وكيف ثوائي بالمدينة بعد ما قضى وطرا منها جميل بن معمر # وقال أبو عبيدة الوطر الأرب والحاجة، وأنشد قول الفزاري # ودعنا قبل أن نودعه لما قضى من شبابنا وطرا # قرأ الجمهور { زوجنكها } وقرأ علي وابناه الحسن والحسين ~~زوجتكها فلما أعلمه الله بذلك دخل عليها بغير إذن ولا عقد ولا تقدير ~~صداق ولا شيء مما هو معتبر في النكاح في حق أمته. # وقيل المراد به. الأمر له بأن يتزوجها. والأول أولى، وبه جاءت الأخبار ~~الصحيحة. ثم علل سبحانه ذلك بقوله { لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج } أي ضيق ومشقة { فى أزواج أدعيائهم } ~~أي في التزوج بأزواج من يجعلونه ابنا كما كانت تفعله العرب فإنهم كانوا ~~يتبنون من يريدون، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة، ~~فكان يقال زيد بن محمد، حتى نزل قوله سبحانه { ادعوهم لابائهم } ~~وكانت العرب تعتقد أنه يحرم عليه نساء من تبنوه، كما تحرم عليه نساء ~~أبنائهم حقيقة. والأدعياء جمع دعي، وهو الذي يدعي ابنا من غير أن يكون ~~ابنا على الحقيقة، فأخبرهم الله أن نساء الأدعياء حلال لهم { إذا ~~قضوا منهن وطرا } بخلاف ابن الصلب، فإن امرأته تحرم على ~~أبيه بنفس العقد عليها { وكان أمر الله مفعولا } أي كان ~~قضاء الله في زينب أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاء ماضيا ~~مفعولا لا محالة. ثم بين سبحانه أنه لم يكن على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حرج في هذا النكاح، فقال { ما كان على النبي من ~~حرج فيما فرض الله له } أي فيما أحل الله له وقدره وقضاه، ~~يقال فرض له كذا، أي قدر له { سنة الله في الذين خلوا ~~من قبل } أي إن هذا هو السنن الأقدم في الأنبياء والأمم الماضية أن ~~ينالوا ما أحله الله لهم من أمر النكاح وغيره { وكان أمر الله ~~قدرا مقدورا ms3063 } أي قضاء مقضيا. قال مقاتل أخبر الله أن أمر زينب ~~كان من حكم الله وقدره، وانتصاب { سنة } على المصدر، أي سن الله سنة ~~الله، أو اسم وضع موضع المصدر أو منصوب بجعل أو بالإغراء. ورده أبو حيان ~~بأن عامل الإغراء لا يحذف. ثم ذكر سبحانه الأنبياء الماضين وأثنى عليهم ~~فقال { الذين يبلغون رسالت الله } والموصول في محل جر ~~صفة { للذين خلوا } أو منصوب على المدح، مدحهم سبحانه بتبليغ ما أرسلهم ~~به إلى عباده وخشيته في كل فعل وقول، ولا يخشون سواه، ولا يبالون بقول ~~الناس ولا بتعييرهم، بل خشيتهم مقصورة على الله سبحانه { وكفى ~~بالله حسيبا } حاضرا في كل مكان يكفي عباده كل ما يخافونه، أو ~~محاسبا لهم في كل شيء. ولما تزوج صلى الله عليه وسلم زينب قال الناس ~~تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله { ما كان محمد أبا أحد من ~~رجالكم } أي ليس بأب لزيد ابن حارثة على الحقيقة حتى تحرم عليه ~~زوجته، ولا هو أب لأحد لم يلده. # قال الواحدي قال المفسرون لم يكن أبا أحد لم يلده، وقد ولد له من الذكور ~~إبراهيم والقاسم والطيب والمطهر. قال القرطبي ولكن لم يعش له ابن حتى ~~يصير رجلا. قال وأما الحسن والحسين فكانا طفلين ولم يكونا رجلين معاصرين ~~له { ولكن رسول الله } قال الأخفش والفراء ولكن كان رسول ~~الله، وأجازا الرفع. وكذا قرأ ابن أبي عبلة بالرفع في رسول وفي خاتم على ~~معنى ولكن هو رسول الله وخاتم النبيين، وقرأ الجمهور بتخفيف { لكن } ، ~~ونصب { رسول } و { خاتم } ، ووجه النصب على خبرية كان المقدرة كما تقدم، ~~ويجوز أن يكون بالعطف على { أبا أحد }. وقرأ أبو عمرو في رواية عنه ~~بتشديد " لكن " ونصب { رسول } على أنه اسمها وخبرها محذوف، أي ولكن رسول ~~الله هو. وقرأ الجمهور " خاتم " بكسر التاء. وقرأ عاصم بفتحها. ومعنى ~~القراءة الأولى أنه ختمهم، أي جاء آخرهم. ومعنى القراءة الثانية أنه صار ~~كالخاتم لهم الذي يتختمون به ويتزينون بكونه منهم. وقيل كسر التاء وفتحها ~~لغتان. قال أبو عبيد ms3064 الوجه الكسر لأن التأويل أنه ختمهم فهو خاتمهم، وأنه ~~قال # " أنا خاتم النبيين " # ، وخاتم الشيء آخره، ومنه قولهم خاتمة المسك. وقال الحسن الخاتم هو الذي ~~ختم به { وكان الله بكل شيء عليما } قد أحاط علمه بكل شيء، ~~ومن جملة معلوماته هذه الأحكام المذكورة هنا. وقد أخرج أحمد والبخاري ~~والترمذي وغيرهم عن أنس قال جاء زيد بن حارثة يشكو زينب إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " اتق الله وأمسك عليك زوجك " # ، فنزلت { وتخفي في نفسك ما الله مبديه } قال أنس فلو ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا لكتم هذه الآية، فتزوجها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أولم على امرأة من نسائه ما أولم ~~عليها، ذبح شاة { فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجنكها } فكانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول ~~زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات. وأخرج أحمد ومسلم ~~والنسائي وغيرهم عن أنس قال لما انقضت عدة زينب، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لزيد # " اذهب فاذكرها علي " # ، فانطلق، قال فلما رأيتها عظمت في صدري، فقلت يا زينب، أبشري أرسلني ~~رسول الله يذكرك، قالت ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى ~~مسجدها ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليها بغير ~~إذن، ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا ~~عليها الخبز واللحم، فخرج الناس، وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد ~~الطعام، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعته، فجعل يتتبع حجر ~~نسائه يسلم عليهن ويقولون يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا ~~أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر، فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل ~~معه، فألقى الستر بيني وبينه ونزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به # لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم # الأحزاب 53 الآية. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، ~~وابن جرير ms3065 وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عائشة ~~قالت لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتم ~~هذه الآية { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه } يعني ~~بالإسلام { وأنعمت عليه } يعني بالعتق { أمسك عليك ~~زوجك } إلى قوله { وكان أمر الله مفعولا } وإن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها قالوا تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله ~~{ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول ~~الله وخاتم النبيين } ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تبناه وهو صغير، فلبث حتى صار رجلا يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله { ~~ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله } يعني أعدل عند ~~الله. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي في قوله { سنة الله ~~في الذين خلوا من قبل } قال يعني يتزوج من النساء ما شاء ~~هذا فريضة، وكان من قبل من الأنبياء هذا سنتهم، قد كان لسليمان بن داود ~~ألف امرأة، وكان لداود مائة امرأة. وأخرج ابن المنذر والطبراني عن ابن ~~جريج في قوله { سنة الله في الذين خلوا من قبل } قال ~~داود والمرأة التي نكح وزوجها واسمها اليسية، فذلك سنة في محمد وزينب { ~~وكان أمر الله قدرا مقدورا } كذلك من سنته في داود ~~والمرأة والنبي وزينب. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { ما كان ~~محمد أبا أحد من رجالكم } قال نزلت في زيد بن حارثة. ~~وأخرج أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " مثلي ومثل النبيين كمثل رجل بنى دارا، فانتهى إلا لبنة واحدة، فجئت ~~أنا فأتممت تلك اللبنة " # وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل ابتنى دارا فأكملها وأحسنها إلا موضع ~~لبنة، فكان من دخلها فنظر إليها قال ما أحسنها إلا موضع اللبنة، فأنا ~~موضع اللبنة حتى ختم بي الأنبياء " # وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة نحوه. وأخرج أحمد، ~~والترمذي وصححه ms3066 من حديث أبي بن كعب نحوه أيضا. ### || [33.41-48] # قوله { يأيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا ~~كثيرا } أمر سبحانه عباده بأن يستكثروا من ذكره بالتهليل والتحميد ~~والتسبيح والتكبير وكل ما هو ذكر لله تعالى. قال مجاهد هو أن لا ينساه ~~أبدا، وقال الكلبي ويقال ذكرا كثيرا بالصلوات الخمس، وقال مقاتل هو ~~التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير على كل حال { وسبحوه بكرة ~~وأصيلا } أي نزهوه عما لا يليق به في وقت البكرة ووقت الأصيل، وهما ~~أول النهار وآخره، وتخصيصهما بالذكر لمزيد ثواب التسبيح فيهما. وخص ~~التسبيح بالذكر بعد دخوله تحت عموم قوله { اذكروا الله }. تنبيها ~~على مزيد شرفه، وإنافة ثوابه على غيره من الأذكار. وقيل المراد بالتسبيح ~~بكرة صلاة الفجر، وبالتسبيح أصيلا صلاة المغرب. وقال قتادة وابن جرير ~~المراد صلاة الغداة، وصلاة العصر. وقال الكلبي أما بكرة فصلاة الفجر، ~~وأما أصيلا فصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال المبرد والأصيل ~~العشي وجمعه أصائل. { هو الذي يصلي عليكم وملائكته ~~} والصلاة من الله على العباد رحمته لهم وبركته عليهم، ومن الملائكة ~~الدعاء لهم والاستغفار كما قال # ويستغفرون للذين ءامنوا # غافر 7 قال مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان المعنى ويأمر ملائكته ~~بالاستغفار لكم، والجملة مستأنفة كالتعليل لما قبلها من الأمر بالذكر ~~والتسبيح. وقيل الصلاة من الله على العبد هي إشاعة الذكر الجميل له في ~~عباده. وقيل الثناء عليه، وعطف ملائكته على الضمير المستكن في يصلي لوقوع ~~الفصل بقوله { عليكم } فأغنى ذلك عن التأكيد المراد بالضمير المنفصل. ~~والمراد بالصلاة هنا معنى مجازي يعم صلاة الله بمعنى الرحمة، وصلاة ~~الملائكة بمعنى الدعاء لئلا يجمع بين حقيقة ومجاز في كلمة واحدة، واللام ~~في { ليخرجكم من الظلمت إلى النور } متعلق ب { ~~يصلي } ، أي يعتني بأموركم هو وملائكته ليخرجكم من ظلمات المعاصي إلى نور ~~الطاعات، ومن ظلمة الضلالة إلى نور الهدى، ومعنى الآية تثبيت المؤمنين ~~على الهداية ودوامهم عليها لأنهم كانوا وقت الخطاب على الهداية. ثم أخبر ~~سبحانه برحمته للمؤمنين تأنيسا لهم وتثبيتا فقال { وكان ~~بالمؤمنين رحيما } وفي هذه الجملة تقرير ms3067 لمضمون ما تقدمها. ثم ~~بين سبحانه أن هذه الرحمة منه لا تخص السامعين وقت الخطاب، بل هي عامة ~~لهم ولمن بعدهم وفي الدار الآخرة، فقال { تحيتهم يوم ~~يلقونه سلم } أي تحية المؤمنين من الله سبحانه يوم لقائهم له ~~عند الموت أو عند البعث أو عند دخول الجنة، هي التسليم عليهم منه عز ~~وجل. وقيل المراد تحية بعضهم لبعض يوم يلقون ربهم سلام وذلك لأنه كان ~~بالمؤمنين رحيما، فلما شملتهم رحمته وأمنوا من عقابه حيا بعضهم بعضا ~~سرورا واستبشارا. والمعنى سلامة لنا من عذاب النار. قال الزجاج المعنى ~~فيسلمهم الله من الآفات، ويبشرهم بالأمن من المخافات يوم يلقونه. # وقيل الضمير في { يلقونه } راجع إلى ملك الموت، وهو الذي يحييهم كما ورد ~~أنه لا يقبض روح مؤمن إلا سلم عليه. وقال مقاتل هو تسليم الملائكة عليهم ~~يوم يلقون الرب كما في قوله # والملئكة يدخلون عليهم من كل باب * سلم ~~عليكم # الرعد 23، 24 { وأعد لهم أجرا كريما } أي أعد لهم في ~~الجنة رزقا حسنا، ما تشتهيه أنفسهم وتلذه أعينهم. ثم ذكر سبحانه صفات ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرسله لها فقال { يأيها ~~النبي إنا أرسلنك شاهدا } أي على أمته يشهد لمن صدقه ~~وآمن به، وعلى من كذبه وكفر به. قال مجاهد شاهدا على أمته بالتبليغ ~~إليهم وعلى سائر الأمم بتبليغ أنبيائهم إليهم { ومبشرا } للمؤمنين ~~برحمة الله وبما أعده لهم من جزيل الثواب وعظيم الأجر { ونذيرا } ~~للكافرين والعصاة بالنار، وبما أعده الله لهم من عظيم العقاب { ~~وداعيا إلى الله } يدعو عباد الله إلى التوحيد والإيمان بما جاء ~~به، والعمل بما شرعه لهم، ومعنى { بإذنه } بأمره له بذلك وتقديره. ~~وقيل بتبشيره { وسراجا منيرا } أي يستضاء به في ظلم الضلالة كما ~~يستضاء بالمصباح في الظلمة. قال الزجاج { وسراجا } أي ذا سراج منير ~~أي كتاب نير، وانتصاب { شاهدا } ، وما بعده على الحال { وبشر ~~المؤمنين } عطف على مقدر يقتضيه المقام كأنه قال فاشهد وبشر، أو ~~فدبر أحوال الناس، { وبشر المؤمنين } أو هو من عطف جملة على ms3068 ~~جملة، وهي المذكورة سابقا، ولا يمنع من ذلك الاختلاف بين الجملتين ~~بالإخبار والإنشاء. أمره سبحانه بأن يبشرهم بأن لهم من الله فضلا كبيرا ~~على سائر الأمم، وقد بين ذلك سبحانه بقوله # والذين ءامنوا وعملوا الصلحت في روضت ~~الجنت لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو ~~الفضل الكبير # الشورى 22 ثم نهاه سبحانه عن طاعة أعداء الدين فقال { ولا تطع ~~الكفرين والمنفقين } أي لا تطعهم فيما يشيرون عليك به من ~~المداهنة في الدين، وفي الآية تعريض لغيره من أمته لأنه صلى الله عليه ~~وسلم معصوم عن طاعتهم في شيء مما يريدونه ويشيرون به عليه، وقد تقدم ~~تفسير هذه الآية في أول السورة { ودع أذاهم } أي لا تبال بما ~~يصدر منهم إليك من الأذى بسبب يصيبك في دين الله وشدتك على أعدائه، أو ~~دع أن تؤذيهم مجازاة لهم على ما يفعلونه من الأذى لك، فالمصدر على الأول ~~مضاف إلى الفاعل وعلى الثاني مضاف إلى المفعول، وهي منسوخة بآية السيف { ~~وتوكل على الله } في كل شؤونك { وكفى بالله وكيلا ~~} توكل إليه الأمور وتفوض إليه الشؤون، فمن فوض إليه أموره كفاه، ومن ~~وكل إليه أحواله لم يحتج فيها إلى سواه. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~اذكروا الله ذكرا كثيرا } يقول لا يفرض على عباده فريضة ~~إلا جعل لها أجلا معلوما، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإن ~~الله لم يجعل له حدا ينتهي إليه ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا ~~على عقله، فقال # فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم # النساء103 بالليل والنهار، في البر والبحر، في السفر والحضر، في الغنى ~~والفقر، في الصحة والسقم، في السر والعلانية وعلى كل حال، وقال { ~~وسبحوه بكرة وأصيلا } إذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته ~~قال الله { هو الذي يصلي عليكم وملائكته }. وقد ورد ~~في فضل الذكر والاستكثار منه أحاديث كثيرة، وقد صنف في الأذكار المتعلقة ~~بالليل والنهار جماعة من الأئمة كالنسائي والنووي والجزري وغيرهم، وقد ms3069 ~~نطقت الآيات القرآنية بفضل الذاكرين وفضيلة الذكر # ولذكر الله أكبر # العنكبوت 45 وقد ورد أنه أفضل من الجهاد، كما في حديث أبي سعيد الخدري ~~عند أحمد والترمذي والبيهقي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي ~~العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال # " الذاكرون الله كثيرا " # قلت يا رسول الله، ومن الغازي في سبيل الله؟ قال # " لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما لكان ~~الذاكرون أفضل منه درجة " # وأخرج أحمد عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير ~~لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا ~~أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ " # قالوا وما هو يا رسول الله؟ قال # " ذكر الله عز وجل " # وأخرجه أيضا الترمذي وابن ماجه. وفي صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " سبق المفردون " # ، قالوا وما المفردون يا رسول الله؟ قال # " الذاكرون الله كثيرا " # وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان، والحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي سعيد ~~الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون " # وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اذكروا الله حتى يقول المنافقون إنكم مراؤون ". # وورد في فضل التسبيح بخصوصه أحاديث ثابتة في الصحيحين وغيرهما، فمن ذلك ~~حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من قال في يوم مائة مرة سبحان الله وبحمده حطت خطاياه ولو كانت مثل ~~زبد البحر " # وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وغيرهم عن سعد بن أبي وقاص قال كنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال لنا # " أيعجز أحدكم أن يكتسب في اليوم ألف حسنة؟ " # فقال رجل كيف يكتسب أحدنا ألف حسنة؟ قال # " يسبح الله مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة ويحط عنه ألف خطيئة ". # وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد، ms3070 وابن أبي الدنيا في ذكر ~~الموت، وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، ~~وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن البراء ابن عازب في قوله { ~~تحيتهم يوم يلقونه سلم } قال يوم يلقون ملك الموت ~~ليس من مؤمن يقبض روحه إلا سلم عليه. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن ~~مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس قال لما نزلت { يأيها ~~النبي إنا أرسلنك شاهدا ومبشرا ونذيرا } وقد ~~كان أمر عليا ومعاذا أن يسيرا إلى اليمن، فقال # " انطلقا فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، فإنها قد أنزلت علي { ~~يأيها النبي إنا أرسلنك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا } " # قال شاهدا على أمتك، ومبشرا بالجنة، ونذيرا من النار، وداعيا إلى ~~شهادة أن لا إله إلا الله { بإذنه وسراجا منيرا } ~~بالقرآن. وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما عن عطاء بن يسار قال لقيت عبد الله ~~ابن عمرو بن العاص فقلت أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~التوراة فقال أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفة في القرآن { يا ~~أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } ، وحرزا للأميين، أنت ~~عبدي ورسولي، سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا ~~تجزي بالسيئة السيئة، ولكن تعفو وتصفح زاد أحمد «ولن يقبضه الله حتى يقيم ~~الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينا عميا، ~~وآذانا صما، وقلوبا غلفا». وقد ذكر البخاري في صحيحه في البيوع هذا ~~الحديث فقال وقال سعيد عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن سلام، ولم يقل عبد ~~الله بن عمرو، وهذا أولى، فعبد الله بن سلام هو الذي كان يسأل عن التوراة ~~فيخبر بما فيها. ### || [33.49-52] # لما ذكر سبحانه قصة زيد، وطلاقه لزينب، وكان قد دخل بها، وخطبها النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء عدتها كما تقدم، خاطب المؤمنين مبينا ~~لهم حكم الزوجة إذا طلقها زوجها قبل الدخول فقال { يأيها الذين ~~ءامنوا إذا نكحتم المؤمنت } أي عقدتم بهن عقد ~~النكاح، ولم يرد لفظ ms3071 النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد كما قاله ~~صاحب الكشاف والقرطبي وغيرهما. وقد اختلف في لفظ النكاح هل هو حقيقة في ~~الوطء، أو في العقد، أو فيهما على طريقة الاشتراك؟ وكلام صاحب الكشاف في ~~هذا الموضع يشعر بأنه حقيقة في الوطء، فإنه قال النكاح الوطء، وتسمية ~~العقد نكاحا لملابسته له من حيث أنه طريق إليه، ونظيره تسمية الخمر ~~إثما لأنها سبب في اقتراف الإثم. ومعنى { من قبل أن تمسوهن ~~} من قبل أن تجامعوهن، فكنى عن ذلك بلفظ المس { فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها } وهذا مجمع عليه كما حكى ذلك ~~القرطبي وابن كثير، ومعنى { تعتدونها } تستوفون عددها، من عددت الدراهم، ~~فأنا أعتدها. وإسناد ذلك إلى الرجال للدلالة على أن العدة حق لهم كما ~~يفيده { فما لكم عليهن من عدة } قرأ الجمهور { ~~تعتدونها } بتشديد الدال، وقرأ ابن كثير في رواية عنه وأهل مكة ~~بتخفيفها. وفي هذه القراءة وجهان أحدهما أن تكون بمعنى الأولى، مأخوذة من ~~الاعتداد، أي تستوفون عددها، ولكنهم تركوا التضعيف لقصد التخفيف. قال ~~الرازي ولو كان من الاعتداء الذي هو الظلم لضعف لأن الاعتداء يتعدى ~~بعلى. وقيل يجوز أن يكون من الاعتداء بحذف حرف الجر، أي تعتدون عليها، ~~أي على العدة مجازا، ومثله قوله # تحن فتبدي ما بها من صبابة وأخفى الذي لولا الأسى لقضاني # أي لقضى علي. والوجه الثاني أن يكون المعنى تعتدون فيها، والمراد ~~بالاعتداء هذا هو ما في قوله # ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا # البقرة 231 فيكون معنى الآية على القراءة الآخرة فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدون عليهن فيها بالمضارة. وقد أنكر ابن عطية صحة هذه القراءة عن ابن ~~كثير وقال إن البزي غلط عليه، وهذه الآية مخصصة لعموم قوله تعالى # والمطلقت يتربصن بأنفسهن ثلثة قروء # البقرة 228 وبقوله # واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ~~فعدتهن ثلثة أشهر # الطلاق 4. والمتعة المذكورة هنا قد تقدم الكلام فيها في البقرة وقال ~~سعيد بن جبير هذه المتعة المذكورة هنا منسوخة بالآية التي في البقرة، وهي ms3072 ~~قوله # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم # البقرة 237. وقيل المتعة هنا هي أعم من أن تكون نصف الصداق، أو المتعة ~~خاصة إن لم يكن قد سمي لها، فمع التسمية للصداق تستحق نصف المسمى عملا ~~بقوله # فنصف ما فرضتم # البقرة 237 ومع عدم التسمية تستحق المتعة عملا بهذه الآية، ويؤيد ذلك ~~قوله تعالى # لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم ~~تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على ~~الموسع قدره وعلى المقتر قدره # البقرة 236 وهذا الجمع لا بد منه، وهو مقدم على الترجيح وعلى دعوى ~~النسخ، وتخصص من هذه الآية المتوفى عنها زوجها، فإنه إذا مات بعد العقد ~~عليها وقبل الدخول بها كان الموت كالدخول فتعتد أربعة أشهر وعشرا. قال ~~ابن كثير بالإجماع، فيكون المخصص هو الإجماع. وقد استدل بهذه الآية ~~القائلون بأنه لا طلاق قبل النكاح، وهم الجمهور، وذهب مالك وأبو حنيفة ~~إلى صحة الطلاق قبل النكاح إذا قال إن تزوجت فلانة فهي طالق، فتطلق إذا ~~تزوجها. ووجه الاستدلال بالآية لما قاله الجمهور أنه قال { إذا ~~نكحتم المؤمنت ثم طلقتموهن } فعقب الطلاق ~~بالنكاح بلفظ ثم المشعرة بالترتيب والمهلة. { وسرحوهن سراحا ~~جميلا } أي أخرجوهن من منازلكم إذ ليس لكم عليهن عدة. والسراح ~~الجميل الذي لا ضرار فيه، وقيل السراح الجميل أن لا يطالبها بما كان قد ~~أعطاها، وقيل السراح الجميل هنا كناية عن الطلاق، وهو بعيد لأنه قد تقدم ~~ذكر الطلاق ورتب عليه التمتيع وعطف عليه السراح الجميل، فلا بد أن يراد ~~به معنى غير الطلاق. { يأيها النبي إنا أحللنا لك ~~أزوجك اللاتي ءاتيت أجورهن } ذكر سبحانه في هذه الآية ~~أنواع الأنكحة التي أحلها لرسوله، وبدأ بأزواجه اللاتي قد أعطاهن ~~أجورهن، أي مهورهن، فإن المهور أجور الأبضاع، وإيتاؤها إما تسليمها ~~معجلة أو تسميتها في العقد. واختلف في معنى قوله { أحللنا لك ~~أزوجك } فقال ابن زيد، والضحاك إن الله أحل له أن يتزوج كل امرأة ~~يؤتيها مهرها، فتكون الآية مبيحة لجميع النساء ما عدا ms3073 ذوات المحارم. وقال ~~الجمهور المراد أحللنا لك أزواجك الكائنات عندك لأنهن قد اخترنك على ~~الدنيا وزينتها، وهذا هو الظاهر لأن قوله { أحللنا } ، و { آتيت } ~~ماضيان، وتقييد الإحلال بإيتاء الأجور ليس لتوقف الحل عليه، لأنه يصح ~~العقد بلا تسمية، ويجب مهر المثل مع الوطء، والمتعة مع عدمه، فكأنه لقصد ~~الإرشاد إلى ما هو أفضل { وما ملكت يمينك مما أفاء ~~الله عليك } أي السراري اللاتي دخلن في ملكه بالغنيمة. ومعنى { ~~مما أفاء الله عليك } مما رده الله عليك من الكفار بالغنيمة ~~لنسائهم المأخوذات على وجه القهر والغلبة، وليس المراد بهذا القيد إخراج ~~ما ملكه بغير الغنيمة، فإنها تحل له السرية المشتراة، والموهوبة، ~~ونحوهما، ولكنه إشارة إلى ما هو أفضل كالقيد الأول المصرح بإيتاء ~~الأجور، وهكذا قيد المهاجرة في قوله { وبنات عمك وبنات ~~عمتك وبنات خالك وبنات خلتك اللاتي ~~هجرن معك } فإنه للإشارة إلى ما هو أفضل، وللإيذان بشرف الهجرة، ~~وشرف من هاجر، والمراد بالمعية هنا الاشتراك في الهجرة لا في الصحبة ~~فيها. # وقيل إن هذا القيد أعني المهاجرة معتبر، وأنها لا تحل له من لم تهاجر ~~من هؤلاء كما في قوله # والذين ءامنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء حتى يهاجروا # الأنفال 72 ويؤيد هذا حديث أم هانىء، وسيأتي آخر البحث هذا إن شاء الله ~~تعالى. ووجه إفراد العم والخال وجمع العمة والخالة ما ذكره القرطبي أن ~~العم والخال في الإطلاق اسم جنس كالشاعر والراجز، وليس كذلك العمة ~~والخالة. قال وهذا عرف لغوي، فجاء الكلام عليه بغاية البيان. وحكاه عن ~~ابن العربي. وقال ابن كثير إنه وحد لفظ الذكر لشرفه، وجمع الأنثى كقوله # عن اليمين والشمآئل # النحل 48 وقوله # يخرجهم من الظلمت إلى النور # البقرة 257 # وجعل الظلمت والنور # الأنعام 1 وله نظائر كثيرة انتهى. وقال النيسابوري وإنما لم يجمع العم ~~والخال اكتفاء بجنسيتهما مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع ~~أختين تحت واحد، ولم يحسن هذا الاختصار في العمة والخالة لإمكان سبق ~~الوهم إلى أن التاء فيهما ms3074 للوحدة انتهى. وكل وجه من هذه الوجوه يحتمل ~~المناقشة بالنقض والمعارضة، وأحسنها تعليل جمع العمة والخالة بسبق الوهم ~~إلى أن التاء للوحدة، وليس في العم والخال ما يسبق الوهم إليه بأنه أريد ~~به الوحدة إلا مجرد صيغة الإفراد، وهي لا تقتضي ذلك بعد إضافتها لما ~~تقرر من عموم أسماء الأجناس المضافة، على أن هذا الوجه الأحسن لا يصفو ~~عن شوب المناقشة. { وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها ~~للنبي } هو معطوف على مفعول { أحللنا } ، أي وأحللنا لك امرأة مصدقة ~~بالتوحيد إن وهبت نفسها منك بغير صداق. وأما من لم تكن مؤمنة، فلا تحل ~~لك بمجرد هبتها نفسها لك، ولكن ليس ذلك بواجب عليك بحيث يلزمك قبول ذلك، ~~بل مقيدا بإرادتك، ولهذا قال { إن أراد النبي أن ~~يستنكحها } أي يصيرها منكوحة له ويتملك بضعها بتلك الهبة بلا مهر. ~~وقد قيل إنه لم ينكح النبي صلى الله عليه وسلم من الواهبات أنفسهن أحدا ~~ولم يكن عنده منهن شيء. وقيل كان عنده منهن خولة بنت حكيم كما في صحيح ~~البخاري عن عائشة. وقال قتادة هي ميمونة بنت الحارث. وقال الشعبي هي زينب ~~بنت خزيمة الأنصارية أم المساكين. وقال علي بن الحسين والضحاك ومقاتل ~~هي أم شريك بنت جابر الأسدية. وقال عروة بن الزبير هي أم حكيم بنت ~~الأوقص السلمية. ثم بين سبحانه أن هذا النوع من النكاح خاص برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا يحل لغيره من أمته، فقال { خالصة لك من ~~دون المؤمنين } أي هذا الإحلال الخالص هو خاص بك من دون غيرك من ~~المؤمنين. ولفظ { خالصة } إما حال من { امرأة } ، قاله الزجاج. # أو مصدر مؤكد كوعد الله، أي خالص لك خلوصا. قرأ الجمهور { وامرأة } ~~بالنصب. وقرأ أبو حيوة بالرفع على الابتداء. وقرأ الجمهور { إن وهبت } ~~بكسر إن. وقرأ أبي والحسن وعيسى بن عمر بفتحها على أنه بدل من امرأة بدل ~~اشتمال. أو على حذف لام العلة، أي لأن وهبت. وقرأ الجمهور { خالصة } ~~بالنصب، وقرىء بالرفع على أنها صفة ل { امرأة } على قراءة ms3075 من قرأ " ~~امرأة " بالرفع. وقد أجمع العلماء على أن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم، وأنه لا يجوز لغيره ولا ينعقد النكاح بهبة المرأة نفسها إلا ما ~~روي عن أبي حنيفة، وصاحبيه أنه يصح النكاح إذا وهبت، وأشهد هو على نفسه ~~بمهر. وأما بدون مهر فلا خلاف في أن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، ~~ولهذا قال { قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزوجهم ~~} أي ما فرضه الله سبحانه على المؤمنين في حق أزواجهم من شرائط العقد ~~وحقوقه، فإن ذلك حق عليهم مفروض لا يحل لهم الإخلال به، ولا الاقتداء ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم فيما خصه الله به توسعة عليه وتكريما له، ~~فلا يتزوجوا إلا أربعا بمهر وبينة وولي { وما ملكت ~~أيمنهم } أي وعلمنا ما فرضنا عليهم فيما ملكت أيمانهم من كونهن ~~ممن يجوز سبيه وحربه، لا من كان لا يجوز سبيه أو كان له عهد من المسلمين ~~{ لكيلا يكون عليك حرج }. قال المفسرون هذا يرجع إلى أول ~~الآية، أي أحللنا لك أزواجك وما ملكت يمينك والموهوبة لكيلا يكون عليك ~~حرج، فتكون اللام متعلقة ب { أحللنا }. وقيل هي متعلقة ب { خالصة } ، ~~والأول أولى والحرج الضيق، أي وسعنا عليك في التحليل لك لئلا يضيق صدرك، ~~فتظن أنك قد أثمت في بعض المنكوحات { وكان الله غفورا رحيما ~~} يغفر الذنوب ويرحم العباد، ولذلك وسع الأمر، ولم يضيقه. { ترجى من ~~تشاء منهن } قرىء «ترجىء» مهموزا وغير مهموز، وهما لغتان، ~~والإرجاء التأخير، يقال أرجأت الأمر وأرجيته إذا أخرته { وتؤوي ~~إليك من تشاء } أي تضم إليك، يقال آواه إليه بالمد ضمه إليه، وأوى ~~مقصورا، أي ضم إليه، والمعنى أن الله وسع على رسوله وجعل الخيار إليه في ~~نسائه، فيؤخر من شاء منهن ويؤخر نوبتها ويتركها ولا يأتيها من غير طلاق، ~~ويضم إليه من شاء منهن ويضاجعها ويبيت عندها، وقد كان القسم واجبا عليه ~~حتى نزلت هذه الآية، فارتفع الوجوب وصار الخيار إليه، وكان ممن أوى إليه ~~عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب، وممن ms3076 أرجأه سودة وجويرية وأم حبيبة وميمونة ~~وصفية، فكان صلى الله عليه وسلم يسوي بين من آواه في القسم، وكان يقسم ~~لمن أرجأه ما شاء. هذا قول جمهور المفسرين في معنى الآية، وهو الذي دلت ~~عليه الأدلة الثابتة في الصحيح وغيره. # وقيل هذه الآية في الواهبات أنفسهن، لا في غيرهن من الزوجات. قاله ~~الشعبي وغيره. وقيل معنى الآية في الطلاق، أي تطلق من تشاء منهن وتمسك ~~من تشاء. وقال الحسن إن المعنى تنكح من شئت من نساء أمتك وتترك نكاح من ~~شئت منهن. وقد قيل إن هذه الآية ناسخة لقوله { لا يحل لك ~~النساء من بعد } وسيأتي بيان ذلك. { ومن ابتغيت ممن ~~عزلت فلا جناح عليك } الابتغاء الطلب، والعزل الإزالة، ~~والمعنى أنه إن أراد أن يؤوي إليه امرأة ممن قد عزلهن من القسمة ويضمها ~~إليه فلا حرج عليه في ذلك. والحاصل أن الله سبحانه فوض الأمر إلى رسوله ~~يصنع في زوجاته ما شاء من تقديم وتأخير، وعزل وإمساك، وضم من أرجأ، ~~وإرجاء من ضم إليه، وما شاء في أمرهن فعل توسعة عليه ونفيا للحرج عنه. ~~وأصل الجناح الميل، يقال جنحت السفينة إذا مالت. والمعنى لا ميل عليك ~~بلوم ولا عتب فيما فعلت، والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم من ~~التفويض إلى مشيئته، وهو مبتدأ وخبره { أن تقر أعينهن } أي ~~ذلك التفويض الذي فوضناك أقرب إلى رضاهن لأنه حكم الله سبحانه. قال ~~قتادة أي ذلك التخيير الذي خيرناك في صحبتهن أدنى إلى رضاهن إذ كان من ~~عندنا، لأنهن إذا علمن أنه من الله قرت أعينهن. قرأ الجمهور { تقر } ~~على البناء للفاعل مسندا إلى { أعينهن } ، وقرأ ابن محيصن «تقر» بضم ~~التاء من أقرر، وفاعله ضمير المخاطب، ونصب أعينهن على المفعولية، وقرىء ~~على البناء للمفعول. وقد تقدم بيان معنى قرة العين في سورة مريم، ومعنى ~~{ ولا يحزن } لا يحصل معهن حزن بتأثيرك بعضهن دون بعض { ~~ويرضين بما ءاتيتهن كلهن } أي يرضين جميعا بما ~~أعطيتهن من تقريب وإرجاء وعزل وإيواء. قرأ الجمهور { كلهن } بالرفع ~~تأكيدا ms3077 لفاعل { يرضين }. وقرأ أبو إياس بالنصب تأكيدا لضمير المفعول في ~~{ آتيتهن } ، { والله يعلم ما فى قلوبكم } من كل ما ~~تضمرونه، ومن ذلك ما تضمرونه من أمور النساء { وكان الله عليما ~~} بكل شيء لا تخفى عليه خافية { حليما } لا يعاجل العصاة بالعقوبة. { ~~لا يحل لك النساء من بعد } قرأ الجمهور { لا يحل } ~~بالتحتية للفصل بين الفعل وفاعله المؤنث، وقرأ ابن كثير بالفوقية. وقد ~~اختلف أهل العلم في تفسير هذه الآية على أقوال الأول أنها محكمة، وأنه ~~حرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج على نسائه مكافأة لهن ~~بما فعلن من اختيار الله ورسوله والدار الآخرة، لما خيرهن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بأمر الله له بذلك، وهذا قول ابن عباس ومجاهد والضحاك ~~وقتادة والحسن وابن سيرين، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ~~وابن زيد وابن جرير. # وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف لما حرم الله عليهن أن يتزوجن من بعده ~~حرم عليه أن يتزوج غيرهن. وقال أبي بن كعب وعكرمة وأبو رزين إن المعنى ~~لا يحل لك النساء من بعد الأصناف التي سماها الله. قال القرطبي وهو ~~اختيار ابن جرير. وقيل لا يحل لك اليهوديات ولا النصرانيات لأنهن لا ~~يصح أن يتصفن بأنهن أمهات المؤمنين. وهذا القول فيه بعد لأنه يكون ~~التقدير لا يحل لك النساء من بعد المسلمات، ولم يجر للمسلمات ذكر. وقيل ~~هذه الآية منسوخة بالسنة وبقوله سبحانه { ترجي من تشاء منهن ~~وتؤوي إليك من تشاء } وبهذا قالت عائشة وأم سلمة وعلي بن أبي ~~طالب وعلي بن الحسين وغيرهم، وهذا هو الراجح، وسيأتي في آخر البحث ما يدل ~~عليه من الأدلة. { ولا أن تبدل بهن من أزواج } أي ~~تتبدل، فحذفت إحدى التاءين، أي ليس لك أن تطلق واحدة منهن أو أكثر ~~وتتزوج بدل من طلقت منهن، و«من» في قوله { من أزواج } مزيدة ~~للتأكيد. وقال ابن زيد هذا شيء كانت العرب تفعله. يقول خذ زوجتي وأعطني ~~زوجتك، وقد أنكر النحاس وابن جرير ms3078 ما ذكره ابن زيد. قال ابن جرير ما فعلت ~~العرب هذا قط. ويدفع هذا الإنكار منهما ما أخرجه الدارقطني عن أبي هريرة ~~قال كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل تنزل لي عن امرأتك وأنزل ~~لك عن امرأتي، فأنزل الله عز وجل { ولا أن تبدل بهن } ~~وأخرجه أيضا عنه البزار وابن مردويه، وجملة { ولو أعجبك ~~حسنهن } في محل نصب على الحال من فاعل { تبدل } ، والمعنى أنه لا ~~يحل التبدل بأزواجك ولو أعجبك حسن غيرهن ممن أردت أن تجعلها بدلا من ~~إحداهن، وهذا التبدل أيضا من جملة ما نسخه الله في حق رسوله على القول ~~الراجح. وقوله { إلا ما ملكت يمينك } استثناء من النساء لأنه ~~يتناول الحرائر والإماء. وقد اختلف العلماء في تحليل الأمة الكافرة. ~~القول الأول أنها تحل للنبي صلى الله عليه وسلم لعموم هذه الآية، وبه ~~قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحكم. القول الثاني أنها لا تحل له ~~تنزيها لقدره عن مباشرة الكافرة. ويترجح القول الأول بعموم هذه الآية، ~~وتعليل المنع بالتنزه ضعيف فلا تنزه عما أحله الله سبحانه، فإن ما أحله ~~فهو طيب لا خبيث باعتبار ما يتعلق بأمور النكاح، لا باعتبار غير ذلك، ~~فالمشركون نجس بنص القرآن. ويمكن ترجيح القول الثاني بقوله سبحانه # ولا تمسكوا بعصم الكوافر # الممتحنة 10 فإنه نهي عام { وكان الله على كل شيء ~~رقيبا } أي مراقبا حافظا مهيمنا لا يخفى عليه شيء ولا يفوته شيء. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~إذا نكحتم المؤمنت } قال هذا في الرجل يتزوج المرأة ثم ~~يطلقها من قبل أن يمسها، فإذا طلقها واحدة بانت منه ولا عدة عليها، ~~تتزوج من شاءت، ثم قال { فمتعوهن وسرحوهن سراحا ~~جميلا } يقول إن كان سمى لها صداقا، فليس لها إلا النصف، وإن لم يكن ~~سمى لها صداقا متعها على قدر عسره ويسره، وهو السراح الجميل. وأخرج ابن ~~مردويه عن ابن عمر قال { إذا نكحتم المؤمنت ثم ~~طلقتموهن } منسوخة نسختها التي في ms3079 البقرة # فنصف ما فرضتم # البقرة 237. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن المسيب نحوه. وأخرج ~~عبد بن حميد عن الحسن وأبي العالية قالا ليست بمنسوخة، لها نصف الصداق ~~ولها المتاع. وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال بلغ ابن عباس أن ابن ~~مسعود يقول إن طلق ما لم ينكح فهو جائز، فقال ابن عباس أخطأ في هذا، إن ~~الله يقول { إذا نكحتم المؤمنت ثم طلقتموهن ~~من قبل أن تمسوهن } ولم يقل إذا طلقتم المؤمنات ثم ~~نكحتموهن. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس أنه تلا هذه ~~الآية، وقال لا يكون طلاق حتى يكون نكاح. وقد وردت أحاديث منها أنه # " لا طلاق إلا بعد نكاح " # وهي معروفة. وأخرج ابن سعد وابن راهويه وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، ~~وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي ~~عن أم هانىء بنت أبي طالب. قالت خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاعتذرت إليه، فعذرني، فأنزل الله { يأيها النبي إنا ~~أحللنا لك أزوجك } إلى قوله { هجرن معك } قالت فلم ~~أكن أحل له لأني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء. وأخرج ابن أبي حاتم وابن ~~مردويه من وجه آخر عنها قالت نزلت في هذه الآية { وبنات عمك ~~وبنات عمتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي ~~هجرن معك } أراد النبي أن يتزوجني فنهي عني إذ لم أهاجر. ~~وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { إنا أحللنا ~~لك أزوجك } إلى قوله { خالصة لك } قال فحرم الله عليه سوى ~~ذلك من النساء، وكان قبل ذلك ينكح في أي النساء شاء لم يحرم ذلك عليه، ~~وكان نساؤه يجدن من ذلك وجدا شديدا أن ينكح في أي النساء أحب، فلما ~~أنزل إني حرمت عليك من النساء سوى ما قصصت عليك أعجب ذلك نساءه. وأخرج ~~ابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في السنن عن عائشة قالت التي وهبت ~~نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم خولة بنت حكيم. وأخرج عبد الرزاق وابن ~~سعد ms3080 وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والبيهقي وابن مردويه عن عروة، أن خولة بنت حكيم كانت من اللاتي ~~وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب وعمر بن الحكم وعبد ~~الله بن عبيدة قالوا تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة امرأة ~~ست من قريش خديجة وعائشة وحفصة وأم حبيبة وسودة وأم سلمة، وثلاث من بني ~~عامر بن صعصعة، وامرأتين من بني هلال ابن عامر ميمونة بنت الحارث، وهي ~~التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وزينب أم المساكين، ~~والعامرية وهي التي اختارت الدنيا، وامرأة من بني الجون وهي التي استعاذت ~~منه، وزينب بنت جحش الأسدية، والسبيتين صفية بنت حيي، وجويرية بنت الحارث ~~الخزاعية. وأخرج البخاري وابن مردويه عن أنس قال جاءت امرأة إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالت يا نبي الله هل لك بي حاجة؟ فقالت ابنة أنس ما ~~كان أقل حياءها، فقال هي خير منك رغبت في النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فعرضت نفسها عليه. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد الساعدي، ~~أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوهبت نفسها له فصمت. الحديث ~~بطوله. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر في قوله { قد علمنا ما ~~فرضنا عليهم في أزوجهم } قال فرض الله عليهم أنه لا ~~نكاح إلا بولي وشاهدين. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مثله وزاد ومهر. ~~وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~توطأ الحامل حتى تضع، والحائل حتى تستبرأ بحيضة. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس { ترجي من تشاء منهن } قال تؤخر. وأخرج ابن جرير وابن ~~مردويه عنه في قوله { ترجي من تشاء منهن } يقول من شئت خليت ~~سبيله منهن، ومن أحببت أمسكت منهن. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ~~عائشة قالت كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ms3081 صلى الله عليه ~~وسلم وأقول تهب المرأة نفسها! فلما أنزل الله { ترجي من تشاء ~~منهن } الآية قلت ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. وأخرج ابن سعد ~~وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي ~~رزين قال هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق من نسائه، فلما رأين ~~ذلك أتينه، فقلن لا تخل سبيلنا، وأنت في حل فيما بيننا وبينك، افرض لنا ~~من نفسك ومالك ما شئت، فأنزل الله { ترجي من تشاء منهن } يقول ~~تعزل من تشاء، فأرجأ منهن نسوة وآوى نسوة، وكان ممن أرجى ميمونة وجويرية ~~وأم حبيبة وصفية وسودة، وكان يقسم بينهن من نفسه وماله ما شاء، وكان ممن ~~أوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب، فكانت قسمته من نفسه وماله بينهن سواء. # وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية { ترجي من ~~تشاء منهن } فقلت لها ما كنت تقولين؟ قالت كنت أقول إن كان ذلك ~~إلي فإني لا أريد أن أوثر عليك أحدا. وأخرج الروياني والدارمي وابن ~~سعد، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه، والضياء في المختارة عن زياد، رجل من الأنصار قال قلت ~~لأبي بن كعب أرأيت لو أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم متن أما كان ~~يحل له أن يتزوج؟ قال وما يمنعه من ذلك؟ قلت قوله { لا يحل لك ~~النساء من بعد } قال إنما أحل له ضربا من النساء، ووصف له صفة، ~~فقال { يأيها النبي إنا أحللنا لك أزوجك } إلى ~~قوله { وامرأة مؤمنة } ثم قال لا يحل لك النساء من بعد هذه ~~الصفة. وأخرج عبد بن حميد والترمذي وحسنه، وابن أبي حاتم والطبراني وابن ~~مردويه عن ابن عباس قال نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف ~~النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات قال { لا يحل لك ms3082 ~~النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو ~~أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك } فأحل له ~~الفتيات المؤمنات { وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها ~~للنبي } وحرم كل ذات دين غير الإسلام، وقال { يأيها ~~النبي إنا أحللنا لك أزوجك } إلى قوله { خالصة ~~لك من دون المؤمنين } وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء. ~~وأخرج ابن مردويه عنه قال نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بعد ~~نسائه الأول شيئا. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا في الآية قال حبسه الله ~~عليهن كما حبسهن عليه. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن مردويه، والبيهقي ~~في سننه عن أنس قال لما خيرهن فاخترن الله ورسوله قصره عليهن، فقال { ~~لا يحل لك النساء من بعد }. وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم ~~عن أم سلمة قالت لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له ~~أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم، وذلك قول الله { ترجي من ~~تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء }. وأخرج عبد الرزاق ~~وسعيد بن منصور وابن سعد وأحمد وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، ~~والترمذي وصححه، والنسائي وابن جرير وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه والبيهقي من طريق عطاء عن عائشة قالت لم يمت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم ~~لقوله { ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء }. # وأخرج ابن سعد عن ابن عباس مثله. وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي ~~شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي رزين { ~~لا يحل لك النساء من بعد } قال من المشركات إلا ما سبيت ~~فملكت يمينك. وأخرج البزار وابن مردويه عن أبي هريرة قال كان البدل في ~~الجاهلية أن يقول الرجل للرجل بادلني امرأتك وأبادلك امرأتي أي تنزل لي ~~عن امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي، فأنزل الله { ولا أن تبدل ~~بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن ms3083 } قال فدخل عيينة ~~بن حصن الفزاري إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة، فدخل بغير ~~إذن، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أين الاستئذان؟ " # قال يا رسول الله، ما استأذنت على رجل من الأنصار منذ أدركت، ثم قال من ~~هذه الحميراء إلى جنبك؟ فقال رسول الله # " هذه عائشة أم المؤمنين " # ، قال أفلا أنزل لك عن أحسن خلق الله؟ قال # " يا عيينة، إن الله حرم ذلك " # ، فلما أن خرج قالت عائشة من هذا؟ قال # " أحمق مطاع، وإنه على ما ترين لسيد قومه ". ### || [33.53-55] # قوله { يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت ~~النبي } هذا نهي عام لكل مؤمن أن يدخل بيوت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلا بإذن منه. وسبب النزول ما وقع من بعض الصحابة في وليمة زينب، ~~وسيأتي بيان ذلك آخر البحث إن شاء الله. وقوله { إلا أن يؤذن ~~لكم } استثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي لا تدخلوها في حال من ~~الأحوال إلا في حال كونكم مأذونا لكم، وهو في موضع نصب على الحال، أي ~~إلا مصحوبين بالإذن، أو بنزع الخافض، أي إلا بأن يؤذن لكم، أو منصوب ~~على الظرفية، أي إلا وقت أن يؤذن لكم، وقوله { إلى طعام } متعلق ~~ب { يؤذن } على تضمينه معنى الدعاء، أي إلا أن يؤذن لكم مدعوين إلى ~~طعام، وانتصاب { غير نظرين إنه } على الحال، والعامل فيه { ~~يؤذن } أو مقدر، أي ادخلوا غير ناظرين ومعنى ناظرين منتظرين، وإناه نضجه ~~وإدراكه، يقال أنى يأني أنى إذا حان وأدرك. قرأ الجمهور { غير ناظرين } ~~بالنصب. وقرأ ابن أبي عبلة " غير " بالجر صفة لطعام، وضعف النحاة هذه ~~القراءة لعدم بروز الضمير لكونه جاريا على غير من هو له، فكان حقه أن ~~يقال { غير نظرين } إناه أنتم. ثم بين لهم سبحانه ما ينبغي في ~~ذلك، فقال { ولكن إذا دعيتم فادخلوا } وفيه تأكيد للمنع، ~~وبيان الوقت الذي يكون فيه الدخول، وهو عند الإذن. قال ابن العربي وتقدير ~~الكلام ولكن إذا دعيتم وأذن لكم فادخلوا، وإلا فنفس الدعوة لا ms3084 تكون ~~إذنا كافيا في الدخول. وقيل إن فيه دلالة بينة على أن المراد بالإذن ~~إلى الطعام هو الدعوة إليه { فإذا طعمتم فانتشروا } أمرهم ~~سبحانه بالانتشار بعد الطعام، وهو التفرق، والمراد الإلزام بالخروج من ~~المنزل الذي وقعت الدعوة إليه عند انقضاء المقصود من الأكل { ولا ~~مستأنسين لحديث } عطف على قوله { غير ناظرين } ، أو على ~~مقدر، أي ولا تدخلوا ولا تمكثوا مستأنسين. والمعنى النهي لهم عن أن ~~يجلسوا بعد الطعام يتحدثون مستأنسين بالحديث. قال الرازي في قوله { ~~إلا أن يؤذن لكم إلى طعام } إما أن يكون فيه تقديم ~~وتأخير تقديره ولا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم، فلا يكون منعا من ~~الدخول في غير وقت الطعام بغير إذن. وإما أن لا يكون فيه تقديم وتأخير، ~~فيكون معناه ولا تدخلوا إلا أن يؤذن لكم إلى طعام، فيكون الإذن مشروطا ~~بكونه إلى طعام، فإن لم يؤذن إلى طعام فلا يجوز الدخول، فلو أذن لواحد في ~~الدخول لاستماع كلام لا لأكل طعام فلا يجوز، فنقول المراد هو الثاني ~~ليعم النهي عن الدخول. # وأما كونه لا يجوز إلا بإذن إلى طعام فلما هو مذكور في سبب النزول أن ~~الخطاب مع قوم كانوا يتحينون حين الطعام، ويدخلون من غير إذن، فمنعوا من ~~الدخول في وقتهم بغير إذن. وقال ابن عادل الأولى أن يقال المراد هو ~~الثاني لأن التقديم والتأخير خلاف الأصل، وقوله { إلى طعام } من ~~باب التخصيص بالذكر، فلا يدل على نفي ما عداه، لا سيما إذا علم مثله، ~~فإن من جاز دخول بيته بإذنه إلى طعامه جاز دخوله بإذنه إلى غير الطعام، ~~انتهى. والأولى في التعبير عن هذا المعنى الذي أراده أن يقال قد دلت ~~الأدلة على جواز دخول بيوته صلى الله عليه وسلم بإذنه لغير الطعام وذلك ~~معلوم لا شك فيه، فقد كان الصحابة وغيرهم يستأذنون عليه لغير الطعام، ~~فيأذن لهم، وذلك يوجب قصر هذه الآية على السبب الذي نزلت فيه، وهو القوم ~~الذين كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلون ويقعدون ms3085 ~~منتظرين لإدراكه وأمثالهم، فلا تدل على المنع من الدخول مع الإذن لغير ~~ذلك، وإلا لما جاز لأحد أن يدخل بيوته بإذنه لغير الطعام، واللازم باطل ~~فالملزوم مثله. قال ابن عطية وكانت سيرة القوم إذا كان لهم طعام وليمة أو ~~نحوه أن يبكر من شاء إلى الدعوة ينتظرون طبخ الطعام ونضجه، وكذلك إذا ~~فرغوا منه جلسوا كذلك، فنهى الله المؤمنين عن ذلك في بيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ودخل في النهي سائر المؤمنين، والتزم الناس أدب الله لهم في ~~ذلك، فمنعهم من الدخول إلا بإذن عند الأكل لا قبله لانتظار نضج الطعام. ~~والإشارة بقوله { إن ذلكم } إلى الانتظار والاستئناس للحديث، ~~وأشير إليهما بما يشار به إلى الواحد بتأويلهما بالمذكور كما في قوله # عوان بين ذلك # البقرة 68 أي إن ذلك المذكور من الأمرين { كان يؤذي النبي } ~~لأنهم كانوا يضيقون المنزل عليه وعلى أهله ويتحدثون بما لا يريده. قال ~~الزجاج كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل إطالتهم كرما منه، فيصبر ~~على الأذى في ذلك، فعلم الله من يحضره الأدب صار أدبا لهم ولمن بعدهم { ~~فيستحيي منكم } أي يستحيي أن يقول لكم قوموا أو أخرجوا { ~~والله لا يستحي من الحق } أي لا يترك أن يبين لكم ما هو ~~الحق ولا يمتنع من بيانه وإظهاره، والتعبير عنه بعدم الاستحياء للمشاكلة. ~~قرأ الجمهور { يستحيي } بياءين، وروي عن ابن كثير أنه قرأ بياء واحدة، ~~وهي لغة تميم يقولون استحى يستحي مثل استقى يستقي. ثم ذكر سبحانه أدبا ~~آخر متعلقا بنساء النبي صلى الله عليه وسلم فقال { وإذا ~~سألتموهن متعا } أي شيئا يتمتع به، من الماعون وغيره { ~~فاسألوهن من ورآء حجاب } أي من وراء ستر بينكم وبينهن. ~~والمتاع يطلق على كل ما يتمتع به، فلا وجه لما قيل من أن المراد به ~~العارية أو الفتوى أو المصحف. # والإشارة بقوله { ذلكم } إلى سؤال المتاع من وراء حجاب، وقيل ~~الإشارة إلى جميع ما ذكر من عدم الدخول بغير إذن، وعدم الاستئناس للحديث ~~عند الدخول وسؤال المتاع، والأول ms3086 أولى، واسم الإشارة مبتدأ وخبره { ~~أطهر لقلوبكم وقلوبهن } أي أكثر تطهيرا لها من الريبة، ~~وخواطر السوء التي تعرض للرجال في أمر النساء، وللنساء في أمر الرجال. ~~وفي هذا أدب لكل مؤمن وتحذير له من أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل ~~له، والمكالمة من دون حجاب لمن تحرم عليه { وما كان لكم أن ~~تؤذوا رسول الله } أي ما صح لكم ولا استقام أن تؤذوه بشيء من ~~الأشياء كائنا ما كان، ومن جملة ذلك دخول بيوته بغير إذن منه، واللبث ~~فيها على غير الوجه الذي يريده، وتكليم نسائه من دون حجاب { ولا أن ~~تنكحوا أزواجه من بعده أبدا } أي ولا كان لكم ذلك بعد ~~وفاته لأنهن أمهات المؤمنين، ولا يحل للأولاد نكاح الأمهات، والإشارة ~~بقوله { إن ذلكم } إلى نكاح أزواجه من بعده { كان عند الله ~~عظيما } أي ذنبا عظيما وخطبا هائلا شديدا. وكان سبب نزول الآية ~~أنه قال قائل لو قد مات محمد لتزوجنا نساءه، وسيأتي بيان ذلك { إن ~~تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء ~~عليما } يعلم كل شيء من الأشياء، ومن جملة ذلك ما تظهرونه في شأن ~~أزواج رسوله، وما تكتمونه في صدوركم. وفي هذا وعيد شديد لأن إحاطته ~~بالمعلومات تستلزم المجازاة على خيرها وشرها. ثم بين سبحانه من لا يلزم ~~الحجاب منه، فقال { لا جناح عليهن في ءابائهن ولا ~~أبنائهن ولا إخونهن ولا أبناء إخونهن ولا ~~أبناء أخوتهن } فهؤلاء لا يجب على نساء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا غيرهن من النساء الاحتجاب منهم، ولم يذكر العم والخال ~~لأنهما يجريان مجرى الوالدين. وقال الزجاج العم والخال ربما يصفان ~~المرأة لولديهما، فإن المرأة تحل لابن العم وابن الخال فكره لهما ~~الرؤية، وهذا ضعيف جدا، فإن تجويز وصف المرأة لمن تحل له ممكن من ~~غيرهما ممن يجوز له النظر إليها، لا سيما أبناء الإخوة، وأبناء الأخوات. ~~واللازم باطل، فالملزوم مثله، وهكذا يستلزم أن لا يجوز للنساء الأجنبيات ~~أن ينظرن إليها لأنهن يصفنها، واللازم باطل فالملزوم ms3087 مثله. وهكذا لا وجه ~~لما قاله الشعبي وعكرمة من أنه يكره للمرأة أن تضع خمارها عند عمها أو ~~خالها، والأولى أن يقال إنه سبحانه اقتصر هاهنا على بعض ما ذكره من ~~المحارم في سورة النور اكتفاء بما تقدم { ولا نسائهن } هذه ~~الإضافة تقتضي أن يكون المراد بالنساء المؤمنات لأن الكافرات غير مأمونات ~~على العورات، والنساء كلهن عورة { ولا ما ملكت أيمانهن } ~~من العبيد والإماء، وقيل الإماء خاصة، ومن لم يبلغ من العبيد، والخلاف في ~~ذلك معروف. # وقد تقدم في سورة النور ما فيه كفاية. ثم أمرهن سبحانه بالتقوى التي ~~هي ملاك الأمر كله، والمعنى اتقين الله في كل الأمور التي من جملتها ما ~~هو مذكور هنا { إن الله كان على كل شيء شهيدا } لم يغب ~~عنه شيء من الأشياء كائنا ما كان، فهو مجاز للمحسن بإحسانه وللمسيء ~~بإساءته. وقد أخرج البخاري ومسلم عن أنس قال قال عمر بن الخطاب يا رسول ~~الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو حجبتهن، فأنزل الله آية ~~الحجاب. وفي لفظ أنه قال عمر يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو ~~أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. وأخرج البخاري ~~ومسلم وغيرهما عن أنس قال لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ~~بنت جحش دعا القوم فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام ~~فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا، ~~فانطلقت فجئت، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا، فجاء ~~حتى دخل، فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله { يأيها ~~الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبي } الآية. وأخرج ~~ابن جرير عن عائشة أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل ~~إذا تبرزن إلى المناصع، وهو صعيد أفيح، وكان عمر بن الخطاب يقول لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم احجب نساءك، فلم يكن رسول الله ms3088 صلى الله عليه ~~وسلم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة ~~طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى قد عرفناك يا سودة حرصا على أن ينزل ~~الحجاب، فأنزل الله الحجاب قال { يأيها الذين ءامنوا لا ~~تدخلوا بيوت النبي } الآية. وأخرج ابن سعد عن أنس قال نزل ~~الحجاب مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، وذلك سنة خمس ~~من الهجرة، وحجب نساءه من يومئذ، وأنا ابن خمس عشرة سنة. وكذا أخرج ابن ~~سعد عن صالح بن كيسان، وقال نزل الحجاب على نسائه في ذي القعدة سنة خمس ~~من الهجرة، وبه قال قتادة والواقدي. وزعم أبو عبيدة وخليفة بن خياط أن ~~ذلك كان في سنة ثلاث. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في ~~قوله { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله } قال نزلت في ~~رجل هم أن يتزوج بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم بعده. # قال سفيان وذكروا أنها عائشة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال بلغنا ~~أن طلحة بن عبيد الله قال أيحجبنا محمد عن بنات عمنا ويتزوج نساءنا من ~~بعدنا؟ لئن حدث به حدث لنتزوجن نساءه من بعده، فنزلت هذه الآية. وأخرج ~~عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال قال طلحة بن عبيد الله ~~لو قبض النبي صلى الله عليه وسلم لتزوجت عائشة. فنزلت. وأخرج ابن سعد ~~عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال نزلت في طلحة لأنه قال إذا توفي ~~النبي صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة. قال ابن عطية وهذا عندي لا يصح ~~على طلحة بن عبيد الله. قال القرطبي قال شيخنا الإمام أبو العباس وقد حكى ~~هذا القول عن بعض فضلاء الصحابة، وحاشاهم عن مثله، وإنما الكذب في نقله، ~~وإنما يليق مثل هذا القول بالمنافقين الجهال. وأخرج البيهقي في السنن عن ~~ابن عباس قال قال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لو قد مات رسول ~~الله صلى الله عليه ms3089 وسلم تزوجت عائشة أو أم سلمة، فأنزل الله { وما ~~كان لكم أن تؤذوا رسول الله } الآية. وأخرج ابن جرير عنه ~~أن رجلا أتى بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فكلمها وهو ابن عمها، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " لا تقومن هذا المقام بعد يومك هذا " # ، فقال يا رسول الله، إنها ابنة عمي، والله ما قلت لها منكرا ولا قالت ~~لي، قال النبي صلى الله عليه وسلم # " قد عرفت ذلك إنه ليس أحد أغير من الله، وإنه ليس أحد أغير مني " # ، فمضى، ثم قال يمنعني من كلام ابنة عمي، لأتزوجنها من بعده، فأنزل ~~الله هذه الآية، فأعتق ذلك الرجل رقبة وحمل على عشرة أبعرة في سبيل الله، ~~وحج ماشيا توبة من كلمته. وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت عميس قالت ~~خطبني علي، فبلغ ذلك فاطمة فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت إن ~~أسماء متزوجة عليا، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم # " ما كان لها أن تؤذي الله ورسوله ". # وأخرج ابن سعد عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف في قوله { إن تبدوا ~~شيئا أو تخفوه } قال أن تكلموا به، فتقولون تتزوج فلانة لبعض ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، أو تخفوا ذلك في أنفسكم فلا تنطقوا به ~~يعلمه الله. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله { لا جناح ~~عليهن } إلى آخر الآية قال أنزلت هذه في نساء النبي صلى الله عليه ~~وسلم خاصة، وقوله { نساء النبي } يعني نساء المسلمات { ولا ما ~~ملكت أيمانهن } من المماليك والإماء ورخص لهن أن يروهن بعد ~~ما ضرب الحجاب عليهن. ### || [33.56-58] # قرأ الجمهور { وملائكته } بنصب الملائكة عطفا على لفظ اسم إن. ~~وقرأ ابن عباس " وملائكته " بالرفع عطفا على محل اسم إن، ~~والضمير في قوله { يصلون } راجع إلى الله وإلى الملائكة، وفيه تشريف ~~للملائكة عظيم حيث جعل الضمير لهم ولله سبحانه واحدا، فلا يرد الاعتراض ~~بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم لما سمع قول الخطيب يقول من يطع الله ~~ورسوله ms3090 فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال # " بئس خطيب القوم أنت، قل ومن يعص الله ورسوله " # ووجه ذلك أنه ليس لأحد أن يجمع ذكر الله سبحانه مع غيره في ضمير واحد، ~~وهذا الحديث ثابت في الصحيح. وثبت أيضا في الصحيح أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أمر مناديا ينادي يوم خيبر إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم ~~الحمر الأهلية. ولأهل العلم أبحاث في الجمع بين الحديثين ليس هذا موضع ~~ذكرها، والآية مؤيدة للجواز لجعل الضمير فيها لله ولملائكته واحدا، ~~والتعليل بالتشريف للملائكة يقال مثله في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ويحمل الذم لذلك الخطيب الجامع بينهما على أنه صلى الله عليه وسلم فهم ~~منه إرادة التسوية بين الله سبحانه وبين رسوله، فيختص المنع بمثل ذلك، ~~وهذا أحسن ما قيل في الجمع. وقالت طائفة في هذه حذف، والتقدير إن الله ~~يصلي وملائكته يصلون، وعلى هذا القول فلا تكون الآية مما جمع فيه بين ذكر ~~الله، وذكر غيره في ضمير واحد، ولا يرد أيضا ما قيل إن الصلاة من الله ~~الرحمة، ومن ملائكته الدعاء، فكيف يجمع بين هذين المعنيين المختلفين في ~~لفظ يصلون؟ ويقال على القول الأول إنه أريد ب { يصلون } معنى مجازي ~~يعم المعنيين، وذلك بأن يراد بقوله { يصلون } يهتمون بإظهار شرفه، أو ~~يعظمون شأنه، أو يعتنون بأمره. وحكى البخاري عن أبي العالية أن صلاة الله ~~سبحانه ثناؤه عليه عند ملائكته وصلاة الملائكة الدعاء. وروى الترمذي في ~~سننه عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم أنهم قالوا صلاة الرب ~~الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار. وحكى الواحدي عن مقاتل أنه قال أما ~~صلاة الرب فالمغفرة، وأما صلاة الملائكة فالاستغفار. وقال عطاء بن أبي ~~رباح صلاته تبارك وتعالى سبوح قدوس سبقت رحمتي غضبي. والمقصود من هذه ~~الآية أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة نبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه ~~يثني عليه عند ملائكته وأن الملائكة تصلي عليه، وأمر عباده بأن يقتدوا ~~بذلك ويصلوا عليه. وقد اختلف أهل العلم في الصلاة على ms3091 النبي صلى الله ~~عليه وسلم هل هي واجبة أم مستحبة؟ بعد اتفاقهم على أن الصلاة عليه فرض في ~~العمر مرة. # وقد حكى هذا الإجماع القرطبي في تفسيره، فقال قوم من أهل العلم إنها ~~واجبة عند ذكره، وقال قوم تجب في كل مجلس مرة. وقد وردت أحاديث مصرحة ~~بذم من سمع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصل عليه. واختلف ~~العلماء في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في تشهد الصلاة ~~المفترضة هل هي واجبة أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنها فيها سنة مؤكدة غير ~~واجبة. قال ابن المنذر يستحب أن لا يصلي أحد صلاة إلا صلى فيها على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فإن ترك ذلك تارك فصلاته مجزئة في مذهب مالك ~~وأهل المدينة وسفيان الثوري وأهل الكوفة من أصحاب الرأي وغيرهم، وهو قول ~~جمهور أهل العلم. قال وشذ الشافعي فأوجب على تاركها الإعادة مع تعمد ~~تركها دون النسيان، وهذا القول عن الشافعي لم يروه عنه إلا حرملة بن ~~يحيى ولا يوجد عن الشافعي إلا من روايته. قال الطحاوي لم يقل به أحد من ~~أهل العلم غير الشافعي. وقال الخطابي، وهو من الشافعية إنها ليست بواجبة ~~في الصلاة، قال وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي، ولا أعلم له في ذلك ~~قدوة، انتهى. وقد قال بقول الشافعي جماعة من أهل العلم منهم الشعبي ~~والباقر ومقاتل بن حيان، وإليه ذهب أحمد بن حنبل أخيرا، كما حكاه أبو ~~زرعة الدمشقي، وبه قال ابن راهويه وابن المواز من المالكية. وقد جمعت في ~~هذه المسألة رسالة مستقلة ذكرت فيها ما احتج به الموجبون لها وما أجاب به ~~الجمهور، وأشف ما يستدل به على الوجوب الحديث الثابت بلفظ إن الله ~~أمرنا أن نصلي عليك. فكيف نصلي عليك في صلاتنا، فقال # " قولوا " # الحديث. فإن هذا الأمر يصلح للاستدلال به على الوجوب. وأما على بطلان ~~الصلاة بالترك ووجوب الإعادة لها فلا، لأن الواجبات لا يستلزم عدمها ~~العدم كما يستلزم ذلك الشروط والأركان. واعلم أنه قد ms3092 ورد في فضل الصلاة ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة لو جمعت لجاءت في مصنف ~~مستقل ولو لم يكن منها إلا الأحاديث الثابتة في الصحيح من قوله صلى ~~الله عليه وسلم # " من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا " # فناهيك بهذه الفضيلة الجليلة والمكرمة النبيلة. وأما صفة الصلاة عليه ~~صلى الله عليه وسلم، فقد وردت فيها صفات كثيرة بأحاديث ثابتة في الصحيحين ~~وغيرهما، منها ما هو مقيد بصفة الصلاة عليه في الصلاة، ومنها ما هو مطلق، ~~وهي معروفة في كتب الحديث فلا نطيل بذكرها. والذي يحصل به الامتثال لمطلق ~~الأمر في هذه الآية هو أن يقول القائل اللهم صل وسلم على رسولك أو على ~~محمد أو على النبي، أو اللهم صل على محمد وسلم. # ومن أراد أن يصلي عليه ويسلم عليه بصفة من الصفات التي ورد التعليم بها، ~~والإرشاد إليها فذلك أكمل، وهي صفات كثيرة قد اشتملت عليها كتب السنة ~~المطهرة. وسيأتي بعضها آخر البحث. وسيأتي الكلام في الصلاة على الآل. ~~وكان ظاهر هذا الأمر بالصلاة والتسليم في الآية أن يقول القائل صليت عليه ~~وسلمت عليه، أو الصلاة عليه والسلام عليه، أو عليه الصلاة والتسليم لأن ~~الله سبحانه أمرنا بإيقاع الصلاة عليه والتسليم منا، فالامتثال هو أن ~~يكون ذلك على ما ذكرنا، فكيف كان الامتثال لأمر الله لنا بذلك أن نقول ~~اللهم صل عليه وسلم، بمقابلة أمر الله لنا بأمرنا له بأن يصلي عليه ~~ويسلم عليه؟ وقد أجيب عن هذا بأن هذه الصلاة والتسليم لما كانتا شعارا ~~عظيما للنبي صلى الله عليه وسلم وتشريفا كريما، وكلنا ذلك إلى الله ~~عز وجل وأرجعناه إليه، وهذا الجواب ضعيف جدا. وأحسن ما يجاب به أن ~~يقال إن الصلاة والتسليم المأمور بهما في الآية هما أن نقول اللهم صل ~~عليه وسلم، أو نحو ذلك مما يؤدي معناه كما بينه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لنا، فاقتضى ذلك البيان في الأحاديث الكثيرة أن هذه هي الصلاة ~~الشرعية. واعلم أن هذه ms3093 الصلاة من الله على رسوله، وإن كان معناها الرحمة، ~~فقد صارت شعارا له يختص به دون غيره، فلا يجوز لنا أن نصلي على غيره من ~~أمته. كما يجوز لنا أن نقول اللهم ارحم فلانا، أو رحم الله فلانا، ~~وبهذا قال جمهور العلماء مع اختلافهم هل هو محرم، أو مكروه كراهة شديدة، ~~أو مكروه كراهة تنزيه على ثلاثة أقوال. وقد قال ابن عباس كما رواه عنه ~~ابن أبي شيبة، والبيهقي في الشعب لا تصلح الصلاة على أحد إلا على النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ولكن يدعو للمسلمين والمسلمات بالاستغفار. وقال قوم ~~إن ذلك جائز لقوله تعالى # وصل عليهم إن صلوتك سكن لهم # التوبة 103 ولقوله # أولئك عليهم صلوت من ربهم ورحمة # البقرة 157 ولقوله # هو الذي يصلي عليكم وملائكته # الأحزاب 43 ولحديث عبد الله بن أبي أوفى الثابت في الصحيحين وغيرهما قال ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال # " اللهم صل عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال اللهم صل على آل أبي أوفى " # ويجاب عن هذا بأن هذا الشعار الثابت لرسول الله صلى الله عليه وسلم له ~~أن يخص به من شاء. وليس لنا أن نطلقه على غيره. وأما قوله تعالى { هو ~~الذى يصلى عليكم وملائكته } ، وقوله # أولئك عليهم صلوت من ربهم # البقرة 157 فهذا ليس فيه إلا أن الله سبحانه يصلي على طوائف من عباده ~~كما يصلي على من صلى على رسوله مرة واحدة عشر صلوات، وليس في ذلك أمر ~~لنا، ولا شرعه الله في حقنا، بل لم يشرع لنا إلا الصلاة والتسليم على ~~رسوله. # وكما أن لفظ الصلاة على رسول الله شعار له، فكذا لفظ السلام عليه. وقد ~~جرت عادة جمهور هذه الأمة والسواد الأعظم من سلفها وخلفها على الترضي عن ~~الصحابة والترحم على من بعدهم، والدعاء لهم بمغفرة الله وعفوه كما أرشدنا ~~إلى ذلك بقوله سبحانه # والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخوننا الذين سبقونا بالإيمن ولا تجعل في ~~قلوبنا غلا للذين ms3094 آمنوا # الحشر 10. ثم لما ذكر سبحانه ما يجب لرسوله من التعظيم ذكر الوعيد ~~الشديد للذين يؤذونه فقال { إن الذين يؤذون الله ~~ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة } قيل المراد ~~بالأذى هنا هو فعل ما يكرهانه من المعاصي لاستحالة التأذي منه سبحانه. ~~قال الواحدي قال المفسرون هم المشركون واليهود والنصارى وصفوا الله ~~بالولد، فقالوا عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، والملائكة بنات الله، ~~وكذبوا رسول الله، وشجوا وجهه وكسروا رباعيته، وقالوا مجنون، شاعر، كذاب، ~~ساحر. قال القرطبي وبهذا قال جمهور العلماء. وقال عكرمة الأذية لله ~~سبحانه بالتصوير، والتعرض لفعل ما لا يفعله إلا الله بنحت الصور ~~وغيرها. وقال جماعة إن الآية على حذف مضاف، والتقدير إن الذين يؤذون ~~أولياء الله. وأما أذية رسوله فهي كل ما يؤذيه من الأقوال والأفعال، ~~ومعنى اللعنة الطرد والإبعاد من رحمته، وجعل ذلك في الدنيا والآخرة ~~لتشملهم اللعنة فيهما بحيث لا يبقى وقت من أوقات محياهم ومماتهم إلا ~~واللعنة واقعة عليهم ومصاحبة لهم { وأعد لهم } مع ذلك اللعن { ~~عذابا مهينا } يصيرون به في الإهانة في الدار الآخرة لما يفيده ~~معنى الإعداد من كونه في الدار الآخرة. ثم لما فرغ من الذم لمن آذى الله ~~ورسوله ذكر الأذية لصالحي عباده، فقال { والذين يؤذون ~~المؤمنين والمؤمنت } بوجه من وجوه الأذى من قول أو فعل، ~~ومعنى { بغير ما اكتسبوا } أنه لم يكن ذلك لسبب فعلوه يوجب ~~عليهم الأذية ويستحقونها به، فأما الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبه مما ~~يوجب عليه حدا أو تعزيرا أو نحوهما، فذلك حق أثبته الشرع، وأمر أمرنا ~~الله به وندبنا إليه، وهكذا إذا وقع من المؤمنين والمؤمنات الابتداء بشتم ~~لمؤمن أو مؤمنة أو ضرب، فإن القصاص من الفاعل ليس من الأذية المحرمة على ~~أي وجه كان، ما لم يجاوز ما شرعه الله. ثم أخبر عما لهؤلاء الذين يؤذون ~~المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، فقال { فقد احتملوا ~~بهتنا وإثما مبينا } أي ظاهرا واضحا لا شك في كونه من ~~البهتان والإثم، وقد تقدم بيان حقيقة البهتان وحقيقة الإثم. ms3095 وقد أخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس { ~~يصلون على النبي } يبركون. # وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه عن ابن عباس أن ~~بني إسرائيل قالوا لموسى هل يصلي ربك؟ فناداه ربه يا موسى، سألوك هل يصلي ~~ربك؟ فقل نعم، أنا أصلي وملائكتي على أنبيائي ورسلي، فأنزل الله على نبيه ~~{ إن الله وملئكته يصلون على النبي } الآية. ~~وأخرج ابن مردويه عنه قال إن صلاة الله على النبي هي المغفرة، إن الله ~~لا يصلي، ولكن يغفر، وأما صلاة الناس على النبي فهي الاستغفار له. وأخرج ~~ابن مردويه عن ابن عباس أنه قرأ «صلوا عليه كما صلى الله عليه وسلموا ~~تسليما». وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه ~~عن كعب بن عجرة قال لما نزلت { إن الله وملئكته ~~يصلون على النبي } الآية، قلنا يا رسول الله، قد علمنا السلام ~~عليك فكيف الصلاة عليك؟ قال # " قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد " # وأخرجه البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديثه بلفظ قال رجل يا رسول الله أما ~~السلام عليك فقد علمناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال # " قل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد ~~مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك ~~حميد مجيد " # وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأحمد، والنسائي من حديث طلحة بن ~~عبيد الله قال قلت يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟ قال # " قل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ~~إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل ~~إبراهيم إنك حميد مجيد " # وفي الأحاديث اختلاف، ففي بعضها على إبراهيم فقط، وفي بعضها على آل ms3096 ~~إبراهيم فقط، وفي بعضها بالجمع بينهما كحديث طلحة هذا. وأخرج البخاري ~~ومسلم وغيرهما من حديث أبي حميد الساعدي أنهم قالوا يا رسول الله كيف ~~نصلي عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، ~~وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ~~" # والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا، وفي بعضها التقييد بالصلاة كما في ~~حديث أبي مسعود عند ابن خزيمة، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه أن رجلا ~~قال يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن ~~صلينا عليك في صلاتنا؟ الحديث. # وأخرج الشافعي في مسنده من حديث أبي هريرة مثله. وجميع التعليمات ~~الواردة عنه صلى الله عليه وسلم في الصلاة عليه مشتملة على الصلاة على ~~آله معه إلا النادر اليسير من الأحاديث، فينبغي للمصلي عليه أن يضم آله ~~إليه في صلاته عليه، وقد قال بذلك جماعة، ونقله إمام الحرمين والغزالي ~~قولا عن الشافعي كما رواه عنهما ابن كثير في تفسيره، ولا حاجة إلى ~~التمسك بقول قائل في مثل هذا مع تصريح الأحاديث الصحيحة به، ولا وجه لقول ~~من قال إن هذه التعليمات الواردة عنه صلى الله عليه وسلم في صفة الصلاة ~~عليه مقيدة بالصلاة في الصلاة حملا لمطلق الأحاديث على المقيد منها بذلك ~~القيد، لما في حديث كعب بن عجرة وغيره أن ذلك السؤال لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان عند نزول الآية. وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه، والبيهقي ~~في الشعب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني " # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إن الذين ~~يؤذون الله ورسوله } الآية قال نزلت في الذين طعنوا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم حين اتخذ صفية بنت حيي، وروي عنه أنها نزلت في ~~الذين قذفوا عائشة. ### || [33.59-68] # لما فرغ سبحانه من ms3097 الزجر لمن يؤذي رسوله والمؤمنين والمؤمنات من عباده ~~أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يأمر بعض من ناله الأذى ببعض ما يدفع ~~ما يقع عليه منه، فقال { يأيها النبي قل لأزوجك ~~وبنتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من ~~جلبيبهن } " من " للتبعيض، والجلابيب جمع جلباب، وهو ثوب أكبر ~~من الخمار. قال الجوهري الجلباب الملحفة، وقيل القناع، وقيل هو ثوب يستر ~~جميع بدن المرأة، كما ثبت في الصحيح من حديث أم عطية أنها قالت يا رسول ~~الله، إحدانا لا يكون لها جلباب، فقال # " لتلبسها أختها من جلبابها " # ، قال الواحدي قال المفسرون يغطين وجوههن ورؤوسهن إلا عينا واحدة، ~~فيعلم أنهن حرائر فلا يعرض لهن بأذى. وقال الحسن تغطي نصف وجهها. وقال ~~قتادة تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها لكنه ~~يستر الصدر ومعظم الوجه، والإشارة بقوله { ذلك } إلى إدناء الجلابيب، ~~وهو مبتدأ وخبره { أدنى أن يعرفن } أي أقرب أن يعرفن، فيتميزن ~~عن الإماء، ويظهر للناس أنهن حرائر { فلا يؤذين } من جهة أهل ~~الريبة بالتعرض لهن مراقبة لهن، ولأهلهن وليس المراد بقوله { ذلك ~~أدنى أن يعرفن } أن تعرف الواحدة منهن من هي، بل المراد أن ~~يعرفن أنهن حرائر لا إماء لأنهن قد لبسن لبسة تختص بالحرائر { وكان ~~الله غفورا } لما سلف منهن من ترك إدناء الجلابيب { رحيما } ~~بهن، أو غفورا لذنوب المذنبين رحيما بهم، فيدخلن في ذلك دخولا ~~أوليا. ثم توعد سبحانه أهل النفاق والإرجاف، فقال { لئن لم ~~ينته المنفقون } عما هم عليه من النفاق { والذين في ~~قلوبهم مرض } أي شك وريبة عما هم عليه من الاضطراب { ~~والمرجفون في المدينة } عما يصدر منهم من الإرجاف بذكر ~~الأخبار الكاذبة المتضمنة لتوهين جانب المسلمين وظهور المشركين عليهم. ~~قال القرطبي أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة لشيء واحد، والمعنى أن ~~المنافقين قد جمعوا بين النفاق ومرض القلوب، والإرجاف على المسلمين، فهو ~~على هذا من باب قوله # إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم # أي إلى الملك القرم بن الهمام ليث الكتيبة. ms3098 وقال عكرمة وشهر بن حوشب { ~~الذين في قلوبهم مرض } هم الزناة. والإرجاف في اللغة إشاعة الكذب ~~والباطل، يقال أرجف بكذا إذا أخبر به على غير حقيقة لكونه خبرا متزلزلا ~~غير ثابت، من الرجفة وهي الزلزلة. يقال رجفت الأرض، أي تحركت وتزلزلت ~~ترجف رجفا، والرجفان الاضطراب الشديد، وسمي البحر رجافا لاضطرابه، ومنه ~~قول الشاعر # المطعمون اللحم كل عشية حتى تغيب الشمس في الرجاف # والإرجاف واحد الأراجيف، وأرجفوا في الشيء خاضوا فيه، ومنه قول شاعر # فإنا وإن عيرتمونا بقلة وأرجف بالإسلام باغ وحاسد # وقول الآخر # أبالأراجيف يابن اللوم توعدني وفي الأراجيف خلت اللؤم والخورا # وذلك بأن هؤلاء المرجفين كانوا يخبرون عن سرايا المسلمين بأنهم هزموا، ~~وتارة بأنهم قتلوا، وتارة بأنهم غلبوا، ونحو ذلك مما تنكسر له قلوب ~~المسلمين من الأخبار، فتوعدهم الله سبحانه بقوله { لنغرينك ~~بهم } أي لنسلطنك عليهم فتستأصلهم بالقتل والتشريد بأمرنا لك بذلك. ~~قال المبرد قد أغراه الله بهم في قوله بعد هذه الآية { ملعونين ~~أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا } فهذا فيه معنى ~~الأمر بقتلهم وأخذهم أي هذا حكمهم إذا كانوا مقيمين على النفاق والإرجاف. ~~قال النحاس وهذا من أحسن ما قيل في الآية. وأقول ليس هذا بحسن ولا أحسن، ~~فإن قوله { ملعونين } إلخ، إنما هو لمجرد الدعاء عليهم لا أنه أمر لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بقتالهم ولا تسليط لهم عليهم، وقد قيل إنهم ~~انتهوا بعد نزول هذه الآية عن الإرجاف، فلم يغره الله بهم، وجملة { ~~لنغرينك بهم } جواب القسم، وجملة { ثم لا يجاورونك ~~فيها إلا قليلا } معطوفة على جملة جواب القسم، أي لا يجاورونك ~~فيها إلا جوارا قليلا حتى يهلكوا، وانتصاب { ملعونين } على ~~الحال كما قال المبرد، وغيره، والمعنى مطرودين { أينما } وجدوا ~~وأدركوا { أخذوا وقتلوا } دعاء عليهم بأن يؤخذوا ويقتلوا { ~~تقتيلا } وقيل إن هذا هو الحكم فيهم، وليس بدعاء عليهم، والأول ~~أولى. وقيل معنى الآية أنهم إن أصروا على النفاق لم يكن لهم مقام ~~بالمدينة إلا وهم مطرودون. { سنة الله في الذين خلوا ~~من قبل } أي سن ms3099 الله ذلك في الأمم الماضية، وهو لعن المنافقين ~~وأخذهم وتقتيلهم، وكذا حكم المرجفين، وهو منتصب على المصدر. قال الزجاج ~~بين الله في الذين ينافقون الأنبياء، ويرجفون بهم أن يقتلوا حيثما ثقفوا ~~{ ولن تجد لسنة الله تبديلا } أي تحويلا وتغييرا، بل ~~هي ثابتة دائمة في أمثال هؤلاء في الخلف والسلف. { يسئلك الناس ~~عن الساعة } أي عن وقت قيامها وحصولها قيل السائلون عن الساعة هم ~~أولئك المنافقون، والمرجفون لما توعدوا بالعذاب سألوا عن الساعة ~~استبعادا، وتكذيبا { وما يدريك } يا محمد، أي ما يعلمك ويخبرك { ~~لعل الساعة تكون قريبا } أي في زمان قريب، وانتصاب { ~~قريبا } على الظرفية، والتذكير لكون الساعة في معنى اليوم أو الوقت مع ~~كون تأنيث الساعة ليس بحقيقي، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لبيان أنها إذا كانت محجوبة عنه لا يعلم وقتها وهو رسول الله، فكيف بغيره ~~من الناس؟ وفي هذا تهديد لهم عظيم. { إن الله لعن ~~الكفرين } أي طردهم وأبعدهم من رحمته { وأعد لهم } في ~~الآخرة مع ذلك اللعن منه لهن في الدنيا { سعيرا } أي نارا شديدة ~~التسعر { خلدين فيها أبدا } بلا انقطاع { لا يجدون ~~وليا } يواليهم ويحفظهم من عذابها { ولا نصيرا } ينصرهم ويخلصهم ~~منها، " ويوم " في قوله { يوم تقلب وجوههم في النار } ~~ظرف لقوله { لا يجدون } ، وقيل ل { خالدين } ، وقيل ل { نصيرا } ، وقيل ~~لفعل مقدر، وهو اذكر. # قرأ الجمهور { تقلب } بضم التاء وفتح اللام على البناء للمفعول. وقرأ ~~عيسى الهمداني وابن أبي إسحاق " نقلب " بالنون، وكسر اللام على البناء ~~للفاعل، وهو الله سبحانه. وقرأ عيسى أيضا بضم التاء وكسر اللام على معنى ~~تقلب السعير وجوههم. وقرأ أبو حيوة وأبو جعفر وشيبة بفتح التاء واللام ~~على معنى تتقلب، ومعنى هذا التقلب المذكور في الآية هو تقلبها تارة على ~~جهة منها، وتارة على جهة أخرى ظهرا لبطن، أو تغير ألوانهم بلفح النار ~~فتسود تارة وتخضر أخرى، أو تبديل جلودهم بجلود أخرى، فحينئذ { ~~يقولون يليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا } ~~والجملة مستأنفة كأنه قيل فما حالهم؟ فقيل يقولون، ويجوز أن ms3100 يكون المعنى ~~يقولون يوم تقلب وجوههم في النار { ياليتنا } إلخ. تمنوا أنهم أطاعوا ~~الله والرسول، وآمنوا بما جاء به لينجوا مما هم فيه من العذاب كما نجا ~~المؤمنون، وهذه الألف في { الرسولا } ، والألف التي ستأتي في { السبيلا } ~~هي الألف التي تقع في الفواصل، ويسميها النحاة ألف الإطلاق، وقد سبق بيان ~~هذا في أول هذه السورة. { وقالوا ربنا إنا أطعنا ~~سادتنا وكبراءنا } هذه الجملة معطوفة على الجملة الأولى، ~~والمراد بالسادة والكبراء هم الرؤساء والقادة الذين كانوا يمتثلون أمرهم ~~في الدنيا ويقتدون بهم، وفي هذا زجر عن التقليد شديد، وكم في الكتاب ~~العزيز من التنبيه على هذا والتحذير منه والتنفير عنه، ولكن لمن يفهم ~~معنى كلام الله ويقتدي به وينصف من نفسه، لا لمن هو من جنس الأنعام في ~~سوء الفهم ومزيد البلادة وشدة التعصب. وقرأ الحسن وابن عامر " ساداتنا " ~~بكسر التاء جمع سادة فهو جمع الجمع. وقال مقاتل هم المطعمون في غزوة بدر، ~~والأول أولى، ولا وجه للتخصيص بطائفة معينة { فأضلونا السبيلا ~~} أي عن السبيل بما زينوا لنا من الكفر بالله ورسوله، والسبيل هو ~~التوحيد، ثم دعوا عليهم في ذلك الموقف، فقالوا { ربنا ءاتهم ~~ضعفين من العذاب } أي مثل عذابنا مرتين. وقال قتادة عذاب ~~الدنيا والآخرة، وقيل عذاب الكفر وعذاب الإضلال { والعنهم لعنا ~~كبيرا } قرأ الجمهور " كثيرا " بالمثلثة، أي لعنا كثير العدد عظيم ~~القدر شديد الموقع، واختار هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد والنحاس. وقرأ ~~ابن مسعود وأصحابه ويحيى بن وثاب وعاصم بالباء الموحدة، أي كبيرا في ~~نفسه شديدا عليهم ثقيل الموقع. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قال خرجت سودة بعد ما ضرب ~~الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر، ~~فقال يا سودة أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين؟ قال فانكفأت ~~راجعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق، ~~فدخلت وقالت يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا. ~~فأوحي إليه ثم ms3101 رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه، فقال # " إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن " # ، وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن أبي مالك قال كان نساء النبي صلى الله عليه وسلم يخرجن بالليل ~~لحاجتهن، وكان ناس من المنافقين يتعرضون لهن فيؤذين، فقيل ذلك ~~للمنافقين، فقالوا إنما نفعله بالإماء، فنزلت هذه { يأيها ~~النبي قل لأزوجك } الآية. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب ~~القرظي قال كان رجل من المنافقين يتعرض لنساء المؤمنين يؤذيهن، فإذا ~~قيل له قال كنت أحسبها أمة، فأمرهن الله أن يخالفن زي الإماء ويدنين ~~عليهن من جلابيبهن تخمر وجهها إلا إحدى عينيها { ذلك أدنى أن ~~يعرفن } يقول ذلك أحرى أن يعرفن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه عن ابن عباس في هذه الآية قال أمر الله نساء المؤمنات إذا خرجن من ~~بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا ~~واحدة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه عن أم سلمة قالت لما نزلت هذه الآية { يدنين ~~عليهن من جلبيبهن } خرج نساء الأنصار كأن رؤوسهن ~~الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها، هكذا في الزوائد بلفظ من ~~السكينة، وليس لها معنى، فإن المراد تشبيه الأكسية السود بالغربان، لا أن ~~المراد وصفهن بالسكينة كما يقال كأن على رؤوسهم الطير. وأخرج ابن مردويه ~~عن عائشة قالت رحم الله نساء الأنصار، لما نزلت { يأيها النبي ~~قل لأزوجك } الآية. شقن مروطهن، فاعتجرن بها، وصلين خلف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كأنما على رؤوسهن الغربان. وأخرج ابن جرير وابن ~~مردويه عن ابن عباس في الآية قال كانت الحرة تلبس لباس الأمة، فأمر الله ~~نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، وإدناء الجلباب أن تقنع ~~وتشده على جبينها. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب في قوله { لئن لم ~~ينته المنفقون } يعني المنافقين بأعيانهم { والذين في ~~قلوبهم مرض } شك يعني ms3102 المنافقين أيضا. وأخرج ابن سعد أيضا عن ~~عبيد بن جبير قال { الذين في قلوبهم مرض والمرجفون ~~في المدينة } هم المنافقون جميعا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لنغرينك بهم } قال ~~لنسلطنك عليهم. ### || [33.69-73] # قوله { لا تكونوا كالذين ءاذوا موسى } هو قولهم إن به ~~أدرة أو برصا أو عيبا، وسيأتي بيان ذلك آخر البحث، وفيه تأديب للمؤمنين ~~وزجر لهم عن أن يدخلوا في شيء من الأمور التي تؤذي رسول الله. قال مقاتل ~~وعظ الله المؤمنين أن لا يؤذوا محمدا صلى الله عليه وسلم كما آذى بنو ~~إسرائيل موسى. وقد وقع الخلاف فيما أوذي به نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم حتى نزلت هذه الآية، فحكى النقاش أن أذيتهم محمدا قولهم زيد بن ~~محمد. وقال أبو وائل إنه صلى الله عليه وسلم قسم قسما، فقال رجل من ~~الأنصار إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، وقيل نزلت في قصة زيد بن ~~حارثة، وزينب بنت جحش وما سمع فيها من قالة الناس، ومعنى { وكان عند ~~الله وجيها } وكان عند الله عظيما ذا وجاهة، الوجيه عند الله ~~العظيم القدر الرفيع المنزلة، وقيل في تفسير الوجاهة إنه كلمه تكليما. ~~قرأ الجمهور { وكان عند الله } بالنون على الظرفية المجازية، وقرأ ابن ~~مسعود والأعمش وأبو حيوة " عبد الله " بالباء الموحدة من العبودية، و " ~~ما " في قوله { فبرأه الله مما قالوا } هي الموصولة أو ~~المصدرية، أي من الذي قالوه، أو من قولهم. { يأيها الذين ~~ءامنوا اتقوا الله } أي في كل أمر من الأمور { وقولوا ~~قولا سديدا } أي قولا صوابا وحقا. قال قتادة ومقاتل يعني قولوا ~~قولا سديدا في شأن زيد وزينب، ولا تنسبوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى ما لا يحل. وقال عكرمة إن القول السديد لا إله إلا الله. وقيل هو ~~الذي يوافق ظاهره باطنه. وقيل هو ما أريد به وجه الله دون غيره. وقيل هو ~~الإصلاح بين الناس. والسديد مأخوذ من تسديد السهم ليصاب به الغرض، ~~والظاهر ms3103 من الآية أنه أمرهم بأن يقولوا قولا سديدا في جميع ما يأتونه ~~ويذرونه فلا يخص ذلك نوعا دون نوع، وإن لم يكن في اللفظ ما يقتضي العموم ~~فالمقام يفيد هذا المعنى لأنه أرشد سبحانه عباده إلى أن يقولوا قولا ~~يخالف قول أهل الأذى. ثم ذكر ما لهؤلاء الذين امتثلوا الأمر بالتقوى ~~والقول السديد من الأجر فقال { يصلح لكم أعملكم } أي ~~يجعلها صالحة لا فاسدة بما يهديهم إليه ويوفقهم فيه { ويغفر لكم ~~ذنوبكم } أي يجعلها مكفرة مغفورة { ومن يطع الله ~~ورسوله } في فعل ما هو طاعة واجتناب ما هو معصية { فقد فاز ~~فوزا عظيما } أي ظفر بالخير ظفرا عظيما، ونال خير الدنيا ~~والآخرة، وهذه الجملة مستأنفة مقررة لما سبقها. ثم لما فرغ سبحانه من ~~بيان ما لأهل الطاعة من الخير بعد بيان ما لأهل المعصية من العذاب بين ~~عظم شأن التكاليف الشرعية وصعوبة أمرها، فقال { إنا عرضنا ~~الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها }. # واختلف في تفسير هذه الأمانة المذكورة هنا، فقال الواحدي معنى الأمانة ~~هاهنا في قول جميع المفسرين الطاعة والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب ~~وبتضييعها العقاب. قال القرطبي والأمانة تعم جميع وصائف الدين على ~~الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور. وقد اختلف في تفاصيل بعضها، فقال ~~ابن مسعود هي في أمانة الأموال كالودائع وغيرها، وروي عنه أنها في كل ~~الفرائض وأشدها أمانة المال. وقال أبي بن كعب من الأمانة أن ائتمنت ~~المرأة على فرجها. وقال أبو الدرداء غسل الجنابة أمانة، وإن الله لم يأمن ~~ابن آدم على شيء من دينه غيرها. وقال ابن عمر أول ما خلق الله من ~~الإنسان فرجه، وقال هذه أمانة استودعكها، فلا تلبسها إلا بحق، فإن ~~حفظتها حفظتك. فالفرج أمانة، والأذن أمانة، والعين أمانة، واللسان أمانة، ~~والبطن أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له. ~~وقال السدي هي ائتمان آدم ابنه قابيل على ولده هابيل، وخيانته إياه في ~~قتله. وما أبعد هذا القول، وليت شعري ما هو الذي سوغ ms3104 للسدي تفسير هذه ~~الآية بهذا، فإن كان ذلك لدليل دله على ذلك فلا دليل، وليست هذه الآية ~~حكاية عن الماضين من العباد حتى يكون له في ذلك متمسك أبعد من كل بعيد، ~~وأوهن من بيوت العنكبوت، وإن كان تفسير هذا عملا بما تقتضيه اللغة ~~العربية، فليس في لغة العرب ما يقتضي هذا، ويوجب حمل هذه الأمانة المطلقة ~~على شيء كان في أول هذا العالم، وإن كان هذا تفسيرا منه بمحض الرأي، ~~فليس الكتاب العزيز عرضة لتلاعب آراء الرجال به، ولهذا ورد الوعيد على من ~~فسر القرآن برأيه، فاحذر أيها الطالب للحق عن قبول مثل هذه التفاسير، ~~واشدد يديك في تفسير كتاب الله على ما تقتضيه اللغة العربية، فهو قرآن ~~عربي كما وصفه الله، فإن جاءك التفسير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فلا تلتفت إلى غيره، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، وكذلك ما جاء عن ~~الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم من جملة العرب، ومن أهل اللغة، وممن جمع ~~إلى اللغة العربية العلم بالاصطلاحات الشرعية، ولكن إذا كان معنى اللفظ ~~أوسع مما فسروه به في لغة العرب فعليك أن تضم إلى ما ذكره الصحابي ما ~~تقتضيه لغة العرب وأسرارها، فخذ هذه كلية تنتفع بها، وقد ذكرنا في خطبة ~~هذا التفسير ما يرشدك إلى هذا. قال الحسن إن الأمانة عرضت على السماوات ~~والأرض والجبال فقالت وما فيها؟ فقال لها إن أحسنت آجرتك، وإن أسأت ~~عذبتك، فقالت لا. # قال مجاهد فلما خلق الله آدم عرضها عليه، وقيل له ذلك فقال قد تحملتها. ~~وروي نحو هذا عن غير الحسن ومجاهد. قال النحاس وهذا القول هو الذي عليه ~~أهل التفسير. وقيل هذه الأمانة هي ما أودعه الله في السموات والأرض ~~والجبال وسائر المخلوقات من الدلائل على ربوبيته أن يظهروها فأظهروها، ~~إلا الإنسان فإنه كتمها وجحدها. كذا قال بعض المتكلمين مفسرا للقرآن ~~برأيه الزائف، فيكون على هذا معنى { عرضنا } أظهرنا. قال جماعة من ~~العلماء ومن المعلوم أن الجماد لا يفهم ولا يجيب، فلا ms3105 بد من تقدير ~~الحياة فيها، وهذا العرض في الآية هو عرض تخيير لا عرض إلزام. وقال ~~القفال وغيره العرض في هذه الآية ضرب مثل، أي إن السماوات والأرض والجبال ~~على كبر أجرامها لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع لما ~~فيها من الثواب والعقاب، أي أن التكليف أمر عظيم، حقه أن تعجز عنه ~~السماوات والأرض والجبال، وقد كلفه الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل، وهذا ~~كقوله # لو أنزلنا هذا القرءان على جبل # الحشر 21 وقيل إن { عرضنا } بمعنى عارضنا، أي عارضنا الأمانة بالسماوات ~~والأرض والجبال، فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة ورجحت الأمانة بثقلها ~~عليها. وقيل إن عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال إنما كان من آدم ~~عليه السلام، وأن الله أمره أن يعرض ذلك عليها، وهذا أيضا تحريف لا ~~تفسير. ومعنى { وحملها الإنسن } أي التزم بحقها، وهو في ذلك ~~ظلوم لنفسه جهول لما يلزمه، أو جهول لقدر ما دخل فيه كما قال سعيد بن ~~جبير، أو جهول بربه كما قال الحسن. وقال الزجاج معنى { حملها } خان فيها، ~~وجعل الآية في الكفار والفساق والعصاة، وقيل معنى { حملها } كلفها ~~وألزمها، أو صار مستعدا لها بالفطرة، أو حملها عند عرضها عليه في عالم ~~الذر عند خروج ذرية آدم من ظهره، وأخذ الميثاق عليهم. واللام في { ~~ليعذب الله المنفقين والمنفقت ~~والمشركين والمشركت } متعلق ب { حملها } أي حملها ~~الإنسان ليعذب الله العاصي ويثيب المطيع، وعلى هذا فجملة { إنه ~~كان ظلوما جهولا } معترضة بين الجملة وغايتها للإيذان بعدم وفائه ~~بما تحمله. قال مقاتل ابن سليمان، ومقاتل بن حيان ليعذبهم بما خانوا من ~~الأمانة وكذبوا من الرسل ونقضوا من الميثاق الذي أقروا به حين أخرجوا من ~~ظهر آدم. وقال الحسن وقتادة هؤلاء المعذبون هم الذين خانوها، وهؤلاء ~~الذين يتوب الله عليهم هم الذين أدوها. وقال ابن قتيبة أي عرضنا ذلك ~~ليظهر نفاق المنافق وشرك المشرك، فيعذبهما الله ويظهر إيمان المؤمن فيتوب ~~الله عليه، أي يعود عليه بالمغفرة والرحمة إن حصل منه تقصير في بعض ~~الطاعات، ms3106 ولذلك ذكر بلفظ التوبة، فدل على أن المؤمن العاصي خارج من ~~العذاب { وكان الله غفورا رحيما } أي كثير المغفرة والرحمة ~~للمؤمنين من عباده إذا قصروا في شيء مما يجب عليهم. # وقد قيل إن المراد بالأمانة العقل، والراجح ما قدمنا عن الجمهور، وما ~~عداه فلا يخلو عن ضعف لعدم وروده على المعنى العربي ولا انطباقه على ما ~~يقتضيه الشرع ولا موافقته لما يقتضيه تعريف الأمانة. وقد أخرج البخاري ~~وغيره من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء استحياء منه، ~~فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا ما تستر هذا الستر إلا من عيب ~~بجلده، إما برص، وإما أدرة، وإما آفة، وإن الله عز وجل أراد أن يبرىء ~~موسى مما قالوا، فخلا يوما وحده فخلع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فلما ~~فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه فطلب ~~الحجر، فجعل يقول ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل ~~فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر فأخذ ~~ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه، فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ~~ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا " # وأخرج نحوه البزار وابن الأنباري وابن مردويه من حديث أنس. وأخرج ابن ~~أبي شيبة في المصنف، وابن جرير وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه ~~عن ابن عباس في قوله { لا تكونوا كالذين ءاذوا موسى } ~~قال قال له قومه إنه آدر، فخرج ذات يوم ليغتسل فوضع ثيابه على حجر، فخرجت ~~الصخرة تشتد بثيابه، فخرج موسى يتبعها عريانا حتى انتهت به إلى مجالس ~~بني إسرائيل فرأوه وليس بآدر فذلك قوله { فبرأه الله مما ~~قالوا وكان عند الله وجيها }. وأخرج الحاكم وصححه من طريق ~~السدي عن أبي مالك عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة ~~أن الله أوحى إلى موسى إني متوف هارون، فأت به جبل كذا وكذا، ms3107 فانطلقا ~~نحو الجبل فإذا هم بشجرة وبيت فيه سرير عليه فرش وريح طيب، فلما نظر ~~هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه قال يا موسى، إني أحب أن أنام ~~على هذا السرير، قال نم عليه، قال نم معي، فلما ناما أخذ هارون الموت، ~~فلما قبض رفع ذلك البيت وذهبت الشجرة ورفع السرير إلى السماء فلما رجع ~~موسى إلى بني إسرائيل قالوا قتل هارون وحسده حب بني إسرائيل له، وكان ~~هارون أألف بهم وألين، وكان في موسى بعض الغلظة عليهم، فلما بلغه ذلك قال ~~ويحكم! إنه كان أخي أفتروني أقتله؟ فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم ~~دعا الله، فنزل بالسرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه. # وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال قسم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذات يوم قسما، فقال رجل إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، ~~فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فاحمر وجهه ثم قال # " رحمة الله على موسى لقد أوذي أكثر من هذا فصبر ". # وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري ~~قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر، ثم قال # " على مكانكم اثبتوا " # ، ثم أتى الرجال، فقال # " إن الله أمرني أن آمركم أن تتقوا الله وأن تقولوا قولا سديدا " # ، ثم أتى النساء، فقال # " إن الله أمرني أن آمركن أن تتقين الله وأن تقلن قولا سديد " # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب ~~الأضداد عن ابن عباس في قوله { إنا عرضنا الأمانة } الآية قال ~~الأمانة الفرائض عرضها الله على السماوات والأرض والجبال إن أدوها ~~أثابهم وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية ولكن تعظيما ~~لدين الله أن لا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها، وهو قوله ~~{ وحملها الإنسن إنه كان ظلوما جهولا } يعني ~~غرا بأمر الله. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن ms3108 المنذر وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب الأضداد، والحاكم ~~وصححه عنه في الآية قال عرضت على آدم. فقيل خذها بما فيها فإن أطعت غفرت ~~لك وإن عصيت عذبتك، قال قبلتها بما فيها، فما كان إلا ما بين العصر إلى ~~الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الذنب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عنه ~~أيضا من طريق أخرى نحوه. ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1-9] # قوله { الحمد لله } تعريف الحمد مع لام الاختصاص مشعران باختصاص ~~جميع أفراد الحمد بالله سبحانه على ما تقدم تحقيقه في فاتحة الكتاب، ~~والموصول في محل جر على النعت، أو البدل، أو النصب على الاختصاص، أو ~~الرفع على تقدير مبتدأ. ومعنى { له ما في السموات وما في ~~الأرض } أن جميع ما هو فيها في ملكه، وتحت تصرفه يفعل به ما يشاء، ~~ويحكم فيه بما يريد، وكل نعمة واصلة إلى العبد، فهي مما خلقه له، ومن به ~~عليه، فحمده على ما في السموات والأرض هو حمد له على النعم التي أنعم ~~بها على خلقه مما خلقه لهم. ولما بين أن الحمد الدنيوي من عباده الحامدين ~~له مختص به بين أن الحمد الأخروي مختص به كذلك، فقال { وله ~~الحمد فى الأخرة } ، وقوله { له } متعلق بنفس الحمد، أو بما ~~تعلق به خبر الحمد أعني في الآخرة، فإنه متعلق بمتعلق عام هو الاستقرار، ~~أو نحوه، والمعنى أن له سبحانه على الاختصاص حمد عباده الذين يحمدونه في ~~الدار الآخرة إذا دخلوا الجنة، كما في قوله # وقالوا الحمد لله الذى صدقنا وعده # الزمر 74 وقوله # الحمد لله الذى هدانا لهذا # الأعراف 43، وقوله # الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن إن ربنا ~~لغفور شكور # فاطر 34 وقوله # الذى أحلنا دار المقامة من فضله # فاطر 35، وقوله # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # يونس 10، فهو سبحانه المحمود في الآخرة كما أنه المحمود في الدنيا، وهو ~~المالك للآخرة كما أنه المالك للدنيا { وهو الحكيم } الذي أحكم ~~أمر الدارين { الخبير } بأمر خلقه فيهما قيل والفرق بين الحمدين أن ~~الحمد ms3109 في الدنيا عباده، وفي الآخرة تلذذ، وابتهاج، لأنه قد انقطع التكليف ~~فيها. ثم ذكر سبحانه بعض ما يحيط به علمه من أمور السموات، والأرض، فقال ~~{ يعلم ما يلج فى الأرض } أي ما يدخل فيها من مطر، أو كنز، ~~أو دفين { وما يخرج منها } من زرع، ونبات، وحيوان { وما ~~ينزل من السماء } من الأمطار، والثلوج، والبرد، والصواعق، ~~والبركات، ومن ذلك ما ينزل منها من ملائكته، وكتبه إلى أنبيائه { وما ~~يعرج فيها } من الملائكة، وأعمال العباد. قرأ الجمهور { ينزل } ~~بفتح الياء، وتخفيف الزاي مسندا إلى { ما } ، وقرأ علي بن أبي طالب، ~~والسلمي بضم الياء وتشديد الزاي مسندا إلى الله سبحانه { وهو ~~الرحيم } بعباده { الغفور } لذنوبهم. { وقال الذين ~~كفروا لا تأتينا الساعة } المراد بهؤلاء القائلين جنس ~~الكفرة على الإطلاق، أو كفار مكة على الخصوص، ومعنى { لا تأتينا الساعة } ~~أنها لا تأتي بحال من الأحوال، إنكارا منهم لوجودها لا لمجرد إتيانها في ~~حال تكلمهم، أو في حال حياتهم مع تحقق وجودها فيما بعد، فرد الله عليهم، ~~وأمر رسوله أن يقول لهم { قل بلى وربى لتأتينكم } ، ~~وهذا القسم لتأكيد الإتيان، قرأ الجمهور { لتأتينكم } بالفوقية، أي ~~الساعة، وقرأ طلق المعلم بالتحتية على تأويل الساعة باليوم، أو الوقت. # قال طلق سمعت أشياخنا يقرءون بالياء يعني التحتية على المعنى، كأنه قال ~~ليأتينكم البعث، أو أمره كما قال # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملئكة أو يأتى ~~أمر ربك # النحل 33. قرأ نافع، وابن عامر { علم الغيب } بالرفع على أنه ~~مبتدأ، وخبره { لا يعزب } ، أو على تقدير مبتدأ، وقرأ عاصم، وابن كثير، ~~وأبو عمرو بالجر على أنه نعت لربي، وقرأ حمزة، والكسائي علام بالجر مع ~~صيغة المبالغة، ومعنى { لا يعزب } لا يغيب عنه، ولا يستتر عليه، ولا ~~يبعد { عنه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض ~~ولا أصغر من ذلك } المثقال { ولا أكبر } منه { إلا فى ~~كتب مبين } ، وهو اللوح المحفوظ. والمعنى إلا وهو مثبت في ~~اللوح المحفوظ الذي اشتمل على معلومات الله سبحانه، فهو مؤكد لنفي ~~العزوب. قرأ الجمهور { يعزب ms3110 } بضم الزاي، وقرأ يحيى بن وثاب بكسرها. قال ~~الفراء والكسر أحب إلي، وهما لغتان، يقال عزب يعزب بالضم، ويعزب بالكسر ~~إذا بعد، وغاب. وقرأ الجمهور { ولا أصغر } ، ولا { أكبر } بالرفع على ~~الابتداء، والخبر { إلا في كتاب } ، أو على العطف على { مثقال } ، وقرأ ~~قتادة، والأعمش بنصبهما عطفا على { ذرة } ، أو على أن لا هي لا التبرئة ~~التي يبنى اسمها على الفتح. واللام في { ليجزي الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } للتعليل لقوله { لتأتينكم } أي إتيان الساعة ~~فائدته جزاء المؤمنين بالثواب، والكافرين بالعقاب، والإشارة بقوله { ~~أولئك } إلى الموصول، أي أولئك الذين آمنوا، وعملوا الصالحات { ~~لهم مغفرة } لذنوبهم { ورزق كريم } ، وهو الجنة بسبب ~~إيمانهم، وعملهم الصالح مع التفضل عليهم من الله سبحانه. ثم ذكر فريق ~~الكافرين الذين يعاقبون عند إتيان الساعة، فقال { والذين سعوا ~~فى ءايتنا معجزين } أي سعوا في إبطال آياتنا المنزلة على ~~الرسل، وقدحوا فيها، وصدوا الناس عنها، ومعنى { معاجزين } مسابقين ~~يحسبون، أنهم يفوتوننا، ولا يدركون، وذلك باعتقادهم أنهم لا يبعثون، يقال ~~عاجزه، وأعجزه إذا غالبه، وسبقه. قرأ الجمهور { معاجزين } ، وقرأ ابن ~~كثير، وابن محيصن، وحميد، ومجاهد، وأبو عمرو «معجزين» أي مثبطين للناس عن ~~الإيمان بالآيات { أولئك } أي الذين سعوا { لهم عذاب من ~~رجز } الرجز هو العذاب، فمن للبيان، وقيل الرجز هو أسوأ العذاب، ~~وأشده، والأول أولى. ومن ذلك قوله # فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء # البقرة 59. قرأ الجمهور " أليم " بالجر صفة لرجز. وقرأ ابن كثير، ~~وحفص عن عاصم بالرفع صفة لعذاب، والأليم الشديد الألم. { ويرى ~~الذين أوتوا العلم الذى أنزل إليك من ربك هو ~~الحق } لما ذكر الذين سعوا في إبطال آيات الله ذكر الذين يؤمنون بها، ~~ومعنى { ويرى الذين أوتوا العلم } أي يعلمون، وهم الصحابة. # وقال مقاتل هم مؤمنو أهل الكتاب. وقيل جميع المسلمين، والموصول هو ~~المفعول الأول ليرى، والمفعول الثاني الحق، والضمير هو ضمير الفصل. ~~وبالنصب قرأ الجمهور، وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع على أنه خبر الضمير، ~~والجملة في محل نصب على أنها المفعول الثاني، وهي لغة تميم، فإنهم ms3111 يرفعون ~~ما بعد ضمير الفصل، وزعم الفراء أن الاختيار الرفع، وخالفه غيره، وقالوا ~~النصب أكثر. قيل وقوله { يرى } معطوف على { ليجزي } ، وبه قال الزجاج، ~~والفراء، واعترض عليهما بأن قوله { ليجزى } متعلق بقوله { ~~لتأتينكم } ولا يقال لتأتينكم الساعة ليرى الذين أوتوا العلم أن ~~القرآن حق، والأولى أنه كلام مستأنف لدفع ما يقوله الذين سعوا في الآيات، ~~أي إن ذلك السعي منهم يدل على جهلهم لأنهم مخالفون لما يعلمه أهل العلم ~~في شأن القرآن { ويهدى إلى صراط العزيز الحميد } معطوف ~~على { الحق } عطف فعل على اسم، لأنه في تأويله كما في قوله # صفت ويقبضن # الملك 19 أي وقابضات، كأنه قيل وهاديا. وقيل إنه مستأنف، وفاعله ضمير ~~يرجع إلى فاعل أنزل، وهو القرآن. والصراط الطريق، أي ويهدي إلى طريق { ~~العزيز } في ملكه { الحميد } عند خلقه، والمراد أنه يهدي إلى دين ~~الله، وهو التوحيد. ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من كلام منكري البعث، فقال { ~~وقال الذين كفروا } أي قال بعض لبعض { هل ندلكم ~~على رجل }. يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم أي هل نرشدكم إلى رجل ~~{ ينبئكم } أي يخبركم بأمر عجيب، ونبأ غريب هو أنكم { إذا ~~مزقتم كل ممزق } أي فرقتم كل تفريق، وقطعتم كل تقطيع، وصرتم ~~بعد موتكم رفاتا وترابا { إنكم لفى خلق جديد } أي تخلقون ~~خلقا جديدا، وتبعثون من قبوركم أحياء، وتعودون إلى الصور التي كنتم ~~عليها، قال هذا القول بعضهم لبعض استهزاء بما وعدهم الله على لسان رسوله ~~من البعث. وأخرجوا الكلام مخرج التلهي به، والتضاحك مما يقوله من ذلك، ~~«وإذا» في موضع نصب بقوله { مزقتم }. قال النحاس ولا يجوز أن يكون العامل ~~فيها ينبئكم، لأنه ليس يخبرهم ذلك الوقت. ولا يجوز أن يكون العامل فيها ~~ما بعد إن لأنه لا يعمل فيما قبلها. وأجاز الزجاج أن يكون العامل فيها ~~محذوفا، والتقدير إذا مزقتم كل ممزق بعثتم، أو نبئتم بأنكم تبعثون إذا ~~مزقتم، وقال المهدوي لا يجوز أن يعمل فيه مزقتم لأنه مضاف إليه، والمضاف ~~إليه لا يعمل في المضاف. وأصل ms3112 المزق خرق الأشياء، يقال ثوب مزيق، وممزق، ~~ومتمزق، وممزوق. ثم حكى سبحانه عن هؤلاء الكفار أنهم رددوا ما وعدهم به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من البعث بين أمرين، فقالوا { أفترى ~~على الله كذبا أم به جنة } أي أهو كاذب فيما قاله أم به ~~جنون بحيث لا يعقل ما يقوله، والهمزة في أفترى هي همزة الاستفهام، وحذفت ~~لأجلها همزة الوصل كما تقدم في قوله # أطلع الغيب # مريم 78، ثم رد عليهم سبحانه ما قالوه في رسوله، فقال { بل الذين ~~لا يؤمنون بالأخرة فى العذاب والضلل البعيد } ~~أي ليس الأمر كما زعموا، بل هم الذين ضلوا عن الفهم، وإدراك الحقائق، ~~فكفروا بالآخرة، ولم يؤمنوا بما جاءهم به، فصاروا بسبب ذلك في العذاب ~~الدائم في الآخرة، وهم اليوم في الضلال البعيد عن الحق غاية البعد. ثم ~~وبخهم سبحانه بما اجتر عليه من التكذيب مبينا لهم أن ذلك لم يصدر منهم ~~إلا لعدم التفكر، والتدبر في خلق السماء والأرض، وأن من قدر على هذا ~~الخلق العظيم لا يعجزه أن يبعث من مخلوقاته ما هو دون ذلك، ويعيده إلى ما ~~كان عليه من الذات والصفات، ومعنى { إلى ما بين أيديهم وما ~~خلفهم } أنهم إذا نظروا رأوا السماء خلفهم، وقدامهم، وكذلك إذا ~~نظروا في الأرض رأوها خلفهم، وقدامهم، فالسماء والأرض محيطتان بهم، فهو ~~القادر على أن ينزل بهم ما شاء من العذاب بسبب كفرهم، وتكذيبهم لرسوله، ~~وإنكارهم للبعث، فهذه الآية اشتملت على أمرين أحدهما أن هذا الخلق الذي ~~خلقه الله من السماء، والأرض يدل على كمال القدرة على ما هو دونه من ~~البعث كما في قوله # أو ليس الذى خلق السموات والأرض بقدر ~~على أن يخلق مثلهم # يس 81. والأمر الآخر التهديد لهم بأن من خلق السماء، والأرض على هذه ~~الهيئة التي قد أحاطت بجميع المخلوقات فيهما قادر على تعجيل العذاب لهم { ~~إن نشأ نخسف بهم الأرض } كما خسف بقارون { أو نسقط ~~عليهم كسفا } أي قطعا { من السماء } كما أسقطها على أصحاب ~~الأيكة، فكيف يأمنون ذلك. ms3113 قرأ الجمهور { إن نشأ } بنون العظمة، وكذا ~~نخسف، ونسقط. وقرأ حمزة، والكسائي بالياء التحتية في الأفعال الثلاثة أي ~~إن يشأ الله. وقرأ الكسائي وحده بإدغام الفاء في الباء في { نخسف بهم }. ~~قال أبو علي الفارسي وذلك غير جائز لأن الفاء من باطن الشفة السفلى، ~~وأطراف الثنايا العليا بخلاف الباء، وقرأ الجمهور { كسفا } بسكون السين. ~~وقرأ حفص، والسلمي بفتحها. { إن فى ذلك } المذكور من خلق السماء ~~والأرض { لآية } واضحة دلالة بينة { لكل عبد منيب } أي راجع ~~إلى ربه بالتوبة، والإخلاص، وخص المنيب لأنه المنتفع بالتفكر. وقد أخرج ~~ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { يعلم ما يلج فى الأرض } ~~قال من المطر { وما يخرج منها } قال من النبات { وما ينزل ~~من السماء } قال من الملائكة { وما يعرج فيها } قال ~~الملائكة، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ~~قتادة في قوله { من رجز أليم } قال الرجز هو العذاب الأليم ~~الموجع، وفي قوله { ويرى الذين أوتوا العلم } قال أصحاب ~~محمد. # وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال يعني المؤمنين من أهل ~~الكتاب. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن قتادة في قوله { وقال الذين كفروا هل ~~ندلكم على رجل } قال قال ذلك مشركو قريش { إذا مزقتم ~~كل ممزق } يقول إذا أكلتكم الأرض، وصرتم رفاتا وعظاما، ~~وتقطعتكم السباع، والطير { إنكم لفى خلق جديد } إنكم ~~ستحيون، وتبعثون، قالوا ذلك تكذيبا به { أفترى على الله ~~كذبا أم به جنة } قال قالوا إما أن يكون يكذب على الله، وإما ~~أن يكون مجنونا { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم ~~وما خلفهم من السماء والأرض } قالوا إنك إن نظرت عن ~~يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك رأيت السماء والأرض { إن ~~نشأ نخسف بهم الأرض } كما خسفنا بمن كان قبلهم { أو ~~نسقط عليهم كسفا من السماء } أي قطعا من السماء إن يشأ ~~أن يعذب بسمائه فعل، وإن يشأ أن يعذب بأرضه فعل، وكل خلقه ms3114 له جند { إن ~~فى ذلك لأية لكل عبد منيب } قال تائب مقبل إلى الله. ### || [34.10-14] # ثم ذكر سبحانه من عباده المنيبين إليه داود، وسليمان كما قال في داود # فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب # ص 24 وقال في سليمان # وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب # ص 34، فقال { ولقد ءاتينا داوود منا فضلا } أي آتيناه ~~بسبب إنابته فضلا منا على سائر الأنبياء. واختلف في هذا الفضل على أقوال ~~فقيل النبوة. وقيل الزبور. وقيل العلم. وقيل القوة كما في قوله # واذكر عبدنا داوود ذا الأيد # ص 17. وقيل تسخير الجبال كما في قوله { يجبال أوبى معه } ~~وقيل التوبة، وقيل الحكم بالعدل كما في قوله # يداوود إنا جعلنك خليفة فى الأرض فاحكم ~~بين الناس بالحق # ص 26. وقيل هو إلانة الحديد كما في قوله { وألنا له الحديد ~~} ، وقيل حسن الصوت، والأولى أن يقال إن هذا الفضل المذكور هو ما ذكره ~~الله بعده من قوله { يا جبال } إلى آخر الآية، وجملة { يجبال ~~أوبى معه } مقدرة بالقول، أي قلنا يا جبال. والتأويب التسبيح كما ~~في قوله # إنا سخرنا الجبال معه يسبحن # ص 18. قال أبو ميسرة هو التسبيح بلسان الحبشة. وكان إذا سبح داود سبحت ~~معه، ومعنى تسبيح الجبال أن الله يجعلها قادرة على ذلك، أو يخلق فيها ~~التسبيح معجزة لداود. وقيل معنى { أوبي } سيري معه، من التأويب الذي هو ~~سير النهار أجمع، ومنه قول ابن مقبل # لحقنا بحي أوبوا السير بعد ما دفعنا شعاع الشمس والطرف مجنح # قرأ الجمهور { أوبى } بفتح الهمزة، وتشديد الواو على صيغة الأمر، من ~~التأويب وهو الترجيع، أو التسبيح، أو السير، أو النوح. وقرأ ابن عباس، ~~والحسن، وقتادة، وابن أبي إسحاق «أوبى» بضم الهمزة أمرا من آب يئوب إذا ~~رجع، أي ارجعي معه. قرأ الجمهور { والطير } بالنصب عطفا على { ~~فضلا } على معنى وسخرنا له الطير، لأن إيتاءه إياها تسخيرها له، أو ~~عطفا على محل { يا جبال } لأنه منصوب تقديرا، إذ المعنى نادينا الجبال، ~~والطير. وقال سيبويه، وأبو عمرو بن العلاء انتصابه بفعل مضمر على ms3115 معنى ~~وسخرنا له الطير. وقال الزجاج، والنحاس يجوز أن يكون مفعولا معه كما ~~تقول استوى الماء، والخشبة. وقال الكسائي إنه معطوف على { فضلا } لكن ~~على تقدير مضاف محذوف، أي آتيناه فضلا، وتسبيح الطير. وقرأ السلمي، ~~والأعرج، ويعقوب، وأبو نوفل، وابن أبي إسحاق، ونصر بن عاصم، وابن هرمز، ~~ومسلمة بن عبد الملك بالرفع عطفا على لفظ الجبال، أو على المضمر في { ~~أوبي } لوقوع الفصل بين المعطوف، والمعطوف عليه { وألنا له ~~الحديد } معطوف على { آتيناه } أي جعلناه لينا ليعمل به ما شاء. قال ~~الحسن صار الحديد كالشمع يعمله من غير نار. وقال السدي كان الحديد في ~~يده كالطين المبلول، والعجين، والشمع يصرفه كيف يشاء من غير نار، ولا ضرب ~~بمطرقة، وكذا قال مقاتل، وكان يفرغ من عمل الدرع في بعض يوم. # { أن اعمل سبغت } في " أن " هذه وجهان أحدهما أنها مصدرية ~~على حذف حرف الجر، أي بأن اعمل، والثاني أنها المفسرة لقوله { ~~وألنا } ، وفيه نظر لأنها لا تكون إلا بعد القول، أو ما هو في ~~معناه. وقدر بعضهم فعلا فيه معنى القول، فقال التقدير وأمرناه أن أعمل. ~~وقوله { سبغت } صفة لموصوف محذوف، أي دروعا سابغات، والسابغات ~~الكوامل الواسعات، يقال سبغ الدرع، والثوب، وغيرهما إذا غطى كل ما هو ~~عليه، وفضل منه فضلة. { وقدر فى السرد } السرد نسج الدروع، ~~ويقال السرد والزرد كما يقال السراد، والزراد لصانع الدروع، والسرد أيضا ~~الخرز. يقال سرد يسرد إذا خرز، ومنه سرد الكلام إذا جاء به متواليا، ~~ومنه حديث عائشة لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يسرد الحديث كسردكم. ~~قال سيبويه ومنه سريد أي جري، ومعنى سرد الدروع إحكامها، وأن يكون نظم ~~حلقها ولاء غير مختلف، ومنه قول لبيد # سرد الدروع مضاعفا أسراده لينال طول العيش غير مروم # وقول أبي ذؤيب الهذلي # وعليهما مسرودتان قضاهما داود إذ صنع السوابغ تبع # قال قتادة كانت الدروع قبل داود ثقالا، فلذلك أمر هو بالتقدير فيما ~~يجمع الخفة والحصانة، أي قدر ما تأخذ من هذين المعنيين بقسطه، فلا تقصد ~~الحصانة ms3116 فيثقل، ولا الخفة فيزيل المنعة، وقال ابن زيد التقدير الذي أمر ~~به هو في قدر الحلقة، أي لا تعملها صغيرة فتضعف ولا يقوى الدرع على ~~الدفاع، ولا تعملها كبيرة فتثقل على لابسها. وقيل إن التقدير هو في ~~المسمار، أي لا تجعل مسمار الدرع دقيقا فيقلق، ولا غليظا فيفصم الحلق. ~~ثم خاطب داود، وأهله، فقال { واعملوا صلحا } أي عملا صالحا ~~كما في قوله { اعملوا ءال داوود شكرا } ، ثم علل الأمر ~~بالعمل الصالح بقوله { إنى بما تعملون بصير } أي لا يخفى ~~علي شيء من ذلك. { ولسليمن الريح } قرأ الجمهور { الريح } ~~بالنصب على تقدير وسخرنا لسليمان الريح كما قال الزجاج، وقرأ عاصم في ~~رواية أبي بكر عنه بالرفع على الابتداء، والخبر، أي ولسليمان الريح ثابتة ~~أو مسخرة، وقرأ الجمهور { الريح } ، وقرأ الحسن، وأبو حيوة، وخالد بن ~~إلياس الرياح بالجمع. { غدوها شهر ورواحها شهر } أي تسير ~~بالغداة مسيرة شهر، وتسير بالعشي كذلك، والجملة إما مستأنفة لبيان تسخير ~~الريح، أو في محل نصب على الحال. والمعنى أنها كانت تسير في اليوم الواحد ~~مسيرة شهرين. قال الحسن كان يغدو من دمشق، فيقيل بإصطخر، وبينهما مسيرة ~~شهر للمسرع، ثم يروح من إصطخر، فيبيت بكابل، وبينهما مسيرة شهر { ~~وأسلنا له عين القطر } القطر النحاس الذائب. # قال الواحدي قال المفسرون أجريت له عين الصفر ثلاثة أيام بلياليهن كجري ~~الماء، وإنما يعمل الناس اليوم بما أعطي سليمان، والمعنى أسلنا له عين ~~النحاس كما ألنا الحديد لداود، وقال قتادة أسال الله له عينا يستعملها ~~فيما يريد { ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ~~ربه } من مبتدأ، ويعمل خبره، ومن الجن متعلق به، أو بمحذوف على أنه ~~حال، أو من يعمل معطوف على الريح، ومن الجن حال، والمعنى وسخرنا له من ~~يعمل بين يديه حال كونه من الجن بإذن ربه، أي بأمره. والإذن مصدر مضاف ~~إلى فاعله، والجار والمجرور في محل نصب على الحال، أي مسخرا أو ميسرا ~~بأمر ربه { ومن يزغ منهم عن أمرنا } أي ومن يعدل من الجن ~~عن أمرنا ms3117 الذي أمرناه به وهو طاعة سليمان { نذقه من عذاب ~~السعير } قال أكثر المفسرين وذلك في الآخرة. وقيل في الدنيا. قال ~~السدي وكل الله بالجن ملكا بيده سوط من نار، فمن زاغ عن أمر سليمان ~~ضربه بذلك السوط ضربة فتحرقه. ثم ذكر سبحانه ما يعمله الجن لسليمان، ~~فقال { يعملون له ما يشاء } ، و «من» في قوله { من ~~محريب } للبيان، والمحاريب في اللغة كل موضع مرتفع، وهي الأبنية ~~الرفيعة، والقصور العالية. قال المبرد لا يكون المحراب إلا أن يرتقى ~~إليه بدرج، ومنه قيل للذي يصلي فيه محراب لأنه يرفع ويعظم. وقال مجاهد ~~المحاريب دون القصور. وقال أبو عبيدة المحراب أشرف بيوت الدار، ومنه قول ~~الشاعر # وماذا عليه إن ذكرت أوانسا كغزلان رمل في محاريب أقيال # وقال الضحاك المراد بالمحاريب هنا المساجد، والتماثيل جمع تمثال، وهو كل ~~شيء مثلته بشيء، أي صورته بصورته من نحاس، أو زجاج، أو رخام، أو غير ~~ذلك. قيل كانت هذه التماثيل صور الأنبياء، والملائكة، والعلماء، ~~والصلحاء، وكانوا يصورونها في المساجد ليراها الناس، فيزدادوا عبادة ~~واجتهادا. وقيل هي تماثيل أشياء ليست من الحيوان. وقد استدل بهذا على أن ~~التصوير كان مباحا في شرع سليمان، ونسخ ذلك بشرع نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم. والجفان جمع جفنة، وهي القصعة الكبيرة. { الجواب } جمع جابية، ~~وهي حفيرة كالحوض. وقيل هي الحوض الكبير يجبي الماء، أي يجمعه. قال ~~الواحدي قال المفسرون يعني قصاعا في العظم كحياض الإبل يجتمع على القصعة ~~الواحدة ألف رجل يأكلون منها. قال النحاس الأولى إثبات الياء في الجوابي، ~~ومن حذف الياء قال سبيل الألف واللام أن تدخل على النكرة فلا تغيرها عن ~~حالها، فلما كان يقال جواب، ودخلت الألف واللام أقر على حاله، فحذف ~~الياء. قال الكسائي يقال جبوت الماء، وجبيته في الحوض، أي جمعته، ~~والجابية الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل. # وقال النحاس والجابية القدر العظيمة، والحوض العظيم الكبير الذي يجبى ~~فيه الشي، أي يجمع، ومنه جبيت الخراج، وجبيت الجراد جمعته في الكساء { ~~وقدور رسيت } قال قتادة هي ms3118 قدور النحاس تكون بفارس، وقال الضحاك ~~هي قدور تنحت من الجبال الصم عملتها له الشياطين. ومعنى { راسيات }. ~~ثابتات لا تحمل، ولا تحرك لعظمها. ثم أمرهم سبحانه بالعمل الصالح على ~~العموم، أي سليمان وأهله، فقال { اعملوا ءال داوود شكرا } ~~أي وقلنا لهم اعملوا بطاعة الله يا آل داود شكرا له على ما آتاكم، أو ~~اعملوا عملا شكرا على أنه صفة مصدر محذوف، أو اعملوا للشكر على أنه ~~مفعول له، أو حال، أي شاكرين، أو مفعول به، وسميت الطاعة شكرا لأنها من ~~جملة أنواعه، أو منصوب على المصدرية بفعل مقدر من جنسه، أي اشكروا ~~شكرا. ثم بين بعد أمرهم بالشكر أن الشاكرين له من عباده ليسوا بالكثير، ~~فقال { وقليل من عبادى الشكور } أي العامل بطاعتي الشاكر ~~لنعمتي قليل. وارتفاع { قليل } على أنه خبر مقدم، و { من عبادي } صفة ~~له، والشكور مبتدأ. { فلما قضينا عليه الموت } أي حكمنا ~~عليه به، وألزمناه إياه { ما دلهم على موته إلا دابة ~~الأرض } يعني الأرضة. وقرىء. الأرض بفتح الراء، أي الأكل، يقال أرضت ~~الخشبة أرضا إذا أكلتها الأرضة. ومعنى تأكل منسأته تأكل عصاه التي كان ~~متكئا عليها، والمنسأة العصا بلغة الحبشة، أو هي مأخوذة من نسأت الغنم، ~~أي زجرتها. قال الزجاج المنسأة التي ينسأ بها أي يطرد. قرأ الجمهور { ~~منسأته } بهمزة مفتوحة. وقرأ ابن ذكوان بهمزة ساكنة. وقرأ نافع، وأبو ~~عمرو بألف محضة. قال المبرد بعض العرب يبدل من همزتها ألفا، وأنشد # إذا دببت على المنسأة من كبر فقد تباعد عنك اللهو والغزل # ومثل قراءة الجمهور قول الشاعر # ضربنا بمنسأة وجهه فصار بذاك مهينا ذليلا # ومثله # أمن أجل حبل لا أباك ضربته بمنسأة قد جر حبلك أحبلا # ومما يدل على قراءة ابن ذكوان قول طرفة # أمون كألواح الأران نسأتها على لاحب كأنه ظهر برجد # { فلما خر } أي سقط { تبينت الجن } أي ظهر لهم، من ~~تبينت الشيء إذا علمته، أي علمت الجن { أن لو كانوا يعلمون ~~الغيب ما لبثوا فى العذاب المهين } أي لو صح ما ~~يزعمونه من ms3119 أنهم يعلمون الغيب لعلموا بموته، ولم يلبثوا بعد موته مدة ~~طويلة في العذاب المهين في العمل الذي أمرهم به، والطاعة له، وهو إذ ذاك ~~ميت. قال مقاتل العذاب المهين الشقاء، والنصب في العمل. قال الواحدي قال ~~المفسرون كانت الناس في زمان سليمان يقولون إن الجن تعلم الغيب، فلما ~~مكث سليمان قائما على عصاه حولا ميتا، والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة ~~التي كانت تعمل في حياة سليمان لا يشعرون بموته حتى أكلت الأرضة عصاه، ~~فخر ميتا، فعلموا بموته، وعلم الناس أن الجن لا تعلم الغيب، ويجوز أن ~~يكون تبينت الجن من تبين الشيء، لا من تبينت الشيء، أي ظهر، وتجلى، وأن ~~وما في حيزها بدل اشتمال من الجن مع تقدير محذوف، أي ظهر أمر الجن للناس ~~أنهم لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، أو ظهر أن الجن ~~لو كانوا يعلمون الغيب إلخ. # قرأ الجمهور { تبينت } على البناء للفاعل مسندا إلى الجن. وقرأ ابن ~~عباس ويعقوب { تبينت } على البناء للمفعول، ومعنى القراءتين يعرف مما ~~قدمنا. وقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أوبى معه } قال سبحي معه، وروي ~~مثله عن أبي ميسرة، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، وابن زيد. وأخرج ابن المنذر ~~عن ابن عباس في قوله { وألنا له الحديد } قال كالعجين. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عنه أيضا في قوله { ~~وقدر فى السرد } قال حلق الحديد. وأخرج عبد الرزاق، والحاكم ~~عنه أيضا { وقدر فى السرد } قال لا تدق المسامير، وتوسع ~~الحلق، فتسلس، ولا تغلظ المسامير، وتضيق الحلق، فتقصم، واجعله قدرا. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم من طرق عنه أيضا في قوله { وأسلنا له عين القطر } ~~قال النحاس. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا قال القطر النحاس لم يقدر عليها ~~أحد بعد سليمان، وإنما يعمل الناس بعده فيما كان أعطي سليمان. وأخرج عبد ~~بن حميد عن ms3120 مجاهد قال القطر الصفر. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ~~عن ابن عباس في قوله { وتمثيل } قال اتخذ سليمان تماثيل من نحاس ~~فقال يا رب انفخ فيها الروح، فإنها أقوى على الخدمة، فنفخ الله فيها ~~الروح، فكانت تخدمه، وكان اسفنديار من بقاياهم، فقيل لداود وسليمان { ~~اعملوا ءال داوود شكرا وقليل من عبادى الشكور ~~}. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله { ~~كالجواب } قال كالجوبة من الأرض { وقدور رسيت } قال ~~أثافيها منها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا في ~~قوله { وقليل من عبادى الشكور } يقول قليل من عبادي ~~الموحدين توحيدهم. وأخرج هؤلاء عنه أيضا قال لبث سليمان على عصاه حولا ~~بعد ما مات، ثم خر على رأس الحول، فأخذت الجن عصي مثل عصاه، ودابة مثل ~~دابته، فأرسلوها عليها، فأكلتها في سنة، وكان ابن عباس يقرأ { فلما ~~خر تبينت الجن } الآية، قال سفيان وفي قراءة ابن مسعود «وهم ~~يدأبون له حولا». وأخرج البزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني، وابن السني، وابن مردويه عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " كان سليمان إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه، فيقول لها ما اسمك؟ ~~فتقول كذا، وكذا، فيقول لما أنت؟ فتقول لكذا، وكذا، فإن كانت لغرس غرست، ~~وإن كانت لدواء كتبت، وصلى ذات يوم، فإذا شجرة نابتة بين يديه، فقال لها ~~ما اسمك؟ قالت الخروب؟ قال لأي شيء أنت؟ قالت لخراب هذا البيت، فقال ~~سليمان اللهم عم عن الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون ~~الغيب، فهيأ عصا، فتوكأ عليها، وقبضه الله، وهو متكىء عليها، فمكث حولا ~~ميتا، والجن تعمل، فأكلتها الأرضة، فسقطت، فعلموا عند ذلك بموته، ~~فتبينت الإنس { أن } الجن { لو كانوا يعلمون الغيب ما ~~لبثوا فى العذاب المهين } " # وكان ابن عباس يقرؤها كذلك، فشكرت الجن للأرضة، فأينما كانت يأتونها ~~بالماء. وأخرجه الحاكم وصححه عن ابن عباس موقوفا، وأخرج الديلمي عن زيد ~~بن أرقم مرفوعا يقول الله عز ms3121 وجل«إني تفضلت على عبادي بثلاث ألقيت ~~الدابة على الحبة، ولولا ذلك لكنزها الملوك كما يكنزون الذهب، والفضة، ~~وألقيت النتن على الجسد، ولولا ذلك لم يدفن حبيب حبيبه، واستلبت الحزن، ~~ولولا ذلك لذهب النسل». ### || [34.15-21] # لما ذكر سبحانه حال بعض الشاكرين لنعمه عقبه بحال بعض الجاحدين لها، ~~فقال { لقد كان لسبإ } المراد بسبأ القبيلة التي هي من أولاد ~~سبأ، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود. قرأ الجمهور { لسبأ } ~~بالجر والتنوين على أنه اسم حي، أي الحي الذين هم أولاد سبأ، وقرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو لسبأ ممنوع الصرف بتأويل القبيلة، واختار هذه القراءة ~~أبو عبيد، ويقوي القراءة الأولى قوله { فى مسكنهم } ، ولو كان ~~على تأويل القبيلة لقال في مساكنها، فمما ورد على القراءة الأولى قول ~~الشاعر # الواردون وتيم في ذرى سبأ قد عض أعناقها جلد الجواميس # ومما ورد على القراءة الثانية قول الشاعر # من سبأ الحاضرين مأرب إذ يبنون من دون مسيله العرما # وقرأ قنبل، وأبو حيوة، والجحدري لبسأ بإسكان الهمزة، وقرىء بقلبها ~~ألفا. وقرأ الجمهور { فى مسكنهم } على الجمع، واختار هذه ~~القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم، ووجه الاختيار أنها كانت لهم منازل كثيرة، ~~ومساكن متعددة. وقرأ حمزة، وحفص بالإفراد مع فتح الكاف. وقرأ الكسائي ~~بالإفراد مع كسرها، وبهذه القراءة قرأ يحيى بن وثاب، والأعمش، ووجه ~~الإفراد أنه مصدر يشمل القليل، والكثير، أو اسم مكان، وأريد به معنى ~~الجمع، وهذه المساكن التي كانت لهم هي التي يقال لها الآن مأرب، وبينها ~~وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال، ومعنى قوله { ءاية } أي علامة دالة على ~~كمال قدرة الله، وبديع صنعه، ثم بين هذه الآية، فقال { جنتان } ، ~~وارتفاعهما على البدل من آية قاله الفراء، أو على أنهما خبر مبتدأ محذوف ~~قاله الزجاج، أو على أنهما مبتدأ، وخبره { عن يمين وشمال } ، ~~واختار هذا الوجه ابن عطية، وفيه أنه لا يجوز الابتداء بالنكرة من غير ~~مسوغ، وقرأ ابن أبي عبلة «جنتين» بالنصب على أنهما خبر ثان، واسمها آية، ~~وهاتان الجنتان كانتا عن ms3122 يمين واديهم وشماله، قد أحاطتا به من جهتيه، ~~وكانت مساكنهم في الوادي، والآية هي الجنتان، كانت المرأة تمشي فيهما، ~~وعلى رأسها المكتل، فيمتلىء من أنواع الفواكه التي تتساقط من غير أن ~~تمسها بيدها. وقال عبد الرحمن بن زيد إن الآية التي كانت لأهل سبأ في ~~مساكنهم أنهم لم يروا فيها بعوضة، ولا ذبابا، ولا برغوثا، ولا قملة، ~~ولا عقربا، ولا حية، ولا غير ذلك من الهوام، وإذا جاءهم الركب في ثيابهم ~~القمل ماتت عند رؤيتهم لبيوتهم. قال القشيري ولم يرد جنتين اثنتين، بل ~~أراد من الجهتين يمنة ويسرة في كل جهة بساتين كثيرة { كلوا من رزق ~~ربكم } أي قيل لهم ذلك، ولم يكن ثم أمر، ولكن المراد تمكينهم من تلك ~~النعم. # وقيل إنها قالت لهم الملائكة، والمراد بالرزق هو ثمار الجنتين. وقيل ~~إنهم خوطبوا بذلك على لسان نبيهم { واشكروا له } على ما رزقكم من ~~هذه النعم، واعملوا بطاعته، واجتنبوا معاصيه، وجملة { بلدة طيبة ~~ورب غفور } مستأنفة لبيان موجب الشكر. والمعنى هذه بلدة طيبة ~~لكثرة أشجارها، وطيب ثمارها. وقيل معنى كونها طيبة أنها غير سبخة، وقيل ~~ليس فيها هوام. وقال مجاهد هي صنعاء. ومعنى { ورب غفور } أن ~~المنعم عليهم رب غفور لذنوبهم. قال مقاتل المعنى وربكم إن شكرتم فيما ~~رزقكم رب غفور للذنوب. وقيل إنما جمع لهم بين طيب البلدة والمغفرة ~~للإشارة إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام. وقرأ ورش بنصب بلدة، ورب على ~~المدح، أو على تقدير اسكنوا بلدة، واشكروا ربا. ثم ذكر سبحانه ما كان ~~منهم بعد هذه النعمة التي أنعم بها عليهم، فقال { فأعرضوا } عن ~~الشكر، وكفروا بالله، وكذبوا أنبياءهم قال السدي بعث الله إلى أهل سبأ ~~ثلاثة عشر نبيا، فكذبوهم، وكذا قال وهب. ثم لما وقع منهم الإعراض عن شكر ~~النعمة أرسل الله عليهم نقمة سلب بها ما أنعم به عليهم، فقال { ~~فأرسلنا عليهم سيل العرم } ، وذلك أن الماء كان يأتي ~~أرض سبأ من أودية اليمن، فردموا ردما بين جبلين، وحبسوا الماء. وجعلوا ~~في ذلك الردم ms3123 ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، وكانوا يسقون من الباب الأعلى، ~~ثم من الباب الثاني، ثم من الثالث، فأخصبوا، وكثرت أموالهم، فلما كذبوا ~~رسلهم بعث الله جرذا، ففتقت ذلك الردم حتى انتقض، فدخل الماء جنتهم، ~~فغرقها، ودفن السيل بيوتهم، فهذا هو سيل العرم، وهو جمع عرمة وهي السكر ~~التي تحبس الماء، وكذا قال قتادة، وغيره. وقال السدي العرم اسم للسد. ~~والمعنى أرسلنا عليهم سيل السد العرم. وقال عطاء العرم اسم الوادي. وقال ~~الزجاج العرم اسم الجرذ الذي نقب السد عليهم، وهو الذي يقال له الخلد ~~فنسب السيل إليه لكونه سبب جريانه. قال ابن الأعرابي العرم من أسماء ~~الفأر. وقال مجاهد، وابن أبي نجيح العرم ماء أحمر أرسله الله في السد، ~~فشقه، وهدمه. وقيل إن العرم اسم المطر الشديد. وقيل اسم للسيل الشديد، ~~والعرامة في الأصل الشدة، والشراسة، والصعوبة. يقال عرم فلان إذا تشدد، ~~وتصعب، وروي عن ابن الأعرابي أنه قال العرم السيل الذي لا يطاق. وقال ~~المبرد العرم كل شيء حاجز بين شيئين. { وبدلنهم ~~بجنتهم جنتين } أي أهلكنا جنتيهم اللتين كانتا مشتملتين ~~على تلك الفواكه الطيبة، والأنواع الحسنة، وأعطيناهم بدلهما جنتين لا خير ~~فيهما، ولا فائدة لهم فيما هو نابت فيهما، ولهذا قال { ذواتى أكل ~~خمط } قرأ الجمهور بتنوين { أكل } ، وعدم إضافته إلى { خمط } ، وقرأ ~~أبو عمرو بالإضافة. قال الخليل الخمط الأراك، وكذا قال كثير من المفسرين. # وقال أبو عبيدة الخمط كل شجرة مرة ذات شوك. وقال الزجاج كل نبت فيه ~~مرارة لا يمكن أكله. وقال المبرد كل شيء تغير إلى ما لا يشتهى يقال له ~~خمط، ومنه اللبن إذا تغير، وقراءة الجمهور أولى من قراءة أبي عمرو. ~~والخمط نعت لأكل، أو بدل منه، لأن الأكل هو الخمط بعينه. وقال الأخفش ~~الإضافة أحسن في كلام العرب مثل ثوب خز، ودار آجر، والأولى تفسير الخمط ~~بما ذكره الخليل ومن معه. قال الجوهري الخمط ضرب من الأراك له حمل يؤكل، ~~وتسمية البدل جنتين للمشاكلة، أو التهكم بهم، والأثل هو الشجر المعروف ~~الشبيه بالطرفاء ms3124 كذا قال الفراء وغيره قال إلا أنه أعظم من الطرفاء ~~طولا، الواحدة أثلة، والجمع أثلاث. وقال الحسن الأثل الخشب. وقال أبو ~~عبيدة هو شجر النطار، والأول أولى، ولا ثمر للأثل. والسدر شجر معروف. ~~قال الفراء هو السمر. قال الأزهري السدر من الشجر سدران بري لا ينتفع ~~به، ولا يصلح للغسول، وله ثمر عفص لا يؤكل، وهو الذي يسمى الضال. والثاني ~~سدر ينبت على الماء، وثمره النبق، وورقه غسول يشبه شجر العناب، قيل ووصف ~~السدر بالقلة لأن منه نوعا يطيب أكله، وهو النوع الثاني الذي ذكره ~~الأزهري. قال قتادة بينما شجرهم من خير شجر إذ صيره الله من شر الشجر ~~بأعمالهم، فأهلك أشجارهم المثمرة، وأنبت بدلها الأراك، والطرفاء والسدر. ~~ويحتمل أن يرجع قوله { قليل } إلى جميع ما ذكر من الخمط والأثل ~~والسدر. والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم من التبديل، أو إلى مصدر ~~{ جزينهم } والباء في { بما كفروا } للسببية، أي ذلك ~~التبديل، أو ذلك الجزاء بسبب كفرهم للنعمة بإعراضهم عن شكرها { وهل ~~نجزى إلا الكفور } أي وهل نجازي هذا الجزاء بسلب النعمة، ونزول ~~النقمة إلا الشديد الكفر المتبالغ فيه. قرأ الجمهور يجازى بضم التحتية، ~~وفتح الزاي على البناء للمفعول. وقرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب، وحفص ~~بالنون، وكسر الزاي على البناء للفاعل، وهو الله سبحانه، والكفور على ~~القراءة الأولى مرفوع، وعلى القراءة الثانية منصوب، واختار القراءة ~~الثانية أبو عبيد، وأبو حاتم قالا لأن قبله { جزينهم } ، وظاهر ~~الآية أنه لا يجازى إلا الكفور مع كون أهل المعاصي يجازون، وقد قال قوم ~~إن معنى الآية أنه لا يجازى هذا الجزاء، وهو الاصطلام، والإهلاك إلا من ~~كفر. وقال مجاهد إن المؤمن يكفر عنه سيئاته، والكافر يجازى بكل عمل عمله. ~~وقال طاووس هو المناقشة في الحساب، وأما المؤمن، فلا يناقش. وقال الحسن ~~إن المعنى إنه يجازي الكافر مثلا بمثل، ورجح هذا الجواب النحاس. { ~~وجعلنا بينهم وبين القرى التى باركنا فيها } ~~هذا معطوف على قوله { لقد كان لسبإ } أي وكان من قصتهم أنا ~~جعلنا بينهم، وبين القرى التي ms3125 باركنا فيها بالماء، والشجر، وهي قرى الشام ~~{ قرى ظهرة } أي متواصلة، وكان متجرهم من أرضهم التي هي مأرب إلى ~~الشام، وكانوا يبيتون بقرية، ويقيلون بأخرى حتى يرجعوا، وكانوا لا ~~يحتاجون إلى زاد يحملونه من أرضهم إلى الشام، فهذا من جملة الحكاية لما ~~أنعم الله به عليهم. # قال الحسن إن هذه القرى هي بين اليمن والشام. قيل إنها كانت أربعة آلاف ~~وسبعمائة قرية. وقيل هي بين المدينة والشام. وقال المبرد القرى الظاهرة ~~هي المعروفة، وإنما قيل لها ظاهرة لظهورها، إذا خرجت من هذه ظهرت لك ~~الأخرى، فكانت قرى ظاهرة، أي معروفة، يقال هذا أمر ظاهر، أي معروف { ~~وقدرنا فيها السير } أي جعلنا السير من القرية إلى القرية ~~مقدارا معينا واحدا، وذلك نصف يوم كما قال المفسرون. قال الفراء أي ~~جعلنا بين كل قريتين نصف يوم حتى يكون المقيل في قرية، والمبيت في أخرى ~~إلى أن يصل إلى الشام، وإنما يبالغ الإنسان في السير لعدم الزاد، والماء، ~~ولخوف الطريق، فإذا وجد الزاد، والأمن لم يحمل نفسه المشقة، بل ينزل ~~أينما أراد. والحاصل أن الله سبحانه عدد عليهم النعم، ثم ذكر ما نزل بهم ~~من النقم، ثم عاد لتعديد بقية ما أنعم به عليهم مما هو خارج عن بلدهم من ~~اتصال القرى بينهم، وبين ما يريدون السفر إليه، ثم ذكر بعد ذلك تبديله ~~بالمفاوز والبراري كما سيأتي وقوله { سيروا فيها } هو على تقدير ~~القول، أي وقلنا لهم سيروا في تلك القرى المتصلة، فهو أمر تمكين أي ~~ومكناهم من السير فيها متى شاءوا { ليالي وأياما آمنين } مما ~~يخافونه، وانتصاب { ليالي } و { أياما } على الظرفية. وانتصاب { آمنين } ~~على الحال. قال قتادة كانوا يسيرون غير خائفين، ولا جياع، ولا ظمأ، كانوا ~~يسيرون مسيرة أربعة أشهر في أمان لا يحرك بعضهم بعضا، ولو لقي الرجل ~~قاتل أبيه لم يحركه. ثم ذكر سبحانه أنهم لم يشكروا النعمة، بل طلبوا ~~التعب والكد. { فقالوا ربنا بعد بين أسفارنا } وكان ~~هذا القول منهم بطرا وطغيانا لما سئموا النعمة، ولم يصبروا على ms3126 ~~العافية، فتمنوا طول الأسفار، والتباعد بين الديار، وسألوا الله تعالى أن ~~يجعل بينهم وبين الشام مكان تلك القرى المتواصلة الكثيرة الماء، والشجر، ~~والأمن، والمفاوز، والقفار، والبراري المتباعدة الأقطار، فأجابهم الله ~~إلى ذلك، وخرب تلك القرى المتواصلة، وذهب بما فيها من الخير، والماء، ~~والشجر، فكانت دعوتهم هذه كدعوة بني إسرائيل حيث قالوا # فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من ~~بقلها # البقرة 61 الآية مكان المن والسلوى، وكقول النضر بن الحارث # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء # الأنفال 32 الآية. قرأ الجمهور { ربنا } بالنصب على أنه منادى مضاف، ~~وقرءوا أيضا { باعد } وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن محيصن، وهشام عن ~~ابن عامر بعد بتشديد العين، وقرأ ابن السميفع بضم العين فعلا ماضيا، ~~فيكون معنى هذه القراءة الشكوى من بعد الأسفار، وقرأ أبو صالح، ومحمد بن ~~الحنفية، وأبو العالية، ونصر بن عاصم، ويعقوب ربنا بالرفع باعد بفتح ~~العين على أنه فعل ماض على الابتداء، والخبر. # والمعنى لقد باعد ربنا بين أسفارنا، ورويت هذه القراءة عن ابن عباس، ~~واختارها أبو حاتم، قال لأنهم ما طلبوا التبعيد إنما طلبوا أقرب من ذلك ~~القرب الذي كان بينهم وبين الشام بالقرى المتواصلة بطرا، وأشرا، وكفرا ~~للنعمة. وقرأ يحيى بن يعمر، وعيسى بن عمر ربنا بالرفع، بعد بفتح العين ~~مشددة، فيكون معنى هذه القراءة الشكوى بأن ربهم بعد بين أسفارهم مع ~~كونها قريبة متصلة بالقرى، والشجر، والماء، فيكون هذا من جملة بطرهم، ~~وقرأ أخو الحسن البصري كقراءة ابن السميفع السابقة مع رفع بين على أنه ~~الفاعل كما قيل في قوله # لقد تقطع بينكم # الأنعام 94. وروى الفراء، والزجاج قراءة مثل هذه القراءة لكن مع نصب ~~بين على أنه ظرف، والتقدير بعد سيرنا بين أسفارنا. قال النحاس وهذه ~~القراءات إذا اختلفت معانيها لم يجز أن يقال إحداها أجود من الأخرى كما ~~لا يقال ذلك في أخبار الآحاد إذا ا ختلفت معانيها، ولكن أخبر عنهم أنهم ~~دعوا ربهم أن يبعد بين أسفارهم، ms3127 فلما فعل ذلك بهم شكوا، وتضرروا، ولهذا ~~قال سبحانه { وظلموا أنفسهم } حيث كفروا بالله، وبطروا نعمته، ~~وتعرضوا لنقمته { فجعلنهم أحاديث } يتحدث الناس بأخبارهم. ~~والمعنى جعلناهم ذوي أحاديث يتحدث بها من بعدهم تعجبا من فعلهم، ~~واعتبارا بحالهم، وعاقبتهم { ومزقنهم كل ممزق } أي ~~فرقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق، وهذه الجملة مبينة لجعلهم ~~أحاديث، وذلك أن الله سبحانه لما أغرق مكانهم، وأذهب جنتهم، تفرقوا في ~~البلاد، فصارت العرب تضرب بهم الأمثال. فتقول تفرقوا أيدي سبا. قال ~~الشعبي فلحقت الأنصار بيثرب، وغسان بالشام، والأزد بعمان، وخزاعة بتهامة ~~{ إن فى ذلك لأيات } أي فيما ذكر من قصتهم، وما فعل الله بهم ~~لآيات بينات، ودلالات واضحات { لكل صبار شكور } أي لكل من هو ~~كثير الصبر، والشكر، وخص الصبار الشكور، لأنهما المنتفعان بالمواعظ ~~والآيات. { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه } قرأ الجمهور ~~" صدق " بالتخفيف، ورفع { إبليس } ، ونصب { ظنه }. قال الزجاج وهو على ~~المصدر، أي صدق عليهم ظنا ظنه، أو صدق في ظنه، أو على الظرف. والمعنى ~~أنه ظن بهم أنه إذا أغواهم اتبعوه، فوجدهم كذلك، ويجوز أن يكون منتصبا ~~على المفعولية، أو بإسقاط الخافض. وقرأ حمزة، والكسائي، ويحيى بن وثاب، ~~والأعمش، وعاصم { صدق } بالتشديد، و { ظنه } بالنصب على أنه مفعول به. # قال أبو علي الفارسي، أي صدق الظن الذي ظنه. قال مجاهد ظن ظنا، ~~فصدق ظنه، فكان كما ظن، وقرأ أبو جعفر، وأبو الجهجاء، والزهري، وزيد ~~بن علي صدق بالتخفيف، و إبليس بالنصب وظنه بالرفع، قال أبو حاتم لا وجه ~~لهذه القراءة عندي، وقد أجاز هذه القراءة الفراء، وذكرها الزجاج، وجعل ~~الظن فاعل صدق، وإبليس مفعوله. والمعنى أن إبليس سول له ظنه شيئا ~~فيهم، فصدق ظنه، فكأنه قال ولقد صدق عليهم ظن إبليس. وروي عن أبي عمرو ~~أنه قرأ برفعهما مع تخفيف صدق على أن يكون ظنه بدل اشتمال من إبليس. قيل ~~وهذه الآية خاصة بأهل سبأ. والمعنى أنهم غيروا، وبدلوا بعد أن كانوا قد ~~آمنوا بما جاءت به رسلهم. وقيل هي عامة، أي صدق ms3128 إبليس ظنه على الناس ~~كلهم إلا من أطاع الله. قاله مجاهد، والحسن. قال الكلبي إنه ظن أنه إن ~~أغواهم أجابوه، وإن أضلهم أطاعوه، فصدق ظنه { فاتبعوه } قال الحسن ~~ما ضربهم بصوت، ولا بعصي، وإنما ظن ظنا، فكان كما ظن بوسوسته، ~~وانتصاب. { إلا فريقا من المؤمنين } على الاستثناء، وفيه ~~وجهان أحدهما أن يراد به بعض المؤمنين، لأن كثيرا من المؤمنين يذنب، ~~وينقاد لإبليس في بعض المعاصي، ولم يسلم منه إلا فريق، وهم الذين قال ~~فيهم # إن عبادى ليس لك عليهم سلطن # الحجر 42. وقيل المراد ب { فريقا من المؤمنين } المؤمنون كلهم على أن ~~تكون " من " بيانية. { وما كان له عليهم من سلطن } أي ~~ما كان له تسلط عليهم، أي لم يقهرهم على الكفر، وإنما كان منه الدعاء، ~~والوسوسة، والتزيين. وقيل السلطان القوة. وقيل الحجة، والاستثناء في ~~قوله { إلا لنعلم من يؤمن بالأخرة ممن هو ~~منها فى شك } منقطع، والمعنى لا سلطان له عليهم، ولكن ابتليناهم ~~بوسوسته لنعلم. وقيل هو متصل مفرغ من أعم العام أي ما كان له عليهم تسلط ~~بحال من الأحوال، ولا لعلة من العلل إلا ليتميز من يؤمن، ومن لا يؤمن، ~~لأنه سبحانه قد علم ذلك علما أزليا. وقال الفراء المعنى إلا لنعلم ~~ذلك عندكم. وقيل إلا لتعلموا أنتم، وقيل ليعلم أولياؤنا، والملائكة. ~~وقرأ الزهري. إلا ليعلم على البناء للمفعول، والأولى حمل العلم هنا على ~~التمييز، والإظهار كما ذكرنا { وربك على كل شىء حفيظ } أي ~~محافظ عليه. قال مقاتل علم كل شيء من الإيمان و الشك. وقد أخرج أحمد، ~~والبخاري، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، وغيرهم عن فروة بن مسيك ~~المرادي قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت يا رسول الله ألا أقاتل ~~من أدبر من قومي بمن أقبل منهم؟ فأذن لي في قتالهم، وأمرني، فلما خرجت من ~~عنده أرسل في أثري فردني، فقال # " ادع القوم، فمن أسلم منهم، فاقبل منه، ومن لم يسلم، فلا تعجل حتى أحدث ~~إليك " # وأنزل في سبأ ما أنزل، فقال رجل يا رسول الله، ms3129 وما سبأ أرض أم امرأة؟ ~~قال # " ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب، فتيامن منهم ستة، ~~وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين تشاءموا فلخم، وجذام، وغسان، وعاملة وأما ~~الذين تيامنوا، فالأزد، والأشعريون، وحمير، وكندة، ومذحج، وأنمار " # فقال رجل يا رسول الله، وما أنمار؟ قال # " الذي منهم خثعم، وبجيلة " # وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والطبراني، وابن عدي، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه عن ابن عباس نحوه بأخصر منه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { سيل العرم } قال الشديد. وأخرج ~~ابن جرير عنه قال { سيل العرم } واد كان باليمن كان يسيل إلى مكة. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { أكل ~~خمط } قال الأراك. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا في قوله { وهل ~~نجزى إلا الكفور } قال تلك المناقشة. وأخرج إسحاق بن بشر، وابن ~~عساكر عنه أيضا في قوله { وجعلنا بينهم } يعني بين مساكنهم { ~~وبين القرى التى باركنا فيها } يعني الأرض المقدسة { ~~قرى ظهرة } يعني عامرة مخصبة { وقدرنا فيها السير } ~~يعني فيما بين مساكنهم وبين أرض الشام { سيروا فيها } إذا ظعنوا من ~~منازلهم إلى أرض الشام من المقدسة. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم ~~عنه أيضا في قوله { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه } ~~قال إبليس إن آدم خلق من تراب ومن طين ومن حمأ مسنون خلقا ضعيفا، وإني ~~خلقت من نار، والنار تحرق كل شيء لأحتنكن ذريته إلا قليلا. قال فصدق ~~ظنه عليهم { فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين } قال هم ~~المؤمنون كلهم. ### || [34.22-27] # قوله { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله } هذا أمر ~~للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لكفار قريش، أو للكفار على الإطلاق ~~هذا القول، ومفعولا زعمتم محذوفان، أي زعمتموهم آلهة لدلالة السياق ~~عليهما. قال مقاتل يقول ادعوهم ليكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم في سنين ~~الجوع. ثم أجاب سبحانه عنهم، فقال { لا يملكون مثقال ذرة ~~فى السموات ولا فى الأرض } أي ليس لهم قدرة على ms3130 خير، ولا ~~شر، ولا على جلب نفع، ولا دفع ضرر في أمر من الأمور، وذكر السماوات ~~والأرض لقصد التعميم لكونهما ظرفا للموجودات الخارجية { وما لهم ~~فيهما من شرك } أي ليس للآلهة في السماوات والأرض مشاركة لا ~~بالخلق، ولا بالملك، ولا بالتصرف { وما له منهم من ظهير } ~~أي وما لله سبحانه من تلك الآلهة من معين يعينه على شيء من أمر السموات ~~والأرض ومن فيهما. { ولا تنفع الشفعة عنده } أي شفاعة من ~~يشفع عنده من الملائكة، وغيرهم، وقوله { إلا لمن أذن له } ~~استثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي لا تنفع الشفاعة في حال من الأحوال ~~إلا كائنة لمن أذن له أن يشفع من الملائكة، والنبيين، ونحوهم من أهل ~~العلم، والعمل، ومعلوم أن هؤلاء لا يشفعون إلا لمن يستحق الشفاعة، لا ~~للكافرين، ويجوز أن يكون المعنى لا تنفع الشفاعة من الشفعاء المتأهلين ~~لها في حال من الأحوال إلا كائنة لمن أذن له، أي لأجله، وفي شأنه من ~~المستحقين للشفاعة لهم، لا من عداهم من غير المستحقين لها، واللام في { ~~لمن } يجوز أن تتعلق بنفس الشفاعة. قال أبو البقاء كما تقول شفعت له، ~~ويجوز أن تتعلق بتنفع، والأولى أنها متعلقة بالمحذوف كما ذكرنا. قيل ~~والمراد بقوله { لا تنفع الشفاعة } أنها لا توجد أصلا إلا ~~لمن أذن له، وإنما علق النفي بنفعها لا بوقوعها تصريحا بنفي ما هو غرضهم ~~من وقوعها. قرأ الجمهور { أذن } بفتح الهمزة، أي أذن له الله سبحانه، لأن ~~اسمه سبحانه مذكور قبل هذا، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي بضمها على ~~البناء للمفعول، والآذن هو الله سبحانه، ومثل هذه الآية قوله تعالى # من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه # البقرة 255، وقوله # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # الأنبياء 28، ثم أخبر سبحانه عن خوف هؤلاء الشفعاء، والمشفوع لهم، فقال ~~{ حتى إذا فزع عن قلوبهم } قرأ الجمهور { فزع } مبنيا ~~للمفعول، والفاعل هو الله، والقائم مقام الفاعل هو الجار والمجرور، وقرأ ~~ابن عامر فزع مبنيا للفاعل، وفاعله ضمير يرجع إلى الله سبحانه، وكلا ~~القراءتين بتشديد ms3131 الزاي، وفعل معناه السلب، فالتفزيع إزالة الفزع. وقرأ ~~الحسن مثل قراءة الجمهور إلا أنه خفف الزاي. # قال قطرب معنى فزع عن قلوبهم أخرج ما فيها من الفزع، وهو الخوف. وقال ~~مجاهد كشف عن قلوبهم الغطاء يوم القيامة. والمعنى أن الشفاعة لا تكون من ~~أحد من هؤلاء المعبودين من دون الله من الملائكة، والأنبياء والأصنام، ~~إلا أن الله سبحانه يأذن للملائكة والأنبياء، ونحوهم في الشفاعة لمن ~~يستحقها، وهم على غاية النزع من الله كما قال تعالى # وهم من خشيته مشفقون # الأنبياء 28، فإذا أذن لهم في الشفاعة فزعوا لما يقترن بتلك الحالة من ~~الأمر الهائل، والخوف الشديد من أن يحدث شيء من أقدار الله، فإذا سري ~~عليهم { قالوا } للملائكة فوقهم، وهم الذين يوردون عليهم الوحي بالإذن ~~{ ماذا قال ربكم } أي ماذا أمر به، فيقولون لهم قال القول { ~~الحق } ، وهو قبول شفاعتكم للمستحقين لها دون غيرهم { وهو ~~العلى الكبير } فله أن يحكم في عباده بما يشاء، ويفعل ما يريد. ~~وقيل هذا الفزع يكون للملائكة في كل أمر يأمر به الرب. والمعنى لا تنفع ~~الشفاعة إلا من الملائكة الذين هم فزعون اليوم مطيعون لله، دون ~~الجمادات، والشياطين. وقيل إن الذين يقولون ماذا قال ربكم هم المشفوع ~~لهم، والذين أجابوهم هم الشفعاء من الملائكة، والأنبياء. وقال الحسن، ~~وابن زيد، ومجاهد معنى الآية حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين في ~~الآخرة. قالت لهم الملائكة ماذا قال ربكم في الدنيا؟ قالوا الحق، ~~فأقروا حين لا ينفعهم الإقرار. وقرأ ابن عمر، وقتادة فرغ بالراء ~~المهملة، والغين المعجمة من الفراغ. والمعنى فرغ الله قلوبهم أي كشف عنها ~~الخوف. وقرأ ابن مسعود افرنقع بعد الفاء راء مهملة، ثم نون، ثم قاف، ثم ~~عين مهملة من الافرنقاع، وهو التفرق. ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يبكت ~~المشركين، ويوبخهم، فقال { قل من يرزقكم من السموات ~~والأرض } أي من ينعم عليكم بهذه الأرزاق التي تتمتعون بها، فإن ~~آلهتكم لا يملكون مثقال ذرة، والرزق من السماء هو المطر، وما ينتفع به ~~منها من ms3132 الشمس، والقمر، والنجوم، والرزق من الأرض هو النبات، والمعادن، ~~ونحو ذلك، ولما كان الكفار لا يقدرون على جواب هذا الاستفهام، ولم تقبل ~~عقولهم نسبة هذا الرزق إلى آلهتهم، وربما يتوقفون في نسبته إلى الله ~~مخافة أن تقوم عليهم الحجة، فأمر الله رسوله بأن يجيب عن ذلك، فقال { ~~قل الله } أي هو الذي يرزقكم من السماوات والأرض، ثم أمره سبحانه أن ~~يخبرهم بأنهم على ضلالة، لكن على وجه الإنصاف في الحجة بعد ما سبق تقرير ~~من هو على الهدى، ومن هو على الضلالة، فقال { وإنا أو إياكم ~~لعلى هدى أو فى ضلل مبين } والمعنى أن أحد الفريقين من ~~الذين يوحدون الله الخالق الرازق، ويخصونه بالعبادة، والذين يعبدون ~~الجمادات التي لا تقدر على خلق، ولا رزق، ولا نفع، ولا ضر لعلى أحد ~~الأمرين من الهدى، والضلالة، ومعلوم لكل عاقل أن من عبد الذي يخلق، ~~ويرزق، وينفع، ويضر هو الذي على الهدى، ومن عبد الذي لا يقدر على خلق، ~~ولا رزق، ولا نفع، ولا ضر هو الذي على الضلالة، فقد تضمن هذا الكلام ~~بيان فريق الهدى، وهم المسلمون، وفريق الضلالة، وهم المشركون على وجه ~~أبلغ من التصريح. # قال المبرد ومعنى هذا الكلام معنى قول المتبصر في الحجة لصاحبه أحدنا ~~كاذب، وقد عرف أنه الصادق المصيب، وصاحبه الكاذب المخطىء. قال و " أو " ~~عند البصريين على بابها، وليست للشك، لكنها على ما تستعمله العرب في مثل ~~هذا إذا لم يرد المخبر أن يبين، وهو عالم بالمعنى. وقال أبو عبيدة، ~~والفراء هي بمعنى الواو، وتقديره وإنا على هدى، وإياكم لفي ضلال مبين، ~~ومنه قول جرير # أثعلبة الفوارس أو رباحا عدلت بهم طهية والربابا # أي ثعلبة، ورباحا، وكذا قول الآخر # فلما اشتد بأس الحرب فينا تأملنا رباحا أو رزاما # أي ورزاما، وقوله { أو إياكم } معطوف على اسم إن، وخبرها هو المذكور، ~~وحذف خبر الثاني للدلالة عليه، أي إنا لعلى هدى، أو في ضلال مبين، وإنكم ~~لعلى هدى، أو في ضلال مبين، ويجوز العكس وهو كون المذكور خبر ms3133 الثاني، ~~وخبر الأول محذوفا، كما تقدم في قوله # والله ورسوله أحق أن يرضوه # التوبة 62، ثم أردف سبحانه هذا الكلام المنصف بكلام أبلغ منه في ~~الإنصاف، وأبعد من الجدل، والمشاغبة، فقال { قل لا تسئلون ~~عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون } أي إنما أدعوكم ~~إلى ما فيه خير لكم، ونفع، ولا ينالني من كفركم، وترككم لإجابتي ضرر، ~~وهذا كقوله سبحانه # لكم دينكم ولى دين # الكافرون 6، وفي إسناد الجرم إلى المسلمين، ونسبة مطلق العمل إلى ~~المخاطبين، مع كون أعمال المسلمين من البر الخالص، والطاعة المحضة، ~~وأعمال الكفار من المعصية البينة، والإثم الواضح من الإنصاف ما لا يقادر ~~قدره. والمقصود المهادنة، والمتاركة، وقد نسخت هذه الآية، وأمثالها بآية ~~السيف. ثم أمره سبحانه بأن يهددهم بعذاب الآخرة، لكن على وجه لا تصريح ~~فيه، فقال { قل يجمع بيننا ربنا } أي يوم القيامة { ثم ~~يفتح بيننا بالحق } أي يحكم، ويقضي بيننا الحق، فيثيب ~~المطيع، ويعاقب العاصي { وهو الفتاح } أي الحاكم بالحق القاضي ~~بالصواب { العليم } بما يتعلق بحكمه وقضائه من المصالح. وهذه أيضا ~~منسوخة بآية السيف. ثم أمره سبحانه أن يورد عليهم حجة أخرى يظهر بها ما ~~هم عليه من الخطأ، فقال { قل أرونى الذين ألحقتم به ~~شركاء } أي أروني الذين ألحقتموهم بالله شركاء له، وهذه الرؤية هي ~~القلبية، فيكون { شركاء } هو المفعول الثالث، لأن الفعل تعدى بالهمزة ~~إلى ثلاثة. # الأول الياء في { أروني } ، والثاني الموصول، والثالث { شركاء } ، ~~وعائد الموصول محذوف أي ألحقتموهم، ويجوز أن تكون هي البصرية، وتعدى ~~الفعل بالهمزة إلى اثنين الأول الياء، والثاني الموصول، ويكون { شركاء } ~~منتصبا على الحال. ثم رد عليهم ما يدعونه من الشركاء، وأبطل ذلك، فقال ~~{ كلا بل هو الله العزيز الحكيم } أي ارتدعوا عن دعوى ~~المشاركة، بل المنفرد بالإلهية، هو الله العزيز بالقهر والغلبة، الحكيم ~~بالحكمة الباهرة. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~{ فزع عن قلوبهم } قال جلى. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه ~~عنه قال لما أوحى الجبار إلى محمد صلى الله عليه وسلم ms3134 دعا الرسول من ~~الملائكة ليبعثه بالوحي، فسمعت الملائكة صوت الجبار يتكلم بالوحي، فلما ~~كشف عن قلوبهم سألوا عما قال الله، فقالوا الحق، وعلموا أن الله لا يقول ~~إلا حقا. قال ابن عباس وصوت الوحي كصوت الحديد على الصفا، فلما سمعوا ~~خروا سجدا، فلما رفعوا رءوسهم { قالوا ماذا قال ربكم ~~قالوا الحق وهو العلى الكبير }. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا قال ينزل الأمر إلى السماء الدنيا ~~له وقعة كوقعة السلسلة على الصخرة، فيفزع له جميع أهل السموات، فيقولون ~~ماذا قال ربكم؟ ثم يرجعون إلى أنفسهم، فيقولون الحق وهو العلي الكبير. ~~وأخرج البخاري، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم من حديث أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله ~~كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ~~ربكم؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير " # الحديث، وفي معناه أحاديث. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { وإنا أو ~~إياكم لعلى هدى أو فى ضلل مبين } قال نحن على ~~هدى، وإنكم لفي ضلال مبين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال { الفتاح } القاضي. ### || [34.28-33] # في انتصاب { كافة } وجوه، فقيل إنه منتصب على الحال من الكاف في { ~~أرسلنك } قال الزجاج أي وما أرسلناك إلا جامعا للناس بالإنذار، ~~والإبلاغ، والكافة بمعنى الجامع، والهاء فيه للمبالغة كعلامة. قال أبو ~~حيان أما قول الزجاج إن كافة بمعنى جامعا، والهاء فيه للمبالغة، فإن ~~اللغة لا تساعد عليه لأن كف ليس معناه جمع، بل معناه منع. يقال كف يكف، ~~أي منع يمنع. والمعنى إلا مانعا لهم من الكفر، ومنه الكف لأنها تمنع ~~من خروج ما فيه. وقيل إنه منتصب على المصدرية، والهاء للمبالغة كالعاقبة، ~~والعافية، والمراد أنها صفة مصدر محذوف، أي إلا رسالة كافة. وقيل إنه ms3135 ~~حال من الناس، والتقدير وما أرسلناك إلا للناس كافة، ورد بأنه لا ~~يتقدم الحال من المجرور عليه كما هو مقرر في علم الإعراب. ويجاب عنه ~~بأنه قد جوز ذلك أبو علي الفارسي، وابن كيسان، وابن برهان، ومنه قول ~~الشاعر # إذا المرء أعيته السيادة ناشئا فمطلبها كهلا عليه عسير # وقول الآخر # تسليت طرا عنكم بعد بينكم بذكراكم حتى كأنكم عندي # وقول الآخر # غافلا تعرض المنية للمر ء فيدعى ولات حين إباء # وممن رجح كونها حالا من المجرور بعدها ابن عطية، وقال قدمت للاهتمام، ~~والتقوي. وقيل المعنى إلا ذا كافة، أي ذا منع، فحذف المضاف. قيل ~~واللام في { للناس } بمعنى إلى، أي وما أرسلناك إلى الناس إلا ~~جامعا لهم بالإنذار، والإبلاغ، أو مانعا لهم من الكفر، والمعاصي، ~~وانتصاب { بشيرا ونذيرا } على الحال، أي مبشرا لهم بالجنة، ~~ومنذرا لهم من النار { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ~~ما عند الله، وما لهم من النفع في إرسال الرسل. { ويقولون متى ~~هذا الوعد إن كنتم صدقين } أي متى يكون هذا الوعد الذي ~~تعدونا به، وهو قيام الساعة أخبرونا به إن كنتم صادقين. قالوا هذا على ~~طريقة الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن معه من المؤمنين، ~~فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب عنهم، فقال { قل لكم ~~ميعاد يوم } أي ميقات يوم، وهو يوم البعث. وقيل وقت حضور الموت. ~~وقيل أراد يوم بدر لأنه كان يوم عذابهم في الدنيا، وعلى كل تقدير، فهذه ~~الإضافة للبيان، ويجوز في ميعاد أن يكون مصدرا مرادا به الوعد، وأن ~~يكون اسم زمان. قال أبو عبيدة الوعد، والوعيد، والميعاد بمعنى. وقرأ ابن ~~أبي عبلة بتنوين ميعاد ورفعه، ونصب يوم على أن يكون ميعاد مبتدأ، ويوما ~~ظرف، والخبر لكم. وقرأ عيسى بن عمر برفع ميعاد منونا، ونصب يوم مضافا ~~إلى الجملة بعده. وأجاز النحويون ميعاد يوم برفعهما منونين على أن ميعاد ~~مبتدأ، ويوم بدل منه، وجملة { لا تستئخرون عنه ساعة ~~ولا تستقدمون } صفة لميعاد، أي هذا الميعاد المضروب لكم ms3136 لا ~~تتأخرون عنه، ولا تتقدمون عليه، بل يكون لا محالة في الوقت الذي قد قدر ~~الله وقوعه فيه. # ثم ذكر سبحانه طرفا من قبائح الكفار، ونوعا من أنواع كفرهم، فقال { ~~وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرءان ولا ~~بالذى بين يديه } وهي الكتب القديمة، كالتوراة، والإنجيل، ~~والرسل المتقدمون. وقيل المراد بالذي بين يديه الدار الآخرة. ثم أخبر ~~سبحانه عن حالهم في الآخرة، فقال { ولو ترى إذ الظلمون ~~موقوفون عند ربهم } الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، أو لكل ~~من يصلح له، ومعنى { موقوفون عند ربهم } محبوسون في موقف الحساب { ~~يرجع بعضهم إلى بعض القول } أي يتراجعون الكلام فيما ~~بينهم باللوم والعتاب، بعد أن كانوا في الدنيا متعارضين متناصرين ~~متحابين. ثم بين سبحانه تلك المراجعة، فقال { يقول الذين ~~استضعفوا } ، وهم الأتباع { للذين استكبروا } ، وهم ~~الرؤساء المتبوعون { لولا أنتم } صددتمونا عن الإيمان بالله، ~~والاتباع لرسوله { لكنا مؤمنين } بالله مصدقين لرسوله، وكتابه. ~~{ قال الذين استكبروا للذين استضعفوا } مجيبين ~~عليهم مستنكرين لما قالوه { أنحن صددنكم عن الهدى } أي ~~منعناكم عن الإيمان { بعد إذ جاءكم } الهدى، قالوا هذا منكرين ~~لما ادعوه عليهم من الصد لهم، وجاحدين لما نسبوه إليهم من ذلك، ثم ~~بينوا لهم أنهم الصادون لأنفسهم، الممتنعون من الهدى بعد إذ جاءهم، ~~فقالوا { بل كنتم مجرمين } أي مصرين على الكفر، كثيري ~~الإجرام، عظيمي الآثام. { وقال الذين استضعفوا للذين ~~استكبروا } ردا لما أجابوا به عليهم، ودفعا لما نسبوه إليهم من ~~صدهم لأنفسهم { بل مكر اليل والنهار } أصل المكر في كلام ~~العرب الخديعة، والحيلة، يقال مكر به إذا خدعه، واحتال عليه. والمعنى بل ~~مكركم بنا الليل والنهار، فحذف المضاف إليه، وأقيم الظرف مقامه اتساعا. ~~وقال الأخفش هو على تقدير هذا مكر الليل، والنهار. قال النحاس المعنى ~~والله أعلم، بل مكركم في الليل، والنهار، ودعاؤكم لنا إلى الكفر هو الذي ~~حملنا على هذا. وقال سفيان الثوري بل عملكم في الليل والنهار، ويجوز أن ~~يجعل الليل، والنهار ماكرين على الإسناد المجازي كما تقرر في علم ~~المعاني. قال المبرد ms3137 كما تقول العرب نهاره صائم، وليله قائم، وأنشد قول ~~جرير # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المطي بنائم # وأنشد سيبويه # قيام ليلي وتجلي همي # وقرأ قتادة، ويحيى بن يعمر برفع مكر منونا، ونصب " الليل والنهار " ، ~~والتقدير بل مكر كائن في الليل والنهار. وقرأ سعيد بن جبير، وأبو رزين ~~بفتح الكاف، وتشديد الراء مضافا بمعنى الكرور، من كر يكر إذا جاء، ~~وذهب، وارتفاع { مكر } على هذه القراءات على أنه مبتدأ، وخبره محذوف، أي ~~مكر الليل والنهار صدنا، أو على أنه فاعل لفعل محذوف، أي صدنا مكر ~~الليل والنهار، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف كما تقدم عن الأخفش. # وقرأ طلحة بن راشد كما قرأ سعيد بن جبير، ولكنه نصب مكر على المصدرية، ~~أي بل تكررت الإغواء مكرا دائما لا تفترون عنه، وانتصاب { إذ ~~تأمروننا } على أنه ظرف للمكر، أي بل مكركم بنا وقت أمركم لنا { ~~أن نكفر بالله ونجعل له أندادا } أي أشباها، ~~وأمثالا. قال المبرد يقال ند فلان فلان، أي مثله، وأنشد # أتيما تجعلون إلي ندا وما تيم بذي حسب نديد # والضمير في قوله { وأسروا الندامة لما رأوا ~~العذاب } راجع إلى الفريقين أي أضمر الفريقان الندامة على ما فعلوا ~~من الكفر، وأخفوها عن غيرهم، أو أخفاها كل منهم عن الآخر مخافة الشماتة. ~~وقيل المراد بأسروا هنا أظهروا لأنه من الأضداد يكون، تارة بمعنى ~~الإخفاء، وتارة بمعنى الإظهار، ومنه قول امرىء القيس # تجاوزت أحراسا وأهوال معشر علي حراص لو يسرون مقتلي # وقيل معنى { أسروا الندامة } تبينت الندامة في أسرة وجوههم { ~~وجعلنا الأغلل فى أعناق الذين كفروا } الأغلال ~~جمل غل، يقال في رقبته غل من حديد، أي جعلت الأغلال من الحديد في أعناق ~~هؤلاء في النار، والمراد بالذين كفروا هم المذكورون سابقا، والإظهار ~~لمزيد الذم، أو للكفار على العموم، فيدخل هؤلاء فيهم دخولا أوليا { ~~هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } أي إلا جزاء ما ~~كانوا يعملونه من الشرك بالله، أو إلا بما كانوا يعملون على حذف الخافض. ~~وقد ms3138 أخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن مجاهد في قوله { وما ~~أرسلنك إلا كافة للناس } قال إلى الناس جميعا. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة قال أرسل الله محمدا ~~إلى العرب، والعجم، فأكرمهم على الله أطوعهم له. وأخرج هؤلاء عنه في قوله ~~{ وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرءان } ~~قال هذا قول مشركي العرب كفروا بالقرآن، وبالذي بين يديه من الكتب، ~~والأنبياء. ### || [34.34-42] # لما قص سبحانه حال من تقدم من الكفار أتبعه بما فيه التسلية لرسوله، ~~وبيان أن كفر الأمم السابقة بمن أرسل إليهم من الرسل هو كائن مستمر في ~~الأعصر الأول، فقال { وما أرسلنا فى قرية } من القرى { من ~~نذير } ينذرهم، ويحذرهم عقاب الله { إلا قال مترفوها } أي ~~رؤساؤها، وأغنياؤها، وجبابرتها، وقادة الشر لرسلهم { إنا بما ~~أرسلتم به كفرون } أي بما أرسلتم به من التوحيد، والإيمان، ~~وجملة { إلا قال مترفوها } في محل نصب على الحال. ثم ذكر ما ~~افتخروا به من الأموال، والأولاد، وقاسوا حالهم في الدار الآخرة على ~~حالهم في هذه الدار على تقدير صحة ما أنذرهم به الرسل، فقال { وقالوا ~~نحن أكثر أمولا وأولدا وما نحن بمعذبين } ~~والمعنى أن الله فضلنا عليكم بالأموال والأولاد في الدنيا، وذلك يدل على ~~أنه قد رضي ما نحن عليه من الدين، { وما نحن بمعذبين } في ~~الآخرة بعد إحسانه إلينا في الدنيا، ورضاه عنا. فأمر الله نبيه صلى الله ~~عليه وسلم بأن يجيب عنهم، وقال { قل إن ربى يبسط الرزق ~~لمن يشاء } أن يبسطه له { ويقدر } أي يضيق على من يشاء أن يضيقه ~~عليه، فهو سبحانه قد يرزق الكافر، والعاصي استدراجا له، وقد يمتحن ~~المؤمن المطيع بالتقتير توفيرا لأجره، وليس مجرد بسط الرزق لمن بسطه له ~~يدل على أنه قد رضي عنه، ورضي عمله، ولا قبضه عمن قبضه عنه يدل على أنه ~~لم يرضه، ولا رضي عمله، فقياس الدار الآخرة على الدار الأولى في مثل هذا ~~من الغلط البين، أو المغالطة الواضحة { ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون ms3139 } هذا، ومن جملة هؤلاء الأكثر من قاس أمر الآخرة على ~~الأولى، ثم زاد هذا الجواب تأييدا، وتأكيدا { وما أمولكم ولا ~~أولدكم بالتى تقربكم عندنا زلفى } أي ليسوا ~~بالخصلة التي تقربكم عندنا قربى. قال مجاهد الزلفى القربى، والزلفة ~~القربة. قال الأخفش زلفى اسم مصدر كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريبا، ~~فتكون زلفى منصوبة المحل. قال الفراء إن التي تكون للأموال والأولاد ~~جميعا. وقال الزجاج إن المعنى وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا زلفى، ~~ولا أولادكم بالشيء يقربكم عندنا زلفى، ثم حذف خبر الأول لدلالة الثاني ~~عليه، وأنشد # نحن بما عندنا وأنت بما عن دك راض والرأي مختلف # ويجوز في غير القرآن باللتين، واللاتي، وباللواتي، وبالذي للأولاد خاصة، ~~أي لا تزيدكم الأموال عندنا درجة ورفعة، ولا تقربكم تقريبا { إلا ~~من آمن وعمل صالحا } هو استثناء منقطع، فيكون محله النصب، أي ~~لكن من آمن، وعمل صالحا، أو في محل جر بدلا من الضمير في تقربكم، كذا ~~قال الزجاج. # قال النحاس وهذا القول غلط، لأن الكاف والميم للمخاطب، فلا يجوز البدل، ~~ولو جاز هذا لجاز رأيتك زيدا. ويجاب عنه بأن الأخفش والكوفيين يجوزون ~~ذلك، وقد قال بمثل قول الزجاج الفراء، وأجاز الفراء أن يكون في موضع رفع ~~بمعنى ما هو إلا من آمن، والإشارة بقوله { فأولئك } إلى من، ~~والجمع باعتبار معناها، وهو مبتدأ، وخبره { لهم جزاء الضعف } أي ~~جزاء الزيادة، وهي المرادة بقوله # من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها # الأنعام 160، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي جزاء التضعيف ~~للحسنات. وقيل لهم جزاء الإضعاف لأن الضعف في معنى الجمع، والباء في { ~~بما عملوا } للسببية { وهم فى الغرفت ءامنون } من ~~جميع ما يكرهون، والمراد غرفات الجنة، قرأ الجمهور { جزاء الضعف } ~~بالإضافة، وقرأ الزهري، ويعقوب، ونصر بن عاصم، وقتادة برفعهما على أن ~~الضعف بدل من جزاء. وروي عن يعقوب أنه قرأ جزاء بالنصب منونا، و الضعف ~~بالرفع على تقدير فأولئك لهم الضعف جزاء، أي حال كونه جزاء. وقرأ الجمهور ~~{ في الغرفات } بالجمع، واختار هذه القراءة أبو عبيد ms3140 لقوله # لنبوئنهم من الجنة غرفا # العنكبوت 58. وقرأ الأعمش، ويحيى بن وثاب، وحمزة، وخلف في الغرفة ~~بالإفراد لقوله # أولئك يجزون الغرفة # الفرقان 75 ولما ذكر سبحانه حال المؤمنين ذكر حال الكافرين، فقال { ~~والذين يسعون فى ءايتنا } بالرد لها، والطعن فيها حال ~~كونهم { معجزين } مسابقين لنا زاعمين أنهم يفوتوننا بأنفسهم، أو ~~معاندين لنا بكفرهم { أولئك فى العذاب محضرون } أي في ~~عذاب جهنم تحضرهم الزبانية إليها لا يجدون عنها محيصا. ثم كرر سبحانه ~~ما تقدم لقصد التأكيد للحجة، والدفع لما قاله الكفرة، فقال { قل إن ~~ربى يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له } ~~أي يوسعه لمن يشاء، ويضيقه على من يشاء، وليس في ذلك دلالة على سعادة، ~~ولا شقاوة { وما أنفقتم من شىء فهو يخلفه } أي يخلفه ~~عليكم، يقال أخلف له، وأخلف عليه إذا أعطاه عوضه، وبدله، وذلك البدل إما ~~في الدنيا، وإما في الآخرة { وهو خير الرزقين } فإن رزق العباد ~~لبعضهم البعض إنما هو بتيسير الله، وتقديره، وليسوا برازقين على الحقيقة ~~بل على طريق المجاز، كما يقال في الرجل إنه يرزق عياله، وفي الأمير إنه ~~يرزق جنده، والرازق للأمير، والمأمور، والكبير، والصغير هو الخالق لهم، ~~ومن أخرج من العباد إلى غيره شيئا مما رزقه الله، فهو إنما تصرف في رزق ~~الله له، فاستحق بما خرج منه الثواب عليه المضاعف لامتثاله لأمر الله، ~~وإنفاقه فيما أمره الله. { ويوم نحشرهم جميعا } الظرف منصوب ~~بفعل مقدر نحو اذكر، أو هو متصل بقوله # ولو ترى إذ الظلمون موقوفون # سبأ 31 أي ولو تراهم أيضا يوم نحشرهم جميعا للحساب العابد، والمعبود، ~~والمستكبر، والمستضعف، { ثم نقول للملئكة أهؤلاء ~~إياكم كانوا يعبدون } تقريعا للمشركين، وتوبيخا لمن عبد ~~غير الله عز وجل كما في قوله لعيسى # ءأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون ~~الله # المائدة 116، وإنما خصص الملائكة بالذكر مع أن بعض الكفار قد عبد غيرهم ~~من الشياطين، والأصنام لأنهم أشرف معبودات المشركين. قال النحاس والمعنى ~~أن الملائكة إذا أكذبتهم كان في ذلك تبكيت للمشركين، وجملة { قالوا ~~سبحنك ms3141 أنت ولينا من دونهم } مستأنفة جواب سؤال مقدر، ~~أي تنزيها لك أنت الذي نتولاه، ونطيعه، ونعبده من دونهم، ما اتخذناهم ~~عابدين، ولا توليناهم، وليس لنا غيرك وليا، ثم صرحوا بما كان المشركون ~~يعبدونه، فقالوا { بل كانوا يعبدون الجن } أي الشياطين، ~~وهم إبليس، وجنوده، ويزعمون أنهم يرونهم، وأنهم ملائكة، وأنهم بنات الله. ~~وقيل كانوا يدخلون أجواف الأصنام، ويخاطبونهم منها { أكثرهم بهم ~~مؤمنون } أي أكثر المشركين بالجن مؤمنون بهم مصدقون لهم. قيل ~~والأكثر في معنى الكل. { فاليوم لا يملك بعضكم لبعض ~~نفعا ولا ضرا } يعني العابدين، والمعبودين لا يملك بعضهم، وهم ~~المعبودون لبعض، وهم العابدون { نفعا } أي شفاعة، ونجاة { ولا ضرا ~~} أي عذابا، وهلاكا، وإنما قيل لهم هذا القول إظهارا لعجزهم، وقصورهم، ~~وتبكيتا لعابديهم، وقولهم { ولا ضرا } هو على حذف مضاف، أي لا ~~يملكون لهم دفع ضر، وقوله { ونقول للذين ظلموا } عطف على ~~قوله { نقول للملئكة } أي للذين ظلموا أنفسهم بعبادة غير ~~الله { ذوقوا عذاب النار التى كنتم بها تكذبون } في ~~الدنيا. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي رزين قال كان رجلان ~~شريكين، خرج أحدهما إلى الساحل، وبقي الآخر، فلما بعث الله النبي صلى ~~الله عليه وسلم كتب إلى صاحبه يسأله ما فعل؟ فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد ~~من قريش إلا رذالة الناس ومساكينهم، فترك تجارته، ثم أتى صاحبه، فقال ~~دلني عليه، وكان يقرأ الكتب، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال إلى ما ~~تدعو؟ قال إلى كذا، وكذا، قال أشهد أنك رسول الله، قال وما علمك بذلك؟ ~~قال إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه رذالة الناس، ومساكينهم، فنزلت هذه ~~الآيات { وما أرسلنا فى قرية من نذير إلا قال ~~مترفوها } الآيات، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم # " إن الله قد أنزل تصديق ما قلت " # وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد في قوله { جزاء الضعف } ~~قال تضعيف الحسنة. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال إذا كان ms3142 الرجل غنيا تقيا آتاه الله ~~أجره مرتين، وتلا هذه الآية { وما أمولكم ولا أولدكم } ~~إلى قوله { فأولئك لهم جزاء الضعف } قال تضعيف الحسنة. # وأخرج سعيد بن منصور، والبخاري في الأدب المفرد، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله { وما أنفقتم من ~~شىء فهو يخلفه } قال في غير إسراف، ولا تقتير، وعن مجاهد مثله. ~~وعن الحسن مثله. وأخرج الدارقطني، والبيهقي في الشعب عن جابر، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال # " كلما أنفق العبد من نفقة، فعلى الله خلفها ضامنا إلا نفقة في بيان، ~~أو معصية " # وأخرج نحوه ابن عدي في الكامل، والبيهقي من وجه آخر عنه مرفوعا بأطول ~~منه. وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " قال الله عز وجل أنفق يا ابن آدم أنفق عليك " # وثبت في الصحيح من حديثه أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط ~~منفقا خلفا، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا " # وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول # " إن لكل يوم نحسا، فادفعوا نحس ذلك اليوم بالصدقة " # ثم قال اقرءوا مواضع الخلف، فإني سمعت رسول الله يقول # " وما أنفقتم من شيء، فهو يخلفه إذا لم تنفقوا كيف يخلف " # وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " إن المعونة تنزل من السماء على قدر المئونة ". ### || [34.43-50] # ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من أنواع كفرهم، فقال { وإذا تتلى ~~عليهم ءايتنا } أي الآيات القرآنية حال كونها { بينت } ~~واضحات الدلالات ظاهرات المعاني { قالوا ما هذا } يعنون التالي ~~لها، وهو النبي { إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان ~~يعبد آبآؤكم } أي أسلافكم من الأصنام التي كانوا يعبدونها { ~~وقالوا } ثانيا { ما هذا } يعنون القرآن الكريم { إلا ~~إفك مفترى } أي كذب مختلق { وقال الذين ms3143 كفروا } ~~ثالثا { للحق لما جاءهم } أي لأمر الدين الذي جاءهم به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { إن هذا إلا سحر مبين } وهذا ~~الإنكار منهم خاص بالتوحيد، وأما إنكار القرآن، والمعجزة، فكان متفقا ~~عليه بين أهل الكتاب، والمشركين. وقيل أريد بالأول، وهو قولهم { إلا ~~إفك مفترى } معناه، وبالثاني، وهو قولهم { إن هذا إلا ~~سحر مبين } نظمه المعجز. وقيل إن طائفة منهم قالوا إنه إفك، ~~وطائفة قالوا إنه سحر. وقيل إنهم جميعا قالوا تارة إنه إفك، وتارة إنه ~~سحر، والأول أولى. { وما ءاتينهم من كتب يدرسونها } ~~أي ما أنزلنا على العرب كتبا سماوية يدرسون فيها { وما أرسلنا ~~إليهم قبلك من نذير } يدعوهم إلى الحق، وينذرهم بالعذاب، ~~فليس لتكذيبهم بالقرآن وبالرسول وجه، ولا شبهة يتشبثون بها. قال قتادة ما ~~أنزل الله على العرب كتابا قبل القرآن، ولا بعث إليهم نبيا قبل محمد ~~صلى الله عليه وسلم. قال الفراء، أي من أين كذبوك، ولم يأتهم كتاب، ولا ~~نذير بهذا الذي فعلوه. ثم خوفهم سبحانه، وأخبر عن عاقبتهم، وعاقبة من ~~كان قبلهم، فقال { وكذب الذين من قبلهم } من القرون ~~الخالية { وما بلغوا معشار ما ءاتينهم } أي ما بلغ أهل ~~مكة من مشركي قريش، وغيرهم من العرب عشر ما آتينا من قبلهم من القوة، ~~وكثرة المال، وطول العمر، فأهلكهم الله، كعاد، وثمود، وأمثالهم. والمعشار ~~هو العشر. قال الجوهري معشار الشيء عشره. وقيل المعشار عشر العشر، ~~والأول أولى. وقيل إن المعنى ما بلغ من قبلهم معشار ما آتينا هؤلاء من ~~البينات والهدى. وقيل ما بلغ من قبلهم معشار شكر ما أعطيناهم. وقيل ما ~~أعطى الله من قبلهم معشار ما أعطاهم من العلم، والبيان، والحجة، ~~والبرهان، والأول أولى. وقيل المعشار عشر العشير، والعشير عشر العشر، ~~فيكون جزءا من ألف جزء. قال الماوردي وهو الأظهر لأن المراد به المبالغة ~~في التقليل، قلت مراعاة المبالغة في التقليل لا يسوغ لأجلها الخروج عن ~~المعنى العربي، وقوله { فكذبوا رسلى } عطف على { كذب ~~الذين من قبلهم } على طريقة التفسير، كقوله # كذبت قبلهم ms3144 قوم نوح فكذبوا عبدنا # القمر 9 الآية، والأولى أن يكون من عطف الخاص على العام، لأن التكذيب ~~الأول لما حذف منه المتعلق للتكذيب أفاد العموم، فمعناه كذبوا الكتب ~~المنزلة، والرسل المرسلة، والمعجزات الواضحة، وتكذيب الرسل أخص منه، وإن ~~كان مستلزما له، فقد روعيت الدلالة اللفظية لا الدلالة الالتزامية { ~~فكيف كان } أي فكيف كان إنكاري لهم بالعذاب، والعقوبة، فليحذر ~~هؤلاء من مثل ذلك. قيل وفي الكلام حذف. والتقدير فأهلكناهم، فكيف كان ~~نكير، والنكير اسم بمعنى الإنكار. ثم أمر سبحانه رسوله أن يقيم عليهم حجة ~~ينقطعون عندها، فقال { قل إنما أعظكم بوحدة } أي أحذركم، ~~وأنذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه، وأوصيكم بخصلة واحدة، وهي { أن ~~تقوموا لله مثنى وفرادى } هذا تفسير للخصلة الواحدة، أو ~~بدل منها، أي هي قيامكم وتشميركم في طلب الحق بالفكرة الصادقة متفرقين ~~اثنين اثنين، وواحدا واحدا، لأن الاجتماع يشوش الفكر. وليس المراد ~~القيام على الرجلين، بل المراد القيام بطلب الحق، وإصداق الفكر فيه، كما ~~يقال قام فلان بأمر كذا { ثم تتفكروا } في أمر النبي، وما جاء ~~به من الكتاب، فإنكم عند ذلك تعلمون أن { ما بصحبكم من جنة ~~} ، وذلك لأنهم كانوا يقولون إن محمدا مجنون، فقال الله سبحانه قل لهم ~~اعتبروا أمري بواحدة، وهي أن تقوموا لله، وفي ذاته مجتمعين، فيقول الرجل ~~لصاحبه هلم، فلنتصادق، هل رأينا بهذا الرجل من جنة، أي جنون، أو جربنا ~~عليه كذبا، ثم ينفرد كل واحد عن صاحبه، فيتفكر، وينظر، فإن في ذلك ما ~~يدل على أن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق، وأنه رسول من عند الله، وأنه ~~ليس بكاذب، ولا ساحر، ولا مجنون، وهو معنى قوله { إن هو إلا ~~نذير لكم بين يدى عذاب شديد } أي ما هو إلا نذير لكم ~~بين يدي الساعة. وقيل إن جملة { ما بصحبكم من جنة } ~~مستأنفة من جهة الله سبحانه مسوقة للتنبيه على طريقة النظر والتأمل بأن ~~هذا الأمر العظيم، والدعوى الكبيرة لا يعرض نفسه له إلا مجنون لا يبالي ~~بما يقال فيه، وما ينسب ms3145 إليه من الكذب، وقد علموا أنه أرجح الناس عقلا، ~~فوجب أن يصدقوه في دعواه، لا سيما مع انضمام المعجزة الواضحة، وإجماعهم ~~على أنه لم يكن ممن يفتري الكذب، ولا قد جربوا عليه كذبا مدة عمره، ~~وعمرهم. وقيل يجوز أن تكون «ما» في { ما بصحبكم } استفهامية، أي ~~ثم تتفكروا أي شيء به من آثار الجنون. وقيل المراد بقوله { إنما ~~أعظكم بوحدة } هي «لا إله إلا الله» كذا قال مجاهد، والسدي. ~~وقيل القرآن لأنه يجمع المواعظ كلها، والأولى ما ذكرناه أولا. وقال ~~الزجاج إن «أن» في قوله { أن تقوموا } في موضع نصب بمعنى لأن ~~تقوموا. و قال السدي معنى مثنى وفرادى منفردا برأيه، ومشاورا لغيره. # وقال القتيبي مناظرا مع عشيرته، ومفكرا في نفسه. وقيل المثنى عمل ~~النهار، والفرادى عمل الليل، قاله الماوردي. وما أبرد هذا القول، وأقل ~~جدواه. واختار أبو حاتم، وابن الأنباري الوقف على قوله { ثم ~~تتفكروا } ، وعلى هذا تكون جملة { ما بصحبكم من جنة ~~} مستأنفة كما قدمنا. وقيل ليس بوقف، لأن المعنى ثم تتفكروا هل جربتم ~~عليه كذبا، أو رأيتم منه جنة، أو في أحواله من فساد. ثم أمر سبحانه أن ~~يخبرهم أنه لم يكن له غرض في الدنيا، ولا رغبة فيها حتى تنقطع عندهم ~~الشكوك، ويرتفع الريب، فقال { قل ما سألتكم من أجر فهو ~~لكم } أي ما طلبت منكم من جعل تجعلونه لي مقابل الرسالة، فهو لكم إن ~~سألتكموه، والمراد نفي السؤال بالكلية، كما يقول القائل ما أملكه في هذا، ~~فقد وهبته لك، يريد أنه لا ملك له فيه أصلا، ومثل هذه الآية قوله # قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة فى ~~القربى # الشورى 23، وقوله # ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ ~~إلى ربه سبيلا # الفرقان 57. ثم بين لهم أن أجره عند الله سبحانه، فقال { إن أجرى ~~إلا على الله } أي ما أجري إلا على الله لا على غيره { وهو ~~على كل شىء شهيد } أي مطلع لا يغيب عنه منه شيء. { قل إن ~~ربى يقذف بالحق ms3146 } القذف الرمي بالسهم، والحصى، والكلام. قال ~~الكلبي يرمي على معنى يأتي به، وقال مقاتل يتكلم بالحق، وهو القرآن، ~~والوحي، أي يلقيه إلى أنبيائه. وقال قتادة { بالحق } أي بالوحي، ~~والمعنى أنه يبين الحجة، ويظهرها للناس على ألسن رسله، وقيل يرمي الباطل ~~بالحق، فيدمغه { علم الغيوب } قرأ الجمهور برفع { علام } على ~~أنه خبر ثان لإن، أو خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من الضمير في يقذف، أو ~~معطوف على محل اسم إن. قال الزجاج الرفع من وجهين على الموضع، لأن الموضع ~~موضع رفع، أو على البدل. وقرأ زيد بن علي، وعيسى بن عمر، وابن أبي إسحاق ~~بالنصب نعتا لاسم إن، أو بدلا منه، أو على المدح. قال الفراء والرفع ~~في مثل هذا أكثر كقوله # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار # ص 64، وقرىء الغيوب بالحركات الثلاث في الغين، وهو جمع غيب، والغيب هو ~~الأمر الذي غاب وخفي جدا. { قل جاء الحق } أي الإسلام، ~~والتوحيد. وقال قتادة القرآن. وقال النحاس التقدير صاحب الحق، أي الكتاب ~~الذي فيه البراهين، والحجج. وأقول لا وجه لتقدير المضاف، فإن القرآن قد ~~جاء كما جاء صاحبه. { وما يبدىء البطل وما يعيد } أي ذهب ~~الباطل ذهابا لم يبق منه إقبال، ولا إدبار، ولا إبداء، ولا إعادة. قال ~~قتادة الباطل هو الشيطان، أي ما يخلق لشيطان ابتداء، ولا يبعث، وبه قال ~~مقاتل، والكلبي. # وقيل يجوز أن تكون ما استفهامية، أي أي شيء يبديه، وأي شيء يعيده؟ ~~والأول أولى. { قل إن ضللت } عن الطريق الحقة الواضحة { ~~فإنما أضل على نفسى } أي إثم ضلالتي يكون على نفسي، وذلك ~~أن الكفار قالوا له تركت دين آبائك، فضللت، فأمره الله أن يقول لهم هذا ~~القول { وإن اهتديت فيما يوحى إلى ربى } من الحكمة، ~~والموعظة، والبيان بالقرآن { إنه سميع قريب } مني ومنكم يعلم ~~الهدى والضلالة. قرأ الجمهور { ضللت } بفتح اللام، وقرأ الحسن، ويحيى بن ~~وثاب بكسر اللام، وهي لغة أهل العالية. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس { وما بلغوا معشار ما ms3147 ~~ءاتينهم } يقول من القوة في الدنيا. وأخرج ابن المنذر عن ابن ~~جريج نحوه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي في ~~الآية قال يقوم الرجل مع الرجل، أو وحده، فيفكر ما بصاحبه من جنة. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة { ما بصحبكم من ~~جنة } يقول إنه ليس بمجنون. وأخرج هؤلاء عنه أيضا في قوله { ما ~~سألتكم من أجر } أي من جعل، فهو لكم، يقول لم أسألكم على ~~الإسلام جعلا، وفي قوله { قل إن ربى يقذف بالحق } قال ~~بالوحي، وفي قوله { وما يبدىء البطل وما يعيد } قال ~~الشيطان لا يبدىء ولا يعيد إذا هلك. وأخرج هؤلاء أيضا عنه في قوله { ~~وما يبدىء البطل وما يعيد } قال ما يخلق إبليس شيئا، ~~ولا يبعثه. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن عمر بن سعد في قوله { إن ~~ضللت فإنما أضل على نفسى } قال إنما أوخذ بجنايتي. ### || [34.51-54] # ثم ذكر سبحانه حالا من أحوال الكفار، فقال { ولو ترى إذ ~~فزعوا } ، والخطاب لرسول الله، أو لكل من يصلح له قيل المراد فزعهم ~~عند نزول الموت بهم. وقال الحسن هو فزعهم في القبور من الصيحة، وقال ~~قتادة هو فزعهم إذا خرجوا من قبورهم. وقال السدي هو فزعهم يوم بدر حين ~~ضربت أعناقهم بسيوف الملائكة، فلم يستطيعوا فرارا ولا رجوعا إلى ~~التوبة. وقال ابن مغفل هو فزعهم إذا عاينوا عقاب الله يوم القيامة. وقال ~~سعيد بن جبير هو الخسف الذي يخسف بهم في البيداء، فيبقى رجل منهم، فيخبر ~~الناس بما لقي أصحابه، فيفزعون. وجواب لو محذوف، أي لرأيت أمرا هائلا، ~~ومعنى { فلا فوت } فلا يفوتني أحد منهم، ولا ينجو منهم ناج. قال ~~مجاهد فلا مهرب { وأخذوا من مكان قريب } من ظهر الأرض، أو ~~من القبور، أو من موقف الحساب. وقيل من حيث كانوا، فهم من الله قريب لا ~~يبعدون عنه، ولا يفوتونه. قيل ويجوز أن يكون هذا الفزع هو الفزع الذي ~~بمعنى الإجابة، يقال فزع الرجل إذا أجاب ms3148 الصارخ الذي يستغيث به كفزعهم ~~إلى الحرب يوم بدر. { وقالوا ءامنا به } أي بمحمد، قاله قتادة، ~~أو بالقرآن. وقال مجاهد بالله عزوجل. وقال الحسن بالبعث { وأنى ~~لهم التناوش } التناوش التناول، وهو تفاعل من التناوش الذي هو ~~التناول، والمعنى كيف لهم أن يتناولوا الإيمان من بعد، يعني في الآخرة، ~~وقد تركوه في الدنيا، وهو معنى { من مكان بعيد } وهو تمثيل ~~لحالهم في طلب الخلاص بعد ما فات عنهم. قال ابن السكيت يقال للرجل إذا ~~تناول رجلا ليأخذ برأسه، أو بلحيته ناشه ينوشه نوشا، وأنشد # فهي تنوش الحوض نوشا من علا نوشا به تقطع أحواز الفلا # أي تناول ماء الحوض من فوق، ومنه المناوشة في القتال، وقيل التناوش ~~الرجعة، أي وأنى لهم الرجعة إلى الدنيا ليؤمنوا، ومنه قول الشاعر # تمنى أن تئوب إلي مي وليس إلى تناوشها سبيل # وجملة { وقد كفروا به من قبل } في محل نصب على الحال، أي ~~والحال أن قد كفروا بما آمنوا به الآن من قبل هذا الوقت، وذلك حال كونهم ~~في الدنيا. قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، والأعمش التناؤش بالهمز، وقرأ ~~الباقون بالواو، واستبعد أبو عبيد، والنحاس القراءة الأولى، ولا وجه ~~للاستبعاد، فقد ثبت ذلك في لغة العرب، وأشعارها، ومنه قول الشاعر # قعدت زمانا عن طلابك للعلا وجئت نئيشا بعد ما فاتك الخير # أي وجئت أخيرا. قال الفراء الهمز، وترك الهمز متقارب { ويقذفون ~~بالغيب } أي يرمون بالظن، فيقولون لا بعث، ولا نشور، ولا جنة، ولا ~~نار { من مكان بعيد } أي من جهة بعيدة ليس فيها مستند لظنهم ~~الباطل. # وقيل المعنى يقولون في القرآن أقوال باطلة إنه سحر، وشعر، وأساطير ~~الأولين. وقيل يقولون في محمد إنه ساحر شاعر كاهن مجنون. وقرأ أبو حيوة، ~~ومجاهد، ومحبوب عن أبي عمرو يقذفون مبنيا للمفعول، أي يرجمون بما يسوؤهم ~~من جراء أعمالهم من حيث لا يحتسبون، وفيه تمثيل لحالهم بحال من يرمي ~~شيئا لا يراه من مكان بعيد لا مجال للوهم في لحوقه، والجملة إما معطوفة ~~على { وقد كفروا به } على أنها ms3149 حكاية للحال الماضية، واستحضار لصورتها، ~~أو مستأنفة لبيان تمثيل حالهم. { وحيل بينهم وبين ما ~~يشتهون } من النجاة من العذاب، ومنعوا من ذلك وقيل حيل بينهم، وبين ~~ما يشتهون في الدنيا من أموالهم، وأهليهم، أو حيل بينهم، وبين ما يشتهونه ~~من الرجوع إلى الدنيا { كما فعل بأشيعهم من قبل } أي ~~بأمثالهم، ونظرائهم من كفار الأمم الماضية، والأشياع جمع شيع، وشيع جمع ~~شيعة، وجملة { إنهم كانوا فى شك مريب } تعليل لما قبلها، ~~أي في شك موقع في الريبة، أو ذي ريبة من أمر الرسل، والبعث، والجنة، ~~والنار، أو في التوحيد، وما جاءتهم به الرسل من الدين، يقال أراب الرجل ~~إذا صار ذا ريبة، فهو مريب، وقيل هو من الريب الذي هو الشك، فهو كما يقال ~~عجب عجيب، وشعر شاعر. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في ~~قوله { فلا فوت } قال فلا نجاة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله { ~~ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان ~~قريب } قال هو جيش السفياني قيل من أين أخذوا؟ قال من تحت أقدامهم. ~~وقد ثبت في الصحيح أنه يخسف بجيش في البيداء من حديث حفصة، وعائشة، وخارج ~~الصحيح من حديث أم سلمة، وصفية، وأبي هريرة، وابن مسعود، وليس في شيء ~~منها أن ذلك سبب نزول هذه الآية، ولكنه أخرج ابن جرير من حديث حذيفة بن ~~اليمان قصة الخسف هذه مرفوعة، وقال في آخرها فذلك قوله عز وجل في سورة ~~سبأ { ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت } الآية. وأخرج ~~الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم ~~وصححه عن ابن عباس في قوله { وأنى لهم التناوش } قال كيف ~~لهم الرد؟ { من مكان بعيد } قال يسألون الرد، وليس بحين رد. ~~وأخرج ابن المنذر عن التيمي قال أتيت ابن عباس قلت ما التناوش؟ قال تناول ~~الشيء، وليس بحين ذاك. ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1-8] # الفطر الشق عن الشيء، يقال فطرته فانفطر، ومنه فطر ناب البعير إذا طلع، ~~فهو بعير فاطر، وتفطر ms3150 الشيء تشقق، والفطر الابتداء والاختراع، وهو المراد ~~هنا، والمعنى { الحمد لله } مبدع { السموات والأرض } ، ~~ومخترعهما، والمقصود من هذا أن من قدر على ابتداء هذا الخلق العظيم، فهو ~~قادر على الإعادة. قرأ الجمهور { فاطر } على صيغة اسم الفاعل، وقرأ ~~الزهري، والضحاك فطر على صيغة الفعل الماضي، فعلى القراءة الأولى هو نعت ~~لله لأن إضافته محضة لكونه بمعنى الماضي، وإن كانت غير محضة كان بدلا، ~~ومثله { جاعل الملئكة رسلا } يجوز فيه الوجهان، وانتصاب ~~رسلا بفعل مضمر على الوجه الأول، لأن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي ~~لا يعمل، وجوز الكسائي عمله. وأما على الوجه الثاني، فهو منصوب بجاعل، ~~والرسل من الملائكة هم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل. وقرأ الحسن ~~جاعل بالرفع، وقرأ خليل بن نشيط، ويحيى بن يعمر جعل على صيغة الماضي. ~~وقرأ الحسن، وحميد رسلا بسكون السين، وهي لغة تميم { أولى أجنحة ~~} صفة ل { رسلا } ، والأجنحة جمع جناح { مثنى وثلث ورباع ~~} صفة لأجنحة، وقد تقدم الكلام في مثنى، وثلاث، ورباع في النساء. قال ~~قتادة بعضهم له جنحان، وبعضهم ثلاثة، وبعضهم أربعة ينزلون بها من السماء ~~إلى االأض، ويعرجون بها من الأرض إلى السماء. قال يحيى بن سلام يرسلهم ~~الله إلى الأنبياء. وقال السدي إلى العباد بنعمه، أو نقمه، وجملة { ~~يزيد فى الخلق ما يشاء } مستأنفة مقررة لما قبلها من تفاوت ~~أحوال الملائكة، والمعنى أنه يزيد في خلق الملائكة ما يشاء، وهو قول أكثر ~~المفسرين، واختاره الفراء، والزجاج. وقيل إن هذه الزيادة في الخلق غير ~~خاصة بالملائكة، فقال الزهري، وابن جريج إنها حسن الصوت. وقال قتادة ~~الملاحة في العينين، والحسن في الأنف، والحلاوة في الفم. وقيل الوجه ~~الحسن. وقيل الخط الحسن. وقيل الشعر الجعد. وقيل العقل والتمييز. وقيل ~~العلوم، والصنائع، ولا وجه لقصر ذلك على نوع خاص بل يتناول كل زيادة. ~~وجملة { إن الله على كل شىء قدير } تعليل لما قبلها من ~~أنه يزيد في الخلق ما يشاء. { ما يفتح الله للناس من ~~رحمة فلا ممسك لها } أي ما يأتيهم الله به من ms3151 مطر ورزق لا ~~يقدر أحد أن يمسكه { وما يمسك } من ذلك لا يقدر أحد أن يرسله من ~~بعد إمساكه. وقيل المعنى إن الرسل بعثوا رحمة للناس، فلا يقدر على ~~إرسالهم غير الله. وقيل هو الدعاء. وقيل التوبة. وقيل التوفيق، والهداية. ~~ولا وجه لهذا التخصيص بل المعنى كل ما يفتحه الله للناس من خزائن رحمته، ~~فيشمل كل نعمة ينعم الله بها على خلقه، وهكذا الإمساك يتناول كل شيء ~~يمنعه الله من نعمه، فهو سبحانه المعطي المانع القابض الباسط لا معطي ~~سواه، ولا منعم غيره. # ثم أمر الله سبحانه عباده أن يتذكروا نعمه الفائضة عليهم التي لا تعد ~~ولا تحصى # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # إبراهيم 34، ومعنى هذا الأمر لهم بالذكر هو إرشادهم إلى الشكر ~~لاستدامتها، وطلب المزيد منها { هل من خلق غير الله } " ~~من " زائدة، وخالق مبتدأ، وغير الله صفة له. قال الزجاج ورفع غير على ~~معنى هل خالق غير الله لأن «من» زيادة مؤكدة، ومن خفض غير جعلها صفة على ~~اللفظ. قرأ الجمهور برفع " غير " ، وقرأ حمزة، والكسائي بخفضها، وقرأ ~~الفضل بن إبراهيم بنصبها على الاستثناء، وجملة { يرزقكم من ~~السماء والأرض } خبر المبتدأ. أو جملة مستأنفة، أو صفة أخرى لخالق، ~~وخبره محذوف، والرزق من السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات، وغير ذلك، ~~وجملة { لا إله إلا هو } مستأنفة لتقرير النفي المستفاد من ~~الاستفهام { فأنى تؤفكون } من الأفك بالفتح، وهو الصرف، يقال ~~ما أفكك عن كذا، أي ما صرفك، أي فكيف تصرفون. وقيل هو مأخوذ من الإفك ~~بالكسر، وهو الكذب لأنه مصروف عن الصدق. قال الزجاج، أي من أين يقع لكم ~~الإفك والتكذيب بتوحيد الله، والبعث، وأنتم مقرون بأن الله خلقكم ~~ورزقكم. ثم عزى الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال { وإن ~~يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك } ليتأسى بمن قبله من ~~الأنبياء، ويتسلى عن تكذيب كفار العرب له { وإلى الله ترجع ~~الأمور } لا إلى غيره، فيجازي كلا بما يستحقه. قرأ الحسن، والأعرج، ~~ويعقوب، وابن عامر، وأبو حيوة، وابن محيصن، ms3152 وحميد، والأعمش، ويحيى بن ~~وثاب، وحمزة، والكسائي، وخلف ترجع بفتح الفوقية على البناء للفاعل، وقرأ ~~الباقون بضمها على البناء للمفعول. { يأيها الناس إن وعد ~~الله حق } أي وعده بالبعث، والنشور، والحساب، والعقاب، والجنة، ~~والنار، كما أشير إليه بقوله { وإلى الله ترجع الأمور }. { ~~فلا تغرنكم الحيوة الدنيا } بزخرفها، ونعيمها. قال ~~سعيد بن جبير غرور الحياة الدنيا أن يشتغل الإنسان بنعيمها، ولذاتها عن ~~عمل الآخرة حتى يقول # يقول يليتنى قدمت لحياتى # الفجر 24 { ولا يغرنكم بالله الغرور } قرأ الجمهور ~~بفتح الغين، أي المبالغ في الغرور، وهو الشيطان. قال ابن السكيت، وأبو ~~حاتم الغرور الشيطان، ويجوز أن يكون مصدرا، واستبعده الزجاج، لأن غرر به ~~متعدي، ومصدر المتعدي إنما هو على فعل نحو ضربته ضربا، إلا في أشياء ~~يسيرة معروفة لا يقاس عليها، ومعنى الآية لا يغرنكم الشيطان بالله، فيقول ~~لكم إن الله يتجاوز عنكم، ويغفر لكم لفضلكم، أو لسعة رحمته لكم. وقرأ أبو ~~حيوة، وأبو سماك، ومحمد بن السميفع بضم الغين، وهو الباطل. # قال ابن السكيت والغرور بالضم ما يغر من متاع الدنيا. وقال الزجاج يجوز ~~أن يكون الغرور جمع غار، مثل قاعد، وقعود. قيل ويجوز أن يكون مصدر غره ~~كاللزوم، والنهوك، وفيه ما تقدم عن الزجاج من الاستبعاد. ثم حذر سبحانه ~~عباده من الشيطان، فقال { إن الشيطن لكم عدو ~~فاتخذوه عدوا } أي فعادوه بطاعة الله، ولا تطيعوه في معاصي ~~الله. ثم بين لعباده كيفية عداوة الشيطان لهم، فقال { إنما ~~يدعوا حزبه ليكونوا من أصحب السعير } أي إنما ~~يدعو أشياعه، وأتباعه، والمطيعين له إلى معاصي الله سبحانه لأجل أن ~~يكونوا من أهل النار، ومحل الموصول في قوله { الذين كفروا لهم ~~عذاب شديد } الرفع على الابتداء، و { لهم عذاب شديد } خبره، أو ~~الرفع على البدل من فاعل { يكونوا } ، أو النصب على البدل من { حزبه } ، ~~أو النعت له، أو إضمار فعل يدل على الذم، والجر على البدل من أصحاب، أو ~~النعت له. والرفع على الابتداء أقوى هذه الوجوه، لأنه سبحانه بعد ذكر ~~عداوة الشيطان ودعائه ms3153 لحزبه، ذكر حال الفريقين من المطيعين له، والعاصين ~~عليه، فالفريق الأول قال { لهم عذاب شديد } ، والفريق الآخر ~~قال فيه { والذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم ~~مغفرة وأجر كبير } أي يغفر الله لهم بسبب الإيمان والعمل ~~الصالح، ويعطيهم أجرا كبيرا، وهو الجنة. { أفمن زين له سوء ~~عمله فرءاه حسنا } هذه الجملة مستأنفة لتقرير ما سبق من ذكر ~~التفاوت بين الفريقين، و «من» في موضع رفع بالابتداء، وخبره محذوف. قال ~~الكسائي والتقدير ذهبت نفسك عليهم حسرات. قال ويدل عليه قوله { فلا ~~تذهب نفسك عليهم حسرت } قال وهذا كلام عربي ظريف لا ~~يعرفه إلا القليل. وقال الزجاج تقديره كمن هداه، وقدره غيرهما كمن لم ~~يزين له، وهذا أولى لموافقته لفظا، ومعنى، وقد وهم صاحب الكشاف، فحكى عن ~~الزجاج ما قاله الكسائي. قال النحاس والذي قاله الكسائي أحسن ما قيل في ~~الآية لما ذكره من الدلالة على المحذوف، والمعنى أن الله عز وجل نهى ~~نبيه صلى الله عليه وسلم عن شدة الاغتمام بهم، والحزن عليهم كما قال # فلعلك بخع نفسك # الكهف 6 وجملة { فإن الله يضل من يشاء ويهدى من ~~يشاء } مقررة لما قبلها، أي يضل من يشاء أن يضله، ويهدي من يشاء أن ~~يهديه { فلا تذهب نفسك عليهم حسرت } قرأ الجمهور بفتح ~~الفوقية، والهاء مسندا إلى النفس، فتكون من باب لا أرينك ها هنا. وقرأ ~~أبو جعفر، وشيبة، وابن محيصن، والأشهب بضم التاء، وكسر الهاء، ونصب { ~~نفسك } ، وانتصاب { حسرات } على أنه علة، أي للحسرات، ويجوز أن ينتصب على ~~الحال كأنها صارت كلها حسرات لفرط التحسر كما روي عن سيبويه. وقال المبرد ~~إنها تمييز. # والحسرة شدة الحزن على ما فات من الأمر { إن الله عليم بما ~~يصنعون } لا يخفى عليه من أفعالهم وأقوالهم خافية، والجملة تعليل ~~لما قبلها مع ما تضمنته من الوعيد الشديد. وقد أخرج أبو عبيد في فضائله، ~~وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس قال كنت ~~لا أدري ما { فاطر السماوات والأرض } حتى أتاني أعرابيان يختصمان في ms3154 بئر، ~~فقال أحدهما أنا فطرتها، يقول ابتدأتها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال ~~{ فاطر السموات } بديع السموات. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا ~~في قوله { يزيد فى الخلق ما يشاء } قال الصوت الحسن. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { ما يفتح الله ~~للناس من رحمة } الآية قال ما يفتح الله للناس من باب توبة { ~~فلا ممسك لها } هم يتوبون إن شاءوا وإن أبوا، وما أمسك من باب ~~توبة { فلا مرسل له من بعده } ، وهم لا يتوبون. وأخرج ابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم في الآية قال يقول ليس لك من الأمر شيء. وأخرج ابن ~~المنذر عن ابن جريج في قوله { لهم مغفرة وأجر كبير } قال ~~كل شيء في القرآن لهم مغفرة، وأجر كبير، ورزق كريم، فهو الجنة. وأخرج عبد ~~بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة، والحسن في قوله { أفمن ~~زين له سوء عمله } قال الشيطان زين لهم، هي والله الضلالات { ~~فلا تذهب نفسك عليهم حسرت } أي لا تحزن عليهم. ### || [35.9-14] # ثم أخبر سبحانه عن نوع من أنواع بديع صنعه، وعظيم قدرته، ليتفكروا في ~~ذلك، وليعتبروا به، فقال { والله الذى أرسل الرياح } قرأ ~~الجمهور { الرياح } ، وقرأ ابن كثير، وابن محيصن، والأعمش، ويحيى بن ~~وثاب، وحمزة، والكسائي الريح بالإفراد { فتثير سحبا } جاء ~~بالمضارع بعد الماضي استحضارا للصورة، لأن ذلك أدخل في اعتبار ~~المعتبرين، ومعنى كونها تثير السحاب أنها تزعجه من حيث هو { فسقناه ~~إلى بلد ميت } قال أبو عبيدة سبيله، فتسوقه، لأنه قال { فتثير ~~سحابا }. قيل النكتة في التعبير بالماضيين بعد المضارع الدلالة على ~~التحقق. قال المبرد ميت وميت واحد، وقال هذا قول البصريين، وأنشد # ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء # { فأحيينا به الأرض } أي أحيينا بالمطر الأرض بإنبات ما ينبت ~~فيها، وإن لم يتقدم ذكر المطر، فالسحاب يدل عليه، أو أحيينا بالسحاب، ~~لأنه سبب المطر { بعد موتها } أي بعد يبسها، استعار الإحياء ~~للنبات، والموت لليبس { كذلك النشور } أي كذلك يحيي الله ms3155 العباد ~~بعد موتهم كما أحيا الأرض بعد موتها، والنشور البعث، من نشر الإنسان ~~نشورا، والكاف في محل رفع على الخيرية، أي مثل إحياء موات الأرض إحياء ~~الأموات، فكيف تنكرونه، وقد شاهدتم غير مرة ما هو مثله وشبيه به؟ { من ~~كان يريد العزة } قال الفراء معناه من كان علم العزة لمن هي؟ ~~فإنها الله جميعا. وقال قتادة من كان يريد العزة، فليتعزز بطاعة الله، ~~فجعل معنى فلله العزة الدعاء إلى طاعة من له العزة، كما يقال من أراد ~~المال، فالمال لفلان، أي فليطلبه من عنده. وقال الزجاج تقديره من كان ~~يريد بعبادة الله العزة، والعزة له سبحانه، فإن الله عز وجل يعزه في ~~الدنيا والآخرة. وقيل المراد بقوله { من كان يريد العزة } ~~المشركون، فإنهم كانوا يتعززون بعبادة الأصنام كقوله # واتخذوا من دون الله ءالهة ليكونوا لهم عزا # مريم 81. وقيل المراد الذين كانوا يتعززون بهم من الذين آمنوا بألسنتهم # الذين يتخذون الكفرين أولياء من دون ~~المؤمنين أيبتغون عندهم العزة # النساء 139 الآية. { فلله العزة جميعا } أي فليطلبها منه ~~لا من غيره، والظاهر في معنى الآية أن من كان يريد العزة، ويطلبها، ~~فليطلبها من الله عز وجل فلله العزة جميعا، ليس لغيره منها شيء، ~~فتشمل الآية كل من طلب العزة، ويكون المقصود بها التنبيه لذوي الأقدار، ~~وألهمم من أين تنال العزة، ومن أي جهة تطلب؟ { إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصلح يرفعه } أي إلى الله ~~يصعد لا إلى غيره، ومعنى صعوده إليه قبوله له، أو صعود الكتبة من ~~الملائكة بما يكتبونه من الصحف، وخص الكلم الطيب بالذكر لبيان الثواب ~~عليه، وهو يتناول كل كلام يتصف بكونه طيبا من ذكر لله، وأمر بمعروف، ~~ونهي عن منكر، وتلاوة، وغير ذلك، فلا وجه لتخصيصه بكلمة التوحيد، أو ~~بالتحميد، والتمجيد. # وقيل المراد بصعوده صعوده إلى سماء الدنيا. وقيل المراد بصعوده علم الله ~~به، ومعنى { والعمل الصلح يرفعه } أن العمل الصالح يرفع ~~الكلم الطيب، كما قال الحسن، وشهر بن حوشب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ~~وقتادة، وأبو العالية، والضحاك، ms3156 ووجهه أنه لا يقبل الكلم الطيب إلا مع ~~العمل الصالح. وقيل إن فاعل { يرفعه } هو { الكلم الطيب } ، ومفعوله { ~~العمل الصالح } ، ووجهه أن العمل الصالح لا يقبل إلا مع التوحيد، ~~والإيمان. وقيل إن فاعل { يرفعه } ضمير يعود إلى الله عز وجل. والمعنى ~~أن الله يرفع العمل الصالح على الكلم الطيب، لأن العمل يحقق الكلام. وقيل ~~والعمل الصالح يرفع صاحبه، وهو الذي أراد العزة. وقال قتادة المعنى أن ~~الله يرفع العمل الصالح لصاحبه، أي يقبله، فيكون قوله { والعمل ~~الصلح } على هذا مبتدأ خبره يرفعه، وكذا على قول من قال يرفع ~~صاحبه. قرأ الجمهور { يصعد } من صعد الثلاثي. و { الكلم الطيب } بالرفع ~~على الفاعلية. وقرأ علي، وابن مسعود يصعد بضم حرف المضارعة من أصعد، ~~والكلم الطيب بالنصب على المفعولية، وقرأ الضحاك على البناء للمفعول، ~~وقرأ الجمهور { الكلم } ، وقرأ أبو عبد الرحمن الكلام، وقرأ الجمهور { ~~والعمل الصالح } بالرفع على العطف، أو على الابتدا ء. وقرأ ابن أبي عبلة، ~~وعيسى بن عمر بالنصب على الاشتغال. { والذين يمكرون ~~السيئات لهم عذاب شديد } انتصاب { السيئات } على أنها صفة ~~لمصدر محذوف أي يمكرون المكرات السيئات، وذلك لأن «مكر» لازم، ويجوز أن ~~يضمن يمكرون معنى يكسبون، فتكون السيئات مفعولا به. قال مجاهد، وقتادة ~~هم أهل الرياء. وقال أبو العالية هم الذين مكروا بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم لما اجتمعوا في دار الندوة. وقال الكلبي هم الذين يعملون السيئات في ~~الدنيا. وقال مقاتل هم المشركون، ومعنى { لهم عذاب شديد } لهم ~~عذاب بالغ الغاية في الشدة { ومكر أولئك هو يبور } أي ~~يبطل، ويهلك، ومنه # وكنتم قوما بورا # الفتح 12. والمكر في الأصل الخديعة، والاحتيال، والإشارة بقوله { ~~أولئك } إلى الذين مكروا السيئات على اختلاف الأقوال في تفسير ~~مكرهم، وجملة { يبور } خبر مكر أولئك. ثم ذكر سبحانه دليلا آخر على ~~البعث، والنشور، فقال { والله خلقكم من تراب } أي خلقكم ~~ابتداء في ضمن خلق أبيكم آدم من تراب. وقال قتادة يعني آدم، والتقدير على ~~هذا خلق أباكم الأول، وأصلكم الذي ترجعون إليه من تراب { ثم ms3157 من ~~نطفة } أخرجها من ظهر آبائكم { ثم جعلكم أزوجا } أي ~~زوج بعضكم ببعض، فالذكر زوج الأنثى، أو جعلكم أصنافا ذكرانا وإناثا { ~~وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } أي لا ~~يكون حمل، ولا وضع إلا والله عالم به، فلا يخرج شيء عن علمه وتدبيره { ~~وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا فى ~~كتب } أي ما يطول عمر أحد، ولا ينقص من عمره إلا في كتاب، أي في ~~اللوح المحفوظ. # قال الفراء يريد آخر غير الأول، فكنى عنه بالضمير كأنه الأول لأن لفظ ~~الثاني لو ظهر كان كالأول كأنه قال ولا ينقص من عمر معمر، فالكناية في ~~عمره ترجع إلى آخر غير الأول، ومثله قولك عندي درهم ونصفه، أي نصف آخر. ~~قيل إنما سمي معمرا باعتبار مصيره إليه. والمعنى وما يمد في عمر أحد، ~~ولا ينقص من عمر أحد، لكن لا على معنى لا ينقص من عمره بعد كونه زائدا، ~~بل على معنى أنه لا يجعل من الابتداء ناقصا إلا وهو في كتاب. قال سعيد ~~بن جبير وما يعمر من معمر إلا كتب عمره كم هو سنة، كم هو شهرا، كم هو ~~يوما، كم هو ساعة، ثم يكتب في كتاب آخر نقص من عمره ساعة، نقص من عمره ~~يوم، نقص من عمره شهر، نقص من عمره سنة حتى يستوفي أجله، فما مضى من ~~أجله، فهو النقصان، وما يستقبل، فهو الذي يعمره. وقال قتادة المعمر من ~~بلغ ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة. وقيل المعنى إن ~~الله كتب عمر الإنسان كذا إن أطاع، ودونه إن عصى، فأيهما بلغ، فهو في ~~كتاب، والضمير على هذا يرجع إلى معمر. وقيل المعنى وما يعمر من معمر إلى ~~الهرم، ولا ينقص آخر من عمر الهرم إلا في كتاب، أي بقضاء الله قاله ~~الضحاك، واختاره النحاس. قال وهو أشبهها بظاهر التنزيل، والأولى أن يقال ~~ظاهر النظم القرآني أن تطويل العمر وتقصيره هما بقضاء الله، وقدره لأسباب ~~تقتضي التطويل، وأسباب تقتضي ms3158 التقصير. فمن أسباب التطويل ما ورد في صلة ~~الرحم عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك. ومن أسباب التقصير ~~الاستكثار من معاصي الله عز وجل، فإذا كان العمر المضروب للرجل مثلا ~~سبعين سنة، فقد يزيد الله له عليها إذا فعل أسباب الزيادة، وقد ينقصه ~~منها إذا فعل أسباب النقصان، والكل في كتاب مبين، فلا تخالف بين هذه ~~الآية، وبين قوله سبحانه # فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # الأعراف 34، ويؤيد هذا قوله سبحانه # يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتب # الرعد 39، وقد قدمنا في تفسيرها ما يزيد ما ذكرنا هنا وضوحا وبيانا. ~~قرأ الجمهور { ينقص } مبنيا للمفعول. وقرأ يعقوب، وسلام، وروي عن أبي ~~عمرو ينقص مبنيا للفاعل. وقرأ الجمهور { من عمره } بضم الميم. وقرأ ~~الحسن، والأعرج، والزهري بسكونها، والإشارة بقوله { إن ذلك } إلى ~~ما سبق من الخلق، وما بعده { على الله يسير } لا يصعب عليه منه ~~شيء، ولا يعزب عنه كثير، ولا قليل، ولا كبير، ولا صغير. # ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من بديع صنعه، وعجيب قدرته، فقال { وما ~~يستوى البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه ~~وهذا ملح أجاج } فالمراد ب { البحران } العذب، والمالح، ~~فالعذب الفرات الحلو، والأجاج المر، والمراد ب { سائغ شرابه } ~~الذي يسهل انحداره في الحلق لعذوبته. وقرأ عيسى بن عمر سيغ بتشديد الياء، ~~وروي تسكينها عنه. وقرأ طلحة، وأبو نهيك ملح بفتح الميم { ومن كل } ~~منهما { تأكلون لحما طريا } ، وهو ما يصاد منهما من ~~حيواناتهما التي تؤكل { وتستخرجون حلية تلبسونها } ~~الظاهر أن المعنى وتستخرجون منهما حلية تلبسونها. وقال المبرد إنما ~~تستخرج الحلية من المالح، وروي عن الزجاج أنه قال إنما تستخرج الحلية ~~منهما إذا اختلطا، لا من كل واحد منهما على انفراده، ورجح النحاس قول ~~المبرد. ومعنى { تلبسونها } تلبسون كل شيء منها بحسبه، كالخاتم في ~~الأصبع، والسوار في الذراع، والقلادة في العنق، والخلخال في الرجل، ومما ~~يلبس حلية السلاح الذي يحمل كالسيف، والدرع، ونحوهما { وترى الفلك ~~فيه } أي في كل واحد من البحرين. وقال ms3159 النحاس الضمير يعود إلى الماء ~~المالح خاصة، ولولا ذلك لقال فيهما { مواخر } يقال مخرت السفينة تمخر ~~إذا شقت الماء. فالمعنى وترى السفن في البحرين شواق للماء بعضها مقبلة، ~~وبعضها مدبرة بريح واحدة، وقد تقدم الكلام على هذا في سورة النحل، ~~واللام في { لتبتغوا من فضله } متعلقة بما يدل عليه الكلام ~~السابق أي فعل ذلك لتبتغوا، أو بمواخر. قال مجاهد ابتغاء الفضل هو ~~التجارة في البحر إلى البلدان البعيدة في مدة قريبة كما تقدم في البقرة ~~{ ولعلكم تشكرون } الله على ما أنعم عليكم به من ذلك. قال ~~أكثر المفسرين إن المراد من الآية ضرب المثل في حق المؤمن والكافر، ~~والكفر والإيمان، فكما لا يستوي البحران كذلك لا يستوي المؤمن والكافر، ~~ولا الكفر والإيمان. { يولج اليل فى النهار ويولج ~~النهار فى اليل } أي يضيف بعض أجزائهما إلى بعض، فيزيد في ~~أحدهما، بالنقص في الآخر، وقد تقدم تفسيره في آل عمران، وفي مواضع من ~~الكتاب العزيز { وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل ~~مسمى } قدره الله لجريانهما، وهو يوم القيامة. وقيل هو المدة ~~التي يقطعان في مثلها الفلك، وهو سنة للشمس، وشهر للقمر. وقيل المراد به ~~جري الشمس في اليوم، والقمر في الليلة. وقد تقدم تفسير هذا مستوفى في ~~سورة لقمان، والإشارة بقوله { ذلكم } إلى الفاعل لهذه الأفعال، وهو ~~الله سبحانه، واسم الإشارة مبتدأ، وخبره { الله ربكم له ~~الملك } أي هذا الذي من صنعته ما تقدم هو الخالق المقدر، والقادر ~~المقتدر المالك للعالم، والمتصرف فيه، ويجوز أن يكون قوله له الملك جملة ~~مستقلة في مقابلة قوله { والذين تدعون من دونه ما ~~يملكون من قطمير } أي لا يقدرون عليه، ولا على خلقه، والقطمير ~~القشرة الرقيقة التي تكون بين التمرة والنواة، وتصير على النواة ~~كاللفافة لها. # وقال المبرد هو شق النواة. وقال قتادة هو القمع الذي على رأس النواة. ~~قال الجوهري ويقال هي النكتة البيضاء التي في ظهر النواة تنبت منها ~~النخلة. ثم بين سبحانه حال هؤلاء الذين يدعونهم من دون الله بأنم لا ~~ينفعون ولا ms3160 يضرون، فقال { إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم } ~~أي إن تستغيثوا بهم في النوائب لا يسمعوا دعاءكم، لكونها جمادات لا تدرك ~~شيئا من المدركات { ولو سمعوا } على طريقة الفرض، والتقدير { ما ~~استجابوا لكم } لعجزهم عن ذلك. قال قتادة المعنى ولو سمعوا لم ~~ينفعوكم. وقيل المعنى لو جعلنا لهم سماعا وحياة فسمعوا دعاءكم لكانوا ~~أطوع لله منكم، ولم يستجيبوا لكم إلى ما دعوتموهم إليه من الكفر { ~~ويوم القيمة يكفرون بشرككم } أي يتبرءون من ~~عبادتكم لهم، ويقولون # ما كنتم إيانا تعبدون # يونس 28 ويجوز أن يرجع # والذين تدعون من دونه # الأعراف 197 وما بعده إلى من يعقل ممن عبدهم الكفار، وهم الملائكة، ~~والجن، والشياطين. والمعنى أنهم يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقا، ~~وينكرون أنهم أمروكم بعبادتهم { ولا ينبئك مثل خبير } أي لا ~~يخبرك مثل من هو خبير بالأشياء عالم بها، وهو الله سبحانه، فإنه لا أحد ~~أخبر بخلقه، وأقوالهم، وأفعالهم منه سبحانه، وهو الخبير بكنه الأمور، ~~وحقائقها. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود ~~قال يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، فلا يبقى خلق لله في ~~السماوات والأرض إلا من شاء الله إلا مات، ثم يرسل الله من تحت العرش ~~منيا كمني الرجال، فتنبت أجسامهم ولحومهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض ~~من الثرى، ثم قرأ عبد الله { الله الذى أرسل الريح } ~~الآية. وأخرج أبو داود، والطيالسي، وأحمد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي رزين ~~العقيلي قال «قلت يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ قال # " أما مررت بأرض مجدبة، ثم مررت بها مخصبة تهتز خضراء؟ قلت بلى، قال ~~كذلك يحيي الله الموتى، وكذلك النشور " # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود قال إذا حدثناكم بحديث ~~أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله، إن العبد المسلم إذا قال سبحان الله، ~~وبحمده، والحمد لله، ولا إله إلا ms3161 الله، والله أكبر، وتبارك الله، قبض ~~عليهن ملك يضمهن تحت جناحه، ثم يصعد بهن إلى السماء، فلا يمر بهن ~~على جمع من الملائكة إلا استغفر لقائلهن حتى يجيء بهن وجه الرحمن، ثم ~~قرأ { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصلح ~~يرفعه } قال أداء الفرائض، فمن ذكر الله في أداء فرائضه حمل عمله ~~ذكر الله، فصعد به إلى الله، ومن ذكر الله، ولم يؤد فرائضه رد كلامه ~~على عمله، وكان عمله أولى به. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وما يعمر ~~من معمر } الآية قال يقول ليس أحد قضيت له طول العمر، والحياة ~~إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر وقد قضيت له ذلك، فإنما ينتهي إلى ~~الكتاب الذي قدرت له لا يزاد عليه، وليس أحد قضيت له أنه قصير العمر، ~~والحياة ببالغ العمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتب له، فذلك قوله { ~~ولا ينقص من عمره إلا فى كتب } يقول كل ذلك في كتاب ~~عنده. وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو عوانة، وابن حبان، والطبراني، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين، أو بخمسة ~~وأربعين ليلة، فيقول أي رب أشقي أم سعيد؟ أذكر أم أنثى؟ فيقول الله، ~~ويكتبان، ثم يكتب عمله، ورزقه، وأجله، وأثره، ومصيبته، ثم تطوى الصحيفة، ~~فلا يزاد فيها، ولا ينقص " # وأخرج ابن أبي شيبة، ومسلم، والنسائي، وأبو الشيخ عن عبد الله بن مسعود ~~قال قالت أم حبيبة اللهم أمتعني بزوجي النبي، وبأبي أبي سفيان، وبأخي ~~معاوية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " إنك سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، ولن يعجل ~~الله شيئا قبل حله، أو يؤخر شيئا، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب ~~في النار، أو عذاب في القبر كان خيرا وأفضل " # وهذه الأحاديث مخصصة بما ورد من قبول الدعاء، وأنه يعتلج هو والقضاء، ~~وبما ورد في صلة ms3162 الرحم أنها تزيد في العمر، فلا معارضة بين الأدلة كما ~~قدمنا. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ما يملكون من قطمير } ~~قال القطمير القشر، وفي لفظ الجلد الذي يكون على ظهر النواة. ### || [35.15-26] # ثم ذكر سبحانه افتقار خلقه إليه، ومزيد حاجتهم إلى فضله، فقال { ~~يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله } أي المحتاجون ~~إليه في جميع أمور الدين والدنيا، فهم الفقراء إليه على الإطلاق، و { ~~هو الغنى } على الإطلاق { الحميد } أي المستحق للحمد من ~~عباده بإحسانه إليهم. ثم ذكر سبحانه نوعا من الأنواع التي يتحقق عندها ~~افتقارهم إليه، واستغناؤه عنهم، فقال { إن يشأ يذهبكم ويأت ~~بخلق جديد } أي إن يشأ يفنكم، ويأت بدلكم بخلق جديد يطيعونه، ولا ~~يعصونه، أو يأت بنوع من أنواع الخلق، وعالم من العالم غير ما تعرفون { ~~وما ذلك } إلا ذهاب لكم، والإتيان بآخرين { على الله ~~بعزيز } أي بممتنع، ولا متعسر، وقد مضى تفسير هذا في سورة إبراهيم { ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى } أي نفس وازرة، فحذف الموصوف ~~للعلم به، ومعنى تزر تحمل. والمعنى لا تحمل نفس حمل نفس أخرى، أي إثمها ~~بل كل نفس تحمل وزرها، ولا تخالف هذه الآية قوله # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # العنكبوت 13 لأنهم إنما حملوا أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم، والكل من ~~أوزارهم، لا من أوزار غيرهم، ومثل هذا حديث # " من سن سنة سيئة، فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " # فإن الذين سن السنة السيئة إنما حمل وزر سنته السيئة، وقد تقدم الكلام ~~على هذه الآية مستوفى. { وإن تدع مثقلة إلى حملها } قال ~~الفراء أي نفس مثقلة، قال وهذا يقع للمذكر، والمؤنث. قال الأخفش أي وإن ~~تدع مثقلة إنسانا إلى حملها، وهو ذنوبها { لا يحمل منه } أي من ~~حملها { شىء ولو كان ذا قربى } أي ولو كان الذي تدعوه ذا ~~قرابة لها، لم يحمل من حملها شيئا. ومعنى الآية وإن تدع نفس مثقلة ~~بالذنوب نفسا ms3163 أخرى إلى حمل شيء من ذنوبها معها لم تحمل تلك المدعوة من ~~تلك الذنوب شيئا، ولو كانت قريبة لها في النسب، فكيف بغيرها مما لا ~~قرابة بينها، وبين الداعية لها؟ وقرىء ذو قربى على أن كان تامة، كقوله # وإن كان ذو عسرة # البقرة 280. وجملة { إنما تنذر الذين يخشون ربهم ~~بالغيب } مستأنفة مسوقة لبيان من يتعظ بالإنذار، ومعنى { يخشون ~~ربهم بالغيب } أنه يخشونه حال كونهم غائبين عن عذابه، أو يخشون ~~عذابه، وهو غائب عنهم، أو يخشونه في الخلوات عن الناس. قال الزجاج تأويله ~~أن إنذارك إنما ينفع الذين يخشون ربهم، فكأنك تنذرهم دون غيرهم ممن لا ~~ينفعهم الإنذار، كقوله # إنما أنت منذر من يخشها # النازعات 45 وقوله # إنما تنذر من اتبع الذكر وخشى الرحمن ~~بالغيب # يس 11. ومعنى { وأقاموا الصلاة } أنهم احتفلوا بأمرها، ولم ~~يشتغلوا عنها بشيء مما يلهيهم. # { ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه } التزكي التطهر ~~من أدناس الشرك، والفواحش، والمعنى أن من تطهر بترك المعاصي، واستكثر من ~~العمل الصالح، فإنما يتطهر لنفسه، لأن نفع ذلك مختص به كما أن وزر من ~~تدنس لا يكون إلا عليه لا على غيره. قرأ الجمهور { ومن تزكى فإنما يتزكى ~~} وقرأ أبو عمرو «فإنما يزكى» بإدغام التاء في الزاي، وقرأ ابن مسعود، ~~وطلحة ومن أزكى فإنما يزكى. { وإلى الله المصير } لا إلى ~~غيره، ذكر سبحانه أولا أنه لا يحمل أحد ذنب أحد، ثم ذكر ثانيا أن ~~المذنب إن دعا غيره، ولو كان من قرابته إلى حمل شيء من ذنوبه لا يحمله، ~~ثم ذكر ثالثا أن ثواب الطاعة مختص بفاعلها ليس لغيره منه شيء. ثم ضرب ~~مثلا للمؤمن، والكافر، فقال { وما يستوى الأعمى } أي المسلوب ~~حاسة البصر { والبصير } الذي له ملكة البصر، فشبه الكافر بالأعمى، ~~وشبه المؤمن بالبصير { ولا الظلمات ولا النور } أي ولا تستوي ~~الظلمات ولا النور، فشبه الباطل بالظلمات، وشبه الحق بالنور. قال الأخفش ~~و " لا " في قوله { ولا النور } ، { ولا الحرور } زائدة، والتقدير وما ~~يستوي الظلمات والنور، ولا الظل والحرور، والحرور شدة حر الشمس. ms3164 قال ~~الأخفش والحرور لا يكون إلا مع شمس النهار، والسموم يكون بالليل. وقيل ~~عكسه. وقال رؤبة بن العجاج الحرور يكون بالليل خاصة، والسموم يكون ~~بالنهار خاصة. وقال الفراء السموم لا يكون إلا بالنهار، والحرور يكون ~~فيهما. قال النحاس وهذا أصح. وقال قطرب الحرور الحر، والظل البرد، ~~والمعنى أنه لا يستوي الظل الذي لا حر فيه، ولا أذى، والحر الذي يؤذي. ~~قيل أراد الثواب والعقاب، وسمي الحر حرورا مبالغة في شدة الحر، لأن ~~زيادة البناء تدل على زيادة المعنى. وقال الكلبي أراد بالظل الجنة، ~~وبالحرور النار. وقال عطاء يعني ظل الليل، وشمس النهار. قيل وإنما جمع ~~الظلمات، وأفرد النور لتعدد فنون الباطل، واتحاد الحق. ثم ذكر سبحانه ~~تمثيلا آخر للمؤمن، والكافر، فقال { وما يستوى الأحياء ولا ~~الأموات } ، فشبه المؤمنين بالأحياء، وشبه الكافرين بالأموات. وقيل ~~أراد تمثيل العلماء، والجهلة. وقال ابن قتيبة الأحياء العقلاء، والأموات ~~الجهال. قال قتادة هذه كلها أمثال، أي كما لا تستوي هذه الأشياء كذلك لا ~~يستوي الكافر والمؤمن { إن الله يسمع من يشاء } أن يسمعه من ~~أوليائه الذين خلقهم لجنته، ووفقهم لطاعته { وما أنت بمسمع من ~~فى القبور } يعني الكفار الذين أمات الكفر قلوبهم، أي كما لا تسمع ~~من مات كذلك لا تسمع من مات قلبه، قرأ الجمهور بتنوين { مسمع } وقطعه عن ~~الإضافة. وقرأ الحسن، وعيسى الثقفي، وعمرو بن ميمون بإضافته { إن أنت ~~إلا نذير } أي ما أنت إلا رسول منذر ليس عليك إلا الإنذار، ~~والتبليغ، والهدى، والضلالة بيد الله عز وجل. # { إنا أرسلنك بالحق } يجوز أن يكون { بالحق } في محل ~~نصب على الحال من الفاعل، أي محقين، أو من المفعول، أي محقا، أو نعت ~~لمصدر محذوف، أي إرسالا ملتبسا بالحق، أو هو متعلق ب { بشيرا } ، أي ~~بشيرا بالوعد الحق، ونذيرا بالوعد الحق، والأولى أن يكون نعتا ~~للمصدر المحذوف، ويكون معنى بشيرا بشيرا لأهل الطاعة، ونذيرا لأهل ~~المعصية { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } أي ما من ~~أمة من الأمم الماضية إلا مضى فيها نذير من الأنبياء ms3165 ينذرها، واقتصر على ~~ذكر النذير دون البشير، لأنه ألصق بالمقام. ثم سلى نبيه صلى الله عليه ~~وسلم، وعزاه، فقال { وإن يكذبوك فقد كذب الذين من ~~قبلهم } أي كذب من قبلهم من الأمم الماضية أنبياءهم { جاءتهم ~~رسلهم بالبينت } أي بالمعجزات الواضحة، والدلالات الظاهرة { ~~وبالزبر } أي الكتب المكتوبة كصحف إبراهيم { وبالكتب ~~المنير } كالتوراة، والإنجيل، قيل الكتاب المنير داخل تحت الزبر، ~~وتحت البينات، والعطف لتغاير المفهومات، وإن كانت متحدة في الصدق، ~~والأولى تخصيص البينات بالمعجزات، والزبر بالكتب التي فيها مواعظ، ~~والكتاب بما فيه شرائع، وأحكام، { ثم أخذت الذين كفروا } ~~وضع الظاهر موضع الضمير يفيد التصريح بذمهم بما في حيز الصلة، ويشعر بعلة ~~الأخذ { فكيف كان نكير } أي فكيف كان نكيري عليهم، وعقوبتي لهم، ~~وقرأ ورش عن نافع وشيبة بإثبات الياء في { نكير } وصلا ولا وقفا، وقد ~~مضى بيان معنى هذا قريبا. وقد أخرج أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، ~~وابن ماجه عن عمرو بن الأحوص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة ~~الوداع # " ألا لا يجني جان إلا على نفسه، لا يجني والد على ولده، ولا مولود ~~على والده " # وأخرج سعيد بن منصور، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن مردويه، ~~والبيهقي في سننه عن أبي رمثة قال انطلقت مع أبي نحو رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فلما رأيته قال لأبي ابنك هذا؟ قال أي، ورب الكعبة، قال أما ~~أنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله { وإن تدع مثقلة إلى حملها ~~لا يحمل منه شىء } قال يكون عليه وزر لا يجد أحدا يحمل عنه من ~~وزره شيئا. ### || [35.27-35] # ثم ذكر سبحانه نوعا من أنواع قدرته الباهرة، وخلقا من مخلوقاته ~~البديعة، فقال { ألم تر } ، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~أو لكل من يصلح له { أن الله أنزل من السماء ماء } وهذه ~~الرؤية هي القلبية، أي ألم تعلم، وأن ms3166 واسمها وخبرها سدت مسد المفعولين ~~{ فأخرجنا به } أي بالماء، والنكتة في هذا الالتفات إظهار كمال ~~العناية بالفعل لما فيه من الصنع البديع، وانتصاب { مختلفا ~~ألوانها } على الوصف لثمرات، والمراد بالألوان الأجناس، والأصناف، ~~أي بعضها أبيض، وبعضها أحمر، وبعضها أصفر، وبعضها أخضر، وبعضها أسود { ~~ومن الجبال جدد } الجدد جمع جدة، وهي الطريق. قال الأخفش ولو ~~كان جمع جديد لقال جدد بضم الجيم والدال، نحو سرير وسرر. قال زهير # كأنه أسفع الخدين ذو جدد طاو ويرتع بعد الصيف أحيانا # وقيل الجدد القطع، مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته، حكاه ابن بحر. قال ~~الجوهري الجدة الخطة التي في ظهر الحمار تخالف لونه، والجدة الطريقة، ~~والجمع جدد، وجدائد، ومن ذلك قول أبي ذؤيب # جون السراة له جدائد أربع # قال المبرد جدد طرائق وخطوط. قال الواحدي ونحو هذا قال المفسرون في ~~تفسير الجدد. وقال الفراء هي الطرق تكون في الجبال كالعروق بيض، وسود، ~~وحمر، واحدها جدة. والمعنى أن الله سبحانه أخبر عن جدد الجبال، وهي ~~طرائقها، أو الخطوط التي فيها بأن لون بعضها البياض، ولون بعضها الحمرة، ~~وهو معنى قوله { بيض وحمر مختلف ألونها } قرأ الجمهور { ~~جدد } بضم الجيم، وفتح الدال. وقرأ الزهري بضمهما جمع جديدة، وروي عنه ~~أنه قرأ بفتحهما، وردها أبو حاتم وصححها غيره، وقال الجدد الطريق الواضح ~~البين { وغرابيب سود } الغربيب الشديد السواد الذي يشبه لونه لون ~~الغراب. قال الجوهري تقول هذا أسود غربيب، أي شديد السواد، وإذا قلت ~~غرابيب سود جعلت السود بدلا من غرابيب. قال الفراء في الكلام تقديم ~~وتأخير تقديره وسود غرابيب، لأنه يقال أسود غربيب، وقل ما يقال غربيب ~~أسود، وقوله { مختلف ألوانها } صفة لجدد، وقوله { وغرابيب ~~} معطوف على جدد على معنى ومن الجبال جدد بيض، وحمر، ومن الجبال غرابيب ~~على لون واحد، وهو السواد، أو على حمر على معنى، ومن الجبال جدد بيض، ~~وحمر، وسود. وقيل معطوف على بيض، ولا بد من تقدير مضاف محذوف قبل جدد، ~~أي ومن الجبال ذو جدد، لأن الجدد إنما هي في ms3167 ألوان بعضها. { ومن ~~الناس والدواب والأنعم مختلف ألونه } قوله { ~~مختلف } صفة لموصوف محذوف، أي ومنهم صنف، أو نوع، أو بعض مختلف ألوانه ~~بالحمرة، والسواد، والبياض، والخضرة، والصفرة. قال الفراء، أي خلق مختلف ~~ألوانه كاختلاف الثمرات، والجبال، وإنما ذكر سبحانه اختلاف الألوان في ~~هذه الأشياء، لأن هذا الاختلاف من أعظم الأدلة على قدرة الله، وبديع ~~صنعه، ومعنى { كذلك } أي مختلفا مثل ذلك الاختلاف، وهو صفة لمصدر ~~محذوف، والتقدير مختلف ألوانه اختلافا كائنا كذلك، أي كاختلاف الجبال، ~~والثمار. # وقرأ الزهري «والدواب» بتخفيف الباء. وقرأ ابن السميفع «ألوانها». وقيل ~~إن قوله { كذلك } متعلق بما بعده، أي مثل ذلك المطر، والاعتبار في ~~مخلوقات الله، واختلاف ألوانها يخشي الله من عباده العلماء، وهذا اختاره ~~ابن عطية، وهو مردود بأن ما بعد إنما لا يعمل فيما قبلها. والراجح الوجه ~~الأول، والوقف على { كذلك } تام. ثم استؤنف الكلام، وأخبر سبحانه بقوله ~~{ إنما يخشى الله من عباده العلماء } أو هو من تتمة ~~قوله # إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب # فاطر 18 على معنى إنما يخشاه سبحانه بالغيب العالمون به، وبما يليق به ~~من صفاته الجليلة، وأفعاله الجميلة، وعلى كل تقدير، فهو سبحانه قد عين في ~~هذه الآية أهل خشيته، وهم العلماء به، وتعظيم قدرته. قال مجاهد إنما ~~العالم من خشي الله عز وجل. وقال مسروق كفى بخشية الله علما، وكفى ~~بالاغترار جهلا، فمن كان أعلم بالله كان أخشاهم له. قال الربيع بن أنس ~~من لم يخش الله، فليس بعالم. وقال الشعبي العالم من خاف الله، ووجه تقديم ~~المفعول أن المقام مقام حصر الفاعلية، ولو أخر انعكس الأمر. وقرأ عمر بن ~~عبد العزيز برفع الاسم الشريف، ونصب العلماء، ورويت هذه القراءة عن أبي ~~حنيفة قال في الكشاف الخشية في هذه القراءة استعارة، والمعنى أنه يجلهم، ~~ويعظمهم كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين الناس، وجملة { إن ~~الله عزيز غفور } تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب على ~~معصيته غافر لمن تاب من عباده. { إن الذين يتلون كتب ~~الله } أي ms3168 يستمرون على تلاوته، ويداومونها. والكتاب هو القرآن ~~الكريم، ولا وجه لما قيل إن المراد به جنس كتب الله { وأقاموا ~~الصلاة } أي فعلوها في أوقاتها مع كمال أركانها، وأذكارها { ~~وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية } فيه حث على ~~الإنفاق كيف ما تهيأ، فإن تهيأ سرا، فهو أفضل، وإلا فعلانية، ولا ~~يمنعه ظنه أن يكون رياء، ويمكن أن يراد بالسر صدقة النفل، وبالعلانية ~~صدقة الفرض، وجملة. { يرجون تجرة لن تبور } في محل رفع ~~على خبرية إن كما قال ثعلب، وغيره، والمراد بالتجارة ثواب الطاعة ومعنى ~~{ لن تبور } لن تكسد، ولن تهلك، وهي صفة للتجارة، والإخبار برجائهم ~~لثواب ما عملوا بمنزلة الوعد بحصول مرجوهم. واللام في { ليوفيهم ~~أجورهم } متعلق بلن تبور، على معنى أنها لن تكسد لأجل أن يوفيهم ~~أجور أعمالهم الصالحة، ومثل هذه الآية قوله سبحانه # فأما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله # النساء 173. وقيل إن اللام متعلقة بمحذوف دل عليه السياق أي فعلوا ذلك ~~ليوفيهم، ومعنى { ويزيدهم من فضله } أنه يتفضل عليهم بزيادة ~~على أجورهم التي هي جزاء أعمالهم، وجملة { إنه غفور شكور } ~~تعليل لما ذكر من التوفية والزيادة أي غفور لذنوبهم شكور لطاعتهم، وقيل ~~إن هذه الجملة هي خبر إن، وتكون جملة يرجون في محل نصب على الحال، ~~والأول أولى. { والذى أوحينا إليك من الكتب } يعني ~~القرآن. وقيل اللوح المحفوظ على أن من تبعيضية، أو ابتدائية، وجملة { ~~هو الحق } خبر الموصول و { مصدقا لما بين يديه } ~~منتصب على الحال، أي موافقا لما تقدمه من الكتب { إن الله ~~بعباده لخبير بصير } أي محيط بجميع أمورهم { ثم ~~أورثنا الكتب الذين اصطفينا من عبادنا } ~~المفعول الأول لأورثنا الموصول، والمفعول الثاني الكتاب، وإنما قدم ~~المفعول الثاني لقصد التشريف، والتعظيم للكتاب، والمعنى ثم أورثنا الذين ~~اصطفيناهم من عبادنا الكتاب، وهو القرآن، أي قضينا، وقدرنا بأن نورث ~~العلماء من أمتك يا محمد هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك، ومعنى اصطفائهم ~~اختيارهم، واستخلاصهم، ولا شك أن علماء هذه الأمة من الصحابة، فمن بعدهم ~~قد شرفهم الله ms3169 على سائر العباد، وجعلهم أمة وسطا ليكونوا شهداء على ~~الناس، وأكرمهم بكونهم أمة خير الأنبياء، وسيد ولد آدم. قال مقاتل يعني ~~قرآن محمد جعلناه ينتهي إلى الذين اصطفينا من عبادنا. وقيل إن المعنى ~~أورثناه من الأمم السالفة، أي أخرناه عنهم، وأعطيناه الذين اصطفينا، ~~والأول أولى. ثم قسم سبحانه هؤلاء الذي أورثهم كتابه، واصطفاهم من عباده ~~إلى ثلاثة أقسام، فقال { فمنهم ظلم لنفسه } قد استشكل ~~كثير من أهل العلم معنى هذه الآية، لأنه سبحانه جعل هذا القسم الظالم ~~لنفسه من ذلك المقسم، وهو من اصطفاهم من العباد، فكيف يكون من اصطفاه ~~الله ظالما لنفسه؟ فقيل إن التقسيم هو راجع إلى العباد، أي فمن عبادنا ~~ظالم لنفسه، وهو الكافر، ويكون ضمير { يدخلونها } عائدا إلى المقتصد ~~والسابق. وقيل المراد بالظالم لنفسه هو المقصر في العمل به، وهو المرجأ ~~لأمر الله، وليس من ضرورة ورثة الكتاب مراعاته حق رعايته، لقوله # فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتب # الأعراف 169، وهذا فيه نظر، لأن ظلم النفس لا يناسب الاصطفاء. وقيل ~~الظالم لنفسه هو الذي عمل الصغائر، وقد روي هذا القول عن عمر، وعثمان، ~~وابن مسعود، وأبي الدرداء، وعائشة، وهذا هو الراجح، لأن عمل الصغائر لا ~~ينافي الاصطفاء، ولا يمنع من دخول صاحبه مع الذين يدخلون الجنة يحلون ~~فيها من أساور من ذهب إلى آخر ما سيأتي. ووجه كونه ظالما لنفسه أنه ~~نقصها من الثواب بما فعل من الصغائر المغفورة له، فإنه لو عمل مكان تلك ~~الصغائر طاعات لكان لنفسه فيها من الثواب حظا عظيما. # وقيل الظالم لنفسه هو صاحب الكبائر. وقد اختلف السلف في تفسير السابق، ~~والمقتصد، فقال عكرمة، وقتادة، والضحاك إن المقتصد المؤمن العاصي، ~~والسابق التقي على الإطلاق، وبه قال الفراء، وقال مجاهد في تفسير الآية ~~{ فمنهم ظلم لنفسه } أصحاب المشأمة { ومنهم ~~مقتصد } أصحاب الميمنة { ومنهم سابق بالخيرت } ~~السابقون من الناس كلهم. وقال المبرد إن المقتصد هو الذي يعطي الدنيا ~~حقها، والآخرة حقها. وقال الحسن الظالم الذي ترجح سيآته على حسناته، ~~والمقتصد الذي استوت حسناته، وسيآته، ms3170 والسابق من رجحت حسناته على سيآته. ~~وقال مقاتل الظالم لنفسه أصحاب الكبائر من أهل التوحيد، والمقتصد الذي لم ~~يصب كبيرة، والسابق الذي سبق إلى الأعمال الصالحة. وحكى النحاس أن الظالم ~~صاحب الكبائر، والمقتصد الذي لم يستحق الجنة بزيادة حسناته على سيآته، ~~فتكون جنات عدن يدخلونها للذين سبقوا بالخيرات لا غير، قال وهذا قول ~~جماعة من أهل النظر، لأن الضمير في حقيقة النظر لما يليه أولى. وقال ~~الضحاك. فيهم ظالم لنفسه، أي من ذريتهم ظالم لنفسه. وقال سهل بن عبد ~~الله السابق العالم، والمقتصد المتعلم، والظالم لنفسه الجاهل. وقال ذو ~~النون المصري الظالم لنفسه الذاكر لله بلسانه فقط، والمقتصد الذاكر ~~بقلبه، والسابق الذي لا ينساه. وقال الأنطاكي الظالم صاحب الأقوال، ~~والمقتصد صاحب الأفعال، والسابق صاحب الأحوال. وقال ابن عطاء الظالم الذي ~~يحب الله من أجل الدنيا، والمقتصد الذي يحب الله من أجل العقبى، والسابق ~~الذي أسقط مراده بمراد الحق. وقيل الظالم الذي يعبد الله خوفا من ~~النار، والمقتصد الذي يعبده طمعا في الجنة، والسابق الذي يعبده لا لسبب. ~~وقيل الظالم الذي يحب نفسه، والمقتصد الذي يحب دينه، والسابق الذي يحب ~~ربه. وقيل الظالم الذي ينتصف ولا ينصف، والمقتصد الذي ينتصف، وينصف، ~~والسابق الذي ينصف ولا ينتصف وقد ذكر الثعلبي، وغيره أقوالا كثيرة، ولا ~~شك أن المعاني اللغوية للظالم، والمقتصد، والسابق معروفة، وهو يصدق على ~~الظلم للنفس بمجرد إحرامها للحظ، وتفويت ما هو خير لها، فتارك الاستكثار ~~من الطاعات قد ظلم نفسه باعتبار ما فوتها من الثواب، وإن كان قائما بما ~~أوجب الله عليه تاركا لما نهاه الله عنه، فهو من هذه الحيثية من اصطفاه ~~الله، ومن أهل الجنة، فلا إشكال في الآية، ومن هذا قول آدم # ربنا ظلمنا أنفسنا # الأعراف 23، وقول يونس # إنى كنت من الظلمين # الأنبياء 87، ومعنى المقتصد هو من يتوسط في أمر الدين، ولا يميل إلى ~~جانب الإفراط، ولا إلى جانب التفريط، وهذا من أهل الجنة، وأما السابق، ~~فهو الذي سبق غيره في أمور الدين، وهو خير الثلاثة. وقد ms3171 استشكل تقديم ~~الظالم على المقتصد، وتقديمهما على السابق مع كون المقتصد أفضل من الظالم ~~لنفسه، والسابق أفضل منهما، فقيل إن التقديم لا يقتضي التشريف كما في ~~قوله # لا يستوى أصحب النار وأصحب الجنة # الحشر 20، ونحوها من الآيات القرآنية التي فيها تقديم أهل الشر على أهل ~~الخير، وتقديم المفضولين على الفاضلين. وقيل وجه التقديم هنا أن ~~المقتصدين بالنسبة إلى أهل المعاصي قليل، والسابقين بالنسبة إلى الفريقين ~~أقل قليل، فقدم الأكثر على الأقل، والأول أولى، فإن الكثرة بمجردها ~~لا تقتضي تقديم الذكر. وقد قيل في وجه التقديم غير ما ذكرنا مما لا حاجة ~~إلى التطويل به. والإشارة بقوله { ذلك } إلى توريث الكتاب، والاصطفاء. ~~وقيل إلى السبق بالخيرات، والأول أولى، وهو مبتدأ، وخبره { هو ~~الفضل الكبير } أي الفضل الذي لا يقادر قدره. وارتفاع { ~~جنت عدن } على أنها مبتدأ، وما بعدها خبرها، أو على البدل من ~~الفضل، لأنه لما كان هو السبب في نيل الثواب نزل منزلة المسبب، وعلى هذا، ~~فتكون جملة { يدخلونها } مستأنفة، وقد قدمنا أن الضمير في ~~يدخلونها يعود إلى الأصناف الثلاثة، فلا وجه لقصره على الصنف الأخير، ~~وقرأ زر بن حبيش، والترمذي جنة بالإفراد، وقرأ الجحدري جنات بالنصب على ~~الاشتغال، وجوز أبو البقاء أن تكون جنات خبرا ثانيا لاسم الإشارة، ~~وقرأ أبو عمرو يدخلونها على البناء للمفعول، وقوله { يحلون } خبر ~~ثان لجنات عدن، أو حال مقدرة، وهو من حليت المرأة، فهي حال، وفيه إشارة ~~إلى سرعة الدخول، فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيرا للدخول، فلما قال { ~~يحلون فيها } أشار أن دخولهم على وجه السرعة { من أساور ~~من ذهب } " من " الأولى تبعيضية، والثانية بيانية، أي يحلون بعض ~~أساور كائنة من ذهب، والأساور جمع أسورة جمع سوار، وانتصاب { لؤلؤا } ~~بالعطف على محل { من أساور } وقرىء بالجر عطفا على ذهب { ~~ولباسهم فيها حرير } قد تقدم تفسير الآية مستوفى في سورة ~~الحج. { وقالوا الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن ~~} قرأ الجمهور { الحزن } بفتحتين. وقرأ جناح بن حبيش بضم الحاء، وسكون ~~الزاي. والمعنى أنهم يقولون هذه ms3172 المقالة إذا دخلوا الجنة. قال قتادة حزن ~~الموت. وقال عكرمة حزن السيئات والذنوب، وخوف رد الطاعات. وقال القاسم ~~حزن زوال النعم، وخوف العاقبة. وقيل حزن أهوال يوم القيامة. وقال الكلبي ~~ما كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة. وقال سعيد بن جبير هم ~~الخبز في الدنيا. وقيل هم المعيشة. وقال الزجاج أذهب الله عن أهل الجنة ~~كل الأحزان ما كان منها لمعاش، أو معاد. وهذا أرجح الأقوال، فإن الدنيا، ~~وإن بلغ نعيمها أي بلغ لا تخلو من شوائب ونوائب تكثر لأجلها الأحزان، ~~وخصوصا أهل الإيمان، فإنهم لا يزالون وجلين من عذاب الله خائفين من ~~عقابه، مضطربي القلوب في كل حين، هل تقبل أعمالهم أو ترد؟ حذرين من ~~عاقبة السوء، وخاتمة الشر، ثم لا تزال همومهم وأحزانهم حتى يدخلوا ~~الجنة. # وأما أهل العصيان فهم، وإن نفس عن خناقهم قليلا في حياة الدنيا التي هي ~~دار الغرور، وتناسوا دار القرار يوما من دهرهم، فلا بد أن يشتد وجلهم، ~~وتعظم مصيبتهم، وتغلي مراجل أحزانهم إذا شارفوا الموت، وقربوا من منازل ~~الآخرة، ثم إذا قبضت أرواحهم، ولاح لهم ما يسؤوهم من جزاء أعمالهم ~~ازدادوا غما، وحزنا، فإن تفضل الله عليهم بالمغفرة، وأدخلهم الجنة، فقد ~~أذهب عنهم أحزانهم، وأزال غمومهم، وهمومهم { إن ربنا لغفور ~~شكور } أي غفور لمن عصاه، شكور لمن أطاعه. { الذى أحلنا دار ~~المقامة من فضله } أي دار الإقامة التي يقام فيها أبدا، ولا ~~ينتقل عنها تفضلا منه ورحمة. { لا يمسنا فيها نصب } أي لا ~~يصيبنا في الجنة عناء، ولا تعب، ولا مشقة { ولا يمسنا فيها ~~لغوب } ، وهو الإعياء من التعب، والكلال من النصب. وقد أخرج ابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ثمرات مختلفا ~~ألوانها } قال الأبيض، والأحمر، والأسود، وفي قوله { ومن ~~الجبال جدد } قال طرائق { بيض } يعني الألوان. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عنه قال الغربيب الأسود الشديد السواد. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن ~~حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله { ومن ~~الجبال ms3173 جدد } قال طرائق تكون في الجبل بيض { وحمر } فتلك ~~الجدد { وغرابيب سود } قال جبال سود { ومن الناس ~~والدواب والأنعم } قال { كذلك } اختلاف الناس، ~~والدواب، والأنعام كاختلاف الجبال، ثم قال { إنما يخشى الله ~~من عباده العلماء } قال فصل لما قبلها. وأخرج ابن المنذر عن ~~ابن عباس في قوله { إنما يخشى الله من عباده العلماء ~~} قال العلماء بالله الذين يخافونه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عنه في الآية قال الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، وابن عدي عن ابن مسعود قال ليس العلم من كثرة الحديث، ~~ولكن العلم من الخشية. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، وعبد بن ~~حميد، والطبراني عنه قال كفى بخشية الله علما، وكفى باغترار بالله ~~جهلا. وأخرج أحمد في الزهد عنه أيضا قال ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن ~~العلم الخشية. وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال بحسب المؤمن من العلم أن ~~يخشى الله. وأخرج عبد الغني بن سعيد الثقفي في تفسيره عن ابن عباس أن ~~حصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف نزلت فيه { إن الذين ~~يتلون كتب الله وأقاموا الصلوة } الآية. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن ~~ابن عباس في قوله { ثم أورثنا الكتب الذين ~~اصطفينا من عبادنا } قال هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~ورثهم الله كل كتاب أنزل، فظالمهم مغفور له، ومقتصدهم يحاسب حسابا ~~يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب. # وأخرج الطيالسي، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي سعيد ~~الخدري، عن النبي أنه قال في هذه الآية { ثم أورثنا الكتب ~~الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظلم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرت } قال # " هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم يدخلون الجنة " # وفي إسناده رجلان مجهولان. قال الإمام أحمد في مسنده قال حدثنا شعبة عن ~~الوليد بن العيزار أنه سمع رجلا ms3174 من ثقيف يحدث عن رجل من كنانة عن أبي ~~سعيد. وأخرج الفريابي، وأحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن ~~أبي الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " قال الله { ثم أورثنا الكتب الذين اصطفينا ~~من عبادنا فمنهم ظلم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرت بإذن الله } فأما الذين سبقوا، ~~فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب. وأما الذين اقتصدوا، فأولئك ~~يحاسبون حسابا يسيرا. وأما الذين ظلموا أنفسهم، فأولئك الذين يحبسون في ~~طول المحشر، ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته، فهم الذين يقولون { ~~الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن إن ربنا ~~لغفور شكور } " # إلى آخر الآية. قال البيهقي إذا كثرت روايات في حديث ظهر أن للحديث ~~أصلا. ا. ه، وفي إسناد أحمد محمد بن إسحاق، وفي إسناد ابن أبي حاتم رجل ~~مجهول، لأنه رواه من طريق الأعمش، عن رجل، عن أبي ثابت، عن أبي الدرداء، ~~ورواه ابن جرير، عن الأعمش قال ذكر أبو ثابت. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~والطبراني عن عوف بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أمتي ثلاثة أثلاث فثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا ~~يسيرا، ثم يدخلون الجنة، وثلث يمحصون، ويكشفون، ثم تأتي الملائكة، ~~فيقولون وجدناهم يقولون لا إله إلا الله وحده، فيقول الله أدخلوهم ~~الجنة بقولهم لا إله إلا الله وحده، واحملوا خطاياهم على أهل التكذيب، ~~وهي التي قال الله { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم } العنكبوت 13، وتصديقها في التي ذكر في الملائكة. قال ~~الله تعالى { ثم أورثنا الكتب الذين اصطفينا من ~~عبادنا } فجعلهم ثلاثة أفواج. فمنهم ظالم لنفسه، فهذا الذي يكشف، ~~ويمحص، ومنهم مقتصد، وهو الذي يحاسب حسابا يسيرا. ومنهم سابق بالخيرات، ~~فهو الذي يلج الجنة بغير حساب ولا عذاب، بإذن الله يدخلونها جميعا " # قال ابن كثير بعد ذكر هذا الحديث غريب جدا ا ه. وهذه الأحاديث يقوي ~~بعضها بعضا، ويجب المصير إليها، ويدفع بها قول من حمل ms3175 الظالم لنفسه على ~~الكافر، ويؤيدها ما أخرجه الطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن ~~أسامة بن زيد { فمنهم ظلم لنفسه } الآية قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " كلهم من هذه الأمة، وكلهم في الجنة " # وما أخرجه الطيالسي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، ~~والحاكم، وابن مردويه عن عقبة بن صهبان قال قلت لعائشة أرأيت قول الله { ~~ثم أورثنا الكتب } الآية، قالت أما السابق، فمن مضى في ~~حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشهد له بالجنة. وأما المقتصد، فمن ~~تبع آثارهم، فعمل بمثل عملهم حتى لحق بهم. وأما الظالم لنفسه، فمثلي، ~~ومثلك، ومن اتبعنا، وكل في الجنة. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال هذه ~~الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون ~~حسابا يسيرا، وثلث يجيئون بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا، فيقول الرب ~~أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي، ثم قرأ { ثم أورثنا الكتب } ~~الآية. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي في ~~البعث عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا نزع بهذه الآية { ثم أورثنا ~~الكتب } قال ألا إن سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له. ~~وأخرجه العقيلي، وابن مردويه، والبيهقي في البعث من وجه آخر عنه مرفوعا. ~~وأخرجه ابن النجار من حديث أنس مرفوعا. وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال ~~السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، ~~والظالم لنفسه، وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وابن مردويه عن عثمان بن عفان أنه نزع بهذه الآية، ثم قال ألا إن سابقنا ~~أهل جهادنا، ألا وإن مقتصدنا أهل حضرنا، ألا وإن ظالمنا أهل بدونا. وأخرج ~~سعيد بن منصور، والبيهقي في البعث عن البراء بن عازب في قوله { ~~فمنهم ظلم لنفسه } الآية قال أشهد على الله أنه يدخلهم ~~جميعا الجنة. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن مردويه عنه قال ms3176 قرأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { ثم أورثنا الكتب ~~الذين اصطفينا من عبادنا } قال كلهم ناج، وهي هذه الأمة. ~~وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، عن ابن عباس في الآية قال هي مثل التي في ~~الواقعة { أصحاب الميمنة } ، و { أصحاب المشأمة }. و { السابقون } صنفان ~~ناجيان، وصنف هالك. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن ~~أبي حاتم، والبيهقي عنه في قوله { فمنهم ظلم لنفسه } قال ~~هو الكافر، والمقتصد أصحاب اليمين. # وهذا المروي عنه رضي الله عنه لا يطابق ما هو الظاهر من النظم القرآني، ~~ولا يوافق ما قدمنا من الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن ~~جماعة من الصحابة. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر عن عبد الله بن الحارث أن ابن عباس سأل كعبا عن هذه الآية، فقال ~~نجوا كلهم، ثم قال تحاكت مناكبهم، ورب الكعبة، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم، ~~وقد قدمنا عن ابن عباس ما يفيد أن الظالم لنفسه من الناجين، فتعارضت ~~الأقوال عنه. وأخرج الترمذي، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث عن أبي ~~سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله { جنت ~~عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ~~ولؤلؤا } ، فقال إن عليهم التيجان، إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين ~~المشرق والمغرب. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { وقالوا الحمد لله } الآية قال هم قوم في ~~الدنيا يخافون الله، ويجتهدون له في العبادة سرا، وعلانية، وفي قلوبهم ~~حزن من ذنوب قد سلفت منهم، فهم خائفون أن لا يتقبل منهم هذا الاجتهاد من ~~الذنوب التي سلفت، فعندها { قالوا الحمد لله الذى أذهب ~~عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور } غفر لنا العظيم، ~~وشكر لنا القليل من أعمالنا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، والحاكم وصححه عنه في الآية قال حزن النار. ### || [35.36-45] # ثم لما فرغ سبحانه من ذكر جزاء عباده الصالحين، ذكر جزاء عباده ms3177 ~~الطالحين، فقال { والذين كفروا لهم نار جهنم لا ~~يقضى عليهم فيموتوا } أي لا يقضي عليهم بالموت، فيموتوا، ~~ويستريحوا من العذاب { ولا يخفف عنهم من عذابها } بل # كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب # النساء 56 وهذه الآية هي مثل قوله سبحانه # لا يموت فيها ولا يحيى # الأعلى 13. قرأ الجمهور { فيموتوا } بالنصب جوابا للنفي، وقرأ عيسى بن ~~عمر، والحسن بإثبات النون. قال المازني على العطف على { يقضى }. وقال ابن ~~عطية هي قراءة ضعيفة، ولا وجه لهذا التضعيف بل هي كقوله # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # المرسلات36. { كذلك نجزى كل كفور } أي مثل ذلك الجزاء ~~الفظيع نجزي كل من هو مبالغ في الكفر، وقرأ أبو عمرو نجزي على البناء ~~للمفعول. { وهم يصطرخون فيها } من الصراخ، وهو الصياح، أي وهم ~~يستغيثون في النار رافعين أصواتهم، والصارخ المستغيث، ومنه قول الشاعر # كنا إذا ما أتانا صارخ فزع كان الصارخ له قرع الطنابيب # { ربنا أخرجنا نعمل صلحا غير الذى كنا ~~نعمل } أي وهم فيها يصطرخون يقولون { ربنا } إلخ. قال مقاتل هو أنهم ~~ينادون { ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل } من الشرك ~~والمعاصي، فنجعل الإيمان منا بدل ما كنا عليه من الكفر، والطاعة بدل ~~المعصية، وانتصاب { صالحا } على أنه صفة لمصدر محذوف، أي عملا صالحا، ~~أو صفة لموصوف محذوف، أي نعمل شيئا صالحا. قيل وزيادة قوله { غير ~~الذى كنا نعمل } للتحسر على ما عملوه من غير الأعمال الصالحة ~~مع الاعتراف منهم بأن أعمالهم في الدنيا كانت غير صالحة، فأجاب الله ~~سبحانه عليهم بقوله { أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من ~~تذكر } والاستفهام للتقريع، والتوبيخ، والواو للعطف على مقدر كما ~~في نظائره، وما نكرة موصوفة، أي أو لم نعمركم عمرا يتمكن من التذكر فيه ~~من تذكر. فقيل هو ستون سنة. وقيل أربعون. وقيل ثماني عشرة سنة. قال ~~بالأول جماعة من الصحابة، وبالثاني الحسن، ومسروق، وغيرهما. وبالثالث ~~عطاء، وقتادة. وقرأ الأعمش ما يذكر بالإدغام { وجاءكم النذير } ~~قال الواحدي قال جمهور المفسرين هو النبي صلى الله عليه ms3178 وسلم. وقال ~~عكرمة، وسفيان بن عيينة، ووكيع، والحسن بن الفضل، والفراء، وابن جرير هو ~~الشيب، ويكون معناه على هذا القول أو لم نعمركم حتى شبتم. وقيل هو ~~القرآن، وقيل الحمى. قال الأزهري معناه أن الحمى رسول الموت، أي كأنها ~~تشعر بقدومه، وتنذر بمجيئه، والشيب نذير أيضا، لأنه يأتي في سن ~~الاكتهال، وهو علامة لمفارقة سن الصبا الذي هو سن اللهو واللعب. وقيل ~~هو موت الأهل، والأقارب. # وقيل هو كمال العقل. وقيل البلوغ { فذوقوا فما للظلمين ~~من نصير } أي فذوقوا عذاب جهنم، لأنكم لم تعتبروا، ولم تتعظوا، فما ~~لكم ناصر يمنعكم من عذاب الله، ويحول بينكم وبينه. قال مقاتل، فذوقوا ~~العذاب، فما للمشركين من مانع يمنعهم. { إن الله علم غيب ~~السموات والأرض } قرأ الجمهور بإضافة { عالم } إلى { غيب } ، ~~وقرأ جناح بن حبيش بالتنوين، ونصب غيب. والمعنى أنه عالم بكل شيء، ومن ~~ذلك أعمال لا تخفى عليه منها خافية، فلو ردكم إلى الدنيا لم تعملوا ~~صالحا كما قال سبحانه # ولو ردوا لعدوا لما نهوا عنه # الأنعام 28. { إنه عليم بذات الصدور } تعليل لما قبله، ~~لأنه إذا علم مضمرات الصدور، وهي أخفى من كل شيء علم ما فوقها بالأولى. ~~وقيل هذه الجملة مفسرة للجملة الأولى { هو الذى جعلكم ~~خلئف فى الأرض } أي جعلكم أمة خالفة لمن قبلها. قال قتادة ~~خلفا بعد خلف، وقرنا بعد قرن، والخلف هو التالي للمتقدم. وقيل جعلكم ~~خلفاءه في أرضه { فمن كفر } منكم هذه النعمة { فعليه كفره ~~} أي عليه ضرر كفره، لا يتعداه إلى غيره { ولا يزيد الكفرين ~~كفرهم عند ربهم إلا مقتا } أي غضبا، وبغضا { ولا ~~يزيد الكفرين كفرهم إلا خسارا } أي نقصا وهلاكا، ~~والمعنى أن الكفر لا ينفع عند الله حيث لا يزيدهم إلا المقت، ولا ينفعهم ~~في أنفسهم حيث لا يزيدهم إلا الخسار. ثم أمره سبحانه أن يوبخهم، ~~ويبكتهم، فقال { قل أرءيتم شركاءكم الذين تدعون من ~~دون الله } أي أخبروني عن الشركاء الذين اتخذتموهم آلهة، وعبدتموهم ~~من دون الله، وجملة { أرونى ماذا خلقوا من الأرض } بدل ~~اشتمال ms3179 من أرأيتم، والمعنى أخبروني عن شركائكم، أروني أي شيء خلقوا من ~~الأرض؟ وقيل إن الفعلان، وهما أرأيتم، وأروني من باب التنازع. وقد أعمل ~~الثاني على ما هو اختيار البصريين { أم لهم شرك فى ~~السموات } أي أم لهم شركة مع الله في خلقها، أو ملكها، أو التصرف ~~فيها حتى يستحقوا بذلك الشركة في الإلهية { قل أرءيتم ~~شركاءكم } أي أم أنزلنا عليهم كتابا بالشركة { فهم على ~~بينت منه } أي على حجة ظاهرة واضحة من ذلك الكتاب. قرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وحفص عن عاصم { بينة } بالتوحيد، وقرأ الباقون ~~بالجمع. قال مقاتل يقول هل أعطينا كفار مكة كتابا، فهم على بيان منه بأن ~~مع الله شريكا. ثم أضرب سبحانه عن هذا إلى غيره، فقال { بل إن يعد ~~الظلمون بعضهم بعضا إلا غرورا } أي ما يعد الظالمون ~~بعضهم بعضا، كما يفعله الرؤساء، والقادة من المواعيد لأتباعهم إلا ~~غرورا يغرونهم به، ويزينونه لهم، وهو الأباطيل التي تغر، ولا حقيقة ~~لها، وذلك قولهم إن هذه الآلهة تنفعهم، وتقربهم إلى الله، وتشفع لهم ~~عنده. # وقيل إن الشياطين تعد المشركين بذلك. وقيل المراد بالوعد الذي يعد بعضهم ~~بعضا هو أنهم ينصرون على المسلمين، ويغلبونهم. وجملة. { إن الله ~~يمسك السموات والأرض أن تزولا } مستأنفة لبيان قدرة ~~الله سبحانه، وبديع صنعه بعد بيان ضعف الأصنام، وعدم قدرتها على شيء. ~~وقيل المعنى إن شركهم يقتضي زوال السماوات والأرض كقوله # تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا # مريم 90 91 { ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من ~~بعده } أي ما أمسكهما من أحد من بعد إمساكه، أو من بعد زوالهما، ~~والجملة سادة مسد جواب القسم والشرط، ومعنى { أن تزولا } لئلا ~~تزولا، أو كراهة أن تزولا. قال الزجاج المعنى أن الله يمنع السماوات ~~والأرض من أن تزولا، فلا حاجة إلى التقدير. قال الفراء، أي ولو زالتا ما ~~أمسكهما من أحد، قال وهو مثل قوله # ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من ~~بعده يكفرون # الروم 51. وقيل المراد ms3180 زوالهما يوم القيامة، وجملة { إنه كان ~~حليما غفورا } تعليل لما قبلها من إمساكه تعالى للسماوات، والأرض. ~~{ وأقسموا بالله جهد أيمنهم لئن جاءهم نذير ~~ليكونن أهدى من إحدى الأمم } المراد قريش، أقسموا قبل ~~أن يبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بهذا القسم حين بلغهم أن أهل ~~الكتاب كذبوا رسلهم، ومعنى { من إحدى الأمم } يعني المكذبة ~~للرسل، والنذير النبي، والهدى الاستقامة، وكانت العرب تتمنى أن يكون ~~منهم رسول كما كان الرسل في بني إسرائيل { فلما جاءهم } ما تمنوه، ~~وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو أشرف { نذير } ، وأكرم ~~مرسل، وكان من أنفسهم { ما زادهم } مجيئه { إلا نفورا } منهم ~~عنه، وتباعدا عن إجابته. { استكبارا فى الأرض } أي لأجل ~~الاستكبار، والعتو ولأجل { مكر السيىء } أي مكر العمل السيىء، أو ~~مكروا المكر السيىء، والمكر هو الحيلة، والخداع، والعمل القبيح، وأضيف ~~إلى صفته كقوله مسجد الجامع، وصلاة الأولى، وأنث { إحدى } لكون أمة مؤنثة ~~كما قال الأخفش. وقيل المعنى من إحدى الأمم على العموم. وقيل من الأمة ~~التي يقال لها إحدى الأمم تفضيلا لها. قرأ الجمهور { ومكر السيىء } بخفض ~~همزة السيىء. وقرأ الأعمش، وحمزة بسكونها وصلا. وقد غلط كثير من النحاة ~~هذه القراءة، ونزهوا الأعمش على جلالته أن يقرأ بها، قالوا وإنما كان يقف ~~بالسكون، فغلط من روي عنه أنه كان يقرأ بالسكون وصلا، وتوجيه هذه القراءة ~~ممكن، بأن من قرأ بها أجرى الوصل مجرى الوقف كما في قول الشاعر # فاليوم أشرب غير مستحقب إثما من الله ولا واغل # بسكون الباء من أشرب، ومثله قراءة من قرأ # وما يشعركم # الأنعام 109 بسكون الراء، ومثل ذلك قراءة أبي عمرو # إلى بارئكم # البقرة 54 بسكون الهمزة، وغير ذلك كثير. قال أبو علي الفارسي هذا على ~~إجراء الوصل مجرى الوقف، وقرأ ابن مسعود ومكرا سيئا. { ولا يحيق ~~المكر السيىء إلا بأهله } أي لا تنزل عاقبة السوء إلا ~~بمن أساء. قال الكلبي يحيق بمعنى يحيط، والحوق الإحاطة، يقال حاق به كذا ~~إذا أحاط به، وهذا هو الظاهر من ms3181 معنى يحيق في لغة العرب، ولكن قطرب فسره ~~هنا بينزل، وأنشد # وقد رفعوا المنية فاستقلت ذراعا بعد ما كانت تحيق # أي تنزل. { فهل ينظرون إلا سنت الأولين } أي فهل ~~ينتظرون إلا سنة الأولين؟ أي سنة الله فيهم بأن ينزل بهؤلاء العذاب كما ~~نزل بأولئك { فلن تجد لسنة الله تبديلا } أي لا يقدر ~~أحد أن يبدل سنة الله التي سنها بالأمم المكذبة من إنزال عذابه بهم ~~بأن يضع موضعه غيره بدلا عنه { ولن تجد لسنة الله ~~تحويلا } بأن يحول ما جرت به سنة الله من العذاب، فيدفعه عنهم، ~~ويضعه على غيرهم، ونفي وجدان التبديل والتحويل عبارة عن نفي وجودهما. { ~~أو لم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عقبة ~~الذين من قبلهم } هذه الجملة مسوقة لتقرير معنى ما قبلها، ~~وتأكيده، أي ألم يسيروا في الأرض، فينظروا ما أنزلنا بعاد، وثمود، ومدين، ~~وأمثالهم من العذاب لما كذبوا الرسل، فإن ذلك هو من سنة الله في ~~المكذبين التي لا تبدل، ولا تحول، وآثار عذابهم، وما أنزل الله بهم ~~موجودة في مساكنهم ظاهرة في منازلهم والحال أن أولئك { كانوا أشد ~~منهم قوة } وأطول أعمارا، وأكثر أموالا، وأقوى أبدانا { وما ~~كان الله ليعجزه من شىء فى السموات ولا فى ~~الأرض } أي ما كان ليسبقه ويفوته من شيء من الأشياء كائنا ما كان ~~فيهما { إنه كان عليما قديرا } أي كثير العلم، وكثير القدرة ~~لا يخفى عليه شيء، ولا يصعب عليه أمر { ولو يؤاخذ الله ~~الناس بما كسبوا } من الذنوب، وعملوا من الخطايا { ما ترك ~~على ظهرها } أي الأرض { من دابة } من الدواب التي تدب ~~كائنة ما كانت، أما بنو آدم فلذنوبهم، وأما غيرهم فلشؤم معاصي بني آدم. ~~وقيل المراد ما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب من بني آدم والجن، وقد ~~قال بالأول ابن مسعود، وقتادة، وقال بالثاني الكلبي. وقال ابن جريج، ~~والأخفش، والحسين بن الفضل أراد بالدابة هنا الناس وحدهم دون غيرهم { ~~ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } ، وهو يوم القيامة { ~~فإذا جاء أجلهم فإن الله ms3182 كان بعباده بصيرا } ~~أي بمن يستحق منهم الثواب، ومن يستحق منهم العقاب، والعامل في إذا هو جاء ~~لا بصيرا، وفي هذا تسلية للمؤمنين، ووعيد للكافرين. وقد أخرج عبد ~~الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في السنن عن ~~ابن عباس في قوله { أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من ~~تذكر } قال ستين سنة. # وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " إذا كان يوم القيامة قيل أين أبناء الستين؟ وهو العمر الذي قال الله ~~أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر " # وفي إسناده إبراهيم بن الفضل المخزومي، وفيه مقال. وأخرج أحمد، وعبد بن ~~حميد، والبخاري، والنسائي، والبزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، ~~وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " أعذر الله إلى امرىء أخر عمره حتى بلغ ستين سنة " # وأخرج عبد بن حميد، والطبراني، والحاكم، وابن مروديه عن سهل بن سعد ~~مرفوعا نحوه. وأخرج ابن جرير، عن علي بن أبي طالب قال العمر الذي عيرهم ~~الله به ستون سنة. وأخرج الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وابن المنذر، ~~والبيهقي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك " # قال الترمذي بعد إخراجه حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ثم أخرجه ~~في موضع آخر من كتاب الزهد، وقال هذا حديث حسن غريب من حديث أبي صالح عن ~~أبي هريرة، وقد روي من غير وجه عنه. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن ~~عباس في هذه الآية قال هو ست وأربعون سنة. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال ~~العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم فيه بقوله { أو لم نعمركم ~~ما يتذكر فيه من تذكر } أربعون سنة. وأخرج أبو ms3183 يعلى، ~~وابن جرير، وابن أبي حاتم، والدارقطني في الأفراد، وابن مردويه، والبيهقي ~~في الأسماء والصفات، والخطيب في تاريخه عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر # " قال وقع في نفس موسى هل ينام الله عز وجل؟ فأرسل الله إليه ملكا، ~~فأرقه ثلاثا، وأعطاه قارورتين في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما، ~~فجعل ينام، وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ، فيحبس إحداهما على الأخرى حتى ~~نام نومة، فاصطفقت يداه وانكسرت القارورتان. قال ضرب الله له مثلا إن ~~الله تبارك وتعالى لو كان ينام لم تستمسك السماء، والأرض " # وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن سلام أن موسى قال يا جبريل هل ~~ينام ربك؟ فذكر نحوه. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة، والبيهقي عن سعيد بن ~~أبي بردة عن أبيه أن موسى، فذكر نحوه. وأخرج الفريابي، وابن المنذر، ~~والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال إنه كاد الجعل ليعذب في جحره ~~بذنب ابن آدم، ثم قرأ { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ~~} الآية. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1-12] # قوله { يس } قرأ الجمهور بسكون النون، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، ~~وحفص، وقالون، وورش بإدغام النون في الواو الذي بعدها، وقرأ عيسى بن عمر ~~بفتح النون، وقرأ ابن عباس، وابن أبي إسحاق، ونصر بن عاصم بكسرها، فالفتح ~~على البناء، أو على أنه مفعول فعل مقدر تقديره اتل يس، والكسر على ~~البناء أيضا كجير، وقيل الفتح، والكسر للفرار من التقاء الساكنين. وأما ~~وجه قراءة الجمهور بالسكون للنون، فلكونها مسرودة على نمط التعديد، فلا ~~حظ لها من الإعراب. وقرأ هارون الأعور، ومحمد بن السميفع، والكلبي بضم ~~النون على البناء كمنذ، وحيث، وقط، وقيل على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هذه ~~يس، ومنعت من الصرف للعلمية، والتأنيث. واختلف في معنى هذه اللفظة، فقيل ~~معناها يا رجل، أو يا إنسان. قال ابن الأنباري الوقف على يس حسن لمن قال ~~هو افتتاح للسورة، ومن قال معناه يا رجل، لم يقف عليه. وقال سعيد ms3184 بن ~~جبير، وغيره هو اسم من أسماء محمد صلى الله عليه وسلم دليله { إنك ~~لمن المرسلين } ، ومنه قول السعد الحميري # يا نفس لا تمحضي بالنصح جاهدة على المودة إلا آل ياسين # ومنه قوله # سلم على إل ياسين # الصافات 130 أي على آل محمد، وسيأتي في الصافات ما المراد بآل ياسين. ~~قال الواحدي قال ابن عباس، والمفسرون يريد يا إنسان يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم. وقال أبو بكر الوراق معناه يا سيد البشر. وقال مالك هو اسم ~~من أسماء الله تعالى، روى ذلك عنه أشهب. وحكى أبو عبد الرحمن السلمي عن ~~جعفر الصادق أن معناه يا سيد. وقال كعب هو قسم أقسم الله به، ورجح الزجاج ~~أن معناه يا محمد. واختلفوا هل هو عربي أو غير عربي؟، فقال سعيد بن ~~جبير، وعكرمة حبشي. وقال الكلبي سرياني تكلمت به العرب، فصار من لغتهم. ~~وقال الشعبي هو بلغة طي. وقال الحسن هو بلغة كلب. وقد تقدم في طه، وفي ~~مفتتح سورة البقرة ما يغني عن التطويل ها هنا { والقرءان الحكيم ~~} بالجر على أنه مقسم به ابتداء. وقيل هو معطوف على يس على تقدير كونه ~~مجرورا بإضمار القسم. قال النقاش لم يقسم الله لأحد من أنبيائه بالرسالة ~~في كتابه إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم تعظيما له وتمجيدا، والحكيم ~~المحكم الذي لا يتناقض، ولا يتخالف، أو الحكيم قائله، وجواب القسم { ~~إنك لمن المرسلين } ، وهذا رد على من أنكر رسالته من ~~الكفار بقولهم # لست مرسلا # الرعد 43 وقوله { على صرط مستقيم } خبر آخر لإن أي إنك على ~~صراط مستقيم، والصراط المستقيم الطريق القيم الموصل إلى المطلوب. # قال الزجاج على طريقة الأنبياء الذين تقدموك، ويجوز أن يكون في محل نصب ~~على الحال { تنزيل العزيز الرحيم } قرأ نافع، وابن كثير، وأبو ~~عمرو، وأبو بكر برفع " تنزيل " على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو تنزيل، ~~ويجوز أن يكون خبرا لقوله يس إن جعل اسما للسورة، وقرأ الباقون بالنصب ~~على المصدرية أي نزل الله ذلك تنزيل العزيز الرحيم. ms3185 والمعنى أن القرآن ~~تنزيل العزيز الرحيم، وقيل المعنى إنك يا محمد تنزيل العزيز الرحيم، ~~والأول أولى. وقيل هو منصوب على المدح على قراءة من قرأ بالنصب، وعبر ~~سبحانه عن المنزل بالمصدر مبالغة حتى كأنه نفس التنزيل، وقرأ أبو حيوة، ~~والترمذي، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع، وشيبة " تنزيل " بالجر على النعت ~~للقرآن، أو البدل منه. واللام في { لتنذر قوما ما أنذر ~~ءاباؤهم } يجوز أن تتعلق ب { تنزيل } ، أو بفعل مضمر يدل عليه { من ~~المرسلين } أي أرسلناك لتنذر، و «ما» في { ما أنذر ءاباؤهم } هي ~~النافية أي لم ينذر آباؤهم، ويجوز أن تكون موصولة، أو موصوفة أي لتنذر ~~قوما الذي أنذره آباؤهم، أو لتنذرهم عذابا أنذره آباؤهم، ويجوز أن تكون ~~مصدرية أي إنذار آبائهم، وعلى القول بأنها نافية يكون المعنى ما أنذر ~~آباؤهم برسول من أنفسهم، ويجوز أن يراد، ما أنذر آباؤهم الأقربون لتطاول ~~مدة الفترة، وقوله { فهم غفلون } متعلق بنفي الإندار على الوجه ~~الأول أي لم ينذر آباؤهم، فهم بسبب ذلك غافلون، وعلى الوجوه الآخرة ~~متعلق بقوله { لتنذر } أي { فهم غافلون } عما أنذرنا به آباءهم، وقد ذهب ~~أكثر أهل التفسير إلى أن المعنى على النفي، وهو الظاهر من النظم لترتيب ~~فهم غافلون على ما قبله، واللام في قوله { لقد حق القول على ~~أكثرهم } هي الموطئة للقسم، أي والله لقد حق القول على أكثرهم، ~~ومعنى { حق } ثبت، ووجب القول أي العذاب على أكثرهم أي أكثر أهل مكة، أو ~~أكثر الكفار على الإطلاق، أو أكثر كفار العرب، وهم من مات على الكفر، ~~وأصر عليه طول حياته، فيتفرع قوله { فهم لا يؤمنون } على ما ~~قبله بهذا الاعتبار، أي لأن الله سبحانه قد علم منهم الإصرار على ما هم ~~فيه من الكفر، والموت عليه، وقيل المراد بالقول المذكور هنا هو قوله ~~سبحانه # فالحق والحق أقول لأملان جهنم منك وممن ~~تبعك # ص 84 85. وجملة { إنا جعلنا فى أعنقهم أغللا } ~~تقرير لما قبلها مثلت حالهم بحال الذين غلت أعناقهم { فهى } أي ~~الأغلال منتهية { إلى الأذقن } ، فلا يقدرون ms3186 عند ذلك على ~~الالتفات، ولا يتمكنون من عطفها، وهو معنى قوله { فهم مقمحون } ~~أي رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم. قال الفراء، والزجاج المقمح الغاض بصره ~~بعد رفع رأسه، ومعنى الإقماح رفع الرأس، وغض البصر، يقال أقمح البعير ~~رأسه، وقمح إذا رفع رأسه، ولم يشرب الماء. # قال الأزهري أراد الله أن أيديهم لما غلت عند أعناقهم رفعت الأغلال إلى ~~أذقانهم، ورؤوسهم صعداء، فهم مرفوعو الرؤوس برفع الأغلال إياها. وقال ~~قتادة معنى مقمحون مغلولون، والأول أولى، ومنه قول الشاعر # ونحن على جوانبها قعود نغض الطرف كالإبل القماح # قال الزجاج قيل للكانونين شهرا قماح لأن الإبل إذا وردت الماء رفعت ~~رؤوسها لشدة البرد، وأنشد قول أبي زيد الهذلي # فتى، ما ابن الأغر إذا شتونا وحب الزاد في شهري قماح # قال أبو عبيدة قمح البعير إذا رفع رأسه عن الحوض، ولم يشرب. وقال أبو ~~عبيدة أيضا هو مثل ضربه الله لهم في امتناعهم عن الهدى كامتناع المغلول، ~~كما يقال فلان حمار أي لا يبصر الهدى، وكما قال الشاعر # لهم عن الرشد أغلال وأقياد # وقال الفراء هذا ضرب مثل أي حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله، وهو كقوله # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك # الإسراء 29. وبه قال الضحاك. وقيل الآية إشارة إلى ما يفعل بقوم في ~~النار من وضع الأغلال في أعناقهم كما قال تعالى # إذ الأغلل فى أعنقهم # غافر 71 وقرأ ابن عباس " إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا " قال الزجاج أي ~~في أيديهم. قال النحاس وهذه القراءة تفسير، ولا يقرأ بما خالف المصحف. ~~قال وفي الكلام حذف على قراءة الجماعة، التقدير إنا جعلنا في أعناقهم، ~~وفي أياديهم أغلالا فهي إلى الأذقان، فلفظ " هي " كناية عن الأيدي لا عن ~~الأعناق، والعرب تحذف مثل هذا. ونظيره # سرابيل تقيكم الحر # النحل 81 وسرابيل تقيكم البرد، لأن ما وقى من الحر، وقى من البرد لأن ~~الغل إذا كان في العنق، فلا بد أن يكون في اليد، ولا سيما، وقد قال ~~الله { فهى إلى الأذقن } ، فقد علم أنه يراد به ms3187 الأيدي، فهم ~~مقمحون، أي رافعو رؤوسهم لا يستطيعون الإطراق لأن من غلت يداه إلى ذقنه ~~ارتفع رأسه. وروي عن ابن عباس أنه قرأ " إنا جعلنا في أيديهم أغلالا " ، ~~وعن ابن مسعود أنه قرأ " إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا " كما روي سابقا ~~من قراءة ابن عباس { وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن ~~خلفهم سدا } أي منعناهم عن الإيمان بموانع، فهم لا يستطيعون ~~الخروج من الكفر إلى الإيمان، كالمضروب أمامه، وخلفه بالأسداد، والسد بضم ~~السين، وفتحها لغتان. ومن هذا المعنى في الآية قول الشاعر # ومن الحوادث لا أبالك أنني ضربت علي الأرض بالأسداد لا أهتدي فيها ~~لموضع تلعة بين العذيب وبين أرض مراد # { فأغشينهم } أي غطينا أبصارهم { فهم } بسبب ذلك { لا ~~يبصرون } أي لا يقدرون على إبصار شيء. # قال الفراء فألبسنا أبصارهم غشوة أي عمى فهم لا يبصرون سبيل الهدى، وكذا ~~قال قتادة إن المعنى لا يبصرون الهدى. وقال السدي لا يبصرون محمدا حين ~~ائتمروا على قتله. وقال الضحاك { وجعلنا من بين أيديهم ~~سدا } أي الدنيا، { ومن خلفهم سدا } أي الآخرة، { ~~فأغشيناهم، فهم لا يبصرون } أي عموا عن البعث، وعموا عن قبول الشرائع في ~~الدنيا. وقيل ما بين أيديهم الآخرة، وما خلفهم الدنيا، قرأ الجمهور ~~بالغين المعجمة أي غطينا أبصارهم، فهو على حذف مضاف. وقرأ ابن عباس، وعمر ~~بن عبد العزيز، والحسن، ويحيى بن يعمر، وأبو رجاء، وعكرمة بالعين ~~المهملة من العشا، وهو ضعف البصر. ومنه # ومن يعش عن ذكر الرحمن # الزخرف 36 { وسوآء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم ~~لا يؤمنون } أي إنذارك إياهم، وعدمه سواء. قال الزجاج أي من أضله ~~الله هذا الإضلال لم ينفعه الإنذار، إنما ينفع الإنذار من ذكر في قوله { ~~إنما تنذر من اتبع الذكر وخشى الرحمن ~~بالغيب } أي اتبع القرآن، وخشي الله في الدنيا، وجملة { لا يؤمنون } ~~مستأنفة مبينة لما قبلها من الاستواء، أو في محل نصب على الحال، أو بدل، ~~و { بالغيب } في محل نصب على الحال من الفاعل، أو المفعول { فبشره ~~بمغفرة وأجر كريم } أي ms3188 بشر هذا الذي اتبع الذكر، وخشي ~~الرحمن بالغيب بمغفرة عظيمة، وأجر كريم، أي حسن، وهو الجنة. ثم أخبر ~~سبحانه بإحيائه الموتى، فقال { إنا نحن نحى الموتى } أي ~~نبعثهم بعد الموت. وقال الحسن، والضحاك، أي نحييهم بالإيمان بعد الجهل، ~~والأول أولى. ثم توعدهم بكتب آثارهم، فقال { ونكتب ما قدموا ~~} أي أسلفوا من الأعمال الصالحة والطالحة { وءاثارهم } أي ما أبقوه ~~من الحسنات التي لا ينقطع نفعها بعد الموت. كمن سن سنة حسنة، أو نحو ~~ذلك، أو السيئات التي تبقى بعد موت فاعلها كمن سن سنة سيئة. قال مجاهد، ~~وابن زيد ونظيره قوله # علمت نفس ما قدمت وأخرت # الانفطار 5 وقوله # ينبأ الإنسن يومئذ بما قدم وأخر # القيامة 13. وقيل المراد بالآية آثار المشائين إلى المساجد، وبه قال ~~جماعة من الصحابة، والتابعين. قال النحاس وهو أولى ما قيل في الآية لأنها ~~نزلت في ذلك. ويجاب عنه بأن الاعتبار بعموم الآية لا بخصوص سببها، ~~وعمومها يقتضي كتب جميع آثار الخير والشر، ومن الخير تعليم العلم، ~~وتصنيفه، والوقف على القرب، وعمارة المساجد، والقناطر. ومن الشر ابتداع ~~المظالم، وإحداث ما يضر بالناس، ويقتدي به أهل الجور، ويعملون عليه من ~~مكس، أو غيره، ولهذا قال سبحانه { وكل شىء أحصينه فى ~~إمام مبين } أي وكل شيء من أعمال العباد، وغيرها كائنا ما كان، ~~في إمام مبين، أي كتاب مقتدى به موضح لكل شيء. قال مجاهد، وقتادة، وابن ~~زيد أراد اللوح المحفوظ، وقالت فرقة أراد صحائف الأعمال. # قرأ الجمهور " ونكتب " على البناء للفاعل. وقرأ زر، ومسروق على البناء ~~للمفعول. وقرأ الجمهور { كل شىء أحصينه } بنصب " كل " على ~~الاشتغال. وقرأ أبو السمأل بالرفع على الابتداء. وقد أخرج ابن مردويه عن ~~ابن مسعود، وابن عباس في قوله { يس } قالا يا محمد. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس ~~في قوله { يس } قال يا إنسان. وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن، والضحاك، ~~وعكرمة مثله. وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل ms3189 عن ابن عباس قال ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المسجد، فيجهر بالقراءة، حتى تأذى ~~به ناس من قريش، حتى قاموا ليأخذوه، وإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم، ~~وإذا هم عمي لا يبصرون، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا ~~ننشدك الله والرحم يا محمد، قال ولم يكن بطن من بطون قريش إلا وللنبي ~~صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم حتى ذهب ~~ذلك عنهم، فنزلت { يس* والقرءان الحكيم } إلى قوله { أم لم ~~تنذرهم لا يؤمنون } قال # " فلم يؤمن من ذلك النفر أحد " # وفي الباب روايات في سبب نزول ذلك، هذه الرواية أحسنها، وأقربها إلى ~~الصحة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال الأغلال ما بين الصدر إلى الذقن { ~~فهم مقمحون } كما تقمح الدابة باللجام. وأخرج ابن مردويه عنه ~~أيضا في قوله { وجعلنا من بين أيديهم سدا } الآية قال ~~كانوا يمرون على النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يرونه. وأخرج ابن مردويه ~~عنه أيضا قال اجتمعت قريش بباب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون خروجه ~~ليؤذوه، فشق ذلك عليه، فأتاه جبريل بسورة يس، وأمره بالخروج عليهم، ~~فأخذ كفا من تراب وخرج وهو يقرؤها، ويذر التراب على رؤوسهم، فما رأوه ~~حتى جاز، فجعل أحدهم يلمس رأسه، فيجد التراب، وجاء بعضهم فقال ما يجلسكم؟ ~~قالوا ننتظر محمدا، فقال لقد رأيته داخلا المسجد، قال قوموا، فقد ~~سحركم. وأخرج عبد الرزاق، والترمذي وحسنه، والبزار، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب ~~عن أبي سعيد الخدري قال كان بنو سلمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ~~ينتقلوا إلى قرب المسجد، فأنزل الله { إنا نحن نحى الموتى ~~ونكتب ما قدموا وءاثارهم } ، فدعاهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال # " إنه يكتب آثاركم " # ثم قرأ عليهم الآية فتركوا. وأخرج الفريابي، وأحمد في الزهد، وعبد بن ~~حميد، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه عن ابن ~~عباس نحوه. وفي صحيح مسلم، وغيره من ms3190 حديث جابر قال إن بني سلمة أرادوا أن ~~يبيعوا ديارهم، ويتحولوا قريبا من المسجد، فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم ". ### || [36.13-27] # قوله { واضرب لهم مثلا أصحب القرية } قد تقدم ~~الكلام على نظير هذا في سورة البقرة، وسورة النمل، والمعنى اضرب لأجلهم ~~مثلا، أو اضرب لأجل نفسك أصحاب القرية مثلا، أي مثلهم عند نفسك بأصحاب ~~القرية، فعلى الأول لما قال تعالى # إنك لمن المرسلين # يس 3 وقال # لتنذر قوما # يس 6 قال قل لهم ما أنا بدعا من الرسل، فإن قبلي بقليل جاء أصحاب ~~القرية مرسلون، وأنذروهم بما أنذرتكم، وذكروا التوحيد، وخوفوا بالقيامة، ~~وبشروا بنعيم دار الإقامة. وعلى الثاني لما قال إن الإنذار لا ينفع من ~~أضله الله، وكتب عليه أنه لا يؤمن، قال للنبي صلى الله عليه وسلم اضرب ~~لنفسك، ولقومك مثلا أي مثل لهم عند نفسك مثلا بأصحاب القرية حيث جاءهم ~~ثلاثة رسل، ولم يؤمنوا، وصبر الرسل على الإيذاء، وأنت جئت إليهم واحدا، ~~وقومك أكثر من قوم الثلاثة، فإنهم جاءوا إلى أهل القرية، وأنت بعثتك إلى ~~الناس كافة. والمعنى واضرب لهم مثلا أصحاب القرية أي اذكر لهم قصة عجيبة ~~قصة أصحاب القرية، فترك المثل، وأقيم أصحاب القرية مقامه في الإعراب. ~~وقيل لا حاجة إلى الإضمار، بل المعنى اجعل أصحاب القرية لهم مثلا على أن ~~يكون { مثلا } و { أصحاب القرية } مفعولين لاضرب، أو يكون أصحاب القرية ~~بدلا من مثلا، وقد قدمنا الكلام على المفعول الأول من هذين المفعولين ~~هل هو مثلا، أو أصحاب القرية. وقد قيل إن ضرب المثل يستعمل تارة في ~~تطبيق حالة غريبة بحالة أخرى مثلها كما في قوله # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح ~~وامرأة لوط # التحريم 10، ويستعمل أخرى في ذكر حالة غريبة، وبيانها للناس من غير قصد ~~إلى تطبيقها بنظيره لها كما في قوله # وضربنا لكم الأمثال # إبراهيم 45 أي بينا لكم أحوالا بديعة غريبة هي في الغرابة كالأمثال ~~فقوله سبحانه هنا { واضرب لهم مثلا } يصح اعتبار ms3191 الأمرين فيه. ~~قال القرطبي هذه القرية هي أنطاكية في قول جميع المفسرين. وقوله { إذ ~~جآءها المرسلون } بدل اشتمال من أصحاب القرية، والمرسلون هم ~~أصحاب عيسى، بعثهم إلى أهل أنطاكية للدعاء إلى الله، فأضاف الله سبحانه ~~الإرسال إلى نفسه في قوله { إذ أرسلنا إليهم اثنين } ، ~~لأن عيسى أرسلهم بأمر الله سبحانه، ويجوز أن يكون الله أرسلهم بعد رفع ~~عيسى إلى السماء، فكذبوهما في الرسالة، وقيل ضربوهما، وسجنوهما. قيل واسم ~~الاثنين يوحنا، وشمعون. وقيل أسماء الثلاثة صادق، ومصدوق، وشلوم قاله ابن ~~جرير، وغيره. وقيل سمعان، ويحيى، وبولس { فعززنا بثالث } قرأ ~~الجمهور بالتشديد، وقرأ أبو بكر عن عاصم بتخفيف الزاي. قال الجوهري ~~«فعززنا» يخفف، ويشدد أي قوينا، وشددنا، فالقراءتان على هذا بمعنى. ~~وقيل التخفيف بمعنى غلبنا، وقهرنا، ومنه # وعزنى فى الخطاب # ص 23 والتشديد بمعنى قوينا وكثرنا. قيل وهذا الثالث هو شمعون، وقيل ~~غيره { فقالوا إنا إليكم مرسلون } أي قال الثلاثة ~~جميعا، وجاؤوا بكلامهم هذا مؤكدا لسبق التكذيب للاثنين، والتكذيب لهما ~~تكذيب للثالث، لأنهم أرسلوا جميعا بشيء واحد، وهو الدعاء إلى الله عز ~~وجل، وهذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل ما قال هؤلاء الرسل ~~بعد التعزيز لهم بثالث؟ وكذلك جملة { قالوا ما أنتم إلا بشر ~~مثلنا } فإنها مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل فما قال لهم أهل ~~أنطاكية، فقيل قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا أي مشاركون لنا في البشرية، ~~فليس لكم مزية علينا تختصون بها. ثم صرحوا بجحود إنزال الكتب السماوية، ~~فقالوا { وما أنزل الرحمن من شىء } مما تدعونه أنتم، ~~ويدعيه غيركم ممن قبلكم من الرسل، وأتباعهم { إن أنتم إلا ~~تكذبون } أي ما أنتم إلا تكذبون في دعوى ما تدعون من ذلك، ~~فأجابوهم بإثبات رسالتهم بكلام مؤكد تأكيدا بليغا لتكرر الإنكار من أهل ~~أنطاكية، وهو قولهم { ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ~~} ، فأكدوا الجواب بالقسم الذي يفهم من قولهم ربنا يعلم، وبإن، وباللام. ~~{ وما علينا إلا البلغ المبين } أي ما يجب علينا من ~~جهة ربنا إلا تبليغ رسالته على وجه الظهور، ms3192 والوضوح، وليس علينا غير ~~ذلك، وهذه الجملة مستأنفة كالتي قبلها، وكذلك جملة { قالوا إنا ~~تطيرنا بكم } ، فإنها مستأنفة جوابا عن سؤال مقدر أي إنا ~~تشاءمنا بكم، لم تجدوا جوابا تجيبون به على الرسل إلا هذا الجواب ~~المبني على الجهل المنبىء عن الغباوة العظيمة، وعدم وجود حجة تدفعون ~~الرسل بها. قال مقاتل حبس عنهم المطر ثلاث سنين. قيل إنهم أقاموا ~~ينذرونهم عشر سنين، ثم رجعوا إلى التجبر، والتكبر لما ضاقت صدورهم، ~~وأعيتهم العلل، فقالوا { لئن لم تنتهوا لنرجمنكم } أي ~~لئن لم تتركوا هذه الدعوى، وتعرضوا عن هذه المقالة لنرجمنكم بالحجارة { ~~وليمسنكم منا عذاب أليم } أي شديد فظيع. قال الفراء ~~عامة ما في القرآن من الرجم المراد به القتل. وقال قتادة هو على بابه من ~~الرجم بالحجارة. قيل ومعنى العذاب الأليم القتل، وقيل الشتم، وقيل هو ~~التعذيب المؤلم من غير تقييد بنوع خاص، وهذا هو الظاهر. ثم أجاب عليهم ~~الرسل دفعا لما زعموه من التطير بهم فقالوا { طئركم معكم } ~~أي شؤمكم معكم من جهة أنفسكم، لازم في أعناقكم، وليس هو من شؤمنا. قال ~~الفراء { طائركم معكم } أي رزقكم وعملكم، وبه قال قتادة. قرأ الجمهور { ~~طائركم } اسم فاعل أي ما طار لكم من الخير، والشر، وقرأ الحسن " أطيركم ~~" أي تطيركم { أءن ذكرتم }. قرأ الجمهور من السبعة، وغيرهم بهمزة ~~استفهام بعدها إن الشرطية على الخلاف بينهم في التسهيل والتحقيق، وإدخال ~~ألف بين الهمزتين، وعدمه. # وقرأ أبو جعفر، وزر بن حبيش، وابن السميفع، وطلحة بهمزتين مفتوحتين. ~~وقرأ الأعمش، وعيسى بن عمر، والحسن «أين» بفتح الهمزة، وسكون الياء على ~~صيغة الظرف. واختلف سيبويه، ويونس إذا اجتمع استفهام وشرط أيهما يجاب؟ ~~فذهب سيبويه إلى أنه يجاب الاستفهام، وذهب يونس إلى أنه يجاب الشرط، وعلى ~~القولين، فالجواب هنا محذوف أي أئن ذكرتم، فطائركم معكم لدلالة ما تقدم ~~عليه. وقرأ الماجشون " أن ذكرتم " بهمزة مفتوحة أي لأن ذكرتم. ثم أضربوا ~~عما يقتضيه الاستفهام، والشرط من كون التذكير سببا للشؤم، فقالوا { بل ~~أنتم قوم مسرفون } أي ليس الأمر كذلك، بل ms3193 أنتم قوم عادتكم ~~الإسراف في المعصية. قال قتادة مسرفون في تطيركم. وقال يحيى بن سلام ~~مسرفون في كفركم، وقال ابن بحر السرف هنا الفساد، والإسراف في الأصل ~~مجاوزة الحاء في مخالفة الحق. { وجاء من أقصى المدينة ~~رجل يسعى } هو حبيب بن موسى النجار، وكان نجارا، وقيل إسكافا. ~~وقيل قصارا. وقال مجاهد، ومقاتل هو حبيب بن إسرائيل النجار، وكان ينحت ~~الأصنام. وقال قتادة كان يعبد الله في غار، فلما سمع بخبر الرسل جاء ~~يسعى، وجملة { قال ياقوم اتبعوا المرسلين } مستأنفة ~~جواب سؤال مقدر كأنه قيل فماذا قال لهم عند مجيئه؟ فقيل قال يا قوم ~~اتبعوا المرسلين هؤلاء الذين أرسلوا إليكم، فإنهم جاءوا بحق. ثم أكد ذلك، ~~وكرره، فقال { اتبعوا من لا يسئلكم أجرا } أي لا ~~يسألونكم أجرا على ما جاؤوكم به من الهدى { وهم مهتدون } يعني ~~الرسل. ثم أبرز الكلام في معرض النصيحة لنفسه، وهو يريد مناصحة قومه، ~~فقال { وما لى لا أعبد الذى فطرنى } أي أي مانع من ~~جانبي يمنعني من عبادة الذي خلقني؟ ثم رجع إلى خطابهم لبيان أنه ما أراد ~~نفسه، بل أرادهم بكلامه، فقال { وإليه ترجعون } ولم يقل إليه ~~أرجع، وفيه مبالغة في التهديد. ثم عاد إلى المساق الأول لقصد التأكيد، ~~ومزيد الإيضاح، فقال { أءتخذ من دونه ءالهة } ، فجعل الإنكار ~~متوجها إلى نفسه. وهم المرادون به أي أتخذ من دون الله آلهة، وأعبدها، ~~وأترك عبادة من يستحق العبادة، وهو الذي فطرني. ثم بين حال هذه الأصنام ~~التي يعبدونها من دون الله سبحانه إنكارا عليهم، وبيانا لضلال عقولهم، ~~وقصور إدراكهم، فقال { إن يردن الرحمن بضر لا تغن ~~عنى شفعتهم شيئا } أي شيئا من النفع كائنا ما كان { ولا ~~ينقذون } من ذلك الضر الذي أرادني الرحمن به. وهذه الجملة صفة ~~لآلهة، أو مستأنفة لبيان حالها في عدم النفع، والدفع، وقوله { لا ~~تغن } جواب الشرط، وقرأ طلحة بن مصرف " إن يردني " بفتح الياء، قال { ~~إنى إذا لفى ضلل مبين } أي إني إذا اتخذت من دونه آلهة ~~لفي ضلال مبين واضح، ms3194 وهذا تعريض بهم كما سبق، والضلال الخسران. # ثم صرح بإيمانه تصريحا لا يبقى بعده شك، فقال { إنى ءامنت ~~بربكم فاسمعون } خاطب بهذا الكلام المرسلين. قال المفسرون ~~أرادوا القوم قتله، فأقبل هو على المرسلين، فقال إني آمنت بربكم أيها ~~الرسل، فاسمعون أي اسمعوا إيماني، واشهدوا لي به. وقيل إنه خاطب بهذا ~~الكلام قومه لما أرادوا قتله تصلبا في الدين، وتشددا في الحق، فلما ~~قال هذا القول، وصرح بالإيمان، وثبوا عليه، فقتلوه، وقيل وطئوه بأرجلهم، ~~وقيل حرقوه، وقيل حفروا له حفيرة، وألقوه فيها، وقيل إنهم لم يقتلوه بل ~~رفعه الله إلى السماء، فهو في الجنة، وبه قال الحسن، وقيل نشروه ~~بالمنشار. { قيل ادخل الجنة } أي قيل له ذلك تكريما له ~~بدخولها بعد قتله كما هي سنة الله في شهداء عباده. وعلى قول من قال إنه ~~رفع إلى السماء، ولم يقتل يكون المعنى أنهم لما أرادوا قتله نجاه الله من ~~القتل، وقيل له ادخل الجنة، فلما دخلها، وشاهدها { قال يليت ~~قومى يعلمون * بما غفر لى ربى وجعلنى من ~~المكرمين } والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، أي فماذا قال بعد أن ~~قيل له ادخل الجنة، فدخلها. فقيل قال { يا ليت قومي } إلخ، " وما " في { ~~بما غفر لى } هي المصدرية أي بغفران ربي، وقيل هي الموصولة أي ~~بالذي غفر لي ربي، والعائد محذوف أي غفره لي ربي، واستضعف هذا لأنه لا ~~معنى لتمنيه أن يعلم قومه بذنوبه المغفورة، وليس المراد إلا التمني منه ~~بأن يعلم قومه بغفران ربه له. وقال الفراء إنها استفهامية بمعنى التعجب، ~~كأنه قال بأي شيء غفر لي ربي. قال الكسائي لو صح هذا لقال " بم " من غير ~~ألف. ويجاب عنه بأنه قد ورد في لغة العرب إثباتها، وإن كان مكسورا ~~بالنسبة إلى حذفها، ومنه قول الشاعر # على ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ في دمان # وفي معنى تمنيه قولان أحدهما أنه تمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن ~~مآله، وحميد عاقبته إرغاما لهم. وقيل إنه تمنى أن يعلموا بذلك ليؤمنوا ~~مثل إيمانه، فيصيروا ms3195 إلى مثل حاله. وقد أخرج الفريابي عن ابن عباس في ~~قوله { واضرب لهم مثلا أصحب القرية } قال هي ~~أنطاكية. وأخرج ابن أبي حاتم عن بريدة مثله. وأخرج ابن سعد، وابن عساكر ~~من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال كان بين موسى بن عمران، ~~وبين عيسى ابن مريم ألف سنة وتسعمائة سنة، ولم يكن بينهما فترة، وأنه ~~أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم، وكان بين ~~ميلاد عيسى، والنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وتسع وستون سنة، بعث ~~في أولها ثلاثة أنبياء، وهو قوله { إذ أرسلنا إليهم ~~اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث } ، والذي عزز به ~~شمعون، وكان من الحواريين، وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولا ~~أربعمائة سنة وأربع وثلاثون سنة. # وأخرج ابن المنذر عنه أيضا في قوله { طئركم معكم } قال ~~شؤمكم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { وجاء من ~~أقصى المدينة رجل } قال هو حبيب النجار.وأخرج ابن أبي حاتم ~~عنه من وجه آخر، قال اسم صاحب يس حبيب، وكان الجذام قد أسرع فيه. وأخرج ~~الحاكم عن ابن مسعود قال لما قال صاحب يس { يقوم اتبعوا ~~المرسلين } خنقوه ليموت، فالتفت إلى الأنبياء، فقال { إنى ~~ءامنت بربكم فاسمعون } أي فاشهدوا لي. ### || [36.28-40] # لما وقع ما وقع منهم مع حبيب النجار غضب الله له، وعجل لهم النقمة، ~~وأهلكهم بالصيحة، ومعنى { وما أنزلنا على قومه من بعده ~~} أي على قوم حبيب النجار من بعد قتلهم له، أو من بعد رفع الله له إلى ~~السماوات على الاختلاف السابق { من جند من السماء } لإهلاكهم، ~~وللانتقام منهم أي لم تحتج إرسال جنود من السماء لإهلاكهم كما وقع ذلك ~~للنبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر من إرسال الملائكة لنصرته، وحرب أعدائه ~~{ وما كنا منزلين } أي وما صح في قضائنا، وحكمتنا أن ننزل ~~لإهلاكهم جندا لسبق قضائنا، وقدرنا بأن إهلاكهم بالصيحة لا بإنزال ~~الجند. وقال قتادة، ومجاهد، والحسن أي ما أنزلنا عليهم من رسالة من ms3196 ~~السماء، ولا نبي بعد قتله. وروي عن الحسن أنه قال هم الملائكة النازلون ~~بالوحي على الأنبياء، والظاهر أن معنى النظم القرآني تحقير شأنهم، وتصغير ~~أمرهم أي ليسوا بأحقاء بأن ننزل لإهلاكهم جندا من السماء، بل أهلكناهم ~~بصيحة واحدة كما يفيده قوله { إن كانت إلا صيحة وحدة } أي ~~إن كانت العقوبة، أو النقمة، أو الأخذة إلا صيحة واحدة صاح بها جبريل، ~~فأهلكهم. قال المفسرون أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة، ثم صاح بهم صيحة، ~~فإذا هم ميتون لا يسمع لهم حس كالنار إذا طفئت، وهو معنى قوله { فإذا ~~هم خمدون } أي قوم خامدون ميتون، شبههم بالنار إذا طفئت لأن ~~الحياة كالنار الساطعة، والموت كخمودها. قرأ الجمهور { صيحة } بالنصب على ~~أن كان ناقصة، واسمها ضمير يعود إلى ما يفهم من السياق كما قدمنا. وقرأ ~~أبو جعفر، وشيبة، والأعرج، ومعاذ القارئ برفعها على أن كان تامة أي وقع، ~~وحدث، وأنكر هذه القراءة أبو حاتم، وكثير من النحويين بسبب التأنيث في ~~قوله { إن كانت } قال أبو حاتم فلو كان كما قرأ أبو جعفر لقال " إن ~~كان إلا صيحة " ، وقدر الزجاج هذه القراءة بقوله إن كانت عليهم صيحة ~~إلا صيحة واحدة، وقدرها غيره ما وقعت عليهم إلا صيحة واحدة. وقرأ عبد ~~الله بن مسعود «إن كانت إلا زقية واحدة»، والزقية الصيحة، قال النحاس ~~وهذا مخالف للمصحف، وأيضا. فإن اللغة المعروفة زقا يزقو إذا صاح. ومنه ~~المثل «أثقل من الزواقي»، فكان يجب على هذا أن تكون زقوة، ويجاب عنه بما ~~ذكره الجوهري قال الزقو والزقي مصدر، وقد زقا الصدا يزقو. زقا أي صاح وكل ~~صائح زاق، والزقية الصيحة. { يحسرة على العباد } قرأ الجمهور ~~بنصب { حسرة } ، على أنها منادى منكر، كأنه نادى الحسرة، وقال لها هذا ~~أوانك فاحضري. وقيل إنها منصوبة على المصدرية، والمنادى محذوف، والتقدير ~~يا هؤلاء تحسروا حسرة. # وقرأ قتادة، وأبي في رواية عنه بضم حسرة على النداء. قال الفراء في ~~توجيه هذه القراءة إن الاختيار النصب، وإنها لو رفعت النكرة لكان صوابا، ~~واستشهد بأشياء نقلها ms3197 عن العرب منها أنه سمع من العرب يا مهتم بأمرنا لا ~~تهتم، وأنشد # يا دار غيرها البلى تغييرا # قال النحاس وفي هذا إبطال باب النداء، أو أكثره. قال وتقدير ما ذكره ~~يأيها المهتم لا تهتم بأمرنا، وتقدير البيت يا أيتها الدار. وحقيقة ~~الحسرة أن يلحق الإنسان من الندم ما يصير به حسيرا. قال ابن جرير المعنى ~~يا حسرة من العباد على أنفسهم، وتندما وتلهفا في استهزائهم برسل الله، ~~ويؤيد هذا قراءة ابن عباس، وعلي بن الحسين " يا حسرة العباد " على ~~الإضافة، ورويت هذه القراءة عن أبي. وقال الضحاك إنها حسرة الملائكة على ~~الكفار حين كذبوا الرسل. وقيل هي من قول الرجل الذي جاء من أقصى المدينة. ~~وقيل إن القائل يا حسرة على العباد هم الكفار المكذبون، والعباد الرسل، ~~وذلك أنهم لما رأوا العذاب تحسروا على قتلهم، وتمنوا الإيمان قاله أبو ~~العالية، ومجاهد، وقيل إن التحسر عليهم هو من الله عز وجل بطريق ~~الاستعارة لتعظيم ما جنوه. وقرأ ابن هرمز، ومسلم بن جندب، وعكرمة، وأبو ~~الزناد " يا حسره " بسكون الهاء إجراء للوصل مجرى الوقف. وقرىء " يا ~~حسرتا " كما قرىء بذلك في سورة الزمر، وجملة { ما يأتيهم من ~~رسول إلا كانوا به يستهزءون } مستأنفة مسوقة لبيان ما ~~كانوا عليه من تكذيب الرسل، والاستهزاء بهم، وأن ذلك هو سبب التحسر ~~عليهم. ثم عجب سبحانه من حالهم حيث لم يعتبروا بأمثالهم من الأمم ~~الخالية، فقال { ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من ~~القرون } أي ألم يعلموا كثرة من أهلكنا قبلهم من القرون التي ~~أهلكناها من الأمم الخالية، وجملة { أنهم إليهم لا ~~يرجعون } بدل من كم أهلكنا على المعنى. قال سيبويه أن بدل من كم، ~~وهي الخبرية، فلذلك جاز أن يبدل منها ما ليس باستفهام، والمعنى ألم يروا ~~أن القرون الذين أهلكناهم أنهم إليهم لا يرجعون. وقال الفراء " كم " في ~~موضع نصب من وجهين أحدهما ب { يروا } ، واستشهد على هذا بأنه في قراءة ~~ابن مسعود " ألم يروا من أهلكنا " ، والوجه الآخر أن تكون " كم " في موضع ms3198 ~~نصب ب { أهلكنا }. قال النحاس القول الأول محال، لأن كم لا يعمل فيها ~~ما قبلها لأنها استفهام، ومحال أن يدخل الاستفهام في حيز ما قبله، وكذا ~~حكمها إذا كانت خبرا، وإن كان سيبويه قد أومأ إلى بعض هذا، فجعل أنهم ~~بدلا من كم، وقد رد ذلك المبرد أشد رد { وإن كل لما جميع ~~لدينا محضرون } أي محضرون لدينا يوم القيامة للجزاء. # قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة { لما } بتشديدها، وقرأ الباقون بتخفيفها. ~~قال الفراء من شدد جعل لما بمعنى إلا، وإن بمعنى ما، أي ما كل إلا ~~جميع لدينا محضرون، ومعنى { جميع } مجموعون، فهو فعيل بمعنى مفعول، ~~ولدينا ظرف له، وأما على قراءة التخفيف، فإن هي المخففة من الثقيلة، وما ~~بعدها مرفوع بالابتداء، وتنوين { كل } عوض عن المضاف إليه، وما بعده ~~الخبر، واللام هي الفارقة بين المخففة والنافية. قال أبو عبيدة وما على ~~هذه القراءة زائدة، والتقدير عنده وإن كل لجميع. وقيل معنى { محضرون } ~~معذبون، والأولى أنه على معناه الحقيقي من الإحضار للحساب. ثم ذكر سبحانه ~~البرهان على التوحيد، والحشر مع تعداد النعم، وتذكيرها، فقال { وءاية ~~لهم الأرض الميتة } ، فآية خبر مقدم، وتنكيرها للتفخيم، ~~ولهم صفتها، أو متعلقة بآية لأنها بمعنى علامة، والأرض مبتدأ، ويجوز أن ~~تكون { آية } مبتدأ لكونها قد تخصصت بالصفة، وما بعدها الخبر. قرأ أهل ~~المدينة «الميتة» بالتشديد، وخففها الباقون، وجملة { أحيينها } ~~مستأنفة مبينة لكيفية كونها آية، وقيل هي صفة للأرض، فنبههم الله بهذا ~~على إحياء الموتى، وذكرهم نعمه، وكمال قدرته، فإنه سبحانه أحيا الأرض ~~بالنبات وأخرج منها الحبوب التي يأكلونها، ويتغذون بها، وهو معنى قوله { ~~وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون } ، وهو ما يقتاتونه ~~من الحبوب، وتقديم { منه } للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل، وأكثر ما ~~يقوم به المعاش. { وجعلنا فيها جنت من نخيل ~~وأعنب } أي جعلنا في الأرض جنات من أنواع النخل، والعنب، وخصصهما ~~بالذكر لأنهما أعلى الثمار، وأنفعها للعباد { وفجرنا فيها من ~~العيون } أي فجرنا في الأرض بعضا من العيون، فحذف الموصوف، وأقيمت ~~الصفة مقامه، ms3199 أو المفعول العيون، ومن مزيدة على رأي من جوز زيادتها في ~~الإثبات، وهو الأخفش، ومن وافقه، والمراد بالعيون عيون الماء. قرأ ~~الجمهور { فجرنا } بالتشديد، وقرأ جناح بن حبيش بالتخفيف، والفجر ~~والتفجير كالفتح والتفتيح لفظا ومعنى، واللام في { ليأكلوا من ~~ثمره } متعلق بجعلنا، والضمير في { من ثمره } يعود إلى المذكور من ~~الجنات، والنخيل، وقيل هو راجع إلى ماء العيون لأن الثمر منه، قاله ~~الجرجاني. قرأ الجمهور { ثمره } بفتح الثاء، والميم، وقرأ حمزة، والكسائي ~~بضمهما، وقرأ الأعمش بضم الثاء، وإسكان الميم، وقد تقدم الكلام في هذا ~~في الأنعام، وقوله { وما عملته أيديهم } معطوف على { ثمره } ~~أي ليأكلوا من ثمره، ويأكلوا مما عملته أيديهم كالعصير، والدبس، ونحوهما، ~~وكذلك ما غرسوه وحفروه على أن " ما " موصولة، وقيل هي نافية، والمعنى لم ~~يعملوه، بل العامل له هو الله، أي وجدوها معمولة، ولا صنع لهم فيها، وهو ~~قول الضحاك، ومقاتل. قرأ الجمهور { عملته } وقرأ الكوفيون «عملت» بحذف ~~الضمير، والاستفهام في قوله { أفلا يشكرون } للتقريع، والتوبيخ ~~لهم لعدم شكرهم للنعم. # وجملة { سبحن الذى خلق الأزوج كلها } مستأنفة مسوقة ~~لتنزيهه سبحانه عما وقع منهم من ترك الشكر لنعمه المذكورة، والتعجب من ~~إخلالهم بذلك. وقد تقدم الكلام مستوفى في معنى سبحان، وهو في تقدير ~~الأمر للعباد بأن ينزهوه عما لا يليق به، والأزواج الأنواع، والأصناف، ~~لأن كل صنف مختلف الألوان، والطعوم، والأشكال، و { مما تنبت ~~الأرض } بيان للأزواج، والمراد كل ما ينبت فيها من الأشياء المذكورة، ~~وغيرها { ومن أنفسهم } أي خلق الأزواج من أنفسهم، وهم الذكور، ~~والإناث { ومما لا يعلمون } من أصناف خلقه في البر، والبحر، ~~والسماء، والأرض { وءاية لهم اليل نسلخ منه النهار ~~} الكلام في هذا كما قدمنا في قوله { وءاية لهم الأرض ~~الميتة أحيينها } ، والمعنى أن ذلك علامة دالة على توحيد ~~الله، وقدرته، ووجوب إلهيته، والسلخ الكشط، والنزع، يقال سلخه الله من ~~بدنه، ثم يستعمل بمعنى الإخراج، فجعل سبحانه ذهاب الضوء ومجيء الظلمة ~~كالسلخ من الشيء، وهو استعارة بليغة { فإذا هم مظلمون } أي ~~داخلون في الظلام مفاجأة ms3200 وبغتة، يقال أظلمنا أي دخلنا في ظلام الليل، ~~وأظهرنا دخلنا في وقت الظهر، وكذلك أصبحنا، وأمسينا، وقيل «منه» بمعنى ~~عنه، والمعنى نسلخ عنه ضياء النهار. قال الفراء يرمى بالنهار على الليل، ~~فيأتي بالظلمة، وذلك أن الأصل هي الظلمة، والنهار داخل عليه، فإذا غربت ~~الشمس سلخ النهار من الليل، أي كشط، وأزيل، فتظهر الظلمة. { والشمس ~~تجرى لمستقر لها } يحتمل أن تكون الواو للعطف على الليل، ~~والتقدير وآية لهم الشمس، ويجوز أن تكون الواو ابتدائية، والشمس مبتدأ، ~~وما بعدها الخبر، ويكون الكلام مستأنفا مشتملا على ذكر آية مستقلة. قيل ~~وفي الكلام حذف، والتقدير تجري لمجرى مستقر لها، فتكون اللام للعلة أي ~~لأجل مستقر لها، وقيل اللام بمعنى إلى وقد قرىء بذلك. قيل والمراد ~~بالمستقر يوم القيامة، فعنده تستقر، ولا يبقى لها حركة، وقيل مستقرها ~~هو أبعد ما تنتهي إليه، ولا تجاوزه، وقيل نهاية ارتفاعها في الصيف، ~~ونهاية هبوطها في الشتاء، وقيل مستقرها تحت العرش لأنها تذهب إلى هنالك، ~~فتسجد، فتستأذن في الرجوع، فيؤذن لها، وهذا هو الراجح. وقال الحسن إن ~~للشمس في السنة ثلثمائة مطلعا تنزل في كل يوم مطلعا، ثم لا تنزل إلى ~~الحول، فهي تجري في تلك المنازل، وهو مستقرها، وقيل غير ذلك. وقرأ ابن ~~مسعود، وابن عباس، وعكرمة، وزين العابدين، وابنه الباقر، والصادق بن ~~الباقر " لا مستقر لها " بلا التي لنفي الجنس، وبناء مستقر على الفتح. ~~وقرأ ابن أبي عبلة " لا مستقر " بلا التي بمعنى ليس، ومستقر اسمها، ~~ولها خبرها، والإشارة بقوله { ذلك } إلى جري الشمس أي ذلك الجري { ~~تقدير العزيز } أي الغالب القاهر { العليم } أي المحيط علمه ~~بكل شيء، ويحتمل أن تكون الإشارة راجعة إلى المستقر أي ذلك المستقر ~~تقدير الله. # { والقمر قدرنه منازل }. قرأ نافع، وابن كثير، وأبو ~~عمرو برفع القمر على الابتداء. وقرأ الباقون بالنصب على الاشتغال، ~~وانتصاب { منازل } على أنه مفعول ثان، لأن " قدرنا " بمعنى صيرنا، ويجوز ~~أن يكون منتصبا على الحال أي قدرنا سيره حال كونه ذا منازل، ويجوز أن ~~يكون منتصبا على الظرفية ms3201 أي في منازل. واختار أبو عبيد النصب في القمر ~~لأن قبله فعلا، وهو { نسلخ } ، وبعده فعلا، وهو " قدرنا ". قال النحاس ~~أهل العربية جميعا فيما علمت على خلاف ما قال. منهم الفراء قال الرفع ~~أعجب إلي، قال وإنما كان الرفع عندهم أولى لأنه معطوف على ما قبله، ~~ومعناه وآية لهم القمر. قال أبو حاتم الرفع أولى، لأنك شغلت الفعل عنه ~~بالضمير، فرفعته بالابتداء، والمنازل هي الثمانية والعشرون التي ينزل ~~القمر في كل ليلة في واحد منها، وهي معروفة، وسيأتي ذكرها، فإذا صار ~~القمر في آخرها عاد إلى أولها، فيقطع الفلك في ثمان وعشرين ليلة، ثم ~~يستتر ليلتين، ثم يطلع هلالا، فيعود في قطع تلك المنازل من الفلك { ~~حتى عاد كالعرجون القديم } قال الزجاج العرجون هو عود ~~العذق الذي فيه الشماريخ، وهو فعلون من الانعراج، وهو الانعطاف أي سار في ~~منازله، فإذا كان في آخرها دق، واستقوس، وصغر حتى صار كالعرجون القديم، ~~وعلى هذا فالنون زائدة. قال قتادة وهو العذق اليابس المنحني من النخلة. ~~قال ثعلب العرجون الذي يبقى في النخلة إذا قطعت، والقديم البالي. وقال ~~الخليل العرجون أصل العذق، وهو أصفر عريض، يشبه به الهلال إذا انحنى، ~~وكذا قال الجوهري إنه أصل العذق الذي يعوج، ويقطع منه الشماريخ، فيبقى ~~على النخل يابسا، وعرجته ضربته بالعرجون، وعلى هذا فالنون أصلية. ~~قرأ الجمهور { العرجون } بضم العين، والجيم وقرأ سليمان التيمي بكسر ~~العين، وفتح الجيم، وهما لغتان، والقديم العتيق. { لا الشمس ~~ينبغى لها أن تدرك القمر } الشمس مرفوعة بالابتداء، لأنه لا ~~يجوز أن تعمل لا في المعرفة أي لا يصح، ولا يمكن للشمس أن تدرك القمر في ~~سرعة السير، وتنزل في المنزل الذي فيه القمر لأن لكل واحد منهما سلطانا ~~على انفراده، فلا يتمكن أحدهما من الدخول على الآخر، فيذهب سلطانه إلى أن ~~يأذن الله بالقيامة، فتطلع الشمس من مغربها. وقال الضحاك معناه إذا طلعت ~~الشمس لم يكن للقمر ضوء، وإذا طلع القمر لم يكن للشمس ضوء. وقال مجاهد أي ~~لا يشبه ضوء أحدهما ms3202 ضوء الآخر. وقال الحسن إنهما لا يجتمعان في السماء ~~ليلة الهلال خاصة، وكذا قال يحيى بن سلام. # وقيل معناه إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر في منزل لا ~~يشتركان فيه. وقيل القمر في سماء الدنيا، والشمس في السماء الرابعة. ذكره ~~النحاس، والمهدوي. قال النحاس وأحسن ما قيل في معناه، وأبينه أن سير ~~القمر سير سريع، والشمس لا تدركه في السير. وأما قوله # وجمع الشمس والقمر # القيامة 9، فذلك حين حبس الشمس عن الطلوع على ما تقدم بيانه في ~~الأنعام، ويأتي في سورة القيامة أيضا، وجمعهما علامة لانقضاء الدنيا، ~~وقيام الساعة { ولا اليل سابق النهار } أي يسبقه، فيفوته، ~~ولكن يعاقبه، ويجيء كل واحد منهما في وقته، ولا يسبق صاحبه، وقيل المراد ~~من الليل، والنهار آيتاهما، وهما الشمس والقمر، فيكون عكس قوله { لا ~~الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر } أي ولا القمر سابق ~~الشمس، وإيراد السبق مكان الإدراك لسرعة سير القمر { وكل فى فلك ~~يسبحون } التنوين في كل عوض عن المضاف إليه أي وكل واحد منهما، ~~والفلك هو الجسم المستدير، أو السطح المستدير، أو الدائرة، والخلاف في ~~كون السماء مبسوطة، أو مستديرة معروف، والسبح السير بانبساط، وسهولة، ~~والجمع في قوله { يسبحون } باعتبار اختلاف مطالعهما، فكأنهما ~~متعددان بتعددها، أو المراد الشمس، والقمر، والكواكب. وقد أخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله { وما أنزلنا على ~~قومه من بعده } الآية يقول ما كابدناهم بالجموع أي، الأمر أيسر ~~علينا من ذلك. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~يحسرة على العباد } يقول يا ويلا للعباد. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عنه في قوله { يا حسرة على العباد } قال الندامة على العباد الذين { ما ~~يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون } يقول ~~الندامة عليهم يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { ~~وما عملته أيديهم } قال وجدوه معمولا لم تعمله أيديهم يعني ~~الفرات، ودجلة، ونهر بلخ، وأشباهها { أفلا يشكرون } لهذا. وأخرج ~~البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي ms3203 ذر قال سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن قوله { والشمس تجرى لمستقر لها } قال # " مستقرها تحت العرش " # وفي لفظ للبخاري، وغيره من حديثه قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~في المسجد عند غروب الشمس، فقال # " يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس؟ " # قلت الله، ورسوله أعلم، قال # " إنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله { والشمس تجرى ~~لمستقر لها } " # وفي لفظ من حديثه أيضا عند أحمد، والترمذي، والنسائي، وغيرهم قال " يا ~~أبا ذر، أتدري أين تذهب هذه؟ قلت الله، ورسوله أعلم، قال فإنها تذهب حتى ~~تسجد بين يدي ربها، فتستأذن في الرجوع، فيأذن لها، وكأنها قد قيل لها ~~اطلعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها ". # ثم قرأ " ذلك مستقر لها " وذلك قراءة عبد الله. وأخرج الترمذي، ~~والنسائي، وغيرهما من قول ابن عمر نحوه. وأخرج الخطيب في كتاب النجوم عن ~~ابن عباس في قوله { والقمر قدرنه منازل } الآية قال هي ~~ثمانية وعشرون منزلا ينزلها القمر في كل شهر أربعة عشر منها شامية، ~~وأربعة عشر منها يمانية، أولها الشرطين، والبطين، والثريا، والدبران، ~~والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والدبرة، والصرفة، ~~والعواء، والسماك. وهو آخر الشامية، والغفر، والزبانا، والإكليل، ~~والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد ~~السعود، وسعد الأخبية، ومقدم الدلو، ومؤخر الدلو، والحوت، وهو آخر ~~اليمانية، فإذا سار هذه الثمانية وعشرين منزلا { عاد كالعرجون ~~القديم } كما كان في أول الشهر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عنه في قوله { كالعرجون القديم } يعني أصل العذق ~~العتيق. ### || [36.41-54] # ثم ذكر سبحانه وتعالى نوعا آخر مما امتن به على عباده من النعم، فقال ~~{ وءاية لهم أنا حملنا ذريتهم فى الفلك ~~المشحون } أي دلالة وعلامة، وقيل معنى { آية } هنا العبرة، وقيل ~~النعمة، وقيل النذارة. وقد اختلف في معنى { أنا حملنا ~~ذريتهم } وإلى من يرجع الضمير، لأن الضمير الأول، وهو قوله { ~~وءاية لهم } لأهل مكة، أو لكفار العرب، أو للكفار على الإطلاق ~~الكائنين في عصر محمد صلى الله عليه ms3204 وسلم، فقيل الضمير يرجع إلى القرون ~~الماضية، والمعنى أن الله حمل ذرية القرون الماضية في الفلك المشحون، ~~فالضميران مختلفان. وهذا حكاه النحاس عن علي بن سليمان الأخفش. وقيل ~~الضميران لكفار مكة، ونحوهم. والمعنى أن الله حمل ذرياتهم من أولادهم، ~~وضعفائهم على الفلك، فامتن الله عليهم بذلك أي إنهم يحملونهم معهم في ~~السفن إذا سافروا، أو يبعثون أولادهم للتجارة لهم فيها. وقيل الذرية ~~الآباء والأجداد، والفلك هو سفينة نوح، أي إن الله حمل آباء هؤلاء، ~~وأجدادهم في سفينة نوح. قال الواحدي والذرية تقع على الآباء كما تقع ~~على الأولاد. قال أبو عثمان وسمي الآباء ذرية، لأن منهم ذرء الأبناء، ~~وقيل الذرية النطف الكائنة في بطون النساء، وشبه البطون بالفلك المشحون، ~~والراجح القول الثاني، ثم الأول، ثم الثالث، وأما الرابع ففي غاية ~~البعد، والنكارة. وقد تقدم الكلام في الذرية، واشتقاقها في سورة البقرة ~~مستوفي، والمشحون المملوء الموقر، والفلك يطلق على الواحد والجمع كما ~~تقدم في يونس، وارتفاع آية على أنها خبر مقدم، والمبتدأ { أنا حملنا } ~~، أو العكس على ما قدمنا. وقيل إن الضمير في قوله { وءاية لهم } ~~يرجع إلى العباد المذكورين في قوله # يحسرة على العباد # يس 30 لأنه قال بعد ذلك # وءاية لهم الأرض الميتة # يس 33، وقال # وءاية لهم اليل # يس 37. ثم قال { وءاية لهم أنا حملنا ذريتهم } ، ~~فكأنه قال وآية للعباد أنا حملنا ذريات العباد، ولا يلزم أن يكون المراد ~~بأحد الضميرين البعض منهم، وبالضمير الآخر البعض الآخر، وهذا قول حسن. { ~~وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } أي وخلقنا لهم مما ~~يماثل الفلك ما يركبونه على أن ما هي الموصولة. قال مجاهد، وقتادة، ~~وجماعة من أهل التفسير وهي الإبل خلقها لهم للركوب في البر مثل السفن ~~المركوبة في البحر، والعرب تسمي الإبل سفائن البر، وقيل المعنى وخلقنا ~~لهم سفنا أمثال تلك السفن يركبونها، قاله الحسن، والضحاك، وأبو مالك. ~~قال النحاس وهذا أصح لأنه متصل الإسناد عن ابن عباس، وقيل هي السفن ~~المتخذة بعد سفينة نوح { وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ ms3205 ~~لهم ولا هم ينقذون } هذا من تمام الآية التي امتن الله بها ~~عليهم، ووجه الامتنان أنه لم يغرقهم في لجج البحار مع قدرته على ذلك، ~~والضمير يرجع إما إلى أصحاب الذرية، أو إلى الذرية، أو إلى الجميع على ~~اختلاف الأقوال، والصريخ بمعنى المصرخ، والمصرخ هو المغيث أي فلا مغيث ~~لهم يغيثهم إن شئنا إغراقهم، وقيل هو المنعة. # ومعنى { ينقذون } يخلصون، يقال أنقذه، واستنقذه، إذا خلصه من مكروه { ~~إلا رحمة منا } استثناء مفرغ من أعم العلل أي لا صريخ لهم، ~~ولا ينقذون لشيء من الأشياء إلا لرحمة منا، كذا قال الكسائي، والزجاج، ~~وغيرهما، وقيل هو استثناء منقطع أي لكن لرحمة منا. وقيل هو منصوب على ~~المصدرية بفعل مقدر { و } انتصاب { متعا } على العطف على رحمة أي ~~نمتعهم بالحياة الدنيا { إلى حين } وهو الموت، قاله قتادة. وقال ~~يحيى بن سلام إلى القيامة. { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين ~~أيديكم وما خلفكم } أي ما بين أيديكم من الآفات، والنوازل، ~~فإنها محيطة بكم، وما خلفكم منها. قال قتادة معنى { اتقوا ما بين ~~أيديكم } أي من الوقائع فيمن كان قبلكم من الأمم { وما خلفكم ~~} في الآخرة. وقال سعيد بن جبير، ومجاهد { ما بين أيديكم } ما ~~مضى من الذنوب { وما خلفكم } ما بقي منها. وقيل { ما بين ~~أيديكم } الدنيا { وما خلفكم } الآخرة، قاله سفيان. وحكى عكس ~~هذا القول الثعلبي عن ابن عباس. وقيل { ما بين أيديكم } ما ظهر ~~لكم { وما خلفكم } ما خفي عنكم، وجواب إذا محذوف، والتقدير إذا ~~قيل لهم ذلك أعرضوا كما يدل عليه { إلا كانوا عنها معرضين ~~} { لعلكم ترحمون } أي رجاء أن ترحموا، أو كي ترحموا، أو ~~راجين أن ترحموا { وما تأتيهم من ءاية من ءايت ربهم ~~إلا كانوا عنها معرضين } " ما " هي النافية، وصيغة المضارع ~~للدلالة على التجدد، ومن الأولى مزيدة للتوكيد، والثانية للتبعيض ~~والمعنى ما تأتيهم من آية دالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى ~~صحة ما دعا إليه من التوحيد في حال من الأحوال إلا كانوا عنها معرضين. ms3206 ~~وظاهره يشمل الآيات التنزيلية، والآيات التكوينية، وجملة { إلا ~~كانوا عنها معرضين } في محل نصب على الحال كما مر تقريره في ~~غير موضع. والمراد بالإعراض عدم الالتفات إليها، وترك النظر الصحيح فيها، ~~وهذه الآية متعلقة بقوله { يحسرة على العباد ما يأتيهم ~~من رسول إلا كانوا به يستهزءون } أي إذا جاءتهم الرسل ~~كذبوا. وإذا أتوا بالآيات أعرضوا عنها. { وإذا قيل لهم ~~أنفقوا مما رزقكم الله } أي تصدقوا على الفقراء مما أعطاكم ~~الله، وأنعم به عليكم من الأموال، قال الحسن يعني اليهود أمروا بإطعام ~~الفقراء. وقال مقاتل إن المؤمنين قالوا لكفار قريش أنفقوا على المساكين ~~مما زعمتم أنه لله من أموالكم من الحرث والأنعام كما في قوله سبحانه # وجعلوا لله الله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا # الأنعام 136، فكان جوابهم ما حكاه الله عنهم بقوله { قال الذين ~~كفروا للذين ءامنوا } استهزاء بهم، وتهكما بقولهم { ~~أنطعم من لو يشاء الله أطعمه } أي من لو يشاء الله ~~رزقه، وقد كانوا سمعوا المسلمين يقولون إن الرزاق هو الله، وأنه يغني ~~من يشاء، ويفقر من يشاء، فكأنهم حاولوا بهذا القول الإلزام للمسلمين، ~~وقالوا نحن نوافق مشيئة الله، فلا نطعم من لم يطعمه الله، وهذا غلط منهم، ~~ومكابرة، ومجادلة بالباطل، فإن الله سبحانه أغنى بعض خلقه، وأفقر بعضا، ~~وأمر الغني أن يطعم الفقير، وابتلاه به فيما فرض له من ماله من الصدقة. ~~وقولهم { من لو يشاء الله أطعمه } هو وإن كان كلاما ~~صحيحا في نفسه، ولكنهم لما قصدوا به الإنكار لقدرة الله، أو إنكار جواز ~~الأمر بالانفاق مع قدرة الله كان احتجاجهم من هذه الحيثية باطلا. وقوله ~~{ إن أنتم إلا فى ضلل مبين } من تمام كلام الكفار. ~~والمعنى إنكم أيها المسلمون في سؤال المال، وأمرنا بإطعام الفقراء لفي ~~ضلال في غاية الوضوح والظهور. وقيل هو من كلام الله سبحانه جوابا على ~~هذه المقالة التي قالها الكفار. وقال القشيري، والماوردي إن الآية نزلت ~~في قوم من الزنادقة. وقد كان في كفار قريش وغيرهم من سائر العرب، قوم ~~يتزندقون فلا ms3207 يؤمنون بالصانع، فقالوا هذه المقالة استهزاء بالمسلمين، ~~ومناقضة لهم. وحكى نحو هذا القرطبي عن ابن عباس. { ويقولون متى ~~هذا الوعد } الذي تعدونا به من العذاب، والقيامة، والمصير إلى ~~الجنة أو النار. { إن كنتم صدقين } فيما تقولون، وتعدونا به. ~~قالوا ذلك استهزاء منهم، وسخرية بالمؤمنين. ومقصودهم إنكار ذلك بالمرة، ~~ونفي تحققه، وجحد وقوعه، فأجاب الله سبحانه عنهم بقوله { ما ينظرون ~~إلا صيحة وحدة } أي ما ينتظرون إلا صيحة واحدة، وهي نفخة ~~إسرافيل في الصور { تأخذهم وهم يخصمون } أي يختصمون في ذات ~~بينهم في البيع، والشراء، ونحوهما من أمور الدنيا، وهذه هي النفخة ~~الأولى، وهي نفخة الصعق. وقد اختلف القراء في { يخصمون } ، فقرأ حمزة ~~بسكون الخاء، وتخفيف الصاد من خصم يخصم، والمعنى يخصم بعضهم بعضا، ~~فالمفعول محذوف. وقرأ أبو عمرو، وقالون بإخفاء فتحة الخاء، وتشديد الصاد. ~~وقرأ نافع، وابن كثير، وهشام كذلك إلا أنهم أخلصوا فتحة الخاء، وقرأ ~~الباقون بكسر الخاء، وتشديد الصاد. والأصل في القراءات الثلاث يختصمون، ~~فأدغمت التاء في الصاد، فنافع، وابن كثير، وهشام نقلوا فتحة التاء إلى ~~الساكن قبلها نقلا كاملا، وأبو عمرو، وقالون اختلسا حركتها تنبيها على ~~أن الخاء أصلها السكون، والباقون حذفوا حركتها، فالتقى ساكنان، فكسروا ~~أولهما. وروي عن أبي عمرو، وقالون أنهما قرءا بتسكين الخاء، وتشديد ~~الصاد، وهي قراءة مشكلة لاجتماع ساكنين فيها. # وقرأ أبي " يختصمون " على ما هو الأصل. { فلا يستطيعون ~~توصية } أي لا يستطيع بعضهم أن يوصي إلى بعض بما له، وما عليه، أو ~~لا يستطيع أن يوصيه بالتوبة، والإقلاع عن المعاصي، بل يموتون في أسواقهم، ~~ومواضعهم { ولا إلى أهلهم يرجعون } أي إلى منازلهم التي ~~ماتوا خارجين عنها. وقيل المعنى لا يرجعون إلى أهلهم قولا، وهذا إخبار ~~عما ينزل بهم عند النفخة الأولى. ثم أخبر سبحانه عما ينزل بهم عند النفخة ~~الثانية، فقال { ونفخ فى الصور } وهي النفخة التي يبعثون بها من ~~قبورهم، ولهذا قال { فإذا هم من الأجداث } أي القبور { إلى ~~ربهم ينسلون } أي يسرعون، وبين النفختين أربعون سنة. وعبر عن ~~المستقبل بلفظ ms3208 الماضي حيث قال { ونفخ } تنبيها على تحقق وقوعه كما ذكره ~~أهل البيان، وجعلوا هذه الآية مثالا له، والصور بإسكان الواو هو القرن ~~الذي ينفخ فيه إسرافيل، كما وردت بذلك السنة، وإطلاق هذا الاسم على القرن ~~معروف في لغة العرب، ومنه قول الشاعر # نحن نطحناهم غداة الغورين نطحا شديدا لا كنطح الصورين # أي القرنين. وقد مضى هذا مستوفى في سورة الأنعام. وقال قتادة الصور جمع ~~صورة، أي نفخ في الصور الأرواح، والأجداث جمع جدث، وهو القبر. وقرىء ~~«الأجداف» بالفاء، وهي لغة، واللغة الفصيحة بالثاء المثلثة، والنسل، ~~والنسلان الإسراع في السير، يقال نسل ينسل كضرب يضرب، ويقال ينسل بالضم، ~~ومنه قول امرىء القيس # فسلي ثيابي من ثيابك تنسل # وقول الآخر # عسلان الذيب أمسى قارنا برد الليل عليه فنسل # { قالوا يويلنا من بعثنا من مرقدنا } أي قالوا عند ~~بعثهم من القبور بالنفخة يا ويلنا نادوا ويلهم، كأنهم قالوا له احضر، ~~فهذا أوان حضورك، وهؤلاء القائلون هم الكفار. قال ابن الأنباري الوقف على ~~{ يا ويلنا } وقف حسن. ثم يبتدىء الكلام بقوله { من بعثنا من ~~مرقدنا } ظنوا لاختلاط عقولهم بما شاهدوا من الهول، وما داخلهم من ~~الفزع أنهم كانوا نياما. قرأ الجمهور { يا ويلنا } ، وقرأ ابن أبي ليلى ~~" يا ويلتنا " بزيادة التاء. وقرأ الجمهور { من بعثنا } بفتح ميم " من " ~~على الاستفهام. وقرأ ابن عباس، والضحاك، وأبو نهيك بكسر الميم على أنها ~~حرف جر، ورويت هذه القراءة عن علي بن أبي طالب. وعلى هذه القراءة تكون ~~" من " متعلقة بالويل، وقرأ الجمهور { من بعثنا }. وفي قراءة أبي " من ~~أهبنا " من هب نومه إذا انتبه، وأنشد ثعلب على هذه القراءة # وعاذلة هبت بليل تلومني ولم يعتمدني قبل ذاك عذول # وقيل إنهم يقولون ذلك إذا عاينوا جهنم. وقال أبو صالح إذا نفخ النفخة ~~الأولى رفع العذاب عن أهل القبور، وهجعوا هجعة إلى النفخة الثانية، وجملة ~~{ هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } جواب عليهم ~~من جهة الملائكة، أومن جهة المؤمنين. # وقيل هو من كلام الكفرة يجيب به بعضهم على بعض. ms3209 قال بالأول الفراء، ~~وبالثاني مجاهد. وقال قتادة هي من قول الله سبحانه، و «ما» في قوله { ما ~~وعد الرحمن } موصولة، وعائدها محذوف والمعنى هذا الذي وعده ~~الرحمن، وصدق فيه المرسلون قد حق عليكم، ونزل بكم، ومفعولا الوعد والصدق ~~محذوفان أي وعدكموه الرحمن، وصدقكموه المرسلون، والأصل وعدكم به، وصدقكم ~~فيه، أو وعدناه الرحمن، وصدقناه المرسلون على أن هذا من قول المؤمنين، ~~أو من قول الكفار { إن كانت إلا صيحة وحدة } أي ما كانت ~~تلك النفخة المذكورة إلا صيحة واحدة صاحها إسرافيل بنفخه في الصور { ~~فإذا هم جميع لدينا محضرون } أي فإذا هم مجموعون ~~محضرون لدينا بسرعة للحساب، والعقاب { فاليوم لا تظلم نفس } ~~من النفوس { شيئا } مما تستحقه أي لا ينقص من ثواب عملها شيئا من ~~النقص، ولا تظلم فيه بنوع من أنواع الظلم { ولا تجزون إلا ما ~~كنتم تعملون } أي إلا جزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا، أو إلا ~~بما كنتم تعملونه أي بسببه، أو في مقابلته. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن ~~أبي حاتم عن أبي مالك في قوله { أنا حملنا ذريتهم } الآية ~~قال في سفينة نوح حمل فيها من كل زوجين اثنين { وخلقنا لهم من ~~مثله ما يركبون } قال السفن التي في البحر والأنهار التي يركب ~~الناس فيها. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن أبي صالح نحوه. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وخلقنا لهم من ~~مثله ما يركبون } قال هي السفن جعلت من بعد سفينة نوح. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال يعني الإبل خلقها الله كما ~~رأيت، فهي سفن البر يحملون عليها، ويركبونها. ومثله عن الحسن، وعكرمة، ~~وعبد الله بن شداد، ومجاهد. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، ~~وابن المنذر، وابن مردويه عن أبي هريرة في قوله { فلا يستطيعون ~~توصية } الآية قال تقوم الساعة، والناس في أسواقهم يتبايعون، ~~ويذرعون الثياب، ويحلبون اللقاح، وفي حوائجهم، { فلا يستطيعون ~~توصية ولا إلى أهلهم يرجعون } ، وأخرج عبد بن حميد، ~~وعبد ms3210 الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن المنذر عن الزبير بن العوام قال ~~إن الساعة تقوم، والرجل يذرع الثوب، والرجل يحلب الناقة، ثم قرأ { فلا ~~يستطيعون توصية } الآية. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لتقومن الساعة، وقد نشر الرجلان ثوبهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ~~ولتقومن الساعة، وهو يليط حوضه، فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة، وقد ~~انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه، ولتقومن الساعة، وقد رفع أكلته إلى ~~فيه، فلا يطعمها " # وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عن أبي بن كعب في قوله { من بعثنا من مرقدنا } قال ينامون ~~قبل البعث نومة. ### || [36.55-70] # لما ذكر الله سبحانه حال الكافرين أتبعه بحكاية حال عباده الصالحين. ~~وجعله من جملة ما يقال للكفار يومئذ زيادة لحسرتهم، وتكميلا لجزعهم، ~~وتتميما لما نزل بهم من البلاء، وما شاهدوه من الشقاء، فإذا رأوا ما ~~أعده الله لهم من أنواع العذاب، وما أعده لأوليائه من أنواع النعيم، ~~بلغ ذلك من قلوبهم مبلغا عظيما، وزاد في ضيق صدورهم زيادة لا يقادر ~~قدرها. والمعنى { إن أصحب الجنة } في ذلك { اليوم فى ~~شغل } بما هم فيه من اللذات، التي هي ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ~~ولا خطر على قلب بشر، عن الاهتمام بأمر الكفار، ومصيرهم إلى النار، وإن ~~كانوا من قراباتهم. والأولى عدم تخصيص الشغل بشيء معين. وقال قتادة، ~~ومجاهد شغلهم ذلك اليوم بافتضاض العذارى. وقال وكيع شغلهم بالسماع. وقال ~~ابن كيسان بزيارة بعضهم بعضا، وقيل شغلهم كونهم ذلك اليوم في ضيافة ~~الله. قرأ الكوفيون وابن عامر { شغل } بضمتين. وقرأ الباقون بضم الشين، ~~وسكون الغين وهما لغتان كما قال الفراء. وقرأ مجاهد، وأبو السماك ~~بفتحتين. وقرأ النحوي، وابن هبيرة بفتح الشين، وسكون الغين. وقرأ الجمهور ~~{ فكهون } بالرفع على أنه خبر إن، و { في شغل } متعلق به، أو في ~~محل نصب على الحال، ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر إن، و { ~~فاكهون ms3211 } خبر ثان. وقرأ الأعمش، وطلحة بن مصرف " فاكهين " بالنصب على ~~أنه حال، و { في شغل } هو الخبر. وقرأ الحسن، وأبو جعفر، وأبو حيوة، وأبو ~~رجاء، وشيبة، وقتادة، ومجاهد " فكهون " قال الفراء هما لغتان كالفاره، ~~والفره، والحاذر، والحذر. وقال الكسائي، وأبو عبيدة الفاكه ذو الفاكهة ~~مثل تامر ولابن، والفكه المتفكه، والمتنعم. وقال قتادة الفكهون المعجبون. ~~وقال أبو زيد يقال رجل فكه إذا كان طيب النفس ضحوكا. وقال مجاهد والضحاك ~~كما قال قتادة. وقال السدي كما قال الكسائي. { هم وأزوجهم فى ~~ظلل على الأرائك متكئون } هذه الجملة مستأنفة مسوقة ~~لبيان كيفية شغلهم، وتفكههم، وتكميلها بما يزيدهم سرورا، وبهجة من كون ~~أزواجهم معهم على هذه الصفة من الاتكاء على الأرائك، فالضمير، وهو { هم } ~~مبتدأ، { وأزواجهم } معطوف عليه، والخبر { متكئون } ، ويجوز أن يكون هم ~~تأكيدا للضمير في { فاكهون } ، وأزواجهم معطوف على ذلك الضمير، وارتفاع ~~متكئون على أنه خبر لمبتدأ محذوف، و { في ظلال } متعلق به أو حال، وكذا ~~على الأرائك، وجوز، أبو البقاء أن يكون { فى ظلل } هو الخبر، و { ~~على الأرائك } مستأنف. قرأ الجمهور { في ظلال } بكسر الظاء، ~~وبالألف، وهو جمع ظل. وقرأ ابن مسعود، وعبيد بن عمير، والأعمش، ويحيى ~~بن وثاب، وحمزة، والكسائي، وخلف " في ظلل " بضم الظاء من غير ألف جمع ~~ظلة، وعلى القراءتين، فالمراد الفرش، والستور التي تظللهم كالخيام، ~~والحجال، والأرائك جمع أريكة، كسفائن جمع سفينة، والمراد بها السرر التي ~~في الحجال. # قال أحمد بن يحيى ثعلب الأريكة لا يكون إلا سريرا في قبة. وقال مقاتل ~~إن المراد بالظلال أكنان القصور. وجملة { لهم فيها فكهة } ~~مبينة لما يتمتعون به في الجنة من المآكل، والمشارب، ونحوها. والمراد ~~فاكهة كثيرة من كل نوع من أنواع الفواكه { ولهم ما يدعون } " ~~ما " هذه هي الموصولة، والعائد محذوف، أو موصوفة، أو مصدرية، و { يدعون ~~} مضارع ادعى. قال أبو عبيدة يدعون يتمنون، والعرب تقول ادع علي ما ~~شئت أي تمن، وفلان في خير ما يدعي أي ما يتمنى. وقال الزجاج هو من ~~الدعاء، أي ما يدعونه ms3212 أهل الجنة يأتيهم، من دعوت غلامي، فيكون الافتعال ~~بمعنى الفعل كالاحتمال بمعنى الحمل، والارتحال بمعنى الرحل. وقيل افتعل ~~بمعنى تفاعل، أي ما يتداعونه كقولهم ارتموا، وتراموا. وقيل المعنى إن من ~~ادعى منهم شيئا، فهو له، لأن الله قد طبعهم على أن لا يدعي أحد منهم ~~شيئا إلا وهو يحسن ويجمل به أن يدعيه، " وما " مبتدأ، وخبرها { لهم } ~~، والجملة معطوفة على ما قبلها. وقرىء " يدعون " بالتخفيف، ومعناها واضح. ~~قال ابن الأنباري والوقف على يدعون وقف حسن، ثم يبتدىء { سلم } على ~~معنى لهم سلام، وقيل إن سلام هو خبر " ما " أي مسلم خالص، أو ذو سلامة. ~~وقال الزجاج سلام مرفوع على البدل من " ما " أي ولهم أن يسلم الله عليهم، ~~وهذا مني أهل الجنة، والأولى أن يحمل قوله { ولهم ما يدعون } ~~على العموم، وهذا السلام يدخل تحته دخولا أوليا، ولا وجه لقصره على ~~نوع خاص، وإن كان أشرف أنواعه تحقيقا لمعنى العموم، ورعاية لما يقتضيه ~~النظم القرآني. وقيل إن سلام مرتفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي سلام ~~يقال لهم { قولا } ، وقيل إن سلام مبتدأ، وخبره الناصب ل { قولا } أي ~~سلام يقال لهم قولا، وقيل خبره من رب العالمين، وقيل التقدير سلام ~~عليكم هذا على قراءة الجمهور، وقرأ أبي، وابن مسعود، وعيسى " سلاما " ~~بالنصب إما على المصدرية، أو على الحالية بمعنى خالصا، والسلام إما من ~~التحية، أو من السلامة. وقرأ محمد بن كعب القرظي " سلم " كأنه قال سلم ~~لهم لا يتنازعون فيه، وانتصاب { قولا } على المصدرية بفعل محذوف على ~~معنى قال الله لهم ذلك قولا، أو يقوله لهم قولا، أو يقال لهم قولا { ~~من رب رحيم } أي من جهته. قيل يرسل الله سحابة إليهم بالسلام. ~~وقال مقاتل إن الملائكة تدخل على أهل الجنة من كل باب يقولون سلام عليكم ~~يا أهل الجنة من رب رحيم. # { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } هو على إضمار ~~القول مقابل ما قيل للمؤمنين أي ويقال للمجرمين امتازوا أي انعزلوا، من ~~مازه غيره، يقال مزت الشيء من الشيء إذا ms3213 عزلته عنه، ونحيته. قال مقاتل ~~معناه اعتزلوا اليوم - يعني في الآخرة - من الصالحين. وقال السدي كونوا ~~على حدة. وقال الزجاج انفردوا عن المؤمنين. وقال قتادة عزلوا عن كل خير. ~~وقال الضحاك يمتاز المجرمون بعضهم من بعض، فيمتاز اليهود فرقة، والنصارى ~~فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون فرقة، وعبدة الأوثان فرقة. وقال داود بن ~~الجراح يمتاز المسلمون من المجرمين إلا أصحاب الأهواء، فإنهم يكونون مع ~~المجرمين. ثم وبخهم الله سبحانه، وقرعهم بقوله { ألم أعهد ~~إليكم يبنى آدم أن لا تعبدوا الشيطن } ، وهذا من ~~جملة ما يقال لهم. والعهد الوصية، أي ألم أوصكم، وأبلغكم على ألسن رسلي ~~أن لا تعبدوا الشيطان أي لا تطيعوه. قال الزجاج المعنى ألم أتقدم إليكم ~~على لسان الرسل يا بني آدم. وقال مقاتل يعني الذين أمروا بالاعتزال. قال ~~الكسائي لا للنهي، وقيل المراد بالعهد هنا الميثاق المأخوذ عليهم حين ~~أخرجوا من ظهر آدم. وقيل هو ما نصبه الله لهم من الدلائل العقلية التي في ~~سماواته، وأرضه، وجملة { إنه لكم عدو مبين } تعليل لما ~~قبلها من النهي عن طاعة الشيطان، وقبول وسوسته، وجملة { وأن ~~اعبدونى } عطف على { أن لا تعبدوا } ، وأن في الموضعين هي المفسرة ~~للعهد الذي فيه معنى القول، ويجوز أن تكون مصدرية فيهما أي لم أعهد إليكم ~~بأن لا تعبدوا بأن اعبدوني، أو ألم أعهد إليكم في ترك عبادة الشيطان، وفي ~~عبادتي { هذا صرط مستقيم } أي عبادة الله، وتوحيده، أو ~~الإشارة إلى دين الإسلام. ثم ذكر سبحانه عداوة الشيطان لبني آدم، فقال { ~~ولقد أضل منكم جبلا كثيرا } اللام هي الموطئة للقسم، ~~والجملة مستأنفة للتقريع والتوبيخ، أي والله لقد أضل إلخ. قرأ نافع، ~~وعاصم { جبلا } بكسر الجيم، والباء، وتشديد اللام، وقرأ أبو عمرو، وابن ~~عامر بضم الجيم، وسكون الباء، وقرأ الباقون بضمتين مع تخفيف اللام، وقرأ ~~ابن أبي إسحاق، والزهري، وابن هرمز بضمتين مع تشديد اللام، وكذلك قرأ ~~الحسن، وعيسى بن عمر، والنضر بن أنس، وقرأ أبو يحيى، وحماد بن سلمة، ~~والأشهب العقيلي بكسر الجيم، وإسكان الباء، وتخفيف اللام ms3214 قال النحاس ~~وأبينها القراءة الأولى. والدليل على ذلك أنهم قد قرءوا جميعا # والجبلة الأولين # الشعراء 184 بكسر الجيم، والباء، وتشديد اللام. فيكون جبلا جمع جبلة، ~~واشتقاق الكل من جبل الله الخلق أي خلقهم، ومعنى الآية أن الشيطان قد ~~أغوى خلقا كثيرا كما قال مجاهد. وقال قتادة جموعا كثيرة، وقال الكلبي ~~أمما كثيرة. قال الثعلبي والقراءات كلها بمعنى الخلق، وقرىء " جيلا " ~~بالجيم، والياء التحتية. # قال الضحاك الجيل الواحد عشرة آلاف، والكثير ما يحصيه إلا الله عز ~~وجل، ورويت هذه القراءة عن علي بن أبي طالب، والهمزة في قوله { ~~أفلم تكونوا تعقلون } للتقريع، والتوبيخ، والفاء للعطف على ~~مقدر يقتضيه المقام كما تقدم في نظائره أي أتشاهدون آثار العقوبات؟ ~~أفلم تكونوا تعقلون؟ أو أفلم تكونوا تعقلون عداوة الشيطان لكم؟ أو أفلم ~~تكونوا تعقلون شيئا أصلا؟ قرأ الجمهور { أفلم تكونوا تعقلون } بالخطاب، ~~وقرأ طلحة، وعيسى بالغيبة. { هذه جهنم التى كنتم ~~توعدون } أي ويقال لهم عند أن يدنوا من النار هذه جهنم التي كنتم ~~توعدون بها في الدنيا على ألسنة الرسل، والقائل لهم الملائكة، ثم يقولون ~~لهم { اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون } أي قاسوا حرها ~~اليوم، وادخلوها، وذوقوا أنواع العذاب فيها بما كنتم تكفرون أي بسبب ~~كفركم بالله في الدنيا، وطاعتكم للشيطان، وعبادتكم للأوثان، وهذا الأمر ~~أمر تنكيل، وإهانة كقوله # ذق إنك أنت العزيز الكريم # الدخان 49 { اليوم نختم على أفوههم } اليوم ظرف لما ~~بعده، وقرىء " يختم " على البناء للمفعول، والنائب الجار والمجرور بعده. ~~قال المفسرون إنهم ينكرون الشرك، وتكذيب الرسل كما في قولهم # والله ربنا ما كنا مشركين # الأنعام 23، فيختم الله على أفواههم ختما لا يقدرون معه على الكلام، ~~وفي هذا التفات من الخطاب إلى الغيبة للإيذان بأن أفعالهم القبيحة ~~مستدعية للإعراض عن خطابهم، ثم قال { وتكلمنا أيديهم ~~وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون } أي تكلمت أيديهم ~~بما كانوا يفعلونه، وشهدت أرجلهم عليهم بما كانوا يعملون. قرأ الجمهور { ~~تكلمنا } و { تشهد } ، وقرأ طلحة بن مصرف " ولتكلمنا " و " لتشهد " بلام ~~كي. وقيل سبب الختم على أفواههم ms3215 ليعرفهم أهل الموقف. وقيل ختم على ~~أفواههم لأجل أن يكون الإقرار من جوارحهم لأن شهادة غير الناطق أبلغ في ~~الحجة من شهادة الناطق لخروجه مخرج الإعجاز. وقيل ليعلموا أن أعضاءهم ~~التي كانت أعوانا لهم في معاصي الله صارت شهودا عليهم، وجعل ما تنطق به ~~الأيدي كلاما، وإقرارا لأنها كانت المباشرة لغالب المعاصي، وجعل نطق ~~الأرجل شهادة لأنها حاضرة عند كل معصية، وكلام الفاعل إقرار، وكلام ~~الحاضر شهادة، وهذا اعتبار بالغالب، وإلا فالأرجل قد تكون مباشرة للمعصية ~~كما تكون الأيدي مباشرة لها. { ولو نشاء لطمسنا على ~~أعينهم } أي أذهبنا أعينهم، وجعلناها بحيث لا يبدو لها شق، ولا ~~جفن. قال الكسائي طمس يطمس، ويطمس، والمطموس، والطميس عند أهل اللغة الذي ~~ليس في عينيه شق كما في قوله # ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصرهم # البقرة 20. ومفعول المشيئة محذوف أي لو نشاء أن نطمس على أعينهم لطمسنا. ~~قال السدي، والحسن المعنى لتركناهم عميا يترددون لا يبصرون طريق ~~الهدى، واختار هذا ابن جرير { فاستبقوا الصرط } معطوف على { ~~لطمسنا } أي تبادروا إلى الطريق ليجوزوه، ويمضوا فيه، والصراط منصوب بنزع ~~الخافض أي فاستبقوا إليه، وقال عطاء، ومقاتل، وقتادة المعنى لو نشاء ~~لفقأنا أعينهم، وأعميناهم عن غيهم، وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى ~~الهدى، فأبصروا رشدهم، واهتدوا، وتبادروا إلى طريق الآخرة، ومعنى { ~~فأنى يبصرون } أي كيف يبصرون الطريق، ويحسنون سلوكه، ولا أبصار ~~لهم. # وقرأ عيسى بن عمر " فاستبقوا " على صيغة الأمر، أي فيقال لهم استبقوا، ~~وفي هذا تهديد لهم. ثم كرر التهديد لهم، فقال { ولو نشاء ~~لمسخنهم على مكنتهم } المسخ تبديل الخلقة إلى حجر، ~~أو غيره من الجماد، أو بهيمة، والمكانة المكان، أي لو شئنا لبدلنا خلقهم ~~على المكان الذي هم فيه. قيل والمكانة أخص من المكان كالمقامة، والمقام. ~~قال الحسن أي لأقعدناهم { فما استطعوا مضيا ولا ~~يرجعون } أي لا يقدرون على ذهاب، ولا مجيء. قال الحسن فلا يستطيعون ~~أن يمضوا أمامهم ولا يرجعوا وراءهم، وكذلك الجماد لا يتقدم، ولا يتأخر. ~~وقيل المعنى لو نشاء لأهلكناهم في مساكنهم، وقيل ms3216 لمسخناهم في المكان الذي ~~فعلوا فيه المعصية. وقال يحيى بن سلام هذا كله يوم القيامة. قرأ الجمهور ~~{ على مكانتهم } بالإفراد. وقرأ الحسن، والسلمي، وزر بن حبيش، وأبو بكر ~~عن عاصم " مكاناتهم " بالجمع. وقرأ الجمهور { مضيا } بضم الميم، وقرأ ~~أبو حيوة " مضيا " بفتحها، وروي عنه أنه قرأ بكسرها، ورويت هذه القراءة ~~عن الكسائي. قيل والمعنى ولا يستطيعون رجوعا، فوضع الفعل موضع المصدر ~~لمراعاة الفاصلة، يقال مضى يمضي مضيا إذا ذهب في الأرض، ورجع يرجع ~~رجوعا إذا عاد من حيث جاء. { ومن نعمره ننكسه فى ~~الخلق } قرأ الجمهور { ننكسه } بفتح النون الأولى، وسكون الثانية، ~~وضم الكاف مخففة. وقرأ عاصم، وحمزة بضم النون الأولى، وفتح الثانية، وكسر ~~الكاف مشددة. والمعنى من نطل عمره نغير خلقه، ونجعله على عكس ما كان ~~عليه أولا من القوة والطراوة. قال الزجاج المعنى من أطلنا عمره نكسنا ~~خلقه، فصار بدل القوة الضعف، وبدل الشباب الهرم، ومثل هذه الآية قوله ~~سبحانه # ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم ~~من بعد علم شيئا # الحج 5، وقوله # ثم رددنه أسفل سفلين # التين 5، ومعنى { أفلا تعقلون } أفلا تعلمون بعقولكم أن من قدر ~~على ذلك قدر على البعث، والنشور. قرأ الجمهور " يعقلون " بالتحتية. وقرأ ~~نافع، وابن ذكوان بالفوقية على الخطاب. ولما قال كفار مكة إن القرآن شعر، ~~وإن محمدا شاعر، رد الله عليهم بقوله { وما علمنه الشعر } ~~، والمعنى نفى كون القرآن شعرا، ثم نفى أن يكون النبي شاعرا، فقال { ~~وما ينبغى له } أي لا يصح له الشعر، ولا يتأتى منه، ولا يسهل عليه ~~لو طلبه، وأراد أن يقوله، بل كان إذا أراد أن ينشد بيتا قد قاله شاعر ~~متمثلا به كسر وزنه، فإنه لما أنشد بيت طرفة بن العبد المشهور، وهو قوله # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود # قال ويأتيك من لم تزوده بالأخبار، وأنشد مرة أخرى قول العباس بن مرداس ~~السلمي # أتجعل نهبي ونهب العبي د بين عيينة والأقرع # فقال بين الأقرع وعيينة، وأنشد أيضا # كفى بالإسلام ms3217 والشيب للمرء ناهيا # فقال أبو بكر يا رسول الله، إنما قال الشاعر # كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا # فقال أشهد أنك رسول الله، يقول الله عز وجل { وما علمنه ~~الشعر وما ينبغى له } وقد وقع منه صلى الله عليه وسلم كثير من ~~مثل هذا. قال الخليل كان الشعر أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~كثير من الكلام، ولكن لا يتأتى منه. انتهى. ووجه عدم تعليمه الشعر، وعدم ~~قدرته عليه. التكميل للحجة، والدحض للشبهة، كما جعله الله أميا لا يقرأ ~~ولا يكتب، وأما ما روي عنه صلى الله عليه وسلم من قوله # هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت # وقوله # أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب # ونحو ذلك، فمن الاتفاق الوارد من غير قصد كما يأتي ذلك في بعض آيات ~~القرآن، وليس بشعر، ولا مراد به الشعر، بل اتفق ذلك اتفاقا كما يقع في ~~كثير من كلام الناس، فإنهم قد يتكلمون بما لو اعتبره معتبر لكان على وزن ~~الشعر، ولا يعدونه شعرا، وذلك كقوله تعالى # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # آل عمران 92 وقوله # وجفان كالجواب وقدور راسيات # سبأ 13 على أنه قد قال الأخفش إن قوله # أنا النبي لا كذب # ليس بشعر. وقال الخليل في كتاب العين إن ما جاء من السجع على جزأين لا ~~يكون شعرا. قال ابن العربي والأظهر من حاله أنه قال لا كذب برفع الباء ~~من كذب، وبخفضها من عبد المطلب.قال النحاس قال بعضهم إنما الرواية ~~بالإعراب، وإذا كانت بالإعراب لم يكن شعرا، لأنه إذا فتح الباء من ~~الأول، أو ضمهما، أو نونها، وكسر الباء من الثاني خرج عن وزن الشعر. ~~وقيل إن الضمير في { له } عائد إلى القرآن أي وما ينبغي للقرآن أن يكون ~~شعرا { إن هو إلا ذكر } أي ما القرآن إلا ذكر من الأذكار، ~~وموعظة من المواعظ { وقرآن مبين } أي كتاب من كتب الله السماوية ~~مشتمل على الأحكام الشرعية { لينذر من كان حيا } أي ms3218 لينذر ~~القرآن من كان حيا، أي قلبه صحيح يقبل الحق، ويأبى الباطل، أو لينذر ~~الرسول من كان حيا. قرأ الجمهور بالياء التحتية، وقرأ نافع، وابن عامر ~~بالفوقية، فعلى القراءة الأولى المراد القرآن، وعلى الثانية المراد النبي ~~صلى الله عليه وسلم { ويحق القول على الكفرين } أي ~~وتجب كلمة العذاب على المصرين على الكفر الممتنعين من الإيمان بالله، ~~وبرسله. # وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله { فى شغل فكهون } قال ~~في افتضاض الأبكار. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وعبد الله بن ~~أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن مسعود في الآية قال ~~شغلهم افتضاض العذارى. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة، وقتادة مثله. وأخرج ~~عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن ابن عمر قال إن المؤمن كلما أراد ~~زوجة وجدها عذراء. وقد روي نحوه مرفوعا عن أبي سعيد، مرفوعا عند ~~الطبراني في الصغير، وأبي الشيخ في العظمة. وروي أيضا نحوه عن أبي هريرة ~~مرفوعا عند الضياء المقدسي في صفة الجنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { فى شغل فكهون } قال ضرب الأوتار. قال أبو حاتم ~~هذا لعله خطأ من المستمع، وإنما هو افتضاض الأبكار. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال { فكهون } فرحون. وأخرج ابن ماجه، ~~وابن أبي الدنيا في صفة الجنة، والبزار، وابن أبي حاتم، والأجري في ~~الرؤية، وابن مردويه عن جابر قال قال النبي صلى الله عليه وسلم # " بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب ~~قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال السلام عليكم يا أهل الجنة، وذلك قول الله ~~{ سلام قولا من رب رحيم } قال فينظر إليهم، وينظرون إليه، ~~فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم، ~~ويبقى نوره، وبركته عليهم في ديارهم " # قال ابن كثير في إسناده نظر. وأخرج ابن المنذر، ms3219 وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في الآية قال إن الله هو يسلم عليهم. وأخرج أحمد، ومسلم، والنسائي، ~~والبزار، وابن أبي الدنيا في التوبة، واللفظ له، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس في قوله { اليوم ~~نختم على أفوههم } قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فضحك حتى بدت نواجذه، قال # " أتدرون مما ضحكت؟ " # قلنا لا يا رسول الله، قال # " من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول بلى، ~~فيقول إني لا أجيز علي إلا شاهدا مني، فيقول كفى بنفسك اليوم عليك ~~شهيدا، وبالكرام الكاتبين شهودا، فيختم على فيه. ويقال لأركانه انطقي، ~~فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه، وبين الكلام، فيقول بعدا لكن، وسحقا، ~~فعنكن كنت أناضل " # وأخرج مسلم، والترمذي، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي سعيد، وأبي هريرة ~~قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يلقى العبد ربه، فيقول الله قل ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك ~~الخيل، والإبل، وأذرك ترأس، وترتع؟ فيقول بلى أي رب، فيقول أفظننت أنك ~~ملاقي؟ فيقول لا، فيقول إني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني، فيقول ~~مثل ذلك، ثم يلقى الثالث، فيقول له مثل ذلك، فيقول آمنت بك، وبكتابك، ~~وبرسولك، وصليت، وصمت، وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول ألا نبعث ~~شاهدنا عليك، فيفكر في نفسه من الذي يشهد علي، فيختم على فيه، ويقال ~~لفخذه انطقي، فتنطق فخذه، وفمه، وعظامه بعمله ما كان، وذلك ليعذر من ~~نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط عليه " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث أبي موسى نحوه. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في ~~قوله { ولو نشاء لطمسنا على أعينهم } قال أعميناهم، ~~وأضللناهم عن الهدى { فأنى يبصرون } فكيف يهتدون. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله { ولو نشاء لمسخنهم } قال ~~أهلكناهم { على مكنتهم } قال في مساكنهم. وأخرج عبد الرزاق، ~~وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ms3220 قال بلغني أنه قيل ~~لعائشة هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت ~~كان أبغض الحديث إليه، غير أنه كان يتمثل ببيت أخي بني قيس، فيجعل أوله ~~آخره يقول ويأتيك من لم تزود بالأخبار، فقال أبو بكر ليس هكذا، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إني والله ما أنا بشاعر، ولا ينبغي لي " # وهذا يرد ما نقلناه عن الخليل سابقا أن الشعر كان أحب إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام، وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عنها ~~قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استراث الخبر تمثل ببيت طرفة # ويأتيك بالأخبار من لم تزود # وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتمثل من الأشعار # ويأتيك بالأخبار من لم تزود # وأخرج البيهقي في سننه عن عائشة قالت ما جمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بيت شعر قط إلا بيتا واحدا # تفاءل بما تهوى يكن فلقلما يقال لشيء كان، إلا تحقق # قالت عائشة ولم يقل تحققا لئلا يعربه، فيصير شعرا، وإسناده هكذا قال ~~أخبرنا أبو عبيد الله الحافظ يعني الحاكم حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن ~~نعيم، حدثنا أبو محمد عبد الله بن هلال النحوي الضرير، حدثنا علي بن ~~عمرو الأنصاري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، ~~فذكره. وقد سئل المزي عن هذا الحديث فقال هو منكر، ولم يعرف شيخ الحاكم، ~~ولا الضرير. ### || [36.71-83] # ثم ذكر سبحانه قدرته العظيمة، وإنعامه على عبيده، وجحد الكفار لنعمه، ~~فقال { أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت ~~أيدينا أنعما } والهمزة للإنكار، والتعجيب من حالهم، والواو ~~للعطف على مقدر كما في نظائره، والرؤية هي القلبية أي أو لم يعلموا ~~بالتفكر، والاعتبار { أنا خلقنا لهم } أي لأجلهم { مما ~~عملت أيدينا } أي مما أبدعناه، وعملناه من غير واسطة، ولا شركة، ~~وإسناد العمل إلى الأيدي مبالغة في الاختصاص، والتفرد بالخلق كما يقول ~~الواحد ms3221 منا عملته بيدي للدلالة على تفرده بعمله، " وما " بمعنى الذي، ~~وحذف العائد لطول الصلة، ويجوز أن تكون مصدرية، والأنعام جمع نعم، وهي ~~البقر، والغنم، والإبل، وقد سبق تحقيق الكلام فيها. ثم ذكر سبحانه ~~المنافع المترتبة على خلق الأنعام، فقال { فهم لها ملكون } أي ~~ضابطون قاهرون يتصرفون بها كيف شاءوا، ولو خلقناها وحشية لنفرت عنهم، ولم ~~يقدروا على ضبطها، ويجوز أن يكون المراد أنها صارت في أملاكهم، ومعدودة ~~من جملة أموالهم المنسوبة إليهم نسبة الملك. { وذللنها لهم } ~~أي جعلناها لهم مسخرة لا تمتنع مما يريدون منها من منافعهم حتى الذبح، ~~ويقودها الصبي، فتنقاد له، ويزجرها، فتنزجر، والفاء في قوله { فمنها ~~ركوبهم } لتفريع أحكام التذليل عليه أي فمنها مركوبهم الذي يركبونه ~~كما يقال ناقة حلوب أي محلوبة. قرأ الجمهور { ركوبهم } بفتح الراء. وقرأ ~~الأعمش، والحسن، وابن السميفع بضم الراء على المصدر. وقرأ أبي، وعائشة " ~~ركوبتهم " ، والركوب والركوبة واحد، مثل الحلوب والحلوبة، والحمول ~~والحمولة. وقال أبو عبيدة الركوبة تكون للواحدة والجماعة، والركوب لا ~~يكون إلا للجماعة. وزعم أبو حاتم أنه لا يجوز، فمنها ركوبهم بضم الراء ~~لأنه مصدر، والركوب ما يركب، وأجاز ذلك الفراء كما يقال فمنها أكلهم، ~~ومنها شربهم، ومعنى { ومنها يأكلون } ما يأكلونه من لحمها، و " ~~من " للتبعيض { ولهم فيها منافع } أي لهم في الأنعام منافع غير ~~الركوب لها، والأكل منها، وهي ما ينتفعون به من أصوافها، وأوبارها، ~~وأشعارها، وما يتخذونه من الأدهان من شحومها، وكذلك الحمل عليها، ~~والحراثة بها { ومشرب } أي ولهم فيها مشارب مما يحصل من ألبانها { ~~أفلا يشكرون } الله على هذه النعم، ويوحدونه، ويخصونه بالعبادة. ~~ثم ذكر سبحانه جهلهم، واغترارهم، ووضعهم كفران النعم مكان شكرها، فقال { ~~واتخذوا من دون الله ءالهة } من الأصنام، ونحوها ~~يعبدونها، ولا قدرة لها على شيء، ولم يحصل لهم منها فائدة، ولا عاد عليهم ~~من عبادتها عائدة { لعلهم ينصرون } أي رجاء أن ينصروا من ~~جهتهم إن نزل بهم عذاب، أو دهمهم أمر من الأمور، وجملة { لا ~~يستطيعون نصرهم } مستأنفة لبيان بطلان ما رجوه منها، ms3222 وأملوه ~~من نفعها، وجمعهم بالواو، والنون جمع العقلاء بناء على زعم المشركين أنهم ~~ينفعون، ويضرون، ويعقلون { وهم لهم جند محضرون } أي ~~والكفار جند للأصنام محضرون أي يحضرونهم في الدنيا. # قال الحسن يمنعون منهم، ويدفعون عنهم، وقال قتادة أي يغضبون لهم في ~~الدنيا. قال الزجاج ينتصرون للأصنام، وهي لا تستطيع نصرهم. وقيل المعنى ~~يعبدون الآلهة، ويقومون بها، فهم لهم بمنزلة الجند، هذه الأقوال على جعل ~~ضمير " هم " للمشركين، وضمير " لهم " للآلهة، وقيل { وهم } أي الآلهة لهم ~~أي للمشركين { جند محضرون } معهم في النار، فلا يدفع بعضهم عن بعض. وقيل ~~معناه وهذه الأصنام لهؤلاء الكفار جند الله عليهم في جهنم لأنهم ~~يلعنونهم، ويتبرءون منهم. وقيل المعنى إن الكفار يعتقدون أن الأصنام جند ~~لهم يحضرون يوم القيامة لإعانتهم. ثم سلى سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم ~~فقال { فلا يحزنك قولهم } هذا القول هو ما يفيده قوله { ~~واتخذوا من دون الله ءالهة } فإنهم لا بد أن يقولوا ~~هؤلاء آلهتنا، وإنها شركاء لله في المعبودية، ونحو ذلك. وهو نهي للرسول ~~صلى الله عليه وسلم عن التأثر بذلك. وقيل إنه نهي لهم عن الأسباب التي ~~تحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن النهي لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن التأثر لما يصدر منهم هو من باب «لا أرينك ها هنا» فإنه يراد به ~~نهي من خاطبه عن الحضور لديه، لا نهي نفسه عن الرؤية، وهذا بعيد، والأول ~~أولى، والكلام من باب التسلية كما ذكرنا، ويجوز أن يكون المراد بالقول ~~المذكور هو قولهم إنه ساحر، وشاعر، ومجنون. وجملة { إنا نعلم ما ~~يسرون وما يعلنون } لتعليل ما تقدم من النهي، فإن علمه ~~سبحانه بما يظهرون، ويضمرون مستلزم المجازاة لهم بذلك. وأن جميع ما صدر ~~منهم لا يعزب عنه سواء كان خافيا، أو باديا سرا، أو جهرا مظهرا، أو ~~مضمرا. وتقديم السر على الجهر للمبالغة في شمول علمه لجميع المعلومات. ~~وجملة { أو لم ير الإنسن أنا خلقنه من نطفة } ~~مستأنفة مسوقة لبيان إقامة الحجة على من أنكر ms3223 البعث، وللتعجيب من جهله، ~~فإن مشاهدة خلقهم في أنفسهم على هذه الصفة من البداية إلى النهاية ~~مستلزمة للاعتراف بقدرة القادر الحكيم على ما هو دون ذلك من بعث الأجسام، ~~وردها كما كانت، والإنسان المذكور في الآية المراد به جنس الإنسان كما ~~في قوله # أو لا يذكر إلإنسن أنا خلقناه من قبل ولم ~~يك شيئا # مريم 67، ولا وجه لتخصيصه بإنسان معين كما قيل إنه عبد الله بن أبي، ~~وأنه قيل له ذلك لما أنكر البعث. وقال الحسن هو أمية بن خلف. وقال سعيد ~~بن جبير هو العاص بن وائل السهمي. # وقال قتادة، ومجاهد هو أبي بن خلف الجمحي، فإن أحد هؤلاء، وإن كان ~~سببا للنزول، فمعنى الآية خطاب الإنسان من حيث هو، لا إنسان معين، ويدخل ~~من كان سببا للنزول تحت جنس الإنسان دخولا أوليا، والنطفة هي اليسير ~~من الماء، وقد تقدم تحقيق معناها { فإذا هو خصيم مبين } هذه ~~الجملة معطوفة على الجملة المنفية قبلها داخلة معها في حيز الإنكار ~~المفهوم من الاستفهام، و " إذا " هي الفجائية أي ألم ير الإنسان أنا ~~خلقناه من أضعف الأشياء، ففجأ خصومتنا في أمر قد قامت فيه عليه حجج الله، ~~وبراهينه، والخصيم الشديد الخصومة الكثير الجدال، ومعنى المبين المظهر ~~لما يقوله الموضح له بقوة عارضته، وطلاقة لسانه، وهكذا جملة { وضرب ~~لنا مثلا ونسى خلقه } معطوفة على الجملة المنفية داخلة في ~~حيز الإنكار المفهوم من الاستفهام، فهي تكميل للتعجيب من حال الإنسان، ~~وبيان جهله بالحقائق، وإهماله في نفسه فضلا عن التفكر في سائر مخلوقات ~~الله، ويجوز أن تكون جملة { فإذا هو خصيم } معطوفة على خلقنا، ~~وهذه معطوفة عليها أي أورد في شأننا قصة غريبة كالمثل وهي إنكاره أحيانا ~~للعظام، ونسي خلقه، أي خلقنا إياه، وهذه الجملة معطوفة على ضرب، أو في ~~محل نصب على الحال بتقدير قد. وجملة { قال من يحيي العظم ~~وهى رميم } استئناف جوابا عن سؤال مقدر كأنه قيل ما هذا المثل ~~الذي ضربه؟ فقيل قال من يحيي العظام، وهي رميم، وهذا الاستفهام للإنكار ms3224 ~~لأنه قاس قدرة الله على قدرة العبد، فأنكر أن الله يحيي العظام البالية ~~حيث لم يكن ذلك في مقدور البشر، يقال رم العظم يرم رما إذا بلي، فهو ~~رميم، ورمام، وإنما قال { رميم } ، ولم يقل " رميمة " مع كونه خبرا ~~للمؤنث لأنه اسم لما بلي من العظام غير صفة كالرمة والرفات. وقيل لكونه ~~معدولا عن فاعلة، وكل معدول عن وجهه يكون مصروفا عن إعرابه كما في قوله # وما كانت أمك بغيا # مريم 28 لأنه مصروف عن باغية، كذا قال البغوي، والقرطبي، وقال بالأول ~~صاحب الكشاف. والأولى أن يقال إنه فعيل بمعنى فاعل، أو مفعول، وهو يستوي ~~فيه المذكر، والمؤنث كما قيل في جريح، وصبور. ثم أجاب سبحانه عن الضارب ~~لهذا المثل، فقال { قل يحييها الذى أنشأها أول مرة ~~} أي ابتدأها، وخلقها أول مرة من غير شيء، ومن قدر على النشأة الأولى ~~قدر على النشأة الثانية { وهو بكل شىء عليم } لا يخفى عليه ~~خافية، ولا يخرج عن علمه خارج كائنا ما كان. وقد استدل أبو حنيفة، وبعض ~~أصحاب الشافعي بهذه الآية على أن العظام مما تحله الحياة. وقال الشافعي ~~لا تحله الحياة، وأن المراد بقوله { من يحى العظم } من يحيي ~~أصحاب العظام على تقدير مضاف محذوف، ورد بأن هذا التقدير خلاف الظاهر { ~~الذى جعل لكم من الشجر الأخضر نارا } هذا رجوع منه ~~سبحانه إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم، فنبه سبحانه على وحدانيته، ~~ودل على قدرته على إحياء الموات بما يشاهدونه من إخراج النار المحرقة من ~~العود الندي الرطب، وذلك أن الشجر المعروف بالمرخ، والشجر المعروف ~~بالعفار إذا قطع منهما عودان، وضرب أحدهما على الآخر انقدحت منهما النار، ~~وهما أخضران. # وقيل المرخ هو الذكر، والعفار هو الأنثى، ويسمى الأول الزند، والثاني ~~الزندة، وقال { الأخضر } ، ولم يقل " الخضراء " اعتبارا باللفظ. وقرىء " ~~الخضر " اعتبارا بالمعنى، وقد تقرر أنه يجوز تذكير اسم الجنس، وتأنيثه ~~كما في قوله # نخل منقعر # القمر 20 وقوله # نخل خاوية # الحاقة 7 فبنو تميم، ونجد يذكرونه، وأهل الحجاز يؤنثونه إلا ms3225 نادرا، ~~والموصول بدل من الموصول الأول { فإذا أنتم منه توقدون } أي ~~تقدحون منه النار، وتوقدونها من ذلك الشجر الأخضر. ثم ذكر سبحانه ما هو ~~أعظم خلقا من الإنسان، فقال { أو ليس الذى خلق ~~السموات والأرض بقدر على أن يخلق مثلهم } ~~والهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدر كنظائره، ومعنى الآية أن من قدر ~~على خلق السماوات، والأرض - وهما في غاية العظم، وكبر الأجزاء - يقدر على ~~إعادة خلق البشر الذي هو صغير الشكل ضعيف القوة، كما قال سبحانه # لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس # غافر 57 قرأ الجمهور { بقادر } بصيغة اسم الفاعل. وقرأ الجحدري، وابن ~~أبي إسحاق، والأعرج، وسلام بن المنذر، وأبو يعقوب الحضرمي " يقدر " بصيغة ~~الفعل المضارع. ثم أجاب سبحانه عما أفاده الاستفهام من الإنكار التقريري ~~بقوله { بلى وهو الخلق العليم } أي بلى هو قادر على ~~ذلك، وهو المبالغ في الخلق، والعلم على أكمل وجه، وأتمه. وقرأ الحسن، ~~والجحدري، ومالك بن دينار " وهو الخالق ". ثم ذكر سبحانه ما يدل على كمال ~~قدرته، وتيسر المبدأ، والإعادة عليه، فقال { إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } أي إنما شأنه سبحانه ~~إذا تعلقت إرادته بشيء من الأشياء أن يقول له احدث، فيحدث من غير توقف ~~على شيء آخر أصلا، وقد تقدم تفسير هذا في سورة النحل، وفي البقرة. قرأ ~~الجمهور { فيكون } بالرفع على الاستئناف. وقرأ الكسائي بالنصب عطفا على ~~{ يقول }. ثم نزه سبحانه نفسه عن أن يوصف بغير القدرة، فقال { ~~فسبحن الذى بيده ملكوت كل شىء } ، والملكوت في ~~كلام العرب لفظ مبالغة في الملك كالجبروت، والرحموت كأنه قال فسبحان الذي ~~بيده مالكية الأشياء الكلية. قال قتادة ملكوت كل شيء مفاتح كل شيء. قرأ ~~الجمهور { ملكوت } وقرأ الأعمش، وطلحة بن مصرف، وإبراهيم التيمي " ملكة " ~~بزنة شجرة، وقرىء " مملكة " بزنة مفعلة، وقرىء " ملك " ، والملكوت أبلغ ~~من الجميع. # وقرأ الجمهور { وإليه ترجعون } بالفوقية على الخطاب مبنيا ~~للمفعول. وقرأ السلمي، وزر بن حبيش، وأصحاب ابن مسعود بالتحتية على ~~الغيبة مبنيا للمفعول أيضا. وقرأ زيد ms3226 بن علي على البناء للفاعل أي ~~ترجعون إليه لا إلى غيره وذلك في الدار الآخرة بعد البعث. وقد أخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في معجمه، والحاكم وصححه، وابن مردويه، ~~والبيهقي في البعث والضياء في المختارة عن ابن عباس قال جاء العاص بن ~~وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل، ففته بيده، فقال يا ~~محمد أيحيي الله هذا بعد ما أرم؟ قال # " نعم يبعث الله هذا، ثم يميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم " # فنزلت الآيات من آخر يس { أو لم ير الإنسن أنا ~~خلقنه من نطفة } إلى آخر السورة. وأخرج ابن جرير، وابن ~~مردويه عنه قال جاء عبد الله بن أبي في يده عظم حائل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وذكر مثل ما تقدم قال ابن كثير وهذا منكر لأن السورة مكية، ~~وعبد الله بن أبي إنما كان بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال ~~جاء أبي بن خلف الجمحي، وذكر نحو ما تقدم. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا ~~قال نزلت في أبي جهل، وذكر نحو ما تقدم. ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-19] # قوله { والصفت صفا } قرأ أبو عمرو، وحمزة، وقيل حمزة فقط، ~~بإدغام التاء من الصافات في صاد صفا، وإدغام التاء من الزاجرات في زاي ~~زجرا، وإدغام التاء من التاليات في ذال ذكرا، وهذه القراءة قد أنكرها ~~أحمد بن حنبل لما سمعها. قال النحاس وهي بعيدة في العربية من ثلاثة جهات ~~الجهة الأولى أن التاء ليست من مخرج الصاد، ولا من مخرج الزاي، ولا من ~~مخرج الدال، ولا من أخواتهن. الجهة الثانية أن التاء في كلمة، وما بعدها ~~في كلمة أخرى. الثالثة أنك إذا أدغمت جمعت بين ساكنين من كلمتين، وإنما ~~يجوز الجمع بين ساكنين في مثل هذا إذا كانا في كلمة واحدة. وقال الواحدي ~~إدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة الحرفين، ألا ترى أنهما من طرف اللسان. ~~وقرأ الباقون بإظهار جميع ذلك، والواو للقسم، والمقسم به الملائكة ~~الصافات، والزاجرات، والتاليات. والمراد ms3227 ب { الصافات } التي تصف في ~~السماء من الملائكة كصفوف الخلق في الدنيا، قاله ابن مسعود، وابن عباس، ~~وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة. وقيل إنها تصف أجنحتها في ~~الهواء واقفة فيه حتى يأمرها الله بما يريد. وقال الحسن صفا كصفوفهم عند ~~ربهم في صلاتهم. وقيل المراد بالصافات هنا الطير كما في قوله # أو لم يروا إلى الطير فوقهم صفت # الملك 19 والأول أولى، والصف ترتيب الجمع على خط كالصف في الصلاة. ~~وقيل الصافات جماعة الناس المؤمنين إذا قاموا صفا في الصلاة، أو في ~~الجهاد، ذكره القشيري. والمراد ب { الزاجرات } الفاعلات للزجر من ~~الملائكة، إما لأنها تزجر السحاب كما قال السدي، وإما لأنها تزجر عن ~~المعاصي بالمواعظ، والنصائح. وقال قتادة المراد بالزاجرات الزواجر من ~~القرآن، وهي كل ما ينهى، ويزجر عن القبيح، والأول أولى. وانتصاب { صفا } ~~و { زجرا } على المصدرية لتأكيد ما قبلهما. وقيل المراد بالزاجرات ~~العلماء لأنهم هم الذين يزجرون أهل المعاصي. والزجر في الأصل الدفع ~~بقوة، وهو هنا قوة التصويت، ومنه قول الشاعر # زجر أبي عروة السباع إذا أشفق أن يختلطن بالغنم # ومنه زجرت الإبل، والغنم إذا أفزعتها بصوتك، والمراد ب { التاليات ~~ذكرا } الملائكة التي تتلو القرآن كما قال ابن مسعود، وابن عباس، ~~والحسن، ومجاهد، وابن جبير، والسدي. وقيل المراد جبريل وحده، فذكر بلفظ ~~الجمع تعظيما له مع أنه لا يخلو من أتباع له من الملائكة. وقال قتادة ~~المراد كل من تلا ذكر الله، وكتبه. وقيل المراد آيات القرآن، ووصفها ~~بالتلاوة، وإن كانت متلوة كما في قوله # إن هذا القرءان يقص على بنى إسرءيل # النمل 76. وقيل لأن بعضها يتلو بعضا، ويتبعه. وذكر الماوردي أن ~~التاليات هم الأنبياء يتلون الذكر على أممهم، وانتصاب { ذكرا } على أنه ~~مفعول به، ويجوز أن يكون مصدرا كما قبله من قوله { صفا } ، و { زجرا ~~}. # قيل وهذه الفاء في قوله { فالزاجرات } ، { فالتاليات } إما لترتب الصفات ~~أنفسها في الوجود، أو لترتب موصوفاتها في الفضل، وفي الكل نظر.وقوله { ~~إن إلهكم لواحد } جواب القسم، أي أقسم الله بهذه الأقسام ms3228 ~~إنه واحد ليس له شريك. وأجاز الكسائي فتح " إن " الواقعة في جواب القسم { ~~رب السموات والأرض } يجوز أن يكون خبرا ثانيا، وأن يكون ~~بدلا من { لواحد } ، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف. قال ابن الأنباري الوقف ~~على { لواحد } وقف حسن، ثم يبتدىء { رب السماوات، والأرض } على معنى هو ~~رب السماوات، والأرض. قال النحاس ويجوز أن يكون بدلا من { لواحد }. ~~والمعنى في الآية أن وجود هذه المخلوقات على هذا الشكل البديع من أوضح ~~الدلائل على وجود الصانع، وقدرته، وأنه رب ذلك كله، أي خالقه، ومالكه. ~~والمراد بما بينهما ما بين السماوات، والأرض من المخلوقات. والمراد ب { ~~المشرق } مشارق الشمس. قيل إن الله سبحانه خلق للشمس كل يوم ~~مشرقا، ومغربا بعدد أيام السنة، تطلع كل يوم من واحد منها، وتغرب من ~~واحد، كذا قال ابن الأنباري، وابن عبد البر. وأما قوله في سورة الرحمن # رب المشرقين ورب المغربين # الرحمن 17 فالمراد بالمشرقين أقصى مطلع تطلع منه الشمس في الأيام ~~الطوال، وأقصر يوم في الأيام القصار، وكذلك في المغربين. وأما ذكر ~~المشرق، والمغرب بالإفراد، فالمراد به الجهة التي تشرق منها الشمس، ~~والجهة التي تغرب منها، ولعله قد تقدم لنا في هذا كلام أوسع من هذا. { ~~إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكوكب } المراد ~~بالسماء الدنيا التي تلي الأرض، من الدنو، وهو القرب، فهي أقرب السموات ~~إلى الأرض. قرأ الجمهور { بزينة الكواكب } بإضافة زينة إلى الكواكب. ~~والمعنى زيناها بتزيين الكواكب، أي بحسنها. وقرأ مسروق، والأعمش، ~~والنخعي، وحمزة بتنوين { زينة } ، وخفض { الكواكب } على أنها بدل من ~~الزينة على أن المراد بالزينة الاسم لا المصدر. والتقدير بعد طرح المبدل ~~منه إنا زينا السماء بالكواكب، فإن الكواكب في أنفسها زينة عظيمة فإنها ~~في أعين الناظرين لها كالجواهر المتلألئة. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ~~عنه بتنوين " زينة " ، ونصب " الكواكب " على أن الزينة مصدر، وفاعله ~~محذوف. والتقدير بأن الله زين الكواكب بكونها مضيئة حسنة في أنفسها، أو ~~تكون الكواكب منصوبة بإضمار أعني، أو بدلا من السماء بدل اشتمال، ~~وانتصاب { حفظا ms3229 } على المصدرية بإضمار فعل، أي حفظناها حفظا، أو على ~~أنه مفعول لأجله، أي زيناها بالكواكب للحفظ، أو بالعطف على محل زينة كأنه ~~قال إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء. { وحفظا من كل شيطن ~~مارد } أي متمرد خارج عن الطاعة يرمى بالكواكب، كقوله # ولقد زينا السماء الدنيا بمصبيح وجعلنها ~~رجوما للشيطين # الملك 5. وجملة { لا يسمعون إلى الملإ الأعلى } ~~مستأنفة لبيان حالهم بعد حفظ السماء منهم. وقال أبو حاتم أي لئلا يسمعوا، ~~ثم حذف " إن " فرفع الفعل، وكذا قال الكلبي، والملأ الأعلى أهل السماء ~~الدنيا فما فوقها، وسمى الكل منهم أعلى بإضافته إلى ملإ الأرض، والضمير ~~في { يسمعون } إلى الشياطين. وقيل إن جملة { لا يسمعون } صفة لكل شيطان، ~~وقيل جوابا عن سؤال مقدر كأنه قيل فما كان حالهم بعد حفظ السماء عنهم؟ ~~فقال { لا يسمعون إلا الملإ الأعلى } قرأ الجمهور " يسمعون ~~" بسكون السين، وتخفيف الميم. وقرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص ~~عنه بتشديد الميم، والسين، والأصل يتسمعون، فأدغم التاء في السين، ~~فالقراءة الأولى تدل على انتفاء سماعهم دون استماعهم، والقراءة الثانية ~~تدل على انتفائهما، وفي معنى القراءة الأولى قوله تعالى # إنهم عن السمع لمعزولون # الشعراء 212 قال مجاهد كانوا يتسمعون، ولكن لا يسمعون. واختار أبو عبيدة ~~القراءة الثانية، قال لأن العرب لا تكاد تقول سمعت إليه، وتقول تسمعت ~~إليه { ويقذفون من كل جانب * دحورا } أي يرمون من كل ~~جانب من جوانب السماء بالشهب إذا أرادوا الصعود لاستراق السمع، وانتصاب { ~~دحورا } على أنه مفعول لأجله. والدحور الطرد، تقول دحرته دحرا، ودحورا ~~طردته. قرأ الجمهور { دحورا } بضم الدال، وقرأ علي، والسلمي، ويعقوب ~~الحضرمي، وابن أبي عبلة بفتحها. وروي عن أبي عمرو أنه قرأ " يقذفون " ~~مبنيا للفاعل، وهي قراءة غير مطابقة لما هو المراد من النظم القرآني، ~~وقيل إن انتصاب { دحورا } على الحال، أي مدحورين، وقيل هو جمع داحر نحو ~~قاعد، وقعود، فيكون حالا أيضا. وقيل إنه مصدر لمقدر، أي يدحرون ~~دحورا. وقال الفراء إن المعنى يقذفون بما يدحرهم، أي بدحور، ثم حذفت ~~الباء، فانتصب ms3230 بنزع الخافض. واختلف هل كان هذا الرمي لهم بالشهب قبل ~~المبعث، أو بعده؟ فقال بالأول طائفة. وبالآخر آخرون. وقالت طائفة بالجمع ~~بين القولين إن الشياطين لم تكن ترمى قبل المبعث رميا يقطعها عن السمع، ~~ولكن كانت ترمى وقتا، ولا ترمى وقتا آخر، وترمى من جانب، ولا ترمى من ~~جانب آخر، ثم بعد المبعث رميت في كل وقت، ومن كل جانب حتى صارت لا تقدر ~~على استراق شيء من السمع إلا من اختطف الخطفة، فأتبعه شهاب ثاقب، ومعنى { ~~ولهم عذاب واصب } ولهم عذاب دائم لا ينقطع، والمراد به العذاب ~~في الآخرة غير العذاب الذي لهم في الدنيا من الرمي بالشهب. وقال مقاتل ~~يعني دائما إلى النفخة الأولى، والأول أولى. وقد ذهب جمهور المفسرين ~~إلى أن الواصب الدائم. وقال السدي، وأبو صالح، والكلبي هو الموجع الذي ~~يصل وجعه إلى القلب، مأخوذ من الوصب، وهو المرض، وقيل هو الشديد، ~~والاستثناء في قوله { إلا من خطف الخطفة } هو من قوله { لا ~~يسمعون } ، أو من قوله { ويقذفون }. # وقيل الاستثناء راجع إلى غير الوحي لقوله # إنهم عن السمع لمعزولون # الشعراء 212 بل يخطف الواحد منهم خطفة مما يتفاوض فيه الملائكة، ويدور ~~بينهم مما سيكون في العالم قبل أن يعلمه أهل الأرض. والخطف الاختلاس ~~مسارقة، وأخذ الشيء بسرعة. قرأ الجمهور { خطف } بفتح الخاء، وكسر الطاء ~~مخففة، وقرأ قتادة، والحسن بكسرهما، وتشديد الطاء، وهي لغة تميم بن مر، ~~وبكر بن وائل. وقرأ عيسى بن عمر بفتح الخاء، وكسر الطاء مشددة. وقرأ ابن ~~عباس بكسرهما مع تخفيف الطاء، وقيل إن الاستثناء منقطع { فأتبعه ~~شهاب ثاقب } أي لحقه، وتبعه شهاب ثاقب نجم مضيء، فيحرقه، وربما لا ~~يحرقه فيلقي إلى إخوانه ما خطفه، وليست الشهب التي يرجم بها هي من ~~الكواكب الثوابت بل من غير الثوابت، وأصل الثقوب الإضاءة. قال الكسائي ~~ثقبت النار تثقب ثقابة، وثقوبا إذا اتقدت، وهذه الآية هي كقوله # إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين # الحجر 18. { فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من ~~خلقنا } أي اسأل الكفار المنكرين ms3231 للبعث أهم أشد خلقا، وأقوى ~~أجساما، وأعظم أعضاء، أم من خلقنا من السماوات، والأرض، والملائكة؟ قال ~~الزجاج المعنى فاسألهم سؤال تقرير أهم أشد خلقا، أي أحكم صنعة أم من ~~خلقنا قبلهم من الأمم السالفة؟ يريد أنهم ليسوا بأحكم خلقا من غيرهم من ~~الأمم، وقد أهلكناهم بالتكذيب فما الذي يؤمنهم من العذاب؟ ثم ذكر خلق ~~الإنسان، فقال { إنا خلقنهم من طين لازب } أي إنا ~~خلقناهم في ضمن خلق أبيهم آدم من طين لازب، أي لاصق، يقاللزب يلزب لزوبا ~~إذا لصق. وقال قتادة، وابن زيد اللازب اللازق. وقال عكرمة اللازب اللزج. ~~وقال سعيد بن جبير اللازب الجيد الذي يلصق باليد. وقال مجاهد هو اللازم، ~~والعرب تقول طين لازب، ولازم تبدل الباء من الميم، واللازم الثابت كما ~~يقال صار الشيء ضربة لازب، ومنه قول النابغة # ولا تحسبون الخير لا شر بعده ولا تحسبون الشر ضربة لازب # وحكى الفراء عن العرب طين لاتب بمعنى لازم، واللاتب الثابت. قال الأصمعي ~~واللاتب اللاصق مثل اللازب. والمعنى في الآية أن هؤلاء كيف يستبعدون ~~المعاد، وهم مخلقون من هذا الخلق الضعيف، ولم ينكره من هو مخلوق خلقا ~~أقوى منهم، وأعظم، وأكمل، وأتم. وقيل اللازب هو المنتن قاله مجاهد، ~~والضحاك. قرأ الجمهور { أم من خلقنا } بتشديد الميم، وهي أم المتصلة، ~~وقرأ الأعمش بالتخفيف، وهو استفهام ثان على قراءته. قيل وقد قرىء لازم، ~~ولاتب، ولا أدري من قرأ بذلك. ثم أضرب سبحانه عن الكلام السابق، فقال { ~~بل عجبت } يا محمد من قدرة الله سبحانه { ويسخرون } منك بسبب ~~تعجبك، أو ويسخرون منك بما تقوله من إثبات المعاد. # قرأ الجمهور بفتح التاء من { عجبت } على الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم. وقرأ حمزة، والكسائي بضمها. ورويت هذه القراءة عن علي، وابن ~~مسعود، وابن عباس، واختارها أبو عبيد، والفراء. قال الفراء قرأها الناس ~~بنصب التاء، ورفعها، والرفع أحب إلي لأنها عن علي، وعبد الله، وابن ~~عباس. قال والعجب أن أسند إلى الله، فليس معناه من الله كمعناه من ~~العباد. قال الهروي وقال بعض ms3232 الأئمة معنى قوله { بل عجبت } بل ~~جازيتهم على عجبهم لأن الله أخبر عنهم في غير موضع بالتعجب من الخلق كما ~~قال # وعجبوا أن جاءهم منذر منهم # ص 4 وقالوا # إن هذا لشىء عجاب # ص 5 # أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم # يونس 2 وقال علي بن سليمان معنى القراءتين واحد، والتقدير قل يا محمد ~~بل عجبت لأن النبي صلى الله عليه وسلم مخاطب بالقرآن. قال النحاس وهذا ~~قول حسن، وإضمار القول كثير. وقيل إن معنى الإخبار من الله سبحانه عن ~~نفسه بالعجب أنه ظهر من أمره، وسخطه على من كفر به ما يقوم مقام العجب من ~~المخلوقين. قال الهروي ويقال معنى عجب ربكم، أي رضي ربكم وأثاب، فسماه ~~عجبا، وليس بعجب في الحقيقة، فيكون معنى { عجبت } هنا عظم فعلهم عندي. ~~وحكى النقاش أن معنى { بل عجبت } بل أنكرت. قال الحسن بن الفضل التعجب من ~~الله إنكار الشيء وتعظيمه، وهو لغة العرب، وقيل معناه أنه بلغ في كمال ~~قدرته، وكثرة مخلوقاته إلى حيث عجب منها، وهؤلاء لجهلهم يسخرون منها، ~~والواو في { ويسخرون } للحال، أي بل عجبت، والحال أنهم يسخرون، ~~ويجوز أن تكون للاستئناف. { وإذا ذكروا لا يذكرون } أي وإذا ~~وعظوا بموعظة من مواعظ الله، أو مواعظ رسوله لا يذكرون، أي لا يتعظون ~~بها،ولا ينتفعون بما فيها. قال سعيد بن المسيب، أي إذا ذكر لهم ما حل ~~بالمكذبين ممن كان قبلهم أعرضوا عنه ولم يتدبروا { وإذا رأوا ~~ءاية } أي معجزة من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~يستسخرون } أي يبالغون في السخرية. قال قتادة يسخرون، ويقولون ~~إنها سخرية، يقال سخر، واستسخر بمعنى مثل قر واستقر، وعجب واستعجب. ~~والأول أولى، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى. وقيل معنى { ~~يستسخرون } يستدعون السخرى من غيرهم. وقال مجاهد يستهزئون { وقالوا ~~إن هذا إلا سحر مبين } أي ما هذا الذي تأتينا به إلا سحر ~~واضح ظاهر { أءذا متنا وكنا ترابا وعظما } الاستفهام ~~للإنكار، أي أنبعث إذا متنا؟، فالعامل في " إذا " هو ما دل ms3233 عليه { ~~أءنا لمبعوثون } ، وهو أنبعث، لأنفس مبعوثون، لتوسط ما يمنع من ~~عمله فيه، وهذا الإنكار للبعث منهم هو السبب الذي لأجله كذبوا الرسل، وما ~~نزل عليهم، واستهزءوا بما جاءوا به من المعجزات، وقد تقدم تفسير معنى ~~هذه الآية في مواضع. # { أو ءاباؤنا الأولون } هو مبتدأ، وخبره محذوف، أي أو آباؤنا ~~الأولون مبعوثون، وقيل معطوف على محل إن واسمها، وقيل على الضمير في { ~~مبعوثون } لوقوع الفصل بينهما، والهمزة للإنكار داخلة على حرف العطف، ~~ولهذا قرأ الجمهور بفتح الواو، وقرأ ابن عامر، وقالون بسكونها على أن، " ~~أو " هي العاطفة، وليست الهمزة للاستفهام. ثم أمر الله سبحانه رسوله بأن ~~يجيب عنهم تبكيتا لهم، فقال { قل نعم وأنتم دخرون } أي نعم ~~تبعثون، وأنتم صاغرون ذليلون. قال الواحدي والدخور أشد الصغار، وجملة { ~~وأنتم داخرون } في محل نصب على الحال. ثم ذكر سبحانه أن بعثهم يقع بزجرة ~~واحدة، فقال { فإنما هى زجرة وحدة } الضمير للقصة، أو ~~البعثة المفهومة مما قبلها، أي إنما قصة البعث، أو البعثة زجرة واحدة، أي ~~صيحة واحدة من إسرافيل بنفخه في الصور عند البعث { فإذا هم ~~ينظرون } أي يبصرون ما يفعل الله بهم من العذاب. وقال الحسن هي ~~النفخة الثانية، وسميت الصيحة زجرة لأن المقصود منها الزجر، وقيل معنى { ~~ينظرون } ينتظرون ما يفعل بهم. والأول أولى. وقد أخرج عبد الرزاق، ~~والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~والطبراني، والحاكم وصححه من طرق عن ابن مسعود { والصفت صفا ~~} قال الملائكة { فالزجرت زجرا } قال الملائكة { ~~فالتليت ذكرا } قال الملائكة. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد، ~~وعكرمة مثله. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس مثله. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه أنه كان ~~يقرأ " لا يسمعون إلى الملإ الأعلى " مخففة، وقال ~~إنهم كانوا يتسمعون، ولكن لا يسمعون. وأخرج ابن جرير عنه أيضا في قوله { ~~عذاب واصب } قال دائم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة ~~عنه أيضا إذا رمي الشهاب ms3234 لم يخط من رمي به، وتلا { فأتبعه شهاب ~~ثاقب }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضا { فأتبعه ~~شهاب ثاقب } قال لا يقتلون بالشهاب، ولا يموتون، ولكنها تحرق وتخبل ~~وتجرح في غير قتل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عنه أيضا في قوله { من طين لازب } قال ملتصق. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عنه أيضا { من طين لازب } قال ~~اللزج الجيد. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال اللازب، والحمأ، والطين ~~واحد كان أوله ترابا، ثم صار حمأ منتنا، ثم صار طينا لازبا، فخلق ~~الله منه آدم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال اللازب الذي يلصق ~~بعضه إلى بعض. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي ~~حاتم، والحاكم وصححه عن ابن مسعود أنه كان يقرأ " بل عجبت ~~ويسخرون " بالرفع للتاء من عجبت. ### || [37.20-49] # قوله { وقالوا يويلنا } أي قال أولئك المبعوثون لما عاينوا ~~البعث الذي كانوا يكذبون به في الدنيا يا ويلنا، دعوا بالويل على أنفسهم. ~~قال الزجاج الويل كلمة يقولها القائل وقت الهلكة، وقال الفراء إن أصله يا ~~وي لنا، ووي بمعنى الحزن كأنه قال يا حزن لنا. قال النحاس ولو كان كما ~~قال لكان منفصلا، وهو في المصحف متصل، ولا نعلم أحدا يكتبه إلا متصلا، ~~وجملة { هذا يوم الدين } تعليل لدعائهم بالويل على أنفسهم، ~~والدين الجزاء، فكأنهم قالوا هذا اليوم الذي نجازى فيه بأعمالنا من ~~الكفر، والتكذيب للرسل، فأجاب عليهم الملائكة بقولهم { هذا يوم ~~الفصل الذى كنتم به تكذبون } ، ويجوز أن يكون هذا من ~~قول بعضهم لبعض، والفصل الحكم، والقضاء لأنه يفصل فيه بين المحسن، ~~والمسيء. وقوله { احشروا الذين ظلموا وأزوجهم } هو ~~أمر من الله سبحانه للملائكة بأن يحشروا المشركين، وأزواجهم، وهم أشباههم ~~في الشرك، والمتابعون لهم في الكفر، والمشايعون لهم في تكذيب الرسل، كذا ~~قال قتادة، وأبو العالية. وقال الحسن، ومجاهد المراد بأزواجهم نساؤهم ~~المشركات الموافقات لهم على الكفر، والظلم. وقال الضحاك أزواجهم قرناؤهم ~~من الشياطين ms3235 يحشر كل كافر مع شيطانه، وبه قال مقاتل { وما كانوا ~~يعبدون من دون الله } من الأصنام، والشياطين، وهذا العموم ~~المستفاد من " ما " الموصولة، فإنها عبارة عن المعبودين، لا عن العابدين، ~~كما قيل - مخصوص لأن من طوائف الكفار من عبد المسيح، ومنهم من عبد ~~الملائكة، فيخرجون بقوله # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون # الأنبياء 101، ووجه حشر الأصنام مع كونها جمادات لا تعقل هو زيادة ~~التبكيت لعابديها، وتخجيلهم، وإظهار أنها لا تنفع، ولا تضر. { ~~فاهدوهم إلى صرط الجحيم } أي عرفوا هؤلاء المحشورين طريق ~~النار، وسوقوهم إليها، يقال هديته الطريق، وهديته إليها، أي دللته عليها، ~~وفي هذا تهكم بهم. { وقفوهم إنهم مسئولون } أي احبسوهم، ~~يقال وقفت الدابة أقفها وقفا، فوقفت هي وقوفا يتعدى، ولا يتعدى، وهذا ~~الحبس لهم يكون قبل السوق إلى جهنم، أي وقفوهم للحساب، ثم سوقوهم إلى ~~النار بعد ذلك، وجملة { إنهم مسئولون } تعليل للجملة الأولى. ~~قال الكلبي أي مسئولون عن أعمالهم وأقوالهم وأفعالهم. وقال الضحاك عن ~~خطاياهم، وقيل عن لا إله إلا الله، وقيل عن ظلم العباد، وقيل هذا ~~السؤال هو المذكور بعد هذا بقوله { ما لكم لا تنصرون } أي ~~أي شيء لكم لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم في الدنيا، وهذا توبيخ لهم، ~~وتقريع وتهكم بهم، وأصله تتناصرون، فطرحت إحدى التاءين تخفيفا. قرأ ~~الجمهور { إنهم مسئولون } بكسر الهمزة، وقرأ عيسى بن عمر ~~بفتحها. # قال الكسائي أي لأنهم، أو بأنهم، وقيل الإشارة بقوله { ما لكم لا ~~تنصرون } إلى قول أبي جهل يوم بدر # نحن جميع منتصر # القمر 44. ثم أضرب سبحانه عما تقدم إلى بيان الحالة التي هم عليها ~~هنالك، فقال { بل هم اليوم مستسلمون } أي منقادون لعجزهم ~~عن الحيلة. قال قتادة مستسلمون في عذاب الله. وقال الأخفش ملقون بأيديهم، ~~يقال استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع. { وأقبل بعضهم على ~~بعض يتساءلون } أي أقبل بعض الكفار على بعض يتساءلون. قيل هم ~~الأتباع، والرؤساء يسأل بعضهم بعضا سؤال توبيخ وتقريع ومخاصمة. وقال ~~مجاهد هو قول الكفار للشياطين. وقال قتادة ms3236 هو قول الإنس للجن، والأول ~~أولى لقوله { قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } ~~أي كنتم تأتوننا في الدنيا عن اليمين، أي من جهة الحق، والدين، والطاعة، ~~وتصدونا عنها. قال الزجاج كنتم تأتوننا من قبل الدين، فتروننا أن الدين، ~~والحق ما تضلوننا به، واليمين عبارة عن الحق، وهذا كقوله تعالى إخبارا ~~عن إبليس # ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمنهم # الأعراف 17 قال الواحدي قال أهل المعاني إن الرؤساء كانوا قد حلفوا ~~لهؤلاء الأتباع أن ما يدعونهم إليه هو الحق، فوثقوا بأيمانهم فمعنى { ~~تأتوننا عن اليمين } أي من ناحية الأيمان التي كنتم تحلفونها، ~~فوثقنا بها. قال والمفسرون على القول الأول. وقيل المعنى تأتوننا عن ~~اليمين التي نحبها، ونتفاءل بها، لتغرونا بذلك عن جهة النصح، والعرب ~~تتفاءل بما جاء عن اليمين، وتسميه السانح. وقيل اليمين بمعنى القوة، أي ~~تمنعوننا بقوة، وغلبة، وقهر كما في قوله # فراغ عليهم ضربا باليمين # الصافات 93 أي بالقوة، وهذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، وكذلك ~~جملة { قالوا بل لم تكونوا مؤمنين } فإنها مستأنفة جواب ~~سؤال مقدر والمعنى أنه قال الرؤساء، أو الشياطين لهؤلاء القائلين كنتم ~~تأتوننا عن اليمين بل لم تكونوا مؤمنين، ولم نمنعكم من الإيمان. والمعنى ~~أنكم لم تكونوا مؤمنين قط حتى ننقلكم عن الإيمان إلى الكفر، بل كنتم من ~~الأصل على الكفر، فأقمتم عليه. { وما كان لنا عليكم من ~~سلطن } من تسلط بقهر، وغلبة حتى ندخلكم في الإيمان، ونخرجكم من ~~الكفر { بل كنتم قوما طغين } أي متجاوزين الحد في الكفر، ~~والضلال، وقوله { فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون ~~} من قول المتبوعين، أي وجب علينا، وعليكم، ولزمنا قول ربنا، يعنون قوله ~~تعالى # لأملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين # ص 85 إنا لذائقو العذاب، أي إنا جميعا لذائقو العذاب الذي ورد به ~~الوعيد. قال الزجاج أي إن المضل، والضال في النار { فأغوينكم ~~} أي أضللناكم عن الهدى، ودعوناكم إلى ما كنا فيه من الغي، وزينا لكم ما ~~كنتم عليه من الكفر { إنا كنا غوين } فلا ms3237 عتب علينا في ~~تعرضنا لإغوائكم لأنا أردنا أن تكونوا أمثالنا في الغواية ومعنى الآية ~~أقدمنا على إغوائكم لأنا كنا موصوفين في أنفسنا بالغواية، فأقروا ها هنا ~~بأنهم تسببوا لإغوائهم، لكن لا بطريق القهر، والغلبة، ونفوا عن أنفسهم ~~فيما سبق أنهم قهروهم، وغلبوهم، فقالوا { وما كان لنا عليكم ~~من سلطن }. # ثم أخبر الله سبحانه عن الأتباع، والمتبوعين بقوله { فإنهم ~~يومئذ فى العذاب مشتركون } كما كانوا مشتركين في الغواية ~~{ إنا كذلك نفعل بالمجرمين } أي إنا نفعل مثل ذلك ~~الفعل بالمجرمين، أي أهل الإجرام، وهم المشركون كما يفيده قوله سبحانه { ~~إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون } أي إذا قيل لهم قولوا لا إله إلا الله يستكبرون عن ~~القبول، ومحل يستكبرون النصب على أنه خبر كان، أو الرفع على أنه خبر إن، ~~وكان ملغاة { ويقولون أإنا لتاركو ءالهتنا لشاعر ~~مجنون } يعنون النبي صلى الله عليه وسلم، أي لقول شاعر مجنون، فرد ~~الله سبحانه عليهم بقوله { بل جاء بالحق } يعني القرآن المشتمل ~~على التوحيد، والوعد، والوعيد { وصدق المرسلين } أي صدقهم ~~فيما جاءوا به من التوحيد، والوعيد، وإثبات الدار الآخرة، ولم يخالفهم، ~~ولا جاء بشيء لم تأت به الرسل قبله { إنكم لذآئقو العذاب ~~الأليم } أي إنكم بسبب شرككم، وتكذيبكم لذائقوا العذاب الشديد الألم. ~~قرأ الجمهور { لذائقوا } بحذف النون، وخفض العذاب، وقرأ أبان بن ثعلب عن ~~عاصم، وأبو السماك بحذفها، ونصب العذاب، وأنشد سيبويه في مثل هذه القراءة ~~بالحذف للنون، والنصب للعذاب قول الشاعر # فألفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلا # وأجاز سيبويه أيضا " والمقيمي الصلاة " بنصب الصلاة على هذا التوجيه. ~~وقد قرىء بإثبات النون، ونصب العذاب على الأصل. ثم بين سبحانه أن ما ~~ذاقوه من العذاب ليس إلا بسبب أعمالهم، فقال { وما تجزون إلا ~~ما كنتم تعملون } أي إلا جزاء ما كنتم تعملون من الكفر، ~~والمعاصي، أو إلا بما كنتم تعملون. ثم استثنى المؤمنين فقال { إلا ~~عباد الله المخلصين }. قرأ أهل المدينة، والكوفة { المخلصين ~~} بفتح اللام، أي الذين أخلصهم الله لطاعته، ms3238 وتوحيده. وقرأ الباقون ~~بكسرها، أي الذين أخلصوا لله العبادة، والتوحيد، والاستثناء إما متصل على ~~تقدير تعميم الخطاب في { تجزون } لجميع المكلفين. أو منقطع، أي لكن عباد ~~الله المخلصين لا يذوقون العذاب، والإشارة بقوله { أولئك } إلى ~~المخلصين، وهو مبتدأ، وخبره قوله { لهم رزق معلوم } أي لهؤلاء ~~المخلصين رزق يرزقهم الله إياه معلوم في حسنه، وطيبه، وعدم انقطاعه. قال ~~قتادة يعني الجنة، وقيل معلوم الوقت، وهو أن يعطوا منه بكرة، وعشية كما ~~في قوله # ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا # مريم 62 وقيل هو المذكور في قوله بعده { فوكه } فإنه بدل من { رزق } ~~، أو خبر مبتدأ محذوف، أي هو فواكه، وهذا هو الظاهر. # والفواكه جمع الفاكهة، وهي الثمار كلها رطبها، ويابسها، وخصص الفواكه ~~بالذكر لأن أرزاق أهل الجنة كلها فواكه كذا قيل. والأولى أن يقال إن ~~تخصيصها بالذكر لأنها أطيب ما يأكلونه، وألذ ما تشتهيه أنفسهم. وقيل إن ~~الفواكه من أتباع سائر الأطعمة، فذكرها يغني عن ذكر غيرها، وجملة { وهم ~~مكرمون } في محل نصب على الحال، أي ولهم من الله عز وجل إكرام ~~عظيم برفع درجاتهم عنده، وسماع كلامه، ولقائه في الجنة. قرأ الجمهور { ~~مكرمون } بتخفيف الراء. وقرأ أبو مقسم بتشديدها، وقوله { في جنت ~~النعيم } يجوز أن يتعلق ب { مكرمون } ، وأن يكون خبرا ثانيا، وأن ~~يكون حالا، وقوله { على سرر } يحتمل أن يكون حالا، وأن يكون ~~خبرا ثالثا، وانتصاب { متقبلين } على الحالية من الضمير في { ~~مكرمون } ، أو من الضمير في متعلق على { سرر }. قال عكرمة، ومجاهد معنى ~~التقابل أنه لا ينظر بعضهم في قفا بعض، وقيل إنها تدور بهم الأسرة كيف ~~شاءوا، فلا يرى بعضهم قفا بعض. قرأ الجمهور { سرر } بضم الراء. وقرأ أبو ~~السماك بفتحها، وهي لغة بعض تميم. ثم ذكر سبحانه صفة أخرى لهم، فقال { ~~يطاف عليهم بكأس من معين } ، ويجوز أن تكون هذه الجملة ~~مستأنفة جوابا عن سؤال مقدر، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من ~~ضمير { متقابلين } ، والكأس عند أهل اللغة اسم شامل لكل إناء فيه ~~الشراب، ms3239 فإن كان فارغا، فليس بكأس. وقال الضحاك، والسدي كل كأس في ~~القرآن، فهي الخمر. قال النحاس وحكى من يوثق به من أهل اللغة أن العرب ~~تقول للقدح إذا كان فيه خمر كأس، فإذا لم يكن فيه خمر، فهو قدح كما يقال ~~للخوان إذا كان عليه طعام مائدة، فإذا لم يكن عليه طعام لم يقل له مائدة، ~~و { من معين } متعلق بمحذوف هو صفة لكأس. قال الزجاج { بكأس من معين } ، ~~أي من خمر تجري كما تجري العيون على وجه الأرض. والمعين الماء الجاري، ~~وقوله { بيضاء لذة للشربين } صفتان لكأس. قال الزجاج أي ~~ذات لذة، فحذف المضاف، ويجوز أن يكون الوصف بالمصدر لقصد المبالغة في ~~كونها لذة، فلا يحتاج إلى تقدير المضاف. قال الحسن خمر الجنة أشد ~~بياضا من اللبن له لذة لذيذة، يقال شراب لذ، ولذيذ كما يقال نبات غض ~~وغضيض، ومنه قول الشاعر # بحديثها اللذ الذي لو كلمت أسد الفلاة به أتين سراعا # واللذيذ كل شيء مستطاب، وقيل البيضاء هي التي لم يعتصرها الرجال. ثم وصف ~~هذه الكأس من الخمر بغير ما يتصف به خمر الدنيا، فقال { لا فيها ~~غول } أي لا تغتال عقولهم، فتذهب بها، ولا يصيبهم منها مرض، ولا صداع ~~{ ولا هم عنها ينزفون } أي يسكرون، يقال نزف الشارب، فهو ~~منزوف، ونزيف إذا سكر، ومنه قول امرىء القيس # وإذا هي تمشي كمشي النزي ف يصرعه بالكثيب البهر # وقال أيضا # نزيف إذا قامت لوجه تمايلت # ومنه قول الآخر # فلثمت فاها آخذا بقرونها شرب النزيف ببرد ماء الحشرج # قال الفراء العرب تقول ليس فيها غيلة، وغائلة، وغول سواء. وقال أبو ~~عبيدة الغول أن تغتال عقولهم، وأنشد قول مطيع بن إياس # وما زالت الكأس تغتالهم وتذهب بالأول الأول # وقال الواحدي الغول حقيقته الإهلاك، يقال غاله غولا، واغتاله، أي ~~أهلكه، والغول كل ما اغتالك، أي أهلكك. قرأ الجمهور { ينزفون } بضم ~~الياء، وفتح الزاي مبنيا للمفعول. وقرأ حمزة، والكسائي بضم الياء، وكسر ~~الزاي من أنزف الرجل إذا ذهب عقله من السكر فهو نزيف، ms3240 ومنزوف، ومنزف، ~~يقال أحصد الزرع إذا حان حصاده، وأقطف الكرم إذا حان قطافه. قال الفراء ~~من كسر الزاي، فله معنيان، يقال أنزف الرجل إذا فنيت خمره، وأنزف إذا ذهب ~~عقله من السكر، وتحمل هذه القراءة على معنى لا ينفد شرابهم لزيادة ~~الفائدة. قال النحاس والقراءة الأولى أبين، وأصح في المعنى لأن معنى { ~~لا ينزفون } عند جمهور المفسرين لا تذهب عقولهم، فنفى الله عز وجل عن ~~خمر الجنة الآفات التي تلحق في الدنيا من خمرها من الصداع، والسكر. وقال ~~الزجاج، وأبو علي الفارسي معنى لا ينزفون بكسر الزاي لا يسكرون. قال ~~المهدوي لا يكون معنى ينزفون يسكرون، لأن قبله { لا فيها غول } أي ~~لا تغتال عقولهم، فيكون تكريرا، وهذا يقوي ما قاله قتادة إن الغول وجع ~~البطن، وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد. وقال الحسن إن الغول الصداع. ~~وقال ابن كيسان هو المغص، فيكون معنى الآية لا فيها نوع من أنواع الفساد ~~المصاحبة لشرب الخمر في الدنيا من مغص، أو وجع بطن، أو صداع، أو عربدة، ~~أو لغو، أو تأثيم، ولا هم يسكرون منها. ويؤيد هذا أن أصل الغول الفساد ~~الذي يلحق في خفاء، يقال اغتاله اغتيالا إذا أفسد عليه أمره في خفية، ~~ومنه الغول، والغيلة القتل خفية. وقرأ ابن أبي إسحاق " ينزفون " بفتح ~~الياء، وكسر الزاي. وقرأ طلحة بن مصرف بفتح الياء وضم الزاي. ولما ذكر ~~سبحانه صفة مشروبهم ذكر عقبه صفة منكوحهم، فقال { وعندهم قصرت ~~الطرف } أي نساء قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا يردن غيرهم، والقصر ~~معناه الحبس، ومنه قول امرىء القيس # من القاصرات الطرف لو دب محول من الذر فوق الأتب منها لأثرا # والمحول الصغير من الذر، والأتب القميص، وقيل القاصرات المحبوسات على ~~أزواجهن، والأول أولى لأنه قال قاصرات الطرف. ولم يقل مقصورات. والعين ~~عظام العيون جمع عيناء، وهي الواسعة العين. # قال الزجاج معنى { عين } كبار الأعين حسناها. وقال مجاهد العين حسان ~~العيون. وقال الحسن هن الشديدات بياض العين الشديدات سوادها. والأول ~~أولى { كأنهن بيض مكنون } قال ms3241 الحسن، وأبو زيد شبههن ~~ببيض النعام تكنها النعامة بالريش من الريح، والغبار. فلونه أبيض في ~~صفرة، وهو أحسن ألوان النساء. وقال سعيد بن جبير، والسدي شبههن ببطن ~~البيض قبل أن يقشر، وتمسه الأيدي، وبه قال ابن جرير، ومنه قول امرىء ~~القيس # وبيضة خدر لا يرام خباؤها تمتعت من لهو بها غير معجل # قال المبرد وتقول العرب إذا وصفت الشيء بالحسن، والنظافة كأنه بيض ~~النعام المغطى بالريش. وقيل المكنون المصون عن الكسر، أي إنهن عذارى، ~~وقيل المراد بالبيض اللؤلؤ كما في قوله # وحور عين * كأمثل اللؤلؤ المكنون # الواقعة 22، 23 ومثله قول الشاعر # وهي بيضاء مثل لؤلؤة الغوا ص ميزت من جوهر مكنون # والأول أولى، وإنما قال { مكنون } ، ولم يقل مكنونات لأنه وصف البيض ~~باعتبار اللفظ. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { احشروا ~~الذين ظلموا وأزوجهم } قال تقول الملائكة للزبانية هذا ~~القول. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن أبي شيبة، وابن منيع في ~~مسنده، وعبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث من طريق النعمان بن بشير، عن عمر ~~بن الخطاب في قوله { احشروا الذين ظلموا وأزوجهم } ~~قال أمثالهم الذين هم مثلهم، يجيء أصحاب الربا مع أصحاب الربا، وأصحاب ~~الزنا مع أصحاب الزنا، وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر، أزواج في الجنة، ~~وأزواج في النار. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن ~~المنذر، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن ~~ابن عباس في قوله { احشروا الذين ظلموا وأزوجهم } قال ~~أشباههم، وفي لفظ نظراءهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عنه في قوله { فاهدوهم إلى صرط الجحيم } قال وجهوهم، ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال دلوهم { إلى صرط ~~الجحيم } قال طريق النار. وأخرج عنه أيضا في قوله { وقفوهم ~~إنهم مسئولون } قال احبسوهم إنهم محاسبون. وأخرج البخاري في ~~تاريخه، والدارمي، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والحاكم وصححه، وابن ms3242 مردويه عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما من داع دعا إلى شيء إلا كان موقوفا معه يوم القيامة لازما به لا ~~يفارقه، وإن دعا رجل رجلا " # ثم قرأ { وقفوهم إنهم مسئولون }. وأخرج ابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وأقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون } قال ذلك إذا بعثوا في النفخة الثانية. # وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في قوله { كانوا إذا قيل ~~لهم لا إله إلا الله يستكبرون } قال كانوا إذا لم ~~يشرك بالله يستنكفون، { ويقولون أإنا لتاركو ءالهتنا ~~لشاعر مجنون } لا يعقل، قال فحكى الله صدقه، فقال { بل جاء ~~بالحق وصدق المرسلين }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله ~~إلا الله، فقد عصم مني ماله، ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله " # وأنزل الله في كتابه، وذكر قوما استكبروا، فقال { إنهم كانوا ~~إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون } ، ~~وقال # إذ جعل الذين كفروا فى قلوبهم الحمية ~~حمية الجهلية فأنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى ~~وكانوا أحق بها وأهلها # الفتح 26 وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله، استكبر عنها المشركون ~~يوم الحديبية يوم كاتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قضية الهدنة. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن ابن ~~عباس في قوله { يطاف عليهم بكأس من معين } قال الخمر { ~~لا فيها غول } قال ليس فيها صداع { ولا هم عنها ينزفون ~~} قال لا تذهب عقولهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه قال في الخمر ~~أربع خصال السكر، والصداع، والقيء، والبول، فنزه الله خمر الجنة عنها، ~~فقال { لا فيها غول } لا تغول عقولهم من السكر { ولا هم ~~عنها ينزفون } قال يقيئون عنها كما يقيء صاحب خمر الدنيا عنها. ms3243 ~~وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس { لا فيها غول } قال هي الخمر ليس ~~فيها وجع بطن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في ~~البعث عنه أيضا في قوله { وعندهم قصرت الطرف } يقول من ~~غير أزواجهن { كأنهن بيض مكنون } قال اللؤلؤ المكنون. ~~وأخرج ابن المنذر عنه في قوله { كأنهن بيض مكنون } قال ~~بياض البيضة ينزع عنها فوفها، وغشاؤها. ### || [37.50-74] # قوله { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } معطوف على ~~يطاف، أي يسأل هذا ذاك، وذاك هذا حال شربهم عن أحوالهم التي كانت في ~~الدنيا، وذلك من تمام نعيم الجنة، والتقدير فيقبل بعضهم على بعض، وإنما ~~عبر عنه بالماضي للدلالة على تحقق وقوعه { قال قائل منهم } أي ~~قال قائل من أهل الجنة في حال إقبال بعضهم على بعض بالحديث، وسؤال بعضهم ~~لبعض { إنى كان لى قرين } أي صاحب ملازم لي في الدنيا كافر ~~بالبعث منكر له كما يدل عليه قوله { أءنك لمن المصدقين } ~~يعني بالبعث، والجزاء، وهذا الاستفهام من القرين لتوبيخ ذلك المؤمن، ~~وتبكيته بإيمانه، وتصديقه بما وعد الله به من البعث، وكان هذا القول منه ~~في الدنيا. ثم ذكر ما يدل على الاستبعاد للبعث عنده، وفي زعمه، فقال { ~~أءذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا لمدينون } أي ~~مجزيون بأعمالنا، ومحاسبون بها بعد أن صرنا ترابا، وعظاما، وقيل معنى ~~مدينون مسوسون، يقال دانه إذا ساسه. قال سعيد بن جبير قرينه شريكه، وقيل ~~أراد بالقرين الشيطان الذي يقارنه، وأنه كان يوسوس إليه بإنكار البعث، ~~وقد مضى ذكر قصتهما في سورة الكهف، والاختلاف في اسميهما، قرأ الجمهور { ~~لمن المصدقين } بتخفيف الصاد من التصديق، أي لمن المصدقين بالبعث، وقرىء ~~بتشديدها، ولا أدري من قرأ بها، ومعناها بعيد لأنها من التصدق لا من ~~التصديق، ويمكن تأويلها بأنه أنكر عليه التصدق بماله لطلب الثواب، وعلل ~~ذلك باستبعاد البعث. وقد اختلف القراء في هذه الاستفهامات الثلاثة، فقرأ ~~نافع الأولى، والثانية بالاستفهام بهمزة، والثالثة بكسر الألف من غير ~~استفهام. ووافقه الكسائي إلا أنه يستفهم الثالثة بهمزتين، وابن عامر ~~الأولى، ms3244 والثالثة بهمزتين، والثانية بكسر الألف من غير استفهام، والباقون ~~بالاستفهام في جميعها. ثم اختلفوا، فابن كثير يستفهم بهمزة واحدة غير ~~مطولة، وبعده ساكنة خفيفة، وأبو عمرو مطولة، وعاصم، وحمزة بهمزتين. { ~~قال هل أنتم مطلعون } القائل هو المؤمن الذي في الجنة بعد ~~ما حكى لجلسائه فيها ما قاله له قرينه في الدنيا، أي هل أنتم مطلعون إلى ~~أهل النار؟ لأريكم ذلك القرين الذي قال لي تلك المقالة كيف منزلته في ~~النار؟ قال ابن الأعرابي والاستفهام هو بمعنى الأمر أي اطلعوا، وقيل ~~القائل هو الله سبحانه، وقيل الملائكة، والأول أولى { فاطلع ~~فرءاه فى سواء الجحيم } أي فاطلع على النار ذلك المؤمن الذي ~~صار يحدث أصحابه في الجنة بما قال له قرينه في الدنيا، فرأى قرينه في وسط ~~الجحيم. قال الزجاج سواء كل شيء وسطه. قرأ الجمهور { مطلعون } بتشديد ~~الطاء مفتوحة، وبفتح النون، فاطلع ماضيا مبنيا للفاعل من الطلوع. # وقرأ ابن عباس، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو " مطلعون " بسكون الطاء، ~~وفتح النون " فأطلع " بقطع الهمزة مضمومة، وكسر اللام ماضيا مبنيا ~~للمفعول. قال النحاس فأطلع فيه قولان على هذه القراءة أحدهما أن يكون ~~فعلا مستقبلا، أي فأطلع أنا، ويكون منصوبا على أنه جواب الاستفهام. ~~والقول الثاني أن يكون فعلا ماضيا، وقرأ حماد بن أبي عمار " مطلعون " ~~بتخفيف الطاء، وكسر النون، فاطلع مبنيا للمفعول، وأنكر هذه القراءة أبو ~~حاتم، وغيره. قال النحاس هي لحن، لأنه لا يجوز الجمع بين النون، ~~والإضافة، ولو كان مضافا لقال هل أنتم مطلعي، وإن كان سيبويه، والفراء ~~قد حكيا مثله، وأنشدا # هم القائلون الخير والآمرونه إذا ما خشوا من محدث الدهر معظما # ولكنه شاذ خارج عن كلام العرب { قال تالله إن كدت لتردين ~~} أي قال ذلك الذي من أهل الجنة لما اطلع على قرينه، ورآه في النار { ~~تالله إن كدت لتردين } أي لتهلكني بالإغواء. قال الكسائي لتردين لتهلكني، ~~والردي الهلاك. قال المبرد لو قيل لتردين لتوقعني في النار لكان جائزا. ~~قال مقاتل المعنى والله لقد كدت أن تغويني، فأنزل ms3245 منزلتك، والمعنى ~~متقارب، فمن أغوى إنسانا، فقد أهلكه { ولولا نعمة ربى لكنت ~~من المحضرين } أي لولا رحمة ربي، وإنعامه علي بالإسلام، وهدايتي ~~إلى الحق، وعصمتي عن الضلال لكنت من المحضرين معك في النار. قال الفراء ~~أي لكنت معك في النار محضرا. قال الماوردي وأحضر لا يستعمل إلا في ~~الشر. ولما تمم كلامه مع ذلك القرين، الذي هو في النار عاد إلى مخاطبة ~~جلسائه من أهل الجنة، فقال { أفما نحن بميتين } ، والهمزة ~~للاستفهام التقريري، وفيها معنى التعجيب، والفاء للعطف على محذوف كما في ~~نظائره، أي أنحن مخلدون منعمون، فما نحن بميتين { إلا موتتنا ~~الأولى } التي كانت في الدنيا، وقوله هذا كان على طريقة الابتهاج، ~~والسرور بما أنعم الله عليهم من نعيم الجنة الذي لا ينقطع، وأنهم مخلدون ~~لا يموتون أبدا، وقوله { وما نحن بمعذبين } هو من تمام ~~كلامه، أي وما نحن بمعذبين كما يعذب الكفار. ثم قال مشيرا إلى ما هم فيه ~~من النعيم { إن هذا لهو الفوز العظيم } أي إن هذا ~~الأمر العظيم، والنعيم المقيم، والخلود الدائم الذي نحن فيه لهو الفوز ~~العظيم الذي لا يقادر قدره، ولا يمكن الإحاطة بوصفه، وقوله { لمثل ~~هذا فليعمل العملون } من تمام كلامه، أي لمثل هذا ~~العطاء، والفضل العظيم، فليعمل العاملون، فإن هذه هي التجارة الرابحة، لا ~~العمل للدنيا الزائلة، فإنها صفقة خاسرة نعيمها منقطع، وخيرها زائل، ~~وصاحبها عن قريب منها راحل. وقيل إن هذا من قول الله سبحانه، وقيل من قول ~~الملائكة، والأول أولى. # قرأ الجمهور { بميتين } ، وقرأ زيد بن علي " بمايتين " ، وانتصاب { إلا ~~موتتنا } على المصدرية، والاستثناء مفرغ، ويجوز أن يكون الاستثناء ~~منقطعا. أي لكن الموتة الأولى التي كانت في الدنيا { أذلك خير ~~نزلا أم شجرة الزقوم } الإشارة بقوله ذلك إلى ما ذكره من ~~نعيم الجنة، وهو مبتدأ، وخبره { خير } ، و { نزلا } تمييز، والنزل في ~~اللغة الرزق الذي يصلح أن ينزلوا معه، ويقيموا فيه، والخيرية بالنسبة إلى ~~ما اختاره الكفار على غيره. قال الزجاج المعنى أذلك خير في باب الإنزال ~~التي يبقون ms3246 بها نزلا، أم نزل أهل النار، وهو قوله { أم شجرة ~~الزقوم } ، وهو ما يكره تناوله. قال الواحدي وهو شيء مر كريه يكره ~~أهل النار على تناوله، فهم يتزقمونه، وهي على هذا مشتقة من التزقم، وهو ~~البلع على جهد لكراهتها، ونتنها. واختلف فيها هل هي من شجر الدنيا التي ~~يعرفها العرب أم لا؟ على قولين أحدهما أنها معروفة من شجر الدنيا، فقال ~~قطرب إنها شجرة مرة تكون بتهامة من أخبث الشجر. وقال غيره بل هو كل ~~نبات قاتل. القول الثاني أنها غير معروفة في شجر الدنيا. قال قتادة لما ~~ذكر الله هذه الشجرة افتتن بها الظلمة، فقالوا كيف تكون في النار شجرة. ~~فأنزل الله تعالى { إنا جعلنها فتنة للظلمين } قال ~~الزجاج حين افتتنوا بها، وكذبوا بوجودها. وقيل معنى جعلها فتنة لهم أنها ~~محنة لهم لكونهم يعذبون بها، والمراد بالظالمين هنا الكفار، أو أهل ~~المعاصي الموجبة للنار. ثم بين سبحانه أوصاف هذه الشجرة ردا على ~~منكريها، فقال { إنها شجرة تخرج فى أصل الجحيم } أي ~~في قعرها، قال الحسن أصلها في قعر جهنم، وأغصانها ترفع إلى دركاتها، ثم ~~قال { طلعها كأنه رءوس الشيطين } أي ثمرها، وما تحمله ~~كأنه في تناهي قبحه، وشناعة منظره رؤوس الشياطين، فشبه المحسوس بالمتخيل، ~~وإن كان غير مرئي، للدلالة على أنه غاية في القبح كما تقول في تشبيه من ~~يستقبحونه كأنه شيطان، وفي تشبيه من يستحسنونه كأنه ملك، كما في قوله # ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم # يوسف 31، ومنه قول امرىء القيس # أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال # وقال الزجاج، والفراء الشياطين حيات لها رءوس، وأعراف، وهي من أقبح ~~الحيات، وأخبثها، وأخفها جسما. وقيل إن رؤوس الشياطين اسم لنبت قبيح ~~معروف باليمن يقال له الأستن، ويقال له الشيطان. قال النحاس وليس ذلك ~~معروفا عند العرب. وقيل هو شجر خشن منتن مر منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس ~~الشياطين. { فإنهم لآكلون منها } أي من الشجرة، أو من طلعها، ~~والتأنيث لاكتساب الطلع التأنيث من إضافته إلى الشجرة { فمالئون ~~منها ms3247 البطون } وذلك أنهم يكرهون على أكلها حتى تمتلىء بطونهم، ~~فهذا طعامهم، وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة { ثم إن لهم عليها ~~} بعد الأكل منها { لشوبا من حميم } الشوب الخلط. # قال الفراء يقال شاب طعامه، وشرابه إذا خلطهما بشيء يشوبهما شوبا ~~وشيابة، والحميم الماء الحار. فأخبر سبحانه أنه يشاب لهم طعامهم من تلك ~~الشجرة بالماء الحار، ليكون أفظع لعذابهم، وأشنع لحالهم كما في قوله # وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم # محمد 15 قرأ الجمهور { شوبا } بفتح الشين، وهو مصدر، وقرأ شيبان النحوي ~~بالضم. قال الزجاج المفتوح مصدر، والمضموم اسم بمعنى المشوب، كالنقص ~~بمعنى المنقوص. { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } أي ~~مرجعهم بعد شرب الحميم، وأكل الزقوم إلى الجحيم، وذلك أنهم يوردون الحميم ~~لشربه، وهو خارج الجحيم كما تورد الإبل، ثم يردون إلى الجحيم كما في ~~قوله سبحانه # يطوفون بينها وبين حميم ءان # الرحمن 44. وقيل إن الزقوم، والحميم نزل يقدم إليهم قبل دخولها. قال ~~أبو عبيدة ثم بمعنى الواو، وقرأ ابن مسعود " ثم إن منقلبهم لإلى الجحيم " ~~، وجملة { إنهم ألفوا } أي وجدوا { آباءهم ضالين } تعليل ~~لاستحقاقهم ما تقدم ذكره، أي صادفوهم كذلك، فاقتدوا بهم تقليدا، وضلالة ~~لا لحجة أصلا { فهم على ءاثارهم يهرعون } الإهراع ~~الإسراع. قال الفراء الإهراع الإسراع برعدة. وقال أبو عبيدة { يهرعون } ~~يستحثون من خلفهم، يقال جاء فلان يهرع إلى النار إذا استحثه البرد إليها. ~~وقال المفضل يزعجون من شدة الإسراع. قال الزجاج هرع، وأهرع إذا استحث، ~~وانزعج، والمعنى يتبعون آباءهم في سرعة كأنهم يزعجون إلى اتباع آبائهم { ~~ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين } أي ضل قبل هؤلاء ~~المذكورين أكثر الأولين من الأمم الماضية { ولقد أرسلنا ~~فيهم منذرين } أي أرسلنا في هؤلاء الأولين رسلا أنذروهم ~~العذاب، وبينوا لهم الحق، فلم ينجع ذلك فيهم { فانظر كيف كان ~~عاقبة المنذرين } أي الذين أنذرتهم الرسل، فإنهم صاروا إلى ~~النار. قال مقاتل يقول كان عاقبتهم العذاب، يحذر كفار مكة، ثم استثنى ~~عباده المؤمنين، فقال { إلا عباد الله المخلصين } أي إلا ~~من أخلصهم الله بتوفيقهم إلى الإيمان، والتوحيد، ms3248 وقرىء " المخلصين " بكسر ~~اللام، أي الذين أخلصوا لله طاعاتهم، ولم يشوبوها بشيء مما يغيرها. وقد ~~أخرج ابن أبي شيبة، وهناد، وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله { ~~فاطلع فرءاه فى سواء الجحيم } قال اطلع، ثم التفت إلى ~~أصحابه، فقال لقد رأيت جماجم القوم تغلي. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ~~قال قول الله لأهل الجنة # كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون # الطور 19 قال { هنيئا } أي لا تموتون فيها، فعند ذلك قالوا { أفما ~~نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى وما نحن ~~بمعذبين * إن هذا لهو الفوز العظيم } قال هذا ~~قول الله { لمثل هذا فليعمل العملون }. وأخرج ابن ~~مردويه عن البراء بن عازب قال «كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يده في يدي، فرأى جنازة فأسرع المشي حتى أتى القبر، ثم جثى على ركبتيه، ~~فجعل يبكي حتى بل الثرى، ثم قال { لمثل هذا فليعمل ~~العملون }. # وأخرج ابن مردويه عن أنس قال دخلت مع النبي صلى الله عليه وسلم على مريض ~~يجود بنفسه، فقال { لمثل هذا فليعمل العملون }. ~~وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال مر أبو جهل برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وهو جالس، فلما بعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى # القيامة 34، 35، فلما سمع أبو جهل قال من توعد يا محمد؟ قال # " إياك " # قال بما توعدني؟ قال # " أوعدك بالعزيز الكريم " # فقال أبو جهل أليس أنا العزيز الكريم؟ فأنزل الله # شجرة الزقوم *طعام الأثيم # إلى قوله # ذق إنك أنت العزيز الكريم # الدخان 43-49 فلما بلغ أبا جهل ما نزل فيه جمع أصحابه، فأخرج إليهم ~~زبدا، وتمرا، فقال تزقموا من هذا، فوالله ما يتوعدكم محمد إلا بهذا، ~~فأنزل الله { إنها شجرة تخرج فى أصل الجحيم } إلى ~~قوله { ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم }. وأخرج ~~ابن أبي شيبة عنه قال لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت إلى الأرض لأفسدت ~~على الناس معايشهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضا ms3249 { ثم إن ~~لهم عليها لشوبا } قال لمزجا. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا ~~قال في قوله { لشوبا من حميم } يخالط طعامهم، ويشاب بالحميم. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال لا ينتصف النهار يوم ~~القيامة حتى يقيل هؤلاء، ويقيل هؤلاء أهل الجنة، وأهل النار، وقرأ " ثم ~~إن منقلبهم لإلى الجحيم ". وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس في قوله { إنهم ألفوا ءاباءهم ضالين } قال ~~وجدوا آباءهم. ### || [37.75-113] # لما ذكر سبحانه أنه أرسل في الأمم الماضية منذرين ذكر تفصيل بعض ما ~~أجمله، فقال { ولقد نادانا نوح } واللام هي الموطئة للقسم، وكذا ~~اللام في قوله { فلنعم المجيبون } أي نحن، والمراد أن نوحا ~~دعا ربه على قومه لما عصوه، فأجاب الله دعاءه، وأهلك قومه بالطوفان. ~~فالنداء هنا هو نداء الدعاء لله، والاستغاثة به، كقوله # رب لا تذر على الأرض من الكفرين ديارا # نوح 26، وقوله # أنى مغلوب فانتصر # القمر 10 قال الكسائي أي فلنعم المجيبون له كنا { فنجيناه ~~وأهله من الكرب العظيم } المراد بأهله أهل دينه، وهم من ~~آمن معه، وكانوا ثمانين، والكرب العظيم هو الغرق، وقيل تكذيب قومه له، ~~وما يصدر منهم إليه من أنواع الأذايا { وجعلنا ذريته هم ~~البقين } وحدهم دون غيرهم كما يشعر به ضمير الفصل، وذلك لأن الله ~~أهلك الكفرة بدعائه، ولم يبق منهم باقية، ومن كان معه في السفينة من ~~المؤمنين ماتوا كما قيل، ولم يبق إلا أولاده. قال سعيد بن المسيب كان ولد ~~نوح ثلاثة، والناس كلهم من ولد نوح، فسام أبو العرب، وفارس، والروم، ~~واليهود، والنصارى. وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب السند. ~~والهند، والنوب، والزنج، والحبشة، والقبط، والبربر وغيرهم. ويافث أبو ~~الصقالب، والترك، والخزر، ويأجوج، ومأجوج وغيرهم. وقيل إنه كان لمن مع ~~نوح ذرية كما يدل عليه قوله # ذرية من حملنا مع نوح # الإسراء 3، وقوله # قيل ينوح اهبط بسلم منا وبركت عليك وعلى ~~أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا ~~عذاب أليم # هود 48، فيكون على هذا معنى { وجعلنا ms3250 ذريته هم ~~البقين } ، وذريته وذرية من معه دون ذرية من كفر، فإن الله ~~أغرقهم، فلم يبق لهم ذرية. { وتركنا عليه فى الآخرين } ~~يعني في الذين يأتون بعده إلى يوم القيامة من الأمم، والمتروك هذا هو ~~قوله { سلم على نوح } أي تركنا هذا الكلام بعينه، وارتفاعه على ~~الحكاية، والسلام هو الثناء الحسن، أي يثنون عليه ثناء حسنا، ويدعون ~~له، ويترحمون عليه. قال الزجاج تركنا عليه الذكر الجميل إلى يوم القيامة، ~~وذلك الذكر هو قوله { سلم على نوح }. قال الكسائي في ارتفاع { ~~سلام } ، وجهان أحدهما وتركنا عليه في الآخرين يقال سلام على نوح. والوجه ~~الثاني أن يكون المعنى وأبقينا عليه، وتم الكلام، ثم ابتدأ، فقال سلام ~~على نوح، أي سلامة له من أن يذكر بسوء في الآخرين. قال المبرد أي تركنا ~~عليه هذه الكلمة باقية، يعني يسلمون عليه تسليما، ويدعون له، وهو من ~~الكلام المحكي كقوله # سورة أنزلنها # النور 1، وقيل إنه ضمن تركنا معنى قلنا. قال الكوفيون جملة { سلام على ~~نوح في العالمين } في محل نصب مفعول { تركنا } ، لأنه ضمن معنى قلنا. # قال الكسائي وفي قراءة ابن مسعود " سلاما " منصوب بتركنا، أي تركنا ~~عليه ثناء حسنا، وقيل المراد بالآخرين أمة محمد صلى الله عليه وسلم. و ~~{ في العالمين } متعلق بما تعلق به الجار والمجرور الواقع خبرا، وهو على ~~نوح، أي سلام ثابت، أو مستمر، أو مستقر على نوح في العالمين من ~~الملائكة، والجن، والإنس، وهذا يدل على عدم اختصاص ذلك بأمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم كما قيل { إنا كذلك نجزى المحسنين } هذه ~~الجملة تعليل لما قبلها من التكرمة لنوح بإجابة دعائه، وبقاء الثناء من ~~الله عليه، وبقاء ذريته، أي إنا كذلك نجزي من كان محسنا في أقواله، ~~وأفعاله راسخا في الإحسان معروفا به، والكاف في { كذلك } نعت مصدر ~~محذوف، أي جزاء كذلك الجزاء { إنه من عبادنا المؤمنين } ~~هذا بيان لكونه من المحسنين، وتعليل له بأنه كان عبدا مؤمنا مخلصا لله ~~{ ثم أغرقنا الآخرين } أي الكفرة الذين لم يؤمنوا بالله، ولا ~~صدقوا ms3251 نوحا. ثم ذكر سبحانه قصة إبراهيم، وبين أنه ممن شايع نوحا، ~~فقال { وإن من شيعته لإبرهيم } أي من أهل دينه، وممن ~~شايعه، ووافقه على الدعاء إلى الله، وإلى توحيده، والإيمان به. قال مجاهد ~~أي على منهاجه، وسنته. قال الأصمعي الشيعة الأعوان، وهو مأخوذ من ~~الشياع، وهو الحطب الصغار الذي يوقد مع الكبار حتى يستوقد، وقال الفراء ~~المعنى وإن من شيعة محمد لإبراهيم، فالهاء في شيعته على هذا لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، وكذا قال الكلبي. ولا يخفى ما في هذا من الضعف، ~~والمخالفة للسياق. والظرف في قوله { إذ جاء ربه بقلب سليم ~~} منصوب بفعل محذوف، أي اذكر، بما في الشيعة من معنى المتابعة. قال أبو ~~حيان لا يجوز لأن فيه الفصل بين العامل، والمعمول بأجنبي، وهو إبراهيم، ~~والأولى أن يقال إن لام الابتدء تمنع ما بعدها من العمل فيما قبلها، ~~والقلب السليم المخلص من الشرك، والشك. وقيل هو الناصح لله في خلقه، وقيل ~~الذي يعلم أن الله حق، وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في القبور. ~~ومعنى مجيئه إلى ربه يحتمل وجهين أحدهما عند دعائه إلى توحيده، وطاعته. ~~الثاني عند إلقائه في النار. وقوله { إذ قال لابيه وقومه ~~ماذا تعبدون } بدل من الجملة الأولى، أو ظرف لسليم، أو ظرف لجاء، ~~والمعنى وقت قال لأبيه آزر، وقومه من الكفار أي شيء تعبدون { أإفكا ~~ءالهة دون الله تريدون فما } انتصاب " إفكا " على أنه ~~مفعول لأجله، وانتصاب { آلهة } على أنه مفعول { تريدون } ، والتقدير ~~أتريدون آلهة من دون الله للإفك، و { دون } ظرف ل { تريدون } ، وتقديم ~~هذه المعمولات للفعل عليه للاهتمام. وقيل انتصاب " إفكا " على أنه مفعول ~~به ل { تريدون } ، و { آلهة } بدل منه، جعلها نفس الإفك مبالغة، وهذا ~~أولى من الوجه الأول. # وقيل انتصابه على الحال من فاعل { تريدون } أي أتريدون آلهة آفكين، أو ~~ذوي إفك. قال المبرد الإفك أسوأ الكذب، وهو الذي لا يثبت ويضطرب، ومنه ~~ائتفكت بهم الأرض { فما ظنكم برب العلمين } أي ما ظنكم ~~به إذا لقيتموه، وقد عبدتم ms3252 غيره، وما ترونه يصنع بكم؟ وهو تحذير مثل قوله # ما غرك بربك الكريم # الانفطار 6 وقيل المعنى أي شيء توهمتموه بالله حتى أشركتم به غيره؟ { ~~فنظر نظرة فى النجوم * فقال إنى سقيم } قال الواحدي ~~قال المفسرون كانوا يتعاطون علم النجوم، فعاملهم بذلك لئلا ينكروا عليه، ~~وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم لتلزمهم الحجة في أنها غير معبودة، ~~وكان لهم من الغد يوم عيد يخرجون إليه، وأراد أن يتخلف عنهم، فاعتل ~~بالسقم وذلك أنهم كلفوه أن يخرج معهم إلى عيدهم، فنظر إلى النجوم يريهم ~~أنه مستدل بها على حاله، فلما نظر إليها قال إني سقيم، أي سأسقم. وقال ~~الحسن إنهم لما كلفوه أن يخرج معهم تفكر فيما يعمل، فالمعنى على هذا أنه ~~نظر فيما نجم له من الرأي، أي فيما طلع له منه، فعلم أن كل شيء يسقم { ~~فقال إنى سقيم }. قال الخليل، والمبرد يقال للرجل إذا فكر في ~~الشيء يدبره نظر في النجوم. وقيل كانت الساعة التي دعوه إلى الخروج معهم ~~فيها ساعة تعتاده فيها الحمى. وقال الضحاك معنى { إني سقيم } سأسقم سقم ~~الموت، لأن من كتب عليه الموت يسقم في الغالب، ثم يموت، وهذا تورية، ~~وتعريض كما قال للملك لما سأله عن سارة هي أختي يعني أخوة الدين. وقال ~~سعيد بن جبير أشار لهم إلى مرض يسقم، ويعدي، وهو الطاعون، وكانوا يهربون ~~من ذلك، ولهذا قال { فتولوا عنه مدبرين } أي تركوه، ~~وذهبوا مخافة العدوى { فراغ إلى ءالهتهم } يقال راغ يروغ ~~روغا، وروغانا إذا مال، ومنه طريق رائغ، أي مائل. ومنه قول الشاعر # فيريك من طرف اللسان حلاوة ويروغ عنك كما يروغ الثعلب # وقال السدي ذهب إليهم، وقال أبو مالك جاء إليهم، وقال الكلبي أقبل ~~عليهم، والمعنى متقارب { فقال ألا تأكلون } أي فقال إبراهيم ~~للأصنام التي راغ إليها استهزاء، وسخرية ألا تأكلون من الطعام الذي كانوا ~~يصنعونه لها، وخاطبها كما يخاطب من يعقل لأنهم أنزلوها بتلك المنزلة. ~~وكذا قوله { ما لكم لا تنطقون } ، فإنه خاطبهم خطاب من يعقل، ~~والاستفهام ms3253 للتهكم بهم لأنه قد علم أنها جمادات لا تنطق. قيل إنهم تركوا ~~عند أصنامهم طعامهم للتبرك بها، وليأكلوه إذا رجعوا من عيدهم. وقيل تركوه ~~للسدنة، وقيل إن إبراهيم هو الذي قرب إليها الطعام مستهزئا بها. # { فراغ عليهم ضربا باليمين } أي فمال عليهم يضربهم ~~ضربا باليمين، فانتصابه على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف، أو هو مصدر لراغ، ~~لأنه بمعنى ضرب. قال الواحدي قال المفسرون يعني بيده اليمنى يضربهم بها. ~~وقال السدي بالقوة، والقدرة لأن اليمين أقوى اليدين. قال الفراء، وثعلب ~~ضربا بالقوة، واليمين القوة. وقال الضحاك، والربيع بن أنس المراد ~~باليمين اليمين التي حلفها حين قال # وتالله لأكيدن أصنمكم # الأنبياء 57 وقيل المراد باليمين هنا العدل كما في قوله # ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ~~باليمين # الحاقة 44، 45 أي بالعدل، واليمين كناية عن العدل كما أن الشمال كناية ~~عن الجور، وأول هذه الأقوال أولاها. { فأقبلوا إليه يزفون ~~} أي أقبل إليه عبدة تلك الأصنام يسرعون لما علموا بما صنعه بها، ويزفون ~~في محل نصب على الحال من فاعل أقبلوا. قرأ الجمهور { يزفون } بفتح الياء ~~من زف الظليم يزف إذا عدا بسرعة، وقرأ حمزة بضم الياء من أزف يزف، أي دخل ~~في الزفيف، أو يحملون غيرهم على الزفيف. قال الأصمعي أزففت الإبل، أي ~~حملتها على أن تزف. وقيل هما لغتان، يقال زف القوم، وأزفوا، وزفت العروس، ~~وأزففتها، حكي ذلك عن الخليل. قال النحاس زعم أبو حاتم أنه لا يعرف هذه ~~اللغة، يعني يزفون بضم الياء، وقد عرفها جماعة من العلماء منهم الفراء، ~~وشبهها بقولهم أطردت الرحل، أي صيرته إلى ذلك، وقال المبرد الزفيف ~~الإسراع. وقال الزجاج الزفيف أول عدو النعام. وقال قتادة، والسدي معنى ~~يزفون يمشون. وقال الضحاك يسعون. وقال يحيى بن سلام يرعدون غضبا. وقال ~~مجاهد يختالون، أي يمشون مشيء الخيلاء، وقيل يتسللون تسللا بين المشي، ~~والعدو، والأولى تفسير يزفون بيسرعون، وقرىء " يزفون " على البناء ~~للمفعول، وقرىء " يزفون " كيرمون. وحكى الثعلبي عن الحسن، ومجاهد، وابن ~~السميفع أنهم قرءوا " يرفون " بالراء المهملة، ms3254 وهي ركض بين المشي والعدو. ~~{ قال أتعبدون ما تنحتون } لما أنكروا على إبراهيم ما فعله ~~بالأصنام، ذكر لهم الدليل الدال على فساد عبادتها، فقال مبكتا لهم، ~~ومنكرا عليهم { أتعبدون ما تنحتون } أي أتعبدون أصناما ~~أنتم تنحتونها، والنحت النجر، والبري، نحته ينحته بالكسر نحتا، أي براه، ~~والنحاتة البراية، وجملة { والله خلقكم وما تعملون } في ~~محل نصب على الحال من فاعل تعبدون، و «ما» في { وما تعملون } ~~موصولة، أي وخلق الذي تصنعونه على العموم ويدخل فيها الأصنام التي ~~ينحتونها دخولا أوليا، ويكون معنى العمل هنا التصوير، والنحت، ونحوهما، ~~ويجوز أن تكون مصدرية، أي خلقكم، وخلق عملكم، ويجوز أن تكون استفهامية، ~~ومعنى الاستفهام التوبيخ، والتقريع، أي وأي شيء تعملون، ويجوز أن تكون ~~نافية، أي إن العمل في الحقيقة ليس لكم، فأنتم لا تعملون شيئا، وقد طول ~~صاحب الكشاف الكلام في رد قول من قال إنها مصدرية، ولكن بما لا طائل ~~تحته، وجعلها موصولة أولى بالمقام وأوفق بسياق الكلام. # وجملة { قالوا ابنوا له بنينا فألقوه فى الجحيم ~~} مستأنفة جواب سؤال مقدر كالجملة التي قبلها، قالوا هذه المقالة لما ~~عجزوا عن جواب ما أورده عليهم من الحجة الواضحة، فتشاوروا فيما بينهم أن ~~يبنوا له حائطا من حجارة، ويملؤوه حطبا ويضرموه، ثم يلقوه فيه، والجحيم ~~النار الشديدة الاتقاد قال الزجاج، وكل نار بعضها فوق بعض، فهي جحيم، ~~واللام في الجحيم عوض عن المضاف إليه، أي في جحيم ذلك البنيان، ثم لما ~~ألقوه فيها نجاه الله منها، وجعلها عليه بردا وسلاما، وهو معنى قوله { ~~فأرادوا به كيدا فجعلنهم الأسفلين } الكيد ~~المكر، والحيلة، أي احتالوا لإهلاكه، فجعلناهم الأسفلين المقهورين ~~المغلوبين لأنها قامت له بذلك عليهم الحجة التي لا يقدرون على دفعها، ولا ~~يمكنهم جحدها، فإن النار الشديدة الاتقاد العظيمة الاضطرام المتراكمة ~~الجمار إذا صارت بعد إلقائه عليها بردا وسلاما، ولم تؤثر فيه أقل تأثير ~~كان ذلك من الحجة بمكان يفهمه كل من له عقل، وصار المنكر له سافلا ساقط ~~الحجة ظاهر التعصب واضح التعسف، وسبحان من يجعل المحن ms3255 لمن يدعو إلى دينه ~~منحا، ويسوق إليهم الخير بما هو من صور الضير. ولما انقضت هذه الوقعة ~~وأسفر الصبح لذي عينين، وظهرت حجة الله لإبراهيم، وقامت براهين نبوته، ~~وسطعت أنوار معجزته { وقال إنى ذاهب إلى ربى } أي مهاجر من ~~بلد قومي، الذين فعلوا ما فعلوا تعصبا للأصنام، وكفرا بالله، وتكذيبا ~~لرسله إلى حيث أمرني بالمهاجرة إليه، أو إلى حيث أتمكن من عبادته { ~~سيهدين } أي سيهديني إلى المكان الذي أمرني بالذهاب إليه، أو إلى ~~مقصدي. قيل إن الله سبحانه أمره بالمصير إلى الشام، وقد سبق بيان هذا في ~~سورة الكهف مستوفى، قال مقاتل فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه الولد، ~~فقال { رب هب لى من الصلحين } أي ولدا صالحا من الصالحين ~~يعينني على طاعتك، ويؤنسني في الغربة هكذا قال المفسرون، وعللوا ذلك بأن ~~الهبة قد غلب معناها في الولد، فتحمل عند الإطلاق عليه، وإذا وردت مقيدة ~~حملت على ما قيدت به كما في قوله # ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا # مريم 53، وعلى فرض أنها لم تغلب في طلب الولد، فقوله { فبشرنه ~~بغلم حليم } يدل على أنه ما أراد بقوله { رب هب لى من ~~الصلحين } إلا الولد، ومعنى حليم أن يكون حليما عند كبره، فكأنه ~~بشر ببقاء ذلك الغلام حتى يكبر، ويصير حليما، لأن الصغير لا يوصف ~~بالحلم. قال الزجاج هذه البشارة تدل على أنه مبشر بابن ذكر، وأنه يبقى ~~حتى ينتهي في السن، ويوصف بالحلم { فلما بلغ معه السعى } ~~في الكلام حذف كما تشعر به هذه الفاء الفصيحة، والتقدير فوهبنا له ~~الغلام، فنشأ حتى صار إلى السن التي يسعى فيها مع أبيه في أمور دنياه. # قال مجاهد { فلما بلغ معه السعى } أي شب، وأدرك سعيه سعي ~~إبراهيم. وقال مقاتل لما مشى معه. قال الفراء كان يومئذ ابن ثلاث عشرة ~~سنة. وقال الحسن هو سعي العقل الذي تقوم به الحجة. وقال ابن زيد هو السعي ~~في العبادة، وقيل هو الاحتلام { قال يابنى إنى أرى فى ~~المنام أنى أذبحك } قال إبراهيم لابنه ms3256 لما بلغ معه ذلك المبلغ ~~إني رأيت في المنام هذه الرؤيا. قال مقاتل رأى إبراهيم ذلك ثلاث ليال ~~متتابعات. قال قتادة رؤيا الأنبياء حق، إذا رأوا شيئا فعلوه. وقد اختلف ~~أهل العلم في الذبيح هل هو إسحاق، أو إسماعيل؟ قال القرطبي فقال أكثرهم ~~الذبيح إسحاق، وممن قال بذلك العباس بن عبد المطلب، وابنه عبد الله، وهو ~~الصحيح عن عبد الله بن مسعود، ورواه أيضا عن جابر، وعلي بن أبي طالب، ~~وعبد الله بن عمر، وعمر بن الخطاب، قال فهؤلاء سبعة من الصحابة. قال ومن ~~التابعين، وغيرهم علقمة، والشعبي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وكعب الأحبار، ~~وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقاسم بن أبي برزة، وعطاء، ومقاتل، وعبد ~~الرحمن بن سابط، والزهري، والسدي، وعبد الله بن أبي الهذيل، ومالك بن ~~أنس كلهم قالوا الذبيح إسحاق، وعليه أهل الكتابين اليهود، والنصارى، ~~واختاره غير واحد، منهم النحاس، وابن جرير الطبري، وغيرهما. قال وقال ~~آخرون هو إسماعيل، وممن قال بذلك أبو هريرة، وأبو الطفيل عامر ابن واثلة، ~~وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس أيضا، ومن التابعين سعيد بن المسيب، ~~والشعبي، ويوسف بن مهران، ومجاهد، والربيع بن أنس، ومحمد بن كعب القرظي، ~~والكلبي، وعلقمة، وعن الأصمعي قال سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، ~~فقال يا أصمعي أين عزب عنك عقلك، ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل ~~بمكة. قال ابن كثير في تفسيره وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح ~~هو إسحاق، وحكي ذلك عن طائفة من السلف حتى يقال عن بعض الصحابة، وليس في ~~ذلك كتاب، ولا سنة، وما أظن ذلك تلقي إلا عن أخبار أهل الكتاب، وأخذ ~~مسلما من غير حجة، وكتاب الله شاهد، ومرشد إلى أنه إسماعيل، فإنه ذكر ~~البشارة بالغلام الحليم، وذكر أنه الذبيح، وقال بعد ذلك { ~~وبشرنه بإسحق نبيا من الصلحين } ا ه. ~~واحتج القائلون بأنه إسحاق بأن الله عز وجل قد أخبرهم عن إبراهيم حين ~~فارق قومه، فهاجر إلى الشام مع امرأته سارة، وابن أخيه لوط، فقال { ~~إنى ms3257 ذاهب إلى ربى سيهدين } أنه دعا، فقال { رب هب لى ~~من الصلحين } ، فقال تعالى # فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا ~~له إسحق ويعقوب # مريم 49. ولأن الله قال { وفدينه بذبح عظيم } ، فذكر أنه ~~في الغلام الحليم الذي بشر به إبراهيم، وإنما بشر بإسحاق، لأنه قال { ~~وبشرنه بإسحق } ، وقال هنا { بغلم حليم } وذلك ~~قبل أن يعرف هاجر، وقبل أن يصير له إسماعيل، وليس في القرآن أنه بشر بولد ~~إلا إسحاق. قال الزجاج الله أعلم أيهما الذبيح ا ه. وما استدل به ~~الفريقان يمكن الجواب عنه، والمناقشة له. ومن جملة ما احتج به من قال ~~إنه إسماعيل بأن الله وصفه بالصبر دون إسحاق كما في قوله # وإسمعيل واليسع وذا الكفل كل من الصبرين # الأنبياء 85، وهو صبره على الذبح، ووصفه بصدق الوعد في قوله # إنه كان صدق الوعد # مريم 54 لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح، فوفى به، ولأن الله ~~سبحانه قال { وبشرنه بإسحق نبيا } فكيف يأمره بذبحه، ~~وقد وعده أن يكون نبيا، وأيضا فإن الله قال # فبشرنها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب # هود 71، فكيف يؤمر بذبح إسحاق قبل إنجاز الوعد في يعقوب، وأيضا ورد في ~~الأخبار تعليق قرن الكبش في الكعبة، فدل على أن الذبيح إسماعيل، ولو كان ~~إسحاق لكان الذبح واقعا ببيت المقدس، وكل هذا أيضا يحتمل المناقشة { ~~فانظر ماذا ترى } قرأ حمزة، والكسائي " ترى " بضم الفوقية، وكسر ~~الراء، والمفعولان محذوفان، أي انظر ماذا تريني إياه من صبرك، واحتمالك. ~~وقرأ الباقون من السبعة بفتح التاء، والراء من الرأي، وهو مضارع رأيت، ~~وقرأ الضحاك، والأعمش، " ترى " بضم التاء، وفتح الراء مبنيا للمفعول، أي ~~ماذا يخيل إليك، ويسنح لخاطرك. قال الفراء في بيان معنى القراءة الأولى ~~انظر ماذا ترى من صبرك، وجزعك. قال الزجاج لم يقل هذا أحد غيره. وإنما ~~قال العلماء ماذا تشير، أي ما تريك نفسك من الرأي، وقال أبو عبيد إنما ~~يكون هذا من رؤية العين خاصة، وكذا قال أبو حاتم، وغلطهما النحاس وقال ~~هذا يكون من ms3258 رؤية العين، وغيرها، ومعنى القراءة الثانية ظاهر واضح، وإنما ~~شاوره ليعلم صبره لأمر الله، وإلا فرؤيا الأنبياء وحي، وامتثالها لازم ~~لهم متحتم عليهم. { قال يأبت افعل ما تؤمر } أي ما تؤمر به ~~مما أوحي إليك من ذبحي، و " ما " موصولة، وقيل مصدرية على معنى افعل ~~أمرك، والمصدر مضاف إلى المفعول، وتسمية المأمور به أمرا، والأول أولى ~~{ ستجدنى إن شاء الله من الصبرين } على ما ابتلاني به ~~من الذبح، والتعليق بمشيئة الله سبحانه تبركا بها منه { فلما ~~أسلما } أي استسلما لأمر الله، وأطاعاه، وانقادا له. قرأ الجمهور " ~~أسلمنا " ، وقرأ علي، وابن مسعود، وابن عباس " فلما سلما " أي فوضا ~~أمرهما إلى الله، وروي عن ابن عباس أنه قرأ " استسلما " قال قتادة أسلم ~~أحدهما نفسه لله، وأسلم الآخر ابنه، يقال سلم لأمر الله، وأسلم، واستسلم ~~بمعنى واحد. # وقد اختلف في جواب " لما " ماذا هو؟ فقيل هو محذوف، وتقديره ظهر صبرهما، ~~أو أجزلنا لهما أجرهما، أو فديناه بكبش، هكذا قال البصريون. وقال ~~الكوفيون الجواب هو { ناديناه } ، والواو زائدة مقحمة، واعترض عليهم ~~النحاس بأن الواو من حروف المعاني، ولا يجوز أن تزاد، وقال الأخفش الجواب ~~{ وتله للجبين } ، والواو زائدة، وروي هذا أيضا عن الكوفيين، ~~واعتراض النحاس يرد عليه كما ورد على الأول { وتله للجبين } ~~التل الصرع والدفع، يقال تللت الرجل إذا ألقيته، والمراد أنه أضجعه على ~~جبينه على الأرض، والجبين أحد جانبي الجبهة، فللوجه جبينان، والجبهة ~~بينهما، وقيل كبه على وجهه كيلا يرى منه ما يؤثر الرقة لقلبه. واختلف في ~~الموضع الذي أراد ذبحه فيه، فقيل هو مكة في المقام. وقيل في المنحر بمنى ~~عند الجمار. وقيل على الصخرة التي بأصل جبل ثبير، وقيل بالشام. { ~~وندينه أن يإبرهيم قد صدقت الرؤيا } أي عزمت ~~على الإتيان بما رأيته. قال المفسرون لما أضجعه للذبح نودي من الجبل يا ~~إبراهيم قد صدقت الرؤيا، وجعله مصدقا بمجرد العزم، وإن لم يذبحه لأنه ~~قد أتى بما أمكنه، والمطلوب استسلامهما لأمر الله، وقد فعلا. قال القرطبي ~~قال أهل السنة إن نفس ms3259 الذبح لم يقع، ولو وقع لم يتصور رفعه، فكان هذا من ~~باب النسخ قبل الفعل لأنه لو حصل الفراغ من امتثال الأمر بالذبح ما تحقق ~~الفداء. قال ومعنى { صدقت الرؤيا } فعلت ما أمكنك ثم امتنعت لما ~~منعناك، هذا أصح ما قيل في هذا الباب. وقالت طائفة ليس هذا مما ينسخ بوجه ~~لأن معنى ذبحت الشيء قطعته، وقد كان إبراهيم يأخذ السكين، فيمر بها على ~~حلقه، فتنقلب كما قال مجاهد. وقال بعضهم كان كلما قطع جزءا التأم، وقالت ~~طائفة منهم السدي ضرب الله على عنقه صفيحة نحاس، فجعل إبراهيم يحز، ولا ~~يقطع شيئا. وقال بعضهم إن إبراهيم ما أمر بالذبح الحقيقي الذي هو فري ~~الأوداج، وإنهار الدم، وإنما رأى أنه أضجعه للذبح، فتوهم أنه أمر بالذبح ~~الحقيقي، فلما أتى بما أمر به من الإضجاع قيل له { قد صدقت ~~الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين } أي نجزيهم بالخلاص ~~من الشدائد، والسلامة من المحن، فالجملة كالتعليل لما قبلها. قال مقاتل ~~جزاه الله سبحانه بإحسانه في طاعته، العفو عن ذبح ابنه. { إن هذا ~~لهو البلاء المبين } البلاء، والابتلاء الاختبار، والمعنى إن ~~هذا هو الاختبار الظاهر حيث اختبره الله في طاعته بذبح ولده. وقيل المعنى ~~إن هذا لهو النعمة الظاهرة حيث سلم الله ولده من الذبح، وفداه بالكبش، ~~يقال أبلاه الله إبلاء وبلاء إذا أنعم عليه والأولى أولى، وإن كان ~~الابتلاء يستعمل في الاختبار بالخير، والشر، ومنه # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # الأنبياء 35، ولكن المناسب للمقام المعنى الأول. قال أبو زيد هذا في ~~البلاء الذي نزل به في أن يذبح ولده. قال وهذا من البلاء المكروه { ~~وفدينه بذبح عظيم } الذبح اسم المذبوح، وجمعه ذبوح كالطحن ~~اسم للمطحون، وبالفتح المصدر، ومعنى عظيم عظيم القدر، ولم يرد عظم الجثة، ~~وإنما عظم قدره لأنه فدى به الذبيح، أو لأنه متقبل. قال النحاس العظيم في ~~اللغة يكون للكبير، وللشريف، وأهل التفسير على أنه ها هنا للشريف، أي ~~المتقبل. قال الواحدي قال أكثر المفسرين أنزل عليه كبش قد رعى في الجنة ~~أربعين ms3260 خريفا. وقال الحسن ما فدي إلا بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير، ~~فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه. قال الزجاج قد قيل إنه فدي بوعل، والوعل ~~التيس الجبلي، ومعنى الآية جعلنا الذبح فداء له، وخلصناه به من الذبح { ~~وتركنا عليه فى الآخرين * سلم على إبرهيم } أي ~~في الأمم الآخرة التي تأتي بعده، والسلام الثناء الجميل. وقال عكرمة سلام ~~منا، وقيل سلامة من الآفات، والكلام في هذا كالكلام في قوله { سلم ~~على نوح فى العلمين } وقد تقدم في هذه السورة بيان معناه، ~~ووجه إعرابه. { كذلك نجزى المحسنين } أي مثل ذلك الجزاء ~~العظيم نجزي من انقاد لأمر الله. { إنه من عبادنا ~~المؤمنين } أي الذين أعطوا العبودية حقها، ورسخوا في الإيمان ~~بالله، وتوحيده { وبشرنه بإسحق نبيا من ~~الصلحين } أي بشرنا إبراهيم بولد يولد له، ويصير نبيا بعد أن ~~يبلغ السن التي يتأهل فيها لذلك، وانتصاب { نبيا } على الحال، وهي حال ~~مقدرة. قال الزجاج إن كان الذبيح إسحاق، فيظهر كونها مقدرة، والأولى أن ~~يقال إن من فسر الذبيح بإسحاق جعل البشارة. هنا خاصة بنبوته. وفي ذكر ~~الصلاح بعد النبوة تعظيم لشأنه، ولا حاجة إلى وجود المبشر به وقت ~~البشارة، فإن وجود ذي الحال ليس بشرط، وإنما الشرط المقارنة للفعل، و { ~~من الصلحين } كما يجوز أن يكون صفة لنبيا، يجوز أن يكون حالا ~~من الضمير المستتر فيه، فتكون أحوالا متداخلة { وبركنا عليه ~~وعلى إسحق } أي على إبراهيم، وعلى إسحاق بمرادفة نعم الله ~~عليهما. وقيل كثرنا ولدهما، وقيل إن الضمير في { عليه } يعود إلى ~~إسماعيل، وهو بعيد، وقيل المراد بالمباركة هنا هي الثناء الحسن عليهما ~~إلى يوم القيامة { ومن ذريتهما محسن وظلم لنفسه ~~مبين } أي محسن في عمله بالإيمان، والتوحيد، وظالم لها بالكفر، ~~والمعاصي لما ذكر سبحانه البركة في الذرية بين أن كون الذرية من هذا ~~العنصر الشريف، والمحتد المبارك ليس بنافع لهم، بل إنما ينتفعون بأعمالهم ~~لآبائهم، فإن اليهود، والنصارى، وإن كانوا من ولد إسحاق، فقد صاروا إلى ~~ما صاروا إليه من الضلال البين، والعرب، ms3261 وإن كانوا من ولد إسماعيل، فقد ~~ماتوا على الشرك إلا من أنقذه الله بالإسلام. # وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { وجعلنا ~~ذريته هم البقين } يقول لم يبق إلا ذرية نوح { وتركنا ~~عليه فى الآخرين } يقول يذكر بخير. وأخرج الترمذي وحسنه، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قوله { وجعلنا ذريته هم البقين } قال ~~حام، وسام، ويافث. وأخرج ابن سعد، وأحمد، والترمذي وحسنه، وأبو يعلى، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه عن سمرة أيضا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم " # والحديثان هما من سماع الحسن عن سمرة، وفي سماعه منه مقال معروف، وقد ~~قيل إنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة فقط، وما عداه فبواسطة. قال ابن ~~عبد البر وقد روي عن عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. ~~وأخرج البزار، وابن أبي حاتم، والخطيب في تالي التلخيص عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ولد نوح ثلاثة سام، وحام، ويافث، فولد سام العرب، وفارس، والروم، ~~والخير فيهم، وولد يافث يأجوج، ومأجوج، والترك، والصقالبة، ولا خير فيهم، ~~وولد حام القبط، والبربر، والسودان " # وهو من حديث إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب عنه. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~وإن من شيعته لإبرهيم } قال من أهل دينه. وأخرج عبد بن ~~حميد عنه في قوله { إنى سقيم } قال مريض. وأخرج ابن جرير عنه أيضا ~~قال مطعون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا في ~~قوله { فأقبلوا إليه يزفون } قال يخرجون. وأخرج ابن ~~المنذر عنه أيضا في قوله { وقال إنى ذاهب إلى ربى } قال ~~حين هاجر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا { ~~فلما بلغ معه السعى } قال العمل. وأخرج الطبراني ms3262 عنه أيضا ~~قال لما أراد إبراهيم أن يذبح إسحاق قال لأبيه إذا ذبحتني، فاعتزل لا ~~أضطرب، فينتضح عليك دمي، فشده، فلما أخذ الشفرة، وأراد أن يذبحه نودي من ~~خلفه { أن يإبرهيم قد صدقت الرؤيا } وأخرج أحمد عنه ~~أيضا مرفوعا مثله مع زيادة. وأخرجه عنه موقوفا. وأخرج ابن المنذر، ~~والحاكم وصححه من طريق مجاهد عنه أيضا في قوله { وإن من شيعته ~~لإبرهيم } قال من شيعة نوح على منهاجه، وسننه { فلما بلغ ~~معه السعى } قال شب حتى بلغ سعيه سعي أبيه في العمل { فلما ~~أسلما } سلما ما أمر به { وتله } وضع وجهه إلى الأرض. # فقال لا تذبحني، وأنت تنظر عسى أن ترحمني، فلا تجهز علي. وأن أجزع، ~~فأنكص، فأمتنع منك. ولكن اربط يدي إلى رقبتي، ثم ضع وجهي إلى الأرض، فلما ~~أدخل يده ليذبحه، فلم تصل المدية حتى نودي أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، ~~فأمسك يده، قوله { وفدينه بذبح عظيم } بكبش عظيم متقبل. ~~وزعم ابن عباس أن الذبيح إسماعيل. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " رؤيا الأنبياء وحي " # وأخرجه البخاري، وغيره من قول عبيد بن عمير، واستدل بهذه الآية. وأخرج ~~ابن جرير، والحاكم من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال المفدى ~~إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود. وأخرج الفريابي، وابن ~~أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق الشعبي، عن ابن ~~عباس قال الذبيح إسماعيل. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم من طريق مجاهد، ويوسف بن ماهك عن ابن عباس قال الذبيح إسماعيل. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير من طريق يوسف بن ماهك، وأبي الطفيل، عن ابن ~~عباس قال الذبيح إسماعيل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~والحاكم وصححه عن ابن عمر في قوله { وفدينه بذبح عظيم } ~~قال إسماعيل ذبح عنه إبراهيم الكبش. وأخرج عبد بن حميد من طريق الفرزدق ~~الشاعر قال رأيت أبا هريرة يخطب على منبر رسول الله ms3263 صلى الله عليه وسلم، ~~ويقول إن الذي أمر بذبحه إسماعيل. وأخرج البزار، وابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، والحاكم، وابن مردويه عن العباس بن عبد المطلب قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " قال نبي الله داود يا رب أسمع الناس يقولون رب إبراهيم، وإسحاق، ~~ويعقوب، فاجعلني رابعا، قال إن إبراهيم ألقي في النار، فصبر من أجلي، ~~وإن إسحاق جاد لي بنفسه، وإن يعقوب غاب عنه يوسف، وتلك بلية لم تنلك " # وفي إسناده الحسن بن دينار البصري، وهو متروك عن علي بن زيد بن جدعان، ~~وهو ضعيف. وأخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري مرفوعا نحوه. وأخرج ~~الدارقطني في الأفراد، والديلمي عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " الذبيح إسحاق " # وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن العباس بن عبد المطلب، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " الذبيح إسحاق " # وأخرج ابن مردويه، عن أبي هريرة مرفوعا مثله. وأخرج ابن مردويه عن ~~بهار، وكانت له صحبة، قال إسحاق ذبيح الله. # وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن مسعود قال سئل النبي صلى الله عليه ~~وسلم من أكرم الناس؟ قال # " يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله " # وأخرج عبد الرزاق، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال الذبيح إسحاق. وأخرج ~~عبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وابن مردويه عن العباس بن عبد المطلب قال الذبيح إسحاق. وأخرج عبد ~~بن حميد، وابن المنذر، والحاكم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ~~الذبيح إسحاق. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { وتله ~~للجبين } قال أكبه على وجهه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه ~~قال صرعه للذبح. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن علي بن ~~أبي طالب في قوله { وفدينه بذبح عظيم } قال كبش أعين أبيض ~~أقرن قد ربط بسمرة في أصل ثبير. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وفدينه ms3264 بذبح ~~عظيم } قال كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا. وأخرج عبد بن حميد عنه ~~قال فدي إسماعيل بكبشين أملحين أقرنين أعينين. وأخرج عبد الرزاق، وابن ~~جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس أن رجلا قال ~~نذرت لأنحر نفسي، فقال ابن عباس لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، ثم ~~تلا { وفدينه بذبح عظيم } ، فأمره بكبش، فذبحه. وأخرج ~~الطبراني من طريق أخرى عنه نحوه. وأخرج ابن جرير عنه أيضا في قوله { ~~وبشرنه بإسحق نبيا من الصلحين } قال إنما ~~بشر به نبيا حين فداه الله من الذبح، ولم تكن البشارة بالنبوة عند ~~مولده. وبما سقناه من الاختلاف في الذبيح هل هو إسحاق، أو إسماعيل؟ وما ~~استدل به المختلفون في ذلك تعلم أنه لم يكن في المقام ما يوجب القطع، أو ~~يتعين رجحانه تعينا ظاهرا، وقد رجح كل قول طائفة من المحققين المنصفين ~~كابن جرير، فإنه رجح أنه إسحاق، ولكنه لم يستدل على ذلك إلا ببعض مما ~~سقناه ها هنا، وكابن كثير فإنه رجح أنه إسماعيل، وجعل الأدلة على ذلك ~~أقوى، وأصح، وليس الأمر كما ذكره، فإنها إن لم تكن دون أدلة القائلين بأن ~~الذبيح إسحاق لم تكن فوقها، ولا أرجح منها، ولم يصح عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك شيء. وما روي عنه، فهو إما موضوع، أو ضعيف جدا. ~~ولم يبق إلا مجرد استنباطات من القرآن كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق، وهي ~~محتملة، ولا تقوم حجة بمحتمل، فالوقف هو الذي لا ينبغي مجاوزته، وفيه ~~السلامة من الترجيح، بلا مرجح، ومن الاستدلال بما هو محتمل. ### || [37.114-148] # لما فرغ سبحانه من ذكر إنجاء الذبيح من الذبح، وما من عليه بعد ذلك من ~~النبوة ذكر ما من به على موسى، وهارون، فقال { ولقد مننا ~~على موسى وهرون } يعني بالنبوة، وغيرها من النعم العظيمة ~~التي أنعم الله بها عليهما { ونجينهما وقومهما من ~~الكرب العظيم } المراد بقومهما هم المؤمنون من بني إسرائيل، ~~والمراد بالكرب العظيم هو ما كانوا فيه ms3265 من استعباد فرعون إياهم، وما كان ~~يصيبهم من جهته من البلاء، وقيل هو الغرق الذي أهلك فرعون، وقومه، ~~والأول أولى { ونصرنهم } جاء بضمير الجماعة. قال الفراء الضمير ~~لموسى، وهارون، وقومهما، لأن قبله، { نجيناهما، وقومهما } والمراد بالنصر ~~التأييد لهم على عدوهم { فكانوا } بسبب ذلك { هم الغلبين } ~~على عدوهم بعد أن كانوا تحت أسرهم، وقهرهم، وقيل الضمير في { نصرناهم } ~~عائد على الاثنين موسى، وهارون تعظيما لهما، والأول أولى { ~~وءاتينهما الكتب المستبين } المراد بالكتاب التوراة، ~~والمستبين البين الظاهر، يقال استبان كذا. أي صار بينا { ~~وهدينهما الصرط المستقيم } أي القيم لا اعوجاج فيه، ~~وهو دين الإسلام، فإنه الطريق الموصلة إلى المطلوب { وتركنا ~~عليهما فى الآخرين * سلم على موسى وهرون } أي ~~أبقينا عليهما في الأمم المتأخرة الثناء الجميل، وقد قدمنا الكلام في ~~السلام، وفي وجه إعرابه بالرفع، وكذلك تقدم تفسير { إنا كذلك ~~نجزى المحسنين * إنهما من عبادنا المؤمنين } ~~في هذه السورة. { وإن إلياس لمن المرسلين } قال ~~المفسرون هو نبي من أنبياء بني إسرائيل، وقصته مشهورة مع قومه، قيل وهو ~~إلياس بن يس من سبط هارون أخي موسى. قال ابن إسحاق، وغيره كان إلياس هو ~~القيم بأمر بني إسرائيل بعد يوشع، وقيل هو إدريس، والأول أولى. قرأ ~~الجمهور { إلياس } بهمزة مكسورة مقطوعة، وقرأ ابن ذكوان بوصلها، ورويت ~~هذه القراءة عن ابن عامر، وقرأ ابن مسعود، والأعمش، ويحيى بن وثاب " وإن ~~إدريس لمن المرسلين " ، وقرأ أبي " وإن إبليس " بهمزة مكسورة، ثم تحتية ~~ساكنة، ثم لام مكسورة، ثم تحتية ساكنة، ثم سين مهملة مفتوحة { إذ قال ~~لقومه ألا تتقون } هو ظرف لقوله { من المرسلين } ، أو متعلق ~~بمحذوف، أي اذكر يا محمد إذ قال، والمعنى ألا تتقون عذاب الله؟ ثم أنكر ~~عليهم بقوله { أتدعون بعلا } هو اسم لصنم كانوا يعبدونه، أي ~~أتعبدون صنما، وتطلبون الخير منه. قال ثعلب اختلف الناس في قوله سبحانه ~~{ بعلا } فقالت طائفة البعل هنا الصنم، وقالت طائفة البعل هنا ملك، ~~وقال ابن إسحاق امرأة كانوا يعبدونها. قال الواحدي والمفسرون يقولون ~~ربا، وهو بلغة اليمن، يقولون ms3266 للسيد، والرب البعل. # قال النحاس القولان صحيحان، أي أتدعون صنما عملتوه ربا؟ { وتذرون ~~أحسن الخلقين } أي وتتركون عبادة أحسن من يقال له خالق، ~~وانتصاب الاسم الشريف في قوله { الله ربكم ورب ءابائكم ~~الأولين } على أنه بدل من { أحسن } ، هذا على قراءة حمزة، والكسائي، ~~والربيع بن خثيم، وابن أبي إسحاق، ويحيى بن وثاب، والأعمش، فإنهم قرؤوا ~~بنصب الثلاثة الأسماء. وقيل النصب على المدح، وقيل على عطف البيان، وحكى ~~أبو عبيد أن النصب على النعت. قال النحاس وهو غلط، وإنما هو بدل، ولا ~~يجوز النعت. لأنه ليس بتحلية، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم. ~~وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وأبو جعفر، وشيبة، ونافع بالرفع. قال ~~أبو حاتم بمعنى هو الله ربكم. قال النحاس وأولى ما قيل إنه مبتدأ، وخبر ~~بغير إضمار، ولا حذف. وحكي عن الأخفش أن الرفع أولى وأحسن. قال ابن ~~الأنباري من رفع، أو نصب لم يقف على { أحسن الخالقين } على جهة التمام ~~لأن الله مترجم عن أحسن الخالقين على الوجهين جميعا، والمعنى أنه ~~خالقكم، وخالق من قبلكم، فهو الذي تحق له العبادة. { فكذبوه ~~فإنهم لمحضرون } أي فإنهم بسبب تكذيبه لمحضرون في العذاب، ~~وقد تقدم أن الإحضار المطلق، مخصوص بالشر { إلا عباد الله ~~المخلصين } أي من كان مؤمنا به من قومه، قرىء بكسر اللام، وفتحها ~~كما تقدم، والمعنى على قراءة الكسر أنهم أخلصوا لله وعلى قراءة الفتح أن ~~الله استخلصهم من عباده. وقد تقدم تفسير { وتركنا عليه فى ~~الآخرين سلم على إل ياسين } قرأ نافع، وابن عامر، ~~والأعرج، وشيبة على { آل ياسين } بإضافة آل بمعنى آل ياسين، وقرأ الباقون ~~بكسر الهمزة، وسكون اللام موصولة بياسين إلا الحسن، فإنه قرأ " الياسين " ~~بإدخال آلة التعريف على ياسين. قيل المراد على هذه القراءات كلها إلياس، ~~وعليه وقع التسليم، ولكنه اسم أعجمي، والعرب تضطرب في هذه الأسماء ~~الأعجمية، ويكثر تغييرهم لها. قال ابن جني العرب تتلاعب بالأسماء ~~الأعجمية تلاعبا فياسين، وإلياس، وإلياسين شيء واحد. قال الأخفش العرب ~~تسمي قوم الرجل باسم الرجل ms3267 الجليل منهم، فيقولون المهالبة، على أنهم سموا ~~كل رجل منهم بالمهلب. قال فعلى هذا إنه سمي كل رجل منهم بالياسين. قال ~~الفراء يذهب بالياسين إلى أن يجعله جمعا، فيجعل أصحابه داخلين معه في ~~اسمه. قال أبو علي الفارسي تقديره الياسيين، إلا أن الياءين للنسبة ~~حذفتا كما حذفتا في الأشعرين، والأعجمين. ورجح الفراء، وأبو عبيدة قراءة ~~الجمهور قالا لأنه لم يقل في شيء من السور على آل فلان، إنما جاء بالاسم ~~كذلك الياسين لأنه إنما هو بمعنى إلياس، أو بمعنى إلياس، وأتباعه. وقال ~~الكلبي المراد بآل ياسين آل محمد. قال الواحدي وهذا بعيد لأن ما بعده من ~~الكلام، وما قبله لا يدل عليه، وقد تقدم تفسير { إنا كذلك ~~نجزى المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين } ~~مستوفى. # { وإن لوطا لمن المرسلين } قد تقدم ذكر قصة لوط ~~مستوفاة { إذ نجينه وأهله أجمعين } الظرف متعلق ~~بمحذوف هو اذكر، ولا يصح تعلقه بالمرسلين، لأنه لم يرسل وقت تنجيته { ~~إلا عجوزا فى الغبرين } قد تقدم أن الغابر يكون بمعنى ~~الماضي، ويكون بمعنى الباقي، فالمعنى إلا عجوزا في الباقين في العذاب، ~~أو الماضين الذين قد هلكوا { ثم دمرنا الآخرين } أي أهلكناهم ~~بالعقوبة، والمعنى أن في نجاته، وأهله جميعا إلا العجوز، وتدمير الباقين ~~من قومه الذين لم يؤمنوا به دلالة بينة على ثبوت كونه من المرسلين { ~~وإنكم لتمرون عليهم مصبحين } خاطب بهذا العرب، ~~أو أهل مكة على الخصوص، أي تمرون على منازلهم التي فيها آثار العذاب وقت ~~الصباح { وباليل } ، والمعنى تمرون على منازلهم في ذهابكم إلى ~~الشام، ورجوعكم منه نهارا، وليلا { أفلا تعقلون } ما تشاهدونه ~~في ديارهم من آثار عقوبة الله النازلة بهم، فإن في ذلك عبرة للمعتبرين، ~~وموعظة للمتدبرين { وإن يونس لمن المرسلين } يونس هو ذو ~~النون، وهو ابن متى. قال المفسرون وكان يونس قد وعد قومه العذاب، فلما ~~تأخر عنهم العذاب خرج عنهم، وقصد البحر، وركب السفينة، فكان بذهابه إلى ~~البحر كالفار من مولاه، فوصف بالإباق، وهو معنى قوله { إذ أبق إلى ~~الفلك المشحون } وأصل الإباق الهرب ms3268 من السيد، لكن لما كان هربه ~~من قومه بغير إذن ربه وصف به. وقال المبرد تأويل أبق بباعد، أي ذهب إليه، ~~ومن ذلك قولهم عبد آبق. وقد اختلف أهل العلم هل كانت رسالته قبل التقام ~~الحوت إياه، أو بعده؟ ومعنى المشحون المملوء { فسهم فكان من ~~المدحضين } المساهمة أصلها المغالبة، وهي الاقتراع، وهو أن يخرج ~~السهم على من غلب. قال المبرد أي فقارع. قال وأصله من السهام التي تجال، ~~ومعنى { فكان من المدحضين } فصار من المغلوبين. قال يقال دحضت ~~حجته، وأدحضها الله، وأصله من الزلق عن مقام الظفر، ومنه قول الشاعر # قتلنا المدحضين بكل فج فقد قرت بقتلهم العيون # أي المغلوبين { فالتقمه الحوت وهو مليم } يقال لقمت ~~اللقمة، والتقمتها إذا ابتلعتها، أي فابتلعه الحوت، ومعنى { وهو ~~مليم } وهو مستحق للوم، يقال رجل مليم إذا أتى بما يلام عليه، وأما ~~الملوم، فهو الذي يلام سواء أتى بما يستحق أن يلام عليه أم لا، وقيل ~~المليم المعيب، يقال ألام الرجل إذا عمل شيئا صار به معيبا. ومعنى هذه ~~المساهمة أن يونس لما ركب السفينة احتبست. فقال الملاحون ها هنا عبد أبق ~~من سيده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري، فاقترعوا، فوقعت ~~القرعة على يونس، فقال أنا الآبق، وزج نفسه في الماء. # قال سعيد بن جبير لما استهموا جاء حوت إلى السفينة فاغرا فاه ينتظر أمر ~~ربه حتى إذا ألقى نفسه في الماء أخذه الحوت { فلولا أنه كان ~~من المسبحين } أي الذاكرين لله، أو المصلين له { للبث فى ~~بطنه إلى يوم يبعثون } أي لصار بطن الحوت له قبرا إلى ~~يوم البعث. وقيل للبث في بطنه حيا. واختلف المفسرون كم أقام في بطن ~~الحوت؟ فقال السدي، والكلبي، ومقاتل بن سليمان أربعين يوما. وقال الضحاك ~~عشرين يوما. وقال عطاء سبعة أيام. وقال مقاتل بن حيان ثلاثة أيام، وقيل ~~ساعة واحدة. وفي هذه الآية ترغيب في ذكر الله، وتنشيط للذاكرين له. { ~~فنبذنه بالعراء وهو سقيم } النبذ الطرح، والعراء. قال ~~ابن الأعرابي هو الصحراء، وقال ms3269 الأخفش الفضاء، وقال أبو عبيدة الواسع من ~~الأرض، وقال الفراء المكان الخالي. وروي عن أبي عبيدة أيضا أنه قال هو ~~وجه الأرض، وأنشد لرجل من خزاعة # ورفعت رجلا لا أخاف عثارها ونبذت بالبلد العراء ثيابي # والمعنى أن الله طرحه من بطن الحوت في الصحراء الواسعة التي لا نبات ~~فيها، وهو عند إلقائه سقيم لما ناله في بطن الحوت من الضرر، قيل صار بدنه ~~كبدن الطفل حين يولد. وقد استشكل بعض المفسرين الجمع بين ما وقع هنا من ~~قوله { فنبذنه بالعراء } ، وقوله في موضع آخر # لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء ~~وهو مذموم # القلم 49 فإن هذه الآية تدل على أنه لم ينبذ بالعراء. وأجاب النحاس، ~~وغيره بأن الله سبحانه أخبر ها هنا أنه نبذ بالعراء، وهو غير مذموم، ~~ولولا رحمته عز وجل لنبذ بالعراء، وهو مذموم. { وأنبتنا عليه ~~شجرة من يقطين } أي شجرة فوقه تظلل عليه، وقيل معنى { عليه } ~~عنده. وقيل معنى عليه له. واليقطين هي شجرة الدباء. وقال المبرد اليقطين ~~يقال لكل شجرة ليس لها ساق، بل تمتد على وجه الأرض نحو الدباء، والبطيخ، ~~والحنظل، فإن كان لها ساق يقلها، فيقال لها شجرة فقط، وهذا قول الحسن، ~~ومقاتل، وغيرهما. وقال سعيد بن جبير هو كل شيء ينبت، ثم يموت من عامه. ~~قال الجوهري اليقطين ما لا ساق له من شجر كشجر القرع، ونحوه. قال الزجاج ~~اشتقاق اليقطين من قطن بالمكان، أي أقام به، فهو يفعيل، وقيل هو اسم ~~أعجمي. قال المفسرون كان يستظل بظلها من الشمس، وقيض الله له أروية من ~~الوحش تروح عليه بكرة، وعشية، فكان يشرب من لبنها حتى اشتد لحمه، ونبت ~~شعره، ثم أرسله الله بعد ذلك. وهو معنى قوله { وأرسلنه إلى ~~مائة ألف أو يزيدون } هم قومه الذين هرب منهم إلى البحر، ~~وجرى له ما جرى بعد هربه، كما قصه الله علينا في هذه السورة، وهم أهل ~~نينوى. # قال قتادة أرسل إلى أهل نينوى من أرض الموصل. وقد مر الكلام على قصته في ms3270 ~~سورة يونس مستوفى، و «أو» في { أو يزيدون } قيل هي بمعنى الواو، والمعنى ~~ويزيدون. وقال الفراء أو ها هنا بمعنى بل، وهو قول مقاتل، والكلبي. وقال ~~المبرد، والزجاج، والأخفش أو هنا على أصله، والمعنى أو يزيدون في تقديركم ~~إذا رآهم الرائي قال هؤلاء مائة ألف، أو يزيدون، فالشك إنما دخل على ~~حكاية قول المخلوقين. قال مقاتل، والكلبي كانوا يزيدون عشرين ألفا. وقال ~~الحسن بضعا وثلاثين ألفا. وقال سعيد بن جبير سبعين ألفا. وقرأ جعفر بن ~~محمد، " ويزيدون " بدون ألف الشك. وقد وقع الخلاف بين المفسرين هل هذا ~~الإرسال المذكور هو الذي كان قبل التقام الحوت له، وتكون الواو في { ~~وأرسلناه } لمجرد الجمع بين ما وقع له مع الحوت، وبين إرساله إلى قومه، ~~من غير اعتبار تقديم ما تقدم في السياق، وتأخير ما تأخر، أو هو إرسال له ~~بعد ما وقع له مع الحوت ما وقع على قولين؟ وقد قدمنا الإشارة إلى ~~الاختلاف بين أهل العلم هل كان قد أرسل قبل أن يهرب من قومه إلى البحر، ~~أو لم يرسل إلا بعد ذلك؟ والراجح أنه كان رسولا قبل أن يذهب إلى البحر ~~كما يدل عليه ما قدمنا في سورة يونس، وبقي مستمرا على الرسالة، وهذا ~~الإرسال المذكور هنا هو بعد تقدم نبوته، ورسالته. { فئامنوا ~~فمتعنهم إلى حين } أي وقع منهم الإيمان بعد ما شاهدوا ~~أعلام نبوته، فمتعهم الله في الدنيا إلى حين انقضاء آجالهم، ومنتهى ~~أعمارهم. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وابن عساكر عن ابن مسعود قال إلياس هو إدريس. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير عن قتادة مثله. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال قال صلى الله عليه ~~وسلم # " الخضر هو إلياس " # وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل، وضعفه عن أنس قال «كنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزل منزلا، فإذا رجل في الوادي ~~يقول اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم المرحومة المغفور ~~المثاب لها، ms3271 فأشرفت على الوادي، فإذا طوله ثمانون ذراعا وأكثر، فقال من ~~أنت؟ فقلت أنس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أين هو؟ فقلت هو ~~ذا يسمع كلامك، قال فأته، وأقرئه مني السلام، وقل له أخوك إلياس يقرئك ~~السلام، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فجاء حتى عانقه، وقعدا ~~يتحدثان، فقال له يا رسول الله إني إنما آكل في كل سنة يوما، وهذا يوم ~~فطري، فآكل أنا وأنت، فنزلت عليهما المائدة من السماء خبز، وحوت، وكرفس، ~~فأكلا، وأطعماني، وصليا العصر، ثم ودعه، ثم رأيته مر على السحاب نحو ~~السماء». # قال الذهبي متعقبا لتصحيح الحاكم له بل موضوع قبح الله من وضعه. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عباس في قوله { أتدعون بعلا } قال ~~صنما. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عنه في قوله { ~~سلم على إل ياسين } قال نحن آل محمد آل ياسين. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال بعث الله يونس إلى أهل قريته، ~~فردوا عليه ما جاءهم به، فامتنعوا منه، فلما فعلوا ذلك أوحى الله إليهم ~~إني مرسل عليهم العذاب في يوم كذا، وكذا. فأخرج من بين أظهرهم، فأعلم ~~قومه الذي وعد الله من عذابه إياهم، فقالوا ارمقوه، فإن خرج من بين ~~أظهركم، فهو والله كائن ما وعدكم، فلما كانت الليلة التي وعدوا بالعذاب ~~في صبيحتها أدلج، فرآه القوم، فحذروا، فخرجوا من القرية إلى براز من ~~أرضهم، وفرقوا بين كل دابة، وولدها، ثم عجوا إلى الله، وأنابوا، ~~واستقالوا، فأقالهم الله، وانتظر يونس الخبر عن القرية، وأهلها حتى مر ~~به مار، فقال ما فعل أهل القرية؟ قال إن نبيهم لما خرج من بين أظهرهم ~~عرفوا أنه قد صدقهم ما وعدهم من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من ~~الأرض، ثم فرقوا بين كل ذات ولد وولدها، ثم عجوا إلى الله، وتابوا إليه، ~~فتقبل منهم، وأخر عنهم العذاب، فقال يونس عند ذلك لا أرجع إليهم كذابا ~~أبدا، ومضى على وجهه، وقد قدمنا ms3272 الكلام على قصته، وما روي فيها في سورة ~~يونس، فلا نكرره. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس في ~~قوله { فسهم } قال اقترع { فكان من المدحضين } قال ~~المقروعين. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله ~~{ وهو مليم } قال مسيء. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وأحمد في ~~الزهد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله ~~{ فلولا أنه كان من المسبحين } قال من المصلين. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا { فنبذنه ~~بالعراء } قال ألقيناه بالساحل. وأخرج هؤلاء عنه أيضا { شجرة ~~من يقطين } قال القرع. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر من طريق ~~سعيد بن جبير عنه أيضا قال اليقطين كل شيء يذهب على وجه الأرض. وأخرج ~~أحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه عنه أيضا قال إنما ~~كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت، ثم تلا { فنبذنه بالعراء ~~} إلى قوله { وأرسلنه إلى مائة ألف } وقد تقدم عنه ~~ما يدل على أن رسالته كانت من قبل ذلك، وليس في الآية ما يدل على ما ~~ذكره كما قدمنا. وأخرج الترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وابن مردويه عن أبي بن كعب قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~قول الله { وأرسلنه إلى مائة ألف أو يزيدون } ~~قال يزيدون عشرين ألفا. قال الترمذي غريب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال يزيدون ثلاثين ألفا. وروي عنه أنهم ~~يزيدون بضعة وثلاثين ألفا. وروي عنه أنهم يزيدون بضعة وأربعين ألفا، ~~ولا يتعلق بالخلاف في هذا كثير فائدة. ### || [37.149-182] # لما كانت قريش، وقبائل من العرب يزعمون أن الملائكة بنات الله أمر الله ~~سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم باستفتائهم على طريقة التقريع، ~~والتوبيخ، فقال { فاستفتهم } يا محمد، أي استخبرهم { ألربك ~~البنات ولهم البنون } أي كيف يجعلون لله، على تقدير صدق ما ~~زعموه من الكذب أدنى الجنسين، وأوضعهما، وهو الإناث، ولهم ms3273 أعلاهما، ~~وأرفعهما، وهم الذكور، وهل هذا إلا حيف في القسمة لضعف عقولهم، وسوء ~~إدراكهم؟ ومثله قوله # ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى # النجم 21، 22 ثم زاد في توبيخهم، وتقريعهم. فقال { أم خلقنا ~~الملئكة إنثا وهم شهدون } فأضرب عن الكلام الأول ~~إلى ما هو أشد منه في التبكيت، والتهكم بهم، أي كيف جعلوهم إناثا، وهم ~~لم يحضروا عند خلقنا لهم، وهذا كقوله # وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمن ~~إنثا أشهدوا خلقهم # الزخرف 19 فبين سبحانه أن مثل ذلك لا يعلم إلا بالمشاهدة، ولم يشهدوا، ~~ولا دل دليل على قولهم من السمع، ولا هو مما يدرك بالعقل حتى ينسبوا ~~إدراكه إلى عقولهم. ثم أخبر سبحانه عن كذبهم، فقال { ألا إنهم ~~من إفكهم ليقولون * ولد الله وإنهم ~~لكذبون } فبين سبحانه أن قولهم هذا هو من الإفك، والافتراء من ~~دون دليل، ولا شبهة دليل، فإنه لم يلد، ولم يولد. قرأ الجمهور { ولد الله ~~} فعلا ماضيا مسندا إلى الله. وقرىء بإضافة ولد إلى الله على أنه خبر ~~مبتدأ محذوف، أي يقولون الملائكة ولد الله، والولد بمعنى مفعول يستوي فيه ~~المفرد، والمثنى، والمجموع، والمذكر، والمؤنث. ثم كرر سبحانه تقريعهم، ~~وتوبيخهم، فقال { أصطفى البنات على البنين } قرأ الجمهور ~~بفتح الهمزة على أنها للاستفهام الإنكاري، وقد حذف معها همزة الوصل ~~استغناء به عنها. وقرأ نافع في رواية عنه، وأبو جعفر، وشيبة، والأعمش ~~بهمزة وصل تثبت ابتداء، وتسقط درجا، ويكون الاستفهام منويا قاله ~~الفراء. وحذف حرفه للعلم به من المقام، أو على أن اصطفى، وما بعده بدل من ~~الجملة المحكية بالقول. وعلى تقدير عدم الاستفهام، والبدل. فقد حكى جماعة ~~من المحققين منهم الفراء أن التوبيخ يكون باستفهام، وبغير استفهام كما في ~~قوله # أذهبتم طيبتكم فى حيتكم الدنيا # الأحقاف 20، وقيل هو على إضمار القول { ما لكم كيف تحكمون } ~~جملتان استفهاميتان ليس لأحدهما تعلق بالأخرى من حيث الإعراب استفهمهم ~~أولا عما استقر لهم، وثبت استفهام بإنكار، وثانيا استفهام تعجب من ~~هذا الحكم الذي حكموا به، والمعنى أي شيء ثبت ms3274 لكم كيف تحكمون لله ~~بالبنات، وهم القسم الذي تكرهونه، ولكم بالبنين، وهم القسم الذي تحبونه { ~~أفلا تذكرون } أي تتذكرون، فحذفت إحدى التاءين، والمعنى ألا ~~تعتبرون، وتتفكرون، فتتذكرون بطلان قولكم { أم لكم سلطن ~~مبين } أي حجة واضحة ظاهرة على هذا الذي تقولونه، وهو إضراب عن توبيخ ~~إلى توبيخ، وانتقال من تقريع إلى تقريع. # { فأتوا بكتبكم إن كنتم صدقين } أي فأتوا بحجتكم ~~الواضحة على هذا إن كنتم صادقين فيما تقولونه، أو فأتوا بالكتاب الذي ~~ينطق لكم بالحجة، ويشتمل عليها. { وجعلوا بينه وبين ~~الجنة نسبا } قال أكثر المفسرين إن المراد بالجنة هنا الملائكة، ~~قيل لهم جنة، لأنهم لا يرون. وقال مجاهد هم بطن من بطون الملائكة يقال ~~لهم الجنة. وقال أبو مالك إنما قيل لهم الجنة لأنهم خزان على الجنان. ~~والنسب الصهر. قال قتادة، والكلبي قالوا لعنهم الله إن الله صاهر الجن، ~~فكانت الملائكة من أولادهم قالا والقائل بهذه المقالة اليهود. وقال ~~مجاهد، والسدي، ومقاتل إن القائل بذلك كنانة، وخزاعة قالوا إن الله خطب ~~إلى سادات الجن، فزوجوه من سروات بناتهم، فالملائكة بنات الله من سروات ~~بنات الجن. وقال الحسن أشركوا الشيطان في عبادة الله، فهو النسب الذي ~~جعلوه. ثم رد الله سبحانه عليهم بقوله { ولقد علمت الجنة ~~إنهم لمحضرون } أي علموا أن هؤلاء الكفار الذين قالوا هذا ~~القول يحضرون النار، ويعذبون فيها. وقيل علمت الجنة أنفسهم يحضرون ~~للحساب. والأول أولى، لأن الإحضار إذا أطلق، فالمراد العذاب. وقيل ~~المعنى ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون إلى الجنة. ثم نزه سبحانه نفسه، ~~فقال { سبحن الله عما يصفون } أو هو حكاية لتنزيه الملك ~~لله عز وجل عما وصفه به المشركون، والاستثناء في قوله { إلا عباد ~~الله المخلصين } منقطع، والتقدير لكن عباد الله المخلصين بريئون ~~عن أن يصفوا الله بشيء من ذلك. وقد قرىء بفتح اللام، وكسرها، ومعناهما ما ~~بيناه قريبا. وقيل هو استثناء من المحضرين، أي إنهم يحضرون النار إلا من ~~أخلص، فيكون متصلا لا منقطعا، وعلى هذا تكون جملة التسبيح معترضة. ثم ~~خاطب الكفار على ms3275 العموم، أو كفار مكة على الخصوص، فقال { فإنكم ~~وما تعبدون * ما أنتم عليه بفتنين } أي فإنكم، ~~وآلهتكم التي تعبدون من دون الله لستم بفاتنين على الله بإفساد عباده، ~~وإضلالهم، وعلى متعلقة بفاتنين. والواو في { وما تعبدون } إما للعطف على ~~اسم إن، أو هو بمعنى مع، وما موصولة، أو مصدرية، أي فإنكم،والذي تعبدون، ~~أو وعبادتكم، ومعنى { فاتنين } مضلين، يقال فتنت الرجل، وأفتنته، ويقال ~~فتنه على الشيء، وبالشيء كما يقال أضله على الشيء، وأضله به. قال الفراء ~~أهل الحجاز يقولون فتنته، وأهل نجد يقولون أفتنته، ويقال فتن فلان على ~~فلان امرأته، أي أفسدها عليه، فالفتنة هنا بمعنى الإضلال، والإفساد. قال ~~مقاتل يقول ما أنتم بمضلين أحدا بآلهتكم إلا من قدر الله له أن يصلى ~~الجحيم، «وما» في { وما أنتم } نافية و { أنتم } خطاب لهم، ولمن ~~يعبدونه على التغليب. # قال الزجاج أهل التفسير مجمعون فما علمت أن المعنى ما أنتم بمضلين أحدا ~~إلا من قدر الله عز وجل عليه أن يضل، ومنه قول الشاعر # فرد بفتنته، كيده عليه، وكان لنا فاتنا # أي مضلا { إلا من هو صال الجحيم } قرأ الجمهور { صال } ~~بكسر اللام لأنه منقوص مضاف حذفت الياء لالتقاء الساكنين، وحمل على لفظ ~~من، وأفرد كما أفرد هو. وقرأ الحسن، وابن أبي عبلة بضم اللام مع واو ~~بعدها، وروي عنهما أنهما قرآ بضم اللام بدون واو. فأما مع الواو فعلى أنه ~~جمع سلامة بالواو حملا على معنى من، وحذفت نون الجمع للإضافة، وأما بدون ~~الواو، فيحتمل أن يكون جمعا، وإنما حذفت الواو خطا كما حذفت لفظا، ~~ويحتمل أن يكون مفردا، وحقه على هذا كسر اللام. قال النحاس وجماعة أهل ~~التفسير يقولون إنه لحن لأنه لا يجوز هذا قاض المدينة، والمعنى أن الكفار ~~وما يعبدونه لا يقدرون على إضلال أحد من عباد الله، إلا من هو من أهل ~~النار، وهم المصرون على الكفر، وإنما يصر على الكفر من سبق القضاء عليه ~~بالشقاوة، وإنه ممن يصلى النار، أي يدخلها. ثم قال الملائكة مخبرين للنبي ~~صلى ms3276 الله عليه وسلم كما حكاه الله سبحانه عنهم { وما منا إلا ~~له مقام معلوم } ، وفي الكلام حذف، والتقدير وما منا أحد، أو ~~وما منا ملك إلا له مقام معلوم في عبادة الله. وقيل التقدير وما منا إلا ~~من له مقام معلوم، رجح البصريون التقدير الأول، ورجح الكوفيون الثاني. ~~قال الزجاج هذا قول الملائكة، وفيه مضمر. المعنى وما منا ملك إلا له مقام ~~معلوم. ثم قالوا { وإنا لنحن الصافون } أي في مواقف الطاعة. ~~قال قتادة هم الملائكة صفوا أقدامهم. وقال الكلبي صفوف الملائكة في ~~السماء كصفوف أهل الدنيا في الأرض. { وإنا لنحن المسبحون } ~~أي المنزهون لله المقدسون له عما أضافه إليه المشركون. وقيل المصلون، ~~وقيل المراد بقولهم { المسبحون } مجموع التسبيح باللسان، وبالصلاة، ~~والمقصود أن هذه الصفات هي صفات الملائكة، وليسوا كما وصفهم به الكفار من ~~أنهم بنات الله { وإن كانوا ليقولون } هذا رجوع إلى الإخبار عن ~~المشركين، أي كانوا قبل المبعث المحمدي إذا عيروا بالجهل قالوا { لو ~~أن عندنا ذكرا من الأولين } أي كتابا من كتب الأولين ~~كالتوراة، والإنجيل { لكنا عباد الله المخلصين } أي ~~لأخلصنا العبادة له، ولم نكفر به، و " إن " في قوله { وإن كانوا } ~~هي المخففة من الثقيلة، وفيها ضمير شأن محذوف، واللام هي الفارقة بينها، ~~وبين النافية، أي وإن الشأن كان كفار العرب ليقولون إلخ، والفاء في قوله ~~{ فكفروا به } هي الفصيحة الدالة على محذوف مقدر في الكلام. # قال الفراء تقديره فجاءهم محمد بالذكر، فكفروا به، وهذا على طريق التعجب ~~منهم { فسوف يعلمون } أي عاقبة كفرهم، ومغبته، وفي هذا تهديد ~~لهم شديد. وجملة { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا ~~المرسلين } مستأنفة مقررة للوعيد، والمراد بالكلمة ما وعدهم الله ~~به من النصر، والظفر على الكفار. قال مقاتل عنى بالكلمة قوله سبحانه # كتب الله لأغلبن أنا ورسلى # المجادلة 21 وقال الفراء سبقت كلمتنا بالسعادة لهم، والأولى تفسير هذه ~~الكلمة بما هو مذكور هنا، فإنه قال { إنهم لهم المنصورون * ~~وإن جندنا لهم الغلبون } فهذه هي الكلمة المذكورة ~~سابقا، وهذا تفسير لها، والمراد بجند ms3277 الله حزبه، وهم الرسل، وأتباعهم. ~~قال الشيباني جاء هنا على الجمع يعني قوله { لهم الغلبون } من ~~أجل أنه رأس آية، وهذا الوعد لهم بالنصر، والغلبة لا ينافيه انهزامهم في ~~بعض المواطن، وغلبة الكفار لهم، فإن الغالب في كل موطن هو انتصارهم على ~~الأعداء، وغلبتهم لهم، فخرج الكلام مخرج الغالب، على أن العاقبة المحمودة ~~لهم على كل حال، وفي كل موطن كما قال سبحانه # والعقبة للمتقين # القصص 83. ثم أمر الله سبحانه رسوله بالإعراض عنهم، والإغماض عما يصدر ~~منهم من الجهالات، والضلالات، فقال { فتول عنهم حتى حين } ~~أي أعرض عنهم إلى مدة معلومة عند الله سبحانه، وهي مدة الكف عن القتال. ~~قال السدي، ومجاهد حتى نأمرك بالقتال. وقال قتادة إلى الموت، وقيل إلى ~~يوم بدر، وقيل إلى يوم فتح مكة، وقيل هذه الآية منسوخة بآية السيف { ~~وأبصرهم فسوف يبصرون } أي وأبصرهم إذا نزل بهم العذاب ~~بالقتل، والأسر، فسوف يبصرون حين لا ينفعهم الإبصار، وعبر بالإبصار عن ~~قرب الأمر، أي فسوف يبصرون عن قريب. وقيل المعنى فسوف يبصرون العذاب يوم ~~القيامة. ثم هددهم بقوله سبحانه { أفبعذابنا يستعجلون } ~~كانوا يقولون من فرط تكذيبهم متى هذا العذاب؟ { فإذا نزل ~~بساحتهم } أي إذا نزل عذاب الله لهم بفنائهم، والساحة في اللغة ~~فناء الدار الواسع. قال الفراء نزل بساحتهم، ونزل بهم سواء. قال الزجاج ~~وكان عذاب هؤلاء بالقتل، قيل المراد به نزول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بساحتهم يوم فتح مكة. قرأ الجمهور { نزل } مبنيا للفاعل. وقرأ عبد ~~الله بن مسعود على البناء للمفعول، والجار والمجرور قائم مقام الفاعل { ~~فساء صباح المنذرين } أي بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب، ~~والمخصوص بالذم محذوف، أي صباحهم. وخص الصباح بالذكر لأن العذاب كان ~~يأتيهم فيه. ثم كرر سبحانه ما سبق تأكيدا للوعد بالعذاب، فقال { ~~وتول عنهم حتى حين * وأبصر فسوف يبصرون } ، ~~وحذف مفعول أبصر ها هنا، وذكره أولا إما لدلالة الأول عليه، فتركه هنا ~~اختصارا، أو قصدا إلى التعميم للإيذان بأن ما يبصره من أنواع عذابهم لا ~~يحيط به الوصف. ms3278 # وقيل هذه الجملة المراد بها أحوال القيامة، والجملة الأولى المراد بها ~~عذابهم في الدنيا، وعلى هذا فلا يكون من باب التأكيد، بل من باب التأسيس. ~~ثم نزه سبحانه نفسه عن قبيح ما يصدر منهم، فقال { سبحن ربك ~~رب العزة عما يصفون } العزة الغلبة، والقوة، والمراد ~~تنزيهه عن كل ما يصفونه به مما لا يليق بجنابه الشريف، ورب العزة بدل ~~من ربك. ثم ذكر ما يدل على تشريف رسله، وتكريمهم، فقال { وسلم ~~على المرسلين } أي الذين أرسلهم إلى عباده، وبلغوا رسالاته، وهو ~~من السلام الذي هو التحية. وقيل معناه أمن لهم، وسلامة من المكاره { ~~والحمد لله رب العلمين } إرشاد لعباده إلى حمده على ~~إرسال رسله إليهم مبشرين، ومنذرين، وتعليم لهم كيف يصنعون عند إنعامه ~~عليهم، وما يثنون عليه به. وقيل إنه الحمد على هلاك المشركين، ونصر الرسل ~~عليهم، والأولى أنه حمد لله سبحانه على كل ما أنعم به على خلقه أجمعين ~~كما يفيده حذف المحمود عليه، فإن حذفه مشعر بالتعميم كما تقرر في علم ~~المعاني، والحمد هو الثناء الجميل بقصد التعظيم. وقد أخرج ابن جرير عن ~~ابن عباس في قوله { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } ~~قال زعم أعداء الله أنه تبارك وتعالى هو وإبليس أخوان. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عنه في قوله { فإنكم وما تعبدون } قال فإنكم يا معشر ~~المشركين، وما تعبدون يعني الآلهة { ما أنتم عليه بفتنين ~~} قال بمضلين { إلا من هو صال الجحيم } يقول إلا من سبق في ~~علمي أنه سيصلى الجحيم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضا في ~~الآية يقول إنكم لا تضلون أنتم، ولا أضل منكم إلا من قضيت عليه أنه صال ~~الجحيم. وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه عنه أيضا في الآية قال لا ~~تفتنون إلا من هو صال الجحيم. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير ~~عنه أيضا في قوله { وما منا إلا له مقام معلوم } قال ~~الملائكة { وإنا لنحن الصافون } قال الملائكة { وإنا ~~لنحن المسبحون } قال الملائكة. وأخرج محمد بن نصر ms3279 المروزي في ~~كتاب الصلاة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ~~عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما في السماء موضع قدم إلا عليه ملك ساجد، أو قائم، وذلك قول الملائكة ~~{ وما منا إلا له مقام معلوم * وإنا لنحن ~~الصافون } " # وأخرج محمد بن نصر، وابن عساكر عن العلاء بن سعد، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال يوما لأصحابه # " أطت السماء، وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع، أو ~~ساجد " # ، ثم قرأ { وإنا لنحن الصافون * وإنا لنحن ~~المسبحون }. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في ~~الشعب عن ابن مسعود قال إن من السموات لسماء ما فيها موضع شبر إلا، ~~وعليه جبهة ملك، أو قدماه قائما، أو ساجدا، ثم قرأ { وإنا لنحن ~~الصافون * وإنا لنحن المسبحون }. وأخرج الترمذي ~~وحسنه، وابن جرير، وابن مردويه عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، إن السماء أطت، وحق لها أن ~~تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله " # وقد ثبت في الصحيح، وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن ~~يصفوا كما تصف الملائكة عند ربهم، فقالوا وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ ~~قال # " يقيمون الصفوف المقدمة، ويتراصون في الصف " # وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { لو أن عندنا ~~ذكرا من الأولين } قال لما جاء المشركين من أهل مكة ذكر ~~الأولين، وعلم الآخرين كفروا بالكتاب { فسوف يعلمون }. وأخرج ~~البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أنس قال صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خيبر، وقد خرجوا بالمساحي، فلما نظروا إليه قالوا محمد، والخميس، فقال # " الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين " # الحديث. وأخرج ابن سعد، وابن مردويه من طريق سعيد، عن قتادة، عن أنس، أن ms3280 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إذا سلمتم على المرسلين، فسلموا علي، فإنما أنا بشر من المرسلين " # وأخرج ابن مردويه من طريق أبي العوام، عن قتادة، عن أنس مرفوعا نحوه ~~بأطول منه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو ~~يعلى، وابن مردويه، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان إذا أراد أن يسلم من صلاته قال « { سبحن ربك رب ~~العزة عما يصفون * وسلم على المرسلين * ~~والحمد لله رب العلمين } ». وأخرج الطبراني عن ابن عباس ~~قال كنا نعرف انصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة بقوله { ~~سبحن ربك } إلى آخر الآية. وأخرج الخطيب نحوه من حديث أبي سعيد. ~~وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من قال دبر كل صلاة { سبحن ربك رب العزة عما ~~يصفون * وسلم على المرسلين * والحمد لله رب ~~العلمين } ثلاث مرات، فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر " # وأخرج حميد بن زنجويه في ترغيبه من طريق الأصبغ بن نباتة عن علي بن أبي ~~طالب نحوه. ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1-11] # قوله { ص } قرأ الجمهور بسكون الدال كسائر حروف التهجي في أوائل السور، ~~فإنها ساكنة الأواخر على الوقف. وقرأ أبي بن كعب، والحسن، وابن أبي ~~إسحاق، ونصر بن عاصم، وابن أبي عبلة، وأبو السماك بكسر الدال من غير ~~تنوين، ووجه الكسر أنه لالتقاء الساكنين، وقيل وجه الكسر أنه من صادى ~~يصادي إذا عارض، والمعنى صاد القرآن بعملك، أي عارضه بعملك، وقابله، ~~فاعمل به، وهذا حكاه النحاس عن الحسن البصري، وقال إنه فسر قراءته هذه ~~بهذا، وعنه أن المعنى أتله، وتعرض لقراءته. وقرأ عيسى بن عمر " صاد " ~~بفتح الدال، والفتح لالتقاء الساكنين، وقيل نصب على الإغراء. وقيل معناه ~~صاد محمد قلوب الخلق، واستمالها حتى آمنوا به، ورويت هذه القراءة عن أبي ~~عمرو، وروي عن ابن أبي إسحاق أيضا أنه قرأ " صاد " بالكسر والتنوين ~~تشبيها لهذا الحرف بما هو غير متمكن من الأصوات. ms3281 وقرأ هارون الأعور، ~~وابن السميفع " صاد " بالضم من غير تنوين على البناء نحو منذ، وحيث. وقد ~~اختلف في معنى «صاد»، فقال الضحاك معناه صدق الله. وقال عطاء صدق محمد. ~~وقال سعيد بن جبير هو بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين. وقال محمد ~~بن كعب هو مفتاح اسم الله. وقال قتادة هو اسم من أسماء الله. وروي عنه ~~أنه قال هو اسم من أسماء الرحمن. وقال مجاهد هو فاتحة السورة. وقيل هو ~~مما استأثر الله بعلمه، وهذا هو الحق كما قدمنا في فاتحة سورة البقرة. ~~قيل وهو إما اسم للحروف مسرودا على نمط التعبد، أو اسم للسورة، أو خبر ~~مبتدأ محذوف، أو منصوب بإضمار اذكر، أو اقرأ، والواو في قوله { ~~والقرءان ذى الذكر } هي واو القسم، والإقسام بالقرآن فيه تنبيه ~~على شرف قدره، وعلو محله، ومعنى { ذى الذكر } أنه مشتمل على الذكر ~~الذي فيه بيان كل شيء. قال مقاتل معنى { ذى الذكر } ذي البيان. وقال ~~الضحاك ذي الشرف كما في قوله # لقد أنزلنا إليكم كتبا فيه ذكركم # الأنبياء 10 أي شرفكم، وقيل أي ذي الموعظة. واختلف في جواب هذا القسم ما ~~هو؟ فقال الزجاج، والكسائي، والكوفيون غير الفراء إنه قوله # إن ذلك لحق # ص 64، وقال الفراء لا نجده مستقيما لتأخره جدا عن قوله { ~~والقرءان } ، ورجح هو، وثعلب أن الجواب قوله { كم أهلكنا } ، ~~وقال الأخفش الجواب هو { إن كل إلا كذب الرسل فحق ~~عقاب } ، وقيل هو صاد، لأن معناه حق، فهو جواب لقوله { والقرءان ~~} كما تقول حقا والله، وجب والله. ذكره ابن الأنباري، وروي أيضا عن ~~ثعلب، والفراء، وهو مبني على أن جواب القسم يجوز تقدمه، وهو ضعيف. # وقيل الجواب محذوف، والتقدير والقرآن ذي الذكر لتبعثن، ونحو ذلك. وقال ~~ابن عطية تقديره ما الأمر كما يزعم الكفار، والقول بالحذف أولى. وقيل إن ~~قوله { ص } مقسم به، وعلى هذا القول تكون الواو في { والقرءان } ~~للعطف عليه، ولما كان الإقسام بالقرآن دالا على صدقه، وأنه حق، وأنه ~~ليس بمحل للريب قال سبحانه { بل ms3282 الذين كفروا فى عزة ~~وشقاق } ، فأضرب عن ذلك، وكأنه قال لا ريب فيه قطعا، ولم يكن عدم ~~قبول المشركين له لريب فيه. بل هم في عزة عن قبول الحق، أي تكبر، ~~وتجبر. وشقاق، أي وامتناع عن قبول الحق، والعزة عند العرب الغلبة، ~~والقهر، يقال من عز بز، أي من غلب سلب، ومنه # وعزنى فى الخطاب # ص 23 أي غلبني، ومنه قول الشاعر # يعز على الطريق بمنكبيه كما ابترك الخليع على القداح # والشقاق مأخوذ من الشق، وقد تقدم بيانه. ثم خوفهم سبحانه، وهددهم ~~بما فعله بمن قبلهم من الكفار، فقال { كم أهلكنا من قبلهم ~~من قرن } يعني الأمم الخالية المهلكة بتكذيب الرسل، أي كم أهلكنا من ~~الأمم الخالية الذين كانوا أمنع من هؤلاء، وأشد قوة، وأكثر أموالا، وكم ~~هي الخبرية الدالة على التكثير، وهي في محل نصب بأهلكنا على أنها مفعول ~~به، ومن قرن تمييز، و«من» في { من قبلهم } هي لابتداء الغاية. { ~~فنادوا ولات حين مناص } النداء هنا هو نداء الاستغاثة منهم ~~عند نزول العذاب بهم، وليس الحين حين مناص. قال الحسن نادوا بالتوبة، ~~وليس حين التوبة، ولا حين ينفع العمل. والمناص مصدر ناص ينوص، وهو الفوت، ~~والتأخر. ولات بمعنى ليس، بلغة أهل اليمن. وقال النحويون هي لا التي ~~بمعنى ليس زيدت عليها التاء كما في قولهم رب، وربت، وثم وثمت قال ~~الفراء النوص التأخر، وأنشد قول امرىء القيس # أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص # قال يقال ناص عن قرنه ينوص نوصا أي فر، وزاغ. قال الفراء ويقال ناص ~~ينوص إذا تقدم. وقيل المعنى أنه قال بعضهم لبعض مناص، أي عليكم بالفرار، ~~والهزيمة، فلما أتاهم العذاب قالوا مناص، فقال الله { ولات حين ~~مناص } قال سيبويه لات مشبهة بليس، والاسم فيها مضمر، أي ليس حيننا ~~حين مناص. قال الزجاج التقدير وليس أواننا. قال ابن كيسان والقول كما قال ~~سيبويه، والوقف عليها عند الكسائي بالهاء، وبه قال المبرد، والأخفش. قال ~~الكسائي، والفراء، والخليل، وسيبويه، والأخفش والتاء تكتب منقطعة عن ~~حين، وكذلك هي في ms3283 المصاحف. وقال أبو عبيد تكتب متصلة بحين، فيقال ولا ~~تحين، ومنه قول أبي، وجرة السعدي # العاطفون تحين ما من عاطف والمطعمون زمان ما من مطعم # وقد يستغنى بحين عن المضاف إليه كما قال الشاعر # تذكر حب ليلى لات حينا وأمسى الشيب قد قطع القرينا # قال أبو عبيد لم نجد العرب تزيد هذه التاء إلا في حين، وأوان، والآن. ~~قلت بل قد يزيدونها في غير ذلك كما في قول الشاعر # فلتعرفن خلائقا مشمولة ولتندمن ولات ساعة مندم # وقد أنشد الفراء هذا البيت مستدلا به على أن من العرب من يخفض بها، ~~وجملة { ولات حين مناص } في محل نصب على الحال من ضمير نادوا. ~~قرأ الجمهور { لات } بفتح التاء، وقرىء " لات " بالكسر كجير { ~~وعجبوا أن جاءهم منذر منهم } أي عجب الكفار الذين وصفهم ~~الله سبحانه بأنهم في عزة وشقاق أن جاءهم منذر منهم، أي رسول من أنفسهم ~~ينذرهم بالعذاب إن استمروا على الكفر، وأن وما في حيزها في محل نصب بنزع ~~الخافض، أي من أن جاءهم، وهو كلام مستأنف مشتمل على ذكر نوع من أنواع ~~كفرهم { وقال الكفرون هذا سحر كذاب } قالوا هذا ~~القول لما شاهدوا ما جاء به من المعجزات الخارجة عن قدرة البشر، أي هذا ~~المدعي للرسالة ساحر فيما يظهره من المعجزات كذاب فيما يدعيه من أن ~~الله أرسله. قيل ووضع الظاهر موضع المضمر لإظهار الغضب عليهم وأن ما ~~قالوه لا يتجاسر على مثله إلا المتوغلون في الكفر. ثم أنكروا ما جاء به ~~صلى الله عليه وسلم من التوحيد، وما نفاه من الشركاء لله، فقالوا { ~~أجعل الآلهة إلها وحدا } أي صيرها إلها واحدا، وقصرها ~~على الله سبحانه { إن هذا لشىء عجاب } أي لأمر بالغ في ~~العجب إلى الغاية. قال الجوهري العجيب الأمر الذي يتعجب منه. وكذلك ~~العجاب بالضم، والعجاب بالتشديد أكثر منه، قرأ الجمهور { عجاب } مخففا. ~~وقرأ علي، والسلمي وعيسى بن عمر، وابن مقسم بتشديد الجيم. قال مقاتل ~~عجاب يعني بالتخفيف لغة أزد شنوءة، قيل والعجاب بالتخفيف والتشديد يدلان ~~على ms3284 أنه قد تجاوز الحد في العجب، كما يقال الطويل الذي فيه طول. والطوال ~~الذي قد تجاوز حد الطول، وكلام الجوهري يفيد اختصاص المبالغة بعجاب ~~مشدد الجيم لا بالمخفف، وقد قدمنا في صدر هذه السورة سبب نزول هذه ~~الآيات. { وانطلق الملأ منهم } المراد بالملأ الأشراف كما هو ~~مقرر في غير موضع من تفسير الكتاب العزيز، أي انطلقوا من مجلسهم الذي ~~كانوا فيه عند أبي طالب كما تقدم قائلين { أن امشوا } أي قائلين ~~لبعضهم بعضا امضوا على ما كنتم عليه، ولا تدخلوا في دينه. { ~~واصبروا على ءالهتكم } أي اثبتوا على عبادتها، وقيل المعنى ~~وانطلق الأشراف منهم، فقالوا للعوام امشوا، واصبروا على آلهتكم، و «أن» ~~في قوله { أن امشوا } هي المفسرة للقول المقدر، أو لقوله { وانطلق ~~} ، لأنه مضمن معنى القول، ويجوز أن تكون مصدرية معمولة للمقدر، أو ~~للمذكور، أي بأن امشوا. # وقيل المراد بالانطلاق الاندفاع في القول، وامشوا من مشت المرأة. إذا ~~كثرت ولادتها، أي اجتمعوا، وأكثروا، وهو بعيد جدا، وخلاف ما يدل عليه ~~الانطلاق، والمشي بحقيقتهما، وخلاف ما تقدم في سبب النزول، وجملة { إن ~~هذا لشىء يراد } تعليل لما تقدمه من الأمر بالصبر، أي يريده ~~محمد بنا، وبآلهتنا، ويود تمامه، ليعلو علينا، ونكون له أتباعا، فيتحكم ~~فينا بما يريد، فيكون هذا الكلام خارجا مخرج التحذير منه، والتنفير عنه. ~~وقيل المعنى إن هذا الأمر يريده الله سبحانه، وما أراده فهو كائن لا ~~محالة، فاصبروا على عبادة آلهتكم. وقيل المعنى إن دينكم لشيء يراد، أي ~~يطلب، ليؤخذ منكم، وتغلبوا عليه، والأول أولى. { ما سمعنا ~~بهذا فى الملة الآخرة } أي ما سمعنا بهذا الذي يقوله محمد ~~من التوحيد في الملة الآخرة. وهي ملة النصرانية، فإنها آخر الملل قبل ملة ~~الإسلام، كذا قال محمد بن كعب القرظي، وقتادة، ومقاتل، والكلبي، والسدي. ~~وقال مجاهد يعنون ملة قريش، وروي مثله عن قتادة أيضا. وقال الحسن المعنى ~~ما سمعنا أن هذا يكون آخر الزمان. وقيل المعنى ما سمعنا من اليهود، ~~والنصارى أن محمدا رسول { إن هذا إلا اختلاق } أي ms3285 ما هذا ~~إلا كذب اختلقه محمد، وافتراه. ثم استنكروا أن يخص الله رسوله بمزية ~~النبوة دونهم، فقالوا { أأنزل عليه الذكر من بيننا } ~~والاستفهام للإنكار أي كيف يكون ذلك، ونحن الرؤساء، والأشراف. قال الزجاج ~~قالوا كيف أنزل على محمد القرآن من بيننا، ونحن أكبر سنا، وأعظم شرفا ~~منه، وهذا مثل قولهم # لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين ~~عظيم # الزخرف 31 فأنكروا أن يتفضل الله سبحانه على من يشاء من عباده بما شاء. ~~ولما ذكر استنكارهم لنزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم دونهم ~~بين السبب الذي لأجله تركوا تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء ~~به، فقال { بل هم فى شك من ذكرى } أي من القرآن، أو الوحي ~~لإعراضهم عن النظر الموجب لتصديقه، وإهمالهم للأدلة الدالة على أنه حق ~~منزل من عند الله { بل لما يذوقوا عذاب } أي بل السبب أنهم ~~لم يذوقوا عذابي، فاغتروا بطول المهلة، ولو ذاقوا عذابي على ما هم عليه ~~من الشرك والشك لصدقوا ما جئت به من القرآن، ولم يشكوا فيه. { أم ~~عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب } أي مفاتيح ~~نعم ربك، وهي النبوة، وما هو دونها من النعم حتى يعطوها من شاءوا، فما ~~لهم، ولإنكار ما تفضل الله به على هذا النبي، واختاره له، واصطفاه ~~لرسالته. والمعنى بل أعندهم، لأن أم هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة. ~~والعزيز الغالب القاهر. والوهاب المعطي بغير حساب. { أم لهم ملك ~~السموات والأرض وما بينهما } أي بل ألهم ملك هذه ~~الأشياء حتى يعطوا من شاءوا، ويمنعوا من شاءوا، ويعترضوا على إعطاء الله ~~سبحانه ما شاء لمن شاء؟ وقوله { فليرتقوا فى الأسباب } جواب ~~شرط محذوف، أي إن كان لهم ذلك، فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى ~~السماء، أو إلى العرش حتى يحكموا بما يريدون من عطاء، ومنع، ويدبروا أمر ~~العالم بما يشتهون، أو فليصعدوا، وليمنعوا الملائكة من نزولهم بالوحي على ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # والأسباب أبواب السماوات التي تنزل الملائكة منها، قاله مجاهد، وقتادة، ms3286 ~~ومنه قول زهير # ولو رام أسباب السماء بسلم # قال الربيع بن أنس الأسباب أدق من الشعر، وأشد من الحديد، ولكن لا ~~ترى. وقال السدي { فى الاسباب } في الفضل، والدين. وقيل فليعملوا في ~~أسباب القوة إن ظنوا أنها مانعة، وهو قول أبي عبيدة. وقيل الأسباب ~~الحبال، يعني إن وجدوا حبالا يصعدون فيها إلى السماء فعلوا، والأسباب ~~عند أهل اللغة كل شيء يتوصل به إلى المطلوب كائنا ما كان. وفي هذا ~~الكلام تهكم بكم، وتعجيز لهم { جند ما هنالك مهزوم من ~~الأحزاب } هذا وعد من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم بالنصر ~~عليهم، والظفر بهم، و { جند } مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هم جند، ~~يعني الكفار، مهزوم مكسور عما قريب، فلا تبال بهم، ولا تظن أنهم يصلون ~~إلى شيء مما يضمرونه بك منا لكيد، و «ما» في قوله { ما هنالك } هي ~~صفة لجند لإفادة التعظيم، والتحقير، أي جند أي جند. وقيل هي زائدة، يقال ~~هزمت الجيش كسرته، وتهزمت القرية إذا تكسرت، وهذا الكلام متصل بما تقدم، ~~وهو قوله { بل الذين كفروا فى عزة وشقاق } وهم جند من ~~الأحزاب مهزومون، فلا تحزن لعزتهم، وشقاقهم، فإني أسلب عزهم، وأهزم ~~جمعهم، وقد وقع ذلك، ولله الحمد في يوم بدر، وفيما بعده من مواطن الله. ~~وقد أخرج عبد بن حميد عن أبي صالح قال سئل جابر بن عبد الله، وابن عباس ~~عن { ص } ، فقال لا ندري ما هو. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال { ص } ~~محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عنه { والقرءان ذى ~~الذكر } قال ذي الشرف. وأخرج أبو داود الطيالسي، وعبد الرزاق، ~~والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه عن ~~التميمي قال سألت ابن عباس عن قول الله تعالى { فنادوا ولات ~~حين مناص } قال ليس بحين نزو، ولا فرار. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ~~عكرمة عنه في الآية قال نادوا النداء حين لا ينفعهم، وأنشد # تذكرت ليلى لات حين تذكر وقد بنت منها والمناص ms3287 بعيد # وأخرج عنه أيضا في الآية قال ليس هذا حين زوال. وأخرج ابن المنذر من ~~طريق عطية عنه أيضا قال لا حين فرار. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ~~ابن عباس في قوله { وانطلق الملأ منهم } الآية قال نزلت حين ~~انطلق أشراف قريش إلى أبي طالب، فكلموه في النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وأخرج ابن مردويه عنه { وانطلق الملأ منهم } قال أبو جهل. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { ما ~~سمعنا بهذا فى الملة الآخرة } قال النصرانية. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { ~~فليرتقوا فى الأسباب } قال في السماء. ### || [38.12-25] # لما ذكر سبحانه أحوال الكفار المعاصرين لرسول الله ذكر أمثالهم ممن ~~تقدمهم، وعمل عملهم من الكفر والتكذيب، فقال { كذبت قبلهم ~~قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد } قال المفسرون كانت ~~له أوتاد يعذب بها الناس، وذلك أنه كان إذا غضب على أحد، وتد يديه، ~~ورجليه، ورأسه على الأرض. وقيل المراد بالأوتاد الجموع، والجنود الكثيرة، ~~يعني أنهم كانوا يقوون أمره، ويشدون سلطانه كما تقوى الأوتاد ما ضربت ~~عليه، فالكلام خارج مخرج الاستعارة على هذا. قال ابن قتيبة العرب تقول هم ~~في عز ثابت الأوتاد، وملك ثابت الأوتاد، يريدون ملكا دائما شديدا، ~~وأصل هذا أن البيت من بيوت الشعر إنما يثبت، ويقوم بالأوتاد. وقيل المراد ~~بالأوتاد هنا البناء المحكم، أي وفرعون ذو الأبنية المحكمة. قال الضحاك ~~والبنيان يسمى أوتادا، والأوتاد جمع وتد أفصحها فتح الواو، وكسر التاء، ~~ويقال وتد بفتحهما، وود بإدغام التاء في الدال، وودت. قال الأصمعي ويقال ~~وتد واتد مثل شغل شاغل، وأنشد # لاقت علي الماء جذيلا واتدا ولم يكن يخلفها المواعدا # { وثمود وقوم لوط وأصحب الأيكة } الأيكة الغيضة، ~~وقد تقدم تفسيرها، واختلاف القراء في قراءتها في سورة الشعراء، ومعنى { ~~أولئك الأحزاب } أنهم الموصوفون بالقوة، والكثرة كقولهم فلان ~~هو الرجل، وقريش وإن كانوا حزبا كما قال الله سبحانه فيما تقدم # جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب # ص 11 ولكن ms3288 هؤلاء الذين قصهم الله علينا من الأمم السالفة هم أكثر منهم ~~عددا، وأقوى أبدانا، وأوسع أموالا، وأعمارا، وهذه الجملة يجوز أن ~~تكون مستأنفة، ويجوز أن تكون خبرا، والمبتدأ قوله { وعاد } كذا قال ~~أبو البقاء، وهو ضعيف، بل الظاهر أن { عاد } ، وما بعده معطوفات على { ~~قوم نوح } ، والأولى أن تكون هذه الجملة خبرا لمبتدأ محذوف، أو بدلا من ~~الأمم المذكورة { إن كل إلا كذب الرسل } إن هي النافية، ~~والمعنى ما كل حزب من هذه الأحزاب إلا كذب الرسل، لأن تكذيب الحزب ~~لرسوله المرسل إليه تكذيب لجميع الرسل، أو هو من مقابلة الجمع بالجمع، ~~والمراد تكذيب كل حزب لرسوله، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي ما ~~كل أحد من الأحزاب في جميع أحواله إلا وقع منه تكذيب الرسل { فحق ~~عقاب } أي فحق عليهم عقابي بتكذيبهم، ومعنى حق ثبت، ووجب، وإن تأخر، ~~فكأنه واقع بهم، وكل ما هو آت قريب. قرأ يعقوب بإثبات الياء في { عقاب ~~} ، وحذفها الباقون مطابقة لرؤوس الآي. { وما ينظر هؤلآء إلا ~~صيحة وحدة } أي ما ينتظرون إلا صيحة، وهي النفخة الكائنة عند ~~قيام الساعة. وقيل هي النفخة الثانية، وعلى الأول المراد من عاصر نبينا ~~صلى الله عليه وسلم من الكفار، وعلى الثاني المراد كفار الأمم المذكورة، ~~أي ليس بينهم، وبين حلول ما أعد الله لهم من عذاب النار إلا أن ينفخ في ~~الصور النفخة الثانية. # وقيل المراد بالصيحة عذاب يفجؤهم في الدنيا كما قال الشاعر # صاح الزمان بآل برمك صيحة خروا لشدتها على الأذقان # وجملة { ما لها من فواق } في محل نصب صفة لصيحة. قال الزجاج ~~فواق، وفواق بفتح الفاء، وضمها أي ما لها من رجوع، والفواق ما بين حلبتي ~~الناقة، وهو مشتق من الرجوع أيضا، لأنه يعود اللبن إلى الضرع بين ~~الحلبتين، وأفاق من مرضه، أي رجع إلى الصحة، ولهذا قال مجاهد، ومقاتل إن ~~الفواق الرجوع. وقال قتادة ما لها من مثنوية. وقال السدي ما لها من ~~إفاقة، وقيل ما لها من مرد. قال الجوهري ما لها من ms3289 نظرة، وراحة وإفاقة، ~~ومعنى الآية أن تلك الصيحة هي ميعاد عذابهم، فإذا جاءت لم ترجع، ولا ترد ~~عنهم، ولا تصرف منهم، ولا تتوقف مقدار فواق ناقة، وهي ما بين حلبتي ~~الحالب لها، ومنه قول الأعشى # حتى إذا فيقة في ضرعها اجتمعت جاءت لترضع شق النفس لو رضعا # والفيقة اسم اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين، وجمعها فيق، وأفواق. قرأ ~~حمزة، والكسائي " ما لها من فواق " بضم الفاء، وقرأ الباقون بفتحها. قال ~~الفراء، وأبو عبيدة الفواق بفتح الفاء الراحة، أي لا يفيقون فيها كما ~~يفيق المريض، والمغشي عليه، وبالضم الانتظار { وقالوا ربنا ~~عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب } لما سمعوا ما توعدهم ~~الله به من العذاب قالوا هذه المقالة استهزاء، وسخرية، والقط في اللغة ~~النصيب، من القط، وهو القطع، وبهذا قال قتادة، وسعيد بن جبير، قال الفراء ~~القط في كلام العرب الحظ والنصيب، ومنه قيل للصك قط. قال أبو عبيدة، ~~والكسائي القط الكتاب بالجوائز، والجمع القطوط، ومنه قول الأعشى # ولا الملك النعمان يوم لقيته بغبطته يعطي القطوط ويأفق # ومعنى يأفق يصلح، ومعنى الآية سؤالهم لربهم أن يعجل لهم نصيبهم وحظهم من ~~العذاب، وهو مثل قوله # ويستعجلونك بالعذاب # الحج 47. وقال السدي سألوا ربهم أن يمثل لهم منازلهم من الجنة، ليعلموا ~~حقيقة ما يوعدون به، وقال إسماعيل بن أبي خالد المعنى عجل لنا أرزاقنا، ~~وبه قال سعيد بن جبير، والسدي. وقال أبو العالية، والكلبي، ومقاتل لما ~~نزل # فأما من أوتى كتبه بيمينه # الحاقة 19 # وأما من أوتى كتبه بشماله # الحاقة 25 قالت قريش زعمت يا محمد أنا نؤتى كتابنا بشمالنا، فعجل لنا ~~قطنا قبل يوم الحساب. ثم أمر الله سبحانه نبيه أن يصبر على ما يسمعه من ~~أقوالهم فقال { اصبر على ما يقولون } من أقوالهم الباطلة التي ~~هذا القول المحكي عنهم من جملتها. وهذه الآية منسوخة بآية السيف. # { واذكر عبدنا داوود ذا الأيد } لما فرغ من ذكر قرون ~~الضلالة، وأمم الكفر، والتكذيب، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على ~~ما يسمعه زاد في ms3290 تسليته، وتأسيته بذكر قصة داود، وما بعدها. ومعنى { ~~اذكر عبدنا داوود } اذكر قصته، فإنك تجد فيها ما تتسلى به، ~~والأيد القوة، ومنه رجل أيد، أي قوي، وتأيد الشيء تقوى، والمراد ما ~~كان فيه عليه السلام من القوة على العبادة. قال الزجاج وكانت قوة داود ~~على العبادة أتم قوة، ومن قوته ما أخبرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان يصوم يوما ويفطر يوما، وكان يصلي نصف الليل، وكان لا يفر إذا ~~لاقى العدو، وجملة { إنه أواب } تعليل لكونه ذا الأيد، والأواب ~~الرجاع عن كل ما يكرهه الله سبحانه إلى ما يحبه، ولا يستطيع ذلك إلا من ~~كان قويا في دينه. وقيل معناه كلما ذكر ذنبه استغفر منه، وناب عنه، وهذا ~~داخل تحت المعنى الأول، يقال آب يؤوب إذا رجع { إنا سخرنا ~~الجبال معه يسبحن بالعشى والإشراق } أي يقدسن الله ~~سبحانه، وينزهنه عما لا يليق به. وجملة { يسبحن } في محل نصب على ~~الحال، وفي هذا بيان ما أعطاه الله من البرهان، والمعجزة، وهو تسبيح ~~الجبال معه. قال مقاتل كان داود إذا ذكر الله ذكرت الجبال معه، وكان يفقه ~~تسبيح الجبال. وقال محمد بن إسحاق أوتي داود من حسن الصوت ما يكون له في ~~الجبال دوي حسن، فهذا معنى تسبيح الجبال، والأول أولى. وقيل معنى { ~~يسبحن } يصلين، و { معه } متعلق بسخرنا. ومعنى { بالعشى ~~والإشراق } قال الكلبي غدوة وعشية، يقال أشرقت الشمس إذا أضاءت، وذلك ~~وقت الضحى. وأما شروقها، فطلوعها. قال الزجاج شرقت الشمس إذا طلعت، ~~وأشرقت إذا أضاءت. { والطير محشورة } معطوف على الجبال، ~~وانتصاب { محشورة } على الحال من الطير، أي وسخرنا الطير حال كونها ~~محشورة، أي مجموعة إليه تسبح الله معه. قيل كانت تجمعها إليه الملائكة. ~~وقيل كانت تجمعها الريح { كل له أواب } أي كل واحد من داود، ~~والجبال، والطير رجاع إلى طاعة الله، وأمره، والضمير في له راجع إلى الله ~~عز وجل. وقيل الضمير لداود، أي لأجل تسبيح داود مسبح، فوضع أواب موضع ~~مسبح، والأول أولى. وقد قدمنا أن الأواب ms3291 الكثير الرجوع إلى الله ~~سبحانه { وشددنا ملكه } قويناه وثبتناه بالنصر في المواطن على ~~أعدائه وإلقاء الرعب منه في قلوبهم. وقيل بكثرة الجنود { وءاتينه ~~الحكمة وفصل الخطاب } المراد بالحكمة النبوة، والمعرفة بكل ~~ما يحكم به. وقال مقاتل الفهم، والعلم. وقال مجاهد العدل. وقال أبو ~~العالية العلم بكتاب الله. وقال شريح السنة. والمراد بفصل الخطاب الفصل ~~في القضاء، وبه قال الحسن، والكلبي، ومقاتل. وحكى الواحدي عن الأكثر أن ~~فصل الخطاب الشهود، والإيمان لأنها إنما تنقطع الخصومة بهذا. # وقيل هو الإيجاز بجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل. { وهل أتاك ~~نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب } لما مدحه الله ~~سبحانه بما تقدم ذكره أردف ذلك بذكر هذه القصة الواقعة له لما فيها من ~~الأخبار العجيبة. قال مقاتل بعث الله إلى داود ملكين، جبريل، وميكائيل ~~لينبهه على التوبة، فأتياه، وهو في محرابه. قال النحاس ولا خلاف بين أهل ~~التفسير أن المراد بالخصم ها هنا الملكان، والخصم مصدر يقع على الواحد، ~~والاثنين، والجماعة. ومعنى { تسوروا المحراب } أتوه من أعلى ~~سوره، ونزلوا إليه، والسور الحائط المرتفع، وجاء بلفظ الجمع في تسوروا مع ~~كونهم اثنين، نظرا إلى ما يحتمله لفظ الخصم من الجمع. ومنه قول الشاعر # وخصم غضاب قد نفضت لحاهم كنفض البراذين العراب المخاليا # والمحراب الغرفة، لأنهم تسوروا عليه، وهو فيها، كذا قال يحيى بن سلام. ~~وقال أبو عبيدة إنه صدر المجلس، ومنه محراب المسجد. وقيل إنهما كانا ~~إنسيين، ولم يكونا ملكين، والعامل في «إذ» في قوله { إذ دخلوا } ~~النبأ، أي هل أتاك الخبر الواقع في وقت تسورهم؟ وبهذا قال ابن عطية، ~~ومكي، وأبو البقاء. وقيل العامل فيه أتاك. وقيل معمول للخصم. وقيل معمول ~~لمحذوف، أي وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم. وقيل هو معمول لتسوروا. وقيل هو ~~بدل مما قبله. وقال الفراء إن أحد الظرفين المذكورين بمعنى لما { ~~ففزع منهم } ، وذلك لأنهما أتياه ليلا في غير وقت دخول الخصوم، ~~ودخلوا عليه بغير إذنه، ولم يدخلوا من الباب الذي يدخل منه الناس. قال ~~ابن الأعرابي وكان محراب داود من ms3292 الامتناع بالارتفاع بحيث لا يرتقي إليه ~~آدمي بحيلة، وجملة { قالوا لا تخف } مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه ~~قيل فماذا قالوا لداود لما فزع منهم؟ وارتفاع { خصمان } ، على أنه ~~خبر مبتدأ محذوف، أي نحن خصمان، وجاء فيما سبق بلفظ الجمع، وهنا بلفظ ~~التثنية، لما ذكرنا من أن لفظ الخصم يحتمل المفرد، والمثنى، والمجموع، ~~فالكل جائز. قال الخليل هو كما تقول نحن فعلنا كذا إذا كنتما اثنين. وقال ~~الكسائي جمع لما كان خبرا، فلما انقضى الخبر، وجاءت المخاطبة أخبر ~~الاثنان عن أنفسهما، فقالا خصمان، وقوله { بغى بعضنا على ~~بعض } هو على سبيل الفرض، والتقدير، وعلى سبيل التعريض لأن من المعلوم ~~أن الملكين لا يبغيان. ثم طلبا منه أن يحكم بينهما بالحق، ونهياه عن ~~الجور، فقالا { فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط } أي لا ~~تجر في حكمك، يقال شط الرجل، وأشط شططا، وإشطاطا إذا جار في حكمه. قال ~~أبو عبيد شططت عليه، وأشططت أي جرت. وقال الأخفش معناه لا تسرف، وقيل لا ~~تفرط، وقيل لا تمل. # والمعنى متقارب، والأصل فيه البعد، من شطت الدار إذا بعدت. قال أبو عمرو ~~الشطط مجاوزة القدر في كل شيء { واهدنا إلى سواء الصرط } ~~سواء الصراط وسطه. والمعنى أرشدنا إلى الحق، واحملنا عليه. ثم لما أخبراه ~~عن الخصومة إجمالا شرعا في تفصيلهما، وشرحها، فقالا { إن هذا ~~أخى له تسع وتسعون نعجة } المراد بالأخوة هنا أخوة ~~الدين، أو الصحبة، والنعجة هي الأنثى من الضأن، وقد يقال لبقر الوحش نعجة ~~{ ولى نعجة وحدة } قال الواحدي النعجة البقرة الوحشية، والعرب ~~تكني عن المرأة بها، وتشبه النساء بالنعاج من البقر. قرأ الجمهور { ~~تسع وتسعون } بكسر التاء الفوقية. وقرأ الحسن، وزيد بن علي ~~بفتحها. قال النحاس وهي لغة شاذة، وإنما عنى ب { هذا } داود لأنه كان له ~~تسع وتسعون امرأة، وعنى بقوله { ولي نعجة واحدة } أوريا زوج المرأة التي ~~أراد أن يتزوجها داود كما سيأتي بيان ذلك { فقال أكفلنيها } أي ~~ضمها إلي، وانزل لي عنها حتى أكفلها، وأصير بعلا لها. قال ابن كيسان ~~اجعلها ms3293 كفلي، ونصيبي { وعزنى فى الخطاب } أي غلبني، يقال عزه ~~يعزه عزا إذا غلبه. وفي المثل «من عز بز» أي من غلب سلب، والاسم ~~العزة وهي القوة. قال عطاء المعنى إن تكلم كان أفصح مني. وقرأ ابن مسعود، ~~وعبيد بن عمير وعازني في الخطاب أي غالبني من المعازة، وهي المغالبة { ~~قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } أي ~~بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه التسع والتسعين إن كان الأمر على ما تقول، ~~واللام هي الموطئة للقسم، وهي وما بعدها جواب للقسم المقدر. وجاء بالقسم ~~في كلامه مبالغة في إنكار ما سمعه من طلب صاحب التسع والتسعين النعجة أن ~~يضم إليه النعجة الواحدة التي مع صاحبه، ولم يكن معه غيرها. ويمكن أنه ~~إنما قال بهذا بعد أن سمع الاعتراف من الآخر. قال النحاس ويقال إن خطيئة ~~داود هي قوله { لقد ظلمك } لأنه قال ذلك قبل أن يتثبت { وإن ~~كثيرا من الخلطاء } وهم الشركاء، واحدهم خليط وهو المخالط في ~~المال { ليبغى بعضهم على بعض } أي يتعدى بعضهم على بعض، ~~ويظلمه غير مراع لحقه { إلا الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت } ، فإنهم يتحامون ذلك، ولا يظلمون خليطا، ولا غيره { ~~وقليل ما هم } أي وقليل هم، و " ما " زائدة للتوكيد، والتعجيب. ~~وقيل هي موصولة، و { هم } مبتدأ، و { قليل } خبره { وظن داوود ~~أنما فتنه } ، قال أبو عمرو، والفراء ظن يعني أيقن. ومعنى { ~~فتنه } ابتليناه، والمعنى أنه عند أن تخاصما إليه، وقال ما قال ~~علم عند ذلك أنه المراد، وأن مقصودهما التعريض به وبصاحبه الذي أراد أن ~~ينزل له عن امرأته. قال الواحدي قال المفسرون فلما قضى بينهما داود نظر ~~أحدهما إلى صاحبه، فضحك، فعند ذلك علم داود بما أراده. # قرأ الجمهور { فتناه } بالتخفيف للتاء، وتشديد النون. وقرأ عمر بن ~~الخطاب، والحسن، وأبو رجاء بالتشديد للتاء، والنون، وهي مبالغة في ~~الفتنة. وقرأ الضحاك " افتناه " ، وقرأ قتادة، وعبيد بن عمير، وابن ~~السميفع " فتناه " بتخفيفهما، وإسناد الفعل إلى الملكين، ورويت هذه ~~القراءة عن أبي عمرو { فاستغفر ربه } لذنبه { وخر راكعا ~~} أي ms3294 ساجدا. وعبر بالركوع عن السجود، قال ابن العربي لا خلاف بين ~~العلماء أن المراد بالركوع هنا السجود، فإن السجود هو الميل، والركوع هو ~~الانحناء، وأحدهما يدخل في الآخر، ولكنه قد يختص كل واحد منهما بهيئة. ثم ~~جاء في هذا على تسمية أحدهما بالآخر. وقيل المعنى للسجود راكعا، أي ~~مصليا. وقيل بل كان ركوعهم سجودا. وقيل بل كان سجودهم ركوعا { ~~وأناب } أي رجع إلى الله بالتوبة من ذنبه. وقد اختلف المفسرون في ذنب ~~داود الذي استغفر له، وتاب عنه على أقوال الأول أنه نظر إلى امرأة الرجل ~~التي أراد أن تكون زوجة له، كذا قال سعيد بن جبير، وغيره. قال الزجاج ولم ~~يتعمد داود النظر إلى المرأة لكنه عاود النظر إليها، وصارت الأولى له، ~~والثانية عليه. القول الثاني أنه أرسل زوجها في جملة الغزاة. الثالث أنه ~~نوى إن مات زوجها أن يتزوجها. الرابع أن أوريا كان خطب تلك المرأة، فلما ~~غاب خطبها داود، فزوجت منه لجلالته، فاغتم لذلك أوريا، فعتب الله عليه ~~حيث لم يتركها لخاطبها. الخامس أنه لم يجزع على قتل أوريا كما كان يجزع ~~على من هلك من الجند، ثم تزوج امرأته، فعاتبه الله على ذلك، لأن ذنوب ~~الأنبياء، وإن صغرت، فهي عظيمة. السادس أنه حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع ~~من الآخر كما قدمنا. وأقول الظاهر من الخصومة التي وقعت بين الملكين ~~تعريضا لداود عليه السلام أنه طلب من زوج المرأة الواحدة أن ينزل له ~~عنها، ويضمها إلى نسائه، و لاينافي هذا العصمة الكائنة للأنبياء، فقد ~~نبهه الله على ذلك، وعرض له بإرسال ملائكته إليه، ليتخاصموا في مثل قصته ~~حتى يستغفر لذنبه، ويتوب منه، فاستغفر وتاب. وقد قال سبحانه # وعصى ءادم ربه فغوى # طه 121 وهو أبو البشر، وأول الأنبياء، ووقع لغيره من الأنبياء ما قصه ~~الله علينا في كتابه. ثم أخبر سبحانه أنه قبل استغفاره، وتوبته قال { ~~فغفرنا له ذلك } أي ذلك الذنب الذي استغفر منه. قال عطاء ~~الخراساني، وغيره إن داود بقي ساجدا أربعين يوما حتى ms3295 نبت الرعي حول ~~وجهه، وغمر رأسه. قال ابن الأنباري الوقف على قوله { فغفرنا له ~~ذلك } تام، ثم يبتدىء الكلام بقوله { وإن له عندنا ~~لزلفى وحسن مآب } الزلفى القربة، والكرامة بعد المغفرة ~~لذنبه. # قال مجاهد الزلفى الدنو من الله عز وجل يوم القيامة، والمراد بحسن ~~المآب حسن المرجع، وهو الجنة. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { ما لها من فواق } قال من رجعة. { وقالوا ~~ربنا عجل لنا قطنا } قال سألوا الله أن يعجل لهم. وأخرج ابن ~~أبي حاتم من طريق الزبير ابن عدي عنه { عجل لنا قطنا } قال ~~نصيبنا من الجنة. وأخرج ابن جرير عنه أيضا في قوله { ذا الأيد } قال ~~القوة. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال الأواب المسبح. وأخرج الديلمي عن ~~مجاهد قال سألت ابن عمر عن الأواب، فقال سألت النبي صلى الله عليه وسلم ~~عنه، فقال " هو الذي يذكر ذنوبه في الخلاء، فيستغفر الله ". وأخرج عبد بن ~~حميد، عن ابن عباس قال الأواب الموقن. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد ~~عن عطاء الخراساني عنه قال لم يزل في نفسي من صلاة الضحى حتى قرأت هذه ~~الآية { إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشى ~~والإشراق }. وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه عنه أيضا قال لقد أتى ~~علي زمان، وما أدري وجه هذه الآية { يسبحن بالعشى ~~والإشراق } حتى رأيت الناس يصلون الضحى. وأخرج الطبراني في الأوسط، ~~وابن مردويه عنه قال كنت أمر بهذه الآية { يسبحن بالعشى ~~والإشراق } فما أدري ما هي؟ حتى حدثتني أم هانىء بنت أبي طالب أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الفتح، فدعا بوضوء، فتوضأ، ثم ~~صلى الضحى، ثم قال # " يا أم هانىء هذه صلاة الإشراق " # وأخرج ابن جرير، وابن مردويه من وجه آخر عنه نحوه. والأحاديث في صلاة ~~الضحى كثيرة جدا قد ذكرناها في شرحنا للمنتقى. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال استعدى رجل من بني إسرائيل عند داود ~~على رجل من ms3296 عظمائهم، فقال إن هذا غصبني بقرا لي، فسأل داود الرجل عن ~~ذلك، فجحده، فسأل الآخر البينة، فلم يكن له بينة، فقال لهما داود قوما ~~حتى أنظر في أمركما، فقاما من عنده، فأتى داود في منامه فقيل له اقتل ~~الرجل الذي استعدى، فقال إن هذه رؤيا، ولست أعجل حتى أتثبت، فأتى الليلة ~~الثانية في منامه، فأمر أن يقتل الرجل، فلم يفعل، ثم أتى الليلة الثالثة، ~~فقيل له اقتل الرجل، أو تأتيك العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل، ~~فقال إن الله أمرني أن أقتلك، قال تقتلني بغير بينة، ولا تثبت؟ قال نعم، ~~والله لأنفذن أمر الله فيك، فقال الرجل لا تعجل علي حتى أخبرك، إني ~~والله ما أخذت بهذا الذنب، ولكني كنت اغتلت والد هذا، فقتلته، فبذلك ~~أخذت، فأمر به داود، فقتل، فاشتدت هيبته في بني إسرائيل، وشدد به ملكه، ~~فهو قول الله { وشددنا ملكه }. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه { وآتيناه الحكمة } قال ~~أعطي الفهم. وأخرج ابن أبي حاتم، والديلمي عن أبي موسى الأشعري قال أول ~~من قال أما بعد داود عليه السلام وهو { فصل الخطاب }. وأخرج سعيد ~~بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن سعد، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن الشعبي ~~أنه سمع زياد بن أبيه يقول فصل الخطاب الذي أوتي داود أما بعد. وأخرج ابن ~~أبي شيبة في المصنف، وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن داود حدث نفسه إذا ~~ابتلي أنه يعتصم، فقيل له إنك ستبتلى، وستعلم اليوم الذي تبتلي فيه، فخذ ~~حذرك، فقيل له هذا اليوم الذي تبتلي فيه، فأخذ الزبور، ودخل المحراب، ~~وأغلق باب المحراب، وأخذ الزبور في حجره، وأقعد منصفا يعني خادما على ~~الباب، وقال لا تأذن لأحد علي اليوم، فبينما هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر ~~مذهب كأحسن ما يكون للطير فيه من كل لون، فجعل يدور بين يديه، فدنا منه، ~~فأمكن أن يأخذه، فتناوله بيده ليأخذه، فاستوفز من خلفه، فأطبق الزبور، ~~وقام إليه، ليأخذه، فطار، فوقع على كوة المحراب، فدنا منه ms3297 ليأخذه، ~~فأفضى، فوقع على خص، فأشرف عليه لينظر أين وقع؟ فإذا هو بامرأة عند ~~بركتها تغتسل من الحيض، فلما رأت ظله حركت رأسها، فغطت جسدها أجمع ~~بشعرها، وكان زوجها غازيا في سبيل الله، فكتب داود إلى رأس الغزاة انظر ~~أوريا، فاجعله في حملة التابوت، وكان حملة التابوت إما أن يفتح عليهم، ~~وإما أن يقتلوا، فقدمه في حملة التابوت، فقتل، فلما انقضت عدتها خطبها ~~داود، فاشترطت عليه إن ولدت غلاما أن يكون الخليفة من بعده، وأشهدت عليه ~~خمسين من بني إسرائيل، وكتب عليه بذلك كتابا، فما شعر بفتنته أنه افتتن ~~حتى ولدت سليمان، وشب، فتسور عليه الملكان المحراب، وكان شأنهما ما قص ~~الله في كتابه، وخر داود ساجدا، فغفر الله له، وتاب عليه. وأخرج الحاكم ~~وصححه، والبيهقي في الشعب قال ما أصاب داود بعد ما أصابه بعد القدر إلا ~~من عجب عجب بنفسه، وذلك أنه قال يا رب ما من ساعة من ليل ولا نهار إلا ~~وعابد من آل داود يعبدك يصلي لك، أو يسبح، أو يكبر، وذكر أشياء، فكره ~~الله ذلك، فقال يا داود إن ذلك لم يكن إلا بي، فلولا عوني ما قويت عليه، ~~وعزتي وجلالي لأكلنك إلى نفسك يوما، قال يا رب فأخبرني به، فأخبر به، ~~فأصابته الفتنة ذلك اليوم. وأخرج أصل القصة الحكيم الترمذي في نوادر ~~الأصول، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن أنس مرفوعا بإسناد ضعيف. وأخرجها ~~ابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس مطولة. # وأخرجها جماعة عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود ~~في قوله { إن هذا أخى } قال على ديني. وأخرج عبد الرزاق، ~~والفريابي، وأحمد في الزهد، وابن جرير، والطبراني عنه قال ما زاد داود ~~على أن قال { أكفلنيها }. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أكفلنيها ~~} قال ما زاد داود على أن قال تحول لي عنها. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله ms3298 { وقليل ما هم } يقول قليل ~~الذي هم فيه، وفي قوله { وظن داوود أنما فتنه } قال ~~اختبرناه. وأخرج أحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ~~مردويه، والبيهقي في سننه عنه أيضا أنه قال في السجود في { ص } ليست من ~~عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها. وأخرج ~~النسائي، وابن مردويه بسند جيد عنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سجد في { ص } ، وقال # " سجدها داود، ونسجدها شكرا " # وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في { ص ~~}. وأخرج ابن مردويه عن أنس مثله مرفوعا. وأخرج الدارمي، وأبو داود، ~~وابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، ~~والبيهقي في سننه عن أبي سعيد قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ~~على المنبر { ص } ، فلما بلغ السجدة نزل، فسجد، وسجد الناس معه، فلما ~~كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تهيأ الناس للسجود، فقال إنما هي ~~توبة، ولكني رأيتكم تهيأتم للسجود، فنزل، فسجد. وأخرج ابن مردويه، عن عمر ~~بن الخطاب، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر يوم القيامة، فعظم شأنه، ~~وشدته قال # " ويقول الرحمن عز وجل لداود عليه السلام مر بين يدي، فيقول داود ~~يا رب أخاف أن تدحضني خطيئتي، فيقول خذ بقدمي، فيأخذ بقدمه عز وجل، ~~فيمر " # ، قال # " فتلك الزلفى التي قال الله { فغفرنا له ذلك وإن له ~~عندنا لزلفى وحسن مآب } ". ### || [38.26-33] # لما تمم سبحانه قصة داود أردفها ببيان تفويض أمر خلافة الأرض إليه، ~~والجملة مقولة لقول مقدر معطوف على غفرنا أي وقلنا له { يداوود ~~إنا جعلناك } استخلفناك على الأرض، أو { جعلنك خليفة ~~} لمن قبلك من الأنبياء لتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر { فاحكم ~~بين الناس بالحق } أي بالعدل الذي هو حكم الله بين عباده { ~~ولا تتبع الهوى } أي هوى النفس في الحكم بين العباد. وفيه ~~تنبيه لداود عليه السلام أن الذي عوتب عليه ليس بعدل، وأن فيه شائبة من ~~اتباع هوى النفس { فيضلك عن سبيل ms3299 الله } بالنصب على أنه ~~جواب للنهي، وفاعل يضلك هو الهوى، ويجوز أن يكون الفعل مجزوما بالعطف ~~على النهي، وإنما حرك لالتقاء الساكنين، فعلى الوجه الأول يكون المنهي ~~عنه الجمع بينهما، وعلى الوجه الثاني يكون النهي عن كل واحد منهما على ~~حدة. وسبيل الله هو طريق الحق، أو طريق الجنة. وجملة { إن الذين ~~يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد } تعليل للنهي عن ~~اتباع الهوى، والوقوع في الضلال، والباء في { بما نسوا يوم ~~الحساب } للسببية، ومعنى النسيان الترك، أي بسبب تركهم العمل لذلك ~~اليوم. قال الزجاج أي بتركهم العمل لذلك اليوم صاروا بمنزلة الناسين، وإن ~~كانوا ينذرون، ويذكرون. وقال عكرمة، والسدي في الآية تقديم وتأخير، ~~والتقدير ولهم عذاب يوم الحساب بما نسوا، أي تركوا القضاء بالعدل، ~~والأول أولى. وجملة { وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما بطلا } مستأنفة مقررة لما قبلها من أمر البعث والحساب، ~~أي ما خلقنا هذه الأشياء خلقا باطلا خارجا على الحكمة الباهرة، بل ~~خلقناها للدلالة على قدرتنا، فانتصاب { باطلا } على المصدرية، أو على ~~الحالية، أو على أنه مفعول لأجله، والإشارة بقوله { ذلك } إلى المنفي ~~قبله، وهو مبتدأ، وخبره { ظن الذين كفروا } أي مظنونهم، فإنهم ~~يظنون أن هذه الأشياء خلقت لا لغرض، ويقولون إنه لا قيامة، ولا بعث، ولا ~~حساب، وذلك يستلزم أن يكون خلق هذه المخلوقات باطلا { فويل ~~للذين كفروا من النار } والفاء لإفادة ترتب ثبوت الويل لهم ~~على ظنهم الباطل، أي فويل لهم بسبب النار المترتبة على ظنهم، وكفرهم. ثم ~~وبخهم، وبكتهم فقال { أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت كالمفسدين فى الأرض } قال مقاتل قال كفار ~~قريش للمؤمنين إنا نعطي في الآخرة كما تعطون، فنزلت، و " أم " هي ~~المنقطعة المقدرة ببل والهمزة، أي بل أنجعل الذين آمنوا بالله، وصدقوا ~~رسله، وعملوا بفرائضه كالمفسدين في الأرض بالمعاصي. ثم أضرب سبحانه ~~إضرابا آخر، وانتقل عن الأول إلى ما هو أظهر استحالة منه، فقال { أم ~~نجعل المتقين كالفجار } أي بل تجعل أتقياء المؤمنين ~~كأشقياء الكافرين، والمنافقين، والمنهمكين في معاصي الله ms3300 سبحانه من ~~المسلمين، وقيل إن الفجار هنا خاص بالكافرين، وقيل المراد بالمتقين ~~الصحابة، ولا وجه للتخصيص بغير مخصص، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب. # { كتب أنزلنه إليك مبرك } ارتفاع كتاب على أنه ~~خبر مبتدأ محذوف، وأنزلناه إليك صفة له، ومبارك خبر ثان للمبتدأ ولا ~~يجوز أن يكون صفة أخرى لكتاب لما تقرر من أنه لا يجوز تأخير الوصف الصريح ~~عن غير الصريح، وقد جوزه بعض النحاة، والتقدير القرآن كتاب أنزلناه إليك ~~يا محمد كثير الخير، والبركة. وقرىء مباركا على الحال، وقوله { ~~ليدبروا } أصله ليتدبروا، فأدغمت التاء في الدال، وهو متعلق ~~بأنزلناه. وفي الآية دليل على أن الله سبحانه إنما أنزل القرآن للتدبر، ~~والتفكر في معانيه، لا لمجرد التلاوة بدون تدبر. قرأ الجمهور { ليدبروا } ~~بالإدغام. وقرأ أبو جعفر، وشيبة لتدبروا بالتاء الفوقية على الخطاب، ~~ورويت هذه القراءة عن عاصم، والكسائي، وهي قراءة علي رضي الله عنه، ~~والأصل لتتدبروا بتاءين، فحذف إحداهما تخفيفا { وليتذكر ~~أولوا الألبب } أي ليتعظ أهل العقول، والألباب جمع لب وهو ~~العقل. { ووهبنا لداوود سليمن نعم العبد إنه ~~أواب } أخبر سبحانه بأن من جملة نعمه على داود أنه وهب له سليمان ~~ولدا، ثم مدح سليمان، فقال { نعم العبد } والمخصوص بالمدح محذوف، ~~أي نعم العبد سليمان، وقيل إن المدح هنا بقوله { نعم العبد } هو لداود، ~~والأول أولى، وجملة { إنه أواب } تعليل لما قبلها من المدح، ~~والأواب الرجاع إلى الله بالتوبة كما تقدم بيانه، والظرف في قوله { إذ ~~عرض عليه } متعلق بمحذوف وهو اذكر، أي اذكر ما صدر عنه وقت عرض ~~الصافنات الجياد عليه { بالعشى } وقيل هو متعلق بنعم، وهو مع كونه ~~غير متصرف لا وجه لتقييده بذلك الوقت، وقيل متعلق بأواب، ولا وجه لتقييد ~~كونه أوابا بذلك الوقت، والعشي من الظهر، أو العصر إلى آخر النهار، و { ~~الصافنات } جمع صافن. وقد اختلف أهل اللغة في معناه، فقال القتيبي، ~~والفراء الصافن في كلام العرب الواقف من الخيل، أو غيرها، وبه قال قتادة، ~~ومنه الحديث # " من أحب أن يتمثل له الناس صفونا، ms3301 فليتبوأ مقعده من النار " # ، أي يديمون القيام له، واستدلوا بقول النابغة # لنا قبة مضروبة بفنائها عتاق المهارى والجياد الصوافن # ولا حجة لهم في هذا فإنه استدلال بمحل النزاع، وهو مصادرة لأن النزاع في ~~الصافن ماذا هو؟ وقال الزجاج هو الذي يقف على إحدى اليدين، ويرفع الأخرى، ~~ويجعل على الأرض طرف الحافر منها حتى كأنه يقوم على ثلاث، وهي الرجلان، ~~وإحدى اليدين، وقد يفعل ذلك بإحدى رجليه، وهي علامة الفراهة. وأنشد ~~الزجاج قول الشاعر # ألف الصفون فما يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا # ومن هذا قول عمرو بن كلثوم # تركنا الخيل عاكفة عليه مقلدة أعنتها صفونا # فإن قوله صفونا لا بد أن يحمل على معنى غير مجرد القيام، لأن مجرد ~~القيام قد استفيد من قوله عاكفة عليه. وقال أبو عبيد الصافن هو الذي يجمع ~~يديه، ويسويهما، وأما الذي يقف على سنبكه، فاسمه المتخيم، والجياد جمع ~~جواد، يقال للفرس إذا كان شديدا العدو. وقيل إنها الطوال الأعناق، مأخوذ ~~من الجيد، وهو العنق، قيل كانت مائة فرس، وقيل كانت عشرين ألفا، وقيل ~~كانت عشرين فرسا، وقيل إنها خرجت له من البحر، وكانت لها أجنحة { ~~فقال إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى } انتصاب { ~~حب الخير } على أنه مفعول أحببت بعد تضمينه معنى آثرت. قال الفراء يقول ~~آثرت حب الخير، وكل من أحب شيئا، فقد آثره. وقيل انتصابه على المصدرية ~~بحذف الزوائد، والناصب له أحببت، وقيل هو مصدر تشبيهي، أي حبا مثل حب ~~الخير، والأول أولى. والمراد بالخير هنا الخيل. قال الزجاج الخير هنا ~~الخيل. وقال الفراء الخير، والخيل في كلام العرب واحد. قال النحاس وفي ~~الحديث # " الخيل معقود بنواصيها الخير " # ، فكأنها سميت خيرا لهذا. وقيل إنها سميت خيرا لما فيها من المنافع. ~~«وعن» في { عن ذكر ربى } بمعنى على. والمعنى آثرت حب الخيل على ~~ذكر ربي، يعني صلاة العصر { حتى توارت بالحجاب } يعني ~~الشمس، ولم يتقدم لها ذكر، ولكن المقام يدل على ذلك. قال الزجاج إنما ~~يجوز الإضمار إذا جرى ذكر الشيء، ms3302 أو دليل الذكر، وقد جرى هنا الدليل، وهو ~~قوله بالعشي. والتواري الاستتار عن الأبصار، والحجاب ما يحجبها عن ~~الأبصار. قال قتادة، وكعب الحجاب جبل أخضر محيط بالخلائق، وهو جبل قاف، ~~وسمي الليل حجابا لأنه يستر ما فيه، وقيل الضمير في قوله { حتى ~~توارت } للخيل، أي حتى توارت في المسابقة عن الأعين، والأول أولى، ~~وقوله { ردوها على } من تمام قول سليمان، أي أعيدوا عرضها علي ~~مرة أخرى. قال الحسن إن سليمان لما شغله عرض الخيل حتى فاتته صلاة العصر ~~غضب لله، وقال ردوها علي، أي أعيدوها. وقيل الضمير في { ردوها } يعود ~~إلى الشمس، ويكون ذلك معجزة له، وإنما أمر بإرجاعها بعد مغيبها لأجل أن ~~يصلي العصر، والأول أولى، والفاء في قوله { فطفق مسحا بالسوق ~~والأعناق } هي الفصيحة التي تدل على محذوف في الكلام، والتقدير هنا ~~فردوها عليه. قال أبو عبيدة طفق يفعل، مثل ما زال يفعل، وهو مثل ظل، ~~وبات. وانتصاب { مسحا } على المصدرية بفعل مقدر، أي يمسح مسحا لأن خبر ~~طفق لا يكون إلا فعلا مضارعا، وقيل هو مصدر في موضع الحال، والأول ~~أولى. # والسوق جمع ساق، والأعناق جمع عنق، والمراد أنه طفق يضرب أعناقها، ~~وسوقها، يقال مسح علاوته، أي ضرب عنقه. قال الفراء المسح هنا القطع، قال ~~والمعنى أنه أقبل يضرب سوقها، وأعناقها لأنها كانت سبب فوت صلاته، وكذا ~~قال أبو عبيدة. قال الزجاج ولم يكن يفعل ذلك إلا وقد أباحه الله له، ~~وجائز أن يباح ذلك لسليمان، ويحضر في هذا الوقت. وقد اختلف المفسرون في ~~تفسير هذه الآية، فقال قوم المراد بالمسح ما تقدم. وقال آخرون منهم ~~الزهري وقتادة إن المراد به المسح على سوقها، وأعناقها لكشف الغبار عنها ~~حبا لها. والقول الأول أولى بسياق الكلام، فإنه ذكر أنه آثرها على ذكر ~~ربه حتى فاتته صلاة العصر، ثم أمرهم بردها عليه ليعاقب نفسه بإفساد ما ~~ألهاه عن ذلك، وما صده عن عبادة ربه، وشغله عن القيام بما فرضه الله ~~عليه، ولا يناسب هذا أن يكون الغرض من ردها ms3303 عليه هو كشف الغبار عن ~~سوقها، وأعناقها بالمسح عليها بيده، أو بثوبه، ولا متمسك لمن قال إن ~~إفساد المال لا يصدر عن النبي، فإن هذا مجرد استبعاد باعتبار ما هو ~~المتقرر في شرعنا مع جواز أن يكون في شرع سليمان أن مثل هذا مباح على أن ~~إفساد المال المنهي عنه في شرعنا إنما هو مجرد إضاعته لغير غرض صحيح، ~~وأما لغرض صحيح، فقد جاز مثله في شرعنا كما وقع منه صلى الله عليه وسلم ~~من إكفاء القدور التي طبخت من الغنيمة قبل القسمة، ولهذا نظائر كثيرة في ~~الشريعة، ومن ذلك ما وقع من الصحابة من إحراق طعام المحتكر. وقد أخرج ابن ~~عساكر عن ابن عباس في قوله { أم نجعل الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت كالمفسدين فى الأرض } قال الذين ~~آمنوا علي، وحمزة، وعبيدة بن الحارث، والمفسدين في الأرض عتبة، وشيبة، ~~والوليد. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال { الصفنت ~~الجياد }. خيل خلقت على ما شاء. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر عن مجاهد في قوله { الصفنت } قال صفون الفرس رفع إحدى ~~يديه حتى يكون على أطراف الحافر، وفي قوله { الجياد } السراع. وأخرج ~~ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله { حب الخير } قال ~~الماء، وفي قوله { ردوها علي } قال الخيل { فطفق مسحا } قال ~~عقرا بالسيف. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال ~~الصلاة التي فرط فيها سليمان صلاة العصر. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي في قوله { إذ عرض عليه ~~بالعشي الصافنات الجياد } قال كانت عشرين ألف فرس ذات أجنحة، فعقرها. ~~وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير عن ابن مسعود بقوله { حتى توارت ~~بالحجاب } قال توارت من وراء ياقوتة خضراء، فخضرة السماء منها. ~~وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن عباس قال كان سليمان لا يكلم ~~إعظاما له، فلقد فاتته صلاة العصر، وما استطاع أحد أن يكلمه. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي ms3304 حاتم عنه في قوله { عن ذكر ربى } يقول ~~من ذكر ربي { فطفق مسحا بالسوق والأعناق } قال قطع ~~سوقها، وأعناقها بالسيف. ### || [38.34-40] # قوله { ولقد فتنا سليمن } أي ابتليناه، واختبرناه. قال ~~الواحدي قال أكثر المفسرين تزوج سليمان امرأة من بنات الملوك، فعبدت ~~الصنم في داره، ولم يعلم بذلك سليمان، فامتحن بسبب غفلته عن ذلك. وقيل إن ~~سبب الفتنة أنه تزوج سليمان امرأة يقال لها جرادة، وكان يحبها حبا ~~شديدا، فاختصم إليه فريقان أحدهما من أهل جرادة، فأحب أن يكون القضاء ~~لهم، ثم قضى بينهم بالحق. وقيل إن السبب أنه احتجب عن الناس ثلاثة أيام ~~لا يقضي بين أحد. وقيل إنه تزوج جرادة هذه، وهي مشركة لأنه عرض عليها ~~الإسلام، فقالت اقتلني، ولا أسلم. وقال كعب الأحبار إنه لما ظلم الخيل ~~بالقتل سلب ملكه. وقال الحسن إنه قارب بعض نسائه في شيء من حيض أو غيره. ~~وقيل إنه أمر أن لا يتزوج امرأة إلا من بني إسرائيل، فتزوج امرأة من ~~غيرهم. وقيل إن سبب فتنته ما ثبت في الحديث الصحيح أنه قال لأطوفن ~~الليلة على تسعين امرأة تأتي كل واحدة بفارس يقاتل في سبيل الله، ولم ~~يقل إن شاء الله. وقيل غير ذلك. ثم بين سبحانه ما عاقبه به، فقال { ~~وألقينا على كرسيه جسدا } انتصاب { جسدا } على أنه ~~مفعول { ألقينا } ، وقيل انتصابه على الحال على تأويله بالمشتق، أي ~~ضعيفا، أو فارغا، والأول أولى. قال أكثر المفسرين هذا الجسد الذي ~~ألقاه الله على كرسي سليمان هو شيطان اسمه صخر، وكان متمردا عليه غير ~~داخل في طاعته، ألقى الله شبه سليمان عليه، وما زال يحتال حتى ظفر بخاتم ~~سليمان، وذلك عند دخول سليمان الكنيف لأنه كان يلقيه إذا دخل الكنيف، ~~فجاء صخر في صورة سليمان، فأخذ الخاتم من امرأة من نساء سليمان، فقعد على ~~سرير سليمان، وأقام أربعين يوما على ملكه، وسليمان هارب. وقال مجاهد إن ~~شيطانا قال له سليمان كيف تفتنون الناس؟ قال أرني خاتمك أخبرك، فلما ~~أعطاه إياه نبذه في البحر، فذهب ملكه، ms3305 وقعد الشيطان على كرسيه، ومنعه ~~الله نساء سليمان، فلم يقربهن، وكان سليمان يستطعم، فيقول أتعرفونني ~~أطعموني؟ فيكذبوه حتى أعطته امرأة يوما حوتا، فشق بطنه، فوجد خاتمه في ~~بطنه، فرجع إليه ملكه، وهو معنى قوله { ثم أناب } أي رجع إلى ملكه ~~بعد أربعين يوما. وقيل معنى أناب رجع إلى الله بالتوبة من ذنبه، وهذا هو ~~الصواب، وتكون جملة { قال رب اغفر لى } بدلا من جملة أناب، ~~وتفسيرا له، أي اغفر لي ما صدر عني من الذنب الذي ابتليتني لأجله. ثم ~~لما قدم التوبة، والاستغفار جعلها وسيلة إلى إجابة طلبته، فقال { وهب ~~لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى } قال أبو عبيدة معنى لا ~~ينبغي لأحد من بعده لا يكون لأحد من بعدي. # وقيل المعنى لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني بعد هذه السلبة، أو لا يصح لأحد ~~من بعدي لعظمته، وليس هذا من سؤال نبي الله سليمان عليه السلام للدنيا، ~~وملكها، والشرف بين أهلها، بل المراد بسؤاله الملك أن يتمكن به من إنفاذ ~~أحكام الله سبحانه، والأخذ على يد المتمردين من عباده من الجن، والإنس، ~~ولو لم يكن من المقتضيات لهذا السؤال منه إلا ما رآه عند قعود الشيطان ~~على كرسيه من الأحكام الشيطانية الجارية في عباد الله، وجملة { إنك ~~أنت الوهاب } تعليل لما قبلها مما طلبه من مغفرة الله له وهبة ~~الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، أي فإنك كثير الهبات عظيم الموهوبات. ~~ثم ذكر سبحانه إجابته لدعوته، وإعطاءه لمسألته، فقال { فسخرنا له ~~الريح } أي ذللناها له، وجعلناها منقادة لأمره. ثم بين كيفية التسخير ~~لها بقوله { تجرى بأمره رخاء } أي لينة الهبوب ليست بالعاصف، ~~مأخوذ من الرخاوة، والمعنى أنها ريح لينة لا تزعزع، ولا تعصف مع قوة ~~هبوبها، وسرعة جريها، ولا ينافي هذا قوله في آية أخرى # ولسليمن الريح عاصفة تجرى بأمره # الأنبياء 81 لأن المراد أنها في قوة العاصفة، ولا تعصف. وقيل إنها كانت ~~تارة رخاء، وتارة عاصفة على ما يريده سليمان، ويشتهيه، وهذا أولى في ~~الجمع بين ms3306 الآيتين { حيث أصاب } أي حيث أراد. قال الزجاج إجماع أهل ~~اللغة والمفسرين أن معنى { حيث أصاب } حيث أراد، وحقيقته حيث قعد. وقال ~~الأصمعي، وابن الأعرابي العرب تقول أصاب الصواب، وأخطأ الجواب. وقيل إن ~~معنى أصاب بلغة حمير أراد، وليس من لغة العرب، وقيل هو بلسان هجر، والأول ~~أولى، وهو مأخوذ من إصابة السهم للغرض { والشيطين } معطوف على ~~الريح، أي وسخرنا له الشياطين، وقوله { كل بناء وغواص } بدل ~~من الشياطين، أي كل بناء منهم، وغواص منهم يبنون له ما يشاء من المباني، ~~ويغوصون في البحر، فيستخرجون له الدر منه، ومن هذا قول الشاعر # إلا سليمان إذ قال الجليل له قم في البرية فاحددها عن الفند وخيس ~~الجن أني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد # { وءاخرين مقرنين فى الأصفاد } معطوف على كل داخل في حكم ~~البدل، وهم مردة الشياطين سخروا له حتى قرنهم في الأصفاد. يقال قرنهم في ~~الحبال إذا كانوا جماعة كثيرة، والأصفاد الأغلال واحدها صفد. قال الزجاج ~~هي السلاسل، فكل ما شددته شدا وثيقا بالحديد، وغيره، فقد صفدته. قال ~~أبو عبيدة صفدت الرجل، فهو مصفود، وصفدته، فهو مصفد، ومن هذا قول عمرو بن ~~كلثوم في معلقته # فآبوا بالنهاب وبالسبايا وأبنا بالملوك مصفدينا # قال يحيى بن سلام ولم يكن يفعل ذلك إلا بكفارهم، فإذا آمنوا أطلقهم، ~~ولم يسخرهم، والإشارة بقوله { هذا } إلى ما تقدم من تسخير الريح، ~~والشياطين له، وهو بتقدير القول، أي وقلنا له { هذا عطاؤنا } ~~الذي أعطيناكه من الملك العظيم الذي طلبته { فامنن أو أمسك } ~~قال الحسن، والضحاك، وغيرهما أي فأعط من شئت، وامنع من شئت { بغير ~~حساب } لا حساب عليك في ذلك الإعطاء، أو الإمساك، أو عطاؤنا لك بغير ~~حساب لكثرته، وعظمته. # وقال قتادة إن قوله { هذا عطاؤنا } إشارة إلى ما أعطيه من قوة ~~الجماع، وهذ لا وجه لقصر الآية عليه لو قدرنا أنه قد تقدم ذكره من جملة ~~تلك المذكورات، فكيف يدعي اختصاص الآية به مع عدم ذكره؟ { وإن له ~~عندنا لزلفى } أي قربة في الآخرة ms3307 { وحسن مئاب } ، وحسن ~~مرجع، وهو الجنة. وقد أخرج الفريابي، والحكيم الترمذي، والحاكم وصححه عن ~~ابن عباس في قوله { ولقد فتنا سليمن وألقينا على ~~كرسيه جسدا } قال هو الشيطان الذي كان على كرسيه يقضي بين الناس ~~أربعين يوما، وكان لسليمان امرأة يقال لها جرادة، وكان بين بعض أهلها، ~~وبين قوم خصومة، فقضى بينهم بالحق إلا أنه ود أن الحق كان لأهلها، فأوحى ~~الله إليه أن سيصيبك بلاء، فكان لا يدري أيأتيه من السماء أم من الأرض؟ ~~وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، قال السيوطي بسند قوي عن ابن ~~عباس قال أراد سليمان أن يدخل الخلاء، فأعطى لجرادة خاتمه، وكانت جرادة ~~امرأته، وكانت أحب نسائه إليه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها ~~هاتي خاتمي، فأعطته، فلما لبسه دانت له الإنس، والجن، والشياطين، فلما ~~خرج سليمان من الخلاء قال هاتي خاتمي، قالت قد أعطيته سليمان. قال أنا ~~سليمان، قالت كذبت لست سليمان، فجعل لا يأتي أحدا يقول أنا سليمان إلا ~~كذبه، حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة، فلما رأى ذلك عرف أنه من أمر ~~الله، وقام الشيطان يحكم بين الناس، فلما أراد الله أن يرد على سليمان ~~سلطانه ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان، فأرسلوا إلى نساء سليمان، ~~فقالوا لهن تنكرن من أمر سليمان شيئا؟ قلن نعم إنه يأتينا، ونحن نحيض، ~~وما كان يأتينا قبل ذلك، فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له ظن أن أمره قد ~~انقطع، فكتبوا كتبا فيها سحر، وكفر، فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم ~~أثاروها، وقرءوها على الناس، وقالوا بهذا كان يظهر سليمان على الناس، ~~ويغلبهم، فأكفر الناس سليمان، فلم يزالوا يكفرونه، وبعث ذلك الشيطان ~~بالخاتم، فطرحه في البحر فتلقته سمكة، فأخذته، وكان سليمان يعمل على شط ~~البحر بالأجر، فجاء رجل، فاشترى سمكا فيه تلك السمكة التي في بطنها ~~الخاتم، فدعا سليمان، فقال تحمل لي هذا السمك؟ قال نعم، قال بكم؟ قال ~~بسمكة من هذا السمك، فحمل سليمان السمك، ثم انطلق به إلى منزله، فلما ~~انتهى الرجل ms3308 إلى باب داره أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فأخذها ~~سليمان، فشق بطنها، فإذا الخاتم في جوفها، فأخذه، فلبسه، فلما لبسه دانت ~~له الجن، والإنس، والشياطين، وعاد إلى حاله، وهرب الشيطان حتى لحق ~~بجزيرة من جزائر البحر، فأرسل سليمان في طلبه، وكان شيطانا مريدا، ~~فجعلوا يطلبونه، ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يوما نائما، فجاءوا، فبنوا ~~عليه بنيانا من رصاص، فاستيقظ، فوثب، فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا ~~انماط معه الرصاص، فأخذوه، فأوثقوه، وجاءوا به إلى سليمان، فأمر به، فنقر ~~له تخت من رخام، ثم أدخله في جوفه، ثم شد بالنحاس، ثم أمر به، فطرح في ~~البحر، فذلك قوله { ولقد فتنا سليمن وألقينا على ~~كرسيه جسدا } يعني الشيطان الذي كان سلط عليه. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~وألقينا على كرسيه جسدا } قال صخر الجني تمثل على كرسيه ~~على صورته. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " إن عفريتا من الجن جعل يتفلت علي البارحة ليقطع علي صلاتي، وإن ~~الله أمكنني منه، فلقد هممت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى ~~تصبحوا، فتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان { وهب لى ملكا ~~لا ينبغى لأحد من بعدى } فرده الله خاسئا " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فامنن } يقول ~~اعتق من الجن من شئت، وأمسك منهم من شئت. ### || [38.41-54] # قوله { واذكر عبدنا أيوب } معطوف على قوله { واذكر ~~عبدنا داوود } وأيوب عطف بيان، و { إذ نادى ربه } بدل ~~اشتمال من عبدنا { أنى مسنى الشيطن } قرأ الجمهور بفتح ~~الهمزة على أنه حكاية لكلامه الذي نادى ربه به، ولو لم يحكه لقال إنه ~~مسه. وقرأ عيسى بن عمر بكسرها على إضمار القول. وفي ذكر قصة أيوب إرشاد ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاقتداء به في الصبر على المكاره. ~~قرأ الجمهور بضم النون من قوله { بنصب } وسكون الصاد، فقيل هو ms3309 جمع ~~نصب بفتحتين نحو أسد، وأسد، وقيل هو لغة في النصب، نحو رشد، ورشد. وقرأ ~~أبو جعفر يزيد بن القعقاع، وشيبة، وحفص، ونافع في رواية عنه بضمتين، ~~ورويت هذه القراءة عن الحسن. وقرأ أبو حيوة، ويعقوب، وحفص في رواية بفتح، ~~وسكون، وهذه القراءات كلها بمعنى واحد، وإنما اختلفت القراءات باختلاف ~~اللغات. وقال أبو عبيدة إن النصب بفتحتين التعب، والإعياء، وعلى بقية ~~القراءات الشر، والبلاء، ومعنى قوله { وعذاب } أي ألم. قال قتادة، ~~ومقاتل النصب في الجسد، والعذاب في المال. قال النحاس وفيه بعد كذا قال. ~~والأولى تفسير النصب بالمعنى اللغوي، وهو التعب، والإعياء، وتفسير العذاب ~~بما يصدق عليه مسمى العذاب، وهو الألم، وكلاهما راجع إلى البدن. { ~~اركض برجلك } هو بتقدير القول، أي قلنا له اركض برجلك كذا قال ~~الكسائي، والركض الدفع بالرجل، يقال ركض الدابة برجله إذا ضربها بها. ~~وقال المبرد الركض التحريك. قال الأصمعي يقال ركضت الدابة، ولا يقال ركضت ~~هي لأن الركض إنما هو تحريك راكبها رجليه، ولا فعل لها في ذلك، وحكى ~~سيبويه ركضت الدابة، فركضت، مثل جبرت العظم، فجبر { هذا مغتسل ~~بارد وشراب } هذا أيضا من مقول القول المقدر، المغتسل هو الماء ~~الذي يغتسل به، والشراب الذي يشرب منه. وقيل إن المغتسل هو المكان الذي ~~يغتسل فيه. قال قتادة هما عينان بأرض الشام في أرض يقال لها الجابية، ~~فاغتسل من إحداهما، فأذهب الله ظاهر دائه، وشرب من الأخرى فأذهب الله ~~باطن دائه، وكذا قال الحسن. وقال مقاتل نبعت عين جارية، فاغتسل فيها، ~~فخرج صحيحا، ثم نبعت عين أخرى، فشرب منها ماء عذبا باردا. وفي الكلام ~~حذف، والتقدير فركض برجله، فنبعت عين، فقلنا له { هذا مغتسل } إلخ، وأسند ~~المس إلى الشيطان مع أن الله سبحانه هو الذي مسه بذلك إما لكونه لما عمل ~~بوسوسته عوقب على ذلك بذلك النصب، والعذاب. فقد قيل إنه أعجب بكثرة ماله، ~~وقيل استغاثه مظلوم، فلم يغثه، وقيل إنه قال ذلك على طريقة الأدب، وقيل ~~إنه قال ذلك لأن الشيطان وسوس إلى أتباعه، فرفضوه، ms3310 وأخرجوه من ديارهم، ~~وقيل المراد به. # ما كان يوسوسه الشيطان إليه حال مرضه، وابتلائه من تحسين الجزع، وعدم ~~الصبر على المصيبة، وقيل غير ذلك. وقوله { ووهبنا له أهله } ~~معطوف على مقدر كأنه قيل فاغتسل، وشرب، فكشفنا بذلك ما به من ضر، ~~ووهبنا له أهله. قيل أحياهم الله بعد أن أماتهم، وقيل جمعهم بعد تفرقهم، ~~وقيل غيرهم مثلهم، ثم زاده مثلهم معهم، وهو معنى قوله { ومثلهم ~~معهم } فكانوا مثلى ما كانوا من قبل ابتلائه، وانتصاب قوله { ~~رحمة منا وذكرى لأولى الألبب } على أنه مفعول لأجله، ~~أي وهبناهم له لأجل رحمتنا إياه، وليتذكر بحاله أولو الألباب، فيصبروا ~~على الشدائد كما صبر، وقد تقدم في سورة الأنبياء تفسير هذه الآية ~~مستوفى، فلا نعيده. { وخذ بيدك ضغثا } معطوف على { اركض } ، أو ~~على { وهبنا } أو التقدير، وقلنا له { خذ بيدك ضغثا } ، والضغث ~~عثكال النخل بشماريخه، وقيل هو قبضة من حشيش مختلط رطبها بيابسها، وقيل ~~الحزمة الكبيرة من القضبان، وأصل المادة تدل على جمع المختلطات. قال ~~الواحدي الضغث ملء الكف من الشجر، والحشيش، والشماريخ { فاضرب به ~~ولا تحنث } أي اضرب بذلك الضغث، ولا تحنث في يمينك، والحنث الإثم، ~~ويطلق على فعل ما حلف على تركه، وكان أيوب قد حلف في مرضه أن يضرب امرأته ~~مائة جلدة. واختلف في سبب ذلك، فقال سعيد بن المسيب إنها جاءته بزيادة ~~على ما كانت تأتيه به من الخبز، فخاف خيانتها، فحلف ليضربنها. وقال يحيى ~~بن سلام، وغيره إن الشيطان أغواها أن تحمل أيوب على أن يذبح سخلة تقربا ~~إليه، فإنه إذا فعل ذلك برىء، فحلف ليضربنها إن عوفي مائة جلدة. وقيل ~~باعت ذؤابتها برغيفين إذ لم تجد شيئا، وكان أيوب يتعلق بها إذا أراد ~~القيام، فلهذا حلف ليضربنها. وقيل جاءها إبليس في صورة طبيب، فدعته ~~لمداواة أيوب، فقال أداويه على أنه إذا برىء قال أنت شفيتني، لا أريد ~~جزاء سواه، قالت نعم، فأشارت على أيوب بذلك، فحلف ليضربنها. وقد اختلف ~~العلماء هل هذا خاص بأيوب، أو عام للناس كلهم؟ وأن ms3311 من حلف خرج من يمينه ~~بمثل ذلك. قال الشافعي إذا حلف ليضربن فلانا مائة جلدة، أو ضربا، ولم ~~يقل ضربا شديدا، ولم ينو بقلبه، فيكفيه مثل هذا الضرب المذكور في ~~الآية، حكاه ابن المنذر عنه، وعن أبي ثور، وأصحاب الرأي. وقال عطاء هو ~~خاص بأيوب، ورواه ابن القاسم عن مالك. ثم أثنى الله سبحانه على أيوب، ~~فقال { إنا وجدنه صابرا } أي على البلاء الذي ابتليناه به، ~~فإنه ابتلي بالداء العظيم في جسده، وذهاب ماله، وأهله، وولده، فصبر { ~~نعم العبد } أي أيوب { إنه أواب } أي رجاع إلى الله ~~بالاستغفار، والتوبة. # { واذكر عبادنا إبرهيم وإسحق ويعقوب } قرأ ~~الجمهور { عبادنا } بالجمع. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وحميد، وابن محيصن، ~~وابن كثير " عبدنا " بالإفراد. فعلى قراءة الجمهور يكون إبراهيم، وإسحاق، ~~ويعقوب عطف بيان، وعلى القراءة الأخرى يكون إبراهيم عطف بيان، وما بعده ~~عطف على عبدنا لا على إبراهيم. وقد يقال لما كان المراد بعبدنا الجنس جاز ~~إبدال الجماعة منه. وقيل إن إبراهيم، وما بعده بدل، أو النصب بإضمار ~~أعني، وعطف البيان أظهر، وقراءة الجمهور أبين، وقد اختارها أبو عبيد، ~~وأبو حاتم { أولى الأيدى والأبصر } الأيدي، جمع اليد التي ~~بمعنى القوة، والقدرة. قال قتادة أعطوا قوة في العبادة، ونصرا في ~~الدين. قال الواحدي وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والمفسرون. قال النحاس ~~أما الأبصار، فمتفق على أنها البصائر في الدين، والعلم. وأما الأيدي، ~~فمختلف في تأويلها، فأهل التفسير يقولون إنها القوة في الدين، وقوم ~~يقولون الأيدي جمع يد، وهي النعمة، أي هم أصحاب النعم، أي الذين أنعم ~~الله عز وجل عليهم، وقيل هم أصحاب النعم على الناس، والإحسان إليهم، ~~لأنهم قد أحسنوا، وقدموا خيرا، واختار هذا ابن جرير. قرأ الجمهور أولي ~~الأيدي بإثبات الياء في الأيدي. وقرأ ابن مسعود، والأعمش، والحسن، وعيسى ~~الأيد بغير ياء، فقيل معناها معنى القراءة الأولى، وإنما حذفت الياء ~~لدلالة كسرة الدال عليها، وقيل الأيد القوة وجملة { إنا ~~أخلصنهم بخالصة ذكرى الدار } تعليل لما وصفوا به. قرأ ~~الجمهور { بخالصة } بالتنوين، وعدم الإضافة ms3312 على أنها مصدر، بمعنى ~~الإخلاص، فيكون ذكرى منصوبا به، أو بمعنى الخلوص، فيكون ذكرى مرفوعا ~~به، أو يكون خالصة اسم فاعل على بابه، وذكرى بدل منها، أو بيان لها، أو ~~بإضمار أعني، أو مرفوعة بإضمار مبتدأ، والدار يجوز أن تكون مفعولا به ~~لذكرى، وأن تكون ظرفا إما على الاتساع، أو على إسقاط الخافض، وعلى كل ~~تقدير، فخالصة صفة لموصوف محذوف، والباء للسببية، أي بسبب خصلة خالصة. ~~وقرأ نافع، وشيبة، وأبو جعفر، وهشام عن ابن عامر بإضافة خالصة إلى ذكرى ~~على أن الإضافة للبيان، لأن الخالصة تكون ذكرى، وغير ذكرى، أو على أن ~~خالصة مصدر مضاف إلى مفعوله، والفاعل محذوف. أي بأن أخلصوا ذكرى الدار، ~~أو مصدر بمعنى الخلوص مضافا إلى فاعله. قال مجاهد معنى الآية استصفيناهم ~~بذكر الآخرة، فأخلصناهم بذكرها. وقال قتادة كانوا يدعون إلى الآخرة، وإلى ~~الله. وقال السدي أخلصوا بخوف الآخرة. قال الواحدي فمن قرأ بالتنوين في ~~خالصة كان المعنى جعلناهم لنا خالصين بأن خلصت لهم ذكرى الدار، والخالصة ~~مصدر بمعنى الخلوص، والذكرى بمعنى التذكر، أي خلص لهم تذكر الدار، وهو ~~أنهم يذكرون التأهب لها، ويزهدون في الدنيا، وذلك من شأن الأنبياء. وأما ~~من أضاف، فالمعنى أخلصنا لهم بأن خلصت لهم ذكرى الدار، والخالصة مصدر ~~مضاف إلى الفاعل، والذكرى على هذا المعنى الذكر { وإنهم عندنا ~~لمن المصطفين الأخيار } الاصطفاء الاختيار، والأخيار جمع ~~خير بالتشديد والتخفيف كأموات في جمع ميت مشددا ومخففا والمعنى إنهم ~~عندنا لمن المختارين من أبناء جنسهم من الأخيار. # { واذكر إسمعيل } قيل وجه إفراده بالذكر بعد ذكر أبيه، ~~وأخيه، وابن أخيه للإشعار بأنه عريق في الصبر الذي هو المقصود بالتذكير ~~هنا { واليسع وذا الكفل } قد تقدم ذكر اليسع، والكلام فيه في ~~الأنعام، وتقدم ذكر ذا الكفل، والكلام فيه في سورة الأنبياء، والمراد ~~من ذكر هؤلاء أنهم من جملة من صبر من الأنبياء، وتحملوا الشدائد في دين ~~الله. أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يذكرهم ليسلك مسلكهم في ~~الصبر { وكل من الأخيار } يعني الذين اختارهم ms3313 الله لنبوته، ~~واصطفاهم من خلقه. { هذا ذكر } الإشارة إلى ما تقدم من ذكر ~~أوصافهم، أي هذا ذكر جميل في الدنيا، وشرف يذكرون به أبدا { وإن ~~للمتقين لحسن مآب } أي لهم مع هذا الذكر الجميل حسن مآب في ~~الآخرة، والمآب المرجع، والمعنى أنهم يرجعون في الآخرة إلى مغفرة الله، ~~ورضوانه، ونعيم جنته. ثم بين حسن المرجع، فقال { جنت عدن } قرأ ~~الجمهور { جنات } بالنصب بدلا من حسن مآب، سواء كان جنات عدن معرفة، أو ~~نكرة لأن المعرفة تبدل من النكرة، وبالعكس، ويجوز أن يكون جنات عطف بيان ~~إن كانت نكرة، ولا يجوز ذلك فيها إن كانت معرفة على مذهب جمهور النحاة، ~~وقد جوزه بعضهم. ويجوز أن يكون نصب جنات بإضمار فعل. والعدن في الأصل ~~الإقامة، يقال عدن بالمكان إذا أقام فيه، وقيل هو اسم لقصر في الجنة، ~~وقرىء برفع جنات على أنها مبتدأ. وخبرها مفتحة، أو على أنها خبر مبتدأ ~~محذوف، أي هي جنات عدن، وقوله { مفتحة لهم الأبواب } حال ~~من جنات، والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل، والأبواب مرتفعة ~~باسم المفعول كقوله # وفتحت أبوبها # الزمر 43 والرابط بين الحال، وصاحبها ضمير مقدر، أي منها، أو الألف، ~~واللام لقيامه مقام الضمير، إذ الأصل أبوابها. وقيل إن ارتفاع الأبواب ~~على البدل من الضمير في مفتحة، العائد على جنات، وبه قال أبو علي ~~الفارسي أي مفتحة هي الأبواب. قال الفراء المعنى مفتحة أبوابها، والعرب ~~تجعل الألف، واللام خلفا من الإضافة. وقال الزجاج المعنى مفتحة لهم ~~الأبواب منها. قال الحسن إن الأبواب يقال لها انفتحي فتنفتح، انغلقي، ~~فتنغلق. وقيل تفتح لهم الملائكة الأبواب، وانتصاب { متكئين فيها ~~} على الحال من ضمير لهم، والعامل فيه مفتحة، وقيل هو حال من { ~~يدعون } قدمت على العامل { فيها } أي يدعون في الجنات حال كونهم ~~متكئين فيها { بفكهة كثيرة } أي بألوان متنوعة متكثرة من ~~الفواكه { وشراب } كثير، فحذف كثيرا لدلالة الأول عليه، وعلى جعل { ~~متكئين } حالا من ضمير لهم، والعامل فيه مفتحة، فتكون جملة { ~~يدعون } مستأنفة لبيان حالهم. # وقيل ms3314 إن يدعون في محل نصب على الحال من ضمير متكئين. { وعندهم ~~قصرت الطرف أتراب } أي قاصرات طرفهن على أزواجهن لا ينظرن ~~إلى غيرهم، وقد مضى بيانه في سورة الصافات. والأتراب المتحدات في السن، ~~أو المتساويات في الحسن. وقال مجاهد معنى أتراب أنهن متواخيات لا ~~يتباغضن، ولا يتغايرن. وقيل أترابا للأزواج. والأتراب جمع ترب، واشتقاقه ~~من التراب، لأنه يمسهن في وقت واحد لاتحاد مولدهن. { هذا ما ~~توعدون ليوم الحساب } أي هذا الجزاء الذي وعدتم به لأجل يوم ~~الحساب، فإن الحساب علة للوصول إلى الجزاء، أو المعنى في يوم الحساب. قرأ ~~الجمهور { ما توعدون } بالفوقية على الخطاب. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~وابن محيصن، ويعقوب بالتحتية على الخبر، واختار هذه القراءة أبو عبيد، ~~وأبو حاتم لقوله { وإن للمتقين } ، فإنه خبر { إن هذا ~~لرزقنا } أي إن هذا المذكور من النعم، والكرامات لرزقنا الذي أنعمنا ~~به عليكم { ما له من نفاد } أي انقطاع، ولا يفنى أبدا، ومثله ~~قوله # عطاء غير مجذوذ # هود 108 فنعم الجنة لا تنقطع عن أهلها. وقد أخرج أحمد في الزهد، وابن ~~أبي حاتم، وابن عساكر عن ابن عباس قال إن الشيطان عرج إلى السماء، فقال ~~يا رب سلطني على أيوب، قال الله لقد سلطتك على ماله، وولده، ولم أسلطك ~~على جسده، فنزل، فجمع جنوده، فقال لهم قد سلطت على أيوب، فأروني سلطانكم، ~~فصاروا نيرانا، ثم صاروا ماء، فبينما هم في المشرق إذا هم بالمغرب، ~~وبينما هم بالمغرب إذا هم بالمشرق. فأرسل طائفة منهم إلى زرعه، وطائفة ~~إلى أهله، وطائفة إلى بقره، وطائفة إلى غنمه، وقال إنه لا يعتصم منكم إلا ~~بالمعروف، فأتوه بالمصائب بعضها على بعض، فجاء صاحب الزرع، فقال يا أيوب ~~ألم تر إلى ربك أرسل على زرعك نارا، فأحرقته؟ ثم جاء صاحب الإبل، فقال ~~يا أيوب ألم تر إلى ربك أرسل إلى إبلك عدوا، فذهب بها؟ ثم جاء صاحب ~~البقر فقال يا أيوب ألم تر إلى ربك أرسل إلى بقرك عدوا، فذهب بها؟ ثم ~~جاءه صاحب الغنم فقال ms3315 يا أيوب ألم تر إلى ربك أرسل على غنمك عدوا، فذهب ~~بها؟ وتفرد هو لبنيه، فجمعهم في بيت أكبرهم، فبينما هم يأكلون، ويشربون ~~إذ هبت ريح، فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم، فجاء الشيطان إلى أيوب ~~بصورة غلام بأذنيه قرطان، فقال يا أيوب ألم تر إلى ربك جمع بنيك في بيت ~~أكبرهم، فبينما هم يأكلون، ويشربون إذ هبت ريح، فأخذت بأركان البيت، ~~فألقته عليهم، فلو رأيتهم حين اختلطت دماؤهم، ولحومهم بطعامهم، وشرابهم؟ ~~فقال له أيوب فأين كنت؟ قال كنت معهم، قال فكيف انفلت؟ قال انفلت، قال ~~أيوب أنت الشيطان ثم قال أيوب أنا اليوم كيوم ولدتني أمي، فقام، فحلق ~~رأسه، وقام يصلي، فرن إبليس رنة سمعها أهل السماء، وأهل الأرض، ثم عرج ~~إلى السماء، فقال أي رب إنه قد اعتصم، فسلطني عليه، فإني لا أستطيعه إلا ~~بسلطانك، قال قد سلطتك على جسده، ولم أسلطك على قلبه، فنزل، فنفخ تحت ~~قدمه نفخة قرح ما بين قدمه إلى قرنه، فصار قرحة واحدة، وألقي على الرماد ~~حتى بدا حجاب قلبه، فكانت امرأته تسعى عليه، حتى قالت له ألا ترى يا أيوب ~~قد نزل والله بي من الجهد والفاقة ما إن بعت قروني برغيف، فأطعمتك، فادع ~~الله أن يشفيك، ويريحك قال ويحك كنا في النعيم سبعين عاما، فاصبري حتى ~~نكون في الضراء سبعين عاما، فكان في البلاء سبع سنين، ودعا، فجاء جبريل ~~يوما، فدعا بيده، ثم قال قم، فقام، فنحاه عن مكانه، وقال اركض برجلك هذا ~~مغتسل بارد، وشراب، فركض برجله، فنبعت عين، فقال اغتسل، فاغتسل منها، ثم ~~جاء أيضا، فقال اركض برجلك، فنبعت عين أخرى فقال له اشرب منها، وهو قوله ~~{ اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب } ، وألبسه ~~الله حلة من الجنة، فتنحى أيوب، فجلس في ناحية، وجاءت امرأته، فلم تعرفه، ~~فقالت يا عبد الله أين المبتلي الذي كان ها هنا؟ لعل الكلاب قد ذهبت به، ~~أو الذئاب، وجعلت تكلمه ساعة، فقال ويحك أنا أيوب قد رد الله علي جسدي، ~~ورد عليه ماله، وولده ms3316 عيانا، ومثلهم معهم، وأمطر عليه جرادا من ذهب، ~~فجعل يأخذ الجراد بيده، ثم يجعله في ثوبه، وينشر كساءه، ويأخذه، فيجعل ~~فيه، فأوحى الله إليه يا أيوب أما شبعت؟ قال يا رب من ذا الذي يشبع من ~~فضلك، ورحمتك؟ وفي هذا نكارة شديدة، فإن الله سبحانه لا يمكن الشيطان من ~~نبي من أنبيائه، ويسلط عليه هذا التسليط العظيم. # وأخرج أحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن ابن ~~عباس قال إن إبليس قعد على الطريق، وأخذ تابوتا يداوي الناس، فقالت ~~امرأة أيوب يا عبد الله إن ها هنا مبتلى من أمره كذا وكذا، فهل لك أن ~~تداويه؟ قال نعم بشرط إن أنا شفيته أن يقول أنت شفيتني لا أريد منه أجرا ~~غيره. فأتت أيوب، فذكرت له ذلك، فقال ويحك ذاك الشيطان، لله علي إن ~~شفاني الله أن أجلدك مائة جلدة، فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثا، ~~فيضربها به، فأخذ عذقا فيه مائة شمراخ، فضربها ضربة واحدة. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر عنه في قوله { وخذ بيدك ضغثا } ~~قال هو الأسل. # وأخرج ابن المنذر عنه أيضا قال الضغث القبضة من المرعى الرطب. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضا قال الضغث الحزمة. وأخرج أحمد، وعبد ~~بن حميد، وابن جرير، والطبراني، وابن عساكر من طريق أبي أمامة بن سهل بن ~~حنيف قال " حملت وليدة في بني ساعدة من زنا، فقيل لها ممن حملك؟ قالت من ~~فلان المقعد، فسئل المقعد، فقال صدقت. فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال # " خذوا عثكولا فيه مائة شمراخ، فاضربوه به ضربة واحدة " # وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، والطبراني، وابن عساكر نحوه من ~~طريق أخرى عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن سعيد بن سعد بن عبادة. وأخرج ~~الطبراني عن سهل بن سعد نحوه. وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود قال أيوب رأس ~~الصابرين يوم القيامة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ms3317 عن ~~ابن عباس في قوله { أولى الأيدى } قال القوة في العبادة { ~~والأبصر } قال الفقه في الدين. وأخرج ابن أبي حاتم عنه { أولى ~~الأيدى } قال النعمة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { إنا ~~أخلصنهم بخالصة ذكرى الدار } قال أخلصوا بذكر دار ~~الآخرة أن يعملوا لها. ### || [38.55-70] # قوله { هذا } قال الزجاج هذا خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر هذا، فيوقف ~~على هذا. قال ابن الأنباري وهذا وقف حسن، ثم يبتدىء { وإن ~~للطغين } ، ويجوز أن يكون هذا مبتدأ، وخبره محذوف، أي هذا كما ~~ذكر، أو هذا ذكر. ثم ذكر سبحانه ما لأهل الشر بعد أن ذكر ما لأهل الخير، ~~فقال { وإن للطغين لشر مآب } أي الذين طغوا على الله، ~~وكذبوا رسله { لشر مئاب } لشر منقلب ينقلبون إليه، ثم بين ذلك، ~~فقال { جهنم يصلونها } ، وانتصاب { جهنم } على أنها بدل من { ~~شر مآب } ، أو منصوبة بأعني، ويجوز أن يكون عطف بيان على قول البعض كما ~~سلف قريبا، ويجوز أن يكون منصوبا على الاشتغال، أي يصلون جهنم يصلونها، ~~ومعنى { يصلونها } يدخلونها، وهو في محل نصب على الحالية { فبئس ~~المهاد } أي بئس ما مهدوا لأنفسهم، وهو الفراش، مأخوذ من مهد الصبي، ~~ويجوز أن يكون المراد بالمهد الموضع، والمخصوص بالذم محذوف، أي بئس ~~المهاد هي كما في قوله # لهم من جهنم مهاد # الأعراف 41 شبه الله سبحانه ما تحتهم من نار جهنم بالمهاد { هذا ~~فليذوقوه حميم وغساق } هذا في موضع رفع بالابتداء، وخبره ~~حميم، وغساق على التقديم والتأخير، أي هذا حميم، وغساق، فليذوقوه. قال ~~الفراء، والزجاج تقدير الآية هذا حميم وغساق فليذوقوه، أو يقال لهم في ~~ذلك اليوم هذه المقالة. والحميم الماء الحار الذي قد انتهى حره، ~~والغساق ما سال من جلود أهل النار من القيح، والصديد، من قولهم غسقت عينه ~~إذا انصبت، والغسقان الانصباب. قال النحاس ويجوز أن يكون المعنى الأمر ~~هذا، وارتفاع حميم وغساق على أنهما خبران لمبتدأ محذوف، أي هو حميم، ~~وغساق، ويجوز أن يكون هذا في موضع نصب بإضمار فعل يفسره ما بعده، ms3318 أي ~~ليذوقوا هذا، فليذوقوه، ويجوز أن يكون حميم مرتفع على الابتداء، وخبره ~~مقدر قبله، أي منه حميم، ومنه غساق، ومثله قول الشاعر # حتى إذا ما أضاء البرق في غلس وغودر البقل ملوي ومخضود # أي منه ملوي، ومنه مخضود، وقيل الغساق ما قتل ببرده، ومنه قيل لليل ~~غاسق، لأنه أبرد من النهار، وقيل هو الزمهرير، وقيل الغساق المنتن، وقيل ~~الغساق عين في جهنم يسيل منه كل ذوب حية، وعقرب. وقال قتادة هو ما يسيل ~~من فروج النساء الزواني، ومن نتن لحوم الكفرة، وجلودهم. وقال محمد بن كعب ~~هو عصارة أهل النار، وقال السدي الغساق الذي يسيل من دموع أهل النار ~~يسقونه مع الحميم، وكذا قال ابن زيد. وقال مجاهد، ومقاتل هو الثلج البارد ~~الذي قد انتهى برده، وتفسير الغساق بالبارد أنسب بما تقتضيه لغة العرب، ~~ومنه قول الشاعر # إذا ما تذكرت الحياة وطيبها إلي جرى دمع من الليل غاسق # أي بارد، وأنسب أيضا بمقابلة الحميم. وقرأ أهل المدينة، وأهل البصرة، ~~وبعض الكوفيين بتخفيف السين من غساق، وقرأ يحيى بن وثاب، والأعمش، وحمزة ~~بالتشديد، وهما لغتان بمعنى واحد كما قال الأخفش. وقيل معناهما مختلف فمن ~~خفف، فهو اسم مثل عذاب، وجواب، وصواب، ومن شدد قال هو اسم فاعل للمبالغة ~~نحو ضراب، وقتال { وءاخر من شكله } قرأ الجمهور { وآخر } مفرد ~~مذكر، وقرأ أبو عمرو " وأخر " بضم الهمزة على أنه جمع، وأنكر قراءة ~~الجمهور لقوله أزواج، وأنكر عاصم الجحدري قراءة أبي عمرو، وقال لو كانت ~~كما قرأ لقال من شكلها، وارتفاع آخر على أنه مبتدأ، وخبره أزواج، ويجوز ~~أن يكون من شكله خبرا مقدما، وأزواج مبتدأ مؤخرا، والجملة خبر آخر، ~~ويجوز أن يكون خبرا آخر مقدرا، أي وآخر لهم، و { من شكله أزوج ~~} جملة مستقلة ومعنى الآية على قراءة الجمهور وعذاب آخر، أو مذوق آخر، أو ~~نوع آخر من شكل العذاب، أو المذوق، أو النوع الأول، والشكل المثل، وعلى ~~القراءة الثانية يكون معنى الآية ومذوقات أخر، أو أنواع أخر من شكل ذلك ~~المذوق، أو ms3319 النوع المتقدم. وإفراد الضمير في شكله على تأويل المذكور، أي ~~من شكل المذكور، ومعنى { أزوج } أجناس، وأنواع وأشباه. وحاصل معنى ~~الآية أن لأهل النار حميما، وغساقا، وأنواعا من العذاب من مثل الحميم، ~~والغساق. قال الواحدي قال المفسرون هو الزمهرير، ولا يتم هذا الذي حكاه ~~عن المفسرين إلا على تقدير أن الزمهرير أنواع مختلفة، وأجناس متفاوتة ~~ليطابق معنى أزواج، أو على تقدير أن لكل فرد من أهل النار زمهريرا. { ~~هذا فوج مقتحم معكم } الفوج الجماعة، والاقتحام. ~~الدخول، وهذا حكاية لقول الملائكة الذين هم خزنة النار، وذلك أن القادة ~~والرؤساء إذا دخلوا النار، ثم دخل بعدهم الأتباع. قالت الخزنة للقادة هذا ~~فوج، يعنون الأتباع { مقتحم معكم } أي داخل معكم إلى النار، ~~وقوله { لا مرحبا بهم } من قول القادة والرؤساء لما قالت لهم ~~الخزنة ذلك قالوا لا مرحبا بهم، أي لا اتسعت منازلهم في النار، والرحب ~~السعة، والمعنى لا كرامة لهم، وهذا إخبار من الله سبحانه بانقطاع المودة ~~بين الكفار، وأن المودة التي كانت بينهم تصير عداوة. وجملة لا مرحبا ~~بهم دعائية لا محل لها من الإعراب، أو صفة للفوج، أو حال منه، أو بتقدير ~~القول، أي مقولا في حقهم لا مرحبا بهم. وقيل إنها من تمام قول الخزنة. ~~والأول أولى كما يدل عليه جواب الأتباع الآتي، وجملة { إنهم صالو ~~النار } تعليل من جهة القائلين لا مرحبا بهم، أي إنهم صالوا النار ~~كما صليناها، ومستحقون لها كما استحقيناها. # وجملة { قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم } مستأنفة جواب ~~سؤال مقدر، أي قال الأتباع عند سماع ما قاله الرؤساء لهم بل أنتم لا ~~مرحبا بكم، أي لا كرامة لكم، ثم عللوا ذلك بقولهم { أنتم ~~قدمتموه لنا } أي أنتم قدمتم العذاب أو الصلي لنا، وأوقعتمونا ~~فيه، ودعوتمونا إليه بما كنتم تقولون لنا من أن الحق ما أنتم عليه، وأن ~~الأنبياء غير صادقين فيما جاءوا به { بئس القرار } أي بئس المقر ~~جهنم لنا، ولكم. ثم حكي عن الأتباع أيضا أنهم أردفوا هذا القول بقول ~~آخر، وهو { قالوا ms3320 ربنا من قدم لنا هذا فزده ~~عذابا ضعفا فى النار } أي زده عذابا ذا ضعف، والضعف بأن يزيد ~~عليه مثله، ومعنى من { قدم لنا هذا } من دعانا إليه، وسوغه لنا. قال ~~الفراء المعنى من سوغ لنا هذا، وسنه، وقيل معناه قدم لنا هذا العذاب ~~بدعائه إيانا إلى الكفر، فزده عذابا ضعفا في النار، أي عذابا بكفره، ~~وعذابا بدعائه إيانا، فصار ذلك ضعفا، ومثله قوله سبحانه # ربنا هؤلاء أضلونا فئاتهم عذابا ضعفا من ~~النار # الأعراف 38 وقوله # ربنا ءاتهم ضعفين من العذاب # الأحزاب 68 وقيل المراد بالضعف هنا الحيات، والعقارب. { وقالوا ما ~~لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار } قيل هو ~~من قول الرؤساء، وقيل من قول الطاغين المذكورين سابقا. قال الكلبي ~~ينظرون في النار، فلا يرون من كان يخالفهم من المؤمنين معهم فيها، فعند ~~ذلك قالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار. وقيل يعنون فقراء ~~المؤمنين كعمار، وخباب، وصهيب، وبلال، وسالم، وسلمان. وقيل أرادوا أصحاب ~~محمد على العموم { أتخذنهم سخريا أم زاغت عنهم ~~الأبصر } قال مجاهد المعنى أتخذناهم سخريا في الدنيا، فأخطأنا، أم ~~زاغت عنهم الأبصار، فلم نعلم مكانهم؟ والإنكار المفهوم من الاستفهام ~~متوجه إلى كل واحد من الأمرين. قال الحسن كل ذلك قد فعلوا اتخذوهم ~~سخريا، وزاغت عنهم أبصارهم. قال الفراء والاستفهام هنا بمعنى التوبيخ، ~~والتعجب. قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وابن كثير، والأعمش بحذف همزة ~~اتخذناهم في الوصل. وهذه القراءة تحتمل أن يكون الكلام خبرا محضا، ~~وتكون الجملة في محل نصب صفة ثانية ل { رجالا } ، وأن يكون المراد ~~الاستفهام، وحذفت أداته لدلالة أم عليها، فتكون أم على الوجه الأول ~~منقطعة بمعنى بل، والهمزة، أي بل أزاغت عنهم الأبصار على معنى توبيخ ~~أنفسهم على الاستسخار، ثم الإضراب، والانتقال منه إلى التوبيخ على ~~الازدراء، والتحقير، وعلى الثاني أم هي المتصلة. وقرأ الباقون بهمزة ~~استفهام سقطت لأجلها همزة الوصل، ولا محل للجملة حينئذ، وفيه التوبيخ ~~لأنفسهم على الأمرين جميعا لأن أم على هذه القراءة هي للتسوية. وقرأ ms3321 أبو ~~جعفر، ونافع، وشيبة، والمفضل، وهبيرة، ويحيى بن وثاب، والأعمش، وحمزة، ~~والكسائي سخريا بضم السين، وقرأ الباقون بكسرها. # قال أبو عبيدة من كسر جعله من الهزء، ومن ضم جعله من التسخير، والإشارة ~~بقوله { إن ذلك } إلى ما تقدم من حكاية حالهم، وخبر إن قوله { ~~لحق } أي لواقع ثابت في الدار الآخرة لا يتخلف ألبتة، و { تخاصم ~~أهل النار } خبر مبتدأ محذوف، والجملة بيان لذلك، وقيل بيان لحق، ~~وقيل بدل منه، وقيل بدل من محل ذلك، ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر، وهذا ~~على قراءة الجمهور برفع تخاصم. والمعنى إن ذلك الذي حكاه الله عنهم لحق ~~لا بد أن يتكلموا به، وهو تخاصم أهل النار فيها، وما قالته الرؤساء ~~للأتباع، وما قالته الأتباع لهم. وقرأ ابن أبي عبلة بنصب «تخاصم» على أنه ~~بدل من ذلك، أو بإضمار أعني. وقرأ ابن السميفع «تخاصم» بصيغة الفعل ~~الماضي، فتكون جملة مستأنفة. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه ~~وسلم أن يقول قولا جامعا بين التخويف، والإرشاد إلى التوحيد، فقال { ~~قل إنما أنا منذر } أي مخوف لكم من عقاب الله، وعذابه { ~~وما من إله } يستحق العبادة { إلا الله الوحد } الذي ~~لا شريك له { القهار } لكل شيء سواه. { رب السموات ~~والأرض وما بينهما } من المخلوقات { العزيز } الذي لا ~~يغالبه مغالب { الغفار } لمن أطاعه، وقيل معنى { العزيز } ~~المنيع الذي لا مثل له، ومعنى { الغفار } الستار لذنوب خلقه. ثم ~~أمره سبحانه أن يبالغ في إنذارهم، ويبين لهم عظم الأمر، وجلالته، فقال { ~~قل هو نبأ عظيم } أي ما أنذرتكم به من العقاب وما بينته لكم من ~~التوحيد هو خبر عظيم، ونبأ جليل، من شأنه العناية به، والتعظيم له، وعدم ~~الاستخفاف به، ومثل هذه الآية قوله # عم يتساءلون * عن النبإ العظيم # النبأ 1، 2، وقال مجاهد، وقتادة، ومقاتل هو القرآن، فإنه نبأ عظيم لأنه ~~كلام الله. قال الزجاح قل النبأ الذي أنبأتكم به عن الله نبأ عظيم، يعني ~~ما أنبأهم به من قصص الأولين، وذلك دليل على صدقه، ونبوته لأنه لم ms3322 يعلم ~~ذلك إلا بوحي من الله، وجملة { أنتم عنه معرضون } توبيخ لهم، ~~وتقريع لكونهم أعرضوا عنه، ولم يتفكروا فيه، فيعلموا صدقه، ويستدلوا به ~~على ما أنكروه من البعث. وقوله { ما كان لى من علم ~~بالملإ الأعلى } استئناف مسوق لتقرير أنه نبأ عظيم، والملأ ~~الأعلى هم الملائكة { إذ يختصمون } أي وقت اختصامهم فقوله { ~~بالملإ الأعلى } متعلق بعلم على تضمينه معنى الإحاطة، وقوله { ~~إذ يختصمون } متعلق بمحذوف، أي ما كان لي فيما سبق علم بوجه من ~~الوجوه بحال الملأ الأعلى وقت اختصامهم، والضمير في { يختصمون } راجع إلى ~~الملأ الأعلى، والخصومة الكائنة بينهم هي في أمر آدم كما يفيده ما سيأتي ~~قريبا. # وجملة { إن يوحى إلى إلا أنما أنا نذير مبين } ~~معترضة بين اختصامهم المجمل، وبين تفصيله بقوله { إذ قال ربك ~~للملئكة }. والمعنى ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين. قال ~~الفراء المعنى ما يوحى إلي إلا أنني نذير مبين أبين لكم ما تأتون من ~~الفرائض، والسنن، وما تدعون من الحرام، والمعصية. قال كأنك قلت ما يوحى ~~إلي إلا الإنذار. قال النحاس ويجوز أن تكون في محل نصب، بمعنى ما يوحى ~~إلي إلا لأنما أنا نذير مبين. قرأ الجمهور بفتح همزة أنما على أنها وما ~~في حيزها في محل رفع لقيامها مقام الفاعل، أي ما يوحى إلي إلا الإنذار، ~~أو إلا كوني نذيرا مبينا، أو في محل نصب، أو جر بعد إسقاط لام العلة، ~~والقائم مقام الفاعل على هذا الجار والمجرور. وقرأ أبو جعفر بكسر الهمزة ~~لأن في الوحي معنى القول، وهي القائمة مقام الفاعل على سبيل الحكاية، ~~كأنه قيل ما يوحى إلي إلا هذه الجملة المتضمنة لهذا الإخبار، وهو أن ~~أقول لكم إنما أنا نذير مبين. وقيل إن الضمير في { يختصمون } عائد إلى ~~قريش يعني قول من قال منهم الملائكة بنات الله، والمعنى ما كان لي علم ~~بالملائكة إذ تختصم فيهم قريش، والأول أولى. وقد أخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر عن ابن عباس في قوله { وغساق } قال الزمهرير { وءاخر من ~~شكله ms3323 } قال من نحوه { أزوج } قال ألوان من العذاب. وأخرج أحمد، ~~والترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا " # قال الترمذي بعد إخراجه لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد. قلت ورشدين ~~فيه مقال معروف. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن ~~مسعود في قوله { فزده عذابا ضعفا فى النار } قال أفاعي، ~~وحيات. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~بالملإ الأعلى } قال الملائكة حين شوروا في خلق آدم، فاختصموا ~~فيه، وقالوا لا تجعل في الأرض خليفة. وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله { ما كان لى من علم ~~بالملإ الأعلى إذ يختصمون } قال هي الخصومة في شأن آدم ~~حيث قالوا # أتجعل فيها من يفسد فيها # البقرة 30. وأخرج عبد الرزاق، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، ~~وابن نصر في كتاب الصلاة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أتاني الليلة ربي في أحسن صورة، أحسبه قال في المنام - قال يا محمد، ~~هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت لا، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت ~~بردها بين ثديي، أو في نحري، فعلمت ما في السموات، والأرض، ثم قال لي ~~يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت نعم في الكفارات، ~~والكفارات المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى ~~الجماعات، وإبلاغ الوضوء في المكاره " # ، الحديث. وأخرج الترمذي وصححه، ومحمد بن نصر، والطبراني، والحاكم، وابن ~~مردويه من حديث معاذ بن جبل نحوه بأطول منه، وقال # " وإسباغ الوضوء في السبرات " # وأخرج الطبراني، وابن مردويه من حديث جابر بن سمرة نحوه بأخصر منه. ~~وأخرجا أيضا من حديث أبي هريرة نحوه، وفي الباب أحاديث. ### || [38.71-88] # لما ذكر سبحانه خصومة الملائكة إجمالا فيما تقدم ذكرها هنا تفصيلا، ~~فقال ms3324 { إذ قال ربك للملئكة } " إذ " هذه هي بدل من { ~~إذ يختصمون } لاشتمال ما في حيز هذه على الخصومة. وقيل هي منصوبة ~~بإضمار اذكر، والأول أولى إذا كانت خصومة الملائكة في شأن من يستخلف في ~~الأرض. وأما إذا كانت في غير ذلك مما تقدم ذكره، فالثاني أولى { إنى ~~خلق بشرا من طين } أي خالق فيما سيأتي من الزمن { بشرا } ~~أي جسما من جنس البشر مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه بادي البشرة. ~~وقوله { من طين } متعلق بمحذوف هو صفة لبشر، أو بخالق، ومعنى { ~~فإذا سويته } صورته على صورة البشر، وصارت أجزاؤه مستوية { ~~ونفخت فيه من روحى } أي من الروح الذي أملكه، ولا يملكه غيري. ~~وقيل هو تمثيل، ولا نفخ، ولا منفوخ فيه. والمراد جعله حيا بعد أن كان ~~جمادا لا حياة فيه. وقد مر الكلام في هذا في سورة النساء { فقعوا ~~له سجدين } هو أمر من وقع يقع، وانتصاب { ساجدين } على الحال، ~~والسجود هنا هو سجود التحية لا سجود العبادة، وقد مضى تحقيقه في سورة ~~البقرة. { فسجد الملئكة } في الكلام حذف تدل عليه الفاء، ~~والتقدير فخلقه، فسواه، ونفخ فيه من روحه، فسجد له الملائكة. وقوله { ~~كلهم } يفيد أنهم سجدوا جميعا، ولم يبق منهم أحد. وقوله { ~~أجمعون } يفيد أنهم اجتمعوا على السجود في وقت واحد، فالأول لقصد ~~الإحاطة، والثاني لقصد الاجتماع. قال في الكشاف فأفادا معا أنهم سجدوا ~~عن آخرهم ما بقي منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا في وقت واحد غير ~~متفرقين في أوقات. وقيل إنه أكد بتأكيدين للمبالغة في التعميم { إلا ~~إبليس } الاستثناء متصل على تقدير أنه كان متصفا بصفات الملائكة ~~داخلا في عدادهم، فغلبوا عليه، أو منقطع على ما هو الظاهر من عدم دخوله ~~فيهم، أي لكن إبليس { استكبر } أي أنف من السجود جهلا منه بأنه ~~طاعة لله، وكان استكباره استكبار كفر، فلذلك { كان من الكفرين ~~} أي صار منهم بمخالفته لأمر الله، واستكباره عن طاعته، أو كان من ~~الكافرين في علم الله سبحانه، وقد تقدم الكلام على ms3325 هذا مستوفى في سورة ~~البقرة، والأعراف، وبني إسرائيل، والكهف، وطه. ثم إن الله سبحانه سأله عن ~~سبب تركه للسجود الذي أمره به فقال { ياإبليس ما منعك أن ~~تسجد لما خلقت بيدى } أي ما صرفك، وصدك عن السجود لما ~~توليت خلقه من غير واسطة؟ وأضاف خلقه إلى نفسه تكريما له، وتشريفا، مع ~~أنه سبحانه خالق كل شيء كما أضاف إلى نفسه الروح، والبيت، والناقة، ~~والمساجد. # قال مجاهد اليد هنا بمعنى التأكيد، والصلة مجازا كقوله # ويبقى وجه ربك # الرحمن 27. وقيل أراد باليد القدرة، يقال ما لي بهذا الأمر يد، وما لي ~~به يدان أي قدرة، ومنه قول الشاعر # تحملت من عفراء ما ليس لي به ولا للجبال الراسيات يدان # وقيل التثنية في اليد للدلالة على أنها ليس بمعنى القوة، والقدرة، بل ~~للدلالة على أنهما صفتان من صفات ذاته سبحانه، و «ما» في قوله { لما ~~خلقت } هي المصدرية، أو الموصولة. وقرأ الجحدري لما بالتشديد مع فتح ~~اللام على أنها ظرف بمعنى حين كما قال أبو علي الفارسي. وقرىء " بيدي " ~~على الإفراد { أستكبرت } قرأ الجمهور بهمزة الاستفهام، وهو ~~استفهام توبيخ، وتقريع و { أم } متصلة. وقرأ ابن كثير في رواية عنه، ~~وأهل مكة بألف وصل، ويجوز أن يكون الاستفهام مرادا، فيوافق القراءة ~~الأولى كما في قول الشاعر # تروح من الحي أم تبتكر # وقول الآخر # بسبع رمين الجمر أم بثمانيا # ويحتمل أن يكون خبرا محضا من غير إرادة للاستفهام، فتكون «أم» منقطعة، ~~والمعنى استكبرت عن السجود الذي أمرت به بل أكنت من العلين، أي ~~المستحقين للترفع عن طاعة أمر الله المتعالين عن ذلك، وقيل المعنى ~~استكبرت عن السجود الآن، أم لم تزل من القوم الذين يتكبرون عن ذلك؟ وجملة ~~{ قال أنا خير منه } مستأنفة جواب سؤال مقدر، ادعى اللعين ~~لنفسه أنه خير من آدم، وفي ضمن كلامه هذا أن سجود الفاضل للمفضول لا ~~يحسن. ثم علل ما ادعاه من كونه خيرا منه بقوله { خلقتني من ~~نار وخلقته من طين } ، وفي زعمه أن عنصر النار أشرف من ms3326 عنصر ~~الطين، وذهب عنه أن النار إنما هي بمنزلة الخادم لعنصر الطين إن احتيج ~~إليها استدعيت كما يستدعى الخادم، وإن استغنى عنها طردت، وأيضا فالطين ~~يستولي على النار، فيطفئها، وأيضا فهي لا توجد إلا بما أصله من عنصر ~~الأرض، وعلى كل حال، فقد شرف آدم بشرف، وكرم بكرامة لا يوازيها شيء من ~~شرف العناصر، وذلك أن الله خلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، والجواهر في ~~أنفسها متجانسة، وإنما تشرف بعارض من عوارضها. وجملة { قال فاخرج ~~منها } مستأنفة كالتي قبلها، أي فاخرج من الجنة، أو من زمرة الملائكة، ~~ثم علل أمره بالخروج بقوله { فإنك رجيم } أي مرجوم بالكواكب ~~مطرود من كل خير { وإن عليك لعنتى إلى يوم الدين } ~~أي طردي لك عن الرحمة، وإبعادي لك منها، ويوم الدين يوم الجزاء، فأخبر ~~سبحانه وتعالى أن تلك اللعنة مستمرة له دائمة عليه ما دامت الدنيا، ثم ~~في الآخرة يلقى من أنواع عذاب الله، وعقوبته، وسخطه ما هو به حقيق، وليس ~~المراد أن اللعنة تزول عنه في الآخرة، بل هو ملعون أبدا، ولكن لما كان ~~له في الآخرة ما ينسى عنده اللعنة، ويذهل عند الوقوع فيه منها صارت كأنها ~~لم تكن بجنب ما يكون فيه، وجملة { قال رب فأنظرنى إلى يوم ~~يبعثون } مستأنفة كما تقدم فيما قبلها أي أمهلني، ولا تعاجلني إلى ~~غاية هي يوم يبعثون يعني آدم، وذريته { قال فإنك من ~~المنظرين } أي الممهلين { إلى يوم الوقت المعلوم } ~~الذي قدره الله لفناء الخلائق، وهو عند النفخة الآخرة، وقيل هو النفخة ~~الأولى. # قيل إنما طلب إبليس الإنظار إلى يوم البعث ليتخلص من الموت، لأنه إذا ~~أنظر إلى يوم البعث لم يمت قبل البعث، وعند مجيء البعث لا يموت، فحينئذ ~~يتخلص من الموت. فأجيب بما يبطل مراده، وينقض عليه مقصده، وهو الإنظار ~~إلى يوم الوقت المعلوم، وهو الذي يعلمه الله، ولا يعلمه غيره. فلما سمع ~~اللعين إنظار الله له إلى ذلك الوقت قال { فبعزتك لأغوينهم ~~أجمعين } فأقسم بعزة الله أنه يضل بني آدم بتزيين الشهوات ms3327 لهم، ~~وإدخال الشبه عليهم حتى يصيروا غاوين جميعا. ثم لما علم أن كيده لا ينجع ~~إلا في أتباعه، وأحزابه من أهل الكفر، والمعاصي، استثنى من لا يقدر على ~~إضلاله، ولا يجد السبيل إلى إغوائه، فقال { إلا عبادك منهم ~~المخلصين } أي الذين أخلصتهم لطاعتك، وعصمتهم من الشيطان الرجيم، ~~وقد تقدم تفسير هذه الآيات في سورة الحجر، وغيرها. وقد أقسم ها هنا ~~بعزة الله، وأقسم في موضع آخر بقوله # فبما أغويتنى # الأعراف 16 ولا تنافي بين القسمين، فإن إغواءه إياه من آثار عزته ~~سبحانه، وجملة { قال فالحق والحق أقول } مستأنفة كالجمل ~~التي قبلها. قرأ الجمهور بنصب الحق في الموضعين على أنه مقسم به حذف منه ~~حرف القسم، فانتصب، أو هما منصوبان على الإغراء، أي الزموا الحق، أو ~~مصدران مؤكدان لمضمون قوله { لأملان جهنم } ، وقرأ ابن عباس، ~~ومجاهد، والأعمش، وعاصم، وحمزة برفع الأول، ونصب الثاني، فرفع الأول ~~على أنه مبتدأ، وخبره مقدر، أي فالحق مني، أو فالحق أنا، أو خبره ~~لأملأن، أو هو خبر مبتدأ محذوف، وأما نصب الثاني، فبالفعل المذكور بعده ~~أي وأنا أقول الحق، وأجاز الفراء، وأبو عبيد أن يكون منصوبا بمعنى حقا ~~لأملأن جهنم. واعترض عليهما بأن ما بعد اللام مقطوع عما قبلها. وروي عن ~~سيبويه، والفراء أيضا أن المعنى فالحق أن إملاء جهنم. وروي عن ابن عباس، ~~ومجاهد أنهما قرآ برفعها، فرفع الأول على ما تقدم، ورفع الثاني ~~بالابتداء، وخبره الجملة المذكورة بعده، والعائد محذوف. وقرأ ابن ~~السميفع، وطلحة بن مصرف بخفضهما على تقدير حرف القسم. قال الفراء كما ~~يقول الله عز وجل لأفعلن كذا، وغلطه أبو العباس ثعلب وقال لا يجوز ~~الخفض بحرف مضمر، وجملة { لأملان جهنم } جواب القسم على قراءة ~~الجمهور، وجملة { والحق أقول } معترضة بين القسم، وجوابه، ومعنى ~~{ منك } أي من جنسك من الشياطين { وممن تبعك منهم } أي من ~~ذرية آدم، فأطاعوك إذ دعوتهم إلى الضلال، والغواية و { أجمعين } ~~تأكيد للمعطوف، والمعطوف عليه، أي لأملأنها من الشياطين، وأتباعهم ~~أجمعين. # ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يخبرهم ms3328 بأنه إنما يريد بالدعوة إلى الله ~~امتثال أمره لا عرض الدنيا الزائل، فقال { قل ما أسألكم ~~عليه من أجر } والضمير في { عليه } راجع إلى تبليغ الوحي، ولم ~~يتقدم له ذكر، ولكنه مفهوم من السياق. وقيل هو عائد إلى ما تقدم من ~~قوله # أءنزل عليه الذكر من بيننا # ص 8 وقيل الضمير راجع إلى القرآن، وقيل إلى الدعاء إلى الله على ~~العموم، فيشمل القرآن، وغيره من الوحي، ومن قول الرسول صلى الله عليه ~~وسلم. والمعنى ما أطلب منكم من جعل تعطونيه عليه { وما أنا من ~~المتكلفين } حتى أقول ما لا أعلم إذ أدعوكم إلى غير ما أمرني الله ~~بالدعوة إليه، والتكلف التصنع. { إن هو إلا ذكر ~~للعلمين } أي ما هذا القرآن، أو الوحي، أو ما أدعوكم إليه إلا ~~ذكر من الله عز وجل للجن، والإنس. قال الأعمش ما القرآن إلا موعظة ~~للخلق أجمعين { ولتعلمن } أيها الكفار { نبأه } أي ما أنبأ ~~عنه، وأخبر به من الدعاء إلى الله، وتوحيده، والترغيب إلى الجنة، ~~والتحذير من النار { بعد حين } قال قتادة، والزجاج، والفراء بعد ~~الموت. وقال عكرمة، وابن زيد يوم القيامة. وقال الكلبي من بقي علم ذلك ~~لما ظهر أمره، وعلا، ومن مات علمه بعد الموت. وقال السدي وذلك يوم بدر. ~~وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس { إذ يختصمون } أن الخصومة هي { ~~إذ قال ربك } إلخ. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ في العظمة، ~~والبيهقي عن ابن عمر قال خلق الله أربعا بيده العرش، وجنة عدن، والقلم، ~~وآدم. وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة، وأبو الشيخ في العظمة، ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن الحارث قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " خلق الله ثلاثة أشياء بيده خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس ~~الفردوس بيده " # ، وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد ~~في قوله { فالحق والحق أقول } قال أنا الحق أقول الحق. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { قل ما ms3329 أسألكم ~~عليه من أجر } قال قل يا محمد { ما أسألكم عليه } ما ~~أدعوكم إليه { من أجر } عرض دنيا. وفي البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ~~مسروق قال بينما رجل يحدث في المسجد، فقال فيما يقول # يوم تأتى السماء بدخان مبين # الدخان 10 قال دخان يكون يوم القيامة يأخذ بأسماع المنافقين، وأبصارهم، ~~ويأخذ المؤمنين كهيئة الزكام، قال قمنا حتى دخلنا على عبد الله، وهو في ~~بيته، وكان متكئا، فاستوى قاعدا، فقال يا أيها الناس من علم منكم ~~علما، فليقل به، ومن لم يعلم، فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول ~~العالم لما لا يعلم الله أعلم، قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~{ قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من ~~المتكلفين }. وأخرج البخاري عن عمر قال نهينا عن التكلف. وأخرج ~~الطبراني، والحاكم، والبيهقي عن سلمان قال نهانا رسول الله أن نتكلف ~~للضيف. ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1-6] # قوله { تنزيل الكتب } ارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف هو اسم ~~إشارة، أي هذا تنزيل. وقال أبو حيان إن المبتدأ المقدر لفظ هو ليعود على ~~قوله # إن هو إلا ذكر للعلمين # ص 87، كأنه قيل وهذا الذكر ما هو؟ فقيل هو تنزيل الكتاب. وقيل ارتفاعه ~~على أنه مبتدأ، وخبره الجار والمجرور بعده، أي تنزيل كائن من الله، وإلى ~~هذا ذهب الزجاج، والفراء. قال الفراء ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى هذا ~~تنزيل، وأجاز الفراء، والكسائي النصب على أنه مفعول به لفعل مقدر، أي ~~اتبعوا، أو اقرءوا تنزيل الكتاب. وقال الفراء يجوز نصبه على الإغراء، أي ~~الزموا، والكتاب هو القرآن، وقوله { من الله العزيز الحكيم ~~} على الوجه الأول صلة للتنزيل، أو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف، أو ~~متعلق بمحذوف على أنه حال عمل فيه اسم الإشارة المقدر { إنا ~~أنزلنا إليك الكتب بالحق } الباء سببية متعلقة ~~بالإنزال، أي أنزلناه بسبب الحق، ويجوز أن تتعلق بمحذوف هو حال من ~~الفاعل، أي ملتبسين بالحق، أو من المفعول، أي ملتبسا بالحق، والمراد كل ~~ما فيه من إثبات التوحيد، ms3330 والنبوة، والمعاد، وأنواع التكاليف. قال مقاتل ~~يقول لم ننزله باطلا لغير شيء { فاعبد الله مخلصا له ~~الدين } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وانتصاب مخلصا على الحال ~~من فاعل اعبد، والإخلاص أن يقصد العبد بعمله وجه الله سبحانه، والدين ~~العبادة، والطاعة، ورأسها توحيد الله، وأنه لا شريك له. قرأ الجمهور { ~~الدين } بالنصب على أنه مفعول مخلصا. وقرأ ابن أبي عبلة برفعه على أن ~~مخلصا مسند إلى الدين على طريقة المجاز. قيل وكان عليه أن يقرأ مخلصا ~~بفتح اللام. وفي الآية دليل على وجوب النية، وإخلاصها عن الشوائب لأن ~~الإخلاص من الأمور القلبية التي لا تكون إلا بأعمال القلب، وقد جاءت ~~السنة الصحيحة أن ملاك الأمر في الأقوال، والأفعال النية، كما في حديث # " إنما الأعمال بالنيات " # وحديث # " لا قول ولا عمل إلا بنية " # وجملة { ألا لله الدين الخالص } مستأنفة مقررة لما قبلها ~~من الأمر بالإخلاص، أي إن الدين الخالص من شوائب الشرك، وغيره هو لله، ~~وما سواه من الأديان، فليس بدين الله الخالص الذي أمر به. قال قتادة ~~الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله { والذين اتخذوا من ~~دونه أولياء } لما أمر سبحانه بعبادته على وجه الإخلاص، وأن الدين ~~الخالص له لا لغيره بين بطلان الشرك الذي هو مخالف للإخلاص، والموصول ~~عبارة عن المشركين، ومحله الرفع على الابتداء، وخبره قوله { إن ~~الله يحكم بينهم } وجملة { ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى } في محل نصب على الحال بتقدير ~~القول، والاستثناء مفرغ من أعم العلل، والمعنى والذين لم يخلصوا ~~العبادة لله، بل شابوها بعبادة غيره قائلين ما نعبدهم لشيء من الأشياء ~~إلا ليقربونا إلى الله تقريبا، والضمير في نعبدهم راجع إلى الأشياء ~~التي كانوا يعبدونها من الملائكة، وعيسى، والأصنام، وهم المرادون ~~بالأولياء، والمراد بقولهم { إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى } الشفاعة، كما حكاه الواحدي عن المفسرين. # قال قتادة كانوا إذا قيل لهم من ربكم، وخالقكم، ومن خلق السموات، ~~والأرض، وأنزل من السماء ماء؟ قالوا الله، فيقال لهم ما معنى عبادتكم ~~للأصنام؟ ms3331 قالوا ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا عنده. قال الكلبي ~~جواب هذا الكلام قوله في سورة الأحقاف # فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله ~~قربانا ءالهة # الأحقاف 28. والزلفى اسم أقيم مقام المصدر، كأنه قال إلا ليقربونا إلى ~~الله تقريبا. وفي قراءة ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد قالوا ما نعبدهم، ~~ومعنى { إن الله يحكم بينهم } أي بين أهل الأديان يوم ~~القيامة، فيجازي كلا بما يستحقه. وقيل بين المخلصين للدين، وبين الذين لم ~~يخلصوا، وحذف الأول لدلالة الحال عليه، ومعنى { فى ما هم فيه ~~يختلفون } في الذي اختلفوا فيه من الدين بالتوحيد، والشرك، فإن كل ~~طائفة تدعي أن الحق معها { إن الله لا يهدى من هو ~~كذب كفار } أي لا يرشد لدينه، ولا يوفق للاهتداء إلى الحق من ~~هو كاذب في زعمه أن الآلهة تقربه إلى الله، وكفر باتخاذها آلهة، وجعلها ~~شركاء لله، والكفار صيغة مبالغة تدل على أن كفر هؤلاء قد بلغ إلى ~~الغاية. وقرأ الحسن، والأعرج كذاب على صيغة المبالغة ككفار، ورويت هذه ~~القراءة عن أنس. { لو أراد الله أن يتخذ ولدا ~~لاصطفى } هذا مقرر لما سبق من إبطال قول المشركين بأن الملائكة ~~بنات الله لتضمنه استحالة الولد في حقه سبحانه على الإطلاق، فلو أراد أن ~~يتخذ ولدا لامتنع اتخاذ الولد حقيقة، ولم يتأت ذلك إلا بأن يصطفي { ~~مما يخلق ما يشاء } أي يختار من جملة خلقه ما يشاء أن يصطفيه، ~~إذ لا موجود سواه إلا وهو مخلوق له، ولا يصح أن يكون المخلوق ولدا ~~للخالق لعدم المجانسة بينهما، فلم يبق إلا أن يصطفيه عبدا كما يفيده ~~التعبير بالاصطفاء مكان الاتخاذ فمعنى الآية لو أراد أن يتخذ ولدا لوقع ~~منه شيء ليس هو من اتخاذ الولد، بل إنما هو من الاصطفاء لبعض مخلوقاته، ~~ولهذا نزه سبحانه نفسه عن اتخاذ الولد على الإطلاق، فقال { سبحنه ~~} أي تنزيها له عن ذلك، وجملة { هو الله الوحد القهار } ~~مبينة لتنزهه بحسب الصفات بعد تنزهه بحسب الذات، أي هو المستجمع لصفات ~~الكمال المتوحد في ذاته، ms3332 فلا مماثل له القهار لكل مخلوقاته، ومن كان ~~متصفا بهذه الصفات استحال وجود الولد في حقه، لأن الولد مماثل لوالده، ~~ولا مماثل له سبحانه، ومثل هذه الآية قوله سبحانه # لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذنه من لدنا # الأنبياء 17 ثم لما ذكر سبحانه كونه منزها عن الولد بكونه إلها ~~واحدا قهارا ذكر ما يدل على ذلك من صفاته، فقال { خلق ~~السموات والأرض بالحق } أي لم يخلقهما باطلا لغير شيء، ~~ومن كان هذا الخلق العظيم خلقه استحال أن يكون له شريك، أو صاحبة، أو ~~ولد. ثم بين كيفية تصرفه في السموات، والأرض، فقال { يكور ~~اليل على النهار ويكور النهار على اليل } ~~التكوير في اللغة طرح الشيء بعضه على بعض. يقال كور المتاع إذا ألقي ~~بعضه على بعض، ومنه كور العمامة فمعنى تكوير الليل على النهار تغشيته ~~إياه حتى يذهب ضوؤه، ومعنى تكوير النهار على الليل تغشيته إياه حتى تذهب ~~ظلمته، وهو معنى قوله تعالى # يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا # الأعراف 54 هكذا قال قتادة، وغيره. وقال الضحاك أي يلقي هذا على هذا، ~~وهذا على هذا، وهو مقارب للقول الأول. وقيل معنى الآية أن ما نقص من ~~الليل دخل في النهار، وما نقص من النهار دخل في الليل، وهو معنى قوله # يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل # الحج61، وقيل المعنى إن هذا يكر على هذا، وهذا يكر على هذا كرورا ~~متتابعا. قال الراغب تكوير الشيء إدارته، وضم بعضه إلى بعض ككور العمامة ~~ا ه. والإشارة بهذا التكوير المذكور في الآية إلى جريان الشمس في ~~مطالعها، وانتقاص الليل، والنهار، وازديادهما. قال الرازي إن النور، ~~والظلمة عسكران عظيمان، وفي كل يوم يغلب هذا ذاك، وذاك هذا ثم ذكر تسخيره ~~لسلطان النهار، وسلطان الليل، وهما الشمس، والقمر، فقال { وسخر ~~الشمس والقمر } أي جعلهما منقادين لأمره بالطلوع، والغروب ~~لمنافع العباد، ثم بين كيفية هذا التسخير، فقال { كل يجرى ~~لأجل مسمى } أي يجري في فلكه إلى أن تنصرم الدنيا، وذلك يوم ~~القيامة، وقد تقدم الكلام ms3333 على الأجل المسمى لجريهما مستوفي في سورة ~~«يس» { ألا هو العزيز الغفار } ألا حرف تنبيه، والمعنى ~~تنبهوا أيها العباد، فالله هو الغالب الساتر لذنوب خلقه بالمغفرة. ثم ~~بين سبحانه نوعا آخر من قدرته، وبديع صنعه، فقال { خلقكم من ~~نفس وحدة } ، وهي نفس آدم { ثم جعل منها زوجها } ~~جاء بثم للدلالة على ترتب خلق حواء على خلق آدم، وتراخيه عنه لأنها ~~خلقت منه، والعطف إما على مقدر هو صفة لنفس. قال الفراء، والزجاج ~~التقدير خلقكم من نفس خلقها واحدة، ثم جعل منها زوجها. ويجوز أن يكون ~~العطف على معنى واحدة، أي من نفس انفردت، ثم جعل إلخ، والتعبير بالجعل ~~دون الخلق مع العطف بثم للدلالة على أن خلق حواء من ضلع آدم أدخل في ~~كونه آية باهرة دالة على كمال القدرة، لأن خلق آدم هو على عادة الله ~~المستمرة في خلقه، وخلقها على الصفة المذكورة لم تجر به عادة لكونه لم ~~يخلق سبحانه أنثى من ضلع رجل غيرها، وقد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى في ~~سورة الأعراف. # ثم بين سبحانه نوعا آخر من قدرته الباهرة، فقال { وأنزل لكم ~~من الأنعم ثمنية أزوج } ، وهو معطوف على خلقكم، وعبر ~~بالإنزال لما يروى أنه خلقها في الجنة، ثم أنزلها، فيكون الإنزال حقيقة، ~~ويحتمل أن يكون مجازا، لأنها لم تعش إلا بالنبات، والنبات إنما يعيش ~~بالماء، والماء منزل من السماء، كانت الأنعام كأنها منزلة، لأن سبب سببها ~~منزل كما أطلق على السبب في قوله # إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا # وقيل إن أنزل بمعنى أنشأ، وجعل، أو بمعنى أعطى. وقيل جعل الخلق إنزالا، ~~لأن الخلق إنما يكون بأمر ينزل من السماء، والثمانية الأزواج هي ما في ~~قوله # من الضأن اثنين ومن المعز اثنين # الأنعام 143 # ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين # الأنعام 144 ويعني بالاثنين في الأربعة المواضع الذكر، والأنثى، وقد ~~تقدم تفسير الآية في سورة الأنعام. ثم بين سبحانه نوعا آخر من قدرته ~~البديعة، فقال { يخلقكم فى بطون أمهتكم خلقا من ms3334 ~~بعد خلق } ، والجملة استئنافية لبيان ما تضمنته من الأطوار ~~المختلفة في خلقهم، وخلقا مصدر مؤكد للفعل المذكور، و { من بعد ~~خلق } صفة له، أي خلقا كائنا من بعد خلق. قال قتادة، والسدي نطفة، ~~ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظما، ثم لحما. وقال ابن زيد خلقكم خلقا في بطون ~~أمهاتكم من بعد خلقكم في ظهر آدم، وقوله { فى ظلمت ثلث } ~~متعلق بقوله { يخلقكم } ، وهذه الظلمات الثلاث هي ظلمة البطن، ~~وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة قاله مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك. وقال ~~سعيد بن جبير ظلمة المشيمة، وظلمة الرحم، وظلمة الليل. وقال أبو عبيدة ~~ظلمة صلب الرجل، وظلمة بطن المرأة، وظلمة الرحم، والإشارة بقوله { ~~ذلكم الله } إليه سبحانه باعتبار أفعاله السابقة، والاسم الشريف ~~خبره { ربكم } خبر آخر { له الملك } الحقيقي في الدنيا، ~~والآخرة لا شركة لغيره فيه، وهو خبر ثالث، وقوله { لا إله إلا ~~هو } خبر رابع { فأنى تصرفون } أي فكيف تنصرفون عن عبادته، ~~وتنقلبون عنها إلى عبادة غيره. قرأ حمزة إمهاتكم بكسر الهمزة، والميم. ~~وقرأ الكسائي بكسر الهمزة، وفتح الميم. وقرأ الباقون بضم الهمزة، وفتح ~~الميم. وقد أخرج ابن مردويه، عن يزيد الرقاشي أن رجلا قال يا رسول الله ~~إنا نعطي أموالنا التماس الذكر، فهل لنا في ذلك من أجر؟، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " لا " # قال يا رسول الله إنما نعطي التماس الأجر والذكر فهل لنا أجر؟، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله لا يقبل إلا ما أخلص له " # ثم تلا هذه الآية { ألا لله الدين الخالص }. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { يكور ~~اليل } قال يحمل الليل. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله { خلقا من بعد خلق } قال علقة، ثم ~~مضغة، ثم عظاما { فى ظلمت ثلث } البطن، والرحم، والمشيمة. ### || [39.7-12] # لما ذكر سبحانه النعم التي أنعم بها على عباده، وبين لهم من بديع صنعه، ~~وعجيب فعله ما يوجب على كل عاقل ms3335 أن يؤمن به عقبه بقوله { إن تكفروا ~~فإن الله غنى عنكم } أي غير محتاج إليكم، ولا إلى إيمانكم، ~~ولا إلى عبادتكم له فإنه الغني المطلق، ومع كون كفر الكافر لا يضره كما ~~أنه لا ينفعه إيمان المؤمن، فهو أيضا { لا يرضى لعباده ~~الكفر } أي لا يرضى لأحد من عباده الكفر، ولا يحبه، ولا يأمر به، ~~ومثل هذه الآية قوله # إن تكفروا أنتم ومن فى الأرض جميعا فإن الله ~~لغنى حميد # إبراهيم 8، ومثلها ما ثبت في صحيح مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم # " يا عبادي لو أن أولكم، وآخركم، وإنسكم، وجنكم كانوا على قلب أفجر رجل ~~منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا " # وقد اختلف المفسرون في هذه الآية هل هي على عمومها، وإن الكفر غير مرضي ~~لله سبحانه على كل حال كما هو الظاهر، أو هي خاصة؟، والمعنى لا يرضى ~~لعباده المؤمنين الكفر، وقد ذهب إلى التخصيص حبر الأمة ابن عباس رضي الله ~~عنه كما سيأتي بيانه آخر البحث، وتابعه على ذلك عكرمة، والسدي، وغيرهما. ~~ثم اختلفوا في الآية اختلافا آخر. فقال قوم إنه يريد كفر الكافر، ولا ~~يرضاه، وقال آخرون إنه لا يريده، ولا يرضاه، والكلام في تحقيق مثل هذا ~~يطول جدا. وقد استدل القائلون بتخصيص هذه الآية، والمثبتون للإرادة مع ~~عدم الرضا بما ثبت في آيات كثيرة من الكتاب العزيز أنه سبحانه # يضل من يشاء ويهدى من يشاء # النحل93 # وما تشاءون إلا أن يشاء الله # الإنسان 30 ، ونحو هذا مما يؤدي معناه كثير في الكتاب العزيز. ثم لما ~~ذكر سبحانه أنه لا يرضى لعباده الكفر بين أنه يرضى لهم الشكر، فقال { ~~وإن تشكروا يرضه لكم } أي يرض لكم الشكر المدلول عليه ~~بقوله، وإن تشكروا، ويثبكم عليه، وإنما رضي لهم سبحانه الشكر لأنه سبب ~~سعادتهم في الدنيا، والآخرة كما قال سبحانه # لئن شكرتم لأزيدنكم # إبراهيم 7 قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، وشيبة، وهبير عن عاصم بإسكان الهاء ~~من يرضه، وأشبع الضمة على الهاء ابن ذكوان، وابن كثير، والكسائي، ms3336 وابن ~~محيصن، وورش عن نافع، واختلس الباقون. { ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى } أي لا تحمل نفس حاملة للوزر حمل نفس أخرى، وقد تقدم تفسير ~~هذه الآية مستوفى { ثم إلى ربكم مرجعكم } يوم القيامة { ~~فينبئكم بما كنتم تعملون } من خير، وشر، وفيه تهديد ~~شديد { إنه عليم بذات الصدور } أي بما تضمره القلوب، ~~وتستره، فكيف بما تظهره، وتبديه. { وإذا مس الإنسن ضر } ~~أي ضر كان من مرض، أو فقر، أو خوف { دعا ربه منيبا إليه } ~~أي راجعا إليه مستغيثا به في دفع ما نزل به تاركا لما كان يدعوه، ~~ويستغيث به من ميت، أو حي، أو صنم، أو غير ذلك { ثم إذا خوله ~~نعمة منه } أي أعطاه، وملكه، يقال خوله الشيء، أي ملكه إياه، ~~وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد # هنالك إن يستخولوا المال يخولوا وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا # ومنه قول أبي النجم # أعطى ولم يبخل ولم يبخل كوم الذرى من خول المخول # { نسى ما كان يدعو إليه من قبل } أي نسي الضر الذي ~~كان يدعو الله إلى كشفه عنه من قبل أن يخوله ما خوله. وقيل نسي الدعاء ~~الذي كان يتضرع به، وتركه، أو نسي ربه الذي كان يدعوه، ويتضرع إليه، ثم ~~جاوز ذلك إلى الشرك بالله، وهو معنى قوله { وجعل لله أندادا } ~~أي شركاء من الأصنام، أو غيرها يستغيث بها، ويعبدها { ليضل عن ~~سبيله } أي ليضل الناس عن طريق الله التي هي الإسلام، والتوحيد. وقال ~~السدي يعني أندادا من الرجال يعتمد عليهم في جميع أموره. ثم أمر الله ~~سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يهدد من كان متصفا بتلك الصفة، ~~فقال { قل تمتع بكفرك قليلا } أي تمتعا قليلا، أو ~~زمانا قليلا، فمتاع الدنيا قليل، ثم علل ذلك بقوله { إنك من ~~أصحب النار } أي مصيرك إليها عن قريب، وفيه من التهديد أمر ~~عظيم. قال الزجاج لفظه لفظ الأمر، ومعناه التهديد، والوعيد. قرأ الجمهور ~~{ ليضل } بضم الياء، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بفتحها. ثم لما ذكر سبحانه ~~صفات المشركين، ms3337 وتمسكهم بغير الله عند اندفاع المكروهات عنهم ذكر صفات ~~المؤمنين، فقال { أمن هو قانت ءاناء اليل } ، وهذا إلى ~~آخره من تمام الكلام المأمور به رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمعنى ~~ذلك الكافر أحسن حالا، ومآلا، أمن هو قائم بطاعات الله في السراء، ~~والضراء في ساعات الليل، مستمر على ذلك، غير مقتصر على دعاء الله ~~سبحانه عند نزول الضرر به. قرأ الحسن، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، ~~والكسائي { أمن } بالتشديد، وقرأ نافع، وابن كثير، وحمزة، ويحيى بن ~~وثاب، والأعمش بالتخفيف، فعلى القراءة الأولى أم داخلة على من الموصولة، ~~وأدغمت الميم في الميم، وأم هي المتصلة، ومعادلها محذوف تقديره الكافر ~~خير أم الذي هو قانت. وقيل هي المنقطعة المقدرة ببل، والهمزة، أي بل أمن ~~هو قانت كالكافر، وأما على القراءة الثانية، فقيل الهمزة للاستفهام دخلت ~~على من، والاستفهام للتقرير، ومقابله محذوف، أي أمن هو قانت كمن كفر. ~~وقال الفراء إن الهمزة في هذه القراءة للنداء، ومن منادى، وهي عبارة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم المأمور بقوله { قل تمتع } ، والتقدير يا من هو ~~قانت، قل كيت، وكيت. # وقيل التقدير يا من هو قانت إنك من أصحاب الجنة. ومن القائلين بأن ~~الهمزة للنداء الفراء، وضعف ذلك أبو حيان، وقال هو أجنبي عما قبله، ~~وعما بعده، وقد سبقه إلى هذا التضعيف أبو علي الفارسي، واعترض على هذه ~~القراءة من أصلها أبو حاتم، والأخفش، ولا وجه لذلك، فإنا إذا ثبتت ~~الرواية بطلت الدراية. وقد اختلف في تفسير القانت هنا، فقيل المطيع. ~~وقيل الخاشع في صلاته. وقيل القائم في صلاته. وقيل الداعي لربه. قال ~~النحاس أصل القنوت الطاعة، فكل ما قيل فيه، فهو داخل في الطاعة، والمراد ~~بآناء الليل ساعاته. وقيل جوفه. وقيل ما بين المغرب، والعشاء، وانتصاب { ~~سجدا وقائما } على الحال، أي جامعا بين السجود، والقيام، وقدم ~~السجود على القيام لكونه أدخل في العبادة، ومحل { يحذر الأخرة } ~~النصب على الحال أيضا، أي يحذر عذاب الآخرة قاله سعيد بن جبير، ومقاتل { ~~ويرجوا رحمة ربه } ، فيجمع ms3338 بين الرجاء، والخوف، وما اجتمعا ~~في قلب رجل إلا فاز. قيل وفي الكلام حذف، والتقدير كمن لا يفعل شيئا من ~~ذلك كما يدل عليه السياق. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ~~أن يقول لهم قولا آخر يتبين به الحق من الباطل، فقال { قل هل ~~يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون } أي الذين ~~يعلمون أن ما وعد الله به من البعث، والثواب، والعقاب حق، والذين لا ~~يعلمون ذلك، أو الذين يعلمون ما أنزل الله على رسله، والذين لا يعلمون ~~ذلك، أو المراد العلماء والجهال، ومعلوم عند كل من له عقل أنه لا استواء ~~بين العلم والجهل، ولا بين العالم والجاهل. قال الزجاج أي كما لا يستوي ~~الذين يعلمون، والذين لا يعلمون، كذلك لا يستوي المطيع، والعاصي. وقيل ~~المراد بالذين يعلمون هم العاملون بعلمهم، فإنهم المنتفعون به، لأن من لم ~~يعمل بمنزلة من لم يعلم { إنما يتذكر أولوا الألبب } ~~أي إنما يتعظ، ويتدبر، ويتفكر أصحاب العقول، وهم المؤمنون لا الكفار، ~~فإنهم، وإن زعموا أن لهم عقولا، فهي كالعدم، وهذه الجملة ليست من جملة ~~الكلام المأمور به بل من جهة الله سبحانه. { قل ياعباد الذين ~~ءامنوا اتقوا ربكم } لما نفى سبحانه المساواة بين من يعلم، ~~ومن لا يعلم، وبين أنه { إنما يتذكر أولوا الألبب } ~~أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يأمر المؤمنين من عباده بالثبات على ~~تقواه، والإيمان به. والمعنى يا أيها الذين صدقوا بتوحيد الله اتقوا ~~ربكم بطاعته، واجتناب معاصيه، وإخلاص الإيمان له، ونفي الشركاء عنه، ~~والمراد قل لهم قولي هذا بعينه. ثم لما أمر الله سبحانه المؤمنين بالتقوى ~~بين لهم ما في هذه التقوى من الفوائد، فقال { للذين أحسنوا فى ~~هذه الدنيا حسنة } أي للذين عملوا الأعمال الحسنة في هذه ~~الدنيا على وجه الإخلاص حسنة عظيمة، وهي الجنة، وقوله { فى هذه ~~الدنيا } متعلق بأحسنوا. # وقيل هو متعلق بحسنة على أنه بيان لمكانها، فيكون المعنى للذين أحسنوا ~~في العمل حسنة في الدنيا بالصحة، والعافية، والظفر، والغنيمة، والأول ~~أولى. ms3339 ثم لما كان بعض العباد قد يتعسر عليه فعل الطاعات، والإحسان في ~~وطنه أرشد الله سبحانه من كان كذلك إلى الهجرة، فقال { وأرض الله ~~واسعة } أي فليهاجر إلى حيث يمكنه طاعة الله. والعمل بما أمر به، ~~والترك لما نهى عنه، ومثل ذلك قوله سبحانه # ألم تكن أرض الله وسعة فتهجروا فيها # النساء 97، وقد مضى الكلام في الهجرة مستوفى في سورة النساء. وقيل ~~المراد بالأرض هنا أرض الجنة، رغبهم في سعتها، وسعة نعيمها كما في قوله # جنة عرضها السموات والأرض # آل عمران 133، والأول أولى. ثم لما بين سبحانه ما للمحسنين إذا ~~أحسنوا، وكان لا بد في ذلك من الصبر على فعل الطاعة، وعلى كف النفس عن ~~الشهوات، أشار إلى فضيلة الصبر، وعظيم مقداره، فقال { إنما يوفى ~~الصبرون أجرهم بغير حساب } أي يوفيهم الله أجرهم في ~~مقابلة صبرهم بغير حساب، أي بما لا يقدر على حصره حاصر، ولا يستطيع ~~حسبانه حاسب. قال عطاء بما لا يهتدي إليه عقل، ولا وصف. وقال مقاتل أجرهم ~~الجنة، وأرزاقهم فيها بغير حساب. والحاصل أن الآية تدل على أن ثواب ~~الصابرين، وأجرهم لا نهاية له، لأن كل شيء يدخل تحت الحساب، فهو متناه، ~~وما كان لا يدخل تحت الحساب، فهو غير متناه، وهذه فضيلة عظيمة، ومثوبة ~~جليلة تقتضي أن على كل راغب في ثواب الله، وطامع فيما عنده من الخير، أن ~~يتوفر على الصبر، ويزم نفسه بزمامه، ويقيدها بقيده، فإن الجزع لا يرد ~~قضاء قد نزل، ولا يجلب خيرا قد سلب، ولا يدفع مكروها قد وقع، وإذا ~~تصور العاقل هذا حق تصوره، وتعقله حق تعقله علم أن الصابر على ما نزل ~~به قد فاز بهذا الأجر العظيم، وظفر بهذا الجزاء الخطير، وغير الصابر قد ~~نزل به القضاء شاء أم أبى، ومع ذلك فاته من الأجر ما لا يقادر قدره، ولا ~~يبلغ مداه، فضم إلى مصيبته مصيبة أخرى، ولم يظفر بغير الجزع، وما أحسن ~~قول من قال # أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب فكيف إذا ما لم يكن عنه ms3340 مذهب هناك يحق ~~الصبر والصبر واجب وما كان منه للضرورة أوجب # ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم بما أمر به من ~~التوحيد، والإخلاص، فقال { قل إنى أمرت أن أعبد الله ~~مخلصا له الدين } أي أعبده عبادة خالصة من الشرك، والرياء، ~~وغير ذلك قال مقاتل إن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما ~~يحملك على الذي أتيتنا به، ألا تنظر إلى ملة أبيك، وجدك، وسادات قومك ~~يعبدون اللات، والعزى، فتأخذ بها؟ فأنزل الله الآية، وقد تقدم بيان ~~معنى الآية في أول هذه السورة { وأمرت لأن أكون أول ~~المسلمين } أي من هذه الأمة، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم، فإنه ~~أول من خالف دين آبائه، ودعا إلى التوحيد، واللام للتعليل، أي وأمرت بما ~~أمرت به لأجل أن أكون. # وقيل إنها مزيدة للتأكيد، والأول أولى. وقد أخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله ~~{ إن تكفروا فإن الله غنى عنكم } يعني الكفار الذين ~~لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، فيقولون لا إله إلا الله، ثم قال { ولا ~~يرضى لعباده الكفر } ، وهم عباده المخلصون الذين قال # إن عبادى ليس لك عليهم سلطن # الإسراء65، فألزمهم شهادة أن لا إله إلا الله، وحببها إليهم. وأخرج عبد ~~بن حميد عن عكرمة { ولا يرضى لعباده الكفر } قال لا يرضى ~~لعباده المسلمين الكفر. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة قال والله ما رضي ~~الله لعبد ضلالة، ولا أمره بها، ولا دعا إليها، ولكن رضي لكم طاعته، ~~وأمركم بها، ونهاكم عن معصيته. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه، وأبو نعيم في الحلية، وابن عساكر عن ابن عمر أنه تلا هذه الآية { ~~أمن هو قانت ءاناء اليل سجدا وقائما يحذر ~~الأخرة } قال ذاك عثمان بن عفان، وفي لفظ نزلت في عثمان بن عفان. ~~وأخرج ابن سعد في طبقاته، وابن مردويه، وابن عساكر عن ابن عباس في قوله { ~~أمن هو قانت } الآية قال نزلت ms3341 في عمار بن ياسر. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم عنه في قوله { يحذر الأخرة } يقول يحذر عذاب ~~الآخرة. وأخرج الترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن أنس قال دخل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على رجل، وهو في الموت، فقال كيف تجدك؟ قال أرجو ~~الله، وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله الذي يرجو، ~~وأمنه الذي يخاف " # أخرجوه من طريق سيار بن حاتم، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس. قال ~~الترمذي غريب، وقد رواه بعضهم عن ثابت، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مرسلا. ### || [39.13-20] # قوله { قل إنى أخاف إن عصيت ربى } أي بترك إخلاص العبادة ~~له، وتوحيده، والدعاء إلى ترك الشرك، وتضليل أهله { عذاب يوم ~~عظيم } ، وهو يوم القيامة. قال أكثر المفسرين المعنى إني أخاف إن عصيت ~~ربي بإجابة المشركين إلى ما دعوني إليه من عبادة غير الله. قال أبو حمزة ~~اليماني، وابن المسيب هذه الآية منسوخة بقوله # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # الفتح 2 وفي هذه الآية دليل على أن الأمر للوجوب، لأن قبله # إنما أمرت أن أعبد الله # الزمر 11، فالمراد عصيان هذا الأمر { قل الله أعبد } التقديم ~~مشعر بالاختصاص، أي لا أعبد غيره لا استقلالا، ولا على جهة الشركة، ~~ومعنى { مخلصا له دينى } أنه خالص لله غير مشوب بشرك، ولا رياء، ~~ولا غيرهما، وقد تقدم تحقيقه في أول السورة. قال الرازي فإن قيل ما معنى ~~التكرير في قوله # قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين # الزمر 11، وقوله { قل الله أعبد مخلصا له دينى } قلنا ~~ليس هذا بتكرير، لأن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله بالإيمان، ~~والعبادة، والثاني إخبار بأنه أمر أن لا يعبد أحدا غير الله { ~~فاعبدوا ما شئتم } أن تعبدوه { من دونه } هذا الأمر ~~للتهديد، والتقريع، والتوبيخ كقوله # اعملوا ما شئتم # فصلت 40، وقيل إن الأمر على حقيقته، وهو منسوخ بآية السيف، والأول أولى ms3342 ~~{ قل إن الخسرين الذين خسروا أنفسهم ~~وأهليهم يوم القيمة } أي إن الكاملين في الخسران هم ~~هؤلاء، لأن من دخل النار، فقد خسر نفسه، وأهله. قال الزجاج وهذا يعني به ~~الكفار، فإنهم خسروا أنفسهم بالتخليد في النار، وخسروا أهليهم، لأنهم لم ~~يدخلوا مدخل المؤمنين الذين لهم أهل في الجنة، وجملة { ألا ذلك هو ~~الخسران المبين } مستأنفة لتأكيد ما قبلها، وتصديرها بحرف ~~التنبيه للإشعار بأن هذا الخسران الذي حل بهم قد بلغ من العظم إلى غاية ~~ليس فوقها غاية، وكذلك تعريف الخسران، ووصفه بكونه مبينا، فإنه يدل على ~~أنه الفرد الكامل من أفراد الخسران وأنه لا خسران يساويه، ولا عقوبة ~~تدانيه. ثم بين سبحانه هذا الخسران الذي حل بهم، والبلاء النازل عليهم ~~بقوله { لهم من فوقهم ظلل من النار } الظلل عبارة عن ~~أطباق النار، أي لهم من فوقهم أطباق من النار تلتهب عليهم { ومن ~~تحتهم ظلل } أي أطباق من النار، وسمي ما تحتهم ظللا لأنها تظل ~~من تحتها من أهل النار، لأن طبقات النار صار في كل طبقة منها طائفة من ~~طوائف الكفار، ومثل هذه الآية قوله # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش # الأعراف 41، وقوله # يوم يغشهم العذاب من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم # العنكبوت 55، والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم ذكره من وصف ~~عذابهم في النار، وهو مبتدأ، وخبره قوله { يخوف الله به ~~عباده } أي يحذرهم بما توعد به الكفار من العذاب ليخافوه، فيتقوه، ~~وهو معنى { يعباد فاتقون } أي اتقوا هذه المعاصي الموجبة لمثل ~~هذا العذاب على الكفار، ووجه تخصيص العباد بالمؤمنين أن الغالب في القرآن ~~إطلاق لفظ العباد عليهم. وقيل هو للكفار، وأهل المعاصي. وقيل هو عام ~~للمسلمين، والكفار. { والذين اجتنبوا الطغوت أن ~~يعبدوها } الموصول مبتدأ، وخبره قوله { لهم البشرى } ~~والطاغوت بناء مبالغة في المصدر كالرحموت، والعظموت، وهو الأوثان، ~~والشيطان. وقال مجاهد، وابن زيد هو الشيطان. وقال الضحاك، والسدي هو ~~الأوثان. وقيل إنه الكاهن. وقيل هو اسم أعجمي مثل طالوت، وجالوت. وقيل ~~إنه اسم عربي مشتق من الطغيان. قال الأخفش ms3343 الطاغوت جمع، ويجوز أن يكون ~~واحده مؤنثا، ومعنى اجتنبوا الطاغوت أعرضوا عن عبادته، وخصوا عبادتهم ~~بالله عز وجل، وقوله { أن يعبدوها } في محل نصب على البدل من ~~الطاغوت، بدل اشتمال، كأنه قال اجتنبوا عبادة الطاغوت، وقد تقدم الكلام ~~على تفسير الطاغوت مستوفى في سورة البقرة، وقوله { وأنابوا إلى ~~الله } معطوف على اجتنبوا، والمعنى رجعوا إليه، وأقبلوا على عبادته ~~معرضين عما سواه { لهم البشرى } بالثواب الجزيل، وهو الجنة. وهذه ~~البشرى إما على ألسنة الرسل، أو عند حضور الموت، أو عند البعث { فبشر ~~عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } ~~المراد بالعباد هنا العموم، فيدخل الموصوفون بالاجتناب، والإنابة إليه ~~دخولا أوليا، والمعنى يستمعون القول الحق من كتاب الله، وسنة رسوله، ~~فيتبعون أحسنه، أي محكمه، ويعملون به. قال السدي يتبعون أحسن ما يؤمرون ~~به، فيعملون بما فيه. وقيل هو الرجل يسمع الحسن، والقبيح، فيتحدث ~~بالحسن، وينكف عن القبيح، فلا يتحدث به. وقيل يستمعون القرآن وغيره، ~~فيتبعون القرآن، وقيل يستمعون الرخص والعزائم، فيتبعون العزائم، ويتركون ~~الرخص، وقيل يأخذون بالعفو، ويتركون العقوبة. ثم أثنى سبحانه على هؤلاء ~~المذكورين، فقال { أولئك الذين هداهم الله ~~وأولئك هم أولوا الألبب } أي هم الذين أوصلهم الله ~~إلى الحق، وهم أصحاب العقول الصحيحة، لأنهم الذين انتفعوا بعقولهم، ولم ~~ينتفع من عداهم بعقولهم. ثم ذكر سبحانه من سبقت له الشقاوة، وحرم السعادة ~~فقال { أفمن حق عليه كلمة العذاب } من هذه يحتمل أن ~~تكون موصولة في محل رفع بالابتداء، وخبرها محذوف، أي كمن يخاف، أو فأنت ~~تخلصه، أو تتأسف عليه، ويحتمل أن تكون شرطية، وجوابه { أفأنت تنقذ ~~من فى النار } فالفاء فاء الجواب دخلت على جملة الجزاء، وأعيدت ~~الهمزة الإنكارية لتأكيد معنى الإنكار. وقال سيبويه إنه كرر الاستفهام ~~لطول الكلام. وقال الفراء المعنى أفأنت تنقذ من حقت عليه كلمة العذاب، ~~والمراد بكلمة العذاب هنا هي قوله تعالى لإبليس # لأملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين # ص 85، وقوله # لمن تبعك منهم لأملان جهنم منكم أجمعين # الأعراف 18 ومعنى الآية التسلية لرسول الله صلى الله ms3344 عليه وسلم، لأنه ~~كان حريصا على إيمان قومه، فأعلمه الله أن من سبق عليه القضاء، حقت عليه ~~كلمة الله لا يقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينقذه من النار بأن ~~يجعله مؤمنا. قال عطاء يريد أبا لهب، وولده، ومن تخلف من عشيرة النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، وفي الآية تنزيل لمن يستحق العذاب بمن ~~قد صار فيه، وتنزيل دعائه إلى الإيمان منزلة الإخراج له من عذاب النار. ~~ولما ذكر سبحانه فيما سبق أن لأهل الشقاوة ظللا من فوقهم النار، ومن ~~تحتهم ظلل استدرك عنهم من كان من أهل السعادة، فقال { لكن الذين ~~اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية } ~~، وذلك لأن الجنة درجات بعضها فوق بعض، ومعنى { مبنية } أنها ~~مبنية بناء المنازل في إحكام أساسها، وقوة بنائها، وإن كانت منازل ~~الدنيا ليست بشيء بالنسبة إليها { تجرى من تحتها الأنهر } ~~أي من تحت تلك الغرف، وفي ذلك كمال لبهجتها، وزيادة لرونقها، وانتصاب { ~~وعد الله } على المصدرية المؤكدة لمضمون الجملة، لأن قوله { لهم ~~غرف } في معنى وعدهم الله بذلك، وجملة { لا يخلف الله ~~الميعاد } مقررة للوعد، أي لا يخلف الله ما وعد به الفريقين من ~~الخير، والشر. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { قل إن ~~الخسرين الذين خسروا أنفسهم } الآية. قال هم الكفار ~~الذين خلقهم الله للنار زالت عنهم الدنيا، وحرمت عليهم الجنة. وأخرج ابن ~~المنذر عنه في قوله { خسروا أنفسهم وأهليهم } قال أهليهم ~~من أهل الجنة كانوا أعدوا لهم لو عملوا بطاعة الله، فغيبوهم. وأخرج ابن ~~مردويه عن ابن عمر قال كان سعيد بن زيد، وأبو ذر، وسلمان يتبعون في ~~الجاهلية أحسن القول، والكلام لا إله إلا الله قالوا بها، فأنزل الله ~~على نبيه { يستمعون القول فيتبعون أحسنه } الآية. ~~وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال لما نزل { فبشر عباد الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه } أرسل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مناديا فنادى من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ~~فاستقبل ms3345 عمر الرسول، فرده، فقال يا رسول الله خشيت أن يتكل الناس، فلا ~~يعملون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لو يعلم الناس قدر رحمة ربي لاتكلوا، ولو يعلمون قدر سخط ربي، وعقابه ~~لاستصغروا أعمالهم " # وهذا الحديث أصله في الصحيح من حديث أبي هريرة. ### || [39.21-26] # لما ذكر سبحانه الآخرة، ووصفها بوصف يوجب الرغبة فيها، والشوق إليها ~~أتبعه بذكر الدنيا، ووصفها بوصف يوجب الرغبة عنها، والنفرة منها، فذكر ~~تمثيلا لها في سرعة زوالها، وقرب اضمحلالها مع ما في ذلك من ذكر نوع من ~~أنواع قدرته الباهرة، وصنعه البديع، فقال { ألم تر أن الله ~~أنزل من السماء ماء } أي من السحاب مطرا { فسلكه ~~ينابيع فى الأرض } أي فأدخله، وأسكنه فيها، والينابيع جمع ينبوع ~~من نبع الماء ينبع، والينبوع عين الماء، والأمكنة التي ينبع منها الماء، ~~والمعنى أدخل الماء النازل من السماء في الأرض، وجعله فيها عيونا جارية، ~~أو جعله في ينابيع، أي في أمكنة ينبع منها الماء، فهو على الوجه الثاني ~~منصوب بنزع الخافض. قال مقاتل فجعله عيونا، وركايا في الأرض { ثم ~~يخرج به زرعا مختلفا ألوانه } أي يخرج بذلك الماء من ~~الأرض زرعا مختلفا ألوانه من أصفر، وأخضر، وأبيض، وأحمر، أو من بر، ~~وشعير، وغيرهما إذا كان المراد بالألوان الأصناف { ثم يهيج } يقال ~~هاج النبت يهيج هيجا إذا تم جفافه. قال الجوهري يقال هاج النبت هياجا ~~إذا يبس، وأرض هائجة يبس بقلها، أو اصفر، وأهاجت الريح النبت أيبسته. ~~قال المبرد قال الأصمعي يقال هاجت الأرض تهيج إذا أدبر نبتها، وولى. قال ~~وكذلك هاج النبت. { فتراه مصفرا } أي تراه بعد خضرته، ~~ونضارته، وحسن رونقه مصفرا قد ذهبت خضرته، ونضارته { ثم يجعله ~~حطما } أي متفتتا منكسرا، من تحطم العود إذا تفتت من اليبس { ~~إن فى ذلك لذكرى لأولى الألبب } أي فيما تقدم ~~ذكره تذكير الأهل العقول الصحيحة، فإنهم الذين يتعقلون الأشياء على ~~حقيقتها، فيتفكرون، ويعتبرون، ويعلمون بأن الحياة الدنيا حالها كحال هذا ~~الزرع في سرعة التصرم، وقرب التقضي، وذهاب بهجتها، وزوال رونقها، ~~ونضارتها، ms3346 فإذا أنتج لهم التفكر، والاعتبار العلم بذلك لم يحصل منهم ~~الاغترار بها، والميل إليها، وإيثارها على دار النعيم الدائم، والحياة ~~المستمرة، واللذة الخالصة، ولم يبق معهم شك في أن الله قادر على البعث، ~~والحشر، لأن من قدر على هذا قدر على ذلك. وقيل هو مثل ضربه الله للقرآن، ~~ولصدور من في الأرض. والمعنى أنزل من السماء قرآنا، فسلكه في قلوب ~~المؤمنين، ثم يخرج به دينا بعضه أفضل من بعض، فأما المؤمن، فيزداد ~~إيمانا ويقينا، وأما الذي في قلبه مرض فإنه يهيج كما يهيج الزرع، وهذا ~~بالتغيير أشبه منه بالتفسير. قرأ الجمهور { ثم يجعله } بالرفع عطفا على ~~ما قبله، وقرأ أبو بشر بالنصب بإضمار أن، ولا وجه لذلك. ثم لما ذكر ~~سبحانه أن في ذلك لذكرى لأولي الألباب، ذكر شرح الصدر للإسلام، لأن ~~الانتفاع الكامل لا يحصل إلا به، فقال { أفمن شرح الله صدره ~~للإسلم } أي وسعه لقبول الحق، وفتحه للاهتداء إلى سبيل الخير. # قال السدي وسع صدره للإسلام للفرح به، والطمأنينة إليه، والكلام في ~~الهمزة، والفاء كما تقدم في # أفمن حق عليه كلمة العذاب # الزمر 19، ومن مبتدأ، وخبرها محذوف تقديره كمن قسا قلبه، وحرج صدره، ~~ودل على هذا الخبر المحذوف قوله { فويل للقسية قلوبهم ~~} والمعنى أفمن وسع الله صدره للإسلام، فقبله، واهتدى بهديه { فهو } ~~بسبب ذلك الشرح { على نور من ربه } يفيض عليه كمن قسا قلبه ~~لسوء اختياره، فصار في ظلمات الضلالة، وبليات الجهالة. قال قتادة النور ~~كتاب الله به يؤخذ، وإليه ينتهي. قال الزجاج تقدير الآية أفمن شرح الله ~~صدره كمن طبع على قلبه، فلم يهتد لقسوته { فويل للقسية ~~قلوبهم من ذكر الله } قال الفراء، والزجاج أي عن ذكر الله ~~كما تقول أتخمت عن طعام أكلته، ومن طعام أكلته، والمعنى أنه غلظ قلبه، ~~وجفا عن قبول ذكر الله، يقال قسا القلب إذا صلب، وقلب قاس، أي صلب لا ~~يرق، ولا يلين. وقيل معنى من ذكر الله من أجل ذكره الذي حقه أن تنشرح له ~~الصدور، وتطمئن به القلوب. والمعنى ms3347 أنه إذا ذكر الله اشمأزوا، والأول ~~أولى، ويؤيده قراءة من قرأ عن ذكر الله، والإشارة بقوله { أولئك } ~~إلى القاسية قلوبهم، وهو مبتدأ، وخبره { فى ضلل مبين } أي ظاهر ~~واضح. ثم ذكر سبحانه بعض أوصاف كتابه العزيز، فقال { الله نزل ~~أحسن الحديث } يعني القرآن، وسماه حديثا لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يحدث به قومه، ويخبرهم بما ينزل عليه منه. وفيه بيان أن ~~أحسن القول المذكور سابقا هو القرآن، وانتصاب { كتبا } على البدل ~~من أحسن الحديث، ويحتمل أن يكون حالا منه { متشبها } صفة ل { ~~كتابا } ، أي يشبه بعضه بعضا في الحسن، والأحكام، وصحة المعاني، وقوة ~~المباني، وبلوغه إلى أعلى درجات البلاغة، وقال قتادة يشبه بعضه بعضا في ~~الآي، والحروف. وقيل يشبه كتب الله المنزلة على أنبيائه، و { مثاني ~~} صفة أخرى لكتابا، أي تثنى فيه القصص، وتتكرر فيه المواعظ، والأحكام. ~~وقيل يثنى في التلاوة، فلا يمل سامعه، ولا يسأم قارئه. قرأ الجمهور { ~~مثاني } بفتح الياء، وقرأ هشام عن ابن عامر، وبشر بسكونها تخفيفا، ~~واستثقالا لتحريكها، أو على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي هو مثاني، وقال ~~الرازي في تبيين مثاني أن أكثر الأشياء المذكورة في القرآن متكررة زوجين ~~زوجين مثل الأمر والنهي والعام والخاص، والمجمل والمفصل، وأحوال ~~السماوات والأرض، والجنة والنار، والنور والظلمة، واللوح والقلم، ~~والملائكة والشياطين، والعرش والكرسي، والوعد والوعيد، والرجاء والخوف، ~~والمقصود من ذلك البيان بأن كل ما سوى الحق زوج، وأن الفرد الأحد الحق ~~هو الله، ولا يخفى ما في كلامه هذا من التكلف، والبعد عن مقصود التنزيل { ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم } هذه الجملة ~~يجوز أن تكون صفة ل { كتابا } ، وأن تكون حالا منه، لأنه وإن كان ~~نكرة، فقد تخصص بالصفة، أو مستأنفة لبيان ما يحصل عند سماعه من التأثر ~~لسامعيه، والاقشعرار التقبض، يقال اقشعر جلده إذا تقبض، وتجمع من الخوف. # والمعنى أنها تأخذهم منه قشعريرة. قال الزجاج إذا ذكرت آيات العذاب ~~اقشعرت جلود الخائفين لله { ثم تلين جلودهم وقلوبهم } ~~إذا ذكرت آيات الرحمة. قال الواحدي وهذا ms3348 قول جميع المفسرين، ومن ذلك قول ~~امرىء القيس # فبت أكابد ليل التمام والقلب من خشية مقشعر # وقيل المعنى أن القرآن لما كان في غاية الجزالة، والبلاغة، فكانوا إذا ~~رأوا عجزهم عن معارضته اقشعرت الجلود منه إعظاما له، وتعجبا من حسنه، ~~وبلاغته ثم تلين جلودهم، وقلوبهم { إلى ذكر الله } عدى تلين ~~بإلى لتضمينه فعلا يتعدى بها، كأنه قيل سكنت، واطمأنت إلى ذكر الله ~~لينة غير منقبضة، ومفعول ذكر الله محذوف، والتقدير إلى ذكر الله رحمته، ~~وثوابه، وجنته، وحذف للعلم به. قال قتادة هذا نعت أولياء الله نعتهم ~~بأنها تقشعر جلودهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب ~~عقولهم، والغشيان عليهم إنما ذلك في أهل البدع وهو من الشيطان، والإشارة ~~بقوله { ذلك } إلى الكتاب الموصوف بتلك الصفات، وهو مبتدأ، و { هدى ~~الله } خبره، أي ذلك الكتاب هدى الله { يهدى به من يشاء } أن ~~يهديه من عباده. وقيل إن الإشارة بقوله { ذلك } إلى ما وهبه الله ~~لهؤلاء من خشية عذابه، ورجاء ثوابه { ومن يضلل الله } أي يجعل ~~قلبه قاسيا مظلما غير قابل للحق { فما له من هاد } يهديه إلى ~~الحق، ويخلصه من الضلال. قرأ الجمهور { من هاد } بغير ياء. وقرأ ابن ~~كثير، وابن محيصن بالياء. ثم لما حكم على القاسية قلوبهم بحكم في الدنيا، ~~وهو الضلال، حكم عليهم في الآخرة بحكم آخر، وهو العذاب، فقال { أفمن ~~يتقى بوجهه سوء العذاب يوم القيمة } والاستفهام ~~للإنكار، وقد تقدم الكلام فيه، وفي هذه الفاء الداخلة على من في قوله # أفمن حق عليه كلمة العذاب # الزمر 19، ومن مبتدأ، وخبرها محذوف لدلالة المقام عليه، والمعنى أفمن ~~شأنه أن يقي نفسه بوجهه الذي هو أشرف أعضائه سوء العذاب يوم القيامة لكون ~~يده قد صارت مغلولة إلى عنقه كمن هو آمن لا يعتريه شيء من ذلك، ولا يحتاج ~~إلى الاتقاء. قال الزجاج المعنى أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن يدخل ~~الجنة. قال عطاء، وابن زيد يرمى به مكتوبا في النار، فأول شيء تمس منه ~~وجهه. وقال مجاهد يجر على ms3349 وجهه في النار. # قال الأخفش المعنى أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب أفضل أم من سعد؟ مثل قوله # أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم ~~القيامة # فصلت 40، ثم أخبر سبحانه عما تقوله الخزنة للكفار، فقال { وقيل ~~للظلمين ذوقوا ما كنتم تكسبون } ، وهو معطوف على يتقي ~~أي ويقال لهم، وجاء بصيغة الماضي للدلالة على التحقيق. قال عطاء أي جزاء ~~ما كنتم تعملون، ومثل هذه الآية قوله # هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم ~~تكنزون # التوبة 35، وقد تقدم الكلام على معنى الذوق في غير موضع. ثم أخبر ~~سبحانه عن حال من قبلهم من الكفار، فقال { كذب الذين من ~~قبلهم } أي من قبل الكفار المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم. ~~والمعنى أنهم كذبوا رسلهم { فأتهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون } أي من جهة لا يحتسبون إتيان العذاب منها، وذلك عند أمنهم، ~~وغفلتهم عن عقوبة الله لهم بتكذيبهم { فأذاقهم الله الخزى } ~~أي الذل، والهوان { في الحياة الدنيا } بالمسخ، والخسف، ~~والقتل، والأسر، وغير ذلك { ولعذاب الأخرة أكبر } لكونه في ~~غاية الشدة مع دوامه { لو كانوا يعلمون } أي لو كانوا ممن ~~يعلم الأشياء، ويتفكر فيها، ويعمل بمقتضى علمه. قال المبرد يقال لكل ما ~~نال الجارحة من شيء قد ذاقته، أي وصل إليها كما تصل الحلاوة، والمرارة ~~إلى الذائق لهما. قال والخزي المكروه. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~في قوله { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء } ~~الآية قال ما في الأرض ماء إلا نزل من السماء، ولكن عروق في الأرض تغيره، ~~فذلك قوله { فسلكه ينابيع فى الأرض } فمن سره أن يعود ~~الملح عذبا، فليصعده. وأخرج ابن مردويه عنه في قوله { أفمن شرح ~~الله صدره للإسلم } قال أبو بكر الصديق. وأخرج ابن مردويه ~~عن ابن مسعود قال تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية { أفمن ~~شرح الله صدره } قلنا يا نبي الله كيف انشراح صدره؟ قال # " إذا دخل النور القلب انشرح، وانفسح " # قلنا فما علامة ذلك يا رسول الله؟ فقال ms3350 # " الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت قبل ~~نزول الموت " # وأخرجه ابن مردويه عن محمد بن كعب القرظي مرفوعا مرسلا. وأخرج الحكيم ~~الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عمر أن رجلا قال يا نبي الله أي ~~المؤمنين أكيس؟ قال # " أكثرهم ذكرا للموت وأحسنهم له استعدادا، وإذا دخل النور في القلب ~~انفسح، واستوسع " # فقالوا ما آية ذلك يا نبي الله؟ قال # " الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت ~~قبل نزول الموت " # وأخرجه عن أبي جعفر عبد الله بن المسور، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بنحوه، وزاد فيه ثم قرأ { أفمن شرح الله صدره ~~للإسلم فهو على نور من ربه } ». # وأخرج الترمذي، وابن مروديه، وابن شاهين في الترغيب في الذكر، والبيهقي ~~في الشعب عن ابن عمر قال قال رسول الله # " لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة ~~للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي " # وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال قالوا يا رسول الله لو حدثتنا، فنزل { ~~الله نزل أحسن الحديث } الآية». وأخرج ابن مردويه عنه في ~~قوله { مثاني } قال القرآن كله مثاني. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا ~~في الآية قال القرآن يشبه بعضه بعضا، ويرد بعضه إلى بعض. وأخرج ابن ~~جرير، وابن مردويه عنه أيضا في الآية قال كتاب الله مثاني ثني فيه الأمر ~~مرارا. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن عساكر عن ~~عبد الله بن عروة بن الزبير قال قلت لجدتي أسماء كيف كان يصنع أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرءوا القرآن؟ قالت كانوا كما نعتهم ~~الله تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم، قلت فإن ناسا ها هنا إذا سمعوا ذلك ~~تأخذهم عليه غشية، قالت أعوذ بالله من الشيطان. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس في قوله { أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب } قال ينطلق ~~به إلى النار مكتوفا، ثم يرمى به فيها، فأول ما تمس وجهه النار. ### || [39.27-35] # قوله ms3351 { ولقد ضربنا للناس فى هذا القرءان من كل ~~مثل } قد قدمنا تحقيق المثل، وكيفية ضربه في غير موضع، ومعنى { من ~~كل مثل } ما يحتاجون إليه، وليس المراد ما هو أعم من ذلك، فهو هنا ~~كما في قوله # ما فرطنا فى الكتب من شىء # الأنعام 38 أي من شيء يحتاجون إليه في أمر دينهم. وقيل المعنى ما ذكرنا ~~من إهلاك الأمم السالفة مثل لهؤلاء { لعلهم يتذكرون } ~~يتعظمون، فيعتبرون، وانتصاب { قرءانا عربيا } على الحال من هذا، ~~وهي حال مؤكدة، وتسمى هذه حالا موطئة، لأن الحال في الحقيقة هو عربيا، ~~وقرآنا توطئة له، نحو جاءني زيد رجلا صالحا كذا قال الأخفش، ويجوز أن ~~ينتصب على المدح. قال الزجاج عربيا منتصب على الحال، وقرآنا توكيد، ~~ومعنى { غير ذى عوج } لا اختلاف فيه بوجه من الوجوه. قال الضحاك ~~أي غير مختلف. قال النحاس أحسن ما قيل في معناه قول الضحاك. وقيل غير ~~متضاد. وقيل غير ذي لبس. وقيل غير ذي لحن. وقيل غير ذي شك كما قال ~~الشاعر # وقد أتاك يقين غير ذي عوج من الإله وقول غير مكذوب # { لعلهم يتقون } علة أخرى بعد العلة الأولى. وهي { ~~لعلهم يتذكرون } أي لكي يتقوا الكفر، والكذب. ثم ذكر سبحانه ~~مثلا من الأمثال القرآنية للتذكير، والإيقاظ، فقال { ضرب الله ~~مثلا } أي تمثيل حالة عجيبة بأخرى مثلها. ثم بين المثل، فقال { ~~رجلا فيه شركاء متشكسون } قال الكسائي نصب { رجلا } ~~لأنه تفسير للمثل. وقيل هو منصوب بنزع الخافض، أي ضرب الله مثلا برجل. ~~وقيل إن { رجلا } هو المفعول الأول، و { مثلا } هو المفعول الثاني، ~~وأخر المفعول الأول ليتصل بما هو من تمامه، وقد تقدم تحقيق هذا في سورة ~~«يس»، وجملة { فيه شركاء } في محل نصب صفة لرجل، والتشاكس التخالف. ~~قال الفراء أي مختلفون. وقال المبرد أي متعاسرون من شكس يشكس شكسا، فهو ~~شكس مثل عسر يعسر عسرا، فهو عسر. قال الجوهري التشاكس الاختلاف. قال ~~ويقال رجل شكس بالتسكين، أي صعب الخلق، وهذا مثل من أشرك بالله، وعبد ~~آلهة كثيرة. ثم ms3352 قال { ورجلا سلما لرجل } أي خالصا له، وهذا ~~مثل من يعبد الله وحده. قرأ الجمهور { سلما } بفتح السين، واللام، وقرأ ~~سعيد بن جبير، وعكرمة، وأبو العالية بكسر السين، وسكون اللام. وقرأ ابن ~~عباس، ومجاهد، والجحدري، وأبو عمرو، وابن كثير، ويعقوب سالما بالألف، ~~وكسر اللام اسم فاعل من سلم له، فهو سالم، واختار هذه القراءة أبو عبيد ~~قال لأن السالم الخالص ضد المشترك، والسلم ضد الحرب، ولا موضع للحرب ها ~~هنا، وأجيب عنه بأن الحرف إذا كان له معنيان لم يحمل إلا على أولاهما، ~~فالسلم، وإن كان ضد الحرب، فله معنى آخر بمعنى سالم، من سلم له كذا إذا ~~خلص له. # وأيضا يلزمه في سالم ما ألزم به، لأنه يقال شيء سالم، أي لا عاهة به، ~~واختار أبو حاتم القراءة الأولى. والحاصل أن قراءة الجمهور هي على الوصف ~~بالمصدر للمبالغة، أو على حذف مضاف، أي ذا سلم، ومثلها قراءة سعيد بن ~~جبير، ومن معه. ثم جاء سبحانه بما يدل على التفاوت بين الرجلين، فقال { ~~هل يستويان مثلا } ، وهذا الاستفهام للإنكار، والاستبعاد، ~~والمعنى هل يستوي هذا الذي يخدم جماعة شركاء أخلاقهم مختلفة، ونياتهم ~~متباينة يستخدمه كل واحد منهم، فيتعب، وينصب مع كون كل واحد منهم غير ~~راض بخدمته، وهذا الذي يخدم واحدا لا ينازعه غيره إذا أطاعه رضي عنه، ~~وإذا عصاه عفا عنه. فإن بين هذين من الاختلاف الظاهر الواضح ما لا يقدر ~~عاقل أن يتفوه باستوائهما، لأن أحدهما في أعلى المنازل، والآخر في ~~أدناها، وانتصاب مثلا على التمييز المحول عن الفاعل لأن الأصل هل يستوي ~~مثلهما، وأفرد التمييز، ولم يثنه لأن الأصل في التمييز الإفراد لكونه ~~مبينا للجنس، وجملة { الحمد لله } تقرير لما قبلها من نفي ~~الاستواء، وللإيذان للموحدين بما في توحيدهم لله من النعمة العظيمة ~~المستحقة لتخصيص الحمد به. ثم أضرب سبحانه عن نفي الاستواء المفهوم من ~~الاستفهام الإنكاري إلى بيان أن أكثر الناس لا يعلمون، فقال { بل ~~أكثرهم لا يعلمون } ، وهم المشركون، فإنهم لا يعلمون ذلك مع ~~ظهوره، ووضوحه. ms3353 قال الواحدي، والبغوي والمراد بالأكثر الكل، والظاهر ~~خلاف ما قالاه، فإن المؤمنين بالله يعلمون ما في التوحيد من رفعة شأنه، ~~وعلو مكانه، وإن الشرك لا يمائله بوجه من الوجوه، ولا يساويه في وصف من ~~الأوصاف، ويعلمون أن الله سبحانه يستحق الحمد على هذه النعمة، وأن الحمد ~~مختص به. ثم أخبر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن الموت يدركه، ~~ويدركهم لا محالة، فقال { إنك ميت وإنهم ميتون } قرأ ~~الجمهور { ميت } و { ميتون } بالتشديد، وقرأ ابن محيصن، وابن أبي عبلة، ~~وعيسى بن عمر، وابن أبي إسحاق، واليماني مائت ومائتون، وبها قرأ عبد الله ~~بن الزبير. وقد استحسن هذه القراءة بعض المفسرين لكون موته، وموتهم ~~مستقبلا، ولا وجه للاستحسان، فإن قراءة الجمهور تفيد هذا المعنى. قال ~~الفراء والكسائي الميت بالتشديد من لم يمت، وسيموت، والميت بالتخفيف من ~~قد مات، وفارقته الروح. قال قتادة نعيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~نفسه، ونعيت إليهم أنفسهم. ووجه هذا الإخبار الإعلام للصحابة بأنه يموت، ~~فقد كان بعضهم يعتقد، أنه لا يموت مع كونه توطئة، وتمهيدا لما بعده حيث ~~قال { ثم إنكم يوم القيمة عند ربكم ~~تختصمون } أي تخاصمهم يا محمد، وتحتج عليهم بأنك قد بلغتهم، ~~وأنذرتهم، وهم يخاصمونك، أو يخاصم المؤمن الكافر، والظالم المظلوم. # ثم بين سبحانه حال كل فريق من المختصمين، فقال { فمن أظلم ~~ممن كذب على الله } أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله، فزعم أن ~~له ولدا، أو شريكا، أو صاحبة { وكذب بالصدق إذ جاءه } ، ~~وهو ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من دعاء الناس إلى التوحيد، ~~وأمرهم بالقيام بفرائض الشرع، ونهيهم عن محرماته، وإخبارهم بالبعث، ~~والنشور، وما أعد الله للمطيع، والعاصي. ثم استفهم سبحانه استفهاما ~~تقريريا، فقال { أليس فى جهنم مثوى للكفرين } أي ~~أليس لهؤلاء المفترين المكذبين بالصدق، والمثوى المقام، وهو مشتق من ثوى ~~بالمكان إذا أقام به يثوى ثواء، وثويا، مثل مضى مضاء، ومضيا. وحكى أبو ~~عبيد أنه يقال أثوى، وأنشد قول الأعشى # أثوى وأقصر ليله ms3354 ليزودا ومضى وأخلف من قتيلة موعدا # وأنكر ذلك الأصمعي، وقال لا نعرف أثوى. ثم ذكر سبحانه فريق المؤمنين ~~المصدقين، فقال { والذى جاء بالصدق وصدق به } الموصول ~~في موضع رفع بالابتداء، وهو عبارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ~~تابعه، وخبره { أولئك هم المتقون } ، وقيل الذي جاء بالصدق ~~رسول الله، والذي صدق به أبو بكر. وقال مجاهد الذي جاء بالصدق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، والذي صدق به علي بن أبي طالب. وقال السدي الذي ~~جاء بالصدق جبريل، والذي صدق به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ~~قتادة، ومقاتل، وابن زيد الذي جاء بالصدق النبي صلى الله عليه وسلم، ~~والذي صدق به المؤمنون. وقال النخعي الذي جاء بالصدق، وصدق به هم ~~المؤمنون الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة. وقيل إن ذلك عام في كل من ~~دعا إلى توحيد الله، وأرشد إلى ما شرعه لعباده، واختار هذا ابن جرير، وهو ~~الذي اختاره من هذه الأقوال، ويؤيده قراءة ابن مسعود والذين جاءوا بالصدق ~~وصدقوا به. ولفظ { الذي } كما وقع في قراءة الجمهور وإن كان مفردا، ~~فمعناه الجمع، لأنه يراد به الجنس كما يفيده قوله { أولئك هم ~~المتقون } أي المتصفون بالتقوى التي هي عنوان النجاة. وقرأ أبو ~~صالح وصدق به مخففا، أي صدق به الناس. ثم ذكر سبحانه ما لهؤلاء الصادقين ~~المصدقين في الآخرة، فقال { لهم ما يشاءون عند ربهم } أي ~~لهم كل ما يشاءونه من رفع الدرجات، ودفع المضرات، وتكفير السيئات، وفي ~~هذا ترغيب عظيم، وتشويق بالغ، والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم ~~ذكره من جزائهم، وهو مبتدأ، وخبره قوله { جزاء المحسنين } أي ~~الذين أحسنوا في أعمالهم. وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " أن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك " # ثم بين سبحانه ما هو الغاية مما لهم عند ربهم، فقال { ليكفر ~~الله عنهم أسوأ الذى عملوا } ، فإن ذلك هو أعظم ما ~~يرجونه من دفع الضرر عنهم لأن الله ms3355 سبحانه إذا غفر لهم ما هو الأسوأ من ~~أعمالهم غفر لهم ما دونه بطريقة الأولى، واللام متعلقة بيشاءون، أو ~~بالمحسنين، أو بمحذوف. قرأ الجمهور { أسوأ } على أنه أفعل تفضيل. وقيل ~~ليست للتفضيل بل بمعنى سيء الذي عملوا. وقرأ ابن كثير في رواية عنه أسواء ~~بألف بين الهمزة، والواو بزنة أجمال جمع سوء. { ويجزيهم ~~أجرهم بأحسن الذى كانوا يعملون } لما ذكر سبحانه ~~ما يدل على دفع المضار عنهم ذكر ما يدل على جلب أعظم المنافع إليهم، ~~وإضافة الأحسن إلى ما بعده ليست من إضافة المفضل إلى المفضل عليه، بل من ~~إضافة الشيء إلى بعضه قصدا إلى التوضيح من غير اعتبار تفضيل. قال مقاتل ~~يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم، ولا يجزيهم بالمساوىء. وقد أخرج الآجري، ~~والبيهقي عن ابن عباس في قوله { غير ذى عوج } قال غير مخلوق. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله { ضرب الله مثلا ~~رجلا } الآية قال الرجل يعبد آلهة شتى، فهذا مثل ضربه الله لأهل ~~الأوثان { ورجلا سلما } يعبد إلها واحدا ضرب لنفسه مثلا. ~~وأخرجا عنه أيضا في قوله { ورجلا سلما } قال ليس لأحد فيه شيء. ~~وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن ~~ابن عمر قال لقد لبثنا برهة من دهرنا، ونحن نرى أن هذه الآية نزلت فينا، ~~وفي أهل الكتابين من قبلنا { إنك ميت وإنهم ميتون } ~~الآية، حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت أنها نزلت فينا. ~~وأخرج نعيم بن حماد في الفتن، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه نحوه بأطول ~~منه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه عنه أيضا قال نزلت ~~علينا الآية { ثم إنكم يوم القيمة عند ربكم ~~تختصمون } ، وما ندري ما تفسيرها حتى وقعت الفتنة، فقلنا هذا الذي ~~وعدنا ربنا أن نختصم فيه. وأخرج عبد الرزاق، وأحمد، وابن منيع، وعبد بن ~~حميد، والترمذي وصححه، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو ~~نعيم في الحلية، والبيهقي في البعث والنشور عن الزبير بن العوام قال لما ~~نزلت ms3356 { إنك ميت وإنهم ميتون * ثم إنكم يوم ~~القيمة عند ربكم تختصمون } قلت يا رسول الله أيكرر ~~علينا ما يكون بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال # " نعم ليكررن عليكم ذلك حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه. قال الزبير فوالله ~~إن الأمر لشديد " # وأخرج سعيد بن منصور، عن أبي سعيد الخدري قال لما نزلت { ثم ~~إنكم يوم القيمة عند ربكم تختصمون } كنا نقول ~~ربنا واحد، وديننا واحد، ونبينا واحد، فما هذه الخصومة؟ فلما كان يوم ~~صفين، وشد بعضنا على بعض بالسيوف، قلنا نعم هو هذا. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات ~~عن ابن عباس في قوله { والذى جاء بالصدق } يعني بلا إله إلا ~~الله { وصدق به } يعني برسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~أولئك هم المتقون } يعني اتقوا الشرك. وأخرج ابن جرير، ~~والباوردي في معرفة الصحابة، وابن عساكر من طريق أسيد بن صفوان، وله صحبة ~~عن علي بن أبي طالب قال الذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وسلم، وصدق ~~به أبو بكر. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة مثله. ### || [39.36-42] # قوله { أليس الله بكاف عبده } قرأ الجمهور { عبده } ~~بالإفراد. وقرأ حمزة، والكسائي عباده بالجمع، فعلى القراءة الأولى المراد ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أو الجنس، ويدخل فيه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دخولا أوليا، وعلى القراءة الأخرى المراد الأنبياء أو المؤمنون ~~أو الجميع، واختار أبو عبيد قراءة الجمهور، لقوله عقبه { ويخوفونك } ، ~~والاستفهام للإنكار لعدم كفايته سبحانه على أبلغ وجه كأنها بمكان من ~~الظهور لا يتيسر لأحد أن ينكره. وقيل المراد بالعبد، والعباد ما يعم ~~المسلم، والكافر. قال الجرجاني إن الله كاف عبده المؤمن، وعبده الكافر ~~هذا بالثواب، وهذا بالعقاب. وقرىء بكافي عباده بالإضافة، وقرىء يكافي ~~بصيغة المضارع، وقوله { ويخوفونك بالذين من دونه } يجوز ~~أن يكون في محل نصب على الحال، إذ المعنى أليس كافيك حال تخويفهم إياك؟ ~~ويجوز أن تكون مستأنفة، والذين من دونه عبارة عن المعبودات التي يعبدونها ~~{ ومن ms3357 يضلل الله فما له من هاد } أي من حق عليه القضاء ~~بضلاله، فما له من هاد يهديه إلى الرشد، ويخرجه من الضلالة. { ومن ~~يهد الله فما له من مضل } يخرجه من الهداية، ويوقعه في ~~الضلالة { أليس الله بعزيز } أي غالب لكل شيء قاهر له { ذى ~~انتقام } ينتقم من عصاته بما يصبه عليهم من عذابه، وما ينزله بهم من ~~سوط عقابه. { ولئن سألتهم من خلق السموات ~~والأرض ليقولن الله } ذكر سبحانه اعترافهم إذا سئلوا عن ~~الخالق بأن الله سبحانه مع عبادتهم للأوثان، واتخاذهم الآلهة من دون ~~الله، وفي هذا أعظم دليل على أنهم كانوا في غفلة شديدة، وجهالة عظيمة ~~لأنهم إذا علموا أن الخالق لهم، ولما يعبدون من دون الله هو الله سبحانه، ~~فكيف استحسنت عقولهم عبادة غير خالق الكل، وتشريك مخلوق مع خالقه في ~~العبادة؟ وقد كانوا يذكرون بحسن العقول، وكمال الإدراك، والفطنة التامة، ~~ولكنهم لما قلدوا أسلافهم، وأحسنوا الظن بهم هجروا ما يقتضيه العقل، ~~وعملوا بما هو محض الجهل. ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يبكتهم بعد هذا ~~الاعتراف، ويوبخهم، فقال { قل أفرايتم ما تدعون من دون ~~الله إن أرادنى الله بضر هل هن كشفت ضره ~~} أي أخبروني عن آلهتكم هذه هل تقدر على كشف ما أراده الله بي من الضر، ~~والضر هو الشدة، أو أعلى { أو أرادنى برحمة هل هن ~~ممسكت رحمته } عني بحيث لا تصل إلي، والرحمة النعمة، ~~والرخاء. قرأ الجمهور ممسكات، وكاشفات في الموضعين بالإضافة، وقرأهما ~~أبو عمرو، بالتنوين. قال مقاتل لما نزلت هذه الآية سألهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فسكتوا، وقال غيره قالوا لا تدفع شيئا من قدر الله، ولكنها ~~تشفع، فنزل { قل حسبى الله } في جميع أموري في جلب النفع، ودفع ~~الضر { عليه يتوكل المتوكلون } أي عليه، لا على غيره ~~يعتمد المعتمدون، واختار أبو عبيد، وأبو حاتم قراءة أبي عمرو، لأن كاشفات ~~اسم فاعل في معنى الاستقبال، وما كان كذلك، فتنوينه أجود، وبها قرأ ~~الحسن، وعاصم. # ثم أمره سبحانه أن يهددهم، ويتوعدهم، فقال ms3358 { قل ياقوم اعملوا ~~على مكانتكم } أي على حالتكم التي أنتم عليها، وتمكنتم منها { ~~إنى عمل } أي على حالتي التي أنا عليها، وتمكنت منها، وحذف ذلك ~~للعلم به مما قبله { فسوف تعلمون * من يأتيه عذاب ~~يخزيه } أي يهينه، ويذله في الدنيا، فيظهر عند ذلك أنه المبطل، وخصمه ~~المحق، والمراد بهذا العذاب عذاب الدنيا، وما حل بهم من القتل، والأسر، ~~والقهر، والذلة. ثم ذكر عذاب الآخرة، فقال { ويحل عليه عذاب ~~مقيم } أي دائم مستمر في الدار الآخرة، وهو عذاب النار. ثم لما كان ~~يعظم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إصرارهم على الكفر أخبره بأنه لم ~~يكلف إلا بالبيان، لا بأن يهدي من ضل، فقال { إنا أنزلنا ~~عليك الكتب للناس } أي لأجلهم، ولبيان ما كلفوا به، و { ~~بالحق } حال من الفاعل، أو المفعول، أي محقين، أو ملتبسا بالحق { ~~فمن اهتدى } طريق الحق، وسلكها { فلنفسه ومن ضل } ~~عنها { فإنما يضل عليها } أي على نفسه، فضرر ذلك عليه لا ~~يتعدى إلى غيره { وما أنت عليهم بوكيل } أي بمكلف بهدايتهم ~~مخاطب بها، بل ليس عليك إلا البلاغ، وقد فعلت. وهذه الآيات هي منسوخة ~~بآية السيف، فقد أمر الله رسوله بعد هذا أن يقاتلهم حتى يقولوا لا إله ~~إلا الله، ويعملوا بأحكام الإسلام. ثم ذكر سبحانه نوعا من أنواع قدرته ~~البالغة، وصنعته العجيبة، فقال { الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها } أي يقبضها عند حضور أجلها، ويخرجها من الأبدان { والتى ~~لم تمت فى منامها } أي ويتوفى الأنفس التي لم تمت، أي لم يحضر ~~أجلها في منامها. وقد اختلف في هذا. فقيل يقبضها عن التصرف مع بقاء ~~الروح في الجسد. وقال الفراء المعنى ويقبض التي لم تمت عند انقضاء أجلها ~~قال وقد يكون توفيها نومها، فيكون التقدير على هذا والتي لم تمت، وفاتها ~~نومها. قال الزجاج لكل إنسان نفسان أحدهما نفس التمييز، وهي التي تفارقه ~~إذا نام، فلا يعقل، والأخرى نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس، والنائم ~~يتنفس. قال القشيري في هذا بعد إذ المفهوم من الآية ms3359 أن النفس المقبوضة في ~~الحالين شيء واحد، ولهذا قال { فيمسك التى قضى عليها ~~الموت ويرسل الأخرى } أي النائمة { إلى أجل مسمى ~~} ، وهو الوقت المضروب لموته، وقد قال بمثل قول الزجاج ابن الأنباري. # وقال سعيد بن جبير إن الله يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح ~~الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف { فيمسك التى ~~قضى عليها الموت ويرسل الأخرى } ، فيعيدها، والأولى ~~أن يقال إن توفي الأنفس حال النوم بإزالة الإحساس، وحصول الآفة به في محل ~~الحس، فيمسك التي قضى عليها الموت، ولا يردها إلى الجسد الذي كانت فيه، ~~ويرسل الأخرى بأن يعيد عليها إحساسها. قيل ومعنى { يتوفى الأنفس ~~عند موتها } هو على حذف مضاف، أي عند موت أجسادها. وقد اختلف ~~العقلاء في النفس، والروح هل هما شيء واحد، أو شيئان؟ والكلام في ذلك ~~يطول جدا، وهو معروف في الكتب الموضوعة لهذا الشأن. قرأ الجمهور { قضى ~~} مبنيا للفاعل، أي قضى الله عليها الموت، وقرأ حمزة، والكسائي، ~~والأعمش، ويحيى بن وثاب على البناء للمفعول، واختار أبو عبيد، وأبو حاتم ~~القراءة الأولى لموافقتها لقوله { الله يتوفى الأنفس } ، ~~والإشارة بقوله { إن فى ذلك } إلى ما تقدم من التوفي، والإمساك، ~~والإرسال للنفوس { لآيات } أي لآيات عجيبة بديعة دالة على القدرة ~~الباهرة، ولكن ليس كون ذلك آيات يفهمه كل أحد بل { لقوم ~~يتفكرون } في ذلك، ويتدبرونه، ويستدلون به على توحيد الله، وكمال ~~قدرته. فإن في هذا التوفي، والإمساك، والإرسال موعظة للمتعظين، وتذكرة ~~للمتذكرين. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~الله يتوفى الأنفس حين موتها } الآية قال نفس، وروح ~~بينهما مثل شعاع الشمس، فيتوفى الله النفس في منامه، ويدع الروح في جوفه ~~تتقلب، وتعيش، فإن بدا له أن يقبضه قبض الروح، فمات. وإن أخر أجله رد ~~النفس إلى مكانها من جوفه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~والطبراني في الأوسط، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، والضياء في ~~المختارة عنه في الآية قال تلتقي أرواح الأحياء، وأرواح الأموات ms3360 في ~~المنام، فيتساءلون بينهم ما شاء الله، ثم يمسك الله أرواح الأموات، ويرسل ~~أرواح الأحياء إلى أجسادها { إلى أجل مسمى } لا يغلط بشيء ~~منها، فذلك قوله { إن فى ذلك لآيت لقوم يتفكرون }. ~~وأخرج عبد بن حميد عنه أيضا في الآية قال كل نفس لها سبب تجري فيه، فإذا ~~قضى عليها الموت نامت حتى ينقطع السبب، والتي لم تمت في منامها تترك. ~~وأخرج البخاري، ومسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فلينفضه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه ~~عليه، ثم ليقل باسمك ربي وضعت جنبي، وباسمك أرفعه، إن أمسكت نفسي، ~~فارحمها، وإن أرسلتها، فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ". ### || [39.43-48] # قوله { أم اتخذوا من دون الله شفعاء } أم هي المنقطعة ~~المقدرة ببل، والهمزة، أي بل اتخذوا من دون الله آلهة شفعاء تشفع لهم ~~عند الله { قل أولو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا ~~يعقلون } الهمزة للإنكار، والتوبيخ، والواو للعطف على محذوف مقدر، ~~أي أيشفعون، ولو كانوا الخ، وجواب لو محذوف تقديره تتخذونهم، أي وإن ~~كانوا بهذه الصفة تتخذونهم، ومعنى لا يملكون شيئا أنهم غير مالكين لشيء ~~من الأشياء، وتدخل الشفاعة في ذلك دخولا أوليا، ولا يعقلون شيئا من ~~الأشياء لأنها جمادات لا عقل لها، وجمعهم بالواو، والنون لاعتقاد الكفار ~~فيهم أنهم يعقلون. ثم أمره سبحانه بأن يخبرهم أن الشفاعة لله وحده، فقال ~~{ قل لله الشفعة جميعا } ، فليس لأحد منها شيء إلا أن ~~يكون بإذنه لمن ارتضى، كما في قوله # من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه # البقرة 255، وقوله # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # الأنبياء 28، وانتصاب { جميعا } على الحال، وإنما أكد الشفاعة بما يؤكد ~~به الاثنان، فصاعدا لأنها مصدر يطلق على الواحد، والاثنين، والجماعة، ثم ~~وصفه بسعة الملك، فقال { له ملك السموات والأرض } أي ~~يملكهما، ويملك ما فيهما، ويتصرف في ذلك كيف يشاء، ويفعل ما يريد { ثم ~~إليه ترجعون } لا إلى غيره، وذلك بعد البعث. { وإذا ذكر ~~الله وحده اشمأزت ms3361 قلوب الذين لا يؤمنون ~~بالأخرة } انتصاب { وحده } على الحال عند يونس، وعلى المصدر عند ~~الخليل، وسيبويه، والاشمئزاز في اللغة النفور. قال أبو عبيدة اشمأزت ~~نفرت، وقال المبرد انقبضت. وبالأول قال قتادة، وبالثاني قال مجاهد، ~~والمعنى متقارب. وقال المؤرج أنكرت، وقال أبو زيد اشمأز الرجل ذعر من ~~الفزع، والمناسب للمقام تفسير اشمأزت بانقبضت، وهو في الأصل الازورار، ~~وكان المشركون إذا قيل لهم لا إله إلا الله انقبضوا، كما حكاه الله عنهم ~~في قوله # وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على ~~أدبارهم نفورا # الإسراء 46، ثم ذكر سبحانه استبشارهم بذكر أصنامهم، فقال { وإذا ~~ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون } أي يفرحون ~~بذلك، ويبتهجون به، والعامل في " إذا " في قوله { وإذا ذكر الله ~~} الفعل الذي بعدها، وهو اشمأزت، والعامل في إذا في قوله { وإذا ~~ذكر الذين من دونه } الفعل العامل في إذا الفجائية، والتقدير ~~فاجئوا الاستبشار وقت ذكر الذين من دونه. ولما لم يقبل المتمردون من ~~الكفار ما جاءهم به من الدعاء إلى الخير، وصمموا على كفرهم، أمره الله ~~سبحانه أن يرد الأمر إليه، فقال { قل اللهم فاطر ~~السموات والأرض عالم الغيب والشهدة أنت ~~تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون } ، وقد ~~تقدم تفسير فاطر السماوات، وتفسير عالم الغيب، والشهادة، وهما منصوبان ~~على النداء، ومعنى { تحكم بين عبادك } تجازي المحسن بإحسانه، ~~وتعاقب المسيء بإساءته، فإنه بذلك يظهر من هو المحق، ومن هو المبطل، ~~ويرتفع عنده خلاف المختلفين، وتخاصم المتخاصمين. # ثم لما حكى عن الكفار ما حكاه من الاشمئزاز عند ذكر الله، والاستبشار ~~عند ذكر الأصنام ذكر ما يدل على شدة عذابهم، وعظيم عقوبتهم، فقال { ~~ولو أن للذين ظلموا ما فى الأرض جميعا } أي جميع ~~ما في الدنيا من الأموال، والذخائر { ومثله معه } أي منضما إليه ~~{ لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيمة } أي من ~~سوء عذاب ذلك اليوم، وقد مضى تفسير هذا في آل عمران { وبدا لهم ~~من الله ما لم يكونوا يحتسبون } أي ظهر لهم من عقوبات ~~الله، وسخطه، وشدة عذابه ms3362 ما لم يكن في حسابهم، وفي هذا وعيد عظيم، ~~وتهديد بالغ، وقال مجاهد عملوا أعمالا توهموا أنها حسنات، فإذا هي ~~سيئات، وكذا قال السدي. وقال سفيان الثوري ويل لأهل الرياء ويل لأهل ~~الرياء ويل لأهل الرياء هذه آيتهم، وقصتهم. وقال عكرمة بن عمار جزع محمد ~~بن المنكدر عند موته جزعا شديدا، فقيل له ما هذا الجزع؟ قال أخاف آية ~~من كتاب الله { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون } ، فأنا أخشى أن يبدو لي ما لم أكن أحتسب. { وبدا ~~لهم سيئات ما كسبوا } أي مساوىء أعمالهم من الشرك، وظلم ~~أولياء الله، و «ما» يحتمل أن تكون مصدرية، أي سيئات كسبهم، وأن تكون ~~موصولة، أي سيئات الذي كسبوه { وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزءون } أي أحاط بهم، ونزل بهم ما كانوا يستهزئون به من الإنذار ~~الذي كان ينذرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أخرج ابن مردويه ~~عن ابن عباس في قوله { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت } ~~الآية قال قست، ونفرت { قلوب } هؤلاء الأربعة { الذين لا ~~يؤمنون بالأخرة } أبو جهل بن هشام، والوليد بن عقبة، وصفوان، ~~وأبي بن خلف { وإذا ذكر الذين من دونه } اللات، والعزى { ~~إذا هم يستبشرون }. وأخرج مسلم، وأبو داود، والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام ~~من الليل افتتح صلاته # " اللهم رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل فاطر السماوات والأرض، عالم ~~الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما ~~أختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ". ### || [39.49-61] # قوله { فإذا مس الإنسن } المراد بالإنسان هنا الجنس باعتبار ~~بعض أفراده، أو غالبها. وقيل المراد به الكفار فقط، والأول أولى، ولا ~~يمنع من حمله على الجنس خصوص سببه، لأن الاعتبار بعموم اللفظ، وفاء بحق ~~النظم القرآني، ووفاء بمدلوله، والمعنى أن شأن غالب نوع الإنسان أنه إذا ~~مسه ضر من مرض، أو فقر، أو غيرهما دعا الله، وتضرع إليه في رفعه، ودفعه ms3363 ~~{ ثم إذا خولنه نعمة منا } أي أعطيناه نعمة كائنة من ~~عندنا { قال إنما أوتيته على علم } مني بوجوه المكاسب، ~~أو على خير عندي، أو على علم من الله بفضلي. وقال الحسن على علم علمني ~~الله إياه. وقيل قد علمت أني إذا أوتيت هذا في الدنيا أن لي عند الله ~~منزلة، وجاء بالضمير في أوتيته مذكرا مع كونه راجعا إلى النعمة لأنها ~~بمعنى الإنعام. وقيل إن الضمير عائد إلى ما، وهي موصولة، والأول أولى { ~~بل هى فتنة } هذا رد لما قاله، أي ليس ذلك الذي أعطيناك لما ~~ذكرت، بل هو محنة لك، واختبار لحالك أتشكر أم تكفر؟ قال الفراء أنث ~~الضمير في قوله «هي» لتأنيث الفتنة، ولو قال بل هو فتنة لجاز. وقال ~~النحاس بل عطيته فتنة. وقيل تأنيث الضمير باعتبار لفظ الفتنة، وتذكير ~~الأول في قوله { أوتيته } باعتبار معناها { ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون } أن ذلك استدراج لهم من الله، وامتحان لما ~~عندهم من الشكر، أو الكفر. { قد قالها الذين من قبلهم } ~~أي قال هذه الكلمة التي قالوها، وهي قولهم إنما أوتيته على علم الذين من ~~قبلهم كقارون، وغيره، فإن قارون قال # إنما أوتيته على علم عندى # القصص 78 { فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } يجوز ~~أن تكون " ما " هذه نافية، أي لم يغن عنهم ما كسبوا من متاع الدنيا ~~شيئا، وأن تكون استفهامية، أي أي شيء أغنى عنهم ذلك { فأصبهم ~~سيئات ما كسبوا } أي جزاء سيئات كسبهم، أو أصابهم سيئات هي جزاء ~~كسبهم، وسمي الجزاء سيئات لوقوعها في مقابلة سيئاتهم، فيكون ذلك من باب ~~المشاكلة كقوله # وجزاء سيئة سيئة مثلها # الشورى 40. ثم أوعد سبحانه الكفار في عصره، فقال { والذين ~~ظلموا من هؤلاء } الموجودين من الكفار { سيصيبهم ~~سيئات ما كسبوا } كما أصاب من قبلهم، وقد أصابهم في الدنيا ما ~~أصابهم من القحط، والقتل، والأسر، والقهر { وما هم بمعجزين } ~~أي بفائتين على الله بل مرجعهم إليه يصنع بهم ما شاء من العقوبة. { أو ~~لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء } أي ms3364 ~~يوسع الرزق لمن يشاء أن يوسعه له { ويقدر } أي يقبضه لمن يشاء أن ~~يقبضه، ويضيقه عليه. # قال مقاتل وعظهم الله، ليعتبروا في توحيده، وذلك حين مطروا بعد سبع ~~سنين، فقال أو لم يعلموا أن الله يوسع الرزق لمن يشاء، ويقتر على من يشاء ~~{ إن فى ذلك لآيات } أي في ذلك المذكور لدلالات عظيمة، وعلامات ~~جليلة { لقوم يؤمنون } وخص المؤمنين لأنهم المنتفعون بالآيات ~~المتفكرون فيها. ثم لما ذكر سبحانه ما ذكره من الوعيد عقبه بذكر سعة ~~رحمته، وعظيم مغفرته، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبشرهم بذلك، ~~فقال { قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله } المراد بالإسراف الإفراط في ~~المعاصي، والاستكثار منها، ومعنى لا تقنطوا لا تيأسوا من رحمة الله من ~~مغفرته. ثم لما نهاهم عن القنوط أخبرهم بما يدفع ذلك، ويرفعه، ويجعل ~~الرجاء مكان القنوط، فقال { إن الله يغفر الذنوب جميعا ~~}. واعلم أن هذه الآية أرجى آية في كتاب الله سبحانه لاشتمالها على أعظم ~~بشارة، فإنه أولا أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم، ومزيد تبشيرهم، ~~ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي، والاستكثار من الذنوب، ثم عقب ذلك بالنهي ~~عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط ~~للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى، وبفحوى الخطاب، ثم جاء بما لا يبقي ~~بعده شك، ولا يتخالج القلب عند سماعه ظن، فقال { إن الله يغفر ~~الذنوب } ، فالألف، واللام قد صيرت الجمع الذي دخلت عليه للجنس الذي ~~يستلزم استغراق أفراده، فهو في قوة إن الله يغفر كل ذنب كائنا ما كان، ~~إلا ما أخرجه النص القرآني، وهو الشرك # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء # النساء 48، 116، ثم لم يكتف بما أخبر عباده به من مغفرة كل ذنب، بل أكد ~~ذلك بقوله { جميعا } فيا لها من بشارة ترتاح لها قلوب المؤمنين ~~المحسنين ظنهم بربهم الصادقين في رجائه، الخالعين لثياب القنوط الرافضين ~~لسوء الظن بمن لا يتعاظمه ذنب،ولا يبخل بمغفرته، ورحمته على عباده ~~المتوجهين ms3365 إليه في طلب العفو الملتجئين به في مغفرة ذنوبهم، وما أحسن ما ~~علل سبحانه به هذا الكلام قائلا إنه هو الغفور الرحيم، أي كثير المغفرة، ~~والرحمة عظيمهما بليغهما واسعهما، فمن أبى هذا التفضل العظيم، والعطاء ~~الجسيم، وظن أن تقنيط عباد الله، وتأييسهم من رحمته أولى بهم مما بشرهم ~~الله به، فقد ركب أعظم الشطط، وغلط أقبح الغلط، فإن التبشير، وعدم ~~التقنيط الذي جاءت به مواعيد الله في كتابه العزيز، والمسلك الذي سلكه ~~رسوله صلى الله عليه وسلم كما صح عنه من قوله # " يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا " # وإذا تقرر لك هذا، فاعلم أن الجمع بين هذه الآية، وبين قوله # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء # النساء 48، 116 هو أن كل ذنب كائنا ما عدا الشرك بالله مغفور لمن شاء ~~الله أن يغفر له، على أنه يمكن أن يقال إن إخباره لنا بأنه يغفر الذنوب ~~جميعا يدل على أنه يشاء غفرانها جميعا، وذلك يستلزم أنه يشاء المغفرة ~~لكل المذنبين من المسلمين، فلم يبق بين الآيتين تعارض من هذه الحيثية. ~~وأما ما يزعمه جماعة من المفسرين من تقييد هذه الآية بالتوبة، وأنها لا ~~تغفر إلا ذنوب التائبين، وزعموا أنهم قالوا ذلك للجمع بين الآيات. فهو ~~جمع بين الضب، والنون، وبين الملاح، والحادي، وعلى نفسها براقش تجني، ولو ~~كانت هذه البشارة العظيمة مقيدة بالتوبة لم يكن لها كثير موقع، فإن ~~التوبة من المشرك يغفر الله له بها ما فعله من الشرك بإجماع المسلمين، ~~وقد قال # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء # النساء 48، 116، فلو كانت التوبة قيدا في المغفرة لم يكن للتنصيص على ~~الشرك فائدة، وقد قال سبحانه # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم # الرعد 6 قال الواحدي المفسرون كلهم قالوا إن هذه الآية في قوم خافوا إن ~~أسلموا أن لا يغفر لهم ما جنوا من الذنوب العظام، كالشرك، وقتل النفس، ~~ومعاداة النبي صلى الله عليه وسلم. قلت ms3366 هب أنها في هؤلاء القوم، فكان ~~ماذا؟، فإن الاعتبار بما اشتملت عليه من العموم لا بخصوص السبب كما هو ~~متفق عليه بين أهل العلم، ولو كانت الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية ~~مقيدة بأسبابها غير متجاوزة لها لارتفعت أكثر التكاليف عن الأمة إن لم ~~ترتفع كلها، واللازم باطل بالإجماع، فالملزوم مثله. وفي السنة المطهرة من ~~الأحاديث الثابتة في الصحيحين، وغيرهما في هذا الباب ما إن عرفه المطلع ~~عليه حق معرفته، وقدره حق قدره علم صحة ما ذكرناه، وعرف حقية ما ~~حررناه. قرأ الجمهور { يا عبادي } بإثبات الياء، وصلا، ووقفا، وروى أبو ~~بكر عن عاصم أنه يقف بغير ياء. وقرأ الجمهور { تقنطوا } بفتح النون. وقرأ ~~أبو عمرو، والكسائي بكسرها. { وأنيبوا إلى ربكم ~~وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا ~~تنصرون } أي ارجعوا إليه بالطاعة لما بشرهم سبحانه بأنه يغفر الذنوب ~~جميعا، أمرهم بالرجوع إليه بفعل الطاعات، واجتناب المعاصي، وليس في هذا ~~ما يدل على تقييد الآية الأولى بالتوبة لا بمطابقة، ولا تضمن، ولا ~~التزام، بل غاية ما فيها أنه بشرهم بتلك البشارة العظمى، ثم دعاهم إلى ~~الخير، وخوفهم من الشر على أنه يمكن أن يقال إن هذه الجملة مستأنفة ~~خطابا للكفار الذين لم يسلموا بدليل قوله { وأسلموا له } جاء ~~بها لتحذير الكفار، وإنذارهم بعد ترغيب المسلمين بالآية الأولى، ~~وتبشيرهم، وهذا، وإن كان بعيدا، ولكنه يمكن أن يقال به، والمعنى على ما ~~هو الظاهر أن الله جمع لعباده بين التبشير العظيم، والأمر بالإنابة إليه، ~~والإخلاص له، والاستسلام لأمره، والخضوع لحكمه. # وقوله { من قبل أن يأتيكم العذاب } أي عذاب الدنيا كما ~~يفيده قوله { من قبل أن يأتيكم } ، فليس في ذلك ما يدل على ~~ما زعمه الزاعمون، وتمسك به القانطون المقنطون، والحمد لله رب العالمين. ~~{ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } يعني ~~القرآن، يقول أحلوا حلاله، وحرموا حرامه، والقرآن كله حسن. قال الحسن ~~التزموا طاعته، واجتنبوا معاصيه. وقال السدي الأحسن ما أمر الله به في ~~كتابه. وقال ابن زيد يعني المحكمات، وكلوا علم ms3367 المتشابه إلى عالمه. وقيل ~~الناسخ دون المنسوخ. وقيل العفو دون الانتقام بما يحق فيه الانتقام. وقيل ~~أحسن ما أنزل إليكم من أخبار الأمم الماضية { من قبل أن ~~يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون } أي من ~~قبل أن يفاجئكم العذاب، وأنتم غافلون عنه لا تشعرون به. وقيل أراد أنهم ~~يموتون بغتة، فيقعون في العذاب. والأول أولى، لأن الذي يأتيهم بغتة هو ~~العذاب في الدنيا بالقتل، والأسر، والقهر، والخوف، والجدب، لا عذاب ~~الآخرة، ولا الموت، لأنه لم يسند الإتيان إليه. { أن تقول نفس ~~يحسرتى يحسرتى على ما فرطت فى جنب الله } قال ~~البصريون أي حذرا أن تقول. وقال الكوفيون لئلا تقول. قال المبرد بادروا ~~خوف أن تقول، أو حذرا من أن تقول نفس. وقال الزجاج خوف أن تصيروا إلى ~~حال تقولون فيها يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله. قيل والمراد بالنفس ~~هنا النفس الكافرة. وقيل المراد به التكثير كما في قوله # علمت نفس ما أحضرت # التكوير 14 قرأ الجمهور { يا حسرتا } بالألف بدلا من الياء المضاف ~~إليها، والأصل يا حسرتي، وقرأ ابن كثير يا حسرتاه بهاء السكت وقفا، وقرأ ~~أبو جعفر يا حسرتي بالياء على الأصل. والحسرة الندامة، ومعنى { على ~~ما فرطت فى جنب الله } على ما فرطت في طاعة الله، قاله ~~الحسن. وقال الضحاك على ما فرطت في ذكر الله، ويعني به القرآن، والعمل ~~به. وقال أبو عبيدة { فى جنب الله } أي في ثواب الله. وقال الفراء ~~الجنب القرب، والجوار، أي في قرب الله، وجواره، ومنه قوله # والصحب بالجنب # النساء 36، والمعنى على هذا القول، على ما فرطت في طلب جنب الله، أي في ~~طلب جواره، وقربه، وهو الجنة، وبه قال ابن الأعرابي، وقال الزجاج أي ~~فرطت في الطريق الذي هو طريق الله من توحيده، والإقرار بنبوة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا، فالجنب بمعنى الجانب، أي قصرت في الجانب ~~الذي يؤدي إلى رضا الله، ومنه قول الشاعر # للناس جنب والأمير جنب # أي الناس من جانب، والأمير من ms3368 جانب { وإن كنت لمن السخرين ~~} أي وما كنت إلا من المستهزئين بدين الله في الدنيا، ومحل الجملة النصب ~~على الحال. # قال قتادة لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها { أو تقول ~~لو أن الله هدانى لكنت من المتقين } أي لو أن ~~الله أرشدني إلى دينه لكنت ممن يتقي الشرك، والمعاصي، وهذا من جملة ما ~~يحتج به المشركون من الحجج الزائفة، ويتعللون به من العلل الباطلة كما في ~~قوله # سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا # الأنعام 148، فهي كلمة حق يريدون بها باطلا. ثم ذكر سبحانه مقالة أخرى ~~مما قالوا، فقال { أو تقول حين ترى العذاب لو أن لى ~~كرة } أي رجعة إلى الدنيا { فأكون من المحسنين } ~~المؤمنين بالله الموحدين له، المحسنين في أعمالهم، وانتصاب أكون إما ~~لكونه معطوفا على كرة، فإنها مصدر، وأكون في تأويل المصدر كما في قول ~~الشاعر # للبس عباءة وتقر عيني أحب إلي من لبس الشفوف # وأنشد الفراء على هذا # فما لك منها غير ذكرى وخشية وتسأل عن ركبانها أين يمموا # وإما لكونه جواب التمني المفهوم من قوله { لو أن لى كرة }. ~~ثم ذكر سبحانه جوابه على هذه النفس المتمنية المتعللة بغير علة، فقال { ~~بلى قد جاءتك ءايتى فكذبت بها واستكبرت ~~وكنت من الكفرين }. المراد بالآيات هي الآيات التنزيلية، وهو ~~القرآن، ومعنى التكذيب بها قوله إنها ليس من عند الله، وتكبر عن الإيمان ~~بها، وكان مع ذلك التكذيب، والاستكبار من الكافرين بالله. وجاء سبحانه ~~بخطاب المذكر في قوله جاءتك، وكذبت، واستكبرت، وكنت، لأن النفس تطلق على ~~المذكر، والمؤنث. قال المبرد تقول العرب نفس واحد، أي إنسان واحد، وبفتح ~~التاء في هذه المواضع قرأ الجمهور. وقرأ الجحدري، وأبو حيوة، ويحيى بن ~~يعمر بكسرها في جميعها، وهي قراءة أبي بكر، وابنته عائشة، وأم سلمة، ~~ورويت عن ابن كثير { ويوم القيمة ترى الذين كذبوا ~~على الله وجوههم مسودة } ، أي ترى الذين كذبوا على الله ~~بأن له شركاء، وصاحبة، وولدا وجوههم مسودة لما أحاط بهم من العذاب، ms3369 ~~وشاهدوه من غضب الله، ونقمته، وجملة { وجوههم مسودة } في محل ~~نصب على الحال. قال الأخفش ترى غير عامل في وجوههم مسودة، إنما هو مبتدأ ~~وخبر، والأولى أن ترى إن كانت من الرؤية البصرية، فجملة { وجوههم ~~مسودة } حالية، وإن كانت قلبية، فهي في محل نصب على أنها المفعول ~~الثاني لترى، والاستفهام في قوله { أليس فى جهنم مثوى ~~للمتكبرين } للتقرير، أي أليس فيها مقام للمتكبرين عن طاعة الله، ~~والكبر هو بطر الحق، وغمط الناس كما ثبت في الحديث الصحيح. { وينجى ~~الله الذين اتقوا } أي اتقوا الشرك، ومعاصي الله، والباء في ~~{ بمفازتهم } متعلقة بمحذوف هو حال من الموصول، أي ملتبسين ~~بمفازتهم. # قرأ الجمهور { بمفازتهم } بالإفراد على أنها مصدر ميمي. والفوز الظفر ~~بالخير، والنجاة من الشر. قال المبرد المفازة مفعلة من الفوز، وهو ~~السعادة، وإن جمع، فحسن كقولك السعادة، والسعادات. والمعنى ينجيهم الله ~~بفوزهم، أي بنجاتهم من النار، وفوزهم بالجنة. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو ~~بكر " بمفازاتهم " جمع مفازة، وجمعها مع كونها مصدرا لاختلاف الأنواع، ~~وجملة { لا يمسهم السوء } في محل نصب على الحال من الموصول، ~~وكذلك جملة { ولا هم يحزنون } في محل نصب على الحال، أي ينفي ~~السوء، والحزن عنهم، ويجوز أن تكون الباء في بمفازتهم للسببية، أي بسبب ~~فوزهم مع انتفاء مساس السوء لهم، وعدم وصول الحزن إلى قلوبهم لأنهم رضوا ~~بثواب الله، وأمنوا من عقابه. وقد أخرج ابن أبي حاتم - قال السيوطي بسند ~~صحيح، وابن مردويه عن ابن عباس قال أنزلت { قل ياعبادى الذين ~~أسرفوا } الآية في مشركي أهل مكة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر ~~قال كنا نقول ليس لمفتتن توبة، وما الله بقابل منه شيئا، عرفوا الله، ~~وآمنوا به، وصدقوا رسوله، ثم رجعوا عن ذلك لبلاء أصابهم، وكانوا يقولونه ~~لأنفسهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنزل الله فيهم ~~{ قل يعبادى الذين أسرفوا } الآيات قال ابن عمر فكتبتها ~~بيدي، ثم بعثت بها إلى هشام بن العاصي وأخرج ms3370 ابن أبي حاتم، وابن مردويه ~~عن أبي سعد قال لما أسلم وحشي أنزل الله # والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر ولا ~~يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق # الفرقان 68 قال وحشي، وأصحابه فنحن قد ارتكبنا هذا كله، فأنزل الله { ~~قل ياعبادى الذين أسرفوا } الآية. وأخرج البخاري في الأدب ~~المفرد عن أبي هريرة قال «خرج النبي صلى الله عليه وسلم على رهط من ~~أصحابه، وهم يضحكون، ويتحدثون، فقال # " والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا " # ثم انصرف، وأبكى القوم، وأوحى الله إليه يا محمد لم تقنط عبادي فرجع ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال # " أبشروا، وسددوا، وقاربوا " # وأخرج ابن مردويه، والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب أنها نزلت، فيمن ~~أفتن. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس أنها نزلت في مشركي مكة ~~لما قالوا إن الله لا يغفر لهم ما قد اقترفوه من الشرك، وقتل الأنفس، ~~وغير ذلك. وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي ~~في الشعب عن ثوبان سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " ما أحب أن لي الدنيا، وما فيها بهذه الآية { قل يعبادى ~~الذين أسرفوا على أنفسهم } " # إلى آخر الآية، فقال رجل ومن أشرك؟، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، قال # " ألا، ومن أشرك ثلاث مرات ". # وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن المنذر، ~~وابن الأنباري في المصاحف، والحاكم، وابن مردويه عن أسماء بنت يزيد سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ # " يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي إنه هو الغفور الرحيم " # وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله، ~~وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود ~~أنه مر على قاض يذكر الناس، فقال يا مذكر الناس لا تقنط الناس، ثم قرأ { ~~يعبادى الذين أسرفوا } الآية. وأخرج ابن ms3371 جرير عن ابن سيرين ~~قال قال علي أي آية أوسع؟، فجعلوا يذكرون آيات من القرآن # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه # النساء 11 الآية، ونحوها، فقال علي ما في القرآن أوسع آية من { ~~يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } الآية. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { يعبادى الذين ~~أسرفوا على أنفسهم } الآية قال قد دعا الله إلى مغفرته من ~~زعم أن المسيح ابن الله، ومن زعم أن عزيرا ابن الله، ومن زعم أن الله ~~فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة يقول ~~لهؤلاء # أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله ~~غفور رحيم # المائدة 74 ثم دعا إلى توبته من هو أعظم قولا من هؤلاء من قال # أنا ربكم الأعلى # النازعات 24، وقال # ما علمت لكم من إله غيرى # القصص 38 قال ابن عباس ومن آيس العباد من التوبة بعد هذا، فقد جحد كتاب ~~الله، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أن تقول نفس } ~~قال أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوا، وعلمهم قبل أن يعلموا. ### || [39.62-72] # قوله { الله خلق كل شىء } من الأشياء الموجودة في الدنيا، ~~والآخرة كائنا ما كان من غير فرق بين شيء، وشيء وقد تقدم تفسير هذه ~~الآية في الأنعام { وهو على كل شىء وكيل } أي الأشياء كلها ~~موكولة إليه، فهو القائم بحفظها، وتدبيرها من غير مشارك له. { له ~~مقاليد السموات والأرض } المقاليد، واحدها مقليد، ومقلاد، ~~أو لا واحد له من لفظه كأساطير، وهي مفاتيح السماوات، والأرض، والرزق، ~~والرحمة. قاله مقاتل، وقتادة، وغيرهما. وقال الليث المقلاد الخزانة، ~~ومعنى الآية له خزائن السماوات، والأرض، وبه قال الضحاك، والسدي. وقيل ~~خزائن السماوات المطر، وخزائن الأرض النبات. وقيل هي عبارة عن قدرته ~~سبحانه، وحفظه لها، والأول أولى. قال الجوهري الإقليد المفتاح، ثم قال ~~والجمع المقاليد. وقيل هي لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله ms3372 ~~وبحمده، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقيل غير ذلك. { ~~والذين كفروا بئايت الله أولئك هم ~~الخسرون } أي بالقرآن، وسائر الآيات الدالة على الله سبحانه، ~~وتوحيده، ومعنى الخاسرون الكاملون في الخسران لأنهم صاروا بهذا الكفر إلى ~~النار. { قل أفغير الله تأمرونى أعبد أيها ~~الجهلون } الاستفهام للإنكار التوبيخي، والفاء للعطف على مقدر ~~كنظائره، و { غير } منصوب ب { أعبد } ، وأعبد معمول ل { تأمروني } على ~~تقدير أن المصدرية، فلما حذفت بطل عملها، والأصل أفتأمروني أن أعبد غير ~~الله. قاله الكسائي، وغيره. ويجوز أن يكون غير منصوبا بتأمروني، وأعبد ~~بدل منه بدل اشتمال، وأن مضمرة معه أيضا. ويجوز أن يكون غير منصوبة بفعل ~~مقدر، أي أفتلزموني غير الله، أي عبادة غير الله، أو أعبد غير الله أعبد. ~~أمره الله سبحانه أن يقول هذا للكفار لما دعوه إلى ما هم عليه من عبادة ~~الأصنام، وقالوا هو دين آبائك. قرأ الجمهور { تأمروني } بإدغام نون الرفع ~~في نون الوقاية على خلاف بينهم في فتح الياء، وتسكينها. وقرأ نافع ~~تأمروني بنون خفيفة، وفتح الياء، وقرأ ابن عامر تأمرونني بالفك، وسكون ~~الياء. { ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك } ~~أي من الرسل { لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن ~~من الخسرين } هذا الكلام من باب التعريض لغير الرسل، لأن الله ~~سبحانه قد عصمهم عن الشرك، ووجه إيراده على هذا الوجه التحذير، والإنذار ~~للعباد من الشرك، لأنه إذا كان موجبا لإحباط عمل الأنبياء على الفرض، ~~والتقدير، فهو محبط لعمل غيرهم من أممهم بطريق الأولى. قيل وفي الكلام ~~تقديم، وتأخير، والتقدير ولقد أوحي إليك لئن أشركت، وأوحي إلى الذين من ~~قبلك كذلك. قال مقاتل أي أوحي إليك وإلى الأنبياء قبلك بالتوحيد والتوحيد ~~محذوف، ثم قال لئن أشركت يا محمد ليحبطن عملك، وهو خطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم خاصة. # وقيل إفراد الخطاب في قوله { لئن أشركت } باعتبار كل واحد من ~~الأنبياء كأنه قيل أوحي إليك، وإلى كل واحد من الأنبياء هذا الكلام، وهو ~~لئن أشركت، وهذه الآية مقيدة بالموت على الشرك ms3373 كما في الآية الأخرى # ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ~~فأولئك حبطت أعملهم # البقرة 217 وقيل هذا خاص بالأنبياء لأن الشرك منهم أعظم ذنبا من الشرك ~~من غيرهم، والأول أولى، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بتوحيده، فقال { بل الله فاعبد } ، وفي هذا رد على المشركين ~~حيث أمروه بعبادة الأصنام. ووجه الرد ما يفيده التقديم من القصر. قال ~~الزجاج لفظ اسم الله منصوب ب { اعبد } قال ولا اختلاف في هذا بين ~~البصريين، والكوفيين. وقال الفراء هو منصوب بإضمار فعل، وروي مثله عن ~~الكسائي، والأول أولى. قال الزجاج والفاء في { فاعبد } للمجازاة. وقال ~~الأخفش زائدة. قال عطاء، ومقاتل معنى { فاعبد } وحد، لأن عبادته لا تصح ~~إلا بتوحيده { وكن من الشكرين } لإنعامه عليك بما هداك إليه ~~من التوحيد، والدعاء إلى دينه، واختصك به من الرسالة. { وما قدروا ~~الله حق قدره } قال المبرد أي ما عظموه حق عظمته، من قولك فلان ~~عظيم القدر، وإنما وصفهم بهذا لأنهم عبدوا غير الله، وأمروا رسوله بأن ~~يكون مثلهم في الشرك. وقرأ الحسن، وأبو حيوة، وعيسى بن عمر " قدروا " ~~بالتشديد { والأرض جميعا قبضته يوم القيمة } ~~القبضة في اللغة ما قبضت عليه بجميع كفك، فأخبر سبحانه عن عظيم قدرته بأن ~~الأرض كلها مع عظمها، وكثافتها في مقدوره كالشيء الذي يقبض عليه القابض ~~بكفه كما يقولون هو في يد فلان، وفي قبضته للشيء الذي يهون عليه التصرف ~~فيه، وإن لم يقبض عليه، وكذا قوله { والسموت مطويت ~~بيمينه } ، فإن ذكر اليمين للمبالغة في كمال القدرة كما يطوي الواحد ~~منا الشيء المقدور له طيه بيمينه، واليمين في كلام العرب قد تكون بمعنى ~~القدرة، والملك. قال الأخفش بيمينه يقول في قدرته، نحو قوله # أو ما ملكت أيمنكم # النساء 3 أي ما كانت لكم قدرة عليه، وليس الملك لليمين دون الشمال، ~~وسائر الجسد، ومنه له سبحانه # لأخذنا منه باليمين # الحاقة 45 أي بالقوة، والقدرة، ومنه قول الشاعر # إذا ما راية نصبت لمجد تلقاها عرابة باليمين # وقول الآخر # ولما ms3374 رأيت الشمس أشرق نورها تناولت منها حاجتي بيمين # وقول الآخر # عطست بأنف شامخ وتناولت يداي الثريا قاعدا غير قائم # وجملة { والارض جميعا قبضته } في محل نصب على الحال، أي ~~ما عظموه حق تعظيمه، والحال أنه متصف بهذه الصفة الدالة على كمال القدرة. ~~قرأ الجمهور برفع { قبضته } على أنها خبر المبتدأ، وقرأ الحسن بنصبها، ~~ووجهه ابن خالويه بأنه على الظرفية، أي في قبضته. # وقرأ الجمهور { مطويات } بالرفع على أنها خبر المبتدأ، والجملة في محل ~~نصب على الحال كالتي قبلها، و { بيمينه } متعلق ب { مطويات } ، أو حال ~~من الضمير في { مطويات } ، أو خبر ثان، وقرأ عيسى، والجحدري بنصب ~~مطويات، ووجه ذلك أن { السموات } معطوفة على { الأرض } ، وتكون { قبضته ~~} خبرا عن الأرض، والسموات، وتكون { مطويات } حالا، أو تكون { مطويات ~~} منصوبة بفعل مقدر، و { بيمينه } الخبر، وخص يوم القيامة بالذكر، وإن ~~كانت قدرته شاملة، لأن الدعاوي تنقطع فيه كما قال سبحانه # الملك يومئذ لله # الحج 56، وقال # ملك يوم الدين # الفاتحة 4، ثم نزه سبحانه نفسه، فقال { سبحانه وتعالى عما ~~يشركون } به من المعبودات التي يجعلونها شركاء له مع هذه القدرة ~~العظيمة، والحكمة الباهرة. { ونفخ فى الصور فصعق من فى ~~السموات ومن فى الارض } هذه هي النفخة الأولى، والصور هو ~~القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، وقد تقدم غير مرة، ومعنى صعق زالت عقولهم، ~~فخروا مغشيا عليهم. وقيل ماتوا. قال الواحدي قال المفسرون مات من ~~الفزع، وشدة الصوت أهل السموات، والأرض. قرأ الجمهور { الصور } بسكون ~~الواو، وقرأ قتادة، وزيد بن علي بفتحها جمع صورة، والاستثناء في قوله { ~~إلا من شاء الله } متصل، والمستثنى جبريل، وميكائيل، وإسرافيل. ~~وقيل رضوان، وحملة العرش، وخزنة الجنة، والنار { ثم نفخ فيه ~~أخرى } يجوز أن يكون { أخرى } في محل رفع على النيابة، وهي صفة لمصدر ~~محذوف، أي نفخة أخرى، ويجوز أن يكون في محل نصب، والقائم مقام الفاعل فيه ~~{ فإذا هم قيام ينظرون } يعني الخلق كلهم قيام على أرجلهم ~~ينظرون ما يقال لهم، أو ينتظرون ذلك. قرأ الجمهور { قيام } بالرفع على ~~أنه خبر، ms3375 و { ينظرون } في محل نصب على الحال، وقرأ زيد بن علي بالنصب ~~على أنه حال، والخبر { ينظرون } ، والعامل في الحال ما عمل في إذا ~~الفجائية. قال الكسائي كما تقول خرجت، فإذا زيد جالسا. { وأشرقت ~~الأرض بنور ربها } الإشراق الإضاءة، يقال أشرقت الشمس إذا ~~أضاءت، وشرقت إذا طلعت، ومعنى { بنور ربها } بعدل ربها، قاله الحسن، ~~وغيره. وقال الضحاك بحكم ربها، والمعنى أن الأرض أضاءت، وأنارت بما أقامه ~~الله من العدل بين أهلها، وما قضى به من الحق فيهم، فالعدل نور، والظلم ~~ظلمات. وقيل إن الله يخلق نورا يوم القيامة يلبسه وجه الأرض، فتشرق به ~~غير نور الشمس، والقمر، ولا مانع من الحمل على المعنى الحقيقي، فإن الله ~~سبحانه هو نور السماوات، والأرض. قرأ الجمهور { أشرقت } مبنيا للفاعل، ~~وقرأ ابن عباس، وأبو الجوزاء، وعبيد بن عمير على البناء للمفعول { ووضع ~~الكتاب } قيل هو اللوح المحفوظ. وقال قتادة يعني الكتب، والصحف التي فيها ~~أعمال بني آدم، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله، وكذا قال مقاتل. # وقيل هو من وضع المحاسب كتاب المحاسبة بين يديه، أي وضع الكتاب للحساب { ~~وجىء بالنبيين } أي جيء بهم إلى الموقف، فسئلوا عما أجابتهم به ~~أممهم { والشهداء } الذين يشهدون على الأمم من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم كما في قوله # وكذلك جعلنكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس # البقرة 143، وقيل المراد بالشهداء الذين استشهدوا في سبيل الله، فيشهدون ~~يوم القيامة لمن ذب عن دين الله. وقيل هم الحفظة كما قال تعالى # وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد # ق 21 { وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون } أي وقضي ~~بين العباد بالعدل، والصدق، والحال أنهم لا يظلمون، أي لا ينقصون من ~~ثوابهم، ولا يزاد على ما يستحقونه من عقابهم { ووفيت كل نفس ~~ما عملت } من خير، وشر { وهو أعلم بما يفعلون } في ~~الدنيا لا يحتاج إلى كاتب، ولا حاسب، ولا شاهد، وإنما وضع الكتاب، وجيء ~~بالنبيين، والشهداء لتكميل الحجة، وقطع المعذرة. ثم ذكر سبحانه تفصيل ما ~~ذكره من توفية كل نفس ما ms3376 كسبت، فقال { وسيق الذين كفروا ~~إلى جهنم زمرا } أي سيق الكافرون إلى النار حال كونهم زمرا، ~~أي جماعات متفرقة بعضها يتلو بعضا. قال أبو عبيدة، والأخفش زمرا ~~جماعات متفرقة بعضها إثر بعض، ومنه قول الشاعر # وترى الناس إلى أبوابه زمرا تنتابه بعد زمر # واشتقاقه من الزمر، وهو الصوت، إذ الجماعة لا تخلو عنه { حتى إذا ~~جاءوها فتحت أبوبها } أي فتحت أبواب النار، ليدخلوها، وهي ~~سبعة أبواب، وقد مضى بيان ذلك في سورة الحجر { وقال لهم ~~خزنتها } جمع خازن نحو سدنة، وسادن { ألم يأتكم رسل ~~منكم } أي من أنفسكم { يتلون عليكم ءايت ربكم } التي ~~أنزلها عليهم { وينذرونكم لقاء يومكم هذا } أي ~~يخوفونكم لقاء هذا اليوم الذي صرتم فيه، قالوا لهم هذا القول تقريعا، ~~وتوبيخا، فأجابوا بالاعتراف، ولم يقدروا عل الجدل الذي كانوا يتعللون به ~~في الدنيا لانكشاف الأمر، وظهوره، ولهذا قالوا { بلى } أي قد أتتنا ~~الرسل بآيات الله، وأنذرونا بما سنلقاه { ولكن حقت كلمة ~~العذاب على الكفرين } ، وهي # لأملان جهنم من الجنة والناس أجمعين # السجدة13 فلما اعترفوا هذا الاعتراف قيل { ادخلوا أبوب ~~جهنم } التي قد فتحت لكم لتدخلوها. وانتصاب { خلدين } على ~~الحال، أي مقدرين الخلود { فبئس مثوى المتكبرين } ~~المخصوص بالذم محذوف، أي بئس مثواهم جهنم، وقد تقدم تحقيق المثوى في ~~غير موضع. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله { له مقاليد السموات والأرض } قال مفاتيحها. وأخرج ~~أبو يعلى، ويوسف القاضي في سننه، وأبو الحسن القطان، وابن السني، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن عثمان بن عفان قال سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن قول الله { له مقاليد السموت ~~والأرض } ، فقال لي # " يا عثمان لقد سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك، مقاليد ~~السموات، والأرض لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد ~~لله، وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو، الأول، والآخر، والظاهر، ~~والباطن، يحيي، ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء ~~قدير " # ، ثم ms3377 ذكر فضل هذه الكلمات. وأخرجه ابن مردويه عن ابن عباس، عن عثمان قال ~~جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له أخبرني عن مقاليد السماوات، ~~والأرض، فذكره. وأخرجه الحارث بن أبي أسامة، وابن مردويه عن أبي هريرة، ~~عن عثمان. وأخرجه العقيلي، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر، عن ~~عثمان. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن قريشا دعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يعطوه مالا، فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من ~~النساء، ويطأون عقبه، فقالوا له هذا لك يا محمد، وتكف عن شتم آلهتنا، ~~ولا تذكرها بسوء. قال # " حتى أنظر ما يأتيني من ربي " # فجاء بالوحي # قل ياأيها الكفرون # الكافرون 1 إلى آخر السورة، وأنزل الله عليه { قل أفغير الله ~~تأمرونى أعبد أيها الجهلون } إلى قوله { من ~~الخسرين }. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن مسعود قال جاء ~~حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يا محمد إنا نجد ~~أن الله يحمل السماوات يوم القيامة على أصبع، والشجر على أصبع، والماء ~~والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيقول أنا الملك، فضحك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم { وما قدروا الله حق قدره والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيمة } ، وأخرج البخاري، ومسلم، ~~وغيرهما من حديث أبي هريرة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول أنا الملك ~~أين ملوك الأرض؟ " # وفي الباب أحاديث، وآثار تقتضي حمل الآية على ظاهرها من دون تكلف ~~لتأويل، ولا تعسف لقال وقيل. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة ~~قال قال رجل من اليهود بسوق المدينة والذي اصطفى موسى على البشر، فرفع ~~رجل من الأنصار يده، فلطمه، فقال أتقول هذا وفينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال # " قال الله { ونفخ فى الصور فصعق من ms3378 فى السموات ~~ومن فى الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى ~~فإذا هم قيام ينظرون } ، فأكون أول من يرفع رأسه، فإذا أنا ~~بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أرفع رأسه قبلي، أو كان ممن ~~استثنى الله " # وأخرج أبو يعلى، والدارقطني في الإفراد، وابن المنذر، والحاكم وصححه، ~~وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله { إلا من شاء الله } قال # " هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول عرشه تتلقاهم الملائكة يوم القيامة " # الحديث. وأخرجه سعيد بن منصور، وعبد بن حميد من أقوال أبي هريرة. وأخرج ~~الفريابي، وابن جرير، وأبو نصر السجزي في الإبانة، وابن مردويه عن أنس ~~أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله { إلا من شاء الله ~~} ، فقال # " جبريل، وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل، وحملة العرش " # وأخرج ابن المنذر عن جابر في قوله { إلا من شاء الله } قال ~~موسى، لأنه كان صعق قبل. والأحاديث الواردة في كيفية نفخ الصور كثيرة. ~~وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس في قوله { وجىء بالنبيين ~~والشهداء } قال النبيين الرسل، والشهداء الذين يشهدون لهم بالبلاغ ~~ليس فيهم طعان، ولا لعان. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه في الآية قال ~~يشهدون بتبليغ الرسالة، وتكذيب الأمم إياهم. ### || [39.73-75] # لما ذكر فيما تقدم حال الذين كفروا، وسوقهم إلى جهنم، ذكر هنا حال ~~المتقين، وسوقهم إلى الجنة، فقال { وسيق الذين اتقوا ~~ربهم إلى الجنة زمرا } أي ساقتهم الملائكة سوق إعزاز، ~~وتشريف، وتكريم. وقد سبق بيان معنى الزمر { حتى إذا جاءوها ~~وفتحت أبوبها } جواب إذا محذوف. قال المبرد تقديره سعدوا، ~~وفتحت، وأنشد قول الشاعر # فلو أنها نفس تموت جميعة ولكنها نفس تساقط أنفسا # فحذف جواب لو، والتقدير لكان أروح. وقال الزجاج القول عندي أن الجواب ~~محذوف على تقدير حتى إذا جاءوها، وكانت هذه الأشياء التي ذكرت دخلوها، ~~فالجواب دخولها، وحذف لأن في الكلام دليلا عليه. وقال الأخفش، والكوفيون ~~الجواب { فتحت } ، والواو زائدة، وهو خطأ عند البصريين، لأن الواو ms3379 من ~~حروف المعاني، فلا تزاد. قيل إن زيادة الواو دليل على أن الأبواب فتحت ~~لهم قبل أن يأتوا لكرامتهم على الله، والتقدير حتى إذا جاءوها، وأبوابها ~~مفتحة بدليل قوله # جنت عدن مفتحة لهم الابواب # ص 50، وحذفت الواو في قصة أهل النار، لأنهم وقفوا على النار، وفتحت بعد ~~وقوفهم إذلالا، وترويعا. ذكر معناه النحاس منسوبا إلى بعض أهل العلم، ~~قال ولا أعلم أنه سبقه إليه أحد. وعلى هذا القول تكون الواو واو الحال ~~بتقدير قد، أي جاءوها، وقد فتحت لهم الأبواب. وقيل إنها واو الثمانية، ~~وذلك أن من عادة العرب أنهم كانوا يقولون في العدد خمسة ستة سبعة، ~~وثمانية، وقد مضى القول في هذا في سورة براءة مستوفى، وفي سورة الكهف ~~أيضا. ثم أخبر سبحانه أن خزنة الجنة يسلمون على المؤمنين، فقال { ~~وقال لهم خزنتها سلم عليكم } أي سلامة لكم من كل ~~آفة { طبتم } في الدنيا، فلم تتدنسوا بالشرك، والمعاصي. قال مجاهد ~~طبتم بطاعة الله، وقيل بالعمل الصالح، والمعنى واحد. قال مقاتل إذا قطعوا ~~جسر جهنم حبسوا على قنطرة بين الجنة، والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم ~~كانت بينهم حتى إذا هذبوا، وطيبوا قال لهم رضوان، وأصحابه { سلم ~~عليكم } الآية { فادخلوها } أي ادخلوا الجنة { خلدين } ~~أي مقدرين الخلود، فعند ذلك قال أهل الجنة { الحمد لله الذى ~~صدقنا وعده } بالبعث، والثواب بالجنة { وأورثنا الأرض } ~~أي أرض الجنة كأنها صارت من غيرهم إليهم، فملكوها، وتصرفوا فيها. وقيل ~~إنهم ورثوا الأرض التي كانت لأهل النار لو كانوا مؤمنين. قاله أكثر ~~المفسرين. وقيل إنها أرض الدنيا، وفي الكلام تقديم، وتأخير { نتبوأ ~~من الجنة حيث نشاء } أي نتخذ فيها من المنازل ما نشاء حيث ~~نشاء { فنعم أجر العملين } المخصوص بالمدح محذوف، أي فنعم ~~أجر العاملين الجنة، وهذا من تمام قول أهل الجنة. # وقيل هو من قول الله سبحانه { وترى الملئكة حافين من ~~حول العرش } أي محيطين محدقين به، يقال حف القوم بفلان إذا ~~أطافوا به، و «من» مزيدة. قاله الأخفش، أو للابتداء، والمعنى أن الرائي ~~يراهم ms3380 بهذه الصفة في ذلك اليوم، وجملة { يسبحون بحمد ربهم } ~~في محل نصب على الحال، أي حال كونهم مسبحين لله ملتبسين بحمده. وقيل معنى ~~يسبحون يصلون حول العرش شكرا لربهم، والحافين جمع حاف، قاله الأخفش. ~~وقال الفراء لا واحد له إذ لا يقع لهم هذا الاسم إلا مجتمعين { وقضى ~~بينهم بالحق } أي بين العباد بإدخال بعضهم الجنة، وبعضهم النار، ~~وقيل بين النبيين الذين جيء بهم مع الشهداء، وبين أممهم بالحق. وقيل بين ~~الملائكة بإقامتهم في منازلهم على حسب درجاتهم، والأول أولى. { وقيل ~~الحمد لله رب العلمين } القائلون هم المؤمنون حمدوا ~~الله على قضائه بينهم، وبين أهل النار بالحق. وقيل القائلون هم الملائكة ~~حمدوا الله تعالى على عدله في الحكم، وقضائه بين عباده بالحق. وقد أخرج ~~البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ~~ضوء أشد كوكب دري في السماء إضاءة " # وأخرجا، وغيرهما عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " في الجنة ثمانية أبواب منها باب يسمى باب الريان لا يدخله إلا ~~الصائمون " # وقد ورد في كون أبواب الجنة ثمانية أبواب أحاديث في الصحيحين، وغيرهما. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة في قوله { وأورثنا ~~الأرض } قال أرض الجنة. وأخرج هناد عن أبي العالية مثله. ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1-9] # قوله { حم } قرأ الجمهور بفتح الحاء مشبعا، وقرأ حمزة، والكسائي ~~بإمالته إمالة محضة. وقرأ أبو عمرو بإمالته بين بين، وقرأ الجمهور { حم ~~} بسكون الميم كسائر الحروف المقطعة. وقرأ الزهري بضمها على أنها خبر ~~مبتدأ مضمر، أو مبتدأ، والخبر ما بعده. وقرأ عيسى بن عمر الثقفي بفتحها ~~على أنها منصوبة بفعل مقدر، أو على أنها حركة بناء لا حركة إعراب. وقرأ ~~ابن أبي إسحاق، وأبو السماك بكسرها لالتقاء الساكنين، أو بتقدير القسم. ~~وقرأ الجمهور بوصل الحاء بالميم. وقرأ أبو جعفر بقطعها. وقد اختلف في ~~معناه، فقيل هو اسم من ms3381 أسماء الله، وقيل اسم من أسماء القرآن. وقال ~~الضحاك، والكسائي معناه قضى، وجعلاه بمعنى حم أي قضى، ووقع، وقيل معناه ~~حم أمر الله، أي قرب نصره لأوليائه، وانتقامه من أعدائه. وهذا كله تكلف ~~لا موجب له، وتعسف لا ملجىء إليه، والحق أن هذه الفاتحة لهذه السورة، ~~وأمثالها من المتشابه الذي استأثر الله بعلم معناه كما قدمنا تحقيقه في ~~فاتحة سورة البقرة. { تنزيل الكتب } هو خبر ل { حم } على ~~تقدير أنه مبتدأ، أو خبر لمبتدأ مضمر، أو هو مبتدأ، وخبره { من الله ~~العزيز العليم } قال الرازي المراد بتنزيل المنزل، والمعنى أن ~~القرآن منزل من عند الله ليس بكذب عليه. والعزيز الغالب القاهر، والعليم ~~الكثير العلم بخلقه، وما يقولونه، ويفعلونه. { غافر الذنب ~~وقابل التوب شديد العقاب } قال الفراء جعلها كالنعت ~~للمعرفة، وهي نكرة، ووجه قوله هذا أن إضافتها لفظية، ولكنه يجوز أن تجعل ~~إضافتها معنوية كما قال سيبويه إن كل ما إضافته غير محضة يجوز أن تجعل ~~محضة، وتوصف به المعارف إلا الصفة المشبهة. وأما الكوفيون، فلم يستثنوا ~~شيئا بل جعلوا الصفة المشبهة كاسم الفاعل في جواز جعلها إضافة محضة، ~~وذلك حيث لا يراد بها زمان مخصوص، فيجوزون في { شديد } هنا أن تكون ~~إضافته محضة. وعلى قول سيبويه لا بد من تأويله بمشدد. وقال الزجاج إن ~~هذه الصفات الثلاث مخفوضة على البدل. وروي عنه أنه جعل غافر، وقابل ~~مخفوضين على الوصف، وشديد مخفوض على البدل، والمعنى غافر الذنب لأوليائه، ~~وقابل توبتهم، وشديد العقاب لأعدائه، والتوب مصدر بمعنى التوبة من تاب ~~يتوب توبة، وتوبا، وقيل هو جمع توبة، وقيل غافر الذنب لمن قال لا إله ~~إلا الله، وقابل التوب من الشرك، وشديد العقاب لمن لا يوحده، وقوله { ذى ~~الطول } يجوز أن يكون صفة، لأنه معرفة، وأن يكون بدلا، وأصل الطول ~~الإنعام، والتفضل، أي ذي الإنعام على عباده، والتفضل عليهم. وقال مجاهد ~~ذي الغنى، والسعة. ومنه قوله # ومن لم يستطع منكم طولا # النساء 25 أي غنى، وسعة، وقال عكرمة ذي الطول ذي المن. # قال ms3382 الجوهري والطول بالفتح المن يقال منه طال عليه، ويطول عليه إذا ~~امتن عليه. وقال محمد بن كعب ذي الطول ذي التفضل. قال الماورودي والفرق ~~بين المن، والتفضل أن المن عفو عن ذنب، والتفضل إحسان غير مستحق. ثم ~~ذكر ما يدل على توحيده، وأنه الحقيق بالعبادة، فقال { لا إله ~~إلا هو إليه المصير } لا إلى غيره، وذلك في اليوم الآخر. ثم ~~لما ذكر أن القرآن كتاب الله أنزله ليهتدي به في الدين ذكر أحوال من ~~يجادل فيه لقصد إبطاله، فقال { ما يجدل فى ءايت الله ~~إلا الذين كفروا } أي ما يخاصم في دفع آيات الله، وتكذيبها ~~إلا الذين كفروا، والمراد الجدال بالباطل، والقصد إلى دحض الحق كما في ~~قوله { وجدلوا بالبطل ليدحضوا به الحق }. فأما ~~الجدال لاستيضاح الحق، ورفع اللبس، والبحث عن الراجح، والمرجوح، وعن ~~المحكم، والمتشابه، ودفع ما يتعلق به المبطلون من متشابهات القرآن، ~~وردهم بالجدال إلى المحكم، فهو من أعظم ما يتقرب المتقربون، وبذلك أخذ ~~الله الميثاق على الذين أوتوا الكتاب، فقال # وإذ أخذ الله ميثق الذين أوتوا الكتب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه # آل عمران 187، وقال # إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينت ~~والهدى من بعد ما بينه للناس في الكتاب ~~أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون # البقرة 159، وقال # ولا تجدلوا أهل الكتب إلا بالتى هى أحسن # العنكبوت 46 { فلا يغررك تقلبهم فى البلاد } لما حكم ~~سبحانه على المجادلين في آيات الله بالكفر، نهى رسوله صلى الله عليه وسلم ~~عن أن يغتر بشيء من حظوظهم الدنيوية، فقال فلا يغررك ما يفعلونه من ~~التجارة في البلاد، وما يحصلونه من الأرباح، ويجمعونه من الأموال، فإنهم ~~معاقبون عما قليل، وإن أمهلوا، فإنهم لا يهملون. قال الزجاج لا يغررك ~~سلامتهم بعد كفرهم، فإن عاقبتهم الهلاك. قرأ الجمهور { لا يغررك } بفك ~~الإدغام. وقرأ زيد بن علي، وعبيد بن عمير بالإدغام. ثم بين حال من كان ~~قبلهم، وأن هؤلاء سلكوا سبيل أولئك في التكذيب، فقال { كذبت ~~قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم } الضمير في من ~~بعدهم ms3383 يرجع إلى قوم نوح، أي وكذبت الأحزاب الذين تحزبوا على الرسل من ~~بعد قوم نوح كعاد، وثمود { وهمت كل أمة برسولهم ~~ليأخذوه } أي همت كل أمة من تلك الأمم المكذبة برسولهم الذي أرسل ~~إليهم ليأخذوه ليتمكنوا منه، فيحبسوه، ويعذبوه، ويصيبوا منه ما أرادوا. ~~وقال قتادة، والسدي ليقتلوه، والأخذ قد يرد بمعنى الإهلاك، كقوله # ثم أخذتهم فكيف كان نكير # الحج 44 والعرب تسمي الأسير الأخيذ { وجدلوا بالبطل ~~ليدحضوا به الحق } أي خاصموا رسولهم بالباطل من القول، ~~ليدحضوا به الحق ليزيلوه، ومنه مكان دحض، أي مزلقة، ومزلة أقدام، والباطل ~~داحض لأنه يزلق، ويزول، فلا يستقر. # قال يحيى بن سلام جادلوا الأنبياء بالشرك ليبطلوا به الإيمان { ~~فأخذتهم فكيف كان عقاب } أي فأخذت هؤلاء المجادلين ~~بالباطل، فكيف كان عقابي الذي عاقبتهم به، وحذف ياء المتكلم من عقاب ~~اجتزاء بالكسرة عنها وصلا، ووقفا لأنها رأس آية { وكذلك حقت ~~كلمت ربك على الذين كفروا } أي وجبت، وثبتت، ولزمت، ~~يقال حق الشيء إذا لزم، وثبت، والمعنى وكما حقت كلمة العذاب على الأمم ~~المكذبة لرسلهم حقت على الذين كفروا به، وجادلوك بالباطل، وتحزبوا عليك، ~~وجملة { أنهم أصحب النار } للتعليل، أي لأجل أنهم مستحقون ~~للنار. قال الأخفش أي لأنهم، أو بأنهم. ويجوز أن تكون في محل رفع بدلا ~~من كلمة. قرأ الجمهور { كلمة } بالتوحيد، وقرأ نافع، وابن عامر كلمات ~~بالجمع. ثم ذكر أحوال حملة العرش، ومن حوله، فقال { الذين ~~يحملون العرش ومن حوله } ، والموصول مبتدأ، وخبره يسبحون ~~بحمد ربهم، والجملة مستأنفة مسوقة لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ببيان أن هذا الجنس من الملائكة الذين هم أعلى طبقاتهم يضمون إلى تسبيحهم ~~لله، والإيمان به الاستغفار للذين آمنوا بالله، ورسوله، وصدقوا، والمراد ~~بمن حول العرش هم الملائكة الذين يطوفون به مهللين مكبرين، وهو في محل ~~رفع عطفا على الذين يحملون العرش، وهذا هو الظاهر. وقيل يجوز أن تكون في ~~محل نصب عطفا على العرش، والأول أولى. والمعنى أن الملائكة الذين ~~يحملون العرش، وكذلك الملائكة الذين هم حول العرش ينزهون ms3384 الله ملتبسين ~~بحمده على نعمه، ويؤمنون بالله، ويستغفرون الله لعباده المؤمنين به. ثم ~~بين سبحانه كيفية استغفارهم للمؤمنين، فقال حاكيا عنهم { ربنا ~~وسعت كل شىء رحمة وعلما } ، وهو بتقدير القول، أي ~~يقولون ربنا، أو قائلين ربنا وسعت كل شيء رحمة، وعلما. انتصاب { رحمة } ~~، و { علما } على التمييز المحول عن الفاعل، والأصل وسعت رحمتك، وعلمك ~~كل شيء { فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك } أي ~~أوقعوا التوبة عن الذنوب، واتبعوا سبيل الله، وهو دين الإسلام { وقهم ~~عذاب الجحيم } أي احفظهم منه. { ربنا وأدخلهم ~~جنت عدن } و { أدخلهم } معطوف على قوله { قهم } ، ووسط الجملة ~~الندائية لقصد المبالغة بالتكرير، ووصف جنات عدن بأنها { التى ~~وعدتهم } إياها { ومن صلح من ءابائهم وأزوجهم ~~وذرياتهم } أي وأدخل من صلح، والمراد بالصلاح ها هنا الإيمان ~~بالله، والعمل بما شرعه الله، فمن فعل ذلك، فقد صلح لدخول الجنة، ويجوز ~~عطف، ومن صلح على الضمير في وعدتهم، أي ووعدت من صلح، والأولى عطفه على ~~الضمير الأول في وأدخلهم، قال الفراء، والزجاج نصبه من مكانين إن شئت ~~على الضمير في أدخلهم. وإن شئت على الضمير في وعدتهم. قرأ الجمهور بفتح ~~اللام من صلح. وقرأ ابن أبي عيلة بضمها، وقرأ الجمهور { وذرياتهم } على ~~الجمع. وقرأ عيسى بن عمر على الإفراد { إنك أنت العزيز ~~الحكيم } أي الغالب القاهر الكثير الحكمة الباهرة. # { وقهم السيئت } أي العقوبات، أو جزاء السيئات على تقدير ~~مضاف محذوف. قال قتادة وقهم ما يسوؤهم من العذاب { ومن تق ~~السيئت يومئذ } أي يوم القيامة { فقد رحمته } يقال ~~وقاه يقيه وقاية، أي حفظه، ومعنى { فقد رحمته } أي رحمته من ~~عذابك، وأدخلته جنتك، والإشارة بقوله { وذلك } إلى ما تقدم من ~~إدخالهم الجنات، ووقايتهم السيئات، وهو مبتدأ، وخبره { هو الفوز ~~العظيم } أي الظفر الذي لا ظفر مثله، والنجاة التي لا تساويها نجاة. ~~وقد أخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال { حم } اسم من أسماء الله. وأخرج ~~عبد الرزاق في المصنف، وأبو عبيد، وابن سعد، وابن أبي شيبة، وأبو داود، ~~والترمذي، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ms3385 المهلب بن أبي صفرة قال حدثني ~~من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ليلة الخندق # " إن أتيتم الليلة، فقولوا حم لا ينصرون " # وأخرج ابن أبي شيبة، والنسائي، والحاكم، وابن مردويه عن البراء بن عازب ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إنكم تلقون عدوكم، فليكن شعاركم حم لا ينصرون " # وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن ~~عباس في قوله { ذى الطول } قال ذي السعة، والغنى. وأخرج الطبراني في ~~الأوسط، وابن مردويه عن ابن عمر في قوله { غافر الذنب } الآية قال ~~غافر الذنب لمن يقول لا إله إلا الله { وقابل التوب } ممن يقول ~~لا إله إلا الله { شديد العقاب } لمن لا يقول لا إله إلا الله ~~{ ذى الطول } ذي الغنى { لا إله إلا هو } كانت كفار قريش ~~لا يوحدونه، فوحد نفسه { إليه المصير } مصير من يقول لا إله ~~إلا الله، فيدخله الجنة، ومصير من لا يقول لا إله إلا الله، فيدخله ~~النار. وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم # " إن جدالا في القرآن كفر " # وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " مراء في القرآن كفر ". ### || [40.10-20] # لما ذكر سبحانه حال أصحاب النار، وأنها حقت عليهم كلمة العذاب، وأنهم ~~أصحاب النار ذكر أحوالهم بعد دخول النار، فقال { إن الذين ~~كفروا ينادون }. قال الواحدي قال المفسرون إنهم لما رأوا ~~أعمالهم، ونظروا في كتابهم، وأدخلوا النار، ومقتوا أنفسهم بسوء صنيعهم ~~ناداهم حين عاينوا عذاب الله مناد { لمقت الله } إياكم في الدنيا ~~إذ تدعون إلى الإيمان، فتكفرون { أكبر من مقتكم أنفسكم ~~} اليوم. قال الأخفش هذه اللام في لمقت هي لام الابتداء أوقعت بعد ينادون ~~لأن معناه يقال لهم، والنداء قول. قال الكلبي يقول كل إنسان لنفسه من أهل ~~النار مقتك يا نفس، فتقول الملائكة لهم، وهم في النار لمقت الله إياكم في ~~الدنيا أشد من مقتكم أنفسكم اليوم. وقال الحسن يعطون كتابهم، فإذا ms3386 نظروا ~~إلى سيئاتهم مقتوا أنفسهم، فينادون لمقت الله إياكم في الدنيا { إذ ~~تدعون إلى الإيمن } أكبر من مقتكم أنفسكم إذ عاينتم النار، ~~والظرف في { إذ تدعون } منصوب بمقدر محذوف دل عليه المذكور، أي ~~مقتكم وقت دعائكم. وقيل بمحذوف هو اذكروا. وقيل بالمقت المذكور، والمقت ~~أشد البغض. ثم أخبر سبحانه عما يقولون في النار، فقال { قالوا ~~ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } اثنتين ~~في الموضعين نعتان لمصدر محذوف، أي أمتنا إماتتين اثنتين، وأحييتنا ~~إحياءتين اثنتين، والمراد بالإماتتين أنهم كانوا نطفا لا حياة لهم في ~~أصلاب آبائهم، ثم أماتهم بعد أن صاروا أحياء في الدنيا، والمراد ~~بالإحياءتين أنه أحياهم الحياة الأولى في الدنيا، ثم أحياهم عند البعث، ~~ومثل هذه الآية قوله # وكنتم أموتا فأحيكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم # البقرة 28. وقيل معنى الآية أنهم أميتوا في الدنيا عند انقضاء آجالهم، ~~ثم أحياهم الله في قبورهم للسؤال، ثم أميتوا، ثم أحياهم الله في الآخرة، ~~ووجه هذا القول أن الموت سلب الحياة، ولا حياة للنطفة. ووجه القول الأول ~~أن الموت قد يطلق على عادم الحياة من الأصل، وقد ذهب إلى تفسير الأول ~~جمهور السلف. وقال ابن زيد المراد بالآية أنه خلقهم في ظهر آدم، ~~واستخرجهم، وأحياهم، وأخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم، ثم أحياهم في ~~الدنيا، ثم أماتهم. ثم ذكر سبحانه اعترافهم بعد أن صاروا في النار بما ~~كذبوا به في الدنيا، فقال حاكيا عنهم { فاعترفنا بذنوبنا } ~~التي أسلفناها في الدنيا من تكذيب الرسل، والإشراك بالله، وترك توحيده، ~~فاعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف، وندموا حيث لا ينفعهم الندم، وقد جعلوا ~~اعترافهم هذا مقدمة لقولهم { فهل إلى خروج من سبيل } أي هل ~~إلى خروج لنا من النار، ورجوع لنا إلى الدنيا من سبيل، ومثل هذا قولهم ~~الذي حكاه الله عنهم # فهل إلى مرد من سبيل # الشورى 44، وقوله # فارجعنا نعمل صلحا # السجدة 12، وقوله # يليتنا نرد # الأنعام 27 الآية. ثم أجاب الله سبحانه عن قولهم هذا بقوله { ذلكم ~~بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم } أي ذلك الذي أنتم ~~فيه من ms3387 العذاب بسبب أنه إذا دعي الله في الدنيا وحده دون غيره كفرتم به، ~~وتركتم توحيده { وإن يشرك به } غيره من الأصنام، أو غيرها { ~~تؤمنوا } بالإشراك به، وتجيبوا الداعي إليه، فبين سبحانه لهم ~~السبب الباعث على عدم إجابتهم إلى الخروج من النار، وهو ما كانوا فيه من ~~ترك توحيد الله، وإشراك غيره به في العبادة التي رأسها الدعاء، ومحل ~~ذلكم الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر ذلكم، أو مبتدأ خبره ~~محذوف، أي ذلكم العذاب الذي أنتم فيه بذلك السبب، وفي الكلام حذف، ~~والتقدير فأجيبوا بأن لا سبيل إلى الرد، وذلك لأنكم كنتم إذا دعي ~~الله... إلخ { فالحكم لله } وحده دون غيره، وهو الذي حكم عليكم ~~بالخلود في النار، وعدم الخروج منها، و { العلى } المتعالي عن أن ~~يكون له مماثل في ذاته، ولا صفاته، و { الكبير } الذي كبر عن أن يكون ~~له مثل، أو صاحبة، أو ولد، أو شريك { هو الذى يريكم ءايته ~~} أي دلائل توحيده، وعلامات قدرته { وينزل لكم من السماء ~~رزقا } يعني المطر، فإنه سبب الأرزاق. جمع سبحانه بين إظهار الآيات، ~~وإنزال الأرزاق، لأن بإظهار الآيات قوام الأديان، وبالأرزاق قوام ~~الأبدان، وهذه الآيات هي التكوينية التي جعلها الله سبحانه في سمواته، ~~وأرضه، وما فيهما، وما بينهما. قرأ الجمهور { ينزل } بالتشديد. وقرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو بالتخفيف { وما يتذكر إلا من ينيب } أي ~~ما يتذكر، ويتعظ بتلك الآيات الباهرة، فيستدل بها على التوحيد، وصدق ~~الوعد، والوعيد إلا من ينيب، أي يرجع إلى طاعة الله بما يستفيده من النظر ~~في آيات الله. ثم لما ذكر سبحانه ما نصبه من الأدلة على التوحيد أمر ~~عباده بدعائه، وإخلاص الدين له، فقال { فادعوا الله مخلصين ~~له الدين } أي إذا كان الأمر كما ذكر من ذلك، فادعوا الله وحده ~~مخلصين له العبادة التي أمركم بها { ولو كره الكفرون } ذلك، ~~فلا تلتفتوا إلى كراهتهم، ودعوهم يموتوا بغيظهم، ويهلكوا بحسرتهم. { ~~رفيع الدرجت } ، وارتفاع رفيع الدرجات على أنه خبر آخر عن ~~المبتدأ المتقدم أي هو الذي يريكم ms3388 آياته، وهو رفيع الدرجات. وكذلك { ذو ~~العرش } خبر ثالث، ويجوز أن يكون رفيع الدرجات مبتدأ، وخبره { ذو ~~العرش } ، ويجوز أن يكونا خبرين لمبتدأ محذوف، ورفيع صفة مشبهة، ~~والمعنى رفيع الصفات، أو رفيع درجات ملائكته، أي معارجهم، أو رفيع درجات ~~أنبيائه، وأوليائه في الجنة. وقال الكلبي، وسعيد بن جبير رفيع السموات ~~السبع، وعلى هذا الوجه يكون رفيع بمعنى رافع، ومعنى، ذو العرش مالكه، ~~وخالقه، والمتصرف فيه، وذلك يقتضي علو شأنه، وعظم سلطانه، ومن كان كذلك، ~~فهو الذي يحق له العبادة، ويجب له الإخلاص، وجملة { يلقى الروح ~~من أمره } في محل رفع على أنها خبر آخر للمبتدأ المتقدم، أو ~~للمقدر، ومعنى ذلك أنه سبحانه يلقي الوحي { على من يشاء من ~~عباده } ، وسمي الوحي روحا، لأن الناس يحيون به من موت الكفر كما ~~تحيا الأبدان بالأرواح، وقوله { من أمره } متعلق ب { يلقى } ، و ~~«من» لابتداء الغاية، ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من ~~الروح، ومثل هذه الآية قوله تعالى # وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا # الشورى 52. وقيل الروح جبريل كما في قوله # نزل به الروح الأمين على قلبك # الشعراء 193، 194، وقوله # نزله روح القدس من ربك بالحق # النحل 102، وقوله { على من يشاء من عباده } هم الأنبياء، ~~ومعنى { من أمره } من قضائه { لينذر يوم التلاق } قرأ ~~الجمهور { لينذر } مبنيا للفاعل، ونصب اليوم، والفاعل هو الله سبحانه، ~~أو الرسول، أو من يشاء، والمنذر به محذوف تقديره لينذر العذاب يوم ~~التلاق. وقرأ أبي، وجماعة كذلك إلا أنه رفع اليوم على الفاعلية مجازا. ~~وقرأ ابن عباس، والحسن، وابن السميفع لتنذر بالفوقية على أن الفاعل ضمير ~~المخاطب، وهو الرسول، أو ضمير يرجع إلى الروح لأنه يجوز تأنيثها. وقرأ ~~اليماني لينذر على البناء للمفعول، ورفع يوم على النيابة، ومعنى { يوم ~~التلاق } يوم يلتقي أهل السموات، والأرض في المحشر، وبه قال قتادة. ~~وقال أبو العالية، ومقاتل يوم يلتقي العابدون، والمعبودون، وقيل الظالم، ~~والمظلوم. وقيل الأولون، والآخرون. وقيل جزاء الأعمال، والعاملون. وقوله ~~{ يوم هم برزون } بدل من يوم التلاق. وقال ms3389 ابن عطية هو منتصب ~~بقوله { لا يخفى على الله } وقيل منتصب بإضمار اذكر، والأول ~~أولى، ومعنى بارزون خارجون من قبورهم لا يسترهم شيء، وجملة { لا ~~يخفى على الله منهم شىء } مستأنفة مبينة لبروزهم، ويجوز ~~أن تكون في محل نصب على الحال من ضمير بارزون، ويجوز أن تكون خبرا ~~ثانيا للمبتدأ، أي لا يخفى عليه سبحانه شيء منهم، ولا من أعمالهم التي ~~عملوها في الدنيا، وجملة { لمن الملك اليوم } مستأنفة جواب عن ~~سؤال مقدر كأنه قيل فماذا يقال عند بروز الخلائق في ذلك اليوم؟، فقيل ~~يقال لمن الملك اليوم؟ قال المفسرون إذا هلك كل من في السموات، والأرض، ~~فيقول الرب تبارك وتعالى { لمن الملك اليوم } يعني يوم ~~القيامة، فلا يجيبه أحد، فيجيب تعالى نفسه، فيقول { لله الواحد ~~القهار } قال الحسن هو السائل تعالى، وهو المجيب حين لا أحد يجيبه، ~~فيجيب نفسه. وقيل إنه سبحانه يأمر مناديا ينادي بذلك، فيقول أهل المحشر ~~مؤمنهم، وكافرهم { لله الواحد القهار } وقيل إنه يجيب ~~المنادي بهذا الجواب أهل الجنة دون أهل النار. # وقيل هو حكاية لما ينطق به لسان الحال في ذلك اليوم لانقطاع دعاوي ~~المبطلين، كما في قوله تعالى # وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم ~~الدين * يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر ~~يومئذ لله # الانفطار 17 19، وقوله { اليوم تجزى كل نفس بما ~~كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب } من ~~تمام الجواب على القول بأن المجيب هو الله سبحانه، وأما على القول بأن ~~المجيب هم العباد كلهم، أو بعضهم، فهو مستأنف لبيان ما يقوله الله سبحانه ~~بعد جوابهم أي اليوم تجزى كل نفس بما كسبت من خير وشر لا ظلم اليوم على ~~أحد منهم بنقص من ثوابه، أو بزيادة في عقابه { إن الله سريع ~~الحساب } أي سريع حسابه، لأنه سبحانه لا يحتاج إلى تفكر في ذلك كما ~~يحتاجه غيره لإحاطة علمه بكل شيء، فلا يعزب عنه مثقال ذرة. ثم أمر الله ~~سبحانه رسوله بإنذار عباده، فقال { وأنذرهم يوم الأزفة ms3390 } أي ~~يوم القيامة سميت بذلك لقربها، يقال أزف فلان، أي قرب يأزف أزفا، ومنه ~~قول النابغة # أزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل بركابنا وكأن قد # ومنه قوله تعالى # أزفت الآزفة # النجم 57 أي قربت الساعة. وقيل إن يوم الآزفة هو يوم حضور الموت، ~~والأول أولى. قال الزجاج وقيل لها آزفة لأنها قريبة، وإن استبعد الناس ~~أمرها، وما هو كائن، فهو قريب { إذ القلوب لدى الحناجر ~~كظمين } وذلك أنها تزول عن مواضعها من الخوف حتى تصير إلى الحنجرة ~~كقوله # وبلغت القلوب الحناجر # الأحزاب 10. { كظمين } مغمومين مكروبين ممتلئين غما. قال الزجاج ~~المعنى إذ قلوب الناس لدى الحناجر في حال كظمهم. قال قتادة وقعت قلوبهم ~~في الحناجر من المخافة، فهي لا تخرج، ولا تعود في أمكنتها. وقيل هو إخبار ~~عن نهاية الجزع، وإنما قال كاظمين باعتبار أهل القلوب، لأن المعنى إذ ~~قلوب الناس لدى حناجرهم، فيكون حالا منهم. وقيل حالا من القلوب، وجمع ~~الحال منها جمع العقلاء لأنه أسند إليها ما يسند إلى العقلاء فجمعت جمعه. ~~ثم بين سبحانه أنه لا ينفع الكافرين في ذلك اليوم أحد، فقال { ما ~~للظلمين من حميم } أي قريب ينفعهم { ولا شفيع يطاع ~~} في شفاعته لهم، ومحل { يطاع } الجر على أنه صفة ل { شفيع }. ثم وصف ~~سبحانه شمول علمه لكل شيء، وإن كان في غاية الخفاء فقال { يعلم ~~خائنة الأعين } ، وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، ~~والجملة خبر آخر لقوله { هو الذى يريكم } قال المؤرج فيه تقديم، ~~وتأخير، أي يعلم الأعين الخائنة. وقال قتادة خائنة الأعين الهمز بالعين ~~فيما لا يحب الله. # وقال الضحاك هو قول الإنسان ما رأيت، وقد رأى، ورأيت، وما رأى. وقال ~~سفيان هي النظرة بعد النظرة. والأول أولى، وبه قال مجاهد { وما تخفى ~~الصدور } من الضمائر، وتسره من معاصي الله { والله يقضى ~~بالحق } فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير، وشر { والذين ~~تدعون من دونه } أي تعبدونهم من دون الله { لا يقضون ~~بشىء } ، لأنهم لا يعلمون شيئا، ولا يقدرون على ms3391 شيء. قرأ الجمهور { ~~يدعون } بالتحتية يعني الظالمين، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو ~~حاتم، وقرأ نافع، وشيبة، وهشام بالفوقية على الخطاب لهم { إن الله ~~هو السميع البصير } ، فلا يخفى عليه من المسموعات، والمبصرات ~~خافية. وقد أخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله { أمتنا اثنتين ~~وأحييتنا اثنتين } قال هي مثل التي في البقرة # كنتم أموتا فأحيكم ثم يميتكم ثم يحييكم # البقرة 28 كانوا أمواتا في صلب آبائهم، ثم أخرجهم، فأحياهم، ثم أماتهم، ~~ثم يحييهم بعد الموت. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن ~~عباس في الآية قال كنتم ترابا قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة، ثم أحياكم، ~~فخلقكم، فهذه حياة، ثم يميتكم، فترجعون إلى القبور، فهذه ميتة أخرى، ثم ~~يبعثكم يوم القيامة، فهذه حياة، فهما موتتان، وحياتان كقوله { كيف ~~تكفرون بالله وكنتم أموتا فأحيكم } الآية. ~~وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { يوم التلاق } قال يوم ~~القيامة يلتقي فيه آدم، وآخر ولده. وأخرج عنه أيضا قال { يوم ~~التلاق } يوم الآزفة، ونحو هذا من أسماء يوم القيامة عظمه الله، ~~وحذره عباده. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم، ~~والحاكم وصححه، وأبو نعيم في الحلية عنه أيضا قال «ينادي مناد بين يدي ~~الساعة يا أيها الناس أتتكم الساعة، فيسمعها الأحياء، والأموات، وينزل ~~الله إلى السماء الدنيا، فيقول { لمن الملك اليوم لله ~~الوحد القهار } ». وأخرج ابن أبي الدنيا في البعث، والديلمي عن ~~أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن ~~مسعود قال «يجمع الله الخلق يوم القيامة بصعيد واحد بأرض بيضاء كأنها ~~سبيكة فضة لم يعص الله فيها قط، فأول ما يتكلم أن ينادي مناد { لمن ~~الملك اليوم لله الوحد القهار } { اليوم ~~تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن ~~الله سريع الحساب } فأول ما يبدأ به من الخصومات الدماء». ~~وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، ms3392 وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ~~} قال الرجل يكون في القوم، فتمر بهم المرأة، فيريهم أنه يغض بصره ~~عنها، وإذا غفلوا لحظ إليها، وإذا نظروا غض بصره عنها، وقد اطلع الله من ~~قلبه أنه ود أن ينظر إلى عورتها. # وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، ~~والبيهقي في الشعب عنه في الآية قال إذا نظر إليها يريد الخيانة أم لا { ~~وما تخفى الصدور } قال إذا قدر عليها أيزني بها أم لا؟ ألا ~~أخبركم بالتي تليها { والله يقضى بالحق } قادر على أن يجزي ~~بالحسنة الحسنة، وبالسيئة السيئة. وأخرج أبو داود، والنسائي، وابن مردويه ~~عن سعد قال لما كان يوم فتح مكة أمن النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلا ~~أربعة نفر، وامرأتين، وقال # " اقتلوهم، وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة " # منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فاختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به. فقال يا رسول ~~الله بايع عبد الله، فرفع رأسه، فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى بيعته، ثم ~~بايعه، ثم أقبل على أصحابه، فقال # " أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته، ~~فيقتله؟ " # فقالوا ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك هلا أومأت إلينا بعينك؟، فقال # " إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين ". ### || [40.21-29] # لما خوفهم سبحانه بأحوال الآخرة أردفه ببيان تخويفهم بأحوال الدنيا، ~~فقال { أو لم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان ~~عقبة الذين كانوا من قبلهم } أرشدهم سبحانه إلى ~~الاعتبار بغيرهم، فإن الذين مضوا من الكفار { كانوا هم أشد ~~منهم قوة } من هؤلاء الحاضرين من الكفار، وأقوى { وآثارا في ~~الأرض } بما عمروا فيها من الحصون والقصور، وبما لهم من العدد والعدة، ~~فلما كذبوا رسلهم أهلكهم الله. وقوله { فينظروا } إما مجزوم بالعطف ~~على يسيروا، أو منصوب بجواب الاستفهام، وقوله { كانوا أشد ~~منهم قوة ms3393 } بيان للتفاوت بين حال هؤلاء وأولئك. وقوله { ~~وءاثارا } عطف على قوة. قرأ الجمهور { أشد منهم } ، وقرأ ابن عامر ~~أشد منكم على الالتفات { فأخذهم الله بذنوبهم } أي بسبب ~~ذنوبهم { وما كان لهم من الله من واق } أي من دافع يدفع ~~عنهم العذاب، وقد مر تفسير هذه الآية في مواضع، والإشارة بقوله { ذلك ~~} إلى ما تقدم من الأخذ { بأنهم كانت تأتيهم رسلهم ~~بالبينت } أي بالحجج الواضحة { فكفروا } بما جاءوهم به { ~~فأخذهم الله إنه قوى } يفعل كل ما يريده لا يعجزه شيء ~~{ شديد العقاب } لمن عصاه، ولم يرجع إليه. ثم ذكر سبحانه قصة ~~موسى، وفرعون ليعتبروا، فقال { ولقد أرسلنا موسى ~~بئايتنا } هي التسع الآيات التي قد تقدم ذكرها في غير موضع { ~~وسلطن مبين } أي حجة بينة واضحة، وهي التوراة { إلى ~~فرعون وهمن وقشرون فقالوا } إنه { سحر ~~كذاب } أي فيما جاء به، وخصهم بالذكر لأنهم رؤساء المكذبين بموسى، ~~ففرعون الملك، وهامان الوزير، وقارون صاحب الأموال، والكنوز { فلما ~~جاءهم بالحق من عندنا } ، وهي معجزاته الظاهرة الواضحة { ~~قالوا اقتلوا أبناء الذين ءامنوا معه واستحيوا ~~نساءهم } قال قتادة هذا قتل غير القتل الأول، لأن فرعون قد كان أمسك ~~عن قتل الولدان وقت ولادة موسى، فلما بعث الله موسى أعاد القتل على بني ~~إسرائيل، فكان يأمر بقتل الذكور، وترك النساء، ومثل هذا قول فرعون # سنقتل أبناءهم ونستحيى نساءهم # الأعراف 127 { وما كيد الكفرين إلا فى ضلل } أي ~~في خسران ووبال، لأنه يذهب باطلا، ويحيق بهم ما يريده الله عز وجل. { ~~وقال فرعون ذرونى أقتل موسى } إنما قال هذا لأنه كان ~~في خاصة قومه من يمنعه من قتل موسى مخافة أن ينزل بهم العذاب، والمعنى ~~اتركوني أقتله { وليدع ربه } الذي يزعم أنه أرسله إلينا، ~~فليمنعه من القتل إن قدر على ذلك، أي لا يهولنكم ذلك، فإنه لا رب له ~~حقيقة بل أنا ربكم الأعلى، ثم ذكر العلة التي لأجلها أراد أن يقتله، فقال ~~{ إنى أخاف أن يبدل دينكم } الذي أنتم عليه من عبادة غير ~~الله، ويدخلهم في دينه الذي ms3394 هو عبادة الله وحده { أو أن يظهر فى ~~الأرض الفساد } أي يوقع بين الناس الخلاف، والفتنة، جعل اللعين ~~ظهور ما دعا إليه موسى، وانتشاره في الأرض، واهتداء الناس به فسادا، ~~وليس الفساد إلا ما هو عليه هو، ومن تابعه. # قرأ الكوفيون، ويعقوب { أو أن يظهر } بأو التي للإبهام، والمعنى أنه لا ~~بد من وقوع أحد الأمرين. وقرأ الباقون { وأن يظهر } بدون ألف على معنى ~~وقوع الأمرين جميعا، وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو بفتح الياء من إني ~~أخاف، وقرأ نافع، وأبو عمرو، وحفص { يظهر } بضم الياء، وكسر الهاء من ~~أظهر، وفاعله ضمير موسى، والفساد نصبا على أنه مفعول به، وقرأ الباقون ~~بفتح الياء، والهاء، ورفع الفساد على الفاعلية { وقال موسى إنى ~~عذت بربى وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم ~~الحساب } قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي { عذت } بإدغام الذال، وقرأ ~~الباقون بالإظهار، لما هدده فرعون بالقتل استعاذ بالله عز وجل من كل ~~متعظم عن الإيمان بالله غير مؤمن بالبعث، والنشور، ويدخل فرعون في هذا ~~العموم دخولا أوليا. { وقال رجل مؤمن من ءال فرعون ~~يكتم إيمنه } قال الحسن، ومقاتل، والسدي كان قبطيا، وهو ابن ~~عم فرعون، وهو الذي نجا مع موسى، وهو المراد بقوله # وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى # القصص 20 الآية، وقيل كان من بني إسرائيل، ولم يكن من آل فرعون، وهو ~~خلاف ما في الآية، وقد تمحل لذلك بأن في الآية تقديما، وتأخيرا، ~~والتقدير وقال رجل مؤمن من بني إسرائيل يكتم إيمانه من آل فرعون. قال ~~القشيري ومن جعله إسرائيليا، ففيه بعد، لأنه يقال كتمه أمر كذا، ولا ~~يقال كتم منه كما قال سبحانه # ولا يكتمون الله حديثا # النساء 42، وأيضا ما كان فرعون يحتمل من بني إسرائيل مثل هذا القول. ~~وقد اختلف في اسم هذا الرجل، فقيل حبيب. وقيل حزقيل. وقيل غير ذلك، قرأ ~~الجمهور { رجل } بضم الجيم، وقرأ الأعمش، وعبد الوارث بسكونها، وهي لغة ~~تميم، ونجد، والأولى هي الفصيحة، وقرىء بكسر الجيم و { مؤمن } صفة لرجل، ~~و ms3395 { من آل فرعون } صفة أخرى، و { يكتم إيمانه } صفة ثالثة، والاستفهام في ~~{ أتقتلون رجلا } للإنكار، و { أن يقول ربى الله } في ~~موضع نصب بنزع الخافض، أي لأن يقول، أو كراهة أن يقول، وجملة { وقد ~~جاءكم بالبينت من ربكم } في محل نصب على الحال، أي ~~والحال أنه قد جاءكم بالمعجزات الواضحات، والدلالات الظاهرات على نبوته، ~~وصحة رسالته، ثم تلطف لهم في الدفع عنه، فقال { وإن يك كذبا ~~فعليه كذبه وإن يك صدقا يصبكم بعض الذى ~~يعدكم } ، ولم يكن قوله هذا لشك منه، فإنه كان مؤمنا كما وصفه ~~الله. # ولا يشك المؤمن، ومعنى { يصبكم بعض الذى يعدكم } أنه ~~إذا لم يصبكم كله، فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، وحذفت النون من يكن في ~~الموضعين تخفيفا لكثرة الاستعمال، كما قال سيبويه، وقال أبو عبيدة، وأبو ~~الهيثم بعض هنا بمعنى كل، أي يصبكم كل الذي يعدكم، وأنشد أبو عبيدة على ~~هذا قول لبيد # تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها # أي كل النفوس، وقد اعترض عليه، وأجيب بأن البعض قد يستعمل في لغة العرب ~~بمعنى الكل كما في قول الشاعر # قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل # وقول الآخر # إن الأمور إذا الأحداث دبرها دون الشيوخ ترى في بعضها خللا # وليس في البيتين ما يدل على ما زعموه، وأما بيت لبيد، فقيل إنه أراد ~~ببعض النفوس نفسه، ولا ضرورة تلجىء إلى حمل ما في الآية على ذلك، لأنه ~~أراد التنزل معهم، وإيهامهم أنه لا يعتقد صحة نبوته كما يفيده قوله { ~~يكتم إيمنه } قال أهل المعاني وهذا على المظاهرة في الحجاج، ~~كأنه قال لهم أقل ما يكون في صدقه أن يصيبكم بعض الذي يعدكم، وفي بعض ~~ذلك هلاككم، فكأن الحاصل بالبعض هو الحاصل بالكل. وقال الليث بعض ها هنا ~~صلة يريد يصبكم الذي يعدكم. وقيل يصبكم هذا العذاب الذي يقوله في الدنيا، ~~وهو بعض ما يتوعدكم به من العذاب. وقيل إنه وعدهم بالثواب، والعقاب، فإذا ~~كفروا أصابهم العقاب، وهو ms3396 بعض ما وعدهم به { إن الله لا يهدى ~~من هو مسرف كذاب } هذا من تمام كلام الرجل المؤمن، وهو ~~احتجاج آخر ذو وجهين أحدهما أنه لو كان مسرفا كذابا لما هداه الله إلى ~~البينات، ولا أيده بالمعجزات، وثانيهما أنه إذا كان كذلك خذله الله، ~~وأهلكه، فلا حاجة لكم إلى قتله، والمسرف المقيم على المعاصي المستكثر ~~منها، والكذاب المفتري. { يقوم لكم الملك اليوم ~~ظهرين فى الأرض } ذكرهم ذلك الرجل المؤمن ما هم فيه من الملك، ~~ليشكروا الله، ولا يتمادوا في كفرهم، ومعنى { ظاهرين } الظهور على الناس، ~~والغلبة لهم، والاستعلاء عليهم، والأرض أرض مصر، وانتصاب { ظاهرين } على ~~الحال { فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا } أي من يمنعنا ~~من عذابه، ويحول بيننا، وبينه عند مجيئه، وفي هذا تحذير منه لهم من نقمة ~~الله بهم، وإنزال عذابه عليهم، فلما سمع فرعون ما قاله هذا الرجل من ~~النصح الصحيح جاء بمراوغة يوهم بها قومه أنه لهم من النصيحة، والرعاية ~~بمكان مكين، وأنه لا يسلك بهم إلا مسلكا يكون فيه جلب النفع لهم، ودفع ~~الضر عنهم، ولهذا قال { ما أريكم إلا ما أرى } قال ابن زيد ~~أي ما أشير عليكم إلا بما أرى لنفسي. # وقال الضحاك ما أعلمكم إلا ما أعلم، والرؤية هنا هي القلبية لا البصرية، ~~والمفعول الثاني هو إلا ما أرى { وما أهديكم إلا سبيل ~~الرشاد } أي ما أهديكم بهذا الرأي إلا طريق الحق. قرأ الجمهور { ~~الرشاد } بتخفيف الشين، وقرأ معاذ بن جبل بتشديدها على أنها صيغة مبالغة ~~كضراب. وقال النحاس هي لحن، ولا وجه لذلك. وقد أخرج ابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وقال رجل مؤمن من ءال ~~فرعون } قال لم يكن في آل فرعون مؤمن غيره، وغير امرأة فرعون، وغير ~~المؤمن الذي أنذر موسى الذي قال # إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك # القصص 20 قال ابن المنذر أخبرت أن اسمه حزقيل. وأخرج عبد بن حميد عن أبي ~~إسحاق قال اسمه حبيب. وأخرج البخاري، وغيره من طريق عروة قال ms3397 قيل لعبد ~~الله بن عمرو بن العاص أخبرنا بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ قال «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء ~~الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر، فأخذ ~~بمنكبيه، ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال { أتقتلون ~~رجلا أن يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينت من ~~ربكم } ». وأخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة، والبزار عن علي بن أبي ~~طالب، أنه قال أيها الناس أخبروني من أشجع الناس؟ قالوا أنت. قال أما أني ~~ما بارزت أحدا إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس؟ قالوا لا ~~نعلم، فمن؟ قال أبو بكر، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذته ~~قريش، فهذا يجنبه، وهذا يتلتله، وهم يقولون أنت الذي جعلت الآلهة إلاها ~~واحدا، قال فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب هذا، ويجيء هذا، ~~ويتلتل هذا، وهو يقول ويلكم { أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله } ، ثم رفع ~~بردة كانت عليه، فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال أنشدكم أمؤمن آل فرعون خير ~~أم أبو بكر؟ فسكت القوم، فقال ألا تجيبون؟، فوالله لساعة من أبي بكر خير ~~من مثل مؤمن آل فرعون، وذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه. ### || [40.30-40] # ثم كرر ذلك الرجل المؤمن تذكيرهم، وحذرهم أن ينزل بهم ما نزل بمن ~~قبلهم، فقال الله حاكيا عنه { وقال الذى ءامن يقوم إنى ~~أخاف عليكم مثل يوم الاحزاب } أي مثل يوم عذاب الأمم ~~الماضية الذين تحزبوا على أنبيائهم. وأفرد اليوم لأن جمع الأحزاب قد أغنى ~~عن جمعه، ثم فسر الأحزاب، فقال { مثل دأب قوم نوح وعاد ~~وثمود والذين من بعدهم } أي مثل حالهم في العذاب، أو مثل ~~عادتهم في الإقامة على التكذيب، أو مثل جزاء ما كانوا عليه من الكفر، ~~والتكذيب { وما الله يريد ظلما للعباد } أي لا يعذبهم ~~بغير ذنب، ونفي الإرادة للظلم ms3398 يستلزم نفي الظلم بفحوى الخطاب. ثم زاد في ~~الوعظ، والتذكير، فقال { ويقوم إنى أخاف عليكم يوم ~~التناد } قرأ الجمهور { التناد } بتخفيف الدال، وحذف الياء. والأصل ~~التنادي، وهو التفاعل من النداء، يقال تنادى القوم، أي نادى بعضهم بعضا، ~~وقرأ الحسن، وابن السميفع، ويعقوب، وابن كثير، ومجاهد بإثبات الياء على ~~الأصل، وقرأ ابن عباس، والضحاك، وعكرمة بتشديد الدال. قال بعض أهل اللغة ~~هو لحن، لأنه من ند يند إذا مر على وجهه هاربا. قال النحاس وهذا غلط، ~~والقراءة حسنة على معنى التنافي. قال الضحاك في معناه أنهم إذا سمعوا ~~بزفير جهنم ندوا هربا، فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا وجدوا ~~صفوفا من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله { ~~يوم التناد } ، وعلى قراءة الجمهور المعنى يوم ينادي بعضهم بعضا، ~~أو ينادي أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار، أو ينادى فيه ~~بسعادة السعداء، وشقاوة الأشقياء، أو يوم ينادي فيه كل أناس بإمامهم، ~~ولا مانع من الحمل على جميع هذه المعاني، وقوله { يوم تولون ~~مدبرين } بدل من يوم التناد، أي منصرفين عن الموقف إلى النار، أو ~~فارين منها. قال قتادة، ومقاتل المعنى إلى النار بعد الحساب، وجملة { ~~ما لكم من الله من عاصم } في محل نصب على الحال، أي ما لكم ~~من يعصمكم من عذاب الله، ويمنعكم منه { ومن يضلل الله فما ~~له من هاد } يهديه إلى طريق الرشاد. ثم زاد في وعظهم، وتذكيرهم، ~~فقال { ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينت } أي يوسف ~~بن يعقوب، والمعنى أن يوسف بن يعقوب جاءهم بالمعجزات، والآيات الواضحات ~~من قبل مجيء موسى إليهم، أي جاء إلى آبائكم، فجعل المجيء إلى الآباء ~~مجيئا إلى الأبناء. وقيل المراد بيوسف هنا يوسف بن إفراثيم بن يوسف بن ~~يعقوب، وكان أقام فيهم نبيا عشرين سنة. وحكى النقاش، عن الضحاك أن الله ~~بعث إليهم رسولا من الجن يقال له يوسف، والأول أولى. # وقد قيل إن فرعون موسى أدرك أيام يوسف بن يعقوب لطول عمره { فما ~~زلتم فى شك ms3399 مما جاءكم به } من البينات، ولم تؤمنوا به { ~~حتى إذا هلك } يوسف { قلتم لن يبعث الله من ~~بعده رسولا } ، فكفروا به في حياته، وكفروا بمن بعده من الرسل بعد ~~موته { كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب } أي مثل ~~ذلك الضلال الواضح يضل الله من هو مسرف في معاصي الله مستكثر منها مرتاب ~~في دين الله شاك في وحدانيته، ووعده، ووعيده. والموصول في قوله { ~~الذين يجدلون فى ءايت الله } بدل من «من»، والجمع ~~باعتبار معناها، أو بيان لها، أو صفة، أو في محل نصب بإضمار أعني، أو خبر ~~مبتدأ محذوف، أي هم الذين، أو مبتدأ، وخبره يطبع، و { بغير ~~سلطن } متعلق بيجادلون، أي يجادلون في آيات الله بغير حجة واضحة، و ~~{ ءاتهم } صفة لسلطان { كبر مقتا عند الله وعند ~~الذين ءامنوا } يحتمل أن يراد به التعجب، وأن يراد به الذم كبئس، ~~وفاعل كبر ضمير يعود إلى الجدال المفهوم من يجادلون. وقيل فاعله ضمير ~~يعود إلى من في { من هو مسرف } ، والأول أولى. وقوله { عند ~~الله } متعلق بكبر، وكذلك { عند الذين آمنوا } قيل هذا من ~~كلام الرجل المؤمن. وقيل ابتداء كلام من الله سبحانه { كذلك يطبع ~~الله على كل قلب متكبر جبار } أي كما طبع على قلوب ~~هؤلاء المجادلين، فكذلك يطبع أي يختم على كل قلب متكبر جبار. قرأ ~~الجمهور بإضافة قلب إلى متكبر، واختار هذه القراءة أبو حاتم، وأبو عبيد، ~~وفي الكلام حذف، وتقديره كذلك يطبع الله على كل قلب كل متكبر، فحذف كل ~~الثانية لدلالة الأولى عليها، والمعنى أنه سبحانه يطبع على قلوب جميع ~~المتكبرين الجبارين، وقرأ أبو عمرو، وابن محيصن، وابن ذكوان عن أهل الشام ~~بتنوين قلب على أن متكبر صفة له، فيكون القلب مرادا به الجملة، لأن ~~القلب هو محل التكبر، وسائر الأعضاء تبع له في ذلك، وقرأ ابن مسعود على ~~قلب كل متكبر. ثم لما سمع فرعون هذا رجع إلى تكبره، وتجبره معرضا عن ~~الموعظة نافرا من قبولها، وقال { يهمن ابن لى صرحا } أي ~~قصرا مشيدا ms3400 كما تقدم بيان تفسيره { لعلى أبلغ الأسبب } ~~أي الطرق. قال قتادة، والزهري، والسدي، والأخفش هي الأبواب. وقوله { ~~أسبب السموات } بيان للأسباب، لأن الشيء إذا أبهم، ثم فسر ~~كان أوقع في النفوس، وأنشد الأخفش عند تفسيره للآية بيت زهير # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسباب السماء بسلم # وقيل أسباب السماوات الأمور التي يستمسك بها { فأطلع إلى ~~إله موسى } قرأ الجمهور بالرفع عطفا على أبلغ، فهو على هذا داخل ~~في حيز الترجي. # وقرأ الأعرج، والسلمي، وعيسى بن عمر، وحفص بالنصب على جواب الأمر في ~~قوله { ابن لى } ، أو على جواب الترجي كما قال أبو عبيد، وغيره. قال ~~النحاس ومعنى النصب خلاف معنى الرفع، لأن معنى النصب متى بلغت الأسباب ~~اطلعت، ومعنى الرفع لعلي أبلغ الأسباب، ولعلي أطلع بعد ذلك، وفي هذا دليل ~~على أن فرعون كان بمكان من الجهل عظيم، وبمنزلة من فهم حقائق الأشياء ~~سافلة جدا { وإنى لأظنه كذبا } أي وإني لأظن موسى كاذبا ~~في ادعائه بأن له إلاها، أو فيما يدعيه من الرسالة { وكذلك ~~زين لفرعون سوء عمله } أي ومثل ذلك التزيين زين الشيطان ~~لفرعون سوء عمله من الشرك، والتكذيب فتمادى في الغي، واستمر على ~~الطغيان { وصد عن السبيل } أي سبيل الرشاد. قرأ الجمهور { وصد ~~} بفتح الصاد، والدال، أي صد فرعون الناس عن السبيل، وقرأ الكوفيون { ~~وصد } بضم الصاد مبنيا للمفعول، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو ~~حاتم، ولعل وجه الاختيار لها منهما كونها مطابقة لما أجمعوا عليه في زين ~~من البناء للمفعول، وقرأ يحيى بن وثاب، وعلقمة صد بكسر الصاد، وقرأ ابن ~~أبي إسحاق، وعبد الرحمن بن أبي بكرة بفتح الصاد، وضم الدال منونا على ~~أنه مصدر معطوف على سوء عمله أي زين له الشيطان سوء العمل، والصد { ~~وما كيد فرعون إلا فى تباب } التباب الخسار، والهلاك، ~~ومنه # تبت يدا أبى لهب # المسد 1، ثم إن ذلك الرجل المؤمن أعاد التذكير، والتحذير كما حكى الله ~~عنه بقوله { وقال الذى ءامن يقوم اتبعون أهدكم ~~سبيل الرشاد } أي اقتدوا بي ms3401 في الدين أهدكم طريق الرشاد، وهو ~~الجنة. وقيل هذا من قول موسى، والأول أولى. وقرأ معاذ بن جبل الرشاد ~~بتشديد الشين كما تقدم قريبا في قول فرعون، ووقع في المصحف { اتبعون } ~~بدون ياء، وكذلك قرأ أبو عمرو، ونافع بحذفها في الوقف، وإثباتها في ~~الوصل، وقرأ يعقوب، وابن كثير بإثباتها وصلا، ووقفا، وقرأ الباقون بحذفها ~~وصلا، ووقفا، فمن أثبتها فعلى ما هو الأصل، ومن حذفها، فلكونها حذفت في ~~المصحف { يقوم إنما هذه الحيوة الدنيا متاع } ~~يتمتع بها أياما، ثم تنقطع، وتزول { وإن الأخرة هى دار ~~القرار } أي الاستقرار لكونها دائمة لا تنقطع، ومستمرة لا تزول { ~~من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها } أي من عمل في ~~دار الدنيا معصية من المعاصي كائنة ما كانت، فلا يجزى إلا مثلها، ولا ~~يعذب إلا بقدرها، والظاهر شمول الآية لكل ما يطلق عليه اسم السيئة. وقيل ~~هي خاصة بالشرك، ولا وجه لذلك { ومن عمل صلحا من ذكر ~~أو أنثى وهو مؤمن } أي من عمل عملا صالحا مع كونه مؤمنا ~~بالله، وبما جاءت به رسله { فأولئك } الذين جمعوا بين العمل ~~الصالح، والإيمان { يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير ~~حساب } أي بغير تقدير، ومحاسبة. # قال مقاتل يقول لا تبعة عليهم فيما يعطون في الجنة من الخير. وقيل العمل ~~الصالح، هو لا إله إلا الله. قرأ الجمهور { يدخلون } بفتح التحتية ~~مبنيا للفاعل. وقرأ ابن كثير، وابن محيصن، وأبو عمرو، ويعقوب، وأبو بكر ~~عن عاصم بضمها مبنيا للمفعول. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس { مثل ~~دأب } قال مثل حال. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة { مثل ~~دأب قوم نوح } قال هم الأحزاب قوم نوح، وعاد، وثمود. وأخرج ابن ~~المنذر عن ابن جريج في قوله { ولقد جاءكم يوسف من قبل ~~بالبينت } قال رؤيا يوسف، وفي قوله { الذين يجدلون ~~فى ءايت الله } قال يهود. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله { إلا فى تباب } قال خسران. وأخرج عبد بن حميد ~~عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن ms3402 أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { يقوم ~~إنما هذه الحيوة الدنيا } قال الدنيا جمعة من جمع ~~الآخرة سبعة آلاف سنة. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " إن الحياة الدنيا متاع، وليس من متاعها شيء أفضل من المرأة الصالحة، ~~التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها، ومالها ". ### || [40.41-52] # كرر ذلك الرجل المؤمن دعاءهم إلى الله، وصرح بإيمانه، ولم يسلك ~~المسالك المتقدمة من إيهامه لهم أنه منهم، وأنه إنما تصدى التذكير ~~كراهة أن يصيبهم بعض ما توعدهم به موسى كما يقوله الرجل المحب لقومه من ~~التحذير عن الوقوع فيما يخاف عليهم الوقوع فيه، فقال { ويقوم ما ~~لى أدعوكم إلى النجوة وتدعوننى إلى النار } أي ~~أخبروني عنكم كيف هذه الحال أدعوكم إلى النجاة من النار، ودخول الجنة ~~بالإيمان بالله، وإجابة رسله، وتدعونني إلى النار بما تريدونه مني من ~~الشرك. قيل معنى { ما لى أدعوكم } ما لكم أدعوكم؟ كما تقول ما لي ~~أراك حزينا، أي ما لك. ثم فسر الدعوتين، فقال { تدعوننى لأكفر ~~بالله وأشرك به ما ليس لى به علم } ، فقوله تدعونني ~~بدل من تدعونني الأولى، أو بيان لها { ما ليس لى به علم } أي ~~ما لا علم لي بكونه شريكا لله { وأنا أدعوكم إلى العزيز ~~الغفار } أي إلى العزيز في انتقامه ممن كفر { الغفار } لذنب من ~~آمن به. { لا جرم } قد تقدم تفسير هذا في سورة هود، وجرم فعل ماض ~~بمعنى حق، ولا الداخلة عليه لنفي ما ادعوه، ورد ما زعموه، وفاعل هذا ~~الفعل هو قوله { أنما تدعوننى إليه ليس له دعوة ~~فى الدنيا ولا فى الأخرة } أي حق، ووجب بطلان دعوته. قال ~~الزجاج معناه ليس له استجابة دعوة تنفع. وقيل ليس له دعوة توجب له ~~الألوهية في الدنيا، ولا في الآخرة. وقال الكلبي ليس له شفاعة { وأن ~~مردنا إلى الله } أي مرجعنا، ومصيرنا إليه بالموت أولا، ~~وبالبعث آخرا، فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير، وشر { وأن ~~المسرفين ms3403 هم أصحب النار } أي المستكثرين من معاصي الله. ~~قال قتادة، وابن سيرين يعني المشركين. وقال مجاهد، والشعبي هم السفهاء ~~السفاكون للدماء بغير حقها. وقال عكرمة الجبارون، والمتكبرون. وقيل هم ~~الذين تعدوا حدود الله، «وأن» في الموضعين عطف على «أن» في قوله { ~~أنما تدعوننى إليه } ،والمعنى وحق أن مردنا إلى الله، ~~وحق أن المسرفين إلخ { فستذكرون ما أقول لكم } إذا نزل ~~بكم العذاب، وتعلمون أني قد بالغت في نصحكم، وتذكيركم، وفي هذا الإبهام ~~من التخويف، والتهديد ما لا يخفى { وأفوض أمرى إلى الله } ~~أي أتوكل عليه، وأسلم أمري إليه. قيل إنه قال هذا لما أرادوا الإيقاع به. ~~قال مقاتل هرب هذا المؤمن إلى الجبل، فلم يقدروا عليه. وقيل القائل هو ~~موسى، والأول أولى. { فوقاه الله سيئات ما مكروا } أي ~~وقاه الله ما أرادوا به من المكر السيىء، وما أرادوه به من الشر. # قال قتادة نجاه الله مع بني إسرائيل { وحاق بئال فرعون سوء ~~العذاب } أي أحاط بهم، ونزل عليهم سوء العذاب. قال الكسائي يقال حاق ~~يحيق حيقا، وحيوقا إذا نزل، ولزم. قال الكلبي غرقوا في البحر، ودخلوا ~~النار، والمراد بآل فرعون فرعون، وقومه، وترك التصريح به للاستغناء ~~بذكرهم عن ذكره لكونه أولى بذلك منهم، أو المراد بآل فرعون فرعون نفسه. ~~والأول أولى لأنهم قد عذبوا في الدنيا جميعا بالغرق، وسيعذبون في ~~الآخرة بالنار، ثم بين سبحانه ما أجمله من سوء العذاب، فقال { النار ~~يعرضون عليها غدوا وعشيا } ، فارتفاع النار على أنها ~~بدل من سوء العذاب. وقيل على أنها خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ، وخبره ~~يعرضون، والأول أولى، ورجحه الزجاج، وعلى الوجهين الأخيرين تكون الجملة ~~مستأنفة جواب سؤال مقدر. وقرىء بالنصب على تقدير فعل يفسره يعرضون من ~~حيث المعنى، أي يصلون النار يعرضون عليها، أو على الاختصاص، وأجاز ~~الفراء الخفض على البدل من العذاب. وذهب الجمهور أن هذا العرض هو في ~~البرزخ. وقيل هو في الآخرة. قال الفراء ويكون في الآية تقديم، وتأخير، ~~أي أدخلوا آل فرعون أشد العذاب النار يعرضون عليها ms3404 غدوا، وعشيا، ولا ~~ملجىء إلى هذا التكلف، فإن قوله { ويوم تقوم الساعة ~~أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب } يدل دلالة واضحة على ~~أن ذلك العرض هو في البرزخ، وقوله { أدخلوا } هو بتقدير القول، أي ~~يقال للملائكة أدخلوا آل فرعون، و { أشد العذاب } هو عذاب النار. ~~قرأ حمزة، والكسائي، ونافع، وحفض { أدخلوا } بفتح الهمزة، وكسر الخاء، ~~وهو على تقدير القول كما ذكر. وقرأ الباقون ادخلوا بهمزة وصل من دخل يدخل ~~أمرا لآل فرعون بالدخول بتقدير حرف النداء، أي ادخلوا يا آل فرعون أشد ~~العذاب. { وإذ يتحاجون فى النار } الظرف منصوب بإضمار ~~اذكر. والمعنى اذكر لقومك وقت تخاصمهم في النار، ثم بين سبحانه هذا ~~التخاصم، فقال { فيقول الضعفاء للذين استكبروا } عن ~~الانقياد للأنبياء، والاتباع لهم، وهم رؤساء الكفر { إنا كنا ~~لكم تبعا } جمع لتابع، كخدم، وخادم، أو مصدر واقع موقع اسم الفاعل، ~~أي تابعين، أو على حذف مضاف، أي ذوي تبع. قال البصريون التبع يكون ~~واحدا، ويكون جمعا. وقال الكوفيون هو جمع لا واحد له { فهل أنتم ~~مغنون عنا نصيبا من النار } أي هل تدفعون عنا نصيبا ~~منها، أو تحملونه معنا، وانتصاب { نصيبا } بفعل مقدر يدل عليه مغنون، ~~أي هل تدفعون عنا نصيبا، أو تمنعون على تضمينه معنى حاملين، أي هل أنتم ~~حاملون معنا نصيبا، أو على المصدرية. { قال الذين استكبروا ~~إنا كل فيها } هذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، والمعنى إنا ~~نحن، وأنتم جميعا في جهنم، فكيف تغني عنكم. قرأ الجمهور { كل } بالرفع ~~على الابتداء، وخبره { فيها } والجملة خبر إن، قاله الأخفش. # وقرأ ابن السميفع، وعيسى بن عمر كلا بالنصب. قال الكسائي، والفراء على ~~التأكيد لاسم إن بمعنى كلنا، وتنوينه عوض عن المضاف إليه. وقيل على ~~الحال، ورجحه ابن مالك { إن الله قد حكم بين العباد } ~~أي قضى بينهم بأن فريقا في الجنة، وفريقا في السعير. { وقال ~~الذين فى النار } من الأمم الكافرة، مستكبرهم، وضعيفهم { ~~لخزنة جهنم } جمع خازن، وهو القوام بتعذيب أهل النار { ~~ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب } يوما ms3405 ظرف ~~ليخفف، ومفعول يخفف محذوف، أي يخفف عنا شيئا من العذاب مقدار يوم، أو في ~~يوم، وجملة { قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم ~~بالبينت } مستأنفة جواب سؤال مقدر، والاستفهام للتوبيخ، ~~والتقريع { قالوا بلى } أي أتونا بها، فكذبناهم، ولم نؤمن بهم، ولا ~~بما جاءوا به من الحجج الواضحة، فلما اعترفوا { قالوا } أي قال لهم ~~الملائكة الذين هم خزنة جهنم { فادعوا } أي إذا كان الأمر كذلك، ~~فادعوا أنتم، فإنا لا ندعو لمن كفر بالله، وكذب رسله بعد مجيئهم بالحجج ~~الواضحة. ثم أخبروهم بأن دعاءهم لا يفيد شيئا، فقالوا { وما دعاء ~~الكفرين إلا فى ضلل } أي في ضياع، وبطلان، وخسار، وتبار، ~~وجملة { إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا } مستأنفة من ~~جهته سبحانه، أي نجعلهم الغالبين لأعدائهم القاهرين لهم، والموصول في محل ~~نصب عطفا على رسلنا، أي لننصر رسلنا، وننصر الذين آمنوا معهم { في ~~الحياة الدنيا } بما عودهم الله من الانتقام منهم بالقتل، ~~والسلب، والأسر، والقهر { ويوم يقوم الأشهد } ، وهو يوم ~~القيامة. قال زيد بن أسلم الأشهاد هم الملائكة، والنبيون. وقال مجاهد، ~~والسدي الأشهاد الملائكة تشهد للأنبياء بالإبلاغ، وعلى الأمم بالتكذيب. ~~قال الزجاج الأشهاد جمع شاهد مثل صاحب، وأصحاب. قال النحاس ليس باب فاعل ~~أن يجمع على أفعال، ولا يقاس عليه، ولكن ما جاء منه مسموعا أدى على ما ~~يسمع، فهو على هذا جمع شهيد، مثل شريف، وأشراف، ومعنى نصرهم يوم يقوم ~~الأشهاد أن الله يجازيهم بأعمالهم، فيدخلهم الجنة، ويكرمهم بكراماته، ~~ويجازي الكفار بأعمالهم، فيلعنهم، ويدخلهم النار، وهو معنى قوله { يوم ~~لا ينفع الظلمين معذرتهم ولهم اللعنة } أي ~~البعد عن الرحمة { ولهم سوء الدار } أي النار، ويوم بدل من يوم ~~يقوم الأشهاد، وإنما لم تنفعهم المعذرة لأنها معذرة باطلة، وتعلة داحضة، ~~وشبهة زائغة. قرأ الجمهور تنفع بالفوقية. وقرأ نافع، والكوفيون بالتحتية، ~~والكل جائز في اللغة. وقد أخرج البخاري في تاريخه، وابن المنذر عن ابن ~~مسعود في قوله { وأن المسرفين هم أصحب النار } قال ~~السفاكين للدماء بغير حقها. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عمر ~~قال قال ms3406 رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة، والعشي، إن كان من أهل ~~الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، يقال له هذا ~~مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة " # زاد ابن مردويه «ثم قرأ { النار يعرضون عليها غدوا ~~وعشيا } ». وأخرج البزار، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال # " ما أحسن محسن مسلم، أو كافر إلا أثابه الله " # قلنا يا رسول الله ما إثابة الكافر؟ قال # " المال، والولد، والصحة، وأشباه ذلك " # قلنا وما إثابته في الآخرة؟ قال # " عذابا دون العذاب " # وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { أدخلوا آل فرعون العذاب } ». وأخرج ~~أحمد، والترمذي وحسنه، وابن أبي الدنيا، والطبراني، وابن مردويه، ~~والبيهقي في الشعب عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه نار جهنم يوم القيامة، ثم تلا { ~~إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا } " # وأخرج ابن مردويه من حديث أبي هريرة مثله. ### || [40.53-65] # قوله { ولقد ءاتينا موسى الهدى } هذا من جملة ما قصه الله ~~سبحانه قريبا من نصره لرسله، أي آتيناه التوراة، والنبوة، كما في قوله ~~سبحانه # إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور # المائدة44 قال مقاتل الهدى من الضلالة يعني التوراة { وأورثنا ~~بنى إسرءيل الكتب * هدى وذكرى لأولى الالبب ~~} المراد بالكتاب التوراة، ومعنى { أورثنا } أن الله سبحانه لما أنزل ~~التوراة على موسى بقيت بعده فيهم، وتوارثوها خلفا عن سلف. وقيل المراد ~~بالكتاب سائر الكتب المنزلة على أنبياء بني إسرائيل بعد موت موسى، وهدى، ~~وذكرى في محل نصب على أنهما مفعول لأجله، أي لأجل الهدى، والذكر، أو على ~~أنهما مصدران في موضع الحال، أي هاديا ومذكرا، والمراد بأولي الألباب ~~أهل العقول السليمة. ثم أمر الله، رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على ~~الأذى، فقال { فاصبر إن وعد الله حق } أي اصبر على أذى ~~المشركين كما صبر من ms3407 قبلك من الرسل إن وعد الله الذي وعد به رسله حق لا ~~خلف فيه، ولا شك في وقوعه كما في قوله { إنا لننصر رسلنا } ، ~~وقوله # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغلبون # الصافات 171 173 قال الكلبي نسخ هذا بآية السيف. ثم أمره سبحانه ~~بالاستغفار لذنبه، فقال { واستغفر لذنبك } قيل المراد ذنب ~~أمتك، فهو على حذف مضاف. وقيل المراد الصغائر عند من يجوزها على ~~الأنبياء. وقيل هو مجرد تعبد له بالاستغفار لزيادة الثواب، وقد غفر الله ~~له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر { وسبح بحمد ربك بالعشى ~~والإبكار } أي دم على تنزيه الله ملتبسا بحمده. وقيل المراد صل في ~~الوقتين صلاة العصر، وصلاة الفجر. قاله الحسن، وقتادة. وقيل هما صلاتان ~~ركعتان غدوة، وركعتان عشية، وذلك قبل أن تفرض الصلوات الخمس { إن ~~الذين يجدلون فى ءايت الله بغير سلطن ~~أتهم } أي بغير حجة ظاهرة واضحة جاءتهم من جهة الله سبحانه { إن ~~فى صدورهم إلا كبر } أي ما في قلوبهم إلا تكبرا عن الحق ~~يحملهم على تكذيبك، وجملة { ما هم ببلغيه } صفة لكبر قال ~~الزجاج المعنى ما في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغي إرادتهم فيه، فجعله على ~~حذف المضاف. وقال غيره ما هم ببالغي الكبر. وقال ابن قتيبة المعنى إن في ~~صدورهم إلا كبر، أي تكبر على محمد صلى الله عليه وسلم، وطمع أن يغلبوه، ~~وما هم ببالغي ذلك. وقيل المراد بالكبر الأمر الكبير، أي يطلبون النبوة، ~~أو يطلبون أمرا كبيرا يصلون به إليك من القتل، ونحوه، ولا يبلغون ذلك. ~~وقال مجاهد معناه في صدورهم عظمة ما هم ببالغيها. # والمراد بهذه الآية المشركون. وقيل اليهود كما سيأتي بيانه آخر البحث إن ~~شاء الله. ثم أمره الله سبحانه بأن يستعيذ بالله من شرورهم، فقال { ~~فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير } أي فالتجىء ~~إليه من شرهم، وكيدهم، وبغيهم عليك إنه السميع لأقوالهم البصير بأفعالهم ~~لا تخفى عليه من ذلك خافية. ثم بين سبحانه عظيم قدرته، فقال { لخلق ~~* السموات ms3408 والأرض *أكبر من خلق الناس } أي أعظم ~~في النفوس، وأجل في الصدور، لعظم أجرامهما، واستقرارهما من غير عمد، ~~وجريان الأفلاك بالكواكب من غير سبب، فكيف ينكرون البعث، وإحياء ما هو ~~دونهما من كل وجه كما في قوله # أو ليس الذى خلق السموات والأرض بقدر ~~على أن يخلق مثلهم # يس 81 قال أبو العالية المعنى لخلق السموات، والأرض أعظم من خلق الدجال ~~حين عظمته اليهود. وقال يحيى بن سلام هو احتجاج على منكري البعث، أي هما ~~أكبر من إعادة خلق الناس { ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } بعظيم قدرة الله، وأنه لا يعجزه شيء. ثم لما ذكر سبحانه ~~الجدال بالباطل ذكر مثالا للباطل، والحق، وأنهما لا يستويان، فقال { ~~وما يستوى الأعمى والبصير } أي الذي يجادل بالباطل، والذي ~~يجادل بالحق { والذين ءامنوا وعملوا الصلحت ولا ~~المسىء } أي ولا يستوي المحسن بالإيمان، والعمل الصالح، والمسيء ~~بالكفر، والمعاصي، وزيادة «لا» في، { ولا المسيء } للتأكيد { قليلا ~~ما تتذكرون } قرأ الجمهور { يتذكرون } بالتحتية على الغيبة، ~~واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم، لأن قبلها، وبعدها على الغيبة ~~لا على الخطاب، وقرأ الكوفيون بالفوقية على الخطاب بطريقة الالتفات، أي ~~تذكرا قليلا ما تتذكرون. { إن الساعة لأتية لا ريب ~~فيها } أي لا شك في مجيئها، وحصولها { ولكن أكثر الناس ~~لا يؤمنون } بذلك، ولا يصدقونه لقصور أفهامهم، وضعف عقولهم عن ~~إدراك الحجة، والمراد بأكثر الناس الكفار الذين ينكرون البعث. ثم لما ~~بين سبحانه أن قيام الساعة حق لا شك فيه، ولا شبهة، أرشد عباده إلى ما ~~هو الوسيلة إلى السعادة في دار الخلود، فأمر رسوله أن يحكي عنه ما أمره ~~بإبلاغه، وهو { وقال ربكم ادعونى أستجب لكم } قال ~~أكثر المفسرين المعنى وحدوني، واعبدوني أتقبل عبادتكم، وأغفر لكم. وقيل ~~المراد بالدعاء السؤال بجلب النفع، ودفع الضر. قيل الأول أولى لأن ~~الدعاء في أكثر استعمالات الكتاب العزيز هو العبادة. قلت بل الثاني أولى ~~لأن معنى الدعاء حقيقة، وشرعا هو الطلب، فإن استعمل في غير ذلك، فهو ~~مجاز، على أن الدعاء في نفسه ms3409 باعتبار معناه الحقيقي هو عبادة، بل مخ ~~العبادة كما ورد بذلك الحديث الصحيح، فالله سبحانه قد أمر عباده بدعائه، ~~ووعدهم بالإجابة، ووعده الحق، وما يبدل القول لديه، ولا يخلف الميعاد. ~~ثم صرح سبحانه بأن هذا الدعاء باعتبار معناه الحقيقي، وهو الطلب هو من ~~عبادته، فقال { إن الذين يستكبرون عن عبادتى ~~سيدخلون جهنم دخرين } أي ذليلين صاغرين، وهذا وعيد شديد ~~لمن استكبر عن دعاء الله، وفيه لطف بعباده عظيم، وإحسان إليهم جليل حيث ~~توعد من ترك طلب الخير منه، واستدفاع الشر به بهذا الوعيد البالغ، ~~وعاقبه بهذه العقوبة العظيمة، فيا عباد الله وجهوا رغباتكم، وعولوا في ~~كل طلباتكم على من أمركم بتوجيهها إليه، وأرشدكم إلى التعويل عليه، وكفل ~~لكم الإجابة به بإعطاء الطلبة، فهو الكريم المطلق الذي يجيب دعوة الداعي ~~إذا دعاه، ويغضب على من لم يطلب من فضله العظيم، وملكه الواسع ما يحتاجه ~~من أمور الدنيا والدين. # قيل وهذا الوعد بالإجابة مقيد بالمشيئة، أي أستجب لكم إن شئت كقوله ~~سبحانه # فيكشف ما تدعون إليه إن شاء # الأنعام 41 الله، قرأ الجمهور { سيدخلون } بفتح الياء، وضم الخاء مبنيا ~~للفاعل، وقرأ ابن كثير، وابن محيصن، وورش، وأبو جعفر بضم الياء، وفتح ~~الخاء مبنيا للمفعول. ثم ذكر سبحانه بعض ما أنعم به على عباده، فقال { ~~الله الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه } من ~~الحركات في طلب الكسب لكونه جعله مظلما باردا تناسبه الراحة بالسكون، ~~والنوم { والنهار مبصرا } أي مضيئا، لتبصروا فيه حوائجكم، ~~وتتصرفوا في طلب معايشكم { إن الله لذو فضل على الناس } ~~يتفضل عليهم بنعمه التي لا تحصى { ولكن أكثر الناس لا ~~يشكرون } النعم، ولا يعترفون بها، إما لجحودهم لها، وكفرهم بها كما ~~هو شأن الكفار، أو لإغفالهم للنظر، وإهمالهم لما يجب من شكر المنعم، وهم ~~الجاهلون { ذلكم الله ربكم خلق كل شىء لا ~~إله إلا هو } بين سبحانه في هذا كمال قدرته المقتضية لوجوب ~~توحيده، قرأ الجمهور خالق بالرفع على أنه خبر بعد الخبر الأول عن ~~المبتدأ، وقرأ زيد بن علي بنصبه ms3410 على الاختصاص { فأنى تؤفكون } ~~أي فكيف تنقلبون عن عبادته، وتنصرفون عن توحيده؟ { كذلك يؤفك ~~الذين كانوا بئايت الله يجحدون } أي مثل الإفك ~~يؤفك الجاحدون لآيات الله المنكرون لتوحيده. ثم ذكر لهم سبحانه نوعا آخر ~~من نعمه التي أنعم بها عليهم مع ما في ذلك من الدلالة على كمال قدرته، ~~وتفرده بالإلهية، فقال { الله الذى جعل لكم الأرض ~~قرارا والسماء بناء } أي موضع قرار فيها تحيون، وفيها تموتون ~~{ والسماء بناء } أي سقفا قائما ثابتا. ثم بين بعض نعمه ~~المتعلقة بأنفس العباد، فقال { وصوركم فأحسن صوركم } أي ~~خلقكم في أحسن صورة. قال الزجاج خلقكم أحسن الحيوان كله. قرأ الجمهور ~~صوركم بضم الصاد، وقرأ الأعمش، وأبو رزين بكسرها. قال الجوهري والصور ~~بكسر الصاد لغة في الصور بضمها { ورزقكم من الطيبات } أي ~~المستلذات { ذلكم } المنعوت بهذه النعوت الجليلة { الله ~~ربكم فتبرك الله رب العلمين } أي كثرة خيره، ~~وبركته { هو الحى لا إله إلا هو } أي الباقي الذي لا ~~يفنى المنفرد بالألوهية { فادعوه مخلصين له الدين } أي ~~الطاعة، والعبادة { الحمد لله رب العلمين } قال الفراء ~~هو خبر، وفيه إضمار أمر، أي احمدوه. # وقد أخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم. قال السيوطي بسند صحيح عن أبي ~~العالية قال إن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا إن الدجال ~~يكون منا في آخر الزمان، ويكون في أمره، فعظموا أمره، وقالوا نصنع كذا، ~~ونصنع كذا، فأنزل الله { إن الذين يجدلون فى ءايت ~~الله بغير سلطن أتهم إن فى صدورهم إلا ~~كبر ما هم ببلغيه } » قال لا يبلغ الذي يقول { فاستعذ ~~بالله } فأمر نبيه أن يتعوذ من فتنة الدجال لخلق السماوات، والأرض ~~أكبر من خلق الدجال. وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار في الآية قال هم ~~اليهود نزلت فيهم فيما ينتظرونه من أمر الدجال. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~المنذر عن مجاهد في قوله { إن فى صدورهم إلا كبر } قال عظمة ~~قريش. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، ~~والبخاري في الأدب ms3411 المفرد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب عن النعمان بن بشير قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الدعاء هو العبادة " # ثم قرأ { وقال ربكم ادعونى أستجب لكم إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتى } قال عن دعائي { ~~سيدخلون جهنم دخرين } ». قال الترمذي حسن صحيح. وأخرج ابن ~~مردويه، والخطيب عن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن الدعاء هو العبادة، وقال ربكم { ادعونى أستجب لكم } " # وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله ~~{ ادعونى أستجب لكم } قال وحدوني أغفر لكم. وأخرج الحاكم ~~وصححه، عن جرير بن عبد الله في الآية قال اعبدوني. وأخرج ابن مردويه عن ~~عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الدعاء الاستغفار " # وأخرح ابن أبي شيبة، والحاكم، وأحمد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " من لم يدع الله يغضب عليه " # وأخرج أحمد، والحكيم الترمذي، وأبو يعلى، والطبراني، عن معاذ بن جبل، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " لا ينفع حذر من قدر، ولكن الدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، فعليكم ~~بالدعاء " # وأخرج الترمذي، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس بن مالك قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الدعاء مخ العبادة " # وأخرج ابن المنذر، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال أفضل العبادة الدعاء، ~~وقرأ { وقال ربكم ادعونى أستجب لكم } الآية. وأخرج ~~البخاري في الأدب عن عائشة قالت سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي ~~العبادة أفضل؟ فقال # " دعاء المرء لنفسه " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عن ابن عباس قال من قال لا إله إلا الله، فليقل على ~~أثرها الحمد لله رب العالمين، وذلك قوله { فادعوه مخلصين له الدين الحمد ~~لله رب العالمين }. ### || [40.66-85] # أمر الله سبحانه رسوله أن يخبر المشركين بأن ms3412 الله نهاه عن عبادة غيره، ~~وأمره بالتوحيد، فقال { قل إنى نهيت أن أعبد الذين ~~تدعون من دون الله } وهي الأصنام. ثم بين وجه النهي، فقال { ~~لما جاءنى البينت من ربى } ، وهي الأدلة العقلية ~~والنقلية، فإنها توجب التوحيد { وأمرت أن أسلم لرب ~~العلمين } أي أستسلم له بالانقياد، والخضوع. ثم أردف هذا بذكر ~~دليل من الأدلة على التوحيد، فقال { هو الذى خلقكم من تراب ~~} أي خلق أباكم الأول، وهو أدم، وخلقه من تراب يستلزم خلق ذريته منه { ~~ثم من نطفة ثم من علقة } قد تقدم تفسير هذا في غير ~~موضع { ثم يخرجكم طفلا } أي أطفالا، وأفرده لكونه اسم جنس، ~~أو على معنى يخرج كل واحد منكم طفلا { ثم لتبلغوا ~~أشدكم } ، وهي الحالة التي تجتمع فيها القوة، والعقل. وقد سبق ~~بيان الأشد مستوفى في الأنعام، واللام التعليلية في { لتبلغوا } معطوفة ~~على علة أخرى، { ليخرجكم } مناسبة لها، والتقدير لتكبروا شيئا، فشيئا، ~~ثم لتبلغوا غاية الكمال، وقوله { ثم لتكونوا شيوخا } معطوف ~~على لتبلغوا، قرأ نافع، وحفص، وأبو عمرو، وابن محيصن، وهشام { شيوخا } ~~بضم الشين، وقرأ الباقون بكسرها، وقرىء وشيخا على الإفراد لقوله طفلا، ~~والشيخ من جاوز أربعين سنة { ومنكم من يتوفى من قبل } أي ~~من قبل الشيخوخة { ولتبلغوا أجلا مسمى } أي وقت الموت، أو ~~يوم القيامة، واللام هي لام العاقبة { ولعلكم تعقلون } أي ~~لكي تعقلوا توحيد ربكم، وقدرته البالغة في خلقكم على هذه الأطوار ~~المختلفة { هو الذى يحيي ويميت } أي يقدر على الإحياء، ~~والإماتة { فإذا قضى أمرا } من الأمور التي يريدها { فإنما ~~يقول له كن فيكون } من غير توقف، وهو تمثيل لتأثير قدرته في ~~المقدورات عند تعلق إرادته بها، وقد تقدم تحقيق معناه في البقرة، وفيما ~~بعدها. ثم عجب سبحانه من أحوال المجادلين في آيات الله، فقال { ألم ~~تر إلى الذين يجدلون فى ءايت الله } ، وقد سبق ~~بيان معنى المجادلة { أنى يصرفون } أي كيف يصرفون عنها مع قيام ~~الأدلة الدالة على صحتها، وأنها في أنفسها موجبة للتوحيد. قال ابن زيد هم ~~المشركون بدليل قوله { الذين ms3413 كذبوا بالكتب وبما ~~أرسلنا به رسلنا } قال القرطبي وقال أكثر المفسرين نزلت في ~~القدرية. قال ابن سيرين إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية، فلا أدري ~~فيمن نزلت، ويجاب عن هذا بأن الله سبحانه قد وصف هؤلاء بصفة تدل على غير ~~ما قالوه، فقال { الذين كذبوا بالكتب } أي بالقرآن، ~~وهذا وصف لا يصح أن يطلق على فرقة من فرق الإسلام، والموصول إما في محل ~~جر على أنه نعت للموصول الأول، أو بدل منه، ويجوز أن يكون في محل نصب ~~على الذم، والمراد بالكتاب إما القرآن، أو جنس الكتب المنزلة من عند ~~الله، وقوله { وبما أرسلنا به رسلنا } معطوف على قوله { ~~بالكتاب } ، ويراد به ما يوحى إلى الرسل من غير كتاب إن كانت اللام في ~~الكتاب للجنس، أو سائر الكتب إن كان المراد بالكتاب القرآن { فسوف ~~يعلمون } عاقبة أمرهم، ووبال كفرهم، وفي هذا وعيد شديد، والظرف في ~~قوله { إذ الأغلل فى أعنقهم } متعلق { بيعلمون } ، أي ~~فسوف يعلمون وقت كون الأغلال في أعناقهم { والسلسل } معطوف على ~~الأغلال، والتقدير إذ الأغلال، والسلاسل في أعناقهم، ويجوز أن يرتفع ~~السلاسل على أنه مبتدأ وخبره محذوف لدلالة في أعناقهم عليه، ويجوز أن ~~يكون خبره { يسحبون فى الحميم } بحذف العائد، أي يسحبون بها في ~~الحميم، وهذا على قراءة الجمهور برفع السلاسل، وقرأ ابن عباس، وابن ~~مسعود، وعكرمة، وأبو الجوزاء بنصبها، وقرءوا يسحبون بفتح الياء مبنيا ~~للفاعل، فتكون السلاسل مفعولا مقدما، وقرأ بعضهم بجر السلاسل. # قال الفراء وهذه القراءة محمولة على المعنى، إذ المعنى أعناقهم في ~~الأغلال، والسلاسل. وقال الزجاج المعنى على هذه القراءة وفي السلاسل ~~يسحبون، واعترضه ابن الأنباري بأن ذلك لا يجوز في العربية، ومحل يسحبون ~~على تقدير عطف السلاسل على الأغلال، وعلى تقدير كونها مبتدأ، وخبرها في ~~أعناقهم النصب على الحال، أو لا محل له، بل هو مستأنف جواب سؤال مقدر، ~~والحميم هو المتناهي في الحر. وقيل الصديد، وقد تقدم تفسيره { ثم ~~فى النار يسجرون } يقال سجرت التنور أي أوقدته، وسجرته ملأته ~~بالوقود، ومنه ms3414 # والبحر المسجور # الطور 6 أي المملوء، فالمعنى توقد بهم النار، أو تملأ بهم. قال مجاهد، ~~ومقاتل توقد بهم النار، فصاروا وقودها. { ثم قيل لهم أين ما ~~كنتم تشركون من دون الله } هذا توبيخ، وتقريع لهم، أي أين ~~الشركاء الذين كنتم تعبدونهم من دون الله { قالوا ضلوا عنا } ~~أي ذهبوا، وفقدناهم، فلا نراهم، ثم أضربوا عن ذلك، وانتقلوا إلى الإخبار ~~بعدمهم، وأنه لا وجود لهم، فقالوا { بل لم نكن ندعوا من ~~قبل شيئا } أي لم نكن نعبد شيئا، قالوا هذا لما تبين لهم ما كانوا ~~فيه من الضلالة، والجهالة، وأنهم كانوا يعبدون ما لا يبصر، ولا يسمع، ولا ~~يضر، ولا ينفع، وليس هذا إنكارا منهم لوجود الأصنام التي كانوا ~~يعبدونها، بل اعتراف منهم بأن عبادتهم إياها كانت باطلة { كذلك ~~يضل الله الكفرين } أي مثل ذلك الضلال يضل الله الكافرين ~~حيث عبدوا هذه الأصنام التي أوصلتهم إلى النار، والإشارة بقوله { ~~ذلكم } إلى الإضلال المدلول عليه بالفعل، أي ذلك الإضلال بسبب { ما ~~كنتم تفرحون فى الأرض } أي بما كنتم تظهرون في الدنيا من ~~الفرح بمعاصي الله،والسرور بمخالفة رسله، وكتبه. # وقيل بما كنتم تفرحون به من المال، والأتباع، والصحة، وقيل بما كنتم ~~تفرحون به من إنكار البعث. وقيل المراد بالفرح هنا البطر، والتكبر، ~~وبالمرح الزيادة في البطر. وقال مجاهد، وغيره تمرحون، أي تبطرون، ~~وتأشرون. وقال الضحاك الفرح السرور، والمرح العدوان. وقال مقاتل المرح ~~البطر، والخيلاء { ادخلوا أبوب جهنم } حال كونكم { ~~خلدين فيها } أي مقدرين الخلود فيها { فبئس مثوى ~~المتكبرين } عن قبول الحق جهنم. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى ~~الله عليه وسلم بالصبر، فقال { فاصبر إن وعد الله حق } ~~أي وعده بالانتقام منهم كائن لا محالة، إما في الدنيا، أو في الآخرة، ~~ولهذا قال { فإما نرينك بعض الذى نعدهم } من ~~العذاب في الدنيا بالقتل، والأسر، والقهر، وما في { فإما } زائدة على ~~مذهب المبرد، والزجاج، والأصل فإن نرك، ولحقت بالفعل نون التأكيد، وقوله ~~{ أو نتوفينك } معطوف على { نرينك } أي أو نتوفينك قبل إنزال ~~العذاب بهم ms3415 { فإلينا يرجعون } يوم القيامة، فنعذبهم { ولقد ~~أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك } أي ~~أنبأناك بأخبارهم، وما لقوه من قومهم { ومنهم من لم نقصص ~~عليك } خبره، ولا أوصلنا إليك علم ما كان بينه، وبين قومه { وما ~~كان لرسول أن يأتى بئاية إلا بإذن الله } لا ~~من قبل نفسه، والمراد بالآية المعجزة الدالة على نبوته { فإذا جاء ~~أمر الله } أي إذا جاء الوقت المعين لعذابهم في الدنيا، أو في ~~الآخرة { قضى بالحق } فيما بينهم، فينجي الله بقضائه الحق عباده ~~المحقين { وخسر هنالك } أي في ذلك الوقت { المبطلون } ~~الذين يتبعون الباطل، ويعملون به. ثم امتن سبحانه على عباده بنوع من ~~أنواع نعمه التي لا تحصى، فقال { الله الذى جعل لكم ~~الأنعم } أي خلقها لأجلكم، قال الزجاج الأنعام ها هنا الإبل، وقيل ~~الأزواج الثمانية { لتركبوا منها } من للتبعيض، وكذلك في قوله ~~{ ومنها تأكلون } ويجوز أن تكون لابتداء الغاية في الموضعين، ~~ومعناها ابتداء الركوب، وابتداء الأكل، والأول أولى. والمعنى لتركبوا ~~بعضها، وتأكلوا بعضها { ولكم فيها منفع } أخر غير الركوب، ~~والأكل من الوبر، والصوف، والشعر، والزبد، والسمن، والجبن، وغير ذلك { ~~ولتبلغوا عليها حاجة فى صدوركم } قال مجاهد، ~~ومقاتل، وقتادة تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد، وقد تقدم بيان هذا مستوفى ~~في سورة النحل { وعليها وعلى الفلك تحملون } أي على ~~الإبل في البر، وعلى السفن في البحر. وقيل المراد بالحمل على الأنعام ~~هنا حمل الولدان، والنساء بالهوادج { ويريكم ءايته } أي ~~دلالاته الدالة على كمال قدرته، ووحدانيته { فأى ءايت الله ~~تنكرون } ، فإنها كلها من الظهور، وعدم الخفاء بحيث لا ينكرها منكر، ~~ولا يجحدها جاحد، وفيه تقريع لهم، وتوبيخ عظيم، ونصب { أي } بتنكرون، ~~وإنما قدم على العامل فيه، لأن له صدر الكلام. # ثم أرشدهم سبحانه إلى الاعتبار، والتفكر في آيات الله، فقال { أفلم ~~يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عقبة الذين ~~من قبلهم } من الأمم التي عصت الله، وكذبت رسلها، فإن الآثار ~~الموجودة في ديارهم تدل على ما نزل بهم من العقوبة، وما صاروا إليه من ~~سوء ms3416 العاقبة. ثم بين سبحانه أن تلك الأمم كانوا فوق هؤلاء في الكثرة، ~~والقوة، فقال { كانوا أكثر منهم وأشد قوة } أي ~~أكثر منهم عددا، وأقوى منهم أجسادا، وأوسع منهم أموالا، وأظهر منهم { ~~آثارا فى الأرض } بالعمائر، والمصانع، والحرث { فمآ أغنى ~~عنهم ما كانوا يكسبون } يجوز أن تكون " ما " الأولى ~~استفهامية، أي أي شيء أغنى عنهم، أو نافية. أي لم يغن عنهم، و " ما " ~~الثانية يجوز أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية. { فلما جاءتهم ~~رسلهم بالبينت } أي بالحجج الواضحات، والمعجزات الظاهرات { ~~فرحوا بما عندهم من العلم } أي أظهروا الفرح بما عندهم ~~مما يدعون أنه من العلم من الشبه الداحضة، والدعاوي الزائغة، وسماه علما ~~تهكما بهم، أو على ما يعتقدونه. وقال مجاهد قالوا نحن أعلم منهم لن ~~نعذب، ولن نبعث. وقيل المراد من علم أحوال الدنيا لا الدين كما في قوله # يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا # الروم 7، وقيل الذين فرحوا بما عندهم من العلم هم الرسل، وذلك أنه لما ~~كذبهم قومهم أعلمهم الله بأنه مهلك الكافرين، ومنجي المؤمنين، ففرحوا ~~بذلك { وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } أي أحاط بهم ~~جزاء استهزائهم { فلما رأوا بأسنا } أي عاينوا عذابنا النازل ~~بهم { قالوا ءامنا بالله وحده وكفرنا بما كنا ~~به مشركين } ، وهي الأصنام التي كانوا يعبدونها { فلم يك ~~ينفعهم إيمنهم لما رأوا بأسنا } أي عند معاينة ~~عذابنا، لأن ذلك الإيمان ليس بالإيمان النافع لصاحبه، فإنه إنما ينفع ~~الإيمان الاختياري لا الإيمان الاضطراري { سنت الله التى قد ~~خلت فى عباده } أي التي قد مضت في عباده، والمعنى أن الله سبحانه ~~سن هذه السنة في الأمم كلها أنه لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب، وقد ~~مضى بيان هذا في سورة النساء، وسورة التوبة، وانتصاب سنة على أنها مصدر ~~مؤكد لفعل محذوف بمنزلة وعد الله، وما أشبهه من المصادر المؤكدة. وقيل هو ~~منصوب على التحذير، أي احذروا يا أهل مكة سنة الله في الأمم الماضية، ~~والأول أولى. { وخسر هنالك الكفرون } أي وقت رؤيتهم بأس ~~الله، ومعاينتهم لعذابه. قال الزجاج ms3417 الكافر خاسر في كل وقت، ولكنه يتبين ~~لهم خسرانهم إذا رأوا العذاب. # وقد أخرج أحمد، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي ~~في البعث والنشور، عن عبد الله بن عمرو قال تلا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم { إذ الأغلل فى أعنقهم } إلى قوله { يسجرون } ~~، فقال # " لو أن رصاصة مثل هذه، وأشار إلى جمجمة أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي ~~مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة ~~لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها، أو قال قعرها " # وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار، عن ابن عباس قال يسحبون في الحميم، ~~فينسلخ كل شيء عليهم من جلد، ولحم، وعرق حتى يصير في عقبه حتى إن لحمه ~~قدر طوله، وطوله ستون ذراعا، ثم يكسى جلدا آخر، ثم يسجر في الحميم. ~~وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه عن علي بن أبي طالب في قوله { ~~ومنهم من لم نقصص عليك } قال بعث الله عبدا حبشيا، ~~فهو ممن لم يقصص على محمد. ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.1-14] # قوله { حم } قد تقدم الكلام على إعرابه، ومعناه في السورة التي قبل هذه ~~السورة، فلا نعيده، وكذلك تقدم الكلام على معنى { تنزيل } ، وإعرابه. ~~قال الزجاج، والأخفش تنزيل مرفوع بالابتداء، وخبره { كتب فصلت } ~~وقال الفراء يجوز أن يكون على إضمار هذا، ويجوز أن يقال كتاب بدل من قوله ~~تنزيل، و { من الرحمن الرحيم } متعلق بتنزيل، ومعنى { ~~فصلت ءايته } بينت، أو جعلت أساليب مختلفة، قال قتادة فصلت ~~ببيان حلاله من حرامه، وطاعته من معصيته. وقال الحسن بالوعد، والوعيد. ~~وقال سفيان بالثواب، والعقاب، ولا مانع من الحمل على الكل. والجملة في ~~محل نصب صفة لكتاب. وقرىء فصلت بالتخفيف، أي فرقت بين الحق، والباطل. ~~وانتصاب { قرءانا عربيا } على الحال، أي فصلت آياته حال كونه ~~قرآنا عربيا. وقال الأخفش نصب على المدح. وقيل على المصدرية، أي يقرؤه ~~قرآنا. وقيل مفعول ثان لفصلت. وقيل على إضمار فعل يدل عليه فصلت، أي ~~فصلناه قرآنا عربيا { لقوم يعلمون ms3418 } أي يعلمون معانيه، ~~ويفهمونها وهم أهل اللسان العربي. قال الضحاك أي يعلمون أن القرآن منزل ~~من عند الله. وقال مجاهد أي يعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل، ~~واللام متعلقة بمحذوف صفة أخرى لقرآن، أي كائنا لقوم، أو متعلق بفصلت، ~~والأول أولى، وكذلك { بشيرا ونذيرا } صفتان أخريان ل { قرآنا } ~~، أو حالان من كتاب، والمعنى بشيرا لأولياء الله، ونذيرا لأعدائه. ~~وقرىء بشير ونذير بالرفع على أنهما صفة لكتاب، أو خبر مبتدأ محذوف { ~~فأعرض أكثرهم } المراد بالأكثر هنا الكفار، أي فأعرض الكفار ~~عما اشتمل عليه من النذارة { فهم لا يسمعون } سماعا ينتفعون به ~~لإعراضهم عنه. { وقالوا قلوبنا فى أكنة } أي في أغطية مثل ~~الكنانة التي فيها السهام، فهي لا تفقه ما تقول، ولا يصل إليها قولك، ~~والأكنة جمع كنان، وهو الغطاء، قال مجاهد الكنان للقلب كالجنة للنبل، وقد ~~تقدم بيان هذا في البقرة { وفي آذاننا وقر } أي صمم، وأصل الوقر ~~الثقل. وقرأ طلحة بن مصرف وقر بكسر الواو. وقرىء بفتح الواو والقاف، و ~~«من» في { ومن بيننا وبينك حجاب } لابتداء الغاية، والمعنى ~~أن الحجاب ابتدأ منا، وابتدأ منك، فالمسافة المتوسطة بين جهتنا، وجهتك ~~مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها، وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق، ~~ومج أسماعهم له، وامتناع المواصلة بينهم، وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم { فاعمل إننا عملون } أي اعمل على دينك إننا عاملون ~~على ديننا. وقال الكلبي اعمل في هلاكنا، فإنا عاملون في هلاكك. وقال ~~مقاتل اعمل لإلهك الذي أرسلك، فإنا نعمل لآلهتنا التي نعبدها. وقيل اعمل ~~لآخرتك، فإنا عاملون لدنيانا. # ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عن قولهم هذا، فقال { قل إنما أنا ~~بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله ~~واحد } أي إنما أنا كواحد منكم لولا الوحي، ولم أكن من جنس مغاير لكم ~~حتى تكون قلوبكم في أكنة مما أدعوكم إليه، وفي آذانكم وقر، ومن بيني، ~~وبينكم حجاب، ولم أدعكم إلى ما يخالف العقل، وإنما أدعوكم إلى التوحيد. ~~قرأ الجمهور { يوحى } مبنيا للمفعول. وقرأ الأعمش، والنخعي ms3419 مبنيا ~~للفاعل، أي يوحي الله إلي. قيل ومعنى الآية إني لا أقدر على أن أحملكم ~~على الإيمان قسرا، فإني بشر مثلكم، ولا امتياز لي عنكم إلا أني أوحى ~~إلي التوحيد، والأمر به، فعلي البلاغ وحده، فإن قبلتم رشدتم، وإن أبيتم ~~هلكتم. وقيل المعنى إني لست بملك، وإنما أنا بشر مثلكم، وقد أوحي إلي ~~دونكم، فصرت بالوحي نبيا، ووجب عليكم اتباعي. وقال الحسن في معنى الآية ~~إن الله سبحانه علم رسوله صلى الله عليه وسلم كيف يتواضع { ~~فاستقيموا إليه } عداه بإلى لتضمنه معنى توجهوا، والمعنى ~~وجهوا استقامتكم إليه بالطاعة، ولا تميلوا عن سبيله { واستغفروه } ~~لما فرط منكم من الذنوب. ثم هدد المشركين، وتوعدهم، فقال { وويل ~~للمشركين }. ثم وصفهم بقوله { الذين لا يؤتون ~~الزكوة } أي يمنعونها، ولا يخرجونها إلى الفقراء. وقال الحسن، ~~وقتادة لا يقرون بوجوبها. وقال الضحاك، ومقاتل لا يتصدقون، ولا ينفقون ~~في الطاعة. وقيل معنى الآية، لا يشهدون أن لا إله إلا الله لأنها زكاة ~~الأنفس، وتطهيرها. وقال الفراء كان المشركون ينفقون النفقات، ويسقون ~~الحجيج، ويطعمونهم، فحرموا ذلك على من آمن بمحمد، فنزلت فيهم هذه الآية ~~{ وهم بالأخرة هم كفرون } معطوف على لا يؤتون داخل معه ~~في حيز الصلة، أي منكرون للآخرة جاحدون لها، والمجيء بضمير الفصل لقصد ~~الحصر { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم ~~أجر غير ممنون } أي غير مقطوع عنهم، يقال مننت الحبل إذا ~~قطعته، ومنه قول الأصبغ الأودي # إني لعمرك ما بابي بذي غلق على الصديق ولا خيري بممنون # وقيل الممنون المنقوص، قاله قطرب، وأنشد قول زهير # فضل الجواد على الخيل البطاء فلا يعطى بذلك ممنونا ولا نزقا # قال الجوهري المن القطع، ويقال النقص، ومنه قوله تعالى { لهم أجر ~~غير ممنون } ، وقال لبيد # غبس كواسب لا يمن طعامها # وقال مجاهد غير ممنون غير محسوب. وقيل معنى الآية لا يمن عليهم به لأنه ~~إنما يمن بالتفضل، فأما الأجر، فحق أداؤه. وقال السدي نزلت في المرضى، ~~والزمنى، والهرمى إذا ضعفوا عن الطاعة كتب لهم من الأجر كأصح ما كانوا ms3420 ~~يعملون فيه. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم، ~~ويقرعهم، فقال { قل أئنكم لتكفرون بالذى خلق ~~الأرض فى يومين } أي لتكفرون بمن شأنه هذا الشأن العظيم، وقدرته ~~هذه القدرة الباهرة. # قيل اليومان هما يوم الأحد، ويوم الاثنين. وقيل المراد مقدار يومين، لأن ~~اليوم الحقيقي إنما يتحقق بعد وجود الأرض، والسماء. قرأ الجمهور { أئنكم ~~} بهمزتين الثانية بين بين، وقرأ ابن كثير بهمزة، وبعدها ياء خفيفة { ~~وتجعلون له أندادا } أي أضدادا، وشركاء، والجملة معطوفة على ~~تكفرون داخلة تحت الاستفهام، والإشارة بقوله { ذلك } إلى الموصول ~~المتصف بما ذكر، وهو مبتدأ وخبره { رب العلمين } ، ومن جملة ~~العالمين ما تجعلونها أندادا لله، فكيف تجعلون بعض مخلوقاته شركاء له في ~~عبادته، وقوله { وجعل فيها رواسى } معطوف على خلق، أي كيف ~~تكفرون بالذي خلق الأرض، وجعل فيها رواسي، أي جبالا ثوابت من فوقها. ~~وقيل جملة، وجعل فيها رواسي مستأنفة غير معطوفة على خلق لوقوع الفصل ~~بينهما بالأجنبي. والأول أولى لأن الجملة الفاصلة هي مقررة لمضمون ما ~~قبلها، فكانت بمنزلة التأكيد، ومعنى { من فوقها } أنها مرتفعة عليها ~~لأنها من أجزاء الأرض، وإنما خالفتها باعتبار الارتفاع، فكانت من هذه ~~الحيثية كالمغايرة لها { وبرك فيها } أي جعلها مباركة كثيرة ~~الخير بما خلق فيها من المنافع للعباد. قال السدي أنبت فيها شجرها { ~~وقدر فيها أقوتها } قال قتادة، ومجاهد خلق فيها أنهارها، ~~وأشجارها، ودوابها، وقال الحسن، وعكرمة، والضحاك قدر فيها أرزاق أهلها، ~~وما يصلح لمعايشهم من التجارات، والأشجار، والمنافع، جعل في كل بلد ما ~~لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة، والأسفار من بلد إلى ~~بلد، ومعنى { فى أربعة أيام } أي في تتمة أربعة أيام باليومين ~~المتقدمين. قاله الزجاج، وغيره. قال ابن الأنباري ومثاله قول القائل ~~خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وإلى الكوفة في خمسة عشر يوما، ~~أي في تتمة خمسة عشر يوما، فيكون المعنى أن حصول جميع ما تقدم من خلق ~~الأرض، وما بعدها في أربعة أيام. وانتصاب { سوآء } على أنه مصدر ms3421 مؤكد ~~لفعل محذوف هو صفة للأيام، أي استوت سواء بمعنى استواء، ويجوز أن يكون ~~منتصبا على الحال من الأرض، أو من الضمائر الراجعة إليها. قرأ الجمهور ~~بنصب { سواء } ، وقرأ زيد بن علي، والحسن، وابن أبي إسحاق، وعيسى، ~~ويعقوب، وعمرو بن عبيد بخفضه على أنه صفة لأيام. وقرأ أبو جعفر برفعه على ~~أنه خبر مبتدأ محذوف. قال الحسن المعنى في أربعة أيام مستوية تامة، وقوله ~~{ للسائلين } متعلق بسواء، أي مستويات للسائلين، أو بمحذوف كأنه ~~قيل هذا الحصر للسائلين في كم خلقت الأرض، وما فيها؟ أو متعلق بقدر، أي ~~قدر فيها أقواتها لأجل الطالبين المحتاجين إليها. قال الفراء في الكلام ~~تقديم، وتأخير، والمعنى وقدر فيها أقواتها سواء للمحتاجين في أربعة ~~أيام، واختار هذا ابن جرير. # ثم لما ذكر سبحانه خلق الأرض، وما فيها ذكر كيفية خلقه للسماوات، فقال { ~~ثم استوى إلى السماء } أي عمد، وقصد نحوها قصدا سويا. قال ~~الرازي هو من قولهم استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه توجها لا يلتفت ~~معه إلى عمل آخر، وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج، ونظيره قولهم ~~استقام إليه، ومنه قوله تعالى { فاستقيموا إليه } والمعنى ثم ~~دعاه داعي الحكمة إلى خلق السماوات بعد خلق الأرض، وما فيها. قال الحسن ~~معنى الآية صعد أمره إلى السماء { وهى دخان } الدخان ما ارتفع من ~~لهب النار، ويستعار لما يرى من بخار الأرض. قال المفسرون هذا الدخان هو ~~بخار الماء، وخص سبحانه الاستواء إلى السماء مع كون الخطاب المترتب على ~~ذلك متوجها إليها، وإلى الأرض كما يفيده قوله { فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها } استغناء بما تقدم من ذكر ~~تقديرها، وتقدير ما فيها، ومعنى ائتيا افعلا ما آمركما به، وجيئا به، كما ~~يقال ائت ما هو الأحسن أي افعله. قال الواحدي قال المفسرون إن الله ~~سبحانه قال أما أنت يا سماء، فاطلعي شمسك، وقمرك، ونجومك، وأما أنت يا ~~أرض، فشققي أنهارك، وأخرجي ثمارك، ونباتك. قرأ الجمهور { ائتيا } أمرا ~~من الإتيان. وقرأ ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد ms3422 آتيا قالتا آتينا بالمد ~~فيهما، وهو إما من المؤاتاة، وهي الموافقة، أي لتوافق كل منكما الأخرى، ~~أو من الإيتاء، وهو الإعطاء، فوزنه على الأول فاعلا كقاتلا، وعلى ~~الثاني افعلا كأكرما { طوعا أو كرها } مصدران في موضع الحال، أي ~~طائعتين، أو مكرهتين، وقرأ الأعمش كرها بالضم. قال الزجاج أطيعا طاعة ~~أو تكرهان كرها. قيل ومعنى هذا الأمر لهما التسخير، أي كونا، فكانتا، ~~كما قال تعالى # إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # النحل 40، فالكلام من باب التمثيل لتأثير قدرته، واستحالة امتناعها { ~~قالتا أتينا طائعين } أي أتينا أمرك منقادين، وجمعهما جمع من ~~يعقل لخطابهما بما يخاطب به العقلاء. قال القرطبي قال أكثر أهل العلم إن ~~الله سبحانه خلق فيهما الكلام، فتكلمتا كما أراد سبحانه. وقيل هو تمثيل ~~لظهور الطاعة منهما، وتأثير القدرة الربانية فيهما { فقضاهن سبع ~~سموات } أي خلقهن، وأحكمهن، وفرغ منهن، كما في قول الشاعر # وعليهما مسرودتان قضاهما داود إذ صبغ السوابغ تبع # والضمير في " قضاهن " إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سبع ~~سماوات، أو مبهم مفسر بسبع سماوات، وانتصاب { سبع سماوات } على التفسير، ~~أو على البدل من الضمير. وقيل إن انتصابه على أنه المفعول الثاني لقضاهن ~~لأنه مضمن معنى صبرهن. وقيل على الحال، أي قضاهن حال كونهن معدودات ~~بسبع، ويكون قضى بمعنى صنع، وقيل على التمييز، ومعنى { فى يومين } ~~كما سبق في قوله { خلق الأرض فى يومين } ، فالجملة ستة أيام، ~~كما في قوله سبحانه # خلق السموات والأرض في ستة أيام # هود7، وقد تقدم بيانه في سورة الأعراف. قال مجاهد ويوم من الستة الأيام ~~كألف سنة مما تعدون. قال عبد الله بن سلام خلق الأرض في يوم الأحد، ويوم ~~الاثنين، وقدر فيها أقواتها يوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، وخلق السموات ~~في يوم الخميس، ويوم الجمعة، وقوله { وأوحى فى كل سماء ~~أمرها } عطف على قضاهن. قال قتادة، والسدي أي خلق فيها شمسها، ~~وقمرها، ونجومها، وأفلاكها، وما فيها من الملائكة، والبحار، والبرد، ~~والثلوج. وقيل المعنى أوحى فيها ما أراده وما ms3423 أمر به، والإيحاء قد يكون ~~بمعنى الأمر كما في قوله # بأن ربك أوحى # الزلزلة 5، وقوله # وإذ أوحيت إلى الحواريين # المائدة 111 أي أمرتهم. وقد استشكل الجمع بين هذه الآية، وبين قوله # والأرض بعد ذلك دحها # النازعات 30، فإن ما في هذه الآية من قوله { ثم استوى إلى ~~السماء } مشعر بأن خلقها متأخر عن خلق الأرض، وظاهره يخالف قوله { ~~والأرض بعد ذلك دحها } ، فقيل إن «ثم» في { ثم ~~استوى إلى السماء } ليست للتراخي الزماني بل للتراخي الرتبي، ~~فيندفع الإشكال من أصله. وعلى تقدير أنها للتراخي الزماني، فالجمع ممكن ~~بأن الأرض خلقها متقدم على خلق السماء، ودحوها بمعنى بسطها، وهو أمر ~~زائد على مجرد خلقها، فهي متقدمة خلقا متأخرة دحوا، وهذا ظاهر، ولعله ~~يأتي عند تفسيرنا لقوله { والأرض بعد ذلك دحها } زيادة ~~إيضاح للمقام إن شاء الله { وزينا السماء الدنيا ~~بمصبيح } أي بكواكب مضيئة متلألئة عليها كتلألؤ المصابيح، وانتصاب ~~{ حفظا } على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف، أي وحفظناها حفظا، أو على ~~أنه مفعول لأجله على تقدير وخلقنا المصابيح زينة، وحفظا، والأول أولى. ~~قال أبو حبان في الوجه الثاني هو تكلف، وعدول عن السهل البين، والمراد ~~بالحفظ حفظها من الشياطين الذين يسترقون السمع، والإشارة بقوله { ذلك ~~} إلى ما تقدم ذكره { تقدير العزيز العليم } أي البليغ ~~القدرة الكثير العلم. { فإن أعرضوا } عن التدبر والتفكر في هذه ~~المخلوقات { فقل أنذرتكم } أي فقل لهم يا محمد أنذرتكم خوفتكم ~~{ صعقة مثل صعقة عاد وثمود } أي عذابا مثل عذابهم، ~~والمراد بالصاعقة العذاب المهلك من كل شيء. قال المبرد الصاعقة المرة ~~المهلكة لأي شيء كان. قرأ الجمهور { صاعقة } في الموضعين بالألف، وقرأ ~~ابن الزبير، والنخعي، والسلمي، وابن محيصن صعقة في الموضعين، وقد تقدم ~~بيان معنى الصاعقة، والصعقة في البقرة، وقوله { إذ جاءتهم ~~الرسل } ظرف لأنذرتكم، أو لصاعقة، لأنها بمعنى العذاب، أي أنذرتكم ~~العذاب الواقع وقت مجيء الرسل، أو حال من صاعقة عاد. وهذا أولى من ~~الوجهين الأولين، لأن الإنذار لم يقع وقت مجيء الرسل، فلا يصح أن يكون ~~ظرفا له، ms3424 وكذلك الصاعقة لا يصح أن يكون الوقت ظرفا لها، وقوله { من ~~بين أيديهم ومن خلفهم } متعلق بجاءتهم، أي جاءتهم من ~~جميع جوانبهم. # وقيل المعنى جاءتهم الرسل المتقدمون، والمتأخرون على تنزيل مجيء كلامهم ~~منزلة مجيئهم أنفسهم، فكأن الرسل قد جاءوهم، وخاطبوهم بقولهم { ألا ~~تعبدوا إلا الله } أي بأن لا تعبدوا على أنها المصدرية، ويجوز ~~أن تكون التفسيرية، أو المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف. ثم ~~ذكر سبحانه ما أجابوا به على الرسل، فقال { قالوا لو شاء ربنا ~~لأنزل ملئكة } أي لأرسلهم إلينا، ولم يرسل إلينا بشرا من ~~جنسنا، ثم صرحوا بالكفر، ولم يتلعثموا، فقالوا { فإنا بما ~~أرسلتم به كفرون } أي كافرون بما تزعمونه من أن الله ~~أرسلكم إلينا، لأنكم بشر مثلنا لا فضل لكم علينا، فكيف اختصكم برسالته ~~دوننا، وقد تقدم دفع هذه الشبهة الداحضة التي جاءوا بها في غير موضع. ~~وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء ~~والصفات عن ابن عباس في قوله { وويل للمشركين الذين لا ~~يؤتون الزكوة } قال لا يشهدون أن لا إله إلا الله، وفي قوله { ~~لهم أجر غير ممنون } قال غير منقوص. وأخرج ابن جرير، ~~والنحاس في ناسخه، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، وابن مردويه، ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عنه أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فسألته عن خلق السماوات والأرض، فقال # " خلق الله الأرض في يوم الأحد، والاثنين، وخلق الجبال، وما فيهن من ~~منافع يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر، والحجر، والماء، والمدائن، ~~والعمران، والخراب، فهذه أربعة أيام، فقال تعالى { قل أئنكم ~~لتكفرون بالذى خلق الأرض فى يومين وتجعلون ~~له أندادا ذلك رب العلمين وجعل فيها رواسى ~~من فوقها وبرك فيها وقدر فيها أقوتها فى ~~أربعة أيام سواء للسائلين } ، وخلق يوم الخميس السماء، ~~وخلق يوم الجمعة النجوم، والشمس، والقمر، والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين ~~منه، فخلق من أول ساعة من هذه الثلاث الآجال حين يموت من مات، وفي ~~الثانية ألقى فيها من كل شيء مما ينتفع ms3425 به، وفي الثالثة خلق آدم، وأسكنه ~~الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة " # قالت اليهود ثم ماذا يا محمد؟ قال # " ثم استوى على العرش " # قالوا قد أصبت لو أتممت، قالوا ثم استراح، فغضب النبي صلى الله عليه ~~وسلم غضبا شديدا، فنزل # ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما فى ~~ستة أيام وما مسنا من لغوب * فاصبر على ما ~~يقولون # ق 38، 39. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { وقدر فيها ~~أقوتها } قال شق الأنهار، وغرس الأشجار، ووضع الجبال، وأجرى البحار، ~~وجعل في هذه ما ليس في هذه، وفي هذه ما ليس في هذه. # وأخرج أبو الشيخ عنه أيضا قال إن الله تعالى خلق يوما، فسماه الأحد، ~~ثم خلق ثانيا، فسماه الاثنين، ثم خلق ثالثا، فسماه الثلاثاء، ثم خلق ~~رابعا، فسماه الأربعاء، ثم خلق خامسا، فسماه الخميس، وذكر نحو ما ~~تقدم. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله فرغ من خلقه في ستة أيام، وذكر نحو ما تقدم " # وأخرج ابن جرير، عن أبي بكر نحو ما تقدم عن ابن عباس. وأخرج ابن ~~المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله ~~{ فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها } قال قال ~~للسماء أخرجي شمسك، وقمرك، ونجومك، وللأرض شققي أنهارك، وأخرجي ثمارك { ~~قالتا أتينا طائعين } ، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عنه في قوله { ائتيا } قال أعطيا، وفي قوله { قالتا ~~أتينا } قال أعطينا. ### || [41.15-24] # لما ذكر سبحانه عادا، وثمود إجمالا ذكر ما يختص بكل طائفة من ~~الطائفتين تفصيلا، فقال { فأما عاد فاستكبروا فى الأرض ~~بغير الحق } أي تكبروا عن الإيمان بالله، وتصديق رسله، واستعلوا ~~على من في الأرض بغير الحق، أي بغير استحقاق ذلك الذي وقع منهم من ~~التكبر، والتجبر. ثم ذكر سبحانه بعض ما صدر عنهم من الأقوال الدالة على ~~الاستكبار، فقال { وقالوا من أشد منا قوة } ، وكانوا ~~ذوي أجسام طوال، وقوة شديدة، فاغتروا بأجسامهم حين تهددهم ms3426 هود ~~بالعذاب، ومرادهم بهذا القول أنهم قادرون على دفع ما ينزل بهم من العذاب، ~~فرد الله عليهم بقوله { أو لم يروا أن الله الذى ~~خلقهم هو أشد منهم قوة } ، والاستفهام للاستنكار ~~عليهم، وللتوبيخ لهم، أي أو لم يعلموا بأن الله أشد منهم قدرة، فهو قادر ~~على أن ينزل بهم من أنواع عقابه ما شاء بقوله كن، فيكون { وكانوا ~~بئايتنا يجحدون } أي بمعجزات الرسل التي خصهم الله بها، ~~وجعلها دليلا على نبوتهم، أو بآياتنا التي أنزلناها على رسلنا، أو ~~بآياتنا التكوينية التي نصبناها لهم، وجعلناها حجة عليهم، أو بجميع ذلك. ~~ثم ذكر سبحانه ما أنزل عليهم من عذابه، فقال { فأرسلنا عليهم ~~ريحا صرصرا } الصرصر الريح الشديدة الصوت من الصرة، وهي الصيحة. ~~قال أبو عبيدة معنى صرصر شديدة عاصفة. وقال الفراء هي الباردة تحرق كما ~~تحرق النار. وقال عكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة هي الباردة، وأنشد قطرب ~~قول الحطيئة # المطعمون إذا هبت بصرصرة والحاملون إذا استودوا عن الناس # أي إذا سئلوا الدية. وقال مجاهد هي الشديدة السموم، والأولى تفسيرها ~~بالبرد، لأن الصر في كلام العرب البرد، ومنه قول الشاعر # لها غرد كقرون النسا ء ركبن في يوم ريح وصر # قال ابن السكيت صرصر يجوز أن يكون من الصر، وهو البرد، ويجوز أن يكون ~~من صرصر الباب، ومن الصرة وهي الصيحة، ومنه # فأقبلت امرأته فى صرة # الذاريات 29. ثم بين سبحانه وقت نزول ذلك العذاب عليهم، فقال { فى ~~أيام نحسات } أي مشئومات ذوات نحوس. قال مجاهد، وقتادة كن آخر ~~شوال من يوم الأربعاء إلى يوم الأربعاء، وذلك سبع ليال، وثمانية أيام ~~حسوما. وقيل نحسات باردات. وقيل متتابعات. وقيل شداد. وقيل ذوات غبار. ~~قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو نحسات بإسكان الحاء على أنه جمع نحس، ~~وقرأ الباقون بكسرها، واختار أبو حاتم القراءة الأولى لقوله # فى يوم نحس مستمر # القمر 19 واختار أبو عبيدة القراءة الثانية. { لنذيقهم عذاب ~~الخزى فى الحيوة الدنيا } أي لكي نذيقهم، والخزي هو الذل، ~~والهوان بسبب ذلك الاستكبار { ولعذاب الأخرة أخزى ms3427 } أي أشد ~~إهانة، وذلا، ووصف العذاب بذلك، وهو في الحقيقة وصف للمعذبين، لأنهم ~~الذين صاروا متصفين بالخزي { وهم لا ينصرون } أي لا يمنعون من ~~العذاب النازل بهم، ولا يدفعه عنهم دافع. # ثم ذكر حال الطائفة الأخرى، فقال { وأما ثمود فهدينهم } ~~أي بينا لهم سبيل النجاة، ودللناهم على طريق الحق بإرسال الرسل إليهم، ~~ونصب الدلالات لهم من مخلوقات الله، فإنها توجب على كل عاقل أن يؤمن ~~بالله، ويصدق رسله. قال الفراء معنى الآية دللناهم على مذهب الخير ~~بإرسال الرسل. قرأ الجمهور { وأما ثمود } بالرفع، ومنع الصرف. وقرأ ~~الأعمش، وابن وثاب بالرفع، والصرف، وقرأ ابن عباس، وابن أبي إسحاق، وعاصم ~~في رواية بالنصب، والصرف وقرأ الحسن، وابن هرمز، وعاصم في رواية بالنصب، ~~والمنع، فأما الرفع، فعلى الابتداء والجملة بعده الخبر، وأما النصب فعلى ~~الاشتغال، وأما الصرف فعلى تفسير الاسم بالأب، أو الحي، وأما المنع فعلى ~~تأويله بالقبيلة { فاستحبوا العمى على الهدى } أي ~~اختاروا الكفر على الإيمان، وقال أبو العالية اختاروا العمى على البيان، ~~وقال السدي اختاروا المعصية على الطاعة { فأخذتهم صعقة ~~العذاب الهون } قد تقدم أن الصاعقة اسم للشيء المهلك لأي شيء ~~كان، والهون الهوان والإهانة، فكأنه قال أصابهم مهلك العذاب ذي الهوان أو ~~الإهانة، ويقال عذاب هون، أي مهين كقوله # ما لبثوا فى العذاب المهين # سبأ 14، والباء في { بما كانوا يكسبون } للسببية، أي بسبب ~~الذي كانوا يكسبونه، أو بسبب كسبهم { ونجينا الذين ءامنوا ~~وكانوا يتقون } ، وهم صالح ومن معه من المؤمنين، فإن الله نجاهم ~~من ذلك العذاب، ثم لما ذكر سبحانه ما عاقبهم به في الدنيا ذكر ما عاقبهم ~~به في الآخرة، فقال { ويوم يحشر أعداء الله إلى النار ~~} ، وفي وصفهم بكونهم أعداء الله مبالغة في ذمهم، والعامل في الظرف محذوف ~~دل عليه ما بعده تقديره يساق الناس يوم يحشر، أو باذكر، أي اذكر يوم ~~يحشرهم. قرأ الجمهور { يحشر } بتحتية مضمومة، ورفع أعداء على النيابة، ~~وقرأ نافع نحشر بالنون، ونصب أعداء، ومعنى حشرهم إلى النار سوقهم إليها، ~~أو إلى موقف الحساب، ms3428 لأنه يتبين عنده فريق الجنة، وفريق النار { فهم ~~يوزعون } أي يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا ويجتمعوا، كذا قال ~~قتادة، والسدي، وغيرهما، وقد سبق تحقيق معناه في سورة النمل مستوفى. { ~~حتى إذا ما جاءوها } أي جاءوا النار التي حشروا إليها، أو موقف ~~الحساب، و «ما» مزيدة للتوكيد { شهد عليهم سمعهم ~~وأبصرهم وجلودهم بما كانوا يعملون } في الدنيا ~~من المعاصي. قال مقاتل تنطق جوارحهم بما كتمت الألسن من عملهم بالشرك، ~~والمراد بالجلود هي جلودهم المعروفة في قول أكثر المفسرين. وقال السدي، ~~وعبيد الله بن أبي جعفر، والفراء أراد بالجلود الفروج، والأول أولى { ~~وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا } وجه تخصيص الثلاثة ~~بالشهادة دون غيرها ما ذكره الرازي أن الحواس الخمس وهي السمع، والبصر، ~~والشم، والذوق، واللمس، وآلة المس هي الجلد، فالله سبحانه ذكر هنا ثلاثة ~~أنواع من الحواس، وهي السمع، والبصر، واللمس، وأهمل ذكر نوعين، وهما ~~الذوق، والشم، فالذوق داخل في اللمس من بعض الوجوه، لأن إدراك الذوق إنما ~~يتأتى بأن تصير جلدة اللسان مماسة لجرم الطعام، وكذلك الشم لا يتأتى حتى ~~تصير جلدة الحنك مماسة لجرم المشموم، فكانا داخلين في جنس اللمس، وإذا ~~عرفت من كلامه هذا وجه تخصيص الثلاثة بالذكر عرفت منه وجه تخصيص الجلود ~~بالسؤال، لأنها قد اشتملت على ثلاث حواس، فكان تأتي المعصية من جهتها ~~أكثر وأما على قول من فسر الجلود بالفروج، فوجه تخصيصها بالسؤال ظاهر، ~~لأنه ما يشهد به الفرج من الزنا أعظم قبحا، وأجلب للخزي والعقوبة، وقد ~~قدمنا وجه إفراد السمع، وجمع الأبصار { قالوا أنطقنا الله ~~الذى أنطق كل شىء } أي أنطق كل شيء مما ينطق من مخلوقاته، ~~فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح. # وقيل المعنى ما نطقنا باختيارنا، بل أنطقنا الله، والأول أولى { وهو ~~خلقكم أول مرة وإليه ترجعون } قيل هذا من تمام ~~كلام الجلود. وقيل مستأنف من كلام الله، والمعنى أن من قدر على خلقكم، ~~وإنشائكم ابتداء قدر على إعادتكم، ورجعكم إليه. { وما كنتم ~~تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصركم ~~ولا جلودكم } هذا ms3429 تقريع لهم، وتوبيخ من جهة الله سبحانه، أو من ~~كلام الجلود، أي ما كنتم تستخفون عند الأعمال القبيحة حذرا من شهادة ~~الجوارح عليكم، ولما كان الإنسان لا يقدر على أن يستخفي من جوارحه عند ~~مباشرة المعصية كان معنى الاستخفاء هنا ترك المعصية. وقيل معنى الاستتار ~~الاتقاء، أي ما كنتم تتقون في الدنيا أن تشهد عليكم جوارحكم في الآخرة، ~~فتتركوا المعاصي خوفا من هذه الشهادة و «أن» في قوله { أن تشهد } ~~في محل نصب على العلة، أي لأجل أن تشهد، أو مخافة أن تشهد. وقيل منصوبة ~~بنزع الخافض، وهو الباء أو عن أو من. وقيل إن الاستتار مضمن معنى الظن، ~~أي وما كنتم تظنون أن تشهد، وهو بعيد { ولكن ظننتم أن ~~الله لا يعلم كثيرا مما تعلمون } من المعاصي، ~~فاجترأتم على فعلها. قيل كان الكفار يقولون إن الله لا يعلم ما في ~~أنفسنا، ولكن يعلم ما نظهر دون ما نسر. قال قتادة الظن هنا بمعنى العلم ~~وقيل أريد بالظن معنى مجازي يعم معناه الحقيقي، وما هو فوقه من العلم، ~~والإشارة بقوله { ذلكم } إلى ما ذكر من ظنهم، وهو مبتدأ وخبره { ~~ظنكم الذى ظننتم بربكم } ، وقوله { أرداكم } خبر ~~آخر للمبتدأ. وقيل إن أرداكم في محل نصب على الحال المقدرة. # وقيل إن ظنكم بدل من ذلكم، والذي ظننتم خبره، وأرداكم خبر آخر، أو حال، ~~وقيل إن ظنكم خبر أول، والموصول وصلته خبر ثان، وأرداكم خبر ثالث، ~~والمعنى أن ظنكم بأن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون أهلككم، وطرحكم في ~~النار { فأصبحتم من الخسرين } أي الكاملين في الخسران. ~~ثم أخبر عن حالهم، فقال { فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ~~} أي فإن يصبروا على النار، فالنار مثواهم، أي محل استقرارهم، وإقامتهم ~~لا خروج لهم منها. وقيل المعنى فإن يصبروا في الدنيا على أعمال أهل ~~النار، فالنار مثوى لهم { وإن يستعتبوا فما هم من ~~المعتبين } يقال أعتبني فلان، أي أرضاني بعد إسخاطه إياي، ~~واستعتبته طلبت منه أن يرضى، والمعنى أنهم إن يسألوا أن يرجع بهم إلى ما ms3430 ~~يحبون لم يرجع، لأنهم لا يستحقون ذلك. قال الخليل تقول استعبته، فأعتبني، ~~أي استرضيته، فأرضاني، ومعنى الآية إن يطلبوا الرضى لم يقع الرضى عنهم، ~~بل لا بد لهم من النار. قرأ الجمهور { يستعتبوا } بفتح التحتية، وكسر ~~التاء الفوقية الثانية مبنيا للفاعل. وقرءوا { من المعتبين } بفتح ~~الفوقية اسم مفعول، وقرأ الحسن، وعبيد بن عمير، وأبو العالية يستعتبوا ~~مبنيا للمفعول فما هم من المعتبين اسم فاعل، أي إنهم إن أقالهم الله، ~~وردهم إلى الدنيا لم يعملوا بطاعته كما في قوله سبحانه # ولو ردوا لعدوا لما نهوا عنه # الأنعام 28. وقد أخرج الطبراني عن ابن عباس في قوله { فهم يوزعون ~~} قال يحبس أولهم على آخرهم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في ~~الآية قال يدفعون. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن مسعود قال كنت ~~مستترا بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر قرشي وثقفيان، أو ثقفي وقرشيان، ~~كثير لحم بطونهم قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم ~~أترون أن الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخران إنا إذا رفعنا أصواتنا ~~سمعه، وإنا إذا لم نرفعه لم يسمعه، فقال الآخران إن سمع منه شيئا سمعه ~~كله قال فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله { وما كنتم ~~تستترون أن يشهد عليكم سمعكم } إلى قوله { من ~~الخسرين }. وأخرج عبد الرزاق، وأحمد، والنسائي، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث عن معاوية بن حيدة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " تحشرون ها هنا، وأومأ بيده إلى الشام، مشاة وركبانا، وعلى وجوهكم، ~~وتعرضون على الله، وعلى أفواهكم الفدام، وأول ما يعرب عن أحدكم، فخذه ~~وكتفه " # وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم " { وما كنتم تستترون أن ~~يشهد عليكم سمعكم ولا أبصركم ولا جلودكم ~~} ». وأخرج أحمد، وأبو داود الطيالسي، وعبد بن حميد، ومسلم، وأبو داود، ~~وابن ماجه، وابن حبان، وابن مردويه عن جابر قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى، فإن قوما قد ms3431 أرداهم ~~سوء ظنهم بالله، فقال الله { وذلكم ظنكم الذى ظننتم ~~بربكم أرداكم فأصبحتم من الخسرين } ". ### || [41.25-36] # قوله { وقيضنا لهم قرناء } أي هيأنا قرناء من الشياطين. ~~وقال الزجاج سببنا لهم قرناء حتى أضلوهم. وقيل سلطنا عليهم قرناء. وقيل ~~قدرنا، والمعاني متقاربة، وأصل التقييض التيسير، والتهيئة، والقرناء جمع ~~قرين، وهم الشياطين، جعلهم بمنزلة الأخلاء لهم. وقيل إن الله قيض لهم ~~قرناء في النار، والأولى أن ذلك في الدنيا لقوله { فزينوا لهم ~~ما بين أيديهم وما خلفهم } فإن المعنى زينوا لهم ما بين ~~أيديهم من أمور الدنيا وشهواتها، وحملوهم على الوقوع في معاصي الله ~~بانهماكهم فيها، وزينوا لهم ما خلفهم من أمور الآخرة، فقالوا لا بعث، ولا ~~حساب، ولا جنة، ولا نار. وقال الزجاج ما بين أيديهم ما عملوه، وما خلفهم ~~ما عزموا على أن يعملوه. وروي عن الزجاج أيضا، أنه قال ما بين أيديهم من ~~أمر الآخرة أنه لا بعث، ولا جنة، ولا نار، وما خلفهم من أمر الدنيا { ~~وحق عليهم القول } أي وجب، وثبت عليهم العذاب، وهو قوله ~~سبحانه # لأملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين # ص 85 و { فى أمم } في محل نصب على الحال من الضمير في عليهم، ~~والمعنى كائنين في جملة أمم. وقيل في بمعنى مع، أي مع أمم من الأمم ~~الكافرة التي { قد خلت } ومضت { من قبلهم من الجن ~~والإنس } على الكفر، وجملة { إنهم كانوا خسرين } تعليل ~~لاستحقاقهم العذاب. { وقال الذين كفروا لا تسمعوا ~~لهذا القرءان } أي قال بعضهم لبعض لا تسمعوه، ولا تنصتوا له. ~~وقيل معنى لا تسمعوا لا تطيعوا، يقال سمعت لك، أي أطعتك { والغوا ~~فيه } أي عارضوه باللغو والباطل، أو ارفعوا أصواتكم ليتشوش القارىء له. ~~وقال مجاهد الغوا فيه بالمكاء، والتصدية، والتصفيق، والتخليط في الكلام ~~حتى يصير لغوا. وقال الضحاك أكثروا الكلام ليختلط عليه ما يقول. وقال ~~أبو العالية قعوا فيه، وعيبوه. قرأ الجمهور { والغوا } بفتح الغين، من ~~لغا إذا تكلم باللغو، وهو ما لا فائدة فيه، أو من لغى بالفتح يلغى بالفتح ~~أيضا ms3432 كما حكاه الأخفش، وقرأ عيسى بن عمر، والجحدري، وابن أبي إسحاق، ~~وأبو حيوة، وبكر بن حبيب السهمي، وقتادة، والسماك، والزعفراني بضم الغين. ~~وقد تقدم الكلام في اللغو في سورة البقرة { لعلكم تغلبون } ~~أي لكي تغلبوهم، فيسكتوا. ثم توعدهم سبحانه على ذلك، فقال { ~~فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا } ، وهذا وعيد ~~لجميع الكفار، ويدخل فيهم الذين السياق معهم دخولا أوليا { ~~ولنجزينهم أسوأ الذى كانوا يعملون } أي ~~ولنجزينهم في الآخرة جزاء أقبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا. قال مقاتل ~~وهو الشرك. وقيل المعنى أنه يجازيهم بمساوىء أعمالهم لا بمحاسنها كما يقع ~~منهم من صلة الأرحام، وإكرام الضيف، لأن ذلك باطل لا أجر له مع كفرهم، ~~والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم، وهو مبتدأ وخبره جزاء أعداء ~~الله، أو خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر ذلك، وجملة { جزاء أعداء ~~الله النار } مبينة للجملة التي قبلها، والأول أولى، وتكون النار ~~عطف بيان للجزاء، أو بدلا منه، أو خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ والخبر { ~~لهم فيها دار الخلد }. # وعلى الثلاثة الوجوه الأولى تكون جملة لهم فيها دار الخلد مستأنفة ~~مقررة لما قبلها، ومعنى دار الخلد دار الإقامة المستمرة التي لا انقطاع ~~لها { جزاء أعداء الله النار لهم } أي يجزون جزاء بسبب ~~جحدهم بآيات الله. قال مقاتل يعني القرآن يجحدون أنه من عند الله، وعلى ~~هذا يكون التعبير عن اللغو بالجحود لكونه سببا له، إقامة للسبب مقام ~~المسبب. { وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين ~~أضلنا من الجن والإنس } قالوا هذا وهم في النار، وذكره ~~بلفظ الماضي تنبيها على تحقق وقوعه، والمراد أنهم طلبوا من الله سبحانه ~~أن يريهم من أضلهم من فريق الجن، والإنس من الشياطين الذين كانوا يسولون ~~لهم، ويحملونهم على المعاصي، ومن الرؤساء الذين كانوا يزينون لهم الكفر. ~~وقيل المراد إبليس، وقابيل لأنهما سنا المعصية لبني آدم. قرأ الجمهور { ~~أرنا } بكسر الراء. وقرأ ابن محيصن، والسوسي عن أبي عمرو، وابن عامر ~~بسكون الراء، وبها قرأ أبو بكر، والمفضل، وهما لغتان بمعنى واحد. وقال ~~الخليل إذا قلت ms3433 أرني ثوبك بالكسر، فمعناه بصرنيه، وبالسكون أعطنيه { ~~نجعلهما تحت أقدامنا } أي ندسهما بأقدامنا، لنشتفي منهم. ~~وقيل نجعلهم أسفل منا في النار { ليكونا من الأسفلين } فيها ~~مكانا، أو ليكونا من الأذلين المهانين. وقيل ليكونوا أشد عذابا منا. ثم ~~لما ذكر عقاب الكافرين، وما أعده لهم ذكر حال المؤمنين، وما أنعم عليهم ~~به، فقال { إن الذين قالوا ربنا الله } أي وحده لا شريك ~~له { ثم استقموا } على التوحيد، ولم يلتفتوا إلى إلاه غير ~~الله. قال جماعة من الصحابة، والتابعين معنى الاستقامة إخلاص العمل لله. ~~وقال قتادة، وابن زيد ثم استقاموا على طاعة الله. وقال الحسن استقاموا ~~على أمر الله، فعملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته. وقال مجاهد، وعكرمة ~~استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى ماتوا. وقال الثوري عملوا ~~على وفاق ما قالوا. وقال الربيع أعرضوا عما سوى الله. وقال الفضيل بن ~~عياض زهدوا في الفانية، ورغبوا في الباقية { تتنزل عليهم ~~الملئكة } من عند الله سبحانه بالبشرى التي يريدونها من جلب نفع، ~~أو دفع ضرر، أو رفع حزن. قال ابن زيد، ومجاهد تتنزل عليهم عند الموت. ~~وقال مقاتل، وقتادة إذا قاموا من قبورهم للبعث. وقال وكيع البشرى في ~~ثلاثة مواطن عند الموت، وفي القبر، وعند البعث { ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا } أن هي المخففة، أو المفسرة، أو الناصبة، و «لا» على ~~الوجهين الأولين ناهية، وعلى الثالث نافية، والمعنى لا تخافوا مما ~~تقدمون عليه من أمور الآخرة، ولا تحزنوا على ما فاتكم من أمور الدنيا من ~~أهل، وولد، ومال. # قال مجاهد لا تخافوا الموت، ولا تحزنوا على أولادكم، فإن الله خليفتكم ~~عليهم. وقال عطاء لا تخافوا رد ثوابكم، فإنه مقبول، ولا تحزنوا على ~~ذنوبكم، فإني أغفرها لكم. والظاهر عدم تخصيص تنزل الملائكة عليهم بوقت ~~معين، وعدم تقييد نفي الخوف، والحزن بحالة مخصوصة كما يشعر به حذف ~~المتعلق في الجميع { وأبشروا بالجنة التى كنتم ~~توعدون } بها في الدنيا، فإنكم واصلون إليها مستقرون بها خالدون في ~~نعيمها. ثم بشرهم سبحانه بما هو أعظم من ذلك كله، ms3434 فقال { نحن ~~أولياؤكم فى الحيوة الدنيا وفى الأخرة } أي نحن ~~المتولون لحفظكم، ومعونتكم في أمور الدنيا، وأمور الآخرة، ومن كان الله ~~وليه فاز بكل مطلب، ونجا من كل مخافة. وقيل إن هذا من قول الملائكة. ~~قال مجاهد يقولون لهم نحن قرناؤكم الذين كنا معكم في الدنيا، فإذا كان ~~يوم القيامة قالوا لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة. وقال السدي نحن الحفظة ~~لأعمالكم في الدنيا، وأولياؤكم في الآخرة. وقيل إنهم يشفعون لهم في ~~الآخرة، ويتلقونهم بالكرامة { ولكم فيها ما تشتهى أنفسكم ~~} من صنوف اللذات، وأنواع النعم { ولكم فيها ما تدعون } أي ~~ما تتمنون، افتعال من الدعاء بمعنى الطلب، وقد تقدم بيان معنى هذا في ~~قوله # ولهم ما يدعون # يس 57 مستوفى، والفرق بين الجملتين أن الأولى باعتبار شهوات أنفسهم، ~~والثانية باعتبار ما يطلبونه أعم من أن يكون مما تشتهيه أنفسهم أولا. ~~وقال الرازي الأقرب عندي أن قوله { ولكم فيها ما تشتهى ~~أنفسكم } إشارة إلى الجنة الروحانية المذكورة في قوله # دعوهم فيها سبحنك اللهم # يونس 10 الآية، وانتصاب { نزلا من غفور رحيم } على الحال من ~~الموصول، أو من عائده، أو من فاعل تدعون، أو هو مصدر مؤكد لفعل محذوف، ~~أي أنزلناه نزلا، والنزل ما يعد لهم حال نزولهم من الرزق، والضيافة، ~~وقد تقدم تحقيقه في سورة آل عمران. { ومن أحسن قولا ممن ~~دعا إلى الله } أي إلى توحيد الله، وطاعته. قال الحسن هو المؤمن ~~أجاب الله دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من طاعته { وعمل ~~صلحا } في إجابته { وقال إننى من المسلمين } لربي. ~~وقال ابن سيرين، والسدي، وابن زيد هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وروي هذا أيضا عن الحسن. وقال عكرمة، وقيس بن أبي حازم، ومجاهد نزلت في ~~المؤذنين. ويجاب عن هذا بأن الآية مكية، والأذان إنما شرع بالمدينة. ~~والأولى حمل الآية على العموم كما يقتضيه اللفظ، ويدخل فيها من كان سببا ~~لنزولها دخولا أوليا، فكل من جمع بين دعاء العباد إلى ما شرعه الله، ~~وعمل عملا صالحا، وهو ms3435 تأدية ما فرضه الله عليه مع اجتناب ما حرمه عليه، ~~وكان من المسلمين دينا لا من غيرهم، فلا شيء أحسن منه، ولا أوضح من ~~طريقته، ولا أكثر ثوابا من عمله. # ثم بين سبحانه الفرق بين محاسن الأعمال، ومساويها، فقال { ولا ~~تستوى الحسنة ولا السيئة } أي لا تستوي الحسنة التي يرضى ~~الله بها، ويثيب عليها، ولا السيئة التي يكرهها الله، ويعاقب عليها، ولا ~~وجه لتخصيص الحسنة بنوع من أنواع الطاعات، وتخصيص السيئة بنوع من أنواع ~~المعاصي، فإن اللفظ أوسع من ذلك. وقيل الحسنة التوحيد، والسيئة الشرك. ~~وقيل الحسنة المداراة، والسيئة الغلظة. وقيل الحسنة العفو، والسيئة ~~الانتصار. وقيل الحسنة العلم، والسيئة الفحش. قال الفراء «لا» في قوله، { ~~ولا السيئة } زائدة { ادفع بالتى هى أحسن } أي ادفع السيئة ~~إذا جاءتك من المسيء بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات، ومنه مقابلة ~~الإساءة بالإحسان، والذنب بالعفو، والغضب بالصبر، والإغضاء عن الهفوات، ~~والاحتمال للمكروهات. وقال مجاهد، وعطاء بالتي هي أحسن يعني بالسلام إذا ~~لقي من يعاديه. وقيل بالمصافحة عند التلاقي { فإذا الذى بينك ~~وبينه عداوة كأنه ولى حميم } هذه هي الفائدة ~~الحاصلة من الدفع بالتي هي أحسن، والمعنى أنك إذا فعلت ذلك الدفع صار ~~العدو كالصديق، والبعيد عنك كالقريب منك. وقال مقاتل نزلت في أبي سفيان ~~بن حرب كان معاديا للنبي صلى الله عليه وسلم، فصار له وليا بالمصاهرة ~~التي وقعت بينه وبينه، ثم أسلم، فصار وليا في الإسلام حميما بالصهارة. ~~وقيل غير ذلك، والأولى حمل الآية على العموم. { وما يلقاها إلا ~~الذين صبروا } قال الزجاج ما يلقى هذه الفعلة، وهذه الحالة، وهي ~~دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا على كظم الغيظ، واحتمال المكروه { ~~وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } في الثواب والخير. وقال ~~قتادة الحظ العظيم الجنة، أي ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة. وقيل ~~الضمير في يلقاها عائد إلى الجنة. وقيل راجع إلى كلمة التوحيد. قرأ ~~الجمهور { يلقاها } من التلقية، وقرأ طلحة بن مصرف، وابن كثير في رواية ~~عنه يلاقاها من الملاقاة، ms3436 ثم أمره سبحانه بالاستعاذة من الشيطان، فقال { ~~وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ بالله ~~} النزغ شبيه النخس شبه به الوسوسة، لأنها تبعث على الشر والمعنى وإن ~~صرفك الشيطان عن شيء مما شرعه الله لك، أو عن الدفع بالتي هي أحسن، ~~فاستعذ بالله من شره، وجعل النزغ نازغا على المجاز العقلي كقولهم جد ~~جده، وجملة { إنه هو السميع العليم } تعليل لما قبلها، أي ~~السميع لكل ما يسمع، والعليم بكل ما يعلم، ومن كان كذلك، فهو يعيذ من ~~استعاذ به. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وهو بمكة إذا قرأ القرآن يرفع صوته، فكان المشركون يطردون الناس ~~عنه، ويقولون { لا تسمعوا لهذا القرءان والغوا فيه ~~لعلكم تغلبون } وكان إذا أخفى قراءته لم يسمع من يحب أن يسمع ~~القرآن، فأنزل الله # ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها # الإسراء 110. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، وابن عساكر عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن قوله { ربنا ~~أرنا اللذين أضلنا من الجن والإنس } قال هو ابن ~~آدم الذي قتل أخاه، وإبليس. وأخرج الترمذي، والنسائي، والبزار، وأبو ~~يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن مردويه عن أنس قال «قرأ ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { إن الذين ~~قالوا ربنا الله ثم استقموا } قال قد قالها ناس من ~~الناس، ثم كفر أكثرهم، فمن قالها حين يموت، فهو ممن استقام عليها». وأخرج ~~ابن المبارك، وعبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، ومسدد، وابن سعد، ~~وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن ~~عمران، عن أبي بكر الصديق في قوله { إن الذين قالوا ربنا ~~الله ثم استقموا } قال الاستقامة أن لا يشركوا بالله شيئا. ~~وأخرج ابن راهويه، وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية ms3437 من طريق الأسود بن هلال ~~عن أبي بكر الصديق أنه قال ما تقولون في هاتين الآيتين { إن الذين ~~قالوا ربنا الله ثم استقموا } ، و # الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمنهم بظلم # الأنعام 82؟ قالوا الذين قالوا ربنا الله، ثم عملوا بها، واستقاموا على ~~أمره، فلم يذنبوا، ولم يلبسوا إيمانهم بظلم لم يذنبوا، قال لقد حملتموهما ~~على أمر شديد { الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمنهم ~~بظلم } يقول بشرك، والذين قالوا ربنا الله، ثم استقاموا، فلم يرجعوا ~~إلى عبادة الأوثان. وأخرج ابن مردويه عن بعض الصحابة ثم استقاموا على ~~فرائض الله. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس { ثم ~~استقموا } قال على شهادة أن لا إله إلا الله. وأخرج ابن ~~المبارك، وسعيد بن منصور، وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد، والحكيم ~~الترمذي، وابن المنذر عن عمر بن الخطاب { إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقموا } قال استقاموا بطاعة الله، ولم ~~يروغوا روغان الثعلب. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، والبخاري في ~~تاريخه، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، عن سفيان ~~الثقفي، أن رجلا قال يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه ~~أحدا بعدك، قال قل آمنت بالله، ثم استقم، قلت فما أتقي؟ فآوى إلى لسانه. # قال الترمذي حسن صحيح. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه ~~عن عائشة في قوله { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله ~~} قالت المؤذن { وعمل صلحا } قالت ركعتان فيما بين الأذان، ~~والإقامة. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر، وابن مردويه من ~~وجه آخر عنها قالت ما أرى هذه الآية نزلت إلا في المؤذنين. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ~~{ ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتى هى ~~أحسن } قال أمر المسلمين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو ~~عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم { ~~كأنه ولى حميم }. وأخرج ابن مردويه عنه { ادفع بالتى ~~هى أحسن ms3438 } قال القه بالسلام، فإذا الذي بينك، وبينه عداوة كأنه ~~ولي حميم. وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله { وما يلقاها إلا ~~الذين صبروا } قال الرجل يشتمه أخوه، فيقول إن كنت صادقا، فغفر ~~الله لي، وإن كنت كاذبا، فغفر الله لك. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما ~~عن سليمان بن صرد قال استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فاشتد ~~غضب أحدهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الغضب أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ~~" # فقال الرجل أمجنون تراني؟، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ بالله ~~من الشيطن الرجيم } ». ### || [41.37-44] # شرع سبحانه في بيان بعض آياته البديعة الدالة على كمال قدرته، وقوة ~~تصرفه للاستدلال بها على توحيده، فقال { ومن ءايته اليل ~~والنهار والشمس والقمر } ، ثم لما بين أن ذلك من آياته ~~نهاهم عن عبادة الشمس، والقمر، وأمرهم بأن يسجدوا لله عز وجل، فقال { ~~لا تسجدوا للشمس ولا للقمر } ، لأنهما مخلوقان من ~~مخلوقاته، فلا يصح أن يكونا شريكين له في ربوبيته { واسجدوا لله ~~الذى خلقهن } أي خلق هذه الأربعة المذكورة، لأن جمع ما لا يعقل ~~حكمه حكم جمع الإناث، أو الآيات، أو الشمس، والقمر، لأن الاثنين جمع عند ~~جماعة من الأئمة { إن كنتم إياه تعبدون } قيل كان ناس ~~يسجدون للشمس، والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب، ويزعمون أنهم يقصدون ~~بالسجود لهما السجود لله، فنهوا عن ذلك، فهذا وجه تخصيص ذكر السجود ~~بالنهي عنه. وقيل وجه تخصيصه أنه أقصى مراتب العبادة، وهذه الآية من آيات ~~السجود بلا خلاف، وإنما اختلفوا في موضع السجدة، فقيل موضعه عند قوله { ~~إن كنتم إياه تعبدون } ، لأنه متصل بالأمر، وقيل عند قوله { ~~وهم لا يسئمون } ، لأنه تمام الكلام { فإن استكبروا ~~فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار ~~وهم لا يسئمون } أي إن استكبر هؤلاء عن الامتثال، فالملائكة ~~يديمون التسبيح لله سبحانه بالليل، والنهار، وهم لا يملون، ولا يفترون. { ~~ومن ءايته أنك ترى الأرض خشعة } الخطاب هنا لكل ms3439 ~~من يصلح له، أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والخاشعة اليابسة الجدبة. ~~وقيل الغبراء التي لا تنبت. قال الأزهري إذا يبست الأرض، ولم تمطر قيل قد ~~خشعت { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } أي ~~ماء المطر، ومعنى اهتزت تحركت بالنبات يقال اهتز الإنسان إذا تحرك، ومنه ~~قول الشاعر # تراه كنصل السيف يهتز للندى إذا لم تجد عند امرىء السوء مطعما # ومعنى { ربت } انتفخت، وعلت قبل أن تنبت قاله مجاهد، وغيره، وعلى هذا ~~ففي الكلام تقديم، وتأخير، وتقديره ربت، واهتزت. وقيل الاهتزاز، والربو ~~قد يكونان قبل خروج النبات، وقد يكونان بعده، ومعنى الربو لغة الارتفاع، ~~كما يقال للموضع المرتفع ربوة، ورابية، وقد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى ~~في سورة الحج. وقيل اهتزت استبشرت بالمطر، وربت انتفخت بالنبات. وقرأ أبو ~~جعفر، وخالد وربأت. { إن الذى أحيها لمحى الموتى } ~~بالبعث، والنشور { إنه على كل شىء قدير } لا يعجزه شيء ~~كائنا ما كان. { إن الذين يلحدون فى ءايتنا } أي ~~يميلون عن الحق، والإلحاد الميل، والعدول، ومنه اللحد في القبر، لأنه ~~أميل إلى ناحية منه، يقال ألحد في دين الله، أي مال، وعدل عنه، ويقال ~~لحد، وقد تقدم تفسير الإلحاد. # قال مجاهد معنى الآية يميلون عن الإيمان بالقرآن. وقال مجاهد يميلون عند ~~تلاوة القرآن بالمكاء، والتصدية، واللغو، والغناء. وقال قتادة يكذبون في ~~آياتنا. وقال السدي يعاندون، ويشاقون. وقال ابن زيد يشركون { لا ~~يخفون علينا } بل نحن نعلمهم، فنجازيهم بما يعملون. ثم بين ~~كيفية الجزاء، والتفاوت بين المؤمن، والكافر، فقال { أفمن يلقى ~~فى النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة } هذا ~~الاستفهام للتقرير، والغرض منه التنبيه على أن الملحدين في الآيات يلقون ~~في النار، وأن المؤمنين بها يأتون آمنين يوم القيامة. وظاهر الآية العموم ~~اعتبارا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقيل المراد بمن يلقى في النار أبو ~~جهل، ومن يأتي آمنا النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل حمزة، وقيل عمر بن ~~الخطاب. وقيل أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي { اعملوا ما شئتم ~~إنه بما ms3440 تعملون بصير } هذا أمر تهديد، أي اعملوا من ~~أعمالكم التي تلقيكم في النار ما شئتم إنه بما تعملون بصير، فهو مجازيكم ~~على كل ما تعملون. قال الزجاج لفظه لفظ الأمر، ومعناه الوعيد. { إن ~~الذين كفروا بالذكر لما جاءهم } الجملة مستأنفة مقررة ~~لما قبلها، وخبر إن محذوف، أي إن الذين كفروا بالقرآن لما جاءهم يجازون ~~بكفرهم، أو هالكون، أو يعذبون. وقيل هو قوله { ينادون من مكان ~~بعيد } ، وهذا بعيد، وإن رجحه أبوعمرو بن العلاء. وقال الكسائي إنه ~~سد مسده الخبر السابق، وهو { لا يخفون علينا }. وقيل إن ~~الجملة بدل من الجملة الأولى، وهي الذين يلحدون في آياتنا، وخبر إن هو ~~الخبر السابق { وإنه لكتب عزيز } أي القرآن الذي كانوا ~~يلحدون فيه، أي عزيز عن أن يعارض، أو يطعن فيه الطاعنون، منيع عن كل عيب. ~~ثم وصفه بأنه حق لا سبيل للباطل إليه بوجه من الوجوه، فقال { لا ~~يأتيه البطل من بين يديه ولا من خلفه }. قال ~~الزجاج معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه، فيأتيه الباطل من بين يديه، أو ~~يزاد فيه، فيأتيه الباطل من خلفه، وبه قال قتادة، والسدي. ومعنى الباطل ~~على هذا الزيادة، والنقصان. وقال مقاتل لا يأتيه التكذيب من الكتب التي ~~قبله، ولا يجيء من بعده كتاب فيبطله، وبه قال الكلبي، وسعيد بن جبير. ~~وقيل الباطل هو الشيطان، أي لا يستطيع أن يزيد فيه، ولا ينقص منه.وقيل لا ~~يزاد فيه، ولا ينقص منه، لا من جبريل، ولا من محمد صلى الله عليه وسلم { ~~تنزيل من حكيم حميد } هو خبر مبتدأ محذوف، أو صفة أخرى لكتاب ~~عند من يجوز تقديم غير الصريح من الصفات على الصريح. وقيل إنه الصفة ~~لكتاب، وجملة لا يأتيه معترضة بين الموصوف، والصفة. ثم سلى سبحانه رسوله ~~صلى الله عليه وسلم عن ما كان يتأثر له من أذية الكفار، فقال { ما ~~يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } أي ما ~~يقال لك من هؤلاء الكفار من وصفك بالسحر، والكذب، والجنون إلا مثل ما ms3441 ~~قيل للرسل من قبلك، فإن قومهم كانوا يقولون لهم مثل ما يقول لك هؤلاء. # وقيل المعنى ما يقال لك من التوحيد، وإخلاص العبادة لله إلا ما قد قيل ~~للرسل من قبلك، فإن الشرائع كلها متفقة على ذلك. وقيل هو استفهام، أي أي ~~شيء يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك { إن ربك لذو ~~مغفرة } لمن يستحق مغفرته من الموحدين الذين بايعوك، وبايعوا من ~~قبلك من الأنبياء { وذو عقاب أليم } للكفار المكذبين المعادين ~~لرسل الله، وقيل لذو مغفرة للأنبياء، وذو عقاب لأعدائهم { ولو ~~جعلنه قرءانا أعجميا } أي لو جعلنا هذا القرآن الذي تقرؤه ~~على الناس بغير لغة العرب { لقالوا لولا فصلت ءايته } ~~أي بينت بلغتنا، فإننا عرب لا نفهم لغة العجم، والاستفهام في قوله { ~~ءاعجمى وعربى } للإنكار، وهو من جملة قول المشركين، أي لقالوا ~~أكلام أعجمي، ورسول عربي. والأعجمي الذي لا يفصح سواء كان من العرب، أو ~~من العجم. والأعجم ضد الفصيح وهو الذي لا يبين كلامه، ويقال للحيوان غير ~~الناطق أعجم. قرأ أبو بكر، وحمزة، والكسائي { ءأعجمي } بهمزتين محققتين. ~~وقرأ الحسن، وأبو العالية، ونصر بن عاصم، وهشام بهمزة واحدة على الخبر، ~~وقرأ الباقون بتسهيل الثانية بين بين. وقيل المراد هلا فصلت آياته، فجعل ~~بعضها أعجميا لإفهام العجم، وبعضها عربيا لإفهام العرب. ثم أمر الله ~~سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم، فقال { قل هو للذين ~~ءامنوا هدى وشفاء } أي يهتدون به إلى الحق، ويشتفون به من كل شك، ~~وشبهة، ومن الأسقام، والآلام { والذين لا يؤمنون فى ~~ءاذانهم وقر } أي صمم عن سماعه، وفهم معانيه، ولهذا تواصوا باللغو ~~فيه { وهو عليهم عمى } قال قتادة عموا عن القرآن، وصموا عنه. ~~وقال السدي عميت قلوبهم عنه، والمعنى وهو عليهم ذو عمى، أو وصف بالمصدر ~~للمبالغة، والموصول في قوله { والذين لا يؤمنون } مبتدأ، ~~وخبره { في آذانهم وقر } ، أو الموصول الثاني عطف على الموصول ~~الأول، ووقر عطف على هدى عند من جوز العطف على عاملين مختلفين، ~~والتقدير هو للأولين هدى، وشفاء، وللآخرين، ms3442 وقر في آذانهم. قرأ الجمهور ~~{ عمى } بفتح الميم منونة على أنه مصدر، وقرأ ابن عباس، وعبد الله بن ~~الزبير، وعمرو بن العاص، وابن عمر بكسرالميم منونة على أنه اسم منقوص ~~على أنه وصف به مجازا. وقرأ عمرو بن دينار بكسر الميم، وفتح الياء على ~~أنه فعل ماض، واختار أبو عبيدة القراءة الأولى لقوله أولا «هدى وشفاء»، ~~ولم يقل هاد، وشاف. # وقيل المعنى والوقر عليهم عمى، والإشارة بقوله { أولئك } إلى ~~الذين لا يؤمنون، وما في حيزه، وخبره { ينادون من مكان بعيد ~~} مثل حالهم باعتبار عدم فهمهم للقرآن بحال من ينادي من مسافة بعيدة لا ~~يسمع صوت من يناديه منها. قال الفراء تقول للرجل الذي لا يفهم كلامك أنت ~~تنادي من مكان بعيد. وقال الضحاك ينادون يوم القيامة بأقبح أسمائهم من ~~مكان بعيد. وقال مجاهد من مكان بعيد من قلوبهم. وقد أخرج ابن أبي شيبة، ~~والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه ~~كان يسجد بآخر الآيتين من حم السجدة، وكان ابن مسعود يسجد بالأولى ~~منهما. وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة من طريق نافع عن ابن عمر أنه كان ~~يسجد بالأولى. وأخرج سعيد بن منصور عنه أنه كان يسجد في الآية الأخيرة. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إن الذين يلحدون ~~فى ءايتنا } قال هو أن يضع الكلام على غير موضعه. وأخرج ابن مردويه ~~عنه في قوله { أفمن يلقى فى النار } قال أبو جهل بن هشام { ~~أم من يأتي آمنا يوم القيامة } قال أبو بكر الصديق. ~~وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن عساكر عن بشير بن ~~تميم قال نزلت هذه الآية في أبي جهم، وعمار بن ياسر. وأخرج ابن عساكر عن ~~عكرمة مثله. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله { اعملوا ما ~~شئتم } قال هذا لأهل بدر خاصة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ~~ابن عباس في قوله { ولو جعلنه قرءانا أعجميا } الآية ~~يقول لو جعلنا القرآن ms3443 أعجميا، ولسانك يا محمد عربي لقالوا أعجمي، ~~وعربي تأتينا به مختلفا، أو مختلطا { لولا فصلت ءايته } ~~هلا بينت آياته، فكان القرآن مثل اللسان. يقول فلم نفعل لئلا يقولوا، ~~فكانت حجة عليهم. ### || [41.45-54] # قوله { ولقد ءاتينا موسى الكتب فاختلف فيه } هذا ~~كلام مستأنف يتضمن تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يحصل له ~~من الاغتمام بكفر قومه، وطعنهم في القرآن، فأخبره أن هذا عادة قديمة في ~~أمم الرسل، فإنهم يختلفون في الكتب المنزلة إليهم، والمراد بالكتاب ~~التوراة، والضمير من قوله { فيه } راجع إليه. وقيل يرجع إلى موسى، ~~والأول أولى { ولولا كلمة سبقت من ربك } في تأخير ~~العذاب عن المكذبين من أمتك كما في قوله # ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى # النحل 61 { لقضي بينهم } بتعجيل العذاب لمن كذب منهم { ~~وإنهم لفى شك منه مريب } أي من كتابك المنزل عليك، وهو ~~القرآن، ومعنى الشك المريب الموقع في الريبة، أو الشديد الريبة. وقيل إن ~~المراد اليهود، وأنهم في شك من التوراة مريب، والأول أولى { من ~~عمل صلحا فلنفسه } أي من أطاع الله، وآمن برسوله، ولم ~~يكذبهم، فثواب ذلك راجع إليه، ونفعه خاص به { ومن أساء ~~فعليها } أي عقاب إساءته عليه لا على غيره { وما ربك ~~بظلم للعبيد } ، فلا يعذب أحدا إلا بذنبه، ولا يقع منه ~~الظلم لأحد كما في قوله سبحانه # إن الله لا يظلم الناس شيئا # يونس 44 وقد تقدم الكلام على معنى هذه الآية في سورة آل عمران عند قوله # وأن الله ليس بظلم للعبيد # آل عمران 182، وفي سورة الأنفال أيضا. ثم أخبر سبحانه أن علم القيامة، ~~ووقت قيامها لا يعلمه غيره، فقال { إليه يرد علم الساعة } ~~، فإذا وقع السؤال عنها وجب على المسئول أن يرد علمها إليه لا إلى غيره، ~~وقد روي أن المشركين قالوا يا محمد إن كنت نبيا، فخبرنا متى تقوم ~~الساعة؟ فنزلت. و { ما } في قوله { وما تخرج من ثمرت من ~~أكمامها } نافية، و { من } الأولى للاستغراق، و { من } الثانية ~~لابتداء الغاية. وقيل هي موصولة في ms3444 محل جر عطفا على الساعة، أي علم ~~الساعة، وعلم التي تخرج، والأول أولى. والأكمام جمع كم بكسر الكاف، وهو ~~وعاء الثمرة، ويطلق على كل ظرف لمال، أو غيره. قال أبو عبيدة أكمامها ~~أوعيتها، وهي ما كانت فيه الثمرة، واحدها كم، وكمة. قال الراغب الكم ما ~~يغطي اليد من القميص، وما يغطي الثمرة، وجمعه أكمام، وهذا يدل على أن ~~الكم بضم الكاف، لأنه جعله مشتركا بين كم القميص، وكم الثمرة، ولا ~~خلاف في كم القميص أنه بالضم. ويمكن أن يقال إن في الكم الذي هو وعاء ~~الثمر لغتين. وقرأ الجمهور من ثمرة بالإفراد، وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص ~~بالجمع { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } ~~أي ما تحمل أنثى حملا في بطنها، ولا تضع ذلك الحمل إلا بعلم الله ~~سبحانه، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي ما يحدث شيء من خروج ثمرة، ~~ولا حمل حامل، ولا وضع واضع في حال من الأحوال إلا كائنا بعلم الله، ~~فإليه يرد علم الساعة كما إليه يرد علم هذه الأمور { ويوم ~~يناديهم } أي ينادي الله سبحانه المشركين، وذلك يوم القيامة، فيقول ~~لهم { أين شركائى } الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي في الدنيا من ~~الأصنام، وغيرها، فادعوهم الآن، فليشفعوا لكم، أو يدفعوا عنكم العذاب، ~~وهذا على طريقة التهكم بهم. # قرأ الجمهور { شركائي } ، بسكون الياء، وقرأ ابن كثير بفتحها، والعامل ~~في يوم محذوف، أي اذكر { قالوا ءاذناك ما منا من شهيد } ~~يقال آذن يأذن إذا أعلم، ومنه قول الشاعر # آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء # والمعنى أعلمناك ما منا أحد يشهد بأن لك شريكا، وذلك أنهم لما عاينوا ~~القيامة تبرءوا من الشركاء، وتبرأت منهم تلك الأصنام التي كانوا ~~يعبدونها. وقيل إن القائل بهذا هي المعبودات التي كانوا يعبدونها، أي ما ~~منا من شهيد يشهد لهم بأنهم كانوا محقين، والأول أولى { وضل عنهم ~~ما كانوا يدعون من قبل } أي زال، وبطل في الآخرة ما كانوا ~~يعبدون في الدنيا من الأصنام، ونحوها { وظنوا ما لهم من ms3445 ~~محيص } أي أيقنوا، وعلموا أنه لا محيص لهم، يقال حاص يحيص حيصا إذا ~~هرب. وقيل الظن على معناه الحقيقي لأنه بقي لهم في تلك الحال ظن، ~~ورجاء، والأول أولى. ثم ذكر سبحانه بعض أحوال الإنسان، فقال { لا ~~يسئم الانسن من دعاء الخير } أي لا يمل من دعاء الخير ~~لنفسه، وجلبه إليه، والخير هنا المال، والصحة، والسلطان، والرفعة. قال ~~السدي والإنسان هنا يراد به الكافر. وقيل الوليد بن المغيرة. وقيل عتبة، ~~وشيبة ابنا ربيعة، وأمية بن خلف. والأولى حمل الآية على العموم باعتبار ~~الغالب، فلا ينافيه خروج خلص العباد. وقرأ عبد الله بن مسعود لا يسأم ~~الإنسان من دعاء المال { وإن مسه الشر فيئوس قنوط } أي ~~وإن مسه البلاء، والشدة، والفقر، والمرض، فيئوس من روح الله قنوط من ~~رحمته. وقيل يئوس من إجابة دعائه قنوط بسوء الظن بربه. وقيل يئوس من ~~زوال ما به من المكروه قنوط بما يحصل له من ظن دوامه، وهما صيغتا مبالغة ~~يدلان على أنه شديد اليأس عظيم القنوط. { ولئن أذقنه رحمة ~~منا من بعد ضراء مسته } أي ولئن آتيناه خيرا، وعافية، ~~وغنى من بعد شدة، ومرض، وفقر { ليقولن هذا لى } أي هذا شيء ~~أستحقه على الله لرضاه بعملي، فظن أن تلك النعمة التي صار فيها، وصلت ~~إليه باستحقاقه لها، ولم يعلم أن الله يبتلي عباده بالخير والشر، ليتبين ~~له الشاكر من الجاحد، والصابر من الجزع. # قال مجاهد معناه هذا بعملي، وأنا محقوق به { وما أظن الساعة ~~قائمة } أي ما أظنها تقوم كما يخبرنا به الأنبياء، أو لست على يقين ~~من البعث، وهذا خاص بالكافرين، والمنافقين، فيكون المراد، بالإنسان ~~المذكور في صدر الآية الجنس باعتبار غالب أفراده، لأن اليأس من رحمة ~~الله، والقنوط من خيره، والشك في البعث لا يكون إلا من الكافرين، أو ~~المتزلزلين في الدين المتظهرين بالإسلام المبطنين للكفر { ولئن ~~رجعت إلى ربى } على تقدير صدق ما يخبرنا به الأنبياء من قيام ~~الساعة، وحصول البعث، والنشور { إن لى عنده للحسنى } أي ~~للحالة الحسنى من الكرامة، ms3446 فظن أنه استحق خير الدنيا بما فيه من الخير، ~~واستحق خير الآخرة بذلك الذي اعتقده في نفسه، وأثبته لها، وهو اعتقاد ~~باطل، وظن فاسد { فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ~~} أي لنخبرنهم بها يوم القيامة { ولنذيقنهم من عذاب ~~غليظ } شديد بسبب ذنوبهم، واللام هذه، والتي قبلها هي الموطئة للقسم. ~~{ وإذا أنعمنا على الإنسن } أي على هذا الجنس باعتبار ~~غالب أفراده { أعرض } عن الشكر { ونأى بجانبه } أي ترفع عن ~~الانقياد للحق، وتكبر، وتجبر، والجانب هنا مجاز عن النفس، ويقال نأيت، ~~وتناءيت، أي بعدت وتباعدت، والمنتأى الموضع البعيد. ومنه قول النابغة # فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # وقرأ يزيد بن القعقاع وناء بجانبه بالألف قبل الهمزة { وإذا مسه ~~الشر } أي البلاء، والجهد، والفقر، والمرض { فذو دعاء عريض } ~~أي كثير، والعرب تستعمل الطول، والعرض في الكثرة مجازا، يقال أطال فلان ~~في الكلام، وأعرض في الدعاء إذا أكثر، والمعنى أنه إذا مسه الشر تضرع ~~إلى الله، واستغاث به أن يكشف عنه ما نزل به، واستكثر من ذلك، فذكره في ~~الشدة، ونسيه في الرخاء، واستغاث به عند نزول النقمة، وتركه عند حصول ~~النعمة، وهذا صنيع الكافرين، ومن كان غير ثابت القدم من المسلمين، ثم رجع ~~سبحانه إلى مخاطبة الكفار، ومحاجتهم، فقال { قل أرءيتم } أي ~~أخبروني { إن كان من عند الله } أي القرآن { ثم كفرتم ~~به } أي كذبتم به، ولم تقبلوه، ولا عملتم بما فيه { من أضل ~~ممن هو فى شقاق بعيد } أي لا أحد أضل منكم لفرط شقاوتكم، ~~وشدة عداوتكم، والأصل أي شيء أضل منكم، فوضع { ممن هو فى ~~شقاق } موضع الضمير لبيان حالهم في المشاقة، وأنها السبب الأعظم في ~~ضلالهم. { سنريهم ءايتنا فى الأفاق } أي سنريهم دلالات صدق ~~القرآن، وعلامات كونه من عند الله في الآفاق { وفى أنفسهم } ~~الآفاق جمع أفق، وهو الناحية. والأفق بضم الهمزة، والفاء، كذا قال أهل ~~اللغة. # ونقل الراغب أنه يقال أفق بفتحهما، والمعنى سنريهم آياتنا في النواحي، ~~وفي أنفسهم. قال ابن زيد في الآفاق آيات ms3447 السماء، وفي أنفسهم حوادث الأرض. ~~وقال مجاهد في الآفاق فتح القرى التي يسر الله فتحها لرسوله، وللخلفاء من ~~بعده، ونصار دينه في آفاق الدنيا شرقا، وغربا، ومن الظهور على ~~الجبابرة، والأكاسرة، وفي أنفسهم فتح مكة، ورجح هذا ابن جرير. وقال ~~قتادة، والضحاك في الآفاق وقائع الله في الأمم، وفي أنفسهم في يوم بدر. ~~وقال عطاء في الآفاق يعني أقطار السموات، والأرض من الشمس، والقمر، ~~والنجوم، والليل، والنهار، والرياح، والأمطار، والرعد، والبرق، والصواعق، ~~والنبات، والأشجار، والجبال، والبحار، وغير ذلك، وفي أنفسهم من لطيف ~~الصنعة، وبديع الحكمة، كما في قوله # وفى أنفسكم أفلا تبصرون # الذاريات 21 { حتى يتبين لهم أنه الحق } الضمير ~~راجع إلى القرآن. وقيل إلى الإسلام الذي جاءهم به رسول الله. وقيل إلى ما ~~يريهم الله، ويفعل من ذلك. وقيل إلى محمد صلى الله عليه وسلم أنه الرسول ~~الحق من عند الله، والأول أولى { أو لم يكف بربك أنه ~~على كل شىء شهيد } الجملة مسوقة لتوبيخهم، وتقريعهم، و { بربك ~~} في موضع رفع على أنه الفاعل ليكف، والباء زائدة، و { أنه } بدل من ربك، ~~والهمزة للإنكار. والمعنى ألم يغنهم عن الآيات الموعودة المبينة لحقية ~~القرآن أنه سبحانه شهيد على جميع الأشياء. وقيل المعنى أو لم يكف بربك يا ~~محمد أنه شاهد على أعمال الكفار. وقيل أو لم يكف بربك شاهدا على أن ~~القرآن منزل من عنده. والشهيد بمعنى العالم، أو هو بمعنى الشهادة التي هي ~~الحضور. قال الزجاج ومعنى الكناية ها هنا أن الله عز وجل قد بين لهم ما ~~فيه كفاية في الدلالة، والمعنى أو لم يكف ربك أنه على كل شيء شهيد شاهد ~~للأشياء لا يغيب عنه شيء { ألا إنهم فى مرية من لقاء ~~ربهم } أي في شك من البعث، والحساب، والثواب، والعقاب { ألا ~~إنه بكل شىء محيط } أحاط علمه بجميع المعلومات، وأحاطت ~~قدرته بجميع المقدورات، يقال أحاط يحيط إحاطة، وحيطة، وفي هذا وعيد شديد ~~لأن من أحاط بكل شيء بحيث لا يخفى عليه شيء جازى المحسن بإحسانه، والمسيء ms3448 ~~بإساءته. وقد أخرج عبد بن حميد عن قتادة قال في قوله { ولولا ~~كلمة سبقت من ربك } سبق لهم من الله حين، وأجل هم بالغوه. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد في قوله { وما تخرج من ~~ثمرت من أكمامها } قال حين تطلع. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله { ءاذناك } قال أعلمناك. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن المنذر عن عكرمة في قوله { لا يسئم الانسن } قال ~~لا يمل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد في قوله { سنريهم ~~ءايتنا فى الأفاق } قال محمدا صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد ~~الرزاق، وابن المنذر عنه في الآية قال ما يفتح الله من القرى { وفى ~~أنفسهم } قال فتح مكة. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال ~~أمسك المطر عن الأرض كلها { وفى أنفسهم } قال البلايا التي تكون ~~في أجسامهم. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في الآية قال كانوا يسافرون، ~~فيرون آثار عاد، وثمود، فيقولون والله لقد صدق محمد، وما أراهم في أنفسهم ~~قال الأمراض. ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-12] # قوله { حم. عسق } قد تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح، وسئل الحسن بن ~~الفضل لم قطع { حم عسق } ، ولم يقطع { كهيعص } ، فقال لأنها سور ~~أولها { حم } ، فجرت مجرى نظائرها، فكأن { حم } مبتدأ، و { عسق } ~~خبره، ولأنهما عدا آيتين. وأخواتهما مثل { كهيعص } ، و { المر } ، و ~~{ المص } آية واحدة. وقيل لأن أهل التأويل لم يختلفوا في { كهيعص } ، ~~وأخواتها أنها حروف التهجي لا غير، واختلفوا في { حم } ، فقيل معناها ~~حم، أي قضى كما تقدم. وقيل إن " ح " حلمه، و " م " مجده، و " ع " علمه، ~~و " س " سناه، و " ق " قدرته، أقسم الله بها. وقيل غير ذلك مما هو متكلف ~~متعسف لم يدل عليه دليل، ولا جاءت به حجة، ولا شبهة حجة، وقد ذكرنا قبل ~~هذا ما روي في ذلك مما لا أصل له، والحق ما قدمناه لك في فاتحة سورة ~~البقرة. وقيل هما اسمان للسورة. وقيل اسم واحد ms3449 لها، فعلى الأول يكونان ~~خبرين لمبتدأ محذوف، وعلى الثاني يكون خبرا لذلك المبتدأ المحذوف. وقرأ ~~ابن مسعود، وابن عباس حم * سق. { كذلك يوحى إليك وإلى ~~الذين من قبلك الله العزيز الحكيم } هذا كلام مستأنف ~~غير متعلق بما قبله أي مثل ذلك الإيحاء الذي أوحي إلى سائر الأنبياء من ~~كتب الله المنزلة عليهم المشتملة على الدعوة إلى التوحيد، والبعث يوحى ~~إليك يا محمد في هذه السورة. وقيل إن حم عسق، أوحيت إلى من قبله من ~~الأنبياء، فتكون الإشارة بقوله { كذلك } إليها. قرأ الجمهور { يوحي } ~~بكسر الحاء مبنيا للفاعل، وهو الله. وقرأ مجاهد، وابن كثير، وابن محيصن ~~بفتحها مبنيا للمفعول، والقائم مقام الفاعل ضمير مستتر يعود على كذلك، ~~والتقدير مثل ذلك الإيحاء يوحى هو إليك، أو القائم مقام الفاعل إليك، أو ~~الجملة المذكورة أي يوحى إليك هذا اللفظ، أو القرآن، أو مصدر يوحي، ~~وارتفاع الاسم الشريف على أنه فاعل لفعل محذوف كأنه قيل من يوحي؟ فقيل ~~الله العزيز الحكيم. وأما قراءة الجمهور فهي واضحة اللفظ، والمعنى، وقد ~~تقدم مثل هذا في قوله # يسبح له فيها بالغدو والأصال رجال # النور 36، 37، وقرأ أبو حيوة، والأعمش، وأبان «نوحي» بالنون، فيكون قوله ~~{ الله العزيز الحكيم } في محل نصب، والمعنى نوحي إليك هذا ~~اللفظ { له ما في السموات وما في الأرض وهو ~~العلى العظيم } ذكر سبحانه لنفسه هذا الوصف، وهو ملك جميع ما في ~~السماوات، والأرض لدلالته على كمال قدرته، ونفوذ تصرفه في جميع ~~مخلوقاته. { تكاد السموات يتفطرن من فوقهن } قرأ ~~الجمهور { تكاد } بالفوقية، وكذلك تتفطرن قرؤوه بالفوقية مع تشديد الطاء. # وقرأ نافع، والكسائي، وابن وثاب يكاد يتفطرن بالتحتية فيهما، وقرأ أبو ~~عمرو، والمفضل، وأبو بكر، وأبو عبيد يتفطرن بالتحتية، والنون من الانفطار ~~كقوله # إذا السماء انفطرت # الانفطار 1. والتفطر التشقق. قال الضحاك، والسدي يتفطرن يتشققن من عظمة ~~الله، وجلاله من فوقهن. وقيل المعنى تكاد كل واحدة منها تتفطر فوق التي ~~تليها من قول المشركين اتخذ الله ولدا. وقيل من فوقهن من فوق الأرضين، ~~والأول أولى. و " من ms3450 " في { من فوقهن } لابتداء الغاية، أي يبتدىء ~~التفطر من جهة الفوق. وقال الأخفش الصغير إن الضمير يعود إلى جماعات ~~الكفار، أي من فوق جماعات الكفار، وهو بعيد جدا، ووجه تخصيص جهة الفوق ~~أنها أقرب إلى الآيات العظيمة، والمصنوعات الباهرة، أو على طريق المبالغة ~~كأن كلمة الكفار مع كونها جاءت من جهة التحت أثرت في جهة الفوق، فتأثيرها ~~في جهة التحت بالأولى. { والملئكة يسبحون بحمد ~~ربهم } أي ينزهونه عما لا يليق به، ولا يجوز عليه متلبسين بحمده. ~~وقيل إن التسبيح موضوع موضع التعجب، أي يتعجبون من جراءة المشركين على ~~الله. وقيل معنى { بحمد ربهم } بأمر ربهم قاله السدي { ~~ويستغفرون لمن فى الأرض } من عباد الله المؤمنين كما في ~~قوله # ويستغفرون للذين ءامنوا # غافر 7، وقيل الاستغفار منهم بمعنى السعي فيما يستدعي المغفرة لهم، ~~وتأخير عقوبتهم طمعا في إيمان الكافر، وتوبة الفاسق، فتكون الآية عامة ~~كما هو ظاهر اللفظ غير خاصة بالمؤمنين، وإن كانوا داخلين فيها دخولا ~~أوليا { ألا إن الله هو الغفور الرحيم } أي كثير ~~المغفرة والرحمة لأهل طاعته، وأوليائه، أو لجميع عباده، فإن تأخير عقوبة ~~الكفار، والعصاة نوع من أنواع مغفرته، ورحمته. { والذين اتخذوا ~~من دونه أولياء } أي أصناما يعبدونها { الله حفيظ ~~عليهم } أي يحفظ أعمالهم ليجازيهم بها { وما أنت عليهم ~~بوكيل } أي لم يوكلك بهم حتى تؤاخذ بذنوبهم، ولا وكل إليك هدايتهم، ~~وإنما عليك البلاغ. قيل وهذه الآية منسوخة بآية السيف { وكذلك ~~أوحينا إليك قرءانا عربيا } أي مثل ذلك الإيحاء أوحينا ~~إليك، وقرآنا مفعول أوحينا والمعنى أنزلنا عليك قرآنا عربيا بلسان ~~قومك كما أرسلنا كل رسول بلسان قومه { لتنذر أم القرى } ، ~~وهي مكة، والمراد أهلها { ومن حولها } من الناس، والمفعول الثاني ~~محذوف، أي لتنذرهم العذاب { وتنذر يوم الجمع } أي ولتنذر بيوم ~~الجمع وهو يوم القيامة، لأنه مجمع الخلائق. وقيل المراد جمع الأرواح ~~بالأجساد. وقيل جمع الظالم، والمظلوم. وقيل جمع العامل، والعمل { لا ~~ريب فيه } أي لا شك فيه. والجملة معترضة مقررة لما قبلها، أو صفة ~~ليوم الجمع، أو حال منه ms3451 { فريق فى الجنة وفريق فى ~~السعير } قرأ الجمهور برفع { فريق } في الموضعين، إما على أنه مبتدأ، ~~وخبره الجار والمجرور، وشاع الابتداء بالنكرة، لأن المقام مقام تفصيل، أو ~~على أن الخبر مقدر قبله، أي منهم فريق في الجنة، ومنهم فريق في السعير، ~~أو أنه خبر مبتدأ محذوف، وهو ضمير عائد إلى المجموعين المدلول عليهم بذكر ~~الجمع، أي هم فريق في الجنة، وفريق في السعير. # وقرأ زيد بن علي فريقا بالنصب في الموضعين على الحال من جملة محذوفة، ~~أي افترقوا حال كونهم كذلك، وأجاز الفراء، والكسائي النصب على تقدير ~~لتنذر فريقا. { ولو شاء الله لجعلهم أمة وحدة } ~~قال الضحاك أهل دين واحد، إما على هدى، وإما على ضلالة، ولكنهم افترقوا ~~على أديان مختلفة بالمشيئة الأزلية، وهو معنى قوله { ولكن يدخل ~~من يشاء فى رحمته } في الدين الحق وهو الإسلام { ~~والظلمون ما لهم من ولى ولا نصير } أي المشركون ما ~~لهم من ولي يدفع عنهم العذاب، ولا نصير ينصرهم في ذلك المقام، ومثل هذا ~~قوله # ولو شاء الله لجمعهم على الهدى # الأنعام 35، وقوله # ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها # السجدة 13، وها هنا مخاصمات بين المتمذهبين المحامين على ما درج عليه ~~أسلافهم، فدبوا عليه من بعدهم، وليس بنا إلى ذكر شيء من ذلك فائدة كما هو ~~عادتنا في تفسيرنا هذا، فهو تفسير سلفي يمشي مع الحق، ويدور مع مدلولات ~~النظم الشريف، وإنما يعرف ذلك من رسخ قدمه، وتبرأ من التعصب قلبه، ولحمه، ~~ودمه. وجملة { أم اتخذوا من دونه أولياء } مستأنفة مقررة ~~لما قبلها من انتفاء كون للظالمين، وليا، ونصيرا، وأم هذه هي المنقطعة ~~المقدرة ببل المفيدة للانتقال، وبالهمزة المفيدة للإنكار، أي بل أأتخذ ~~الكافرون من دون الله أولياء من الأصنام يعبدونها؟ { فالله هو ~~الولى } أي هو الحقيق بأن يتخذوه وليا، فإنه الخالق الرازق الضار ~~النافع، وقيل الفاء جواب شرط محذوف، أي إن أرادوا أن يتخذوا وليا في ~~الحقيقة فالله هو الولي { وهو } أي ومن شأنه أنه { يحى ~~الموتى وهو على كل شىء قدير } أي ms3452 يقدر على كل مقدور، ~~فهو الحقيق بتخصيصه بالألوهية، وإفراده بالعبادة. { وما اختلفتم ~~فيه من شىء فحكمه إلى الله } هذا عام في كل ما اختلف فيه ~~العباد من أمر الدين، فإن حكمه، ومرجعه إلى الله يحكم فيه يوم القيامة ~~بحكمه، ويفصل خصومة المختصمين فيه، وعند ذلك يظهر المحق من المبطل، ~~ويتميز فريق الجنة، وفريق النار. قال الكلبي وما اختلفتم فيه من شيء، أي ~~من أمر الدين، فحكمه إلى الله يقضي فيه. وقال مقاتل إن أهل مكة كفر بعضهم ~~بالقرآن، وآمن به بعضهم، فنزلت، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ~~ويمكن أن يقال معنى حكمه إلى الله أنه مردود إلى كتابه، فإنه قد اشتمل ~~على الحكم بين عباده فيما يختلفون فيه، فتكون الآية عامة في كل اختلاف ~~يتعلق بأمر الدين أنه يرد إلى كتاب الله. # ومثله قوله # فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول # النساء 59، وقد حكم سبحانه بأن الدين هو الإسلام، وأن القرآن حق، وأن ~~المؤمنين في الجنة، والكافرين في النار، ولكن لما كان الكفار لا يذعنون ~~لكون ذلك حقا إلا في الدار الآخرة، وعدهم الله بذلك يوم القيامة { ~~ذلكم } الحاكم بهذا الحكم { الله ربى عليه توكلت } ~~اعتمدت عليه في جميع أموري، لا على غيره، وفوضته في كل شؤوني { ~~وإليه أنيب } أي أرجع في كل شيء يعرض لي لا إلى غيره. { فاطر ~~السموات والأرض } قرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر آخر لذلكم، ~~أو خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ وخبره ما بعده، أو نعت لربي لأن الإضافة ~~محضة، ويكون { عليه توكلت وإليه أنيب } معترضا بين ~~الصفة، والموصوف. وقرأ زيد بن علي فاطر بالجر على أنه نعت للاسم الشريف ~~في قوله { إلى الله } ، وما بينهما اعتراض، أو بدل من الهاء في عليه ~~أو إليه، وأجاز الكسائي النصب على النداء، وأجازه غيره على المدح. ~~والفاطر الخالق المبدع، وقد تقدم تحقيقه { جعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا } أي خلق لكم من جنسكم نساء، أو المراد حواء ~~لكونها خلقت من ضلع آدم. وقال مجاهد نسلا بعد ms3453 نسل { ومن الأنعم ~~أزوجا } أي وخلق للأنعام من جنسها إناثا، أو وخلق لكم من الأنعام ~~أصنافا من الذكور، والإناث، وهي الثمانية التي ذكرها في الأنعام { ~~يذرؤكم فيه } أي يبثكم، من الذرء وهو البث، أو يخلقكم، وينشئكم، ~~والضمير في يذرؤكم للمخاطبين، والأنعام إلا أنه غلب فيه العقلاء، وضمير ~~فيه راجع إلى الجعل المدلول عليه بالفعل. وقيل راجع إلى ما ذكر من ~~التدبير، وقال الفراء، والزجاج، وابن كيسان معنى يذرؤكم فيه يكثركم به، ~~أي يكثركم بجعلكم أزواجا لأن ذلك سبب النسل. وقال ابن قتيبة يذرؤكم فيه، ~~أي في الزوج. وقيل في البطن. وقيل في الرحم. { ليس كمثله شىء } ~~المراد بذكر المثل هنا المبالغة في النفي بطريق الكناية، فإنه إذا نفى ~~عمن يناسبه كان نفيه عنه أولى كقولهم مثلك لا يبخل، وغيرك لا يجود. وقيل ~~إن الكاف زائدة للتوكيد، أي ليس مثله شيء. وقيل إن مثل زائدة قاله ثعلب، ~~وغيره كما في قوله # فإن ءامنوا بمثل ما ءامنتم به # البقرة 137 أي بما آمنتم به، ومنه قول أوس بن حجر # وقتلى كمثل جذوع النخي ل يغشاهم مطر منهمر # أي كجذوع، والأول أولى، فإن الكناية باب مسلوك للعرب، ومهيع مألوف لهم، ~~ومنه قول الشاعر # ليس كمثل الفتى زهير خلق يوازيه في الفضائل # وقال آخر # على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن بات من ليلى على اليأس طاويا # وقال آخر # سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم فما كمثلهم في الناس من أحد # قال ابن قتيبة العرب تقيم المثل مقام النفس، فتقول مثلي لا يقال له هذا، ~~أي أنا لا يقال لي. وقال أبو البقاء مرجحا لزيادة الكاف إنها لو لم تكن ~~زائدة، لأفضى ذلك إلى المحال، إذ يكون المعنى أن له مثلا، وليس لمثله ~~مثل، وفي ذلك تناقض، لأنه إذا كان له مثل، فلمثله مثل، وهو هو مع أن ~~إثبات المثل لله سبحانه محال، وهذا تقرير حسن، ولكنه يندفع ما أورده بما ~~ذكرنا من كون الكلام خارجا مخرج الكناية، ومن فهم هذه الآية الكريمة حق ms3454 ~~فهمها، وتدبرها حق تدبرها مشى بها عند اختلاف المختلفين في الصفات على ~~طريقة بيضاء واضحة، ويزداد بصيرة إذا تأمل معنى قوله { وهو السميع ~~البصير } ، فإن هذا الإثبات بعد ذلك النفي للماثل قد اشتمل على برد ~~اليقين، وشفاء الصدور، وانثلاج القلوب، فاقدر يا طالب الحق قدر هذه ~~الحجة النيرة، والبرهان القوي، فإنك تحطم بها كثيرا من البدع، وتهشم ~~بها رؤوسا من الضلالة، وترغم بها آناف طوائف من المتكلفين، ولا سيما إذا ~~ضممت إليه قول الله سبحانه # ولا يحيطون به علما # طه 110، فإنك حينئذ قد أخذت بطرفي حبل ما يسمونه علم الكلام، وعلم أصول ~~الدين # ودع عنك نهبا صيح في حجراته ولكن حديث ما حديث الرواحل # { له مقاليد السموات والأرض } أي خزائنهما، أو ~~مفاتيحهما، وقد تقدم تحقيقه في سورة الزمر، وهي جمع إقليد، وهو المفتاح ~~جمع على خلاف القياس. قال النحاس والذي يملك المفاتيح يملك الخزائن. ثم ~~لما ذكر سبحانه أن بيده مقاليد السموات، والأرض ذكر بعده البسط، والقبض، ~~فقال { يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } أي يوسعه لمن يشاء ~~من خلقه، ويضيقه على من يشاء { إنه بكل شىء } من الأشياء { ~~عليم } فلا تخفى عليه خافية، وإحاطة علمه بكل شيء يندرج تحتها علمه ~~بطاعة المطيع، ومعصية العاصي. فهو يجازي كلا بما يستحقه من خير، وشر. ~~وقد أخرج أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~مردويه عن عبد الله بن عمرو، قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وفي يده كتابان، فقال # " أتدرون ما هذان الكتابان؟ " # قلنا لا، إلا أن تخبرنا يا رسول الله، قال للذي في يده اليمنى # " هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ~~ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم " # ثم قال للذي في شماله # " هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل النار، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ~~ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبدا " # فقال أصحابه ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه؟، ms3455 فقال # " سددوا، وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي ~~عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار، وإن عمل أي عمل له " # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه، فنبذهما، ثم قال # " فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة، وفريق في السعير " # قال الترمذي بعد إخراجه حديث حسن صحيح غريب. وروى ابن جرير طرفا منه عن ~~ابن عمرو موقوفا عليه. قال ابن جرير وهذا الموقوف أشبه بالصواب، قلت بل ~~المرفوع أشبه بالصواب. فقد رفعه الثقة، ورفعه زيادة ثابتة من وجه صحيح، ~~ويقوي الرفع ما أخرجه ابن مردويه عن البراء. قال خرج علينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في يده كتاب ينظر فيه قالوا انظروا إليه كيف، وهو ~~أمي لا يقرأ، قال فعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال # " هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة، وأسماء قبائلهم لا يزاد ~~منهم، ولا ينقص منهم " # وقال # " فريق في الجنة، وفريق في السعير فرغ ربكم من أعمال العباد ". ### || [42.13-18] # الخطاب في قوله { شرع لكم من الدين } لأمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، أي بين، وأوضح لكم من الدين { ما وصى به نوحا } من ~~التوحيد، ودين الإسلام، وأصول الشرائع التي لم يختلف فيها الرسل، وتوافقت ~~عليها الكتب { والذى أوحينا إليك } من القرآن، وشرائع ~~الإسلام، والبراءة من الشرك، والتعبير عنه بالموصول لتفخيم شأنه، وخص ما ~~شرعه لنبينا صلى الله عليه وسلم بالإيحاء مع كون ما بعده، وما قبله ~~مذكورا بالتوصية للتصريح برسالته { وما وصينا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى } مما تطابقت عليه الشرائع. ثم بين ما وصى به ~~هؤلاء، فقال { أن أقيموا الدين } أي توحيد الله، والإيمان به، ~~وطاعة رسله، وقبول شرائعه، وأن هي المصدرية، وهي وما بعدها في محل رفع ~~على الخبرية لمبتدأ محذوف، كأنه قيل ما ذلك الذي شرعه الله؟ فقيل هو ~~إقامة الدين، أو هي في محل نصب بدلا من الموصول، أو في محل جر بدلا من ~~الدين، أو هي المفسرة، لأنه قد ms3456 تقدمها ما فيه معنى القول. قال مقاتل يعني ~~أنه شرع لكم، ولمن قبلكم من الأنبياء دينا واحدا. قال مقاتل يعني ~~التوحيد. قال مجاهد لم يبعث الله نبيا قط إلا وصاه بإقامة الصلاة، ~~وإيتاء الزكاة، والإقرار لله بالطاعة، فذلك دينه الذي شرع لهم. وقال ~~قتادة يعني تحليل الحلال، وتحريم الحرام، وخص إبراهيم، وموسى، وعيسى ~~بالذكر مع نبينا صلى الله عليه وسلم لأنهم أرباب الشرائع. ثم لما أمرهم ~~سبحانه بإقامة الدين، نهاهم عن الاختلاف فيه، فقال { ولا ~~تتفرقوا فيه } أي لا تختلفوا في التوحيد، والإيمان بالله، وطاعة ~~رسله، وقبول شرائعه، فإن هذه الأمور قد تطابقت عليها الشرائع، وتوافقت ~~فيها الأديان، فلا ينبغي الخلاف في مثلها، وليس من هذا فروع المسائل التي ~~تختلف فيها الأدلة، وتتعارض فيها الأمارات، وتتباين فيها الأفهام، فإنها ~~من مطارح الاجتهاد، ومواطن الخلاف. ثم ذكر سبحانه أن ما شرعه من الدين ~~شق على المشركين، فقال { كبر على المشركين ما تدعوهم ~~إليه } أي عظم، وشق عليهم ما تدعوهم إليه من التوحيد، ورفض الأوثان. ~~قال قتادة كبر على المشركين، واشتد عليهم شهادة أن لا إله إلا الله ~~وحده، وضاق بها إبليس، وجنوده، فأبى الله إلا أن ينصرها، ويعليها، ~~ويظهرها، ويظفرها على من ناوأها. ثم خص أولياءه، فقال { الله ~~يجتبى إليه من يشاء } أي يختار، والاجتباء الاختيار، والمعنى ~~يختار لتوحيده، والدخول في دينه من يشاء من عباده. { ويهدى إليه ~~من ينيب } أي يوفق لدينه، ويستخلص لعبادته من يرجع إلى طاعته، ويقبل ~~إلى عبادته. ثم لما ذكر سبحانه ما شرعه لهم من إقامة الدين، وعدم التفرق ~~فيه ذكر ما وقع من التفرق، والاختلاف، فقال { وما تفرقوا إلا ~~من بعد ما جاءهم العلم } أي ما تفرقوا إلا عن علم بأن ~~الفرقة ضلالة، ففعلوا ذلك التفرق للبغي بينهم بطلب الرياسة، وشدة ~~الحمية. # قيل المراد قريش هم الذين تفرقوا بعد ما جاءهم العلم، وهو محمد صلى ~~الله عليه وسلم { بغيا } ، منهم عليه، وقد كانوا يقولون ما حكاه الله ~~عنهم بقوله # وأقسموا بالله جهد أيمنهم لئن جاءهم ms3457 نذير # فاطر 42 الآية، وبقوله # فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به # البقرة 89. وقيل المراد أمم الأنبياء المتقدمين، وأنهم فيما { ~~بينهم } اختلفوا لما طال بهم المدى، فآمن قوم، وكفر قوم. وقيل ~~اليهود، والنصارى خاصة كما في قوله # وما تفرق الذين أوتوا الكتب إلا من بعد ما ~~جاءتهم البينة # البينة 4 { ولولا كلمة سبقت من ربك } ، وهي تأخير ~~العقوبة { إلى أجل مسمى } ، وهو يوم القيامة كما في قوله # بل الساعة موعدهم # القمر 46. وقيل إلى الأجل الذي قضاه الله لعذابهم في الدنيا بالقتل، ~~والأسر، والذل، والقهر { لقضي بينهم } أي لوقع القضاء بينهم ~~بإنزال العقوبة بهم معجلة. وقيل لقضي بين من آمن منهم، ومن كفر بنزول ~~العذاب بالكافرين، ونجاة المؤمنين { وإن الذين أورثوا ~~الكتب } من اليهود، والنصارى { من بعدهم } من بعد من قبلهم ~~من اليهود، والنصارى { لفى شك منه } أي من القرآن، أو من محمد { ~~مريب } موقع في الريب، ولذلك لم يؤمنوا. وقال مجاهد معنى { من بعدهم } ~~من قبلهم يعني من قبل مشركي مكة، وهم اليهود، والنصارى. وقيل المراد كفار ~~المشركين من العرب الذين أورثوا القرآن من بعد ما أورث أهل الكتاب ~~كتابهم، وصفهم بأنه في شك من القرآن مريب. قرأ الجمهور { أورثوا } وقرأ ~~زيد بن علي ورثوا بالتشديد. { فلذلك فادع واستقم } أي ~~فلأجل ما ذكر من التفرق، والشك، أو فلأجل أنه شرع من الدين ما شرع، ~~فادع، واستقم أي فادع إلى الله، وإلى توحيده، واستقم على ما دعوت إليه. ~~قال الفراء، والزجاج المعنى فإلى ذلك، فادع كما تقول دعوت إلى فلان، ~~ولفلان، وذلك إشارة إلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد. وقيل في الكلام ~~تقديم، وتأخير. والمعنى كبر على المشركين ما ندعوهم إليه، فلذلك فادع. ~~قال قتادة استقم على أمر الله. وقال سفيان استقم على القرآن. وقال الضحاك ~~استقم على تبليغ الرسالة { كما أمرت } بذلك من جهة الله { ولا ~~تتبع أهواءهم } الباطلة، وتعصباتهم الزائغة، ولا تنظر إلى خلاف ~~من خالفك في ذكر الله { وقل ءامنت بما أنزل الله من ~~كتب } أي بجميع الكتب ms3458 التي أنزلها الله على رسله، لا كالذين آمنوا ~~ببعض منها، وكفروا ببعض { وأمرت لأعدل بينكم } في أحكام ~~الله إذا ترافعتم إلي، ولا أحيف عليكم بزيادة على ما شرعه الله، أو ~~بنقصان منه. # وأبلغ إليكم ما أمرني الله بتبليغه كما هو، واللام لام كي، أي أمرت بذلك ~~الذي أمرت به، لكي أعدل بينكم. وقيل هي زائدة، والمعنى أمرت أن أعدل ~~والأول أولى. قال أبو العالية أمرت، لأسوي بينكم في الدين، فأومن بكل ~~كتاب، وبكل رسول. والظاهر أن الآية عامة في كل شيء، والمعنى أمرت لأعدل ~~بينكم في كل شيء { الله ربنا وربكم } أي إلهنا، وإلهكم، ~~وخالقنا، وخالقكم { لنا أعملنا } أي ثوابها، وعقابها خاص بنا { ~~ولكم أعملكم } أي ثوابها، وعقابها خاص بكم { لا حجة ~~بيننا وبينكم } أي لا خصومة بيننا، وبينكم. لأن الحق قد ظهر، ~~ووضح { الله يجمع بيننا } في المحشر { وإليه المصير ~~} أي المرجع يوم القيامة، فيجازي كلا بعمله وهذا منسوخ بآية السيف. قيل ~~الخطاب لليهود، وقيل للكفار على العموم. { والذين يحاجون فى ~~الله من بعد ما استجيب له } أي يخاصمون في دين الله من بعد ~~ما استجاب الناس له، ودخلوا فيه. قال مجاهد من بعد ما أسلم الناس. قال ~~وهؤلاء قوم توهموا أن الجاهلية تعود. وقال قتادة هم اليهود، والنصارى، ~~ومحاجتهم قولهم نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، وكانوا يرون ~~لأنفسهم الفضيلة بأنهم أهل كتاب، وأنهم أولاد الأنبياء، وكان المشركون ~~يقولون # أى الفريقين خير مقاما وأحسن نديا # مريم 73، فنزلت هذه الآية، والموصول مبتدأ، وخبره الجملة بعده، وهي { ~~حجتهم داحضة عند ربهم } أي لا ثبات لها كالشيء الذي يزول ~~عن موضعه، يقال دحضت حجته دحوضا بطلت، والإدحاض الإزلاق، ومكان دحض، أي ~~زلق، ودحضت رجله زلقت. وقيل الضمير في له راجع إلى الله. وقيل راجع إلى ~~محمد صلى الله عليه وسلم. والأول أولى { وعليهم غضب } أي غضب ~~عظيم من الله لمجادلتهم بالباطل { ولهم عذاب شديد } في الآخرة ~~{ الله الذى أنزل الكتب بالحق } المراد بالكتاب ~~الجنس، فيشمل جميع الكتب المنزلة على الرسل. وقيل ms3459 المراد به القرآن ~~خاصة، وبالحق متعلق بمحذوف، أي ملتبسا بالحق، وهو الصدق والمراد ب { ~~الميزان } العدل، كذا قال أكثر المفسرين، قالوا وسمي العدل ميزانا لأن ~~الميزان آلة الإنصاف، والتسوية بين الخلق. وقيل الميزان ما بين في الكتب ~~المنزلة مما يجب على كل إنسان أن يعمل به. وقيل هو الجزاء على الطاعة ~~بالثواب، وعلى المعصية بالعقاب. وقيل إنه الميزان نفسه أنزله الله من ~~السماء، وعلم العباد الوزن به لئلا يكون بينهم تظالم، وتباخس كما في قوله # لقد أرسلنا رسلنا بالبينت وأنزلنا معهم ~~الكتب والميزان ليقوم الناس بالقسط # الحديد 25 وقيل هو محمد صلى الله عليه وسلم { وما يدريك لعل ~~الساعة قريب } أي أي شيء يجعلك داريا بها، عالما بوقتها لعلها ~~شيء قريب، أو قريب مجيئها، أو ذات قرب. # وقال قريب، ولم يقل قريبة لأن تأنيثها غير حقيقي. قال الزجاج المعنى ~~لعل البعث، أو لعل مجيء الساعة قريب. وقال الكسائي قريب نعت ينعت به ~~المؤنث، والمذكر كما في قوله # إن رحمت الله قريب من المحسنين # الأعراف 56 ومنه قول الشاعر # وكنا قريبا والديار بعيدة فلما وصلنا نصب أعينهم غبنا # قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الساعة، وعنده قوم من المشركين، ~~فقالوا متى تكون الساعة؟ تكذيبا لها، فأنزل الله الآية، ويدل على هذا ~~قوله { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } استعجال ~~استهزاء منهم بها، وتكذيبا بمجيئها { والذين ءامنوا مشفقون ~~منها } أي خائفون وجلون من مجيئها. قال مقاتل لأنهم لا يدرون على ما ~~يهجمون عليه. وقال الزجاج لأنهم يعلمون أنهم محاسبون، ومجزيون { ~~ويعلمون أنها الحق } أي أنها آتية لا ريب فيها، ومثل هذا ~~قوله # والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة أنهم ~~إلى ربهم رجعون # المؤمنون 60. ثم بين ضلال الممارين فيها، فقال { ألا إن الذين ~~يمارون فى الساعة } أي يخاصمون فيها مخاصمة شك، وريبة، من ~~المماراة، وهي المخاصمة، والمجادلة، أو من المرية، وهي الشك، والريبة { ~~لفى ضلل بعيد } عن الحق لأنهم لم يتفكروا في الموجبات للإيمان ~~بها من الدلائل التي هي مشاهدة لهم ms3460 منصوبة لأعينهم مفهومة لعقولهم، ولو ~~تفكروا لعلموا أن الذين خلقهم ابتداء قادر على الإعادة. وقد أخرج ابن ~~جرير عن السدي { أن أقيموا الدين } قال اعملوا به. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله { أن أقيموا ~~الدين ولا تتفرقوا فيه } قال ألا تعلموا أن الفرقة هلكة، ~~وأن الجماعة ثقة { كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ~~} ، قال استكبر المشركون أن قيل لهم لا إله إلا الله. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد { الله يجتبى إليه من ~~يشاء } قال يخلص لنفسه من يشاء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه عن ابن عباس في قوله { والذين يحاجون فى الله من ~~بعد ما استجيب له } قال هم أهل الكتاب كانوا يجادلون المسلمين، ~~ويصدونهم عن الهدى من بعد ما استجابوا لله. وقال هم قوم من أهل الضلالة، ~~وكانوا يتربصون بأن تأتيهم الجاهلية. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله { والذين يحاجون فى ~~الله } الآية، قال هم اليهود، والنصارى. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ~~نحوه. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال لما نزلت # إذا جاء نصر الله والفتح # النصر 1 قال المشركون لمن بين أظهرهم من المؤمنين قد دخل الناس في دين ~~الله أفواجا، فاخرجوا من بين أظهرنا، فنزلت { والذين يحاجون ~~فى الله } الآية. ### || [42.19-28] # قوله { الله لطيف بعباده } أي كثير اللطف بهم بالغ الرأفة ~~لهم. قال مقاتل لطيف بالبار، والفاجر حيث لم يقتلهم جوعا بمعاصيهم. قال ~~عكرمة بار بهم. وقال السدي رفيق بهم. وقيل حفي بهم. وقال القرطبي لطيف ~~بهم في العرض، والمحاسبة. وقيل غير ذلك. والمعنى أنه يجري لطفه على عباده ~~في كل أمورهم، ومن جملة ذلك الرزق الذي يعيشون به في الدنيا، وهو معنى ~~قوله { يرزق من يشاء } منهم كيف يشاء، فيوسع على هذا، ويضيق على ~~هذا { وهو القوى } العظيم القوة الباهرة القادرة { العزيز } ~~الذي يغلب كل شيء، ولا يغلبه شيء { من كان يريد حرث ms3461 الأخرة ~~نزد له فى حرثه } الحرث في اللغة الكسب، يقال هو يحرث لعياله، ~~ويحترث، أي يكتسب. ومنه سمي الرجل حارثا، وأصل معنى الحرث إلقاء البذر ~~في الأرض، فأطلق على ثمرات الأعمال، وفوائدها بطريق الاستعارة والمعنى من ~~كان يريد بأعماله، وكسبه ثواب الآخرة يضاعف الله له ذلك الحسنة بعشرة ~~أمثالها إلى سبعمائة ضعف. وقيل معناه يزيد في توفيقه، وإعانته، وتسهيل ~~سبل الخير له { ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها ~~} أي من كان يريد بأعماله، وكسبه ثواب الدنيا، وهو متاعها، وما يرزق الله ~~به عباده منها نعطه منها ما قضت به مشيئتنا، وقسم له في قضائنا. قال ~~قتادة معنى { نؤته منها } نقدر له ما قسم له كما قال # عجلنا له فيها ما نشاء # الإسراء 18، وقال قتادة أيضا إن الله يعطي على نية الآخرة ما شاء من ~~أمر الدنيا، ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا. قال القشيري والظاهر ~~أن الآية في الكافر، وهو تخصيص بغير مخصص. ثم بين سبحانه أن هذا الذي ~~يريد بعمله الدنيا لا نصيب له في الآخرة، فقال { وما له فى ~~الأخرة من نصيب } لأنه لم يعمل للآخرة، فلا نصيب له فيها، وقد ~~تقدم تفسير هذه الآية في سورة الإسراء. { أم لهم شركاء شرعوا ~~لهم من الدين ما لم يأذن به الله } لما بين سبحانه ~~القانون في أمر الدنيا، والآخرة أردفه ببيان ما هو الذنب العظيم الموجب ~~للنار، والهمزة لاستفهام التقرير والتقريع، وضمير { شرعوا } عائد إلى ~~الشركاء، وضمير { لهم } إلى الكفار. وقيل العكس، والأول أولى. ومعنى { ~~ما لم يأذن به الله } ما لم يأذن به من الشرك، والمعاصي { ~~ولولا كلمة الفصل } ، وهي تأخير عذابهم حيث قال # بل الساعة موعدهم # القمر 46 { لقضي بينهم } في الدنيا، فعوجلوا بالعقوبة، والضمير ~~في بينهم راجع إلى المؤمنين، والمشركين، أو إلى المشركين، وشركائهم { ~~وإن الظلمين لهم عذاب أليم } أي المشركين، والمكذبين ~~لهم عذاب أليم في الدنيا، والآخرة. # قرأ الجمهور { وإن الظالمين } بكسر الهمزة على الاستئناف. وقرأ مسلم، ~~والأعرج، وابن هرمز بفتحها عطفا على ms3462 { كلمة الفصل }. { ترى ~~الظلمين مشفقين مما كسبوا } أي خائفين وجلين مما ~~كسبوا من السيئات، وذلك الخوف، والوجل يوم القيامة { وهو واقع ~~بهم } الضمير راجع إلى ما كسبوا بتقدير مضاف قاله الزجاج، أي وجزاء ما ~~كسبوا واقع منهم نازل عليهم لا محالة أشفقوا، أو لم يشفقوا، والجملة في ~~محل نصب على الحال. ولما ذكر حال الظالمين ذكر حال المؤمنين، فقال { ~~والذين ءامنوا وعملوا الصلحت فى روضت ~~الجنت } روضات جمع روضة. قال أبو حيان اللغة الكثيرة تسكين الواو، ~~ولغة هذيل فتحها، والروضة الموضع النزه الكثير الخضرة، وقد مضى بيان هذا ~~في سورة الروم، وروضة الجنة أطيب مساكنها كما أنها في الدنيا لأحسن ~~أمكنتها { لهم ما يشاءون عند ربهم } من صنوف النعم، وأنواع ~~المستلذات، والعامل في عند ربهم " يشاءون " ، أو العامل في " روضات ~~الجنات " ، وهو الاستقرار، والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما ذكر ~~للمؤمنين قبله، وخبره الجملة المذكورة بعده، وهي { هو الفضل ~~الكبير } أي الذي لا يوصف، ولا تهتدي العقول إلى معرفة حقيقته. ~~والإشارة بقوله { ذلك الذى يبشر الله عباده } إلى الفضل ~~الكبير، أي يبشرهم به. ثم وصف العباد بقوله { الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحات } ، فهؤلاء الجامعون بين الإيمان، والعمل بما ~~أمر الله به، وترك ما نهى عنه هم المبشرون بتلك البشارة. قرأ الجمهور { ~~يبشر } مشددا من بشر. وقرأ مجاهد، وحميد بن قيس بضم التحتية، وسكون ~~الموحدة، وكسر الشين من أبشر. وقرأ بفتح التحتية، وضم الشين بعض السبعة، ~~وقد تقدم بيان القراءات في هذه اللفظة. ثم لما ذكر سبحانه ما أخبر به ~~نبيه صلى الله عليه وسلم من هذه الأحكام الشريفة التي اشتمل عليها كتابه، ~~أمره بأنه يخبرهم بأنه لا يطلب منهم بسبب هذا التبليغ ثوابا منهم، فقال ~~{ قل لا أسألكم عليه أجرا } أي قل يا محمد لا أطلب منكم ~~على تبليغ الرسالة جعلا، ولا نفعا { إلا المودة فى ~~القربى } هذا الاستثناء يجوز أن يكون متصلا، أي إلا أن تودوني ~~لقرابتي بينكم، أو تودوا أهل قرابتي. ويجوز أن يكون منقطعا. قال الزجاج ~~{ إلا المودة } استثناء ms3463 ليس من الأول، أي إلا أن تودوني لقرابتي، ~~فتحفظوني، والخطاب لقريش. وهذا قول عكرمة، ومجاهد، وأبي مالك، والشعبي، ~~فيكون المعنى على الانقطاع لا أسألكم أجرا قط، ولكن أسألكم المودة في ~~القربى التي بيني وبينكم، ارقبوني فيها، ولا تعجلوا إلي، ودعوني والناس، ~~وبه قال قتادة، ومقاتل، والسدي، والضحاك، وابن زيد، وغيرهم، وهو الثابت ~~عن ابن عباس كما سيأتي. وقال سعيد بن جبير، وغيره هم آل محمد، وسيأتي ما ~~استدل به القائلون بهذا. # وقال الحسن، وغيره معنى الآية إلا التودد إلى الله عز وجل، والتقرب ~~بطاعته. وقال الحسن بن الفضل ورواه ابن جرير عن الضحاك إن هذه الآية ~~منسوخة، وإنما نزلت بمكة، وكان المشركون يؤذون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأمرهم الله بمودته، فلما هاجر أوته الأنصار ونصروه، فأنزل الله ~~عليه # وما أسئلكم عليه من أجر إن أجرى إلا على ~~رب العلمين # الشعراء 109، وأنزل عليه # قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجرى إلا ~~على الله # سبأ 47. وسيأتي في آخر البحث ما يتضح به الثواب، ويظهر به معنى الآية إن ~~شاء الله { ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا } أصل ~~القرف الكسب، يقال فلان يقرف لعياله، أي يكتسب. والاقتراف الاكتساب، ~~مأخوذ من قولهم رجل قرفة إذا كان محتالا. والمعنى من يكتسب حسنة نزد له ~~هذه الحسنة حسنا بمضاعفة ثوابها. قال مقاتل المعنى من يكتسب حسنة واحدة ~~نزد له فيها حسنا نضاعفها بالواحدة عشرا فصاعدا. وقيل المراد بهذه ~~الحسنة هي المودة في القربى، والحمل على العموم أولى، ويدخل تحته ~~المودة في القربى دخولا أوليا { إن الله غفور شكور } أي ~~كثير المغفرة للمذنبين كثير الشكر للمطيعين. قال قتادة غفور للذنوب شكور ~~للحسنات. وقال السدي غفور لذنوب آل محمد. { أم يقولون افترى ~~على الله كذبا } أم هي المنقطعة، أي بل أيقولون افترى محمد على ~~الله كذبا بدعوى النبوة، والإنكار للتوبيخ. ومعنى افتراء الكذب ~~اختلاقه. ثم أجاب سبحانه عن قولهم هذا، فقال { فإن يشإ الله ~~يختم على قلبك } أي لو افترى على الله الكذب ms3464 لشاء عدم صدوره ~~منه، وختم على قلبه بحيث لا يخطر بباله شيئا مما كذب فيه كما تزعمون. ~~قال قتادة يختم على قلبك، فينسيك القرآن، فأخبرهم أنه لو افترى عليه لفعل ~~به ما أخبرهم به في هذه الآية. وقال مجاهد، ومقاتل إن يشأ يربط على قلبك ~~بالصبر على أذاهم حتى لا يدخل قلبك مشقة من قولهم. وقيل الخطاب له، ~~والمراد الكفار، أي إن يشأ يختم على قلوب الكفار، ويعاجلهم بالعقوبة، ~~ذكره القشيري. وقيل المعنى لو حدثتك نفسك أن تفتري على الله كذبا لطبع ~~على قلبك، فإنه لا يجترىء على الكذب إلا من كان مطبوعا على قلبه، ~~والأول أولى، وقوله { ويمح الله البطل } استئناف مقرر لما ~~قبله من نفي الافتراء. قال ابن الأنباري { يختم على قلبك } تام، يعني ~~وما بعده مستأنف. وقال الكسائي فيه تقديم، وتأخير، أي والله يمحو الباطل. ~~وقال الزجاج أم يقولون افترى على الله كذبا تام. وقوله { ويمح ~~الله البطل } احتجاج على من أنكر ما أتى به النبي صلى الله عليه ~~وسلم، أي لو كان ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم باطلا لمحاه كما ~~جرت به عادته في المفترين { ويحق الحق } أي الإسلام، فيبينه { ~~بكلمته } أي بما أنزل من القرآن { إنه عليم بذات ~~الصدور } عالم بما في قلوب العباد، وقد سقطت الواو من " ويمحو " في ~~بعض المصاحف كما حكاه الكسائي. # { وهو الذى يقبل التوبة عن عباده } أي يقبل من ~~المذنبين من عباده توبتهم إليه مما عملوا من المعاصي، واقترفوا من ~~السيئات، والتوبة الندم على المعصية، والعزم على عدم المعاودة لها. وقيل ~~يقبل التوبة عن أوليائه، وأهل طاعته. والأول أولى، فإن التوبة مقبولة من ~~جميع العباد مسلمهم، وكافرهم إذا كانت صحيحة صادرة عن خلوص نية، وعزيمة ~~صحيحة { ويعفوا عن السيئت } على العموم لمن تاب عن سيئته { ~~ويعلم ما تفعلون } من خير، وشر، فيجازي كلا بما يستحقه. قرأ ~~حمزة، والكسائي، وحفص، وخلف { تفعلون } بالفوقية على الخطاب. وقرأ ~~الباقون بالتحتية على الخبر، واختار القراءة الثانية أبو عبيد، وأبو حاتم ~~لأن ms3465 هذا الفعل وقع بين خبرين { ويستجيب الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت } الموصول في موضع نصب، أي يستجيب الله ~~الذين آمنوا، ويعطيهم ما طلبوه منه، يقال أجاب، واستجاب بمعنى. وقيل ~~المعنى يقبل عبادة المخلصين. وقيل التقدير، ويستجيب لهم، فحذف اللام كما ~~حذف في قوله # وإذا كالوهم # المطففين 3 أي كالوا لهم. وقيل إن الموصول في محل رفع، أي يجيبون ربهم ~~إذا دعاهم كقوله # استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم # الأنفال 24 قال المبرد معنى { ويستجيب الذين ءامنوا } ~~ويستدعي الذين آمنوا الإجابة، هكذا حقيقة معنى استفعل، فالذين في موضع ~~رفع، والأول أولى. { ويزيدهم من فضله } أي يزيدهم على ما ~~طلبوه منه، أو على ما يستحقونه من الثواب تفضلا منه. وقيل يشفعهم في ~~إخوانهم { والكفرون لهم عذاب شديد } هذا للكافرين ~~مقابلا ما ذكره للمؤمنين فيما قبله. { ولو بسط الله الرزق ~~لعباده لبغوا فى الأرض } أي لو وسع الله لهم رزقهم لبغوا ~~في الأرض لعصوا فيها، وبطروا النعمة، وتكبروا، وطلبوا ما ليس لهم طلبه. ~~وقيل المعنى لو جعلهم سواء في الرزق لما انقاد بعضهم لبعض، ولتعطلت ~~الصنائع، والأول أولى. والظاهر عموم أنواع الرزق. وقيل هو المطر خاصة { ~~ولكن ينزل بقدر ما يشاء } أي ينزل من الرزق لعباده ~~بتقدير على حسب مشيئته، وما تقتضيه حكمته البالغة. { إنه بعباده ~~خبير } بأحوالهم { بصير } بما يصلحهم من توسيع الرزق، وتضييقه، ~~فيقدر لكل أحد منهم ما يصلحه، ويكفه عن الفساد بالبغي في الأرض. { وهو ~~الذى ينزل الغيث } أي المطر الذي هو أنفع أنواع الرزق، وأعمها ~~فائدة، وأكثرها مصلحة { من بعد ما } أي من بعد ما أيسوا عن ذلك، ~~فيعرفون بهذا الإنزال للمطر بعد القنوط مقدار رحمته لهم، ويشكرون له ما ~~يجب الشكر عليه { وهو الولى } للصالحين من عباده بالإحسان إليهم، ~~وجلب المنافع لهم، ودفع الشرور عنهم { الحميد } المستحق للحمد منهم ~~على إنعامه خصوصا وعموما. # وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { من كان يريد حرث ~~الأخرة } قال عيش الآخرة { نزد له فى حرثه ومن كان ~~يريد حرث الدنيا نؤته ms3466 منها } الآية. قال من يؤثر دنياه ~~على آخرته لم يجعل الله له نصيبا في الآخرة إلا النار، ولم يزدد بذلك ~~من الدنيا شيئا إلا رزقا فرغ منه، وقسم له. وأخرج أحمد، والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه، وابن حبان عن أبي بن كعب، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال # " بشر هذه الأمة بالسناء، والرفعة، والنصر، والتمكين في الأرض ما لم ~~يطلبوا الدنيا بعمل الآخرة، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في ~~الآخرة من نصيب " # وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال تلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم { من كان يريد حرث الأخرة } الآية، ثم ~~قال # " يقول الله ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لا ~~تفعل ملأت صدرك شغلا، ولم أسد فقرك " # وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن عساكر عن علي قال الحرث حرثان، فحرث الدنيا ~~المال، والبنون، وحرث الآخرة الباقيات الصالحات. وأخرج أحمد، وعبد بن ~~حميد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه ~~من طريق طاوس عن ابن عباس أنه سئل عن قوله { إلا المودة فى ~~القربى } قال سعيد بن جبير قربى آل محمد. قال ابن عباس عجلت أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، ~~فقال إلا أن تصلوا ما بيني، وبينكم من القرابة. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~والطبراني، وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عنه قال قال لهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي، وتحفظوا ~~القرابة التي بيني وبينكم " # وأخرج سعيد بن منصور، وابن سعد، وعبد بن حميد، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي في الدلائل عن الشعبي قال أكثر الناس علينا في هذه ~~الآية { قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة ~~فى القربى } ، فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك، فقال إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان واسط النسب في قريش ليس بطن من بطونهم ms3467 إلا، ~~وله فيه قرابة، فقال الله { قل لا أسألكم عليه أجرا } ~~على ما أدعوكم إليه { إلا المودة فى القربى } أن تودوني ~~لقرابتي منكم، وتحفظوني بها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والطبراني، وابن مردويه من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في ~~الآية قال كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة من جميع قريش، فلما ~~كذبوه، وأبوا أن يبايعوه قال # " يا قوم إذا أبيتم أن تبايعوني، فاحفظوا قرابتي فيكم، ولا يكون غيركم ~~من العرب أولى بحفظي، ونصرتي منكم " # وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه عنه نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه ~~عنه أيضا نحوه. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا نحوه. وأخرج ابن مردويه عنه ~~أيضا من طريق أخرى نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من ~~طريق مقسم عن ابن عباس قال قالت الأنصار فعلنا، وفعلنا، وكأنهم فخروا. ~~فقال العباس لنا الفضل عليكم. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأتاهم في مجالسهم، فقال # " يا معشر الأنصار ألم تكونوا أذلة، فأعزكم الله؟ " # قالوا بلى يا رسول الله، قال # " أفلا تجيبون؟ " # قالوا ما نقول يا رسول الله؟ قال # " ألا تقولون ألم يخرجك قومك، فآويناك؟ ألم يكذبوك، فصدقناك؟ ألم ~~يخذلوك، فنصرناك؟ " # فما زال يقول حتى جثوا على الركب، وقالوا أموالنا، وما في أيدينا لله، ~~ورسوله، فنزلت { قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا ~~المودة فى القربى } »، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ~~ضعيف، والأولى أن الآية مكية لا مدنية، وقد أشرنا في أول السورة إلى قول ~~من قال إن هذه الآية، وما بعدها مدنية، وهذا متمسكهم. وأخرج أبو نعيم، ~~والديلمي من طريق مجاهد عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " { قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة فى ~~القربى } أي تحفظوني في أهل بيتي، وتودونهم بي " # وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه. قال السيوطي ~~بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت ms3468 هذه الآية { ~~قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة فى ~~القربى } قالوا يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا ~~مودتهم؟ قال # " علي، وفاطمة، وولداهما " # وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس قال نزلت ~~هذه الآية بمكة، وكان المشركون يودون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأنزل الله { قل } لهم يا محمد { لا أسئلكم عليه } يعني على ~~ما أدعوكم إليه { أجرا } عرضا من الدنيا { إلا المودة فى ~~القربى } إلا الحفظ لي في قرابتي فيكم، فلما هاجر إلى المدينة أحب ~~أن يلحقه بإخوته من الأنبياء، فقال # قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجرى إلا ~~على الله # سبأ 47 يعني ثوابه، وكرامته في الآخرة كما قال نوح # وما أسئلكم عليه من أجر إن أجرى إلا على ~~رب العلمين # الشعراء 109، وكما قال هود، وصالح، وشعيب لم يستثنوا أجرا كما استثنى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فرده عليهم، وهي منسوخة. وأخرج أحمد، وابن ~~أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه من طريق مجاهد، عن ابن ~~عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قل لا أسألكم على ما أتيتكم ~~به من البينات، والهدى أجرا إلا أن تودوا الله، وأن تتقربوا إليه ~~بطاعته. هذا حاصل ما روي عن حبر الأمة ابن عباس رضي اللهعنه في تفسير هذه ~~الآية. والمعنى الأول هو الذي صح عنه، ورواه عنه الجمع الجم من ~~تلامذته، فمن بعدهم، ولا ينافيه ما روي عنه من النسخ، فلا مانع من أن ~~يكون قد نزل القرآن في مكة بأن يوده كفار قريش لما بينه، وبينهم من ~~القربى، ويحفظوه بها، ثم ينسخ ذلك، ويذهب هذا الاستثناء من أصله كما يدل ~~عليه ما ذكرنا مما يدل على أنه لم يسأل على التبليغ أجرا على الإطلاق، ~~ولا يقوي ما روي من حملها على آل محمد على معارضة ما صح عن ابن عباس من ~~تلك الطرق الكثيرة، وقد أغنى الله آل محمد عن هذا بما لهم من الفضائل ~~الجليلة، ms3469 والمزايا الجميلة، وقد بينا بعض ذلك عند تفسيرنا لقوله # إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت # الأحزاب 33، وكما لا يقوي هذا على المعارضة، فكذلك لا يقوي ما روي عنه ~~أن المراد بالمودة في القربى أن يودوا الله، وأن يتقربوا إليه بطاعته، ~~ولكنه يشد من عضد هذا أنه تفسير مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإسناده عند أحمد في المسند هكذا حدثنا حسن بن موسى، حدثنا قزعة بن ~~سويد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد عن ابن عباس أن النبي... فذكره. ورواه ~~ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن مسلم بن إبراهيم، عن قزعة به. وأخرج ابن ~~المبارك، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في ~~الشعب. قال السيوطي بسند صحيح عن أبي هانىء الخولاني قال سمعت عمر بن ~~حريث، وغيره يقولون إنما نزلت هذه الآية في أصحاب الصفة { ولو بسط ~~الله الرزق لعباده لبغوا فى الأرض } ، وذلك أنهم ~~قالوا لو أن لنا، فتمنوا الدنيا. و أخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب ~~عن علي مثله. ### || [42.29-43] # ذكر سبحانه بعض آياته الدالة على كمال قدرته الموجبة لتوحيده، وصدق ما ~~وعد به من البعث، فقال { ومن ءايته خلق السموات ~~والأرض } أي خلقهما على هذه الكيفية العجيبة، والصنعة الغريبة { ~~وما بث فيهما من دابة } يجوز عطفه على خلق، ويجوز عطفه على ~~السموات، والدابة اسم لكل ما دب. قال الفراء أراد ما بث في الأرض دون ~~السماء كقوله # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # الرحمن 22، وإنما يخرج من الملح دون العذب. وقال أبو علي الفارسي ~~تقديره وما بث في أحدهما، فحذف المضاف. قال مجاهد يدخل في هذا الملائكة، ~~والناس، وقد قال تعالى # ويخلق ما لا تعلمون # النمل 8 { وهو على جمعهم } أي حشرهم يوم القيامة { إذا ~~يشاء قدير } ، الظرف متعلق بجمعهم لا بقدير قال أبو البقاء لأن ذلك ~~يؤدي، وهو على جمعهم قدير إذا يشاء، فتتعلق القدرة بالمشيئة، وهو محال، ~~قال ms3470 شهاب الدين ولاأدري ما وجه كونه محالا على مذهب أهل السنة. فإن كان ~~يقول بقول المعتزلة، وهو أن القدرة تتعلق بما لم يشأ الله مشى كلامه، ~~ولكنه مذهب رديء لا يجوز اعتقاده { وما أصبكم من مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم } أي ما أصابكم من المصائب كائنة ما كانت، ~~فبسبب ما كسبت أيديكم من المعاصي. قرأ نافع، وابن عامر بما كسبت بغير ~~فاء، وقرأ الباقون بالفاء. «وما» في { وما أصبكم } هي الشرطية، ~~ولهذا دخلت الفاء في جوابها على قراءة الجمهور، ولا يجوز حذفها عند ~~سيبويه، والجمهور، وجوز الأخفش الحذف كما في قوله # وإن أطعتموهم إنكم لمشركون # الأنعام 121، وقول الشاعر # من يفعل الحسنات الله يشكرها والشر بالشر عند الله مثلان # وقيل هي الموصولة، فيكون الحذف، والإثبات جائزين، والأول أولى. قال ~~الزجاج إثبات الفاء أجود لأن الفاء مجازاة جواب الشرط، ومن حذف الفاء ~~فعلى أن ما في معنى الذي، والمعنى الذي أصابكم وقع بما كسبت أيديكم. قال ~~الحسن المصيبة هنا الحدود على المعاصي، والأولى الحمل على العموم كما ~~يفيده وقوع النكرة في سياق النفي، ودخول من الاستغراقية عليها { ~~ويعفوا عن كثير } من المعاصي التي يفعلها العباد، فلا يعاقب ~~عليها، فمعنى الآية أنه يكفر عن العبد بما يصيبه من المصائب، ويعفو عن ~~كثير من الذنوب. وقد ثبتت الأدلة الصحيحة أن جميع ما يصاب به الإنسان في ~~الدنيا يؤجر عليه، أو يكفر عنه من ذنوبه. وقيل هذه الآية مختصة بالكافرين ~~على معنى أن ما يصابون به بسبب ذنوبهم من غير أن يكون ذلك مكفرا عنهم ~~لذنب، ولا محصلا لثواب، ويترك عقوبتهم عن كثير من ذنوبهم، فلا يعاجلهم ~~في الدنيا بل يمهلهم إلى الدار الآخرة. # والأولى حمل الآية على العموم، والعفو يصدق على تأخير العقوبة كما يصدق ~~على محو الذنب، ورفع الخطاب به. قال الواحدي وهذه أرجى آية في كتاب الله ~~لأنه جعل ذنوب المؤمنين صنفين صنف كفره عنهم بالمصائب، وصنف عفا عنه في ~~الدنيا، وهو كريم لا يرجع في عفوه، فهذه سنة الله مع المؤمنين. وأما ms3471 ~~الكافر، فإنه لا يعجل له عقوبة ذنبه حتى يوافى به يوم القيامة { وما ~~أنتم بمعجزين فى الأرض } أي بفائتين عليه هربا في الأرض، ~~ولا في السماء لو كانوا فيها بل ما قضاه عليهم من المصائب واقع عليهم ~~نازل بهم { وما لكم من دون الله من ولي } يواليكم، فيمنع ~~عنكم ما قضاه الله { ولا نصير } ينصركم من عذاب الله في الدنيا، ولا ~~في الآخرة. ثم ذكر سبحانه آية أخرى من آياته العظيمة الدالة على توحيده، ~~وصدق ما وعد به، فقال { ومن ءايته الجوار } قرأ نافع، وأبو ~~عمرو الجواري بإثبات الياء في الوصل، وأما في الوقف، فإثباتها على الأصل، ~~وحذفها للتخفيف، وهي السفن واحدتها جارية أي سائرة { فى البحر ~~كالأعلم } أي الجبال جمع علم، وهو الجبل، ومنه قول الخنساء # وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار # قال الخليل كل شيء مرتفع عند العرب، فهو علم. وقال مجاهد الأعلام ~~القصور واحدها علم { إن يشأ يسكن الريح } قرأ الجمهور بهمز { ~~يشأ } ، وقرأ ورش عن نافع بلا همز. وقرأ الجمهور { الريح } بالإفراد، ~~وقرأ نافع الرياح على الجمع، أي يسكن الريح التي تجري بها السفن { ~~فيظللن } أي السفن { رواكد } أي سواكن ثوابت { على ظهره ~~} البحر، يقال ركد الماء ركودا سكن، وكذلك ركدت الريح، وركدت السفينة، ~~وكل ثابت في مكان، فهو راكد. قرأ الجمهور فيظللن بفتح اللام الأولى، وقرأ ~~قتادة بكسرها، وهي لغة قليلة. { إن فى ذلك } الذي ذكر من أمر ~~السفن { لأيات } دلالات عظيمة { لكل صبار شكور } أي لكل من ~~كان كثير الصبر على البلوى كثير الشكر على النعماء. قال قطرب الصبار ~~الشكور الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. قال عون بن عبد الله # فكم من منعم عليه غير شاكر وكم من مبتلي وهو غير صابر # { أو يوبقهن بما كسبوا } معطوف على يسكن، أي يهلكهن ~~بالغرق، والمراد أهلكهن بما كسبوا من الذنوب، وقيل بما أشركوا. والأول ~~أولى، فإنه يهلك في البحر المشرك وغير المشرك، يقال أوبقه، أي أهلكه { ~~ويعف عن كثير } من ms3472 أهلها بالتجاوز عن ذنوبهم، فينجيهم من الغرق. ~~قرأ الجمهور { يعف } بالجزم عطفا على جواب الشرط. قال القشيري وفي هذه ~~القراءة إشكال لأن المعنى إن يشأ يسكن الريح، فتبقي تلك السفن رواكد، أو ~~يهلكها بذنوب أهلها، فلا يحسن عطف { يعف } على هذا، لأنه يصير المعنى إن ~~يشأ يعف، وليس المعنى ذلك، بل المعنى الإخبار عن العفو من غير شرط ~~المشيئة، فهو إذن عطف على المجزوم من حيث اللفظ لا من حيث المعنى، وقد ~~قرأ قوم ويعفو بالرفع، وهي جيدة في المعنى. # قال أبو حيان وما قاله ليس بجيد إذ لم يفهم مدلول التركيب، والمعنى إلا ~~أنه تعالى أهلك ناسا، وأنجى ناسا على طريق العفو عنهم، وقرأ الأعمش ~~ويعفو بالرفع، وقرأ بعض أهل المدينة بالنصب بإضمار أن بعد الواو كما في ~~قول النابغة # فإن يهلك أبو قابوس يهلك ربيع الناس والشهر الحرام ونأخذ بعده بذناب ~~عيش أجب الظهر ليس له سنام # بنصب ونأخذ { ويعلم الذين يجدلون فى ءايتنا ما ~~لهم من محيص } قرأ الجمهور بنصب { يعلم } قال الزجاج على الصرف، ~~قال ومعنى الصرف صرف العطف على اللفظ إلى العطف على المعنى، قال وذلك أنه ~~لما لم يحسن عطف { ويعلم } مجزوما على ما قبله إذ يكون المعنى إن يشأ ~~يعلم عدل إلى العطف على مصدر الفعل الذي قبله، ولا يتأتى ذلك إلا بإضمار ~~أن، لتكون مع الفعل في تأويل اسم، ومن هذا بيتا النابغة المذكوران ~~قريبا، وكما قال الزجاج. قال المبرد، وأبو علي الفارسي واعترض على هذا ~~الوجه بما لا طائل تحته. وقيل النصب على العطف على تعليل محذوف، والتقدير ~~لينتقم منهم، ويعلم. واعترضه أبو حيان بأنه ترتب على الشرط إهلاك قوم، ~~ونجاة قوم، فلا يحسن تقدير لينتقم منهم. وقرأ نافع، وابن عامر برفع يعلم ~~على الاستئناف، وهي قراءة ظاهرة المعنى واضحة اللفظ. وقرىء بالجزم عطفا ~~على المجزوم قبله على معنى وإن يشأ يجمع بين الإهلاك، والنجاة، والتحذير، ~~ومعنى { ما لهم من محيص } ما لهم من فرار، ولا مهرب، قاله قطرب. ~~وقال السدي ms3473 ما لهم من ملجأ، وهو مأخوذ من قولهم حاص به البعير حيصة إذا ~~رمى به، ومنه قولهم فلان يحيص عن الحق، أي يميل عنه. { فما أوتيتم ~~من شىء فمتع الحيوة الدنيا } لما ذكر سبحانه دلائل ~~التوحيد، ذكر التنفير عن الدنيا، أي ما أعطيتم من الغنى، والسعة في ~~الرزق، فإنما هو متاع قليل في أيام قليلة ينقضي، ويذهب. ثم رغبهم في ثواب ~~الآخرة، وما عند الله من النعيم المقيم، فقال { وما عند الله ~~خير وأبقى } أي ما عند الله من ثواب الطاعات، والجزاء عليها ~~بالجنات خير من متاع الدنيا، وأبقى لأنه دائم لا ينقطع، ومتاع الدنيا ~~ينقطع بسرعة. ثم بين سبحانه لمن هذا، فقال { للذين ءامنوا } أي ~~صدقوا، وعملوا على ما يوجبه الإيمان. { وعلى ربهم يتوكلون ~~} أي يفوضون إليه أمورهم، ويعتمدون عليه في كل شؤونهم لا على غيره { ~~والذين يجتنبون كبئر الإثم والفوحش } الموصول ~~في محل جر معطوف على الذين آمنوا، أو بدلا منه، أو في محل نصب بإضمار ~~أعني والأول أولى، والمعنى أن ما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وللذين ~~يجتنبون. # والمراد بكبائر الإثم الكبائر من الذنوب، وقد قدمنا تحقيقها في سورة ~~النساء. قرأ الجمهور { كبائر } بالجمع. وقرأ حمزة، والكسائي كبير ~~بالإفراد، وهو يفيد مفاد الكبائر، لأن الإضافة للجنس كاللام. والفواحش هي ~~من الكبائر، ولكنها مع وصف كونها فاحشة كأنها فوقها، وذلك كالقتل، ~~والزنا، ونحو ذلك. وقال مقاتل الفواحش موجبات الحدود. وقال السدي هي ~~الزنا { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } أي يتجاوزون عن الذنب ~~الذي أغضبهم، ويكظمون الغيظ، ويحلمون على من ظلمهم، وخص الغضب بالغفران ~~لأن استيلاءه على طبع الإنسان، وغلبته عليه شديدة، فلا يغفر عند سورة ~~الغضب إلا من شرح الله صدره، وخصه بمزية الحلم، ولهذا أثنى الله سبحانه ~~عليهم بقوله في آل عمران # والكظمين الغيظ # آل عمران 134 قال ابن زيد جعل الله المؤمنين صنفين صنفا يعفون عن ~~ظالمهم، فبدأ بذكرهم، وصنفا ينتصرون من ظالمهم، وهم الذين سيأتي ذكرهم. { ~~والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلوة } أي ~~أجابوه إلى ms3474 ما دعاهم إليه، وأقاموا ما أوجبه عليهم من فريضة الصلاة. قال ~~ابن زيد هم الأنصار بالمدينة استجابوا إلى الإيمان بالرسول حين أنفذ ~~إليهم اثني عشر نقيبا منهم قبل الهجرة، وأقاموا الصلاة لمواقيتها ~~بشروطها، وهيئاتها { وأمرهم شورى بينهم } أي يتشاورون فيما ~~بينهم، ولا يعجلون، ولا ينفردون بالرأي. والشورى مصدر شاورته مثل البشرى، ~~والذكرى. قال الضحاك هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وورود النقباء إليهم حين اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الإيمان ~~به، والنصرة له. وقيل المراد تشاورهم في كل أمر يعرض لهم، فلا يستأثر ~~بعضهم على بعض برأي، وما أحسن ما قاله بشار بن برد # إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن برأي نصيح أو نصيحة حازم ولا تجعل ~~الشورى عليك غضاضة فإن الخوافي قوة للقوادم # وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في أموره، وأمره ~~الله سبحانه بذلك، فقال # وشاورهم فى الأمر # آل عمران 159، وقد قدمنا في آل عمران كلاما في الشورى { ومما ~~رزقنهم ينفقون } أي ينفقونه في سبيل الخير، ويتصدقون به على ~~المحاويج. ثم ذكر سبحانه الطائفة التي تنتصر ممن ظلمها، فقال { ~~والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون } أي أصابهم ~~بغي من بغى عليهم بغير الحق، ذكر سبحانه هؤلاء المنتصرين في معرض المدح ~~كما ذكر المغفرة عند الغضب في معرض المدح لأن التذلل لمن بغى ليس من صفات ~~من جعل الله له العزة حيث قال # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # المنافقون 8، فالانتصار عند البغي فضيلة، كما أن العفو عند الغضب فضيلة. ~~قال النخعي كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم، فيجترىء عليهم السفهاء، ولكن ~~هذا الانتصار مشروط بالاقتصار على ما جعله الله له وعدم مجاوزته كما بينه ~~سبحانه عقب هذا بقوله { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ، فبين ~~سبحانه أن العدل في الانتصار هو الاقتصار على المساواة، وظاهر هذا ~~العموم. وقال مقاتل، والشافعي، وأبو حنيفة، وسفيان إن هذا خاص بالمجروح ~~ينتقم من الجارح بالقصاص دون غيره. وقال مجاهد، والسدي هو جواب القبيح ~~إذا قال أخزاك الله ms3475 يقول أخزاك الله من غير أن يعتدي، وتسمية الجزاء سيئة ~~إما لكونها تسوء من وقعت عليه، أو على طريق المشاكلة لتشابههما في ~~الصورة. ثم لما بين سبحانه أن جزاء السيئة بمثلها حق جائز بين فضيلة ~~العفو، فقال { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } أي من ~~عفا عمن ظلمه، وأصلح بالعفو بينه، وبين ظالمه أي أن الله سبحانه يأجره ~~على ذلك، وأبهم الأجر تعظيما لشأنه، وتنبيها على جلالته. قال مقاتل ~~فكان العفو من الأعمال الصالحة، وقد بينا هذا في سورة آل عمران. ثم ذكر ~~سبحانه خروج الظلمة عن محبته التي هي سبب الفوز، والنجاة، فقال { إنه ~~لا يحب الظلمين } أي المبتدئين بالظلم قال مقاتل يعني من ~~يبدأ بالظلم، وبه قال سعيد بن جبير. وقيل لا يحب من يتعدى في الاقتصاص، ~~ويجاوز الحد فيه لأن المجاوزة ظلم. { ولمن انتصر بعد ظلمه ~~} مصدر مضاف إلى المفعول، أي بعد أن ظلمه الظالم له، واللام هي لام ~~الابتداء. وقال ابن عطية هي لام القسم، والأول أولى. ومن هي الشرطية، ~~وجوابه { فأولئك ما عليهم من سبيل } بمؤاخذة، وعقوبة، ~~ويجوز أن تكون من هي الموصولة، ودخلت الفاء في جوابها تشبيها للموصولة ~~بالشرطية، والأول أولى. ولما نفى سبحانه السبيل على من انتصر بعد ظلمه ~~بين من عليه السبيل، فقال { إنما السبيل على الذين ~~يظلمون الناس } أي يتعدون عليهم ابتداء كذا قال الأكثر. وقال ~~ابن جريج أي يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم { ويبغون فى الأرض ~~بغير الحق } أي يعملون في النفوس، والأموال بغير الحق كذا قال ~~الأكثر. وقال مقاتل بغيهم عملهم بالمعاصي. وقيل يتكبرون، ويتجبرون. وقال ~~أبو مالك هو ما يرجوه أهل مكة أن يكون بمكة غير الإسلام دينا، والإشارة ~~بقوله { أولئك } إلى الذين يظلمون الناس، وهو مبتدأ، وخبره { ~~لهم عذاب أليم } أي لهم بهذا السبب عذاب شديد الألم. ثم رغب ~~سبحانه في الصبر، والعفو، فقال { ولمن صبر وغفر } أي صبر على ~~الأذى، وغفر لمن ظلمه، ولم ينتصر، والكلام في هذه اللام، ومن كالكلام في، ~~ولمن انتصر { إن ذلك } الصبر، ms3476 والمغفرة { لمن عزم الأمور ~~} أي أن ذلك منه، فحذف لظهوره، كما في قولهم السمن منوان بدرهم. # قال مقاتل من الأمور التي أمر الله بها. وقال الزجاج الصابر يؤتى بصبره ~~ثوابا، فالرغبة في الثواب أتم عزما. قال ابن زيد إن هذا كله منسوخ ~~بالجهاد، وأنه خاص بالمشركين. وقال قتادة إنه عام، وهو ظاهر النظم ~~القرآني { ومن يضلل الله فما له من ولى من بعده } ~~أي فماله من أحد يلي هدايته، وينصره، وظاهر الآية العموم. وقيل هي خاصة ~~بمن أعرض عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعمل بما دعاه إليه من ~~الإيمان بالله، والعمل بما شرعه، والأول أولى. وقد أخرج أحمد، وابن ~~راهويه، وابن منيع، وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي، وأبو يعلى، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم عن علي بن أبي طالب قال ~~ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم { وما أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير } ، وسأفسرها لك يا علي # " ما أصابكم من مرض، أو عقوبة، أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، ~~والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في ~~الدنيا، فالله أكرم من أن يعود بعد عفوه " # وأخرج عبد بن حميد، والترمذي عن أبي موسى، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " لا يصيب عبدا نكبة، فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله عنه ~~أكثر " # وقرأ { وما أصبكم } الآية. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا ~~في الكفارات، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن عمران ~~بن حصين أنه دخل عليه بعض أصحابه، وكان قد ابتلي في جسده، فقال إنا ~~لنبتئس لك لما نرى فيك، قال فلا تبتئس لما ترى، فإن ما ترى بذنب، وما ~~يعفو الله عنه أكثر، ثم تلا هذه الآية { وما أصبكم من ~~مصيبة } إلى آخرها. وأخرج أحمد عن معاوية بن أبي سفيان سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ms3477 يقول # " ما من شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه إلا كفر الله عنه به من سيئاته ~~" # وأخرج ابن مردويه عن البراء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما عثرة قدم، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما ~~يعفو الله أكثر " # وأخرج ابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله { فيظللن ~~رواكد على ظهره } قال يتحركن، ولا يجرين في البحر. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله رواكد قال وقوفا { أو ~~يوبقهن } قال يهلكهن. وأخرج النسائي، وابن ماجه، وابن مردويه عن ~~عائشة، قالت دخلت علي زينب، وعندي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبلت ~~علي، فسبتني، فردعها النبي صلى الله عليه وسلم، فلم تنته، فقال لي # " سبيها، فسببتها حتى جف ريقها في فمها، ووجه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يتهلل سرورا " # وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن مردويه عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " المستبان ما قالا من شيء، فعلى البادىء حتى يعتدي المظلوم " # ، ثم قرأ { وجزاء سيئة سيئة مثلها }. وأخرج ابن مردويه ~~عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا كان يوم القيامة أمر الله مناديا ينادي ألا ليقم من كان له على ~~الله أجر، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا " # وذلك قوله { فمن عفا وأصلح فأجره على الله }. وأخرج ~~البيهقي عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ينادي مناد من كان له أجر على الله، فليدخل الجنة مرتين، فيقوم من ~~عفا عن أخيه " # قال الله { فمن عفا وأصلح فأجره على الله }. ### || [42.44-53] # قوله { وترى الظلمين } أي المشركين المكذبين بالبعث { لما ~~رأوا العذاب } أي حين نظروا النار، وقيل نظروا ما أعده الله لهم ~~عند الموت { يقولون هل إلى مرد من سبيل } أي هل إلى ~~الرجعة إلى الدنيا من طريق؟ { وتراهم يعرضون عليها ~~خشعين من الذل } أي ساكنين متواضعين عند أن يعرضوا على النار ~~لما ms3478 لحقهم من الذل، والهوان، والضمير في عليها راجع إلى العذاب، وأنثه، ~~لأن العذاب هو النار، وقوله { يعرضون } في محل نصب على الحال، لأن ~~الرؤية بصرية، وكذلك خاشعين، ومن الذل يتعلق بخاشعين، أي من أجله { ~~ينظرون من طرف خفى } " من " هي التي لابتداء الغاية، أي ~~يبتدىء نظرهم إلى النار، ويجوز أن تكون تبعيضية، والطرف الخفي الذي يخفى ~~نظره كالمصبور ينظر إلى السيف لما لحقهم من الذل، والخوف، والوجل. قال ~~مجاهد { من طرف خفى } أي ذليل قال وإنما ينظرون بقلوبهم لأنهم ~~يحشرون عميا، وعين القلب طرف خفي. وقال قتادة، وسعيد بن جبير، والسدي، ~~والقرظي يسارقون النظر من شدة الخوف. وقال يونس إن «من» في { من طرف ~~} بمعنى الباء، أي ينظرون بطرف ضعيف من الذل، والخوف، وبه قال الأخفش { ~~وقال الذين ءامنوا إن الخسرين الذين خسروا ~~أنفسهم وأهليهم يوم القيمة } أي أن الكاملين في ~~الخسران هم هؤلاء الذين جمعوا بين خسران الأنفس، والأهلين في يوم ~~القيامة. أما خسرانهم لأنفسهم، فلكونهم صاروا في النار معذبين بها، وأما ~~خسرانهم لأهليهم، فلأنهم إن كانوا معهم في النار، فلا ينتفعون بهم، وإن ~~كانوا في الجنة، فقد حيل بينهم، وبينهم. وقيل خسران الأهل أنهم لو آمنوا ~~لكان لهم في الجنة أهل من الحور العين { ألا إن الظلمين فى ~~عذاب مقيم } هذا يجوز أن يكون من تمام كلام المؤمنين. ويجوز أن ~~يكون من كلام الله سبحانه أي هم في عذاب دائم لا ينقطع. { وما كان ~~لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله } أي لم يكن لهم ~~أعوان يدفعون عنهم العذاب، وأنصار ينصرونهم في ذلك الموطن من دون الله، ~~بل هو المتصرف سبحانه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن { ومن يضلل ~~الله فما له من سبيل } أي من طريق يسلكها إلى النجاة. ثم أمر ~~سبحانه عباده بالاستجابة له، وحذرهم، فقال { استجيبوا لربكم ~~من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من الله } أي ~~استجيبوا دعوته لكم إلى الإيمان به، وبكتبه، ورسله من قبل أن يأتي يوم لا ~~يقدر ms3479 أحد على رده، ودفعه، على معنى من قبل أن يأتي من الله يوم لا يرده ~~أحد، أو لا يرده الله بعد أن حكم به على عباده، ووعدهم به، والمراد به ~~يوم القيامة، أو يوم الموت { ما لكم من ملجأ يومئذ } ~~تلجئون إليه، { وما لكم من نكير } أي إنكار، والمعنى ما لكم من ~~إنكار يومئذ، بل تعترفون بذنوبكم. # وقال مجاهد { وما لكم من نكير } أي ناصر ينصركم. وقيل النكير ~~بمعنى المنكر، كالأليم بمعنى المؤلم، أي لا تجدون يومئذ منكرا لما ينزل ~~بكم من العذاب قاله الكلبي، وغيره، والأول أولى. قال الزجاج معناه أنهم ~~لا يقدرون أن ينكروا الذنوب التي يوقفون عليها { فإن أعرضوا ~~فما أرسلنك عليهم حفيظا } أي حافظا تحفظ أعمالهم حتى ~~تحاسبهم عليها، ولا موكلا بهم رقيبا عليهم { إن عليك إلا ~~البلغ } أي ما عليك إلا البلاغ لما أمرت بإبلاغه، وليس عليك غير ~~ذلك، وهذا منسوخ بآية السيف. { وإنا إذا أذقنا الإنسن ~~منا رحمة فرح بها } أي إذا أعطيناه رخاء، وصحة، وغنى فرح بها ~~بطرا، والمراد بالإنسان الجنس، ولهذا قال { وإن تصبهم سيئة } ~~أي بلاء، وشدة، ومرض { بما قدمت أيديهم } من الذنوب { ~~فإن الإنسن كفور } أي كثير الكفر لما أنعم به عليه من نعمه، ~~غير شكور له عليها، وهذا باعتبار غالب جنس الإنسان. ثم ذكر سبحانه سعة ~~ملكه، ونفاذ تصرفه، فقال { لله ملك السموات والأرض } ~~أي له التصرف فيهما بما يريد، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع { ~~يخلق ما يشاء } من الخلق { يهب لمن يشاء إنثا ~~ويهب لمن يشاء الذكور }. قال مجاهد، والحسن، والضحاك، وأبو ~~مالك، وأبو عبيدة يهب لمن يشاء إناثا لا ذكور معهن، ويهب لمن يشاء ~~ذكورا لا إناث معهم. قيل وتعريف الذكور بالألف، واللام للدلالة على ~~شرفهم على الإناث، ويمكن أن يقال إن التقديم للإناث قد عارض ذلك، فلا ~~دلالة في الآية على المفاضلة بل هي مسوقة لمعنى آخر. وقد دل على شرف ~~الذكور قوله سبحانه # الرجال قوامون على النساء بما فضل الله # النساء 34، وغير ms3480 ذلك من الأدلة الدالة على شرف الذكور على الإناث. وقيل ~~تقديم الإناث لكثرتهن بالنسبة إلى الذكور. وقيل لتطييب قلوب آبائهن، ~~وقيل لغير ذلك مما لا حاجة إلى التطويل بذكره { أو يزوجهم ~~ذكرانا وإنثا } أي يقرن بين الإناث، والذكور، ويجعلهم أزواجا ~~فيهبهما جميعا لبعض خلقه. قال مجاهد هو أن تلد المرأة غلاما، ثم تلد ~~جارية، ثم تلد غلاما، ثم تلد جارية. وقال محمد ابن الحنفية هو أن تلد ~~توأما غلاما، وجارية. وقال القتيبي التزويج هنا هو الجمع بين البنين، ~~والبنات تقول العرب زوجت إبلي إذا جمعت بين الصغار، والكبار، ومعنى ~~الآية أوضح من أن يختلف في مثله، فإنه سبحانه أخبر أنه يهب لبعض خلقه ~~إناثا، ويهب لبعض ذكورا، ويجمع لبعض بين الذكور، والإناث { ويجعل ~~من يشاء عقيما } لا يولد له ذكر، ولا أنثى، والعقيم الذي لا يولد ~~له، يقال رجل عقيم، وامرأة عقيم، وعقمت المرأة تعقم عقما، وأصله القطع، ~~ويقال نساء عقم، ومنه قول الشاعر # عقم النساء فما يلدن شبي هه إن النساء بمثله عقم # { إنه عليم قدير } أي بليغ العلم عظيم القدرة { وما كان ~~لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا } أي ما صح لفرد من ~~أفراد البشر أن يكلمه الله بوجه من الوجوه إلا بأن يوحي إليه، فيلهمه، ~~ويقذف ذلك في قلبه قال مجاهد نفث ينفث في قلبه، فيكون إلهاما منه كما ~~أوحى إلى أم موسى، وإلى إبراهيم في ذبح ولده { أو من وراء حجاب ~~} كما كلم موسى، يريد أن كلامه يسمع من حيث لا يرى، وهو تمثيل بحال الملك ~~المحتجب الذي يكلم خواصه من وراء حجاب { أو يرسل رسولا ~~فيوحى بإذنه ما يشاء } أي يرسل ملكا، فيوحي ذلك الملك إلى ~~الرسول من البشر بأمر الله، وتيسيره ما يشاء أن يوحى إليه. قال الزجاج ~~المعنى أن كلام الله للبشر إما أن يكون بإلهام يلهمهم، أو يكلمهم من وراء ~~حجاب كما كلم موسى، أو برسالة ملك إليهم. وتقدير الكلام ما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا أن يوحي وحيا، أو يكلمه ms3481 من وراء حجاب، أو يرسل رسولا. ~~ومن قرأ يرسل رفعا أراد وهو يرسل، فهو ابتداء، واستئناف. ا ه. قرأ ~~الجمهور بنصب { أو يرسل } ، وبنصب { فيوحى } على تقدير أن، ~~وتكون أن، وما دخلت عليه معطوفين على وحيا، ووحيا في محل الحال، ~~والتقدير إلا موحيا، أو مرسلا، ولا يصح عطف، أو يرسل على أن يكلمه ~~لأنه يصير التقدير وما كان لبشر أن يرسل الله رسولا، وهو فاسد لفظا، ~~ومعنى. وقد قيل في توجيه قراءة الجمهور غير هذا مما لا يخلو عن ضعف. وقرأ ~~نافع أو يرسل بالرفع، وكذلك فيوحى بإسكان الياء على أنه خبر مبتدأ محذوف، ~~والتقدير أو هو يرسل كما قال الزجاج، وغيره، وجملة { إنه على ~~حكيم } تعليل لما قبلها، أي متعال عن صفات النقص، حكيم في كل أحكامه. ~~قال المفسرون سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ألا تكلم الله، وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى، فنزلت { ~~وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } أي وكالوحي ~~الذي أوحينا إلى الأنبياء قبلك أوحينا إليك روحا من أمرنا، المراد به ~~القرآن. وقيل النبوة. قال مقاتل يعني الوحي بأمرنا، ومعناه القرآن، لأنه ~~يهتدى به، ففيه حياة من موت الكفر. ثم ذكر سبحانه صفة رسوله قبل أن يوحى ~~إليه، فقال { ما كنت تدرى ما الكتب } أي أي شيء هو، لأنه ~~صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يقرأ، ولا يكتب، وذلك أدخل في الإعجاز، ~~وأدل على صحة نبوته، ومعنى { ولا الإيمن } أنه كان لا يعرف ~~تفاصيل الشرائع، ولا يهتدي إلى معالمها، وخص الإيمان لأنه رأسها، ~~وأساسها. # وقيل أراد بالإيمان هنا الصلاة. قال بهذا جماعة من أهل العلم منهم إمام ~~الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، واحتج بقوله تعالى # وما كان الله ليضيع إيمنكم # البقرة 143 يعني الصلاة، فسماها إيمانا. وذهب جماعة إلى أن الله سبحانه ~~لم يبعث نبيا إلا وقد كان مؤمنا به، وقالوا معنى الآية ما كنت تدري ~~قبل الوحي كيف تقرأ القرآن، ولا كيف تدعو الخلق ms3482 إلى الإيمان. وقيل كان ~~هذا قبل البلوغ حين كان طفلا، وفي المهد. وقال الحسين بن الفضل إنه على ~~حذف مضاف، أي ولا أهل الإيمان. وقيل المراد بالإيمان دين الإسلام. وقيل ~~الإيمان هنا عبارة عن الإقرار بكل ما كلف الله به العباد { ولكن ~~جعلنه نورا نهدى به من نشاء } أي ولكن جعلنا الروح ~~الذي أوحيناه إليك ضياء، ودليلا على التوحيد، والإيمان نهدي به من نشاء ~~هدايته { من عبادنا } ونرشده إلى الدين الحق { وإنك ~~لتهدى إلى صرط مستقيم } قال قتادة، والسدي، ومقاتل وإنك ~~لتدعو إلى الإسلام، فهو الصراط المستقيم. قرأ الجمهور { لتهدي } على ~~البناء للفاعل. وقرأ ابن حوشب على البناء للمفعول. وقرأ ابن السميفع بضم ~~التاء، وكسر الدال من أهدي، وفي قراءة أبي وإنك لتدعو، ثم بين الصراط ~~المستقيم بقوله { صرط الله الذى له ما فى السموات ~~وما في الأرض } ، وفي هذه الإضافة للصراط إلى الاسم الشريف من ~~التعظيم له، والتفخيم لشأنه ما لا يخفى، ومعنى { له ما في ~~السموات وفى الأرض } أنه المالك لذلك، والمتصرف فيه { ألا ~~إلى الله تصير الأمور } أي تصير إليه يوم القيامة لا إلى غيره ~~جميع أمور الخلائق، وفيه وعيد بالبعث المستلزم للمجازاة. وقد أخرج ابن ~~جرير عن ابن عباس في قوله { ينظرون من طرف خفى } قال ذليل. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد مثله. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد ~~بن حميد، وابن المنذر عن محمد بن كعب قال يسارقون النظر إلى النار. وأخرج ~~ابن مردويه، وابن عساكر عن واثلة بن الأسقع، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال # " من بركة المرأة ابتكارها بالأنثى، لأن الله قال { يهب لمن يشاء ~~إنثا ويهب لمن يشاء الذكور } " # وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { ويجعل من يشاء عقيما ~~} قال الذي لا يولد له. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله { وما كان ~~لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا } قال إلا أن يبعث ~~ملكا يوحي إليه من عنده، أو يلهمه، فيقذف في قلبه، أو يكلمه من وراء ms3483 ~~حجاب. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا } قال القرآن. وأخرج أبو ~~نعيم في الدلائل، وابن عساكر عن علي قال قيل لمحمد هل عبدت وثنا قط؟ ~~قال # " لا " # قالوا فهل شربت خمرا قط؟ قال # " لا، وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر، وما كنت أدري ما الكتاب، ولا ~~الإيمان» " # وبذلك نزل القرآن { ما كنت تدرى ما الكتب ولا ~~الإيمن }. ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1-20] # قوله { حم * والكتب المبين } الكلام ها هنا في الإعراب ~~كالكلام الذي قدمناه في # يس * والقرءان الحكيم # يس 1، 2، فإن جعلت { حم } قسما كانت الواو عاطفة، وإن لم تجعل قسما، ~~فالواو للقسم، وجواب القسم { إنا جعلنه } ، وقال ابن الأنباري ~~من جعل جواب، والكتاب { حم } كما تقول نزل والله، وجب والله وقف على { ~~الكتاب المبين } ، ومعنى { جعلناه } ، أي سميناه، ووصفناه، ولذلك تعدى ~~إلى مفعولين. وقال السدي المعنى أنزلناه { قرءانا }. وقال مجاهد ~~قلناه. وقال سفيان الثوري بيناه { عربيا } ، وكذا قال الزجاج، أي ~~أنزل بلسان العرب، لأن كل نبي أنزل كتابه بلسان قومه. وقال مقاتل لأن ~~لسان أهل الجنة عربي { لعلكم تعقلون } أي جعلنا ذلك الكتاب ~~قرآنا عربيا لكي تفهموه، وتتعقلوا معانيه، وتحيطوا بما فيه. قال ابن ~~زيد لعلكم تتفكرون. { وإنه فى أم الكتب } أي وإن القرآن في ~~اللوح المحفوظ { لدينا } أي عندنا { لعلى حكيم } رفيع القدر ~~محكم النظم لا يوجد فيه اختلاف، ولا تناقض، والجملة عطف على الجملة ~~المقسم بها داخلة تحت معنى القسم، أو مستأنفة مقررة لما قبلها. قال ~~الزجاج { أم الكتاب } أصل الكتاب، وأصل كل شيء أمه، والقرآن مثبت عند ~~الله في اللوح المحفوظ كما قال # بل هو قرءان مجيد * فى لوح محفوظ # البروج 21، 22 وقال ابن جريج المراد بقوله { وأنه } أعمال الخلق من ~~إيمان، وكفر، وطاعة، ومعصية. قال قتادة أخبر عن منزلته، وشرفه، وفضله، أي ~~إن كذبتم به يا أهل مكة، فإنه عندنا شريف رفيع محكم من الباطل. { ~~أفنضرب عنكم الذكر صفحا } يقال ضربت عنه، وأضربت عنه إذا ms3484 ~~تركته، وأمسكت عنه، كذا قال الفراء، والزجاج، وغيرهما، وانتصاب { صفحا } ~~على المصدرية، وقيل على الحال، على معنى أفنضرب عنكم الذكر صافحين، ~~والصفح مصدر قولهم صفحت عنه إذا أعرضت عنه، وذلك أنك توليه صفحة وجهك، ~~وعنقك، والمراد بالذكر هنا القرآن، والاستفهام للإنكار، والتوبيخ. قال ~~الكسائي المعنى أفنضرب عنكم الذكر طيا فلا توعظون، ولا تؤمرون. وقال ~~مجاهد، وأبو صالح، والسدي أفنضرب عنكم العذاب، ولا نعاقبكم على إسرافكم، ~~وكفركم. وقال قتادة المعنى أفنهلككم، ولا نأمركم، ولا ننهاكم؟ وروي عنه ~~أنه قال المعنى أفنمسك عن إنزال القرآن من قبل أنكم لا تؤمنون به؟ وقيل ~~الذكر التذكير، كأنه قال أنترك تذكيركم { أن كنتم قوما ~~مسرفين } ، قرأ نافع، وحمزة، والكسائي " إن كنتم " بكسر " إن " على ~~أنها الشرطية، والجزاء محذوف لدلالة ما قبله عليه. وقرأ الباقون بفتحها ~~على التعليل، أي لأن كنتم قوما منهمكين في الإسراف مصرين عليه، واختار ~~أبو عبيد قراءة الفتح. ثم سلى سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال { ~~وكم أرسلنا من نبي فى الأولين } كم هي الخبرية التي ~~معناها التكثير، والمعنى ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء في الأمم السابقة ~~{ وما يأتيهم من نبى إلا كانوا به يستهزءون } ~~كاستهزاء قومك بك { فأهلكنا أشد منهم بطشا } أي أهلكنا ~~قوما أشد قوة من هؤلاء القوم، وانتصاب { بطشا } على التمييز أو ~~الحال، أي باطشين { ومضى مثل الأولين } أي سلف في القرآن ~~ذكرهم غير مرة. # وقال قتادة عقوبتهم، وقيل صفتهم، والمثل الوصف والخبر. وفي هذا تهديد ~~شديد، لأنه يتضمن أن الأولين أهلكوا بتكذيب الرسل، وهؤلاء إن استمروا ~~على تكذيبك والكفر بما جئت به هلكوا مثلهم. { ولئن سألتهم من ~~خلق السموات والارض ليقولن خلقهن العزيز ~~العليم } أي لئن سألت هؤلاء الكفار من قومك من خلق هذه الأجرام ~~العلوية والسفلية؟ أقروا بأن الله خالقهن ولم ينكروا، وذلك أسوأ لحالهم ~~وأشد لعقوبتهم، لأنهم عبدوا بعض مخلوقات الله وجعلوه شريكا له، بل ~~عمدوا إلى ما لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر من المخلوقات وهي ~~الأصنام فجعلوها شركاء لله. ثم ms3485 وصف سبحانه نفسه بما يدل على عظيم نعمته ~~على عباده وكمال قدرته في مخلوقاته فقال { الذى جعل لكم ~~الأرض مهدا } وهذا كلام مبتدأ غير متصل بما قبله، ولو كان متصلا ~~بما قبله من جملة مقول الكفار لقالوا الذي جعل لنا الأرض مهادا، والمهاد ~~الفراش والبساط، وقد تقدم بيانه، قرأ الجمهور { مهادا } وقرأ الكوفيون ~~مهدا { وجعل لكم فيها سبلا } أي طرقا تسلكونها إلى حيث ~~تريدون، وقيل معايش تعيشون بها { لعلكم تهتدون } بسلوكها إلى ~~مقاصدكم ومنافعكم. { والذى نزل من السماء ماء بقدر } ~~أي بقدر الحاجة وحسبما تقتضيه المصلحة ولم ينزل عليكم منه فوق حاجتكم حتى ~~يهلك زرائعكم ويهدم منازلكم ويهلككم بالغرق، ولا دونها حتى تحتاجوا إلى ~~الزيادة، وعلى حسب ما تقتضيه مشيئته في أرزاق عباده بالتوسيع تارة ~~والتقتير أخرى { فأنشرنا به بلدة ميتا } أي أحيينا بذلك ~~الماء بلدة مقفرة من النبات. قرأ الجمهور { ميتا } بالتخفيف. وقرأ عيسى ~~وأبو جعفر بالتشديد { كذلك تخرجون } من قبوركم، أي مثل ذلك ~~الإحياء للأرض بإخراج نباتها بعد أن كانت لا نبات بها تبعثون من قبوركم ~~أحياء، فإن من قدر على هذا قدر على ذلك، وقد مضى بيان هذا في آل عمران ~~والأعراف. قرأ الجمهور { تخرجون } مبنيا للمفعول، وقرأ الأعمش، ويحيى ~~بن وثاب، وحمزة، والكسائي، وابن ذكوان عن ابن عامر مبنيا للفاعل. { ~~والذى خلق الأزوج كلها } المراد بالأزواج هنا الأصناف، قال ~~سعيد بن جبير الأصناف كلها. وقال الحسن الشتاء والصيف، والليل والنهار، ~~والسموات والأرض، والجنة والنار. وقيل أزواج الحيوان من ذكر وأنثى، وقيل ~~أزواج النبات، كقوله # وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج # ق 7 و # من كل زوج كريم # الشعراء 7 وقيل ما يتقلب فيه الإنسان من خير وشر، وإيمان وكفر، والأول ~~أولى { وجعل لكم من الفلك والأنعم ما تركبون } ~~في البحر والبر، أي ما تركبونه { لتستووا على ظهوره } ~~الضمير راجع إلى ما قاله أبو عبيد. وقال الفراء أضاف الظهور إلى واحد، ~~لأن المراد به الجنس، فصار الواحد في معنى الجمع بمنزلة الجنس فلذلك ذكر، ~~وجمع الظهر لأن ms3486 المراد ظهور هذا الجنس، والاستواء الاستعلاء، أي لتستعلوا ~~على ظهور ما تركبون من الفلك والأنعام { ثم تذكروا نعمة ~~ربكم إذا استويتم عليه } أي هذه النعمة التي أنعم بها ~~عليكم من تسخير ذلك المركب في البحر والبر. وقال مقاتل والكلبي هو أن ~~يقول الحمد لله الذي رزقني هذا وحملني عليه { وتقولوا سبحن ~~الذى سخر لنا هذا } أي ذلل لنا هذا المركب، وقرأ علي بن ~~أبي طالب سبحان من سخر لنا هذا قال قتادة قد علمكم كيف تقولون إذا ~~ركبتم، ومعنى { وما كنا له مقرنين } ما كنا له مطيقين، يقال ~~أقرن هذا البعير إذا أطاقه. وقال الأخفش وأبو عبيدة مقرنين ضابطين، وقيل ~~مماثلين له في القوة، من قولهم هو قرن فلان إذا كان مثله في القوة، ~~وأنشد قطرب قول عمرو بن معديكرب # لقد علم القبائل ما عقيل لنا في النائبات بمقرنينا # وقال آخر # ركبتم صعبتي أشرا وحيفا ولستم للصعاب بمقرنينا # والمراد بالأنعام هنا الإبل خاصة، وقيل الإبل والبقر، والأول أولى { ~~وإنا إلى ربنا لمنقلبون } أي راجعون إليه، وهذا تمام ما ~~يقال عند ركوب الدابة أو السفينة. ثم رجع سبحانه إلى ذكر الكفار الذين ~~تقدم ذكرهم، فقال { وجعلوا له من عباده جزءا } قال قتادة ~~أي عدلا، يعني ما عبد من دون الله. وقال الزجاج والمبرد الجزء هنا ~~البنات، والجزء عند أهل العربية البنات، يقال قد أجزأت المرأة إذا ولدت ~~البنات، ومنه قول الشاعر # إن أجزأت حرة يوما فلا عجب قد تجزىء الحرة المذكار أحيانا # وقد جعل صاحب الكشاف تفسير الجزء بالبنات من بدع التفسير، وصرح بأنه ~~مكذوب على العرب. ويجاب عنه بأنه قد رواه الزجاج والمبرد، وهما إماما ~~اللغة العربية وحافظاها ومن إليهما المنتهى في معرفتها، ويؤيد تفسير ~~الجزء بالبنات ما سيأتي من قوله { أم اتخذ مما يخلق بنات ~~} وقوله { وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن } وقوله ~~{ وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمن ~~إنثا } وقيل المراد بالجزاء هنا الملائكة فإنهم جعلوهم أولادا لله ~~سبحانه قاله مجاهد والحسن. قال الأزهري ومعنى الآية أنهم جعلوا ms3487 لله من ~~عباده نصيبا، على معنى أنهم جعلوا نصيب الله من الولدان { إن ~~الإنسن لكفور مبين } أي ظاهر الكفران مبالغ فيه، قيل المراد ~~بالإنسان هنا الكافر، فإنه الذي يجحد نعم الله عليه جحودا بينا. # ثم أنكر عليهم هذا فقال { أم اتخذ مما يخلق بنات } وهذا ~~استفهام تقريع وتوبيخ. وأم هي المنقطعة، والمعنى أتخذ ربكم لنفسه البنات ~~{ وأصفكم بالبنين } فجعل لنفسه المفضول من الصنفين ولكم ~~الفاضل منهما، يقال أصفيته بكذا، أي آثرته به، وأصفيته الود أخلصته له، ~~ومثل هذه الآية قوله # ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى # النجم21، 22 وقوله # أفأصفكم ربكم بالبنين # الإسراء 40 وجملة { وأصفاكم } معطوفة على { اتخذ } داخلة معها تحت ~~الإنكار. ثم زاد في تقريعهم وتوبيخهم فقال { وإذا بشر أحدهم ~~بما ضرب للرحمن مثلا } أي بما جعله للرحمن سبحانه من ~~كونه جعل لنفسه البنات، والمعنى أنه إذا بشر أحدهم بأنها ولدت له بنت ~~اغتم لذلك وظهر عليه أثره، وهو معنى قوله { ظل وجهه مسودا } ~~أي صار وجهه مسودا بسبب حدوث الأنثى له حيث لم يكن الحادث له ذكرا ~~مكانها { وهو كظيم } أي شديد الحزن كثير الكرب مملوء منه. قال ~~قتادة حزين. وقال عكرمة مكروب، وقيل ساكت، وجملة { وهو كظيم } في ~~محل نصب على الحال. ثم زاد في توبيخهم وتقريعهم فقال { أو من ينشأ ~~فى الحلية وهو فى الخصام غير مبين } معنى ينشأ يربى، ~~والنشوء التربية، والحلية الزينة، و " من " في محل نصب بتقدير مقدر ~~معطوف على { جعلوا } والمعنى أو جعلوا له سبحانه من شأنه أن يربى في ~~الزينة وهو عاجز عن أن يقوم بأمور نفسه، وإذا خوصم لا يقدر على إقامة ~~حجته ودفع ما يجادله به خصمه لنقصان عقله وضعف رأيه؟ قال المبرد تقدير ~~الآية أو يجعلون له من ينشأ في الحلية، أي ينبت في الزينة؟ قرأ الجمهور " ~~ينشأ " بفتح الياء وإسكان النون، وقرأ ابن عباس والضحاك، وابن وثاب، ~~وحفص، وحمزة، والكسائي، وخلف بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين. واختار ~~القراءة الأولى أبو حاتم، واختار الثانية ms3488 أبو عبيد. قال الهروي الفعل على ~~القراءة الأولى لازم، وعلى الثانية متعد. والمعنى يربى ويكبر في الحلية. ~~قال قتادة قلما تتكلم امرأة بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. وقال ابن ~~زيد والضحاك الذي ينشأ في الحلية أصنامهم التي صاغوها من ذهب وفضة. { ~~وجعلوا الملئكة الذين هم عند الرحمن ~~إنثا } الجعل هنا بمعنى القول والحكم على الشيء كما تقول جعلت زيدا ~~أفضل الناس، أي قلت بذلك، وحكمت له به. قرأ الكوفيون { عباد } بالجمع، ~~وبها قرأ ابن عباس. وقرأ الباقون { عند الرحمن } بنون ساكنة، واختار ~~القراءة الأولى أبو عبيد، لأن الإسناد فيها أعلى، ولأن الله إنما كذبهم ~~في قوله إنهم بنات الله، فأخبرهم أنهم عباده، ويؤيد هذه القراءة قوله # بل عباد مكرمون # الأنببياء 26، واختار أبو حاتم القراءة الثانية، قال وتصديق هذه القراءة ~~قوله # إن الذين عند ربك # الأعراف 206، ثم وبخهم، وقرعهم، فقال { أشهدوا خلقهم } أي ~~أحضروا خلق الله إياهم، فهو من الشهادة التي هي الحضور، وفي هذا تهكم ~~بهم، وتجهيل لهم. قرأ الجمهور { أشهدوا } على الاستفهام بدون واو. وقرأ ~~نافع أو اشهدوا. وقرأ الجمهور { ستكتب شهدتهم } بضم التاء ~~الفوقية، وبناء الفعل للمفعول، ورفع شهادتهم، وقرأ السلمي، وابن السميفع، ~~وهبيرة عن حفص بالنون، وبناء الفعل للفاعل، ونصب شهادتهم، وقرأ أبو رجاء ~~شهاداتهم بالجمع، والمعنى سنكتب هذه الشهادة التي شهدوا بها في ديوان ~~أعمالهم، لنجازيهم على ذلك { ويسئلون } عنها يوم القيامة. { ~~وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنهم } هذا فن آخر من ~~فنون كفرهم بالله جاءوا به للاستهزاء، والسخرية، ومعناه لو شاء الرحمن ~~في زعمكم ما عبدنا هذه الملائكة، وهذا كلام حق يراد به باطل، وقد مضى ~~بيانه في الأنعام، فبين سبحانه جهلهم بقوله { ما لهم بذلك من ~~علم } أي ما لهم بما قالوه من أن الله لو شاء عدم عبادتهم للملائكة ما ~~عبدوهم من علم، بل تكلموا بذلك جهلا، وأرادوا بما صورته صورة الحق ~~باطلا، وزعموا أنه إذا شاء، فقد رضي. ثم بين انتفاء علمهم بقوله { إن ~~هم إلا يخرصون } أي ما هم إلا يكذبون، ms3489 فيما قالوا، ويتمحلون ~~تمحلا باطلا. وقيل الإشارة بقوله { ذلك } إلى قوله { وجعلوا ~~الملئكة الذين هم عباد الرحمن إنثا }. قاله ~~قتادة، ومقاتل، والكلبي، وقال مجاهد، وابن جريج أي ما لهم بعبادة الأوثان ~~من علم. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال إن أول ما ~~خلق الله من شيء القلم، وأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، ~~والكتاب عنده، ثم قرأ { وإنه فى أم الكتب لدينا ~~لعلى حكيم }. وأخرج ابن مردويه نحوه عن أنس مرفوعا. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن عباس في قوله { أفنضرب عنكم الذكر صفحا } قال ~~أحببتم أن يصفح عنكم، ولم تفعلوا ما أمرتم به. وأخرج مسلم، وأبو داود، ~~والترمذي، والنسائي، والحاكم، وابن مردويه عن ابن عمر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا سافر ركب راحلته، ثم كبر ثلاثا، ثم قال { ~~سبحن الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ~~* وإنا إلى ربنا لمنقلبون }. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وما كنا له ~~مقرنين } قال مطيقين. وأخرج عبد بن حميد عنه { أو من ينشأ ~~فى الحلية } قال هو النساء فرق بين زيهن، وزي الرجال، ونقصهن من ~~الميراث، وبالشهادة، وأمرهن بالقعدة، وسماهن الخوالف. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن سعيد ~~بن جبير قال كنت أقرأ هذا الحرف { الذين هم عباد الرحمن ~~إنثا } ، فسألت ابن عباس فقال عباد الرحمن؟ قلت فإنها في مصحفي عند ~~الرحمن قال فامحها، واكتبها { عباد الرحمن }. ### || [43.21-35] # قوله { أم ءاتينهم كتبا من قبله } أم هي المنقطعة، ~~أي بل ءأعطيناهم كتابا من قبل القرآن بأن يعبدوا غير الله { فهم به ~~مستمسكون } يأخذون بما فيه، ويحتجون به، ويجعلونه لهم دليلا، ~~ويحتمل أن تكون أم معادلة لقوله { اشهدوا } ، فتكون متصلة، والمعنى ~~أحضروا خلقهم أم آتيناهم كتابا... إلخ. وقيل إن الضمير في { من ~~قبله } يعود إلى ادعائهم، أي أم آتيناهم كتابا من قبل ادعائهم ~~ينطق بصحة ما ms3490 يدعونه، والأول أولى. ثم بين سبحانه أنه لا حجة بأيديهم، ~~ولا شبهة، ولكنهم اتبعوا آباءهم في الضلالة، فقال { بل قالوا إنا ~~وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على ءاثرهم ~~مهتدون } ، فاعترفوا بأنه لا مستند لهم سوى تقليد آبائهم، ومعنى { ~~على أمة } على طريقة، ومذهب، قال أبو عبيد هي الطريقة، والدين، وبه قال ~~قتادة، وغيره. قال الجوهري والأمة الطريقة، والدين، يقال فلان لا أمة له، ~~أي لا دين له، ولا نحلة، ومنه قول قيس بن الخطيم # كنا على أمة آبائنا ونقتدي الآخر بالأول # وقول الآخر # وهل يستوي ذو أمة وكفور # وقال الفراء، وقطرب على قبلة. وقال الأخفش على استقامة، وأنشد قول ~~النابغة # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع # قرأ الجمهور { أمة } بضم الهمزة، وقرأ مجاهد، وقتادة، وعمر بن عبد ~~العزيز بكسرها. قال الجوهري والإمة بالكسر النعمة، والإمة أيضا لغة في ~~الأمة. ومنه قول عدي بن زيد # ثم بعد الفلاح والملك والإم ة وارتهم هناك قبور # ثم أخبر سبحانه أن غير هؤلاء من الكفار قد سبقهم إلى هذه المقالة، وقال ~~بها، فقال { وكذلك ما أرسلنا من قبلك فى قرية من ~~نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا ءاباءنا على ~~أمة وإنا على آثارهم مقتدون } { مترفوها } أغنياؤها، ~~ورؤساؤها، قال قتادة { مقتدون } متبعون، ومعنى الاهتداء، والاقتداء ~~متقارب، وخصص المترفين تنبيها على أن التنعم هو سبب إهمال النظر. ثم أمر ~~الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم، فقال { قل ~~أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه ءاباءكم } ~~أي أتتبعون آباءكم، ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم، قال الزجاج ~~المعنى قل لهم أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم، وإن جئتكم بأهدى منه. قرأ ~~الجمهور { قل أولو جئتكم } ، وقرأ ابن عامر، وحفص قال أو لو ~~جئتكم، وهو حكاية لما جرى بين المنذرين، وقومهم، أي قال كل منذر من ~~أولئك المنذرين لأمته، وقيل إن كلا القراءتين حكاية لما جرى بين ~~الأنبياء، وقومهم، كأنه قال لكل نبي قل، بدليل قوله { قالوا إنا ~~بما أرسلتم ms3491 به كفرون }. # وهذا من أعظم الأدلة الدالة على بطلان التقليد، وقبحه، فإن هؤلاء ~~المقلدة في الإسلام إنما يعملون بقول أسلافهم، ويتبعون آثارهم، ويقتدون ~~بهم، فإذا رام الداعي إلى الحق أن يخرجهم من ضلالة، أو يدفعهم عن بدعة قد ~~تمسكوا بها، وورثوها عن أسلافهم بغير دليل نير، ولا حجة واضحة، بل بمجرد ~~قال. وقيل لشبهة داحضة، وحجة زائفة، ومقالة باطلة، قالوا بما قاله ~~المترفون من هذه الملل إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم ~~مقتدون، أو بما يلاقي معناه معنى ذلك، فإن قال لهم الداعي إلى الحق قد ~~جمعتنا الملة الإسلامية، وشملنا هذا الدين المحمدي، ولم يتعبدنا الله، ~~ولا تعبدكم، وتعبد آباءكم من قبلكم إلا بكتابه الذي أنزله على رسوله، ~~وبما صح عن رسوله، فإنه المبين لكتاب الله الموضح لمعانيه، الفارق بين ~~محكمه، ومتشابهه، فتعالوا نرد ما تنازعنا فيه إلى كتاب الله، وسنة ~~رسوله كما أمرنا الله بذلك في كتابه بقوله # فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول # النساء 59، فإن الرد إليهما أهدى لنا ولكم من الرد إلى ما قاله ~~أسلافكم، ودرج عليه آباؤكم، نفروا نفور الوحوش، ورموا الداعي لهم إلى ذلك ~~بكل حجر ومدر، كأنهم لم يسمعوا قول الله سبحانه # إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا # النور 51، ولا قوله # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما # النساء 65، فإن قال لهم القائل هذا العالم الذي تقتدون به، وتتبعون ~~أقواله هو مثلكم في كونه متعبدا بكتاب الله، وسنة رسوله، مطلوبا منه ~~ما هو مطلوب منكم، وإذا عمل برأيه عند عدم وجدانه للدليل، فذلك رخصة له ~~لا يحل أن يتبعه غيره عليها، ولا يجوز له العمل بها، وقد وجدوا الدليل ~~الذي لم يجده، وها أنا أوجدكموه في كتاب الله، أو فيما صح من سنة ~~رسوله، وذلك أهدى لكم مما وجدتم عليه آباءكم، قالوا لا نعمل بهذا، ولا ~~سمع لك، ولا ms3492 طاعة، ووجدوا في صدورهم أعظم الحرج من حكم الكتاب، والسنة، ~~ولم يسلموا ذلك، ولا أذعنوا له، وقد وهب لهم الشيطان عصي يتوكئون عليها ~~عند أن يسمعوا من يدعوهم إلى الكتاب، والسنة، وهي أنهم يقولون إن إمامنا ~~الذي قلدناه، واقتدينا به أعلم منك بكتاب الله، وسنة رسوله، وذلك لأن ~~أذهانهم قد تصورت من يقتدون به تصورا عظيما بسبب تقدم العصر، وكثرة ~~الأتباع، وما علموا أن هذا منقوض عليهم، مدفوع به في وجوههم، فإنه لو قيل ~~لهم إن في التابعين من هو أعظم قدرا، وأقدم عصرا من صاحبكم، فإن كان ~~لتقدم العصر وجلالة القدر مزية حتى توجب الاقتداء، فتعالوا حتى أريكم من ~~هو أقدم عصرا، وأجل قدرا، فإن أبيتم ذلك، ففي الصحابة رضي الله عنهم ~~من هو أعظم قدرا من صاحبكم علما، وفضلا، وجلالة قدر، فإن أبيتم ذلك، ~~فها أنا أدلكم على من هو أعظم قدرا، وأجل خطرا، وأكثر أتباعا، وأقدم ~~عصرا، وهو محمد بن عبد الله نبينا، ونبيكم، ورسول الله إلينا، وإليكم، ~~فتعالوا، فهذه سنته موجودة في دفاتر الإسلام، ودواوينه التي تلقتها جميع ~~هذه الأمة قرنا بعد قرن، وعصرا بعد عصر، وهذا كتاب ربنا خالق الكل، ~~ورازق الكل، وموجد الكل بين أظهرنا موجود في كل بيت، وبيد كل مسلم لم ~~يلحقه تغيير، ولا تبديل، ولا زيادة، ولا نقص، ولا تحريف، ولا تصحيف، ~~ونحن، وأنتم ممن يفهم ألفاظه، ويتعقل معانيه، فتعالوا لنأخذ الحق من ~~معدنه، ونشرب صفو الماء من منبعه، فهو أهدى مما وجدتم عليه آباءكم، قالوا ~~لا سمع، ولا طاعة، إما بلسان المقال، أو بلسان الحال، فتدبر هذا، وتأمله ~~إن بقي فيك بقية من إنصاف، وشعبة من خير، ومزعة من حياء، وحصة من دين، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # وقد أوضحت هذا غاية الإيضاح في كتابي الذي سميته «أدب الطلب ومنتهى ~~الأرب»، فارجع إليه إن رمت أن تنجلي عنك ظلمات التعصب، وتتقشع لك سحائب ~~التقليد { فانتقمنا منهم }. وذلك الانتقام ما أوقعه الله بقوم ~~نوح، وعاد، وثمود { فانظر كيف ms3493 كان عقبة المكذبين } ~~من تلك الأمم، فإن آثارهم موجودة. { وإذ قال إبرهيم لأبيه ~~وقومه } أي واذكر لهم وقت قوله لأبيه، وقومه الذين قلدوا آباءهم، ~~وعبدوا الأصنام { إننى براء مما تعبدون } البراء مصدر نعت ~~به للمبالغة، وهو يستعمل للواحد، والمثنى، والمجموع، والمذكر، والمؤنث. ~~قال الجوهري وتبرأت من كذا، وأنا منه براء وخلاء، لا يثنى، ولا يجمع، ~~لأنه مصدر في الأصل، ثم استثنى خالقه من البراءة، فقال { إلا الذى ~~فطرنى } أي خلقني { فإنه سيهدين } سيرشدني لدينه، ويثبتني ~~على الحق، والاستثناء إما منقطع، أي لكن الذي فطرني، أو متصل من عموم ما، ~~لأنهم كانوا يعبدون الله، والأصنام، وإخباره بأنه سيهديه جزما لثقته ~~بالله سبحانه، وقوة يقينه { وجعلها كلمة بقية فى ~~عقبه } الضمير في { جعلها } عائد إلى قوله { إلا الذى ~~فطرنى } ، وهي بمعنى التوحيد، كأنه قال وجعل كلمة التوحيد باقية في ~~عقب إبراهيم، وهم ذريته، فلا يزال فيهم من يوحد الله سبحانه، وفاعل ~~جعلها إبراهيم، وذلك حيث وصاهم بالتوحيد، وأمرهم بأن يدينوا به كما في ~~قوله # ووصى بها إبرهيم بنيه ويعقوب # البقرة 132 الآية، وقيل الفاعل هو الله عز وجل، أي وجعل الله عز وجل ~~كلمة التوحيد باقية في عقب إبراهيم، والعقب من بعد. قال مجاهد، وقتادة ~~الكلمة لا إله إلا الله لا يزال من عقبه من يعبد الله إلى يوم القيامة. ~~وقال عكرمة هي الإسلام. # قال ابن زيد الكلمة هي قوله # أسلمت لرب العلمين # البقرة 131، وجملة { لعلهم يرجعون } تعليل للجعل، أي جعلها ~~باقية رجاء أن يرجع إليها من يشرك منهم بدعاء من يوحد. وقيل الضمير في { ~~لعلهم } راجع إلى أهل مكة، أي لعل أهل مكة يرجعون إلى دينك الذي هو دين ~~إبراهيم. وقيل في الكلام تقديم، وتأخير، والتقدير فإنه سيهدين لعلهم ~~يرجعون، وجعلها... إلخ. قال السدي لعلهم يتوبون، فيرجعون عما هم عليه ~~إلى عبادة الله. ثم ذكر سبحانه نعمته على قريش، ومن وافقهم من الكفار ~~المعاصرين لهم، فقال { بل متعت هؤلاء وءاباءهم } أضرب عن ~~الكلام الأول إلى ذكر ما متعهم به من الأنفس، ms3494 والأهل، والأموال، وأنواع ~~النعم، وما متع به آباءهم، ولم يعاجلهم بالعقوبة، فاغتروا بالمهلة، ~~وأكبوا على الشهوات { حتى جاءهم الحق } يعني القرآن { ~~ورسول مبين } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، ومعنى { مبين } ~~ظاهر الرسالة واضحها، أو مبين لهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين، فلم ~~يجيبوه، ولم يعملوا بما أنزل عليه. ثم بين سبحانه ما صنعوه عند مجيء ~~الحق، فقال { ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر ~~وإنا به كفرون } أي جاحدون، فسموا القرآن سحرا، وجحدوه. ~~واستحقروا رسول الله صلى الله عليه وسلم { وقالوا لولا نزل ~~هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم } ~~المراد بالقريتين مكة، والطائف، وبالرجلين الوليد بن المغيرة من مكة، ~~وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف كذا قال قتادة، وغيره. وقال مجاهد، ~~وغيره عتبة بن ربيعة من مكة، وعمير بن عبد ياليل الثقفي من الطائف، وقيل ~~غير ذلك. وظاهر النظم أن المراد رجل من إحدى القريتين عظيم الجاه واسع ~~المال مسود في قومه، والمعنى أنه لو كان قرآنا لنزل على رجل عظيم من ~~عظماء القريتين، فأجاب الله سبحانه عنهم بقوله { أهم يقسمون ~~رحمة ربك } يعني النبوة، أو ما هو أعم منها، والاستفهام ~~للإنكار. ثم بين أنه سبحانه هو الذي قسم بينهم ما يعيشون به من أمور ~~الدنيا، فقال { نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى ~~الحيوة الدنيا } ، ولم نفوض ذلك إليهم، وليس لأحد من العباد أن ~~يتحكم في شيء بل الحكم لله وحده، وإذا كان الله سبحانه هو الذي قسم بينهم ~~أرزاقهم، ورفع درجات بعضهم على بعض، فكيف لا يقنعون بقسمته في أمر ~~النبوة، وتفويضها إلى من يشاء من خلقه. قال مقاتل يقول أبأيديهم مفاتيح ~~الرسالة، فيضعونها حيث شاءوا؟ قرأ الجمهور { معيشتهم } بالإفراد، وقرأ ~~ابن عباس، ومجاهد، وابن محيصن معايشهم بالجمع ومعنى { رفعنا ~~بعضهم فوق بعض درجت } أنه فاضل بينهم، فجعل بعضهم أفضل ~~من بعض في الدنيا بالرزق، والرياسة، والقوة، والحرية، والعقل، والعلم، ~~ثم ذكر العلة لرفع درجات بعضهم على بعض، فقال { ليتخذ بعضهم ~~بعضا سخريا } أي ليستخدم بعضهم بعضا، فيستخدم ms3495 الغني الفقير، ~~والرئيس المرءوس، والقوي الضعيف، والحر العبد، والعاقل من هو دونه في ~~العقل، والعالم الجاهل، وهذا في غالب أحوال أهل الدنيا، وبه تتم ~~مصالحهم، وينتظم معاشهم، ويصل كل واحد منهم إلى مطلوبه، فإن كل صناعة ~~دنيوية يحسنها قوم دون آخرين، فجعل البعض محتاجا إلى البعض، لتحصل ~~المواساة بينهم في متاع الدنيا، ويحتاج هذا إلى هذا، ويصنع هذا لهذا، ~~ويعطي هذا هذا. # قال السدي، وابن زيد { سخرنا } خولا وخدما، يسخر الأغنياء الفقراء، ~~فيكون بعضهم سببا لمعاش بعض. وقال قتادة، والضحاك ليملك بعضهم بعضا، ~~وقيل هو من السخرية التي بمعنى الاستهزاء، وهذا وإن كان مطابقا للمعنى ~~اللغوي، ولكنه بعيد من معنى القرآن، ومناف لما هو مقصود السياق { ~~ورحمة ربك خير مما يجمعون } يعني بالرحمة ما أعده ~~الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة، وقيل هي النبوة لأنها المراد ~~بالرحمة المتقدمة في قوله { أهم يقسمون رحمة ربك } ولا ~~مانع من أن يراد كل ما يطلق عليه اسم الرحمة إما شمولا أو بدلا، ومعنى ~~{ مما يجمعون } ما يجمعونه من الأموال، وسائر متاع الدنيا. ثم ~~بين سبحانه حقارة الدنيا عنده، فقال { ولولا أن يكون الناس ~~أمة وحدة } أي لولا أن يجتمعوا على الكفر ميلا إلى الدنيا، ~~وزخرفها { لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم ~~سقفا من فضة } جمع الضمير في بيوتهم، وأفرده في يكفر باعتبار ~~معنى من ولفظها، ولبيوتهم بدل اشتمال من الموصول، والسقف جمع سقف. قرأ ~~الجمهور بضم السين، والقاف كرهن، ورهن. قال أبو عبيدة ولا ثالث ~~لهما. وقال الفراء هو جمع سقيف نحو كثيب، وكثب، ورغيف، ورغف، وقيل هو جمع ~~سقوف، فيكون جمعا للجمع. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بفتح السين، وإسكان ~~القاف على الإفراد، ومعناه الجمع لكونه للجنس. قال الحسن معنى الآية لولا ~~أن يكفر الناس جميعا بسبب ميلهم إلى الدنيا، وتركهم الآخرة لأعطيناهم في ~~الدنيا ما وصفناه، لهوان الدنيا عند الله، وقال بهذا أكثر المفسرين. وقال ~~ابن زيد لولا أن يكون الناس أمة واحدة في طلب الدنيا، واختيارهم لها على ~~الآخرة. وقال الكسائي ms3496 المعنى لولا أن يكون في الكفار غني، وفقير، وفي ~~المسلمين مثل ذلك لأعطينا الكفار من الدنيا هذا لهوانها { ومعارج ~~عليها يظهرون } المعارج الدرج جمع معراج، والمعراج السلم. قال ~~الأخفش إن شئت جعلت الواحدة معرج، ومعرج مثل مرقاة، ومرقاة، ~~والمعنى فجعلنا لهم معارج من فضة عليها يظهرون، أي على المعارج يرتقون، ~~ويصعدون، يقال ظهرت على البيت أي علوت سطحه، ومنه قول النابغة # بلغنا السماء مجدا وفخرا وسؤددا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا # أي مصعدا { ولبيوتهم أبوبا وسررا } أي وجعلنا لبيوتهم ~~أبوابا من فضة، وسررا من فضة { عليها يتكئون } أي على السرر، ~~وهو جمع سرير، وقيل جمع أسرة، فيكون جمعا للجمع، والاتكاء، والتوكؤ ~~التحامل على الشيء، ومنه # أتوكأ عليها # طه 18 واتكأ على الشيء، فهو متكأ، والموضع متكىء، والزخرف الذهب. وقيل ~~الزينة أعم من أن تكون ذهبا، أو غيره. قال ابن زيد هو ما يتخذه الناس ~~في منازلهم من الأمتعة، والأثاث. وقال الحسن النقوش، وأصله الزينة، يقال ~~زخرفت الدار أي زينتها، وانتصاب { زخرفا } بفعل مقدر، أي وجعلنا لهم مع ~~ذلك زخرفا، أو بنزع الخافض، أي أبوابا، وسررا من فضة، ومن ذهب، فلما ~~حذف الخافض انتصب. ثم أخبر سبحانه أن جميع ذلك إنما يتمتع به في الدنيا، ~~فقال { وإن كل ذلك لما متع الحيوة الدنيا } قرأ ~~الجمهور لما بالتخفيف، وقرأ عاصم، وحمزة، وهاشم عن ابن عامر بالتشديد. ~~فعلى القراءة الأولى تكون إن هي المخففة من الثقيلة، وعلى القراءة ~~الثانية هي النافية، و " لما " بمعنى إلا، أي ما كل ذلك إلا شيء يتمتع ~~به في الدنيا. وقرأ أبو رجاء بكسر اللام من لما على أن اللام للعلة، وما ~~موصولة، والعائد محذوف، أي للذي هو متاع { والآخرة عند ربك ~~للمتقين } أي لمن اتقى الشرك، والمعاصي، وآمن بالله وحده، وعمل ~~بطاعته، فإنها الباقية التي لا تفنى، ونعيمها الدائم الذي لا يزول. وقد ~~أخرج ابن جرير، عن ابن عباس { بل قالوا إنا وجدنا ءاباءنا ~~} قال على دين. وأخرج عبد بن حميد عنه { وجعلها كلمة بقية ~~} قال لا ms3497 إله إلا الله { فى عقبه } قال عقب إبراهيم ولده. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه عنه أيضا أنه سئل عن قول الله { ~~لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين ~~عظيم } ما القريتان؟ قال الطائف، ومكة، قيل فمن الرجلان؟ قال عمير بن ~~مسعود، وخيار قريش. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه ~~أيضا قال يعني بالقريتين مكة والطائف، والعظيم الوليد بن المغيرة ~~القرشي، وحبيب بن عمير الثقفي. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية ~~قال يعنون أشرف من محمد الوليد بن المغيرة من أهل مكة، ومسعود بن عمرو ~~الثقفي من أهل الطائف. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه ~~أيضا في قوله { لولا أن يكون الناس أمة وحدة } الآية ~~يقول لولا أن أجعل الناس كلهم كفارا لجعلت لبيوت الكفار سقفا من فضة، ~~ومعارج من فضة، وهي درج عليها يصعدون إلى الغرف، وسرر فضة، وزخرفا وهو ~~الذهب. وأخرج الترمذي وصححه، وابن ماجه، عن سهل بن سعد قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء ~~". ### || [43.36-45] # قوله { ومن يعش عن ذكر الرحمن } يقال عشوت إلى النار ~~قصدتها، وعشوت عنها أعرضت عنها، كما تقول عدلت إلى فلان، وعدلت عنه، وملت ~~إليه، وملت عنه، كذا قال الفراء، والزجاج، وأبو الهيثم، والأزهري. ~~فالمعنى ومن يعرض عن ذكر الرحمن. قال الزجاج معنى الآية أن من أعرض عن ~~القرآن، وما فيه من الحكمة إلى أباطيل المضلين يعاقبه الله بشيطان يقيضه ~~له حتى يضله، ويلازمه قرينا له، فلا يهتدى مجازاة له حين آثر الباطل على ~~الحق البين. وقال الخليل العشو النظر الضعيف، ومنه # لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره إذا الريح هبت والمكان جديب # والظاهر أن معنى البيت القصد إلى النار لا النظر إليها ببصر ضعيف كما ~~قال الخليل، فيكون دليلا على ما قدمنا من أنه يأتي بمعنى القصد، وبمعنى ~~الإعراض، وهكذا ما أنشده الخليل مستشهدا به ms3498 على ما قاله من قول الحطيئة # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد # فإن الظاهر أن معناه تقصد إلى ضوء ناره، لا تنظر إليها ببصر ضعيف. ويمكن ~~أن يقال إن المعنى في البيتين المبالغة في ضوء النار، وسطوعها، بحيث لا ~~ينظرها الناظر إلا كما ينظر من هو معشي البصر لما يلحق بصره من الضعف ~~عند ما يشاهده من عظم وقودها. وقال أبو عبيدة، والأخفش إن معنى { ومن ~~يعش } ومن تظلم عينه، وهو نحو قول الخليل، وهذا على قراءة الجمهور { ~~ومن يعش } بضم الشين من عشا يعشو. وقرأ ابن عباس، وعكرمة ومن يعش بفتح ~~الشين، يقال عشي الرجل يعشى عشيا إذا عمى، ومنه قول الأعشى # رأت رجلا غايب الوافدي ن مختلف الخلق أعشى ضريرا # وقال الجوهري والعشا مقصور، مصدر الأعشى وهو الذي لا يبصر بالليل، ويبصر ~~بالنهار، والمرأة عشواء. وقرىء يعشو بالواو على أن «من» موصولة غير ~~متضمنة معنى الشرط. قرأ الجمهور { نقيض له شيطانا } بالنون ~~وقرأ السلمي، وابن أبي إسحاق، ويعقوب، وعصمة عن عاصم، والأعمش بالتحتية ~~مبنيا للفاعل، وقرأ ابن عباس بالتحتية مبنيا للمفعول ورفع شيطان على ~~النيابة { فهو له قرين } أي ملازم له لا يفارقه، أو هو ملازم ~~للشيطان لا يفارقه، بل يتبعه في جميع أموره، ويطيعه في كل ما يوسوس به ~~إليه { وإنهم ليصدونهم عن السبيل } أي وإن الشياطين ~~الذين يقيضهم الله لكل أحد ممن يعشو عن ذكر الرحمن كما هو معني من { ~~ليصدونهم } ، أي يحولون بينهم، وبين سبيل الحق، ويمنعونهم منه، ويوسوسون ~~لهم أنهم على الهدى حتى يظنون صدق ما يوسوسون به، وهو معنى قوله { ~~ويحسبون أنهم مهتدون } أي يحسب الكفار أن الشياطين ~~مهتدون، فيطيعونهم، أو يحسب الكفار بسبب تلك الوسوسة أنهم في أنفهسم ~~مهتدون { حتى إذا جاءنا } قرأ الجمهور بالتثنية، أي الكافر ~~والشيطان المقارن له، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص بالإفراد أي ~~الكافر، أو جاء كل واحد منهما { قال } الكافر مخاطبا للشيطان { ~~يليت بيني وبينك بعد المشرقين } أي بعد ما ms3499 بين ~~المشرق والمغرب، فغلب المشرق على المغرب. # قال مقاتل يتمنى الكافر أن بينهما بعد مشرق أطول يوم في السنة من مشرق ~~أقصر يوم في السنة، والأول أولى، وبه قال الفراء { فبئس القرين ~~} المخصوص بالذم محذوف، أي أنت أيها الشيطان. { ولن ينفعكم ~~اليوم } هذا حكاية لما سيقال لهم يوم القيامة { إذ ظلمتم } أي ~~لأجل ظلمكم أنفسكم في الدنيا، وقيل إن «إذ» بدل من اليوم لأنه تبين في ~~ذلك اليوم أنهم ظلموا أنفسهم في الدنيا. قرأ الجمهور { أنكم فى ~~العذاب مشتركون } بفتح أن على أنها وما بعدها في محل رفع على ~~الفاعلية، أي لن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب. قال المفسرون لا يخفف ~~عنهم بسبب الاشتراك شيء من العذاب لأن لكل أحد من الكفار والشياطين الحظ ~~الأوفر منه. وقيل إنها للتعليل لنفي النفع، أي لأن حقكم أن تشتركوا أنتم ~~وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه في الدنيا، ويقوي هذا ~~المعنى قراءة ابن عامر على اختلاف عليه فيها بكسر إن. ثم ذكر سبحانه أنها ~~لا تنفع الدعوة والوعظ من سبقت له الشقاوة، فقال { أفأنت تسمع ~~الصم أو تهدى العمى } الهمزة لإنكار التعجب، أي ليس لك ذلك، ~~فلا يضيق صدرك إن كفروا، وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وإخبار له أنه لا يقدر على ذلك إلا الله عز وجل، وقوله { ومن كان ~~فى ضلل مبين } عطف على العمي، أي إنك لا تهدي من كان كذلك، ~~ومعنى الآية أن هؤلاء الكفار بمنزلة الصم الذين لا يعقلون ما جئت به، ~~وبمنزلة العمي الذين لا يبصرونه لإفراطهم في الضلالة، وتمكنهم من الجهالة ~~{ فإما نذهبن بك } بالموت قبل أن ينزل العذاب بهم { فإنا ~~منهم منتقمون } إما في الدنيا، أو في الآخرة، وقيل المعنى ~~نخرجنك من مكة { أو نرينك الذى وعدنهم } من العذاب ~~قبل موتك { فإنا عليهم مقتدرون } متى شئنا عذبناهم. قال ~~كثير من المفسرين قد أراه الله ذلك يوم بدر. وقال الحسن، وقتادة هي في ~~أهل الإسلام يريد ما كان بعد النبي صلى الله ms3500 عليه وسلم من الفتن، وقد كان ~~بعد النبي فتنة شديدة، فأكرم الله نبيه، وذهب به، فلم يره في أمته شيئا ~~من ذلك، والأول أولى. { فاستمسك بالذى أوحى إليك } أي ~~من القرآن، وإن كذب به من كذب { إنك على صرط مستقيم } ~~أي طريق واضح، والجملة تعليل لقوله { فاستمسك } { وإنه ~~لذكر لك ولقومك } أي وإن القرآن لشرف لك، ولقومك من قريش إذ ~~نزل عليك، وأنت منهم بلغتك، ولغتهم، ومثله قوله # لقد أنزلنا إليكم كتبا فيه ذكركم # الأنبياء 10، وقيل بيان لك، ولأمتك فيما لكم إليه حاجة. وقيل تذكرة ~~تذكرون بها أمر الدين، وتعملون به { وسوف تسئلون } عما جعله ~~الله لكم من الشرف، كذا قال الزجاج، والكلبي، وغيرهما. وقيل يسئلون عما ~~يلزمهم من القيام بما فيه، والعمل به { واسئل من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ءالهة ~~يعبدون } قال الزهري، وسعيد بن جبير، وابن زيد إن جبريل قال ذلك ~~للنبي صلى الله عليه وسلم لما أسري به. فالمراد سؤال الأنبياء في ذلك ~~الوقت عند ملاقاته لهم، وبه قال جماعة من السلف. وقال المبرد، والزجاج، ~~وجماعة من العلماء إن المعنى واسأل أمم من قد أرسلنا. وبه قال مجاهد، ~~والسدي، والضحاك، وقتادة، وعطاء، والحسن. ومعنى الآية على القولين ~~سؤالهم هل أذن الله بعبادة الأوثان في ملة من الملل، وهل سوغ ذلك لأحد ~~منهم؟ والمقصود تقريع مشركي قريش بأن ما هم عليه لم يأت في شريعة من ~~الشرائع. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن عثمان المخزومي أن قريشا ~~قالت قيضوا لكل رجل من أصحاب محمد رجلا يأخذه، فقيضوا لأبي بكر طلحة بن ~~عبيد الله، فأتاه، وهو في القوم، فقال أبو بكر إلام تدعوني؟ قال أدعوك ~~إلى عبادة اللات، والعزى. قال أبو بكر وما اللات؟ قال أولاد الله. قال ~~وما العزى. قال بنات الله. قال أبو بكر فمن أمهم؟ فسكت طلحة، فلم يجبه، ~~فقال لأصحابه أجيبوا الرجل، فسكت القوم، فقال طلحة قم يا أبا بكر أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا ms3501 رسول الله، فأنزل الله { ومن يعش عن ~~ذكر الرحمن } الآية. وثبت في صحيح مسلم، وغيره أن مع كل إنسان ~~قرينا من الجن. وأخرج ابن مردويه عن علي في قوله { فإما ~~نذهبن بك } قال ذهب نبيه صلى الله عليه وسلم، وبقيت نقمته في ~~عدوه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله { أو نرينك الذى ~~وعدنهم } قال يوم بدر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب من طرق عنه في قوله { ~~وإنه لذكر لك ولقومك } قال شرف لك، ولقومك. وأخرج ابن ~~عدي، وابن مردويه عن علي، وابن عباس قالا كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعرض نفسه على القبائل بمكة، ويعدهم الظهور، فإذا قالوا لمن الملك ~~بعدك؟ أمسك، فلم يجبهم بشيء لأنه لم يؤمر في ذلك بشيء حتى نزلت { ~~وإنه لذكر لك ولقومك } ، فكان بعد إذا سئل قال قريش، ~~فلا يجيبونه حتى قبلته الأنصار على ذلك. وأخرج عبد بن حميد من طريق ~~الكلبي عن ابن عباس في قوله { واسئل من أرسلنا من قبلك ~~من رسلنا } قال اسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك من رسلنا. ### || [43.46-56] # لما أعلم الله سبحانه نبيه بأنه منتقم له من عدوه، وذكر اتفاق الأنبياء ~~على التوحيد، أتبعه بذكر قصة موسى، وفرعون، وبيان ما نزل بفرعون وقومه من ~~النقمة، فقال { ولقد أرسلنا موسى بئايتنا } ، وهي ~~التسع التي تقدم بيانها { إلى فرعون وملئه } الملأ الأشراف ~~{ فقال إنى رسول رب العلمين } أرسلني إليكم { فلما ~~جاءهم بئايتنا إذا هم منها يضحكون } استهزاء ~~وسخرية، وجواب لما هو إذا الفجائية، لأن التقدير فاجئوا وقت ضحكهم { ~~وما نريهم من ءاية إلا هى أكبر من أختها } أي ~~كل واحدة من آيات موسى أكبر مما قبلها، وأعظم قدرا مع كون التي قبلها ~~عظيمة في نفسها، وقيل المعنى إن الأولى تقتضي علما، والثانية تقتضي ~~علما، فإذا ضمت الثانية إلى الأولى ازداد الوضوح، ومعنى الأخوة بين ~~الآيات أنها متشاكلة متناسبة في دلالتها على صحة نبوة موسى كما يقال هذه ~~صاحبة هذه، ms3502 أي هما قرينتان في المعنى. وجملة { إلا هى أكبر من ~~أختها } في محل جر صفة لآية، وقيل المعنى أن كل واحدة من الآيات إذا ~~انفردت ظن الظان أنها أكبر من سائر الآيات، ومثل هذا قول القائل # من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري # { وأخذنهم بالعذاب لعلهم يرجعون } أي بسبب ~~تكذيبهم بتلك الآيات، والعذاب هو المذكور في قوله # ولقد أخذنا ءال فرعون بالسنين ونقص من ~~الثمرات # الآية الأعراف 130، وبين سبحانه أن العلة في أخذه لهم بالعذاب هو رجاء ~~رجوعهم، ولماعاينوا ماجاءهم به من الآيات البينات، والدلالات الواضحات ~~ظنوا أن ذلك من قبيل السحر. { وقالوا ياأيه الساحر } ، ~~وكانوا يسمون العلماء سحرة، ويوقرون السحرة، ويعظمونهم، ولم يكن السحر ~~صفة ذم عندهم. قال الزجاج خاطبوه بما تقدم له عندهم من التسمية بالساحر ~~{ ادع لنا ربك بما عهد عندك } أي بما أخبرتنا من عهده ~~إليك إنا إذا آمنا كشف عنا العذاب، وقيل المراد بالعهد النبوة، وقيل ~~استجابة الدعوة على العموم { إننا لمهتدون } أي إذا كشف عنا ~~العذاب الذي نزل بنا، فنحن مهتدون فيما يستقبل من الزمان، ومؤمنون بما ~~جئت به. { فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ~~} في الكلام حذف، والتقدير فدعا موسى ربه، فكشف عنهم العذاب، فلما كشف ~~عنهم العذاب، فاجئوا وقت نكثهم للعهد الذي جعلوه على أنفسهم من الاهتداء، ~~والنكث النقض. { ونادى فرعون فى قومه } قيل لما رأى تلك ~~الآيات خاف ميل القوم إلى موسى، فجمعهم، ونادى بصوته فيما بينهم، أو أمر ~~مناديا ينادي بقوله { يقوم أليس لى ملك مصر } لا ينازعني ~~فيه أحد، ولا يخالفني مخالف { وهذه الأنهر تجرى من ~~تحتى } أي من تحت قصري، والمراد أنهار النيل، وقال قتادة المعنى تجري ~~بين يدي. # وقال الحسن تجري بأمري، أي تجري تحت أمري. وقال الضحاك أراد بالأنهار ~~القواد، والرؤساء، والجبابرة، وأنهم يسيرون تحت لوائه. وقيل أراد ~~بالأنهار الأموال، والأول أولى. والواو في { وهذه } عاطفة على ملك مصر، ~~و { تجري } في محل نصب على الحال، أو هي واو الحال، ms3503 واسم الإشارة مبتدأ، ~~والأنهار صفة له، وتجري خبره، والجملة في محل نصب { أفلا تبصرون } ~~ذلك، وتستدلون به على قوة ملكي، وعظيم قدري، وضعف موسى عن مقاومتي { ~~أم أنا خير من هذا الذى هو مهين } أم هي المنقطعة ~~المقدرة ببل التي للإضراب دون الهمزة التي للإنكار، أي بل أنا خير. قال ~~أبو عبيدة أم بمعنى بل، والمعنى قال فرعون لقومه بل أنا خير. وقال الفراء ~~إن شئت جعلتها من الاستفهام الذي جعل بأم لاتصاله بكلام قبله، وقيل هي ~~زائدة، وحكى أبو زيد عن العرب أنهم يجعلون أم زائدة، والمعنى أنا خير من ~~هذا. وقال الأخفش في الكلام حذف، والمعنى أفلا تبصرون أم تبصرون؟ ثم ~~ابتدأ، فقال { أنا خير } ، وروي عن الخليل، وسيبويه نحو قول الأخفش، ~~ويؤيد هذا أن عيسى الثقفي، ويعقوب الحضرمي وقفا على «أم» على تقدير أم ~~تبصرون، فحذف لدلالة الأول عليه، وعلى هذا، فتكون أم متصلة لا منقطعة، ~~والأول أولى، ومثله قول الشاعر الذي أنشده الفراء # بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى وصورتها أم أنت في العين أملح؟ # أي بل أنت. وحكى الفراء أن بعض القراء قرأ أما أنا خير؟ أي ألست خيرا ~~من هذا الذي هو مهين، أي ضعيف حقير ممتهن في نفسه لا عز له { ولا ~~يكاد يبين } الكلام لما في لسانه من العقدة، وقد تقدم بيانه في ~~سورة طه { فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب } أي فهلا ~~حلى بأساورة الذهب إن كان عظيما، وكان الرجل فيهم إذا سودوه سوروه ~~بسوار من ذهب، وطوقوه بطوق من ذهب. قرأ الجمهور { أساورة } جمع أسورة ~~جمع سوار. وقال أبو عمرو بن العلاء واحد الأساورة، والأساور، والأساوير ~~أسوار، وهي لغة في سوار. وقرأ حفص { أسورة } جمع سوار، وقرأ أبي " أساور ~~" ، وابن مسعود " أساوير ". قال مجاهد كانوا إذا سودوا رجلا سوروه ~~بسوارين، وطوقوه بطوق ذهب علامة لسيادته. { أو جاء معه ~~الملئكة مقترنين } معطوف على ألقى، والمعنى هلا جاء معه ~~الملائكة متتابعين متقارنين إن كان صادقا يعينونه على أمره، ويشهدون له ~~بالنبوة، ms3504 فأوهم اللعين قومه أن الرسل لا بد أن يكونوا على هيئة ~~الجبابرة، ومحفوفين بالملائكة. { فاستخف قومه فأطاعوه } ~~أي حملهم على خفة الجهل، والسفه بقوله، وكيده، وغروره، فأطاعوه فيما ~~أمرهم به، وقبلوا قوله، وكذبوا موسى { إنهم كانوا قوما ~~فسقين } أي خارجين عن طاعة الله. # قال ابن الأعرابي المعنى فاستجهل قومه، فأطاعوه بخفة أحلامهم، وقلة ~~عقولهم، يقال استخفه الفرح، أي أزعجه، واستخفه، أي حمله، ومنه # ولا يستخفنك الذين لا يوقنون # الروم 60، وقيل استخف قومه، أي وجدهم خفاف العقول، وقد استخف بقومه، ~~وقهرهم حتى اتبعوه { فلما ءاسفونا انتقمنا منهم } قال ~~المفسرون أغضبونا، والأسف الغضب، وقيل أشد الغضب، وقيل السخط، وقيل ~~المعنى أغضبوا رسلنا. ثم بين العذاب الذي وقع به الانتقام، فقال { ~~فأغرقنهم أجمعين } في البحر { فجعلنهم سلفا } ~~أي قدوة لمن عمل بعملهم من الكفار في استحقاق العذاب. قرأ الجمهور { ~~سلفا } بفتح السين، واللام جمع سالف كخدم وخادم، ورصد وراصد، وحرس ~~وحارس، يقال سلف يسلف إذا تقدم، ومضى. قال الفراء، والزجاج جعلناهم ~~متقدمين ليتعظ بهم الآخرون، وقرأ حمزة، والكسائي " سلفا " بضم السين، ~~واللام. قال الفراء هو جمع سليف، نحو سرر، وسرير. وقال أبو حاتم هو جمع ~~سلف نحو خشب، وخشب. وقرأ علي، وابن مسعود، وعلقمة، وأبو وائل، والنخعي، ~~وحميد بن قيس بضم السين، وفتح اللام جمع سلفة، وهي الفرقة المتقدمة نحو ~~غرف، وغرفة، كذا قال النضر بن شميل { ومثلا للآخرين } أي عبرة، ~~وموعظة لمن يأتي بعدهم، أو قصة عجيبة تجري مجرى الأمثال. وقد أخرج ابن ~~المنذر عن ابن عباس في قوله { ولا يكاد يبين } قال كانت بموسى ~~لثغة في لسانه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه { فلما ءاسفونا ~~} قال أسخطونا. وأخرجا عنه أيضا { آسفونا } قال أغضبونا، وفي قوله { ~~سلفا } قال أهواء مختلفة. وأخرج أحمد، والطبراني، والبيهقي في الشعب، ~~وابن أبي حاتم عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إذا رأيت الله يعطي العبد ما شاء، وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك ~~استدراج منه له " # ، وقرأ { فلما ءاسفونا انتقمنا ms3505 منهم فأغرقنهم ~~أجمعين }. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن طارق بن شهاب قال كنت ~~عند عبد الله، فذكر عنده موت الفجأة، فقال تخفيف على المؤمن، وحسرة على ~~الكافر، { فلما آسفونا انتقمنا منهم }. ### || [43.57-73] # لما قال سبحانه { واسئل من أرسلنا من قبلك من ~~رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ءالهة يعبدون } ~~تعلق المشركون بأمر عيسى، وقالوا ما يريد محمد إلا أن نتخذه إلها كما ~~اتخذت النصارى عيسى ابن مريم، فأنزل الله { ولما ضرب ابن ~~مريم مثلا } كذا قال قتادة، ومجاهد. وقال الواحدي أكثر المفسرين ~~على أن هذه الآية نزلت في مجادلة ابن الزبعري مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما نزل قوله تعالى # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # الأنبياء 98، فقال ابن الزبعري خصمتك، ورب الكعبة، أليست النصارى ~~يعبدون المسيح، واليهود عزيرا، وبنو مليح الملائكة؟ ففرح بذلك من قوله، ~~فأنزل الله # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون # الأنبياء 101، ونزلت هذه الآية المذكورة هنا، وقد مضى هذا في سورة ~~الأنبياء. ولا يخفاك أن ما قاله ابن الزبعري مندفع من أصله، وباطل برمته، ~~فإن الله سبحانه قال # إنكم وما تعبدون # الأنبياء 98، ولم يقل " ومن تعبدون " حتى يدخل في ذلك العقلاء كالمسيح، ~~وعزير، والملائكة { إذا قومك منه يصدون } أي إذا قومك يا ~~محمد من ذلك المثل المضروب يصدون، أي يضجون، ويصيحون فرحا بذلك المثل ~~المضروب، والمراد بقومه هنا كفار قريش. قرأ الجمهور { يصدون } بكسر ~~الصاد، وقرأ نافع، وابن عامر، والكسائي بضمها. قال الكسائي، والفراء، ~~والزجاج، والأخفش هما لغتان، ومعناهما يضجون قال الجوهري صد يصد صديدا ~~أي ضج. وقيل إنه بالضم الإعراض، وبالكسر من الضجيج، قاله قطرب. قال أبو ~~عبيد لو كانت من الصدود عن الحق لقال إذا قومك عنه يصدون. وقال الفراء ~~هما سواء منه، وعنه. وقال أبو عبيدة من ضم، فمعناه يعدلون، ومن كسر، ~~فمعناه يضجون. { وقالوا ءالهتنا خير أم هو } أي ءآلهتنا ~~خير أم المسيح؟ قال السدي، وابن زيد خاصموه، وقالوا إن كان كل من عبد ~~غير ms3506 الله في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى، وعزير، والملائكة. ~~وقال قتادة يعنون محمدا، أي ءآلهتنا خير أم محمد؟ ويقوي هذا قراءة ابن ~~مسعود ءآلهتنا خير أم هذا. قرأ الجمهور بتسهيل الهمزة الثانية بين بين، ~~وقرأ الكوفيون، ويعقوب بتحقيقها. { ما ضربوه لك إلا جدلا } ~~أي ما ضربوا لك هذا المثل في عيسى إلا ليجادلوك، على أن جدلا منتصب على ~~العلة، أو مجادلين على أنه مصدر في موضع الحال، وقرأ ابن مقسم جدالا { ~~بل هم قوم خصمون } أي شديدو الخصومة كثيرو اللدد عظيمو الجدل. ~~ثم بين سبحانه أن عيسى ليس برب، وإنما هو عبد من عباده اختصه بنبوته، ~~فقال { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه } بما أكرمناه به { ~~وجعلنه مثلا لبنى إسرءيل } أي آية، وعبرة لهم يعرفون ~~به قدرة الله سبحانه، فإنه كان من غير أب، وكان يحيي الموتى، ويبرىء ~~الأكمه والأبرص، وكل مريض { ولو نشاء لجعلنا منكم ~~ملئكة فى الأرض يخلفون } أي لو نشاء أهلكناكم وجعلنا ~~بدلا منكم ملائكة في الأرض يخلفون، أي يخلفونكم فيها. # قال الأزهري ومن قد تكون للبدل كقوله { لجعلنا منكم } يريد ~~بدلا منكم. وقيل المعنى لو نشاء لجعلنا من بني آدم ملائكة، والأول ~~أولى. ومقصود الآية أنا لو نشاء لأسكنا الملائكة الأرض وليس في إسكاننا ~~إياهم السماء شرف حتى يعبدوا. وقيل معنى { يخلفون } يخلف بعضهم ~~بعضا. { وإنه لعلم للساعة } قال مجاهد، والضحاك، والسدي، ~~وقتادة إن المراد المسيح، وإن خروجه مما يعلم به قيام الساعة لكونه شرطا ~~من أشراطها، لأن الله سبحانه ينزله من السماء قبيل قيام الساعة، كما أن ~~خروج الدجال من أعلام الساعة. وقال الحسن وسعيد بن جبير المراد القرآن، ~~لأنه يدل على قرب مجيء الساعة، وبه يعلم وقتها وأهوالها وأحوالها، وقيل ~~المعنى أن حدوث المسيح من غير أب وإحياءه للموتى دليل على صحة البعث. ~~وقيل الضمير لمحمد صلى الله عليه وسلم، والأول أولى. قرأ الجمهور { لعلم ~~} بصيغة المصدر جعل المسيح علما مبالغة لما يحصل من العلم بحصولها عند ~~نزوله، وقرأ ابن عباس، ms3507 وأبو هريرة، وأبو مالك الغفاري، وقتادة، ومالك بن ~~دينار، والضحاك، وزيد بن علي بفتح العين واللام، أي خروجه علم من ~~أعلامها، وشرط من شروطها، وقرأ أبو نضرة وعكرمة وإنه للعلم بلامين مع فتح ~~العين واللام، أي للعلامة التي يعرف بها قيام الساعة { فلا تمترن ~~بها } أي فلا تشكن في وقوعها ولا تكذبن بها، فإنها كائنة لا محالة { ~~واتبعون هذا صرط مستقيم } أي اتبعوني فيما آمركم به ~~من التوحيد وبطلان الشرك، وفرائض الله التي فرضها عليكم، هذا الذي آمركم ~~به وأدعوكم إليه طريق قيم موصل إلى الحق. قرأ الجمهور بحذف الياء من { ~~اتبعون } وصلا ووقفا، وكذلك قرءوا بحذفها في الحالين في { أطيعون } ، ~~وقرأ يعقوب بإثباتها وصلا ووقفا فيهما، وقرأ أبو عمرو وهي رواية عن نافع ~~بحذفها في الوصل دون الوقف { ولا يصدنكم الشيطن } أي لا ~~تغتروا بوساوسه وشبهه التي يوقعها في قلوبكم فيمنعكم ذلك من اتباعي، فإن ~~الذي دعوتكم إليه هو دين الله الذي اتفق عليه رسله وكتبه. ثم علل نهيهم ~~عن أن يصدهم الشيطان ببيان عداوته لهم فقال { إنه لكم عدو ~~مبين } أي مظهر لعداوته لكم غير متحاش عن ذلك ولا متكتم به كما يدل ~~على ذلك ما وقع بينه وبين آدم وما ألزم به نفسه من إغواء جميع بني آدم ~~إلا عباد الله المخلصين. { ولما جاء عيسى بالبينت } أي ~~جاء إلى بني إسرائيل بالمعجزات الواضحة والشرائع. # قال قتادة البينات هنا الإنجيل { قال قد جئتكم بالحكمة } ~~أي النبوة، وقيل الإنجيل، وقيل ما يرغب في الجميل ويكف عن القبيح { ~~ولأبين لكم بعض الذى تختلفون فيه } من أحكام ~~التوراة. وقال قتادة يعني اختلاف الفرق الذين تحزبوا في أمر عيسى. قال ~~الزجاج الذي جاء به عيسى في الإنجيل إنما هو بعض الذي اختلفوا فيه، فبين ~~لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. وقيل إن بني إسرائيل اختلفوا بعد ~~موت موسى في أشياء من أمر دينهم. وقال أبو عبيدة إن البعض هنا بمعنى ~~الكل كما في قوله # يصبكم بعض الذى يعدكم # غافر 28 وقال ms3508 مقاتل هو كقوله # ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم # آل عمران 50 يعني ما أحل في الإنجيل مما كان محرما في التوراة كلحم ~~الإبل والشحم من كل حيوان، وصيد السمك يوم السبت واللام في { ولأبين ~~لكم } معطوفة على مقدر كأنه قال قد جئتكم بالحكمة لأعلمكم إياها ~~ولأبين لكم. ثم أمرهم بالتقوى والطاعة فقال { فاتقوا الله } أي ~~اتقوا معاصيه { وأطيعون } فيما آمركم به من التوحيد والشرائع { ~~إن الله هو ربى وربكم فاعبدوه } هذا بيان لما ~~أمرهم بأن يطيعوه فيه { هذا صرط مستقيم } أي عبادة الله ~~وحده والعمل بشرائعه { فاختلف الأحزاب من بينهم }. قال ~~مجاهد، والسدي الأحزاب هم أهل الكتاب من اليهود، والنصارى. وقال الكلبي، ~~ومقاتل هم فرق النصارى اختلفوا في أمر عيسى. قال قتادة ومعنى { من ~~بينهم } أنهم اختلفوا فيما بينهم، وقيل اختلفوا من بين من بعث إليهم ~~من اليهود والنصارى، والأحزاب هي الفرق المتحزبة { فويل للذين ~~ظلموا } من هؤلاء المختلفين، وهم الذين أشركوا بالله ولم يعملوا ~~بشرائعه { من عذاب يوم أليم } أي أليم عذابه وهو يوم القيامة ~~{ هل ينظرون إلا الساعة } أي هل يرتقب هؤلاء الأحزاب ~~وينتظرون إلا الساعة { أن تأتيهم بغتة } أي فجأة { وهم لا ~~يشعرون } أي لا يفطنون بذلك، وقيل المراد بالأحزاب الذين تحزبوا ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وكذبوه، وهم المرادون بقوله { هل ~~ينظرون إلا الساعة } والأول أولى. { الأخلاء يومئذ ~~بعضهم لبعض عدو } أي الأخلاء في الدنيا المتحابون فيها يوم ~~تأتيهم الساعة بعضهم لبعض عدو، أي يعادي بعضهم بعضا، لأنها قد انقطعت ~~بينهم العلائق واشتغل كل واحد منهم بنفسه، ووجدوا تلك الأمور التي كانوا ~~فيها أخلاء أسبابا للعذاب فصاروا أعداء. ثم استثنى المتقين فقال { ~~إلا المتقين } فإنهم أخلاء في الدنيا والآخرة، لأنهم وجدوا تلك ~~الخلة التي كانت بينهم من أسباب الخير والثواب فبقيت خلتهم على حالها { ~~يعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون } ~~أي يقال لهؤلاء المتقين المتحابين في الله بهذه المقالة فيذهب عند ذلك ~~خوفهم ويرتفع حزنهم { الذين ءامنوا بئايتنا وكانوا ~~مسلمين } الموصول يجوز ms3509 أن يكون نعتا لعبادي، أو بدلا منه، أو عطف ~~بيان له، أو مقطوعا عنه في محل نصب على المدح، أو في محل رفع بالابتداء ~~وخبره { ادخلوا الجنة } على تقدير يقال لهم ادخلوا الجنة. # والأول أولى، وبه قال الزجاج. قال مقاتل إذا وقع الخوف يوم القيامة ~~نادى مناد يا عبادي لا خوف عليكم، فإذا سمعوا النداء رفع الخلائق ~~رؤوسهم، فيقال الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين، فينكس أهل الأوثان ~~رؤوسهم غير المسلمين. قرأ نافع، وابن عامر، وأبو عمرو " يا عبادي " ~~بإثبات الياء ساكنة وصلا ووقفا، وقرأ أبو بكر وزر بن حبيش بإثباتها ~~وفتحها في الحالين، وقرأ الباقون بحذفها في الحالين { ادخلوا ~~الجنة أنتم وأزوجكم } المراد بالأزواج نساؤهم المؤمنات، ~~وقيل قرناؤهم من المؤمنين، وقيل زوجاتهم من الحور العين { تحبرون } ~~تكرمون، وقيل تنعمون، وقيل تفرحون، وقيل تسرون، وقيل تعجبون، وقيل ~~تلذذون بالسماع، والأولى تفسير ذلك بالفرح والسرور الناشئين عن الكرامة ~~والنعمة { يطاف عليهم بصحف من ذهب } الصحاف جمع صحفة ~~وهي القصعة الواسعة العريضة. قال الكسائي أعظم القصاع الجفنة ثم القصعة، ~~وهي تشبع عشرة، ثم الصحفة، وهي تشبع خمسة، ثم المكيلة وهي تشبع الرجلين ~~والثلاثة، والمعنى أن لهم في الجنة أطعمة يطاف عليهم بها في صحاف الذهب ~~لهم فيها أشربة يطاف عليهم بها في الأكواب وهي جمع كوب. قال الجوهري ~~الكوب كوز لا عروة له، والجمع أكواب. قال الأعشى # صريفية طيب طعمها لها زبد بين كوب ودن # وقال آخر # متكئا تصفق أبوابه يسعى عليه العبد بالكوب # قال قتادة الكوب المدور القصير العنق القصير العروة، والإبريق المستطيل ~~العنق الطويل العروة. وقال الأخفش الأكواب الأباريق التي لا خراطيم لها. ~~وقال قطرب هي الأباريق التي ليست لها عرى. { وفيها ما تشتهيه ~~الأنفس وتلذ الأعين } قرأ الجمهور تشتهي وقرأ نافع، وابن ~~عامر، وحفص { تشتهيه } بإثبات الضمير العائد على الموصول، والمعنى ما ~~تشتهيه أنفس أهل الجنة من فنون الأطعمة والأشربة ونحوهما مما تطلبه النفس ~~وتهواه كائنا ما كان، وتلذ الأعين من كل المستلذات التي تستلذ بها ~~وتطلب مشاهدتها، تقول لذ ms3510 الشيء يلذ لذاذا، ولذاذة إذا وجده لذيذا ~~والتذ به، وفي مصحف عبد الله بن مسعود تشتهيه الأنفس وتلذه الأعين { ~~وأنتم فيها خلدون } لا تموتون، ولا تخرجون منها { وتلك ~~الجنة التى أورثتموها بما كنتم تعملون } أي يقال ~~لهم يوم القيامة هذه المقالة، أي صارت إليكم كما يصير الميراث إلى الوارث ~~بما كنتم تعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة، واسم الإشارة مبتدأ، ~~والجنة صفته، والتي أورثتموها صفة للجنة، والخبر بما كنتم تعملون، وقيل ~~الخبر الموصول مع صلته، والأول أولى { لكم فيها فكهة ~~كثيرة } الفاكهة معروفة، وهي الثمار كلها رطبها، ويابسها، أي لهم في ~~الجنة سوى الطعام والشراب، فاكهة كثيرة الأنواع، والأصناف { منها ~~تأكلون } " من " تبعيضية، أو ابتدائية، وقدم الجار لأجل الفاصلة. # وقد أخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس أن ~~رسول الله قال لقريش # " إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير " # ، قالوا ألست تزعم أن عيسى كان نبيا، وعبدا من عباد الله صالحا، وقد ~~عبدته النصارى؟ فإن كنت صادقا، فإنه كآلهتهم، فأنزل الله { ولما ~~ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون } قلت ~~وما يصدون؟ قال " يضجون " { وإنه لعلم للساعة } قال # " خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة " # وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن ماجه، ~~وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، ~~والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدال " # ، ثم تلا هذه الآية { ما ضربوه لك إلا جدلا }. وقد ورد في ~~ذم الجدال بالباطل أحاديث كثيرة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن ~~المشركين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا أرأيت ما نعبد من ~~دون الله أين هم؟ قال # " في النار " # ، قالوا والشمس، والقمر؟ قال # " والشمس، والقمر " # قالوا فعيسى ابن مريم قال # " قال الله { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ~~وجعلنه مثلا لبنى إسرءيل } " # وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، ومسدد، ms3511 وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني من طرق عنه في قوله { وإنه لعلم للساعة } قال ~~خروج عيسى قبل يوم القيامة. وأخرجه الحاكم، وابن مردويه عنه مرفوعا. ~~وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة نحوه. وأخرج ابن مردويه عن سعد بن معاذ ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا كان يوم القيامة انقطعت الأرحام، وقلت الأنساب، وذهبت الأخوة إلا ~~الأخوة في الله، وذلك قوله { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض ~~عدو إلا المتقين } " # وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وحميد بن زنجويه في ترغيبه، وابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن علي بن أبي طالب في ~~قوله { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين } قال خليلان مؤمنان، وخليلان كافران توفى أحد المؤمنين، ~~فبشر بالجنة، فذكر خليله، وقال اللهم إن خليلي فلانا كان يأمرني ~~بطاعتك، وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير، وينهاني عن الشر، وينبئني أني ~~ملاقيك، اللهم لا تضله بعدي حتى تريه مثل ما أريتني، وترضى عنه كما رضيت ~~عني، فيقال له اذهب فلو تعلم ما له عندي لضحكت كثيرا، ولبكيت قليلا، ثم ~~يموت الآخر، فيجمع بين أرواحهما، فيقال ليثن كل واحد منكما على صاحبه، ~~فيقول كل واحد منهما لصاحبه نعم الأخ، ونعم الصاحب، ونعمل الخليل وإذا ~~مات أحد الكافرين بشر بالنار، فيذكر خليله، فيقول اللهم إن خليلي فلانا ~~كان يأمرني بمعصيتك، ومعصية رسولك، ويأمرني بالشر، وينهاني عن الخير، ~~وينبئني أني غير ملاقيك، اللهم فلا تهده بعدي حتى تريه مثل ما أريتني، ~~وتسخط عليه كما سخطت علي، فيموت الآخر، فيجمع بين أرواحهما، فيقال ليثن ~~كل واحد منكما على صاحبه، فيقول كل منهما لصاحبه بئس الأخ، وبئس الصاحب، ~~وبئس الخليل. # وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال الأكواب الجرار من الفضة. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ما من أحد إلا وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث ~~المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله ms3512 في الجنة، وذلك قوله { ~~وتلك الجنة التى أورثتموها } ". ### || [43.74-89] # قوله { إن المجرمين } أي أهل الإجرام الكفرية، كما يدل عليه ~~إيرادهم في مقابلة المؤمنين الذين لهم ما ذكره الله سبحانه قبل هذا { فى ~~عذاب جهنم خلدون } لا ينقطع عنهم العذاب أبدا { لا ~~يفتر عنهم } أي لا يخفف عنهم ذلك العذاب، والجملة في محل نصب ~~على الحال { وهم فيه مبلسون } أي آيسون من النجاة، وقيل ساكتون ~~سكوت يأس، وقد مضى تحقيق معناه في الأنعام { وما ظلمنهم } أي ~~ما عذبناهم بغير ذنب، ولا بزيادة على ما يستحقونه { ولكن كانوا ~~هم الظلمين } لأنفسهم بما فعلوا من الذنوب. قرأ الجمهور { ~~الظالمين } بالنصب على أنه خبر كان، والضمير ضمير فصل. وقرأ أبو زيد ~~النحوي الظالمون بالرفع على أن الضمير مبتدأ، وما بعده خبره، والجملة خبر ~~كان { ونادوا يملك } أي نادى المجرمون هذا النداء، ومالك هو ~~خازن النار. قرأ الجمهور { يا مالك } بدون ترخيم. وقرأ علي، وابن مسعود، ~~ويحيى بن وثاب، والأعمش يا مال بالترخيم { ليقض علينا ربك } ~~بالموت، توسلوا بمالك إلى الله سبحانه ليسأله لهم أن يقضي عليهم بالموت ~~ليستريحوا من العذاب { قال إنكم مكثون } أي مقيمون في ~~العذاب، قيل سكت عن إجابتهم ثمانين سنة، ثم أجابهم بهذا الجواب، وقيل سكت ~~عنهم ألف عام، وقيل مائة سنة، وقيل أربعين سنة. { لقد جئنكم ~~بالحق } يحتمل أن يكون هذا من كلام الله سبحانه، ويحتمل أن يكون من ~~كلام مالك، والأول أظهر والمعنى إنا أرسلنا إليكم الرسل، وأنزلنا عليهم ~~الكتب، فدعوكم، فلم تقبلوا، ولم تصدقوا، وهو معنى قوله { ولكن ~~أكثركم للحق كرهون } لا يقبلونه، والمراد بالحق كل ما ~~أمر الله به على ألسن رسله، وأنزله في كتبه. وقيل هو خاص بالقرآن. قيل ~~ومعنى { أكثركم } كلكم. وقيل أراد الرؤساء، والقادة، ومن عداهم أتباع لهم ~~{ أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون } أم هي المنقطعة التي ~~بمعنى بل، والهمزة، أي بل أبرموا أمرا. وفي ذلك انتقال من توجع أهل ~~النار إلى حكاية ما يقع من هؤلاء، والإبرام الإتقان، والإحكام، يقال ~~أبرمت الشيء أحكمته، ms3513 وأتقنته، وأبرم الحبل إذا أحكم فتله، والمعنى بل ~~أحكموا كيدا للنبي صلى الله عليه وسلم، فإنا محكمون لهم كيدا قاله ~~مجاهد، وقتادة، وابن زيد، ومثل هذا قوله تعالى # أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون # الطور 42 وقيل المعنى أم قضوا أمرا، فإنا قاضون عليهم أمرنا بالعذاب، ~~قاله الكلبي. { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ~~ونجوهم } أي بل أيحسبون أنا لا نسمع ما يسرون به في أنفسهم، أو ما ~~يتحادثون به سرا في مكان خال، وما يتناجون به فيما بينهم { بلى } ~~نسمع ذلك، ونعمل به { ورسلنا لديهم يكتبون } أي الحفظة ~~عندهم يكتبون جميع ما يصدر عنهم من قول، أو فعل، والجملة في محل نصب على ~~الحال، أو معطوفة على الجملة التي تدل عليها بلى. # ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار قولا ~~يلزمهم به الحجة، ويقطع ما يوردونه من الشبهة، فقال { قل إن كان ~~للرحمن ولد فأنا أول العبدين } أي إن كان له ~~ولد في قولكم، وعلى زعمكم، فأنا أول من عبد الله وحده، لأن من عبد الله ~~وحده، فقد دفع أن يكون له ولد، كذا قال ابن قتيبة. وقال الحسن، والسدي ~~إن المعنى ما كان للرحمن ولد، ويكون قوله { فأنا أول ~~العبدين } ابتداء كلام، وقيل المعنى قل يا محمد إن ثبت لله ولد، ~~فأنا أول من يعبد هذا الولد الذي تزعمون ثبوته، ولكنه يستحيل أن يكون له ~~ولد. وفيه نفي للولد على أبلغ وجه، وأتم عبارة، وأحسن أسلوب، وهذا هو ~~الظاهر من النظم القرآني، ومن هذا القبيل قوله تعالى # وإنا وإياكم لعلى هدى أو فى ضلل مبين # سبأ 24، ومثل هذا قول الرجل لمن يناظره إن ثبت ما تقوله بالدليل، فأنا ~~أول من يعتقده، ويقول به، فتكون «إن» في { إن كان } شرطية، ورجح هذا ~~ابن جرير، وغيره. وقيل معنى العابدين الآنفين من العبادة، وهو تكلف لا ~~ملجىء إليه، ولكن قرأ أبو عبد الرحمن اليماني العبدين بغير ألف، يقال ~~عبد يعبد عبدا بالتحريك إذا أنف، وغضب، ms3514 فهو عبد، والاسم العبدة مثل ~~الأنفة، ولعل الحامل لمن قرأ هذه القراءة الشاذة البعيدة هو استبعاد معنى ~~{ فأنا أول العبدين } ، وليس بمستبعد، ولا مستنكر. وقد ~~حكى الجوهري عن أبي عمرو في قوله { فأنا أول العبدين } ~~أنه من الأنف، والغضب. وحكاه الماوردي عن الكسائي، والقتيبي، وبه قال ~~الفراء. وكذا قال ابن الأعرابي إن معنى العابدين الغضاب الآنفين. وقال ~~أبو عبيدة معناه الجاحدين، وحكى عبدني حقي، أي جحدني، وقد أنشدوا على هذا ~~المعنى الذي قالوه قول الفرزدق # أولئك أجلاسي فجئني بمثلهم وأعبد أن أهجو كليبا بدارم # وقوله أيضا # أولاك أناس لو هجوني هجوتهم وأعبد أن يهجى كليب بدارم # ولا شك أن عبد، وأعبد بمعنى أنف، أو غضب ثابت في لغة العرب، وكفى بنقل ~~هؤلاء الأئمة حجة، ولكن جعل ما في القرآن من هذا من التكلف الذي لا ملجىء ~~إليه، ومن التعسف الواضح. وقد رد ابن عرفة ما قالوه فقال إنما يقال عبد ~~يعبد، فهو عبد، وقل ما يقال عابد، والقرآن لا يأتي بالقليل من اللغة، ~~ولا الشاذ. قرأ الجمهور { ولد } بالإفراد، وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما ولد ~~بضم الواو، وسكون اللام { سبحن رب السموات والأرض ~~رب العرش عما يصفون } أي تنزيها له، وتقديسا عما يقولون ~~من الكذب بأن له ولدا، ويفترون عليه سبحانه ما لا يليق بجنابه، وهذا إن ~~كان من كلام الله سبحانه، فقد نزه نفسه عما قالوه، وإن كان من تمام كلام ~~رسوله الذي أمره بأن يقوله، فقد أمره بأن يضم إلى ما حكاه عنهم بزعمهم ~~الباطل تنزيه ربه، وتقديسه { فذرهم يخوضوا ويلعبوا } أي ~~اترك الكفار حيث لم يهتدوا بما هديتهم به، ولا أجابوك فيما دعوتهم إليه ~~يخوضوا في أباطيلهم، ويلهوا في دنياهم { حتى يلقوا يومهم ~~الذى يوعدون } وهو يوم القيامة، وقيل العذاب في الدنيا، قيل وهذا ~~منسوخ بآية السيف، وقيل هو غير منسوخ، وإنما أخرج مخرج التهديد. # قرأ الجمهور { يلاقوا } ، وقرأ مجاهد، وابن محيصن، وحميد، وابن السميفع ~~حتى يلقوا بفتح الياء، وإسكان اللام من غير ألف، ورويت هذه القراءة ms3515 عن ~~أبي عمرو. { وهو الذى فى السماء إله وفى الأرض ~~إله } الجار، والمجرور في الموضعين متعلق بإله لأنه بمعنى معبود، أو ~~مستحق للعبادة، والمعنى وهو الذي معبود في السماء، ومعبود في الأرض، أو ~~مستحق للعبادة في السماء، والعبادة في الأرض. قال أبو علي الفارسي { ~~وإله } في الموضعين مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي وهو الذي في ~~السماء هو إله، وفي الأرض هو إله، وحسن حذفه لطول الكلام، قال والمعنى ~~على الإخبار بإلاهيته، لا على الكون فيهما. قال قتادة يعبد في السماء، ~~والأرض، وقيل في بمعنى على، أي هو القادر على السماء، والأرض كما في قوله # ولأصلبنكم فى جذوع النخل # طه 71 وقرأ عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود وهو الذي في ~~السماء الله وفي الأرض الله على تضمين العلم معنى المشتق، فيتعلق به ~~الجار والمجرور من هذه الحيثية { وهو الحكيم العليم } أي ~~البليغ الحكمة الكثير العلم { وتبارك الذى له ملك ~~السموات والأرض وما بينهما } تبارك تفاعل من البركة، وهي ~~كثرة الخيرات، والمراد بما بينهما الهواء، وما فيه من الحيوانات { ~~وعنده علم الساعة } أي علم الوقت الذي يكون قيامها فيه { ~~وإليه ترجعون } فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير، وشر، وفيه ~~وعيد شديد. قرأ الجمهور { ترجعون } بالفوقية، وقرأ ابن كثير، وحمزة، ~~والكسائي، بالتحتية { ولا يملك الذين يدعون من دونه ~~الشفعة } أي لا يملك من يدعونه من دون الله من الأصنام، ونحوها ~~الشفاعة عند الله كما يزعمون أنهم يشفعون لهم. قرأ الجمهور { يدعون } ~~بالتحتية، وقرأ السلمي، وابن وثاب بالفوقية { إلا من شهد ~~بالحق } أي التوحيد { وهم يعلمون } أي هم على علم، وبصيرة ~~بما شهدوا به، والاستثناء يحتمل أن يكون متصلا، والمعنى إلا من شهد ~~بالحق، وهم المسيح، وعزير، والملائكة، فإنهم يملكون الشفاعة لمن يستحقها. # وقيل هو منقطع، والمعنى لكن من شهد بالحق يشفع فيه هؤلاء، ويجوز أن يكون ~~المستثنى منه محذوفا، أي لا يملكون الشفاعة في أحد إلا فيمن شهد بالحق. ~~قال سعيد بن جبير، وغيره معنى الآية ms3516 أنه لا يملك هؤلاء الشفاعة إلا لمن ~~شهد بالحق، وآمن على علم، وبصيرة. وقال قتادة لا يشفعون لعابديها، بل ~~يشفعون لمن شهد بالوحدانية. وقيل مدار الاتصال في هذا الاستثناء على جعل ~~الذين يدعون عاما لكل ما يعبد من دون الله، ومدار الانقطاع على جعله ~~خاصا بالأصنام. { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن ~~الله } اللام هي الموطئة للقسم، والمعنى لئن سألت هؤلاء المشركين ~~العابدين للأصنام من خلقهم أقروا واعترفوا بأن خالقهم الله، ولا يقدرون ~~على الإنكار، ولا يستطيعون الجحود لظهور الأمر، وجلائه { فأنى ~~يؤفكون } أي فكيف ينقلبون عن عبادة الله إلى عبادة غيره، وينصرفون ~~عنها مع هذا الاعتراف، فإن المعترف بأن الله خالقه إذا عمد إلى صنم، أو ~~حيوان، وعبده مع الله، أو عبده وحده، فقد عبد بعض مخلوقات الله، وفي هذا ~~من الجهل ما لا يقادر قدره. يقال أفكه يأفكه إفكا إذا قلبه، وصرفه عن ~~الشيء، وقيل المعنى ولئن سألت المسيح، وعزيرا، والملائكة من خلقهم؟ ~~ليقولن الله، فأنى يؤفك هؤلاء الكفار في اتخاذهم لها آلهة. وقيل المعنى ~~ولئن سألت العابدين، والمعبودين جميعا. قرأ الجمهور وقيله بالنصب عطفا ~~على محل الساعة، كأنه قيل إنه يعلم الساعة، ويعلم قيله، أو عطفا على ~~سرهم، ونجواهم، أي يعلم سرهم، ونجواهم، ويعلم قيله، أو عطفا على مفعول ~~يكتبون المحذوف، أي يكتبون ذلك، ويكتبون قيله، أو عطفا على مفعول يعلمون ~~المحذوف أي يعلمون ذلك، ويعلمون قيله، أو هو مصدر أي قال قيله، أو منصوب ~~بإضمار فعل، أي الله يعلم قيل رسوله، أو هو معطوف على محل بالحق، أي شهد ~~بالحق، وبقيله، أو منصوب على حذف حرف القسم. ومن المجوزين للوجه الأول ~~المبرد، وابن الأنباري، ومن المجوزين للثاني الفراء، والأخفش، ومن ~~المجوزين للنصب على المصدرية الفراء، والأخفش أيضا. وقرأ حمزة، وعاصم { ~~وقيله } بالجر عطفا على لفظ الساعة، أي وعنده علم الساعة، وعلم قيله، ~~والقول والقال، والقيل بمعنى واحد، أو على أن الواو للقسم. وقرأ قتادة، ~~ومجاهد، والحسن، وأبو قلابة، والأعرج، وابن هرمز، ومسلم بن جندب وقيله ~~بالرفع عطفا ms3517 على علم الساعة أي وعنده علم الساعة، وعنده قيله، أو على ~~الابتداء، وخبره الجملة المذكورة بعده، أو خبره محذوف تقديره، وقيله كيت، ~~وكيت، أو وقيله مسموع. قال أبو عبيد يقال قلت قولا، وقيلا، وقالا، ~~والضمير في { وقيله } راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال قتادة هذا ~~نبيكم يشكو قومه إلى ربه، وقيل الضمير عائد إلى المسيح، وعلى الوجهين، ~~فالمعنى أنه قال مناديا لربه { يرب إن هؤلآء } الذين أرسلتني ~~إليهم { قوم لا يؤمنون }. # ثم لما نادى ربه بهذا أجابه بقوله { فاصفح عنهم } أي أعرض عن ~~دعوتهم { وقل سلم } أي أمري تسليم منكم، ومتاركة لكم. قال عطاء ~~يريد مداراة حتى ينزل حكمي، ومعناه المتاركة كقوله # سلم عليكم لا نبتغى الجهلين # القصص 55. وقال قتادة أمره بالصفح عنهم، ثم أمره بقتالهم، فصار الصفح ~~منسوخا بالسيف، وقيل هي محكمة لم تنسخ { فسوف تعلمون } فيه ~~تهديد شديد، ووعيد عظيم من الله عز وجل. قرأ الجمهور { يعلمون } ~~بالتحتية، وقرأ نافع، وابن عامر بالفوقية. قال الفراء إن " سلام " مرفوع ~~بإضمار عليكم. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، ~~والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن عباس في قوله { ونادوا ~~يملك } قال يمكث عنهم ألف سنة، ثم يجيبهم { إنكم مكثون ~~}. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال بينا ثلاثة بين الكعبة ~~وأستارها، قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، فقال واحد منهم ترون أن الله ~~يسمع كلامنا؟ فقال واحد منهم إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع، فنزلت ~~{ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجوهم } الآية. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إن ~~كان للرحمن ولد } يقول إن يكن للرحمن ولد { فأنا ~~أول العبدين } قال الشاهدين. وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم ~~في قوله { إن كان للرحمن ولد } قال هذا معروف من كلام ~~العرب إن كان هذا الأمر قط، أي ما كان. وأخرج ابن جرير عن قتادة نحوه. ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.1-16] # قوله { حم * والكتب المبين } قد تقدم في ms3518 السورتين ~~المتقدمتين قبل هذه السورة الكلام على هذا معنى، وإعرابا، وقوله { ~~إنا أنزلنه فى ليلة مبركة } جواب القسم، وإن جعلت ~~الجواب { حم } كانت هذه الجملة مستأنفة، وقد أنكر بعض النحويين أن تكون ~~هذه الجملة جوابا للقسم، لأنها صفة للمقسم به، ولا تكون صفة المقسم به ~~جوابا للقسم، وقال الجواب { إنا كنا منذرين } ، واختاره ابن ~~عطية، وقيل إن قوله { إنا كنا منذرين } جواب ثان، أو جملة ~~مستأنفة مقررة للإنزال، وفي حكم العلة له كأنه قال إنا أنزلناه لأن من ~~شأننا الإنذار، والضمير في { أنزلناه } راجع إلى الكتاب المبين، وهو ~~القرآن. وقيل المراد بالكتاب سائر الكتب المنزلة والضمير في { أنزلناه } ~~راجع إلى القرآن على معنى أنه سبحانه أقسم بسائر الكتب المنزلة أنه أنزل ~~القرآن، والأول أولى. والليلة المباركة ليلة القدر كما في قوله # إنا أنزلنه فى ليلة القدر # القدر 1 ولها أربعة أسماء الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، ~~وليلة القدر. قال عكرمة الليلة المباركة هنا ليلة النصف من شعبان. وقال ~~قتادة أنزل القرآن كله في ليلة القدر من أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ ~~إلى بيت العزة في سماء الدنيا، ثم أنزله الله سبحانه على نبيه صلى الله ~~عليه وسلم في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة، وقد تقدم تحقيق ~~الكلام في هذا في البقرة عند قوله # شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن # البقرة 185 وقال مقاتل كان ينزل من اللوح كل ليلة قدر من الوحي على ~~مقدار ما ينزل به جبريل في السنة إلى مثلها من العام. ووصف الله سبحانه ~~هذه الليلة، بأنها مباركة لنزول القرآن فيها، وهو مشتمل على مصالح الدين ~~والدنيا، ولكونها تتنزل فيها الملائكة، والروح كما سيأتي في سورة القدر، ~~ومن جملة بركتها ما ذكره الله سبحانه ها هنا بقوله { فيها يفرق ~~كل أمر حكيم } ، ومعنى يفرق يفصل، ويبين من قولهم فرقت الشي ~~أفرقه فرقا، والأمر الحكيم المحكم، وذلك أن الله سبحانه يكتب فيها ما ~~يكون في السنة من حياة وموت، وبسط وقبض، وخير وشر، وغير ذلك، كذا ms3519 قال ~~مجاهد، وقتادة، والحسن، وغيرهم. وهذه الجملة إما صفة أخرى لليلة، وما ~~بينهما اعتراض، أو مستأنفة لتقرير ما قبلها. قرأ الجمهور { يفرق } بضم ~~الياء، وفتح الراء مخففا، وقرأ الحسن، والأعمش، والأعرج بفتح الياء وضم ~~الراء، ونصب كل أمر، ورفع حكيم على أنه الفاعل. والحق ما ذهب إليه ~~الجمهور من أن هذه الليلة المباركة هي ليلة القدر لا ليلة النصف من ~~شعبان، لأن الله سبحانه أجملها هنا، وبينها في سورة البقرة بقوله # شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن # البقرة 185 وبقوله في سورة القدر # إنا أنزلنه فى ليلة القدر # القدر 1، فلم يبق بعد هذا البيان الواضح ما يوجب الخلاف، ولا ما يقتضي ~~الاشتباه { أمرا من عندنا } قال الزجاج، والفراء انتصاب { أمرا ~~} ب { يفرق } ، أي يفرق فرقا، لأن أمرا بمعنى فرقا. والمعنى إنا نأمر ~~ببيان ذلك ونسخه من اللوح المحفوظ، فهو على هذا منتصب على المصدرية مثل ~~قولك يضرب ضربا. قال المبرد { أمرا } في موضع المصدر، والتقدير أنزلناه ~~إنزالا. وقال الأخفش انتصابه على الحال، أي آمرين. وقيل هو منصوب على ~~الاختصاص، أي أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا، وفيه تفخيم لشأن ~~القرآن، وتعظيم له. وقد ذكر بعض أهل العلم في انتصاب { أمرا } اثني عشر ~~وجها أظهرها ما ذكرناه، وقرأ زيد بن علي أمر بالرفع، أي هو أمر { إنا ~~كنا مرسلين } هذه الجملة إما بدل من قوله { إنا كنا ~~منذرين } ، أو جواب ثالث للقسم، أو مستأنفة. قال الرازي المعنى إنا ~~فعلنا ذلك الإنذار لأجل إنا كنا مرسلين للأنبياء { رحمة من ربك ~~} انتصاب { رحمة } على العلة، أي أنزلناه للرحمة، قاله الزجاج. وقال ~~المبرد إنها منتصبة على أنها مفعول لمرسلين أي إنا كنا مرسلين رحمة. وقيل ~~هي مصدر في موضع الحال، أي راحمين، قاله الأخفش. وقرأ الحسن رحمة بالرفع ~~على تقدير هي رحمة { إنه هو السميع } لمن دعاه { العليم } ~~بكل شيء. ثم وصف سبحانه نفسه بما يدل على عظيم قدرته الباهرة، فقال { ~~رب السموات والأرض وما بينهما } قرأ الجمهور رب ~~بالرفع عطفا على السميع ms3520 العليم، أو على أنه مبتدأ، وخبره { لا إله إلا ~~هو } ، أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي هو رب، وقرأ الكوفيون { رب } ~~بالجر على أنه بدل من ربك، أو بيان له، أو نعت { إن كنتم ~~موقنين } بأنه رب السموات، والأرض، وما بينهما، وقد أقروا بذلك ~~كما حكاه الله عنهم في غير موضع، وجملة { لا إله إلا هو } ~~مستأنفة مقررة لما قبلها، أو خبر رب السموات كما مر، وكذلك جملة { ~~يحيي ويميت } ، فإنها مستأنفة مقررة لما قبلها { ربكم ~~ورب ءابائكم الأولين } قرأ الجمهور بالرفع على الاستئناف ~~بتقدير مبتدأ، أي هو ربكم، أو على أنه بدل من { رب السموات } ، أو بيان، ~~أو نعت له، وقرأ الكسائي في رواية الشيرازي عنه، وابن محيصن، وابن أبي ~~إسحاق، وأبو حيوة، والحسن بالجر، ووجه الجر ما ذكرناه في قراءة من قرأ ~~بالجر في رب السموات { بل هم فى شك يلعبون } أضرب عن ~~كونهم موقنين إلى كونهم في شك من التوحيد والبعث، وفي إقرارهم بأن الله ~~خالقهم، وخالق سائر المخلوقات، وأن ذلك منهم على طريقة اللعب والهزو، ~~ومحل { يلعبون } الرفع على أنه خبر ثان، أو النصب على الحال. # { فارتقب يوم تأتى السماء بدخان مبين } الفاء ~~لترتيب ما بعدها على ما قبلها، لأن كونهم في شك ولعب يقتضي ذلك والمعنى ~~فانتظر لهم يا محمد يوم تأتي السماء بدخان مبين، وقيل المعنى احفظ قولهم ~~هذا لتشهد عليهم يوم تأتي السماء بدخان مبين. وقد اختلف في هذا الدخان ~~المذكور في الآية متى يأتي؟ فقيل إنه من أشراط الساعة، وأنه يمكث في ~~الأرض أربعين يوما. وقد ثبت في الصحيح أنه من جملة العشر الآيات التي ~~تكون قبل قيام الساعة، وقيل إنه أمر قد مضى، وهو ما أصاب قريشا بدعاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان الرجل يرى بين السماء، والأرض دخانا، ~~وهذا ثابت في الصحيحين، وغيرهما وذلك حين دعا عليهم النبي بسنين كسني ~~يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام، وكان الرجل ينظر إلى السماء، ~~فيرى ما بينه وبينها كهيئة ms3521 الدخان من الجهد، وقيل إنه يوم فتح مكة، ~~وسيأتي في آخر البحث بيان ما يدل على هذه الأقوال. وقوله { يغشى ~~الناس } صفة ثانية لدخان، أي يشملهم، ويحيط بهم { هذا عذاب ~~أليم } أي يقولون هذا عذاب أليم، أو قائلين ذلك، أو يقول الله لهم ذلك ~~{ ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون } أي يقولون ~~ذلك، وقد روي أنهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا إن كشف الله عنا ~~هذا العذاب أسلمنا، والمراد بالعذاب الجوع الذي كان بسببه ما يرونه من ~~الدخان، أو يقولونه إذا رأوا الدخان الذي هو من آيات الساعة، أو إذا رأوه ~~يوم فتح مكة على اختلاف الأقوال. والراجح منها أنه الدخان الذي كانوا ~~يتخيلونه مما نزل بهم من الجهد، وشدة الجوع، ولا ينافي ترجيح هذا ما ورد ~~أن الدخان من آيات الساعة، فإن ذلك دخان آخر، ولا ينافيه أيضا ما قيل ~~إنه الذي كان يوم فتح مكة، فإنه دخان آخر على تقدير صحة وقوعه. { أنى ~~لهم الذكرى } أي كيف يتذكرون، ويتعظون بما نزل بهم والحال أن { ~~قد جاءهم رسول مبين } يبين لهم كل شيء يحتاجون إليه من أمر ~~الدين، والدنيا { ثم تولوا عنه } أي أعرضوا عن ذلك الرسول ~~الذي جاءهم، ولم يكتفوا بمجرد الإعراض عنه، بل جاوزوه { وقالوا ~~معلم مجنون } أي قالوا إنما يعلمه القرآن بشر، وقالوا إنه ~~مجنون، فكيف يتذكر هؤلاء، وأنى لهم الذكرى. ثم لما دعوا الله بأن يكشف ~~عنهم العذاب، وأنه إذا كشفه عنهم آمنوا أجاب سبحانه عليهم بقوله { إنا ~~كاشفوا العذاب قليلا } أي إنا نكشفه عنهم كشفا قليلا، أو ~~زمانا قليلا، ثم أخبر الله سبحانه عنهم أنهم لا ينزجرون عما كانوا عليه ~~من الشرك، ولا يفون بما وعدوا به من الإيمان، فقال { إنكم ~~عائدون } أي إلى ما كنتم عليه من الشرك، وقد كان الأمر هكذا، فإن ~~الله سبحانه لما كشف عنهم ذلك العذاب رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر، ~~والعناد، وقيل المعنى إنكم عائدون إلينا بالبعث، والنشور، والأول أولى { ~~يوم نبطش البطشة الكبرى ms3522 } الظرف منصوب بإضمار اذكر، ~~وقيل هو بدل من يوم تأتي السماء، وقيل هو متعلق ب { منتقمون } ، وقيل ~~بما دل عليه منتقمون، وهو ننتقم. # والبطشة الكبرى هي يوم بدر، قاله الأكثر. والمعنى أنهم لما عادوا إلى ~~التكذيب، والكفر بعد رفع العذاب عنهم انتقم الله منهم بوقعة بدر. وقال ~~الحسن، وعكرمة المراد بها عذاب النار، واختار هذا الزجاج، والأول أولى. ~~قرأ الجمهور { نبطش } بفتح النون، وكسر الطاء، أي نبطش بهم، وقرأ الحسن، ~~وأبو جعفر بضم الطاء وهي لغة، وقرأ أبو رجاء، وطلحة بضم النون، وكسر ~~الطاء. وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس { فى ليلة مبركة } ~~قال أنزل القرآن في ليلة القدر، ونزل به جبريل على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نجوما لجواب الناس. وأخرج محمد بن نصر، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عنه في قوله { فيها يفرق كل أمر حكيم } قال يكتب من ~~أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق وموت، وحياة، ومطر، ~~حتى يكتب الحاج يحج فلان، ويحج فلان. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عمر { ~~فيها يفرق كل أمر حكيم } قال أمر السنة إلى السنة إلا ~~الشقاء والسعادة، فإنه في كتاب الله لا يبدل، ولا يغير. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب قال ~~إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى، ثم قرأ { إنا ~~أنزلنه فى ليلة مبركة } الآية، يعني ليلة القدر، قال ~~ففي تلك الليلة يفرق أمر الدنيا إلى مثلها من قابل من موت، أو حياة، أو ~~رزق، كل أمر الدنيا يفرق تلك الليلة إلى مثلها. وأخرج ابن زنجويه، ~~والديلمي، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح، ويولد له، وقد ~~خرج اسمه في الموتى " # وأخرجه ابن أبي الدنيا، وابن جرير، عن عثمان بن محمد بن المغيرة بن ~~الأخنس، وهذا مرسل، ولا تقوم به حجة، ولا تعارض بمثله صرائح ms3523 القرآن. وما ~~روي في هذا، فهو إما مرسل، أو غير صحيح. وقد أورد ذلك صاحب الدر ~~المنثور، وأورد ما ورد في فضل ليلة النصف من شعبان، وذلك لا يستلزم أنها ~~المراد بقوله { في ليلة مباركة }. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن ابن ~~مسعود أن قريشا لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبطئوا ~~عن الإسلام قال # " اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف " # ، فأصابهم قحط، وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء، ~~فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجوع، فأنزل الله { فارتقب ~~يوم تأتى السماء بدخان مبين } الآية، فأتي النبي فقيل ~~يا رسول الله استسق الله لمضر، فاستسقى لهم، فسقوا، فأنزل الله { إنا ~~كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون } فلما أصابتهم ~~الرفاهية عادوا إلى حالهم، فأنزل الله { يوم نبطش البطشة ~~الكبرى إنا منتقمون } ، فانتقم الله منهم يوم بدر، فقد مضى ~~البطشة، والدخان، واللزام. وقد روي عن ابن مسعود، نحو هذا من غير وجه، ~~وروي نحوه عن جماعة من التابعين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم عن ابن أبي مليكة قال دخلت على ابن عباس ~~فقال لم أنم هذه الليلة، فقلت لم؟ قال طلع الكوكب، فخشيت أن يطرق الدخان. ~~قال ابن كثير وهذا إسناد صحيح، وكذا صححه السيوطي، ولكن ليس فيه أنه سبب ~~نزول الآية. وقد عرفناك أنه لا منافاة بين كون هذه الآية نازلة في ~~الدخان الذي كان يتراءى لقريش من الجوع، وبين كون الدخان من آيات ~~الساعة، وعلاماتها، وأشراطها، فقد وردت أحاديث صحاح، وحسان، وضعاف بذلك، ~~وليس فيها أنه سبب نزول الآية، فلا حاجة بنا إلى التطويل بذكرها، والواجب ~~التمسك بما ثبت في الصحيحين، وغيرهما أن دخان قريش عند الجهد، والجوع هو ~~سبب النزول، وبهذا تعرف اندفاع ترجيح من رجح أنه الدخان الذي هو من أشراط ~~الساعة كابن كثير في تفسيره، وغيره، وهكذا يندفع قول من قال إنه الدخان ~~الكائن يوم فتح مكة متمسكا بما أخرجه ابن سعد عن أبي هريرة ms3524 قال كان يوم ~~فتح مكة دخان، وهو قول الله { فارتقب يوم تأتى السماء ~~بدخان مبين } فإن هذا لا يعارض ما في الصحيحين على تقدير صحة ~~إسناده مع احتمال أن يكون أبو هريرة رضي الله عنه ظن من وقوع ذلك الدخان ~~يوم الفتح أنه المراد بالآية، ولهذا لم يصرح بأنه سبب نزولها. وأخرج ابن ~~جرير، عن عكرمة قال قال ابن عباس قال ابن مسعود البطشة الكبرى يوم بدر، ~~وأنا أقول هي يوم القيامة. قال ابن كثير وهذا إسناد صحيح. وقال ابن كثير ~~قبل هذا فسر ذلك ابن مسعود بيوم بدر، وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود ~~على تفسيره الدخان بما تقدم، وروي أيضا عن ابن عباس من رواية العوفي ~~عنه، وعن أبي بن كعب، وجماعة، وهو محتمل. والظاهر أن ذلك يوم القيامة، ~~وإن كان يوم بدر يوم بطشة كبرى أيضا. انتهى. قلت بل الظاهر أنه يوم بدر، ~~وإن كان يوم القيامة يوم بطشة أكبر من كل بطشة، فإن السياق مع قريش، ~~فتفسيره بالبطشة الخاصة بهم أولى من تفسيره بالبطشة التي تكون يوم ~~القيامة لكل عاص من الإنس والجن. ### || [44.17-37] # قوله { ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون } أي ابتليناهم، ~~ومعنى الفتنة هنا أن الله سبحانه أرسل إليهم رسله، وأمروهم بما شرعه لهم، ~~فكذبوهم، أو وسع عليهم الأرزاق، فطغوا وبغوا. قال الزجاج بلوناهم، ~~والمعنى عاملناهم معاملة المختبر ببعث الرسل إليهم، وقرىء فتنا بالتشديد ~~{ وجاءهم رسول كريم } أي كريم على الله كريم في قومه، وقال ~~مقاتل حسن الخلق بالتجاوز، والصفح. وقال الفراء كريم على ربه إذا اختصه ~~بالنبوة { أن أدوا إلى عباد الله } " أن " هذه هي ~~المفسرة لتقدم ما هو بمعنى القول، ويجوز أن تكون المخففة من الثقيلة، ~~والمعنى أن الشأن، والحديث أدوا إلي عباد الله، ويجوز أن تكون مصدرية، ~~أي بأن أدوا والمعنى أنه طلب منهم أن يسلموا إليه بني إسرائيل. قال ~~مجاهد المعنى أرسلوا معي عباد الله، وأطلقوهم من العذاب، فعباد الله على ~~هذا مفعول به. وقيل المعنى أدوا إلي عباد الله ms3525 ما وجب عليكم من حقوق ~~الله، فيكون منصوبا على أنه منادى مضاف. وقيل أدوا إلي سمعكم حتى ~~أبلغكم رسالة ربكم. { إني لكم رسول أمين } هو تعليل لما ~~تقدم، أي { رسول } من الله إليكم { أمين } على الرسالة غير متهم { وأن ~~لا تعلوا على الله } أي لا تتجبروا، وتتكبروا عليه، بترفعكم ~~عن طاعته، ومتابعة رسله، وقيل لا تبغوا على الله، وقيل لا تفتروا عليه، ~~والأول أولى. وبه قال ابن جريج، ويحيى بن سلام، وجملة { إني ~~آتيكم بسلطان مبين } تعليل لما قبله من النهي، أي بحجة واضحة ~~لا سبيل إلى إنكارها. وقال قتادة بعذر بين. والأول أولى، وبه قال يحيى ~~بن سلام. قرأ الجمهور بكسر همزة { إنى } ، وقرىء بالفتح بتقدير اللام { ~~وإنى عذت بربى وربكم أن ترجمون } استعاذ بالله ~~سبحانه لما توعدوه بالقتل، والمعنى من أن ترجمون. قال قتادة ترجموني ~~بالحجارة، وقيل تشتمون، وقيل تقتلون { وإن لم تؤمنوا لى ~~فاعتزلون } أي إن لم تصدقوني، وتقروا بنبوتي، فاتركوني، ولا ~~تتعرضوا لي بأذى. قال مقاتل دعوني كفافا لا علي، ولا لي. وقيل كونوا ~~بمعزل عني، وأنا بمعزل منكم إلى أن يحكم الله بيننا، وقيل فخلوا سبيلي، ~~والمعنى متقارب. ثم لما لم يصدقوه، ولم يجيبوا دعوته، رجع إلى ربه ~~بالدعاء كما حكى الله عنه بقوله { فدعا ربه أن هؤلاء ~~قوم مجرمون } قرأ الجمهور بفتح الهمزة على إضمار حرف الجر، أي ~~دعاه بأن هؤلاء، وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر بكسرها على ~~إضمار القول، وفي الكلام حذف، أي فكفروا فدعا ربه، والمجرمون الكافرون، ~~وسماه دعاء مع أنه لم يذكر إلا مجرد كونهم مجرمين، لأنهم قد استحقوا ~~بذلك الدعاء عليهم { فأسر بعبادى ليلا } أجاب الله سبحانه ~~دعاءه، فأمره أن يسري ببني إسرائيل ليلا، يقال سرى وأسرى لغتان، قرأ ~~الجمهور { فأسر } بالقطع. # وقرأ أهل الحجاز بالوصل، ووافقهم ابن كثير، فالقراءة الأولى من أسرى، ~~والثانية من سرى، والجملة بتقدير القول، أي فقال الله لموسى أسر بعبادي { ~~إنكم متبعون } أي يتبعكم فرعون، وجنوده، وقد تقدم في غير موضع ~~خروج ms3526 فرعون بعدهم { واترك البحر رهوا } أي ساكنا، يقال رها ~~يرهو رهوا إذا سكن لا يتحرك. قال الجوهري يقال افعل ذلك رهوا، أي ~~ساكنا على هيئتك، وعيش راه، أي ساكن، ورها البحر سكن، وكذا قال الهروي، ~~وغيره، وهو المعروف في اللغة، ومنه قول الشاعر # والخيل تمرح رهوا في أعنتها كالطير تنجو من الشؤبوب ذي البرد # أي والخيل تمرح في أعنتها ساكنة، والمعنى اترك البحر ساكنا على صفته ~~بعد أن ضربته بعصاك، ولا تأمره أن يرجع كما كان ليدخله آل فرعون بعدك، ~~وبعد بني إسرائيل، فينطبق عليهم، فيغرقون. وقال أبو عبيدة رها بين رجليه ~~يرهو رهوا، أي فتح.. قال ومنه قوله { واترك البحر رهوا } ، ~~والمعنى اتركه منفرجا كما كان بعد دخولكم فيه، وكذا قال أبو عبيد وبه ~~قال مجاهد، وغيره. قال ابن عرفة وهما يرجعان إلى معنى واحد، وإن اختلف ~~لفظاهما، لأن البحر إذا سكن جريه انفرج. قال الهروي ويجوز أن يكون { ~~رهوا } نعتا لموسى، أي سر ساكنا على هيئتك. وقال كعب، والحسن { رهوا ~~} طريقا. وقال الضحاك، والربيع سهلا. وقال عكرمة يبسا كقوله # فاضرب لهم طريقا فى البحر يبسا # طه 77 وعلى كل تقدير، فالمعنى اتركه ذا رهو، أو اتركه رهوا على ~~المبالغة في الوصف بالمصدر { إنهم جند مغرقون } أي إن ~~فرعون، وقومه مغرقون. أخبر سبحانه موسى بذلك ليسكن قلبه، ويطمئن جأشه. ~~قرأ الجمهور بكسر إن على الاستئناف لقصد الإخبار بذلك، وقرىء بالفتح على ~~تقدير لأنهم. { كم } هي الخبرية المفيدة للتكثير، وقد مضى الكلام في ~~معنى الآية في سورة الشعراء. قرأ الجمهور { ومقام } بفتح الميم على ~~أنه اسم مكان للقيام، وقرأ ابن هرمز، وقتادة، وابن السميفع، وروى عن نافع ~~بضمها اسم مكان الإقامة { ونعمة كانوا فيها فكهين } ~~النعمة بالفتح التنعم يقال نعمه الله، وناعمه، فتنعم، وبالكسر المنة، وما ~~أنعم به عليك، وفلان واسع النعمة، أي واسع المال ذكر معنى هذا الجوهري. ~~قرأ الجمهور { فاكهين } بالألف. وقرأ أبو رجاء، والحسن، وأبو الأشهب، ~~والأعرج، وأبو جعفر، وشيبة فكهين بغير ألف، والمعنى على القراءة الأولى ms3527 ~~متنعمين طيبة أنفسهم، وعلى القراءة الثانية أشرين بطرين. قال الجوهري فكه ~~الرجل بالكسر، فهو فكه إذا كان طيب النفس مزاحا، والفكه أيضا الأشر ~~البطر. قال { وفاكهين } أي ناعمين. وقال الثعلبي هما لغتان كالحاذر، ~~والحذر، والفاره والفره. # وقيل إن الفاكهة هو المستمتع بأنواع اللذة كما يتمتع الرجل بأنواع ~~الفاكهة. { كذلك وأورثنها قوما ءاخرين } الكاف في محل ~~رفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف. قال الزجاج أي الأمر كذلك، ويجوز أن تكون ~~في محل نصب، والإشارة إلى مصدر فعل يدل عليه تركوا، أي مثل ذلك السلب ~~سلبناهم إياها، وقيل مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها، وقيل مثل ذلك ~~الإهلاك أهلكناهم. فعلى الوجه الأول يكون قوله { وأورثنها } ~~معطوفا على { تركوا } ، وعلى الوجوه الآخرة يكون معطوفا على الفعل ~~المقدر. والمراد بالقوم الآخرين بنو إسرائيل، فإن الله سبحانه ملكهم أرض ~~مصر بعد أن كانوا فيها مستعبدين، فصاروا لها وارثين، أي أنها وصلت إليهم ~~كما يصل الميراث إلى الوارث، ومثل هذا قوله # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشرق ~~الأرض ومغربها # الأعراف 137 { فما بكت عليهم السماء والأرض } هذا بيان ~~لعدم الاكتراث بهلاكهم. قال المفسرون أي إنهم لم يكونوا يعملون على الأرض ~~عملا صالحا تبكي عليهم به، ولم يصعد لهم إلى السماء عمل طيب يبكي عليهم ~~به، والمعنى أنه لم يصب بفقدهم وهلاكهم أحد من أهل السماء، ولا من أهل ~~الأرض، وكانت العرب تقول عند موت السيد منهم بكت له السماء، والأرض، أي ~~عمت مصيبته، ومن ذلك قول جرير # لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع # ومنه قول النابغة # بكى حارث الحولان من فقد ربه وحوران منه خاشع متضائل # وقال الحسن في الكلام مضاف محذوف، أي ما بكى عليهم أهل السماء والأرض من ~~الملائكة والناس. وقال مجاهد إن السماء والأرض تبكيان على المؤمن أربعين ~~صباحا، وقيل إنه يبكي على المؤمن مواضع صلاته، ومصاعد عمله { وما ~~كانوا منظرين } أي ممهلين إلى وقت آخر بل عوجلوا بالعقوبة لفرط ~~كفرهم، وشدة عنادهم { ولقد نجينا بنى إسرءيل من ~~العذاب المهين } أي ms3528 خلصناهم بإهلاك عدوهم مما كانوا فيه من ~~الاستعباد، وقتل الأبناء واستحياء النساء، وتكليفهم للأعمال الشاقة، ~~وقوله { من فرعون } بدل من العذاب إما على حذف مضاف، أي من عذاب ~~فرعون، وإما على المبالغة كأنه نفس العذاب، فأبدل منه، أو على أنه حال من ~~العذاب تقديره صادرا من فرعون، وقرأ ابن عباس من فرعون؟ بفتح الميم على ~~الاستفهام التحقيري كما يقال لمن افتخر بحسبه، أو نسبه من أنت؟ ثم بين ~~سبحانه حاله، فقال { إنه كان عاليا من المسرفين } أي ~~عاليا في التكبر والتجبر من المسرفين في الكفر بالله، وارتكاب معاصيه ~~كما في قوله # إن فرعون علا فى الأرض # القصص 4. ولما بين سبحانه كيفية دفعه للضر عن بني إسرائيل بين ما ~~أكرمهم به، فقال { ولقد اخترنهم على علم على ~~العلمين } أي اختارهم الله على عالمي زمانهم على علم منه ~~باستحقاقهم لذلك، وليس المراد أنه اختارهم على جميع العالمين بدليل قوله ~~في هذه الأمة # كنتم خير أمة أخرجت للناس # آل عمران 110 وقيل على كل العالمين لكثرة الأنبياء فيهم، ومحل { على علم ~~} النصب على الحال من فاعل { اخترناهم } أي حال كون اختيارنا لهم على علم ~~منا، و { على العالمين } متعلق باخترناهم { وءاتينهم من ~~الآيت } أي معجزات موسى { ما فيه بلؤا مبين } أي اختبار ~~ظاهر، وامتحان واضح لننظر كيف يعملون. وقال قتادة الآيات إنجاؤهم من ~~الغرق، وفلق البحر لهم، وتظليل الغمام عليهم، وإنزال المن والسلوى لهم. ~~وقال ابن زيد الآيات هي الشر الذي كفهم عنه، والخير الذي أمرهم به. وقال ~~الحسن، وقتادة البلاء المبين النعمة الظاهرة كما في قوله # وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا # الأنفال 17، ومنه قول زهير # فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو # والإشارة بقوله { إن هؤلآء } إلى كفار قريش، لأن الكلام فيهم، ~~وقصة فرعون مسوقة للدلالة على استوائهم في الإصرار على الكفر { ~~ليقولون إن هى إلا موتتنا الأولى } أي ما هي إلا ~~موتتنا الأولى التي نموتها في الدنيا، ولا حياة بعدها، ولا بعث، وهو معنى ~~قوله { وما نحن بمنشرين } أي بمبعوثين، وليس في الكلام ms3529 قصد إلى ~~إثبات موتة أخرى، بل المراد ما العاقبة ونهاية الأمر إلا الموتة الأولى ~~المزيلة للحياة الدنيوية، قال الرازي المعنى أنه لا يأتينا من الأحوال ~~الشديدة إلا الموتة الأولى، ثم أوردوا على من وعدهم بالبعث ما ظنوه ~~دليلا، وهو حجة داحضة، فقالوا { فأتوا بئابائنا } أي ارجعوهم ~~بعد موتهم إلى الدنيا { إن كنتم صدقين } فيما تقولونه، ~~وتختبرونا به من البعث. ثم رد الله سبحانه عليهم بقوله { أهم خير ~~أم قوم تبع } أي أهم خير في القوة والمنعة، أم قوم تبع الحميري ~~الذي دار في الدنيا بجيوشه، وغلب أهلها، وقهرهم، وفيه وعيد شديد. وقيل ~~المراد بقوم تبع جميع أتباعه لا واحد بعينه. وقال الفراء الخطاب في قوله ~~{ فأتوا بئابائنا } لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحده كقوله # رب ارجعون # المؤمنون 99، والأولى أنه خطاب له، ولأتباعه من المسلمين والمراد ب { ~~الذين من قبلهم } عاد، وثمود، ونحوهم، وقوله { ~~أهلكنهم } جملة مستأنفة لبيان حالهم، وعاقبة أمرهم، وجملة { ~~إنهم كانوا مجرمين } تعليل لإهلاكهم، والمعنى أن الله ~~سبحانه قد أهلك هؤلاء بسبب كونهم مجرمين، فإهلاكه لمن هو دونهم بسبب كونه ~~مجرما مع ضعفه، وقصور قدرته بالأولى. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن ~~عباس في قوله { ولقد فتنا } قال ابتلينا { قبلهم قوم ~~فرعون وجاءهم رسول كريم } قال هو موسى { أن أدوا ~~إلى عباد الله } أرسلوا معي بني إسرائيل { وأن لا ~~تعلوا على الله } قال لا تعثوا { إني آتيكم بسلطان ~~مبين } قال بعذر مبين { وإنى عذت بربى وربكم أن ~~ترجمون } قال بالحجارة { وإن لم تؤمنوا لى ~~فاعتزلون } أي خلوا سبيلي. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في قوله { أن ~~أدوا إلى عباد الله } قال يقول اتبعوني إلى ما أدعوكم إليه ~~من الحق، وفي قوله { وأن لا تعلوا على الله } قال لا تفتروا ~~وفي قوله { أن ترجمون } قال تشتمون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، عنه أيضا في قوله { رهوا } قال سمتا. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عنه أيضا { رهوا } قال كهيئة، وامضه. وأخرج ابن ms3530 جرير، وابن أبي ~~حاتم، عنه أيضا أنه سأل كعبا عن قوله { واترك البحر رهوا } ~~قال طريقا. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس أيضا قال الرهو أن يترك كما ~~كان. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه أيضا في قوله { ومقام كريم } قال ~~المنابر. وأخرج ابن مردويه، عن جابر مثله. وأخرج الترمذي، وابن أبي ~~الدنيا، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، ~~والخطيب عن أنس، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما من عبد إلا وله بابان باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، ~~فإذا مات، فقداه، وبكيا عليه " # ، وتلا هذه الآية { فما بكت عليهم السماء والأرض } ~~وذكر أنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملا صالحا تبكي عليهم، ولم يصعد ~~لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام صالح، فتفقدهم، فتبكي عليهم. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الشعب نحوه من ~~قول ابن عباس. وأخرج أبو الشيخ عنه قال يقال الأرض تبكي على المؤمن ~~أربعين صباحا. وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن جرير، عن شريح بن عبيد ~~الحضرمي مرسلا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، ألا لا غربة على مؤمن، ~~ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه، إلا بكت عليه السماء والأرض " # ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { فما بكت عليهم ~~السماء والأرض } ثم قال # " إنهما لا يبكيان على كافر " # وأخرج ابن المبارك، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر من طريق ~~المسيب بن رافع، عن علي بن أبي طالب قال إن المؤمن إذا مات بكى عليه ~~مصلاه من الأرض، ومصعد عمله من السماء، ثم تلا الآية. وأخرج ابن المبارك، ~~وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب، عن ~~ابن عباس قال إن الأرض لتبكي على ابن آدم أربعين صباحا، ثم قرأ الآية. ~~وأخرج الطبراني، وابن مردويه عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ms3531 قال # " لا تسبوا تبعا فإنه قد أسلم " # وأخرجه أحمد، والطبراني، وابن ماجه، وابن مردويه عن سهل بن سعد الساعدي ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله، وروي نحو هذا عن غيرهما ~~من الصحابة، والتابعين. ### || [44.38-59] # قوله { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما } ~~أي بين جنسي السماء، والأرض { لاعبين } أي لغير غرض صحيح. قال مقاتل ~~لم نخلقهما عابثين لغير شيء. وقال الكلبي لاهين، وقيل غافلين. قرأ ~~الجمهور { وما بينهما } وقرأ عمرو بن عبيد وما بينهن لأن السموات، ~~والأرض جمع، وانتصاب { لاعبين } على الحال { ما خلقنهما } أي ~~وما بينهما { إلا بالحق } أي إلا بالأمر الحق، والاستثناء مفرغ ~~من أعم الأحوال. وقال الكلبي إلا للحق، وكذا قال الحسن، وقيل إلا ~~لإقامة الحق، وإظهاره { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن ~~الأمر كذلك، وهم المشركون { إن يوم الفصل ميقتهم ~~أجمعين } أي إن يوم القيامة الذي يفصل فيه الحق عن الباطل ميقاتهم، ~~أي الوقت المجعول لتمييز المحسن من المسيء، والمحق من المبطل، { أجمعين ~~} لا يخرج عنهم أحد من ذلك. وقد اتفق القراء على رفع ميقاتهم على أنه خبر ~~" إن " ، واسمها { يوم الفصل }. وأجاز الكسائي، والفراء نصبه على أنه ~~اسمها، و " يوم الفصل " خبرها. ثم وصف سبحانه ذلك اليوم، فقال { يوم ~~لا يغنى مولى عن مولى شيئا } { يوم } بدل من { يوم الفصل ~~} ، أو منتصب بفعل مضمر يدل عليه الفصل، أي يفصل بينهم يوم لا يغني، ولا ~~يجوز أن يكون معمولا للفصل لأنه قد وقع الفصل بينهما بأجنبي، والمعنى ~~أنه لا ينفع في ذلك اليوم قريب قريبا، ولا يدفع عنه شيئا، ويطلق المولى ~~على الولي، وهو القريب، والناصر { ولا هم ينصرون } الضمير راجع ~~إلى المولى باعتبار المعنى لأنه نكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم، ~~أي ولا هم يمنعون من عذاب الله { إلا من رحم الله } قال ~~الكسائي الاستثناء منقطع، أي لكن من رحم الله، وكذا قال الفراء. وقيل هو ~~متصل، والمعنى لا يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين، فإنهم يؤذن لهم في ~~الشفاعة، فيشفعون، ms3532 ويجوز أن يكون مرفوعا على البدل من { مولى } الأول، ~~أو من الضمير في { ينصرون } { إنه هو العزيز الرحيم } أي ~~الغالب الذي لا ينصر من أراد عذابه الرحيم لعباده المؤمنين. ثم لما وصف ~~اليوم ذكر بعده، وعيد الكفار، فقال { إن شجرة الزقوم طعام ~~الأثيم } شجرة الزقوم هي الشجرة التي خلقها الله في جهنم، وسماها ~~الشجرة الملعونة، فإذا جاع أهل النار التجئوا إليها، فأكلوا منها، وقد ~~مضى الكلام على شجرة الزقوم في سورة الصافات. والأثيم الكثير الإثم. قال ~~في الصحاح أثم الرجل بالكسر إثما، ومأثما إذا وقع في الإثم، فهو آثم، ~~وأثيم، وأثوم. فمعنى طعام الأثيم ذي الإثم { كالمهل } وهو دردي ~~الزيت، وعكر القطران. وقيل هو النحاس المذاب. # وقيل كل ما يذوب في النار { يغلى فى البطون * كغلى ~~الحميم } قرأ الجمهور { تغلي } بالفوقية على أن الفاعل ضمير يعود إلى ~~الشجرة، والجملة خبر ثان، أو حال، أو خبر مبتدأ محذوف، أي تغلي غليا ~~مثل غلي الحميم، وهو الماء الشديد الحرارة. وقرأ ابن كثير، وحفص، وابن ~~محيصن، وورش، عن يعقوب { يغلي } بالتحتية على أن الفاعل ضمير يعود إلى ~~الطعام وهو في معنى الشجرة، ولا يصح أن يكون الضمير عائدا إلى المهل ~~لأنه مشبه به، وإنما يغلي ما يشبه بالمهل، وقوله { كغلى الحميم } ~~صفة مصدر محذوف، أي غليا كغلي الحميم { خذوه فاعتلوه إلى ~~سواء الجحيم } أي يقال للملائكة الذين هم خزنة النار خذوه، أي ~~الأثيم، فاعتلوه، العتل القود بالعنف، يقال عتله يعتله، إذا جره، وذهب ~~به إلى مكروه، وقيل العتل أن يأخذ بتلابيب الرجل، ومجامعه، فيجره، ومنه ~~قول الشاعر يصف فرسا # نقرعه قرعا ولسنا نعتله # ومنه قول الفرزدق يهجو جريرا # حتى ترد إلى عطية تعتل # قرأ الجمهور { فاعتلوه } بكسر التاء. وقرأ نافع، وابن كثير، وابن ~~عامر بضمها، وهما لغتان { إلى سواء الجحيم } أي إلى وسطه، كقوله # فرآه في سوآء الجحيم # الصافات 55 { ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم } ~~" من " هي التبعيضية، أي صبوا فوق رأسه بعض هذا النوع، وإضافة العذاب إلى ~~الحميم للبيان، أي ms3533 عذاب هو الحميم، وهو الماء الشديد الحرارة كما تقدم { ~~ذق إنك أنت العزيز الكريم } أي وقولوا له تهكما، ~~وتقريعا، وتوبيخا ذق العذاب إنك أنت العزيز الكريم. وقيل إن أبا جهل ~~كان يزعم أنه أعز أهل الوادي، وأكرمهم، فيقولون له ذق العذاب أيها ~~المتعزز المتكرم في زعمك، وفيما كنت تقوله. قرأ الجمهور { إنك } بكسر ~~الهمزة، وقرأ الكسائي - وروي ذلك عن علي - بفتحها أي لأنك. قال الفراء ~~أي بهذا القول الذي قلته في الدنيا، والإشارة بقوله { إن هذا } إلى ~~العذاب { ما كنتم به تمترون } أي تشكون فيه حين كنتم في ~~الدنيا، والجمع باعتبار جنس الأثيم. ثم ذكر سبحانه مستقر المتقين، فقال ~~{ إن المتقين فى مقام أمين } أي الذين اتقوا الكفر ~~والمعاصي. قرأ الجمهور { مقام } بفتح الميم، وقرأ نافع، وابن عامر بضمها. ~~فعلى القراءة الأولى هو موضع القيام، وعلى القراءة الثانية هو موضع ~~الإقامة قاله الكسائي، وغيره. وقال الجوهري قد يكون كل واحد منهما بمعنى ~~الإقامة، وقد يكون بمعنى موضع القيام. ثم وصف المقام بأنه أمين يأمن ~~صاحبه من جميع المخاوف { فى جنت وعيون } بدل من { مقام أمين } ~~، أو بيان له، أو خبر ثان { يلبسون من سندس وإستبرق } ~~خبر ثان، أو ثالث، أو حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور، ~~والسندس ما رق من الديباج، والإستبرق ما غلظ منه، وقد تقدم بيانه في ~~سورة الكهف، وانتصاب { متقبلين } على الحال من فاعل { يلبسون } ~~، أي متقابلين في مجالسهم ينظر بعضهم إلى بعض، والكاف في قوله { كذلك ~~} إما نعت مصدر محذوف، أي نفعل بالمتقين فعلا كذلك. # أو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي الأمر كذلك { وزوجنهم ~~بحور عين } أي أكرمناهم بأن زوجناهم بحور عين، والحور جمع حوراء ~~وهي البيضاء، والعين جمع عيناء وهي الواسعة العينين. وقال مجاهد إنما ~~سميت الحوراء حوراء، لأنه يحار الطرف في حسنها، وقيل هو من حور العين وهو ~~شدة بياض العين في شدة سوادها كذا قال أبو عبيدة. وقال الأصمعي ما أدري ~~ما الحور في العين. قال أبو عمرو الحور أن ms3534 تسود العين كلها مثل أعين ~~الظباء والبقر، قال وليس في بني آدم حور، وإنما قيل للنساء حور لأنهن ~~شبهن بالظباء والبقر. قيل والمراد بقوله { زوجناهم } قرناهم، وليس من ~~عقد التزويج، لأنه لا يقال زوجته بامرأة. وقال أبو عبيدة وجعلناهم ~~أزواجا لهن كما يزوج البعل بالبعل أي جعلناهم اثنين اثنين، وكذا قال ~~الأخفش { يدعون فيها بكل فكهة ءامنين } أي يأمرون ~~بإحضار ما يشتهون من الفواكه حال كونهم آمنين من التختم، والأسقام، ~~والآلام. قال قتادة آمنين من الموت، والوصب، والشيطان، وقيل من انقطاع ما ~~هم فيه من النعيم. { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة ~~الأولى } أي لا يموتون فيها أبدا إلا الموتة التي ذاقوها في الدنيا، ~~والاستثناء منقطع، أي لكن الموتة التي قد ذاقوها في الدنيا، كذا قال ~~الزجاج والفراء، وغيرهما، ومثل هذه الآية قوله # ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء إلا ما قد ~~سلف # النساء 22 وقيل إن " إلا " بمعنى بعد، كقولك ما كلمت رجلا اليوم إلا ~~رجلا عندك، أي بعد رجل عندك، وقيل هي بمعنى سوى، أي سوى الموتة الأولى. ~~وقال ابن قتيبة إنما استثنى الموتة الأولى وهي في الدنيا، لأن السعداء ~~حين يموتون يصيرون بلطف الله وقدرته إلى أسباب من الجنة يلقون الروح ~~والريحان، ويرون منازلهم من الجنة، وتفتح لهم أبوابها، فإذا ماتوا في ~~الدنيا، فكأنهم ماتوا في الجنة لاتصالهم بأسبابها، ومشاهدتهم إياها، ~~فيكون الاستثناء على هذا متصلا. واختار ابن جرير أن إلا بمعنى بعد، ~~واختار كونها بمعنى سوى ابن عطية { ووقهم عذاب الجحيم }. ~~قرأ الجمهور { وقاهم } بالتخفيف، وقرأ أبو حيوة بالتشديد على المبالغة { ~~فضلا من ربك } أي لأجل الفضل منه، أو أعطاهم ذلك عطاء فضلا منه ~~{ ذلك هو الفوز العظيم } أي ذلك الذي تقدم ذكره هو الفوز ~~الذي لا فوز بعده، المتناهي في العظم. ثم لما بين سبحانه الدلائل، وذكر ~~الوعد، والوعيد، قال { فإنما يسرنه بلسنك ~~لعلهم يتذكرون } أي إنما أنزلنا القرآن بلغتك كي يفهمه ~~قومك، فيتذكروا، ويعتبروا، ويعملوا بما فيه، أو سهلناه بلغتك عليك، وعلى ~~من ms3535 يقرؤه لعلهم يتذكرون { فارتقب إنهم مرتقبون } أي ~~فانتظر ما وعدناك من النصر عليهم، وإهلاكهم على يدك، فإنهم منتظرون ما ~~ينزل بك من موت، أو غيره، وقيل انتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، فإنهم ~~منتظرون بك نوائب الدهر، والمعنى متقارب. # وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله { ذق إنك أنت ~~العزيز الكريم } يقول لست بعزيز، ولا كريم. وأخرج الأموي في ~~مغازيه، عن عكرمة قال لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل، فقال # " إن الله أمرني أن أقول لك { أولى لك فأولى * ثم ~~أولى لك فأولى } " # القيامة 34، 35 قال فنزع يده من يده، وقال ما تستطيع لي أنت، ولا صاحبك ~~من شيء، لقد علمت أني أمنع أهل بطحاء، وأنا العزيز الكريم، فقتله الله ~~يوم بدر، وأذله، وعيره بكلمته، وأنزل { ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم }. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس في قوله { إن شجرة ~~الزقوم طعام الأثيم } قال المهل. وأخرج عنه أيضا { ذق ~~إنك أنت العزيز الكريم } قال هو أبو جهل بن هشام. ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.1-15] # قوله { حم } قد تقدم الكلام في هذه الفاتحة، وفي إعرابها، في فاتحة ~~سورة " غافر " ، وما بعدها، فإن جعل اسما للسورة، فمحله الرفع على أنه ~~خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ، وإن جعل حروفا مسرودة على نمط التعديد، فلا ~~محل له، وقوله { تنزيل الكتب } على الوجه الأول خبر ثان، وعلى ~~الوجه الثاني خبر المبتدأ، وعلى الوجه الثالث خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ ~~وخبره { من الله العزيز الحكيم } ثم أخبر سبحانه بما يدل ~~على قدرته الباهرة، فقال { إن فى السموات والأرض لآيت ~~للمؤمنين } أي فيها نفسها، فإنها من فنون الآيات، أو في خلقها. ~~قال الزجاج ويدل على أن المعنى في خلق السموات والأرض قوله { وفى ~~خلقكم } أي في خلقكم أنفسكم على أطوار مختلفة. قال مقاتل من تراب، ~~ثم من نطفة إلى أن يصير إنسانا، { وما يبث من دابة ءايت ~~} أي وفي خلق ما يبث من دابة، وارتفاع آيات على أنها مبتدأ مؤخر، وخبره ms3536 ~~الظرف قبله، وبالرفع قرأ الجمهور، وقرأ حمزة، والكسائي آيات بالنصب عطفا ~~على اسم إن، والخبر قوله { وفى خلقكم } كأنه قيل وإن في خلقكم وما ~~يبث من دابة آيات، أو على أنها تأكيد لآيات الأولى. وقرأ الجمهور أيضا ~~{ آيات لقوم يعقلون } بالرفع، وقرأ حمزة، والكسائي بنصبها مع اتفاقهم ~~على الجر في اختلاف، أما جر " اختلاف " ، فهو على تقدير حرف الجر أي ~~في { له اختلف اليل والنهار } آيات، فمن رفع آيات، فعلى ~~أنها مبتدأ، وخبرها في اختلاف، وأما النصب فهو من باب العطف على معمولي ~~عاملين مختلفين. قال الفراء الرفع على الاستئناف بعد إن، تقول العرب إن ~~لي عليك مالا، وعلى أخيك مال، ينصبون الثاني ويرفعونه، وللنحاة في هذا ~~الموضع كلام طويل. والبحث في مسألة العطف على معمولي عاملين مختلفين، ~~وحجج المجوزين له، وجوابات المانعين له مقرر في علم النحو مبسوط في ~~مطولاته. ومعنى { ما يبث من دابة } ما يفرقه وينشره { ~~واختلف اليل والنهار } تعاقبهما، أو تفاوتهما في الطول ~~والقصر، وقوله { وما أنزل الله من السماء من رزق } ~~معطوف على اختلاف، والرزق المطر لأنه سبب لكل ما يرزق الله العباد به، ~~وإحياء الأرض إخراج نباتها، و { موتها } خلوها عن النبات ومعنى { ~~وتصريف الرياح } أنها تهب تارة من جهة وتارة من أخرى، وتارة تكون ~~حارة وتارة تكون باردة، وتارة نافعة، وتارة ضارة { تلك آيت ~~الله نتلوها عليك } أي هذه الآيات المذكورة هي حجج الله ~~وبراهينه، ومحل { نتلوها عليك } النصب على الحال، ويجوز أن يكون في محل ~~رفع على أنه خبر اسم الإشارة، وآيات الله بيان له، أو بدل منه، وقوله { ~~بالحق } حال من فاعل نتلو، أو من مفعوله أي محقين، أو ملتبسة بالحق، ~~ويجوز أن تكون الباء للسببية، فتتعلق بنفس الفعل { فبأي حديث بعد الله ~~وآياته يؤمنون } أي بعد حديث الله وبعد آياته، وقيل إن المقصود فبأي حديث ~~بعد آيات الله، وذكر الاسم الشريف ليس إلا لقصد تعظيم الآيات، فيكون من ~~باب أعجبني زيد، وكرمه. # وقيل المراد بعد حديث الله، وهو القرآن كما ms3537 في قوله # الله نزل أحسن الحديث # الزمر 23، وهو المراد بالآيات، والعطف لمجرد التغاير العنواني. قرأ ~~الجمهور تؤمنون بالفوقية، وقرأ حمزة، والكسائي بالتحتية. والمعنى يؤمنون ~~بأي حديث، وإنما قدم عليه لأن الاستفهام له صدر الكلام. { ويل ~~لكل أفاك أثيم } أي لكل كذاب كثير الإثم مرتكب لما يوجبه، ~~والويل واد في جهنم. ثم وصف هذا الأفاك بصفة أخرى، فقال { يسمع ~~ءايت الله تتلى عليه } وقيل إن يسمع في محل نصب على ~~الحال، وقيل استئناف، والأول أولى، وقوله { تتلى عليه } في محل ~~نصب على الحال { ثم يصر } على كفره، ويقيم على ما كان عليه حال ~~كونه { مستكبرا } أي يتمادى على كفره متعظما في نفسه عن الانقياد ~~للحق، والإصرار مأخوذ من إصرار الحمار على العانة وهو أن ينحني عليها ~~صارا أذنيه. قال مقاتل إذا سمع من آيات القرآن شيئا اتخذها هزوا، ~~وجملة { كأن لم يسمعها } في محل نصب على الحال، أو مستأنفة وأن ~~هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف { فبشره بعذاب ~~أليم } هذا من باب التهكم أي فبشره على إصراره واستكباره، وعدم ~~استماعه إلى الآيات بعذاب شديد الألم { وإذا علم من ءايتنا ~~شيئا } قرأ الجمهور { علم } بفتح العين، وكسر اللام مخففة على البناء ~~للفاعل. وقرأ قتادة، ومطر الوراق على البناء للمفعول. والمعنى أنه إذا ~~وصل إليه علم شيء من آيات الله { اتخذها } أي الآيات { هزوا } ~~وقيل الضمير في اتخذها عائد إلى { شيئا } لأنه عبارة عن الآيات، والأول ~~أولى. والإشارة بقوله { أولئك } إلى كل أفاك متصف بتلك الصفات { ~~لهم عذاب مهين } بسبب ما فعلوا من الإصرار، والاستكبار عن سماع ~~آيات الله، واتخاذها هزوا، والعذاب المهين هو المشتمل على الإذلال، ~~والفضيحة { من ورائهم جهنم } أي من وراء ما هم فيه من التعزز ~~بالدنيا، والتكبر عن الحق جهنم فإنها من قدامهم لأنهم متوجهون إليها، ~~وعبر بالوراء عن القدام، كقوله # من ورائه جهنم # الرعد 16 وقول الشاعر # أليس ورائي إن تراخت منيتي # وقيل جعلها باعتبار إعراضهم عنها، كأنها خلفهم { ولا يغنى عنهم ~~ما كسبوا شيئا } أي ms3538 لا يدفع عنهم ما كسبوا من أموالهم، وأولادهم ~~شيئا من عذاب الله، ولا ينفعهم بوجه من وجوه النفع { ولا ما ~~اتخذوا من دون الله أولياء } معطوف على ما كسبوا أي ولا ~~يغني عنهم ما اتخذوا من دون الله أولياء من الأصنام، و «ما» في الموضعين ~~إما مصدرية، أو موصولة، وزيادة لا في الجملة الثانية للتأكيد { ولهم ~~عذاب عظيم } في جهنم التي هي من ورائهم { هذا هدى } جملة ~~مستأنفة من مبتدأ وخبر، يعني هذا القرآن هدى للمهتدين به { والذين ~~كفروا بئايت ربهم } القرآنية { لهم عذاب من رجز ~~أليم } الرجز أشد العذاب. # قرأ الجمهور أليم بالجر صفة للرجز. وقرأ ابن كثير، وحفص، وابن محيصن ~~بالرفع صفة لعذاب { الله الذى سخر لكم البحر } أي جعله ~~على صفة تتمكنون بها من الركوب عليه { لتجرى الفلك فيه ~~بأمره } أي بإذنه وإقداره لكم { ولتبتغوا من فضله } ~~بالتجارة تارة، والغوص للدر، والمعالجة للصيد وغير ذلك { ولعلكم ~~تشكرون } أي لكي تشكروا النعم التي تحصل لكم بسبب هذا التسخير للبحر ~~{ وسخر لكم ما فى السموات وما في الأرض جميعا ~~منه } أي سخر لعباده جميع ما خلقه في سماواته، وأرضه مما تتعلق به ~~مصالحهم، وتقوم به معايشهم، ومما سخره لهم من مخلوقات السموات الشمس ~~والقمر، والنجوم النيرات، والمطر والسحاب والرياح، وانتصاب { جميعا } ~~على الحال من { ما في السموات وما في الأرض } ، أو تأكيد له، وقوله { ~~منه } يجوز أن يتعلق بمحذوف هو صفة ل { جميعا } أي كائنة منه، ويجوز أن ~~يتعلق بسخر، ويجوز أن يكون حالا من ما في السموات، أو خبرا لمبتدأ ~~محذوف، والمعنى أن كل ذلك رحمة منه لعباده { إن فى ذلك } المذكور ~~من التسخير { لآيت لقوم يتفكرون } وخص المتفكرين لأنه لا ~~ينتفع بها إلا من تفكر فيها، فإنه ينتقل من التفكر إلى الاستدلال بها ~~على التوحيد. { قل للذين ءامنوا يغفروا } أي قل لهم اغفروا ~~يغفروا { للذين لا يرجون أيام الله } وقيل هو على حذف ~~اللام، والتقدير قل لهم ليغفروا. والمعنى قل لهم يتجاوزوا عن الذين لا ~~يرجون وقائع ms3539 الله بأعدائه، أي لا يتوقعونها، ومعنى الرجاء هنا الخوف، ~~وقيل هو على معناه الحقيقي. والمعنى لا يرجون ثوابه في الأوقات التي ~~وقتها الله لثواب المؤمنين، والأول أولى، والأيام يعبر بها عن الوقائع ~~كما تقدم في تفسير قوله # وذكرهم بأيام الله # إبراهيم 5 قال مقاتل لا يخشون مثل عذاب الله للأمم الخالية، وذلك أنهم ~~لا يؤمنون به، فلا يخافون عقابه. وقيل المعنى لا يأملون نصر الله ~~لأوليائه وإيقاعه بأعدائه، وقيل لا يخافون البعث. قيل والآية منسوخة بآية ~~السيف { ليجزى قوما بما كانوا يكسبون } قرأ ابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي لنجزي بالنون أي لنجزى نحن. وقرأ باقي السبعة بالتحتية ~~مبنيا للفاعل. # أي ليجزي الله. وقرأ أبو جعفر، وشيبة، وعاصم بالتحتية مبنيا للمفعول مع ~~نصب قوما، فقيل النائب عن الفاعل مصدر الفعل، أي ليجزى الجزاء قوما، ~~وقيل إن النائب الجار والمجرور، كما في قول الشاعر # ولو ولدت فقيرة جرو كلب لسب بذلك الجرو الكلابا # وقد أجاز ذلك الأخفش، والكوفيون، ومنعه البصريون، والجملة لتعليل الأمر ~~بالمغفرة، والمراد بالقوم المؤمنون، أمروا بالمغفرة ليجزيهم الله يوم ~~القيامة بما كسبوا في الدنيا من الأعمال الحسنة التي من جملتها الصبر على ~~أذية الكفار، والإغضاء عنهم بكظم الغيظ واحتمال المكروه. وقيل المعنى ~~ليجزي الكفار بما عملوا من السيئات كأنه قال لا تكافئوهم أنتم لنكافئهم ~~نحن، والأول أولى. ثم ذكر المؤمنين وأعمالهم، والمشركين وأعمالهم، فقال ~~{ من عمل صلحا فلنفسه ومن أساء فعليها } ~~والمعنى أن عمل كل طائفة من إحسان، أو إساءة لعامله لا يتجاوزه إلى غيره، ~~وفيه ترغيب وتهديد { ثم إلى ربكم ترجعون } فيجازي كلا ~~بعمله إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر. وقد أخرج عبد الرزاق، ~~والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة من طريق ~~عكرمة، عن ابن عباس في قوله { جميعا منه } قال منه النور والشمس ~~والقمر. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال كل شيء هو من الله. وأخرج عبد ~~الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء ~~والصفات، عن طاووس ms3540 قال جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله مم ~~خلق الخلق؟ قال من الماء، والنور والظلمة، والهواء والتراب، قال فمم خلق ~~هؤلاء؟ قال لا أدري. ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير، فسأله، فقال مثل ~~قول عبد الله بن عمرو، فأتى ابن عباس، فسأله مم خلق الخلق؟ فقال من ~~الماء، والنور والظلمة، والريح والتراب، قال فمم خلق هؤلاء؟ فقرأ ابن ~~عباس { وسخر لكم ما فى السموات وما في الأرض ~~جميعا منه } فقال الرجل ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن ~~ابن عباس في قوله { قل للذين ءامنوا يغفروا } الآية قال ~~كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يعرض عن المشركين إذا آذوه، وكانوا ~~يستهزئون به ويكذبونه، فأمره الله أن يقاتل المشركين كافة، فكان هذا من ~~المنسوخ. ### || [45.16-26] # قوله { ولقد ءاتينا بنى إسرءيل الكتب والحكم ~~والنبوة } المراد بالكتاب التوراة، وبالحكم الفهم والفقه الذي ~~يكون بهما الحكم بين الناس وفصل خصوماتهم، وبالنبوة من بعثه الله من ~~الأنبياء فيهم { ورزقناهم من الطيبات } أي المستلذات التي ~~أحلها الله لهم، ومن ذلك المن والسلوى { وفضلنهم على ~~العلمين } من أهل زمانهم حيث آتيناهم ما لم نؤت من عداهم من فلق ~~البحر ونحوه، وقد تقدم بيان هذا في سورة الدخان { وءاتينهم ~~بينت من الأمر } أي شرائع واضحات في الحلال والحرام، أو معجزات ~~ظاهرات، وقيل العلم بمبعث النبي، وشواهد نبوته، وتعيين مهاجره { فما ~~اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم } أي فما وقع ~~الاختلاف بينهم في ذلك الأمر إلا بعد مجيء العلم إليهم ببيانه، وإيضاح ~~معناه، فجعلوا ما يوجب زوال الخلاف موجبا لثبوته، وقيل المراد بالعلم ~~يوشع بن نون، فإنه آمن به بعضهم وكفر بعضهم، وقيل نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، فاختلفوا فيها حسدا وبغيا، وقيل { بغيا } من بعضهم على ~~بعض بطلب الرئاسة { إن ربك يقضى بينهم يوم ~~القيمة فيما كانوا فيه يختلفون } من أمر الدين، ~~فيجازي المحسن بإحسانه، ms3541 والمسيء بإساءته. { ثم جعلنك على ~~شريعة من الأمر } الشريعة في اللغة المذهب، والملة، والمنهاج، ~~ويقال لمشرعة الماء وهي مورد شاربيه شريعة، ومنه الشارع لأنه طريق إلى ~~المقصد، فالمراد بالشريعة هنا ما شرعه الله لعباده من الدين، والجمع ~~شرائع، أي جعلناك يا محمد على منهاج واضح من أمر الدين يوصلك إلى الحق { ~~فاتبعها } فاعمل بأحكامها في أمتك { ولا تتبع أهواء ~~الذين لا يعلمون } توحيد الله وشرائعه لعباده، وهم كفار قريش ~~ومن وافقهم { إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا } أي ~~لا يدفعون عنك شيئا مما أراده الله بك إن اتبعت أهواءهم { وإن ~~الظلمين بعضهم أولياء بعض } أي أنصار ينصر بعضهم ~~بعضا. قال ابن زيد إن المنافقين أولياء اليهود { والله ولى ~~المتقين } أي ناصرهم، والمراد بالمتقين الذين اتقوا الشرك ~~والمعاصي، والإشارة بقوله { هذا } إلى القرآن، أو إلى اتباع الشريعة، ~~وهو مبتدأ وخبره { بصائر للناس } أي براهين ودلائل لهم فيما ~~يحتاجون إليه من أحكام الدين، جعل ذلك بمنزلة البصائر في القلوب، وقرىء ~~هذه بصائر أي هذه الآيات لأن القرآن بمعناها، كما قال الشاعر # سائل بني أسد ما هذه الصوت # لأن الصوت بمعنى الصيحة { وهدى } أي رشد، وطريق يؤدي إلى الجنة لمن ~~عمل به { ورحمة } من الله في الآخرة { لقوم يوقنون } أي من ~~شأنهم الإيقان، وعدم الشك، والتزلزل بالشبه { أم حسب الذين ~~اجترحوا السيئت } أم هي المنقطعة المقدرة ببل، والهمزة وما ~~فيها من معنى بل للانتقال من البيان الأول إلى الثاني، والهمزة لإنكار ~~الحسبان، والاجتراح الاكتساب، ومنه الجوارح، وقد تقدم في المائدة، ~~والجملة مستأنفة لبيان تباين حالي المسيئين والمحسنين، وهو معنى قوله { ~~أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي نسوي بينهم مع اجتراحهم ~~السيئات، وبين أهل الحسنات { سواء محيهم وممتهم } في ~~دار الدنيا وفي الآخرة، كلا لا يستوون، فإن حال أهل السعادة فيهما غير ~~حال أهل الشقاوة. # وقيل المراد إنكار أن يستووا في الممات، كما استووا في الحياة. قرأ ~~الجمهور { سواء } بالرفع على أنه خبر مقدم، والمبتدأ محياهم ومماتهم ~~والمعنى إنكار حسبانهم أن محياهم ms3542 ومماتهم، سواء. وقرأ حمزة، والكسائي، ~~وحفص { سواء } بالنصب على أنه حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور ~~في قوله { كالذين ءامنوا } أو على أنه مفعول ثان لحسب، واختار ~~قراءة النصب أبو عبيد، وقال معناه نجعلهم سواء، وقرأ الأعمش، وعيسى بن ~~عمر مماتهم بالنصب على معنى سواء في محياهم ومماتهم، فلما سقط الخافض ~~انتصب، أو على البدل من مفعول نجعلهم بدل اشتمال { ساء ما يحكمون ~~} أي ساء حكمهم هذا الذي حكموا به. { وخلق الله السموات ~~والأرض بالحق } أي بالحق المقتضي للعدل بين العباد، ومحل بالحق ~~النصب على الحال من الفاعل، أو من المفعول، أو الباء للسببية، وقوله { ~~ولتجزى كل نفس بما كسبت } يجوز أن يكون على الحق لأن ~~كلا منهما سبب، فعطف السبب على السبب، ويجوز أن يكون معطوفا على محذوف، ~~والتقدير خلق الله السموات والأرض ليدل بهما على قدرته ولتجزى، ويجوز ~~أن تكون اللام للصيرورة { وهم لا يظلمون } أي النفوس المدلول ~~عليها بكل نفس لا يظلمون بنقص ثواب، أو زيادة عقاب، ثم عجب سبحانه من حال ~~الكفار، فقال { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه } قال ~~الحسن، وقتادة ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئا إلا ركبه، ~~وقال عكرمة يعبد ما يهواه، أو يستحسنه، فإذا استحسن شيئا، وهواه اتخذه ~~إلها. قال سعيد بن جبير كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى ما هو أحسن منه ~~رمى به وعبد الآخر { وأضله الله على علم } أي على علم قد ~~علمه، وقيل المعنى أضله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه، وقال ~~مقاتل على علم منه أنه ضال لأنه يعلم أن الصنم لا ينفع ولا يضر. قال ~~الزجاج على سوء في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه، ومحل { على علم } النصب ~~على الحال من الفاعل، أو المفعول { وختم على سمعه وقلبه ~~} أي طبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ، وطبع على قلبه حتى لا يفقه الهدى { ~~وجعل على بصره غشوة } أي غطاء حتى لا يبصر الرشد. # قرأ الجمهور { غشاوة } بالألف مع كسر الغين، ms3543 وقرأ حمزة، والكسائي غشوة ~~بغير ألف مع فتح الغين، ومنه قول الشاعر # لئن كنت ألبستني غشوة لقد كنت أصفيتك الود حينا # وقرأ ابن مسعود، والأعمش كقراءة الجمهور مع فتح الغين وهي لغة ربيعة، ~~وقرأ الحسن، وعكرمة بضمها وهي لغة عكل { فمن يهديه من بعد ~~الله } أي من بعد إضلال الله له { أفلا تذكرون } تذكر اعتبار ~~حتى تعلموا حقيقة الحال؟ ثم بين سبحانه بعض جهالاتهم وضلالاتهم فقال { ~~وقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا } أي ما الحياة إلا ~~الحياة التي نحن فيها { نموت ونحيا } أي يصيبنا الموت والحياة ~~فيها، وليس وراء ذلك حياة، وقيل نموت نحن، ويحيا فيها أولادنا، وقيل نكون ~~نطفا ميتة، ثم نصير أحياء. وقيل في الآية تقديم وتأخير، أي نحيا ونموت، ~~وكذا قرأ ابن مسعود، وعلى كل تقدير، فمرادهم بهذه المقالة إنكار البعث ~~وتكذيب الآخرة { وما يهلكنا إلا الدهر } أي إلا مرور ~~الأيام والليالي، قال مجاهد يعني السنين والأيام. وقال قتادة إلا العمر، ~~والمعنى واحد. وقال قطرب المعنى وما يهلكنا إلا الموت. وقال عكرمة وما ~~يهلكنا إلا الله { وما لهم بذلك من علم } أي ما قالوا هذه ~~المقالة إلا شاكين غير عالمين بالحقيقة، ثم بين كون ذلك صادرا منهم لا ~~عن علم، فقال { إن هم إلا يظنون } أي ما هم إلا قوم غاية ما ~~عندهم الظن، فما يتكلمون إلا به، ولا يستندون إلا إليه. { وإذا ~~تتلى عليهم ءايتنا بينات } أي إذا تليت آيات القرآن ~~على المشركين حال كونها بينات واضحات ظاهرة المعنى، والدلالة على البعث { ~~ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بئابائنا إن ~~كنتم صدقين } أنا نبعث بعد الموت! أي ما كان لهم حجة، ولا متمسك ~~إلا هذا القول الباطل الذي ليس من الحجة في شيء، وإنما سماه حجة تهكما ~~بهم. قرأ الجمهور بنصب { حجتهم } على أنه خبر كان، واسمها { إلا أن ~~قالوا } وقرأ زيد بن علي، وعمرو بن عبيد، وعبيد بن عمرو برفع { حجتهم ~~} على أنها اسم كان، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ms3544 أن ~~يرد عليهم، فقال { قل الله يحييكم } أي في الدنيا { ثم ~~يميتكم } عند انقضاء آجالكم { ثم يجمعكم إلى يوم ~~القيمة } بالبعث والنشور { لا ريب فيه } أي في جمعكم لأن من ~~قدر على ابتداء الخلق قدر على إعادته { ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون } بذلك، فلهذا حصل معهم الشك في البعث، وجاءوا في دفعه ~~بما هو أوهن من بيت العنكبوت، ولو نظروا حق النظر لحصلوا على العلم ~~اليقين، واندفع عنهم الريب وأراحوا أنفسهم من ورطة الشك والحيرة. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { ثم جعلنك على ~~شريعة من الأمر } يقول على هدى من أمر دينه. وأخرج ابن جرير عن ~~مجاهد في قوله { سواء محيهم وممتهم } قال المؤمن في ~~الدنيا والآخرة مؤمن، والكافر في الدنيا والآخرة كافر. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في ~~قوله { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه } قال ذاك الكافر ~~اتخذ دينه بغير هدى من الله، ولا برهان { وأضله الله على ~~علم } يقول أضله في سابق علمه. وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن ~~المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه قال كان الرجل من العرب يعبد ~~الحجر، فإذا وجد أحسن منه أخذه وألقى الآخر، فأنزل الله { أفرأيت ~~من اتخذ إلهه هواه }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~وابن مردويه عن أبي هريرة قال كان أهل الجاهلية يقولون إنما يهلكنا الليل ~~والنهار، فقال الله في كتابه { وقالوا ما هى إلا حياتنا ~~الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر } قال ~~الله يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل ~~والنهار. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث أبي هريرة سمعت رسول ~~الله يقول # " قال الله عز وجل يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر ~~أقلب الليل والنهار ". ### || [45.27-37] # لما ذكر سبحانه ما احتج به المشركون، وما أجاب به عليهم ذكر اختصاصه ~~بالملك، فقال { ولله ملك السموات والأرض } أي هو ~~المتصرف فيهما وحده لا يشاركه أحد من عباده، ثم ms3545 توعد أهل الباطل، فقال { ~~ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون } أي ~~المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل يظهر في ذلك اليوم خسرانهم لأنهم ~~يصيرون إلى النار، والعامل في { يوم } هو { يخسر } ، و { يومئذ } بدل ~~منه، والتنوين للعوض عن المضاف إليه المدلول عليه بما أضيف إليه المبدل ~~منه، فيكون التقدير ويوم تقوم الساعة يوم تقوم الساعة، فيكون بدلا ~~توكيديا، والأولى أن يكون العامل في يوم هو ملك، أي ولله ملك يوم تقوم ~~الساعة ويكون يومئذ معمولا ل { يخسر } { وترى كل أمة ~~جاثية } الخطاب لكل من يصلح له، أو للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~والأمة الملة، ومعنى جاثية مستوفزة، والمستوفز الذي لا يصيب الأرض منه ~~إلا ركبتاه وأطراف أنامله، وذلك عند الحساب. وقيل معنى جاثية مجتمعة، ~~قال الفراء المعنى وترى أهل كل ذي دين مجتمعين. وقال عكرمة متميزة عن ~~غيرها. وقال مؤرج معناه بلغة قريش خاضعة. وقال الحسن باركة على الركب، ~~والجثو الجلوس على الركب، تقول جثا يجثو ويجثي جثوا وجثيا إذا جلس على ~~ركبتيه، والأول أولى. ولا ينافيه ورود هذا اللفظ لمعنى آخر في لسان ~~العرب. وقد ورد إطلاق الجثوة على الجماعة من كل شيء في لغة العرب، ومنه ~~قول طرفة يصف قبرين # ترى جثوتين من تراب عليهما صفائح صم من صفائح منضد # وظاهر الآية أن هذه الصفة تكون لكل أمة من الأمم من غير فرق بين أهل ~~الأديان المتبعين للرسل، وغيرهم من أهل الشرك. وقال يحيى بن سلام هو ~~خاص بالكفار، والأول أولى. ويؤيده قوله { كل أمة تدعى إلى ~~كتبها } ، ولقوله فيما سيأتي { فأما الذين ءامنوا }. ~~ومعنى { إلى كتابها } إلى الكتاب المنزل عليها، وقيل إلى صحيفة أعمالها، ~~وقيل إلى حسابها، وقيل اللوح المحفوظ، والأول أولى. قرأ الجمهور { كل ~~أمة } بالرفع على الابتداء، وخبره { تدعى } ، وقرأ يعقوب الحضرمي بالنصب ~~على البدل من { كل أمة }. { اليوم تجزون ما كنتم ~~تعملون } أي يقال لهم اليوم تجزون ما كنتم تعملون من خير وشر. { ~~هذا كتبنا ينطق عليكم بالحق } هذا من تمام ما يقال ~~لهم، والقائل بهذا ms3546 هم الملائكة وقيل هو من قول الله سبحانه، أي يشهد ~~عليكم، وهو استعارة، يقال نطق الكتاب بكذا، أي بين، وقيل إنهم يقرءونه ~~فيذكرون ما عملوا، فكأنه ينطق عليهم بالحق الذي لا زيادة فيه، ولا نقصان، ~~ومحل { ينطق } النصب على الحال، أو الرفع على أنه خبر آخر لاسم الإشارة، ~~وجملة { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } تعليل ~~للنطق بالحق، أي نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم، أي بكتبها، وتثبيتها ~~عليكم. # قال الواحدي وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ، فإن ~~الملائكة تكتب منه كل عام ما يكون من أعمال بني آدم، فيجدون ذلك موافقا ~~لما يعملونه، قالوا لأن الاستنساخ لا يكون إلا من أصل. وقيل المعنى نأمر ~~الملائكة بنسخ ما كنتم تعملون. وقيل إن الملائكة تكتب كل يوم ما يعمله ~~العبد، فإذا رجعوا إلى مكانهم نسخوا منه الحسنات والسيئات، وتركوا ~~المباحات. وقيل إن الملائكة إذا رفعت أعمال العباد إلى الله سبحانه أمر ~~عز وجل أن يثبت عنده منها ما فيه ثواب وعقاب، ويسقط منها ما لا ثواب ~~فيه ولا عقاب. { فأما الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت فيدخلهم ربهم فى رحمته } أي الجنة، ~~وهذا تفصيل لحال الفريقين، فالمؤمنون يدخلهم الله برحمته الجنة { ذلك ~~} أي الإدخال في رحمته { هو الفوز المبين } أي الظاهر الواضح { ~~وأما الذين كفروا أفلم تكن ءايتى تتلى ~~عليكم } أي فيقال لهم ذلك، وهو استفهام توبيخ لأن الرسل قد أتتهم ~~وتلت عليهم آيات الله، فكذبوها ولم يعملوا بها { فاستكبرتم ~~وكنتم قوما مجرمين } أي تكبرتم عن قبولها، وعن الإيمان بها، ~~وكنتم من أهل الإجرام، وهي الآثام، والاجترام الاكتساب، يقال فلان جريمة ~~أهله إذا كان كاسبهم، فالمجرم من كسب الآثام بفعل المعاصي { وإذا ~~قيل إن وعد الله حق } أي وعده بالبعث والحساب، أو بجميع ما ~~وعد به من الأمور المستقبلة واقع لا محالة { والساعة } أي القيامة { ~~لا ريب فيها } أي في وقوعها. قرأ الجمهور { والساعة } بالرفع على ~~الابتداء، أو العطف على موضع اسم إن، وقرأ حمزة بالنصب عطفا على اسم إن ~~{ قلتم ما ms3547 ندرى ما الساعة } أي أي شيء هي؟ { إن نظن ~~إلا ظنا } أي نحدس حدسا ونتوهم توهما. قال المبرد تقديره إن نحن ~~إلا نظن ظنا، وقيل التقدير إن نظن إلا أنكم تظنون ظنا، وقيل إن نظن ~~مضمن معنى نعتقد، أي ما نعتقد إلا ظنا لا علما، وقيل إن ظنا له صفة ~~مقدرة، أي إلا ظنا بينا، وقيل إن الظن يكون بمعنى العلم والشك، ~~فكأنهم قالوا ما لنا اعتقاد إلا الشك { وما نحن بمستيقنين ~~} أي لم يكن لنا يقين بذلك، ولم يكن معنا إلا مجرد الظن أن الساعة ~~آتية. { وبدا لهم سيئت ما عملوا } أي ظهر لهم سيئات ~~أعمالهم على الصورة التي هي عليها { وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزءون } أي أحاط بهم، ونزل عليهم جزاء أعمالهم بدخولهم النار { ~~وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ~~} أي نترككم في النار كما تركتم العمل لهذا اليوم، وأضاف اللقاء إلى ~~اليوم توسعا لأنه أضاف إلى الشيء ما هو واقع فيه { ومأواكم ~~النار } أي مسكنكم ومستقركم الذين تأوون إليه { وما لكم من ~~نصرين } ينصرونكم فيمنعون عنكم العذاب { ذلكم بأنكم ~~اتخذتم ءايت الله هزوا } أي ذلكم العذاب بسبب أنكم ~~اتخذتم القرآن هزوا ولعبا { وغرتكم الحيوة الدنيا } أي ~~خدعتكم بزخارفها وأباطيلها، فظننتم أنه لا دار غيرها، ولا بعث ولا نشور { ~~فاليوم لا يخرجون منها } أي من النار. # قرأ الجمهور { يخرجون } بضم الياء. وفتح الراء مبنيا للمفعول، وقرأ ~~حمزة، والكسائي بفتح الياء وضم الراء مبنيا للفاعل، والالتفات من ~~الخطاب إلى الغيبة لتحقيرهم { ولا هم يستعتبون } أي لا ~~يسترضون، ويطلب منهم الرجوع إلى طاعة الله لأنه يوم لا تقبل فيه توبة، ~~ولا تنفع فيه معذرة { فلله الحمد رب السموات ورب ~~الأرض رب العلمين } لا يستحق الحمد سواه. قرأ الجمهور { رب ~~} في المواضع الثلاثة بالجر على الصفة للاسم الشريف. وقرأ مجاهد، وحميد، ~~وابن محيصن بالرفع في الثلاثة على تقدير مبتدأ، أي هو رب السموات إلخ { ~~وله الكبرياء فى السموات والأرض } أي الجلال والعظمة ~~والسلطان، وخص السموات والأرض لظهور ذلك ms3548 فيهما { وهو العزيز ~~الحكيم } أي العزيز في سلطانه، فلا يغالبه مغالب، الحكيم في كل ~~أفعاله وأقواله وجميع أقضيته. وقد أخرج سعيد بن منصور، وعبد الله بن أحمد ~~في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن عبد الله بن باباه ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كأني أراكم بالكوم دون جهنم جاثين " # ثم قرأ سفيان ويرى كل أمة جاثية وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر في قوله { ~~وترى كل أمة جاثية } قال كل أمة مع نبيها حتى يجيء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على كوم قد علا الخلائق، فذلك المقام المحمود. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { هذا كتبنا ينطق ~~عليكم بالحق } قال هو أم الكتاب فيه أعمال بني آدم { إنا ~~كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } قال هم الملائكة يستنسخون ~~أعمال بني آدم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه بمعناه مطولا، ~~فقام رجل فقال يا ابن عباس، ما كنا نرى هذا تكتبه الملائكة في كل يوم ~~وليلة، فقال ابن عباس إنكم لستم قوما عربا { إنا كنا نستنسخ ~~ما كنتم تعملون } هل يستنسخ الشيء إلا من كتاب؟ وأخرج ابن جرير ~~عنه نحوه أيضا، وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب قال إن لله ملائكة ~~ينزلون في كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم. وأخرج ابن مردويه عن ~~ابن عمر نحو ما روي، عن ابن عباس. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في الآية ~~قال يستنسخ الحفظة من أم الكتاب ما يعمل بنو آدم، فإنما يعمل الإنسان ما ~~استنسخ الملك من أم الكتاب، وأخرج نحوه الحاكم عنه وصححه. # وأخرج الطبراني عنه أيضا في الآية قال إن الله وكل ملائكته ينسخون من ~~ذلك العام في رمضان ليلة القدر ما يكون في الأرض من حدث إلى مثلها من ~~السنة المقبلة، فيتعارضون به حفظة الله على العباد عشية كل خميس، فيجدون ~~ما رفع الحفظة موافقا لما في كتابهم ذلك ليس فيه زيادة ولا نقصان. وأخرج ~~ابن ms3549 جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { اليوم ~~ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا } قال نترككم. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وابن مردويه، والبيهقي ~~في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال قال رسول الله # " يقول الله تبارك وتعالى الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني ~~واحدا منهما ألقيته في النار ". ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.1-9] # قوله { حم تنزيل الكتب من الله العزيز الحكيم } ~~قد تقدم الكلام على هذا في سورة غافر وما بعدها مستوفى، وذكرنا وجه ~~الإعراب، وبيان ما هو الحق من أن فواتح السور من المتشابه الذي يجب أن ~~يوكل علمه إلى من أنزله { ما خلقنا السموات والارض وما ~~بينهما } من المخلوقات بأسرها { إلا بالحق } هو استثناء ~~مفرغ من أعم الأحوال، أي إلا خلقا ملتبسا بالحق الذي تقتضيه ~~المشيئة الإلهية، وقوله { وأجل مسمى } معطوف على الحق، أي ~~إلا بالحق، وبأجل مسمى، على تقدير مضاف محذوف، أي وبتقدير أجل مسمى، ~~وهذا الأجل هو يوم القيامة، فإنها تنتهي فيه السموات والأرض وما بينهما، ~~وتبدل الأرض غير الأرض والسموات. وقيل المراد بالأجل المسمى هو انتهاء ~~أجل كل فرد من أفراد المخلوقات، والأول أولى، وهذا إشارة إلى قيام ~~الساعة، وانقضاء مدة الدنيا، وأن الله لم يخلق خلقه باطلا وعبثا لغير ~~شيء، بل خلقه للثواب والعقاب. { والذين كفروا عما أنذروا ~~معرضون } أي عما أنذروا وخوفوا به في القرآن من البعث والحساب ~~والجزاء معرضون مولون غير مستعدين له، والجملة في محل نصب على الحال، أي ~~والحال أنهم معرضون عنه غير مؤمنين به، و«ما» في قوله { ما أنذروا ~~} يجوز أن تكون الموصولة، ويجوز أن تكون المصدرية. { قل أرأيتم ~~ما تدعون من دون الله } أي أخبروني ما تعبدون من دون الله من ~~الأصنام { أرونى ماذا خلقوا من الأرض } أي أي شيء خلقوا ~~منها، وقوله { أرونى } يحتمل أن يكون تأكيدا لقوله { أرءيتم } ~~، أي أخبروني أروني، والمفعول الثاني لأرأيتم { ماذا خلقوا } ، ويحتمل أن ~~لا يكون تأكيدا، بل يكون هذا من باب التنازع لأن أرأيتم ms3550 يطلب مفعولا ~~ثانيا، وأروني كذلك { أم لهم شرك فى السموات } أم هذه ~~هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة، والمعنى بل ألهم شركة مع الله فيها؟ ~~والاستفهام للتوبيخ والتقريع { ائتونى بكتب من قبل هذا ~~} هذا تبكيت لهم، وإظهار لعجزهم، وقصورهم عن الإتيان بذلك، والإشارة ~~بقوله { هذا } إلى القرآن، فإنه قد صرح ببطلان الشرك، وأن الله واحد لا ~~شريك له، وأن الساعة حق لا ريب فيها، فهل للمشركين من كتاب يخالف هذا ~~الكتاب، أو حجة تنافي هذه الحجة. { أو أثرة من علم }. قال ~~في الصحاح { أو أثارة من علم } بقية منه، وكذا الأثرة بالتحريك. قال ابن ~~قتيبة أي بقية من علم الأولين. وقال الفراء، والمبرد يعني ما يؤثر عن ~~كتب الأولين. قال الواحدي وهو معنى قول المفسرين. قال عطاء أو شيء ~~تأثرونه عن نبي كان قبل محمد صلى الله عليه وسلم. قال مقاتل أو رواية من ~~علم عن الأنبياء. # وقال الزجاج أو أثارة أي علامة، والأثارة مصدر كالسماحة والشجاعة، وأصل ~~الكلمة من الأثر، وهي الرواية يقال أثرت الحديث آثره أثرة وأثارة وأثرا ~~إذا ذكرته عن غيرك. قرأ الجمهور { أثارة } على المصدر كالسماحة والغواية. ~~وقرأ ابن عباس، وزيد بن علي، وعكرمة، والسلمي، والحسن، وأبو رجاء بفتح ~~الهمزة والثاء من غير ألف. وقرأ الكسائي أثرة بضم الهمزة وسكون الثاء { ~~إن كنتم صدقين } في دعواكم التي تدعونها، وهي قولكم إن لله ~~شريكا، ولم تأتوا بشيء من ذلك، فتبين بطلان قولهم لقيام البرهان العقلي، ~~والنقلي على خلافه. { ومن أضل ممن يدعوا من دون ~~الله من لا يستجيب له } أي لا أحد أضل منه ولا أجهل، فإنه ~~دعا من لا يسمع، فكيف يطمع في الإجابة فضلا عن جلب نفع، أو دفع ضر؟ ~~فتبين بهذا أنه أجهل الجاهلين وأضل الضالين، والاستفهام للتقريع ~~والتوبيخ، وقوله { إلى يوم القيمة } غاية لعدم الاستجابة { ~~وهم عن دعائهم غفلون } الضمير الأول للأصنام، والثاني ~~لعابديها، والمعنى والأصنام التي يدعونها عن دعائهم إياها غافلون عن ذلك، ~~لا يسمعون ولا يعقلون لكونهم جمادات، والجمع في الضميرين باعتبار ms3551 معنى " ~~من " ، وأجري على الأصنام ما هو للعقلاء لاعتقاد المشركين فيها أنها ~~تعقل. { وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء } أي إذا حشر ~~الناس العابدين للأصنام كان الأصنام لهم أعداء يتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن ~~بعضهم بعضا، وقد قيل إن الله يخلق الحياة في الأصنام، فتكذبهم. وقيل ~~المراد أنها تكذبهم وتعاديهم بلسان الحال لا بلسان المقال. وأما ~~الملائكة، والمسيح، وعزير، والشياطين، فإنهم يتبرءون ممن عبدهم يوم ~~القيامة، كما في قوله تعالى # تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون # القصص 63 { وكانوا بعبادتهم كفرين } أي كان المعبودون ~~بعبادة المشركين إياهم كافرين، أي جاحدين مكذبين، وقيل الضمير في { كانوا ~~} للعابدين، كما في قوله # والله ربنا ما كنا مشركين # الأنعام 23، والأول أولى. { وإذا تتلى عليهم ءايتنا } ~~أي آيات القرآن حال كونها { بينت } واضحات المعاني ظاهرات الدلالات ~~{ قال الذين كفروا للحق } أي لأجله وفي شأنه، وهو عبارة عن ~~الآيات { لما جاءهم } أي وقت أن جاءهم { هذا سحر مبين } ~~أي ظاهر السحرية { أم يقولون افتراه } أم هي المنقطعة، أي بل ~~أيقولون افتراه؟ والاستفهام للإنكار والتعجب من صنيعهم، وبل للانتقال عن ~~تسميتهم الآيات سحرا إلى قولهم إن رسول الله افترى ما جاء به، وفي ذلك ~~من التوبيخ والتقريع ما لا يخفى، ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال ~~{ قل إن افتريته فلا تملكون لى من الله شيئا } ~~أي قل إن افتريته على سبيل الفرض والتقدير، كما تدعون، فلا تقدرون على ~~أن تردوا عني عقاب الله، فكيف أفتري عل الله لأجلكم، وأنتم لا تقدرون ~~على دفع عقابه عني؟ { هو أعلم بما تفيضون فيه } أي تخوضون ~~فيه من التكذيب، والإفاضة في الشيء الخوض فيه، والاندفاع فيه، يقال ~~أفاضوا في الحديث، أي اندفعوا فيه، وأفاض البعير إذا دفع جرته من كرشه، ~~والمعنى الله أعلم بما تقولون في القرآن، وتخوضون فيه من التكذيب له، ~~والقول بأنه سحر وكهانة { كفى به شهيدا بينى وبينكم } ~~فإنه يشهد لي بأن القرآن من عنده، وأني قد بلغتكم، ويشهد عليكم بالتكذيب ~~والجحود، وفي هذا وعيد شديد ms3552 { وهو الغفور الرحيم } لمن تاب ~~وآمن، وصدق بالقرآن وعمل بما فيه، أي كثير المغفرة والرحمة بليغهما. # { قل ما كنت بدعا من الرسل } البدع من كل شيء المبدأ، أي ~~ما أنا بأول رسول، قد بعث الله قبلي كثيرا من الرسل. قيل البدع بمعنى ~~البديع كالخف والخفيف، والبديع ما لم ير له مثل، من الابتداع وهو ~~الاختراع، وشيء بدع بالكسر، أي مبتدع، وفلان بدع في هذا الأمر، أي بديع ~~كذا قال الأخفش، وأنشد قطرب # فما أنا بدع من حوادث تعتري رجالا غدت من بعد بؤسي وأسعدا # وقرأ عكرمة، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة بدعا بفتح الدال على تقدير حذف ~~المضاف، أي ما كنت ذا بدع، وقرأ مجاهد بفتح الباء، وكسر الدال على الوصف ~~{ وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم } أي ما يفعل بي فيما ~~يستقبل من الزمان هل أبقى في مكة، أو أخرج منها؟ وهل أموت أو أقتل؟ وهل ~~تعجل لكم العقوبة أم تمهلون؟ وهذا إنما هو في الدنيا. وأما في الآخرة، ~~فقد علم أنه وأمته في الجنة، وأن الكافرين في النار. وقيل إن المعنى ما ~~أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة، وإنها لما نزلت فرح المشركون، ~~وقالوا كيف نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به ولا بنا، وأنه لا فضل له ~~علينا؟ فنزل قوله تعالى # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # الفتح 2 والأول أولى { إن أتبع إلا ما يوحى إلى } ~~قرأ الجمهور { يوحى } مبنيا للمفعول، أي ما أتبع إلا القرآن، ولا أبتدع ~~من عندي شيئا، والمعنى قصر أفعاله صلى الله عليه وسلم على الوحي لا قصر ~~اتباعه على الوحي { وما أنا إلا نذير مبين } أي أنذركم ~~عقاب الله، وأخوفكم عذابه على وجه الإيضاح. وقد أخرج أحمد، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، ~~عن ابن عباس { أو أثرة من علم } قال الخط. قال سفيان لا ~~أعلم إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أن الحديث ms3553 مرفوع لا موقوف ~~على ابن عباس. وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " كان نبي من الأنبياء يخط، فمن صادف مثل خطه علم " # ومعنى هذا ثابت في الصحيح، ولأهل العلم فيه تفاسير مختلفة. ومن أين لنا ~~أن هذه الخطوط الرملية موافقة لذلك الخط؟ وأين السند الصحيح إلى ذلك ~~النبي؟ أو إلى نبينا صلى الله عليه وسلم أن هذا الخط هو على صورة كذا، ~~فليس ما يفعله أهل الرمل إلا جهالات وضلالات. وأخرج ابن مردويه عن أبي ~~سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم # " { أو أثرة من علم } قال حسن الخط " # وأخرج الطبراني في الأوسط، والحاكم من طريق الشعبي، عن ابن عباس { أو ~~أثرة من علم } قال خط كان يخطه العرب في الأرض. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس { أو أثرة من علم } يقول ~~بينة من الأمر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه ~~عنه في قوله { قل ما كنت بدعا من الرسل } يقول لست بأول ~~الرسل { وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم } فأنزل الله بعد ~~هذا # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # الفتح 2 وقوله # ليدخل المؤمنين والمؤمنت جنت # الآية الفتح 5، فأعلم سبحانه نبيه ما يفعل به، وبالمؤمنين جميعا. وأخرج ~~أبو داود في ناسخه عنه أيضا أن هذه الآية منسوخة بقوله { ليغفر ~~لك الله } وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أم العلاء قالت ~~لما مات عثمان بن مظعون قلت رحمك الله أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك ~~الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " وما يدريك أن الله أكرمه؟ أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو ~~له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم»، قالت أم ~~العلاء فوالله لا أزكي بعده أحدا ". ### || [46.10-16] # قوله { قل أرءيتم } أي أخبروني { إن كان من عند الله } ~~يعني ما يوحى إليه من القرآن، وقيل ms3554 المراد محمد صلى الله عليه وسلم، ~~والمعنى إن كان مرسلا من عند غير الله، وقوله { وكفرتم به } في ~~محل نصب على الحال بتقدير قد، وكذلك قوله { وشهد شاهد من بنى ~~إسرءيل على مثله } والمعنى أخبروني إن كان ذلك في الحقيقة من ~~عند الله والحال أنكم قد كفرتم به، وشهد شاهد من بني إسرائيل العالمين ~~بما أنزل الله في التوراة على مثله، أي القرآن من المعاني الموجودة في ~~التوراة، المطابقة له من إثبات التوحيد، والبعث والنشور وغير ذلك، وهذه ~~المثلية هي باعتبار تطابق المعاني، وإن اختلفت الألفاظ. وقال الجرجاني ~~مثل صلة، والمعنى وشهد شاهد عليه أنه من عند الله، وكذا قال الواحدي، { ~~فئامن } الشاهد بالقرآن لما تبين له أنه من كلام الله، ومن جنس ما ~~ينزله على رسله، وهذا الشاهد من بني إسرائيل هو عبد الله بن سلام، كما ~~قال الحسن، ومجاهد، وقتادة، وعكرمة وغيرهم، وفي هذا نظر فإن السورة مكية ~~بالإجماع، وعبد الله بن سلام كان إسلامه بعد الهجرة، فيكون المراد ~~بالشاهد رجلا من أهل الكتاب قد آمن بالقرآن في مكة وصدقه، واختار هذا ~~ابن جرير، وسيأتي في آخر البحث ما يترجح به أنه عبد الله بن سلام، وأن ~~هذه الآية مدنية لا مكية. وروي عن مسروق أن المراد بالرجل موسى عليه ~~السلام، وقوله { واستكبرتم } معطوف على شهد، أي آمن الشاهد، ~~واستكبرتم أنتم عن الإيمان { إن الله لا يهدى القوم ~~الظلمين } فحرمهم الله سبحانه الهداية لظلمهم لأنفسهم بالكفر بعد ~~قيام الحجة الظاهرة على وجوب الإيمان، ومن فقد هداية الله له ضل. وقد ~~اختلف في جواب الشرط ماذا هو؟ فقال الزجاج محذوف، تقديره أتؤمنون، وقيل ~~قوله { فآمن واستكبرتم } وقيل محذوف، تقديره فقد ظلمتم لدلالة { إن ~~الله لا يهدى القوم الظلمين } عليه، وقيل تقديره فمن ~~أضل منكم، كما في قوله # أرءيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من ~~أضل # الآية فصلت 52. وقال أبو علي الفارسي تقديره أتأمنون عقوبة الله؟ وقيل ~~التقدير ألستم ظالمين؟ ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من أقاويلهم ms3555 الباطلة فقال ~~{ وقال الذين كفروا للذين ءامنوا } أي لأجلهم، ويجوز ~~أن تكون هذه اللام هي لام التبليغ { لو كان خيرا ما سبقونا ~~إليه } أي لو كان ما جاء به محمد من القرآن والنبوة خيرا ما سبقونا ~~إليه لأنهم عند أنفسهم المستحقون للسبق إلى كل مكرمة، ولم يعلموا أن الله ~~سبحانه يختص برحمته من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويصطفي ~~لدينه من يشاء { وإذ لم يهتدوا به } أي بالقرآن، وقيل بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، وقيل بالإيمان { فسيقولون هذا إفك ~~قديم } ، فجاوزوا نفي خيرية القرآن إلى دعوى أنه كذب قديم، كما قالوا ~~أساطير الأولين، والعامل في " إذ " مقدر، أي ظهر عنادهم، ولا يجوز أن ~~يعمل فيه { فسيقولون } لتضاد الزمانين، أعني المضي والاستقبال ~~ولأجل الفاء أيضا، وقيل إن العامل فيه فعل مقدر من جنس المذكور، أي لم ~~يهتدوا به، وإذ لم يهتدوا به فسيقولون { ومن قبله كتاب موسى ~~} قرأ الجمهور بكسر الميم من من على أنها حرف جر، وهي مع مجرورها خبر ~~مقدم، وكتاب موسى مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب على الحال، أو هي ~~مستأنفة، والكلام مسوق لرد قولهم { هذا إفك قديم } فإن كونه ~~قد تقدم القرآن كتاب موسى، وهو التوراة وتوافقا في أصول الشرائع يدل ~~على أنه حق، وأنه من عند الله، ويقتضي بطلان قولهم. # وقرىء بفتح ميم " من " على أنها موصولة ونصب كتاب، أي وآتينا من قبله ~~كتاب موسى، ورويت هذه القراءة عن الكلبي { إماما ورحمة } أي ~~يقتدى به في الدين، ورحمة من الله لمن آمن به، وهما منتصبان على الحال، ~~قاله الزجاج وغيره. وقال الأخفش على القطع، وقال أبو عبيدة أي جعلناه ~~إماما ورحمة { وهذا كتب مصدق } يعني القرآن فإنه مصدق ~~لكتاب موسى الذي هو إمام ورحمة، ولغيره من كتب الله، وقيل مصدق للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، وانتصاب { لسانا عربيا } على الحال الموطئة، ~~وصاحبها الضمير في مصدق العائد إلى كتاب، وجوز أبو البقاء أن يكون ~~مفعولا لمصدق، والأول أولى، وقيل هو على حذف مضاف أي ms3556 ذا لسان عربي، ~~وهو النبي صلى الله عليه وسلم { لينذر الذين ظلموا } قرأ ~~الجمهور { لينذر } بالتحتية على أن فاعله ضمير يرجع إلى الكتاب أي لينذر ~~الكتاب، الذين ظلموا، وقيل الضمير راجع إلى الله، وقيل إلى الرسول، ~~والأول أولى. وقرأ نافع، وابن عامر، والبزي بالفوقية على أن فاعله النبي ~~صلى الله عليه وسلم، واختار هذه القراءة أبو حاتم، وأبو عبيد، وقوله { ~~وبشرى للمحسنين } في محل نصب عطفا على محل { لينذر }. وقال ~~الزجاج الأجود أن يكون في محل رفع أي وهو بشرى، وقيل على المصدرية لفعل ~~محذوف، أي وتبشر بشرى، وقوله { للمحسنين } متعلق ببشرى { إن ~~الذين قالوا ربنا الله ثم استقموا } أي جمعوا ~~بين التوحيد والاستقامة على الشريعة، وقد تقدم تفسير هذا في سورة السجدة ~~{ فلا خوف عليهم } الفاء زائدة في خبر الموصول لما فيه من معنى ~~الشرط { ولا هم يحزنون } المعنى أنهم لا يخافون من وقوع مكروه ~~بهم، ولا يحزنون من فوات محبوب، وأن ذلك مستمر دائم. # { أولئك أصحب الجنة } أي أولئك الموصوفون بما ذكر ~~أصحاب الجنة التي هي دار المؤمنين حال كونهم { خلدين فيها } ، ~~وفي هذه الآية من الترغيب أمر عظيم، فإن نفي الخوف والحزن على الدوام، ~~والاستقرار في الجنة على الأبد، مما لا تطلب الأنفس سواه، ولا تتشوف إلى ~~ما عداه { جزاء بما كانوا يعملون } أي يجزون جزاء بسبب ~~أعمالهم التي عملوها من الطاعات لله، وترك معاصيه. { ووصينا ~~الإنسن بوالديه حسنا } قرأ الجمهور { حسنا } بضم الحاء، ~~وسكون السين. وقرأ علي، والسلمي بفتحهما، وقرأ ابن عباس، والكوفيون { ~~إحسانا } وقد تقدم في سورة العنكبوت # ووصينا الإنسن بوالديه حسنا # العنكبوت 8 من غير اختلاف بين القراء، وتقدم في سورة الأنعام، وسورة ~~بني إسرائيل # وبالولدين إحسنا # الإسراء 23، الأنعام 151 فلعل هذا هو وجه اختلاف القراء في هذه الآية، ~~وعلى جميع هذه القراءات، فانتصابه على المصدرية، أي وصيناه أن يحسن ~~إليهما حسنا، أو إحسانا، وقيل على أنه مفعول به بتضمين وصينا معنى ~~ألزمنا، وقيل على أنه مفعول له { حملته أمه كرها ~~ووضعته كرها } قرأ ms3557 الجمهور { كرها } في الموضعين بضم الكاف. ~~وقرأ أبو عمرو، وأهل الحجاز بفتحهما. قال الكسائي وهما لغتان بمعنى واحد. ~~قال أبو حاتم الكره بالفتح لا يحسن لأنه الغضب والغلبة، واختار أبو عبيد ~~قراءة الفتح قال لأن لفظ الكره في القرآن كله بالفتح إلا التي في سورة ~~البقرة # كتب عليكم القتال وهو كره لكم # البقرة 216 وقيل إن الكره بالضم ما حمل الإنسان على نفسه، وبالفتح ما ~~حمل على غيره. وإنما ذكر سبحانه حمل الأم ووضعها تأكيدا لوجوب الإحسان ~~إليها الذي وصى الله به، والمعنى أنها حملته ذات كره، ووضعته ذات كره، ثم ~~بين سبحانه مدة حمله وفصاله فقال { وحمله وفصله ثلاثون ~~شهرا } أي مدتهما هذه المدة من عند ابتداء حمله إلى أن يفصل من ~~الرضاع، أي يفطم عنه. وقد استدل بهذه الآية على أن أقل الحمل ستة أشهر ~~لأن مدة الرضاع سنتان، أي مدة الرضاع الكامل، كما في قوله # حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة # البقرة 233 فذكر سبحانه في هذه الآية أقل مدة الحمل، وأكثر مدة ~~الرضاع. وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم آكد من حق الأب لأنها حملته ~~بمشقة، ووضعته بمشقة، وأرضعته هذه المدة بتعب ونصب، ولم يشاركها الأب في ~~شيء من ذلك. قرأ الجمهور { وفصاله } بالألف، وقرأ الحسن، ويعقوب، وقتادة، ~~والجحدري وفصله بفتح الفاء، وسكون الصاد بغير ألف، والفصل والفصال بمعنى ~~كالفطم والفطام، والقطف والقطاف { حتى إذا بلغ أشده } أي ~~بلغ استحكام قوته وعقله، وقد مضى تحقيق الأشد مستوفى، ولا بد من تقدير ~~جملة تكون حتى غاية لها، أي عاش واستمرت حياته حتى بلغ أشده، قيل بلغ ~~عمره ثماني عشرة سنة، وقيل الأشد الحلم قاله الشعبي، وابن زيد. # وقال الحسن هو بلوغ الأربعين، والأول أولى لقوله { وبلغ ~~أربعين سنة } ، فإن هذا يفيد أن بلوغ الأربعين هو شيء وراء بلوغ ~~الأشد. قال المفسرون لم يبعث الله نبيا قط إلا بعد أربعين سنة { قال ~~رب أوزعنى } أي ألهمني. قال الجوهري استوزعت الله فأوزعني، أي ~~استلهمته فألهمني { أن ms3558 أشكر نعمتك التى أنعمت على ~~وعلى والدى } أي ألهمني شكر ما أنعمت به علي من الهداية، وعلى ~~والدي من التحنن علي منهما حين ربياني صغيرا. وقيل أنعمت علي بالصحة ~~والعافية، وعلى والدي بالغنى والثروة، والأولى عدم تقييد النعمة عليه، ~~وعلى أبويه بنعمة مخصوصة { وأن أعمل صلحا ترضه } أي ~~وألهمني أن أعمل عملا صالحا ترضاه مني { وأصلح لى فى ذريتى ~~} أي اجعل ذريتي صالحين راسخين في الصلاح متمكنين منه. وفي هذه الآية ~~دليل على أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات، ~~وقد روي أنها نزلت في أبي بكر، كما سيأتي في آخر البحث { إنى تبت ~~إليك } من ذنوبي { وإنى من المسلمين } أي المستسلمين لك ~~المنقادين لطاعتك المخلصين لتوحيدك. والإشارة بقوله { أولئك } إلى ~~الإنسان المذكور، والجمع لأنه يراد به الجنس، وهو مبتدأ، وخبره { ~~الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا } من أعمال الخير ~~في الدنيا، والمراد بالأحسن الحسن، كقوله # واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم # الزمر 55 وقيل إن اسم التفضيل على معناه، ويراد به ما يثاب العبد عليه ~~من الأعمال، لاما لا يثاب عليه كالمباح فإنه حسن، وليس بأحسن { ~~ونتجاوز عن سيئتهم } فلا نعاقبهم عليها. قرأ الجمهور ~~يتقبل، ويتجاوز على بناء الفعلين للمفعول، وقرأ حمزة، والكسائي بالنون ~~فيهما على إسنادهما إلى الله سبحانه، والتجاوز الغفران، وأصله من جزت ~~الشئ إذا لم تقف عليه، ومعنى { فى أصحب الجنة } أنهم كائنون ~~في عدادهم منتظمون في سلكهم، فالجار والمجرور في محل النصب على الحال ~~كقولك أكرمني الأمير في أصحابه أي كائنا في جملتهم، وقيل إن " في " ~~بمعنى " مع " أي مع أصحاب الجنة، وقيل إنهما خبر مبتدأ محذوف أي هم في ~~أصحاب الجنة { وعد الصدق الذى كانوا يوعدون } وعد الصدق ~~مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة لأن قوله { أولئك الذين ~~نتقبل عنهم } إلخ في معنى الوعد بالتقبل والتجاوز، ويجوز أن ~~يكون مصدرا لفعل محذوف، أي وعدهم الله وعد الصدق الذي كانوا يوعدون به ~~على ألسن الرسل في الدنيا. وقد أخرج أبو يعلى، وابن ms3559 جرير، والطبراني، ~~والحاكم وصححه عن عوف بن مالك الأشجعي انطلق النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود يوم عيدهم، فكرهوا دخولنا عليهم، فقال ~~لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يا معشر اليهود، أروني اثني عشر رجلا منكم يشهدون أن لا إله إلا ~~الله، وأن محمدا رسول الله، يحط الله تعالى عن كل يهودي تحت أديم ~~السماء الغضب الذي عليه " # ، فسكتوا، فما أجابه منهم أحد، ثم رد عليهم فلم يجبه أحد ثلاثا، فقال # " أبيتم فوالله لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا المقفى آمنتم أو كذبتم " # ، ثم انصرف وأنا معه حتى كدنا أن نخرج، فإذا رجل من خلفه، فقال كما أنت ~~يا محمد فأقبل، فقال ذلك الرجل أي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود، ~~فقالوا والله ما نعلم فينا رجلا أعلم بكتاب الله، ولا أفقه منك ولا من ~~أبيك ولا من جدك، قال فإني أشهد بالله أنه النبي الذي تجدونه مكتوبا ~~في التوراة والإنجيل، قالوا كذبت، ثم ردوا عليه وقالوا شرا، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " كذبتم لن يقبل منكم قولكم " # ، فخرجنا ونحن ثلاثة رسول الله وأنا وابن سلام، فأنزل الله { قل ~~أرءيتم إن كان من عند الله } إلى قوله { لا يهدى ~~القوم الظلمين } وصححه السيوطي. وأخرج البخاري، ومسلم، ~~وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول لأحد يمشي على وجه الأرض " إنه من أهل الجنة " إلا لعبد الله بن ~~سلام، وفيه نزلت { وشهد شاهد من بنى إسرءيل على ~~مثله } وأخرج الترمذي وابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن سلام قال ~~نزل في آيات من كتاب الله نزلت في { وشهد شاهد من بنى ~~إسرءيل } ، ونزل في # قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده ~~علم الكتب # الرعد 43. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس { ~~وشهد شاهد من بنى إسرءيل } قال عبد الله بن سلام. وقد روي ~~نحو هذا عن جماعة من التابعين. وفيه ms3560 دليل على أن هذه الآية مدنية، فيخصص ~~بها عموم قولهم إن سورة الأحقاف كلها مكية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~عن قتادة قال قال ناس من المشركين نحن أعز ونحن ونحن، فلو كان خيرا ما ~~سبقنا إليه فلان وفلان، فنزل { وقال الذين كفروا للذين ~~ءامنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه }. وأخرج ابن ~~المنذر عن عون بن أبي شداد قال كانت لعمر بن الخطاب أمة أسلمت قبله يقال ~~لها زنيرة، وكان عمر يضربها على الإسلام، وكان كفار قريش يقولون لو كان ~~خيرا ما سبقتنا إليه زنيرة، فأنزل الله في شأنها { وقال الذين ~~كفروا } الآية. وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " بنو غفار وأسلم كانوا لكثير من الناس فتنة، يقولون لو كان خيرا ما ~~جعلهم الله أول الناس فيه ". # وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس قال نزل قوله ~~{ ووصينا الإنسن بولديه } الآية إلى قوله { وعد ~~الصدق الذى كانوا يوعدون } في أبي بكر الصديق. وأخرج عبد ~~الرزاق وابن المنذر عن نافع بن جبير أن ابن عباس أخبره قال إني لصاحب ~~المرأة التي أتى بها عمر وضعت لستة أشهر فأنكر الناس ذلك، فقلت لعمر لم ~~تظلم؟ قال كيف؟ قلت اقرأ { وحمله وفصله ثلاثون شهرا } # والولدت يرضعن أولدهن حولين كاملين # البقرة 233 كم الحول؟ قال سنة، قلت كم السنة؟ قال اثنا عشر شهرا، قلت ~~فأربعة وعشرون شهرا حولان كاملان ويؤخر الله من الحمل ما شاء، ويقدم ما ~~شاء، فاستراح عمر إلى قولي. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي ~~حاتم عنه أنه كان يقول إذا ولدت المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرضاع أحد ~~وعشرون شهرا، وإذا ولدت لسبعة أشهر كفاها من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرا، ~~وإذا وضعت لستة أشهر، فحولان كاملان، لأن الله يقول { وحمله ~~وفصله ثلاثون شهرا }. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا قال ~~أنزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق { حتى إذا بلغ أشده ~~وبلغ أربعين ms3561 سنة قال رب أوزعنى } الآية، فاستجاب ~~الله له، فأسلم والداه جميعا وإخوته، وولده كلهم، ونزلت فيه أيضا # فأما من أعطى واتقى # إلى آخر السورة. ### || [46.17-20] # لما ذكر سبحانه من شكر نعمة الله سبحانه عليه، وعلى والديه ذكر من قال ~~لهما قولا يدل على التضجر منهما عند دعوتهما له إلى الإيمان، فقال { ~~والذى قال لولديه أف لكما } الموصول عبارة عن الجنس ~~القائل ذلك القول، ولهذا أخبر عنه بالجمع، وأف كلمة تصدر عن قائلها عند ~~تضجره من شيء يرد عليه. قرأ نافع وحفص و { أف } بكسر الفاء مع التنوين. ~~وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وابن محيصن بفتحها من غير تنوين، وقرأ الباقون ~~بكسر من غير تنوين وهي لغات. وقد مضى بيان الكلام في هذا في سورة بني ~~إسرائيل. أي سورة الإسراء، واللام في قوله { لكما } لبيان التأفيف، ~~أي التأفيف لكما، كما في قوله # هيت لك # يوسف 23 قرأ الجمهور { أتعدانني } بنونين مخففتين، وفتح ياءه أهل ~~المدينة ومكة، وأسكنها الباقون. وقرأ أبو حيوة، والمغيرة، وهشام بإدغام ~~إحدى النونين في الأخرى، ورويت هذه القراءة عن نافع. وقرأ الحسن، وشيبة، ~~وأبو جعفر، وعبد الوارث عن أبي عمرو بفتح النون الأولى، كأنهم فروا من ~~توالي مثلين مكسورين. وقرأ الجمهور { أن أخرج } بضم الهمزة وفتح الراء ~~مبنيا للمفعول. وقرأ الحسن، ونصر، وأبو العالية، والأعمش، وأبو معمر ~~بفتح الهمزة وضم الراء مبنيا للفاعل. والمعنى أتعدانني أن أبعث بعد ~~الموت، وجملة { وقد خلت القرون من قبلى } في محل نصب على ~~الحال، أي والحال أن قد مضت القرون من قبلي فماتوا، ولم يبعث منهم أحد، ~~وهكذا جملة { وهما يستغيثان الله } في محل نصب على الحال، أي ~~والحال أنهما يستغيثان الله له، ويطلبان منه التوفيق إلى الإيمان، ~~واستغاث يتعدى بنفسه وبالباء يقال استغاث الله، واستغاث به. وقال الرازي ~~معناه يستغيثان بالله من كفره، فلما حذف الجار وصل الفعل، وقيل الاستغاثة ~~الدعاء، فلا حاجة إلى الباء. قال الفراء يقال أجاب الله دعاءه وغواثه، ~~وقوله { ويلك } هو بتقدير القول، أي يقولان له ويلك، ms3562 وليس المراد به ~~الدعاء عليه، بل الحث له على الإيمان، ولهذا قالا له { آمن إن وعد ~~الله حق } أي آمن بالبعث إن وعد الله حق لا خلف فيه { فيقول } ~~عند ذلك مكذبا لما قالاه { ما هذا إلا أسطير الأولين ~~} أي ما هذا الذي تقولانه من البعث إلا أحاديث الأولين، وأباطيلهم التي ~~سطروها في الكتب. قرأ الجمهور { إن وعد الله } بكسر إن على الاستئناف، ~~أو التعليل، وقرأ عمر بن فايد والأعرج بفتحها، على أنها معمولة لآمن ~~بتقدير الباء، أي آمن بأن وعد الله بالبعث حق { أولئك الذين ~~حق عليهم القول } أي أولئك القائلون هذه المقالات هم الذين ~~حق عليهم القول، أي وجب عليهم العذاب بقوله سبحانه لإبليس # لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين # ص 85 كما يفيده قوله { فى أمم قد خلت من قبلهم من ~~الجن والإنس } ، وجملة { إنهم كانوا خسرين } تعليل ~~لما قبله، وهذا يدفع كون سبب نزول الآية عبد الرحمن بن أبي بكر، وأنه ~~الذي قال لوالديه ما قال، فإنه من أفاضل المؤمنين، وليس ممن حقت عليه ~~كلمة العذاب، وسيأتي بيان سبب النزول في آخر البحث إن شاء الله. { ~~ولكل درجت مما عملوا } أي لكل فريق من الفريقين ~~المؤمنين، والكافرين من الجن والإنس مراتب عند الله يوم القيامة ~~بأعمالهم. قال ابن زيد درجات أهل النار في هذه الآية تذهب سفلا، ودرجات ~~أهل الجنة تذهب علوا { وليوفيهم أعملهم } أي جزاء ~~أعمالهم. قرأ الجمهور لنوفيهم بالنون. وقرأ ابن كثير، وابن محيصن، وعاصم، ~~وأبو عمرو، ويعقوب بالياء التحتية. واختار أبو عبيد القراءة الأولى، ~~واختار الثانية أبو حاتم { وهم لا يظلمون } أي لا يزاد مسيء، ~~ولا ينقص محسن، بل يوفى كل فريق ما يستحقه من خير وشر، والجملة في محل ~~نصب على الحال، أو مستأنفة مقررة لما قبلها { ويوم يعرض ~~الذين كفروا على النار } الظرف متعلق بمحذوف، أي اذكر لهم ~~يا محمد يوم ينكشف الغطاء، فينظرون إلى النار ويقربون منها، وقيل معنى { ~~يعرضون } يعذبون، من قولهم عرضه على السيف، وقيل في الكلام ms3563 قلب. والمعنى ~~تعرض النار عليهم { أذهبتم طيبتكم فى حيتكم ~~الدنيا } أي يقال لهم ذلك، قيل وهذا المقدر هو الناصب للظرف، ~~والأول أولى. قرأ الجمهور { أذهبتم } بهمزة واحدة، وقرأ الحسن، ونصر، ~~وأبو العالية، ويعقوب، وابن كثير بهمزتين مخففتين. ومعنى الاستفهام ~~التقريع والتوبيخ. قال الفراء، والزجاج العرب توبخ بالاستفهام وبغيره، ~~فالتوبيخ كائن على القراءتين. قال الكلبي المراد بالطيبات اللذات، وما ~~كانوا فيه من المعايش { واستمتعتم بها } أي بالطيبات، والمعنى ~~أنهم اتبعوا الشهوات واللذات التي في معاصي الله سبحانه، ولم يبالوا ~~بالذنب تكذيبا منهم لما جاءت به الرسل من الوعد بالحساب والعقاب ~~والثواب { فاليوم تجزون عذاب الهون } أي العذاب الذي فيه ~~ذل لكم، وخزي عليكم. قال مجاهد، وقتادة الهون الهوان بلغة قريش { بما ~~كنتم تستكبرون فى الأرض بغير الحق } أي بسبب تكبركم ~~عن عبادة الله، والإيمان به وتوحيده { وبما كنتم تفسقون } أي ~~تخرجون عن طاعة الله، وتعملون بمعاصيه، فجعل السبب في عذابهم أمرين ~~التكبر عن اتباع الحق، والعمل بمعاصي الله سبحانه وتعالى، وهذا شأن ~~الكفرة، فإنهم قد جمعوا بينهما. وقد أخرج البخاري عن يوسف بن ماهك قال ~~كان مروان على الحجاز استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب، فجعل يذكر يزيد ~~بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا، ~~فقال خذوه، فدخل بيت عائشة، فلم يقدروا عليه، فقال مروان إن هذا أنزل فيه ~~{ والذى قال لولديه أف لكما } فقالت عائشة ما أنزل ~~الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري. # وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، ~~عن محمد بن زياد قال لما بايع معاوية لابنه، قال مروان سنة أبي بكر، ~~وعمر، فقال عبد الرحمن سنة هرقل، وقيصر، فقال مروان هذا الذي قال الله ~~فيه { والذى قال لولديه أف لكما } الآية، فبلغ ذلك ~~عائشة فقالت كذب مروان، والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي نزلت فيه ~~لسميته، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان، ومروان في ~~صلبه، ms3564 فمروان من لعنه الله. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في الآية قال ~~هذا ابن لأبي بكر. وأخرج نحوه أبو حاتم عن السدي، ولا يصح هذا كما ~~قدمنا. ### || [46.21-28] # قوله { واذكر أخا عاد } أي واذكر يا محمد لقومك أخا عاد، وهو ~~هود بن عبد الله بن رباح، كان أخاهم في النسب، لا في الدين، وقوله { إذ ~~أنذر قومه } بدل اشتمال منه، أي وقت إنذاره إياهم { بالأحقاف ~~} وهي ديار عاد، جمع حقف، وهو الرمل العظيم المستطيل المعوج قاله الخليل ~~وغيره، وكانوا قهروا أهل الأرض بقوتهم، والمعنى أن الله سبحانه أمره أن ~~يذكر لقومه قصتهم ليتعظوا ويخافوا، وقيل أمره بأن يتذكر في نفسه قصتهم مع ~~هود ليقتدي به ويهون عليه تكذيب قومه. قال عطاء الأحقاف رمال بلاد الشحر. ~~وقال مقاتل هي باليمن في حضرموت، وقال ابن زيد هي رمال مبسوطة مستطيلة ~~كهيئة الجبال، ولم تبلغ أن تكون جبالا { وقد خلت النذر من ~~بين يديه ومن خلفه } أي وقد مضت الرسل من قبله ومن بعده، ~~كذا قال الفراء وغيره. وفي قراءة ابن مسعود من بين يديه ومن بعده والجملة ~~في محل نصب على الحال، ويجوز أن تكون معترضة بين إنذار هود، وبين قوله ~~لقومه { إنى أخاف عليكم } والأول أولى. والمعنى أعلمهم أن ~~الرسل الذين بعثوا قبله، والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره، ثم ~~رجع إلى كلام هود لقومه، فقال حاكيا عنه { إنى أخاف عليكم ~~عذاب يوم عظيم } وقيل إن جعل تلك الجملة اعتراضية أولى بالمقام، ~~وأوفق بالمعنى { قالوا أجئتنا لتأفكنا عن ءالهتنا } ~~أي لتصرفنا عن عبادتها، وقيل لتزيلنا، وقيل لتمنعنا، والمعنى متقارب، ~~ومنه قول عروة بن أذينة # إن تك عن حسن الصنيعة مأفو كا ففي آخرين قد أفكوا # يقول إن لم توفق للإحسان، فأنت في قوم قد صرفوا عن ذلك. { فأتنا ~~بما تعدنا } من العذاب العظيم { إن كنت من الصدقين } ~~في وعدك لنا به. { قال إنما العلم عند الله } أي إنما ~~العلم بوقت مجيئه عند الله لا عندي { وأبلغكم ما أرسلت ~~به ms3565 } إليكم من ربكم من الإنذار والإعذار، فأما العلم بوقت مجيء العذاب، ~~فما أوحاه إلي { ولكنى أراكم قوما تجهلون } حيث بقيتم ~~مصرين على كفركم، ولم تهتدوا بما جئتكم به، بل اقترحتم علي ما ليس من ~~وظائف الرسل. { فلما رأوه عارضا } الضمير يرجع إلى «ما» في ~~قوله { بما تعدنا }. وقال المبرد، والزجاج الضمير في { رأوه } ~~يعود إلى غير مذكور، وبينه قوله { عارضا } ، فالضمير يعود إلى السحاب، ~~أي فلما رأوا السحاب عارضا، ف { عارضا } نصب على التكرير، يعني ~~التفسير، وسمي السحاب عارضا لأنه يبدو في عرض السماء. قال الجوهري ~~العارض السحاب يعترض في الأفق، ومنه قوله { هذا عارض ممطرنا ~~} وانتصاب { عارضا } على الحال، أو التمييز { مستقبل ~~أوديتهم } أي متوجها نحو أوديتهم. # قال المفسرون كانت عاد قد حبس عنهم المطر أياما، فساق الله إليهم سحابة ~~سوداء، فخرجت عليهم من واد لهم يقال له المعتب، فلما رأوه مستقبل أوديتهم ~~استبشروا، و { قالوا هذا عارض ممطرنا } أي غيم فيه مطر، ~~وقوله { مستقبل أوديتهم } صفة لعارض لأن إضافته لفظية لا ~~معنوية، فصح وصف النكرة به، وهكذا ممطرنا، فلما قالوا ذلك أجاب عليهم ~~هود، فقال { بل هو ما استعجلتم به } يعني من العذاب حيث ~~قالوا { فأتنا بما تعدنا } وقوله { ريح } بدل من ما، أو خبر ~~مبتدأ محذوف، وجملة { فيها عذاب أليم } صفة لريح، والريح التي ~~عذبوا بها نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه. { تدمر كل شىء ~~بأمر ربها } هذه الجملة صفة ثانية لريح، أي تهلك كل شيء مرت به ~~من نفوس عاد وأموالها، والتدمير الإهلاك، وكذا الدمار، وقرىء يدمر ~~بالتحتية مفتوحة وسكون الدال وضم الميم، ورفع كل على الفاعلية من دمر ~~دمارا، ومعنى { بأمر ربها } أن ذلك بقضائه وقدره { فأصبحوا ~~لا ترى إلا مسكنهم } أي لا ترى أنت يا محمد، أو كل من يصلح ~~للرؤية إلا مساكنهم بعد ذهاب أنفسهم وأموالهم. قرأ الجمهور { لا ترى } ~~بالفوقية على الخطاب، ونصب مساكنهم. وقرأ حمزة، وعاصم بالتحتية مضمومة ~~مبنيا للمفعول، ورفع مساكنهم. قال سيبويه معناه لا يرى أشخاصهم إلا ~~مساكنهم، واختار ms3566 أبو عبيد، وأبو حاتم القراءة الثانية. قال الكسائي، ~~والزجاج معناها لا يرى شيء إلا مساكنهم، فهي محمولة على المعنى كما تقول ~~ما قام إلا هند، والمعنى ما قام أحد إلا هند، وفي الكلام حذف، والتقدير ~~فجاءتهم الريح فدمرتهم، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم { كذلك نجزي ~~القوم المجرمين } أي مثل ذلك الجزاء نجزي هؤلاء، وقد مر بيان ~~هذه القصة في سورة الأعراف. { ولقد مكنهم فيما إن ~~مكنكم فيه } قال المبرد ما في قوله { فيما } بمنزلة " الذي " ~~، و " إن " بمنزلة " ما " ، يعني النافية، وتقديره ولقد مكناهم في الذي ~~ما مكناكم فيه من المال وطول العمر وقوة الأبدان، وقيل «إن» زائدة، ~~وتقديره ولقد مكناهم فيما مكناكم فيه، وبه قال القتيبي، ومثله قول الشاعر # فما إن طبنا جبن ولكن منايانا ودولة آخرينا # والأول أولى لأنه أبلغ في التوبيخ لكفار قريش، وأمثالهم { وجعلنا ~~لهم سمعا وأبصرا وأفئدة } أي إنهم أعرضوا عن قبول ~~الحجة، والتذكر مع ما أعطاهم الله من الحواس التي بها تدرك الأدلة، ~~ولهذا قال { فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصرهم ~~ولا أفئدتهم من شىء } أي فما نفعهم ما أعطاهم الله من ذلك ~~حيث لم يتوصلوا به إلى التوحيد، وصحة الوعد والوعيد، وقد قدمنا من ~~الكلام على وجه إفراد السمع، وجمع البصر ما يغني عن الإعادة، و«من» في { ~~من شىء } زائدة، والتقدير فما أغنى عنهم شيء من الإغناء، ولا نفعهم ~~بوجه من وجوه النفع { إذ كانوا يجحدون بآيات الله } الظرف متعلق ب { ~~أغنى } ، وفيها معنى التعليل أي لأنهم كانوا يجحدون { وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزئون } أي أحاط بهم العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق ~~الاستهزاء حيث قالوا { فأتنا بما تعدنا }. # { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى } الخطاب لأهل ~~مكة، والمراد بما حولهم من القرى قرى ثمود، وقرى لوط، ونحوهما مما كان ~~مجاورا لبلاد الحجاز، وكانت أخبارهم متواترة عندهم { وصرفنا ~~الآيت لعلهم يرجعون } أي بينا الحجج ونوعناها لكي يرجعوا ~~عن كفرهم فلم يرجعوا. ثم ذكر سبحانه أنه لم ينصرهم من عذاب الله ناصر، ~~فقال { فلولا ms3567 نصرهم الذين اتخذوا من دون الله ~~قربانا ءالهة } أي فهلا نصرهم آلهتهم التي تقربوا بها بزعمهم إلى ~~الله لتشفع لهم حيث قالوا # هؤلاء شفعؤنا عند الله # يونس 18 ومنعتهم من الهلاك الواقع بهم. قال الكسائي القربان كل ما ~~يتقرب به إلى الله من طاعة ونسيكة، والجمع قرابين، كالرهبان والرهابين، ~~وأحد مفعولي { اتخذوا } ضمير راجع إلى الموصول، والثاني آلهة، و { ~~قربانا } حال، ولا يصح أن يكون قربانا مفعولا ثانيا، و { آلهة } ~~بدلا منه لفساد المعنى، وقيل يصح ذلك ولا يفسد المعنى، ورجحه ابن عطية، ~~وأبو البقاء، وأبو حيان، وأنكر أن يكون في المعنى فساد على هذا الوجه { ~~بل ضلوا عنهم } أي غابوا عن نصرهم، ولم يحضروا عند الحاجة ~~إليهم، وقيل بل هلكوا، وقيل الضمير في ضلوا راجع إلى الكفار، أي تركوا ~~الأصنام وتبرءوا منها، والأول أولى. والإشارة بقوله { وذلك } إلى ~~ضلال آلهتهم. والمعنى وذلك الضلال والضياع أثر { إفكهم } الذي هو ~~اتخاذهم إياها آلهة وزعمهم أنها تقربهم إلى الله. قرأ الجمهور { إفكهم ~~} بكسر الهمزة، وسكون الفاء مصدر أفك يأفك إفكا، أي كذبهم. وقرأ ابن ~~عباس، وابن الزبير، ومجاهد بفتح الهمزة والفاء والكاف على أنه فعل أي ذلك ~~القول صرفهم عن التوحيد. وقرأ عكرمة بفتح الهمزة وتشديد الفاء، أي صيرهم ~~آفكين. قال أبو حاتم يعني قلبهم عما كانوا عليه من النعيم، وروي عن ابن ~~عباس أنه قرأ بالمد، وكسر الفاء بمعنى صارفهم { وما كانوا ~~يفترون } معطوف على { إفكهم } أي وأثر افترائهم، أو أثر الذي كانوا ~~يفترونه. والمعنى وذلك إفكهم أي كذبهم الذي كانوا يقولون إنها تقربهم ~~إلى الله، وتشفع لهم { وما كانوا يفترون } أي يكذبون أنها ~~آلهة. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال الأحقاف جبل ~~بالشام. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عائشة قالت ما رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم، ~~وكان إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه، قلت يا رسول الله، الناس ~~إذا رأوا الغيم ms3568 فرحوا أن يكون فيه المطر. # وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية، قال # " يا عائشة وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى ~~قوم العذاب، فقالوا { هذا عارض ممطرنا } " # وأخرج مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عنها قالت كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال # " اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من ~~شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به " # ، فإذا تخيلت السماء تغير لونه، وخرج ودخل وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سري ~~عنه، فسألته فقال # " لا أدري، لعله كما قال قوم عاد { هذا عارض ممطرنا } " # وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب السحاب، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس ~~في قوله { فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم } ~~قالوا غيم فيه مطر، فأول ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجا من ~~رجالهم، ومواشيهم تطير بين السماء والأرض مثل الريش دخلوا بيوتهم، وغلقوا ~~أبوابهم، فجاءت الريح ففتحت أبوابهم، ومالت عليهم بالرمل، فكانوا تحت ~~الرمل سبع ليال، وثمانية أيام حسوما لهم أنين، ثم أمر الله الريح، فكشفت ~~عنهم الرمل وطرحتهم في البحر، فهو قوله { فأصبحوا لا يرى ~~إلا مسكنهم }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، والحاكم وصححه ~~عن ابن عباس قال ما أرسل الله على عاد من الريح إلا قدر خاتمي هذا. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله { ولقد مكنهم ~~فيما إن مكنكم فيه } يقول لم نمكنكم. وأخرج ابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال عاد مكنوا في الأرض أفضل مما مكنت ~~فيه هذه الأمة، وكانوا أشد قوة وأكثر أموالا وأطول أعمارا. ### || [46.29-35] # لما بين سبحانه أن في الإنس من آمن، وفيهم من كفر، بين أيضا أن في ~~الجن كذلك، فقال { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن } ~~العامل في الظرف مقدر، أي واذكر إذ صرفنا. أي وجهنا إليك نفرا من ~~الجن، وبعثناهم إليك، وقوله { يستمعون القرءان } في محل نصب ~~صفة ثانية ل { نفرا ms3569 } أو حال لأن النكرة قد تخصصت بالصفة الأولى { ~~فلما حضروه } أي حضروا القرآن عند تلاوته، وقيل حضروا النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، والأول ~~أولى { قالوا أنصتوا } أي قال بعضهم لبعض اسكتوا، أمروا بعضهم ~~بعضا بذلك لأجل أن يسمعوا { فلما قضى } قرأ الجمهور { قضي } ~~مبنيا للمفعول، أي فرغ من تلاوته. وقرأ حبيب بن عبيد الله بن الزبير، ~~ولاحق بن حميد، وأبو مجلز على البناء للفاعل، أي فرغ النبي صلى الله ~~عليه وسلم من تلاوته، والقراءة الأولى تؤيد أن الضمير في { حضروه } ~~للقرآن، والقراءة الثانية تؤيد أنه للنبي صلى الله عليه وسلم { ~~ولوا إلى قومهم منذرين } أي انصرفوا قاصدين إلى من ~~وراءهم من قومهم منذرين لهم عن مخالفة القرآن، ومحذرين لهم، وانتصاب { ~~منذرين } على الحال المقدرة، أي مقدرين الإنذار، وهذا يدل على أنهم ~~آمنوا بالنبي، وسيأتي في آخر البحث بيان ذلك. { قالوا يا قومنا ~~إنا سمعنا كتبا أنزل من بعد موسى } يعنون القرآن ~~وفي الكلام حذف، والتقدير فوصلوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا. قال عطاء ~~كانوا يهودا فأسلموا { مصدقا لما بين يديه } أي لما قبله ~~من الكتب المنزلة { يهدى إلى الحق } أي إلى الدين الحق { ~~وإلى طريق مستقيم } أي إلى طريق الله القويم. قال مقاتل لم ~~يبعث الله نبيا إلى الجن والإنس قبل محمد صلى الله عليه وسلم. { ~~يقومنا أجيبوا داعى الله وءامنوا به } يعنون محمدا ~~صلى الله عليه وسلم، أو القرآن { يغفر لكم من ذنوبكم } أي ~~بعضها، وهو ما عدا حق العباد، وقيل " إن " من هنا لابتداء الغاية. ~~والمعنى أنه يقع ابتداء الغفران من الذنوب، ثم ينتهي إلى غفران ترك ما هو ~~الأولى، وقيل هي زائدة { ويجركم من عذاب أليم } وهو عذاب ~~النار، وفي هذه الآية دليل على أن حكم الجن حكم الإنس في الثواب ~~والعقاب، والتعبد بالأوامر والنواهي. وقال الحسن ليس لمؤمني الجن ثواب ~~غير نجاتهم من النار، وبه قال أبو حنيفة. والأول أولى، وبه قال مالك، ~~والشافعي، وابن أبي ليلى. وعلى ms3570 القول الأول، فقال القائلون به أنهم بعد ~~نجاتهم من النار يقال لهم كونوا ترابا، كما يقال للبهائم والثاني أرجح. # وقد قال الله سبحانه في مخاطبة الجن والإنس # ولمن خاف مقام ربه جنتان * فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان # الرحمن 46، 47 فامتن سبحانه على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، ~~ولا ينافي هذا الاقتصار ها هنا على ذكر إجارتهم من عذاب أليم، ومما يؤيد ~~هذا أن الله سبحانه قد جازى كافرهم بالنار، وهو مقام عدل، فكيف لا يجازي ~~محسنهم بالجنة، وهو مقام فضل، ومما يؤيد هذا أيضا ما في القرآن الكريم ~~في غير موضع أن جزاء المؤمنين الجنة، وجزاء من عمل الصالحات الجنة، وجزاء ~~من قال لا إله إلا الله الجنة، وغير ذلك مما هو كثير في الكتاب والسنة. ~~وقد اختلف أهل العلم هل أرسل الله إلى الجن رسلا منهم أم لا؟ وظاهر ~~الآيات القرآنية أن الرسل من الإنس فقط، كما في قوله # وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم ~~من أهل القرى # يوسف 109. وقال # وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون فى الأسواق # الفرقان 20 وقال سبحانه في إبراهيم الخليل # وجعلنا فى ذريته النبوة والكتب # العنكبوت 27، فكل نبي بعثه الله بعد إبراهيم، فهو من ذريته، وأما قوله ~~تعالى في سورة الأنعام # يمعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم # الأنعام 130 فقيل المراد من مجموع الجنسين، وصدق على أحدهما، وهم الإنس ~~كقوله # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # الرحمن 22 أي من أحدهما. { ومن لا يجب داعى الله فليس ~~بمعجز فى الأرض } أي لا يفوت الله، ولا يسبقه، ولا يقدر على الهرب ~~منه لأنه وإن هرب كل مهرب، فهو في الأرض لا سبيل له إلى الخروج منها، وفي ~~هذا ترهيب شديد { وليس له من دونه أولياء } أي أنصار ~~يمنعونه من عذاب الله. بين سبحانه بعد استحالة نجاته بنفسه استحالة ~~نجاته بواسطة غيره، والإشارة بقوله { أولئك } إلى من لا يجب داعي ~~الله، وأخبر أنهم { فى ضلل مبين } أي ظاهر واضح، ثم ذكر ms3571 سبحانه ~~دليلا على البعث، فقال { أو لم يروا أن الله الذى ~~خلق السموات والارض } الرؤية هنا هي القلبية التي بمعنى ~~العلم، والهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدر، أي ألم يتفكروا، ولم ~~يعلموا أن الذي خلق هذه الأجرام العظام من السموات والأرض ابتداء { ~~ولم يعى بخلقهن } أي لم يعجز عن ذلك ولا ضعف عنه، يقال عي ~~بالأمر وعيي إذا لم يهتد لوجهه، ومنه قول الشاعر # عيوا بأمرهم كما عيت ببيضها الحمامه # قرأ الجمهور { ولم يعي } بسكون العين، وفتح الياء مضارع عيي. وقرأ الحسن ~~بكسر العين وسكون الياء. { بقادر على أن يحى الموتى }. ~~قال أبو عبيدة، والأخفش الباء زائدة للتوكيد، كما في قوله # وكفى بالله شهيدا # النساء 166. قال الكسائي، والفراء، والزجاج العرب تدخل الباء مع الجحد ~~والاستفهام، فتقول ما أظنك بقائم، والجار والمجرور في محل رفع على أنهما ~~خبر لأن، وقرأ ابن مسعود، وعيسى بن عمر، والأعرج، والجحدري، وابن أبي ~~إسحاق، ويعقوب، وزيد بن علي يقدر على صيغة المضارع، واختار أبو عبيد ~~القراءة الأولى، واختار أبو حاتم القراءة الثانية قال لأن دخول الباء في ~~خبر أن قبيح { بلى إنه على كل شىء قدير } لا يعجزه ~~شيء. # { ويوم يعرض الذين كفروا على النار } الظرف متعلق ~~بقول مقدر، أي يقال ذلك اليوم للذين كفروا { أليس هذا بالحق ~~} وهذه الجملة هي المحكية بالقول، والإشارة بهذا إلى ما هو مشاهد لهم يوم ~~عرضهم على النار، وفي الاكتفاء بمجرد الإشارة من التهويل للمشار إليه، ~~والتفخيم لشأنه ما لا يخفى كأنه أمر لا يمكن التعبير عنه بلفظ يدل عليه ~~{ قالوا بلى وربنا } اعترفوا حين لا ينفعهم الاعتراف، وأكدوا ~~هذا الاعتراف بالقسم لأن المشاهدة هي حق اليقين الذي لا يمكن جحده ولا ~~إنكاره { قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } أي ~~بسبب كفركم بهذا في الدنيا، وإنكاركم له، وفي هذا الأمر لهم بذوق العذاب ~~توبيخ بالغ، وتهكم عظيم. لما قرر سبحانه الأدلة على النبوة والتوحيد ~~والمعاد أمر رسوله بالصبر فقال { فاصبر كما صبر أولوا ~~العزم من الرسل } والفاء جواب شرط ms3572 محذوف، أي إذا عرفت ذلك، ~~وقامت عليه البراهين، ولم ينجع في الكافرين، فاصبر كما صبر أولوا العزم، ~~أي أرباب الثبات والحزم، فإنك منهم. قال مجاهد أولوا العزم من الرسل خمسة ~~نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وهم أصحاب الشرائع. وقال أبو ~~العالية هم نوح، وهود، وإبراهيم، فأمر الله رسوله أن يكون رابعهم. وقال ~~السدي هم ستة إبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم، وقيل نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وموسى. وقال ابن جريج إن ~~منهم إسماعيل، ويعقوب، وأيوب، وليس منهم يونس. وقال الشعبي، والكلبي هم ~~الذين أمروا بالقتال، فأظهروا المكاشفة وجاهدوا الكفرة، وقيل هم نجباء ~~الرسل المذكورون في سورة الأنعام وهم ثمانية عشر إبراهيم، وإسحاق، ~~ويعقوب، ونوح، وداود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وزكريا، ~~ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط. واختار هذا الحسين ~~بن الفضل لقوله بعد ذكرهم # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # الأنعام 90 وقيل إن الرسل كلهم أولوا عزم، وقيل هم اثنا عشر نبيا ~~أرسلوا إلى بني إسرائيل. وقال الحسن هم أربعة إبراهيم، وموسى، وداود، ~~وعيسى { ولا تستعجل لهم } أي لا تستعجل العذاب يا محمد ~~للكفار. لما أمره سبحانه بالصبر، ونهاه عن استعجال العذاب لقومه رجاء أن ~~يؤمنوا قال { كأنهم يوم يرون ما يوعدون } من العذاب { ~~لم يلبثوا إلا ساعة من نهار } أي كأنهم يوم يشاهدونه ~~في الآخرة لم يلبثوا في الدنيا إلا قدر ساعة من ساعات الأيام لما ~~يشاهدونه من الهول العظيم والبلاء المقيم. # قرأ الجمهور { بلاغ } بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هذا الذي ~~وعظتهم به بلاغ، أو تلك الساعة بلاغ، أو هذا القرآن بلاغ، أو هو مبتدأ، ~~والخبر لهم الواقع بعد قوله { ولا تستعجل } أي لهم بلاغ. وقرأ ~~الحسن، وعيسى بن عمر، وزيد بن علي " بلاغا " بالنصب على المصدر، أي بلغ ~~بلاغا. وقرأ أبو مجلز بلغ بصيغة الأمر. وقرىء بلغ بصيغة الماضي { فهل ~~يهلك إلا القوم الفسقون } قرأ الجمهور { فهل يهلك } ~~على البناء للمفعول. وقرأ ابن محيصن على البناء للفاعل، ms3573 والمعنى أنه لا ~~يهلك بعذاب الله إلا القوم الخارجون عن الطاعة، الواقعون في معاصي الله. ~~قال قتادة لا يهلك على الله إلا هالك مشرك. قيل وهذه الآية أقوى آية في ~~الرجاء. قال الزجاج تأويله لا يهلك مع رحمة الله وفضله إلا القوم ~~الفاسقون. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن منيع، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي كلاهما في الدلائل عن ابن مسعود قال هبطوا، ~~يعني الجن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، ~~فلما سمعوه قالوا أنصتوا، قالوا صه، وكانوا تسعة أحدهم زوبعة، فأنزل الله ~~{ وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن } إلى قوله { ضلل ~~مبين }. وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن مردويه عن الزبير { وإذ ~~صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرءان } ~~قال بنخلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء الآخرة # كادوا يكونون عليه لبدا # الجن 17. وأخرج ابن جرير، والطبراني، وابن مردويه { وإذ صرفنا ~~إليك نفرا من الجن } الآية، قال كانوا تسعة نفر من أهل ~~نصيبين، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا إلى قومهم. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم عنه نحوه وقال أتوه ببطن ~~نخلة. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه عنه أيضا قال صرفت الجن ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، وكانوا أشراف الجن بنصيبين. ~~وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن مسروق قال سألت ابن مسعود من آذن ~~النبي بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ قال آذنته بهم شجرة. وأخرج عبد بن ~~حميد، وأحمد، ومسلم، والترمذي عن علقمة قال قلت لابن مسعود هل صحب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم منكم أحدا ليلة الجن؟ قال ما صحبه منا أحد، ~~ولكنا فقدناه ذات ليلة، فقلنا اغتيل، استطير ما فعل؟ قال فبتنا بشر ليلة ~~بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح إذا نحن به يجيء من قبل حراء، ~~فأخبرناه فقال " إنه أتاني داعي الجن، فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن، ~~فانطلق، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم ". وأخرج أحمد عن ابن مسعود قال ms3574 كنت ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن. # وقد روي نحو هذا من طرق. والجمع بين الروايات بالحمل على قصتين وقعت منه ~~صلى الله عليه وسلم مع الجن حضر إحداهما ابن مسعود، ولم يحضر في الأخرى. ~~وقد وردت أحاديث كثيرة أن الجن بعد هذا وفدت على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مرة بعد مرة، وأخذوا عنه الشرائع. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه عن ابن عباس قال أولوا العزم من الرسل النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى. وأخرج ابن مردويه عنه قال ~~هم الذين أمروا بالقتال حتى مضوا على ذلك نوح، وهود، وصالح، وموسى، ~~وداود، وسليمان. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال بلغني أن أولي ~~العزم من الرسل كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر. وأخرج ابن أبي حاتم، والديلمي ~~عن عائشة قالت ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما ثم طوى، ثم ظل ~~صائما ثم طوى، ثم ظل صائما، قال # " يا عائشة، إن الدين لا ينبغي لمحمد، ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله ~~لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها، والصبر عن ~~محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم، فقال { اصبر كما ~~صبر أولوا العزم من الرسل } وإني والله لأصبرن كما ~~صبروا جهدي، ولا قوة إلا بالله ". ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1-12] # قوله { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } هم كفار ~~قريش كفروا بالله، وصدوا أنفسهم وغيرهم عن سبيل الله، وهو دين الإسلام ~~بنهيهم عن الدخول فيه، كذا قال مجاهد، والسدي. وقال الضحاك معنى { عن ~~سبيل الله } عن بيت الله بمنع قاصديه. وقيل هم أهل الكتاب، والموصول ~~مبتدأ، وخبره { أضل أعملهم } أي أبطلها وجعلها ضائعة. قال ~~الضحاك معنى { أضل أعملهم } أبطل كيدهم ومكرهم بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم، وجعل الدائرة عليهم في كفرهم. وقيل أبطل ما عملوه في ~~الكفر مما كانوا يسمونه مكارم أخلاق من صلة الأرحام، وفك الأسارى وقري ~~الأضياف، وهذه وإن كانت باطلة ms3575 من أصلها، لكن المعنى أنه سبحانه حكم ~~ببطلانها. ولما ذكر فريق الكافرين أتبعهم بذكر فريق المؤمنين، فقال { ~~والذين ءامنوا وعملوا الصلحت وءامنوا بما ~~نزل على محمد } ظاهر هذا العموم، فيدخل تحته كل مؤمن من ~~المؤمنين الذين يعملون الصالحات، ولا يمنع من ذلك خصوص سببها فقد قيل ~~إنها نزلت في الأنصار، وقيل في ناس من قريش، وقيل في مؤمني أهل الكتاب، ~~ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وخص سبحانه الإيمان بما أنزل ~~على محمد صلى الله عليه وسلم بالذكر مع اندراجه تحت مطلق الإيمان المذكور ~~قبله تنبيها على شرفه وعلو مكانه، وجملة { وهو الحق من ~~ربهم } معترضة بين المبتدأ، وهو قوله { والذين ءامنوا } ، ~~وبين خبره، وهو قوله { كفر عنهم سيئاتهم } ومعنى كونه الحق أنه ~~الناسخ لما قبله،وقوله { من ربهم } في محل نصب على الحال، ومعنى { ~~كفر عنهم سيئاتهم } أي السيئات التي عملوها فيما مضى فإنه غفرها ~~لهم بالإيمان، والعمل الصالح { سيئتهم وأصلح بالهم } أي ~~شأنهم وحالهم. قال مجاهد شأنهم، وقال قتادة حالهم. وقيل أمرهم، والمعاني ~~متقاربة. قال المبرد البال الحال ها هنا. قيل والمعنى أنه عصمهم عن ~~المعاصي في حياتهم، وأرشدهم إلى أعمال الخير، وليس المراد إصلاح حال ~~دنياهم من إعطائهم المال، ونحو ذلك، وقال النقاش إن المعنى أصلح نياتهم، ~~ومنه قول الشاعر # فإن تقبلي بالود أقبل بمثله وإن تدبري أذهب إلى حال باليا # والإشارة بقوله { ذلك } إشارة إلى ما مر مما أوعد به الكفار، ووعد ~~به المؤمنين، وهو مبتدأ خبره ما بعده، وقيل إنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ~~ذلك بسبب إن الذين كفروا اتبعوا البطل وأن ~~الذين ءامنوا اتبعوا الحق من ربهم، فالباطل الشرك، ~~والحق التوحيد والإيمان، والمعنى أن ذلك الإضلال لأعمال الكافرين بسبب ~~اتباعهم الباطل من الشرك بالله والعمل بمعاصيه، وذلك التكفير لسيئات ~~المؤمنين وإصلاح بالهم، بسبب اتباعهم للحق الذي أمر الله باتباعه من ~~التوحيد والإيمان، وعمل الطاعات { كذلك يضرب الله للناس ~~أمثلهم } أي مثل ذلك الضرب يبين للناس أمثالهم، أي أحوال ~~الفريقين الجارية مجرى الأمثال في ms3576 الغرابة. # قال الزجاج { كذلك يضرب } يبين الله للناس أمثال حسنات المؤمنين، وإضلال ~~أعمال الكافرين، يعني أن من كان كافرا أضل الله عمله، ومن كان مؤمنا ~~كفر الله سيئاته. { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب ~~الرقاب } لما بين سبحانه حال الفريقين أمر بجهاد الكفار، والمراد ~~بالذين كفروا المشركين ومن لم يكن صاحب عهد من أهل الكتاب، وانتصاب { ضرب ~~} على أنه مصدر لفعل محذوف. قال الزجاج أي فاضربوا الرقاب ضربا، وخص ~~الرقاب بالذكر لأن القتل أكثر ما يكون بقطعها، وقيل هو منصوب على ~~الإغراء. قال أبو عبيدة هو كقولهم يا نفس صبرا، وقيل التقدير اقصدوا ضرب ~~الرقاب. وقيل إنما خص ضرب الرقاب لأن في التعبير عنه من الغلظة والشدة ~~ما ليس في نفس القتل، وهي حز العنق، وإطارة العضو الذي هو رأس البدن، ~~علوه وأحسن أعضائه { حتى إذا أثخنتموهم } أي بالغتم في ~~قتلهم، وأكثرتم القتل فيهم، وهذه غاية للأمر بضرب الرقاب، لا لبيان غاية ~~القتل، وهو مأخوذ من الشيء الثخين، أي الغليظ، وقد مضى تحقيق معناه في ~~سورة الأنفال { فشدوا الوثاق } الوثاق بالفتح ويجيء بالكسر اسم ~~الشيء الذي يوثق به كالرباط. قال الجوهري وأوثقه في الوثاق أي شده، قال ~~والوثاق بكسر الواو لغة فيه. قرأ الجمهور { فشدوا } بضم الشين، وقرأ ~~السلمي بكسرها. وإنما أمر سبحانه بشد الوثاق لئلا ينفلتوا، والمعنى إذا ~~بالغتم في قتلهم فأسروهم، وأحيطوهم بالوثاق { فإما منا بعد ~~وإما فداء } أي فإما أن تمنوا عليهم بعد الأسر منا، أو تفدوا فداء، ~~والمن الإطلاق بغير عوض، والفداء ما يفدي به الأسير نفسه من الأسر، ولم ~~يذكر القتل هنا اكتفاء بما تقدم. قرأ الجمهور { فداء } بالمد. وقرأ ~~ابن كثير فدى بالقصر، وإنما قدم المن على الفداء، لأنه من مكارم ~~الأخلاق، ولهذا كانت العرب تفتخر به، كما قال شاعرهم # ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم إذا أثقل الأعناق حمل المغارم # ثم ذكر سبحانه الغاية لذلك، فقال { حتى تضع الحرب ~~أوزارها } أوزار الحرب التي لا تقوم إلا بها من السلاح والكراع، ~~أسند الوضع إليها، وهو لأهلها ms3577 على طريق المجاز، والمعنى أن المسلمين ~~مخيرون بين تلك الأمور إلى غاية هي أن لا يكون حرب مع الكفار. قال مجاهد ~~المعنى حتى لا يكون دين غير دين الإسلام، وبه قال الحسن، والكلبي. قال ~~الكسائي حتى يسلم الخلق. قال الفراء حتى يؤمنوا ويذهب الكفر. وقيل المعنى ~~حتى يضع الأعداء المحاربون أوزارهم، وهو سلاحهم بالهزيمة، أو الموادعة. ~~وروي عن الحسن، وعطاء أنهما قالا في الآية تقديم وتأخير، والمعنى فضرب ~~الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها، فإذا أثخنتموهم، فشدوا الوثاق. # وقد اختلف العلماء في هذه الآية هل هي محكمة، أو منسوخة؟ فقيل إنها ~~منسوخة في أهل الأوثان، وإنه لا يجوز أن يفادوا، ولا يمن عليهم، والناسخ ~~لها قوله # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # التوبة 5، وقوله # فإما تثقفنهم فى الحرب فشرد بهم من ~~خلفهم # الأنفال 57، وقوله # وقاتلوا المشركين كافة # التوبة 36 وبهذا قال قتادة، والضحاك، والسدي، وابن جريج، وكثير من ~~الكوفيين، قالوا والمائدة آخر ما نزل، فوجب أن يقتل كل مشرك إلا من قامت ~~الدلالة على تركه من النساء والصبيان، ومن تؤخذ منه الجزية، وهذا هو ~~المشهور من مذهب أبي حنيفة، وقيل إن هذه الآية ناسخة لقوله # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # التوبة 5 روي ذلك عن عطاء وغيره. وقال كثير من العلماء إن الآية محكمة، ~~والإمام مخير بين القتل والأسر، وبعد الأسر مخير بين المن والفداء. وبه ~~قال مالك، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، وأبو عبيد وغيرهم. وهذا هو ~~الراجح لأن النبي صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين من بعده فعلوا ~~ذلك. وقال سعيد بن جبير لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان والقتل ~~بالسيف لقوله # ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض # الأنفال 67 فإذا أسر بعد ذلك، فللإمام أن يحكم بما رآه من قتل أو غيره. ~~{ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم } محل ذلك الرفع ~~على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر ذلك، وقيل في محل نصب على المفعولية ~~بتقدير فعل، أي افعلوا ذلك، ويجوز أن يكون مبتدأ، وخبره محذوف ms3578 يدل عليه ~~ما تقدم، أي ذلك حكم الكفار، ومعنى { لو يشاء الله لانتصر ~~منهم } ، أي قادر على الانتصار منهم بالانتقام منهم وإهلاكهم، ~~وتعذيبهم بما شاء من أنواع العذاب { ولكن } أمركم بحربهم { ~~ليبلو بعضكم ببعض } أي ليختبر بعضكم ببعض، فيعلم المجاهدين ~~في سبيله، والصابرين على ابتلائه ويجزل ثوابهم، ويعذب الكفار بأيديهم. { ~~والذين قتلوا فى سبيل الله } قرأ الجمهور { قاتلوا } ~~مبنيا للفاعل، وقرأ أبو عمرو، وحفص { قتلوا } مبنيا للمفعول، وقرأ ~~الحسن بالتشديد مبنيا للمفعول أيضا. وقرأ الجحدري، وعيسى بن عمر، وأبو ~~حيوة { قتلوا } على البناء للفاعل مع التخفيف من غير ألف، والمعنى على ~~القراءة الأولى، والرابعة أن المجاهدين في سبيل الله ثوابهم غير ضائع، ~~وعلى القراءة الثانية والثالثة أن المقتولين في سبيل الله كذلك لا يضيع ~~الله سبحانه أجرهم. قال قتادة ذكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم أحد. ثم ذكر ~~سبحانه ما لهم عنده من جزيل الثواب فقال { سيهديهم } أي سيهديهم ~~الله سبحانه إلى الرشد في الدنيا، ويعطيهم الثواب في الآخرة { ويصلح ~~بالهم } أي حالهم وشأنهم وأمرهم. قال أبو العالية قد ترد الهداية، ~~والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان، والطريق المفضية إليها، ~~وقال ابن زياد يهديهم إلى محاجة منكر ونكير { ويدخلهم الجنة ~~عرفها لهم } أي بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال، وذلك أنهم ~~إذا دخلوا الجنة تفرقوا إلى منازلهم. # قال الواحدي هذا قول عامة المفسرين. وقال الحسن وصف الله لهم الجنة في ~~الدنيا، فلما دخلوها عرفوها بصفتها. وقيل فيه حذف، أي عرفوا طرقها ~~ومساكنها وبيوتها. وقيل هذا التعريف بدليل يدلهم عليها، وهو الملك الموكل ~~بالعبد يسير بين يديه حتى يدخله منزله، كذا قال مقاتل. وقيل معنى { ~~عرفها لهم } طيبها بأنواع الملاذ، مأخوذ من العرف، وهو الرائحة. ~~ثم وعدهم سبحانه على نصر دينه بقوله { يأيها الذين ءامنوا إن ~~تنصروا الله ينصركم } أي إن تنصروا دين الله ينصركم على ~~الكفار، ويفتح لكم، ومثله قوله # ولينصرن الله من ينصره # الحج 40. قال قطرب إن تنصروا نبي الله ينصركم { ويثبت ~~أقدامكم } أي عند القتال، ms3579 وتثبيت الأقدام عبارة عن النصر، والمعونة ~~في مواطن الحرب، وقيل على الإسلام، وقيل على الصراط { والذين ~~كفروا فتعسا لهم } الموصول في محل رفع على أنه مبتدأ، وخبره ~~محذوف، تقديره فتعسوا بدليل ما بعده، ودخلت الفاء تشبيها للمبتدأ ~~بالشرط، وانتصاب { تعسا } على المصدر للفعل المقدر خبرا. قال الفراء ~~مثل سقيا لهم ورعيا، وأصل التعس الانحطاط والعثار. قال ابن السكيت ~~التعس أن يجر على وجهه، والنكس أن يجر على رأسه، قال والتعس أيضا ~~الهلاك. قال الجوهري وأصله الكب، وهو ضد الانتعاش، ومنه قول مجمع بن ~~هلال # تقول وقد أفردتها من حليلها تعست كما أتعستني يا مجمع # قال المبرد أي فمكروها لهم، قال ابن جريج بعدا لهم، وقال السدي ~~خزيا لهم. وقال ابن زيد شقاء لهم، وقال الحسن شتما لهم. وقال ثعلب ~~هلاكا لهم، وقال الضحاك خيبة لهم، وقيل قبحا لهم، حكاه النقاش. وقال ~~الضحاك رغما لهم. وقال ثعلب أيضا شرا لهم. وقال أبو العالية شقوة ~~لهم. واللام في { لهم } للبيان، كما في قوله # هيت لك # يوسف 23 وقوله { وأضل أعملهم } معطوف على ما قبله داخل معه ~~في خبرية الموصول. والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم مما ذكره الله ~~من التعس والإضلال، أي الأمر ذلك، أو ذلك الأمر { بأنهم كرهوا ~~ما أنزل الله } على رسوله من القرآن، أو ما أنزل على رسله من كتبه ~~لاشتمالها على ما في القرآن من التوحيد والبعث { فأحبط } الله { ~~أعملهم } بذلك السبب، والمراد بالأعمال ما كانوا عملوا من أعمال ~~الخير في الصورة، وإن كانت باطلة من الأصل لأن عمل الكافر لا يقبل قبل ~~إسلامه. ثم خوف سبحانه الكفار، وأرشدهم إلى الاعتبار بحال من قبلهم، ~~فقال { أفلم يسيروا فى الأرض } أي ألم يسيروا في أرض عاد، ~~وثمود، وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا { فينظروا كيف كان عقبة ~~الذين من قبلهم } أي آخر أمر الكافرين قبلهم، فإن آثار العذاب ~~في ديارهم باقية. # ثم بين سبحانه ما صنع بمن قبلهم فقال { دمر الله عليهم } ~~والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، والتدمير الإهلاك، أي أهلكهم ms3580 ~~واستأصلهم، يقال دمره ودمر عليه بمعنى، ثم توعد مشركي مكة فقال { ~~وللكفرين أمثلها } أي لهؤلاء الكافرين أمثال عاقبة من ~~قبلهم من الأمم الكافرة. قال الزجاج، وابن جرير الضمير في { أمثالها } ~~يرجع إلى { عاقبة الذين من قبلهم } ، وإنما جمع لأن العواقب متعددة بحسب ~~تعدد الأمم المعذبة، وقيل أمثال العقوبة، وقيل الهلكة، وقيل التدميرة، ~~والأول أولى لرجوع الضمير إلى ما هو مذكور قبله، والإشارة بقوله { ~~ذلك } إلى ما ذكر من أن للكافرين أمثالها { بأن الله مولى ~~الذين آمنوا } أي بسبب أن الله ناصرهم، { وأن الكفرين لا ~~مولى لهم } أي لا ناصر يدفع عنهم. وقرأ ابن مسعود ذلك بأن الله ~~ولي الذين آمنوا قال قتادة نزلت يوم أحد. { إن الله يدخل ~~الذين ءامنوا وعملوا الصلحت جنت تجرى من ~~تحتها الأنهر } قد تقدم تفسير الآية في غير موضع، وتقدم كيفية ~~جري الأنهار من تحت الجنات، والجملة مسوقة لبيان ولاية الله للمؤمنين { ~~والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل ~~الأنعم } أي يتمتعون بمتاع الدنيا وينتفعون به كأنهم أنعام ليس لهم ~~همة إلا بطونهم وفروجهم، ساهون عن العاقبة لاهون بما هم فيه { ~~والنار مثوى لهم } أي مقام يقيمون به، ومنزل ينزلونه ~~ويستقرون فيه، والجملة في محل نصب على الحال، أو مستأنفة. وقد أخرج ~~الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { الذين كفروا ~~وصدوا عن سبيل الله } قال هم أهل مكة قريش نزلت فيهم { ~~والذين ءامنوا وعملوا الصلحات } قال هم أهل المدينة ~~الأنصار { وأصلح بالهم } قال أمرهم. وأخرج ابن المنذر عنه في ~~قوله { أضل أعملهم } قال كانت لهم أعمال فاضلة لا يقبل الله ~~مع الكفر عملا. وأخرج النحاس عنه أيضا في قوله { فإما منا ~~بعد وإما فداء } قال فجعل الله النبي والمؤمنين بالخيار في ~~الأسارى، إن شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا استعبدوهم، وإن شاءوا فادوهم. وأخرج ~~ابن جرير، وابن مردويه عنه أيضا في الآية قال هذا منسوخ نسختها # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين # التوبة 5. وأخرج ms3581 ابن جرير، وابن مردويه عن الحسن قال أتى الحجاج بأسارى، ~~فدفع إلى ابن عمر رجلا يقتله، فقال ابن عمر ليس بهذا أمرنا إنما قال ~~الله { حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما ~~منا بعد وإما فداء }. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن ~~المنذر، وابن مردويه عن ليث قال قلت لمجاهد بلغني أن ابن عباس قال لا ~~يحل قتل الأسارى لأن الله قال { فإما منا بعد وإما فداء ~~} فقال مجاهد لا تعبأ بهذا شيئا أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وكلهم ينكر هذا، ويقول هذه منسوخة إنما كانت في الهدنة التي كانت ~~بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، فأما اليوم فلا، يقول الله # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # التوبة 5 ويقول { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب ~~الرقاب } فإن كان من مشركي العرب لم يقبل شيء منهم إلا الإسلام، فإن ~~لم يسلموا فالقتل، وأما من سواهم فإنهم إذا أسروا، فالمسلمون فيهم ~~بالخيار إن شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا استحيوهم، وإن شاءوا فادوهم إذا لم ~~يتحولوا عن دينهم، فإن أظهروا الإسلام لم يفادوا. ونهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن قتل الصغير، والمرأة، والشيخ الفاني. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إماما مهديا وحكما عدلا، ~~فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، وتوضع الجزية، وتضع الحرب أوزارها " # وأخرج ابن سعد، وأحمد، والنسائي، والبغوي، والطبراني، وابن مردويه عن ~~سلمة بن نفيل، عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث قال # " لا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج " # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس { وللكفرين أمثلها } قال ~~لكفار قومك يا محمد مثل ما دمرت به القرى، فأهلكوا بالسيف. ### || [47.13-19] # خوف سبحانه الكفار بأنه قد أهلك من هو أشد منهم فقال { وكأين من ~~قرية هى أشد قوة من قريتك التى أخرجتك ~~أهلكنهم } قد قدمنا أن " كأين " مركبة من الكاف وأي، وأنها ~~بمعنى كم الخبرية ms3582 أي وكم من قرية، وأنشد الأخفش قول لبيد # وكأين رأينا من ملوك وسوقة ومفتاح قيد للأسير المكبل # ومعنى الآية وكم من أهل قرية هم أشد قوة من أهل قريتك التي أخرجوك منها ~~أهلكناهم { فلا نصر لهم } فبالأولى من هو أضعف منهم، وهم قريش ~~الذين هم أهل قرية النبي صلى الله عليه وسلم وهي مكة، فالكلام على حذف ~~المضاف، كما في قوله # واسئل القرية # يوسف 82 قال مقاتل أي أهلكناهم بالعذاب حين كذبوا رسولهم. ثم ذكر سبحانه ~~الفرق بين حال المؤمن، وحال الكافر فقال { أفمن كان على بينة ~~من ربه } والهمزة للإنكار، والفاء للعطف على مقدر كنظائره، ومن ~~مبتدأ، والخبر { كمن زين له سوء عمله } وأفرد في هذا باعتبار ~~" لفظ " من، وجمع في قوله { واتبعوا أهواءهم } باعتبار ~~معناها، والمعنى أنه لا يستوي من كان على يقين من ربه، ولا يكون كمن زين ~~له سوء عمله، وهو عبادة الأوثان، والإشراك بالله، والعمل بمعاصي الله، ~~واتبعوا أهواءهم في عبادتها، وانهمكوا في أنواع الضلالات بلا شبهة توجب ~~الشك فضلا عن حجة نيرة. ثم لما بين سبحانه الفرق بين الفريقين في ~~الاهتداء، والضلال بين الفرق في مرجعهما ومآلهما فقال { مثل ~~الجنة التى وعد المتقون } والجملة مستأنفة لشرح محاسن ~~الجنة، وبيان ما فيها ومعنى { مثل الجنة } وصفها العجيب الشأن، ~~وهو مبتدأ، وخبره محذوف. قال النضر بن شميل تقديره ما يسمعون، وقدره ~~سيبويه فيما يتلى عليكم مثل الجنة، قال والمثل هو الوصف، ومعناه وصف ~~الجنة، وجملة { فيها أنهار من ماء غير ءاسن } إلخ مفسرة ~~للمثل. وقيل إن { مثل } زائدة، وقيل إن { مثل الجنة } مبتدأ، والخبر { ~~فيها أنهار } ، وقيل خبره { كمن هو خالد } ، والآسن المتغير، يقال أسن ~~الماء يأسن أسونا إذا تغيرت رائحته، ومثله الآجن، ومنه قول زهير # قد أترك القرن مصفرا أنامله يميد في الرمح ميد المالح الأسن # قرأ الجمهور { آسن } بالمد. وقرأ حميد، وابن كثير بالقصر، وهما لغتان ~~كحاذر وحذر. وقال الأخفش إن الممدود يراد به الاستقبال، والمقصود يراد به ~~الحال، { وأنهار من لبن لم يتغير ms3583 طعمه } أي لم ~~يحمض، كما تغير ألبان الدنيا لأنها لم تخرج من ضروع الإبل والغنم والبقر ~~{ وأنهر من خمر لذة للشربين } أي لذيذة لهم ~~طيبة الشرب لا يكرهها الشاربون، يقال شراب لذ ولذيذ وفيه لذة بمعنى، ~~ومثل هذه الآية قوله # بيضاء لذة للشربين # الصافات 46 قرأ الجمهور { لذة } بالجر صفة ل { خمر } ، وقرىء بالنصب ~~على أنه مصدر، أو مفعول له. وقرىء بالرفع صفة ل { أنهار } { ~~وأنهر من عسل مصفى } أي مصفى مما يخالطه من الشمع ~~والقذى والعكر والكدر { ولهم فيها من كل الثمرت } أي لأهل ~~الجنة في الجنة مع ما ذكر من الأشربة من كل الثمرات، أي من كل صنف من ~~أصنافها، و «من» زائدة للتوكيد { ومغفرة من ربهم } لذنوبهم، ~~وتنكير مغفرة للتعظيم، أي ولهم مغفرة عظيمة كائنة من ربهم { كمن هو ~~خلد فى النار } هو خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير أم من هو في نعيم ~~الجنة على هذه الصفة خالدا فيها كمن هو خالد في النار، أو خبر لقوله { ~~مثل الجنة } كما تقدم، ورجح الأول الفراء، فقال أراد أمن كان في هذا ~~النعيم كمن هو خالد في النار؟ وقال الزجاج أي أفمن كان على بينة من ربه، ~~وأعطي هذه الأشياء كمن زين له سوء عمله، وهو خالد في النار، فقوله " ~~كمن " بدل من قوله { أفمن زين له سوء عمله } وقال ابن كيسان ليس مثل ~~الجنة التي فيها الثمار والأنهار، كمثل النار التي فيها الحميم والزقوم، ~~وليس مثل أهل الجنة في النعيم، كمثل أهل النار في العذاب الأليم، وقوله { ~~وسقوا ماء حميما } عطف على الصلة عطف جملة فعلية على اسمية لكنه ~~راعى في الأولى لفظ " من " ، وفي الثانية معناها، والحميم الماء الحار ~~الشديد الغليان، فإذا شربوه قطع أمعاءهم، وهو معنى قوله { فقطع ~~أمعاءهم } لفرط حرارته، والأمعاء جمع معى، وهي ما في البطون من ~~الحوايا. { ومنهم من يستمع إليك } أي من هؤلاء الكفار ~~الذين يتمتعون ويأكلون، كما تأكل الأنعام من يستمع إليك وهم المنافقون، ~~أفرد الضمير باعتبار لفظ " من " ، وجمع في قوله ms3584 { حتى إذا ~~خرجوا من عندك } باعتبار معناها، والمعنى أن المنافقين كانوا ~~يحضرون مواقف وعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومواطن خطبه التي يمليها ~~على المسلمين حتى إذا خرجوا من عنده { قالوا للذين أوتوا ~~العلم } وهم علماء الصحابة، وقيل عبد الله بن عباس، وقيل عبد الله بن ~~مسعود، وقيل أبو الدرداء، والأول أولى، أي سألوا أهل العلم فقالوا لهم { ~~ماذا قال ءانفا } أي ماذا قال النبي الساعة على طريقة الاستهزاء، ~~والمعنى أنا لم نلتفت إلى قوله، و { آنفا } يراد به الساعة التي هي أقرب ~~الأوقات، ومنه أمر آنف، أي مستأنف، وروضة أنف، أي لم يرعها أحد، وانتصابه ~~على الظرفية، أي وقتا مؤتنفا، أو حال من الضمير في " قال ". قال الزجاج ~~هو من استأنفت الشيء إذا ابتدأته، وأصله مأخوذ من أنف الشيء لما تقدم ~~منه، مستعار من الجارحة، ومنه قول الشاعر # ويحرم سر جارتهم عليهم ويأكل جارهم أنف القصاع # والإشارة بقوله { أولئك } إلى المذكورين من المنافقين { ~~الذين طبع الله على قلوبهم } فلم يؤمنوا، ولا توجهت ~~قلوبهم إلى شيء من الخير { واتبعوا أهواءهم } في الكفر ~~والعناد. ثم ذكر حال أضدادهم فقال { والذين اهتدوا زادهم ~~هدى } أي والذين اهتدوا إلى طريق الخير، فآمنوا بالله، وعملوا بما ~~أمرهم به زادهم هدى بالتوفيق، وقيل زادهم النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقيل زادهم القرآن. وقال الفراء زادهم إعراض المنافقين واستهزاؤهم هدى. ~~وقيل زادهم نزول الناسخ هدى، وعلى كل تقدير، فالمراد أنه زادهم إيمانا ~~وعلما وبصيرة في الدين { وآتاهم تقواهم } أي ألهمهم إياها وأعانهم ~~عليها، والتقوى قال الربيع هي الخشية، وقال السدي هي ثواب الآخرة، وقال ~~مقاتل هي التوفيق للعمل الذي يرضاه، وقيل العمل بالناسخ وترك المنسوخ، ~~وقيل ترك الرخص والأخذ بالعزائم { فهل ينظرون إلا الساعة } ~~أي القيامة { أن تأتيهم بغتة } أي فجأة، وفي هذا وعيد للكفار ~~شديد، وقوله { أن تأتيهم بغتة } بدل من { الساعة } بدل ~~اشتمال. وقرأ أبو جعفر الرواسي إن تأتهم بإن الشرطية { فقد جاء ~~أشراطها } أي أماراتها وعلاماتها، وكانوا قد قرؤوا في كتبهم أن ms3585 ~~النبي صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء، فبعثته من أشراطها، قاله الحسن، ~~والضحاك. والأشراط جمع شرط بسكون الراء وفتحها. وقيل المراد بأشراطها هنا ~~أسبابها التي هي دون معظمها. وقيل أراد بعلامات الساعة انشقاق القمر ~~والدخان، كذا قال الحسن. وقال الكلبي كثرة المال، والتجارة، وشهادة ~~الزور، وقطع الأرحام، وقلة الكرام، وكثرة اللئام، ومنه قول أبي زيد ~~الأسود # فإن كنت قد أزمعت بالصرم بيننا فقد جعلت أشراط أوله تبدو # { فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم } { ذكراهم } مبتدأ، ~~وخبره { فأنى لهم } ، أي أنى لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة كقوله # يومئذ يتذكر الإنسن وأنى له الذكرى # الفجر 23 و { إذا جاءتهم } اعتراض بين المبتدأ والخبر. { فاعلم ~~أنه لا إله إلا الله } أي إذا علمت أن مدار الخير هو ~~التوحيد والطاعة، ومدار الشر هو الشرك والعمل بمعاصي الله، فاعلم أنه لا ~~إله غيره، ولا رب سواه، والمعنى اثبت على ذلك واستمر عليه لأنه صلى ~~الله عليه وسلم قد كان عالما بأنه لا إله إلا الله قبل هذا، وقيل ما ~~علمته استدلالا فاعلمه خبرا يقينا. وقيل المعنى فاذكر أنه لا إله ~~إلا الله، فعبر عن الذكر بالعلم { واستغفر لذنبك } أي ~~استغفر الله أن يقع منك ذنب، أو استغفر الله ليعصمك، أو استغفره مما ربما ~~يصدر منك من ترك الأولى. وقيل الخطاب له، والمراد الأمة، ويأبى هذا قوله ~~{ وللمؤمنين والمؤمنت } فإن المراد به استغفاره لذنوب ~~أمته بالدعاء لهم بالمغفرة عما فرط من ذنوبهم { والله يعلم ~~متقلبكم } في أعمالكم { ومثواكم } في الدار الآخرة، وقيل ~~متقلبكم في أعمالكم نهارا، ومثواكم في ليلكم نياما. # وقيل متقلبكم في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات، ومثواكم في الأرض، أي ~~مقامكم فيها. قال ابن كيسان متقلبكم من ظهر إلى بطن في الدنيا، ومثواكم ~~في القبور. وقد أخرج عبد بن حميد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة ~~إلى الغار التفت إلى مكة وقال # " أنت أحب بلاد الله إلي، ولولا أن ms3586 أهلك أخرجوني منك لم أخرج، فأعتى ~~الأعداء من عتا على الله في حرمه، أو قتل غير قاتله، أو قتل بدخول ~~الجاهلية " # فأنزل الله { وكأين من قرية } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس { أنهار من ماء غير آسن } قال متغير. وأخرج أحمد، ~~والترمذي وصححه، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن معاوية ~~بن حيدة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " في الجنة بحر اللبن، وبحر الماء، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تشقق ~~الأنهار منها " # وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده، والبيهقي عن كعب قال نهر النيل نهر ~~العسل في الجنة، ونهر دجلة نهر اللبن في الجنة، ونهر الفرات نهر الخمر في ~~الجنة، ونهر سيحان نهر الماء في الجنة. وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه من ~~طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله { حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال ءانفا } ~~قال كنت فيمن يسأل. وأخرج عبد بن حميد من وجه آخر عنه في الآية قال أنا ~~منهم. وفي هذا منقبة لابن عباس جليلة لأنه كان إذ ذاك صبيا غير بالغ، ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم مات وهو في سن البلوغ، فسؤال الناس له عن ~~معاني القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ووصف الله سبحانه ~~للمسؤولين بأنهم الذين أوتوا العلم وهو منهم، من أعظم الأدلة على سعة ~~علمه، ومزيد فقهه في كتاب الله، وسنة رسوله، مع كون أترابه وأهل سنه إذ ~~ذاك يلعبون مع الصبيان. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال كانوا يدخلون ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا خرجوا من عنده قالوا لابن عباس ~~ماذا قال آنفا؟ فيقول كذا وكذا، وكان ابن عباس أصغر القوم، فأنزل الله ~~الآية، فكان ابن عباس من الذين أوتوا العلم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~عساكر عن ابن بريدة في الآية قال هو عبد الله بن مسعود. وأخرج ابن عساكر ~~من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ms3587 ابن عباس قال هو عبد الله بن مسعود. # وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { والذين ~~اهتدوا زادهم هدى وءاتهم تقواهم } قال لما أنزل ~~القرآن آمنوا به، فكان هدى، فلما تبين الناسخ من المنسوخ زادهم هدى. ~~وأخرج ابن المنذر عنه { فقد جاء أشراطها } قال أول الساعات، ~~وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث أنس قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " بعثت أنا والساعة كهاتين " # ، وأشار بالوسطى والسبابة، ومثله عند البخاري من حديث سهل بن سعد. وفي ~~الباب أحاديث كثيرة فيها بيان أشراط الساعة، وبيان ما قد وقع منها، وما ~~لم يكن قد وقع، وهي تأتي في مصنف مستقل فلا نطيل بذكرها. وأخرج الطبراني، ~~وابن مردويه، والديلمي عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال # " أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الاستغفار " # ثم قرأ { فاعلم أنه لا إله إلائ الله واستغفر ~~لذنبك وللمؤمنين والمؤمنت }. وأخرج عبد الرزاق، ~~وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، ~~والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة في قوله { واستغفر لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنت } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة " # وأخرج أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~مردويه عن عبد الله بن سرجس قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأكلت ~~معه من طعام، فقلت غفر الله لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال« ~~ولك»، فقيل أنستغفر لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال« نعم ولكم » ~~وقرأ { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنت }. ~~وقد ورد أحاديث في استغفاره صلى الله عليه وسلم لنفسه ولأمته، وترغيبه في ~~الاستغفار. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ~~والله يعلم متقلبكم } في الدنيا { ومثواكم } في ~~الآخرة. ### || [47.20-31] # سأل المؤمنون ربهم عز وجل أن ينزل على رسوله صلى الله عليه وسلم سورة ~~يأمرهم فيها بقتال الكفار حرصا منهم على الجهاد، ms3588 ونيل ما أعد الله ~~للمجاهدين من جزيل الثواب، فحكى الله عنهم ذلك بقوله { ويقول ~~الذين ءامنوا لولا نزلت سورة } أي هلا نزلت { فإذا ~~أنزلت سورة محكمة } أي غير منسوخة { وذكر فيها ~~القتال } أي فرض الجهاد. قال قتادة كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي ~~محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين، وفي قراءة ابن مسعود فإذا أنزلت ~~سورة محدثة أي محدثة النزول، قرأ الجمهور { فإذا أنزلت } و { ذكر } على ~~بناء الفعلين للمفعول، وقرأ زيد بن علي، وابن عمير نزلت و " ذكر " على ~~بناء الفعلين للفاعل، ونصب القتال { رأيت الذين فى قلوبهم ~~مرض } أي شك، وهم المنافقون { ينظرون إليك نظر ~~المغشى عليه من الموت } أي ينظرون إليك نظر من شخص بصره ~~عند الموت لجبنهم عن القتال، وميلهم إلى الكفار. قال ابن قتيبة، والزجاج ~~يريد أنهم يشخصون نحوك بأبصارهم، وينظرون إليك نظرا شديدا، كما ينظر ~~الشاخص بصره عند الوت { فأولى لهم } قال الجوهري وقولهم " أولى " ~~لك تهديد ووعيد، وكذا قال مقاتل، والكلبي، وقتادة. قال الأصمعي معنى ~~قولهم في التهديد أولى لك، أي وليك، وقاربك ما تكره، وأنشد قول الشاعر # فعادى بين هاديتين منها وأولى أن يزيد على الثلاث # أي قارب أن يزيد. قال ثعلب ولم يقل في أولى أحسن مما قاله الأصمعي. وقال ~~المبرد يقال لمن هم بالغضب ثم أفلت أولى لك، أي قاربت الغضب. وقال ~~الجرجاني هو مأخوذ من الويل، أي فويل لهم، وكذا قال في الكشاف، قال قتادة ~~أيضا كأنه قال العقاب أولى لهم، وقوله { طاعة وقول معروف } ~~كلام مستأنف، أي أمرهم طاعة، أو طاعة وقول معروف خير لكم. قال الخليل، ~~وسيبويه إن التقدير طاعة وقول معروف أحسن، وأمثل لكم من غيرهما. وقيل إن ~~طاعة خبر أولى، وقيل إن { طاعة } صفة ل { سورة } ، وقيل إن { لهم } خبر ~~مقدم، و { طاعة } مبتدأ مؤخر، والأول أولى { فإذا عزم الأمر } ~~عزم الأمر جد الأمر، أي جد القتال ووجب وفرض، وأسند العزم إلى الأمر، ~~وهو لأصحابه مجازا، وجواب " إذا " قيل هو { فلو صدقوا الله } ~~في إظهار ms3589 الإيمان والطاعة { لكان خيرا لهم } من المعصية ~~والمخالفة { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى ~~الأرض وتقطعوا أرحامكم } هذا خطاب للذين في قلوبهم مرض ~~بطريق الالتفات لمزيد التوبيخ والتقريع. قال الكلبي أي فهل عسيتم إن ~~توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم. وقال كعب { أن تفسدوا ~~فى الارض } أي بقتل بعضكم بعضا، وقال قتادة إن توليتم عن طاعة كتاب ~~الله عز وجل أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء، وتقطعوا أرحامكم. # وقال ابن جريج إن توليتم عن الطاعة، وقيل أعرضتم عن القتال، وفارقتم ~~أحكامه. قرأ الجمهور { توليتم } مبنيا للفاعل، وقرأ علي بن أبي طالب ~~بضم التاء والواو وكسر اللام مبنيا للمفعول، وبها قرأ ابن أبي إسحاق، ~~وورش عن يعقوب، ومعناها فهل عسيتم إن ولي عليكم ولاة جائرين أن تخرجوا ~~عليهم في الفتنة، وتحاربوهم وتقطعوا أرحامكم بالبغي، والظلم، والقتل. ~~وقرأ الجمهور { وتقطعوا } بالتشديد على التكثير، وقرأ أبو عمرو في رواية ~~عنه، وسلام، وعيسى، ويعقوب بالتخفيف من القطع، يقال عسيت أن أفعل كذا، ~~وعسيت بالفتح والكسر لغتان، ذكره الجوهري وغيره، وخبر { عسيتم } هو { أن ~~تفسدوا } ، والجملة الشرطية بينهما اعتراض. والإشارة بقوله { ~~أولئك } إلى المخاطبين بما تقدم وهو مبتدأ، وخبره { الذين ~~لعنهم الله } أي أبعدهم من رحمته، وطردهم عنها { فأصمهم } ~~عن استماع الحق { وأعمى أبصرهم } عن مشاهدة ما يستدلون به ~~على التوحيد والبعث، وحقية سائر ما دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، والاستفهام في قوله { أفلا يتدبرون القرءان } ~~للإنكار والمعنى أفلا يتفهمونه، فيعلمون بما اشتمل عليه من المواعظ ~~الزاجرة، والحجج الظاهرة، والبراهين القاطعة التي تكفي من له فهم وعقل، ~~وتزجره عن الكفر بالله، والإشراك به، والعمل بمعاصيه { أم على ~~قلوب أقفالها } أم هي المنقطعة، أي بل أعلى قلوب أقفالها فهم لا ~~يفهمون ولا يعقلون قال مقاتل يعني الطبع على القلوب والأقفال استعارة ~~لانغلاق القلب عن معرفة الحق، وإضافة الأقفال إلى القلوب للتنبيه على أن ~~المراد بها ما هو للقلوب بمنزلة الأقفال للأبواب، ومعنى الآية أنه لا ~~يدخل في قلوبهم الإيمان، ولا ms3590 يخرج منها الكفر والشرك، لأن الله سبحانه قد ~~طبع عليها، والمراد بهذه القلوب قلوب هؤلاء المخاطبين. قرأ الجمهور { ~~أقفالها } بالجمع، وقرىء إقفالها بكسر الهمزة على أنه مصدر كالإقبال. { ~~إن الذين ارتدوا على أدبرهم } أي رجعوا كفارا ~~كما كانوا. قال قتادة هم كفار أهل الكتاب كفروا بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم بعد ما عرفوا نعته عندهم، وبه قال ابن جرير. وقال الضحاك، والسدي ~~هم المنافقون قعدوا عن القتال، وهذا أولى لأن السياق في المنافقين { من ~~بعد ما تبين لهم الهدى } بما جاءهم به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من المعجزات الظاهرة، والدلائل الواضحة { الشيطن ~~سول لهم } أي زين لهم خطاياهم، وسهل لهم الوقوع فيها، وهذه ~~الجملة خبر " إن " ، ومعنى { وأملى لهم } أن الشيطان مد لهم في ~~الأمل، ووعدهم طول العمر، وقيل إن الذي أملى لهم هو الله عز وجل على ~~معنى أنه لم يعاجلهم بالعقوبة. # قرأ الجمهور { أملى } مبنيا للفاعل، وقرأ أبو عمرو، وابن أبي إسحاق، ~~وعيسى بن عمر، وأبو جعفر، وشيبة على البناء للمفعول. قيل وعلى هذه ~~القراءة يكون الفاعل هو الله، أو الشيطان كالقراءة الأولى، وقد اختار ~~القول بأن الفاعل الله الفراء، والمفضل، والأولى اختيار أنه الشيطان ~~لتقدم ذكره قريبا. والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم من ~~ارتدادهم، وهو مبتدأ، وخبره { بأنهم قالوا للذين كرهوا ~~ما نزل الله } أي بسبب أن هؤلاء المنافقين الذين ارتدوا على ~~أدبارهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله، وهم المشركون { سنطيعكم ~~فى بعض الأمر } وهذا البعض هو عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ومخالفة ما جاء به. وقيل المعنى إن المنافقين قالوا لليهود سنطيعكم في ~~بعض الأمر، وقيل إن القائلين اليهود، والذين كرهوا ما أنزل الله من ~~المنافقين، وقيل إن الإشارة بقوله # ذلك } إلى الإملاء، وقيل إلى التسويل، والأول أولى. ويؤيد كون ~~القائلين المنافقين، والكارهين اليهود قوله تعالى { ألم تر إلى ~~الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا ~~من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ~~ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم ~~لننصرنكم ms3591 # الحشر 11 ولما كان قولهم المذكور للذين كرهوا ما أنزل الله بطريقة السر ~~بينهم. قال الله سبحانه { والله يعلم إسرارهم } قرأ ~~الجمهور بفتح الهمزة جمع سر، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم. ~~وقرأ الكوفيون، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وابن وثاب، والأعمش بكسر ~~الهمزة على المصدر، أي إخفاءهم. { فكيف إذا توفتهم ~~الملئكة } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، و { كيف } في محل ~~رفع على أنها خبر مقدم، والتقدير فكيف علمه بأسرارهم إذا توفتهم ~~الملائكة، أو في محل نصب بفعل محذوف، أي فكيف يصنعون؟ أو خبر لكان ~~مقدرة، أي فكيف يكونون. والظرف معمول للمقدر، قرأ الجمهور { توفتهم } ~~وقرأ الأعمش توفاهم، وجملة { يضربون وجوههم وأدبرهم } ~~في محل نصب على الحال من فاعل { توفتهم } ، أو من مفعوله، أي ضاربين ~~وجوههم وضاربين أدبارهم، وفي الكلام تخويف وتشديد، والمعنى أنه إذا تأخر ~~عنهم العذاب، فسيكون حالهم هذا، وهو تصوير لتوفيهم على أقبح حال وأشنعه. ~~وقيل ذلك. عند القتال نصرة من الملائكة لرسول الله، وقيل ذلك يوم ~~القيامة، والأول أولى. والإشارة بقوله { ذلك } إلى التوفي المذكور ~~على الصفة المذكورة، وهو مبتدأ وخبر { بأنهم اتبعوا ما ~~أسخط الله } ، أي بسبب اتباعهم ما يسخط الله من الكفر والمعاصي، ~~وقيل كتمانهم ما في التوراة من نعت نبينا صلى الله عليه وسلم، والأول ~~أولى لما في الصيغة من العموم { وكرهوا رضوانه } أي كرهوا ما ~~يرضاه الله من الإيمان والتوحيد والطاعة { فأحبط } الله { ~~أعملهم } بهذا السبب، والمراد بأعمالهم الأعمال التي صورتها صورة ~~الطاعة، وإلا فلا عمل لكافر، أو ما كانوا قد عملوا من الخير قبل الردة. # { أم حسب الذين فى قلوبهم مرض } يعني المنافقين ~~المذكورين سابقا، و " أم " هي المنقطعة، أي بل أحسب المنافقون { أن ~~لن يخرج الله أضغنهم } الإخراج بمعنى الإظهار، والأضغان ~~جمع ضغن، وهو ما يضمر من المكروه، واختلف في معناه، فقيل هو الغش، وقيل ~~الحسد وقيل الحقد. قال الجوهري الضغن والضغينة الحقد، وقال قطرب هو في ~~الآية العداوة، و " أن " هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير ms3592 شأن مقدر. ~~{ ولو نشاء لأرينكهم } أي لأعلمناكهم، وعرفناكهم بأعيانهم ~~معرفة تقوم مقام الرؤية، تقول العرب سأريك ما أصنع، أي سأعلمك { ~~فلعرفتهم بسيمهم } أي بعلامتهم الخاصة بهم التي يتميزون ~~بها. قال الزجاج المعنى لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة، وهي السيما، ~~فلعرفتهم بتلك العلامة، والفاء لترتيب المعرفة على الإرادة، وما بعدها ~~معطوف على جواب " لو " ، وكررت في المعطوف للتأكيد، وأما اللام في قوله { ~~ولتعرفنهم فى لحن القول } فهي جواب قسم محذوف. قال ~~المفسرون لحن القول فحواه ومقصده ومغزاه، وما يعرضون به من تهجين أمرك ~~وأمر المسلمين، وكان بعد هذا لا يتكلم منافق عنده إلا عرفه. قال أبو زيد ~~لحنت له اللحن إذا قلت له قولا يفقهه عنك، ويخفى على غيره، ومنه قول ~~الشاعر # منطق صائب وتلحن أحيانا وخير الكلام ما كان لحنا # أي أحسنه ما كان تعريضا يفهمه المخاطب، ولا يفهمه غيره لفطنته وذكائه، ~~وأصل اللحن إمالة الكلام إلى نحو من الأنحاء لغرض من الأغراض { والله ~~يعلم أعملكم } لا تخفى عليه منها خافية فيجازيكم بها، وفيه ~~وعيد شديد { ولنبلونكم حتى نعلم المجهدين ~~منكم والصبرين } أي لنعاملنكم معاملة المختبر، وذلك بأن ~~نأمركم بالجهاد حتى نعلم من امتثل الأمر بالجهاد، وصبر على دينه، ومشاق ~~ما كلف به. قرأ الجمهور الأفعال الثلاثة بالنون، وقرأ أبو بكر عن عاصم ~~بالتحتية فيها كلها، ومعنى { ونبلو أخبركم } نظهرها ونكشفها ~~امتحانا لكم، ليظهر للناس من أطاع ما أمره الله به، ومن عصى، ومن لم ~~يمتثل. وقرأ الجمهور { ونبلو } بنصب الواو عطفا على قوله { حتى ~~نعلم }. وروى ورش عن يعقوب إسكانها على القطع عما قبله. وقد أخرج ~~البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم بحقو الرحمن، ~~فقال مه، قالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟ قال نعم أترضي أن أصل من ~~وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت بلى. قال فذلك لك " # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اقرءوا إن شئتم ms3593 { فهل عسيتم } الآية إلى قوله { أم على ~~قلوب أقفالها } " # والأحاديث في صلة الرحم كثيرة جدا. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ~~{ إن الذين ارتدوا على أدبرهم } قال هم أهل ~~النفاق. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله { أم حسب ~~الذين فى قلوبهم مرض أن لن يخرج الله ~~أضغنهم } قال أعمالهم خبثهم، والحسد الذي في قلوبهم، ثم دل الله ~~تعالى النبي صلى الله عليه وسلم بعد على المنافقين، فكان يدعو باسم الرجل ~~من أهل النفاق. وأخرج ابن مردويه، وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري في قوله ~~{ ولتعرفنهم فى لحن القول } قال ببغضهم علي بن أبي ~~طالب. ### || [47.32-38] # قوله { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } ~~المراد بهؤلاء هم المنافقون، وقيل أهل الكتاب، وقيل هم المطعمون يوم بدر ~~من المشركين، ومعنى صدهم عن سبيل الله منعهم للناس عن الإسلام، واتباع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم معنى { شاقوا الرسول } عادوه وخالفوه ~~{ من بعد ما تبين لهم الهدى } أي علموا أنه صلى الله ~~عليه وسلم نبي من عند الله بما شاهدوا من المعجزات الواضحة، والحجج ~~القاطعة { لن يضروا الله شيئا } بتركهم الإيمان وإصرارهم على ~~الكفر، وما ضروا إلا أنفسهم { وسيحبط أعملهم } أي ~~يبطلها، والمراد بهذه الأعمال ما صورته صورة أعمال الخير كإطعام الطعام، ~~وصلة الأرحام، وسائر ما كانوا يفعلونه من الخير، وإن كانت باطلة من ~~الأصل، لأن الكفر مانع، وقيل المراد بالأعمال المكائد التي نصبوها لإبطال ~~دين الله، والغوائل التي كانوا يبغونها برسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~ثم أمر سبحانه عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، فقال { يأيها ~~الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } فيما ~~أمرتم به من الشرائع المذكورة في كتاب الله وسنة رسوله ثم نهاهم عن أن ~~يبطلوا أعمالهم، كما أبطلت الكفار أعمالها بالإصرار على الكفر، فقال { ~~ولا تبطلوا أعملكم } قال الحسن أي لا تبطلوا حسناتكم ~~بالمعاصي. وقال الزهري بالكبائر. وقال الكلبي، وابن جريج بالرياء ~~والسمعة. وقال مقاتل بالمن. والظاهر النهي عن كل سبب من الأسباب التي ~~توصل ms3594 إلى بطلان الأعمال كائنا ما كان من غير تخصيص بنوع معين. ثم بين ~~سبحانه أنه لا يغفر للمصرين على الكفر، والصد عن سبيل الله، فقال { ~~إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ~~ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم } فقيد سبحانه ~~عدم المغفرة بالموت على الكفر لأن باب التوبة وطريق المغفرة لا يغلقان ~~على من كان حيا، وظاهر الآية العموم وإن كان السبب خاصا. ثم نهى سبحانه ~~المؤمنين عن الوهن والضعف، فقال { فلا تهنوا } أي تضعفوا عن ~~القتال، والوهن الضعف { وتدعوا إلى السلم } أي ولا تدعوا ~~الكفار إلى الصلح ابتداء منكم، فإن ذلك لا يكون إلا عند الضعف. قال ~~الزجاج منع الله المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح، وأمرهم بحربهم حتى ~~يسلموا. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وتدعوا بتشديد الدال من ادعى ~~القوم وتداعوا. قال قتادة معنى الآية لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت إلى ~~صاحبتها. واختلف أهل العلم في هذه الآية هل هي محكمة، أو منسوخة؟ فقيل ~~إنها محكمة، وإنها ناسخة لقوله # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها # الأنفال 61 وقيل منسوخة بهذه الآية. ولا يخفاك أنه لا مقتضى للقول ~~بالنسخ، فإن الله سبحانه نهى المسلمين في هذه الآية عن أن يدعوا إلى ~~السلم ابتداء، ولم ينه عن قبول السلم إذا جنح إليه المشركون، فالآيتان ~~محكمتان، ولم يتواردا على محل واحد حتى يحتاج إلى دعوى النسخ، أو ~~التخصيص، وجملة { وأنتم الأعلون } في محل نصب على الحال، أو ~~مستأنفة مقررة لما قبلها من النهي، أي وأنتم الغالبون بالسيف والحجة. # قال الكلبي أي آخر الأمر لكم، وإن غلبوكم في بعض الأوقات، وكذا جملة ~~قوله { والله معكم } في محل نصب على الحال، أي معكم بالنصر، ~~والمعونة عليهم { ولن يتركم أعملكم } أي لن ينقصكم شيئا ~~من ثواب أعمالكم، يقال وتره يتره وترا إذا نقصه حقه، وأصله من وترت ~~الرجل إذا قتلت له قريبا، أو نهبت له مالا، ويقال فلان مأتور إذا قتل ~~له قتيل، ولم يؤخذ بدمه. قال الجوهري أي لن ينقصكم في أعمالكم، ms3595 كما تقول ~~دخلت البيت، وأنت تريد في البيت. قال الفراء هو مشتق من الوتر وهو الدخل، ~~وقيل مشتق من الوتر وهو الفرد، فكأن المعنى ولن يفردكم بغير ثواب. { ~~إنما الحيوة الدنيا لعب ولهو } أي باطل وغرور لا أصل ~~لشيء منها، ولا ثبات له ولا اعتداد به { وإن تؤمنوا وتتقوا ~~يؤتكم أجوركم } أي إن تؤمنوا بالله، وتتقوا الكفر والمعاصي ~~يؤتكم جزاء ذلك في الآخرة، والأجر الثواب على الطاعة { ولا ~~يسئلكم أمولكم } أي لا يأمركم بإخراجها جميعها في الزكاة ~~وسائر وجوه الطاعات، بل أمركم بإخراج القليل منها، وهو الزكاة. وقيل ~~المعنى لا يسألكم أموالكم إنما يسألكم أمواله لأنه أملك لها، وهو المنعم ~~عليكم بإعطائها. وقيل لا يسألكم أموالكم أجرا على تبليغ الرسالة، كما في ~~قوله # وما أسألكم عليه من أجر # الشعراء 109 والأول أولى. { ؤإن يسئلكموها } أي أموالكم كلها ~~{ فيحفكم } قال المفسرون يجهدكم، ويلحف عليكم بمسألة جميعها، يقال ~~أحفى بالمسألة وألحف وألح بمعنى واحد، والمحفي المستقصي في السؤال، ~~والإحفاء الاستقصاء في الكلام، ومنه إحفاء الشارب، أي استئصاله، وجواب ~~الشرط قوله { تبخلوا } أي إن يأمركم بإخراج جميع أموالكم تبخلوا ~~بها، وتمتنعوا من الامتثال { ويخرج أضغنكم } معطوف على جواب ~~الشرط، ولهذا قرأ الجمهور { يخرج } بالجزم وروي عن يعقوب الحضرمي أنه قرأ ~~بالنون، وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وابن محيصن، وحميد بالفوقية المفتوحة مع ~~ضم الراء. وعلى قراءة الجمهور، فالفاعل ضمير يعود إلى الله سبحانه، أو ~~إلى البخل المدلول عليه بتبخلوا. والأضغان الأحقاد، والمعنى أنها تظهر ~~عند ذلك. قال قتادة قد علم الله أن في سؤال المال خروج الأضغان. { ~~هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا فى سبيل الله } أي ~~ها أنتم هؤلاء أيها المؤمنون تدعون لتنفقوا في الجهاد وفي طريق الخير { ~~فمنكم من يبخل } بما يطلب منه، ويدعى إليه من الإنفاق في سبيل ~~الله، وإذا كان منكم من يبخل باليسير من المال، فكيف لا تبخلون بالكثير ~~وهو جميع الأموال؟ ثم بين سبحانه أن ضرر البخل عائد على النفس فقال { ~~ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه } أي يمنعها الأجر ms3596 ~~والثواب ببخله، وبخل يتعدى بعلى تارة وبعن أخرى. # وقيل إن أصله أن يتعدى بعلى، ولا يتعدى بعن إلا إذا ضمن معنى الإمساك { ~~والله الغنى } المطلق المتنزه عن الحاجة إلى أموالكم { ~~وأنتم الفقراء } إلى الله، وإلى ما عنده من الخير والرحمة، وجملة ~~{ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم } معطوفة على ~~الشرطية المتقدمة، وهي { وإن تؤمنوا } ، والمعنى وإن تعرضوا عن الإيمان ~~والتقوى، يستبدل قوما آخرين يكونون مكانكم هم أطوع لله منكم { ثم لا ~~يكونوا أمثلكم } في التولي عن الإيمان والتقوى. قال عكرمة هم ~~فارس، والروم. وقال الحسن هم العجم. وقال شريح بن عبيد هم أهل اليمن، ~~وقيل الأنصار، وقيل الملائكة، وقيل التابعون. وقال مجاهد هم من شاء الله ~~من سائر الناس. قال ابن جرير والمعنى { ثم لا يكونوا ~~أمثلكم } في البخل بالإنفاق في سبيل الله. وقد أخرج عبد بن حميد، ~~ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة، وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال كان ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا ~~الله ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت { أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعملكم } فخافوا أن ~~يبطل الذنب العمل، ولفظ عبد بن حميد فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالهم. ~~وأخرج ابن نصر، وابن جرير، وابن مردويه عن ابن عمر قال كنا معشر أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول حتى ~~نزلت { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا ~~أعملكم } فلما نزلت هذه الآية قلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ ~~فقلنا الكبائر الموجبات والفواحش، فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها ~~قلنا قد هلك، حتى نزلت هذه الآية # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء # النساء 48 فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك. وكنا إذا رأينا أحدا أصاب ~~منها شيئا خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئا رجوناه. وأخرج ابن جرير عن ~~ابن عباس في قوله { يتركم } قال يظلمكم. وأخرج ms3597 سعيد بن منصور، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابي هريرة قال لما ~~نزلت { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم } قالوا من ~~هؤلاء؟ وسلمان إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم فقال هم الفرس، هذا ~~وقومه. وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي وقد تفرد به، وفيه مقال معروف. ~~وأخرجه عنه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، والطبراني في الأوسط، والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال تلا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { وإن تتولوا ~~يستبدل قوما غيركم } فقالوا يا رسول الله من هؤلاء الذين ~~إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا؟ فضرب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على منكب سلمان، ثم قال # " هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله ~~رجال من فارس " # ، وفي إسناده أيضا مسلم بن خالد الزنجي. وأخرج ابن مردويه من حديث جابر ~~نحوه. ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1-7] # قوله { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } اختلف في تعيين هذا ~~الفتح، فقال الأكثر هو صلح الحديبية، والصلح قد يسمى فتحا. قال الفراء ~~والفتح قد يكون صلحا، ومعنى الفتح في اللغة فتح المنغلق، والصلح الذي ~~كان مع المشركين بالحديبية كان مسدودا متعذرا حتى فتحه الله. قال ~~الزهري لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا ~~بالمسلمين، فسمعوا كلامهم، فتمكن الإسلام في قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين ~~خلق كثير، وكثر بهم سواد الإسلام. قال الشعبي لقد أصاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الحديبية ما لم يصب في غزوة، غفر الله له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر، وبويع بيعة الرضوان، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محله، ~~وظهرت الروم على فارس، ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. وقال ~~قوم إنه فتح مكة. وقال آخرون إنه فتح خيبر. والأول أرجح، ويؤيده ما ~~ذكرناه قبل هذا من أن السورة أنزلت في شأن الحديبية. وقيل هو جميع ما فتح ~~الله لرسوله من الفتوح، ms3598 وقيل هو ما فتح له من النبوة، والدعوة إلى ~~الإسلام، وقيل فتح الروم، وقيل المراد بالفتح في هذه الآية الحكم ~~والقضاء. كما في قوله # افتح بيننا وبين قومنا بالحق # الأعراف 89 فكأنه قال إنا قضينا لك قضاء مبينا، أي ظاهرا واضحا ~~مكشوفا. { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر } اللام متعلقة ب { فتحنا } ، وهي لام العلة. قال ابن ~~الأنباري سألت أبا العباس يعني المبرد، عن اللام في قوله { ليغفر ~~لك الله } فقال هي لام كي معناها إنا فتحنا لك فتحا مبينا لكي ~~يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح، فلما انضم إلى المغفرة شيء ~~حادث واقع حسن معنى كي، وغلط من قال ليس الفتح سبب المغفرة. وقال صاحب ~~الكشاف إن اللام لم تكن علة للمغفرة ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور ~~الأربعة وهي المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر ~~العزيز. كأنه قيل يسرنا لك فتح مكة، ونصرناك على عدوك لنجمع لك بين عز ~~الدارين، وأعراض العاجل والآجل. وهذا كلام غير جيد، فإن اللام داخلة على ~~المغفرة فهي علة للفتح، فكيف يصح أن تكون معللة. وقال الرازي في توجيه ~~التعليل إن المراد بقوله { ليغفر لك الله } التعريف بالمغفرة، ~~تقديره إنا فتحنا لك لتعرف أنك مغفور لك معصوم. وقال ابن عطية المراد أن ~~الله فتح لك لكي يجعل الفتح علامة لغفرانه لك، فكأنها لام الصيرورة. وقال ~~أبو حاتم هي لام القسم وهو خطأ، فإن لام القسم لا تكسر، ولا ينصب بها. ~~واختلف في معنى قوله { ما تقدم من ذنبك وما تأخر } فقيل ~~ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة، وما تأخر بعدها. # قاله مجاهد، وسفيان الثوري، وابن جرير، والواحدي، وغيرهم. وقال عطاء ما ~~تقدم من ذنبك، يعني ذنب أبويك آدم وحواء، وما تأخر من ذنوب أمتك. وما ~~أبعد هذا عن معنى القرآن. وقيل ما تقدم من ذنب أبيك إبراهيم، وما تأخر ~~من ذنوب النبيين من بعده، وهذا كالذي قبله. وقيل ما تقدم من ذنب يوم ~~بدر، وما تأخر من ms3599 ذنب يوم حنين، وهذا كالقولين الأولين في البعد. وقيل لو ~~كان ذنب قديم، أو حديث لغفرناه لك، وقيل غير ذلك مما لا وجه له، والأول ~~أولى. ويكون المراد بالذنب بعد الرسالة ترك ما هو الأولى، وسمي ذنبا في ~~حقه لجلالة قدره، وإن لم يكن ذنبا في حق غيره. { ويتم نعمته ~~عليك } بإظهار دينك على الدين كله، وقيل بالجنة، وقيل بالنبوة ~~والحكمة، وقيل بفتح مكة، والطائف، وخيبر، والأولى أن يكون المعنى ليجتمع ~~لك مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة، والهداية إلى صراط مستقيم، وهو ~~الإسلام. ومعنى { يهديك } يثبتك على الهدى إلى أن يقبضك إليه { ~~وينصرك الله نصرا عزيزا } أي غالبا منيعا لا يتبعه ذل { ~~هو الذى أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين } أي ~~السكون والطمأنينة بما يسره لهم من الفتح لئلا تنزعج نفوسهم لما يرد ~~عليهم { ليزدادوا إيمنا مع إيمنهم } أي ليزدادوا ~~بسبب تلك السكينة إيمانا منضما إلى إيمانهم الحاصل لهم من قبل. قال ~~الكلبي كلما نزلت آية من السماء، فصدقوا بها ازدادوا تصديقا إلى ~~تصديقهم، وقال الربيع بن أنس خشية مع خشيتهم. وقال الضحاك يقينا مع ~~يقينهم { ولله جنود السموات والأرض } يعني الملائكة، ~~والإنس، والجن، والشياطين يدبر أمرهم كيف يشاء، ويسلط بعضهم على بعض، ~~ويحوط بعضهم ببعض { وكان الله عليما } كثير العلم بليغه { ~~حكيما } في أفعاله وأقواله { ليدخل المؤمنين ~~والمؤمنت جنت تجرى من تحتها الأنهر } هذه ~~اللام متعلقة بمحذوف يدل عليه ما قبله تقديره يبتلي بتلك الجنود من ~~يشاء، فيقبل الخير من أهله، والشر ممن قضى له به ليدخل ويعذب. وقيل ~~متعلقة بقوله { إنا فتحنا } كأنه قال إنا فتحنا لك ما فتحنا ليدخل ~~ويعذب، وقيل متعلقة ب { ينصرك } أي نصرك الله بالمؤمنين ليدخل ويعذب، ~~وقيل متعلقة ب { يزدادوا } أي يزدادوا، ليدخل ويعذب، والأول أولى { ~~ويكفر عنهم سيئتهم } أي يسترها، ولا يظهرها ولا يعذبهم ~~بها، وقدم الإدخال على التكفير مع أن الأمر بالعكس للمسارعة إلى بيان ما ~~هو المطلب الأعلى، والمقصد الأسنى { وكان ذلك عند الله ~~فوزا عظيما } أي وكان ذلك الوعد بإدخالهم ms3600 الجنة، وتكفير سيئاتهم ~~عند الله، وفي حكمه فوزا عظيما، أي ظفرا بكل مطلوب، ونجاة من كل غم، ~~وجلبا لكل نفع ودفعا لكل ضر، وقوله { عند الله } متعلق بمحذوف ~~على أنه حال من { فوزا } لأنه صفة في الأصل، فلما قدم صار حالا، أي ~~كائنا عند الله، والجملة معترضة بين جزاء المؤمنين، وجزاء المنافقين ~~والمشركين ثم لما فرغ مما وعد به صالحي عباده ذكر ما يستحقه غيرهم، فقال ~~{ ويعذب المنفقين والمنفقت والمشركين ~~والمشركت } وهو معطوف على يدخل، أي يعذبهم في الدنيا بما يصل ~~إليهم من الهموم والغموم بسبب ما يشاهدونه من ظهور كلمة الإسلام، وقهر ~~المخالفين له، وبما يصابون به من القهر والقتل والأسر، وفي الآخرة بعذاب ~~جهنم. # وفي تقديم المنافقين على المشركين دلالة على أنهم أشد منهم عذابا، ~~وأحق منهم بما وعدهم الله به، ثم وصف الفريقين، فقال { الظانين ~~بالله ظن السوء } وهو ظنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يغلب، ~~وأن كلمة الكفر تعلو كلمة الإسلام. ومما ظنوه ما حكاه الله عنهم بقوله { ~~بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى ~~أهليهم أبدا } ، { عليهم دائرة السوء } أي ما ~~يظنونه، ويتربصونه بالمؤمنين دائر عليهم حائق بهم، والمعنى أن العذاب، ~~والهلاك الذي يتوقعونه للمؤمنين واقعان عليهم نازلان بهم. قال الخليل، ~~وسيبويه السوء هنا الفساد. قرأ الجمهور { السوء } بفتح السين. وقرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو بضمها { وغضب الله عليهم ولعنهم ~~وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا }. لما بين سبحانه أن ~~دائرة السوء عليهم في الدنيا بين ما يستحقونه مع ذلك من الغضب واللعنة، ~~وعذاب جهنم { ولله جنود السموات والارض } من ~~الملائكة، والإنس، والجن، والشياطين { وكان الله عزيزا ~~حكيما } كرر هذه الآية لقصد التأكيد، وقيل المراد بالجنود هنا جنود ~~العذاب، كما يفيده التعبير بالعزة هنا، مكان العلم هنالك. وقد أخرج ابن ~~أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، ~~وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن مجمع بن حارثة الأنصاري قال شهدنا ~~الحديبية، فلما انصرفنا عنها حتى بلغنا كراع الغميم إذ الناس يوجفون ms3601 ~~الأباعر، فقال الناس بعضهم لبعض ما للناس؟ فقالوا أوحي إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فخرجنا مع الناس نوجف، فإذا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على راحلته عند كراع الغميم، فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم { إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا } ، فقال رجل إي رسول الله، أو فتح هو؟ ~~قال # " إي والذي نفس محمد بيده إنه لفتح " # ، فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد ~~الحديبية، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سهما، وكان ~~الجيش ألفا وخمسمائة منهم ثلثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى ~~الراجل سهما. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري في تاريخه، وأبو ~~داود، والنسائي، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل ~~عن ابن مسعود قال أقبلنا من الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي، وكان إذا أتاه اشتد عليه، فسري عنه، وبه ~~من السرور ما شاء الله، فأخبرنا أنه أنزل عليه { إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا }. # وأخرج البخاري وغيره عن أنس في قوله { إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا } قال الحديبية. وأخرج البخاري، وغيره عن البراء قال تعدون ~~أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة ~~الرضوان يوم الحديبية. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } قال # " فتح مكة " # وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن المغيرة بن شعبة قال كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يصلي حتى تتورم قدماه، فقيل له أليس قد غفر الله لك ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر، قال # " أفلا أكون عبدا شكورا " # ، وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن ~~مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله { هو الذى أنزل ~~السكينة فى قلوب المؤمنين } قال السكينة هي الرحمة، وفي ~~قوله { ليزدادوا إيمنا مع إيمنهم } قال إن الله بعث ~~نبيه بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدق ms3602 بها المؤمنون زادهم الصلاة، ~~فلما صدقوا بها زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم الزكاة، فلما صدقوا ~~بها زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم، فقال # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتى ورضيت لكم الأسلام دينا # المائدة 3. فأوثق إيمان أهل السماء، وأهل الأرض، وأصدقه وأكمله شهادة أن ~~لا إله إلا الله. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود { ليزدادوا ~~إيمنا مع إيمنهم } قال تصديقا مع تصديقهم. وأخرج ~~البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أنس قال لما أنزل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر } مرجعه من الحديبية. قال # " لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي مما على الأرض " # ، ثم قرأها عليهم، فقالوا هنيئا مريئا يا رسول الله، قد بين الله لك ~~ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه { ليدخل المؤمنين ~~والمؤمنت جنت تجرى من تحتها الأنهر } حتى ~~بلغ { فوزا عظيما }. ### || [48.8-15] # قوله { إنا أرسلنك شاهدا } أي على أمتك بتبليغ الرسالة ~~إليهم { ومبشرا } بالجنة للمطيعين { ونذيرا } لأهل المعصية { ~~لتؤمنوا بالله ورسوله } قرأ الجمهور { لتؤمنوا } ~~بالفوقية. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالتحتية، فعلى القراءة الأولى ~~الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمته، وعلى القراءة الثانية ~~المراد المبشرين والمنذرين، وانتصاب { شاهدا ومبشرا ونذيرا } على ~~الحال المقدرة { وتعزروه وتوقروه وتسبحوه } الخلاف بين ~~القراء في هذه الثلاثة الأفعال كالخلاف في { لتؤمنوا } كما سلف، ~~ومعنى تعزروه تعظموه وتفخموه قاله الحسن، والكلبي، والتعزير التعظيم ~~والتوقير. وقال قتادة تنصروه وتمنعوا منه. وقال عكرمة تقاتلون معه ~~بالسيف، ومعنى توقروه تعظموه. وقال السدي تسودوه، قيل والضميران في ~~الفعلين للنبي صلى الله عليه وسلم وهنا وقف تام، ثم يبتدىء وتسبحوه أي ~~تسبحوا الله عز وجل { بكرة وأصيلا } أي غدوة وعشية، وقيل ~~الضمائر كلها في الأفعال الثلاثة لله عز وجل، فيكون معنى تعزروه ~~وتوقروه تثبتون له التوحيد، وتنفون عنه الشركاء، وقيل تنصروا دينه ~~وتجاهدوا مع رسوله. وفي التسبيح وجهان، أحدهما التنزيه له سبحانه من كل ~~قبيح، والثاني الصلاة. { إن الذين يبايعونك ms3603 } يعني بيعة ~~الرضوان بالحديبية، فإنهم بايعوا تحت الشجرة على قتال قريش { إنما ~~يبايعون الله } أخبر سبحانه أن هذه البيعة لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم هي بيعة له كما قال # من يطع الرسول فقد أطاع الله # النساء 80 وذلك لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة، وجملة { يد ~~الله فوق أيديهم } مستأنفة لتقرير ما قبلها على طريق التخييل، ~~في محل نصب على الحال، والمعنى أن عقد الميثاق مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كعقده مع الله سبحانه من غير تفاوت. وقال الكلبي المعنى إن ~~نعمة الله عليهم في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة. وقيل يده في الثواب ~~فوق أيديهم في الوفاء. وقال ابن كيسان قوة الله ونصرته فوق قوتهم ~~ونصرتهم { فمن نكث فإنما ينكث على نفسه } أي فمن ~~نقض ما عقد من البيعة، فإنما ينقض على نفسه لأن ضرر ذلك راجع إليه لا ~~يجاوزه إلى غيره { ومن أوفى بما عهد عليه الله } أي ~~ثبت على الوفاء بما عاهد الله عليه في البيعة لرسوله. قرأ الجمهور { عليه ~~} بكسر الهاء وقرأ حفص، والزهري بضمها { فسيؤتيه أجرا عظيما ~~} وهو الجنة. قرأ الجمهور { فسيؤتيه } بالتحتية، وقرأ نافع، وقرأ كثير، ~~وابن عامر بالنون، واختار القراءة الأولى أبو عبيد، وأبو حاتم، واختار ~~القراءة الثانية الفراء. { سيقول لك المخلفون من ~~الأعراب } هم الذين خلفهم الله عن صحبة رسوله حين خرج عام الحديبية. ~~قال مجاهد، وغيره يعني أعراب غفار، ومزينة، وجهينة، وأسلم، وأشجع، ~~والدئل، وهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة. # وقيل تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سافر إلى مكة عام ~~الفتح بعد أن كان قد استنفرهم ليخرجوا معه، والمخلف المتروك { ~~شغلتنا أمولنا وأهلونا } أي منعنا عن الخروج معك ما لنا ~~من الأموال، والنساء، والذراري، وليس لنا من يقوم بهم، ويخلفنا عليهم { ~~فاستغفر لنا } ليغفر الله لنا ما وقع منا من التخلف عنك بهذا ~~السبب، ولما كان طلب الاستغفار منهم ليس عن اعتقاد بل على طريقة ~~الاستهزاء، وكانت بواطنهم مخالفة لظواهرهم، فضحهم الله سبحانه بقوله ms3604 { ~~يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم } وهذا هو صنيع ~~المنافقين، والجملة مستأنفة لبيان ما تنطوي عليه بواطنهم، ويجوز أن تكون ~~بدلا من الجملة الأولى. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن ~~يجيب عنهم، فقال { قل فمن يملك لكم من الله شيئا } أي ~~فمن يمنعكم مما أراده الله بكم من خير وشر، ثم بين ذلك، فقال { إن ~~أراد بكم ضرا } أي إنزال ما يضركم من ضياع الأموال وهلاك الأهل. ~~قرأ الجمهور { ضرا } بفتح الضاد، وهو مصدر ضررته ضرا. وقرأ حمزة، ~~والكسائي بضمها وهو اسم ما يضر، وقيل هما لغتان { أو أراد بكم ~~نفعا } أي نصرا وغنيمة، وهذا رد عليهم حين ظنوا أن التخلف عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يدفع عنه الضر، ويجلب لهم النفع. ثم أضرب ~~سبحانه عن ذلك، وقال { بل كان الله بما تعملون خبيرا } ~~أي إن تخلفكم ليس لما زعمتم، بل كان الله خبيرا بجميع ما تعملونه من ~~الأعمال التي من جملتها تخلفكم، وقد علم أن تخلفكم لم يكن لذلك، بل للشك ~~والنفاق، وما خطر لكم من الظنون الفاسدة الناشئة عن عدم الثقة بالله، ~~ولهذا قال { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول ~~والمؤمنون إلى أهليهم أبدا } وهذه الجملة مفسرة لقوله ~~{ بل كان الله بما تعملون خبيرا } لما فيها من الإبهام، ~~أي بل ظننتم أن العدو يستأصل المؤمنين بالمرة، فلا يرجع منهم أحد إلى ~~أهله، فلأجل ذلك تخلفتم لا لما ذكرتم من المعاذير الباطلة { وزين ~~ذلك فى قلوبكم } أي وزين الشيطان ذلك الظن في قلوبكم فقبلتموه. ~~قرأ الجمهور " وزين " مبنيا للمفعول، وقرىء مبنيا للفاعل { وظننتم ~~ظن السوء } أن الله سبحانه لا ينصر رسوله، وهذا الظن إما هو الظن ~~الأول، والتكرير للتأكيد والتوبيخ، والمراد به ما هو أعم من الأول، ~~فيدخل الظن الأول تحته دخولا أوليا { وكنتم قوما بورا } أي ~~هلكى، قال الزجاج هالكين عند الله، وكذا قال مجاهد. قال الجوهري البور ~~الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه. قال أبو عبيد { قوما بورا } ~~هلكى، وهو ms3605 جمع بائر، مثل حائل وحول، وقد بار فلان، أي هلك، وأباره الله ~~أهلكه. # { ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا ~~للكفرين سعيرا } هذا الكلام مستأنف من جهة الله سبحانه غير ~~داخل تحت ما أمر الله سبحانه رسوله أن يقوله، أي ومن لم يؤمن بهما، كما ~~صنع هؤلاء المخلفون، فجزاؤهم ما أعده الله لهم من عذاب السعير { ~~ولله ملك السموات والأرض } يتصرف فيه كيف يشاء لا ~~يحتاج إلى أحد من خلقه، وإنما تعبدهم بما تعبدهم ليثيب من أحسن ويعاقب من ~~أساء، ولهذا قال { يغفر لمن يشاء } أن يغفر له { ويعذب من ~~يشاء } أن يعذبه # لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون # الأنبياء 23 { وكان الله غفورا رحيما } أي كثير المغفرة ~~والرحمة، بليغها يخص بمغفرته ورحمته من يشاء من عباده. { سيقول ~~المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها } ~~المخلفون هؤلاء المذكورون سابقا، والظرف متعلق بقوله { سيقول } ~~والمعنى سيقولون عند انطلاقكم أيها المسلمون { إلى مغانم } يعني ~~مغانم خيبر { لتأخذوها } لتحوزوها { ذرونا نتبعكم } أي ~~اتركونا نتبعكم ونشهد معكم غزوة خيبر. وأصل القصة أنه لما انصرف النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين من الحديبية وعدهم الله فتح ~~خيبر، وخص بغنائمها من شهد الحديبية، فلما انطلقوا إليها قال هؤلاء ~~المخلفون ذرونا نتبعكم، فقال الله سبحانه { يريدون أن يبدلوا ~~كلم الله } أي يغيروا كلام الله، والمراد بهذا الكلام الذي ~~أرادوا أن يبدلوه هو مواعيد الله لأهل الحديبية خاصة بغنيمة خيبر. وقال ~~مقاتل يعني أمر الله لرسوله أن لا يسير معه أحد منهم. وقال ابن زيد هو ~~قوله تعالى # فإذا استأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معى ~~أبدا ولن تقتلوا معى عدوا # التوبة 83 واعترض هذا ابن جرير وغيره بأن غزوة تبوك كانت بعد فتح خيبر، ~~وبعد فتح مكة، والأول أولى، وبه قال مجاهد، وقتادة، ورجحه ابن جرير، ~~وغيره. قرأ الجمهور { كلام الله } وقرأ حمزة، والكسائي كلم الله قال ~~الجوهري الكلام اسم جنس يقع على القليل والكثير، والكلم لا يكون أقل من ~~ثلاث كلمات لأنه جمع كلمة مثل ms3606 نبقة ونبق، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى ~~الله عليه وسلم أن يمنعهم من الخروج معه، فقال { قل لن تتبعونا ~~} هذا النفي هو في معنى النهي، والمعنى لا تتبعونا { كذلكم قال ~~الله من قبل } أي من قبل رجوعنا من الحديبية أن غنيمة خيبر لمن ~~شهد الحديبية خاصة ليس لغيرهم فيها نصيب { فسيقولون } يعني ~~المنافقين عند سماع هذا القول، وهو قوله { لن تتبعونا } بل { ~~تحسدوننا } أي بل ما يمنعكم من خروجنا معكم إلا الحسد لئلا ~~نشارككم في الغنيمة، وليس ذلك بقول الله كما تزعمون، ثم رد الله سبحانه ~~عليهم بقوله { بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا } أي لا ~~يعلمون إلا علما قليلا، وهو علمهم بأمر الدنيا، وقيل لا يفقهون من أمر ~~الدين إلا فقها قليلا، وهو ما يصنعونه نفاقا بظواهرهم دون بواطنهم. # وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~وتعزروه } يعني الإجلال { وتوقروه } يعني التعظيم، يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه، ~~والضياء في المختارة عنه في قوله { وتعزروه } قال تضربوا بين يديه ~~بالسيف. وأخرج ابن عدي، وابن مردويه، والخطيب، وابن عساكر في تاريخه عن ~~جابر بن عبد الله قال لما أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ~~الآية { وتعزروه } قال لأصحابه # " ما ذاك " # ؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال # " لتنصروه " # وأخرج أحمد، وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال بايعنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في ~~العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في ~~الله لا تأخذنا فيه لومة لائم، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب، فنمنعه ~~مما نمنع منه أنفسنا، وأزواجنا، وأبناءنا، ولنا الجنة، فمن وفى وفى الله ~~له، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه. وفي الصحيحين من حديث جابر أنهم كانوا ~~في بيعة الرضوان خمس عشرة مائة. وفيهما عنه أنهم كانوا أربع عشرة مائة. ~~وفي البخاري من حديث قتادة عن ms3607 سعيد بن المسيب أنه سأله كم كانوا في بيعة ~~الرضوان؟ قال خمس عشرة مائة، فقال له إن جابرا قال كانوا أربع عشرة ~~مائة، قال رحمه الله وهم، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة. ### || [48.16-24] # قوله { قل للمخلفين من الأعراب } هم المذكورون سابقا { ~~ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد } قال عطاء بن أبي ~~رباح، ومجاهد، وابن أبي ليلى، وعطاء الخراساني هم فارس. وقال كعب، والحسن ~~هم الروم. وروي عن الحسن أيضا أنه قال هم فارس، والروم. وقال سعيد بن ~~جبير هم هوازن، وثقيف. وقال عكرمة هوازن. وقال قتادة هوازن وغطفان يوم ~~حنين. وقال الزهري، ومقاتل هم بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة، وحكى ~~هذا القول الواحدي عن أكثر المفسرين { تقتلونهم أو ~~يسلمون } أي يكون أحد الأمرين إما المقاتلة، أو الإسلام لا ثالث ~~لهما، وهذا حكم الكفار الذين لا تؤخذ منهم الجزية. قال الزجاج التقدير أو ~~هم يسلمون، وفي قراءة أبي أو يسلموا أي حتى يسلموا { فإن تطيعوا ~~يؤتكم الله أجرا حسنا } وهو الغنيمة في الدنيا، والجنة في ~~الآخرة { وإن تتولوا } أي تعرضوا { كما توليتم من ~~قبل } وذلك عام الحديبية { يعذبكم عذابا أليما } بالقتل ~~والأسر والقهر في الدنيا، وبعذاب النار في الآخرة لتضاعف جرمكم. { ~~ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج } أي ليس على هؤلاء المعذورين بهذه الأعذار حرج ~~في التخلف عن الغزو لعدم استطاعتهم. قال مقاتل عذر الله أهل الزمانة ~~الذين تخلفوا عن المسير إلى الحديبية بهذه الآية، والحرج الإثم { ومن ~~يطع الله ورسوله } فيما أمراه به ونهياه عنه { يدخله ~~جنت تجرى من تحتها الأنهر } قرأ الجمهور { يدخله } ~~بالتحتية، واختار هذه القراءة أبو حاتم، وأبو عبيد، وقرأ نافع، وابن عامر ~~بالنون { ومن يتول يعذبه عذابا أليما } أي ومن يعرض عن ~~الطاعة يعذبه الله عذابا شديد الألم. ثم ذكر سبحانه الذين أخلصوا ~~نياتهم، وشهدوا بيعة الرضوان، فقال { لقد رضي الله عن ~~المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } أي رضي الله ~~عنهم وقت تلك البيعة، وهي بيعة الرضوان، ms3608 وكانت بالحديبية، والعامل في { ~~تحت } إما يبايعونك، أو محذوف على أنه حال من المفعول، وهذه الشجرة ~~المذكورة هي شجرة كانت بالحديبية وقيل سدرة، وكانت البيعة على أن يقاتلوا ~~قريشا، ولا يفروا. وروي أنه بايعهم على الموت، وقد تقدم ذكر عدد أهل ~~هذه البيعة قريبا، والقصة مبسوطة في كتب الحديث والسير. { فعلم ما ~~فى قلوبهم } معطوف على يبايعونك، قال الفراء أي علم ما في قلوبهم ~~من الصدق والوفاء. وقال قتادة، وابن جريج من الرضى بأمر البيعة على أن لا ~~يفروا. وقال مقاتل من كراهة البيعة على الموت { فأنزل السكينة ~~عليهم } معطوف على رضي، والسكينة الطمأنينة وسكون النفس، كما تقدم، ~~وقيل الصبر { وأثبهم فتحا قريبا } هو فتح خيبر عند ~~انصرافهم من الحديبية، قاله قتادة، وابن أبي ليلى، وغيرهما، وقيل فتح ~~مكة، والأول أولى. # { ومغانم كثيرة يأخذونها } أي وأثابكم مغانم كثيرة، أو ~~وآتاكم، وهي غنائم خيبر، والالتفات لتشريفهم بالخطاب { وكان الله ~~عزيزا حكيما } أي غالبا مصدرا أفعاله وأقواله على أسلوب الحكمة. ~~{ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } في هذا وعد ~~منه سبحانه لعباده المؤمنين بما سيفتحه عليهم من الغنائم إلى يوم القيامة ~~يأخذونها في أوقاتها التي قدر وقوعها فيها { فعجل لكم هذه ~~} أي غنائم خيبر، قاله مجاهد وغيره، وقيل صلح الحديبية { وكف ~~أيدى الناس عنكم } أي وكف أيدي قريش عنكم يوم الحديبية ~~بالصلح، وقيل كف أيدي أهل خيبر، وأنصارهم عن قتالكم، وقذف في قلوبهم ~~الرعب. وقال قتادة كف أيدي اليهود عن المدينة بعد خروج النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى الحديبية، وخيبر، ورجح هذا ابن جرير، قال لأن كف أيدي ~~الناس بالحديبية مذكور في قوله { وهو الذى كف أيديهم ~~عنكم } وقيل كف أيديهم الناس عنكم يعني عيينة بن حصن ~~الفزاري، وعوف بن مالك النضري ومن كان معهما، إذ جاءوا لينصروا أهل خيبر ~~عند حصار النبي صلى الله عليه وسلم لهم { ولتكون ءاية ~~للمؤمنين } اللام يجوز أن تتعلق بفعل محذوف يقدر بعده، أي فعل ما ~~فعل من التعجيل والكف لتكون آية، أو على علة محذوفة ms3609 تقديرها وعد فعجل ~~وكف لتنتفعوا بذلك ولتكون آية. وقيل إن الواو مزيدة، واللام لتعليل ما ~~قبله، أي وكف لتكون والمعنى ذلك الكف آية يعلم بها صدق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في جميع ما يعدكم به { ويهديكم صرطا ~~مستقيما } أي يزيدكم بتلك الآية هدى، أو يثبتكم على الهداية إلى ~~طريق الحق { وأخرى لم تقدروا عليها } معطوف على هذه، أي ~~فعجل لكم هذه المغانم، ومغانم أخرى لم تقدروا عليها، وهي الفتوح التي ~~فتحها الله على المسلمين من بعد كفارس والروم ونحوهما، كذا قال الحسن، ~~ومقاتل، وابن أبي ليلى، وقال الضحاك، وابن زيد، وابن أبي إسحاق هي خيبر ~~وعدها الله نبيه قبل أن يفتحها، ولم يكونوا يرجونها، وقال قتادة فتح مكة، ~~وقال عكرمة حنين، والأول أولى { قد أحاط الله بها } صفة ثانية ~~لأخرى. قال الفراء أحاط الله بها لكم حتى تفتحوها وتأخذوها، والمعنى أنه ~~أعدها لهم، وجعلها كالشيء الذي قد أحيط به من جميع جوانبه، فهو محصور لا ~~يفوت منه شيء، فهم وإن لم يقدروا عليها في الحال فهي محبوسة لهم لا ~~تفوتهم، وقيل معنى { أحاط } علم أنها ستكون لهم { وكان الله على ~~كل شىء قديرا } لا يعجزه شيء، ولا تختص قدرته ببعض المقدورات دون ~~بعض. { ولو قتلكم الذين كفروا لولوا الأدبر ~~} قال قتادة يعني كفار قريش بالحديبية، وقيل أسد وغطفان الذين أرادوا نصر ~~أهل خيبر، والأول أولى. # { ثم لا يجدون وليا } يواليهم على قتالكم { ولا نصيرا ~~} ينصرهم عليكم. { سنة الله التى قد خلت من قبل } أي ~~طريقته وعادته التي قد مضت في الأمم من نصر أوليائه على أعدائه، وانتصاب ~~{ سنة } على المصدرية بفعل محذوف، أي بين الله سنة الله، أو هو مصدر ~~مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة { ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا } أي لن تجد لها تغييرا، بل هي مستمرة ثابتة { وهو ~~الذى كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن ~~مكة من بعد أن أظفركم عليهم } أي كف أيدي المشركين ~~عن المسلمين، وأيدي المسلمين عن المشركين لما جاءوا يصدون رسول الله صلى ms3610 ~~الله عليه وسلم، ومن معه عن البيت عام الحديبية، وهي المراد ببطن مكة. ~~وقيل إن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي من قبل جبل التنعيم ~~متسلحين يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذهم المسلمون، ثم ~~تركوهم. وفي الرواية اختلاف سيأتي بيانه آخر البحث إن شاء الله { وكان ~~الله بما تعملون بصيرا } لا يخفى عليه من ذلك شيء. وقد أخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ~~في قوله { أولى بأس شديد } يقول فارس. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~أبي هريرة أنهم الأكراد. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال فارس، والروم. ~~وأخرج الفريابي، وابن مردويه عنه قال هوازن، وبني حنيفة. وأخرج الطبراني، ~~قال السيوطي بسند حسن عن زيد بن ثابت قال كنت أكتب لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وإني لواضع القلم على أذني إذ أمر بالقتال إذ جاء أعمى، فقال ~~كيف لي وأنا ذاهب البصر؟ فنزلت { ليس على الاعمى حرج } ~~الآية. قال هذا في الجهاد، وليس عليهم من جهاد إذا لم يطيقوا. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن سلمة بن الأكوع قال بينا نحن قائلون ~~إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أيها الناس البيعة البيعة ~~نزل روح القدس، فثرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو تحت شجرة ~~سمرة، فبايعناه، فذلك قول الله تعالى { لقد رضي الله عن ~~المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } فبايع لعثمان ~~إحدى يديه على الأخرى، فقال الناس هنيئا لابن عفان يطوف بالبيت، ونحن ها ~~هنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف " # وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن نافع قال بلغ عمر بن الخطاب أن ناسا ~~يأتون الشجرة التي بويع تحتها، فأمر بها فقطعت. وأخرج البخاري عن سلمة بن ~~الأكوع قال بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، قيل على أي ~~شيء كنتم تبايعونه يومئذ؟ قال على ms3611 الموت. # وأخرج مسلم، وغيره عن جابر قال بايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على ~~الموت. وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي عن جابر، عن النبي قال # " لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة " # وأخرج مسلم من حديثه مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { فأنزل ~~السكينة عليهم } قال إنما أنزلت السكينة على من علم منه ~~الوفاء. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه { فعجل لكم هذه } ~~يعني الفتح. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا { فعجل لكم هذه } ~~يعني خيبر { وكف أيدى الناس عنكم } يعني أهل مكة أن ~~يستحلوا حرم الله، ويستحل بكم وأنتم حرم { ولتكون ءاية ~~للمؤمنين } قال سنة لمن بعدكم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عنه أيضا في قوله { ~~وأخرى لم تقدروا عليها } قال هذه الفتوح التي تفتح إلى ~~اليوم. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه أيضا { وأخرى لم ~~تقدروا عليها } قال هي خيبر. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد ~~بن حميد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن أنس قال لما كان يوم الحديبية، هبط ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثمانون رجلا من أهل مكة في ~~السلاح من قبل جبال التنعيم يريدون غرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فدعا عليهم فأخذوا فعفا عنهم، فنزلت هذه الآية { وهو الذى كف ~~أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من ~~بعد أن أظفركم عليهم }. وفي صحيح مسلم، وغيره أنها نزلت ~~في نفر أسرهم سلمة بن الأكوع يوم الحديبية. وأخرج أحمد، والنسائي، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل في سبب نزول الآية أن ~~ثلاثين شابا من المشركين خرجوا يوم الحديبية على المسلمين في السلاح، ~~فثاروا في وجوههم، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ الله ~~بأسماعهم ولفظ الحاكم بأبصارهم، فقام إليهم المسلمون فأخذوهم، فقال ~~لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم # " هل جئتم في عهد أحد، أو هل ms3612 جعل لكم أحد أمانا " # ؟ فقالوا لا، فخلى سبيلهم، فنزلت هذه الآية. ### || [48.25-29] # قوله { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد ~~الحرام } يعني كفار مكة، ومعنى صدهم عن المسجد الحرام أنهم منعوهم ~~أن يطوفوا به، ويحلوا عن عمرتهم { والهدى معكوفا } قرأ الجمهور ~~بنصب { الهدي } عطفا على الضمير المنصوب في { صدوكم } ، وقرأ أبو عمرو ~~في رواية عنه بالجر عطفا على المسجد، ولا بد من تقدير مضاف، أي عن نحر ~~الهدي، وقرىء بالرفع على تقدير وصد الهدي، وقرأ الجمهور بفتح الهاء من ~~الهدي وسكون الدال، وروي عن أبي عمرو، وعاصم بكسر الدال وتشديد الياء، ~~وانتصاب { معكوفا } على الحال من الهدي، أي محبوسا. قال الجوهري عكفه ~~أي حبسه ووقفه، ومنه { والهدى معكوفا } ومنه الاعتكاف في ~~المسجد، وهو الاحتباس. وقال أبو عمرو بن العلاء معكوفا مجموعا، وقوله { ~~أن يبلغ محله } أي عن أن يبلغ محله، أو هو مفعول لأجله، ~~والمعنى صدوا الهدي كراهة أن يبلغ محله، أو هو بدل من الهدي بدل اشتمال، ~~ومحله منحره، وهو حيث يحل نحره من الحرم، وكان الهدي سبعين بدنة، ورخص ~~الله سبحانه لهم بجعل ذلك الموضع الذي وصلوا إليه، وهو الحديبية محلا ~~للنحر. وللعلماء في هذا كلام معروف في كتب الفروع { ولولا رجال ~~مؤمنون ونساء مؤمنت لم تعلموهم } يعني ~~المستضعفين من المؤمنين بمكة، ومعنى { لم تعلموهم } لم تعرفوهم ~~وقيل لم تعلموا أنهم مؤمنون { أن تطئوهم } يجوز أن يكون بدلا من ~~رجال ونساء، ولكنه غلب الذكور، وأن يكون بدلا من مفعول { تعلموهم } ، ~~والمعنى أن تطئوهم بالقتل والإيقاع بهم، يقال وطئت القوم، أي أوقعت بهم، ~~وذلك أنهم لو كسبوا مكة، وأخذوها عنوة بالسيف لم يتميز المؤمنون الذين هم ~~فيها من الكفار، وعند ذلك لا يأمنوا أن يقتلوا المؤمنين، فتلزمهم ~~الكفارة، وتلحقهم سبة، وهو معنى قوله { فتصيبكم منهم } أي من ~~جهتهم، و { معرة } أي مشقة بما يلزمهم في قتلهم من كفارة وعيب، ~~وأصل المعرة العيب، مأخوذة من العر، وهو الجرب، وذلك أن المشركين ~~سيقولون إن المسلمين قد قتلوا أهل دينهم. قال الزجاج لولا ms3613 أن تقتلوا ~~رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات، فتصيبكم منهم معرة أي إثم، وكذا قال ~~الجوهري، وبه قال ابن زيد. وقال الكلبي، ومقاتل، وغيرهما المعرة كفارة ~~قتل الخطأ، كما في قوله # فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير ~~رقبة مؤمنة # النساء 92 وقال ابن إسحاق المعرة غرم الدية. وقال قطرب المعرة الشدة، ~~وقيل الغم، و { بغير علم } متعلق بأن تطئوهم، أي غير عالمين، ~~وجواب " لولا " محذوف، والتقدير لأذن الله لكم، أو لما كف أيديكم عنهم، ~~واللام في { ليدخل الله فى رحمته من يشاء } متعلقة بما ~~يدل عليه الجواب المقدر، أي ولكن لم يأذن لكم، أو كف أيديكم ليدخل الله ~~في رحمته بذلك من يشاء من عباده وهم المؤمنون والمؤمنات الذين كانوا في ~~مكة، فيتمم لهم أجورهم بإخراجهم من بين ظهراني الكفار، ويفك أسرهم، ~~ويرفع ما كان ينزل بهم من العذاب. # وقيل اللام متعلقة بمحذوف غير ما ذكر، وتقديره لو قتلتموهم لأدخلهم الله ~~في رحمته، والأول أولى. وقيل إن { من يشاء } عباده ممن رغب في الإسلام ~~من المشركين { لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا ~~منهم عذابا أليما } التزيل التميز، أي لو تميز الذين آمنوا ~~من الذين كفروا منهم لعذبنا الذين كفروا، وقيل التزيل التفرق، أي لو ~~تفرق هؤلاء من هؤلاء، وقيل لو زال المؤمنون من بين أظهرهم، والمعاني ~~متقاربة، والعذاب الأليم هو القتل والأسر والقهر، والظرف في قوله { إذ ~~جعل الذين كفروا } منصوب بفعل مقدر، أي اذكر وقت جعل الذين ~~كفروا { فى قلوبهم الحمية حمية الجهلية }. ~~وقيل متعلق بعذبنا، والحمية الأنفة، يقال فلان ذو حمية، أي ذو أنفة ~~وغضب، أي جعلوها ثابتة راسخة في قلوبهم، والجعل بمعنى الإلقاء، وحمية ~~الجاهلية بدل من الحمية. قال مقاتل بن سليمان، ومقاتل بن حيان قال أهل ~~مكة قد قتلوا أبناءنا، وإخواننا، ويدخلون علينا في منازلنا، فتتحدث ~~العرب أنهم قد دخلوا علينا على رغم أنفنا، واللات والعزى لا يدخلونها ~~علينا، فهذه الحمية هي حمية الجاهلية التي دخلت قلوبهم. وقال الزهري ~~حميتهم أنفتهم من الإقرار للنبي صلى الله ms3614 عليه وسلم بالرسالة. قرأ ~~الجمهور { لو تزيلوا } وقرأ ابن أبي عبلة، وأبو حيوة، وابن عون لو ~~تزايلوا. والتزايل التباين { فأنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين } أي أنزل الطمأنينة والوقار على رسوله ~~وعلى المؤمنين حيث لم يدخلهم ما دخل أهل الكفر من الحمية، وقيل ثبتهم ~~على الرضى والتسليم { وألزمهم كلمة التقوى } وهي «لا ~~إله إلا الله» كذا قال الجمهور، وزاد بعضهم «محمد رسول الله» وزاد ~~بعضهم «وحده لا شريك له». وقال الزهري هي { بسم الله الرحمن ~~الرحيم } وذلك أن الكفار لم يقروا بها، وامتنعوا من كتابتها في كتاب ~~الصلح الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت ذلك في ~~كتب الحديث والسير، فخص الله بهذه الكلمة المؤمنين وألزمهم بها. والأول ~~أولى لأن كلمة التوحيد هي التي يتقى بها الشرك بالله، وقيل كلمة التقوى ~~هي الوفاء بالعهد والثبات عليه { وكانوا أحق بها وأهلها } ~~أي وكان المؤمنون أحق بهذه الكلمة من الكفار والمستأهلين لها دونهم لأن ~~الله سبحانه أهلهم لدينه، وصحبة رسوله صلى الله عليه وسلم. { لقد ~~صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } قال الواحدي قال ~~المفسرون إن الله سبحانه أرى نبيه في المدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية، ~~كأنه هو وأصحابه حلقوا وقصروا، فأخبر بذلك أصحابه، ففرحوا وحسبوا أنهم ~~سيدخلون مكة عامهم ذلك، فلما رجعوا من الحديبية، ولم يدخلوا مكة قال ~~المنافقون والله ما حلقنا ولا قصرنا، ولا دخلنا المسجد الحرام، فأنزل ~~الله هذه الآية، وقيل إن الرؤيا كانت بالحديبية، وقوله { بالحق } صفة ~~لمصدر محذوف أي صدقا ملتبسا بالحق، وجواب القسم المحذوف المدلول عليه ~~باللام الموطئة هو قوله { لتدخلن المسجد الحرام } أي في ~~العام القابل، وقوله { إن شاء الله } تعليق للعدة بالمشيئة لتعليم ~~العباد لما يجب أن يقولوه، كما في قوله # ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشاء الله # الكهف 23، 24 قال ثعلب إن الله استثنى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا ~~يعلمون. وقيل كان الله سبحانه علم أنه يموت بعض هؤلاء الذين كانوا معه ms3615 في ~~الحديبية، فوقع الاستثناء لهذا المعنى، قاله الحسن بن الفضل. وقيل معنى ~~إن شاء الله كما شاء الله. وقال أبو عبيدة إن بمعنى إذ، يعني إذ شاء الله ~~حيث أرى رسوله ذلك، وانتصاب { ءامنين } على الحال من فاعل لتدخلن، ~~وكذا { محلقين رءوسكم ومقصرين } أي آمنين من العدو، ~~ومحلقا بعضكم ومقصرا بعضكم، والحلق والتقصير خاص بالرجال، والحلق أفضل ~~من التقصير، كما يدل على ذلك الحديث الصحيح في استغفاره صلى الله عليه ~~وسلم للمحلقين في المرة الأولى والثانية، والقائل يقول له وللمقصرين، ~~فقال في الثالثة وللمقصرين، وقوله { لا تخفون } في محل نصب على ~~الحال أو مستأنف، وفيه زيادة تأكيد لما قد فهم من قوله { ءامنين } ، { ~~فعلم ما لم تعلموا } أي ما لم تعلموا من المصلحة في الصلح ~~لما في دخولكم في عام الحديبية من الضرر على المستضعفين من المؤمنين، وهو ~~معطوف على صدق، أي صدق رسوله الرؤيا، فعلم ما لم تعلموا به { فجعل ~~من دون ذلك فتحا قريبا } أي فجعل من دون دخولكم مكة كما أرى ~~رسوله، فتحا قريبا. قال أكثر المفسرين هو صلح الحديبية. وقال ابن زيد، ~~والضحاك فتح خيبر. وقال الزهري لا فتح في الإسلام كان أعظم من صلح ~~الحديبية، ولقد دخل في تلك السنتين في الإسلام مثل من كان قد دخل فيه قبل ~~ذلك بل أكثر، فإن المسلمين كانوا في سنة ست، وهي سنة الحديبية ألفا ~~وأربعمائة وكانوا في سنة ثمان عشرة آلاف. { هو الذي أرسل ~~رسوله بالهدى } أي إرسالا ملتبسا بالهدى { ودين الحق } ~~وهو الإسلام { ليظهره على الدين كله } أي يعليه على كل ~~الأديان، كما يفيده تأكيد الجنس، وقيل ليظهر رسوله، والأول أولى. وقد ~~كان ذلك بحمد الله، فإن دين الإسلام قد ظهر على جميع الأديان، وانقهر له ~~كل أهل الملل { وكفى بالله شهيدا } الباء زائدة كما تقدم في ~~غير موضع، أي كفى الله شهيدا على هذا الإظهار الذي وعد المسلمين به، ~~وعلى صحة نبوة نبيه صلى الله عليه وسلم { محمد رسول الله } ~~محمد مبتدأ، ورسول الله خبره، ms3616 أو هو خبر مبتدأ محذوف، ورسول الله بدل ~~منه، وقيل محمد مبتدأ، ورسول الله نعت له { والذين معه } معطوف ~~على المبتدأ وما بعده الخبر، والأول أولى، والجملة مبينة لما هو من جملة ~~المشهود به. # { والذين معه } قيل هم أصحاب الحديبية، والأولى الحمل على ~~العموم { أشداء على الكفار } أي غلاظ عليهم، كما يغلظ الأسد ~~على فريسته، وهو جمع شديد { رحماء بينهم } أي متوادون متعاطفون، ~~وهو جمع رحيم، والمعنى أنهم يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة، ولمن ~~وافقه الرحمة والرأفة. قرأ الجمهور برفع { أشداء } ، و { رحماء } على أنه ~~خبر للموصول، أو خبر لمحمد، وما عطف عليه، كما تقدم. وقرأ الحسن بنصبهما ~~على الحال، أو المدح، ويكون الخبر على هذه القراءة { تراهم ركعا ~~سجدا } أي تشاهدهم حال كونهم راكعين ساجدين، وعلى قراءة الجمهور هو ~~خبر آخر، أو اسئتناف أعني قوله { تراهم } { يبتغون فضلا ~~من الله ورضوانا } أي يطلبون ثواب الله لهم ورضاه عنهم، وهذه ~~الجملة خبر ثالث على قراءة الجمهور، أو في محل نصب على الحال من ضمير ~~تراهم، وهكذا { سيمهم فى وجوههم من أثر السجود } ~~السيما العلامة، وفيها لغتان المد والقصر، أي تظهر علامتهم في جباههم من ~~أثر السجود في الصلاة، وكثرة التعبد بالليل والنهار. وقال الضحاك إذا سهر ~~الرجل أصبح مصفرا، فجعل هذا هو السيما. وقال الزهري مواضع السجود أشد ~~وجوههم بياضا يوم القيامة. وقال مجاهد هو الخشوع والتواضع، وبالأول - ~~أعني كونه ما يظهر في الجباه من كثرة السجود - قاله سعيد بن جبير، ومالك. ~~وقال ابن جريح هو الوقار. وقال الحسن إذا رأيتهم مرضى وما هم بمرضى، وقيل ~~هو البهاء في الوجه وظهور الأنوار عليه، وبه قال سفيان الثوري، والإشارة ~~بقوله { ذلك } إلى ما تقدم من هذه الصفات الجليلة، وهو مبتدأ، وخبره ~~قوله { مثلهم فى التوراة } أي وصفهم الذي وصفوا به في ~~التوراة، ووصفهم الذي وصفوا به { فى الإنجيل } وتكرير ذكر المثل ~~لزيادة تقريره، وللتنبيه على غرابته، وأنه جار مجرى الأمثال في الغرابة { ~~كزرع أخرج شطأه } إلخ، كلام مستأنف، أي هم ms3617 كزرع إلخ، وقيل هو ~~تفسير لذلك على أنه إشارة مبهمة لم يرد به ما تقدم من الأوصاف، وقيل هو ~~خبر لقوله { ومثلهم فى الإنجيل } أي ومثلهم في الإنجيل كزرع. ~~قال الفراء فيه وجهان إن شئت قلت ذلك مثلهم في التوراة، ومثلهم في ~~الإنجيل يعني كمثلهم في القرآن، فيكون الوقف على الإنجيل، وإن شئت قلت ~~ذلك مثلهم في التوراة، ثم تبتدىء ومثلهم في الإنجيل كزرع. # قرأ الجمهور { شطأه } بسكون الطاء، وقرأ ابن كثير، وابن ذكوان بفتحها، ~~وقرأ أنس، ونصر بن عاصم، ويحيى بن وثاب { شطاه } كعصاه. وقرأه الجحدري، ~~وابن أبي إسحاق شطه بغير همزة، وكلها لغات، قال الأخفش والكسائي { شطأه } ~~أي طرفه. قال الفراء شطأ الزرع فهو مشطىء إذا خرج. قال الزجاج { أخرج ~~شطأه } أي نباته. وقال قطرب الشطأ سوى السنبل، وروي عن الفراء أيضا ~~أنه قال هو السنبل، وقال الجوهري شطأ الزرع والنبات، والجمع أشطاء، وقد ~~أشطأ الزرع خرج شطؤه { فآزره } أي قواه وأعانه وشده، قيل المعنى إن ~~الشطأ قوى الزرع، وقيل إن الزرع قوي الشطأ، ومما يدل على أن الشطأ ~~خروج النبات. قول الشاعر # أخرج الشطأ على وجه الثرى ومن الأشجار أفنان الثمر # قرأ الجمهور { فآزره } بالمد. وقرأ ابن ذكوان، وأبو حيوة، وحميد بن قيس ~~بالقصر، وعلى قراءة الجمهور قول امرىء القيس # بمحنية قد آزر الضال نبتها مجر جيوش غانمين وخيب # قال الفراء آزرت فلانا آزره أزرا إذا قويته { فاستغلظ } أي صار ~~ذلك الزرع غليظا بعد أن كان دقيقا { فاستوى على سوقه } أي ~~فاستقام على أعواده، والسوق جمع ساق. وقرأ قنبل سؤقه بالهمزة الساكنة { ~~يعجب الزراع } أي يعجب هذا الزرع زارعه لقوته وحسن منظره، وهذا ~~مثل ضربه الله سبحانه لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم يكونون في ~~الابتداء قليلا، ثم يزدادون ويكثرون ويقوون كالزرع، فإنه يكون في ~~الابتداء ضعيفا، ثم يقوى حالا بعد حال حتى يغلظ ساقه. قال قتادة مثل ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل، أنه سيخرج من قوم ينبتون نبات ~~الزرع يأمرون بالمعروف وينهون ms3618 عن المنكر، ثم ذكر سبحانه علة تكثيره ~~لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم وتقويته لهم فقال { ليغيظ بهم ~~الكفار } أي كثرهم وقواهم، ليكونوا غيظا للكافرين، واللام متعلقة ~~بمحذوف، أي فعل ذلك ليغيظ { وعد الله الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت منهم مغفرة وأجرا عظيما } ~~أي وعد سبحانه هؤلاء الذين مع محمد صلى الله عليه وسلم أن يغفر ذنوبهم، ~~ويجزل أجرهم بإدخالهم الجنة التي هي أكبر نعمة وأعظم منة. وقد أخرج ~~أحمد، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال نحروا يوم الحديبية سبعين ~~بدنة، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها. وأخرج الحسن بن ~~سفيان، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن قانع، والباوردي، ~~والطبراني، وابن مردويه. قال السيوطي بسند جيد عن أبي جمعة حنيذ بن سبع ~~قال قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم أول النهار كافرا، وقابلت معه ~~آخر النهار مسلما وفينا نزلت { ولولا رجال مؤمنون ونساء ~~مؤمنت } وكنا تسعة نفر سبعة رجال وامرأتان، وفي رواية عند ابن ~~أبي حاتم كنا ثلاثة رجال وتسع نسوة. # وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس { لولا رجال ~~مؤمنون ونساء مؤمنت لم تعلموهم } قال حين ~~ردوا النبي صلى الله عليه وسلم { أن تطئوهم } بقتلكم إياهم { لو ~~تزيلوا } يقول لو تزيل الكفار من المؤمنين لعذبهم الله عذابا ~~أليما بقتلكم إياهم. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن سهل بن حنيف أنه ~~قال يوم صفين اتهموا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية، يعني الصلح الذي ~~كان بين النبي صلى الله عليه وسلم، وبين المشركين، ولو نرى قتالا ~~لقاتلنا، فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ~~ألسنا على الحق، وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في ~~النار؟ قال " بلى ". قال ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم ~~الله بيننا وبينهم؟ قال # " يا ابن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدا " # ، فرجع متغيظا، فلم يصبر حتى جاء أبا بكر، فقال يا أبا بكر ألسنا على ~~الحق، وهم ms3619 على الباطل؟ قال بلى، قال أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في ~~النار؟ قال بلى، قال ففيم نعطي الدنية في ديننا؟ قال يا ابن الخطاب إنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولن يضيعه الله أبدا، فنزلت سورة الفتح، ~~فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر، فأقرأه إياها، قال يا رسول ~~الله أفتح هو؟ قال " نعم ". وأخرج الترمذي، وعبد الله بن أحمد في زوائد ~~المسند، وابن جرير، والدارقطني في الأفراد، وابن مردويه، والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم { ~~وألزمهم كلمة التقوى } قال «لا إله إلا الله» وفي ~~إسناده الحسن بن قزعة، قال الترمذي بعد إخراجه حديث غريب لا نعرفه إلا ~~من حديثه، وكذا قال أبو زرعة. وأخرج ابن مردويه عن سلمة بن الأكوع ~~مرفوعا مثله. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات ~~عن علي بن أبي طالب مثله من قوله. وأخرج أحمد، وابن حبان، والحاكم من ~~قول عمر بن الخطاب نحوه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~والدارقطني في الأفراد عن المسور بن مخرمة، ومروان نحوه، وروي عن جماعة ~~من التابعين نحو ذلك. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس { لقد صدق ~~الله رسوله الرؤيا بالحق } قال هو دخول محمد البيت، ~~والمؤمنين محلقين ومقصرين، وقد ورد في الدعاء للمحلقين والمقصرين في ~~الصحيحين، وغيرهما أحاديث منها ما قدمنا الإشارة إليه، وهو في الصحيحين ~~من حديث ابن عمر، وفيهما من حديث أبي هريرة أيضا. # وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله { سيمهم فى وجوههم } ~~قال أما إنه ليس الذي يرونه، ولكنه سيما الإسلام، وسمته وخشوعه. وأخرج ~~محمد بن نصر في كتاب الصلاة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والبيهقي في سننه عن ابن عباس في الآية قال هو السمت الحسن. وأخرج ~~الطبراني في الأوسط والصغير، ms3620 وابن مردويه، قال السيوطي بسند حسن عن أبي ~~بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { سيمهم فى ~~وجوههم من أثر السجود } قال # " النور يوم القيامة " # وأخرج البخاري في تاريخه، وابن نصر عن ابن عباس في الآية قال بياض يغشى ~~وجوههم يوم القيامة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن ~~عباس { ذلك مثلهم فى التوراة } يعني نعتهم مكتوب في ~~التوراة والإنجيل قبل أن يخلق الله السموات والأرض. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أنس { كزرع أخرج ~~شطأه } قال نباته فروخه. ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1-8] # قوله { يأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدى ~~الله ورسوله } قرأ الجمهور { تقدموا } بضم المثناة الفوقية، ~~وتشديد الدال مكسورة، وفيه وجهان أحدهما أنه متعد، وحذف مفعوله لقصد ~~التعميم، أو ترك المفعول للقصد إلى نفس الفعل كقولهم هو يعطي ويمنع، ~~والثاني أنه لازم نحو وجه وتوجه، ويعضده قراءة ابن عباس، والضحاك، ~~ويعقوب تقدموا بفتح التاء والقاف والدال. قال الواحدي قدم ها هنا بمعنى ~~تقدم، وهو لازم. قال أبو عبيدة العرب تقول لا تقدم بين يدي الإمام وبين ~~يدي الأب، أي لا تعجل بالأمر دونه والنهي لأن المعنى لا تقدموا قبل ~~أمرهما ونهيهما، وبين يدي الإمام عبارة عن الإمام لا ما بين يدي الإنسان، ~~ومعنى الآية لا تقطعوا أمرا دون الله ورسوله، ولا تعجلوا به. وقيل ~~المراد معنى بين يدي فلان بحضرته لأن ما يحضره الإنسان، فهو بين يديه { ~~واتقوا الله } في كل أموركم، ويدخل تحتها الترك للتقدم بين يدي ~~الله ورسوله دخولا أوليا. ثم علل ما أمر به من التقوى بقوله { إن ~~الله سميع } لكل مسموع { عليم } بكل معلوم { يأيها ~~الذين ءامنوا لا ترفعوا أصوتكم فوق صوت ~~النبى } يحتمل أن المراد حقيقة رفع الصوت لأن ذلك يدل على قلة ~~الاحتشام وترك الاحترام لأن خفض الصوت وعدم رفعه من لوازم التعظيم ~~والتوقير. ويحتمل أن يكون المراد المنع من كثرة الكلام ومزيد اللغط، ~~والأول أولى. والمعنى لا ms3621 ترفعوا أصواتكم إلى حد يكون فوق ما يبلغه صوت ~~النبي صلى الله عليه وسلم. قال المفسرون المراد من الآية تعظيم النبي ~~وتوقيره، وأن لا ينادوه كما ينادي بعضهم بعضا { ولا تجهروا له ~~بالقول كجهر بعضكم لبعض } أي لا تجهروا بالقول إذا ~~كلمتموه، كما تعتادونه من الجهر بالقول إذا كلم بعضكم بعضا. قال الزجاج ~~أمرهم الله بتجليل نبيه، وأن يغضوا أصواتهم، ويخاطبوه بالسكينة والوقار، ~~وقيل المراد بقوله { ولا تجهروا له بالقول } لا تقولوا يا ~~محمد ويا أحمد ولكن يا نبي، الله ويا رسول الله، توقيرا له، والكاف في ~~محل نصب على أنها نعت مصدر محذوف، أي جهرا مثل جهر بعضكم لبعض، وليس ~~المراد برفع الصوت وبالجهر في القول هو ما يقع على طريقة الاستخفاف، فإن ~~ذلك كفر، وإنما المراد أن يكون الصوت في نفسه غير مناسب لما يقع في مواقف ~~من يجب تعظيمه وتوقيره. والحاصل أن النهي هنا وقع عن أمور، الأول عن ~~التقدم بين يديه بما لا يأذن به من الكلام. والثاني عن رفع الصوت البالغ ~~إلى حد يكون فوق صوته، سواء كان في خطابه، أو في خطاب غيره. والثالث ترك ~~الجفاء في مخاطبته، ولزوم الأدب في مجاورته لأن المقاولة المجهورة إنما ~~تكون بين الأكفاء الذين ليس لبعضهم على بعض مزية توجب احترامه وتوقيره. # ثم علل سبحانه ما ذكره بقوله { أن تحبط أعملكم } قال ~~الزجاج أن تحبط أعمالكم التقدير لأن تحبط أعمالكم، أي فتحبط، فاللام ~~المقدرة لام الصيرورة كذا قال، وهذه العلة يصح أن تكون للنهي، أي نهاكم ~~الله عن الجهر خشية أن تحبط، أو كراهة أن تحبط، أو علة للمنهي أي لا ~~تفعلوا الجهر فإنه يؤدي إلى الحبوط، فكلام الزجاج ينظر إلى الوجه الثاني ~~لا إلى الوجه الأول، وجملة { وأنتم لا تشعرون } في محل نصب ~~على الحال، وفيه تحذير شديد ووعيد عظيم. قال الزجاج وليس المراد ~~وأنتم لا تشعرون يوجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم، فكما لا ~~يكون الكافر مؤمنا إلا باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون ms3622 ~~الكافر كافرا من حيث لا يعلم. ثم رغب سبحانه في امتثال ما أمر به، فقال ~~{ إن الذين يغضون أصوتهم عند رسول الله } أصل ~~الغض النقص من كل شيء. ومنه نقص الصوت { أولئك الذين امتحن ~~الله قلوبهم للتقوى } قال الفراء أخلص قلوبهم للتقوى، كما ~~يمتحن الذهب بالنار، فيخرج جيده من رديئه، ويسقط خبيثه. وبه قال مقاتل، ~~ومجاهد وقتادة. وقال الأخفش اختصها للتقوى، وقيل طهرها من كل قبيح، وقيل ~~وسعها وسرحها، من محنت الأديم إذا وسعته. وقال أبو عمرو كل شيء جهدته ~~فقد محنته، واللام في { للتقوى } متعلقة بمحذوف، أي صالحة للتقوى كقولك ~~أنت صالح لكذا، أو للتعليل الجاري مجرى بيان السبب، كقولك جئتك لأداء ~~الواجب، أي ليكون مجيئي سببا لأداء الواجب { لهم مغفرة وأجر ~~عظيم } أي أولئك لهم، فهو خبر آخر لاسم الإشارة، ويجوز أن يكون ~~مستأنفا لبيان ما أعد الله لهم في الآخرة. { إن الذين ~~ينادونك من وراء الحجرت أكثرهم لا يعقلون } هم ~~جفاة بني تميم كما سيأتي بيانه، و { وراء الحجرات } خارجها وخلفها، ~~والحجرات جمع حجرة، كالغرفات جمع غرفة، والظلمات جمع ظلمة، وقيل الحجرات ~~جمع حجرة، والحجر جمع حجرة، فهو جمع الجمع، الحجرة الرقعة من الأرض ~~المحجورة بحائط يحوط عليها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة. قرأ الجمهور { ~~الحجرات } بضم الجيم. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع، وشيبة بفتحها تخفيفا، ~~وقرأ ابن أبي عبلة بإسكانها، وهي لغات، و «من» في { من وراء } لابتداء ~~الغاية، ولا وجه للمنع من جعلها لهذا المعنى { أكثرهم لا ~~يعقلون } لغلبة الجهل عليهم، وكثرة الجفاء في طباعهم. { ولو ~~أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا ~~لهم } أي لو انتظروا خروجك، ولم يعجلوا بالمناداة لكان أصلح لهم في ~~دينهم ودنياهم، لما في ذلك من رعاية حسن الأدب مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ورعاية جانبه الشريف والعمل بما يستحقه من التعظيم والتجليل. # وقيل إنهم جاءوا شفعاء في أسارى، فأعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نصفهم، وفادى نصفهم، ولو صبروا لأعتق الجميع، ذكر معناه مقاتل { ~~والله غفور رحيم ms3623 } كثير المغفرة والرحمة بليغهما لا يؤاخذ مثل ~~هؤلاء فيما فرط منهم من إساءة الأدب { يأيها الذين ءامنوا ~~إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا } قرأ الجمهور { فتبينوا } ~~من التبين، وقرأ حمزة، والكسائي فتثبتوا من التثبت، والمراد من التبين ~~التعرف والتفحص، ومن التثبت الأناة وعدم العجلة والتبصر في الأمر الواقع ~~والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر. قال المفسرون إن هذه الآية نزلت في الوليد ~~بن عقبة بن أبي معيط، كما سيأتي بيانه إن شاء الله. وقوله { إن ~~تصيببوا قوما بجهالة } مفعول له، أي كراهة أن تصيبوا، أو ~~لئلا تصيبوا لأن الخطأ ممن لم يتبين الأمر، ولم يتثبت فيه هو الغالب وهو ~~جهالة لأنه لم يصدر عن علم، والمعنى ملتبسين بجهالة بحالهم { ~~فتصبحوا على ما فعلتم } بهم من إصابتهم بالخطأ { ~~ندمين } على ذلك مغتمين له مهتمين به. ثم وعظهم الله سبحانه، فقال ~~{ واعلموا أن فيكم رسول الله } فلا تقولوا قولا ~~باطلا، ولا تتسرعوا عند وصول الخبر إليكم من غير تبين، و " أن " وما في ~~حيزها سادة مسد مفعولي اعلموا، وجملة { لو يطيعكم فى كثير ~~من الأمر لعنتم } في محل نصب على الحال من ضمير فيكم، أو ~~مستأنفة، والمعنى لو يطيعكم في كثير مما تخبرونه به من الأخبار الباطلة، ~~وتشيرون به عليه من الآراء التي ليست بصواب لوقعتم في العنت، وهو التعب ~~والجهد والإثم والهلاك، ولكنه لا يطيعكم في غالب ما تريدون قبل وضوح وجهه ~~له، ولا يسارع إلى العمل بما يبلغه قبل النظر فيه { ولكن الله ~~حبب إليكم الإيمن } أي جعله أحب الأشياء إليكم، أو محبوبا ~~لديكم، فلا يقع منكم إلا ما يوافقه، ويقتضيه من الأمور الصالحة، وترك ~~التسرع في الأخبار، وعدم التثبت فيها، قيل والمراد بهؤلاء من عدا ~~الأولين لبيان براءتهم عن أوصاف الأولين، والظاهر أنه تذكير للكل بما ~~يقتضيه الإيمان، وتوجبه محبته التي جعلها الله في قلوبهم { وزينه ~~فى قلوبكم } أي حسنه بتوفيقه حتى جروا على ما يقتضيه في الأقوال ~~والأفعال { وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ~~} أي جعل كل ما هو من جنس ms3624 الفسوق، ومن جنس العصيان مكروها عندكم، وأصل ~~الفسق الخروج عن الطاعة، والعصيان جنس ما يعصى الله به، وقيل أراد بذلك ~~الكذب خاصة، والأول أولى { أولئك هم الرشدون } أي الموصوفون ~~بما ذكرهم الراشدون. والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب، من الرشادة ~~وهي الصخرة { فضلا من الله ونعمة } أي لأجل فضله وإنعامه، ~~والمعنى أنه حبب إليكم ما حبب، وكره ما كره لأجل فضله وإنعامه، أو ~~جعلكم راشدين لأجل ذلك، وقيل النصب بتقدير فعل، أي تبتغون فضلا ونعمة { ~~والله عليم } بكل معلوم { حكيم } في كل ما يقضي به بين عباده ~~ويقدره لهم. # وقد أخرج البخاري وغيره، عن عبد الله بن الزبير قال قدم ركب من بني تميم ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر أمر القعقاع بن معبد، وقال ~~عمر بل أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر ما أردت إلا خلافي، فقال عمر ~~ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله { يأيها ~~الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله ~~} حتى انقضت الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن ~~عباس في قوله { لا تقدموا بين يدى الله ورسوله } قال ~~نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه. وأخرج ابن مردويه عن عائشة في الآية قالت ~~لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم. وأخرج البخاري في تاريخه عنها قالت كان ~~أناس يتقدمون بين يدي رمضان بصيام، يعني يوما أو يومين، فأنزل الله { ~~يأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدى الله ~~ورسوله }. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عنها أيضا أن ناسا كانوا ~~يتقدمون الشهر، فيصومون قبل النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله { يا ~~أيها الذين آمنوا } الآية. وأخرج البزار، وابن عدي، والحاكم، وابن مردويه ~~عن أبي بكر الصديق قال أنزلت هذه الآية { يأيها الذين ءامنوا ~~لا ترفعوا أصوتكم فوق صوت النبى } قلت يا رسول ~~الله، والله لا أكلمك إلا كأخي السرار، وفي إسناده حصين بن عمر، وهو ~~ضعيف ولكنه يؤيده ما أخرجه عبد بن حميد، والحاكم وصححه من طريق ms3625 أبي سلمة، ~~عن أبي هريرة قال لما نزلت { إن الذين يغضون أصوتهم ~~عند رسول الله } قال أبو بكر والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول ~~الله لا أكلمك إلا كأخي السرار حتى ألقى الله. وأخرج البخاري، ومسلم ~~وغيرهما عن أنس قال لما نزلت { يأيها الذين ءامنوا لا ~~ترفعوا أصوتكم فوق صوت النبى } إلى قوله { ~~وأنتم لا تشعرون } وكان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت فقال ~~أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حبط عملي، أنا ~~من أهل النار، وجلس في بيته حزينا، ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فانطلق بعض القوم إليه، فقالوا فقدك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما ~~لك؟ قال أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي، وأجهر له بالقول، حبط عملي، ~~أنا من أهل النار، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبروه بذلك، فقال # " لا، بل هو من أهل الجنة " # فلما كان يوم اليمامة قتل. وفي الباب أحاديث بمعناه. وأخرج ابن مردويه ~~عن أبي هريرة في قوله { أولئك الذين امتحن الله ~~قلوبهم للتقوى } قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " منهم ثابت بن قيس بن شماس " # وأخرج أحمد، وابن جرير، وأبو القاسم البغوي، والطبراني، وابن مردويه، ~~قال السيوطي بسند صحيح من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن الأقرع بن ~~حابس، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد اخرج إلينا، فلم ~~يجبه، فقال يا محمد إن حمدي زين، وإن ذمي شين، فقال« ذاك الله»، فأنزل ~~الله { إن الذين ينادونك من وراء الحجرت } ، قال ابن ~~منيع لا أعلم روى الأقرع مسندا غير هذا. وأخرج الترمذي وحسنه، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن البراء بن عازب في ~~قوله { إن الذين ينادونك من وراء الحجرت } قال جاء ~~رجل فقال يا محمد إن حمدي زين، وإن ذمي شين، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم« ذاك الله». وأخرج ابن راهويه، ومسدد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن ~~المنذر، ms3626 وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه قال السيوطي بإسناد حسن ~~عن زيد بن أرقم قال اجتمع ناس من العرب فقالوا انطلقوا إلى هذا الرجل فإن ~~يك نبيا فنحن أسعد الناس به، وإن يك ملكا نعش بجناحه، فأتيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأخبرته بما قالوا، فجاءوا إلى حجرته، فجعلوا ينادونه يا ~~محمد يا محمد فأنزل الله { إن الذين ينادونك من وراء ~~الحجرت أكثرهم لا يعقلون } فأخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بأذني، وجعل يقول # " لقد صدق الله قولك يا زيد، لقد صدق الله قولك يا زيد " # وفي الباب أحاديث. وأخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن منده، ~~وابن مردويه، قال السيوطي بسند جيد عن الحارث بن ضرار الخزاعي قال قدمت ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاني إلى الإسلام، فدخلت فيه وأقررت ~~به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت يا رسول الله أرجع إلى قومي، ~~فأدعوهم إلى الإسلام، وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، وترسل ~~إلي يا رسول الله رسولا لإبان كذا وكذا ليأتيك ما جمعت من الزكاة، فلما ~~جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يبعث إليه احتبس الرسول، فلم يأت، فظن الحارث أن قد ~~حدث فيه سخطة من الله ورسوله، فدعا سروات قومه، فقال لهم إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان وقت لي وقتا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي ~~من الزكاة وليس من رسول الله الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة، ~~فانطلقوا فنأتي رسول الله، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن ~~عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار ~~الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع، فأتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال إن الحارث منعني الزكاة، وأراد قتلي، فضرب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم البعث إلى الحارث، فأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقل البعث، ~~وفصل عن المدينة ms3627 لقيهم الحارث فقالوا هذا الحارث؟ فلما غشيهم قال لهم إلى ~~من بعثتم؟ قالوا إليك، قال ولم؟ قالوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة، وأردت قتله، قال لا، ~~والذي بعث محمدا بالحق ما رأيته بتة، ولا أتاني، فلما دخل الحارث على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " منعت الزكاة، وأردت قتل رسولي " # ؟ قال لا والذي بعثك بالحق ما رأيته، ولا رآني، وما أقبلت إلا حين ~~احتبس علي رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم خشيت أن تكون كانت سخطة من ~~الله ورسوله، فنزل { يأيها الذين ءامنوا إن جاءكم ~~فاسق بنبإ } إلى قوله { حكيم } قال ابن كثير هذا من أحسن ما ~~روي في سبب نزول الآية. وقد رويت روايات كثيرة متفقة على أنه سبب نزول ~~الآية، وأنه المراد بها وإن اختلفت القصص. ### || [49.9-12] # قوله { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } قرأ ~~الجمهور { اقتتلوا } باعتبار كل فرد من أفراد الطائفتين كقوله # هذان خصمان اختصموا # الحج 19 والضمير في قوله { بينهما } عائد إلى الطائفتين باعتبار ~~اللفظ. وقرأ ابن أبي عبلة اقتتلتا اعتبارا بلفظ طائفتان، وقرأ زيد بن ~~علي، وعبيد بن عمير اقتتلا وتذكير الفعل في هذه القراءة باعتبار ~~الفريقين، أو الرهطين. والبغي التعدي بغير حق، والامتناع من الصلح ~~الموافق للصواب، والفيء الرجوع. والمعنى أنه إذا تقاتل فريقان من ~~المسلمين، فعلى المسلمين أن يسعوا بالصلح بينهم، ويدعوهم إلى حكم الله، ~~فإن حصل بعد ذلك التعدي من إحدى الطائفتين على الأخرى، ولم تقبل الصلح، ~~ولا دخلت فيه كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية حتى ترجع ~~إلى أمر الله وحكمه، فإن رجعت تلك الطائفة الباغية عن بغيها، وأجابت ~~الدعوة إلى كتاب الله وحكمه، فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في ~~الحكم، ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله، ويأخذوا على يد الطائفة ~~الظالمة حتى تخرج من الظلم، وتؤدي ما يجب عليها للأخرى. ثم أمر الله ~~سبحانه المسلمين أن يعدلوا في كل أمورهم بعد أمرهم بهذا العدل الخاص ms3628 ~~بالطائفتين المقتتلتين فقال { وأقسطوا إن الله يحب ~~المقسطين } أي واعدلوا إن الله يحب العادلين، ومحبته لهم تستلزم ~~مجازاتهم بأحسن الجزاء. قال الحسن، وقتادة، والسدي { فأصلحوا ~~بينهما } بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضى بما فيه لهما وعليهما { ~~فإن بغت إحداهما } وطلبت ما ليس لها، ولم ترجع إلى الصلح { ~~فقتلوا التى تبغى } حتى ترجع إلى طاعة الله، والصلح الذي ~~أمر الله به، وجملة { إنما المؤمنون إخوة } مستأنفة مقررة ~~لما قبلها من الأمر بالإصلاح، والمعنى أنهم راجعون إلى أصل واحد، وهو ~~الإيمان. قال الزجاج الدين يجمعهم، فهم إخوة إذا كانوا متفقين في دينهم، ~~فرجعوا بالاتفاق في الدين إلى أصل النسب لأنهم لآدم وحواء { ~~فأصلحوا بين أخويكم } يعني كل مسلمين تخاصما وتقاتلا، ~~وتخصيص الاثنين بالذكر لإثبات وجوب الإصلاح فيما فوقهما بطريق الأولى. ~~قرأ الجمهور { بين أخويكم } على التثنية، وقرأ زيد بن ثابت، وعبد الله بن ~~مسعود، والحسن، وحماد بن سلمة، وابن سيرين { إخوانكم } بالجمع، وروي عن ~~أبي عمرو، ونصر بن عاصم، وأبي العالية، والجحدري، ويعقوب أنهم قرءوا بين ~~إخوتكم بالفوقية على الجمع أيضا. قال أبو علي الفارسي في توجيه قراءة ~~الجمهور أراد بالأخوين الطائفتين لأن لفظ التثنية قد يرد، ويراد به ~~الكثرة. وقال أبو عبيدة أي أصلحوا بين كل أخوين { واتقوا الله } ~~في كل أموركم { لعلكم ترحمون } بسبب التقوى، والترجي باعتبار ~~المخاطبين، أي راجين أن ترحموا، وفي هذه الآية دليل على قتال الفئة ~~الباغية إذا تقرر بغيها على الإمام، أو على أحد من المسلمين، وعلى فساد ~~قول من قال بعدم الجواز مستدلا بقوله صلى الله عليه وسلم # " قتال المسلم كفر " # ، فإن المراد بهذا الحديث، وما ورد في معناه قتال المسلم الذي لم يبغ. ~~قال ابن جرير لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين فريقين من المسلمين ~~الهرب منه، ولزوم المنازل لما أقيم حق، ولا أبطل باطل، ولوجد أهل النفاق ~~والفجور سببا إلى استحلال كل ما حرم الله عليهم من أموال المسلمين، ~~وسبي نسائهم، وسفك دمائهم بأن يتحزبوا عليهم، ولكف المسلمين أيديهم ~~عنهم، وذلك ms3629 مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم # " خذوا على أيدي سفهائكم " # قال ابن العربي هذه الآية أصل في قتال المسلمين، وعمدة في حرب ~~المتأولين، وعليها عول الصحابة، وإليها لجأ الأعيان من أهل الملة، ~~وإياها عنى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله # " تقتل عمارا الفئة الباغية " # ، وقوله صلى الله عليه وسلم في شأن الخوارج # " يخرجون على حين فرقة من الناس تقتلهم أولى الطائفتين بالحق " # { يأيها الذين ءامنوا لا يسخر قوم من قوم ~~عسى أن يكونوا خيرا منهم } السخرية الاستهزاء. وحكى أبو ~~زيد سخرت به، وضحكت به، وهزأت به. وقال الأخفش سخرت منه وسخرت به، وضحكت ~~منه وضحكت به، وهزأت منه وهزأت به، كل ذلك يقال، والاسم السخرية والسخرى، ~~وقرىء بهما في # ليتخذ بعضهم بعضا سخريا # الزخرف 32، ومعنى الآية النهي للمؤمنين عن أن يستهزىء بعضهم ببعض، وعلل ~~هذا النهي بقوله { عسى أن يكونوا خيرا منهم } أي أن يكون ~~المسخور بهم عند الله خيرا من الساخرين بهم، ولما كان لفظ قوم مختصا ~~بالرجال لأنهم القوم على النساء أفرد النساء بالذكر فقال { ولا نساء ~~من نساء } أي ولا يسخر نساء من نساء { عسى أن يكن } المسخور ~~بهن { خيرا منهن } يعني خيرا من الساخرات منهن، وقيل أفرد ~~النساء بالذكر لأن السخرية منهن أكثر { ولا تلمزوا أنفسكم } ~~اللمز العيب، وقد مضى تحقيقه في سورة براءة عند قوله # ومنهم من يلمزك في الصدقت # التوبة 58 قال ابن جرير اللمز باليد والعين واللسان والإشارة، والهمز لا ~~يكون إلا باللسان، ومعنى { لا تلمزوا أنفسكم } لا يلمز بعضكم ~~بعضا، كما في قوله # ولا تقتلوا أنفسكم # النساء 29 وقوله # فسلموا على أنفسكم # النور 61. قال مجاهد، وقتادة، وسعيد بن جبير لا يطعن بعضكم على بعض. ~~وقال الضحاك لا يلعن بعضكم بعضا { ولا تنابزوا بالألقب } ~~التنابز التفاعل من النبز بالتسكين، وهو المصدر، والنبز بالتحريك اللقب، ~~والجمع أنباز، والألقاب جمع لقب، وهو اسم غير الذي سمي به الإنسان، ~~والمراد هنا لقب السوء، والتنابز بالألقاب أن يلقب بعضهم بعضا. # قال الواحدي قال المفسرون هو أن يقول ms3630 لأخيه المسلم يا فاسق يا منافق، أو ~~يقول لمن أسلم يا يهودي يا نصراني، قال عطاء هو كل شيء أخرجت به أخاك من ~~الإسلام، كقولك يا كلب يا حمار يا خنزير. قال الحسن، ومجاهد كان الرجل ~~يعير بكفره، فيقال له يا يهودي يا نصراني فنزلت، وبه قال قتادة، وأبو ~~العالية، وعكرمة { بئس الاسم الفسوق بعد الايمان } أي بئس ~~الاسم الذي يذكروا بالفسق بعد دخولهم في الإيمان، والاسم هنا بمعنى ~~الذكر. قال ابن زيد أي بئس أن يسمى الرجل كافرا أو زانيا بعد إسلامه ~~وتوبته. وقيل المعنى أن من فعل ما نهي عنه من السخرية واللمز والنبذ، فهو ~~فاسق. قال القرطبي إنه يستثنى من هذا من غلب عليه الاستعمال كالأعرج ~~والأحدب، ولم يكن له سبب يجد في نفسه منه عليه، فجوزته الأئمة، واتفق ~~على قوله أهل اللغة. ا.ه. { ومن لم يتب } عما نهى الله عنه { ~~فأولئك هم الظلمون } لارتكابهم ما نهى الله عنه، ~~وامتناعهم من التوبة، فظلموا من لقبوه، وظلمهم أنفسهم بما لزمها من ~~الإثم. { يأيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا من ~~الظن } الظن هنا هو مجرد التهمة التي لا سبب لها كمن يتهم غيره بشيء ~~من الفواحش، ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك، وأمر سبحانه باجتناب الكثير ~~ليفحص المؤمن عن كل ظن يظنه حتى يعلم وجهه لأن من الظن ما يجب اتباعه، ~~فإن أكثر الأحكام الشرعية مبنية على الظن، كالقياس وخبر الواحد ودلالة ~~العموم ولكن هذا الظن الذي يجب العمل به قد قوي بوجه من الوجوه الموجبة ~~للعمل به، فارتفع عن الشك والتهمة. قال الزجاج هو أن يظن بأهل الخير ~~سوءا، فأما أهل السوء والفسوق، فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم. قال ~~مقاتل بن سليمان، ومقاتل بن حيان هو أن يظن بأخيه المسلم سوءا، ولا بأس ~~به ما لم يتكلم به، فإن تكلم بذلك الظن وأبداه أثم. وحكى القرطبي عن ~~أكثر العلماء أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز، وأنه لا حرج في ~~الظن القبيح بمن ظاهره القبيح، ms3631 وجملة { إن بعض الظن إثم } ~~تعليل لما قبلها من الأمر باجتناب كثير من الظن، وهذا البعض هو ظن ~~السوء بأهل الخير، والإثم هو ما يستحقه الظان من العقوبة. ومما يدل على ~~تقييد هذا الظن المأمور باجتنابه بظن السوء قوله تعالى # وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا # الفتح 12 فلا يدخل في الظن المأمور باجتنابه شيء من الظن المأمور ~~باتباعه في مسائل الدين، فإن الله قد تعبد عباده باتباعه، وأوجب العمل به ~~جمهور أهل العلم، ولم ينكر ذلك إلا بعض طوائف المبتدعة كيادا للدين، ~~وشذوذا عن جمهور المسلمين، وقد جاء التعبد بالظن في كثير من الشريعة ~~المطهرة بل في أكثرها. # ثم لما أمرهم الله سبحانه باجتناب كثير من الظن نهاهم عن التجسس فقال { ~~ولا تجسسوا } التجسس البحث عما ينكتم عنك من عيوب المسلمين ~~وعوراتهم، نهاهم الله سبحانه عن البحث عن معايب الناس ومثالبهم. قرأ ~~الجمهور { تجسسوا } بالجيم، ومعناه ما ذكرنا. وقرأ الحسن، وأبو رجاء، ~~وابن سيرين بالحاء. قال الأخفش ليس يبعد أحدهما من الآخر لأن التجسس ~~بالجيم البحث عما يكتم عنك، والتحسس بالحاء طلب الأخبار، والبحث عنها. ~~وقيل إن التجسس بالجيم هو البحث، ومنه قيل رجل جاسوس إذا كان يبحث عن ~~الأمور، وبالحاء ما أدركه الإنسان ببعض حواسه. وقيل إنه بالحاء فيما ~~يطلبه الإنسان لنفسه، وبالجيم أن يكون رسولا لغيره، قاله ثعلب { ولا ~~يغتب بعضكم بعضا } أي لا يتناول بعضكم بعضا بظهر الغيب بما ~~يسوءه، والغيبة أن تذكر الرجل بما يكرهه، كما في حديث أبي هريرة الثابت ~~في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أتدرون ما الغيبة؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال ذكرك أخاك بما يكره، ~~فقيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ فقال إن كان فيه ما تقول، فقد ~~اغتبته، وإن لم يكن فيه، فقد بهته " # { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا } مثل ~~سبحانه الغيبة بأكل الميتة لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه، كما أن الحي لا ~~يعلم بغيبة من اغتابه، ذكر معناه الزجاج. وفيه ms3632 إشارة إلى أن عرض الإنسان ~~كلحمه، وأنه كما يحرم أكل لحمه يحرم الاستطالة في عرضه، وفي هذا من ~~التنفير عن الغيبة، والتوبيخ لها، والتوبيخ لفاعلها، والتشنيع عليه ما لا ~~يخفى، فإن لحم الإنسان مما تنفر عن أكله الطباع الإنسانية، وتستكرهه ~~الجبلة البشرية، فضلا عن كونه محرما شرعا { فكرهتموه } قال ~~الفراء تقديره فقد كرهتموه فلا تفعلوا، والمعنى فكما كرهتم هذا، فاجتنبوا ~~ذكره بالسوء غائبا. قال الرازي الفاء في تقدير جواب كلام كأنه قال لا ~~يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه، فكرهتموه إذن. وقال أبو البقاء هو معطوف ~~على محذوف تقديره عرض عليكم ذلك، فكرهتموه { واتقوا الله } بترك ~~ما أمركم باجتنابه { إن الله تواب رحيم } لمن اتقاه، وتاب ~~عما فرط منه من الذنب ومخالفة الأمر. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما ~~عن أنس قال قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لو أتيت عبد الله بن أبي، ~~فانطلق إليه وركب حمارا، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فلما ~~انطلق إليه قال إليك عني، فوالله لقد آذاني ريح حمارك، فقال رجل من ~~الأنصار والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك، فغضب ~~لعبد الله رجال من قومه، فغضب لكل منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد ~~والأيدي والنعال، فنزلت فيهم { وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا } الآية. # وقد روي نحو هذا من وجوه أخر. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن عمر ~~قال ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدت في نفسي من هذه الآية، إني لم أقاتل ~~هذه الفئة الباغية، كما أمرني الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~مردويه عن ابن عباس في الآية قال إن الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ~~والمؤمنين إذا اقتتلت طائفة من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله، وينصف ~~بعضهم من بعض، فإذا أجابوا حكم فيهم بحكم كتاب الله حتى ينصف المظلوم، ~~فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ، وحق على إمام المؤمنين والمؤمنين أن ~~يقاتلوهم حتى يفيئوا إلى أمر الله، ويقروا بحكم الله. وأخرج ابن ms3633 جرير، ~~وابن مردويه عن ابن عباس { وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا } الآية قال كان قتال بالنعال والعصي، فأمرهم أن يصلحوا ~~بينهما. وأخرج ابن مردويه، والبيهقي عن عائشة قالت ما رأيت مثل ما رغبت ~~عنه هذه الأمة في هذه الآية { وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما }. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ~~في قوله { يأيها الذين ءامنوا لا يسخر قوم من ~~قوم } قال نزلت في قوم من بني تميم استهزءوا من بلال، وسلمان، وعمار، ~~وخباب، وصهيب، وابن فهيرة، وسالم مولى أبي حذيفة. وأخرج عبد بن حميد، ~~والبخاري في الأدب، وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة، وابن جرير، وابن ~~المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله { ~~ولا تلمزوا أنفسكم } قال لا يطعن بعضكم على بعض. وأخرج أحمد، ~~وعبد بن حميد، والبخاري في الأدب وأهل السنن الأربع، وأبو يعلى، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن حبان، والشيرازي في الألقاب، والطبراني، وابن ~~السني في عمل يوم وليلة، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب ~~عن أبي جبيرة بن الضحاك قال فينا نزلت في بني سلمة { ولا تنابزوا ~~بالألقب } قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وليس فينا ~~رجل إلا وله اسمان، أو ثلاثة، فكان إذا دعا واحدا منهم باسم من تلك ~~الأسماء قالوا يا رسول الله إنه يكرهه، فنزلت { ولا تنابزوا ~~بالألقب }. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن جرير عن ~~ابن عباس قال التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيئات، ثم تاب منها ~~وراجع الحق، فنهى الله أن يعير بما سلف من عمله. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في الآية قال إذا كان الرجل يهوديا، فأسلم، ~~فيقول يا يهودي، يا نصراني، يا مجوسي، ويقول للرجل المسلم يا فاسق. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان عن ~~ابن عباس في قوله { يأيها الذين ءامنوا اجتنبوا ~~كثيرا من الظن } قال نهى الله المؤمن أن يظن بالمؤمن سوءا. ms3634 # وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا، ولا ~~تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يخطب ~~الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح، أو يترك " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن ابن ~~عباس في قوله { ولا تجسسوا } قال نهى الله المؤمن أن يتتبع عورات ~~المؤمن. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو داود، وابن ~~المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن زيد بن وهب قال أتى ابن ~~مسعود، فقيل هذا فلان تقطر لحيته خمرا، فقال ابن مسعود إنا قد نهينا عن ~~التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذه. وقد وردت أحاديث في النهي عن تتبع ~~عورات المسلمين، والتجسس عن عيوبهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله { ولا يغتب ~~بعضكم بعضا } الآية. قال حرم الله أن يغتاب المؤمن بشيء، كما ~~حرم الميتة. والأحاديث في تحريم الغيبة كثيرة جدا معروفة في كتب ~~الحديث. ### || [49.13-18] # قوله { يأيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى ~~} هما آدم وحواء، والمقصود أنهم متساوون لاتصالهم بنسب واحد، وكونه ~~يجمعهم أب واحد وأم واحدة، وأنه لا موضع للتفاخر بينهم بالأنساب، وقيل ~~المعنى أن كل واحد منكم من أب وأم، فالكل سواء { وجعلنكم ~~شعوبا وقبائل } الشعوب جمع شعب بفتح الشين، وهو الحي العظيم، ~~مثل مضر، وربيعة، والقبائل دونها كبني بكر من ربيعة، وبني تميم من مضر. ~~قال الواحدي هذا قول جماعة من المفسرين، سموا شعبا، لتشعبهم واجتماعهم ~~كشعب أغصان الشجرة، والشعب من أسماء الأضداد، يقال شعبته إذا جمعته، ~~وشعبته إذا فرقته، ومنه سميت المنية شعوبا لأنها مفرقة، فأما الشعب ~~بالكسر فهو الطريق في الجبل. قال الجوهري الشعب ما تشعب من قبائل العرب ~~والعجم، والجمع الشعوب. وقال مجاهد الشعوب البعيد من النسب، والقبائل دون ~~ذلك. وقال قتادة الشعوب النسب الأقرب. وقيل إن الشعوب ms3635 عرب اليمن من ~~قحطان، والقبائل من ربيعة، ومضر، وسائر عدنان. وقيل الشعوب بطون العجم، ~~والقبائل بطون العرب. وحكى أبو عبيد أن الشعب أكثر من القبيلة، ثم ~~القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، ثم العشيرة. ومما ~~يؤيد ما قاله الجمهور من أن الشعب أكثر من القبيلة قول الشاعر # قبائل من شعوب ليس فيهم كريم قد يعد ولا نجيب # قرأ الجمهور { لتعارفوا } بتخفيف التاء، وأصله لتتعارفوا، فحذفت إحدى ~~التاءين. وقرأ البزي بتشديدها على الإدغام. وقرأ الأعمش بتاءين واللام ~~متعلقة بخلقناكم، أي خلقناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضا. وقرأ ابن عباس ~~لتعرفوا مضارع عرف. والفائدة في التعارف أن ينتسب كل واحد منهم إلى نسبه، ~~ولا يعتري إلى غيره. والمقصود من هذا أن الله سبحانه خلقهم كذلك لهذه ~~الفائدة لا للتفاخر بأنسابهم، ودعوى أن هذا الشعب أفضل من هذا الشعب، ~~وهذه القبيلة أكرم من هذه القبيلة، وهذا البطن أشرف من هذا البطن. ثم علل ~~سبحانه ما يدل عليه الكلام من النهي عن التفاخر، فقال { إن ~~أكرمكم عند الله أتقكم } أي إن التفاضل بينكم إنما هو ~~بالتقوى، فمن تلبس بها فهو المستحق لأن يكون أكرم ممن لم يتلبس بها، ~~وأشرف وأفضل، فدعوا ما أنتم فيه من التفاخر بالأنساب، فإن ذلك لا يوجب ~~كرما، ولا يثبت شرفا، ولا يقتضي فضلا. قرأ الجمهور { إن أكرمكم } بكسر ~~إن. وقرأ ابن عباس بفتحها، أي لأن أكرمكم { إن الله عليم } بكل ~~معلوم، ومن ذلك أعمالكم { خبير } بما تسرون وما تعلنون لا تخفى عليه ~~من ذلك خافية. ولما ذكر سبحانه أن أكرم الناس عند الله أتقاهم له، وكان ~~أصل التقوى الإيمان ذكر ما كانت تقوله العرب من دعوى الإيمان ليثبت لهم ~~الشرف والفضل، فقال { قالت الاعراب ءامنا } وهم بنو أسد أظهروا ~~الإسلام في سنة مجدبة يريدون الصدقة، فأمر الله سبحانه رسوله صلى الله ~~عليه وسلم أن يرد عليهم، فقال { قل لم تؤمنوا } أي لم تصدقوا ~~تصديقا صحيحا عن اعتقاد قلب، وخلوص نية، وطمأنينة { ولكن قولوا ~~أسلمنا } أي استسلمنا خوف ms3636 القتل والسبي، أو للطمع في الصدقة، وهذه ~~صفة المنافقين لأنهم أسلموا في ظاهر الأمر، ولم تؤمن قلوبهم، ولهذا قال ~~سبحانه { ولما يدخل الإيمن فى قلوبكم } أي لم يكن ما ~~أظهرتموه بألسنتكم عن مواطأة قلوبكم، بل مجرد قول باللسان من دون اعتقاد ~~صحيح، ولا نية خالصة، والجملة إما مستأنفة لتقرير ما قبلها، أو في محل ~~نصب على الحال، وفي «لما» معنى التوقع. # قال الزجاج الإسلام إظهار الخضوع، وقبول ما أتى به النبي، وبذلك يحقن ~~الدم، فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب، فذلك الإيمان وصاحبه ~~المؤمن. وقد أخرج هؤلاء من الإيمان بقوله { ولما يدخل الإيمن ~~فى قلوبكم } أي لم تصدقوا، وإنما أسلمتم تعوذا من القتل { وإن ~~تطيعوا الله ورسوله } طاعة صحيحة صادرة عن نيات خالصة، وقلوب ~~مصدقة غير منافقة { لا يلتكم من أعملكم شيئا } يقال ~~لات يلت إذا نقص، ولاته يليته ويلوته إذا نقصه، والمعنى لا ينقصكم من ~~أعمالكم شيئا. قرأ الجمهور { يلتكم } من لاته يليته كباع يبيعه. وقرأ ~~أبو عمرو لا يألتكم بالهمز من ألته يألته بالفتح في الماضي، والكسر في ~~المضارع، واختار قراءة أبي عمرو، أبو حاتم لقوله # وما ألتنهم من عملهم من شىء # الطور 21 وعليها قول الشاعر # أبلغ بني أسد عني مغلغلة جهر الرسالة لا ألتا ولا كذبا # واختار أبو عبيدة قراءة الجمهور، وعليها قول رؤبة بن العجاج # وليلة ذات ندى سريت ولم يلتني عن سراها ليت # وهما لغتان فصيحتان { إن الله غفور } أي بليغ المغفرة لمن فرط ~~منه ذنب { رحيم } بليغ الرحمة لهم. ثم لما ذكر سبحانه أن أولئك الذين ~~قالوا آمنا لم يؤمنوا، ولا دخل الإيمان في قلوبهم، بين المؤمنين ~~المستحقين لإطلاق اسم الإيمان عليهم، فقال { إنما المؤمنون ~~الذين ءامنوا بالله ورسوله } يعني إيمانا صحيحا خالصا ~~عن مواطأة القلب واللسان { ثم لم يرتابوا } أي لم يدخل قلوبهم ~~شيء من الريب، ولا خالطهم شك من الشكوك { وجهدوا بأمولهم ~~وأنفسهم فى سبيل الله } أي في طاعته وابتغاء مرضاته، ويدخل ~~في الجهاد الأعمال الصالحة التي أمر الله ms3637 بها، فإنها من جملة ما يجاهد ~~المرء به نفسه حتى يقوم به ويؤديه، كما أمر الله سبحانه، والإشارة بقوله ~~{ أولئك } إلى الجامعين بين الأمور المذكورة، وهو مبتدأ، وخبره ~~قوله { هم الصدقون } أي الصادقون في الاتصاف بصفة الإيمان، ~~والدخول في عداد أهله، لا من عداهم ممن أظهر الإسلام بلسانه، وادعى أنه ~~مؤمن، ولم يطمئن بالإيمان قلبه، ولا وصل إليه معناه، ولا عمل بأعمال ~~أهله، وهم الأعراب الذين تقدم ذكرهم، وسائر أهل النفاق. # ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يقول لأولئك الأعراب وأمثالهم قولا آخر ~~لما ادعوا أنهم مؤمنون، فقال { قل أتعلمون الله بدينكم ~~} التعليم ها هنا بمعنى الإعلام، ولهذا دخلت الباء في بدينكم، أي ~~أتخبرونه بذلك حيث قلتم آمنا { والله يعلم ما فى ~~السموات وما في الأرض } فكيف يخفى عليه بطلان ما تدعونه من ~~الإيمان، والجملة في محل النصب على الحال من مفعول تعلمون { والله ~~بكل شيء عليم } لا تخفى عليه من ذلك خافية، وقد علم ما تبطنونه ~~من الكفر، وتظهرونه من الإسلام لخوف الضراء ورجاء النفع. ثم أخبر الله ~~سبحانه رسوله بما يقوله لهم عند المن عليه منهم بما يدعونه من الإسلام ~~فقال { يمنون عليك أن أسلموا } أي يعدون إسلامهم منة ~~عليك حيث قالوا جئناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان ~~وبنو فلان { قل لا تمنوا على إسلمكم } أي لا تعدوه ~~منة علي، فإن الإسلام هو المنة التي لا يطلب موليها ثوابا لمن أنعم ~~بها عليه، ولهذا قال { بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمن } أي أرشدكم إليه، وأراكم طريقه سواء وصلتم إلى المطلوب أم ~~لم تصلوا إليه، وانتصاب { إسلامكم } إما على أنه مفعول به على تضمين ~~يمنون معنى يعدون، أو بنزع الخافض، أي لأن أسلموا، وهكذا قوله { أن ~~هداكم للإيمن } فإنه يحتمل الوجهين { إن كنتم صدقين } ~~فيما تدعونه، والجواب محذوف يدل عليه ما قبله، أي إن كنتم صادقين، ~~فلله المنة عليكم. قرأ الجمهور { أن هداكم } بفتح " أن " ، وقرأ عاصم ~~بكسرها. { إن الله يعلم غيب السموات والأرض } أي ms3638 ~~ما غاب فيهما { والله بصير بما تعملون } لا يخفى عليه من ~~ذلك شيء، فهو مجازيكم بالخير خيرا، وبالشر شرا. قرأ الجمهور { تعملون ~~} على الخطاب، وقرأ ابن كثير على الغيبة. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والبيهقي في الدلائل عن ابن أبي مليكة قال لما كان يوم الفتح رقى ~~بلال فأذن على الكعبة، فقال بعض الناس أهذا العبد الأسود يؤذن على ظهر ~~الكعبة. وقال بعضهم إن يسخط الله هذا يغيره، فنزلت { يأيها الناس ~~إنا خلقنكم من ذكر وأنثى }. وأخرج ابن المنذر عن ابن ~~جريج نحوه. وأخرج أبو داود في مراسيله، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ~~الزهري قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني بياضة أن يزوجوا أبا ~~هند امرأة منهم، فقالوا يا رسول الله، أنزوج بناتنا موالينا؟ فنزلت هذه ~~الآية. # وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية { يأيها الناس ~~إنا خلقنكم من ذكر وأنثى } هي مكية، وهي للعرب خاصة ~~الموالي، أي قبيلة لهم، وأي شعاب، وقوله { إن أكرمكم عند ~~الله أتقكم } فقال أتقاكم للشرك. وأخرج البخاري، وابن جرير عن ~~ابن عباس قال الشعوب القبائل العظام، والقبائل البطون. وأخرج الفريابي، ~~وابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال القبائل الأفخاذ، والشعوب الجمهور مثل ~~مضر. وأخرج البخاري، وغيره عن أبي هريرة قال سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أي الناس أكرم؟ قال # " أكرمهم عند الله أتقاهم " # قالوا ليس عن هذا نسألك، قال # " فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل ~~الله " # قالوا ليس عن هذا نسألك، قال # " فعن معادن العرب تسألوني " # ؟ قالوا نعم، قال # " خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا " # وقد وردت أحاديث في الصحيح، وغيره أن التقوى هي التي يتفاضل بها العباد. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله { قالت ~~الأعراب ءامنا } قال أعراب بني أسد، وخزيمة، وفي قوله { ولكن ~~قولوا أسلمنا } مخافة القتل والسبي. وأخرج ابن جرير عن قتادة ~~أنها نزلت في ms3639 بني أسد. وأخرج ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه قال ~~السيوطي بسند حسن عن عبد الله بن أبي أوفى أن ناسا من العرب قالوا يا ~~رسول الله، أسلمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، فأنزل الله { ~~يمنون عليك أن أسلموا }. وأخرج النسائي، والبزار، وابن ~~مردويه عن ابن عباس نحوه، وذكر أنهم بنو أسد. ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1-15] # قوله { ق والقرءان المجيد } الكلام في إعراب هذا كالكلام الذي ~~قدمنا في قوله # ص والقرءان ذى الذكر # ص 1 وفي قوله # حم * والكتب المبين # الدخان 1، 2 واختلف في معنى { ق } ، فقال الواحدي قال المفسرون هو اسم ~~جبل يحيط بالدنيا من زبرجد، والسماء مقببة عليه، وهو وراء الحجاب الذي ~~تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة. قال الفراء كان يجب على هذا أن يظهر ~~الإعراب في { ق } لأنه اسم، وليس بهجاء. قال ولعل القاف وحدها ذكرت من ~~اسمه كقول القائل # قلت لها قفي، فقالت قاف # أي أنا واقفة. وحكى الفراء، والزجاج أن قوما قالوا معنى { ق } قضي ~~الأمر، وقضي ما هو كائن، كما قيل في { حم } حم الأمر. وقيل هو اسم من ~~أسماء الله أقسم به. وقال قتادة هو اسم من أسماء القرآن. وقال الشعبي ~~فاتحة السورة. وقال أبو بكر الوراق معناه قف عند أمرنا ونهينا ولا ~~تعدهما، وقيل غير ذلك مما هو أضعف منه، والحق أنه من المتشابه الذي ~~استأثر الله بعلمه، كما حققنا ذلك في فاتحة سورة البقرة، ومعنى { المجيد ~~} أنه ذو مجد وشرف على سائر الكتب المنزلة. وقال الحسن الكريم، وقيل ~~الرفيع القدر، وقيل الكبير القدر، وجواب القسم قال الكوفيون هو قوله { ~~بل عجبوا } وقال الأخفش جوابه محذوف كأنه قال ق والقرآن المجيد ~~لتبعثن، يدل عليه { أءذا متنا وكنا ترابا } وقال ابن كيسان ~~جوابه { ما يلفظ من قول } وقيل هو { قد علمنا ما ~~تنقص الأرض منهم } بتقدير اللام أي لقد علمنا، وقيل هو محذوف ~~وتقديره أنزلناه إليك لتنذر، كأنه قيل ق والقرآن المجيد، أنزلناه إليك ~~لتنذر به الناس. قرأ الجمهور قاف بالسكون. وقرأ ms3640 الحسن، وابن أبي إسحاق، ~~ونصر بن عاصم بكسر الفاء. وقرأ عيسى الثقفي بفتح الفاء. وقرأ هارون، ~~ومحمد بن السميفع بالضم. { بل عجبوا أن جاءهم منذر ~~منهم } " بل " للإضراب عن الجواب على اختلاف الأقوال، و " أن " في ~~موضع نصب على تقدير لأن جاءهم. والمعنى بل عجب الكفار لأن جاءهم منذر ~~منهم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يكتفوا بمجرد الشك والرد، بل ~~جعلوا ذلك من الأمور العجيبة، وقيل هو إضراب عن وصف القرآن بكونه مجيدا، ~~وقد تقدم تفسير هذا في سورة { ص }. ثم فسر ما حكاه عنهم من كونهم عجبوا ~~بقوله { فقال الكفرون هذا شىء عجيب } وفيه زيادة ~~تصريح وإيضاح. قال قتادة عجبهم أن دعوا إلى إله واحد، وقيل تعجبهم من ~~البعث، فيكون لفظ { هذا } إشارة إلى مبهم يفسره ما بعده من قوله { أءذا ~~متنا } إلخ، والأول أولى. قال الرازي الظاهر أن قولهم هذا إشارة إلى ~~مجيء المنذر. # ثم قالوا { أءذا متنا } وأيضا قد وجد ها هنا بعد الاستبعاد ~~بالاستفهام أمر يؤدي معنى التعجب، وهو قولهم { ذلك رجع بعيد } ~~فإنه استبعاد وهو كالتعجب، فلو كان التعجب بقولهم { هذا شىء ~~عجيب } عائدا إلى قولهم { أئذا } لكان كالتكرار، فإن قيل التكرار ~~الصريح يلزم من قولك هذا شيء عجيب أنه يعود إلى مجيء المنذر، فإن تعجبهم ~~منه علم من قولهم وعجبوا أن جاءهم، فقوله { هذا شىء عجيب } يكون ~~تكرارا، فنقول ذلك ليس بتكرار بل هو تقرير لأنه لما قال { بل عجبوا } ~~بصيغة الفعل وجاز أن يتعجب الإنسان مما لا يكون عجبا كقوله # أتعجبين من أمر الله # هود 73 ويقال في العرف لا وجه لتعجبك مما ليس بعجب، فكأنهم لما عجبوا ~~قيل لهم لا معنى لتعجبكم، فقالوا { هذا شىء عجيب } فكيف لا نعجب ~~منه، ويدل على ذلك قوله ها هنا { فقال الكفرون } بالفاء، ~~فإنها تدل على أنه مترتب على ما تقدم، قرأ الجمهور { أئذا متنا } ~~بالاستفهام. وقرأ ابن عامر في رواية عنه، وأبو جعفر، والأعمش، والأعرج ~~بهمزة واحدة، فيحتمل الاستفهام كقراءة الجمهور، وهمزة الاستفهام ms3641 مقدرة، ~~ويحتمل أن معناه الإخبار، والعامل في الظرف مقدر، أي أيبعثنا، أو أنرجع ~~إذا متنا لدلالة ما بعده عليه، هذا على قراءة الجمهور، وأما على القراءة ~~الثانية، فجواب " إذا " محذوف أي رجعنا، وقيل ذلك رجع، والمعنى استنكارهم ~~للبعث بعد موتهم ومصيرهم ترابا. ثم جزموا باستبعادهم للبعث، فقالوا { ~~ذلك } أي البعث { رجع بعيد } أي بعيد عن العقول، أو الأفهام، أو ~~العادة، أو الإمكان، يقال رجعته أرجعه رجعا، ورجع هو يرجع رجوعا. ثم ~~رد سبحانه ما قالوه، فقال { قد علمنا ما تنقص الأرض ~~منهم } أي ما تأكل من أجسادهم، فلا يضل عنا شيء من ذلك، ومن أحاط ~~علمه بكل شيء حتى انتهى إلى علم ما يذهب من أجساد الموتى في القبور لا ~~يصعب عليه البعث، ولا يستبعد منه، وقال السدي النقص هنا الموت، يقول قد ~~علمنا من يموت منهم، ومن يبقى لأن من مات دفن، فكأن الأرض تنقص من ~~الأموات، وقيل المعنى من يدخل في الإسلام من المشركين، والأول أولى { ~~وعندنا كتب حفيظ } أي حافظ لعدتهم وأسمائهم ولكل شيء من ~~الأشياء، وهو اللوح المحفوظ، وقيل المراد بالكتاب هنا العلم والإحصاء، ~~والأول أولى. وقيل حفيظ بمعنى محفوظ، أي محفوظ من الشياطين، أو محفوظ ~~فيه كل شيء، ثم أضرب سبحانه عن كلامهم الأول وانتقل إلى ما هو أشنع منه ~~فقال { بل كذبوا بالحق } فإنه تصريح منهم بالتكذيب بعد ما ~~تقدم عنهم من الاستبعاد، والمراد بالحق هنا القرآن. قال الماوردي في قول ~~الجميع، وقيل هو الإسلام، وقيل محمد، وقيل النبوة الثابتة بالمعجزات { ~~لما جاءهم } أي وقت مجيئه إليهم من غير تدبر ولا تفكر ولا إمعان ~~نظر، قرأ الجمهور بفتح اللام وتشديد الميم. # وقرأ الجحدري بكسر اللام وتخفيف الميم { فهم فى أمر مريج } ~~أي مختلط مضطرب، يقولون مرة ساحر، ومرة شاعر، ومرة كاهن، قاله الزجاج، ~~وغيره. وقال قتادة مختلف. وقال الحسن ملتبس، والمعنى متقارب، وقيل فاسد، ~~والمعاني متقاربة، ومنه قولهم مرجت أمانات الناس أي فسدت، ومرج الدين، ~~والأمر اختلط { أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم } ~~الاستفهام للتقريع ms3642 والتوبيخ، أي كيف غفلوا عن النظر إلى السماء فوقهم { ~~كيف بنينها } ، وجعلناها على هذه الصفة مرفوعة بغير عماد تعتمد ~~عليه { وزينها } بما جعلنا فيها من المصابيح { وما لها من ~~فروج } أي فتوق وشقوق وصدوع، وهو جمع فرج، ومنه قول امرىء القيس # ويسد به فرجا من دبر # قال الكسائي ليس فيها تفاوت، ولا اختلاف، ولا فتوق { والأرض ~~مددنها } أي بسطناها { وألقينا فيها روسي } أي جبالا ~~ثوابت، وقد تقدم تفسير هذا في سورة الرعد. { وأنبتنا فيها من ~~كل زوج بهيج } أي من كل صنف حسن، وقد تقدم تفسير هذا في سورة ~~الحج. { تبصرة وذكرى لكل عبد منيب } هما علتان لما ~~تقدم منتصبان بالفعل الأخير منها، أو بمقدر، أي فعلنا ما فعلنا للتبصير ~~والتذكير، قاله الزجاج. وقال أبو حاتم انتصبا على المصدرية، أي جعلنا ذلك ~~تبصرة وذكرى. والمنيب الراجع إلى الله بالتوبة المتدبر في بديع صنعه، ~~وعجائب مخلوقاته. وفي سياق هذه الآيات تذكير لمنكري البعث، وإيقاظ لهم عن ~~سنة الغفلة، وبيان لإمكان ذلك وعدم امتناعه، فإن القادر على مثل هذه ~~الأمور يقدر عليه، وهكذا قوله { ونزلنا من السماء ماء ~~مبركا } أي نزلنا من السحاب ماء كثير البركة لانتفاع الناس به ~~في غالب أمورهم { فأنبتنا به جنت } أي أنبتنا بذلك الماء ~~بساتين كثيرة { وحب الحصيد } أي ما يقتات ويحصد من الحبوب، ~~والمعنى وحب الزرع الحصيد، وخص الحب لأنه المقصود، كذا قال البصريون. ~~وقال الكوفيون هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، كمسجد الجامع، حكاه ~~الفراء. قال الضحاك حب الحصيد البر والشعير، وقيل كل حب يحصد ويدخر ~~ويقتات { والنخل بسقت لها طلع نضيد } هو معطوف ~~على { جنات } أي وأنبتنا به النخل، وتخصيصها بالذكر مع دخولها في الجنات ~~للدلالة على فضلها على سائر الأشجار، وانتصاب { باسقات } على الحال، وهي ~~حال مقدرة لأنها وقت الإنبات لم تكن باسقة. قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة ~~الباسقات الطوال، وقال سعيد بن جبير مستويات. وقال الحسن، وعكرمة، ~~والفراء مواقير حوامل، يقال للشاة إذا بسقت ولدت، والأشهر في لغة العرب ~~الأول، يقال بسقت ms3643 النخلة بسوقا إذا طالت، ومنه قول الشاعر # لنا خمر وليست خمر كرم ولكن من نتاج الباسقات كرام في السماء ذهبن ~~طولا وفات ثمارها أيدي الجناة # وجملة { لها طلع نضيد } في محل نصب على الحال من { النخل } ، ~~الطلع هو أول ما يخرج من ثمر النخل، يقال طلع الطلع طلوعا، والنضيد ~~المتراكب الذي نضد بعضه على بعض، وذلك قبل أن ينفتح فهو نضيد في أكمامه ~~فإذا خرج من أكمامه، فليس بنضيد { رزقا للعباد } انتصابه على ~~المصدرية، أي رزقناهم رزقا، أو على العلة، أي أنبتنا هذه الأشياء للرزق ~~{ وأحيينا به بلدة ميتا } أي أحيينا بذلك الماء بلدة ~~مجدبة لا ثمار فيها ولا زرع، وجملة { كذلك الخروج } مستأنفة ~~لبيان أن الخروج من القبور عند البعث كمثل هذا الإحياء الذي أحيا الله به ~~الأرض الميتة، قرأ الجمهور { ميتا } على التخفيف، وقرأ أبو جعفر، وخالد ~~بالتثقيل. ثم ذكر سبحانه الأمم المكذبة، فقال { كذبت قبلهم ~~قوم نوح وأصحب الرس } هم قوم شعيب كما تقدم بيانه، وقيل ~~هم الذين جاءهم من أقصى المدينة رجل يسعى، وهم من قوم عيسى، وقيل هم ~~أصحاب الأخدود. والرس إما موضع نسبوا إليه، أو فعل، وهو حفر البئر، يقال ~~رس إذا حفر بئرا { وثمود وعاد وفرعون } أي فرعون وقومه { ~~وإخون لوط } جعلهم إخوانه لأنهم كانوا أصهاره، وقيل هم من قوم ~~إبراهيم، وكانوا من معارف لوط { وأصحاب الأيكة } تقدم الكلام على ~~الأيكة، واختلاف القراء فيها في سورة الشعراء مستوفى، ونبيهم الذي بعثه ~~الله إليهم شعيب { وقوم تبع } هو تبع الحميري الذي تقدم ذكره ~~في قوله # أهم خير أم قوم تبع # الدخان 37 واسمه سعد أبو كرب، وقيل أسعد. قال قتادة ذم الله قوم تبع، ~~ولم يذمه { كل كذب الرسل } التنوين عوض عن المضاف إليه، أي كل ~~واحد من هؤلاء كذب رسوله الذي أرسله الله إليه، وكذب ما جاء به من الشرع، ~~واللام في { الرسل } تكون للعهد، ويجوز أن تكون للجنس، أي كل طائفة من ~~هذه الطوائف كذبت جميع الرسل، وإفراد الضمير في { كذب } باعتبار ms3644 لفظ { كل ~~} ، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قيل له لا تحزن، ~~ولا تكثر غمك لتكذيب هؤلاء لك، فهذا شأن من تقدمك من الأنبياء، فإن ~~قومهم كذبوهم، ولم يصدقهم إلا القليل منهم { فحق وعيد } أي وجب ~~عليهم وعيدي، وحقت عليهم كلمة العذاب، وحل بهم ما قدره الله عليهم من ~~الخسف، والمسخ، والإهلاك بالأنواع التي أنزلها الله بهم من عذابه. { ~~أفعيينا بالخلق الأول } الاستفهام للتقريع والتوبيخ، ~~والجملة مستأنفة لتقرير أمر البعث الذي أنكرته الأمم، أي أفعجزنا بالخلق ~~حين خلقناهم أولا ولم يكونوا شيئا، فكيف نعجز عن بعثهم، يقال عييت ~~بالأمر إذا عجزت عنه، ولم أعرف وجهه. # قرأ الجمهور بكسر الياء الأولى بعدها ياء ساكنة. وقرأ ابن أبي عبلة ~~بتشديد الياء من غير إشباع. ثم ذكر أنهم في شك من البعث، فقال { بل ~~هم فى لبس من خلق جديد } أي في شك وحيرة واختلاط من خلق ~~مستأنف، وهو بعث الأموات، ومعنى الإضراب أنهم غير منكرين لقدرة الله على ~~الخلق الأول { بل هم فى لبس من خلق جديد }. وقد أخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { ق } قال هو اسم من أسماء ~~الله. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال خلق الله من وراء هذه الأرض بحرا ~~محيطا، ثم خلق وراء ذلك جبلا يقال له قاف السماء الدنيا مرفرفة عليه، ~~ثم خلق من وراء ذلك الجبل أرضا مثل تلك الأرض سبع مرات، ثم خلق من وراء ~~ذلك بحرا محيطا بها، ثم خلق وراء ذلك جبلا يقال له قاف السماء الثانية ~~مرفوعة عليه، حتى عد سبع أرضين، وسبعة أبحر، وسبعة أجبل، وسبع سموات، ~~قال وذلك قوله # والبحر يمده من بعده سبعة أبحر # لقمان 27 قال ابن كثير لا يصح سنده عن ابن عباس. وقال أيضا وفيه ~~انقطاع. وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عنه أيضا قال هو جبل وعروقه ~~إلى الصخرة التي عليها الأرض، فإذا أراد الله أن يزلزل قرية أمر ذلك ~~الجبل، فحرك ذلك العرق الذي يلي ms3645 تلك القرية فيزلزلها ويحركها، فمن ثم ~~يحرك القرية دون القرية. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عنه أيضا { ~~والقرءان المجيد } قال الكريم، وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال ~~القرآن المجيد ليس شيء أحسن منه ولا أفضل. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عنه أيضا { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } قال ~~أجسادهم وما يذهب منها. وأخرج ابن جرير عنه أيضا في الآية قال ما تأكل ~~من لحومهم وعظامهم وأشعارهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر ~~عنه أيضا قال المريج الشيء المتغير. وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه عن ~~قطبة قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح { ق } ، فلما ~~أتى على هذه الآية { والنخل بسقت } فجعلت أقول ما بسوقها؟ ~~قال # " طولها " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله ~~{ والنخل بسقت } قال الطول. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم ~~عنه في قوله { لها طلع نضيد } قال متراكم بعضه على بعض. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { أفعيينا بالخلق ~~الأول } يقول لم يعيينا الخلق الأول، وفي قوله { بل هم فى ~~لبس من خلق جديد } في شك من البعث. ### || [50.16-35] # قوله { ولقد خلقنا الإنسن ونعلم ما توسوس به ~~نفسه } هذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر بعض القدرة الربانية، والمراد ~~بالإنسان الجنس، وقيل آدم، والوسوسة هي في الأصل الصوت الخفي، والمراد ~~بها هنا ما يختلج في سره وقلبه وضميره، أي نعلم ما يخفي، ويكن في نفسه، ~~ومن استعمال الوسوسة في الصوت الخفي قول الأعشى # تسمع للحلى وسواسا إذا انصرفت # فاستعمل لما خفي من حديث النفس { ونحن أقرب إليه من ~~حبل الوريد } هو حبل العاتق، وهو ممتد من ناحية حلقه إلى عاتقه، ~~وهما وريدان من عن يمين وشمال. وقال الحسن الوريد الوتين، وهو عرق معلق ~~بالقلب، وهو تمثيل للقرب بقرب ذلك العرق من الإنسان، أي نحن أقرب إليه من ~~حبل وريده، والإضافة بيانية، أي حبل هو الوريد. وقيل الحبل ms3646 هو نفس ~~الوريد، فهو من باب مسجد الجامع. ثم ذكر سبحانه أنه مع علمه به وكل به ~~ملكين يكتبان، ويحفظان عليه عمله إلزاما للحجة فقال { إذ يتلقى ~~المتلقيان } الظرف منتصب بما في { أقرب } من معنى الفعل، ~~ويجوز أن يكون منصوبا بمقدر هو اذكر، والمعنى أنه أقرب إليه من حبل ~~وريده حين يتلقى { المتلقيان } ، وهما الملكان الموكلان به ما يلفظ به، ~~وما يعمل به، أي يأخذان ذلك ويثبتانه، والتلقي الأخذ، أي نحن أعلم ~~بأحواله غير محتاجين إلى الحفظة الموكلين به، وإنما جعلنا ذلك إلزاما ~~للحجة، وتوكيدا للأمر. قال الحسن، وقتادة، ومجاهد المتلقيان ملكان ~~يتلقيان عملك أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك، والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك. ~~وقال مجاهد أيضا وكل الله بالإنسان ملكين بالليل، وملكين بالنهار يحفظان ~~عمله، ويكتبان أثره { عن اليمين وعن الشمال قعيد } إنما ~~قال { قعيد } ، ولم يقل قعيدان وهما اثنان لأن المراد عن اليمين قعيد وعن ~~الشمال قعيد، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، كذا قال سيبويه كقول ~~الشاعر # نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف # وقال الفرزدق # وأتى وكان وكنت غير عذور # أي وكان غير عذور، وكنت غير عذور، وقال الأخفش، والفراء إن لفظ قعيد ~~يصلح للواحد والاثنين والجمع ولا يحتاج إلى تقدير في الأول. قال ~~الجوهري، غيره من أئمة اللغة والنحو فعيل وفعول مما يستوي فيه الواحد ~~والاثنان والجمع، والقعيد المقاعد كالجليس بمعنى المجالس { ما يلفظ ~~من قول إلا لديه رقيب عتيد } أي ما يتكلم من كلام، ~~فيلفظه ويرميه من فيه إلا لديه أي لدى ذلك اللافظ رقيب أي ملك يرقب قوله ~~ويكتبه، والرقيب الحافظ المتتبع لأمور الإنسان الذي يكتب ما يقوله من خير ~~وشر، فكاتب الخير هو ملك اليمين، وكاتب الشر ملك الشمال. والعتيد الحاضر ~~المهيأ. # قال الجوهري العتيد الحاضر المهيأ، يقال عتده تعتيدا وأعتده اعتدادا ~~أي أعده، ومنه # وأعتدت لهن متكأ # يوسف 31 والمراد هنا أنه معد للكتابة مهيأ لها { وجاءت سكرة ~~الموت بالحق } لما بين سبحانه أن جميع أعمالهم محفوظة مكتوبة ~~ذكر بعده ms3647 ما ينزل بهم من الموت، والمراد بسكرة الموت شدته وغمرته التي ~~تغشى الإنسان، وتغلب على عقله، ومعنى { بالحق } أنه عند الموت يتضح له ~~الحق، ويظهر له صدق ما جاءت به الرسل من الإخبار بالبعث والوعد والوعيد، ~~وقيل الحق هو الموت، وقيل في الكلام تقديم وتأخير، أي وجاءت سكرة الحق ~~بالموت، وكذا قرأ أبو بكر الصديق، وابن مسعود. والسكرة هي الحق، فأضيفت ~~إلى نفسها لاختلاف اللفظين، وقيل الباء للملابسة كالتي في قوله # تنبت بالدهن # المؤمنون 20 أي ملتبسة بالحق، أي بحقيقة الحال، والإشارة بقوله { ذلك ~~} إلى الموت، والحيد الميل، أي ذلك الموت الذي كنت تميل عنه، وتفر منه، ~~يقال حاد عن الشيء يحيد حيودا، وحيدة وحيدودة مال عنه وعدل، ومنه قول ~~طرفة # أبو منذر رمت الوفاء فهبته وحدت كما حاد البعير عن الدحض # وقال الحسن تحيد تهرب { ونفخ فى الصور } عبر عنه بالماضي لتحقق ~~وقوعه، وهذه هي النفخة الآخرة للبعث { ذلك يوم الوعيد } أي ذلك ~~الوقت الذي يكون فيه النفخ في الصور يوم الوعيد الذي أوعد الله به ~~الكفار. قال مقاتل يعني بالوعيد العذاب في الآخرة، وخصص الوعيد مع كون ~~اليوم هو يوم الوعد والوعيد جميعا لتهويله. { وجاءت كل نفس ~~معها سائق وشهيد } أي جاءت كل نفس من النفوس معها من يسوقها، ~~ومن يشهد لها، أو عليها. واختلف في السائق والشهيد، فقال الضحاك السائق ~~من الملائكة، والشهيد من أنفسهم، يعني الأيدي والأرجل. وقال الحسن، ~~وقتادة سائق يسوقها، وشاهد يشهد عليها بعملها، وقال ابن مسلم السائق ~~قرينها من الشياطين، سمي سائقا لأنه يتبعها وإن لم يحثها. وقال مجاهد ~~السائق والشهيد ملكان. وقيل السائق الملك، والشهيد العمل، وقيل السائق ~~كاتب السيئات، والشهيد كاتب الحسنات، ومحل الجملة النصب على الحال { ~~لقد كنت فى غفلة من هذا } أي يقال له لقد كنت في غفلة ~~من هذا، والجملة في محل نصب على الحال من { نفس } ، أو مستأنفة كأنه قيل ~~ما يقال له، قال الضحاك المراد بهذا المشركون لأنهم كانوا في غفلة من ~~عواقب أمورهم. وقال ابن ms3648 زيد الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أي لقد ~~كنت يا محمد في غفلة من الرسالة. وقال أكثر المفسرين المراد به جميع ~~الخلق برهم، وفاجرهم، واختار هذا ابن جرير. قرأ الجمهور بفتح التاء من { ~~كنت } ، وفتح الكاف في { غطاءك } ، و { بصرك } حملا على ما في لفظ { كل ~~} من التذكير. وقرأ الجحدري، وطلحة بن مصرف بالكسر في الجميع على أن ~~المراد النفس { فكشفنا عنك غطاءك } الذي كان في الدنيا، يعني ~~رفعنا الحجاب الذي كان بينك وبين أمور الآخرة، ورفعنا ما كنت فيه من ~~الغفلة عن ذلك { فبصرك اليوم حديد } أي نافذ تبصر به ما كان ~~يخفى عليك في الدنيا. # قال السدي المراد بالغطاء أنه كان في بطن أمه فولد، وقيل إنه كان في ~~القبر فنشر، والأول أولى. والبصر قيل هو بصر القلب، وقيل بصر العين، ~~وقال مجاهد بصرك إلى لسان ميزانك حين توزن حسناتك وسيئاتك، وبه قال ~~الضحاك. { وقال قرينه هذا ما لدى عتيد } أي قال الملك ~~الموكل به هذا ما عندي من كتاب عملك عتيد حاضر قد هيأته، كذا قال الحسن، ~~وقتادة، والضحاك. وقال مجاهد إن الملك يقول للرب سبحانه هذا الذي وكلتني ~~به من بني آدم قد أحضرته، وأحضرت ديوان عمله. وروي عنه أنه قال إن قرينه ~~من الشياطين يقول ذلك أي هذا ما قد هيأته لك بإغوائي وإضلالي. وقال ابن ~~زيد إن المراد هنا قرينه من الإنس، وعتيد مرفوع على أنه صفة لما إن كانت ~~موصوفة، وإن كانت موصولة فهو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف { ~~ألقيا فى جهنم كل كفار عنيد } هذا خطاب من الله عز ~~وجل للسائق والشهيد. قال الزجاج هذا أمر للملكين الموكلين به وهما ~~السائق، والشاهد كل كفار للنعم عنيد مجانب للإيمان { مناع ~~للخير } لا يبذل خيرا { معتد } ظالم لا يقر بتوحيد الله { ~~مريب } شاك في الحق، من قولهم أراب الرجل إذا صار ذا ريب. وقيل هو ~~خطاب للملكين من خزنة النار، وقيل هو خطاب لواحد على تنزيل تثنية الفاعل ~~منزلة تثنية الفعل ms3649 وتكريره. قال الخليل، والأخفش هذا كلام العرب الصحيح ~~أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين يقولون ارحلاها وازجراها، وخذاه وأطلقاه ~~للواحد. قال الفراء العرب تقول للواحد قوما عنا. وأصل ذلك أن أدنى أعوان ~~الرجل في إبله وغنمه ورفقته في سفره اثنان، فجرى كلام الرجل للواحد على ~~ذلك، ومنه قولهم للواحد في الشعر خليلي كما قال امرؤ القيس # خليلي مرا بي على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب # وقوله # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل # وقول الآخر # فإن تزجراني يابن عفان أنزجر وإن تدعواني أحم عرضا ممنعا # قال المازني قوله { ألقيا } يدل على ألق ألق. قال المبرد هي تثنية ~~على التوكيد، فناب ألقيا مناب ألق ألق. قال مجاهد، وعكرمة العنيد المعاند ~~للحق، وقيل المعرض عن الحق، يقال عند يعند بالكسر عنودا إذا خالف الحق { ~~الذى جعل مع الله إلها ءاخر } يجوز أن يكون بدلا من { ~~كل } ، أو منصوبا على الذم، أو بدلا من { كفار } ، أو مرفوعا ~~بالابتداء، أو الخبر { فألقيه فى العذاب الشديد } تأكيد ~~للأمر الأول، أو بدل منه { قال قرينه ربنا ما أطغيته } ~~هذه الجملة مستأنفة لبيان ما يقوله القرين، والمراد بالقرين هنا الشيطان ~~الذي قيض لهذا الكافر، أنكر أن يكون أطغاه، ثم قال { ولكن كان فى ~~ضلل بعيد } أي عن الحق فدعوته، فاستجاب لي، ولو كان من عبادك ~~المخلصين لم أقدر عليه، وقيل إن قرينه الملك الذي كان يكتب سيئاته، وإن ~~الكافر يقول رب إنه أعجلني فيجيبه بهذا، كذا قال مقاتل، وسعيد بن جبير، ~~والأول أولى، وبه قال الجمهور. # { قال لا تختصموا لدى } هذه الجملة مستأنفة جواب سؤال ~~مقدر كأنه قيل فماذا قال الله؟ فقيل { قال لا تختصموا لدى ~~} يعني الكافرين وقرناءهم، نهاهم سبحانه عن الاختصام في موقف الحساب، ~~وجملة { وقد قدمت إليكم بالوعيد } في محل نصب على ~~الحال، أي والحال أن قد قدمت إليكم بالوعيد بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، ~~والباء في { بالوعيد } مزيدة للتأكيد، أو على تضمين قدم معنى تقدم ~~{ ما يبدل القول لدى } أي ms3650 لا خلف لوعدي، بل هو كائن لا ~~محالة، وقد قضيت عليكم بالعذاب، فلا تبديل له، وقيل هذا القول هو قوله # من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء ~~بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها # الأنعام 160 وقيل هو قوله # " لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين " # السجدة 13 وقال الفراء، وابن قتيبة معنى الآية أنه ما يكذب عندي بزيادة ~~في القول، ولا ينقص منه لعلمي بالغيب، وهو قول الكلبي. واختاره الواحدي، ~~لأنه قال { لدى } ولم يقل وما يبدل قولي، والأول أولى. وقيل إن ~~مفعول { قدمت إليكم } هو ما { يبدل } أي وقد قدمت إليكم هذا القول ~~ملتبسا بالوعيد، وهذا بعيد جدا { وما أنا بظلم للعبيد ~~} أي لا أعذبهم ظلما بغير جرم اجترموه، ولا ذنب أذنبوه. ولما كان نفي ~~الظلام لا يستلزم نفي مجرد الظلم قيل إنه هنا بمعنى الظالم، كالثمار ~~بمعنى الثامر. وقيل إن صيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من ~~التعذيب بغير ذنب في معرض المبالغة في الظلم. وقيل صيغة المبالغة لرعاية ~~جمعية العبيد من قولهم فلان ظالم لعبده، وظلام لعبيده، وقيل غير ذلك، وقد ~~تقدم الكلام على هذا في سورة آل عمران، وفي سورة الحج. { يوم نقول ~~لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد } قرأ الجمهور { ~~نقول } بالنون، وقرأ نافع وأبو بكر بالياء، وقرأ الحسن أقول. وقرأ الأعمش ~~يقال، والعامل في الظرف { ما يبدل القول لدى } ، أو محذوف ~~أي اذكر، أو أنذرهم، وهذا الكلام على طريقة التمثيل والتخييل، ولا سؤال ~~ولا جواب، كذا قيل، والأولى أنه على طريقة التحقيق، ولا يمنع من ذلك عقل ~~ولا شرع. # قال الواحدي قال المفسرون أراها الله تصديق قوله # لأملأن جهنم # هود 119 فلما امتلأت قال لها { هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد } أي قد امتلأت ولم يبق في موضع لم يمتلىء، وبهذا قال عطاء، ~~ومجاهد، ومقاتل بن سليمان. وقيل إن هذا الاستفهام بمعنى الاستزادة، أي ~~إنها تطلب الزيادة على من قد صار فيها. وقيل إن المعنى أنها طلبت أن يزاد ~~في سعتها لتضايقها ms3651 بأهلها، والمزيد إما مصدر كالمحيد، أو اسم مفعول ~~كالمنيع، فالأول بمعنى هل من زيادة؟ والثاني بمعنى هل من شيء تزيدونيه؟ ~~ثم لما فرغ من بيان حال الكافرين شرع في بيان حال المؤمنين، فقال { ~~وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد } أي قربت ~~للمتقين تقريبا غير بعيد، أو مكان غير بعيد منهم بحيث يشاهدونها في ~~الموقف، وينظرون ما فيها مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب ~~بشر، ويجوز أن يكون انتصاب { غير بعيد } على الحال. وقيل المعنى ~~أنها زينت قلوبهم في الدنيا بالترغيب والترهيب، فصارت قريبة من قلوبهم، ~~والأول أولى. والإشارة بقوله { هذا ما توعدون } إلى الجنة التي ~~أزلفت لهم على معنى هذا الذي ترونه من فنون نعيمها ما توعدون، والجملة ~~بتقدير القول، أي ويقال لهم هذا ما توعدون. قرأ الجمهور { توعدون } ~~بالفوقية، وقرأ ابن كثير بالتحتية { لكل أواب حفيظ } هو بدل من ~~{ للمتقين } بإعادة الخافض، أو متعلق بقول محذوف هو حال، أي مقولا لهم ~~لكل أواب، والأواب الرجاع إلى الله تعالى بالتوبة عن المعصية، وقيل هو ~~المسبح، وقيل هو الذاكر لله في الخلوة. قال الشعبي، ومجاهد هو الذي يذكر ~~ذنوبه في الخلوة، فيستغفر الله منها. وقال عبيد بن عمير هو الذي لا يجلس ~~مجلسا حتى يستغفر الله فيه، والحفيظ هو الحافظ لذنوبه حتى يتوب منها. ~~وقال قتادة هو الحافظ لما استودعه الله من حقه ونعمته، قاله مجاهد. وقيل ~~هو الحافظ لأمر الله. وقال الضحاك هو الحافظ لوصية الله له بالقبول. { ~~من خشى الرحمن بالغيب } الموصول في محل جر بدلا، أو ~~بيانا { لكل أواب } وقيل يجوز أن يكون بدلا بعد بدل من المتقين، وفيه ~~نظر لأنه لا يتكرر البدل والمبدل منه واحد، ويجوز أن يكون في محل رفع على ~~الاستئناف، والخبر { ادخلوها } بتقدير يقال لهم ادخلوها، والخشية بالغيب ~~أن يخاف الله ولم يكن رآه. وقال الضحاك، والسدي يعني في الخلوة حيث لا ~~يراه أحد. قال الحسن إذا أرخى الستر وأغلق الباب، و { بالغيب } متعلق ~~بمحذوف هو حال، أو صفة ms3652 لمصدر { خشي } { وجاء بقلب منيب } أي ~~راجع إلى الله مخلص لطاعته، وقيل المنيب المقبل على الطاعة، وقيل السليم ~~{ ادخلوها } هو بتقدير القول، أي يقال لهم ادخلوها، والجمع باعتبار ~~معنى " من " أي ادخلوا الجنة { بسلام } أي بسلامة من العذاب. # وقيل بسلام من الله وملائكته، وقيل بسلامة من زوال النعم، وهو متعلق ~~بمحذوف هو حال، أي ملتبسين بسلام، والإشارة بقوله { ذلك } إلى زمن ذلك ~~اليوم، كما قال أبو البقاء، وخبره { يوم الخلود } وسماه يوم ~~الخلود لأنه لا انتهاء له، بل هو دائم أبدا { لهم ما يشاءون ~~فيها } أي في الجنة ما تشتهي أنفسهم، وتلذ أعينهم من فنون النعم وأنواع ~~الخير { ولدينا مزيد } من النعم التي لم تخطر لهم على بال، ولا ~~مرت لهم في خيال. وقد أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال «نزل الله من ابن آدم أربع منازل هو أقرب إليه من حبل ~~الوريد، وهو يحول بين المرء وقلبه، وهو آخذ بناصية كل دابة، وهو معهم ~~أينما كانوا». وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { من ~~حبل الوريد } قال عروق العنق. وأخرج ابن المنذر عنه قال هو نياط ~~القلب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضا، في قوله { ما ~~يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } قال يكتب كل ما ~~تكلم به من خير أو شر حتى إنه ليكتب قوله أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت، ~~حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر منه ما كان من خير أو شر ~~وألقى سائره، فذلك قوله # يمحو الله ما يشاء ويثبت # الرعد 39. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس في الآية قال إنما يكتب ~~الخير والشر، لا يكتب يا غلام اسرج الفرس، يا غلام اسقني الماء. وقد ثبت ~~في الصحيحين وغيرهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " إن الله غفر لهذه الأمة ما حدثت به أنفسها ms3653 ما لم تعمل، أو تكلم " # وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، والحكيم الترمذي، وأبو نعيم، ~~والبيهقي في الشعب عن عمرو بن ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله عند لسان كل قائل، فليتق الله عبد، ولينظر ما يقول " # وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عباس مرفوعا مثله. وأخرج عبد الرزاق، ~~والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والحاكم في الكنى، وابن مردويه، والبيهقي في البعث، وابن عساكر عن عثمان ~~بن عفان أنه قرأ { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } ~~قال سائق يسوقها إلى أمر الله، وشهيد يشهد عليها بما عملت. وأخرج ابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم في الكنى، وابن مردويه، والبيهقي في ~~البعث عن أبي هريرة في الآية قال السائق الملك، والشهيد العمل. # وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال السائق من الملائكة، والشهيد ~~شاهد عليه من نفسه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه { ~~لقد كنت فى غفلة من هذا } قال هو الكافر. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضا { فكشفنا عنك غطاءك } قال ~~الحياة بعد الموت. وأخرج ابن جرير عنه أيضا، و { قال قرينه } قال ~~شيطانه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في قوله { لا ~~تختصموا لدى } قال إنهم اعتذروا بغير عذر، فأبطل الله حجتهم، ~~ورد عليهم قولهم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا. في قوله { وما أنا ~~بظلم للعبيد } قال ما أنا بمعذب من لم يجترم. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عنه أيضا. في قوله { يوم نقول لجهنم هل امتلأت ~~وتقول هل من مزيد } قال وهل في من مكان يزاد في؟ وأخرج ~~البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها ~~قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول قط قط، وعزتك وكرمك، ولا يزال في ~~الجنة فضل حتى ينشىء الله لها خلقا آخر، فيسكنهم في ms3654 فضول الجنة " # وأخرجا أيضا من حديث أبي هريرة نحوه، وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن ~~جرير، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله { لكل أواب حفيظ ~~} قال حفظ ذنوبه حتى رجع عنها. وأخرج البزار، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث والنشور عن أنس، في قوله { ~~ولدينا مزيد } قال يتجلى لهم الرب تبارك وتعالى في كل جمعة. ~~وأخرج البيهقي في الرؤية، والديلمي عن علي في الآية قال يتجلى لهم الرب ~~عز وجل، وفي الباب أحاديث. ### || [50.36-45] # خوف سبحانه أهل مكة بما اتفق للقرون الماضية { قبلهم } أي قبل ~~قريش ومن وافقهم { من قرن } أي من أمة { هم أشد منهم ~~بطشا } أي قوة، كعاد وثمود، وغيرهما { فنقبوا فى البلد } ~~أي ساروا وتقلبوا فيها وطافوا بقاعها وأصله من النقب، وهو الطريق. قال ~~مجاهد ضربوا وطافوا. وقال النضر بن شميل دوروا، وقال المؤرج تباعدوا. ~~والأول أولى، ومنه قول امرىء القيس # وقد نقبت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب # ومنه قول الحارث بن حلزة # نقبوا في البلاد من حذر المو ت وجالوا في الأرض كل مجال # وقرأ ابن عباس، والحسن، وأبو العالية، وأبو عمرو في رواية نقبوا بفتح ~~القاف مخففة، والنقب هو الخرق والطريق في الجبل، وكذا المنقب والمنقبة، ~~كذا قال ابن السكيت، وجمع النقب نقوب. وقرأ السلمي، ويحيى بن يعمر بكسر ~~القاف مشددة على الأمر للتهديد، أي طوفوا فيها وسيروا في جوانبها. وقرأ ~~الباقون بفتح القاف مشددة على الماضي { هل من محيص } أي هل لهم ~~من مهرب يهربون إليه، أو مخلص يتخلصون به من العذاب؟ قال الزجاج لم يروا ~~محيصا من الموت، والمحيص مصدر حاص عنه يحيص حيصا وحيوصا ومحيصا ~~ومحاصا وحيصانا، أي عدل وحاد، والجملة مستأنفة لبيان أنه لا مهرب لهم، ~~وفي هذا إنذار لأهل مكة أنهم مثل من قبلهم من القرون لا يجدون من الموت ~~والعذاب مفرا { إن فى ذلك لذكرى } أي فيما ذكر من قصتهم ~~تذكرة وموعظة { لمن كان له قلب } أي عقل. قال الفراء وهذا جائز ms3655 ~~في العربية، تقول ما لك قلب وما قلبك معك، أي ما لك عقل وما عقلك معك، ~~وقيل المراد القلب نفسه لأنه إذا كان سليما أدرك الحقائق وتفكر كما ~~ينبغي. وقيل لمن كان له حياة ونفس مميزة فعبر عن ذلك بالقلب لأنه وطنها ~~ومعدن حياتها، ومنه قول امرىء القيس # أغرك مني أن حبك قاتلي وأنك مهما تأمري النفس تفعل # { أو ألقى السمع } أي استمع ما يقال له، يقال ألق سمعك إلي، ~~أي استمع مني، والمعنى أنه ألقى السمع إلى ما يتلى عليه من الوحي الحاكي ~~لما جرى على تلك الأمم. قرأ الجمهور { ألقى } مبنيا للفاعل. وقرأ ~~السلمي، وطلحة، والسدي على البناء للمفعول، ورفع " السمع " { وهو ~~شهيد } أي حاضر الفهم، أو حاضر القلب لأن من لا يفهم في حكم الغائب ~~وإن حضر بجسمه، فهو لم يحضر بفهمه. قال الزجاج أي وقلبه حاضر فيما يسمع. ~~قال سفيان أي لا يكون حاضرا وقلبه غائب. قال مجاهد، وقتادة هذه الآية في ~~أهل الكتاب، وكذا قال الحسن. # وقال محمد بن كعب، وأبو صالح إنها في أهل القرآن خاصة. { ولقد ~~خلقنا السموات والارض وما بينهما فى ستة ~~أيام } قد تقدم تفسير هذه الآية في سورة الأعراف، وغيرها. { وما ~~مسنا من لغوب } اللغوب التعب والإعياء، تقول لغب يلغب بالضم ~~لغوبا. قال الواحدي قال جماعة المفسرين إن اليهود قالوا خلق الله ~~السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، أولها الأحد وآخرها الجمعة، ~~واستراح يوم السبت، فأكذبهم الله تعالى بقوله { وما مسنا من ~~لغوب }. { فاصبر على ما يقولون } هذه تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأمر لهم بالصبر على ما يقوله المشركون، أي هون عليك، ~~ولا تحزن لقولهم، وتلق ما يرد عليك منه بالصبر { وسبح بحمد ~~ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } أي نزه الله عما ~~لا يليق بجنابه العالي ملتبسا بحمده وقت الفجر ووقت العصر، وقيل المراد ~~صلاة الفجر وصلاة العصر، وقيل الصلوات الخمس، وقيل صل ركعتين قبل طلوع ~~الشمس، وركعتين قبل غروبها، والأول أولى. { ومن اليل فسبحه ~~} " من ms3656 " للتبعيض، أي سبحه بعض الليل، وقيل هي صلاة الليل، وقيل ركعتا ~~الفجر، وقيل صلاة العشاء، والأول أولى { وأدبر السجود } أي ~~وسبحه أعقاب الصلوات. قرأ الجمهور أدبار بفتح الهمزة جمع دبر. وقرأ ~~نافع، وابن كثير، وحمزة بكسرها على المصدر، من أدبر الشيء إدبارا إذا ~~ولى، وقال جماعة من الصحابة والتابعين إدبار السجود الركعتان بعد المغرب، ~~وإدبار النجوم الركعتان قبل الفجر، وقد اتفق القراء السبعة في # إدبار النجوم # الطور 49 أنه بكسر الهمزة، كما سيأتي. { واستمع يوم يناد ~~المناد من مكان قريب } أي استمع ما يوحى إليك من أحوال ~~القيامة يوم ينادي المناد، وهو إسرافيل، أو جبريل، وقيل استمع النداء، أو ~~الصوت، أو الصيحة، وهي صيحة القيامة، أعني النفخة الثانية في الصور من ~~إسرافيل، وقيل إسرافيل ينفخ، وجبريل ينادي أهل المحشر، ويقول هلموا ~~للحساب، فالنداء على هذا في المحشر، قال مقاتل هو إسرافيل ينادي بالحشر ~~فيقول يا أيها الناس هلموا للحساب { من مكان قريب } بحيث يصل ~~النداء إلى كل فرد من أفراد أهل المحشر. قال قتادة كنا نحدث أنه ينادي ~~من صخرة بيت المقدس. قال الكلبي وهي أقرب الأرض إلى السماء باثني عشر ~~ميلا، وقال كعب بثمانية عشر ميلا { يوم يسمعون الصيحة ~~بالحق } هو بدل من { يوم يناد } يعني صيحة البعث، و { بالحق } متعلق ~~بالصيحة { ذلك يوم الخروج } أي يوم الخروج من القبور. قال ~~الكلبي معنى { بالحق } بالبعث. وقال مقاتل يعني أنها كائنة حقا. { ~~إنا نحن نحى ونميت } أي نحيي في الآخرة، ونميت في الدنيا ~~لا يشاركنا في ذلك مشارك، والجملة مستأنفة لتقرير أمر البعث { ~~وإلينا المصير } ، فنجازي كل عامل بعمله { يوم تشقق ~~الأرض عنهم } قرأ الجمهور بإدغام التاء في الشين، وقرأ الكوفيون ~~بتخفيف الشين على حذف إحدى التاءين تخفيفا. # وقرأ زيد بن علي تتشقق بإثبات التاءين على الأصل، وقرىء على البناء ~~للمفعول، وانتصاب { سراعا } على أنه حال من الضمير في عنهم، والعامل ~~في الحال تشقق، وقيل العامل في الحال هو العامل في { يوم } أي مسرعين إلى ~~المنادي الذي ناداهم { ذلك حشر ms3657 } أي بعث وجمع { علينا يسير ~~} هين. ثم عزى الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم فقال { نحن ~~أعلم بما يقولون } يعني من تكذيبك فيما جئت به، ومن إنكار ~~البعث والتوحيد { وما أنت عليهم بجبار } أي بمسلط يجبرهم ~~ويقهرهم على الإيمان، والآية منسوخة بآية السيف { فذكر بالقرءان ~~من يخاف وعيد } أي من يخاف وعيدي لعصاتي بالعذاب، وأما من عداهم ~~فلا تشتغل بهم، ثم أمره الله سبحانه بعد ذلك بالقتال. وقد أخرج ابن جرير ~~عن ابن عباس { وما مسنا من لغوب } قال من نصب. وأخرج الطبراني ~~في الأوسط، وابن عساكر عن جرير بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس } ~~«صلاة الصبح » { وقبل الغروب } « صلاة العصر». وأخرج الترمذي، ~~وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس قال ~~بت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى ركعتين خفيفتين قبل صلاة ~~الفجر، ثم خرج إلى الصلاة، فقال # " يا ابن عباس ركعتان قبل صلاة الفجر إدبار النجوم، وركعتان بعد المغرب ~~إدبار السجود " # وأخرج مسدد في مسنده، وابن المنذر، وابن مردويه، عن علي بن أبي طالب ~~قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إدبار النجوم، وإدبار السجود، ~~فقال # " إدبار السجود ركعتان بعد المغرب، وإدبار النجوم الركعتان قبل الغداة " # وأخرج محمد بن نصر في الصلاة، وابن المنذر عن عمر بن الخطاب إدبار ~~السجود ركعتان بعد المغرب، وإدبار النجوم ركعتان قبل الفجر. وأخرج سعيد ~~بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن نصر، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عن علي بن أبي طالب مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ~~نصر، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن أبي هريرة مثله. وأخرج ~~البخاري، وغيره عن مجاهد قال قال ابن عباس أمره أن يسبح في أدبار الصلوات ~~كلها. وأخرج ابن جرير عنه { واستمع يوم يناد المناد } قال ~~هي الصيحة. وأخرج الواسطي عنه أيضا { من مكان قريب } قال من ~~صخرة بيت المقدس. وأخرج ابن ms3658 أبي حاتم، وابن المنذر عنه أيضا { ذلك ~~يوم الخروج } قال يوم يخرجون إلى البعث من القبور. وأخرج ابن جرير ~~عنه أيضا قال قالوا يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت { فذكر ~~بالقرءان من يخاف وعيد }. ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-23] # قوله { والذريت ذروا } يقال ذرت الريح التراب تذروه ذروا، ~~وأذرته تذريه ذريا، أقسم سبحانه بالرياح التي تذري التراب، وانتصاب { ~~ذروا } على المصدرية، والعامل فيها اسم الفاعل، والمفعول محذوف. قرأ أبو ~~عمرو، وحمزة بإدغام تاء الذاريات في ذال ذروا. وقرأ الباقون بدون إدغام. ~~وقيل المقسم به مقدر وهو رب الذاريات وما بعدها، والأول أولى { ~~فالحملت وقرا } هي السحاب تحمل الماء، كما تحمل ذوات الأربع ~~الوقر، وانتصاب { وقرا } على أنه مفعول به، كما يقال حمل فلان عدلا ~~ثقيلا. قرأ الجمهور { وقرا } بكسر الواو اسم ما يوقر أي يحمل، وقرىء ~~بفتحها على أنه مصدر، والعامل فيه اسم الفاعل، أو على تسمية المحمول ~~بالمصدر مبالغة { فالجريت يسرا } هي السفن الجارية في البحر ~~بالرياح جريا سهلا، وانتصاب { يسرا } على المصدرية، أو صفة لمصدر ~~محذوف، أو على الحال، أي جريا ذا يسر، وقيل هي الرياح، وقيل السحاب، ~~والأول أولى. واليسر السهل في كل شيء { فالمقسمت أمرا } هي ~~الملائكة التي تقسم الأمور. قال الفراء تأتي بأمر مختلف جبريل بالغلظة، ~~وميكائيل صاحب الرحمة، وملك الموت يأتي بالموت، وقيل تأتي بأمر مختلف من ~~الجدب، والخصب، والمطر، والموت، والحوادث. وقيل هي السحب التي يقسم الله ~~بها أمر العباد، وقيل إن المراد بالذاريات والحاملات والجاريات والمقسمات ~~الرياح، فإنها توصف بجميع ذلك لأنها تذرو التراب، وتحمل السحاب، وتجري في ~~الهواء، وتقسم الأمطار، وهو ضعيف جدا. وانتصاب { أمرا } على المفعول ~~به، وقيل على الحال، أي مأمورة، والأول أولى { إنما توعدون ~~لصدق } هذا جواب القسم، أي إنما توعدون من الثواب والعقاب، لكائن ~~لا محالة. و " ما " يجوز أن تكون موصولة والعائد محذوف، وأن تكون ~~مصدرية. ووجه تخصيص هذه الأمور بالإقسام بها كونها أمورا بديعة مخالفة ~~لمقتضى العادة، فمن قدر عليها، فهو قادر على البعث الموعود به. ms3659 { ~~والسماء ذات الحبك } قرأ الجمهور { الحبك } بضم الحاء والباء، ~~وقرىء بضم الحاء وسكون الباء، وبكسر الحاء وفتح الباء، وبكسر الحاء وضم ~~الباء. قال ابن عطية هي لغات، والمراد بالسماء هنا هي المعروفة، وقيل ~~المراد بها السحاب، والأول أولى. واختلف المفسرون في تفسير الحبك فقال ~~مجاهد، وقتادة، والربيع، وغيرهم المعنى ذات الخلق المستوي الحسن. قال ابن ~~الأعرابي كل شيء أحكمته وأحسنت عمله، فقد حبكته واحتبكته. وقال الحسن، ~~وسعيد بن جبير ذات الزينة. وروي عن الحسن أيضا أنه قال ذات النجوم. وقال ~~الضحاك ذات الطرائق، وبه قال الفراء، يقال لما تراه من الماء والرمل ~~إذا أصابته الريح حبك. قال الفراء الحبك بكسر كل شيء كالرمل إذا مرت به ~~الريح الساكنة، والماء إذا مرت به الريح، ويقال لدرع الحديد حبك، ومنه ~~قول الشاعر # كأنما جللها الحواك طنفسة في وشيها حباك # أي طرق، وقيل الحبك الشدة، والمعنى والسماء ذات الشدة، والمحبوك ~~الشديد الخلق من فرس أو غيره، ومنه قول الشاعر # قد غدا يحملني في أنفه لاحق الأطلين محبوك ممر # وقول الآخر # مرج الدين فأعددت له مشرف الحارك محبوك الكتد # قال الواحدي بعد حكاية القول الأول هذا قول الأكثرين { إنكم لفى ~~قول مختلف } هذا جواب القسم بالسماء ذات الحبك أي إنكم يا أهل ~~مكة لفي قول مختلف متناقض في محمد صلى الله عليه وسلم. بعضكم يقول إنه ~~شاعر. وبعضكم يقول إنه ساحر، وبعضكم يقول إنه مجنون. ووجه تخصيص القسم ~~بالسماء المتصفة بتلك الصفة تشبيه أقوالهم في اختلافها باختلاف طرائق ~~السماء، واستعمال الحبك في الطرائق هو الذي عليه أهل اللغة، وإن كان ~~الأكثر من المفسرين على خلافه. على أنه يمكن أن ترجع تلك الأقوال في ~~تفسير الحبك إلى هذا، وذلك بأن يقال إن ما في السماء من الطرائق يصح أن ~~يكون سببا لمزيد حسنها، واستواء خلقها، وحصول الزينة فيها، ومزيد القوة ~~لها. وقيل إن المراد بكونهم في قول مختلف أن بعضهم ينفي الحشر، وبعضهم ~~يشك فيه، وقيل كونهم يقرون أن الله خالقهم، ويعبدون الأصنام { يؤفك ~~عنه ms3660 من أفك } أي يصرف عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبما جاء به، أو عن الحق، وهو البعث والتوحيد من صرف. وقيل يصرف عن ذلك ~~الاختلاف من صرفه الله عنه بالعصمة والتوفيق، يقال أفكه يأفكه إفكا أي ~~قلبه عن الشيء وصرفه عنه، ومنه قوله تعالى # قالوا أجئتنا لتأفكنا # الأحقاف 22 وقال مجاهد يؤفن عنه من أفن، والأفن فساد العقل، وقيل يحرمه ~~من حرم. وقال قطرب يجدع عنه من جدع. وقال اليزيدي يدفع عنه من دفع. { ~~قتل الخراصون } هذا دعاء عليهم. وحكى الواحدي عن المفسرين جميعا أن ~~المعنى لعن الكذابون. قال ابن الأنباري والقتل إذا أخبر به عن الله كان ~~بمعنى اللعن لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك. قال الفراء ~~معنى { قتل } لعن. والخراصون الكذابون الذين يتخرصون فيما لا يعلمون، ~~فيقولون إن محمدا مجنون كذاب شاعر ساحر. قال الزجاج الخراصون هم ~~الكذابون، والخرص حزر ما على النخل من الرطب تمرا، والخراص الذي ~~يخرصها، وليس هو المراد هنا، ثم قال { الذين هم فى غمرة ~~سهون } أي في غفلة وعمى جهالة عن أمور الآخرة، ومعنى ساهون لاهون ~~غافلون، والسهو الغفلة عن الشيء وذهابه عن القلب، وأصل الغمرة ما ستر ~~الشيء وغطاه، ومنها غمرات الموت { يسئلون أيان يوم الدين ~~} أي يقولون متى يوم الجزاء تكذيبا منهم واستهزاء، ثم أخبر سبحانه عن ~~ذلك اليوم، فقال { يوم هم على النار يفتنون } أي يحرقون ~~ويعذبون، يقال فتنت الذهب إذا أحرقته لتختبره، وأصل الفتنة الاختبار. # قال عكرمة ألم تر أن الذهب إذا أدخل النار قيل فتن. وانتصاب { يوم } ~~بمضمر، أي الجزاء يوم هم على النار، ويجوز أن يكون بدلا من { يوم الدين ~~} ، والفتح للبناء لكونه مضافا إلى الجملة، وقيل هو منصوب بتقدير أعني. ~~وقرأ ابن أبي عبلة برفع { يوم } على البدل من يوم الدين، وجملة { ~~ذوقوا فتنتكم } هي بتقدير القول، أي يقال لهم ذوقوا عذابكم، ~~قاله ابن زيد. وقال مجاهد حريقكم، ورجح الأول الفراء، وجملة { هذا ~~الذى كنتم به تستعجلون } من جملة ما هو ms3661 محكي بالقول، أي ~~هذا ما كنتم تطلبون تعجيله استهزاء منكم، وقيل هي بدل من فتنتكم. { ~~إن المتقين فى جنت وعيون } لما ذكر سبحانه حال أهل ~~النار ذكر حال أهل الجنة، أي هم في بستانين فيها عيون جارية لا يبلغ ~~وصفها الواصفون { ءاخذين ما ءاتهم ربهم } أي قابلين ما ~~أعطاهم ربهم من الخير والكرامة. وجملة { إنهم كانوا قبل ~~ذلك محسنين } تعليل لما قبلها، أي لأنهم كانوا في الدنيا محسنين ~~في أعمالهم الصالحة من فعل ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه. ثم بين ~~إحسانهم الذي وصفهم به، فقال { كانوا قليلا من اليل ما ~~يهجعون } الهجوع النوم بالليل دون النهار، والمعنى كانوا قليلا ما ~~ينامون من الليل، و " ما " زائدة، ويجوز أن تكون مصدرية، أو موصولة أي ~~كانوا قليلا من الليل هجوعهم، أو ما يهجعون فيه، ومن ذلك قول أبي قيس بن ~~الأسلت # قد حصت البيضة رأسي فما أطعم نوما غير تهجاع # والتهجاع القليل من النوم، ومن ذلك قول عمرو بن معدي كرب. # أمن ريحانة الداعي السميع يهيجني وأصحابي هجوع # وقيل " ما " نافية، أي ما كانوا ينامون قليلا من الليل، فكيف بالكثير ~~منه، وهذا ضعيف جدا. وهذا قول من قال إن المعنى كان عددهم قليلا. ثم ~~ابتدأ فقال { ما يهجعون } وبه قال ابن الأنباري، وهو أضعف مما ~~قبله. وقال قتادة في تفسير هذه الآية كانوا يصلون بين العشاءين، وبه قال ~~أبو العالية، وابن وهب. { وبالأسحر هم يستغفرون } أي ~~يطلبون في أوقات السحر من الله سبحانه أن يغفر ذنوبهم. قال الحسن مدوا ~~الصلاة إلى الأسحار. ثم أخذوا بالأسحار الاستغفار. وقال الكلبي، ومقاتل، ~~ومجاهد هم بالأسحار يصلون، وذلك أن صلاتهم طلب منهم للمغفرة. وقال الضحاك ~~هي صلاة الفجر. ثم ذكر سبحانه صدقاتهم فقال { وفي أمولهم حق ~~للسائل والمحروم } أي يجعلون في أموالهم على أنفسهم حقا ~~للسائل والمحروم تقربا إلى الله عز وجل. وقال محمد بن سيرين، وقتادة ~~الحق هنا الزكاة المفروضة، والأول أولى، فيحمل على صدقة النفل، وصلة ~~الرحم، وقري الضيف لأن السورة مكية، ms3662 والزكاة لم تفرض إلا بالمدينة، ~~وسيأتي في سورة { سأل سائل } # والذين فى أمولهم حق معلوم للسائل والمحروم # المعارج 24، 25 بزيادة معلوم، والسائل هو الذي يسأل الناس لفاقته. ~~واختلف في تفسير المحروم، فقيل هو الذي يتعفف عن السؤال حتى يحسبه الناس ~~غنيا، فلا يتصدقون عليه، وبه قال قتادة، والزهري. وقال الحسن، ومحمد ~~ابن الحنفية هو الذي لا سهم له في الغنيمة، ولا يجري عليه من الفيء شيء. ~~وقال زيد بن أسلم هو الذي أصيب ثمره، أو زرعه، أو ماشيته. قال القرطبي هو ~~الذي أصابته الجائحة. وقيل الذي لا يكتسب. وقيل هو الذي لا يجد غنى ~~يغنيه، وقيل هو الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه. وقيل هو المملوك. وقيل ~~الكلب. وقيل غير ذلك. قال الشعبي لي اليوم سبعون سنة منذ احتلمت أسأل عن ~~المحروم، فما أنا اليوم بأعلم مني فيه يومئذ، والذي ينبغي التعويل عليه ~~ما يدل عليه المعنى اللغوي، والمحروم في اللغة الممنوع، من الحرمان وهو ~~المنع، فيدخل تحته من حرم الرزق من الأصل، ومن أصيب ماله بجائحة أذهبته، ~~ومن حرم العطاء، ومن حرم الصدقة لتعففه. ثم ذكر سبحانه ما نصبه من ~~الدلائل الدالة على توحيده، وصدق وعده ووعيده، فقال { وفى الأرض ~~ءايت للموقنين } أي دلائل واضحة، وعلامات ظاهرة من الجبال ~~والبر والبحر والأشجار والأنهار والثمار، وفيها آثار الهلاك للأمم ~~الكافرة المكذبة لما جاءت به رسل الله ودعتهم إليه، وخص الموقنين بالله ~~لأنهم الذين يعترفون بذلك ويتدبرون فيه، فينتفعون به { وفى أنفسكم ~~أفلا تبصرون } أي وفي أنفسكم آيات تدل على توحيد الله وصدق ما ~~جاءت به الرسل، فإنه خلقهم نطفة ثم علقة، ثم مضغة ثم عظما، إلى أن ينفخ ~~فيه الروح. ثم تختلف بعد ذلك صورهم، وألوانهم، وطبائعهم، وألسنتهم، ثم ~~نفس خلقهم على هذه الصفة العجيبة الشأن من لحم ودم، وعظم وأعضاء، وحواس ~~ومجاري ومنافس. ومعنى { أفلا تبصرون } أفلا تنظرون بعين البصيرة، ~~فتستدلون بذلك على الخالق الرازق المتفرد بالألوهية، وأنه لا شريك له ~~ولا ضد ولا ند، وأن وعده الحق، وقوله الحق، ms3663 وأن ما جاءت إليكم به ~~رسله هو الحق الذي لا شك فيه، ولا شبهة تعتريه. وقيل المراد بالأنفس ~~الأرواح، أي وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات { وفى السماء ~~رزقكم } أي سبب رزقكم، وهو المطر، فإنه سبب الأرزاق. قال سعيد بن ~~جبير، والضحاك الرزق هنا ما ينزل من السماء من مطر وثلج. وقيل المراد ~~بالسماء السحاب، أي وفي السحاب رزقكم، وقيل المراد بالسماء المطر، وسماه ~~سماء لأنه ينزل من جهتها، ومنه قول الشاعر # إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا # وقال ابن كيسان يعني وعلى رب السماء رزقكم، قال ونظيره # وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها # هود 6 وهو بعيد. وقال سفيان الثوري أي عند الله في السماء رزقكم. وقيل ~~المعنى وفي السماء تقدير رزقكم. قرأ الجمهور { رزقكم } بالإفراد، وقرأ ~~يعقوب، وابن محيصن، ومجاهد أرزاقكم بالجمع { وما توعدون } من الجنة ~~والنار، قاله مجاهد. قال عطاء من الثواب والعقاب، وقال الكلبي من الخير ~~والشر، قال ابن سيرين ما توعدون من أمر الساعة، وبه قال الربيع. والأولى ~~الحمل على ما هو أعم من هذه الأقوال، فإن جزاء الأعمال مكتوب في السماء، ~~والقضاء والقدر ينزل منها، والجنة والنار فيها. ثم أقسم سبحانه بنفسه، ~~فقال { فورب السماء والأرض إنه لحق } أي ما أخبركم به ~~في هذه الآيات. قال الزجاج هو ما ذكر من أمر الرزق والآيات. قال الكلبي ~~يعني ما قص في الكتاب. وقال مقاتل يعني من أمر الساعة. وقيل إن " ما " ~~في قوله { وما توعدون } مبتدأ، وخبره { فورب السماء ~~والأرض إنه لحق } ، فيكون الضمير لما. ثم قال سبحانه { مثل ~~ما أنكم تنطقون } قرأ الجمهور بنصب { مثل } على تقدير كمثل ~~نطقكم و " ما " زائدة، كذا قال بعض الكوفيون إنه منصوب بنزع الخافض. وقال ~~الزجاج، والفراء يجوز أن ينتصب على التوكيد، أي لحق حقا مثل نطقكم. وقال ~~المازني إن «مثل» مع «ما» بمنزلة شيء واحد فبني على الفتح. وقال سيبويه ~~هو مبني لإضافته إلى غير متمكن، واختار هذه القراءة أبو عبيد، ms3664 وأبو ~~حاتم. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر، والأعمش مثل بالرفع على أنه صفة ~~لحق لأن مثل نكرة وإن أضيفت، فهي لا تتعرف بالإضافة كغير. ورجح قول ~~المازني أبو علي الفارسي قال ومثله قول حميد # وويحا لمن لم يدر ما هن ويحما # فبني ويح مع ما ولم يلحقه التنوين، ومعنى الآية تشبيه تحقيق ما أخبر ~~الله عنه بتحقيق نطق الآدمي ووجوده، وهذا كما تقول إنه لحق كما أنك ها ~~هنا، وإنه لحق كما أنك تتكلم، والمعنى أنه في صدقه ووجوده كالذي تعرفه ~~ضرورة. وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، والدارقطني في الأفراد، والحاكم ~~وصححه، والبيهقي في الشعب من طرق عن علي بن أبي طالب في قوله { ~~والذريت ذروا } قال الرياح { فالحملت وقرا } قال ~~السحاب { فالجريت يسرا } قال السفن { فالمقسمت ~~أمرا } قال الملائكة. وأخرج البزار، والدارقطني في الإفراد، وابن ~~مردويه، وابن عساكر عن عمر بن الخطاب مثله، ورفعه إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وفي إسناده أبو بكر بن سبرة، وهو لين الحديث، وسعيد بن سلام، ~~وليس من أصحاب الحديث، كذا قال البزار. # قال ابن كثير فهذا الحديث ضعيف رفعه، وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر. ~~وأخرج الفريابي، وابن مردويه عن ابن عباس مثل قول علي. وأخرج الفريابي، ~~وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في ~~العظمة عن ابن عباس { والسماء ذات الحبك } قال حسنها ~~واستواؤها. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عنه في الآية قال ~~ذات البهاء والجمال، وإن بنيانها كالبرد المسلسل. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال ذات الخلق الحسن. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عمر مثله. وأخرج ابن منيع عن علي قال هي ~~السماء السابعة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { يؤفك ~~عنه من أفك } قال يضل عنه من ضل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي ms3665 حاتم عنه أيضا { قتل الخرصون } قال لعن المرتابون. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضا قال هم الكهنة { الذين هم ~~فى غمرة سهون } قال في غفلة لاهون. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ~~أيضا قال الغمرة الكفر والشك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عنه قال في ضلالتهم يتمادون، وفي قوله { يوم هم على النار ~~يفتنون } قال يعذبون. وأخرج هؤلاء عنه أيضا في قوله { ءاخذين ~~ما ءاتهم ربهم } قال الفرائض { إنهم كانوا قبل ~~ذلك محسنين } قال قبل أن تنزل الفرائض يعملون. وأخرج هؤلاء ~~أيضا، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عنه ~~أيضا { كانوا قليلا من اليل ما يهجعون } قال ما تأتي ~~عليهم ليلة ينامون حتى يصبحوا إلا يصلون فيها. وأخرج ابن نصر، وابن ~~جرير، وابن المنذر عنه أيضا في الآية يقول قليلا ما كانوا ينامون. ~~وأخرج أبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، ~~وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن أنس في الآية قال كانوا يصلون بين ~~المغرب والعشاء. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عمر { وبالأسحر هم ~~يستغفرون } قال يصلون. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { فى ~~أمولهم حق } قال سوى الزكاة يصل بها رحما، أو يقري بها ضيفا، ~~أو يعين بها محروما. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عنه قال السائل الذي يسأل الناس، والمحروم الذي ليس له سهم من ~~فيء المسلمين. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال المحروم هو المحارف الذي ~~يطلب الدنيا وتدبر عنه، ولا يسأل الناس، فأمر الله المؤمنين برفده. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن عائشة في الآية قالت هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له ~~مكسبه. وأخرج الترمذي، والبيهقي في سننه عن فاطمة بنت قيس، أنها سألت ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية قال # " إن في المال حقا سوى الزكاة " # ، وتلا هذه الآية { ليس البر أن تولوا ms3666 وجوهكم } إلى ~~قوله # وفي الرقاب وأقام الصلوة وءاتى الزكوة # البقرة 177. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن الزبير في قوله { وفى ~~أنفسكم أفلا تبصرون } قال سبيل الغائط والبول. ### || [51.24-37] # قوله { هل أتاك حديث ضيف إبرهيم المكرمين } ذكر ~~سبحانه قصة إبراهيم ليبين أنه أهلك بسبب التكذيب من أهلك. وفي الاستفهام ~~تنبيه على أن هذا الحديث ليس مما قد علم به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأنه إنما علمه بطريق الوحي. وقيل إن " هل " بمعنى " قد " ، كما في ~~قوله # هل أتى على الإنسن حين من الدهر # الإنسان 1 والضيف مصدر يطلق على الواحد والاثنين والجماعة، وقد تقدم ~~الكلام على قصة ضيف إبراهيم في سورة هود، وسورة الحجر، والمراد بكونهم ~~مكرمين أنهم مكرمون عند الله سبحانه لأنهم ملائكة جاءوا إليه في صورة بني ~~آدم، كما قال تعالى في وصفهم في آية أخرى # " بل عباد مكرمون " # الأنبياء 26 وقيل هم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل. وقال مقاتل، ومجاهد ~~أكرمهم إبراهيم وأحسن إليهم وقام على رؤوسهم، وكان لا يقوم على رؤوس ~~الضيف، وأمر امرأته أن تخدمهم. وقال الكلبي أكرمهم بالعجل { إذ ~~دخلوا عليه } العامل في الظرف { حديث } أي هل أتاك حديثهم الواقع ~~في وقت دخولهم عليه، أو العامل فيه { ضيف } لأنه مصدر، أو العامل فيه { ~~المكرمين } ، أو العامل فيه فعل مضمر أي اذكر { فقالوا سلاما } أي ~~نسلم عليك سلاما { قال سلم } أي قال إبراهيم سلام. قرأ الجمهور ~~بنصب { سلاما } الأول، ورفع الثاني، فنصب الأول على المصدرية بتقدير ~~الفعل كما ذكرنا، والمراد به التحية، ويحتمل أن يكون المعنى فقالوا ~~كلاما حسنا لأنه كلام سلم به المتكلم من أن يلغو، فيكون على هذا ~~مفعولا به. وأما الثاني فرفعه على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي عليكم ~~سلام، وعدل به إلى الرفع لقصد إفادة الجملة الاسمية للدوام والثبات، ~~بخلاف الفعلية فإنها لمجرد التجدد والحدوث، ولهذا قال أهل المعاني إن ~~سلام إبراهيم أبلغ من سلام الملائكة، وقرىء بالرفع في ms3667 الموضعين، وقرىء ~~بالنصب فيهما. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما بكسر السين، وقرىء سلم فيهما، ~~{ قوم منكرون } ارتفاع قوم على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي أنتم قوم ~~منكرون. قيل إنه قال هذا في نفسه ولم يخاطبهم به لأن ذلك يخالف الإكرام. ~~قيل إنه أنكرهم لكونهم ابتدءوا بالسلام، ولم يكن ذلك معهودا عند قومه، ~~وقيل لأنه رأى فيهم ما يخالف بعض الصور البشرية، وقيل لأنه رآهم على غير ~~صورة الملائكة الذين يعرفهم، وقيل غير ذلك. { فراغ إلى أهله } ~~قال الزجاج أي عدل إلى أهله، وقيل ذهب إليهم في خفية من ضيوفه، والمعنى ~~متقارب، وقد تقدم تفسيره في سورة الصافات. يقال راغ وارتاغ بمعنى طلب، ~~وماذا يريغ أي يريد ويطلب، وأراغ إلى كذا مال إليه سرا وحاد { فجاء ~~بعجل سمين } أي فجاء ضيفه بعجل قد شواه لهم، كما في سورة هود # بعجل حنيذ # هود 69 وفي الكلام حذف تدل عليه الفاء الفصيحة، أي فذبح عجلا فحنذه ~~فجاء به { فقربه إليهم } أي قرب العجل إليهم ووضعه بين ~~أيديهم فقال { ألا تأكلون } الاستفهام للإنكار، وذلك أنه لما ~~قربه إليهم لم يأكلوا منه. قال في الصحاح العجل ولد البقر والعجول مثله، ~~والجمع العجاجيل، والأنثى عجلة، وقيل العجل في بعض اللغات الشاة { ~~فأوجس منهم خيفة } أي أحس في نفسه خوفا منهم لما لم يأكلوا ~~مما قربه إليهم. وقيل معنى أوجس أضمر، وإنما وقع له ذلك لما لم يتحرموا ~~بطعامه. ومن أخلاق الناس أن من أكل من طعام إنسان صار آمنا منه، فظن ~~إبراهيم أنهم جاءوا للشر، ولم يأتوا للخير. وقيل إنه وقع في قلبه أنهم ~~ملائكة، فلما رأوا ما ظهر عليه من أمارات الخوف قالوا { لا تخف } ~~وأعلموه أنهم ملائكة مرسلون إليه من جهة الله سبحانه { وبشروه ~~بغلم عليم } أي بشروه بغلام يولد له كثير العلم عند أن يبلغ ~~مبالغ الرجال، والمبشر به عند الجمهور هو إسحاق. وقال مجاهد وحده إنه ~~إسماعيل، وهو مردود بقوله # وبشرنه بإسحق # الصافات 112 وقد قدمنا تحقيق هذا المقام بما لا يحتاج ms3668 الناظر فيه إلى ~~غيره. { فأقبلت امرأته فى صرة } لم يكن هذا الإقبال من ~~مكان إلى مكان، وإنما هو كقولك أقبل يشتمني، أي أخذ في شتمي، كذا قال ~~الفراء، وغيره. والصرة الصيحة والضجة، وقيل الجماعة من الناس. قال ~~الجوهري الصرة الضجة والصيحة، والصرة الجماعة، والصرة الشدة من كرب ~~أو غيره، والمعنى أنها أقبلت في صيحة، أو في ضجة، أو في جماعة من الناس ~~يستمعون كلام الملائكة، ومن هذا قول امرىء القيس # فألحقه بالهاديات ودونه جراجرها في صرة لم تزيل # وقوله { فى صرة } في محل نصب على الحال { فصكت وجهها } أي ~~ضربت بيدها على وجهها، كما جرت بذلك عادة النساء عند التعجب. قال مقاتل، ~~والكلبي جمعت أصابعها، فضربت جبينها تعجبا. ومعنى الصك ضرب الشيء ~~بالشيء العريض، يقال صكه أي ضربه { وقالت عجوز عقيم } أي كيف ~~ألد وأنا عجوز عقيم؟ استبعدت ذلك لكبر سنها ولكونها عقيما لا تلد { ~~قالوا كذلك قال ربك } أي كما قلنا لك وأخبرناك قال ربك، فلا ~~تشكي في ذلك ولا تعجبي منه، فإن ما أراده الله كائن لا محالة، ولم نقل ~~ذلك من جهة أنفسنا، وقد كانت إذ ذاك بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن ~~مائة سنة، وقد سبق بيان هذا مستوفى، وجملة { إنه هو الحكيم ~~العليم } تعليل لما قبلها أي حكيم في أفعاله وأقواله، عليم بكل شيء. ~~وجملة { قال فما خطبكم أيها المرسلون } مستأنفة ~~جوابا عن سؤال مقدر، كأنه قيل فماذا قال إبراهيم بعد هذا القول من ~~الملائكة؟ والخطب الشأن والقصة، والمعنى فما شأنكم وما قصتكم أيها ~~المرسلون من جهة الله، وما ذاك الأمر الذي لأجله أرسلكم سوى هذه البشارة؟ ~~{ قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } يريدون قوم ~~لوط. # { لنرسل عليهم حجارة من طين } أي لنرجمهم بحجارة من ~~طين متحجر، وانتصاب { مسومة } على الصفة لحجارة، أو على الحال في ~~الضمير المستكن في الجار والمجرور، أو من الحجارة لكونها قد وصفت بالجار ~~والمجرور، ومعنى { مسومة } معلمة بعلامات تعرف بها، قيل كانت ~~مخططة بسواد وبياض، وقيل بسواد وحمرة، وقيل معروفة ms3669 بأنها حجارة العذاب، ~~وقيل مكتوب على كل حجر من يهلك بها، وقوله { عند ربك } ظرف لمسومة، ~~أي معلمة عنده { للمسرفين } المتمادين في الضلالة المجاوزين الحد ~~في الفجور. وقال مقاتل للمشركين، والشرك أسرف الذنوب وأعظمها. { ~~فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين } هذا كلام من جهة ~~الله سبحانه، أي لما أردنا إهلاك قوم لوط أخرجنا من كان في قرى قوم لوط ~~من قومه المؤمنين به { فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين } أي غير أهل بيت. يقال بيت شريف ويراد به أهله، قيل وهم ~~أهل بيت لوط، والإسلام الانقياد والاستسلام لأمر الله سبحانه، فكل مؤمن ~~مسلم، ومن ذلك قوله # قالت الأعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا # الحجرات 14 وقد أوضح الفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الإسلام ~~والإيمان في الحديث في الصحيحين، وغيرهما الثابت من طرق أنه سئل عن ~~الإسلام، فقال # " أن تشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج ~~البيت، وتصوم رمضان " # ، وسئل عن الإيمان، فقال # " أن تؤمن بالله، وملائكته وكتبه ورسله، والقدر خيره وشره " # ، فالمرجع في الفرق بينهما هو هذا الذي قاله الصادق المصدوق، ولا التفات ~~إلى غيره مما قاله أهل العلم في رسم كل واحد منهما برسوم مضطربة مختلفة ~~مختلة متناقضة، وأما ما في الكتاب العزيز من اختلاف مواضع استعمال ~~الإسلام والإيمان، فذلك باعتبار المعاني اللغوية والاستعمالات العربية، ~~والواجب تقديم الحقيقة الشرعية على اللغوية، والحقيقة الشرعية هي هذه ~~التي أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجاب سؤال السائل له عن ~~ذلك بها { وتركنا فيها ءاية للذين يخافون العذاب ~~الأليم } أي وتركنا في تلك القرى علامة، ودلالة تدل على ما أصابهم من ~~العذاب، كل من يخاف عذاب الله، ويخشاه من أهل ذلك الزمان ومن بعدهم، ~~وهذه الآية هي آثار العذاب في تلك القرى، فإنها ظاهرة بينة، وقيل هي ~~الحجارة التي رجموا بها، وإنما خص الذين يخافون العذاب الأليم لأنهم ~~الذين يتعظون بالمواعظ، ويتفكرون في الآيات دون غيرهم ممن لا يخاف ذلك ms3670 ~~وهم المشركون المكذبون بالبعث، والوعد والوعيد. وقد أخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فى صرة } قال في صيحة ~~{ فصكت وجهها } قال لطمت. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد في قوله { فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين } قال لوط وابنتيه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ~~قال كانوا ثلاثة عشر. ### || [51.38-60] # قوله { وفى موسى } معطوف على قوله { فيها } بإعادة الخافض، ~~والتقدير وتركنا في قصة موسى آية، أو معطوف على { وفى الأرض } ~~والتقدير وفي الأرض، وفي موسى آيات، قاله الفراء، وابن عطية، والزمخشري. ~~قال أبو حيان وهو بعيد جدا ينزه القرآن عن مثله، ويجوز أن يكون متعلقا ~~بجعلنا مقدرا لدلالة وتركنا عليه قيل ويجوز أن يعطف على { وتركنا ~~} على طريقة قول القائل # علفتها تبنا وماء باردا # والتقدير وتركنا فيها آية، وجعلنا في موسى آية. قال أبو حيان ولا حاجة ~~إلى إضمار، وجعلنا لأنه قد أمكن أن يكون العامل في المجرور وتركنا. ~~والوجه الأول هو الأولى، وما عداه متكلف متعسف لم تلجىء إليه حاجة، ولا ~~دعت إليه ضرورة { إذ أرسلنه إلى فرعون بسلطن ~~مبين } الظرف متعلق بمحذوف هو نعت لآية، أي كائنة وقت أرسلناه، أو ~~بآية نفسها، والأول أولى. والسلطان المبين الحجة الظاهرة الواضحة، وهي ~~العصا، وما معها من الآيات { فتولى بركنه } التولي الإعراض، ~~والركن الجانب، قاله الأخفش. والمعنى أعرض بجانبه، كما في قوله # أعرض ونأى بجانبه # الإسراء 83 قال الجوهري ركن الشيء جانبه الأقوى، وهو يأوي إلى ركن شديد، ~~أي عز ومنعة. وقال ابن زيد، ومجاهد، وغيرهما الركن جمعه وجنوده الذين ~~كان يتقوى بهم، ومنه قوله تعالى # أو آوى إلى ركن شديد # هود 80 أي عشيرة ومنعة، وقيل الركن نفس القوة، وبه قال قتادة وغيره، ~~ومنه قول عنترة # فما أوهى مراس الحرب ركني ولكن ما تقادم من زماني # { وقال سحر أو مجنون } أي قال فرعون في حق موسى هو ساحر، ~~أو مجنون، فردد فيما رآه من أحوال موسى بين كونه ms3671 ساحرا، أو مجنونا، ~~وهذا من اللعين مغالطة وإيهام لقومه، فإنه يعلم أن ما رآه من الخوارق لا ~~يتيسر على يد ساحر، ولا يفعله من به جنون. وقيل إن " أو " بمعنى الواو ~~لأنه قد قال ذلك جميعا ولم يتردد، قاله المؤرج، والفراء، كقوله # ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا # الإنسان 24. { فأخذنه وجنوده فنبذنهم فى اليم ~~} أي طرحناهم في البحر، وجملة { وهو مليم } في محل نصب على الحال، ~~أي آت بما يلام عليه حين ادعى الربوبية، وكفر بالله وطغى في عصيانه { ~~وفى عاد } أي وتركنا في قصة عاد آية { إذ أرسلنا عليهم ~~الريح العقيم } وهي التي لا خير فيها ولا بركة، لا تلقح شجرا ولا ~~تحمل مطرا، إنما هي ريح الإهلاك والعذاب. ثم وصف سبحانه هذه الريح فقال ~~{ ما تذر من شىء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ~~} أي ما تذر من شيء مرت عليه من أنفسهم، وأنعامهم، وأموالهم إلا جعلته ~~كالشيء الهالك البالي. # قال الشاعر # تركتني حين كف الدهر من بصري وإذ بقيت كعظم الرمة البالي # وقال قتادة إنه الذي ديس من يابس النبات، وقال السدي، وأبو العالية إنه ~~التراب المدقوق، وقال قطرب إنه الرماد، وأصل الكلمة من رم العظم إذا بلي ~~فهو رميم، والرمة العظام البالية. { وفى ثمود إذ قيل لهم ~~تمتعوا حتى حين } أي وتركنا في قصة ثمود آية وقت قلنا لهم ~~عيشوا متمتعين بالدنيا إلى حين وقت الهلاك، وهو ثلاثة أيام، كما في قوله # تمتعوا فى داركم ثلثة أيام # هود 65. { فعتوا عن أمر ربهم } أي تكبروا عن امتثال أمر ~~الله { فأخذتهم الصعقة } وهي كل عذاب مهلك. قرأ الجمهور { ~~الصاعقة } وقرأ عمر بن الخطاب، وحميد، وابن محيصن، ومجاهد، والكسائي ~~الصعقة، وقد مر الكلام على الصاعقة في البقرة، وفي مواضع { وهم ~~ينظرون } أي يرونها عيانا، والجملة في محل نصب على الحال، وقيل إن ~~المعنى ينتظرون ما وعدوه من العذاب، والأول أولى { فما استطعوا ~~من قيام } أي لم يقدروا على القيام. قال قتادة من نهوض، يعني لم ~~ينهضوا من تلك الصرعة، والمعنى ms3672 أنهم عجزوا عن القيام فضلا عن الهرب. ~~ومثله قوله # فأصبحوا في دارهم جثمين # الأعراف 78 { وما كانوا منتصرين } أي ممتنعين من عذاب الله ~~بغيرهم { وقوم نوح من قبل } أي من قبل هؤلاء المهلكين، فإن ~~زمانهم متقدم على زمن فرعون، وعاد وثمود { إنهم كانوا قوما ~~فسقين } أي خارجين عن طاعة الله. قرأ حمزة، والكسائي، وأبو عمرو ~~بخفض قوم أي وفي قوم نوح آية. وقرأ الباقون بالنصب. أي وأهلكنا قوم نوح، ~~أو هو معطوف على مفعول أخذتهم الصاعقة، أو على مفعول نبذناهم أي نبذناهم، ~~ونبذنا قوم نوح، أو يكون العامل فيه اذكر. { والسماء بنينها ~~بأيد } أي بقوة وقدرة، قرأ الجمهور بنصب { السماء } على الاشتغال، ~~والتقدير وبنينا السماء بنيناها. وقرأ أبو السماك، وابن مقسم برفعها على ~~الابتداء { وإنا لموسعون } الموسع ذو الوسع والسعة، والمعنى إنا ~~لذو سعة بخلقها، وخلق غيرها لا نعجز عن ذلك، وقيل لقادرون، من الوسع ~~بمعنى الطاقة والقدرة، وقيل إنا لموسعون الرزق بالمطر. قال الجوهري وأوسع ~~الرجل صار ذا سعة وغنى { والأرض فرشنها } قرأ الجمهور بنصب { ~~الأرض } على الاشتغال. وقرأ أبو السماك، وابن مقسم برفعها، كما تقدم في ~~قوله { والسماء بنينها } ومعنى { فرشناها } بسطناها كالفراش { ~~فنعم المهدون } أي نحن، يقال مهدت الفراش بسطته ووطأته، ~~وتمهيد الأمور تسويتها وإصلاحها { ومن كل شىء خلقنا زوجين ~~} أي صنفين، ونوعين من ذكر وأنثى، وبر وبحر، وشمس وقمر، وحلو ومر، ~~وسماء وأرض، وليل ونهار، ونور وظلمة، وجن وإنس، وخير وشر { لعلكم ~~تذكرون } أي خلقنا ذلك هكذا لتتذكروا، فتعرفوا أنه خالق كل شيء، ~~وتستدلوا بذلك على توحيده، وصدق وعده ووعيده. # { ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين } أي ~~قل لهم يا محمد ففروا إلى الله بالتوبة من ذنوبكم عن الكفر والمعاصي، ~~وجملة { إنى لكم منه نذير مبين } تعليل للأمر بالفرار، ~~وقيل معنى { ففروا إلى الله } اخرجوا من مكة. وقال الحسين بن ~~الفضل احترزوا من كل شيء غير الله، فمن فر إلى غيره لم يمتنع منه. وقيل ~~فروا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن، وقيل فروا ms3673 من الجهل إلى العلم، ~~ومعنى { إنى لكم منه } أي من جهته منذر بين الإنذار { ولا ~~تجعلوا مع الله إلها ءاخر } نهاهم عن الشرك بالله بعد ~~أمرهم بالفرار إلى الله، وجملة { إنى لكم منه نذير مبين } ~~تعليل للنهي. { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من ~~رسول إلا قالوا سحر أو مجنون } في هذا تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ببيان أن هذا شأن الأمم المتقدمة وأن ما وقع من ~~العرب من التكذيب لرسول الله، ووصفه بالسحر، والجنون قد كان ممن قبلهم ~~لرسلهم، و { كذلك } في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر ~~كذلك. ثم فسر ما أجمله بقوله { ما أتى } إلخ، أو في محل نصب نعتا ~~لمصدر محذوف، أي أنذركم إنذارا كإنذار من تقدمني من الرسل الذين أنذروا ~~قومهم، والأول أولى { أتواصوا به } الاستفهام للتقريع والتوبيخ، ~~والتعجيب من حالهم، أي هل أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب، وتواطئوا عليه؟ { ~~بل هم قوم طغون } إضراب عن التواصي إلى ما جمعهم من الطغيان ~~أي لم يتواصوا بذلك، بل جمعهم الطغيان، وهو مجاوزة الحد في الكفر. ثم ~~أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم، فقال { ~~فتول عنهم } أي أعرض عنهم، وكف عن جدالهم، ودعائهم إلى الحق، ~~فقد فعلت ما أمرك الله به وبلغت رسالته { فما أنت بملوم } عند ~~الله بعد هذا لأنك قد أديت ما عليك، وهذا منسوخ بآية السيف. ثم لما أمره ~~بالإعراض عنهم أمره بأن لا يترك التذكير، والموعظة بالتي هي أحسن فقال { ~~وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } قال الكلبي المعنى ~~عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن الذكرى تنفعهم. وقال مقاتل عظ كفار مكة ~~فإن الذكرى تنفع من كان في علم الله أنه يؤمن. وقيل ذكرهم بالعقوبة وأيام ~~الله، وخص المؤمنين بالتذكير لأنهم المنتفعون به. وجملة { وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } مستأنفة مقررة لما ~~قبلها. أن كون خلقهم لمجرد العبادة مما ينشط رسول الله للتذكير، وينشطهم ~~للإجابة. قيل هذا خاص في من سبق في علم الله ms3674 سبحانه أنه يعبده، فهو عموم ~~مراد به الخصوص. # قال الواحدي قال المفسرون هذا خاص لأهل طاعته، يعني من أهل من ~~الفريقين. قال وهذا قول الكلبي، والضحاك، واختيار الفراء، وابن قتيبة. ~~قال القشيري والآية دخلها التخصيص بالقطع لأن المجانين لم يؤمروا ~~بالعبادة، ولا أرادها منهم، وقد قال # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # الأعراف 179 ومن خلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة. فالآية محمولة على ~~المؤمنين منهم، ويدل عليه قراءة ابن مسعود، وأبي بن كعب وما خلقت الجن ~~والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون. وقال مجاهد إن المعنى إلا ليعرفوني. ~~قال الثعلبي وهذا قول حسن لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده. وروي ~~عن مجاهد أنه قال المعنى إلا لآمرهم وأنهاهم، ويدل عليه قوله # وما أمروا إلا ليعبدوا إلها وحدا لا إله ~~إلا هو سبحنه عما يشركون # التوبة 31 واختار هذا الزجاج. وقال زيد بن أسلم هو ما جبلوا عليه من ~~السعادة والشقاوة، فخلق السعداء من الجن والإنس للعبادة، وخلق الأشقياء ~~للمعصية. وقال الكلبي المعنى إلا ليوحدون، فأما المؤمن، فيوحده في ~~الشدة والرخاء، وأما الكافر، فيوحده في الشدة دون النعمة، كما في قوله # وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين ~~له الدين # لقمان 32 وقال جماعة إلا ليخضعوا لي ويتذللوا، ومعنى العبادة في اللغة ~~الذل والخضوع والانقياد، وكل مخلوق من الإنس والجن خاضع لقضاء الله ~~متذلل لمشيئته منقاد لما قدره عليه. خلقهم على ما أراد، ورزقهم كما قضى، ~~لا يملك أحد منهم لنفسه نفعا، ولا ضرا. ووجه تقديم الجن على الإنس ها ~~هنا تقدم وجودهم. { ما أريد منهم من رزق وما أريد أن ~~يطعمون } هذه الجملة فيها بيان استغنائه سبحانه عن عباده، وأنه لا ~~يريد منهم منفعة، كما تريده السادة من عبيدهم، بل هو الغني المطلق ~~الرازق المعطي. وقيل المعنى ما أريد منهم أن يرزقوا أحدا من خلقي، ولا ~~أن يرزقوا أنفسهم، ولا يطعموا أحدا من خلقي، ولا يطعموا أنفسهم، وإنما ~~أسند الإطعام إلى نفسه لأن الخلق عيال الله، ms3675 فمن أطعم عيال الله، فهو كمن ~~أطعمه. وهذا كما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم «يقول الله عبدي ~~استطعمتك فلم تطعمني»، أي لم تطعم عبادي، و " من " في قوله { من رزق ~~} زائدة لتأكيد العموم. ثم بين سبحانه أنه هو الرزاق لا غيره، فقال { ~~إن الله هو الرزاق } لا رزاق سواه، ولا معطي غيره، فهو الذي ~~يرزق مخلوقاته، ويقوم بما يصلحهم فلا يشتغلوا بغير ما خلقوا له من ~~العبادة { ذو القوة المتين } ارتفاع المتين على أنه وصف ~~للرزاق، أو لذو، أو خبر مبتدأ محذوف، أو خبر بعد خبر. قرأ الجمهور { ~~الرزاق } وقرأ ابن محيصن الرازق وقرأ الجمهور { المتين } بالرفع، وقرأ ~~يحيى بن وثاب، والأعمش بالجر صفة للقوة، والتذكير لكون تأنيثها غير ~~حقيقي. # قال الفراء كان حقه المتينة فذكرها لأنه ذهب بها إلى الشيء المبرم ~~المحكم الفتل، يقال حبل متين، أي محكم الفتل، ومعنى المتين الشديد القوة ~~هنا { فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب ~~أصحبهم } أي ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي، فإن لهم ذنوبا، أي ~~نصيبا من العذاب مثل نصيب الكفار من الأمم السابقة. قال ابن الأعرابي ~~يقال يوم ذنوب، أي طويل الشر لا ينقضي، وأصل الذنوب في اللغة الدلو ~~العظيمة، ومن استعمال الذنوب في النصيب من الشيء قول الشاعر # لعمرك والمنايا طارقات لكل بني أب منها ذنوب # وما في الآية مأخوذ من مقاسمة السقاة الماء بالدلو الكبير، فهو تمثيل ~~جعل الذنوب مكان الحظ والنصيب، قاله ابن قتيبة { فلا يستعجلون } ~~أي لا يطلبوا مني أن أعجل لهم العذاب، كما في قولهم # فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصدقين # الأعراف 70 { فويل للذين كفروا من يومهم الذى ~~يوعدون } قيل هو يوم القيامة، وقيل يوم بدر، والفاء لترتيب ما بعدها ~~على ما قبلها. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر في قوله { فتولى ~~بركنه } عن ابن عباس قال بقومه. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه في قوله { الريح العقيم ~~} قال الشديدة التي لا تلقح شيئا. وأخرج ابن جرير عنه ms3676 أيضا قال لا تلقح ~~الشجر ولا تثير السحاب، وفي قوله { إلا جعلته كالرميم } قال ~~كالشيء الهالك. وأخرج الفريابي، وابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال ~~الريح العقيم النكباء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله { والسماء ~~بنينها بأيد } قال بقوة. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن ~~المنذر عنه في قوله { فتول عنهم فما أنت بملوم } قال ~~أمره الله أن يتولى عنهم ليعذبهم، وعذر محمدا صلى الله عليه وسلم، ثم ~~قال { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } ، فنسختها. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله { وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون } قال ليقروا بالعبودية طوعا أو كرها. ~~وأخرج ابن المنذر عنه في الآية قال على ما خلقتهم عليه من طاعتي ومعصيتي، ~~وشقوتي وسعادتي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء ~~والصفات عنه أيضا في قوله { المتين } يقول الشديد. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { ذنوبا } قال دلوا. ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-20] # قوله { والطور } قال الجوهري هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى. قال ~~مجاهد، والسدي الطور بالسريانية الجبل، والمراد به طور سيناء. قال مقاتل ~~بن حيان هما طوران، يقال لأحدهما طور سيناء، وللآخر طور زيتا لأنهما ~~ينبتان التين والزيتون. وقيل هو جبل مدين، وقيل إن الطور كل جبل ينبت، ~~وما لا ينبت فليس بطور، أقسم الله سبحانه بهذا الجبل تشريفا له ~~وتكريما. { وكتب مسطور } المسطور المكتوب، والمراد بالكتاب ~~القرآن، وقيل هو اللوح المحفوظ، وقيل جميع الكتب المنزلة، وقيل ألواح ~~موسى، وقيل ما تكتبه الحفظة، قاله الفراء، وغيره، ومثله # ونخرج له يوم القيمة كتابا يلقه منشورا # الإسراء 13 وقوله # وإذا الصحف نشرت # التكوير 10 { فى رق منشور } متعلق بمسطور، أي مكتوب في رق. قرأ ~~الجمهور { في رق } بفتح الراء، وقرأ أبو السماك بكسرها. قال الجوهري ~~الرق بالفتح ما يكتب فيه، وهو جلد رقيق، ومنه قوله تعالى { فى رق ~~منشور } قال المبرد الرق ما رق ms3677 من الجلد ليكتب فيه، والمنشور ~~المبسوط. قال أبو عبيدة وجمعه رقوق، ومن هذا قول المتلمس # فكأنما هي من تقادم عهدها رق أتيح كتابها مسطور # وأما الرق بالكسر، فهو المملوك، يقال عبد رق، وعبد مرقوق. { ~~والبيت المعمور } في السماء السابعة. وقيل في سماء الدنيا، ~~وقيل هو الكعبة، فعلى القولين الأولين يكون وصفه بالعمارة باعتبار من ~~يدخل إليه من الملائكة، ويعبد الله فيه. وعلى القول الثالث، يكون وصفه ~~بالعمارة حقيقة أو مجازا باعتبار كثرة من يتعبد فيه من بني آدم { ~~والسقف المرفوع } يعني السماء، سماها سقفا لكونها كالسقف ~~للأرض، ومنه قوله # وجعلنا السماء سقفا محفوظا # الأنبياء 32 وقيل هو العرش { والبحر المسجور } أي الموقد، من ~~السجر وهو إيقاد النار في التنور، ومنه قوله # وإذا البحار سجرت # التكوير 6 وقد روي أن البحار تسجر يوم القيامة فتكون نارا، وقيل ~~المسجور المملوء، قيل إنه من أسماء الأضداد، يقال بحر مسجور أي مملوء، ~~وبحر مسجور، أي فارغ، وقيل المسجور الممسوك، ومنه ساجور الكلب لأنه ~~يمسكه. وقال أبو العالية المسجور الذي ذهب ماؤه، وقيل المسجور المفجور، ~~ومنه # وإذا البحار فجرت # الإنفطار 3 وقال الربيع بن أنس هو الذي يختلط فيه العذب بالمالح. ~~والأول أولى، وبه قال مجاهد، والضحاك، ومحمد بن كعب، والأخفش، وغيرهم. { ~~إن عذاب ربك لواقع } هذا جواب القسم، أي كائن لا محالة لمن ~~يستحقه { ما له من دافع } يدفعه ويرده عن أهل النار، وهذه الجملة ~~خبر ثان لإن، أو صفة لواقع، و " من " مزيدة للتأكيد. ووجه تخصيص هذه ~~الأمور بالإقسام بها أنها عظيمة دالة على كمال القدرة الربانية. # { يوم تمور السماء مورا } العامل في الظرف { لواقع } ، أي ~~إنه لواقع في هذا اليوم، ويجوز أن يكون العامل فيه { دافع }. والمور ~~الاضطراب والحركة. قال أهل اللغة مار الشيء يمور مورا إذا تحرك وجاء ~~وذهب، قاله الأخفش، وأبو عبيدة وأنشدا بيت الأعشى # كأن مشيها من بيت جارتها مشي السحابة لا ريث ولا عجل # وليس في البيت ما يدل على ما قالاه إلا إذا كانت هذه المشية المذكورة ms3678 ~~في البيت يطلق المور عليها لغة. وقال الضحاك يموج بعضها في بعض، وقال ~~مجاهد تدور دورا، وقيل تجرى جريا، ومنه قول الشاعر # وما زالت القتلى تمور دماؤها بدجلة حتى ماء دجلة أشكل # ويطلق المور على الموج، ومنه ناقة موارة اليد، أي سريعة تموج في مشيها ~~موجا، ومعنى الآية أن العذاب يقع بالعصاة، ولا يدفعه عنهم دافع في هذا ~~اليوم الذي تكون فيه السماء هكذا، وهو يوم القيامة. وقيل إن السماء ها ~~هنا الفلك، وموره اضطراب نظمه واختلاف سيره. { وتسير الجبال ~~سيرا } أي تزول عن أماكنها، وتسير عن مواضعها كسير السحاب، وتكون ~~هباء منبثا، قيل ووجه تأكيد الفعلين بالمصدر الدالة على غرابتها، ~~وخروجهما عن المعهود، وقد تقدم تفسير مثل هذا في سورة الكهف. { فويل ~~يومئذ للمكذبين } ويل كلمة تقال للهالك، واسم واد في جهنم، ~~وإنما دخلت الفاء لأن في الكلام معنى المجازاة، أي إذا وقع ما ذكر من مور ~~السماء، وسير الجبال فويل لهم. ثم وصف المكذبين بقوله { الذين هم ~~فى خوض يلعبون } أي في تردد في الباطل، واندفاع فيه يلهون لا ~~يذكرون حسابا، ولا يخافون عقابا. والمعنى أنهم يخوضون في أمر محمد صلى ~~الله عليه وسلم بالتكذيب والاستهزاء، وقيل يخوضون في أسباب الدنيا، ~~ويعرضون عن الآخرة. { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } ~~الدع الدفع بعنف وجفوة، يقال دععته أدعه دعا، أي دفعته، والمعنى أنهم ~~يدفعون إلى النار دفعا عنيفا شديدا. قال مقاتل تغل أيديهم إلى ~~أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعون إلى جهنم دفعا على ~~وجوههم. قرأ الجمهور بفتح الدال وتشديد العين. وقرأ علي والسلمي، وأبو ~~رجاء، وزيد بن علي، وابن السميفع بسكون الدال وتخفيف العين مفتوحة أي ~~يدعون إلى النار من الدعاء. ويوم إما بدل من { يوم تمور } ، أو متعلق ~~بالقول المقدر في الجملة التي بعد هذه، وهي { هذه النار التى ~~كنتم بها تكذبون } أي يقال لهم ذلك يوم يدعون إلى نار جهنم ~~دعا، أي هذه النار التي تشاهدونها هي النار التي كنتم تكذبون بها في ~~الدنيا، والقائل ms3679 لهم بهذه المقالة هم خزنة النار، ثم وبخهم سبحانه، أو ~~أمر ملائكته بتوبيخهم، فقال { أفسحر هذا } الذي ترون وتشاهدون، ~~كما كنتم تقولون لرسل الله المرسلة، ولكتبه المنزلة، وقدم الخبر هنا على ~~المبتدأ لأنه الذي وقع الاستفهام عنه، وتوجه التوبيخ إليه { أم أنتم ~~لا تبصرون } أي أم أنتم عمي عن هذا، كما كنتم عميا عن الحق في ~~الدنيا { اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا } أي إذا لم ~~يمكنكم إنكارها، وتحققتم أن ذلك ليس بسحر، ولم يكن في أبصاركم خلل، فالآن ~~ادخلوها وقاسوا شدتها، فاصبروا على العذاب أو لا تصبروا، وافعلوا ما ~~شئتم، فالأمران { سواء عليكم } في عدم النفع، وقيل أيضا تقول لهم ~~الملائكة هذا القول، { وسوآء } خبر مبتدأ محذوف، أي الأمران سواء، ~~ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف، أي سواء عليكم الصبر وعدمه، وجملة { ~~إنما تجزون ما كنتم تعملون } تعليل للاستواء، فإن ~~الجزاء بالعمل إذا كان واقعا حتما كان الصبر، وعدمه سواء. # { إن المتقين فى جنت ونعيم } لما فرغ سبحانه من ذكر ~~حال المجرمين ذكر حال المتقين، وهذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفة، ويجوز ~~أن تكون من جملة ما يقال للكفار زيادة في غمهم وحسرتهم، والتنوين في { ~~جنت ونعيم } للتفخيم { فكهين بما ءاتهم ربهم ~~} يقال رجل فاكه، أي ذو فاكهة، كما قيل لابن وتامر. والمعنى أنهم ذوو ~~فاكهة من فواكه الجنة، وقيل ذوو نعمة وتلذذ بما صاروا فيه مما أعطاهم ~~الله عز وجل مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وقد ~~تقدم بيان معنى هذا. قرأ الجمهور { فاكهين } بالألف والنصب على الحال. ~~وقرأ خالد فاكهون بالرفع على أنه خبر بعد خبر. وقرأ ابن عباس فكهين بغير ~~ألف، والفكه طيب النفس، كما تقدم في الدخان، ويقال للأشر والبطر، ولا ~~يناسب التفسير به هنا { ووقهم ربهم عذاب الجحيم } ~~معطوف على آتاهم، أو على خبر إن، أو الجملة في محل نصب على الحال بإضمار ~~قد. { كلوا واشربوا هنيئا } أي يقال لهم ذلك، والهنيء ما لا ~~تنغيص فيه ولا نكد ولا ms3680 كدر. قال الزجاج أي ليهنئكم ما صرتم إليه هناء، ~~والمعنى كلوا طعاما هنيئا، واشربوا شرابا هنيئا، وقد تقدم تفسير ~~هنيئا في سورة النساء، وقيل معنى { هنيئا } أنكم لا تموتون. { ~~متكئين على سرر مصفوفة } انتصابه على الحال من فاعل ~~كلوا، أو من مفعول آتاهم، أو من مفعول وقاهم، أو من الضمير المستكن في ~~الظرف، أو من الضمير في { فاكهين }. قرأ الجمهور { على سرر } بضم الراء ~~الأولى. وقرأ أبو السماك بفتحها، والسرر جمع سرير. والمصفوفة المتصل ~~بعضها ببعض حتى تصير صفا { وزوجنهم بحور عين } أي قرناهم ~~بها. قال يونس بن حبيب تقول العرب زوجته امرأة، وتزوجت بامرأة، وليس من ~~كلام العرب زوجته بامرأة. قال وقول الله تعالى { وزوجنهم ~~بحور عين } أي قرناهم بهن. # وقال الفراء زوجته بامرأة، لغة أزدشنوءة، وقد تقدم تفسير الحور العين ~~في سورة الدخان. قرأ الجمهور { بحور عين } من غير إضافة. وقرأ عكرمة ~~بإضافة الحور إلى العين. وقد أخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن ~~عباس { والطور } قال جبل. وأخرج ابن مردويه عن كثير بن عبد الله بن ~~عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الطور جبل من جبال الجنة " # وكثير ضعيف جدا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { فى رق ~~منشور } قال في الكتاب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أنس قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " البيت المعمور في السماء السابعة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا ~~يعودون إليه حتى تقوم الساعة " # ، وفي الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث ~~الإسراء بعد مجاوزته إلى السماء السابعة # " ثم رفع إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا ~~يعودون إليه " # وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف ~~عن أبي الطفيل أن ابن الكواء سأل عليا عن البيت المعمور فقال ذلك ~~الضراح، بيت فوق سبع سموات تحت ms3681 العرش يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا ~~يعودون إليه أبدا إلى يوم القيامة. وأخرج ابن جرير نحوه عن ابن عباس. ~~وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمر ورفعه، قال إن البيت المعمور، لجيال ~~الكعبة لو سقط منه شيء لسقط عليها، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا، ثم لا ~~يعودون إليه. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس نحوه، وضعف إسناده ~~السيوطي. وأخرج ابن راهويه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن علي بن أبي طالب ~~في قوله { والسقف المرفوع } قال السماء. وأخرج عبد الرزاق، ~~وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في قوله { ~~والبحر المسجور } قال بحر في السماء تحت العرش. وأخرج ابن جرير ~~عن ابن عمر مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال المسجور ~~المحبوس. وأخرج ابن المنذر عنه قال المسجور المرسل. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا { يوم تمور السماء مورا } ~~قال تحرك، وفي قوله { يوم يدعون } قال يدفعون. وأخرج ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم عنه أيضا { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } ~~قال يدفع في أعناقهم حتى يردوا النار. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في ~~قوله { كلوا واشربوا هنيئا } أي لا تموتون فيها، فعندها ~~قالوا # أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الاولى وما ~~نحن بمعذبين # الصافات 58، 59. ### || [52.21-34] # لما فرغ سبحانه من ذكر أهل الجنة على العموم ذكر حال طائفة منهم على ~~الخصوص، فقال { والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمن ألحقنا بهم ذريتهم } والموصول مبتدأ، وخبره { ~~ألحقنا بهم } ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مقدر، أي وأكرمنا ~~الذين آمنوا، ويكون ألحقنا مفسرا لهذا الفعل المقدر. قرأ الجمهور { ~~واتبعتهم } بإسناد الفعل إلى الذرية. وقرأ أبو عمرو أتبعناهم بإسناد ~~الفعل إلى المتكلم، كقوله { ألحقنا }. وقرأ الجمهور ذريتهم بالإفراد. ~~وقرأ ابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب بالجمع، إلا أن أبا عمرو قرأ بالنصب ~~على المفعولية لكونه قرأ ms3682 وأتبعناهم، ورويت قراءة الجمع هذه عن نافع، ~~والمشهور عنه كقراءة الجمهور. وقرأ الجمهور { ألحقنا بهم ذريتهم } ~~بالإفراد. وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب على الجمع، وجملة { ~~واتبعتهم ذريتهم } معطوف على { آمنوا } أو معترضة، و { ~~بإيمان } متعلق بالاتباع، ومعنى هذه الآية أن الله سبحانه يرفع ذرية ~~المؤمن إليه، وإن كانوا دونه في العمل لتقر عينه، وتطيب نفسه بشرط أن ~~يكونوا مؤمنين، فيختص ذلك بمن يتصف بالإيمان من الذرية وهم البالغون ~~دون الصغار، فإنهم وإن كانوا لاحقين بآبائهم، فبدليل آخر غير هذه الآية. ~~وقيل إن الذرية تطلق على الكبار والصغار، كما هو المعنى اللغوي، فيلحق ~~بالآباء المؤمنين صغار ذريتهم وكبارهم، ويكون قوله { بإيمن } في ~~محل نصب على الحال، أي بإيمان من الآباء. وقيل إن الضمير في { بهم } ~~راجع إلى الذرية المذكورة أولا، أي ألحقنا بالذرية المتبعة لآبائهم ~~بإيمان ذريتهم. وقيل المراد بالذين آمنوا المهاجرون والأنصار فقط، وظاهر ~~الآية العموم، ولا يوجب تخصيصها بالمهاجرين والأنصار كونهم السبب في ~~نزولها إن صح ذلك، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب { وما ~~ألتنهم من عملهم من شىء } قرأ الجمهور بفتح اللام من " ~~ألتنا " وقرأ ابن كثير بكسرها، أي وما نقصنا الآباء بإلحاق ذريتهم بهم ~~من ثواب أعمالهم شيئا، فضمير المفعول عائد إلى الذين آمنوا. وقيل المعنى ~~وما نقصنا الذرية من أعمالهم شيئا لقصر أعمارهم، والأول أولى، وقد قدمنا ~~تحقيق معنى لاته، وألاته في سورة الحجرات. وقرأ ابن هرمز آلتناهم بالمد، ~~وهو لغة. قال في الصحاح يقال ما آلته من عمله شيئا،أي ما نقصه { كل ~~امرىء بما كسب رهين } رهين بمعنى مرهون، والظاهر أنه عام، وأن ~~كل إنسان مرتهن بعمله، فإن قام به على الوجه الذي أمره الله به فكه، ~~وإلا أهلكه. وقيل هو بمعنى راهن، والمعنى كل امرىء بما كسب دائم ثابت. ~~وقيل هذا خاص بالكفار لقوله # كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحب اليمين # المدثر 38، 39. ثم ذكر سبحانه ما أمدهم به من الخير، فقال { ~~وأمددنهم بفكهة ولحم مما يشتهون } أي زدناهم ~~على ما كان ms3683 لهم من النعيم بفاكهة متنوعة، ولحم من أنواع اللحمان مما ~~تشتهيه أنفسهم، ويستطيبونه { يتنزعون فيها كأسا } أي ~~يتعاطون ويتناولون كأسا، والكأس إناء الخمر، ويطلق على كل إناء مملوء من ~~خمر، أو غيره، فإذا فرغ لم يسم كأسا { لا لغو فيها ولا ~~تأثيم } قال الزجاج لا يجري بينهم ما يلغي، ولا ما فيه إثم، كما يجري ~~بين من يشرب الخمر في الدنيا، والتأثيم تفعيل من الإثم، والضمير في { ~~فيها } راجع إلى الكأس، وقيل لا لغو فيها، أي في الجنة، ولا يجري فيها ~~ما فيه إثم، والأول أولى. # قال ابن قتيبة لا تذهب بعقولهم فيلغوا، كما يكون من خمر الدنيا، ولا ~~يكون منهم ما يؤثمهم. وقال الضحاك لا تأثيم أي لا كذب. قرأ الجمهور { لا ~~لغو فيها ولا تأثيم } بالرفع، والتنوين فيهما. وقرأ ابن كثير، وابن محيصن ~~بفتحهما من غير تنوين. قال قتادة اللغو الباطل. وقال مقاتل بن حيان لا ~~فضول فيها. وقال سعيد بن المسيب لا رفث فيها. وقال ابن زيد لا سباب ولا ~~تخاصم فيها. والجملة في محل نصب على الحال صفة ل { كأسا } { ويطوف ~~عليهم غلمان لهم } أي يطوف عليهم بالكأس، والفواكه، ~~والطعام، وغير ذلك مماليك لهم، وقيل أولادهم { كأنهم } في الحسن ~~والبهاء { لؤلؤ مكنون } أي مستور مصون في الصدف لم تمسه الأيدي. ~~قال الكسائي كننت الشيء سترته وصنته من الشمس، وأكننته جعلته في الكن، ~~ومنه كننت الجارية، وأكننتها فهي مكنونة. { وأقبل بعضهم على ~~بعض يتساءلون } أي يسأل بعضهم بعضا في الجنة عن حاله، وما كان ~~فيه من تعب الدنيا وخوف العاقبة، فيحمدون الله الذي أذهب عنهم الحزن ~~والخوف والهم، وما كانوا فيه من الكد، والنكد بطلب المعاش، وتحصيل ما لا ~~بد منه من الرزق. وقيل يقول بعضهم لبعض بم صرتم في هذه المنزلة ~~الرفيعة؟ وقيل إن التساؤل بينهم عند البعث من القبور. والأول أولى، ~~لدلالة السياق على أنهم قد صاروا في الجنة، وجملة { قالوا إنا ~~كنا قبل فى أهلنا مشفقين } مستأنفة جواب سؤال مقدر، ~~كأنه قيل ماذا قال ms3684 بعضهم لبعض عند التساؤل؟ فقيل قالوا إنا كنا قبل، أي ~~قبل الآخرة، وذلك في الدنيا في أهلنا خائفين وجلين من عذاب الله، أو كنا ~~خائفين من عصيان الله. { فمن الله علينا } بالمغفرة والرحمة، ~~أو بالتوفيق لطاعته { ووقنا عذاب السموم } يعني عذاب جهنم، ~~والسموم من أسماء جهنم، كذا قال الحسن، ومقاتل. وقال الكلبي، وأبو عبيدة ~~هو عذاب النار. وقال الزجاج سموم جهنم ما يوجد من حرها. قال أبو عبيدة ~~السموم بالنهار، وقد يكون بالليل، والحرور بالليل، وقد يكون بالنهار، وقد ~~يستعمل السموم في لفح البرد، وفي لفح الشمس، والحر أكثر، ومنه قول ~~الشاعر # اليوم يوم بارد سمومه من جزع اليوم فلا ألومه # وقيل سميت الريح سموما لأنها تدخل المسام { إنا كنا من قبل ~~ندعوه } أي نوحد الله ونعبده، أو نسأله أن يمن علينا بالمغفرة ~~والرحمة { إنه هو البر الرحيم } قرأ الجمهور بكسر الهمزة ~~على الاستئناف، وقرأ نافع، والكسائي بفتحها، أي لأنه. والبر كثير ~~الإحسان، وقيل اللطيف، والرحيم كثير الرحمة لعباده { فذكر فما ~~أنت بنعمت ربك بكهن ولا مجنون } أي اثبت على ما ~~أنت عليه من الوعظ والتذكير، والباء متعلقة بمحذوف هو حال، أي ما أنت ~~متلبسا بنعمة ربك التي أنعم بها عليك من رجاحة العقل والنبوة بكاهن، ~~ولا مجنون، وقيل متعلقة بمحذوف يدل عليه الكلام، أي ما أنت في حال إذكارك ~~بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون، وقيل الباء سببية متعلقة بمضمون الجملة ~~المنفية، والمعنى انتفى عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة الله عليك، كما ~~تقول ما أنا بمعسر بحمد الله. وقيل الباء للقسم متوسطة بين اسم " ما " ~~وخبرها، والتقدير ما أنت - ونعمة الله - بكاهن ولا مجنون، والكاهن هو ~~الذي يوهم أنه يعلم الغيب من دون وحي، أي ليس ما تقوله كهانة، فإنك إنما ~~تنطق بالوحي الذي أمرك الله بإبلاغه. والمقصود من الآية رد ما كان يقوله ~~المشركون إنه كاهن، أو مجنون. { أم يقولون شاعر نتربص ~~به ريب المنون } " أم " هي المنقطعة، وقد تقدم الخلاف هل هي ~~مقدرة ببل والهمزة، أو ببل وحدها؟ ms3685 قال الخليل هي هنا للاستفهام. قال ~~سيبويه خوطب العباد بما جرى في كلامهم. قال النحاس يريد سيبويه أن " أم " ~~في كلام العرب للخروج من حديث إلى حديث، ونتربص في محل رفع صفة لشاعر، ~~وريب المنون صروف الدهر، والمعنى ننتظر به حوادث الأيام فيموت كما مات ~~غيره، أو يهلك كما هلك من قبله، والمنون يكون بمعنى الدهر، ويكون بمعنى ~~المنية. قال الأخفش المعنى نتربص إلى ريب المنون، فحذف حرف الجر، كما ~~تقول قصدت زيدا، وقصدت إلى زيد، ومن هذا قول الشاعر # تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوما أو يموت خليلها # وقول أبي ذؤيب الهذلي # أمن المنون وريبها تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع # قال الأصمعي المنون واحد لا جمع له. قال الفراء يكون واحدا وجمعا. ~~وقال الأخفش هو جمع لا واحد له. ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم، فقال ~~{ قل تربصوا فإنى معكم من المتربصين } أي ~~انتظروا موتي، أو هلاكي، فإني معكم من المتربصين لموتكم، أو هلاككم. قرأ ~~الجمهور { نتربص } بإسناد الفعل إلى جماعة المتكلمين. وقرأ زيد بن علي ~~على البناء للمفعول. # { أم تأمرهم أحلمهم بهذا } أي بل أتأمرهم عقولهم ~~بهذا الكلام المتناقض، فإن الكاهن هو المفرط في الفطنة والذكاء، والمجنون ~~هو ذاهب العقل فضلا عن أن يكون له فطنة وذكاء. قال الواحدي قال المفسرون ~~كانت عظماء قريش توصف بالأحلام والعقول، فأزرأ الله بحلومهم حين لم تثمر ~~لهم معرفة الحق من الباطل { أم هم قوم طاغون } أي بل أطغوا ~~وجاوزوا الحد في العناد، فقالوا ما قالوا، وهذه الإضرابات من شيء إلى ~~شيء مع الاستفهام، كما هو مدلول " أم " المنقطعة، تدل على أن ما تعقبها ~~أشنع مما تقدمها، وأكثر جرأة وعنادا { أم يقولون تقوله } ~~أي اختلق القرآن من جهة نفسه وافتعله، والتقول لا يستعمل إلا في الكذب ~~في الغالب، وإن كان أصله تكلف القول، ومنه اقتال عليه، ويقال اقتال عليه ~~بمعنى تحكم عليه، ومنه قول الشاعر # ومنزلة في دار صدق وغبطة وما اقتال في حكم علي طبيب # ثم أضرب سبحانه ms3686 عن قولهم { تقوله } وانتقل إلى ما هو أشد شناعة ~~عليهم فقال { بل لا يؤمنون } أي سبب صدور هذه الأقوال المناقضة ~~عنهم كونهم كفارا لا يؤمنون بالله، ولا يصدقون ما جاء به رسوله صلى الله ~~عليه وسلم. ثم تحداهم سبحانه، وألزمهم الحجة فقال { فليأتوا ~~بحديث مثله } أي مثل القرآن في نظمه، وحسن بيانه، وبديع أسلوبه { ~~إن كانوا صدقين } فيما زعموا من قولهم إن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم تقوله، وجاء به من جهة نفسه مع أنه كلام عربي، وهم رؤوس العرب ~~وفصحاؤهم، والممارسون لجميع الأوضاع العربية من نظم ونثر. وقد أخرج سعيد ~~بن منصور، وهناد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، ~~والبيهقي عن ابن عباس قال إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في ~~الجنة، وإن كانوا دونه في العمل لتقر به عينه. ثم قرأ { والذين ~~ءامنوا واتبعتهم ذريتهم } الآية. وأخرجه البزار، وابن ~~مردويه عنه مرفوعا. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عنه أيضا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال # " إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه، وزوجته، وولده، فيقال إنهم لم ~~يبلغوا درجتك وعملك، فيقول يا رب قد عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به " # ، وقرأ ابن عباس { والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم ~~} الآية. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن علي بن أبي طالب قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار " # ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { والذين ءامنوا } الآية ~~وإسناده هكذا. قال عبد الله بن أحمد حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا ~~محمد بن فضيل، عن محمد بن عثمان، عن زاذان، عن علي بن أبي طالب قال سألت ~~خديجة النبي صلى الله عليه وسلم عن ولدين ماتا لها في الجاهلية، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " هما في النار " # ، فلما رأى الكراهة في وجهها قال # " لو رأيت مكانهما لأبغضتهما " # ، قالت يا رسول الله فولدي منك. قال # " في الجنة " # ، قال ثم قال رسول ms3687 الله صلى الله عليه وسلم # " إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار " # ، ثم قرأ { والذين ءامنوا } الآية. وقال الإمام أحمد في المسند ~~حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول يا رب من أين لي ~~هذا؟ فيقول باستغفار ولدك لك " # وإسناده صحيح. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، والحاكم عن ابن عباس { وما ~~ألتنهم } قال ما نقصناهم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه { لا لغو ~~فيها } يقول باطل { ولا تأثيم } يقول كذب. وأخرج البزار عن أنس ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى الإخوان، فيجيء سرير هذا حتى ~~يحاذي سرير هذا، فيتحدثان، فيتكىء ذا، ويتكىء ذا، فيتحدثان بما كانوا ~~في الدنيا، فيقول أحدهما يا فلان تدري أي يوم غفر الله لنا؟ يوم كنا في ~~موضع كذا وكذا، فدعونا الله فغفر لنا " # وأخرج ابن المنذر عن عائشة قالت لو فتح الله على أهل الأرض من عذاب ~~السموم قدر الأنملة لأحرقت الأرض ومن عليها. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إنه هو البر } ~~قال اللطيف. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير عنه أن قريشا لما اجتمعوا إلى ~~دار الندوة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم قال قائل منهم احبسوه في ~~وثاق، وتربصوا به المنون حتى يهلك، كما هلك من قبله من الشعراء زهير ~~والنابغة، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله في ذلك { أم يقولون شاعر ~~نتربص به ريب المنون }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { ريب المنون } قال الموت. ### || [52.35-49] # قوله { أم خلقوا من غير شىء } " أم " هذه هي المنقطعة، كما ~~تقدم فيما قبلها، وكما سيأتي فيما بعدها، أي بل أخلقوا على هذه الكيفية ~~البديعة، والصنعة العجيبة من غير خالق لهم؟ قال الزجاج أي أخلقوا باطلا ~~لغير شيء ms3688 لا يحاسبون، ولا يؤمرون، ولا ينهون؟ وجعل " من " بمعنى اللام. ~~قال ابن كيسان أم خلقوا عبثا، وتركوا سدى لا يؤمرون، ولا ينهون؟ وقيل ~~المعنى أم خلقوا من غير أب ولا أم، فهم كالجماد لا يفهمون، ولا تقوم ~~عليهم حجة؟ { أم هم الخلقون } أي بل أيقولون هم الخالقون ~~لأنفسهم، فلا يؤمرون ولا ينهون مع أنهم يقرون أن الله خالقهم؟ وإذا ~~أقروا لزمتهم الحجة { أم خلقوا السموات والارض } وهم ~~لا يدعون ذلك، فلزمتهم الحجة، ولهذا أضرب عن هذا، وقال { بل لا ~~يوقنون } أي ليسوا على يقين من الأمر، بل يخبطون في ظلمات الشك في ~~وعد الله ووعيده { أم عندهم خزائن ربك } أي خزائن أرزاق ~~العباد، وقيل مفاتيح الرحمة. قال مقاتل يقول أبأيديهم مفاتيح ربك ~~بالرسالة، فيضعونها حيث شاءوا؟ وكذا قال عكرمة وقال الكلبي خزائن المطر ~~والرزق { أم هم المصيطرون } أي المسلطون الجبارون، قال في الصحاح ~~المسيطر المسلط على الشيء، ليشرف عليه، ويتعهد أحواله، ويكتب عمله، وأصله ~~من السطر لأن الكتاب يسطر. وقال أبو عبيدة سطرت علي اتخذتني خولا لك. ~~قرأ الجمهور { المصيطرون } بالصاد الخالصة، وقرأ ابن محيصن، وحميد، ~~ومجاهد، وقنبل، وهشام بالسين الخالصة، ورويت هذه القراءة عن حفص، وقرأ ~~خلاد بصاد مشمة زايا. { أم لهم سلم يستمعون فيه } أي ~~بل أيقولون إن لهم سلما منصوبا إلى السماء يصعدون به، ويستمعون فيه ~~كلام الملائكة، وما يوحى إليهم، ويصلون به إلى علم الغيب، كما يصل إليه ~~محمد صلى الله عليه وسلم بطريق الوحي، وقوله { فيه } صفة لسلم، وهي ~~للظرفية على بابها، وقيل هي بمعنى على، أي يستمعون عليه كقوله # ولأصلبنكم فى جذوع النخل # طه 71 قاله الأخفش. وقال أبو عبيدة يستمعون به. وقال الزجاج المعنى أنهم ~~كجبريل الذي يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي، وقيل هي في محل نصب ~~على الحال، أي صاعدين فيه { فليأت مستمعهم } إن ادعى ذلك { ~~بسلطن مبين } أي بحجة واضحة ظاهرة { أم له البنت ~~ولكم البنون } أي بل أتقولون لله البنات ولكم البنون، سفه سبحانه ~~أحلامهم، وضلل عقولهم ووبخهم، ms3689 أي أيضيفون إلى الله البنات وهي أضعف ~~الصنفين، ويجعلون لأنفسهم البنين، وهم أعلاهما، وفيه إشعار بأن من كان ~~هذا رأيه، فهو بمحل سافل في الفهم والعقل، فلا يستبعد منه إنكار البعث ~~وجحد التوحيد. # ثم رجع سبحانه إلى خطاب رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال { أم ~~تسئلهم أجرا } أي بل أتسألهم أجرا يدفعونه إليك على تبليغ ~~الرسالة { فهم من مغرم مثقلون } أي من التزام غرامة تطلبها ~~منهم مثقلون، أي مجهودون بحملهم ذلك المغرم الثقيل. قال قتادة يقول هل ~~سألت هؤلاء القوم أجرا فجهدهم، فلا يستطيعون الإسلام؟ { أم عندهم ~~الغيب فهم يكتبون } أي بل أيدعون أن عندهم علم الغيب؟ وهو ~~ما في اللوح المحفوظ فهم يكتبون للناس ما أرادوا من علم الغيب. قال قتادة ~~هذا جواب لقولهم { نتربص به ريب المنون } يقول الله أم ~~عندهم الغيب حتى علموا أن محمدا يموت قبلهم، فهم يكتبون؟ قال ابن قتيبة ~~معنى يكتبون يحكمون بما يقولون { أم يريدون كيدا } أي مكرا ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهلكونه بذلك المكر { فالذين ~~كفروا هم المكيدون } أي الممكور بهم المجزيون بكيدهم، فضرر ~~كيدهم يعود عليهم # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # فاطر 43 وقد قتلهم الله في يوم بدر، وأذلهم في غير موطن، ومكر سبحانه ~~بهم # ومكروا ومكر الله والله خير المكرين # آل عمران 54 { أم لهم إله غير الله } أي بل أيدعون أن ~~لهم إلها غير الله يحفظهم ويرزقهم وينصرهم؟! ثم نزه سبحانه نفسه عن ~~هذه المقالة الشنعاء فقال { سبحن الله عما يشركون } أي ~~عن شركهم به، أو عن الذين يجعلونهم شركاء له. ثم ذكر سبحانه بعض ~~جهالاتهم، فقال { وإن يروا كسفا من السماء سقطا ~~يقولوا سحب مركوم } الكسف جمع كسفة وهي القطعة من الشيء، ~~وانتصاب ساقطا على الحال، أو على أنه المفعول الثاني، والمركوم المجعول ~~بعضه على بعض. والمعنى أنهم إن يروا كسفا من السماء { ساقطا } عليهم ~~لعذابهم، لم ينتهوا عن كفرهم بل يقولون هو سحاب متراكم بعضه على بعض، وقد ~~تقدم اختلاف القراء في { كسفا ms3690 } ، قال الأخفش من قرأ { كسفا } ، يعني ~~بكسر الكاف وسكون السين جعله واحدا، ومن قرأ " كسفا " ، يعني بكسر ~~الكاف وفتح السين جعله جمعا. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه ~~وسلم أن يتركهم، فقال { فذرهم حتى يلقوا يومهم ~~الذى فيه يصعقون } أي اتركهم وخل عنهم حتى يلاقوا يوم موتهم، ~~أو يوم قتلهم ببدر، أو يوم القيامة. قرأ الجمهور { يلاقوا } وقرأ أبو ~~حيوة يلقوا وقرأ الجمهور " يصعقون " على البناء للفاعل، وقرأ ابن عامر، ~~وعاصم على البناء للمفعول، والصعقة الهلاك على ما تقدم بيانه { يوم ~~لا يغنى عنهم كيدهم شيئا } هو بدل من يومهم، أي لا ~~ينفعهم في ذلك اليوم كيدهم الذي كادوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في الدنيا { ولا هم ينصرون } أي ولا يمنع عنهم العذاب النازل بهم ~~مانع، بل هو واقع بهم لا محالة { وإن للذين ظلموا عذابا ~~دون ذلك } أي لهؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي عذابا في ~~الدنيا دون عذاب يوم القيامة، أي قبله، وهو قتلهم يوم بدر. # وقال ابن زيد هو مصائب الدنيا من الأوجاع، والأسقام، والبلايا، وذهاب ~~الأموال والأولاد. وقال مجاهد هو الجوع، والجهد سبع سنين، وقيل عذاب ~~القبر، وقيل المراد بالعذاب هو القحط، وبالعذاب الذي يأتي بعده هو قتلهم ~~يوم بدر { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ما يصيرون إليه من ~~عذاب الله، وما أعده لهم في الدنيا والآخرة. { واصبر لحكم ~~ربك } إلى أن يقع لهم العذاب الذي وعدناهم به { فإنك ~~بأعيننا } أي بمرأى ومنظر منا، وفي حفظنا وحمايتنا، فلا تبال بهم. ~~قال الزجاج إنك بحيث نراك ونحفظك، ونرعاك فلا يصلون إليك { وسبح ~~بحمد ربك حين تقوم } أي نزه ربك عما لا يليق به متلبسا ~~بحمد ربك على إنعامه عليك حين تقوم من مجلسك. قال عطاء، وسعيد بن جبير، ~~وسفيان الثوري، وأبو الأحوص يسبح الله حين يقوم من مجلسه فيقول سبحان ~~الله وبحمده، أو سبحانك اللهم وبحمدك، عند قيامه من كل مجلس يجلسه. ~~وقال محمد بن كعب، والضحاك، والربيع بن أنس حين تقوم إلى ms3691 الصلاة. قال ~~الضحاك يقول الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة ~~وأصيلا، وفيه نظر لأن التكبير يكون بعد القيام لا حال القيام، ويكون ~~التسبيح بعد التكبير، وهذا غير معنى الآية، فالأول أولى. وقيل المعنى ~~صل لله حين تقوم من منامك، وبه قال أبو الجوزاء، وحسان بن عطية. وقال ~~الكلبي واذكر الله باللسان حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل الصلاة، وهي ~~صلاة الفجر. { ومن اليل فسبحه } أمره الله سبحانه أن يسبحه ~~في بعض الليل. قال مقاتل أي صل المغرب والعشاء، وقيل ركعتي الفجر { ~~وإدبر النجوم } أي وقت إدبارها من آخر الليل، وقيل صلاة ~~الفجر، واختاره ابن جرير، وقيل هو التسبيح في إدبار الصلوات، قرأ الجمهور ~~{ إدبار } بكسر الهمزة على أنه مصدر، وقرأ سالم بن أبي الجعد، ومحمد بن ~~السميفع، ويعقوب، والمنهال بن عمر بفتحها على الجمع، أي أعقاب النجوم ~~وأدبارها إذا غربت، ودبر الأمر آخره، وقد تقدم الكلام على هذا في سورة ~~«ق». وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله { أم هم المصيطرون } قال المسلطون، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر ~~عنه قال أم هم المنزلون. وأخرجا عنه أيضا { عذابا دون ذلك } قال ~~عذاب القبر قبل يوم القيامة. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، والنسائي، ~~والحاكم، وابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي قالكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بآخرة إذا قام من المجلس يقول # " سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك ~~" # فقال رجل يا رسول الله إنك لتقول قولا ما كنت تقوله فيما مضى، قال # " كفارة لما يكون في المجلس " # وأخرجه النسائي، والحاكم من حديث الربيع بن أنس عن أبي العالية، عن رافع ~~بن خديج، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج الترمذي، وابن جرير عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " من جلس في مجلس، فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه سبحانك ~~اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله ms3692 إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا ~~غفر له ما كان في مجلسه ذلك " # قال الترمذي حسن صحيح. وفي الباب أحاديث مسندة ومرسلة. وأخرج ابن مردويه ~~عن ابن عباس في قوله { وسبح بحمد ربك حين تقوم } قال حين ~~تقوم من فراشك إلى أن تدخل في الصلاة. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { ومن اليل فسبحه } قال # " الركعتان قبل صلاة الصبح " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { وإدبر النجوم } ~~قال ركعتي الفجر. ### | [53 - سورة النجم] ### || [53.1-26] # قوله { والنجم إذا هوى } التعريف للجنس، والمراد به جنس ~~النجوم، وبه قال جماعة من المفسرين، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة # أحسن النجم في السماء الثريا والثريا في الأرض زين النساء # وقيل المراد به الثريا، وهو اسم غلب فيها، تقول العرب النجم، وتريد به ~~الثريا، وبه قال مجاهد، وغيره، وقال السدي، النجم هنا هو الزهرة لأن ~~قوما من العرب كانوا يعبدونها، وقيل النجم هنا النبت الذي لا ساق له، ~~كما في قوله # والنجم والشجر يسجدان # الرحمن 6 قاله الأخفش. وقيل النجم محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل النجم ~~القرآن وسمي نجما لكونه نزل منجما مفرقا، والعرب تسمي التفريق ~~تنجيما، والمفرق المنجم، وبه قال مجاهد، والفراء، وغيرهما، والأول ~~أولى. قال الحسن المراد بالنجم النجوم إذا سقطت يوم القيامة. وقيل المراد ~~بها النجوم التي ترجم بها الشياطين، ومعنى هويه سقوطه من علو، يقال هوى ~~النجم يهوي هويا إذا سقط من علو إلى سفل، وقيل غروبه، وقيل طلوعه، ~~والأول أولى، وبه قال الأصمعي وغيره، ومنه قول زهير # تسيح بها الأباعر وهي تهوى هوي الدلو أسلمها الرشاء # ويقال هوى في السير إذا مضى ومنه قول الشاعر # بينما نحن بالبلاكث فالقا ع سراعا والعيس تهوى هويا ~~خطرت خطرة على القلب من ذك راك وهنا فما استطعت مضيا # ومعنى الهوي على قول من فسر النجم بالقرآن أنه نزل من أعلا إلى أسفل، ~~وأما على قول من قال إنه الشجر الذي لا ms3693 ساق له، أو أنه محمد صلى الله ~~عليه وسلم، فلا يظهر للهوي معنى صحيح، والعامل في الظرف فعل القسم ~~المقدر، وجواب القسم قوله { ما ضل صحبكم وما غوى } أي ~~ما ضل محمد صلى الله عليه وسلم عن الحق والهدى، ولا عدل عنه، والغي ضد ~~الرشد، أي ما صار غاويا ولا تكلم بالباطل، وقيل ما خاب فيما طلب، ~~والغي الخيبة، ومنه قول الشاعر # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على ~~الغي لائما # وفي قوله { صحبكم } إشارة بأنهم المطلعون على حقيقة حاله، ~~والخطاب لقريش { وما ينطق عن الهوى } أي ما يصدر نطقه عن ~~الهوى لا بالقرآن ولا بغيره، فعن على بابها. وقال أبو عبيدة إن عن بمعنى ~~الباء أي بالهوى. قال قتادة أي ما ينطق بالقراءة عن هواه { إن هو ~~إلا وحى يوحى } أي ما هو الذي ينطق به إلا وحي من الله يوحيه ~~إليه. وقوله { يوحى } صفة لوحي تفيد الاستمرار التجددي، وتفيد نفي ~~المجاز، أي هو وحي حقيقة لا لمجرد التسمية { علمه شديد القوى ~~} القوى جمع قوة، والمعنى أنه علمه جبريل الذي هو شديد قواه، هكذا قال ~~أكثر المفسرين إن المراد جبريل. # وقال الحسن هو الله عز وجل، والأول أولى، وهو من باب إضافة الصفة إلى ~~الموصوف { ذو مرة فاستوى } المرة القوة والشدة في الخلق، ~~وقيل ذو صحة جسم وسلامة من الآفات، ومنه قول النبي # " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي " # وقيل ذو حصانة عقل، ومتانة رأي. قال قطرب العرب تقول لكل من هو جزل ~~الرأي، حصيف العقل ذو مرة، ومنه قول الشاعر # قد كنت قبل لقائكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانه # والتفسير للمرة بهذا أولى لأن القوة والشدة قد أفادها قوله { شديد ~~القوى } قال الجوهري المرة إحدى الطبائع الأربع، والمرة القوة ~~وشدة العقل، والفاء في قوله { فاستوى } للعطف على علمه، يعني ~~جبريل، أي ارتفع وعاد إلى مكانه في السماء بعد أن علم محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، قاله سعيد بن المسيب، وسعيد بن ms3694 جبير، وقيل معنى استوى قام في ~~صورته التي خلقه الله عليها لأنه كان يأتي النبي في صورة الآدميين، وقيل ~~المعنى فاستوى القرآن في صدره صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن - فاستوى ~~يعني الله عز وجل - على العرش { وهو بالأفق الأعلى } هذه ~~الجملة في محل نصب على الحال أي فاستوى جبريل حال كونه بالأفق الأعلى، ~~والمراد بالأفق الأعلى جانب المشرق، وهو فوق جانب المغرب، وقيل المعنى ~~فاستوى عاليا، والأفق ناحية السماء، وجمعه آفاق، قال قتادة، ومجاهد هو ~~الموضع الذي تطلع منه الشمس، وقيل هو يعني جبريل، والنبي صلى الله عليه ~~وسلم بالأفق الأعلى ليلة المعراج، ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة. { ~~ثم دنا فتدلى } أي دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى، أي ~~قرب من الأرض فتدلى، فنزل على النبي بالوحي، وقيل في الكلام تقديم ~~وتأخير، والتقدير ثم تدلى فدنى، قاله ابن الأنباري، وغيره. قال الزجاج ~~معنى { دنا فتدلى } واحد، أي قرب وزاد في القرب كما تقول فدنا ~~مني فلان وقرب، ولو قلت قرب مني ودنا جاز. قال الفراء الفاء في فتدلى ~~بمعنى الواو، والتقدير ثم تدلى جبريل ودنا، ولكنه جائز إذا كان معنى ~~الفعلين واحدا أن تقدم أيهما شئت. قال الجمهور والذي دنا فتدلى هو ~~جبريل، وقيل هو النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى دنا منه أمره وحكمه، ~~والأول أولى. قيل ومن قال إن الذي استوى هو جبريل ومحمد، فالمعنى عنده ~~ثم دنا محمد من ربه دنو كرامة، فتدلى، أي هوى للسجود، وبه قال الضحاك { ~~فكان قاب قوسين أو أدنى } أي فكان مقدار ما بين جبريل ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم، أو ما بين محمد وربه قاب قوسين، أي قدر قوسين ~~عربيين. # والقاب والقيب، والقاد والقيد المقدار، ذكر معناه في الصحاح. قال الزجاج ~~أي فيما تقدرون أنتم، والله سبحانه عالم بمقادير الأشياء، ولكنه يخاطبنا ~~على ما جرت به عادة المخاطبة فيما بيننا. وقيل " أو " بمعنى الواو، أي ~~وأدنى، وقيل بمعنى بل، أي بل أدنى. وقال سعيد بن جبير، وعطاء، وأبو إسحاق ms3695 ~~الهمداني، وأبو وائل شقيق بن سلمة { فكان قاب قوسين } قدر ~~ذراعين، والقوس الذراع يقاس بها كل شيء، وهي لغة بعض الحجازيين، وقيل هي ~~لغة أزد شنوءة. وقال الكسائي فكان قاب قوسين أراد قوسا واحدة. { ~~فأوحى إلى عبده ما أوحى } أي فأوحى جبريل إلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم ما أوحى، وفيه تفخيم للوحي الذي أوحي إليه، والوحي إلقاء ~~الشيء بسرعة، ومنه الوحا وهو السرعة، والضمير في { عبده } يرجع إلى الله، ~~كما في قوله # ما ترك على ظهرها من دابة # فاطر 45 وقيل المعنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى، وبالأول قال ~~الربيع، والحسن، وابن زيد، وقتادة. وقيل فأوحى الله إلى عبده محمد. قيل ~~وقد أبهم الله سبحانه ما أوحاه جبريل إلى محمد، أو ما أوحاه الله إلى ~~عبده جبريل، أو إلى محمد ولم يبينه لنا، فليس لنا أن نتعرض لتفسيره. ~~وقال سعيد بن جبير الذي أوحى إليه هو # ألم نشرح لك صدرك # الشرح 1 إلخ، و # ألم يجدك يتيما فآوى # الضحى 6 إلخ. وقيل أوحى الله إليه أن الجنة حرام على الأنبياء حتى ~~تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك. وقيل إن " ما " للعموم لا للإبهام، ~~والمراد كل ما أوحى به إليه، والحمل على الإبهام أولى لما فيه من ~~التعظيم. { ما كذب الفؤاد ما رأى } أي ما كذب فؤاد محمد صلى ~~الله عليه وسلم ما رآه بصره ليلة المعراج، يقال كذبه إذا قال له الكذب، ~~ولم يصدقه. قال المبرد معنى الآية أنه رأى شيئا فصدق فيه، قرأ الجمهور ~~ما كذب مخففا، وقرأ هشام، وأبو جعفر بالتشديد " وما " في { ما رأى ~~} موصولة أو مصدرية في محل نص { بكذب } مخففا ومشددا { ~~أفتمرونه على ما يرى }. قرأ الجمهور { أفتمارونه } ~~بالألف من المماراة، وهي المجادلة والملاحاة، وقرأ حمزة، والكسائي ~~أفتمرونه بفتح التاء وسكون الميم، أي أفتجدونه، واختار أبو عبيد القراءة ~~الثانية. قال لأنهم لم يماروه، وإنما جحدوه، يقال مراه حقه، أي جحده، ~~ومريته أنا جحدته، قال ومنه قول الشاعر # لأن هجوت أخا صدق ومكرمة ms3696 لقد مريت أخا ما كان ~~يمريكا # أي جحدته. قال المبرد يقال أمرأه عن حقه، وعلى حقه إذا منعه منه ودفعه. ~~وقيل على بمعنى عن، وقرأ ابن مسعود، والشعبي، ومجاهد، والأعرج أفتمرونه ~~بضم التاء من أمريت، أي أتريبونه وتشكون فيه، قال جماعة من المفسرين ~~المعنى على قراءة الجمهور أفتجادلونه، وذلك أنهم جادلوه حين أسري به، ~~فقالوا صف لنا مسجد بيت المقدس، أي أفتجادلونه جدالا ترومون به دفعه عما ~~شاهده وعلمه، واللام في قوله { ولقد رءاه نزلة أخرى } هي ~~الموطئة للقسم، أي والله لقد رآه نزلة أخرى، والنزلة المرة من النزول، ~~فانتصابها على الظرفية، أو منتصبة على المصدر الواقع موقع الحال، أي رأى ~~جبريل نازلا نزلة أخرى، أو على أنه صفة مصدر مؤكد محذوف، أي رآه رؤية ~~أخرى. # قال جمهور المفسرين المعنى أنه رأى محمد جبريل مرة أخرى، وقيل رأى محمد ~~ربه مرة أخرى بفؤاده { عند سدرة المنتهى } الظرف منتصب ب { ~~رآه } ، والسدر هو شجر النبق، وهذه السدرة هي في السماء السادسة، كما في ~~الصحيح، وروي أنها في السماء السابعة، والمنتهى مكان الانتهاء، أو هو ~~مصدر ميمي، والمراد به الانتهاء نفسه، قيل إليها ينتهي علم الخلائق، ولا ~~يعلم أحد منهم ما وراءها، وقيل ينتهي إليها ما يعرج به في الأرض، وقيل ~~تنتهي إليها أرواح الشهداء، وقيل غير ذلك. وإضافة الشجرة إلى المنتهى من ~~إضافة الشيء إلى مكانه { عندها جنة المأوى } أي عند تلك ~~السدرة جنة تعرف بجنة المأوى، وسميت جنة المأوى لأنه أوى إليها آدم، وقيل ~~إن أرواح المؤمنين تأوي إليها. قرأ الجمهور { جنة } برفع جنة على أنها ~~مبتدأ، وخبرها الظرف المتقدم. وقرأ علي، وأبو الدرداء، وأبو هريرة، ~~وابن الزبير، وأنس، وزر بن حبيش، ومحمد بن كعب، ومجاهد، وأبو سبرة الجهني ~~جنه فعلا ماضيا من جن يجن، أي ضمه المبيت، أو سترة إيواء الله له، قال ~~الأخفش أدركه، كما تقول جنه الليل أي ستره وأدركه، والجملة في محل نصب ~~على الحال { إذ يغشى السدرة ما يغشى } العامل في الظرف { ~~رآه } أيضا، وهو ms3697 ظرف زمان، والذي قبله ظرف مكان، والغشيان بمعنى التغطية ~~والستر، وبمعنى الإتيان، يقال فلان يغشاني كل حين أي يأتيني، وفي الإبهام ~~في قوله { ما يغشى } من التفخيم ما لا يخفى، وقيل يغشاها جراد من ~~ذهب، وقيل طوائف من الملائكة. وقال مجاهد رفرف أخضر، وقيل رفرف من طيور ~~خضر، وقيل غشيها أمر الله، والمجيء بالمضارع لحكاية الحال الماضية ~~استحضارا للصورة البديعة، أو للدلالة على الاستمرار التجددي. { ما ~~زاغ البصر } أي ما مال بصر النبي صلى الله عليه وسلم عما رآه { ~~وما طغى } أي ما جاوز ما رأى، وفي هذا وصف أدب النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ذلك المقام، حيث لم يلتفت، ولم يمل بصره، ولم يمده إلى غير ما ~~رأى، وقيل ما جاوز ما أمر به { لقد رأى من ءايت ربه ~~الكبرى } أي والله لقد رأى تلك الليلة من آيات ربه العظام ما لا ~~يحيط به الوصف، قيل رأى رفرفا سد الأفق، وقيل رأى جبريل في حلة خضراء ~~قد ملأ ما بين السماء والأرض له ستمائة جناح، كذا في صحيح مسلم، وغيره، ~~وقال الضحاك رأى سدرة المنتهى، وقيل هو كل ما رآه تلك الليلة في مسراه ~~وعوده، و " من " للتبعيض، ومفعول رأى الكبرى، ويجوز أن يكون المفعول ~~محذوفا، أي رأى شيئا عظيما من آيات ربه، ويجوز أن تكون " من " زائدة. # { أفرءيتم اللت والعزى * ومنوة الثالثة ~~الأخرى } لما قص الله سبحانه هذه الأقاصيص قال للمشركين، موبخا لهم ~~ومقرعا { أفرءيتم } أي أخبروني عن الآلهة التي تعبدونها من دون ~~الله هل لها قدرة توصف بها؟ وهل أوحت إليكم شيئا، كما أوحى الله إلى ~~محمد، أم هي جمادات لا تعقل ولا تنفع؟ ثم ذكر هذه الأصنام الثلاثة التي ~~اشتهرت في العرب، وعظم اعتقادهم فيها. قال الواحدي وغيره وكانوا يشتقون ~~لها أسماء من أسماء الله تعالى، فقالوا من الله اللات، ومن العزيز ~~العزى، وهي تأنيث الأعز بمعنى العزيزة، ومناة من منى الله الشيء إذا ~~قدره. قرأ الجمهور { اللات } بتخفيف التاء، فقيل هو مأخوذ من اسم ms3698 الله ~~سبحانه كما تقدم، وقيل أصله لات يليت، فالتاء أصلية، وقيل هي زائدة، ~~وأصله لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها، أو يلتون عليها، ~~ويطوفون بها. واختلف القراء هل يوقف عليها بالتاء، أو بالهاء؟ فوقف عليها ~~الجمهور بالتاء، ووقف عليها الكسائي بالهاء، واختار الزجاج، والفراء ~~الوقف بالتاء لاتباع رسم المصحف، فإنها تكتب بالتاء، وقرأ ابن عباس، وابن ~~الزبير، ومجاهد، ومنصور بن المعتمر، وأبو الجوزاء، وأبو صالح، وحميد ~~اللات بتشديد التاء، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير، فقيل هو اسم رجل كان ~~يلت السويق، ويطعمه الحاج، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه، فهو اسم ~~فاعل في الأصل غلب على هذا الرجل. قال مجاهد كان رجلا في رأس جبل يتخذ ~~من لبنها وسمنها حيسا، ويطعم الحاج، وكان ببطن نخلة فلما مات عبدوه. ~~وقال الكلبي كان رجلا من ثقيف له صرمة غنم، وقيل إنه عامر بن الظرب ~~العدواني، وكان هذا الصنم لثقيف، وفيه يقول الشاعر # لا تنصروا اللات إن الله مهلكها وكيف ينصركم من ~~ليس ينتصر # قال في الصحاح و { اللات } اسم صنم لثقيف، وكان بالطائف، وبعض العرب يقف ~~عليها بالتاء، وبعضهم بالهاء { والعزى } صنم قريش، وبني كنانة. قال ~~مجاهد هي شجرة كانت بغطفان، وكانوا يعبدونها، فبعث إليها النبي صلى الله ~~عليه وسلم خالد بن الوليد، فقطعها، وقيل كانت شيطانة تأتي ثلاث سمرات ~~ببطن نخلة. وقال سعيد بن جبير العزى حجر أبيض كانوا يعبدونه. وقال قتادة ~~هي بيت كان ببطن نخلة { ومنوة } صنم بني هلال. # وقال ابن هشام صنم هذيل وخزاعة. وقال قتادة كانت للأنصار. قرأ الجمهور { ~~مناة } بألف من دون همزة، وقرأ ابن كثير، وابن محيصن، وحميد، ومجاهد، ~~والسلمي بالمد والهمز. فأما قراءة الجمهور، فاشتقاقها من منى يمنى، أي ~~صب لأن دماء النسائك كانت تصب عندها يتقربون بذلك إليها. وأما على ~~القراءة الثانية، فاشتقاقها من النوء، وهو المطر لأنهم كانوا يستمطرون ~~عندها الأنواء، وقيل هما لغتان للعرب، ومما جاء على القراءة الأولى قول ~~جرير # أزيد مناة توعد يابن تيم تأمل أين تاه ms3699 بك الوعيد # ومما جاء على القراءة الأخرى قول الحارثي # ألا هل أتى التيم بن عبد مناءة على السر فيما بيننا ابن تميم # وقف جمهور القراء عليها بالتاء اتباعا لرسم المصحف، ووقف ابن كثير، ~~وابن محيصن عليها بالهاء. قال في الصحاح ومناة اسم صنم كان بين مكة ~~والمدينة، والهاء للتأنيث، ويسكت عليها بالتاء، وهي لغة. قوله { ~~الثالثة الأخرى } هذا وصف لمناة، وصفها بأنها ثالثة، وبأنها ~~أخرى، والثالثة لا تكون إلا أخرى. قال أبو البقاء فالوصف بالأخرى ~~للتأكيد، وقد استشكل وصف الثالثة بالأخرى، والعرب إنما تصف به الثانية، ~~فقال الخليل إنما قال ذلك لوفاق رؤوس الآي كقوله # مآرب أخرى # طه 18 وقال الحسين بن الفضل فيه تقديم وتأخير، والتقدير أفرأيتم اللات ~~والعزى الأخرى ومناة الثالثة. وقيل إن وصفها بالأخرى لقصد التعظيم لأنها ~~كانت عند المشركين عظيمة، وقيل إن ذلك للتحقير والذم، وإن المراد ~~المتأخرة الوضيعة، كما في قوله # قالت أخراهم لأولهم # الأعراف 38 أي وضعاؤهم لرؤسائهم. ثم كرر سبحانه توبيخهم وتقريعهم ~~بمقالة شنعاء قالوها، فقال { ألكم الذكر وله الأنثى } أي ~~كيف تجعلون لله ما تكرهون من الإناث، وتجعلون لأنفسكم ما تحبون من ~~الذكور، قيل وذلك قولهم إن الملائكة بنات الله، وقيل المراد كيف تجعلون ~~اللات، والعزى ومناة، وهي إناث في زعمكم، شركاء لله، ومن شأنهم أن ~~يحتقروا الإناث. ثم ذكر سبحانه أن هذه التسمية، والقسمة المفهومة من ~~الاستفهام قسمة جائرة، فقال { تلك إذا قسمة ضيزى } قرأ ~~الجمهور { ضيزى } بياء ساكنة بغير همزة، وقرأ ابن كثير بهمزة ساكنة، ~~والمعنى أنها قسمة خارجة عن الصواب، جائرة عن العدل، مائلة عن الحق. قال ~~الأخفش يقال ضاز في الحكم، أي جار، وضازه حقه يضيزه ضيزا، أي نقصه ~~وبخسه، قال وقد يهمز، وأنشد # فإن تنأء عنا ننتقصك وإن تغب فحقك مضئؤوز وأنفك ~~راغم # وقال الكسائي ضاز يضيز ضيزا،ء وضاز يضوز ضوزا إذا تعدى وظلم وبخس ~~وانتقص، ومنه قول الشاعر # ضازت بنو أسد بحكمهم إذ يجعلون الرأس كالذنب # قال الفراء وبعض العرب يقول " ضئزى " بالهمز، وحكى أبو حاتم ms3700 عن أبي زيد ~~أنه سمع العرب تهمز ضيزى، قال البغوي ليس في كلام العرب فعلى بكسر الفاء ~~في النعوت إنما تكون في الأسماء مثل ذكرى، قال المؤرج كرهوا ضم الضاد في ~~ضيزى، وخافوا انقلاب الياء واوا وهي من بنات الواو، فكسروا الضاد لهذه ~~العلة، كما قالوا في جمع أبيض بيض، وكذا قال الزجاج وقيل هي مصدر كذكرى، ~~فيكون المعنى قسمة ذات جور وظلم. # ثم رد سبحانه عليهم بقوله { إن هى إلا أسماء سميتموها ~~أنتم وءآباؤكم } أي ما الأوثان، أو الأصنام باعتبار ما تدعونه من ~~كونها آلهة إلا أسماء محضة، ليس فيها شيء من معنى الألوهية التي تدعونها ~~لأنها لا تبصر ولا تسمع، ولا تعقل ولا تفهم، ولا تضر ولا تنفع، فليست ~~إلا مجرد أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم، قلد الآخر فيها الأول. وتبع في ~~ذلك الأبناء الآباء، وفي هذا من التحقير لشأنها ما لا يخفى، كما تقول في ~~تحقير رجل ما هو إلا اسم إذا لم يكن مشتملا على صفة معتبرة، ومثل هذه ~~الآية قوله تعالى # ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها # يوسف 40 يقال سميته زيدا وسميته بزيد، فقوله { سميتموها } صفة لأصنام، ~~والضمير يرجع إلى الأسماء لا إلى الأصنام، أي جعلتموها أسماء لا جعلتم ~~لها أسماء. وقيل إن قوله { هى } راجع إلى الأسماء الثلاثة المذكورة، ~~والأول أولى { ما أنزل الله بها من سلطن } أي ما أنزل ~~بها من حجة ولا برهان. قال مقاتل لم ينزل لنا كتابا لكم فيه حجة، كما ~~تقولون إنها آلهة، ثم أخبر عنهم بقوله { إن يتبعون إلا ~~الظن } أي ما يتبعون فيما ذكر من التسمية، والعمل بموجبها إلا ~~الظن الذي لا يغني من الحق شيئا، والتفت من الخطاب إلى الغيبة إعراضا ~~عنهم وتحقيرا لشأنهم، فقال { وما تهوى الأنفس } أي تميل إليه، ~~وتشتهيه من غير التفات إلى ما هو الحق الذي يجب الاتباع له. قرأ الجمهور ~~{ يتبعون } بالتحتية على الغيبة، وقرأ عيسى بن عمر، وأيوب، وابن السميفع ~~بالفوقية على الخطاب، ورويت هذه القراءة عن ابن مسعود، ms3701 وابن عباس، وطلحة، ~~وابن وثاب { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } أي البيان ~~الواضح الظاهر بأنها ليست بآلهة، والجملة في محل نصب على الحال من فاعل ~~يتبعون، ويجوز أن يكون اعتراضا، والأول أولى. والمعنى كيف يتبعون ذلك، ~~والحال أن قد جاءهم ما فيه هدى لهم من عند الله على لسان رسوله الذي ~~بعثه الله بين ظهرانيهم، وجعله من أنفسهم. { أم للإنسن ما ~~تمنى } " أم " هي المنقطعة المقدرة ببل، والهمزة التي للإنكار، ~~فأضرب عن اتباعهم الظن الذي هو مجرد التوهم، وعن اتباعهم هوى الأنفس، ~~وما تميل إليه، وانتقل إلى إنكار أن يكون لهم ما يتمنون من كون الأصنام ~~تنفعهم، وتشفع لهم. # ثم علل انتفاء أن يكون للإنسان ما تمنى بقوله { فلله الآخرة ~~والأولى } أي أن أمور الآخرة والدنيا بأسرها لله عز وجل، فليس لهم ~~معه أمر من الأمور، ومن جملة ذلك أمنياتهم الباطلة، وأطماعهم الفارغة، ثم ~~أكد ذلك، وزاد في إبطال ما يتمنونه، فقال { وكم من ملك فى ~~السموات لا تغنى شفعتهم شيئا } وكم هنا هي الخبرية ~~المفيدة للتكثير، ومحلها الرفع على الابتداء، والجملة بعدها خبرها، ولما ~~في { كم } من معنى التكثير، جمع الضمير في شفاعتهم مع إفراد الملك، ~~والمعنى التوبيخ لهم بما يتمنون، ويطمعون فيه من شفاعة الأصنام مع كون ~~الملائكة مع كثرة عبادتها، وكرامتها على الله لا تشفع إلا لمن أذن أن ~~يشفع له، فكيف بهذه الجمادات الفاقدة للعقل والفهم، وهو معنى قوله { ~~إلا من بعد أن يأذن الله } لهم بالشفاعة { لمن يشاء } ~~أن يشفعوا له { ويرضى } بالشفاعة له لكونه من أهل التوحيد، وليس ~~للمشركين في ذلك حظ، ولا يأذن الله بالشفاعة لهم ولا يرضاها لكونهم ~~ليسوا من المستحقين لها. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس { والنجم ~~إذا هوى } قال إذا انصب. وأخرج ابن المنذر عنه قال هو الثريا إذا ~~تدلت. وأخرج عنه أيضا قال أقسم الله أن ما ضل محمد، ولا غوى. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { ذو مرة } قال ~~ذو ms3702 خلق حسن. وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو ~~الشيخ في العظمة عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير ~~جبريل في صورته إلا مرتين، أما واحدة فإنه سأله أن يراه في صورته فأراه ~~صورته، فسد الأفق، وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد، فذلك قوله { ~~وهو بالافق الأعلى }. { لقد رأى من ءايت ربه ~~الكبرى } قال خلق جبريل. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال # " رأيت جبريل عند سدرة المنتهى له ستمائة جناح " # ، وأخرجه أحمد عنه أيضا. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس { وهو ~~بالافق الاعلى } قال مطلع الشمس. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما ~~عن ابن مسعود في قوله { فكان قاب قوسين أو أدنى } قال ~~رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل له ستمائة جناح. وأخرج الفريابي، ~~وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وأبو ~~الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عنه ~~في قوله { ما كذب الفؤاد ما رأى } قال رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جبريل عليه حلة رفرف أخضر قد ملأ ما بين السماء والأرض. ~~وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { ثم ~~دنا فتدلى } قال هو محمد صلى الله عليه وسلم دنا فتدلى إلى ربه. # وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عنه قال دنا ربه فتدلى. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله { فكان قاب قوسين } قال دنا ~~جبريل منه حتى كان قدر ذراع أو ذراعين. وأخرج الطبراني، وابن مردويه، ~~والضياء في المختارة عن ابن عباس قال القاب القيد، والقوسين الذراعين. ~~وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال لما أسري بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم اقترب من ربه، فكان قاب قوسين أو أدنى، ألم ترى إلى ~~القوس ما أقربها من الوتر. وأخرج النسائي، وابن المنذر، وابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس { فأوحى إلى عبده ms3703 ما ~~أوحى } قال عبده محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج مسلم، والطبراني، ~~وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عنه في قوله { ما كذب ~~الفؤاد ما رأى }. { ولقد رءاه نزلة أخرى } قال رأى ~~محمد ربه بقلبه مرتين. وأخرج نحوه عنه عبد بن حميد، والترمذي وحسنه، ~~وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه. وأخرج ابن مردويه عن ~~أنس قال رأى محمد ربه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم رأى ربه بعينه. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عنه قال رأى محمد ~~ربه مرتين مرة ببصره، ومرة بفؤاده. وأخرج الترمذي وحسنه، والطبراني، ~~وابن مردويه، والبيهقي عنه أيضا قال لقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ~~ربه عز وجل. وأخرج النسائي، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه أيضا قال ~~أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد؟ وقد روي ~~نحو هذا عنه من طرق. وأخرج مسلم، والترمذي، وابن مردويه عن أبي ذر ~~قالسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال # " نور أنى أراه؟ " # وأخرج مسلم، وابن مردويه عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل ~~رأيت ربك؟ قال # " رأيت نورا " # وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا قال ~~رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه، ولم يره ببصره. وأخرج مسلم ~~عن أبي هريرة في قوله { ولقد رءاه نزلة أخرى } قال جبريل. ~~وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، والترمذي، وابن المنذر، وابن مردويه، ~~والبيهقي عن ابن مسعود قال لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى ~~إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة ينتهي ما يعرج من الأرواح، ~~فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها { إذ ~~يغشى السدرة ما يغشى } قال فراش من ذهب. وأخرج أبو الشيخ في ~~العظمة عن ابن مسعود قال الجنة في السماء السابعة العليا، والنار في ~~الأرض السابعة السفلى. وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس قال كان اللات ~~رجلا يلت ms3704 السويق للحاج. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عنه أن العزى ~~كانت ببطن نخلة، وأن اللات كانت بالطائف، وأن مناة كانت بقديد. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن عباس { ضيزى } قال جائرة لا حق لها. ### || [53.27-42] # قوله { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون ~~الملئكة تسمية الآنثى } أي أن هؤلاء الذين لا يؤمنون ~~بالبعث، وما بعده من الدار الآخرة، وهم الكفار يضمون إلى كفرهم مقالة ~~شنعاء، وجهالة جهلاء، وهي أنهم يسمون الملائكة المنزهين عن كل نقص تسمية ~~الأنثى، وذلك أنهم زعموا أنها بنات الله، فجعلوهم إناثا، وسموهم بنات { ~~وما لهم به من علم } هذه الجملة في محل نصب على الحال، أي ~~يسمونهم هذه التسمية، والحال أنهم غير عالمين بما يقولون، فإنهم لم ~~يعرفوهم، ولا شاهدوهم، ولا بلغ إليهم ذلك من طريق من الطرق التي يخبر ~~المخبرون عنها، بل قالوا ذلك جهلا وضلالة وجرأة. وقرىء ما لهم بها أي ~~بالملائكة، أو التسمية { إن يتبعون إلا الظن } أي ما ~~يتبعون في هذه المقالة إلا مجرد الظن، والتوهم. ثم أخبر سبحانه عن ~~الظن وحكمه، فقال { وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا ~~} أي إن جنس الظن لا يغني من الحق شيئا من الإغناء، والحق هنا العلم. ~~وفيه دليل على أن مجرد الظن لا يقوم مقام العلم، وأن الظان غير عالم. ~~وهذا في الأمور التي يحتاج فيها إلى العلم، وهي المسائل العلمية لا فيما ~~يكتفي فيه بالظن، وهي المسائل العملية، وقد قدمنا تحقيق هذا. ولا بد ~~من هذا التخصيص، فإن دلالة العموم والقياس وخبر الواحد، ونحو ذلك ظنية، ~~فالعمل بها عمل بالظن، وقد وجب علينا العمل به في مثل هذه الأمور، فكانت ~~أدلة وجوبه العمل به فيها مخصصة لهذا العموم، وما ورد في معناه من الذم ~~لمن عمل بالظن والنهي عن اتباعه. { فأعرض عمن تولى عن ~~ذكرنا } أي أعرض عن ذكرنا، والمراد بالذكر هنا القرآن، أو ذكر ~~الآخرة، أو ذكر الله على العموم، وقيل المراد بالذكر هنا الإيمان، ~~والمعنى اترك مجادلتهم، فقد بلغت إليهم ما أمرت به، وليس ms3705 عليك إلا ~~البلاغ، وهذا منسوخ بآية السيف { ولم يرد إلا الحيوة ~~الدنيا } أي لم يرد سواها، ولا طلب غيرها بل قصر نظره عليها، فإنه ~~غير متأهل للخير، ولا مستحق للاعتناء بشأنه. ثم صغر سبحانه شأنهم وحقر ~~أمرهم، فقال { ذلك مبلغهم من العلم } أي إن ذلك التولي ~~وقصر الإرادة على الحياة الدنيا هو مبلغهم من العلم ليس لهم غيره، ولا ~~يلتفتون إلى سواه من أمر الدين. قال الفراء أي ذلك قدر عقولهم، ونهاية ~~علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة، وقيل الإشارة بقوله { ذلك } إلى ~~جعلهم للملائكة بنات الله، وتسميتهم لهم تسمية الأنثى، والأول أولى. ~~والمراد بالعلم هنا مطلق الإدراك الذي يندرج تحته الظن الفاسد، والجملة ~~مستأنفة لتقرير جهلهم، واتباعهم مجرد الظن، وقيل معترضة بين المعلل ~~والعلة وهي قوله { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن ~~سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } ، فإن هذا تعليل للأمر ~~بالإعراض، والمعنى أنه سبحانه أعلم بمن حاد عن الحق، وأعرض عنه، ولم يهتد ~~إليه، وأعلم بمن اهتدى، فقبل الحق، وأقبل إليه، وعمل به، فهو مجاز كل ~~عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. # وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإرشاد له بأن لا يتعب نفسه ~~في دعوة من أصر على الضلالة، وسبقت له الشقاوة، فإن الله قد علم حال هذا ~~الفريق الضال، كما علم حال الفريق الراشد. ثم أخبر سبحانه عن سعة قدرته، ~~وعظيم ملكه، فقال { ولله ما فى السموات وما في الأرض } ~~أي هو المالك لذلك، والمتصرف فيه لا يشاركه فيه أحد، واللام في { ~~ليجزى الذين أساءوا بما عملوا } متعلقة بما دل عليه ~~الكلام، كأنه قال هو مالك ذلك يضل من يشاء، ويهدي من يشاء ليجزي المسيء ~~بإساءته، والمحسن بإحسانه. وقيل إن قوله { ولله ما فى ~~السموات وما في الأرض } معترضة، والمعنى إن ربك هو أعلم بمن ~~ضل عن سبيله، وهو أعلم بمن اهتدى ليجزي، وقيل هي لام العاقبة، أي وعاقبة ~~أمر الخلق الذين فيهم المحسن والمسيء أن يجزي الله كلا منهما بعمله. ms3706 ~~وقال مكي إن اللام متعلقة بقوله { لا تغنى شفعتهم } وهو بعيد ~~من حيث اللفظ، ومن حيث المعنى. قرأ الجمهور { ليجزي } بالتحتية. وقرأ زيد ~~بن علي بالنون، ومعنى { بالحسنى } أي بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، ~~أو بسبب أعمالهم الحسنى. ثم وصف هؤلاء المحسنين، فقال { الذين ~~يجتنبون كبئر الإثم والفوحش } فهذا الموصول في محل ~~نصب على أنه نعت للموصول الأول في قوله { الذين أحسنوا } وقيل ~~بدل منه، وقيل بيان له، وقيل منصوب على المدح بإضمار أعني، أو في محل رفع ~~على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هم الذين يجتنبون كبائر الإثم. قرأ الجمهور ~~{ كبائر } على الجمع. وقرأ حمزة، والكسائي، والأعمش، ويحيى بن وثاب { ~~كبير } على الإفراد، والكبائر كل ذنب توعد الله عليه بالنار، أو ذم ~~فاعله ذما شديدا، ولأهل العلم في تحقيق الكبائر كلام طويل. وكما ~~اختلفوا في تحقيق معناها وماهيتها اختلفوا في عددها، والفواحش جمع فاحشة ~~وهي ما فحش من كبائر الذنوب كالزنا، ونحوه. وقال مقاتل كبائر الإثم كل ~~ذنب ختم بالنار، والفواحش كل ذنب فيه الحد، وقيل الكبائر الشرك، والفواحش ~~الزنا، وقد قدمنا في سورة النساء ما هو أبسط من هذا، وأكثر فائدة، ~~والاستثناء بقوله { إلا اللمم } منقطع، وأصل اللمم في اللغة ما ~~قل وصغر، ومنه ألم بالمكان قل لبثه فيه، وألم بالطعام قل أكله منه. ~~قال المبرد أصل اللمم أن تلم بالشيء من غير أن تركبه يقال ألم بكذا إذا ~~قاربه ولم يخالطه. # قال الأزهري العرب تستعمل الإلمام في معنى الدنو والقرب، ومنه قول جرير # بنفسي من تجنبه عزيز علي ومن زيارته لمام # وقول الآخر # متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطبا جزلا ونارا تأججا # قال الزجاج أصل اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة، ولا ~~يتعمق فيه، ولا يقيم عليه، يقال ألممت به إذا زرته، وانصرفت عنه، ويقال ~~ما فعلته إلا لماما وإلماما، أي الحين بعد الحين، ومنه إلمام الخيال. ~~قال الأعشى # ألم خيال من قبيلة بعد ما وهى حبلها من حبلنا فتصرما # قال في الصحاح ألم ms3707 الرجل من ألمم وهو صغائر الذنوب، ويقال هو مقاربة ~~المعصية من غير مواقعة، وأنشد غيره # بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب وقل أن تملينا فما ملك القلب # وقد اختلفت أقوال أهل العلم في تفسير هذا اللمم المذكور في الآية، ~~فالجمهور على أنه صغائر الذنوب، وقيل هو ما كان دون الزنا من القبلة، ~~والغمزة، والنظرة، وقيل هو الرجل يلم بذنب، ثم يتوب، وبه قال مجاهد، ~~والحسن، والزهري، وغيرهم، ومنه # إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك إلا ألما # اختار هذا القول الزجاج، والنحاس، وقيل هو ذنوب الجاهلية، فإن الله لا ~~يؤاخذ بها في الإسلام، وقال نفطويه هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة. قال ~~والعرب تقول ما تأتينا إلا إلماما، أي في الحين بعد الحين، قال ولا ~~يكون أن يلم ولا يفعل لأن العرب لا تقول ألم بنا إلا إذا فعل، لا إذا ~~هم ولم يفعل، والراجح الأول، وجملة { إن ربك وسع ~~المغفرة } تعليل لما تضمنه الاستثناء، أي إن ذلك وإن خرج عن حكم ~~المؤاخذة، فليس يخلو عن كونه ذنبا يفتقر إلى مغفرة الله، ويحتاج إلى ~~رحمته، وقيل إنه سبحانه يغفر لمن تاب عن ذنبه. ثم ذكر سبحانه إحاطة علمه ~~بأحوال عباده، فقال { هو أعلم بكم إذ أنشأكم من ~~الأرض } أي خلقكم منها في ضمن خلق أبيكم آدم. وقيل المراد آدم، فإنه ~~خلقه من طين { وإذ أنتم أجنة } أي هو أعلم بأحوالكم وقت كونكم ~~أجنة، والأجنة جمع جنين وهو الولد ما دام في البطن سمي بذلك لاجتنانه، أي ~~استتاره، ولهذا قال { فى بطون أمهتكم } فلا يسمى من خرج عن ~~البطن جنينا، والجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها { فلا تزكوا ~~أنفسكم } أي لا تمدحوها ولا تبرئوها عن الآثام ولا تثنوا عليها، فإن ~~ترك تزكية النفس أبعد من الرياء، وأقرب إلى الخشوع، وجملة { هو ~~أعلم بمن اتقى } مستأنفة مقررة للنهي، أي هو أعلم بمن اتقى ~~عقوبة الله، وأخلص العمل له. # قال الحسن وقد علم سبحانه من كل نفس ما هي عاملة، وما ms3708 هي صانعة، وإلى ما ~~هي صائرة. ثم لما بين سبحانه جهالة المشركين على العموم خص بالذم ~~بعضهم فقال { أفرأيت الذى تولى } أي تولى عن الخير، وأعرض ~~عن اتباع الحق { وأعطى قليلا وأكدى } أي أعطى عطاء قليلا، ~~أو أعطى شيئا قليلا، وقطع ذلك وأمسك عنه، وأصل أكدى من الكدية وهي ~~الصلابة، يقال لمن حفر بئرا ثم بلغ فيها إلى حجر لا يتهيأ له فيه حفر قد ~~أكدى، ثم استعملته العرب لمن أعطى فلم يتم، ولمن طلب شيئا فلم يبلغ ~~آخره، ومنه قول الحطيئة # فأعطى قليلا ثم أكدى عطاؤه ومن يبذل المعروف في الناس يحمد # قال الكسائي، وأبو زيد، ويقال كديت أصابعه إذا محلت من الحفر، وكدت يده ~~إذا كلت، فلم تعمل شيئا، وكدت الأرض إذا قل نباتها، وأكديت الرجل عن ~~الشيء رددته، وأكدى الرجل إذا قل خيره. قال الفراء معنى الآية أمسك من ~~العطية وقطع. وقال المبرد منع منعا شديدا. قال مجاهد، وابن زيد، ومقاتل ~~نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على دينه، فعيره بعض المشركين، فترك ورجع إلى شركه. قال مقاتل كان الوليد ~~مدح القرآن، ثم أمسك عنه، فأعطى قليلا من لسانه من الخير ثم قطعه. وقال ~~الضحاك نزلت في النضر بن الحارث. وقال محمد بن كعب القرظي نزلت في أبي ~~جهل { أعنده علم الغيب فهو يرى } الاستفهام للتقريع ~~والتوبيخ، والمعنى أعند هذا المكدي علم ما غاب عنه من أمر العذاب، فهو ~~يعلم ذلك { أم لم ينبأ بما فى صحف موسى * ~~وإبرهيم الذى وفى } أي ألم يخبر، ولم يحدث بما في صحف ~~موسى، يعني أسفاره، وهي التوراة، وبما في صحف إبراهيم، الذي وفى أي تمم ~~وأكمل ما أمر به. قال المفسرون أي بلغ قومه ما أمر به وأداه إليهم، وقيل ~~بالغ في الوفاء بما عاهد الله عليه، ثم بين سبحانه ما في صحفهما، فقال { ~~ألا تزر وزرة وزر أخرى } أي لا تحمل نفس حاملة حمل نفس ~~أخرى، ومعناه لا تؤخذ نفس بذنب ms3709 غيرها، وأن هي المخففة من الثقيلة، واسمها ~~ضمير شأن مقدر، وخبرها الجملة بعدها، ومحل الجملة الجر على أنها بدل من ~~صحف موسى، وصحف إبراهيم، أو الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، وقد مضى ~~تفسير هذه الآية في سورة الأنعام { وأن ليس للإنسن إلا ما ~~سعى } عطف على قوله { ألا تزر } وهذا أيضا مما في صحف موسى، ~~والمعنى ليس له إلا أجر سعيه، وجزاء عمله، ولا ينفع أحدا عمل أحد، وهذا ~~العموم مخصوص بمثل قوله سبحانه # ألحقنا بهم ذريتهم # الطور 21، وبمثل ما ورد في شفاعة الأنبياء، والملائكة للعباد، ومشروعية ~~دعاء الأحياء للأموات، ونحو ذلك، ولم يصب من قال إن هذه الآية منسوخة ~~بمثل هذه الأمور، فإن الخاص لا ينسخ العام بل يخصصه، فكل ما قام الدليل ~~على أن الإنسان ينتفع به وهو من غير سعيه، كان مخصصا لما في هذه الآية ~~من العموم { وأن سعيه سوف يرى } أي يعرض عليه ويكشف له يوم ~~القيامة { ثم يجزاه } أي يجزى الإنسان سعيه، يقال جزاه الله ~~بعمله، وجزاء على عمله، فالضمير المرفوع عائد إلى الإنسان، والمنصوب إلى ~~سعيه. وقيل إن الضمير المنصوب راجع إلى الجزاء المتأخر وهو قوله { ~~الجزاء الأوفى } فيكون الضمير راجعا إلى متأخر عنه هو مفسر له، ~~ويجوز أن يكون الضمير المنصوب راجعا إلى الجزاء الذي هو مصدر يجزاه، ~~ويجعل الجزاء الأوفى تفسيرا للجزاء المدلول عليه بالفعل، كما في قوله # اعدلوا هو أقرب # المائدة 8 قال الأخفش يقال جزيته الجزاء، وجزيته بالجزاء سواء لا فرق ~~بينهما. { وأن إلى ربك المنتهى } أي المرجع والمصير إليه ~~سبحانه لا إلى غيره، فيجازيهم بأعمالهم. وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس ~~في قوله { الذين يجتنبون كبئر الإثم والفوحش } ~~قال الكبائر ما سمى الله فيه النار، والفواحش ما كان فيه حد الدنيا. ~~وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عباس قال ما رأيت شيئا أشبه ~~باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك ms3710 لا محالة، فزنا العين ~~النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك، أو ~~يكذبه " # وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم ~~وصححه، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود في قوله { إلا اللمم } قال ~~زنا العينين النظر، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا ~~الرجلين المشي، ويصدق ذلك الفرج، أو يكذبه، فإن تقدم بفرجه كان زانيا، ~~وإلا فهو اللمم. وأخرج مسدد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبي هريرة أنه ~~سئل عن قوله { إلا اللمم } قال هي النظرة، والغمزة، والقبلة، ~~والمباشرة، فإذا مس الختان الختان، فقد وجب الغسل، وهو الزنا. وأخرج ~~سعيد بن منصور، والترمذي وصححه، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس ~~قال في قوله { إلا اللمم } هو الرجل يلم بالفاحشة، ثم يتوب منها. ~~قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله { اللمم } يقول ~~إلا ما قد سلف. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي ~~هريرة في قوله { إلا اللمم } قال اللمة من الزنا ثم يتوب ولا ~~يعود، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود، فذلك الإلمام. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير عن ابن عباس قال اللمم كل شيء بين الحدين حد الدنيا ~~وحد الآخرة يكفره الصلاة، وهو دون كل موجب، فأما حد الدنيا، فكل حد ~~فرض الله عقوبته في الدنيا وأما حد الآخرة، فكل شيء ختمه الله بالنار، ~~وأخر عقوبته إلى الآخرة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، ~~وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال كانت ~~اليهود إذا هلك لهم صبي صغير قالوا هو صديق، فبلغ ذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال # " كذبت يهود ما من نسمة يخلقها في بطن أمها إلا أنه شقي، و سعيد ms3711 " # ، فأنزل الله عند ذلك { هو أعلم بكم إذ أنشأكم من ~~الأرض } الآية كلها. وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود عن زينب بنت أبي ~~سلمة أنها سميت برة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم، سموها زينب " # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله { وأعطى قليلا وأكدى ~~} قال قطع، نزلت في العاص بن وائل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه ~~قال أطاع قليلا ثم انقطع. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والشيرازي في الألقاب، والديلمي قال ~~السيوطي بسند ضعيف عن أبي أمامة عن النبي قال # " أتدرون ما قوله { وإبرهيم الذى وفى }؟ " # قالوا الله ورسوله أعلم، قال # " وفى عمل يومه بأربع ركعات كان يصليهن، وزعم أنها صلاة الضحى " # ، وفي إسناده جعفر بن الزبير، وهو ضعيف. وأخرج الحاكم وصححه، وابن ~~مردويه عن ابن عباس قال سهام الإسلام ثلاثون سهما لم يتممها أحد قبل ~~إبراهيم عليه السلام قال الله { وإبرهيم الذى وفى }. وأخرج ~~ابن جرير عنه في الآية قال يقول إبراهيم الذي استكمل الطاعة فيما فعل ~~بابنه حين رأى الرؤيا، والذي في صحف موسى، { ألا تزر وزرة ~~وزر أخرى } إلى آخر الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن سهل بن معاذ بن ~~أنس، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # " ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى؟ إنه كان يقول كلما ~~أصبح وأمسى { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } ~~إلى آخر الآية الروم 17 " # ، وفي إسناده ابن لهيعة. وأخرج عبد بن حميد، والحاكم وصححه، وابن مردويه ~~عن ابن عباس. قال لما نزلت { والنجم } فبلغ { وإبرهيم الذى ~~وفى } قال وفى { ألا تزر وزرة وزر أخرى } إلى قوله ~~{ من النذر الأولى }. # وأخرج أبو داود، والنحاس كلاهما في الناسخ، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن مردويه عنه قال { وأن ليس للإنسن إلا ما سعى } ~~فأنزل الله بعد ذلك # والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمن ~~ألحقنا بهم ذريتهم ms3712 # الطور 21، فأدخل الله الأبناء الجنة بصلاح الآباء. وأخرج ابن مردويه عنه ~~أيضا قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ { وأن ليس ~~للإنسن إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم ~~يجزاه الجزاء الأوفى } استرجع واستكان. وأخرج الدارقطني في ~~الأفراد، والبغوي في تفسيره عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قوله { وأن إلى ربك المنتهى } قال # " لا فكرة في الرب ". ### || [53.43-62] # قوله { وأنه هو أضحك وأبكى } أي هو الخالق لذلك والقاضي ~~بسببه. قال الحسن، والكلبي أضحك أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في ~~النار. وقال الضحاك أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر، وقيل أضحك ~~من شاء في الدنيا بأن سره، وأبكى من شاء بأن غمه. وقال سهل بن عبد الله ~~أضحك المطيعين بالرحمة، وأبكى العاصين بالسخط { وأنه هو أمات ~~وأحيا } أي قضى أسباب الموت والحياة، ولا يقدر على ذلك غيره، وقيل ~~خلق نفس الموت والحياة، كما في قوله # خلق الموت والحيوة # الملك 2 وقيل أمات الآباء، وأحيا الأبناء، وقيل أمات في الدنيا وأحيا ~~للبعث، وقيل المراد بهما النوم واليقظة. وقال عطاء أمات بعدله وأحيا ~~بفضله، وقيل أمات الكافر وأحيا المؤمن، كما في قوله # أو من كان ميتا فأحيينه # الأنعام 122. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى * ~~من نطفة إذا تمنى } المراد بالزوجين الذكر والأنثى من كل ~~حيوان، ولا يدخل في ذلك آدم وحواء، فإنهما لم يخلقا من النطفة، والنطفة ~~الماء القليل، ومعنى { إذا تمنى } إذ تصب في الرحم وتدفق فيه، كذا ~~قال الكلبي، والضحاك، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم، يقال مني الرجل وأمنى، ~~أي صب المني. وقال أبو عبيدة { إذا تمنى } إذا تقدر، يقال منيت ~~الشيء إذا قدرته ومني له، أي قدر له، ومنه قول الشاعر # حتى تلاقي ما يمني لك الماني # والمعنى أنه يقدر منها الولد. { وأن عليه النشأة ~~الأخرى } أي إعادة الأرواح إلى الأجسام عند البعث وفاء بوعده. قرأ ~~الجمهور { النشأة } بالقصر بوزن الضربة، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالمد ~~بوزن الكفالة، وهما ms3713 على القراءتين مصدران. { وأنه هو أغنى ~~وأقنى } أي أغنى من شاء وأفقر من شاء، ومثله قوله # يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر # الرعد 26 وقوله # " يقبض ويبسط " # البقرة 245 قاله ابن زيد، واختاره ابن جرير. وقال مجاهد، وقتادة، والحسن ~~أغنى مول، وأقنى أخدم، وقيل معنى أقنى أعطى القنية، وهي ما يتأثل من ~~الأموال. وقيل معنى أقنى أرضى بما أعطى، أي أغناه ثم رضاه بما أعطاه. قال ~~الجوهري قنى الرجل قنى، مثل غنى غنى، أي أعطاه ما يقتني، وأقناه ~~أرضاه، والقنى الرضى. قال أبو زيد تقول العرب من أعطى مائة من البقر فقد ~~أعطى القنى، ومن أعطى مائة من الضأن فقد أعطى الغنى، ومن أعطى مائة من ~~الإبل فقد أعطى المنى. قال الأخفش، وابن كيسان أقنى أفقر، وهو يؤيد القول ~~الأول. { وأنه هو رب الشعرى } هي كوكب خلف الجوزاء كانت ~~خزاعة تعبدها، والمراد بها الشعرى التي يقال لها العبور، وهي أشد ضياء ~~من الشعرى التي يقال لها الغميصاء، وإنما ذكر سبحانه أنه رب الشعرى مع ~~كونه ربا لكل الأشياء للرد على من كان يعبدها، وأول من عبدها أبو ~~كبشة، وكان من أشراف العرب، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ابن أبي كبشة تشبيها له به لمخالفته دينهم، كما خالفهم أبو كبشة، ~~ومن ذلك قول أبي سفيان يوم الفتح لقد أمر أمر ابن أبي كبشة. # { وأنه أهلك عادا الأولى } وصف عادا بالأولى لكونهم كانوا ~~من قبل ثمود. قال ابن زيد قيل لها عادا الأولى، لأنهم أول أمة أهلكت ~~بعد نوح. وقال ابن إسحاق هما عادان، فالأولى أهلكت بالصرصر، والأخرى ~~أهلكت بالصيحة. وقيل عاد الأولى قوم هود، وعاد الأخرى إرم. قرأ الجمهور { ~~عادا الأولى } بالتنوين والهمز، وقرأ نافع، وابن كثير، وابن محيصن بنقل ~~حركة الهمزة على اللام، وإدغام التنوين فيها. { وثمود فما أبقى ~~} أي أهلك ثمودا كما أهلك عادا، فما أبقى أحدا من الفريقين، وثمود هم ~~قوم صالح أهلكوا بالصيحة، وقد تقدم الكلام على عاد، وثمود في غير موضع. ~~{ وقوم نوح ms3714 من قبل } أي وأهلك قوم نوح من قبل إهلاك عاد وثمود ~~{ إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } أي أظلم من عاد وثمود ~~وأطغى منهم، أو أظلم وأطغى من جميع الفرق الكفرية، أو أظلم وأطغى من ~~مشركي العرب، وإنما كانوا كذلك، لأنهم عتوا على الله بالمعاصي مع طول مدة ~~دعوة نوح لهم، كما في قوله # فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما # العنكبوت 14 { والمؤتفكة أهوى } الائتفاك الانقلاب، ~~والمؤتفكة مدائن قوم لوط، وسميت المؤتفكة لأنها انقلبت بهم وصار عاليها ~~سافلها، تقول أفكته إذا قلبته، ومعنى أهوى أسقط، أي أهواها جبريل بعد أن ~~رفعها. قال المبرد جعلها تهوي. { فغشها ما غشى } أي ألبسها ~~ما ألبسها من الحجارة التي وقعت عليها، كما في قوله # فجعلنا عليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة ~~من سجيل # الحجر 74 وفي هذه العبارة تهويل للأمر الذي غشاها به، وتعظيم له، وقيل ~~إن الضمير راجع إلى جميع الأمم المذكورة، أي فغشاها من العذاب ما غشى ~~على اختلاف أنواعه. { فبأى الاء ربك تتمارى } هذا خطاب ~~للإنسان المكذب، أي فبأي نعم ربك أيها الإنسان المكذب تشكك وتمتري، وقيل ~~الخطاب لرسول الله تعريضا لغيره، وقيل لكل من يصلح له، وإسناد فعل ~~التماري إلى الواحد باعتبار تعدده بحسب تعدد متعلقه، وسمى هذه الأمور ~~المذكورة آلاء، أي نعما مع كون بعضها نقما لا نعما لأنها مشتملة على ~~العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة، وفي ذلك نصرة للأنبياء ~~والصالحين. قرأ الجمهور { تتمارى } من غير إدغام، وقرأ يعقوب، وابن محيصن ~~بإدغام إحدى التاءين في الأخرى. { هذا نذير من النذر ~~الاولى } أي هذا محمد رسول إليكم من الرسل المتقدمين قبله، فإنه ~~أنذركم، كما أنذروا قومهم، كذا قال ابن جريج، ومحمد بن كعب، وغيرهما. # وقال قتادة يريد القرآن، وأنه أنذر بما أنذرت به الكتب الأولى، وقيل هذا ~~الذي أخبرنا به عن أخبار الأمم تخويف لهذه الأمة من أن ينزل بهم ما نزل ~~بأولئك، كذا قال أبو مالك. وقال أبو صالح إن الإشارة بقوله { هذا } ~~إلى ما في صحف موسى، ms3715 وإبراهيم، والأول أولى. { أزفت الازفة } أي ~~قربت الساعة ودنت، سماها آزفة لقرب قيامها، وقيل لدنوها من الناس، كما ~~في قوله # اقتربت الساعة # القمر 1 أخبرهم بذلك ليستعدوا لها. قال في الصحاح أزفت الآزفة يعني ~~القيامة، وأزف الرجل عجل، ومنه قول الشاعر # أزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قد # { ليس لها من دون الله كاشفة } أي ليس لها نفس قادرة على ~~كشفها عند وقوعها إلا الله سبحانه، وقيل كاشفة بمعنى انكشاف، والهاء ~~فيها كالهاء في العاقبة والداهية، وقيل كاشفة بمعنى كاشف، والهاء ~~للمبالغة كرواية، والأول أولى. وكاشفة صفة لموصوف محذوف، كما ذكرنا، ~~والمعنى أنه لا يقدر على كشفها إذا غشت الخلق بشدائدها، وأهوالها أحد غير ~~الله، كذا قال عطاء، والضحاك، وقتادة، وغيرهم. ثم وبخهم سبحانه، فقال { ~~أفمن هذا الحديث تعجبون } المراد بالحديث القرآن، أي ~~كيف تعجبون منه تكذيبا { وتضحكون } منه استهزاء مع كونه غير محل ~~للتكذيب، ولا موضع للاستهزاء { ولا تبكون } خوفا وانزجارا لما ~~فيه من الوعيد الشديد، وجملة { وأنتم سمدون } في محل نصب على ~~الحال، ويجوز أن تكون مستأنفة لتقرير ما فيها، والسمود الغفلة والسهو عن ~~الشيء، وقال في الصحاح سمد سمودا. رفع رأسه تكبرا، فهو سامد، قال ~~الشاعر # سوامد الليل خفاف الأزواد # وقال ابن الأعرابي السمود اللهو، والسامد اللاهي، يقال للقينة أسمدينا، ~~أي ألهينا بالغناء، وقال المبرد سامدون، خامدون. قال الشاعر # رمى الحدثان نسوة آل عمرو بمقدار سمدن له سمودا فرد شعورهن السود ~~بيضا ورد وجوههن البيض سودا # { فاسجدوا لله واعبدوا } لما وبخ سبحانه المشركين على ~~الاستهزاء بالقرآن، والضحك منه، والسخرية به، وعدم الانتفاع بمواعظه ~~وزواجره، أمر عباده المؤمنين بالسجود لله، والعبادة له، والفاء جواب شرط ~~محذوف، أي إذا كان الأمر من الكفار كذلك، فاسجدوا لله واعبدوا، فإنه ~~المستحق لذلك منكم، وقد تقدم في فاتحة السورة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سجد عند تلاوة هذه الآية، وسجد معه الكفار، فيكون المراد بها سجود ~~التلاوة، وقيل سجود الفرض. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ms3716 ابن عباس ~~في قوله { وأنه هو أغنى وأقنى } قال أعطى وأرضى. وأخرج ~~ابن جرير عنه { وأنه هو رب الشعرى } قال هو الكوكب الذي ~~يدعى الشعرى. وأخرج الفاكهي عنه أيضا قال نزلت هذه الآية في خزاعة، ~~وكانوا يعبدون الشعرى، وهو الكوكب الذي يتبع الجوزاء. # وأخرج ابن مردويه عنه أيضا في قوله { هذا نذير من النذر ~~الأولى } قال محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال ~~الآزفة من أسماء القيامة. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، وهناد، ~~وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن صالح أبي الخليل قال لما ~~نزلت هذه الآية { أفمن هذا الحديث تعجبون * ~~وتضحكون ولا تبكون } فما ضحك النبي صلى الله عليه وسلم بعد ~~ذلك إلا أن يتبسم. ولفظ عبد بن حميد فما رؤي النبي صلى الله عليه وسلم ~~ضاحكا، ولا متبسما حتى ذهب من الدنيا. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، ~~وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن ~~مردويه عن ابن عباس في قوله { سمدون } قال لاهون معرضون عنه. وأخرج ~~الفريابي، وأبو عبيد في فضائله، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في ذم ~~الملاهي، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في ~~سننه عنه { وأنتم سمدون } قال الغناء باليمانية، كانوا إذا ~~سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا. وأخرج الفريابي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، وابن مردويه عنه أيضا في قوله { سمدون } قال كانوا ~~يمرون على النبي صلى الله عليه وسلم شامخين، ألم تر إلى البعير كيف ~~يخطر شامخا. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عن أبي خالد ~~الوالبي قال خرج علي بن أبي طالب علينا، وقد أقيمت الصلاة، ونحن قيام ~~ننتظره ليتقدم، فقال ما لكم سامدون، لا أنتم في صلاة ولا أنتم في جلوس ~~تنتظرون؟ ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1-17] # قوله { اقتربت الساعة وانشق القمر } أي قربت، ولا شك ~~أنها قد صارت باعتبار نسبة ما بقي بعد قيام النبوة المحمدية إلى ما مضى ~~من الدنيا قريبة. ms3717 ويمكن أن يقال إنها لما كانت متحققة الوقوع لا محالة ~~كانت قريبة، فكل آت قريب { وانشق القمر } أي وقد انشق القمر، ~~وكذا قرأ حذيفة بزيادة " قد " ، والمراد الانشقاق الواقع في أيام النبوة ~~معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى هذا ذهب الجمهور من السلف ~~والخلف. قال الواحدي وجماعة المفسرين على هذا إلا ما روى عثمان بن عطاء ~~عن أبيه أنه قال المعنى سينشق القمر، والعلماء كلهم على خلافه. قال ~~وإنما ذكر اقتراب الساعة مع انشقاق القمر لأن انشقاقه من علامات نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، ونبوته وزمانه من أشراط اقتراب الساعة. قال ~~ابن كيسان في الكلام تقديم وتأخير، أي انشق القمر، واقتربت الساعة. وحكى ~~القرطبي عن الحسن مثل قول عطاء أنه الانشقاق الكائن يوم القيامة. وقيل ~~معنى { وانشق القمر } وضح الأمر وظهر، والعرب تضرب بالقمر المثل فيما ~~وضح، وقيل انشقاق القمر هو انشقاق الظلمة عنه، وطلوعه في أثنائها، كما ~~يسمى الصبح فلقا لانفلاق الظلمة عنه. قال ابن كثير قد كان الانشقاق في ~~زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة ~~بالأسانيد الصحيحة. قال وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر ~~قد وقع في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كان إحدى المعجزات ~~الباهرات. قال الزجاج زعم قوم عندوا عن القصد وما عليه أهل العلم أن ~~تأويله أن القمر ينشق يوم القيامة، والأمر بين في اللفظ، وإجماع أهل ~~العلم، لأن قوله { وإن يروا ءاية يعرضوا ويقولوا ~~سحر مستمر } يدل على أن هذا كان في الدنيا لا في القيامة. ~~انتهى، ولم يأت من خالف الجمهور، وقال إن الانشقاق سيكون يوم القيامة ~~إلا بمجرد استبعاد، فقال لأنه لو انشق في زمن النبوة لم يبق أحد إلا ~~رآه لأنه آية والناس في الآيات سواء. ويجاب عنه بأنه لا يلزم أن يراه كل ~~أحد لا عقلا، ولا شرعا، ولا عادة، ومع هذا، فقد نقل إلينا بطريق ~~التواتر، وهذا بمجرده يدفع الاستبعاد، ويضرب به في وجه ms3718 قائله. والحاصل ~~أنا إذا نظرنا إلى كتاب الله، فقد أخبرنا بأنه انشق، ولم يخبرنا بأنه ~~سينشق، وإن نظرنا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في ~~الصحيح، وغيره من طرق متواترة أنه قد كان ذلك في أيام النبوة، وإن نظرنا ~~إلى أقوال أهل العلم، فقد اتفقوا على هذا، ولا يلتفت إلى شذوذ من شذ، ~~واستبعاد من استبعد، وسيأتي ذكر بعض ما ورد في ذلك إن شاء الله. # { وإن يروا ءاية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ~~} قال الواحدي قال المفسرون لما انشق القمر قال المشركون سحرنا محمد، ~~فقال الله { وإن يروا ءاية } يعني انشقاق القمر يعرضوا عن ~~التصديق والإيمان بها، ويقولوا سحر قوي شديد يعلو كل سحر، من قولهم ~~استمر الشيء إذا قوي واستحكم، وقد قال بأن معنى { مستمر } قوي شديد ~~جماعة من أهل العلم. قال الأخفش هو مأخوذ من إمرار الحبل، وهو شدة فتله، ~~وبه قال أبو العالية، والضحاك، واختاره النحاس، ومنه قول لقيط # حتى استمرت على شر لا يزنه صدق العزيمة لا رثا ولا ضرعا # وقال الفراء، والكسائي، وأبو عبيدة { سحر مستمر } أي ذاهب، من ~~قولهم مر الشيء، واستمر إذا ذهب، وبه قال قتادة، ومجاهد، وغيرهما، ~~واختاره النحاس. وقيل معنى مستمر دائم مطرد، ومنه قول الشاعر # ألا إنما الدنيا ليال وأعصر وليس على شيء قديم بمستمر # أي بدائم باق، وقيل { مستمر } باطل، روي هذا عن أبي عبيدة أيضا. وقيل ~~يشبه بعضه بعضا، وقيل قد مر من الأرض إلى السماء، وقيل هو من المرارة، ~~يقال مر الشيء صار مرا، أي مستبشع عندهم. وفي هذه الآية أعظم دليل على ~~أن الانشقاق قد كان، كما قررناه سابقا. ثم ذكر سبحانه تكذيبهم، فقال { ~~وكذبوا واتبعوا أهواءهم } أي وكذبوا رسول الله، وما ~~عاينوا من قدرة الله، واتبعوا أهواءهم، وما زينه لهم الشيطان الرجيم، ~~وجملة { وكل أمر مستقر } مستأنفة لتقرير بطلان ما قالوه من ~~التكذيب، واتباع الأهواء، أي وكل أمر من الأمور منته إلى غاية، فالخير ~~يستقر بأهل الخير، والشر يستقر بأهل الشر. ms3719 قال الفراء يقول يستقر ~~قرار تكذيبهم، وقرار قول المصدقين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب والعقاب. ~~قال الكلبي المعنى لكل أمر حقيقة ما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان ~~منه في الآخرة فسيعرف. قرأ الجمهور { مستقر } بكسر القاف، وهو مرتفع على ~~أنه خبر المبتدأ وهو " كل ". وقرأ أبو جعفر، وزيد بن علي بجر مستقر على ~~أنه صفة ل { أمر } ، وقرأ شيبة بفتح القاف، ورويت هذه القراءة عن نافع. ~~قال أبو حاتم ولا وجه لها، وقيل لها وجه بتقدير مضاف محذوف، أي وكل أمر ~~ذو استقرار، أو زمان استقرار، أو مكان استقرار، على أنه مصدر، أو ظرف ~~زمان، أو ظرف مكان { ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه ~~مزدجر } أي ولقد جاء كفار مكة، أو الكفار على العموم من الأنباء، ~~ومن أخبار الأمم المكذبة المقصوصة علينا في القرآن { ما فيه ~~مزدجر } أي ازدجار على أنه مصدر ميمي، يقال زجرته إذا نهيته عن ~~السوء ووعظته، ويجوز أن يكون اسم مكان، والمعنى جاءهم ما فيه موضع ~~ازدجار، أي أنه في نفسه موضع لذلك، وأصله مزتجر، " وتاء " الافتعال تقلب ~~دالا مع الزاي والدال والذال، كما تقرر في موضعه، وقرأ زيد بن علي ~~مزجر بقلب تاء الافتعال زايا وإدغام الزاي في الزاي، و " من " في قوله ~~{ من الأنباء } للتبعيض، وهي وما دخلت عليه في محل نصب على الحال، ~~وارتفاع { حكمة بلغة } على أنها خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من " ~~ما " بدل كل من كل، أو بدل اشتمال، والمعنى أن القرآن حكمة قد بلغت ~~الغاية ليس فيها نقص ولا خلل، وقرىء بالنصب على أنها حال من ما أي حال ~~كون ما فيه مزدجر حكمة بالغة { فما تغنى النذر } " ما " يجوز ~~أن تكون استفهامية، وأن تكون نافية، أي أي شيء تغني النذر، أو لم تغن ~~النذر شيئا، والفاء لترتيب عدم الإغناء على مجيء الحكمة البالغة، والنذر ~~جمع نذير بمعنى المنذر، أو بمعنى الإنذار على أنه مصدر. # ثم أمره الله سبحانه بالإعراض عنهم، فقال { فتول عنهم } أي ~~أعرض عنهم حيث ms3720 لم يؤثر فيهم الإنذار، وهي منسوخة بآية السيف { يوم ~~يدعو الداع إلى شىء نكر } انتصاب الظرف إما بفعل مقدر، ~~أي اذكر، وإما ب { يخرجون } المذكور بعده، وإما بقوله { فما تغنى ~~} ، ويكون قوله { فتول عنهم } اعتراض، أو بقوله { يقول ~~الكفرون } أو بقوله { خشعا } وسقطت الواو من { يدع } اتباعا ~~للفظ، وقد وقعت في الرسم هكذا، وحذفت الياء من الداع للتخفيف، واكتفاء ~~بالكسرة، والداع هو إسرافيل، والشيء النكر الأمر الفظيع الذي ينكرونه ~~استعظاما له لعدم تقدم العهد لهم بمثله. قرأ الجمهور بضم الكاف. وقرأ ~~ابن كثير بسكونها تخفيفا. وقرأ مجاهد، وقتادة بكسر الكاف، وفتح الراء ~~على صيغة الفعل المجهول { خشعا أبصرهم } قرأ الجمهور { خشعا ~~} جمع خاشع. وقرأ حمزة، والكسائي وأبو عمرو { خاشعا } على الإفراد، ومنه ~~قول الشاعر # وشباب حسن أوجههم من إياد بن نزار بن معد # وقرأ ابن مسعود خاشعة قال الفراء الصفة إذا تقدمت على الجماعة جاز فيها ~~التذكير والتأنيث والجمع، يعني جمع التكسير لا جمع السلامة لأنه يكون من ~~الجمع بين فاعلين، ومثل قراءة الجمهور قول امرىء القيس # وقوفا بها صحبي علي مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجلد # وانتصاب { خشعا } على الحال من فاعل يخرجون، أو من الضمير في { عنهم } ~~، والخشوع في البصر الخضوع والذلة، وأضاف الخشوع إلى الأبصار لأن العز ~~والذل يتبين فيها { يخرجون من الأجداث كأنهم جراد ~~منتشر } أي يخرجون من القبور، وواحد الأجداث جدث، وهو القبر، كأنهم ~~لكثرتهم واختلاط بعضهم ببعض جراد منتشر، أي منبث في الأقطار مختلط بعضه ~~ببعض. # { مهطعين إلى الداع } الإهطاع الإسراع، أي قال كونهم مسرعين ~~إلى الداعي، وهو إسرافيل، ومنه قول الشاعر # بدجلة دارهم ولقد أراهم بدجلة مهطعين إلى السماع # أي مسرعين إليه، وقال الضحاك مقبلين، وقال قتادة عامدين. وقال عكرمة ~~فاتحين آذانهم إلى الصوت، والأول أولى، وبه قال أبو عبيدة، وغيره، وجملة ~~{ يقول الكفرون هذا يوم عسر } في محل نصب على الحال ~~من ضمير { مهطعين } ، والرابط مقدر، أو مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل ~~فماذا يكون حينئذ، والعسر الصعب الشديد، وفي إسناد هذا ms3721 القول إلى الكفار ~~دليل على أن اليوم ليس بشديد على المؤمنين. ثم ذكر سبحانه تفصيل بعض ما ~~تقدم من الأنباء المجملة فقال { كذبت قبلهم قوم نوح } أي ~~كذبوا نبيهم، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله { ~~فكذبوا عبدنا } تفسير لما قبله من التكذيب المبهم، وفيه مزيد ~~تقرير وتأكيد، أي فكذبوا عبدنا نوحا، وقيل المعنى كذبت قوم نوح الرسل، ~~فكذبوا عبدنا نوحا بتكذيبهم للرسل فإنه منهم. ثم بين سبحانه أنهم لم ~~يقتصروا على مجرد التكذيب، فقال { وقالوا مجنون } أي نسبوا ~~نوحا إلى الجنون، وقوله { وازدجر } معطوف على قالوا، أي وزجر عن ~~دعوى النبوة، وعن تبليغ ما أرسل به بأنواع الزجر، والدال بدل من تاء ~~الافتعال، كما تقدم قريبا، وقيل إنه معطوف على { مجنون } أي وقالوا إنه ~~ازدجر. أي ازدجرته الجن، وذهبت بلبه، والأول أولى. قال مجاهد هو من ~~كلام الله سبحانه أخبر عنه بأنه انتهر وزجر بالسب وأنواع الأذى. قال ~~الرازي وهذا أصح لأن المقصود تقوية قلب النبي صلى الله عليه وسلم بذكر ~~من تقدمه. { فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر } أي دعا نوح ~~ربه على قومه بأني مغلوب من جهة قومي، لتمردهم عن الطاعة، وزجرهم لي عن ~~تبليغ الرسالة، فانتصر لي، أي انتقم لي منهم. طلب من ربه سبحانه النصرة ~~عليهم لما أيس من إجابتهم، وعلم تمردهم وعتوهم، وإصرارهم على ضلالتهم. ~~قرأ الجمهور { أني } بفتح الهمزة، أي بأني. وقرأ ابن أبي إسحاق، والأعمش ~~بكسر الهمزة، ورويت هذه القراءة عن عاصم على تقدير إضمار القول، أي فقال. ~~ثم ذكر سبحانه ما عاقبهم به فقال { ففتحنا أبوب السماء ~~بماء منهمر } أي منصب انصبابا شديدا، والهمر الصب بكثرة، ~~يقال همر الماء والدمع يهمر همرا، وهمورا إذا كثر، ومنه قول الشاعر # أعيني جودا بالدموع الهوامر على خير باد من معد ~~وحاضر # ومنه قول امرىء القيس يصف عينا # راح تمر به الصبا ثم انتحى فيه بشؤبوب جنوب منهمر # قرأ الجمهور { فتحنا } مخففا. وقرأ ابن عامر، ويعقوب بالتشديد { ~~وفجرنا الأرض عيونا } أي جعلنا الأرض ms3722 كلها عيونا متفجرة، ~~والأصل فجرنا عيون الأرض. # قرأ الجمهور { فجرنا } بالتشديد. وقرأ ابن مسعود، وأبو حيوة، وعاصم في ~~رواية عنه بالتخفيف. قال عبيد بن عمير أوحى الله إلى الأرض أن تخرج ~~ماءها، فتفجرت بالعيون. { فالتقى الماء على أمر قد قدر } ~~أي التقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قضي عليهم، أي كائنا على حال ~~قدرها الله وقضى بها. وحكى ابن قتيبة أن المعنى على مقدار لم يزد أحدهما ~~على الآخر، بل كان ماء السماء وماء الأرض على سواء. قال قتادة قدر لهم ~~إذا كفروا أن يغرقوا. وقرأ الجحدري فالتقى الماءان وقرأ الحسن فالتقى ~~الماوان ورويت هذه القراءة عن علي بن أبي طالب، ومحمد بن كعب { ~~وحملناه على ذات ألوح ودسر } أي وحملنا نوحا على ~~سفينة ذات ألواح، وهي الأخشاب العريضة { ودسر } قال الزجاج هي ~~المسامير التي تشد بها الألواح واحدها دسار، وكل شيء أدخل في شيء يشده ~~فهو الدسر، وكذا قال قتادة، ومحمد بن كعب، وابن زيد، وسعيد بن جبير، ~~وغيرهم. وقال الحسن، وشهر بن حوشب، وعكرمة الدسر ظهر السفينة التي يضربها ~~الموج، سميت بذلك لأنها تدسر الماء، أي تدفعه، والدسر الدفع. وقال الليث ~~الدسار خيط تشد به ألواح السفينة. قال في الصحاح الدسار واحد الدسر وهي ~~خيوط تشد بها ألواح السفينة، ويقال هي المسامير { تجرى بأعيننا ~~} أي بمنظر ومرأى منا وحفظ لها، كما في قوله # واصنع الفلك بأعيننا # هود 37 وقيل بأمرنا، وقيل بوحينا، وقيل بالأعين النابعة من الأرض، وقيل ~~بأعين أوليائنا من الملائكة الموكلين بحفظها { جزاء لمن كان كفر ~~} قال الفراء فعلنا به وبهم ما فعلنا من إنجائه وإغراقهم ثوابا لمن كفر ~~به وجحد أمره، وهو نوح عليه السلام، فإنه كان لهم نعمة كفروها، فانتصاب { ~~جزاء } على العلة، وقيل على المصدرية بفعل مقدر، أي جازيناهم جزاء. قرأ ~~الجمهور كفر مبنيا للمفعول، والمراد به نوح. وقيل هو الله سبحانه، فإنهم ~~كفروا به، وجحدوا نعمته. وقرأ يزيد بن رومان، وقتادة، ومجاهد، وحميد، ~~وعيسى كفر بفتح الكاف، والفاء مبنيا للفاعل، ms3723 أي جزاء وعقابا لمن كفر ~~بالله. { ولقد تركنها ءاية } أي السفينة تركها الله عبرة ~~للمعتبرين، وقيل المعنى ولقد تركنا هذه الفعلة التي فعلناها بهم عبرة، ~~وموعظة. { فهل من مدكر } أصله مذتكر، فأبدلت التاء دالا ~~مهملة، ثم أبدلت المعجمة مهملة لتقاربهما، وأدغمت الدال في الذال، ~~والمعنى هل من متعظ ومعتبر يتعظ بهذه الآية، ويعتبر بها. { فكيف ~~كان عذابى ونذر } أي إنذاري. قال الفراء الإنذار والنذر مصدران، ~~والاستفهام للتهويل والتعجيب، أي كانا على كيفية هائلة عجيبة لا يحيط بها ~~الوصف، وقيل نذر جمع نذير، ونذير بمعنى الإنذار كنكير بمعنى الإنكار { ~~ولقد يسرنا القرءان للذكر } أي سهلناه للحفظ، وأعنا ~~عليه من أراد حفظه، وقيل هيأناه للتذكر والاتعاظ { فهل من مدكر ~~} أي متعظ بمواعظه ومعتبر بعبره. # وفي الآية الحث على درس القرآن، والاستكثار من تلاوته، والمسارعة في ~~تعلمه، ومدكر أصله مذتكر، كما تقدم قريبا. وقد أخرج البخاري، ومسلم، ~~وغيرهما عن أنس أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم ~~آية، فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما. وروي عنه من طريق أخرى ~~عند مسلم، والترمذي، وغيرهم وقال فنزلت { اقتربت الساعة ~~وانشق القمر } وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن مسعود قال ~~انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين فرقة فوق الجبل، ~~وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اشهدوا " # وأخرج عبد بن حميد، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل ~~عنه قال رأيت القمر منشقا شقتين مرتين مرة بمكة قبل أن يخرج النبي ~~صلى الله عليه وسلم شقة على أبي قبيس، وشقة على السويداء. وذكر أن هذا ~~سبب نزول الآية. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، والحاكم وصححه، ~~وابن مردويه، وأبو نعيم عنه أيضا قال رأيت القمر وقد انشق، وأبصرت ~~الجبل بين فرجتي القمر. وله طرق عنه. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ~~ابن عباس قال انشق القمر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وله طرق ~~عنه. وأخرج مسلم، والترمذي، وغيرهما عن ابن عمر ms3724 في قوله { اقتربت ~~الساعة وانشق القمر } قال كان ذلك على عهد رسول الله انشق ~~فرقتين فرقة من دون الجبل، وفرقة خلفه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " اللهم اشهد " # وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن جبير بن مطعم عن أبيه في قوله { ~~وانشق القمر } قال انشق القمر ونحن بمكة على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى صار فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقال ~~الناس سحرنا محمد، فقال رجل إن كان سحركم، فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس ~~كلهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد في زوائد ~~الزهد، وابن جرير، وابن مردويه، وأبو نعيم عن عبد الرحمن السلمي قال ~~خطبنا حذيفة بن اليمان بالمدائن، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال { ~~اقتربت الساعة وانشق القمر } ، ألا وإن الساعة قد ~~اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، اليوم المضمار وغدا السباق. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { مهطعين } ~~قال ناظرين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه { ففتحنا أبوب ~~السماء بماء منهمر } قال كثير لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم، ~~ولا بعده إلا من السحاب، وفتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك ~~اليوم، فالتقى الماءان. # وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه أيضا { على ذات ألوح ~~ودسر } قال الألواح ألواح السفينة، والدسر معاريضها التي تشد بها ~~السفينة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضا في قوله { ودسر } ~~قال المسامير. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال الدسر كلكل ~~السفينة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي عنه أيضا في قوله { ~~ولقد يسرنا القرءان للذكر } قال لولا أن الله يسره على ~~لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلموا بكلام الله. وأخرج ~~الديلمي عن أنس مرفوعا مثله. وأخرج عبد بن حميد، ms3725 وابن المنذر عن ابن ~~عباس { فهل من مدكر } قال هل من متذكر. ### || [54.18-40] # قوله { كذبت عاد } هم قوم عاد { فكيف كان عذابى ~~ونذر } أي فاسمعوا كيف كان عذابي لهم وإنذاري إياهم، ونذر مصدر بمعنى ~~إنذار، كما تقدم تحقيقه، والاستفهام للتهويل والتعظيم { إنا ~~أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } هذه الجملة مبينة لما أجمله ~~سابقا من العذاب، والصرصر شدة البرد، أي ريح شديدة البرد، وقيل الصرصر ~~شدة الصوت، وقد تقدم بيانه في سورة حم السجدة { فى يوم نحس ~~مستمر } أي دائم الشؤم استمر عليهم بنحوسه، وقد كانوا يتشاءمون ~~بذلك اليوم. قال الزجاج قيل في يوم الأربعاء في آخر الشهر. قرأ الجمهور { ~~في يوم نحس } بإضافة { يوم } إلى { نحس } مع سكون الحاء، وهو من إضافة ~~الموصوف إلى الصفة، أو على تقدير مضاف أي في يوم عذاب نحس. وقرأ الحسن ~~بتنوين " يوم " على أن { نحس } صفة له. وقرأ هارون بكسر الحاء. قال ~~الضحاك كان ذلك اليوم مرا عليهم. وكذا حكى الكسائي عن قوم أنهم قالوا ~~هو من المرارة، وقيل هو من المرة بمعنى القوة، أي في يوم قوي الشؤم ~~مستحكمه، كالشيء المحكم الفتل الذي لا يطاق نقضه، والظاهر أنه من ~~الاستمرار، لا من المرارة، ولا من المرة، أي دام عليهم العذاب فيه حتى ~~أهلكهم، وشمل بهلاكه كبيرهم وصغيرهم. وجملة { تنزع الناس } في محل ~~نصب على أنها صفة ل { ريحا } ، أو حال منها، ويجوز أن يكون استئنافا، ~~أي تقلعهم من الأرض من تحت أقدامهم اقتلاع النخلة من أصلها. قال مجاهد ~~كانت تقلعهم من الأرض، فترمي بهم على رؤوسهم فتدق أعناقهم، وتبين رؤوسهم ~~من أجسادهم، وقيل تنزع الناس من البيوت، وقيل من قبورهم لأنهم حفروا ~~حفائر ودخلوها { كأنهم أعجاز نخل منقعر } الأعجاز جمع ~~عجز، وهو مؤخر الشيء، والمنقعر المنقطع المنقلع من أصله، يقال قعرت ~~النخلة إذا قلعتها من أصلها حتى تسقط. شبههم في طول قاماتهم حين صرعتهم ~~الريح، وطرحتهم على وجوههم بالنخل الساقط على الأرض التي ليست لها رؤوس، ~~وذلك أن الريح قلعت رؤوسهم أولا، ثم كتبتهم ms3726 على وجوههم، وتذكير منقعر ~~مع كونه صفة لأعجاز نخل، وهي مؤنثة اعتبارا باللفظ، ويجوز تأنيثه ~~اعتبارا بالمعنى، كما قال # أعجاز نخل خاوية # الحاقة 7 قال المبرد كل ما ورد عليك من هذا الباب إن شئت رددته إلى ~~اللفظ تذكيرا، أو إلى المعنى تأنيثا. وقيل إن النخل والنخيل يذكر ويؤنث ~~{ فكيف كان عذابى ونذر } قد تقدم تفسيره قريبا، وكذلك ~~قوله { ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر ~~}. ثم لما ذكر سبحانه تكذيب عاد أتبعه بتكذيب ثمود، فقال { كذبت ~~ثمود بالنذر } يجوز أن يكون جمع نذير، أي كذبت بالرسل المرسلين ~~إليهم، ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى الإنذار، أي كذبت بالإنذار الذي ~~أنذروا به، وإنما كان تكذيبهم لرسولهم وهو صالح تكذيبا للرسل لأن من كذب ~~واحدا من الأنبياء فقد كذب سائرهم لاتفاقهم في الدعوة إلى كليات الشرائع ~~{ فقالوا أبشرا منا وحدا نتبعه } الاستفهام ~~للإنكار، أي كيف نتبع بشرا كائنا من جنسنا منفردا وحده لا متابع له ~~على ما يدعو إليه. # قرأ الجمهور بنصب { بشرا } على الاشتغال، أي أنتبع بشرا واحدا. وقرأ ~~أبو السماك، والداني، وأبو الأشهب، وابن السميفع بالرفع على الابتداء، و ~~{ واحدا } صفته، و { نتبعه } خبره. وروي عن أبي السماك أنه قرأ برفع ~~بشرا ونصب واحدا على الحال { إنا إذا لفى ضلل } أي إنا ~~إذا اتبعناه لفي خطأ، وذهاب عن الحق { وسعر } أي عذاب وعناء وشدة ~~كذا قال الفراء، وغيره. وقال أبو عبيدة هو جمع سعير، وهو لهب النار، ~~والسعر الجنون يذهب كذا وكذا لما يلتهب به من الحدة. وقال مجاهد { وسعر ~~} وبعد عن الحق. وقال السدي في احتراق، وقيل المراد به هنا الجنون، من ~~قولهم ناقة مسعورة أي كأنها من شدة نشاطها مجنونة، ومنه قول الشاعر يصف ~~ناقة # تخال بها سعرا إذا السعر هزها ذميل وإيقاع من ~~السير متعب # ثم كرروا الإنكار والاستبعاد فقالوا { أألقي الذكر عليه من ~~بيننا } أي كيف خص من بيننا بالوحي والنبوة، وفينا من هو أحق بذلك ~~منه؟ ثم أضربوا عن الاستنكار، وانتقلوا إلى الجزم بكونه كذابا ms3727 أشرا ~~فقالوا { بل هو كذاب أشر } والأشر المرح والنشاط، أو البطر ~~والتكبر، وتفسيره بالبطر والتكبر أنسب بالمقام، ومنه قول الشاعر # أشرتم بلبس الخز لما لبستم ومن قبل لا تدرون من ~~فتح القرى # قرأ الجمهور { أشر } كفرح. وقرأ أبو قلابة، وأبو جعفر بفتح الشين وتشديد ~~الراء على أنه أفعل تفضيل، ونقل الكسائي عن مجاهد أنه قرأ بضم الشين مع ~~فتح الهمزة. ثم أجاب سبحانه عليهم بقوله { سيعلمون غدا من ~~الكذاب الأشر } والمراد بقوله { غدا } وقت نزول العذاب بهم في ~~الدنيا، أو في يوم القيامة جريا على عادة الناس في التعبير بالغد عن ~~المستقبل من الأمر وإن بعد، كما في قولهم إن مع اليوم غدا، وكما في قول ~~الحطيئة # للموت فيها سهام غير مخطئة من لم يكن ميتا في اليوم ~~مات غدا # ومنه قول أبي الطماح # ألا عللاني قبل نوح النوائح وقبل اضطراب النفس بين ~~الجوانح وقبل غد يا لهف نفسي على غد إذا راح أصحابي ~~ولست برائح # قرأ الجمهور { سيعلمون } بالتحتية إخبار من الله سبحانه لصالح عن وقوع ~~العذاب عليهم بعد مدة. وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة بالفوقية على أنه ~~خطاب من صالح لقومه، وجملة { إنا مرسلوا الناقة } مستأنفة ~~لبيان ما تقدم إجماله من الوعيد، أي إنا مخرجوها من الصخرة على حسب ما ~~اقترحوه { فتنة لهم } أي ابتلاء وامتحانا، وانتصاب { فتنة } على ~~العلة { فارتقبهم } أي انتظر ما يصنعون { واصطبر } على ما ~~يصيبك من الأذى منهم { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم } ~~أي بين ثمود وبين الناقة، لها يوم ولهم يوم، كما في قوله # لها شرب ولكم شرب يوم معلوم # الشعراء 155 وقال { نبئهم } بضمير العقلاء تغليبا. { كل شرب ~~محتضر } الشرب بكسر الشين الحظ من الماء. ومعنى { محتضر } أنه ~~يحضره من هو له، فالناقة تحضره يوما، وهم يحضرونه يوما. قال مجاهد إن ~~ثمود يحضرون الماء يوم نوبتهم فيشربون، ويحضرون يوم نوبتها فيحتلبون. قرأ ~~الجمهور. { قسمة } بكسر القاف بمعنى مقسوم، وقرأ أبو عمرو في رواية عنه ~~بفتحها { فنادوا صحبهم } أي نادى ثمود صاحبهم ms3728 وهو قدار بن ~~سالف عاقر الناقة يحضونه على عقرها { فتعاطى فعقر } أي تناول ~~الناقة بالعقر فعقرها، أو اجترأ على تعاطي أسباب العقر فعقر. قال محمد بن ~~إسحاق كمن لها في أصل شجرة على طريقها، فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ~~ساقها، ثم شد عليها بالسيف، فكسر عرقوبها، ثم نحرها، والتعاطي تناول ~~الشيء بتكلف { فكيف كان عذابى ونذر } قد تقدم تفسيره في ~~هذه السورة. ثم بين ما أجمله من العذاب فقال { إنا أرسلنا ~~عليهم صيحة وحدة } قال عطاء يريد صيحة جبريل، وقد مضى بيان ~~هذا في سورة هود، وفي الأعراف { فكانوا كهشيم المحتظر } ~~قرأ الجمهور بكسر الظاء، والهشيم حطام الشجر ويابسه، والمحتظر صاحب ~~الحظيرة، وهو الذي يتخذ لغنمه حظيرة تمنعها عن برد الريح، يقال احتظر ~~على غنمه إذا جمع الشجر ووضع بعضه فوق بعض. قال في الصحاح والمحتظر الذي ~~يعمل الحظيرة. وقرأ الحسن، وقتادة، وأبو العالية بفتح الظاء أي كهشيم ~~الحظيرة، فمن قرأ بالكسر أراد الفاعل للاحتظار، ومن قرأ بالفتح أراد ~~الحظيرة، وهي فعيلة بمعنى مفعولة ومعنى الآية أنهم صاروا كالشجر إذا يبس ~~في الحظيرة، وداسته الغنم بعد سقوطه، ومنه قول الشاعر # أثرن عجاجه كدخان نار تشب بغرقد بال هشيم # وقال قتادة هو العظام النخرة المحترقة. وقال سعيد بن جبير هو التراب ~~المتناثر من الحيطان في يوم ريح. وقال سفيان الثوري هو ما يتناثر من ~~الحظيرة إذا ضربتها بالعصي. قال ابن زيد العرب تسمي كل شيء كان رطبا ~~فيبس هشيما، ومنه قول الشاعر # ترى جيف المطي بجانبيه كأن عظامها خشب الهشيم # { ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر } ~~قد تقدم تفسير هذا في هذه السورة. ثم أخبر سبحانه عن قوم لوط بأنهم كذبوا ~~رسل الله، كما كذبهم غيرهم، فقال { كذبت قوم لوط بالنذر } ~~وقد تقدم تفسير النذر قريبا. # ثم بين سبحانه ما عذبهم به، فقال { إنا أرسلنا عليهم ~~حصبا } أي ريحا ترميهم بالحصباء، وهي الحصى. قال أبو عبيدة، والنضر ~~بن شميل الحاصب الحجارة في الريح. قال في الصحاح الحاصب الريح الشديدة ~~التي ms3729 تثير الحصباء، ومنه قول الفرزدق # مستقبلين شمال الشام يضربها بحاصب كنديف القطن منثور # { إلا ال لوط نجينهم بسحر } يعني لوطا ومن تبعه، ~~والسحر آخر الليل، وقيل هو في كلام العرب اختلاط سواد الليل ببياض أول ~~النهار، وانصرف { سحر } لأنه نكرة لم يقصد به سحر ليلة معينة، ولو قصد ~~معينا لامتنع. كذا قال الزجاج، والأخفش، وغيرهما. وانتصاب { نعمة ~~من عندنا } على العلة، أو على المصدرية، أي إنعاما منا على لوط، ~~ومن تبعه. { كذلك نجزى من شكر } أي مثل ذلك الجزاء نجزي من ~~شكر نعمتنا، ولم يكفرها { ولقد أنذرهم بطشتنا } أي أنذر ~~لوط قومه بطشة الله بهم، وهي عذابه الشديد، وعقوبته البالغة { ~~فتماروا بالنذر } أي شكوا في الإنذار ولم يصدقوه، وهو ~~تفاعلوا من المرية، وهي الشك { ولقد راودوه عن ضيفه } أي ~~أرادوا منه تمكينهم ممن أتاه من الملائكة ليفجروا بهم، كما هو دأبهم، ~~يقال راودته عن كذا مراودة وروادا، أي أردته، وراد الكلام يروده رودا، ~~أي طلبه، وقد تقدم تفسير المراودة مستوفى في سورة يوسف { فطمسنا ~~أعينهم } أي صيرنا أعينهم ممسوحة لا يرى لها شق، كما تطمس الريح ~~الأعلام بما تسفي عليها من التراب. وقيل أذهب الله نور أبصارهم مع بقاء ~~الأعين على صورتها. قال الضحاك طمس الله على أبصارهم، فلم يروا الرسل، ~~فرجعوا { فذوقوا عذابى ونذر } قد تقدم تفسيره في هذه السورة ~~{ ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر } أي أتاهم صباحا ~~عذاب مستقر بهم نازل عليهم لا يفارقهم ولا ينفك عنهم. قال مقاتل استقر ~~بهم العذاب بكرة، وانصراف { بكرة } لكونه لم يرد بها وقتا بعينه، كما ~~سبق في { بسحر } { فذوقوا عذابى ونذر * ولقد يسرنا ~~القرءان للذكر فهل من مدكر } قد تقدم تفسير هذا في ~~هذه السورة، ولعل وجه تكرير تيسير القرآن للذكر في هذه السورة الإشعار ~~بأنه منة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها. وقد أخرج ابن جرير عن ~~ابن عباس في قوله { إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } ~~قال باردة { فى يوم نحس } قال أيام شداد. وأخرج ابن المنذر، وابن ms3730 ~~مردويه عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يوم الأربعاء يوم نحس مستمر " # ، وأخرجه عنه ابن مردويه من وجه آخر مرفوعا. وأخرجه ابن مردويه عن علي ~~مرفوعا. وأخرجه ابن مردويه أيضا عن أنس مرفوعا، وفيه قيل وكيف ذاك يا ~~رسول الله؟ قال # " أغرق الله فيه فرعون وقومه، وأهلك فيه عادا، وثمود " # وأخرج ابن مردويه، والخطيب بسند. قال السيوطي ضعيف عن ابن عباس قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر " # وأخرج ابن المنذر عنه { كأنهم أعجاز نخل } قال أصول النخل ~~{ منقعر } قال منقلع. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال ~~أعجاز سواد النخل. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا { وسعر } قال شقاء. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضا قال { كهشيم المحتظر } ~~قال كحظائر من الشجر محترقة. وأخرج ابن جرير عنه أيضا في الآية قال ~~كالعظام المحترقة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه قال كالحشيش تأكله ~~الغنم. ### || [54.41-55] # { النذر } يجوز أن يكون جمع نذير، ويجوز أن يكون مصدر بمعنى الإنذار ~~كما تقدم، وهي الآيات التي أنذرهم بها موسى، وهذا أولى لقوله { ~~كذبوا بئايتنا كلها } فإنه بيان لذلك، والمراد بها ~~الآيات التسع التي تقدم ذكرها { فأخذنهم أخذ عزيز ~~مقتدر } أي أخذناهم بالعذاب أخذ غالب في انتقامه قادر على إهلاكهم ~~لا يعجزه شيء، ثم خوف سبحانه كفار مكة فقال { أكفركم خير ~~من أولئكم } والاستفهام للإنكار، والمعنى النفي، أي ليس كفاركم ~~يا أهل مكة، أو يا معشر العرب خير من كفار من تقدمكم من الأمم الذين ~~أهلكوا بسبب كفرهم، فكيف تطمعون في السلامة من العذاب، وأنتم شر منهم. ~~ثم أضرب سبحانه عن ذلك، وانتقل إلى تبكيتهم بوجه آخر هو أشد من التبكيت ~~بالوجه الأول، فقال { أم لكم براءة فى الزبر } والزبر هي ~~الكتب المنزلة على الأنبياء، والمعنى إنكار أن تكون لهم براءة من عذاب ~~الله في شيء من كتب الأنبياء. ثم أضرب عن هذا التبكيت، وانتقل إلى ~~التبكيت ms3731 لهم بوجه آخر، فقال { أم يقولون نحن جميع منتصر ~~} أي جماعة لا تطاق لكثرة عددنا وقوتنا، أو أمرنا مجتمع لا نغلب، وأفرد ~~منتصرا اعتبارا بلفظ جميع. قال الكلبي المعنى نحن جميع أمرنا ننتصر من ~~أعدائنا، فرد الله سبحانه عليهم بقوله { سيهزم الجمع } أي جمع ~~كفار مكة، أو كفار العرب على العموم. قرأ الجمهور { سيهزم } بالتحتية ~~مبنيا للمفعول. وقرأ ورش عن يعقوب { سنهزم } بالنون وكسر الزاي ونصب ~~الجمع. وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة بالتحتية مبنيا للفاعل، وقرىء ~~بالفوقية مبنيا للفاعل { ويولون الدبر } قرأ الجمهور { يولون ~~} بالتحتية، وقرأ عيسى، وابن أبي إسحاق، وورش عن يعقوب بالفوقية على ~~الخطاب، والمراد بالدبر الجنس، وهو في معنى الإدبار، وقد هزمهم الله يوم ~~بدر، وولوا الأدبار، وقتل رؤساء الشرك، وأساطين الكفر، فلله الحمد. { ~~بل الساعة موعدهم } أي موعد عذابهم الأخروي، وليس هذا ~~العذاب الكائن في الدنيا بالقتل والأسر والقهر، وهو تمام ما وعدوا به من ~~العذاب، وإنما هو مقدمة من مقدماته وطليعة من طلائعه، ولهذا قال { ~~والساعة أدهى وأمر } أي وعذاب الساعة أعظم في الضر وأفظع، ~~مأخوذ من الدهاء، وهو النكر والفظاعة، ومعنى أمر أشد مرارة من عذاب ~~الدنيا، يقال دهاه أمر كذا، أي أصابه دهوا ودهيا. { إن ~~المجرمين فى ضلل وسعر } أي في ذهاب عن الحق وبعد عنه، ~~وقد تقدم في هذه السورة تفسير { وسعر } ، فلا نعيده { يوم ~~يسحبون فى النار على وجوههم } والظرف منتصب بما قبله، ~~أي كائنون في ضلال وسعر يوم يسحبون، أو بقول مقدر بعده، أي يوم يسحبون ~~يقال لهم { ذوقوا مس سقر } أي قاسوا حرها وشدة عذابها، وسقر ~~علم لجهنم. # وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بإدغام سين { مس } في سين { سقر } { ~~إنا كل شىء خلقنه بقدر } قرأ الجمهور بنصب " كل " على ~~الاشتغال. وقرأ أبو السماك بالرفع، والمعنى أن كل شيء من الأشياء خلقه ~~الله سبحانه ملتبسا بقدر قدره، وقضاء قضاه سبق في علمه مكتوب في اللوح ~~المحفوظ قبل وقوعه، والقدر التقدير، وقد قدمنا الكلام على تفسير هذه ~~الآية مستوفى. ms3732 { وما أمرنا إلا وحدة كلمح بالبصر } ~~أي إلا مرة واحدة، أو كلمة واحدة كلمح بالبصر في سرعته، واللمح النظر على ~~العجلة والسرعة. وفي الصحاح لمحه وألمحه إذا أبصره بنظر خفيف، والاسم ~~اللمحة. قال الكلبي وما أمرنا بمجيء الساعة في السرعة إلا كطرف البصر. { ~~ولقد أهلكنا أشيعكم } أي أشباهكم ونظراءكم في الكفر من ~~الأمم، وقيل أتباعكم وأعوانكم { فهل من مدكر } يتذكر ويتعظ ~~بالمواعظ، ويعلم أن ذلك حق، فيخاف العقوبة، وأن يحل به ما حل بالأمم ~~السالفة { وكل شىء فعلوه فى الزبر } أي جميع ما فعلته ~~الأمم من خير أو شر مكتوب في اللوح المحفوظ، وقيل في كتب الحفظة { ~~وكل صغير وكبير مستطر } أي كل شيء من أعمال الخلق ~~وأقوالهم وأفعالهم مسطور في اللوح المحفوظ صغيره وكبيره، وجليله وحقيره، ~~يقال سطر يسطر سطرا كتب، وأسطر مثله. ثم لما فرغ سبحانه من ذكر حال ~~الأشقياء ذكر حال السعداء فقال { إن المتقين فى جنت ~~ونهر } أي في بساتين مختلفة، وجنان متنوعة، وأنهار متدفقة. قرأ ~~الجمهور { ونهر } بفتح الهاء على الإفراد، وهو جنس يشمل أنهار الجنة، ~~وقرأ مجاهد، والأعرج، وأبو السماك بسكون الهاء وهما لغتان، وقرأ أبو ~~مجلز، وأبو نهشل، والأعرج، وطلحة بن مصرف، وقتادة نهر بضم النون، والهاء ~~على الجمع { فى مقعد صدق } أي في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم، ~~وهو الجنة { عند مليك مقتدر } أي قادر على ما يشاء لا يعجزه ~~شيء، و { عند } هنا كناية عن الكرامة، وشرف المنزلة، وقرأ عثمان البستي ~~في مقاعد صدق. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس { أكفركم خير ~~من أولئكم } يقول ليس كفاركم خير من قوم نوح، وقوم لوط. وأخرج ~~ابن أبي شيبة، وابن منيع، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عنه في ~~قوله { سيهزم الجمع ويولون الدبر } قال كان ذلك يوم ~~بدر قالوا { نحن جميع منتصر } فنزلت هذه الآية. وفي البخاري، ~~وغيره عنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر # " أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت ms3733 لم تعبد بعد اليوم أبدا " # ، فأخذ أبو بكر بيده، وقال حسبك يا رسول الله ألححت على ربك، فخرج، وهو ~~يثب في الدرع، ويقول { سيهزم الجمع ويولون الدبر * ~~بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر }. وأخرج ~~أحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم عن أبي هريرة ~~قال جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر، ~~فنزلت { يوم يسحبون فى النار على وجوههم }. وأخرج ~~مسلم عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كل شيء بقدر حتى ~~العجز، والكيس». وأخرج ابن المنذر عنه في قوله { وكل صغير ~~وكبير مستطر } قال مسطور في الكتاب. ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-25] # قوله { الرحمن * علم القرءان } ارتفاع الرحمن على أنه ~~مبتدأ، وما بعده من الأفعال أخبار له، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي ~~الله الرحمن. قال الزجاج معنى { علم القرءان } يسره. قال ~~الكلبي علم القرآن محمدا، وعلمه محمد أمته، وقيل جعله علامة لما يعبد ~~الناس به، قيل نزلت هذه الآية جوابا لأهل مكة حين قالوا # إنما يعلمه بشر # النحل 103، وقيل جوابا لقولهم وما الرحمن؟ ولما كانت هذه السورة ~~لتعداد نعمه التي أنعم بها على عباده قدم النعمة التي هي أجلها قدرا، ~~وأكثرها نفعا، وأتمها فائدة، وأعظمها عائدة، وهي نعمة تعليم القرآن، ~~فإنها مدار سعادة الدارين، وقطب رحى الخيرين، وعماد الأمرين. ثم امتن ~~بعد هذه النعمة بنعمة الخلق التي هي مناط كل الأمور، ومرجع جميع الأشياء، ~~فقال { خلق الإنسن } ثم امتن ثالثا بتعليمه البيان الذي يكون ~~به التفاهم، ويدور عليه التخاطب، وتتوقف عليه مصالح المعاش والمعاد لأنه ~~لا يمكن إبراز ما في الضمائر، ولا إظهار ما يدور في الخلد إلا به قال ~~قتادة، والحسن المراد بالإنسان آدم، والمراد بالبيان أسماء كل شيء، وقيل ~~المراد به اللغات. وقال ابن كيسان المراد بالإنسان ها هنا محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وبالبيان بيان الحلال من الحرام، والهدى من الضلال، وهو بعيد. ~~وقال الضحاك البيان الخير والشر. وقال الربيع بن أنس هو ما ms3734 ينفعه مما ~~يضره، وقيل البيان الكتابة بالقلم. والأولى حمل الإنسان على الجنس، وحمل ~~البيان على تعليم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به. { الشمس ~~والقمر بحسبان } أي يجريان بحساب، ومنازل لا يعدوانها، ويدلان ~~بذلك على عدد الشهور والسنين. قال قتادة، وأبو مالك يجريان بحسبان في ~~منازل لا يعدوانها، ولا يحيدان عنها. وقال ابن زيد، وابن كيسان يعني أن ~~بهما تحسب الأوقات، والآجال والأعمار، ولولا الليل والنهار، والشمس ~~والقمر لم يدر أحد كيف يحسب لأن الدهر يكون كله ليلا أو نهارا. وقال ~~الضحاك معنى { بحسبان } بقدر. وقال مجاهد بحسبان كحسبان الرحى، يعني ~~قطبهما الذي يدوران عليه. قال الأخفش الحسبان جماعة الحساب، مثل شهب ~~وشهبان. وأما الحسبان بالضم فهو العذاب، كما مضى في سورة الكهف. { ~~والنجم والشجر يسجدان } النجم ما لا ساق له من النبات، ~~والشجر ما له ساق. قال الشاعر # لقد أنجم القاع الكثير عضاهه وتم به حيا تميم ووائل # وقال زهير # مكلل بأصول النجم تنسجه ريح الجنوب لضاحي ما به حبك # والمراد بسجودهما انقيادهما لله تعالى انقياد الساجدين من المكلفين. ~~وقال الفراء سجودهما أنهما يستقبلان الشمس إذا طلعت، ثم يميلان معها حين ~~ينكسر الفيء. وقال الزجاج سجودهما دوران الظل معهما، كما في قوله # يتفيأ ظلله # النحل 48 وقال الحسن، ومجاهد المراد بالنجم نجم السماء، وسجوده طلوعه، ~~ورجح هذا ابن جرير. وقيل سجوده أفوله، وسجود الشجر تمكينها من الاجتناء ~~لثمارها. قال النحاس أصل السجود الاستسلام والانقياد لله، وهذه الجملة ~~والتي قبلها خبران آخران للرحمن، وترك الرابط فيهما لظهوره كأنه قيل ~~الشمس والقمر بحسبانه، والنجم والشجر يسجدان له { والسماء رفعها ~~} قرأ الجمهور بنصب السماء على الاشتغال. وقرأ أبو السماك بالرفع على ~~الابتداء، والمعنى أنه جعل السماء مرفوعة فوق الأرض { ووضع ~~الميزان } المراد بالميزان العدل، أي وضع في الأرض العدل الذي أمر ~~به، كذا قال مجاهد، وقتادة، والسدي، وغيرهم. قال الزجاج المعنى أنه ~~أمرنا بالعدل، ويدل عليه قوله { ألا تطغوا فى الميزان } أي ~~لا تجاوزوا العدل. وقال الحسن، والضحاك المراد به آلة الوزن ليتوصل ms3735 بها ~~إلى الإنصاف والانتصاف. وقيل الميزان القرآن لأن فيه بيان ما يحتاج إليه، ~~وبه قال الحسين بن الفضل، والأول أولى. ثم أمر سبحانه بإقامة العدل بعد ~~إخباره للعباد بأنه وضعه لهم، فقال { وأقيموا الوزن بالقسط ~~} أي قوموا وزنكم بالعدل. وقيل المعنى أقيموا لسان الميزان بالعدل، وقيل ~~المعنى أنه وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال، و «أن» في قوله { ألا ~~تطغوا } مصدرية، أي لئلا تطغوا، و " لا " نافية، أي وضع الميزان ~~لئلا تطغوا، وقيل هي مفسرة لأن في الوضع معنى القول، والطغيان مجاوزة ~~الحد، فمن قال الميزان العدل، قال طغيانه الجور، ومن قال الميزان الآلة ~~التي يوزن بها، قال طغيانه البخس { ولا تخسروا الميزان } أي ~~لا تنقصوه، أمر سبحانه أولا بالتسوية، ثم نهى عن الطغيان الذي هو ~~المجاوزة للحد بالزيادة، ثم نهى عن الخسران الذي هو النقص والبخس. قرأ ~~الجمهور { تخسروا } بضم التاء، وكسر السين من أخسر، وقرأ بلال بن أبي ~~برزة، وأبان بن عثمان، وزيد بن علي بفتح التاء، والسين من خسر، وهما ~~لغتان، يقال أخسرت الميزان وخسرته. ثم لما ذكر سبحانه أنه رفع السماء ذكر ~~أنه وضع الأرض، فقال { والأرض وضعها للأنام } أي بسطها على ~~الماء لجميع الخلق مما له روح وحياة، ولا وجه لتخصيص الأنام بالإنس ~~والجن. قرأ الجمهور بنصب { الأرض } على الاشتغال، وقرأ أبو السماك ~~بالرفع على الابتداء وجملة { فيها فكهة } في محل نصب على أنها ~~حال من الأرض مقدرة، وقيل مستأنفة لتقرير مضمون الجملة التي قبلها، ~~والمراد بها كل ما يتفكه به من أنواع الثمار. ثم أفرد سبحانه النخل ~~بالذكر لشرفه، ومزيد فائدته على سائر الفواكه فقال { والنخل ذات ~~الأكمام } الأكمام جمع كم بالكسر، وهو وعاء التمر. قال الجوهري والكم ~~بالكسر، والكمامة وعاء الطلع، وغطاء التنور، والجمع كمام وأكمة وأكمام. ~~قال الحسن { ذات الأكمام } أي ذات الليف، فإن النخلة تكم بالليف، وكمامها ~~ليفها، وقال ابن زيد ذات الطلع قبل أن يتفتق. # وقال عكرمة ذات الأحمال { والحب ذو العصف والريحان } ~~الحب هو جميع ما يقتات من الحبوب ms3736 والعصف. قال السدي، والفراء هو بقل ~~الزرع، وهو أول ما ينبت به. قال ابن كيسان يبدو أولا ورقا، وهو العصف، ~~ثم يبدو له ساق، ثم يحدث الله فيه أكماما، ثم يحدث في الأكمام الحب. ~~قال الفراء والعرب تقول خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه قبل أن يدرك، ~~وكذا قال الصحاح. وقال الحسن العصف التبن، وقال مجاهد هو ورق الشجر ~~والزرع. وقيل هو ورق الزرع الأخضر إذا قطع رأسه ويبس، ومنه قوله # كعصف مأكول # الفيل 5، وقيل هو الزرع الكثير، يقال قد أعصف الزرع، ومكان معصف، أي ~~كثير الزرع، ومنه قول أبي قيس بن الأسلت # إذا جمادى منعت قطرها إن جناني عطن معصف # والريحان الورق في قول الأكثر. وقال الحسن، وقتادة، والضحاك، وابن زيد ~~إنه الريحان الذي يشم. وقال سعيد بن جبير هو ما قام على ساق. وقال الكلبي ~~إن العصف هو الورق الذي لا يؤكل، والريحان هو الحب المأكول. وقال الفراء ~~أيضا العصف المأكول من الزرع، والريحان ما لا يؤكل، وقيل الريحان كل ~~بقلة طيبة الريح. قال ابن الأعرابي يقال شيء ريحاني وروحاني، أي له روح. ~~وقال في الصحاح الريحان نبت معروف، والريحان الرزق، تقول خرجت أبتغي ~~ريحان الله. قال النمر بن تولب # سلام الإله وريحانه ورحمته وسماء درر # وقيل العصف رزق البهائم، والريحان رزق الناس. قرأ الجمهور { والحب ذو ~~العصف والريحان } برفع الثلاثة عطفا على فاكهة. وقرأ ابن عامر، وأبو ~~حيوة، والمغيرة بنصبهما عطفا على الأرض، أو على فعل، أي وخلق الحب ذا ~~العصف والريحان. وقرأ حمزة، والكسائي، والريحان بالجر عطفا على العصف { ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان } الخطاب للجن والإنس لأن لفظ ~~الأنام يعمهما وغيرهما، ثم خصص بهذا الخطاب من يعقل. وبهذا قال الجمهور ~~من المفسرين، ويدل عليه قوله فيما سيأتي { سنفرغ لكم أيها ~~الثقلان } ويدل على هذا ما قدمنا في فاتحة هذه السورة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قرأها على الجن والإنس، وقيل الخطاب للإنس، وثناه ~~على قاعدة العرب في خطاب الواحد بلفظ التثنية، كما قدمنا في قوله ms3737 # ألقيا فى جهنم # ق 24 والآلاء النعم. قال القرطبي وهو قول جميع المفسرين، واحدها " إلى ~~" مثل معى وعصى. وقال ابن زيد إنها القدرة، أي فبأي قدرة ربكما تكذبان، ~~وبه قال الكلبي. وكرر سبحانه هذه الآية في هذه السورة تقريرا للنعمة، ~~وتأكيدا للتذكير بها على عادة العرب في الاتساع. قال القتيبي إن الله ~~عدد في هذه السورة نعماءه، وذكر خلقه آلاءه، ثم أتبع كل خلة وضعها بهذه ~~الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين، لينبههم على النعم ويقررهم بها، ~~كما تقول لمن تتابع له إحسانك، وهو يكفره ألم تكن فقيرا فأغنيتك؟ أفتنكر ~~هذا؟ ألم تكن خاملا فعززتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن راجلا فحملتك؟ أفتنكر ~~هذا؟ والتكرير حسن في مثل هذا، ومنه قول الشاعر # لا تقتلي رجلا إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك # قال الحسين بن الفضل التكرير طرد للغفلة وتأكيد للحجة { خلق ~~الإنسن من صلصل كالفخار } لما ذكر سبحانه خلق العالم ~~الكبير، وهو السماء والأرض وما فيهما، ذكر خلق العالم الصغير، والمراد ~~بالإنسان هنا آدم. قال القرطبي باتفاق من أهل التأويل، ولا يبعد أن يراد ~~الجنس لأن بني آدم مخلوقون في ضمن خلق أبيهم آدم، والصلصال الطين اليابس ~~الذي يسمع له صلصلة، وقيل هو طين خلط برمل، وقيل هو الطين المنتن، يقال ~~صل اللحم وأصل إذا أنتن، وقد تقدم بيانه في سورة الحجر، والفخار الخزف ~~الذي طبخ بالنار، والمعنى أنه خلق الإنسان من طين يشبه في يبسه الخزف. { ~~وخلق الجان من مارج من نار } يعني خلق أبا الجن، أو ~~جنس الجن من مارج من نار، والمارج اللهب الصافي من النار، وقيل الخالص ~~منها، وقيل لسانها الذي يكون في طرفها إذا التهبت، وقال الليث المارج ~~الشعلة الصادعة ذات اللهب الشديد. قال المبرد المارج النار المرسلة التي ~~لا تمنع، وقال أبو عبيدة المارج خلط النار، من مرج إذا اختلط واضطرب. قال ~~الجوهري مارج من نار نار لا دخان لها خلق منها الجان { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان } فإنه أنعم عليكما في تضاعيف خلقكما ms3738 من ذلك بنعم ~~لا تحصى { رب المشرقين ورب المغربين } قرأ الجمهور ~~{ رب } بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو رب المشرقين والمغربين، ~~وقيل مبتدأ، وخبره { مرج البحرين } وما بينهما اعتراض، والأول ~~أولى، والمراد بالمشرقين مشرقا الشتاء والصيف، وبالمغربين مغرباهما { ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان } فإن في ذلك من النعم ما لا يحصى، ~~ولا يتيسر لمن أنصف من نفسه تكذيب فرد من أفراده. { مرج البحرين ~~يلتقيان } المرج التخلية والإرسال، يقال مرجت الدابة إذا أرسلتها، ~~وأصله الإهمال، كما تمرج الدابة في المرعى، والمعنى أنه أرسل كل واحد ~~منهما، يلتقيان أي يتجاوران لا فصل بينهما في مرأى العين، ومع ذلك فلم ~~يختلطا، ولهذا قال { بينهما برزخ } أي حاجز يحجز بينهما { لا ~~يبغيان } أي لا يبغي أحدهما على الآخر بأن يدخل فيه ويختلط به. قال ~~الحسن، وقتادة هما بحر فارس والروم. وقال ابن جريج هما البحر المالح ~~والأنهار العذبة، وقيل بحر المشرق والمغرب، وقيل بحر اللؤلؤ والمرجان، ~~وقيل بحر السماء وبحر الأرض. قال سعيد بن جبير يلتقيان في كل عام، وقيل ~~يلتقي طرفاهما. # وقوله { يلتقيان } في محل نصب على الحال من البحرين، وجملة { ~~بينهما برزخ } يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالا { فبأى ~~ءالاء ربكما تكذبان } فإن هذه الآية وأمثالها لا يتيسر تكذيبها ~~بحال { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان }. قرأ الجمهور { ~~يخرج } بفتح الياء، وضم الراء مبنيا للفاعل، وقرأ نافع، وأبو عمرو بضم ~~الياء، وفتح الراء مبنيا للمفعول، واللؤلؤ الدر، والمرجان الخرز الأحمر ~~المعروف. وقال الفراء اللؤلؤ العظام، والمرجان ما صغر. قال الواحدي وهو ~~قول جميع أهل اللغة. وقال مقاتل، والسدي، ومجاهد اللؤلؤ صغاره، والمرجان ~~كباره، وقال { يخرج منهما } وإنما يخرج ذلك من المالح لا من ~~العذب لأنه إذا خرج من أحدهما، فقد خرج منهما، كذا قال الزجاج، وغيره. ~~وقال أبو علي الفارسي هو من باب حذف المضاف، أي من أحدهما كقوله # على رجل من القريتين عظيم # الزخرف 31 وقال الأخفش زعم قوم أنه يخرج اللؤلؤ من العذب، وقيل هما ~~بحران يخرج من أحدهما اللؤلؤ، ms3739 ومن الآخر المرجان، وقيل هما بحر السماء ~~وبحر الأرض، فإذا وقع ماء السماء في صدف البحر انعقد لؤلؤا، فصار خارجا ~~منهما { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } فإن في ذلك من الآيات ما ~~لا يستطيع أحد تكذيبه، ولا يقدر على إنكاره { وله الجوار المنشآت ~~فى البحر كالأعلم } المراد بالجوار السفن الجارية في البحر، ~~والمنشآت المرفوعات التي رفع بعض خشبها على بعض وركب حتى ارتفعت، وطالت ~~حتى صارت في البحر كالأعلام وهي الجبال، والعلم الجبل الطويل. وقال قتادة ~~المنشآت المخلوقات للجري. وقال الأخفش المنشآت المجريات، وقد مضى بيان ~~الكلام في هذا في سورة الشورى. قرأ الجمهور { الجوار } بكسر الراء وحذف ~~الياء لالتقاء الساكنين، وقرأ ابن مسعود، والحسن، وأبو عمرو في رواية عنه ~~برفع الراء تناسيا للحذف، وقرأ يعقوب بإثبات الياء، وقرأ الجمهور { ~~المنشآت } بفتح الشين، وقرأ حمزة، وأبو بكر في رواية عنه بكسر الشين { ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان } فإن ذلك من الوضوح والظهور بحيث ~~لا يمكن تكذيبه، ولا إنكاره. وقد أخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله { ~~الشمس والقمر بحسبان } قال بحساب ومنازل يرسلان. وأخرج ~~الفريابي، وابن أبي حاتم عنه { والأرض وضعها للأنام } قال ~~للناس. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا قال للخلق. ~~وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال كل شيء فيه روح. وأخرج ابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عنه أيضا { والنخل ذات الأكمام } قال أوعية الطلع. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { والحب ذو ~~العصف } قال التبن { والريحان } قال خضرة الزرع. وأخرج ابن جرير ~~عنه أيضا قال { العصف } ورق الزرع إذا يبس { والريحان } ما ~~أنبتت الأرض من الريحان الذي يشم. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا قال { العصف ~~} الزرع أول ما يخرج بقلا { والريحان } حين يستوي على سوقه، ولم ~~يسنبل. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال كل ريحان في القرآن فهو رزق. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن ms3740 أبي حاتم عنه أيضا { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان } قال يعني بأي نعمة الله. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال يعني الجن والإنس. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر عنه أيضا { من مارج من نار } قال من ~~لهب النار. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا في ~~الآية قال خالص النار. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { رب المشرقين ~~ورب المغربين } قال للشمس مطلع في الشتاء ومغرب في الشتاء، ~~ومطلع في الصيف ومغرب في الصيف، غير مطلعها في الشتاء وغير مغربها في ~~الشتاء. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال مشرق الفجر ومشرق الشفق، ~~ومغرب الشمس ومغرب الشفق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عنه أيضا في قوله { مرج البحرين يلتقيان } قال أرسل ~~البحرين { بينهما برزخ } قال حاجز { لا يبغيان } لا ~~يختلطان. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال بحر السماء وبحر الأرض. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عنه أيضا { بينهما برزخ لا يبغيان } قال ~~بينهما من البعد ما لا يبغي كل واحد منهما على صاحبه. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { يخرج منهما ~~اللؤلؤ والمرجان } قال إذا مطرت السماء فتحت الأصداف في البحر ~~أفواهها، فما وقع فيها من قطر السماء فهو اللؤلؤ. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير عن علي بن أبي طالب قال المرجان عظام اللؤلؤ. وأخرج ابن جرير ~~عن ابن عباس قال اللؤلؤ ما عظم منه، والمرجان اللؤلؤ الصغار. وأخرج عبد ~~الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني عن ~~ابن مسعود قال المرجان الخرز الأحمر. ### || [55.26-45] # قوله { كل من عليها فان } أي كل من على الأرض من الحيوانات ~~هالك، وغلب العقلاء على غيرهم، فعبر عن الجميع بلفظ من، وقيل أراد من ~~عليها من الجن والإنس { ويبقى وجه ربك ذو الجلل ~~والإكرام } الوجه عبارة عن ذاته سبحانه ms3741 ووجوده، وقد تقدم في سورة ~~البقرة بيان معنى هذا، وقيل معنى { ويبقى وجه ربك } تبقى حجته ~~التي يتقرب بها إليه، والجلال العظمة والكبرياء، واستحقاق صفات المدح، ~~يقال جل الشيء، أي عظم، وأجللته، أي أعظمته، وهو اسم من جل. ومعنى ذو ~~الإكرام أنه يكرم عن كل شيء لا يليق به، وقيل إنه ذو الإكرام لأوليائه، ~~والخطاب في قوله { ربك } للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له، ~~قرأ الجمهور { ذو الجلال } على أنه صفة لوجه، وقرأ أبي، وابن مسعود ذي ~~الجلال على أنه صفة لرب. { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } وجه ~~النعمة في فناء الخلق أن الموت سبب النقلة إلى دار الجزاء والثواب. وقال ~~مقاتل وجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت، ومع الموت تستوي ~~الأقدام. { يسأله من فى السموات والأرض } أي يسألونه ~~جميعا لأنهم محتاجون إليه لا يستغني عنه أحد منهم. قال أبو صالح يسأله ~~أهل السموات المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونه الأمرين ~~جميعا. وقال مقاتل يسأله أهل الأرض الرزق والمغفرة، وتسأل لهم الملائكة ~~أيضا الرزق والمغفرة، وكذا قال ابن جريج. وقيل يسألونه الرحمة. قال ~~قتادة لا يستغني عنه أهل السماء، ولا أهل الأرض. والحاصل أنه يسأله كل ~~مخلوق من مخلوقاته بلسان المقال، أو لسان الحال ما يطلبونه من خيري ~~الدارين، أو من خيري إحداهما { كل يوم هو فى شأن } انتصاب كل ~~بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، والتقدير استقر سبحانه في شأن كل وقت من ~~الأوقات، واليوم عبارة عن الوقت، والشأن هو الأمر، ومن جملة شؤونه سبحانه ~~إعطاء أهل السموات والأرض ما يطلبونه منه على اختلاف حاجاتهم، وتباين ~~أغراضهم. قال المفسرون من شأنه أنه يحيي ويميت. ويرزق ويفقر. ويعز ~~ويذل، ويمرض ويشفي، ويعطي ويمنع. ويغفر ويعاقب، إلى غير ذلك مما لا ~~يحصى. وقيل المراد باليوم المذكور هو يوم الدنيا ويوم الآخرة، قال ابن ~~بحر الدهر كله يومان أحدهما مدة أيام الدنيا، والآخر يوم القيامة، وقيل ~~المراد كل يوم من أيام الدنيا { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ~~فإن ms3742 اختلاف شؤونه سبحانه في تدبير عباده نعمة لا يمكن جحدها، ولا يتيسر ~~لمكذب تكذيبها { سنفرغ لكم أيها الثقلان } هذا وعيد ~~شديد من الله سبحانه للجن والإنس. قال الزجاج، والكسائي، وابن الأعرابي، ~~وأبو علي الفارسي إن الفراغ ها هنا ليس هو الفراغ من شغل، ولكن تأويله ~~القصد، أي سنقصد لحسابكم. # قال الواحدي حاكيا عن المفسرين إن هذا تهديد منه سبحانه لعباده، ومن ~~هذا قول القائل لمن يريد تهديده إذن أتفرغ لك، أي أقصد قصدك، وفرغ يجيء ~~بمعنى قصد، وأنشد ابن الأنباري قول الشاعر # الآن وقد فرغت إلى نمير فهذا حين كنت له عذابا # يريد وقد قصدت، وأنشد النحاس قول الشاعر # فرغت إلى العبد المقيد في الحجل # أي قصدت، وقيل إن الله سبحانه وعد على التقوى، وأوعد على المعصية، ثم ~~قال سنفرغ لكم مما وعدناكم، ونوصل كلا إلى ما وعدناه، وبه قال الحسن، ~~ومقاتل، وابن زيد، ويكون الكلام على طريق التمثيل. قرأ الجمهور { سنفرغ } ~~بالنون وضم الراء، وقرأ حمزة والكسائي بالتحتية مفتوحة مع ضم الراء، أي ~~سيفرغ الله، وقرأ الأعرج بالنون مع فتح الراء. قال الكسائي هي لغة تميم، ~~وقرأ عيسى الثقفي بكسر النون وفتح الراء، وقرأ الأعمش وإبراهيم بضم ~~الياء وفتح الراء على البناء للمفعول، وسمي الجن والإنس ثقلين لعظم ~~شأنهما بالنسبة إلى غيرهما من حيوانات الأرض، وقيل سموا بذلك لأنهم ثقل ~~على الأرض أحياء، وأمواتا كما في قوله # وأخرجت الأرض أثقالها # الزلزلة 2 وقال جعفر الصادق سميا ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب، وجمع في ~~قوله { لكم } ثم قال { أيه الثقلان } لأنهما فريقان، وكل ~~فريق جمع. قرأ الجمهور { أيه الثقلان } بفتح الهاء، وقرأ أهل الشام ~~بضمها. { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } فإن من جملتها ما في ~~هذا التهديد من النعم، فمن ذلك أنه ينزجر به المسيء عن إساءته، ويزداد به ~~المحسن إحسانا، فيكون ذلك سببا للفوز بنعيم الدار الآخرة الذي هو ~~النعيم في الحقيقة { يا معشر الجن والإنس } قدم الجن هنا لكون خلق ~~أبيهم متقدما على خلق آدم، ولوجود جنسهم قبل جنس الإنس ms3743 { إن ~~استطعتم أن تنفذوا من أقطر السموات والأرض } ~~أي إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السموات والأرض، ونواحيهما هربا من ~~قضاء الله وقدره { فانفذوا } منها، وخلصوا أنفسكم، يقال نفذ الشيء من ~~الشيء إذا خلص منه، كما يخلص السهم { لا تنفذون إلا بسلطن ~~} أي لا تقدرون على النفوذ إلا بقوة وقهر، ولا قوة لكم على ذلك ولا ~~قدرة، والسلطان القوة التي يتسلط بها صاحبها على الأمر، والأمر بالنفوذ ~~أمر تعجيز. قال الضحاك بينما الناس في أسواقهم إذ انفتحت السماء، ونزلت ~~الملائكة فهرب الجن، والإنس، فتحدق بهم الملائكة، فذلك قوله { لا ~~تنفذون إلا بسلطن }. قال ابن المبارك إن ذلك يكون في ~~الآخرة. وقال الضحاك أيضا معنى الآية إن استطعتم أن تهربوا من الموت، ~~فاهربوا. وقيل إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض، فاعلموه ولن ~~تعلموه إلا بسلطان، أي ببينة من الله. وقال قتادة معناها لا تنفذوا إلا ~~بملك، وليس لكم ملك. # وقيل " الباء " بمعنى " إلى " أي لا تنفذون إلا إلى سلطان { فبأى ~~ءالاء ربكما تكذبان } ومن جملتها هذه النعمة الحاصلة بالتحذير ~~والتهديد، فإنها تزيد المحسن إحسانا، وتكف المسيء عن إساءته، مع أن من ~~حذركم وأنذركم قادر على الإيقاع بكم من دون مهلة. { يرسل ~~عليكما شواظ من نار } قرأ الجمهور { يرسل } بالتحتية مبنيا ~~للمفعول، وقرأ زيد بن علي بالنون ونصب شواظ والشواظ اللهب الذي لا دخان ~~معه. وقال مجاهد الشواظ اللهب الأخضر المتقطع من النار. وقال الضحاك هو ~~الدخان الذي يخرج من اللهب ليس بدخان الحطب. وقال الأخفش، وأبو عمرو هو ~~النار، والدخان جميعا. قرأ الجمهور { شواظ } بضم الشين، وقرأ ابن كثير ~~بكسرها وهما لغتان، وقرأ الجمهور { ونحاس } بالرفع عطفا على شواظ، وقرأ ~~ابن كثير، وابن محيصن، ومجاهد، وأبو عمرو بخفضه عطفا على نار، وقرأ ~~الجمهور { نحاس } بضم النون، وقرأ مجاهد، وعكرمة، وحميد، وأبو العالية ~~بكسرها. وقرأ مسلم بن جندب، والحسن ونحس، والنحاس الصفر المذاب يصب على ~~رؤوسهم، قاله مجاهد، وقتادة، وغيرهما. وقال سعيد بن جبير هو الدخان الذي ~~لا لهب له، ms3744 وبه قال الخليل. وقال الضحاك هو دردي الزيت المغلي. وقال ~~الكسائي هو النار التي لها ريح شديدة، وقيل هو المهل { فلا ~~تنتصران } أي لا تقدران على الامتناع من عذاب الله { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان } فإن من جملتها هذا الوعيد الذي يكون به الانزجار ~~عن الشر، والرغوب في الخير. { فإذا انشقت السماء } أي انصدعت ~~بنزول الملائكة يوم القيامة { فكانت وردة كالدهان } أي كوردة ~~حمراء. قال سعيد بن جبير، وقتادة المعنى فكانت حمراء، وقيل فكانت كلون ~~الفرس الورد، وهو الأبيض الذي يضرب إلى الحمرة أو الصفرة. قال الفراء، ~~وأبو عبيدة تصير السماء كالأديم لشدة حر النار. وقال الفراء أيضا شبه ~~تلون السماء بتلون الورد من الخيل، وشبه الورد في ألوانها بالدهن ~~واختلاف ألوانه، والدهان جمع دهن، وقيل المعنى تصير السماء في حمرة ~~الورد، وجريان الدهن، أي تذوب مع الانشقاق حتى تصير حمراء من حرارة نار ~~جهنم، وتصير مثل الدهن لذوبانها، وقيل الدهان الجلد الأحمر. وقال الحسن { ~~كالدهان } ، أي كصبيب الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ألوانا. وقال زيد ~~بن أسلم إنها تصير كعصير الزيت. قال الزجاج إنها اليوم خضراء، وسيكون لها ~~لون أحمر. قال الماوردي وزعم المتقدمون أن أصل لون السماء الحمرة، وأنها ~~لكثرة الحوائل وبعد المسافة ترى بهذا اللون الأزرق. { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان } ، فإن من جملتها ما في هذا التهديد، والتخويف من ~~حسن العاقبة بالإقبال على الخير والإعراض عن الشر. { فيومئذ لا ~~يسئل عن ذنبه إنس ولا جان } أي يوم تنشق السماء لا ~~يسأل أحد من الإنس ولا من الجن عن ذنبه لأنهم يعرفون بسيماهم عند خروجهم ~~من قبورهم، والجمع بين هذه الآية، وبين مثل قوله # فوربك لنسئلنهم أجمعين # الحجر 92 أن ما هنا يكون في موقف، والسؤال في موقف آخر من مواقف ~~القيامة، وقيل إنهم لا يسألون هنا سؤال استفهام عن ذنوبهم لأن الله ~~سبحانه قد أحصى الأعمال، وحفظها على العباد، ولكن يسألون سؤال توبيخ ~~وتقريع، ومثل هذه الآية قوله # ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون # القصص 78 قال أبو ms3745 العالية المعنى لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم. ~~وقيل إن عدم السؤال هو عند البعث، والسؤال هو في موقف الحساب { فبأى ~~ءالاء ربكما تكذبان } فإن من جملتها هذا الوعيد الشديد لكثرة ما ~~يترتب عليه من الفوائد. { يعرف المجرمون بسيمهم } هذه ~~الجملة جارية مجرى التعليل لعدم السؤال. السيما العلامة. قال الحسن ~~سيماهم سواد الوجوه وزرقة الأعين، كما في قوله # ونحشر المجرمين يومئذ زرقا # طه 102 وقال # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # آل عمران 106 وقيل سيماهم ما يعلوهم من الحزن والكآبة { فيؤخذ ~~بالنواصى والأقدام } الجار والمجرور في محل رفع على أنه النائب، ~~والنواصي شعور مقدم الرؤوس، والمعنى أنها تجعل الأقدام مضمومة إلى ~~النواصي، وتلقيهم الملائكة في النار. قال الضحاك يجمع بين ناصيته، وقدمه ~~في سلسلة من وراء ظهره، وقيل تسحبهم الملائكة إلى النار، تارة تأخذ ~~بنواصيهم وتجرهم على وجوههم، وتارة تأخذ بأقدامهم، وتجرهم على رؤوسهم { ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان } فإن من جملتها هذا الترهيب ~~الشديد، والوعيد البالغ الذي ترجف له القلوب، وتضطرب لهوله الأحشاء. { ~~هذه جهنم التى يكذب بها المجرمون } أي يقال لهم ~~عند ذلك هذه جهنم التي تشاهدونها، وتنظرون إليها مع أنكم كنتم تكذبون بها ~~وتقولون إنها لا تكون، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل فماذا ~~يقال لهم عند الأخذ بالنواصي والأقدام؟ فقيل يقال لهم هذه جهنم تقريعا ~~لهم وتوبيخا. { يطوفون بينها } أي بين جهنم فتحرقهم { وبين ~~حميم ءان } فتصب على وجوههم، والحميم الماء الحار، والآن الذي قد ~~انتهى حره وبلغ غايته، كذا قال الفراء، قال الزجاج أنى يأنى أنى، ~~فهو آن إذا انتهى في النضج والحرارة، ومنه قول النابغة الذبياني # وتخضب لحية غدرت وخانت بأحمر من نجيع الجوف آن # وقيل هو واد من أودية جهنم يجمع فيه صديد أهل النار، فيغمسون فيه. قال ~~قتادة يطوفون مرة في الحميم، ومرة بين الجحيم { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان } فإن من جملتها النعمة الحاصلة بهذا التخويف، وما ~~يحصل به من الترغيب في الخير والترهيب عن الشر. وقد أخرج ابن جرير، وابن ms3746 ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله { ذو الجلل والإكرام } ~~قال ذو الكبرياء والعظمة. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه { يسأله من فى السموات ~~} قال مسألة عباده إياه الرزق والموت والحياة كل يوم هو في ذلك. وأخرج ~~الحسن بن سفيان في مسنده، والبزار، وابن جرير، والطبراني، وأبو الشيخ في ~~العظمة، وابن منده، وابن مردويه، وأبو نعيم، وابن عساكر عن عبد الله بن ~~منيب قال تلا علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { كل ~~يوم هو فى شأن } فقلنا يا رسول الله، وما ذلك الشأن؟ قال # " أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين " # وأخرج البخاري في تاريخه، وابن ماجه، وابن أبي عاصم، والبزار، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، وأبو الشيخ في ~~العظمة، وابن مردويه، وابن عساكر، والبيهقي في الشعب عن أبي الدرداء عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قال # " من شأنه أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين " # ، زاد البزار «ويجيب داعيا» وقد رواه البخاري تعليقا، وجعله من كلام ~~أبي الدرداء.وأخرج البزار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الآية قال " يغفر ذنبا ويفرج كربا ". وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله { سنفرغ ~~لكم أيها الثقلان } قال هذا وعيد من الله لعباده، وليس بالله ~~شغل، وفي قوله { لا تنفذون إلا بسلطن } يقول لا تخرجون من ~~سلطاني. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله { ~~يرسل عليكما شواظ من نار } قال لهب النار { ونحاس } ~~قال دخان النار. وأخرج ابن جرير عنه أيضا، ونحاس قال الصفر يعذبون به. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه { فكانت وردة } يقول حمراء { كالدهان ~~} قال هو الأديم الأحمر. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا { فكانت وردة كالدهان ~~} قال مثل ms3747 لون الفرس الورد. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { ~~فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان } قال لا ~~يسألهم هل عملتم كذا وكذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول لهم لم عملتم ~~كذا وكذا؟ وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث والنشور ~~عنه أيضا في قوله { فيؤخذ بالنواصى والأقدام } قال تأخذ ~~الزبانية بناصيته وقدميه، ويجمع فيكسر، كما يكسر الحطب في التنور. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { وبين ~~حميم ءان } قال هو الذي انتهى حره. ### || [55.46-78] # لما فرغ سبحانه من تعداد النعم الدنيوية على الثقلين ذكر نعمه الأخروية ~~التي أنعم بها عليهم، فقال { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ~~مقامه سبحانه هو الموقف الذي يقف فيه العباد للحساب، كما في قوله # يوم يقوم الناس لرب العلمين # المطففين 6 فالمقام مصدر بمعنى القيام، وقيل المعنى خاف قيام ربه عليه، ~~وهو إشرافه على أحواله، واطلاعه على أفعاله وأقواله، كما في قوله # أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت # الرعد 33 قال مجاهد، والنخعي هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر الله، فيدعها ~~من خوفه. واختلف في الجنتين، فقال مقاتل يعني جنة عدن، وجنة النعيم، وقيل ~~إحداهما التي خلقت له والأخرى ورثها. وقيل إحداهما منزله والأخرى منزل ~~أزواجه. وقيل إحداهما أسافل القصور والأخرى أعاليها. وقيل جنة للخائف ~~الإنسي وجنة للخائف الجني، وقيل جنة لفعل الطاعة وأخرى لترك المعصية، ~~وقيل جنة للعقيدة التي يعتقدها وأخرى للعمل الذي يعمله، وقيل جنة بالعمل ~~وجنة بالتفضل، وقيل جنة روحانية وجنة جسمانية، وقيل جنة لخوفه من ربه ~~وجنة لتركه شهوته، وقال الفراء إنما هي جنة واحدة، والتثنية لأجل موافقة ~~الآي. قال النحاس وهذا القول من أعظم الغلط على كتاب الله، فإن الله يقول ~~{ جنتان } ويصفهما بقوله { فيهما } إلخ. { فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان } فإن من جملتها من هذه النعم العظيمة، وهي إعطاء الخائف من ~~مقام ربه جنتين متصفتين بالصفات الجليلة العظيمة { ذواتا أفنان } ~~هذه صفة للجنتين، وما بينهما اعتراض، والأفنان ms3748 الأغصان، واحدها فنن، وهو ~~الغصن المستقيم طولا، وبهذا قال مجاهد، وعكرمة، وعطية، وغيرهم. وقال ~~الزجاج الأفنان الألوان واحدها فن، وهو الضرب من كل شيء، وبه قال عطاء، ~~وسعيد بن جبير، وجمع عطاء بين القولين، فقال في كل غصن فنون من الفاكهة، ~~ومن إطلاق الفنن على الغصن قول النابغة # دعاء حمامة تدعو هديلا مفجعة على فنن تغني # وقول الآخر # ما هاج شوقك من هديل حمامة تدعو على فنن الغصون حماما # وقيل معنى { ذواتا أفنان } ذواتا فضل وسعة على ما سواهما، قاله ~~قتادة، وقيل الأفنان ظل الأغصان على الحيطان، روي هذا عن مجاهد، وعكرمة. ~~{ فبأى ءالاء ربكما تكذبان } فإن كل واحد منها ليس بمحل ~~للتكذيب، ولا بموضع للإنكار. { فيهما عينان تجريان } هذا ~~أيضا صفة أخرى لجنتان، أي في كل واحدة منهما عين جارية. قال الحسن ~~إحداهما السلسبيل والأخرى التسنيم. وقال عطية إحداهما من ماء غير آسن ~~والأخرى من خمر لذة للشاربين، قيل كل واحدة منهما مثل الدنيا أضعافا ~~مضاعفة. { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } فإن من جملتها هذه ~~النعمة الكائنة في الجنة لأهل السعادة. { فيهما من كل فكهة ~~زوجان } هذا صفة ثالثة لجنتان، والزوجان الصنفان والنوعان، والمعنى ~~أن في الجنتين من كل نوع يتفكه به ضربين يستلذ بكل نوع من أنواعه، قيل ~~أحد الصنفين رطب، والآخر يابس لا يقصر أحدهما عن الآخر في الفضل والطيب { ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان } فإن في مجرد تعداد هذه النعم، ~~ووصفها في هذا الكتاب العزيز من الترغيب إلى فعل الخير، والترهيب عن فعل ~~الشر ما لا يخفى على من يفهم، وذلك نعمة عظمى، ومنة كبرى، فكيف بالتنعم ~~به عند الوصول إليه؟! { متكئين على فرش بطائنها من ~~إستبرق } انتصاب { متكئين } على الحال من فاعل قوله { ولمن ~~خاف } وإنما جمع، حملا على معنى من، وقيل عاملها محذوف، والتقدير ~~يتنعمون متكئين، وقيل منصوب على المدح، والفرش جمع فرش، والبطائن هي التي ~~تحت الظهائر، وهي جمع بطانة. # قال الزجاج هي ما يلي الأرض، والإستبرق ما غلظ من الديباج، وإذا كانت ~~البطائن من ms3749 استبرق، فكيف تكون الظهائر؟ قيل لسعيد بن جبير البطائن من ~~استبرق فما الظواهر؟ قال هذا بما قال الله فيه # فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين # السجدة 17 قيل إنما اقتصر على ذكر البطائن لأنه لم يكن أحد في الأرض ~~يعرف ما في الظهائر. وقال الحسن بطائنها من استبرق، وظهائرها من نور ~~جامد. وقال الحسن البطائن هي الظهائر، وبه قال الفراء وقال قد تكون ~~البطانة الظهارة، والظهارة البطانة لأن كل واحد منهما يكون وجها، ~~والعرب تقول هذا ظهر السماء، وهذا بطن السماء لظاهرها الذي نراه، وأنكر ~~ابن قتيبة هذا، وقال لا يكون هذا إلا في الوجهين المتساويين { وجنى ~~الجنتين دان } مبتدأ وخبر، والجنى ما يجتنى من الثمار، قيل إن ~~الشجرة تدنو حتى يجنيها من يريد جناها، ومنه قول الشاعر # هذا جناي وخياره فيه إذ كل جان يده إلى فيه # قرأ الجمهور { فرش } بضمتين، وقرأ أبو حيوة بضمة وسكون، وقرأ الجمهور { ~~جنى } بفتح الجيم، وقرأ عيسى بن عمر بكسرها، وقرأ عيسى أيضا بكسر النون ~~على الإمالة. { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } فإنها كلها بموضع ~~لا يتيسر لمكذب أن يكذب بشيء منها لما تشتمل عليه من الفوائد العاجلة ~~والآجلة. { فيهن قصرت الطرف } أي في الجنتين المذكورتين. ~~قال الزجاج وإنما قال { فيهن } لأنه عنى الجنتين، وما أعد لصاحبهما ~~فيهما من النعيم، وقيل فيهن أي في الفرش التي بطائنها من استبرق، ومعنى ~~{ قصرت الطرف } أنهن يقصرن أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن ~~إلى غيرهم، وقد تقدم تفسير هذا في سورة الصافات. { لم يطمثهن ~~إنس قبلهم ولا جان } قال الفراء الطمث الافتضاض وهو النكاح ~~بالتدمية، يقال طمث الجارية إذا افترعها. قال الواحدي قال المفسرون لم ~~يطأهن ولم يغشهن ولم يجامعهن قبلهم أحد. # قال مقاتل لأنهن خلقن في الجنة، والضمير في { قبلهم } يعود إلى الأزواج ~~المدلول عليه بقاصرات الطرف، وقيل يعود إلى متكئين، والجملة في محل رفع ~~صفة لقاصرات، لأن إضافتها لفظية، وقيل الطمث المس، أي لم يمسسهن، قاله ~~أبو عمرو. وقال المبرد أي لم يذللهن، ms3750 والطمث التذليل، ومن استعمال الطمث ~~فيما ذكره الفراء قول الفرزدق # دفعن إلي لم يطمثن قبلي وهن أصح من بيض النعام # وقرأ الجمهور { يطمثهن } بكسر الميم، وقرأ الكسائي بضمها، وقرأ ~~الجحدري، وطلحة بن مصرف بفتحها، وفي هذه الآية بل في كثير من آيات هذه ~~السورة دليل أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه، وعملوا ~~بفرائضه، وانتهوا عن مناهيه. { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ~~فإن في مجرد هذا الترغيب في هذه النعم نعمة جليلة، ومنة عظيمة، لأن به ~~يحصل الحرص على الأعمال الصالحة، والفرار من الأعمال الطالحة، فكيف ~~بالوصول إلى هذه النعم، والتنعم بها في جنات النعيم بلا انقطاع، ولا ~~زوال. { كأنهن الياقوت والمرجان } هذا صفة لقاصرات، أو ~~حال منهن، شبههن سبحانه في صفاء اللون مع حمرته بالياقوت والمرجان، ~~والياقوت هو الحجر المعروف، والمرجان قد قدمنا الكلام فيه في هذه السورة ~~على الخلاف في كونه صغار الدر، أو الأحمر المعروف. قال الحسن هن في ~~صفاء الياقوت، وبياض المرجان، وإنما خص المرجان على القول بأنه صغار ~~الدر لأن صفاءها أشد من صفاء كبار الدر { فبأى الاء ربكما ~~تكذبان } فإن نعمه كلها لا يتيسر تكذيب شيء منها كائنة ما كانت، ~~فكيف بهذه النعم الجليلة والمنن الجزيلة؟ { هل جزاء الإحسن ~~إلا الإحسن } هذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها، والمعنى ما ~~جزاء من أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه في الآخرة، كذا قال ابن ~~زيد، وغيره. قال عكرمة هل جزاء من قال لا إله إلا الله إلا الجنة؟ ~~وقال الصادق هل جزاء من أحسنت إليه في الأزل إلا حفظ الإحسان عليه في ~~الأبد؟ قال الرازي في هذه الآية وجوه كثيرة حتى قيل إن في القرآن ثلاث ~~آيات في كل واحدة منها مائة قول إحداها قوله تعالى # فاذكرونى أذكركم # البقرة 152 وثانيها # وإن عدتم عدنا # الإسراء 8 وثالثها { هل جزاء الإحسن إلا الإحسن }. قال ~~محمد بن الحنفية هي للبر والفاجر البر في الآخرة، والفاجر في الدنيا. { ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان } فإن من جملتها الإحسان إليكم في ms3751 ~~الدنيا، والآخرة بالخلق والرزق والإرشاد إلى العمل الصالح، والزجر عن ~~العمل الذي لا يرضاه. { ومن دونهما جنتان } أي ومن دون تينك ~~الجنتين الموصوفتين بالصفات المتقدمة جنتان أخريان، لمن دون أصحاب ~~الجنتين السابقتين من أهل الجنة، ومعنى { من دونهما } أي من أمامهما، ومن ~~قبلهما، أي هما أقرب منهما، وأدنى إلى العرش، وقيل الجنتان الأوليان جنة ~~عدن وجنة النعيم، والأخريان جنة الفردوس وجنة المأوى. # قال ابن جريج هي أربع جنات جنتان منهما للسابقين المقربين { فيهما ~~من كل فكهة زوجان } و { عينان تجريان } ، وجنتان ~~لأصحاب اليمين { فيهما فكهة ونخل ورمان } و { فيهما ~~عينان نضاختان } قال ابن زيد إن الأوليين من ذهب للمقربين، ~~والأخريين من ورق لأصحاب اليمين. { فبأى ءالاء ربكما تكذبان ~~} فإنها كلها حق، ونعم لا يمكن جحدها، ثم وصف سبحانه هاتين الجنتين ~~الأخريين، فقال { مدهامتان } وما بينهما اعتراض. قال أبو عبيدة ~~والزجاج من خضرتهما قد اسودتا من الزي، وكل ما علاه السواد ريا فهو ~~مدهم. قال مجاهد مسودتان، والدهمة في اللغة السواد، يقال فرس أدهم، ~~وبعير أدهم إذا اشتدت ورقته حتى ذهب البياض الذي فيه. { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان } فإن جميعها نعم ظاهرة واضحة لا تجحد ولا تنكر. { ~~فيهما عينان نضاختان } النضخ فوران الماء من العين، والمعنى ~~أن في الجنتين المذكورتين عينين فوارتين. قال أهل اللغة والنضخ بالخاء ~~المعجمة أكثر من النضح بالحاء المهملة. قال الحسن، ومجاهد تنضخ على ~~أولياء الله بالمسك، والعنبر، والكافور في دور أهل الجنة، كما ينضخ رش ~~المطر. وقال سعيد بن جبير إنها تنضخ بأنواع الفواكه، والماء. { فبأى ~~ءالاء ربكما تكذبان } فإنها ليست بموضع للتكذيب، ولا بمكان ~~للجحد. { فيهما فكهة ونخل ورمان } هذا من صفات الجنتين ~~المذكورتين قريبا، والنخل والرمان وإن كانا من الفاكهة لكنهما خصصا ~~بالذكر لمزيد حسنهما، وكثرة نفعهما بالنسبة إلى سائر الفواكه، كما حكاه ~~الزجاج، والأزهري، وغيرهما. وقيل إنما خصهما لكثرتهما في أرض العرب، وقيل ~~خصهما لأن النخل فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء. وقد ذهب إلى أنهما من ~~جملة الفاكهة جمهور أهل العلم، ولم يخالف ms3752 في ذلك إلا أبو حنيفة، وقد ~~خالفه صاحباه أبو يوسف، ومحمد. { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ~~فإن من جملتها هذه النعم التي في جنات النعيم، ومجرد الحكاية لها تأثر ~~في نفوس السامعين، وتجذبهم إلى طاعة رب العالمين { فيهن خيرت ~~حسان } قرأ الجمهور { خيرات } بالتخفيف، وقرأ قتادة، وابن السميفع، ~~وأبو رجاء العطاردي، وبكر بن حبيب السهمي، وابن مقسم، والنهدي بالتشديد، ~~فعلى القراءة الأولى هي جمع خيرة بزنة فعلة بسكون العين، يقال امرأة خيرة ~~وأخرى شرة، أو جمع خيرة مخفف خيرة، وعلى القراءة الثانية جمع خيرة ~~بالتشديد. قال الواحدي قال المفسرون الخيرات النساء خيرات الأخلاق حسان ~~الوجوه. قيل وهذه الصفة عائدة إلى الجنان الأربع، ولا وجه لهذا، فإنه قد ~~وصف نساء الجنتين الأوليين بأنهن قاصرات الطرف. { كأنهن ~~الياقوت والمرجان } وبين الصفتين بون بعيد. { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان } فإن شيئا منها كائنا ما كان لا يقبل التكذيب. ~~{ حور مقصورت فى الخيام } أي محبوسات، ومنه القصر لأنه يحبس ~~من فيه، والحور جمع حوراء وهي شديدة بياض العين شديدة سوادها، وقد تقدم ~~بيان معنى الحوراء، والخلاف فيه. # وقيل معنى { مقصورات } أنهن قصرن على أزواجهن، فلا يردن غيرهم، وحكاه ~~الواحدي عن المفسرين. والأول أولى، وبه قال أبو عبيدة، ومقاتل، وغيرهما. ~~قال في الصحاح قصرت الشيء أقصره قصرا حبسته، والمعنى أنهن خدرن في ~~الخيام، والخيام جمع خيمة، وقيل جمع خيم، والخيم جمع خيمة، وهي أعواد ~~تنصب وتظلل بالثياب، فتكون أبرد من الأخبية، قيل الخيمة من خيام الجنة ~~درة مجوفة، فرسخ في فرسخ، وارتفاع { حور } على البدلية من خيرات { لم ~~يطمثهن إنس قبلهم ولا جان } قد تقدم تفسيره في صفة ~~الجنتين الأوليين { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } فإنها كلها ~~نعم لا تكفر، ومنن لا تجحد. { متكئين على رفرف خضر } ~~انتصاب { متكئين } على الحال، أو المدح كما سبق، قال أبو عبيدة الرفارف ~~البسط، وبه قال الحسن، ومقاتل، والضحاك، وغيرهم. وقال ابن عيينة هي ~~الزرابي. وقال ابن كيسان هي المرافق. وروي عن أبي عبيدة أنه قال هي حاشية ~~الثوب. وقال الليث ضرب ms3753 من الثياب الخضر، وقيل الفرش المرتفعة، وقيل كل ~~ثوب عريض. قال في الصحاح والرفرف ثياب خضر يتخذ منها المحابس، الواحدة ~~رفرفة. وقال الزجاج قالوا الرفرف هنا رياض الجنة، وقالوا الرفرف ~~الوسائد، وقالوا الرفرف المحابس ا ه. ومن القائلين بأنها رياض الجنة ~~سعيد بن جبير، واشتقاق الرفرف من رف يرف إذا ارتفع، ومنه رفرفة ~~الطائر، وهي تحريك جناحيه في الهواء. قرأ الجمهور { رفرف } على الإفراد. ~~وقرأ عثمان بن عفان، والحسن، والجحدري رفارف على الجمع { وعبقرى ~~حسان } العبقري الزرابي، والطنافس الموشية. قال أبو عبيدة كل وشي من ~~البسط عبقري، وهو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي. قال الفراء العبقري. ~~الطنافس الثمان، وقيل الزرابي، وقيل البسط، وقيل الديباج. قال ابن ~~الأنباري الأصل فيه أن عبقر قرية تسكنها الجن ينسب إليها كل فائق. قال ~~الخليل العبقري عند العرب كل جليل فاضل فاخر من الرجال والنساء، ومنه ~~قول زهير # بخيل عليها جنة عبقرية جديرون يوما أن ينالوا ~~فيستعلوا # قال الجوهري العبقر موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن. قال لبيد # كهول وشبان كجنة عبقر # ثم نسبوا إليه كل شيء تعجبوا من حذقه وجودة صنعته وقوته، فقالوا ~~عبقري، وهو واحد وجمع. قرأ الجمهور { عبقري } وقرأ عثمان بن عفان، ~~والحسن، والجحدري عباقري وقرىء عباقر وهما نسبة إلى عباقر اسم بلد. وقال ~~قطرب ليس بمنسوب، وهو مثل كرسي وكراسي، وبختي وبخاتي. قرأ الجمهور { خضر ~~} بضم الخاء وسكون الضاد، وقرىء بضمهما، وهي لغة قليلة. { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان } فإن كل واحد منها أجل من أن يتطرق إليه ~~التكذيب، وأعظم من أن يجحده جاحد، أو ينكره منكر، وقد قدمنا في أول هذه ~~السورة وجه تكرير هذه الآية فلا نعيده. # { تبرك اسم ربك ذى الجلل والإكرام } تبارك. تفاعل ~~من البركة. قال الرازي وأصل التبارك من التبرك، وهو الدوام والثبات، ~~ومنه برك البعير، وبركه الماء فإن الماء يكون دائما، والمعنى دام اسمه ~~وثبت أو دام الخير عنده لأن البركة وإن كانت من الثبات لكنها تستعمل في ~~الخير، أو يكون معناه علا وارتفع ms3754 شأنه. وقيل معناه تنزيه الله سبحانه ~~وتقديسه، وإذا كان هذا التبارك منسوبا إلى اسمه عز وجل، فما ظنك بذاته ~~سبحانه؟ وقيل الاسم بمعنى الصفة، وقيل هو مقحم كما في قول الشاعر # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # وقد تقدم تفسير { ذي الجلال والإكرام } في هذه السورة. قرأ الجمهور { ~~ذي الجلال } على أنه صفة للرب سبحانه. وقرأ ابن عامر ذو الجلال على أنه ~~صفة لاسم. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { ولمن خاف ~~مقام ربه جنتان } قال وعد الله المؤمنين الذين خافوا مقامه، ~~فأدوا فرائضه الجنة. وأخرج ابن جرير عنه في الآية يقول خاف ثم اتقى، ~~والخائف من ركب طاعة الله وترك معصيته. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ ~~في العظمة عن عطاء أنها نزلت في أبي بكر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب ~~مثله. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود في الآية قال لمن خافه في الدنيا. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وابن منيع، والحاكم، والترمذي، والنسائي، ~~والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، ~~وابن مردويه عن أبي الدرداء # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية { ولمن خاف مقام ~~ربه جنتان } فقلت وإن زنى، وإن سرق يا رسول الله؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. الثانية { ولمن خاف مقام ربه جنتان ~~} فقلت وإن زنى، وإن سرق؟ فقال الثالثة { ولمن خاف مقام ربه ~~جنتان } فقلت وإن زنى، وإن سرق؟ قال نعم،وإن رغم أنف أبي الدرداء " # وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~ولمن خاف مقام ربه جنتان } فقال أبو الدرداء وإن زنى، ~~وإن سرق يا رسول الله؟ قال # " وإن زنى وإن سرق، وإن رغم أنف أبي الدرداء " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن يسار مولى لآل معاوية عن أبي الدرداء ~~في قوله { ولمن خاف مقام ربه جنتان } قال قيل لأبي ~~الدرداء وإن زنى وإن سرق؟ قال ms3755 من خاف مقام ربه لم يزن، ولم يسرق. وأخرج ~~ابن مردويه عن ابن شهاب قال كنت عند هشام بن عبد الملك، فقال قال أبو ~~هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ولمن خاف مقام ربه ~~جنتان } قال أبو هريرة وإن زنى، وإن سرق؟ فقلت إنما كان ذلك قبل أن ~~تنزل الفرائض، فلما نزلت الفرائض ذهب هذا. # وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " جنان الفردوس أربع جنات جنتان من ذهب حليتهما وأبنيتهما وما فيهما، ~~وجنتان من فضة حليتهما وأبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ~~ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي موسى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في قوله { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ~~وفي قوله { ومن دونهما جنتان } قال # " جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين " # وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي موسى في قوله { ولمن خاف مقام ~~ربه جنتان } قال جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من فضة للتابعين. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~ذواتا أفنان } قال ذواتا ألوان. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه ~~قال فن غصونها يمس بعضها بعضا. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه ~~أيضا قال الفن الغصن. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد ~~في زوائد الزهد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، ~~والبيهقي في البعث عن ابن مسعود في قوله { متكئين على فرش ~~بطائنها من إستبرق } قال أخبرتم بالبطائن، فكيف بالظهائر. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس أنه قيل له ~~بطائنها من استبرق، فما الظواهر؟ قال ذلك مما قال الله # فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين # السجدة 17. وأخرج عبد بن حميد، ms3756 وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والبيهقي في البعث عنه في قوله { وجنى الجنتين دان } قال ~~جناها ثمرها، والداني القريب منك يناله القائم والقاعد. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عنه أيضا في قوله { ~~فيهن قصرت الطرف } يقول عن غير أزواجهن { لم ~~يطمثهن } يقول لم يدن منهن، أو لم يدمهن. وأخرج أحمد، وابن ~~حبان، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في قوله { كأنهن الياقوت والمرجان } ~~قال # " تنظر إلى وجهها في خدرها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ~~ما بين المشرق والمغرب، وإنه يكون عليها سبعون ثوبا، وينفذها بصره حتى ~~يرى مخ ساقها من وراء ذلك " # وأخرج ابن أبي شيبة، وهناد بن السري، والترمذي، وابن أبي الدنيا في ~~صفة الجنة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأبو الشيخ في العظمة، ~~وابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى ~~يرى مخها، وذلك أن الله يقول { كأنهن الياقوت والمرجان } ، فأما ~~الياقوت، فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكا ثم استصفيته لرأيته من ورائه " # ، وقد رواه الترمذي موقوفا وقال هو أصح. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه، والبيهقي في الشعب وضعفه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في قوله { هل جزاء الإحسن إلا الإحسن } قال # " ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة " # وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والبغوي في تفسيره، والديلمي ~~في مسند الفردوس، وابن النجار في تاريخه عن أنس مرفوعا مثله. وأخرج ابن ~~مردويه عن جابر مرفوعا في الآية قال # " هل جزاء من أنعمنا عليه بالإسلام إلا أن أدخله الجنة " # وأخرج ابن النجار في تاريخه عن علي بن أبي طالب مرفوعا مثل حديث ابن ~~عمر. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن ~~عباس في قوله ms3757 { هل جزاء الإحسن إلا الإحسن } قال هل ~~جزاء من قال لا إله إلا الله في الدنيا إلا الجنة في الآخرة. وأخرج ~~ابن عدي، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والديلمي، والبيهقي في الشعب، وضعفه ~~عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنزل الله علي هذه الآية في سورة الرحمن للكافر والمسلم { هل ~~جزاء الإحسن إلا الإحسن } " # وأخرجه ابن مردويه موقوفا على ابن عباس. وأخرج هناد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { ~~مدهامتان } قال هما خضروان. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال ~~قد اسودتا من الخضرة من الري من الماء. وأخرج الفريابي، وابن أبي ~~شيبة، وهناد، وعبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عبد الله بن الزبير نحوه. ~~وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري قال سألت النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن قوله « { مدهامتان } قال " خضراوان ". وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { نضاختان } قال ~~فائضتان. وأخرج عبد بن حميد عنه قال ينضخان بالماء. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وابن أبي الدنيا في صفة الجنة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه ~~عن ابن مسعود في قوله { خيرت حسان } قال لكل مسلم خيرة، ولكل خيرة ~~خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب يدخل عليها من الله كل يوم تحفة وكرامة ~~وهدية لم تكن قبل ذلك، لا مراحات ولا طماحات، ولا بخرات ولا دفرات، حور ~~عين كأنهن بيض مكنون. # وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عنه مرفوعا. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { حور } قال بيض ~~{ مقصورت } قال محبوسات { فى الخيام } قال في بيوت اللؤلؤ. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم قال الحور سود الحدق. وأخرج ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " الخيام در مجوف " # وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى ms3758 الله ~~عليه وسلم # " الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا، في كل زاوية منها ~~للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون يطوف عليهم المؤمن " # وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في ~~قوله { متكئين على رفرف } قال فضول المحابس والفرش والبسط. ~~وأخرج عبد بن حميد عن علي بن أبي طالب قال هي فضول المحابس. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، والبيهقي في البعث من طرق عن ابن عباس ~~{ رفرف خضر } قال المحابس { وعبقرى حسان } قال الزرابي. ~~وأخرج عبد بن حميد عنه في الآية قال الرفرف الرياض، والعبقري الزرابي. ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-26] # قوله { إذا وقعت الواقعة } الواقعة اسم للقيامة كالآزفة ~~وغيرها، وسميت واقعة لأنها كائنة لا محالة، أو لقرب وقوعها، أو لكثرة ما ~~يقع فيها من الشدائد، وانتصاب إذا بمضمر، أي اذكر وقت وقوع الواقعة، أو ~~بالنفي المفهوم من قوله { ليس لوقعتها كاذبة } أي لا يكون ~~عند وقوعها تكذيب، والكاذبة مصدر كالعاقبة أي ليس لمجيئها وظهورها كذب ~~أصلا، وقيل إذا شرطية، وجوابها مقدر، أي إذا وقعت كان كيت وكيت، ~~والجواب هذا هو العامل فيها، وقيل إنها شرطية، والعامل فيها الفعل الذي ~~بعدها، واختار هذا أبو حيان، وقد سبقه إلى هذا مكي فقال والعامل وقعت. ~~قال المفسرون والواقعة هنا هي النفخة الآخرة، ومعنى الآية أنها إذا وقعت ~~النفخة الآخرة عند البعث لم يكن هناك تكذيب بها أصلا، أو لا يكون هناك ~~نفس تكذب على الله، وتكذب بما أخبر عنه من أمور الآخرة. قال الزجاج ليس ~~لوقعتها كاذبة، أي لا يردها شيء، وبه قال الحسن، وقتادة. وقال الثوري ~~ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقال الكسائي ليس لها تكذيب، أي لا ينبغي أن ~~يكذب بها أحد. { خافضة رافعة } قرأ الجمهور برفعهما على إضمار ~~مبتدأ، أي هي خافضة رافعة. وقرأ الحسن وعيسى الثقفي بنصبهما على الحال. ~~قال عكرمة، والسدي، ومقاتل خفضت الصوت فأسمعت من دنا، ورفعت الصوت ~~فأسمعت من نأى، أي أسمعت القريب والبعيد. وقال قتادة خفضت أقواما ms3759 في ~~عذاب الله، ورفعت أقواما إلى طاعة الله. وقال محمد بن كعب خفضت أقواما ~~كانوا في الدنيا مرفوعين، ورفعت أقواما كانوا في الدنيا مخفوضين، والعرب ~~تستعمل الخفض والرفع في المكان والمكانة، والعز والإهانة، ونسبة الخفض ~~والرفع إليها على طريق المجاز، والخافض والرافع في الحقيقة، هو الله ~~سبحانه. { إذا رجت الارض رجا } أي إذا حركت حركة شديدة، ~~يقال رجه يرجه رجا إذا حركه، والرجة الاضطراب، وارتج البحر اضطرب. ~~قال المفسرون ترتج، كما يرتج الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، ~~وينكسر كل شيء من الجبال وغيرها. قال قتادة، ومقاتل، ومجاهد معنى رجت ~~زلزلت، والظرف متعلق بقوله { خافضة رافعة } أي تخفض وترفع وقت ~~رج الأرض وبس الجبال لأنه عند ذلك يرتفع ما هو منخفض، وينخفض ما هو ~~مرتفع. وقيل إنه بدل من الظرف الأول ذكره الزجاج، فيكون معنى وقوع ~~الواقعة هو رج الأرض، وبس الجبال { وبست الجبال بسا } البس ~~الفت، يقال بس الشيء إذا فته حتى يصير فتاتا، ويقال بس السويق إذا لته ~~بالسمن، أو بالزيت. قال مجاهد، ومقاتل المعنى أن الجبال فتت فتا. وقال ~~السدي كسرت كسرا. وقال الحسن قلعت من أصلها. وقال مجاهد أيضا بست كما ~~يبس الدقيق بالسمن، أو بالزيت، والمعنى أنها خلطت فصارت كالدقيق الملتوت. # وقال أبو زيد البس السوق، والمعنى على هذا سيقت الجبال سوقا، قال أبو ~~عبيد بس الإبل، وأبسها لغتان إذا زجرها. وقال عكرمة المعنى هدت هدا { ~~فكانت هباء منبثا } أي غبارا متفرقا منتشرا. قال مجاهد ~~الهباء الشعاع الذي يكون في الكوة كهيئة الغبار، وقيل هو الرهج الذي ~~يسطع من حوافر الدواب، ثم يذهب، وقيل ما تطاير من النار إذا اضطرمت على ~~سورة الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئا، وقد تقدم بيانه في الفرقان عند ~~تفسير قوله # فجعلناه هباء منثورا # الفرقان 23 قرأ الجمهور { منبثا } بالمثلثة. وقرأ مسروق، والنخعي، ~~وأبو حيوة بالتاء المثناة من فوق أي منقطعا، من قولهم بته الله، أي ~~قطعه. ثم ذكر سبحانه أحوال الناس واختلافهم فقال { وكنتم أزواجا ~~ثلثة } والخطاب ms3760 لجميع الناس، أو للأمة الحاضرة، والأزواج الأصناف، ~~والمعنى وكنتم في ذلك اليوم أصنافا ثلاثة. ثم فسر سبحانه هذه الأصناف ~~فقال { فأصحب الميمنة ما أصحب الميمنة } أي ~~أصحاب اليمين، وهم الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم، أو الذين يؤخذ بهم ذات ~~اليمين إلى الجنة، { أصحاب الميمنة } مبتدأ، وخبره { ما أصحاب الميمنة } ~~أي أي شيء هم في حالهم، وصفتهم، والاستفهام للتعظيم والتفخيم، وتكرير ~~المبتدأ هنا بلفظه مغن عن الضمير الرابط، كما في قوله # الحاقة * ما الحاقة # الحاقة 1، 2 و # القارعة * ما القارعة # القارعة 1، 2 ولا يجوز مثل هذا إلا في مواضع التفخيم، والتعظيم والكلام ~~في { أصحب المشئمة ما أصحب المشئمة } ~~كالكلام في أصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة، والمراد الذي يؤخذ بهم ذات ~~الشمال إلى النار، أو يأخذون صحائف أعمالهم بشمالهم، والمراد تعجيب ~~السامع من حال الفريقين في الفخامة والفظاعة كأنه قيل فأصحاب الميمنة في ~~نهاية السعادة وحسن الحال، وأصحاب المشأمة في نهاية الشقاوة وسوء الحال. ~~وقال السدي أصحاب الميمنة هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذرية ~~من صلبه، وأصحاب المشأمة هم الذين كانوا عن شماله. وقال زيد بن أسلم ~~أصحاب الميمنة هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن، وأصحاب المشأمة هم الذين ~~أخذوا من شقه الأيسر. وقال ابن جريج أصحاب الميمنة هم أهل الحسنات، ~~وأصحاب المشأمة هم أهل السيئات. وقال الحسن، والربيع أصحاب الميمنة هم ~~الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة، وأصحاب المشأمة هم المشائيم على ~~أنفسهم بالأعمال القبيحة. وقال المبرد أصحاب الميمنة أصحاب التقدم، ~~وأصحاب المشأمة أصحاب التأخر، والعرب تقول اجعلني في يمينك، ولا تجعلني ~~في شمالك، أي اجعلني من المتقدمين، ولا تجعلني من المتأخرين، ومنه قول ~~ابن الدمينة # أبنيتي أفي يمنى يديك جعلتني فأفرح أم صيرتني في شمالك # ثم ذكر سبحانه الصنف الثالث، فقال { والسبقون السبقون } ~~والتكرير فيه للتفخيم والتعظيم، كما مر في القسمين الأولين، كما تقول ~~أنت أنت، وزيد زيد، والسابقون مبتدأ، وخبره السابقون. # وفيه تأويلان أحدهما أنه بمعنى السابقون هم الذين اشتهرت حالهم بذلك. ~~والثاني أن متعلق السابقين مختلف، ms3761 والتقدير والسابقون إلى الإيمان ~~السابقون إلى الجنة. والأول أولى لما فيه من الدلالة على التفخيم ~~والتعظيم قال الحسن، وقتادة هم السابقون إلى الإيمان من كلامه. وقال محمد ~~بن كعب إنهم الأنبياء. وقال ابن سيرين هم الذين صلوا إلى القبلتين. وقال ~~مجاهد هم الذين سبقوا إلى الجهاد، وبه قال الضحاك. وقال سعيد بن جبير هم ~~السابقون إلى التوبة وأعمال البر. وقال الزجاج المعنى والسابقون إلى ~~طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله. قيل ووجه تأخير هذا الصنف الثالث ~~مع كونه أشرف من الصنفين الأولين هو أن يقترن به ما بعده، وهو قوله { ~~أولئك المقربون * في جنت النعيم } فالإشارة هي ~~إليهم، أي المقربون إلى جزيل ثواب الله، وعظيم كرامته، أو الذين قربت ~~درجاتهم، وأعليت مراتبهم عند الله. وقوله { في جنت النعيم } ~~متعلق بالمقربون، أي مقربون عند الله في جنات النعيم. ويجوز أن يكون ~~خبرا ثانيا لأولئك، وأن يكون حالا من الضمير في { المقربون } أي ~~كائنين فيها. قرأ الجمهور { في جنات } بالجمع، وقرأ طلحة بن مصرف في جنة ~~بالإفراد، وإضافة الجنات إلى النعيم من إضافة المكان إلى ما يكون فيه، ~~كما يقال دار الضيافة، ودار الدعوة، ودار العدل وارتفاع { ثلة من ~~الأولين } على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هم ثلة، والثلة الجماعة التي ~~لا يحصر عددها. قال الزجاج معنى ثلة معنى فرقة، ومن ثللت الشيء إذا ~~قطعته، والمراد بالأولين هم الأمم السابقة من لدن آدم إلى نبينا صلى ~~الله عليه وسلم { وقليل من الآخرين } أي من هذه الأمة، وسموا ~~قليلا بالنسبة إلى من كان قبلهم، وهم كثيرون لكثرة الأنبياء فيهم، وكثرة ~~من أجابهم. قال الحسن سابقو من مضى أكثر من سابقينا. قال الزجاج الذين ~~عاينوا جميع الأنبياء وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ولا يخالف هذا ما ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم # " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، ثم قال ثلث أهل الجنة، ثم قال نصف ~~أهل الجنة " # ، لأن قوله { ثلة من الأولين * وقليل ms3762 من الاخرين } ~~إنما هو تفصيل للسابقين فقط، كما سيأتي في ذكر أصحاب اليمين أنهم ثلة من ~~الأولين، وثلة من الآخرين، فلا يمتنع أن يكون في أصحاب اليمين من هذه ~~الأمة من هو أكثر من أصحاب اليمين من غيرهم، فيجتمع من قليل سابقي هذه ~~الأمة، ومن ثلة أصحاب اليمين منها من يكون نصف أهل الجنة، والمقابلة بين ~~الثلتين في أصحاب اليمين لا تستلزم استواءهما لجواز أن يقال هذه الثلة ~~أكثر من هذه الثلة، كما يقال هذه الجماعة أكثر من هذه الجماعة، وهذه ~~الفرقة أكثر من هذه الفرقة، وهذه القطعة أكثر من هذه القطعة. # وبهذا تعرف أنه لم يصب من قال إن هذه الآية منسوخة بالحديث المذكور. ثم ~~ذكر سبحانه حالة أخرى للسابقين المقربين، فقال { على سرر ~~موضونة } قرأ الجمهور { سرر } بضم السين والراء الأولى، وقرأ أبو ~~السماك، وزيد بن علي بفتح الراء، وهي لغة كما تقدم، والموضونة ~~المنسوجة، والوضن النسج المضاعف. قال الواحدي قال المفسرون منسوجة بقضبان ~~الذهب، وقيل مشبكة بالدر، والياقوت، والزبرجد، وقيل إن الموضونة ~~المصفوفة. وقال مجاهد الموضونة المرمولة بالذهب، وانتصاب { متكئين ~~عليها } على الحال، وكذا انتصاب { متقبلين } والمعنى ~~مستقرين على سرر متكئين عليها متقابلين لا ينظر بعضهم قفا بعض { يطوف ~~عليهم ولدن مخلدون } الجملة في محل نصب على الحال من ~~المقربين، أو مستأنفة لبيان بعض ما أعد الله لهم من النعيم، والمعنى ~~يدور حولهم للخدمة غلمان لا يهرمون، ولا يتغيرون، بل شكلهم شكل الولدان ~~دائما. قال مجاهد المعنى لا يموتون. وقال الحسن، والكلبي لا يهرمون، ولا ~~يتغيرون. قال الفراء والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط إنه لمخلد. وقال ~~سعيد بن جبير مخلدون مقرطون. قال الفراء ويقال مخلدون مقرطون، يقال خلد ~~جاريته إذا حلاها بالخلدة، وهي القرطة. وقال عكرمة مخلدون منعمون، ومنه ~~قول امرىء القيس # وهل ينعمن إلا سعيد مخلد قليل الهموم ما يبيت بأوجال # وقيل مستورون بالحلية، وروي نحوه عن الفراء، ومنه قول الشاعر # ومخلدات باللجين كأنما أعجازهن أقاوز الكثبان # وقيل مخلدون ممنطقون، قيل وهم ولدان المسلمين ms3763 الذين يموتون صغارا ولا ~~حسنة لهم ولا سيئة، وقيل هم أطفال المشركين، ولا يبعد أن يكونوا مخلوقين ~~في الجنة للقيام بهذه الخدمة، والأكواب هي الأقداح المستديرة الأفواه ~~التي لا آذان لها ولا عرى، وقد مضى بيان معناها في سورة الزخرف، ~~والأباريق هي ذات العرى والخراطيم، واحدها إبريق، وهو الذي يبرق لونه من ~~صفائه، { وكأس من معين } أي من خمر جارية، أو من ماء جار، ~~والمراد به ها هنا الخمر الجارية من العيون، وقد تقدم بيان معنى الكأس ~~في سورة الصافات { لا يصدعون عنها } أي لا تتصدع رؤوسهم من ~~شربها، كما تتصدع من شرب خمر الدنيا. والصداع هو الداء المعروف الذي ~~يلحق الإنسان في رأسه، وقيل معنى لا يصدعون لا يتفرقون كما يتفرق ~~الشراب، ويقوي هذا المعنى قراءة مجاهد يصدعون بفتح الياء وتشديد الصاد، ~~والأصل يتصدعون، أي يتفرقون، والجملة مستأنفة لبيان ما أعد الله لهم من ~~النعيم، أو في محل نصب على الحال، وجملة { ولا ينزفون } معطوفة على ~~الجملة التي قبلها، وقد تقدم اختلاف القراء في هذا الحرف في سورة ~~الصافات، وكذلك تقدم تفسيره، أي لا يسكرون فتذهب عقولهم، من أنزف الشارب ~~إذا نفد عقله، أو شرابه، ومنه قول الشاعر # لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم لبئس الندامى كنتم آل أبجرا # { وفكهة مما يتخيرون } أي يختارونه، يقال تخيرت الشيء ~~إذا أخذت خيره. قرأ الجمهور { وفاكهة } بالجر كذا { لحم } عطفا على { ~~أكواب } أي يطوفون عليهم بهذه الأشياء المأكول والمشروب والمتفكه به. ~~وقرأ زيد بن علي، وأبو عبد الرحمن برفعهما على الابتداء، والخبر مقدر، ~~أي ولهم فاكهة ولحم، ومعنى { مما يشتهون } مما يتمنونه وتشتهيه ~~أنفسهم. { وحور عين * كأمثل اللؤلؤ المكنون } قرأ ~~الجمهور { حور عين } برفعهما عطفا على ولدان أو على تقدير مبتدأ، أي ~~نساؤهم حور عين، أو على تقدير خبر، أي ولهم حور عين، وقرأ حمزة، والكسائي ~~بجرهما عطفا على أكواب. قال الزجاج وجائز أن يكون معطوفا على جنات، أي ~~هم في جنات وفي حور، على تقدير مضاف محذوف، أي وفي معاشرة حور. قال ms3764 ~~الفراء في توجيه العطف على أكواب إنه يجوز الجر على الاتباع في اللفظ، ~~وإن اختلفا في المعنى لأن الحور لا يطاف بهن، كما في قول الشاعر # إذا ما الغانيات برزن يوما وزججن الحواجب والعيونا # والعين لا تزجج، وإنما تكحل، ومن هذا قول الشاعر # علفتها تبنا وماء باردا # وقول الآخر # متقلدا سيفا ورمحا # قال قطرب هو معطوف على الأكواب والأباريق من غير حمل على المعنى. قال ~~ولا ينكر أن يطاف عليهم بالحور ويكون لهم في ذلك لذة. وقرأ الأشهب ~~العقيلي، والنخعي، وعيسى بن عمر بنصبهما على تقدير إضمار فعل، كأنه قيل ~~ويزوجون حورا عينا، أو ويعطون، ورجح أبو عبيد، وأبو حاتم قراءة ~~الجمهور. ثم شبههن سبحانه باللؤلؤ المكنون، وهو الذي لم تمسه الأيدي، ~~ولا وقع عليه الغبار، فهو أشد ما يكون صفاء، وانتصاب { جزاء } في قوله { ~~جزاء بما كانوا يعملون } على أنه مفعول له، أي يفعل بهم ذلك ~~كله للجزاء بأعمالهم. ويجوز أن يكون مصدرا مؤكدا لفعل محذوف أي يجزون ~~جزاء، وقد تقدم تفسير الحور العين في سورة الطور وغيره { لا ~~يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } اللغو الباطل من الكلام، ~~والتأثيم النسبة إلى الإثم. قال محمد بن كعب لا يؤثم بعضهم بعضا، وقال ~~مجاهد لا يسمعون شتما، ولا مأثما، والمعنى أنه لا يقول بعضهم لبعضهم ~~أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم. { إلا قيلا سلما سلما ~~} القيل القول، والاستثناء منقطع، أي لكن يقولون قيلا، أو يسمعون قيلا، ~~وانتصاب { سلاما سلاما } على أنه بدل من { قيلا } ، أو صفة له، أو هو ~~مفعول به { قيلا } أي إلا أن يقولوا سلاما سلاما، واختار هذا الزجاج، ~~أو على أنه منصوب بفعل هو محكي ب { قيلا } أي إلا قيلا سلموا سلاما ~~سلاما، والمعنى في الآية أنهم لا يسمعون إلا تحية بعضهم لبعض. # قال عطاء يحيي بعضهم بعضا بالسلام، وقيل إن الاستثناء متصل وهو بعيد ~~لأن التحتية ليست مما يندرج تحت اللغو والتأثيم، قرىء سلام سلام بالرفع. ~~قال مكي ويجوز الرفع على معنى سلام عليكم، مبتدأ وخبر. ms3765 وقد أخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس ~~في قوله { إذا وقعت الواقعة } قال يوم القيامة { ليس ~~لوقعتها كاذبة } قال ليس لها مرد يرد { خافضة رافعة ~~} قال تخفض ناسا وترفع آخرين. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه { ~~خافضة رافعة } قال أسمعت القريب والبعيد. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~عمر بن الخطاب { خافضة رافعة } قال الساعة خفضت أعداء الله إلى ~~النار، ورفعت أولياء الله إلى الجنة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن ~~عباس في قوله { إذا رجت الأرض رجا } قال زلزلت { وبست ~~الجبال بسا } قال فتتت { فكانت هباء منبثا } قال شعاع ~~الشمس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه { فكانت هباء منبثا ~~} قال الهباء الذي يطير من النار إذا أضرمت يطير منها الشرر، فإذا وقع لم ~~يكن شيئا. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا قال الهباء ما يثور مع شعاع ~~الشمس، وانبثاثه تفرقه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن ~~علي بن أبي طالب قال الهباء المنبث رهج الدواب، والهباء المنثور غبار ~~الشمس الذي تراه في شعاع الكوة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { ~~وكنتم أزواجا } قال أصنافا. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عنه في قوله { وكنتم أزواجا ثلثة } قال هي التي في سورة ~~الملائكة # ثم أورثنا الكتب الذين اصطفينا من عبادنا ~~فمنهم ظلم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرت # فاطر 32. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه أيضا في قوله { ~~والسبقون السبقون } قال يوشع بن نون سبق إلى موسى، ومؤمن ~~آل ياسين سبق إلى عيسى، وعلي بن أبي طالب سبق إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا في الآية قال نزلت في حزقيل مؤمن ~~آل فرعون وحبيب النجار الذي ذكر في يس، وعلي بن أبي طالب، وكل رجل منهم ~~سابق أمته، وعلي أفضلهم سبقا. وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية { وأصحب اليمين ms3766 ~~وأصحب الشمال } فقبض بيديه قبضتين، فقال # " هذه في الجنة ولا أبالي، وهذه في النار ولا أبالي " # وأخرج أحمد أيضا عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # " أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة " # ؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال # " الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوا، وحكموا للناس كحكمهم ~~لأنفسهم " # وأخرج أحمد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة قال ~~لما نزلت { ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين } شق ~~على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت { ثلة من ~~الأولين * وثلة من الآخرين } فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم # " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، ثلث الجنة، بل أنتم نصف أهل ~~الجنة، أو شطر أهل الجنة، وتقاسموهم النصف الثاني " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في البعث عن ابن عباس { على ~~سرر موضونة } قال مصفوفة. وأخرج سعيد بن منصور، وهناد، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عنه. ~~قال مرمولة بالذهب. وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة، والبزار، وابن ~~مردويه، والبيهقي في البعث عن عبد الله بن مسعود قال قال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " إنك لتنظر إلى الطير في الجنة، فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا " # وأخرج أحمد، والترمذي، والضياء عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " إن طير الجنة كأمثال البخت ترعى في شجر الجنة " # فقال أبو بكر يا رسول الله إن هذه الطير لناعمة، قال # " آكلها أنعم منها، وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها " # وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { كأمثل ~~اللؤلؤ المكنون } قال الذي في الصدف. وأخرج ابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عنه { لا يسمعون فيها لغوا } قال باطلا { ولا ~~تأثيما } قال كذبا. ### || [56.27-56] # لما فرغ سبحانه من ذكر أحوال السابقين، وما أعده لهم من النعيم المقيم، ~~ذكر أحوال أصحاب اليمين، فقال { وأصحب اليمين ما أصحب ~~اليمين } قد قدمنا ms3767 وجه إعراب هذا الكلام، وما في هذه الجملة ~~الاستفهامية من التفخيم والتعظيم، وهي خبر المبتدأ، وهو أصحاب اليمن، ~~وقوله { فى سدر مخضود } خبر ثان، أو خبر مبتدأ محذوف، أي هم في ~~سدر مخضود، والسدر نوع من الشجر، والمخضود الذي خضد شوكه، أي قطع فلا شوك ~~فيه. قال أمية بن أبي الصلت يصف الجنة # إن الحدائق في الجنان ظليلة فيها الكواعب سدرها مخضود # وقال الضحاك، ومجاهد، ومقاتل بن حيان إن السدر المخضود الموقر حملا { ~~وطلح منضود } قال أكثر المفسرين إن الطلح في الآية هو شجر الموز. ~~وقال جماعة ليس هو شجر الموز، ولكنه الطلح المعروف وهو أعظم أشجار العرب. ~~قال الفراء، وأبو عبيدة هو شجر عظام لها شوك. قال الزجاج الطلح هو أم ~~غيلان، ولها نور طيب، فخوطبوا ووعدوا ما يحبون، إلا أن فضله على ما في ~~الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا. قال ويجوز أن يكون في ~~الجنة، وقد أزيل شوكه. قال السدي طلح الجنة يشبه طلح الدنيا لكن له ثمر ~~أحلى من العسل، والمنضود المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل ليس له ~~سوق بارزة. قال مسروق أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيد ثمر كله، ~~كلما أخذت ثمرة عاد مكانها أحسن منها { وظل ممدود } أي دائم باق ~~لا يزول، ولا تنسخه الشمس. قال أبو عبيدة والعرب تقول لكل شيء طويل لا ~~ينقطع ممدود، ومنه قوله # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل # الفرقان 45 والجنة كلها ضل لا شمس معه. قال الربيع بن أنس يعني ظل ~~العرش، ومن استعمال العرب للممدود في الدائم الذي لا ينقطع قول لبيد # غلب العزاء وكان غير مغلب دهر طويل دائم ممدود # { وماء مسكوب } أي منصب يجري بالليل والنهار أينما شاءوا لا ~~ينقطع عنهم، فهو مسكوب يسكبه الله في مجاريه، وأصل السكب. الصب، يقال ~~سكبه سكبا، أي صبه { وفكهة كثيرة } أي ألوان متنوعة متكثرة { ~~لا مقطوعة } في وقت من الأوقات، كما تنقطع فواكه الدنيا في بعض ~~الأوقات { ولا ممنوعة ms3768 } أي لا تمتنع على من أرادها في أي وقت على ~~أي صفة، بل هي معدة لمن أرادها لا يحول بينه وبينها حائل. قال ابن ~~قتيبة يعني أنها غير محظورة عليها كما يحظر على بساتين الدنيا. { ~~وفرش مرفوعة } أي مرفوع بعضها فوق بعض،أو مرفوعة على الأسرة. # وقيل إن الفرش هنا كناية عن النساء اللواتي في الجنة، وارتفاعها كونها ~~على الأرائك، أو كونها مرتفعات الأقدار في الحسن والكمال. { إنا ~~أنشأنهن إنشاء } أي خلقناهن خلقا جديدا من غير توالد، وقيل ~~المراد نساء بني آدم. والمعنى أن الله سبحانه أعادهن بعد الموت إلى حال ~~الشباب، والنساء وإن لم يتقدم لهن ذكر لكنهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ~~وأما على قول من قال إن الفرش المرفوعة عين النساء، فمرجع الضمير ظاهر. { ~~فجعلنهن أبكرا } # لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان # الرحمن 56 { عربا أترابا } العرب جمع عروب، وهي المتحببة إلى ~~زوجها. قال المبرد هي العاشقة لزوجها، ومنه قول لبيد # وفي الخباء عروب غير فاحشة ريا الروادف يعشي ضوؤها البصرا # وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. قرأ الجمهور بضم العين والراء. وقرأ ~~حمزة، وأبو بكر عن عاصم بإسكان الراء، وهما لغتان في جمع فعول، والأتراب ~~هن اللواتي على ميلاد واحد، وسن واحد. وقال مجاهد أترابا أمثالا ~~وأشكالا. وقال السدي أترابا في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسد. ~~قوله { لأصحب اليمين } متعلق ب { أنشأناهن } ، أو بجعلنا، أو ~~ب { أترابا } ، والمعنى أن الله أنشأهن لأجلهم، أو خلقهن لأجلهم، أو ~~هن مساويات لأصحاب اليمين في السن، أو هو خبر لمبتدأ محذوف، أي هن ~~لأصحاب اليمين { ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين } ~~هذا راجع إلى قوله { وأصحب اليمين ما أصحب اليمين ~~} أي هم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين، وقد تقدم تفسير الثلة عند ذكر ~~السابقين، والمعنى أنهم جماعة، أو أمة، أو فرقة، أو قطعة من الأولين، ~~وهم من لدن آدم إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، وجماعة، أو أمة، أو فرقة، ~~أو قطعة من الآخرين، وهم أمة محمد صلى ms3769 الله عليه وسلم. وقال أبو العالية، ~~ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح، والضحاك { ثلة من الأولين } يعني من سابقي ~~هذه الأمة، { وثلة من الآخرين } من هذه الأمة من آخرها. ثم لما فرغ ~~سبحانه مما أعده لأصحاب اليمين شرع في ذكر أصحاب الشمال، وما أعده لهم، ~~فقال { وأصحب الشمال ما أصحب الشمال } الكلام في ~~إعراب هذا وما فيه من التفخيم، كما سبق في أصحاب اليمين، وقوله { فى ~~سموم وحميم } إما خبر ثان لأصحاب الشمال، أو خبر مبتدأ محذوف، ~~والسموم حر النار، والحميم الماء الحار الشديد الحرارة، وقد سبق بيان ~~معناه. وقيل السموم الريح الحارة التي تدخل في مسام البدن. { وظل من ~~يحموم } اليحموم يفعول من الأحم وهو الأسود والعرب تقول أسود يحموم ~~إذا كان شديد السواد، والمعنى أنهم يفزعون إلى الظل، فيجدونه ظلا من ~~دخان جهنم شديد السواد. وقيل وهو مأخوذ من الحم، وهو الشحم المسود ~~باحتراق النار. وقيل مأخوذ من الحمم، وهو الفحم. # قال الضحاك النار سوداء، وأهلها سود، وكل ما فيها أسود. ثم وصف هذا ~~الظل بقوله { لا بارد ولا كريم } ليس كغيره من الظلال التي ~~تكون باردة، بل هو حار لأنه من دخان نار جهنم. قال سعيد بن المسيب { ولا ~~كريم } أي ليس فيه حسن منظر، وكل ما لا خير فيه، فليس بكريم، وقال ~~الضحاك { ولا كريم } ، ولا عذب. قال الفراء العرب تجعل الكريم تابعا ~~لكل شيء نفت عنه وصفا تنوي به الذم، تقول ما هو بسمين ولا بكريم، وما ~~هذه الدار بواسعة ولا كريمة. ثم ذكر سبحانه أعمالهم التي استحقوا بها هذا ~~العذاب فقال { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } وهذه ~~الجملة تعليل لما قبلها، أي إنهم كانوا قبل هذا العذاب النازل بهم مترفين ~~في الدنيا، أي منعمين بما لا يحل لهم، والمترف المتنعم. وقال السدي ~~مشركين، وقيل متكبرين، والأول أولى. { وكانوا يصرون على ~~الحنث العظيم } الحنث الذنب، أي يصرون على الذنب العظيم. قال ~~الواحدي قال أهل التفسير عني به الشرك أي كانوا لا يتوبون عن الشرك. وبه ~~قال ms3770 الحسن، والضحاك، وابن زيد. وقال قتادة، ومجاهد هو الذنب العظيم الذي ~~لا يتوبون عنه. وقال الشعبي هو اليمين الغموس، { وكانوا يقولون ~~أءذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا لمبعوثون } ~~الهمزة في الموضعين للإنكار والاستبعاد، وقد تقدم الكلام على هذا في ~~الصافات، وفي سورة الرعد. والمعنى أنهم أنكروا واستبعدوا أن يبعثوا بعد ~~الموت، وقد صاروا عظاما وترابا، والمراد أنه صار لحمهم وجلودهم ترابا، ~~وصارت عظامهم نخرة بالية، والعامل في الظرف ما يدل عليه مبعوثون لأن ما ~~بعد الاستفهام لا يعمل فيما قبله، أي أنبعث إذا متنا؟ إلخ { أو ~~ءاباؤنا الأولون } معطوف على الضمير في { لمبعوثون } لوقوع الفصل ~~بينهما بالهمزة. والمعنى أن بعث آبائهم الأولين أبعد لتقدم موتهم، ~~وقرىء، وآباؤنا. ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يجيب عليهم ويرد استبعادهم ~~فقال { قل إن الأولين والآخرين * لمجموعون } أي قل ~~لهم يا محمد إن الأولين من الأمم، والآخرين منهم الذين أنتم من جملتهم ~~لمجموعون بعد البعث { إلى ميقت يوم معلوم } وهو يوم القيامة. ~~{ ثم إنكم أيها الضالون المكذبون } هذا وما بعده ~~من جملة ما هو داخل تحت القول، وهو معطوف على { إن الاولين } ، ~~ووصفهم سبحانه بوصفين قبيحين، وهما الضلال عن الحق والتكذيب له { ~~لآكلون من شجر من زقوم } أي لآكلون في الآخرة من شجر كريه ~~المنظر كريه الطعم. وقد تقدم تفسيره في سورة الصافات، و " من " الأولى ~~لابتداء الغاية والثانية بيانية، ويجوز أن تكون الأولى مزيدة والثانية ~~بيانية، وأن تكون الثانية مزيدة والأولى للابتداء. { فمالئون ~~منها البطون } أي مالئون من شجر الزقوم بطونكم لما يلحقكم من شدة ~~الجوع. # { فشربون عليه من الحميم } الضمير في { عليه } عائد ~~إلى الزقوم، والحميم الماء الذي قد بلغ حره إلى الغاية، والمعنى فشاربون ~~على الزقوم عقب أكله من الماء الحار، ويجوز أن يعود الضمير إلى شجر لأنه ~~يذكر ويؤنث. ويجوز أن يعود إلى الأكل المدلول عليه بقوله { لآكلون }. ~~وقرىء من شجرة بالإفراد. { فشربون شرب الهيم } قرأ الجمهور ~~شرب الهيم بفتح الشين، وقرأ نافع، وعاصم، وحمزة بضمها. وقرأ مجاهد، وأبو ~~عثمان ms3771 النهدي بكسرها، وهي لغات. قال أبو زيد سمعت العرب تقول بضم الشين ~~وفتحها وكسرها. قال المبرد الفتح على أصل المصدر، والضم اسم المصدر، ~~والهيم الإبل العطاش التي لا تروى لداء يصيبها. وهذه الجملة بيان لما ~~قبلها، أي لا يكون شربكم شربا معتادا بل يكون مثل شرب الهيم التي تعطش ~~ولا تروى بشرب الماء، ومفرد الهيم أهيم، والأنثى هيماء. قال قيس بن ~~الملوح # يقال به داء الهيام أصابه وقد علمت نفسي مكان شفائيا # وقال الضحاك، وابن عيينة، والأخفش، وابن كيسان الهيم الأرض السهلة ذات ~~الرمل، والمعنى أنهم يشربون، كما تشرب هذه الأرض الماء، ولا يظهر له فيها ~~أثره. قال في الصحاح الهيام بالضم أشد العطش، والهيام كالجنون من العشق، ~~والهيام داء يأخذ الإبل تهيم في الأرض لا ترعى، يقال ناقة هيماء، ~~والهيماء أيضا المفازة لا ماء بها، والهيام بالفتح الرمل الذي لا يتماسك ~~في اليد للينه، والجمع هيم مثل قذال وقذل، والهيام بالكسر الإبل العطاش. ~~{ هذا نزلهم يوم الدين } قرأ الجمهور { نزلهم } بضمتين، ~~وروي عن أبي عمرو، وابن محيصن بضمة وسكون، وقد تقدم أن النزل ما يعد ~~للضيف، ويكون أول ما يأكله، ويوم الدين يوم الجزاء، وهو يوم القيامة، ~~والمعنى أن ما ذكر من شجر الزقوم، وشراب الحميم هو الذي يعد لهم ~~ويأكلونه يوم القيامة، وفي هذا تهكم بهم لأن النزل هو ما يعد للأضياف ~~تكرمة لهم، ومثل هذا قوله # فبشرهم بعذاب أليم # الأنشقاق24. وقد أخرج الحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي أمامة قال كان ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون إن الله ينفعنا بالأعراب ~~ومسائلهم، أقبل أعرابي يوما فقال يا رسول الله ذكر في القرآن شجرة ~~مؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها قال # " وما هي " # ؟ قال السدر، فإن لها شوكا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أليس الله يقول { فى سدر مخضود }؟ يخضد الله شوكه، فيجعل ~~مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمرا يتفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين ~~لونا من الطعام ما منها لون ms3772 يشبه الآخر " # وأخرج ابن أبي داود، والطبراني، وأبو نعيم في الحلية، وابن مردويه عن ~~عيينة بن عبد السلمي قال كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء ~~أعرابي فقال يا رسول الله أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرة أكثر ~~شوكا منها يعني الطلح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله يجعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصية التيس الملبود - يعني ~~الخصي منها - فيها سبعون لونا من الطعام لا يشبه لون آخر " # وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله { سدر مخضود } قال خضده ~~وقره من الحمل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر من طرق عنه ~~قال المخضود الذي لا شوك فيه. وأخرج عبد بن حميد عنه أيضا قال المخضود ~~الموقر الذي لا شوك فيه. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وهناد، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن مردويه عن علي بن أبي طالب في قوله { وطلح ~~منضود } قال هو الموز. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وهناد، وعبد ~~بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر من طرق عن ابن عباس مثله. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وابن المنذر عن أبي هريرة مثله. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عن أبي سعيد الخدري مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم ~~عن علي بن أبي طالب أنه قرأ وطلع منضود. وأخرج ابن جرير، وابن الأنباري ~~في المصاحف عن قيس بن عباد قال قرأت على علي بن أبي طالب { وطلح ~~منضود } فقال علي ما بال الطلح، أما تقرأ وطلع؟ ثم قال # وطلع نضيد # ق 10، فقيل له يا أمير المؤمنين أنحكها في المصحف؟ قال لا يهاج القرآن ~~اليوم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { منضود } قال بعضه على ~~بعض. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرءوا إن ~~شئتم { وظل ممدود } " # وأخرج البخاري، وغيره نحوه من ms3773 حديث أنس. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما ~~نحوه من حديث أبي سعيد. وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، والنسائي، وغيرهم عن ~~أبي سعيد الخدري عن النبي في قوله { وفرش مرفوعة } قال # " ارتفاعها، كما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام " # قال الترمذي بعد إخراجه هذا حديث غريب لا نعرفة إلا من حديث رشدين بن ~~سعد انتهى، ورشدين ضعيف. وأخرج الفريابي، وهناد، وعبد بن حميد، والترمذي، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث ~~عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { إنا ~~أنشأنهن إنشاء } قال # " إن المنشئات التي كن في الدنيا عجائز عمشا رمصا " # قال الترمذي بعد إخراجه غريب، وموسى ويزيد ضعيفان. وأخرج الطيالسي، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، وابن قانع، والبيهقي في ~~البعث عن سلمة بن يزيد الجعفي سمعت النبي يقول في قوله { إنا ~~أنشأنهن إنشاء } قال # " الثيب والأبكار اللاتي كن في الدنيا " # وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال خلقهن غير خلقهن الأول. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه { أبكرا } قال عذارى. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، والبيهقي في البعث من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ~~{ عربا } قال عواشق { أترابا } يقول مستويات. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عنه { عربا } قال عواشق لأزواجهن وأزواجهن لهن عاشقون { أترابا ~~} قال في سن واحد، ثلاثا وثلاثين سنة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم ~~عنه أيضا قال العروب الملقة لزوجها. وأخرج مسدد في مسنده، وابن ~~المنذر، والطبراني، وابن مردويه بسند حسن عن أبي بكرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قوله { ثلة من الأولين * وثلة من ~~الآخرين } قال # " جميعهما من هذه الأمة " # وأخرج أبو داود الطيالسي، ومسدد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن ~~مردويه عن أبي بكرة في قوله { ثلة من الأولين * وثلة من ~~الآخرين } قال هما جميعا من هذه الأمة. وأخرج الفريابي، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن عدي، وابن مردويه. قال السيوطي بسند ~~ضعيف ms3774 عن ابن عباس في قوله { ثلة من الأولين * وثلة من ~~الآخرين } قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " هما جميعا من أمتي " # وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس قال الثلتان ~~جميعا من هذه الأمة. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في ~~قوله { وظل من يحموم } قال من دخان أسود، وفي لفظ من دخان جهنم. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~شرب الهيم } قال الإبل العطاش. ### || [56.57-74] # قوله { نحن خلقنكم فلولا تصدقون } التفت سبحانه إلى ~~خطاب الكفرة تبكيتا لهم، وإلزاما للحجة، أي فهلا تصدقون بالبعث، أو ~~بالخلق. قال مقاتل خلقناكم ولم تكونوا شيئا، وأنتم تعلمون ذلك، فهلا ~~تصدقون بالبعث؟ { أفرءيتم ما تمنون } أي ما تقذفون وتصبون ~~في أرحام النساء من النطف، ومعنى { أفرءيتم } أخبروني، ومفعولها ~~الأول { ما تمنون } ، والثاني الجملة الاستفهامية، وهي { ءأنتم ~~تخلقونه أم نحن الخلقون } أي تقدرونه وتصورونه بشرا ~~سويا أم نحن المقدرون المصورون له، و " أم " هي المتصلة، وقيل هي ~~المنقطعة، والأول أولى. قرأ الجمهور تمنون بضم الفوقية من أمنى يمني. ~~وقرأ ابن عباس، وأبو السماك، ومحمد بن السميفع، والأشهب العقيلي بفتحها ~~من منى يمني، وهما لغتان، وقيل معناهما مختلف، يقال أمنى إذا أنزل عن ~~جماع، ومنى إذا أنزل عن احتلام، وسمي المني منيا لأنه يمني، أي يراق. { ~~نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين } ~~قرأ الجمهور { قدرنا } بالتشديد، وقرأ مجاهد، وحميد، وابن محيصن، وابن ~~كثير بالتخفيف، وهما لغتان، يقال قدرت الشيء وقدرته، أي قسمناه عليكم، ~~ووقتناه لكل فرد من أفرادكم، وقيل قضينا، وقيل كتبنا، والمعنى متقارب. ~~قال مقاتل فمنكم من يموت كبيرا، ومنكم من يموت صغيرا. وقال الضحاك ~~معناه أنه جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه سواء { وما نحن ~~بمسبوقين } بمغلوبين، بل قادرين. { على أن نبدل ~~أمثلكم } أي نأتي بخلق مثلكم. قال الزجاج إن أردنا أن نخلق خلقا ~~غيركم لم يسبقنا ms3775 سابق ولا يفوتنا. قال ابن جرير المعنى نحن قدرنا بينكم ~~الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم بآخرين من جنسكم، وما نحن بمسبوقين ~~في آجالكم، أي لا يتقدم متأخر، ولا يتأخر متقدم { وننشئكم فيما ~~لا تعلمون } من الصور والهيئات. قال الحسن أي نجعلكم قردة وخنازير، ~~كما فعلنا بأقوام قبلكم، وقيل المعنى ننشئكم في البعث على غير صوركم في ~~الدنيا. وقال سعيد بن المسيب { فيما لا تعلمون } يعني في حواصل ~~طيور سود تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن. وقال مجاهد { ~~فيما لا تعلمون } يعني في أي خلق شئنا، ومن كان قادرا على هذا ~~فهو قادر على البعث { ولقد علمتم النشأة الأولى } وهي ~~ابتداء الخلق من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ولم تكونوا قبل ذلك ~~شيئا. وقال قتادة، والضحاك يعني خلق آدم من تراب { فلولا ~~تذكرون } أي فهلا تذكرون قدرة الله سبحانه على النشأة الأخيرة، ~~وتقيسونها على النشأة الأولى. قرأ الجمهور { النشأة } بالقصر، وقرأ ~~مجاهد، والحسن، وابن كثير، وأبو عمرو بالمد، وقد مضى تفسير هذا في سورة ~~العنكبوت. { أفرءيتم ما تحرثون } أي أخبروني ما تحرثون من ~~أرضكم، فتطرحون فيه البذر { ءأنتم تزرعونه } أي تنبتونه ~~وتجعلونه زرعا، فيكون فيه السنبل والحب { أم نحن الزرعون } أي ~~المنبتون له الجاعلون له زرعا لا أنتم. # قال المبرد يقال زرعه الله أي أنماه، فإذا أقررتم بهذا، فكيف تنكرون ~~البعث { لو نشاء لجعلناه حطما } أي لو نشاء لجعلنا ما ~~تحرثون حطاما، أي متحطما متكسرا، والحطام الهشم الذي لا ينتفع به، ولا ~~يحصل منه حب، ولا شيء مما يطلب من الحرث { فظلتم تفكهون } أي ~~صرتم تعجبون. قال الفراء تفكهون تتعجبون فيما نزل بكم في زرعكم. قال في ~~الصحاح وتفكه تعجب، ويقال تندم. قال الحسن، وقتادة، وغيرهما معنى الآية ~~تعجبون من ذهابها، وتندمون مما حل بكم. وقال عكرمة تلاومون وتندمون على ~~ما سلف منكم من معصية الله. وقال أبو عمرو، والكسائي هو التلهف على ما ~~فات. قرأ الجمهور { فظلتم } بفتح الظاء مع لام واحدة. وقرأ أبو حيوة، ms3776 ~~وأبو بكر في رواية عنه بكسر الظاء. وقرأ ابن عباس، والجحدري { فظللتم } ~~بلامين أولاهما مكسورة على الأصل، وروي عن الجحدري فتحها، وهي لغة. وقرأ ~~الجمهور تفكهون وقرأ أبو حزام العكلي تفكنون بالنون مكان الهاء أي ~~تندمون. قال ابن خالويه تفكه تعجب، وتفكن تندم. وفي الصحاح التفكن التندم ~~{ إنا لمغرمون } قرأ الجمهور بهمزة واحدة على الخبر، وقرأ أبو ~~بكر، والمفضل، وزر بن حبيش بهمزتين على الاستفهام، والجملة بتقدير القول ~~أي تقولون إنا لمغرمون، أي ملزمون غرما بما هلك من زرعنا، والمغرم الذي ~~ذهب ماله بغير عوض، قاله الضحاك، وابن كيسان. وقيل المعنى إنا لمعذبون، ~~قاله قتادة، وغيره. وقال مجاهد، وعكرمة لمولع بنا، ومنه قول النمر بن ~~تولب # سلا عن تذكره تكتما وكان رهينا بها مغرما # يقال أغرم فلان بفلان، أي أولع. وقال مقاتل مهلكون. قال النحاس مأخوذ من ~~الغرام، وهو الهلاك، ومنه قول الشاعر # ويوم النسار ويوم الجبار كان عليكم عذابا مقيما # والظاهر من السياق المعنى الأول، أي إنا لمغرمون بذهاب ما حرثناه، ~~ومصيره حطاما، ثم أضربوا عن قولهم هذا، وانتقلوا فقالوا { بل نحن ~~محرومون } أي حرمنا رزقنا بهلاك زرعنا، والمحروم الممنوع من الرزق ~~الذي لا حظ له فيه، وهو المحارف. { أفرءيتم الماء الذى ~~تشربون } ، فتسكنون به ما يلحقكم من العطش، وتدفعون به ما ينزل بكم ~~من الظمأ. واقتصر سبحانه على ذكر الشرب مع كثرة فوائد الماء ومنافعه لأنه ~~أعظم فوائده، وأجل منافعه { ءأنتم أنزلتموه من المزن } ~~أي السحاب. قال في الصحاح قال أبو زيد المزنةالسحابة البيضاء، والجمع ~~مزن، والمزنة المطر. قال الشاعر # ألم تر أن الله أنزل مزنة وعفر الظباء في الكناس ~~تقمع # ومما يدل على أنه السحاب قول الشاعر # فنحن كماء المزن مافي نصابنا كهام ولا فينا يعد بخيل # وقول الآخر # فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها # { أم نحن المنزلون } له بقدرتنا دون غيرنا، فإذا عرفتم ذلك، ~~فكيف لا تقرون بالتوحيد، وتصدقون بالبعث. ثم بين لهم سبحانه أنه لو ~~يشاء لسلبهم هذه النعمة فقال { لو نشاء جعلنه ms3777 أجاجا } ~~الأجاج الماء الشديد الملوحة الذي لا يمكن شربه، وقال الحسن هو الماء ~~المر الذي لا ينتفعون به في شرب، ولا زرع، ولا غيرهما { فلولا ~~تشكرون } أي فهلا تشكرون نعمة الله الذي خلق لكم ماء عذبا تشربون ~~منه وتنتفعون به { أفرءيتم النار التى تورون } أي أخبروني ~~عنها، ومعنى { تورون } تستخرجونها بالقدح من الشجر الرطب، يقال أوريت ~~النار إذا قدحتها { ءأنتم أنشأتم شجرتها } التي يكون منها ~~الزنود، وهي المرخ والعفار، تقول العرب في كل شجر نار، واستمجد المرخ ~~والعفار { أم نحن المنشئون } لها بقدرتنا دونكم، ومعنى الإنشاء ~~الخلق، وعبر عنه بالإنشاء للدلالة على ما في ذلك من بديع الصنعة، وعجيب ~~القدرة. { نحن جعلنها تذكرة } أي جعلنا هذه النار التي في ~~الدنيا تذكرة لنار جهنم الكبرى. قال مجاهد، وقتادة تبصرة للناس في ~~الظلام، وقال عطاء موعظة ليتعظ بها المؤمن { ومتعا للمقوين } ~~أي منفعة للذين ينزلون بالقواء، وهي الأرض القفر كالمسافرين، وأهل ~~البوادي النازلين في الأراضي المقفرة، يقال أرض قواء بالمد والقصر، أي ~~مقفرة، ومنه قول النابغة # يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأمد # وقال عنترة # حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم # وقول الآخر # ألم تسأل الربع القواء فينطق وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق # ويقال أقوى إذا سافر، أي نزل القوى. وقال مجاهد المقوين المستمتعين بها ~~من الناس أجمعين في الطبخ، والخبز، والاصطلاء، والاستضاءة، وتذكر نار ~~جهنم. وقال ابن زيد للجائعين في إصلاح طعامهم، يقال أقويت منذ كذا وكذا، ~~أي ما أكلت شيئا، وبات فلان القوى، أي بات جائعا، ومنه قول الشاعر # وإني لأختار القوى طاوي الحشا محافظة من أن يقال لئيم # وقال قطرب القوى من الأضداد يكون بمعنى الفقر، ويكون بمعنى الغنى يقال ~~أقوى الرجل إذا لم يكن معه زاد، وأقوى إذا قويت دوابه وكثر ماله. وحكى ~~الثعلبي عن أكثر المفسرين القول الأول، وهو الظاهر { فسبح باسم ~~ربك العظيم } الفاء لترتيب ما بعدها من ذكر الله سبحانه، وتنزيهه ~~على ما قبلها مما عدده من النعم ms3778 التي أنعم بها على عباده، وجحود ~~المشركين لها، وتكذيبهم بها. وقد أخرج البزار، وابن جرير، وابن مردويه، ~~وأبو نعيم، والبيهقي في الشعب، وضعفه عن أبي هريرة. قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " لا يقولن أحدكم زرعت، ولكن يقول حرثت " # قال أبو هريرة ألم تسمعوا الله يقول { أفرءيتم ما تحرثون. ~~ءأنتم * تزرعونه أم نحن الزرعون }. وأخرج ابن جرير عن ~~ابن عباس { تفكهون } قال تعجبون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس. قال { المزن }. السحاب. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق عن ابن ~~عباس { نحن جعلنها تذكرة } قال تذكرة للنار الكبرى { ~~ومتعا للمقوين } قال للمسافرين. ### || [56.75-96] # قوله { فلا أقسم } ذهب جمهور المفسرين إلى أن " لا " مزيدة ~~للتوكيد، والمعنى فأقسم، ويؤيد هذا قوله بعد { وإنه لقسم } وقال ~~جماعة من المفسرين إنها للنفي، وإن المنفي بها محذوف، وهو كلام الكفار ~~الجاحدين. قال الفراء هي نفي، والمعنى ليس الأمر كما تقولون. ثم استأنف، ~~فقال أقسم، وضعف هذا بأن حذف اسم لا وخبرها غير جائز، كما قال أبو حيان، ~~وغيره. وقيل إنها لام الابتداء، والأصل فلا أقسم، فأشبعت الفتحة، فتولد ~~منها ألف، كقول الشاعر # أعوذ بالله من العقراب. # وقد قرأ هكذا فلأقسم بدون ألف الحسن، وحميد، وعيسى بن عمر، وعلى هذا ~~القول، وهذه القراءة يقدر مبتدأ محذوف، والتقدير فلأنا أقسم بذلك. وقيل ~~إن لا هنا بمعنى ألا التي للتنبيه، وهو بعيد. وقيل لا هنا على ظاهرها، ~~وإنها لنفي القسم، أي فلا أقسم على هذا لأن الأمر أوضح من ذلك، وهذا ~~مدفوع بقوله { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } مع تعيين ~~المقسم به، والمقسم عليه، ومعنى قوله { بموقع النجوم } مساقطها، ~~وهي مغاربها كذا قال قتادة، وغيره. وقال عطاء بن أبي رباح منازلها. وقال ~~الحسن انكدارها وانتثارها يوم القيامة، وقال الضحاك هي الأنواء التي كان ~~أهل الجاهلية يقولون مطرنا بنوء كذا. وقيل المراد بمواقع النجوم نزول ~~القرآن نجوما من اللوح المحفوظ، وبه قال السدي، ms3779 وغيره، وحكى الفراء عن ~~ابن مسعود أن مواقع النجوم هو محكم القرآن. قرأ الجمهور { مواقع } على ~~الجمع، وقرأ ابن مسعود، والنخعي، وحمزة، والكسائي، وابن محيصن وورش عن ~~يعقوب " بموقع " على الإفراد. قال المبرد موقع هاهنا مصدر، فهو يصلح ~~للواحد والجمع. ثم أخبر سبحانه عن تعظيم هذا القسم وتفخيمه، فقال { ~~وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } هذه الجملة معترضة بين ~~المقسم به، والمقسم عليه، وقوله { لو تعلمون } جملة معترضة بين ~~جزأي الجملة المعترضة، فهو اعتراض في اعتراض. قال الفراء، والزجاج هذا ~~يدل على أن المراد بمواقع النجوم نزول القرآن، والضمير في { إنه } على ~~القسم الذي يدل عليه أقسم، والمعنى أن القسم بمواقع النجوم لقسم عظيم لو ~~تعلمون. ثم ذكر سبحانه المقسم عليه فقال { إنه لقرءان كريم } ~~أي كرمه الله وأعزه، ورفع قدره على جميع الكتب، وكرمه عن أن يكون ~~سحرا أو كهانة أو كذبا، وقيل إنه كريم لما فيه من كرم الأخلاق ومعالي ~~الأمور، وقيل لأنه يكرم حافظه، ويعظم قارئه. وحكى الواحدي عن أهل المعاني ~~أن وصف القرآن بالكريم لأن من شأنه أن يعطي الخير الكثير بالدلائل التي ~~تؤدي إلى الحق في الدين. قال الأزهري الكريم اسم جامع لما يحمد، والقرآن ~~كريم يحمد لما فيه من الهدى والبيان والعلم والحكمة. # { فى كتب مكنون } أي مستور مصون، وقيل محفوظ عن الباطل، وهو ~~اللوح المحفوظ قاله جماعة، وقيل هو كتاب. وقال عكرمة هو التوراة والإنجيل ~~فيهما ذكر القرآن، ومن ينزل عليه، وقال السدي هو الزبور. وقال مجاهد، ~~وقتادة هو المصحف الذي في أيدينا. { لا يمسه إلا ~~المطهرون } قال الواحدي أكثر المفسرين على أن الضمير عائد إلى ~~الكتاب المكنون، أي لا يمس الكتاب المكنون إلا المطهرون، وهم الملائكة ~~وقيل هم الملائكة والرسل من بني آدم، ومعنى { لا يمسه } المس ~~الحقيقي، وقيل معناه لا ينزل به إلا المطهرون، وقيل معناه لا يقرؤه، ~~وعلى كون المراد بالكتاب المكنون هو القرآن، فقيل { لا يمسه ~~إلا المطهرون } من الأحداث والأنجاس. كذا قال قتادة، وغيره ~~وقال الكلبي المطهرون من الشرك. ms3780 وقال الربيع بن أنس المطهرون من الذنوب ~~والخطايا. وقال محمد بن الفضل وغيره معنى { لا يمسه } لا يقرؤه ~~إلا المطهرون، أي إلا الموحدون. وقال الفراء لا يجد نفعه وبركته إلا ~~المطهرون، أي المؤمنون. وقال الحسين بن الفضل لا يعرف تفسيره وتأويله ~~إلا من طهره الله من الشرك والنفاق. وقد ذهب الجمهور إلى منع المحدث من ~~مس المصحف، وبه قال علي، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، ~~وعطاء، والزهري، والنخعي، والحكم، وحماد وجماعة من الفقهاء منهم مالك، ~~والشافعي. وروي عن ابن عباس، والشعبي، وجماعة منهم أبو حنيفة، أنه يجوز ~~للمحدث مسه، وقد أوضحنا ما هو الحق في هذا في شرحنا للمنتقي، فليرجع ~~إليه. قرأ الجمهور { المطهرون } بتخفيف الطاء وتشديد الهاء مفتوحة اسم ~~مفعول. وقرأ سلمان الفارسي بكسر الهاء على أنه اسم فاعل، أي المطهرون ~~أنفسهم. وقرأ نافع، وابن عمر في رواية عنهما، عيسى بن عمر بسكون الطاء ~~وفتح الهاء خفيفة، اسم مفعول من أطهر، وقرأ الحسن، وزيد بن علي، وعبد ~~الله بن عوف بتشديد الطاء وكسر الهاء، وأصله المتطهرون { تنزيل من ~~رب العلمين } قرأ الجمهور بالرفع، وقرىء بالنصب، فالرفع على ~~أنه صفة أخرى لقرآن، أو خبر مبتدأ محذوف، والنصب على الحال. { ~~أفبهذا الحديث أنتم مدهنون } الإشارة إلى القرآن ~~المنعوت بالنعوت السابقة، والمدهن والمداهن المنافق. كذا قال الزجاج ~~وغيره. وقال عطاء وغيره هو الكذاب. وقال مقاتل بن سليمان، وقتادة مدهنون ~~كافرون، كما في قوله # ودوا لو تدهن فيدهنون # القلم 9 وقال الضحاك مدهنون. معرضون، وقال مجاهد ممالئون للكفار على ~~الكفر، وقال أبو كيسان المدهن الذي لا يعقل حق الله عليه، ويدفعه بالعلل. ~~والأول أولى لأن أصل المدهن الذي ظاهره خلاف باطنه كأنه يشبه الدهن في ~~سهولته. قال المؤرج المدهن المنافق الذي يلين جانبه ليخفي كفره، والإدهان ~~والمداهنة التكذيب، والكفر، والنفاق، وأصله اللين، وأن يسر خلاف ما يظهر، ~~وقال في الكشاف مدهنون أي متهاونون به كمن يدهن في الأمر، أي يلين جانبه ~~ولا يتصلب فيه تهاونا به انتهى. # قال الراغب ms3781 والإدهان في الأصل مثل التدهين لكن جعل عبارة عن المداراة ~~والملاينة، وترك الجد كما جعل التقريد وهو نزع القراد عبارة عن ذلك، ~~ويؤيد ما ذكره قول أبي قيس بن الأسلت # الحزم والقوة خير من ال إدهان والفهة والهاع # { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } في الكلام مضاف ~~محذوف، كما حكاه الواحدي عن المفسرين، أي تجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون ~~بنعمة الله، فتضعون التكذيب موضع الشكر. وقال الهيثم إن أزدشنوءة يقولون ~~ما رزق فلان، أي ما شكر وعلى هذه اللغة لا يكون في الآية مضاف محذوف بل ~~معنى الرزق الشكر. ووجه التعبير بالرزق عن الشكر أن الشكر يفيض زيادة ~~الرزق، فيكون الشكر رزقا تعبيرا بالسبب عن المسبب، ومما يدخل تحت هذه ~~الآية قول الكفار إذا سقاهم الله، وأنزل عليهم المطر سقينا بنوء كذا، ~~ومطرنا بنوء كذا. قال الأزهري معنى الآية وتجعلون بدل شكركم رزقكم الذي ~~رزقكم الله التكذيب بأنه من عند الله الرزاق. وقرأ علي وابن عباس ~~وتجعلون شكركم وقرأ الجمهور { أنكم تكذبون } بالتشديد من التكذيب، وقرأ ~~علي، وعاصم في رواية عنه بالتخفيف من الكذب { فلولا إذا بلغت ~~الحلقوم } أي فهلا إذا بلغت الروح، أو النفس الحلقوم عند الموت، ولم ~~يتقدم لها ذكر لأن المعنى مفهوم عندهم إذا جاءوا بمثل هذه العبارة، ومنه ~~قول حاتم طي # أماوي ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # { وأنتم حينئذ تنظرون } إلى ما هو فيه ذلك الذي بلغت نفسه ~~أو روحه الحلقوم. قال الزجاج وأنتم يا أهل الميت في تلك الحال ترون الميت ~~قد صار إلى أن تخرج نفسه، والمعنى أنهم في تلك الحال لا يمكنهم الدفع ~~عنه، ولا يستطيعون شيئا ينفعه، أو يخفف عنه ما هو فيه { ونحن ~~أقرب إليه منكم } أي بالعلم، والقدرة، والرؤية، وقيل أراد ~~ورسلنا الذين يتولون قبضه أقرب إليه منكم { ولكن لا تبصرون } ~~أي لا تدركون ذلك لجهلكم بأن الله أقرب إلى عبده من حبل الوريد، أو لا ~~تبصرون ملائكة الموت الذين يحضرون الميت ويتولون قبضه { فلولا إن ms3782 ~~كنتم غير مدينين. ترجعونها } يقال دان السلطان رعيته إذا ~~ساسهم واستعبدهم. قال الفراء دنته ملكته، وأنشد للحطيئة # لقد دنت أمر بنيك حتى تركتهم أدق من الطحين # أي ملكت، ويقال دانه إذا أذله واستعبده، وقيل معنى { مدينين } محاسبين، ~~وقيل مجزيين، ومنه قول الشاعر # ولم يبق سوى العدوا ن دناهم كما دانوا # والمعنى الأول ألصق بمعنى الآية، أي فهلا إن كنتم غير مربوبين ومملوكين ~~ترجعونها، أي النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مقرها الذي كانت فيه { إن ~~كنتم صدقين } ولن ترجعوها، فبطل زعمكم إنكم غير مربوبين ولا ~~مملوكين، والعامل في قوله { إذا بلغت } هو قوله { ترجعونها } ~~، و " لولا " الثانية تأكيد للأولى قال الفراء وربما أعادت العرب الحرفين ~~ومعناهما واحد. # ثم ذكر سبحانه طبقات الخلق عند الموت وبعده فقال { فأما إن كان ~~من المقربين } أي السابقين من الثلاثة الأصناف المتقدم تفصيل ~~أحوالهم { فروح وريحان وجنة ونعيم } قرأ الجمهور { روح } ~~بفتح الراء، ومعناه الراحة من الدنيا، والاستراحة من أحوالها. وقال الحسن ~~الروح الرحمة. وقال مجاهد الروح الفرح. وقرأ ابن عباس، وعائشة، والحسن، ~~وقتادة، ونصر بن عاصم، والجحدري فروح بضم الراء، ورويت هذه القراءة عن ~~يعقوب، قيل ومعنى هذه القراءة الرحمة لأنها كالحياة للمرحوم، والريحان ~~الرزق في الجنة، قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، ومقاتل. قال مقاتل هو الرزق ~~بلغة حمير، يقال خرجت أطلب ريحان الله أي رزقه، ومنه قول النمر بن تولب # سلام الإله وريحانه ورحمته وسماء درر # وقال قتادة إنه الجنة. وقال الضحاك هو الرحمة. وقال الحسن هو الريحان ~~المعروف الذي يشم. قال قتادة، والربيع بن خيثم هذا عند الموت، والجنة ~~مخبوءة له إلى أن يبعث، وكذا قال أبو الجوزاء، وأبو العالية، ومعنى { ~~وجنة نعيم } أنها ذات تنعم، وارتفاع روح، وما بعده على الابتداء، والخبر ~~محذوف أي فله روح. { وأما إن كان } ذلك المتوفى { من أصحب ~~اليمين } وقد تقدم ذكرهم، وتفصيل أحوالهم، وما أعده الله لهم من ~~الجزاء { فسلم لك من أصحب اليمين } أي لست ترى فيهم ~~إلا ما تحب من السلامة، فلا تهتم ms3783 بهم، فإنه يسلمون من عذاب الله، وقيل ~~المعنى سلام لك منهم أي أنت سالم من الاغتمام بهم، وقيل المعنى إنهم ~~يدعون لك، ويسلمون عليك، وقيل إنه صلى الله عليه وسلم يحيى بالسلام ~~إكراما، وقيل هو إخبار من الله سبحانه بتسليم بعضهم على بعض، وقيل ~~المعنى سلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين. { وأما إن ~~كان من المكذبين الضالين } أي المكذبين بالبعث الضالين عن ~~الهدى، وهم أصحاب الشمال المتقدم ذكرهم، وتفصيل أحوالهم. { فنزل ~~من حميم } أي فله نزل يعد لنزوله من حميم، وهو الماء الذي قد تناهت ~~حرارته، وذلك بعد أن يأكل من الزقوم كما تقدم بيانه { وتصلية ~~جحيم } يقال أصلاه النار وصلاه، أي إذا جعله في النار، وهو من إضافة ~~المصدر إلى المفعول، أو إلى المكان. قال المبرد وجواب الشرط في هذه ~~الثلاثة المواضع محذوف، والتقدير مهما يكن من شيء فروح... إلخ، وقال ~~الأخفش إن الفاء في المواضع الثلاثة هي جواب أما، وجواب حرف الشرط. قرأ ~~الجمهور { وتصلية } بالرفع عطفا على { فنزل }. # وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بالجر عطفا على { حميم } أي فنزل من حميم، ~~ومن تصلية جحيم { إن هذا لهو حق اليقين } الإشارة إلى ~~ما ذكر في هذه السورة، أو إلى المذكور قريبا من أحوال المتفرقين لهو حق ~~اليقين، أي محض اليقين وخالصه، وإضافة حق إلى اليقين من باب إضافة الشيء ~~إلى نفسه. قال المبرد هو كقولك عين اليقين ومحض اليقين، هذا عند الكوفيين ~~وجوزوا ذلك لاختلاف اللفظ وأما البصريون، فيجعلون المضاف إليه محذوفا، ~~والتقدير حق الأمر اليقين، أو الخبر اليقين، والفاء في { فسبح ~~باسم ربك العظيم } لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي نزهه عما ~~لا يليق بشأنه، والباء متعلقة بمحذوف، أي فسبح ملتبسا باسم ربك للتبرك ~~به، وقيل المعنى فصل بذكر ربك، وقيل الباء زائدة، والاسم بمعنى الذات. ~~وقيل هي للتعدية لأن سبح يتعدى بنفسه تارة، ويتعدى بالحرف أخرى، ~~والأول أولى. وقد أخرج النسائي، وابن جرير، ومحمد بن نصر، والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه، والبيهقي ms3784 في الشعب عن ابن عباس قال أنزل القرآن في ~~ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم فرق في ~~السنين، وفي لفظ ثم نزل من السماء الدنيا إلى الأرض نجوما، ثم قرأ { ~~فلا أقسم بموقع النجوم }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ~~ومحمد بن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عنه { ~~فلا أقسم بموقع النجوم } قال القرآن { وإنه لقسم ~~لو تعلمون عظيم } قال القرآن. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا في ~~الآية قال نجوم القرآن حين ينزل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، والبيهقي في المعرفة من طرق عن ابن عباس أيضا { لا يمسه ~~إلا المطهرون } قال الكتاب المنزل في السماء لا يمسه إلا ~~الملائكة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن أنس { لا يمسه ~~إلا المطهرون } قال الملائكة. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر ~~عن علقمة قال أتينا سلمان الفارسي، فخرج علينا من كنيف، فقلنا له لو ~~توضأت يا أبا عبد الله، ثم قرأت علينا سورة كذا، وكذا، قال إنما قال الله ~~{ فى كتب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون } ~~وهو الذي في السماء لا يمسه إلا الملائكة، ثم قرأ علينا من القرآن ما ~~شئنا. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي داود، وابن المنذر، عن عبد الله بن أبي ~~بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه قال في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو ~~بن حزم # " لا تمس القرآن إلا على طهر " # وأخرجه مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر. وأخرجه أبو داود في ~~المراسيل من حديث الزهري قال قرأت في صحيفة عبد الله بن أبي بكر بن عمرو ~~بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا يمس القرآن إلا طاهر " # وقد أسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم، وعبد الله بن عمر، وعثمان بن أبي ~~العاص، وفي أسانيدها نظر. وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر أنه كان لا يمس ~~المصحف إلا متوضئا. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة ms3785 في المصنف، ~~وابن المنذر، والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن زيد قال كنا مع سلمان ~~فانطلق إلى حاجة، فتوارى عنا، ثم خرج إلينا، فقلنا لو توضأت، فسألناك عن ~~أشياء من القرآن، فقال سلوني، فإني لست أمسه إنما يمسه المطهرون، ثم تلا ~~{ لا يمسه إلا المطهرون }. وأخرج الطبراني، وابن مردويه ~~عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يمس القرآن إلا طاهر " # وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه ~~إلى اليمن كتب له في عهده # " أن لا يمس القرآن إلا طاهر " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أنتم ~~مدهنون } قال مكذبون. وأخرج مسلم، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن ~~عباس قال مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم # " أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر " # ، قالوا هذه رحمة وضعها الله. وقال بعضهم لقد صدق نوء كذا، وكذا، فنزلت ~~هذه الآية { فلا أقسم بموقع النجوم } حتى بلغ { ~~وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } وأصل الحديث بدون ذكر ~~أنه سبب نزول الآية ثابت في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني، ومن ~~حديث أبي سعيد الخدري، وفي الباب أحاديث. وأخرج أحمد، وابن منيع، وعبد بن ~~حميد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه، والضياء في المختارة عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } قال شكركم، ~~تقولون # " مطرنا بنوء كذا، وكذا، وبنجم كذا وكذا " # وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن عائشة قالت ما فسر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من القرآن إلا آيات يسيرة. قوله { وتجعلون رزقكم ~~أنكم تكذبون } قال «شكركم». وأخرج ابن مردويه عن علي أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قرأ " وتجعلون شكركم ". وأخرج أبو عبيد في ~~فضائله، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~مردويه عن ابن عباس أنه كان يقرأ ms3786 وتجعلون شكركم قال يعني الأنواء، وما ~~مطر قوم إلا أصبح بعضهم كافرا كانوا، يقولون مطرنا بنوء كذا، وكذا، ~~فأنزل الله { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون }. # وأخرج ابن مردويه عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي أنه قرأ وتجعلون ~~شكركم وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كذلك. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله. { غير مدينين } قال غير ~~محاسبين. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر ~~عن الربيع بن خيثم { فأما إن كان من المقربين } الآية ~~قال هذا له عند الموت { وجنة نعيم } تخبأ له الجنة إلى يوم يبعث { ~~وأما إن كان من المكذبين الضالين * فنزل من ~~حميم } قال هذا عند الموت { وتصلية جحيم } قال تخبأ له ~~الجحيم إلى يوم يبعث. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في ~~قوله { فروح } قال رائحة { وريحان } قال استراحة. وأخرج ابن ~~جرير عنه قال يعني بالريحان المستريح من الدنيا { وجنة نعيم } يقول ~~مغفرة ورحمة. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا قال الريحان الرزق. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر عنه أيضا في قوله { فسلم لك من أصحب ~~اليمين } قال تأتيه الملائكة بالسلام من قبل الله تسلم عليه، وتخبره ~~أنه من أصحاب اليمين. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا { إن هذا ~~لهو حق اليقين } قال ما قصصنا عليك في هذه السورة. وأخرج عنه ~~أيضا { فسبح باسم ربك العظيم } قال فصل لربك. وأخرج سعيد ~~بن منصور، وأحمد، وأبو داود، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، ~~والبيهقي في سننه عن عقبة بن عامر الجهني قال لما نزلت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { فسبح باسم ربك العظيم } قال # " اجعلوها في ركوعكم " # ، فلما نزلت # سبح اسم ربك الأعلى # الأعلى 1 قال # " اجعلوها في سجودكم ". ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1-6] # قوله { سبح لله ما فى السموات والأرض } أي نزهه ~~ومجده. قال المقاتلان يعني كل شيء من ذي روح وغيره، وقد تقدم الكلام في ~~تسبيح الجمادات عند تفسير قوله # وإن ms3787 من شىء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم # الإسراء 44 والمراد بالتسبيح المسند إلى ما في السموات والأرض من ~~العقلاء وغيرهم، والحيوانات والجمادات هو ما يعم التسبيح بلسان المقال ~~كتسبيح الملائكة والإنس والجن، وبلسان الحال كتسبيح غيرهم، فإن كل موجود ~~يدل على الصانع. وقد أنكر الزجاج أن يكون تسبيح غير العقلاء هو تسبيح ~~الدلالة وقال لو كان هذا تسبيح الدلالة، وظهور آثار الصنعة لكانت مفهومة، ~~فلم قال { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } وإنما هو تسبيح ~~مقال، واستدل بقوله # وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن # الأنبياء 79 فلو كان هذا التسبيح من الجبال تسبيح دلالة لم يكن لتخصيص ~~داود فائدة، وفعل التسبيح قد يتعدى بنفسه تارة، كما في قوله # وسبحوه # الأحزاب 42 وباللام أخرى كهذه الآية، وأصله أن يكون متعديا بنفسه لأن ~~معنى سبحته بعدته عن السوء، فإذا استعمل باللام، فهي إما مزيدة للتأكيد، ~~كما في شكرته، وشكرت له، أو هي للتعليل، أي افعل التسبيح لأجل الله ~~سبحانه خالصا له، وجاء هذا الفعل في بعض الفواتح ماضيا كهذه الفاتحة، ~~وفي بعضها مضارعا، وفي بعضها أمرا للإشارة إلى أن هذه الأشياء مسبحة في ~~كل الأوقات لا يختص تسبيحها بوقت دون وقت، بل هي مسبحة أبدا في الماضي، ~~وستكون مسبحة أبدا في المستقبل، { وهو العزيز } أي القادر الغالب ~~الذي لا ينازعه أحد، ولا يمانعه ممانع كائنا ما كان { الحكيم } الذي ~~يفعل أفعال الحكمة والصواب. { له ملك السموات والأرض } ~~يتصرف فيه وحده، ولا ينفذ غير تصرفه وأمره، وقيل أراد خزائن المطر ~~والنبات، وسائر الأرزاق { يحيى ويميت } الفعلان في محل رفع على أنهما خبر ~~لمبتدأ محذوف، أو في محل نصب على الحال من ضمير له، أو كلام مستأنف، ~~لبيان بعض أحكام الملك، والمعنى أنه يحيي في الدنيا ويميت الأحياء، وقيل ~~يحيي النطف وهي موات، ويميت الأحياء، وقيل يحيي الأموات للبعث { وهو ~~على كل شىء قدير } لا يعجزه شيء كائنا ما كان. { هو ~~الاول } قبل كل شيء { والآخر } بعد كل شيء، أي الباقي بعد فناء ~~خلقه { والظهر ms3788 } العالي الغالب على كل شيء، أو الظاهر وجوده ~~بالأدلة الواضحة { والبطن } أي العالم بما بطن، من قولهم فلان ~~يبطن أمر فلان، أي يعلم داخلة أمره، ويجوز أن يكون المعنى المحتجب عن ~~الأبصار، والعقول، وقد فسر هذه الأسماء الأربعة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، كما سيأتي، فيتعين المصير إلى ذلك { وهو بكل شىء عليم } ~~لا يعزب عن علمه شيء من المعلومات. # { هو الذى خلق السموات والأرض في ستة أيام } ~~هذا بيان لبعض ملكه للسموات والأرض. وقد تقدم تفسيره في سورة الأعراف ~~وفي غيرها مستوفي { يعلم ما يلج فى الارض } أي يدخل فيها من ~~مطر وغيره { وما يخرج منها } من نبات وغيره { وما ينزل ~~من السماء } من مطر وغيره { وما يعرج فيها } أي يصعد إليها ~~من الملائكة، وأعمال العباد، وقد تقدم تفسير هذا في سورة سبأ { وهو ~~معكم أينما كنتم } أي بقدرته، وسلطانه، وعلمه، وهذا تمثيل ~~للإحاطة بما يصدر منهم أينما داروا في الأرض من بر وبحر { والله ~~بما تعملون بصير } لا يخفى عليه من أعمالكم شيء { له ملك ~~السموات والأرض } هذا التكرير للتأكيد { وإلى الله ~~ترجع الأمور } لا إلى غيره. قرأ الجمهور { ترجع } مبنيا للمفعول. ~~وقرأ حمزة، والكسائي، وابن عامر على البناء للفاعل. { يولج اليل ~~فى النهار ويولج النهار فى اليل } قد تقدم تفسير هذا ~~في سورة آل عمران، وفي مواضع { وهو عليم بذات الصدور } أي ~~بضمائر الصدور ومكنوناتها، لا يخفى عليه من ذلك خافية. وقد أخرج ابن أبي ~~شيبة، ومسلم، والترمذي، والبيهقي، عن أبي هريرة قال جاءت فاطمة إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تسأله خادما، فقال قولي # " اللهم رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، وربنا ورب كل شيء، ~~منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، أعوذ بك من شر كل ~~شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك ~~شيء، وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء، اقض عنا ~~الدين، وأغننا من الفقر " # وأخرج أحمد، ومسلم، وغيرهما من حديث أبي ms3789 هريرة من وجه آخر مرفوعا مثل ~~هذا في الأربعة الأسماء المذكورة، وتفسيرها. وأخرج أبو الشيخ في العظمة ~~عن ابن عمر وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " لا يزال الناس يسألون عن كل شيء حتى يقولوا هذا الله كان قبل كل شيء، ~~فماذا كان قبل الله؟ فإن قالوا لكم ذلك، فقولوا هو الأول قبل كل شيء، ~~والآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فوق كل شيء، وهو الباطن دون كل شيء، ~~وهو بكل شيء عليم " # وأخرج أبو داود عن أبي زميل قال سألت ابن عباس، فقلت ما شيء أجده في ~~صدري، قال ما هو؟ قلت والله لا أتكلم به، قال فقال لي أشيء من شك؟ قال، ~~وضحك، قال ما نجا من ذلك أحد، قال حتى أنزل الله # فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين ~~يقرءون الكتب من قبلك # الآية يونس 94 قال وقال لي إذا وجدت في نفسك شيئا فقل { هو الأول ~~والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم }. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله { وهو معكم أينما كنتم } قال عالم بكم أينما ~~كنتم. ### || [57.7-11] # قوله { آمنوا بالله ورسوله } أي صدقوا بالتوحيد، وبصحة ~~الرسالة، وهذا خطاب لكفار العرب. ويجوز أن يكون خطابا للجميع، ويكون ~~المراد بالأمر بالإيمان في حق المسلمين الاستمرار عليه، أو الازدياد منه. ~~ثم لما أمرهم بالإيمان أمرهم بالإنفاق في سبيل الله، فقال { وأنفقوا ~~مما جعلكم مستخلفين فيه } أي جعلكم خلفاء في التصرف فيه ~~من غير أن تملكوه حقيقة، فإن المال مال الله، والعباد خلفاء الله في ~~أمواله، فعليهم أن يصرفوها فيما يرضيه، وقيل جعلكم خلفاء من كان قبلكم ~~ممن ترثونه، وسينتقل إلى غيركم ممن يرثكم، فلا تبخلوا به. كذا قال الحسن ~~وغيره. وفيه الترغيب إلى الإنفاق في سبيل الخير قبل أن ينتقل عنهم، ويصير ~~إلى غيرهم. والظاهر أن معنى الآية الترغيب في الإنفاق في الخير، وما ~~يرضاه الله على العموم، وقيل هو خاص بالزكاة المفروضة، ولا وجه لهذا ~~التخصيص. ثم ذكر ms3790 سبحانه ثواب من أنفق في سبيل الله فقال { فالذين ~~ءامنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير } أي الذين جمعوا ~~بين الإيمان بالله ورسوله، وبين الإنفاق في سبيل الله لهم أجر كبير، وهو ~~الجنة. { وما لكم لا تؤمنون بالله } هذا الاستفهام، ~~للتوبيخ والتقريع، أي أي عذر لكم، وأي مانع من الإيمان، وقد أزيحت عنكم ~~العلل، و { ما } مبتدأ، و { لكم } خبره، و { لا تؤمنون } في محل نصب على ~~الحال من الضمير في { لكم } ، والعامل ما فيه من معنى الاستقرار، وقيل ~~المعنى أي شيء لكم من الثواب في الآخرة إذا لم تؤمنوا؟ وجملة { ~~والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم } في محل نصب على ~~الحال من ضمير لا تؤمنون على التداخل، ولتؤمنوا متعلق بيدعوكم، أي يدعوكم ~~للإيمان، والمعنى أي عذر لكم في ترك الإيمان، والرسول يدعوكم إليه، ~~وينبهكم عليه؟ وجملة { وقد أخذ ميثقكم } في محل نصب على ~~الحال من فاعل يدعوكم على التداخل أيضا، أي والحال أن قد أخذ الله ~~ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر أبيكم آدم، أو بما نصب لكم من الأدلة الدالة ~~على التوحيد، ووجوب الإيمان. قرأ الجمهور { وقد أخذ } مبنيا للفاعل، وهو ~~الله سبحانه لتقدم ذكره. وقرأ أبو عمرو على البناء للمفعول. { إن كنتم ~~مؤمنين } بما أخذ عليكم من الميثاق، أو بالحجج والدلائل، أو إن ~~كنتم مؤمنين بسبب من الأسباب، فهذا من أعظم أسبابه وأوضح موجباته. { هو ~~الذى ينزل على عبده ءايت بينت } أي واضحات ~~ظاهرات، وهي الآيات القرآنية، وقيل المعجزات والقرآن أعظمها { ~~ليخرجكم من الظلمت إلى النور } أي ليخرجكم الله ~~بتلك الآيات من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان، أو ليخرجكم الرسول بتلك ~~الآيات، أو بالدعوة { وإن الله بكم لرؤوف رحيم } أي ~~لكثير الرأفة والرحمة بليغهما حيث أنزل كتبه، وبعث رسله لهداية عباده، ~~فلا رأفة ولا رحمة أبلغ من هذه، والاستفهام في قوله { وما لكم ~~ألا تنفقوا فى سبيل الله }. # للتقريع والتوبيخ، والكلام في إعراب هذا كالكلام في إعراب قوله { وما ~~لكم لا تؤمنون بالله } وفي هذه الآية دليل على أن الإنفاق ~~المأمور ms3791 به في قوله { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين ~~فيه } هو الإنفاق في سبيل الله، كما بينا ذلك، والمعنى أي عذر لكم، ~~وأي شيء يمنعكم من ذلك، والأصل في أن لا تنفقوا، وقيل إن " أن " زائدة، ~~وجملة { ولله ميراث السموات والأرض } في محل نصب على ~~الحال من فاعل { ألا تنفقوا } أو من مفعوله، والمعنى أي شيء ~~يمنعكم من الإنفاق في ذلك الوجه، والحال أن كل ما في السموات والأرض ~~راجع إلى الله سبحانه بانقراض العالم كرجوع الميراث إلى الوارث، ولا يبقى ~~لهم منه شيء، وهذا أدخل في التوبيخ، وأكمل في التقريع، فإن كون تلك ~~الأموال تخرج عن أهلها، وتصير لله سبحانه، ولا يبقى أحد من مالكيها أقوى ~~في إيجاب الإنفاق عليهم من كونها لله في الحقيقة، وهم خلفاؤه في التصرف ~~فيها. ثم بين سبحانه فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله، فقال { لا ~~يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح } قيل المراد ~~بالفتح فتح مكة، وبه قال أكثر المفسرين. وقال الشعبي، والزهري فتح ~~الحديبية، قال قتادة كان قتالان، أحدهما أفضل من الآخر، ونفقتان إحداهما ~~أفضل من الأخرى، كان القتال والنفقة قبل فتح مكة أفضل من القتال والنفقة ~~بعد ذلك، وكذا قال مقاتل وغيره، وفي الكلام حذف، والتقدير لا يستوي من ~~أنفق من قبل الفتح { وقتل } ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل، فحذف ~~لظهوره، ولدلالة ما سيأتي عليه، وإنما كانت النفقة والقتال قبل الفتح ~~أفضل من النفقة والقتال بعد الفتح لأن حاجة الناس كانت إذ ذاك أكثر، وهم ~~أقل وأضعف، وتقديم الإنفاق على القتال للإيذان بفضيلة الإنفاق لما كانوا ~~عليه من الحاجة، فإنهم كانوا يجودون بأنفسهم، ولا يجدون ما يجودون به من ~~الأموال. # والجود بالنفس أقصى غاية الجود # والإشارة بقوله { أولئك } إلى " من " باعتبار معناها، وهو مبتدأ ~~وخبره { أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقتلوا } أي أرفع منزلة وأعلا رتبة من الذين أنفقوا أموالهم في ~~سبيل الله من بعد الفتح، وقاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ~~عطاء درجات الجنة ms3792 تتفاضل، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها. قال ~~الزجاج لأن المتقدمين نالهم من المشقة أكثر مما نال من بعدهم، وكانت ~~بصائرهم أيضا أنفذ. وقد أرشد صلى الله عليه وسلم إلى هذه الفضيلة بقوله ~~فيما صح عنه # " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " # وهذا خطاب منه صلى الله عليه وسلم للمتأخرين وصحبه، كما يرشد إلى ذلك ~~السبب الذي ورد فيه هذا الحديث { وكلا وعد الله الحسنى } ~~أي وكل واحد من الفريقين وعد الله المثوبة الحسنى، وهي الجنة مع تفاوت ~~درجاتهم فيها. قرأ الجمهور { وكلا } بالنصب على أنه مفعول به للفعل ~~المتأخر. وقرأ ابن عامر بالرفع على الابتداء، والجملة بعده خبره، والعائد ~~محذوف، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، ومثل هذا قول الشاعر # قد أصبحت أم الخيار تدعي علي ذنبا كله لم أصنع # { والله بما تعملون خبير } لا يخفى عليه من ذلك شيء. ثم ~~رغب سبحانه في الصدقة فقال { من ذا الذى يقرض الله قرضا ~~حسنا } أي من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله، فإنه كمن يقرضه، والعرب ~~تقول لكل من فعل فعلا حسنا قد أقرض، ومنه قول الشاعر # وإذا جوزيت قرضا فأجزه إنما يجزى الفتى ليس الجمل # قال الكلبي { قرضا } أي صدقة { حسنا } أي محتسبا من قلبه بلا من ~~ولا أذى. قال مقاتل حسنا، طيبة به نفسه، وقد تقدم تفسير الآية في سورة ~~البقرة { فيضاعفه له } قرأ ابن عامر، وابن كثير فيضعفه بإسقاط ~~الألف إلا أن ابن عامر ويعقوب نصبوا الفاء، وقرأ نافع، وأهل الكوفة، ~~والبصرة، { فيضاعفه } بالألف وتخفيف العين إلا أن عاصما نصب الفاء، ~~ورفع الباقون. قال ابن عطية الرفع على العطف على { يقرض } ، أو الاستئناف ~~والنصب لكون الفاء في جواب الاستفهام. وضعف النصب أبو علي الفارسي قال ~~لأن السؤال لم يقع عن القرض، وإنما وقع عن فاعل القرض، وإنما تنصب الفاء ~~فعلا مردودا على فعل مستفهم عنه، لكن هذه الفرقة حملت ذلك على المعنى ~~كأن قوله { من ذا الذى يقرض الله ms3793 } بمنزلة قوله أيقرض الله ~~أحد { وله أجر كريم } وهو الجنة، والمضاعفة هنا هي كون الحسنة ~~بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف على اختلاف الأحوال والأشخاص والأوقات. ~~وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل من ~~طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال خرجنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية حتى إذا كنا بعسفان قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " يوشك أن يأتي قوم يحقرون أعمالكم مع أعمالهم " # ، قلنا من هم يا رسول الله؟ أقريش؟ قال # " لا، ولكنهم أهل اليمن، هم أرق أفئدة، وألين قلوبا " # فقلنا أهم خير منا يا رسول الله؟ قال # " لو كان لأحدهم جبل من ذهب ما أدرك مد أحدكم، ولا نصيفه، إلا أن هذا ~~فصل ما بيننا وبين الناس { لا يستوى منكم من أنفق من ~~قبل الفتح وقتل } " # الآية وهذا الحديث قال ابن كثير هو غريب بهذا الإسناد، وقد رواه ابن ~~جرير، ولم يذكر فيه الحديبية. وأخرج أحمد عن أنس قال كان بين خالد بن ~~الوليد، وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن تستطيلون ~~علينا بأيام سبقتمونا بها؟ فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال # " دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد أو مثل الجبال ~~ذهبا ما بلغتم أعمالهم " # والذي في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ # " لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما ~~أدرك مد أحدهم ولا نصيفه " # وفي لفظ # " ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " # أخرج هذا الحديث البخاري، ومسلم وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري. وأخرج ~~ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره. ### || [57.12-15] # قوله { يوم ترى المؤمنين والمؤمنت } العامل في ~~الظرف مضمر وهو اذكر، أو كريم، أو فيضاعفه، أو العامل في لهم، وهو ~~الاستقرار، والخطاب لكل من ms3794 يصلح له، وقوله { يسعى نورهم } في محل ~~نصب على الحال من مفعول ترى، والنور هو الضياء الذي يرى { بين ~~أيديهم وبأيمنهم } وذلك على الصراط يوم القيامة، وهو ~~دليلهم إلى الجنة. قال قتادة إن المؤمن يضيء له نور كما بين عدن إلى ~~صنعاء، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلا موضع قدميه. وقال ~~الضحاك، ومقاتل وبأيمانهم كتبهم التي أعطوها، فكتبهم بأيمانهم، ونورهم ~~بين أيديهم، قال الفراء الباء بمعنى " في " أي في أيمانهم، أو بمعنى " عن ~~" ، قال الضحاك أيضا نورهم هداهم، وبأيمانهم كتبهم، واختار هذا ابن جرير ~~الطبري، أي يسعى أيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم، وفي أيمانهم كتب ~~أعمالهم. قرأ الجمهور { بأيمانهم } جمع يمين. وقرأ سهل بن سعد الساعدي، ~~وأبو حيوة بإيمانهم بكسر الهمزة على أن المراد بالإيمان ضد الكفر، وقيل ~~هو القرآن، والجار والمجرور في الموضعين في محل نصب على الحال من نورهم، ~~أي كائنا بين أيديهم وبأيمانهم { بشراكم اليوم جنت ~~تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها } بشراكم مبتدأ، ~~وخبره جنات على تقدير مضاف، أي دخول جنات، والجملة مقول قول مقدر، أي ~~يقال لهم هذا، والقائل لهم هم الملائكة. قال مكي وأجاز الفراء نصب جنات ~~على الحال، ويكون اليوم خبر بشراكم، وهذا بعيد جدا { خلدين فيها ~~} حال مقدرة، والإشارة بقوله { ذلك } إلى النور والبشرى، وهو مبتدأ، ~~وخبره { هو الفوز العظيم } أي لا يقادر قدره حتى كأنه لا فوز ~~غيره، ولا اعتداد بما سواه. { يوم يقول المنفقون ~~والمنفقت } { يوم } بدل من { يوم } الأول، ويجوز أن يكون ~~العامل فيه { الفوز العظيم } ، ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مقدر، أي ~~اذكر { للذين ءامنوا } اللام للتبليغ كنظائرها. قرأ الجمهور { ~~انظرونا } أمرا بوصل الهمزة وضم الظاء من النظر بمعنى الانتظار، أي ~~انتظرونا. يقولون ذلك لما رأوا المؤمنين يسرع بهم إلى الجنة. وقرأ ~~الأعمش، وحمزة، ويحيى بن وثاب بقطع الهمزة وكسر الظاء من الإنظار، أي ~~أمهلونا، وأخرونا، يقال أنظرته واستنظرته، أي أمهلته واستمهلته. قال ~~الفراء تقول العرب أنظرني، أي انتظرني، وأنشد قول عمرو بن كلثوم ms3795 # أبا هند فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبرك اليقينا # وقيل معنى انظرونا انظروا إلينا لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم ~~بوجوههم، فيستضيئون بنورهم { نقتبس من نوركم } أي نستضيء منه، ~~والقبس الشعلة من النار والسراج، فلما قالوا ذلك { قيل ارجعوا ~~وراءكم } أي قال لهم المؤمنون، أو الملائكة زجرا لهم، وتهكما بهم، ~~أي ارجعوا وراءكم إلى الموضع الذي أخذنا منه النور { فالتمسوا ~~نورا } أي اطلبوا هنالك نورا لأنفسكم، فإنه من هنالك يقتبس، وقيل ~~المعنى ارجعوا إلى الدنيا، فالتمسوا النور بما التمسناه به من الإيمان، ~~والأعمال الصالحة، وقيل أرادوا بالنور ما وراءهم من الظلمة تهكما بهم { ~~فضرب بينهم بسور } السور هو الحاجز بين الشيئين، والمراد به ~~هنا الحاجز بين الجنة والنار، أو بين أهل الجنة وأهل النار. # قال الكسائي والباء في بسور زائدة. ثم وصف سبحانه السور المذكور فقال { ~~له باب باطنه فيه الرحمة } أي باطن ذلك السور وهو الجانب ~~الذي يلي أهل الجنة فيه الرحمة وهي الجنة { وظهره } وهو الجانب ~~الذي يلي أهل النار { من قبله العذاب } أي من جهته عذاب جهنم، ~~وقيل إن المؤمنين يسبقونهم فيدخلون الجنة، والمنافقون يحصلون في العذاب ~~وبينهم السور، وقيل إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين، والعذاب الذي ~~في ظاهره ظلمة المنافقين. ولما ضرب بالسور بين المؤمنين والمنافقين أخبر ~~الله سبحانه عما قاله المنافقون إذ ذاك، فقال { يندونهم ألم ~~نكن معكم } أي موافقين لكم في الظاهر نصلي بصلاتكم في مساجدكم، ~~ونعمل بأعمال الإسلام مثلكم، والجملة مستأنفة كأنه قيل فماذا قال ~~المنافقون بعد ضرب السور بينهم وبين المؤمنين؟ فقال { يندونهم } ~~، ثم أخبر سبحانه عما أجابهم به المؤمنون فقال { قالوا بلى } أي ~~كنتم معنا في الظاهر { ولكنكم فتنتم أنفسكم } بالنفاق ~~وإبطان الكفر، قال مجاهد أهلكتموها بالنفاق، وقيل بالشهوات واللذات { ~~وتربصتم } بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبمن معه من المؤمنين حوادث ~~الدهر، وقيل تربصتم بالتوبة، والأول أولى { وارتبتم } أي شككتم ~~في أمر الدين ولم تصدقوا ما نزل من القرآن، ولا بالمعجزات الظاهرة { ~~وغرتكم الأمانى } الباطلة التي من جملتها ما كنتم فيه ms3796 من ~~التربص، وقيل هو طول الأمل، وقيل ما كانوا يتمنونه من ضعف المؤمنين، وقال ~~قتادة الأماني هنا غرور الشيطان، وقيل الدنيا، وقيل هو طمعهم في ~~المغفرة، وكل هذه الأشياء تدخل في مسمى الأماني { حتى جاء أمر ~~الله } وهو الموت، وقيل نصره سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم. وقال ~~قتادة هو إلقاؤهم في النار { وغركم بالله الغرور } قرأ ~~الجمهور { الغرور } بفتح الغين، وهو صفة على فعول، والمراد به الشيطان أي ~~خدعكم بحلم الله، وإمهاله الشيطان. وقرأ أبو حيوة، ومحمد بن السميفع، ~~وسماك بن حرب بضمها، وهو مصدر. { فاليوم لا يؤخذ منكم ~~فدية } تفدون بها أنفسكم من النار أيها المنافقون { ولا من ~~الذين كفروا } بالله ظاهرا وباطنا { مأواكم النار } أي ~~منزلكم الذي تأوون إليه النار { هى مولكم } أي هي أولى بكم، ~~والمولى في الأصل من يتولى مصالح الإنسان، ثم استعمل فيمن يلازمه، وقيل ~~معنى { مولاكم } مكانكم عن قرب، من الولي، وهو القرب. # وقيل إن الله يركب في النار الحياة والعقل، فهي تتميز غيظا على الكفار، ~~وقيل المعنى هي ناصركم على طريقة قول الشاعر # تحية بينهم ضرب وجيع # { وبئس المصير } الذي تصيرون إليه وهو النار. وقد أخرج ابن أبي ~~شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن مسعود { يسعى ~~نورهم بين أيديهم } قال يؤتون نورهم على قدر أعمالهم يمرون ~~على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم ~~نورا من نوره على إبهامه يطفأ مرة، ويوقد أخرى. وأخرج ابن جرير، وابن ~~مردويه، والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال بينما الناس في ظلمة إذ بعث ~~الله نورا، فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور دليلهم من ~~الله إلى الجنة، فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا إلى النور ~~تبعوهم، فأظلم الله على المنافقين، فقالوا حينئذ { انظرونا نقتبس ~~من نوركم } فإنا كنا معكم في الدنيا، قال المؤمنون { ارجعوا ~~وراءكم } من حيث جئتم من الظلمة { فالتمسوا } هنالك النور. ~~وأخرج الطبراني، وابن مردويه عنه قال قال رسول الله صلى الله ms3797 عليه وسلم # " إن الله يدعو الناس يوم القيامة بأمهاتهم سترا منه على عباده، وأما ~~عند الصراط، فإن الله يعطى كل مؤمن نورا، وكل منافق نورا، فإذا استووا ~~على الصراط سلب الله نور المنافقين والمنافقات، فقال المنافقون { ~~انظرونا نقتبس من نوركم } وقال المؤمنون { ربنا ~~أتمم لنا نورنا } التحريم 8 فلا يذكر عند ذلك أحد أحدا " # وفي الباب أحاديث وآثار. وأخرج عبد بن حميد عن عبادة بن الصامت أنه كان ~~على سور بيت المقدس، فبكى، فقيل له ما يبكيك؟ فقال هاهنا أخبرنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن عساكر عن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص قال إن السور الذي ذكره الله في القرآن { فضرب ~~بينهم بسور } هو السور الذي ببيت المقدس الشرقي { باطنه فيه ~~الرحمة } المسجد { وظهره من قبله العذاب } يعني ~~وادي جهنم، وما يليه. ولا يخفاك أن تفسير السور المذكور في القرآن في هذه ~~الآية بهذا السور الكائن ببيت المقدس فيه من الإشكال ما لا يدفعه مقال، ~~ولا سيما بعد زيادة قوله { باطنة فيه الرحمة } المسجد، فإن هذا غير ما ~~سيقت له الآية، وغير ما دلت عليه، وأين يقع بيت المقدس أو سوره بالنسبة ~~إلى السور الحاجز بين فريقي المؤمنين والمنافقين، وأي معنى لذكر مسجد ~~بيت المقدس هاهنا، فإن كان المراد أن الله سبحانه ينزع سور بيت المقدس، ~~ويجعله في الدار الآخرة سورا مضروبا بين المؤمنين والمنافقين، فما معنى ~~تفسير باطن السور، وما فيه من الرحمة بالمسجد، وإن كان المراد أن الله ~~يسوق فريقي المؤمنين والمنافقين إلى بيت المقدس، فيجعل المؤمنين داخل ~~السور في المسجد، ويجعل المنافقين خارجه، فهم إذ ذاك على الصراط وفي طريق ~~الجنة، وليسوا ببيت المقدس، فإن كان مثل هذا التفسير ثابتا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قبلناه، وآمنا به، وإلا فلا كرامة ولا قبول. # وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله { ولكنكم ~~فتنتم أنفسكم } قال ms3798 بالشهوات واللذات { وتربصتم } قال ~~بالتوبة { وغرتكم الأمانى حتى جاء أمر الله } قال ~~الموت { وغركم بالله الغرور } قال الشيطان. ### || [57.16-19] # قوله { ألم يأن للذين ءامنوا } يقال أنى لك يأني أنى إذا ~~حان. قرأ الجمهور { ألم يأن } وقرأ الحسن، وأبو السماك ألما يأن، وأنشد ~~ابن السكيت # ألما يأن لي أن تجلى عمايتي وأقصر عن ليلى؟ بلى قد أنى ليا # و { أن تخشع قلوبهم } فاعل يأن، أي ألم يحضر خشوع قلوبهم ~~ويجيء وقته، ومنه قول الشاعر # ألم يأن لي يا قلب أن أترك الجهلا وأن يحدث الشيب المنير لنا عقلا؟ # هذه الآية نزلت في المؤمنين. قال الحسن يستبطئهم، وهم أحب خلقه إليه. ~~وقيل إن الخطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد. قال الزجاج نزلت في طائفة ~~من المؤمنين، حثوا على الرقة والخشوع، فأما من وصفهم الله بالرقة ~~والخشوع، فطبقة فوق هؤلاء. وقال السدي وغيره المعنى ألم يأن للذين آمنوا ~~في الظاهر، وأسروا الكفر أن تخشع قلوبهم { لذكر الله } ، وسيأتي ~~في آخر البحث ما يقوي قول من قال إنها نزلت في المسلمين، والخشوع لين ~~القلب ورقته. والمعنى أنه ينبغي أن يورثهم الذكر خشوعا ورقة، ولا يكونوا ~~كمن لا يلين قلبه للذكر ولا يخضع له { وما نزل من الحق } معطوف ~~على ذكر الله، والمراد بما نزل من الحق القرآن، فيحمل الذكر المعطوف ~~عليه على ما عداه مما فيه ذكر الله سبحانه باللسان، أو خطور بالقلب، وقيل ~~المراد بالذكر هو القرآن، فيكون هذا العطف من باب عطف التفسير، أو ~~باعتبار تغاير المفهومين. قرأ الجمهور { نزل } مشددا مبنيا للفاعل. ~~وقرأ نافع، وحفص بالتخفيف مبنيا للفاعل. وقرأ الجحدري، وأبو جعفر، ~~والأعمش، وأبو عمرو في رواية عنه مشددا مبنيا للمفعول. وقرأ ابن مسعود ~~أنزل مبنيا للفاعل { ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتب ~~من قبل } قرأ الجمهور بالتحتية على الغيبة جريا على ما تقدم. وقرأ ~~أبو حيوة، وابن أبي عبلة بالفوقية على الخطاب التفاتا، وبها قرأ عيسى، ~~وابن إسحاق، والجملة معطوفة على تخشع أي ألم يأن لهم أن تخشع، قلوبهم، ~~ولا ms3799 يكونوا؟ والمعنى النهي لهم عن أن يسلكوا سبيل اليهود والنصارى الذين ~~أوتوا التوراة والإنجيل من قبل نزول القرآن { فطال عليهم الأمد ~~} أي طال عليهم الزمان بينهم وبين أنبيائهم. قرأ الجمهور { الأمد } ~~بتخفيف الدال، وقرأ ابن كثير في رواية عنه بتشديدها، أي الزمن الطويل، ~~وقيل المراد بالأمد على القراءة الأولى الأجل والغاية، يقال أمد فلان ~~كذا، أي غايته { فقست قلوبهم } بذلك السبب، فلذلك حرفوا ~~وبدلوا، فنهى الله سبحانه أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يكونوا مثلهم ~~{ وكثير منهم فسقون } أي خارجون عن طاعة الله لأنهم تركوا ~~العمل بما أنزل إليهم، وحرفوا وبدلوا، ولم يؤمنوا بما نزل على محمد، ~~وقيل هم الذين تركوا الإيمان بعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل هم ~~الذين ابتدعوا الرهبانية، وهم أصحاب الصوامع. # { اعلموا أن الله يحى الأرض بعد موتها } فهو قادر ~~على أن يبعث الأجسام بعد موتها، ويلين القلوب بعد قسوتها { قد ~~بينا لكم الآيت } التي من جملتها هذه الآيات { لعلكم ~~تعقلون } أي كي تعقلوا ما تضمنته من المواعظ، وتعملوا بموجب ذلك. { ~~إن المصدقين والمصدقت } قرأ الجمهور بتشديد الصاد في ~~الموضعين من الصدقة، وأصله المتصدقين والمتصدقات، فأدغمت التاء في ~~الصاد. وقرأ أبي المتصدقين والمتصدقات بإثبات التاء على الأصل. وقرأ ~~ابن كثير بتخفيف الصاد فيهما من التصديق، أي صدقوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيما جاء به { وأقرضوا الله قرضا حسنا } معطوف ~~على اسم الفاعل في المصدقين لأنه لما وقع صلة للألف واللام الموصولة حل ~~محل الفعل، فكأنه قال إن الذين تصدقوا وأقرضوا، كذا قال أبو علي ~~الفارسي وغيره. وقيل جملة { وأقرضوا } معترضة بين اسم إن وخبرها، وهو { ~~يضعف } وقيل هي صلة لموصول محذوف، أي والذين أقرضوا، والقرض الحسن ~~عبارة عن التصدق والإنفاق في سبيل الله مع خلوص نية، وصحة قصد، واحتساب ~~أجر. قرأ الجمهور { يضاعف لهم } بفتح العين على البناء للمفعول، والقائم ~~مقام الفاعل إما الجار والمجرور، أو ضمير يرجع إلى المصدقين على حذف ~~مضاف أي ثوابهم، وقرأ الأعمش يضاعفه بكسر العين وزيادة الهاء. ms3800 وقرأ ابن ~~كثير، وابن عامر، ويعقوب يضعف بتشديد العين وفتحها { ولهم أجر ~~كريم } وهو الجنة، والمضاعفة هنا أن الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ~~ضعف. { والذين ءامنوا بالله ورسله } جميعا، والإشارة ~~بقوله { أولئك } إلى الموصول، وخبره قوله { هم الصديقون ~~والشهداء } الجملة خبر الموصول. قال مجاهد كل من آمن بالله ورسله ~~فهو صديق. قال المقاتلان هم الذين لم يشكوا في الرسل حين أخبروهم ولم ~~يكذبوهم. وقال مجاهد هذه الآية للشهداء خاصة، وهم الأنبياء الذين يشهدون ~~للأمم وعليهم، واختار هذا الفراء، والزجاج. وقال مقاتل بن سليمان هم ~~الذين استشهدوا في سبيل الله، وكذا قال ابن جرير، وقيل هم أمم الرسل ~~يشهدون يوم القيامة لأنبيائهم بالتبليغ، والظاهر أن معنى الآية إن الذين ~~آمنوا بالله ورسله جميعا بمنزلة الصديقين والشهداء المشهورين بعلو ~~الدرجة عند الله، وقيل إن الصديقين هم المبالغون في الصدق حيث آمنوا ~~بالله، وصدقوا جميع رسله، والقائمون لله سبحانه بالتوحيد. ثم بين ~~سبحانه ما لهم من الخير بسبب ما اتصفوا به من الإيمان بالله ورسله فقال { ~~لهم أجرهم ونورهم } والضمير الأول راجع إلى الموصول، ~~والضميران الأخيران راجعان إلى الصديقين والشهداء، أي لهم مثل أجرهم ~~ونورهم، وأما على قول من قال إن الذين آمنوا بالله ورسله هم نفس الصديقين ~~والشهداء، فالضمائر الثلاثة كلها راجعة إلى شيء واحد، والمعنى لهم الأجر ~~والنور الموعودان لهم. # ثم لما ذكر حال المؤمنين وثوابهم، ذكر حال الكافرين وعقابهم، فقال { ~~والذين كفروا وكذبوا بآيتنا } أي جمعوا بين الكفر ~~وتكذيب الآيات، والإشارة بقوله { أولئك } إلى الموصول باعتبار ما ~~في صلته من اتصافهم بالكفر والتكذيب، وهذا مبتدأ، وخبره { أصحب ~~الجحيم } يعذبون بها، ولا أجر لهم ولا نور، بل عذاب مقيم وظلمة ~~دائمة. وقد أخرج ابن مردويه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " استبطأ الله قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن، فأنزل ~~الله { ألم يأن للذين ءامنوا }... " # الآية. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على نفر من أصحابه في المسجد، ms3801 وهم يضحكون، فسحب رداءه محمرا وجهه ~~فقال " أتضحكون، ولم يأتكم أمان من ربكم بأنه قد غفر لكم، ولقد أنزل علي ~~في ضحككم آية { ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع ~~قلوبهم لذكر الله } " قالوا يا رسول الله، فما كفارة ذلك؟ ~~قال # " تبكون بقدر ما ضحكتم " # وأخرج مسلم، والنسائي، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن ~~مسعود قال ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية { ألم ~~يأن للذين ءامنوا } إلا أربع سنين. وأخرج نحوه عنه ابن ~~المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه من طريق أخرى. وأخرج أبو ~~يعلى، وابن مردويه عنه أيضا قال لما نزلت هذه الآية أقبل بعضنا على بعض ~~أي شيء أحدثنا أي شيء صنعنا؟. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن ~~عباس قال إن الله استبطأ قلوب المهاجرين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة ~~من نزول القرآن { ألم يأن للذين ءامنوا }... الآية. وأخرج ~~ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد العزيز بن أبي رواد أن أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم ظهر فيهم المزاح والضحك، فنزلت هذه الآية { ألم يأن ~~للذين ءامنوا }. وأخرج ابن المبارك عن ابن عباس { اعلموا ~~أن الله يحى الأرض بعد موتها } قال يعني أنه يلين ~~القلوب بعد قسوتها. وأخرج ابن جرير عن البراء بن عازب سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول # " مؤمنو أمتي شهداء " # ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم { والذين ءامنوا بالله ~~ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم ~~}. وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود قال كل مؤمن صديق وشهيد. وأخرج الحاكم ~~وصححه عن ابن مسعود قال إن الرجل ليموت على فراشه، وهو شهيد، ثم تلا هذه ~~الآية وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ~~{ والذين ءامنوا بالله ورسله أولئك هم ~~الصديقون } قال هذه مفصولة { والشهداء عند ربهم لهم ~~أجرهم ونورهم }. وأخرج ابن حبان عن عمرو بن مرة الجهني قال جاء ~~رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ms3802 يا رسول الله أرأيت إن شهدت أن ~~لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، ~~وصمت رمضان، وقمته فممن أنا؟ قال # " من الصديقين والشهداء ". ### || [57.20-24] # قوله { اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو } ~~لما ذكر سبحانه حال الفريق الثاني، وما وقع منهم من الكفر والتكذيب، وذلك ~~بسبب ميلهم إلى الدنيا وتأثيرها، بين لهم حقارتها وأنها أحقر من أن تؤثر ~~على الدار الآخرة، واللعب هو الباطل، واللهو كل شيء يتلهى به ثم يذهب. ~~قال قتادة لعب ولهو أكل وشرب. قال مجاهد كل لعب لهو، وقيل اللعب ما رغب ~~في الدنيا، واللهو ما ألهى عن الآخرة وشغل عنها، وقيل اللعب الاقتناء، ~~واللهو النساء، وقد تقدم تحقيق هذا في سورة الأنعام، والزينة التزين ~~بمتاع الدنيا من دون عمل للآخرة { وتفاخر بينكم } قرأ الجمهور ~~بتنوين { تفاخر } والظرف صفة له، أو معمول له، وقرأ السلمي بالإضافة، أي ~~يفتخر به بعضكم على بعض، وقيل يتفاخرون بالخلقة والقوة، وقيل بالأنساب ~~والأحساب، كما كانت عليه العرب { وتكاثر فى الأمول ~~والأولد } أي يتكاثرون بأموالهم وأولادهم، ويتطاولون بذلك على ~~الفقراء. ثم بين سبحانه لهذه الحياة شبها، وضرب لها مثلا فقال { ~~كمثل غيث أعجب الكفار نباته } أي كمثل مطر أعجب ~~الزراع نباته، والمراد بالكفار هنا الزراع لأنهم يكفرون البذر، أي يغطونه ~~بالتراب، ومعنى نباته النبات الحاصل به { ثم يهيج } أي يجف ~~بعد خضرته وييبس { فتراه مصفرا } أي متغيرا عما كان عليه من ~~الخضرة والرونق إلى لون الصفرة والذبول { ثم يكون حطاما } أي ~~فتاتا هشيما متكسرا متحطما بعد يبسه، وقد تقدم تفسير هذا المثل في ~~سورة يونس والكهف، والمعنى أن الحياة الدنيا كالزرع يعجب الناظرين إليه، ~~لخضرته وكثرة نضارته. ثم لا يلبث أن يصير هشيما تبنا كأن لم يكن. وقرىء ~~مصفارا والكاف في محل نصب على الحال، أو في محل رفع على أنها خبر بعد ~~خبر، أو خبر مبتدأ محذوف. ثم لما ذكر سبحانه حقارة الدنيا، وسرعة زوالها، ~~ذكر ما أعده للعصاة في الدار الآخرة فقال { وفى الأخرة عذاب ms3803 ~~شديد } وأتبعه بما أعده لأهل الطاعة، فقال { ومغفرة من ~~الله ورضون } ، والتنكير فيهما للتعظيم. قال قتادة عذاب شديد ~~لأعداء الله، ومغفرة من الله ورضوان لأوليائه وأهل طاعته. قال الفراء ~~التقدير في الآية إما عذاب شديد وإما مغفرة، قلا يوقف على شديد. ثم ذكر ~~سبحانه بعد الترهيب والترغيب حقارة الدنيا، فقال { وما الحيوة ~~الدنيا إلا متع الغرور } لمن اغتر بها ولم يعمل لآخرته. ~~قال سعيد بن جبير متاع الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة، ومن اشتغل ~~بطلبها فله متاع بلاغ إلى ما هو خير منه. وهذه الجملة مقررة للمثل ~~المتقدم ومؤكدة له. ثم ندب عباده إلى المسابقة إلى ما يوجب المغفرة من ~~التوبة والعمل الصالح، فإن ذلك سبب إلى الجنة، فقال { سابقوا إلى ~~مغفرة من ربكم } أي سارعوا مسارعة السابقين بالأعمال الصالحة ~~التي توجب المغفرة لكم من ربكم، وتوبوا مما وقع منكم من المعاصي، وقيل ~~المراد بالآية التكبيرة الأولى مع الإمام، قاله مكحول، وقيل المراد الصف ~~الأول، ولا وجه لتخصيص ما في الآية بمثل هذا، بل هو من جملة ما تصدق ~~عليه صدقا شموليا أو بدليا { وجنة عرضها كعرض السماء ~~والأرض } أي كعرضهما، وإذا كان هذا قدر عرضها، فما ظنك بطولها. # قال الحسن يعني جميع السموات والأرضين مبسوطات كل واحدة إلى صاحبتها، ~~وقيل المراد بالجنة التي عرضها هذا العرض هي جنة كل واحد من أهل الجنة. ~~وقال ابن كيسان عنى به جنة واحدة من الجنات، والعرض أقل من الطول، ومن ~~عادة العرب أنها تعبر عن الشيء بعرضه دون طوله، ومن ذلك قول الشاعر # كأن بلاد الله وهي عريضة على الخائف المطلوب كفة حابل # وقد مضى تفسير هذا في سورة آل عمران. ثم وصف سبحانه تلك الجنة بصفة ~~أخرى، فقال { سابقوا إلى مغفرة من ربكم } ويجوز أن ~~تكون هذه الجملة مستأنفة. وفي هذا دليل على أن استحقاق الجنة يكون بمجرد ~~الإيمان بالله ورسله، ولكن هذا مقيد بالأدلة الدالة على أنه لا يستحقها ~~إلا من عمل بما فرض الله عليه، واجتنب ما نهاه ms3804 الله عنه، وهي أدلة كثيرة ~~في الكتاب والسنة، والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما وعد به سبحانه من ~~المغفرة والجنة، وهو مبتدأ وخبره { فضل الله يؤتيه من يشاء ~~} أي يعطيه من يشاء إعطاءه إياه تفضلا وإحسانا { والله ذو ~~الفضل العظيم } فهو يتفضل على من يشاء بما يشاء، لا مانع لما ~~أعطى ولا معطي لما منع، والخير كله بيده، وهو الكريم المطلق، والجواد ~~الذي لا يبخل. ثم بين سبحانه أن ما يصاب به العباد من المصائب قد سبق ~~بذلك قضاؤه وقدره، وثبت في أم الكتاب، فقال { ما أصاب من ~~مصيبة فى الأرض } من قحط مطر، وضعف نبات، ونقص ثمار. قال مقاتل ~~القحط وقلة النبات والثمار، وقيل الجوائح في الزرع { ولا فى ~~أنفسكم } قال قتادة بالأوصاب والأسقام. وقال مقاتل إقامة الحدود. ~~وقال ابن جريج ضيق المعاش { إلا فى كتب } في محل نصب على الحال ~~من مصيبة، أي إلا حال كونها مكتوبة في كتاب، وهو اللوح المحفوظ، وجملة { ~~من قبل أن نبرأها } في محل جر صفة لكتاب، والضمير في نبرأها ~~عائد إلى المصيبة، أو إلى الأنفس، أو إلى الأرض، أو إلى جميع ذلك، ومعنى ~~{ نبرأها } نخلقها { إن ذلك على الله يسير } أي أن ~~إثباتها في الكتاب على كثرته على الله يسير غير عسير. # { لكيلا تأسوا على ما فاتكم } أي اختبرناكم بذلك، ~~لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا { ولا تفرحوا بما ~~ءاتكم } منها أي أعطاكم منها، فإن ذلك يزول عن قريب، وكل زائل عن ~~قريب لا يستحق أن يفرح بحصوله، ولا يحزن على فواته، ومع أن الكل بقضاء ~~الله وقدره، فلن يعدو امرأ ما كتب له، وما كان حصوله كائنا لا محالة، ~~فليس بمستحق للفرح بحصوله، ولا للحزن على فوته، قيل والحزن والفرح ~~المنهي عنهما هما اللذان يتعدى فيهما إلى ما لا يجوز، وإلا فليس من ~~أحد إلا وهو يحزن ويفرح. قرأ الجمهور { بما آتاكم } بالمد، أي أعطاكم، ~~وقرأ أبو العالية، ونصر بن عاصم، وأبو عمرو بالقصر، أي جاءكم، واختار ~~القراءة الأولى أبو حاتم، ms3805 واختار القراءة الثانية أبو عبيد { والله ~~لا يحب كل مختال فخور } أي لا يحب من اتصف بهاتين ~~الصفتين، وهما الاختيال والافتخار، قيل هو ذم للفرح الذي يختال فيه ~~صاحبه ويبطر، وقيل إن من فرح بالحظوظ الدنيوية، وعظمت في نفسه اختال ~~وافتخر بها، وقيل المختال الذي ينظر إلى نفسه، والفخور الذي ينظر إلى ~~الناس بعين الاستحقار. والأولى تفسير هاتين الصفتين بمعناهما الشرعي ثم ~~اللغوي، فمن حصلتا فيه فهو الذي لا يحبه الله. { الذين يبخلون ~~ويأمرون الناس بالبخل } الموصول في محل رفع بالابتداء، وهو ~~كلام مستأنف لا تعلق له بما قبله، والخبر مقدر، أي الذين يبخلون فالله ~~غني عنهم، ويدل على ذلك قوله { ومن يتول فإن الله هو ~~الغنى الحميد }. وقيل الموصول في محل جر بدل من مختال، وهو ~~بعيد، فإن هذا البخل بما في اليد، وأمر الناس بالبخل ليس هو معنى المختال ~~الفخور، لا لغة ولا شرعا. وقيل هو في محل جر نعت له، وهو أيضا بعيد. ~~قال سعيد بن جبير الذين يبخلون بالعلم، ويأمرون الناس بالبخل به لئلا ~~يعلموا الناس شيئا. وقال زيد بن أسلم إنه البخل بأداء حق الله، وقيل إنه ~~البخل بالصدقة، وقال طاووس إنه البخل بما في يديه، وقيل أراد رؤساء ~~اليهود الذين بخلوا ببيان صفة محمد في كتبهم لئلا يؤمن به الناس، فتذهب ~~مآكلهم، قاله السدي والكلبي، قرأ الجمهور { بالبخل } بضم الباء وسكون ~~الخاء. وقرأ أنس، وعبيد بن عمير، ويحيى بن يعمر، ومجاهد، وحميد، وابن ~~محيصن، وحمزة، والكسائي بفتحتين، وهي لغة الأنصار. وقرأ أبو العالية، ~~وابن السميفع بفتح الباء وإسكان الخاء. وقرأ نصر بن عاصم بضمهما، وكلها ~~لغات { ومن يتول فإن الله هو الغنى الحميد } أي ~~ومن يعرض عن الإنفاق، فإن الله غني عنه محمود عند خلقه لا يضره ذلك. قرأ ~~الجمهور { هو الغني } بإثبات ضمير الفصل. وقرأ نافع، وابن عامر فإن الله ~~الغني الحميد بحذف الضمير. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله { ما أصاب من مصيبة فى ms3806 الأرض ~~ولا فى أنفسكم } يقول في الدين والدنيا { إلا فى كتب ~~من قبل أن نبرأها } قال نخلقها { لكيلا تأسوا على ~~ما فاتكم } من الدنيا { ولا تفرحوا بما ءاتكم } منها. # وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال هو شيء قد فرغ منه من قبل أن تبرأ ~~الأنفس. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عنه أيضا في قوله { لكيلا ~~تأسوا على ما فاتكم } الآية قال ليس أحد إلا وهو يحزن ~~ويفرح، ولكن من أصابته مصيبة جعلها صبرا، ومن أصابه خير جعله شكرا. ~~وأخرج ابن المنذر عنه في الآية قال يريد مصائب المعاش، ولا يريد مصائب ~~الدين، إنه قال { لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا ~~تفرحوا بما ءاتكم } وليس هذا من مصائب الدين، أمرهم أن يأسوا ~~على السيئة ويفرحوا بالحسنة. ### || [57.25-29] # قوله { لقد أرسلنا رسلنا بالبينت } أي بالمعجزات ~~البينة، والشرائع الظاهرة { وأنزلنا معهم الكتب } المراد ~~الجنس، فيدخل فيه كتاب كل رسول { والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط } قال قتادة، ومقاتل بن حيان الميزان العدل أمرناهم بالعدل، ~~كما في قوله # والسماء رفعها ووضع الميزان # الرحمن 7 وقوله # الله الذى أنزل الكتب بالحق والميزان # الشورى 17 وقال ابن زيد هو ما يوزن به ويتعامل به، ومعنى { ليقوم ~~الناس بالقسط } ليتبعوا ما أمروا به من العدل، فيتعاملوا فيما ~~بينهم بالنصفة، والقسط العدل، وهو يدل على أن المراد بالميزان العدل، ~~ومعنى إنزاله إنزال أسبابه وموجباته. وعلى القول بأن المراد به الآلة ~~التي يوزن بها، فيكون إنزاله بمعنى إرشاد الناس إليه، وإلهامهم الوزن به، ~~ويكون الكلام من باب # علفتها تبنا وماء باردا # { وأنزلنا الحديد } أي خلقناه، كما في قوله # وأنزل لكم من الأنعم ثمنية أزوج # الزمر 6 والمعنى أنه خلقه من المعادن، وعلم الناس صنعته، وقيل إنه نزل ~~مع آدم { فيه بأس شديد } لأنه تتخذ منه آلات الحرب. قال الزجاج ~~يمتنع به ويحارب، والمعنى أنه تتخذ منه آلة للدفع، وآلة للضرب. قال مجاهد ~~فيه جنة وسلاح، ومعنى { ومنفع للناس } أنهم ms3807 ينتفعون به في ~~كثير مما يحتاجون إليه مثل السكين، والفأس، والإبرة، وآلات الزراعة، ~~والنجارة، والعمارة { وليعلم الله من ينصره ورسله ~~بالغيب } معطوف على قوله { ليقوم الناس } أي لقد أرسلنا رسلنا، ~~وفعلنا كيت وكيت، ليقوم الناس وليعلم، وقيل معطوف على علة مقدرة، كأنه ~~قيل ليستعملوه وليعلم الله، والأول أولى. والمعنى أن الله أمر في الكتاب ~~الذي أنزل بنصره دينه ورسله، فمن نصر دينه ورسله علمه ناصرا، ومن عصى ~~علمه بخلاف ذلك، و { بالغيب } في محل نصب على الحال من فاعل ينصره، أو ~~من مفعوله أي غائبا عنهم، أو غائبين عنه { إن الله قوى ~~عزيز } أي قادر على كل شيء غالب لكل شيء، وليس له حاجة في أن ينصره ~~أحد من عباده وينصر رسله، بل كلفهم بذلك لينتفعوا به إذا امتثلوا، ويحصل ~~لهم ما وعد به عباده المطيعين. { ولقد أرسلنا نوحا ~~وإبرهيم } لما ذكر سبحانه إرسال الرسل إجمالا أشار هنا إلى نوع ~~تفصيل، فذكر رسالته لنوح وإبراهيم، وكرر القسم للتوكيد { وجعلنا ~~فى ذريتهما النبوة والكتب } أي جعلنا فيهم النبوة ~~والكتب المنزلة على الأنبياء منهم، وقيل جعل بعضهم أنبياء، وبعضهم يتلون ~~الكتاب { فمنهم مهتد } أي فمن الذرية من اهتدى بهدي نوح ~~وإبراهيم، وقيل المعنى فمن المرسل إليهم من قوم الأنبياء مهتد بما جاء به ~~الأنبياء من الهدى { وكثير منهم فسقون } خارجون عن ~~الطاعة. { ثم قفينا على ءاثرهم برسلنا } أي اتبعنا ~~على آثار الذرية، أو على آثار نوح وإبراهيم برسلنا الذين أرسلناهم إلى ~~الأمم كموسى، وإلياس، وداود، وسليمان، وغيرهم { وقفينا بعيسى ~~ابن مريم } أي أرسلنا رسولا بعد رسول حتى انتهى إلى عيسى ابن ~~مريم، وهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه { وآتيناه الإنجيل } وهو الكتاب ~~الذي أنزله الله عليه، وقد تقدم ذكر اشتقاقه في سورة آل عمران. # قرأ الجمهور { الإنجيل } بكسر الهمزة، وقرأ الحسن بفتحها { وجعلنا ~~فى قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة } الذين اتبعوه ~~هم الحواريون جعل الله في قلوبهم مودة لبعضهم البعض، ورحمة يتراحمون ~~بها، بخلاف اليهود، فإنهم ليسوا كذلك، وأصل الرأفة اللين، ms3808 والرحمة ~~الشفقة، وقيل الرأفة أشد الرحمة { ورهبانية ابتدعوها } ~~انتصاب { رهبانية } على الاشتغال، أي وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، وليس ~~بمعطوفة على ما قبلها، وقيل معطوفة على ما قبلها، أي وجعلنا في قلوبهم ~~رأفة ورحمة، ورهبانية مبتدعة من عند أنفسهم. والأول أولى، ورجحه أبو علي ~~الفارسي وغيره، وجملة { ما كتبنها عليهم } صفة ثانية ~~لرهبانية، أو مستأنفة مقررة لكونها مبتدعة من جهة أنفسهم، والمعنى ما ~~فرضناها عليهم، والرهبانية بفتح الراء وضمها، وقد قرىء بهما، وهي بالفتح ~~الخوف من الرهب، وبالضم منسوبة إلى الرهبان، وذلك لأنهم غلوا في العبادة، ~~وحملوا على أنفسهم المشقات في الامتناع من المطعم والمشرب والمنكح، ~~وتعلقوا بالكهوف والصوامع لأن ملوكهم غيروا وبدلوا، وبقي منهم نفر قليل، ~~فترهبوا وتبتلوا، ذكر معناه الضحاك، وقتادة، وغيرهما { إلا ابتغاء ~~رضون الله } الاستثناء منقطع، أي ما كتبناها نحن عليهم رأسا، ~~ولكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله. وقال الزجاج ما كتبناها عليهم معناه لم ~~نكتب عليهم شيئا ألبتة، قال ويكون { إلا ابتغاء رضون الله ~~} بدلا من الهاء والألف في كتبناها، والمعنى ما كتبنا عليهم إلا ابتغاء ~~رضوان الله { فما رعوها حق رعايتها } أي لم يرعوا هذه ~~الرهبانية التي ابتدعوها من جهة أنفسهم، بل صنعوها وكفروا بدين عيسى، ~~ودخلوا في دين الملوك الذين غيروا وبدلوا، وتركوا الترهب، ولم يبق على ~~دين عيسى إلا قليل منهم، وهم المرادون بقوله { فآتينا الذين آمنوا منهم ~~أجرهم } الذي يستحقونه بالإيمان، وذلك لأنهم آمنوا بعيسى، وثبتوا على ~~دينه حتى آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لما بعثه الله { وكثير ~~منهم فسقون } خارجون عن الإيمان بما أمروا أن يؤمنوا به، ووجه ~~الذم لهم على تقدير أن الاستثناء منقطع أنهم قد كانوا ألزموا أنفسهم ~~الرهبانية معتقدين أنها طاعة، وأن الله يرضاها، فكان تركها وعدم رعايتها ~~حق الرعاية يدل على عدم مبالاتهم بما يعتقدونه دينا. وأما على القول بأن ~~الاستثناء متصل، وأن التقدير ما كتبناها عليهم لشيء من الأشياء إلا ~~ليبتغوا بها رضوان الله بعد أن وفقناهم لابتداعها، فوجه الذم ظاهر. # ثم أمر سبحانه المؤمنين بالرسل المتقدمين ms3809 بالتقوى والإيمان بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، فقال { يأيها الذين ءامنوا اتقوا ~~الله } بترك ما نهاكم عنه { وآمنوا برسوله } محمد صلى الله عليه وسلم ~~{ يؤتكم كفلين من رحمته } أي نصيبين من رحمته بسبب ~~إيمانكم برسوله بعد إيمانكم بمن قبله من الرسل، وأصل الكفل الحظ والنصيب، ~~وقد تقدم الكلام على تفسيره في سورة النساء { ويجعل لكم نورا ~~تمشون به } يعني على الصراط كما قال { نورهم يسعى بين ~~أيديهم } التحريم 8 وقيل المعنى ويجعل لكم سبيلا واضحا في الدين ~~تهتدون به { ويغفر لكم } ما سلف من ذنوبكم { والله غفور ~~رحيم } أي بليغ المغفرة والرحمة { لئلا يعلم أهل ~~الكتب } اللام متعلقة بما تقدم من الأمر بالإيمان والتقوى، ~~والتقدير اتقوا وآمنوا يؤتكم كذا وكذا ليعلم الذين لم يتقوا ولا آمنوا من ~~أهل الكتاب { أن لا يقدرون على شىء من فضل الله } و " ~~لا " في قوله { لئلا } زائدة للتوكيد، قاله الفراء، والأخفش، ~~وغيرهما، و " أن " في قوله { أن لا يقدرون } هي المخففة من ~~الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، وخبرها ما بعدها، والجملة في محل نصب ~~على أنها مفعول يعلم، والمعنى ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على أن ~~ينالوا شيئا من فضل الله الذي تفضل به على من آمن بمحمد، ولا يقدرون على ~~دفع ذلك الفضل الذي تفضل الله به على المستحقين له، وجملة { وأن ~~الفضل بيد الله } معطوفة على الجملة التي قبلها، أي ليعلموا ~~أنهم لا يقدرون، وليعلموا أن الفضل بيد الله سبحانه، وقوله { يؤتيه ~~من يشاء } خبر ثان لأن، أو هو الخبر، والجار والمجرور في محل نصب ~~على الحال { والله ذو الفضل العظيم } هذه الجملة مقررة ~~لمضمون ما قبلها، والمراد بالفضل هنا ما تفضل به على الذين اتقوا وآمنوا ~~برسوله من الأجر المضاعف. وقال الكلبي هو رزق الله، وقيل نعم الله التي ~~لا تحصى، وقيل هو الإسلام، وقد قيل إن «لا» في { لئلا } غير مزيدة، وضمير ~~{ لا يقدرون } للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. والمعنى لئلا يعتقد ~~أهل الكتاب أنه لا يقدر النبي ms3810 والمؤمنون على شيء من فضل الله الذي هو ~~عبارة عما أوتوه، والأول أولى. وقرأ ابن مسعود لكيلا يعلم وقرأ خطاب بن ~~عبد الله لأن يعلم وقرأ عكرمة ليعلم وقرىء ليلا بقلب الهمزة ياء، وقرىء ~~بفتح اللام. وقد أخرج عبد بن حميد، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، ~~وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وصححه، وابن مردويه، ~~والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن مسعود قال قال لي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " يا عبد الله " # ، قلت لبيك يا رسول الله ثلاث مرات، قال # " هل تدري أي عرى الإسلام أوثق؟ " # قلت الله، ورسوله أعلم، قال # " أفضل الناس أفضلهم عملا إذ فقهوا في دينهم يا عبد الله هل تدري أي ~~الناس أعلم؟ " # قلت الله ورسوله أعلم، قال فإن أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف ~~الناس، وإن كان مقصرا بالعمل، وإن كان يزحف على استه، واختلف من كان ~~قبلنا على اثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاث وهلك سائرها فرقة وازرت ~~الملوك وقاتلتهم على دين الله وعيسى ابن مريم، وفرقة لم تكن لهم طاقة ~~بموازرة الملوك، فأقاموا بين ظهراني قومهم فدعوهم إلى دين الله ودين ~~عيسى، فقتلهم الملوك ونشرتهم بالمناشير، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازرة ~~الملوك ولا بالمقام معهم، فساحوا في الجبال وترهبوا فيها، وهم الذين قال ~~الله { ورهبانية ابتدعوها ما كتبنها عليهم ~~إلا ابتغاء رضون الله فما رعوها حق رعايتها ~~فئاتينا الذين ءامنوا منهم أجرهم } هم الذين آمنوا ~~بي وصدقوني { وكثير منهم فسقون } الذين جحدوني وكفروا ~~بي». وأخرج النسائي، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس قال كانت ملوك بعد عيسى بدلت التوراة ~~والإنجيل، فكان منهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل، فقيل لملوكهم ما ~~نجد شيئا أشد من شتم يشتمناه هؤلاء، إنهم يقرءون # ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكفرون # المائدة 44 # ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الظلمون # المائدة 45 # فأولئك هم الفسقون # المائدة 47 مع ما يعيبوننا ms3811 به من أعمالنا في قراءتهم، فادعوهم فليقرؤوا ~~كما نقرأ، وليؤمنوا كما آمنا، فدعاهم فجمعهم، وعرض عليهم القتل، أو ~~ليتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منهما، فقالوا ما تريدون ~~إلى ذلك؟ دعونا، فقالت طائفة منهم ابنوا لنا أسطوانة، ثم ارفعونا إليها، ~~ثم أعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا، ولا نرد عليكم، وقالت طائفة ~~دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونأكل مما تأكل منه الوحوش، ونشرب مما تشرب، ~~فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا، وقالت طائفة ابنوا لنا دورا في ~~الفيافي، ونحتفر الآبار، ونحرث البقول، فلا نرد عليكم ولا نمر بكم، وليس ~~أحد من القبائل إلا له حميم فيهم، ففعلوا ذلك، فأنزل الله { ~~ورهبانية ابتدعوها ما كتبنها عليهم إلا ~~ابتغاء رضون الله فما رعوها حق رعايتها } وقال ~~الآخرون ممن تعبد من أهل الشرك، وفني من فني منهم قالوا نتعبد كما تعبد ~~فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتخذ دورا كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا ~~علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فلما بعث النبي، ولم يبق منهم إلا ~~القليل انحط صاحب الصومعة من صومعته، وجاء السياح من سياحته، وصاحب الدير ~~من ديره، فآمنوا به وصدقوه، فقال الله { يأيها الذين ءامنوا ~~اتقوا الله وءامنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته } أجرين بإيمانهم بعيسى وتصديقهم والتوراة والإنجيل، ~~وبإيمانهم بمحمد وتصديقهم به { ويجعل لكم نورا تمشون به ~~} القرآن واتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم. # وأخرج أحمد، والحكيم الترمذي، وأبو يعلى، والبيهقي في الشعب عن أنس أن ~~النبي قال # " إن لكل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله " # وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن أبي موسى الأشعري في قوله { كفلين } قال ضعفين وهي بلسان ~~الحبشة. وأخرج الفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن ~~عمر في قوله { يؤتكم كفلين من رحمته } قال الكفل ~~ثلثمائة جزء وخمسون جزءا من رحمة الله. ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.1-4] # قوله { قد سمع الله } قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي بإدغام ms3812 ~~الدال في السين، وقرأ الباقون بالإظهار. قال الكسائي من بين الدال عند ~~السين، فلسانه أعجمي وليس بعربي { قول التى تجادلك فى ~~زوجها } أي تراجعك الكلام في شأنه { وتشتكى إلى الله } ~~معطوف على تجادلك. والمجادلة هذه الكائنة منها مع رسول الله أنه كان كلما ~~قال لها " قد حرمت عليه " ، قالت والله ما ذكر طلاقا، ثم تقول أشكو إلى ~~الله فاقتي ووحدتي، وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم ~~إلي جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء، وتقول اللهم إني أشكو إليك، ~~فهذا معنى قوله { وتشتكى إلى الله } قال الواحدي قال المفسرون ~~نزلت هذه الآية في خولة بنت ثعلبة، وزوجها أوس بن الصامت، وكان به لمم، ~~فاشتد به لممه ذات يوم، فظاهر منها، ثم ندم على ذلك، وكان الظهار طلاقا ~~في الجاهلية، وقيل هي خولة بنت حكيم، وقيل اسمها جميلة، والأول أصح، ~~وقيل هي بنت خويلد، وقال الماوردي إنها نسبت تارة إلى أبيها، وتارة إلى ~~جدها، وأحدهما أبوها، والآخر جدها، فهي خولة بنت ثعلبة بن خويلد، وجملة ~~{ والله يسمع تحاوركما } في محل نصب على الحال، أو مستأنفة ~~جارية مجرى التعليل لما قبلها أي والله يعلم تراجعكما في الكلام { إن ~~الله سميع بصير } يسمع كل مسموع، ويبصر كل مبصر، ومن جملة ذلك ~~ما جادلتك به هذه المرأة. ثم بين سبحانه شأن الظهار في نفسه، وذكر حكمه، ~~فقال { الذين يظهرون منكم من نسائهم } قرأ الجمهور { ~~يظهرون } بالتشديد مع فتح حرف المضارعة. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي ~~يظاهرون بفتح الياء، وتشديد الظاء، وزيادة ألف، وقرأ أبو العالية، وعاصم، ~~وزر بن حبيش يظاهرون بفك الإدغام، ومعنى الظهار أن يقول لامرأته أنت ~~علي كظهر أمي، ولا خلاف في كون هذا ظهارا. واختلفوا إذا قال أنت علي ~~كظهر ابنتي، أو أختي، أو غير ذلك من ذوات المحارم، فذهب جماعة منهم أبو ~~حنيفة ومالك إلى أنه ظهار، وبه قال الحسن، والنخعي، والزهري، والأوزاعي، ~~والثوري. وقال جماعة منهم قتادة والشعبي إنه لا يكون ظهارا بل يختص ~~الظهار بالأم ms3813 وحدها. واختلفت الرواية عن الشافعي، فروي عنه كالقول ~~الأول، وروي عنه كالقول الثاني، وأصل الظهار مشتق من الظهر. واختلفوا ~~إذا قال لامرأته أنت علي كرأس أمي، أو يدها، أو رجلها، أو نحو ذلك؟ هل ~~يكون ظهارا أم لا وهكذا إذا قال أنت علي كأمي ولم يذكر الظهر، والظاهر ~~أنه إذا قصد بذلك الظهار كان ظهارا. وروي عن أبي حنيفة أنه إذا شبهها ~~بعضو من أمه يحل له النظر إليه لم يكن ظهارا، وروي عن الشافعي أنه لا ~~يكون الظهار إلا في الظهر وحده. # واختلفوا إذا شبه امرأته بأجنبية فقيل يكون ظهارا وقيل لا، والكلام في ~~هذا مبسوط في كتب الفروع. وجملة { ما هن أمهتهم } في محل ~~رفع على أنها خبر الموصول، أي ما نساؤهم بأمهاتهم، فذلك كذب منهم، وفي ~~هذا توبيخ للمظاهرين وتبكيت لهم. قرأ الجمهور { أمهاتهم } بالنصب على ~~اللغة الحجازية في إعمال «ما» عمل ليس. وقرأ أبو عمرو، والسلمي بالرفع ~~على عدم الإعمال، وهي لغة نجد، وبني أسد. ثم بين سبحانه لهم أمهاتهم على ~~الحقيقة فقال { إن أمهتهم إلا اللائى ولدنهم } أي ~~ما أمهاتهم إلا النساء اللائي ولدنهم، ثم زاد سبحانه في توبيخهم ~~وتقريعهم، فقال { وإنهم ليقولون منكرا من القول ~~وزورا } أي وإن المظاهرين ليقولون بقولهم هذا منكرا من القول، أي ~~فظيعا من القول ينكره الشرع، والزور الكذب، وانتصاب { منكرا } ، و { ~~زورا } على أنهما صفة لمصدر محذوف، أي قولا منكرا وزورا { وإن ~~الله لعفو غفور } أي بليغ العفو والمغفرة إذ جعل الكفارة ~~عليهم مخلصة لهم عن هذا القول المنكر. { والذين يظهرون من ~~نسائهم ثم يعودون لما قالوا } لما ذكر سبحانه الظهار ~~إجمالا ووبخ فاعليه شرع في تفصيل أحكامه، والمعنى والذين يقولون ذلك ~~القول المنكر الزور، ثم يعودون لما قالوا، أي إلى ما قالوا بالتدارك ~~والتلافي، كما في قوله # أن تعودوا لمثله # النور 17 أي إلى مثله، قال الأخفش { لما قالوا } وإلى ما قالوا ~~يتعاقبان. قال # وقالوا الحمد لله الذى هدانا لهذا # الأعراف 43 وقال # فاهدوهم إلى صرط الجحيم # الصافات ms3814 23 وقال # بأن ربك أوحى لها # الزلزلة 5 وقال # وأوحى إلى نوح # هود 36 وقال الفراء اللام بمعنى عن، والمعنى ثم يرجعون عما قالوا، ~~ويريدون الوطء. وقال الزجاج المعنى ثم يعودون إلى إرادة الجماع من أجل ما ~~قالوا. قال الأخفش أيضا الآية فيها تقديم وتأخير، والمعنى والذين يظهرون ~~من نسائهم، ثم يعودون لما كانوا عليه من الجماع { فتحرير رقبة } ~~لما قالوا، أي فعليهم تحرير رقبة من أجل ما قالوا. فالجار في قوله { ~~لما قالوا } متعلق بالمحذوف الذي هو خبر المبتدأ، وهو فعليهم. ~~واختلف أهل العلم في تفسير العود المذكور على أقوال الأول أنه العزم على ~~الوطء، وبه قال العراقيون أبو حنيفة وأصحابه، وروي عن مالك. وقيل هو ~~الوطء نفسه، وبه قال الحسن، وروي أيضا عن مالك. وقيل هو أن يمسكها زوجة ~~بعد الظهار مع القدرة على الطلاق، وبه قال الشافعي. وقيل هو الكفارة، ~~والمعنى أنه لا يستبيح وطأها إلا بكفارة، وبه قال الليث بن سعد، وروي عن ~~أبي حنيفة. وقيل هو تكرير الظهار بلفظه، وبه قال أهل الظاهر. وروي عن ~~بكير بن الأشبح، وأبي العالية، والفراء. # والمعنى ثم يعودون إلى قول ما قالوا. والموصول مبتدأ، وخبره { ~~فتحرير رقبة } على تقدير، فعليهم تحرير رقبة، كما تقدم، أو ~~قالوا وجب عليهم إعتاق رقبة، يقال حررته، أي جعلته حرا، والظاهر أنها ~~تجزىء أي رقبة كانت، وقيل يشترط أن تكون مؤمنة كالرقبة في كفارة القتل ~~وبالأول قال أبو حنيفة وأصحابه، وبالثاني قال مالك، والشافعي، واشترطا ~~أيضا سلامتها من كل عيب { من قبل أن يتماسا } المراد بالتماس ~~هنا الجماع، وبه قال الجمهور، فلا يجوز للمظاهر الوطء حتى يكفر، وقيل ~~إن المراد به الاستمتاع بالجماع، أو اللمس، أو النظر إلى الفرج بشهوة، ~~وبه قال مالك، وهو أحد قولي الشافعي، والإشارة بقوله { ذلكم } إلى ~~الحكم المذكور وهو مبتدأ، وخبره { توعظون به } أي تؤمرون به، أو ~~تزجرون به عن ارتكاب الظهار، وفيه بيان لما هو المقصود من شرع الكفارة. ~~قال الزجاج معنى الآية ذلكم التغليظ في الكفارة توعظون ms3815 به أي إن غلظ ~~الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار { والله بما تعملون ~~خبير } لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، فهو مجازيكم عليها. ثم ذكر ~~سبحانه حكم العاجز عن الكفارة، فقال { فمن لم يجد فصيام ~~شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا } أي فمن لم يجد ~~الرقبة في ملكه، ولا تمكن من قيمتها، فعليه صيام شهرين متتابعين ~~متواليين لا يفطر فيهما، فإن أفطر استأنف إن كان الإفطار لغير عذر، وإن ~~كان لعذر من سفر أو مرض، فقال سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء بن أبي ~~رباح، وعمرو بن دينار، والشعبي، والشافعي، ومالك إنه يبني، ولا يستأنف. ~~وقال أبو حنيفة إنه يستأنف، وهو مروي عن الشافعي ومعنى { من قبل أن ~~يتماسا } هو ما تقدم قريبا، فلو وطىء ليلا أو نهارا عمدا أو ~~خطأ استأنف، وبه قال أبو حنيفة، ومالك. وقال الشافعي لا يستأنف إذا وطىء ~~ليلا لأنه ليس محلا للصوم، والأول أولى { فمن لم يستطع } ~~يعني صيام شهرين متتابعين { فإطعام ستين مسكينا } أي فعليه ~~أن يطعم ستين مسكينا، لكل مسكين مدان، وهما نصف صاع، وبه قال أبو حنيفة ~~وأصحابه. وقال الشافعي وغيره لكل مسكين مد واحد، والظاهر من الآية أن ~~يطعمهم حتى يشبعوا مرة واحدة، أو يدفع إليهم ما يشبعهم، ولا يلزمه أن ~~يجمعهم مرة واحدة، بل يجوز له أن يطعم بعض الستين في يوم، وبعضهم في يوم ~~آخر، والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم ذكره من الأحكام، وهو ~~مبتدأ، وخبره مقدر، أي ذلك واقع { لتؤمنوا بالله ورسوله ~~} ويجوز أن يكون اسم الإشارة في محل نصب، والتقدير فعلنا ذلك لتؤمنوا، أي ~~لتصدقوا أن الله أمر به وشرعه، أو لتطيعوا الله ورسوله في الأوامر ~~والنواهي، وتقفوا عند حدود الشرع ولا تتعدوها، ولا تعودوا إلى الظهار ~~الذي هو منكر من القول وزور، والإشارة بقوله { وتلك } إلى الأحكام ~~المذكورة، وهو مبتدأ، وخبره { حدود الله } فلا تجاوزوا حدوده التي ~~حدها لكم، فإنه قد بين لكم أن الظهار معصية، وأن كفارته المذكورة توجب ~~العفو والمغفرة { وللكفرين } الذين لا ms3816 يقفون عند حدود الله، ولا ~~يعملون بما حده الله لعباده { عذاب أليم } وهو عذاب جهنم، وسماه ~~كفرا تغليظا وتشديدا. # وقد أخرج ابن ماجه، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، ~~والبيهقي عن عائشة قالت تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة ~~بنت ثعلبة، ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وهي تقول يا رسول الله أكل شبابي، ونثرت له بطني حتى إذا كبر ~~سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك، قالت فما برحت حتى ~~نزل جبريل بهؤلاء الآيات { قد سمع الله قول التى ~~تجادلك فى زوجها } وهو أوس بن الصامت. وأخرج النحاس، وابن ~~مردويه، والبيهقي عن ابن عباس قال كان أول من ظاهر في الإسلام أوس، ~~وكانت تحته ابنة عم له يقال لها خولة بنت خويلد، فظاهر منها، فأسقط في ~~يده وقال ما أراك إلا قد حرمت علي، فانطلقي إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فاسأليه، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فوجدت عنده ماشطة تمشط ~~رأسه، فأخبرته، فقال # " يا خولة ما أمرنا في أمرك بشيء " # ، فأنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم فقال # " يا خولة أبشري " # قالت خيرا. قال # " خيرا " # ، فقرأ عليها { قد سمع الله قول التى تجادلك فى ~~زوجها } الآيات. وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن المنذر، والطبراني، ~~وابن مردويه، والبيهقي من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام قال حدثتني ~~خولة بنت ثعلبة قالت في، والله، وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة ~~المجادلة، قالت كنت عنده، وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، فدخل علي ~~يوما فراجعته بشيء، فغضب فقال أنت علي كظهر أمي، ثم رجع، فجلس في نادي ~~قومه ساعة، ثم دخل علي، فإذا هو يريدني عن نفسي، قلت كلا والذي نفس خولة ~~بيده لا تصل إلي، وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا، ثم جئت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فما برحت حتى نزل القرآن، ~~فتغشى ms3817 رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه، ثم سري عنه، فقال لي # " يا خولة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك " # ، ثم قرأ علي { قد سمع الله قول التى تجادلك } إلى ~~قوله { عذاب أليم } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم« مريه، ~~فليعتق رقبة»، قلت يا رسول الله ما عنده ما يعتق، قال # " فليصم شهرين متتابعين " # ، قلت والله إنه لشيخ كبير ما به من صيام، قال # " فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر " # ، قلت والله ما ذاك عنده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " فأنا سأعينه بعرق من تمر " # ، فقلت وأنا يا رسول الله سأعينه بعرق آخر، فقال # " قد أصبت، وأحسنت، فاذهبي، فتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرا، ~~" # قالت، ففعلت وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن المنذر، والبيهقي في سننه عن ~~ابن عباس في قوله { ثم يعودون لما قالوا } قال هو الرجل يقول ~~لامرأته أنت علي كظهر أمي، فإذا قال ذلك فليس يحل له أن يقربها بنكاح، ~~ولا غيره حتى يكفر بعتق رقبة { فمن } فإن { لم يجد فصيام ~~شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا } والمس النكاح ~~{ فمن } فإن { لم يستطع فإطعام ستين مسكينا } وإن ~~هو قال لها أنت علي كظهر أمي إن فعلت كذا، فليس يقع في ذلك ظهار حتى ~~يحنث، فإن حنث، فلا يقربها حتى يكفر، ولا يقع في الظهار طلاق. وأخرج ~~ابن المنذر عن أبي هريرة قال ثلاث فيه مد كفارة اليمين، وكفارة الظهار، ~~وكفارة الصيام. وأخرج البزار، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي ~~عن ابن عباس قال أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني ظاهرت من ~~امرأتي، فرأيت بياض خلخالها في ضوء القمر، فوقعت عليها قبل أن أكفر، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " ألم يقل الله { من قبل أن يتماسا } " # ، قال قد فعلت يا رسول الله، قال # " أمسك عنها حتى تكفر " # وأخرج عبد الرزاق، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، ~~والبيهقي عن ابن عباس أن رجلا قال يا رسول الله إني ظاهرت ms3818 من امرأتي، ~~فوقعت عليها من قبل أن أكفر، فقال # " وما حملك على ذلك " # ؟ قال رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال # " فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله " # وأخرج عبد الرزاق، وأحمد، وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، ~~وابن ماجه، والطبراني، والبغوي في معجمه، والحاكم وصححه عن سلمة بن صخر ~~الأنصاري قال كنت رجلا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما ~~دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان، فرقا من أن أصيب منها في ~~ليلي، فأتتابع في ذلك، ولا أستطيع أن أنزع حتى يدركني الصبح، فبينما هي ~~تخدمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها شيء، فوثبت عليها، فلما أصبحت غدوت على ~~قومي، فأخبرتهم خبري، فقلت انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأخبره بأمري، فقالوا لا، والله لا نفعل نتخوف أن ينزل فينا ~~القرآن، أو يقول فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالة يبقى علينا ~~عارها ولكن اذهب أنت، فاصنع ما بدا لك قال فخرجت، فأتيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فأخبرته خبري، فقال # " أنت بذاك؟ " # قلت أنا بذاك، قال # " أنت بذاك؟ " # قلت أنا بذاك، قال # " أنت بذاك؟ " # قلت أنا بذاك، وها أنا ذا، فأمض في حكم الله، فإني صابر لذلك، قال # " أعتق رقبة " # ، فضربت عنقي بيدي، فقلت لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها، قال # " فصم شهرين متتابعين " # ، فقلت هل أصابني ما أصابني إلا في الصيام؟ قال # " فأطعم ستين مسكينا " # ، قلت والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحشا ما لنا عشاء، قال # " اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق، فقل له، فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها ~~وسقا ستين مسكينا، ثم استعن بسائرها عليك، وعلى عيالك " # فرجعت إلى قومي فقلت وجدت عندكم الضيق، وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم السعة والبركة، أمر لي بصدقتكم، فادفعوها إلي، ~~فدفعوها إليه. ### || [58.5-10] # قوله { إن الذين يحادون الله ورسوله } لما ذكر ~~سبحانه المؤمنين الواقفين عند حدوده ذكر المحادين، والمحادة المشاقة، ~~والمعاداة، ms3819 والمخالفة، ومثله قوله # إن الذين يحادون الله ورسوله # المجادلة 20 قال الزجاج المحادة أن تكون في حد يخالف صاحبك، وأصلها ~~الممانعة، ومنه الحديد، ومنه الحداد للبواب { كبتوا كما كبت ~~الذين من قبلهم } أي أذلوا وأخزوا، يقال كبت الله فلانا إذا ~~أذله، والمردود بالذل يقال له مكبوت. قال المقاتلان أخزوا، كما أخزي ~~الذين من قبلهم من أهل الشرك، وكذا قال قتادة، وقال أبو عبيدة، والأخفش ~~أهلكوا. وقال ابن زيد عذبوا. وقال السدي لعنوا. وقال الفراء أغيظوا، ~~والمراد بمن قبلهم كفار الأمم الماضية المعادين لرسل الله، وعبر عن ~~المستقبل بلفظ الماضي تنبيها على تحقق وقوعه، وقيل المعنى على المضي، ~~وذلك ما وقع للمشركين يوم بدر، فإن الله كبتهم بالقتل والأسر، والقهر، ~~وجملة { وقد أنزلنا ءايت بينت } في محل نصب على الحال ~~من الواو في كبتوا، أي والحال أنا قد أنزلنا آيات واضحات فيمن حاد الله ~~ورسله من الأمم المتقدمة، وقيل المراد الفرائض التي أنزلها الله سبحانه، ~~وقيل هي المعجزات { وللكفرين عذاب مهين } أي للكافرين ~~بكل ما يجب الإيمان به. فتدخل الآيات المذكورة هنا دخولا أوليا، ~~والعذاب المهين الذي يهين صاحبه، ويذله، ويذهب بعزه { يوم ~~يبعثهم الله جميعا } الظرف منتصب بإضمار اذكر، أو بمهين، أو ~~بما تعلق به اللام من الاستقرار، أو بأحصاه المذكور بعده، وانتصاب { ~~جميعا } على الحال، أي مجتمعين في حالة واحدة، أو يبعثهم كلهم لا يبقي ~~منهم أحد غير مبعوث { فينبئهم بما عملوا } أي يخبرهم بما ~~عملوه في الدنيا من الأعمال القبيحة توبيخا لهم وتبكيتا، ولتكميل الحجة ~~عليهم، وجملة { أحصه الله ونسوه } مستأنفة جواب سؤال مقدر، ~~كأنه قيل كيف ينبئهم بذلك على كثرته واختلاف أنواعه، فقيل أحصاه الله ~~جميعا، ولم يفته منه شيء، والحال أنهم قد نسوه ولم يحفظوه، بل وجدوه ~~حاضرا مكتوبا في صحائفهم { والله على كل شىء شهيد } لا ~~يخفى عليه شيء من الأشياء، بل هو مطلع وناظر. ثم أكد سبحانه بيان كونه ~~عالما بكل شيء، فقال { ألم تر أن الله يعلم ما فى ~~السموات وما في الأرض ms3820 } أي ألم تعلم أن علمه محيط بما فيهما ~~بحيث لا يخفى عليه شيء مما فيهما، وجملة { ما يكون من نجوى ~~ثلثة } إلخ مستأنفة لتقرير شمول علمه وإحاطته بكل المعلومات. قرأ ~~الجمهور { يكون } بالتحتية. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع، والأعرج، وأبو ~~حيوة بالفوقية، وكان على القراءتين تامة، و " من " مزيدة للتأكيد، ونجوى ~~فاعل كان، والنجوى السرار، يقال قوم نجوى، أي ذو نجوى، وهي مصدر. # والمعنى ما يوجد من تناجي ثلاثة، أو من ذوي نجوى،ويجوز أن تطلق النجوى ~~على الأشخاص المتناجين، فعلى الوجه الأول انخفاض ثلاثة بإضافة نجوى ~~إليه، وعلى الوجهين الآخرين يكون انخفاضها على البدل من نجوى، أو الصفة ~~لها. قال الفراء ثلاثة نعت للنجوى، فانخفضت، وإن شئت أضفت نجوى إليها، ~~ولو نصبت على إضمار فعل جاز، وهي قراءة ابن أبي عبلة، ويجوز رفع ثلاثة ~~على البدل من موضع نجوى { إلا هو رابعهم } هذه الجملة في موضع ~~نصب على الحال، وكذا قوله { إلا هو سادسهم } { إلا هو ~~معهم } أي ما يوجد شيء من هذه الأشياء إلا في حال من هذه الأحوال، ~~فالاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، ومعنى رابعهم جاعلهم أربعة، وكذا ~~سادسهم جاعلهم ستة من حيث إنه يشاركهم في الاطلاع على تلك النجوى { ولا ~~خمسة } أي ولا نجوى خمسة، وتخصيص العددين بالذكر لأن أغلب عادات ~~المتناجين أن يكونوا ثلاثة، أو خمسة أو كانت الواقعة التي هي سبب النزول ~~في متناجين كانوا ثلاثة في موضع، وخمسة في موضع. قال الفراء العدد غير ~~مقصود لأنه سبحانه مع كل عدد قل أو كثر، يعلم السر والجهر، لا تخفى عليه ~~خافية { ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم ~~} أي ولا أقل من العدد المذكور كالواحد والاثنين، ولا أكثر منه كالستة ~~والسبعة إلا هو معهم يعلم ما يتناجون به لا يخفى عليه منه شيء. قرأ ~~الجمهور { ولا أكثر } بالجر بالفتحة عطفا على لفظ نجوى. وقرأ الحسن، ~~والأعمش، وابن أبي إسحاق، وأبو حيوة، ويعقوب، وأبو العالية، ونصر، وعيسى ~~بن عمر، وسلام بالرفع عطفا على محل ms3821 نجوى. وقرأ الجمهور { ولا أكثر } ~~بالمثلثة. وقرأ الزهري، وعكرمة بالموحدة. قال الواحدي قال المفسرون إن ~~المنافقين واليهود كانوا يتناجون فيما بينهم، ويوهمون المؤمنين أنهم ~~يتناجون فيما يسوءهم، فيحزنون لذلك، فلما طال ذلك وكثر شكوا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا ~~عن ذلك، وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله هذه الآيات، ومعنى { أينما ~~كانوا } إحاطة علمه بكل تناج يكون منهم في أي مكان من الأمكنة { ~~ثم ينبئهم } أي يخبرهم { بما عملوا يوم القيمة } ~~توبيخا لهم، وتبكيتا، وإلزاما للحجة { أن الله بكل شىء ~~عليم } لا يخفى عليه شيء كائنا ما كان. { ألم تر إلى ~~الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا ~~عنه } هؤلاء الذين نهوا، ثم عادوا لما نهوا عنه، هم من تقدم ذكره من ~~المنافقين واليهود. قال مقاتل كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ~~اليهود مواعدة، فإذا مر بهم الرجل من المؤمنين تناجوا بينهم حتى يظن ~~المؤمن شرا، فنهاهم الله، فلم ينتهوا، فنزلت. # وقال ابن زيد كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فيسأله الحاجة، ~~ويناجيه، والأرض يومئذ حرب، فيتوهمون أنه يناجيه في حرب، أو بلية، أو ~~أمر مهم، فيفزعون لذلك { ويتنجون بالإثم والعدوان ~~ومعصيت الرسول } قرأ الجمهور { يتناجون } بوزن يتفاعلون، ~~واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم، لقوله فيما بعد { إذا ~~تناجيتم فلا تتنجوا }. وقرأ حمزة، وخلف، وورش عن يعقوب ~~وينتجون بوزن يفتعلون، وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه، وحكى سيبويه أن ~~تفاعلوا وافتعلوا يأتيان بمعنى واحد نحو تخاصموا واختصموا، وتقاتلوا ~~واقتتلوا، ومعنى الإثم ما هو إثم في نفسه كالكذب والظلم، والعدوان ما فيه ~~عدوان على المؤمنين، ومعصية الرسول مخالفته. قرأ الجمهور { ومعصية } ~~بالإفراد. وقرأ الضحاك، وحميد، ومجاهد ومعصيات بالجمع { وإذا جاءوك ~~حيوك بما لم يحيك به الله } قال القرطبي إن المراد بها ~~اليهود كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم، فيقولون السام عليك ~~يريدون بذلك السلام ظاهرا، وهم يعنون الموت باطنا، فيقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " عليكم ms3822 " # وفي رواية أخرى # " وعليكم " # { ويقولون فى أنفسهم } أي فيما بينهم { لولا يعذبنا ~~الله بما نقول } أي هلا يعذبنا بذلك، ولو كان محمد نبيا لعذبنا ~~بما يتضمنه قولنا من الاستخفاف به. وقيل المعنى لو كان نبيا لاستجيب له ~~فينا حيث يقول وعليكم، ووقع علينا الموت عند ذلك { حسبهم جهنم ~~} عذابا { يصلونها } يدخلونها { فبئس المصير } أي المرجع، ~~وهو جهنم. { يأيها الذين ءامنوا إذا تناجيتم فلا ~~تتنجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول } لما ~~فرغ سبحانه عن نهي اليهود والمنافقين عن النجوى أرشد المؤمنين إذا تناجوا ~~فيما بينهم أن لا يتناجوا بما فيه إثم وعدوان، ومعصية لرسول الله، كما ~~يفعله اليهود والمنافقون. ثم بين لهم ما يتناجون به في أنديتهم ~~وخلواتهم، فقال { وتنجوا بالبر والتقوى } أي بالطاعة ~~وترك المعصية، وقيل الخطاب للمنافقين، والمعنى يا أيها الذين آمنوا ~~ظاهرا، أو بزعمهم، واختار هذا الزجاج. وقيل الخطاب لليهود. والمعنى يا ~~أيها الذين آمنوا بموسى، والأول أولى، ثم خوفهم سبحانه، فقال { ~~واتقوا الله الذى إليه تحشرون } ، فيجزيكم بأعمالكم. ~~ثم بين سبحانه أن ما يفعله اليهود والمنافقون من التناجي هو من جهة ~~الشيطان، فقال { إنما النجوى } يعني بالإثم والعدوان، ومعصية ~~الرسول { من الشيطن } لا من غيره، أي من تزيينه وتسويله { ~~ليحزن الذين ءامنوا } أي لأجل أن يوقعهم في الحزن بما يحصل ~~لهم من التوهم أنها في مكيدة يكادون بها { وليس بضارهم شيئا ~~} أو، وليس الشيطان، أو التناجي الذي يزينه الشيطان بضار المؤمنين شيئا ~~من الضرر { إلا بإذن الله } أي بمشيئته، وقيل بعلمه { وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون } أي يكلون أمرهم إليه، ~~ويفوضونه في جميع شؤونهم، ويستعيذون بالله من الشيطان، ولا يبالون بما ~~يزينه من النجوى. # وقد أخرج أحمد، وعبد بن حميد، والبزار، وابن المنذر، والطبراني، وابن ~~مردويه، والبيهقي في الشعب. قال السيوطي بسند جيد عن ابن عمر إن اليهود ~~كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم السام عليك، يريدون بذلك ~~شتمه، ثم يقولون في أنفسهم { لولا يعذبنا الله بما نقول } ، فنزلت هذه ~~الآية { وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك ms3823 به الله }. ~~وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، والترمذي وصححه عن أنس أن يهوديا ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال السام عليكم، فرد عليه ~~القوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " هل تدرون ما قال هذا " # ؟ قالوا الله أعلم، سلم يا نبي الله، قال # " لا، ولكنه قال كذا، وكذا، ردوه علي " # فردوه، قال # " قلت السام عليكم؟ " # قال نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك # " إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب، فقولوا عليك، ما قلت " # قال { وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله }. ~~وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عائشة قالت دخل على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يهود، فقالوا السام عليك يا أبا القاسم، فقالت عائشة عليكم ~~السام واللعنة، فقال # " يا عائشة إن الله لا يحب الفحش ولا المتفحش " # ، قلت ألا تسمعهم يقولون السام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أو ما سمعتني أقول وعليكم " # فأنزل الله { وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به ~~الله }. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في هذه الآية ~~قال كان المنافقون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حيوه سام ~~عليك، فنزلت. وأخرج ابن مردويه عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا بعث سرية وأغزاها، التقى المنافقون، فأنغضوا رءوسهم إلى المسلمين، ~~ويقولون قتل القوم، وإذا رأوا رسول الله تناجوا وأظهروا الحزن، فبلغ ذلك ~~من النبي صلى الله عليه وسلم ومن المسلمين، فأنزل الله { يأيها ~~الذين ءامنوا إذا تناجيتم فلا تتنجوا بالإثم ~~والعدوان ومعصية الرسول } الآية. وأخرج البخاري، ومسلم، ~~وغيرهما عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ذلك يحزنه " # وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي سعيد قال كنا نتناوب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يطرقه أمر، أو يأمر بشيء، فكثر أهل النوب والمحتسبون ~~ليلة حتى إذا كنا أنداء نتحدث، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه ms3824 وسلم ~~من الليل فقال # " ما هذه النجوى؟ ألم تنهوا عن النجوى " # ؟ قلنا يا رسول الله إنا كنا في ذكر المسيح فرقا منه، فقال # " ألا أخبركم مما هو أخوف عليكم عندي منه " # ؟ قلنا بلى يا رسول الله. قال # " الشرك الخفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل " # قال ابن كثير هذا إسناد غريب، وفيه بعض الضعفاء. ### || [58.11-13] # قوله { يأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا ~~فى المجلس } يقال فسح له يفسح فسحا أي وسع له، ومنه قولهم بلد ~~فسيح. أمر الله سبحانه بحسن الأدب مع بعضهم بعضا بالتوسعة في المجلس، ~~وعدم التضايق فيه. قال قتادة، ومجاهد، والضحاك كانوا يتنافسون في مجلس ~~النبي، فأمروا أن يفسح بعضهم لبعض. وقال الحسن، ويزيد بن أبي حبيب هو ~~مجلس القتال إذا اصطفوا للحرب كانوا يتشاحون على الصف الأول، فلا يوسع ~~بعضهم لبعض رغبة في القتال لتحصيل الشهادة { فافسحوا يفسح ~~الله لكم } أي فوسعوا يوسع الله لكم في الجنة، أو في كل ما تريدون ~~التفسح فيه من المكان والرزق وغيرهما. قرأ الجمهور { تفسحوا في المجلس } ~~وقرأ السلمي، وزر بن حبيش، وعاصم في المجالس على الجمع لأن لكل واحد ~~منهم مجلسا، وقرأ قتادة، والحسن، وداود بن أبي هند، وعيسى بن عمر ~~تفاسحوا قال الواحدي والوجه التوحيد في المجلس لأنه يعني به مجلس النبي. ~~وقال القرطبي الصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع فيه المسلمون ~~للخير والأجر، سواء كان مجلس حرب، أو ذكر، أو يوم الجمعة، وأن كل واحد ~~أحق بمكانه الذي سبق إليه، ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذ بذلك، فيخرجه ~~الضيق عن موضعه، ويؤيد هذا حديث ابن عمر عند البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " لا يقم الرجل الرجل من مجلسه، ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا " # { وإذا قيل انشزوا فانشزوا } قرأ الجمهور بكسر الشين فيها، ~~وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم بضمها فيهما، وهما لغتان بمعنى واحد، يقال ~~نشز، أي ارتفع، ينشز وينشز كعكف يعكف ويعكف، والمعنى إذا قيل لكم ms3825 انهضوا، ~~فانهضوا. قال جمهور المفسرين أي انهضوا إلى الصلاة، والجهاد، وعمل الخير. ~~وقال مجاهد، والضحاك، وعكرمة كان رجال يتثاقلون عن الصلاة، فقيل لهم إذا ~~نودي للصلاة، فانهضوا. وقال الحسن انهضوا إلى الحرب. وقال ابن زيد هذا في ~~بيت النبي صلى الله عليه وسلم، كان كل رجل منهم يحب أن يكون آخر عهده ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله تعالى { وإذا قيل انشزوا ~~} عن النبي { فانشزوا } فإن له حوائج، فلا تمكثوا. وقال قتادة ~~المعنى أجيبوا إذا دعيتم إلى أمر بمعروف، والظاهر حمل الآية على العموم ~~والمعنى إذا قيل لكم انهضوا إلى أمر من الأمور الدينية، فانهضوا ولا ~~تتثاقلوا، ولا يمنع من حملها على العموم كون السبب خاصا، فإن الاعتبار ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو الحق، ويندرج ما هو سبب النزول فيها ~~اندراجا أوليا، وهكذا يندرج ما فيه السياق، وهو التفسيح في المجلس ~~اندراجا أوليا، وقد قدمنا أن معنى نشز ارتفع، وهكذا يقال نشز ينشز ~~إذا تنحى عن موضعه، ومنه امرأة ناشز، أي متنحية عن زوجها، وأصله مأخوذ من ~~النشز، وهو ما ارتفع من الأرض وتنحى، ذكر معناه النحاس { يرفع ~~الله الذين ءامنوا منكم } في الدنيا والآخرة بتوفير نصيبهم ~~فيهما { والذين أوتوا العلم درجت } أي ويرفع الذين ~~أوتوا العلم منكم درجات عالية في الكرامة في الدنيا، والثواب في الآخرة، ~~ومعنى الآية أنه يرفع الذين آمنوا على من لم يؤمن درجات، ويرفع الذين ~~أوتوا العلم على الذين آمنوا درجات، فمن جمع بين الإيمان والعلم رفعه ~~الله بإيمانه درجات، ثم رفعه بعلمه درجات، وقيل المراد بالذين آمنوا من ~~الصحابة، وكذلك الذين أوتوا العلم، وقيل المراد بالذين أوتوا العلم الذين ~~قرءوا القرآن. # والأولى حمل الآية على العموم في كل مؤمن، وكل صاحب علم من علوم الدين ~~من جميع أهل هذه الملة، ولا دليل يدل على تخصيص الآية بالبعض دون البعض، ~~وفي هذه الآية فضيلة عظيمة للعلم وأهله، وقد دل على فضله وفضلهم آيات ~~قرآنية وأحاديث نبوية { والله بما تعملون خبير } لا يخفى ms3826 ~~عليه شيء من أعمالكم من خير وشر، فهو مجازيكم بالخير خيرا وبالشر ~~شرا. { يأيها الذين ءامنوا إذا نجيتم الرسول ~~فقدموا بين يدى نجوكم صدقة } المناجاة المساررة، ~~والمعنى إذا أردتم مساررة الرسول في أمر من أموركم، فقدموا بين يدي ~~مساررتكم له صدقة. قال الحسن نزلت بسبب أن قوما من المسلمين كانوا ~~يستخلون النبي صلى الله عليه وسلم يناجونه، فظن بهم قوم من المسلمين ~~أنهم ينتقصونهم في النجوى، فشق عليهم ذلك، فأمرهم الله بالصدقة عند ~~النجوى لتقطعهم عن استخلائه. وقال زيد بن أسلم نزلت بسبب أن المنافقين ~~واليهود كانوا يناجون النبي صلى الله عليه وسلم، ويقولون إنه أذن يسمع ~~كل ما قيل له، وكان لا يمنع أحدا من مناجاته، وكان ذلك يشق على ~~المسلمين لأن الشيطان كان يلقي في أنفسهم أنهم ناجوه بأن جموعا اجتمعت ~~لقتاله، فأنزل الله { يأيها الذين آمنوا إذا ~~تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ~~ومعصية الرسول } ، فلم ينتهوا، فأنزل الله هذه الآية، فانتهى ~~أهل الباطل عن النجوى لأنهم لم يقدموا بين يدي نجواهم صدقة، وشق ذلك ~~على أهل الإيمان، وامتنعوا عن النجوى لضعف كثير منهم عن الصدقة، فخفف ~~الله عنهم بالآية التي بعد هذه، والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم ~~من تقديم الصدقة بين يدي النجوى، وهو مبتدأ وخبره { خير لكم ~~وأطهر } لما فيه من طاعة الله، وتقييد الأمر بكون امتثاله خيرا لهم ~~من عدم الامتثال، وأطهر لنفوسهم يدل على أنه أمر ندب لا أمر وجوب { فإن ~~لم تجدوا فإن الله غفور رحيم } يعني من كان منهم لا ~~يجد تلك الصدقة المأمور بها بين يدي النجوى، فلا حرج عليه في النجوى بدون ~~صدقة. # { أءشفقتم أن تقدموا بين يدى نجوكم صدقت } ~~أي أخفتم الفقر والعيلة لأن تقدموا ذلك، والإشفاق الخوف من المكروه، ~~والاستفهام للتقرير. وقيل المعنى أبخلتم، وجمع الصدقات هنا باعتبار ~~المخاطبين. قال مقاتل بن حيان إنما كان ذلك عشر ليال، ثم نسخ. وقال ~~الكلبي ما كان ذلك إلا ليلة واحدة. وقال قتادة ما كان إلا ساعة من ~~النهار { فإذ ms3827 لم تفعلوا } ما أمرتم به من الصدقة بين يدي ~~النجوى، وهذا خطاب لمن وجد ما يتصدق به، ولم يفعل، وأما من لم يجد، فقد ~~تقدم الترخيص له بقوله { فإن لم تجدوا فإن الله غفور ~~رحيم } { وتاب الله عليكم } بأن رخص لكم في الترك، «وإذ» ~~على بابها في الدلالة على المضي، وقيل هي بمعنى إذا، وقيل بمعنى إن، ~~وتاب معطوف على لم تفعلوا، أي وإذا لم تفعلوا، وإذ تاب عليكم { فأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة } والمعنى إذا وقع منكم التثاقل عن امتثال الأمر ~~بتقديم الصدقة بين يدي النجوى، فاثبتوا على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ~~وطاعة الله ورسوله، فيما تؤمرون به وتنهون عنه { والله خبير بما ~~تعملون } لا يخفى عليه من ذلك شيء، فهو مجازيكم، وليس في الآية ما ~~يدل على تقصير المؤمنين في امتثال هذا الأمر، أما الفقراء منهم، فالأمر ~~واضح، وأما من عداهم من المؤمنين، فإنهم لم يكلفوا بالمناجاة حتى تجب ~~عليهم الصدقة بل أمروا بالصدقة إذا أرادوا المناجاة فمن ترك المناجاة، ~~فلا يكون مقصرا في امتثال الأمر بالصدقة، على أن في الآية ما يدل على أن ~~الأمر للندب، كما قدمنا. وقد استدل بهذه الآية من قال بأنه يجوز النسخ ~~قبل إمكان الفعل، وليس هذا الاستدلال بصحيح، فإن النسخ لم يقع إلا بعد ~~إمكان الفعل، وأيضا قد فعل ذلك البعض، فتصدق بين يدي نجواه، كما سيأتي. ~~وقد أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال أنزلت هذه الآية { إذا ~~قيل لكم تفسحوا فى المجلس } يوم جمعة، ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يومئذ في الصفة، وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من ~~المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر، وقد سبقوا إلى المجالس، فقاموا ~~حيال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا السلام عليك أيها النبي ورحمة ~~الله وبركاته، فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، ثم سلموا على القوم ~~بعد ذلك، فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف ~~النبي ما يحملهم على القيام، فلم يفسح ms3828 لهم، فشق ذلك عليه، فقال لمن حوله ~~من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر «قم يا فلان، وأنت يا فلان»، فلم ~~يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم قيام من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم ~~من مجلسه، فنزلت هذه الآية. # وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال ذلك في مجلس القتال { وإذا ~~قيل انشزوا } قال إلى الخير والصلاة. وأخرج ابن المنذر، والحاكم ~~وصححه، والبيهقي في المدخل عن ابن عباس في قوله { يرفع الله ~~الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجت ~~} قال يرفع الله الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤمنوا ~~درجات. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في ~~تفسير هذه الآية قال يرفع الله الذين آمنوا منكم، وأوتوا العلم على الذين ~~آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات. وأخرج ابن المنذر عنه قال ما خص الله ~~العلماء في شيء من القرآن ما خصهم في هذه الآية، فضل الله الذين آمنوا ~~وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم. وأخرج ابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { إذا نجيتم ~~الرسول } الآية، قال إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى شقوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه، فلما قال ذلك ~~ظن كثير من الناس، وكفوا عن المسئلة، فأنزل الله بعد هذا { ~~أءشفقتم } الآية، فوسع الله عليهم ولم يضيق. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، ~~والنحاس، وابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال لما نزلت { يأيها ~~الذين ءامنوا إذا نجيتم الرسول فقدموا بين ~~يدى نجوكم صدقة } قال لي النبي صلى الله عليه وسلم # " ما ترى، دينار؟ " # قلت لا يطيقونه. قال # " فنصف دينار؟ " # قلت لا يطيقونه، قال، # " فكم؟ " # قلت شعيرة، قال # " إنك لزهيد " # ، قال فنزلت { أأشفقتم أن تقدموا بين يدى نجوكم ~~صدقت } الآية، فبي خفف الله عن هذه الآمة، والمراد بالشعيرة هنا ~~وزن شعيرة ms3829 من ذهب، وليس المراد واحدة من حب الشعير. وأخرج عبد الرزاق، ~~وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه قال ما عمل ~~بها أحد غيري حتى نسخت، وما كانت إلا ساعة، يعني آية النجوى. وأخرج سعيد ~~بن منصور، وابن راهويه، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه أيضا قال إن في كتاب الله ~~لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، آية النجوى { ~~يأيها الذين ءامنوا إذا نجيتم الرسول ~~فقدموا بين يدى نجوكم صدقة } كان عندي دينار، فبعته ~~بعشرة دراهم، فكنت كلما ناجيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمت بين ~~يدي نجواي درهما، ثم نسخت، فلم يعمل بها أحد، فنزلت { أأشفقتم أن ~~تقدموا بين يدى نجوكم صدقت } الآية. وأخرج ~~الطبراني، وابن مردويه. قال السيوطي بسند ضعيف عن سعد بن أبي وقاص قال ~~نزلت { يأيها الذين ءامنوا إذا نجيتم الرسول ~~فقدموا بين يدى نجوكم صدقة } ، فقدمت شعيرة، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إنك لزهيد " # ، فنزلت الآية الأخرى { أأشفقتم أن تقدموا بين يدى ~~نجوكم صدقت }. ### || [58.14-22] # قوله { ألم تر إلى الذين تولوا قوما } أي والوهم. ~~قال قتادة هم المنافقون تولوا اليهود. وقال السدي، ومقاتل هم اليهود ~~تولوا المنافقين، ويدل على الأول قوله { غضب الله عليهم } ~~فإن المغضوب عليهم هم اليهود، ويدل على الثاني قوله { ما هم منكم ~~ولا منهم } فإن هذه صفة المنافقين، كما قال الله فيهم # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء # النساء 143 وجملة { ما هم منكم ولا منهم } في محل نصب على ~~الحال، أو هي مستأنفة { ويحلفون على الكذب } أي يحلفون أنهم ~~مسلمون، أو يحلفون أنهم ما نقلوا الأخبار إلى اليهود، والجملة عطف على ~~تولوا داخلة في حكم التعجيب من فعلهم، وجملة { وهم يعلمون } في ~~محل نصب على الحال، أي والحال أنهم يعلمون بطلان ما حلفوا عليه، وأنه كذب ~~لا حقيقة له. { أعد الله لهم عذابا شديدا } بسبب ms3830 هذا ~~التولي والحلف على الباطل { إنهم ساء ما كانوا يعملون } ~~من الأعمال القبيحة { اتخذوا أيمنهم جنة } قرأ الجمهور ~~{ أيمانهم } بفتح الهمزة جمع يمين، وهي ما كانوا يحلفون عليه من الكذب ~~بأنهم من المسلمين توقيا من القتل، فجعلوا هذه الأيمان وقاية وسترة دون ~~دمائهم، كما يجعل المقاتل الجنة وقاية له من أن يصاب بسيف أو رمح أو سهم. ~~وقرأ الحسن، وأبو العالية إيمانهم بكسر الهمزة أي جعلوها تصديقهم جنة من ~~القتل، فآمنت ألسنتهم من خوف القتل، ولم تؤمن قلوبهم { فصدوا عن ~~سبيل الله } أي منعوا الناس عن الإسلام بسبب ما يصدر عنهم من ~~التثبيط، وتهوين أمر المسلمين، وتضعيف شوكتهم، وقيل المعنى فصدوا ~~المسلمين عن قتالهم بسبب إظهارهم للإسلام { فلهم عذاب مهين } ~~أي يهينهم ويخزيهم، قيل هو تكرير لقوله { أعد الله لهم ~~عذابا شديدا } للتأكيد، وقيل الأول عذاب القبر، وهذا عذاب الآخرة، ~~ولا وجه للقول بالتكرار، فإن العذاب الموصوف بالشدة غير العذاب الموصوف ~~بالإهانة. { لن تغنى عنهم أمولهم ولا أولدهم من ~~الله شيئا } أي لن تغني عنهم من عذابه شيئا من الإغناء. قال مقاتل ~~قال المنافقون إن محمدا يزعم أنه ينصر يوم القيامة لقد شقينا إذن، ~~فوالله لننصرن يوم القيامة بأنفسنا، وأموالنا، وأولادنا إن كان قيامة، ~~فنزلت الآية { أولئك } الموصوفون بما ذكر { أصحب النار } ~~لا يفارقونها { هم فيها خلدون } لا يخرجون منها { يوم ~~يبعثهم الله جميعا } الظرف منصوب بقوله { مهين } ، أو ~~بمقدر، أي اذكر { فيحلفون له كما يحلفون لكم } أي ~~يحلفون لله يوم القيامة على الكذب كما يحلفون لكم في الدنيا، وهذا من ~~شدة شقاوتهم ومزيد الطبع على قلوبهم، فإن يوم القيامة قد انكشفت الحقائق ~~وصارت الأمور معلومة بضرورة المشاهدة، فكيف يجترئون على أن يكذبوا في ذلك ~~الموقف ويحلفون على الكذب { ويحسبون أنهم على شىء } أي ~~يحسبون في الآخرة أنهم بتلك الأيمان الكاذبة على شيء مما يجلب نفعا، أو ~~يدفع ضررا، كما كانوا يحسبون ذلك في الدنيا { ألا إنهم هم ~~الكذبون } أي الكاملون في الكذب المتهالكون عليه البالغون فيه إلى ~~حد لم ms3831 يبلغ غيرهم إليه بإقدامهم عليه، وعلى الأيمان الفاجرة في موقف ~~القيامة بين يدي الرحمن. # { استحوذ عليهم الشيطن } أي غلب عليهم واستعلى ~~واستولى. قال المبرد استحوذ على الشيء حواه وأحاط به، وقيل قوي عليهم، ~~وقيل جمعهم، يقال أحوذ الشيء، أي جمعه وضم بعضه إلى بعض، والمعاني ~~متقاربة لأنه إذا جمعهم فقد قوي عليهم وغلبهم واستعلى عليهم واستولى، ~~وأحاط بهم { فأنسهم ذكر الله } أي أوامره والعمل بطاعاته، ~~فلم يذكروا شيئا من ذلك، وقيل زواجره في النهي عن معاصيه، وقيل لم ~~يذكروه بقلوبهم ولا بألسنتهم، والإشارة بقوله { أولئك } إلى ~~المذكورين الموصوفين بتلك الصفات، وهو مبتدأ، وخبره { حزب ~~الشيطن } أي جنوده، وأتباعه، ورهطه { ألا إن حزب ~~الشيطن هم الخسرون } أي الكاملون في الخسران حتى كأن ~~خسران غيرهم بالنسبة إلى خسرانهم ليس بخسران لأنهم باعوا الجنة والهدى ~~بالضلالة، وكذبوا على الله وعلى نبيه، وحلفوا الأيمان الفاجرة في الدنيا ~~والآخرة { إن الذين يحادون الله ورسوله } تقدم معنى ~~المحادة لله ولرسوله في أول هذه السورة، والجملة تعليل لما قبلها { ~~أولئك فى الأذلين } أي أولئك المحادون لله ورسوله، المتصفون ~~بتلك الصفات المتقدمة من جملة من أذله الله من الأمم السابقة واللاحقة ~~لأنهم لما حادوا الله ورسوله صاروا من الذل بهذا المكان. قال عطاء يريد ~~الذل في الدنيا، والخزي في الآخرة. { كتب الله لأغلبن أنا ~~ورسلى } الجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها مع كونهم في الأذلين، أي كتب ~~في اللوح المحفوظ، وقضى في سابق علمه لأغلبن أنا ورسلي بالحجة والسيف. ~~قال الزجاج معنى غلبة الرسل على نوعين من بعث منهم بالحرب، فهو غالب في ~~الحرب، ومن بعث منهم بغير الحرب، فهو غالب بالحجة. قال الفراء كتب بمعنى ~~قال، وقوله { أنا } توكيد، ثم ذكر مثل قول الزجاج. { إن الله ~~قوى عزيز } فهو قوي على نصر أوليائه غالب لأعدائه لا يغلبه أحد. ~~{ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله } الخطاب لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له أي يحبون ويوالون من عادى الله ms3832 ورسوله ~~وشاقهما، وجملة { يوادون } في محل نصب على أنها المفعول الثاني لتجد ~~إن كان متعديا إلى مفعولين، أو في محل نصب على الحال إن كان متعديا ~~إلى مفعول واحد، أو صفة أخرى ل { قوما } ، أي جامعون بين الإيمان ~~والموادة لمن حاد الله ورسوله { ولو كانوا ءاباءهم أو ~~أبناءهم أو إخونهم أو عشيرتهم } أي ولو كان ~~المحادون لله ورسوله آباء الموادين، إلخ، فإن الإيمان يزجر عن ذلك، ~~ويمنع منه، ورعايته أقوى من رعاية الأبوة والبنوة والأخوة والعشيرة { ~~أولئك كتب فى قلوبهم الإيمن } يعني الذين لا يوادون ~~من حاد الله ورسوله، ومعنى { كتب فى قلوبهم الإيمن } خلقه، ~~وقيل أثبته، وقيل جعله، وقيل جمعه، والمعاني متقاربة { وأيدهم ~~بروح منه } قواهم بنصر منه على عدوهم في الدنيا، وسمى نصره لهم ~~روحا لأن به يحيا أمرهم، وقيل هو نور القلب. # وقال الربيع بن أنس بالقرآن والحجة، وقيل بجبريل، وقيل بالإيمان، وقيل ~~برحمة. قرأ الجمهور { كتب } مبنيا للفاعل، ونصب الإيمان على المفعولية. ~~وقرأ زر بن حبيش، والمفضل عن عاصم على البناء للمفعول، ورفع الإيمان على ~~النيابة. وقرأ زر بن حبيش عشيراتهم بالجمع، ورويت هذه القراءة عن عاصم { ~~ويدخلهم جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين ~~فيها } على الأبد { رضى الله عنهم } أي قبل أعمالهم، وأفاض ~~عليهم آثار رحمته العاجلة والآجلة { ورضوا عنه } أي فرحوا بما ~~أعطاهم عاجلا وآجلا { أولئك حزب الله } أي جنده الذين ~~يمتثلون أوامره، ويقاتلون أعداءه، وينصرون أولياءه، وفي إضافتهم إلى الله ~~سبحانه تشريف لهم عظيم، وتكريم فخيم { ألا إن حزب الله هم ~~المفلحون } أي الفائزون بسعادة الدنيا والآخرة، الكاملون في الفلاح ~~الذين صار فلاحهم هو الفرد الكامل، حتى كان فلاح غيرهم بالنسبة إلى ~~فلاحهم كلا فلاح. وقد أخرج أحمد، والبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل حجرة من حجره، وعنده نفر من ~~المسلمين، فقال # " إنه سيأتيكم إنسان، فينظر إليكم بعين شيطان، فإذا جاءكم، فلا ms3833 تكلموه " # ، فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق، فقال حين رآه # " علام تشتمني أنت وأصحابك " # ؟ فقال ذرني آتيك بهم، فحلفوا، واعتذروا، فأنزل الله { يوم ~~يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون ~~لكم } الآية والتي بعدها. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، ~~وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في سننه عن عبد الله بن شوذب قال جعل والد ~~أبي عبيدة بن الجراح يتقصد لأبي عبيدة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد ~~عنه، فلما أكثر قصده أبو عبيدة، فقتله، فنزلت { لا تجد قوما ~~يؤمنون بالله } الآية. ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.1-7] # قوله { سبح لله ما فى السموات وما في الأرض وهو ~~العزيز الحكيم } قد تقدم تفسير هذا في سورة الحديد. { هو ~~الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتب من ~~ديرهم لأول الحشر } هم بنو النضير، وهم. رهط من اليهود من ~~ذرية هارون، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل انتظارا منهم لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، فغدروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن عاهدوه، ~~وصاروا عليه مع المشركين، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رضوا ~~بالجلاء. قال الكلبي كانوا أول من أجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب، ~~ثم أجلي آخرهم في زمن عمر بن الخطاب، فكان جلاؤهم أول حشر من المدينة، ~~وآخر حشر إجلاء عمر لهم. وقيل إن أول الحشر إخراجهم من حصونهم إلى خيبر، ~~وآخر الحشر إخراجهم من خيبر إلى الشام، وقيل آخر الحشر هو حشر جميع الناس ~~إلى أرض المحشر، وهي الشام. قال عكرمة من شك أن المحشر يوم القيامة في ~~الشام، فليقرأ هذه الآية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم # " اخرجوا " # ، قالوا إلى أين؟ قال # " إلى أرض المحشر " # قال ابن العربي الحشر أول وأوسط وآخر، فالأول إجلاء بني النضير، ~~والأوسط إجلاء أهل خيبر، والآخر يوم القيامة. وقد أجمع المفسرون على أن ~~هؤلاء المذكورين في الآية هم بنو النضير، ولم يخالف في ذلك إلا الحسن ~~البصري فقال هم بنو قريظة، وهو غلط، فإن بني قريظة ما حشروا، ms3834 بل قتلوا ~~بحكم سعد بن معاذ لما رضوا بحكمه، فحكم عليهم بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبي ~~ذراريهم، وتغنم أموالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد # " لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة " # واللام في { لأول الحشر } متعلقة ب { أخرج } ، وهي لام التوقيت كقوله # لدلوك الشمس # الإسراء 78. { ما ظننتم أن يخرجوا } هذا خطاب للمسلمين، أي ~~ما ظننتم أيها المسلمون أن بني النضير يخرجون من ديارهم لعزتهم، ومنعتهم، ~~وذلك أنهم كانوا أهل حصون مانعة، وعقار، ونخيل واسعة، وأهل عدد وعدة { ~~وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله } أي وظن ~~بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من بأس الله، وقوله { مانعتهم } خبر ~~مقدم، و { حصونهم } مبتدأ مؤخر، والجملة خبر { أنهم } ، ويجوز أن يكون { ~~مانعتهم } خبر { أنهم } ، و { حصونهم } فاعل { مانعتهم } ، ورجح الثاني ~~أبو حيان، والأول أولى { فأتهم الله من حيث لم ~~يحتسبوا } أي أتاهم أمر الله من حيث لم يخطر ببالهم أنه يأتيهم ~~أمره من تلك الجهة، وهو أنه سبحانه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقتالهم ~~وإجلائهم وكانوا لا يظنون ذلك، وقيل هو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف، قاله ~~ابن جريج، والسدي، وأبو صالح، فإن قتله أضعف شوكتهم. # وقيل إن الضمير في { أتاهم } ، و { لم يحتسبوا } للمؤمنين، أي فأتاهم ~~نصر الله من حيث لم يحتسبوا، والأول أولى لقوله { وقذف فى ~~قلوبهم الرعب } فإن قذف الرعب كان في قلوب بني النضير، لا في ~~قلوب المسلمين. قال أهل اللغة الرعب الخوف الذي يرعب الصدر، أي يملؤه، ~~وقذفه إثباته فيه. وقيل كان قذف الرعب في قلوبهم بقتل سيدهم كعب بن ~~الأشرف، والأولى عدم تقييده بذلك، وتفسيره به، بل المراد بالرعب الذي ~~قذفه الله في قلوبهم هو الذي ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم # " نصرت بالرعب مسيرة شهر " # { يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين } ~~وذلك أنهم لما أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم، فجعلوا ~~يخربونها من داخل، والمسلمون من خارج. قال قتادة والضحاك كان المؤمنون ~~يخربون من خارج، ليدخلوا، واليهود من داخل ليبنوا ms3835 به ما خرب من حصنهم. ~~قال الزجاج معنى تخريبها بأيدي المؤمنين أنهم عرضوها لذلك. قرأ الجمهور { ~~يخربون } بالتخفيف، وقرأ الحسن، والسلمي، ونصر بن عاصم، وأبو العالية، ~~وأبو عمرو بالتشديد. قال أبو عمرو إنما اخترت القراءة بالتشديد، لأن ~~الإخراب ترك الشيء خرابا، وإنما خربوها بالهدم. وليس ما قاله بمسلم، فإن ~~التخريب والإخراب عند أهل اللغة بمعنى واحد. قال سيبويه إن معنى فعلت ~~وأفعلت يتعاقبان نحو أخربته وخربته، وأفرحته وفرحته. واختار القراءة ~~الأولى أبو عبيد، وأبو حاتم. قال الزهري، وابن زيد، وعروة بن الزبير لما ~~صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على أن لهم ما أقلت الإبل، كانوا ~~يستحسنون الخشبة، أو العمود، فيهدمون بيوتهم، ويحملون ذلك على إبلهم، ~~ويخرب المؤمنون باقيها. وقال الزهري أيضا { يخربون بيوتهم } بنقض ~~المعاهدة، و { أيدي المؤمنين } بالمقاتلة، وقال أبو عمرو بأيديهم في ~~تركهم لها، وب { أيدي المؤمنين } في إجلائهم عنها، والجملة إما مستأنفة ~~لبيان ما فعلوه، أو في محل نصب على الحال { فاعتبروا يأولى ~~الأبصر } أي اتعظوا وتدبروا، وانظروا فيما نزل بهم يا أهل العقول ~~والبصائر. قال الواحدي ومعنى الاعتبار النظر في الأمور ليعرف بها شيء آخر ~~من جنسها. { ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء ~~لعذبهم فى الدنيا } أي لولا أن كتب الله عليهم الخروج من ~~أوطانهم على ذلك الوجه، وقضى به عليهم لعذبهم بالقتل والسبي في الدنيا، ~~كما فعل ببني قريظة. والجلاء مفارقة الوطن، يقال جلا بنفسه جلاء، وأجلاه ~~غيره إجلاء. والفرق بين الجلاء والإخراج، وإن كان معناهما في الإبعاد ~~واحدا من جهتين إحداهما أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد، والإخراج قد ~~يكون مع بقاء الأهل والولد. الثاني أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة، ~~والإخراج يكون لجماعة ولواحد، كذا قال الماوردي. # { ولهم فى الآخرة عذاب النار } هذه الجملة مستأنفة غير ~~متعلقة بجواب لولا متضمنة لبيان ما يحصل لهم في الآخرة من العذاب، وإن ~~نجوا من عذاب الدنيا، والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم ذكره من ~~الجلاء في الدنيا، والعذاب في الآخرة { بأنهم شاقوا الله ~~ورسوله ms3836 } أي بسبب المشاقة منهم لله ولرسوله بعدم الطاعة، والميل مع ~~الكفار، ونقض العهد { ومن يشاق الله فإن الله شديد ~~العقاب } اقتصر هاهنا على مشاقة الله لأن مشاقته مشاقة لرسوله. قرأ ~~الجمهور { يشاق } بالإدغام، وقرأ طلحة بن مصرف، ومحمد بن السميفع يشاقق ~~بالفك. { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة ~~على أصولها فبإذن الله } قال مجاهد إن بعض المهاجرين ~~وقعوا في قطع النخل، فنهاهم بعضهم، وقالوا إنما هي مغانم للمسلمين، وقال ~~الذين قطعوا بل هو غيظ للعدو فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطع النخل، ~~وتحليل من قطعه من الإثم فقال { ما قطعتم من لينة } قال قتادة، ~~والضحاك إنهم قطعوا من نخيلهم وأحرقوا ست نخلات. وقال محمد بن إسحاق إنهم ~~قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة، فقال بنو النضير، وهم أهل كتاب يا محمد ألست ~~تزعم أنك نبي تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع النخل، وحرق الشجر؟، وهل ~~وجدت، فيما أنزل عليك إباحة الفساد في الأرض، فشق ذلك على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ووجد المسلمون في أنفسهم، فنزلت الآية، ومعنى الآية أي ~~شيء قطعتم من ذلك أو تركتم فبإذن الله، والضمير في { تركتموها } عائد إلى ~~«ما» لتفسيرها باللينة، وكذا في قوله { قائمة على أصولها } ، ~~ومعنى { على أصولها } أنها باقية على ما هي عليه. واختلف المفسرون ~~في تفسير اللينة، فقال الزهري، ومالك، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والخليل ~~إنها النخل كله إلا العجوة. وقال مجاهد إنها النخل كله، ولم يستثن عجوة ~~ولا غيرها. وقال الثوري هي كرام النخل. وقال أبو عبيدة إنها جميع أنواع ~~التمر سوى العجوة والبرني. وقال جعفر بن محمد إنها العجوة خاصة، وقيل هي ~~ضرب من النخل، يقال لتمره اللون، تمره أجود التمر. وقال الأصمعي هي ~~الدقل. وأصل اللينة. لونة، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وجمع ~~اللينة لين، وقيل ليان. وقرأ ابن مسعود ما قطعتم من لينة ولا تركتم قوما ~~على أصولها أي قائمة على سوقها، وقرىء على أصلها، وقرىء قائما على أصوله ~~{ وليخزى الفسقين } أي ليذل الخارجين عن الطاعة، ms3837 وهم ~~اليهود، ويغيظهم في قطعها وتركها، لأنهم إذا رأوا المؤمنين يتحكمون في ~~أموالهم كيف شاءوا من القطع والترك ازدادوا غيظا. قال الزجاج { وليخزي ~~الفاسقين } بأن يريهم أموالهم يتحكم فيها المؤمنون كيف أحبوا من قطع ~~وترك، والتقدير وليخزي الفاسقين أذن في ذلك، يدل على المحذوف قوله { ~~فبإذن الله } ، وقد استدل بهذه الآية على جواز الاجتهاد، وعلى ~~تصويب المجتهدين، والبحث مستوفى في كتب الأصول. # { وما أفاء الله على رسوله منهم } أي ما رده عليه من ~~أموال الكفار، يقال فاء يفيء، إذا رجع، والضمير في { منهم } عائد إلى بني ~~النضير { فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب } يقال ~~وجف الفرس والبعير يجف وجفا، وهو سرعة السير، وأوجفه صاحبه إذا حمله على ~~السير السريع، ومنه قول تميم بن مقبل # مذ أوبد بالبيض الحديد صقالها عن الركب أحيانا إذا الركب أوجفوا # وقال نصيب # ألا رب ركب قد قطعت وجيفهم إليك ولولا أنت لم يوجف الركب # و«ما» في { فما أوجفتم } نافية، والفاء جواب الشرط إن كانت «ما» ~~في قوله { ما أفاء الله } شرطية، وإن موصولة، فالفاء زائدة، «ومن» ~~في قوله { من خيل } زائدة للتأكيد، والركاب. ما يركب من الإبل خاصة، ~~والمعنى أن ما رد الله على رسوله من أموال بني النضير لم تركبوا لتحصيله ~~خيلا، ولا إبلا، ولا تجشمتم لها شقة، ولا لقيتم بها حربا ولا مشقة، ~~وإنما كانت من المدينة على ميلين، فجعل الله سبحانه أموال بني النضير ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم، خاصة لهذا السبب، فإنه افتتحها صلحا، وأخذ ~~أموالها، وقد كان سأله المسلمون أن يقسم لهم، فنزلت الآية { ولكن ~~الله يسلط رسله على من يشاء } من أعدائه، وفي هذا بيان ~~أن تلك الأموال كانت خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، دون أصحابه ~~لكونهم لم يوجفوا عليها بخيل، ولا ركاب، بل مشوا إليها مشيا، ولم يقاسوا ~~فيها شيئا من شدائد الحروب، { والله على كل شيء قدير } ~~يسلط من يشاء على من أراد، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء # لا يسأل عما يفعل وهم ms3838 يسئلون # الأنبياء 23. { ما أفاء الله على رسوله من أهل ~~القرى } هذا بيان لمصارف الفيء بعد بيان أنه لرسول الله خاصة، ~~والتكرير لقصد التقرير والتأكيد، ووضع { أهل القرى } موضع قوله { ~~منهم } أي من بني النضير للإشعار بأن هذا الحكم لا يختص ببني النضير ~~وحدهم، بل هو حكم على كل قرية يفتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صلحا، ولم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب. قيل والمراد بالقرى بنو ~~النضير، وقريظة، وفدك، وخيبر. وقد تكلم أهل العلم في هذه الآية والتي ~~قبلها، هل معناهما متفق، أو مختلف؟ فقيل معناهما متفق كما ذكرنا، وقيل ~~مختلف وفي ذلك كلام لأهل العلم طويل. قال ابن العربي لا إشكال أنها ثلاثة ~~معان في ثلاث آيات. أما الآية الأولى، وهي قوله { وما أفاء الله ~~على رسوله منهم } فهي خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خالصة له، وهي أموال بني النضير وما كان مثلها. # وأما الآية الثانية، وهي قوله { ما أفاء الله على رسوله ~~من أهل القرى } فهذا كلام مبتدأ غير الأول بمستحق غير الأول، ~~وإن اشتركت هي والأولى في أن كل واحدة منهما تضمنت شيئا أفاءه الله على ~~رسوله، واقتضت الآية الأولى أنه حاصل بغير قتال، واقتضت آية الأنفال، وهي ~~الآية الثالثة أنه حاصل بقتال، وعريت الآية الثانية، وهي قوله { ما ~~أفاء الله على رسوله من أهل القرى } عن ذكر حصوله ~~بقتال، أو بغير قتال، فنشأ الخلاف من ها هنا فطائفة قالت هي ملحقة ~~بالأولى، وهي مال الصلح، وطائفة قالت هي ملحقة بالثالثة، وهي آية ~~الأنفال. والذين قالوا إنها ملحقة بآية الأنفال اختلفوا هل هي منسوخة، أو ~~محكمة؟ هذا معنى حاصل كلامه. وقال مالك إن الآية الأولى من هذه السورة ~~خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم، والآية الثانية هي في بني قريظة، ~~ويعني أن معناها يعود إلى آية الأنفال. ومذهب الشافعي أن سبيل خمس الفيء ~~سبيل خمس الغنيمة، وأن أربعة أخماسه كانت للنبي صلى الله عليه وسلم وهي ~~بعده لمصالح المسلمين { فلله وللرسول ولذى ms3839 القربى ~~واليتامى والمسكين وابن السبيل } المراد بقوله { ~~لله } أنه { يحكم فيه بما يشاء } { وللرسول } يكون ملكا له { ~~ولذى القربى } وهم بنو هاشم، وبنو المطلب، لأنهم قد منعوا من ~~الصدقة، فجعل لهم حقا في الفيء. قيل تكون القسمة في هذا المال على أن ~~يكون أربعة أخماسه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وخمسه يقسم أخماسا. ~~للرسول خمس، ولكل صنف من الأصناف الأربعة المذكورة خمس، وقيل يقسم ~~أسداسا. السادس سهم الله سبحانه، ويصرف إلى وجوه القرب، كعمارة المساجد، ~~ونحو ذلك { كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم } أي كيلا ~~يكون الفيء دولة بين الأغنياء دون الفقراء، والدولة اسم للشيء يتداوله ~~القوم بينهم، يكون لهذا مرة ولهذا مرة. قال مقاتل المعنى أنه يغلب ~~الأغنياء الفقراء، فيقسمونه بينهم. قرأ الجمهور { يكون } بالتحتية { دولة ~~} بالنصب أي كيلا يكون الفيء دولة. وقرأ أبو جعفر، والأعرج، وهشام، وأبو ~~حيان تكون بالفوقية " دولة " بالرفع، أي كيلا تقع، أو توجد دولة، وكان ~~تامة. وقرأ الجمهور " دولة " بضم الدال. وقرأ أبو حيوة، والسلمي بفتحها. ~~قال عيسى بن عمر، ويونس، والأصمعي هما لغتان بمعنى واحد. وقال أبو عمرو ~~بن العلاء الدولة بالفتح الذي يتداول من الأموال، وبالضم الفعل، وكذا قال ~~أبو عبيدة. ثم لما بين لهم سبحانه مصارف هذا المال أمرهم بالاقتداء ~~برسوله صلى الله عليه وسلم فقال { وما ءاتكم الرسول فخذوه ~~وما نهكم عنه فانتهوا } أي ما أعطاكم من مال الغنيمة ~~فخذوه، وما نهاكم عن أخذه فانتهوا عنه، ولا تأخذوه. قال الحسن، والسدي ~~ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه، وما منعكم منه فلا تطلبوه. # وقال ابن جريج ما آتاكم من طاعتي فافعلوا، وما نهاكم عنه من معصيتي ~~فاجتنبوه. والحق أن هذه الآية عامة في كل شيء يأتي به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من أمر أو نهي، أو قول أو فعل، وإن كان السبب خاصا، ~~فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكل شيء أتانا به من الشرع، فقد ~~أعطانا إياه، وأوصله إلينا، وما أنفع هذه الآية وأكثر فائدتها. ثم لما ms3840 ~~أمرهم بأخذ ما أمرهم به الرسول، وترك ما نهاهم عنه أمرهم بتقواه، وخوفهم ~~شدة عقوبته، فقال { واتقوا الله إن الله شديد ~~العقاب } فهو معاقب من لم يأخذه ما آتاه الرسول، ولم يترك ما نهاه ~~عنه. وقد أخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن عائشة ~~قالت كانت غزوة بني النضير، - وهم طائفة من اليهود - على رأس ستة أشهر من ~~وقعة بدر، وكان منزلهم، ونخلهم في ناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من ~~الأمتعة، والأموال إلا الحلقة، يعني السلاح، فأنزل الله فيهم { سبح ~~لله ما فى السموات وما في الأرض } إلى قوله { لأول ~~الحشر ما ظننتم أن يخرجوا } فقاتلهم النبي حتى صالحهم ~~على الإجلاء، وجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، ~~وكان الله قد كتب عليهم ذلك، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، ~~وأما قوله { لأول الحشر } فكان إجلاؤهم ذلك أول حشر في الدنيا ~~إلى الشام. وأخرج البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في ~~البعث عن ابن عباس قال من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية { هو ~~الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتب من ~~ديرهم لأول الحشر } قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يومئذ " اخرجوا " ، قالوا " إلى أين؟ قال إلى أرض المحشر ". وأخرج ابن ~~جرير، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر عن ابن عباس قال ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ~~ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم ~~وأوطانهم، وأن يسيروا إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا ~~وسقاء. وفي البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حرق نخل بني النضير، وقطع وهي البويرة، ولها يقول حسان # لهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير # فأنزل الله { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة ~~على ms3841 أصولها فبإذن الله وليخزى الفسقين }. ~~وأخرج الترمذي وحسنه، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس ~~في الآية قال اللينة النخلة { وليخزى الفسقين } قال ~~استنزلوهم من حصونهم، وأمروا بقطع النخل، فحك في صدورهم، فقال المسلمون ~~قد قطعنا بعضا وتركنا بعضا، فلنسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل ~~لنا فيما قطعنا من أجر، وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله { ما ~~قطعتم من لينة } الآية، وفي الباب أحاديث، والكلام في صلح بني ~~النضير مبسوط في كتب السير. # وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عمر بن الخطاب قال كانت أموال بني ~~النضير مما أفاء الله على رسوله، ومما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ~~ركاب، وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، فكان ينفق على أهله ~~منها نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله. ~~وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله { فما أوجفتم عليه ~~من خيل ولا ركاب } فجعل ما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يحكم فيه ما أراد، ولم يكن يومئذ خيل ولا ركاب يوجف بها. قال والإيجاف ~~أن يوضعوا السير، وهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان من ذلك خيبر، ~~وفدك، وقرى عرينة. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعمد لينبع، ~~فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتواها كلها، فقال ناس هلا قسمها ~~الله، فأنزل الله عذره فقال { ما أفاء الله على رسوله من ~~أهل القرى } الآية. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا قال كان ما أفاء ~~الله على رسوله من خيبر نصف لله ورسوله، والنصف الآخر للمسلمين، فكان ~~الذي لله ورسوله من ذلك الكثيبة، والوطيح، وسلالم، ووحدوه، وكان الذي ~~للمسلمين الشق ثلاثة عشر سهما، ونطاة خمسة أسهم، ولم يقسم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من خيبر لأحد من المسلمين إلا لمن شهد الحديبية، ولم ~~يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من المسلمين تخلف عنه عند مخرجه ~~إلى الحديبية أن يشهد معه ms3842 خيبر إلا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام ~~الأنصاري. وأخرج أبو داود، وابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال كان لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صفايا في النضير، وخيبر، وفدك، فأما بنو النضير ~~فكانت حبسا لنوائبه، وأما فدك فكانت لابن السبيل، وأما خيبر فجزأها ~~ثلاثة أجزاء قسم منها جزءين بين المسلمين، وحبس جزءا لنفسه ولنفقة أهله، ~~فما فضل عن نفقة أهله ردها على فقراء المهاجرين. وأخرج عبد الرزاق، وابن ~~سعد، وابن أبي شيبة، وابن زنجويه في الأموال، وعبد بن حميد، وابن المنذر ~~عن عمر بن الخطاب قال ما على وجه الأرض مسلم إلا وله في هذا الفيء حق ~~إلا ما ملكت أيمانكم. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن مسعود قال # " لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات والمتفلجات للحسن، ~~المغيرات لخلق الله " # ، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت ابن مسعود، ~~فقالت بلغني أنك لعنت كيت وكيت، قال وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله؟ قالت لقد قرأت ما بين الدفتين، فما ~~وجدت فيه شيئا من هذا، قال لئن كنت قرأته لقد وجدته، أما قرأت { وما ~~آتكم الرسول فخذوه وما نهكم عنه فانتهوا } ~~قالت بلى، قال فإنه قد نهى عنه. ### || [59.8-10] # قوله { للفقراء } قيل هو بدل من { لذى القربى } وما عطف عليه، ~~ولا يصح أن يكون بدلا من الرسول، وما بعده لئلا يستلزم وصف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالفقر، وقيل التقدير { كى لا يكون دولة } ~~ولكن يكون للفقراء، وقيل التقدير اعجبوا للفقراء، وقيل التقدير والله ~~شديد العقاب للفقراء أي شديد العقاب للكفار بسبب الفقراء، وقيل هو عطف ~~على ما مضى بتقدير الواو، كما تقول المال لزيد لعمرو لبكر، والمراد ب { ~~المهجرين } الذين هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رغبة ~~في الدين ونصرة له. قال قتادة هؤلاء المهاجرون هم الذين تركوا الديار، ~~والأموال، والأهلين، ومعنى { أخرجوا من ديرهم } أن كفار مكة ~~أخرجوهم منها، ms3843 واضطروهم إلى الخروج، وكانوا مائة رجل { يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا } أي يطلبون منه أن يتفضل عليهم ~~بالرزق في الدنيا، وبالرضوان في الآخرة { وينصرون الله ~~ورسوله } بالجهاد للكفار، وهذه الجملة معطوفة على { يبتغون } ، ومحل ~~الجملتين النصب على الحال، الأولى مقارنة، والثانية مقدرة، أي ناوين ~~لذلك، ويجوز أن تكون حالا مقارنة لأن خروجهم على تلك الصفة نصرة لله ~~ورسوله، والإشارة بقوله { أولئك } إليهم من حيث اتصافهم بتلك ~~الصفات، وهو مبتدأ، وخبره { هم الصدقون } أي الكاملون في الصدق ~~الراسخون فيه. ثم لما فرغ من مدح المهاجرين مدح الأنصار فقال { ~~والذين تبوءوا الدار والإيمن من قبلهم } المراد ~~بالدار المدينة، وهي دار الهجرة، ومعنى تبوئهم الدار والإيمان أنهم ~~اتخذوها مباءة، أي تمكنوا منهما تمكنا شديدا، والتبوأ في الأصل إنما ~~يكون للمكان، ولكنه جعل الإيمان مثله لتمكنهم فيه تنزيلا للحال منزلة ~~المحل، وقيل إن الإيمان منصوب بفعل غير الفعل المذكور، والتقدير واعتقدوا ~~الإيمان، أو وأخلصوا الإيمان كذا قال أبو علي الفارسي. ويجوز أن يكون على ~~حذف مضاف، أي تبوءوا الدار وموضع الإيمان، ويجوز أن يكون تبوءوا مضمنا ~~لمعنى لزموا، والتقدير لزموا الدار والإيمان، ومعنى { من قبلهم } من ~~قبل هجرة المهاجرين، فلا بد من تقدير مضاف، لأن الأنصار إنما آمنوا بعد ~~إيمان المهاجرين، والموصول مبتدأ، وخبره { يحبون من هاجر ~~إليهم } وذلك لأنهم أحسنوا إلى المهاجرين، وأشركوهم في أموالهم ~~ومساكنهم { ولا يجدون فى صدورهم حاجة } أي لا يجد الأنصار ~~في صدورهم حسدا، وغيظا، وحزازة { مما أوتوا } أي مما أوتي ~~المهاجرون دونهم من الفيء، بل طابت أنفسهم بذلك. وفي الكلام مضاف محذوف، ~~أي لا يجدون في صدورهم مس حاجة، أو أثر حاجة، وكل ما يجده الإنسان في ~~صدره مما يحتاج إليه فهو حاجة. وكان المهاجرون في دور الأنصار فلما غنم ~~النبي صلى الله عليه وسلم بني النضير دعا الأنصار، وشكرهم فيما صنعوا مع ~~المهاجرين من إنزالهم إياهم في منازلهم، وإشراكهم في أموالهم، ثم قال # " إن أحببتم قسمت ما أفاء الله علي من بني النضير بينكم وبين المهاجرين ~~- وكان ms3844 المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم، والمشاركة لكم في ~~أموالكم - وإن أحببتم أعطيتهم ذلك، وخرجوا من دياركم " # ، فرضوا بقسمة ذلك في المهاجرين، وطابت أنفسهم { ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } الإيثار تقديم الغير على ~~النفس في حظوظ الدنيا رغبة في حظوظ الآخرة، يقال آثرته بكذا، أي خصصته ~~به، والمعنى ويقدمون المهاجرين على أنفسهم في حظوظ الدنيا { ولو ~~كان بهم خصاصة } أي حاجة وفقر، والخصاصة مأخوذة من خصاص البيت، ~~وهي الفرج التي تكون فيه، وجملة { ولو كان بهم خصاصة } في ~~محل نصب على الحال، وقيل إن الخصاصة مأخوذة من الاختصاص، وهو الانفراد ~~بالأمر، فالخصاصة الانفراد بالحاجة، ومنه قول الشاعر # إن الربيع إذا يكون خصاصة عاش السقيم به وأثرى المقتر # { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } قرأ ~~الجمهور { يوق } بسكون الواو، وتخفيف القاف من الوقاية، وقرأ ابن أبي ~~عبلة، وأبو حيوة بفتح الواو، وتشديد القاف. وقرأ الجمهور { شح نفسه } ~~بضم الشين. وقرأ ابن عمر، وابن أبي عبلة بكسرها. والشح البخل مع حرص، ~~كذا في الصحاح، وقيل الشح أشد من البخل. قال مقاتل شح نفسه حرص نفسه. ~~قال سعيد بن جبير شح النفس هو أخذ الحرام، ومنع الزكاة. قال ابن زيد من ~~لم يأخذ شيئا نهاه الله عنه، ولم يمنع شيئا أمره الله بأدائه، فقد وقى ~~شح نفسه. قال طاووس البخل أن يبخل الإنسان بما في يده، والشح أن يشح ~~بما في أيدي الناس، يحب أن يكون له ما في أيديهم بالحلال والحرام لا ~~يقنع. وقال ابن عيينة الشح الظلم. وقال الليث ترك الفرائض وانتهاك ~~المحارم. والظاهر من الآية أن الفلاح مترتب على عدم شح النفس بشيء من ~~الأشياء التي يقبح الشح بها شرعا من زكاة، أو صدقة، أو صلة رحم، أو نحو ~~ذلك، كما تفيده إضافة الشح إلى النفس، والإشارة بقوله { فأولئك } ~~إلى «من» باعتبار معناها، وهو مبتدأ، وخبره { هم المفلحون } ~~والفلاح الفوز والظفر بكل مطلوب. ثم لما فرغ سبحانه من الثناء على ~~المهاجرين والأنصار، ذكر ما ms3845 ينبغي أن يقوله من جاء بعدهم، فقال { ~~والذين جاءوا من بعدهم } وهم التابعون لهم بإحسان إلى يوم ~~القيامة، وقيل هم الذين هاجروا بعد ما قوي الإسلام، والظاهر شمول الآية ~~لمن جاء بعد السابقين من الصحابة المتأخر إسلامهم في عصر النبوة، ومن ~~تبعهم من المسلمين بعد عصر النبوة إلى يوم القيامة لأنه يصدق على الكل ~~أنهم جاءوا بعد المهاجرين الأولين والأنصار، والموصول مبتدأ، وخبره { ~~يقولون ربنا اغفر لنا ولإخوننا الذين سبقونا ~~بالإيمن } ويجوز أن يكون الموصول معطوفا على قوله { والذين ~~تبوءوا الدار والإيمن } ، فيكون { يقولون } في محل نصب على ~~الحال، أو مستأنف لا محل له، والمراد بالأخوة هنا أخوة الدين، أمرهم ~~الله أن يستغفروا لأنفسهم، ولمن تقدمهم من المهاجرين والأنصار { ولا ~~تجعل فى قلوبنا غلا للذين ءامنوا } أي غشا وبغضا ~~وحسدا. # أمرهم الله سبحانه بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله ~~سبحانه أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك ~~الصحابة دخولا أوليا لكونهم أشرف المؤمنين، ولكون السياق فيهم، فمن لم ~~يستغفر للصحابة على العموم، ويطلب رضوان الله لهم، فقد خالف ما أمره الله ~~به في هذه الآية، فإن وجد في قلبه غلا لهم، فقد أصابه نزغ من الشيطان، ~~وحل به نصيب وافر من عصيان الله بعداوة أوليائه، وخير أمة نبيه صلى الله ~~عليه وسلم، وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم إن لم يتدارك ~~نفسه باللجأ إلى الله سبحانه، والاستغاثة به، بأن ينزع عن قلبه ما طرقه ~~من الغل لخير القرون، وأشرف هذه الأمة، فإن جاوز ما يجده من الغل إلى ~~شتم أحد منهم، فقد انقاد للشيطان بزمام، ووقع في غضب الله وسخطه، وهذا ~~الداء العضال إنما يصاب به من ابتلي بمعلم من الرافضة، أو صاحب من أعداء ~~خير الأمة الذين تلاعب بهم الشيطان، وزين لهم الأكاذيب المختلفة، ~~والأقاصيص المفتراة، والخرافات الموضوعة، وصرفهم عن كتاب الله الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، وعن سنة رسول الله، المنقولة ~~إلينا ms3846 بروايات الأئمة الأكابر في كل عصر من العصور، فاشتروا الضلالة ~~بالهدى، واستبدلوا الخسران العظيم بالربح الوافر، ومازال الشيطان الرجيم ~~ينقلهم من منزلة إلى منزلة، ومن رتبة إلى رتبة حتى صاروا أعداء كتاب الله ~~وسنة رسوله، وخير أمته وصالحي عباده وسائر المؤمنين، وأهملوا فرائض الله ~~وهجروا شعائر الدين، وسعوا في كيد الإسلام وأهله كل السعي، ورموا الدين ~~وأهله بكل حجر ومدر، والله من ورائهم محيط. { ربنا إنك رءوف ~~رحيم } أي كثير الرأفة والرحمة بليغهما لمن يستحق ذلك من عبادك. وقد ~~أخرج البخاري عن عمر بن الخطاب أنه قال أوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين ~~الأولين أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار الذين ~~تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم. ~~وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال أتى رجل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه، فلم ~~يجد عندهن شيئا فقال # " ألا رجل يضيف هذه الليلة رحمه الله " # ، فقال رجل من الأنصار، وفي رواية، فقال أبو طلحة الأنصاري أنا يا رسول ~~الله، فذهب به إلى أهله، فقال لامرأته أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا تدخريه شيئا، قالت والله ما عندي إلا قوت الصبية، قال فإذا ~~أراد الصبية العشاء، فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة ~~لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعلت، ثم غدا الضيف على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال لقد عجب الله الليلة من فلان وفلانة، وأنزل فيهما { ~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } ». ~~وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن ابن عمر قال أهدي ~~إلى رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال إن أخي ~~فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا، فبعث به إليه، فلم يزل يبعث به واحد إلى ~~آخر حتى تداولها أهل سبعة أبيات حتى رجعت إلى الأول، فنزلت فيهم { ~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة }. ~~وأخرج الفريابي، وسعيد ms3847 بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود أن رجلا قال إني أخاف أن أكون ~~قد هلكت، قال وما ذاك؟ قال إني سمعت الله يقول { ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون } وأنا رجل شحيح لا يكاد ~~يخرج مني شيء، فقال له ابن مسعود ليس ذاك بالشح، ولكنه البخل، ولا خير ~~في البخل، وإن الشح الذي ذكره الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلما. ~~وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عمر في الآية قال ليس الشح أن ~~يمنع الرجل ماله، ولكنه البخل، وإنه لشر، إنما الشح أن تطمح عين الرجل ~~إلى ما ليس له. وأخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال من أدى زكاة ~~ماله، فقد وقى شح نفسه. وأخرج الحكيم الترمذي، وأبو يعلى، وابن مردويه ~~عن أنس قال قال رسول الله # " ما محق الإسلام محق الشح شيء قط " # وأخرج أحمد، والبخاري في الأدب، ومسلم، والبيهقي عن جابر بن عبد الله أن ~~رسول الله قال # " اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح ~~أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم " # وقد وردت أحاديث كثيرة في ذم الشح. وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه ~~عن سعد بن أبي وقاص قال الناس على ثلاث منازل، قد مضت منزلتان، وبقيت ~~منزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، ثم ~~قرأ { والذين جاءوا من بعدهم } الآية. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف، وابن مردويه عن ~~عائشة قالت أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي، فسبوهم، ثم قرأت هذه الآية ~~{ والذين جاءوا من بعدهم }. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر أنه ~~سمع رجلا، وهو يتناول بعض المهاجرين فقرأ عليه { للفقراء ~~المهجرين } الآية، ثم قال هؤلاء المهاجرون، أفمنهم أنت؟ قال لا، ~~ثم قرأ عليه { والذين تبوءوا الدار والإيمن } الآية. ms3848 ثم ~~قال هؤلاء الأنصار، أفأنت منهم؟ قال لا، ثم قرأ عليه { والذين ~~جاءوا من بعدهم } الآية، ثم قال أفمن هؤلاء أنت؟ قال أرجو، قال ~~ليس من هؤلاء من سب هؤلاء. ### || [59.11-20] # لما فرغ سبحانه من ذكر الطبقات الثلاث من المؤمنين، ذكر ما جرى بين ~~المنافقين واليهود من المقاولة لتعجيب المؤمنين من حالهم، فقال { ألم ~~تر إلى الذين نفقوا } والخطاب لرسول الله، أو لكل من يصلح ~~له، والذين نافقوا هم عبد الله بن أبي، وأصحابه، وجملة { يقولون ~~لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتب } مستأنفة ~~لبيان المتعجب منه، والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة، أو للدلالة على ~~الاستمرار، وجعلهم إخوانا لهم لكون الكفر قد جمعهم، وإن اختلف نوع ~~كفرهم، فهم إخوان في الكفر، واللام في { لإخوانهم } هي لام التبليغ، وقيل ~~هو من قول بني النضير لبني قريظة، والأول أولى لأن بني النضير، وبني ~~قريظة هم يهود، والمنافقون غيرهم، واللام في قوله { لئن أخرجتم ~~} هي الموطئة للقسم، أي والله لئن أخرجتم من دياركم { لنخرجن ~~معكم } هذا جواب القسم، أي لنخرجن من ديارنا في صحبتكم { ولا ~~نطيع فيكم } أي في شأنكم، ومن أجلكم { أحدا } ممن يريد أن يمنعنا ~~من الخروج معكم، وإن طال الزمان، وهو معنى قوله { أبدا }. ثم لما ~~وعدوهم بالخروج معهم، وعدوهم بالنصرة لهم، فقالوا { وإن قوتلتم ~~لننصرنكم لا ينصرونهم } على عدوكم. ثم كذبهم سبحانه فقال { ~~والله يشهد إنهم لكذبون } فيما وعدوهم به من الخروج ~~معهم والنصرة لهم. ثم لما أجمل كذبهم فيما وعدوا به فصل ما كذبوا فيه ~~فقال { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا ~~} وقد كان الأمر كذلك، فإن المنافقين لم يخرجوا مع من أخرج من اليهود، ~~وهم بنو النضير ومن معهم، ولم ينصروا من قوتل من اليهود، وهم بنو قريظة ~~وأهل خيبر { ولئن نصروهم } أي لو قدر وجود نصرهم إياهم لأن ما ~~نفاه الله لا يجوز وجوده. قال الزجاج معناه لو قصدوا نصر اليهود { ~~ليولن الادبر } منهزمين { ثم لا ينصرون } يعني ~~اليهود لا يصيرون منصورين إذا انهزم ناصرهم، وهم المنافقون، ms3849 وقيل يعني لا ~~يصير المنافقون منصورين بعد ذلك، بل يذلهم الله، ولا ينفعهم نفاقهم، وقيل ~~معنى الآية لا ينصرونهم طائعين، ولئن نصروهم مكرهين ليولن الأدبار، وقيل ~~معنى { لا ينصرونهم } لا يدومون على نصرهم، والأول أولى، ويكون ~~من باب قوله # ولو ردوا لعدوا لما نهوا عنه # الأنعام 28. { لانتم أشد رهبة فى صدورهم من الله ~~} أي لأنتم يا معاشر المسلمين أشد خوفا وخشية في صدور المنافقين، أو ~~صدور اليهود، أو صدور الجميع من الله، أي من رهبة الله، والرهبة هنا ~~بمعنى المرهوبية لأنها مصدر من المبني للمفعول، وانتصابها على التمييز { ~~ذلك بأنهم قوم لا يفقهون } أي ما ذكر من الرهبة ~~الموصوفة بسبب عدم فقههم لشيء من الأشياء، ولو كان لهم فقه لعلموا أن ~~الله سبحانه هو الذي سلطكم عليهم، فهو أحق بالرهبة منه دونكم. # ثم أخبر سبحانه بمزيد فشلهم، وضعف نكايتهم فقال { لا يقتلونكم ~~جميعا } يعني لا يبرز اليهود والمنافقون مجتمعين لقتالكم ولا يقدرون ~~على ذلك { إلا فى قرى محصنة } بالدروب والدور { أو من ~~وراء جدر } أي من خلف الحيطان التي يستترون بها لجبنهم ورهبتهم. قرأ ~~الجمهور { جدر } بالجمع، وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وابن محيصن، وابن كثير، ~~وأبو عمرو { جدار } بالإفراد. واختار القراءة الأولى أبو عبيد، وأبو حاتم ~~لأنها موافقة لقوله { قرى محصنة }. وقرأ بعض المكيين { جدر } ~~بفتح الجيم، وإسكان الدال، وهي لغة في الجدار { بأسهم بينهم ~~شديد } أي بعضهم غليظ فظ على بعض، وقلوبهم مختلفة، ونياتهم متباينة. ~~قال السدي المراد اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا على أمر واحد. وقال مجاهد ~~{ بأسهم بينهم شديد } بالكلام والوعيد ليفعلن كذا، والمعنى أنهم إذا ~~انفردوا نسبوا أنفسهم إلى الشدة والبأس، وإذا لاقوا عدوا ذلوا وخضعوا، ~~وانهزموا، وقيل المعنى أن بأسهم بالنسبة إلى أقرانهم شديد، وإنما ضعفهم ~~بالنسبة إليكم لما قذف الله في قلوبهم من الرعب، والأول أولى لقوله { ~~تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى } فإنه يدل على أن ~~اجتماعهم إنما هو في الظاهر مع تخالف قلوبهم في الباطن، وهذا التخالف هو ~~البأس الذي بينهم الموصوف بالشدة، ومعنى ms3850 { شتى } متفرقة، قال مجاهد ~~يعني اليهود والمنافقين تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى. وروي عنه أيضا أنه ~~قال المراد المنافقون. وقال الثوري هم المشركون، وأهل الكتاب. قال قتادة ~~{ تحسبهم جميعا } ، أي مجتمعين على أمر ورأي، { وقلوبهم شتى } متفرقة، ~~فأهل الباطل مختلفة آراؤهم مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، وهم مجتمعون ~~في عداوة أهل الحق. وقرأ ابن مسعود وقلوبهم أشت أي أشد اختلافا { ~~ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } أي ذلك الاختلاف والتشتت ~~بسبب أنهم قوم لا يعقلون شيئا، ولو عقلوا لعرفوا الحق واتبعوه. { ~~كمثل الذين من قبلهم } أي مثلهم كمثل الذين من قبلهم، ~~والمعنى أن مثل المنافقين واليهود كمثل الذين من قبلهم من كفار المشركين ~~{ قريبا } يعني في زمان قريب، وانتصاب { قريبا } على الظرفية أي ~~يشبهونهم في زمن قريب، وقيل العامل فيه { ذاقوا } ، أي ذاقوا في زمن ~~قريب، ومعنى { ذاقوا وبال أمرهم } أي سوء عاقبة كفرهم في ~~الدنيا بقتلهم يوم بدر، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير بستة أشهر، قاله ~~مجاهد، وغيره، وقيل المراد بنو النضير حيث أمكن الله منهم، قاله قتادة. ~~وقيل قتل بني قريظة، قاله الضحاك. وقيل هو عام في كل من انتقم الله منه ~~بسبب كفره، والأول أولى { ولهم عذاب أليم } أي في الآخرة. ثم ~~ضرب لليهود والمنافقين مثلا آخر فقال { كمثل الشيطن إذ ~~قال للإنسن اكفر } أي مثلهم في تخاذلهم وعدم تناصرهم، فهو إما ~~خبر مبتدأ محذوف، أو خبر آخر للمبتدأ المقدر قبل قوله { كمثل ~~الذين من قبلهم } على تقدير حذف حرف العطف، كما تقول أنت عاقل، ~~أنت عالم، أنت كريم. # وقيل المثل الأول خاص باليهود، والثاني خاص بالمنافقين، وقيل المثل ~~الثاني بيان للمثل الأول، ثم بين سبحانه وجه الشبه فقال { إذ قال ~~للإنسن اكفر } أي أغراه بالكفر، وزينه له، وحمله عليه، والمراد ~~بالإنسان هنا جنس من أطاع الشيطان من نوع الإنسان، وقيل هو عابد كان في ~~بني إسرائيل حمله الشيطان على الكفر، فأطاعه { فلما كفر قال ~~إنى برىء منك } أي فلما كفر الإنسان مطاوعة للشيطان، وقبولا ~~لتزيينه قال الشيطان إني ms3851 برىء منك، وهذا يكون منه يوم القيامة، وجملة { ~~إنى أخاف الله رب العلمين } تعليل لبراءته من الإنسان ~~بعد كفره، وقيل المراد بالإنسان هنا أبو جهل، والأول أولى. قال مجاهد ~~المراد بالإنسان هنا جميع الناس في غرور الشيطان إياهم، قيل وليس قول ~~الشيطان { إنى أخاف الله } على حقيقته، إنما هو على وجه التبري ~~من الإنسان، فهو تأكيد لقوله { إنى برىء منك } قرأ الجمهور { إني } ~~بإسكان الياء. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو بفتحها { فكان ~~عقبتهما أنهما فى النار } قرأ الجمهور { عاقبتهما } ~~بالنصب على أنه خبر كان، واسمها { أنهما في النار }. وقرأ الحسن، وعمرو ~~بن عبيد بالرفع على أنها اسم كان، والخبر ما بعده والمعنى فكان عاقبة ~~الشيطان، وذلك الإنسان الذي كفر أنهما صائران إلى النار { خلدين ~~فيها } قرأ الجمهور { خالدين } بالنصب على الحال، وقرأ ابن مسعود، ~~والأعمش، وزيد بن علي، وابن أبي عبلة { خالدان } على أنه خبر " أن " ، ~~والظرف متعلق به { وذلك جزاء الظلمين } أي الخلود في النار ~~جزاء الظالمين، ويدخل هؤلاء فيهم دخولا أوليا. ثم رجع سبحانه إلى خطاب ~~المؤمنين بالموعظة الحسنة فقال { يأيها الذين ءامنوا ~~اتقوا الله } أي اتقوا عقابه بفعل ما أمركم به، وترك ما نهاكم عنه ~~{ ولتنظر نفس ما قدمت لغد } أي لتنظر أي شيء قدمت من ~~الأعمال ليوم القيامة، والعرب تكني عن المستقبل بالغد، وقيل ذكر الغد ~~تنبيها على قرب الساعة { واتقوا الله } كرر الأمر بالتقوى ~~للتأكيد { إن الله خبير بما تعملون } لا تخفى عليه من ~~ذلك خافية، فهو مجازيكم بأعمالكم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، { ولا ~~تكونوا كالذين نسوا الله } أي تركوا أمره، أو ما قدروه ~~حق قدره، أو لم يخافوه، أو جميع ذلك { فأنسهم أنفسهم } أي ~~جعلهم ناسين لها بسبب نسيانهم له، فلم يشتغلوا بالأعمال التي تنجيهم من ~~العذاب، ولم يكفوا عن المعاصي التي توقعهم فيه، ففي الكلام مضاف محذوف، ~~أي أنساهم حظوظ أنفسهم. # قال سفيان نسوا حق الله، فأنساهم حق أنفسهم، وقيل نسوا الله في الرخاء، ~~فأنساهم أنفسهم في الشدائد { أولئك هم ms3852 الفسقون } أي ~~الكاملون في الخروج عن طاعة الله. { لا يستوى أصحب النار ~~وأصحب الجنة } في الفضل، والرتبة، والمراد الفريقان على ~~العموم، فيدخل في فريق أهل النار من نسي الله منهم دخولا أوليا، ويدخل ~~في فريق أهل الجنة الذين اتقوا دخولا أوليا لأن السياق فيهم، وقد ~~تقدم الكلام في معنى مثل هذه الآية في سورة المائدة، وفي سورة السجدة، ~~وفي سورة ص. ثم أخبر سبحانه وتعالى عن أصحاب الجنة بعد نفي التساوي ~~بينهم، وبين أهل النار فقال { أصحب الجنة هم الفائزون ~~} أي الظافرون بكل مطلوب الناجون من كل مكروه. وقد أخرج ابن مردويه عن ~~ابن عباس في قوله { ألم تر إلى الذين نفقوا } قال عبد ~~الله بن أبي بن سلول، ورفاعة بن تابوت، وعبد الله بن نبتل، وأوس بن ~~قيظي، وإخوانهم بنو النضير. وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وأبو نعيم في ~~الدلائل عنه أن رهطا من بني عوف بن الحارث منهم عبد الله بن أبي بن ~~سلول، ووديعة بن مالك، وسويد وداعس، بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا، ~~وتمنعوا، فإننا لا نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا ~~معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، ~~فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، على أن ~~لهم ما حملت الإبل إلا الحلقة، ففعل، فكان الرجل منهم يهدم بيته، فيضعه ~~على ظهر بعير، فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. ~~وأخرج ابن مردويه عنه أيضا في قوله { تحسبهم جميعا ~~وقلوبهم شتى } قال هم المشركون. وأخرج عبد الرزاق، وابن ~~راهويه، وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، وابن جرير، ~~وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن علي بن ~~أبي طالب أن رجلا كان يتعبد في صومعة، وأن امرأة كان لها إخوة، فعرض لها ~~شيء، فأتوه بها فزينت له نفسه فوقع عليها، فحملت، فجاءه الشيطان، فقال ~~اقتلها، فإنهم إن ظهروا عليك افتضحت، فقتلها، ودفنها، فجاءوه، فأخذوه، ~~فذهبوا ms3853 به، فبينما هم يمشون إذ جاءه الشيطان فقال إني أنا الذي زينت لك، ~~فاسجد لي سجدة أنجيك، فسجد له، فذلك قوله { كمثل الشيطن إذ ~~قال للإنسن اكفر } الآية. قلت وهذا لا يدل على أن هذا ~~الإنسان هو المقصود بالآية، بل يدل على أنه من جملة من تصدق عليه. وقد ~~أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس بأطول من هذا، وليس فيه ما يدل على أنه ~~المقصود بالآية. وأخرجه بنحوه ابن جرير عن ابن مسعود. وأخرج ابن مردويه ~~عن ابن مسعود في قوله { كمثل الشيطن } قال ضرب الله مثل ~~الكفار والمنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، { ~~كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر }. ### || [59.21-24] # لما فرغ سبحانه من ذكر أهل الجنة وأهل النار، وبين عدم استوائهم في شيء ~~من الأشياء ذكر تعظيم كتابه الكريم، وأخبر عن جلالته، وأنه حقيق بأن تخشع ~~له القلوب، وترق له الأفئدة، فقال { لو أنزلنا هذا ~~القرءان على جبل لرأيته خشعا متصدعا من ~~خشية الله } أي من شأنه، وعظمته، وجودة ألفاظه، وقوة مبانيه، ~~وبلاغته، واشتماله على المواعظ التي تلين لها القلوب أنه لو أنزل على جبل ~~من الجبال الكائنة في الأرض لرأيته مع كونه في غاية القسوة، وشدة ~~الصلابة، وضخامة الجرم خاشعا متصدعا، أي متشققا من خشية الله سبحانه، ~~حذرا من عقابه، وخوفا من أن لا يؤدي ما يجب عليه من تعظيم كلام الله، ~~وهذا تمثيل وتخييل يقتضي علو شأن القرآن وقوة تأثيره في القلوب، ويدل ~~على هذا قوله { وتلك الأمثل نضربها للناس لعلهم ~~يتفكرون } فيما يجب عليهم التفكر فيه ليتعظوا بالمواعظ، وينزجروا ~~بالزواجر، وفيه توبيخ، وتقريع للكفار حيث لم يخشعوا للقرآن، ولا اتعظوا ~~بمواعظه، ولا انزجروا بزواجره، والخاشع الذليل المتواضع. وقيل الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، أي لو أنزلنا هذا القرآن يا محمد على جبل لما ~~ثبت، ولتصدع من نزوله عليه، وقد أنزلناه عليك، وثبتناك له، وقويناك ~~عليه، فيكون على هذا من باب الامتنان على النبي صلى الله عليه وسلم لأن ~~الله ms3854 سبحانه ثبته لما لا تثبت له الجبال الرواسي. ثم أخبر سبحانه ~~بربوبيته وعظمته، فقال { هو الله الذى لا إله إلا هو ~~} وفي هذا تقرير للتوحيد ودفع للشرك { علم الغيب ~~والشهدة } أي عالم ما غاب من الإحساس وما حضر، وقيل عالم السر ~~والعلانية، وقيل ما كان وما يكون، وقيل الآخرة والدنيا، وقدم الغيب على ~~الشهادة لكونه متقدما وجودا { هو الرحمن الرحيم } قد ~~تقدم تفسير هذين الاسمين { هو الله الذى لا إله إلا ~~هو } كرره للتأكيد والتقرير لكون التوحيد حقيقا بذلك { الملك ~~القدوس } أي الطاهر من كل عيب، المنزه عن كل نقص، والقدس بالتحريك ~~في لغة أهل الحجاز السطل لأنه يتطهر به، ومنه القادوس لواحد الأواني التي ~~يستخرج بها الماء. قرأ الجمهور { القدوس } بضم القاف. وقرأ أبو ذر، ~~وأبو السماك بفتحها، وكان سيبويه يقول سبوح قدوس بفتح أولهما، وحكى أبو ~~حاتم عن يعقوب أنه سمع عند الكسائي أعرابيا فصيحا يقرأ { القدوس } ~~بفتح القاف. قال ثعلب كل اسم على فعول فهو مفتوح الأول إلا السبوح ~~والقدوس، فإن الضم فيهما أكثر، وقد يفتحان { السلم } أي الذي سلم ~~من كل نقص وعيب، وقيل المسلم على عباده في الجنة، كما قال # سلام قولا من رب رحيم # يس 58 وقيل الذي سلم الخلق من ظلمه، وبه قال الأكثر، وقيل المسلم ~~لعباده، وهو مصدر وصف به للمبالغة { المؤمن } أي الذي وهب لعباده ~~الأمن من عذابه، وقيل المصدق لرسله بإظهار المعجزات، وقيل المصدق ~~للمؤمنين بما وعدهم به من الثواب، والمصدق للكافرين بما أوعدهم به من ~~العذاب، يقال أمنه من الأمن وهو ضد الخوف، ومنه قول النابغة # والمؤمن العائذات الطير يمسحها ركبان مكة بين الغيل والسند # وقال مجاهد المؤمن الذي وحد نفسه بقوله # شهد الله أنه لا إله إلا هو # آل عمران 18. قرأ الجمهور { المؤمن } بكسر الميم، اسم فاعل من آمن بمعنى ~~أمن. وقرأ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بفتحها بمعنى المؤمن به على ~~الحذف كقوله # واختار موسى قومه # الأعراف 155 وقال أبو حاتم لا تجوز هذه القراءة ms3855 لأن معناه أنه كان ~~خائفا فأمنه غيره { المهيمن } أي الشهيد على عباده بأعمالهم ~~الرقيب عليهم. كذا قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل. يقال هيمن يهيمن فهو مهيمن ~~إذا كان رقيبا على الشيء. قال الواحدي وذهب كثير من المفسرين إلى أن ~~أصله مؤيمن من آمن يؤمن، فيكون بمعنى المؤمن، والأول أولى، وقد قدمنا ~~الكلام على المهيمن في سورة المائدة { العزيز } الذي لا يوجد له ~~نظير، وقيل القاهر، وقيل الغالب غير المغلوب، وقيل القوي { الجبار ~~} جبروت الله عظمته، والعرب تسمي الملك الجبار، ويجوز أن يكون من جبر إذا ~~أغنى الفقير وأصلح الكسير، ويجوز أن يكون من جبره على كذا إذا أكرهه على ~~ما أراد، فهو الذي جبر خلقه على ما أراد منهم، وبه قال السدي، ومقاتل، ~~واختاره الزجاج، والفراء، قال هو من أجبره على الأمر، أي قهره. قال ولم ~~أسمع فعالا من أفعل إلا في جبار من أجبر، ودراك من أدرك، وقيل الجبار ~~الذي لا تطاق سطوته { المتكبر } أي الذي تكبر عن كل نقص، وتعظم عما ~~لا يليق به، وأصل التكبر الامتناع وعدم الانقياد، ومنه قول حميد بن ثور # عفت مثل ما يعفو الفصيل فأصبحت بها كبرياء الصعب وهي ذلول # والكبر في صفات الله مدح، وفي صفات المخلوقين ذم. قال قتادة هو الذي ~~تكبر عن كل سوء. قال ابن الأنباري المتكبر ذو الكبرياء، وهو الملك، ثم ~~نزه سبحانه نفسه عن شرك المشركين، فقال { سبحن الله عما ~~يشركون } أي عما يشركونه، أو عن إشراكهم به { هو الله ~~الخلق } أي المقدر للأشياء على مقتضى إرادته ومشيئته { البارىء ~~} أي المنشىء المخترع للأشياء الموجد لها. وقيل المميز لبعضها من بعض { ~~المصور } أي الموجد للصور المركب لها على هيئات مختلفة، فالتصوير ~~مترتب على الخلق والبراية وتابع لهما، ومعنى التصوير التخطيط والتشكيل، ~~قال النابغة # الخالق البارىء المصور في ال أرحام ماء حتى يصير دما # وقرأ حاطب بن أبي بلتعة الصحابي { المصور } بفتح الواو ونصب الراء على ~~أنه مفعول به للبارىء أي الذي برأ المصور، أي ميزه { له الأسماء ~~الحسنى } قد ms3856 تقدم بيانها، والكلام فيها عند تفسير قوله # ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها # الأعراف 180 { يسبح له ما فى السموات والأرض } أي ينطق ~~بتنزيهه بلسان الحال أو المقال كل ما فيهما { وهو العزيز ~~الحكيم } أي الغالب لغيره الذي لا يغالبه مغالب، الحكيم في كل الأمور ~~التي يقضي بها. وقد أخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس، في قوله { ~~لو أنزلنا هذا القرءان على جبل } قال يقول لو إني ~~أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدع، وخشع من ثقله ومن خشية الله، ~~فأمر الله الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة ~~والتخشع. قال كذلك يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون. وأخرج الديلمي ~~عن ابن مسعود وعلي مرفوعا في قوله { لو أنزلنا هذا ~~القرءان على جبل } إلى آخر السورة قال هي رقية الصداع. رواه ~~الديلمي بإسنادين لا ندري كيف حال رجالهما. وأخرج الخطيب في تاريخه ~~بإسناده إلى إدريس بن عبد الكريم الحداد قال قرأت على خلف، فلما بلغت هذه ~~الآية قال ضع يدك على رأسك، فإني قرأت على حمزة، فلما بلغت هذه الآية قال ~~ضع يدك على رأسك، فإني قرأت على الأعمش، ثم ساق الإسناد مسلسلا هكذا إلى ~~ابن مسعود فقال فإني قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغت هذه ~~الآية قال لي # " ضع يدك على رأسك، فإن جبريل لما نزل بها قال لي ضع يدك على رأسك، ~~فإنها شفاء من كل داء إلا السام " # ، والسام الموت. قال الذهبي هو باطل. وأخرجه ابن السني في عمل اليوم ~~والليلة، وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا ~~إذا آوى إلى فراشه أن يقرأ آخر سورة الحشر وقال # " إن مت مت شهيدا " # وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من تعوذ بالله من الشيطان ثلاث مرات، ثم قرأ آخر سورة الحشر بعث الله ~~سبعين ملكا يطردون عنه شياطين الإنس والجن إن كان ليلا حتى يصبح، وإن ~~كان ms3857 نهارا حتى يمسي " # وأخرج أحمد، والدارمي، والترمذي وحسنه، والطبراني، وابن الضريس، ~~والبيهقي في الشعب عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان ~~الرجيم، ثم قرأ الثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكل الله به سبعين ألف ~~ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات ذلك اليوم مات شهيدا، ومن قالها حين ~~يمسي كان بتلك المنزلة " # قال الترمذي بعد إخراجه غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وأخرج ابن ~~عدي، وابن مردويه، والخطيب، والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من قرأ خواتيم الحشر في ليل أو نهار، فمات من يومه أو ليلته أوجب الله ~~له الجنة " # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { علم الغيب ~~والشهدة } قال السر والعلانية. وفي قوله { المؤمن } قال ~~المؤمن خلقه من أن يظلمهم، وفي قوله { المهيمن } قال الشاهد. ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1-3] # قال المفسرون نزلت { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ~~عدوى وعدوكم أولياء } في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى ~~مشركي قريش يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، وسيأتي ذكر ~~القصة آخر البحث إن شاء الله، وقوله { عدوى } هو المفعول الأول { ~~وعدوكم } معطوف عليه، والمفعول الثاني أولياء، وأضاف سبحانه ~~العدو إلى نفسه تعظيما لجرمهم، والعدو مصدر يطلق على الواحد، ~~والاثنين، والجماعة، والآية تدل على النهي عن موالاة الكفار بوجه من ~~الوجوه { تلقون إليهم بالمودة } أي توصلون إليهم المودة ~~على أن الباء زائدة، أو هي سببية. والمعنى تلقون إليهم أخبار النبي صلى ~~الله عليه وسلم بسبب المودة التي بينكم وبينهم. قال الزجاج تلقون إليهم ~~أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وسره بالمودة التي بينكم وبينهم، ~~والجملة في محل نصب على الحال من ضمير تتخذوا ويجوز أن تكون مستأنفة لقصد ~~الإخبار بما تضمنته، أو لتفسير موالاتهم إياهم، ويجوز أن تكون في محل نصب ~~صفة لأولياء، وجملة { وقد كفروا بما جاءكم من ms3858 الحق } في ~~محل نصب على الحال من فاعل تلقون، أو من فاعل لا تتخذوا، ويجوز أن تكون ~~مستأنفة لبيان حال الكفار. قرأ الجمهور { بما جاءكم } بالباء الموحدة. ~~وقرأ الجحدري، وعاصم في رواية عنه لما جاءكم باللام، أي لأجل ما جاءكم من ~~الحق على حذف المكفور به، أي كفروا بالله والرسول لأجل ما جاءكم من الحق، ~~أو على جعل ما هو سبب للإيمان سببا للكفر توبيخا لهم { يخرجون ~~الرسول وإيكم } الجملة مستأنفة لبيان كفرهم، أو في محل نصب ~~على الحال، وقوله { أن تؤمنوا بالله ربكم } تعليل للإخراج، ~~أي يخرجونكم لأجل إيمانكم، أو كراهة أن تؤمنوا { إن كنتم خرجتم ~~جهادا فى سبيلى وابتغاء مرضاتى } جواب الشرط محذوف، أي إن ~~كنتم كذلك، فلا تلقوا إليهم بالمودة، أو إن كنتم كذلك، فلا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أولياء، وانتصاب { جهادا } { وابتغاء } على العلة، أي إن كنتم ~~خرجتم لأجل الجهاد في سبيلي ولأجل ابتغاء مرضاتي، وجملة { تسرون ~~إليهم بالمودة } مستأنفة للتقريع والتوبيخ، أي تسرون إليهم ~~الأخبار بسبب المودة، وقيل هي بدل من قوله { تلقون }. ثم أخبر ~~سبحانه بأنه لا يخفى عليه من أحوالهم شيء، فقال { وأنا أعلم ~~بما أخفيتم وما أعلنتم } والجملة في محل نصب على الحال، ~~أي بما أضمرتم وما أظهرتم، والباء في { بما } زائدة، يقال علمت كذا، ~~وعلمت بكذا، هذا على أن أعلم مضارع، وقيل هو أفعل تفضيل، أي أعلم من كل ~~أحد بما تخفون وما تعلنون { ومن يفعله منكم فقد ضل ~~سواء السبيل } أي من يفعل ذلك الاتخاذ لعدوي وعدوكم أولياء، ~~ويلقي إليهم بالمودة، فقد أخطأ طريق الحق والصواب، وضل عن قصد السبيل. # { إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء } أي إن يلقوكم ~~ويصادفوكم يظهروا لكم ما في قلوبهم من العداوة، ومنه المثاقفة، وهي طلب ~~مصادفة الغرة في المسابقة، وقيل المعنى إن يظفروا بكم، ويتمكنوا منكم، ~~والمعنيان متقاربان { ويبسطوا إليكم أيديهم ~~وألسنتهم بالسوء } أي يبسطوا إليكم أيديهم بالضرب ونحوه، ~~وألسنتهم بالشتم ونحوه { وودوا لو تكفرون } هذا معطوف على ~~جواب الشرط أو على جملة الشرط والجزاء، ورجح ms3859 هذا أبو حيان، والمعنى أنهم ~~تمنوا ارتدادهم، وودوا رجوعهم إلى الكفر. { لن تنفعكم ~~أرحمكم ولا أولدكم } أي لا تنفعكم القرابات على ~~عمومها، ولا الأولاد، وخصهم بالذكر مع دخولهم في الأرحام لمزيد المحبة ~~لهم، والحنو عليهم، والمعنى أن هؤلاء لا ينفعونكم حتى توالوا الكفار ~~لأجلهم، كما وقع في قصة حاطب بن أبي بلتعة، بل الذي ينفعكم هو ما أمركم ~~الله به من معاداة الكفار، وترك موالاتهم، وجملة { يوم القيمة ~~يفصل بينكم } مستأنفة لبيان عدم نفع الأرحام والأولاد في ذلك ~~اليوم ومعنى { يفصل بينكم } يفرق بينكم، فيدخل أهل طاعته ~~الجنة، وأهل معصيته النار. وقيل المراد بالفصل بينهم أنه يفر كل منهم ~~من الآخر من شدة الهول، كما في قوله # يوم يفر المرء من أخيه # الآية عبس 34 الآية. قيل ويجوز أن يتعلق يوم القيامة بما قبله، أي لن ~~تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة فيوقف عليه. ويبتدأ بقوله { ~~يفصل بينكم } والأولى أن يتعلق بما بعده، كما ذكرنا { والله ~~بما تعملون بصير } لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأفعالكم، فهو ~~مجازيكم على ذلك. قرأ الجمهور { يفصل } بضم الياء، وتخفيف الفاء، وفتح ~~الصاد مبنيا للمفعول، واختار هذه القراءة أبو عبيدة. وقرأ عاصم بفتح ~~الياء، وكسر الصاد مبنيا للفاعل. وقرأ حمزة، والكسائي بضم الياء، وفتح ~~الفاء، وكسر الصاد مشددة. وقرأ علقمة بالنون. وقرأ قتادة، وأبو حيوة بضم ~~الياء، وكسر الصاد مخففة. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن علي بن ~~أبي طالب قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا، والزبير، ~~والمقداد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها ~~فأتوني به " # ، فخرجنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا أخرجي الكتاب، ~~قالت ما معي من كتاب، فقلنا لتخرجن الكتاب، أو لتلقين الثياب، فأخرجته ~~من عقاصها، فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه من حاطب بن ~~أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي، فقال ~~النبي صلى الله عليه ms3860 وسلم # " ما هذا يا حاطب " # ؟ قال لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امرأ ملصقا في قريش، ولم أكن ~~من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، ~~وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يدا ~~يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا، ولا ارتدادا عن ديني، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم # " صدق " # ، فقال عمر دعني أضرب عنقه. فقال # " إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما ~~شئتم، فقد غفرت لكم " # ونزلت { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى ~~وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة }. وفي ~~الباب أحاديث مسندة ومرسلة متضمنة لبيان هذه القصة، وأن هذه الآيات إلى ~~قوله { قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبرهيم } نازلة ~~في ذلك. ### || [60.4-9] # لما فرغ سبحانه من النهي عن موالاة المشركين، والذم لمن وقع منه ذلك ~~ضرب لهم إبراهيم مثلا حين تبرأ من قومه، فقال { قد كانت لكم ~~أسوة حسنة } أي خصلة حميدة تقتدون بها، يقال لي به أسوة في هذا ~~الأمر، أي اقتداء، فأرشدهم سبحانه إلى الاقتداء به في ذلك إلا في ~~استغفاره لأبيه. قرأ الجمهور { إسوة } بكسر الهمزة وقرأ عاصم بضمها وهما ~~لغتان، وأصل الأسوة بالضم والكسر القدوة، ويقال هو أسوتك، أي مثلك، وأنت ~~مثله، وقوله { فى إبرهيم والذين معه } متعلق بأسوة، أو ~~بحسنة، أو هو نعت لأسوة، أو حال من الضمير المستتر من حسنة، أو خبر " كان ~~" ، و " لكم " للبيان، و { الذين معه } هم أصحابه المؤمنون. وقال ابن زيد ~~هم الأنبياء. قال الفراء يقول أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم، فتتبرأ من ~~أهلك، كما تبرأ إبراهيم من أبيه وقومه، والظرف في قوله { إذ قالوا ~~لقومهم } هو خبر كان، أو متعلق به، أي وقت قولهم لقومهم الكفار { ~~برآء منكم } جمع بريء، مثل شركاء وشريك، وظرفاء وظريف. قرأ الجمهور ~~{ برآء } بضم الباء وفتح الراء وألف بين همزتين، ككرماء في كريم. وقرأ ~~عيسى بن عمر، وابن أبي إسحاق بكسر الباء ms3861 وهمزة واحدة بعد ألف، ككرام في ~~جمع كريم. وقرأ أبو جعفر بضم الباء وهمزة بعد ألف { ومما تعبدون ~~من دون الله } وهي الأصنام { كفرنا بكم } أي بما آمنتم به ~~من الأوثان أو بدينكم أو بأفعالكم. { وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء أبدا } أي هذا دأبنا معكم ما دمتم على ~~كفركم { حتى تؤمنوا بالله وحده } وتتركوا ما أنتم عليه ~~من الشرك، فإذا فعلتم ذلك صارت تلك العداوة موالاة، والبغضاء محبة { ~~إلا قول إبرهيم لابيه لأستغفرن لك } هو استثناء ~~متصل من قوله { فى إبرهيم } بتقدير مضاف محذوف ليصح الاستثناء، أي ~~قد كانت لكم أسوة حسنة في مقالات إبراهيم إلا قوله لأبيه، أو من أسوة ~~حسنة، وصح ذلك لأن القول من جملة الأسوة، كأنه قيل قد كانت أسوة حسنة في ~~إبراهيم في جميع أقواله، وأفعاله إلا قوله لأبيه، أو من التبري ~~والقطيعة التي ذكرت، أي لم يواصله إلا قوله، ذكر هذا ابن عطية، أو هو ~~منقطع، أي لكن قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك، فلا تأتسوا به، فتستغفرون ~~للمشركين، فإنه كان عن موعدة وعدها إياه، أو أن ذلك إنما وقع منه لأنه ~~ظن أنه قد أسلم # فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه # التوبة 114 وقد تقدم تحقيق هذا في سورة براءة { وما أملك لك ~~من الله من شىء } هذا من تمام القول المستثنى، يعني ما أغني عنك، ~~وما أدفع عنك من عذاب الله شيئا، والجملة في محل نصب على الحال من فاعل ~~لأستغفرن، فالاستثناء متوجه إلى الاستغفار لا إلى هذا القيد، فإنه إظهار ~~للعجز، وتفويض للأمر إلى الله، وذلك من خصال الخير { ربنا عليك ~~توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير } هذا من دعاء ~~إبراهيم وأصحابه، ومما فيه أسوة حسنة يقتدى به فيها، وقيل هو تعليم ~~للمؤمنين أن يقولوا هذا القول، والتوكل هو تفويض الأمور إلى الله، ~~والإنابة الرجوع، والمصير المرجع، وتقديم الجار والمجرور لقصر التوكل ~~والإنابة، والمصير على الله. # { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا } قال الزجاج ~~لا تظهرهم علينا، فيظنوا أنهم على حق، ms3862 فيفتنوا بذلك. وقال مجاهد لا ~~تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا لو كان هؤلاء على حق ما ~~أصابهم هذا { واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز } أي ~~الغالب الذي لا يغالب { الحكيم } ذو الحكمة البالغة. { لقد كان ~~لكم فيهم أسوة حسنة } أي لقد كان لكم في إبراهيم والذين ~~معه قدوة حسنة، وكرر هذا للمبالغة والتأكيد، وقيل إن هذا نزل بعد الأول ~~بمدة { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } بدل من قوله ~~{ لكم } بدل بعض من كل، والمعنى أن هذه الأسوة إنما تكون لمن يخاف ~~الله، ويخاف عقاب الآخرة، أو يطمع في الخير من الله في الدنيا وفي الآخرة ~~{ ومن يتول فإن الله هو الغنى الحميد } أي يعرض ~~عن ذلك، فإن الله هو الغني عن خلقه الحميد إلى أوليائه. { عسى الله ~~أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم ~~مودة } وذلك بأن يسلموا، فيصيروا من أهل دينكم، وقد أسلم قوم منهم ~~بعد فتح مكة وحسن إسلامهم، ووقعت بينهم وبين من تقدمهم في الإسلام ~~مودة، وجاهدوا، وفعلوا الأفعال المقربة إلى الله. وقيل المراد بالمودة ~~هنا تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة بنت أبي سفيان. ولا وجه ~~لهذا التخصيص، وإن كان من جملة ما صار سببا إلى المودة، فإن أبا سفيان ~~بعد ذلك ترك ما كان عليه من العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ولكنها لم تحصل المودة إلا بإسلامه يوم الفتح وما بعده { والله ~~قدير } أي بليغ القدرة كثيرها { والله غفور رحيم } أي ~~بليغهما كثيرهما. ثم لما ذكر سبحانه ما ينبغي للمؤمنين من معاداة الكفار ~~وترك موادتهم، فصل القول فيمن يجوز بره منهم ومن لا يجوز، فقال { لا ~~ينهكم الله عن الذين لم يقتلوكم فى الدين ~~ولم يخرجوكم من ديركم } أي لا ينهاكم عن هؤلاء { أن ~~تبروهم } هذا بدل من الموصول بدل اشتمال، وكذا قوله { ~~وتقسطوا إليهم } يقال أقسطت إلى الرجل إذا عاملته بالعدل. # قال الزجاج المعنى، وتعدلوا فيما بينكم وبينهم من الوفاء بالعهد { إن ~~الله يحب المقسطين } أي العادلين ms3863 ومعنى الآية أن الله ~~سبحانه لا ينهى عن بر أهل العهد من الكفار الذين عاهدوا المؤمنين على ~~ترك القتال، وعلى أن لا يظاهروا الكفار عليهم، ولا ينهى عن معاملتهم ~~بالعدل. قال ابن زيد كان هذا في أول الإسلام عند الموادعة وترك الأمر ~~بالقتال، ثم نسخ. قال قتادة نسختها # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # التوبة 5 وقيل هذا الحكم كان ثابتا في الصلح بين النبي صلى الله عليه ~~وسلم وبين قريش، فلما زال الصلح بفتح مكة نسخ الحكم. وقيل هي خاصة في ~~حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بينه وبينه عهد، قاله الحسن. وقال ~~الكلبي هم خزاعة، وبنو الحارث بن عبد مناف. وقال مجاهد هي خاصة في الذين ~~آمنوا ولم يهاجروا، وقيل هي خاصة بالنساء والصبيان. وحكى القرطبي عن أكثر ~~أهل التأويل أنها محكمة. ثم بين سبحانه من لا يحل بره، ولا العدل في ~~معاملته فقال { إنما ينهكم الله عن الذين ~~قتلوكم فى الدين وأخرجوكم من ديركم } وهم صناديد ~~الكفر من قريش { وظهروا على إخرجكم } أي عاونوا الذين ~~قاتلوكم على ذلك، وهم سائر أهل مكة، ومن دخل معهم في عهدهم، وقوله { أن ~~تولوهم } بدل اشتمال من الموصول، كما سلف { ومن يتولهم ~~فأولئك هم الظلمون } أي الكاملون في الظلم لأنهم تولوا ~~من يستحق العداوة لكونه عدوا لله ولرسوله ولكتابه، وجعلوهم أولياء لهم. ~~وقد أخرج ابن المنذر، والحاكم وصححه عن ابن عباس { إلا قول ~~إبرهيم لأبيه } قال نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه، وقوله ~~{ ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا } لا تعذبنا ~~بأيديهم، ولا بعذاب من عندكم، فيقولون لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم ~~هذا. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه { لقد كان ~~لكم فيهم أسوة حسنة } قال في صنيع إبراهيم كله إلا في ~~الاستغفار لأبيه، وهو مشرك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عنه أيضا في قوله { لا تجعلنا فتنة للذين كفروا } ~~قال لا تسلطهم علينا، فيفتنونا. وأخرج ابن مردويه عن الزهري عن أبي سلمة ~~بن ms3864 عبد الرحمن عن أبي هريرة قال أول من قاتل أهل الردة على إقامة دين ~~الله أبو سفيان بن حرب، وفيه نزلت هذه الآية { عسى الله أن ~~يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ~~}. وأخرج ابن أبي حاتم عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل ~~أبا سفيان بن حرب على بعض اليمن، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أقبل، فلقي " ذا الخمار " مرتدا، فكان أول من قاتل في الردة، وجاهد ~~عن الدين. # قال وهو فيمن قال الله فيه { عسى الله أن يجعل بينكم ~~وبين الذين عاديتم منهم مودة }. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن المنذر، وابن عدي، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر ~~من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس في الآية قال كانت المودة التي ~~جعل بينهم تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان، ~~فصارت أم المؤمنين، فصار معاوية خال المؤمنين. وفي صحيح مسلم عن ابن ~~عباس أن أبا سفيان قال يا رسول الله ثلاث أعطنيهن، قال # " نعم " # ، قال تؤمرني حتى أقاتل الكفار، كما كنت أقاتل المسلمين، قال # " نعم " # ، قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك، قال # " نعم " # ، قال وعندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها ~~الحديث. وأخرج الطيالسي، وأحمد، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في ناسخه، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ~~عبد الله بن الزبير قال قدمت قتيلة بنت عبد العزى على ابنتها أسماء بنت ~~أبي بكر بهدايا ضباب، وأقط، وسمن، وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها، ~~أو تدخلها بيتها حتى أرسلت إلى عائشة أن سلي عن هذا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فسألته، فأنزل الله { لا ينهكم الله عن ~~الذين لم يقتلوكم فى الدين } الآية، فأمرها أن تقبل ~~هديتها، وتدخلها بيتها، وزاد ابن أبي حاتم في المدة التي كانت بين قريش ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي البخاري وغيره، عن أسماء بنت أبي بكر ~~قالت أتتني ms3865 أمي راغبة، وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أأصلها؟ فأنزل الله { ~~لا ينهكم الله } الآية، فقال # " نعم صلي أمك ". ### || [60.10-13] # لما ذكر سبحانه حكم فريقي الكافرين في جواز البر، والإقساط للفريق ~~الأول دون الفريق الثاني ذكر حكم من يظهر الإيمان، فقال { يأيها ~~الذين ءامنوا إذا جاءكم المؤمنت مهجرت } من ~~بين الكفار، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح قريشا يوم ~~الحديبية على أن يرد عليهم من جاءهم من المسلمين، فلما هاجر إليه النساء ~~أبى الله أن يرددن إلى المشركين، وأمر بامتحانهن فقال { ~~فامتحنوهن } أي فاختبروهن. وقد اختلف فيما كان يمتحن به، فقيل ~~كان يستحلفهن بالله ما خرجن من بغض زوج، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا ~~لالتماس دنيا بل حبا لله ولرسوله، ورغبة في دينه، فإذا حلفت كذلك أعطى ~~النبي صلى الله عليه وسلم زوجها مهرها، وما أنفق عليها، ولم يردها ~~إليه، وقيل الامتحان هو أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول ~~الله، وقيل ما كان الامتحان إلا بأن يتلو عليهن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الآية، وهي { يأيها النبى إذا جاءك ~~المؤمنت } إلى آخرها. واختلف أهل العلم هل دخل النساء في عهد ~~الهدنة أم لا؟ على قولين، فعلى القول بالدخول تكون هذه الآية مخصصة لذلك ~~العهد، وبه قال الأكثر. وعلى القول بعدمه لا نسخ، ولا تخصيص. { الله ~~أعلم بإيمنهن } هذه الجملة معترضة لبيان أن حقيقة حالهن لا ~~يعلمها إلا الله سبحانه، ولم يتعبدكم بذلك، وإنما تعبدكم بامتحانهن حتى ~~يظهر لكم ما يدل على صدق دعواهن في الرغوب في الإسلام { فإن ~~علمتموهن مؤمنت } أي علمتم ذلك بحسب الظاهر بعد الامتحان ~~الذي أمرتم به { فلا ترجعوهن إلى الكفار } أي إلى ~~أزواجهن الكافرين، وجملة { لا هن حل لهم ولا هم ~~يحلون لهن } تعليل للنهي عن إرجاعهن. وفيه دليل على أن المؤمنة ~~لا تحل لكافر، وأن إسلام المرأة يوجب فرقتها من زوجها لا ms3866 مجرد هجرتها، ~~والتكرير لتأكيد الحرمة، أو الأول لبيان زوال النكاح، والثاني لامتناع ~~النكاح الجديد { وآتوهم ما أنفقوا } أي وأعطوا أزواج هؤلاء اللاتي هاجرن ~~وأسلمن مثل ما أنفقوا عليهن من المهور. قال الشافعي وإذا طلبها غير ~~الزوج من قراباتها منع منها بلا عوض. { ولا جناح عليكم أن ~~تنكحوهن } لأنهن قد صرن من أهل دينكم { إذا آتيتموهن أجورهن } ~~أي مهورهن، وذلك بعد انقضاء عدتهن، كما تدل عليه أدلة وجوب العدة { ~~ولا تمسكوا بعصم الكوافر } قرأ الجمهور { تمسكوا } ~~بالتخفيف من الإمساك، واختار هذه القراءة أبو عبيد، لقوله # فأمسكوهن بمعروف # البقرة 231، وقرأ الحسن، وأبو العالية، وأبو عمرو بالتشديد من التمسك، ~~والعصم جمع عصمة، وهي ما يعتصم به، والمراد هنا عصمة عقد النكاح. # والمعنى أن من كانت له امرأة كافرة، فليست له بامرأة لانقطاع عصمتها ~~باختلاف الدين. قال النخعي هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر، وكان ~~الكفار يزوجون المسلمين، والمسلمون يتزوجون المشركات، ثم نسخ ذلك بهذه ~~الآية، وهذا خاص بالكوافر المشركات دون الكوافر من أهل الكتاب. وقيل عامة ~~في جميع الكوافر مخصصة بإخراج الكتابيات منها. وقد ذهب جمهور أهل العلم ~~إلى أنه إذا أسلم وثني أو كتابي لا يفرق بينهما إلا بعد انقضاء ~~العدة. وقال بعض أهل العلم يفرق بينهما بمجرد إسلام الزوج، وهذا إنما ~~هو إذا كانت المرأة مدخولا بها، وأما إذا كانت غير مدخول بها، فلا خلاف ~~بين أهل العلم في انقطاع العصمة بينهما بالإسلام إذ لا عدة عليها { ~~واسألوا ما أنفقتم } أي اطلبوا مهور نسائكم اللاحقات بالكفار { وليسألوا ~~ما أنفقوا } قال المفسرون كان من ذهب من المسلمات مرتدة إلى الكفار من ~~أهل العهد، يقال للكفار هاتوا مهرها، ويقال للمسلمين إذا جاءت امرأة من ~~الكفار إلى المسلمين، وأسلمت ردوا مهرها على زوجها الكافر { ذلكم ~~حكم الله } أي ذلكم المذكور من إرجاع المهور من الجهتين حكم الله، ~~وقوله { يحكم بينكم } في محل نصب على الحال. أو مستأنفة { ~~والله عليم حكيم } أي بليغ العلم لا تخفى عليه خافية، بليغ ~~الحكمة في أقواله وأفعاله، قال القرطبي ms3867 وكان هذا مخصوصا بذلك الزمان في ~~تلك النازلة خاصة بإجماع المسلمين { وإن فاتكم شىء من ~~أزوجكم إلى الكفر } لما نزلت الآية المتقدمة، قال ~~المسلمون رضينا بحكم الله، وكتبوا إلى المشركين فامتنعوا، فنزل قوله { ~~وإن فاتكم شىء من أزوجكم إلى الكفر } مما دفعتم ~~إليهم من مهور النساء المسلمات، وقيل المعنى وإن انفلت منكم أحد من ~~نسائكم إلى الكفار بأن ارتدت المسلمة { فعقبتم } قال الواحدي قال ~~المفسرون { فعاقبتم } فغنمتم. قال الزجاج تأويله، وكانت العقبى لكم، أي ~~كانت الغنيمة لكم حتى غنمتم { فآتوا الذين ذهبت أزوجهم ~~مثل ما أنفقوا } من مهر المهاجرة التي تزوجوها، ودفعوه إلى ~~الكفار، ولا تؤتوه زوجها الكافر. قال قتادة، ومجاهد إنما أمروا أن يعطوا ~~الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الفيء والغنيمة، وهذه الآية منسوخة ~~قد انقطع حكمها بعد الفتح. وحاصل معناها أن { من أزوجكم } يجوز ~~أن يتعلق بفاتكم، أي من جهة أزواجكم، ويراد بالشيء المهر الذي غرمه ~~الزوج، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لشيء. ثم يجوز في شيء أن يراد ~~به المهر، ولكن لا بد على هذا من مضاف محذوف، أي من مهر أزواجكم ليتطابق ~~الموصوف وصفته، ويجوز أن يراد بشيء النساء أي نوع وصنف منهن، وهو ظاهر ~~قوله { من أزوجكم } وقوله { فآتوا الذين ذهبت ~~أزوجهم } والمعنى أنهم يعطون من ذهبت زوجته إلى المشركين، فكفرت، ~~ولم يرد عليه المشركون مهرها، كما حكم الله مثل ذلك المهر الذي أنفقه ~~عليها من الغنيمة { واتقوا الله الذى أنتم به مؤمنون ~~} أي احذروا أن تتعرضوا لشيء مما يوجب العقوبة عليكم، فإن الإيمان الذي ~~أنتم متصفون به يوجب على صاحبه ذلك { يأيها النبى إذا جاءك ~~المؤمنت يبايعنك } أي قاصدات لمبايعتك على الإسلام، و { ~~على أن لا يشركن بالله شيئا } من الأشياء كائنا ما ~~كان، هذا كان يوم فتح مكة، فإن نساء أهل مكة أتين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يبايعنه، فأمره الله أن يأخذ عليهن { أن لا يشركن ~~ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولدهن } ~~وهو ما كانت تفعله ms3868 الجاهلية من وأد البنات { ولا يأتين ~~ببهتن يفترينه بين أيديهن وأرجلهن } أي لا ~~يلحقن بأزواجهن ولدا ليس منهم. # قال الفراء كانت المرأة تلتقط المولود، فتقول لزوجها هذا ولدي منك، فذلك ~~البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن، وذلك أن الولد إذا وضعته الأم ~~سقط بين يديها ورجليها، وليس المراد هنا أنها تنسب ولدها من الزنا إلى ~~زوجها، لأن ذلك قد دخل تحت النهي عن الزنا { ولا يعصينك فى ~~معروف } أي في كل أمر هو طاعة لله. قال عطاء في كل بر وتقوى، وقال ~~المقاتلان عنى بالمعروف النهي عن النوح وتمزيق الثياب، وجز الشعر، وشق ~~الجيب، وخمش الوجوه، والدعاء بالويل، وكذا قال قتادة، وسعيد بن المسيب، ~~ومحمد بن السائب، وزيد بن أسلم، ومعنى القرآن أوسع مما قالوه. قيل ووجه ~~التقييد بالمعروف، مع كونه صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا به التنبيه ~~على أنه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق { فبايعهن } هذا جواب ~~«إذا»، والمعنى إذا بايعنك على هذه الأمور، فبايعهن، ولم يذكر في ~~بيعتهن الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج لوضوح كون هذه الأمور، ونحوها ~~من أركان الدين، وشعائر الإسلام، وإنما خص الأمور المذكورة لكثرة وقوعها ~~من النساء { واستغفر لهن الله } أي اطلب من الله المغفرة ~~لهن بعد هذه المبايعة لهن منك { إن الله غفور رحيم } أي ~~بليغ المغفرة والرحمة لعباده. { يأيها الذين ءامنوا لا ~~تتولوا قوما غضب الله عليهم } هم جميع طوائف الكفر، ~~وقيل اليهود خاصة، وقيل المنافقون خاصة وقال الحسن اليهود والنصارى. ~~والأول أولى لأن جميع طوائف الكفر تتصف بأن الله سبحانه غضب عليها { ~~قد يئسوا من الآخرة } «من» لابتداء الغاية، أي أنهم لا يوقنون ~~بالآخرة ألبتة بسبب كفرهم { كما يئس الكفر من أصحب ~~القبور } أي كيأسهم من بعث موتاهم لاعتقادهم عدم البعث، وقيل كما يئس ~~الكفار الذين قد ماتوا منهم من الآخرة، لأنه قد وقفوا على الحقيقة، ~~وعلموا أنه لا نصيب لهم في الآخرة، فتكون «من» على الوجه الأول ~~ابتدائية، وعلى الثاني بيانية، والأول أولى. # وقد أخرج البخاري عن المسور ms3869 بن مخرمة، ومروان بن الحكم أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما عاهد كفار قريش يوم الحديبية جاءه نساء مسلمات، فأنزل ~~الله { يأيها الذين ءامنوا إذا جاءكم المؤمنت ~~مهجرت } حتى بلغ { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } ~~فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك. وأخرجه أيضا من حديثهما ~~بأطول من هذا، وفيه، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي عانق، فجاء أهلها يسألون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يرجعها إليهم حتى أنزل الله في المؤمنات ما أنزل. ~~وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله { فامتحنوهن } قال كان ~~امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فإذا ~~علموا أن ذلك حقا منهن لم يرجعن إلى الكفار، وأعطى بعلها في الكفار ~~الذين عقد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صداقها الذي أصدقها، وأحلهن ~~للمؤمنين إذا آتوهن أجورهن. وأخرج ابن مردويه عنه قال نزلت سورة ~~الممتحنة بعد ذلك الصلح، فكان من أسلم من نسائهم، فسئلت ما أخرجك؟ فإن ~~كانت خرجت فرارا من زوجها، ورغبة عنه ردت، وإن كانت خرجت رغبة في ~~الإسلام أمسكت، ورد على زوجها مثل ما أنفق. وأخرج ابن أبي أسامة، ~~والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الكبير، ~~وابن مردويه بسند حسن، كما قال السيوطي عن ابن عباس في قوله { إذا ~~جاءكم المؤمنت مهجرت فامتحنوهن } قال كان إذا ~~جاءت المرأة النبي صلى الله عليه وسلم حلفها عمر بن الخطاب بالله ما ~~خرجت رغبة بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت ~~التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حبا لله ورسوله. وأخرج ابن منيع من ~~طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس قال أسلم عمر بن الخطاب، وتأخرت ~~امرأته في المشركين، فأنزل الله { ولا تمسكوا بعصم ~~الكوافر }. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والبخاري، والترمذي، ~~وابن المنذر، وابن مردويه عن عائشة أن رسول الله صلى ms3870 الله عليه وسلم كان ~~يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية { يأيها النبى إذا ~~جاءك المؤمنت يبايعنك } إلى قوله { غفور رحيم } ~~فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم # " قد بايعتك كلاما " # ، والله ما مست يده يد امرأة قط من المبايعات، ما بايعهن إلا بقوله # " قد بايعتك على ذلك " # وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن سعد، وأحمد، وعبد بن حميد، ~~والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~مردويه عن أميمة بنت رقيقة قالت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نساء ~~لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئا حتى بلغ { ~~ولا يعصينك فى معروف } فقال # " فيما استطعتن، وأطقتن " # ، فقلنا الله، ورسوله أرحم بنا من أنفسنا يا رسول الله ألا تصافحنا؟ قال # " إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة " # وفي الباب أحاديث. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عبادة بن الصامت ~~قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال # " بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، وقرأ ~~آية النساء، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب ~~في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله، فهو إلى ~~الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له " # وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله { ولا ~~يأتين ببهتن يفترينه } قال كانت الحرة تولد لها ~~الجارية، فتجعل مكانها غلاما. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وابن مردويه عنه في الآية. قال لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم { ~~ولا يعصينك فى معروف } قال إنما هو شرط شرطه الله للنساء. ~~وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، ~~وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أم ~~سلمة الأنصارية قالت قالت امرأة من النسوة ما هذا المعروف الذي لا ينبغي ~~لنا أن ms3871 نعصيك فيه؟ قال« لا تنحن»، قلت يا رسول الله إن بني فلان أسعدوني ~~على عمي، لا بد لي من قضائهن، فأبى علي فعاودته مرارا، فأذن لي في ~~قضائهن، فلم أنح بعد، ولم يبق من النسوة امرأة إلا وقد ناحت غيري. ~~وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أم عطية قالت بايعنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقرأ علينا أن لا نشرك بالله شيئا، ونهانا عن النياحة، ~~فقبضت امرأة منا يدها، فقالت يا رسول الله إن فلانة أسعدتني وأنا أريد أن ~~أجزيها، فلم يقل لها شيئا. فذهبت، ثم رجعت، فقالت ما وفت منا امرأة إلا ~~أم سليم، وأم العلاء، وبنت أبي سبرة امرأة معاذ، أو بنت أبي سبرة، ~~وامرأة معاذ. وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن النوح. وأخرج أبو إسحاق، ~~وابن المنذر عن ابن عباس قال كان عبد الله بن عمرو، وزيد بن الحارث ~~يودان رجلا من اليهود، فأنزل الله { يأيها الذين ءامنوا لا ~~تتولوا قوما غضب الله عليهم } الآية. وأخرج ~~الفريابي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن مسعود في قوله { ~~قد يئسوا من الآخرة } قال فلا يؤمنون بها، ولا يرجونها، كما ~~يئس الكافر إذا مات، وعاين ثوابه واطلع عليه. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~المنذر عن ابن عباس في الآية قال هم الكفار أصحاب القبور الذين يئسوا من ~~الآخرة. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال من مات من الذين كفروا، فقد يئس ~~الأحياء من الذين كفروا أن يرجعوا إليهم، أو يبعثهم الله. ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.1-9] # قوله { سبح لله ما فى السموات وما في الأرض } قد ~~تقدم الكلام على هذا، ووجه التعبير في بعض السور بلفظ الماضي كهذه ~~السورة، وفي بعضها بلفظ المضارع، وفي بعضها بلفظ الأمر الإرشاد إلى ~~مشروعية التسبيح في كل الأوقات ماضيها ومستقبلها وحالها، وقد قدمنا نحو ~~هذا في أول سورة الحديد { وهو العزيز الحكيم } أي الغالب ~~الذي لا يغالب الحكيم في أفعاله وأقواله. { يأيها الذين ~~ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون } هذا الاستفهام ms3872 للتقريع ~~والتوبيخ، أي لم تقولون من الخير ما لا تفعلونه، و " لم " مركبة من اللام ~~الجارة، وما الاستفهامية، وحذفت ألفها تخفيفا لكثرة استعمالها، كما في ~~نظائرها. ثم ذمهم سبحانه على ذلك فقال { كبر مقتا عند الله ~~أن تقولوا ما لا تفعلون } أي عظم ذلك في المقت، وهو البغض، ~~والمقت والمقاتة مصدران، يقال رجل مقيت، وممقوت إذا لم يحبه الناس، قال ~~الكسائي { أن تقولوا } في موضع رفع لأن { كبر } فعل بمعنى بئس، و { ~~مقتا } منتصب على التمييز، وعلى هذا فيكون في { كبر } ضمير مبهم مفسر ~~بالنكرة، وأن { تقولوا } هو المخصوص بالذم، ويجيء فيه الخلاف هل رفعه ~~بالابتداء، وخبره الجملة المتقدمة عليه، أو خبره محذوف، أو هو خبر مبتدأ ~~محذوف. وقيل إنه قصد بقوله { كبر } التعجب، وقد عده ابن عصفور من ~~أفعال التعجب. وقيل إنه ليس من أفعال الذم، ولا من أفعال التعجب، بل هو ~~مسند إلى { أن تقولوا } ، و { مقتا } تمييز محول عن الفاعل. { إن ~~الله يحب الذين يقتلون فى سبيله صفا } قال ~~المفسرون إن المؤمنين قالوا وددنا أن الله يخبرنا بأحب الأعمال إليه حتى ~~نعمله، ولو ذهبت فيه أموالنا وأنفسنا. فأنزل الله { إن الله ~~يحب الذين يقتلون } الآية، وانتصاب { صفا } على ~~المصدرية، والمفعول محذوف، أي يصفون أنفسهم صفا، وقيل هو مصدر في موضع ~~الحال أي صافين، أو مصفوفين. قرأ الجمهور { يقاتلون } على البناء للفاعل. ~~وقرأ زيد بن علي على البناء للمفعول، وقرىء يقتلون بالتشديد، وجملة { ~~كأنهم بنين مرصوص } في محل نصب على الحال من فاعل { ~~يقاتلون } ، أو من الضمير في { صفا } على تقدير أنه مؤول بصافين، أو ~~مصفوفين، ومعنى { مرصوص } ملتزق بعضه ببعض، يقال رصصت البناء أرصه ~~رصا إذا ضممت بعضه إلى بعض. قال الفراء مرصوص بالرصاص. قال المبرد هو ~~مأخوذ من رصصت البناء إذا لايمت بينه وقاربت حتى يصير كقطعة واحدة، وقيل ~~هو من الرصيص، وهو ضم الأشياء بعضها إلى بعض، والتراص التلاصق. { ~~وإذ قال موسى لقومه } لما ذكر سبحانه أنه يحب المقاتلين في ~~سبيله بين أن موسى وعيسى ms3873 أمرا بالتوحيد، وجاهدا في سبيل الله، وحل ~~العقاب بمن خالفهما، والظرف متعلق بمحذوف هو اذكر، أي اذكر يا محمد ~~لهؤلاء المعرضين وقت قول موسى، ويجوز أن يكون وجه ذكر قصة موسى وعيسى بعد ~~محبة المجاهدين في سبيل الله التحذير لأمة محمد أن يفعلوا مع نبيهم ما ~~فعله قوم موسى وعيسى معهما { لقومه يقوم لم تؤذوننى } ~~هذا مقول القول، أي لم تؤذونني بمخالفة ما أمركم به من الشرائع التي ~~افترضها الله عليكم، أو لم تؤذونني بالشتم والانتقاص، ومن ذلك رميه ~~بالأدرة، وقد تقدم بيان هذا في سورة الأحزاب، وجملة { وقد ~~تعلمون أنى رسول الله إليكم } في محل نصب على الحال، ~~«وقد» لتحقق العلم، أو لتأكيده، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار، ~~والمعنى كيف تؤذونني مع علمكم بأني رسول الله، والرسول يحترم ويعظم، ولم ~~يبق معكم شك في الرسالة لما قد شاهدتم من المعجزات التي توجب عليكم ~~الاعتراف برسالتي، وتفيدكم العلم بها علما يقينيا { فلما زاغوا ~~أزاغ الله قلوبهم } أي لما أصروا على الزيغ، واستمروا عليه ~~أزاغ الله قلوبهم عن الهدى، وصرفها عن قبول الحق، وقيل فلما زاغوا عن ~~الإيمان أزاغ الله قلوبهم عن الثواب. # قال مقاتل لما عدلوا عن الحق أمال الله قلوبهم عنه، يعني أنهم لما تركوا ~~الحق بإيذاء نبيهم أمال الله قلوبهم عن الحق جزاء بما ارتكبوا { ~~والله لا يهدى القوم الفسقين } هذه الجملة مقررة ~~لمضمون ما قبلها. قال الزجاج لا يهدي من سبق في علمه أنه فاسق، والمعنى ~~أنه لا يهدي كل متصف بالفسق، وهؤلاء من جملتهم. { وإذ قال عيسى ~~ابن مريم } معطوف على { وإذ قال موسى } معمول لعامله، أو ~~معمول لعامل مقدر معطوف على عامل الظرف الأول { مريم يبنى ~~إسرءيل إنى رسول الله إليكم مصدقا لما بين ~~يدى من التوراة } أي إني رسول الله إليكم بالإنجيل مصدقا ~~لما بين يدي من التوراة لأني لم آتكم بشيء يخالف التوراة، بل هي مشتملة ~~على التبشير بي، فكيف تنفرون عني وتخالفونني، وانتصاب { مصدقا } على ~~الحال، وكذا { مبشرا } ، والعامل فيهما ما في ms3874 الرسول من معنى ~~الإرسال، والمعنى أني أرسلت إليكم حال كوني مصدقا لما بين يدي من ~~التوراة، ومبشرا بمن يأتي بعدي، وإذا كنت كذلك في التصديق والتبشير، فلا ~~مقتضى لتكذيبي، وأحمد اسم نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو علم منقول من ~~الصفة، وهي تحتمل أن تكون مبالغة من الفاعل، فيكون معناها أنه أكثر حمدا ~~لله من غيره، أو من المفعول، فيكون معناها أنه يحمد بما فيه من خصال ~~الخير أكثر مما يحمد غيره. قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، والسلمي، ~~وزر بن حبيش، وأبو بكر عن عاصم من بعدي بفتح الياء. وقرأ الباقون ~~بإسكانها { فلما جاءهم بالبينت قالوا هذا سحر ~~مبين } أي لما جاءهم عيسى بالمعجزات قالوا هذا الذي جاءنا به سحر ~~واضح ظاهر، وقيل المراد محمد صلى الله عليه وسلم، أي لما جاءهم بذلك ~~قالوا هذه المقالة، والأول أولى. # قرأ الجمهور { سحر } وقرأ حمزة، والكسائي ساحر. { ومن أظلم ~~ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى ~~الإسلام } أي لا أحد أكثر ظلما منه حيث يفتري على الله الكذب، والحال ~~أنه يدعى إلى دين الإسلام الذي هو خير الأديان وأشرفها لأن من كان كذلك، ~~فحقه أن لا يفتري على غيره الكذب، فكيف يفتريه على ربه. قرأ الجمهور { ~~وهو يدعى } من الدعاء مبنيا للمفعول. وقرأ طلحة بن مصرف يدعي بفتح الياء ~~وتشديد الدال من الادعاء مبنيا للفاعل، وإنما عدي بإلى لأنه ضمن معنى ~~الانتماء والانتساب { والله لا يهدى القوم الظلمين } ~~هذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها. والمعنى لا يهدي من اتصف بالظلم، ~~والمذكورون من جملتهم { يريدون ليطفئوا نور الله ~~بأفوههم } الإطفاء الإخماد، وأصله في النار، واستعير لما يجري ~~مجراها من الظهور. والمراد بنور الله القرآن، أي يريدون إبطاله، وتكذيبه ~~بالقول، أو الإسلام، أو محمد، أو الحجج والدلائل، أو جميع ما ذكر، ومعنى ~~{ بأفوههم } بأقوالهم الخارجة من أفواههم المتضمنة للطعن { ~~والله متم نوره } بإظهاره في الآفاق وإعلائه على غيره. قرأ ~~ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم { متم نوره } بالإضافة، ~~والباقون بتنوين " متم ms3875 " { ولو كره الكفرون } ذلك، فإنه ~~كائن لا محالة، والجملة في محل نصب على الحال. قال ابن عطية واللام في { ~~ليطفئوا } لام مؤكدة دخلت على المفعول لأن التقدير يريدون أن يطفئوا، ~~وأكثر ما تلزم هذه اللام المفعول إذا تقدم، كقولك لزيد ضربت، ولرؤيتك ~~قصدت، وقيل هي لام العلة، والمفعول محذوف، أي يريدون إبطال القرآن، أو ~~دفع الإسلام، أو هلاك الرسول ليطفئوا، وقيل إنها بمعنى أن الناصبة، وأنها ~~ناصبة بنفسها. قال الفراء العرب تجعل لام كي في موضع أن في أراد وأمر، ~~وإليه ذهب الكسائي، ومثل هذا قوله # يريد الله ليبين لكم # النساء 26. وجملة { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ~~ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون } مستأنفة مقررة لما قبلها، والهدى القرآن، أو المعجزات، ~~ومعنى { دين الحق } الملة الحقة، وهي ملة الإسلام ومعنى { ~~ليظهره } ليجعله ظاهرا على جميع الأديان عاليا عليها غالبا لها، ~~ولو كره المشركون ذلك، فإنه كائن لا محالة. قال مجاهد ذلك إذا نزل عيسى ~~لم يكن في الأرض دين إلا دين الإسلام، والدين مصدر يعبر به عن الأديان ~~المتعددة، وجواب " لو " في الموضعين محذوف، والتقدير أتمه وأظهره. وقد ~~أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال كان ناس من ~~المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون وددنا لو أن الله أخبرنا بأحب ~~الأعمال فنعمل به، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن أحب الأعمال ~~إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان، ولم ~~يقروا به، فلما نزل الجهاد كره ذلك أناس من المؤمنين، وشق عليهم أمره، ~~فقال الله { يأيها الذين ءامنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون }. # وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في قوله { كبر مقتا عند ~~الله أن تقولوا ما لا تفعلون } قال هذه الآية في القتال ~~وحده، وهم قوم كانوا يأتون النبي، فيقول الرجل قاتلت وضربت بسيفي، ولم ~~يفعلوا، فنزلت. وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه عنه أيضا قال قالوا لو ~~نعلم أحب الأعمال إلى الله لفعلناه، ms3876 فأخبرهم الله، فقال { إن الله ~~يحب الذين يقتلون فى سبيله صفا كأنهم ~~بنين مرصوص } فكرهوا ذلك، فأنزل الله { يأيها الذين ~~ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند ~~الله أن تقولوا ما لا تفعلون } وأخرج ابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عنه أيضا { كأنهم بنين مرصوص } قال مثبت لا ~~يزول ملصق بعضه على بعض. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن جبير بن مطعم ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن لي أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يحشر الله الناس ~~على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب والعاقب ~~الذي ليس بعده نبي ". ### || [61.10-14] # قوله { يأيها الذين ءامنوا هل أدلكم على ~~تجرة تنجيكم من عذاب أليم } جعل العمل المذكور بمنزلة ~~التجارة لأنهم يربحون فيه، كما يربحون فيها، وذلك بدخولهم الجنة، ونجاتهم ~~من النار. قرأ الجمهور { تنجيكم } بالتخفيف من الإنجاء. وقرأ الحسن، وابن ~~عامر، وأبو حيوة بالتشديد من التنجية. ثم بين سبحانه هذه التجارة التي ~~دل عليها فقال { تؤمنون بالله ورسوله وتجهدون فى ~~سبيل الله بأمولكم وأنفسكم } وهو خبر في معنى الأمر ~~للإيذان بوجوب الامتثال، فكأنه قد وقع، فأخبر بوقوعه، وقدم ذكر الأموال ~~على الأنفس لأنها هي التي يبدأ بها في الإنفاق والتجهز إلى الجهاد. قرأ ~~الجمهور { تؤمنون } وقرأ ابن مسعود آمنوا، وجاهدوا على الأمر. قال الأخفش ~~{ تؤمنون } عطف بيان ل { تجارة } ، والأولى أن تكون الجملة مستأنفة ~~مبينة لما قبلها، والإشارة بقوله { ذلكم } إلى ما ذكر من الإيمان ~~والجهاد، وهو مبتدأ، وخبره { خير لكم } أي هذا الفعل خير لكم من ~~أموالكم وأنفسكم { إن كنتم تعلمون } أي إن كنتم ممن يعلم، فإنكم ~~تعلمون أنه خير لكم، لا إذا كنتم من أهل الجهل، فإنكم لا تعلمون ذلك. { ~~يغفر لكم ذنوبكم } هذا جواب الأمر المدلول عليه بلفظ الخبر، ~~ولهذا جزم. قال الزجاج، والمبرد قوله { تؤمنون } في معنى آمنوا، ~~ولذلك جاء { يغفر لكم } مجزوما. وقال الفراء { يغفر لكم } جواب ~~الاستفهام، فجعله مجزوما لكونه جواب الاستفهام، وقد غلطه بعض أهل ms3877 العلم. ~~قال الزجاج ليسوا إذا دلهم على ما ينفعهم يغفر لهم إنما يغفر لهم إذا ~~آمنوا وجاهدوا. وقال الرازي في توجيه قول الفراء إن { هل أدلكم } ~~في معنى الأمر عنده، يقال هل أنت ساكت، أي اسكت، وبيانه أن " هل " بمعنى ~~الاستفهام، ثم يتدرج إلى أن يصير عرضا وحثا، والحث كالإغراء، ~~والإغراء أمر. وقرأ زيد بن علي تؤمنوا، وتجاهدوا على إضمار لام الأمر. ~~وقيل إن { يغفر لكم } مجزوم بشرط مقدر، أي إن تؤمنوا يغفر لكم، وقرأ ~~بعضهم بالإدغام في يغفر لكم، والأولى ترك الإدغام لأن الراء حرف متكرر، ~~فلا يحسن إدغامه في اللام { ويدخلكم جنت تجرى من ~~تحتها الأنهر } قد تقدم بيان كيفية جري الأنهار من تحت الجنات ~~{ ومسكن طيبة فى جنات عدن } أي في جنات إقامة { ~~ذلك الفوز العظيم } أي ذلك المذكور من المغفرة، وإدخال الجنات ~~الموصوفة بما ذكر هو الفوز الذي لا فوز بعده، والظفر الذي لا ظفر يماثله. ~~{ وأخرى تحبونها } قال الأخفش، والفراء { أخرى } معطوفة على ~~{ تجارة } فهي في محل خفض، أي وهل أدلكم على خصلة أخرى تحبونها في العاجل ~~مع ثواب الآخرة، وقيل هي في محل رفع، أي ولكم خصلة أخرى، وقيل في محل ~~نصب، أي ويعطيكم خصلة أخرى. # ثم بين سبحانه هذه الأخرى فقال { نصر من الله وفتح قريب ~~} أي هي نصر من الله لكم، وفتح قريب يفتحه عليكم، وقيل { نصر } بدل من { ~~أخرى } على تقدير كونها في محل رفع، وقيل التقدير ولكم نصر وفتح قريب. ~~قال الكلبي يعني النصر على قريش وفتح مكة. وقال عطاء يريد فتح فارس ~~والروم { وبشر المؤمنين } معطوف على محذوف، أي قل يا أيها ~~الذين آمنوا، وبشر، أو على { تؤمنون } لأنه في معنى الأمر، والمعنى وبشر ~~يا محمد المؤمنين بالنصر والفتح، أو، وبشرهم بالنصر في الدنيا والفتح، ~~وبالجنة في الآخرة، أو وبشرهم بالجنة في الآخرة. ثم حض سبحانه المؤمنين ~~على نصرة دينه فقال { يأيها الذين ءامنوا كونوا أنصر ~~الله } أي دوموا على ما أنتم عليه من نصرة الدين. قرأ ابن كثير، ms3878 وأبو ~~عمرو، ونافع أنصارا لله بالتنوين، وترك الإضافة. وقرأ الباقون بالإضافة، ~~والرسم يحتمل القراءتين معا، واختار أبو عبيدة قراءة الإضافة لقوله { ~~نحن أنصار الله } بالإضافة { كما قال عيسى ابن ~~مريم للحواريين من أنصرى إلى الله } أي انصروا ~~دين الله مثل نصرة الحواريين لما قال لهم عيسى { من أنصارى إلى ~~الله } فقالوا { نحن أنصار الله } والكاف في { كما قال ~~} نعت مصدر محذوف تقديره كونوا كونا، كما قال، وقيل الكاف في محل نصب ~~على إضمار الفعل، وقيل هو كلام محمول على معناه دون لفظه، والمعنى كونوا ~~أنصار الله، كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم من أنصاري إلى ~~الله، وقوله { إلى الله } قيل إلى بمعنى مع، أي من أنصاري مع الله، ~~وقيل التقدير من أنصاري فيما يقرب إلى الله، وقيل التقدير من أنصاري ~~متوجها إلى نصرة الله، وقد تقدم الكلام على هذا في سورة آل عمران. ~~والحواريون هم أنصار المسيح وخلص أصحابه، وأول من آمن به، وقد تقدم ~~بيانهم { فآمنت طائفة من بني اسرائيل وكفرت طائفة } أي آمنت طائفة بعيسى ~~وكفرت به طائفة، وذلك لأنهم لما اختلفوا بعد رفعه تفرقوا وتقاتلوا { ~~فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم } أي قوينا المحقين منهم على المبطلين { ~~فأصبحوا ظهرين } أي عالين غالبين، وقيل المعنى فأيدنا الآن ~~المسلمين على الفرقتين جميعا. وقد أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال ~~قالوا لو كنا نعلم أي الأعمال أحب إلى الله؟ فنزلت { المشركون ~~يأيها الذين ءامنوا هل أدلكم على تجرة ~~تنجيكم من عذاب أليم } فكرهوا، فنزلت { الحكيم يأيها ~~الذين ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون } إلى قوله # بنين مرصوص # وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة في قوله { ~~يأيها الذين ءامنوا كونوا أنصر الله } قال قد كان ~~ذلك بحمد الله جاءه سبعون رجلا، فبايعوه عند العقبة وآووه ونصروه حتى ~~أظهر الله دينه. # وأخرج ابن إسحاق، وابن سعد عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن ~~حزم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ms3879 للنفر الذين لقوه بالعقبة # " أخرجوا إلي اثني عشر منكم يكونون كفلاء على قومهم، كما كفلت ~~الحواريون لعيسى ابن مريم " # وأخرج ابن سعد عن محمود بن لبيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~للنقباء # " إنكم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل ~~قومي " # ، قالوا نعم. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس { فأيدنا الذين ءامنوا } قال ~~فقوينا الذين آمنوا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه، فأيدنا الذين آمنوا بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وأمته على عدوهم، فأصبحوا اليوم ظاهرين. ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1-8] # قوله { يسبح لله ما فى السموات وما في الأرض } قد ~~تقدم تفسير هذا في أول سورة الحديد، وما بعدها من المسبحات { الملك ~~القدوس العزيز الحكيم } قرأ الجمهور بالجر في هذه الصفات ~~الأربع على أنها نعت ل { لله } ، وقيل على البدل، والأول أولى. وقرأ ~~أبو وائل بن محارب، وأبو العالية، ونصر بن عاصم، ورؤبة بالرفع على إضمار ~~مبتدأ. وقرأ الجمهور { القدوس } بضم القاف، وقرأ زيد بن علي بفتحها، وقد ~~تقدم تفسيره. { هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم } ~~المراد بالأميين العرب، من كان يحسن الكتابة منهم ومن لا يحسنها لأنهم لم ~~يكونوا أهل كتاب، والأمي في الأصل الذي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب، وكان ~~غالب العرب كذلك، وقد مضى بيان معنى الأمي في سورة البقرة، ومعنى { ~~منهم } من أنفسهم، ومن جنسهم، ومن جملتهم، وما كان حي من أحياء ~~العرب إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة، ووجه الامتنان ~~بكونه منهم أن ذلك أقرب إلى الموافقة لأن الجنس أميل إلى جنسه وأقرب إليه ~~{ يتلوا عليهم ءايته } يعني القرآن مع كونه أميا لا يقرأ ~~ولا يكتب، ولا تعلم ذلك من أحد، والجملة صفة ل { رسولا } ، وكذا قوله { ~~ويزكيهم } قال ابن جريج، ومقاتل أي يطهرهم من دنس الكفر والذنوب، ~~وقال السدي يأخذ زكاة أموالهم، وقيل يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان { ~~ويعلمهم الكتب والحكمة } هذه صفة ثالثة ل { رسولا } ~~، والمراد بالكتاب القرآن، وبالحكمة السنة، كذا قال الحسن. وقيل الكتاب ms3880 ~~الخط بالقلم، والحكمة الفقه في الدين، كذا قال مالك بن أنس { وإن ~~كانوا من قبل لفى ضلل مبين } أي وإن كانوا من قبل ~~بعثته فيهم في شرك وذهاب عن الحق. { وءاخرين منهم } معطوف على ~~الأميين أي بعث في الأميين، وبعث في آخرين منهم { لما يلحقوا ~~بهم } ذلك الوقت، وسيلحقون بهم من بعد، أو هو معطوف على المفعول ~~الأول في { يعلمهم } ، أي ويعلم آخرين، أو على مفعول { يزكيهم } ، أي ~~يزكيهم ويزكي آخرين منهم، والمراد بالآخرين من جاء بعد الصحابة إلى يوم ~~القيامة، وقيل المراد بهم من أسلم من غير العرب. وقال عكرمة هم التابعون. ~~وقال مجاهد هم الناس كلهم، وكذا قال ابن زيد، والسدي، وجملة { لما ~~يلحقوا بهم } صفة ل { آخرين } ، والضمير في " منهم " و " لهم " ~~راجع إلى الأميين، وهذا يؤيد أن المراد بالآخرين هم من يأتي بعد الصحابة ~~من العرب خاصة إلى يوم القيامة، وهو صلى الله عليه وسلم، وإن كان مرسلا ~~إلى جميع الثقلين، فتخصيص العرب ها هنا لقصد الامتنان عليهم، وذلك لا ~~ينافي عموم الرسالة، ويجوز أن يراد بالآخرين العجم لأنهم وإن لم يكونوا ~~من العرب فقد صاروا بالإسلام منهم، والمسلمون كلهم أمة واحدة وإن اختلفت ~~أجناسهم { وهو العزيز الحكيم } أي بليغ العزة والحكمة، ~~والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم ذكره. # وقال الكلبي يعني الإسلام. وقال قتادة يعني الوحي والنبوة. وقيل إلحاق ~~العجم بالعرب، وهو مبتدأ، وخبره { فضل الله يؤتيه من يشاء } ~~أي يعطيه من يشاء من عباده { والله ذو الفضل العظيم } الذي ~~لا يساويه فضل ولا يدانيه. { مثل الذين حملوا التوراة ~~ثم لم يحملوها } ضرب سبحانه لليهود الذين تركوا العمل بالتوراة ~~مثلا فقال { مثل الذين حملوا التوراة } أي كلفوا القيام ~~بها والعمل بما فيها { ثم لم يحملوها } أي لم يعملوا بموجبها، ~~ولا أطاعوا ما أمروا به فيها { كمثل الحمار يحمل أسفارا ~~} هي جمع سفر، وهو الكتاب الكبير لأنه يسفر عن المعنى إذا قرىء. قال ~~ميمون بن مهران الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبل؟ فهكذا اليهود. ms3881 وقال ~~الجرجاني هو يعني حملوا من الحمالة بمعنى الكفالة أي ضمنوا أحكام ~~التوراة، وقوله { يحمل } في محل نصب على الحال، أو صفة للحمار، إذ ~~ليس المراد به حمارا معينا، فهو في حكم النكرة، كما في قول الشاعر # ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثم وقلت لا يعنيني # { بئس مثل القوم الذين كذبوا بئايت الله } ~~أي بئس مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، على أن التمييز محذوف، ~~والفاعل المفسر به مضمر، و { مثل القوم } هو المخصوص بالذم، أو { مثل ~~القوم } فاعل { بئس } ، والمخصوص بالذم الموصول بعده على حذف مضاف، أي ~~مثل الذين كذبوا، ويجوز أن يكون الموصول صفة للقوم، فيكون في محل جر، ~~والمخصوص بالذم محذوف، والتقدير بئس مثل القوم المكذبين مثل هؤلاء { ~~والله لا يهدى القوم الظلمين } يعني على العموم، ~~فيدخل فيهم اليهود دخولا أوليا. { قل يأيها الذين هادوا إن ~~زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس } المراد ~~بالذين هادوا الذين تهودوا، وذلك أن اليهود ادعوا الفضيلة على الناس، ~~وأنهم أولياء الله من دون الناس، كما في قولهم # نحن أبناء الله وأحباؤه # المائدة 18 وقولهم # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصرى # البقرة 111 فأمر الله سبحانه رسوله أن يقول لهم لما ادعوا هذه الدعوى ~~الباطلة { فتمنوا الموت } لتصيروا إلى ما تصيرون إليه من ~~الكرامة في زعمكم { إن كنتم صدقين } في هذا الزعم، فإن من علم ~~أنه من أهل الجنة أحب الخلوص من هذه الدار. قرأ الجمهور { فتمنوا } بضم ~~الواو، وقرأ ابن السميفع بفتحها تخفيفا، وحكى الكسائي إبدال الواو همزة، ~~ثم أخبر الله سبحانه أنهم لا يفعلون ذلك أبدا بسبب ذنوبهم فقال { ولا ~~يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم } أي بسبب ما عملوا ~~من الكفر والمعاصي، والتحريف والتبديل { والله عليم ~~بالظلمين } يعني على العموم، وهؤلاء اليهود داخلون فيهم دخولا ~~أوليا. # ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يقول لهم بأن الفرار من الموت لا ينجيهم، ~~وأنه نازل بهم، فقال { قل إن الموت الذى تفرون منه ~~فإنه ملقيكم } لا محالة، ms3882 ونازل بكم بلا شك، والفاء في قوله " ~~فإنه " داخلة لتضمن الاسم معنى الشرط، قال الزجاج لا يقال إن زيدا ~~فمنطلق، وها هنا قال فإنه ملاقيكم لما في معنى الذي من الشرط والجزاء، أي ~~إن فررتم منه، فإنه ملاقيكم، ويكون مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع ~~الفرار منه، وقيل إنها مزيدة، وقيل إن الكلام قد تم عند قوله { ~~تفرون منه } ثم ابتدأ فقال { فإنه ملقيكم ثم ~~تردون إلى علم الغيب والشهدة } وذلك يوم ~~القيامة { فينبئكم بما كنتم تعملون } من الأعمال ~~القبيحة، ويجازيكم عليها. وقد أخرج ابن المنذر، والحاكم، والبيهقي في ~~الشعب عن عطاء بن السائب عن ميسرة أن هذه الآية مكتوبة في التوراة ~~بسبعمائة آية { يسبح لله ما فى السموات وما في ~~الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم } أول سورة ~~الجمعة. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " # وأخرج البخاري، وغيره عن أبي هريرة قال كنا جلوسا عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين نزلت سورة الجمعة، فتلاها، فلما بلغ { وءاخرين ~~منهم لما يلحقوا بهم } قال له رجل يا رسول الله من هؤلاء ~~الذين لم يلحقوا بنا؟ فوضع يده على سلمان الفارسي، وقال # " والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء " # وأخرجه أيضا مسلم من حديثه مرفوعا بلفظ # " لو كان الإيمان عند الثريا لذهب به رجال من فارس، - أو قال - من أبناء ~~فارس " # وأخرج سعيد بن منصور، وابن مردويه عن قيس بن سعد بن عبادة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال # " لو كان الإيمان بالثريا لناله ناس من أهل فارس " # وأخرج الطبراني، وابن مردويه، والضياء عن سهل بن سعد قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال من أصحابي رجالا ونساء من أمتي يدخلون ~~الجنة بغير حساب " # ، ثم قرأ { وءاخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو ~~العزيز الحكيم }. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { ذلك ms3883 ~~فضل الله يؤتيه من يشاء } قال الدين. وأخرج عبد بن حميد من ~~طريق الكلبي عن أبي صالح عنه { مثل الذين حملوا التوراة ~~ثم لم يحملوها } قال اليهود. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عنه أيضا في قوله { أسفارا } قال كتبا. ### || [62.9-11] # قوله { يأيها الذين ءامنوا إذا نودى للصلوة } أي ~~وقع النداء لها، والمراد به الأذان إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة ~~لأنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نداء سواه، وقوله { ~~من يوم الجمعة } بيان لإذا وتفسير لها. وقال أبو البقاء إن " من ~~" بمعنى في، كما في قوله # أرونى ماذا خلقوا من الأرض # فاطر 40 أي في الأرض. قرأ الجمهور { الجمعة } بضم الميم. وقرأ عبد الله ~~بن الزبير، والأعمش بإسكانها تخفيفا. وهما لغتان، وجمعها جمع وجمعات. ~~قال الفراء يقال الجمعة بسكون الميم وبفتحها وبضمها. وهي صفة لليوم، أي ~~يوم يجمع الناس. قال الفراء أيضا، وأبو عبيد والتخفيف أخف وأقيس، نحو ~~غرفة وغرف، وطرفة وطرف، وحجرة وحجر. وفتح الميم لغة عقيل. وقيل إنما سميت ~~جمعة لأن الله جمع فيها خلق آدم، وقيل لأن الله فرغ فيها من خلق كل شيء، ~~فاجتمعت فيها جميع المخلوقات، وقيل لاجتماع الناس فيها للصلاة { ~~فاسعوا إلى ذكر الله } قال عطاء يعني الذهاب والمشي إلى ~~الصلاة. وقال الفراء المضي والسعي والذهاب في معنى واحد، ويدل على ذلك ~~قراءة عمر بن الخطاب، وابن مسعود فامضوا إلى ذكر الله. وقيل المراد ~~القصد. قال الحسن والله ما هو سعي على الأقدام ولكنه قصد بالقلوب ~~والنيات، وقيل هو العمل كقوله # ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن # الإسراء 19 وقوله # إن سعيكم لشتى # الليل 4 وقوله # وأن ليس للإنسن إلا ما سعى # النجم 39 قال القرطبي وهذا قول الجمهور، ومنه قول زهير # سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم # وقال أيضا # سعى ساعيا غيظ بن مرة بعد ما تنزل ما بين العشيرة بالدم # أي فاعملوا على المضي إلى ذكر الله، واشتغلوا بأسبابه من الغسل والوضوء ~~والتوجه إليه، ms3884 ويؤيد هذا القول قول الشاعر # أسعى على جل بني مالك كل امرىء في شأنه ساعي # { وذروا البيع } أي اتركوا المعاملة به، ويلحق به سائر ~~المعاملات. قال الحسن إذا أذن المؤذن يوم الجمعة لم يحل الشراء والبيع، ~~والإشارة بقوله { ذلكم } إلى السعي إلى ذكر الله، وترك البيع، وهو ~~مبتدأ، وخبره { خير لكم } أي خير لكم من فعل البيع، وترك السعي ~~لما في الامتثال من الأجر والجزاء. وفي عدمه من عدم ذلك إذا لم يكن ~~موجبا للعقوبة { إن كنتم تعلمون } أي إن كنتم من أهل العلم، ~~فإنه لا يخفى عليكم أن ذلكم خير لكم { فإذا قضيت الصلوة } أي ~~إذا فعلتم الصلاة وأديتموها وفرغتم منها { فانتشروا فى الأرض } ~~للتجارة والتصرف فيما تحتاجون إليه من أمر معاشكم { وابتغوا من ~~فضل الله } أي من رزقه الذي يتفضل به على عباده بما يحصل لهم من ~~الأرباح في المعاملات والمكاسب، وقيل المراد به ابتغاء ما عند الله من ~~الأجر بعمل الطاعات، واجتناب ما لا يحل { واذكروا الله كثيرا ~~} أي ذكرا كثيرا بالشكر له على ما هداكم إليه من الخير الأخروي ~~والدنيوي، وكذا اذكروه بما يقربكم إليه من الأذكار، كالحمد، والتسبيح، ~~والتكبير، والاستغفار، ونحو ذلك { لعلكم تفلحون } أي كي ~~تفوزوا بخير الدارين وتظفروا به. # { وإذا رأوا تجرة أو لهوا انفضوا إليها ~~وتركوك قائما } سبب نزول هذه الآية أنه كان بأهل المدينة فاقة ~~وحاجة، فأقبلت عير من الشام، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم ~~الجمعة، فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا في المسجد. ~~ومعنى { انفضوا إليها } تفرقوا خارجين إليها. وقال المبرد مالوا ~~إليها، والضمير للتجارة، وخصت بإرجاع الضمير إليها دون اللهو لأنها كانت ~~أهم عندهم، وقيل التقدير وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا ~~إليه، فحذف الثاني لدلالة الأول عليه، كما في قول الشاعر # نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف # وقيل إنه اقتصر على ضمير التجارة لأن الانفضاض إليها إذا كان مذموما مع ~~الحاجة إليها، فكيف بالانفضاض إلى اللهو، وقيل ms3885 غير ذلك { وتركوك ~~قائما } أي على المنبر ثم أمره الله سبحانه أن يخبرهم بأن العمل ~~للآخرة خير من العمل للدنيا، فقال { قل ما عند الله } يعني من ~~الجزاء العظيم وهو الجنة { خير من اللهو ومن التجرة } ~~اللذين ذهبتم إليهما، وتركتم البقاء في المسجد، وسماع خطبة النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأجلها { والله خير الرازقين } فمنه اطلبوا ~~الرزق، وإليه توسلوا بعمل الطاعة، فإن ذلك من أسباب تحصيل الرزق وأعظم ما ~~يجلبه. وقد أخرج سعيد بن منصور، وابن مردويه عن أبي هريرة قال قلت يا ~~رسول الله لأي شيء سمي يوم الجمعة؟ قال # " لأن فيه جمعت طينة أبيكم آدم، وفيه الصعقة والبعثة، وفي آخره ثلاث ~~ساعات منها ساعة من دعا الله فيها بدعوة استجاب له " # وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، والنسائي، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن ~~مردويه عن سلمان قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أتدري ما يوم الجمعة " # ؟ قلت الله ورسوله أعلم، قالها ثلاث مرات، ثم قال في الثالثة # " هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم آدم أفلا أحدثكم عن يوم الجمعة " # ، الحديث. وأخرج أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن مردويه عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، ~~وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة " # وفي الباب أحاديث مصرحة بأنه خلق فيه آدم. وورد في فضل يوم الجمعة ~~أحاديث كثيرة، وكذلك في فضل صلاة الجمعة وعظيم أجرها، وفي الساعة التي ~~فيها، وأنه يستجاب الدعاء فيها، وقد أوضحت ذلك في شرحي للمنتقى بما لا ~~يحتاج الناظر فيه إلى غيره. وأخرج أبو عبيد في فضائله، وسعيد بن منصور، ~~وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف عن خرشة بن الحر ~~قال رأى معي عمر بن الخطاب لوحا مكتوبا فيه { إذا نودى ~~للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } فقال من ~~أملى عليك هذا؟ قلت أبي بن كعب، قال إن أبيا ms3886 أقرأنا للمنسوخ اقرأها ~~فامضوا إلى ذكر الله وروى هؤلاء ما عدا أبا عبيد عن ابن عمر قال لقد توفي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نقرأ هذه الآية التي في سورة الجمعة ~~إلا فامضوا إلى ذكر الله وأخرجه عنه أيضا الشافعي في الأم، وعبد ~~الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن أبي حاتم. وأخرجوا كلهم أيضا عن ابن ~~مسعود أنه كان يقرأ فامضوا إلى ذكر الله قال ولو كان فاسعوا لسعيت حتى ~~يسقط ردائي. وأخرج عبد بن حميد عن أبي بن كعب أنه قرأ كذلك. وأخرج عبد ~~بن حميد عن ابن عباس { فاسعوا إلى ذكر الله } قال فامضوا. ~~وأخرج عبد بن حميد عنه أن السعي العمل. وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب ~~أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانا يختلفان في تجارتهما ~~إلى الشام، فربما قدما يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، ~~فيدعونه ويقومون، فنزلت الآية { وذروا البيع } فحرم عليهم ما كان ~~قبل ذلك. وأخرج ابن جرير عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~قوله { فإذا قضيت الصلوة فانتشروا فى الأرض ~~وابتغوا من فضل الله } قال # " ليس لطلب دنيا، ولكن عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله " # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال لم تؤمروا بشيء من طلب ~~الدنيا إنما هو عيادة مريض، وحضور جنازة، وزيارة أخ في الله. وأخرج ~~البخاري، ومسلم، وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال بينما النبي صلى الله ~~عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائما إذ قدمت عير المدينة، فابتدرها أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلا، أنا ~~فيهم وأبو بكر وعمر، فأنزل الله { وإذا رأوا تجرة أو ~~لهوا انفضوا إليها } إلى آخر السورة. وأخرج عبد بن حميد عن ~~ابن عباس في الآية قال جاءت عير عبد الرحمن بن عوف تحمل الطعام، فخرجوا ~~من الجمعة بعضهم يريد أن يشتري، وبعضهم يريد أن ينظر ms3887 إلى دحية، وتركوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر، وبقي في المسجد اثنا ~~عشر رجلا وسبع نسوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لو خرجوا كلهم لاضطرم المسجد عليهم نارا " # وفي الباب روايات متضمنة لهذا المعنى عن جماعة من الصحابة وغيرهم. ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1-8] # قوله { إذا جاءك المنفقون } أي إذا وصلوا إليك وحضروا ~~مجلسك، وجواب الشرط { قالوا } ، وقيل محذوف، و { قالوا } حال، والتقدير ~~جاءوك قائلين كيت وكيت، فلا تقبل منهم، وقيل الجواب { اتخذوا ~~أيمنهم جنة } وهو بعيد { قالوا نشهد إنك ~~لرسول الله } أكدوا شهادتهم بإن واللام، للإشعار بأنها صادرة من ~~صميم قلوبهم مع خلوص اعتقادهم، والمراد بالمنافقين عبد الله بن أبي ~~وأصحابه، ومعنى { نشهد } نحلف، فهو يجري مجرى القسم، ولذلك يتلقى بما ~~يتلقى به القسم، ومن هذا قول قيس بن ذريح # وأشهد عند الله أني أحبها فهذا لها عندي فما عندها ليا # ومثل نشهد نعلم، فإنه يجري مجرى القسم، كما في قول الشاعر # ولقد علمت لتأتين منيتي إن المنايا لا تطيش سهامها # وجملة { والله يعلم إنك لرسوله } معترضة مقررة لمضمون ~~ما قبلها، وهو ما أظهروه من الشهادة، وإن كانت بواطنهم على خلاف ذلك { ~~والله يشهد إن المنفقين لكذبون } أي في ~~شهادتهم التي زعموا أنها من صميم القلب وخلوص الاعتقاد لا إلى منطوق ~~كلامهم، وهو الشهادة بالرسالة، فإنه حق، والمعنى والله يشهد إنهم ~~لكاذبون فيما تضمنه كلامهم من التأكيد الدال على أن شهادتهم بذلك صادرة ~~عن خلوص اعتقاد وطمأنينة قلب، وموافقة باطن لظاهر. { اتخذوا ~~أيمنهم جنة } أي جعلوا حلفهم الذي حلفوا لكم به إنهم لمنكم، ~~وإن محمدا لرسول الله وقاية تقيهم منكم، وسترة يستترون بها من القتل ~~والأسر، والجملة مستأنفة لبيان كذبهم وحلفهم عليه، وقد تقدم قول من قال ~~إنها جواب الشرط. قرأ الجمهور { أيمانهم } بفتح الهمزة، وقرأ الحسن ~~بكسرها، وقد تقدم تفسير هذا في سورة المجادلة، { فصدوا عن سبيل ~~الله } أي منعوا الناس عن الإيمان والجهاد، وأعمال الطاعة بسبب ما ~~يصدر منهم من التشكيك والقدح ms3888 في النبوة. هذا معنى الصد الذي بمعنى ~~الصرف، ويجوز أن يكون من الصدود، أي أعرضوا عن الدخول في سبيل الله ~~وإقامة أحكامه { إنهم ساء ما كانوا يعملون } من النفاق ~~والصد، وفي ساء معنى التعجب، والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم ~~ذكره من الكذب، والصد، وقبح الأعمال، وهو مبتدأ، وخبره { ذلك ~~بأنهم } أي بسبب أنهم آمنوا في الظاهر نفاقا { ثم كفروا } ~~في الباطن، أو أظهروا الإيمان للمؤمنين، وأظهروا الكفر للكافرين، وهذا ~~صريح في كفر المنافقين، وقيل نزلت الآية في قوم آمنوا ثم ارتدوا، ~~والأول أولى، كما يفيده السياق. { فطبع على قلوبهم } أي ختم ~~عليها بسبب كفرهم. قرأ الجمهور { فطبع } على البناء للمفعول، والقائم ~~مقام الفاعل الجار والمجرور بعده، وقرأ زيد بن علي على البناء للفاعل، ~~والفاعل ضمير يعود إلى الله سبحانه، ويدل على هذا قراءة الأعمش فطبع الله ~~على قلوبهم. # { فهم لا يفقهون } ما فيه من صلاحهم ورشادهم، وهو الإيمان. { ~~وإذا رأيتهم تعجبك أجسمهم } أي هيئاتهم ومناظرهم، ~~يعني أن لهم أجساما تعجب من يراها لما فيها من النضارة والرونق { وإن ~~يقولوا تسمع لقولهم } فتحسب أن قولهم حق وصدق لفصاحتهم، ~~وذلاقة ألسنتهم، وقد كان عبد الله بن أبي رأس المنافقين فصيحا جسيما ~~جميلا، وكان يحضر مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا قال سمع النبي ~~صلى الله عليه وسلم مقالته. قال الكلبي المراد عبد الله بن أبي، وجد بن ~~قيس، ومعتب بن قيس كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة، والخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، وقيل لكل من يصلح له، ويدل عليه قراءة من قرأ يسمع على ~~البناء للمفعول، وجملة { كأنهم خشب مسندة } مستأنفة ~~لتقرير ما تقدم من أن أجسامهم تعجب الرائي وتروق الناظر، ويجوز أن تكون ~~في محل رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، شبهوا في جلوسهم في مجالس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مستندين بها بالخشب المنصوبة المسندة إلى الحائط ~~التي لا تفهم ولا تعلم، وهم كذلك لخلوهم عن الفهم النافع، والعلم الذي ~~ينتفع به صاحبه، قال الزجاج وصفهم بتمام ms3889 الصور، ثم أعلم أنهم في ترك ~~الفهم والاستبصار بمنزلة الخشب. قرأ الجمهور { خشب } بضمتين، وقرأ أبو ~~عمرو، والكسائي، وقنبل بإسكان الشين، وبها قرأ البراء بن عازب، واختارها ~~أبو عبيد لأن واحدتها خشبة كبدنة وبدن، واختار القراءة الأولى أبو حاتم. ~~وقرأ سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب بفتحتين، ومعنى { مسندة } ~~أنها أسندت إلى غيرها، من قولهم أسندت كذا إلى كذا، والتشديد للتكثير. ثم ~~عابهم الله سبحانه بالجبن، فقال { يحسبون كل صيحة عليهم ~~} أي يحسبون كل صيحة يسمعونها واقعة عليهم، نازلة بهم لفرط جبنهم ورعب ~~قلوبهم، وفي المفعول الثاني للحسبان وجهان أحدهما أنه عليهم، ويكون قوله ~~{ هم العدو } جملة مستأنفة لبيان أنهم الكاملون في العداوة لكونهم ~~يظهرون غير ما يبطنون، والوجه الثاني أن المفعول الثاني للحسبان هو قوله ~~{ هم العدو } ، ويكون قوله { عليهم } متعلقا ب { صيحة } ، ~~وإنما جاء بضمير الجماعة باعتبار الخبر، وكان حقه أن يقال هو العدو، ~~والوجه الأول أولى. قال مقاتل، والسدي أي إذا نادى مناد في العسكر، أو ~~انفلتت دابة، أو أنشدت ضالة ظنوا أنهم المرادون لما في قلوبهم من الرعب، ~~ومن هذا قول الشاعر # ما زلت تحسب كل شيء بعدهم خيلا تكر عليهم ورجالا # وقيل كان المنافقون على وجل من أن ينزل فيهم ما يهتك أستارهم، ويبيح ~~دماءهم وأموالهم. ثم أمر الله سبحانه رسوله بأن يأخذ حذره منهم فقال { ~~فاحذرهم } أن يتمكنوا من فرصة منك، أو يطلعوا على شيء من أسرارك ~~لأنهم عيون لأعدائك من الكفار. # ثم دعا عليهم بقوله { قتلهم الله أنى يؤفكون } أي ~~لعنهم الله، وقد تقول العرب هذه الكلمة على طريقة التعجب، كقولهم قاتله ~~الله من شاعر، أو ما أشعره، وليس بمراد هنا، بل المراد ذمهم وتوبيخهم، ~~وهو طلب من الله سبحانه طلبه من ذاته - عز وجل - أن يلعنهم ويخزيهم، أو ~~هو تعليم للمؤمنين أن يقولوا ذلك ومعنى { أنى يؤفكون } كيف ~~يصرفون عن الحق، ويميلون عنه إلى الكفر. قال قتادة معناه يعدلون عن الحق. ~~وقال الحسن معناه يصرفون عن الرشد. { وإذا قيل لهم تعالوا ~~يستغفر ms3890 لكم رسول الله } أي إذا قال لهم القائل من ~~المؤمنين قد نزل فيكم ما نزل من القرآن، فتوبوا إلى الله ورسوله، وتعالوا ~~يستغفر لكم رسول الله { لووا رءوسهم } أي حركوها استهزاء بذلك. ~~قال مقاتل عطفوا رءوسهم رغبة عن الاستغفار. قرأ الجمهور { لووا } ~~بالتشديد. وقرأ نافع بالتخفيف، واختار القراءة الأولى أبو عبيد { ~~ورأيتهم يصدون } أي يعرضون عن قول من قال لهم تعالوا يستغفر ~~لكم رسول الله، أو يعرضون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجملة { ~~وهم مستكبرون } في محل نصب على الحال من فاعل الحال الأولى، ~~وهي يصدون لأن الرؤية بصرية، ف { يصدون } في محل نصب على الحال، ~~والمعنى ورأيتهم صادين مستكبرين { سواء عليهم أستغفرت ~~لهم أم لم تستغفر لهم } أي الاستغفار وعدمه سواء لا ~~ينفعهم ذلك لإصرارهم على النفاق، واستمرارهم على الكفر. قرأ الجمهور { ~~أستغفرت } بهمزة مفتوحة من غير مد، وحذف همزة الاستفهام ثقة بدلالة " أم ~~" عليها. وقرأ يزيد بن القعقاع بهمزة ثم ألف { لن يغفر الله ~~لهم } أي ما داموا على النفاق { إن الله لا يهدى القوم ~~الفسقين } أي الكاملين في الخروج عن الطاعة، والانهماك في معاصي ~~الله، ويدخل فيهم المنافقون دخولا أوليا. ثم ذكر سبحانه بعض قبائحهم ~~فقال { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند ~~رسول الله حتى ينفضوا } أي حتى يتفرقوا عنه، يعنون بذلك ~~فقراء المهاجرين، والجملة مستأنفة جارية مجرى التعليل لفسقهم، أو لعدم ~~مغفرة الله لهم. قرأ الجمهور { ينفضوا } من الانفضاض، وهو التفرق، وقرأ ~~الفضل بن عيسى الرقاشي ينفضوا من أنفض القوم إذا فنيت أزوادهم، يقال نفض ~~الرجل وعاءه من الزاد فانفض. ثم أخبر سبحانه بسعة ملكه فقال { ولله ~~خزائن السموات والأرض } أي إنه هو الرزاق لهؤلاء المهاجرين ~~لأن خزائن الرزق له فيعطي من شاء ما شاء، ويمنع من شاء ما شاء { ~~ولكن المنفقين لا يفقهون } ذلك، ولا يعلمون أن ~~خزائن الأرزاق بيد الله عز وجل، وأنه الباسط القابض المعطي المانع. ثم ~~ذكر سبحانه مقالة شنعاء قالوها فقال { يقولون لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن ms3891 الأعز منها الأذل } القائل لهذه ~~المقالة هو عبد الله بن أبي رأس المنافقين، وعنى بالأعز نفسه ومن معه، ~~وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، ومراده بالرجوع رجوعهم ~~من تلك الغزوة، وإنما أسند القول إلى المنافقين مع كون القائل هو فرد من ~~أفرادهم، وهو عبد الله بن أبي، لكونه كان رئيسهم وصاحب أمرهم، وهم راضون ~~بما يقوله سامعون له مطيعون. # ثم رد الله سبحانه على قائل تلك المقالة فقال { ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين } أي القوة والغلبة لله وحده ولمن ~~أفاضها عليه من رسله وصالحي عباده لا لغيرهم. اللهم كما جعلت العزة ~~للمؤمنين على المنافقين، فاجعل العزة للعادلين من عبادك، وأنزل الذلة ~~على الجائرين الظالمين { ولكن المنفقين لا يعلمون } ~~بما فيه النفع فيفعلونه، وبما فيه الضر فيجتنبونه، بل هم كالأنعام لفرط ~~جهلهم ومزيد حيرتهم، والطبع على قلوبهم. وقد أخرج البخاري، ومسلم، ~~وغيرهما عن زيد بن أرقم قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~سفر، فأصاب الناس شدة، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه { لا تنفقوا ~~على من عند رسول الله حتى ينفضوا } من حوله، وقال ~~{ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل } فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بذلك، فأرسل إلى ~~عبد الله بن أبي، فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل، فقالوا كذب زيد رسول ~~الله، فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله تصديقي في { إذا ~~جاءك المنفقون } ، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر ~~لهم، فلووا رءوسهم، وهو قوله { كأنهم خشب مسندة } قال ~~كانوا رجالا أجمل شيء. وأخرجه عنه بأطول من هذا ابن سعد، وعبد بن حميد، ~~والترمذي وصححه، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، ~~والبيهقي. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال إنما سماهم الله منافقين، ~~لأنهم كتموا الشرك وأظهروا الإيمان. وأخرج ابن المنذر عنه { اتخذوا ~~أيمنهم جنة } قال حلفهم بالله إنهم لمنكم اجتنوا بأيمانهم من ~~القتل والحرب. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا { كأنهم خشب ~~مسندة } قال نخل قيام. ms3892 وأخرج ابن مردويه، والضياء في المختارة عنه ~~أيضا. قال نزلت هذه الآية { هم الذين يقولون لا تنفقوا ~~على من عند رسول الله حتى ينفضوا } في عسيف لعمر ~~بن الخطاب. وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم، وابن مسعود أنهما قرآ لا ~~تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله. وأخرج البخاري، ومسلم، ~~وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ~~غزاة. قال سفيان يرون أنها غزوة بني المصطلق، فكسع رجل من المهاجرين ~~رجلا من الأنصار، فقال المهاجري يا للمهاجرين، وقال الأنصاري يا ~~للأنصار، فسمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال # " ما بال دعوة الجاهلية " # ؟ قالوا رجل من المهاجرين كسع رجلا من الأنصار، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " دعوها، فإنها منتنة " # ، فسمع ذلك عبد الله بن أبي، فقال أو قد فعلوها، والله لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منه الأذل، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقام عمر فقال يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " # ، زاد الترمذي فقال له ابنه عبد الله والله لا تنفلت حتى تقر أنك ~~الذليل، ورسول الله العزيز، ففعل. ### || [63.9-11] # لما ذكر سبحانه قبائح المنافقين رجع إلى خطاب المؤمنين مرغبا لهم في ~~ذكره فقال { يأيها الذين ءامنوا لا تلهكم أمولكم ~~ولا أولدكم عن ذكر الله } فحذرهم عن أخلاق المنافقين ~~الذين ألهتهم أموالهم وأولادهم عن ذكر الله، ومعنى { لا تلهكم } لا ~~تشغلكم، والمراد بالذكر فرائض الإسلام، قاله الحسن. وقال الضحاك الصلوات ~~الخمس، وقيل قراءة القرآن، وقيل هو خطاب للمنافقين، ووصفهم بالإيمان ~~لكونهم آمنوا تظاهرا، والأول أولى. { ومن يفعل ذلك } أي يلتهي ~~بالدنيا عن الدين { فأولئك هم الخسرون } أي الكاملون في ~~الخسران. { وأنفقوا مما رزقنكم } الظاهر أن المراد ~~الإنفاق في الخير على عمومه، و " من " للتبعيض، أي أنفقوا بعض ما رزقناكم ~~في سبيل الخير، وقيل المراد الزكاة المفروضة { من قبل أن ms3893 يأتى ~~أحدكم الموت } بأن تنزل به أسبابه، ويشاهد حضور علاماته، وقدم ~~المفعول على الفاعل للاهتمام { فيقول رب لولا أخرتنى ~~إلى أجل قريب } أي يقول عند نزول ما نزل به مناديا لربه هلا ~~أمهلتني وأخرت موتي إلى أجل قريب، أي أمد قصير { فأصدق } أي ~~فأتصدق بمالي { وأكن من الصلحين } قرأ الجمهور { فأصدق } ~~بادغام التاء في الصاد، وانتصابه على أنه جواب التمني، وقيل إن " لا " في ~~{ لولا } زائدة، والأصل لو أخرتني. وقرأ أبي، وابن مسعود، وسعيد بن ~~جبير. فأتصدق بدون إدغام على الأصل. وقرأ الجمهور { وأكن } بالجزم على ~~محل، { فأصدق } ، كأنه قيل إن قيل إن أخرتني أتصدق وأكن. قال الزجاج ~~معناه هلا أخرتني؟ وجزم { أكن } على موضع { فأصدق } لأنه على معنى إن ~~أخرتني { فأصدق } وأكن. وكذا قال أبو علي الفارسي، وابن عطية، وغيرهم. ~~وقال سيبويه حاكيا عن الخليل إنه جزم على توهم الشرط الذي يدل عليه ~~التمني، وجعل سيبويه هذا نظير قول زهير # بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئا إذا كان جائيا # فخفض، ولا سابق عطفا على مدرك الذي هو خبر ليس على توهم زيادة الباء ~~فيه. وقرأ أبو عمرو، وابن محيصن، ومجاهد وأكون بالنصب عطفا على { فأصدق ~~} ، ووجهها واضح. ولكن قال أبو عبيد رأيت في مصحف عثمان { وأكن } بغير ~~واو، وقرأ عبيد بن عمير وأكون بالرفع على الاستئناف، أي وأنا أكون. قال ~~الضحاك لا ينزل بأحد الموت لم يحج ولم يؤد زكاة إلا سأل الرجعة، وقرأ ~~هذه الآية ثم أجاب الله سبحانه عن هذا المتمني فقال { ولن يؤخر ~~الله نفسا إذا جاء أجلها } أي إذا حضر أجلها وانقضى عمرها { ~~والله خبير بما تعملون } لا يخفى عليه شيء منه، فهو ~~مجازيكم بأعمالكم. قرأ الجمهور { تعملون } بالفوقية على الخطاب، وقرأ أبو ~~بكر عن عاصم، والسلمي بالتحتية على الخبر. # وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ~~{ يأيها الذين ءامنوا لا تلهكم } الآية قال # " هم عباد من أمتي الصالحون منهم لا تلهيهم تجارة ms3894 ولا بيع عن ذكر الله ~~وعن الصلوات الخمس المفروضة " # وأخرج عبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " من كان له مال يبلغه حج بيت الله، أو تجب عليه فيه الزكاة، فلم يفعل ~~سأل الرجعة عند الموت " # ، فقال رجل يا ابن عباس اتق الله، فإنما يسأل الرجعة الكافر، فقال سأتلو ~~عليكم بذلك قرآنا { يأيها الذين آمنوا } إلى آخر السورة. وأخرج ابن ~~المنذر عن ابن عباس { فأصدق وأكن من الصلحين } قال ~~أحج. ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.1-6] # قوله { يسبح لله ما فى السموات وما في الأرض } أي ~~ينزهه سبحانه جميع مخلوقاته التي في سماواته وأرضه عن كل نقص وعيب { له ~~الملك وله الحمد } يختصان به ليس لغيره منهما شيء، وما كان ~~لعباده منهما، فهو من فيضه وراجع إليه { وهو على كل شىء ~~قدير } لا يعجزه شيء { هو الذى خلقكم فمنكم كافر ~~ومنكم مؤمن } أي فبعضكم كافر وبعضكم مؤمن. قال الضحاك فمنكم ~~كافر في السر مؤمن في العلانية كالمنافق، ومنكم مؤمن في السر كافر في ~~العلانية كعمار بن ياسر ونحوه ممن أكره على الكفر. وقال عطاء فمنكم كافر ~~بالله مؤمن بالكواكب، ومنكم مؤمن بالله كافر بالكواكب. قال الزجاج إن ~~الله خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب مع أن الله خالق الكفر. وخلق المؤمن، ~~وإيمانه فعل له وكسب مع أن الله خالق الإيمان. والكافر يكفر ويختار الكفر ~~بعد خلق الله إياه لأن الله تعالى قدر ذلك عليه وعلمه منه لأن وجود خلاف ~~المقدر عجز، ووجود خلاف المعلوم جهل. قال القرطبي وهذا أحسن الأقوال، ~~وهو الذي عليه جمهور الأمة، وقدم الكافر على المؤمن لأنه الأغلب عند ~~نزول القرآن { والله بما تعملون بصير } لا تخفى عليه من ~~ذلك خافية، فهو مجازيكم بأعمالكم. ثم لما ذكر سبحانه خلق العالم الصغير ~~أتبعه بخلق العالم الكبير فقال { خلق السموات والأرض بالحق ~~} أي بالحكمة البالغة. وقيل خلق ذلك خلقا يقينا لا ريب فيه، ms3895 وقيل الباء ~~بمعنى اللام، أي خلق ذلك لإظهار الحق، وهو أن يجزي المحسن بإحسانه ~~والمسيء بإساءته. ثم رجع سبحانه إلى خلق العالم الصغير فقال { ~~وصوركم فأحسن صوركم } قيل المراد آدم خلقه بيده كرامة ~~له، كذا قال مقاتل، وقيل المراد جميع الخلائق، وهو الظاهر، أي أنه سبحانه ~~خلقهم في أكمل صورة وأحسن تقويم وأجمل شكل. والتصوير التخطيط والتشكيل. ~~قرأ الجمهور { فأحسن صوركم } بضم الصاد، وقرأ زيد بن علي، والأعمش، ~~وأبو زيد بكسرها { وإليه المصير } في الدار الآخرة، لا إلى غيره ~~{ يعلم ما فى السموات والأرض } لا تخفى عليه من ذلك ~~خافية { ويعلم ما تسرون وما تعلنون } أي ما تخفونه وما ~~تظهرونه، والتصريح به مع اندراجه فيما قبله لمزيد التأكيد في الوعد ~~والوعيد { والله عليم بذات الصدور } هذه الجملة مقررة لما ~~قبلها من شمول علمه لكل معلوم، وهي تذييلية. { ألم يأتكم ~~نبؤا الذين كفروا من قبل } وهم كفار الأمم الماضية كقوم ~~نوح، وعاد، وثمود، والخطاب لكفار العرب { فذاقوا وبال أمرهم ~~} بسبب كفرهم، والوبال الثقل والشدة، والمراد بأمرهم هنا ما وقع منهم من ~~الكفر والمعاصي، وبالوبال ما أصيبوا به من عذاب الدنيا { ولهم ~~عذاب أليم } وذلك في الآخرة، وهو عذاب النار والإشارة بقوله { ~~ذلك } إلى ما ذكر من العذاب في الدارين، وهو مبتدأ، وخبره { بأنه ~~كانت تأتيهم رسلهم بالبينت } أي بسبب أنها كانت ~~تأتيهم الرسل المرسلة إليهم بالمعجزات الظاهرة { فقالوا أبشر ~~يهدوننا } أي قال كل قوم منهم لرسولهم هذا القول منكرين أن يكون ~~الرسول من جنس البشر متعجبين من ذلك، وأراد بالبشر الجنس، ولهذا قال { ~~يهدوننا }. # { فكفروا وتولوا } أي كفروا بالرسل وبما جاءوا به، وأعرضوا ~~عنهم ولم يتدبروا فيما جاءوا به، وقيل كفروا بهذا القول الذي قالوه للرسل ~~{ واستغنى الله } عن إيمانهم وعبادتهم. وقال مقاتل استغنى الله ~~بما أظهره لهم من البرهان وأوضحه من المعجزات، وقيل استغنى بسلطانه عن ~~طاعة عباده { والله غنى حميد } أي غير محتاج إلى العالم ولا ~~إلى عبادتهم له، محمود من كل مخلوقاته بلسان المقال والحال. وقد أخرج عبد ms3896 ~~بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي ذر ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا مكث المني في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس، فعرج به إلى ~~الرب فيقول يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله ما هو قاض، فيقول أشقي أم ~~سعيد؟ فيكتب ما هو لاق " # ، وقرأ أبو ذر من فاتحة التغابن خمس آيات إلى قوله { وصوركم ~~فأحسن صوركم وإليه المصير }. وأخرج ابن مردويه عن ابن ~~مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " العبد يولد مؤمنا، ويعيش مؤمنا، ويموت مؤمنا، والعبد يولد كافرا، ~~ويعيش كافرا، ويموت كافرا، وإن العبد يعمل برهة من دهره بالسعادة، ثم ~~يدركه ما كتب له فيموت شقيا، وإن العبد يعمل برهة من دهره بالشقاء، ثم ~~يدركه ما كتب له فيموت سعيدا ". ### || [64.7-13] # قوله { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا } الزعم هو ~~القول بالظن، ويطلق على الكذب. قال شريح لكل شيء كنية، وكنية الكذب ~~زعموا، و { أن لن يبعثوا } قائم مقام مفعول زعم، و " أن " هي ~~المخففة من الثقيلة لا المصدرية لئلا يدخل ناصب على ناصب، والمراد ~~بالكفار كفار العرب والمعنى زعم كفار العرب أن الشأن لن يبعثوا أبدا. ثم ~~أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يرد عليهم ويبطل زعمهم فقال { ~~قل بلى وربى لتبعثن ثم لتنبؤن } بل هي التي ~~لإيجاب النفي، فالمعنى بلى تبعثون. ثم أقسم على ذلك، وجواب القسم { ~~لتبعثن } أي لتخرجن من قبوركم، { لتنبؤن بما عملتم } أي لتخبرن ~~بذلك إقامة للحجة عليكم، ثم تجزون به { ذلك } البعث والجزاء { على ~~الله يسير } إذ الإعادة أيسر من الابتداء { فآمنوا بالله ورسوله } ~~الفاء هي الفصيحة الدالة على شرط مقدر أي إذا كان الأمر هكذا، فصدقوا ~~بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم { والنور الذى أنزلنا } ~~وهو القرآن لأنه نور يهتدى به من ظلمة الضلال { والله بما ~~تعملون خبير } لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأفعالكم، فهو ~~مجازيكم على ذلك { يوم يجمعكم ليوم الجمع } العامل ms3897 في ~~الظرف { لتنبؤن } ، قاله النحاس. وقال غيره العامل فيه خبير، وقيل العامل ~~فيه محذوف هو اذكر. وقال أبو البقاء العامل فيه ما دل عليه الكلام، أي ~~تتفاوتون يوم يجمعكم. قرأ الجمهور { يجمعكم } بفتح الياء وضم العين، وروي ~~عن أبي عمرو إسكانها، ولا وجه لذلك إلا التخفيف، وإن لم يكن هذا موضعا ~~له، كما قرىء في # وما يشعركم # الأنعام 109 بسكون الراء، وكقول الشاعر # فاليوم أشرب غير مستحقب إثما من الله ولا واغل # بإسكان باء أشرب، وقرأ زيد بن علي، والشعبي، ويعقوب، ونصر، وابن أبي ~~إسحاق، والجحدري نجمعكم بالنون، ومعنى { ليوم الجمع } ليوم ~~القيامة، فإنه يجمع فيه أهل المحشر للجزاء، ويجمع فيه بين كل عامل وعمله، ~~وبين كل نبي وأمته، وبين كل مظلوم وظالمه { ذلك يوم التغابن ~~} يعني أن يوم القيامة هو يوم التغابن، وذلك أنه يغبن فيه بعض أهل المحشر ~~بعضا، فيغبن فيه أهل الحق أهل الباطل، ويغبن فيه أهل الإيمان أهل الكفر، ~~وأهل الطاعة أهل المعصية، ولا غبن أعظم من غبن أهل الجنة أهل النار عند ~~دخول هؤلاء الجنة وهؤلاء النار، فنزلوا منازلهم التي كانوا سينزلونها لو ~~لم يفعلوا ما يوجب النار، فكأن أهل النار استبدلوا الخير بالشر، والجيد ~~بالرديء، والنعيم بالعذاب، وأهل الجنة على العكس من ذلك. يقال غبنت ~~فلانا إذا بايعته، أو شاريته فكان النقص عليه والغلبة، كذا قال ~~المفسرون، فالمغبون من غبن أهله ومنازله في الجنة { ومن يؤمن ~~بالله ويعمل صلحا نكفر عنه سيئته } أي من وقع ~~منه التصديق مع العمل الصالح استحق تكفير سيئاته، قرأ الجمهور يكفر ~~ويدخله بالتحتية، وقرأ نافع، وابن عامر بالنون فيهما، وانتصاب { ~~خلدين فيها أبدا } على أنها حال مقدرة، والإشارة بقوله { ~~ذلك } إلى ما ذكر من التكفير والإدخال، وهو مبتدأ، وخبره { الفوز ~~العظيم } أي الظفر الذي لا يساويه ظفر. # { والذين كفروا وكذبوا بئايتنا أولئك ~~أصحب النار خلدين فيها وبئس المصير } المراد ~~بالآيات إما التنزيلية أو ما هو أعم منها. ذكر سبحانه حال السعداء، وحال ~~الأشقياء هاهنا لبيان ما تقدم من التغابن، ms3898 وأنه سيكون بسبب التكفير، ~~وإدخال الجنة للطائفة الأولى، وبسبب إدخال الطائفة الثانية النار، ~~وخلودهم فيها. { ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله } ~~أي ما أصاب كل أحد من مصيبة من المصائب إلا بإذن الله، أي بقضائه وقدره، ~~قال الفراء إلا بإذن الله، أي بأمر الله، وقيل إلا بعلم الله. قيل وسبب ~~نزولها أن الكفار قالوا لو كان ما عليه المسلمون حقا لصانهم الله عن ~~المصائب في الدنيا { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } أي من ~~يصدق ويعلم أنه لا يصيبه إلا ما قدره الله عليه يهد قلبه للصبر والرضا ~~بالقضاء. قال مقاتل بن حيان يهد قلبه عند المصيبة، فيعلم أنها من الله، ~~فيسلم لقضائه ويسترجع. وقال سعيد بن جبير يهد قلبه عند المصيبة، فيقول # إنا لله وإنا إليه رجعون # البقرة 156 وقال الكلبي هو إذا ابتلي صبر، وإذا أنعم عليه شكر، وإذا ظلم ~~غفر. قرأ الجمهور { يهد } بفتح الياء، وكسر الدال، أي يهده الله، وقرأ ~~قتادة، والسلمي، والضحاك، وأبو عبد الرحمن بضم الياء، وفتح الدال على ~~البناء للمفعول، وقرأ طلحة بن مصرف، والأعرج، وسعيد بن جبير، وابن هرمز، ~~والأزرق نهد بالنون، وقرأ مالك بن دينار، وعمرو بن دينار، وعكرمة يهدأ ~~بهمزة ساكنة، ورفع قلبه، أي يطمئن ويسكن { والله بكل شيء ~~عليم } أي بليغ العلم لا تخفى عليه من ذلك خافية. { وأطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول } أي هونوا على أنفسكم المصائب، ~~واشتغلوا بطاعة الله وطاعة رسوله { فإن توليتم } أي أعرضتم عن ~~الطاعة { فإنما على رسولنا البلغ المبين } ليس ~~عليه غير ذلك وقد فعل، وجواب الشرط محذوف، والتقدير فلا بأس على الرسول، ~~وجملة { فإنما على رسولنا } تعليل للجواب المحذوف، ثم أرشد ~~إلى التوحيد والتوكل فقال { الله لا إله إلا هو } أي هو ~~المستحق للعبودية دون غيره، فوحدوه ولا تشركوا به { وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون } أي يفوضوا أمورهم إليه، ويعتمدوا عليه ~~لا على غيره. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والبيهقي، وابن مردويه عن ~~ابن مسعود أنه قيل له ما سمعت النبي صلى الله عليه ms3899 وسلم يقول في زعموا؟ ~~قال سمعته يقول # " بئس مطية الرجل " # وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر عنه أنه كره زعموا. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال يوم التغابن ~~من أسماء يوم القيامة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه في قوله { ~~ذلك يوم التغابن } قال غبن أهل الجنة أهل النار، وأخرج سعيد ~~بن منصور عن ابن مسعود في قوله { ما أصاب من مصيبة } قال هي ~~المصيبات تصيب الرجل، فيعلم أنها من عند الله، فيسلم لها ويرضى. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { يهد قلبه } قال يعني ~~يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ~~ليصيبه. ### || [64.14-18] # قوله { يأيها الذين ءامنوا إن من أزوجكم ~~وأولدكم عدوا لكم } يعني أنهم يعادونكم ويشغلونكم عن ~~الخير، ويدخل في ذلك سبب النزول دخولا أوليا، وهو أن رجالا من مكة ~~أسلموا، وأرادوا أن يهاجروا، فلم يدعهم أزواجهم ولا أولادهم، فأمر الله ~~سبحانه بأن يحذروهم، فلا يطيعوهم في شيء مما يريدونه منهم مما فيه مخالفة ~~لما يريده الله، والضمير في { فاحذروهم } يعود إلى العدو، أو إلى ~~الأزواج والأولاد لكن لا على العموم، بل إلى المتصفين بالعداوة منهم، ~~وإنما جاز جمع الضمير على الوجه الأول لأن العدو يطلق على الواحد، ~~والاثنين، والجماعة، ثم أرشدهم الله إلى التجاوز، فقال { وإن تعفوا ~~وتصفحوا وتغفروا } أي تعفوا عن ذنوبهم التي ارتكبوها، ~~وتتركوا التثريب عليها وتستروها { فإن الله غفور رحيم } ~~بالغ المغفرة والرحمة لكم ولهم، قيل كان الرجل الذي ثبطه أزواجه وأولاده ~~عن الهجرة إذا رأى الناس قد سبقوه إليها، وفقهوا في الدين هم أن يعاقب ~~أزواجه وأولاده، فأنزل الله { وأن تعفوا } الآية، والآية تعم وإن ~~كان السبب خاصا، كما عرفناك غير مرة. قال مجاهد والله ما عادوهم في ~~الدنيا، ولكن حملتهم مودتهم على أن اتخذوا لهم الحرام، فأعطوهم إياه. ثم ~~أخبر الله سبحانه بأن الأموال والأولاد فتنة فقال { إنما ~~أمولكم وأولدكم فتنة ms3900 } أي بلاء واختبار ومحنة، ~~يحملونكم على كسب الحرام ومنع حق الله، فلا تطيعوهم في معصية الله { ~~والله عنده أجر عظيم } لمن آثر طاعة الله، وترك معصيته في ~~محبة ماله وولده. ثم أمرهم سبحانه بالتقوى والطاعة فقال { فاتقوا ~~الله ما استطعتم } أي ما أطقتم وبلغ إليه جهدكم. وقد ذهب جماعة ~~من أهل العلم إلى أن هذه الآية ناسخة لقوله سبحانه { اتقوا الله ~~حق تقاته } ومنهم قتادة، والربيع بن أنس، والسدي، وابن زيد، وقد ~~أوضحنا الكلام في قوله { اتقوا الله حق تقاته } ومعنى { ~~واسمعوا وأطيعوا } أي اسمعوا ما تؤمرون به، وأطيعوا الأوامر. ~~قال مقاتل { اسمعوا } أي اصغوا إلى ما ينزل عليكم، وأطيعوا لرسوله فيما ~~يأمركم وينهاكم. وقيل معنى { اسمعوا } اقبلوا ما تسمعون لأنه لا فائدة في ~~مجرد السماع { وأنفقوا خيرا لأنفسكم } أي أنفقوا من أموالكم ~~التي رزقكم الله إياها في وجوه الخير ولا تبخلوا بها، وقوله { خيرا ~~لانفسكم } منتصب بفعل مضمر دل عليه أنفقوا، كأنه قال ائتوا في ~~الإنفاق خيرا لأنفسكم، أو قدموا خيرا لها، كذا قال سيبويه. وقال ~~الكسائي، والفراء هو نعت لمصدر محذوف، أي إنفاقا خيرا. وقال أبو عبيدة ~~هو خبر لكان المقدرة، أي يكن الإنفاق خيرا لكم. وقال الكوفيون هو منتصب ~~على الحال، وقيل هو مفعول به لأنفقوا، أي فأنفقوا خيرا. # والظاهر في الآية الإنفاق مطلقا من غير تقييد بالزكاة الواجبة، وقيل ~~المراد زكاة الفريضة، وقيل النافلة، وقيل النفقة في الجهاد { ومن يوق ~~شح نفسه فأولئك هم المفلحون } أي ومن يوق شح ~~نفسه، فيفعل ما أمر به من الإنفاق، ولا يمنعه ذلك منه، فأولئك هم ~~الظافرون بكل خير الفائزون بكل مطلب، وقد تقدم تفسير هذه الآية. { إن ~~تقرضوا الله قرضا حسنا } فتصرفون أموالكم في وجوه الخير ~~بإخلاص نية وطيب نفس { يضعفه لكم } فيجعل الحسنة بعشر أمثالها ~~إلى سبعمائة ضعف، وقد تقدم تفسير هذه الآية، واختلاف القراء في قراءتها ~~في سورة البقرة، وسورة الحديد { ويغفر لكم } أي يضم لكم إلى تلك ~~المضاعفة غفران ذنوبكم { والله شكور حليم } يثيب من أطاعه ms3901 ~~بأضعاف مضاعفة، ولا يعاجل من عصاه بالعقوبة. { علم الغيب ~~والشهدة } أي ما غاب وما حضر لا تخفى عليه منه خافية، وهو { ~~العزيز الحكيم } أي الغالب القاهر ذو الحكمة الباهرة. وقال ابن ~~الأنباري الحكيم هو المحكم لخلق الأشياء. وقد أخرج الفريابي، وعبد بن ~~حميد، والترمذي وصححه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية { ~~يأيها الذين ءامنوا إن من أزوجكم وأولدكم ~~عدوا لكم فاحذروهم } في قوم من أهل مكة أسلموا، وأرادوا أن ~~يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فلما ~~أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا ~~أن يعاقبوهم، فنزلت إلى قوله { فإن الله غفور رحيم }. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه عن بريدة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يخطب، فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر، فحملهما واحدا من ذا الشق، ~~وواحدا من ذا الشق ثم صعد المنبر فقال # " صدق الله { إنما أمولكم وأولدكم فتنة } ، إني ~~لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران لم أصبر أن قطعت كلامي ونزلت ~~إليهما " # وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " يقول الله استقرضت عبدي فأبى أن يقرضني، وشتمني عبدي وهو لا يدري، ~~يقول وادهراه، وادهراه، وأنا الدهر " # ، ثم تلا أبو هريرة { إن تقرضوا الله قرضا حسنا ~~يضعفه لكم }. ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1-5] # قوله { يأيها النبى إذا طلقتم النساء } نادى النبي ~~صلى الله عليه وسلم أولا تشريفا له، ثم خاطبه مع أمته، أو الخطاب له ~~خاصة، والجمع للتعظيم، وأمته أسوته في ذلك، والمعنى إذا أردتم تطليقهن ~~وعزمتم عليه { فطلقوهن لعدتهن } أي مستقبلات لعدتهن، أو ~~في قبل عدتهن، أو لقبل عدتهن. وقال الجرجاني إن اللام في { لعدتهن } ~~بمعنى في، أي في عدتهن. وقال ms3902 أبو حيان هو على حذف مضاف أي لاستقبال ~~عدتهن، واللام للتوقيت نحو لقيته لليلة بقيت من شهر كذا، والمراد أن ~~يطلقوهن في طهر لم يقع فيه جماع، ثم يتركن حتى تنقضي عدتهن، فإذا ~~طلقوهن هكذا، فقد طلقوهن لعدتهن، وسيأتي بيان هذا من السنة في آخر ~~البحث إن شاء الله { وأحصوا العدة } أي احفظوها، واحفظوا الوقت ~~الذي وقع فيه الطلاق حتى تتم العدة، وهي ثلاثة قروء، والخطاب للأزواج، ~~وقيل للزوجات، وقيل للمسلمين على العموم، والأول أولى لأن الضمائر كلها ~~لهم { واتقوا الله ربكم } فلا تعصوه فيما أمركم ولا ~~تضاروهن { لا تخرجوهن من بيوتهن } أي التي كن فيها عند ~~الطلاق ما دمن في العدة، وأضاف البيوت إليهن وهي لأزواجهن لتأكيد ~~النهي، وبيان كمال استحقاقهن للسكنى في مدة العدة، ومثله قوله # واذكرن ما يتلى فى بيوتكن # الأحزاب 34 وقوله # وقرن فى بيوتكن # الأحزاب 33 ثم لما نهى الأزواج عن إخراجهن من البيوت التي وقع الطلاق ~~وهن فيها نهى الزوجات عن الخروج أيضا فقال { ولا يخرجن } أي لا ~~يخرجن من تلك البيوت ما دمن في العدة إلا لأمر ضروري، كما سيأتي بيان ~~ذلك، وقيل المراد لا يخرجن من أنفسهن إلا إذا أذن لهن الأزواج، فلا ~~بأس، والأول أولى { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } هذا ~~الاستثناء هو من الجملة الأولى، أي لا تخرجوهن من بيوتهن، لا من الجملة ~~الثانية. قال الواحدي أكثر المفسرين على أن المراد بالفاحشة هنا الزنا، ~~وذلك أن تزني، فتخرج لإقامة الحد عليها. وقال الشافعي وغيره هي البذاء ~~في اللسان، والاستطالة بها على من هو ساكن معها في ذلك البيت، ويؤيد هذا ~~ما قال عكرمة إن في مصحف أبي إلا أن يفحشن عليكم وقيل المعنى إلا أن ~~يخرجن تعديا، فإن خروجهن على هذا الوجه فاحشة، وهو بعيد. والإشارة ~~بقوله { وتلك } إلى ما ذكر من الأحكام وهو مبتدأ، وخبره { حدود ~~الله } والمعنى أن هذه الأحكام التي بينها لعباده هي حدوده التي حدها ~~لهم لا يحل لهم أن يتجاوزوها إلى غيرها { ومن يتعد حدود ms3903 ~~الله } أي يتجاوزها إلى غيرها، أو يخل بشيء منها { فقد ظلم ~~نفسه } بإيرادها مورد الهلاك، وأوقعها في مواقع الضرر بعقوبة الله له ~~على مجاوزته لحدوده وتعديه لرسمه، وجملة { لا تدرى لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا } مستأنفة لتقرير مضمون ما قبلها ~~وتعليله. # قال القرطبي قال جميع المفسرين أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة ~~والمعنى التحريض على طلاق الواحدة، والنهي عن الثلاث، فإنه إذا طلق ~~ثلاثا أضر بنفسه عند الندم على الفراق، والرغبة في الارتجاع، فلا يجد ~~إلى المراجعة سبيلا. وقال مقاتل { بعد ذلك } أي بعد طلقة أو طلقتين { ~~أمرا } بالمراجعة. قال الواحدي الأمر الذي يحدث أن يوقع في قلب الرجل ~~المحبة لرجعتها بعد الطلقة والطلقتين. قال الزجاج وإذا طلقها ثلاثا في ~~وقت واحد، فلا معنى لقوله { لعل الله يحدث بعد ذلك ~~أمرا }. { فإذا بلغن أجلهن } أي قاربن انقضاء أجل العدة، ~~وشارفن آخرها { فأمسكوهن بمعروف } أي راجعوهن بحسن معاشرة، ~~ورغبة فيهن من غير قصد إلى مضارة لهن { أو فارقوهن ~~بمعروف } أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن، فيملكن نفوسهن مع إيفائهن ~~بما هو لهن عليكم من الحقوق، وترك المضارة لهن { وأشهدوا ذوى ~~عدل منكم } على الرجعة، وقيل على الطلاق، وقيل عليهما قطعا ~~للتنازع، وحسما لمادة الخصومة، والأمر للندب، كما في قوله # وأشهدوا إذا تبايعتم # البقرة 282 وقيل إنه للوجوب، وإليه ذهب الشافعي قال الإشهاد واجب في ~~الرجعة مندوب إليه في الفرقة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل. وفي قول للشافعي ~~إن الرجعة لا تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق، وروي نحو هذا عن أبي حنيفة ~~وأحمد { وأقيموا الشهدة لله } هذا أمر للشهود بأن يأتوا ~~بما شاهدوا به تقربا إلى الله، وقد تقدم تفسير هذا في سورة البقرة، ~~وقيل الأمر للأزواج بأن يقيموا الشهادة، أي الشهود عند الرجعة، فيكون ~~قوله { وأشهدوا ذوى عدل منكم } أمرا بنفس الإشهاد، ويكون ~~قوله { وأقيموا الشهدة } أمرا بأن تكون خالصة لله، والإشارة ~~بقوله { ذلكم } إلى ما تقدم من الأمر بالإشهاد، وإقامة الشهادة لله، ~~وهو مبتدأ، وخبره { يوعظ به من كان يؤمن ms3904 بالله ~~واليوم الاخر } وخص المؤمن بالله واليوم الآخر لأنه المنتفع بذلك ~~دون غيره { ومن يتق الله يجعل له مخرجا } أي من يتق ~~عذاب الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والوقوف على حدوده التي حدها ~~لعباده، وعدم مجاوزتها يجعل له مخرجا مما وقع فيه من الشدائد والمحن. { ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب } أي من وجه لا يخطر بباله، ولا ~~يكون في حسابه. قال الشعبي، والضحاك هذا في الطلاق خاصة، أي من طلق كما ~~أمره الله يكن له مخرج في الرجعة في العدة، وأنه يكون كأحد الخطاب بعد ~~العدة. وقال الكلبي ومن يتق الله بالصبر عند المصيبة يجعل له مخرجا من ~~النار إلى الجنة. وقال الحسن مخرجا مما نهى الله عنه. # وقال أبو العالية مخرجا من كل شيء ضاق على الناس. وقال الحسين بن الفضل ~~ومن يتق الله في أداء الفرائض يجعل له مخرجا من العقوبة، ويرزقه الثواب ~~من حيث لا يحتسب، أي يبارك له فيما آتاه. وقال سهل بن عبد الله ومن يتق ~~الله في اتباع السنة يجعل له مخرجا من عقوبة أهل البدع، ويرزقه الجنة من ~~حيث لا يحتسب، وقيل غير ذلك. وظاهر الآية العموم، ولا وجه للتخصيص بنوع ~~خاص، ويدخل ما فيه السياق دخولا أوليا { ومن يتوكل على ~~الله فهو حسبه } أي ومن وثق بالله فيما نابه كفاه ما أهمه { ~~إن الله بلغ أمره } قرأ الجمهور بتنوين بالغ، ونصب أمره، ~~وقرأ حفص بالإضافة، وقرأ ابن أبي عبلة، وداود بن أبي هند، وأبو عمرو في ~~رواية عنه بتنوين بالغ، ورفع أمره على أنه فاعل بالغ، أو على أن أمره ~~مبتدأ مؤخر، وبالغ خبر مقدم. قال الفراء في توجيه هذه القراءة، أي أمره ~~بالغ والمعنى على القراءة الأولى، والثانية أن الله سبحانه بالغ ما يريده ~~من الأمر لا يفوته شيء، ولا يعجزه مطلوب، وعلى القراءة الثالثة أن الله ~~نافذ أمره لا يرده شيء. وقرأ المفضل بالغا بالنصب على الحال، ويكون خبر ~~إن قوله { قد جعل الله لكل شىء قدرا } أي تقديرا ~~وتوقيتا ms3905 أو مقدارا. فقد جعل سبحانه للشدة أجلا تنتهي إليه، وللرخاء ~~أجلا ينتهي إليه. وقال السدي هو قدر الحيض والعدة. { واللائى ~~يئسن من المحيض من نسائكم } وهن الكبار اللاتي قد انقطع ~~حيضهن وأيسن منه { إن ارتبتم } أي شككتم وجهلتم كيف عدتهن { ~~فعدتهن ثلثة أشهر واللائى لم يحضن } لصغرهن، ~~وعدم بلوغهن سن المحيض، أي فعدتهن ثلاثة أشهر، وحذف هذا لدلالة ما قبله ~~عليه { وأولت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } ~~أي انتهاء عدتهن وضع الحمل، وظاهر الآية أن عدة الحوامل بالوضع سواء كن ~~مطلقات أو متوفى عنهن، وقد تقدم الكلام في هذا في سورة البقرة مستوفى، ~~وحققنا البحث في هذه الآية وفي الآية الأخرى # والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # البقرة 234 وقيل معنى { إن ارتبتم } إن تيقنتم، ورجح ابن جرير ~~أنه بمعنى الشك، وهو الظاهر. قال الزجاج إن ارتبتم في حيضها، وقد انقطع ~~عنها الحيض، وكانت ممن يحيض مثلها. وقال مجاهد إن ارتبتم يعني لم تعلموا ~~عدة الآيسة والتي لم تحض فالعدة هذه. وقيل المعنى إن ارتبتم في الدم ~~الذي يظهر منها هل هو حيض أم لا؟ بل استحاضة، فالعدة ثلاثة أشهر { ومن ~~يتق الله يجعل له من أمره يسرا } أي من يتقه في ~~امتثال أوامره، واجتناب نواهيه يسهل عليه أمره في الدنيا والآخرة. وقال ~~الضحاك من يتق الله، فليطلق للسنة يجعل له من أمره يسرا في الرجعة. # وقال مقاتل من يتق الله في اجتناب معاصيه يجعل له من أمره يسرا في ~~توفيقه للطاعة، والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما ذكر من الأحكام، أي ذلك ~~المذكور من الأحكام { أمر الله أنزله إليكم } أي حكمه ~~الذي حكم به بين عباده، وشرعه الذي شرعه لهم، ومعنى { أنزله ~~إليكم } أنزله في كتابه على رسوله، وبينه لكم وفصل أحكامه، وأوضح ~~حلاله وحرامه { ومن يتق الله } بترك ما لا يرضاه { يكفر ~~عنه سيئته } التي اقترفها لأن التقوى من أسباب المغفرة للذنوب ~~{ ويعظم له أجرا } أي يعطه من الأجر في الآخرة أجرا عظيما، ~~وهو الجنة. ms3906 وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال طلق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حفصة، فأتت أهلها، فأنزل الله { يأيها النبى إذا ~~طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } فقيل له راجعها، ~~فإنها صوامة قوامة، وهي من أزواجك في الجنة. وأخرجه ابن جرير عن قتادة ~~مرسلا. وأخرح الحاكم عن ابن عباس قال طلق عبد يزيد أبو ركانة أم ركانة، ~~ثم نكح امرأة من مزينة، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت ~~يا رسول الله ما يغني عني إلا ما تغني عني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من ~~رأسها، فأخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم حمية عند ذلك، فدعا رسول الله ~~ركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه أترون كذا من كذا، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لعبد يزيد # " طلقها " # ، ففعل، فقال لأبي ركانة # " ارتجعها " # ، فقال يا رسول الله إني طلقتها، قال # " قد علمت ذلك،فارتجعها " # ، فنزلت { يأيها النبى إذا طلقتم النساء ~~فطلقوهن لعدتهن }. قال الذهبي إسناده واه، والخبر خطأ، ~~فإن عبد يزيد لم يدرك الإسلام. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عمر ~~أنه طلق امرأته، وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فتغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال # " ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، وتطهر، فإن بدا له أن يطلقها ~~فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها ~~النساء " # ، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ~~فطلقوهن في قبل عدتهن. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن المنذر، ~~والحاكم، وابن مردويه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ~~فطلقوهن في قبل عدتهن. وأخرج ابن الأنباري عن ابن عمر أنه قرأ فطلقوهن ~~لقبل عدتهن. وأخرج ابن الأنباري، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن ~~المنذر، والبيهقي عن مجاهد أنه قرأ كذلك. وأخرج عبد الرزاق، وأبو عبيد في ~~فضائله، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن ~~عباس أنه ms3907 قرأ كذلك. # وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن مسعود ~~قال من أراد أن يطلق للسنة، كما أمره الله، فليطلقها طاهرا في غير جماع. ~~وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله { فطلقوهن ~~لعدتهن } قال طاهرا من غير جماع، وفي الباب أحاديث. وأخرج عبد ~~بن حميد عن ابن مسعود { وأحصوا العدة } قال الطلاق طاهرا في ~~غير جماع. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم وصححه، ~~وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن عمر في قوله { ولا يخرجن ~~إلا أن يأتين بفحشة مبينة } قال خروجها قبل انقضاء ~~العدة من بيتها هي الفاحشة المبينة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن ~~ابن عباس { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قال الزنا. ~~وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن راهويه، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن مردويه، والبيهقي من طرق عن ابن عباس قال الفاحشة المبينة أن ~~تبذو المرأة على أهل الرجل، فإذا بذت عليهم بلسانها، فقد حل لهم ~~إخراجها. وأخرج ابن أبي حاتم عن فاطمة بنت قيس في قوله { لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا } قالت هي الرجعة. وأخرج عبد الرزاق عن ~~ابن سيرين أن رجلا سأل عمران بن حصين أن رجلا طلق، ولم يشهد، قال بئس ~~ما صنع، طلق في بدعة وارتجع في غير سنة، فليشهد على طلاقه وعلى مراجعته، ~~ويستغفر الله. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله { ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا } قال مخرجه أن يعلم أنه من قبل الله، ~~وأن الله هو الذي يعطيه وهو يمنعه، وهو يبتليه وهو يعافيه وهو يدفع عنه، ~~وفي قوله { ويرزقه من حيث لا يحتسب } قال من حيث لا ~~يدري. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ومن ~~يتق الله يجعل له مخرجا } قال ينجيه من كل كرب في ~~الدنيا والآخرة. وأخرج الحاكم وصححه، وضعفه الذهبي ms3908 من طريق سالم بن أبي ~~الجعد عن جابر قال نزلت هذه الآية { ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا } في رجل من أشجع كان فقيرا خفيف ذات اليد كثير العيال، فأتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال # " اتق الله واصبر " # ، فلم يلبث إلا يسيرا حتى جاء ابن له بغنم كان العدو أصابوه، فأتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عنها، وأخبره خبرها، فقال كلها، ~~فنزلت { ومن يتق الله } الآية. # وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قالجاء عوف بن ~~مالك الأشجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله إن ~~ابني أسره العدو، وجزعت أمه، فما تأمرني؟ قال # " آمرك وإياها أن تستكثرا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله " # ، فقالت المرأة نعم ما أمرك، فجعلا يكثران منها، فتغفل عنه العدو، ~~فاستاق غنمهم، فجاء بها إلى أبيه، فنزلت { ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا } الآية. وفي الباب روايات تشهد لهذا. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن عائشة في الآية قالت يكفيه هم الدنيا وغمها. وأخرج أحمد وصححه، ~~وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، والبيهقي عن أبي ذر قال جعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يتلو هذه الآية { ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب } فجعل يرددها ~~حتى نعست، ثم قال # " يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم " # وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله { ومن ~~يتوكل على الله فهو حسبه } قال ليس المتوكل الذي يقول ~~تقضي حاجتي، وليس كل من يتوكل على الله كفاه ما أهمه، ودفع عنه ما يكره، ~~وقضى حاجته، ولكن الله جعل فضل من توكل على من لم يتوكل أن يكفر عنه ~~سيئاته، ويعظم له أجرا، وفي قوله { إن الله بلغ أمره } ~~قال يقول قاضي أمره على من توكل، وعلى من لم يتوكل، ولكن المتوكل يكفر ~~عنه سيئاته، ويعظم له أجرا، وفي قوله { قد جعل الله لكل ms3909 ~~شىء قدرا } قال يعني أجلا ومنتهى ينتهي إليه. وأخرج ابن المبارك، ~~والطيالسي، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو ~~يعلى، والحاكم وصححه، والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير، تغدو ~~خماصا وتروح بطانا " # وأخرج إسحاق بن راهويه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن أبي بن كعب أن ناسا من أهل ~~المدينة لما نزلت هذه الآية في البقرة في عدة النساء قالوا لقد بقي من ~~عدة النساء عدد لم يذكر في القرآن الصغار والكبار اللاتي قد انقطع ~~حيضهن، وذوات الحمل، فأنزل الله { واللائى يئسن من المحيض ~~} الآية. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وأبو يعلى، والضياء في ~~المختارة، وابن مردويه عن أبي بن كعب قالقلت للنبي صلى الله عليه وسلم ~~{ وأولت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } أهي ~~المطلقة ثلاثا، أو المتوفى عنها؟ قال # " هي المطلقة ثلاثا، والمتوفى عنها " # وأخرج نحوه عنه مرفوعا ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، ~~والدارقطني من وجه آخر. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، ~~وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني، وابن مردويه من طرق عن ابن مسعود أنه بلغه أن عليا قال تعتد ~~آخر الأجلين، فقال من شاء لاعنته إن الآية التي في سورة النساء القصرى ~~نزلت بعد سورة البقرة { وأولت الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن } بكذا وكذا أشهرا، وكل مطلقة، أو متوفى عنها ~~زوجها فأجلها أن تضع حملها. وروي نحو هذا عنه من طرق، وبعضها في صحيح ~~البخاري. وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث أم سلمة أن سبيعة ~~الأسلمية توفي عنها زوجها وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت ~~فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الباب أحاديث. ### || [65.6-7] # قوله { أسكنوهن من حيث سكنتم } هذا كلام مبتدأ يتضمن ~~بيان ما يجب للنساء ms3910 من السكنى، ومن للتبعيض، أي بعض مكان سكناكم، وقيل ~~زائدة { من وجدكم } أي من سعتكم وطاقتكم، والوجد القدرة. قال ~~الفراء يقول على ما يجد، فإن كان موسعا عليه، وسع عليها في المسكن ~~والنفقة، وإن كان فقيرا فعلى قدر ذلك. قال قتادة إن لم تجد إلا ناحية ~~بيتك فأسكنها فيه. وقد اختلف أهل العلم في المطلقة ثلاثا، هل لها سكنى ~~ونفقة أم لا؟ فذهب مالك، والشافعي أن لها السكنى ولا نفقة لها. وذهب أبو ~~حنيفة وأصحابه أن لها السكنى والنفقة. وذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور أنه ~~لا نفقة لها ولا سكنى، وهذا هو الحق، وقد قررته في شرحي للمنتقى بما لا ~~يحتاج الناظر فيه إلى غيره. { ولا تضاروهن لتضيقوا ~~عليهن } نهى سبحانه عن مضارتهن بالتضييق عليهن في المسكن ~~والنفقة. وقال مجاهد في المسكن. وقال مقاتل في النفقة. وقال أبو الضحى هو ~~أن يطلقها، فإذا بقي يومان من عدتها راجعها، ثم طلقها { وإن كن ~~أولت حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن ~~حملهن } أي إلى غاية هي وضعهن للحمل. ولا خلاف بين العلماء في ~~وجوب النفقة والسكنى للحامل المطلقة فأما الحامل المتوفى عنها زوجها، ~~فقال علي، وابن عمر، وابن مسعود، وشريح، والنخعي، والشعبي، وحماد، وابن ~~أبي ليلى، وسفيان وأصحابه ينفق عليها من جميع المال حتى تضع. وقال ابن ~~عباس، وابن الزبير، وجابر بن عبد الله، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة ~~وأصحابه لا ينفق عليها إلا من نصيبها، وهذا هو الحق للأدلة الواردة في ~~ذلك من السنة { فإن أرضعن لكم } أولادكم بعد ذلك { فآتوهن ~~اجورهن } أي أجور إرضاعهن والمعنى أن المطلقات إذا أرضعن أولاد الأزواج ~~المطلقين لهن منهن، فلهن أجورهن على ذلك { وأتمروا بينكم ~~بمعروف } هو خطاب للأزواج والزوجات، أي تشاورا بينكم بما هو معروف ~~غير منكر، وليقبل بعضكم من بعض من المعروف والجميل، وأصل معناه ليأمر ~~بعضكم بعضا بما هو متعارف بين الناس غير منكر عندهم. قال مقاتل المعنى ~~ليتراض الأب والأم على أجر مسمى، قيل والمعروف الجميل من الزوج أن يوفر ~~لها الأجر، والمعروف ms3911 الجميل منها أن لا تطلب ما يتعاسره الزوج من الأجر { ~~وإن تعاسرتم } أي في أجر الرضاع، فأبى الزوج أن يعطي الأم ~~الأجر، وأبت الأم أن ترضعه إلا بما تريد من الأجر { فسترضع له ~~أخرى } أي يستأجر مرضعة أخرى ترضع ولده، ولا يجب عليه أن يسلم ما ~~تطلبه الزوجة، ولا يجوز له أن يكرهها على الإرضاع بما يريد من الأجر. قال ~~الضحاك إن أبت الأم أن ترضع استأجر لولده أخرى، فإن لم تقبل أجبرت أمه ~~على الرضاع بالأجر. # { لينفق ذو سعة من سعته } فيه الأمر لأهل السعة بأن يوسعوا ~~على المرضعات من نسائهم على قدر سعتهم { ومن قدر عليه رزقه ~~} أي كان رزقه بمقدار القوت، أو مضيق ليس بموسع { فلينفق مما ~~ءاتاه الله } أي مما أعطاه من الرزق ليس عليه غير ذلك { لا ~~يكلف الله نفسا إلا ما ءاتاها } أي ما أعطاها من الرزق، ~~فلا يكلف الفقير بأن ينفق ما ليس في وسعه، بل عليه ما يقدر عليه وتبلغ ~~إليه طاقته مما أعطاه الله من الرزق { سيجعل الله بعد عسر ~~يسرا } أي بعد ضيق وشدة سعة وغنى. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في ~~قوله { من وجدكم } قال من سعتكم { ولا تضاروهن ~~لتضيقوا عليهن } قال في المسكن. وأخرج ابن المنذر عنه في ~~قوله { وإن كن أولت حمل } الآية، قال فهذه في المرأة ~~يطلقها زوجها، وهي حامل، فأمره الله أن يسكنها وينفق عليها حتى تضع، وإن ~~أرضعت حتى تفطم، فإن أبان طلاقها وليس بها حمل، فلها السكنى حتى تنقضي ~~عدتها ولا نفقة لها. وأخرج عبد بن حميد عن أبي سنان قال سأل عمر بن ~~الخطاب عن أبي عبيدة، فقيل إنه يلبس الغليظ من الثياب، ويأكل أخشن ~~الطعام، فبعث إليه بألف دينار، وقال للرسول انظر ماذا يصنع بها إذا ~~أخذها؟ فما لبث أن لبس ألين الثياب، وأكل أطيب الطعام، فجاء الرسول، ~~فأخبره، فقال رحمه الله تأول هذه الآية { لينفق ذو سعة من ~~سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما ءاتاه ~~الله }. ### || [65.8-12] ms3912 # لما ذكر سبحانه ما تقدم من الأحكام، حذر من مخالفتها، وذكر عتو قوم ~~خالفوا أوامره، فحل بهم عذابه، فقال { وكأين من قرية عتت ~~عن أمر ربها ورسله } يعني عصت، والمراد أهلها، والمعنى وكم ~~من أهل قرية عصوا أمر الله ورسله، أو أعرضوا عن أمر الله ورسله على تضمين ~~{ عتت } معنى أعرضت، وقد قدمنا الكلام في { كأين } في سورة آل عمران ~~وغيرها { فحاسبنها حسابا شديدا } أي شددنا على أهلها في ~~الحساب بما عملوا. قال مقاتل حاسبها الله بعملها في الدنيا فجازها ~~بالعذاب، وهو معنى قوله { وعذبنها عذابا نكرا } أي عذبنا ~~أهلها عذابا عظيما منكرا في الآخرة، وقيل في الكلام تقديم وتأخير، أي ~~عذبنا أهلها عذابا نكرا في الدنيا بالجوع والقحط، والسيف والخسف ~~والمسخ، وحاسبناهم في الآخرة حسابا شديدا. والنكر المنكر { فذاقت ~~وبال أمرها } أي عاقبة كفرها { وكان عقبة أمرها ~~خسرا } أي هلاكا في الدنيا وعذابا في الآخرة. { أعد الله ~~لهم عذابا شديدا } في الآخرة، وهو عذاب النار، والتكرير للتأكيد ~~{ فاتقوا الله يأولى الألبب } أي يا أولي العقول ~~الراجحة، وقوله { الذين آمنوا } في محل نصب بتقدير أعني بيانا ~~للمنادى بقوله { يأولي الألبب } أو عطف بيان له أو نعت { قد ~~أنزل الله إليكم ذكرا * رسولا } قال الزجاج إنزال الذكر ~~دليل على إضمار أرسل، أي أنزل إليكم قرآنا، وأرسل إليكم رسولا، وقال ~~أبو علي الفارسي إن رسولا منصوب بالمصدر، وهو ذكرا لأن المصدر المنون ~~يعمل. والمعنى أنزل إليكم ذكر الرسول. وقيل إن { رسولا } بدل من { ذكرا ~~} وكأنه جعل الرسول نفس الذكر مبالغة، وقيل إنه بدل منه على حذف مضاف من ~~الأول تقديره أنزل ذا ذكر رسولا، أو صاحب ذكر رسولا. وقيل إن رسولا ~~نعت على حذف مضاف أي ذكرا ذا رسول، فذا رسول نعت للذكر. وقيل إن رسولا ~~بمعنى رسالة، فيكون رسولا بدلا صريحا من غير تأويل، أو بيانا. وقيل ~~إن { رسولا } منتصب على الإغراء، كأنه قال الزموا رسولا، وقيل إن الذكر ~~ها هنا بمعنى الشرف كقوله # لقد أنزلنا إليكم كتبا فيه ذكركم # الأنبياء ms3913 10 وقوله # وإنه لذكر لك ولقومك # الزخرف 44. ثم بين هذا الشرف فقال { رسولا } وقد ذهب الأكثر إلى أن ~~المراد بالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم. وقال الكلبي هو جبريل، ~~والمراد بالذكر القرآن، ويختلف المعنى باختلاف وجوه الإعراب السابقة، كما ~~لا يخفى. ثم نعت سبحانه الرسول صلى الله عليه وسلم المذكور بقوله { ~~يتلوا عليكم آيات الله مبينت } أي حال كونها مبينات، ~~قرأ الجمهور { مبينات } على صيغة اسم المفعول، أي بينها الله وأوضحها، ~~وقرأ ابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي على صيغة اسم الفاعل أي الآيات ~~تبين للناس ما يحتاجون إليه من الأحكام. # ورجح القراءة الأولى أبو حاتم، وأبو عبيد لقوله # قد بينا لكم الآيت # آل عمران 118 { ليخرج الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت من الظلمت إلى النور } اللام متعلقة ب { ~~يتلو } أي ليخرج الرسول الذي يتلو الآيات الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ~~ظلمات الضلالة إلى نور الهداية، ويجوز أن تتعلق اللام بأنزل، فيكون ~~المخرج هو الله سبحانه { ومن يؤمن بالله ويعمل صلحا } ~~أي يجمع بين التصديق والعمل بما فرضه الله عليه مع اجتناب ما نهاه عنه { ~~ندخله جنت تجرى من تحتها الأنهر } قرأ الجمهور { يدخله ~~} بالتحتية، وقرأ نافع، وابن عامر بالنون، وجمع الضمير في { خلدين ~~فيها أبدا } باعتبار معنى من، ووحده في { يدخله } باعتبار لفظها، ~~وجملة { قد أحسن الله له رزقا } في محل نصب على الحال من ~~الضمير في خالدين على التداخل، أو من مفعول يدخله على الترادف ومعنى { ~~قد أحسن الله له رزقا } أي وسع له رزقه في الجنة. { ~~الله الذى خلق سبع سموات } الاسم الشريف مبتدأ، وخبره ~~الموصول مع صلته { ومن الأرض مثلهن } أي وخلق من الأرض مثلهن ~~يعني سبعا. واختلف في كيفية طبقات الأرض. قال القرطبي في تفسيره واختلف ~~فيهن على قولين أحدهما، وهو قول الجمهور أنها سبع أرضين طباقا بعضها ~~فوق بعض، بين كل أرض وأرض مسافة، كما بين السماء والأرض، وفي كل أرض سكان ~~من خلق الله. وقال الضحاك إنها مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق ms3914 بخلاف ~~السموات. والأول أصح لأن الأخبار دالة عليه في الترمذي، والنسائي، ~~وغيرهما، وقد مضى ذلك مبينا في البقرة قال وفي صحيح مسلم عن سعيد بن زيد ~~قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول # " من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين " # إلى آخر كلامه، وسيأتي في آخر البحث ما يقوي قول الجمهور. قرأ الجمهور ~~{ مثلهن } بالنصب عطفا على { سبع سموات } أو على تقدير فعل، ~~أي وخلق من الأرض مثلهن. وقرأ عاصم في رواية عنه بالرفع على الابتداء، ~~والجار والمجرور قبله خبره { يتنزل الأمر بينهن } الجملة ~~مستأنفة، ويجوز أن تكون صفة لما قبلها، والأمر الوحي. قال مجاهد يتنزل ~~الأمر من السموات السبع إلى السبع الأرضين. وقال الحسن بين كل سماء وبين ~~الأرض. وقال قتادة في كل أرض من أرضه، وسماء من سمائه خلق من خلقه وأمر ~~من أمره، وقضاء من قضائه، وقيل بينهن إشارة إلى ما بين الأرض السفلى ~~التي هي أدناها، وبين السماء السابعة التي هي أعلاها، وقيل هو ما يدبر ~~فيهن من عجيب تدبيره، فينزل المطر ويخرج النبات، ويأتي بالليل والنهار، ~~والصيف والشتاء، ويخلق الحيوانات على اختلاف أنواعها وهيئاتها، فينقلهم ~~من حال إلى حال. # قال ابن كيسان وهذا هو مجال اللغة واتساعها، كما يقال للموت أمر الله ~~وللريح والسحاب، ونحوها. قرأ الجمهور { يتنزل الأمر } من التنزل، ورفع ~~الأمر على الفاعلية، وقرأ أبو عمرو في رواية عنه ينزل من الإنزال، ونصب ~~الأمر على المفعولية، والفاعل الله سبحانه، واللام في { لتعلموا ~~أن الله على كل شىء قدير } متعلق ب { خلق } ، أو ب { ~~يتنزل } ، أو بمقدر، أي فعل ذلك لتعلموا كمال قدرته، وإحاطته بالأشياء، ~~وهو معنى { وأن الله قد أحاط بكل شىء علما } فلا ~~يخرج عن علمه شيء منها كائنا ما كان، وانتصاب علما على المصدرية لأن ~~أحاط بمعنى علم، أو هو صفة لمصدر محذوف أي أحاط إحاطة علما، ويجوز أن ~~يكون تمييزا. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { فحاسبنها ~~حسابا شديدا } يقول ms3915 لم ترحم { وعذبنها عذابا نكرا ~~} يقول عظيما منكرا. وأخرج ابن مردويه عنه { قد أنزل الله ~~إليكم ذكرا. رسولا } قال محمدا صلى الله عليه وسلم. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال له ~~رجل { الله الذى خلق سبع سموات *ومن الأرض ~~مثلهن } إلى آخر السورة، فقال ابن عباس ما يؤمنك أن أخبرك بها ~~فتكفر؟ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب ~~من طريق أبي الضحى عن ابن عباس في قوله { ومن الأرض مثلهن } ~~قال سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم ~~كإبراهيم، وعيسى كعيسى، قال البيهقي هذا إسناده صحيح، وهو شاذ بمرة لا ~~أعلم لأبي الضحى عليه متابعا. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن ~~عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الأرضين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، والعليا منها ~~على ظهر حوت قد التقى طرفاه في السماء، والحوت على صخرة، والصخرة بيد ~~ملك. والثانية مسجن الريح، فلما أراد الله أن يهلك عادا أمر خازن الريح ~~أن يرسل عليهم ريحا يهلك عادا، فقال يا رب أرسل عليهم من الريح قدر ~~منخر الثور؟ فقال له الجبار إذن تكفأ الأرض ومن عليها، ولكن أرسل عليهم ~~بقدر خاتم فهي التي قال الله في كتابه { ما تذر من شىء أتت ~~عليه إلا جعلته كالرميم } الذاريات 42 والثالثة فيها ~~حجارة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم، فقالوا يا رسول الله للنار كبريت؟ ~~قال نعم، والذي نفسي بيده إن فيها لأودية من كبريت لو أرسل فيها الجبال ~~الرواسي لماعت " # إلى آخر الحديث. قال الذهبي متعقبا للحاكم هو حديث منكر. وأخرج عثمان ~~بن سعيد الدارمي عن ابن عباس قال سيد السموات السماء التي فيها العرش، ~~وسيد الأرضين الأرض التي نحن فيها. ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1-5] # قوله { يأيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك } ~~اختلف في سبب نزول الآية على أقوال الأول قول أكثر ms3916 المفسرين. قال ~~الواحدي قال المفسرون كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة، فزارت ~~أباها، فلما رجعت أبصرت مارية في بيتها مع النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فلم تدخل حتى خرجت مارية ثم دخلت، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في ~~وجه حفصة الغيرة والكآبة قال لها لا تخبري عائشة، ولك علي أن لا أقربها ~~أبدا، فأخبرت حفصة عائشة، وكانتا متصافيتين، فغضبت عائشة، ولم تزل ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى حلف أن لا يقرب مارية. فأنزل الله هذه ~~السورة. قال القرطبي أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في حفصة، وذكر ~~القصة. وقيل السبب أنه كان صلى الله عليه وسلم يشرب عسلا عند زينب بنت ~~جحش، فتواطأت عائشة وحفصة أن تقولا له إذا دخل عليهما إنا نجد منك ريح ~~مغافير. وقيل السبب المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم. ~~وسيأتي دليل هذه الأقوال آخر البحث إن شاء الله، وستعرف كيفية الجمع ~~بينهما، وجملة { تبتغى مرضات أزوجك } مستأنفة، أو مفسرة ~~لقوله { تحرم } ، أو في محل نصب على الحال من فاعل { تحرم } أي ~~مبتغيا به مرضاة أزواجك، و { مرضاة } اسم مصدر، وهو الرضى، وأصله مرضوة، ~~وهو مضاف إلى المفعول، أي أن ترضي أزواجك، أو إلى الفاعل، أي أن يرضين ~~هن { والله غفور رحيم } أي بليغ المغفرة والرحمة لما فرط منك ~~من تحريم ما أحل الله لك، قيل وكان لك ذنبا من الصغائر، فلذا عاتبه ~~الله عليه، وقيل إنها معاتبة على ترك الأولى. { قد فرض الله ~~لكم تحلة أيمنكم } أي شرع لكم تحليل أيمانكم، وبين لكم ~~ذلك، وتحلة أصلها تحللة، فأدغمت. وهي من مصادر التفعيل كالتوصية ~~والتسمية، فكأن اليمين عقد، والكفارة حل لأنها تحل للحالف ما حرمه على ~~نفسه. قال مقاتل المعنى قد بين الله كفارة أيمانكم في سورة المائدة. أمر ~~الله نبيه أن يكفر يمينه، ويراجع وليدته، فأعتق رقبة. قال الزجاج وليس ~~لأحد أن يحرم ما أحل الله. قلت وهذا هو الحق أن تحريم ما أحل الله لا ms3917 ~~ينعقد ولا يلزم صاحبه. فالتحليل والتحريم هو إلى الله سبحانه لا إلى ~~غيره، ومعاتبته لنبيه صلى الله عليه وسلم في هذه السورة أبلغ دليل على ~~ذلك، والبحث طويل، والمذاهب فيه كثيرة، والمقالات فيه طويلة، وقد حققناه ~~في مؤلفاتنا بما يشفي. واختلف العلماء هل مجرد التحريم يمين يوجب ~~الكفارة أم لا؟ وفي ذلك خلاف، وليس في الآية ما يدل على أنه يمين لأن ~~الله سبحانه عاتبه على تحريم ما أحله له، ثم قال { قد فرض الله ~~لكم تحلة أيمنكم } وقد ورد في القصة التي ذهب أكثر ~~المفسرين إلى أنها هي سبب نزول الآية أنه حرم أولا، ثم حلف ثانيا، ~~كما قدمنا { والله مولكم } أي وليكم وناصركم، والمتولي ~~لأموركم { وهو العليم } بما فيه صلاحكم وفلاحكم { الحكيم } في ~~أفعاله وأقواله. # { وإذ أسر النبى إلى بعض أزوجه حديثا } قال ~~أكثر المفسرين هي حفصة كما سبق، والحديث، هو تحريم مارية، أو العسل، أو ~~تحريم التي وهبت نفسها له، والعامل في الظرف فعل مقدر، أي واذكر إذ ~~أسر. وقال الكلبي أسر إليها أن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتي على أمتي ~~من بعدي { فلما نبأت به } أي أخبرت به غيرها { وأظهره ~~الله عليه } أي أطلع الله نبيه على ذلك الواقع منها من الإخبار ~~لغيرها { عرف بعضه } أي عرف حفصة بعض ما أخبرت به. قرأ الجمهور ~~{ عرف } مشددا من التعريف، وقرأ علي، وطلحة بن مصرف، وأبو عبد ~~الرحمن السلمي، والحسن، وقتادة، والكسائي بالتخفيف. واختار أبو عبيد، ~~وأبو حاتم القراءة الأولى لقوله { وأعرض عن بعض } أي لم يعرفها ~~إياه، ولو كان مخففا لقال في ضده وأنكر بعضا { وأعرض عن بعض ~~} أي وأعرض عن تعريف بعض ذلك كراهة أن ينتشر في الناس، وقيل الذي أعرض ~~عنه هو حديث مارية. وللمفسرين ها هنا خبط وخلط، وكل جماعة منهم ذهبوا ~~إلى تفسير التعريف والإعراض بما يطابق بعض ما ورد في سبب النزول، وسنوضح ~~لك ذلك إن شاء الله { فلما نبأها به } أي أخبرها بما أفشت من ~~الحديث { قالت من أنبأك هذا } أي ms3918 من أخبرك به { قال ~~نبأنى العليم الخبير } أي أخبرني الذي لا يخفى عليه خافية. ~~{ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما } الخطاب ~~لعائشة وحفصة، أي إن تتوبا إلى الله فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، ومعنى ~~{ صغت } عدلت ومالت عن الحق، وهو أنهما أحبتا ما كره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وهو إفشاء الحديث. وقيل المعنى إن تتوبا إلى الله، فقد ~~مالت قلوبكما إلى التوبة، وقال { قلوبكما } ، ولم يقل " قلباكما " لأن ~~العرب تستكره الجمع بين تثنيتين في لفظ واحد { وإن تظاهرا عليه ~~} أي تتظاهرا، قرأ الجمهور تظاهرا بحذف إحدى التاءين تخفيفا. وقرأ عكرمة ~~تتظاهرا على الأصل. وقرأ الحسن، وأبو رجاء، ونافع، وعاصم في رواية عنهما ~~تظهر بتشديد الظاء والهاء بدون ألف، والمراد بالتظاهر التعاضد والتعاون، ~~والمعنى وإن تعاضدا وتعاونا في الغيرة عليه منكما وإفشاء سره { فإن ~~الله هو موله وجبريل وصلح المؤمنين } أي فإن ~~الله يتولى نصره وكذلك جبريل، ومن صلح من عباده المؤمنين، فلن يعدم ~~ناصرا ينصره { والملئكة بعد ذلك } أي بعد نصر الله له، ~~ونصر جبريل، وصالح المؤمنين { ظهير } أي أعوان يظاهرونه، والملائكة ~~مبتدأ، وخبره ظهير. # قال أبو علي الفارسي قد جاء فعيل للكثرة كقوله # ولا يسئل حميم حميما # المعارج 10 قال الواحدي وهذا من الواحد الذي يؤدي عن الجمع كقوله # وحسن أولئك رفيقا # النساء 69 وقد تقرر في علم النحو أن مثل جريح وصبور وظهير يوصف به ~~الواحد والمثنى والجمع. وقيل كان التظاهر بين عائشة وحفصة في التحكم على ~~النبي صلى الله عليه وسلم في النفقة. { عسى ربه إن طلقكن ~~أن يبدله أزوجا خيرا منكن } أي يعطيه بدلكن أزواجا ~~أفضل منكن، وقد علم الله سبحانه أنه لا يطلقهن ولكن أخبر عن قدرته على ~~أنه إن وقع منه الطلاق أبدله خيرا منهن تخويفا لهن. وهو كقوله # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم # محمد 38 فإنه إخبار عن القدرة وتخويف لهم. ثم نعت سبحانه الأزواج بقوله ~~{ مسلمت مؤمنت } أي قائمات بفرائض الإسلام مصدقات بالله ~~وملائكته، وكتبه ورسله، والقدر خيره ms3919 وشره. وقال سعيد بن جبير ~~مسلمت أي مخلصات وقيل معناه مسلمات لأمر الله ورسوله { ~~قنتت } مطيعات لله، والقنوت الطاعة، وقيل مصليات { تئبت ~~} يعني من الذنوب { عبدت } لله متذللات له. قال الحسن، وسعيد بن ~~جبير كثيرات العبادة { سئحت } أي صائمات. وقال زيد بن أسلم ~~مهاجرات، وليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم سياحة إلا الهجرة. قال ~~ابن قتيبة، والفراء، وغيرهما وسمي الصيام سياحة لأن السائح لا زاد معه، ~~وقيل المعنى ذاهبات في طاعة الله، من ساح الماء إذا ذهب، وأصل السياحة ~~الجولان في الأرض، وقد مضى الكلام على السياحة في سورة براءة { ~~ثيبت وأبكارا } وسط بينهما العاطف لتنافيهما، والثيبات جمع ~~ثيب، وهي المرأة التي قد تزوجت، ثم ثابت عن زوجها فعادت، كما كانت غير ~~ذات زوج. والأبكار جمع بكر، وهي العذراء، سميت بذلك لأنها على أول حالها ~~التي خلقت عليه. وقد أخرج البخاري وغيره عن عائشة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش، ويشرب عندها لبنا، أو عسلا، ~~فتواصيت أنا وحفصة إن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فلتقل ~~إني أجد منك ريح مغافير، فدخل على إحداهما، فقالت ذلك له، فقال # " لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعود " # ، فنزلت { يأيها النبى لم تحرم ما أحل الله ~~لك } إلى قوله { إن تتوبا إلى الله } لعائشة وحفصة { وإذ ~~أسر النبى إلى بعض أزوجه حديثا } لقوله «بل شربت ~~عسلا». وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، قال ~~السيوطي بسند صحيح عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شرب من شراب عند سودة من العسل، فدخل على عائشة فقالت إني أجد منك ريحا، ~~فدخل على حفصة، فقالت إني أجد منك ريحا، فقال # " أراه من شراب شربته عند سودة، والله لا أشربه أبدا " # ، فأنزل الله { علما يأيها النبى لم تحرم } الآية. ~~وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن رافع قال سألت أم سلمة عن هذه الآية { ~~يأيها النبى ms3920 لم تحرم } قالت كانت عندي عكة من عسل أبيض، ~~فكان النبي صلى الله عليه وسلم يلعق منها، وكان يحبه. فقالت له عائشة ~~نحلها تجرس عرفطا فحرمها، فنزلت الآية. وأخرج النسائي، والحاكم وصححه، ~~وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها، ~~فلم تزل عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حراما، فأنزل الله هذه الآية { ~~يأيها النبى لم تحرم } وأخرج البزار، والطبراني، قال ~~السيوطي بسند صحيح عن ابن عباس قال قلت لعمر بن الخطاب من المرأتان ~~اللتان تظاهرتا؟ قال عائشة وحفصة، وكان بدو الحديث في شأن مارية القبطية ~~أم إبراهيم أصابها النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة في يومها، ~~فوجدت حفصة، فقالت يا رسول الله لقد جئت إلي بشيء ما جئته إلى أحد من ~~أزواجك في يومي وفي دوري على فراشي، قال # " ألا ترضين أن أحرمها، فلا أقربها أبدا؟ " # قالت بلى فحرمها وقال # " لا تذكري ذلك لأحد " # ، فذكرته لعائشة، فأظهره الله عليه، فأنزل الله { يأيها النبى ~~لم تحرم }. الآيات كلها، فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كفر عن يمينه وأصاب مارية. وأخرجه ابن سعد، وابن مردويه عنه بأطول من ~~هذا، وأخرجه ابن مردويه أيضا من وجه آخر عنه بأخصر منه، وأخرجه ابن ~~المنذر، والطبراني، وابن مردويه عنه مختصرا بلفظ قال حرم سريته، وجعل ~~ذلك سبب النزول في جميع ما روي عنه من هذه الطرق، وأخرج الهيثم بن كليب ~~في مسنده، والضياء المقدسي في المختارة من طريق نافع عن ابن عمر قال قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة # " لا تحدثي أحدا، وإن أم إبراهيم علي حرام " # ، فقالت أتحرم ما أحل الله لك؟ قال # " فوالله لا أقربها " # ، فلم يقربها حتى أخبرت عائشة، فأنزل الله { قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمنكم }. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه عن ~~أبي هريرة أن سبب نزول الآية تحريم مارية كما سلف، وسنده ضعيف. فهذان ~~سببان صحيحان لنزول الآية، والجمع ممكن بوقوع القصتين قصة العسل، وقصة ~~مارية، ms3921 وأن القرآن نزل فيهما جميعا، وفي كل واحد منهما أنه أسر الحديث ~~إلى بعض أزواجه. # وأما ما قيل من أن السبب هو تحريم المرأة التي وهبت نفسها، فليس في ذلك ~~إلا ما روى ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية { ~~يأيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك } في ~~المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم. قال السيوطي وسنده ~~ضعيف. ويرد هذا أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل تلك الواهبة ~~لنفسها، فكيف يصح أن يقال إنه نزل في شأنها { يأيها النبى ~~لم تحرم ما أحل الله لك }؟ فإن من رد ما وهب له لم يصح ~~أن يقال إنه حرمه على نفسه، وأيضا لا ينطبق على هذا السبب قوله { ~~وإذ أسر النبى إلى بعض أزوجه حديثا } إلى آخر ~~ما حكاه الله. وأما ما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن ابن عباس سأل عمر بن ~~الخطاب عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأخبره أنهما عائشة وحفصة، ثم ذكر قصة الإيلاء، كما في الحديث الطويل، ~~فليس في هذا نفي لكون السبب هو ما قدمنا من قصة العسل، وقصة السرية لأنه ~~إنما أخبره بالمتظاهرتين، وذكر فيه أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~يراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، وأن ذلك سبب الاعتزال لا سبب ~~نزول { يأيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك }. ~~ويؤيد هذا ما قدمنا عن ابن عباس أنه قال لعمر من المرأتان اللتان ~~تظاهرتا؟ فأخبره بأنهما حفصة وعائشة، وبين له أن السبب قصة مارية. هذا ~~ما تيسر من تلخيص سبب نزول الآية، ودفع الاختلاف في شأنه، فاشدد عليه ~~يديك لتنجو به من الخبط والخلط الذي وقع للمفسرين. وأخرج عبد الرزاق، ~~والبخاري، وابن مردويه عن ابن عباس قال في الحرام يكفر، وقال # لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة # الأحزاب 21. وأخرج ابن المنذر، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه عنه أنه ~~جاءه رجل، فقال إني جعلت امرأتي علي ms3922 حراما، فقال كذبت ليست عليك بحرام، ~~ثم تلا { لم تحرم ما أحل الله لك } قال عليك أغلظ ~~الكفارات عتق رقبة. وأخرج الحارث بن أبي أسامة عن عائشة قالت لما حلف أبو ~~بكر أن لا ينفق على مسطح، فأنزل الله { قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمنكم } فأحل يمينه وأنفق عليه. وأخرج ابن عدي، ~~وابن عساكر عن عائشة في قوله { وإذ أسر النبى إلى بعض ~~أزوجه حديثا } قالت أسر إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي. وأخرج ~~ابن عدي، وأبو نعيم في الصحابة، والعشاري في فضائل الصديق، وابن ~~مردويه، وابن عساكر من طرق عن علي، وابن عباس قال والله إن إمارة أبي ~~بكر وعمر لفي الكتاب { وإذ أسر النبى إلى بعض ~~أزوجه حديثا } قال لحفصة أبوك وأبو عائشة واليا الناس بعدي، ~~فإياك أن تخبري أحدا بهذا. # قلت وهذا ليس فيه أنه سبب نزول قوله { يأيها النبى لم ~~تحرم ما أحل الله لك } بل فيه أن الحديث الذي أسره صلى ~~الله عليه وسلم هو هذا، فعلى فرض أن له إسنادا يصلح للاعتبار هو معارض ~~بما سبق من تلك الروايات الصحيحة، وهي مقدمة عليه ومرجحة بالنسبة إليه. ~~وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { فقد صغت ~~قلوبكما } قال زاغت وأثمت. وأخرج ابن المنذر عنه قال مالت. وأخرج ~~ابن عساكر من طريق عبد الله بن بريدة عن أبيه في قوله { وصلح ~~المؤمنين } قال أبو بكر وعمر. وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود مثله. ~~وأخرج الطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في فضائل الصحابة من وجه آخر عنه ~~مثله. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر، وابن عباس مثله. وأخرج الحاكم عن أبي ~~أمامة مرفوعا مثله. وأخرج ابن أبي حاتم. قال السيوطي بسند ضعيف عن علي ~~مرفوعا قال هو علي بن أبي طالب. وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت عميس ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " { وصلح المؤمنين } علي بن أبي طالب " # وأخرج ابن مردويه، وابن عساكر عن ابن عباس في قوله { وصلح ms3923 ~~المؤمنين } قال هو علي بن أبي طالب. وأخرج الطبراني، وابن مردويه ~~عن بريدة في قوله { ثيبت وأبكارا } قال وعد الله نبيه صلى ~~الله عليه وسلم في هذه أن يزوجه بالثيب آسية امرأة فرعون، وبالبكر مريم ~~بنت عمران. ### || [66.6-8] # قوله { يأيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم } بفعل ما ~~أمركم به، وترك ما نهاكم عنه { وأهليكم } بأمرهم بطاعة الله، ~~ونهيهم عن معاصيه { نارا وقودها الناس والحجارة } أي ~~نارا عظيمة تتوقد بالناس وبالحجارة كما يتوقد غيرها بالحطب، وقد تقدم ~~بيان هذا في سورة البقرة. قال مقاتل بن سليمان المعنى قوا أنفسكم وأهليكم ~~بالأدب الصالح النار في الآخرة. وقال قتادة، ومجاهد قوا أنفسكم بأفعالكم، ~~وقوا أهليكم بوصيتكم. قال ابن جرير فعلينا أن نعلم أولادنا الدين والخير، ~~وما لا يستغنى عنه من الأدب، ومن هذا قوله # وأمر أهلك بالصلوة واصطبر عليها # طه 132 وقوله # وأنذر عشيرتك الأقربين # الشعراء 224. { عليها ملئكة غلاظ شداد } أي على النار ~~خزنة من الملائكة يلون أمرها وتعذيب أهلها، غلاظ على أهل النار شداد ~~عليهم لا يرحمونهم إذا استرحموهم لأن الله سبحانه خلقهم من غضبه، وحبب ~~إليهم تعذيب خلقه، وقيل المراد غلاظ القلوب شداد الأبدان، وقيل غلاظ ~~الأقوال شداد الأفعال، وقيل الغلاظ ضخام الأجسام، والشداد الأقوياء { ~~لا يعصون الله ما أمرهم } أي لا يخافونه في أمره، و«ما» ~~في { ما أمرهم } يجوز أن تكون موصولة، والعائد محذوف، أي لا يعصون ~~الله الذي أمرهم به، ويجوز أن تكون مصدرية، أي لا يعصون الله أمره على أن ~~يكون ما أمرهم بدل اشتمال من الاسم الشريف، أو على تقدير نزع الخافض، أي ~~لا يعصون الله في أمره { ويفعلون ما يؤمرون } أي يؤدونه في ~~وقته من غير تراخ لا يؤخرونه عنه ولا يقدمونه. { يأيها الذين ~~كفروا لا تعتذروا اليوم } أي يقال لهم هذا القول عند ~~إدخالهم النار تأييسا لهم وقطعا لأطماعهم { إنما تجزون ما ~~كنتم تعملون } من الأعمال في الدنيا، ومثل هذا قوله # فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا ~~هم يستعتبون # الروم 57. { يأيها الذين ءامنوا توبوا إلى ms3924 الله ~~توبة نصوحا } أي تنصح صاحبها بترك العود إلى ما تاب عنه، وصفت ~~بذلك على الإسناد المجازي، وهو في الأصل وصف للتائبين أن ينصحوا بالتوبة ~~أنفسهم بالعزم على الترك للذنب، وترك المعاودة له. والتوبة فرض على ~~الأعيان. قال قتادة التوبة النصوح الصادقة، وقيل الخالصة. وقال الحسن ~~التوبة النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر منه إذا ذكره. وقال ~~الكلبي التوبة النصوح الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع ~~بالبدن، والاطمئنان على أن لا يعود. وقال سعيد بن جبير هي التوبة ~~المقبولة. قرأ الجمهور { نصوحا } بفتح النون على الوصف للتوبة، أي توبة ~~بالغة في النصح، وقرأ الحسن، وخارجة، وأبو بكر عن عاصم بضمها، أي توبة ~~نصح لأنفسكم، ويجوز أن يكون جمع ناصح، وأن يكون مصدرا يقال نصح نصاحة ~~ونصوحا. # قال المبرد أراد توبة ذات نصح { عسى ربكم أن يكفر عنكم ~~سيئتكم ويدخلكم جنت تجرى من تحتها ~~الأنهر } بسبب تلك التوبة، وعسى وإن كان أصلها للإطماع، فهي من الله ~~واجبة لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ويدخلكم معطوف على يكفر منصوب ~~بناصبه، وبالنصب قرأ الجمهور، وقرىء بالجزم عطفا على محل عسى، كأنه قال ~~توبوا يوجب تكفير سيئاتكم، ويدخلكم { يوم لا يخزى الله ~~النبى } الظرف متعلق ب { يدخلكم } ، أي يدخلكم يوم لا يخزي الله ~~النبي { والذين ءامنوا معه } والموصول معطوف على النبي، وقيل ~~الموصول مبتدأ، وخبره { نورهم يسعى بين أيديهم ~~وبأيمنهم } والأول أولى، وتكون جملة { نورهم يسعى } ~~في محل نصب على الحال، أو مستأنفة لبيان حالهم، وقد تقدم في سورة الحديد ~~أن النور يكون معهم حال مشيهم على الصراط، وجملة { يقولون ربنا ~~أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شىء ~~قدير } في محل نصب على الحال أيضا، وعلى الوجه الآخر تكون خبرا أخر، ~~وهذا دعاء المؤمنين حين أطفأ الله نور المنافقين، كما تقدم بيانه ~~وتفصيله. وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب في قوله { ~~قوا أنفسكم وأهليكم ms3925 نارا } قال علموا أنفسكم وأهليكم ~~الخير وأدبوهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال ~~اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، وأمروا أهلكم بالذكر ينجكم الله ~~من النار. وأخرج عبد بن حميد عنه في الآية قال أدبوا أهليكم. وأخرج عبد ~~الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبي عمران الجوني قال بلغنا أن خزنة ~~النار تسعة عشر ما بين منكب أحدهم مسيرة مائة خريف ليس في قلوبهم رحمة ~~إنما خلقوا للعذاب، يضرب الملك منهم الرجل من أهل النار الضربة فيتركه ~~طحنا من لدن قرنه إلى قدمه. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن ~~منصور، وابن أبي شيبة، وهناد، وابن منيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب ~~عن النعمان بن بشير أن عمر بن الخطاب سئل عن التوبة النصوح، قال أن يتوب ~~الرجل من العمل السيء، ثم لا يعود إليه أبدا. وأخرج أحمد، وابن مردويه، ~~والبيهقي عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " التوبة من الذنب أن يتوب منه، ثم لا يعود إليه أبدا " # ، وفي إسناده إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو ضعيف، والصحيح الموقوف، كما ~~أخرجه موقوفا عنه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~والبيهقي. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال التوبة النصوح تكفر كل ~~سيئة، وهو القرآن، ثم قرأ هذه الآية. وأخرج الحاكم، والبيهقي في البعث عن ~~ابن عباس في قوله { يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى ~~} الآية قال ليس أحد من الموحدين إلا يعطى نورا يوم القيامة، فأما ~~المنافق فيطفأ نوره، والمؤمن مشفق مما رأى من إطفاء نور المنافق، فهو ~~يقول { ربنا أتمم لنا نورنا }. ### || [66.9-12] # قوله { يأيها النبى جهد الكفر والمنفقين ~~} أي بالسيف والحجة، وقد تقدم الكلام على هذه الآية في سورة براءة { ~~واغلظ عليهم } أي شدد عليهم في الدعوة، واستعمل الخشونة في ~~أمرهم بالشرائع. قال الحسن أي جاهدهم بإقامة الحدود عليهم، ms3926 فإنهم كانوا ~~يرتكبون موجبات الحدود { ومأواهم جهنم } أي مصيرهم إليها، ~~يعني الكفار والمنافقين { وبئس المصير } أي المرجع الذي يرجعون ~~إليه. { ضرب الله مثلا للذين كفروا } قد تقدم غير ~~مرة أن المثل قد يراد به إيراد حالة غريبة يعرف بها حالة أخرى مماثلة ~~لها في الغرابة، أي جعل الله مثلا لحال هؤلاء الكفرة، وأنه لا يغني أحد ~~عن أحد { امرأت نوح وامرأت لوط } هذا هو المفعول الأول، و ~~{ مثلا } المفعول الثاني حسبما قدمنا تحقيقه، وإنما أخر ليتصل به ما هو ~~تفسير له، وإيضاح لمعناه { كانتا تحت عبدين من عبادنا ~~صلحين } وهما نوح ولوط، أي كانتا في عصمة نكاحهما { ~~فخانتاهما } أي فوقعت منهما الخيانة لهما. قال عكرمة، والضحاك ~~بالكفر، وقيل كانت امرأة نوح تقول للناس إنه مجنون، وكانت امرأة لوط تخبر ~~قومه بأضيافه، وقد وقع الإجماع على أنه ما زنت امرأة نبي قط. وقيل كانت ~~خيانتهما النفاق، وقيل خانتاهما بالنميمة { فلم يغنينا عنهما ~~من الله شيئا } أي فلم ينفعهما نوح ولوط بسبب كونهما زوجتين لهما ~~شيئا من النفع، ولا دفعا عنهما من عذاب الله مع كرامتهما على الله شيئا ~~من الدفع { وقيل ادخلا النار مع الدخلين } أي وقيل لهما في ~~الآخرة، أو عند موتهما ادخلا النار مع الداخلين لها من أهل الكفر ~~والمعاصي. وقال يحيى بن سلام ضرب الله مثلا للذين كفروا يحذر به عائشة ~~وحفصة من المخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين تظاهرتا عليه. وما ~~أحسن من قال فإن ذكر امرأتي النبيين بعد ذكر قصتهما ومظاهرتهما على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، يرشد أتم إرشاد، ويلوح أبلغ تلويح إلى أن ~~المراد تخويفهما مع سائر أمهات المؤمنين، وبيان أنهما وإن كانتا تحت عصمة ~~خير خلق الله وخاتم رسله، فإن ذلك لا يغني عنهما من الله شيئا، وقد ~~عصمهما الله عن ذنب تلك المظاهرة بما وقع منهما من التوبة الصحيحة ~~الخالصة. { وضرب الله مثلا للذين ءامنوا امرأة ~~فرعون } الكلام في هذا كالكلام في المثل الذي قبله أي جعل الله حال ms3927 ~~امرأة فرعون مثلا لحال المؤمنين ترغيبا لهم في الثبات على الطاعة ~~والتمسك بالدين، والصبر في الشدة، وأن صولة الكفر لا تضرهم، كما لم تضر ~~امرأة فرعون، وقد كانت تحت أكفر الكافرين، وصارت بإيمانها بالله في جنات ~~النعيم { إذ قالت رب ابن لى عندك بيتا فى الجنة } ~~الظرف متعلق بضرب، أو بمثلا، أي ابن لي بيتا قريبا من رحمتك، أو في ~~أعلى درجات المقربين منك، أو في مكان لا يتصرف فيه إلا بإذنك، وهو ~~الجنة { ونجنى من فرعون وعمله } أي من ذاته وما يصدر عنه ~~من أعمال الشر { ونجنى من القوم الظلمين } قال الكلبي ~~هم أهل مصر. # وقال مقاتل هم القبط. قال الحسن، وابن كيسان نجاها الله أكرم نجاة، ~~ورفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب. { ومريم ابنت عمران التى ~~أحصنت فرجها } معطوف على امرأة فرعون، أي وضرب الله مثلا للذين ~~آمنوا مريم ابنة عمران، أي حالها وصفتها، وقيل إن الناصب لمريم فعل مقدر ~~أي واذكر مريم، والمقصود من ذكرها أن الله سبحانه جمع لها بين كرامة ~~الدنيا والآخرة، واصطفاها على نساء العالمين مع كونها بين قوم كافرين { ~~التى أحصنت فرجها } أي عن الفواحش، وقد تقدم تفسير هذا في ~~سورة النساء. قال المفسرون المراد بالفرج هنا الجيب لقوله { فنفخنا ~~فيه من روحنا } وذلك أن جبريل نفخ في جيب درعها فحبلت بعيسى { ~~وصدقت بكلمت ربها } يعني شرائعه التي شرعها لعباده، ~~وقيل المراد بالكلمات هنا هو قول جبريل لها # إنما أنا رسول ربك # الآية مريم 19. وقال مقاتل يعني بالكلمات عيسى. قرأ الجمهور { وصدقت } ~~بالتشديد، وقرأ حمزة الأموي، ويعقوب، وقتادة، وأبو مجلز، وعاصم في رواية ~~عنه بالتخفيف. وقرأ الجمهور { بكلمات } بالجمع، وقرأ الحسن، ومجاهد، ~~والجحدري بكلمة بالإفراد. وقرأ الجمهور وكتابه بالإفراد، وقرأ أهل ~~البصرة، وحفص { كتبه } بالجمع، والمراد على قراءة الجمهور الجنس، فيكون ~~في معنى الجمع، وهي الكتب المنزلة على الأنبياء { وكانت من ~~القنتين } قال قتادة من القوم المطيعين لربهم. وقال عطاء من ~~المصلين، كانت تصلي بين المغرب والعشاء، ويجوز أن يراد بالقانتين رهطها ~~وعشيرتها ms3928 الذين كانت منهم، وكانوا مطيعين أهل بيت صلاح وطاعة، وقال { من ~~القانتين } ، ولم يقل " من القانتات " لتغليب الذكور على الإناث. وقد ~~أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي ~~الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه من طرق عن ~~ابن عباس في قوله { فخانتاهما } قال ما زنتا أما خيانة امرأة نوح، ~~فكانت تقول للناس إنه مجنون وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل على الضيف، ~~فتلك خيانتهما. وأخرج ابن المنذر عنه قال ما بغت امرأة نبي قط، وقد رواه ~~ابن عساكر مرفوعا. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن سلمان قال كانت امرأة فرعون ~~تعذب بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى ~~بيتها في الجنة. # وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد، ~~وأضجعها على ظهرها، وجعل على صدرها رحى، واستقبل بها عين الشمس، فرفعت ~~رأسها إلى السماء، فقالت { رب ابن لى عندك بيتا فى ~~الجنة } إلى قوله { من الظلمين } ففرج الله لها عن بيتها ~~في الجنة فرأته. وأخرج أحمد، والطبراني، والحاكم، وصححه عن ابن عباس قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت ~~عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون مع ما قص الله علينا من خبرها في ~~القرآن قالت { رب ابن لى عندك بيتا } " # الآية. وفي الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم ~~بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على ~~سائر الطعام " # وأخرج وكيع في الغرر عن ابن عباس في قوله { ونجنى من فرعون ~~وعمله } قال من جماعته. ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1-11] # قوله { تبارك الذى بيده الملك } تبارك تفاعل من البركة، ~~والبركة النماء والزيادة. وقيل تعالى وتعاظم عن ms3929 صفات المخلوقين. وقيل دام ~~فهو الدائم الذي لا أول لوجوده، ولا آخر لدوامه. وقال الحسن تبارك ~~تقدس، وصيغة التفاعل للمبالغة، واليد مجاز عن القدرة والاستيلاء، والملك ~~هو ملك السموات والأرض في الدنيا والآخرة، فهو يعز من يشاء ويذل من ~~يشاء، ويرفع من يشاء ويضع من يشاء، وقيل المراد بالملك ملك النبوة، ~~والأول أولى لأن الحمل على العموم أكثر مدحا وأبلغ ثناء، ولا وجه ~~للتخصيص { وهو على كل شىء قدير } أي بليغ القدرة لا يعجزه ~~شيء من الأشياء يتصرف في ملكه كيف يريد من إنعام وانتقام، ورفع ووضع، ~~وإعطاء ومنع. { الذى خلق الموت والحيوة } الموت انقطاع ~~تعلق الروح بالبدن ومفارقته له، والحياة تعلق الروح بالبدن واتصاله به. ~~وقيل هي ما يصح بوجوده الإحساس. وقيل ما يوجب كون الشيء حيا. وقيل ~~المراد الموت في الدنيا، والحياة في الآخرة. وقدم الموت على الحياة لأن ~~أصل الأشياء عدم الحياة، والحياة عارضة لها. وقيل لأن الموت أقرب إلى ~~القهر. وقال مقاتل خلق الموت يعني النطفة، والمضغة والعلقة، والحياة يعني ~~خلقه إنسانا، وخلق الروح فيه، وقيل خلق الموت على صورة كبش لا يمر على ~~شيء إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس لا تمر بشيء إلا حيي، قاله ~~مقاتل والكلبي. وقد ورد في التنزيل # قل يتوفكم ملك الموت الذى وكل بكم # السجدة 11، وقوله # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملئكة # الأنفال 50، وقوله # توفته رسلنا # الأنعام 61، وقوله # الله يتوفى الأنفس حين موتها # الزمر 42 وغير ذلك من الآيات { ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا } اللام متعلقة بخلق أي خلق الموت والحياة ليعاملكم معاملة من ~~يختبركم أيكم أحسن عملا، فيجازيكم على ذلك. وقيل المعنى ليبلوكم أيكم ~~أكثر للموت ذكرا وأشد منه خوفا، وقيل أيكم أسرع إلى طاعة الله، وأورع ~~عن محارم الله. وقال الزجاج اللام متعلق بخلق الحياة لا بخلق الموت. وقال ~~الزجاج أيضا، والفراء إن قوله { ليبلوكم } لم يقع على أي، لأن ~~فيما بين البلوى وأي إضمار فعل، كما تقول بلوتكم لأنظر أيكم أطوع، ومثله ~~قوله # سلهم أيهم بذلك ms3930 زعيم # القلم 40 أي سلهم ثم انظر أيهم، فأيكم في الآية مبتدأ، وخبره أحسن لأن ~~الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وإيراد صيغة التفضيل مع أن الابتلاء شامل ~~لجميع أعمالهم المنقسمة إلى الحسن والقبيح لا إلى الحسن والأحسن فقط ~~للإيذان بأن المراد بالذات والمقصد الأصلي من الابتلاء هو ظهور كمال ~~إحسان المحسنين { وهو العزيز } أي الغالب الذي لا يغالب { ~~الغفور } لمن تاب وأناب. { الذى خلق سبع سموات ~~طباقا } الموصول يجوز أن يكون تابعا للعزيز، الغفور نعتا، أو ~~بيانا، أو بدلا، وأن يكون منقطعا عنه على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو ~~منصوب على المدح، و { طباقا } صفة لسبع سموات أي بعضها فوق بعض، وهو ~~جمع طبق نحو جبل وجبال، أو جمع طبقة نحو رحبة ورحاب، أو مصدر طابق، يقال ~~طابق مطابقة وطباقا، ويكون على هذا الوجه الوصف بالمصدر للمبالغة، أو ~~على حذف مضاف، أي ذات طباق، ويجوز أن يكون منتصبا على المصدرية بفعل ~~محذوف، أي طوبقت طباقا { ما ترى فى خلق الرحمن من ~~تفوت } هذه الجملة صفة ثانية لسبع سموات، أو مستأنفة لتقرير ما ~~قبلها، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له، و«من» ~~مزيدة لتأكيد النفي. # قرأ الجمهور { من تفاوت }. وقرأ ابن مسعود وأصحابه، وحمزة، والكسائي " ~~تفوت " مشددا بدون ألف، وهما لغتان. كالتعاهد والتعهد، والتحامل ~~والتحمل والمعنى على القراءتين. ما ترى في خلق الرحمن من تناقض ولا ~~تباين، ولا اعوجاج ولا تخالف، بل هي مستوية مستقيمة دالة على خالقها، وإن ~~اختلفت صورها وصفاتها، فقد اتفقت من هذه الحيثية { فارجع البصر ~~هل ترى من فطور } الفطور الشقوق والصدوع والخروق أي اردد طرفك ~~حتى يتضح لك ذلك بالمعاينة. أخبر أولا بأنه لا تفاوت في خلقه، ثم أمر ~~ثانيا بترديد البصر في ذلك لزيادة التأكيد وحصول الطمأنينة. قال مجاهد، ~~والضحاك الفطور الشقوق جمع فطر وهو الشق. وقال قتادة هل ترى من خلل؟. ~~وقال السدي هل ترى من خروق، وأصله من التفطر والانفطار، وهو التشقق ~~والانشقاق، ومنه قول الشاعر # بنى ms3931 لكم بلا عمد سماء وزينها فما فيها فطور # وقول الآخر # شققت القلب ثم رددت فيه هواك فليم فالتام الفطور # { ثم ارجع البصر كرتين } أي رجعتين مرة بعد مرة، ~~وانتصابه على المصدر، والمراد بالتثنية التكثير، كما في لبيك وسعديك، أي ~~رجعة بعد رجعة وإن كثرت. ووجه الأمر بتكرير النظر على هذه الصفة، أنه قد ~~لا يرى ما يظنه من العيب في النظرة الأولى ولا في الثانية، ولهذا قال ~~أولا { ما ترى فى خلق الرحمن من تفوت } ثم قال ~~ثانيا { فارجع البصر } ثم قال ثالثا { ثم ارجع البصر ~~كرتين } فيكون ذلك أبلغ في إقامة الحجة، وأقطع للمعذرة { ينقلب ~~إليك البصر خاسئا } أي يرجع إليك البصر ذليلا صاغرا عن أن ~~يرى شيئا من ذلك، وقيل معنى خاسئا مبعدا مطرودا عن أن يبصر ما التمسه ~~من العيب، يقال خسأت الكلب أي أبعدته وطردته. قرأ الجمهور { ينقلب } ~~بالجزم جوابا للأمر. وقرأ الكسائي في رواية بالرفع على الاستئناف { ~~وهو حسير } أي كليل منقطع. قال الزجاج أي وقد أعيا من قبل أن يرى ~~في السماء خللا، وهو فعيل بمعنى فاعل من الحسور، وهو الإعياء، يقال حسر ~~بصره يحسر حسورا أي كل وانقطع، ومنه قول الشاعر # نظرت إليها بالمحصب من منى فعاد إلي الطرف وهو حسير # { ولقد زينا السماء الدنيا بمصبيح } بين سبحانه ~~بعد خلق السموات، وخلوها من العيب والخلل أنه زينها بهذه الزينة، فصارت ~~في أحسن خلق وأكمل صورة وأبهج شكل، والمجيء بالقسم لإبراز كمال العناية، ~~والمصابيح جمع مصباح، وهو السراج، وسميت الكواكب مصابيح لأنها تضيء ~~كإضاءة السراج وبعض الكواكب، وإن كان في غير سماء الدنيا من السموات ~~التي فوقها، فهي تتراءى كأنها كلها في سماء الدنيا لأن أجرام السموات لا ~~تمنع من رؤية ما فوقها مما له إضاءة لكونها أجراما صقيلة شفافة { ~~وجعلنها رجوما للشيطين } أي وجعلنا المصابيح رجوما ~~يرجم بها الشياطين. وهذه فائدة أخرى غير الفائدة الأولى، وهي كونها زينة ~~للسماء الدنيا والمعنى أنها يرجم بها الشياطين الذين يسترقون السمع، ~~والرجوم جمع رجم بالفتح، وهو ms3932 في الأصل مصدر أطلق على المرجوم به، كما في ~~قولهم الدرهم ضرب الأمير أي مضروبة، ويجوز أن يكون باقيا على مصدريته، ~~ويقدر مضاف محذوف أي ذات رجم، وجمع المصدر باعتبار أنواعه. وقيل إن ~~الضمير في قوله { وجعلنها } راجع إلى المصابيح على حذف مضاف أي ~~شهبها، وهي نارها المقتبسة منها لا هي أنفسها لقوله # إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب # الصافات 10 ووجه هذا أن المصابيح التي زين الله بها السماء الدنيا لا ~~تزول ولا يرجم بها، كذا قال أبو علي الفارسي جوابا لمن سأله كيف تكون ~~المصابيح زينة وهي رجوم؟ قال القشيري وأمثل من قوله هذا أن تقول هي زينة ~~قبل أن يرجم بها الشياطين. قال قتادة خلق الله النجوم لثلاث زينة للسماء، ~~ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها في البر والبحر، فمن تكلم فيها ~~بغير ذلك، فقد تكلم فيما لا يعلم، وتعدى وظلم. وقيل معنى الآية وجعلناها ~~ظنونا لشياطين الإنس، وهم المنجمون { وأعتدنا لهم عذاب ~~السعير } أي وأعتدنا للشياطين في الآخرة بعد الإحراق في الدنيا ~~بالشهب عذاب السعير أي عذاب النار، والسعير أشد الحريق، يقال سعرت ~~النار، فهي مسعورة. { وللذين كفروا بربهم } من كفار بني ~~آدم، أو من كفار الفريقين { عذاب جهنم } قرأ الجمهور برفع { عذاب ~~} على أنه مبتدأ، وخبره { للذين كفروا }. وقرأ الحسن، والضحاك، ~~والأعرج بنصبه عطفا على { عذاب السعير } ، { وبئس المصير ~~} ما يصيرون إليه، وهو جهنم. { إذا ألقوا فيها } أي طرحوا فيها ~~كما يطرح الحطب في النار { سمعوا لها شهيقا } أي صوتا كصوت ~~الحمير عند أول نهيقها، وهو أقبح الأصوات، وقوله { لها } في محل نصب على ~~الحال أي كائنا لها، لأنه في الأصل صفة، فلما قدمت صارت حالا. # وقال عطاء الشهيق هو من الكفار عند إلقائهم في النار، وجملة { وهى ~~تفور } في محل نصب على الحال، أي والحال أنها تغلي بهم غليان المرجل، ~~ومنه قول حسان # تركتم قدركم لا شيء فيه وقدر الغير حامية تفور # { تكاد تميز من الغيظ } أي تكاد تتقطع وينفصل بعضها من بعض ~~من ms3933 تغيظها عليهم. قال ابن قتيبة تكاد تنشق غيظا على الكفار. قرأ ~~الجمهور { تميز } بتاء واحدة مخففة، والأصل تتميز بتاءين. وقرأ طلحة ~~بتاءين على الأصل. وقرأ البزي عن ابن كثير بتشديدها بإدغام إحدى التاءين ~~في الأخرى. وقرأ الضحاك " تمايز " بالألف وتاء واحدة، والأصل تتمايز، ~~وقرأ زيد بن علي " تميز " من ماز يميز، والجملة في محل نصب على الحال، ~~أو في محل رفع على أنها خبر آخر لمبتدأ، وجملة { كلما ألقى ~~فيها فوج سألهم خزنتها } مستأنفة لبيان حال أهلها، أو في ~~محل نصب على الحال من فاعل { تميز } والفوج الجماعة من الناس أي كلما ~~ألقي في جهنم جماعة من الكفار سألهم خزنتها من الملائكة سؤال توبيخ ~~وتقريع { ألم يأتكم } في الدنيا { نذير } ينذركم هذا اليوم، ~~ويحذركم منه. وجملة { قالوا بلى قد جاءنا نذير } مستأنفة ~~جواب سؤال مقدر كأنه قيل فماذا قالوا بعد هذا السؤال، فقال قالوا بلى قد ~~جاءنا نذير، فأنذرنا وخوفنا وأخبرنا بهذا اليوم { فكذبنا } ذلك ~~النذير { وقلنا ما نزل الله من شىء } من الأشياء على ~~ألسنتكم { إن أنتم إلا فى ضلل كبير } أي في ذهاب عن ~~الحق وبعد عن الصواب، والمعنى أنه قال كل فوج من تلك الأفواج حاكيا ~~لخزنة جهنم ما قاله لمن أرسل إليه ما أنتم أيها الرسل فيم تدعون أن الله ~~نزل عليكم آيات تنذرونا بها إلا في ذهاب عن الحق، وبعد عن الصواب كبير ~~لا يقادر قدره. ثم حكى عنهم مقالة أخرى قالوها بعد تلك المقالة فقال { ~~وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى ~~أصحب السعير } أي لو كنا نسمع ما خاطبنا به الرسل، أو نعقل ~~شيئا من ذلك ما كنا في عداد أهل النار، ومن جملة من يعذب بالسعير، وهم ~~الشياطين، كما سلف. قال الزجاج لو كنا نسمع سمع من يعي، أو نعقل عقل من ~~يميز وينظر ما كنا من أهل النار، فلما اعترفوا هذا الاعتراف قال الله ~~سبحانه { فاعترفوا بذنبهم } الذي استحقوا به عذاب النار، وهو ~~الكفر وتكذيب الأنبياء { فسحقا لأصحب السعير ms3934 } أي فبعدا ~~لهم من الله ومن رحمته. وقال سعيد بن جبير، وأبو صالح هو واد في جهنم ~~يقال له السحق. قرأ الجمهور { فسحقا } بإسكان الحاء. # وقرأ الكسائي، وأبو جعفر بضمها، وهما لغتان مثل السحت والرعب. قال ~~الزجاج، وأبو علي الفارسي فسحقا منصوب على المصدر أي أسحقهم الله ~~سحقا. قال أبو علي الفارسي وكان القياس إسحاقا، فجاء المصدر على ~~الحذف، واللام في { لأصحب السعير } للبيان، كما في # هيت لك # يوسف 23. وقد أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله { سبع ~~سموات طباقا } قال بعضها فوق بعض. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عنه في قوله { ما ترى فى خلق الرحمن من تفوت ~~} قال ما تفوت بعضه بعضا تفاوتا مفرقا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، وابن مردويه عنه أيضا في قوله { من تفوت } قال من تشقق، ~~وفي قوله { هل ترى من فطور } قال شقوق، وفي قوله { خاسئا } ~~قال ذليلا { وهو حسير } كليل. وأخرج ابن جرير عنه أيضا. قال ~~الفطور الوهي. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا { من فطور } قال من تشقق ~~أو خلل، وفي قوله { ينقلب إليك البصر } قال يرجع إليك { ~~خاسئا } قال صاغرا { وهو حسير } قال معيي، ولا يرى شيئا. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضا خاسئا قال ذليلا { وهو ~~حسير } قال عيي مرتجع. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس { تكاد تميز } قال تتفرق. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر عنه أيضا { تكاد تميز } قال يفارق بعضها بعضا. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا { فسحقا } قال ~~بعدا. ### || [67.12-21] # قوله { إن الذين يخشون ربهم بالغيب } لما فرغ ~~سبحانه من ذكر أحوال أهل النار ذكر أهل الجنة، وبالغيب حال من الفاعل أو ~~المفعول، أي غائبين عنه، أو غائبا عنهم، والمعنى أنهم يخشون عذابه، ولم ~~يروه، فيؤمنون به خوفا من عذابه، ويجوز أن يكون المعنى يخشون ربهم حال ~~كونهم غائبين عن أعين الناس، وذلك في خلواتهم، أو المراد بالغيب كون ~~العذاب غائبا عنهم لأنهم ms3935 في الدنيا، وهو إنما يكون يوم القيامة، فتكون ~~الباء على هذا سببية { لهم مغفرة } عظيمة يغفر الله بها ذنوبهم { ~~وأجر كبير } وهو الجنة، ومثل هذه الآية قوله # من خشى الرحمن بالغيب # ق 33. ثم عاد سبحانه إلى خطاب الكفار فقال { وأسروا قولكم ~~أو اجهروا به } هذه الجملة مستأنفة مسوقة لبيان تساوي الإسرار ~~والجهر بالنسبة إلى علم الله سبحانه، والمعنى إن أخفيتم كلامكم أو جهرتم ~~به في أمر رسول الله، فكل ذلك يعلمه الله لا تخفى عليه منه خافية، وجملة ~~{ إنه عليم بذات الصدور } تعليل للاستواء المذكور، وذات ~~الصدور هي مضمرات القلوب. والاستفهام في قوله { ألا يعلم من ~~خلق } للإنكار، والمعنى ألا يعلم السر، ومضمرات القلوب من خلق ذلك ~~وأوجده، فالموصول عبارة عن الخالق، ويجوز أن يكون عبارة عن المخلوق، وفي ~~يعلم ضمير يعود إلى الله، أي ألا يعلم الله المخلوق الذي هو من جملة ~~خلقه، فإن الإسرار والجهر ومضمرات القلوب من جملة خلقه، وجملة { وهو ~~اللطيف الخبير } في محل نصب على الحال من فاعل يعلم، أي الذي لطف ~~علمه بما في القلوب، الخبير بما تسره وتضمره من الأمور، لا تخفى عليه من ~~ذلك خافية. ثم امتن سبحانه على عباده، فقال { هو الذى جعل ~~لكم الأرض ذلولا } أي سهلة لينة تستقرون عليها، ولم يجعلها ~~خشنة بحيث يمتنع عليكم السكون فيها والمشي عليها، والذلول في الأصل هو ~~المنقاد الذي يذل لك، ولا يستصعب عليك، والمصدر الذل، والفاء في قوله { ~~فامشوا فى مناكبها } لترتيب الأمر بالمشي على الجعل المذكور، ~~والأمر للإباحة. قال مجاهد، والكلبي، ومقاتل مناكبها طرقها وأطرافها ~~وجوانبها. وقال قتادة، وشهر بن حوشب مناكبها جبالها، وأصل المنكب الجانب، ~~ومنه منكب الرجل، ومنه الريح النكباء لأنها تأتي من جانب دون جانب { ~~وكلوا من رزقه } أي مما رزقكم وخلقه لكم في الأرض { وإليه ~~النشور } أي وإليه البعث من قبوركم لا إلى غيره، وفي هذا وعيد شديد. ~~ثم خوف سبحانه الكفار فقال { ءامنتم من فى السماء أن ~~يخسف بكم الأرض } قال الواحدي قال المفسرون يعني عقوبة ms3936 من في ~~السماء، وقيل من في السماء قدرته، وسلطانه، وعرشه، وملائكته، وقيل من في ~~السماء من الملائكة، وقيل المراد جبريل، ومعنى { أن يخسف بكم ~~الارض } يقلعها ملتبسة بكم، كما فعل بقارون بعد ما جعلها لكم ذلولا ~~تمشون في مناكبها، وقوله { أن يخسف } بدل اشتمال من الموصول أي ~~ءأمنتم خسفه، أو على حذف من أي من أن يخسف { فإذا هى تمور } أي ~~تضطرب، وتتحرك على خلاف ما كانت عليه من السكون. # قرأ الجمهور. { ءأمنتم } بهمزتين. وقرأ البصريون، والكوفيون بالتخفيف. ~~وقرأ ابن كثير بقلب الأولى واوا. ثم كرر سبحانه التهديد لهم بوجه آخر، ~~فقال { أم أمنتم من فى السماء أن يرسل عليكم ~~حصبا } أي حجارة من السماء، كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل، ~~وقيل سحاب فيها حجارة، وقيل ريح فيها حجارة { فستعلمون كيف ~~نذير } أي إنذاري إذا عاينتم العذاب، ولا ينفعكم هذا العلم، وقيل ~~النذير هنا محمد، قاله عطاء، والضحاك. والمعنى ستعلمون رسولي وصدقه، ~~والأول أولى. والكلام في { أن يرسل عليكم حصبا } كالكلام ~~في { أن يخسف بكم الأرض } فهو إما بدل اشتمال، أو بتقدير من { ~~ولقد كذب الذين من قبلهم } أي الذين قبل كفار مكة من ~~كفار الأمم الماضية. كقوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة، ~~وأصحاب الرس، وقوم فرعون { فكيف كان نكير } أي فكيف كان إنكاري ~~عليهم بما أصبتهم به من العذاب الفظيع. { أولم يروا إلى ~~الطير فوقهم صفت } الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على ~~مقدر، أي أغفلوا ولم ينظروا، ومعنى { صافت } أنها صافة لأجنحتها ~~في الهواء، وتبسيطها عند طيرانها { ويقبضن } أي يضممن أجنحتهن. ~~قال النحاس يقال للطائر إذا بسط جناحه صاف، وإذا ضمها قابض كأنه يقبضها، ~~وهذا معنى الطيران، وهو بسط الجناح، وقبضه بعد البسط، ومنه قول أبي خراش # يبادر جنح الليل فهو مزايل تحت الجناح بالتبسط والقبض # وإنما قال { ويقبضن } ولم يقل " قابضات " ، كما قال صافات لأن ~~القبض يتجدد تارة فتارة، وأما البسط فهو الأصل، كذا قيل. وقيل إن معنى { ~~ويقبضن } قبضهن لأجنحتهن عند الوقوف من الطيران، لا ms3937 قبضها في حال ~~الطيران، وجملة { ما يمسكهن إلا الرحمن } في محل نصب ~~على الحال من فاعل يقبضن، أو مستأنفة لبيان كمال قدرة الله سبحانه. ~~والمعنى أنه ما يمسكهن في الهواء عند الطيران إلا الرحمن القادر على ~~كل شيء { إنه بكل شىء بصير } لا يخفى عليه شيء كائنا ما ~~كان. { أمن هذا الذى هو جند لكم ينصركم من ~~دون الرحمن } الاستفهام للتقريع والتوبيخ. والمعنى أنه لا جند ~~لكم يمنعكم من عذاب الله، والجند الحزب والمنعة. قرأ الجمهور { أمن } ~~هذا بتشديد الميم على إدغام ميم أم في ميم من، وأم بمعنى بل، ولا سبيل ~~إلى تقدير الهمزة بعدها، كما هو الغالب في تقدير أم المنقطعة ببل والهمزة ~~لأن بعدها هنا " من " الاستفهامية، فأغنت عن ذلك التقدير، ومن ~~الاستفهامية مبتدأ، واسم الإشارة خبره، والموصول مع صلته صفة اسم ~~الإشارة، وينصركم صفة لجند، ومن دون الرحمن في محل نصب على الحال من ~~فاعل ينصركم، والمعنى بل من هذا الحقير الذي هو في زعمكم جند لكم ~~متجاوزا نصر الرحمن. # وقرأ طلحة بن مصرف بتخفيف الأولى وتثقيل الثانية، وجملة { إن ~~الكفرون إلا فى غرور } معترضة مقررة لما قبلها ناعية ~~عليهم ما هم فيه من الضلال، والمعنى ما الكافرون إلا في غرور عظيم من ~~جهة الشيطان يغرهم به. { أمن هذا الذى يرزقكم إن ~~أمسك رزقه } الكلام في هذا كالكلام في الذي قبله قراءة وإعرابا، ~~أي من الذي يدر عليكم الأرزاق من المطر وغيره، إن أمسك الله ذلك عنكم ~~ومنعه عليكم { بل لجوا فى عتو ونفور } أي لم يتأثروا لذلك ~~بل تمادوا في عناد واستكبار عن الحق ونفور عنه، ولم يعتبروا ولا تفكروا، ~~وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي إن أمسك رزقه فمن يرزقكم ~~غيره، والعتو العناد، والطغيان، والنفور الشرود. وقد أخرج ابن مردويه عن ~~ابن عباس { إن الذين يخشون ربهم بالغيب } قال أبو ~~بكر، وعمر، وعلي، وأبو عبيدة بن الجراح. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر ~~عنه في قوله { فى مناكبها } قال جبالها. وأخرج ابن جرير ms3938 عنه أيضا ~~قال أطرافها. وأخرج الطبراني، وابن عدي، والبيهقي في الشعب، والحكيم ~~الترمذي عن ابن عمر قال قال رسول الله # " إن الله يحب العبد المؤمن المحترف " # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { بل لجوا فى عتو ~~ونفور } قال في ضلال. ### || [67.22-30] # ضرب سبحانه مثلا للمشرك والموحد لإيضاح حالهما وبيان مآلهما، فقال { ~~أفمن يمشى مكبا على وجهه أهدى } والمكب والمنكب ~~الساقط على وجهه، يقال كببته فأكب وانكب. وقيل هو الذي يكب رأسه، فلا ~~ينظر يمينا ولا شمالا ولا أماما، فهو لا يأمن العثور والانكباب على ~~وجهه. وقيل أراد به الأعمى الذي لا يهتدي إلى الطريق، فلا يزال مشيه ~~ينكسه على وجهه. قال قتادة هو الكافر يكب على معاصي الله في الدنيا ~~فيحشره الله يوم القيامة على وجهه. والهمزة للاستفهام الإنكاري أي هل هذا ~~الذي يمشي على وجهه أهدى إلى المقصد الذي يريده؟ { أمن يمشى ~~سويا } معتدلا ناظرا إلى ما بين يديه { على صرط مستقيم ~~} أي على طريق مستوي لا اعوجاج به ولا انحراف فيه، وخبر «من» محذوف ~~لدلالة خبر «من» الأولى، وهو أهدى عليه، وقيل لا حاجة إلى ذلك لأن «من» ~~الثانية معطوفة على «من» الأولى عطف المفرد على المفرد، كقولك أزيد قائم ~~أم عمرو؟ وقيل أراد بمن يمشي مكبا على وجهه من يحشر على وجهه إلى النار، ~~ومن يمشي سويا من يحشر على قدميه إلى الجنة، وهو كقول قتادة الذي ~~ذكرناه، ومثله قوله # ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم # الإسراء 97. { قل هو الذى أنشأكم } أمر سبحانه رسوله أن ~~يخبرهم بأن الله هو الذي أنشأهم النشأة الأولى { وجعل } لهم { ~~السمع } ليسمعوا به { والأبصر } ليبصروا بها، ووجه إفراد السمع ~~مع جمع الأبصار أنه مصدر يطلق على القليل والكثير، وقد قدمنا بيان هذا ~~في مواضع مع زيادة في البيان { والأفئدة } القلوب التي يتفكرون بها ~~في مخلوقات الله، فذكر سبحانه ها هنا أنه قد جعل لهم ما يدركون به ~~المسموعات والمبصرات والمعقولات إيضاحا للحجة وقطعا للمعذرة، وذما لهم ~~على عدم شكر نعم ms3939 الله، ولهذا قال { قليلا ما تشكرون } وانتصاب ~~قليلا على أنه نعت مصدر محذوف، و«ما» مزيدة للتأكيد أي شكرا قليلا أو ~~زمانا قليلا، وقيل أراد بقلة الشكر عدم وجوده منهم. قال مقاتل يعني ~~أنكم لا تشكرون رب هذه النعم فتوحدونه { قل هو الذى ذرأكم ~~فى الأرض وإليه تحشرون } أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بأن يخبرهم أن الله هو الذي خلقهم في الأرض ونشرهم فيها وفرقهم على ~~ظهرها، وأن حشرهم للجزاء إليه لا إلى غيره. ثم ذكر سبحانه أنهم يستعجلون ~~العذاب فقال { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صدقين } أي متى هذا الوعد الذي تذكرونه لنا من الحشر والقيامة، ~~والنار والعذاب إن كنتم صادقين في ذلك؟ والخطاب منهم للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ولمن معه من المؤمنين، وجواب الشرط محذوف، والتقدير إن كنتم ~~صادقين فأخبرونا به أو فبينوه لنا، وهذا منهم استهزاء وسخرية. # ثم لما قالوا هذا القول أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن ~~يجيب عليهم، فقال { قل إنما العلم عند الله } أي إن وقت ~~قيام الساعة علمه عند الله لا يعلمه غيره، ومثله قوله # قل إنما علمها عند ربي # الأعراف 187 ثم أخبرهم أنه مبعوث للإنذار لا للإخبار بالغيب، فقال { ~~وإنما أنا نذير مبين } أنذركم وأخوفكم عاقبة كفركم، ~~وأبين لكم ما أمرني الله ببيانه. ثم ذكر الله سبحانه حالهم عند معاينة ~~العذاب فقال { فلما رأوه زلفة } يعني رأوا العذاب قريبا، ~~وزلفة مصدر بمعنى الفاعل، أي مزدلفا، أو حال من مفعول رأوا بتقدير مضاف، ~~أي ذا زلفة وقرب، أو ظرف، أي رأوه في مكان ذي زلفة. قال مجاهد أي قريبا. ~~وقال الحسن عيانا. قال أكثر المفسرين المراد عذاب يوم القيامة، وقال ~~مجاهد المراد عذاب بدر، وقيل رأوا ما وعدوا به من الحشر قريبا منهم، كما ~~يدل عليه قوله { وإليه تحشرون } وقيل لما رأوا عملهم السيء ~~قريبا { سيئت وجوه الذين كفروا } أي اسودت وعلتها الكآبة ~~وغشيتها الذلة، يقال ساء الشيء يسوء، فهو سيء إذا قبح. قال الزجاج المعنى ms3940 ~~تبين فيها السوء أي ساءهم ذلك العذاب، فظهر عليهم بسببه في وجوههم ما ~~يدل على كفرهم كقوله # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # آل عمران 106. قرأ الجمهور بكسر السين بدون إشمام، وقرأ نافع، وابن ~~عامر، والكسائي، وابن محيصن بالإشمام { وقيل هذا الذى كنتم ~~به تدعون } أي قيل لهم توبيخا وتقريعا هذا المشاهد الحاضر من ~~العذاب، هو العذاب الذي كنتم به تدعون في الدنيا أي تطلبونه وتستعجلون ~~به استهزاء، على أن معنى { تدعون } الدعاء. قال الفراء تدعون تفتعلون ~~من الدعاء، أي تتمنون وتسألون، وبهذا قال الأكثر من المفسرين. وقال ~~الزجاج هذا الذي كنتم به تدعون الأباطيل والأحاديث. وقيل معنى { ~~تدعون } تكذبون، وهذا على قراءة الجمهور { تدعون } بالتشديد، فهو ~~إما من الدعاء كما قال الأكثر، أو من الدعوى كما قال الزجاج ومن وافقه، ~~والمعنى أنهم كانوا يدعون أنه لا بعث ولا حشر ولا جنة ولا نار. وقرأ ~~قتادة، وابن أبي إسحاق، ويعقوب، والضحاك " تدعون " مخففا، ومعناها ظاهر. ~~قال قتادة هو قولهم # ربنا عجل لنا قطنا # ص 16. وقال الضحاك هو قولهم # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء # الأنفال 32 الآية. قال النحاس تدعون وتدعون بمعنى واحد، كما تقول قدر ~~واقتدر، وغدا واغتدى، إلا أن أفعل معناه مضى شيئا بعد شيء، وفعل يقع ~~على القليل والكثير. { قل أرءيتم إن أهلكنى الله ومن ~~معى } أي أخبروني إن أهلكني الله بموت أو قتل ومن معي من المؤمنين { ~~أو رحمنا } بتأخير ذلك إلى أجل. # وقيل المعنى إن أهلكني الله ومن معي بالعذاب، أو رحمنا فلم يعذبنا { ~~فمن يجير الكفرين من عذاب أليم } أي فمن يمنعهم ~~ويؤمنهم من العذاب. والمعنى أنه لا ينجيهم من ذلك أحد سواء أهلك الله ~~رسوله والمؤمنين معه، كما كان الكفار يتمنونه أو أمهلهم. وقيل المعنى إنا ~~مع إيماننا بين الخوف والرجاء، فمن يجيركم مع كفركم من العذاب، ووضع ~~الظاهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالكفر، وبيان أنه السبب في عدم ~~نجاتهم. { قل هو الرحمن ءامنا به } وحده لا ms3941 نشرك به ~~شيئا { وعليه توكلنا } لا على غيره، والتوكل تفويض الأمور ~~إليه - عز وجل - { فستعلمون من هو فى ضلل مبين } ~~منا ومنكم، وفي هذا تهديد شديد مع إخراج الكلام مخرج الإنصاف. قرأ ~~الجمهور { ستعلمون } بالفوقية على الخطاب. وقرأ الكسائي بالتحتية على ~~الخبر. ثم احتج سبحانه عليهم ببعض نعمه، وخوفهم بسلب تلك النعمة عنهم ~~فقال { قل أرءيتم إن أصبح ماؤكم غورا } أي أخبروني ~~إن صار ماؤكم غائرا في الأرض بحيث لا يبقى له وجود فيها أصلا، أو صار ~~ذاهبا في الأرض إلى مكان بعيد بحيث لا تناله الدلاء. يقال غار الماء ~~غورا، أي نضب، والغور الغائر، وصف بالمصدر للمبالغة، كما يقال رجل عدل، ~~وقد تقدم مثل هذا في سورة الكهف { فمن يأتيكم بماء معين } ~~أي ظاهر تراه العيون وتناله الدلاء، وقيل هو من معن الماء، أي كثر. وقال ~~قتادة، والضحاك أي جار، وقد تقدم معنى المعين في سورة المؤمن. وقرأ ابن ~~عباس " فمن يأتيكم بماء عذب ". وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { ~~أفمن يمشى مكبا } قال في الضلالة { أمن يمشى سويا } ~~قال مهتديا. وأخرج الخطيب في تاريخه، وابن النجار عن ابن عباس قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه، وليقرأ هذه الآية { هو الذى ~~أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصر والأفئدة ~~قليلا ما تشكرون } " # وأخرج الدارقطني في الأفراد عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه، وليقرأ هاتين الآيتين سبع مرات { ~~وهو الذى أنشأكم من نفس وحدة فمستقر ~~ومستودع } إلى { يفقهون } الأنعام 98 و { هو الذى ~~أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصر والأفئدة ~~قليلا ما تشكرون } فإنه يبرأ بإذن الله " # وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { إن أصبح ماؤكم ~~غورا } قال داخلا في الأرض { فمن يأتيكم بماء معين } ~~قال الجاري. وأخرج ابن المنذر عنه { إن أصبح ماؤكم غورا } ~~قال يرجع في الأرض. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه ~~أيضا ms3942 { بماء معين } قال ظاهر. وأخرج عبد بن حميد عنه أيضا { ~~بماء معين } قال عذب. ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1-16] # قوله { ن } قرأ أبو بكر، وورش، وابن عامر، والكسائي، وابن محيصن، وابن ~~هبيرة بإدغام النون الثانية من هجائها في الواو، وقرأ الباقون بالإظهار، ~~وقرأ أبو عمرو، وعيسى بن عمر بالفتح على إضمار فعل. وقرأ ابن عامر، ونصر، ~~وابن إسحاق بكسرها على إضمار القسم، أو لأجل التقاء الساكنين، وقرأ محمد ~~بن السميفع وهارون بضمها على البناء. قال مجاهد، ومقاتل، والسدي هو ~~الحوت الذي يحمل الأرض، وبه قال مرة الهمذاني، وعطاء الخراساني، ~~والكلبي. وقيل إن نون آخر حرف من حروف الرحمن. وقال ابن زيد هو قسم أقسم ~~الله به. وقال ابن كيسان هو فاتحة السورة. وقال عطاء، وأبو العالية هي ~~النون من نصر وناصر. قال محمد بن كعب أقسم الله تعالى بنصره المؤمنين، ~~وقيل هو حرف من حروف الهجاء، كالفواتح الواقعة في أوائل السور المفتتحة ~~بذلك، وقد عرفناك ما هو الحق في مثل هذه الفواتح في أول سورة البقرة، ~~والواو في قوله { والقلم } واو القسم، أقسم الله بالقلم لما فيه من ~~البيان، وهو واقع على كل قلم يكتب به. وقال جماعة من المفسرين المراد به ~~القلم الذي كتب به اللوح المحفوظ، أقسم الله به تعظيما له. قال قتادة ~~القلم من نعمة الله على عباده { وما يسطرون } " ما " موصولة أي ~~والذي يسطرون، والضمير عائد إلى أصحاب القلم المدلول عليهم بذكره لأن ذكر ~~آلة الكتابة تدل على الكاتب. والمعنى والذي يسطرون أي يكتبون كل ما ~~يكتب، أو الحفظة على ما تقدم. ويجوز أن تكون «ما» مصدرية، أي وسطرهم. ~~وقيل الضمير راجع إلى القلم خاصة من باب إسناد الفعل إلى الآلة، وإجرائها ~~مجرى العقلاء، وجواب القسم قوله { ما أنت بنعمة ربك ~~بمجنون } " ما " نافية، وأنت اسمها، وبمجنون خبرها. قال الزجاج أنت ~~هو اسم ما، وبمجنون خبرها، وقوله { بنعمة ربك } كلام وقع في ~~الوسط أي انتفى عنك الجنون بنعمة ربك، كما يقال أنت بحمد الله عاقل، قيل ~~الباء ms3943 متعلقة بمضمر هو حال، كأنه قيل أنت بريء من الجنون ملتبسا بنعمة ~~الله التي هي النبوة والرياسة العامة. وقيل الباء للقسم أي وما أنت ونعمة ~~ربك بمجنون. وقيل النعمة هنا الرحمة، والآية رد على الكفار حيث قالوا # يأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون # الحجر 6. { وإن لك لأجرا } أي ثوابا على ما تحملت من أثقال ~~النبوة، وقاسيت من أنواع الشدائد غير ممنون أي غير مقطوع، يقال ~~مننت الحبل إذا قطعته. وقال مجاهد غير ممنون غير محسوب، وقال ~~الحسن غير ممنون } غير مكدر بالمن. وقال الضحاك أجرا بغير عمل. ~~وقيل غير مقدر وقيل غير ممنون به عليك من جهة الناس. # { وإنك لعلى خلق عظيم } قيل هو الإسلام والدين، حكى هذا ~~الواحدي عن الأكثرين. وقيل هو القرآن، روي هذا عن الحسن والعوفي. وقال ~~قتادة هو ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه من نهي الله. قال ~~الزجاج المعنى إنك على الخلق الذي أمرك الله به في القرآن، وقيل هو رفقه ~~بأمته وإكرامه إياهم، وقيل المعنى إنك على طبع كريم. قال الماوردي وهذا ~~هو الظاهر، وحقيقة الخلق في اللغة ما يأخذ الإنسان نفسه به من الأدب. وقد ~~ثبت في الصحيح عن عائشة أنها سئلت عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقالت كان خلقه القرآن، وهذه الجملة، والتي قبلها معطوفتان على جملة جواب ~~القسم { فستبصر ويبصرون } أي ستبصر يا محمد ويبصر الكفار إذا ~~تبين الحق وانكشف الغطاء، وذلك يوم القيامة { بأيكم المفتون } ~~الباء زائدة للتأكيد أي المفتون بالجنون، كذا قال الأخفش، وأبو عبيدة، ~~وغيرهما، ومثله قول الشاعر # نحن بنو جعدة أصحاب العلج نضرب بالسيف ونرجو بالفرج # وقيل ليست الباء زائدة، والمفتون مصدر جاء على مفعول كالمعقول والميسور، ~~والتقدير بأيكم الفتون أو الفتنة، ومنه قول الشاعر الراعي # حتى إذا لم يتركوا لعظامه لحما ولا لفؤاده معقولا # أي عقلا. وقال الفراء إن الباء بمعنى، في أي في أيكم المفتون، أفي ~~الفريق الذي أنت فيه أم في الفريق الآخر؟ ويؤيد هذا قراءة ابن أبي ms3944 عبلة ~~في أيكم المفتون. وقيل الكلام على حذف مضاف، أي بأيكم فتن المفتون، فحذف ~~المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وروي هذا عن الأخفش أيضا. وقيل المفتون ~~المعذب، من قول العرب فتنت الذهب بالنار إذا أحميته، ومنه قوله # يوم هم على النار يفتنون # الذاريات 13، وقيل المفتون هو الشيطان، لأنه مفتون في دينه، والمعنى ~~بأيكم الشيطان. وقال قتادة هذا وعيد لهم بعذاب يوم بدر، والمعنى سترى ~~ويرى أهل مكة إذا نزل بهم العذاب ببدر بأيكم المفتون، وجملة { إن ~~ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله } تعليل للجملة التي ~~قبلها، فإنها تتضمن الحكم عليهم بالجنون لمخالفتهم لما فيه نفعهم في ~~العاجل والآجل، واختيارهم ما فيه ضرهم فيهما، والمعنى هو أعلم بمن ضل عن ~~سبيله الموصل إلى سعادة الدارين { وهو أعلم بالمهتدين } ~~إلى سبيله الموصل إلى تلك السعادة الآجلة والعاجلة، فهو مجاز كل عامل ~~بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. { فلا تطع المكذبين } ~~نهاه سبحانه عن ممايلة المشركين، وهم رؤساء كفار مكة لأنهم كانوا يدعونه ~~إلى دين آبائه، فنهاه الله عن طاعتهم، أو هو تعريض بغيره عن أن يطيع ~~الكفار، أو المراد بالطاعة مجرد المداراة بإظهار خلاف ما في الضمير، ~~فنهاه الله عن ذلك، كما يدل عليه قوله { ودوا لو تدهن ~~فيدهنون } فإن الإدهان هو الملاينة والمسامحة والمداراة. # قال الفراء المعنى لو تلين فيلينوا لك، وكذا قال الكلبي. وقال الضحاك، ~~والسدي ودوا لو تكفر فيتمادوا على الكفر. وقال الربيع بن أنس ودوا لو ~~تكذب فيكذبون. وقال قتادة ودوا لو تذهب عن هذا الأمر، فيذهبون معك. وقال ~~الحسن ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك. وقال مجاهد ودوا لو تركن ~~إليهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمايلونك. قال ابن قتيبة كانوا أرادوه ~~على أن يعبد آلهتهم مدة، ويعبدوا الله مدة، وقوله { فيدهنون } ~~عطف على تدهن داخل في حيز لو، أو هو خبر مبتدأ محذوف أي فهم يدهنون. قال ~~سيبويه وزعم قالون أنها في بعض المصاحف " ودوا لو تدهن فيدهنوا " بدون ~~نون، والنصب على جواب ms3945 التمني المفهوم من ودوا، والظاهر من اللغة في معنى ~~الإدهان، هو ما ذكرناه أولا. { ولا تطع كل حلاف } أي كثير ~~الحلف بالباطل { مهين } فعيل من المهانة، وهي القلة في الرأي ~~والتمييز. وقال مجاهد هو الكذاب. وقال قتادة المكثار في الشر، وكذا قال ~~الحسن. وقيل هو الفاجر العاجز. وقيل هو الحقير عند الله. وقيل هو الذليل. ~~وقيل هو الوضيع { هماز مشاء بنميم } الهماز. المغتاب للناس. ~~قال ابن زيد هو الذي يهمز بأخيه. وقيل الهماز الذي يذكر الناس في وجوههم، ~~واللماز الذي يذكرهم في مغيبهم، كذا قال أبو العالية، والحسن، وعطاء بن ~~أبي رباح، وقال مقاتل عكس هذا. والمشاء بنميم الذي يمشي بالنميمة بين ~~الناس ليفسد بينهم، يقال نم ينم إذا سعى بالفساد بين الناس، ومنه قول ~~الشاعر # ومولى كبيت النمل لا خير عنده لمولاه إلا سعيه بنميم # وقيل النميم جمع نميمة { مناع للخير } أي بخيل بالمال لا ~~ينفقه في وجهه. وقيل هو الذي يمنع أهله وعشيرته عن الإسلام. قال الحسن ~~يقول لهم من دخل منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبدا { معتد ~~أثيم } أي متجاوز الحد في الظلم كثير الإثم { عتل } قال الواحدي ~~المفسرون يقولون هو الشديد الخلق الفاحش الخلق. وقال الفراء هو الشديد ~~الخصومة في الباطل. وقال الزجاج هو الغليظ الجافي. وقال الليث هو الأكول ~~المنوع، يقال عتلت الرجل أعتله إذا جذبته جذبا عنيفا، ومنه قول الشاعر # نقرعه قرعا ولسنا نعتله # { بعد ذلك زنيم } أي هو بعد ما عد من معايبه زنيم، والزنيم هو ~~الدعي الملصق بالقوم وليس هو منهم مأخوذ من الزنمة المتدلية في حلق ~~الشاة أو الماعز، ومنه قول حسان # زنيم تداعاه الرجال زيادة كما زيد في عرض الأديم الأكارع # وقال سعيد بن جبير الزنيم المعروف بالشر. وقيل هو رجل من قريش كان له ~~زنمة كزنمة الشاة. # وقيل هو الظلوم { أن كان ذا مال وبنين } متعلق بقوله { لا تطع ~~} أي لا تطع من هذه مثالبه لكونه ذا مال وبنين. قال الفراء، والزجاج أي ~~لأن كان، والمعنى لا ms3946 تطعه لماله وبنيه. قرأ ابن عامر، وأبو جعفر، ~~والمغيرة، وأبو حيوة { أن كان } بهمزة واحدة ممدودة على الاستفهام. وقرأ ~~حمزة، وأبو بكر، والمفضل " أأن كان " بهمزتين مخففتين، وقرأ الباقون ~~بهمزة واحدة على الخبر، وعلى قراءة الاستفهام يكون المراد به التوبيخ ~~والتقريع حيث جعل مجازاة النعم التي خوله الله من المال والبنين أن كفر ~~به وبرسوله. وقرأ نافع في رواية عنه بكسر الهمزة على الشرط، وجملة { ~~إذا تتلى عليه ءايتنا قال أسطير الأولين } ~~مستأنفة جارية مجرى التعليل للنهي، وقد تقدم معنى أساطير الأولين في ~~غير موضع { سنسمه على الخرطوم } أي سنسمه بالكي على خرطومه. ~~قال أبو عبيدة، وأبو زيد، والمبرد الخرطوم الأنف. قال مقاتل سنسمه ~~بالسواد على الأنف، وذلك أنه يسود وجهه قبل دخول النار. قال الفراء ~~والخرطوم وإن كان قد خص بالسمة، فإنه في مذهب الوجه لأن بعض الوجه يؤدي ~~عن بعض. قال الزجاج سيجعل له في الآخرة العلم الذي يعرف به أهل النار من ~~اسوداد وجوههم. وقال قتادة سنلحق به شيئا لا يفارقه، واختار هذا ابن ~~قتيبة، قال والعرب تقول قد وسمه ميسم سوء يريدون ألصق به عارا لا ~~يفارقه، فالمعنى أن الله ألحق به عارا لا يفارقه كالوسم على الخرطوم، ~~وقيل معنى { سنسمه } سنحطمه بالسيف. وقال النضر بن شميل المعنى ~~سنحده على شرب الخمر، وقد يسمى الخمر بالخرطوم، ومنه قول الشاعر # تظل يومك في لهو وفي طرب وأنت بالليل شراب الخراطيم # وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، ~~وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، والخطيب في تاريخه، والضياء ~~في المختارة عن ابن عباس قال إن أول شيء خلقه الله القلم، فقال له اكتب، ~~فقال يا رب، وما أكتب؟ قال اكتب القدر، فجرى من ذلك اليوم بما هو كائن ~~إلى أن تقوم الساعة، ثم طوى الكتاب ورفع القلم، وكان عرشه على الماء ~~فارتفع بخار الماء، ففتقت منه السموات ثم خلق النون، فبسطت ms3947 الأرض عليه، ~~والأرض على ظهر النون، فاضطرب النون فمادت الأرض، فأثبتت الجبال، فإن ~~الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة، ثم قرأ ابن عباس { ن ~~والقلم وما يسطرون }. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ~~والترمذي وصححه، وابن مردويه عن عبادة ابن الصامت سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول # " إن أول ما خلق الله القلم، فقال له اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد ~~" # وأخرج ابن جرير من حديث معاوية بن قرة عن أبيه مرفوعا نحوه. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر عن ابن عباس قال إن الله خلق النون، وهي الدواة وخلق ~~القلم، فقال اكتب، قال وما أكتب؟ قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. ~~وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة مرفوعا نحوه. وأخرج عبد ابن حميد، ~~وابن المنذر عن ابن عباس قال { ن } الدواة. وأخرج ابن مردويه عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " النون السمكة التي عليها قرار الأرضين، والقلم الذي خط به ربنا عز ~~وجل القدر خيره وشره، وضره ونفعه " # { وما يسطرون } قال # " الكرام الكاتبون " # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه من طرق عن ~~ابن عباس في قوله { وما يسطرون } قال ما يكتبون. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه { وما يسطرون } ~~قال وما يعلمون. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ومسلم، وابن المنذر، ~~والحاكم، وابن مردويه عن سعد بن هشام قال أتيت عائشة فقلت يا أم ~~المؤمنين أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت كان خلقه ~~القرآن، أما تقرأ القرآن { وإنك لعلى خلق عظيم }. وأخرج ~~ابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل، والواحدي عنها «قالت ما كان أحد أحسن ~~خلقا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من أصحابه، ولا من ~~أهل بيته إلا قال «لبيك»، فلذلك أنزل الله { وإنك لعلى خلق ~~عظيم } ». وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن أبي ~~الدرداء قال سئلت عائشة ms3948 عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان ~~خلقه القرآن، يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه. وأخرج ابن أبي شيبة، والترمذي ~~وصححه، وابن مردويه عن أبي عبد الله الجدلي قال قلت لعائشة كيف كان خلق ~~رسول الله؟ قالت لم يكن فاحشا ولا متفاحشا، ولا صخابا في الأسواق، ولا ~~يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في ~~قوله { فستبصر ويبصرون } قال تعلم ويعلمون يوم القيامة { ~~بأيكم المفتون } قال الشيطان، كانوا يقولون إنه شيطان، وإنه ~~مجنون. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال بأيكم المجنون. وأخرج ابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { ودوا لو تدهن ~~فيدهنون } يقول لو ترخص لهم فيرخصون. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا { ~~ولا تطع كل حلاف مهين } الآية قال يعني الأسود بن عبد ~~يغوث. وأخرج ابن مردويه عن أبي عثمان النهدي قال قال مروان لما بايع ~~الناس ليزيد سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر إنها ليست ~~بسنة أبي بكر وعمر، ولكنها سنة هرقل، فقال مروان هذا الذي أنزل فيه # والذى قال لولديه أف لكما # الأحقاف 17 الآية، قال فسمعت ذلك عائشة فقالت إنها لم تنزل في عبد ~~الرحمن، ولكن نزل في أبيك { ولا تطع كل حلاف مهين * ~~هماز مشاء بنميم } ». وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن ~~عباس قال« نزل على النبي صلى الله عليه وسلم { ولا تطع كل ~~حلاف مهين * هماز مشاء بنميم } فلم نعرف حتى نزل ~~عليه بعد ذلك زنيم، فعرفناه له زنمة كزنمة الشاة». وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال العتل هو الدعي، ~~والزنيم هو المريب الذي يعرف بالشر. وأخرج عبد بن حميد، وابن عساكر عنه ~~قال الزنيم هو الدعي. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، ~~والحاكم وصححه عنه أيضا قال الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة ~~بزنمتها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال هو الرجل يمر على القوم، فيقولون ~~رجل سوء. وأخرج ابن ms3949 المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { زنيم } ~~قال ظلوم. وقد قيل إن هذه الآيات نزلت في الأخنس بن شريق. وقيل في الوليد ~~بن المغيرة. ### || [68.17-33] # قوله { إنا بلونهم } يعني كفار مكة، فإن الله ابتلاهم بالجوع ~~والقحط بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، والابتلاء الاختبار، ~~والمعنى أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا ابتليناهم ~~بالجوع والقحط { كما بلونا أصحب الجنة } المعروف خبرهم ~~عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن على فرسخين من صنعاء لرجل يؤدي حق ~~الله منها، فمات، وصارت إلى أولاده، فمنعوا الناس خيرها وبخلوا بحق الله ~~فيها. قال الواحدي هم قوم من ثقيف كانوا باليمن مسلمين ورثوا من أبيهم ~~ضيعة فيها جنات وزرع ونخيل، وكان أبوهم يجعل مما فيها من كل شيء حظا ~~للمساكين عند الحصاد والصرام، فقالت بنوه المال قليل والعيال كثير، ولا ~~يسعنا أن نفعل كما كان يفعل أبونا، وعزموا على حرمان المساكين، فصارت ~~عاقبتهم إلى ما قص الله في كتابه. قال الكلبي كان بينهم وبين صنعاء ~~فرسخان ابتلاهم الله بأن حرق جنتهم. وقيل هي جنة كانت بصوران، وصوران على ~~فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى بيسير { إذ ~~أقسموا ليصرمنها مصبحين } أي حلفوا ليقطعنها داخلين في ~~وقت الصباح، والصرم القطع للثمر والزرع، وانتصاب { مصبحين } على ~~الحال من فاعل ليصرمنها، والكاف في { كما بلونا } نعت مصدر محذوف ~~أي بلوناهم ابتلاء كما بلونا، وما مصدرية، أو بمعنى الذي، وإذ ظرف لبلونا ~~منتصب به، وليصرمنها جواب القسم { ولا يستثنون } يعني ولا يقولون ~~إن شاء الله، وهذه الجملة مستأنفة لبيان ما وقع منهم أو حال. وقيل المعنى ~~ولا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم إليهم، ~~قاله عكرمة. { فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون ~~} أي طاف على تلك الجنة طائف من جهة الله سبحانه، والطائف قيل هو نار ~~أحرقتها حتى صارت سوداء، كذا قال مقاتل. وقيل الطائف جبريل اقتلعها، ~~وجملة { وهم نائمون } في محل نصب على الحال { فأصبحت ~~كالصريم } أي ms3950 كالشيء الذي صرمت ثماره أي قطعت، فعيل بمعنى مفعول، ~~وقال الفراء كالصريم كالليل المظلم، ومنه قول الشاعر # تطاول ليلك الجون الصريم فما ينجاب عن صبح بهيم # والمعنى أنها حرقت فصارت كالليل الأسود، قال والصريم الرماد الأسود بلغة ~~خزيمة. وقال الأخفش أي كالصبح انصرم من الليل، يعني أنها يبست وابيضت. ~~وقال المبرد الصريم الليل، والصريم النهار أي ينصرم هذا عن هذا، وذاك عن ~~هذا، وقيل سمي الليل صريما لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، وقال المؤرج ~~الصريم الرملة لأنها لا يثبت عليها شيء ينتفع به، وقال الحسن صرم منها ~~الخير أي قطع { فتنادوا مصبحين } أي نادى بعضهم بعضا داخلين ~~في الصباح. # قال مقاتل لما أصبحوا قال بعضهم لبعض { أن اغدوا على حرثكم ~~} و «أن» في قوله { أن اغدوا } هي المفسرة لأن في التنادي معنى ~~القول، أو هي المصدرية أي بأن اغدوا، والمراد اخرجوا غدوة، والمراد ~~بالحرث الثمار والزرع { إن كنتم صرمين } أي قاصدين للصرم، ~~والغدو يتعدى بإلى وعلى، فلا حاجة إلى تضمينه معنى الإقبال كما قيل، ~~وجواب الشرط محذوف أي إن كنتم صارمين فاغدوا، وقيل معنى صارمين ماضين في ~~العزم، من قولك سيف صارم { فانطلقوا وهم يتخفتون } أي ~~ذهبوا إلى جنتهم وهم يسرون الكلام بينهم لئلا يعلم أحد بهم، يقال خفت ~~يخفت، إذا سكن ولم ينبس، ومنه قول دريد بن الصمة # وإني لم أهلك ملالا ولم أمت خفاتا وكلا ظنه بي عويمر # وقيل المعنى يخفون أنفسهم من الناس حتى لا يروهم، فيقصدوهم، كما كانوا ~~يقصدون أباهم وقت الحصاد، والأول أولى لقوله { أن لا يدخلنها ~~اليوم عليكم مسكين } فإن «أن» هي المفسرة للتخافت المذكور ~~لما فيه من معنى القول، والمعنى يسر بعضهم إلى بعض هذا القول، وهو لا ~~يدخل هذه الجنة اليوم عليكم مسكين، فيطلب منكم أن تعطوه منها ما كان ~~يعطيه أبوكم. { وغدوا على حرد قدرين } الحرد يكون بمعنى ~~المنع والقصد. قال قتادة، ومقاتل، والكلبي، والحسن، ومجاهد الحرد هنا ~~بمعنى القصد لأن القاصد إلى الشيء حارد. يقال حرد يحرد إذا قصد، تقول ms3951 ~~حردت حردك أي قصدت قصدك، ومنه قول الراجز # أقبل سيل جاء من عند الله يحرد حرد الجنة المغلة # وقال أبو عبيدة، والمبرد، والقتيبي على حرد على منع، من قولهم حردت ~~الإبل حردا إذا قلت ألبانها، والحرود من النوق هي القليلة اللبن. وقال ~~السدي، وسفيان، والشعبي { على حرد } على غضب، ومنه قول الشاعر # إذا جياد الخيل جاءت تردى مملوءة من غضب وحرد # وقول الآخر # تساقوا على حرد دماء الأساود # ومنه قيل أسد حارد، وروي عن قتادة، ومجاهد أيضا أنهما قالا على حرد أي ~~على حسد. وقال الحسن أيضا على حاجة وفاقة. وقيل على حرد على انفراد، ~~يقال حرد يحرد حردا أو حرودا إذا تنحى عن قومه، ونزل منفردا عنهم ولم ~~يخالطهم، وبه قال الأصمعي، وغيره. وقال الأزهري حرد اسم قريتهم، وقال ~~السدي اسم جنتهم. قرأ الجمهور { حرد } بسكون الراء. وقرأ أبو العالية، ~~وابن السميفع بفتحها، وانتصاب { قدرين } على الحال. قال الفراء ~~ومعنى { قدرين } قد قدروا أمرهم وبنوا عليه، وقال قتادة قادرين على ~~جنتهم عند أنفسهم. وقال الشعبي يعني قادرين على المساكين { فلما ~~رأوها } أي لما رأوا جنتهم، وشاهدوا ما قد حل بها من الآفة التي ~~أذهبت ما فيها { قالوا إنا لضالون } أي قال بعضهم لبعض قد ~~ضللنا طريق جنتنا، وليست هذه. # ثم لما تأملوا وعلموا أنها جنتهم، وأن الله سبحانه قد عاقبهم بإذهاب ما ~~فيها من الثمر والزرع، قالوا { بل نحن محرومون } أي حرمنا ~~جنتنا بسبب ما وقع منا من العزم على منع المساكين من خيرها، فأضربوا عن ~~قولهم الأول إلى هذا القول، وقيل معنى قولهم { إنا لضالون } ~~أنهم ضلوا عن الصواب بما وقع منهم. { قال أوسطهم } أي أمثلهم ~~وأعقلهم وخيرهم { ألم أقل لكم لولا تسبحون } أي هلا ~~تسبحون يعني تستثنون، وسمي الاستثناء تسبيحا لأنه تعظيم لله وإقرار به، ~~وهذا يدل على أن أوسطهم كان أمرهم بالاستثناء فلم يطيعوه، وقال مجاهد، ~~وأبو صالح، وغيرهما كان استثناؤهم تسبيحا. قال النحاس أصل التسبيح ~~التنزيه لله عز وجل، فجعل التسبيح في موضع إن شاء ms3952 الله، وقيل المعنى ~~هلا تستغفرون الله من فعلكم، وتتوبون إليه من هذه النية التي عزمتم ~~عليها، وكان أوسطهم قد قال لهم ذلك، فلما قال لهم ذلك بعد مشاهدتهم للجنة ~~على تلك الصفة قالوا { سبحن ربنا إنا كنا ظلمين } ~~أي تنزيها له عن أن يكون ظالما فيما صنع بجنتنا، فإن ذلك بسبب ذنبنا ~~الذي فعلناه. وقيل معنى تسبيحهم الاستغفار أي نستغفر ربنا من ذنبنا إنا ~~كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا للمساكين. { فأقبل بعضهم على ~~بعض يتلومون } أي يلوم بعضهم بعضا في منعهم للمساكين وعزمهم ~~على ذلك، ثم نادوا على أنفسهم بالويل حيث قالوا { يويلنا إنا ~~كنا طغين } أي عاصين متجاوزين حدود الله بمنع الفقراء وترك ~~الاستثناء. قال ابن كيسان أي طغينا نعم الله، فلم نشكرها كما شكرها أبونا ~~من قبل، ثم رجعوا إلى الله وسألوه أن يعوضهم بخير منها، فقالوا { عسى ~~ربنا أن يبدلنا خيرا منها } لما اعترفوا بالخطيئة رجوا ~~من الله عز وجل أن يبدلهم جنة خيرا من جنتهم، قيل إنهم تعاقدوا فيما ~~بينهم، وقالوا إن أبدلنا الله خيرا منها لنصنعن كما صنع أبونا، فدعوا ~~الله وتضرعوا، فأبدلهم من ليلتهم ما هو خير منها. قرأ الجمهور { يبدلنا ~~} بالتخفيف، وقرأ أبو عمرو، وأهل المدينة بالتشديد، وهما لغتان، والتبديل ~~تغيير ذات الشيء، أو تغيير صفته، والإبدال رفع الشيء جملة، ووضع آخر ~~مكانه، كما مضى في سورة سبأ { إنا إلى ربنا رغبون } أي ~~طالبون منه الخير راجون لعفوه راجعون إليه، وعدي بإلى، وهو إنما يتعدى ~~بعن أو في لتضمينه معنى الرجوع { كذلك العذاب } أي مثل ذلك ~~العذاب الذي بلوناهم به، وبلونا أهل مكة عذاب الدنيا، والعذاب مبتدأ ~~مؤخر، و { كذلك } خبره { ولعذاب الأخرة أكبر لو كانوا ~~يعلمون } أي أشد وأعظم لو كان المشركون يعلمون أنه كذلك، ولكنهم لا ~~يعلمون. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { كما بلونا ~~أصحب الجنة } قال هم ناس من الحبشة كان لأبيهم جنة، وكان يطعم ~~منها المساكين، فمات أبوهم، فقال بنوه أن كان أبونا لأحمق ms3953 كان يطعم ~~المساكين ف { أقسموا ليصرمنها مصبحين } وأن لا يطعموا ~~مسكينا. # وأخرج ابن جرير عنه { فطاف عليها طائف } قال أمر من الله. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن مسعود قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إياكم والمعصية، فإن العبد ليذنب الذنب الواحد، فينسى به الباب من ~~العلم، وإن العبد ليذنب، فيحرم به قيام الليل، وإن العبد ليذنب الذنب، ~~فيحرم به رزقا قد كان هيىء له. ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت ~~كالصريم } قد حرموا خير جنتهم بذنبهم " # وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس في قوله { كالصريم } قال مثل الليل الأسود. وأخرج ابن ~~المنذر عنه { وهم يتخفتون } قال الإسرار والكلام الخفي. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضا { على حرد قدرين } ~~يقول ذو قدرة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { ~~إنا لضالون } قال أضللنا مكان جنتنا. وأخرجا عنه أيضا { قال ~~أوسطهم } قال أعدلهم. ### || [68.34-52] # لما فرغ سبحانه من ذكر حال الكفار، وتشبيه ابتلائهم بابتلاء أصحاب الجنة ~~المذكورة، ذكر حال المتقين وما أعده لهم من الخير، فقال { إن ~~للمتقين عند ربهم جنت النعيم } أي المتقين ما ~~يوجب سخطه من الكفر والمعاصي عنده عز وجل في الدار الآخرة جنات النعيم ~~الخالص الذي لا يشوبه كدر، ولا ينغصه خوف زوال { أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين } الاستفهام للإنكار، وكان صناديد كفار ~~قريش يرون وفور حظهم في الدنيا وقلة حظوظ المسلمين فيها، فلما سمعوا بذكر ~~الآخرة، وما يعطي الله المسلمين فيها قالوا إن صح ما يزعمه محمد لم يكن ~~حالنا وحالهم إلا مثل ما هي في الدنيا، فقال الله مكذبا لهم رادا ~~عليهم { أفنجعل المسلمين } الآية، والفاء للعطف على مقدر ~~كنظائره. ثم وبخهم الله، فقال { ما لكم كيف تحكمون } هذا ~~الحكم الأعوج كأن أمر الجزاء مفوض إليكم تحكمون فيه بما شئتم { أم ~~لكم كتب فيه تدرسون } أي ms3954 تقرءون فيه، فتجدون المطيع ~~كالعاصي، ومثل هذا قوله تعالى # أم لكم سلطن مبين * فأتوا بكتبكم # الصافات 56 57 ثم قال سبحانه { إن لكم فيه لما تخيرون ~~} قرأ الجمهور بكسر إن على أنها معمولة لتدرسون أي تدرسون في الكتاب { ~~إن لكم فيه لما تخيرون } فلما دخلت اللام كسرت الهمزة ~~كقوله علمت إنك لعاقل بالكسر، أو على الحكاية للمدروس، كما في قوله # وتركنا عليه فى الأخرين * سلم على نوح فى ~~العلمين # الصافات 78، 79. وقيل قد تم الكلام عند قوله { تدرسون } ثم ابتدأ ~~فقال { إن لكم فيه لما تخيرون } أي ليس لكم ذلك، وقرأ ~~طلحة بن مصرف، والضحاك " أن لكم " بفتح الهمزة على أن العامل فيه تدرسون ~~مع زيادة لام التأكيد، ومعنى { تخيرون } تختارون وتشتهون. ثم زاد ~~سبحانه في التوبيخ فقال { أم لكم أيمن علينا بلغة } ~~أي عهود مؤكدة موثقة متناهية، والمعنى أم لكم أيمان على الله استوثقتم ~~بها في أن يدخلكم الجنة، وقوله { إلى يوم القيمة } متعلق ~~بالمقدر في لكم أي ثابتة لكم إلى يوم القيامة لا تخرج عن عهدتها حتى ~~يحكمكم يومئذ، وجواب القسم قوله { إن لكم لما تحكمون } لأن ~~معنى { أم لكم أيمن } أي أم أقسمنا لكم. قال الرازي والمعنى ~~أم ضمنا لكم، وأقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد. وقيل قد تم ~~الكلام عند قوله { إلى يوم القيمة } ثم ابتدأ، فقال { إن ~~لكم لما تحكمون } أي ليس الأمر كذلك. قرأ الجمهور { بالغة } ~~بالرفع على النعت لأيمان، وقرأ الحسن، وزيد بن علي بنصبها على الحال من ~~أيمان لأنها قد تخصصت بالوصف، أو من الضمير في لكم أو من الضمير في علينا ~~{ سلهم أيهم بذلك زعيم } أي سل يا محمد الكفار موبخا لهم ~~ومقرعا، أيهم بذلك الحكم الخارج عن الصواب كفيل لهم بأن لهم في الآخرة ~~ما للمسلمين فيها. # وقال ابن كيسان الزعيم هنا القائم بالحجة والدعوى. وقال الحسن الزعيم ~~الرسول. { أم لهم شركاء } يشاركونهم في هذا القول ويوافقونهم فيه ~~{ فليأتوا بشركائهم إن كانوا صدقين } فيما يقولون، ~~وهو أمر تعجيز، وجواب الشرط ms3955 محذوف، وقيل المعنى أم لهم شركاء يجعلونهم ~~مثل المسلمين في الآخرة. { يوم يكشف عن ساق } يوم ظرف لقوله { ~~فليأتوا } أي فليأتوا بها يوم يكشف عن ساق، ويجوز أن يكون ظرفا ~~لفعل مقدر أي اذكر يوم يكشف. قال الواحدي قال المفسرون في قوله { عن ~~ساق } عن شدة من الأمر. قال ابن قتيبة أصل هذا أن الرجل إذا وقع في ~~أمر عظيم يحتاج إلى الجد فيه شمر عن ساقه، فيستعار الكشف عن الساق في ~~موضع الشدة، وأنشد لدريد بن الصمة # كميش الإزار خارج نصف ساقه صبور على الجلاء طلاع أنجد # وقال وتأويل الآية يوم يشتد الأمر كما يشتد ما يحتاج فيه إلى أن يكشف ~~عن ساق. قال أبو عبيدة إذا اشتد الحرب، والأمر قيل كشف الأمر عن ساقه، ~~والأصل فيه من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد شمر عن ساقه، فاستعير ~~الساق والكشف عن موضع الشدة، وهكذا قال غيره من أهل اللغة، وقد استعملت ~~ذلك العرب في أشعارها، ومن ذلك قول الشاعر # أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا # وقول آخر # والخيل تعدو عند وقت الإشراق وقامت الحرب بنا على ساق # وقول آخر أيضا # قد كشفت عن ساقها فشدوا وجدت الحرب بكم فجدوا # وقول آخر أيضا في سنة # قد كشفت عن ساقها حمرا ء تبرى اللحم عن عراقها # وقيل ساق الشيء أصله وقوامه كساق الشجرة، وساق الإنسان أي يوم يكشف عن ~~ساق الأمر فتظهر حقائقه، وقيل يكشف عن ساق جهنم، وقيل عن ساق العرش، وقيل ~~عبارة عن القرب، وقيل يكشف الرب سبحانه عن نوره، وسيأتي في آخر البحث ما ~~هو الحق، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. قرأ الجمهور { يكشف } بالتحية ~~مبنيا للمفعول، وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وابن أبي عبلة " تكشف " ~~بالفوقية مبنيا للفاعل أي الشدة أو الساعة، وقرىء بالفوقية مبنيا ~~للمفعول، وقرىء بالنون، وقرىء بالفوقية المضمومة وكسر الشين من أكشف ~~الأمر أي دخل في الكشف { ويدعون إلى السجود فلا ~~يستطيعون } قال الواحدي ms3956 قال المفسرون يسجد الخلق كلهم لله سجدة ~~واحدة، ويبقى الكفار والمنافقون يريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون لأن ~~أصلابهم تيبست فلا تلين للسجود. # قال الربيع بن أنس يكشف عن الغطاء فيقع من كان آمن بالله في الدنيا، ~~فيسجدون له، ويدعى الآخرون إلى السجود فلا يستطيعون لأنهم لم يكونوا ~~آمنوا بالله في الدنيا، وانتصاب { خشعة أبصرهم } على الحال ~~من ضمير يدعون، وأبصارهم مرتفع به على الفاعلية، ونسبة الخشوع إلى ~~الأبصار، وهو الخضوع والذلة لظهور أثره فيها { ترهقهم ذلة } أي ~~تغشاهم ذلة شديدة وحسرة وندامة { وقد كانوا يدعون إلى ~~السجود } أي في الدنيا { وهم سلمون } أي معافون عن العلل ~~متمكنون من الفعل. قال إبراهيم التيمي يدعون بالأذان والإقامة فيأبون. ~~وقال سعيد بن جبير يسمعون حي على الفلاح، فلا يجيبون. قال كعب الأحبار ~~والله ما نزلت هده الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات. وقيل يدعون ~~بالتكليف المتوجه عليهم بالشرع فلا يجيبون، وجملة { وهم سلمون } ~~في محل نصب على الحال من ضمير يدعون. { فذرنى ومن يكذب ~~بهذا الحديث } أي خل بيني وبينه، وكل أمره إلي فأنا أكفيكه. ~~قال الزجاج معناه لا يشتغل به قلبك، كله إلي فأنا أكفيك أمره. والفاء ~~لترتيب ما بعدها من الأمر على ما قبلها، و«من» منصوب بالعطف على ضمير ~~المتكلم، أو على أنه مفعول معه، والمراد بهذا الحديث القرآن، قاله ~~السدي. وقيل يوم القيامة، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وجملة { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } مستأنفة لبيان ~~كيفية التعذيب لهم المستفاد من قوله { ذرنى ومن يكذب بهذا ~~الحديث } ، والضمير عائد إلى من باعتبار معناها، والمعنى سنأخذهم ~~بالعذاب على غفلة، ونسوقهم إليه درجة فدرجة حتى نوقعهم فيه من حيث لا ~~يعلمون أن ذلك استدراج لأنهم يظنونه إنعاما، ولا يفكرون في عاقبته وما ~~سيلقون في نهايته. قال سفيان الثوري يسبغ عليهم النعم وينسيهم الشكر. ~~وقال الحسن كم من مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم ~~من مغرور بالستر عليه. والاستدراج ترك المعاجلة، وأصله النقل من حال ms3957 إلى ~~حال، ويقال استدرج فلان فلانا أي استخرج ما عنده قليلا قليلا، ويقال ~~درجه إلى كذا واستدرجه يعني أدناه إلى التدريج، فتدرج هو. ثم ذكر سبحانه ~~أنه يمهل الظالمين، فقال { وأملى لهم } أي أمهلهم ليزدادوا إثما، ~~وقد مضى تفسير هذا في سورة الأعراف والطور، وأصل الملاوة المدة من ~~الدهر، يقال أملى الله له أي أطال له المدة، والملا مقصور الأرض ~~الواسعة، سميت به، لامتدادها { إن كيدى متين } أي قوي شديد، ~~فلا يفوتني شيء، وسمى سبحانه إحسانه كيدا، كما سماه استدراجا لكونه في ~~صورة الكيد باعتبار عاقبته، ووصفه بالمتانة لقوة أثره في التسبب للهلاك ~~{ أم تسئلهم أجرا } أعاد سبحانه الكلام إلى ما تقدم من قوله ~~{ أم لهم شركاء } أي أم تلتمس منهم ثوابا على ما تدعوهم إليه من ~~الإيمان بالله { فهم من مغرم مثقلون } المغرم الغرامة أي ~~فهم من غرامة ذلك الأجر، ومثقلون أي يثقل عليهم حمله لشحهم ببذل المال، ~~فأعرضوا عن إجابتك بهذا السبب، والاستفهام للتوبيخ والتقريع لهم، والمعنى ~~أنك لم تسألهم ذلك ولم تطلبه منهم { أم عندهم الغيب فهم ~~يكتبون } أي اللوح المحفوظ، أو كل ما غاب عنهم، فهم من ذلك الغيب ~~يكتبون ما يريدون من الحجج التي يزعمون أنها تدل على قولهم، ويخاصمونك ~~بما يكتبونه من ذلك، ويحكمون لأنفسهم بما يريدون، ويستغنون بذلك عن ~~الإجابة لك والامتثال لما تقوله. # { فاصبر لحكم ربك } أي لقضائه الذي قد قضاه في سابق علمه، ~~قيل والحكم هنا هو إمهالهم وتأخير نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عليهم، وقيل هو ما حكم به عليه من تبليغ الرسالة، قيل وهذا منسوخ بآية ~~السيف { ولا تكن كصحب الحوت } يعني يونس عليه السلام، أي لا ~~تكن مثله في الغضب والضجر والعجلة، والظرف في قوله { إذ نادى } ~~منصوب بمضاف محذوف أي لا تكن حالك كحاله وقت ندائه، وجملة { وهو ~~مكظوم } في محل نصب على الحال من فاعل نادى، والمكظوم المملوء غيظا ~~وكربا. قال قتادة إن الله يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم، ويأمره ~~بالصبر، ولا يعجل ms3958 كما عجل صاحب الحوت، وقد تقدم بيان قصته في سورة ~~الأنبياء ويونس والصافات، وكان النداء منه بقوله # لا إله إلا أنت سبحنك إنى كنت من ~~الظلمين # الأنبياء 87 وقيل إن المكظوم المأخوذ بكظمه، وهو مجرى النفس. قاله ~~المبرد، وقيل هو المحبوس، والأول أولى، ومنه قول ذى الرمة # وأنت من حب مي مضمر حزنا عانى الفؤاد قريح القلب مكظوم # { لولا أن تداركه نعمة من ربه } أي لولا أن تدارك ~~صاحب الحوت نعمة من الله، وهي توفيقه للتوبة، فتاب الله عليه { لنبذ ~~بالعراء } أي لألقي من بطن الحوت على وجه الأرض الخالية من النبات { ~~وهو مذموم } أي يذم ويلام بالذنب الذي أذنبه، ويطرد من الرحمة، ~~والجملة في محل نصب على الحال من ضمير نبذ. قال الضحاك النعمة هنا ~~النبوة. وقال سعيد بن جبير عبادته التي سلفت. وقال ابن زيد هي نداؤه ~~بقوله # لا إله إلا أنت سبحنك إنى كنت من ~~الظلمين # الأنبياء 87 وقيل مذموم مبعد. وقيل مذنب. قرأ الجمهور { تداركه } على ~~صيغة الماضي، وقرأ الحسن، وابن هرمز، والأعمش بتشديد الدال، والأصل ~~تتداركه بتاءين مضارعا فأدغم، وتكون هذه القراءة على حكاية الحال ~~الماضية، وقرأ أبي، وابن مسعود، وابن عباس " تداركته " بتاء التأنيث. { ~~فاجتبه ربه } أي استخلصه واصطفاه، واختاره للنبوة { ~~فجعله من الصلحين } أي الكاملين في الصلاح، وعصمه من ~~الذنب. # وقيل رد إليه النبوة وشفعه في نفسه وفي قومه، وأرسله إلى مائة ألف أو ~~يزيدون، كما تقدم. { وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك ~~بأبصرهم } «إن» هي المخففة من الثقيلة. قرأ الجمهور { ليزلقونك ~~} بضم الياء من أزلقه أي أزل رجله، يقال أزلقه عن موضعه إذا نحاه، وقرأ ~~نافع، وأهل المدينة بفتحها من زلق عن موضعه إذا تنحى. قال الهروي أي ~~فيغتالونك بعيونهم، فيزلقونك عن مقامك الذي أقامك الله فيه عداوة لك، ~~وقرأ ابن عباس، وابن مسعود، والأعمش، ومجاهد، وأبو وائل " ليرهقونك " أي ~~يهلكونك. وقال الكلبي { يزلقونك } أي يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ ~~الرسالة، وكذا قال السدي، وسعيد بن جبير. وقال النضر بن شميل، والأخفش ms3959 ~~يفتنونك. وقال الحسن، وابن كيسان ليقتلونك. قال الزجاج في الآية مذهب أهل ~~اللغة، والتأويل أنهم من شدة إبغاضهم وعداوتهم يكادون بنظرهم نظر ~~البغضاء أن يصرعوك، وهذا مستعمل في الكلام، يقول القائل نظر إلي نظرا ~~يكاد يصرعني، ونظرا يكاد يأكلني. قال ابن قتيبة ليس يريد الله أنهم ~~يصيبونك بأعينهم، كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه، وإنما أراد أنهم ~~ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء يكاد يسقطك، ~~كما قال الشاعر # يتعارضون إذا التقوا في مجلس نظرا يزيل مواطىء الأقدام # { لما سمعوا الذكر } أي وقت سماعهم للقرآن، لكراهتهم لذلك ~~أشد كراهة، ولما ظرفية منصوبة بيزلقونك، وقيل هي حرف، وجوابها محذوف ~~لدلالة ما قبله عليه أي لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك { ويقولون ~~إنه مجنون } أي ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن، فرد ~~الله عليهم بقوله { وما هو إلا ذكر للعالمين } والجملة ~~مستأنفة، أو في محل نصب على الحال من فاعل يقولون أي والحال أنه تذكير ~~وبيان لجميع ما يحتاجون إليه، أو شرف لهم، كما قال سبحانه # وإنه لذكر لك ولقومك # الزخرف 44. وقيل الضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه مذكر ~~للعالمين، أو شرف لهم. وقد أخرج البخاري، وغيره عن أبي سعيد قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في ~~الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا " # وهذا الحديث ثابت من طرق في الصحيحين وغيرهما، وله ألفاظ في بعضها طول، ~~وهو حديث مشهور معروف. وأخرج ابن منده عن أبي هريرة في الآية قال يكشف ~~الله عز وجل عن ساقه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن منده عن ~~ابن مسعود في الآية قال يكشف عن ساقه تبارك وتعالى. وأخرج أبو يعلى، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء، والصفات، وضعفه، ~~وابن عساكر عن أبي موسى عن النبي في الآية قال # " عن نور عظيم، فيخرون له سجدا " # وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، ms3960 وابن منده، والبيهقي عن إبراهيم النخعي ~~عن ابن عباس في الآية قال يكشف عن أمر عظيم، ثم قال قد قامت الحرب على ~~ساق. قال وقال ابن مسعود يكشف عن ساقه فيسجد كل مؤمن، ويقسو ظهر الكافر ~~فيصير عظما واحدا. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه سئل عن قوله ~~{ يوم يكشف عن ساق } قال إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه ~~في الشعر فإنه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر # وقامت الحرب بنا على ساق # قال ابن عباس هذا يوم كرب شديد. روي عنه نحو هذا من طرق أخرى، وقد ~~أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول الله، كما عرفت، ~~وذلك لا يستلزم تجسيما ولا تشبيها، فليس كمثله شيء. # دعوا كل قول عند قول محمد فما آمن في دينه كمخاطر # وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { وقد كانوا يدعون ~~إلى السجود وهم سلمون } قال هم الكفار يدعون في الدنيا ~~وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون. وأخرج البيهقي في الشعب عنه في ~~الآية قال الرجل يسمع الأذان فلا يجيب الصلاة. وأخرج ابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وابن مردويه عنه أيضا في قوله { ليزلقونك ~~بأبصرهم } قال ينفذونك بأبصارهم. ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-18] # قوله { الحاقة } هي القيامة لأن الأمر يحق فيها، وهي تحق في نفسها ~~من غير شك. قال الأزهري يقال حاققته، فحققته أحقه غالبته فغلبته أغلبه. ~~فالقيامة حاقة لأنها تحاق كل محاق في دين الله بالباطل، وتخصم كل مخاصم. ~~وقال في الصحاح حاقه أي خاصمه في صغار الأشياء، ويقال ماله فيها حق ولا ~~حقاق ولا خصومة، والتحاق التخاصم، والحاقة والحقة والحق ثلاث لغات ~~بمعنى. قال الواحدي هي القيامة في قول كل المفسرين، وسميت بذلك لأنها ذات ~~الحواق من الأمور، وهي الصادقة الواجبة الصدق، وجميع أحكام القيامة ~~صادقة واجبة الوقوع والوجود. قال الكسائي، والمؤرج الحاقة يوم الحق، وقيل ~~سميت بذلك لأن كل إنسان فيها حقيق ms3961 بأن يجزى بعمله، وقيل سميت بذلك لأنها ~~أحقت لقوم النار، وأحقت لقوم الجنة، وهي مبتدأ، وخبرها قوله { ما ~~الحاقة } على أن ما الاستفهامية مبتدأ ثان، وخبره الحاقة، والجملة ~~خبر للمبتدأ الأول، والمعنى أي شيء هي في حالها أو صفاتها، وقيل إن ما ~~الاستفهامية خبر لما بعدها، وهذه الجملة، وإن كان لفظها لفظ الاستفهام، ~~فمعناها التعظيم والتفخيم لشأنها، كما تقول زيد ما زيد، وقد قدمنا تحقيق ~~هذا المعنى في سورة الواقعة. ثم زاد سبحانه في تفخيم أمرها وتفظيع شأنها ~~وتهويل حالها، فقال { وما أدراك ما الحاقة } أي أي شيء ~~أعلمك ما هي؟ أي كأنك لست تعلمها إذا لم تعاينها وتشاهد ما فيها من ~~الأهوال، فكأنها خارجة عن دائرة علم المخلوقين. قال يحيى بن سلام بلغني ~~أن كل شيء في القرآن وما أدراك، فقد أدراه إياه وعلمه، وكل شيء قال فيه ~~وما يدريك، فإنه أخبره به. وما مبتدأ، وخبره أدراك، و { ما الحاقة } جملة ~~من مبتدأ، وخبر محلها النصب بإسقاط الخافض لأن أدري يتعدى إلى المفعول ~~الثاني بالباء، كما في قوله # ولا أدراكم به # يونس 16 فلما وقعت جملة الاستفهام معلقة له كانت في موضع المفعول ~~الثاني، وبدون الهمزة يتعدى إلى مفعول واحد بالباء نحو دريت بكذا، وإن ~~كان بمعنى العلم تعدى إلى مفعولين، وجملة، وما أدراك معطوفة على جملة { ~~ما الحاقة }. { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } أي بالقيامة، ~~وسميت بذلك لأنها تقرع الناس بأهوالها. وقال المبرد عنى بالقارعة القرآن ~~الذي نزل في الدنيا على أنبيائهم، وكانوا يخوفونهم بذلك فيكذبونهم. وقيل ~~القارعة مأخوذة من القرعة لأنها ترفع أقواما وتحط آخرين، والأول أولى، ~~ويكون وضع القارعة موضع ضمير الحاقة للدلالة على عظيم هولها وفظاعة ~~حالها، والجملة مستأنفة لبيان بعض أحوال الحاقة. { فأما ثمود ~~فأهلكوا بالطاغية } ثمود هم قوم صالح، وقد تقدم بيان هذا في ~~غير موضع، وبيان منازلهم، وأين كانت، والطاغية الصيحة التي جاوزت الحد، ~~وقيل بطغيانهم وكفرهم، واصل الطغيان مجاوزة الحد. # { وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر } عاد هم قوم هود، وقد ~~تقدم بيان ms3962 هذا، وذكر منازلهم، وأين كانت في غير موضع، والريح الصرصر هي ~~الشديدة البرد، مأخوذ من الصر، وهو البرد. وقيل هي الشديدة الصوت. وقال ~~مجاهد الشديدة السموم، والعاتية التي عتت عن الطاعة، فكأنها عتت على ~~خزانها، فلم تطعهم ولم يقدروا على ردها لشدة هبوبها، أو عتت على عاد، ~~فلم يقدروا على ردها بل أهلكتهم. { سخرها عليهم سبع ~~ليال } هذه الجملة مستأنفة لبيان كيفية إهلاكهم، ومعنى { سخرها } ~~سلطها، كذا قال مقاتل، وقيل أرسلها. وقال الزجاج أقامها عليهم كما شاء، ~~والتسخير استعمال الشيء بالاقتدار، ويجوز أن تكون هذه الجملة صفة لريح، ~~وأن تكون حالا منها لتخصيصها بالصفة، أو من الضمير في عاتية { ~~وثمنية أيام } معطوف على { سبع ليال } ، وانتصاب { ~~حسوما } على الحال أي ذات حسوم، أو على المصدر بفعل مقدر أي تحسمهم ~~حسوما، أو على أنه مفعول به، والحسوم التتابع، فإذا تتابع الشيء ولم ~~ينقطع أوله عن آخره قيل له الحسوم. قال الزجاج الذي توجبه اللغة في معنى ~~قوله { حسوما } أي تحسمهم حسوما تفنيهم وتذهبهم. قال النضر بن شميل ~~حسمتهم قطعتهم وأهلكتهم. وقال الفراء الحسوم الاتباع من حسم الداء، وهو ~~الكي لأن صاحبه يكوى بالمكواة ثم يتابع ذلك عليه، ومنه قول أبي دؤاد # يفرق بينهم زمن طويل تتابع فيه أعواما حسوما # وقال المبرد هو من قولك حسمت الشيء إذا قطعته وفصلته عن غيره. وقيل ~~الحسم الاستئصال، ويقال للسيف حسام، لأنه يحسم العدو عما يريده من بلوغ ~~عداوته، والمعنى أنها حسمتهم، أو قطعتهم وأذهبتهم، ومنه قول الشاعر # فأرسلت ريحا دبورا عقيما فدارت عليهم فكانت حسوما # قال ابن زيد أي حسمتهم فلم تبق منهم أحدا. وروي عنه أنه قال حسمت ~~الأيام والليالي حتى استوفتها لأنها بدأت بطلوع الشمس من أول يوم، ~~وانقطعت بغروب الشمس من آخر يوم. وقال الليث الحسوم هي الشؤم أي تحسم ~~الخير عن أهلها، كقوله # فى أيام نحسات # فصلت 16. واختلف في أولها. فقيل غداة الأحد. وقيل غداة الجمعة. وقيل ~~غداة الأربعاء. قال وهب وهذه الأيام هي التي تسميها العرب أيام العجوز، ~~كان ms3963 فيها برد شديد وريح شديدة، وكان أولها يوم الأربعاء، وآخرها يوم ~~الأربعاء { فترى القوم فيها صرعى } الخطاب لكل من يصلح له ~~على تقدير أنه لو كان حاضرا حينئذ لرأى ذلك، والضمير في { فيها } يعود ~~إلى الليالي والأيام. وقيل إلى مهاب الريح، والأول أولى. وصرعى جمع صريع ~~يعني موتى { كأنهم أعجاز نخل خاوية } أي أصول نخل ساقطة ~~أو بالية. وقيل خالية لا جوف فيها، والنخل يذكر ويؤنث، ومثله قوله # كأنهم أعجاز نخل منقعر # القمر 20 وقد تقدم تفسيره، وهو إخبار عن عظم أجسامهم. قال يحيى بن سلام ~~إنما قال خاوية لأن أبدانهم خلت من أرواحهم مثل النخل الخاوية { فهل ~~ترى لهم من باقية } أي من فرقة باقية، أو من نفس باقية، أو من ~~بقية على أن باقية مصدر كالعاقبة والعافية. قال ابن جريج أقاموا سبع ~~ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الريح، فلما أمسوا في اليوم الثامن ~~ماتوا، فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر. { وجاء فرعون ومن ~~قبله } أي من الأمم الكافرة. قرأ الجمهور { قبله } بفتح القاف وسكون ~~الباء أي ومن تقدمه من القرون الماضية والأمم الخالية، وقرأ أبو عمرو، ~~والكسائي بكسر القاف وفتح الباء أي ومن هو في جهته من أتباعه، واختار أبو ~~حاتم، وأبو عبيد القراءة الثانية لقراءة ابن مسعود وأبي ومن معه، ~~ولقراءة أبي موسى ومن يلقاه { والمؤتفكت } قرأ الجمهور { ~~المؤتفكات } بالجمع، وهي قرى قوم لوط، وقرأ الحسن، والجحدري " المؤتفكة " ~~بالإفراد، واللام للجنس، فهي في معنى الجمع، والمعنى وجاءت المؤتفكات { ~~بالخاطئة } أي بالفعلة الخاطئة، أو الخطأ على أنها مصدر. والمراد ~~أنها جاءت بالشرك والمعاصي. قال مجاهد بالخطايا، وقال الجرجاني بالخطأ ~~العظيم { فعصوا رسول ربهم } أي فعصت كل أمة رسولها المرسل ~~إليها. قال الكلبي هو موسى، وقيل لوط لأنه أقرب، قيل ورسول هنا بمعنى ~~رسالة، ومنه قول الشاعر # لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول # أي برسالة { فأخذهم أخذة رابية } أي أخذهم الله أخذة ~~نامية زائدة على أخذات الأمم، والمعنى أنها بالغة في الشدة إلى الغاية، ~~يقال ms3964 ربى الشيء يربو إذا زاد وتضاعف. قال الزجاج تزيد على الأخذات. قال ~~مجاهد شديدة { إنا لما طغى الماء } أي تجاوز حده في الارتفاع ~~والعلو، وذلك في زمن نوح لما أصر قومه على الكفر وكذبوه. وقيل طغى على ~~خزانه من الملائكة غضبا لربه، فلم يقدروا على حبسه. قال قتادة زاد على ~~كل شيء خمسة عشر ذراعا { حملنكم فى الجارية } أي في أصلاب ~~آبائكم، أو حملناهم وحملناكم في أصلابهم تغليبا للمخاطبين على الغائبين. ~~والجارية سفينة نوح، وسميت جارية لأنها تجري في الماء، ومحل { في الجارية ~~} النصب على الحال أي رفعناكم فوق الماء حال كونكم في السفينة، ولما كان ~~المقصود من ذكر قصص هذه الأمم، وذكر ما حل بهم من العذاب زجر هذه الأمة ~~عن الاقتداء بهم في معصية الرسول قال { لنجعلها لكم تذكرة ~~} أي لنجعل هذه الأمور المذكورة لكم يا أمة محمد عبرة وموعظة تستدلون بها ~~على عظيم قدرة الله وبديع صنعه، أو لنجعل هذه الفعلة التي هي عبارة عن ~~إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين لكم تذكرة { وتعيها أذن وعية ~~} أي تحفظها بعد سماعها أذن حافظة لما سمعت. # قال الزجاج يقال أوعيت كذا أي حفظته في نفسي أعيه وعيا، ووعيت العلم، ~~ووعيت ما قلته كله بمعنى، وأوعيت المتاع في الوعاء، ويقال لكل ما وعيته ~~في غير نفسك أوعيته بالألف، ولما حفظته في نفسك وعيته بغير ألف. قال ~~قتادة في تفسير الآية أذن سمعت وعقلت ما سمعت. قال الفراء المعنى لتحفظها ~~كل أذن عظة لمن يأتي بعد. قرأ الجمهور { تعيها } بكسر العين. وقرأ طلحة ~~بن مصرف، وحميد الأعرج، وأبو عمرو في رواية عنه بإسكان العين تشبيها ~~لهذه الكلمة برحم وشهد وإن لم تكن من ذلك. قال الرازي وروي عن ابن كثير ~~إسكان العين، جعل حرف المضارعة مع ما بعده بمنزلة كلمة واحدة، فخفف وأسكن ~~كما أسكن الحرف المتوسط من فخذ وكبد وكتف. انتهى. والأولى أن يكون هذا من ~~باب إجراء الوصل مجرى الوقف، كما في قراءة من قرأ # وما يشعركم # الأنعام 109 بسكون الراء. ms3965 قال القرطبي واختلفت القراءة فيها عن عاصم، ~~وابن كثير يعني تعيها. { فإذا نفخ فى الصور نفخة وحدة ~~} هذا شروع في بيان الحاقة، وكيف وقوعها بعد بيان شأنها بإهلاك المكذبين. ~~قال عطاء يريد النفخة الأولى. وقال الكلبي، ومقاتل يريد النفخة الأخيرة. ~~قرأ الجمهور { نفخة واحدة } بالرفع فيهما على أن نفخة مرتفعة على ~~النيابة، وواحدة تأكيد لها، وحسن تذكير الفعل لوقوع الفصل. وقرأ أبو ~~السماك بنصبهما على أن النائب هو الجار والمجرور. قال الزجاج قوله { فى ~~الصور } يقوم مقام ما لم يسم فاعله { وحملت الأرض ~~والجبال } أي رفعت من أماكنها وقلعت عن مقارها بالقدرة الإلهية. ~~قرأ الجمهور { حملت } بتخفيف الميم. وقرأ الأعمش، وابن أبي عبلة، وابن ~~مقسم، وابن عامر في رواية عنه بتشديدها للتكثير أو للتعدية { فدكتا ~~دكة وحدة } أي فكسرتا كسرة واحدة لا زيادة عليها، أو ضربتا ضربة ~~واحدة بعضهما ببعض حتى صارتا كثيبا مهيلا وهباء منبثا. قال الفراء ~~ولم يقل فدككن لأنه جعل الجبال كلها كالجملة الواحدة، ومثله قوله تعالى # أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض ~~كانتا رتقا ففتقنهما # الأنبياء 30. وقيل دكتا بسطتا بسطة واحدة، ومنه اندك سنام البعير إذا ~~انفرش على ظهره. { فيومئذ وقعت الواقعة } أي قامت ~~القيامة. { وانشقت السماء فهى يومئذ واهية } أي ~~انشقت بنزول ما فيها من الملائكة فهي في ذلك اليوم ضعيفة مسترخية. قال ~~الزجاج يقال لكل ما ضعف جدا قد وهي فهو واه، وقال الفراء وهيها ~~تشققها. { والملك على أرجائها } أي جنس الملك على أطرافها ~~وجوانبها، وهي جمع رجى مقصور، وتثنيته رجوان مثل قفا وقفوان، والمعنى ~~أنها لما تشققت السماء، وهي مساكنهم لجئوا إلى أطرافها. قال الضحاك إذا ~~كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت، وتكون الملائكة على ~~حافاتها حتى يأمرهم الرب، فينزلون إلى الأرض ويحيطون بالأرض ومن عليها. # وقال سعيد بن جبير المعنى، والملك على حافات الدنيا أي ينزلون إلى ~~الأرض، وقيل إذا صارت السماء قطعا يقف الملائكة على تلك القطع التي ليست ~~متشققة في أنفسها { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ~~ثمنية ms3966 } أي يحمله فوق رءوسهم يوم القيامة ثمانية أملاك. وقيل ~~ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله عز وجل. وقيل ثمانية ~~أجزاء من تسعة أجزاء من الملائكة، قاله الكلبي وغيره. { يومئذ ~~تعرضون } أي تعرض العباد على الله لحسابهم، ومثله # وعرضوا على ربك صفا # الكهف 48 وليس ذلك العرض عليه سبحانه ليعلم به ما لم يكن عالما به ~~وإنما عرض الاختبار والتوبيخ بالأعمال، وجملة { لا تخفى منكم ~~خافية } في محل نصب على الحال من ضمير تعرضون، أي تعرضون حال كونه لا ~~يخفى على الله سبحانه من ذواتكم أو أقوالكم وأفعالكم خافية كائنة ما ~~كانت، والتقدير أي نفس خافية أو فعلة خافية. وقد أخرج ابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس قال { الحاقة } من أسماء القيامة. وأخرج ~~الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير عنه قال ما أرسل الله شيئا من ريح ~~إلا بمكيال، ولا قطرة من ماء إلا بمكيال إلا يوم نوح ويوم عاد. فأما ~~يوم نوح فإن الماء طغى على خزانه، فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ { ~~إنا لما طغا الماء } وأما يوم عاد فإن الريح عتت على خزانها ~~فلم يكن لهم عليها سبيل، ثم قرأ { بريح صرصر عاتية }. وأخرج ~~ابن جرير عن علي بن أبي طالب نحوه. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ~~ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور " # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر مرفوعا " قال ما أمر الخزان على عاد ~~إلا مثل موضع الخاتم من الريح، فعتت على الخزان، فخرجت من نواحي ~~الأبواب " ، فذلك قوله { بريح صرصر عاتية } قال " عتوها عتت ~~على الخزان ". وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~بريح صرصر عاتية } قال الغالبة. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، ~~وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، ~~والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله { حسوما } قال متتابعات. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير من طرق عن ابن عباس في قوله ms3967 { حسوما } قال ~~تباعا، وفي لفظ متتابعات. وأخرج ابن المنذر عنه { كأنهم أعجاز ~~نخل } قال هي أصولها، وفي قوله { خاوية } قال خربة. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وابن المنذر عنه أيضا في قوله { إنا لما طغى الماء } ~~قال طغى على خزانه فنزل، ولم ينزل من السماء ماء إلا بمكيال، أو ميزان ~~إلا زمن نوح، فإنه طغى على خزانه فنزل بغير كيل ولا وزن. # وأخرج سعيد بن منصور، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية من طريق مكحول ~~عن علي بن أبي طالب في قوله { وتعيها أذن وعية } قال قال لي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي " # فقال علي ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فنسيته. قال ~~ابن كثير وهو حديث مرسل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والواحدي، وابن ~~مردويه، وابن عساكر، وابن النجار عن بريدة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لعلي # " إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلمك، وأن تعي، وحق لك أن ~~تعي، فنزلت هذه الآية { وتعيها أذن وعية } فأنت أذن واعية، ~~يا علي " # قال ابن كثير ولا يصح. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن عمر في ~~قوله { أذن وعية } قال أذن عقلت عن الله. وأخرج الحاكم، والبيهقي ~~في البعث عن أبي بن كعب في قوله { وحملت الأرض والجبال ~~فدكتا دكة وحدة } قال تصيران غبرة على وجوه الكفار لا على ~~وجوه المؤمنين، وذلك قوله # وجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة # عبس 40 41. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { فهى يومئذ ~~واهية } قال متخرقة. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عنه في قوله { والملك على أرجائها } قال على ~~حافاتها على ما لم يهيء منها. وأخرج عبد بن حميد، وعثمان بن سعيد الدارمي ~~في الرد على الجهمية، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن خزيمة، والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه، والخطيب في تالي التلخيص عنه أيضا في قوله { ~~ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمنية ms3968 } قال ~~ثمانية أملاك على صورة الأوعال. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عنه أيضا من طرق في الآية قال يقال ثمانية صفوف من الملائكة لا ~~يعلم عددهم إلا الله، ويقال ثمانية أملاك رءوسهم عند العرش في السماء ~~السابعة، وأقدامهم في الأرض السفلى، ولهم قرون كقرون الوعلة، ما بين أصل ~~قرن أحدهم إلى منتهاه خمسمائة عام. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، ~~وابن ماجه، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي موسى قال قال رسول الله # " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما ~~الثالثة فعند ذلك تطاير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله " # وأخرج ابن جرير، والبيهقي في البعث عن ابن مسعود نحوه. ### || [69.19-52] # لما ذكر سبحانه العرض ذكر ما يكون فيه، فقال { فأما من أوتى ~~كتبه بيمينه } أي أعطي كتابه الذي كتبته الحفظة عليه من ~~أعماله { فيقول هاؤم اقرؤا كتبيه } يقول ذلك سرورا ~~وابتهاجا. قال ابن السكيت، والكسائي العرب تقول ها يا رجل، وللاثنين ~~هاؤما يا رجلان، وللجمع هاؤم يا رجال. قيل والأصل هاؤكم، فأبدلت الهمزة ~~من الكاف، قال ابن زيد ومعنى { هاؤم } تعالوا. وقال مقاتل هلم. وقيل خذوا ~~والذي صرح به النحاة أنها بمعنى خذ، يقول ها بمعنى خذ، وهاؤما بمعنى خذا، ~~وهاؤم بمعنى خذوا، فهي اسم فعل، وقد يكون فعلا صريحا لاتصال الضمائر ~~البارزة المرفوعة بها، وفيها ثلاث لغات، كما هو معروف في علم الإعراب، ~~وقوله { كتبيه } معمول لقوله { اقرءوا } لأنه أقرب الفعلين، ومعمول ~~{ هاؤم } محذوف يدل عليه معمول { اقرءوا } والتقدير هاؤم كتابيه ~~اقرءوا كتابيه، والهاء في كتابيه وحسابيه وسلطانيه وماليه، هي هاء السكت. ~~قرأ الجمهور في هذه بإثبات الهاء وقفا ووصلا مطابقة لرسم المصحف، ولولا ~~ذلك لحذفت في الوصل، كما هو شأن هاء السكت، واختار أبو عبيد أن يتعمد ~~الوقف عليها ليوافق اللغة في إلحاق الهاء في السكت، ويوافق الخط، يعني خط ~~المصحف. قرأ ابن محيصن، وابن أبي إسحاق، وحميد، ومجاهد، والأعمش، ويعقوب ~~بحذفها وصلا، وإثباتها وقفا في جميع هذه ms3969 الألفاظ. ورويت هذه القراءة عن ~~حمزة، واختار أبو حاتم هذه القراءة اتباعا للغة. وروي عن ابن محيصن أنه ~~قرأ بحذفها وصلا ووقفا. { إنى ظننت أنى ملق حسابيه } ~~أي علمت وأيقنت في الدنيا أني أحاسب في الآخرة. وقيل المعنى إني ظننت أن ~~يأخذني الله بسيئاتي، فقد تفضل علي بعفوه ولم يؤاخذني. قال الضحاك كل ~~ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين، ومن الكافر فهو شك. قال مجاهد ظن ~~الآخرة يقين وظن الدنيا شك. قال الحسن في هذه الآية إن المؤمن أحسن ~~الظن بربه فأحسن العمل للآخرة، وإن الكافر أساء الظن بربه فأساء العمل. ~~قيل والتعبير بالظن هنا للإشعار بأنه لا يقدح في الاعتقاد ما يهجس في ~~النفس من الخطرات التي لا تنفك عنها العلوم النظرية غالبا { فهو فى ~~عيشة راضية } أي في عيشة مرضية لا مكروهة، أو ذات رضى أي يرضى ~~بها صاحبها. قال أبو عبيدة، والفراء راضية أي مرضية كقوله # ماء دافق # الطارق 6 أي مدفوق، فقد أسند إلى العيشة ما هو لصاحبها، فكان ذلك من ~~المجاز في الإسناد { فى جنة عالية } أي مرتفعة المكان لأنها في ~~السماء، أو مرتفعة المنازل، أو عظيمة في النفوس. { قطوفها دانية ~~} القطوف جمع قطف بكسر القاف، ما يقطف من الثمار، والقطف بالفتح المصدر، ~~والقطاف بالفتح والكسر وقت القطف، والمعنى أن ثمارها قريبة ممن يتناولها ~~من قائم أو قاعد أو مضطجع. # { كلوا واشربوا } أي يقال لهم كلوا واشربوا في الجنة { ~~هنيئا } أي أكلا وشربا هنيئا لا تكدير فيه ولا تنغيص { بما ~~أسلفتم فى الأيام الخالية } أي بسبب ما قدمتم من الأعمال ~~الصالحة في الدنيا. وقال مجاهد هي أيام الصيام. { وأما من أوتى ~~كتبه بشماله فيقول } حزنا وكربا لما رأى فيه من سيئاته ~~{ فيقول يليتنى لم أوت كتبيه } أي لم أعط كتابيه { ~~ولم أدر ما حسابيه } أي لم أدر أي شيء حسابي. لأن كله عليه. ~~{ يليتها كانت القاضية } أي ليت الموتة التي متها كانت ~~القاضية، ولم أحي بعدها، ومعنى القاضية القاطعة للحياة، والمعنى أنه ~~تمنى دوام ms3970 الموت، وعدم البعث لما شاهد من سوء عمله وما يصير إليه من ~~العذاب، فالضمير في ليتها يعود إلى الموتة التي قد كان ماتها، وإن لم تكن ~~مذكورة لأنها لظهورها كانت كالمذكورة. قال قتادة تمنى الموت ولم يكن في ~~الدنيا شيء عنده أكره منه، وشر من الموت ما يطلب منه الموت. وقيل الضمير ~~يعود إلى الحالة التي شاهدها عند مطالعة الكتاب، والمعنى يا ليت هذه ~~الحالة كانت الموتة التي قضيت علي. { ما أغنى عنى ماليه } أي ~~لم يدفع عني من عذاب الله شيئا على أن ما نافية، أو استفهامية، والمعنى ~~أي شيء أغنى عني مالي. { هلك عنى سلطنيه } أي هلكت عني ~~حجتي وضلت عني، كذا قال مجاهد، وعكرمة، والسدي، والضحاك. وقال ابن زيد ~~يعني سلطاني الذي في الدنيا، وهو الملك، وقيل تسلطي على جوارحي. قال ~~مقاتل يعني حين شهدت عليه الجوارح بالشرك، وحينئذ يقول الله عز وجل { ~~خذوه فغلوه } أي اجمعوا يده إلى عنقه بالأغلال. { ثم ~~الجحيم صلوه } أي أدخلوه الجحيم، والمعنى لا تصلوه إلا الجحيم، ~~وهي النار العظيمة { ثم فى سلسلة ذرعها سبعون ذراعا ~~فاسلكوه } السلسلة حلق منتظمة، وذرعها طولها. قال الحسن الله أعلم ~~بأي ذراع هو. قال نوف الشامي كل ذراع سبعون باعا كل باع أبعد مما بينك ~~وبين مكة، وكان نوف في رحبة الكوفة. قال مقاتل لو أن حلقة منها وضعت على ~~ذروة جبل لذاب كما يذوب الرصاص، ومعنى { فاسلكوه } فاجعلوه فيها، ~~يقال سلكته الطريق إذا أدخلته فيه. قال سفيان بلغنا أنها تدخل في دبره ~~حتى تخرج من فيه. قال الكلبي تسلك سلك الخيط في اللؤلؤ. وقال سويد بن أبي ~~نجيح بلغني أن جميع أهل النار في تلك السلسلة، وتقديم السلسلة للدلالة ~~على الاختصاص كتقديم الجحيم، وجملة { إنه كان لا يؤمن ~~بالله العظيم } تعليل لما قبلها. { ولا يحض على طعام ~~المسكين } أي لا يحث على إطعام المسكين من ماله، أو لا يحث الغير ~~على إطعامه، ووضع الطعام موضع الإطعام، كما يوضع العطاء موضع الإعطاء، ~~كما قال الشاعر # أكفرا ms3971 بعد رد موتي عني وبعد عطائك المال الرعابا # أي بعد إعطائك، ويجوز أن يكون الطعام على معناه غير موضوع موضع المصدر، ~~والمعنى أنه لا يحث نفسه أو غيره على بذل نفس طعام المسكين، وفي جعل هذا ~~قرينا لترك الإيمان بالله من الترغيب في التصدق على المساكين وسد ~~فاقتهم، وحث النفس والناس على ذلك ما يدل أبلغ دلالة، ويفيد أكمل فائدة ~~على أن منعهم من أعظم الجرائم وأشد المآثم. { فليس له اليوم ~~ههنا حميم } أي ليس له يوم القيامة في الآخرة قريب ينفعه أو يشفع ~~له لأنه يوم يفر فيه القريب من قريبه، ويهرب عنده الحبيب من حبيبه. { ~~ولا طعام إلا من غسلين } أي وليس له طعام يأكله إلا من ~~صديد أهل النار، وما ينغسل من أبدانهم من القيح والصديد، وغسلين فعلين من ~~الغسل. وقال الضحاك، والربيع بن أنس هو شجر يأكله أهل النار. وقال قتادة ~~هو شر الطعام. وقال ابن زيد لا يعلم ما هو ولا ما الزقوم إلا الله ~~تعالى. وقال سبحانه في موضع آخر # ليس لهم طعام إلا من ضريع # الغاشية 6، فيجوز أن يكون الضريع هو الغسلين. وقيل في الكلام تقديم ~~وتأخير، والمعنى فليس له اليوم ها هنا حميم إلا من غسلين على أن الحميم ~~هو الماء الحار. { ولا طعام } أي ليس لهم طعام يأكلونه، ولا ملجىء ~~لهذا التقديم والتأخير، وجملة { لا يأكله إلا الخطئون } ~~صفة لغسلين، والمراد أصحاب الخطايا وأرباب الذنوب. قال الكلبي المراد ~~الشرك. قرأ الجمهور { الخاطئون } مهموزا، وهو اسم فاعل من خطىء إذا فعل ~~غير الصواب متعمدا، والمخطىء من يفعله غير متعمد. وقرأ الزهري، وطلحة بن ~~مصرف، والحسن " الخاطيون " بياء مضمومة بدل الهمزة. وقرأ نافع في رواية ~~عنه بضم الطاء بدون همزة. { فلا أقسم بما تبصرون وما لا ~~تبصرون } هذا رد لكلام المشركين كأنه قال ليس الأمر كما تقولون، ~~ولا زائدة، والتقدير فأقسم بما تشاهدونه وما لا تشاهدونه. قال قتادة أقسم ~~بالأشياء كلها ما يبصر منها وما لا يبصر، فيدخل في هذا جميع المخلوقات. ~~وقيل ms3972 إن «لا» ليست زائدة، بل هي لنفي القسم، أي لا أحتاج إلى قسم لوضوح ~~الحق في ذلك، والأول أولى. { إنه لقول رسول كريم } أي إن ~~القرآن لتلاوة رسول كريم، على أن المراد بالرسول محمد صلى الله عليه ~~وسلم، أو إنه لقول يبلغه رسول كريم. قال الحسن، والكلبي، ومقاتل يريد به ~~جبريل، دليله قوله # إنه لقول رسول كريم * ذى قوة عند ذى العرش ~~مكين # التكوير 19 20 وعلى كل حال، فالقرآن ليس من قول محمد، ولا من قول ~~جبريل عليه السلام، بل هو قول الله، فلا بد من تقدير التلاوة أو ~~التبليغ. { وما هو بقول شاعر } كما تزعمون لأنه ليس من أصناف ~~الشعر ولا مشابه لها { قليلا ما تؤمنون } أي إيمانا قليلا ~~تؤمنون، وتصديقا يسيرا تصدقون، و " ما " زائدة { ولا بقول ~~كاهن } كما تزعمون، فإن الكهانة أمر آخر لا جامع بينها وبين هذا { ~~قليلا ما تذكرون } أي تذكرا قليلا، أو زمانا قليلا ~~تتذكرون، وما زائدة، والقلة في الموضعين بمعنى النفي أي لا تؤمنون ولا ~~تتذكرون أصلا { تنزيل من رب العلمين } قرأ الجمهور بالرفع ~~على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو تنزيل. وقرأ أبو السماك بالنصب على ~~المصدرية بإضمار فعل أي نزل تنزيلا، والمعنى إنه لقول رسول كريم، وهو ~~تنزيل من رب العالمين على لسانه. { ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل } أي ولو تقول ذلك الرسول، وهو محمد أو جبريل على ما تقدم، ~~والتقول تكلف القول، والمعنى أو تكلف ذلك وجاء به من جهة نفسه، وسمي ~~الافتراء تقولا لأنه قول متكلف، وكل كاذب يتكلف ما يكذب به. قرأ ~~الجمهور { تقول } مبنيا للفاعل. وقرىء مبنيا للمفعول مع رفع بعض. وقرأ ~~ابن ذكوان " ولو يقول " على صيغة المضارع، والأقاويل جمع أقوال، والأقوال ~~جمع قول. { لأخذنا منه باليمين } أي بيده اليمين. قال ابن ~~جرير إن هذا الكلام خرج مخرج الإذلال على عادة الناس في الأخذ بيد من ~~يعاقب. وقال الفراء، والمبرد، والزجاج، وابن قتيبة { لأخذنا منه ~~باليمين } أي بالقوة والقدرة. قال ابن قتيبة وإنما أقام اليمين ms3973 ~~مقام القوة لأن قوة كل شيء في ميامنه، ومن هذا قول الشاعر # إذا ما راية نصبت لمجد تلقاها عرابة باليمين # وقول الآخر # ولما رأيت الشمس أشرق نورها تناولت منها حاجتي بيميني # { ثم لقطعنا منه الوتين } الوتين عرق يجري في الظهر حتى ~~يتصل بالقلب، وهو تصوير لإهلاكه بأفظع ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه. ~~قال الواحدي والمفسرون يقولون إنه نياط القلب. انتهى. ومن هذا قول الشاعر # إذا بلغتني وحملت رحلي عرابة فاشرقي بدم الوتين # { فما منكم من أحد عنه حجزين } أي ليس منكم أحد ~~يحجزنا عنه ويدفعنا منه، فكيف يتكلف الكذب على الله لأجلكم، مع علمه أنه ~~لو تكلف ذلك لعاقبناه، ولا تقدرون على الدفع منه، والحجز المنع { وحاجزين ~~} صفة لأحد، أو خبر لما الحجازية. { وإنه لتذكرة ~~للمتقين } أي إن القرآن لتذكرة لأهل التقوى لأنهم المنتفعون به. { ~~وإنا لنعلم أن منكم مكذبين } أي أن بعضكم يكذب ~~بالقرآن، فنحن نجازيهم على ذلك، وفي هذا وعيد شديد { وإنه ~~لحسرة على الكفرين } أي وإن القرآن لحسرة وندامة على ~~الكافرين يوم القيامة عند مشاهدتهم لثواب المؤمنين، وقيل هي حسرتهم في ~~الدنيا حين لم يقدروا على معارضته عند تحديهم بأن يأتوا بسورة من مثله. # { وإنه لحق اليقين } أي وإن القرآن لكونه من عند الله حق، ~~فلا يحول حوله ريب ولا يتطرق إليه شك. { فسبح باسم ربك ~~العظيم } أي نزهه عما لا يليق به. وقيل فصل لربك، والأول أولى. وقد ~~أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { إنى ظننت } قال أيقنت. وأخرج ~~سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب { قطوفها دانية ~~} قال قريبة. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن البراء ~~في الآية قال يتناول الرجل من فواكهها وهو قائم. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله { فاسلكوه } قال السلسلة ~~تدخل في استه ثم تخرج من فيه، ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود، ~~ثم يشوى. وأخرج أبو عبيد، وعبد بن حميد، وابن المنذر ms3974 عن أبي الدرداء قال ~~إن لله سلسلة لم تزل تغلي منها مراجل النار منذ خلق الله جهنم إلى يوم ~~تلقى في أعناق الناس، وقد نجانا الله من نصفها بإيماننا بالله العظيم، ~~فحضي على طعام المسكين يا أم الدرداء. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال الغسلين الدم والماء ~~والصديد الذي يسيل من لحومهم. وأخرج الحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري عن ~~النبي قال # " لو أن دلوا من غسلين يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا " # وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال الغسلين اسم طعام من أطعمة أهل النار. ~~وأخرج ابن جرير عنه { فلا أقسم بما تبصرون وما لا ~~تبصرون } يقول بما ترون وما لا ترون. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~المنذر عن ابن عباس في قوله { لأخذنا منه باليمين } قال ~~بقدرة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه قال { الوتين } عرق ~~القلب. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم والحاكم عنه أيضا قال { الوتين } نياط القلب. ~~وأخرج ابن المنذر، والحاكم، وصححه عنه أيضا قال هو حبل القلب الذي في ~~الظهر. ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1-18] # قوله { سأل سائل بعذاب واقع } قرأ الجمهور { سأل } ~~بالهمزة، وقرأ نافع، وابن عامر، بغير همزة، فمن همز، فهو من السؤال وهي ~~اللغة الفاشية، وهو إما مضمن معنى الدعاء، فلذلك عدي بالباء، كما تقول ~~دعوت كذا، والمعنى دعا داع على نفسه بعذاب واقع، ويجوز أن يكون على أصله، ~~والباء بمعنى عن كقوله # فاسأل به خبيرا # الفرقان 59 ومن لم يهمز، فهو إما من باب التخفيف بقلب الهمزة ألفا، ~~فيكون معناها معنى قراءة من همز، أو يكون من السيلان، والمعنى سال واد ~~في جهنم، يقال له سائل، كما قال زيد بن ثابت. ويؤيده قراءة ابن عباس سال ~~سيل وقيل إن سال بمعنى التمس، والمعنى التمس ملتمس عذابا للكفار، فتكون ~~الباء زائدة كقوله # تنبت بالدهن # المؤمنون 20 والوجه الأول هو الظاهر. وقال ms3975 الأخفش يقال خرجنا نسأل عن ~~فلان وبفلان. قال أبو علي الفارسي وإذا كان من السؤال، فأصله أن يتعدى ~~إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما ويتعدى إليه بحرف الجر، وهذا ~~السائل هو النضر بن الحارث حين قال # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم # الأنفال 32 وهو ممن قتل يوم بدر صبرا. وقيل هو أبو جهل، وقيل هو الحارث ~~بن النعمان الفهري، والأول أولى لما سيأتي. وقرأ أبي، وابن مسعود " سال ~~سال " مثل مال مال على أن الأصل سائل، فحذفت العين تخفيفا، كما قيل شاك ~~في شائك السلاح. وقيل السائل هو نوح عليه السلام، سأل العذاب للكافرين، ~~وقيل هو رسول الله دعا بالعقاب عليهم، وقوله { بعذاب واقع } يعني ~~إما في الدنيا كيوم بدر، أو في الآخرة. وقوله { للكفرين } صفة ~~أخرى لعذاب أي كائن للكافرين، أو متعلق بواقع، واللام للعلة، أو يسأل على ~~تضمينه معنى دعا، أو في محل رفع على تقدير هو للكافرين، أو تكون اللام ~~بمعنى على، ويؤيده قراءة أبي " بعذاب واقع على الكافرين ". قال الفراء ~~التقدير بعذاب للكافرين واقع بهم، فالواقع من نعت العذاب، وجملة { ليس ~~له دافع } صفة أخرى لعذاب، أو حال منه، أو مستأنفة، والمعنى أنه لا ~~يدفع ذلك العذاب الواقع به أحد، وقوله { من الله } متعلق بواقع أي ~~واقع من جهته سبحانه، أو بدافع، أي ليس له دافع من جهته تعالى { ذي ~~المعارج } أي ذي الدرجات التي تصعد فيها الملائكة، وقال الكلبي هي ~~السموات، وسماها معارج لأن الملائكة تعرج فيها. وقيل المعارج مراتب نعم ~~الله سبحانه على الخلق. وقيل المعارج العظمة. وقيل هي الغرف. وقرأ ابن ~~مسعود " ذي المعاريج " بزيادة الياء، يقال معارج ومعاريج مثل مفاتح ~~ومفاتيح. # { تعرج الملئكة والروح إليه } أي تصعد في تلك ~~المعارج التي جعلها الله لهم، وقرأ الجمهور { تعرج } بالفوقية. وقرأ ابن ~~مسعود، وأصحابه، والكسائي، والسلمي بالتحتية، والروح جبريل، أفرد بالذكر ~~بعد الملائكة لشرفه، ويؤيد هذا قوله # نزل به الروح الأمين # الشعراء ms3976 193، وقيل الروح هنا ملك آخر عظيم غير جبريل. وقال أبو صالح إنه ~~خلق من خلق الله سبحانه كهيئة الناس، وليسوا من الناس. وقال قبيصة بن ~~ذؤيب إنه روح الميت حين تقبض، والأول أولى. ومعنى { إليه } أي إلى ~~المكان الذي ينتهون إليه. وقيل إلى عرشه. وقيل هو كقول إبراهيم # إنى ذاهب إلى ربى # الصافات 99 أي إلى حيث أمرني ربي { فى يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة } قال ابن إسحاق، والكلبي، ووهب بن منبه أي عرج ~~الملائكة إلى المكان الذي هو محلها في وقت كان مقداره على غيرهم لو صعد ~~خمسين ألف سنة، وبه قال مجاهد. وقال عكرمة وروي عن مجاهد أن مدة عمر ~~الدنيا هذا المقدار لا يدري أحد كم مضى، ولا كم بقي، ولا يعلم ذلك إلا ~~الله. وقال قتادة، والكلبي، ومحمد بن كعب إن المراد يوم القيامة، يعني أن ~~مقدار الأمر فيه لو تولاه غيره سبحانه خمسون ألف سنة، وهو سبحانه يفرغ ~~منه في ساعة، وقيل إن مدة موقف العباد للحساب، هي هذا المقدار، ثم ~~يستقر بعد ذلك أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. وقيل إن مقدار ~~يوم القيامة على الكافرين خمسون ألف سنة، وعلى المؤمنين مقدار ما بين ~~الظهر والعصر، وقيل ذكر هذا المقدار لمجرد التمثيل والتخييل لغاية ارتفاع ~~تلك المعارج وبعد مداها، أو لطول يوم القيامة باعتبار ما فيه من الشدائد ~~والمكاره، كما تصف العرب أيام الشدة بالطول وأيام الفرح بالقصر، ويشبهون ~~اليوم القصير بإبهام القطاة والطويل بظل الرمح، ومنه قول الشاعر # ويوم كظل الرمح قصر طوله دم الزق عنا واصطفاف المزاهر # وقيل في الكلام تقديم وتأخير، أي ليس له دافع من الله ذي المعارج في يوم ~~كان مقداره خمسين ألف سنة تعرج الملائكة والروح إليه، وقد قدمنا الجمع ~~بين هذه الآية وبين قوله في سورة السجدة # فى يوم كان مقداره ألف سنة # السجدة 5 فارجع إليه. وقد قيل في الجمع إن من أسفل العالم إلى العرش ~~خمسين ألف سنة، ومن أعلى سماء الدنيا ms3977 إلى الأرض ألف سنة لأن غلظ كل سماء ~~خمسمائة عام، وما بين أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة عام، فالمعنى ~~أن الملائكة إذا عرجت من أسفل العالم إلى العرش كان مسافة ذلك خمسين ألف ~~سنة، وإن عرجوا من هذه الأرض التي نحن فيها إلى باطن هذه السماء التي هي ~~سماء الدنيا كان مسافة ذلك ألف سنة، وسيأتي في آخر البحث ما يؤيد هذا عن ~~ابن عباس. # ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر فقال { فاصبر ~~صبرا جميلا } ، أي اصبر يا محمد على تكذيبهم لك وكفرهم بما جئت به ~~صبرا جميلا لا جزع فيه ولا شكوى إلى غير الله، وهذا معنى الصبر الجميل. ~~وقيل هو أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدري بأنه مصاب. قال ابن زيد، ~~وغيره هي منسوخة بآية السيف { إنهم يرونه بعيدا } أي يرون ~~العذاب الواقع بهم، أو يرون يوم القيامة بعيدا أي غير كائن لأنهم لا ~~يؤمنون به، فمعنى { بعيدا } أي مستبعدا محالا، وليس المراد أنهم ~~يرونه بعيدا غير قريب. قال الأعمش يرون البعث بعيدا لأنهم لا يؤمنون به ~~كأنهم يستبعدونه على جهة الاستحالة، كما تقول لمن تناظره هذا بعيد، أي لا ~~يكون { ونراه قريبا } أي نعلمه كائنا قريبا لأن ما هو آت قريب. ~~وقيل المعنى ونراه هينا في قدرتنا غير متعسر ولا متعذر، والجملة تعليل ~~للأمر بالصبر. ثم أخبر سبحانه متى يقع بهم العذاب فقال { يوم تكون ~~السماء كالمهل } والظرف متعلق بمضمر دل عليه واقع، أو بدل من ~~قوله { فى يوم } على تقدير تعلقه بواقع، أو متعلق بقريبا، أو مقدر ~~بعده، أي يوم تكون إلخ، كان كيت وكيت، أو بدل من الضمير في نراه، والأول ~~أولى. والتقدير يقع بهم العذاب { يوم تكون السماء كالمهل } ~~والمهل ما أذيب من النحاس والرصاص والفضة. وقال مجاهد هو القيح من الصديد ~~والدم. وقال عكرمة، وغيره هو دردي الزيت، وقد تقدم تفسيره في سورة ~~الكهف والدخان. { وتكون الجبال كالعهن } أي كالصوف المصبوغ، ~~ولا يقال للصوف عهن إلا ms3978 إذا كان مصبوغا. قال الحسن تكون الجبال كالعهن، ~~وهو الصوف الأحمر، وهو أضعف الصوف. وقيل العهن الصوف ذو الألوان، فشبه ~~الجبال به في تكونها ألوانا، كما في قوله # جدد بيض وحمر... وغرابيب سود # فاطر 27 فإذا بست وطيرت في الهواء أشبهت العهن المنفوش إذا طيرته الريح. ~~{ ولا يسئل حميم حميما } أي لا يسأل قريب قريبه عن شأنه في ~~ذلك اليوم لما نزل بهم من شدة الأهوال التي أذهلت القريب عن قريبه، ~~والخليل عن خليله، كما قال سبحانه # لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه # عبس 37. وقيل المعنى لا يسأل حميم عن حميم، فحذف الحرف ووصل الفعل. قرأ ~~الجمهور { لا يسأل } مبنيا للفاعل. قيل والمفعول الثاني محذوف، والتقدير ~~لا يسأله نصره ولا شفاعته، وقرأ أبو جعفر، وأبو حيوة، وشيبة، وابن كثير ~~في رواية عنه على البناء للمفعول. وروى هذه القراءة البزي عن عاصم. ~~والمعنى لا يسأل حميم إحضار حميمه. وقيل هذه القراءة على إسقاط حرف ~~الجر، أي لا يسأل حميم عن حميم، بل كل إنسان يسأل عن نفسه وعن عمله، ~~وجملة { يبصرونهم } مستأنفة، أو صفة لقوله { حميما } أي يبصر ~~كل حميم حميمه، لا يخفى منهم أحد عن أحد. # وليس في القيامة مخلوق وإلا وهو نصب عين صاحبه، ولا يتساءلون ولا يكلم ~~بعضهم بعضا لاشتغال كل أحد منهم بنفسه، وقال ابن زيد يبصر الله الكفار ~~في النار الذين أضلوهم في الدنيا، وهم الرؤساء المتبوعون. وقيل إن قوله { ~~يبصرونهم } يرجع إلى الملائكة أي يعرفون أحوال الناس لا يخفون ~~عليهم، وإنما جمع الضمير في يبصرونهم، وهما للحميمين حملا على معنى ~~العموم لأنهما نكرتان في سياق النفي، قرأ الجمهور { يبصرونهم } بالتشديد، ~~وقرأ قتادة بالتخفيف. ثم ابتدأ سبحانه الكلام فقال { يود المجرم ~~لو يفتدي من عذاب يومئذ } المراد بالمجرم الكافر، أو كل ~~مذنب ذنبا يستحق به النار لو يفتدي من عذاب يوم القيامة الذي نزل به. { ~~ببنيه وصحبته وأخيه } فإن هؤلاء أعز الناس عليه وأكرمهم ~~لديه، فلو قبل منه الفداء لفدى بهم نفسه، وخلص مما نزل به ms3979 من العذاب، ~~والجملة مستأنفة لبيان أن اشتغال كل مجرم بنفسه بلغ إلى حد يود ~~الافتداء من العذاب بمن ذكر. قرأ الجمهور { من عذاب يومئذ } بإضافة عذاب ~~إلى يومئذ. وقرأ أبو حيوة بتنوين " عذاب " وقطع الإضافة. وقرأ الجمهور " ~~يومئذ " بكسر الميم. وقرأ نافع، والكسائي، والأعرج، وأبو حيوة بفتحها { ~~وفصيلته التى تويه } أي عشيرته الأقربين الذين يضمونه في ~~النسب، أو عند الشدائد، ويأوي إليهم. قال أبو عبيد الفصيلة دون القبيلة. ~~وقال ثعلب هم آباؤهم الأدنون. قال المبرد الفصيلة القطعة من أعضاء ~~الجسد. وسميت عشيرة الرجل فصيلة تشبيها لها بالبعض منه. وقال مالك إن ~~الفصيلة هي التي تربيه { ومن فى الأرض جميعا } أي ويود المجرم ~~لو افتدى بمن في الأرض جميعا من الثقلين وغيرهما من الخلائق. وقوله { ~~ثم ينجيه } معطوف على يفتدي، أي يود لو يفتدي، ثم ينجيه الافتداء، ~~وكان العطف بثم لدلالتها على استبعاد النجاة. وقيل إن يود تقتضي جوابا، ~~كما في قوله # ودوا لو تدهن فيدهنون # القلم 9 والجواب. { ثم ينجيه } ، والأول أولى. وقوله { كلا } ردع ~~للمجرم عن تلك الودادة، وبيان امتناع ما وده من الافتداء، و «كلا» يأتي ~~بمعنى حقا، وبمعنى لا مع تضمنها لمعنى الزجر والردع، والضمير في قوله { ~~إنها لظى } عائد إلى النار المدلول عليها بذكر العذاب، أو هو ضمير ~~مبهم يفسره ما بعده، ولظى علم لجهنم، واشتقاقها من التلظي في النار، وهو ~~التلهب. وقيل أصله لظظ بمعنى دوام العذاب، فقلبت إحدى الظاءين ألفا. ~~وقيل لظى هي الدركة الثانية من طباق جهنم { نزاعة للشوى } قرأ ~~الجمهور { نزاعة } بالرفع على أنه خبر ثان لإن، أو خبر مبتدأ محذوف، أو ~~تكون لظى بدلا من الضمير المنصوب، ونزاعة خبر إن، أو على أن نزاعة صفة ~~للظى على تقدير عدم كونها علما، أو يكون الضمير في إنها للقصة، ويكون ~~لظى مبتدأ، ونزاعة خبره، والجملة خبر إن، وقرأ حفص عن عاصم، وأبو عمر، ~~وفي رواية عنه، وأبو حيوة، والزعفراني، والترمذي، وابن مقسم نزاعة بالنصب ~~على الحال. # وقال أبو علي الفارسي حمله على الحال ms3980 بعيد لأنه ليس في الكلام ما يعمل ~~في الحال. وقيل العامل فيها ما دل عليه الكلام من معنى التلظي، أو النصب ~~على الاختصاص، والشوى الأطراف، أو جمع شواة، وهي جلدة الرأس، ومنه قول ~~الأعشى # قالت قتيلة ما له قد جللت شيبا شواته # وقال الحسن، وثابت البناني { نزاعة للشوى } أي لمكارم الوجه ~~وحسنه، وكذا قال أبو العالية، وقتادة. وقال قتادة تبري اللحم والجلد عن ~~العظم حتى لا تترك فيه شيئا. وقال الكسائي هي المفاصل. وقال أبو صالح هي ~~أطراف اليدين والرجلين { تدعوا من أدبر } أي تدعو لظى من أدبر ~~عن الحق في الدنيا { وتولى } أي أعرض عنه { وجمع فأوعى } ~~أي جمع المال فجعله في وعائه. وقيل إنها تقول إلي يا مشرك، إلي يا ~~منافق، وقيل معنى تدعو تهلك، تقول العرب دعاك الله أي أهلكك، وقيل ليس هو ~~الدعاء باللسان، ولكن دعاؤها إياهم تمكنها من عذابهم. وقيل المراد أن ~~خزنة جهنم تدعو الكافرين والمنافقين، فأسند الدعاء إلى النار، من باب ~~إسناد ما هو للحال إلى المحل. وقيل هو تمثيل وتخييل، ولا دعاء في ~~الحقيقة، والمعنى أن مصيرهم إليها، كما قال الشاعر # ولقد هبطنا الواد بين قوادنا ندعو الأنيس به الغصيص الأبكم # والغصيص الأبكم الذباب، وهي لا تدعو، وفي هذا ذم لمن جمع المال فأوعاه، ~~وكنزه ولم ينفقه في سبل الخير، أو لم يؤد زكاته. وقد أخرج الفريابي، ~~وعبد بن حميد، والنسائي، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ~~ابن عباس في قوله { سأل سائل } قال هو النضر بن الحارث قال # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء # الأنفال 32. وفي قوله { بعذاب واقع } قال كائن { للكفرين ~~ليس له دافع من الله ذي المعارج } قال ذي الدرجات. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه في قوله { سأل سائل } قال سال ~~واد في جهنم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { ذي ~~المعارج } قال ذي العلو والفواضل. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عنه أيضا ms3981 في قوله { فى يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة } قال منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق سبع ~~سماوات مقدار خمسين ألف سنة، ويوم كان مقداره ألف سنة ~~قال يعني بذلك، ينزل الأمر من السماء إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء في ~~يوم واحد، فذلك مقدار ألف سنة لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة ~~عام. # وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال غلظ كل أرض خمسمائة عام، وغلظ كل سماء ~~خمسمائة عام، وبين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام، ومن السماء إلى السماء ~~خمسمائة عام، فذلك أربعة عشر ألف عام، وبين السماء السابعة وبين العرش ~~مسيرة ستة وثلاثين ألف عام، فذلك قوله { فى يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في ~~البعث عنه أيضا في قوله { فى يوم كان مقداره ألف سنة ~~مما تعدون } قال هذا في الدنيا تعرج الملائكة في يوم كان مقداره ~~ألف سنة مما تعدون، وفي قوله { فى يوم كان مقداره خمسين ~~ألف سنة } فهذا يوم القيامة جعله الله على الكافر مقدار خمسين ألف ~~سنة. وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي عنه أيضا في قوله # فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة # السجدة 5قال لو قدرتموه لكان خمسين ألف سنة من أيامكم. قال يعني يوم ~~القيامة. وقد قدمنا عن ابن عباس الوقف في الجمع بين الآيتين في سورة ~~السجدة. وأخرج أحمد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في ~~البعث عن أبي سعيد الخدري قال قيل يا رسول الله يوم كان يوم ~~مقداره خمسين ألف سنة ما أطول هذا اليوم؟ فقال # " والذي نفسي بيده إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أهون عليه من صلاة ~~مكتوبة يصليها في الدنيا " # وفي إسناده دراج عن أبي الهيثم، وهما ضعيفان. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~والحاكم، والبيهقي في البعث عن أبي هريرة مرفوعا قال ما قدر طول يوم ~~القيامة على المؤمنين إلا كقدر ما بين الظهر إلى العصر. وأخرج الحكيم ~~الترمذي في نوادر ms3982 الأصول عن ابن عباس في قوله { فاصبر صبرا ~~جميلا } قال لا تشكو إلى أحد غيري. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن ~~المنذر، والخطيب في المتفق والمفترق، والضياء في المختارة عن ابن عباس في ~~قوله { يوم تكون السماء كالمهل } قال كدردي الزيت. وأخرج ~~ابن جرير عنه قال { يبصرونهم } يعرف بعضهم بعضا ويتعارفون، ثم ~~يفر بعضهم من بعض. وأخرج ابن جرير عنه أيضا في قوله { نزاعة ~~للشوى } قال تنزع أم الرأس. ### || [70.19-39] # قوله { إن الإنسن خلق هلوعا } قال في الصحاح الهلع في ~~اللغة أشد الحرص، وأسوأ الجزع وأفحشه. يقال هلع بالكسر، فهو هلع وهلوع ~~على التكثير. وقال عكرمة هو الضجور. قال الواحدي، والمفسرون يقولون تفسير ~~الهلع ما بعده يعني قوله { إذا مسه الشر جزوعا * وإذا ~~مسه الخير منوعا } أي إذا أصابه الفقر والحاجة، أو المرض، أو ~~نحو ذلك، فهو جزوع، أي كثير الجزع، وإذا أصابه الخير من الغنى والخصب ~~والسعة، ونحو ذلك، فهو كثير المنع والإمساك. وقال أبو عبيدة الهلوع هو ~~الذي إذا مسه الخير لم يشكر، وإذا مسه الشر لم يصبر. قال ثعلب قد فسر ~~الله الهلوع هو الذي إذا أصابه الشر أظهر شدة الجزع، وإذا أصابه الخير ~~بخل به ومنعه الناس، والعرب تقول ناقة هلوع، وهلواع إذا كانت سريعة السير ~~خفيفته، ومنه قول الشاعر # شكاء ذعلبة إذا استدبرتها جرح إذا استقبلتها هلواع # والذعلبة الناقة السريعة، وانتصاب هلوعا وجزوعا ومنوعا على أنها ~~أحوال مقدرة، أو محققة لكونها طبائع جبل الإنسان عليها، والظرفان ~~معمولان لجزوعا ومنوعا. { إلا المصلين } أي المقيمين للصلاة ~~وقيل المراد بهم أهل التوحيد يعني أنهم ليسوا على تلك الصفات من الهلع ~~والجزع والمنع وأنهم على صفات محمودة وخلال مرضية لأن إيمانهم وما تمسكوا ~~به من التوحيد ودين الحق يزجرهم عن الاتصاف بتلك الصفات، ويحملهم على ~~الاتصاف بصفات الخير. ثم بينهم سبحانه فقال { الذين هم على ~~صلاتهم دائمون } أي لا يشغلهم عنها شاغل، ولا يصرفهم عنها صارف، ~~وليس المراد بالدوام أنهم يصلون أبدا. قال الزجاج هم الذين لا يزيلون ~~وجوههم ms3983 عن سمت القبلة، وقال الحسن، وابن جريج هو التطوع منها. قال النخعي ~~المراد بالمصلين الذين يؤدون الصلاة المكتوبة. وقيل الذين يصلونها ~~لوقتها، والمراد بالآية جميع المؤمنين، وقيل الصحابة خاصة، ولا وجه لهذا ~~التخصيص لاتصاف كل مؤمن بأنه من المصلين. { والذين فى أمولهم ~~حق معلوم } قال قتادة، ومحمد بن سيرين المراد الزكاة المفروضة. ~~وقال مجاهد سوى الزكاة. وقيل صلة الرحم، والظاهر أنه الزكاة لوصفه بكونه ~~معلوما، ولجعله قرينا للصلاة، وقد تقدم تفسير السائل والمحروم في سورة ~~الذاريات مستوفى. { والذين يصدقون بيوم الدين } أي بيوم ~~الجزاء، وهو يوم القيامة لا يشكون فيه ولا يجحدونه. وقيل يصدقونه ~~بأعمالهم، فيتعبون أنفسهم في الطاعات { والذين هم من عذاب ~~ربهم مشفقون } أي خائفون وجلون مع ما لهم من أعمال الطاعة ~~استحقارا لأعمالهم، واعترافا بما يجب لله سبحانه عليهم. وجملة { إن ~~عذاب ربهم غير مأمون } مقررة لمضمون ما قبلها مبينة أن ~~ذلك مما لا ينبغي أن يأمنه أحد، وأن حق كل أحد أن يخافه. # { والذين هم لفروجهم حفظون } إلى قوله { ~~فأولئك هم العادون } قد تقدم تفسيره في سورة المؤمنين ~~مستوفى. { والذين هم لامنتهم وعهدهم رعون } أي ~~لا يخلون بشيء من الأمانات التي يؤتمنون عليها، ولا ينقضون شيئا من ~~العهود التي يعقدونها على أنفسهم. قرأ الجمهور { لأماناتهم } بالجمع، ~~وقرأ ابن كثير، وابن محيصن " لأمانتهم " بالإفراد، والمراد الجنس { ~~والذين هم بشهدتهم قائمون } أي يقيمونها على من كانت ~~عليه من قريب أو بعيد، أو رفيع أو وضيع، ولا يكتمونها ولا يغيرونها، وقد ~~تقدم القول في الشهادة في سورة البقرة، قرأ الجمهور " بشهادتهم " ~~بالإفراد. وقرأ حفص، ويعقوب وهي رواية عن ابن كثير بالجمع. قال الواحدي ~~والإفراد أولى لأنه مصدر، ومن جمع ذهب إلى اختلاف الشهادات. قال الفراء ~~ويدل على قراءة التوحيد قوله تعالى # وأقيموا الشهدة لله # الطلاق 2. { والذين هم على صلاتهم يحافظون } أي على ~~أذكارها وأركانها وشرائطها، لا يخلون بشيء من ذلك. قال قتادة على وضوئها ~~وركوعها وسجودها. وقال ابن جريج المراد التطوع، وكرر ذكر الصلاة لاختلاف ~~ما وصفهم به أولا، ms3984 وما وصفهم به ثانيا، فإن معنى الدوام هو أن لا ~~يشتغل عنها بشيء من الشواغل، كما سلف ومعنى المحافظة أن يراعي الأمور ~~التي لا تكون صلاة بدونها وقيل المراد يحافظون عليها بعد فعلها من أن ~~يفعلوا ما يحبطها ويبطل ثوابها، وكرر الموصولات للدلالة على أن كل وصف ~~من تلك الأوصاف لجلالته يستحق أن يستقل بموصوف منفرد، والإشارة بقوله { ~~أولئك } إلى الموصوفين بتلك الصفات { فى جنت مكرمون ~~} أي مستقرون فيها، مكرمون بأنواع الكرامات، وخبر المبتدأ قوله { في ~~جنت } ، وقوله { مكرمون } خبر آخر، ويجوز أن يكون الخبر ~~مكرمون، وفي جنات متعلق به. { فمال الذين كفروا قبلك ~~مهطعين } أي أي شيء لهم حواليك مسرعين، قال الأخفش مهطعين مسرعين، ~~ومنه قول الشاعر # بمكة أهلها ولقد أراهم إليهم مهطعين إلى السماع # وقيل المعنى ما بالهم يسرعون إليك يجلسون حواليك، ولا يعملون بما ~~تأمرهم؟ وقيل ما بالهم مسرعين إلى التكذيب. وقيل ما بال الذين كفروا ~~يسرعون إلى السماع إليك، فيكذبونك ويستهزئون بك. وقال الكلبي إن معنى { ~~مهطعين } ناظرين إليك. وقال قتادة عامدين. وقيل مسرعين إليك مادي ~~أعناقهم مديمي النظر إليك. { عن اليمين وعن الشمال عزين } ~~أي عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وعن شماله جماعات متفرقة، وعزين ~~جمع عزة، وهي العصبة من الناس، ومنه قول الشاعر # ترانا عنده والليل داج على أبوابه حلقا عزينا # وقال الراعي # أخليفة الرحمن إن عشيرتي أمسى سراتهم إليك عزينا # وقال عنترة # وقرن قد تركت لدي ولي عليه الطير كالعصب العزينا # وقيل أصلها عزوة من العزو كأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه ~~الأخرى. قال في الصحاح والعزة الفرقة من الناس، والهاء عوض من التاء، ~~والجمع عزى وعزون، وقوله { عن اليمين وعن الشمال } متعلق ~~بعزين، أو بمهطعين. { أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل ~~جنة نعيم } قال المفسرون كان المشركون يقولون لئن دخل هؤلاء الجنة ~~لندخلن قبلهم، فنزلت الآية. قرأ الجمهور { أن يدخل } مبنيا للمفعول، ~~وقرأ الحسن، وزيد بن علي، وطلحة بن مصرف، والأعرج، ويحيى بن يعمر، وأبو ~~رجاء، وعاصم ms3985 في رواية عنه على البناء للفاعل. ثم رد الله سبحانه عليهم ~~فقال { كلا إنا خلقنهم مما يعلمون } أي من القذر ~~الذين يعلمون به، فلا ينبغي لهم هذا التكبر. وقيل المعنى إنا خلقناهم من ~~أجل ما يعلمون، وهو امتثال الأمر والنهي، وتعريضهم للثواب والعقاب، كما ~~في قوله # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # الذاريات 59، ومنه قول الأعشى # وأزمعت من آل ليلى ابتكارا وشطت على ذي هوى أن يزارا # وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة ~~قال سئل ابن عباس عن الهلوع، فقال هو كما قال الله { إذا مسه ~~الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا }. وأخرج ابن ~~المنذر عنه { هلوعا } قال الشره. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن ~~مسعود { الذين هم على صلاتهم دائمون } قال على ~~مواقيتها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن عمران بن حصين { الذين ~~هم على صلاتهم دائمون } قال الذي لا يلتفت في صلاته. وأخرج ~~عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ~~عقبة بن عامر { الذين هم على صلاتهم دائمون } قال هم ~~الذين إذا صلوا لم يلتفتوا. وأخرج ابن المنذر من طريق أخرى عنه نحوه. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { فمال الذين كفروا قبلك ~~مهطعين } قال ينظرون { عن اليمين وعن الشمال عزين } ~~قال العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين يستهزئون به. وأخرج مسلم، وغيره ~~عن جابر قال دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، ونحن حلق ~~متفرقون فقال # " ما لي أراكم عزين " # وأخرج أحمد، وابن ماجه، وابن سعد، وابن أبي عاصم، والباوردي، وابن قانع، ~~والحاكم، والبيهقي في الشعب، والضياء عن بشر بن جحاش قال قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم { فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ~~} إلى قوله { كلا إنا خلقنهم مما يعلمون } ، ثم بزق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على كفه، ووضع عليها أصبعه، وقال # " يقول الله ابن آدم، أنى تعجزني، وقد خلقتك من مثل هذه حتى ms3986 إذا سويتك ~~وعدلتك مشيت بين بردين، وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت ~~التراقي قلت أو أتى أوان الصدقة ". ### || [70.40-44] # قوله { فلا أقسم } «لا» زائدة كما تقدم قريبا، والمعنى فأقسم { ~~برب المشرق والمغرب } يعني مشرق كل يوم من أيام السنة ~~ومغربه. قرأ الجمهور { المشارق والمغارب } بالجمع، وقرأ أبو حيوة، وابن ~~محيصن، وحميد بالإفراد. { إنا لقدرون * على أن نبدل ~~خيرا منهم } أي على أن نخلق أمثل منهم، وأطوع لله حين عصوه ونهلك ~~هؤلاء. { وما نحن بمسبوقين } أي بمغلوبين إن أردنا ذلك بل ~~نفعل ما أردنا لا يفوتنا شيء ولا يعجزنا أمر ولكن مشيئتنا وسابق علمنا ~~اقتضيا تأخير عقوبة هؤلاء، وعدم تبديلهم بخلق آخر. { فذرهم ~~يخوضوا ويلعبوا } أي اتركهم يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في ~~دنياهم، واشتغل بما أمرت به ولا يعظمن عليك ما هم فيه، فليس عليك إلا ~~البلاغ { حتى يلقوا يومهم الذى يوعدون } وهو يوم ~~القيامة، وهذه الآية منسوخة بآية السيف. قرأ الجمهور { يلاقوا }. وقرأ ~~أبو جعفر، وابن محيصن، وحميد، ومجاهد " حتى يلقوا " { يوم يخرجون ~~من الأجداث سراعا } يوم بدل من يومهم، وسراعا منتصب على الحال ~~من ضمير يخرجون، قرأ الجمهور { يخرجون } على البناء للفاعل. وقرأ السلمي، ~~والأعمش، والمغيرة، وعاصم في رواية على البناء للمفعول، والأجداث جمع ~~جدث، وهو القبر { كأنهم إلى نصب يوفضون } قرأ الجمهور { ~~نصب } بفتح النون وسكون الصاد. وقرأ ابن عامر، وحفص بضم النون والصاد، ~~وقرأ عمرو بن ميمون، وأبو رجاء بضم النون وإسكان الصاد. قال في الصحاح ~~والنصب ما نصب فعبد من دون الله، وكذا النصب بالضم، وقد يحرك. قال ~~الأعشى # وذا النصب المنصوب لا تعبدنه ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا # والجمع الأنصاب. وقال الأخفش، والفراء النصب جمع النصب، مثل رهن ورهن، ~~والأنصاب جمع النصب فهو جمع الجمع. وقيل النصب جمع نصاب، وهو حجر أو صنم ~~يذبح عليه، ومنه قوله # وما ذبح على النصب # المائدة 3. وقال النحاس نصب ونصب بمعنى واحد. وقيل معنى { إلى نصب ~~} إلى غاية، وهي التي تنصب إليها بصرك، وقال الكلبي إلى شيء ms3987 منصوب علم أو ~~راية أي كأنهم إلى علم يدعون إليه، أو راية تنصب لهم يوفضون، قال الحسن ~~كانوا يبتدرون إذا طلعت الشمس إلى نصبهم التي كانوا يعبدونها من دون الله ~~لا يلوي أولهم على آخرهم. وقال أبو عمرو النصب شبكة الصائد يسرع إليها ~~عند وقوع الصيد فيها مخافة انفلاته. ومعنى يوفضون يسرعون، والإيفاض ~~الإسراع. يقال أوفض إيفاضا، أي أسرع إسراعا، ومنه قول الشاعر # فوارس ذبيان تحت الحديد كالجن يوفض من عبقر # وعبقر قرية من قرى الجن، كما تزعم العرب، ومنه قول لبيد # كهول وشبان كجنة عبقر # وانتصاب { خشعة أبصرهم } على الحال من ضمير يوفضون، ~~وأبصارهم مرتفعة به، والخشوع الذلة والخضوع، أي لا يرفعونها لما يتوقعونه ~~من العذاب { ترهقهم ذلة } أي تغشاهم ذلة شديدة. # قال قتادة هي سواد الوجوه، ومنه غلام مراهق إذا غشيه الاحتلام، يقال ~~رهقه بالكسر يرهقه رهقا، أي غشيه، ومثل هذا قوله # ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة # يونس 26 والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم ذكره. وهو مبتدأ وخبره ~~{ اليوم الذى كانوا يوعدون } أي الذي كانوا يوعدونه في ~~الدنيا على ألسنة الرسل قد حاق بهم وحضر، ووقع بهم من عذابه ما وعدهم ~~الله به، وإن كان مستقبلا، فهو في حكم الذي قد وقع لتحقق وقوعه. وقد ~~أخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله { فلا أقسم برب المشرق ~~والمغرب } قال للشمس كل يوم مطلع تطلع فيه، ومغرب تغرب فيه غير ~~مطلعها بالأمس وغير مغربها بالأمس. وأخرج ابن جرير عنه { إلى نصب ~~يوفضون } قال إلى علم يستبقون. ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1-20] # قوله { إنا أرسلنا نوحا إلى قومه } قد تقدم أن نوحا ~~أول رسول أرسله الله، وهو نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ بن قينان بن ~~شيث بن آدم، وقد تقدم مدة لبثه في قومه، وبيان جميع عمره، وبيان السن ~~التي أرسل وهو فيها في سورة العنكبوت. { أن أنذر قومك } أي بأن ~~أنذر على أنها مصدرية. ويجوز ms3988 أن تكون هي المفسرة لأن في الإرسال معنى ~~القول. وقرأ ابن مسعود { أنذر } بدون أن، وذلك على تقدير القول، أي فقلنا ~~له أنذر { من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } أي عذاب شديد ~~الألم، وهو عذاب النار. وقال الكلبي هو ما نزل بهم من الطوفان. وجملة { ~~قال يا قوم إنى لكم نذير مبين } مستأنفة استئنافا ~~بيانيا على تقدير سؤال، كأنه قيل فماذا قال نوح؟ فقال قال لهم إلخ. ~~والمعنى إني لكم منذر من عقاب الله ومخوف لكم، ومبين لما فيه نجاتكم. { ~~أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون } «أن» هي التفسيرية ~~لنذير، أو هي المصدرية أي بأن اعبدوا الله ولا تشركوا به غيره، { واتقوه ~~} أي اجتنبوا ما يوقعكم في عذابه، { وأطيعون } فيما آمركم به فإني رسول ~~إليكم من عند الله. { يغفر لكم من ذنوبكم } هذا جواب الأمر، ~~و«من» للتبعيض، أي بعض ذنوبكم، وهو ما سلف منها قبل طاعة الرسول وإجابة ~~دعوته. وقال السدي المعنى يغفر لكم ذنوبكم، فتكون «من» على هذا زائدة. ~~وقيل المراد بالبعض ما لا يتعلق بحقوق العباد. وقيل هي لبيان الجنس. وقيل ~~يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها { ويؤخركم إلى أجل ~~مسمى } أي يؤخر موتكم إلى الأمد الأقصى الذي قدره الله لكم بشرط ~~الإيمان والطاعة فوق ما قدره لكم، على تقدير بقائكم على الكفر والعصيان. ~~وقيل التأخير بمعنى البركة في أعمارهم أن آمنوا، وعدم البركة فيها إن لم ~~يؤمنوا. قال مقاتل يؤخركم إلى منتهى آجالكم. وقال الزجاج أي يؤخركم عن ~~العذاب فتموتوا غير ميتة المستأصلين بالعذاب. وقال الفراء المعنى لا ~~يميتكم غرقا ولا حرقا ولا قتلا { إن أجل الله إذا جاء لا ~~يؤخر } أي ما قدره لكم على تقدير بقائكم على الكفر من العذاب إذا ~~جاء، وأنتم باقون على الكفر لا يؤخر بل يقع لا محالة، فبادروا إلى ~~الإيمان والطاعة. وقيل المعنى إن أجل الله، وهو الموت إذا جاء لا يمكنكم ~~الإيمان. وقيل المعنى إذا جاء الموت لا يؤخر سواء كان بعذاب أو بغير عذاب ~~{ لو كنتم تعلمون } أي ms3989 شيئا من العلم لسارعتم إلى ما أمرتكم ~~به، أو لعلمتم أن أجل الله إذا جاء لا يؤخر. # { قال رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا } أي قال نوح ~~مناديا لربه، وحاكيا له ما جرى بينه وبين قومه، وهو أعلم به منه إني ~~دعوت قومي إلى ما أمرتني بأن أدعوهم إليه من الإيمان دعاء دائما في ~~الليل والنهار من غير تقصير. { فلم يزدهم دعائى إلا ~~فرارا } عما دعوتهم إليه وبعدا عنه. قال مقاتل يعني تباعدا من ~~الإيمان، وإسناد الزيادة إلى الدعاء لكونه سببها، كما في قوله # زادتهم إيمنا # الأنفال 2. قرأ الجمهور " دعائي " بفتح الياء، وقرأ الكوفيون، ويعقوب، ~~والدوري عن أبي عمرو بإسكانها، والاستثناء مفرغ. { وإنى كلما ~~دعوتهم لتغفر لهم } أي كلما دعوتهم إلى سبب المغفرة، وهو ~~الإيمان بك، والطاعة لك { جعلوا أصبعهم فى ءاذنهم } ~~لئلا يسمعوا صوتي { واستغشوا ثيابهم } أي غطوا بها وجوههم ~~لئلا يروني. وقيل جعلوا ثيابهم على رؤوسهم لئلا يسمعوا كلامي، فيكون ~~استغشاء الثياب على هذا زيادة في سد الآذان. وقيل هو كناية عن العداوة. ~~يقال لبس فلان ثياب العداوة. وقيل استغشوا ثيابهم لئلا يعرفهم فيدعوهم { ~~وأصروا } أي استمروا على الكفر، ولم يقلعوا عنه ولا تابوا منه { ~~واستكبروا } عن قبول الحق، وعن امتثال ما أمرهم به { ~~استكبارا } شديدا. { ثم إنى دعوتهم جهرا } أي ~~مظهرا لهم الدعوة مجاهرا لهم بها. { ثم إنى أعلنت لهم } ~~أي دعوتهم معلنا لهم بالدعاء { وأسررت لهم إسرارا } أي ~~وأسررت لهم الدعوة إسرارا كثيرا. قيل المعنى أن يدعو الرجل بعد الرجل ~~يكلمه سرا فيما بينه وبينه، والمقصود أنه دعاهم على وجوه متخالفة ~~وأساليب متفاوتة، فلم ينجع ذلك فيهم. قال مجاهد معنى أعلنت صحت. وقيل ~~معنى { أسررت } أتيتهم في منازلهم فدعوتهم فيها. وانتصاب { جهارا } على ~~المصدرية لأن الدعاء يكون جهارا ويكون غير جهار، فالجهار نوع من الدعاء ~~كقولهم قعد القرفصاء، ويجوز أن يكون نعت مصدر محذوف، أي دعاء جهارا، وأن ~~يكون مصدرا في موضع الحال أي مجاهرا، ومعنى " ثم " الدلالة على تباعد ~~الأحوال لأن الجهار أغلظ من الإسرار، ms3990 والجمع بين الأمرين أغلظ من أحدهما. ~~قرأ الجمهور { إني } بسكون الياء، وقرأ أبو عمرو والحرميون بفتحها. { ~~فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا } أي سلوه ~~المغفرة من ذنوبكم السابقة بإخلاص النية { إنه كان غفارا } أي ~~كثير المغفرة للمذنبين. وقيل معنى { استغفروا } توبوا عن الكفر إنه كان ~~غفارا للتائبين { يرسل السماء عليكم مدرارا } أي يرسل ~~ماء السماء عليكم، ففيه إضمار. وقيل المراد بالسماء المطر، كما في قول ~~الشاعر # إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا # والمدرار الدرور، وهو التحلب بالمطر، وانتصابه إما على الحال من السماء، ~~ولم يؤنث، لأن مفعالا لا يؤنث تقول امرأة مئناث ومذكار، أو على أنه نعت ~~لمصدر محذوف، أي إرسالا مدرارا، وقد تقدم الكلام عليه في سورة ~~الأنعام، وجزم يرسل لكونه جواب الأمر. # وفي هذه الآية دليل على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع ~~الأرزاق، ولهذا قال { ويمددكم بأمول وبنين ويجعل ~~لكم جنت } يعني بساتين { ويجعل لكم أنهارا } ~~جارية. قال عطاء المعنى يكثر أموالكم وأولادكم. أعلمهم نوح عليه السلام ~~أن إيمانهم بالله يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخرة الخصب والغنى في ~~الدنيا { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي أي عذر لكم ~~في ترك الرجاء، والرجاء هنا بمعنى الخوف، أي ما لكم لا تخافون الله، ~~والوقار العظمة من التوقير، وهو التعظيم، والمعنى لا تخافون حق عظمته، ~~فتوحدونه وتطيعونه، و { لا ترجون } في محل نصب على الحال من ضمير ~~المخاطبين، والعامل فيه معنى الاستقرار في لكم، ومن إطلاق الرجاء على ~~الخوف قول الهذلي # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # وقال سعيد بن جبير، وأبو العالية، وعطاء بن أبي رباح ما لكم لا ترجون ~~لله ثوابا، ولا تخافون منه عقابا. وقال مجاهد، والضحاك ما لكم لا ~~تبالون لله عظمة. قال قطرب هذه لغة حجازية. وهذيل، وخزاعة، ومضر يقولون ~~لم أرج لم أبل. وقال قتادة ما لكم لا ترجون لله عاقبة الإيمان. وقال ابن ~~كيسان ما لكم لا ترجون في عبادة الله وطاعته أن يثيبكم على ms3991 توقيركم ~~خيرا. وقال ابن زيد ما لكم لا تؤدون لله طاعة. وقال الحسن ما لكم لا ~~تعرفون لله حقا، ولا تشكرون له نعمة، وجملة { وقد خلقكم ~~أطوارا } في محل نصب على الحال، أي والحال أنه سبحانه قد خلقكم على ~~أطوار مختلفة نطفة، ثم مضغة، ثم علقة إلى تمام الخلق، كما تقدم بيانه في ~~سورة المؤمنين، والطور في اللغة المرة، وقال ابن الأنباري الطور الحال، ~~وجمعه أطوار. وقيل أطوارا صبيانا، ثم شبانا، ثم شيوخا. وقيل الأطوار ~~اختلافهم في الأفعال والأقوال والأخلاق، والمعنى كيف تقصرون في توقير من ~~خلقكم على هذه الأطوار البديعة؟ { ألم تروا كيف خلق الله ~~سبع سموات طباقا } الخطاب لمن يصلح له، والمراد الاستدلال ~~بخلق السموات على كمال قدرته وبديع صنعه، وأنه الحقيق بالعبادة، والطباق ~~المتطابقة بعضها فوق بعض كل سماء مطبقة على الأخرى كالقباب قال الحسن خلق ~~الله سبع سموات على سبع أرضين بين كل سماء وسماء، وأرض وأرض خلق وأمر، ~~وقد تقدم تحقيق هذا في قوله # ومن الأرض مثلهن # الطلاق 12 وانتصاب { طباقا } على المصدرية، تقول طابقه مطابقة، ~~وطباقا، أو حال بمعنى ذات طباق، فحذف ذات وأقام طباقا مقامه، وأجاز ~~الفراء في غير القرآن جر { طباقا } على النعت { وجعل القمر ~~فيهن نورا } أي منورا لوجه الأرض، وجعل القمر في السموات مع ~~كونها في سماء الدنيا لأنها إذا كانت في إحداهن فهي فيهن، كذا قال ابن ~~كيسان. # قال الأخفش كما تقول أتاني بنو تميم، والمراد بعضهم. وقال قطرب فيهن ~~بمعنى معهن، أي خلق القمر والشمس مع خلق السموات والأرض، كما في قول ~~امرىء القيس # وهل ينعمن من كان آخر عهده ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال # أي مع ثلاثة أحوال { وجعل الشمس سراجا } أي كالمصباح لأهل ~~الأرض ليتوصلوا بذلك إلى التصرف فيما يحتاجون إليه من المعاش. { ~~والله أنبتكم من الأرض نباتا } يعني آدم خلقه الله من ~~أديم الأرض، والمعنى أنشأكم منها إنشاء، فاستعير الإنبات للإنشاء لكونه ~~أدل على الحدوث والتكوين، و { نباتا } إما مصدر لأنبت على حذف الزوائد، ~~أو ms3992 مصدر لفعل محذوف، أي أنبتكم من الأرض، فنبتم نباتا. وقال الخليل، ~~والزجاج هو مصدر محمول على المعنى لأن معنى { أنبتكم } جعلكم تنبتون ~~نباتا. وقيل المعنى والله أنبت لكم من الأرض النبات، فنباتا على هذا ~~مفعول به. قال ابن بحر أنبتهم في الأرض بالكبر بعد الصغر، وبالطول بعد ~~القصر. { ثم يعيدكم فيها } أي في الأرض { ويخرجكم ~~إخراجا } يعني يخرجكم منها بالبعث يوم القيامة. { والله جعل ~~لكم الأرض بساطا } أي فرشها وبسطها لكم تتقلبون عليها تقلبكم ~~على بسطكم في بيوتكم. { لتسلكوا منها سبلا فجاجا } أي ~~طرقا واسعة، والفجاج جمع فج، وهو الطريق الواسع، كذا قال الفراء، وغيره. ~~وقيل الفج المسلك بين الجبلين، وقد مضى تحقيق هذا في سورة الأنبياء وفي ~~سورة الحج مستوفى. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم } قال لئلا يسمعوا ما يقول { واستغشوا ~~ثيابهم } قال ليتنكروا، فلا يعرفهم { واستكبروا ~~استكبارا } قال تركوا التوبة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عنه ~~{ واستغشوا ثيابهم } قال غطوا وجوههم لئلا يروا نوحا ولا ~~يسمعوا كلامه. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والبيهقي في الشعب عنه ~~أيضا في قوله { ما لكم لا ترجون لله وقارا } قال لا ~~تعلمون لله عظمة. وأخرج ابن جرير، والبيهقي عنه أيضا { وقارا } قال ~~عظمة. وفي قوله { وقد خلقكم أطوارا } قال نطفة، ثم علقة، ثم ~~مضغة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية ~~قال لا تخافون لله عظمة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال لا تخشون له ~~عقابا ولا ترجون له ثوابا. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن علي بن أبي ~~طالب «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ناسا يغتسلون عراة ليس عليهم ~~أزر، فوقف، فنادى بأعلى صوته { ما لكم لا ترجون لله ~~وقارا } ». وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو الشيخ ~~في العظمة عن عبد الله بن عمرو قال الشمس والقمر، وجوههما قبل السماء ~~وأقفيتهما قبل الأرض، وأنا أقرأ بذلك عليكم أنه ms3993 من كتاب الله { وجعل ~~القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا }. # وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة عن عبد الله بن ~~عمر قال تضيء لأهل السموات، كما تضيء لأهل الأرض. وأخرج عبد بن حميد عن ~~شهر بن حوشب قال اجتمع عبد الله بن عمرو بن العاص وكعب الأحبار وقد كان ~~بينهما بعض العتب، فتعاتبا فذهب ذلك، فقال عبد الله بن عمرو لكعب سلني ~~عما شئت، فلا تسألني عن شيء إلا أخبرتك بتصديق قولي من القرآن، فقال له ~~أرأيت ضوء الشمس والقمر أهو في السموات السبع، كما هو في الأرض؟ قال نعم ~~ألم تروا إلى قول الله { خلق سبع سموات طباقا وجعل ~~القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا }. وأخرج عبد بن ~~حميد، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه عن ابن عباس { وجعل ~~القمر فيهن نورا } قال وجهه في السماء إلى العرش وقفاه إلى ~~الأرض. وأخرج عبد بن حميد من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه { وجعل ~~القمر فيهن نورا } قال خلق فيهن حين خلقهن ضياء لأهل الأرض، ~~وليس في السماء من ضوئه شيء، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضا { ~~سبلا فجاجا } قال طرقا مختلفة. ### || [71.21-28] # قوله { قال نوح رب إنهم عصونى } أي استمروا على ~~عصياني ولم يجيبوا دعوتي، شكاهم إلى الله عز وجل، وأخبره بأنهم عصوه ~~ولم يتبعوه، وهو أعلم بذلك { واتبعوا من لم يزده ماله ~~وولده إلا خسارا } أي اتبع الأصاغر رؤساءهم وأهل الثروة منهم ~~الذين لم يزدهم كثرة المال والولد إلا ضلالا في الدنيا وعقوبة في ~~الآخرة. قرأ أهل المدينة، والشام، وعاصم، وولده بفتح الواو واللام. وقرأ ~~الباقون بسكون اللام، وهي لغة في الولد، ويجوز أن يكون جمعا، وقد تقدم ~~تحقيقه، ومعنى { واتبعوا } أنهم استمروا على اتباعهم لا أنهم ~~أحدثوا الاتباع { ومكروا مكرا كبارا } أي مكرا كبيرا ~~عظيما، يقال كبير وكبار، وكبار مثل عجيب وعجاب وعجاب، وجميل وجمال ~~وجمال. قال المبرد كبارا بالتشديد للمبالغة، ومثل { كبارا } قراء ~~لكثير القراءة، وأنشد ابن السكيت # بيضاء تصطاد القلوب ms3994 وتستبي بالحسن قلب المسلم القراء # قرأ الجمهور { كبارا } بالتشديد. وقرأ ابن محيصن، وحميد، ومجاهد ~~بالتخفيف. قال أبو بكر هو جمع كبير كأنه جعل مكرا مكان ذنوب أو أفاعيل، ~~فلذلك وصفه بالجمع. وقال عيسى بن عمر هي لغة يمانية. واختلف في مكرهم هذا ~~ما هو؟ فقيل هو تحريشهم سفلتهم على قتل نوح، وقيل هو تغريرهم على الناس ~~بما أوتوا من المال والولد حتى قال الضعفة لولا أنهم على الحق لما أوتوا ~~هذه النعم. وقال الكلبي هو ما جعلوه لله من الصاحبة والولد. وقال مقاتل ~~هو قول كبرائهم لأتباعهم لا تذرن الهتكم وقيل مكرهم كفرهم. { ~~وقالوا لا تذرن ءالهتكم } أي لا تتركوا عبادة الهتكم، ~~وهي الأصنام والصور التي كانت لهم، ثم عبدتها العرب من بعدهم، وبهذا قال ~~الجمهور. { ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ~~ويعوق ونسرا } أي لا تتركوا عبادة هذه. قال محمد بن كعب هذه ~~أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح، فنشأ بعدهم قوم يقتدون بهم في ~~العبادة، فقال لهم إبليس لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأسوق إلى ~~العبادة، ففعلوا، ثم نشأ قوم من بعدهم، فقال لهم إبليس إن الذين من قبلكم ~~كانوا يعبدونهم فاعبدوهم، فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك الوقت، وسميت ~~هذه الصور بهذه الأسماء، لأنهم صوروها على صورة أولئك القوم. وقال عروة ~~بن الزبير وغيره إن هذه كانت أسماء لأولاد آدم، وكان ود أكبرهم. قال ~~الماوردي فأما ود، فهو أول صنم معبود، سمي ودا لودهم له، وكان بعد ~~قوم نوح لكلب بدومة الجندل في قول ابن عباس، وعطاء، ومقاتل، وفيه يقول ~~شاعرهم # حياك ود فإنا لا يحل لنا لهو النساء وإن الدين قد غربا # وأما سواع فكان لهذيل بساحل البحر، وأما يغوث فكان لغطيف من مراد بالجرف ~~من سبأ في قول قتادة. # وقال المهدوي لمراد ثم لغطفان وأما يعوق فكان لهمدان في قول قتادة، ~~وعكرمة، وعطاء. وقال الثعلبي كان لكهلان بن سبأ، ثم توارثوه حتى صار في ~~همدان، وفيه يقول مالك بن نمط الهمداني # يريش ms3995 الله في الدنيا ويبري ولا يبري يعوق ولا يريش # وأما نسر فكان لذي الكلاع من حمير في قول قتادة، ومقاتل. قرأ الجمهور { ~~ودا } بفتح الواو. وقرأ نافع بضمها. قال الليث ود بضم الواو صنم ~~لقريش، وبفتحها صنم كان لقوم نوح، وبه سمي عمرو بن ود. قال في الصحاح. ~~والود بالفتح الوتد في لغة أهل نجد كأنهم سكنوا التاء وأدغموها في ~~الدال. وقرأ الجمهور { ولا يغوث ويعقوق } بغير تنوين، فإن كانا عربيين، ~~فالمنع من الصرف للعلمية ووزن الفعل، وإن كانا عجميين، فللعجمة والعلمية. ~~وقرأ الأعمش { ولا يغوثا ويعوقا } بالصرف. قال ابن عطية وذلك وهم. ووجه ~~تخصيص هذه الأصنام بالذكر مع دخولها تحت الالهة لأنها كانت أكبر أصنامهم ~~وأعظمها { وقد أضلوا كثيرا } أي أضل كبراؤهم ورؤساؤهم كثيرا ~~من الناس. وقيل الضمير راجع إلى الأصنام أي ضل بسببها كثير من الناس ~~كقول إبراهيم # رب إنهن أضللن كثيرا من الناس # إبراهيم 36 وأجرى عليهم ضمير من يعقل لاعتقاد الكفار الذين يعبدونها ~~أنها تعقل. { ولا تزد الظلمين إلا ضلالا } معطوف على { ~~رب إنهم عصونى } ووضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم ~~بالظلم. وقال أبو حيان إنه معطوف على قد أضلوا، ومعنى { إلا ضلالا ~~} إلا عذابا كذا قال ابن بحر، واستدل على ذلك بقوله # إن المجرمين فى ضلل وسعر # القمر 47. وقيل إلا خسرانا. وقيل إلا فتنة بالمال والولد. وقيل ~~الضياع. وقيل ضلالا في مكرهم. { مما خطيئتهم أغرقوا } ~~«ما» مزيدة للتأكيد، والمعنى من خطيئاتهم، أي من أجلها وبسببها أغرقوا ~~بالطوفان { فأدخلوا نارا } عقب ذلك، وهي نار الآخرة. وقيل عذاب ~~القبر. قرأ الجمهور { خطيئاتهم } على جمع السلامة، وقرأ أبو عمرو ~~«خطاياهم» على جمع التكسير، وقرأ الجحدري، وعمرو بن عبيد، والأعمش، وأبو ~~حيوة، وأشهب العقيلي " خطيئتهم " على الإفراد، قال الضحاك عذبوا بالنار ~~في الدنيا مع الغرق في حالة واحدة كانوا يغرقون في جانب ويحترقون في ~~جانب. قرأ الجمهور { أغرقوا } من أغرق، وقرأ زيد بن علي " غرقوا " ~~بالتشديد. { فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } أي ~~لم يجدوا أحدا يمنعهم من ms3996 عذاب الله ويدفعه عنهم. { وقال نوح رب ~~لا تذر على الارض من الكفرين ديارا } معطوف على { ~~قال نوح رب إنهم عصونى } لما أيس نوح عليه السلام من ~~إيمانهم وإقلاعهم عن الكفر دعا عليهم بالهلاك. قال قتادة دعا عليهم بعد ~~أن أوحي إليه # إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # هود 36 فأجاب الله دعوته وأغرقهم. وقال محمد بن كعب، ومقاتل، والربيع بن ~~أنس، وابن زيد، وعطية إنما قال هذا حين أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم ~~وأرحام نسائهم، وأعقم أرحام النساء وأصلاب الآباء قبل العذاب بسبعين سنة. ~~وقيل بأربعين. قال قتادة لم يكن فيهم صبي وقت العذاب. وقال الحسن، وأبو ~~العالية لو أهلك الله أطفالهم معهم كان عذابا من الله لهم، وعدلا فيهم، ~~ولكن أهلك ذريتهم وأطفالهم بغير عذاب، ثم أهلكهم بالعذاب، ومعنى { ~~ديارا } من يسكن الديار، وأصله ديوار على فيعال، من دار يدور، فقلبت ~~الواو ياء وأدغمت إحداهما في الأخرى، مثل القيام أصله قيوام، وقال ~~القتيبي أصله من الدار أي نازل بالدار. يقال ما بالدار ديار أي أحد. وقيل ~~الديار صاحب الديار، والمعنى لا تدع أحدا منهم إلا أهلكته { إنك ~~إن تذرهم يضلوا عبادك } أي إن تتركهم على الأرض يضلوا ~~عبادك عن طريق الحق { ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } أي ~~إلا فاجرا بترك طاعتك كفارا لنعمتك أي كثير الكفران لها، والمعنى إلا ~~من سيفجر ويكفر. ثم لما دعا على الكافرين أتبعه بالدعاء لنفسه ووالديه ~~والمؤمنين، فقال { رب اغفر لى ولولدى } وكانا مؤمنين، ~~وأبوه لامك بن متوشلخ، كما تقدم، وأمه سمحاء بنت أنوش، وقيل أراد آدم ~~وحواء. وقال سعيد بن جبير أراد بوالديه أباه وجده. وقرأ سعيد بن جبير " ~~ولوالدي " بكسر الدال على الإفراد. { ولمن دخل بيتى } قال ~~الضحاك، والكلبي يعني مسجده، وقيل منزله الذي هو ساكن فيه، وقيل سفينته. ~~وقيل لمن دخل في دينه، وانتصاب { مؤمنا } على الحال، أي لمن دخل بيتي ~~متصفا بصفة الإيمان، فيخرج من دخله غير متصف بهذه الصفة كامرأته وولده ~~الذي قال # سآوى ms3997 إلى جبل يعصمنى من الماء # هود 43 ثم عمم الدعوة، فقال { وللمؤمنين والمؤمنت } أي ~~واغفر لكل متصف بالإيمان من الذكور والإناث. ثم عاد إلى الدعاء على ~~الكافرين، فقال { ولا تزد الظلمين إلا تبارا } أي لا ~~تزد المتصفين بالظلم إلا هلاكا، وخسرانا ودمارا وقد شمل دعاؤه هذا كل ~~ظالم إلى يوم القيامة، كما شمل دعاؤه للمؤمنين والمؤمنات كل مؤمن ومؤمنة ~~إلى يوم القيامة. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { ~~ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ~~ونسرا } قال هذه الأصنام كانت تعبد في زمن نوح. وأخرج البخاري، وابن ~~المنذر، وابن مردويه عنه قال صارت الأوثان التي كانت تعبد في قوم نوح في ~~العرب أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما ~~يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت ~~لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى ~~الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجلسهم الذي كانوا يجلسون فيه أنصابا، ~~وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد حتى هلك أولئك ونسخ العلم فعبدت. ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1-13] # قوله { قل أوحى إلى } قرأ الجمهور { أوحى } رباعيا. وقرأ ابن ~~أبي عبلة، وأبو إياس، والعتكي عن أبي عمرو " وحي " ثلاثيا، وهما لغتان. ~~واختلف هل رآهم النبي صلى الله عليه وسلم أم لم يرهم؟ فظاهر القرآن أنه ~~لم يرهم لأن المعنى قل يا محمد لأمتك أوحي إلي على لسان جبريل { أنه ~~استمع نفر من الجن } ومثله قوله # وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرءان # الأحقاف 29 ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيح عن ابن عباس قال ما قرأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على الجن وما رآهم. قال عكرمة والسورة التي كان ~~يقرؤها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي # اقرأ باسم ربك الذى خلق # العلق 1 وقد تقدم في سورة الأحقاف ذكر ما يفيد زيادة في هذا. قوله { ~~أنه استمع نفر من الجن } هذا هو القائم ms3998 مقام الفاعل، ~~ولهذا فتحت أن، والضمير للشأن، وعند الكوفيين والأخفش يجوز أن يكون ~~القائم مقام الفاعل الجار والمجرور، والنفر اسم للجماعة ما بين الثلاثة ~~إلى العشرة. قال الضحاك والجن ولد الجان وليسوا شياطين. وقال الحسن ~~إنهم ولد إبليس. قيل هم أجسام عاقلة خفية تغلب عليهم النارية والهوائية. ~~وقيل نوع من الأرواح المجردة. وقيل هي النفوس البشرية المفارقة ~~لأبدانها. وقد اختلف أهل العلم في دخول مؤمني الجن الجنة، كما يدخل ~~عصاتهم النار لقوله في سورة تبارك # وجعلنها رجوما للشيطين وأعتدنا لهم عذاب ~~السعير # الملك 5 وقول الجن فيما سيأتي في هذه السورة # وأما القسطون فكانوا لجهنم حطبا # الجن 15 وغير ذلك من الآيات، فقال الحسن يدخلون الجنة، وقال مجاهد لا ~~يدخلونها، وإن صرفوا عن النار. والأول أولى لقوله في سورة الرحمن # لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان # الرحمن 56 وفي سورة الرحمن آيات غير هذه تدل على ذلك فراجعها، وقد ~~قدمنا أن الحق أنه لم يرسل الله إليهم رسلا منهم، بل الرسل جميعا من ~~الإنس، وإن أشعر قوله # ألم يأتكم رسل منكم # الزمر 71 بخلاف هذا، فهو مدفوع الظاهر بآيات كثيرة في الكتاب العزيز ~~دالة على أن الله سبحانه لم يرسل الرسل إلا من بني آدم، وهذه الأبحاث ~~الكلام فيها يطول، والمراد الإشارة بأخصر عبارة. { فقالوا إنا ~~سمعنا قرءانا عجبا } أي قالوا لقومهم لما رجعوا إليهم، أي ~~سمعنا كلاما مقروءا عجبا في فصاحته وبلاغته. وقيل عجبا في مواعظه. ~~وقيل في بركته، وعجبا مصدر وصف به للمبالغة، أو على حذف المضاف، أي ذا ~~عجب، أو المصدر بمعنى اسم الفاعل أي معجبا { يهدى إلى الرشد } ~~أي إلى مراشد الأمور، وهي الحق والصواب، وقيل إلى معرفة الله، والجملة ~~صفة أخرى للقرآن { فآمنا به } أي صدقنا به بأنه من عند الله { ولن ~~نشرك بربنا أحدا } من خلقه، ولا نتخذ معه إلها آخر لأنه ~~المتفرد بالربوبية، وفي هذا توبيخ للكفار من بني آدم حيث آمنت الجن ~~بسماع القرآن مرة واحدة، وانتفعوا بسماع آيات يسيرة منه، وأدركوا ms3999 ~~بعقولهم أنه كلام الله وآمنوا به، ولم ينتفع كفار الإنس لا سيما رؤساؤهم ~~وعظماؤهم بسماعه مرات متعددة، وتلاوته عليهم في أوقات مختلفة مع كون ~~الرسول منهم يتلوه عليهم بلسانهم لا جرم صرعهم الله أذل مصرع، وقتلهم ~~أقبح مقتل، ولعذاب الآخرة أشد لو كانوا يعلمون. # { وأنه تعلى جد ربنا } قرأه حمزة، والكسائي، وابن ~~عامر، وحفص، وعلقمة، ويحيى بن وثاب، والأعمش، وخلف، والسلمي { وأنه ~~تعالى } بفتح أن، وكذا قرءوا فيما بعدها مما هو معطوف عليها، وذلك أحد ~~عشر موضعا إلى قوله # وأنه لما قام عبد الله # الجن 19، وقرأ الباقون بالكسر في هذه المواضع كلها إلا في قوله # وأن المسجد لله # الجن 18 فإنهم اتفقوا على الفتح، أما من قرأ بالفتح في هذه المواضع، ~~فعلى العطف على محل الجار، والمجرور في { فآمنا به } كأنه قيل فصدقناه، ~~وصدقنا أنه تعالى جد ربنا إلخ، وأما من قرأ بالكسر في هذه المواضع، ~~فعلى العطف على { إنا سمعنا } ، أي فقالوا إنا سمعنا قرآنا، وقالوا إنه ~~تعالى جد ربنا إلى آخره. واختار أبو حاتم، وأبو عبيد قراءة الكسر لأنه ~~كله من كلام الجن ومما هو محكي عنهم بقوله { فقالوا إنا سمعنا }. وقرأ ~~أبو جعفر، وشعبة بالفتح في ثلاثة مواضع، وهي { وأنه تعلى ~~جد ربنا } { وأنه كان يقول سفيهنا } { وأنه ~~كان رجال من الإنس } قالا لأنه من الوحي، وكسرا ما بقي لأنه من ~~كلام الجن. وقرأ الجمهور # وأنه لما قام عبد الله # الجن 19 بالفتح لأنه معطوف على قوله { أنه استمع }. وقرأ نافع، ~~وابن عامر، وشيبة، وزر بن حبيش، وأبو بكر، والمفضل عن عاصم بالكسر في ~~هذا الموضع عطفا على فآمنا به بذلك التقدير السابق، واتفقوا على الفتح ~~في { أنه استمع } ، كما اتفقوا على الفتح في # أن المسجد # الجن 18 وفي # وإن استقموا # الجن 16 واتفقوا على الكسر في { فقالوا إنا سمعنا } و # قل إنما ادعوا ربى # الجن 20 و # قل إن أدرى # الجن 25 و # قل إنى لا أملك لكم # الجن 21. والجد عند أهل اللغة العظمة والجلال، يقال ms4000 جد في عيني أي ~~عظم، فالمعنى ارتفع عظمة ربنا وجلاله، وبه قال عكرمة، ومجاهد، وقال الحسن ~~المراد تعالى غناه، ومنه قيل للحظ، جد ورجل مجدود أي محظوظ، وفي الحديث ~~«ولا ينفع ذا الجد منك الجد» قال أبو عبيد، والخليل أي لا ينفع ذا ~~الغنى منك الغنى أي إنما تنفعه الطاعة، وقال القرطبي، والضحاك جده ~~آلاؤه، ونعمه على خلقه. # وقال أبو عبيدة، والأخفش ملكه وسلطانه. وقال السدي أمره. وقال سعيد بن ~~جبير { وأنه تعلى جد ربنا } أي تعالى ربنا وقيل جده ~~قدرته. وقال محمد بن علي بن الحسين، وابنه جعفر الصادق، والربيع بن أنس ~~ليس لله جد، وإنما قالته الجن للجهالة. قرأ الجمهور " جد " بفتح ~~الجيم، وقرأ عكرمة، وأبو حيوة، ومحمد بن السميفع بكسر الجيم، وهو ضد ~~الهزل، وقرأ أبو الأشهب " جدي ربنا " أي جدواه ومنفعته. وروي عن عكرمة ~~أيضا أنه قرأ بتنوين جد ورفع ربنا على أنه بدل من جد { ما اتخذ ~~صحبة ولا ولدا } هذا بيان لتعالى جده سبحانه. قال الزجاج ~~تعالى جلال ربنا وعظمته عن أن يتخذ صاحبة أو ولدا، وكأن الجن نبهوا بهذا ~~على خطأ الكفار الذين ينسبون إلى الله الصاحبة والولد، ونزهوا الله ~~سبحانه عنهما. { وأنه كان يقول سفيهنا على الله ~~شططا } الضمير في { أنه } للحديث، أو الأمر، { وسفيهنا } يجوز أن يكون ~~اسم كان، و { يقول } الخبر، ويجوز أن يكون سفيهنا فاعل يقول، والجملة خبر ~~كان، واسمها ضمير يرجع إلى الحديث، أو الأمر، ويجوز أن تكون كان زائدة، ~~ومرادهم بسفيههم عصاتهم ومشركوهم. وقال مجاهد، وابن جريج، وقتادة أرادوا ~~به إبليس، والشطط الغلو في الكفر. وقال أبو مالك الجور، وقال الكلبي ~~الكذب، وأصله البعد عن القصد ومجاوزة الحد، ومنه قول الشاعر # بأية حال حكموا فيك فاشتطوا وما ذاك إلا حيث يممك الوخط # { وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله ~~كذبا } أي إنا حسبنا أن الإنس والجن كانوا لا يكذبون على الله بأن له ~~شريكا وصاحبة وولدا، فلذلك صدقناهم في ذلك حتى سمعنا القرآن، فعلمنا ~~بطلان ms4001 قولهم، وبطلان ما كنا نظنه بهم من الصدق، وانتصاب كذبا على أنه ~~مصدر مؤكد ليقول لأن الكذب نوع من القول، أو صفة لمصدر محذوف، أي قولا ~~كذبا. وقرأ يعقوب، والجحدري، وابن أبي إسحاق " أن لن تقول " من ~~التقول، فيكون على هذه القراءة كذبا مفعول به { وأنه كان ~~رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن } قال الحسن، ~~وابن زيد، وغيرهما كان العرب إذا نزل الرجل بواد قال أعوذ بسيد هذا ~~الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في جواره حتى يصبح، فنزلت هذه الآية. ~~قال مقاتل كان أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن، ثم من بني حنيفة، ~~ثم فشا ذلك في العرب، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم { ~~فزادوهم رهقا } أي زاد رجال الجن من تعوذ بهم من رجال الإنس ~~رهقا أي سفها وطغيانا، أو تكبرا وعتوا، أو زاد المستعيذون من رجال ~~الإنس من استعاذوا بهم من رجال الجن رهقا لأن المستعاذ بهم كانوا ~~يقولون سدنا الجن والإنس. # وبالأول قال مجاهد، وقتادة، وبالثاني قال أبو العالية، وقتادة، والربيع ~~بن أنس، وابن زيد. والرهق في كلام العرب الإثم وغشيان المحارم، ورجل رهق ~~إذا كان كذلك، ومنه قوله # ترهقهم ذلة # المعارج 44 أي تغشاهم، ومنه قول الأعشى # لا شيء ينفعني من دون رؤيتها هل يشتفي عاشق ما لم يصب رهقا # يعني إثما. وقيل الرهق الخوف، أي أن الجن زادت الإنس بهذا التعوذ بهم ~~خوفا منهم. وقيل كان الرجل من الإنس يقول أعوذ بفلان من سادات العرب من ~~جن هذا الوادي، ويؤيد هذا ما قيل من أن لفظ رجال لا يطلق على الجن، ~~فيكون قوله { برجال } وصفا لمن يستعيذون به من رجال الإنس، أي ~~يعوذون بهم من شر الجن، وهذا فيه بعد، وإطلاق لفظ رجال على الجن على ~~تسليم عدم صحته لغة لا مانع من إطلاقه عليهم هنا من باب المشاركة. { ~~وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ~~} هذا من قول الجن للإنس، أي وإن الجن ظنوا كما ظننتم أيها الإنس ms4002 أنه ~~لا بعث. وقيل المعنى وإن الإنس ظنوا، كما ظننتم أيها الجن، والمعنى أنهم ~~لا يؤمنون بالبعث كما أنكم لا تؤمنون. { وأنا لمسنا السماء } ~~هذا من قول الجن أيضا، أي طلبنا خبرها، كما به جرت عادتنا { ~~فوجدنها ملئت حرسا } من الملائكة يحرسونها عن استراق ~~السمع، والحرس جمع حارس، و { شديدا } صفة ل { حرسا } أي قويا { ~~وشهبا } جمع شهاب، وهو الشعلة المقتبسة من نار الكوكب، كما تقدم ~~بيانه في تفسير قوله # وجعلنها رجوما للشيطين # الملك 5 ومحل قوله { ملئت حرسا شديدا } النصب على أنه ثاني ~~مفعولي وجدنا لأنه يتعدى إلى مفعولين، ويجوز أن يكون متعديا إلى مفعول ~~واحد، فيكون محل الجملة النصب على الحال بتقدير قد، وحرسا منصوب على ~~التمييز، ووصفه بالمفرد اعتبارا باللفظ، كما يقال السلف الصالح، أي ~~الصالحين. { وأنا كنا نقعد منها مقعد للسمع } ~~أي وأنا كنا معشر الجن قبل هذا نقعد من السماء مقاعد للسمع، أي مواضع ~~نقعد في مثلها لاستماع الأخبار من السماء، وللسمع متعلق، ب { نقعد } أي ~~لأجل السمع، أو بمضمر هو صفة لمقاعد، أي مقاعد كائنة للسمع، والمقاعد جمع ~~مقعد اسم مكان، وذلك أن مردة الجن كانوا يفعلون ذلك ليسمعوا من الملائكة ~~أخبار السماء فيلقونها إلى الكهنة، فحرسها الله سبحانه ببعثه رسوله صلى ~~الله عليه وسلم بالشهب المحرقة، وهو معنى قوله { فمن يستمع الآن ~~يجد له شهابا رصدا } أي أرصد له ليرمى به، أو لأجله لمنعه من ~~السماع، وقوله { الئن } هو ظرف للحال، واستعير للاستقبال، وانتصاب { ~~رصدا } على أنه صفة ل { شهابا } ، أو مفعول له، وهو مفرد ويجوز أن ~~يكون اسم جمع كالحرس. # وقد اختلفوا هل كانت الشياطين ترمى بالشهب قبل المبعث أم لا؟ فقال قوم ~~لم يكن ذلك. وحكى الواحدي عن معمر قال قلت للزهري أكان يرمى بالنجوم في ~~الجاهلية؟ قال نعم، قلت أفرأيت قوله { وأنا كنا نقعد منها ~~} الآية، قال غلظت وشدد أمرها حين بعث محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن ~~قتيبة إن الرجم قد كان قبل مبعثه، ولكنه لم يكن مثله ms4003 في شدة الحراسة بعد ~~مبعثه، وكانوا يسترقون في بعض الأحوال، فلما بعث منعوا من ذلك أصلا. ~~وقال عبد الملك بن سابور لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد، ~~فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حرست السماء ورميت الشياطين بالشهب، ~~ومنعت من الدنو إلى السماء. وقال نافع بن جبير كانت الشياطين في الفترة ~~تسمع فلا ترمى، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رميت بالشهب، وقد ~~تقدم البحث عن هذا { وأنا لا ندرى أشر أريد بمن فى ~~الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا } أي لا ندري أشر أريد ~~بأهل الأرض بسبب هذه الحراسة للسماء، أم أراد بهم ربهم رشدا، أي خيرا. ~~قال ابن زيد قال إبليس لا ندري أراد الله بهذا المنع أن ينزل على أهل ~~الأرض عذابا، أو يرسل إليهم رسولا، وارتفاع { أشر } على الاشتغال، ~~أو على الابتداء، وخبره ما بعده، والأول أولى، والجملة سادة مسد ~~مفعولي ندري، والأولى أن هذا من قول الجن فيما بينهم، وليس من قول إبليس ~~كما قال ابن زيد { وأنا منا الصلحون } أي قال بعض لبعض لما ~~دعوا أصحابهم إلى الإيمان بمحمد وأنا كنا قبل استماع القرآن منا ~~الموصوفون بالصلاح { ومنا دون ذلك } أي قوم دون ذلك، أي دون ~~الموصوفين بالصلاح. وقيل أراد بالصالحون المؤمنين، وبمن هم دون ذلك ~~الكافرين، والأول أولى، ومعنى { كنا طرائق قددا } أي جماعات ~~متفرقة وأصنافا مختلفة، والقدة القطعة من الشيء، وصار القوم قددا إذا ~~تفرقت أحوالهم، ومنه قول الشاعر # القابض الباسط الهادي لطاعته في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد # والمعنى كنا ذوي طرائق قددا، أو كانت طرائقنا طرائق قددا، أو كنا مثل ~~طرائق قددا ومن هذا قول لبيد # لم تبلغ العين كل نهمتها يوم تمشي الجياد بالقدد # وقوله أيضا # ولقد قلت وزيد حاسر يوم ولت خيل عمرو قددا # قال السدي، والضحاك أديانا مختلفة، وقال قتادة أهواء متباينة. وقال ~~سعيد بن المسيب كانوا مسلمين ويهود ونصارى ومجوس وكذا قال مجاهد. قال ~~الحسن الجن أمثالكم قدرية، ومرجئة، ورافضة، ms4004 وشيعة، وكذا قال السدي { ~~وأنا ظننا أن لن نعجز الله فى الأرض } الظن هنا ~~بمعنى العلم واليقين، أي وإنا علمنا أن الشأن لن نعجز الله في الأرض ~~أينما كنا فيها، ولن نفوته إن أراد بنا أمرا { ولن نعجزه ~~هربا } أي هاربين منها، فهو مصدر في موضع الحال. # { وأنا لما سمعنا الهدى } يعنون القرآن { آمنا به } ~~وصدقنا أنه من عبد الله ولم نكذب به، كما كذبت به كفرة الإنس { فمن ~~يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا } أي لا يخاف ~~نقصا في عمله وثوابه، ولا ظلما ومكروها يغشاه، والبخس النقصان، والرهق ~~العدوان والطغيان، والمعنى لا يخاف أن ينقص من حسناته، ولا أن يزاد في ~~سيئاته، وقد تقدم تحقيق الرهق قريبا. قرأ الجمهور { بخسا } بسكون ~~الخاء. وقرأ يحيى بن وثاب بفتحها. وقرأ يحيى بن وثاب، والأعمش " فلا يخف ~~" جزما على جواب الشرط، ولا وجه لهذا بعد دخول الفاء، والتقدير فهو لا ~~يخاف، والأمر ظاهر. وقد أخرج أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وغيرهم عن ~~ابن عباس قال انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين ~~إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم ~~الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا ما لكم؟ فقالوا حيل بيننا وبين ~~خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا ما حال بينكم وبين خبر السماء ~~إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها لتعرفوا ما هذا الأمر الذي ~~حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي ~~بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له قالوا هذا والله الذي ~~حال بينكم وبين خبر السماء، فهناك حين رجعوا إلى قومهم { فقالوا } يا ~~قومنا { قل أوحى إلى أنه يهدى إلى الرشد ~~فئامنا به ولن نشرك بربنا أحدا } فأنزل الله على ~~نبيه صلى الله عليه وسلم { قل أوحى إلى أنه استمع ~~نفر من الجن } وإنما أوحي إليه قول الجن. وأخرج ابن مردويه عن ms4005 ~~ابن مسعود في قوله { قل أوحى إلى أنه استمع نفر من ~~الجن } قال كانوا من جن نصيبين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله { وأنه تعلى جد ربنا } قال آلاؤه وعظمته. وأخرج ~~ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال أمره وقدرته. وأخرج ابن ~~مردويه، والديلمي، قال السيوطي بسند واه عن أبي موسى الأشعري مرفوعا ~~في قوله { وأنه كان يقول سفيهنا } قال إبليس. وأخرج ابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والعقيلي في الضعفاء، والطبراني، وأبو الشيخ في ~~العظمة، وابن مردويه، وابن عساكر عن عكرمة بن أبي السائب الأنصاري قال ~~خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة، وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب، ~~فأخذ حملا من الغنم، فوثب الراعي فقال يا عامر الوادي أنا جارك، فنادى ~~مناد يا سرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم وأنزل الله على ~~رسوله بمكة { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال ~~من الجن } الآية. # وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { فزادوهم رهقا ~~} قال إثما. وأخرج ابن مردويه عنه قال كان القوم في الجاهلية إذا نزلوا ~~بالوادي قالوا نعوذ بسيد هذا الوادي من شر ما فيه، فلا يكون بشيء أشد ~~ولعا منهم بهم، فذلك قوله { فزادوهم رهقا }. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن جرير، والطبراني، ~~وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن ابن عباس قال كانت الشياطين لهم ~~مقاعد في السماء يسمعون فيها الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا، ~~فأما الكلمة فتكون حقا، وأما ما زادوا فيكون باطلا، فلما بعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم ~~يرمى بها قبل ذلك. فقال لهم ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض، فبعث ~~جنوده، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يصلي بين جبلين بمكة، ~~فأتوه فأخبروه، فقال هذا ms4006 الحدث الذي حدث في الأرض. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم عنه في قوله { وأنا منا الصلحون ومنا دون ~~ذلك } يقول منا المسلم ومنا المشرك، و { كنا طرائق قددا } ~~أهواء شتى. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا { فلا يخاف ~~بخسا ولا رهقا } قال لا يخاف نقصا من حسناته ولا زيادة في ~~سيئاته. ### || [72.14-28] # قوله { وأنا منا المسلمون } هم الذين آمنوا بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم. { ومنا القسطون } أي الجائرون الظالمون الذين ~~حادوا عن طريق الحق ومالوا إلى طريق الباطل، يقال قسط إذا جار، وأقسط إذا ~~عدل { فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا } أي قصدوا ~~طريق الحق. قال الفراء أموا الهدى. { وأما القسطون ~~فكانوا لجهنم حطبا } أي وقودا للنار توقد بهم، كما توقد ~~بكفرة الإنس { وألو استقموا على الطريقة } هذا ليس من ~~قول الجن بل هو معطوف على # أنه استمع نفر من الجن # الجن 1 والمعنى وأوحي إلي أن الشأن لو استقام الجن أو الإنس، أو ~~كلاهما على الطريقة، وهي طريقة الإسلام، وقد قدمنا أن القراء اتفقوا على ~~فتح أن ههنا. قال ابن الأنباري والفتح هنا على إضمار يمين تأويلها والله ~~أن لو استقاموا على الطريقة كما فعل، يقال في الكلام والله لو قمت لقمت، ~~كما في قول الشاعر # أما والله أن لو كنت حرا ولا بالحر أنت ولا العتيق # قال أو على { أوحي إلي أنه استمع } ، { وأن لو استقاموا } ، أو على { ~~آمنا به } أي آمنا به، وبأن لو استقاموا. قرأ الجمهور بكسر الواو من لو ~~لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن وثاب، والأعمش بضمها { لأسقينهم ~~ماء غدقا } أي كثيرا واسعا. قال مقاتل ماء كثيرا من السماء، وذلك ~~بعد ما رفع عنهم المطر سبع سنين. وقال ابن قتيبة المعنى لو آمنوا جميعا ~~لوسعنا عليهم في الدنيا، وضرب الماء الغدق مثلا لأن الخير كله والرزق ~~بالمطر، وهذا كقوله # ولو أن أهل الكتب ءامنوا واتقوا # المائدة 65 الآية، وقوله # ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # الطلاق 2 3 وقوله ms4007 # فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل ~~السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأمول وبنين # نوح 10 12 الآية. وقيل المعنى وأن لو استقام أبوهم على عبادته، وسجد ~~لآدم ولم يكفر، وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم، واختار هذا ~~الزجاج. والماء الغدق هو الكثير في لغة العرب. { لنفتنهم فيه } ~~أي لنختبرهم، فنعلم كيف شكرهم على تلك النعم. وقال الكلبي المعنى وأن لو ~~استقاموا على الطريقة التي هم عليها من الكفر، فكانوا كلهم كفارا، ~~لأوسعنا أرزاقهم مكرا بهم واستدراجا حتى يفتنوا بها، فنعذبهم في الدنيا ~~والآخرة. وبه قال الربيع بن أنس، وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن، ~~والثمالي، ويمان بن زيان، وابن كيسان، وأبو مجلز، واستدلوا بقوله # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شىء # الأنعام 44، وقوله # ولولا أن يكون الناس أمة وحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة # الزخرف 33 الآية، والأول أولى { ومن يعرض عن ذكر ربه ~~يسلكه عذابا صعدا } أي ومن يعرض عن القرآن، أو عن العبادة، أو ~~عن الموعظة، أو عن جميع ذلك يسلكه أي يدخله عذابا صعدا أي شاقا صعبا. # قرأ الجمهور " نسلكه " بالنون مفتوحة. وقرأ الكوفيون، وأبو عمرو في ~~رواية عنه بالياء التحتية، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم لقوله ~~{ عن ذكر ربه } ولم يقل " عن ذكرنا ". وقرأ مسلم بن جندب، وطلحة ~~بن مصرف، والأعرج بضم النون وكسر اللام من أسلكه، وقراءة الجمهور من ~~سلكه. والصعد في اللغة المشقة، تقول تصعد بي الأمر إذا شق عليك، وهو ~~مصدر صعد، يقال صعد صعدا وصعودا، فوصف به العذاب مبالغة لأنه يتصعد ~~المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه. قال أبو عبيد الصعد مصدر، أي عذابا ~~ذا صعد. وقال عكرمة الصعد هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها، فإذا انتهى ~~إلى أعلاها حدر إلى جهنم، كما في قوله # سأرهقه صعودا # المدثر 17 والصعود العقبة الكئود. { وأن المسجد لله } قد ~~قدمنا اتفاق القراء هنا على الفتح، فهو معطوف على أنه استمع، أي وأوحي ~~إلي أن المساجد مختصة ms4008 بالله. وقال الخليل التقدير ولأن المساجد. ~~والمساجد المواضع التي بنيت للصلاة فيها. قال سعيد بن جبير قالت الجن ~~كيف لنا أن نأتي المساجد، ونشهد معك الصلاة، ونحن ناؤون عنك؟ فنزلت. وقال ~~الحسن أراد بها كل البقاع لأن الأرض كلها مسجد. وقال سعيد بن المسيب، ~~وطلق بن حبيب أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها العبد، وهي القدمان ~~والركبتان واليدان والجبهة، يقول هذه أعضاء أنعم الله بها عليك، فلا تسجد ~~بها لغيره فتجحد نعمة الله، وكذا قال عطاء. وقيل المساجد هي الصلاة لأن ~~السجود من جملة أركانها، قاله الحسن { فلا تدعوا مع الله ~~أحدا } من خلقه كائنا ما كان. { وأنه لما قام عبد ~~الله } قد قدمنا أن الجمهور قرءوا هنا بفتح «أن»، عطفا على أنه ~~استمع، أي وأوحي إلي أن الشأن لما قام عبد الله، وهو النبي صلى الله ~~عليه وسلم { يدعوه } أي يدعوا الله ويعبده، وذلك ببطن نخلة، كما ~~تقدم حين قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ويتلو القرآن، وقد ~~قدمنا أيضا قراءة من قرأ بكسر «إن» هنا، وفيها غموض وبعد عن المعنى ~~المراد { كادوا يكونون عليه لبدا } أي كاد الجن يكونون ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم لبدا أي متراكمين من ازدحامهم عليه ~~لسماع القرآن منه. قال الزجاج ومعنى { لبدا } يركب بعضهم بعضا، ومن ~~هذا اشتقاق هذه اللبود التي تفرش. قرأ الجمهور { لبدا } بكسر اللام وفتح ~~الباء. وقرأ مجاهد، وابن محيصن، وهشام بضم اللام وفتح الباء، وقرأ أبو ~~حيوة، ومحمد بن السميفع، والعقيلي، والجحدري بضم الباء واللام. # وقرأ الحسن، وأبو العالية، والأعرج بضم اللام وتشديد الباء مفتوحة. فعلى ~~القراءة الأولى المعنى ما ذكرناه، وعلى قراءة ضم اللام يكون المعنى ~~كثيرا، كما في قوله # أهلكت مالا لبدا # البلد 6 وقيل المعنى كاد المشركون يركب بعضهم بعضا حردا على النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن، وقتادة، وابن زيد لما قام عبد الله محمد ~~بالدعوة، تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى الله إلا أن ~~ينصره ويتم نوره. ms4009 واختار هذا ابن جرير. قال مجاهد { لبدا } أي جماعات، ~~وهو من تلبد الشيء على الشيء، أي اجتمع، ومنه اللبد الذي يفرش لتراكم ~~صوفه، وكل شيء ألصقته إلصاقا شديدا، فقد لبدته، ويقال للشعر الذي على ~~ظهر الأسد لبدة، وجمعها لبد، ويقال للجراد الكثير لبد ويطلق اللبد بضم ~~اللام وفتح الباء على الشيء الدائم، ومنه قيل لنسر لقمان لبد لطول بقائه، ~~وهو المقصود بقول النابغة # أخنى عليها الذي أخنى على لبد # { قال إنما ادعو ربى } أي قال عبد الله إنما أدعو ربي وأعبده ~~{ ولا أشرك به أحدا } من خلقه. قرأ الجمهور { قال } وقرأ ~~عاصم، وحمزة " قل " على الأمر. وسبب نزولها أن كفار قريش قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم إنك جئت بأمر عظيم، وقد عاديت الناس كلهم، فارجع عن هذا ~~فنحن نجيرك. { قل إنى لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } أي ~~لا أقدر أن أدفع عنك ضرا ولا أسوق إليكم خيرا. وقيل الضر الكفر، ~~والرشد الهدى، والأول أولى لوقوع النكرتين في سياق النفي، فهما يعمان كل ~~ضرر وكل رشد في الدنيا والدين. { قل إنى لن يجيرنى من الله ~~أحد } أي لا يدفع عني أحد عذابه إن أنزله بي { ولن أجد من ~~دونه ملتحدا } أي ملجأ ومعدلا وحرزا، والملتحد معناه في اللغة ~~الممال أي موضعا أميل إليه. قال قتادة مولى. وقال السدي حرزا، وقال ~~الكلبي مدخلا في الأرض مثل السرب. وقيل مذهبا ومسلكا، والمعنى متقارب، ~~ومنه قول الشاعر # يا لهف نفسي ولهفا غير مجدية عني وما من قضاء الله ملتحد # والاستثناء في قوله { إلا بلاغا من الله } هو من قوله { لا ~~أملك } أي لا أملك ضرا ولا رشدا إلا التبليغ من الله، فإن فيه أعظم ~~الرشد، أو من ملتحدا، أي لن أجد من دونه ملجأ إلا التبليغ. قال مقاتل ~~ذلك الذي يجيرني من عذابه. وقال قتادة إلا بلاغا من الله، فذلك الذي ~~أملكه بتوفيق الله، فأما الكفر والإيمان فلا أملكهما. قال الفراء لكن ~~أبلغكم ما أرسلت به، فهو على هذا منقطع. وقال الزجاج ms4010 هو منصوب على البدل ~~من قوله { ملتحدا } أي ولن أجد من دونه ملتحدا إلا أن أبلغ ما ~~يأتي من الله، وقوله { ورسلته } معطوف على { بلاغا } أي إلا ~~بلاغا من الله، وإلا رسالاته التي أرسلني بها إليكم، أو إلا أن أبلغ ~~عن الله، وأعمل برسالاته، فآخذ نفسي بما آمر به غيري. # وقيل الرسالات معطوفة على الاسم الشريف، أي إلا بلاغا عن الله وعن ~~رسالاته، كذا قال أبو حيان ورجحه { ومن يعص الله ورسوله } ~~في الأمر بالتوحيد لأن السياق فيه { فإن له نار جهنم } قرأ ~~الجمهور بكسر إن على أنها جملة مستأنفة. وقرىء بفتح الهمزة لأن ما بعد ~~فاء الجزاء موضع ابتداء، والتقدير فجزاؤه أن له نار جهنم. أو فحكمه أن له ~~نار جهنم، وانتصاب { خلدين فيها } على الحال، أي في النار، أو في ~~جهنم، والجمع باعتبار معنى من كما أن التوحيد في قوله { فإن له } ~~باعتبار لفظها، وقوله { أبدا } تأكيد لمعنى الخلود، أي خالدين فيها ~~بلا نهاية { حتى إذا رأوا ما يوعدون } يعني من العذاب في ~~الدنيا أو في الآخرة. والمعنى لا يزالون على ما هم عليه من الإصرار على ~~الكفر وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حتى إذا رأوا الذي ~~يوعدون به { فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا } ~~أي من هو أضعف جندا ينتصر به، وأقل عددا أهم أم المؤمنون؟ { قل إن ~~أدرى أقريب ما توعدون } أي ما أدري أقريب حصول ما توعدون من ~~العذاب { أم يجعل له ربى أمدا } أي غاية ومدة. أمره الله ~~سبحانه أن يقول لهم هذا القول لما قالوا له متى يكون هذا الذي توعدنا به؟ ~~قال عطاء يريد أنه لا يعرف يوم القيامة إلا الله وحده، والمعنى أن علم ~~وقت العذاب علم غيب لا يعلمه إلا الله. قرأ الجمهور { ربي } بإسكان ~~الياء. وقرأ الحرميان، وأبو عمرو بفتحها، " ومن " في { من أضعف ~~} موصولة، وأضعف خبر مبتدأ محذوف، أي هو أضعف، والجملة صلة الموصول، ~~ويجوز أن تكون استفهامية مرتفعة على الابتداء، وأضعف خبرها، والجملة في ~~محل ms4011 نصب سادة مسد مفعولي أدري، وقوله { أقريب } خبر مقدم { وما ~~توعدون } مبتدأ مؤخر. { علم الغيب } قرأ الجمهور بالرفع على ~~أنه بدل من ربي، أو بيان له، أو خبر مبتدأ محذوف، والجملة مستأنفة مقررة ~~لما قبلها من عدم الدراية. وقرىء بالنصب على المدح. وقرأ السدي علم الغيب ~~بصيغة الفعل ونصب الغيب، والفاء في { فلا يظهر على غيبه ~~أحدا } لترتيب عدم الإظهار على تفرده بعلم الغيب، أي لا يطلع على ~~الغيب الذي يعلمه، وهو ما غاب عن العباد أحدا منهم، ثم استثنى فقال { ~~إلا من ارتضى من رسول } أي إلا من اصطفاه من الرسل، أو من ~~ارتضاه منهم لإظهاره على بعض غيبه ليكون ذلك دالا على نبوته. # قال القرطبي قال العلماء لما تمدح سبحانه بعلم الغيب، واستأثر به دون ~~خلقه كان فيه دليل أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضى من ~~الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم ~~ودلالة صادقة على نبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى، وينظر ~~في الكف، ويزجر بالطين ممن ارتضاه من رسول، فيطلعه على ما يشاء من غيبه، ~~فهو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه. وقال سعيد بن جبير إلا ~~من ارتضى من رسول هو جبريل، وفيه بعد. وقيل المراد بقوله { ~~إلا من ارتضى من رسول } فإنه يطلعه على بعض غيبه، وهو ما ~~يتعلق برسالته كالمعجزة، وأحكام التكاليف، وجزاء الأعمال، وما يبينه من ~~أحوال الآخرة، لا ما لا يتعلق برسالته من الغيوب، كوقت قيام الساعة ~~ونحوه. قال الواحدي وفي هذا دليل على أن من ادعى أن النجوم تدله على ما ~~يكون من حادث فقد كفر بما في القرآن. قال في الكشاف وفي هذا إبطال ~~للكرامات، لأن الذين تضاف إليهم، وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل، ~~وقد خص الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب، وإبطال للكهانة ~~والتنجيم لأن أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء، وأدخله في السخط. قال ~~الرازي وعندي لا دلالة في الآية على شيء مما ms4012 قالوه إذ لا صيغة عموم في ~~غيبه، فتحمل على غيب واحد، وهو وقت القيامة لأنه واقع بعد قوله { ~~أقريب ما توعدون } الآية. فإن قيل فما معنى الاستثناء حينئذ؟ ~~قلنا لعله إذا قربت القيامة يظهره، وكيف لا؟ وقد قال # ويوم تشقق السماء بالغمم ونزل الملئكة ~~تنزيلا # الفرقان 25 فتعلم الملائكة حينئذ قيام القيامة، أو هو استثناء منقطع أي ~~من ارتضاه من رسول يجعل من بين يديه ومن خلفه حفظة يحفظونه من شر مردة ~~الجن والإنس. ويدل على أنه ليس المراد به لا يطلع أحدا على شيء من ~~المغيبات أنه ثبت، كما يقارب التواتر أن شقا وسطيحا كانا كاهنين وقد ~~عرفا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم قبل ظهوره، وكانا مشهورين بهذا ~~العلم عند العرب حتى رجع إليهما كسرى. فثبت أن الله تعالى قد يطلع غير ~~الرسل على شيء من المغيبات، وأيضا أطبق أهل الملل على أن معبر الرؤيا ~~يخبر عن أمور مستقبلة، ويكون صادقا فيها، وأيضا قد نقل السلطان سنجر بن ~~ملك شاه كاهنة من بغداد إلى خراسان، وسألها عن أمور مستقبلة، فأخبرته ~~بها، فوقعت على وفق كلامها. قال وأخبرني ناس محققون في علم الكلام ~~والحكمة أنها أخبرت عن أمور غائبة بالتفصيل، فكانت على وفق خبرها. وبالغ ~~أبو البركات في كتاب التعبير في شرح حالها وقال فحصت عن حالها ثلاثين ~~سنة، فتحققت أنها كانت تخبر عن المغيبات إخبارا مطابقا. # وأيضا فإنا نشاهد ذلك في أصحاب الإلهامات الصادقة، وقد يوجد ذلك في ~~السحرة أيضا، وقد نرى الأحكام النجومية مطابقة، وإن كانت قد تتخلف، ولو ~~قلنا إن القرآن يدل على خلاف هذه الأمور المحسوسة لتطرق الطعن إلى ~~القرآن، فيكون التأويل ما ذكرنا، انتهى كلامه. قلت أما قوله إذ لا صيغة ~~عموم في غيبه، فباطل، فإن إضافة المصدر واسم الجنس من صيغ العموم، كما ~~صرح به أئمة الأصول وغيرهم. وأما قوله أو هو استثناء منقطع، فمجرد دعوى ~~يأباه النظم القرآني. وأما قوله إن شقا وسطيحا إلخ، فقد كانا في زمن ~~تسترق فيه الشياطين السمع، ms4013 ويلقون ما يسمعونه إلى الكهان، فيخلطون الصدق ~~بالكذب، كما ثبت في الحديث الصحيح. وفي قوله # إلا من خطف الخطفة # الصافات 10 ونحوها من الآيات، فباب الكهانة قد ورد بيانه في هذه ~~الشريعة، وأنه كان طريقا لبعض الغيب بواسطة استراق الشياطين حتى منعوا ~~ذلك بالبعثة المحمدية. وقالوا # وأنا لمسنا السماء فوجدنها ملئت حرسا شديدا ~~وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقعد للسمع فمن ~~يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # الجن 8 9 فباب الكهانة في الوقت الذي كانت فيه مخصوص بأدلته، فهو من ~~جملة ما يخصص به هذا العموم، فلا يرد ما زعمه من إيراد الكهانة على هذه ~~الآية. وأما حديث المرأة الذي أورده فحديث خرافة، ولو سلم وقوع شيء مما ~~حكاه عنها من الأخبار لكان من باب ما ورد في الحديث # " إن في هذه الأمة محدثين، وإن منهم عمر " # فيكون كالتخصيص لعموم هذه الآية لا انقضاء لها، وأما ما اجترأ به على ~~الله وعلى كتابه من قوله في آخر كلامه. فلو قلنا إن القرآن يدل على خلاف ~~هذه الأمور المحسوسة لتطرق الطعن إلى القرآن، فيقال له ما هذه بأول زلة ~~من زلاتك، وسقطة من سقطاتك، وكم لها لديك من أشباه ونظائر نبض بها عرق ~~فلسفتك، وركض بها الشيطان الذي صار يتخبطك في مباحث تفسيرك، يا عجبا لك ~~أيكون ما بلغك من خبر هذه المرأة ونحوه موجبا لتطرق الطعن إلى القرآن، ~~وما أحسن ما قاله بعض أدباء عصرنا # وإذا رامت الذبابة للشم س غطاء مدت عليها جناحا # وقلت من أبيات # مهب رياح سده بجناح وقابل بالمصباح ضوء صباح # فإن قلت إذن قد تقرر بهذا الدليل القرآني أن الله يظهر من ارتضى من ~~رسله على ما شاء من غيبه، فهل للرسول الذي أظهره الله على ما شاء من غيبه ~~أن يخبر به بعض أمته؟ قلت نعم، ولا مانع من ذلك. وقد ثبت عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من هذا ما لا يخفى على عارف بالسنة المطهرة، فمن ذلك ~~ما صح أنه ms4014 قام مقاما أخبر فيه بما سيكون إلى يوم القيامة، وما ترك ~~شيئا مما يتعلق بالفتن ونحوها، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه، وكذلك ما ~~ثبت من أن حذيفة بن اليمان كان قد أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بما يحدث من الفتن بعده، حتى سأله عن ذلك أكابر الصحابة ورجعوا إليه. # وثبت في الصحيح وغيره «أن عمر بن الخطاب سأله عن الفتنة التي تموج كموج ~~البحر، فقال إن بينك وبينها بابا، فقال عمر هل يفتح أو يكسر؟ فقال بل ~~يكسر، فعلم عمر أنه الباب، وأن كسره قتله»، كما في الحديث الصحيح المعروف ~~أنه قيل لحذيفة هل كان عمر يعلم ذلك؟ فقال نعم كان يعلم أن دون غد ~~الليلة. وكذلك ما ثبت من إخباره لأبي ذر بما يحدث له، وإخباره لعلي بن ~~أبي طالب بخبر ذي الثدية، ونحو هذا مما يكثر تعدده، ولو جمع لجاء منه ~~مصنف مستقل. وإذا تقرر هذا فلا مانع من أن يختص بعض صلحاء هذه الأمة ~~بشيء من أخبار الغيب التي أظهرها الله لرسوله، وأظهرها رسوله لبعض أمته، ~~وأظهرها هذا البعض من الأمة لمن بعدهم، فتكون كرامات الصالحين من هذا ~~القبيل، والكل من الفيض الرباني بواسطة الجناب النبوي. ثم ذكر سبحانه ~~أنه يحفظ ذلك الغيب الذي يطلع عليه الرسول فقال { فإنه يسلك من ~~بين يديه ومن خلفه رصدا } والجملة تقرير للإظهار ~~المستفاد من الاستثناء، والمعنى أنه يجعل سبحانه بين يدي الرسول ومن خلفه ~~حرسا من الملائكة يحرسونه من تعرض الشياطين لما أظهره عليه من الغيب، ~~أو يجعل بين يدي الوحي وخلفه حرسا من الملائكة يحوطونه من أن تسترقه ~~الشياطين، فتلقيه إلى الكهنة، والمراد من جميع الجوانب. قال الضحاك ما ~~بعث الله نبيا إلا ومعه ملائكة يحفظونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة ~~الملك، فإذا جاءه شيطان في صورة الملك قالوا هذا شيطان فاحذره، وإن جاءه ~~الملك قالوا هذا رسول ربك. قال ابن زيد { رصدا } ، أي حفظة يحفظون ~~النبي صلى الله عليه وسلم من أمامه وورائه من ms4015 الجن والشياطين. قال ~~قتادة، وسعيد بن المسيب هم أربعة من الملائكة حفظة. وقال الفراء المراد ~~جبريل. قال في الصحاح الرصد القوم يرصدون كالحرس يستوي فيه الواحد والجمع ~~والمؤنث، والرصد للشيء الراقب له، يقال رصده يرصده رصدا ورصدا، والترصد ~~الترقب، والمرصد موضع الرصد. { ليعلم أن قد أبلغوا ~~رسلت ربهم } اللام متعلق ب { يسلك } ، والمراد به العلم ~~المتعلق بالإبلاغ الموجود بالفعل، وأن هي المخففة من الثقيلة، واسمها ~~ضمير الشأن، والخبر الجملة، والرسالات عبارة عن الغيب الذي أريد إظهاره ~~لمن ارتضاه الله من رسول، وضمير أبلغوا يعود إلى الرصد. وقال قتادة، ~~ومقاتل ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو الرسالة، ~~وفيه حذف تتعلق به اللام، أي أخبرناه بحفظنا الوحي ليعلم أن الرسل قبله ~~كانوا على حالته من التبليغ. # وقيل ليعلم محمد أن جبريل ومن معه قد أبلغوا إليه رسالات ربه، قاله سعيد ~~بن جبير. وقيل ليعلم الرسل أن الملائكة قد بلغوا رسالات ربهم. وقيل ليعلم ~~إبليس أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم من غير تخليط. وقال ابن قتيبة، أي ~~ليعلم الجن أن الرسل قد أبلغوا ما أنزل إليهم، ولم يكونوا هم المبلغين ~~باستراق السمع عليهم. وقال مجاهد ليعلم من كذب الرسل أن الرسل قد بلغوا ~~رسالات ربهم. قرأ الجمهور { ليعلم } بفتح التحتية على البناء للفاعل. ~~وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وحميد، ويعقوب، وزيد بن علي بضمها على البناء ~~للمفعول، أي ليعلم الناس أن الرسل قد أبلغوا. وقال الزجاج ليعلم الله أن ~~رسله قد أبلغوا رسالاته، أي ليعلم ذلك عن مشاهدة كما علمه غيبا. وقرأ ~~ابن أبي عبلة، والزهري بضم الياء وكسر اللام { وأحاط بما ~~لديهم } أي بما عنده الرصد من الملائكة، أو بما عند الرسل المبلغين ~~لرسالاته، والجملة في محل نصب على الحال من فاعل يسلك بإضمار قد، أي ~~والحال أنه تعالى قد أحاط بما لديهم من الأحوال. قال سعيد بن جبير ليعلم ~~أن ربهم قد أحاط بما لديهم فبلغوا رسالاته، { وأحصى كل شىء ~~عددا } من جميع الأشياء التي كانت ms4016 والتي ستكون، وهو معطوف على أحاط، ~~وعددا يجوز أن يكون منتصبا على التمييز محولا من المفعول به، أي ~~وأحصى عدد كل شيء، كما في قوله # وفجرنا الأرض عيونا # القمر 12 ويجوز أن يكون منصوبا على المصدرية، أو في موضع الحال ~~معدودا، والمعنى أن علمه سبحانه بالأشياء ليس على وجه الإجمال، بل على ~~وجه التفصيل، أي أحصى كل فرد من مخلوقاته على حدة. وقد أخرج ابن جرير عن ~~ابن عباس قال { القسطون } العادلون عن الحق. وأخرج ابن جرير عنه ~~في قوله { وألو استقموا على الطريقة } قال أقاموا ما ~~أمروا به { لأسقينهم ماء غدقا } قال معينا. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير عن السدي قال قال عمر { وألو استقموا على ~~الطريقة لأسقينهم ماء غدقا لنفتنهم فيه } قال ~~حيثما كان الماء كان المال، وحيثما كان المال كانت الفتنة. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن عباس { لنفتنهم فيه } قال لنبتليهم به. وفي قوله { ~~ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا } قال شقة ~~من العذاب يصعد فيها. وأخرج هناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم ~~وصححه عنه في قوله { يسلكه عذابا صعدا } قال حبلا في جهنم. ~~وأخرج ابن جرير عنه أيضا { عذابا صعدا } قال لا راحة فيه. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { وأن المسجد لله } قال ~~لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلا مسجد الحرام ومسجد إيلياء ~~ببيت المقدس. # وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود قال «خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة إلى نواحي مكة، فخط لي خطا، وقال ~~«لا تحدثن شيئا حتى آتيك، ثم قال لا يهولنك شيئا تراه»، فتقدم شيئا ثم ~~جلس، فإذا رجال سود كأنهم رجال الزط، وكانوا كما قال الله تعالى { ~~كادوا يكونون عليه لبدا }. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ~~ابن عباس في الآية قال لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن ~~كادوا يركبونه من الحرص لما سمعوه، ودنوا منه، فلم يعلم بهم حتى أتاه ms4017 ~~الرسول، فجعل يقرئه { قل أوحى إلى أنه استمع نفر ~~من الجن }. وأخرج عبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن جرير، والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه، والضياء في المختارة عنه أيضا في الآية قال «لما ~~أتى الجن إلى رسول الله، وهو يصلي بأصحابه يركعون بركوعه، ويسجدون ~~بسجوده، فعجبوا من طواعية أصحابه، فقالوا لقومهم لما قام عبد الله يدعوه ~~كادوا يكونون عليه لبدا». وأخرج ابن المنذر عنه أيضا { لما قام ~~عبد الله يدعوه } أي يدعو الله. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عنه { كادوا يكونون عليه لبدا } قال أعوانا. وأخرج ~~ابن المنذر، وابن مردويه عنه أيضا { فلا يظهر على غيبه ~~أحدا * إلا من ارتضى من رسول } قال أعلم الله الرسول من ~~الغيب الوحي، وأظهره عليه مما أوحي إليه من غيبه، وما يحكم الله، فإنه لا ~~يعلم ذلك غيره. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه أيضا { رصدا } ~~قال هي معقبات من الملائكة يحفظون رسول الله من الشياطين حتى تبين الذي ~~أرسل إليهم به، وذلك حتى يقول أهل الشرك قد أبلغوا رسالات ربهم. وأخرج ~~ابن مردويه عنه أيضا قال ما أنزل الله على نبيه آية من القرآن إلا ~~ومعها أربعة من الملائكة يحفظونها، حتى يؤدوها إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ثم قرأ { علم الغيب فلا يظهر على غيبه ~~أحدا * إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من ~~بين يديه ومن خلفه رصدا } يعني الملائكة الأربعة { ~~ليعلم أن قد أبلغوا رسلت ربهم }. ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1-18] # قوله { يأيها المزمل } أصله المتزمل، فأدغمت التاء في الزاي، ~~والتزمل التلفف في الثوب. قرأ الجمهور { المزمل } بالإدغام. وقرأ أبي " ~~المتزمل " على الأصل. وقرأ عكرمة بتخفيف الزاي، ومثل هذه القراءة قول ~~امرىء القيس # كأن ثبيرا في أفانين وبله كبير أناس في لحاد مزمل # وهذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف في معناه، فقال جماعة ~~إنه كان يتزمل صلى الله عليه وسلم بثيابه في أول ما جاءه جبريل بالوحي ~~فرقا منه حتى أنس به. وقيل المعنى يا أيها ms4018 المزمل بالنبوة، والملتزم ~~للرسالة. وبهذا قال عكرمة وكان يقرأ " يا أيها المزمل " بتخفيف الزاي ~~وفتح الميم مشددة اسم مفعول. وقيل المعنى يا أيها المزمل بالقرآن. وقال ~~الضحاك تزمل بثيابه لمنامه. وقيل بلغه من المشركين سوء قول، فتزمل في ~~ثيابه وتدثر، فنزلت { يأيها المزمل } و { يأيها ~~المدثر } المدثر 1. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع ~~صوت الملك، ونظر إليه أخذته الرعدة، فأتى أهله، وقال # " زملوني دثروني " # وكان خطابه صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب في أول نزول الوحي. ثم بعد ~~ذلك خوطب بالنبوة والرسالة { قم اليل إلا قليلا } أي قم ~~للصلاة في الليل. قرأ الجمهور { قم } بكسر الميم لالتقاء الساكنين. وقرأ ~~أبو السماك بضمها اتباعا لضمة القاف. قال عثمان بن جني الغرض بهذه ~~الحركة الهرب من التقاء الساكنين فبأي حركة تحرك فقد وقع الغرض. وانتصاب ~~الليل على الظرفية. وقيل إن معنى { قم } صل، عبر به عنه واستعير له. ~~واختلف هل كان هذا القيام الذي أمر به فرضا عليه أو نفلا؟ وسيأتي إن ~~شاء الله ما روي في ذلك. وقوله { إلا قليلا } استثناء من الليل أي ~~صل الليل كله إلا يسيرا منه، والقليل من الشيء هو ما دون النصف. وقيل ~~ما دون السدس. وقيل ما دون العشر. وقال مقاتل، والكلبي المراد بالقليل ~~هنا الثلث، وقد أغنانا عن هذا الاختلاف قوله { نصفه } إلخ، وانتصاب { ~~نصفه } على أنه بدل من الليل. قال الزجاج نصفه بدل من الليل، وإلا ~~قليلا استثناء من النصف، والضمير في منه وعليه عائد إلى النصف. والمعنى ~~قم نصف الليل، أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث، أو زد عليه قليلا إلى ~~الثلثين، فكأنه قال قم ثلثي الليل أو نصفه أو ثلثه. وقيل إن نصفه بدل من ~~قوله { قليلا } فيكون المعنى قم الليل إلا نصفه، أو أقل من نصفه، أو ~~أكثر من نصفه، قال الأخفش نصفه أي أو نصفه، كما يقال أعطه درهما درهمين ~~ثلاثة، يريد، أو درهمين، أو ثلاثة. # قال الواحدي قال المفسرون أو انقص من النصف ms4019 قليلا إلى الثلث، أو زد على ~~النصف إلى الثلثين، جعل له سعة في مدة قيامه في الليل، وخيره في هذه ~~الساعات للقيام، فكان النبي صلى الله عليه وسلم وطائفة معه يقومون على ~~هذه المقادير، وشق ذلك عليهم، فكان الرجل لا يدري كم صلى، أو كم بقي من ~~الليل، فكان يقوم الليل كله حتى خفف الله عنهم، وقيل الضميران في منه ~~وعليه راجعان للأقل من النصف، كأنه قال قم أقل من نصفه، أو قم أنقص من ~~ذلك الأقل، أو أزيد منه قليلا، وهو بعيد جدا، والظاهر أن نصفه بدل من ~~قليلا، والضميران راجعان إلى النصف المبدل من { قليلا }. واختلف في ~~الناسخ لهذا الأمر. وقيل هو قوله # إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى اليل ~~ونصفه وثلثه # المزمل 20 إلى آخر السورة. وقيل هو قوله { علم أن لن تحصوه } ~~وقيل هو قوله { علم أن سيكون منكم مرضى }. وقيل هو منسوخ ~~بالصلوات الخمس، وبهذا قال مقاتل، والشافعي، وابن كيسان. وقيل هو قوله # فاقرءوا ما تيسر منه # المزمل 20 وذهب الحسن، وابن سيرين إلى أن صلاة الليل فريضة على كل مسلم ~~ولو قدر حلب شاة { ورتل القرءان ترتيلا } أي اقرأه على مهل ~~مع تدبر. قال الضحاك اقرأه حرفا حرفا. قال الزجاج هو أن يبين جميع ~~الحروف، ويوفي حقها من الإشباع. وأصل الترتيل التنضيد، والتنسيق، وحسن ~~النظام، وتأكيد الفعل بالمصدر يدل على المبالغة على وجه لا يلتبس فيه ~~بعض الحروف ببعض، ولا ينقص من النطق بالحرف من مخرجه المعلوم مع استيفاء ~~حركته المعتبرة. { إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا } أي ~~سنوحي إليك القرآن، وهو قول ثقيل. قال قتادة ثقيل، والله فرائضه وحدوده. ~~قال مجاهد حلاله وحرامه. قال الحسن العمل به. قال أبو العالية ثقيلا ~~بالوعدوالوعيد، والحلال والحرام. وقال محمد بن كعب ثقيل على المنافقين ~~والكفار لما فيه من الاحتجاج عليهم والبيان لضلالهم، وسب الهتهم. وقال ~~السدي ثقيل بمعنى كريم من قولهم فلان ثقيل علي، أي يكرم علي. قال ~~الفراء ثقيلا رزينا ليس بالخفيف السفساف. لأنه ms4020 كلام ربنا. وقال الحسين ~~بن الفضل ثقيلا لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق ونفس مزينة بالتوحيد. ~~وقيل وصفه بكونه ثقيلا حقيقة لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها على الأرض، فما تستطيع أن ~~تتحرك حتى يسري عنه. { إن ناشئة اليل } أي ساعاته وأوقاته ~~لأنها تنشأ أولا فأولا، يقال نشأ الشيء ينشأ إذا ابتدأ وأقبل شيئا ~~بعد شيء، فهو ناشىء، وأنشأه الله فنشأ، ومنه نشأت السحاب إذا بدأت، ~~فناشئة فاعلة من نشأ ينشأ، فهي ناشئة. قال الزجاج ناشئة الليل كل ما نشأ ~~منه، أي حدث، فهو ناشئة، قال الواحدي قال المفسرون الليل كله ناشئة، ~~والمراد أن ساعات الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف عن الاسم الموصوف. # وقيل إن ناشئة الليل هي النفس التي تنشأ من مضجعها للعبادة أي تنهض، من ~~نشأ من مكانه إذا نهض. وقيل الناشئة بالحبشية قيام الليل، وقيل إنما يقال ~~لقيام الليل ناشئة إذا كان بعد نوم. قال ابن الأعرابي إذا نمت من أول ~~الليل ثم قمت فتلك المنشأة والنشأة، ومنه ناشئة الليل. قيل وناشئة الليل ~~هي ما بين المغرب والعشاء، لأن معنى نشأ ابتدأ، ومنه قول نصيب # ولولا أن يقال صبا نصيب لقلت بنفسي النشأ الصغار # قال عكرمة، وعطاء إن ناشئة الليل بدو الليل. وقال مجاهد وغيره هي في ~~الليل كله لأنه ينشأ بعد النهار، واختار هذا مالك. وقال ابن كيسان هي ~~القيام من آخر الليل. قال في الصحاح ناشئة الليل أول ساعاته. وقال الحسن ~~هي ما بعد العشاء الآخرة إلى الصبح { هى أشد وطأ } قرأ الجمهور ~~{ وطأ } بفتح الواو وسكون الطاء مقصورة، واختار هذه القراءة أبو حاتم. ~~وقرأ أبو العالية، وابن أبي إسحاق، ومجاهد، وأبو عمرو، وابن عامر، وحميد، ~~وابن محيصن، والمغيرة، وأبو حيوة بكسر الواو وفتح الطاء ممدودة، واختار ~~هذه القراءة أبو عبيد، فالمعنى على القراءة الأولى أن الصلاة في ناشئة ~~الليل أثقل على المصلي من صلاة النهار لأن الليل للنوم. قال ابن قتيبة ~~المعنى أنها أثقل ms4021 على المصلي من ساعات النهار، من قول العرب اشتدت على ~~القوم وطأة السلطان إذا ثقل عليهم ما يلزمهم منه، ومنه قوله صلى الله ~~عليه وسلم # اللهم اشدد وطأتك على مضر # والمعنى على القراءة الثانية أنها أشد مواطأة، أي موافقة، من قولهم ~~واطأت فلانا على كذا مواطأة ووطاء إذا وافقته عليه. قال مجاهد، وابن أبي ~~مليكة أي أشد موافقة بين السمع والبصر، والقلب واللسان لانقطاع الأصوات ~~والحركات فيها، ومنه # ليواطئوا عدة ما حرم الله # التوبة 37 أي ليوافقوا. وقال الأخفش أشد قياما. وقال الفراء أي أثبت ~~للعمل، وأدوم لمن أراد الاستكثار من العبادة، والليل وقت الفراغ عن ~~الاشتغال بالمعاش، فعبادته تدوم ولا تنقطع. وقال الكلبي أشد نشاطا { ~~وأقوم قيلا } أي وأشد مقالا، وأثبت قراءة لحضور القلب فيها ~~وهدوء الأصوات، وأشد استقامة واستمرارا على الصواب لأن الأصوات فيها ~~هادئة والدنيا ساكنة، فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه. قال قتادة، ومجاهد ~~أي أصوب للقراءة، وأثبت للقول لأنه زمان التفهم. قال أبو علي الفارسي ~~أقوم قليلا، أي أشد استقامة لفراغ البال بالليل. قال الكلبي أي أبين ~~قولا بالقرآن. وقال عكرمة أي أتم نشاطا وإخلاصا وأكثر بركة. وقال ابن ~~زيد أجدر أن يتفقه في القرآن. وقيل أعجل إجابة للدعاء. { إن لك فى ~~النهار سبحا طويلا } قرأ الجمهور { سبحا } بالحاء المهملة أي ~~تصرفا في حوائجك، وإقبالا وإدبارا، وذهابا ومجيئا. # والسبح الجري والدوران، ومنه السباحة في الماء لتقلبه ببدنه ورجليه، ~~وفرس سابح، أي شديد الجري. وقيل السبح الفراغ أي إن لك فراغا بالنهار ~~للحاجات، فصل بالليل. قال ابن قتيبة أي تصرفا، وإقبالا وإدبارا في ~~حوائجك وأشغالك. وقال الخليل إن لك في النهار سبحا، أي نوما، والتسبح ~~التمدد. قال الزجاج المعنى إن فاتك في الليل شيء فلك في النهار فراغ ~~للاستدراك. وقرأ يحيى بن يعمر، وأبو وائل، وابن أبي عبلة " سبخا " ~~بالخاء المعجمة. قيل ومعنى هذه القراءة الخفة والسعة والاستراحة. قال ~~الأصمعي يقال سبخ الله عنك الحمى، أي خففها، وسبخ الحر فتر وخف، ومنه ~~قول الشاعر # فسبخ عليك ms4022 الهم واعلم بأنه إذا قدر الرحمن شيئا فكائن # أي خفف عنك الهم. والتسبيخ من القطن ما ينسج بعد الندف، ومنه قول ~~الأخطل # فأرسلوهن يذرين التراب كما تذري سبائخ قطن ندف أوتار # قال ثعلب السبخ بالخاء المعجمة التردد والاضطراب، والسبخ السكون. وقال ~~أبو عمرو السبخ النوم والفراغ. { واذكر اسم ربك } أي ادعه ~~بأسمائه الحسنى. وقيل اقرأ باسم ربك في ابتداء صلاتك، وقيل اذكر اسم ربك ~~في وعده ووعيده لتوفر على طاعته، وتبعد عن معصيته. وقيل المعنى دم على ~~ذكر ربك ليلا ونهارا، واستكثر من ذلك. وقال الكلبي المعنى صل لربك { ~~وتبتل إليه تبتيلا } أي انقطع إليه انقطاعا بالاشتغال ~~بعبادته، والتبتل الانقطاع، يقال بتلت الشيء أي قطعته وميزته من غيره، ~~وصدقة بتلة، أي منقطعة من مال صاحبها، ويقال للراهب متبتل لانقطاعه عن ~~الناس، ومنه قول الشاعر # تضيء الظلام بالعشاء كأنها منارة ممسى راهب متبتل # ووضع { تبتيلا } مكان تبتلا لرعاية الفواصل. قال الواحدي والتبتل رفض ~~الدنيا وما فيها والتماس ما عند الله. { رب المشرق ~~والمغرب } قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر، وابن عامر بجر رب على ~~النعت لربك، أو البدل منه، أو البيان له. وقرأ الباقون برفعه على أنه ~~مبتدأ، وخبره { لا إله إلا هو } أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، ~~أي هو رب المشرق، وقرأ زيد بن علي بنصبه على المدح. وقرأ الجمهور { ~~المشرق والمغرب } مفردين. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس " المشارق والمغارب ~~" على الجمع. وقد قدمنا تفسير المشرق والمغرب، والمشرقين والمغربين، ~~والمشارق والمغارب { فاتخذه وكيلا } أي إذا عرفت أنه المختص ~~بالربوبية، فاتخذه وكيلا، أي قائما بأمورك، وعول عليه في جميعها. وقيل ~~كفيلا بما وعدك من الجزاء والنصر { واصبر على ما يقولون } ~~من الأذى والسب والاستهزاء، ولا تجزع من ذلك { واهجرهم هجرا ~~جميلا } أي لا تتعرض لهم، ولا تشتغل بمكافأتهم. وقيل الهجر الجميل ~~الذي لا جزع فيه. # وهذا كان قبل الأمر بالقتال. { وذرنى والمكذبين } أي دعني ~~وإياهم، ولا تهتم بهم فإني أكفيك أمرهم وأنتقم لك منهم. قيل نزلت في ~~المطعمين يوم بدر، وهم ms4023 عشرة وقد تقدم ذكرهم. وقال يحيى بن سلام هم بنو ~~المغيرة. وقال سعيد بن جبير أخبرت أنهم اثنا عشر { أولى النعمة } ~~أي أرباب الغنى والسعة والترفه واللذة في الدنيا { ومهلهم قليلا ~~} أي تمهيلا قليلا على أنه نعت لمصدر محذوف، أو زمانا قليلا على أنه ~~صفة لزمان محذوف، والمعنى أمهلهم إلى انقضاء آجالهم. وقيل إلى نزول عقوبة ~~الدنيا بهم كيوم بدر، والأول أولى لقوله { إن لدينا أنكالا } ~~وما بعده، فإنه وعيد لهم بعذاب الآخرة، والأنكال جمع نكل، وهو القيد، كذا ~~قال الحسن، ومجاهد، وغيرهما. وقال الكلبي الأنكال الأغلال، والأول أعرف ~~في اللغة، ومنه قول الخنساء # أتوك فقطعت أنكالهم وقد كن قبلك لا تقطع # وقال مقاتل هي أنواع العذاب الشديد. وقال أبو عمران الجوني هي قيود لا ~~تحل { وجحيما } أي نارا مؤججة { وطعاما ذا غصة } أي لا ~~يسوغ في الحلق بل ينشب فيه، فلا ينزل، ولا يخرج. قال مجاهد هو الزقوم. ~~وقال الزجاج هو الضريع، كما قال # ليس لهم طعام إلا من ضريع # الغاشية 6 قال وهو شوك العوسج، قال عكرمة هو شوك يأخذ بالحلق لا يدخل ~~ولا يخرج، والغصة الشجا في الحلق، وهو ما ينشب فيه من عظم أو غيره، ~~وجمعها غصص { وعذابا أليما } أي ونوعا آخر من العذاب غير ما ذكر. ~~{ يوم ترجف الأرض والجبال } انتصاب الظرف إما بذرني، أو ~~بالاستقرار المتعلق به لدينا، أو هو صفة لعذاب، فيتعلق بمحذوف أي عذابا ~~واقعا يوم ترجف، أو متعلق ب { أليما }. قرأ الجمهور { ترجف } بفتح ~~التاء وضم الجيم مبنيا للفاعل، وقرأ زيد بن علي على البناء للمفعول. ~~مأخوذ من أرجفها، والمعنى تتحرك وتضطرب بمن عليها، والرجفة الزلزلة ~~والرعدة الشديدة { وكانت الجبال كثيبا مهيلا } أي وتكون ~~الجبال، وإنما عبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه، والكثيب الرمل المجتمع، ~~والمهيل الذي يمر تحت الأرجل. قال الواحدي أي رملا سائلا يقال لكل شيء ~~أرسلته إرسالا من تراب، أو طعام أهلته هيلا. قال الضحاك، والكلبي ~~المهيل الذي إذا وطئته بالقدم زل من تحتها، وإذا أخذت أسفله انهال. ومنه ms4024 ~~قول حسان # عرفت ديار زينب بالكثيب كخط الوحي في الورق القشيب # { إنا أرسلنا إليكم رسولا شهدا عليكم } ~~الخطاب لأهل مكة أو لكفار العرب أو لجميع الكفار. والرسول محمد، والمعنى ~~يشهد عليكم يوم القيامة بأعمالكم { كما أرسلنا إلى فرعون ~~رسولا } يعني موسى. { فعصى فرعون الرسول } الذي أرسلناه ~~إليه وكذبه، ولم يؤمن بما جاء به، ومحل الكاف النصب على أنها نعت لمصدر ~~محذوف، والمعنى إنا أرسلنا إليكم رسولا فعصيتموه، كما أرسلنا إلى فرعون ~~رسولا فعصاه { فأخذنه أخذا وبيلا } أي شديدا ثقيلا ~~غليظا، والمعنى عاقبنا فرعون عقوبة شديدة غليظة بالغرق وفيه تخويف لأهل ~~مكة أنه سينزل بهم من العقوبة مثل ما نزل به، وإن اختلف نوع العقوبة. # قال الزجاج أي ثقيلا غليظا، ومنه قيل للمطر وابل. وقال الأخفش شديدا، ~~والمعنى متقارب، ومنه طعام وبيل إذا كان لا يستمرأ، ومنه قول الخنساء # لقد أكلت بجيلة يوم لاقت فوارس مالك أكلا وبيلا # { فكيف تتقون } أي كيف تقون أنفسكم { إن كفرتم } أي إن ~~بقيتم على كفركم { يوما } أي عذاب يوم { يجعل الولدن شيبا ~~} لشدة هوله، أي يصير الولدان شيوخا، والشيب جمع أشيب، وهذا يجوز أن ~~يكون حقيقة، وأنهم يصيرون كذلك، أو تمثيلا لأن من شاهد الهول العظيم ~~تقاصرت قواه وضعفت أعضاؤه، وصار كالشيخ في الضعف وسقوط القوة، وفي هذا ~~تقريع لهم شديد وتوبيخ عظيم. قال الحسن أي كيف تتقون يوما يجعل الولدان ~~شيبا إن كفرتم، وكذا قرأ ابن مسعود، وعطية، ويوما مفعول به لتتقون. قال ~~ابن الأنباري ومنهم من نصب اليوم بكفرتم، وهذا قبيح، والولدان الصبيان، ~~ثم زاد في وصف ذلك اليوم بالشدة، فقال { السماء منفطر به } أي ~~متشققة به لشدته وعظيم هوله، والجملة صفة أخرى ليوم، والباء سببية، وقيل ~~هي بمعنى في أي منفطر فيه، وقيل بمعنى اللام أي منفطر له، وإنما قال { ~~منفطر } ولم يقل " منفطرة " لتنزيل السماء منزلة شيء لكونها قد تغيرت، ~~ولم يبق منها إلا ما يعبر عنه بالشيء. وقال أبو عمرو بن العلاء لم يقل " ~~منفطرة " لأن مجازها السقف، كما قال ms4025 الشاعر # فلو رفع السماء إليه قوما لحقنا بالسماء وبالسحاب # فيكون هذا، كما في قوله # وجعلنا السماء سقفا محفوظا # الأنبياء 32. وقال الفراء السماء تذكر وتؤنث. وقال أبو علي الفارسي هو ~~من باب الجراد المنتشر، والشجر الأخضر، و # أعجاز نخل منقعر # القمر 20 قال أيضا أي السماء ذات انفطار. كقولهم امرأة مرضع، أي ذات ~~إرضاع على طريق النسب، وانفطارها لنزول الملائكة، كما قال # إذا السماء انفطرت # الانفطار 1 وقوله # السموت يتفطرن من فوقهن # الشورى 5. وقيل منفطر به، أي بالله، والمراد بأمره، والأول أولى { ~~كان وعده مفعولا } أي وكان وعد الله بما وعد به من البعث ~~والحساب وغير ذلك كائنا لا محالة، والمصدر مضاف إلى فاعله، أو وكان وعد ~~اليوم مفعولا، فالمصدر مضاف إلى مفعوله. وقال مقاتل كان وعده أن يظهر ~~دينه على الدين كله. وقد أخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، ومحمد ~~بن نصر في كتاب الصلاة، والبيهقي في سننه عن سعد بن هشام قال قلت لعائشة ~~أنبئيني عن قيام رسول الله، قالت ألست تقرأ هذه السورة { يأيها ~~المزمل }؟ قلت بلى، قالت فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه ~~السورة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت ~~أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهرا، ثم أنزل التخفيف ~~في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعا من بعد فرضه، وقد روي هذا ~~الحديث عنها من طرق. # وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، ومحمد بن ~~نصر، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال لما ~~نزلت أول المزمل كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل ~~آخرها، وكان بين أولها وآخرها نحو من سنة. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن نصر عن أبي عبد الرحمن السلمي قال لما نزلت يا ~~أيها المزمل قاموا حولا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم حتى نزلت # فاقرءوا ما تيسر منه # المزمل 20 فاستراح الناس. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن ms4026 نصر، وابن ~~مردويه، والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال في المزمل { ~~قم اليل إلا قليلا نصفه } نسختها الآية التي فيها # علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما ~~تيسر من القرءان # المزمل 20 وناشئة الليل أوله كان صلاتهم أول الليل، يقول هذا أجدر أن ~~تحصوا ما فرض الله عليكم من قيام الليل، وذلك أن الإنسان إذا نام لم يدر ~~متى يستيقظ، وقوله { أقوم قيلا } هو أجدر أن يفقه قراءة القرآن، ~~وقوله { إن لك فى النهار سبحا طويلا } يقول فراغا ~~طويلا. وأخرج الحاكم وصححه عنه في قوله { يأيها المزمل } قال ~~زملت هذا الأمر فقم به. وأخرج ابن المنذر عنه في الآية أيضا قال يتزمل ~~بالثياب. وأخرج الفريابي، عن أبي صالح عنه أيضا { ورتل القرءان ~~ترتيلا } قال تقرأ آيتين ثلاثا ثم تقطع لا تهدر. وأخرج ابن أبي ~~شيبة، وعبد بن حميد، وابن منيع في مسنده، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~ومحمد بن نصر عنه أيضا { ورتل القرءان ترتيلا } قال بينه ~~تبيينا. وأخرج العسكري في المواعظ عن علي بن أبي طالب مرفوعا نحوه. ~~وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن نصر، والحاكم وصححه عن عائشة« ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه، وهو على ناقته وضعت ~~جرانها، فما تستطيع أن تتحرك حتى يسري عنه، وتلت { إنا سنلقى ~~عليك قولا ثقيلا } ». وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن نصر، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { ~~إن ناشئة اليل } قال قيام الليل بلسان الحبشة إذا قام الرجل ~~قالوا نشأ. وأخرج البيهقي عنه قال { ناشئة اليل } أوله. # وأخرج ابن المنذر، وابن نصر عنه أيضا قال الليل كله ناشئة. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال { ناشئة ~~اليل } بالحبشة قيام الليل. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن نصر، ~~والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك قال { ناشئة اليل } ما بين ~~المغرب والعشاء. وأخرج عبد بن ms4027 حميد، وابن نصر، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والحاكم في الكنى عن ابن عباس في قوله { إن لك فى النهار ~~سبحا طويلا } قال السبح الفراغ للحاجة والنوم. وأخرج أبو يعلى، ~~وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل عن عائشة ~~قالت لما نزلت { وذرنى والمكذبين أولى النعمة ~~ومهلهم قليلا } لم يكن إلا يسيرا حتى كانت وقعة بدر. وأخرج ~~عبد بن حميد عن ابن مسعود { إن لدينا أنكالا } قال قيودا. ~~وأخرج عبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن عباس { وطعاما ذا غصة } ~~قال شجرة الزقوم. وأخرج الحاكم وصححه عنه في قوله { كثيبا مهيلا } ~~قال المهيل الذي إذا أخذت منه شيئا تبعك آخره. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا { كثيبا مهيلا } قال الرمل ~~السائل، وفي قوله { أخذا وبيلا } قال شديدا. وأخرج الطبراني، وابن ~~مردويه عنه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { يجعل ~~الولدن شيبا } قال # " ذلك يوم القيامة، وذلك يوم يقول الله لآدم قم، فابعث من ذريتك بعثا ~~إلى النار، قال من كم يا رب؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، وينجو ~~واحد، فاشتد ذلك على المسلمين، فقال حين أبصر ذلك في وجوههم إن بني آدم ~~كثير، وإن يأجوج، ومأجوج من ولد آدم، إنه لا يموت رجل منهم حتى يرثه ~~لصلبه ألف رجل، ففيهم وفي أشباههم جنة لكم " # وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود نحوه بأخصر منه. وأخرج الفريابي، وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله { السماء ~~منفطر به } قال ممتلئة بلسان الحبشة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال ~~مثقلة موقرة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال يعني تشقق ~~السماء. ### || [73.19-20] # الإشارة بقوله { إن هذه } إلى ما تقدم من الآيات، والتذكرة ~~الموعظة، والإشارة إلى جميع آيات القرآن، لا إلى ما في هذه السورة فقط { ~~فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } أي اتخذ ms4028 بالطاعة التي أهم ~~أنواعها التوحيد إلى ربه طريقا توصله إلى الجنة. { إن ربك ~~يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى اليل } معنى { أدنى ~~} أقل، استعير له الأدنى لأن المسافة بين السنين إذا دنت قل ما بينهما ~~{ ونصفه } معطوف على أدنى { وثلثه } معطوف على نصفه، والمعنى ~~أن الله يعلم أن رسوله صلى الله عليه وسلم يقوم أقل من ثلثي الليل، ~~ويقوم نصفه، ويقوم ثلثه، وبالنصب قرأ ابن كثير، والكوفيون، وقرأ الجمهور ~~" ونصفه وثلثه " بالجر عطفا على ثلثي الليل، والمعنى أن الله يعلم أن ~~رسوله يقوم أقل من ثلثي الليل، وأقل من نصفه، وأقل من ثلثه، واختار ~~قراءة الجمهور أبو عبيد وأبو حاتم لقوله { علم أن لن تحصوه } ~~فكيف يقومون نصفه وثلثه وهم لا يحصونه. وقال الفراء القراءة الأولى أشبه ~~بالصواب لأنه قال أقل من ثلثي الليل، ثم فسر نفس القلة { وطائفة ~~من الذين معك } معطوف على الضمير في تقوم أي وتقوم ذلك القدر ~~معك طائفة من أصحابك. { والله يقدر اليل والنهار } أي ~~يعلم مقادير الليل والنهار على حقائقها، ويختص بذلك دون غيره، وأنتم لا ~~تعلمون ذلك على الحقيقة. قال عطاء يريد لا يفوته علم ما تفعلون. أي أنه ~~يعلم مقادير الليل والنهار، فيعلم قدر الذي تقومونه من الليل { علم ~~أن لن تحصوه } أن لن تطيقوا علم مقادير الليل والنهار على ~~الحقيقة، وفي أن ضمير شأن محذوف. وقيل المعنى لن تطيقوا قيام الليل. قال ~~القرطبي والأول أصح، فإن قيام الليل ما فرض كله قط، قال مقاتل وغيره ~~لما نزل # قم اليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا ~~* أو زد عليه # المزمل 2 4 شق ذلك عليهم، وكان الرجل لا يدري متى نصف الليل من ثلثه، ~~فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطىء، فانتفخت أقدامهم، وانتقعت ألوانهم، ~~فرحمهم الله، وخفف عنهم فقال { علم أن لن تحصوه } أي علم أن لن ~~تحصوه لأنكم إن زدتم ثقل عليكم واحتجتم إلى تكلف ما ليس فرضا، وإن نقصتم ~~شق ذلك عليكم. { فتاب عليكم } أي فعاد عليكم بالعفو، ورخص ms4029 لكم في ~~ترك القيام. وقيل فتاب عليكم من فرض القيام إذا عجزتم، وأصل التوبة ~~الرجوع، كما تقدم فالمعنى رجع بكم من التثقيل إلى التخفيف، ومن العسر ~~إلى اليسر. { فاقرءوا ما تيسر من القرءان } أي فاقرءوا ~~في الصلاة بالليل ما خف عليكم، وتيسر لكم منه من غير أن ترقبوا وقتا. # قال الحسن هو ما نقرأ في صلاة المغرب والعشاء. قال السدي ما تيسر منه ~~هو مائة آية. قال الحسن أيضا من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن. ~~وقال كعب من قرأ في ليلة مائة آية كتب من القانتين. وقال سعيد خمسون آية. ~~وقيل معنى { فاقرءوا ما تيسر منه } فصلوا ما تيسر لكم من ~~صلاة الليل، والصلاة تسمى قرآنا، كقوله و # أقم الصلوة # الإسراء 78. قيل إن هذه الآية نسخت قيام الليل ونصفه، والنقصان من النصف ~~والزيادة عليه، فيحتمل أن يكون ما تضمنته هذه الآية فرضا ثابتا، ويحتمل ~~أن يكون منسوخا لقوله # ومن اليل فتهجد به نافلة لك عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا # الإسراء 79. قال الشافعي الواجب طلب الاستدلال بالسنة على أحد المعنيين. ~~فوجدنا سنة رسول الله تدل على أن لا واجب من الصلاة إلا الخمس. وقد ذهب ~~قوم إلى أن قيام الليل نسخ في حقه وفي حق أمته. وقيل نسخ التقدير بمقدار ~~وبقي أصل الوجوب. وقيل إنه نسخ في حق الأمة، وبقي فرضا في حقه، والأولى ~~القول بنسخ قيام الليل على العموم في حقه وفي حق أمته، وليس في قوله { ~~فاقرءوا ما تيسر منه } ما يدل على بقاء شيء من الوجوب لأنه ~~إن كان المراد به القراءة من القرآن، فقد وجدت في صلاة المغرب والعشاء ~~وما يتبعهما من النوافل المؤكدة، وإن كان المراد به الصلاة من الليل، فقد ~~وجدت صلاة الليل بصلاة المغرب والعشاء وما يتبعهما من التطوع. وأيضا ~~الأحاديث الصحيحة المصرحة بقول السائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل ~~علي غيرها، يعني الصلوات الخمس؟ فقال # " لا، إلا أن تطوع " # تدل على عدم وجوب غيرها. فارتفع بهذا وجوب ms4030 قيام الليل، وصلاته على ~~الأمة، كما ارتفع وجوب ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله { ومن ~~اليل فتهجد به نافلة لك } ، قال الواحدي قال المفسرون ~~في قوله { فاقرءوا ما تيسر منه } كان هذا في صدر الإسلام، ~~ثم نسخ بالصلوات الخمس عن المؤمنين، وثبت على النبي صلى الله عليه وسلم ~~خاصة، وذلك قوله { وأقيموا الصلاة }. ثم ذكر سبحانه عذرهم فقال { علم ~~أن سيكون منكم مرضى } فلا يطيقون قيام الليل { وآخرون ~~يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله } أي يسافرون فيها للتجارة والأرباح ~~يطلبون من رزق الله ما يحتاجون إليه في معاشهم فلا يطيقون قيام الليل { ~~وآخرون يقاتلون في سبيل الله } يعني المجاهدين، فلا يطيقون قيام الليل. ~~ذكر سبحانه ها هنا ثلاثة أسباب مقتضية للترخيص، ورفع وجوب قيام الليل، ~~فرفعه عن جميع الأمة لأجل هذه الأعذار التي تنوب بعضهم. ثم ذكر ما ~~يفعلونه بعد هذا الترخيص فقال { فاقرءوا ما تيسر منه } وقد ~~سبق تفسيره قريبا، والتكرير للتأكيد { وأقيموا الصلاة } يعني المفروضة، ~~وهي الخمس لوقتها { وآتوا الزكاة } يعني الواجبة في الأموال. # وقال الحارث العكلي هي صدقة الفطر لأن زكاة الأموال وجبت بعد ذلك. وقيل ~~صدقة التطوع. وقيل كل أفعال الخير { وأقرضوا الله قرضا ~~حسنا } أي أنفقوا في سبيل الخير من أموالكم إنفاقا حسنا، وقد مضى ~~تفسيره في سورة الحديد. قال زيد بن أسلم القرض الحسن النفقة على الأهل. ~~وقيل النفقة في الجهاد، وقيل هو إخراج الزكاة المفترضة على وجه حسن، ~~فيكون تفسيرا لقوله { وآتوا الزكاة } والأول أولى لقوله { وما ~~تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله } فإن ~~ظاهره العموم، أي أي خير كان مما ذكر ومما لم يذكر { هو خيرا ~~وأعظم أجرا } مما تؤخرونه إلى عند الموت، أو توصون به ليخرج بعد ~~موتكم، وانتصاب { خيرا } على أنه ثاني مفعولي تجدوه، وضمير هو ضمير فصل، ~~وبالنصب قرأ الجمهور، وقرأ أبو السماك، وابن السميفع بالرفع على أن يكون ~~هو مبتدأ، وخير خبره، والجملة في محل نصب على أنها ثاني مفعولي تجدوه. ~~قال أبو زيد ms4031 وهي لغة تميم يرفعون ما بعد ضمير الفصل، وأنشد سيبويه # تحن إلى ليلى وأنت تركتها وكنت عليها بالملاء أنت أقدر # وقرأ الجمهور أيضا { وأعظم } بالنصب عطفا على { خيرا } ، وقرأ أبو ~~السماك، وابن السميفع بالرفع، كما قرأ برفع " خير " ، وانتصاب { أجرا } ~~على التمييز { واستغفروا الله } أي اطلبوا منه المغفرة ~~لذنوبكم، فإنكم لا تخلون من ذنوب تقترفونها { إن الله غفور ~~رحيم } أي كثير المغفرة لمن استغفره، كثير الرحمة لمن استرحمه. وقد ~~أخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والطبراني عن ابن عباس، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم { فاقرءوا ما تيسر منه }. قال «مائة آية». ~~وأخرج الدراقطني، والبيهقي في سننه، وحسناه عن قيس بن أبي حازم قال صليت ~~خلف ابن عباس، فقرأ في أول ركعة بالحمد لله رب العالمين، وأول آية من ~~البقرة، ثم ركع، فلما انصرفنا أقبل علينا، فقال إن الله يقول { ~~فاقرءوا ما تيسر منه } قال ابن كثير وهذا حديث غريب جدا لم ~~أره إلا في معجم الطبراني. وأخرج أحمد، والبيهقي في سننه عن أبي سعيد ~~قال «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما ~~تيسر». وقد قدمنا في البحث الأول من هذه السورة ما روي أن هذه الآيات ~~المذكورة هنا هي الناسخة لوجوب قيام الليل، فارجع إليه. ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-30] # قال الواحدي قال المفسرون لما بدىء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحي ~~أتاه جبريل، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم على سرير بين السماء ~~والأرض كالنور المتلأليء، ففزع ووقع مغشيا عليه، فلما أفاق دخل على ~~خديجة، ودعا بماء، فصبه عليه، وقال «دثروني دثروني»، فدثروه بقطيفة، فقال ~~{ يأيها المدثر * قم فأنذر } ومعنى { يأيها ~~المدثر } يا أيها الذي قد تدثر بثيابه، أي تغشى بها، وأصله ~~المتدثر، فأدغمت التاء في الدال لتجانسهما. وقد قرأ الجمهور بالإدغام، ~~وقرأ أبي " المتدثر " على الأصل، والدثار هو ما يلبس فوق الشعار، والشعار ~~هو الذي يلي الجسد، وقال عكرمة المعنى يا أيها المدثر بالنبوة وأثقالها. ~~قال ابن العربي وهذا مجاز بعيد ms4032 لأنه لم يكن نبيا إذ ذاك { قم ~~فأنذر } أي انهض فخوف أهل مكة وحذرهم العذاب إن لم يسلموا، أو قم من ~~مضجعك، أو قم قيام عزم وتصميم. وقيل الإنذار هنا هو إعلامهم بنبوته. ~~وقيل إعلامهم بالتوحيد. وقال الفراء المعنى قم فصل، وأمر بالصلاة { ~~وربك فكبر } أي واختص سيدك ومالكك ومصلح أمورك بالتكبير، وهو ~~وصفه سبحانه بالكبرياء والعظمة، وأنه أكبر من أن يكون له شريك كما يعتقده ~~الكفار، وأعظم من أن يكون له صاحبة أو ولد. قال ابن العربي المراد به ~~تكبير التقديس والتنزيه بخلع الأضداد والأنداد والأصنام، ولا يتخذ وليا ~~غيره ولا يعبد سواه، ولا يرى لغيره فعلا إلا له ولا نعمة إلا منه. قال ~~الزجاج إن الفاء في { فكبر } دخلت على معنى الجزاء، كما دخلت في { فأنذر ~~}. وقال ابن جني هو كقولك زيدا فاضرب أي زيدا اضرب، فالفاء زائدة. { ~~وثيابك فطهر } المراد بها الثياب الملبوسة على ما هو المعنى ~~اللغوي، أمره الله سبحانه بتطهير ثيابه، وحفظها عن النجاسات، وإزالة ما ~~وقع فيها منها. وقيل المراد بالثياب العمل. وقيل القلب. وقيل النفس. وقيل ~~الجسم. وقيل الأهل. وقيل الدين. وقيل الأخلاق. قال مجاهد، وابن زيد، وأبو ~~رزين، أي عملك فأصلح. وقال قتادة نفسك فطهر من الذنب، والثياب عبارة عن ~~النفس. وقال سعيد بن جبير قلبك فطهر، ومن هذا قول امرىء القيس # فسلي ثيابي من ثيابك تنسل # وقال عكرمة المعنى البسها على غير غدر وغير فجرة. وقال أما سمعت قول ~~الشاعر # وإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع # والشاعر هو غيلان بن سلمة الثقفي، ومن إطلاق الثياب على النفس قول عنترة # فشككت بالرمح الطويل ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرم # وقول الآخر # ثياب بني عوف طهارى نقية # وقال الحسن، والقرظي إن المعنى، وأخلاقك فطهر لأن خلق الإنسان مشتمل ~~على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه، ومنه قول الشاعر # ويحيى لا يلام بسوء خلق ويحيى طاهر الأثواب حر # وقال الزجاج المعنى، وثيابك فقصر لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسات إذا ms4033 ~~انجر على الأرض، وبه قال طاوس، والأول أولى لأنه المعنى الحقيقي. وليس ~~في استعمال الثياب مجاز عن غيرها لعلاقة مع قرينة ما يدل على أنه المراد ~~عند الإطلاق، وليس في مثل هذا الأصل أعني الحمل على الحقيقة عند الإطلاق ~~خلاف، وفي الآية دليل على وجوب طهارة الثياب في الصلاة. { والرجز ~~فاهجر } الرجز معناه في اللغة العذاب، وفيه لغتان كسر الراء وضمها، ~~وسمي الشرك وعبادة الأوثان رجزا لأنها سبب الرجز. قرأ الجمهور { الرجز } ~~بكسر الراء. وقرأ الحسن، ومجاهد، وعكرمة، وحفص، وابن محيصن بضمها. وقال ~~مجاهد، وعكرمة الرجز الأوثان، كما في قوله # فاجتنبوا الرجس من الأوثن # الحج 30 وبه قال ابن زيد. وقال إبراهيم النخعي الرجز المأثم، والهجر ~~الترك. وقال قتادة الرجز إساف ونائلة، وهما صنمان كانا عند البيت. وقال ~~أبو العالية، والربيع، والكسائي الرجز بالضم الوثن، وبالكسر العذاب. وقال ~~السدي الرجز بضم الراء الوعيد، والأول أولى { ولا تمنن ~~تستكثر } قرأ الجمهور { ولا تمنن } بفك الإدغام، وقرأ الحسن، وأبو ~~اليمان، والأشهب العقيلي بالإدغام، وقرأ الجمهور { تستكثر } بالرفع على ~~أنه حال، أي ولا تمنن حال كونك مستكثرا. وقيل على حذف أن، والأصل ولا ~~تمنن أن تستكثر، فلما حذفت رفع. قال الكسائي فإذا حذف أن رفع الفعل. وقرأ ~~يحيى بن وثاب، والأعمش " تستكثر " بالنصب على تقدير أن، وبقاء عملها، ~~ويؤيد هذه القراءة قراءة ابن مسعود " ولا تمنن أن تستكثر " بزيادة أن. ~~وقرأ الحسن أيضا، وابن أبي عبلة " تستكثر " بالجزم على أنه بدل من تمنن، ~~كما في قوله # يلق أثاما * يضعف له # الفرقان 68، 69، وقول الشاعر # متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطبا جزلا ونارا تأججا # أو الجزم لإجراء الوصل مجرى الوقف، كما في قول امرىء القيس # فاليوم أشرب غير مستحقب إثما من الله ولا واغل # بتسكين أشرب. وقد اعترض على هذه القراءة لأن قوله { تستكثر } لا يصح أن ~~يكون بدلا من تمنن لأن المن غير الاستكثار، ولا يصح أن يكون جوابا ~~للنهي. واختلف السلف في معنى الآية. فقيل المعنى لا تمنن على ربك بما ms4034 ~~تتحمله من أعباء النبوة كالذي يستكثر ما يتحمله بسبب الغير. وقيل لا تعط ~~عطية تلتمس فيها أفضل منها، قاله عكرمة، وقتادة. قال الضحاك هذا حرمه ~~الله على رسوله لأنه مأمور بأشرف الآداب وأجل الأخلاق، وأباحه لأمته. ~~وقال مجاهد لا تضعف أن تستكثر من الخير، من قولك حبل متين إذا كان ~~ضعيفا. وقال الربيع بن أنس لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير. # وقال ابن كيسان لا تستكثر عملا فتراه من نفسك، إنما عملك منة من الله ~~عليك إذ جعل لك سبيلا إلى عبادته. وقيل لا تمنن بالنبوة، والقرآن على ~~الناس، فتأخذ منهم أجرا تستكثره. وقال محمد بن كعب لا تعط مالك مصانعة. ~~وقال زيد بن أسلم إذا أعطيت عطية فأعطها لربك. { ولربك فاصبر } ~~أي لوجه ربك، فاصبر على طاعته وفرائضه، والمعنى لأجل ربك وثوابه. وقال ~~مقاتل، ومجاهد اصبر على الأذى والتكذيب. وقال ابن زيد حملت أمرا عظيما، ~~فحاربتك العرب والعجم، فاصبر عليه لله. وقيل اصبر تحت موارد القضاء لله. ~~وقيل فاصبر على البلوى. وقيل على الأوامر والنواهي. { فإذا نقر فى ~~الناقور } الناقور فاعول من النقر، كأنه من شأنه أن ينقر فيه ~~للتصويت، والنقر في كلام العرب الصوت، ومنه قول امرىء القيس # أخفضه بالنقر لما علوته # ويقولون نقر باسم الرجل إذا دعاه، والمراد هنا النفخ في الصور، والمراد ~~النفخة الثانية. وقيل الأولى، وقد تقدم الكلام في هذا في سورة الأنعام ~~وسورة النحل، والفاء للسببية، كأنه قيل اصبر على أذاهم، فبين أيديهم يوم ~~هائل يلقون فيه عاقبة أمرهم، والعامل في إذا ما دل عليه قوله { فذلك ~~يومئذ يوم عسير * على الكفرين } فإن معناه عسر الأمر ~~عليهم. وقيل العامل فيه ما دل عليه { فذلك } لأنه إشارة إلى النقر، ~~ويومئذ بدل من إذا، أو مبتدأ، وخبره يوم عسير، والجملة خبر { فذلك } ، ~~وقيل هو ظرف للخبر لأن التقدير وقوع يوم عسير، وقوله { غير يسير } ~~تأكيد لعسره عليهم لأن كونه غير يسير، قد فهم من قوله { يوم عسير ~~}. { ذرنى ومن خلقت وحيدا } أي دعني، ms4035 وهي كلمة تهديد ووعيد، ~~والمعنى دعني والذي خلقته حال كونه وحيدا في بطن أمه لا مال له ولا ولد، ~~هذا على أن وحيدا منتصب على الحال من الموصول، أو من الضمير العائد إليه ~~المحذوف، ويجوز أن يكون حالا من الياء في ذرني، أي دعني وحدي معه، فإني ~~أكفيك في الانتقام منه، والأول أولى. قال المفسرون وهو الوليد بن ~~المغيرة. قال مقاتل يقول خل بيني وبينه، فأنا أنفرد بهلكته، وإنما خص ~~بالذكر لمزيد كفره، وعظيم جحوده لنعم الله عليه. وقيل أراد بالوحيد الذي ~~لا يعرف أبوه، وكان يقال في الوليد بن المغيرة إنه دعي. { وجعلت ~~له مالا ممدودا } أي كثيرا، أو يمد بالزيادة والنماء شيئا ~~بعد شيء. قال الزجاج مالا غير منقطع عنه، وقد كان الوليد بن المغيرة ~~مشهورا بكثرة المال على اختلاف أنواعه. قيل كان يحصل له من غلة أمواله ~~ألف ألف دينار. وقيل أربعة آلاف دينار. وقيل ألف دينار. { وبنين ~~شهودا } أي وجعلت له بنين حضورا بمكة معه لا يسافرون، ولا يحتاجون ~~إلى التفرق في طلب الرزق لكثرة مال أبيهم. # قال الضحاك كانوا سبعة ولدوا بمكة، وخمسة ولدوا بالطائف. وقال سعيد بن ~~جبير كانوا ثلاثة عشر ولدا. وقال مقاتل كانوا سبعة كلهم رجال، أسلم منهم ~~ثلاثة خالد وهشام والوليد بن الوليد، فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية ~~في نقصان من ماله وولده حتى هلك. وقيل معنى { شهودا } أنه إذا ذكر ذكروا ~~معه، وقيل كانوا يشهدون معه ما كان يشهده، ويقومون بما كان يباشره { ~~ومهدت له تمهيدا } أي بسطت له في العيش وطول العمر والرياسة ~~في قريش، والتمهيد عند العرب التوطئة، ومنه مهد الصبي. وقال مجاهد إنه ~~المال بعضه فوق بعض كما يمهد الفراش. { ثم يطمع أن أزيد } أي ~~يطمع بعد هذا كله في الزيادة لكثرة حرصه وشدة طمعه مع كفرانه للنعم، ~~وإشراكه بالله. قال الحسن لم يطمع أن أدخله الجنة، وكان يقول إن كان محمد ~~صادقا، فما خلقت الجنة إلا لي. ثم ردعه الله سبحانه وزجره فقال { ~~كلا ms4036 } أي لست أزيده. ثم علل ذلك بقوله { إنه كان لأيتنا ~~عنيدا } أي معاندا لها كافرا بما أنزلناه منها على رسولنا، يقال عند ~~يعند بالكسر إذا خالف الحق ورده، وهو يعرفه، فهو عنيد وعاند، والعاند ~~الذي يجوز عن الطريق، ويعدل عن القصد، ومنه قول الحارثي # إذا ركبت فاجعلاني وسطا إني كبير لا أطيق العندا # قال أبو صالح عنيدا معناه مباعدا. وقال قتادة جاحدا. وقال مقاتل ~~معرضا { سأرهقه صعودا } أي سأكلفه مشقة من العذاب، وهو مثل لما ~~يلقاه من العذاب الصعب الذي لا يطاق. وقيل المعنى إنه يكلف أن يصعد جبلا ~~من نار، والإرهاق في كلام العرب أن يحمل الإنسان الشيء الثقيل، وجملة { ~~إنه فكر وقدر } تعليل لما تقدم من الوعيد، أي إنه فكر في ~~شأن النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه من القرآن، وقدر في نفسه، ~~أي هيأ الكلام في نفسه، والعرب تقول هيأت الشيء إذا قدرته، وقدرت الشيء ~~إذا هيأته، وذلك أنه لما سمع القرآن لم يزل يفكر ماذا يقول فيه، وقدر في ~~نفسه ما يقول، فذمه الله، وقال { فقتل كيف قدر } أي لعن وعذب ~~كيف قدر، أي على أي حال قدر ما قدر من الكلام، كما يقال في الكلام ~~لأضربنه كيف صنع، أي على أي حال كانت منه. وقيل المعنى قهر وغلب كيف ~~قدر، ومنه قول الشاعر # وما ذرفت عيناك إلا لتضربي بسهميك في أعشار قلب مقتل # وقال الزهري عذب، وهو من باب الدعاء عليه، والتكرير في قوله { ثم ~~قتل كيف قدر } للمبالغة والتأكيد. { ثم نظر } أي بأي ~~شيء يدفع القرآن ويقدح فيه، أو فكر في القرآن وتدبر ما هو. # { ثم عبس } أي قطب وجهه لما لم يجد مطعنا يطعن به في القرآن، ~~والعبس مصدر عبس مخففا، يعبس عبسا وعبوسا إذا قطب. وقيل عبس في وجوه ~~المؤمنين. وقيل عبس في وجه النبي صلى الله عليه وسلم { وبسر } أي ~~كلح وجهه وتغير، ومنه قول الشاعر # صبحنا تميما غداة الحفار بشهباء ملموسة باسره # وقول الآخر # وقد رابني منها صدود ms4037 رأيته وإعراضها عن حاجتي وبسورها # وقيل إن ظهور العبوس في الوجه يكون بعد المحاورة، وظهور البسور في الوجه ~~قبلها، والعرب تقول وجه باسر إذا تغير واسود. وقال الراغب البسر استعجال ~~الشر قبل أوانه نحو بسر الرجل حاجته، أي طلبها في غير أوانها. قال ومنه ~~قوله { عبس وبسر } أي أظهر العبوس قبل أوانه وقبل وقته، وأهل ~~اليمن يقولون بسر المركب وأبسر أي وقف لا يتقدم ولا يتأخر، وقد أبسرنا ~~أي صرنا إلى البسور. { ثم أدبر واستكبر } أي أعرض عن الحق، ~~وذهب إلى أهله، وتعظم عن أن يؤمن { فقال إن هذا إلا سحر ~~يؤثر } أي يأثره عن غيره ويرويه عنه. والسحر إظهار الباطل في صورة ~~الحق، أو الخديعة على ما تقدم بيانه في سورة البقرة، يقال أثرت الحديث ~~بأثره إذا ذكرته عن غيرك، ومنه قول الأعشى # إن الذي فيه تحاربتما بين للسامع والآثر # { إن هذا إلا قول البشر } يعني أنه كلام الإنس، وليس ~~بكلام الله، وهو تأكيد لما قبله، وسيأتي أن الوليد بن المغيرة إنما قال ~~هذا القول إرضاء لقومه بعد اعترافه أن له حلاوة، وأن عليه طلاوة إلى آخر ~~كلامه. ولما قال هذا القول الذي حكاه الله عنه، قال الله عز وجل { ~~سأصليه سقر } أي سأدخله النار، وسقر من أسماء النار، ومن دركات ~~جهنم. وقيل إن هذه الجملة بدل من قوله { سأرهقه صعودا } ثم بالغ ~~سبحانه في وصف النار وشدة أمرها فقال { وما أدراك ما سقر } أي ~~وما أعلمك أي شيء هي، والعرب تقول وما أدراك ما كذا إذا أرادوا المبالغة ~~في أمره، وتعظيم شأنه وتهويل خطبه، وما الأولى مبتدأ، وجملة { ما سقر ~~} خبر المبتدأ. ثم فسر حالها، فقال { لا تبقى ولا تذر } والجملة ~~مستأنفة لبيان حال سقر، والكشف عن وصفها. وقيل هي في محل نصب على الحال، ~~والعامل فيها معنى التعظيم لأن قوله { وما أدراك ما سقر } يدل ~~على التعظيم، فكأنه قال استعظموا سقر في هذه الحال، والأول أولى، ومفعول ~~الفعلين محذوف. قال السدي لا تبقي لهم لحما ولا تذر ms4038 لهم عظما. وقال ~~عطاء لا تبقي من فيها حيا ولا تذره ميتا. وقيل هما لفظان بمعنى واحد، ~~كررا للتأكيد كقولك صد عني وأعرض عني { لواحة للبشر } قرأ ~~الجمهور { لواحة } بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. # وقيل على أنه نعت لسقر، والأول أولى. وقرأ الحسن، وعطية العوفي، ونصر ~~بن عاصم، وعيسى بن عمر، وابن أبي عبلة، وزيد بن علي بالنصب على الحال أو ~~الاختصاص للتهويل، يقال لاح يلوح، أي ظهر، والمعنى أنها تظهر للبشر. قال ~~الحسن تلوح لهم جهنم حتى يرونها عيانا كقوله # وبرزت الجحيم لمن يرى # النازعات 36. وقيل معنى { لواحة للبشر } أي مغيرة لهم ~~ومسودة. قال مجاهد والعرب تقول لاحه الحر والبرد والسقم والحزن إذا ~~غيره، وهذا أرجح من الأول، وإليه ذهب جمهور المفسرين، ومنه قول الشاعر # وتعجب هند أن رأتني شاحبا تقول لشيء لوحته السمائم # أي غيرته، ومنه قول رؤبة بن العجاج # لوح منه بعد بدن وشبق تلويحك الضامر يطوى للسبق # وقال الأخفش المعنى أنها معطشة للبشر، وأنشد # سقتني على لوح من الماء شربة سقاها به الله الرهام الغواديا # والمراد بالبشر إما جلدة الإنسان الظاهرة، كما قاله الأكثر، أو المراد ~~به أهل النار من الإنس، كما قال الأخفش. { عليها تسعة عشر } ~~قال المفسرون يقول على النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها. وقيل تسعة ~~عشر صنفا من أصناف الملائكة. وقيل تسعة عشر صفا من صفوفهم. وقيل تسعة ~~عشر نقيبا مع كل نقيب جماعة من الملائكة، والأول أولى. قال الثعلبي ولا ~~ينكر هذا، فإذا كان ملك واحدة يقبض أرواح جميع الخلائق كان أحرى أن ~~يكونوا تسعة عشر على عذاب بعض الخلق. قرأ الجمهور { تسعة عشر } بفتح ~~الشين من عشر، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع، وطلحة بن سليمان بإسكانها. وقد ~~أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن جابر بن عبد الله أن أبا سلمة بن عبد ~~الرحمن قال إن أول ما نزل من القرآن { يأيها المدثر } فقال ~~له يحيى بن أبي كثير يقولون إن أول ما نزل { اقرأ باسم ربك ~~الذى خلق } العلق ms4039 1 فقال أبو سلمة سألت جابر بن عبد الله عن ذلك، ~~قلت له مثل ما قلت، فقال جابر لا أحدثنك إلا ما حدثنا رسول الله قال # " جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت، فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر ~~شيئا، ونظرت عن شمالي، فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أر شيئا، فرفعت ~~رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، ~~فحثيت منه رعبا، فرجعت، فقلت دثروني فدثروني، فنزلت { رحيم ~~يأيها المدثر * قم فأنذر } إلى قوله { والرجز ~~فاهجر } " # وسيأتي في سورة اقرأ ما يدل على أنها أول سورة أنزلت، والجمع ممكن. ~~وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس { يأيها المدثر } فقال دثر هذا ~~الأمر، فقم به. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه { ~~يأيها المدثر } قال النائم { وثيابك فطهر } قال لا ~~تكن ثيابك التي تلبس من مكسب باطل { والرجز فاهجر } قال الأصنام ~~{ ولا تمنن تستكثر } قال لا تعط تلتمس بها أفضل منها. وأخرج ~~الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم ~~وصححه عنه أيضا. { وثيابك فطهر } قال من الإثم. قال وهي في ~~كلام العرب نقي الثياب. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا { وثيابك ~~فطهر } قال من الغدر، لا تكن غدارا. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، وابن ~~مردويه عن عكرمة عنه أيضا أنه سئل عن قوله { وثيابك فطهر } قال ~~لا تلبسها على غدرة، ثم قال ألا تسمعون قول غيلان بن سلمة # وإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع # وأخرج الطبراني، والبيهقي في سننه عنه أيضا { ولا تمنن ~~تستكثر } قال لا تعط الرجل عطاء رجاء أن يعطيك أكثر منه. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عنه أيضا { فإذا نقر فى ~~الناقور } قال الصور { يوم عسير } قال شديد. وأخرج ابن مردويه ~~عنه أيضا { ذرنى ومن خلقت وحيدا } قال الوليد بن المغيرة. ~~وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل عنه أيضا ms4040 أن الوليد بن المغيرة ~~جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، ~~فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ~~ليعطوكه، فإنك أتيت محمدا لتعرض لما قبله، قال قد علمت قريش أني من ~~أكثرها مالا، قال فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له، وأنك كاره له، ~~قال وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني لا برجزه ولا بقصيده ~~ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه هذا الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن ~~لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، ~~وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته قال والله لا يرضى قومك حتى ~~تقول فيه، قال فدعني حتى أفكر، فلما فكر قال هذا سحر يؤثر، يأثره عن ~~غيره، فنزلت { ذرنى ومن خلقت وحيدا }. وقد أخرج هذا عبد ~~الرزاق عن عكرمة مرسلا، وكذا أخرجه ابن جرير، وابن إسحاق، وابن المنذر، ~~وغير واحد. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن عمر بن الخطاب ~~أنه سئل عن قوله { وجعلت له مالا ممدودا } قال غلة شهر ~~بشهر. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس { وجعلت له مالا ~~ممدودا } قال ألف دينار. # وأخرج هناد عن أبي سعيد الخدري في قوله { سأرهقه صعودا } قال ~~هو جبل في النار يكلفون أن يصعدوا فيه، فكلما وضعوا أيديهم عليه ذابت، ~~فإذا رفعوها عادت كما كانت. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس { ~~عنيدا } قال جحودا. وأخرج أحمد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي ~~سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " الصعود جبل في النار يصعد فيه الكافر سبعين خريفا، ثم يهوي وهو كذلك ~~فيه أبدا " # قال الترمذي بعد إخراجه غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة عن دراج. ~~قال ابن كثير وفيه غرابة ونكارة انتهى، وقد أخرجه جماعة من قول أبي سعيد. ~~وأخرج ابن ms4041 أبي حاتم عن ابن عباس قال { صعودا } صخرة في جهنم يسحب ~~عليها الكافر على وجهه. وأخرج ابن المنذر عنه قال جبل في النار. وأخرج ~~ابن المنذر عنه أيضا في قوله { لا تبقى ولا تذر } قال لا تبقي ~~منهم شيئا، وإذا بدلوا خلقا آخر لم تذر أن تعاودهم سبيل العذاب ~~الأول. وأخرج عبد بن حميد عنه أيضا { لواحة للبشر } قال تلوح ~~الجلد فتحرقه وتغير لونه، فيصير أسود من الليل. وأخرج ابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عنه أيضا { لواحة } قال محرقة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه، والبيهقي في البعث عن البراء أن رهطا من اليهود سألوا بعض أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن خزنة جهنم، فقال الله ورسوله أعلم، فجاء ~~جبريل، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت عليه ساعتئذ { عليها ~~تسعة عشر }. ### || [74.31-37] # لما نزل قوله سبحانه # عليها تسعة عشر # المدثر 30 قال أبو جهل أما لمحمد من الأعوان إلا تسعة عشر يخوفكم محمد ~~بتسعة عشر، وأنتم الدهم، أفيعجز كل مائة رجل منكم أن يبطشوا بواحد منهم، ~~ثم يخرجون من النار؟ فقال أبو الأشد، وهو رجل من بني جمح يا معشر قريش ~~إذا كان يوم القيامة، فأنا أمشي بين أيديكم، فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن، ~~وتسعة بمنكبي الأيسر، ونمضي ندخل الجنة، فأنزل الله { وما جعلنا ~~أصحب النار إلا ملئكة } يعني ما جعلنا المدبرين لأمر ~~النار القائمين بعذاب من فيها إلا ملائكة، فمن يطيق الملائكة ومن ~~يغلبهم، فكيف تتعاطون أيها الكفار مغالبتهم. وقيل جعلهم ملائكة لأنهم ~~خلاف جنس المخلوقين من الجن والإنس، فلا يأخذهم ما يأخذ المجالس من ~~الرقة والرأفة. وقيل لأنهم أقوم خلق الله بحقه والغضب له، وأشدهم بأسا ~~وأقواهم بطشا { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة } أي ضلالة ~~للذين استقلوا عددهم، ومحنة لهم، والمعنى ما جعلناهم عددهم هذا ~~العدد المذكور في القرآن إلا ضلالة ومحنة لهم، حتى قالوا ما قالوا، ~~ليتضاعف عذابهم ويكثر غضب الله عليهم. وقيل معنى { إلا فتنة } ~~إلا عذابا، كما في قوله # يوم هم على النار يفتنون ms4042 # الذاريات 13 أي يعذبون، واللام في قوله { ليستيقن الذين ~~أوتوا الكتب } متعلق ب { جعلنا } ، والمراد بأهل الكتاب اليهود ~~والنصارى لموافقة ما نزل من القرآن بأن عدة خزنة جهنم تسعة عشر لما ~~عندهم. قاله قتادة، والضحاك، ومجاهد، وغيرهم، والمعنى أن الله جعل عدة ~~الخزنة هذه العدة ليحصل اليقين لليهود والنصارى بنبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم لموافقة ما في القرآن لما في كتبهم. { ويزداد الذين ~~ءامنوا إيمنا } وقيل المراد الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله ~~بن سلام. وقيل أراد الذين آمنوا المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، والمعنى ليزدادوا يقينا إلى يقينهم لما رأوا من موافقة أهل الكتاب ~~لهم، وجملة { ولا يرتاب الذين أوتوا الكتب ~~والمؤمنون } مقررة لما تقدم من الاستيقان وازدياد الإيمان، ~~والمعنى نفي الارتياب عنهم في الدين، أو في أن عدة خزنة جهنم تسعة عشر، ~~ولا ارتياب في الحقيقة من المؤمنين، ولكنه من باب التعريض لغيرهم ممن في ~~قلبه شك { وليقول الذين فى قلوبهم مرض ~~والكفرون ماذا أراد الله بهذا مثلا } المراد ~~بالذين في قلوبهم مرض هم المنافقون والسورة وإن كانت مكية، ولم يكن إذ ~~ذاك نفاق، فهو إخبار بما سيكون في المدينة، أو المراد بالمرض مجرد حصول ~~الشك والريب، وهو كائن في الكفار. قال الحسين بن الفضل السورة مكية، ولم ~~يكن بمكة نفاق، فالمرض في هذه الآية الخلاف، والمراد بقوله { ~~والكفرون } كفار العرب من أهل مكة، وغيرهم، ومعنى { ماذا ~~أراد الله بهذا مثلا } أي شيء أراد بهذا العدد المستغرب ~~استغراب المثل. # قال الليث المثل الحديث، ومنه قوله # مثل الجنة التى وعد المتقون # الرعد 35 أي حديثها، والخبر عنها { كذلك يضل الله من يشاء ~~} أي مثل ذلك الإضلال المتقدم ذكره، وهو قوله { وما جعلنا ~~عدتهم إلا فتنة للذين كفروا }. { يضل الله ~~من يشاء } من عباده، والكاف نعت مصدر محذوف { ويهدى من يشاء } ~~من عباده، والمعنى مثل ذلك الإضلال للكافرين والهداية للمؤمنين، يضل ~~الله من يشاء إضلاله ويهدي من يشاء هدايته. وقيل المعنى كذلك يضل الله ~~عن ms4043 الجنة من يشاء، ويهدي إليها من يشاء. { وما يعلم جنود ربك ~~إلا هو } أي ما يعلم عدد خلقه، ومقدار جموعه من الملائكة، وغيرهم ~~إلا هو وحده لا يقدر على علم ذلك أحد. وقال عطاء يعني من الملائكة الذين ~~خلقهم لتعذيب أهل النار لا يعلم عدتهم إلا الله، والمعنى أن خزنة ~~النار، وإن كانوا تسعة عشر، فلهم من الأعوان والجنود من الملائكة ما لا ~~يعلمه إلا الله سبحانه. ثم رجع سبحانه إلى ذكر سقر فقال { وما هى ~~إلا ذكرى للبشر } أي وما سقر، وما ذكر من عدد خزنتها إلا ~~تذكرة وموعظة للعالم. وقيل { وما هى } أي الدلائل والحجج والقرآن ~~إلا تذكرة للبشر. وقال الزجاج نار الدنيا تذكرة لنار الآخرة، وهو بعيد. ~~وقيل { ما هى } أي عدة خزنة جهنم إلا تذكرة للبشر ليعلموا كمال قدرة ~~الله، وأنه لا يحتاج إلى أعوان وأنصار. وقيل الضمير في { وما هى } ~~يرجع إلى الجنود. ثم ردع سبحانه المكذبين وزجرهم فقال { كلا ~~والقمر } قال الفراء { كلا } صلة للقسم، التقدير، أي والقمر. وقيل ~~المعنى حقا والقمر. قال ابن جرير المعنى رد زعم من زعم أنه يقاوم خزنة ~~جهنم أي ليس الأمر كما يقول، ثم أقسم على ذلك بالقمر وبما بعده، وهذا هو ~~الظاهر من معنى الآية. { واليل إذ أدبر } أي ولى. قرأ الجمهور ~~" إذا " بزيادة الألف، دبر بزنة ضرب على أنه ظرف لما يستقبل من الزمان، ~~وقرأ نافع، وحفص، وحمزة { إذ } بدون ألف، أدبر بزنة أكرم ظرف لما مضى من ~~الزمان ودبر، وأدبر لغتان، كما يقال أقبل الزمان وقبل الزمان، يقال دبر ~~الليل وأدبر إذا تولى ذاهبا. { والصبح إذا أسفر } أي أضاء ~~وتبين { إنها لإحدى الكبر } هذا جواب القسم، والضمير راجع إلى ~~سقر، أي إن سقر لإحدى الدواهي، أو البلايا الكبر، والكبر جمع كبرى، وقال ~~مقاتل إن الكبر اسم من أسماء النار. وقيل إنها أي تكذبيهم لمحمد لإحدى ~~الكبر. وقيل إن قيام الساعة لإحدى الكبر، ومنه قول الشاعر # يابن المعلى نزلت إحدى الكبر داهية الدهر وصماء الغير # قرأ ms4044 الجمهور { لإحدى } بالهمزة، وقرأ نصر بن عاصم، وابن محيصن، وابن ~~كثير في رواية عنه " إنها لحدى " بدون همزة. وقال الكلبي أراد بالكبر ~~دركات جهنم وأبوابها. { نذيرا للبشر } انتصاب { نذيرا } على ~~الحال من الضمير في { إنها } ، قاله الزجاج. وروي عنه، وعن الكسائي، وأبي ~~علي الفارسي أنه حال من قوله # قم فأنذر # المدثر 2 أي قم يا محمد فأنذر حال كونك نذيرا للبشر. وقال الفراء هو ~~مصدر بمعنى الإنذار منصوب بفعل مقدر. وقيل إنه منتصب على التمييز لإحدى ~~لتضمنها معنى التنظيم كأنه قيل أعظم الكبر إنذارا، وقيل إنه مصدر منصوب ~~بأنذر المذكور في أول السورة. وقيل منصوب بإضمار أعني، وقيل منصوب ~~بتقدير ادع. وقيل منصوب بتقدير ناد أو بلغ. وقيل إنه مفعول لأجله، ~~والتقدير وإنها لإحدى الكبر لأجل إنذار البشر. قرأ الجمهور بالنصب، وقرأ ~~أبي بن كعب، وابن أبي عبلة بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هي نذير، ~~أو هو نذير. وقد اختلف في النذير، فقال الحسن هي النار. وقيل محمد صلى ~~الله عليه وسلم. وقال أبو رزين المعنى أنا نذير لكم منها، وقيل القرآن ~~نذير للبشر لما تضمنه من الوعد والوعيد { لمن شاء منكم أن ~~يتقدم أو يتأخر } هو بدل من قوله { للبشر } أي نذيرا ~~لمن شاء منكم أن يتقدم إلى الطاعة أو يتأخر عنها، والمعنى أن الإنذار قد ~~حصل لكل من آمن وكفر، وقيل فاعل المشيئة هو الله سبحانه، أي لمن شاء الله ~~أن يتقدم منكم بالإيمان أو يتأخر بالكفر، والأول أولى. وقال السدي لمن ~~شاء منكم أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها، أو يتأخر إلى الجنة. وقد ~~أخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس قال لما سمع أبو جهل { عليها ~~تسعة عشر }. قال لقريش ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم ~~أن خزنة جهنم تسعة عشر وأنتم الدهم، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطش برجل ~~من خزنة جهنم؟ وأخرج ابن مردويه عنه في قوله { وما جعلنا ~~عدتهم إلا فتنة للذين كفروا } قال قال أبو الأشد ~~خلوا بيني ms4045 وبين خزنة جهنم أنا أكفيكم مؤنتهم، قال وحدثت أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وصف خزان جهنم فقال # " كأن أعينهم البرق، وكأن أفواههم الصياصي يجرون أشعارهم، لهم مثل قوة ~~الثقلين، يقبل أحدهم بالأمة من الناس يسوقهم على رقبته جبل حتى يرمي بهم ~~في النار فيرمي بالجبل عليهم " # وأخرج الطبراني في الأوسط، وأبو الشيخ عن أبي سعيد الخدري # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به قال فصعدت ~~أنا وجبريل إلى السماء الدنيا، فإذا أنا بملك يقال له إسماعيل، وهو صاحب ~~سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك جنده مائة ألف، وتلا هذه ~~الآية { وما يعلم جنود ربك إلا هو } " # وأخرج أحمد عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أطت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أصبع إلا عليه ملك ساجد " # وأخرجه الترمذي، وابن ماجه. قال الترمذي حسن غريب، ويروى عن أبي ذر ~~موقوفا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { إذ أدبر } قال دبور ~~ظلامه. وأخرج مسدد في مسنده، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عن مجاهد قال سألت ابن عباس عن قوله { واليل إذ أدبر } فسكت ~~عني حتى إذا كان من آخر الليل وسمع الأذان، ناداني يا مجاهد هذا حين دبر ~~الليل. وأخرج ابن جرير عنه في قوله { لمن شاء منكم أن يتقدم ~~أو يتأخر } قال من شاء اتبع طاعة الله ومن شاء تأخر عنها. ### || [74.38-56] # قوله { كل نفس بما كسبت رهينة } أي مأخوذة بعملها ~~ومرتهنة به، إما خلصها وإما أوبقها، والرهينة اسم بمعنى الرهن، كالشيمة ~~بمعنى الشيم، وليست صفة، ولو كانت صفة لقيل رهين لأن فعيلا يستوي فيه ~~المذكر والمؤنث، والمعنى كل نفس رهن بكسبها غير مفكوكة. { إلا ~~أصحب اليمين } فإنهم لا يرتهنون بذنوبهم، بل يفكون بما أحسنوا ~~من أعمالهم. واختلف في تعيينهم. فقيل هم الملائكة. وقيل المؤمنون. وقيل ~~أولاد المسلمين. وقيل الذين كانوا عن يمين آدم. وقيل أصحاب الحق. وقيل ~~هم المعتمدون ms4046 على الفضل دون العمل. وقيل هم الذين اختارهم الله لخدمته { ~~في جنت } هو في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والجملة استئناف ~~جوابا عن سؤال نشأ مما قبله، ويجوز أن يكون { في جنات } حالا من { ~~أصحاب اليمين } ، وأن يكون حالا من فاعل { يتساءلون } ، وأن يكون ظرفا ~~ل { يتساءلون } ، وقوله { يتساءلون } يجوز أن يكون على بابه، أي ~~يسأل بعضهم بعضا، ويجوز أن يكون بمعنى يسألون أي يسألون غيرهم، نحو ~~دعيته وتداعيته، فعلى الوجه الأول يكون { عن المجرمين } متعلقا ~~ب { يتساءلون } أي يسأل بعضهم بعضا عن أحوال المجرمين، وعلى الوجه ~~الثاني تكون " عن " زائدة، أي يسألون المجرمين. وقوله { ما سلككم ~~فى سقر } هو على تقدير القول، أي يتساءلون عن المجرمين يقولون لهم ما ~~سلككم في سقر، أو يسألونهم قائلين لهم ما سلككم في سقر، والجملة على كلا ~~التقديرين في محل نصب على الحال، والمعنى ما أدخلكم في سقر، تقول سلكت ~~الخيط في كذا إذا دخلته فيه. قال الكلبي يسأل الرجل من أهل الجنة الرجل ~~من أهل النار باسمه، فيقول له يا فلان ما سلكك في النار. وقيل إن ~~الملائكة يسألون الملائكة عن أقربائهم، فتسأل الملائكة المشركين يقولون ~~لهم ما سلككم في سقر. قال الفراء في هذا ما يقوي أن أصحاب اليمين هم ~~الولدان لأنهم لا يعرفون الذنوب. ثم ذكر سبحانه ما أجاب به أهل النار ~~عليهم فقال { قالوا لم نك من المصلين } أي من المؤمنين ~~الذين يصلون لله في الدنيا. { ولم نك نطعم المسكين } أي لم ~~نتصدق على المساكين. قيل وهذان محمولان على الصلاة الواجبة والصدقة ~~الواجبة لأنه لا تعذيب على غير الواجب، وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون ~~بالشرعيات. { وكنا نخوض مع الخائضين } أي نخالط أهل الباطل ~~في باطلهم. قال قتادة كلما غوى غاو غوينا معه. وقال السدي كنا نكذب مع ~~المكذبين. وقال ابن زيد نخوض مع الخائضين في أمر محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وهو قولهم كاذب مجنون ساحر شاعر. { وكنا نكذب بيوم ~~الدين } أي بيوم الجزاء والحساب { حتى ms4047 أتنا اليقين } وهو ~~الموت، كما في قوله # واعبد ربك حتى يأتيك اليقين # الحجر 99. { فما تنفعهم شفعة الشفعين } أي شفاعة ~~الملائكة والنبيين، كما تنفع الصالحين. { فما لهم عن ~~التذكرة معرضين } التذكرة التذكير بمواعظ القرآن، والفاء ~~لترتيب إنكار إعراضهم عن التذكرة على ما قبله من موجبات الإقبال عليها، ~~وانتصاب { معرضين } على الحال من الضمير في متعلق الجار والمجرور، أي ~~أي شيء حصل لهم حال كونهم معرضين عن القرآن الذي هو مشتمل على التذكرة ~~الكبرى والموعظة العظمى. ثم شبههم في نفورهم عن القرآن بالحمر فقال { ~~كأنهم حمر مستنفرة } والجملة حال من الضمير في معرضين ~~على التداخل، ومعنى مستنفرة نافرة، يقال نفر واستنفر، مثل عجب ~~واستعجب، والمراد الحمر الوحشية. قرأ الجمهور { مستنفرة } بكسر الفاء، أي ~~نافرة، وقرأ نافع، وابن عامر بفتحها، أي منفرة مذعورة، واختار القراءة ~~الثانية أبو حاتم، وأبو عبيد. قال في الكشاف المستنفرة الشديدة النفار ~~كأنها تطلب النفار من نفوسها في جمعها له، وحملها عليه، { فرت من ~~قسورة } أي من رماة يرمونها، والقسور الرامي، وجمعه قسورة، قاله ~~سعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وابن كيسان. وقيل هو الأسد، قاله ~~عطاء والكلبي. قال ابن عرفة من القسر بمعنى القهر لأنه يقهر السباع. وقيل ~~القسورة أصوات الناس. وقيل القسورة بلسان العرب الأسد، وبلسان الحبشة ~~الرماة. وقال ابن الأعرابي القسورة أول الليل، أي فرت من ظلمة الليل، ~~وبه قال عكرمة، والأول أولى، وكل شديد عند العرب فهو قسورة، ومنه قول ~~الشاعر # يا بنت كوني خيرة لخيره أخوالها الحي وأهل القسورة # ومنه قول لبيد # إذا ما هتفنا هتفة في ندينا أتانا الرجال العابدون القساور # ومن إطلاقه على الأسد قول الشاعر # مضمر تحذره الأبطال كأنه القسور الرهال # { بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا ~~منشرة } عطف على مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل لا يكتفون بتلك ~~التذكرة بل يريد. قال المفسرون إن كفار قريش قالوا لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم ليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من الله أنك رسول الله. والصحف ~~الكتب واحدتها صحيفة، ms4048 والمنشرة المنشورة المفتوحة، ومثل هذه الآية قوله ~~سبحانه # حتى تنزل علينا كتابا نقرءه # الإسراء 93 قرأ الجمهور { منشرة } بالتشديد. وقرأ سعيد بن جبير ~~بالتخفيف. وقرأ الجمهور أيضا بضم الحاء من صحف. وقرأ سعيد بن جبير ~~بإسكانها. ثم ردعهم الله سبحانه عن هذه المقالة وزجرهم فقال { كلا بل ~~لا يخافون الآخرة } يعني عذاب الآخرة لأنهم لو خافوا النار لما ~~اقترحوا الآيات. وقيل كلا بمعنى حقا. ثم كرر الردع والزجر لهم فقال { ~~كلا إنه تذكرة } يعني القرآن، أو حقا إنه تذكرة، والمعنى ~~أنه يتذكر به ويتعظ بمواعظه. # { فمن شاء ذكره } أي فمن شاء أن يتعظ به اتعظ. ثم رد سبحانه ~~المشيئة إلى نفسه فقال { وما يذكرون إلا أن يشاء الله } ~~قرأ الجمهور { يذكرون } بالياء التحتية. وقرأ نافع، ويعقوب بالفوقية، ~~واتفقوا على التخفيف، وقوله { إلا أن يشاء الله } استثناء مفرغ من أعم ~~الأحوال. قال مقاتل إلا أن يشاء الله لهم الهدى { هو أهل ~~التقوى } أي هو الحقيق بأن يتقيه المتقون بترك معاصيه والعمل ~~بطاعاته { وأهل المغفرة } أي هو الحقيق بأن يغفر للمؤمنين ما ~~فرط منهم من الذنوب، والحقيق بأن يقبل توبة التائبين من العصاة، فيغفر ~~ذنوبهم. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { كل نفس بما ~~كسبت رهينة } قال مأخوذة بعملها. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله { ~~إلا أصحب اليمين } قال هم المسلمون. وأخرج عبد الرزاق، ~~والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب { إلا ~~أصحب اليمين } قال هم أطفال المسلمين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس { حتى أتنا اليقين } قال الموت. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن أبي ~~موسى الأشعري في قوله { فرت من قسورة } قال هم الرماة رجال ~~القسي. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن عباس قال القسورة الرجال ~~الرماة القنص. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن ms4049 أبي ~~حاتم عن أبي جمرة قال قلت لابن عباس القسورة الأسد، فقال ما أعلمه بلغة ~~أحد من العرب الأسد هم عصبة الرجال. وأخرج سفيان بن عيينة، وعبد الرزاق، ~~وابن المنذر عن ابن عباس { من قسورة } قال هو ركز الناس يعني ~~أصواتهم. وأخرج أحمد، والدارمي، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن ماجه، ~~والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عدي ~~وصححه، وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه ~~الآية { هو أهل التقوى وأهل المغفرة } فقال قال ربكم # " أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله، فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها، ~~فأنا أهل أن أغفر له " # وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس مرفوعا نحوه. ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1-25] # قوله { لا أقسم بيوم القيمة } قال أبو عبيدة، وجماعة ~~المفسرين إن «لا» زائدة، والتقدير أقسم. قال السمرقندي أجمع المفسرون أن ~~معنى { لا أقسم } أقسم، واختلفوا في تفسير " لا " ، فقال بعضهم هي زائدة، ~~وزيادتها جارية في كلام العرب، كما في قوله # ما منعك ألا تسجد # الأعراف 12 يعني أن تسجد، و { لئلا يعلم أهل الكتب } ~~الحديد 29 ومن هذا قول الشاعر # تذكرت ليلى فاعترتني صبابة وكاد صميم القلب لا يتقطع # وقال بعضهم هي رد لكلامهم حيث أنكروا البعث كأنه قال ليس الأمر كما ~~ذكرتم، أقسم بيوم القيامة، وهذا قول الفراء، وكثير من النحويين، كقول ~~القائل لا والله، فلا رد لكلام قد تقدمها، ومنه قول الشاعر # فلا وأبيك ابنة العامري لا يدعى القوم أني أفر # وقيل هي للنفي، لكن لا لنفي الإقسام، بل لنفي ما ينبيء عنه من إعظام ~~المقسم به وتفخيمه، كأن معنى لا أقسم بكذا لا أعظمه بإقسامي به حق ~~إعظامه، فإنه حقيق بأكثر من ذلك. وقيل إنها لنفي الإقسام لوضوح الأمر، ~~وقد تقدم الكلام على هذا في تفسير قوله # فلا أقسم بموقع النجوم # الواقعة 75. وقرأ الحسن، وابن كثير في رواية عنه، والزهري، وابن هرمز " ~~لأقسم " بدون ألف على أن اللام ms4050 لام الابتداء، والقول الأول هو أرجح هذه ~~الأقوال، وقد اعترض عليه الرازي بما لا يقدح في قوته، ولا يفت في عضد ~~رجحانه، وإقسامه سبحانه بيوم القيامة لتعظيمه وتفخيمه، ولله أن يقسم بما ~~شاء من مخلوقاته. { ولا أقسم بالنفس اللوامة } ذهب قوم ~~إلى أنه سبحانه أقسم بالنفس اللوامة، كما أقسم بيوم القيامة، فيكون ~~الكلام في " لا " هذه كالكلام في الأولى، وهذا قول الجمهور. وقال الحسن ~~أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة. قال الثعلبي والصحيح أنه ~~أقسم بهما جميعا، ومعنى النفس اللوامة النفس التي تلوم صاحبها ~~على تقصيره، أو تلوم جميع النفوس على تقصيرها. قال الحسن هي والله نفس ~~المؤمن، لا يرى المؤمن إلا يلوم نفسه ما أردت بكذا ما أردت بكذا، ~~والفاجر لا يعاتب نفسه. قال مجاهد هي التي تلوم على ما فات وتندم، فتلوم ~~نفسها على الشر لم تعمله؟ وعلى الخير لم لم تستكثر منه؟ قال الفراء ليس ~~من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها، إن كانت عملت خيرا قالت هلا ~~ازددت، وإن كانت عملت سوءا قالت ليتني لم أفعل. وعلى هذا فالكلام خارج ~~مخرج المدح للنفس، فيكون الإقسام بها حسنا سائغا. وقيل اللوامة هي ~~الملومة المذمومة، فهي صفة ذم، وبهذا احتج من نفى أن يكون قسما، إذ ليس ~~لنفس العاصي خطر يقسم به. # قال مقاتل هي نفس الكافر يلوم نفسه ويتحسر في الآخرة على ما فرط في جنب ~~الله. والأول أولى. { أيحسب الإنسن أن لن نجمع ~~عظامه } المراد بالإنسان الجنس. وقيل الإنسان الكافر، والهمزة ~~للإنكار، وأن هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، والمعنى ~~أيحسب الإنسان أن الشأن أن لن نجمع عظامه بعد أن صارت رفاتا، فنعيدها ~~خلقا جديدا، وذلك حسبان باطل، فإنا نجمعها، وما يدل عليه هذا الكلام ~~هو جواب القسم. قال الزجاج أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة ليجمعن ~~العظام للبعث، فهذا جواب القسم. وقال النحاس جواب القسم محذوف، أي ~~ليبعثن، والمعنى أن الله سبحانه يبعث جميع أجزاء الإنسان، وإنما خص ~~العظام لأنها قالب ms4051 الخلق. { بلى قدرين على أن نسوى ~~بنانه } بلى إيجاب لما بعد النفي المنسحب إليه الاستفهام، والوقف على ~~هذا اللفظ وقف حسن، ثم يبتدىء الكلام بقوله { قدرين } وانتصاب { ~~قادرين } على الحال، أي بلى نجمعها قادرين، فالحال من ضمير الفعل ~~المقدر. وقيل المعنى بل نجمعها نقدر قادرين. قال الفراء أي نقدر ونقوى ~~قادرين على أكثر من ذلك. وقال أيضا إنه يصلح نصبه على التكرير، أي بلى ~~فليحسبنا قادرين. وقيل التقدير بلى كنا قادرين. وقرأ ابن أبي عبلة، وابن ~~السميفع بلى قادرون على تقدير مبتدأ، أي بلى نحن قادرون، ومعنى { على ~~أن نسوى بنانه } على أن نجمع بعضها إلى بعض، فنردها كما كانت ~~مع لطافتها وصغرها، فكيف بكبار الأعضاء، فنبه سبحانه بالبنان، وهي ~~الأصابع على بقية الأعضاء، وأن الاقتدار على بعثها وإرجاعها كما كانت ~~أولى في القدرة من إرجاع الأصابع الصغيرة اللطيفة المشتملة على المفاصل ~~والأظافر والعروق اللطاف والعظام الدقاق، فهذا وجه تخصيصها بالذكر، وبهذا ~~قال الزجاج، وابن قتيبة. وقال جمهور المفسرين إن معنى الآية أن نجعل ~~أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا، كخف البعير وحافر الحمار صفيحة واحدة لا ~~شقوق فيها، فلا يقدر على أن ينتفع بها في الأعمال اللطيفة كالكتابة ~~والخياطة ونحوهما، ولكنا فرقنا أصابعه لينتفع بها. وقيل المعنى بل نقدر ~~على أن نعيد الإنسان في هيئة البهائم، فكيف في صورته التي كان عليها، ~~والأول أولى، ومنه قول عنترة # وإن الموت طوع يدي إذا ما وصلت بنانها بالهندوان # فنبه بالبنان على بقية الأعضاء. { بل يريد الإنسن ليفجر ~~أمامه } هو عطف على { أيحسب } ، إما على أنه استفهام مثله، وأضرب عن ~~التوبيخ بذلك إلى التوبيخ بهذا، أو على أنه إيجاب انتقل إليه من ~~الاستفهام. والمعنى بل يريد الإنسان أن يقدم فجوره فيما بين يديه من ~~الأوقات، وما يستقبله من الزمان، فيقدم الذنب ويؤخر التوبة. قال ابن ~~الأنباري يريد أن يفجر ما امتد عمره، وليس في نيته أن يرجع عن ذنب ~~يرتكبه. # قال مجاهد، والحسن، وعكرمة، والسدي، وسعيد بن جبير يقول سوف أتوب، ولا ~~يتوب ms4052 حتى يأتيه الموت. وهو على أشر أحواله. قال الضحاك هو الأمل، يقول ~~سوف أعيش وأصيب من الدنيا، ولا يذكر الموت، والفجور أصله الميل عن الحق، ~~فيصدق على كل من مال عن الحق بقول أو فعل، ومنه قول الشاعر # أقسم بالله أبو حفص عمر ما مسها من نقب ولا دبر اغفر له اللهم إن ~~كان فجر # وجملة { يسئل أيان يوم القيمة } مستأنفة لبيان معنى ~~يفجر، والمعنى يسأل متى يوم القيامة سؤال استبعاد واستهزاء { فإذا ~~برق البصر } أي فزع وتحير، من برق الرجل إذا نظر إلى البرق فدهش ~~بصره. قرأ الجمهور { برق } بكسر الراء. قال أبو عمرو بن العلاء، والزجاج ~~وغيرهما المعنى تحير فلم يطرف، ومنه قول ذي الرمة # ولو أن لقمان الحكيم تعرضت لعينيه مي سافرا كاد يبرق # وقال الخليل، والفراء { برق } بالكسر فزع وبهت وتحير، والعرب تقول ~~للإنسان المبهوت قد برق، فهو بارق، وأنشد الفراء # ونفسك فانع ولا تنعني وداو الكلوم ولا تبرق # أي لا تفزع من كثرة الكلوم التي بك. وقرأ نافع، وأبان عن عاصم " برق " ~~بفتح الراء، أي لمع بصره من شدة شخوصه للموت. قال مجاهد وغيره هذا عند ~~الموت، وقيل برق يبرق شق عينيه وفتحهما. وقال أبو عبيدة فتح الراء وكسرها ~~لغتان بمعنى { وخسف القمر } قرأ الجمهور { خسف } بفتح الخاء ~~والسين مبنيا للفاعل. وقرأ ابن أبي إسحاق، وعيسى، والأعرج، وابن أبي ~~عبلة، وأبو حيوة بضم الخاء وكسر السين مبنيا للمفعول، ومعنى { وخسف ~~القمر } ذهب ضوؤه، ولا يعود كما يعود إذا خسف في الدنيا، ويقال خسف ~~إذا ذهب جميع ضوئه، وكسف إذا ذهب بعض ضوئه. { وجمع الشمس ~~والقمر } أي ذهب ضوؤهما جميعا، ولم يقل " جمعت " لأن التأنيث ~~مجازي. قاله المبرد. وقال أبو عبيدة هو لتغليب المذكر على المؤنث. وقال ~~الكسائي حمل على معنى جمع النيران. وقال الزجاج، والفراء ولم يقل " جمعت ~~" لأن المعنى جمع بينهما في ذهاب نورهما. وقيل جمع بينهما في طلوعهما من ~~الغرب أسودين مكورين مظلمين. قال عطاء يجمع بينهما يوم القيامة، ثم ~~يقذفان في البحر ms4053 فيكونان نار الله الكبرى. وقيل تجمع الشمس والقمر فلا ~~يكون هناك تعاقب ليل ونهار. وقرأ ابن مسعود " وجمع بين الشمس والقمر ". { ~~يقول الإنسن يومئذ أين المفر } أي يقول عند وقوع ~~هذه الأمور أين المفر؟ أي الفرار، والمفر مصدر بمعنى الفرار. قال ~~الفراء يجوز أن يكون موضع الفرار، ومنه قول الشاعر # أين المفر والكباش تنتطح وكل كبش فر منها يفتضح # قال الماوردي يحتمل وجهين أحدهما ابن المفر من الله سبحانه استحياء ~~منه. # والثاني أين المفر من جهنم حذرا منها. وقرأ الجمهور { أين المفر } ~~بفتح الميم والفاء مصدرا، كما تقدم. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، والحسن، ~~وقتادة بفتح الميم وكسر الفاء على أنه اسم مكان، أي أين مكان الفرار. ~~وقال الكسائي هما لغتان مثل مدب ومدب، ومصح ومصح، وقرأ الزهري بكسر الميم ~~وفتح الفاء على أن المراد به الإنسان الجيد الفرار، ومنه قول امرىء القيس # مكر مفر مقبل مدبر معا كجلمود صخر حطه السيل من عل # أي جيد الفر والكر. { كلا لا وزر } أي لا جبل ولا حصن ولا ملجأ ~~من الله. وقال ابن جبير لا محيص ولا منعة. والوزر في اللغة ما يلجأ إليه ~~الإنسان من حصن أو جبل أو غيرهما، ومنه قول طرفة # ولقد تعلم بكر أننا فاضلوا الرأي وفي الروع وزر # وقال آخر # لعمري ما للفتى من وزر من الموت يدركه والكبر # قال السدي كانوا إذا فزعوا في الدنيا تحصنوا بالجبال، فقال لهم الله لا ~~وزر يعصمكم مني يومئذ، وكلا للردع أو لنفي ما قبلها، أو بمعنى حقا { ~~إلى ربك يومئذ المستقر } أي المرجع والمنتهى والمصير ~~لا إلى غيره. وقيل إليه الحكم بين العباد لا إلى غيره. وقيل المستقر ~~الاستقرار حيث يقره الله { ينبأ الإنسن يومئذ بما ~~قدم وأخر } أي يخبر يوم القيامة بما عمل من خير وشر. وقال ~~قتادة بما عمل من طاعة وما أخر من طاعة فلم يعمل بها. وقال زيد بن أسلم ~~بما قدم من أمواله وما خلف للورثة. وقال مجاهد بأول عمله وآخره. وقال ~~الضحاك بما ms4054 قدم من فرض وأخر من فرض. قال القشيري هذا الإنباء يكون يوم ~~القيامة عند وزن الأعمال، ويجوز أن يكون عند الموت. قال القرطبي والأول ~~أظهر { بل الإنسن على نفسه بصيرة } ارتفاع بصيرة على ~~أنها خبر الإنسان، على نفسه متعلق ببصيرة. قال الأخفش جعله هو البصيرة، ~~كما تقول للرجل أنت حجة على نفسك. وقيل المعنى إن جوارحه تشهد عليه بما ~~عمل، كما في قوله # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # النور 24 وأنشد الفراء # كأن على ذي العقل عينا بصيرة بمقعده أو منظر هو ناظر # فيكون المعنى بل جوارح الإنسان عليه شاهدة. قال أبو عبيدة، والقتيبي إن ~~هذه الهاء في بصيرة هي التي يسميها أهل الإعراب هاء المبالغة، كما في ~~قولهم علامة. وقيل المراد بالبصيرة الكاتبان اللذان يكتبان ما يكون منه ~~من خير وشر، والتاء على هذا للتأنيث. وقال الحسن أي بصير بعيوب نفسه { ~~ولو ألقى معاذيره } أي ولو اعتذر وجادل عن نفسه لم ينفعه ~~ذلك. يقال معذرة ومعاذير. قال الفراء أي وإن اعتذر فعليه من يكذب عذره. ~~وقال الزجاج المعاذير الستور، والواحد معذار، أي وإن أرخى الستور يريد أن ~~يخفي نفسه فنفسه شاهدة عليه، كذا قال الضحاك، والسدي. # والستر بلغة اليمن يقال له معذار، كذا قال المبرد، ومنه قول الشاعر # ولكنها ضنت بمنزل ساعة علينا وأطت يومها بالمعاذر # والأول أولى، وبه قال مجاهد، وقتادة، وسعيد بن جبير، وابن زيد، وأبو ~~العالية، ومقاتل، ومثله قوله # يوم لا ينفع الظلمين معذرتهم # غافر 52. وقوله # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # المرسلات 36. وقول الشاعر # فما حسن أن يعذر المرء نفسه وليس له من سائر الناس عاذر # { لا تحرك به لسانك لتعجل به } كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يحرك شفتيه ولسانه بالقرآن إذا أنزل عليه قبل فراغ جبريل ~~من قراءة الوحي حرصا على أن يحفظه صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، ~~أي لا تحرك بالقرآن لسانك عند إلقاء الوحي لتأخذه على عجل مخافة أن ~~يتفلت منك، ومثل هذا قوله # ولا تعجل ms4055 بالقرءان من قبل إن يقضى إليك ~~وحيه # طه 114 الآية، { إن علينا جمعه } في صدرك حتى لا يذهب عليك ~~منه شيء { وقرءانه } أي إثبات قراءته في لسانك. قال الفراء القراءة ~~والقرآن مصدران. وقال قتادة { فاتبع قرءانه } أي شرائعه ~~وأحكامه. { فإذا قرأنه } أي أتممنا قراءته عليك بلسان جبريل { ~~فاتبع قرءانه } أي قراءته. { ثم إن علينا بيانه } ~~أي تفسير ما فيه من الحلال والحرام، وبيان ما أشكل منه. قال الزجاج ~~المعنى علينا أن ننزله عليك قرآنا عربيا فيه بيان للناس. وقيل المعنى ~~إن علينا أن نبينه بلسانك. { كلا بل تحبون العاجلة } كلا ~~للردع عن العجلة، والترغيب في الأناة. وقيل هي ردع لمن لا يؤمن بالقرآن ~~وبكونه بينا من الكفار. قال عطاء أي لا يؤمن أبو جهل بالقرآن وبيانه. ~~قرأ أهل المدينة، والكوفيون { بل تحبون } { وتذرون } بالفوقية في ~~الفعلين جميعا. وقرأ الباقون بالتحتية فيهما، فعلى القراءة الأولى يكون ~~الخطاب لهم تقريعا وتوبيخا، وعلى القراءة الثانية يكون الكلام عائدا ~~إلى الإنسان لأنه بمعنى الناس، والمعنى تحبون الدنيا، وتتركون { ~~الأخرة } فلا تعملون لها. { وجوه يومئذ ناضرة } أي ~~ناعمة غضة حسنة، يقال شجر ناضر، وروض ناضر، أي حسن ناعم، ونضارة العيش ~~حسنه وبهجته. قال الواحدي، والمفسرون يقولون مضيئة مسفرة مشرقة { إلى ~~ربها ناظرة } هذا من النظر، أي إلى خالقها ومالك أمرها ناظرة، أي ~~تنظر إليه، هكذا قال جمهور أهل العلم، والمراد به ما تواترت به الأحاديث ~~الصحيحة من أن العباد ينظرون ربهم يوم القيامة، كما ينظرون إلى القمر ~~ليلة البدر. قال ابن كثير وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة ~~والتابعين وسلف هذه الأمة، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام وهداة ~~الأنام. وقال مجاهد إن النظر هنا انتظار ما لهم عند الله من الثواب، وروي ~~نحوه عن عكرمة. # وقيل لا يصح هذا إلا عن مجاهد وحده. قال الأزهري وقول مجاهد خطأ لأنه ~~لا يقال نظر إلى كذا بمعنى الانتظار، وإن قول القائل نظرت إلى فلان ليس ~~إلا رؤية عين، إذا أرادوا الانتظار قالوا نظرته، كما ms4056 في قول الشاعر # فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أم جندب # فإذا أرادوا نظر العين قالوا نظرت إليه، كما قال الشاعر # نظرت إليها والنجوم كأنها مصابيح رهبان تشب لفعال # وقال الآخر # إني إليك لما وعدت لناظر نظر الفقير إلى الغني الموسر # أي انظر إليك نظر ذل كما ينظر الفقير إلى الغني، وأشعار العرب ~~وكلماتهم في هذا كثيرة جدا. و { وجوه } مبتدأ، وجاز الابتداء به مع ~~كونه نكرة لأن المقام مقام تفصيل، وناضرة صفة لوجوه، ويومئذ ظرف لناضرة، ~~ولو لم يكن المقام مقام تفصيل لكان وصف النكرة بقوله { ناضرة } ~~مسوغا للابتداء بها، ولكن مقام التفصيل بمجرده مسوغ للابتداء ~~بالنكرة. { ووجوه يومئذ باسرة } أي كالحة عابسة كئيبة. قال ~~في الصحاح بسر الرجل وجهه بسورا، أي كلح. قال السدي باسرة أي متغيرة. ~~وقيل مصفرة، والمراد بالوجوه هنا وجوه الكفار { تظن أن يفعل ~~بها فاقرة } الفاقرة الداهية العظيمة، يقال فقرته الفاقرة، أي كسرت ~~فقار ظهره. قال قتادة الفاقرة الشر، وقال السدي الهلاك، وقال ابن زيد ~~دخول النار. وأصل الفاقرة الوسم على أنف البعير بحديدة، أو نار حتى تخلص ~~إلى العظم، كذا قال الأصمعي، ومن هذا قولهم قد عمل به الفاقرة. قال ~~النابغة # أبا لي قبر لا يزال مقابلي وضربة فأس فوق رأسي فاقره # وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه عن سعيد بن جبير قال ~~سألت ابن عباس عن قوله { لا أقسم بيوم القيمة } قال يقسم ~~ربك بما شاء من خلقه، قلت { ولا أقسم بالنفس اللوامة } ~~قال النفس اللؤوم. قلت { أيحسب الإنسن أن لن نجمع ~~عظامه بلى قدرين على أن نسوى بنانه } قال لو ~~شاء لجعله خفا أو حافرا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عنه. { اللوامة } قال المذمومة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر ~~عنه أيضا قال التي تلوم على الخير والشر تقول لو فعلت كذا وكذا. وأخرج ~~ابن المنذر عنه أيضا قال تندم على ما فات وتلوم عليه. وأخرج ابن جرير ~~عنه أيضا { بل يريد الإنسن ليفجر ms4057 أمامه } قال يمضي ~~قدما. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال هو الكافر الذي ~~يكذب بالحساب. وأخرج ابن جرير عنه أيضا في الآية قال يعني الأمل، يقول ~~أعمل ثم أتوب. وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الأمل، والبيهقي في الشعب عنه ~~أيضا في الآية قال يقدم الذنب ويؤخر التوبة. # وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عنه أيضا { بل يريد الإنسن ~~ليفجر أمامه } يقول سوف أتوب { يسئل أيان يوم ~~القيمة } قال يقول متى يوم القيامة؟ قال فبين له { إذا برق ~~البصر }. وأخرج ابن جرير عنه قال { إذا برق البصر } يعني ~~الموت. وأخرج عبد ابن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عن ابن مسعود في قوله { لا وزر } قال لا حصن. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله { لا ~~وزر } قال لا حصن ولا ملجأ، وفي لفظ لا حرز، وفي لفظ لا جبل. وأخرج ~~عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله ~~{ ينبأ الإنسن يومئذ بما قدم وأخر } قال بما ~~قدم من عمل، وأخر من سنة عمل بها من بعده من خير أو شر. وأخرج ابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال ~~بما قدم من المعصية وأخر من الطاعة فينبؤ بذلك. وأخرج عبد الرزاق، وابن ~~جرير، وابن المنذر من طرق عنه في قوله { بل الإنسن على ~~نفسه بصيرة } قال شهد على نفسه وحده { ولو ألقى ~~معاذيره } قال ولو اعتذر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عنه { بل الإنسن على نفسه بصيرة } قال سمعه وبصره ~~ويديه ورجليه وجوارحه { ولو ألقى معاذيره } قال ولو تجرد من ~~ثيابه. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك به ms4058 لسانه وشفتيه مخافة ~~أن يتفلت منه يريد أن يحفظه، فأنزل الله { لا تحرك به لسانك ~~لتعجل به إن علينا جمعه وقرءانه } قال يقول إن ~~علينا أن نجمعه في صدرك ثم تقرأه { فإذا قرأنه } يقول إذا ~~أنزلناه عليك { فاتبع قرءانه } فاستمع له وأنصت { ثم إن ~~علينا بيانه } أن نبينه بلسانك، وفي لفظ علينا أن نقرأه، فكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل أطرق. وفي لفظ ~~استمع، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عنه { فإذا قرأنه } قال بيناه { فاتبع ~~قرءانه } يقول اعمل به. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن ~~ابن مسعود في قوله { كلا بل تحبون العاجلة } قال عجلت لهم ~~الدنيا شرها وخيرها، وغيبت الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { ~~وجوه يومئذ ناضرة } قال ناعمة. # وأخرج ابن المنذر، والآجري في الشريعة، واللالكائي في السنة، والبيهقي ~~في الرؤية عنه { وجوه يومئذ ناضرة } قال يعني حسنها { ~~إلى ربها ناظرة } قال نظرت إلى الخالق. وأخرج ابن مردويه عنه ~~أيضا { إلى ربها ناظرة } قال تنظر إلى وجه ربها. وأخرج ابن ~~مردويه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { وجوه ~~يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } قال # " ينظرون إلى ربهم بلا كيفية، ولا حد محدود، ولا صفة معلومة " # وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال قال الناس يا رسول الله ~~هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال # " هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب " # قالوا لا يا رسول الله، قال # " فهل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب " # قالوا لا يا رسول الله، قال # " فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك " # وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث أبي هريرة نحوه. وقد قدمنا أن ~~أحاديث الرؤية متواترة فلا نطيل بذكرها، وهي تأتي في مصنف مستقل، ولم ~~يتمسك من نفاها واستبعدها بشيء يصلح للتمسك به لا من كتاب الله ولا من ~~سنة رسوله. وقد أخرج ابن أبي شيبة، ms4059 وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، ~~وابن المنذر، والطبراني، والدارقطني، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي عن ~~ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه، ~~وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة، وعشية " # ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { وجوه يومئذ ناضرة * ~~إلى ربها ناظرة }. وأخرجه أحمد في المسند من حديثه بلفظ # " إن أفضلهم منزلة لينظر في وجه الله كل يوم مرتين " # وأخرج النسائي، والدارقطني وصححه، وأبو نعيم عن أبي هريرة قال قلنا يا ~~رسول الله هل نرى ربنا؟ قال # " هل ترون الشمس في يوم لا غيم فيه، وترون القمر في ليلة لا غيم فيها؟ " # قلنا نعم، قال # " فإنكم سترون ربكم عز وجل، حتى إن أحدكم ليحاضر ربه محاضرة، فيقول ~~عبدي هل تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول ألم تغفر لي؟ فيقول بمغفرتي صرت إلى ~~هذا ". ### || [75.26-40] # قوله { كلا } ردع وزجر، أي بعيد أن يؤمن الكافر بيوم القيامة، ثم ~~استأنف، فقال { إذا بلغت التراقى } أي بلغت النفس أو الروح ~~التراقي، وهي جمع ترقوة، وهي عظم بين ثغرة النحر والعاتق، ويكنى ببلوغ ~~النفس التراقي عن الإشفاء على الموت، ومثله قوله # فلولا إذا بلغت الحلقوم # الواقعة 83 وقيل معنى { كلا } حقا، أي حقا أن المساق إلى الله إذا ~~بلغت التراقي، والمقصود تذكيرهم شدة الحال عند نزول الموت. قال دريد بن ~~الصمة # ورب كريهة دافعت عنها وقد بلغت نفوسهم التراقي # { وقيل من راق } أي قال من حضر صاحبها من يرقيه ويشتفي برقيته؟. ~~قال قتادة التمسوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من قضاء الله شيئا، وبه قال ~~أبو قلابة، ومنه قول الشاعر # هل للفتى من بنات الموت من واقي أم هل له من حمام الموت من راقي # وقال أبو الجوزاء هو من رقى يرقى إذا صعد، والمعنى من يرقى بروحه إلى ~~السماء أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ وقيل إنه يقول ذلك ملك الموت، ~~وذلك أن نفس ms4060 الكافر تكره الملائكة قربها { وظن أنه الفراق } ~~أي وأيقن الذي بلغت روحه التراقي أنه الفراق من الدنيا ومن الأهل والمال ~~والولد. { والتفت الساق بالساق } أي التفت ساقه بساقه عند ~~نزول الموت به. وقال جمهور المفسرين المعنى تتابعت عليه الشدائد. وقال ~~الحسن هما ساقاه إذا التفتا في الكفن. وقال زيد بن أسلم التفت ساق الكفن ~~بساق الميت. وقيل ماتت رجلاه ويبست ساقاه ولم تحملاه، وقد كان جوالا ~~عليهما. وقال الضحاك اجتمع عليه أمران شديدان الناس يجهزون جسده، ~~والملائكة يجهزون روحه. وبه قال ابن زيد. والعرب لا تذكر الساق إلا في ~~الشدائد الكبار والمحن العظام، ومنه قولهم قامت الحرب على ساق. وقيل ~~الساق الأول تعذيب روحه عند خروج نفسه، والساق الآخر شدة البعث وما ~~بعده. { إلى ربك يومئذ المساق } أي إلى خالقك يوم القيامة ~~المرجع، وذلك جمع العباد إلى الله يساقون إليه. { فلا صدق ولا ~~صلى } أي لم يصدق بالرسالة ولا بالقرآن، ولا صلى لربه، والضمير ~~يرجع إلى الإنسان المذكور في أول هذه السورة. قال قتادة فلا صدق بكتاب ~~الله ولا صلى لله. وقيل فلا آمن بقلبه ولا عمل ببدنه. قال الكسائي لا ~~بمعنى لم، وكذا قال الأخفش والعرب تقول لا ذهب، أي لم يذهب، وهذا مستفيض ~~في كلام العرب، ومنه # إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما # { ولكن كذب وتولى } أي كذب بالرسول وبما جاء به، وتولى ~~عن الطاعة والإيمان. { ثم ذهب إلى أهله يتمطى } أي ~~يتبختر ويختال في مشيته افتخارا بذلك. # وقيل هو مأخوذ من المطي، وهو الظهر، والمعنى يلوي مطاه. وقيل أصله ~~يتمطط، وهو التمدد والتثاقل، أي يتثاقل ويتكاسل عن الداعي إلى الحق { ~~أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى } أي وليك ~~الويل، وأصله أولاك الله ما تكرهه، واللام مزيدة، كما في # ردف لكم # النمل 72. وهذا تهديد شديد، والتكرير للتأكيد، أي يتكرر عليك ذلك مرة ~~بعد مرة. قال الواحدي قال المفسرون أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد ~~أبي جهل، ثم قال { أولى لك فأولى ms4061 } فقال أبو جهل بأي شيء ~~تهددني، لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا، وإني لأعز أهل هذا ~~الوادي، فنزلت هذه الآية. وقيل معناه الويل لك، ومنه قول الخنساء # هممت بنفسي بعض الهمو م فأولى لنفسي أولى لها # وعلى القول بأنه الويل. قيل هو من المقلوب كأنه قيل أويل لك، ثم أخر ~~الحرف المعتل. قيل ومعنى التكرير لهذا اللفظ أربع مرات، والويل لك حيا، ~~والويل لك ميتا، والويل لك يوم البعث، والويل لك يوم تدخل النار. وقيل ~~المعنى إن الذم لك أولى لك من تركه. وقيل المعنى أنت أولى وأجدر بهذا ~~العذاب، قاله ثعلب. وقال الأصمعي أولى في كلام العرب معناه مقاربة ~~الهلاك. قال المبرد كأنه يقول قد وليت الهلاك وقد دانيته، وأصله من ~~الولي، وهو القرب، وأنشد الفراء # فأولى أن يكون لك الولاء # أي قارب أن يكون لك، وأنشد أيضا # أولى لمن هاجت له أن يكمدا # { أيحسب الإنسن أن يترك سدى } أي هملا لا يؤمر ولا ~~ينهى، ولا يحاسب ولا يعاقب. وقال السدي معناه المهمل، ومنه إبل سدى، أي ~~ترعى بلا راع. وقيل المعنى أيحسب أن يترك في قبره كذلك أبدا لا يبعث، ~~وجملة { ألم يك نطفة من منى يمنى } مستأنفة أي ألم يك ~~ذلك الإنسان قطرة من مني يراق في الرحم، وسمي المني منيا لإراقته، ~~والنطفة الماء القليل، يقال نطف الماء إذا قطر. قرأ الجمهور { ألم يك } ~~بالتحتية على إرجاع الضمير إلى الإنسان. وقرأ الحسن بالفوقية على ~~الالتفات إليه توبيخا له. وقرأ الجمهور أيضا { تمنى } بالفوقية على أن ~~الضمير للنطفة. وقرأ حفص، وابن محيصن، ومجاهد، ويعقوب بالتحتية على أن ~~الضمير للمنى، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو، واختارها أبو حاتم { ثم ~~كان علقة } أي كان بعد النطفة علقة، أي دما { فخلق } أي فقدر ~~بأن جعلها مضغة مخلقة { فسوى } ، أي فعدله وكمل نشأته، ونفخ فيه ~~الروح. { فجعل منه } أي حصل من الإنسان. وقيل من المني { ~~الزوجين } أي الصنفين من نوع الإنسان. ثم بين ذلك فقال { الذكر ~~والأنثى } أي ms4062 الرجل والمرأة. { أليس ذلك } أي ليس ذلك الذي ~~أنشأ هذا الخلق البديع وقدر عليه { بقادر على أن يحى ~~الموتى } أي يعيد الأجسام بالبعث كما كانت عليه في الدنيا، فإن ~~الإعادة أهون من الابتداء، وأيسر مؤنة منه. # قرأ الجمهور { بقادر } وقرأ زيد بن علي " يقدر " فعلا مضارعا، وقرأ ~~الجمهور { يحيي } بنصبه بأن. وقرأ طلحة بن سليمان، والفياض بن غزوان ~~بسكونها تخفيفا، أو على إجراء الوصل مجرى الوقف، كما مر في مواضع. وقد ~~أخرج ابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~في قوله { وقيل من راق } قال تنتزع نفسه حتى إذا كانت في تراقيه. ~~قيل من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب. { والتفت ~~الساق بالساق } قال التفت عليه الدنيا والآخرة، وملائكة العذاب ~~أيهم يرقى به. وأخرج عبد بن حميد عنه { وقيل من راق } قل من راق ~~يرقى. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا { ~~والتفت الساق بالساق } يقول آخر يوم من أيام الدنيا وأول ~~يوم من أيام الآخرة، فتلقى الشدة بالشدة إلا من رحم الله. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عنه أيضا { يتمطى } قال يختال. وأخرج سعيد بن منصور، ~~وعبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال سألت ابن عباس عن قوله { ~~أولى لك فأولى } أشيء قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ~~جهل من قبل نفسه، أم أمره الله به؟ قال بل قاله من قبل نفسه، ثم أنزله ~~الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { أن ~~يترك سدى } قال هملا. وأخرج عبد بن حميد، وابن الأنباري عن صالح ~~أبي الخليل قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ هذه الآية { ~~أليس ذلك بقدر على أن يحيى الموتى } قال # " سبحانك اللهم، وبلى " # وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال لما نزلت هذه الآية { أليس ~~ذلك بقدر على أن يحيى الموتى } قال رسول الله صلى ~~الله ms4063 عليه وسلم # " سبحانك ربي، وبلى " # وأخرج ابن النجار في تاريخه عن أبي أمامة أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول عند قراءته لهذه الآية # " بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين " # وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من قرأ منكم { والتين والزيتون } التين 1، فانتهى إلى آخرها ~~{ أليس الله بأحكم الحكمين } التين 8 فليقل بلى وأنا ~~على ذلك من الشاهدين. ومن قرأ { لا أقسم بيوم القيمة } ~~القيامة 1، فانتهى إلى قوله { أليس ذلك بقدر على أن ~~يحيى الموتى } فليقل بلى، ومن قرأ { والمرسلت عرفا ~~} المرسلات 1 فبلغ { فبأي حديث بعده يؤمنون } الأعراف 85 ~~فليقل آمنا بالله " # وفي إسناده رجل مجهول. وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه عن جابر بن عبد ~~الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا قرأت { لا أقسم بيوم القيمة } فبلغت { أليس ~~ذلك بقدر على أن يحيى الموتى } فقل بلى ". ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1-12] # حكى الواحدي عن المفسرين، وأهل المعاني أن { هل } هنا بمعنى قد، وليس ~~باستفهام، وقد قال بهذا سيبويه، والكسائي، والفراء، وأبو عبيدة. قال ~~الفراء هل تكون جحدا، وتكون خبرا، فهذا من الخبر لأنك تقول هل أعطيتك ~~تقرره بأنك أعطيته، والجحد أن تقول هل يقدر أحد على مثل هذا وقيل هي وإن ~~كانت بمعنى قد، ففيها معنى الاستفهام، والأصل أهل أتى، فالمعنى أقد أتى، ~~والاستفهام للتقرير والتقريب، والمراد بالإنسان هنا آدم، قاله قتادة، ~~والثوري، وعكرمة، والسدي وغيرهم { حين من الدهر } قيل أربعون ~~سنة قبل أن ينفخ فيه الروح. وقيل إنه خلق من طين أربعين سنة، ثم من حمأ ~~مسنون أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وعشرين ~~سنة. وقيل الحين المذكور هنا لا يعرف مقداره. وقيل المراد بالإنسان بنو ~~آدم، والحين مدة الحمل، وجملة { لم يكن شيئا مذكورا } في ~~محل نصب على الحال من الإنسان، أو في محل رفع صفة لحين. قال الفراء، ~~وقطرب، ms4064 وثعلب المعنى أنه كان جسدا مصورا ترابا وطينا لا يذكر، ولا ~~يعرف ولا يدرى ما اسمه، ولا ما يراد به، ثم نفخ فيه الروح فصار مذكورا. ~~وقال يحيى بن سلام لم يكن شيئا مذكورا في الخلق، وإن كان عند الله ~~شيئا مذكورا. وقيل ليس المراد بالذكر هنا الإخبار، فإن إخبار الرب عن ~~الكائنات قديم، بل هو الذكر بمعنى الخطر والشرف، كما في قوله # وإنه لذكر لك ولقومك # الزخرف 44. قال القشيري ما كان مذكورا للخلق وإن كان مذكورا لله ~~سبحانه. قال الفراء كان شيئا ولم يكن مذكورا. فجعل النفي متوجها إلى ~~القيد. وقيل المعنى قد مضت أزمنة وما كان آدم شيئا، ولا مخلوقا ولا ~~مذكورا لأحد من الخليقة. وقال مقاتل في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره هل ~~أتى حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله، ~~ولم يخلق بعده حيوان. { إنا خلقنا الإنسن من نطفة } ~~المراد بالإنسان هنا ابن آدم. قال القرطبي من غير خلاف، والنطفة الماء ~~الذي يقطر، وهو المني، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة، وجمعها نطف، و { ~~أمشاج } صفة لنطفة، وهي جمع مشج أو مشيج، وهي الأخلاط، والمراد نطفة ~~الرجل ونطفة المرأة واختلاطهما. يقال مشج هذا بهذا، فهو ممشوج، أي خلط ~~هذا بهذا فهو مخلوط. قال المبرد مشج يمشج إذا اختلط، وهو هنا اختلاط ~~النطفة بالدم. قال رؤبة بن العجاج # يطرحن كل معجل مشاج لم يكس جلدا من دم أمشاج # قال الفراء أمشاج اختلاط ماء الرجل وماء المرأة، والدم والعلقة، ويقال ~~مشج هذا إذا خلط. # وقيل الأمشاج الحمرة في البياض والبياض في الحمرة. قال القرطبي وهذا قول ~~يختاره كثير من أهل اللغة. قال الهذلي # كأن الريش والفوقين منه حلاف النصل نيط به مشيج # وذلك لأن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فيخلق منهما ~~الولد. قال ابن السكيت الأمشاج الأخلاط لأنها ممتزجة من أنواع يخلق ~~الإنسان منها وطباع مختلفة. وقيل الأمشاج لفظ مفرد كبرمة أعشار، ويؤيد ~~هذا وقوعه نعتا لنطفة، وجملة { نبتليه ms4065 } في محل نصب على الحال من ~~فاعل خلقنا، أي مريدين ابتلاءه، ويجوز أن يكون حالا من الإنسان، والمعنى ~~نبتليه بالخير والشر وبالتكاليف. قال الفراء معناه والله أعلم { ~~جعلنه سميعا بصيرا } نبتليه، وهي مقدمة معناها التأخير لأن ~~الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة، وعلى هذا تكون هذه الحال مقدرة. ~~وقيل مقارنة. وقيل معنى الابتلاء نقله من حال إلى حال على طريقة ~~الاستعارة، والأول أولى. ثم ذكر سبحانه أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء، ~~فقال { إنا هدينه السبيل إما شاكرا وإما ~~كفورا } أي بينا له، وعرفناه طريق الهدى والضلال، والخير والشر، كما ~~في قوله # وهدينه النجدين # البلد 10 قال مجاهد أي بينا السبيل إلى الشقاء والسعادة. وقال الضحاك، ~~والسدي، وأبو صالح السبيل هنا خروجه من الرحم. وقيل منافعه ومضاره التي ~~يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله، وانتصاب { شاكرا } و { كفورا } على ~~الحال من مفعول، { هديناه } أي مكناه من سلوك الطريق في حالتيه جميعا. ~~وقيل على الحال من سبيل على المجاز، أي عرفناه السبيل إما سبيلا شاكرا ~~وإما سبيلا كفورا. وحكى مكي عن الكوفيين أن قوله { إما } هي إن شرطية ~~زيدت بعدها ما، أي بينا له الطريق إن شكر وإن كفر. واختار هذا الفراء، ~~ولا يجيزه البصريون لأن إن الشرطية لا تدخل على الأسماء إلا أن يضمر ~~بعدها فعل، ولا يصح هنا إضمار الفعل لأنه كان يلزم رفع { شاكرا } و { ~~كفورا }. ويمكن أن يضمر فعل ينصب شاكرا وكفورا، وتقديره إن خلقناه ~~شاكرا فشكور، وإن خلقناه كافرا فكفور، وهذا على قراءة الجمهور { إما ~~شاكرا وإما كفورا } بكسر همزة إما. وقرأ أبو السماك، وأبو العجاج ~~بفتحها، وهي على الفتح إما العاطفة في لغة بعض العرب، أو هي التفصيلية، ~~وجوابها مقدر. وقيل انتصب شاكرا وكفورا بإضمار كان، والتقدير سواء كان ~~شاكرا أو كان كفورا. ثم بين سبحانه ما أعد للكافرين فقال { إنا ~~أعتدنا للكفرين سلسل وأغللا وسعيرا } قرأ ~~نافع، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وهشام عن ابن عامر " سلاسلا " ~~بالتنوين، ووقف قنبل عن ابن كثير، وحمزة ms4066 بغير ألف، والباقون وقفوا ~~بالألف. ووجه من قرأ بالتنوين في سلاسل مع كون فيه صيغة منتهى الجموع أنه ~~قصد بذلك التناسب لأن ما قبله وهو { إما شاكرا وإما كفورا } ~~، وما بعده وهو { أغللا وسعيرا } منون، أو على لغة من يصرف ~~جميع ما لا ينصرف، كما حكاه الكسائي، وغيره من الكوفيين عن بعض العرب. # قال الأخفش سمعنا من العرب من يصرف كل ما لا ينصرف لأن الأصل في الأسماء ~~الصرف، وترك الصرف لعارض فيها. قال الفراء هو على لغة من يجر الأسماء ~~كلها إلا قولهم هو أظرف منك، فإنهم لا يجرونه، وأنشد ابن الأنباري في ~~ذلك قول عمرو بن كلثوم # كأن سيوفنا فينا وفيهم مخاريق بأيدي لاعبينا # ومن ذلك قول الشاعر # وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم خضع الرقاب نواكس الأبصار # بكسر السين من نواكس، وقول لبيد # وحسور أستار دعوني لحتفها بمعالق متشابه أعلاقها # وقوله أيضا # فضلا وذو كرم يعين على الندى سمح لشوب رغائب غنامها # وقيل إن التنوين لموافقة رسم المصاحف المكية والمدنية والكوفية فإنها ~~فيها بالألف. وقيل إن هذا التنوين بدل من حرف الإطلاق، ويجري الوصل مجرى ~~الوقف، والسلاسل قد تقدم تفسيرها، والخلاف فيها هل هي القيود، أو ما ~~يجعل في الأعناق، كما في قول الشاعر # ........ ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل والأغلال # جمع غل تغل به الأيدي إلى الأعناق. والسعير الوقود الشديد، وقد تقدم ~~تفسير السعير، ثم ذكر سبحانه ما أعده للشاكرين، فقال { إن ~~الأبرار يشربون من كأس } الأبرار أهل الطاعة والإخلاص، ~~والصدق، جمع بر أو بار. قال في الصحاح جمع البر الأبرار، وجمع البار ~~البررة، وفلان يبر خالقه ويبرره، أي يطيعه. وقال الحسن البر الذي لا ~~يؤذي الذر. وقال قتادة الأبرار الذين يؤدون حق الله ويوفون بالنذر. ~~والكأس في اللغة هو الإناء الذي فيه الشراب، وإذا لم يكن فيه الشراب لم ~~يسم كأسا، ولا وجه لتخصيصه بالزجاجة، بل يكون من الزجاج ومن الذهب ~~والفضة والصيني وغير ذلك، وقد كانت كاسات العرب من أجناس مختلفة، وقد ~~يطلق الكأس على نفس الخمر، ms4067 كما في قول الشاعر # وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها # { كان مزاجها كفورا } أي يخالطها، وتمزج به، يقال مزجه يمزجه ~~مزجا، أي خلطه يخلطه خلطا، ومنه قول الشاعر # كأن سبية من بيت رأس كان مزاجها عسل وماء # ومنه قول عمرو بن كلثوم # صددت الكأس عنا أم عمرو وكان الكأس مجراها اليمينا معتقة كأن الخص ~~فيها إذا ما الماء خالطها سخينا # ومنه مزاج البدن، وهو ما يمازجه من الأخلاط، والكافور قيل هو اسم عين في ~~الجنة يقال لها الكافوري تمزج خمر الجنة بماء هذه العين. وقال قتادة، ~~ومجاهد تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك. وقال عكرمة مزاجها طعمها. ~~وقيل إنما الكافور في ريحها لا في طعمها. وقيل إنما أراد الكافور في ~~بياضه وطيب رائحته وبرده، لأن الكافور لا يشرب، كما في قوله # حتى إذا جعله نارا # الكهف 96 أي كنار. وقال ابن كيسان طيبها المسك والكافور والزنجبيل. وقال ~~مقاتل ليس هو كافور الدنيا، وإنما سمى الله ما عنده بما عندكم حتى تهتدي ~~له القلوب، والجملة في محل جر صفة لكأس. وقيل إن كان هنا زائدة أي من ~~كأس مزاجها كافورا. { عينا يشرب بها عباد الله } انتصاب ~~{ عينا } على أنها بدل من { كافورا } لأن ماءها في بياض الكافور. وقال ~~مكي إنها بدل من محل { من كأس } على حذف مضاف كأنه قيل يشربون خمرا ~~خمر عين. وقيل إنها منتصبة على أنها مفعول يشربون أي عينا من كأس، وقيل ~~هي منتصبة على الاختصاص، قاله الأخفش. وقيل منتصبة بإضمار فعل يفسره ما ~~بعده، أي يشربون عينا يشرب بها عباد الله، والأول أولى، وتكون جملة { ~~يشرب بها عباد الله } صفة ل { عينا }. وقيل إن الباء في { ~~يشرب بها } زائدة. وقيل بمعنى من قاله الزجاج، ويعضده قراءة ابن ~~أبي عبلة يشربها عباد الله. وقيل إن يشرب مضمن معنى يلتذ. وقيل هي ~~متعلقة ب { يشرب } ، والضمير يعود إلى الكأس. وقال الفراء يشربها ويشرب ~~بها سواء في المعنى، وكأن يشرب بها يروى بها، وينتفع بها وأنشد قول ms4068 ~~الهذلي # شربن بماء البحر ثم ترفعت # قال ومثله تكلم بكلام حسن، وتكلم كلاما حسنا { يفجرونها ~~تفجيرا } أي يجرونها إلى حيث يريدون، وينتفعون بها كما يشاءون، ~~ويتبعهم ماؤها إلى كل مكان يريدون وصوله إليه، فهم يشقونها شقا، كما ~~يشق النهر ويفجر إلى هنا وهنا. قال مجاهد يقودونها حيث شاءوا، وتتبعهم ~~حيث مالوا مالت معهم، والجملة صفة أخرى ل { عينا } ، وجملة { يوفون ~~بالنذر } مستأنفة مسوقة لبيان ما لأجله رزقوا ما ذكر، وكذا ما عطف ~~عليها، ومعنى النذر في اللغة الإيجاب، والمعنى يوفون بما أوجبه الله ~~عليهم من الطاعات. قال قتادة، ومجاهد يوفون بطاعة الله من الصلاة والحج ~~ونحوهما. وقال عكرمة يوفون إذا نذروا في حق الله سبحانه، والنذر في الشرع ~~ما أوجبه المكلف على نفسه، فالمعنى يوفون بما أوجبوه على أنفسهم. قال ~~الفراء في الكلام إضمار، أي كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. وقال الكلبي ~~يوفون بالعهد، أي يتممون العهد. والأولى حمل النذر هنا على ما أوجبه ~~العبد على نفسه من غير تخصيص { ويخفون يوما كان شره ~~مستطيرا } المراد يوم القيامة، ومعنى استطارة شره فشوه وانتشاره، ~~يقال استطار يستطير استطارة، فهو مستطير، وهو استفعل من الطيران، ومنه ~~قول الأعشى # فباتت وقد أثارت في الفؤا د صدعا على نأيها مستطيرا # والعرب تقول استطار الصدع في القارورة والزجاجة إذا امتد، ويقال استطار ~~الحريق إذا انتشر. قال الفراء المستطير المستطيل. قال قتادة استطار شر ~~ذلك اليوم حتى ملأ السماوات، والأرض. # قال مقاتل كان شره فاشيا في السموات، فانشقت وتناثرت الكواكب وفزعت ~~الملائكة، وفي الأرض نسفت الجبال وغارت المياه. { ويطعمون ~~الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا } أي يطعمون ~~هؤلاء الثلاثة الأصناف الطعام على حبه لديهم وقلته عندهم. قال مجاهد على ~~قلته، وحبهم إياه وشهوتهم له فقوله { على حبه } في محل نصب على الحال، أي ~~كائنين على حبه، ومثله قوله # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # آل عمران 92 وقيل على حب الإطعام لرغبتهم في الخير. قال الفضيل بن عياض ~~على حب إطعام الطعام. وقيل الضمير في ms4069 حبه يرجع إلى الله أي يطعمون الطعام ~~على حب الله، أي يطعمون إطعاما كائنا على حب الله، ويؤيد هذا قوله { ~~إنما نطعمكم لوجه الله } والمسكين ذو المسكنة، وهو ~~الفقير، أو من هو أفقر من الفقير، والمراد باليتيم يتامى المسلمين، ~~والأسير الذي يؤسر فيحبس. قال قتادة، ومجاهد الأسير المحبوس. وقال عكرمة ~~الأسير العبد. وقال أبو حمزة الثمالي الأسير المرأة. قال سعيد بن جبير ~~نسخ هذا الإطعام آية الصدقات، وآية السيف في حق الأسير الكافر. وقال غيره ~~بل هي محكمة، وإطعام المسكين واليتيم على التطوع، وإطعام الأسير لحفظ ~~نفسه إلى أن يتخير فيه الإمام. وجملة { إنما نطعمكم لوجه ~~الله } في محل نصب على الحال بتقدير القول، أي يقولون إنما نطعمكم، أو ~~قائلين إنما نطعمكم يعني أنهم لا يتوقعون المكافأة ولا يريدون ثناء الناس ~~عليهم بذلك. قال الواحدي قال المفسرون لم يستكملوا بهذا، ولكن علمه الله ~~من قلوبهم فأثنى عليهم، وعلم من ثنائه أنهم فعلوا ذلك خوفا من الله ~~ورجاء ثوابه { لا نريد منكم جزاء ولا شكورا } أي لا نطلب ~~منكم المجازاة على هذا الإطعام، ولا نريد منكم الشكر لنا، بل هو خالص ~~لوجه الله، وهذه الجملة مقررة لما قبلها لأن من أطعم لوجه الله لا يريد ~~المكافأة، ولا يطلب الشكر له ممن أطعمه. { إنا نخاف من ربنا ~~يوما عبوسا قمطريرا } أي نخاف عذاب يوم متصف بهاتين الصفتين، ~~ومعنى { عبوسا } أنه يوم تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته، فالمعنى أنه ~~ذو عبوس. قال الفراء، وأبو عبيدة، والمبرد يوم قمطرير وقماطر إذا كان ~~صعبا شديدا، وأنشد الفراء # بني عمنا هل تذكرون بلاءنا عليكم إذا ما كان يوم قماطر # قال الأخفش القمطرير أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء، ومنه قول ~~الشاعر # ففروا إذا ما الحرب ثار غبارها ولج بها اليوم العبوس القماطر # قال الكسائي اقمطر اليوم وازمهر إذا كان صعبا شديدا، ومنه قول ~~الشاعر # بنو الحرب أوصينا لهم بقمطرة ومن يلق منا ذلك اليوم يهرب # وقال مجاهد إن العبوس بالشفتين، والقمطير بالجبهة والحاجبين، ms4070 فجعلهما من ~~صفات المتغير في ذلك اليوم لما يراه من الشدائد، وأنشد ابن الأعرابي # يقدر على الصيد بعود منكسر ويقمطر ساعة ويكفهر # قال أبو عبيدة يقال قمطرير، أي منقبض ما بين العينين والحاجبين. قال ~~الزجاج يقال اقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها ورمت بأنفها ما ~~يسبقها من القطر، وجعل الميم مزيدة. { فوقهم الله شر ذلك ~~اليوم } أي دفع عنهم شره بسبب خوفهم منه وإطعامهم لوجهه { ~~ولقهم نضرة وسرورا } أي أعطاهم بدل العبوس في الكفار ~~نضرة في الوجود وسرورا في القلوب. قال الضحاك والنضرة البياض والنقاء في ~~وجوههم. وقال سعيد بن جبير والحسن والبهاء. وقيل النضرة أثر النعمة. { ~~وجزاهم بما صبروا } أي بسبب صبرهم على التكاليف. وقيل على ~~الفقر. وقيل على الجوع. وقيل على الصوم. والأولى حمل الآية على الصبر على ~~كل شيء يكون الصبر عليه طاعة لله سبحانه، و " ما " مصدرية، والتقدير ~~بصبرهم { جنة وحريرا } أي أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير، وهو لباس ~~أهل الجنة عوضا عن تركه في الدنيا امتثالا لما ورد في الشرع من تحريمه، ~~وظاهر هذه الآيات العموم في كل من خاف من يوم القيامة وأطعم لوجه الله ~~وخاف من عذابه، والسبب وإن كان خاصا، كما سيأتي، فالاعتبار بعموم اللفظ ~~لا بخصوص السبب، ويدخل سبب التنزيل تحت عمومها دخولا أوليا. وقد أخرج ~~ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { هل أتى على الإنسن } قال ~~كل إنسان. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله { ~~أمشاج } قال أمشاجها عروقها. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم { ~~أمشاج } قال العروق. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ~~من نطفة أمشاج } قال ماء الرجل وماء المرأة حين يختلطان. وأخرج ~~ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال { أمشاج } ألوان نطفة الرجل بيضاء ~~وحمراء، ونطفة المرأة خضراء وحمراء. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال ~~الأمشاج الذي يخرج على أثر البول كقطع الأوتار، ومنه يكون الولد. وأخرج ~~ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا { كان شره ms4071 مستطيرا } قال ~~فاشيا. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر عنه أيضا في قوله { وأسيرا } ~~قال هو المشرك. وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم عن أبي سعيد الخدري، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في قوله { مسكينا } قال " فقيرا " { ~~ويتيما } قال " لا أب له " { وأسيرا } قال " المملوك والمسجون ". ~~وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله { ويطعمون الطعام } ~~الآية قال نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله { يوما ~~عبوسا } قال ضيقا { قمطريرا } قال طويلا. وأخرج ابن مردويه عن ~~أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { يوما عبوسا ~~قمطريرا } قال # " يقبض ما بين الأبصار " # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر من طرق عن ابن عباس قال ~~القمطرير الرجل المنقبض ما بين عينيه ووجهه. وأخرج ابن المنذر عنه { ~~ولقهم نضرة وسرورا } قال نضرة في وجوههم، وسرورا في ~~صدورهم. ### || [76.13-22] # قوله { متكئين فيها على الأرائك } منصوب على الحال من ~~مفعول جزاهم، والعامل فيها جزى، ولا يعمل فيها صبروا لأن الصبر إنما كان ~~في الدنيا، وجوز أبو البقاء أن يكون صفة لجنة. قال الفراء وإن شئت جعلت ~~متكئين تابعا، كأنه قال جزاهم جنة { متكئين } فيها. وقال الأخفش يجوز أن ~~يكون منصوبا على المدح، والضمير من { فيها } يعود إلى الجنة، والأرائك ~~السرر في الحجال، وقد تقدم تفسيرها في سورة الكهف { لا يرون فيها ~~شمسا ولا زمهريرا } الجملة في محل نصب على الحال من مفعول ~~جزاهم، فتكون من الحال المترادفة، أو من الضمير في متكئين، فتكون من ~~الحال المتداخلة، أو صفة أخرى لجنة، والزمهرير أشد البرد، والمعنى أنهم ~~لا يرون في الجنة حر الشمس ولا برد الزمهرير، ومنه قول الأعشى # منعمة طفلة كالمها لم تر شمسا ولا زمهريرا # وقال ثعلب الزمهرير القمر بلغة طي، وأنشد لشاعرهم # وليلة ظلامها قد اعتكر قطعتها والزمهرير ما زهر # ويروى. ما ظهر، أي لم يطلع القمر، وقد تقدم تفسير ms4072 هذا في سورة مريم. { ~~ودانية عليهم ظللها } قرأ الجمهور { دانية } بالنصب ~~عطفا على محل لا يرون، أو على متكئين، أو صفة لمحذوف، أي وجنة دانية، ~~كأنه قال وجزاهم جنة دانية. وقال الزجاج هو صفة لجنة المتقدم ذكرها. وقال ~~الفراء هو منصوب على المدح. وقرأ أبو حيوة ودانية بالرفع على أنه خبر ~~مقدم، وظلالها مبتدأ مؤخر، والجملة في موضع النصب على الحال، والمعنى أن ~~ظلال الأشجار قريبة منهم مظلة عليهم زيادة في نعيمهم، وإن كان لا شمس ~~هنالك. قال مقاتل يعني شجرها قريب منهم. وقرأ ابن مسعود ودانيا عليهم. { ~~وذللت قطوفها تذليلا } معطوف على دانية كأنه قال ومذللة. ~~ويجوز أن تكون الجملة في محل نصب على الحال من الضمير في عليهم، ويجوز أن ~~تكون مستأنفة، والقطوف الثمار، والمعنى أنها سخرت ثمارها لمتناوليها ~~تسخيرا كثيرا بحيث يتناولها القائم والقاعد والمضطجع لا يرد أيديهم ~~عنها بعد ولا شوك. قال النحاس المذلل القريب المتناول، ومنه قولهم حائط ~~ذليل، أي قصير. قال ابن قتيبة ذللت أدنيت، من قولهم حائط ذليل أي كان ~~قصير السمك. وقيل ذللت، أي جعلت منقادة لا تمتنع على قطافها كيف شاءوا. { ~~ويطاف عليهم بئانية من فضة وأكواب } أي تدور ~~عليهم الخدم إذا أرادوا الشراب بآنية الفضة، والأكواب جمع ركوب، وهو ~~الكوز العظيم الذي لا أذن له ولا عروة، ومنه قول عدي # متكىء تقرع أبوابه يسعى عليه العبد بالكوب # وقد مضى تفسيره في سورة الزخرف { كانت قواريرا قواريرا من ~~فضة } أي في وصف القوارير في الصفاء وفي بياض الفضة، فصفاؤها صفاء ~~الزجاج، ولونها لون الفضة. # قرأ نافع، والكسائي، وأبو بكر قوارير قوارير بالتنوين فيهما مع الوصل، ~~وبالوقف عليهما بالألف، وقد تقدم وجه هذه القراءة في تفسير قوله # سلاسل # الإنسان 4 من هذه السورة، وبينا هنالك وجه صرف ما فيه صيغة منتهى ~~الجموع فارجع إليه. وقرأ حمزة بعدم التنوين فيهما، وعدم الوقف بالألف، ~~ووجه هذه القراءة ظاهر لأنهما ممتنعان لصيغة منتهى الجموع. وقرأ هشام ~~بعدم التنوين فيهما مع الوقف عليهما بالألف، وقرأ ابن ms4073 كثير بتنوين الأول ~~دون الثاني، والوقف على الأول بالألف دون الثاني. وقرأ أبو عمرو، وحفص، ~~وابن ذكوان بعدم التنوين فيهما، والوقف على الأول بالألف دون الثاني، ~~والجملة في محل جر صفة لأكواب. قال أبو البقاء وحسن التكرير لما اتصل به ~~من بيان أصلها. قال الواحدي قال المفسرون جعل الله قوارير أهل الجنة من ~~فضة، فاجتمع لها بياض الفضة وصفاء القوارير. قال الزجاج القوارير التي في ~~الدنيا من الرمل، فأعلم الله فضل تلك القوارير أن أصلها من فضة يرى من ~~خارجها ما في داخلها، وجملة { قدروها تقديرا } صفة لقوارير. قرأ ~~الجمهور { قدروها } بفتح القاف على البناء للفاعل، أي قدرها السقاة من ~~الخدم الذين يطوفون عليهم على قدر ما يحتاج إليه الشاربون من أهل الجنة ~~من دون زياد ولا نقصان. قال مجاهد وغيره أتوا بها على قدر ريهم بغير ~~زيادة ولا نقصان. قال الكلبي وذلك ألذ وأشهى. وقيل قدرها الملائكة. ~~وقيل قدرها أهل الجنة الشاربون على مقدار شهواتهم وحاجتهم، فجاءت كما ~~يريدون في الشكل لا تزيد ولا تنقص. وقرأ علي، وابن عباس، والسلمي، ~~والشعبي، وزيد بن علي، وعبيد بن عمير، وأبو عمرو في رواية عنه " قدروها ~~" بضم القاف، وكسر الدال مبنيا للمفعول، أي جعلت لهم على قدر إرادتهم. ~~قال أبو علي الفارسي هو من باب القلب، قال لأن حقيقة المعنى أن يقال ~~قدرت عليهم لا قدروها لأنه في معنى قدروا عليها. وقال أبو حاتم التقدير ~~قدرت الأواني على قدر ريهم، فمفعول ما لم يسم فاعله محذوف. قال أبو ~~حيان والأقرب في تخريج هذه القراءة الشاذة أن يقال قدر ريهم منها ~~تقديرا، فحذف المضاف، فصار قدروها. وقال المهدوي إن القراءة الأخيرة ~~يرجع معناها إلى معنى القراءة الأولى، وكأن الأصل قدروا عليها فحذف حرف ~~الجر، كما أنشد سيبويه # آليت حب العراق الدهر آكله والحب يأكله في القرية السوس # أي آليت على حب العراق. { ويسقون فيها كأسا كان ~~مزاجها زنجبيلا } قد تقدم أن الكأس هو الإناء فيه الخمر، وإذا ~~كان خاليا عن الخمر، فلا يقال ms4074 له كأس، والمعنى أن أهل الجنة يسقون في ~~الجنة كأسا من الخمر، ممزوجة بالزنجبيل وقد كانت العرب تستلذ مزج ~~الشراب بالزنجبيل لطيب رائحته. # وقال مجاهد، وقتادة الزنجبيل اسم للعين التي يشرب بها المقربون. وقال ~~مقاتل هو زنجبيل لا يشبه زنجبيل الدنيا. { عينا فيها تسمى ~~سلسبيلا } انتصاب { عينا } على أنها بدل من { كأسا }. ويجوز أن ~~تكون منصوبة بفعل مقدر، أي يسقون عينا، ويجوز أن تكون منصوبة بنزع ~~الخافض، أي من عين، والسلسبيل الشراب اللذيذ، مأخوذ من السلاسة، تقول ~~العرب هذا شراب سلس، وسلسال، وسلسبيل، أي طيب لذيذ. قال الزجاج السلسبيل ~~في اللغة اسم لماء في غاية السلاسة حديد الجرية يسوغ في حلوقهم، ومنه قول ~~حسان بن ثابت # يسقون من ورد البريص عليهم كأسا يصفق بالرحيق السلسل # { ويطوف عليهم ولدن مخلدون } لما فرغ سبحانه من وصف ~~شرابهم ووصف آنيتهم، ووصف السقاة الذين يسقونهم ذلك الشراب، ومعنى { ~~مخلدون } باقون على ما هم عليه من الشباب، والطراوة، والنضارة، لا ~~يهرمون، ولا يتغيرون. وقيل معنى { مخلدون } لا يموتون. وقيل ~~التخليد التحلية، أي محلون { إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا ~~منثورا } إذا نظرت إليهم ظننتهم لمزيد حسنهم، وصفاء ألوانهم، ونضارة ~~وجوههم لؤلؤا مفرقا. قال عطاء يريد في بياض اللون وحسنه، واللؤلؤ إذا ~~نثر من الخيط على البساط كان أحسن منه منظوما. قال أهل المعاني إنما ~~شبهوا بالمنثور لانتثارهم في الخدمة، ولو كانوا صفا لشبهوا بالمنظوم. ~~وقيل إنما شبههم بالمنثور لأنهم سراع في الخدمة، بخلاف الحور العين. فإنه ~~شبههن باللؤلؤ المكنون لأنهن لا يمتهن بالخدمة. { وإذا رأيت ~~ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا } أي وإذا رميت ببصرك هناك، ~~يعني في الجنة رأيت نعيما لا يوصف، وملكا كبيرا لا يقادر قدره، وثم ~~ظرف مكان، والعامل فيها رأيت. قال الفراء في الكلام ما مضمرة، أي وإذا ~~رأيت ما ثم، كقوله # لقد تقطع بينكم # الأنعام 94 أي ما بينكم. قال الزجاج معترضا على الفراء إنه لا يجوز ~~إسقاط الموصول وترك الصلة، ولكن رأيت يتعدى في المعنى إلى ثم. والمعنى ~~إذا رأيت ببصرك ثم، ms4075 ويعني بثم الجنة. قال السدي النعيم ما يتنعم به، ~~والملك الكبير استئذان الملائكة عليهم، وكذا قال مقاتل، والكلبي. وقيل إن ~~رأيت ليس له مفعول ملفوظ، ولا مقدر ولا منوي، بل معناه أن بصرك أينما ~~وقع في الجنة رأيت نعيما وملكا كبيرا. { عليهم ثياب سندس ~~} قرأ نافع، وحمزة، وابن محيصن عاليهم بسكون الياء وكسر الهاء على أنه ~~خبر مقدم، وثياب مبتدأ مؤخر، أو على أن عاليهم مبتدأ، وثياب مرتفع ~~بالفاعلية، وإن لم يعتمد الوصف، كما هو مذهب الأخفش. وقال الفراء هو ~~مرفوع بالابتداء، وخبره ثياب سندس، واسم الفاعل مراد به الجمع. وقرأ ~~الباقون بفتح الياء وضم الهاء على أنه ظرف في محل رفع على أنه خبر ~~مقدم، وثياب مبتدأ مؤخر، كأنه قيل فوقهم ثياب. # قال الفراء إن عاليهم بمعنى فوقهم، وكذا قال ابن عطية. قال أبو حيان ~~عال وعالية اسم فاعل، فيحتاج في كونهما ظرفين إلى أن يكون منقولا من ~~كلام العرب، وقد تقدمه إلى هذا الزجاج وقال هذا مما لا نعرفه في الظروف ~~ولو كان ظرفا لم يجز إسكان الياء، ولكنه نصب على الحال من شيئين أحدهما ~~الهاء والميم في قوله { يطوف عليهم } أي على الأبرار { ولدن ~~} عاليا الأبرار { ثياب سندس } أي يطوف عليهم في هذه الحال. ~~والثاني أن يكون حالا من الولدان، أي إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا ~~في حال علو الثياب أبدانهم. وقال أبو علي الفارسي العامل في الحال إما ~~لقاهم نضرة وسرورا، وإما جزاهم بما صبروا. قال ويجوز أن يكون ظرفا. ~~وقرأ ابن سيرين، ومجاهد، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة عليهم، وهي قراءة ~~واضحة المعنى ظاهرة الدلالة. واختار أبو عبيد القراءة الأولى لقراءة ابن ~~مسعود عاليتهم. وقرأ الجمهور بإضافة ثياب إلى سندس. وقرأ أبو حيوة، وابن ~~أبي عبلة بتنوين ثياب، وقطعها عن الإضافة، ورفع سندس، و { خضر ~~وإستبرق } على أن السندس نعت للثياب لأن السندس نوع من الثياب، ~~وعلى أن { خضر } نعت لسندس لأنه يكون أخضر وغير أخضر، وعلى أن إستبرق ~~معطوف على سندس، أي وثياب إستبرق، ms4076 والجمهور من القراء اختلفوا في خضر ~~وإستبرق مع اتفاقهم على جر سندس بإضافة ثياب إليه فقرأ ابن كثير، وأبو ~~بكر عن عاصم، وابن محيصن بجر خضر نعتا لسندس، ورفع إستبرق عطفا على ~~ثياب أي عليهم ثياب سندس وعليهم إستبرق. وقرأ أبو عمرو، وابن عامر برفع ~~خضر نعتا لثياب، وجر إستبرق نعت لسندس. واختار هذه القراءة أبو حاتم، ~~وأبو عبيد لأن الخضر أحسن ما كانت نعتا للثياب فهي مرفوعة، والإستبرق من ~~جنس السندس. وقرأ نافع، وحفص برفع { خضر وإستبرق } لأن { خضر } نعت ~~للثياب، وإستبرق عطف على الثياب. وقرأ الأعمش، وحمزة، والكسائي بجر خضر ~~وإستبرق على أن { خضر } نعت للسندس، وإستبرق معطوف على سندس. وقرءوا كلهم ~~بصرف إستبرق إلا ابن محيصن، فإنه لم يصرفه، قال لأنه أعجمي، ولا وجه ~~لهذا لأنه نكرة إلا أن يقول إنه علم لهذا الجنس من الثياب. والسندس ما ~~رق من الديباج. والإستبرق ما غلظ منه، وقد تقدم تفسيرهما في سورة ~~الكهف. { وحلوا أساور من فضة } عطف على { يطوف عليهم }. ~~ذكر سبحانه هنا أنهم يحلون بأساور الفضة، وفي سورة فاطر # يحلون فيها من أساور من ذهب # فاطر 33 وفي سورة الحج # يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا # الحج 23 ولا تعارض بين هذه الآيات لإمكان الجمع بأن يجعل لهم سوارات من ~~ذهب وفضة ولؤلؤ، أو بأن المراد أنهم يلبسون سوارات الذهب تارة، وسوارات ~~الفضة تارة، وسوارات اللؤلؤ تارة، أو أنه يلبس كل أحد منه ما تميل إليه ~~نفسه من ذلك، ويجوز أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال من ضمير ~~عاليهم بتقدير قد { وسقهم ربهم شرابا طهورا } هذا نوع ~~آخر من الشراب الذي يمن الله عليهم به. # قال الفراء يقول هو طهور ليس بنجس، كما كان في الدنيا موصوفا ~~بالنجاسة. والمعنى أن ذلك الشراب طاهر ليس كخمر الدنيا. قال مقاتل هو عين ~~ماء على باب الجنة من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غش، وغل، ~~وحسد. قال أبو قلابة، وإبراهيم النخعي يؤتون ms4077 بالطعام، فإذا كان آخره أتوا ~~بالشراب الطهور، فيشربون فتضمر بطونهم من ذلك، ويفيض عرق من أبدانهم مثل ~~ريح المسك { إن هذا كان لكم جزاء } أي يقال لهم إن هذا ~~الذي ذكر من أنواع النعم كان لكم جزاء بأعمالكم أي ثوابا لها { وكان ~~سعيكم مشكورا } أي كان عملكم في الدنيا بطاعة الله مرضيا ~~مقبولا، وشكر الله سبحانه لعمل عبده هو قبوله لطاعته. وقد أخرج عبد بن ~~حميد، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال الزمهرير هو البرد الشديد. وأخرج ~~البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " اشتكت النار إلى ربها فقالت رب أكل بعضي بعضا، فجعل لها نفسين نفسا ~~في الصيف، ونفسا في الشتاء، فشدة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدة ~~ما تجدون في الصيف من الحر من سمومها " # وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وهناد بن السري، وعبد ~~بن حميد، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن البراء ~~بن عازب في قوله { ودانية عليهم ظللها } قال قريبة { ~~وذللت قطوفها تذليلا } قال إن أهل الجنة يأكلون من ثمار ~~الجنة قياما وقعودا، ومضطجعين وعلى أي حال شاءوا. وفي لفظ قال ذللت ~~فيتناولون منها كيف شاءوا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في ~~البعث عن ابن عباس قال { ءانية من فضة } وصفاؤها كصفاء القوارير ~~{ قدروها تقديرا } قال قدرت للكف. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن ~~منصور، والبيهقي عنه قال لو أخذت فضة من فضة الدنيا، فضربتها حتى جعلتها ~~مثل جناح الذباب لم ير الماء من ورائها، ولكن قوارير الجنة بياض الفضة في ~~صفاء القوارير. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال ليس في الجنة شيء إلا ~~وقد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة. وأخرج الفريابي عنه أيضا ~~في قوله { قدروها تقديرا } قال أتوا بها على قدر الفم لا يفضلون ~~شيئا، ولا يشتهون بعدها شيئا. وأخرج عبد بن ms4078 حميد، وابن المنذر عنه ~~أيضا { قدروها تقديرا } قال قدرتها السقاة. وأخرج ابن ~~المبارك، وهناد، وعبد بن حميد، والبيهقي في البعث عن ابن عمرو قال إن ~~أدنى أهل الجنة منزلا من يسعى عليه ألف خادم كل خادم على عمل ليس عليه ~~صاحبه، وتلا هذه الآية { إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا ~~منثورا }. ### || [76.23-31] # قوله { إنا نحن نزلنا عليك القرءان تنزيلا } أي ~~فرقناه في الإنزال، ولم ننزله جملة واحدة. وقيل المعنى نزلناه عليك، ولم ~~تأت به من عندك، كما يدعيه المشركون. { فاصبر لحكم ربك } أي ~~لقضائه، ومن حكمه، وقضائه تأخير نصرك إلى أجل اقتضته حكمته. قيل وهذا ~~منسوخ بآية السيف { ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا } أي لا ~~تطع كل واحد من مرتكب لإثم وغال في كفر، فنهاه الله سبحانه عن ذلك. قال ~~الزجاج إن الألف هنا آكد من الواو وحدها لأنك إذا قلت لا تطع زيدا، ~~وعمرا، فأطاع أحدهما كان غير عاص لأنه أمره أن لا يطيع الاثنين، فإذا ~~قال لا تطع منهم آثما أو كفورا دل ذلك على أن كل واحد منهما أهل أن ~~يعصى، كما أنك إذا قلت لا تخالف الحسن أو ابن سيرين، فقد قلت إنهما أهل ~~أن يتبعا، وكل واحد منهما أهل أن يتبع. وقال الفراء «أو» هنا بمنزلة لا، ~~كأنه قال ولا كفورا. وقيل المراد بقوله { ءاثما } عتبة بن ربيعة، ~~وبقوله { أو كفورا } الوليد بن المغيرة لأنهما قالا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ارجع عن هذا الأمر، ونحن نرضيك بالمال والتزويج. { واذكر ~~اسم ربك بكرة وأصيلا } أي دم على ذكره في جميع الأوقات. ~~وقيل المعنى صل لربك أول النهار وآخره، فأول النهار صلاة الصبح، وآخره ~~صلاة العصر. { ومن اليل فاسجد له } أي صل المغرب والعشاء. ~~وقيل المراد الصلاة في بعضه من غير تعيين، ومن للتبعيض على كل تقدير { ~~وسبحه ليلا طويلا } أي نزهه عما لا يليق به، فيكون المراد ~~الذكر بالتسبيح سواء كان في الصلاة، أو في غيرها. وقيل المراد التطوع في ~~الليل. قال ابن زيد، وغيره إن ms4079 هذه الآية منسوخة بالصلوات الخمس. وقيل ~~الأمر للندب. وقيل هو مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم. { إن ~~هؤلاء يحبون العاجلة } يعني كفار مكة ومن هو موافق لهم. ~~والمعنى أنهم يحبون الدار العاجلة، وهي دار الدنيا، { ويذرون ~~وراءهم يوما ثقيلا } أي يتركون، ويدعون وراءهم، أي خلفهم، أو ~~بين أيديهم وأمامهم يوما شديدا عسيرا، وهو يوم القيامة، وسمي ثقيلا ~~لما فيه من الشدائد والأهوال. ومعنى كونه يذرونه وراءهم أنهم لا يستعدون ~~له، ولا يعبئون به، فهم كمن ينبذ الشيء وراء ظهره تهاونا به، واستخفافا ~~بشأنه، وإن كانوا في الحقيقة مستقبلين له وهو أمامهم. { نحن ~~خلقنهم } أي ابتدأنا خلقهم من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم ~~من مضغة إلى أن كمل خلقهم، ولم يكن لغيرنا في ذلك عمل ولا سعي لا ~~اشتراكا ولا استقلالا { وشددنا أسرهم } الأسر شدة الخلق، ~~يقال شد الله أسر فلان، أي قوى خلقه. # قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل، وغيرهم شددنا خلقهم. قال الحسن شددنا ~~أوصالهم بعضا إلى بعض بالعروق، والعصب. قال أبو عبيد يقال فرس شديد ~~الأسر، أي الخلق. قال لبيد # ساهم الوجه شديد أسره مشرف الحارك محبوك القتد # وقال الأخطل # من كل مجتنب شديد أسره سلس القياد تخاله مختالا # وقال ابن زيد الأسر القوة، واشتقاقه من الإسار، وهو القد الذي تشد به ~~الأقتاب، ومنه قول ابن أحمر يصف فرسا # يمشي بأوطفة شداد أسرها شم السبائك لا تفي بالجدجد # { وإذا شئنا بدلنا أمثلهم تبديلا } أي لو شئنا ~~لأهلكناهم، وجئنا بأطوع لله منهم. وقيل المعنى مسخناهم إلى أسمج صورة، ~~وأقبح خلقة. { إن هذه تذكرة } يعني إن هذه السورة تذكير ~~وموعظة { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } أي طريقا يتوسل ~~به إليه، وذلك بالإيمان، والطاعة. والمراد إلى ثوابه، أو إلى جنته. { ~~وما تشاءون إلا أن يشاء الله } أي وما تشاءون أن تتخذوا ~~إلى الله سبيلا إلا أن يشاء الله، فالأمر إليه سبحانه ليس إليهم. ~~والخير والشر بيده، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، فمشيئة العبد ~~مجردة لا تأتي ms4080 بخير ولا تدفع شرا، وإن كان يثاب على المشيئة الصالحة، ~~ويؤجر على قصد الخير، كما في حديث # " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى " # قال الزجاج أي لستم تشاءون إلا بمشيئة الله { إن الله كان ~~عليما حكيما } في أمره ونهيه، أي بليغ العلم والحكمة. { يدخل ~~من يشاء فى رحمته } أي يدخل في رحمته من يشاء أن يدخله فيها، أو ~~يدخل في جنته من يشاء من عباده، قال عطاء من صدقت نيته أدخله جنته { ~~والظلمين أعد لهم عذابا أليما } انتصاب الظالمين ~~بفعل مقدر يدل عليه ما قبله، أي يعذب الظالمين، نصب الظالمين لأن ما ~~قبله منصوب، أي يدخل من يشاء في رحمته ويعذب الظالمين، أي المشركين، ~~ويكون أعد لهم تفسيرا لهذا المضمر، والاختيار النصب، وإن جاز الرفع، ~~وبالنصب قرأ الجمهور، وقرأ أبان بن عثمان بالرفع على الابتداء، ووجهه أنه ~~لم يكن بعده فعل يقع عليه. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس { وشددنا ~~أسرهم } قال خلقهم. وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة { وشددنا ~~أسرهم } قال هي المفاصل. ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-28] # قوله { والمرسلت عرفا } قال جمهور المفسرين هي الرياح. وقيل ~~هي الملائكة، وبه قال مقاتل، وأبو صالح، والكلبي. وقيل هم الأنبياء، فعلى ~~الأول أقسم سبحانه بالرياح المرسلة لما يأمرها به، كما في قوله # وأرسلنا الرياح لواقح # الحجر 23 وقوله # يرسل الرياح # الروم 48 وغير ذلك. وعلى الثاني أقسم سبحانه بالملائكة المرسلة بوحيه ~~وأمره ونهيه. وعلى الثالث أقسم سبحانه برسله المرسلة إلى عباده لتبليغ ~~شرائعه، وانتصاب { عرفا } إما على أنه مفعول لأجله، أي المرسلات لأجل ~~العرف، وهو ضد النكر، ومنه قول الشاعر # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس # أو على أنه حال بمعنى متتابعة يتبع بعضها بعضا كعرف الفرس، تقول العرب ~~سار الناس إلى فلان عرفا واحدا إذا توجهوا إليه، وهم على فلان كعرف ~~الضبع إذا تألبوا عليه، أو على أنه مصدر كأنه قال والمرسلات إرسالا، أي ~~متتابعة، أو على أنه منصوب بنزع الخافض، أي ms4081 والمرسلات بالعرف. قرأ ~~الجمهور { عرفا } بسكون الراء. وقرأ عيسى بن عمر بضمها. وقيل المراد ~~بالمرسلات السحاب لما فيها من نعمة ونقمة { فالعصفت عصفا } ~~وهي الرياح الشديدة الهبوب. قال القرطبي بغير اختلاف يقال عصف بالشيء إذا ~~أباده وأهلكه، وناقة عصوف، أي تعصف براكبها، فتمضي كأنها ريح في السرعة، ~~ويقال عصفت الحرب بالقوم إذا ذهبت بهم. وقيل هي الملائكة الموكلون ~~بالرياح يعصفون بها، وقيل يعصفون بروح الكافر. وقيل هي الآيات المهلكة ~~كالزلازل، ونحوها { والنشرت نشرا } يعني الرياح تأتي بالمطر، ~~وهي تنشر السحاب نشرا، أو الملائكة الموكلون بالسحاب ينشرونها، أو ~~ينشرون أجنحتهم في الجو عند النزول بالوحي، أو هي الأمطار لأنها تنشر ~~النبات. وقال الضحاك يريد ما ينشر من الكتب وأعمال بني آدم. وقال الربيع ~~إنه البعث للقيامة بنشر الأرواح، وجاء بالواو هنا لأنه استئناف قسم آخر { ~~فالفرقت فرقا } يعني الملائكة تأتي بما يفرق بين الحق ~~والباطل. والحلال والحرام. وقال مجاهد هي الريح تفرق بين السحاب فتبدده. ~~وروي عنه أنها آيات القرآن تفرق بين الحق والباطل، وقيل هي الرسل فرقوا ~~ما بين ما أمر الله به ونهى عنه، وبه قال الحسن { فالملقيت ~~ذكرا } هي الملائكة. قال القرطبي بإجماع، أي تلقي الوحي إلى الأنبياء. ~~وقيل هو جبريل، وسمي باسم الجمع تعظيما له. وقيل هي الرسل يلقون إلى ~~أممهم ما أنزل الله عليهم، قاله قطرب. قرأ الجمهور { فالملقيات } بسكون ~~اللام، وتخفيف القاف اسم فاعل، وقرأ ابن عباس بفتح اللام، وتشديد القاف ~~من التلقية وهي إيصال الكلام إلى المخاطب، والراجح أن الثلاثة الأول ~~للرياح، والرابع والخامس للملائكة، وهو الذي اختاره الزجاج، والقاضي، ~~وغيرهما. { عذرا أو نذرا } انتصابهما على البدل من { ذكرا } ، ~~أو على المفعولية، والعامل فيهما المصدر المنون، كما في قوله # أو إطعام فى يوم ذى مسغبة يتيما # البلد 14، 15 أو على المفعول لأجله، أي للإعذار والإنذار، أو على الحال ~~بالتأويل المعروف، أي معذرين أو منذرين. قرأ الجمهور بإسكان الذال فيهما. ~~وقرأ زيد بن ثابت، وابنه خارجة بن زيد، وطلحة بضمهما. وقرأ الحرميان، ~~وابن عامر، وأبو ms4082 بكر بسكونها في عذرا وضمها في نذرا. وقرأ الجمهور { ~~عذرا أو نذرا } على العطف ب " أو ". وقرأ إبراهيم التيمي، وقتادة على ~~العطف بالواو بدون ألف، والمعنى أن الملائكة تلقي الوحي إعذارا من الله ~~إلى خلقه، وإنذارا من عذابه، كذا قال الفراء. وقيل عذرا للمحقين ~~ونذرا للمبطلين. قال أبو علي الفارسي يجوز أن يكون العذر والنذر ~~بالتثقيل جمع عاذر وناذر كقوله # هذا نذير من النذر الأولى # النجم 56 فيكون نصبا على الحال من الإلقاء، أي يلقون الذكر في حال ~~العذر والإنذار، أو مفعولان لذكرا، أي تذكر عذرا أو نذرا. قال المبرد ~~هما بالتثقيل جمع، والواحد عذير ونذير. ثم ذكر سبحانه جواب القسم فقال { ~~إنما توعدون لوقع } أي إن الذي توعدونه من مجيء الساعة ~~والبعث كائن لا محالة. ثم بين سبحانه متى يقع ذلك، فقال { فإذا ~~النجوم طمست } أي محي نورها، وذهب ضوؤها، يقال طمس الشيء إذا درس ~~وذهب أثره { وإذا السماء فرجت } أي فتحت وشقت، ومثله قوله # وفتحت السماء فكانت أبوبا # النبأ 19 { وإذا الجبال نسفت } أي قلعت من مكانها بسرعة، ~~يقال نسفت الشيء وأنسفته إذا أخذته بسرعة. وقال الكلبي سويت بالأرض، ~~والعرب تقول نسفت الناقة الكلأ إذا رعته. وقيل جعلت كالحب الذي ينسف ~~بالمنسف، ومنه قوله # وبست الجبال بسا # الواقعة 5 والأول أولى. قال المبرد نسفت قلعت من مواضعها. { وإذا ~~الرسل أقتت } الهمزة في { أقتت } بدل من الواو المضمومة، وكل واو ~~انضمت، وكانت ضمتها لازمة يجوز إبدالها بالهمزة، وقد قرأ بالواو أبو ~~عمرو، وشيبة، والأعرج، وقرأ الباقون بالهمزة، والوقت الأجل الذي يكون ~~عنده الشيء المؤخر إليه، والمعنى جعل لها وقت للفصل والقضاء بينهم وبين ~~الأمم، كما في قوله سبحانه # يوم يجمع الله الرسل # المائدة 109 وقيل هذا في الدنيا، أي جمعت الرسل لميقاتها الذي ضرب لها ~~في إنزال العذاب بمن كذبها، والأول أولى. قال أبو علي الفارسي، أي جعل ~~يوم الدين والفصل لها وقتا. وقيل { أقتت } أرسلت لأوقات معلومة على ما ~~علم الله به { لأي يوم أجلت } هذا الاستفهام للتعظيم ms4083 والتعجيب، ~~أي لأي يوم عظيم يعجب العباد منه لشدته ومزيد أهواله ضرب لهم الأجل ~~لجمعهم، والجملة مقول قول مقدر هو جواب ل " إذا " ، أو في محل نصب على ~~الحال من الضمير في { أقتت }. قال الزجاج المراد بهذا التأقيت تبيين ~~الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم. # ثم بين هذا اليوم فقال { ليوم الفصل } قال قتادة يفصل فيه بين ~~الناس بأعمالهم إلى الجنة والنار، ثم عظم ذلك اليوم فقال { وما ~~أدراك ما يوم الفصل } أي وما أعلمك بيوم الفصل، يعني أنه أمر ~~بديع هائل لا يقادر قدره، و " ما " مبتدأ وأدراك خبره، أو العكس كما ~~اختاره سيبويه. ثم ذكر حال الذين كذبوا بذلك اليوم فقال { ويل ~~يومئذ للمكذبين } أي ويل لهم في ذلك اليوم الهائل، وويل أصل ~~مصدر ساد مسد فعله، وعدل به إلى الرفع للدلالة على الثبات، والويل ~~الهلاك، أو هو اسم واد في جهنم، وكرر هذه الآية في هذه السورة لأنه قسم ~~الويل بينهم على قدر تكذيبهم، فإن لكل مكذب بشيء عذابا سوى تكذيبه بشيء ~~آخر، ورب شيء كذب به هو أعظم جرما من التكذيب بغيره، فيقسم له من الويل ~~على قدر ذلك التكذيب. ثم ذكر سبحانه ما فعل بالكفار من الأمم الخالية ~~فقال { ألم نهلك الأولين } أخبر سبحانه بإهلاك الكفار من ~~الأمم الماضية من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم. قال مقاتل يعني ~~بالعذاب في الدنيا حين كذبوا رسلهم. { ثم نتبعهم الأخرين } ~~يعني كفار مكة، ومن وافقهم حين كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم قرأ ~~الجمهور { نتبعهم } بالرفع على الاستئناف، أي ثم نحن نتبعهم. قال أبو ~~البقاء ليس بمعطوف لأن العطف يوجب أن يكون المعنى أهلكنا الأولين ثم ~~أتبعناهم الآخرين في الإهلاك. وليس كذلك لأن إهلاك الآخرين لم يقع بعد. ~~ويدل على الرفع قراءة ابن مسعود ثم سنتبعهم الآخرين وقرأ الأعرج، والعباس ~~عن أبي عمرو ونتبعهم بالجزم عطفا على { نهلك }. قال شهاب الدين على جعل ~~الفعل معطوفا على مجموع الجملة من قوله { ألم نهلك }. { كذلك ~~نفعل ms4084 بالمجرمين } أي مثل ذلك الفعل الفظيع نفعل بهم، يريد من ~~يهلكه فيما بعد، والكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف، أي مثل ذلك ~~الإهلاك نفعل بكل مشرك إما في الدنيا أو في الآخرة { ويل يومئذ ~~للمكذبين } أي ويل يوم ذلك الإهلاك للمكذبين بكتب الله ورسله. قيل ~~الويل الأول لعذاب الآخرة، وهذا لعذاب الدنيا. { ألم نخلقكم من ~~ماء مهين } أي ضعيف حقير، وهو النطفة { فجعلنه فى قرار ~~مكين } أي مكان حريز، وهو الرحم { إلى قدر معلوم } أي إلى ~~مقدار معلوم وهو مدة الحمل. وقيل إلى أن يصور { فقدرنا } قرأ ~~الجمهور { فقدرنا } بالتخفيف. وقرأ نافع، والكسائي بالتشديد من التقدير. ~~قال الكسائي، والفراء وهما لغتان بمعنى تقول قدرت كذا وقدرته { ~~فنعم القدرون } أي نعم المقدرون نحن. قيل المعنى قدرناه ~~قصيرا أو طويلا. # وقيل معنى { قدرنا } ملكنا { ويل يومئذ للمكذبين } ~~بقدرتنا على ذلك. ثم بين لهم بديع صنعه، وعظيم قدرته ليعتبروا فقال { ~~ألم نجعل الأرض كفاتا } معنى الكفت في اللغة الضم والجمع، ~~يقال كفت الشيء إذا ضمه وجمعه، ومن هذا يقال للجراب والقدر كفت، والمعنى ~~ألم نجعل الأرض ضامة للأحياء على ظهرها، والأموات في باطنها تضمهم ~~وتجمعهم. قال الفراء يريد تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم ~~وتكفتهم أمواتا في بطنها، أي تحوزهم وهو معنى قوله { أحياء ~~وأموتا } وأنشد سيبويه # كرام حين تنكفت الأفاعي إلى أجحارهن من الصقيع # قال أبو عبيدة كفاتا أوعية، ومنه قول الشاعر # فأنت اليوم فوق الأرض حي وأنت غدا تضمن في كفات # أي في قبر، وقيل معنى جعلها كفاتا أنه يدفن فيها ما يخرج من الإنسان من ~~الفضلات. وقال الأخفش، وأبو عبيدة الأحياء والأموات وصفان للأرض، أي ~~الأرض منقسمة إلى حي وهو الذي ينبت، وإلى ميت وهو الذي لا ينبت. قال ~~الفراء انتصاب أحياء، وأمواتا بوقوع الكفات عليه، أي ألم نجعل الأرض ~~كفات أحياء وأموات، فإذا نون نصب ما بعده. وقيل نصبا على الحال من ~~الأرض، أي منها كذا ومنها كذا. وقيل هو مصدر نعت به للمبالغة. وقال ~~الأخفش ms4085 كفاتا جمع كافتة، والأرض يراد بها الجمع، فنعتت بالجمع. وقال ~~الخليل التكفت تقليب الشيء ظهرا لبطن، أو بطنا لظهر، ويقال انكفت القوم ~~إلى منازلهم، أي ذهبوا. { وجعلنا فيها رواسى شمخت } ~~أي جبالا طوالا، والرواسي الثوابت، والشامخات الطوال، وكل عال فهو شامخ ~~{ وأسقينكم ماء فراتا } أي عذبا، والفرات الماء العذب ~~يشرب منه ويسقى به. قال مقاتل وهذا كله أعجب من البعث. { ويل ~~يومئذ للمكذبين } بما أنعمنا عليهم من نعمنا التي هي من ~~جملتها. وقد أخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن أبي هريرة { ~~والمرسلت عرفا } قال هي الملائكة أرسلت بالعرف. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن مسعود نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن ابن مسعود { والمرسلت عرفا } قال الريح { ~~فالعصفت عصفا } قال الريح { والنشرت نشرا } قال ~~الريح. وأخرج ابن راهويه، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم ~~وصححه، والبيهقي في الشعب أنه جاء رجل إلى علي بن أبي طالب، فقال ما ~~العاصفات عصفا؟ قال الرياح. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { ~~والمرسلت عرفا } قال الريح { فالعصفت عصفا } ~~قال الريح { فالفرقت فرقا } قال الملائكة { ~~فالملقيت ذكرا } قال الملائكة. وأخرج ابن المنذر عنه { ~~والمرسلت عرفا } قال الملائكة { فالفرقت فرقا } ~~قال الملائكة، فرقت بين الحق والباطل { فالملقيت ذكرا } قال ~~بالتنزيل. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن ابن مسعود قال ويل واد في ~~جهنم يسيل فيه صديد أهل النار، فجعل للمكذبين. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس { من ماء مهين } قال ضعيف. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه ~~{ كفاتا } قال كنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ~~أيضا { رواسى شمخت } قال جبالا مشرفات، وفي قوله { ~~فراتا } قال عذبا. ### || [77.29-50] # { انطلقوا إلى ما كنتم } هو بتقدير القول، أي يقال لهم ~~توبيخا وتقريعا { انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون } ~~في الدنيا، تقول لهم ذلك خزنة جهنم، أي سيروا إلى ما كنتم تكذبون به من ~~العذاب، وهو عذاب النار { انطلقوا إلى ظل ذى ثلث شعب } ~~أي ms4086 إلى ظل من دخان جهنم قد سطع، ثم افترق ثلاث فرق تكونون فيه حتى يفرغ ~~الحساب. وهذا شأن الدخان العظيم إذا ارتفع تشعب شعبا. قرأ الجمهور { ~~انطلقوا } في الموضعين على صيغة الأمر على التأكيد، وقرأ رويس عن يعقوب ~~بصيغة الماضي في الثاني، أي لما أمروا بالانطلاق امتثلوا ذلك، فانطلقوا. ~~وقيل المراد بالظل هنا هو السرادق، وهو لسان من النار يحيط بهم. ثم يتشعب ~~ثلاث شعب، فيظلهم حتى يفرغ من حسابهم، ثم يصيرون إلى النار. وقيل هو ~~الظل من يحموم، كما في قوله # فى سموم وحميم * وظل من يحموم # الواقعة 42، 43 على ما تقدم. ثم وصف سبحانه هذا الظل تهكما بهم فقال { ~~لا ظليل ولا يغنى من اللهب } أي لا يظل من الحر، ولا ~~يغني من اللهب. قال الكلبي لا يرد حر جهنم عنكم. ثم وصف سبحانه النار ~~فقال { إنها ترمى بشرر كالقصر } أي كل شررة من شررها ~~التي ترمي بها كالقصر من القصور في عظمها، والشرر ما تطاير من النار ~~متفرقا، والقصر البناء العظيم. وقيل القصر جمع قصرة ساكنة الصاد مثل ~~حمر وحمرة، وتمر وتمرة، وهي الواحدة من جزل الحطب الغليظ. قال سعيد بن ~~جبير، والضحاك وهي أصول الشجر العظام. وقيل أعناقه. قرأ الجمهور { كالقصر ~~} بإسكان الصاد، وهو واحد القصور، كما تقدم. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، ~~وحميد، والسلمي بفتح الصاد، أي أعناق النخل، والقصرة العنق جمعه قصر ~~وقصرات. وقال قتادة أعناق الإبل. وقرأ سعيد بن جبير بكسر القاف، وفتح ~~الصاد، وهي أيضا جمع قصرة مثل بدر وبدرة، وقصع وقصعة. وقرأ الجمهور { ~~بشرر } بفتح الشين. وقرأ ابن عباس، وابن مقسم بكسرها مع ألف بين الراءين. ~~وقرأ عيسى كذلك إلا أنه يفتح الشين، وهي لغات، ثم شبه الشرر باعتبار ~~لونه فقال { كأنه جملة صفر } وهي جمع جمال، وهي الإبل، أو ~~جمع جمالة. قرأ الجمهور " جمالات " بكسر الجيم. وقرأ حمزة، والكسائي، ~~وحفص { جمالة } جمع جمل. وقرأ ابن عباس، والحسن، وابن جبير، وقتادة، وأبو ~~رجاء جمالات بضم الجيم، وهي حبال السفن. قال الواحدي والصفر ms4087 معناها السود ~~في قول المفسرين. قال الفراء الصفر سواد الإبل لا يرى أسود من الإبل ~~إلا وهو مشرب صفرة، لذلك سمت العرب سود الإبل صفرا. قيل والشرر إذا ~~تطاير وسقط وفيه بقية من لون النار أشبه شيء بالإبل السود، ومنه قول ~~الشاعر # تلك خيلي وتلك ركابي هن صفر أولادها كالزبيب # أي هن سود. قيل وهذا القول محال في اللغة أن يكون شيء يشوبه شيء قليل، ~~فينسب كله إلى ذلك الشائب، فالعجب لمن قال بهذا، وقد قال تعالى { ~~جملة صفر }. وأجيب بأن وجهه أن النار خلقت من النور، فهي مضيئة، ~~فلما خلق الله جهنم، وهي موضع النار حشى ذلك الموضع بتلك النار، وبعث ~~إليها سلطانه وغضبه، فاسودت من سلطانه وازدادت سوادا، وصارت أشد ~~سوادا من كل شيء، فيكون شررها أسود لأنه من نار سوداء. قلت وهذا الجواب ~~لا يدفع ما قاله القائل لأن كلامه باعتبار ما وقع في الكتاب العزيز هنا ~~من وصفها بكونها صفراء، فلو كان الأمر، كما ذكره المجيب من اسوداد النار، ~~واسوداد شررها، لقال الله كأنها جمالات سود، ولكن إذا كانت العرب تسمي ~~الأسود أصفر لم يبق إشكال لأن القرآن نزل بلغتهم، وقد نقل الثقات عنهم ~~ذلك، فكان ما في القرآن هنا واردا على هذا الاستعمال العربي. { ويل ~~يومئذ للمكذبين } لرسل الله وآياته { هذا يوم لا ~~ينطقون } أي لا يتكلمون قال الواحدي قال المفسرون في يوم القيامة ~~مواقف، ففي بعضها يتكلمون، وفي بعضها يختم على أفواههم فلا يتكلمون، وقد ~~قدمنا الجمع بهذا في غير موضع. وقيل إن هذا إشارة إلى وقت دخولهم النار ~~وهم عند ذلك لا ينطقون لأن مواقف السؤال والحساب قد انقضت. وقال الحسن لا ~~ينطقون بحجة، وإن كانوا ينطقون. قرأ الجمهور برفع { يوم } على أنه خبر ~~لإسم الإشارة. وقرأ زيد بن علي، والأعرج، والأعمش، وأبو حيوة، وعاصم في ~~رواية عنه بالفتح على البناء لإضافته إلى الفعل، ومحله الرفع على ~~الخبرية. وقيل هو منصوب على الظرفية، والإشارة بهذا إلى ما تقدم من ~~الوعيد كأنه قيل هذا ms4088 العقاب المذكور كائن يوم لا ينطقون { ولا يؤذن ~~لهم فيعتذرون } قرأ الجمهور { يؤذن } على البناء للمفعول، وقرأ ~~زيد بن علي ولا يأذن على البناء للفاعل، أي لا يأذن الله لهم، أي لا ~~يكون لهم إذن من الله فيكون لهم اعتذار من غير أن يجعل الاعتذار مسببا ~~عن الإذن كما لو نصب. قال الفراء الفاء في فيعتذرون نسق على يؤذن، وأجيز ~~ذلك لأن أواخر الكلام بالنون، ولو قال فيعتذروا لم يوافق الآيات، وقد قال # لا يقضى عليهم فيموتوا # فاطر 36 بالنصب، والكل صواب. { ويل يومئذ للمكذبين } بما ~~دعتهم إليه الرسل، وأنذرتهم عاقبته. { هذا يوم الفصل ~~جمعنكم والاولين } أي ويقال لهم هذا يوم الفصل الذي يفصل ~~فيه بين الخلائق، ويتميز فيه الحق من الباطل، والخطاب في جمعناكم للكفار ~~في زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والمراد بالأولين كفار الأمم ~~الماضية. # { فإن كان لكم كيد } أي إن قدرتم على كيد الآن { فكيدون } ~~وهذا تقريع وتوبيخ لهم. قال مقاتل يقول إن كان لكم حيلة فاحتالوا ~~لأنفسكم. وقيل المعنى فإن قدرتم على حرب فحاربون. وقيل إن هذا من قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون كقول هود # فكيدونى جميعا ثم لا تنظرون # هود 55 { ويل يومئذ للمكذبين } لأنه قد ظهر لهم عجزهم، ~~وبطلان ما كانوا عليه في الدنيا. ثم ذكر سبحانه المؤمنين فقال { إن ~~المتقين فى ظلل وعيون } أي في ظلال الأشجار وظلال ~~القصور، لا كالظل الذي للكفار من الدخان، أو من النار كما تقدم. قال ~~مقاتل، والكلبي المراد بالمتقين الذين يتقون الشرك بالله لأن السورة من ~~أولها إلى آخرها في تقريع الكفار على كفرهم. قال الرازي فيجب أن تكون ~~هذه الآية مذكورة لهذا الغرض، وإلا لتفككت السورة في نظمها وترتيبها، ~~وإنما يتم النظم بأن يكون الوعد للمؤمنين بسبب إيمانهم، فأما جعله سببا ~~للطاعة فلا يليق بالنظم كذا قال والمراد بالعيون الأنهار، وبالفواكه ما ~~يتفكه به مما تطلبه أنفسهم وتستدعيه شهواتهم. { كلوا واشربوا ~~هنيئا بما كنتم تعملون } أي يقال لهم ذلك، فالجملة مقدرة ~~بالقول، ms4089 وهي في محل نصب على الحال من ضمير المتقين، والباء للسببية، أي ~~بسبب ما كنتم تعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة. { إنا كذلك ~~نجزى المحسنين } أي مثل ذلك الجزاء العظيم نجزي المحسنين في ~~أعمالهم، قرأ الجمهور. { في ظلال }. وقرأ الأعمش، والزهري، وطلحة، ~~والأعرج في ظلل جمع ظلة { ويل يومئذ للمكذبين } حيث صاروا ~~في شقاء عظيم، وصار المؤمنون في نعيم مقيم. { كلوا وتمتعوا ~~قليلا إنكم مجرمون } الجملة بتقدير القول في محل نصب على ~~الحال من المكذبين، أي الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم ذلك تذكير لهم ~~بحالهم في الدنيا، أو يقال لهم هذا في الدنيا، والمجرمون المشركون بالله، ~~وهذا وإن كان في اللفظ أمرا فهو في المعنى تهديد وزجر عظيم. { ويل ~~يومئذ للمكذبين } كرره لزيادة التوبيخ والتقريع. { وإذا ~~قيل لهم اركعوا لا يركعون } أي وإذا أمروا بالصلاة لا ~~يصلون. قال مقاتل نزلت في ثقيف امتنعوا من الصلاة بعد أن أمرهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بها فقالوا لا ننحني، فإنها مسبة علينا، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم # " لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود " # وقيل إنما يقال لهم ذلك في الآخرة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون. ~~وقيل المعنى بالركوع الطاعة والخشوع. { ويل يومئذ ~~للمكذبين } بأوامر الله سبحانه ونواهيه { فبأي حديث ~~بعده يؤمنون } أي فبأي حديث بعد القرآن يصدقون إذا لم يؤمنوا ~~به. قرأ الجمهور { يؤمنون } بالتحتية على الغيبة. # وقرأ ابن عامر في رواية عنه، ويعقوب بالفوقية على الخطاب. وقد أخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { بشرر ~~كالقصر } قال كالقصر العظيم، وقوله { جملة صفر } قال قطع ~~النحاس. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وهناد، وعبد بن حميد، والبخاري، ~~وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم، وابن مردويه من طريق عبد الرحمن بن ~~عابس قال سمعت ابن عباس يسأل عن قوله { إنها ترمى بشرر ~~كالقصر } قال كنا نرفع الخشب بقدر ثلاثة أذرع أو أقل، فنرفعه ~~للشتاء، فنسميه القصر. قال وسمعته يسأل عن قوله { جملة ms4090 صفر } ~~قال حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض حتى يكون كأوساط الرجال. ولفظ البخاري ~~كنا نعمد إلى الخشبة ثلاثة أذرع وفوق ذلك فنرفعه للشتاء فنسميه القصر. { ~~كأنه جملة صفر } حبال السفن تجمع حتى تكون كأوساط الرجال. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أنه قرأ كالقصر بفتح القاف والصاد. وقال ~~قصر النخل يعني الأعناق. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا قال كانت العرب في ~~الجاهلية تقول أقصروا لنا الحطب، فيقطع على قدر الذراع والذراعين. وأخرج ~~سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في ~~الأوسط عن ابن مسعود في قوله { ترمى بشرر كالقصر } قال إنها ~~ليست كالشجر والجبال، ولكنها مثل المدائن والحصون. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { كالقصر } قال هو القصر، وفي قوله ~~{ جملة صفر } قال الإبل. وأخرج الحاكم وصححه من طريق عكرمة قال ~~سأل نافع ابن الأزرق ابن عباس عن قوله { هذا يوم لا ينطقون } ~~و # لا تسمع إلا همسا # طه 108 # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون # الطور 25 و # هاؤم اقرؤا كتبيه # الحاقة 19 فقال له ويحك هل سألت عن هذا أحدا قبلي؟ قال لا، قال أما أنك ~~لو كنت سألت هلكت، أليس قال الله # وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # الحج 47 قال بلى، قال فإن لكل مقدار يوم من هذه الأيام لونا من ~~الألوان. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { وإذا قيل لهم اركعوا ~~لا يركعون } يقول يدعون يوم القيامة إلى السجود، فلا يستطيعون من ~~أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا. ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-30] # قوله { عم يتساءلون } أصله عن ما، فأدغمت النون في الميم لأن ~~الميم تشاركها في الغنة، كذا قال الزجاج، وحذفت الألف ليتميز الخبر عن ~~الاستفهام، وكذلك فيم ومم ونحو ذلك، والمعنى عن أي شيء يسأل بعضهم ~~بعضا. قرأ الجمهور { عم } بحذف الألف لما ذكرنا، وقرأ أبي، وابن ~~مسعود، وعكرمة، وعيسى بإثباتها، ومنه قول الشاعر # علاما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ ms4091 في دمان # ولكنه قليل لا يجوز إلا للضرورة، وقرأ البزي بهاء السكت عوضا عن ~~الألف، وروى ذلك عن ابن كثير. قال الزجاج اللفظ لفظ استفهام، والمعنى ~~تفخيم القصة كما تقول أي شيء تريد إذا عظمت شأنه. قال الواحدي قال ~~المفسرون لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرهم بتوحيد الله، ~~والبعث بعد الموت، وتلا عليهم القرآن، جعلوا يتساءلون بينهم يقولون ماذا ~~جاء به محمد، وما الذي أتى به؟ فأنزل الله { عم يتساءلون } قال ~~الفراء التساؤل هو أن يسأل بعضهم بعضا كالتقابل، وقد يستمعل أيضا في ~~أن يتحدثوا به، وإن لم يكن بينهم سؤال. قال الله تعالى # فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون # الطور 25 # قال قائل منهم إنى كان لى قرين # الصافات 51 الآية، وهذا يدل على أنه التحدث، ولفظ " ما " موضوع لطلب ~~حقائق الأشياء، وذلك يقتضي كون المطلوب مجهولا، فجعل الشيء العظيم الذي ~~يعجز العقل عن أن يحيط بكنهه كأنه مجهول، ولهذا جاء سبحانه بلفظ " ما ". ~~ثم ذكر سبحانه تساؤلهم عن ماذا، وبينه فقال { عن النبإ العظيم ~~} فأورده سبحانه أولا على طريقة الاستفهام مبهما لتتوجه إليه أذهانهم، ~~وتلتفت إليه أفهامهم، ثم بينه بما يفيد تعظيمه، وتفخيمه كأنه قيل عن أي ~~شيء يتساءلون هل أخبركم به؟ ثم قيل بطريق الجواب { عن النبإ ~~العظيم } على منهاج قوله # لمن الملك اليوم لله الوحد القهار # غافر 16 فالجار والمجرور متعلق بالفعل الذي قبله، أو بما يدل عليه. ~~قال ابن عطية قال أكثر النحاة عن النبأ العظيم متعلق ب { يتساءلون } ~~الظاهر، كأنه قال لم يتساءلون عن النبأ العظيم، وقيل ليس بمتعلق بالفعل ~~المذكور لأنه كان يلزم دخول حرف الاستفهام، فيكون التقدير أعن النبأ ~~العظيم؟ فلزم أن يتعلق ب { يتساءلون } آخر مقدر، وإنما كان ذلك النبأ، ~~أي القرآن عظيما لأنه ينبىء عن التوحيد، وتصديق الرسول، ووقوع البعث ~~والنشور. قال الضحاك يعني نبأ يوم القيامة، وكذا قال قتادة. وقد استدل ~~على أن النبأ العظيم هو القرآن بقوله { الذى هم فيه مختلفون ~~} فإنهم اختلفوا في القرآن، فجعله ms4092 بعضهم سحرا، وبعضهم شعرا، وبعضهم ~~كهانة، وبعضهم قال هو أساطير الأولين. وأما البعث فقد اتفق الكفار إذ ~~ذاك على إنكاره. # ويمكن أن يقال إنه قد وقع الاختلاف في البعث في الجملة، فصدق به ~~المؤمنون، وكذب به الكافرون، فقد وقع الاختلاف فيه من هذه الحيثية، وإن ~~لم يقع الاختلاف فيه بين الكفار أنفسهم على التسليم والتنزل، ومما يدل ~~على أنه القرآن قوله سبحانه # قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه معرضون # ص 67، 68 ومما يدل على أنه البعث أنه أكثر ما كان يستنكره المشركون ~~وتأباه عقولهم السخيفة. وأيضا، فطوائف الكفار قد وقع الاختلاف بينهم في ~~البعث فأثبت النصارى المعاد الروحاني، وأثبتت طائفة من اليهود المعاد ~~الجسماني، وفي التوراة التصريح بلفظ الجنة باللغة العبرانية بلفظ " ~~جنعيذا " بجيم مفتوحة، ثم نون ساكنة، ثم عين مكسورة مهملة، ثم تحتية ~~ساكنة، ثم ذال معجمة بعدها ألف. وفي الإنجيل في مواضع كثيرة التصريح ~~بالمعاد، وأنه يكون فيه النعيم للمطيعين، والعذاب للعاصين، وقد كان بعض ~~طوائف كفار العرب ينكر المعاد كما حكى الله عنهم بقوله # إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن ~~بمبعوثين # المؤمنون 37 وكانت طائفة منهم غير جازمة بنفيه بل شاكة فيه، كما حكى ~~الله عنهم بقوله # إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين # الجاثية 32 وما حكاه عنهم بقوله # وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربى ~~إن لى عنده للحسنى # فصلت 50 فقد حصل الاختلاف بين طوائف الكفر على هذه الصفة. وقد قيل إن ~~الضمير في قوله { يتساءلون } يرجع إلى المؤمنين والكفار لأنهم جميعا ~~كانوا يتساءلون عنه، فأما المسلم، فيزداد يقينا واستعدادا، وبصيرة في ~~دينه، وأما الكافر فاستهزاء وسخرية. قال الرازي ويحتمل أنهم يسألون ~~الرسول، ويقولون ما هذا الذي يعدنا به من أمر الآخرة، والموصول في محل ~~جر صفة للنبأ بعد وصفه بكونه عظيما فهو متصف بالعظم ومتصف بوقوع ~~الاختلاف فيه. { كلا سيعلمون } ردع لهم وزجر، وهذا يدل على أن ~~المختلفين فيه هم الكفار، وبه يندفع ما قيل إن الخلاف بينهم وبين ms4093 ~~المؤمنين فإنه إنما يتوجه الردع والوعيد إلى الكفار فقط، وقيل كلا ~~بمعنى حقا، ثم كرر الردع والزجر فقال { ثم كلا سيعلمون } ~~للمبالغة في التأكيد والتشديد في الوعيد. قرأ الجمهور بالياء التحتية في ~~الفعلين على الغيبة. وقرأ الحسن، وأبو العالية، وابن دينار، وابن عامر في ~~رواية عنه بالفوقية على الخطاب. وقرأ الضحاك الأول بالفوقية والثاني ~~بالتحتية. قال الضحاك أيضا. { كلا سيعلمون } يعني الكافرين ~~عاقبة تكذيبهم { ثم كلا سيعلمون } يعني المؤمنين عاقبة ~~تصديقهم، وقيل بالعكس، وقيل هو وعيد بعده وعيد، وقيل المعنى { كلا ~~سيعلمون } عند النزع { ثم كلا سيعلمون } عند البعث. ثم ~~ذكر سبحانه بديع صنعه، وعظيم قدرته ليعرفوا توحيده، ويؤمنوا بما جاء به ~~رسوله فقال { ألم نجعل الأرض مهدا والجبال ~~أوتادا } أي قدرتنا على هذه الأمور المذكورة أعظم من قدرتنا على ~~الإعادة بالبعث، والمهاد الوطاء، والفراش، كما في قوله # الذى جعل لكم الأرض فراشا # البقرة 22 قرأ الجمهور مهادا وقرأ مجاهد، وعيسى، وبعض الكوفيين مهدا ~~والمعنى أنها كالمهد للصبي وهو ما يمهد له فينوم عليه. والأوتاد جمع ~~وتد أي جعلنا الجبال أوتادا للأرض لتسكن ولا تتحرك، كما يرس الخيام ~~بالأوتاد، وفي هذا دليل على أن التاؤل الكائن بينهم هو عن أمر البعث، لا ~~عن القرآن، ولا عن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، كما قيل لأن هذا ~~الدليل إنما يصلح للاستدلال به على البعث { وخلقنكم أزوجا } ~~معطوف على المضارع المنفي داخل في حكمه، فهو في قوة أما خلقناكم، ~~والمراد بالأزواج هنا الأصناف أي الذكور والإناث، وقيل المراد بالأزواج ~~الألوان، وقيل يدخل في هذا كل زوج من المخلوقات عن قبيح وحسن وطويل ~~وقصير { وجعلنا نومكم سباتا } أي راحة لأبدانكم. قال الزجاج ~~السبات أن ينقطع عن الحركة والروح في بدنه أي جعلنا نومكم راحة لكم. قال ~~ابن الأنباري جعلنا نومكم قطعا لأعمالكم لأن أصل السبت القطع، وقيل أصله ~~التمدد، يقال سبتت المرأة شعرها إذا حلته وأرسلته، ورجل مسبوت الخلق أي ~~ممدوده، والرجل إذا أراد أن يستريح تمدد، فسمي النوم سباتا، وقيل ~~المعنى وجعلنا ms4094 نومكم موتا، والنوم أحد الموتتين، فالمسبوت يشبه الميت، ~~ولكنه لم تفارقه الروح، ومنه قول الشاعر # ومطوية الأقراب أما نهارها فسبت وأما ليلها فذميل # ومن هذا قوله # الله يتوفى الانفس حين موتها والتى لم تمت ~~فى منامها # الزمر 42 الآية، وقوله # وهو الذى يتوفكم باليل # الأنعام 60 { وجعلنا اليل لباسا } أي نلبسكم ظلمته ونغشيكم ~~بها كما يغشيكم اللباس. وقال سعيد بن جبير والسدي أي سكنا لكم، وقيل ~~المراد به ما يستره عند النوم من اللحاف ونحوه، وهو بعيد لأن الجعل وقع ~~على الليل، لا على ما يستتر به النائم عند نومه { وجعلنا النهار ~~معاشا } أي وقت معاش، والمعاش العيش، وكل شيء يعاش به فهو معاش، ~~والمعنى أن الله جعل لهم النهار مضيئا ليسعوا فيما يقوم به معاشهم، وما ~~قسمه الله لهم من الرزق { وبنينا فوقكم سبعا شدادا } ~~يريد سبع سماوات قوية الخلق محكمة البناء، ولهذا وصفها بالشدة، وغلظ كل ~~واحدة منها مسيرة خمسمائة عام، كما ورد ذلك. { وجعلنا سراجا ~~وهاجا } المراد به الشمس، وجعل هنا بمعنى خلق، وهكذا قوله { ~~وجعلنا نومكم سباتا } وما بعده لأن هذه الأفعال قد تعدت ~~إلى مفعولين، فلا بد من تضمينها معنى فعل يتعدى إليهما كالخلق أو ~~التصيير ونحو ذلك. وقيل إن الجعل بمعنى الإنشاء والإبداع في جميع هذه ~~المواضع، والمراد به الإنشاء التكويني الذي بمعنى التقدير والتسوية. قال ~~الزجاج الوهاج الوقاد، وهو الذي وهج، يقال وهجت النار تهيج وهجا ~~ووهجانا. # قال مقاتل جعل فيه نورا وحرا، والوهج يجمع النور والحرارة. { ~~وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا } المعصرات هي السحاب ~~التي تنعصر بالماء ولم تمطر بعد، كالمرأة المعتصرة التي قد دنا حيضها، ~~كذا قال سفيان والربيع، وأبو العالية، والضحاك. وقال مجاهد، ومقاتل، ~~وقتادة، والكلبي هي الرياح، والرياح تسمى معصرات، يقال أعصرت الريح تعصر ~~إعصارا إذا أثارت العجاج. قال الأزهري هي الرياح ذوات الأعاصير، وذلك أن ~~الرياح تستدر المطر. وقال الفراء المعصرات السحاب التي يتحلب منها ~~المطر. قال النحاس وهذه الأقوال صحاح، يقال للريح التي تأتي بالمطر ~~معصرات، والرياح ms4095 تلقح السحاب فيكون المطر. ويجوز أن تكون هذه الأقوال ~~قولا واحدا، ويكون المعنى وأنزلنا من ذوات المعصرات ماء ثجاجا. قال في ~~الصحاح والمعصرات السحاب تعتصر بالمطر، وعصر القوم أي مطروا. قال المبرد ~~يقال سحاب معصر، أي ممسك للماء يعتصر منه شيء بعد شيء. وقال أبي بن كعب، ~~والحسن، وابن جبير، وزيد بن أسلم، ومقاتل بن حيان المعصرات السماوات. ~~والثجاج المنصب بكثرة على جهة التتابع، يقال ثج الماء أي سال بكثرة، ~~وثجه أي أساله. قال الزجاج الثجاج الصباب. قال ابن زيد ثجاجا كثيرا. { ~~لنخرج به حبا ونباتا } أي لنخرج بذلك الماء حبا يقتات، ~~كالحنطة والشعير ونحوهما، والنبات ما تأكله الدواب من الحشيش وسائر ~~النبات { وجنت ألفافا } أي بساتين ملتف بعضها ببعض لتشعب ~~أغصانها، ولا واحد للألفاف كالأوزاع والأخياف. وقيل واحدها لف بكسر اللام ~~وضمها، ذكره الكسائي. وقال أبو عبيدة واحدها لفيف كشريف وأشراف، روي عن ~~الكسائي أنها جمع الجمع يقال جنة لفاء، ونبت لف، والجمع لف بضم اللام مثل ~~حمر، ثم يجمع هذا الجمع على ألفاف، وقيل هو جمع ملتفة بحذف الزوائد. قال ~~الفراء الجنة ما فيه النخيل، والفردوس ما فيه الكرم. { إن يوم ~~الفصل كان ميقتا } أي وقتا، ومجمعا، وميعادا للأولين ~~والآخرين يصلون فيه إلى ما وعدوا به من الثواب والعقاب، وسمي يوم الفصل ~~لأن الله يفصل فيه بين خلقه، وهذا شروع في بيان ما يتساءلون عنه من ~~البعث، وقيل معنى { ميقاتا } أنه حد توقت به الدنيا وتنتهي عنده، وقيل ~~حد للخلائق ينتهون إليه { يوم ينفخ فى الصور فتأتون ~~أفواجا } أي يوم ينفخ في الصور، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، ~~والمراد هنا النفخة الثانية التي تكون للبعث { فتأتون } أي إلى موضع ~~العرض { أفواجا } أي زمرا زمرا، وجماعات جماعات، وهي جمع فوج، ~~وانتصاب { يوم ينفخ } على أنه بدل من يوم الفصل، أو بيان له مفيد ~~لزيادة تفخيمه وتهويله، وإن كان الفصل متأخرا عن النفخ، ويجوز أن يكون ~~منصوبا بإضمار أعني، وانتصاب { أفواجا } على الحال من فاعل تأتون، ~~والفاء في { فتأتون ms4096 } فصيحة تدل على محذوف أي فتأتون إلى موضع العرض ~~عقيب ذلك أفواجا. # { وفتحت السماء فكانت أبوبا } معطوف على ينفخ، وصيغة ~~الماضي للدلالة على تحقق الوقوع أي فتحت لنزول الملائكة { فكانت ~~أبوبا } كما في قوله # ويوم تشقق السماء بالغمم ونزل الملئكة ~~تنزيلا # الفرقان 25 وقيل معنى { فتحت } قطعت فصارت قطعا كالأبواب، وقيل أبوابها ~~طرقها، وقيل تنحل وتتناثر حتى تصير فيها أبواب، وقيل إن لكل عبد بابين في ~~السماء باب لرزقه، وباب لعمله، فإذا قامت القيامة انفتحت الأبواب، وظاهر ~~قوله { فكانت أبوبا } أنها صارت كلها أبوابا، وليس المراد ذلك، ~~بل المراد أنها صارت ذات أبواب كثيرة. قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي { ~~فتحت } مخففا. وقرأ الباقون بالتشديد { وسيرت الجبال فكانت ~~سرابا } أي سيرت عن أماكنها في الهواء، وقلعت عن مقارها، فكانت هباء ~~منبثا يظن الناظر أنها سراب، والمعنى أن الجبال صارت كلا شيء، كما أن ~~السراب يظن الناظر أنه ماء، وليس بماء، وقيل معنى سيرت أنها نسفت من ~~أصولها، ومثل هذا قوله # وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر ~~السحاب # النمل 88. وقد ذكر سبحانه أحوال الجبال بوجوه مختلفة، ولكن الجمع بينها ~~أن نقول أول أحوالها الاندكاك، وهو قوله # وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة وحدة # الحاقة 14 وثاني أحوالها أن تصير كالعهن المنفوش كما في قوله # وتكون الجبال كالعهن المنفوش # القارعة 5 وثالث أحوالها أن تصير كالهباء، وهو قوله # وبست الجبال بسا * فكانت هباء منبثا # الواقعة 5، 6 ورابع أحوالها أن تنسف وتحملها الرياح، كما في قوله # وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر ~~السحاب # النمل 88. وخامس أحوالها أن تصير سرابا أي لا شيء، كما في هذه الآية. ~~ثم شرع سبحانه في تفصيل أحكام الفصل فقال { إن جهنم كانت ~~مرصادا } قال الأزهري المرصاد المكان الذي يرصد الراصد فيه العدو. ~~قال المبرد مرصادا يرصدون به أي هو معد لهم يرصد به خزنتها الكفار. قال ~~الحسن إن على الباب رصدا لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز عليهم، فمن جاء ~~بجواز جاز، ومن لم يجيء بجواز حبس. وقال ms4097 مقاتل محبسا، وقيل طريقا ~~وممرا. قال في الصحاح الراصد للشيء الراقب له يقال رصده يرصده رصدا، ~~والرصد الترقب، والمرصد موضع الرصد. قال الأصمعي رصدته أرصده ترقبته، ~~ومعنى الآية أن جهنم كانت في حكم الله، وقضائه موضع رصد يرصد فيه خزنة ~~النار الكفار ليعذبوهم فيها، أو هي في نفسها متطلعة لمن يأتي إليها من ~~الكفار، كما يتطلع الرصد لمن يمر به ويأتي إليهم، والمرصاد مفعال من ~~أبنية المبالغة كالمعطار والمعمار، فكأنه يكثر من جهنم انتظار الكفار. ثم ~~ذكر من هي مرصد له فقال { للطغين مئابا } أي مرجعا يرجعون ~~إليه، والمآب المرجع، يقال آب يئوب إذا رجع، والطاغي هو من طغى بالكفر، و ~~{ للطاغين } نعت ل { مرصادا } متعلق بمحذوف، و { مآبا } بدل من { ~~مرصادا } ، ويجوز أن يكون للطاغين في محل نصب على الحال من { مآبا } ~~قدمت عليه لكونه نكرة، وانتصاب { لبثين فيها } على الحال ~~المقدرة من الضمير المستكن في الطاغين. # قرأ الجمهور { لابثين } بالألف. وقرأ حمزة، والكسائي لبثين بدون ألف، ~~وانتصاب { أحقابا } على الظرفية أي ماكثين في النار ما دامت الأحقاب، ~~وهي لا تنقطع، وكلما مضى حقب جاء حقب، وهي جمع حقب بضمتين، وهو الدهر، ~~والأحقاب الدهور، والحقب بضم الحاء، وسكون القاف، قيل هو ثمانون سنة، ~~وحكى الواحدي عن المفسرين أنه بضع وثمانون سنة، السنة ثلثمائة وستون ~~يوما، اليوم ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل الأحقاب وقت لشربهم الحميم ~~والغساق، فإذا انقضت، فيكون لهم نوع آخر من العذاب. وقال السدي الحقب ~~سبعون سنة. وقال بشير بن كعب ثلثمائة سنة. وقال ابن عمر أربعون سنة، وقيل ~~ثلاثون ألف سنة. قال الحسن الأحقاب لا يدري أحد كم هي، ولكن ذكروا أنها ~~مائة حقب، والحقب الواحد منها سبعون ألف سنة، اليوم منها كألف سنة. وقيل ~~الآية محمولة على العصاة الذين يخرجون من النار، والأولى ما ذكرناه ~~أولا من أن المقصود بالآية التأبيد لا التقييد. وحكى الواحدي عن الحسن ~~أنه قال والله ما هي إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر، ثم آخر، ثم كذلك إلى ms4098 ~~الأبد. وجملة { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا * إلا ~~حميما وغساقا } مستأنفة لبيان ما اشتملت عليه من أنهم لا يذوقون ~~في جهنم، أو في الأحقاب بردا ينفعهم من حرها، ولا شرابا ينفعهم من ~~عطشها إلا حميما، وهو الماء الحار، وغساقا وهو صديد أهل النار، ويجوز ~~أن تكون في محل نصب على الحال من ضمير الطاغين، أو صفة للأحقاب، ~~والاستثناء منقطع عند من جعل البرد النوم، ويجوز أن يكون متصلا من قوله ~~{ شرابا } وقال مجاهد، والسدي وأبو عبيدة، والكسائي، والفضل بن خالد، ~~وأبو معاذ النحوي البرد المذكور في هذه الآية هو النوم، ومنه قول الكندي # بردت مراشفها علي فصدني عنها وعن تقبيلها البرد # أي النوم. قال الزجاج أي لا يذوقون فيها برد ريح ولا ظل ولا نوم فجعل ~~البرد يشمل هذه الأمور. وقال الحسن، وعطاء، وابن زيد بردا أي روحا ~~وراحة. قرأ الجمهور غساقا بالتخفيف. وقرأ حمزة، والكسائي بتشديد السين، ~~وقد تقدم تفسيره، وتفسير الحميم، والخلاف فيهما في سورة ص. { جزاء ~~وفقا } أي موافقا لأعمالهم، وجزاء منتصب على المصدر، ووفاقا نعت ~~له. قال الفراء، والأخفش جازيناهم جزاء وافق أعمالهم، قال الزجاج جوزوا ~~جزاء وافق أعمالهم. قال الفراء الوفاق جمع الوفق، والوفق والموافق واحد. ~~قال مقاتل وافق العذاب الذنب فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من ~~النار. # وقال الحسن، وعكرمة كانت أعمالهم سيئة، فأتاهم الله بما يسوؤهم { ~~إنهم كانوا لا يرجون حسابا } أي لا يرجون ثواب حساب. قال ~~الزجاج كانوا لا يؤمنون بالبعث، فيرجون حسابهم، والجملة تعليل لاستحقاقهم ~~الجزاء المذكور { وكذبوا بئايتنا كذابا } أي كذبوا ~~بالآيات القرآنية، أو كذبوا بما هو أعم منها تكذيبا شديدا، وفعال من ~~مصادر التفعل. قال الفراء هي لغة فصيحة يمانية، تقول كذبت كذابا، وخرقت ~~القميص خراقا. قال في الصحاح وكذبوا بآياتنا كذابا هو أحد مصادر ~~المشدد لأن مصدره قد يجيء على تفعيل مثل التكليم، وعلى فعال مثل كذاب، ~~وعلى تفعلة مثل توصية، وعلى مفعل مثل # ومزقنهم كل ممزق # سبأ 19 قرأ الجمهور { كذابا } بالتشديد. وقرأ ms4099 علي بن أبي طالب ~~بالتخفيف. وقال أبو علي الفارسي التخفيف والتشديد جميعا مصدر المكاذبة. ~~وقرأ ابن عمر كذابا بضم الكاف والتشديد، جمع كاذب. قال أبو حاتم ونصبه ~~على الحال. قال الزمخشري وقد يكون يعني على هذه القراءة بمعنى الواحد ~~البليغ في الكذب، تقول رجل كذاب كقولك حسان وبخال. { وكل شىء ~~أحصينه كتبا } قرأ الجمهور { وكل } بالنصب على الاشتغال أي ~~وأحصينا كل شيء أحصيناه. وقرأ أبو السماك برفعه على الابتداء، وما بعده ~~خبره، وهذه الجملة معترضة بين السبب والمسبب، وانتصاب { كتابا } على ~~المصدرية لأحصيناه لأن أحصيناه في معنى كتبناه، وقيل هو منتصب على الحال ~~أي مكتوبا، قيل المراد كتبناه في اللوح المحفوظ لتعرفه الملائكة، وقيل ~~أراد ما كتبه الحفظة على العباد من أعمالهم، وقيل المراد به العلم لأن ما ~~كتب كان أبعد من النسيان، والأول أولى لقوله # وكل شىء أحصينه فى إمام مبين # يس 12 { فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا } هذه الجملة ~~مسببة عن كفرهم، وتكذيبهم بالآيات. قال الرازي هذه الفاء للجزاء، فنبه ~~على أن الأمر بالذوق معلل بما تقدم شرحه من قبائح أفعالهم ومن الزيادة ~~في عذابهم أنها كلما نضجت جلودهم بدلهم جلودا غيرها، وكلما خبت النار ~~زادهم الله سعيرا. وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس { عن النبإ ~~العظيم } قال القرآن وهذا مروي عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله { وجعلنا سراجا ~~وهاجا } قال مضيئا { وأنزلنا من المعصرات } قال السحاب ~~{ ماء ثجاجا } قال منصبا. وأخرج عبد بن حميد، وأبو يعلى، وابن ~~جرير، وابن المنذر عنه أيضا { ثجاجا } قال منصبا. وأخرج الشافعي، ~~وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن مسعود في ~~قوله { وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا } قال يبعث الله ~~الريح، فتحمل الماء، فيمر به السحاب، فتدر كما تدر اللقحة، والثجاج ~~ينزل من السماء أمثال العزالي فتصرفه الرياح فينزل متفرقا. وأخرج ابن ~~جرير، وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة قال في قراءة ابن عباس { ~~وأنزلنا من المعصرات ms4100 } بالرياح. # وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله { وجنت ألفافا ~~} قال ملتفة. وأخرج ابن جرير عنه أيضا في الآية قال يقول التف بعضها ~~ببعض. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا في قوله { وسيرت الجبال ~~فكانت سرابا } قال سراب الشمس الآل. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا ~~{ لبثين فيها أحقابا } قال سنين. وأخرج عبد الرزاق، ~~والفريابي، وهناد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن سالم بن أبي ~~الجعد قال سأل علي بن أبي طالب هلال الهجري ما تجدون الحقب في كتاب ~~الله؟ قال نجده ثمانين سنة كل سنة منها اثنا عشر شهرا كل شهر ثلاثون ~~يوما كل يوم ألف سنة. وأخرج سعيد بن منصور، والحاكم وصححه عن ابن مسعود ~~في الآية قال الحقب الواحد ثمانون سنة. وأخرج البزار عن أبي هريرة رفعه ~~قال الحقب ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، واليوم كألف سنة مما ~~تعدون. وأخرج عبد بن حميد عنه قال الحقب ثمانون عاما اليوم منها كسدس ~~الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه. قال السيوطي بسند ~~ضعيف عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم { لبثين فيها ~~أحقابا } قال # " الحقب ألف شهر، والشهر ثلاثون يوما، والسنة اثنا عشر شهرا ثلاثمائة ~~وستون يوما كل يوم منها ألف سنة مما تعدون، فالحقب ثلاثون ألف سنة " # وأخرج البزار، وابن مردويه، والديلمي عن ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " والله لا يخرج من النار من دخلها حتى يمكث فيها أحقابا، والحقب بضع ~~وثمانون سنة، كل سنة ثلثمائة وستون يوما، واليوم ألف سنة مما تعدون " # قال ابن عمر فلا يتكلن أحد أنه يخرج من النار. وأخرج سعيد بن منصور، ~~وابن المنذر عن عبد الله ابن عمرو قال الحقب الواحد ثمانون سنة. وأخرج ~~ابن جرير عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الحقب أربعون سنة " # وأخرج ابن جرير عن خالد بن معدان في قوله { لبثين فيها ~~أحقابا ms4101 } وقوله # إلا ما شاء ربك # هود 108 إنهما في أهل التوحيد من أهل القبلة. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال زمهرير جهنم يكون لهم من العذاب ~~لأن الله يقول { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا }. وأخرج ~~ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي قوله { لا ~~يذوقون فيها بردا ولا شرابا * إلا حميما } قال # " قد انتهى حره { وغساقا } قد انتهى حره، وإن الرجل إذا أدنى ~~الإناء من فيه سقط فروة وجهه، حتى يبقى عظاما تقعقع " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { جزاء ~~وفقا } قال وافق أعمالهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر عن عبد الله بن عمرو قال ما أنزلت على أهل النار آية قط أشد منها ~~{ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا } فهم في مزيد من عذاب ~~الله أبدا. ### || [78.31-40] # قوله { إن للمتقين مفازا } هذا شروع في بيان حال المؤمنين، ~~وما أعد الله لهم من الخير بعد بيان حال الكافرين، وما أعد الله لهم من ~~الشر، والمفاز مصدر بمعنى الفوز، والظفر بالنعمة، والمطلوب، والنجاة من ~~النار، ومنه قيل للفلاة مفازة تفاؤلا بالخلاص منها. ثم فسر سبحانه هذا ~~المفاز فقال { حدائق وأعنبا } وانتصابهما على أنهما بدل من ~~مفازا بدل اشتمال، أو بدل كل من كل على طريق المبالغة بجعل نفس هذه ~~الأشياء مفازة، ويجوز أن يكون النصب بإضمار أعني، وإذا كان مفازا بمعنى ~~الفوز، فيقدر مضاف محذوف أي فوز حدائق، وهي جمع حديقة وهي البستان ~~المحوط عليه، والأعناب جمع عنب أي كروم أعناب { وكواعب أترابا ~~} الكواعب جمع كاعبة وهي الناهدة، يقال كعبت الجارية تكعب تكعيبا ~~وكعوبا، ونهدت تنهد نهودا، والمراد أنهم نساء كواعب تكعبت ثديهن وتفلكت ~~أي صارت ثديهن كالكعب في صدورهن. قال الضحاك الكواعب العذارى. قال قيس ~~بن عاصم # وكم من حصان قد حوينا كريمة وكم كاعب لم تدر ما البؤس معصر # وقال عمر بن أبي ربيعة # وكان مجنى دون ما كنت ms4102 أتقي ثلاث شخوص كاعبات ومعصر # والأتراب الأقران في السن، وقد تقدم تحقيقه في سورة البقرة { ~~وكأسا دهاقا } أي ممتلئة. قال الحسن، وقتادة، وابن زيد أي مترعة ~~مملوءة، يقال أدهقت الكأس أي ملأتها، ومنه قول الشاعر # ألا أسقني صرفا سقاك الساقي من مائها بكأسك الدهاق # وقال سعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد { دهاقا } متتابعة يتبع بعضها ~~بعضا. وقال زيد بن أسلم { دهاقا } صافية، والمراد بالكأس الإناء ~~المعروف، ولا يقال له الكأس إلا إذا كان فيه الشراب { لا يسمعون ~~فيها لغوا ولا كذبا } أي لا يسمعون في الجنة لغوا، وهو الباطل ~~من الكلام، ولا كذابا أي ولا يكذب بعضهم بعضا. قرأ الجمهور { كذابا } ~~بالتشديد، وقرأ الكسائي هنا بالتخفيف، ووافق الجماعة على التشديد في قوله ~~{ وكذبوا بآياتنا كذابا } المتقدم في هذه السورة للتصريح بفعله هناك، ~~وقد قدمنا الخلاف في { كذابا } هل هو من مصادر التفعيل، أو من مصادر ~~المفاعلة؟ { جزاء من ربك } أي جازاهم بما تقدم ذكره جزاء. قال ~~الزجاج المعنى جزاهم جزاء، وكذا { عطاء } أي وأعطاهم عطاء { حسابا } ~~قال أبو عبيدة كافيا. وقال ابن قتيبة كثيرا، يقال أحسبت فلانا أي ~~أكثرت له العطاء، ومنه قول الشاعر # ونعطي وليد الحي إن كان جائعا ونحسبه إن كان ليس بجائع # قال ابن قتيبة أي نعطيه حتى يقول حسبي. قال الزجاج حسابا أي ما يكفيهم. ~~قال الأخفش يقال أحسبني كذا أي كفاني. قال الكلبي حاسبهم، فأعطاهم ~~بالحسنة عشرا. # وقال مجاهد حسابا لما عملوه، فالحساب بمعنى القدر أي يقدر ما وجب له ~~في وعد الرب سبحانه، فإنه وعد للحسنة عشرا، ووعد لقوم سبعمائة ضعف، وقد ~~وعد لقوم جزاء لا نهاية له ولا مقدار كقوله # إنما يوفى الصبرون أجرهم بغير حساب # الزمر 10 وقرأ أبو هاشم حسابا بفتح الحاء، وتشديد السين أي كفافا. قال ~~الأصمعي تقول العرب حسبت الرجل بالتشديد إذا أكرمته، ومنه قول الشاعر # إذا أتاه ضيفه يحسبه # وقرأ ابن عباس حسانا بالنون { رب السموات والأرض وما ~~بينهما الرحمن }. قرأ ابن مسعود، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~كثير، وزيد ms4103 عن يعقوب، والمفضل عن عاصم برفع رب و الرحمن على أن رب ~~مبتدأ، والرحمن خبره، أو على أن رب خبر مبتدأ مقدر أي هو رب، ~~والرحمن صفته، و { لا يملكون } خبر رب، أو على أن رب مبتدأ، والرحمن ~~مبتدأ ثان، ولا يملكون خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول. ~~وقرأ يعقوب في رواية عنه، وابن عامر، وعاصم في رواية عنه بخفضهما على أن ~~رب بدل من ربك، والرحمن صفة له. وقرأ ابن عباس، وحمزة، والكسائي بخفض ~~الأول على البدل، ورفع الثاني على أنه خبر متبدأ محذوف أي هو الرحمن، ~~واختار هذه القراءة أبو عبيد وقال هذه القراءة أعدلها، فخفض رب لقربه من ~~ربك، فيكون نعتا له، ورفع الرحمن لبعده منه على الاستئناف، وخبره { لا ~~يملكون منه خطابا } أي لا يملكون أن يسألوا إلا فيما أذن لهم ~~فيه. وقال الكسائي لا يملكون منه خطابا بالشفاعة إلا بإذنه، وقيل ~~الخطاب الكلام أي لا يملكون أن يخاطبوا الرب سبحانه إلا بإذنه، دليله # لا تكلم نفس إلا بإذنه # هود 105 وقيل أراد الكفار، وأما المؤمنون فيشفعون. ويجوز أن تكون هذه ~~الجملة في محل نصب على الحال على ما تقدم بيانه، ويجوز أن تكون مستأنفة ~~مقررة لما تفيده الربوبية من العظمة والكبرياء. { يوم يقوم ~~الروح والملئكة صفا } الظرف منتصب بلا يتكلمون، أو بلا ~~يملكون، وصفا منتصب على الحال أي مصطفين، أو على المصدرية أي يصفون ~~صفا، وقوله { لا يتكلمون } في محل نصب على الحال، أو مستأنف ~~لتقرير ما قبله. واختلف في الروح فقيل إنه ملك من الملائكة أعظم من ~~السماوات السبع، ومن الأرضين السبع، ومن الجبال، وقيل هو جبريل قاله ~~الشعبي، والضحاك، وسعيد بن جبير. وقيل الروح جند من جنود الله ليسوا ~~ملائكة قاله أبو صالح، ومجاهد، وقيل هم أشراف الملائكة قاله مقاتل بن ~~حيان. وقيل هم حفظة على الملائكة قاله ابن أبي نجيح. وقيل هم بنو آدم ~~قاله الحسن، وقتادة. وقيل هم أرواح بني آدم تقوم صفا وتقوم الملائكة ~~صفا، وذلك بين النفختين قبل ms4104 أن ترد إلى الأجسام قاله عطية العوفي. # وقيل إنه القرآن قاله زيد بن أسلم. وقوله { إلا من أذن له ~~الرحمن } يجوز أن يكون بدلا من ضمير يتكلمون، وأن يكون منصوبا ~~على أصل الاستثناء، والمعنى لا يشفعون لأحد إلا من أذن له الرحمن ~~بالشفاعة أو لا يتكلمون إلا في حق من أذن له الرحمن وكان ذلك الشخص ~~ممن { قال صوابا } قال الضحاك، ومجاهد { صوابا } يعني حقا. وقال أبو ~~صالح لا إله إلا الله. وأصل الصواب السداد من القول والفعل. قيل { لا ~~يتكلمون } يعني الملائكة والروح الذين قاموا صفا هيبة وإجلالا إلا من ~~أذن له الرحمن منهم في الشفاعة، وهم قد قالوا صوابا. قال الحسن إن ~~الروح تقوم يوم القيامة لا يدخل أحد الجنة إلا بالروح، ولا النار إلا ~~بالعمل. قال الواحدي فهم لا يتكلمون يعني الخلق كلهم إلا من أذن له ~~الرحمن، وهم المؤمنون والملائكة، وقال في الدنيا صوابا أي شهد ~~بالتوحيد، والإشارة بقوله { ذلك } إلى يوم قيامهم على تلك الصفة، وهو ~~مبتدأ وخبره { اليوم الحق } أي الكائن الواقع المتحقق { فمن ~~شاء اتخذ إلى ربه مئابا } أي مرجعا يرجع إليه بالعمل ~~الصالح لأنه إذا عمل خيرا قربه إلى الله، وإذا عمل شرا باعده منه، ~~ومعنى { إلى ربه } إلى ثواب ربه، قال قتادة مآبا سبيلا. ثم زاد ~~سبحانه في تخويف الكفار فقال { إنا أنذرنكم عذابا قريبا ~~} يعني العذاب في الآخرة، وكل ما هو آت، فهو قريب، ومثله قوله # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ~~ضحها # النازعات 46 كذا قال الكلبي، وغيره. وقال قتادة هو عذاب الدنيا لأنه ~~أقرب العذابين. قال مقاتل هو قتل قريش ببدر، والأول أولى لقوله { يوم ~~ينظر المرء ما قدمت يداه } فإن الظرف إما بدل من عذاب، أو ~~ظرف لمضمر هو صفة له أي عذابا كائنا { يوم ينظر المرء } أي ~~يشاهد ما قدمه من خير أو شر، وما موصولة أو استفهامية. قال الحسن ~~والمرء هنا هو المؤمن أي يجد لنفسه عملا، فأما الكافر، فلا يجد لنفسه ~~عملا، ms4105 فيتمنى أن يكون ترابا، وقيل المراد به الكافر على العموم، وقيل ~~أبي بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، والأول أولى لقوله { ويقول ~~الكافر الكافر يليتنى كنت تربا } فإن الكافر واقع في ~~مقابلة المرء، والمراد جنس الكافر يتمنى أن يكون ترابا لما يشاهده مما ~~قد أعده الله له من أنواع العذاب، والمعنى أنه يتمنى أنه كان ترابا في ~~الدنيا فلم يخلق، أو ترابا يوم القيامة. وقيل المراد بالكافر أبو جهل، ~~وقيل أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وقيل إبليس، والأول أولى اعتبارا ~~بعموم اللفظ، ولا ينافيه خصوص السبب، كما تقدم غير مرة. وقد أخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله { إن ~~للمتقين مفازا } قال منتزها { وكواعب } قال نواهد { ~~أترابا } قال مستويات { وكأسا دهاقا } قال ممتلئا. # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله { وكأسا ~~دهاقا } قال هي الممتلئة المترعة المتتابعة، وربما سمعت العباس يقول ~~يا غلام اسقنا، وادهق لنا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر ~~عنه دهاقا، قال دراكا. وأخرج عبد بن حميد عنه أيضا قال إذا كان فيها ~~خمر فهي كأس، وإذا لم يكن فيها خمر، فليس بكأس. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ في العظمة، وابن مردويه عنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال # " الروح جند من جنود الله ليسوا بملائكة لهم رؤوس، وأيد، وأرجل " # ثم قرأ { يوم يقوم الروح والملئكة صفا } قال # " هؤلاء جند، وهؤلاء جند " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عن ابن عباس { يوم يقوم الروح } قال هو ملك من ~~أعظم الملائكة خلقا. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال الروح في السماء ~~الرابعة، وهو أعظم من السموات والجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم اثني ~~عشر ألف تسبيحة يخلق الله من كل تسبيحة ملكا من الملائكة يجيء يوم ~~القيامة صفا واحدا. وأخرج ms4106 أبو الشيخ عن ابن عباس قال إن جبريل يوم ~~القيامة لقائم بين يدي الجبار ترعد فرائصه فرقا من عذاب الله، يقول ~~سبحانك لا إله إلا أنت ما عبدناك حق عبادتك، ما بين منكبيه، كما بين ~~المشرق والمغرب، أما سمعت قول الله { يوم يقوم الروح ~~والملئكة صفا }. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عنه في ~~قوله { يوم يقوم الروح } قال يعني حين تقوم أرواح الناس مع ~~الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ترد الروح إلى الأجساد. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الأسماء والصفات عنه أيضا { وقال ~~صوابا } قال لا إله إلا الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث والنشور عن أبي هريرة قال يحشر ~~الخلق كلهم يوم القيامة البهائم، والدواب، والطير وكل شيء، فيبلغ من ~~عذاب الله أن يؤخذ للجماء من القرناء، ثم يقول كوني ترابا، فذلك حين ~~يقول الكافر { الكافر يليتنى كنت تربا }. ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1-26] # أقسم سبحانه بهذه الأشياء التي ذكرها، وهي الملائكة التي تنزع أرواح ~~العباد عن أجسادهم، كما ينزع النازع في القوس، فيبلغ بها غاية المد، ~~وكذا المراد بالناشطات، والسابحات، والسابقات، والمدبرات يعني الملائكة، ~~والعطف مع اتحاد الكل لتنزيل التغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي، كما ~~في قول الشاعر # إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم # وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وقال السدي { ~~النازعات } هي النفوس حين تغرق في الصدور. وقال مجاهد هي الموت ينزع ~~النفس. وقال قتادة هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق، من قولهم نزع إليه إذا ~~ذهب، أو من قولهم نزعت بالحبل أي إنها تغرب وتغيب وتطلع من أفق آخر. وبه ~~قال أبو عبيدة، والأخفش، وابن كيسان. وقال عطاء، وعكرمة النازعات القسي ~~تنزع بالسهام، وإغراق النازع في القوس أن يمده غاية المد حتى ينتهي به ~~إلى النصل. وقال يحيى بن سلام تنزع بين الكلأ وتنفر، وقيل أراد ~~بالنازعات الغزاة الرماة، وانتصاب { غرقا } على أنه مصدر بحذف الزوائد ~~أي إغراقا، ms4107 والناصب له ما قبله لملاقاته له في المعنى أي إغراقا في ~~النزع حيث تنزعها من أقاصي الأجساد، أو على الحال أي ذوات إغراق، يقال ~~أغرق في الشيء يغرق فيه إذا أوغل فيه وبلغ غايته ومعنى { الناشطات } أنها ~~تنشط النفوس أي تخرجها من الأجساد، كما ينشط العقال من يد البعير، إذا ~~حل عنه، ونشط الرجل الدلو من البئر إذا أخرجها، والنشاط الجذب بسرعة، ~~ومنه الأنشوطة للعقدة التي يسهل حلها. قال أبو زيد نشطت الحبل أنشطه ~~نشطا عقدته، وأنشطته، أي حللته، وأنشطت الحبل، أي مددته. قال الفراء ~~أنشط العقال أي حل، ونشط أي ربط الحبل في يديه. قال الأصمعي بئر أنشاط ~~أي قريبة القعر يخرج الدلو منها بجذبة واحدة، وبئر نشوط، وهي التي لا ~~يخرج منها الدلو حتى ينشط كثيرا. وقال مجاهد هو الموت ينشط نفس الإنسان. ~~وقال السدي هي النفوس حين تنشط من القدمين. وقال عكرمة، وعطاء هي ~~الأوهاق التي تنشط السهام، وقال قتادة، والحسن، والأخفش هي النجوم تنشط ~~من أفق إلى أفق أي تذهب. قال في الصحاح والناشطات نشطا يعني النجوم من ~~برج إلى برج كالثور الناشط من بلد إلى بلد، والهموم تنشط بصاحبها. وقال ~~أبو عبيدة، وقتادة هي الوحوش حين تنشط من بلد إلى بلد. وقيل الناشطات ~~لأرواح المؤمنين، والنازعات لأرواح الكافرين لأنها تجذب روح المؤمن برفق، ~~وتجذب روح الكافر بعنف، وقوله { نشطا } مصدر، وكذا سبحا وسبقا { ~~والسبحت } الملائكة تسبح في الأبدان لإخراج الروح كما يسبح ~~الغواص في البحر لإخراج شيء منه، وقال مجاهد، وأبو صالح هي الملائكة ~~ينزلون من السماء مسرعين لأمر الله، كما يقال للفرس الجواد سابح إذا أسرع ~~في جريه. # وقال مجاهد أيضا السابحات الموت يسبح في نفوس بني آدم. وقيل هي الخيل ~~السابحة في الغزو، ومنه قول عنترة # والخيل تعلم حين تس بح في حياض الموت سبحا # وقال قتادة، والحسن هي النجوم تسبح في أفلاكها، كما في قوله # وكل فى فلك يسبحون # يس 40 وقال عطاء هي السفن تسبح في الماء، وقيل هي أرواح المؤمنين ms4108 تسبح ~~شوقا إلى الله { فالسبقت سبقا } هم الملائكة على قول ~~الجمهور كما سلف. قال مسروق، ومجاهد تسبق الملائكة الشياطين بالوحي إلى ~~الأنبياء. وقال أبو روق هي الملائكة سبقت ابن آدم بالخير، والعمل الصالح، ~~وروي نحوه عن مجاهد. وقال مقاتل هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى ~~الجنة. وقال الربيع هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة شوقا إلى الله. ~~وقال مجاهد أيضا هو الموت يسبق الإنسان. وقال قتادة، والحسن، ومعمر هي ~~النجوم يسبق بعضها في السير بعضا. وقال عطاء هي الخيل التي تسبق إلى ~~الجهاد. وقيل هي الأرواح التي تسبق الأجساد إلى الجنة أو النار. قال ~~الجرجاني عطف السابقات بالفاء، لأنها مسببة من التي قبلها، أي واللاتي ~~يسبحن فيسبقن. تقول قام فذهب، فهذا يوجب أن يكون القيام سببا للذهاب، ~~ولو قلت قام وذهب بالواو لم يكن القيام سببا للذهاب. قال الواحدي وهذا ~~غير مطرد في قوله { فالمدبرت أمرا } لأنه يبعد أن يجعل السبق ~~سببا للتدبر. قال الرازي ويمكن الجواب عما قاله الواحدي بأنها لما أمرت ~~سبحت فسبقت فدبرت ما أمرت بتدبيره، فتكون هذه أفعالا يتصل بعضها ببعض ~~كقوله قام زيد فذهب، ولما سبقوا في الطاعات وسارعوا إليها ظهرت أمانتهم، ~~ففوض إليهم التدبير. ويجاب عنه بأن السبق لا يكون سببا للتدبير كسببية ~~السبح للسبق، والقيام للذهاب، ومجرد الاتصال لا يوجب السببية والمسببية، ~~والأولى أن يقال العطف بالفاء في المدبرات طوبق به ما قبله من عطف ~~السابقات بالفاء، ولا يحتاج إلى نكتة، كما احتاج إليها ما قبله لأن ~~النكتة إنما تطلب لمخالفة اللاحق للسابق لا لمطابقته وموافقته. { ~~فالمدبرت أمرا } قال القشيري أجمعوا على أن المراد هنا ~~الملائكة. وقال الماوردي فيه قولان أحدهما الملائكة وهو قول الجمهور. ~~والثاني أنها الكواكب السبع، حكاه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل، وفي ~~تدبيرها الأمر وجهان أحدهما تدبر طلوعها، وأفولها. الثاني تدبر ما قضاه ~~الله فيها من الأحوال. ومعنى تدبير الملائكة للأمر نزولها بالحلال ~~والحرام، وتفصيلهما، والفاعل للتدبير في الحقيقة، وإن كان هو الله عز ~~وجل، لكن لما ms4109 نزلت الملائكة به وصفت به. وقيل إن الملائكة لما أمرت ~~بتدبير أهل الأرض في الرياح والأمطار وغير ذلك قيل لها مدبرات. # قال عبد الرحمن بن ساباط تدبير أمر الدنيا إلى أربعة من الملائكة ~~جبريل، وميكائيل، وعزرائيل، وإسرافيل، فأما جبريل، فموكل بالرياح ~~والجنود، وأما ميكائيل، فموكل بالقطر والنبات، وأما عزرائيل، فموكل بقبض ~~الأنفس، وأما إسرافيل، فهو ينزل بالأمر عليهم، وجواب القسم بهذه الأمور ~~التي أقسم الله بها محذوف أي والنازعات، وكذا، وكذا لتبعثن. قال الفراء ~~وحذف لمعرفة السامعين به، ويدل عليه قوله { أإذا كنا عظما ~~نخرة }. وقيل إن جواب القسم قوله { إن فى ذلك لعبرة ~~لمن يخشى } أي إن في يوم القيامة، وذكر موسى وفرعون لعبرة لمن ~~يخشى. قال ابن الأنباري وهذا قبيح لأن الكلام قد طال بينهما، وقيل جواب ~~القسم { هل أتاك حديث موسى } لأن المعنى قد أتاك، وهذا ضعيف ~~جدا، وقيل الجواب { يوم ترجف الراجفة } على تقدير ليوم ترجف ~~الراجفة تتبعها الرادفة. وقال السجستاني يجوز أن يكون هذا من التقديم ~~والتأخير، كأنه قال فإذا هم بالساهرة والنازعات. قال ابن الأنباري وهذا ~~خطأ، لأن الفاء لا يفتتح بها الكلام، والأول أولى. { يوم ترجف ~~الراجفة } انتصاب هذا الظرف بالجواب المقدر للقسم، أو بإضمار اذكر، ~~والراجفة المضطربة، يقال رجف يرجف إذا اضطرب، والمراد هنا الصيحة العظيمة ~~التي فيها تردد واضطراب كالرعد، وهي النفخة الأولى التي يموت بها جميع ~~الخلائق، والرادفة النفخة الثانية التي تكون عند البعث، وسميت رادفة ~~لأنها ردفت النفخة الأولى، كذا قال جمهور المفسرين. وقال ابن زيد الراجفة ~~الأرض، والرادفة الساعة. وقال مجاهد الرادفة الزلزلة { تتبعها الرادفة } ~~الصيحة، وقيل الراجفة اضطراب الأرض، والرادفة الزلزلة، وأصل الرجفة ~~الحركة، وليس المراد التحرك هنا فقط، بل الراجفة هنا مأخوذة من قولهم رجف ~~الرعد يرجف رجفا ورجيفا إذا ظهر صوته، ومنه سميت الأراجيف لاضطراب ~~الأصوات بها، وظهور الأصوات فيها، ومنه قول الشاعر # أبا لأراجيف يا ابن اللؤم توعدني وفي الأراجيف خلت اللؤم والخورا # ومحل { تتبعها الرادفة } النصب على الحال من الراجفة، والمعنى ~~لتبعثن يوم ms4110 النفخة الأولى حال كون النفخة الثانية تابعة لها. { قلوب ~~يومئذ واجفة } قلوب مبتدأ، ويومئذ منصوب بواجفة، وواجفة صفة ~~قلوب، وجملة { أبصرها خشعة } خبر قلوب، والراجفة المضطربة ~~القلقة لما عاينت من أهوال يوم القيامة. قال جمهور المفسرين أي خائفة ~~وجلة. وقال السدي زائلة عن أماكنها، نظيره # إذ القلوب لدى الحناجر # غافر 18 وقال المؤرج قلقة مستوفزة. وقال المبرد مضطربة، يقال وجف القلب ~~يجف وجيفا إذا خفق، كما يقال وجب يجب وجيبا، والإيجاف السير السريع، ~~فأصل الوجيف اضطراب القلب، ومنه قول قيس بن الخطيم # إن بني جحجبي وقومهم أكبادنا من ورائهم تجف # { أبصارها خاشعة } أي أبصار أصحابها، فحذف المضاف، والخاشعة الذليلة، ~~والمراد أنها تظهر عليهم الذلة والخضوع عند معاينة أهوال يوم القيامة، ~~كقوله # خشعين من الذل # الشورى 45 قال عطاء يريد أبصار من مات على غير الإسلام، ويدل على هذا ~~أن السياق في منكري البعث { يقولون أءنا لمردودون فى ~~الحفرة } هذا حكاية لما يقوله المنكرون للبعث إذا قيل لهم إنكم ~~تبعثون أي أنرد إلى أول حالنا، وابتداء أمرنا، فنصير أحياء بعد موتنا، ~~يقال رجع فلان في حافرته، أي رجع من حيث جاء، والحافرة عند العرب اسم ~~لأول الشيء، وابتداء الأمر، ومنه قولهم رجع فلان على حافرته أي على ~~الطريق الذي جاء منه، ويقال اقتتل القوم عند الحافرة أي عند أول ما ~~التقوا، وسميت الطريق التي جاء منها حافرة لتأثيره فيها بمشيه فيها فهي ~~حافرة بمعنى محفورة، ومن هذا قول الشاعر # أحافرة على صلع وشيب معاذ الله من سفه وعار # أي أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل بعد الشيب والصلع؟! وقيل ~~الحافرة العاجلة، والمعنى إنا لمردودون إلى الدنيا. وقيل الحافرة الأرض ~~التي تحفر فيها قبورهم، ومنه قول الشاعر # آليت لا أنساكم فاعلموا حتى يرد الناس في الحافرة # والمعنى إنا لمردودون في قبورنا أحياء، كذا قال الخليل، والفراء، وبه ~~قال مجاهد. وقال ابن زيد الحافرة النار، واستدل بقوله { تلك إذا ~~كرة خسرة }. قرأ الجمهور { في الحافرة } وقرأ أبو حيوة " في ~~الحفرة ms4111 ". { أإذا كنا عظما نخرة } أي بالية متفتتة. يقال ~~نخر العظم بالكسر إذا بلي وهذا تأكيد لإنكار البعث أي كيف نرد أحياء، ~~ونبعث إذا كنا عظاما نخرة؟ والعامل في إذا مضمر يدل عليه مردودون أي ~~أئذا كنا عظاما بالية نرد ونبعث مع كونها أبعد شيء من الحياة. قرأ ~~الجمهور { نخرة } وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر " ناخرة " ، واختار ~~القراءة الأولى أبو عبيد، وأبو حاتم، واختار القراءة الثانية الفراء، ~~وابن جرير، وأبو معاذ النحوي. قال أبو عمرو بن العلاء الناخرة التي لم ~~تنخر بعد، أي لم تبل ولا بد أن تنخر. وقيل هما بمعنى، تقول العرب نخر ~~الشيء، فهو ناخر ونخر، وطمع، فهو طامع وطمع ونحو ذلك. قال الأخفش هما ~~جميعا لغتان أيهما قرأت فحسن. قال الشاعر # يظل بها الشيخ الذي كان بادنا يدب على عوج له نخرات # يعني على قوائم عوج. وقيل الناخرة التي أكلت أطرافها وبقيت أوساطها، ~~والنخرة التي فسدت كلها. وقال مجاهد نخرة أي مرفوتة، كما في قوله # رفاتا # الإسراء 49. وقد قرىء " إذا كنا " و { أئذا كنا } بالاستفهام، وبعدمه. ~~ثم ذكر سبحانه عنهم قولا آخر قالوه فقال { قالوا تلك إذا ~~كرة خسرة } أي رجعة ذات خسران لما يقع على أصحابها من الخسران، ~~والمعنى أنهم قالوا إن رددنا بعد الموت لنخسرن بما يصيبنا بعد الموت مما ~~يقوله محمد. وقيل معنى خاسرة كاذبة أي ليست بكائنة، كذا قال الحسن وغيره. # وقال الربيع بن أنس خاسرة على من كذب بها. وقال قتادة، ومحمد بن كعب أي ~~لئن رجعنا بعد الموت لنخسرن بالنار، وإنما قالوا هذا لأنهم أوعدوا ~~بالنار، والكرة الرجعة، والجمع كرات. وقوله { فإنما هى زجرة ~~وحدة } تعليل لما يدل عليه ما تقدم من استبعادهم لبعث العظام ~~النخرة، وإحياء الأموات، والمعنى لا تستبعدوا ذلك فإنما هي زجرة واحدة، ~~وكان ذلك الإحياء، والبعث، والمراد بالزجرة الصيحة وهي النفخة الثانية ~~التي يكون البعث بها. وقيل إن الضمير في قوله { إنما هى }. راجع ~~إلى الرادفة المتقدم ذكرها. { فإذا هم بالساهرة } أي فإذا ~~الخلائق الذين قد ماتوا ms4112 ودفنوا أحياء على وجه الأرض، قال الواحدي المراد ~~بالساهرة وجه الأرض، وظاهرها في قول الجميع. قال الفراء سميت بهذا الاسم ~~لأن فيها نوم الحيوان، وسهرهم. وقيل لأنه يسهر في فلاتها خوفا منها، ~~فسميت بذلك، ومنه قول أبي كثير الهذلي # يردون ساهرة كأن حميمها وغميمها أسداف ليل مظلم # وقول أمية بن أبي الصلت # وفيها لحم ساهرة وبحر وما فاهوا به لهم مقيم # يريد لحم حيوان أرض ساهرة. قال في الصحاح الساهرة وجه الأرض، ومنه قوله ~~{ فإذا هم بالساهرة }. وقال الساهرة أرض بيضاء، وقيل أرض من ~~فضة لم يعص الله سبحانه فيها. وقيل الساهرة الأرض السابعة يأتي بها الله ~~سبحانه فيحاسب عليها الخلائق. وقال سفيان الثوري الساهرة أرض الشام. وقال ~~قتادة هي جهنم، أي فإذا هؤلاء الكفار في جهنم، وإنما قيل لها ساهرة لأنهم ~~لا ينامون فيها لاستمرار عذابهم، وجملة { هل أتاك حديث موسى } ~~مستأنفة مسوقة لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيب قومه، وأنه ~~يصيبهم مثل ما أصاب من كان قبلهم ممن هو أقوى منهم، ومعنى { هل أتاك } قد ~~جاءك وبلغك، هذا على تقدير أن قد سمع من قصص فرعون وموسى ما يعرف به ~~حديثهما، وعلى تقدير أن هذا أول ما نزل عليه في شأنهما، فيكون المعنى ~~على الاستفهام أي هل أتاك حديثه أنا أخبرك به. { إذ ناداه ربه ~~بالواد المقدس طوى } الظرف متعلق ب { حديث } لا ب { أتاك } ~~لاختلاف وقتيهما، وقد مضى من خبر موسى وفرعون في غير موضع ما فيه كفاية، ~~وقد تقدم الاختلاف بين القراء في { طوى } في سورة طه. والواد المقدس ~~المبارك المطهر. قال الفراء { طوى } واد بين المدينة ومصر. قال وهو معدول ~~من طاو كما عدل عمر من عامر. قال والصرف أحب إلي إذ لم أجد في المعدول ~~نظيرا له. وقيل طوى معناه يا رجل بالعبرانية، فكأنه قيل يا رجل اذهب، ~~وقيل المعنى إن الوادي المقدس بورك فيه مرتين، والأول أولى. وقد مضى ~~تحقيق القول فيه. { اذهب إلى فرعون إنه طغى } قيل هو ~~على ms4113 تقدير القول، وقيل هو تفسير للنداء أي ناداه نداء هو قوله اذهب. # وقيل هو على حذف أن المفسرة، ويؤيده قراءة ابن مسعود أن اذهب لأن في ~~النداء معنى القول، وجملة { إنه طغى } تعليل للأمر أو لوجوب ~~الامتثال أي جاوز الحد في العصيان، والتكبر، والكفر بالله { فقل } له ~~{ هل لك إلى أن تزكى } أي قوله بعد وصولك إليه هل لك رغبة ~~إلى التزكي وهو التطهر من الشرك، وأصله تتزكى فحذفت إحدى التاءين. قرأ ~~الجمهور { تزكى } بالتخفيف. وقرأ نافع، وابن كثير بتشديد الزاي على إدغام ~~التاء في الزاي. قال أبو عمرو بن العلاء معنى قراءة التخفيف تكون زكيا ~~مؤمنا ومعنى قراءة التشديد الصدقة، وفي الكلام مبتدأ مقدر يتعلق به ~~إليه، والتقدير هل لك رغبة، أو هل لك توجه، أو هل لك سبيل إلى التزكي، ~~ومثل هذا قولهم هل لك في الخير؟ يريدون هل لك رغبة في الخير، ومن هذا قول ~~الشاعر # فهل لكم فيها إلي فإنني بصير بما أعيا النطاسي جذيما # { وأهديك إلى ربك فتخشى } أي أرشدك إلى عبادته ~~وتوحيده، فتخشى عقابه، والفاء لترتيب الخشية على الهداية لأن الخشية لا ~~تكون إلا من مهتد راشد { فأراه الآية الكبرى } هذه الفاء هي ~~الفصيحة لإفصاحها عن كلام محذوف، يعني فذهب فقال له ما قال مما حكاه الله ~~في غير موضع، وأجاب عليه بما أجاب إلى أن قال # قال إن كنت جئت بئاية فأت # الأعراف 106 فعند ذلك أراه الآية الكبرى. واختلف في الآية الكبرى ما هي؟ ~~فقيل العصا، وقيل يده. وقيل فلق البحر. وقيل هي جميع ما جاء به من الآيات ~~التسع { فكذب وعصى } أي فلما أراه الآية الكبرى كذب بموسى، ~~وبما جاء به، وعصى الله عز وجل، فلم يطعه { ثم أدبر } أي تولى، ~~وأعرض عن الإيمان { يسعى } أي يعمل بالفساد في الأرض، ويجتهد في ~~معارضة ما جاء به موسى، وقيل أدبر هاربا من الحية يسعى خوفا منها. وقال ~~الرازي معنى { أدبر يسعى } أقبل يسعى، كما يقال أقبل يفعل كذا أي ~~أنشأ يفعل كذا، ms4114 فوضع أدبر موضع أقبل لئلا يوصف بالإقبال. { فحشر } أي ~~فجمع جنوده للقتال والمحاربة، أو جمع السحرة للمعارضة، أو جمع الناس ~~للحضور ليشاهدوا ما يقع، أو جمعهم ليمنعوه من الحية { فنادى فقال ~~أنا ربكم الأعلى } أي قال لهم بصوت عال، أو أمر من ينادي ~~بهذا القول. ومعنى { أنا ربكم الاعلى } أنه لا رب فوقي. قال ~~عطاء كان صنع لهم أصناما صغارا وأمرهم بعبادتها، وقال أنا رب أصنامكم، ~~وقيل أراد بكونه ربهم أنه قائدهم وسائدهم. والأول أولى لقوله في آية ~~أخرى # ما علمت لكم من إله غيرى # القصص 38. { فأخذه الله نكال الأخرة والأولى } ~~النكال نعت مصدر محذوف، أي أخذه أخذ نكال، أو هو مصدر لفعل محذوف، أي ~~أخذه الله، فنكله نكال الآخرة، والأولى، أو مصدر مؤكد لمضمون الجملة، ~~والمراد بنكال الآخرة عذاب النار، ونكال الأولى عذاب الدنيا بالغرق. وقال ~~مجاهد عذاب أول عمره وآخره. وقال قتادة الآخرة. قوله { أنا ربكم ~~الأعلى } والأولى تكذيبه لموسى. وقيل الآخرة. قوله { أنا ربكم ~~الاعلى } والأولى قوله # ما علمت لكم من إله غيرى # القصص 38 وكان بين الكلمتين أربعون سنة، ويجوز أن يكون انتصاب نكال على ~~أنه مفعول له أي أخذه الله لأجل نكال، ويجوز أن ينتصب بنزع الخافض أي ~~بنكال. ورجح الزجاج أنه مصدر مؤكد، قال لأن معنى أخذه الله نكل الله به، ~~فأخرج من معناه لا من لفظه. وقال الفراء أي أخذه الله أخذا نكالا أي ~~للنكال، والنكال اسم لما جعل نكالا للغير أي عقوبة له، يقال نكل فلان ~~بفلان إذا عاقبه، وأصل الكلمة من الامتناع، ومنه النكول عن اليمين، ~~والنكل القيد. { إن فى ذلك لعبرة لمن يخشى } أي فيما ~~ذكر من قصة فرعون، وما فعل به عبرة عظيمة لمن شأنه أن يخشى الله ويتقيه، ~~ويخاف عقوبته، ويحاذر غضبه. وقد أخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن علي ~~بن أبي طالب في قوله { والنزعت غرقا } قال هي الملائكة تنزع ~~روح الكفار { والنشطت نشطا } قال هي الملائكة تنشط أرواح ~~الكفار ما بين الأظفار والجلد حتى تخرجها ms4115 { والسبحت سبحا } ~~هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين بين السماء والأرض { فالسبقت ~~سبقا } هي الملائكة يسبق بعضها بعضا بأرواح المؤمنين إلى الله { ~~فالمدبرت أمرا } هي الملائكة تدبر أمر العباد من السنة إلى ~~السنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { والنزعت غرقا } ~~قال هي أنفس الكفار تنزع، ثم تنشط، ثم تغرق في النار. وأخرج الحاكم وصححه ~~عنه { والنزعت غرقا * والنشطت نشطا } قال ~~الموت. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود { ~~والنزعت غرقا } قال الملائكة الذين يلون أنفس الكفار إلى ~~قوله { والسبحت سبحا } قال الملائكة. وأخرج ابن مردويه عن ~~معاذ بن جبل قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تمزق الناس، فتمزقك كلاب النار، قال الله { والنشطت ~~نشطا } أتدري ما هو؟ " # قلت يا نبي الله ما هو؟ قال # " كلاب في النار تنشط اللحم والعظم " # وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب أن ابن الكواء سأله عن { ~~المدبرات أمرا } قال هي الملائكة يدبرون ذكر الرحمن وأمره. وأخرج ابن ~~أبي الدنيا في ذكر الموت عن ابن عباس قال { لك أمرا } ملائكة يكونون ~~مع ملك الموت يحضرون الموتى عند قبض أرواحهم، فمنهم من يعرج بالروح، ~~ومنهم من يؤمن على الدعاء، ومنهم من يستغفر للميت حتى يصلى عليه ~~ويدلى في حفرته. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه { يوم ترجف ~~الراجفة } قال النفخة الأولى { تتبعها الرادفة } قال ~~النفخة الثانية { قلوب يومئذ واجفة } قال خائفة { أءنا ~~لمردودون فى الحفرة } قال الحياة. وأخرج أحمد، وعبد بن ~~حميد، والترمذي وحسنه، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، ~~والبيهقي في الشعب عن أبي بن كعب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا ذهب ربع الليل قام فقال # " أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما ~~فيه " # وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، والديلمي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " ترجف الأرض رجفا وتزلزل بأهلها وهي التي يقول الله { يوم ترجف ~~الراجفة * تتبعها الرادفة ms4116 } " # يقول # " مثل السفينة في البحر تكفأ بأهلها مثل القنديل المعلق بأرجائه " # وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس { قلوب يومئذ واجفة } قال ~~وجلة متحركة. وأخرج عبد بن حميد عنه { أءنا لمردودون فى ~~الحفرة } قال خلقا جديدا. وأخرج أبو عبيد في فضائله، وابن ~~الأنباري في الوقف والابتداء، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عنه أيضا أنه سئل عن قوله { فإذا هم بالساهرة } فقال الساهرة ~~وجه الأرض، وفي لفظ قال الأرض كلها ساهرة، ألا ترى قول الشاعر # صيد بحر وصيد ساهرة # وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عنه أيضا { هل لك إلى أن ~~تزكى } قال هل لك أن تقول لا إله إلا الله؟ وأخرج ابن جرير عنه ~~أيضا { فأخذه الله نكال الأخرة } قال قوله { أنا ~~ربكم الأعلى } { والأولى } قال قوله # ما علمت لكم من إله غيرى # القصص 38. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو قال ~~كان بين كلمتيه أربعون سنة. ### || [79.27-46] # قوله { أشد خلقا أم السماء بنها } أي أخلقكم بعد ~~الموت، وبعثكم أشد عندكم، وفي تقديركم أم خلق السماء؟ والخطاب لكفار ~~مكة، والمقصود به التوبيخ لهم والتبكيت لأن من قدر على خلق السماء؟ التي ~~لها هذا الجرم العظيم وفيها من عجائب الصنع وبدائع القدرة ما هو بين ~~للناظرين كيف يعجز عن إعادة الأجسام التي أماتها بعد أن خلقها أول مرة؟ ~~ومثل هذا قوله سبحانه # لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس # غافر 57 وقوله # أو ليس الذى خلق السموات والأرض بقدر ~~على أن يخلق مثلهم # يس 81 ثم بين سبحانه كيفية خلق السماء فقال { بنها * رفع ~~سمكها فسواها } أي جعلها كالبناء المرتفع فوق الأرض، ورفع سمكها ~~أي أعلاه في الهواء، فقوله { رفع سمكها } بيان للبناء، يقال سمكت ~~الشيء أي رفعته في الهواء، وسمك الشيء سموكا ارتفع. قال الفراء كل شيء ~~حمل شيئا من البناء أو غيره فهو سمك، وبناء مسموك، وسنام سامك أي عال، ~~والسموكات السموات ومنه قول الفرزدق # إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه ms4117 أعز وأطول # قال البغوي رفع سمكها، أي سقفها. قال الكسائي، والفراء، والزجاج تم ~~الكلام عند قوله { أم السماء بنها } لأنه من صلة السماء، ~~والتقدير أم السماء التي بناها، فحذف التي، ومثل هذا الحذف جائز. ومعنى { ~~فسواها } فجعلها مستوية الخلق معدلة الشكل لا تفاوت فيها، ولا ~~اعوجاج، ولا فطور، ولا شقوق. { وأغطش ليلها } الغطش الظلمة أي ~~جعله مظلما، يقال غطش الليل وأغطشه الله، كما يقال أظلم الليل وأظلمه ~~الله، ورجل أغطش، وامرأة غطشى لا يهتديان. قال الراغب وأصله من الأغطش، ~~وهو الذي في عينه عمش، ومنه فلاة غطشى لا يهتدى فيها، والتغاطش التعامي. ~~قال الأعشى # ودهماء بالليل غطشى الفلا ة يؤنسني صوت قيادها # وقوله # وغامرهم مدلهم غطش # يعني غمرهم سواد الليل، وأضاف الليل إلى السماء لأن الليل يكون بغروب ~~الشمس، والشمس مضافة إلى السماء. { وأخرج ضحها } أي أبرز ~~نهارها المضيء بإضاءة الشمس، وعبر عن النهار بالضحى لأنه أشرف أوقاته ~~وأطيبها، وأضافه إلى السماء لأنه يظهر بظهور الشمس، وهي منسوبة إلى ~~السماء. { والأرض بعد ذلك دحها } أي بعد خلق السماء، ~~ومعنى { دحاها } بسطها، وهذا يدل على أن خلق الأرض بعد خلق السماء، ولا ~~معارضة بين هذه الآية، وبين ما تقدم في سورة فصلت من قوله # ثم استوى إلى السماء # فصلت 11 بل الجمع بأنه سبحانه خلق الأرض أولا غير مدحوة، ثم خلق ~~السماء، ثم دحا الأرض، وقد قدمنا الكلام على هذا مستوفى هنالك، وقدمنا ~~أيضا بحثا في هذا في أول سورة البقرة عند قوله # هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا # البقرة 29 وذكر بعض أهل العلم أن بعد بمعنى مع، كما في قوله # عتل بعد ذلك زنيم # القلم 13، وقيل بعد بمعنى قبل، كقوله # ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر # الأنبياء 105 أي من قبل الذكر، والجمع الذي ذكرناه أولى، وهو قول ابن ~~عباس وغير واحد، واختاره ابن جرير. يقال دحوت الشيء أدحوه إذا بسطته، ~~ويقال لعش النعامة أدحى لأنه مبسوط على الأرض. وأنشد المبرد # دحاها فلما رآها استوت على ms4118 الماء أرسى عليها الجبالا # وقال أمية بن أبي الصلت # وبث الخلق فيها إذا دحاها فهم قطانها حتى التنادي # وقال زيد بن عمرو بن نفيل # وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخرا ثقالا دحاها فلما استوت ~~شدها بأيد وأرسى عليها الجبالا # قرأ الجمهور بنصب الأرض على الاشتغال. وقرأ الحسن، وعمرو بن ميمون، وابن ~~أبي عبلة، وأبو حيوة، وأبو السماك، وعمرو بن عبيد، ونصر بن عاصم بالرفع ~~على الابتداء. { أخرج منها ماءها ومرعها } أي فجر من ~~الأرض الأنهار والبحار والعيون. وأخرج منها مرعاها. أي النبات الذي يرعى، ~~ومرعاها مصدر ميمي أي رعيها، وهو في الأصل موضع الرعي، والجملة إما بيان ~~وتفسير لدحاها لأن السكنى لا تتأتى بمجرد البسط بل لا بد من تسوية أمر ~~المعاش من المأكل والمشرب. وإما في محل نصب على الحال. { والجبال ~~أرسها } أي أثبتها في الأرض، وجعلها كالأوتاد للأرض لتثبت وتستقر، ~~وأن لا تميد بأهلها. قرأ الجمهور بنصب الجبال على الاشتغال. وقرأ الحسن، ~~وعمرو بن ميمون، وأبو حيوة، وأبو السماك، وعمرو بن عبيد، ونصر بن عاصم ~~بالرفع على الابتداء، قيل ولعل وجه تقديم ذكر إخراج الماء، والمرعى على ~~إرساء الجبال مع تقدم الإرساء عليه للاهتمام بأمر المأكل والمشرب { ~~متعا لكم ولأعمكم } أي منفعة لكم ولأنعامكم من البقر، ~~والإبل، والغنم، وانتصاب متاعا على المصدرية أي متعكم بذلك متاعا أو هو ~~مصدر من غير لفظه لأن قوله { أخرج منها ماءها ومرعها } ~~بمعنى متع بذلك، أو على أنه مفعول له أي فعل ذلك لأجل التمتيع، وإنما قال ~~{ لكم ولانعمكم } لأن فائدة ما ذكر من الدحو، وإخراج ~~الماء، والمرعى كائنة لهم ولأنعامهم، والمرعى يعم ما يأكله الناس ~~والدواب. { فإذا جاءت الطامة الكبرى } أي الداهية العظمى ~~التي تطم على سائر الطامات. قال الحسن، وغيره وهي النفخة الثانية. وقال ~~الضحاك، وغيره هي القيامة سميت بذلك، لأنها تطم على كل شيء لعظم هولها. ~~قال المبرد الطامة عند العرب الداهية التي لا تستطاع، وإنما أخذت فيما ~~أحسب من قولهم طم الفرس طميما إذا استفرغ جهده ms4119 في الجري، وطم الماء ~~إذا ملأ النهر كله. وقال غيره هو من طم السيل الركية أي دفنها، والطم ~~الدفن. # قال مجاهد، وغيره الطامة الكبرى هي التي تسلم أهل الجنة إلى الجنة، وأهل ~~النار إلى النار، والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها، وجواب ~~إذا قيل هو قوله { فأما من طغى }. وقيل محذوف أي فإن الأمر كذلك، ~~أو عاينوا أو علموا، أو أدخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة. وقال ~~أبو البقاء العامل فيها جوابها وهو معنى # يومئذ يتذكر الإنسن # الفجر 23 فإنه منصوب بفعل مضمر، أي أعني يوم يتذكر، أو يوم يتذكر يكون ~~كيت، وكيت. وقيل إن الظرف بدل من إذا، وقيل هو بدل من الطامة الكبرى ~~ومعنى تذكر الإنسان ما سعى أنه يتذكر ما عمله من خير، أو شر لأنه ~~يشاهده مدونا في صحائف عمله، و«ما» مصدرية، أو موصولة { وبرزت ~~الجحيم لمن يرى } معطوف على جاءت، ومعنى برزت أظهرت إظهارا لا ~~يخفى على أحد. قال مقاتل يكشف عنها الغطاء، فينظر إليها الخلق، وقيل { ~~لمن يرى } من الكفار، لا من المؤمنين والظاهر أن تبرز لكل راء، ~~فأما المؤمن فيعرف برؤيتها قدر نعمة الله عليه بالسلامة منها، وأما ~~الكافر فيزداد غما إلى غمه، وحسرة إلى حسرته. قرأ الجمهور { لمن يرى } ~~بالتحتية. وقرأت عائشة، ومالك ابن دينار، وعكرمة، وزيد بن علي بالفوقية، ~~أي لمن تراه الجحيم، أو لمن تراه أنت يا محمد. وقرأ ابن مسعود " لمن رأى ~~" على صيغة الفعل الماضي. { فأما من طغى } أي جاوز الحد في الكفر ~~والمعاصي. { وءاثر الحيوة الدنيا } أي قدمها عن الآخرة، ولم ~~يستعد لها، ولا عمل عملها. { فإن الجحيم هى المأوى } أي ~~مأواه، والألف واللام عوض عن المضاف إليه، والمعنى أنها منزله الذي ~~ينزله، ومأواه الذي يأوي إليه لا غيرها. ثم ذكر القسم الثاني من القسمين ~~فقال { وأما من خاف مقام ربه } أي حذر مقامه بين يدي ربه ~~يوم القيامة. قال الربيع مقامه يوم الحساب. قال قتادة يقول إن لله عز ~~وجل مقاما قد ms4120 خافه المؤمنون. وقال مجاهد هو خوفه في الدنيا من الله عز ~~وجل عند مواقعة الذنب فيقلع عنه، نظيره قوله # ولمن خاف مقام ربه جنتان # الرحمن 46 والأول أولى. { ونهى النفس عن الهوى } أي ~~زجرها عن الميل إلى المعاصي والمحارم التي تشتهيها. قال مقاتل هو الرجل ~~يهم بالمعصية، فيذكر مقامه للحساب، فيتركها { فإن الجنة هى ~~المأوى } أي المنزل الذي ينزله، والمكان الذي يأوي إليه لا غيرها. { ~~يسئلونك عن الساعة أيان مرسها } أي متى وقوعها ~~وقيامها. قال الفراء أي منتهى قيامها كرسو السفينة. قال أبو عبيدة ومرسى ~~السفينة حين تنتهي، والمعنى يسألونك عن الساعة متى يقيمها الله، وقد مضى ~~بيان هذا في سورة الأعراف { فيم أنت من ذكراها } أي في أي شيء ~~أنت يا محمد من ذكر القيامة والسؤال عنها، والمعنى لست في شيء من علمها، ~~وذكراها إنما يعلمها الله سبحانه، وهو إنكار ورد لسؤال المشركين عنها أي ~~فيم أنت من ذلك حتى يسألونك عنه ولست تعلمه؟ { إلى ربك ~~منتهها } أي منتهى علمها، فلا يوجد علمها عند غيره، وهذا كقوله # قل إنما علمها عند ربي # الأعراف 187، وقوله # إن الله عنده علم الساعة # لقمان 34 فكيف يسألونك عنها، ويطلبون منك بيان وقت قيامها؟ { إنما ~~أنت منذر من يخشها } أي مخوف لمن يخشى قيام الساعة، وذلك ~~وظيفتك ليس عليك غيره من الإخبار بوقت قيام الساعة، ونحوه مما استأثر ~~الله بعلمه، وخص الإنذار بمن يخشى لأنهم المنتفعون بالإنذار، وإن كان ~~منذرا لكل مكلف من مسلم وكافر. قرأ الجمهور بإضافة { منذر } إلى ما ~~بعده. وقرأ عمر بن عبد العزيز، وأبو جعفر، وطلحة، وابن محيصن، وشيبة، ~~والأعرج، وحميد بالتنوين، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو. قال الفراء ~~والتنوين، وتركه في منذر صواب كقوله # بلغ أمره # الطلاق 3 و # موهن كيد الكفرين # الأنفال 18. قال أبو علي الفارسي يجوز أن تكون الإضافة للماضي، نحو ~~ضارب زيد أمس. { كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا ~~عشية أو ضحها } أي إلا قدر آخر نهار أو أوله، أو قدر الضحى ~~الذي يلي تلك ms4121 العشية، والمراد تقليل مدة الدنيا، كما قال # لم يلبثوا إلا ساعة من نهار # الأحقاف 35. وقيل لم يلبثوا في قبورهم إلا عشية أو ضحاها. قال الفراء، ~~والزجاج المراد بإضافة الضحى إلى العشية إضافته إلى يوم العشية على عادة ~~العرب، يقولون آتيك الغداة أو عشيتها، وآتيك العشية أو غداتها، فتكون ~~العشية في معنى آخر النهار، والغداة في معنى أول النهار. ومنه قول ~~الشاعر # نحن صبحنا عامرا في دارها جردا تعادى طرفي نهارها عشية الهلال أو ~~سرارها # والجملة تقرير لما يدل عليه الإنذار من سرعة مجيء المنذر به. وقد أخرج ~~ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { رفع سمكها } قال ~~بناها { وأغطش ليلها } قال أظلم ليلها. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عنه. { وأغطش ليلها } قال وأظلم ليلها { ~~وأخرج ضحها } قال أخرج نهارها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا { ~~والأرض بعد ذلك دحها } قال مع ذلك. وأخرج عبد ابن حميد، ~~وابن أبي حاتم عنه أيضا أن رجلا قال له آيتان في كتاب الله تخالف ~~إحداهما الأخرى، فقال إنما أتيت من قبل رأيك، قال اقرأ { قل أءنكم ~~لتكفرون بالذى خلق الأرض فى يومين } حتى بلغ # ثم استوى إلى السماء # فصلت 9 - 11 وقوله { والأرض بعد ذلك دحها } قال خلق الله ~~الأرض قبل أن يخلق السماء، ثم خلق السماء، ثم دحى الأرض بعد ما خلق ~~السماء، وإنما قوله { دحها } بسطها. # وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال { دحها } أن أخرج منها الماء ~~والمرعى، وشقق فيها الأنهار، وجعل فيها الجبال، والرمال، والسبل، والآكام ~~وما بينهما في يومين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا قال ~~الطامة من أسماء يوم القيامة. وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب «كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة فنزلت { فيم أنت من ~~ذكراها } ». وأخرج البزار، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، ~~وابن مردويه عن عائشة قالت «ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن ~~الساعة حتى أنزل الله ms4122 { فيم أنت من ذكراها * إلى ربك ~~منتهها } فانتهى، فلم يسأل عنها». وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، ~~وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه عن طارق بن شهاب قال كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يكثر ذكر الساعة حتى نزلت { فيم أنت من ~~ذكراها * إلى ربك منتهها } فكف عنها. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس. قال السيوطي بسند ضعيف إن مشركي مكة ~~سألوا النبي فقالوا متى الساعة استهزاء منهم؟ فأنزل الله { ~~يسئلونك عن الساعة أيان مرسها } يعني مجيئها { ~~فيم أنت من ذكراها } يعني ما أنت من علمها يا محمد { إلى ~~ربك منتهها } يعني منتهى علمها. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت ~~كانت الأعراب إذا قدموا على النبي سألوه عن الساعة، فينظر إلى أحدث ~~إنسان منهم، فيقول # " إن يعش هذا قامت عليكم ساعتكم ". ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-42] # قوله { عبس وتولى } أي كلح بوجهه وأعرض. وقرىء " عبس " ~~بالتشديد. { أن جاءه الأعمى } مفعول لأجله، أي لأن جاءه الأعمى، ~~والعامل فيه إما { عبس } ، أو { تولى } على الاختلاف بين البصريين ~~والكوفيين في التنازع هل المختار إعمال الأول أو الثاني؟ وقد أجمع ~~المفسرون على أن سبب نزول الآية أن قوما من أشراف قريش كانوا عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وقد طمع في إسلامهم، فأقبل عبد الله بن أم مكتوم، ~~فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع عليه ابن أم مكتوم كلامه، ~~فأعرض عنه فنزلت، وسيأتي في آخر البحث بيان هذا إن شاء الله. { وما ~~يدريك لعله يزكى } التفت سبحانه إلى خطاب نبيه صلى الله ~~عليه وسلم لأن المشافهة أدخل في العتاب أي أي شيء يجعلك داريا بحاله ~~حتى تعرض عنه، وجملة { لعله يزكى } مستأنفة لبيان أن له شأنا ~~ينافي الإعراض عنه أي لعله يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح بسبب ما يتعلمه ~~منك، فالضمير في { لعله } راجع إلى { الأعمى } ، وقيل هو راجع إلى الكافر ~~أي وما يدريك أن ما طمعت فيه ممن اشتغلت بالكلام معه عن الأعمى أنه يزكى، ~~أو يذكر، والأول أولى. ms4123 وكلمة الترجي باعتبار من وجه إليه الخطاب للتنبيه ~~على أن الإعراض عنه مع كونه مرجو التزكي مما لا يجوز. قرأ الجمهور { أن ~~جاءه الأعمى } على الخبر بدون استفهام، ووجهه ما تقدم. وقرأ الحسن " آن ~~جاءه " بالمد على الاستفهام، فهو على هذه القراءة متعلق بفعل محذوف دل ~~عليه { عبس } و { تولى } ، والتقدير أن جاءه الأعمى تولى وأعرض، ومثل هذه ~~الآية قوله في سورة الأنعام # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى # الأنعام 52 وكذلك قوله في سورة الكهف # ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحيوة ~~الدنيا # الكهف 28 وقوله { أو يذكر } عطف على { يزكى } داخل معه في حكم ~~الترجي أي أو يتذكر، فيتعظ بما تعلمه من المواعظ { فتنفعه ~~الذكرى } أي الموعظة. قرأ الجمهور { فتنفعه } بالرفع، وقرأ عاصم وابن ~~أبي إسحاق، وعيسى، والسلمي، وزر بن حبيش بالنصب على جواب الترجي { ~~أما من استغنى } أي كان ذا ثروة وغنى، أو استغنى عن الإيمان، ~~وعما عندك من العلم { فأنت له تصدى } أي تصغي لكلامه، والتصدي ~~الإصغاء. قرأ الجمهور { تصدى } بالتخفيف على طرح إحدى التاءين تخفيفا، ~~وقرأ نافع، وابن محيصن بالتشديد على الإدغام، وفي هذا مزيد تنفير له صلى ~~الله عليه وسلم عن الإقبال عليهم، والإصغاء إلى كلامهم. { وما عليك ~~أن لا يزكى } أي أي شيء عليك في أن لا يسلم، ولا يهتدي، فإنه ليس ~~عليك إلا البلاغ، فلا تهتم بأمر من كان هكذا من الكفار، ويجوز أن تكون " ~~ما " نافية، أي ليس عليك بأس في أن لا يتزكى من تصديت له، وأقبلت عليه، ~~وتكون الجملة في محل نصب على الحال من ضمير تصدى. # ثم زاد سبحانه في معاتبة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال { وأما من ~~جاءك يسعى } أي وصل إليك حال كونه مسرعا في المجيء إليك طالبا ~~منك أن ترشده إلى الخير، وتعظه بمواعظ الله، وجملة { وهو يخشى } ~~حال من فاعل يسعى على التداخل، أو من فاعل جاءك على الترادف. { فأنت ~~عنه تلهى } أي تتشاغل عنه، وتعرض عن الإقبال عليه، والتلهي ~~التشاغل، والتغافل، ms4124 يقال لهيت عن الأمر ألهي أي تشاغلت عنه، وكذا تلهيت، ~~وقوله { كلا } ردع له صلى الله عليه وسلم عما عوتب عليه، أي لا تفعل ~~بعد هذا الواقع منك مثله من الإعراض عن الفقير، والتصدي للغني، والتشاغل ~~به، مع كونه ليس ممن يتزكى عن إرشاد من جاءك من أهل التزكي، والقبول ~~للموعظة، وهذا الواقع من النبي صلى الله عليه وسلم هو من باب ترك ~~الأولى، فأرشده الله سبحانه إلى ما هو الأولى به { إنها تذكرة } ~~أي أن هذه الآيات، أو السورة موعظة حقها أن تتعظ بها، وتقبلها وتعمل ~~بموجبها، ويعمل بها كل أمتك. { فمن شاء ذكره } أي فمن رغب فيها ~~اتعظ بها، وحفظها، وعمل بموجبها، ومن رغب عنها، كما فعله من استغنى، فلا ~~حاجة إلى الاهتمام بأمره. وقيل الضميران في " إنها " ، وفي { ذكره } ~~للقرآن، وتأنيث الأول لتأنيث خبره. وقيل الأول للسورة، أو للآيات ~~السابقة. والثاني للتذكرة لأنها في معنى الذكر. وقيل إن معنى { فمن ~~شاء ذكره } فمن شاء الله ألهمه، وفهمه القرآن حتى يذكره، ويتعظ به، ~~والأول أولى. ثم أخبر سبحانه عن عظم هذه التذكرة، وجلالتها فقال { فى ~~صحف } أي إنها تذكرة كائنة في صحف، فالجار، والمجرور صفة ل { تذكرة } ~~، وما بينهما اعتراض، والصحف جمع صحيفة، ومعنى { مكرمة } أنها ~~مكرمة عند الله لما فيها من العلم والحكمة، أو لأنها نازلة من اللوح ~~المحفوظ، وقيل المراد بالصحف كتب الأنبياء، كما في قوله # إن هذا لفى الصحف الأولى صحف إبرهيم وموسى # الأعلى 18، 19 ومعنى { مرفوعة } أنها رفيعة القدر عند الله. وقيل ~~مرفوعة في السماء السابعة. قال الواحدي قال المفسرون مكرمة يعني اللوح ~~المحفوظ { مرفوعة } يعني في السماء السابعة. قال ابن جرير مرفوعة ~~القدر، والذكر، وقيل مرفوعة عن الشبه، والتناقض { مطهرة } أي ~~منزهة لا يمسها إلا المطهرون. قال الحسن مطهرة من كل دنس. قال السدي ~~مصانة عن الكفار لا ينالونها { بأيدى سفرة } السفرة جمع سافر ~~ككتبة وكاتب، والمعنى أنها بأيدي كتبة من الملائكة ينسخون الكتب من اللوح ~~المحفوظ. # قال الفراء السفرة هنا الملائكة الذين ms4125 يسفرون بالوحي بين الله ورسوله، ~~من السفارة وهو السعي بين القوم، وأنشد # فما أدع السفارة بين قومي ولا أمشي بغير أب نسيب # قال الزجاج وإنما قيل للكتاب سفر بكسر السين، والكاتب سافر لأن معناه ~~أنه بين، يقال أسفر الصبح إذا أضاء، وأسفرت المرأة إذا كشفت النقاب عن ~~وجهها، ومنه سفرت بين القوم أسفر سفارة أي أصلحت بينهم. قال مجاهد هم ~~الملائكة الكرام الكاتبون لأعمال العباد. وقال قتادة السفرة هنا هم ~~القراء لأنهم يقرءون الأسفار. وقال وهب بن منبه هم أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم. ثم أثنى سبحانه على السفرة فقال { كرام بررة } أي كرام ~~على ربهم، كذا قال الكلبي. وقال الحسن كرام عن المعاصي، فهم يرفعون ~~أنفسهم عنها. وقيل يتكرمون أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا بزوجته، أو قضى ~~حاجته. وقيل يؤثرون منافع غيرهم على منافعهم. وقيل يتكرمون على المؤمنين ~~بالاستغفار لهم. والبررة جمع بار مثل كفر وكافر، أي أتقياء مطيعون لربهم ~~صادقون في إيمانهم، وقد تقدم تفسيره. { قتل الإنسن ما ~~أكفره } أي لعن الإنسان الكافر ما أشد كفره، وقيل عذب، قيل والمراد ~~به عتبة بن أبي لهب، ومعنى { ما أكفره } التعجب من إفراط كفره. قال ~~الزجاج معناه اعجبوا أنتم من كفره. وقيل المراد بالإنسان من تقدم ذكره في ~~قوله { أما من استغنى } وقيل المراد به الجنس، وهذا هو الأولى، ~~فيدخل تحته كل كافر شديد الكفر، ويدخل تحته من كان سببا لنزول الآية ~~دخولا أوليا. ثم ذكر سبحانه ما كان ينبغي لهذا الكافر أن ينظر فيه حتى ~~ينزجر عن كفره، ويكف عن طغيانه فقال { من أى شىء خلقه } أي من ~~أي شيء خلق الله هذا الكافر، والاستفهام للتقرير. ثم فسر ذلك فقال { من ~~نطفة خلقه } أي من ماء مهين، وهذا تحقير له. قال الحسن كيف ~~يتكبر من خرج من مخرج البول مرتين، ومعنى { فقدره } أي فسواه، ~~وهيأه لمصالح نفسه، وخلق له اليدين، والرجلين، والعينين، وسائر الآلات، ~~والحواس. وقيل قدره أطوارا من حال إلى حال، نطفة ثم علقة إلى ms4126 أن تم ~~خلقه. { ثم السبيل يسره } أي يسر له الطريق إلى الخير ~~والشر. وقال السدي، ومقاتل، وعطاء، وقتادة يسره للخروج من بطن أمه، ~~والأول أولى. ومثله قوله # وهدينه النجدين # البلد 10 وانتصاب { السبيل } بمضمر يدل عليه الفعل المذكور أي، يسر ~~السبيل يسره. { ثم أماته فأقبره } أي جعله بعد أن أماته ذا ~~قبر يوارى فيه إكراما له، ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله ~~السباع، والطير، كذا قال الفراء وقال أبو عبيدة جعل له قبرا وأمر أن ~~يقبر فيه. # وقال أقبره، ولم يقل قبره لأن القابر هو الدافن بيده، ومنه قول الأعشى # لو أسندت ميتا إلى صدرها عاش ولم ينقل إلى قابر # { ثم إذا شاء أنشره } أي ثم إذا شاء إنشاره أنشره أي أحياه ~~بعد موته، وعلق الإنشار بالمشيئة للدلالة على أن وقته غير متعين، بل هو ~~تابع للمشيئة. قرأ الجمهور { أنشره } بالألف، وروى أبو حيوة عن نافع، ~~وشعيب بن أبي حمزة " نشره " بغير ألف، وهما لغتان فصيحتان. { كلا ~~لما يقض ما أمره } كلا ردع، وزجر للإنسان الكافر أي ليس الأمر ~~كما يقول. ومعنى لما يقض ما أمره، لم يقض ما أمره الله به من العمل ~~بطاعته، واجتناب معاصيه، وقيل المراد الإنسان على العموم، وأنه لم يفعل ~~ما أمره الله به مع طول المدة لأنه لا يخلو من تقصير. قال الحسن أي حقا ~~لم يعمل ما أمر به. وقال ابن فورك أي كلا لما يقض لهذا الكافر ما أمره به ~~من الإيمان، بل أمره بما لم يقض له. قال ابن الأنباري الوقف على " كلا " ~~قبيح، والوقف على { أمره } جيد، و " كلا " على هذا بمعنى حقا. وقيل ~~المعنى لما يقض جميع أفراد الإنسان ما أمره، بل أخل به بعضها بالكفر، ~~وبعضها بالعصيان، وما قضى ما أمره الله إلا القليل. ثم شرع سبحانه في ~~تعداد نعمه على عباده ليشكروها، وينزجروا عن كفرانها بعد ذكر النعم ~~المتعلقة بحدوثه فقال { فلينظر الإنسن إلى طعامه } أي ~~ينظر كيف خلق الله طعامه الذي جعله سببا لحياته؟ ms4127 وكيف هيأ له أسباب ~~المعاش يستعد بها للسعادة الأخروية؟ قال مجاهد معناه، فلينظر الإنسان ~~إلى طعامه أي إلى مدخله، ومخرجه، والأول أولى. ثم بين ذلك سبحانه فقال ~~{ أنا صببنا الماء صبا } قرأ الجمهور إنا بالكسر على ~~الاستئناف. وقرأ الكوفيون، ورويس عن يعقوب بالفتح على أنه بدل من { طعامه ~~} بدل اشتمال لكون نزول المطر سببا لحصول الطعام، فهو كالمشتمل عليه، أو ~~بتقدير لام العلة. قال الزجاج الكسر على الابتداء والاستئناف، والفتح على ~~معنى البدل من الطعام. المعنى فلينظر الإنسان إلى أنا صببنا الماء صبا، ~~وأراد بصب الماء المطر. وقرأ الحسن بن علي بالفتح والإمالة { ثم ~~شققنا الأرض شقا } أي شققناها بالنبات الخارج منها بسبب نزول ~~المطر شقا بديعا لائقا بما يخرج منه في الصغر، والكبر، والشكل، ~~والهيئة. ثم بين سبب هذا الشق، وما وقع لأجله، فقال { فأنبتنا ~~فيها حبا } يعني الحبوب الذي يتغذى بها، والمعنى أن النبات لا يزال ~~ينمو، ويتزايد إلى أن يصير { حبا } ، وقوله { وعنبا } معطوف على ~~حبا أي وأنبتنا فيها عنبا، قيل وليس من لوازم العطف أن يقيد المعطوف ~~بجميع ما قيد به المعطوف عليه، فلا ضير في خلو إنبات العنب عن شق ~~الأرض، والقضب هو القت الرطب الذي يقضب مرة بعد أخرى تعلف به الدواب، ~~ولهذا سمي قضبا على مصدر قضبه أي قطعه كأنه لتكرر قطعها نفس القطع. # قال الخليل القضب الفصفصة الرطبة، فإذا يبست فهي القت. قال في الصحاح ~~والقضبة، والقضب الرطبة، قال والموضع الذي ينبت فيه مقضبة. قال القتيبي، ~~وثعلب وأهل مكة يسمون العنب القضب. والزيتون هو ما يعصر منه الزيت، وهو ~~شجرة الزيتون المعروفة، والنخل هو جمع نخلة { وحدائق غلبا } جمع ~~حديقة، وهي البستان، والغلب العظام الغلاظ الرقاب. وقال مجاهد، ومقاتل ~~الغلب الملتف بعضها ببعض، يقال رجل أغلب إذا كان عظيم الرقبة، ويقال ~~للأسد أغلب لأنه مصمت العنق لا يلتفت إلا جميعا. قال العجاج # مازلت يوم البين ألوي صلبي والرأس حتى صرت مثل الأغلب # وجمع أغلب وغلباء غلب، كما جمع أحمر، وحمراء على حمر. ms4128 وقال قتادة، وابن ~~زيد الغلب النخل الكرام. وعن ابن زيد أيضا، وعكرمة هي غلاظ الأوساط، ~~والجذوع. والفاكهة ما يأكله الإنسان من ثمار الأشجار كالعنب، والتين، ~~والخوخ، ونحوها. والأب كل ما أنبتت الأرض مما لا يأكله الناس، ولا ~~يزرعونه من الكلأ، وسائر أنواع المرعى، ومنه قول الشاعر # جدنا قيس ونجد دارنا ولنا الأب بها والمكرع # قال الضحاك الأب كل شيء ينبت على وجه الأرض. وقال ابن أبي طلحة هو ~~الثمار الرطبة. وروي عن الضحاك أيضا أنه قال هو التين خاصة، والأول ~~أولى. ثم شرع سبحانه في بيان أحوال المعاد فقال { فإذا جاءت ~~الصاخة } يعني صيحة يوم القيامة، وسميت صاخة لشدة صوتها لأنها تصخ ~~الأذان أي تصمها فلا تسمع. وقيل سميت صاخة لأنها يصيخ لها الأسماع، من ~~قولك أصخ إلى كذا أي استمع إليه، والأول أصح. قال الخليل الصاخة صيحة ~~تصخ الآذان حتى تصمها بشدة وقعها، وأصل الكلمة في اللغة مأخوذة من الصك ~~الشديد، يقال صخه بالحجر إذا صكه بها، وجواب إذا محذوف يدل عليه قوله { ~~لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } أي فإذا جاءت ~~الصاخة اشتغل كل أحد بنفسه، والظرف في قوله { يوم يفر المرء ~~من أخيه وأمه وأبيه وصحبته وبنيه } إما بدل من ~~إذا جاءت، أو منصوب بمقدر أي أعني، ويكون تفسيرا للصاخة، أو بدلا منها ~~مبني على الفتح، وخص هؤلاء بالذكر لأنهم أخص القرابة، وأولاهم بالحنو ~~والرأفة، فالفرار منهم لا يكون إلا لهول عظيم، وخطب فظيع. { لكل ~~امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } أي لكل إنسان يوم ~~القيامة شأن يشغله عن الأقرباء، ويصرفه عنهم. وقيل إنما يفر عنهم حذرا ~~من مطالبتهم إياه بما بينهم، وقيل يفر عنهم لئلا يروا ما هو فيه من ~~الشدة. وقيل لعلمه أنهم لا ينفعونه، ولا يغنون عنه شيئا، كما قال تعالى # يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا # الدخان 41 والجملة مستأنفة مسوقة لبيان سبب الفرار. قال ابن قتيبة { ~~يغنيه } أي يصرفه عن قرابته، ومنه يقال أغن عني وجهك أي اصرفه. قرأ ~~الجمهور يغنيه بالغين ms4129 المعجمة. وقرأ ابن محيصن بالعين المهملة مع فتح ~~الياء أي يهمه، من عناه الأمر إذا أهمه. { وجوه يومئذ ~~مسفرة } { وجوه } مبتدأ، وإن كان نكرة لأنه في مقام التفصيل، وهو ~~من مسوغات الابتداء بالنكرة، ويومئذ متعلق به، ومسفرة خبره، ومعنى { ~~مسفرة } مشرقة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين لأنهم قد علموا إذ ذاك مالهم من ~~النعيم، والكرامة، يقال أسفر الصبح إذا أضاء. قال الضحاك مسفرة من آثار ~~الوضوء، وقيل من قيام الليل { ضحكة مستبشرة } أي فرحة بما ~~نالته من الثواب الجزيل. ثم لما فرغ من ذكر حال المؤمنين ذكر حال الكفار ~~فقال { ووجوه يومئذ عليها غبرة } أي غبار وكدورة لما ~~تراه مما أعده الله لها من العذاب. { ترهقها قترة } أي يغشاها ~~ويعلوها سواد وكسوف. وقيل ذلة. وقيل شدة، والقتر في كلام العرب الغبار، ~~كذا قال أبو عبيدة، وأنشد قول الفرزدق # متوج برداء الملك يتبعه فوج ترى فوقه الرايات والقترا # ويدفع ما قاله أبو عبيدة تقدم ذكر الغبرة، فإنها واحدة الغبار. وقال زيد ~~بن أسلم القترة ما ارتفعت إلى السماء، والغبرة ما انحطت إلى الأرض { ~~أولئك } يعني أصحاب الوجوه { هم الكفرة الفجرة } أي ~~الجامعون بين الكفر بالله، والفجور. يقال فجر، أي فسق وفجر، أي كذب، ~~وأصله الميل، والفاجر المائل عن الحق. وقد أخرج الترمذي وحسنه، وابن ~~المنذر، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن عائشة قالت« أنزلت { ~~عبس وتولى } في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فجعل يقول يا رسول الله، أرشدني، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل ~~من عظماء المشركين، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه، ويقبل ~~على الآخر، ويقول أترى بما أقول بأسا؟ فيقول لا، ففي هذا أنزلت». وأخرج ~~عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وأبو يعلى عن أنس قال «جاء ابن أم مكتوم، وهو ~~يكلم أبي بن خلف، فأعرض عنه، فأنزل الله { عبس وتولى أن ~~جاءه الأعمى } فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه». ~~وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ms4130 ابن عباس قال بينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يناجي عتبة بن ربيعة، والعباس بن عبد المطلب، وأبا جهل بن ~~هشام، وكان يتصدى لهم كثيرا، ويحرص عليهم أن يؤمنوا، فأقبل عليهم رجل ~~أعمى يقال له عبد الله بن أم مكتوم يمشي، وهو يناجيهم، فجعل عبد الله ~~يستقرىء النبي صلى الله عليه وسلم آية من القرآن قال يا رسول الله علمني ~~مما علمك الله، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبس في وجهه، ~~وتولى، وكره كلامه، وأقبل على الآخرين، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نجواه، وأخذ ينقلب إلى أهله أمسك الله ببعض بصره، ثم خفق برأسه، ثم ~~أنزل الله { عبس وتولى } الآية، فلما نزل فيه ما نزل أكرمه ~~نبي، وكلمه وقال له # " ما حاجتك؟ هل تريد من شيء؟ " # وإذا ذهب من عنده قال # " هل لك حاجة في شيء؟ " # قال ابن كثير فيه غرابة، وقد تكلم في إسناده. وأخرج ابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس { بأيدى سفرة } قال كتبة. وأخرج ابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عنه { بأيدى سفرة } قال هم بالنبطية ~~القراء. وأخرج ابن جرير عنه أيضا { كرام بررة } قال الملائكة ~~وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " الذي يقرأ القرآن، وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه، ~~وهو عليه شاق له أجران " # وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { ثم السبيل يسره } قال يعني ~~بذلك خروجه من بطن أمه يسره له. وأخرج ابن المنذر عن عبد الله بن الزبير ~~في قوله { فلينظر الإنسن إلى طعامه } قال إلى مدخله، ~~ومخرجه. وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس { فلينظر الإنسن ~~إلى طعامه } قال إلى خرئه. وأخرج ابن المنذر عنه { أنا ~~صببنا الماء صبا } قال المطر { ثم شققنا الأرض شقا ~~} قال عن النبات. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا ~~في قوله { وقضبا } قال الفصفصة، يعني القت { وحدائق غلبا } ~~قال طوالا { وفكهة وأبا } قال الثمار ms4131 الرطبة. وأخرج عبد بن ~~حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا قال الحدائق كل ملتف، ~~والغلب ما غلظ، والأب ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب، ولا يأكله ~~الناس. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه أيضا { وحدائق غلبا ~~} قال شجر في الجنة يستظل به لا يحمل شيئا. وأخرج ابن جرير عنه أيضا ~~قال الأب الكلأ والمرعى. وأخرج أبو عبيد في فضائله، وعبد بن حميد عن ~~إبراهيم التيمي قال سئل أبو بكر الصديق عن الأب ما هو؟ فقال أي سماء ~~تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله مالا أعلم؟. وأخرج عبد بن ~~حميد عن عبد الله بن يزيد أن رجلا سأل عمر عن قوله { وأبا } فلما ~~رآهم يقولون أقبل عليهم بالدرة. وأخرج ابن سعد، وسعيد بن منصور، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب، ~~والخطيب عن أنس أن عمر قرأ على المنبر { فأنبتنا فيها حبا ~~وعنبا } إلى قوله { وأبا } قال كل هذا قد عرفناه، فما الأب؟ ثم ~~رفض عصى كانت في يده فقال هذا لعمر الله هو التكلف، فما عليك أن لا تدري ~~ما الأب، اتبعوا ما بين لكم من هذا الكتاب، فاعملوا عليه، وما لم ~~تعرفوه، فكلوه إلى ربه. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس قال الصاخة من أسماء يوم ~~القيامة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~مسفرة } قال مشرقة، وفي قوله { ترهقها قترة } قال تغشاها ~~شدة وذلة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه { قترة } قال سواد الوجه. ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1-29] # قوله { إذا الشمس كورت } ارتفاع الشمس بفعل محذوف يفسره ما ~~بعده على الاشتغال، وهذا عند البصريين. وأما عند الكوفيين والأخفش، فهو ~~مرتفع على الابتداء. والتكوير الجمع، وهو مأخوذ من كار العمامة على رأسه ~~يكورها. قال الزجاج لفت، كما تلف العمامة، يقال كورت العمامة على رأسي ~~أكورها كورا، وكورتها تكويرا إذا لففتها. قال أبو عبيدة كورت مثل ~~تكوير العمامة تلف، فتجمع. قال الربيع بن خثيم ms4132 { كورت } أي رمى بها، ومنه ~~كورته فتكور أي سقط. وقال مقاتل، وقتادة، والكلبي ذهب ضوؤها. وقال مجاهد ~~اضمحلت. قال الواحدي قال المفسرون تجمع الشمس بعضها إلى بعض ثم تلف، ~~فيرمى بها. فالحاصل أن التكوير إما بمعنى لف جرمها، أو لف ضوئها، أو ~~الرمي بها { وإذا النجوم انكدرت } أي تهافتت، وانقضت، ~~وتناكرت، يقال انكدر الطائر من الهواء إذا انقض، والأصل في الانكدار ~~الانصباب. قال الخليل يقال انكدر عليهم القوم إذا جاءوا أرسالا، فانصبوا ~~عليهم. قال أبو عبيدة انصبت، كما ينصب العقاب. قال الكلبي وعطاء تمطر ~~السماء يومئذ نجوما، فلا يبقى نجم في السماء إلا وقع على الأرض، وقيل ~~انكدارها طمس نورها. { وإذا الجبال سيرت } أي قلعت عن الأرض، ~~وسيرت في الهواء، ومنه قوله # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة # الكهف 47. { وإذا العشار عطلت } العشار النوق الحوامل التي ~~في بطونها أولادها الواحدة عشراء، وهي التي قد أتى عليها في الحمل عشرة ~~أشهر، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع. وخص العشار لأنها أنفس مال عند ~~العرب، وأعزه عندهم، ومعنى { عطلت } تركت هملا بلا راع، وذلك لما ~~شاهدوا من الهول العظيم. قيل وهذا على وجه المثل لأن يوم القيامة لا تكون ~~فيه ناقة عشراء، بل المراد أنه لو كان للرجل ناقة عشراء في ذلك اليوم، أو ~~نوق عشار لتركها، ولم يلتفت إليها اشتغالا بما هو فيه من هول يوم ~~القيامة، وسيأتي آخر البحث إن شاء الله ما يفيد أن هذا في الدنيا. وقيل ~~العشار السحاب، فإن العرب تشبهها بالحامل، ومنه قوله # فالحملت وقرا # الذاريات 2 وتعطيلها عدم إمطارها قرأ الجمهور { عطلت } بالتشديد، وقرأ ~~ابن كثير في رواية عنه بالتخفيف. وقيل المراد أن الديار تعطل، فلا تسكن. ~~وقيل الأرض التي تعشر زرعها تعطل، فلا تزرع. { وإذا الوحوش ~~حشرت } الوحوش ما توحش من دواب البر، ومعنى { حشرت } بعثت حتى يقتص ~~بعضها من بعض، فيقتص للجماء من القرناء. وقيل حشرها موتها، وقيل إنها مع ~~نفرتها اليوم من الناس وتبددها في الصحارى تضم ذلك اليوم إليهم. قرأ ms4133 ~~الجمهور { حشرت } بالتخفيف، وقرأ الحسن، وعمرو بن ميمون بالتشديد. { ~~وإذا البحار سجرت } أي أوقدت، فصارت نارا تضطرم. # وقال الفراء ملئت بأن صارت بحرا واحدا، وكثر ماؤها، وبه قال الربيع ~~بن خثيم، والكلبي، ومقاتل، والحسن، والضحاك. وقيل أرسل عذبها على مالحها، ~~ومالحها على عذبها حتى امتلأت، وقيل فجرت، فصارت بحرا واحدا. وروي عن ~~قتادة، وابن حبان أن معنى الآية يبست، ولا يبقى فيها قطرة، يقال سجرت ~~الحوض أسجره سجرا إذا ملأته. وقال القشيري هو من سجرت التنور أسجره ~~سجرا إذا أحميته. قال ابن زيد، وعطية، وسفيان، ووهب، وغيرهم أوقدت، ~~فصارت نارا، وقيل معنى سجرت أنها صارت حمراء كالدم، من قولهم عين سجراء ~~أي حمراء. قرأ الجمهور { سجرت } بتشديد الجيم. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~بتخفيفها. { وإذا النفوس زوجت } أي قرن بين الرجل الصالح مع ~~الرجل الصالح في الجنة، وقرن بين رجل السوء مع رجل السوء في النار. وقال ~~عطاء زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الكافرين بالشياطين. ~~وقيل قرن كل شكل إلى شكله في العمل، وهو راجع إلى القول الأول. وقيل قرن ~~كل رجل إلى من كان يلازمه من ملك أو سلطان، كما في قوله # احشروا الذين ظلموا وأزوجهم # الصافات 22 وقال عكرمة { وإذا النفوس زوجت } يعني قرنت ~~الأرواح بالأجساد. وقال الحسن ألحق كل امرىء بشيعته اليهود باليهود، ~~والنصارى بالنصارى، والمجوس بالمجوس، وكل من كان يعبد شيئا من دون الله ~~يلحق بعضهم ببعض، والمنافقون بالمنافقين، والمؤمنون بالمؤمنين. وقيل يقرن ~~الغاوي بمن أغواه من شيطان، أو إنسان، ويقرن المطيع بمن دعاه إلى الطاعة ~~من الأنبياء والمؤمنين. وقيل قرنت النفوس بأعمالها { وإذا ~~الموءودة سئلت } أي المدفونة حية، وقد كان العرب إذا ولدت ~~لأحدهم بنت دفنها حية مخافة العار، أو الحاجة، يقال وأد يئد وأدا، فهو ~~وائد، والمفعول به موءود، وأصله مأخوذ من الثقل لأنها تدفن، فيطرح عليها ~~التراب، فيثقلها فتموت، ومنه # ولا يؤوده حفظهما # البقرة 255 أي لا يثقله، ومنه قول متمم بن نويرة # وموءودة مقبورة في مغارة # ومنه قول الراجز # سميتها ms4134 إذ ولدت تموت والقبر صهر ضامن رميت # قرأ الجمهور { الموءودة } بهمزة بين واوين ساكنين كالموعودة. وقرأ البزي ~~في رواية عنه بهمزة مضمومة، ثم واو ساكنة. وقرأ الأعمش " المودة " بزنة ~~الموزة. وقرأ الجمهور { سئلت } مبنيا للمفعول، وقرأ الحسن بكسر السين من ~~سال يسيل. وقرأ الجمهور { قتلت } بالتخفيف مبنيا للمفعول، وقرأ أبو جعفر ~~بالتشديد على التكثير. وقرأ علي، وابن مسعود، وابن عباس سألت مبنيا ~~للفاعل " قتلت " بضم التاء الأخيرة. ومعنى { سئلت } على قراءة الجمهور أن ~~توجيه السؤال إليها لإظهار كمال الغيظ على قاتلها حتى كان لا يستحق أن ~~يخاطب، ويسأل عن ذلك، وفيه تبكيت لقاتلها، وتوبيخ له شديد. قال الحسن ~~أراد الله أن يوبخ قاتلها لأنها قتلت بغير ذنب، وفي مصحف أبي " وإذا ~~الموءودة سألت بأي ذنب قتلتني ". # { وإذا الصحف نشرت } يعني صحائف الأعمال نشرت للحساب لأنها ~~تطوى عند الموت، وتنشر عند الحساب، فيقف كل إنسان على صحيفته، فيعلم ما ~~فيها، فيقول # مال هذا الكتب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ~~إلا أحصاها # الكهف 49. قرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وأبو عمرو { نشرت } بالتخفيف. ~~وقرأ الباقون بالتشديد على التكثير { وإذا السماء كشطت } الكشط ~~قلع عن شدة التزاق، فالسماء تكشط، كما يكشط الجلد عن الكبش، والقشط ~~بالقاف لغة في الكشط، وهي قراءة ابن مسعود. قال الزجاج قلعت كما يقلع ~~السقف. وقال الفراء نزعت، فطويت. وقال مقاتل كشفت عما فيها. قال الواحدي ~~ومعنى الكشط رفعك شيئا عن شيء قد غطاه. { وإذا الجحيم سعرت } ~~أي أوقدت لأعداء الله إيقادا شديدا. قرأ الجمهور " سعرت " بالتخفيف، ~~وقرأ نافع، وابن ذكوان، وحفص بالتشديد لأنها أوقدت مرة بعد مرة. قال ~~قتادة سعرها غضب الله، وخطايا بني آدم. { وإذا الجنة أزلفت ~~} أي قربت إلى المتقين، وأدنيت منهم. قال الحسن إنهم يقربون منها لا ~~أنها تزول عن موضعها. وقال ابن زيد معنى { أزلفت } تزينت. والأول أولى ~~لأن الزلفى في كلام العرب القرب. قيل هذه الأمور الاثنا عشر ست منها في ~~الدنيا، وهي من أول السورة إلى قوله { وإذا البحار سجرت } ، ~~وست في الآخرة ms4135 وهي { وإذا النفوس زوجت } إلى هنا. وجواب ~~الجميع قوله { علمت نفس ما أحضرت } على أن المراد الزمان ~~الممتد من الدنيا إلى الآخرة، لكن لا بمعنى أنها تعلم ما تعلم في كل ~~جزء من أجزاء هذا الوقت الممتد، بل المراد علمت ما أحضرته عند نشر الصحف ~~يعني ما عملت من خير، أو شر، ومعنى { ما أحضرت } ما أحضرت من أعمالها، ~~والمراد حضور صحائف الأعمال، أو حضور الأعمال نفسها، كما ورد أن الأعمال ~~تصور بصور تدل عليها وتعرف بها، وتنكير نفس المفيد لثبوت العلم المذكور ~~لفرد من النفوس، أو لبعض منها للإيذان بأن ثبوته لجميع أفرادها من ~~الظهور، والوضوح بحيث لا يخفى على أحد، ويدل على هذا قوله # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا # آل عمران 30 وقيل يجوز أن يكون ذلك للإشعار بأنه إذا علمت حينئذ نفس من ~~النفوس ما أحضرت وجب على كل نفس إصلاح عملها مخافة أن تكون هي تلك التي ~~علمت ما أحضرت، فكيف وكل نفس تعلمه على طريقة قولك لمن تنصحه لعلك ستندم ~~على ما فعلت، وربما ندم الإنسان على فعله. { فلا أقسم بالخنس ~~} لا زائدة، كما تقدم تحقيقه، وتحقيق ما فيه من الأقوال في أول سورة ~~القيامة أي فأقسم بالخنس، وهي الكواكب وسميت الخنس من خنس إذا تأخر لأنها ~~تخنس بالنهار، فتخفى ولا ترى، وهي زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، ~~وعطارد، كما ذكره أهل التفسير. # ووجه تخصيصها بالذكر من بين سائر النجوم أنها تستقبل الشمس، وتقطع ~~المجرة. وقال في الصحاح الخنس الكواكب كلها لأنها تخنس في المغيب، أو ~~لأنها تخفى نهارا، أو يقال هي الكواكب السيارة منها دون الثابتة. قال ~~الفراء إنها الكواكب الخمسة المذكورة لأنها تخنس في مجراها، وتكنس أي ~~تستتر، كما تكنس الظباء في المغار، ويقال سميت خنسا لتأخرها لأنها ~~الكواكب المتحيرة التي ترجع وتستقيم. يقال خنس عنه يخنس خنوسا إذا تأخر، ~~وأخنسه غيره إذا خلفه ومضى عنه، والخنس تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع ~~قليل في الأرنبة، ومعنى { الجوار } أنها تجري ms4136 مع الشمس والقمر، ومعنى ~~{ الكنس } أنها ترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس فخنوسها رجوعها، ~~وكنوسها اختفاؤها تحت ضوئها، وقيل خنوسها خفاؤها بالنهار، وكنوسها ~~غروبها. قال الحسن، وقتادة هي النجوم التي تخنس بالنهار، وإذا غربت، ~~والمعنى متقارب لأنها تتأخر في النهار عن البصر لخفائها فلا ترى، وتظهر ~~بالليل، وتكنس في وقت غروبها. وقيل المراد بها بقر الوحش لأنها تتصف ~~بالخنس، وبالجوار، وبالكنس. وقال عكرمة الخنس البقر، والكنس الظباء، فهي ~~تخنس إذا رأت الإنسان، وتنقبض، وتتأخر، وتدخل كناسها. وقيل هي الملائكة. ~~والأول أولى لذكر الليل والصبح بعد هذا، والكنس مأخوذ من الكناس الذي ~~يختفى فيه الوحش، والخنس جمع خانس وخانسة، والكنس جمع كانس وكانسة. { ~~واليل إذا عسعس } قال أهل اللغة هو من الأضداد، يقال عسعس ~~الليل إذا أقبل، وعسعس إذا أدبر، ويدل على أن المراد هنا أدبر قوله { ~~والصبح إذا تنفس } قال الفراء أجمع المفسرون على أن معنى ~~عسعس أدبر، كذا حكاه عنه الجوهري، وقال الحسن أقبل بظلامه. قال الفراء ~~العرب تقول عسعس الليل إذا أقبل، وعسعس الليل إذا أدبر، وهذا لا ينافي ما ~~تقدم عنه، لأنه حكي عن المفسرين أنهم أجمعوا على حمل معناه في هذه الآية ~~على أدبر، وإن كان في الأصل مشتركا بين الإقبال والإدبار. قال المبرد هو ~~من الأضداد. قال والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في ~~أوله، وإدباره في آخره. قال رؤبة بن العجاج # يا هند ما أسرع ما تعسعسا من بعد ما كان فتى ترعرعا # وقال امرؤ القيس # عسعس حتى لو نشاء إذ دنا كان لنا من ناره مقتبس # وقوله # الماء على الربع القديم تعسعسا # { والصبح إذا تنفس } التنفس في الأصل خروج النسيم من الجوف، ~~وتنفس الصبح إقباله لأنه يقبل بروح ونسيم، فجعل ذلك تنفسا له مجازا. ~~قال الواحدي تنفس أي امتد ضوؤه حتى يصير نهارا، ومنه يقال للنهار إذا ~~زاد تنفس، وقيل { إذا تنفس } إذا انشق، وانفلق، ومنه تنفست القوس ~~أي تصدعت. # ثم ذكر سبحانه جواب القسم فقال { إنه لقول رسول كريم } ~~يعني ms4137 جبريل لكونه نزل به من جهة الله سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، وأضاف القول إلى جبريل لكونه مرسلا به، وقيل المراد بالرسول في ~~الآية محمد صلى الله عليه وسلم، والأول أولى. ثم وصف الرسول المذكور ~~بأوصاف محمودة فقال { ذى قوة عند ذى العرش مكين } أي ذي ~~قوة شديدة في القيام بما كلف به، كما في قوله # شديد القوى # النجم 5، ومعنى { عند ذى العرش مكين } أنه ذو رفعة عالية، ~~ومكانة مكينة عند الله سبحانه، وهو في محل نصب على الحال من مكين، وأصله ~~الوصف، فلما قدم صار حالا، ويجوز أن يكون نعتا لرسول، يقال مكن فلان ~~عند فلان مكانة أي صار ذا منزلة عنده ومكانة. قال أبو صالح من مكانته عند ~~ذي العرش أنه يدخل سبعين سرادقا بغير إذن، ومعنى { مطع } أنه مطاع ~~بين الملائكة يرجعون إليه، ويطيعونه { ثم أمين } قرأ الجمهور بفتح ~~{ ثم } على أنها ظرف مكان للبعيد، والعامل فيه مطاع، أو ما بعده، ~~والمعنى أنه مطاع في السماوات، أو أمين فيها أي مؤتمن على الوحي وغيره، ~~وقرأ هشيم، وأبو جعفر، وأبو حيوة بضمها على أنها عاطفة، وكان العطف بها ~~للتراخي في الرتبة لأن ما بعدها أعظم مما قبلها، ومن قال إن المراد ~~بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فالمعنى أنه ذو قوة على تبليغ الرسالة ~~إلى الأمة مطاع يطيعه، من أطاع الله أمين على الوحي. { وما ~~صحبكم بمجنون } الخطاب لأهل مكة، والمراد بصاحبهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، والمعنى وما محمد يا أهل مكة بمجنون، وذكره بوصف ~~الصحبة للإشعار بأنهم عالمون بأمره، وأنه ليس مما يرمونه به من الجنون، ~~وغيره في شيء، وأنهم افتروا عليه ذلك عن علم منهم بأنه أعقل الناس ~~وأكملهم، وهذه الجملة داخلة في جواب القسم، فأقسم سبحانه بأن القرآن نزل ~~به جبريل، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس كما يقولون من أنه مجنون، ~~وأنه يأتي بالقرآن من جهة نفسه { ولقد رءاه بالأفق المبين ~~} اللام جواب قسم محذوف أي وتالله لقد رأى ms4138 محمد جبريل بالأفق المبين أي ~~بمطلع الشمس من قبل المشرق لأن هذا الأفق إذا كانت الشمس تطلع منه فهو ~~مبين لأن من جهته ترى الأشياء. وقيل الأفق المبين أقطار السماء ونواحيها، ~~ومنه قول الشاعر # أخذنا بأقطار السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع # وإنما قال سبحانه { ولقد رءاه بالأفق المبين } مع أنه قد ~~رآه غير مرة لأنه رآه هذه المرة في صورته له ستمائة جناح، قال سفيان ~~إنه رآه في أفق السماء الشرقي. وقال ابن بحر في أفق السماء الغربي. وقال ~~مجاهد رآه نحو أجياد وهو مشرق مكة، و { المبين } صفة للأفق قاله الربيع. # وقيل صفة لمن رآه قاله مجاهد وقيل معنى الآية ولقد رأى محمد ربه عز ~~وجل، وقد تقدم القول في هذا في سورة النجم { وما هو } أي محمد { ~~على الغيب } يعني خبر السماء وما اطلع عليه مما كان غائبا علمه من ~~أهل مكة { بضنين } بمتهم أي هو ثقة فيما يؤدي عن الله سبحانه. وقيل ~~{ بضنين } ببخيل أي لا يبخل بالوحي، ولا يقصر في التبليغ، وسبب هذا ~~الاختلاف اختلاف القراء، فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي " بظنين " ~~بالظاء المشالة أي بمتهم، والظنة التهمة، واختار هذه القراءة أبو عبيد ~~قال لأنهم لم يبخلوا ولكن كذبوه. وقرأ الباقون { بضنين } بالضاد أي ~~ببخيل، من ضننت بالشيء أضن ضنا إذا بخلت. قال مجاهد أي لا يضن عليكم ~~بما يعلم بل يعلم الخلق كلام الله وأحكامه. وقيل المراد جبريل إنه ليس ~~على الغيب بضنين، والأول أولى. { وما هو بقول شيطن ~~رجيم } أي وما القرآن بقول شيطان من الشياطين المسترقة للسمع ~~المرجومة بالشهب. قال الكلبي يقول إن القرآن ليس بشعر لا كهانة، كما قالت ~~قريش. قال عطاء يريد بالشيطان الشيطان الأبيض الذي كان يأتي النبي صلى ~~الله عليه وسلم في صورة جبريل يريد أن يفتنه. ثم بكتهم سبحانه ووبخهم، ~~فقال { فأين تذهبون } أي أين تعدلون عن هذا القرآن وعن طاعته كذا ~~قاله قتادة. وقال الزجاج معناه أي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي ~~قد ms4139 بينت لكم، يقال أين تذهب، وإلى أين تذهب؟ وحكى الفراء عن العرب ذهبت ~~الشام، وخرجت العراق، وانطلقت السوق أي إليها. قال سمعناه في هذه الأحرف ~~الثلاثة، وأنشد لبعض بني عقيل # تصيح بنا حنيفة إذ رأتنا وأي الأرض تذهب بالصياح # تريد إلى أي الأرض تذهب، فحذف إلى. { إن هو إلا ذكر ~~للعلمين } أي ما القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين، وتذكير لهم، ~~وقوله { لمن شاء منكم أن يستقيم } بدل من العالمين بإعادة ~~الجار، ومفعول المشيئة { أن يستقيم } أي لمن شاء منكم الاستقامة ~~على الحق والإيمان والطاعة { وما تشاءون إلا أن يشاء الله ~~رب العلمين } أي وما تشاءون الاستقامة إلا أن يشاء الله تلك ~~المشيئة، فأعلمهم سبحانه أن المشيئة في التوفيق إليه، وأنهم لا يقدرون ~~على ذلك إلا بمشيئة الله وتوفيقه، ومثل هذا قوله سبحانه # وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله # يونس 100 وقوله # ولو أننا نزلنا إليهم الملئكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شىء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشاء الله # الأنعام 111 وقوله # إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من ~~يشاء # القصص 56 والآيات القرآنية في هذا المعنى كثيرة. # وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن ~~ابن عباس في قوله { إذا الشمس كورت } قال أظلمت { وإذا ~~النجوم انكدرت } قال تغيرت. وأخرج ابن أبي حاتم، والديلمي عن أبي ~~مريم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله { إذا السماء ~~كورت } قال كورت في جهنم { وإذا النجوم انكدرت } قال ~~انكدرت في جهنم، فكل من عبد من دون الله فهو في جهنم، إلا ما كان من ~~عيسى وأمه، ولو رضيا أن يعبدا لدخلاها. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر ~~عن أبي العالية قال ست آيات من هذه السورة في الدنيا، والناس ينظرون ~~إليها، وست في الآخرة { إذا الشمس كورت } إلى { وإذا ~~البحار سجرت } هذه في الدنيا، والناس ينظرون إليها. { وإذا ~~النفوس زوجت } إلى { وإذا الجنة أزلفت } هذه في ~~الآخرة. وأخرج ابن أبي ms4140 الدنيا في الأهوال، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ~~أبي بن كعب قال ست آيات قبل يوم القيامة بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ~~ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت ~~واختلطت، ففزعت الجن إلى الإنس، والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب، ~~والطير، والوحش، فماجوا بعضهم في بعض { وإذا الوحوش حشرت } ~~قال اختلطت { وإذا العشار عطلت } قال أهملها أهلها { وإذا ~~البحار سجرت } قال الجن للإنس نحن نأتيكم بالخبر، فانطلقوا إلى ~~البحر، فإذا هو نار تأجج، فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى ~~الأرض السابعة، وإلى السماء السابعة، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح ~~فأماتتهم. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { وإذا الوحوش ~~حشرت } قال حشر البهائم موتها، وحشر كل شيء الموت غير الجن والإنس، ~~فإنهما يوافيان يوم القيامة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والخطيب ~~في المتفق، والمفترق عنه في قوله { وإذا الوحوش حشرت } قال ~~يحشر كل شيء يوم القيامة حتى إن الدواب لتحشر. وأخرج البيهقي في البعث ~~عنه أيضا في قوله { وإذا البحار سجرت } قال تسجر حتى تصير ~~نارا. وأخرج الطبراني عنه { سجرت } قال اختلط ماؤها بماء الأرض. ~~وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في البعث عن النعمان بن بشير عن ~~عمر بن الخطاب في قوله { وإذا النفوس زوجت } قال يقرن بين ~~الرجل الصالح مع الصالح في الجنة، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء ~~في النار، كذلك تزويج الأنفس وفي رواية ثم قرأ # احشروا الذين ظلموا وأزوجهم # الصافات 22. وأخرج نحوه ابن مردويه عن النعمان بن بشير مرفوعا. وأخرج ~~البزار، والحاكم في الكنى، والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب قال جاء ~~قيس بن عاصم التميمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال إني وأدت ms4141 ~~ثمان بنات لي في الجاهلية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أعتق عن كل واحدة رقبة، " # قال إني صاحب إبل، قال # " فأهد عن كل واحدة بدنة " # وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس { وإذا الجنة أزلفت } قال ~~قربت. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~والحاكم وصححه من طرق عن علي بن أبي طالب في قوله { فلا أقسم ~~بالخنس } قال هي الكواكب تكنس بالليل، وتخنس بالنهار، فلا ترى. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله { لا أقسم بالخنس } قال خمسة ~~أنجم زحل، وعطارد، والمشتري، وبهرام، والزهرة، ليس شيء يقطع المجرة ~~غيرها. وأخرج ابن مردويه، والخطيب في كتاب النجوم عن ابن عباس في الآية ~~قال هي النجوم السبعة زحل، وبهرام، وعطارد، والمشتري، والزهرة، والشمس، ~~والقمر، خنوسها رجوعها، وكنوسها تغيبها بالنهار. وأخرج عبد الرزاق، ~~والفريابي، وابن سعد، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه من طرق عن ابن مسعود في ~~قوله { بالخنس الجوار الكنس } قال هي بقر الوحش. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال هي البقر تكنس إلى الظل. وأخرج ابن المنذر ~~عنه قال تكنس لأنفسها في أصول الشجر تتوارى فيه. وأخرج ابن جرير عنه ~~أيضا قال هي الظباء. وأخرج ابن راهويه، وعبد بن حميد، والبيهقي في ~~الشعب عن علي بن أبي طالب في قوله { الجوار الكنس } قال هي ~~الكواكب. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس { الخنس } البقر { الجوار ~~الكنس } الظباء، ألم ترها إذا كانت في الظل كيف تكنس بأعناقها، ~~ومدت نظرها. وأخرج أبو أحمد الحاكم في الكنى عن أبي العديس قال كنا عند ~~عمر بن الخطاب، فأتاه رجل، فقال يا أمير المؤمنين ما { الجوار ~~الكنس } فطعن عمر بمخصرة معه في عمامة الرجل، فألقاها عن رأسه، فقال ~~عمر أحروري؟ والذي نفس عمر بن الخطاب بيده لو وجدتك محلوقا لأنحيت ~~القمل عن رأسك، وهذا منكر، فالحرورية لم يكونوا في زمن عمر، ولا كان لهم ~~في ms4142 ذلك الوقت ذكر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ~~ابن عباس في قوله { واليل إذا عسعس } قال إذا أدبر { ~~والصبح إذا تنفس } قال إذا بدا النهار حين طلوع الفجر. وأخرج ~~الطبراني عنه { إذا عسعس } قال إقبال سواده. وأخرج ابن المنذر عنه ~~أيضا { إنه لقول رسول كريم } قال جبريل. # وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود { ولقد رءاه ~~بالأفق المبين } قال رأى جبريل له ستمائة جناح قد سد الأفق. ~~وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال إنما عنى جبريل أن ~~محمدا رآه في صورته عند سدرة المنتهى. وأخرج ابن مردويه عنه بالأفق ~~المبين، قال السماء السابعة. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن ~~المنذر، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه كان يقرأ { بضنين } بالضاد، ~~وقال ببخيل. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن ~~مردويه عن ابن مسعود أنه قرأ " وما هو على الغيب بظنين " بالظاء قال ليس ~~بمتهم. وأخرج الدارقطني في الأفراد، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والخطيب ~~في تاريخه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤه { بظنين } ~~بالظاء. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة قال لما نزلت { ~~لمن شاء منكم أن يستقيم } قالوا الأمر إلينا إن شئنا ~~استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فهبط جبريل على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال كذبوا يا محمد { وما تشاءون إلا أن يشاء الله ~~رب العلمين }. ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1-19] # قوله { إذا السماء انفطرت } قال الواحدي قال المفسرون انفطارها ~~انشقاقها كقوله # ويوم تشقق السماء بالغمم ونزل الملئكة ~~تنزيلا # الفرقان 25 والفطر الشق، يقال فطرته فانفطر، ومنه فطر ناب البعير إذا ~~طلع، قيل والمراد أنها انفطرت هنا لنزول الملائكة منها، وقيل انفطرت ~~لهيبة الله. { وإذا الكواكب انتثرت } أي تساقطت متفرقة يقال ~~نثرت الشيء أنثره نثرا. { وإذا البحار فجرت } أي فجر بعضها ~~في بعض، فصارت بحرا واحدا، واختلط العذب منها بالمالح. وقال الحسن ms4143 معنى ~~{ فجرت } ذهب ماؤها، ويبست، وهذه الأشياء بين يدي الساعة، كما تقدم في ~~السورة التي قبل هذه { وإذا القبور بعثرت } أي قلب ترابها، ~~وأخرج الموتى الذين هم فيها، يقال بعثر يبعثر بعثرة إذا قلب التراب، ~~ويقال بعثر المتاع قلبه ظهرا لبطن، وبعثرت الحوض وبعثرته إذا هدمته، ~~وجعلت أعلاه أسفله. قال الفراء { بعثرت } أخرج ما في بطنها من الذهب ~~والفضة، وذلك من أشراط الساعة أن تخرج الأرض ذهبها وفضتها. ثم ذكر سبحانه ~~الجواب عما تقدم فقال { علمت نفس ما قدمت وأخرت } ~~والمعنى أنها علمته عند نشر الصحف لا عند البعث لأنه وقت واحد من عند ~~البعث إلى عند مصير أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، والكلام ~~في إفراد نفس هنا، كما تقدم في السورة الأولى في قوله # علمت نفس ما أحضرت # التكوير 14 ومعنى { ما قدمت وأخرت } ما قدمت من عمل خير ~~أو شر، وما أخرت من سنة حسنة أو سيئة لأن لها أجر ما سنته من السنن ~~الحسنة، وأجر من عمل بها، وعليها وزر ما سنته من السنن السيئة، ووزر من ~~عمل بها. وقال قتادة ما قدمت من معصية، وأخرت من طاعة، وقيل ما قدم من ~~فرض، وأخر من فرض، وقيل أول عمله وآخره. وقيل إن النفس تعلم عند البعث ~~بما قدمت وأخرت علما إجماليا لأن المطيع يرى آثار السعادة، والعاصي ~~يرى آثار الشقاوة، وأما العلم التفصيلي، فإنما يحصل عند نشر الصحف. { ~~يأيها الإنسن ما غرك بربك الكريم } هذا خطاب ~~الكفار أي ما الذي غرك، وخدعك حتى كفرت بربك الكريم الذي تفضل عليك في ~~الدنيا بإكمال خلقك وحواسك، وجعلك عاقلا فاهما، ورزقك وأنعم عليك بنعمه ~~التي لا تقدر على جحد شيء منها. قال قتادة غره شيطانه المسلط عليه. وقال ~~الحسن غره شيطانه الخبيث، وقيل حمقه وجهله. وقيل غره عفو الله إذ لم ~~يعاجله بالعقوبة أول مرة، كذاقال مقاتل { الذى خلقك فسواك ~~فعدلك } أي خلقك من نطفة، ولم تك شيئا، فسواك رجلا تسمع وتبصر ~~وتعقل، { فعدلك } جعلك معتدلا. قال ms4144 عطاء جعلك قائما معتدلا حسن ~~الصورة. # وقال مقاتل عدل خلقك في العينين، والأذنين، واليدين، والرجلين، والمعنى ~~عدل بين ما خلق لك من الأعضاء. قرأ الجمهور { فعدلك } مشددا، وقرأ ~~عاصم، وحمزة، والكسائي بالتخفيف، واختار أبو حاتم، وأبو عبيد القراءة ~~الأولى. قال الفراء، وأبو عبيد يدل عليها قوله # لقد خلقنا الإنسن فى أحسن تقويم # التين 4 ومعنى القراءة الأولى أنه سبحانه جعل أعضاءه متعادلة لا تفاوت ~~فيها، ومعنى القراءة الثانية أنه صرفه، وأماله إلى أي صورة شاء، إما ~~حسنا وإما قبيحا، وإما طويلا وإما قصيرا. { في أي صورة ما شاء ~~ركبك } في أي صورة متعلق بركبك، و " ما " مزيدة، و { شاء } صفة ~~لصورة، أي ركبك في أي صورة شاءها من الصور المختلفة، وتكون هذه الجملة ~~كالبيان لقوله { فعدلك } والتقدير فعدلك ركبك في أي صورة شاءها، ~~ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال أي ركبك حاصلا في أي صورة. ونقل أبو ~~حيان عن بعض المفسرين أنه متعلق بعدلك. واعترض عليه بأن " أي " لها صدر ~~الكلام، فلا يعمل فيها ما قبلها. قال مقاتل، والكلبي، ومجاهد في أي شبه ~~من أب أو أم، أو خال أو عم. وقال مكحول إن شاء ذكرا، وإن شاء أنثى، ~~وقوله { كلا } للردع والزجر عن الاغترار بكرم الله، وجعله ذريعة إلى ~~الكفر به، والمعاصي له، ويجوز أن يكون بمعنى حقا، وقوله { بل ~~تكذبون بالدين } إضراب عن جملة مقدرة ينساق إليها الكلام، كأنه ~~قيل بعد الردع، وأنتم لا ترتدعون عن ذلك بل تجاوزونه إلى ما هو أعظم منه ~~من التكذيب بالدين وهو الجزاء، أو بدين الإسلام. قال ابن الأنباري الوقف ~~الجيد على الدين، وعلى ركبك، وعلى { كلا } قبيح، والمعنى بل تكذبون يا ~~أهل مكة بالدين، أي بالحساب، وبل لنفي شيء تقدم، وتحقيق غيره، وإنكار ~~البعث قد كان معلوما عندهم، وإن لم يجر له ذكر. قال الفراء كلا ليس ~~الأمر، كما غررت به. قرأ الجمهور { تكذبون } بالفوقية على الخطاب. وقرأ ~~الحسن، وأبو جعفر، وشيبة بالتحتية على الغيبة. وجملة { وإن ~~عليكم لحفظين } في ms4145 محل نصب على الحال من فاعل تكذبون، أي ~~تكذبون، والحال أن عليكم من يدفع تكذيبكم، ويجوز أن تكون مستأنفة مسوقة ~~لبيان ما يبطل تكذيبهم، والحافظين الرقباء من الملائكة الذين يحفظون على ~~العباد أعمالهم، ويكتبونها في الصحف. ووصفهم سبحانه بأنهم كرام لديه ~~يكتبون ما يأمرهم به من أعمال العباد، وجملة { يعلمون ما ~~تفعلون } في محل نصب على الحال من ضمير كاتبين، أو على النعت، أو ~~مستأنفة. قال الرازي والمعنى التعجيب من حالهم كأنه قال إنكم تكذبون بيوم ~~الدين، وملائكة الله موكلون بكم يكتبون أعمالكم حتى تحاسبوا بها يوم ~~القيامة، ونظيره قوله تعالى # عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول ~~إلا لديه رقيب عتيد # ق 17، 18. ثم بين سبحانه حال الفريقين فقال { إن الأبرار لفى ~~نعيم * وإن الفجار لفى جحيم } والجملة مستأنفة لتقرير ~~هذا المعنى الذي سيقت له، وهي كقوله سبحانه # فريق فى الجنة وفريق فى السعير # الشورى 7 وقوله { يصلونها يوم الدين } صفة ل { جحيم } ويجوز ~~أن تكون في محل نصب على الحال من الضمير في متعلق الجار، والمجرور، أو ~~مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل ما حالهم؟ فقيل { يصلونها ~~يوم الدين } أي يوم الجزاء الذي كانوا يكذبون به، ومعنى { يصلونها } ~~أنهم يلزمونها مقاسين لوهجها، وحرها يومئذ. قرأ الجمهور { يصلونها } ~~مخففا مبنيا للفاعل، وقرىء بالتشديد مبنيا للمفعول. { وما هم ~~عنها بغائبين } أي لا يفارقونها أبدا، ولا يغيبون عنها، بل هم ~~فيها، وقيل المعنى وما كانوا غائبين عنها قبل ذلك بالكلية بل كانوا يجدون ~~حرها في قبورهم. ثم عظم سبحانه ذلك اليوم فقال { وما أدراك ما ~~يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين } أي يوم ~~الجزاء، والحساب، وكرره تعظيما لقدره، وتفخيما لشأنه، وتهويلا لأمره، ~~كما في قوله # القارعة * ما القارعة * وما أدراك ما القارعة # القارعة 1 3 و # الحاقة * ما الحاقة * وما أدراك ما الحاقة # الحاقة 1 - 3 والمعنى أي شيء جعلك داريا ما يوم الدين. قال الكلبي ~~الخطاب للإنسان الكافر. ثم أخبر سبحانه عن اليوم فقال { يوم لا ~~تملك ms4146 نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله } قرأ ~~ابن كثير، وأبو عمرو برفع " يوم " على أنه بدل من { يوم الدين } ، أو خبر ~~مبتدأ محذوف. وقرأ أبو عمرو في رواية " يوم " بالتنوين، والقطع عن ~~الإضافة. وقرأ الباقون بفتحه على أنها فتحة إعراب بتقدير أعني أو اذكر، ~~فيكون مفعولا به، أو على أنها فتحة بناء لإضافته إلى الجملة على رأي ~~الكوفيين، وهو في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو على أنه بدل من ~~يوم الدين. قال الزجاج يجوز أن يكون في موضع رفع إلا أنه مبني على الفتح ~~لإضافته إلى قوله { لا تملك } وما أضيف إلى غير المتمكن، فقد يبنى ~~على الفتح، وإن كان في موضع رفع، وهذا الذي ذكره إنما يجوز عند الخليل، ~~وسيبويه إذا كانت الإضافة إلى الفعل الماضي، وأما إلى الفعل المستقبل، ~~فلا يجوز عندهما، وقد وافق الزجاج على ذلك أبو علي الفارسي، والفراء، ~~وغيرهما، والمعنى أنها لا تملك نفس من النفوس لنفس أخرى شيئا من النفع ~~أو الضر { والأمر يومئذ لله } وحده لا يملك شيئا من الأمر ~~غيره كائنا ما كان. قال مقاتل يعني لنفس كافرة شيئا من المنفعة. قال ~~قتادة ليس ثم أحد يقضي شيئا، أو يصنع شيئا إلا الله رب العالمين، ~~والمعنى أن الله لا يملك أحدا في ذلك اليوم شيئا من الأمور، كما ملكهم ~~في الدنيا، ومثل هذا قوله # لمن الملك اليوم لله الوحد القهار # غافر 16. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في ~~البعث عن ابن عباس في قوله { وإذا البحار فجرت } قال بعضها في ~~بعض، وفي قوله { وإذا القبور بعثرت } قال بحثت. وأخرج ابن ~~المبارك في الزهد، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله { ~~علمت نفس ما قدمت وأخرت } قال ما قدمت من خير، وما ~~أخرت من سنة صالحة يعمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، أو سنة ~~سيئة تعمل بعده، فإن عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم ~~شيئا. ms4147 وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس نحوه. وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة ~~قال قال النبي صلى الله عليه وسلم # " من استن خيرا فاستن به فله أجره، ومثل أجور من اتبعه من غير منتقص ~~من أجورهم، ومن استن شرا فاستن به، فعليه وزره، ومثل أوزار من اتبعه ~~من غير منتقص من أوزارهم " # وتلا حذيفة { علمت نفس ما قدمت وأخرت }. وأخرج سعيد ~~بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه ~~الآية { ما غرك بربك الكريم } قال غره والله جهله. وأخرج ~~ابن جرير عن ابن عباس قال جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل، وحافظين ~~في النهار يحفظان عمله ويكتبان أثره. ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1-17] # قوله { ويل للمطففين } ويل مبتدأ، وسوغ الابتداء به كونه ~~دعاء، ولو نصب لجاز. قال مكي والمختار في ويل، وشبهه إذا كان غير مضاف ~~الرفع، ويجوز النصب، فإن كان مضافا أو معرفا كان الاختيار فيه النصب ~~نحو قوله # ويلكم لا تفتروا # طه 61 و { للمطففين } خبره، والمطفف المنقص، وحقيقته الأخذ في الكيل، أو ~~الوزن شيئا طفيفا أي نزرا حقيرا. قال أهل اللغة المطفف مأخوذ من ~~الطفف، وهو القليل، فالمطفف هو المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل ~~أو وزن. قال الزجاج إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان مطفف، لأنه لا ~~يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف. قال أبو عبيدة، ~~والمبرد المطفف الذي يبخس في الكيل والوزن، والمراد بالويل هنا شدة ~~العذاب، أو نفس العذاب، أو الشر الشديد، أو هو واد في جهنم. قال الكلبي ~~قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يسيئون كيلهم، ووزنهم ~~لغيرهم، ويستوفون لأنفسهم، فنزلت هذه الآية. وقال السدي قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان بها رجل يقال له أبو جهينة، ومعه صاعان ~~يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، فأنزل الله هذه الآية. قال الفراء هم بعد ~~نزول هذه الآية أحسن الناس كيلا إلى يومهم هذا. ثم بين سبحانه المطففين ~~من ms4148 هم؟ فقال { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ~~} أي يستوفون الاكتيال، والأخذ بالكيل. قال الفراء يريد اكتالوا من ~~الناس، وعلى ومن في هذا الموضع يعتقبان، يقال اكتلت منك أي استوفيت منك، ~~وتقول اكتلت عليك أي أخذت ما عليك. قال الزجاج إذا اكتالوا من الناس ~~استوفوا عليهم الكيل، ولم يذكر اتزنوا لأن الكيل والوزن بهما الشراء ~~والبيع، فأحدهما يدل على الآخر. قال الواحدي قال المفسرون يعني الذين إذا ~~اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن، وإذا باعوا ووزنوا لغيرهم ~~نقصوا، وهو معنى قوله { وإذا كالوهم أو وزنوهم ~~يخسرون } أي كالوا لهم، أو وزنوا لهم، فحذفت اللام فتعدى الفعل إلى ~~المفعول، فهو من باب الحذف والإيصال، ومثله نصحتك، ونصحت لك، كذا قال ~~الأخفش، والكسائي، والفراء. قال الفراء وسمعت أعرابية تقول إذا صدر ~~الناس أتينا التاجر، فيكيلنا المد والمدين إلى الموسم المقبل. قال وهو ~~من كلام أهل الحجاز، ومن جاورهم من قيس. قال الزجاج لا يجوز الوقف على ~~كالوا حتى يوصل بالضمير، ومن الناس من يجعله توكيدا أي توكيدا للضمير ~~المستكن في الفعل، فيجيز الوقف على كالوا أو وزنوا، قال أبو عبيد وكان ~~عيسى بن عمر يجعلهما حرفين، ويقف على كالوا أو وزنوا، ثم يقول هم يخسرون. ~~قال وأحسب قراءة حمزة كذلك. قال أبو عبيد والاختيار أن يكونا كلمة واحدة ~~من جهتين إحداهما الخط، ولذلك كتبوها بغير ألف، ولو كانتا مقطوعتين ~~لكانتا كالوا أو وزنوا بالألف. # والأخرى أنه يقال كلتك، ووزنتك بمعنى كلت لك، ووزنت لك، وهو كلام عربي ~~كما يقال صدتك وصدت لك، وكسبتك وكسبت لك، وشكرتك وشكرت لك، ونحو ذلك. ~~وقيل هو على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، والمضاف المكيل ~~والموزون أي وإذا كالوا مكيلهم، أو وزنوا موزونهم، ومعنى { يخسرون } ~~ينقصون كقوله # ولا تخسروا الميزان # الرحمن 9 والعرب تقول خسرت الميزان، وأخسرته. ثم خوفهم سبحانه فقال { ~~ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون } والجملة مستأنفة ~~مسوقة لتهويل ما فعلوه من التطفيف، وتفظيعه، وللتعجيب من حالهم في ~~الاجتراء عليه، والإشارة بقوله { أولئك } إلى المطففين، ms4149 والمعنى ~~أنهم لا يخطرون ببالهم أنهم مبعوثون، فمسؤولون عما يفعلون. قيل والظن ~~هنا بمعنى اليقين أي لا يوقن أولئك، ولو أيقنوا ما نقصوا الكيل والوزن، ~~وقيل الظن على بابه، والمعنى إن كانوا لا يستيقنون البعث، فهلا ظنوه حتى ~~يتدبروا فيه، ويبحثوا عنه، ويتركوا ما يخشون من عاقبته. واليوم العظيم هو ~~يوم القيامة، ووصفه بالعظم، لكونه زمانا لتلك الأمور العظام من البعث ~~والحساب والعقاب، ودخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. ثم أخبر عن ~~ذلك اليوم فقال { يوم يقوم الناس لرب العلمين } ~~انتصاب الظرف ب { مبعوثون } المذكور قبله، أو بفعل مقدر يدل عليه ~~مبعوثون. أي يبعثون يوم يقوم الناس، أو على البدل من محل ليوم، أو بإضمار ~~أعني، أو هو في محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أو في محل جر على ~~البدل من لفظ ليوم، وإنما بني على الفتح في هذين الوجهين لإضافته إلى ~~الفعل. قال الزجاج { يوم } منصوب بقوله { مبعوثون } ، المعنى ألا يظنون ~~أنهم يبعثون يوم القيامة؟ ومعنى { يوم يقوم الناس } يوم يقومون من قبورهم ~~لأمر رب العالمين، أو لجزائه، أو لحسابه، أو لحكمه وقضائه. وفي وصف ~~اليوم بالعظم مع قيام الناس لله خاضعين فيه، ووصفه سبحانه بكونه رب ~~العالمين دلالة على عظم ذنب التطفيف، ومزيد إثمه، وفظاعة عقابه. وقيل ~~المراد بقوله { يوم يقوم الناس } قيامهم في رشحهم إلى أنصاف ~~آذانهم، وقيل المراد قيامهم بما عليهم من حقوق العباد، وقيل المراد قيام ~~الرسل بين يدي الله للقضاء، والأول أولى. قوله { كلا } هي للردع، ~~والزجر للمطففين الغافلين عن البعث، وما بعده. ثم استأنف فقال { إن ~~كتب الفجار لفى سجين } وعند أبي حاتم أن { كلا } بمعنى ~~حقا متصلة بما بعدها على معنى حقا إن كتاب الفجار لفي سجين، وسجين هو ~~ما فسره به سبحانه من قوله { وما أدراك ما سجين * كتب ~~مرقوم } فأخبر بهذا أنه كتاب مرقوم أي مسطور، قيل هو كتاب جامع ~~لأعمال الشر الصادر من الشياطين والكفرة والفسقة، ولفظ سجين علم له. # وقال قتادة، وسعيد بن جبير، ومقاتل، ms4150 وكعب إنه صخرة تحت الأرض السابعة ~~تقلب، فيجعل كتاب الفجار تحتها، وبه قال مجاهد، فيكون في الكلام على هذا ~~القول مضاف محذوف، والتقدير محل كتاب مرقوم. وقال أبو عبيدة، والأخفش، ~~والمبرد، والزجاج { لفى سجين } لفي حبس وضيق شديد، والمعنى كأنهم في ~~حبس، جعل ذلك دليلا على خساسة منزلتهم وهوانها. قال الواحدي ذكر قوم أن ~~قوله { كتب مرقوم } تفسير لسجين، وهو بعيد لأنه ليس السجين من ~~الكتاب في شيء على ما حكيناه عن المفسرين، والوجه أن يجعل بيانا لكتاب ~~المذكور في قوله { إن كتب الفجار } على تقدير هو كتاب مرقوم ~~أي مكتوب قد بينت حروفه انتهى، والأولى ما ذكرناه، ويكون المعنى إن كتاب ~~الفجار الذين من جملتهم المطففون أي ما يكتب من أعمالهم، أو كتابة ~~أعمالهم لفي ذلك الكتاب المدون للقبائح المختص بالشر، وهو سجين. ثم ذكر ~~ما يدل على تهويله، وتعظيمه، فقال { وما أدراك ما سجين } ثم ~~بينه بقوله { كتب مرقوم }. قال الزجاج معنى قوله { وما ~~أدراك ما سجين } ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك. قال قتادة ~~ومعنى { مرقوم } رقم لهم بشر كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه كافر. وكذا ~~قال مقاتل. وقد اختلفوا في نون سجين، فقيل هي أصلية، واشتقاقه من السجن، ~~وهو الحبس، وهو بناء مبالغة كخمير، وسكير، وفسيق من الخمر والسكر والفسق. ~~وكذا قال أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج. قال الواحدي وهذا ضعيف لأن العرب ~~ما كانت تعرف سجينا. ويجاب عنه بأنه رواية هؤلاء الأئمة تقوم بها الحجة، ~~وتدل على أنه من لغة العرب، ومنه قول ابن مقبل # ورفقة يضربون البيض ضاحية ضربا تواصت به الأبطال سجينا # وقيل النون بدل من اللام، والأصل سجيل، مشتقا من السجل، وهو الكتاب. ~~قال ابن عطية من قال إن سجينا موضع، فكتاب مرفوع على أنه خبر إن، والظرف ~~وهو قوله { لفى سجين } ملغى، ومن جعله عبارة عن الكتاب، فكتاب خبر ~~مبتدأ محذوف، التقدير هو كتاب، ويكون هذا الكلام مفسرا لسجين ما هو؟ كذا ~~قال. قال الضحاك مرقوم مختوم بلغة حمير، ms4151 وأصل الرقم الكتابة. قال الشاعر # سأرقم بالماء القراح إليكم على بعدكم إن كان للماء راقم # { ويل يومئذ للمكذبين } هذا متصل بقوله { يوم يقوم ~~الناس لرب العلمين } وما بينهما اعتراض، والمعنى ويل يوم ~~القيامة لمن وقع منه التكذيب بالبعث، وبما جاءت به الرسل. ثم بين سبحانه ~~هؤلاء المكذبين فقال { الذين يكذبون بيوم الدين } ~~والموصول صفة للمكذبين، أو بدل منه { وما يكذب به إلا كل ~~معتد أثيم } أي فاجر جائر متجاوز في الإثم منهمك في أسبابه. # { إذا تتلى عليه ءايتنا } المنزلة على محمد صلى الله ~~عليه وسلم { قال أسطير الأولين } أي أحاديثهم وأباطيلهم ~~التي زخرفوها. قرأ الجمهور { إذا تتلى } بفوقيتين. وقرأ أبو حيوة، وأبو ~~السماك، والأشهب العقيلي، والسلمي بالتحتية، وقوله { كلا } للردع، ~~والزجر للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل، وتكذيب له، وقوله { بل ~~ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } بيان للسبب الذي ~~حملهم على قولهم بأن القرآن أساطير الأولين. قال أبو عبيدة ران على ~~قلوبهم غلب عليها رينا، وريونا، وكل ما غلبك، وعلاك فقد ران بك، وران ~~عليك. قال الفراء هو أنها كثرت منهم المعاصي والذنوب، فأحاطت بقلوبهم، ~~فذلك الرين عليها. قال الحسن هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب. قال ~~مجاهد القلب مثل الكف، ورفع كفه فإذا أذنب انقبض، وضم إصبعه، فإذا أذنب ~~ذنبا آخر انقبض، وضم أخرى حتى ضم أصابعه كلها حتى يطبع على قلبه. قال ~~وكانوا يرون أن ذلك هو الرين. ثم قرأ هذه الآية. قال أبو زيد يقال قد رين ~~بالرجل رينا إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه، ولا قبل له به. وقال ~~أبو معاذ النحوي الرين أن يسود القلب من الذنوب، والطبع أن يطبع على ~~القلب، وهو أشد من الرين، والإقفال أشد من الطبع. قال الزجاج الرين هو ~~كالصدأ يغشى القلب كالغيم الرقيق، ومثله الغين. ثم كرر سبحانه الردع، ~~والزجر فقال { كلا إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون } وقيل كلا بمعنى حقا أي حقا إنهم، يعني الكفار عن ~~ربهم يوم القيامة لا يرونه أبدا. قال مقاتل يعني ms4152 أنهم بعد العرض والحساب ~~لا ينظرون إليه نظر المؤمنين إلى ربهم. قال الحسين بن الفضل كما حجبهم في ~~الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. قال الزجاج في هذه الآية ~~دليل على أن الله عز وجل يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه ~~الآية فائدة. وقال جل ثناؤه # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # القيامة 22، 23 فأعلم جل ثناؤه أن المؤمنين ينظرون، وأعلم أن الكفار ~~محجوبون عنه. وقيل هو تمثيل لإهانتهم بإهانة من يحجب عن الدخول على ~~الملوك. وقال قتادة، وابن أبي مليكة هو أن لا ينظر إليهم برحمته، ولا ~~يزكيهم. وقال مجاهد محجوبون عن كرامته، وكذا قال ابن كيسان { ثم ~~إنهم لصالوا الجحيم } أي داخلو النار، وملازموها غير خارجين ~~منها، وثم لتراخي الرتبة لأن صلي الجحيم أشد من الإهانة، وحرمان ~~الكرامة. { ثم يقال هذا الذى كنتم به تكذبون } أي ~~تقول لهم خزنة جهنم تبكيتا وتوبيخا هذا الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، ~~فانظروه وذوقوه. وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا طففوا الكيل إلا ~~منعوا النبات، وأخذوا بالسنين " # وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال # " { يوم يقوم الناس لرب العلمين } حتى يغيب أحدهم في ~~رشحه إلى أنصاف أذنيه " # وأخرج الطبراني، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في ~~البعث عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية { ~~يوم يقوم الناس لرب العلمين } قال # " فكيف إذا جمعكم الله، كما يجمع النبل في الكنانة خمسين ألف سنة لا ~~ينظر إليكم " # وأخرج أبو يعلى، وابن حبان، وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " { يوم يقوم الناس لرب العلمين } بمقدار نصف يوم من ~~خمسين ألف سنة، فيهون ذلك على المؤمن كتدلي الشمس إلى الغروب إلى أن تغرب ~~" # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال ms4153 إذا حشر الناس قاموا أربعين عاما. ~~وأخرجه ابن مردويه من حديثه مرفوعا. وأخرج الطبراني عن ابن عمر أنه قال ~~يا رسول الله كم مقام الناس بين يدي رب العالمين يوم القيامة؟ قال # " ألف سنة لا يؤذن لهم " # وأخرج ابن المبارك في الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر من طريق شمر بن ~~عطية أن ابن عباس سأل كعب الأحبار عن قوله { كلا إن كتب ~~الفجار لفى سجين } قال إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء، ~~فتأبى السماء أن تقبلها، فيهبط بها إلى الأرض، فتأبى أن تقبلها، فيدخل ~~تحت سبع أرضين حتى ينتهي بها إلى سجين، وهو خد إبليس، فيخرج لها من تحت ~~خد إبليس كتابا فيختم، ويوضع تحت خد إبليس. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس قال { سجين } أسفل الأرضين. وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة عن ~~النبي قال # " الفلق جب في جهنم مغطى، وأما سجين فمفتوح " # قال ابن كثير هو حديث غريب منكر لا يصح. وأخرج ابن مردويه عن عائشة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " { سجين } الأرض السابعة السفلى " # وأخرج ابن مردويه عن جابر نحوه مرفوعا. وأخرج عبد بن حميد، وابن ماجه، ~~والطبراني، والبيهقي في البعث عن عبد الله بن كعب بن مالك قال لما حضرت ~~كعبا الوفاة أتته أم بشر بنت البراء فقالت إن لقيت ابني، فأقرئه مني ~~السلام، فقال غفر الله لك يا أم بشر نحن أشغل من ذلك، فقالت أما سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن نسمة المؤمن تسرح في الجنة حين شاءت، وإن نسمة الكافر في سجين؟ " # قال بلى، قالت فهو ذلك. وأخرج ابن المبارك نحوه عن سلمان. وأخرج أحمد، ~~وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن العبد إذا أذنب ذنبا نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع ~~واستغفر صقل قلبه، وإن عاد ms4154 زادت حتى تغلف قلبه، فذلك الران الذي ذكره ~~الله سبحانه في القرآن { كلا بل ران على قلوبهم ما ~~كانوا يكسبون } ". ### || [83.18-36] # قوله { كلا } للردع، والزجر عما كانوا عليه، والتكرير للتأكيد، وجملة ~~{ إن كتب الأبرار لفى عليين } مستأنفة لبيان ما ~~تضمنته، ويجوز أن يكون كلا بمعنى حقا، والأبرار هم المطيعون، وكتابهم ~~صحائف حسناتهم. قال الفراء عليين ارتفاع بعد ارتفاع لا غاية له، ووجه هذا ~~أنه منقول من جمع علي من العلو. قال الزجاج هو إعلاء الأمكنة. قال ~~الفراء والزجاج فأعرب كإعراب الجمع لأنه على لفظ الجمع، ولا واحد له من ~~لفظه نحو ثلاثين، وعشرين، وقنسرين. قيل هو علم لديوان الخير الذي دون ~~فيه ما عمله الصالحون. وحكى الواحدي عن المفسرين أنه السماء السابعة. قال ~~الضحاك، ومجاهد، وقتادة يعني السماء السابعة فيها أرواح المؤمنين. وقال ~~الضحاك هو سدرة المنتهى ينتهي إليه كل شيء من أمر الله لا يعدوها، وقيل ~~هو الجنة، وقال قتادة أيضا هو فوق السماء السابعة عند قائمة العرش ~~اليمنى، وقيل إن عليين صفة للملائكة، فإنهم في الملأ الأعلى، كما يقال ~~فلان في بني فلان أي في جملتهم { وما أدراك ما عليون * ~~كتب مرقوم } أي وما أعلمك يا محمد أي شيء عليون على جهة ~~التفخيم والتعظيم لعليين، ثم فسره فقال { كتب مرقوم } أي ~~مسطور، والكلام في هذا كالكلام المتقدم في قوله # وما أدراك ما سجين * كتب مرقوم # المطففين 8، 9 وجملة { يشهده المقربون } صفة أخرى لكتاب، ~~والمعنى أن الملائكة يحضرون ذلك الكتاب المرقوم، وقيل يشهدون بما فيه يوم ~~القيامة. قال وهب وابن إسحاق المقربون هنا إسرافيل، فإذا عمل المؤمن عمل ~~البر صعدت الملائكة بالصحيفة، ولها نور يتلألأ في السموات كنور الشمس ~~في الأرض حتى تنتهي بها إلى إسرافيل، فيختم عليها. ثم ذكر سبحانه حالهم ~~في الجنة بعد ذكر كتابهم، فقال { إن الأبرار لفى نعيم } أي ~~إن أهل الطاعة لفي تنعم عظيم لا يقادر قدره { على الأرائك ~~ينظرون } الأرائك الأسرة التي في الحجال، وقد تقدم أنها لا تطلق ~~الأريكة على السرير إلا ms4155 إذا كان في حجلة. قال الحسن ما كنا ندري ما ~~الأرائك حتى قدم علينا رجل من اليمن، فزعم أن الأريكة عندهم الحجلة إذا ~~كان فيها سرير. ومعنى { ينظرون } أنهم ينظرون إلى ما أعد الله لهم ~~من الكرامات، كذا قال عكرمة، ومجاهد، وغيرهما. وقال مقاتل ينظرون إلى أهل ~~النار، وقيل ينظرون إلى وجهه، وجلاله. { تعرف فى وجوههم ~~نضرة النعيم } أي إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة لما تراه ~~في وجوههم من النور، والحسن، والبياض، والبهجة، والرونق، والخطاب لكل ~~راء يصلح لذلك، يقال أنضر النبات إذا أزهر ونور. قال عطاء وذلك أن الله ~~زاد في جمالهم، وفي ألوانهم ما لا يصفه واصف. # قرأ الجمهور { تعرف } بفتح الفوقية، وكسر الراء، ونصب نضرة، وقرأ أبو ~~جعفر بن القعقاع، ويعقوب، وشيبة، وطلحة، وابن أبي إسحاق بضم الفوقية، ~~وفتح الراء على البناء للمفعول، ورفع نضرة بالنيابة { يسقون من ~~رحيق مختوم } قال أبو عبيدة، والأخفش، والمبرد، والزجاج الرحيق ~~من الخمر ما لا غش فيه، ولا شيء يفسده. والمختوم الذي له ختام. وقال ~~الخليل الرحيق أجود الخمر، وفي الصحاح الرحيق صفرة الخمر. وقال مجاهد هو ~~الخمر العتيقة البيضاء الصافية، ومنه قول حسان # يسقون من ورد البريص عليهم بردى يصفق بالرحيق السلسل # قال مجاهد { مختوم } مطين كأنه ذهب إلى معنى الختم بالطين، ويكون ~~المعنى أنه ممنوع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه للأبرار. وقال سعيد بن ~~جبير، وإبراهيم النخعي ختامه آخر طعمه. وهو معنى قوله { ختمه ~~مسك } أي آخر طعمه ريح المسك إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه وجد ~~ريحه كريح المسك. وقيل مختوم أوانيه من الأكواب، والأباريق بمسك مكان ~~الطين، وكأنه تمثيل لكمال نفاسته، وطيب رائحته. والحاصل أن المختوم، ~~والختام إما أن يكون من ختام الشيء وهو آخره، أو من ختم الشيء وهو جعل ~~الخاتم عليه، كما تختم الأشياء بالطين، ونحوه. قرأ الجمهور { ختامه } ~~وقرأ علي، وعلقمة، وشقيق، والضحاك، وطاووس، والكسائي " خاتمه " بفتح ~~الخاء، والتاء، وألف بينهما. قال علقمة أما رأيت المرأة تقول للعطار ms4156 اجعل ~~خاتمه مسكا أي آخره، والخاتم، والختام يتقاربان في المعنى، إلا أن ~~الخاتم الاسم، والختام المصدر، كذا قال الفراء قال في الصحاح والختام ~~الطين الذي يختم به، وكذا قال ابن زيد. قال الفرزدق # وبتن بجانبي مصرعات وبت أفض أغلاف الختام # { وفى ذلك فليتنافس المتنفسون } أي فليرغب ~~الراغبون، والإشارة بقوله { ذلك } إلى الرحيق الموصوف بتلك الصفة، وقيل ~~إن في بمعنى إلى، أي وإلى ذلك، فليتبادر المتبادرون في العمل، كما في ~~قوله # لمثل هذا فليعمل العملون # الصافات 61 وأصل التنافس التشاجر على الشيء، والتنازع فيه، بأن يحب كل ~~واحد أن يتفرد به دون صاحبه، يقال نفست الشيء عليه أنفسه نفاسة أي ظننت ~~به، ولم أحب أن يصير إليه. قال البغوي أصله من الشيء النفيس الذي تحرص ~~عليه نفوس الناس، فيريده كل واحد لنفسه، وينفس به على غيره أي يضن به. ~~قال عطاء المعنى فليستبق المستبقون. وقال مقاتل بن سليمان فليتنازع ~~المتنازعون، وقوله { ومزاجه من تسنيم } معطوف على { ختمه ~~مسك } صفة أخرى لرحيق أي ومزاج ذلك الرحيق من تسنيم، وهو شراب ينصب ~~عليهم من علو، وهو أشرف شراب الجنة، وأصل التسنيم في اللغة الارتفاع، فهي ~~عين ماء تجري من علو إلى أسفل، ومنه سنام البعير لعلوه من بدنه، ومنه ~~تسنيم القبور، ثم بين ذلك فقال { عينا يشرب بها ~~المقربون } وانتصاب عينا على المدح. # وقال الزجاج على الحال، وإنما جاز أن تكون { عينا } حالا مع كونها ~~جامدة غير مشتقة لاتصافها بقوله { يشرب بها } وقال الأخفش إنها ~~منصوبة ب { يسقون } أي يسقون عينا، أو من عين، وقال الفراء إنها ~~منصوبة ب { تسنيم } على أنه مصدر مشتق من السنام، كما في قوله # أو إطعام فى يوم ذى مسغبة * يتيما # البلد 14، 15 والأول أولى، وبه قال المبرد. قيل والباء في بها زائدة ~~أي يشربها، أو بمعنى من أي يشرب منها. قال ابن زيد بلغنا أنها عين تجري ~~من تحت العرش، قيل يشرب بها المقربون صرفا، ويمزج بها كأس أصحاب ~~اليمين. ثم ذكر سبحانه بعض قبائح المشركين فقال ms4157 { إن الذين ~~أجرموا } وهم كفار قريش، ومن وافقهم على الكفر { كانوا من ~~الذين ءامنوا يضحكون } أي كانوا في الدنيا يستهزئون ~~بالمؤمنين ويسخرون منهم { وإذا مروا بهم } أي وإذا مر ~~المؤمنون بالكفار وهم في مجالسهم { يتغامزون } من الغمز، وهو ~~الإشارة بالجفون والحواجب أي يغمز بعضهم بعضا، ويشيرون بأعينهم ~~وحواجبهم، وقيل يعيرونهم بالإسلام، ويعيبونهم به { وإذا انقلبوا } ~~أي الكفار { إلى أهلهم } من مجالسهم { انقلبوا فكهين } ~~أي معجبين بما هم فيه متلذذين به، يتفكهون بذكر المؤمنين، والطعن فيهم، ~~والاستهزاء بهم، والسخرية منهم. والانقلاب الانصراف. قرأ الجمهور " ~~فاكهين " وقرأ حفص، وابن القعقاع، والأعرج، والسلمي { فكهين } بغير ألف. ~~قال الفراء هما لغتان، مثل طمع وطامع، وحذر وحاذر. وقد تقدم بيانه في ~~سورة الدخان أن الفكه الأشر البطر، والفاكه الناعم المتنعم { وإذا ~~رأوهم } أي إذا رأى الكفار المسلمين في أي مكان { قالوا إن ~~هؤلاء لضالون } في اتباعهم محمدا، وتمسكهم بما جاء به، وتركهم ~~التنعم الحاضر، ويجوز أن يكون المعنى وإذا رأى المسلمون الكافرين قالوا ~~هذا القول، والأول أولى، وجملة { وما أرسلوا عليهم ~~حفظين } في محل نصب على الحال من فاعل قالوا أي قالوا ذلك أنهم لم ~~يرسلوا على المسلمين من جهة الله موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم ~~وأعمالهم. { فاليوم الذين ءامنوا } المراد باليوم اليوم ~~الآخر { من الكفار يضحكون } والمعنى أن المؤمنين في ذلك ~~اليوم يضحكون من الكفار حين يرونهم أذلاء مغلوبين قد نزل بهم ما نزل من ~~العذاب، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا، وجملة { على الأرائك ~~ينظرون } في محل نصب على الحال من فاعل { يضحكون } أي يضحكون منهم ~~ناظرين إليهم، وإلى ما هم فيه من الحال الفظيع، وقد تقدم تفسير الأرائك ~~قريبا. قال الواحدي قال المفسرون إن أهل الجنة إذا أرادوا نظروا من ~~منازلهم إلى أعداء الله، وهم يعذبون في النار، فضحكوا منهم، كما ضحكوا ~~منهم في الدنيا. # وقال أبو صالح يقال لأهل النار اخرجوا، ويفتح لهم أبوابها، فإذا رأوها ~~قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على ~~الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها ms4158 غلقت دونهم، فذلك قوله { فاليوم ~~الذين ءامنوا من الكفار يضحكون }. { هل ثوب ~~الكفار ما كانوا يفعلون } الجملة مستأنفة لبيان أنه قد وقع ~~الجزاء للكفار بما كان يقع منهم في الدنيا من الضحك من المؤمنين، ~~والاستهزاء بهم، والاستفهام للتقرير، وثوب بمعنى أثيب، والمعنى هل جوزي ~~الكفار بما كانوا يفعلونه بالمؤمنين؟ وقيل الجملة في محل نصب بينظرون، ~~وقيل هي على إضمار القول أي يقول بعض المؤمنين لبعض هل ثوب الكفار، ~~والثواب ما يرجع على العبد في مقابلة عمله، ويطلق على الخير والشر. وقد ~~أخرج ابن المبارك في الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر من طريق شمر بن ~~عطية أن ابن عباس سأل كعب الأحبار عن قوله { إن كتب الابرار ~~لفى عليين } قال روح المؤمن إذا قبضت عرج بها إلى السماء، ففتح لها ~~أبواب السماء، وتلقاها الملائكة بالبشرى حتى تنتهي بها إلى العرش، وتعرج ~~الملائكة، فيخرج لها من تحت العرش رق، فيرقم ويختم ويوضع تحت العرش ~~لمعرفة النجاة لحساب يوم الدين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس { لفى عليين } قال الجنة، وفي قوله { يشهده ~~المقربون } قال أهل السماء. وأخرج أحمد، وأبو داود، والطبراني، ~~وابن مردويه عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " صلاة على أثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين " # وأخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب في قوله { نضرة النعيم } ~~قال عين في الجنة يتوضئون منها ويغتسلون، فتجري عليهم نضرة النعيم. وأخرج ~~عبد بن حميد، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وهناد، وابن المنذر، ~~والبيهقي في البعث عن ابن مسعود في قوله { يسقون من رحيق ~~مختوم } قال الرحيق الخمر، والمختوم يجدون عاقبتها طعم المسك. وأخرج ~~ابن أبي شيبة، وهناد، وابن المنذر عنه في قوله { مختوم } قال ممزوج ~~{ ختمه مسك } قال طعمه وريحه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله { من رحيق } ~~قال خمر، وقوله { مختوم } قال ختم بالمسك. وأخرج الفريابي، ~~والطبراني، ms4159 والحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن مسعود في قوله { ختمه ~~مسك } قال ليس بخاتم يختم به، ولكن خلطه مسك، ألم تر إلى المرأة من ~~نسائكم تقول خلطه من الطيب كذا وكذا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~والبيهقي عن أبي الدرداء { ختمه مسك } قال هو شراب أبيض مثل ~~الفضة يختمون به آخر شرابهم، ولو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ~~ثم أخرجها، لم يبق ذو روح إلا وجد ريحها. # وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس قال { تسنيم } أشرف شراب أهل الجنة، وهو صرف ~~للمتقين، ويمزج لأصحاب اليمين. وأخرج ابن المبارك، وسعيد بن منصور، وابن ~~أبي شيبة، وهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود ~~{ ومزاجه من تسنيم } قال عين في الجنة تمزج لأصحاب اليمين، ~~ويشربها المقربون صرفا. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن عباس ~~أنه سئل عن قوله { ومزاجه من تسنيم } قال هذا مما قال الله # فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين # السجدة 17. ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1-25] # قوله { إذا السماء انشقت } هو كقوله # إذا الشمس كورت # التكوير 1 في إضمار الفعل وعدمه. قال الواحدي قال المفسرون انشقاقها عن ~~علامات القيامة، ومعنى انشقاقها انفطارها بالغمام الأبيض، كما في قوله # ويوم تشقق السماء بالغمم # الفرقان 25 وقيل تنشق من المجرة، والمجرة باب السماء. واختلف في جواب ~~إذا، فقال الفراء إنه أذنت، والواو زائدة، وكذلك ألقت. قال ابن الأنباري ~~هذا غلط، لأن العرب لا تقحم الواو إلا مع حتى إذا كقوله # حتى إذا جاءوها وفتحت أبوبها # الزمر 1 ومع لما، كقوله # فلما أسلما وتله للجبين * وندينه # الصافات 103، 104 ولا تقحم مع غير هذين. وقيل إن الجواب قوله { ~~فملقيه } أي فأنت ملاقيه، وبه قال الأخفش. وقال المبرد إن في ~~الكلام تقديما وتأخيرا أي يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا، ~~فملاقيه إذا السماء انشقت. وقال المبرد أيضا إن الجواب قوله { فأما ~~من أوتى ms4160 كتبه بيمينه } وبه قال الكسائي، والتقدير إذا ~~السماء انشقت، فمن أوتي كتابه بيمينه، فحكمه كذا، وقيل هو { يا أيها ~~الإنسن } على إضمار الفاء، وقيل إنه { يا أيها الإنسن } على ~~إضمار القول أي يقال له يا أيها الإنسان وقيل الجواب محذوف تقديره بعثتم، ~~أو لاقى كل إنسان عمله، وقيل هو ما صرح به في سورة التكوير أي علمت نفس ~~هذا، على تقدير أن إذا شرطية، وقيل ليست بشرطية وهي منصوبة بفعل محذوف أي ~~اذكر، أو هي مبتدأ، وخبرها إذا الثانية، والواو مزيدة، وتقديره وقت ~~انشقاق السماء وقت مد الأرض، ومعنى { وأذنت لربها } أنها ~~أطاعته في الانشقاق من الإذن، وهو الاستماع للشيء والإصغاء إليه { ~~وحقت } أي وحق لها أن تطيع وتنقاد وتسمع، ومن استعمال الإذن في ~~الاستماع قول الشاعر # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا # وقول الآخر # إن يأذنوا ريبة طاروا بها فرحا مني وما أذنوا من صالح دفنوا # وقيل المعنى وحقق الله عليها الاستماع لأمره بالانشقاق أي جعلها حقيقة ~~بذلك. قال الضحاك { حقت } أطاعت، وحق لها أن تطيع ربها لأنه خلقها، يقال ~~فلان محقوق بكذا، ومعنى طاعتها أنها لا تمتنع مما أراده الله بها. قال ~~قتادة حق لها أن تفعل ذلك، ومن هذا قول كثير # فإن تكن العتبى فأهلا ومرحبا وحقت لها العتبى لدينا وقلت # { وإذا الأرض مدت } أي بسطت كما تبسط الأدم ودكت جبالها حتى ~~صارت قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. قال مقاتل سويت كمد ~~الأديم، فلا يبقى عليها بناء ولا جبل إلا دخل فيها، وقيل مدت زيد في ~~سعتها، من المدد، وهو الزيادة. { وألقت ما فيها } أي أخرجت ما ~~فيها من الأموات والكنوز، وطرحتهم إلى ظهرها { وتخلت } من ذلك. # قال سعيد بن جبير ألقت ما في بطنها من الموتى، وتخلت ممن على ظهرها من ~~الأحياء، ومثل هذا قوله # وأخرجت الأرض أثقالها # الزلزلة 2 { وأذنت لربها } أي سمعت وأطاعت لما أمرها من ~~الإلقاء والتخلي { وحقت } أي وجعلت حقيقة بالاستماع لذلك والانقياد ~~له. ms4161 وقد تقدم بيان معنى الفعلين قبل هذا { يا أيها الإنسن } ~~المراد جنس الإنسان، فيشمل المؤمن والكافر، وقيل هو الإنسان الكافر، ~~والأول أولى لما سيأتي من التفصيل { إنك كادح إلى ربك ~~كدحا } الكدح في كلام العرب السعي في الشيء بجهد من غير فرق بين أن ~~يكون ذلك الشيء خيرا أو شرا، والمعنى أنك ساع إلى ربك في عملك، أو إلى ~~لقاء ربك، مأخوذ من كدح جلده إذا خدشه. قال ابن مقبل # وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح # قال قتادة، والضحاك، والكلبي عامل لربك عملا { فملقيه } أي ~~فملاق عملك، والمعنى أنه لا محالة ملاق لجزاء عمله، وما يترتب عليه من ~~الثواب والعقاب. قال القتيبي معنى الآية إنك كادح أي عامل ناصب في معيشتك ~~إلى لقاء ربك، والملاقاة بمعنى اللقاء أي تلقى ربك بعملك، وقيل فملاق ~~كتاب عملك لأن العمل قد انقضى { فأما من أوتى كتبه ~~بيمينه } وهم المؤمنون { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } لا ~~مناقشة فيه. قال مقاتل لأنها تغفر ذنوبه، ولا يحاسب بها. وقال المفسرون ~~هو أن تعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله، فهو الحساب اليسير { ~~وينقلب إلى أهله مسرورا } أي وينصرف بعد الحساب اليسير ~~إلى أهله الذين هم في الجنة من عشيرته، أو إلى أهله الذين كانوا له في ~~الدنيا من الزوجات والأولاد، وقد سبقوه إلى الجنة، أو إلى من أعده الله ~~له في الجنة من الحور العين، والولدان المخلدين، أو إلى جميع هؤلاء ~~مسرورا مبتهجا بما أوتي من الخير والكرامة. { وأما من أوتى ~~كتبه وراء ظهره } قال الكلبي لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، ~~وتكون يده اليسرى خلفه. وقال قتادة، ومقاتل تفك ألواح صدره وعظامه، ثم ~~تدخل يده وتخرج من ظهره، فيأخذ كتابه كذلك { فسوف يدعوا ثبورا ~~} أي إذا قرأ كتابه قال يا ويلاه يا ثبوراه، والثبور الهلاك { ويصلى ~~سعيرا } أي يدخلها، ويقاسي حر نارها وشدتها. قرأ أبو عمرو، وحمزة، ~~وعاصم بفتح الياء، وسكون الصاد، وتخفيف اللام. وقرأ الباقون بضم الياء، ~~وفتح اللام، وتشديدها، وروى إسماعيل المكي ms4162 عن ابن كثير، وكذلك خارجة عن ~~نافع، وكذلك روى إسماعيل المكي عن ابن كثير أنهم قرؤوا بضم الياء، وإسكان ~~الصاد من أصلى يصلى { إنه كان فى أهله مسرورا } أي كان ~~بين أهله في الدنيا مسرورا باتباع هواه، وركوب شهوته بطرا أشرا لعدم ~~خطور الآخرة بباله، والجملة تعليل لما قبلها، وجملة { إنه ظن أن ~~لن يحور } تعليل لكونه كان في الدنيا في أهله مسرورا، والمعنى أن ~~سبب ذلك السرور ظنه بأنه لا يرجع إلى الله، ولا يبعث للحساب والعقاب ~~لتكذيبه بالبعث، وجحده للدار الآخرة، و " أن " في قوله { أن لن ~~يحور } هي المخففة من الثقيلة سادة مع ما في حيزها مسد مفعولي ظن، ~~والحور في اللغة الرجوع، يقال حار يحور إذا رجع، وقال الراغب الحور ~~التردد في الأمر، ومنه نعوذ بالله من الحور بعد الكور أي من التردد في ~~الأمر بعد المضي فيه، ومحاورة الكلام مراجعته، والمحار المرجع والمصير. # قال عكرمة، وداود بن أبي هند يحور كلمة بالحبشية، ومعناها يرجع. قال ~~القرطبي الحور في كلام العرب الرجوع، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # " اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور " # يعني من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة، وكذلك الحور بالضم، وفي المثل، ~~حور في محار أي نقصان في نقصان، ومنه قول الشاعر # والذم يبقى وزاد القوم في حور # والحور أيضا الهلكة، ومنه قول الراجز # في بئر لا حور سرى وما شعر # قال أبو عبيدة أي في بئر حور، ولا زائدة. { بلى إن ربه كان ~~به بصيرا } بلى إيجاب للمنفي بلن أي بلى ليحورن وليبعثن. ثم علل ~~ذلك بقوله { إن ربه كان به بصيرا } أي كان به وبأعماله ~~عالما لا يخفى عليه منها خافية. قال الزجاج كان به بصيرا قبل أن يخلقه ~~عالما بأن مرجعه إليه. { فلا أقسم بالشفق } " لا " زائدة، ~~كما تقدم في أمثال هذه العبارة، وقد قدمنا الاختلاف فيها في سورة ~~القيامة، فارجع إليه، والشفق الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس إلى وقت ~~صلاة العشاء الآخرة. قال الواحدي هذا ms4163 قول المفسرين، وأهل اللغة جميعا. ~~قال الفراء سمعت بعض العرب يقول عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق، وكان أحمر، ~~وحكاه القرطبي عن أكثر الصحابة، والتابعين والفقهاء. وقال أسد بن عمر، ~~وأبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه إنه البياض، ولا وجه لهذا القول، ولا ~~متمسك له لا من لغة العرب ولا من الشرع. قال الخليل الشفق الحمرة من غروب ~~الشمس إلى وقت العشاء الآخرة. قال في الصحاح الشفق بقية ضوء الشمس ~~وحمرتها في أول الليل إلى قريب العتمة، وكتب اللغة والشرع مطبقة على ~~هذا، ومنه قول الشاعر # قم يا غلام أعنى غير مرتبك على الزمان بكأس حشوها شفق # وقال آخر # أحمر اللون كحمرة الشفق # وقال مجاهد الشفق النهار كله ألا تراه قال { واليل وما وسق } ~~وقال عكرمة هو ما بقي من النهار، وإنما قالا هذا لقوله بعده { واليل ~~وما وسق } فكأنه تعالى أقسم بالضياء والظلام، ولا وجه لهذا، على أنه ~~قد روي عن عكرمة أنه قال الشفق الذي يكون بين المغرب والعشاء، وروي عن ~~أسد بن عمر الرجوع { واليل وما وسق } الوسق عند أهل اللغة ضم ~~الشيء بعضه إلى بعض، يقال استوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت، والراعي ~~يسقها أي يجمعها. # قال الواحدي المفسرون يقولون وما جمع، وضم، وحوى، ولف، والمعنى أنه جمع، ~~وضم ما كان منتشرا بالنهار في تصرفه، وذلك أن الليل إذا أقبل آوى كل ~~شيء إلى مأواه، ومنه قول ضابىء بن الحرث البرجمي # فإني وإياكم وسوقا إليكم كقابض شيئا لم تنله أنامله # وقال عكرمة { وما وسق } أي وما ساق من شيء إلى حيث يأوي، فجعله من ~~السوق لا من الجمع، وقيل { وما وسق } أي وما جن وستر، وقيل { ~~وما وسق } أي وما حمل، وكل شيء حملته فقد وسقته، والعرب تقول لا ~~أحمله ما وسقت عيني الماء، أي حملته، ووسقت الناقة تسق وسقا، أي حملت. ~~قال قتادة، والضحاك، ومقاتل بن سليمان وما وسق، وما حمل من الظلمة، أو ~~حمل من الكواكب. قال القشيري ومعنى حمل ضم وجمع، والليل يحمل بظلمته كل ms4164 ~~شيء. وقال سعيد بن جبير { وما وسق } أي وما عمل فيه من التهجد والاستغفار ~~بالأسحار، والأول أولى. { والقمر إذا اتسق } أي اجتمع، ~~وتكامل. قال الفراء اتساقه امتلاؤه، واجتماعه، واستواؤه ليلة ثالث عشر، ~~ورابع عشر إلى ست عشرة، وقد افتعل من الوسق الذي هو الجمع. قال الحسن ~~اتسق امتلأ، واجتمع. وقال قتادة استدار، يقال وسقته فاتسق، كما يقال ~~وصلته فاتصل، ويقال أمر فلان متسق أي مجتمع منتظم، ويقال اتسق الشيء إذا ~~تتابع. { لتركبن طبقا عن طبق } هذا جواب القسم. قرأ حمزة، ~~والكسائي، وابن كثير، وأبو عمرو " لتركبن " بفتح الموحدة على أنه خطاب ~~للواحد، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له، وهي قراءة ~~ابن مسعود، وابن عباس، وأبي العالية، ومسروق، وأبي وائل، ومجاهد، ~~والنخعي، والشعبي، وسعيد بن جبير، وقرأ الباقون بضم الموحدة خطابا ~~للجمع، وهم الناس. وقال الشعبي، ومجاهد لتركبن يا محمد سماء بعد سماء. ~~قال الكلبي يعني تصعد فيها، وهذا على القراءة الأولى، وقيل درجة بعد ~~درجة، ورتبة بعد رتبة في القرب من الله ورفعة المنزلة، وقيل المعنى ~~لتركبن حالا بعد حال كل حالة منها مطابقة لأختها في الشدة، وقيل ~~المعنى لتركبن أيها الإنسان حالا بعد حال من كونك نطفة، ثم علقة، ثم ~~مضغة، ثم حيا، وميتا، وغنيا، وفقيرا، فالخطاب للإنسان المذكور في ~~قوله { يأيها الإنسن إنك كادح إلى ربك كدحا } ~~واختار أبو عبيد، وأبو حاتم القراءة الثانية قالا لأن المعنى بالناس أشبه ~~منه بالنبي صلى الله عليه وسلم. # وقرأ عمر " ليركبن " بالتحتية، وضم الموحدة على الإخبار، وروي عنه وعن ~~ابن عباس أنهما قرآ بالغيبة، وفتح الموحدة أي ليركبن الإنسان، وروي عن ~~ابن مسعود، وابن عباس أنهما قرآ بكسر حرف المضارعة وهي لغة، وقرىء بفتح ~~حرف المضارعة، وكسر الموحدة على أنه خطاب للنفس. وقيل إن معنى الآية ~~ليركبن القمر أحوالا من سرار، واستهلال، وهو بعيد. قال مقاتل { طبقا ~~عن طبق } يعني الموت والحياة. وقال عكرمة رضيع، ثم فطيم، ثم غلام، ثم ~~شاب، ثم شيخ. ومحل { عن طبق ms4165 } النصب على أنه صفة ل { طبقا } أي طبقا ~~مجاوزا لطبق، أو على الحال من ضمير لتركبن أي مجاوزين، أو مجاوزا. { ~~فما لهم لا يؤمنون } الاستفهام للانكار، والفاء لترتيب ما بعدها من ~~الإنكار، والتعجيب على ما قبلها من أحوال يوم القيامة، أو من غيرها على ~~الاختلاف السابق، والمعنى أي شيء للكفار لا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، وبما جاء به من القرآن مع وجود موجبات الإيمان بذلك. { وإذا ~~قرىء عليهم القرءان لا يسجدون } هذه الجملة الشرطية، ~~وجوابها في محل نصب على الحال أي أي مانع لهم حال عدم سجودهم، وخضوعهم ~~عند قراءة القرآن. قال الحسن، وعطاء، والكلبي، ومقاتل مالهم لا يصلون. ~~وقال أبو مسلم المراد الخضوع، والاستكانة. وقيل المراد نفس السجود ~~المعروف بسجود التلاوة. وقد وقع الخلاف هل هذا الموضع من مواضع السجود ~~عند التلاوة أم لا؟ وقد تقدم في فاتحة هذه السورة الدليل على السجود { ~~بل الذين كفروا يكذبون } أي يكذبون بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، وبما جاء به من الكتاب المشتمل على إثبات التوحيد، والبعث، ~~والثواب، والعقاب { والله أعلم بما يوعون } أي بما يضمرونه ~~في أنفسهم من التكذيب، وقال مقاتل يكتمون من أفعالهم. وقال ابن زيد ~~يجمعون من الأعمال الصالحة والسيئة، مأخوذ من الوعاء الذي يجمع ما فيه، ~~ومنه قول الشاعر # الخير أبقى وإن طال الزمان به والشر أخبث ما أوعيت من زاد # ويقال وعاه حفظه، ووعيت الحديث أعيه وعيا، ومنه # أذن وعية # الحاقة 12 { فبشرهم بعذاب أليم } أي اجعل ذلك بمنزلة ~~البشارة لهم لأن علمه سبحانه بذلك على الوجه المذكور موجب لتعذيبهم، ~~والأليم المؤلم الموجع، والكلام خارج مخرج التهكم بهم { إلا الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت لهم أجر غير ممنون } ~~هذا الاستثناء منقطع أي لكن الذين جمعوا بين الإيمان بالله، والعمل ~~الصالح لهم أجر عند الله غير ممنون أي غير مقطوع، يقال مننت الحبل إذا ~~قطعته، ومنه قول الشاعر # فترى خلفهن من سرعة الرج ع منينا كأنه أهباء # قال المبرد المنين الغبار لأنه تقطعه وراءها، وكل ضعيف منين ms4166 وممنون. ~~وقيل معنى { غير ممنون } أنه لا يمن عليهم به، ويجوز أن يكون الاستثناء ~~متصلا إن أريد من آمن منهم. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في قوله { إذا السماء ~~انشقت } قال تنشق السماء من المجرة. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ~~{ وأذنت لربها وحقت } قال سمعت حين كلمها. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عنه { وأذنت لربها وحقت } قال أطاعت، وحقت بالطاعة. ~~وأخرج الحاكم عنه وصححه قال سمعت وأطاعت { وإذا الأرض مدت } ~~قال يوم القيامة { وألقت ما فيها } قال أخرجت ما فيها من الموتى ~~{ وتخلت } عنهم. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا { وألقت ما ~~فيها } قال سواري الذهب. وأخرج الحاكم قال السيوطي بسند جيد عن جابر ~~قال قال النبي صلى الله عليه وسلم # " تمد الأرض يوم القيامة مد الأديم، ثم لا يكون لابن آدم فيها إلا ~~موضع قدميه " # وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { إنك كادح إلى ربك كدحا } ~~قال عامل عملا { فملقيه } قال فملاق عملك. وأخرج البخاري، ومسلم، ~~وغيرهما عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ليس أحد يحاسب إلا هلك " # ، فقلت أليس يقول الله { فأما من أوتى كتبه بيمينه ~~* فسوف يحاسب حسابا يسيرا }؟ قال # " ليس ذلك بالحساب، ولكن ذلك العرض، ومن نوقش الحساب هلك " # وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ~~عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته # " اللهم حاسبني حسابا يسيرا " # ، فلما انصرف قلت يا رسول الله ما الحساب اليسير؟ قال # " أن ينظر في كتابه، فيتجاوز له عنه، إنه من نوقش الحساب هلك " # وفي بعض ألفاظ الحديث الأول، وهذا الحديث الآخر # " من نوقش الحساب عذب " # وأخرج البزار، والطبراني في الأوسط، والبيهقي، والحاكم عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ثلاث من كن فيه يحاسبه الله حسابا يسيرا، ويدخله الجنة برحمته تعطي ~~من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك " # وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ms4167 { يدعوا ثبورا } قال ~~الويل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه { إنه ظن ~~أن لن يحور } قال يبعث. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا { أن لن ~~يحور } قال أن لن يرجع. وأخرج سمويه في فوائده عن عمر بن الخطاب قال { ~~الشفق } الحمرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس مثله. وأخرج عبد الرزاق، ~~وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال { الشفق } النهار كله. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { واليل وما وسق } ~~قال وما دخل فيه. # وأخرج أبو عبيد في فضائله، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عنه { ~~وما وسق } قال وما جمع. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي ~~حاتم عنه أيضا في قوله { والقمر إذا اتسق } قال إذا استوى. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن الأنباري من طرق عن ابن عباس أنه سئل عن قوله { ~~واليل وما وسق } قال وما جمع، أما سمعت قوله # إن لنا قلائصا نقانقا مستوسقات لو يجدن سائقا # وأخرج عبد بن حميد عنه { والقمر إذا اتسق } قال ليلة ثلاثة ~~عشر. وأخرج عبد بن حميد عن عمر بن الخطاب { لتركبن طبقا عن ~~طبق } قال حالا بعد حال. وأخرج البخاري عن ابن عباس { لتركبن ~~طبقا عن طبق } حالا بعد حال، قال هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم. ~~وأخرج أبو عبيد في القراءات، وسعيد ابن منصور، وابن منيع، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يقرأ " ~~لتركبن طبقا عن طبق " يعني بفتح الباء من { تركبن }. وقال ~~يعني نبيكم صلى الله عليه وسلم حالا بعد حال. وأخرج الطيالسي، وعبد بن ~~حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني عنه قال { لتركبن } يا محمد ~~السماء { طبقا عن طبق }. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم ~~في الكنى، والطبراني، وابن منده، وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قرأ " ~~لتركبن " يعني بفتح الباء. وقال لتركبن يا محمد سماء بعد سماء. وأخرج ~~عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد ms4168 بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عنه { ~~لتركبن طبقا عن طبق } قال يعني السماء تنفطر، ثم تنشق، ثم ~~تحمر. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي عنه أيضا في الآية قال ~~السماء تكون كالمهل، وتكون وردة كالدهان، وتكون واهية، وتشقق، فتكون ~~حالا بعد حال. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~والله أعلم بما يوعون } قال يسرون. ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1-22] # قوله { والسماء ذات البروج } قد تقدم الكلام في البروج عند ~~تفسير قوله # جعل فى السماء بروجا # الفرقان 61 قال الحسن، ومجاهد، وقتادة، والضحاك هي النجوم، والمعنى ~~والسماء ذات النجوم. وقال عكرمة، ومجاهد أيضا هي قصور في السماء. وقال ~~المنهال بن عمرو ذات الخلق الحسن. وقال أبو عبيدة، ويحيى بن سلام وغيرهما ~~هي المنازل للكواكب، وهي اثنا عشر برجا لاثني عشر كوكبا، وهي الحمل، ~~والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، ~~والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. والبروج في كلام العرب القصور، ومنه ~~قوله # ولو كنتم فى بروج مشيدة # النساء 78 شبهت منازل هذه النجوم بالقصور لكونها تنزل فيها وقيل هي ~~أبواب السماء. وقيل هي منازل القمر، وأصل البرج الظهور، سميت بذلك ~~لظهورها { واليوم الموعود } أي الموعود به، وهو يوم القيامة. ~~قال الواحدي في قول جميع المفسرين. { وشهد ومشهود } المراد ~~بالشاهد من يشهد في ذلك اليوم من الخلائق أي يحضر فيه والمراد بالمشهود ~~ما يشاهد في ذلك اليوم من العجائب، وذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى ~~أن الشاهد يوم الجمعة، وأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، والمشهود يوم ~~عرفة لأنه يشهد الناس فيه موسم الحج، وتحضره الملائكة. قال الواحدي وهذا ~~قول الأكثر. وحكى القشيري عن ابن عمر، وابن الزبير أن الشاهد يوم الأضحى. ~~وقال سعيد بن المسيب الشاهد يوم التروية، والمشهود يوم عرفة. وقال النخعي ~~الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم النحر. وقيل الشاهد هو الله سبحانه. وبه ~~قال الحسن، وسعيد بن جبير، لقوله # وكفى بالله شهيدا # الفتح ms4169 166 وقوله # قل أى شىء أكبر شهدة قل الله شهيد بينى ~~وبينكم # الأنعام 19. وقيل الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم لقوله # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # النساء 41 وقوله # يأيها النبى إنا أرسلنك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا # الأحزاب 45. وقوله # ويكون الرسول عليكم شهيدا # البقرة 143. وقيل الشاهد جميع الأنبياء لقوله { فكيف إذا جئنا ~~من كل أمة بشهيد } وقيل هو عيسى بن مريم لقوله # وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم # المائدة 117 والمشهود على هذه الأقوال الثلاثة إما أمة محمد، أو أمم ~~الأنبياء، أو أمة عيسى. وقيل الشاهد آدم. والمشهود ذريته. وقال محمد بن ~~كعب الشاهد الإنسان لقوله # كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # الإسراء 14 وقال مقاتل أعضاؤه لقوله # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # النور 24 وقال الحسين بن الفضل الشاهد هذه الأمة، والمشهود سائر الأمم ~~لقوله # وكذلك جعلنكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس # البقرة 143. وقيل الشاهد الحفظة والمشهود بنو آدم. وقيل الأيام ~~والليالي. وقيل الشاهد الخلق يشهدون لله عز وجل بالوحدانية، والمشهود ~~له بالوحدانية هو الله سبحانه، وسيأتي بيان ما ورد في تفسير الشاهد ~~والمشهود، وبيان ما هو الحق إن شاء الله. # { قتل أصحب الأخدود } هذا جواب القسم، واللام فيه مضمرة، ~~وهو الظاهر، وبه قال الفراء، وغيره. وقيل تقديره لقد قتل، فحذفت اللام، ~~وقد، وعلى هذا تكون الجملة خبرية، والظاهر أنها دعائية لأن معنى { قتل } ~~لعن. قال الواحدي في قول الجميع، والدعائية لا تكون جوابا للقسم، فقيل ~~الجواب قوله { إن الذين فتنوا المؤمنين } وقيل قوله { ~~إن بطش ربك لشديد } وبه قال المبرد واعترض عليه بطول الفصل. ~~وقيل هو مقدر يدل عليه قوله { قتل أصحب الأخدود } كأنه ~~قال أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون، كما لعن أصحاب الأخدود. ~~وقيل تقدير الجواب لتبعثن، واختاره ابن الأنباري. وقال أبو حاتم ~~السجستاني، وابن الأنباري أيضا في الكلام تقديم وتأخير، أي قتل أصحاب ~~الأخدود، والسماء ذات البروج، واعترض عليه بأنه لا يجوز أن يقال ms4170 والله ~~قام زيد، والأخدود الشق العظيم المستطيل في الأرض كالخندق، وجمعه ~~أخاديد، ومنه الخد لمجاري الدموع، والمخدة لأن الخد يوضع عليها، ويقال ~~تخدد وجه الرجل إذا صارت فيه أخاديد من خراج، ومنه قول طرفة # ووجه كأن الشمس ألقت رداءها عليه نقي اللون لم يتخدد # وسيأتي بيان حديث أصحاب الأخدود إن شاء الله. قرأ الجمهور { النار ذات ~~الوقود } بجر النار على أنها بدل اشتمال من الأخدود لأن الأخدود مشتمل ~~عليها، وذات الوقود وصف لها بأنها نار عظيمة، والوقود الحطب الذي توقد ~~به. وقيل هو بدل كل من كل، لا بدل اشتمال. وقيل إن النار مخفوضة على ~~الجوار، كذا حكى مكي عن الكوفيين. وقرأ الجمهور بفتح الواو من الوقود، ~~وقرأ قتادة، وأبو رجاء، ونصر بن عاصم بضمها. وقرأ أشهب العقيلي، وأبو ~~حيوة، وأبو السماك العدوي، وابن السميفع، وعيسى برفع النار على أنها خبر ~~مبتدأ محذوف، أي هي النار، أو على أنها فاعل فعل محذوف، أي أحرقتهم النار ~~{ إذ هم عليها قعود } العامل في الظرف قتل، أي لعنوا حين ~~أحدقوا بالنار قاعدين على ما يدنو منها، ويقرب إليها. قال مقاتل يعني عند ~~النار قعود يعرضونهم على الكفر. وقال مجاهد كانوا قعودا على الكراسي عند ~~الأخدود. { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود } أي ~~الذين خدوا الأخدود، وهم الملك وأصحابه، على ما يفعلون بالمؤمنين من ~~عرضهم على النار ليرجعوا إلى دينهم شهود أي حضور، أو يشهد بعضهم لبعض عند ~~الملك بأنه لم يقصر فيما أمر به. وقيل يشهدون بما فعلوا يوم القيامة، ثم ~~تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم. وقيل على بمعنى مع، والتقدير وهم مع ~~ما يفعلون بالمؤمنين شهود. قال الزجاج أعلم الله قصة قوم بلغت بصيرتهم، ~~وحقيقة إيمانهم إلى أن صبروا على أن يحرقوا بالنار في الله { وما ~~نقموا منهم } أي ما أنكروا عليهم، ولا عابوا منهم { إلا أن ~~يؤمنوا بالله العزيز الحميد } أي إلا أن صدقوا بالله ~~الغالب المحمود في كل حال. # قال الزجاج ما أنكروا عليهم ذنبا إلا إيمانهم، وهذا كقوله # هل ms4171 تنقمون منا إلا أن ءامنا بالله # المائدة 59 وهذا من تأكيد المدح بما يشبه الذم، كما في قوله # لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم يسلو عن الأهل والأوطان والحشم # وقول الآخر # ولا عيب فيها غير شكلة عينها كذاك عتاق الطير شكلا عيونها # قرأ الجمهور { نقموا } بفتح النون، وقرأ أبو حيوة بكسرها، والفصيح ~~الفتح. ثم وصف سبحانه نفسه بما يدل على العظم، والفخامة فقال { الذى ~~له ملك السموات والأرض } ومن كان هذا شأنه، فهو حقيق بأن ~~يؤمن به ويوحد. { والله على كل شىء شهيد } من فعلهم ~~بالمؤمنين لا يخفى عليه منه خافية، وفي هذا وعيد شديد لأصحاب الأخدود، ~~ووعد خير لمن عذبوه على دينه من أولئك المؤمنين. ثم بين سبحانه ما أعد ~~لأولئك الذين فعلوا بالمؤمنين ما فعلوا من التحريق فقال { إن ~~الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنت ثم لم ~~يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق } أي ~~حرقوهم بالنار، والعرب تقول فتنت الشيء، أي أحرقته، وفتنت الدرهم ~~والدينار إذا أدخلته النار لتنظر جودته. ويقال دينار مفتون، ويسمى الصائغ ~~الفتان، ومنه قوله # يوم هم على النار يفتنون # الذاريات 13، أي يحرقون. وقيل معنى فتنوا المؤمنين محنوهم في دينهم ~~ليرجعوا عنه، ثم لم يتوبوا من قبيح صنعهم، ويرجعوا عن كفرهم وفتنتهم فلهم ~~عذاب جهنم أي لهم في الآخرة عذاب جهنم بسبب كفرهم، والجملة في محل رفع ~~على أنها خبر إن، أو الخبر لهم، وعذاب جهنم مرتفع به على الفاعلية، ~~والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، ولا يضر نسخه بأن خلافا للأخفش، ~~ولهم عذاب الحريق أي ولهم عذاب آخر زائد على عذاب كفرهم، وهو عذاب الحريق ~~الذي وقع منهم للمؤمنين. وقيل إن الحريق اسم من أسماء النار كالسعير. ~~وقيل إنهم يعذبون في جهنم بالزمهرير، ثم يعذبون بعذاب الحريق، فالأول ~~عذاب ببردها، والثاني عذاب بحرها. وقال الربيع بن أنس إن عذاب الحريق ~~أصيبوا به في الدنيا، وذلك أن النار ارتفعت من الأخدود إلى الملك ~~وأصحابه، فأحرقتهم، وبه قال الكلبي. ثم ذكر سبحانه ما أعد للمؤمنين ~~الذين أحرقوا ms4172 بالنار فقال { إن الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت } وظاهر الآية العموم، فيدخل في ذلك المحرقون في الأخدود ~~بسبب إيمانهم دخولا أوليا، والمعنى أن الجامعين بين الإيمان وعمل ~~الصالحات { لهم جنت تجرى من تحتها الأنهر } أي ~~لهم بسبب الإيمان، والعمل الصالح جنات متصفة بهذه الصفة. وقد تقدم كيفية ~~جري الأنهار من تحت الجنات في غير موضع، وأوضحنا أنه إن أريد بالجنات ~~الأشجار، فجري الأنهار من تحتها واضح، وإن أريد بها الأرض المشتملة ~~عليها، فالتحتية باعتبار جزئها الظاهر، وهو الشجر لأنها ساترة لساحتها، ~~والإشارة بقوله { ذلك } إلى ما تقدم ذكره مما أعده الله لهم أي ذلك ~~المذكور { الفوز الكبير } الذي لا يعدله فوز، ولا يقاربه ولا ~~يدانيه، والفوز الظفر بالمطلوب، وجملة { إن بطش ربك لشديد } ~~مستأنفة لخطاب النبي مبينة لما عند الله سبحانه من الجزاء لمن عصاه، ~~والمغفرة لمن أطاعه أي أخذه للجبابرة والظلمة شديد، والبطش الأخذ بعنف، ~~ووصفه بالشدة يدل على أنه قد تضاعف وتفاقم، ومثل هذا قوله # إن أخذه أليم شديد # هود 102 { إنه هو يبدىء ويعيد } أي يخلق الخلق أولا في ~~الدنيا، ويعيدهم أحياء بعد الموت. كذا قال الجمهور. وقيل يبدىء للكفار ~~عذاب الحريق في الدنيا، ثم يعيده لهم في الآخرة، واختار هذا ابن جرير، ~~والأول أولى. { وهو الغفور الودود } أي بالغ المغفرة لذنوب ~~عباده المؤمنين لا يفضحهم بها، بالغ المحبة للمطيعين من أوليائه. قال ~~مجاهد الواد لأوليائه، فهو فعول بمعنى فاعل. وقال ابن زيد معنى الودود ~~الرحيم. وحكى المبرد عن إسماعيل القاضي أن الودود هو الذي لا ولد له، ~~وأنشد # وأركب في الروع عريانة ذلول الجناح لقاحا ودودا # أي لا ولد لها تحن إليه. وقيل الودود بمعنى المودود أي يوده عباده ~~الصالحون، ويحبونه، كذا قال الأزهري. قال ويجوز أن يكون فعول بمعنى فاعل، ~~أي يكون محبا لهم. قال وكلتا الصفتين مدح لأنه جل ذكره إن أحب عباده ~~المطيعين فهو فضل منه، وإن أحبه عباده العارفون، فلما تقرر عندهم من ~~كريم إحسانه. قرأ الجمهور { ذو العرش المجيد } الآية برفع المجيد ms4173 على أنه ~~نعت لذو، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم قالا لأن المجد هو ~~النهاية في الكرم والفضل، والله سبحانه هو المنعوت بذلك. وقرأ الكوفيون ~~إلا عاصما بالجر على أنه نعت للعرش. وقد وصف سبحانه عرشه بالكرم، كما في ~~آخر سورة المؤمنون. وقيل هو نعت لربك، ولا يضر الفصل بينهما لأنها صفات ~~لله سبحانه. وقال مكي هو خبر بعد خبر، والأول أولى. ومعنى { ذو العرش } ~~ذو الملك والسلطان، كما يقال فلان على سرير ملكه، ومنه قول الشاعر # رأوا عرشى تثلم جانباه فلما أن تثلم أفردوني # وقول الآخر # إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم بعتيبة بن الحارث بن شهاب # وقيل المراد خالق العرش { فعال لما يريد } أي من الإبداء ~~والإعادة. قال عطاء لا يعجز عن شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه، ~~وارتفاع فعال على أنه خبر مبتدأ محذوف. قال الفراء هو رفع على التكرير ~~والاستئناف لأنه نكرة محضة. قال ابن جرير رفع فعال، وهو نكرة محضة على ~~وجه الاتباع لإعراب الغفور الودود، وإنما قال فعال لأن ما يريد ويفعل في ~~غاية الكثرة. # ثم ذكر سبحانه خبر الجموع الكافرة فقال { هل أتاك حديث ~~الجنود } والجملة مستأنفة مقررة لما تقدم من شدة بطشه سبحانه، ~~وكونه فعالا لما يريده، وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي ~~هل أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم المتجندة عليها. ~~ثم بينهم فقال { فرعون وثمود } وهو بدل من الجنود، والمراد ~~بفرعون هو وقومه، والمراد بثمود القوم المعروفون، والمراد بحديثهم ما وقع ~~منهم من الكفر والعناد، وما وقع عليهم من العذاب، وقصتهم مشهورة قد تكرر ~~في الكتاب العزيز ذكرها في غير موضع، واقتصر على الطائفتين لاشتهار ~~أمرهما عند أهل الكتاب، وعند مشركي العرب، ودل بهما على أمثالهما. ثم ~~أضرب عن مماثلة هؤلاء الكفار الموجودين في عصره صلى الله عليه وسلم لمن ~~تقدم ذكره، وبين أنهم أشد منهم في الكفر والتكذيب فقال { بل ~~الذين كفروا فى تكذيب } أي بل هؤلاء المشركون من العرب في ~~تكذيب شديد ms4174 لك، ولما جئت به، ولم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار { ~~والله من ورائهم محيط } أي يقدر على أن ينزل بهم ما أنزل ~~بأولئك، والإحاطة بالشيء الحصر له من جميع جوانبه، فهو تمثيل لعدم نجاتهم ~~بعدم فوت المحاط به على المحيط. ثم رد سبحانه تكذيبهم بالقرآن فقال { ~~بل هو قرءان مجيد } أي متناه في الشرف والكرم، والبركة لكونه ~~بيانا لما شرعه الله لعباده من أحكام الدين والدنيا، وليس هو كما يقولون ~~إنه شعر وكهانة وسحر { فى لوح محفوظ } أي مكتوب في لوح، وهو أم ~~الكتاب محفوظ عند الله من وصول الشياطين إليه. قرأ الجمهور محفوظ بالجر ~~على أنه نعت للوح، وقرأ نافع برفعه على أنه نعت للقرآن، أي بل هو قرآن ~~مجيد محفوظ في لوح. واتفق القراء على فتح اللام من { لوح } إلا يحيى بن ~~يعمر، وابن السميفع، فإنهما قرآ بضمها. قال مقاتل اللوح المحفوظ عن يمين ~~العرش. قيل والمراد باللوح بضم اللام الهواء الذي فوق السماء السابعة. ~~قال أبو الفضل اللوح بضم اللام الهواء، وكذا قال ابن خالويه. قال في ~~الصحاح اللوح بالضم الهواء بين السماء، والأرض. وقد أخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس قال { البروج } قصور في السماء. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن ~~عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن { السماء ذات ~~البروج } فقال الكواكب، وسئل عن قوله # الذى جعل فى السماء بروجا # الفرقان 61 قال " الكواكب ". وعن قوله # فى بروج مشيدة # النساء 78 قال " القصور ". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله { ~~واليوم الموعود * وشهد ومشهود } قال اليوم الموعود ~~يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، وهو الحج الأكبر، ~~فيوم الجمعة جعله الله عيدا لمحمد وأمته، وفضله بها على الخلق أجمعين ~~وهو سيد الأيام عند الله، وأحب الأعمال فيه إلى الله، وفيه ساعة لا ~~يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه. # وأخرج عبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~وابن مردويه، والبيهقي في ms4175 سننه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم ~~الجمعة، وما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل منه، فيه ساعة لا يوافقها ~~عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له، ولا يستعيذ من شيء إلا ~~أعاذه منه " # وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة رفعه { ~~وشهد ومشهود } قال " الشاهد " يوم عرفة ويوم الجمعة، والمشهود ~~هو الموعود يوم القيامة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن علي بن أبي ~~طالب قال اليوم الموعود يوم القيامة، والمشهود يوم النحر، والشاهد يوم ~~الجمعة. وأخرج ابن جرير، والطبراني، وابن مردويه من طريق شريح بن عبيد عن ~~أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة " # وأخرج ابن مردويه، وابن عساكر عن جبير بن مطعم قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الآية # " الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة " # وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس، وأبي هريرة مثله موقوفا. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه عن سعيد بن المسيب قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن سيد الأيام يوم الجمعة، وهو الشاهد، والمشهود يوم عرفة " # وهذا مرسل من مراسيل سعيد بن المسيب. وأخرج ابن ماجه، والطبراني، وابن ~~جرير عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة، فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة " # وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن ~~علي بن أبي طالب في الآية قال الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة. ~~وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن الحسن بن علي أن رجلا سأله عن قوله { ~~وشهد ومشهود } قال هل سألت أحدا قبلي؟ قال نعم سألت ابن عمر، ~~وابن الزبير فقالا يوم الذبح، ويوم الجمعة. قال لا، ولكن الشاهد محمد صلى ~~الله عليه ms4176 وسلم، ثم قرأ # وجئنا بك على هؤلاء شهيدا # النساء 41 والمشهود يوم القيامة، ثم قرأ # ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود # هود 103. أخرج عبد بن حميد، والطبراني في الأوسط، والصغير، وابن مردويه ~~عن الحسين بن علي في الآية قال الشاهد جدي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، والمشهود يوم القيامة، ثم تلا # إنا أرسلنك شاهدا # الأحزاب 45 { ذلك يوم مشهود }. وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، ~~وابن أبي الدنيا، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن ~~عساكر من طرق عن ابن عباس قال اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد محمد ~~صلى الله عليه وسلم، والمشهود يوم القيامة، ثم تلا # ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود # هود 103. وأخرج ابن جرير عنه قال الشاهد الله، والمشهود يوم القيامة. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال الشاهد الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا قال الشاهد الله، والمشهود يوم القيامة. ~~قلت وهذه التفاسير عن الصحابة رضي الله عنهم قد اختلفت كما ترى، وكذلك ~~اختلفت تفاسير التابعين بعدهم، واستدل من استدل منهم بآيات ذكر الله ~~فيها أن ذلك الشيء شاهد أو مشهود، فجعله دليلا على أنه المراد بالشاهد، ~~والمشهود في هذه الآية المطلقة، وليس ذلك بدليل يستدل به على أن الشاهد، ~~والمشهود المذكورين في هذا المقام هو ذلك الشاهد، والمشهود الذي ذكر في ~~آية أخرى، وإلا لزم أن يكون قوله هنا { وشهد ومشهود } هو جميع ~~ما أطلق عليه في الكتاب العزيز، أو السنة المطهرة أنه يشهد، أو أنه ~~مشهود، وليس بعض ما استدلوا به مع اختلافه بأولى من بعض، ولم يقل قائل ~~بذلك. فإن قلت هل في المرفوع الذي ذكرته من حديثي أبي هريرة، وحديث أبي ~~مالك، وحديث جبير بن مطعم، ومرسل سعيد بن المسيب ما يعين هذا اليوم ~~الموعود، والشاهد والمشهود؟ قلت أما اليوم الموعود، فلم تختلف هذه ~~الروايات التي ذكر فيها، بل اتفقت على أنه يوم القيامة، وأما الشاهد ففي ~~حديث أبي هريرة الأول ms4177 أنه يوم الجمعة، وفي حديثه الثاني أنه يوم عرفة، ~~ويوم الجمعة، وفي حديث أبي مالك أنه يوم الجمعة، وفي حديث جبير أنه يوم ~~الجمعة، وفي مرسل سعيد أنه يوم الجمعة، فاتفقت هذه الأحاديث عليه، ولا ~~تضر زيادة يوم عرفة عليه في حديث أبي هريرة الثاني وأما المشهود ففي ~~حديث أبي هريرة الأول أنه يوم عرفة، وفي حديثه الثاني أنه يوم القيامة، ~~وفي حديث أبي مالك أنه يوم عرفة، وفي حديث جبير بن مطعم أنه يوم عرفة، ~~وكذا في حديث سعيد، فقد تعين في هذه الروايات أنه يوم عرفة، وهي أرجح من ~~تلك الرواية التي صرح فيها بأنه يوم القيامة، فحصل من مجموع هذا رجحان ما ~~ذهب إليه الجمهور من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم أن الشاهد يوم الجمعة، ~~والمشهود يوم عرفة، وأما اليوم الموعود، فقد قدمنا أنه وقع الإجماع على ~~أنه يوم القيامة. # وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، ~~والترمذي، والنسائي، والطبراني عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " كان ملك من الملوك فيمن كان قبلكم، وكان لذلك الملك كاهن يكهن له فقال ~~له ذلك الكاهن انظروا لي غلاما فهما أو قال فطنا لقنا، فأعلمه علمي، ~~فإني أخاف أن أموت، فينقطع منكم هذا العلم، ولا يكون فيكم من يعلمه، قال ~~فنظروا له على ما وصف، فأمروه أن يحضر ذلك الكاهن، وأن يختلف إليه، فجعل ~~الغلام يختلف إليه، وكان على طريق الغلام راهب في صومعة، فجعل الغلام ~~يسأل ذلك الراهب كلما مر به، فلم يزل به حتى أخبره، فقال إنما أعبد ~~الله، فجعل الغلام يمكث عند هذا الراهب، ويبطىء على الكاهن، فأرسل الكاهن ~~إلى أهل الغلام أنه لا يكاد يحضرني، فأخبر الغلام الراهب بذلك، فقال له ~~الراهب إذا قال لك أين كنت؟ فقل عند أهلي، وإذا قال لك أهلك أين كنت؟ ~~فأخبرهم أني كنت عند الكاهن، فبينما الغلام على ذلك إذ مر بجماعة من ~~الناس كثير قد حبستهم دابة، يقال إنها كانت أسدا، فأخذ ms4178 الغلام حجرا ~~فقال اللهم إن كان ما يقول ذلك الراهب حقا، فأسألك أن أقتل هذه ~~الدابة، وإن كان ما يقول الكاهن حقا، فأسألك أن لا أقتلها، ثم رمى فقتل ~~الدابة، فقال الناس من قتلها؟ فقالوا الغلام، ففزع الناس، وقالوا قد علم ~~هذا الغلام علما لم يعلمه أحد، فسمع أعمى، فجاءه، فقال له إن أنت رددت ~~علي بصري، فلك كذا، وكذا، فقال الغلام لا أريد منك هذا، ولكن أرأيت إن ~~رجع عليك بصرك أتؤمن بالذي رده عليك؟ قال نعم، فدعا الله، فرد عليه ~~بصره، فآمن الأعمى، فبلغ الملك أمرهم، فبعث إليهم، فأتى بهم، فقال لأقتلن ~~كل واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه، فأمر بالراهب والرجل الذي كان ~~أعمى، فوضع المنشار على مفرق أحدهما فقتله، وقتل الآخر بقتلة أخرى، ثم ~~أمر بالغلام، فقال انطلقوا به إلى جبل كذا، وكذا، فألقوه من رأسه، ~~فانطلقوا به إلى ذلك الجبل، فلما انتهوا إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن ~~يلقوه منه جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل، ويتردون حتى لم يبق منهم إلا ~~الغلام، ثم رجع الغلام، فأمر به الملك أن ينطلقوا به إلى البحر، فيلقوه ~~فيه، فانطلقوا به إلى البحر، فغرق الله الذين كانوا معه، وأنجاه، فقال ~~الغلام للملك إنك لن تقتلني حتى تصلبني وترميني، وتقول إذا رميتني بسم ~~الله رب الغلام، فأمر به فصلب، ثم رماه، وقال بسم الله رب الغلام، فوقع ~~السهم في صدغه، فوضع الغلام يده على موضع السهم، ثم مات، فقال الناس لقد ~~علم هذا الغلام علما ما علمه أحد، فإنا نؤمن برب هذا الغلام، فقيل ~~للملك أجزعت أن خالفك ثلاثة، فهذا العالم كلهم قد خالفوك، قال فخد ~~أخدودا، ثم ألقي فيه الحطب والنار، ثم جمع الناس، فقال من رجع عن دينه ~~تركناه، ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النار، فجعل يلقيهم في تلك الأخدود، ~~فقال يقول الله { قتل أصحب الأخدود * النار ذات ~~الوقود } - حتى بلغ - { العزيز الحميد }. فأما الغلام، فإنه ~~دفن، ثم أخرج، فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن ms4179 الخطاب، وأصبعه على صدغه، ~~كما وضعها حين قتل " # ولهذه القصة ألفاظ فيها بعض اختلاف. وقد رواها مسلم في أواخر الصحيح عن ~~هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ~~صهيب. وأخرجها أحمد من طريق عفان عن حماد به. وأخرجها النسائي عن أحمد بن ~~سليمان عن حماد بن سلمة به. وأخرجها الترمذي عن محمود بن غيلان، وعبد بن ~~حميد عن عبد الرزاق عن معمر عن ثابت به. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عن علي بن أبي طالب في قوله { أصحب الأخدود } قال هم الحبشة. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال هم ناس من بني إسرائيل خدوا أخدودا في ~~الأرض أوقدوا فيه نارا، ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالا ونساء، فعرضوا ~~عليها. وأخرج ابن المنذر، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال { والسماء ~~ذات البروج } إلى قوله { وشهد ومشهود } قال هذا قسم على ~~{ إن بطش ربك لشديد } إلى آخرها. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس في قوله { إنه هو يبدىء ويعيد } قال يبديء العذاب، ~~ويعيده. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الأسماء، والصفات عن ~~ابن عباس في قوله { الودود } قال الحبيب، وفي قوله { ذو العرش ~~المجيد } قال الكريم. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله { فى لوح ~~محفوظ } قال أخبرت أنه لوح الذكر لوح واحد فيه الذكر، وإن ذلك اللوح ~~من نور، وإنه مسيرة ثلثمائة سنة. وأخرج ابن جرير عن أنس قال إن اللوح ~~المحفوظ الذي ذكره الله في قوله { بل هو قرءان مجيد فى ~~لوح محفوظ } في جبهة إسرافيل. وأخرج أبو الشيخ، قال السيوطي بسند ~~جيد عن ابن عباس قال خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام، فقال للقلم ~~قبل أن يخلق الخلق اكتب علمي في خلقي، فجرى ما هو كائن إلى يوم القيامة. ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1-17] # أقسم سبحانه بالسماء والطارق، وهو النجم الثاقب، كما صرح به التنزيل. ~~قال الواحدي قال المفسرون أقسم الله بالسماء والطارق، يعني الكواكب تطرق ~~بالليل، وتخفى ms4180 بالنهار. قال الفراء الطارق النجم لأنه يطلع بالليل، وما ~~أتاك ليلا فهو طارق. وكذا قال الزجاج، والمبرد ومنه قول امرىء القيس # ومثلك حبلى قد طرقت ومرضع فألهيتها عن ذي تمائم محول # وقوله أيضا # ألم ترياني كلما جئت طارقا وجدت بها طيبا وإن لم تطيب # وقد اختلف في الطارق هل هو نجم معين، أو جنس النجم؟ فقيل هو زحل. وقيل ~~الثريا. وقيل هو الذي ترمى به الشياطين. وقيل هو جنس النجم. قال في ~~الصحاح { والطارق } النجم الذي يقال له كوكب الصبح، ومنه قول هند بنت ~~عتبة # نحن بنات طارق نمشي على النمارق # أي إن أبانا في الشرف كالنجم المضيء، وأصل الطروق الدق، فسمي قاصد ~~الليل طارقا لاحتياجه في الوصول إلى الدق. وقال قوم إن الطروق قد يكون ~~نهارا، والعرب تقول أتيتك اليوم طرقتين أي مرتين، ومنه قوله صلى الله ~~عليه وسلم # " أعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير " # ثم بين سبحانه ما هو الطارق، تفخيما لشأنه بعد تعظيمه بالإقسام به ~~فقال { وما أدراك ما الطارق * النجم الثاقب } الثاقب ~~المضيء، ومنه يقال ثقب النجم ثقوبا، وثقابة إذا أضاء، وثقوبه ضوؤه، ومنه ~~قول الشاعر # أذاع به في الناس حتى كأنه بعلياء نار أوقدت بثقوب # قال الواحدي الطارق يقع على كل ما طرق ليلا، ولم يكن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يدري ما المراد به لو لم يبينه بقوله { النجم الثاقب } ~~قال مجاهد الثاقب المتوهج. قال سفيان كل ما في القرآن { وما أدراك ~~} ، فقد أخبره، وكل شيء قال { وما يدريك } لم يخبره به، وارتفاع ~~قوله { النجم الثاقب } على أنه خبر مبتدأ محذوف، والجملة مستأنفة ~~جواب سؤال مقدر نشأ مما قبله، كأنه قيل ما هو؟ فقيل هو النجم الثاقب. { ~~إن كل نفس لما عليها حافظ } هذا جواب القسم، وما ~~بينهما اعتراض، وقد تقدم في سورة هود اختلاف القراء في " لما " ، فمن ~~قرأ بتخفيفها كانت إن هنا هي المخففة من الثقيلة فيها ضمير الشأن ~~المقدر، وهو اسمها، واللام هي الفارقة، وما مزيدة، ms4181 أي إن الشأن كل نفس ~~لعليها حافظ، ومن قرأ بالتشديد، فإن نافية، ولما بمعنى إلا، أي ما كل نفس ~~إلا عليها حافظ، وقد قرأ هنا بالتشديد ابن عامر، وعاصم، وحمزة. وقرأ ~~الباقون بالتخفيف. قيل والحافظ هم الحفظة من الملائكة الذين يحفظون عليها ~~عملها، وقولها وفعلها، ويحصون ما تكسب من خير وشر وقيل الحافظ هو الله ~~عز وجل. # وقيل هو العقل يرشدهم إلى المصالح، ويكفهم عن المفاسد، والأول أولى ~~لقوله # وإن عليكم لحفظين # الانفطار 10 وقوله # ويرسل عليكم حفظة # الأنعام 61 وقوله # له معقبت من بين يديه ومن خلفه يحفظونه # الرعد 11 والحافظ على الحقيقة هو الله عز وجل، كما في قوله # فالله خير حفظا # يوسف 64 وحفظ الملائكة من حفظه لأنهم بأمره. { فلينظر الإنسن ~~مم خلق } الفاء للدلالة على أن كون على كل نفس حافظ يوجب على ~~الإنسان أن يتفكر في مبتدأ خلقه ليعلم قدرة الله على ما هو دون ذلك من ~~البعث. قال مقاتل يعني المكذب بالبعث { مم خلق } من أي شيء خلقه ~~الله، والمعنى فلينظر نظر التفكر، والاستدلال حتى يعرف أن الذي ابتدأه من ~~نطفة قادر على إعادته. ثم بين سبحانه ذلك فقال { خلق من ماء ~~دافق } والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، والماء هو المني، والدفق ~~الصب، يقال دفقت الماء، أي صببته، يقال ماء دافق أي مدفوق، مثل # عيشة راضية # القارعة 7 أي مرضية. قال الفراء، والأخفش { ماء دافق } ، أي مصبوب في ~~الرحم. قال الفراء وأهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى المفعول في كثير من ~~كلامهم كقولهم سر كاتم أي مكتوم، وهم ناصب أي منصوب، وليل نائم، ونحو ~~ذلك. قال الزجاج من ماء ذي اندفاق، يقال دارع، وقايس، ونابل أي ذو درع، ~~وقوس، ونبل، وأراد سبحانه ماء الرجل والمرأة لأن الإنسان مخلوق منهما، ~~لكن جعلهما ماء واحدا لامتزاجهما. ثم وصف هذا الماء، فقال { يخرج ~~من بين الصلب والترائب } أي صلب الرجل، وترائب المرأة، ~~والترائب جمع تريبة، وهي موضع القلادة من الصدر، والولد لا يكون إلا من ~~الماءين. قرأ الجمهور ms4182 { يخرج } مبنيا للفاعل. وقرأ ابن أبي عبلة، وابن ~~مقسم مبنيا للمفعول، وفي الصلب وهو الظهر لغات. قرأ الجمهور بضم الصاد ~~وسكون اللام، وقرأ أهل مكة بضم الصاد واللام. وقرأ اليماني بفتحهما. ~~ويقال صالب على وزن قالب، ومنه قول العباس بن عبد المطلب # تنقل من صلب إلى رحم # في أبياته المشهورة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم كلام ~~في هذا عند تفسير قوله # الذين من أصلبكم # النساء 23 وقيل الترائب ما بين الثديين. وقال الضحاك ترائب المرأة ~~اليدين، والرجلين، والعينين. وقال سعيد بن جبير هي الجيد. وقال مجاهد هي ~~ما بين المنكبين والصدر. وروي عنه أيضا أنه قال هي الصدر. وروي عنه ~~أيضا أنه قال هي التراقي. وحكى الزجاج أن الترائب عصارة القلب، ومنه ~~يكون الولد، والمشهور في اللغة أنها عظام الصدر، والنحر، ومنه قول دريد ~~بن الصمة # فإن تدبروا نأخذكم في ظهوركم وإن تقبلوا نأخذكم في الترائب # قال عكرمة الترائب الصدر، وأنشد # نظام در على ترائبها # قال في الصحاح التريبة واحدة الترائب. وهي عظام الصدر. قال أبو عبيدة ~~جمع التريبة تريب، ومنه قول المثقب العبدي # ومن ذهب يبين على تريب كلون العاج ليس بذي غضون # وقول امرىء القيس # ترائبها مصقولة كالسجنجل # وحكى الزجاج أن الترائب أربع أضلاع من يمنة الصدر، وأربع أضلاع من يسرة ~~الصدر. قال قتادة، والحسن المعنى، ويخرج من صلب الرجل، وترائب المرأة. ~~وحكى الفراء أن مثل هذا يأتي عن العرب يكون معنى { من بين الصلب }. من ~~الصلب. وقيل إن ماء الرجل ينزل من الدماغ، ولا يخالف هذا ما في الآية ~~لأنه إذا نزل من الدماغ نزل من بين الصلب والترائب. وقيل إن المعنى يخرج ~~من جميع أجزاء البدن، ولا يخالف هذا ما في الآية لأن نسبة خروجه إلى بين ~~الصلب والترائب، باعتبار أن أكثر أجزاء البدن هي الصلب والترائب، وما ~~يجاورها، وما فوقها مما يكون تنزله منها { إنه على رجعه ~~لقادر } الضمير في { إنه } يرجع إلى الله سبحانه لدلالة قوله { ~~خلق } عليه، فإن الذي ms4183 خلقه هو الله سبحانه، والضمير في { رجعه } عائد ~~إلى الإنسان. والمعنى أن الله سبحانه على رجع الإنسان، أي إعادته بالبعث ~~بعد الموت { لقادر } هكذا قال جماعة من المفسرين وقال مجاهد على أن ~~يرد الماء في الإحليل. وقال عكرمة، والضحاك على أن يرد الماء في الصلب. ~~وقال مقاتل بن حيان يقول إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب ~~إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة. وقال ابن زيد إنه على حبس ذلك الماء ~~حتى لا يخرج لقادر. والأول أظهر، ورجحه ابن جرير، والثعلبي، والقرطبي. { ~~يوم تبلى السرائر } العامل في الظرف على التفسير الأول، هو ~~{ رجعه }. وقيل { لقادر }. واعترض عليه بأنه يلزم تخصيص القدرة بهذا ~~اليوم، وقيل العامل فيه مقدر أي يرجعه يوم تبلى السرائر، وقيل العامل ~~فيه مقدر، وهو اذكر، فيكون مفعولا به، وأما على قول من قال إن المراد ~~رجع الماء، فالعامل في الظرف مقدر، وهو اذكر، ومعنى { تبلى السرائر } ~~تختبر، وتعرف، ومنه قول الراجز # قد كنت قبل اليوم تزدريني فاليوم أبلوك وتبتليني # أي أختبرك وتختبرني، وأمتحنك وتمتحنني، والسرائر ما يسر في القلوب من ~~العقائد والنيات، وغيرها، والمراد هنا عرض الأعمال، ونشر الصحف، فعند ذلك ~~يتميز الحسن منها من القبيح، والغث من السمين { فما له من قوة ~~ولا ناصر } أي فما للإنسان من قوة في نفسه يمتنع بها عن عذاب الله، ~~ولا ناصر ينصره مما نزل به، وقال عكرمة هؤلاء الملوك ما لهم يوم القيامة ~~من قوة ولا ناصر. قال سفيان القوة العشيرة، والناصر الحليف، والأول ~~أولى. { والسماء ذات الرجع } الرجع المطر. قال الزجاج الرجع ~~المطر لأنه يجيء ويرجع ويتكرر. # قال الخليل الرجع المطر نفسه، والرجع نبات الربيع. قال أهل اللغة الرجع ~~المطر. قال المتنخل يصف سيفا له # أبيض كالرجع رسوب إذا ما باح في محتفل يختلي # قال الواحدي الرجع المطر في قول جميع المفسرين، وفي هذا الذي حكاه عن ~~جميع المفسرين نظر، فإن ابن زيد قال الرجع الشمس، والقمر، والنجوم يرجعن ~~في السماء تطلع من ناحية، وتغيب في ms4184 أخرى. وقال بعض المفسرين { ذات الرجع ~~} ذات الملائكة لرجوعهم إليها بأعمال العباد. وقال بعضهم معنى ذات الرجع ~~ذات النفع، ووجه تسمية المطر رجعا ما قاله القفال إنه مأخوذ من ترجيع ~~الصوت، وهو إعادته، وكذا المطر لكونه يعود مرة بعد أخرى سمي رجعا. وقيل ~~إن العرب كانوا يزعمون أن السحاب يحمل الماء من بحار الأرض، ثم يرجعه إلى ~~الأرض. وقيل سمته العرب رجعا لأجل التفاؤل ليرجع عليهم. وقيل لأن الله ~~يرجعه وقتا بعد وقت. { والأرض ذات الصدع } هو ما تتصدع عنه ~~الأرض من النبات، والثمار والشجر. والصدع الشق لأنه يصدع الأرض، فتنصدع ~~له. قال أبو عبيدة، والفراء تتصدع بالنبات. قال مجاهد والأرض ذات الطرق ~~التي تصدعها المياه. وقيل ذات الحرث لأنه يصدعها. وقيل ذات الأموات ~~لانصداعها عنهم عند البعث. والحاصل أن الصدع إن كان اسما للنبات فكأنه ~~قال والأرض ذات النبات وإن كان المراد به الشق، فكأنه قال والأرض ذات ~~الشق الذي يخرج منه النبات ونحوه، وجواب القسم قوله { إنه لقول ~~فصل } أي إن القرآن لقول يفصل بين الحق والباطل بالبيان عن كل واحد ~~منهما { وما هو بالهزل } أي لم ينزل باللعب، فهو جد ليس بالهزل، ~~والهزل ضد الجد. قال الكميت # تجد بنا في كل يوم وتهزل # { إنهم يكيدون كيدا } أي يمكرون في إبطال ما جاء به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الدين الحق. قال الزجاج يخاتلون النبي، ~~ويظهرون ما هم على خلافه. { وأكيد كيدا } أي أستدرجهم من حيث لا ~~يعلمون، وأجازيهم جزاء كيدهم. قيل هو ما أوقع الله بهم يوم بدر من القتل ~~والأسر { فمهل الكفرين } أي أخرهم، ولا تسأل الله سبحانه ~~تعجيل هلاكهم، وارض بما يدبره لك في أمورهم، وقوله { أمهلهم } بدل ~~من مهل، ومهل وأمهل بمعنى مثل نزل وأنزل، والإمهال الإنظار، وتمهل في ~~الأمر، اتأد، وانتصاب { رويدا } على أنه مصدر مؤكد للفعل المذكور، أو ~~نعت لمصدر محذوف، أي أمهلهم إمهالا رويدا أي قريبا أو قليلا. قال أبو ~~عبيدة والرويد في كلام العرب تصغيرا الرود، وأنشد # كأنها ms4185 تمشي على رود # أي على مهل. وقيل تصغير أرواد مصدر رود تصغير الترخيم، ويأتي اسم فعل ~~نحو رويد زيدا، أي أمهله، ويأتي حالا نحو سار القوم رويدا، أي ~~متمهلين، ذكر معنى هذا الجوهري، والبحث مستوفى في علم النحو. # وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله { والسماء والطارق } ~~قال أقسم ربك بالطارق وكل شيء طرقك بالليل فهو طارق. وأخرج ابن جرير عنه ~~في قوله { إن كل نفس لما عليها حافظ } قال كل نفس ~~عليها حفظة من الملائكة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله { النجم ~~الثاقب } قال النجم المضيء { إن كل نفس لما عليها ~~حافظ } قال إلا عليها حافظ. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه { ~~يخرج من بين الصلب والترائب } قال ما بين الجيد ~~والنحر. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال تريبة المرأة، وهي موضع ~~القلادة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضا قال الترائب بين ثديي ~~المرأة. وأخرج الحاكم وصححه عنه أيضا قال الترائب أربعة أضلاع من كل ~~جانب من أسفل الأضلاع. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه أيضا { ~~إنه على رجعه لقادر } قال على أن يجعل الشيخ شابا، ~~والشاب شيخا. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، والبخاري في ~~تاريخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله { والسماء ~~ذات الرجع } قال المطر بعد المطر { والأرض ذات الصدع } ~~قال صدعها عن النبات. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس { والأرض ذات ~~الصدع } تصدع الأودية. وأخرج ابن منده، والديلمي عن معاذ بن أنس ~~مرفوعا { والارض ذات الصدع } قال تصدع بإذن الله عن الأموال ~~والنبات. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { إنه ~~لقول فصل } قال حق، { وما هو بالهزل } قال بالباطل، وفي ~~قوله { أمهلهم رويدا } قال قريبا. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1-19] # قوله { سبح اسم ربك ms4186 الأعلى } أي نزهه عن كل ما لا يليق ~~به. قال السدي { سبح اسم ربك الأعلى } أي عظمه. قيل والاسم هنا مقحم ~~لقصد التعظيم، كما في قول لبيد # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # والمعنى سبح ربك الأعلى. قال ابن جرير المعنى نزه اسم ربك أن يسمى به ~~أحد سواه، فلا تكون على هذا مقحمة. وقيل المعنى نزه تسمية ربك، وذكرك ~~إياه أن تذكره إلا وأنت خاشع معظم، ولذكره محترم. وقال الحسن معنى سبح ~~اسم ربك الأعلى صل له. وقيل المعنى صل بأسماء الله لا كما يصلي ~~المشركون بالمكاء والتصدية. وقيل المعنى ارفع صوتك بذكر ربك، ومنه قول ~~جرير # قبح الإله وجوه تغلب كلما سبح الحجيج وكبروا تكبيرا # والأعلى صفة للرب. وقيل للاسم، والأول أولى. وقوله { الذى خلق ~~فسوى } صفة أخرى للرب. قال الزجاج خلق الإنسان مستويا، ومعنى سوى ~~عدل قامته. قال الضحاك خلقه فسوى خلقه. وقيل خلق الأجساد، فسوى ~~الأفهام. وقيل خلق الإنسان وهيأه للتكليف. { والذى قدر فهدى ~~} صفة أخرى للرب، أو معطوف على الموصول الذي قبله. قرأ علي بن أبي ~~طالب، والكسائي، والسلمي قدر مخففا، وقرأ الباقون بالتشديد، قال الواحدي ~~قال المفسرون قدر خلق الذكر والأنثى من الدواب، فهدى الذكر للأنثى كيف ~~يأتيها. وقال مجاهد هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة، ~~وروي عنه أيضا أنه قال في معنى الآية قدر السعادة والشقاوة، وهدى للرشد ~~والضلالة، وهدى الأنعام لمراعيها. وقيل قدر أرزاقهم وأقواتهم، وهداهم ~~لمعايشهم إن كانوا إنسا، ولمراعيهم إن كانوا وحشا. وقال عطاء جعل لكل ~~دابة ما يصلحها وهداها له. وقيل خلق المنافع في الأشياء، وهدى الإنسان ~~لوجه استخراجها منها. وقال السدي قدر مدة الجنين في الرحم تسعة أشهر ~~وأقل وأكثر، ثم هداه للخروج من الرحم. قال الفراء أي قدر، فهدى، وأضل ~~فاكتفى بأحدهما، وفي تفسير الآية أقوال غير ما ذكرنا. والأولى عدم تعيين ~~فرد، أو أفراد مما يصدق عليه قدر، وهدى إلا بدليل يدل عليه، ومع عدم ~~الدليل يحمل على ما ms4187 يصدق عليه معنى الفعلين، إما على البدل، أو على ~~الشمول، والمعنى قدر أجناس الأشياء وأنواعها، وصفاتها، وأفعالها، ~~وأقوالها، وآجالها، فهدى كل واحد منها إلى ما يصدر عنه وينبغي له، ويسره ~~لما خلق له، وألهمه إلى أمور دينه ودنياه. { والذى أخرج ~~المرعى } صفة أخرى للرب، أي أنبت العشب، وما ترعاه النعم من النبات ~~الأخضر { فجعله غثاء أحوى } أي فجعله بعد أن كان أخضر غثاء، ~~أي هشيما جافا كالغثاء الذي يكون فوق السيل أحوى أي أسود بعد اخضراره، ~~وذلك أن الكلأ إذا يبس اسود. # قال قتادة الغثاء الشيء اليابس، ويقال للبقل والحشيش إذا انحطم، ويبس ~~غثاء وهشيم. قال امرؤ القيس # كأن ذرى رأس المجمر غدوة من السيل والأغثاء فلكة مغزل # وانتصاب { غثاء } على أنه المفعول الثاني، أو على الحال، و { أحوى } صفة ~~له. وقال الكسائي هو حال من المرعى، أي أخرجه أحوى من شدة الخضرة والري ~~{ فجعله غثاء } بعد ذلك، والأحوى مأخوذ من الحوة، وهي سواد يضرب ~~إلى الخضرة. قال في الصحاح والحوة سمرة الشفة، ومنه قول ذي الرمة # لمياء في شفتيها حوة لعس وفي اللثات وفي أنيابها شنب # { سنقرئك فلا تنسى } أي سنجعلك قارئا بأن نلهمك القراءة، ~~فلا تنسى ما تقرؤه، والجملة مستأنفة لبيان هدايته الخاصة به بعد بيان ~~الهداية العامة، وهي هدايته صلى الله عليه وسلم لحفظ القرآن. قال مجاهد، ~~والكلبي كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل بالوحي لم ~~يفرغ جبريل من آخر الآية حتى يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بأولها ~~مخافة أن ينساها، فنزلت { سنقرئك فلا تنسى } وقوله { إلا ~~ما شاء الله } استثناء مفرغ من أعم المفاعيل. أي لا تنسى مما تقرؤه ~~شيئا من الأشياء إلا ما شاء الله أن تنساه. قال الفراء وهو لم يشأ ~~سبحانه أن ينسي محمد صلى الله عليه وسلم شيئا كقوله # خلدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما ~~شاء ربك # هود 107. وقيل إلا ما شاء الله أن تنسى، ثم تذكر بعد ذلك، فإذن قد نسي، ~~ولكنه يتذكر ولا ms4188 ينسى شيئا نسيانا كليا. وقيل بمعنى النسخ أي إلا ما ~~شاء الله أن ينسخه مما نسخ تلاوته. وقيل معنى { فلا تنسى } فلا تترك ~~العمل إلا ما شاء الله أن تتركه لنسخه ورفع حكمه. وقيل المعنى إلا ما ~~شاء الله أن يؤخر إنزاله. وقيل " لا " في قوله { فلا تنسى } للنهي. ~~والألف مزيدة لرعاية الفاصلة، كما في قوله # فأضلونا السبيلا # الأحزاب 67 يعني فلا تغفل قراءته وتذكره. { إنه يعلم الجهر ~~وما يخفى } الجملة تعليل لما قبلها، أي يعلم ما ظهر وما بطن، ~~والإعلان والإسرار، وظاهره العموم، فيندرج تحته ما قيل إن الجهر ما حفظه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن، وما يخفى هو ما نسخ من صدره، ~~ويدخل تحته أيضا ما قيل من أن الجهر هو إعلان الصدقة، وما يخفى هو ~~إخفاؤها، ويدخل تحته أيضا ما قيل إن الجهر جهره صلى الله عليه وسلم ~~بالقرآن مع قراءة جبريل مخافة أن يتفلت عليه، وما يخفى ما في نفسه مما ~~يدعوه إلى الجهر. { ونيسرك لليسرى } معطوف على سنقرئك، وما ~~بينهما اعتراض. قال مقاتل أي نهون عليك عمل الجنة. # وقيل نوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل. وقيل للشريعة اليسرى، وهي ~~الحنيفية السهلة. وقيل نهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعمل به، والأولى حمل ~~الآية على العموم، أي نوفقك للطريقة اليسرى في الدين والدنيا في كل أمر ~~من أمورهما التي تتوجه إليك. { فذكر إن نفعت الذكرى } أي ~~عظ يا محمد الناس بما أوحينا إليك، وأرشدهم إلى سبل الخير، واهدهم إلى ~~شرائع الدين. قال الحسن تذكرة للمؤمن، وحجة على الكافر. قال الواحدي إن ~~نفعت أو لم تنفع لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث مبلغا للإعذار ~~والإنذار، فعليه التذكير في كل حال نفع، أو لم ينفع ولم يذكر الحالة ~~الثانية كقوله # سرابيل تقيكم الحر # النحل 81 الآية. قال الجرجاني التذكير واجب، وإن لم ينفع، فالمعنى إن ~~نفعت الذكرى أو لم تنفع. وقيل إنه مخصوص في قوم بأعيانهم. وقيل إن بمعنى ~~ما، أي فذكر ما نفعت الذكرى ms4189 لأن الذكرى نافعة بكل حال. وقيل إنها بمعنى ~~قد، وقيل إنها بمعنى إذ. وما قاله الواحدي، والجرجاني أولى، وقد سبقهما ~~إلى القول به الفراء، والنحاس. قال الرازي إن قوله { إن نفعت ~~الذكرى } للتنبيه على أشرف الحالين، وهو وجود النفع الذي لأجله شرعت ~~الذكرى، والمعلق بإن على الشيء لا يلزم أن يكون عدما عند عدم ذلك الشيء، ~~ويدل عليه آيات منها هذه الآية، ومنها قوله تعالى # واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون # البقرة 172. ومنها قوله # فليس جناح عليكم أن تقصروا من الصلوة إن خفتم # النساء 101 فإن القصر جائز عند الخوف وعدمه، ومنها قوله # فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما ~~حدود الله # البقرة 230 والمراجعة جائزة بدون هذا الظن، فهذا الشرط فيه فوائد منها ~~ما تقدم، ومنها البعث على الانتفاع بالذكرى، كما يقول الرجل لمن يرشده ~~قد أوضحت لك إن كنت تعقل، وهو تنبيه للنبي صلى الله عليه وسلم على أنها ~~لا تنفعهم الذكرى، أو يكون هذا في تكرير الدعوة، فأما الدعاء الأول ~~فعام انتهى. ثم بين سبحانه الفرق بين من تنفعه الذكرى، ومن لا تنفعه، ~~فقال { سيذكر من يخشى } أي سيتعظ بوعظك من يخشى الله، فيزداد ~~بالتذكير خشية وصلاحا. { ويتجنبها الأشقى } أي ويتجنب ~~الذكرى، ويبعد عنها الأشقى من الكفار لإصراره على الكفر بالله، وانهماكه ~~في معاصيه. ثم وصف الأشقى فقال { الذى يصلى النار الكبرى } ~~أي العظيمة الفظيعة لأنها أشد حرا من غيرها. قال الحسن النار الكبرى ~~نار جهنم، والنار الصغرى نار الدنيا. وقال الزجاج هي السفلى من أطباق ~~النار { ثم لا يموت فيها ولا يحيى } أي لا يموت فيها، ~~فيستريح مما هو فيه من العذاب، ولا يحيا حياة ينتفع بها، ومنه قول الشاعر # ألا ما لنفس لا تموت فينقضي عناها ولا تحيا حياة لها طعم # و " ثم " للتراخي في مراتب الشدة لأن التردد بين الموت، والحياة أفظع ~~من صلي النار الكبرى. { قد أفلح من تزكى } أي من تطهر من ~~الشرك، فآمن بالله ووحده، وعمل بشرائعه. قال عطاء، ms4190 والربيع من كان عمله ~~زاكيا ناميا. وقال قتادة تزكى بعمل صالح. قال قتادة، وعطاء، وأبو ~~العالية نزلت في صدقة الفطر. قال عكرمة كان الرجل يقول أقدم زكاتي بين ~~يدي صلاتي. وأصل الزكاة في اللغة النماء. وقيل المراد بالآية زكاة ~~الأموال كلها. وقيل المراد بها زكاة الأعمال لا زكاة الأموال لأن الأكثر ~~أن يقال في الأموال زكي لا تزكي. { وذكر اسم ربه فصلى } ~~قيل المعنى ذكر اسم ربه بالخوف، فعبده وصلى له، وقيل ذكر اسم ربه بلسانه ~~فصلى أي فأقام الصلوات الخمس. وقيل ذكر موقفه ومعاده فعبده، وهو كالقول ~~الأول. وقيل ذكر اسم ربه بالتكبير في أول الصلاة، لأنها لا تنعقد إلا ~~بذكره، وهو قوله «الله أكبر» وقيل ذكر اسم ربه في طريق المصلى فصلى. وقيل ~~هو أن يتطوع بصلاة بعد زكاة. وقيل المراد بالصلاة هنا صلاة العيد، كما ~~أن المراد بالتزكي في الآية الأولى زكاة الفطر، ولا يخفى بعد هذا القول ~~لأن السورة مكية، ولم تفرض زكاة الفطر، وصلاة العيد إلا بالمدينة. { بل ~~تؤثرون الحيوة الدنيا } هذا إضراب عن كلام مقدر يدل عليه ~~السياق، أي لا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات الفانية في الدنيا. قرأ ~~الجمهور { تؤثرون } بالفوقية على الخطاب، ويؤيدها قراءة أبي بل أنتم ~~تؤثرون وقرأ أبو عمرو بالتحتية على الغيبة. قيل والمراد بالآية الكفرة، ~~والمراد بإيثار الحياة الدنيا هو الرضا بها، والاطمئنان إليها، والإعراض ~~عن الآخرة بالكلية. وقيل المراد بها جميع الناس من مؤمن وكافر، والمراد ~~بإيثارها ما هو أعم من ذلك مما لا يخلو عنه غالب الناس من تأثير جانب ~~الدنيا على الآخرة، والتوجه إلى تحصيل منافعها، والاهتمام بها اهتماما ~~زائدا على اهتمامه بالطاعات. وجملة { والآخرة خير وأبقى } ~~في محل نصب على الحال من فاعل تؤثرون، أي والحال أن الدار الآخرة التي هي ~~الجنة أفضل، وأدوم من الدنيا. قال مالك بن دينار لو كانت الدنيا من ذهب ~~يفنى، والآخرة من خزف يبقى لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى على ذهب يفنى، ~~فكيف والآخرة من ذهب يبقى، والدنيا ms4191 من خزف يفنى؟ والإشارة بقوله { إن ~~هذا } إلى ما تقدم من فلاح من تزكى وما بعده، وقيل إنه إشارة إلى جميع ~~السورة، ومعنى { لفى الصحف الأولى } أي ثابت فيها. وقوله { ~~صحف إبرهيم وموسى } بدل من الصحف الأولى. قال قتادة، وابن ~~زيد يريد بقوله { إن هذا } والآخرة خير وأبقى. وقالا تتابعت كتب ~~الله عز وجل أن الآخرة خير وأبقى من الدنيا. # وقال الحسن تتابعت كتب الله جل ثناؤه إن هذا لفي الصحف الأولى، وهو ~~قوله { قد أفلح } إلى آخر السورة. قرأ الجمهور { لفي الصحف الأولى ~~صحف إبراهيم } بضم الحاء في الموضعين، وقرأ الأعمش، وهارون، وأبو عمرو في ~~رواية عنه بسكونها فيهما، وقرأ الجمهور { إبراهيم } بالألف بعد الراء، ~~وبالياء بعد الهاء. وقرأ أبو رجاء بحذفهما وفتح الهاء. وقرأ أبو موسى، ~~وابن الزبير " إبراهام " بألفين. وقد أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، ~~وابن المنذر، وابن مردويه عن عقبة بن عامر الجهني قال لما نزلت # فسبح باسم ربك العظيم # الواقعة 74 قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اجعلوها في ركوعكم " # فلما نزلت { سبح اسم ربك الأعلى } أي سورة الأعلى قال # " اجعلوها في سجودكم " # ولا مطعن في إسناده. وأخرج أحمد، وأبو داود، والطبراني، وابن مردويه، ~~والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~قرأ # سبح اسم ربك الأعلى # الأعلى 1 قال # " سبحان ربي الأعلى " # قال أبو داود خولف فيه وكيع، فرواه شعبة عن أبي إسحاق عن سعيد عن ابن ~~عباس موقوفا. وأخرجه موقوفا أيضا عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن ~~حميد، وابن جرير عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ { سبح اسم ربك ~~الأعلى } قال «سبحان ربي الأعلى»، وفي لفظ لعبد بن حميد عنه قال «إذا ~~قرأت { سبح اسم ربك الأعلى }. فقل سبحان ربي الأعلى». وأخرج ~~الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن الأنباري في المصاحف عن ~~علي بن أبي طالب أنه قرأ { سبح اسم ربك الأعلى } فقال ~~«سبحان ربي الأعلى» وهو في الصلاة، ms4192 فقيل له أتزيد في القرآن؟ قال لا، ~~إنما أمرنا بشيء، فقلته. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، ~~وعبد بن حميد، وابن المنذر عن أبي موسى الأشعري أنه قرأ في الجمعة ب { ~~سبح اسم ربك الأعلى } فقال «سبحان ربي الأعلى». وأخرج سعيد ~~بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه عن سعيد ~~بن جبير قال سمعت ابن عمر يقرأ { سبح اسم ربك } الأعلى فقال ~~«سبحان ربي الأعلى»، وكذلك هي في قراءة أبي بن كعب. وأخرج ابن أبي شيبة ~~عن عمر أنه قال إذا قرأ { سبح اسم ربك الأعلى } قال «سبحان ~~ربي الأعلى». وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد عن عبد الله بن الزبير ~~أنه قرأ { سبح اسم ربك الأعلى } فقال «سبحان ربي الأعلى» ~~وهو في الصلاة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~فجعله غثاء } قال هشيما { أحوى } قال متغيرا. وأخرج ابن ~~مردويه عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يستذكر القرآن مخافة أن ~~ينسى، فقيل له قد كفيناك ذلك، ونزلت { سنقرئك فلا تنسى }. # وأخرج الحاكم عن سعد بن أبي وقاص نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~{ إلا ما شاء الله } يقول إلا ما شئت أنا، فأنسيك. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عنه أيضا { ونيسرك لليسرى } قال للخير. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن ابن مسعود { ونيسرك لليسرى } قال الجنة. وأخرج ~~البزار، وابن مردويه عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قوله { قد أفلح من تزكى } قال # " من شهد أن لا إله إلا الله، وقطع الأنداد، وشهد أني رسول الله " # { وذكر اسم ربه فصلى } قال هي الصلوات الخمس، والمحافظة ~~عليها، والاهتمام بمواقيتها». قال البزار لا يروى عن جابر إلا من هذا ~~الوجه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~{ قد أفلح من تزكى } قال من الشرك { وذكر اسم ربه } ~~قال وحد الله { فصلى } قال الصلوات الخمس. وأخرج البيهقي في ms4193 الأسماء ~~والصفات عن ابن عباس { قد أفلح من تزكى } قال من قال لا إله ~~إلا الله. وأخرج البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم في الكنى، ~~وابن مردويه والبيهقي في سننه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن ~~أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان يأمر بزكاة الفطر ~~قبل أن يصلي صلاة العيد، ويتلو هذه الآية { قد أفلح من تزكى ~~* وذكر اسم ربه فصلى } ». وفي لفظ قال سئل النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن زكاة الفطر، فقال { قد أفلح من تزكى } قال # " هي زكاة الفطر " # وكثير بن عبد الله ضعيف جدا، قال فيه أبو داود هو ركن من أركان الكذب، ~~وقد صحح الترمذي حديثا من طريقه، وخطىء في ذلك، ولكنه يشهد له ما أخرجه ~~ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " { قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى } ~~ثم يقسم الفطرة قبل أن يغدو إلى المصلى يوم الفطر " # وليس في هذين الحديثين ما يدل على أن ذلك سبب النزول، بل فيهما أنه تلا ~~الآية، وقوله هي زكاة الفطر، يمكن أن يراد به أنها مما يصدق عليه التزكي، ~~وقد قدمنا أن السورة مكية، ولم تكن في مكة صلاة عيد ولا فطرة وأخرج عبد ~~بن حميد، وابن المنذر عن أبي سعيد الخدري { قد أفلح من تزكى ~~} قال أعطى صدقة الفطر قبل أن يخرج إلى العيد. # { وذكر اسم ربه فصلى } قال خرج إلى العيد وصلى. وأخرج ابن ~~مردويه، والبيهقي عن ابن عمر قال إنما أنزلت هذه الآية في إخراج صدقة ~~الفطر قبل صلاة العيد { قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ~~ربه فصلى }. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال قلت لابن عباس أرأيت ~~قوله { قد أفلح من تزكى } للفطر قال لم أسمع بذلك، ولكن ~~للزكاة كلها. ثم عاودته فقال لي والصدقات كلها. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، والطبراني، والبيهقي في شعب الإيمان عن عرفجة الثقفي قال استقرأت ms4194 ~~ابن مسعود { سبح اسم ربك الأعلى } فلما بلغ { بل ~~تؤثرون الحيوة الدنيا } ترك القراءة، وأقبل على أصحابه، ~~فقال آثرنا الدنيا على الآخرة، فسكت القوم، فقال آثرنا الدنيا لأنا رأينا ~~زينتها، ونساءها، وطعامها، وشرابها، وزويت عنا الآخرة، فاخترنا هذا ~~العاجل وتركنا الآجل، وقال بل يؤثرون الحياة الدنيا بالياء. وأخرج ~~البزار، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { ~~إن هذا لفى الصحف الأولى * صحف إبرهيم وموسى ~~} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " هي كلها في صحف إبراهيم، وموسى " # وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه عنه في الآية قال نسخت هذه السورة من صحف إبراهيم وموسى، وفي لفظ ~~هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى. وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه، وابن ~~عساكر عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟ قال # " مائة كتاب، وأربعة كتب " # الحديث. ### | [88 - سورة الغاشية] ### || [88.1-26] # قوله { هل أتاك حديث الغشية } قال جماعة من المفسرين هل ~~هنا بمعنى قد، وبه قال قطرب، أي قد جاءك يا محمد حديث الغاشية، وهي ~~القيامة لأنها تغشى الخلائق بأهوالها. وقيل إن بقاء هل هنا على معناها ~~الاستفهامي المتضمن للتعجيب بما في خبره، والتشويق إلى استماعه أولى. وقد ~~ذهب إلى أن المراد بالغاشية هنا القيامة أكثر المفسرين. وقال سعيد بن ~~جبير، ومحمد بن كعب الغاشية النار تغشى وجوه الكفار كما في قوله # وتغشى وجوههم النار # إبراهيم 50 وقيل الغاشية أهل النار لأنهم يغشونها ويقتحمونها. والأول ~~أولى. قال الكلبي المعنى إن لم يكن أتاك حديث الغاشية، فقد أتاك. { ~~وجوه يومئذ خشعة } الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه ~~قيل ما هو؟ أو مستأنفة استئنافا نحويا لبيان ما تضمنته من كون، ثم ~~وجوه في ذلك اليوم متصفة بهذه الصفة المذكورة. ووجوه مرتفع على الابتداء، ~~وإن كانت نكرة لوقوعه في مقام التفصيل. وقد تقدم مثل هذا في سورة ~~القيامة، وفي سورة النازعات. والتنوين في يومئذ عوض عن المضاف إليه، أي ms4195 ~~يوم غشيان الغاشية. والخاشعة الذليلة الخاضعة. وكل متضائل ساكن يقال له ~~خاشع، يقال خشع الصوت إذا خفي، وخشع في صلاته إذا تذلل ونكس رأسه. ~~والمراد بالوجوه هنا أصحابها. قال مقاتل يعني الكفار لأنهم تكبروا عن ~~عبادة الله. قال قتادة، وابن زيد خاشعة في النار. وقيل أراد وجوه اليهود ~~والنصارى على الخصوص، والأول أولى. قوله { عاملة ناصبة } معنى ~~{ عاملة } أنها تعمل عملا شاقا. قال أهل اللغة يقال للرجل إذا دأب في ~~سيره عمل يعمل عملا، ويقال للسحاب إذا دام برقه قد عمل يعمل عملا. قيل ~~وهذا العمل هو جر السلاسل والأغلال، والخوض في النار. { ناصبة } أي ~~تعبة. يقال نصب بالكسر ينصب نصبا إذا تعب، والمعنى أنها في الآخرة تعبة ~~لما تلاقيه من عذاب الله. وقيل إن قوله { عاملة } في الدنيا إذ لا ~~عمل في الآخرة، أي تعمل في الدنيا بالكفر والمعاصي، وتنصب في ذلك. وقيل ~~إنها عاملة في الدنيا ناصبة في الآخرة، والأول أولى. قال قتادة { ~~عاملة ناصبة } تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها الله، ~~وأنصبها في النار بجر السلاسل الثقال، وحمل الأغلال، والوقوف حفاة عراة ~~في العرصات # فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة # المعارج 4 قال الحسن، وسعيد بن جبير لم تعمل لله في الدنيا، ولم تنصب ~~فأعملها، وأنصبها في جهنم. قال الكلبي يجرون على وجوههم في النار. وقال ~~أيضا يكلفون ارتقاء جبل من حديد في جهنم، فينصبون فيها أشد ما يكون من ~~النصب بمعالجة السلاسل، والأغلال، والخوض في النار كما تخوض الإبل في ~~الوحل. # قرأ الجمهور { عاملة ناصبة } بالرفع فيهما على أنهما خبران آخران ~~للمبتدأ، أو على تقدير مبتدأ، وهما خبران له، وقرأ ابن محيصن، وعيسى، ~~وحميد، وابن كثير في رواية عنه بنصبهما على الحال، أو على الذم. وقوله { ~~تصلى نارا حامية } خبر آخر للمبتدأ، أي تدخل نارا متناهية في ~~الحر، يقال حمي النهار، وحمي التنور، أي اشتد حرهما. قال الكسائي يقال ~~اشتد حمى النهار، وحموه بمعنى. قرأ الجمهور " تصلى " بفتح التاء مبنيا ~~للفاعل. وقرأ أبو عمرو، ms4196 ويعقوب، وأبو بكر بضمها مبنيا للمفعول. وقرأ أبو ~~رجاء بضم التاء، وفتح الصاد، وتشديد اللام، والضمير راجع إلى الوجوه على ~~جميع هذه القراءات. والمراد أصحابها، كما تقدم. وهكذا الضمير { تسقى ~~من عين ءانية } والمراد بالعين الآنية المتناهية في الحر. ~~والآني الذي قد انتهى حره، من الإيناء بمعنى التأخر، يقال آناه يؤنيه ~~إيناء، أي أخره وحبسه، كما في قوله # يطوفون بينها وبين حميم ءان # الرحمن 44 قال الواحدي قال المفسرون لو وقعت منها نطفة على جبال الدنيا ~~لذابت. ولما ذكر سبحانه شرابهم عقبه بذكر طعامهم فقال { ليس لهم ~~طعام إلا من ضريع } ، هو نوع من الشوك يقال له الشبرق في لسان ~~قريش إذا كان رطبا، فإذا يبس فهو الضريع. كذا قال مجاهد، وقتادة، ~~وغيرهما من المفسرين. قيل وهو سم قاتل، وإذا يبس لا تقربه دابة ولا ~~ترعاه. وقيل هو شيء يرمي به البحر يسمى الضريع من أقوات الأنعام، لا من ~~أقوات الناس، فإذا رعت منه الإبل لم تشبع، وهلكت هزالا. قال الخليل ~~الضريع نبات أخضر منتن الريح يرمي به البحر. وجمهور أهل اللغة والتفسير ~~قالوا بالأول، ومنه قول أبي ذؤيب # رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى وعاد ضريعا بان عنه التحايص # وقال الهذلي يذكر إبلا، وسوء مرعاها # وحبسن في هرم الضريع وكلها قرناء دامية اليدين جرود # وقال سعيد بن جبير الضريع الحجارة. وقيل هو شجرة في نار جهنم. وقال ~~الحسن هو بعض ما أخفاه الله من العذاب. وقال ابن كيسان هو طعام يضرعون ~~عنده ويذلون، ويتضرعون إلى الله بالخلاص منه، فسمي بذلك لأن آكله يتضرع ~~إلى الله في أن يغض عنه لكراهته وخشونته. قال النحاس قد يكون مشتقا من ~~الضارع وهو الذليل، أي من شربه يلحقه ضراعة وذلة. وقال الحسن أيضا هو ~~الزقوم. وقيل هو واد في جهنم، وقد تقدم في سورة الحاقة # فليس له اليوم ههنا حميم * ولا طعام إلا من ~~غسلين # الحاقة 35، 36 والغسلين غير الضريع، كما تقدم. وجمع بين الآيتين بأن ~~النار دركات، فمنهم من طعامه الضريع، ومنهم ms4197 من طعامه الغسلين. ثم وصف ~~سبحانه الضريع فقال { لا يسمن ولا يغنى من جوع } أي لا ~~يسمن الضريع آكله، ولا يدفع عنه ما به من الجوع. # قال المفسرون لما نزلت هذه الآية. قال المشركون إن إبلنا تسمن من ~~الضريع، فنزلت { لا يسمن ولا يغنى من جوع } وكذبوا في ~~قولهم هذا، فإن الإبل لا تأكل الضريع ولا تقربه. وقيل اشتبه عليهم أمره، ~~فظنوه كغيره من النبات النافع. ثم شرع سبحانه في بيان حال أهل الجنة بعد ~~الفراغ من بيان حال أهل النار فقال { وجوه يومئذ ناعمة } أي ~~ذات نعمة وبهجة، وهي وجوه المؤمنين صارت وجوههم ناعمة لما شاهدوا من ~~عاقبة أمرهم، وما أعده الله لهم من الخير الذي يفوق الوصف، ومثله قوله # تعرف فى وجوههم نضرة النعيم # المطففين 24 ثم قال { لسعيها راضية } أي لعملها الذي عملته في ~~الدنيا راضية، لأنها قد أعطيت من الأجر ما أرضاها، وقرت به عيونها، ~~والمراد بالوجوه هنا أصحابها، كما تقدم. { فى جنة عالية } أي ~~عالية المكان مرتفعة على غيرها من الأمكنة، أو عالية القدر لأن فيها ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. { لا تسمع فيها لغية } قرأ ~~الجمهور { لا تسمع } بفتح الفوقية، ونصب لاغية أي لا تسمع أنت أيها ~~المخاطب، أو لا تسمع تلك الوجوه. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالتحتية ~~مضمومة مبنيا للمفعول، ورفع { لاغية }. وقرأ نافع بالفوقية مضمومة ~~مبنيا للمفعول، ورفع { لاغية }. وقرأ الفضل، والجحدري بفتح التحتية ~~مبنيا للفاعل ونصب { لاغية } ، واللغو الكلام الساقط. قال الفراء، ~~والأخفش، أي لا تسمع فيها كلمة لغو. قيل المراد بذلك الكذب والبهتان، ~~والكفر قاله قتادة، وقال مجاهد أي الشتم. وقال الفراء لا تسمع فيها ~~حالفا يحلف بكذب. وقال الكلبي لا تسمع في الجنة حالفا بيمين برة ولا ~~فاجرة. وقال الفراء أيضا لا تسمع في كلام أهل الجنة كلمة تلغى لأنهم لا ~~يتكلمون إلا بالحكمة وحمد الله تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم، ~~وهذا أرجح الأقوال لأن النكرة في سياق النفي من صيغ العموم، ولا وجه ~~لتخصيص هذا ms4198 بنوع من اللغو خاص إلا بمخصص يصلح للتخصيص. و { لاغية } إما ~~صفة موصوف محذوف، أي كلمة لاغية، أو نفس لاغية، أو مصدر، أي لا تسمع فيها ~~لغوا. { فيها عين جارية } قد تقدم في سورة الإنسان أن فيها ~~عيونا، والعين هنا بمعنى العيون، كما في قوله # علمت نفس # التكوير 14 ومعنى { جارية } أنها تجري مياهها، وتتدفق بأنواع الأشربة ~~المستلذة. قال الكلبي لا أدري بماء أو بغيره. { فيها سرر ~~مرفوعة } أي عالية مرتفعة السمك، أو عالية القدر. { وأكواب ~~موضوعة } قد تقدم أن الأكواب جمع كوب، وأنه القدح الذي لا عروة ~~له. ومعنى { موضوعة } أنها موضوعة بين أيديهم يشربون منها. { ونمارق ~~مصفوفة } النمارق الوسائد. قال الواحدي في قول الجميع، واحدتها ~~نمرقة بضم النون. وزاد الفراء سماعا عن العرب نمرقة بكسرها. # قال الكلبي وسائد مصفوفة بعضها إلى بعض، ومنه قول الشاعر # وإنا لنجري الكأس بين شروبنا وبين أبي قابوس فوق النمارق # وقال الآخر # كهول وشبان حسان وجوههم على سرر مصفوفة ونمارق # قال في الصحاح النمرق، والنمرقة وسادة صغيرة، وكذلك النمرقة بالكسر لغة ~~حكاها يعقوب. { وزرابي مبثوثة } يعني البسط، واحدها زربي ~~وزربية. قال أبو عبيدة، والفراء الزرابي الطنافس التي لها خمل رقيق، ~~واحدها زربية، والمبثوثة المبسوطة قاله قتادة. وقال عكرمة بعضها فوق بعض. ~~قال الواحدي ويجوز أن يكون المعنى أنها مفرقة في المجالس. وبه قال ~~القتيبي. وقال الفراء معنى مبثوثة كثيرة، والظاهر أن معنى البث التفرق ~~مع كثرة، ومنه # وبث فيها من كل دابة # البقرة 164. { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } ~~الاستفهام للتقريع والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدر، كما في نظائره مما ~~مر غير مرة، والجملة مسوقة لتقرير أمر البعث والاستدلال عليه، وكذا ما ~~بعدها، وكيف منصوبة بما بعدها، والجملة في محل جر على أنها بدل اشتمال من ~~الإبل، والمعنى أينكرون أمر البعث، ويستبعدون وقوعه، أفلا ينظرون إلى ~~الإبل التي هي غالب مواشيهم، وأكبر ما يشاهدونه من المخلوقات { كيف ~~خلقت } على ما هي عليه من الخلق البديع من عظم جثتها، ومزيد قوتها، ~~وبديع أوصافها. قال ms4199 أبو عمرو بن العلاء إنما خص الإبل لأنها من ذوات ~~الأربع، تبرك فتحمل عليها الحمولة، وغيرها من ذوات الأربع لا يحمل عليه ~~إلا وهو قائم، قال الزجاج نبههم على عظيم من خلقه قد ذلله للصغير ~~يقوده، وينيخه، وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك، فينهض بثقل ~~حمله، وليس ذلك في شيء من الحوامل غيره، فأراهم عظيما من خلقه ليدل ~~بذلك على توحيده. وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له الفيل أعظم في ~~الأعجوبة، فقال أما الفيل فالعرب بعيدة العهد به، ثم هو خنزير لا يركب ~~ظهره، ولا يؤكل لحمه، ولا يحلب دره. والإبل من أعز مال العرب وأنفسه، ~~تأكل النوى والقت، وتخرج اللبن. ويأخذ الصبي بزمامها، فيذهب بها حيث شاء ~~مع عظمها في نفسها. وقال المبرد الإبل هنا هي القطع العظيمة من السحاب، ~~وهو خلاف ما ذكره أهل التفسير واللغة. وروي عن الأصمعي أنه قال من قرأ { ~~خلقت } بالتخفيف عنى به البعير، ومن قرأ بالتشديد عنى به السحاب. { ~~وإلى السماء كيف رفعت } أي رفعت فوق الأرض بلا عمد على وجه ~~لا يناله الفهم ولا يدركه العقل. وقيل رفعت فلا ينالها شيء. { وإلى ~~الجبال كيف نصبت } على الأرض مرساة راسخة لا تميد ولا تميل، ~~ولا تزول. { وإلى الأرض كيف سطحت } أي بسطت. والسطح بسط ~~الشيء، يقال لظهر البيت إذا كان مستويا سطح. قرأ الجمهور { سطحت } ~~مبنيا للمفعول مخففا. # وقرأ الحسن بالتشديد. وقرأ علي بن أبي طالب، وابن السميفع، وأبو ~~العالية " خلقت " ، " ورفعت " ، " ونصبت " ، وسطحت على البناء للفاعل، ~~وضم التاء فيها كلها. ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بالتذكير ~~فقال { فذكر } والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي فعظهم يا ~~محمد، وخوفهم ثم علل الأمر بالتذكير فقال { إنما أنت مذكر } ~~أي ليس عليك إلا ذلك. و { لست عليهم بمسيطر } المصيطر والمسيطر ~~بالسين والصاد المسلط على الشيء ليشرف عليه، ويتعهد أحواله كذا في ~~الصحاح، أي لست عليهم بمصيطر حتى تكرههم على الإيمان، وهذا منسوخ بآية ~~السيف. قرأ الجمهور { بمصيطر ms4200 } بالصاد، وقرأ هشام، وقنبل في رواية ~~بالسين. وقرأ خلف بإشمام الصاد زايا. وقرأ هارون الأعور بفتح الطاء اسم ~~مفعول { إلا من تولى وكفر } هذا استثناء منقطع، أي لكن من ~~تولى عن الوعظ والتذكير. { فيعذبه الله العذاب الأكبر } ~~وهو عذاب جهنم الدائم. وقيل هو استثناء متصل من قوله { فذكر } أي ~~فذكر كل أحد إلا من انقطع طمعك عن إيمانه، وتولى فاستحق العذاب الأكبر، ~~والأول أولى. وإنما قال { الأكبر } لأنهم قد عذبوا في الدنيا بالجوع ~~والقحط، والقتل والأسر. وقرأ ابن مسعود " فإنه يعذبه الله ". وقرأ ابن ~~عباس، وقتادة إلا من تولى وكفر على أنها " إلا " التي للتنبيه والاستفتاح ~~{ إن إلينا إيابهم } أي رجوعهم بعد الموت. يقال آب يئوب إذا ~~رجع، ومنه قول عبيد بن الأبرص # وكل ذي غيبة يئوب وغائب الموت لا يؤوب # قرأ الجمهور { إيابهم } بالتخفيف. وقرأ أبو جعفر، وشيبة بالتشديد. قال ~~أبو حاتم لا يجوز التشديد ولو جاز لجاز مثله في الصيام والقيام. وقيل هما ~~لغتان بمعنى. قال الواحدي وأما " إيابهم " بتشديد الياء، فإنه شاذ لم ~~يجزه أحد غير الزجاج. { ثم إن علينا حسابهم } يعني جزاءهم ~~بعد رجوعهم إلى الله بالبعث. و " ثم " للتراخي في الرتبة لبعد منزلة ~~الحساب في الشدة عن منزلة الإياب. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس قال الغاشية من أسماء القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عنه { هل أتاك حديث الغشية } قال الساعة { وجوه ~~يومئذ خشعة * عاملة ناصبة } قال تعمل، وتنصب في ~~النار { تسقى من عين ءانية } قال هي التي قد طال أنيها. { ~~ليس لهم طعام إلا من ضريع } قال الشبرق. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عنه أيضا { وجوه يومئذ خشعة * عاملة ناصبة ~~} قال يعني اليهود والنصارى تخشع، ولا ينفعها عملها. { تسقى من ~~عين ءانية } قال قد أني غليانها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { تصلى نارا حامية } قال ~~حارة. # { تسقى من عين ءانية } قال انتهى حرها { ليس لهم ~~طعام إلا من ضريع } يقول من شجر ms4201 من نار. وأخرج عبد بن حميد عنه ~~أيضا { إلا من ضريع } قال الشبرق اليابس. وأخرج ابن جرير عنه ~~أيضا { لا تسمع فيها لغية } يقول لا تسمع أذى ولا باطل، ~~وفي قوله { فيها سرر مرفوعة } قال بعضها فوق بعض. { ~~ونمارق } قال مجالس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضا { ~~ونمارق } قال المرافق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~عنه أيضا { لست عليهم بمصيطر } قال جبار. { إلا من ~~تولى وكفر } قال حسابه على الله. وأخرج أبو داود في ناسخه عنه ~~أيضا { لست عليهم بمسيطر } ثم نسخ ذلك فقال # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # التوبة 5 وأخرج ابن المنذر عنه أيضا { إن إلينا إيابهم } ~~قال مرجعهم. ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-14] # أقسم سبحانه بهذه الأشياء، كما أقسم بغيرها من مخلوقاته. واختلف في ~~الفجر الذي أقسم الله به هنا فقيل هو الوقت المعروف. وسمي فجرا لأنه وقت ~~انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم. وقال قتادة إنه فجر أول يوم من شهر ~~محرم، لأن منه تتفجر السنة. وقال مجاهد يريد يوم النحر. وقال الضحاك فجر ~~ذي الحجة لأن الله قرن الأيام به فقال { وليال عشر } أي ليالي عشر ~~من ذي الحجة. وبه قال السدي، والكلبي. وقيل المعنى وصلاة الفجر، أو رب ~~الفجر. والأول أولى، وجواب هذا القسم وما بعده هو قوله { إن ربك ~~لبالمرصاد } كذا قال ابن الأنباري. وقيل محذوف لدلالة السياق ~~عليه، أي ليجازين كل أحد بما عمل، أو ليعذبن، وقدره أبو حيان بما دلت ~~عليه خاتمة السورة التي قبله، أي { والفجر... } إلخ لإيابهم إلينا، ~~وحسابهم علينا، وهذا ضعيف جدا، وأضعف منه قول من قال إن الجواب قوله { ~~هل فى ذلك قسم لذى حجر }. وأن هل بمعنى قد لأن هذا لا يصح ~~أن يكون مقسما عليه أبدا. { وليال عشر } هي عشر ذي الحجة في قول ~~جمهور المفسرين. وقال الضحاك إنها الأواخر من رمضان. وقيل العشر الأول ~~من المحرم إلى عاشرها يوم عاشوراء. قرأ الجمهور ليال بالتنوين، وعشر صفة ~~لها. وقرأ ابن عباس ms4202 وليالي عشر بالإضافة. قيل والمراد ليالي أيام عشر، ~~وكان حقه على هذا أن يقال عشرة لأن المعدود مذكر. وأجيب عنه بأنه إذا حذف ~~المعدود جاز الوجهان. { والشفع والوتر } الشفع والوتر يعمان كل ~~الأشياء شفعها ووترها، وقيل شفع الليالي ووترها. وقال قتادة الشفع والوتر ~~شفع الصلاة ووترها. منها شفع، ومنها وتر. وقيل الشفع يوم عرفة ويوم ~~النحر، والوتر ليلة يوم النحر. وقال مجاهد، وعطية العوفي الشفع الخلق، ~~والوتر الله الواحد الصمد، وبه قال محمد بن سيرين، ومسروق، وأبو صالح، ~~وقتادة. وقال الربيع بن أنس، وأبو العالية هي صلاة المغرب فيها ركعتان، ~~والوتر الركعة. وقال الضحاك الشفع عشر ذي الحجة، والوتر أيام منى ~~الثلاثة، وبه قال عطاء. وقيل هما آدم وحواء لأن آدم كان وترا فشفع ~~بحواء. وقيل الشفع درجات الجنة وهي ثمان، والوتر دركات النار وهي سبع، ~~وبه قال الحسين بن الفضل. وقيل الشفع الصفا والمروة، والوتر الكعبة. وقال ~~مقاتل الشفع الأيام والليالي، والوتر اليوم الذي لا ليلة بعده، وهو يوم ~~القيامة وقال سفيان بن عيينة الوتر هو الله سبحانه، وهو الشفع أيضا ~~لقوله # ما يكون من نجوى ثلثة إلا هو رابعهم... # المجادلة 7 الآية. وقال الحسن المراد بالشفع والوتر العدد كله لأن العدد ~~لا يخلو عنهما. وقيل الشفع مسجد مكة والمدينة، والوتر مسجد بيت المقدس. # وقيل الشفع حجج القرآن، والوتر الإفراد. وقيل الشفع الحيوان لأنه ذكر ~~وأنثى، والوتر الجماد. وقيل الشفع ما سمي، والوتر ما لا يسمى. ولا يخفاك ~~ما في غالب هذه الأقوال من السقوط البين، والضعف الظاهر، والاتكال في ~~التعيين على مجرد الرأي الزائف، والخاطر الخاطىء. والذي ينبغي التعويل ~~عليه، ويتعين المصير إليه ما يدل عليه معنى الشفع والوتر في كلام العرب، ~~وهما معروفان واضحان، فالشفع عند العرب الزوج، والوتر الفرد. فالمراد ~~بالآية إما نفس العدد، أو ما يصدق عليه من المعدودات بأنه شفع أو وتر. ~~وإذا قام دليل على تعيين شيء من المعدودات في تفسير هذه الآية، فإن كان ~~الدليل يدل على أنه المراد نفسه دون غيره ms4203 فذاك، وإن كان الدليل يدل على ~~أنه مما تناولته هذه الآية لم يكن ذلك مانعا من تناولها لغيره. قرأ ~~الجمهور { والوتر } بفتح الواو. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف بكسرها، وهي ~~قراءة ابن مسعود وأصحابه، وهما لغتان، والفتح لغة قريش وأهل الحجاز، ~~والكسر لغة تميم. قال الأصمعي كل فرد وتر، وأهل الحجاز يفتحون فيقولون ~~وتر في الفرد. وحكى يونس عن ابن كثير أنه قرأ بفتح الواو، وكسر التاء، ~~فيحتمل أن تكون لغة ثالثة، ويحتمل أنه نقل كسرة الراء إلى التاء إجراء ~~للوصل مجرى الوقف. { واليل إذا يسر } قرأ الجمهور { يسر } بحذف ~~الياء وصلا ووقفا اتباعا لرسم المصحف. وقرأ نافع، وأبو عمرو بحذفها في ~~الوقف، وإثباتها في الوصل. وقرأ ابن كثير، وابن محيصن، ويعقوب بإثباتها ~~في الوصل والوقف. قال الخليل تسقط الياء منها موافقة لرؤوس الآي. قال ~~الزجاج والحذف أحب إلي لأنها فاصلة، والفواصل تحذف منها الياآت. قال ~~الفراء قد تحذف العرب الياء وتكتفي بكسر ما قبلها، وأنشد بعضهم # كفاك كف ما تليق درهما جودا وأخرى تعط بالسيف دما # ما تليق، أي ما تمسك. قال المؤرج سألت الأخفش عن العلة في إسقاط الياء ~~من يسر فقال لا أجيبك حتى تبيت على باب داري سنة، فبت على باب داره سنة، ~~فقال الليل لا يسري، وإنما يسرى فيه، فهو مصروف عن جهته، وكل ما صرفته ~~عن جهته بخسته من إعرابه، ألا ترى إلى قوله # وما كانت أمك بغيا # مريم 28 ولم يقل بغية لأنه صرفها من باغية. وفي كلام الأخفش هذا نظر، ~~فإن صرف الشيء عن معناه لسبب من الأسباب لا يستلزم صرف لفظه عن بعض ما ~~يستحقه، ولو صح ذلك للزم في كل المجازات العقلية واللفظية، واللازم ~~باطل، فالملزوم مثله، والأصل ههنا إثبات الياء لأنها لام الفعل المضارع ~~المرفوع، ولم تحذف لعلة من العلل إلا لاتباع رسم المصحف، وموافقة رءوس ~~الآي إجراء للفواصل مجرى القوافي. ومعنى { واليل إذا يسر } إذا ~~يمضي، كقوله # واليل إذ أدبر # المدثر 33 # واليل إذا عسعس # التكوير 17 وقيل معنى ms4204 يسر يسار فيه، كما يقال ليل نائم، ونهار صائم، كما ~~في قول الشاعر # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المطي بنائم # وبهذا قال الأخفش، والقتيبي وغيرهما من أهل المعاني، وبالأول قال جمهور ~~المفسرين. وقال قتادة، وأبو العالية { واليل إذا يسر } أي جاء ~~وأقبل. وقال النخعي، أي استوى. قال عكرمة، وقتادة، والكلبي، ومحمد بن كعب ~~هي ليلة المزدلفة خاصة لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة الله سبحانه. ~~وقيل ليلة القدر لسراية الرحمة فيها. والراجح عدم تخصيص ليلة من الليالي ~~دون أخرى. { هل فى ذلك قسم لذى حجر } هذا الاستفهام لتقرير ~~تعظيم ما أقسم سبحانه به، وتفخيمه من هذه الأمور المذكورة، والإشارة ~~بقوله { ذلك } إلى تلك الأمور، والتذكير بتأويل المذكور، أي هل في ذلك ~~المذكور من الأمور التي أقسمنا بها قسم، أي مقسم به حقيق بأن تؤكد به ~~الأخبار. { لذى حجر } أي عقل ولب. فمن كان ذا عقل ولب علم أن ما ~~أقسم الله به من هذه الأشياء حقيق بأن يقسم به، ومثل هذا قوله # وإنه لقسم لو تعلمون عظيم # الواقعة 76 قال الحسن { لذى حجر } أي لذي حلم. وقال أبو مالك لذي ~~ستر من الناس. وقال الجمهور الحجر العقل. قال الفراء الكل يرجع إلى ~~معنى واحد، لذي عقل، ولذي حلم، ولذي ستر، الكل بمعنى العقل. وأصل الحجر ~~المنع، يقال لمن ملك نفسه ومنعها إنه لذو حجر، ومنه سمي الحجر لامتناعه ~~بصلابته، ومنه حجر الحاكم على فلان، أي منعه. قال، والعرب تقول إنه لذو ~~حجر إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها. ثم ذكر سبحانه على طريقة الاستشهاد ~~ما وقع من عذابه على بعض طوائف الكفار بسبب كفرهم، وعنادهم وتكذيبهم ~~للرسل تحذيرا للكفار في عصر نبينا صلى الله عليه وسلم وتخويفا لهم أن ~~يصيبهم ما أصابهم فقال { ألم تر كيف فعل ربك بعاد * ~~إرم ذات العماد } قرأ الجمهور بتنوين { عاد } على أن يكون { إرم ~~} عطف بيان لعاد، والمراد بعاد اسم أبيهم. وإرم اسم القبيلة، أو بدلا ~~منه. وامتناع صرف إرم ms4205 للتعريف والتأنيث. وقيل المراد بعاد أولاد عاد، وهم ~~عاد الأولى، ويقال لمن بعدهم عاد الأخرى، فيكون ذكر إرم على طريقة عطف ~~البيان أو البدل، للدلالة على أنهم عاد الأولى لا عاد الأخرى، ولا بد من ~~تقدير مضاف على كلا القولين، أي أهل إرم، أو سبط إرم؟ فإن إرم هو جد عاد ~~لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. وقرأ الحسن، وأبو العالية بإضافة ~~عاد إلى إرم. وقرأ الجمهور { إرم } بكسر الهمزة. وفتح الراء، والميم. ~~وقرأ الحسن، ومجاهد، وقتادة، والضحاك { أرم } بفتح الهمزة، والراء. # وقرأ معاذ بسكون الراء تخفيفا، وقرىء بإضافة إرم إلى ذات العماد. قال ~~مجاهد من قرأ بفتح الهمزة شبههم بالإرم التي هي الأعلام. واحدها أرم، وفي ~~الكلام تقديم وتأخير، أي والفجر وكذا، وكذا { إن ربك ~~لبالمرصاد }. { ألم تر } أي ألم ينته علمك إلى ما فعل ربك بعاد، ~~وهذه الرؤية رؤية القلب، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لكل من ~~يصلح له، وقد كان أمر عاد وثمود مشهورا عند العرب لأن ديارهم متصلة ~~بديار العرب، وكانوا يسمعون من أهل الكتاب أمر فرعون. وقال مجاهد أيضا ~~إرم أمة من الأمم، وقال قتادة هي قبيلة من عاد. وقيل هما عادان، فالأولى ~~هي إرم، ومنه قول قيس بن الرقيات # مجدا تليدا بناه أولهم أدرك عادا وقبله إرم # قال معمر إرم إليه مجتمع عاد وثمود، وكان يقال عاد إرم وعاد ثمود، وكانت ~~القبيلتان تنسب إلى إرم، قال أبو عبيدة هما عادان، فالأولى إرم. ومعنى { ~~ذات العماد } ذات القوة والشدة، مأخوذ من قوة الأعمدة، كذا قال الضحاك. ~~وقال قتادة، ومجاهد إنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج النبت ~~رجعوا إلى منازلهم. وقال مقاتل ذات العماد يعني طولهم، كان طول الرجل ~~منهم اثني عشرة ذراعا. ويقال رجل طويل العماد، أي القامة. قال أبو عبيدة ~~ذات العماد ذات الطول، يقال رجل معمد إذا كان طويلا. وقال مجاهد، وقتادة ~~أيضا كان عمادا لقومهم، يقال فلان عميد القوم وعمودهم، أي سيدهم. وقال ms4206 ~~ابن زيد ذات العماد يعني إحكام البنيان بالعمد. قال في الصحاح والعماد ~~الأبنية الرفيعة تذكر وتؤنث، قال عمرو بن كلثوم # ونحن إذا عماد الحي خرت على الإخفاض نمنع من يلينا # وقال عكرمة، وسعيد المقبري هي دمشق، ورواه ابن وهب وأشهب عن مالك. وقال ~~محمد بن كعب هي الإسكندرية. { التى لم يخلق مثلها فى ~~البلد } هذه صفة لعاد أي لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والشدة ~~والقوة، وهم الذين قالوا # من أشد منا قوة # فصلت 15 أو صفة للقرية على قول من قال إن إرم اسم لقريتهم، أو للأرض ~~التي كانوا فيها. والأول أولى، ويدل عليه قراءة أبي التي لم يخلق مثلهم ~~في البلاد وقيل الإرم الهلاك. قال الضحاك { إرم ذات العماد } أي أهلكهم ~~فجعلهم رميما، وبه قال شهر بن حوشب. وقد ذكر جماعة من المفسرين أن إرم ~~ذات العماد اسم مدينة مبنية بالذهب والفضة قصورها ودورها، وبساتينها، وإن ~~حصباءها جواهر، وترابها مسك، وليس بها أنيس، ولا فيها ساكن من بني آدم، ~~وإنها لا تزال تنتقل من موضع إلى موضع، فتارة تكون باليمن، وتارة تكون ~~بالشام، وتارة تكون بالعراق، وتارة تكون بسائر البلاد، وهذا كذب بحت لا ~~ينفق على من له أدنى تميز. # وزاد الثعلبي في تفسيره فقال إن عبد الله بن قلابة في زمان معاوية دخل ~~هذه المدينة، وهذا كذب على كذب، وافتراء على افتراء، وقد أصيب الإسلام، ~~وأهله بداهية دهياء، وفاقرة عظمى ورزية كبرى من أمثال هؤلاء الكذابين ~~الدجالين الذين يجترئون على الكذب، تارة على بني إسرائيل، وتارة على ~~الأنبياء، وتارة على الصالحين، وتارة على رب العالمين، وتضاعف هذا ~~الشر، وزاد كثرة بتصدر جماعة من الذين لا علم لهم بصحيح الرواية من ~~ضعيفها من موضوعها للتصنيف، والتفسير للكتاب العزيز، فأدخلوا هذه ~~الخرافات المختلفة، والأقاصيص المنحولة، والأساطير المفتعلة في تفسير ~~كتاب الله سبحانه، فحرفوا، وغيروا، وبدلوا. ومن أراد أن يقف على بعض ما ~~ذكرنا، فلينظر في كتابي الذي سميته الفوائد المجموعة في الأحاديث ~~الموضوعة. ثم عطف سبحانه القبيلة الآخرة، ms4207 وهي ثمود على قبيلة عاد فقال { ~~وثمود الذين جابوا الصخر بالواد } وهم قوم صالح سموا ~~باسم جدهم ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح. ومعنى { جابوا الصخر } ~~قطعوه. والجوب القطع، ومنه جاب البلاد إذا قطعها، ومنه سمي جيب القميص ~~لأنه جيب، أي قطع. قال المفسرون أول من نحت الجبال والصخور ثمود، فبنوا ~~من المدائن ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، ومنه قوله سبحانه # وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين # الشعراء 149 وكانوا ينحتون الجبال وينقبونها ويجعلون تلك الأنقاب بيوتا ~~يسكنون فيها. وقوله { بالواد } متعلق ب { جابوا } ، أو بمحذوف على ~~أنه حال من الصخر، وهو وادي القرى. قرأ الجمهور { ثمود } بمنع الصرف على ~~أنه اسم للقبيلة، ففيه التأنيث والتعريف. وقرأ يحيى بن وثاب بالصرف على ~~أنه اسم لأبيها. وقرأ الجمهور أيضا بالواد بحذف الياء وصلا، ووقفا ~~اتباعا لرسم المصحف. وقرأ ابن كثير بإثباتها فيهما. وقرأ قنبل في رواية ~~عنه بإثباتها في الوصل دون الوقف. { وفرعون ذى الأوتاد } أي ~~ذو الجنود الذين لهم خيام كثيرة يشدونها بالأوتاد، أو جعل الجنود أنفسهم ~~أوتادا لأنهم يشدون الملك، كما تشد الأوتاد الخيام. وقيل كان له أوتاد ~~يعذب الناس بها ويشدهم إليها. وقد تقدم بيان هذا في سورة ص. { ~~الذين طغوا فى البلد } الموصول صفة لعاد وثمود وفرعون، أي ~~طغت كل طائفة منهم في بلادهم، وتمردت، وعتت، والطغيان مجاوزة الحد. { ~~فأكثروا فيها الفساد } بالكفر، ومعاصي الله، والجور على ~~عباده، ويجوز أن يكون الموصول في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هم ~~الذين طغوا، أو في محل نصب على الذم. { فصب عليهم ربك ~~سوط عذاب } أي أفرغ عليهم وألقى على تلك الطوائف سوط عذاب، وهو ما ~~عذبهم به. قال الزجاج جعل صوته الذي ضربهم به العذاب، يقال صب على فلان ~~خلعة، أي ألقاها عليه، ومنه قول النابغة # فصب الله عليه أحسن صبغة وكان له بين البرية ناصر # ومنه قول الآخر # ألم تر أن الله أظهر دينه وصب على الكفار سوط عذاب # ومعنى { سوط عذاب ms4208 } نصيب عذاب، وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في ~~الدنيا من العذاب العظيم هو بالنسبة إلى ما أعده لهم في الآخرة كالسوط، ~~إذا قيس إلى سائر ما يعذب به. وقيل ذكر السوط للدلالة على شدة ما نزل ~~بهم، وكان السوط عندهم هو نهاية ما يعذب به. قال الفراء هي كلمة تقولها ~~العرب لكل نوع من أنواع العذاب، وأصل ذلك أن السوط هو عذابهم الذي يعذبون ~~به، فجرى لكل عذاب إذا كان فيه عندهم غاية العذاب. وقيل معناه عذاب يخالط ~~اللحم والدم، من قولهم ساطه يسوطه سوطا، أي خلطه، فالسوط خلط الشيء بعضه ~~ببعض، ومنه قول كعب بن زهير # لكن خلة قد سيط من دمها فجع وولع وإخلاف وتبديل # وقال الآخر # أحارث إنا لو تساط دماؤنا تزايلن حتى لا يمس دم دما # وقال آخر # فسطها ذميم الرأي غير موفق فلست على تسويطها بمعان # { إن ربك لبالمرصاد } قد قدمنا قول من قال إن هذا جواب ~~القسم، والأولى أن الجواب محذوف، وهذه الجملة تعليل لما قبلها، وفيها ~~إرشاد إلى أن كفار قومه صلى الله عليه وسلم سيصيبهم ما أصاب أولئك ~~الكفار، ومعنى بالمرصاد أنه يرصد عمل كل إنسان حتى يجازيه عليه بالخير ~~خيرا، وبالشر شرا. قال الحسن، وعكرمة، أي عليه طريق العباد لا يفوته ~~أحد، والرصد والمرصاد الطريق. وقد تقدم بيانه في سورة براءة، وتقدم ~~أيضا عند قوله # إن جهنم كانت مرصادا # النبأ 21. وقد أخرج الفريابي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، ~~والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله { والفجر } قال فجر النهار. ~~وأخرج ابن جرير عنه قال يعني صلاة الفجر. وأخرج سعيد بن منصور، والبيهقي ~~في الشعب، وابن عساكر عنه أيضا في قوله { والفجر } قال هو المحرم ~~فجر السنة، وقد ورد في فضل صوم شهر محرم أحاديث صحيحة، ولكنها لا تدل ~~على أنه المراد بالآية لا مطابقة، ولا تضمنا، ولا التزاما. وأخرج أحمد، ~~والنسائي، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، ~~والبيهقي في الشعب عن جابر ms4209 أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { ~~والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر } قال # " إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر " # وفي لفظ # " هي ليالي من ذي الحجة " # وأخرج عبد بن حميد عن طلحة بن عبد الله أنه دخل على ابن عمر هو وأبو ~~سلمة بن عبد الرحمن فدعاهم ابن عمر إلى الغداء يوم عرفة، فقال أبو سلمة ~~أليس هذه الليالي العشر التي ذكرها الله في القرآن؟ فقال ابن عمر وما ~~يدريك؟ قال ما أشك، قال بلى، فاشكك. # وقد ورد في فضل هذه العشر أحاديث، وليس فيها ما يدل على أنها المرادة ~~بما في القرآن هنا بوجه من الوجوه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله { وليال عشر } قال هي العشر الأواخر من رمضان. ~~وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم وصححه، وابن مردويه عن عمران بن حصين، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سئل عن الشفع والوتر، فقال # " هي الصلاة بعضها شفع، وبعضها وتر " # وفي إسناده رجل مجهول، وهو الراوي له عن عمران بن حصين. وقد روي عن ~~عمران بن عصام على عمران بن حصين بإسقاط الرجل المجهول. وقال الترمذي بعد ~~إخراجه بالإسناد الذي فيه الرجل المجهول هو حديث غريب لا نعرفه إلا من ~~حديث قتادة. قال ابن كثير وعندي أن وقفه على عمران بن حصين أشبه، والله ~~أعلم. قال ولم يجزم ابن جرير بشيء من هذه الأقوال في الشفع والوتر. وقد ~~أخرج هذا الحديث موقوفا على عمران بن حصين عبد الرزاق، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، فهذا يقوي ما قاله ابن كثير. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ~~في قوله { والشفع والوتر } فقال كل شيء شفع، فهو اثنان، والوتر ~~واحد. وأخرج الطبراني، وابن مردويه، قال السيوطي بسند ضعيف عن أبي أيوب ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الشفع والوتر فقال # " يومان وليلة، يوم عرفة، ويوم النحر، والوتر ليلة النحر ليلة جمع " # وأخرج ms4210 ابن جرير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " الشفع يومان، والوتر اليوم الثالث " # وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن سعد، وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير أنه سئل عن الشفع ~~والوتر فقال الشفع قول الله # فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه # البقرة 203 والوتر اليوم الثالث. وفي لفظ الوتر أوسط أيام التشريق. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي ~~في الشعب من طرق عن ابن عباس قال الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة. ~~وأخرج ابن جرير عنه { واليل إذا يسر } قال إذا ذهب. وأخرج ابن ~~المنذر عن ابن مسعود أنه قرأ { والفجر } إلى قوله { إذا يسر } ~~، قال هذا قسم على إن ربك بالمرصاد. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد ~~بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب من ~~طرق عن ابن عباس في قوله { قسم لذى حجر } قال لذي حجى وعقل ونهي. # وأخرج ابن جرير عنه في قوله { بعاد * إرم } قال يعني بالإرم ~~الهالك، ألا ترى أنك تقول أرم بنو فلان { ذات العماد } يعني طولهم ~~مثل العماد. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن المقدام بن معدي كرب عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر { إرم ذات العماد } فقال # " كان الرجل منهم يأتي إلى الصخرة، فيحملها على كاهله، فيلقيها على أي ~~حي أراد فيهلكهم " # ، وفي إسناده رجل مجهول لأن معاوية بن صالح رواه عمن حدثه عن المقدام. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~جابوا الصخر بالواد } قال خرقوها. وأخرج ابن جرير عنه في ~~الآية قال كانوا ينحتون من الجبال بيوتا. { وفرعون ذى ~~الأوتاد } قال الأوتاد الجنود الذين يشدون له أمره. وأخرج الحاكم ~~وصححه عن ابن مسعود في قوله { ذى الأوتاد } قال وتد فرعون لامرأته ~~أربعة أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت. وأخرج ابن جرير، وابن ms4211 ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله { إن ربك ~~لبالمرصاد } قال يسمع ويرى. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عن ابن مسعود في قوله { إن ربك لبالمرصاد ~~} قال من وراء الصراط جسور جسر عليه الأمانة، وجسر عليه الرحم، وجسر عليه ~~الرب عز وجل. ### || [89.15-30] # لما ذكر سبحانه أنه بالمرصاد ذكر ما يدل على اختلاف أحوال عباده عند ~~إصابة الخير، وعند إصابة الشر، وأن مطمح أنظارهم، ومعظم مقاصدهم هو ~~الدنيا فقال { فأما الإنسن إذا ما ابتله ربه } أي ~~امتحنه، واختبره بالنعم { فأكرمه ونعمه } أي أكرمه بالمال، ~~ووسع عليه رزقه { فيقول ربى أكرمن } فرحا بما نال، وسرورا ~~بما أعطي، غير شاكر لله على ذلك، ولا خاطر بباله أن ذلك امتحان له من ~~ربه، واختبار لحاله وكشف لما يشتمل عليه من الصبر والجزع، والشكر للنعمة ~~وكفرانها، و «ما» في قوله { إذا ما } زائدة. وقوله { فأكرمه ~~ونعمه } تفسير للابتلاء. ومعنى { أكرمن } أي فضلني بما أعطاني ~~من المال، وأسبغه علي من النعم لمزيد استحقاقي لذلك، وكوني موضعا له، ~~والإنسان مبتدأ وخبره { فيقول ربى أكرمن } ودخلت الفاء فيه ~~لتضمن أما معنى الشرط، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر، وإن تقدم ~~لفظا فهو مؤخر في المعنى، أي فأما الإنسان فيقول ربي أكرمني وقت ابتلائه ~~بالإنعام. قال الكلبي الإنسان هو الكافر أبي بن خلف. وقال مقاتل نزلت في ~~أمية بن خلف. وقيل نزلت في عتبة بن ربيعة، وأبي حذيفة بن المغيرة. { ~~وأما إذا ما ابتله } أي اختبره، وعامله معاملة من يختبره { ~~فقدر عليه رزقه } أي ضيقه، ولم يوسعه له، ولا بسط له فيه. { ~~فيقول ربى أهانن } أي أولاني هوانا، وهذه صفة الكافر الذي لا ~~يؤمن بالبعث لأنه لا كرامة عنده إلا الدنيا والتوسع في متاعها، ولا ~~إهانة عنده إلا فوتها، وعدم وصوله إلى ما يريد من زينتها، فأما المؤمن، ~~فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته، ويوفقه لعمل الآخرة، ويحتمل أن يراد ~~الإنسان على العموم لعدم تيقظه أن ما صار إليه من الخير، وما أصيب به ms4212 من ~~الشر في الدنيا ليس إلا للاختبار والامتحان، وأن الدنيا بأسرها لا تعدل ~~عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تعدل جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ~~ماء. قرأ نافع بإثبات الياء في { أكرمن } و { أهانن } وصلا وحذفهما ~~وقفا، وقرأ ابن كثير في رواية البزي عنه، وابن محيصن، ويعقوب بإثباتهما ~~وصلا، ووقفا، وقرأ الباقون بحذفهما في الوصل، والوقف اتباعا لرسم ~~المصحف، ولموافقة رؤوس الآي، والأصل إثباتها لأنها اسم، ومن الحذف قول ~~الشاعر # ومن كاشح ظاهر غمره إذا ما انتصبت له أنكرن # أي أنكرني. وقرأ الجمهور { فقدر } بالتخفيف، وقرأ ابن عامر بالتشديد، ~~وهما لغتان. وقرأ الحرميان، وأبو عمرو " ربي " بفتح الياء في الموضعين، ~~وأسكنها الباقون. وقوله { كلا } ردع للإنسان القائل في الحالتين ما ~~قال وزجر له، فإن الله سبحانه قد يوسع الرزق، ويبسط النعم للإنسان لا ~~لكرامته، ويضيقه عليه لا لإهانته، بل للاختبار والامتحان، كما تقدم. # قال الفراء كلا في هذا الموضع بمعنى أنه لم يكن ينبغي للعبد أن يكون ~~هكذا، ولكن يحمد الله على الغنى والفقر. ثم انتقل سبحانه من بيان سوء ~~أقوال الإنسان إلى بيان سوء أفعاله فقال { بل لا تكرمون ~~اليتيم } والالتفات إلى الخطاب لقصد التوبيخ، والتقريع على قراءة ~~الجمهور بالفوقية. وقرأ أبو عمرو، ويعقوب بالتحتية على الخبر. وهكذا ~~اختلفوا فيما بعد هذا من الأفعال، فقرأ الجمهور { تحضون } و { تأكلون } و ~~{ تحبون } بالفوقية على الخطاب فيها. وقرأ أبو عمرو، ويعقوب بالتحتية ~~فيها، والجمع في هذه الأفعال باعتبار معنى الإنسان لأن المراد به الجنس، ~~أي بل لكم أفعال هي أقبح مما ذكر، وهي أنكم تتركون إكرام اليتيم، فتأكلون ~~ماله، وتمنعونه من فضل أموالكم. قال مقاتل نزلت في قدامة بن مظعون، وكان ~~يتيما في حجر أمية بن خلف. { ولا تحاضون على طعام المسكين ~~} قرأ الجمهور " تحضون " من حضه على كذا، أي أغراه به، ومفعوله محذوف، أي ~~لا تحضون أنفسكم، أو لا يحض بعضكم بعضا على ذلك، ولا يأمر به، ولا يرشد ~~إليه. وقرأ الكوفيون { تحاضون } بفتح التاء والحاء بعدها ألف، ms4213 وأصله ~~تتحاضون، فحذف إحدى التاءين. أي لا يحض بعضكم بعضا. وقرأ الكسائي في ~~رواية عنه والسلمي " تحاضون " بضم التاء من الحض، وهو الحث، وقوله { ~~على طعام المسكين } متعلق ب { تحضون } ، وهو إما اسم مصدر، ~~أي على إطعام المسكين، أو اسم للمطعوم، ويكون على حذف مضاف، أي على بذل ~~طعام المسكين، أو على إعطاء طعام المسكين { وتأكلون التراث } ~~أصله الوارث، فأبدلت التاء من الواو المضمومة، كما في تجاه، ووجاه، ~~والمراد به أموال اليتامى الذين يرثونه من قراباتهم، وكذلك أموال النساء، ~~وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان، ويأكلون أموالهم { أكلا ~~لما } أي أكلا شديدا. وقيل معنى { لما } جمعا، من قولهم لممت ~~الطعام إذا أكلته جميعا. قال الحسن يأكل نصيبه ونصيب اليتيم، وكذا قال ~~أبو عبيدة. وأصل اللم في كلام العرب الجمع، يقال لممت الشيء ألمه لما ~~جمعته، ومنه قولهم لم الله شعثه، أي جمع ما تفرق من أموره، ومنه قول ~~النابغة # ولست بمستبق أخا لا تلمه على شعث أي الرجال المهذب # قال الليث اللم الجمع الشديد، ومنه حجر ملموم، وكتيبة ملمومة. وللآكل ~~يلم الثريد، فيجمعه، ثم يأكله. وقال مجاهد يسفه سفا. وقال ابن زيد هو ~~إذا أكل ماله ألم بمال غيره، فأكله، ولا يفكر فيما أكل من خبيث وطيب. { ~~وتحبون المال حبا جما } أي حبا كثيرا والجم الكثير، ~~يقال جم الماء في الحوض إذا كثر واجتمع. والجمة المكان الذي يجتمع فيه ~~الماء. # ثم كرر سبحانه الردع لهم والزجر فقال { كلا } أي ما هكذا ينبغي أن ~~يكون عملكم، ثم استأنف سبحانه فقال { إذا دكت الأرض دكا ~~دكا } وفيه وعيد لهم بعد الردع والزجر، والدك الكسر والدق. والمعنى ~~هنا أنها زلزلت، وحركت تحريكا بعد تحريك. قال ابن قتيبة دكت جبالها حتى ~~استوت. قال الزجاج أي تزلزلت، فدك بعضها بعضا. قال المبرد أي بسطت، ~~وذهب ارتفاعها. قال والدك حط المرتفع بالبسط، وقد تقدم الكلام على الدك ~~في سورة الأعراف، وفي سورة الحاقة، والمعنى أنها دكت مرة بعد أخرى. ~~وانتصاب { دكا } الأول على أنه مصدر ms4214 مؤكد للفعل. و { دكا } الثاني ~~تأكيد للأول. كذا قال ابن عصفور. ويجوز أن يكون النصب على الحال، أي حال ~~كونها مدكوكة مرة بعد مرة، كما يقال علمته الحساب بابا بابا، وعلمته ~~الخط حرفا حرفا. والمعنى أنه كرر الدك عليها حتى صارت هباء منبثا. { ~~وجاء ربك } أي جاء أمره وقضاؤه، وظهرت آياته، وقيل المعنى أنها ~~زالت الشبه في ذلك اليوم، وظهرت المعارف، وصارت ضرورية، كما يزول الشك ~~عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه. وقيل جاء قهر ربك وسلطانه، وانفراده ~~بالأمر، والتدبير من دون أن يجعل إلى أحد من عباده شيئا من ذلك. { ~~والملك صفا صفا } انتصاب { صفا صفا } على الحال، أي مصطفين، ~~أو ذوي صفوف. قال عطاء يريد صفوف الملائكة، وأهل كل سماه صف على حدة. ~~قال الضحاك أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة كانوا صفا محيطين بالأرض ~~ومن فيها، فيكونون سبعة صفوف. { وجىء يومئذ بجهنم } { ~~يومئذ } منصوب ب { جيء } ، والقائم مقام الفاعل ب { جهنم } ، وجوز ~~مكي أن يكون يومئذ هو القائم مقام الفاعل، وليس بذاك. قال الواحدي قال ~~جماعة من المفسرين جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام مع كل ~~زمام سبعون ألف ملك يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش، فلا يبقى ملك ~~مقرب، ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه يقول يا رب نفسي نفسي. وسيأتي ~~الذي هذا نقله عن جماعة المفسرين مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن شاء الله. { يومئذ يتذكر الإنسن } { يومئذ } ~~هذا بدل من { يومئذ } الذي قبله، أي يوم جيء بجهنم يتذكر الإنسان، أي ~~يتعظ، ويذكر ما فرط منه، ويندم على ما قدمه في الدنيا من الكفر ~~والمعاصي. وقيل إن قوله { يومئذ } الثاني بدل من قوله { إذا ~~دكت } والعامل فيهما هو قوله { يتذكر الإنسن } و { ~~أنى له الذكرى } أي ومن أين له التذكر والاتعاظ. وقيل هو على ~~حذف مضاف، أي ومن أين له منفعة الذكرى. قال الزجاج يظهر التوبة، ومن أين ~~له التوبة؟ { يقول يليتنى قدمت لحياتى } الجملة مستأنفة ~~جواب سؤال ms4215 مقدر، كأنه قيل ماذا يقول الإنسان؟، ويجوز أن تكون بدل اشتمال ~~من قوله { يتذكر }. # والمعنى يتمنى أنه قدم الخير، والعمل الصالح. واللام في { لحياتي } ~~بمعنى لأجل حياتي، والمراد حياة الآخرة، فإنها الحياة بالحقيقة لأنها ~~دائمة غير منقطعة. وقيل إن اللام بمعنى " في " ، والمراد حياة الدنيا أي ~~يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في وقت حياتي في الدنيا أنتفع بها هذا ~~اليوم، والأول أولى. قال الحسن علم والله أنه صادف حياة طويلة لا موت ~~فيها. { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } أي يوم يكون زمان ~~ما ذكر من الأحوال لا يعذب كعذاب الله أحد، { ولا يوثق } ك { ~~وثاقه أحد } أو لا يتولى عذاب الله ووثاقه أحد سواه إذ الأمر كله ~~له. والضميران على التقديرين في عذابه ووثاقه لله عز وجل، وهذا على ~~قراءة الجمهور { يعذب } ، و { يوثق } مبنيين للفاعل. وقرأ الكسائي على ~~البناء للمفعول فيهما، فيكون الضميران راجعين إلى الإنسان، أي لا يعذب ~~كعذاب ذلك الإنسان أحد، ولا يوثق كوثاقه أحد، والمراد بالإنسان الكافر، ~~أي لا يعذب من ليس بكافر كعذاب الكافر. وقيل إبليس. وقيل المراد به أبي ~~بن خلف. قال الفراء المعنى أنه لا يعذب كعذاب هذا الكافر المعين أحد، ~~ولا يوثق بالسلاسل والأغلال كوثاقه أحد لتناهيه في الكفر والعناد. وقيل ~~المعنى أنه لا يعذب مكانه أحد، ولا يوثق مكانه أحد، فلا تؤخذ منه فدية، ~~وهو كقوله # ولا تزر وازرة وزر أخرى # الأنعام 164، والعذاب بمعنى التعذيب، والوثاق بمعنى التوثيق. واختار أبو ~~عبيد، وأبو حاتم قراءة الكسائي، قال وتكون الهاء في الموضعين ضمير الكافر ~~لأنه معروف أنه لا يعذب أحد كعذاب الله. قال أبو علي الفارسي يجوز أن ~~يكون الضمير للكافر على قراءة الجماعة أي، لا يعذب أحد أحدا مثل تعذيب ~~هذا الكافر. ولما فرغ سبحانه من حكاية أحوال الأشقياء ذكر بعض أحوال ~~السعداء فقال { يأيتها النفس المطمئنة } المطمئنة هي ~~الساكنة الموقنة بالإيمان وتوحيد الله، الواصلة إلى ثلج اليقين بحيث لا ~~يخالطها شك، ولا يعتريها ريب. قال الحسن هي المؤمنة الموقنة. وقال مجاهد ms4216 ~~الراضية بقضاء الله التي علمت أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها، وأن ما ~~أصابها لم يكن ليخطئها. وقال مقاتل هي الآمنة المطمئنة. وقال ابن كيسان ~~المطمئنة بذكر الله. وقيل المخلصة. قال ابن زيد المطمئنة لأنها بشرت ~~بالجنة عند الموت وعند البعث. { ارجعى إلى ربك } أي ارجعي إلى ~~الله { راضية } بالثواب الذي أعطاك. { مرضية } عنده. وقيل ~~ارجعي إلى موعده. وقيل إلى أمره. وقال عكرمة، وعطاء معنى { ارجعى ~~إلى ربك } إلى جسدك الذي كنت فيه، واختاره ابن جرير، ويدل على هذا ~~قراءة ابن عباس فادخلي في عبدي بالإفراد، والأول أولى { فادخلى فى ~~عبادى } أي في زمرة عبادي الصالحين، وكوني من جملتهم، وانتظمي في ~~سلكهم { وادخلى جنتى } معهم قيل إنه يقال لها ارجعي إلى ربك عند ~~خروجها من الدنيا. # ويقال لها ادخلي في عبادي، وادخلي جنتي يوم القيامة، والمراد بالآية كل ~~نفس مطمئنة على العموم، ولا ينافي ذلك نزولها في نفس معينة، فالاعتبار ~~بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أكلا لما } قال ~~سفا. وفي قوله { حبا جما } قال شديدا. وأخرج ابن جرير عنه { ~~أكلا لما } قال شديدا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضا ~~في قوله { إذا دكت الأرض دكا دكا } قال تحريكها. وأخرج ~~مسلم، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ~~ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك ~~يجرونها " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { وأنى ~~له الذكرى } يقول وكيف له؟ وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله { ~~فيومئذ لا يعذب } الآية قال لا يعذب بعذاب الله أحد، ولا ~~يوثق بوثاق الله أحد. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء في ~~المختارة عنه أيضا في قوله { أحد يأيتها النفس ~~المطمئنة } قال المؤمنة { ارجعى إلى ربك } يقول إلى ~~جسدك. قال «نزلت ms4217 هذه الآية، وأبو بكر جالس، فقال يا رسول الله ما أحسن ~~هذا، فقال أما إنه سيقال لك هذا». وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير نحوه ~~مرسلا. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول نحوه عن أبي بكر الصديق. ~~وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله { يأيتها النفس ~~المطمئنة } قال هو النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر عنه قال { النفس المطمئنة } المصدقة. وأخرج ابن ~~جرير عنه أيضا في الآية قال ترد الأرواح يوم القيامة في الأجساد. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله { ارجعى إلى ربك راضية } ~~قال بما أعطيت من الثواب { مرضية } عنها بعملها. { فادخلى فى ~~عبادى } المؤمنين. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني عن سعيد بن جبير قال ~~مات ابن عباس بالطائف، فجاء طير لم ير على خلقته، فدخل نعشه، ثم لم ير ~~خارجا منه. فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر لا ندري من تلاها { ~~يأيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك ~~راضية مرضية * فادخلى فى عبادى * وادخلى جنتى ~~}. وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن عكرمة مثله. ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1-20] # قوله { لا أقسم } " لا " زائدة، والمعنى أقسم { بهذا ~~البلد }. وقد تقدم الكلام على هذا في تفسير # لا أقسم بيوم القيمة # القيامة 1 ومن زيادة «لا» في الكلام في غير القسم قول الشاعر # تذكرت ليلى فاعترتني صبابة وكاد صميم القلب لا يتصدع # أي يتصدع. ومن ذلك قوله # ما منعك أن لا تسجد # الأعراف 12، أي أن تسجد. قال الواحدي أجمع المفسرون على أن هذا قسم ~~بالبلد الحرام وهو مكة. قرأ الجمهور { لا أقسم } وقرأ الحسن، والأعمش ~~لأقسم من غير ألف. وقيل هو نفي للقسم. والمعنى لا أقسم بهذا البلد إذا لم ~~تكن فيه بعد خروجك منه. وقال مجاهد إن " لا " رد على من أنكر البعث، ثم ~~ابتدأ، فقال أقسم، والمعنى ليس الأمر كما تحسبون، والأول أولى. والمعنى ~~أقسم بالبلد الحرام الذي أنت ms4218 حل فيه. وقال الواسطي إن المراد بالبلد ~~المدينة، وهو مع كونه خلاف إجماع المفسرين هو أيضا مدفوع لكون السورة ~~مكية لا مدنية. وجملة قوله { وأنت حل بهذا البلد } ~~معترضة. والمعنى أقسم بهذا البلد { ووالد وما ولد * لقد ~~خلقنا الإنسن فى كبد } واعترض بينهما بهذه الجملة. والمعنى ~~ومن المكابد أن مثلك علي عظيم حرمته يستحل بهذا البلد، كما يستحل الصيد ~~في غير الحرم. وقال الواحدي الحل والحلال والمحل واحد، وهو ضد المحرم، ~~أحل الله لنبيه صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح حتى قاتل، وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم # " لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من ~~نهار " # قال والمعنى أن الله لما ذكر القسم بمكة دل ذلك على عظم قدرها مع كونها ~~حراما، فوعد نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحلها له حتى يقاتل فيها ~~ويفتحها على يده، فهذا وعد من الله تعالى بأن يحلها له حتى يكون بها ~~حلا. انتهى. فالمعنى وأنت حل بهذا البلد في المستقبل، كما في قوله # إنك ميت وإنهم ميتون # الزمر 30 قال مجاهد المعنى ما صنعت فيه من شيء فأنت حل. قال قتادة أنت ~~حل به لست بآثم، يعني أنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه، ~~لا كالمشركين الذين يرتكبون فيه الكفر والمعاصي. وقيل المعنى لا أقسم ~~بهذا البلد وأنت حال به، ومقيم فيه، وهو محلك، فعلى القول بأن لا نافية ~~غير زائدة، يكون المعنى لا أقسم به وأنت حال به، فأنت أحق بالإقسام بك، ~~وعلى القول بأنها زائدة يكون المعنى أقسم بهذا البلد الذي أنت مقيم به ~~تشريفا لك وتعظيما لقدرك لأنه قد صار بإقامتك فيه عظيما شريفا، وزاد ~~على ما كان عليه من الشرف والعظم، ولكن هذا إذا تقرر في لغة العرب أن ~~لفظ حل يجيء بمعنى حال، وكما يجوز أن تكون الجملة معترضة يجوز أن تكون ~~في محل نصب على الحال. # { ووالد وما ولد } عطف على البلد. قال قتادة، ومجاهد، والضحاك، ms4219 ~~والحسن، وأبو صالح، { ووالد } أي آدم { وما ولد } أي وما تناسل ~~من ولده أقسم بهم لأنهم أعجب ما خلق الله على وجه الأرض لما فيهم من ~~البيان والعقل والتدبير، وفيهم الأنبياء والعلماء والصالحون. وقال أبو ~~عمران الجوني الوالد إبراهيم، وما ولد ذريته. قال الفراء إن «ما» عبارة ~~عن الناس كقوله # ما طاب لكم # النساء 3. وقيل الوالد إبراهيم، والولد إسماعيل، ومحمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقال عكرمة، وسعيد بن جبير { ووالد } يعني الذي يولد له { ~~وما ولد } يعني العاقر الذي لا يولد له، وكأنهما جعلا ما نافية، وهو ~~بعيد، ولا يصح ذلك إلا بإضمار الموصول، أي ووالد والذي ما ولد، ولا يجوز ~~إضمار الموصول عند البصريين، وقال عطية العوفي هو عام في كل والد ومولود ~~من جميع الحيوانات، واختار هذا ابن جرير. { لقد خلقنا الإنسن ~~فى كبد } هذا جواب القسم، والإنسان هو هذا النوع الإنساني، والكبد ~~الشدة والمشقة، يقال كابدت الأمر قاسيت شدته، والإنسان لا يزال في ~~مكابدة الدنيا، ومقاساة شدائدها حتى يموت، وأصل الكبد الشدة، ومنه تكبد ~~اللبن إذا غلظ واشتد، ويقال كبد الرجل إذا وجعت كبده، ثم استعمل في كل ~~شدة ومشقة، ومنه قول أبي الاصبغ # لي ابن عم لو أن الناس في كبد لظل محتجرا بالنبل يرميني # قال الحسن يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة. وقال أيضا يكابد الشكر ~~على السراء، ويكابد الصبر على الضراء، لا يخلو عن أحدهما. قال الكلبي ~~نزلت هذه الآية في رجل من بني جمح يقال له أبو الأشدين، وكان يأخذ الأديم ~~العكاظي ويجعله تحت رجليه ويقول من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة حتى ~~يتمزق، ولا تزول قدماه، وكان من أعداء النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه ~~نزل. { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } يعني لقوته. ~~ويكون معنى { فى كبد } على هذا في شدة خلق. وقيل معنى { فى كبد ~~} أنه جريء القلب غليظ الكبد. { أيحسب أن لن يقدر عليه ~~أحد } أي يظن ابن آدم أن لن يقدر عليه ولا ينتقم منه أحد، أو يظن ms4220 أبو ~~الأشدين أن لن يقدر عليه أحد، وأن هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير ~~شأن مقدر. ثم أخبر سبحانه عن مقال هذا الإنسان فقال { يقول ~~أهلكت مالا لبدا } أي كثيرا مجتمعا بعضه على بعض. قال الليث ~~مال لبد لا يخاف فناؤه من كثرته. # قال الكلبي، ومقاتل يقول أهلكت في عداوة محمد مالا كثيرا. وقال مقاتل ~~نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل أذنب، فاستفتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فأمره أن يكفر، فقال لقد ذهب مالي في الكفارات والنفقات منذ دخلت ~~في دين محمد. قرأ الجمهور { لبدا } بضم اللام، وفتح الباء مخففا. وقرأ ~~مجاهد، وحميد بضم اللام والباء مخففا. وقرأ أبو جعفر بضم اللام، وفتح ~~الباء مشددا. قال أبو عبيدة لبد فعل من التلبيد، وهو المال الكثير بعضه ~~على بعض. قال الزجاج فعل للكثرة، يقال رجل حطم إذا كان كثير الحطم. قال ~~الفراء واحدته لبدة، والجمع لبد. وقد تقدم بيان هذا في سورة الجن. { ~~أيحسب أن لم يره أحد } أي أيظن أنه لم يعاينه أحد. قال ~~قتادة أيظن أن الله سبحانه لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين كسبه، وأين ~~أنفقه؟ وقال الكلبي كان كاذبا لم ينفق ما قال، فقال الله أيظن أن الله ~~لم ير ذلك منه، فعل أو لم يفعل، أنفق أو لم ينفق. ثم ذكر سبحانه ما أنعم ~~به عليهم ليعتبروا فقال { ألم نجعل له عينين } يبصر بهما { ~~ولسانا } ينطق به { وشفتين } يستر بهما ثغره. قال الزجاج ~~المعنى ألم نفعل به ما يدل على أن الله قادر على أن يبعثه، والشفة محذوفة ~~اللام، وأصلها شفهة بدليل تصغيرها على شفيهة { وهدينه ~~النجدين } النجد الطريق في ارتفاع. قال المفسرون بينا له طريق الخير ~~وطريق الشر. قال الزجاج المعنى ألم نعرفه طريق الخير وطريق الشر، ~~مبينتين كتبين الطريقين العاليتين. وقال عكرمة، وسعيد بن المسيب، والضحاك ~~النجدان الثديان لأنهما كالطريقين لحياة الولد، ورزقه، والأول أولى. ~~وأصل النجد المكان المرتفع، وجمعه نجود، ومنه سميت نجد لارتفاعها عن ~~انخفاض تهامة، فالنجدان الطريقان ms4221 العاليان، ومنه قول امرىء القيس # فريقان منهم قاطع بطن نخلة وآخر منهم قاطع نجد كبكب # { فلا اقتحم العقبة } الاقتحام الرمي بالنفس في شيء من غير ~~روية، يقال منه قحم في الأمر قحوما، أي رمى بنفسه فيه من غير روية، ~~وتقحيم النفس في الشيء إدخالها فيه من غير روية، والقحمة بالضم المهلكة. ~~والعقبة في الأصل الطريق التي في الجبل، سميت بذلك لصعوبة سلوكها، وهو ~~مثل ضربه سبحانه لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البر، فجعله ~~كالذي يتكلف صعود العقبة. قال الفراء، والزجاج ذكر سبحانه هنا «لا» مرة ~~واحدة، والعرب لا تكاد تفرد لا مع الفعل الماضي في مثل هذا الموضع حتى ~~يعيدوها في كلام آخر كقوله # فلا صدق ولا صلى # القيامة 31 وإنما أفردها هنا لدلالة آخر الكلام على معناه، فيجوز أن ~~يكون قوله { ثم كان من الذين ءامنوا } قائما مقام التكرير ~~كأنه قال فلا اقتحم العقبة، ولا آمن. # قال المبرد، وأبو علي الفارسي إن «لا» هنا بمعنى لم، أي فلم يقتحم ~~العقبة، وروي نحو ذلك عن مجاهد، فلهذا لم يحتج إلى التكرير، ومنه قول ~~زهير # وكان طوى كشحا على مستكنة فلا هو أبداها ولم يتقدم # أي فلم يبدها، ولم يتقدم. وقيل هو جار مجرى الدعاء كقولهم لا نجاء. قال ~~أبو زيد، وجماعة من المفسرين معنى الكلام هنا الاستفهام الذي بمعنى ~~الإنكار. تقديره أفلا اقتحم العقبة، أو هلا اقتحم العقبة. ثم بين سبحانه ~~العقبة فقال { وما أدراك ما العقبة } أي أي شيء أعلمك ما ~~اقتحامها. { فك رقبة } أي هي إعتاق رقبة، وتخليصها من أسار الرق. ~~وكل شيء أطلقته فقد فككته، ومنه فك الرهن، وفك الكتاب، فقد بين سبحانه ~~أن العقبة هي هذه القرب المذكورة التي تكون بها النجاة من النار. قال ~~الحسن، وقتادة هي عقبة شديدة في النار دون الجسر، فاقتحموها بطاعة الله. ~~وقال مجاهد، والضحاك، والكلبي هي الصراط الذي يضرب على جهنم كحد السيف. ~~وقال كعب هي نار دون الجسر. قيل وفي الكلام حذف أي وما أدراك ما اقتحام ~~العقبة؟ ms4222 قرأ أبو عمرو، وابن كثير، والكسائي فك رقبة على أنه فعل ماض، ~~ونصب رقبة على المفعولية، وهكذا قرآ، أو اطعم على أنه فعل ماض. وقرأ ~~الباقون فك، أو إطعام على أنهما مصدران، وجر رقبة بإضافة المصدر إليها، ~~فعلى القراءة الأولى يكون الفعلان بدلا من اقتحم، أو بيانا له كأنه قيل ~~فلا فك ولا أطعم، والفك في الأصل حل القيد، سمي العتق فكا لأن الرق ~~كالقيد، وسمي المرقوق رقبة لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته. { أو ~~إطعام فى يوم ذى مسغبة } المسغبة المجاعة، والسغب الجوع، ~~والساغب الجائع. قال الراغب يقال منه سغب الرجل سغبا، وسغوبا فهو ساغب، ~~وسغبان، والمسغبة مفعلة منه، وأنشد أبو عبيدة # فلو كنت حرا يابن قيس بن عاصم لما بت شبعانا وجارك ساغبا # قال النخعي { فى يوم ذى مسغبة } أي عزيز فيه الطعام. { ~~يتيما ذا مقربة } أي قرابة. يقال فلان ذو قرابتي، وذو مقربتي ~~واليتيم في الأصل الضعيف. يقال يتم الرجل إذا ضعف. واليتيم عند أهل اللغة ~~من لا أب له. وقيل هو من لا أب له ولا أم، ومنه قول قيس بن الملوح # إلى الله أشكو فقد ليلى كما شكا إلى الله فقد الوالدين يتيم # { أو مسكينا ذا متربة } أي لا شيء له كأنه لصق بالتراب ~~لفقره، وليس له مأوى إلا التراب، يقال ترب الرجل يترب تربا ومتربة إذا ~~افتقر حتى لصق بالتراب ضرا. قال مجاهد هو الذي لا يقيه من التراب لباس ~~ولا غيره. وقال قتادة هو ذو العيال.وقال عكرمة هو المديون. # وقال أبو سنان هو ذو الزمانة. وقال ابن جبير هو الذي ليس له أحد. وقال ~~عكرمة هو البعيد التربة الغريب عن وطنه، والأول أولى، ومنه قول الهذلي # وكنا إذا ما الضيف حل بأرضنا سفكنا دماء البدن في تربة الحال # قرأ الجمهور { ذي مسغبة } على أنه صفة ليوم، و " يتيما " هو مفعول ~~إطعام. وقرأ الحسن " ذا مسغبة " بالنصب على أنه مفعول إطعام، أي يطعمون ~~ذا مسغبة، ويتيما بدل منه. { ثم كان من الذين ءامنوا } ~~عطف ms4223 على المنفي بلا. وجاء بثم للدلالة على تراخي رتبة الإيمان ورفعة ~~محله. وفيه دليل على أن هذه القرب إنما تنفع مع الإيمان. وقيل المعنى ثم ~~كان من الذين آمنوا بأن هذا نافع لهم. وقيل المعنى أنه أتى بهذه القرب ~~لوجه الله. { وتواصوا بالصبر } معطوف على { آمنوا } أي أوصى ~~بعضهم بعضا بالصبر على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى ما أصابهم من ~~البلايا، والمصائب. { وتواصوا بالمرحمة } أي بالرحمة على ~~عباد الله. فإنهم إذا فعلوا ذلك رحموا اليتيم والمسكين، واستكثروا من فعل ~~الخير بالصدقة ونحوها. والإشارة بقوله { أولئك } إلى الموصول ~~باعتبار اتصافه بالصفات المذكورة هم { الميمنة ما } أي أصحاب جهة ~~اليمين، أو أصحاب اليمن، أو الذين يعطون كتبهم بأيمانهم. وقيل غير ذلك ~~مما قد قدمنا ذكره في سورة الواقعة. { والذين كفروا ~~بئايتنا } أي بالقرآن، أو بما هو أعم منه، فتدخل الآيات ~~التنزيلية، والآيات التكوينية التي تدل على الصانع سبحانه { هم ~~أصحب المشئمة } أي أصحاب الشمال، أو أصحاب الشؤم. أو الذين ~~يعطون كتبهم بشمالهم، أو غير ذلك مما تقدم. { عليهم نار ~~مؤصدة } أي مطبقة مغلقة، يقال أصدت الباب، وأوصدته إذا أغلقته، ~~وأطبقته، ومنه قول الشاعر # تحن إلى أجبال مكة ناقتي ومن دونها أبواب صنعاء مؤصدة # قرأ الجمهور موصدة بالواو. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، وحفص بالهمزة مكان ~~الواو، وهما لغتان، والمعنى واحد. وقد أخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن ~~عباس في قوله { لا أقسم بهذا البلد } قال مكة { وأنت ~~حل بهذا البلد } يعني بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، أحل ~~الله له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء، ويستحيي من شاء. فقتل له يومئذ ابن ~~خطل صبرا، وهو آخذ بأستار الكعبة، فلم يحل لأحد من الناس بعد النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يفعل فيها حراما حرمه الله، فأحل الله له ما ~~صنع بأهل مكة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في قوله { ~~لا أقسم بهذا البلد } قال مكة. { وأنت حل بهذا ~~البلد } قال أنت يا محمد يحل لك أن ms4224 تقاتل فيه. وأما غيرك فلا. وأخرج ~~ابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي قال نزلت هذه الآية { لا أقسم ~~بهذا البلد * وأنت حل بهذا البلد } في، خرجت، ~~فوجدت عبد الله بن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، فضربت عنقه بين الركن ~~والمقام. # وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس { لا أقسم بهذا البلد } ~~قال أحل له أن يصنع فيه ما شاء. { ووالد وما ولد } قال يعني ~~بالوالد آدم، وما ولد ولده. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال الوالد الذي يلد، { وما ولد ~~} العاقر لا يلد من الرجال والنساء. وأخرج ابن جرير، والطبراني عنه أيضا ~~{ ووالد } قال آدم. { لقد خلقنا الإنسن فى كبد } قال في ~~اعتدال وانتصاب. وأخرج ابن جرير عنه أيضا { لقد خلقنا ~~الإنسن فى كبد } قال في نصب. وأخرج ابن جرير عنه أيضا { لقد ~~خلقنا الإنسن فى كبد } قال في شدة. وأخرج الفريابي، وعبد ~~بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا { لقد ~~خلقنا الإنسن فى كبد } قال في شدة خلق ولادته، ونبت أسنانه، ~~ومعيشته، وختانه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه ~~أيضا { لقد خلقنا الإنسن فى كبد } قال خلق الله كل شيء ~~يمشي على أربعة إلا الإنسان فإنه خلق منتصبا. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو ~~الشيخ في العظمة عنه أيضا { لقد خلقنا الإنسن فى كبد } ~~قال منتصبا في بطن أمه أنه قد وكل به ملك إذا نامت الأم أو أضطجعت رفع ~~رأسه لولا ذلك لغرق في الدم. وأخرج ابن جرير عنه أيضا في قوله { مالا ~~لبدا } قال كثيرا. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن ~~مسعود في قوله { وهدينه النجدين } قال سبيل الخير والشر. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ~~وهدينه النجدين } قال الهدى والضلالة. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن جرير عنه قال سبيل الخير والشر. وأخرج ms4225 ابن أبي حاتم من طريق سنان ~~بن سعد عن أنس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم # " هما نجدان، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير " # تفرد به سنان بن سعد، ويقال سعد بن سنان. وقد وثقه يحيى بن معين. وقال ~~الإمام أحمد، والنسائي، والجوزجاني منكر الحديث. وقال أحمد تركت حديثه ~~لاضطرابه، قد روى خمسة عشر حديثا منكرة كلها ما أعرف منها حديثا ~~واحدا، يشبه حديثه حديث الحسن البصري، لا يشبه حديث أنس. وأخرجه عبد ~~الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه من طرق عن الحسن قال ذكر ~~لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول. # .. فذكره. وهذا مرسل، وكذا رواه قتادة مرسلا. أخرجه عنه ابن جرير، ~~ويشهد له ما أخرج الطبراني عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال # " يا أيها الناس إنهما نجدان نجد خير، ونجد شر، فما جعل نجد الشر أحب ~~إليكم من نجد الخير " # ويشهد له أيضا ما أخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال # " إنما هما نجدان، نجد الخير، ونجد الشر، فلا يكن نجد الشر أحب إليكم ~~من نجد الخير " # وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم من طرق عن ~~ابن عباس في قوله { وهدينه النجدين } قال الثديين. وأخرج ~~ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله { فلا ~~اقتحم العقبة } قال جبل زلال في جهنم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس قال العقبة النار. وأخرج عبد بن حميد عنه قال العقبة بين الجنة ~~والنار. وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن عائشة ~~قالت لما نزل { فلا اقتحم العقبة } قيل يا رسول الله ما عند ~~أحدنا ما يعتق إلا أن عند أحدنا الجارية السوداء تخدمه، فلو أمرناهن ~~بالزنا، فجئن بالأولاد، فأعتقناهم، فقال رسول الله # " لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن آمر بالزنا، ثم أعتق ~~الولد " # وأخرجه ابن ms4226 جرير عنها بلفظ # " لعلاقة سوط في سبيل الله أعظم أجرا من هذا " # وقد ثبت الترغيب في عتق الرقاب بأحاديث كثيرة منها في الصحيحين، وغيرهما ~~عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار حتى ~~الفرج بالفرج " # وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { فى يوم ذى ~~مسغبة } قال مجاعة. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~أبي حاتم عنه { فى يوم ذى مسغبة } قال جوع. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا { يتيما ذا مقربة } قال ~~ذا قرابة، وفي قوله { ذا متربة } قال بعيد التربة، أي غريبا عن ~~وطنه، وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه أيضا { أو مسكينا ذا ~~متربة } قال هو المطروح الذي ليس له بيت. وفي لفظ للحاكم هو الذي لا ~~يقيه من التراب شيء. وفي لفظ هو اللازق بالتراب من شدة الفقر. وأخرج ابن ~~مردويه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم { مسكينا ذا ~~متربة } قال # " الذي مأواه المزابل " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { وتواصوا ~~بالمرحمة } يعني بذلك رحمة الناس كلهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عنه { مؤصدة } قال مغلقة الأبواب. وأخرج ~~الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي هريرة { ~~مؤصدة } قال مطبقة. ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1-15] # أقسم سبحانه بهذه الأمور، وله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته. وقال قوم إن ~~القسم بهذه الأمور، ونحوها مما تقدم، ومما سيأتي هو على حذف مضاف أي ~~الشمس ورب القمر، وهكذا سائرها، ولا ملجىء إلى هذا، ولا موجب له. ~~وقوله { وضحها } هو قسم ثان قال مجاهد وضحاها، أي ضوئها وإشراقها. ~~وأضاف الضحى إلى الشمس لأنه إنما يكون عند ارتفاعها، وكذا قال الكلبي. ~~وقال قتادة { ضحاها } نهارها كله. قال الفراء الضحى هو ms4227 النهار. وقال ~~المبرد أصل الضحى الصبح، وهو نور الشمس. قال أبو الهيثم الضحى نقيض ~~الظل، وهو نور الشمس على وجه الأرض، وأصله الضحى، فاستثقلوا الياء، ~~فقلبوها ألفا. قيل والمعروف عند العرب أن الضحى إذا طلعت الشمس وبعيد ~~ذلك قليلا، فإذا زاد فهو الضحاء بالمد. قال المبرد الضحى، والضحوة ~~مشتقان من الضح، وهو النور، فأبدلت الألف، والواو من الحاء. واختلف في ~~جواب القسم ماذا هو؟ فقيل هو قوله { قد أفلح من زكها }. ~~قاله الزجاج وغيره. قال الزجاج وحذفت اللام لأن الكلام قد طال، فصار طوله ~~عوضا منها. وقيل الجواب محذوف، أي والشمس، وكذا لتبعثن. وقيل تقديره ~~ليدمدمن الله على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ~~دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحا، وأما { قد أفلح من زكها ~~} فكلام تابع لقوله { فألهمها فجورها وتقواها } على سبيل ~~الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء. وقيل هو على التقديم والتأخير ~~بغير حذف، والمعنى قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها. ~~والأول أولى. { والقمر إذا تلها } أي تبعها، وذلك بأن طلع ~~بعد غروبها، يقال تلا يتلو تلوا إذا تبع. قال المفسرون وذلك في النصف ~~الأول من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة، وخلفها في ~~النور. قال الزجاج تلاها حين استدار، فكان يتلو الشمس في الضياء والنور، ~~يعني إذا كمل ضوءه، فصار تابعا للشمس في الإنارة، يعني كان مثلها في ~~الإضاءة، وذلك في الليالي البيض. وقيل إذا تلا طلوعه طلوعها. قال قتادة ~~إن ذلك ليلة الهلال إذا سقطت رؤي الهلال. قال ابن زيد إذا غربت الشمس في ~~النصف الأول من الشهر تلاها القمر بالطلوع، وفي آخرها يتلوها بالغروب، ~~وقال الفراء تلاها أخذ منها يعني أن القمر يأخذ من ضوء الشمس. { ~~والنهار إذا جلها } أي جلى الشمس، وذلك أن الشمس عند انبساط ~~النهار تنجلي تمام الانجلاء، فكأنه جلاها مع أنها الذي تبسطه. وقيل ~~الضمير عائد إلى الظلمة، أي جلى الظلمة، وإن لم يجر للظلمة ذكر لأن ~~المعنى معروف. قال ms4228 الفراء كما تقول أصبحت باردة أي أصبحت غداتنا باردة، ~~والأول أولى. # ومنه قول قيس بن الحطيم # تجلت لنا كالشمس تحت غمامة بدا حاجب منها وضنت بحاجب # وقيل المعنى جلى ما في الأرض من الحيوانات، وغيرها بعد أن كانت مستترة ~~في الليل. وقيل جلى الدنيا. وقيل جلى الأرض. { واليل إذا ~~يغشها } أي يغشي الشمس، فيذهب بضوئها، فتغيب، وتظلم الآفاق، وقيل ~~يغشى الآفاق. وقيل الأرض، وإن لم يجر لهما ذكر لأن ذلك معروف. والأول ~~أولى. { والسماء وما بنها } يجوز أن تكون ما مصدرية، أي ~~والسماء وبنيانها، ويجوز أن تكون موصولة، أي والذي بناها، وإيثار «ما» ~~على من لإرادة الوصفية لقصد التفخيم كأنه قال والقادر العظيم الشأن الذي ~~بناها. ورجح الأول الفراء، والزجاج، ولا وجه لقول من قال إن جعلها ~~مصدرية مخل بالنظم. ورجح الثاني ابن جرير. { والأرض وما طحها ~~} الكلام في «ما» هذه كالكلام في التي قبلها، ومعنى طحاها بسطها. كذا قال ~~عامة المفسرين، كما في قوله { دحها } قالوا طحاها ودحاها واحد، أي ~~بسطها من كل جانب، والطحو البسط. وقيل معنى { طحاها } قسمها. وقيل خلقها، ~~ومنه قول الشاعر # وما يدري جذيمة من طحاها ولا من ساكن العرش الرفيع # والأول أولى. والطحو أيضا الذهاب. قال أبو عمرو بن العلاء طحا الرجل ~~إذا ذهب في الأرض. يقال ما أدري أين طحا؟ ويقال طحا به قلبه إذا ذهب به، ~~ومنه قول الشاعر # طحا بك قلب في الحسان طروب بعيد الشباب عصر حان مشيب # { ونفس وما سواها } الكلام في «ما» هذه، كما تقدم، ومعنى { ~~سواها } خلقها وأنشأها، وسوى أعضاءها. قال عطاء يريد جميع ما خلق من ~~الجن والإنس، والتنكير للتفخيم. وقيل المراد نفس آدم. { فألهمها ~~فجورها وتقواها } أي عرفها وأفهمها حالهما، وما فيهما من الحسن ~~والقبح. قال مجاهد عرفها طريق الفجور، والتقوى، والطاعة، والمعصية. قال ~~الفراء فألهمها عرفها طريق الخير، وطريق الشر، كما قال # وهدينه النجدين # البلد 10. قال محمد بن كعب إذا أراد الله بعبده خيرا ألهمه الخير فعمل ~~به، وإذا أراد به الشر ألهمه الشر ms4229 فعمل به. قال ابن زيد جعل فيها ذلك ~~بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور، واختار هذا الزجاج، وحمل ~~الإلهام على التوفيق والخذلان. قال الواحدي وهذا هو الوجه لتفسير ~~الإلهام، فإن التبيين والتعليم، والتعريف دون الإلهام، والإلهام أن يوقع ~~في قلبه، ويجعل فيه، وإذا أوقع الله في قلب عبده شيئا ألزمه ذلك الشيء. ~~قال وهذا صريح في أن الله خلق في المؤمن تقواه، وفي الكافر فجوره. { قد ~~أفلح من زكها } أي قد فاز من زكى نفسه وأنماها، وأعلاها ~~بالتقوى بكل مطلوب، وظفر بكل محبوب، وقد قدمنا أن هذا جواب القسم على ~~الراجح، وأصل الزكاة النمو والزيادة، ومنه زكا الزرع إذا كثر. # { وقد خاب من دسها } أي خسر من أضلها وأغواها. قال أهل ~~اللغة دساها أصله دسسها، من التدسيس، وهو إخفاء الشيء في الشيء، فمعنى ~~دساها في الآية أخفاها وأخملها، ولم يشهرها بالطاعة والعمل الصالح، وكانت ~~أجواد العرب تنزل الأمكنة المرتفعة ليشتهر مكانها، فيقصدها الضيوف، وكانت ~~لئام العرب تنزل الهضاب، والأمكنة المنخفضة ليخفى مكانها عن الوافدين. ~~وقيل معنى { دساها } أغواها، ومنه قول الشاعر # وأنت الذي دسيت عمرا فأصبحت حلائله منه أرامل ضيعا # وقال ابن الأعرابي { وقد خاب من دسها } أي دس نفسه في جملة ~~الصالحين، وليس منهم { كذبت ثمود بطغواها } الطغوى اسم من ~~الطغيان كالدعوى من الدعاء. قال الواحدي قال المفسرون كذبت ثمود ~~بطغيانها، أي الطغيان حملتهم على التكذيب، والطغيان مجاوزة الحد في ~~المعاصي، والباء للسببية. وقيل كذبت ثمود بطغواها، أي بعذابها الذي وعدت ~~به، وسمي العذاب طغوى لأنه طغى عليهم، فتكون الباء على هذا للتعدية. وقال ~~محمد بن كعب بطغواها، أي بأجمعها. قرأ الجمهور { بطغواها } بفتح الطاء. ~~وقرأ الحسن، والجحدري، ومحمد بن كعب، وحماد بن سلمة بضم الطاء فعلى ~~القراءة الأولى هو مصدر بمعنى الطغيان، وإنما قلبت الياء والواو للفرق ~~بين الاسم والصفة لأنهم يقلبون الياء في الأسماء كثيرا نحو تقوى، وسروى، ~~وعلى القراءة الثانية هو مصدر كالرجعى والحسنى، ونحوهما، وقيل هما لغتان. ~~{ إذ انبعث أشقها } العامل في الظرف { كذبت } ، أو ms4230 { بطغواها ~~} ، أي حين قام أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف، فعقر الناقة، ومعنى انبعث ~~انتدب لذلك وقام به، يقال بعثته على الأمر، فانبعث له، وقد تقدم بيان ~~هذا في الأعراف. { فقال لهم رسول الله } يعني صالحا { ~~ناقة الله }. قال الزجاج { ناقة الله } منصوبة على معنى ذروا ناقة ~~الله. قال الفراء حذرهم إياها، وكل تحذير فهو نصب { وسقيها } ~~معطوف على ناقة، وهو شربها من الماء. قال الكلبي، ومقاتل قال لهم صالح ~~ذروا ناقة الله، فلا تعقروها، وذروا سقياها، وهو شربها من النهر، فلا ~~تعرضوا له يوم شربها، فكذبوا بتحذيره إياهم. { فعقروها } أي عقرها ~~الأشقى، وإنما أسند العقر إلى الجميع لأنهم رضوا بما فعله. قال قتادة إنه ~~لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم. قال الفراء عقرها ~~اثنان، والعرب تقول هذان أفضل الناس، وهذان خير الناس، فلهذا لم يقل ~~أشقياها. { فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها } أي ~~أهلكهم، وأطبق عليهم العذاب، وحقيقة الدمدمة تضعيف العذاب، وترديده، يقال ~~دمدمت على الشيء، أي أطبقت عليه، ودمدم عليه القبر، أي أطبقه، وناقة ~~مدمومة إذا لبسها الشحم، والدمدمة إهلاك باستئصال، كذا قال المؤرج. قال ~~في الصحاح دمدمت الشيء إذا ألزقته بالأرض، وطحطحته، ودمدم الله عليهم، أي ~~أهلكهم. وقال ابن الأعرابي دمدم إذا عذب عذابا تاما. # والضمير في { فسواها } يعود إلى الدمدمة، أي فسوى الدمدمة عليهم، ~~وعمهم بها، فاستوت على صغيرهم وكبيرهم. وقيل يعود إلى الأرض، أي فسوى ~~الأرض عليهم، فجعلهم تحت التراب. وقيل يعود إلى الأمة، أي ثمود. قال ~~الفراء سوى الأمة أنزل العذاب بصغيرها وكبيرها بمعنى سوى بينهم. قرأ ~~الجمهور فدمدم بميم بين الدالين، وقرأ ابن الزبير فدهدم بهاء بين ~~الدالين. قال القرطبي وهما لغتان، كما يقال امتقع لونه، واهتقع لونه. { ~~فلا يخاف عقبها } أي فعل الله ذلك بهم غير خائف من عاقبة، ولا ~~تبعة. والضمير في { عقباها } يرجع إلى الفعلة، أو إلى الدمدمة المدلول ~~عليها بدمدم. وقال السدي، والضحاك، والكلبي إن الكلام يرجع إلى العاقر ~~لا إلى الله سبحانه، أي لم يخف الذي عقرها ms4231 عقبى ما صنع. وقيل لا يخاف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عاقبة إهلاك قومه، ولا يخشى ضررا يعود ~~عليه من عذابهم لأنه قد أنذرهم، والأول أولى. قرأ الجمهور { ولا يخاف } ~~بالواو، وقرأ نافع، وابن عامر بالفاء. وقد أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس ~~{ وضحها } قال ضوئها { والقمر إذا تلها } قال تبعها. { ~~والنهار إذا جلها } قال أضاءها. { والسماء وما ~~بنها } قال الله بنى السماء { والأرض وما طحها } قال ~~دحاها. { فألهمها فجورها وتقواها } قال علمها الطاعة، ~~والمعصية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه { والأرض ~~وما طحها } يقول قسمها. { فألهمها فجورها وتقواها ~~} قال من الخير والشر. وأخرج الحاكم وصححه عنه أيضا { فألهمها } ~~قال ألزمها فجورها وتقواها. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن مردويه عن عمران بن حصين أن رجلا قال يا رسول الله ~~أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه، شيء قد قضي عليهم، ومضى في قدر ~~قد سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم نبيهم، واتخذت عليهم به الحجة، قال # " بل شيء قد قضي عليهم " # قال فلم يعملون إذن؟ قال # " من كان الله خلقه لواحدة من المنزلتين يهيئه لعملها، وتصديق ذلك في ~~كتاب الله { ونفس وما سواها * فألهمها فجورها ~~وتقواها } " # وسيأتي في السورة التي بعد هذه نحو هذا الحديث. وأخرج ابن أبي شيبة، ~~وأحمد، والنسائي عن زيد بن أرقم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها " # وأخرجه ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه من حديث ابن عباس، وزاد «كان ~~إذا تلا هذه الآية { ونفس وما سواها * فألهمها ~~فجورها وتقواها } قال فذكره. وزاد أيضا «وهو في الصلاة». وأخرج ~~حديث زيد بن أرقم مسلم أيضا. وأخرج نحوه أحمد من حديث عائشة. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { قد ~~أفلح من زكها } يقول قد أفلح من زكى الله نفسه { وقد خاب ~~من دسها } يقول قد خاب من دس الله ms4232 نفسه فأضله. { ولا يخاف ~~عقبها } قال لا يخاف من أحد تبعة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم ~~عنه { وقد خاب من دسها } يعني مكر بها. وأخرج ابن أبي حاتم، ~~وأبو الشيخ، وابن مردويه، والديلمي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله { قد أفلح من ~~زكها } الآية # " أفلحت نفس زكاها الله، وخابت نفس خيبها الله من كل خير " # وجويبر ضعيف. وأخرج ابن جرير عنه أيضا { بطغواها } قال اسم العذاب ~~الذي جاءها الطغوى، فقال كذبت ثمود بعذابها. وأخرج البخاري، ومسلم، ~~وغيرهما عن عبد الله بن زمعة قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ~~الناقة، وذكر الذي عقرها، فقال { إذ انبعث أشقها } قال # " انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة " # وأخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والبغوي، والطبراني، وابن مردويه، والحاكم، ~~وأبو نعيم في الدلائل عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لعلي # " ألا أحدثك بأشقى الناس؟ " # قال بلى. قال # " رجلان أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك على هذا -«يعني قرنه»- ~~حتى تبتل منه هذه - يعني لحيته ". ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-21] # قوله { واليل إذا يغشى } أي يغطي بظلمته ما كان مضيئا. قال ~~الزجاج يغشى الليل الأفق، وجميع ما بين السماء والأرض، فيذهب ضوء النهار، ~~وقيل يغشى النهار. وقيل يغشى الأرض. والأول أولى. { والنهار إذا ~~تجلى } أي ظهر وانكشف، ووضح لزوال الظلمة التي كانت في الليل، وذلك ~~بطلوع الشمس { وما خلق الذكر والأنثى } " ما " هنا هي ~~الموصولة، أي والذي خلق الذكر والأنثى، وعبر عن من بما للدلالة على ~~الوصفية، ولقصد التفخم، أي والقادر العظيم الذي خلق صنفي الذكر والأنثى. ~~قال الحسن، والكلبي معناه، والذي خلق الذكر والأنثى فيكون قد أقسم بنفسه. ~~قال أبو عبيدة { وما خلق } ، أي ومن خلق. وقال مقاتل يعني وخلق الذكر ~~والأنثى فتكون «ما» على هذا مصدرية. قال الكلبي، ومقاتل يعني آدم وحواء، ~~والظاهر العموم. قرأ الجمهور { وما خلق الذكر ms4233 والأنثى }. وقرأ ابن مسعود ~~والذكر والأنثى بدون " ما خلق ". { إن سعيكم لشتى } هذا ~~جواب القسم، أي إن عملكم لمختلف فمنه عمل للجنة، ومنه عمل للنار. قال ~~جمهور المفسرين السعي العمل، فساع في فكاك نفسه، وساع في عطبها. و { شتى ~~} جمع شتيت كمرضى ومريض. وقيل للمختلف شتى لتباعد ما بين بعضه وبعض. { ~~فأما من أعطى واتقى } أي بذل ماله في وجوه الخير، واتقى ~~محارم الله التي نهى عنها { وصدق بالحسنى } أي بالخلف من ~~الله. قال المفسرون فأما من أعطى المعسرين. وقال قتادة أعطى حق الله ~~الذي عليه. وقال الحسن أعطى الصدق من قلبه، وصدق بالحسنى، أي بلا إله ~~إلا الله، وبه قال الضحاك، والسلمي. وقال مجاهد بالحسنى بالجنة. وقال ~~زيد بن أسلم بالصلاة، والزكاة، والصوم، والأول أولى. قال قتادة بالحسنى، ~~أي بموعود الله الذي وعده أن يثيبه. قال الحسن بالخلف من عطائه، واختار ~~هذا ابن جرير { فسنيسره لليسرى } أي فسنهيئه للخصلة الحسنى، ~~وهي عمل الخير، والمعنى فسنيسر له الإنفاق في سبيل الخير، والعمل بالطاعة ~~لله. قال الواحدي قال المفسرون نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق اشترى ~~ستة نفر من المؤمنين كانوا في أيدي أهل مكة يعذبونهم في الله. { وأما ~~من بخل واستغنى } أي بخل بماله، فلم يبذله في سبل الخير، ~~واستغنى أي زهد في الأجر والثواب، أو { استغنى } بشهوات الدنيا عن نعيم ~~الآخرة. { وكذب بالحسنى } أي بالخلف من الله عز وجل، وقال ~~مجاهد بالجنة، وروي عنه أيضا أنه قال بلا إله إلا الله { ~~فسنيسره للعسرى } أي فسنهيئه للخصلة العسرى، ونسهلها له حتى ~~تتعسر عليه أسباب الخير والصلاح، ويضعف عن فعلها، فيؤديه ذلك إلى النار. ~~قال مقاتل يعسر عليه أن يعطي خيرا. # قيل العسرى الشر، وذلك أن الشر يؤدي إلى العذاب، والعسرة في العذاب، ~~والمعنى سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه. قال الفراء سنيسره سنهيئه، ~~والعرب تقول قد يسرت الغنم إذا ولدت، أو تهيأت للولادة. قال الشاعر # هما سيدانا يزعمان وإنما يسوداننا إن يسرت غنماهما # { وما يغنى عنه ماله إذا تردى ms4234 } أي لا يغني عنه شيئا ~~ماله الذي بخل به، أو أي شيء يغني عنه إذا تردى، أي هلك، يقال ردي الرجل ~~يردى ردى، وتردى يتردى إذا هلك. وقال قتادة، وأبو صالح، وزيد بن أسلم { ~~إذا تردى } إذا سقط في جهنم، يقال ردي في البئر، وتردى إذا سقط فيها، ~~ويقال ما أدري أين ردى، أي أين ذهب؟ { إن علينا للهدى } هذه ~~الجملة مستأنفة مقررة لما قبلها، أي إن علينا البيان. قال الزجاج علينا ~~أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال. قال قتادة على الله البيان بيان ~~حرامه، وطاعته، ومعصيته. قال الفراء من سلك الهدى، فعلى الله سبيله، ~~لقوله # وعلى الله قصد السبيل # النحل 9 يقول من أراد الله، فهو على السبيل القاصد. قال الفراء أيضا ~~المعنى إن علينا للهدى والإضلال، فحذف الإضلال كقوله # سرابيل تقيكم الحر # النحل 81 وقيل المعنى إن علينا ثواب هداه الذي هديناه { وإن لنا ~~للأخرة والأولى } أي لنا كل ما في الآخرة، وكل ما في الدنيا ~~نتصرف به كيف نشاء. فمن أرادهما أو إحداهما، فليطلب ذلك منا، وقيل المعنى ~~إن لنا ثواب الآخرة، وثواب الدنيا. { فأنذرتكم نارا تلظى } ~~أي حذرتكم وخوفتكم نارا تتوقد وتتوهج، وأصله تتلظى، فحذفت إحدى التاءين ~~تخفيفا. وقرأ على الأصل عبيد بن عمير، ويحيى بن يعمر، وطلحة بن مصرف. { ~~لا يصلها إلا الأشقى } أي يصلاها صليا لازما على جهة ~~الخلود إلا الأشقى وهو الكافر، وإن صليها غيره من العصاة، فليس صليه ~~كصليه. والمراد بقوله { يصلاها } يدخلها، أو يجد صلاها، وهو حرها. ثم ~~وصف الأشقى فقال { الذى كذب وتولى } أي كذب بالحق الذي جاءت ~~به الرسل، وأعرض عن الطاعة والإيمان. قال الفراء { إلا الأشقى } ~~إلا من كان شقيا في علم الله جل ثناؤه. قال أيضا لم يكن كذب برد ~~ظاهر، ولكن قصر عما أمر به من الطاعة، فجعل تكذيبا، كما تقول لقي فلان ~~العدو، فكذب إذا نكل، ورجع عن اتباعه. قال الزجاج هذه الآية هي التي من ~~أجلها قال أهل الإرجاء بالإرجاء، فزعموا أنه لا ms4235 يدخل النار إلا كافر ~~ولأهل النار منازل، فمنها أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار. والله ~~سبحانه كل ما وعد عليه بجنس من العذاب، فجدير أن يعذب به، وقد قال # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء # النساء 48 فلو كان كل من لم يشرك لم يعذب لم يكن في قوله { ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء } فائدة. وقال في الكشاف الآية واردة في ~~الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين، وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ ~~في صفتيهما المتناقضتين. فقيل الأشقى، وجعل مختصا بالصلي كأن النار لم ~~تخلق إلا له. وقيل الأتقى، وجعل مختصا بالنجاة كأن الجنة لم تخلق إلا ~~له، وقيل المراد بالأشقى أبو جهل، أو أمية بن خلف، وبالأتقى أبو بكر ~~الصديق، ومعنى { وسيجنبها الأتقى } سيباعد عنها المتقي للكفر ~~اتقاء بالغا. قال الواحدي الأتقى أبو بكر الصديق في قول جميع المفسرين ~~انتهى، والأولى حمل الأشقى والأتقى على كل متصف بالصفتين المذكورتين، ~~ويكون المعنى أنه لا يصلاها صليا تاما إلا الكامل في الشقاء، وهو ~~الكافر، ولا يجنبها ويبعد عنها تبعيدا كاملا بحيث لا يحوم حولها فضلا ~~عن أن يدخلها إلا الكامل في التقوى، فلا ينافي هذا دخول بعض العصاة من ~~المسلمين النار دخولا غير لازم، ولا تبعيد بعض من لم يكن كامل التقوى عن ~~النار تبعيدا غير بالغ مبلغ تبعيد الكامل في التقوى عنها. والحاصل أن من ~~تمسك من المرجئة بقوله { لا يصلها إلا الأشقى } زاعما أن ~~الأشقى الكافر لأنه الذي كذب وتولى، ولم يقع التكذيب من عصاة المسلمين، ~~فيقال له فما تقول في قوله { وسيجنبها الاتقى } فإنه يدل على ~~أنه لا يجنب النار إلا الكامل في التقوى، فمن لم يكن كاملا فيها كعصاة ~~المسلمين لم يكن ممن يجنب النار. فإن أولت الأتقى بوجه من وجوه التأويل ~~لزمك مثله في الأشقى، فخذ إليك هذه مع تلك، وكن كما قال الشاعر # على أنني راض بأن أحمل الهوى وأخرج منه لا علي ولا ليه # وقيل ms4236 أراد بالأشقى، والأتقى الشقي، والتقي، كما قال طرفة بن العبد # تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد # أي بواحد. ولا يخفاك أنه ينافي هذا وصف الأشقى بالتكذيب، فإن ذلك لا ~~يكون إلا من الكافر، فلا يتم ما أراده قائل هذا القول من شمول الوصفين ~~لعصاة المسلمين. ثم ذكر سبحانه صفة الأتقى فقال { الذى يؤتى ~~ماله } أي يعطيه، ويصرفه في وجوه الخير، وقوله { يتزكى } في محل ~~نصب على الحال من فاعل يؤتي، أي حال كونه يطلب أن يكون عند الله زكيا لا ~~يطلب رياء ولا سمعة، ويجوز أن يكون بدلا من يؤتي داخلا معه في حكم ~~الصلة. قرأ الجمهور { يتزكى } مضارع " تزكى ". وقرأ علي بن الحسين بن ~~علي تزكى بإدغام التاء في الزاي. { وما لأحد عنده من نعمة ~~تجزى } الجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها من كون التزكي على جهة ~~الخلوص، غير مشوب بشائبة تنافي الخلوص أي ليس ممن يتصدق بماله ليجازي ~~بصدقته نعمة لأحد من الناس عنده ويكافئه عليها، وإنما يبتغي بصدقته وجه ~~الله تعالى ومعنى الآية أنه ليس لأحد من الناس عنده نعمة من شأنها أن ~~يجازى عليها حتى يقصد بإيتاء ما يؤتي من ماله مجازاتها، وإنما قال { تجزى ~~} مضارعا مبنيا للمفعول لأجل الفواصل، والأصل يجزيها إياه، أو يجزيه ~~إياها. # { إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى } قرأ الجمهور { إلا ~~ابتغاء } بالنصب على الاستثناء المنقطع لعدم اندراجه تحت جنس النعمة، أي ~~لكن ابتغاء وجه ربه الأعلى، ويجوز أن يكون منصوبا على أنه مفعول له على ~~المعنى، أي لا يؤتي إلا لابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة. قال الفراء هو ~~منصوب على التأويل، أي ما أعطيتك ابتغاء جزائك بل ابتغاء وجه الله، وقرأ ~~يحيى بن وثاب بالرفع على البدل من محل نعمة لأن محلها الرفع إما على ~~الفاعلية، وإما على الابتداء، ومن مزيدة، والرفع لغة تميم لأنهم يجوزون ~~البدل في المنقطع، ويجرونه مجرى المتصل. قال مكي وأجاز الفراء الرفع في ~~«ابتغاء» على البدل من موضع نعمة، وهو بعيد. قال ms4237 شهاب الدين كأنه لم يطلع ~~عليها قراءة، واستبعاده، هو البعيد فإنها لغة فاشية، وقرأ الجمهور أيضا ~~{ ابتغاء } بالمد. وقرأ ابن أبي عبلة بالقصر و { الأعلى } نعت للرب. { ~~ولسوف يرضى } اللام هي الموطئة للقسم، أي وتالله لسوف يرضى بما ~~نعطيه من الكرامة والجزاء العظيم. قرأ الجمهور { يرضى } مبنيا للفاعل، ~~وقرىء مبنيا للمفعول. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس { واليل ~~إذا يغشى } قال إذا أظلم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن ~~عساكر عن ابن مسعود قال إن أبا بكر الصديق اشترى بلالا من أمية بن خلف، ~~وأبي بن خلف ببردة، وعشر أواق، فأعتقه لله، فأنزل الله { واليل ~~إذا يغشى } إلى قوله { إن سعيكم لشتى } سعي أبي بكر، ~~وأمية وأبي إلى قوله { وكذب بالحسنى } قال لا إله إلا الله ~~إلى قوله { فسنيسره للعسرى } قال النار. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي ~~في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله { فأما من أعطى } من ~~الفضل { واتقى } قال اتقى ربه { وصدق بالحسنى } قال صدق ~~بالخلف من الله. { فسنيسره لليسرى } قال للخير من الله. { ~~وأما من بخل واستغنى } قال بخل بماله، واستغنى عن ربه. { ~~وكذب بالحسنى } قال بالخلف من الله. { فسنيسره ~~للعسرى } قال للشر من الله. وأخرج ابن جرير عنه { وصدق ~~بالحسنى } قال أيقن بالخلف. وأخرج ابن جرير عنه أيضا { وصدق ~~بالحسنى } يقول صدق بلا إله إلا الله. { وأما من بخل ~~واستغنى } يقول من أغناه الله، فبخل بالزكاة. # وأخرج ابن جرير، وابن عساكر عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال كان أبو ~~بكر يعتق على الإسلام بمكة، وكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له ~~أبوه أي بني أراك تعتق أناسا ضعفا، فلو أنك تعتق رجالا جلدا يقومون ~~معك ويمنعونك ويدفعون عنك. قال أي أبت إنما أريد ما عند الله، قال ~~فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه { فأما من أعطى ~~واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى }. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه، ms4238 وابن عساكر عن ابن عباس في قوله { ~~فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى } قال أبو ~~بكر الصديق { وأما من بخل واستغنى * وكذب ~~بالحسنى } قال أبو سفيان بن حرب. وأخرج البخاري، ومسلم، وأهل ~~السنن، وغيرهم عن علي بن أبي طالب قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~في جنازة، فقال # " ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار " # فقالوا يا رسول الله أفلا نتكل؟ قال # " اعملوا، فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة، فييسر لعمل ~~أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء، فييسر لعمل أهل الشقاء " # ثم قرأ { فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى ~~} إلى قوله { للعسرى }. وأخرج أحمد، ومسلم، وغيرهما عن جابر بن عبد ~~الله أن سراقة بن مالك قال يا رسول الله في أي شيء نعمل؟ أفي شيء ثبتت ~~فيه المقادير، وجرت به الأقلام، أم في شيء يستقبل فيه العمل؟ قال # " بل في شيء ثبتت فيه المقادير، وجرت فيه الأقلام " # قال سراقة ففيم العمل إذن يا رسول الله؟ قال # " اعملوا، فكل ميسر لما خلق له " # وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { فأما من أعطى ~~واتقى } إلى قوله { فسنيسره للعسرى } ». وقد تقدم ~~حديث عمران بن حصين في السورة التي قبل هذه. وفي الباب أحاديث من طريق ~~جماعة من الصحابة. وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال «لتدخلن الجنة إلا ~~من يأبى، قالوا ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ فقرأ { الذى كذب ~~وتولى } ». وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه عن أبي أمامة قال لا يبقى أحد من هذه الأمة إلا أدخله الله ~~الجنة، إلا من شرد على الله، كما يشرد البعير السوء على أهله، فمن لم ~~يصدقني فإن الله يقول { لا يصلها إلا الأشقى * الذى ~~كذب وتولى } كذب بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وتولى ~~عنه. وأخرج أحمد، والحاكم، والضياء عن أبي أمامة الباهلي أنه سئل عن ألين ~~كلمة سمعها من ms4239 رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول # " ألا كلكم يدخل الله الجنة إلا من شرد على الله شراد البعير على أهله ~~" # وأخرج أحمد، وابن ماجه، وابن مردويه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " لا يدخل النار إلا شقي. قيل ومن الشقي؟ قال الذي لا يعمل لله ~~بطاعة، ولا يترك لله معصية " # وأخرج أحمد، والبخاري عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى، قالوا ومن يأبى يا رسول ~~الله؟ قال من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى " # وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة أن أبا بكر الصديق أعتق سبعة كلهم يعذب في ~~الله بلال، وعامر بن فهيرة، والنهدية، وابنتها، وزنيرة، وأم عيسى، وأمة ~~بني المؤمل. وفيه نزلت { وسيجنبها الأتقى } إلى آخر السورة. ~~وأخرج الحاكم وصححه عن عامر بن عبد الله بن الزبير ما قدمنا عنه، وزاد ~~فيه، فنزلت فيه هذه الآية { فأما من أعطى واتقى } إلى ~~قوله { وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء ~~وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى }. وأخرج البزار، وابن ~~جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وابن عساكر عنه نحو هذا من ~~وجه آخر. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله { وسيجنبها ~~الأتقى } قال هو أبو بكر الصديق. ### | [93 - سورة الضحى] ### || [93.1-11] # والمراد بالضحى هنا النهار كله، لقوله { واليل إذا سجى } فلما ~~قابل الضحى بالليل دل على أن المراد به النهار كله لا بعضه. وهو في ~~الأصل اسم لوقت ارتفاع الشمس، كما تقدم في قوله # والشمس وضحها # الشمس 1. والظاهر أن المراد به الضحى من غير تعيين. وقال قتادة، ومقاتل، ~~وجعفر الصادق إن المراد به الضحى الذي كلم الله فيه موسى، والمراد بقوله ~~{ واليل إذا سجى } ليلة المعراج. وقيل المراد بالضحى هو الساعة ~~التي خر فيها السحرة سجدا، كما في قوله # وأن يحشر الناس ضحى # طه 59. وقيل المقسم به مضاف مقدر، كما تقدم في ms4240 نظائره، أي ورب الضحى. ~~وقيل تقديره وضحاوة الضحى، ولا وجه لهذا، فلله سبحانه أن يقسم بما شاء ~~من خلقه. وقيل الضحى نور الجنة، والليل ظلمة النار. وقيل الضحى نور قلوب ~~العارفين، والليل سواد قلوب الكافرين. { واليل إذا سجى } أي ~~سكن، كذا قال قتادة، ومجاهد، وابن زيد، وعكرمة، وغيرهم يقال ليلة ساجية، ~~أي ساكنة، ويقال للعين إذا سكن طرفها ساجية، يقال سجا الشيء يسجو سجوا ~~إذا سكن. قال عطاء سجا إذا غطي بالظلمة. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي سجا ~~امتد ظلامه. وقال الأصمعي سجو الليل تغطيته النهار، مثل ما يسجى الرجل ~~بالثوب. وقال الحسن غشي بظلامه. وقال سعيد بن جبير أقبل. وقال مجاهد ~~أيضا استوى، والأول أولى، وعليه جمهور المفسرين وأهل اللغة. ومعنى ~~سكونه استقرار ظلامه واستواؤه، فلا يزاد بعد ذلك. { ما ودعك ~~ربك } هذا جواب القسم، أي ما قطعك قطع المودع. قرأ الجمهور { ما ~~ودعك } بتشديد الدال من التوديع، وهو توديع المفارق. وقرأ ابن عباس، ~~وعروة بن الزبير، وابنه هاشم، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة بتخفيفها، من ~~قولهم ودعه أي تركه، ومنه قول الشاعر # سل أميري ما الذي غيره عن وصالي اليوم حتى ودعه # والتوديع أبلغ في الودع لأن من ودعك مفارقا، فقد بالغ في تركك. قال ~~المبرد لا يكادون يقولون ودع ولا وذر لضعف الواو إذا قدمت، واستغنوا ~~عنها بترك. قال أبو عبيدة ودعك من التوديع، كما يودع المفارق. وقال ~~الزجاج لم يقطع الوحي، وقد قدمنا سبب نزول هذه الآية في فاتحة هذه ~~السورة. { وما قلى } القلي البغض. يقال قلاه يقليه قلاء. قال الزجاج ~~وما أبغضك، وقال { وما قلى } ، ولم يقل، وما قلاك لموافقة رؤوس الآي. ~~والمعنى وما أبغضك، ومنه قول امرىء القيس # ولست بمقلي الخلال ولا قالي # { وللأخرة خير لك من الاولى } اللام جواب قسم محذوف، ~~أي الجنة خير لك من الدنيا، مع أنه صلى الله عليه وسلم قد أوتي في الدنيا ~~من شرف النبوة ما يصغر عنده كل شرف، ويتضاءل بالنسبة إليه كل مكرمة في ~~الدنيا ولكنها ms4241 لما كانت الدنيا بأسرها مشوبة بالأكدار منغصة بالعوارض ~~البشرية، وكانت الحياة فيها كأحلام نائم، أو كظل زائل لم تكن بالنسبة إلى ~~الآخرة شيئا ولما كانت طريقا إلى الآخرة، وسببا لنيل ما أعده الله ~~لعباده الصالحين من الخير العظيم بما يفعلونه فيها من الأعمال الموجبة ~~للفوز بالجنة كان فيها خير في الجملة من هذه الحيثية. # { ولسوف يعطيك ربك فترضى } هذه اللام قيل هي لام ~~الابتداء دخلت على الخبر لتأكيد مضمون الجملة، والمبتدأ محذوف تقديره، ~~ولأنت سوف يعطيك الخ، وليست للقسم لأنها لا تدخل على المضارع إلا مع ~~النون المؤكدة. وقيل هي للقسم. قال أبو علي الفارسي ليست هذه اللام هي ~~التي في قولك إن زيدا لقائم، بل هي التي في قولك لأقومن، ونابت " سوف " ~~عن إحدى نوني التأكيد، فكأنه قال وليعطينك. قيل المعنى ولسوف يعطيك ربك ~~الفتح في الدنيا والثواب في الآخرة، فترضى. وقيل الحوض والشفاعة. وقيل ~~ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك. وقيل غير ذلك. والظاهر أنه سبحانه ~~يعطيه ما يرضى به من خيري الدنيا والآخرة، ومن أهم ذلك عنده، وأقدمه ~~لديه قبول شفاعته لأمته. { ألم يجدك يتيما فاوى } هذا شروع ~~في تعداد ما أفاضه الله سبحانه عليه من النعم، أي وجدك يتيما لا أب لك، ~~{ فآوى } أي جعل لك مأوى تأوي إليه، قرأ الجمهور { فآوى } بألف بعد ~~الهمزة رباعيا، من آواه يؤويه، وقرأ أبو الأشهب فآوى ثلاثيا، وهو إما ~~بمعنى الرباعي، أو هو من أوى له إذا رحمه. وعن مجاهد معنى الآية ألم يجدك ~~واحدا في شرفك لا نظير لك، فآواك الله بأصحاب يحفظونك ويحوطونك، فجعل ~~يتيما من قولهم درة يتيمة، وهو بعيد جدا، والهمزة لإنكار النفي، ~~وتقرير المنفي على أبلغ وجه، فكأنه قال قد وجدك يتيما فآوى، والوجود ~~بمعنى العلم، ويتيما مفعوله الثاني. وقيل بمعنى المصادفة، ويتيما حال ~~من مفعوله { ووجدك ضالا فهدى } معطوف على المضارع المنفي. ~~وقيل هو معطوف على ما يقتضيه الكلام الذي قبله، كما ذكرنا، أي قد وجدك ~~يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى، والضلال ms4242 هنا بمعنى الغفلة، كما في قوله # لا يضل ربى ولا ينسى # طه 52 وكما في قوله # وإن كنت من قبله لمن الغفلين # يوسف 3 والمعنى أنه وجدك غافلا عما يراد بك من أمر النبوة، واختار هذا ~~الزجاج. وقيل معنى ضالا لم تكن تدري القرآن ولا الشرائع، فهداك لذلك. ~~وقال الكلبي، والسدي، والفراء وجدك في قوم ضلال، فهداهم الله لك. وقيل ~~وجدك طالبا للقبلة، فهداك إليها، كما في قوله # قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك ~~قبلة ترضاها # البقرة 144. ويكون الضلال بمعنى الطلب. وقيل وجدك ضائعا في قومك فهداك ~~إليه، ويكون الضلال بمعنى الضياع. # وقيل وجدك محبا للهداية فهداك إليها، ويكون الضلال بمعنى المحبة، ومنه ~~قول الشاعر # عجبا لعزة في اختيار قطيعتي بعد الضلال فحبلها قد أخلقا # وقيل وجدك ضالا في شعاب مكة، فهداك، أي ردك إلى جدك عبد المطلب. { ~~ووجدك عائلا فأغنى } أي وجدك فقيرا لا مال لك فأغناك. يقال ~~عال الرجل يعيل عيلة إذا افتقر، ومنه قول أحيحة بن الجلاح # فما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل # أي يفتقر. قال الكلبي { فأغنى } أي رضاك بما أعطاك من الرزق، واختار ~~هذا الفراء، قال لأنه لم يكن غنيا من كثرة، ولكن الله سبحانه رضاه بما ~~آتاه، وذلك حقيقة الغنى. وقال الأخفش عائلا ذا عيال، ومنه قول جرير # الله أنزل في الكتاب فريضة لابن السبيل، وللفقير العائل # وقيل فأغنى بما فتح لك من الفتوح. وفيه نظر لأن السورة مكية. وقيل بمال ~~خديجة بنت خويلد. وقيل وجدك فقيرا من الحجج والبراهين، فأغناك بها. قرأ ~~الجمهور { عائلا } وقرأ محمد بن السميفع، واليماني عيلا بكسر الياء ~~المشددة كسيد. ثم أوصاه سبحانه باليتامى والفقراء فقال { فأما ~~اليتيم فلا تقهر } أي لا تقهره بوجه من وجوه القهر كائنا ما ~~كان. قال مجاهد لا تحقر اليتيم، فقد كنت يتيما. قال الأخفش لا تسلط عليه ~~بالظلم، ادفع إليه حقه، واذكر يتمك. قال الفراء، والزجاج لا تقهره على ~~ماله، فتذهب بحقه لضعفه، وكذا كانت العرب تفعل في ms4243 حق اليتامى تأخذ ~~أموالهم، وتظلمهم حقوقهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسن إلى ~~اليتيم، ويبره، ويوصي باليتامى. قرأ الجمهور { فلا تقهر } بالقاف، وقرأ ~~ابن مسعود، والنخعي، والشعبي، والأشهب العقيلي تكهر بالكاف. والعرب ~~تعاقب بين القاف والكاف. قال النحاس إنما يقال كهره إذا اشتد عليه وغلظ. ~~وقيل القهر الغلبة، والكهر الزجر. قال أبو حيان هي لغة يعني قراءة الكاف ~~مثل قراءة الجمهور. و { اليتيم } منصوب ب { تقهر }. { وأما ~~السائل فلا تنهر } يقال نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره، ~~فهو نهي عن زجر السائل والإغلاظ له، ولكن يبذل له اليسير، أو يرده ~~بالجميل. قال الواحدي قال المفسرون يريد السائل على الباب، يقول لا تنهره ~~إذا سألك فقد كنت فقيرا، فإما أن تطعمه، وإما أن ترده ردا لينا. قال ~~قتادة معناه رد السائل برحمة ولين. وقيل المراد بالسائل الذي يسأل عن ~~الدين، فلا تنهره بالغلظة والجفوة، وأجبه برفق ولين، كذا قال سفيان، و { ~~السائل } منصوب ب { تنهر } ، والتقدير مهما يكن من شيء، فلا تقهر ~~اليتيم، ولا تنهر السائل. { وأما بنعمة ربك فحدث } أمره ~~سبحانه بالتحدث بنعم الله عليه، وإظهارها للناس، وإشهارها بينهم. ~~والظاهر النعمة على العموم من غير تخصيص بفرد من أفرادها، أو نوع من ~~أنواعها. # وقال مجاهد، والكلبي المراد بالنعمة هنا القرآن. قال الكلبي وكان القرآن ~~أعظم ما أنعم الله به عليه، فأمره أن يقرأه. قال الفراء وكان يقرؤه ~~ويحدث به. وقال مجاهد أيضا المراد بالنعمة النبوة التي أعطاه الله. ~~واختار هذا الزجاج فقال أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك ~~الله، وهي أجل النعم. وقال مقاتل يعني اشكر ما ذكر من النعمة عليك في ~~هذه السورة من الهدي بعد الضلالة، وجبر اليتم، والإغناء بعد العيلة، ~~فاشكر هذه النعم. والتحدث بنعمة الله شكر، والجار والمجرور متعلق ~~بحدث، والفاء غير مانعة من تعلقه به، وهذه النواهي لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هي نواه له ولأمته لأنهم أسوته، فكل فرد من أفراد هذه الأمة ~~منهي بكل فرد من أفراد ms4244 هذه النواهي. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس { ~~واليل إذا سجى } قال إذا أقبل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه { إذا سجى } قال إذا ذهب { ما ~~ودعك ربك } قال ما تركك { وما قلى } قال ما أبغضك. وأخرج ~~الطبراني في الأوسط، والبيهقي في الدلائل عنه أيضا قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " عرض علي ما هو مفتوح لأمتي بعدي " # فأنزل الله { وللأخرة خير لك من الأولى }. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، وأبو نعيم عنه أيضا قال «عرض على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته من بعده، فسر بذلك، فأنزل ~~الله { ولسوف يعطيك ربك فترضى } فأعطاه في الجنة ألف ~~قصر من لؤلؤ ترابه المسك في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم». ~~وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله { ولسوف يعطيك ~~ربك فترضى } قال رضاه أن يدخل أمته كلهم الجنة. وأخرج ابن جرير ~~عنه أيضا في الآية قال من رضا محمد أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار. ~~وأخرج الخطيب في التلخيص من وجه آخر عنه أيضا في الآية قال لا يرضى ~~محمد، وأحد من أمته في النار، ويدل على هذا ما أخرجه مسلم عن ابن عمرو ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله في إبراهيم # فمن تبعنى فإنه منى # إبراهيم 36 وقول عيسى # إن تعذبهم فإنهم عبادك # المائدة 118 الآية، فرفع يديه، وقال # " اللهم أمتي أمتي، وبكى " # فقال الله يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك، ولا ~~نسوؤك. وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية من طريق حرب ~~بن شريح قال قلت لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أرأيت هذه الشفاعة ~~التي يتحدث بها أهل العراق أحق هي؟ قال إي والله. # حدثني محمد بن الحنفية عن علي أن رسول الله صلى الله ms4245 عليه وسلم قال # " أشفع لأمتي حتى يناديني ربي أرضيت يا محمد؟ فأقول نعم يا رب رضيت " # ثم أقبل علي فقال إنكم تقولون يا معشر أهل العراق إن أرجى آية في كتاب ~~الله # قل يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا # الزمر 53. قلت إنا لنقول ذلك، قال فكنا أهل البيت نقول إن أرجى آية في ~~كتاب الله { ولسوف يعطيك ربك فترضى } وهي الشفاعة. ~~وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إنا أهل البيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا " # { ولسوف يعطيك ربك فترضى }. وأخرج العسكري في ~~المواعظ، وابن مردويه، وابن النجار عن جابر بن عبد الله قال دخل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة، وهي تطحن بالرحى، وعليها كساء من ~~جلد الإبل، فلما نظر إليها قال # " يا فاطمة تعجلي مرارة الدنيا بنعيم الآخرة " # فأنزل الله { ولسوف يعطيك ربك فترضى }. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، وأبو نعيم، وابن ~~عساكر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته، قلت قد كانت قبلي أنبياء منهم ~~من سخرت له الريح، ومنهم من كان يحيي الموتى، فقال تعالى يا محمد ألم ~~أجدك يتيما، فآويتك؟ ألم أجدك ضالا، فهديتك؟ ألم أجدك عائلا، فأغنيتك؟ ~~ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أضع عنك وزرك؟ ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت بلى يا رب " # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال لما نزلت { والضحى } على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يمن علي ربي وأهل أن يمن ربي " # وأخرج ابن مردويه عنه في قوله { ووجدك ضالا فهدى } قال وجدك ~~بين الضالين، فاستنقذك من ضلالتهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن علي ~~في قوله { وأما بنعمة ربك فحدث } قال ما علمت من الخير. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال إذا ms4246 أصبت خيرا، فحدث إخوانك. ~~وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، والبيهقي في الشعب، والخطيب في ~~المتفق، قال السيوطي بسند ضعيف عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على المنبر # " من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، ~~والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة " # وأخرج أبو داود، والترمذي وحسنه، وأبو يعلى، وابن حبان، والبيهقي، ~~والضياء عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " من أبلى بلاء فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره " # وأخرج البخاري في الأدب، وأبو داود، والضياء عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " من أعطى عطاء فوجد، فليجز به، فإن لم يجد فليثن به. فمن أثنى به فقد ~~شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط فإنه كلابس ثوبي زور " # وأخرج أحمد، والطبراني في الأوسط، والبيهقي عن عائشة قالت قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " من أولى معروفا فليكافىء به، فإن لم يستطع فليذكره، فإن من ذكره، فقد ~~شكره ". ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1-8] # معنى شرح الصدر فتحه بإذهاب ما يصد عن الإدراك. والاستفهام إذا دخل على ~~النفي قرره، فصار المعنى قد شرحنا لك صدرك. وإنما خص الصدر لأنه محل ~~أحوال النفس من العلوم، والإدراكات. والمراد الامتنان عليه صلى الله عليه ~~وسلم بفتح صدره، وتوسيعه حتى قام بما قال به من الدعوة، وقدر على ما قدر ~~عليه من حمل أعباء النبوة، وحفظ الوحي، وقد مضى القول في هذا عند تفسير ~~قوله # أفمن شرح الله صدره للإسلم فهو على نور من ~~ربه # الزمر 22 { ووضعنا عنك وزرك } معطوف على معنى ما تقدم، لا ~~على لفظه، أي قد شرحنا لك صدرك، ووضعنا... الخ، ومنه قول جرير يمدح عبد ~~الملك بن مروان # ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح # أي أنتم خير من ركب المطايا، وأندى... الخ. قرأ الجمهور { نشرح } بسكون ~~الحاء بالجزم، وقرأ أبو ms4247 جعفر المنصور العباسي بفتحها. قال الزمخشري قالوا ~~لعله بين الحاء، وأشبعها في مخرجها، فظن السامع أنه فتحها. وقال ابن ~~عطية إن الأصل " ألم نشرحن " بالنون الخفيفة، ثم إبدالها ألفا، ثم حذفها ~~تخفيفا، كما أنشد أبو زيد # من أي يومي من الموت أفر أيوم لم يقدر أم يوم قدر # بفتح الراء من " لم يقدر ". ومثله قوله # اضرب عنك الهموم طارقها ضربك بالسيف قونس الفرس # بفتح الباء من اضرب. وهذا مبني على جواز توكيد المجزوم ب " لم " ، وهو ~~قليل جدا كقوله # يحسبه الجاهل ما لم يعلما شيخا على كرسيه معمما # فقد تركبت هذه القراءة من ثلاثة أصول، كلها ضعيفة الأول توكيد المجزوم ~~ب " لم " ، وهو ضعيف. الثاني إبدالها ألفا، وهو خاص بالوقف، فإجراء ~~الوصل مجرى الوقف ضعيف. والثالث حذف الألف، وهو ضعيف أيضا لأنه خلاف ~~الأصل، وخرجها بعضهم على لغة بعض العرب الذين ينصبون ب " لم " ويجزمون ~~ب " لن " ، ومنه قول الشاعر # في كل ما هم أمضى رأيه قدما ولم يشاور في إقدامه أحدا # بنصب الراء من " يشاور " ، وهذه اللغة لبعض العرب ما أظنها تصح. وإن ~~صحت، فليست من اللغات المعتبرة، فإنها جاءت بعكس ما عليه لغة العرب ~~بأسرها. وعلى كل حال، فقراءة هذا الرجل مع شدة جوره، ومزيد ظلمه، وكثرة ~~جبروته، وقلة علمه ليس بحقيقة بالاشتغال بها. والوزر الذنب، أي وضعنا عنك ~~ما كنت فيه من أمر الجاهلية. قال الحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل المعنى ~~حططنا عنك الذي سلف منك في الجاهلية، وهذا كقوله # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # الفتح 2 ثم وصف هذا الوزر فقال { الذى أنقض ظهرك }. # قال المفسرون أي أثقل ظهرك. قال الزجاج أثقله حتى سمع له نقيض، أي صوت، ~~وهذا مثل معناه أنه لو كان حملا يحمل لسمع نقيض ظهره، وأهل اللغة يقولون ~~أنقض الحمل ظهر الناقة إذا سمع له صرير، ومنه قول جميل # وحتى تداعت بالنقيض حباله وهمت ثواني زوره أن تحطما # وقول العباس بن مرداس # وأنقض ظهري ما تطويت منهم وكنت عليهم ms4248 مشفقا متحننا # قال قتادة كان للنبي صلى الله عليه وسلم ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله ~~له، وقوم يذهبون إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من ~~القيام بأمرها سهل الله ذلك عليه حتى تيسرت له وكذا قال أبو عبيدة وغيره. ~~وقرأ ابن مسعود وحللنا عنك وقرك. ثم ذكر سبحانه منته عليه وكرامته فقال { ~~ورفعنا لك ذكرك } قال الحسن وذلك أن الله لا يذكر في موضع ~~إلا ذكر معه صلى الله عليه وسلم. قال قتادة رفع الله ذكره في الدنيا ~~والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا ينادي، فيقول أشهد أن ~~لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله. قال مجاهد { ورفعنا ~~لك ذكرك } يعني بالتأذين. وقيل المعنى ذكرناك في الكتب المنزلة على ~~الأنبياء قبله، وأمرناهم بالبشارة به. وقيل رفعنا ذكرك عند الملائكة في ~~السماء، وعند المؤمنين في الأرض. والظاهر أن هذا الرفع لذكره الذي امتن ~~الله به عليه يتناول جميع هذه الأمور، فكل واحد منها من أسباب رفع الذكر، ~~وكذلك أمره بالصلاة والسلام عليه، وإخباره صلى الله عليه وسلم عن الله ~~عز وجل أن من صلى عليه، واحدة صلى الله عليه بها عشرا، وأمر الله ~~بطاعته كقوله # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول # النساء 59 وقوله # وما ءاتكم الرسول فخذوه وما نهكم عنه ~~فانتهوا # الحشر 7 ، وقوله # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم ~~الله # آل عمران 31 وغير ذلك. وبالجملة فقد ملأ ذكره الجليل السموات ~~والأرضين، وجعل الله له من لسان الصدق، والذكر الحسن، والثناء الصالح ما ~~لم يجعله لأحد من عباده، # ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل ~~العظيم # الحديد 21 اللهم صل وسلم عليه وعلى آله عدد ما صلى عليه المصلون بكل ~~لسان في كل زمان، وما أحسن قول حسان # أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهور يلوح، ويشهد وضم الإله اسم ~~النبي مع اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله ~~فذو العرش محمود، وهذا محمد # { فإن ms4249 مع العسر يسرا } أي إن مع الضيقة سعة، ومع الشدة ~~رخاء، ومع الكرب فرج. وفي هذا وعد منه سبحانه بأن كل عسير يتيسر، وكل ~~شديد يهون، وكل صعب يلين. ثم زاد سبحانه هذا الوعد تقريرا وتأكيدا، ~~فقال مكررا له بلفظ { إن مع العسر يسرا } أي إن مع ذلك ~~العسر المذكور سابقا يسرا آخر لما تقرر من أنه إذا أعيد المعرف يكون ~~الثاني عين الأول سواء كان المراد به الجنس أو العهد، بخلاف المنكر إذا ~~أعيد، فإنه يراد بالثاني فرد مغاير لما أريد بالفرد الأول في الغالب، ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في معنى هذه الآية # " لن يغلب عسر يسرين " # قال الواحدي وهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والمفسرين على ~~أن العسر واحد، واليسر اثنان. قال الزجاج ذكر العسر مع الألف واللام ثم ~~ثنى ذكره، فصار المعنى إن مع العسر يسرين. قيل، والتنكير في اليسر ~~للتفخيم والتعظيم، وهو في مصحف ابن مسعود غير مكرر. قرأ الجمهور بسكون ~~السين في العسر، واليسر في الموضعين. وقرأ يحيى بن وثاب، وأبو جعفر، ~~وعيسى بضمها في الجميع. { فإذا فرغت فانصب } أي إذا فرغت من ~~صلاتك، أو من التبليغ، أو من الغزو، فانصب، أي فاجتهد في الدعاء، واطلب ~~من الله حاجتك، أو فانصب في العبادة. والنصب التعب. يقال نصب ينصب نصبا، ~~أي تعب. قال قتادة، والضحاك، ومقاتل، والكلبي إذا فرغت من الصلاة ~~المكتوبة، فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في المسألة يعطك، وكذا ~~قال مجاهد. قال الشعبي إذا فرغت من التشهد، فادعو لدنياك وآخرتك، وكذا ~~قال الزهري. وقال الكلبي أيضا إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب أي ~~استغفر لذنبك، وللمؤمنين والمؤمنات. وقال الحسن، وقتادة إذا فرغت من جهاد ~~عدوك، فانصب لعبادة ربك. وقال مجاهد أيضا إذا فرغت من دنياك، فانصب في ~~صلاتك، { وإلى ربك فارغب } قال الزجاج أي اجعل رغبتك إلى الله ~~وحده. قال عطاء يريد أنه يضرع إليه راهبا من النار، راغبا في الجنة. ~~والمعنى أنه يرغب إليه سبحانه لا ms4250 إلى غيره كائنا من كان، فلا يطلب ~~حاجاته إلا منه، ولا يعول في جميع أموره إلا عليه. قرأ الجمهور { ~~فارغب } وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة فرغب بتشديد الغين، أي فرغب ~~الناس إلى الله، وشوقهم إلى ما عنده من الخير. وقد أخرج ابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { ألم نشرح لك ~~صدرك } قال شرح الله صدره للإسلام. وأخرج أبو يعلى، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن ~~أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " أتاني جبريل فقال إن ربك يقول تدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت الله ورسوله ~~أعلم، قال إذا ذكرت ذكرت معي " # وإسناد ابن جرير هكذا حدثني يونس أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن ~~الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد. # وأخرجه أبو يعلى من طريق ابن لهيعة عن دراج. وأخرجه ابن أبي حاتم من ~~طريق يونس بن عبد الأعلى به. وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح ~~عن ابن عباس في قوله { ورفعنا لك ذكرك } الآية، قال لا يذكر ~~الله إلا ذكر معه. وأخرج البزار، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، ~~والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أنس قال «كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم جالسا، وحياله جحر، فقال # " لو دخل العسر هذا الجحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه " # فأنزل الله { إن مع العسر يسرا } { إن مع العسر ~~يسرا. } ولفظ الطبراني «وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { فإن ~~مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا } ». وأخرج ابن ~~النجار عنه مرفوعا نحوه. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عنه أيضا مرفوعا ~~نحوه، قال السيوطي، وسنده ضعيف. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد ~~بن حميد، وابن أبي الدنيا في الصبر، وابن المنذر، والبيهقي في الشعب عن ~~ابن مسعود مرفوعا # " لو كان العسر في جحر لتبعه اليسر حتى يدخل فيه، فيخرجه، ولن يغلب عسر ~~يسرين إن ms4251 الله يقول { إن مع العسر يسرا إن مع العسر ~~يسرا } " # قال البزار لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح. قال فيه أبو حاتم ~~الرازي في حديثه ضعف، ولكن رواه شعبة عن معاوية بن قرة عن رجل عن عبد ~~الله بن مسعود. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، والحاكم، والبيهقي عن الحسن ~~قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فرحا مسرورا وهو يضحك، ~~ويقول # " لن يغلب عسر يسرين، { إن مع العسر يسرا إن مع ~~العسر يسرا } " # وهذا مرسل. وروي نحوه مرفوعا مرسلا عن قتادة. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في ~~قوله { فإذا فرغت فانصب } الآية قال إذا فرغت من الصلاة فانصب ~~في الدعاء، واسأل الله، وارغب إليه. وأخرج ابن مردويه عنه قال قال الله ~~لرسوله إذا فرغت من الصلاة وتشهدت، فانصب إلى ربك واسأله حاجتك. وأخرج ~~ابن أبي الدنيا في الذكر عن ابن مسعود { فإذا فرغت فانصب } إلى ~~الدعاء. { وإلى ربك فارغب } في المسألة. وأخرج ابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عنه { فإذا فرغت فانصب } قال إذا فرغت من ~~الفرائض، فانصب في قيام الليل. ### | [95 - سورة التين] ### || [95.1-8] # قال أكثر المفسرين هو التين الذي يأكله الناس { والزيتون } الذي ~~يعصرون منه الزيت، وإنما أقسم بالتين لأنه فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص، ~~وفيها أعظم عبرة لدلالتها على من هيأها لذلك، وجعلها على مقدار اللقمة. ~~قال كثير من أهل الطب إن التين أنفع الفواكه للبدن، وأكثرها غذاء، وذكروا ~~له فوائد، كما في كتب المفردات والمركبات، وأما الزيتون، فإنه يعصر منه ~~الزيت الذي هو إدام غالب البلدان ودهنهم، ويدخل في كثير من الأدوية. وقال ~~الضحاك التين المسجد الحرام، والزيتون المسجد الأقصى. وقال ابن زيد التين ~~مسجد دمشق، والزيتون مسجد بيت المقدس وقال قتادة التين الجبل الذي عليه ~~دمشق، والزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس. وقال عكرمة، وكعب الأحبار ~~التين دمشق، والزيتون بيت المقدس. وليت شعري ما الحامل لهؤلاء الأئمة على ms4252 ~~العدول عن المعنى الحقيقي في اللغة العربية، والعدول إلى هذه التفسيرات ~~البعيدة عن المعنى، المبنية على خيالات لا ترجع إلى عقل ولا نقل. وأعجب ~~من هذا اختيار ابن جرير للآخر منها مع طول باعه في علم الرواية والدراية. ~~قال الفراء سمعت رجلا يقول التين جبال حلوان إلى همدان، والزيتون جبال ~~الشام. قلت هب أنك سمعت هذا الرجل، فكان ماذا؟ فليس بمثل هذا تثبت اللغة، ~~ولا هو نقل عن الشارع. وقال محمد بن كعب التين مسجد أصحاب الكهف، ~~والزيتون مسجد إيلياء. وقيل إنه على حذف مضاف، أي ومنابت التين والزيتون. ~~قال النحاس لا دليل على هذا من ظاهر التنزيل، ولا من قول من لا يجوز ~~خلافه. { وطور سينين } هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى اسمه ~~الطور، ومعنى { سينين } المبارك الحسن بلغة الحبشة قاله قتادة. وقال ~~مجاهد هو المبارك بالسريانية. وقال مجاهد، والكلبي { سينين } كل جبل فيه ~~شجر مثمر فهو سينين، وسيناء بلغة النبط. قال الأخفش طور جبل، وسينين شجر، ~~واحدته سينة. قال أبو علي الفارسي سينين، فعليل، فكررت اللام التي هي ~~نون فيه، ولم ينصرف سينين، كما لم ينصرف سيناء لأنه جعل اسما للبقعة. ~~وإنما أقسم بهذا الجبل لأنه بالشام، وهي الأرض المقدسة، كما في قوله # إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله # الإسراء 1 وأعظم بركة حلت به، ووقعت عليه تكليم الله لموسى عليه. قرأ ~~الجمهور { سينين } بكسر السين. وقرأ ابن إسحاق، وعمرو بن ميمون، وأبو ~~رجاء بفتحها، وهي لغة بكر وتميم. وقرأ عمر بن الخطاب، وابن مسعود، ~~والحسن، وطلحة سيناء بالكسر والمد. { وهذا البلد الأمين } ~~يعني مكة، سماه أمينا لأنه آمن، كما قال # أنا جعلنا حرما آمنا # العنكبوت 67. يقال أمن الرجل أمانة فهو أمين. قال الفراء وغيره الأمين ~~بمعنى الآمن، ويجوز أن يكون، فعيلا بمعنى مفعول من أمنه لأنه مأمون ~~الغوائل. # { لقد خلقنا الإنسن فى أحسن تقويم } هذا جواب ~~القسم، أي خلقنا جنس الإنسان كائنا في أحسن تقويم وتعديل. قال الواحدي ~~قال المفسرون إن الله خلق كل ذي روح ms4253 مكبا على وجهه إلا الإنسان، خلقه ~~مديد القامة يتناول مأكوله بيده، ومعنى التقويم التعديل. يقال قومته، ~~فاستقام. قال القرطبي هو اعتداله واستواء شأنه، كذا قال عامة المفسرين. ~~قال ابن العربي ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حيا ~~عالما قادرا مريدا متكلما سميعا بصيرا مدبرا حكيما، وهذه صفات ~~الرب سبحانه، وعليها حمل بعض العلماء قوله صلى الله عليه وسلم # " إن الله خلق آدم على صورته " # يعني على صفاته التي تقدم ذكرها. قلت وينبغي أن يضم إلى كلامه هذا قوله ~~سبحانه # ليس كمثله شىء # الشورى 11 وقوله # ولا يحيطون به علما # طه 110 ومن أراد أن يقف على حقيقة ما اشتمل عليه الإنسان من بديع الخلق، ~~وعجيب الصنع، فلينظر في كتاب العبر والاعتبار للجاحظ، وفي الكتاب الذي ~~عقده النيسابوري على قوله # وفى أنفسكم أفلا تبصرون # الذاريات 21 وهو في مجلدين ضخمين. { ثم رددنه أسفل ~~سفلين } أي رددناه إلى أرذل العمر، وهو الهرم، والضعف بعد الشباب ~~والقوة، حتى يصير كالصبي، فيخرف وينقص عقله، كذا قال جماعة من ~~المفسرين. قال الواحدي والسافلون هم الضعفاء، والزمناء، والأطفال، والشيخ ~~الكبير أسفل هؤلاء جميعا. وقال مجاهد، وأبو العالية، والحسن المعنى ثم ~~رددنا الكافر إلى النار، وذلك أن النار درجات بعضها أسفل من بعض، فالكافر ~~يرد إلى أسفل الدرجات السافلة، ولا ينافي هذا قوله تعالى # إن المنفقين فى الدرك الأسفل من النار # النساء 145 فلا مانع من كون الكفار، والمنافقين مجتمعين في ذلك الدرك ~~الأسفل، وقوله { أسفل سفلين } إما حال من المفعول، أي رددناه ~~حال كونه أسفل سافلين، أو صفة لمقدر محذوف، أي مكانا أسفل سافلين { ~~إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } هذا الاستثناء ~~على القول الأول منقطع، أي لكن الذين آمنوا إلخ، ووجهه أن الهرم والرد ~~إلى أرذل العمر يصاب به المؤمن، كما يصاب به الكافر، فلا يكون لاستثناء ~~المؤمنين على وجه الاتصال معنى. وعلى القول الثاني يكون الاستثناء متصلا ~~من ضمير { رددناه } ، فإنه في معنى الجمع، أي رددنا الإنسان أسفل سافلين ~~من النار ms4254 # إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت # العصر 3 { فلهم أجر غير ممنون } أي غير مقطوع، أي فلهم ~~ثواب دائم غير منقطع على طاعاتهم فهذه الجملة على القول الأول مبينة ~~لكيفية حال المؤمنين، وعلى القول الثاني مقررة لما يفيده الاستثناء من ~~خروج المؤمنين عن حكم الرد، وقال أسفل سافلين على الجمع لأن الإنسان في ~~معنى الجمع، ولو قال أسفل سافل لجاز لأن الإنسان باعتبار اللفظ واحد. # وقيل معنى رددناه أسفل سافلين رددناه إلى الضلال، كما قال # إن الإنسن لفى خسر * إلا الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت # العصر 2، 3 أي إلا هؤلاء، فلا يردون إلى ذلك. { فما يكذبك ~~بعد بالدين } الخطاب للإنسان الكافر، والاستفهام للتقريع والتوبيخ، ~~وإلزام الحجة، أي إذا عرفت أيها الإنسان أن الله خلقك في أحسن تقويم، ~~وأنه يردك أسفل سافلين، فما يحملك على أن تكذب بالبعث والجزاء؟ وقيل ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أي أي شيء يكذبك يا محمد بعد ظهور ~~هذه الدلائل الناطقة، فاستيقن مع ما جاءك من الله أنه أحكم الحاكمين. قال ~~الفراء، والأخفش المعنى فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا البيان بالدين، ~~كأنه قال من يقدر على ذلك؟ أي على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما ظهر من ~~قدرتنا على خلق الإنسان ما ظهر، واختار هذا ابن جرير. والدين الجزاء، ~~ومنه قول الشاعر # دنا تميما كما كانت أوائلنا دانت أوائلهم من سالف الزمن # وقال الآخر # ولما صرح الشر فأمسى وهو عريان ولم يبق سوى العدوا ن دناهم كما ~~دانوا # { أليس الله بأحكم الحكمين } أي أليس الذي فعل ما ~~فعل مما ذكرنا بأحكم الحاكمين صنعا وتدبيرا؟ حتى تتوهم عدم الإعادة ~~والجزاء. وفيه وعيد شديد للكفار. ومعنى أحكم الحاكمين أتقن الحاكمين في ~~كل ما يخلق. وقيل أحكم الحاكمين قضاء وعدلا. والاستفهام إذا دخل على ~~النفي صار الكلام إيجابا، كما تقدم تفسير قوله # ألم نشرح لك صدرك # الشرح 1. وقد أخرج الخطيب، وابن عساكر قال السيوطي بسند فيه مجهول عن ~~الزهري عن أنس قال لما أنزلت سورة { التين والزيتون } على رسول الله ms4255 صلى ~~الله عليه وسلم فرح فرحا شديدا حتى تبين لنا شدة فرحه، فسألنا ابن ~~عباس عن تفسيرها فقال التين بلاد الشام. والزيتون بلاد فلسطين. وطور ~~سيناء الذي كلم الله عليه موسى { وهذا البلد الأمين } مكة { لقد ~~خلقنا الإنسن فى أحسن تقويم } محمدا { ثم ~~رددنه أسفل سفلين } عبدة اللات والعزى { إلا ~~الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فلهم أجر غير ~~ممنون } أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي { فما يكذبك بعد ~~بالدين * أليس الله بأحكم الحكمين } إذ بعثك فيهم ~~نبيا، وجمعك على التقوى يا محمد، ومثل هذا التفسير من ابن عباس لا تقوم ~~به حجة لما تقدم من كون في إسناده ذلك المجهول. وأخرج ابن جرير، وابن ~~أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { والتين والزيتون } ~~قال مسجد نوح الذي بني على الجودي، والزيتون قال بيت المقدس { وطور ~~سينين } قال مسجد الطور. { وهذا البلد الأمين } قال مكة { ~~لقد خلقنا الإنسن فى أحسن تقويم * ثم ~~رددنه أسفل سفلين } يقول يرد إلى أرذل العمر، كبر حتى ~~ذهب عقله، هم نفر كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين سفهت عقولهم، فأنزل الله عذرهم أن لهم أجرهم ~~الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم. # { فما يكذبك بعد بالدين } يقول بحكم الله. وأخرج ابن ~~مردويه عنه نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه أيضا { ~~والتين والزيتون } قال الفاكهة التي يأكلها الناس { وطور ~~سينين } قال الطور الجبل. والسينين المبارك. وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضا قال سينين هو الحسن. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه عنه أيضا { لقد خلقنا الإنسن فى أحسن تقويم ~~} قال في أعدل خلق { ثم رددنه أسفل سفلين } يقول إلى ~~أرذل العمر { إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~فلهم أجر غير ممنون } يعني غير منقوص. يقول فإذا بلغ ~~المؤمن أرذل العمر، وكان يعمل في شبابه عملا صالحا كتب له من الأجر مثل ms4256 ~~ما كان يعمل في صحته وشبابه، ولم يضره ما عمل في كبره، ولم تكتب عليه ~~الخطايا التي يعمل بعد ما يبلغ أرذل العمر. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي ~~في الشعب عن ابن عباس قال من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر، وذلك ~~قوله { ثم رددنه أسفل سفلين * إلا الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت } قال لا يكون حتى لا يعلم من بعد ~~علم شيئا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه { ثم رددنه أسفل ~~سفلين } يقول إلى الكبر وضعفه، فإذا كبر وضعف عن العمل، كتب له مثل ~~أجر ما كان يعمل في شبيبته. وأخرج أحمد، والبخاري، وغيرهما عن أبي موسى ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا مرض العبد، أو سافر كتب الله له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحا ~~مقيما " # وأخرج الترمذي، وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعا # " من قرأ { والتين والزيتون } فقرأ { أليس الله ~~بأحكم الحكمين } فليقل بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين " # وأخرج ابن مردويه عن جابر مرفوعا # " إذا قرأت { والتين والزيتون } فقرأت { أليس الله ~~بأحكم الحكمين } فقل بلى " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ { أليس ~~الله بأحكم الحكمين } قال سبحانك اللهم فبلى ا.ه. ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1-19] # قرأ الجمهور { اقرأ } بسكون الهمزة أمرا من القراءة. وقرأ عاصم في ~~رواية عنه بفتح الراء، وكأنه قلب الهمزة ألفا ثم حذفها للأمر. والأمر ~~بالقراءة يقتضي مقروءا، فالتقدير اقرأ ما يوحى إليك، أو ما نزل عليك، أو ~~ما أمرت بقراءته، وقوله { باسم ربك } متعلق بمحذوف هو حال، أي اقرأ ~~ملتبسا باسم ربك، أو مبتدئا باسم ربك، أو مفتتحا، ويجوز أن تكون الباء ~~زائدة، والتقدير اقرأ اسم ربك كقول الشاعر # سود المحاجر لا يقرأن بالسور # قاله أبو عبيدة. وقال أيضا الاسم صلة، أي اذكر ربك. وقيل الباء بمعنى ~~على، أي اقرأ على اسم ربك، يقال افعل كذا بسم الله، وعلى اسم الله قاله ~~الأخفش. وقيل الباء للاستعانة، أي مستعينا باسم ربك، ووصف الرب بقوله { ~~الذى خلق ms4257 } لتذكير النعمة لأن الخلق هو أعظم النعم، وعليه يترتب ~~سائر النعم. قال الكلبي يعني الخلائق. { خلق الإنسن من علق ~~} يعني بني آدم. والعلقة الدم الجامد، وإذا جرى فهو المسفوح. وقال { من ~~علق } بجمع علق لأن المراد بالإنسان الجنس. والمعنى خلق جنس الإنسان من ~~جنس العلق، وإذا كان المراد بقوله { الذى خلق } كل المخلوقات، ~~فيكون تخصيص الإنسان بالذكر تشريفا له لما فيه من بديع الخلق، وعجيب ~~الصنع، وإذا كان المراد بالذي خلق الذي خلق الإنسان فيكون الثاني تفسيرا ~~للأول. والنكتة ما في الإبهام، ثم التفسير من التفات الذهن وتطلعه إلى ~~معرفة ما أبهم أولا، ثم فسر ثانيا. ثم كرر الأمر بالقراءة للتأكيد ~~والتقرير، فقال { اقرأ وربك الأكرم } أي افعل ما أمرت به من ~~القراءة، وجملة { وربك الأكرم } مستأنفة لإزاحة ما اعتذر به صلى ~~الله عليه وسلم من قوله # " ما أنا بقارىء " # يريد أن القراءة شأن من يكتب ويقرأ وهو أمي. فقيل له اقرأ، وربك الذي ~~أمرك بالقراءة هو الأكرم. قال الكلبي يعني الحليم عن جهل العباد، فلم ~~يعجل بعقوبتهم. وقيل إنه أمره بالقراءة أولا لنفسه، ثم أمره بالقراءة ~~ثانيا للتبليغ، فلا يكون من باب التأكيد، والأول أولى. { الذى ~~علم بالقلم } أي علم الإنسان الخط بالقلم. فكان بواسطة ذلك يقدر ~~على أن يعلم كل مكتوب. قال الزجاج علم الإنسان الكتابة بالقلم. قال قتادة ~~القلم نعمة من الله عز وجل عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين، ولم يصلح عيش. ~~فدل على كمال كرمه بأنه علم عباده مالم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل ~~إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة ~~التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت ~~أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي ~~ما استقامت أمور الدين، ولا أمور الدنيا، وسمي قلما لأنه يقلم أي يقطع. # { علم الإنسن ما لم يعلم } هذه الجملة بدل اشتمال من ~~التي قبلها، أي علمه بالقلم من الأمور الكلية والجزئية ما ms4258 لم يعلم به ~~منها. قيل المراد بالإنسان هنا آدم كما في قوله # وعلم ءادم الأسماء كلها # البقرة 31. وقيل الإنسان هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأولى حمل ~~الإنسان على العموم، والمعنى أن من علمه الله سبحانه من هذا الجنس بواسطة ~~القلم فقد علمه ما لم يعلم. وقوله { كلا } ردع وزجر لمن كفر نعم الله ~~عليه بسبب طغيانه وإن لم يتقدم له ذكر. ومعنى { إن الإنسن ~~ليطغى } أنه يجاوز الحد، ويستكبر عل ربه. وقيل المراد بالإنسان هنا ~~أبو جهل، وهو المراد بهذا، وما بعده إلى آخر السورة، وأنه تأخر نزول هذا ~~وما بعده عن الخمس الآيات المذكورة في أول هذه السورة. وقيل { كلا } ~~هنا بمعنى حقا قاله الجرجاني، وعلل ذلك بأنه ليس قبله ولا بعده شيء يكون ~~" كلا " ردا له، وقوله { أن رءاه استغنى } علة ليطغى، أي ~~ليطغى أن رأى نفسه مستغنيا، والرؤية هنا بمعنى العلم، ولو كانت البصرية ~~لامتنع الجمع بين الضميرين في فعلها لشيء واحد لأن ذلك من خواص باب علم، ~~ونحوه. قال الفراء لم يقل رأى نفسه كما قيل قتل نفسه لأن رأى من الأفعال ~~التي تريد اسما وخبرا نحو الظن والحسبان فلا يقتصر فيه على مفعول ~~واحد، والعرب تطرح النفس من هذا الجنس تقول رأيتني وحسبتني، ومتى تراك ~~خارجا، ومتى تظنك خارجا. قيل والمراد هنا أنه استغنى بالعشيرة والأنصار ~~والأموال. قرأ الجمهور { أن رآه } بمد الهمزة. وقرأ قنبل عن ابن كثير ~~بقصرها. قال مقاتل كان أبو جهل إذا أصاب مالا زاد في ثيابه، ومركبه، ~~وطعامه، وشرابه، فذلك طغيانه. وكذا قال الكلبي. ثم هدد سبحانه وخوف، ~~فقال { إن إلى ربك الرجعى } أي. المرجع، والرجعى والمرجع ~~والرجوع مصادر. يقال رجع إليه مرجعا ورجوعا ورجعى. وتقدم الجار ~~والمجرور للقصر، أي الرجعى إليه سبحانه لا إلى غيره. { أرأيت ~~الذى ينهى * عبدا إذا صلى } قال المفسرون الذي ينهي أبو ~~جهل، والمراد بالعبد محمد، وفيه تقبيح لصنعه، وتشنيع لفعله حتى كأنه بحيث ~~يراه كل من تتأتى منه الرؤية. { أرءيت إن كان على ms4259 الهدى } ~~يعني العبد المنهي إذا صلى، وهو محمد صلى الله عليه وسلم. { أو أمر ~~بالتقوى } أي بالإخلاص والتوحيد، والعمل الصالح الذي تتقي به ~~النار. { أرءيت إن كذب وتولى } يعني أبا جهل، كذب بما جاء ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتولى عن الإيمان. وقوله { أرأيت ~~} في الثلاثة المواضع بمعنى أخبرني لأن الرؤية لما كانت سببا للإخبار عن ~~المرئي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستفهام عن متعلقها، والخطاب لكل من ~~يصلح له. # وقد ذكر هنا { أرأيت } ثلاث مرات، وصرح بعد الثالثة منها. بجملة ~~استفهامية، فتكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأول محذوف، ~~وهو ضمير يعود على { الذي ينهى } الواقع مفعولا أول ل { أرأيت } ~~الأولى، ومفعول { أرأيت } الأولى الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية ~~كالجملة الواقعة بعد { أرأيت } الثانية. وأما { أرأيت } الثانية فلم يذكر ~~لها مفعول لا أول، ولا ثاني، حذف الأول لدلالة مفعول { أرأيت } الثالثة ~~عليه فقد حذف الثاني من الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، ~~وليس طلب كل من رأيت للجملة الاستفهامية على سبيل التنازع لأنه يستدعي ~~إضمارا، والجمل لا تضمر، إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف ~~للدلالة، وأما جواب الشرط المذكور مع { أرأيت } في الموضعين الآخرين. فهو ~~محذوف تقديره إن كان على الهدى، أو أمر بالتقوى { ألم يعلم بأن ~~الله يرى } ، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني. ومعنى { ~~ألم يعلم بأن الله يرى } أي يطلع على أحواله، فيجازيه ~~بها، فكيف اجترأ على ما اجترأ عليه؟ والاستفهام للتقريع والتوبيخ. وقيل { ~~أرأيت } الأولى مفعولها الأول الموصول، ومفعولها الثاني الشرطية الأولى ~~بجوابها المحذوف المدلول عليه بالمذكور. و { أرأيت } في الموضعين تكرير ~~للتأكيد. وقيل كل واحدة من { أرأيت } بدل من الأولى. و { ألم يعلم ~~بأن الله يرى } الخبر. قوله { كلا } ردع للناهي، واللام في ~~قوله { لئن لم ينته } هي الموطئة للقسم، أي والله لئن لم ينته ~~عما هو عليه ولم ينزجر { لنسفعا بالناصية } السفع الجذب ~~الشديد، والمعنى لنأخذن بناصيته، ولنجرنه إلى النار. وهذا كقوله # فيؤخذ بالنواصى والاقدام # الرحمن ms4260 41 ويقال سفعت الشيء إذا قبضته وجذبته.. ويقال سفع بناصية فرسه. ~~قال الراغب السفع الأخذ بسفعة الفرس، أي بسواد ناصيته، وباعتبار السواد ~~قيل به سفعة غضب اعتبارا بما يعلو من اللون الدخاني وجه من اشتد به ~~الغضب، وقيل للصقر أسفع لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون ~~انتهى. وقيل هو مأخوذ من سفع النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى سواد. ومنه ~~قول الشاعر # أثافي سفعا في معرس مرجل # وقوله { ناصية } بدل من الناصية. وإنما أبدل النكرة من المعرفة ~~لوصفها بقوله { كذبة خاطئة } وهذا على مذهب الكوفيين فإنهم لا ~~يجيزون إبدال النكرة من المعرفة إلا شرط وصفها. وأما على مذهب البصريين، ~~فيجوز إبدال النكرة من المعرفة، وأنشدوا # فلا وأبيك خير منك إني ليؤذيني التحمحم والصهيل # قرأ الجمهور بجر { ناصية كاذبة خاطئة } والوجه ما ذكرنا. وقرأ الكسائي ~~في رواية عنه برفعها على إضمار مبتدأ، أي هي ناصية، وقرأ أبو حيوة، وابن ~~أبي عبلة، وزيد بن علي بنصبها على الذم. # قال مقاتل أخبر عنه بأنه فاجر خاطىء، فقال ناصية كاذبة خاطئة، تأويلها ~~صاحبها كاذب خاطىء. { فليدع ناديه } أي أهل ناديه. والنادي ~~المجلس الذي يجلس فيه القوم، ويجتمعون فيه من الأهل والعشيرة. والمعنى ~~ليدع عشيرته وأهله ليعينوه وينصروه، ومنه قول الشاعر # واستب بعدك يا كليب المجلس # أي أهله. قيل إن أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتهددني ~~وأنا أكثر الوادي ناديا؟ فنزلت { فليدع ناديه * سندع ~~الزبانية } أي الملائكة الغلاظ الشداد، كذا قال الزجاج. قال ~~الكسائي، والأخفش وعيسى بن عمر واحدهم زابن. وقال أبو عبيدة زبنية. وقيل ~~زباني. وقيل هو اسم للجمع لا واحد له من لفظه كعباديد وأبابيل. وقال ~~قتادة هم الشرط في كلام العرب، وأصل الزبن الدفع، ومنه قول الشاعر # ومستعجب مما يرى من أناتنا ولو زبنته الحرب لم يترمرم # والعرب تطلق هذا الاسم على من اشتد بطشه، ومنه قول الشاعر # مطاعيم في القصوى مطاعين في الوغى زبانية غلب عظام حلومها # قرأ الجمهور { سندع } بالنون، ولم ترسم الواو، كما ms4261 في قوله # يوم يدعو الداع # القمر 6 وقرأ ابن أبي عبلة سيدعى على البناء للمفعول، ورفع الزبانية على ~~النيابة. ثم كرر الردع والزجر فقال { كلا لا تطعه } أي لا تطعه ~~فيما دعاك إليه من ترك الصلاة { واسجد } أي صل لله غير مكترث به، ~~ولا مبال بنهيه { واقترب } أي تقرب إليه سبحانه بالطاعة والعبادة. ~~وقيل المعنى إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء. وقال زيد بن أسلم واسجد أنت ~~يا محمد، واقترب أنت يا أبا جهل من النار. والأول أولى. والسجود هذا ~~الظاهر أن المراد به الصلاة، وقيل سجود التلاوة، ويدل على هذا ما ثبت ~~عنه صلى الله عليه وسلم من السجود عند تلاوة هذه الآية، كما سيأتي إن شاء ~~الله. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وأبو نعيم في الدلائل عن عبد ~~الله بن شداد قال«أتى جبريل محمدا صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد ~~اقرأ. فقال وما أقرأ؟ فضمه ثم قال يا محمد اقرأ، قال وما أقرأ؟ قال { ~~اقرأ باسم ربك الذى خلق } حتى بلغ { ما لم يعلم } ~~». وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة فجاءه الملك، فقال اقرأ، فقال # " قلت ما أنا بقارىء، " # قال # " فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني " # فقال اقرأ، فقلت # " ما أنا بقارىء، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني " # فقال اقرأ، فقلت # " ما أنا بقارىء، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ منى الجهد " # فقال { اقرأ باسم ربك الذى خلق * خلق الإنسن ~~من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذى علم ~~بالقلم } الآية. # وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن ابن عباس قال قال أبو جهل لئن رأيت ~~محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن عنقه، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال # " لو فعل لأخذته الملائكة عيانا " # وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وصححه، وابن جرير، وابن المنذر، ~~والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عنه قال «كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يصلي، فجاء أبو جهل فقال ms4262 ألم أنهك عن هذا؟ إنك لتعلم أن ~~ما بها رجل أكثر ناديا مني. فأنزل الله { فليدع ناديه * ~~سندع الزبانية } فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فقيل ما ~~يمنعك؟ فقال قد اسود ما بيني وبينه». قال ابن عباس والله لو تحرك ~~لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه. وأخرج أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن أبي هريرة قال ~~قال أبو جهل هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا نعم، قال واللات ~~والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب ~~فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأن على رقبته، قال فما ~~فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيده، فقيل له مالك؟ فقال إن ~~بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا " # قال وأنزل الله { كلا إن الإنسن ليطغى * أن رءاه ~~استغنى } إلى آخر السورة. يعني أبا جهل { فليدع ناديه } ~~يعني قومه. { سندع الزبانية } يعني الملائكة، وأخرج ابن مردويه ~~عن ابن عباس في قوله { أرأيت الذى ينهى * عبدا إذا ~~صلى } قال أبو جهل بن هشام حين رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالسلى على ظهره وهو ساجد لله عز وجل. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله { ~~لنسفعا } قال لنأخذن. وأخرج ابن جرير عنه أيضا { فليدع ~~ناديه } قال ناصره. وقد قدمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يسجد في # إذا السماء انشقت # الإنشقاق 1 وفي { اقرأ باسم ربك الذى خلق }. ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1-5] # الضمير في { أنزلناه } للقرآن، وإن لم يتقدم له ذكر. أنزل جملة واحدة ~~في ليلة القدر إلى سماء الدنيا من اللوح المحفوظ، وكان ينزل على النبي ~~صلى الله عليه وسلم نجوما على حسب الحاجة، وكان بين نزول أوله وآخره ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث وعشرون سنة، وفي آية أخرى # إنا أنزلنه فى ليلة مبركة # الدخان 3 وهي ليلة ms4263 القدر وفي آية أخرى # شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن # البقرة 185 وليلة القدر في شهر رمضان. قال مجاهد في ليلة القدر ليلة ~~الحكم. { وما أدراك ما ليلة القدر } ليلة الحكم، قيل سميت ~~ليلة القدر لأن الله سبحانه يقدر فيها ما شاء من أمره إلى السنة ~~القابلة. وقيل إنها سميت بذلك لعظيم قدرها وشرفها، من قولهم لفلان قدر، ~~أي شرف ومنزلة، كذا قال الزهري. وقيل سميت بذلك لأن للطاعات فيها قدرا ~~عظيما، وثوابا جزيلا. وقال الخليل سميت ليلة القدر لأن الأرض تضيق ~~فيها بالملائكة، كقوله # ومن قدر عليه رزقه # الطلاق 7 أي ضيق. وقد اختلف في تعيين ليلة القدر على أكثر من أربعين ~~قولا، قد ذكرناها بأدلتها، وبينا الراجح منها في شرحنا للمنتقى. { وما ~~أدراك ما ليلة القدر } هذا الاستفهام فيه تفخيم لشأنها حتى ~~كأنها خارجة عن دراية الخلق لا يدري بها إلا الله سبحانه. قال سفيان كل ~~ما في القرآن من قوله وما أدراك، فقد أدراه، وكل ما فيه # وما يدريك # عبس 3، فلم يدره، وكذا قال الفراء. والمعنى أي شيء تجعله داريا بها؟ ~~وقد قدمنا الكلام في إعراب هذه الجملة في قوله # وما أدراك ما الحاقة # الحاقة 3 ثم قال { ليلة القدر خير من ألف شهر } قال ~~كثير من المفسرين، أي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة ~~القدر. واختار هذا الفراء، والزجاج، ولك أن الأوقات إنما يفضل بعضها على ~~بعض بما يكون فيها من الخير والنفع. فلما جعل الله الخير الكثير في ليلة ~~كانت خيرا من ألف شهر لا يكون فيها من الخير والبركة ما في هذه الليلة. ~~وقيل أراد بقوله ألف شهر جميع الدهر لأن العرب تذكر الألف في كثير من ~~الأشياء على طريق المبالغة. وقيل وجه ذكر الألف الشهر أن العابد كان فيما ~~مضى لا يسمى عابدا حتى يعبد الله ألف شهر، وذلك ثلاث وثمانون سنة وأربعة ~~أشهر، فجعل الله سبحانه لأمة محمد عبادة ليلة خيرا من عبادة ألف شهر ~~كانوا يعبدونها. ms4264 وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أعمار أمته ~~قصيرة، فخاف أن لا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، ~~فأعطاه الله ليلة القدر وجعلها خيرا من ألف شهر لسائر الأمم. # وقيل غير ذلك مما لا طائل تحته. وجملة { تنزل الملئكة ~~والروح فيها بإذن ربهم } مستأنفة مبينة لوجه فضلها موضحة ~~للعلة التي صارت بها خيرا من ألف شهر. وقوله { بإذن ربهم } ~~يتعلق ب { تنزل } ، أو بمحذوف، هو حال، أي ملتبسين بإذن ربهم، والإذن ~~الأمر، ومعنى { تنزل } تهبط من السماوات إلى الأرض. والروح هو جبريل عند ~~جمهور المفسرين، أي تنزل الملائكة ومعهم جبريل، ووجه ذكره بعد دخوله في ~~الملائكة التعظيم له والتشريف لشأنه. وقيل الروح صنف من الملائكة هم ~~أشرافهم. وقيل هم جند من جنود الله من غير الملائكة. وقيل الروح الرحمة، ~~وقد تقدم الخلاف في الروح عند قوله # يوم يقوم الروح والملئكة صفا # النبأ 38. قرأ الجمهور { تنزل } بفتح التاء، وقرأ طلحة بن مصرف، وابن ~~السميفع بضمها على البناء للمفعول، وقوله { من كل أمر } أي من أجل ~~كل أمر من الأمور التي قضى الله بها في تلك السنة. وقيل إن { من } بمعنى ~~اللام، أي لكل أمر. وقيل هي بمعنى الباء، أي بكل أمر، قرأ الجمهور { ~~أمر } وهو واحد الأمور، وقرأ علي، وابن عباس، وعكرمة، والكلبي امرىء ~~مذكر امرأة، أي من أجل كل إنسان، وتأولها الكلبي على أن جبريل ينزل مع ~~الملائكة، فيسلمون على كل إنسان، فمن على هذا بمعنى على، والأول أولى. ~~وقد تم الكلام عند قوله من كل أمر، ثم ابتدأ فقال { سلم هى } أي ~~ما هي إلا سلامة وخير كلها لا شر فيها. وقيل هي ذات سلامة من أن يؤثر ~~فيها شيطان في مؤمن أو مؤمنة. قال مجاهد هي ليلة سالمة لا يستطيع الشيطان ~~أن يعمل فيها سوءا ولا أذى. وقال الشعبي هو تسليم الملائكة على أهل ~~المساجد من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر يمرون على كل مؤمن ~~ويقولون السلام عليك أيها المؤمن. ms4265 وقيل يعني سلام الملائكة بعضهم على ~~بعض. قال عطاء يريد سلام على أولياء الله، وأهل طاعته { حتى مطلع ~~الفجر } أي حتى وقت طلوعه. قرأ الجمهور { مطلع } بفتح اللام. وقرأ ~~الكسائي، وابن محيصن بكسرها. فقيل هما لغتان في المصدر، والفتح أكثر نحو ~~المخرج والمقتل. وقيل بالفتح اسم مكان، وبالكسر المصدر. وقيل العكس، و " ~~حتى " متعلقة يتنزل على أنها غاية لحكم التنزل، أي لمكثهم في محل تنزلهم ~~بأن لا ينقطع تنزلهم فوجا بعد فوج إلى طلوع الفجر. وقيل متعلقة ب { ~~سلام } بناء على أن الفصل بين المصدر، ومعموله بالمبتدأ مغتفر. وقد أخرج ~~ابن الضريس، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله { إنا أنزلنه ~~فى ليلة القدر } قال أنزل القرآن في ليلة القدر حتى وضع في بيت ~~العزة في السماء الدنيا، ثم جعل جبريل ينزل على محمد بجواب كلام العباد ~~وأعمالهم. # وأخرج عبد بن حميد عن أنس قال العمل في ليلة القدر، والصدقة، والصلاة، ~~والزكاة أفضل من ألف شهر. وأخرج الترمذي وضعفه، وابن جرير، والطبراني، ~~والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن الحسن بن علي بن أبي طالب ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أري بني أمية على منبره، فساءه ذلك، فنزلت # إنا أعطينك الكوثر # الكوثر 1 يا محمد. يعني نهرا في الجنة، ونزلت { إنا أنزلنه ~~فى ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ~~ليلة القدر خير من ألف شهر } يملكها بعدك بنو أمية. ~~قال القاسم فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوما، ولا تنقص يوما، ~~والمراد بالقاسم هو القاسم بن الفضل المذكور في إسناده. قال الترمذي إن ~~يوسف هذا مجهول، يعني يوسف بن سعد الذي رواه عن الحسن بن علي. قال ابن ~~كثير فيه نظر، فإنه قد روى عنه جماعة منهم حماد بن سلمة، وخالد الحذاء، ~~ويونس بن عبيد. وقال فيه يحيى بن معين هو مشهور. وفي رواية عن ابن معين ~~قال هو ثقة، ورواه ابن جرير من طريق ms4266 القاسم بن الفضل عن عيسى بن مازن. ~~قال ابن كثير، ثم هذا الحديث على كل تقدير منكر جدا. قال المزي هو ~~حديث منكر، وقول القاسم بن الفضل إنه حسب مدة بني أمية فوجدها ألف شهر لا ~~تزيد، ولا تنقص ليس بصحيح، فإن جملة مدتهم من عند أن استقل بالملك ~~معاوية، وهي سنة أربعين إلى أن سلبهم الملك بنو العباس، وهي سنة اثنين ~~وثلاثين ومائة مجموعها اثنتان وتسعون سنة. وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن ~~عباس نحو ما روي عن الحسن بن علي. وأخرج الخطيب عن سعيد بن المسيب ~~مرفوعا مرسلا نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله ~~{ سلم } قال في تلك الليلة تصفد مردة الشياطين، وتغل عفاريت الجن، ~~وتفتح فيها أبواب السماء كلها، ويقبل الله فيها التوبة لكل تائب، فلذا ~~قال { سلم هى حتى مطلع الفجر } قال وذلك من غروب ~~الشمس إلى أن يطلع الفجر، والأحاديث في فضل ليلة القدر كثيرة، وليس هذا ~~موضع بسطها، وكذلك الأحاديث في تعيينها، والاختلاف في ذلك. ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-8] # المراد ب { الذين كفروا من أهل الكتب } اليهود ~~والمراد ب { المشركين } مشركو العرب، وهم عبدة الأوثان. و { ~~منفكين } خبر كان. يقال فككت الشيء فانفك، أي انفصل. والمعنى أنهم لم ~~يكونوا مفارقين لكفرهم، ولا منتهين عنه. { حتى تأتيهم ~~البينة } وقيل الانفكاك بمعنى الانتهاء وبلوغ الغاية، أي لم يكونوا ~~يبلغون نهاية أعمارهم، فيموتوا حتى تأتيهم البينة. وقيل منفكين زائلين، ~~أي لم تكن مدتهم لتزول حتى تأتيهم البينة، يقال ما انفك فلان قائما، أي ~~ما زال قائما، وأصل الفك الفتح. ومنه فك الخلخال. وقيل منفكين بارحين. ~~أي لم يكونوا ليبرحوا أو يفارقوا الدنيا حتى تأتيهم البينة. وقال ابن ~~كيسان المعنى لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة محمد صلى الله عليه وسلم حتى ~~بعث. فلما بعث حسدوه وجحدوه، وهو كقوله # فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به # البقرة 89 وعلى هذا فيكون قوله { والمشركين } أنهم ما كانوا ~~يسيئون القول في محمد صلى الله عليه وسلم ms4267 حتى بعث، فإنهم كانوا يسمونه " ~~الأمين " ، فلما بعث عادوه وأساءوا القول فيه. وقيل منفكين هالكين. ~~من قولهم انفك صلبه، أي انفصل. فلم يلتئم فيهلك، والمعنى لم يكونوا ~~معذبين، ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم. وقيل إن المشركين هم أهل ~~الكتاب، فيكون وصفا لم لأنهم قالوا المسيح ابن الله، وعزير ابن الله. ~~قال الواحدي ومعنى الآية إخبار الله تعالى عن الكفار أنهم لن ينتهوا عن ~~كفرهم، وشركهم بالله حتى أتاهم محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن، فبين ~~لهم ضلالتهم وجهالتهم، ودعاهم إلى الإيمان، وهذا بيان عن النعمة، ~~والإنقاذ به من الجهل والضلالة، والآية فيمن آمن من الفريقين. قال وهذه ~~الآية من أصعب ما في القرآن نظما وتفسيرا، وقد تخبط فيها الكبار من ~~العلماء، وسلكوا في تفسيرها طرقا لا تفضي بهم إلى الصواب. والوجه ما ~~أخبرتك، فاحمد الله إذ أتاك بيانها من غير لبس ولا إشكال. قال ويدل على ~~أن البينة محمد صلى الله عليه وسلم أنه فسرها وأبدل منها فقال { رسول ~~من الله يتلو صحفا مطهرة } يعني ما تتضمنه الصحف من ~~المكتوب فيها، وهو القرآن، ويدل على ذلك أنه كان يتلو عن ظهر قلبه، لا ~~عن كتاب انتهى كلامه. وقيل إن الآية حكاية لما كان يقوله أهل الكتاب ~~والمشركون إنهم لا يفارقون دينهم حتى يبعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~الموعود به، فلما بعث تفرقوا، كما حكاه الله عنهم في هذه السورة. ~~والبينة على ما قاله الجمهور هو محمد صلى الله عليه وسلم لأنه في نفسه ~~بينة وحجة، ولذلك سماه سراجا منيرا، وقد فسر الله سبحانه هذه البينة ~~المجملة بقوله { رسول من الله } فاتضح الأمر، وتبين أنه المراد ~~بالبينة. # وقال قتادة، وابن زيد البينة هي القرآن كقوله # أو لم تأتهم بينة ما فى الصحف الأولى # طه 133 وقال أبو مسلم المراد بالبينة مطلق الرسل، والمعنى حتى تأتيهم ~~رسل من الله، وهم الملائكة يتلون عليهم صحفا مطهرة، والأول أولى. قرأ ~~الجمهور { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين } وقرأ ابن ms4268 مسعود ~~لم يكن المشركون وأهل الكتاب. قال ابن العربي وهي قراءة في معرض البيان، ~~لا في معرض التلاوة. وقرأ الأعمش، والنخعي " والمشركون " بالرفع عطفا ~~على الموصول. وقرأ أبي فما كان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركون. ~~قرأ الجمهور { رسول من الله } برفع { رسول } على أنه بدل كل من كل ~~مبالغة، أو بدل اشتمال. قال الزجاج رسول رفع على البدل من البينة. وقال ~~الفراء رفع على أنه خبر مبتدأ مضمر، أي هي رسول، أو هو رسول. وقرأ أبي، ~~وابن مسعود رسولا بالنصب على القطع، وقوله { من الله } متعلق ~~بمحذوف هو صفة لرسول، أي كائن من الله، ويجوز تعلقه بنفس رسول، وجوز أبو ~~البقاء أن يكون حالا " من صحف ". والتقدير يتلو صحفا مطهرة منزلة من ~~الله. وقوله { يتلو صحفا مطهرة } يجوز أن تكون صفة أخرى ~~لرسول، أو حالا من متعلق الجار والمجرور قبله. ومعنى { يتلو } يقرأ، ~~يقال تلا يتلو تلاوة، والصحف جمع صحيفة. وهي ظرف المكتوب. ومعنى { مطهرة ~~} أنها منزهة من الزور والضلال. قال قتادة مطهرة من الباطل. وقيل مطهرة ~~من الكذب، والشبهات، والكفر، والمعنى واحد والمعنى أنه يقرأ ما تتضمنه ~~الصحف من المكتوب فيها لأنه صلى الله عليه وسلم كان يتلو عن ظهر قلبه، لا ~~عن كتاب كما تقدم. وقوله { فيها كتب قيمة } صفة ل { صحفا } ، ~~أو حال من ضميرها، والمراد الآيات، والأحكام المكتوبة فيها، والقيمة ~~المستقيمة المستوية المحكمة، من قول العرب قام الشيء إذا استوى وصح. ~~وقال صاحب النظم الكتب بمعنى الحكم كقوله # كتب الله لأغلبن أنا ورسلى # المجادلة 21 أي حكم. وقوله صلى الله عليه وسلم في قصة العسيف # " لأقضين بينكما بكتاب الله " # ثم قضى بالرجم، وليس الرجم في كتاب الله، فالمعنى لأقضين بينكما بحكم ~~الله، وبهذا يندفع ما قيل إن الصحف هي الكتب، فكيف قال { صحفا ~~مطهرة * فيها كتب قيمة } وقال الحسن يعني بالصحف المطهرة ~~التي في السماء، يعني في اللوح المحفوظ، كما في قوله # بل هو قرءان مجيد * فى لوح محفوظ # البروج 21، 22. { وما تفرق الذين أوتوا الكتب ms4269 ~~إلا من بعد ما جاءتهم البينة } هذه الجملة مستأنفة ~~لتوبيخ أهل الكتاب وتقريعهم، وبيان أن ما نسب إليهم من عدم الانفكاك لم ~~يكن لاشتباه الأمر، بل كان بعد وضوح الحق، وظهور الصواب. # قال المفسرون لم يزل أهل الكتاب مجتمعين حتى بعث الله محمدا. فلما بعث ~~تفرقوا في أمره واختلفوا، فآمن به بعضهم، وكفر آخرون. وخص أهل الكتاب، ~~وإن كان غيرهم مثلهم في التفرق بعد مجيء البينة لأنهم كانوا أهل علم، ~~فإذا تفرقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا الوصف، والاستثناء في ~~قوله { إلا من بعد ما جاءتهم البينة } مفرغ من أعم ~~الأوقات، أي وما تفرقوا في وقت من الأوقات إلا من بعد ما جاءتهم الحجة ~~الواضحة، وهي بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشريعة الغراء، ~~والمحجة البيضاء. وقيل البينة البيان الذي في كتبهم أنه نبي مرسل كقوله # وما اختلف الذين أوتوا الكتب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم # آل عمران 19 قال القرطبي قال العلماء من أول السورة إلى قوله { كتب ~~قيمة } حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين. وقوله { وما ~~تفرق.. } إلخ فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب والمشركين بعد قيام الحجج. ~~وجملة { وما أمروا إلا ليعبدوا الله } في محل نصب على ~~الحال مفيدة لتقريعهم وتوبيخهم بما فعلوا من التفرق بعد مجيء البينة، أي ~~والحال أنهم ما أمروا في كتبهم إلا لأجل أن يعبدوا الله، ويوحدوه حال ~~كونهم { مخلصين له الدين } أي جاعلين دينهم خالصا له سبحانه، ~~أو جاعلين أنفسهم خالصة له في الدين. وقيل إن اللام في { ليعبدوا } بمعنى ~~" أن " ، أي ما أمروا إلا بأن يعبدوا كقوله # يريد الله ليبين لكم # النساء 26 أي أن يبين، و # يريدون ليطفئوا نور الله # الصف 8 أي أن يطفئوا. قرأ الجمهور { مخلصين } بكسر اللام. وقرأ الحسن ~~بفتحها. وهذه الآية من الأدلة الدالة على وجوب النية في العبادات لأن ~~الإخلاص من عمل القلب. وانتصاب { حنفاء } على الحال من ضمير { مخلصين ~~} ، فتكون من باب التداخل، ويجوز أن تكون من ms4270 فاعل " يعبدوا " ، والمعنى ~~مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام. قال أهل اللغة أصله أن يحنف إلى ~~دين الإسلام، أي يميل إليه. { ويقيموا الصلوة ويؤتوا ~~الزكوة } أي يفعلوا الصلوات في أوقاتها، ويعطوا الزكاة عند محلها، ~~وخص الصلاة والزكاة لأنهما من أعظم أركان الدين. قيل إن أريد بالصلاة ~~والزكاة ما في شريعة أهل الكتاب من الصلاة والزكاة، فالأمر ظاهر. وإن ~~أريد ما في شريعتنا، فمعنى أمرهم بهما في الكتابين أمرهم باتباع شريعتنا، ~~وهما من جملة ما وقع الأمر به فيها. { وذلك دين القيمة } أي ~~وذلك المذكور من عبادة الله، وإخلاصها، وإقامة الصلاة، والزكاة { دين ~~القيمة } أي دين الملة المستقيمة. قال الزجاج أي ذلك دين الملة ~~المستقيمة، فالقيمة صفة لموصوف محذوف. قال الخليل القيمة جمع القيم، ~~والقيم القائم. # قال الفراء أضاف الدين إلى القيمة. وهو نعته لاختلاف اللفظين. وقال ~~أيضا هو من إضافة الشيء إلى نفسه، ودخلت الهاء للمدح والمبالغة. ثم بين ~~سبحانه حال الفريقين في الآخرة بعد بيان حالهم في الدنيا فقال { إن ~~الذين كفروا من أهل الكتب والمشركين فى نار ~~جهنم }. الموصول اسم " إن " ، و { المشركين } معطوف عليه، وخبرها { ~~في نار جهنم } ، و { خلدين فيها } حال من المستكن في الخبر. ~~ويجوز أن يكون قوله و { المشركين } مجرورا عطفا على أهل الكتاب. ومعنى ~~كونهم في نار جهنم أنهم يصيرون إليها يوم القيامة، والإشارة بقوله { ~~أولئك } إلى من تقدم ذكرهم من أهل الكتاب، والمشركين المتصفين ~~بالكون في نار جهنم، والخلود فيها { هم شر البرية } أي ~~الخليقة، يقال برأ، أي خلق. والبارىء الخالق. والبرية الخليقة. قرأ ~~الجمهور { البرية } بغير همز في الموضعين. وقرأ نافع، وابن ذكوان فيها ~~بالهمز. قال الفراء إن أخذت البرية من البراء، وهو التراب لم تدخل ~~الملائكة تحت هذا اللفظ، وإن أخذتها من بريت القلم، أي قدرته دخلت. وقيل ~~إن الهمز هو الأصل، لأنه يقال برأ الله الخلق بالهمز، أي ابتدعه واخترعه ~~ومنه قوله # من قبل أن نبرأها # الحديد 22 ولكنها خففت الهمزة، والتزم تخفيفها عند عامة العرب. ثم بين ms4271 ~~حال الفريق الآخر فقال { إن الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت } أي جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح { أولئك } ~~المنعوتون بهذا { هم خير البرية } قال والمراد أن أولئك شر ~~البرية في عصره صلى الله عليه وسلم. ولا يبعد أن يكون كفار الأمم من هو ~~شر منهم، وهؤلاء خير البرية في عصره صلى الله عليه وسلم ولا يبعد أن ~~يكون في مؤمني الأمم السابقة من هو خير منهم. { جزاؤهم عند ~~ربهم } أي ثوابهم عند خالقهم بمقابلة ما وقع منهم من الإيمان، والعمل ~~الصالح { جنت عدن تجرى من تحتها الأنهر }. والمراد ~~بجنات عدن هي أوسط الجنات وأفضلها. يقال عدن بالمكان يعدن عدنا، أي ~~أقام. ومعدن الشيء مركزه ومستقره، ومنه قول الأعشى # وإن يستضافوا إلى علمه يضافوا إلى راجح قد عدن # وقد قدمنا في غير موضع أنه إن أريد بالجنات الأشجار الملتفة، فجريان ~~الأنهار من تحتها ظاهر. وإن أريد مجموع قرار الأرض والشجر، فجري الأنهار ~~من تحتها باعتبار جزئها الظاهر، وهو الشجر. { خلدين فيها أبدا ~~} لا يخرجون منها، ولا يظعنون عنها، بل هم دائمون في نعيمها مستمرون في ~~لذاتها، { رضى الله عنهم ورضوا عنه } الجملة مستأنفة ~~لبيان ما تفضل الله به عليهم من الزيادة على مجرد الجزاء. وهو رضوانه ~~عنهم حيث أطاعوا أمره، وقبلوا شرائعه، ورضاهم عنه حيث بلغوا من المطالب ~~ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. # ويجوز أن تكون الجملة خبرا ثانيا، وأن تكون في محل نصب على الحال ~~بإضمار قد. { ذلك لمن خشى ربه } أي ذلك الجزاء والرضوان لمن ~~وقعت منه الخشية لله سبحانه في الدنيا، وانتهى عن معاصيه بسبب تلك الخشية ~~التي وقعت له لا مجرد الخشية مع الانهماك في معاصي الله سبحانه، فإنها ~~ليست بخشية على الحقيقة. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { ~~منفكين } قال برحين. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال أتعجبون من ~~منزلة الملائكة من الله، والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله ~~يوم القيامة أعظم من منزلة ms4272 ملك. واقرءوا إن شئتم { إن الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت أولئك هم خير ~~البرية }. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت «قلت يا رسول الله من ~~أكرم الخلق على الله؟ قال # " يا عائشة أما تقرئين { إن الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت أولئك هم خير البرية } " # وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال كنا عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فأقبل علي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة " # ونزلت { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~أولئك هم خير البرية } فكان أصحاب محمد إذا أقبل قالوا ~~قد جاء خير البرية». وأخرج ابن عدي، وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعا «علي ~~خير البرية». وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال «لما نزلت هذه الآية { ~~إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت أولئك هم ~~خير البرية } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي # " هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين " # وأخرج ابن مردويه عن علي مرفوعا نحوه. وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ألا أخبركم بخير البرية؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال رجل أخذ بعنان ~~فرسه في سبيل الله كلما كانت هيعة استوى عليه. ألا أخبركم بشر البرية؟ ~~قالوا بلى، قال الذي يسأل بالله ولا يعطي به " # قال أحمد حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبو ~~هريرة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فذكره. ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1-8] # قوله { إذا زلزلت الأرض زلزالها } أي إذا حركت حركة ~~شديدة. وجواب الشرط { تحدث } ، والمراد تحركها عند قيام الساعة، فإنها ~~تضطرب حتى يتكسر كل شيء عليها. قال مجاهد وهي النفخة الأولى لقوله تعالى # يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة # النازعات 6، 7 وذكر المصدر للتأكيد، ثم أضافه إلى الأرض، فهو مصدر مضاف ~~إلى فاعله، والمعنى زلزالها المخصوص الذي يستحقه، ويقتضيه جرمها وعظمها. ~~قرأ الجمهور { زلزالها } بكسر الزاي، وقرأ الجحدري، وعيسى بفتحها، وهما ~~مصدران بمعنى. ms4273 وقيل المكسور مصدر، والمفتوح اسم. قال القرطبي والزلزال ~~بالفتح مصدر كالوسواس، والقلقال { وأخرجت الأرض أثقالها } ~~أي ما في جوفها من الأموات والدفائن، والأثقال جمع ثقل، قال أبو عبيدة، ~~والأخفش إذا كان الميت في بطن الأرض، فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها، فهو ~~ثقل عليها. قال مجاهد أثقالها موتاها تخرجهم في النفخة الثانية. وقد قيل ~~للإنس والجن الثقلان، وإظهار الأرض في موضع الإضمار لزيادة التقرير. { ~~وقال الإنسن ما لها } أي قال كل فرد من أفراد الإنسان ما لها ~~زلزلت؟ لما يدهمه من أمرها، ويبهره من خطبها. وقيل المراد بالإنسان ~~الكافر، وقوله { ما لها } مبتدأ وخبر، وفيه معنى التعجيب، أي أي شيء ~~لها، أو لأي شيء زلزلت وأخرجت أثقالها؟ وقوله { يومئذ } بدل من " ~~إذا " ، والعامل فيهما قوله { تحدث أخبارها } ويجوز أن يكون ~~العامل في إذا محذوفا، والعامل في يومئذ تحدث، والمعنى يوم إذا زلزلت ~~وأخرجت تخبر بأخبارها، وتحدثهم بما عمل عليها من خير وشر، وذلك إما ~~بلسان الحال حيث يدل على ذلك دلالة ظاهرة، أو بلسان المقال، بأن ينطقها ~~الله سبحانه. وقيل هذا متصل بقوله { وقال الإنسن ما لها } أي ~~قال ما لها { تحدث أخبارها } متعجبا من ذلك، وقال يحيى بن ~~سلام تحدث أخبارها بما أخرجت من أثقالها. وقيل تحدث بقيام الساعة، ~~وأنها قد أتت، وأن الدنيا قد انقضت. قال ابن جرير تبين أخبارها بالرجفة ~~والزلزلة، وإخراج الموتى، ومفعول تحدث الأول محذوف، والثاني هو ~~أخبارها، أي تحدث الخلق أخبارها. { بأن ربك أوحى لها } ~~متعلق ب { تحدث } ، ويجوز أن يتعلق بنفس أخبارها. وقيل الباء زائدة، ~~وأن وما في حيزها بدل من { أخبارها } ، وقيل الباء سببية، أي بسبب إيحاء ~~الله إليها. قال الفراء تحدث أخبارها بوحي الله وإذنه لها، واللام في { ~~أوحى لها } بمعنى إلى وإنما أثرت على " إلى " لموافقة الفواصل، والعرب ~~تضع لام الصفة موضع إلى. كذا قال أبو عبيدة. وقيل إن { أوحى } يتعدى ~~باللام تارة، وبإلى أخرى. وقيل إن اللام على بابها من كونها للعلة. ~~والموحى إليه محذوف، وهو الملائكة، والتقدير أوحى ms4274 إلى الملائكة لأجل ~~الأرض، أي لأجل ما يفعلون فيها. # والأول أولى. { يومئذ يصدر الناس أشتاتا } الظرف إما ~~بدل من { يومئذ } الذي قبله، وإما منصوب بمقدر هو " اذكر " ، وإما منصوب ~~بما بعده، والمعنى يوم إذ يقع ما ذكر يصدر الناس من قبورهم إلى موقف ~~الحساب أشتاتا، أي متفرقين، والصدر الرجوع وهو ضد الورود. وقيل يصدرون ~~من موضع الحساب إلى الجنة أو النار، وانتصاب { أشتاتا } على الحال ~~والمعنى أن بعضهم آمن، وبعضهم خائف، وبعضهم بلون أهل الجنة، وهو البياض، ~~وبعضهم بلون أهل النار وهو السواد، وبعضهم ينصرف إلى جهة اليمين، وبعضهم ~~إلى جهة الشمال، مع تفرقهم في الأديان، واختلافهم في الأعمال. { ~~ليروا أعملهم } متعلق ب { يصدر } ، وقيل فيه تقديم وتأخير، ~~أي تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها ليروا أعمالهم { يومئذ يصدر ~~الناس أشتاتا }. قرأ الجمهور { ليروا } مبنيا للمفعول. وهو من ~~رؤية البصر، أي ليريهم الله أعمالهم. وقرأ الحسن، والأعرج، وقتادة، وحماد ~~بن سلمة، ونصر بن عاصم، وطلحة بن مصرف على البناء للفاعل، ورويت هذه ~~القراءة عن نافع، والمعنى ليروا جزاء أعمالهم. { فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره } أي وزن نملة. وهي أصغر ما يكون من ~~النمل. قال مقاتل فمن يعمل في الدنيا مثقال ذرة خيرا يره يوم القيامة ~~في كتابه، فيفرح به. وكذلك { الجن من يعمل } في الدنيا { ~~مثقال ذرة شرا يره } يوم القيامة فيسوؤه. ومثل هذه الآية ~~قوله # إن الله لا يظلم مثقال ذرة # النساء 40. وقال بعض أهل اللغة إن الذرة هو أن يضرب الرجل بيده على ~~الأرض، فما علق من التراب، فهو الذرة. وقيل الذر ما يرى في شعاع الشمس ~~من الهباء، والأول أولى. ومنه قول امرىء القيس # من القاصرات الطرف لو دب محول من الذر فوق الإتب منها لأثرا # و«من» الأولى عبارة عن السعداء، و «من» الثانية عبارة عن الأشقياء. وقال ~~محمد بن كعب فمن يعمل مثقال ذرة من خير من كافر يرى ثوابه في الدنيا، ~~وفي نفسه، وماله، وأهله، وولده حتى يخرج من الدنيا، وليس له عند الله ms4275 ~~خير، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في ماله، ~~ونفسه، وأهله، وولده حتى يخرج من الدنيا، وليس له عند الله شر، والأول ~~أولى. قال مقاتل نزلت في رجلين كان أحدهما يأتيه السائل، فيستقل أن ~~يعطيه التمرة والكسرة، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير، ويقول إنما أوعد ~~الله النار على الكافرين. قرأ الجمهور { يره } في الموضعين بضم الهاء ~~وصلا، وسكونها وقفا، وقرأ هشام بسكونها وصلا ووقفا. ونقل أبو حيان عن ~~هشام، وأبي بكر سكونها، وعن أبي عمرو ضمها مشبعة، وباقي السبعة بإشباع ~~الأولى، وسكون الثانية، وفي هذا الثقل نظر، والصواب ما ذكرنا. # وقرأ الجمهور { يره } مبنيا للفاعل في الموضعين. وقرأ ابن عباس، وابن ~~عمر، والحسن والحسين ابنا علي، وزيد بن علي، وأبو حيوة، وعاصم، ~~والكسائي في رواية عنهما، والجحدري، والسلمي، وعيسى على البناء للمفعول ~~فيهما، أي يريه الله إياه. وقرأ عكرمة { يراه } على توهم أن من موصولة، ~~أو على تقدير الجزم بحذف الحركة المقدرة في الفعل. وقد أخرج عبد بن ~~حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس { ~~إذا زلزلت الأرض زلزالها } قال تحركت من أسفلها { ~~وأخرجت الأرض أثقالها } قال الموتى. { وقال الإنسن ~~ما لها } قال الكافر يقول ما لها. { يومئذ تحدث أخبارها ~~} قال قال لها ربك قولي. { بأن ربك أوحى لها } قال أوحى ~~لها { يومئذ يصدر الناس أشتاتا } قال من كل من ههنا، ~~وههنا. وأخرج ابن المنذر عنه { وأخرجت الأرض أثقالها } قال ~~الكنوز والموتى. وأخرج مسلم، والترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل ~~فيقول في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق ~~فيقول في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا " # وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن جرير، وابن ~~المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال ~~قرأ رسول الله صلى ms4276 الله عليه وسلم { يومئذ تحدث أخبارها } ~~قال أتدرون ما أخبارها؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال # " فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، تقول عمل ~~كذا، وكذا، فهذا أخبارها " # وأخرج ابن مردويه، والبيهقي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن الأرض لتجيء يوم القيامة بكل عمل عمل على ظهرها " # وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا زلزلت الأرض ~~زلزالها } حتى بلغ { يومئذ تحدث أخبارها }. وأخرج ~~الطبراني عن ربيعة الخرشي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " تحفظوا من الأرض فإنها أمكم، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيرا، أو ~~شرا إلا وهي مخبرة " # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، ~~والحاكم في تاريخه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أنس قال «بينما ~~أبو بكر الصديق يأكل مع النبي إذ نزلت عليه { فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره }. فرفع أبو بكر يده، وقال يا رسول الله إني لراء ما عملت من ~~مثقال ذرة من شر. فقال # " يا أبا بكر أرأيت ما ترى في الدنيا مما تكره، فبمثاقيل ذر الشر، ~~ويدخر لك مثاقيل ذر الخير حتى توفاه يوم القيامة " # وأخرج إسحاق بن راهويه، وعبد بن حميد، والحاكم، وابن مردويه عن أبي ~~أسماء قال بينا أبو بكر يتغدى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نزلت ~~هذه الآية { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره } فأمسك أبو بكر وقال يا رسول ~~الله ما عملنا من شر رأيناه، فقال # " ما ترون مما تكرهون، فذاك مما تجزون، ويؤخر الخير لأهله في الآخرة " # وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في ~~الشعب عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال أنزلت { إذا زلزلت ~~الأرض زلزالها } ، وأبو بكر الصديق قاعد، فبكى، فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " ما يبكيك يا أبا بكر؟ " # قال يبكيني هذه السورة، ms4277 فقال # " لولا أنكم تخطئون وتذنبون، فيغفر لكم لخلق الله قوما يخطئون ويذنبون، ~~فيغفر لهم " # وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " الخيل لثلاثة لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر... " # الحديث. وقال وسئل عن الحمر فقال # " ما أنزل علي فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة { فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره } ". ### | [100 - سورة العاديات] ### || [100.1-11] # العاديات جمع عادية. وهي الجارية بسرعة، من العدو وهو المشي بسرعة، ~~فأبدلت الواو ياء لكسر ما قبلها كالغازيات من الغزو. والمراد بها الخيل ~~العادية في الغزو نحو العدو. وقوله { ضبحا } مصدر مؤكد لاسم الفاعل. ~~فإن الضبح نوع من السير، ونوع من العدو. يقال ضبح الفرس إذا عدا بشدة، ~~مأخوذ من الضبع، وهو الدفع، وكأن الحاء بدل من العين. قال أبو عبيدة، ~~والمبرد الضبح من إضباحها في السير ومنه قول عنترة # والخيل تكدح في حياض الموت ضبحا # ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال، أي ضابحات، أو ذوات ضبح، ويجوز أن ~~يكون مصدرا لفعل محذوف، أي تضبح ضبحا. وقيل الضبح صوت حوافرها إذا عدت. ~~وقال الفراء الضبح صوت أنفاس الخيل إذا عدت، قيل كانت تكعم لئلا تصهل، ~~فيعلم العدو بهم، فكانت تتنفس في هذه الحالة بقوة، وقيل الضبح صوت يسمع ~~من صدور الخيل عند العدو ليس بصهيل. وقد ذهب الجمهور إلى ما ذكرنا من أن ~~{ العاديات ضبحا } هي الخيل. وقال عبيد بن عمير، ومحمد بن كعب والسدي ~~هي الإبل، ومنه قول صفية بنت عبد المطلب # فلا والعاديات غداة جمع بأيديها إذا صدع الغبار # ونقل أهل اللغة أن أصل الضبح للثعلب، فاستعير للخيل، ومنه قول الشاعر # تضبح في الكف ضباح الثعلب # { فالموريت قدحا } هي الخيل حين توري النار بسنابكها. ~~والإيراء إخراج النار، والقدح الصك، فجعل ضرب الخيل بحوافرها كالقدح ~~بالزناد. قال الزجاج إذا عدت الخيل بالليل، وأصاب حوافرها الحجارة انقدح ~~منها النيران، والكلام في انتصاب { قدحا } كالكلام في انتصاب { ضبحا } ~~، والخلاف في كونها ms4278 الخيل أو الإبل، كالخلاف الذي تقدم في العاديات. ~~والراجح أنها الخيل، كما ذهب إليه الجمهور، وكما هو الظاهر من هذه ~~الأوصاف المذكورة في هذه السورة ما تقدم منها وما سيأتي، فإنها في الخيل ~~أوضح منها في الإبل، وسيأتي ما في ذلك من الخلاف بين الصحابة. { ~~فالمغيرت صبحا } أي التي تغير على العدو وقت الصباح، يقال أغار ~~يغير إغارة إذا باغت عدوه بقتل، أو أسر، أو نهب، وأسند الإغارة إليها ~~وهي لأهلها للإشعار بأنها عمدتهم في إغارتهم، وانتصاب { صبحا } على ~~الظرفية. { فأثرن به نقعا } معطوف على الفعل الذي دل عليه اسم ~~الفاعل، إذ المعنى واللاتي عدون فأثرن، أو على اسم الفاعل نفسه لكونه في ~~تأويل الفعل لوقوعه صلة للموصول، فإن الألف واللام في الصفات أسماء ~~موصولة، فالكلام في قوة واللاتي عدون، فأورين، فأغرن، فأثرن، والنقع ~~الغبار الذي أثرته في وجه العدو عند الغزو، وتخصيص إثارته بالصبح لأنه ~~وقت الإغارة، ولكونه لا يظهر أثر النقع في الليل الذي اتصل به الصبح. # وقيل المعنى فأثرن بمكان عدوهن نقعا، يقال ثار النقع، وأثرته، أي هاج، ~~أو هيجته. قرأ الجمهور فأثرن بتخفيف المثلثة. وقرأ أبو حيوة، وابن أبي ~~عبلة بالتشديد، أي فأظهرن به غبارا، وقال أبو عبيدة النقع رفع الصوت، ~~وأنشد قول لبيد # فمتى ينقع صراخ صادق يجلبوها ذات جرس وزجل # يقول. حين سمعوا صراخا أجلبوا الحرب، أي جمعوا لها. قال أبو عبيدة وعلى ~~هذا رأيت قول أكثر أهل العلم انتهى، والمعروف عند جمهور أهل اللغة ~~والمفسرين أن النقع الغبار، ومنه قول الشاعر # يخرجن من مستطار النقع دامية كأن أذنابها أطراف أقلام # وقول عبد الله بن رواحة # عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع من كنفي كداء # وقول الآخر # كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # وهذا هو المناسب لمعنى الآية، وليس لتفسير النقع بالصوت فيها كثير معنى، ~~فإن قولك أغارت الخيل على بني فلان صبحا، فأثرن به صوتا، قليل الجدوى ~~مغسول المعنى بعيد من بلاغة القرآن المعجزة. وقيل النقع شق الجيوب، وقال ms4279 ~~محمد بن كعب النقع ما بين مزدلفة إلى منى. وقيل إنه طريق الوادي. قال في ~~الصحاح النقع الغبار، والجمع أنقاع، والنقع محبس الماء، وكذلك ما اجتمع ~~في البئر منه، والنقع الأرض الحرة الطين يستنقع فيها الماء. { ~~فوسطن به جمعا } أي توسطن بذلك الوقت، أو توسطن ملتبسات بالنقع ~~جمعا من جموع الأعداء، أو صرن بعدوهن وسط جمع الأعداء، والباء إما ~~للتعدية، أو للحالية، أو زائدة، يقال وسطت المكان، أي صرت في وسطه، ~~وانتصاب جمعا على أنه مفعول به، والفاآت في المواضع الأربعة للدلالة على ~~ترتب ما بعد كل واحدة منها على ما قبلها. قرأ الجمهور { فوسطن } بتخفيف ~~السين. وقرىء بالتشديد. { إن الإنسن لربه لكنود } هذا ~~جواب القسم، والمراد بالإنسان بعض أفراده، وهو الكافر، والكنود الكفور ~~للنعمة. وقوله { لربه } متعلق بكنود. قدم لرعاية الفواصل، ومنه قول ~~الشاعر # كنود لنعماء الرجال ومن يكن كنودا لنعماء الرجال يبعد # أي كفور لنعماء الرجال. وقيل هو الجاحد للحق. قيل إنها إنما سميت كندة، ~~لأنها جحدت أباها. وقيل الكنود مأخوذ من الكند. وهو القطع، كأنه قطع ما ~~ينبغي أن يواصله من الشكر. يقال كند الحبل إذا قطعه، ومنه قول الأعشى # وصول حبال وكنادها # وقيل الكنود البخيل، وأنشد أبو زيد # إن نفسي لم تطب منك نفسا غير أني أمسي بدين كنود # وقيل الكنود الحسود. وقيل الجهول لقدره، وتفسير الكنود بالكفور للنعمة ~~أولى بالمقام والجاحد للنعمة كافر لها، ولا يناسب المقام سائر ما قيل. { ~~وإنه على ذلك لشهيد } أي وإن الإنسان على كنوده لشهيد ~~يشهد على نفسه به لظهور أثره عليه. وقيل المعنى وإن الله جل ثناؤه على ~~ذلك من ابن آدم لشهيد، وبه قال الجمهور. # وقال بالأول الحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب، وهو أرجح من قول الجمهور ~~لقوله { وإنه لحب الخير لشديد } فإن الضمير راجع إلى ~~الإنسان، والمعنى إنه لحب المال قوي مجد في طلبه، وتحصيله متهالك ~~عليه، يقال هو شديد لهذا الأمر وقوي له إذا كان مطيقا له، ومنه قوله ~~تعالى # إن ترك خيرا # البقرة 180 ومنه ms4280 قول عدي بن حاتم # ماذا ترجى النفوس من طلب ال خير وحب الحياة كاربها # وقيل المعنى وإن الإنسان من أجل حب المال لبخيل، والأول أولى. واللام ~~في { لحب } متعلقة بشديد. قال ابن زيد سمى الله المال خيرا، وعسى أن ~~يكون شرا، ولكن الناس يجدونه خيرا، فسماه خيرا. قال الفراء أصل نظم ~~الآية أن يقال وإنه لشديد الحب للخير، فلما قدم الحب قال لشديد، وحذف ~~من آخره ذكر الحب لأنه قد جرى ذكره، ولرؤوس الآي كقوله # في يوم عاصف # إبراهيم 18 والعصوف للريح لا لليوم، كأنه قال في يوم عاصف الريح. { ~~أفلا يعلم إذا بعثر ما فى القبور } الاستفهام ~~للإنكار، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي يفعل ما يفعل من ~~القبائح، فلا يعلم، و { بعثر } معناه نثر وبحث، أي نثر ما في القبور من ~~الموتى، وبحث عنهم وأخرجوا. قال أبو عبيدة بعثرت المتاع جعلت أسفله ~~أعلاه. قال الفراء سمعت بعض العرب من بني أسد يقول بحثر بالحاء مكان ~~العين، وقد تقدم الكلام على هذا في قوله # وإذا القبور بعثرت # الانفطار 4. { وحصل ما فى الصدور } أي ميز وبين ما فيها من ~~الخير والشر، والتحصيل التمييز، كذا قال المفسرون، وقيل حصل أبرز. قرأ ~~الجمهور { حصل } بضم الحاء، وتشديد الصاد مكسورا مبنيا للمفعول. وقرأ ~~عبيد بن عمير، وسعيد بن جبير، ويحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم حصل بفتح ~~الحاء والصاد، وتخفيفها مبنيا للفاعل، أي ظهر. { إن ربهم بهم ~~يومئذ لخبير } أي إن رب المبعوثين بهم لخبير لا تخفى عليه ~~منهم خافية، فيجازيهم بالخير خيرا، وبالشر شرا. قال الزجاج الله خبير ~~بهم في ذلك اليوم، وفي غيره، ولكن المعنى إن الله يجازيهم على كفرهم في ~~ذلك اليوم، ومثله قوله تعالى # أولئك الذين يعلم الله ما فى قلوبهم # النساء 63 معناه أولئك الذين لا يترك الله مجازاتهم. قرأ الجمهور { إن ~~ربهم } بكسر الهمزة، وباللام في لخبير. وقرأ أبو السماك بفتح الهمزة، ~~وإسقاط اللام من { لخبير }. وقد أخرج البزار، وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم، والدارقطني في ms4281 الأفراد، وابن مردويه عن ابن عباس قال «بعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خيلا، فاستمرت شهرا لا يأتيه منها خبر، فنزلت ~~{ والعديت ضبحا } ضبحت بأرجلها. ولفظ ابن مردويه ضبحت ~~بمناخرها. { فالموريت قدحا } قدحت بحوافرها الحجارة، فأورت ~~نارا. # { فالمغيرت صبحا } صبحت القوم بغارة. { فأثرن به ~~نقعا } أثارت بحوافرها التراب. { فوسطن به جمعا } صبحت ~~القوم جميعا. وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عنه قال «بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سرية إلى العدو، فأبطأ خبرها، فشق ذلك عليه، فأخبره ~~الله خبرهم، وما كان من أمرهم، فقال { والعديت ضبحا }. قال ~~هي الخيل». والضبح نخير الخيل حين تنخر. { فالموريت قدحا } قال ~~حين تجري الخيل توري نارا أصابت بسنابكها الحجارة. { فالمغيرت ~~صبحا } قال هي الخيل أغارت، فصبحت العدو { فأثرن به نقعا } ~~قال هي الخيل أثرن بحوافرها، يقول تعدو الخيل، والنقع الغبار. { ~~فوسطن به جمعا } قال الجمع العدو. وأخرج عبد بن حميد عن أبي ~~صالح قال تقاولت أنا، وعكرمة في شأن العاديات، فقال قال ابن عباس هي ~~الخيل في القتال، وضبحها حين ترخي مشافرها إذا عدت { فالموريت ~~قدحا } أرت المشركين مكرهم. { فالمغيرت صبحا } قال إذا صبحت ~~العدو { فوسطن به جمعا } قال إذا توسطت العدو. وقال أبو صالح ~~فقلت قال علي هي الإبل في الحج ومولاي كان أعلم من مولاك. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب الأضداد، والحاكم وصححه، ~~وابن مردويه عن ابن عباس قال بينما أنا في الحجر جالس إذ أتاني رجل يسأل ~~عن { العاديات ضبحا } ، فقلت الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى ~~الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم، فانفتل عني، فذهب إلى علي بن أبي ~~طالب، وهو جالس تحت سقاية زمزم، فسأله عن { العاديات ضبحا } ، فقال سألت ~~عنها أحدا قبلي؟ قال نعم سألت عنها ابن عباس، فقال هي الخيل حين تغير في ~~سبيل الله، فقال اذهب، فادعه لي، فلما وقفت على رأسه قال تفتي الناس بما ~~لا علم لك، والله إن كانت لأول غزوة في الإسلام لبدر، ms4282 وما كان معنا إلا ~~فرسان فرس للزبير، وفرس للمقداد بن الأسود، فكيف تكون { ~~والعديت ضبحا }. إنما العاديات ضبحا من عرفة إلى المزدلفة، ~~فإذا أووا إلى المزدلفة أوقدوا النيران، والمغيرات صبحا من المزدلفة إلى ~~منى، فذلك جمع، وأما قوله { فأثرن به نقعا } فهي نقع الأرض ~~تطؤه بأخفافها وحوافرها. قال ابن عباس فنزعت عن قولي، ورجعت إلى الذي قال ~~علي. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود { ~~والعديت ضبحا } قال الإبل. أخرجه عنه من طريق الأعمش عن ~~إبراهيم النخعي. قال إبراهيم وقال علي بن أبي طالب هي الإبل. وقال ابن ~~عباس هي الخيل. فبلغ عليا قول ابن عباس فقال ما كانت لنا خيل يوم بدر. ~~قال ابن عباس إنما كانت تلك في سرية بعثت. وأخرج عبد بن حميد عن عامر ~~الشعبي قال تمارى علي، وابن عباس في { العاديات ضبحا } فقال ابن عباس ~~هي الخيل وقال علي كذبت يا ابن فلانة، والله ما كان معنا يوم بدر فارس ~~إلا المقداد كان على فرس أبلق. # قال وكان يقول هي الإبل، فقال ابن عباس ألا ترى أنها تثير نقعا، فما ~~شيء تثير إلا بحوافرها. وأخرج عبد بن حميد، والحاكم وصححه من طريق مجاهد ~~عن ابن عباس { والعديت ضبحا } قال الخيل. { فالموريت ~~قدحا } قال الرجل إذا أورى زنده. { فالمغيرت صبحا } قال ~~الخيل تصبح العدو. { فأثرن به نقعا } قال التراب. { ~~فوسطن به جمعا } قال العدو. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد { ~~والعديت ضبحا } قال قال ابن عباس القتال. وقال ابن مسعود ~~الحج. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم من طريق عمرو بن دينار عن ابن عباس { والعديت ضبحا ~~} قال ليس شيء من الدواب يضبح إلا الكلب، أو الفرس. { فالموريت ~~قدحا } قال هو مكر الرجل قدح، فأورى. { فالمغيرت صبحا } قال ~~غارة الخيل صبحا. { فأثرن به نقعا } قال غبار وقع سنابك ~~الخيل. { فوسطن به جمعا } قال جمع العدو. وأخرج ابن جرير، ~~وابن المنذر عن ابن عباس { والعديت ضبحا ms4283 } قال الخيل ضبحها ~~زحيرها. ألم تر أن الفرس إذا عدا قال أح أح، فذلك ضبحها. وأخرج ابن ~~المنذر عن علي قال الضبح من الخيل الحمحمة، ومن الإبل النفس. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن مسعود { والعديت ضبحا } قال هي الإبل في الحج. ~~{ فالموريت قدحا } إذا سفت الحصى بمناسمها، فضرب الحصى بعضه ~~بعضا، فيخرج منه النار. { فالمغيرت صبحا } حين يفيضون من جمع. ~~{ فأثرن به نقعا } قال إذا سرن يثرن التراب. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه من طرق عن ابن عباس قال الكنود بلساننا أهل البلد الكفور. وأخرج ~~ابن عساكر عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { إن ~~الإنسن لربه لكنود } قال لكفور. وأخرج عبد بن حميد، ~~والبخاري في الأدب، والحكيم الترمذي، وابن مردويه عن أبي أمامة قال ~~الكنود الذي يمنع رفده، وينزل وحده، ويضرب عبده. ورواه عنه ابن جرير، ~~وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والديلمي، وابن عساكر مرفوعا، ~~وضعف إسناده السيوطي، وفي إسناده جعفر بن الزبير، وهو متروك، والموقوف ~~أصح لأنه لم يكن من طريقه. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس { وإنه ~~على ذلك لشهيد } قال الإنسان { وإنه لحب الخير } ~~قال المال. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه { إذا بعثر ما فى ~~القبور } قال بحث { وحصل ما فى الصدور } قال أبرز. ### | [101 - سورة القارعة] ### || [101.1-11] # { القارعة } من أسماء القيامة لأنها تقرع القلوب بالفزع، وتقرع ~~أعداء الله بالعذاب. والعرب تقول قرعتهم القارعة إذا وقع بهم أمر فظيع. ~~قال ابن أحمر # وقارعة من الأيام لولا سبيلهم لراحت عنك حينا # وقال آخر # متى نقرع بمروتكم نسؤكم ولما يوقد لنا في القدر نار # { والقارعة } مبتدأ، وخبرها قوله { ما القارعة }. وبالرفع قرأ ~~الجمهور، وقرأ عيسى بنصبها على تقدير احذروا القارعة. والاستفهام ~~للتعظيم، والتفخيم لشأنها، كما تقدم بيانه في قوله # الحاقة * ما الحاقة * وما أدراك ما الحاقة # الحاقة 1 3. وقيل معنى الكلام على التحذير. قال الزجاج والعرب تحذر ~~وتغري بالرفع كالنصب، وأنشد ms4284 قول الشاعر # لجديرون بالوفاء إذا قال أخو النجدة السلاح السلاح # والحمل على معنى التفخيم، والتعظيم أولى، ويؤيده وضع الظاهر موضع ~~الضمير، فإنه أدل على هذا المعنى. ويؤيده أيضا قوله { وما أدراك ~~ما القارعة } فإنه تأكيد لشدة هولها، ومزيد فظاعتها حتى كأنها ~~خارجة عن دائرة علوم الخلق بحيث لا تنالها دراية أحد منهم، وما ~~الاستفهامية مبتدأ، و { أدراك } خبرها. و { ما القارعة } مبتدأ وخبر. ~~والجملة في محل نصب على أنها المفعول الثاني والمعنى وأي شيء أعلمك ما ~~شأن القارعة؟ ثم بين سبحانه متى تكون القارعة فقال { يوم يكون ~~الناس كالفراش المبثوث }. وانتصاب الظرف بفعل محذوف تدل ~~عليه القارعة، أي تقرعهم يوم يكون الناس إلخ، ويجوز أن يكون منصوبا ~~بتقدير اذكر. وقال ابن عطية، ومكي، وأبو البقاء هو منصوب بنفس القارعة، ~~وقيل هو خبر مبتدأ محذوف، وإنما نصب لإضافته إلى الفعل، فالفتحة فتحة ~~بناء لا فتحة إعراب، أي هي يوم يكون إلخ. وقيل التقدير ستأتيكم القارعة ~~يوم يكون. وقرأ زيد بن علي برفع يوم على الخبرية للمبتدأ المقدر. ~~والفراش الطير الذي تراه يتساقط في النار، والسراج، والواحدة فراشة، كذا ~~قال أبو عبيدة وغيره. قال الفراء الفراش هو الطائر من بعوض وغيره، ومنه ~~الجراد. قال وبه يضرب المثل في الطيش، والهوج، يقال أطيش من فراشة، وأنشد # فراشة الحلم فرعون العذاب وإن يطلب نداه فكلب دونه كلب # وقول آخر # وقد كان أقوام رددت حلومهم عليهم وكانوا كالفراش من الجهل # والمراد بالمبثوث المتفرق المنتشر. يقال بثه إذا فرقه. ومثل هذا قوله ~~سبحانه في آية أخرى # كأنهم جراد منتشر # القمر 7 وقال { المبثوث } ، ولم يقل المبثوثة لأن الكل جائز، كما في ~~قوله # أعجاز نخل منقعر # القمر 20 و # أعجاز نخل خاوية # الحاقة 7 وقد تقدم بيان وجه ذلك. { وتكون الجبال كالعهن ~~المنفوش } أي كالصوف الملون بالألوان المختلفة الذي نفش بالندف. ~~والعهن عند أهل اللغة الصوف المصبوغ بالألوان المختلفة، وقد تقدم بيان ~~هذا في سورة سأل سائل، وقد ورد في الكتاب العزيز أوصاف للجبال يوم ~~القيامة. # وقد ms4285 قدمنا بيان الجمع بينها. ثم ذكر سبحانه أحوال الناس، وتفرقهم ~~فريقين على جهة الإجمال فقال { فأما من ثقلت موزينه * ~~فهو فى عيشة راضية } قد تقدم القول في الميزان في سورة ~~الأعراف، وسورة الكهف، وسورة الأنبياء. وقد اختلف فيها هنا. فقيل هي جمع ~~موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله، وبه قال الفراء وغيره. وقيل ~~هي جمع ميزان. وهو الآلة التي توضع فيها صحائف الأعمال، وعبر عنه بلفظ ~~الجمع، كما يقال لكل حادثة ميزان، وقيل المراد بالموازين الحجج ~~والدلائل، كما في قول الشاعر # لقد كنت قبل لقائكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانه # ومعنى عيشة راضية مرضية يرضاها صاحبها. قال الزجاج، أي ذات رضى يرضاها ~~صاحبها. وقيل عيشة راضية أي فاعلة للرضى، وهو اللين، والانقياد لأهلها. ~~والعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة { وأما من خفت ~~موزينه } أي رجحت سيئاته على حسناته، أو لم تكن له حسنات يعتد بها ~~{ فأمه هاوية } أي فمسكنه جهنم. وسماها أمه لأنه يأوي إليه، كما ~~يأوي إلى أمه. والهاوية من أسماء جهنم. وسميت هاوية لأنه يهوي فيها مع ~~بعد قعرها. ومنه قول أمية بن أبي الصلت # فالأرض معقلنا وكانت أمنا فيها مقابرنا وفيها نولد # وقول الآخر # يا عمرو لو نالتك أرماحنا كنت كمن تهوي به الهاوية # والمهوى، والمهواة ما بين الجبلين، وتهاوى القوم في المهواة إذا سقط ~~بعضهم في إثر بعض. قال قتادة معنى { فأمه هاوية } فمصيره إلى النار. ~~قال عكرمة لأنه يهوي فيها على أم رأسه. قال الأخفش أمه مستقره. { وما ~~أدراك ماهية } هذا الاستفهام للتهويل، والتفظيع ببيان أنها خارجة عن ~~المعهود بحيث لا تحيط بها علوم البشر، ولا تدري كنهها. ثم بينها سبحانه ~~فقال { نار حامية } أي قد انتهى حرها، وبلغ في الشدة إلى الغاية، ~~وارتفاع نار على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي هي نار حامية. وقد أخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال { القارعة ~~} من أسماء يوم القيامة. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله ms4286 { فأمه ~~هاوية } قال كقوله هوت أمه. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة { فأمه ~~هاوية } قال أم رأسه هاوية في جهنم. وأخرج ابن مردويه عن أنس قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا مات المؤمن تلقته أرواح المؤمنين يسألونه ما فعل فلان ما فعلت ~~فلانة؟ فإذا كان مات، ولم يأتهم قالوا خولف به إلى أمه الهاوية، فبئست ~~الأم، وبئست المربية " # وأخرج ابن مردويه من حديث أبي أيوب الأنصاري نحوه. وأخرج ابن المبارك من ~~حديث أبي أيوب نحوه أيضا. ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-8] # قوله { ألهكم التكاثر } أي شغلكم التكاثر بالأموال ~~والأولاد، والتفاخر بكثرتها، والتغالب فيها. يقال ألهاه عن كذا، وألهاه ~~إذا شغله، ومنه قول امرىء القيس # فألهيتها عن ذي تمائم محول # وقال الحسن معنى ألهاكم أنساكم. { حتى زرتم المقابر } أي ~~حتى أدرككم الموت، وأنتم على تلك الحال. وقال قتادة إن التكاثر التفاخر ~~بالقبائل والعشائر. وقال الضحاك ألهاكم التشاغل بالمعاش. وقال مقاتل، ~~وقتادة أيضا، وغيرهما نزلت في اليهود حين قالوا نحن أكثر من بني فلان، ~~وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا. وقال الكلبي نزلت في ~~حيين من قريش بني عبد مناف، وبني سهم تعادوا، وتكاثروا بالسيادة ~~والأشراف في الإسلام، فقال كل حي منهم نحن أكثر سيدا، وأعز عزيزا، ~~وأعظم نفرا، وأكثر قائدا، فكثر بنو عبد مناف بني سهم، ثم تكاثروا ~~بالأموات، فكثرتهم بهم، فنزلت { ألهكم التكاثر } فلم ترضوا ~~{ حتى زرتم المقابر } مفتخرين بالأموات. وقيل نزلت في حيين ~~من الأنصار. والمقابر جمع مقبرة بفتح الباء وضمها. وفي الآية دليل على أن ~~الاشتغال بالدنيا، والمكاثرة بها، والمفاخرة فيها من الخصال المذمومة، ~~وقال سبحانه { ألهكم التكاثر } ولم يقل عن كذا، بل أطلقه ~~لأن الإطلاق أبلغ في الذم لأنه يذهب الوهم فيه كل مذهب، فيدخل فيه جميع ~~ما يحتمله المقام، ولأن حذف المتعلق مشعر بالتعميم، كما تقرر في علم ~~البيان والمعنى أنه شغلكم التكاثر عن كل شيء يجب عليكم الاشتغال به من ~~طاعة الله، والعمل للآخرة، وعبر عن موتهم بزيارة المقابر لأن ms4287 الميت قد ~~صار إلى قبره، كما يصير الزائر إلى الموضع الذي يزوره هذا على قول من قال ~~إن معنى { زرتم المقابر } متم، أما على قول من قال إن معنى { ~~زرتم المقابر } ذكرتم الموتى، وعددتموهم للمفاخرة، والمكاثرة، ~~فيكون ذلك على طريق التهكم بهم، وقيل إنهم كانوا يزورون المقابر، فيقولون ~~هذا قبر فلان، وهذا قبر فلان يفتخرون بذلك. { كلا سوف تعلمون ~~} ردع وزجر لهم عن التكاثر، وتنبيه على أنهم سيعلمون عاقبة ذلك يوم ~~القيامة، وفيه وعيد شديد. قال الفراء أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من ~~التكاثر والتفاخر. ثم كرر الردع والزجر، والوعيد فقال { ثم كلا ~~سوف تعلمون } وثم للدلالة على أن الثاني أبلغ من الأول، وقيل ~~الأول عند الموت أو في القبر، والثاني يوم القيامة. قال الفراء هذا ~~التكرار على وجه التغليظ والتأكيد. قال مجاهد هو وعيد بعد وعيد. وكذا قال ~~الحسن، ومجاهد. { كلا لو تعلمون علم اليقين } أي لو ~~تعلمون الأمر الذي أنتم صائرون إليه علما يقينا كعلمكم ما هو متيقن ~~عندكم في الدنيا، وجواب " لو " محذوف، أي لشغلكم ذلك عن التكاثر ~~والتفاخر، أو لفعلتم ما ينفعكم من الخير، وتركتم ما لا ينفعكم مما أنتم ~~فيه. # و { كلا } في هذا الموضع الثالث للزجر، والردع كالموضعين الأولين. وقال ~~الفراء هي بمعنى حقا. وقيل هي في المواضع الثلاثة بمعنى ألا. قال قتادة ~~اليقين هنا الموت، وروي عنه أيضا أنه قال هو البعث. قال الأخفش التقدير ~~لو تعلمون علم اليقين ما ألهاكم. وقوله { لترون الجحيم } جواب ~~قسم محذوف، وفيه زيادة وعيد وتهديد، أي والله لترون الجحيم في الآخرة. ~~قال الرازي وليس هذا جواب لو، لأن جواب لو يكون منفيا، وهذا مثبت. ولأنه ~~عطف عليه { ثم لتسئلن } وهو مستقبل لا بد من وقوعه قال وحذف ~~جواب لو كثير، والخطاب للكفار، وقيل عام كقوله # وإن منكم إلا واردها # مريم 71 قرأ الجمهور { لترون } بفتح التاء مبنيا للفاعل وقرأ الكسائي، ~~وابن عامر بضمها مبنيا للمفعول. ثم كرر الوعيد والتهديد للتأكيد فقال { ~~ثم لترونها عين اليقين ms4288 } أي ثم لترون الجحيم الرؤية ~~التي هي نفس اليقين، وهي المشاهدة والمعاينة، وقيل المعنى لترون الجحيم ~~بأبصاركم على البعد منكم، ثم لترونها مشاهدة على القرب. وقيل المراد ~~بالأول رؤيتها قبل دخولها، والثاني رؤيتها حال دخولها. وقيل هو إخبار عن ~~دوام بقائهم في النار، أي هي رؤية دائمة متصلة. وقيل المعنى لو تعلمون ~~اليوم علم اليقين، وأنتم في الدنيا لترون الجحيم بعيون قلوبكم، وهو أن ~~تتصوروا أمر القيامة وأهوالها. { ثم لتسئلن يومئذ عن ~~النعيم } أي عن نعيم الدنيا الذي ألهاكم عن العمل للآخرة. قال قتادة ~~يعني كفار مكة كانوا في الدنيا في الخير والنعمة، فيسألون يوم القيامة عن ~~شكر ما كانوا فيه، ولم يشكروا رب النعم حيث عبدوا غيره، وأشركوا به. قال ~~الحسن لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. وقال قتادة إن الله سبحانه سائل ~~كل ذي نعمة عما أنعم عليه، وهذا هو الظاهر، ولا وجه لتخصيص النعيم بفرد ~~من الأفراد، أو نوع من الأنواع لأن تعريفه للجنس، أو الاستغراق، ومجرد ~~السؤال لا يستلزم تعذيب المسئول على النعمة التي يسئل عنها، فقد يسأل ~~الله المؤمن عن النعم التي أنعم بها عليه فيم صرفها، وبم عمل فيها؟ ليعرف ~~تقصيره، وعدم قيامه بما يجب عليه من الشكر. وقيل السؤال عن الأمن والصحة. ~~وقيل عن الصحة والفراغ، وقيل عن الإدراك بالحواس، وقيل عن ملاذ المأكول ~~والمشروب. وقيل عن الغداء والعشاء. وقيل عن بارد الشراب وظلال المساكن. ~~وقيل عن اعتدال الخلق. وقيل عن لذة النوم، والأولى العموم، كما ذكرنا. ~~وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بردة في قوله { ألهكم التكاثر ~~} قال نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار في بني حارثة وبني الحارث ~~تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما فيكم مثل فلان، وفلان. # وقال الآخرون مثل ذلك تفاخروا بالأحياء. ثم قالوا انطلقوا بنا إلى ~~القبور، فجعلت إحدى الطائفتين تقول فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبر، ومثل ~~فلان، وفعل الآخرون كذلك، فأنزل الله { ألهكم التكاثر * ~~حتى زرتم المقابر } لقد كان لكم فيما زرتم عبرة وشغل. وأخرج ~~ابن ms4289 المنذر عن ابن عباس في قوله { ألهكم التكاثر } قال في ~~الأموال والأولاد. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن زيد بن أسلم عن ~~أبيه قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألهاكم التكاثر» يعني عن ~~الطاعة { حتى زرتم المقابر } يقول حتى يأتيكم الموت { ~~كلا سوف تعلمون } يعني لو قد دخلتم قبوركم { ثم كلا ~~سوف تعلمون } يقول لو قد خرجتم من قبوركم إلى محشركم. { كلا ~~لو تعلمون علم اليقين } قال لو قد وقفتم على أعمالكم بين ~~يدي ربكم. { لترون الجحيم } وذلك أن الصراط يوضع وسط جهنم، ~~فناج مسلم، ومخدوش مسلم، ومكدوش في نار جهنم. { ثم لتسئلن ~~يومئذ عن النعيم } يعني شبع البطون، وبارد الشرب، وظلال ~~المساكن، واعتدال الخلق، ولذة النوم. وأخرج ابن مردويه عن عياض بن غنم ~~مرفوعا نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، ~~والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله { ثم لتسئلن ~~يومئذ عن النعيم } قال صحة الأبدان، والأسماع، والأبصار، وهو ~~أعلم بذلك منهم، وهو قوله # إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسئولا # الإسراء 36 وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم { ثم ~~لتسئلن يومئذ عن النعيم } قال الأمن، والصحة. وأخرج ~~البيهقي عن علي بن أبي طالب قال النعيم العافية. وأخرج عبد بن حميد، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال من أكل خبز البر، وشرب ماء ~~الفرات مبردا، وكان له منزل يسكنه، فذلك من النعيم الذي يسأل عنه. وأخرج ~~ابن مردويه عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الآية # " أكل خبز البر، والنوم في الظل، وشرب ماء الفرات مبردا " # ولعل رفع هذا لا يصح، فربما كان من قول أبي الدرداء. وأخرج أحمد في ~~الزهد، وابن مردويه عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية ~~قال # " ناس من أمتي يعقدون السمن والعسل بالنقي، فيأكلونه " # وهذا مرسل. ms4290 وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال لما نزلت هذه ~~الآية. قال الصحابة «يا رسول الله أي نعيم نحن فيه؟ وإنما نأكل في أنصاف ~~بطوننا خبز الشعير، فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن قل لهم ~~أليس تحتذون النعال، وتشربون الماء البارد، فهذا من النعيم». # وأخرج ابن أبي شيبة، وهناد، وأحمد، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي في ~~الشعب عن محمود بن لبيد قال لما نزلت { ألهكم التكاثر } ~~فقرأ حتى بلغ { ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم } قالوا ~~يا رسول الله أي نعيم نسأل عنه؟ وإنما هما الأسودان الماء، والتمر، ~~وسيوفنا على رقابنا، والعدو حاضر، فعن أي نعيم نسأل؟ قال # " أما إن ذلك سيكون " # وأخرجه عبد بن حميد، والترمذي، وابن مردويه من حديث أبي هريرة. وأخرجه ~~أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن مردويه من حديث ~~الزبير بن العوام. وأخرج أحمد في الزهد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن ~~جرير، وابن حبان، وابن مردويه، والحاكم، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن أول ما يسأل العبد عنه يوم القيامة من النعيم أن يقال له ألم نصح ~~لك جسدك، ونروك من الماء البارد؟ " # وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~مردويه، والبيهقي في الشعب عن جابر بن عبد الله قال جاءنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، فأطعمناهم رطبا، وسقيناهم ماء، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " هذا من النعيم الذي تسألون عنه " # وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه، والبيهقي من حديث جابر بن عبد الله ~~نحوه. وأخرج مسلم، وأهل السنن، وغيرهم عن أبي هريرة قال خرج النبي، فإذا ~~هو بأبي بكر وعمر، فقال # " ما أخرجكما من بيوتكما الساعة؟ " # قالا الجوع يا رسول الله، قال # " والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما فقوما " # فقاما معه، فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته ~~المرأة قالت مرحبا، فقال النبي صلى الله ms4291 عليه وسلم # " أين فلان؟ " # قالت انطلق يستعذب لنا الماء إذ جاء الأنصاري فنظر إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وصاحبيه، فقال الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني، ~~فانطلق، فجاء بعذق فيه بسر، وتمر. فقال كلوا من هذا، وأخذ المدية، فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إياك والحلوب " # فذبح لهم فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا، فلما شبعوا ورووا قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر، وعمر # " والذي نفسي بيده لنسألن عن هذا النعيم يوم القيامة " # وفي الباب أحاديث. ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1-3] # أقسم سبحانه بالعصر، وهو الدهر، لما فيه من العبر من جهة مرور الليل ~~والنهار على تقدير الأدوار، وتعاقب الظلام والضياء، فإن في ذلك دلالة ~~بينة على الصانع عز وجل، وعلى توحيده، ويقال لليل عصر، وللنهار عصر، ~~ومنه قول حميد بن ثور # ولم ينته العصران يوم وليلة إذا طلبا أن يدركا ما تمنيا # ويقال للغداة والعشي عصران، ومنه قول الشاعر # وأمطله العصرين حتى يملني ويرضى بنصف الدين والأنف راغم # وقال قتادة والحسن المراد به في الآية العشي، وهو ما بين زوال الشمس ~~وغروبها، ومنه قول الشاعر # يروح بنا عمرو وقد قصر العصر وفي الروحة الأولى الغنيمة والأجر # وروي عن قتادة أيضا أنه آخر ساعة من ساعات النهار. وقال مقاتل إن ~~المراد به صلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى التي أمر الله سبحانه بالمحافظة ~~عليها. وقيل هو قسما بعصر النبي صلى الله عليه وسلم. قال الزجاج قال ~~بعضهم معناه، ورب العصر. والأول أولى. { إن الإنسن لفى خسر ~~} هذا جواب القسم. الخسر، والخسران النقصان، وذهاب رأس المال، والمعنى أن ~~كل إنسان في المتاجر والمساعي وصرف الأعمار في أعمال الدنيا لفي نقص، ~~وضلال عن الحق حتى يموت. وقيل المراد بالإنسان الكافر. وقيل جماعة من ~~الكفار وهم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب بن ~~أسد، والأول أولى لما في لفظ الإنسان من العموم، ولدلالة الاستثناء ~~عليه. قال الأخفش { فى خسر } في هلكة. وقال ms4292 الفراء عقوبة. وقال ابن ~~زيد لفي شر. قرأ الجمهور { والعصر } بسكون الصاد. وقرءوا أيضا { خسر } ~~بضم الخاء، وسكون السين. وقرأ يحيى بن سلام والعصر بكسر الصاد. وقرأ ~~الأعرج، وطلحة، وعيسى خسر بضم الخاء والسين، ورويت هذه القراءة عن عاصم. ~~{ إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } أي جمعوا ~~بين الإيمان بالله والعمل الصالح، فإنهم في ربح لا في خسر لأنهم عملوا ~~للآخرة، ولم تشغلهم أعمال الدنيا عنها، والاستثناء متصل، ومن قال إن ~~المراد بالإنسان الكافر فقط، فيكون منقطعا، ويدخل تحت هذا الاستثناء كل ~~مؤمن ومؤمنة، ولا وجه لما قيل من أن المراد الصحابة أو بعضهم، فإن اللفظ ~~عام لا يخرج عنه أحد ممن يتصف بالإيمان، والعمل الصالح { وتواصوا ~~بالحق } أي وصى بعضهم بعضا بالحق الذي يحق القيام به، وهو الإيمان ~~بالله، والتوحيد، والقيام بما شرعه الله، واجتناب ما نهى عنه. قال قتادة ~~{ بالحق } ، أي بالقرآن، وقيل بالتوحيد، والحمل على العموم أولى. { ~~وتواصوا بالصبر } أي بالصبر عن معاصي الله سبحانه، والصبر على ~~فرائضه. وفي جعل التواصي بالصبر قرينا للتواصي بالحق دليل على عظيم ~~قدره، وفخامة شرفه، ومزيد ثواب الصابرين على ما يحق الصبر عليه # إن الله مع الصبرين # الأنفال 46 وأيضا التواصي بالصبر مما يندرج تحت التواصي بالحق، فإفراده ~~بالذكر، وتخصيصه بالنص عليه من أعظم الأدلة الدالة على إنافته على خصال ~~الحق، ومزيد شرفه عليها، وارتفاع طبقته عنها. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن ~~عباس في قوله { والعصر } قال الدهر. وأخرج ابن جرير عنه قال هو ساعة ~~من ساعات النهار. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا قال هو ما قبل مغيب الشمس ~~من العشي. وأخرج الفريابي، وأبو عبيد في فضائله، وعبد بن حميد، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف عن علي بن أبي طالب أنه ~~كان يقرأ والعصر ونوائب الدهر، إن الإنسان لفي خسر، وإنه فيه إلى آخر ~~الدهر. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أنه كان يقرأ والعصر إن الإنسان ~~لفي خسر، وإنه لفيه إلى آخر الدهر. ### | [104 - سورة الهمزة] ms4293 ### || [104.1-9] # الويل هو مرتفع على الابتداء، وسوغ الابتداء به مع كونه نكرة كونه دعاء ~~عليهم، وخبره { لكل همزة لمزة } والمعنى خزي، أو عذاب، أو ~~هلكة أو واد في جهنم لكل همزة لمزة. قال أبو عبيدة، والزجاج الهمزة ~~اللمزة الذي يغتاب الناس، وعلى هذا هما بمعنى وقال أبو العالية، والحسن، ~~ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح الهمزة الذي يغتاب الرجل في وجهه، واللمزة ~~الذي يغتابه من خلفه. وقال قتادة عكس هذا. وروي عن قتادة، ومجاهد أيضا ~~أن الهمزة الذي يغتاب الناس في أنسابهم. وروي عن مجاهد أيضا أن الهمزة ~~الذي يهمز الناس بيده. واللمزة الذي يلمزهم بلسانه. وقال سفيان الثوري ~~يهمزهم بلسانه، ويلمزهم بعينه. وقال ابن كيسان الهمزة الذي يؤذي جلساءه ~~بسوء اللفظ، واللمزة الذي يكسر عينه على جليسه، ويشير بيده وبرأسه ~~وبحاجبه، والأول أولى، ومنه قول زياد الأعجم # تدلي بودي إذا لاقيتني كذبا وإن أغيب فأنت الهامز اللمزه # وقول الآخر # إذا لقيتك عن سخط تكاشرني وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه # وأصل الهمز الكسر. يقال همز رأسه كسره، ومنه قول العجاج # ومن همزنا رأسه تهشما # وقيل أصل الهمز واللمز الضرب والدفع. يقال همزه يهمزه همزا، ولمزه ~~يلمزه لمزا إذا دفعه وضربه، ومنه قول الشاعر # ومن همزنا عزه تبركعا على أسته زوبعة أو زوبعا # البركعة القيام على أربع. يقال بركعه، فتبركع، أي صرعه، فوقع على أسته. ~~كذا في الصحاح، وبناء فعلة يدل على الكثرة، ففيه دلالة على أنه يفعل ذلك ~~كثيرا، وأنه قد صار ذلك عادة له، ومثله ضحكة ولعنة. قرأ الجمهور { همزة ~~لمزة } بضم أولهما، وفتح الميم فيهما. وقرأ الباقر، والأعرج بسكون الميم ~~فيهما. وقرأ أبو وائل، والنخعي، والأعمش ويل للهمزة اللمزة والآية تعم ~~كل من كان متصفا بذلك، ولا ينافيه نزولها عل سبب خاص، فإن الاعتبار ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. { الذى جمع مالا وعدده } ~~الموصول بدل من كل، أو في محل نصب على الذم، وهذا أرجح لأن البدل ~~يستلزم أن يكون المبدل منه في حكم الطرح، وإنما وصفه سبحانه بهذا ms4294 الوصف ~~لأنه يجري مجرى السبب، والعلة في الهمز واللمز، وهو إعجابه بما جمع من ~~المال، وظنه أنه الفضل، فلأجل ذلك يستقصر غيره. قرأ الجمهور { جمع } ~~مخففا. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي بالتشديد. وقرأ الجمهور { وعدده ~~} بالتشديد. وقرأ الحسن، والكلبي، ونصر بن عاصم، وأبو العالية بالتخفيف، ~~والتشديد في الكلمتين يدل على التكثير وهو جمع الشيء بعد الشيء، وتعديده ~~مرة بعد أخرى. قال الفراء معنى { عدده } أحصاه. وقال الزجاج وعدده ~~لنوائب الدهور. يقال أعددت الشيء وعددته إذا أمسكته. قال السدي أحصى ~~عدده. # وقال الضحاك أعد ماله لمن يرثه. وقيل المعنى فاخر بكثرته وعدده، ~~والمقصود ذمه على جمع المال، وإمساكه، وعدم إنفاقه في سبيل الخير. وقيل ~~المعنى على قراءة التخفيف في " عدده " أنه جمع عشيرته وأقاربه. قال ~~المهدوي من خفف " وعدده " ، فهو معطوف على المال، أي وجمع عدده. وجملة { ~~يحسب أن ماله أخلده } مستأنفة لتقرير ما قبلها، ويجوز أن ~~تكون في محل نصب على الحال، أي يعمل عمل من يظن أن ماله يتركه حيا ~~مخلدا لا يموت. وقال عكرمة يحسب أن ماله يزيد في عمره، والإظهار في موضع ~~الإضمار للتقريع والتوبيخ. وقيل هو تعريض بالعمل الصالح، وأنه الذي يخلد ~~صاحبه في الحياة الأبدية لا المال. وقوله { كلا } ردع له عن ذلك ~~الحسبان أي ليس الأمر على ما يحسبه هذا الذي جمع المال وعدده، واللام في ~~{ لينبذن فى الحطمة } جواب قسم محذوف، أي ليطرحن في النار، ~~وليلقين فيها. قرأ الجمهور { لينبذن } وقرأ علي، والحسن، ومحمد بن ~~كعب، ونصر بن عاصم، ومجاهد، وحميد، وابن محيصن لينبذان بالتثنية، أي ~~لينبذ هو وماله في النار. وقرأ الحسن أيضا { لينبذن } أي لينبذن ماله ~~في النار. { وما أدراك ما الحطمة }؟ هذا الاستفهام للتهويل ~~والتفظيع حتى كأنها ليست مما تدركه العقول، وتبلغه الأفهام. ثم بينها ~~سبحانه فقال { نار الله الموقدة } أي هي نار الله الموقدة بأمر ~~الله سبحانه، وفي إضافتها إلى الاسم الشريف تعظيم لها وتفخيم، وكذلك في ~~وصفها بالإيقاد. وسميت " حطمة " لأنها تحطم كل ما يلقى فيها وتهشمه، ومنه ms4295 # إنا حطمنا بالقضيب مصعبا يوم كسرنا أنفه ليغضبا # قيل هي الطبقة السادسة من طبقات جهنم. وقيل الطبقة الثانية منها. وقيل ~~الطبقة الرابعة { التى تطلع على الأفئدة } أي يخلص حرها ~~إلى القلوب فيعلوها ويغشاها، وخص الأفئدة مع كونها تغشى جميع أبدانهم ~~لأنها محل العقائد الزائغة، أو لكون الألم إذا وصل إليها مات صاحبها، أي ~~إنهم في حال من يموت، وهم لا يموتون. وقيل معنى { تطلع على ~~الأفئدة } أنها تعلم بمقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب، وذلك ~~بأمارات عرفها الله بها. { إنها عليهم مؤصدة } أي مطبقة ~~مغلقة، كما تقدم بيانه في سورة البلد، يقال أصدت الباب إذا أغلقته، ومنه ~~قول قيس بن الرقيات # إن في القصر لو دخلنا غزالا مصفقا موصدا عليه الحجاب # { فى عمد ممددة } في محل نصب على الحال من الضمير في { عليهم ~~} ، أي كائنين في عمد ممددة موثقين فيها، أو في محل رفع على أنه خبر ~~مبتدأ محذوف، أي هم في عمد، أو صفة لمؤصدة، أي مؤصدة بعمد ممددة. قال ~~مقاتل أطبقت الأبواب عليهم، ثم شدت بأوتاد من حديد، فلا يفتح عليهم ~~باب، ولا يدخل عليهم روح. # ومعنى كون العمد ممددة أنها مطولة، وهي أرسخ من القصيرة. وقيل العمد ~~أغلال في جهنم، وقيل القيود. قال قتادة المعنى هم في عمد يعذبون بها، ~~واختار هذا ابن جرير. قرأ الجمهور { في عمد } بفتح العين، والميم. وقيل ~~هو اسم جمع لعمود. وقيل جمع له. قال الفراء هي جمع لعمود كأديم وأدم. ~~وقال أبو عبيدة هي جمع عماد. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر بضم العين، ~~والميم جمع عمود. قال الفراء هما جمعان صحيحان لعمود. واختار أبو عبيد، ~~وأبو حاتم وقراءة الجمهور. قال الجوهري العمود عمود البيت، وجمع القلة ~~أعمدة، وجمع الكثرة عمد وعمد، وقرىء بهما. قال أبو عبيدة العمود كل ~~مستطيل من خشب أو حديد. وقد أخرج سعيد بن منصور، وابن أبي الدنيا، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه ~~سئل عن قوله ms4296 { ويل لكل همزة لمزة } قال هو المشاء ~~بالنميمة، المفرق بين الجمع، المغري بين الإخوان. وأخرج ابن جرير عنه { ~~ويل لكل همزة } قال طعان. { لمزة } قال مغتاب. وأخرج عبد ~~بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عنه أيضا في قوله { إنها عليهم ~~مؤصدة } قال مطبقة. { فى عمد ممددة } قال عمد من نار. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال هي الأدهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس قال الأبواب هي الممددة. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال ~~أدخلهم في عمد، فمدت عليهم في أعناقهم، فشدت بها الأبواب. ### | [105 - سورة الفيل] ### || [105.1-5] # الاستفهام في قوله { ألم تر } لتقرير رؤيته صلى الله عليه وسلم ~~بإنكار عدمها. قال الفراء المعنى ألم تخبر. وقال الزجاج ألم تعلم. وهو ~~تعجيب له صلى الله عليه وسلم بما فعله الله { بأصحب الفيل } ~~الذين قصدوا تخريب الكعبة من الحبشة، وكيف منصوبة بالفعل الذي بعدها، ~~ومعلقة لفعل الرؤية، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن ~~يكون لكل من يصلح له. والمعنى قد علمت يا محمد، أو علم الناس الموجودون ~~في عصرك، ومن بعدهم بما بلغكم من الأخبار المتواترة من قصة أصحاب الفيل، ~~وما فعل الله بهم، فما لكم لا تؤمنون؟ والفيل هو الحيوان المعروف، وجمعه ~~أفيال، وفيول، وفيلة. قال ابن السكيت ولا تقول أفيلة، وصاحبه فيال، ~~وسيأتي ذكر قصة أصحاب الفيل إن شاء الله. { ألم يجعل كيدهم ~~فى تضليل } أي ألم يجعل مكرهم وسعيهم في تخريب الكعبة، واستباحة ~~أهلها في تضليل عما قصدوا إليه حتى لم يصلوا إلى البيت ولا إلى ما أرادوه ~~بكيدهم، والهمزة للتقرير كأنه قيل قد جعل كيدهم في تضليل، والكيد هو ~~إرادة المضرة بالغير لأنهم أرادوا أن يكيدوا قريشا بالقتل والسبي، ~~ويكيدوا البيت الحرام بالتخريب والهدم. { وأرسل عليهم طيرا ~~أبابيل } أي أقاطيع يتبع بعضها بعضا كالإبل المؤبلة. قال أبو عبيدة ~~{ أبابيل } جماعات في تفرقة، يقال جاءت الخيل أبابيل، أي جماعات من ههنا ~~وههنا. قال النحاس وحقيقته أنها جماعات عظام، يقال فلان، توبل ms4297 على فلان ~~أي تعظم عليه، وتكبر، وهو مشتق من الإبل، وهو من الجمع الذي لا واحد له. ~~وقال بعضهم واحده أبول مثل عجول. وقال بعضهم أبيل، قال الواحدي ولم نر ~~أحدا يجعل لها واحدا. قال الفراء لا واحد له من لفظه. وزعم الرؤاسي ~~وكان ثقة أنه سمع في واحدها أبالة مشددا. وحكى الفراء أيضا أبالة ~~بالتخفيف. قال سعيد بن جبير كانت طيرا من السماء لم ير قبلها ولا بعدها. ~~قال قتادة هي طير سود جاءت من قبل البحر فوجا فوجا مع كل طائر ثلاثة ~~أحجار حجران في رجليه، وحجر في منقاره لا يصيب شيئا إلا هشمه. وقيل ~~كانت طيرا خضرا خرجت من البحر لها رؤوس كرؤوس السباع. وقيل كان لها ~~خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب. وقيل في صفتها غير ذلك، والعرب ~~تستعمل الأبابيل في الطير، كما في قول الشاعر # تراهم إلى الداعي سرعا كأنهم أبابيل طير تحت دجن مسجن # وتستعملها في غير الطير كقول الآخر # كادت تهد من الأصوات راحلتي أن سالت الأرض بالجرد الأبابيل # { ترميهم بحجارة من سجيل } الجملة في محل نصب صفة لطير. # قرأ الجمهور { ترميهم } بالفوقية. وقرأ أبو حنيفة، وأبو معمر، وعيسى، ~~وطلحة بالتحتية، واسم الجمع يذكر ويؤنث. وقيل الضمير في القراءة الثانية ~~لله عز وجل. قال الزجاج { من سجيل } أي مما كتب عليهم العذاب به، ~~مشتقا من السجل. قال في الصحاح قالوا هي حجارة من طين طبخت بنار جهنم ~~مكتوب فيها أسماء القوم. قال عبد الرحمن بن أبزى { من سجيل } من ~~السماء، وهي الحجارة التي نزلت على قوم لوط. وقيل من الجحيم التي هي ~~سجين، ثم أبدلت النون لاما، ومنه قول ابن مقبل # ضربا تواصت به الأبطال سجيلا # وإنما هو سجينا. قال عكرمة كانت ترميهم بحجارة معها، فإذا أصاب أحدهم ~~حجر منها خرج به الجحدري، وكان الحجر كالحمصة، وفوق العدسة، وقد قدمنا ~~الكلام في سجيل في سورة هود. { فجعلهم كعصف مأكول } أي ~~جعل الله أصحاب الفيل كورق الزرع إذا أكلته الدواب فرمت به من أسفل، ms4298 شبه ~~تقطع أوصالهم بتفرق أجزائه. وقيل المعنى أنهم صاروا كورق زرع قد أكلت ~~منه الدواب وبقي منه بقايا، أو أكلت حبه، فبقي بدون حبه. والعصف جمع ~~عصفة، وعصافة، وعصيفة، وقد قدمنا الكلام في العصف في سورة الرحمن، ~~فارجع إليه. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، ~~والبيهقي عن ابن عباس قال جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصفاح، فأتاهم عبد ~~المطلب فقال إن هذا بيت الله لم يسلط عليه أحدا، قالوا لا نرجع حتى ~~نهدمه، وكانوا لا يقدمون فيلهم إلا تأخر، فدعا الله الطير الأبابيل، ~~فأعطاها حجارة سودا عليها الطين، فلما حاذتهم رمتهم، فما بقي منهم أحد ~~إلا أخذته الحكة، فكان لا يحك الإنسان منهم جلده إلا تساقط لحمه. ~~وأخرج ابن المنذر، والحاكم، وأبو نعيم، والبيهقي عنه قال أقبل أصحاب ~~الفيل حتى إذا دنوا من مكة استقبلهم عبد المطلب، فقال لملكهم ما جاء بك ~~إلينا؟ ألا بعثت، فنأتيك بكل شيء؟ فقال أخبرت بهذا البيت الذي لا يدخله ~~أحد إلا أمن، فجئت أخيف أهله، فقال إنا نأتيك بكل شيء تريد، فارجع، فأبى ~~إلا أن يدخله، وانطلق يسير نحوه، وتخلف عبد المطلب، فقام على جبل فقال ~~لا أشهد مهلك هذا البيت وأهله، فأقبلت مثل السحابة من نحو البحر حتى ~~أظلتهم طير أبابيل التي قال الله { ترميهم بحجارة من سجيل } ~~فجعل الفيل يعج عجا { فجعلهم كعصف مأكول }. وقصة أصحاب ~~الفيل مبسوطة مطولة في كتب التاريخ والسير، فلا نطول بذكرها. وأخرج أبو ~~نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله { ترميهم بحجارة من ~~سجيل } قال حجارة مثل البندق، وبها نضح حمرة مختمة مع كل طائر ثلاثة ~~أحجار حجران في رجليه، وحجر في منقاره حلقت عليهم من السماء، ثم أرسلت ~~عليهم تلك الحجارة، فلم تعد عسكرهم. # وأخرج أبو نعيم من طريق عطاء، والضحاك عنه أن أبرهة الأشرم قدم من اليمن ~~يريد هدم الكعبة، فأرسل الله عليهم طيرا أبابيل بريد مجتمعة، لها خراطيم ~~تحمل حصاة في منقارها، وحصاتين في رجليها، ترسل واحدة على ms4299 رأس الرجل، ~~فيسيل لحمه ودمه ويبقى عظاما خاوية لا لحم عليها ولا جلد ولا دم. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الدلائل عنه أيضا { فجعلهم ~~كعصف مأكول } يقول كالتبن. وأخرج ابن إسحاق في السيرة، ~~والواقدي، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن عائشة قالت لقد رأيت ~~قائد الفيل، وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان. وأخرج الواقدي نحوه عن ~~أسماء بنت أبي بكر. وأخرج أبو نعيم، والبيهقي عن ابن عباس قال ولد النبي ~~صلى الله عليه وسلم عام الفيل. وأخرج ابن إسحاق، وأبو نعيم، والبيهقي عن ~~قيس بن مخرمة قال ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل. ### | [106 - سورة قريش] ### || [106.1-4] # اللام في قوله { لإيلف } قيل هي متعلقة بآخر السورة التي قبلها. ~~كأنه قال سبحانه أهلكت أصحاب الفيل لأجل تألف قريش. قال الفراء هذه ~~السورة متصلة بالسورة الأولى لأنه ذكر سبحانه أهل مكة بعظيم نعمته عليهم ~~فيما فعل بالحبشة. ثم قال { لإيلف قريش } أي فعلنا ذلك بأصحاب ~~الفيل نعمة منا على قريش، وذلك أن قريشا كانت تخرج في تجارتها، فلا يغار ~~عليها في الجاهلية، يقولون هم أهل بيت الله عز وجل، حتى جاء صاحب الفيل ~~ليهدم الكعبة، ويأخذ حجارتها فيبني بها بيتا في اليمن يحج الناس إليه، ~~فأهلكهم الله عز وجل، فذكرهم نعمته، أي فعل ذلك لإيلاف قريش، أي ~~ليألفوا الخروج ولا يجترأ عليهم، وذكر نحو هذا ابن قتيبة. قال الزجاج ~~والمعنى فجعلهم كعصف مأكول { لإيلف قريش } أي أهلك الله أصحاب ~~الفيل لتبقى قريش، وما قد ألفوا من رحلة الشتاء والصيف. وقال في الكشاف ~~إن اللام متعلق بقوله { فليعبدوا }. أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم ~~الرحلتين، ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط لأن المعنى أما لا، ~~فليعبدوه. وقد تقدم صاحب الكشاف إلى هذا القول الخليل بن أحمد، والمعنى ~~إن لم يعبدوه لسائر نعمه، فليعبدوه لهذه النعمة الجليلة. وقال الكسائي ~~والأخفش اللام لام التعجب، أي اعجبوا لإيلاف قريش. وقيل هي بمعنى إلى. ~~قرأ الجمهور لإئلاف بالياء مهموزا من ألفت ms4300 أؤلف إئلافا. يقال ألفت ~~الشيء ألافا وألفا. وألفته إيلافا بمعنى، ومنه قول الشاعر # المنعمين إذا النجوم تغيرت والظاعنين لرحلة الإيلاف # وقرأ ابن عامر لإلاف بدون الياء. وقرأ أبو جعفر لإلف. وقد جمع بين هاتين ~~القراءتين الشاعر، فقال # زعمتم أن إخوتكم قريش لهم إلف وليس لكم إلاف # وقرأ عكرمة ليألف قريش بفتح اللام على أنها لام الأمر، وكذلك هو في مصحف ~~ابن مسعود، وفتح لام الأمر لغة معروفة. وقرأ بعض أهل مكة إلاف قريش ~~واستشهد بقول أبي طالب # تذود الورى من عصبة هاشمية إلافهم في الناس خير إلاف # وقريش هم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، فكل من ~~كان من ولد النضر فهو قرشي، ومن لم يلده النضر فليس بقرشي، وقريش يأتي ~~منصرفا إن أريد به الحي، وغير منصرف إن أريد به القبيلة ومنه قول ~~الشاعر # وكفى قريش المعضلات وسادها # وقيل إن قريشا بنو فهر بن مالك بن النضر. والأول أصح. وقوله { ~~إيلفهم } بدل من إيلاف قريش. و { رحلة } مفعول به لإيلافهم ~~وأفردها، ولم يقل رحلتي الشتاء والصيف لأمن الإلباس. وقيل إن إيلافهم ~~تأكيد للأول لا بدل، والأول أولى. ورجحه أبو البقاء. # وقيل إن رحلة منصوبة بمصدر مقدر، أي ارتحالهم رحلة { الشتاء ~~والصيف } وقيل هي منصوبة على الظرفية والرحلة الارتحال، وكانت إحدى ~~الرحلتين إلى اليمن في الشتاء لأنها بلاد حارة، والرحلة الأخرى إلى ~~الشام في الصيف لأنها بلاد باردة. وروي أنهم كانوا يشتون بمكة، ويصيفون ~~بالطائف، والأول أولى، فإن ارتحال قريش للتجارة معلوم معروف في الجاهلية ~~والإسلام. قال ابن قتيبة إنما كانت تعيش قريش بالتجارة، وكانت لهم رحلتان ~~في كل سنة رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام، ولولا ~~هاتان الرحلتان لم يمكن بها مقام، ولولا الأمن بجوارهم البيت لم يقدروا ~~على التصرف. { فليعبدوا رب هذا البيت } أمرهم سبحانه ~~بعبادته بعد أن ذكر لهم ما أنعم به عليهم أي إن لم يعبدوه لسائر نعمه، ~~فليعبدوه لهذه النعمة الخاصة المذكورة، والبيت الكعبة. وعرفهم ms4301 سبحانه ~~بأنه رب هذا البيت لأنها كانت لهم أوثان يعبدونها، فميز نفسه عنها. وقيل ~~لأنهم بالبيت تشرفوا على سائر العرب، فذكر لهم ذلك تذكيرا لنعمته. { ~~الذى أطعمهم من جوع } أي أطعمهم بسبب تينك الرحلتين من جوع ~~شديد كانوا فيه قبلهما. وقيل إن هذا الإطعام هو أنهم لما كذبوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم دعا عليهم، فقال اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف، ~~فاشتد القحط، فقالوا يا محمد ادع الله لنا فإنا مؤمنون، فدعا، فأخصبوا ~~وزال عنهم الجوع، وارتفع القحط. { وآمنهم من خوف } أي من خوف شديد كانوا ~~فيه. قال ابن زيد كانت العرب يغير بعضها على بعض ويسبي بعضها بعضا، ~~فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم. وقال الضحاك، والربيع، وشريك، وسفيان ~~آمنهم من خوف الحبشة مع الفيل. وقد أخرج أحمد، وابن أبي حاتم عن أسماء ~~بنت يزيد قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " { لإيلف قريش * إيلفهم رحلة الشتاء والصيف ~~} ويحكم يا قريش، اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمكم من جوع، وآمنكم من ~~خوف " # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { ~~لإيلف قريش } قال نعمتي على قريش. { إيلفهم رحلة ~~الشتاء والصيف } كانوا يشتون بمكة، ويصيفون بالطائف. { ~~فليعبدوا رب هذا البيت } قال الكعبة. { الذى ~~أطعمهم من جوع وءامنهم من خوف } قال الجذام. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه { لإيلف ~~قريش * إيلفهم } قال لزومهم. { الذى أطعمهم من جوع ~~} يعني قريشا أهل مكة بدعوة إبراهيم حيث قال # وارزق أهله من الثمرت # البقرة 126 { وآمنهم من خوف } حيث قال إبراهيم # رب اجعل هذا البلد امنا # البقرة 35 وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه أيضا في قوله { لإيلف ~~قريش... } الآية، قال نهاهم عن الرحلة، وأمرهم أن يعبدوا رب هذا ~~البيت، وكفاهم المؤنة، وكانت رحلتهم في الشتاء والصيف، ولم يكن لهم راحة ~~في شتاء ولا صيف، فأطعمهم الله بعد ذلك من جوع، وآمنهم من خوف، فألفوا ~~الرحلة، وكان ذلك من نعمة الله عليهم. ms4302 وأخرج ابن جرير عنه أيضا في الآية ~~قال أمروا أن يألفوا عبادة رب هذا البيت كإلفهم رحلة الشتاء والصيف، وقد ~~وردت أحاديث في فضل قريش، وإن الناس تبع لهم في الخير والشر، وإن هذا ~~الأمر يعني الخلافة لا يزال فيهم ما بقي منهم اثنان، وهي في دواوين ~~الإسلام. ### | [107 - سورة الماعون] ### || [107.1-7] # الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح له. والاستفهام ~~لقصد التعجيب من حال من يكذب بالدين. والرؤية بمعنى المعرفة، والدين ~~الجزاء والحساب في الآخرة. قيل وفي الكلام حذف، والمعنى أرأيت الذي يكذب ~~بالدين أمصيب هو أم مخطىء. قال مقاتل، والكلبي نزلت في العاص بن وائل ~~السهمي. وقال السدي في الوليد بن المغيرة. وقال الضحاك في عمرو بن عائذ. ~~وقال ابن جريج في أبي سفيان. وقيل في رجل من المنافقين. قرأ الجمهور { ~~أرأيت } بإثبات الهمزة الثانية. وقرأ الكسائي بإسقاطها. قال الزجاج لا ~~يقال في " رأيت " ريت، ولكن ألف الاستفهام سهلت الهمزة ألفا. وقيل ~~الرؤية هي البصرية، فيتعدى إلى مفعول واحد، وهو الموصول، أي أبصرت ~~المكذب. وقيل إنها بمعنى أخبرني، فيتعدى إلى اثنين. الثاني محذوف، أي من ~~هو؟ { فذلك الذى يدع اليتيم } الفاء جواب شرط مقدر، أي ~~إن تأملته أو طلبته، فذلك الذي يدع اليتيم، ويجوز أن تكون عاطفة على ~~الذي يكذب إما عطف ذات على ذات، أو صفة على صفة. فعلى الأول يكون اسم ~~الإشارة مبتدأ، وخبره الموصول بعده، أو خبر لمبتدأ محذوف، أي فهو ذلك، ~~والموصول صفته. وعلى الثاني يكون في محل نصب لعطفه على الموصول الذي هو ~~في محل نصب. ومعنى { يدع } يدفع دفعا بعنف، وجفوة، أي يدفع اليتيم عن ~~حقه دفعا شديدا، ومنه قوله سبحانه # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا # الطور 13 وقد قدمنا أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان { ولا ~~يحض على طعام المسكين } أي لا يحض نفسه، ولا أهله، ولا ~~غيرهم على ذلك بخلا بالمال، أو تكذيبا بالجزاء، وهو مثل قوله في سورة ~~الحاقة # ولا يحض على طعام المسكين ms4303 # الحاقة 34. { فويل } يومئذ { للمصلين } الفاء جواب لشرط محذوف ~~كأنه قيل إذا كان ما ذكر من عدم المبالاة باليتيم والمسكين، فويل للمصلين ~~{ الذين هم عن صلتهم ساهون } أي عذاب لهم، أو هلاك، أو ~~واد في جهنم لهم، كما سبق الخلاف في معنى الويل، ومعنى ساهون غافلون غير ~~مبالين بها، ويجوز أن تكون الفاء لترتيب الدعاء عليهم بالويل على ما ذكر ~~من قبائحهم، ووضع المصلين موضع ضميرهم للتوصل بذلك إلى بيان أن لهم قبائح ~~أخر غير ما ذكر. قال الواحدي نزلت في المنافقين الذين لا يرجون بصلاتهم ~~ثوابا إن صلوا، ولا يخافون عليها عقابا إن تركوا، فهم عنها غافلون حتى ~~يذهب وقتها، وإذا كانوا مع المؤمنين صلوا رياء، وإذا لم يكونوا معهم لم ~~يصلوا، وهو معنى قوله { الذين هم يراءون } أي يراءون الناس ~~بصلاتهم إن صلوا، أو يراءون الناس بكل ما عملوه من أعمال البر ليثنوا ~~عليهم. # قال النخعي { الذين هم عن صلتهم ساهون } هو الذي إذا ~~سجد قال برأسه هكذا، وهكذا ملتفتا. وقال قطرب هو الذي لا يقرأ ولا يذكر ~~الله. وقرأ ابن مسعود الذين هم عن صلاتهم لاهون. { ويمنعون ~~الماعون }. قال أكثر المفسرين { الماعون } اسم لما يتعاوزه الناس ~~بينهم من الدلو، والفأس، والقدر. وما لا يمنع كالماء، والملح. وقيل هو ~~الزكاة، أي يمنعون زكاة أموالهم. وقال الزجاج، وأبو عبيد، والمبرد ~~الماعون في الجاهلية كل ما فيه منفعة حتى الفأس، والدلو، والقدر، ~~والقداحة وكل ما فيه منفعة من قليل وكثير، وأنشدوا قول الأعشى # بأجود منه بماعونه إذا ما سماؤهم لم تغم # قال الزجاج، وأبو عبيد، والمبرد أيضا والماعون في الإسلام الطاعة ~~والزكاة، وأنشدوا قول الراعي # أخليفة الرحمن إنا معشر حنفاء نسجد بكرة وأصيلا عرب نرى لله من ~~أموالنا حق الزكاة منزلا تنزيلا قوم على الإسلام لما يمنعوا ~~ماعونهم ويضيعوا التهليلا # وقيل { الماعون } الماء. قال الفراء سمعت بعض العرب يقول الماعون الماء، ~~وأنشدني # تمج صبيرة الماعون صبا # والصبيرة السحاب. وقيل الماعون هو الحق على العبد على العموم. وقيل هو ~~المستغل من منافع ms4304 الأموال، مأخوذ من المعن، وهو القليل. قال قطرب أصل ~~الماعون من القلة، والمعن الشيء القليل، فسمى الله الصدقة والزكاة، ونحو ~~ذلك من المعروف ماعونا لأنه قليل من كثير. وقيل هو ما لا يبخل به ~~كالماء، والملح، والنار. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ~~أرءيت الذى يكذب بالدين } قال يكذب بحكم الله. { فذلك ~~الذى يدع اليتيم } قال يدفعه عن حقه. وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عنه { فويل ~~للمصلين الذين هم عن صلتهم ساهون } قال هم ~~المنافقون يراءون الناس بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا، ~~ويمنعونهم العارية بغضا لهم، وهي الماعون. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه ~~عنه أيضا { الذين هم عن صلتهم ساهون } قال هم ~~المنافقون يتركون الصلاة في السر، ويصلون في العلانية. وأخرج الفريابي، ~~وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~مردويه، والبيهقي في سننه عن مصعب بن سعد قال قلت لأبي أرأيت قول الله { ~~الذين هم عن صلتهم ساهون } أينا لا يسهو؟ أينا لا يحدث ~~نفسه؟ قال إنه ليس ذلك، إنه إضاعة الوقت. وأخرج أبو يعلى، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه، والبيهقي ~~في سننه عن سعد بن أبي وقاص قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله ~~{ الذين هم عن صلتهم ساهون } قال # " هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها " # قال الحاكم، والبيهقي الموقوف أصح. قال ابن كثير وهذا يعني الموقوف أصح ~~إسنادا. قال وقد ضعف البيهقي رفعه وصحح وقفه، وكذلك الحاكم. وأخرج ابن ~~جرير، وابن مردويه قال السيوطي بسند ضعيف عن أبي برزة الأسلمي قال لما ~~نزلت هذه الآية { الذين هم عن صلتهم ساهون } قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " الله أكبر، هذه الآية خير لكم من أن يعطى كل رجل منكم جميع الدنيا، ~~هو الذي إن صلى لم يرج خير صلاته، وإن تركها لم يخف ربه " # وفي إسناده جابر الجعفي، وهو ضعيف، ms4305 وشيخه مبهم لم يسم. وأخرج ابن جرير ~~عن ابن عباس في الآية قال هم الذين يؤخرونها عن وقتها. وأخرج سعيد بن ~~منصور، وابن أبي شيبة، وأبو داود، والنسائي، والبزار، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه، والبيهقي في ~~سننه من طرق عن ابن مسعود قال كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عارية الدلو، والقدر، والفأس، والميزان، وما تتعاطون ~~بينكم. وأخرج ابن مردويه عنه قال كان المسلمون يستعيرون من المنافقين ~~القدر، والفأس، وشبهه، فيمنعونهم، فأنزل الله { ويمنعون ~~الماعون }. وأخرج أبو نعيم، والديلمي، وابن عساكر عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قال # " ما تعاون الناس بينهم الفأس، والقدر، والدلو، وأشباهه " # وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن قرة بن دعموص النميري أنهم وفدوا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا رسول الله ما تعهد إلينا؟ ~~قال # " لا تمنعوا الماعون " # قالوا وما الماعون؟ قال # " في الحجر، والحديدة، وفي الماء " # قالوا فأي الحديدة؟ قال # " قدوركم النحاس، وحديد الفأس الذي تمتهنون به " # قالوا وما الحجر؟ قال # " قدوركم الحجارة " # قال ابن كثير غريب جدا، ورفعه منكر، وفي إسناده من لا يعرف. وأخرج ابن ~~أبي شيبة، وابن جرير عن سعيد بن عياض عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~{ الماعون } الفأس، والقدر، والدلو. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، ~~وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي، والضياء في ~~المختارة من طرق عن ابن عباس في الآية قال عارية متاع البيت. وأخرج ~~الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب قال الماعون ~~الزكاة المفروضة { يراءون } بصلاتهم { ويمنعون } زكاتهم. ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1-3] # قرأ الجمهور { إنا أعطيناك } وقرأ الحسن، وابن محيصن، وطلحة، والزعفراني ~~أنطيناك بالنون. قيل هي لغة العرب العاربة. قال الأعشى # حباؤك خير حبا الملوك يصان الحلال وتنطى الحلولا # و { الكوثر } فوعل من الكثرة ms4306 وصف به للمبالغة في الكثرة، مثل ~~النوفل من النفل، والجوهر من الجهر. العرب تسمي كل شيء كثير في العدد، ~~أو القدر، أو الخطر كوثرا، ومنه قول الشاعر # وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا # فالمعنى على هذا إنا أعطيناك يا محمد الخير الكثير البالغ في الكثرة إلى ~~الغاية. وذهب أكثر المفسرين، كما حكاه الواحدي إلى أن الكوثر نهر في ~~الجنة. وقيل هو حوض النبي صلى الله عليه وسلم في الموقف قاله عطاء. وقال ~~عكرمة الكوثر النبوة. وقال الحسن هو القرآن. وقال الحسن بن الفضل هو ~~تفسير القرآن، وتخفيف الشرائع. وقال أبو بكر بن عياش هو كثرة الأصحاب ~~والأمة. وقال ابن كيسان هو الإيثار. وقيل هو الإسلام. وقيل رفعة الذكر. ~~وقيل نور القلب. وقيل الشفاعة. وقيل المعجزات. وقيل إجابة الدعوة. وقيل ~~لا إله إلا الله. وقيل الفقه في الدين. وقيل الصلوات الخمس، وسيأتي ~~بيان ما هو الحق { فصل لربك } الفاء لترتيب ما بعدها على ما ~~قبلها، والمراد الأمر له صلى الله عليه وسلم بالدوام على إقامة الصلوات ~~المفروضة. { وانحر } البدن التي هي خيار أموال العرب. قال محمد بن ~~كعب إن ناسا كانوا يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله، فأمر الله نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أن تكون صلاته ونحره له. وقال قتادة، وعطاء، وعكرمة ~~المراد صلاة العيد، ونحر الأضحية. وقال سعيد بن جبير صل لربك صلاة الصبح ~~المفروضة بجمع. وانحر البدن في منى. وقيل النحر وضع اليمنى على اليسرى في ~~الصلاة حذاء النحر قاله محمد بن كعب. وقيل هو أن يرفع يديه في الصلاة عند ~~التكبيرة إلى حذاء نحره. وقيل هو أن يستقبل القبلة بنحره قاله الفراء، ~~والكلبي، وأبو الأحوص. قال الفراء سمعت بعض العرب يقول نتناحر، أي نتقابل ~~نحر هذا، إلى نحر هذا أي قبالته، ومنه قول الشاعر # أبا حكم ما أنت عم مجالد وسيد أهل الأبطح المتناحر # أي المتقابل. وقال ابن الأعرابي هو انتصاب الرجل في الصلاة بازاء ~~المحراب. من قولهم منازلهم تتناحر تتقابل. وروي عن عطاء أنه قال أمره ms4307 أن ~~يستوي بين السجدتين جالسا حتى يبدو نحره. وقال سليمان التيمي المعنى ~~وارفع يديك بالدعاء إلى نحرك، وظاهر الآية الأمر له صلى الله عليه وسلم ~~بمطلق الصلاة، ومطلق النحر، وأن يجعلهما لله عز وجل لا لغيره، وما ورد ~~في السنة من بيان هذا المطلق بنوع خاص، فهو في حكم التقييد له، وسيأتي إن ~~شاء الله. # { إن شانئك هو الأبتر } أي إن مبغضك هو المنقطع عن الخير ~~على العموم. فيعم خيري الدنيا والآخرة، أو الذي لا عقب له، أو الذي لا ~~يبقى ذكره بعد موته، وظاهر الآية العموم، وأن هذا شأن كل من يبغض النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ولا ينافي ذلك كون سبب النزول هو العاص بن وائل، ~~فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما مر غير مرة. قيل كان أهل ~~الجاهلية إذا مات الذكور من أولاد الرجل قالوا قد بتر فلان، فلما مات ابن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم خرج أبو جهل إلى أصحابه فقال بتر ~~محمد، فنزلت الآية. وقيل القائل بذلك عقبة بن أبي معيط. قال أهل اللغة ~~الأبتر من الرجال الذي لا ولد له، ومن الدواب الذي لا ذنب له، وكل أمر ~~انقطع من الخير أثره فهو أبتر، وأصل البتر القطع، يقال بترت الشيء بترا ~~قطعته. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن أنس قال أغفى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إغفاءة، فرفع رأسه مبتسما فقال # " إنه أنزل علي آنفا سورة " # فقرأ { بسم الله الرحمن الرحيم } { إنا ~~أعطينك الكوثر } حتى ختمها قال # " هل تدرون ما الكوثر؟ " # قالوا الله ورسوله أعلم، قال # " هو نهر أعطانيه ربي في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يوم ~~القيامة، آنيته كعدد الكواكب يختلج العبد منهم فأقول يا رب إنه من أمتي، ~~فيقال إنك لا تدري ما أحدث بعدك " # وأخرجه أيضا مسلم في صحيحه. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أنس قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه ms4308 وسلم # " دخلت الجنة، فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى ما ~~يجري فيه الماء، فإذا مسك أذفر، قلت ما هذا يا جبريل؟ قال هذا الكوثر ~~الذي أعطاكه الله " # وقد روي عن أنس من طرق كلها مصرحة بأن الكوثر هو النهر الذي في الجنة. ~~وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري، وابن جرير، وابن مردويه عن عائشة أنها ~~سئلت عن قوله { إنا أعطينك الكوثر } قالت هو نهر أعطيه ~~نبيكم صلى الله عليه وسلم في بطنان الجنة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ~~أنه نهر في الجنة. وأخرج الطبراني في الأوسط عن حذيفة في قوله { إنا ~~أعطينك الكوثر } قال نهر في الجنة. وحسن السيوطي إسناده. ~~وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن أسامة بن زيد مرفوعا أنه قيل لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إنك أعطيت نهرا في الجنة يدعى الكوثر، فقال # " أجل، وأرضه ياقوت، ومرجان، وزبرجد، ولؤلؤ " # وأخرج ابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قال يا رسول ~~الله ما الكوثر؟ قال # " هو نهر من أنهار الجنة أعطانيه الله " # فهذه الأحاديث تدل على أن الكوثر هو النهر الذي في الجنة، فيتعين ~~المصير إليها، وعدم التعويل على غيرها، وإن كان معنى الكوثر هو الخير ~~الكثير في لغة العرب، فمن فسره بما هو أعم مما ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فهو تفسير ناظر إلى المعنى اللغوي. كما أخرج ابن أبي شيبة، ~~وأحمد، والترمذي وصححه، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه ~~عن عطاء بن السائب قال قال محارب بن دثار قال سعيد بن جبير في الكوثر قلت ~~حدثنا عن ابن عباس أنه قال هو الخير الكثير، فقال صدق إنه للخير الكثير، ~~ولكن حدثنا ابن عمر قال نزلت { إنا أعطينك الكوثر } ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب يجري على الدر، والياقوت، تربته ~~أطيب من المسك، وماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل " # وأخرج البخاري، وابن جرير، والحاكم من ms4309 طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس أنه قال في الكوثر هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر ~~قلت لسعيد بن جبير، فإن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة، قال النهر الذي ~~في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه. وهذا التفسير من حبر الأمة ابن ~~عباس رضي الله عنه ناظر إلى المعنى اللغوي كما عرفناك، ولكن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد فسره فيما صح عنه أنه النهر الذي في الجنة، وإذا ~~جاء نهر الله بطل نهر معقل. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه، ~~والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب قال لما نزلت هذه السورة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم { إنا أعطينك الكوثر * فصل ~~لربك وانحر } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل # " ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟ " # فقال إنها ليست بنحيرة، ولكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا ~~كبرت، وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، فإنها صلاتنا، وصلاة ~~الملائكة الذين هم في السماوات السبع، وإن لكل شيء زينة، وزينة الصلاة ~~رفع اليدين عند كل تكبيرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم # " رفع اليدين من الاستكانة التي قال الله { فما استكانوا ~~لربهم وما يتضرعون } " # المؤمنون 76 هو من طريق مقاتل بن حيان عن الأصبغ بن نباتة عن علي. ~~وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال «إن الله أوحى إلى رسوله أن ~~ارفع يديك حذاء نحرك إذا كبرت للصلاة، فذاك النحر». # وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري في تاريخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، والدارقطني في الأفراد، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، ~~والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب في قوله { فصل لربك ~~وانحر } قال وضع يده اليمنى على وسط ساعده اليسرى، ثم وضعهما على ~~صدره في الصلاة. وأخرج أبو الشيخ، والبيهقي في سننه عن أنس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن شاهين في ms4310 سننه، وابن ~~مردويه، والبيهقي عن ابن عباس { فصل لربك وانحر } قال إذا ~~صليت، فرفعت رأسك من الركوع، فاستو قائما. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر ~~عن ابن عباس في الآية قال الصلاة المكتوبة، والذبح يوم الأضحى. وأخرج ~~البيهقي في سننه عنه { وانحر } قال يقول واذبح يوم النحر. وأخرج ~~البزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال قدم كعب ~~بن الأشرف مكة. فقالت له قريش أنت خير أهل المدينة وسيدهم، ألا ترى إلى ~~هذا الصابىء المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل ~~السقاية، وأهل السدانة، قال أنتم خير منه، فنزلت { إن شانئك هو ~~الأبتر } ونزلت # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب # النساء 51 إلى قوله # فلن تجد له نصيرا # النساء 52. قال ابن كثير وإسناده صحيح. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ~~أبي أيوب قال لما مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشى ~~المشركون بعضهم إلى بعض فقالوا إن هذا الصابىء قد بتر الليلة، فأنزل الله ~~{ إنا أعطينك الكوثر } إلى آخر السورة. وأخرج ابن سعد، ~~وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال كان أكبر ولد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم، ثم زينب، ثم عبد الله، ثم أم ~~كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية، فمات القاسم، وهو أول ميت من أهله، وولده ~~بمكة، ثم مات عبد الله، فقال العاص بن وائل السهمي قد انقطع نسله فهو ~~أبتر، فأنزل الله { إن شانئك هو الأبتر }. وفي إسناده ~~الكلبي. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ~~ابن عباس { إن شانئك هو الأبتر } قال أبو جهل. وأخرج ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم عنه { إن شانئك } يقول عدوك. ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1-6] # الألف، واللام في { يا أيها الكافرون } للجنس، ولكنها لما كانت الآية ~~خطابا لمن سبق في علم الله أنه يموت على كفره كان المراد بهذا العموم ~~خصوص من كان كذلك لأن من الكفار عند نزول ms4311 هذه الآية من أسلم وعبد الله ~~سبحانه. وسبب نزول هذه السورة أن الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يعبد آلهتهم سنة، ويعبدوا إلهه سنة، فأمره الله سبحانه أن يقول ~~لهم { لا أعبد ما تعبدون } أي لا أفعل ما تطلبون مني من عبادة ~~ما تعبدون من الأصنام. قيل والمراد فيما يستقبل من الزمان لأن " لا " ~~النافية لا تدخل في الغالب إلا على المضارع الذي في معنى الاستقبال، كما ~~أن «ما» لا تدخل إلا على مضارع في معنى الحال. { ولا أنتم ~~عبدون ما أعبد } أي ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما أطلب منكم ~~من عبادة إلهي. { ولا أنا عابد ما عبدتم } أي ولا أنا قط ~~فيما سلف عابد ما عبدتم فيه، والمعنى أنه لم يعهد مني ذلك. { ولا ~~أنتم عبدون ما أعبد } أي وما عبدتم في وقت من الأوقات ما ~~أنا على عبادته، كذا قيل، وهذا عل قول من قال إنه لا تكرار في هذه الآيات ~~لأن الجملة الأولى لنفي العبادة في المستقبل لما قدمنا من أن «لا» لا ~~تدخل إلا على مضارع في معنى الاستقبال، والدليل على ذلك أن " لن " تأكيد ~~لما تنفيه " لا ". قال الخليل في " لن " إن أصله " لا " ، فالمعنى لا ~~أعبد ما تعبدون في المستقبل، ولا أنتم عابدون في المستقبل ما أطلبه من ~~عبادة إلهي. ثم قال { ولا أنا عابد ما عبدتم } أي ولست في ~~الحال بعابد معبودكم، ولا أنتم في الحال بعابدين معبودي. وقيل بعكس هذا، ~~وهو أن الجملتين الأوليين للحال، والجملتين الأخريين للاستقبال بدليل ~~قوله { ولا أنا عابد ما عبدتم } كما لو قال القائل أنا ضارب ~~زيدا، وأنا قاتل عمرا، فإنه لا يفهم منه إلا الاستقبال. قال الأخفش، ~~والفراء المعنى لا أعبد الساعة ما تعبدون، ولا أنتم عابدون الساعة ما ~~أعبد، ولا أنا عابد في المستقبل ما عبدتم، ولا أنتم عابدون في المستقبل ~~ما أعبد. قال الزجاج نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه السورة عبادة ~~آلهتهم عن نفسه في الحال وفيما ms4312 يستقبل، ونفى عنهم عبادة الله في الحال ~~وفيما يستقبل. وقيل إن كل واحد منهما يصلح للحال، والاستقبال، ولكنا نخص ~~أحدهما بالحال، والثاني بالاستقبال رفعا للتكرار. وكل هذا فيه من التكلف ~~والتعسف مالا يخفى على منصف، فإن جعل قوله ولا { أعبد ما تعبدون } ~~للاستقبال، وإن كان صحيحا على مقتضى اللغة العربية، ولكنه لا يتم جعل ~~قوله { ولا أنتم عبدون ما أعبد } للاستقبال لأن الجملة ~~اسمية تفيد الدوام، والثبات في كل الأوقات، فدخول النفي عليها يرفع ما ~~دلت عليه من الدوام، والثبات في كل الأوقات، ولو كان حملها على الاستقبال ~~صحيحا للزم مثله في قوله { ولا أنا عابد ما عبدتم } وفي ~~قوله { ولا أنتم عبدون ما أعبد } فلا يتم ما قيل من حمل ~~الجملتين الأخريين على الحال، وكما يندفع هذا يندفع ما قيل من العكس، لأن ~~الجملة الثانية، والثالثة، والرابعة كلها جمل اسمية مصدرة بالضمائر التي ~~هي المبتدأ في كل واحد منها مخبر عنها باسم الفاعل العامل فيما بعده ~~منفية كلها بحرف واحد، وهو لفظ لا في كل واحد منها، فكيف يصح القول مع ~~هذا الاتحاد بأن معانيها في الحال والاستقبال مختلفة. # وأما قول من قال إن كل واحد منها يصلح للحال والاستقبال، فهو إقرار منه ~~بالتكرار لأن حمل هذا على معنى، وحمل هذا على معنى مع الاتحاد يكون من ~~باب التحكم الذي لا يدل عليه دليل. وإذا تقرر لك هذا، فاعلم أن القرآن ~~نزل بلسان العرب، ومن مذاهبهم التي لا تجحد، واستعمالاتهم التي لا تنكر ~~أنهم إذا أرادوا التأكيد كرروا كما أن مذاهبهم أنهم إذا أرادوا الاختصار ~~أوجزوا، هذا معلوم لكل من له علم بلغة العرب، وهذا مما لا يحتاج إلى ~~إقامة البرهان عليه لأنه إنما يستدل على ما فيه خفاء، ويبرهن على ما هو ~~متنازع فيه. وأما ما كان من الوضوح، والظهور والجلاء بحيث لا يشك فيه ~~شاك، ولا يرتاب فيه مرتاب، فهو مستغن عن التطويل غير محتاج إلى تكثير ~~القال والقيل. وقد وقع في القرآن من هذا ما يعلمه ms4313 كل من يتلو القرآن، ~~وربما يكثر في بعض السور، كما في سورة الرحمن، وسورة المرسلات، وفي ~~أشعار العرب من هذا ما لا يأتي عليه الحصر، ومن ذلك قول الشاعر # يا لبكر انشروا لي كليبا يا لبكر أين أين الفرار # وقول الآخر # هلا سألت جموع كن دة يوم ولوا أين أينا # وقول الآخر # يا علقمة يا علقمة يا علقمه خير تميم كلها وأكرمه # وقول الآخر # ألا يا اسلمى ثم اسلمى ثم اسلمى ثلاث تحيات وإن لم تكلم # وقول الآخر # يا جعفر يا جعفر يا جعفر إن أك دحداحا فأنت أقصر # وقول الآخر # أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس # وقد ثبت عن الصادق المصدوق، وهو أفصح من نطق بلغة العرب أنه كان إذا ~~تكلم بالكلمة أعادها ثلاث مرات، وإذا عرفت هذا، ففائدة ما وقع في السورة ~~من التأكيد هو قطع أطماع الكفار عن أن يجيبهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى ما سألوه من عبادته آلهتهم، وإنما عبر سبحانه بما التي لغير ~~العقلاء في المواضع الأربعة لأنه يجوز ذلك كما في قوله سبحان ما سخركن ~~لنا، ونحوه، والنكتة في ذلك أن يجري الكلام على نمط واحد، ولا يختلف. # وقيل إنه أراد الصفة كأنه قال لا أعبد الباطل، ولا تعبدون الحق. وقيل إن ~~«ما» في المواضع الأربعة هي المصدرية لا الموصولة، أي لا أعبد عبادتكم، ~~ولا أنتم عابدون عبادتي إلخ، وجملة { لكم دينكم } مستأنفة لتقرير ~~قوله { لا أعبد ما تعبدون } وقوله { ولا أنا عابد ما ~~عبدتم }. كما أن قوله { ولى دين } تقرير لقوله { ولا أنتم ~~عبدون ما أعبد } في الموضعين، أي إن رضيتم بدينكم، فقد رضيت ~~بديني، كما في قوله # لنا أعملنا ولكم أعملكم # الشورى 15 والمعنى أن دينكم الذي هو الإشراك مقصور على الحصول لكم لا ~~يتجاوزه إلى الحصول لي، كما تطمعون. وديني الذي هو التوحيد مقصور على ~~الحصول لي لا يتجاوزه إلى الحصول لكم. وقيل المعنى لكم جزاؤكم ولي جزائي ~~لأن الدين الجزاء. قيل وهذه الآية منسوخة بآية السيف. وقيل ليست ms4314 بمنسوخة ~~لأنها أخبار، والأخبار لا يدخلها النسخ. قرأ الجمهور بإسكان الياء من ~~قوله { ولي } وقرأ نافع، وهشام، وحفص، والبزي بفتحها. وقرأ الجمهور أيضا ~~بحذف الياء من ديني وقفا ووصلا، وأثبتها نصر بن عاصم، وسلام، ويعقوب، ~~وصلا ووقفا. قالوا لأنها اسم، فلا تحذف. ويجاب بأن حذفها لرعاية ~~الفواصل سائغ، وإن كانت اسما. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني عن ابن عباس «أن قريشا دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، فقالوا ~~هذا لك يا محمد، وكف عن شتم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل، فإنا ~~نعرض عليك خصلة واحدة، ولك فيها صلاح، قال ما هي؟ قالوا تعبد آلهتنا سنة، ~~ونعبد إلهك سنة، قال حتى أنظر ما يأتيني من ربي، فجاء الوحي من عند الله ~~{ قل يا أيها الكفرون * لا أعبد ما تعبدون } إلى ~~آخر السورة، وأنزل الله # قل أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجهلون # إلى قوله # بل الله فاعبد وكن من الشكرين # الزمر64- 66. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف ~~عن سعيد بن مينا مولى أبي البحتري قال «لقي الوليد بن المغيرة، والعاص بن ~~وائل، والأسود بن المطلب، وأمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قالوا يا محمد هلم، فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشترك نحن، وأنت في ~~أمرنا كله، فإن كان الذي نحن عليه أصح من الذي أنت عليه كنت قد أخذت منه ~~حظا، وإن كان الذي أنت عليه أصح من الذي نحن عليه كنا قد أخذنا منه ~~حظا، فأنزل الله { قل يا أيها الكفرون } إلى آخر السورة. ~~وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس أن قريشا قالت ~~لو استلمت آلهتنا لعبدنا إلهك، فأنزل الله { قل يأيها ~~الكفرون } السورة كلها. ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1-3] # النصر العون، مأخوذ من قولهم قد نصر الغيث الأرض إذا أعان على نباتها، ~~ومنع من قحطها، ومنه قول الشاعر # إذا انصرف ms4315 الشهر الحرام فودعي بلاد تميم وانصري أرض عامر # يقال نصره على عدوه ينصره نصرا إذا أعانه. والاسم النصرة. واستنصره ~~على عدوه إذا سأله أن ينصره عليه. قال الواحدي قال المفسرون { إذا ~~جاء } ك يا محمد { نصر الله } على من عاداك، وهم قريش { ~~والفتح } فتح مكة. وقيل المراد نصره صلى الله عليه وسلم على قريش من ~~غير تعيين. وقيل نصره على من قاتله من الكفار. وقيل هو فتح سائر البلاد. ~~وقيل هو ما فتحه الله عليه من العلوم، وعبر عن حصول النصر، والفتح ~~بالمجيء للإيذان بأنهما متوجهان إليه صلى الله عليه وسلم. وقيل " إذا " ~~بمعنى قد. وقيل بمعنى " إذ ". قال الرازي الفرق بين النصر والفتح أن ~~الفتح هو تحصيل المطلوب الذي كان منغلقا، والنصر كالسبب للفتح، فلهذا ~~بدأ بذكر النصر، وعطف عليه الفتح. أو يقال النصر كمال الدين، والفتح ~~إقبال الدنيا الذي هو تمام النعمة. أو يقال النصر الظفر، والفتح الجنة، ~~هذا معنى كلامه. ويقال الأمر أوضح من هذا وأظهر، فإن النصر هو التأييد ~~الذي يكون به قهر الأعداء وغلبهم، والاستعلاء عليهم، والفتح هو فتح مساكن ~~الأعداء، ودخول منازلهم. { ورأيت الناس يدخلون فى دين ~~الله أفوجا } أي أبصرت الناس من العرب، وغيرهم يدخلون في دين الله ~~الذي بعثك به جماعات فوجا بعد فوج. قال الحسن لما فتح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مكة قال العرب أما إذ ظفر محمد بأهل الحرم، وقد أجارهم ~~الله من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان، فكانوا يدخلون في دين الله ~~أفواجا، أي جماعات كثيرة بعد أن كانوا يدخلون واحدا واحدا، واثنين ~~اثنين، فصارت القبيلة تدخل بأسرها في الإسلام. قال عكرمة، ومقاتل أراد ~~بالناس أهل اليمن، وذلك أنه ورد من اليمن سبعمائة إنسان مؤمنين. وانتصاب ~~{ أفواجا } على الحال من فاعل يدخلون، ومحل قوله يدخلون في دين الله ~~النصب على الحال إن كانت الرؤية بصرية، وإن كانت بمعنى العلم، فهو في محل ~~نصب عى أنه المفعول الثاني. { فسبح بحمد ربك } هذا جواب ~~الشرط، وهو العامل فيه، ms4316 والتقدير فسبح بحمد ربك إذا جاء نصر الله. وقال ~~مكي العامل في " إذا " هو { جاء }. ورجحه أبو حيان، وضعف الأول بأن ما ~~جاء بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبلها، وقوله { بحمد ربك } في ~~محل نصب على الحال، أي فقل سبحان الله ملتبسا بحمده، أو حامدا له. وفيه ~~الجمع بين تسبيح الله المؤذن بالتعجب مما يسره الله له مما لم يكن يخطر ~~بباله ولا بال أحد من الناس، وبين الحمد له على جميل صنعه له، وعظيم منته ~~عليه بهذه النعمة التي هي النصر، والفتح لأم القرى التي كان أهلها قد ~~بلغوا في عداوته إلى أعلى المبالغ حتى أخرجوه منها بعد أن افتروا عليه من ~~الأقوال الباطلة، والأكاذيب المختلفة ما هو معروف من قولهم هو مجنون، هو ~~ساحر، هو شاعر، هو كاهن. # ونحو ذلك. ثم ضم سبحانه إلى ذلك أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بالاستغفار، أي اطلب منه المغفرة لذنبك هضما لنفسك، واستقصارا لعملك، ~~واستدراكا لما فرط منك من ترك ما هو الأولى. وقد كان صلى الله عليه وسلم ~~يرى قصوره عن القيام بحق الله، ويكثر من الاستغفار والتضرع، وإن كان قد ~~غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وقيل إن الاستغفار منه صلى الله ~~عليه وسلم ومن سائر الأنبياء هو تعبد تعبدهم الله به، لا لطلب المغفرة ~~لذنب كائن منهم. وقيل إنما أمره الله سبحانه بالاستغفار تنبيها لأمته، ~~وتعريضا بهم فكأنهم هم المأمورون بالاستغفار. وقيل إن الله سبحانه أمره ~~بالاستغفار لأمته لا لذنبه. وقيل المراد بالتسبيح هنا الصلاة. والأولى ~~حمله على معنى التنزيه مع ما أشرنا إليه من كون فيه معنى التعجب سرورا ~~بالنعمة، وفرحا بما هيأه الله من نصر الدين، وكبت أعدائه، ونزول الذلة ~~بهم، وحصول القهر لهم. قال الحسن أعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قد اقترب أجله، فأمر بالتسبيح، والتوبة ليختم له في آخر عمره بالزيادة في ~~العمل الصالح، فكان يكثر أن يقول # " سبحانك اللهم وبحمدك اغفر لي إنك أنت التواب " # قال ms4317 قتادة، ومقاتل وعاش صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه السورة سنتين. ~~وجملة { إنه كان توابا } تعليل لأمره صلى الله عليه وسلم ~~بالاستغفار، أي من شأنه التوبة على المستغفرين له يتوب عليهم، ويرحمهم ~~بقبول توبتهم، وتواب من صيغ المبالغة، ففيه دلالة على أنه سبحانه مبالغ ~~في قبول توبة التائبين. وقد حكى الرازي في تفسيره اتفاق الصحابة على أن ~~هذه السورة دلت على نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أخرج ابن ~~مردويه عن ابن عباس أن عمر سألهم عن قول الله { إذا جاء نصر ~~الله والفتح } فقالوا فتح المدائن والقصور، قال فأنت يا ابن عباس ~~ما تقول؟ قال قلت مثل ضرب لمحمد صلى الله عليه وسلم نعيت له نفسه. وأخرج ~~البخاري، وغيره عن ابن عباس قال كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم ~~وجد في نفسه، فقال لم يدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر إنه من ~~قد علمتم، فدعاهم ذات يوم، فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ ~~إلا ليريهم، فقال ما تقولون في قول الله عز وجل { إذا جاء نصر ~~الله والفتح }؟ فقال بعضهم أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا ~~نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم، فلم يقل شيئا، فقال لي أكذاك تقول يا ابن ~~عباس؟ فقلت لا، فقال ما تقول؟ فقلت هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أعلمه الله له، قال { إذا جاء نصر الله والفتح } فذلك ~~علامة أجلك { فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان ~~توابا } فقال عمر لا أعلم منها إلا ما تقول. # وأخرج ابن النجار عن سهل بن سعد عن أبي بكر أن سورة { إذا جاء نصر ~~الله والفتح } حين أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~نفسه نعيت إليه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ~~مردويه عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول # " سبحان الله وبحمده، وأستغفره وأتوب إليه " # فقلت يا رسول الله أراك تكثر من قول سبحان ms4318 الله وبحمده، وأستغفر الله ~~وأتوب إليه فقال # " خبرني ربي أني سأرى علامة من أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان ~~الله وبحمده، وأستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها { إذا جاء نصر ~~الله والفتح } فتح مكة. { ورأيت الناس يدخلون فى ~~دين الله أفوجا * فسبح بحمد ربك واستغفره ~~إنه كان توبا } " # وأخرج البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم عن عائشة ~~قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده # " سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي " # يتأول القرآن يعني { إذا جاء نصر الله والفتح } ، وفي الباب ~~أحاديث.وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال لما نزلت { إذا جاء نصر ~~الله والفتح } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " جاء أهل اليمن هم أرق قلوبا، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة ~~يمانية " # وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس قال بينما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في المدينة إذ قال # " الله أكبر قد جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن، قوم رقيقة قلوبهم ~~لينة طاعتهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية " # وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول # " إن الناس دخلوا في دين الله أفواجا، وسيخرجون منه أفواجا " # وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قالتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفوجا } قال # " ليخرجن منه أفواجا، كما دخلوا فيه أفواجا ". ### | [111 - سورة المسد] ### || [111.1-5] # معنى { تبت } هلكت. وقال مقاتل خسرت. وقيل خابت. وقال عطاء ضلت. وقيل ~~صفرت من كل خير، وخص اليدين بالتباب، لأن أكثر العمل يكون بهما. وقيل ~~المراد باليدين نفسه، وقد يعبر باليد عن النفس، كما في قوله # بما قدمت يداك # الحج 10 أي نفسك. والعرب تعبر كثيرا ببعض الشيء عن كله، كقولهم أصابته ~~يد الدهر، وأصابته يد المنايا، كما في قول الشاعر # لما أكبت يد الرزايا عليه نادى ألا مخبر # وأبو لهب اسمه عبد العزى بن عبد المطلب بن ms4319 هاشم. وقوله { وتب } أي ~~هلك. قال الفراء الأول دعاء عليه، والثاني خبر، كما تقول أهلكه الله وقد ~~هلك. والمعنى أنه قد وقع ما دعا به عليه، ويؤيده قراءة ابن مسعود وقد ~~تب. وقيل كلاهما إخبار، أراد بالأول هلاك عمله، وبالثاني هلاك نفسه. ~~وقيل كلاهما دعاء عليه، ويكون في هذا شبه من مجيء العام بعد الخاص، وإن ~~كان حقيقة اليدين غير مرادة، وذكره سبحانه بكنيته لاشتهاره بها، ولكون ~~اسمه، كما تقدم عبد العزى، والعزى اسم صنم، ولكون في هذه الكنية ما ~~يدل على أنه ملابس للنار لأن اللهب هي لهب النار، وإن كان إطلاق ذلك ~~عليه في الأصل لكونه كان جميلا، وأن وجهه يتلهب لمزيد حسنه، كما تتلهب ~~النار. قرأ الجمهور { لهب } بفتح اللام، والهاء. وقرأ مجاهد، وحميد، وابن ~~كثير وابن محيصن بإسكان الهاء، واتفقوا على فتح الهاء في قوله { ذات ~~لهب }. وروى صاحب الكشاف أنه قرىء " تبت يدا أبو لهب " وذكر وجه ذلك. ~~{ ما أغنى عنه ماله وما كسب } أي ما دفع عنه ما حل به ~~من التباب، وما نزل به من عذاب الله ما جمع من المال، ولا ما كسب من ~~الأرباح والجاه أو المراد بقوله { ماله } ما ورثه من أبيه، وبقوله { ~~وما كسب } الذي كسبه بنفسه. قال مجاهد وما كسب من ولد، وولد الرجل ~~من كسبه، ويجوز أن تكون «ما» في قوله { ما أغنى } استفهامية، أي أي ~~شيء أغنى عنه؟ وكذا يجوز في قوله { وما كسب } أن تكون استفهامية، أي ~~وأي شيء كسب؟ ويجوز أن تكون مصدرية، أي وكسبه. والظاهر أن «ما» الأولى ~~نافية، والثانية موصولة. ثم أوعده سبحانه بالنار فقال { سيصلى ~~نارا ذات لهب }. قرأ الجمهور { سيصلى } بفتح الياء، وإسكان الصاد، ~~وتخفيف اللام، أي سيصلى هو بنفسه، وقرأ أبو رجاء، وأبو حيوة، وابن مقسم، ~~والأشهب العقيلي، وأبو السماك، والأعمش، ومحمد بن السميفع بضم الياء، ~~وفتح الصاد، وتشديد اللام، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير، والمعنى ~~سيصليه الله، ومعنى { ذات لهب } ذات اشتعال وتوقد، وهي نار جهنم. # { وامرأته ms4320 حمالة الحطب } معطوف على الضمير في " يصلى ". ~~وجاز ذلك للفصل. أي وتصلى امرأته نارا ذات لهب. وهي أم جميل بنت حرب ~~أخت أبي سفيان. وكانت تحمل الغضى والشوك، فتطرحه بالليل على طريق النبي ~~صلى الله عليه وسلم، كذا قال ابن زيد، والضحاك، والربيع بن أنس، ومرة ~~الهمداني. وقال مجاهد، وقتادة، والسدي إنها كانت تمشي بالنميمة بين ~~الناس. والعرب تقول فلان يحطب على فلان إذا نم به، ومنه قول الشاعر # إن بني الأدرم حمالوا الحطب هم الوشاة في الرضا والغضب عليهم اللعنة ~~تترى والحرب # وقال آخر # من البيض لم يصطد على ظهر لأمة ولم يمش بين الناس بالحطب الرطب # وجعل الحطب في هذا البيت رطبا لما فيه من التدخين الذي هو زيادة في ~~الشر، ومن الموافقة للمشي بالنميمة. وقال سعيد بن جبير معنى حمالة الحطب ~~أنها حمالة الخطايا والذنوب، من قولهم فلان يحتطب على ظهره، كما في قوله # وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم # الأنعام 31. وقيل المعنى حمالة الحطب في النار. قرأ الجمهور حمالة ~~بالرفع على الخبرية على أنها جملة مسوقة للإخبار بأن امرأة أبي لهب حمالة ~~الحطب، وأما على ما قدمنا من عطف، { وامرأته } على الضمير في { تصلى } ، ~~فيكون رفع حمالة على النعت لامرأته، والإضافة حقيقية لأنها بمعنى المضي، ~~أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي حمالة. وقرأ عاصم بنصب { حمالة } على ~~الذم، أو على أنه حال من امرأته. وقرأ أبو قلابة حاملة الحطب. { فى ~~جيدها حبل من مسد } الجملة في محل نصب على الحال من { امرأته ~~}. والجيد العنق، والمسد الليف الذي تفتل منه الحبال، ومنه قول النابغة # مقذوفة بدخيس النحض بازلها له صريف صريف القعو بالمسد # وقول الآخر # يا مسد الخوص تعوذ مني إن كنت لدنا لينا فإني # وقال أبو عبيدة المسد هو الحبل يكون من صوف. وقال الحسن هي حبال تكون من ~~شجر ينبت باليمن تسمى بالمسد. وقد تكون الحبال من جلود الإبل أو من ~~أوبارها. قال الضحاك، وغيره هذا في الدنيا، كانت تعير النبي صلى الله ~~عليه ms4321 وسلم بالفقر، وهي تحتطب في حبل تجعله في عنقها فخنقها الله به ~~فأهلكها. وهو في الآخرة حبل من نار. وقال مجاهد، وعروة بن الزبير هو ~~سلسلة من نار تدخل في فيها وتخرج من أسفلها. وقال قتادة هو قلادة من ودع ~~كانت لها. قال الحسن إنما كان خرزا في عنقها. وقال سعيد بن المسيب كانت ~~لها قلادة فاخرة من جوهر، فقالت واللات والعزى، لأنفقنها في عداوة محمد، ~~فيكون ذلك عذابا في جسدها يوم القيامة. والمسد الفتل يقال مسد حبله ~~يمسده مسدا أجاد فتله. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عباس ~~قال «لما نزلت # وأنذر عشيرتك الأقربين # الشعراء 214 خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فهتف # " يا صباحاه " # فاجتمعوا إليه، فقال # " أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ " # قالوا ما جربنا عليك كذبا، قال # " فإني نذير لكم بني يدي عذاب شديد " # فقال أبو لهب تبا لك إنما جمعتنا لهذا؟ ثم قام فنزلت هذه السورة { ~~تبت يدا أبى لهب وتب } ». وأخرج عبد بن حميد، وابن ~~المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { تبت يدا أبى لهب ~~}. قال خسرت. وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت إن أطيب ما أكل الرجل من ~~كسبه، وإن ابنه من كسبه. ثم قرأت { ما أغنى عنه ماله وما ~~كسب } قالت وما كسب ولده. وأخرج عبد الرزاق، والحاكم، وابن مردويه عن ~~ابن عباس في قوله { وما كسب } قال كسبه ولده. وأخرج ابن جرير، ~~والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر عن ابن عباس في قوله { وامرأته ~~حمالة الحطب } قال كانت تحمل الشوك فتطرحه على طريق النبي صلى ~~الله عليه وسلم ليعقره وأصحابه، وقال { حمالة الحطب } نقالة ~~الحديث. { حبل من مسد } قال هي حبال تكون بمكة. ويقال المسد ~~العصا التي تكون في البكرة. ويقال المسد قلادة من ودع. وأخرج ابن أبي ~~حاتم، وأبو زرعة عن أسماء بنت أبي بكر، قالت «لما نزلت { تبت يدا ~~أبى لهب } أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ms4322 ولولة، وفي يدها فهر، ~~وهي تقول # مذمما أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا # ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد، ومعه أبو بكر، فلما رآها ~~أبو بكر قال يا رسول الله قد أقبلت، وأنا أخاف أن تراك، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " إنها لن تراني " # وقرأ قرآنا اعتصم به، كما قال تعالى # وإذا قرأت القرءان جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالأخرة حجابا مستورا # الإسراء 45 فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر، ولم تر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقالت يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني، قال لا، ورب ~~البيت ما هجاك فولت وهي تقول قد علمت قريش أني ابنة سيدها. وأخرجه البزار ~~بمعناه، وقال لا نعلمه يروى بأحسن من هذا الإسناد. ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1-4] # قوله { قل هو الله أحد } الضمير يجوز أن يكون عائدا إلى ما ~~يفهم من السياق لما قدمنا من بيان سبب النزول، وأن المشركين قالوا يا ~~محمد انسب لنا ربك. فيكون مبتدأ، والله مبتدأ ثان. و { أحد } خبر المبتدأ ~~الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول. ويجوز أن يكون { الله } بدلا من { ~~هو } ، والخبر { أحد }. ويجوز أن يكون الله خبرا أولا، و { أحد } ~~خبرا ثانيا، ويجوز أن يكون { أحد } خبرا لمبتدأ محذوف، أي هو أحد. ~~ويجوز أن يكون { هو } ضمير شأن لأنه موضع تعظيم، والجملة بعده مفسرة له ~~وخبر عنه، والأول أولى. قال الزجاج هو كناية عن ذكر الله، والمعنى إن ~~سألتم تبيين نسبته { قل هو الله أحد }. قيل وهمزة { أحد } بدل ~~من الواو، وأصله واحد. وقال أبو البقاء همزة { أحد } أصل بنفسها غير ~~مقلوبة، وذكر أن أحد يفيد العموم دون واحد. ومما يفيد الفرق بينهما ما ~~قاله الأزهري أنه لا يوصف بالأحدية غير الله تعالى، لا يقال رجل أحد، ولا ~~درهم أحد كما يقال رجل واحد، ودرهم واحد، قيل والواحد يدخل في الأحد، ~~والأحد لا يدخل فيه فإذا قلت لا يقاومه واحد جاز أن يقال لكنه يقاومه ~~اثنان بخلاف قولك ms4323 لا يقاومه أحد. وفرق ثعلب بين واحد وبين أحد بأن ~~الواحد يدخل في العدد وأحد لا يدخل فيه. ورد عليه أبو حيان بأنه يقال ~~أحد وعشرون، ونحوه، فقد دخله العدد، وهذا كما ترى، ومن جملة القائلين ~~بالقلب الخليل. قرأ الجمهور { قل هو الله أحد } بإثبات { قل }. وقرأ عبد ~~الله بن مسعود وأبي الله أحد بدون { قل }. وقرأ الأعمش قل هو الله ~~الواحد وقرأ الجمهور بتنوين { أحد } ، وهو الأصل. وقرأ زيد بن علي، ~~وأبان بن عثمان، وابن أبي إسحاق، والحسن، وأبو السماك، وأبو عمرو في ~~رواية عنه بحذف التنوين للخفة، كما في قول الشاعر # عمرو الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف # وقيل إن ترك التنوين لملاقاته لام التعريف، فيكون الترك لأجل الفرار من ~~التقاء الساكنين. ويجاب عنه بأن الفرار من التقاء الساكنين قد حصل مع ~~التنوين بتحريك الأول منهما بالكسر { الله الصمد } الإسم الشريف ~~مبتدأ، و { الصمد } خبره. والصمد هو الذي يصمد إليه في الحاجات، أي يقصد ~~لكونه قادرا على قضائها، فهو فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض لأنه ~~مصمود إليه، أي مقصود إليه، قال الزجاج الصمد السند الذي انتهى إليه ~~السؤدد. فلا سيد فوقه، قال الشاعر # ألا بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد # وقيل معنى الصمد الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزول. وقيل معنى الصمد ~~ما ذكر بعده من أنه الذي لم يلد ولم يولد. # وقيل هو المستغني عن كل أحد، والمحتاج إليه كل أحد. وقيل هو المقصود في ~~الرغائب، والمستعان به في المصائب، وهذان القولان يرجعان إلى معنى القول ~~الأول. وقيل هو الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. وقيل هو الكامل الذي ~~لا عيب فيه. وقال الحسن، وعكرمة، والضحاك، وسعيد بن جبير، وسعيد بن ~~المسيب، ومجاهد، وعبد الله بن بريدة، وعطاء، وعطية العوفي، والسدي، ~~الصمد هو المصمت الذي لا جوف، ومنه قول الشاعر # شهاب حروب لا تزال جياده عوابس يعلكن الشكيم المصمدا # وهذا لا ينافي القول الأول لجواز أن يكون هذا ms4324 أصل معنى الصمد، ثم ~~استعمل في السيد المصمود إليه في الحوائج، ولهذا أطبق على القول الأول ~~أهل اللغة وجمهور أهل التفسير، ومنه قول الشاعر # علوته بحسام ثم قلت له خذها حذيف فأنت السيد الصمد # وقال الزبرقان بن بدر # سيروا جميعا بنصف الليل واعتمدوا ولا رهينة إلا سيد صمد # وتكرير الاسم الجليل للإشعار بأن من لم يتصف بذلك، فهو بمعزل عن استحقاق ~~الألوهية، وحذف العاطف من هذه الجملة لأنها كالنتيجة للجملة الأولى. وقيل ~~إن الصمد صفة للاسم الشريف، والخبر هو ما بعده. والأول أولى لأن السياق ~~يقتضي استقلال كل جملة. { لم يلد ولم يولد } أي لم يصدر عنه ~~ولد، ولم يصدر هو عن شيء، لأنه لا يجانسه شيء، ولاستحالة نسبة العدم إليه ~~سابقا ولاحقا. قال قتادة إن مشركي العرب قالوا الملائكة بنات الله. ~~وقالت اليهود عزير ابن الله. وقالت النصارى المسيح ابن الله، فأكذبهم ~~الله فقال { لم يلد ولم يولد }. قال الرازي قدم ذكر نفي ~~الولد مع أن الولد مقدم للاهتمام، لأجل ما كان يقوله الكفار من المشركين ~~إن الملائكة بنات الله، واليهود عزير ابن الله، والنصارى المسيح ابن ~~الله، ولم يدع أحد أن له والدا، فلهذا السبب بدأ بالأهم، فقال { لم ~~يلد } ثم أشار إلى الحجة فقال { ولم يولد } ، كأنه قيل الدليل ~~على امتناع الولد اتفاقنا على أنه ما كان ولدا لغيره، وإنما عبر سبحانه ~~بما يفيد انتفاء كونه لم يلد ولم يولد في الماضي، ولم يذكر ما يفيد ~~انتفاء كونه كذلك في المستقبل لأنه ورد جوابا عن قولهم ولد الله، كما ~~حكى الله عنهم بقوله # ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله # الصافات 151، 152 فلما كان المقصود من هذه الآية تكذيب قولهم، وهم إنما ~~قالوا ذلك بلفظ يفيد النفي فيما مضى، وردت الآية لدفع قولهم هذا. { ~~ولم يكن له كفوا أحد } هذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها ~~لأنه سبحانه إذا كان متصفا بالصفات المتقدمة كان متصفا بكونه لم يكافئه ~~أحد، ولا يماثله ولا يشاركه في شيء، وأخر اسم كان ms4325 لرعاية الفواصل، وقوله ~~{ له } متعلق بقوله { كفوا } قدم عليه لرعاية الاهتمام لأن المقصود نفي ~~المكافأة عن ذاته. # وقيل إنه في محل نصب على الحال، والأول أولى. وقد رد المبرد على ~~سيبويه بهذه الآية لأن سيبويه قال إنه إذا تقدم الظرف كان هو الخبر، ~~وههنا لم يجعل خبرا مع تقدمه، وقد رد على المبرد بوجهين أحدهما أن ~~سيبويه لم يجعل ذلك حتما بل جوزه. والثاني أنا لا نسلم كون الظرف هنا ~~ليس بخبر، بل يجوز أن يكون خبرا ويكون كفوا منتصبا على الحال وحكى في ~~الكشاف عن سيبويه على أن الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو ~~لغو غير مستقر، واقتصر في هذه الحكاية على نقل أول كلام سيبويه، ولم ~~ينظر إلى أخره، فإنه قال في آخر كلامه والتقديم والتأخير والإلغاء، ~~والاستقرار عربي جيد كثير. انتهى. قرأ الجمهور { كفوا } بضم الكاف ~~والفاء، وتسهيل الهمزة، وقرأ الأعرج، وسيبويه، ونافع في رواية عنه بإسكان ~~الفاء، وروي ذلك عن حمزة مع إبداله الهمزة واوا وصلا ووقفا، وقرأ نافع ~~في رواية عنه كفأ بكسر الكاف، وفتح الفاء من غير مد. وقرأ سليمان بن ~~علي بن عبد الله بن العباس كذلك مع المد، وأنشد قول النابغة # لا تقذفني بركن لا كفاء له # والكفء في لغة العرب النظير. يقول. هذا كفؤك أي نظيرك. والاسم الكفاءة ~~بالفتح. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والمحاملي في ~~أماليه، والطبراني، وأبو الشيخ في العظمة عن بريد لا أعلمه إلا رفعه. ~~قال { الصمد } الذي لا جوف له، ولا يصح رفع هذا. وأخرج ابن المنذر، ~~وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال { الصمد } الذي لا جوف له، وفي لفظ ~~ليس له أحشاء. وأخرج ابن أبي عاصم، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن المنذر عنه قال { الصمد ~~} الذي لا يطعم، وهو المصمت. وقال أو ما سمعت النائحة، وهي تقول # لقد بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد # وكان لا ms4326 يطعم عند القتال، وقد روي عنه أن الذي يصمد إليه في الحوائج، ~~وأنه أنشد البيت، واستدل به على هذا المعنى، وهو أظهر في المدح، وأدخل ~~في الشرف، وليس لوصفه بأنه لا يطعم عند القتال كثير معنى. وأخرج ابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في ~~الأسماء والصفات من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال { الصمد } ~~السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي ~~قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في ~~غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، ~~والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، ~~وهو الله سبحانه هذه صفة لا تنبغي إلا له ليس له كفو وليس كمثله شيء. # وأخرج ابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن مسعود قال ~~{ الصمد } هو السيد الذي قد انتهى سؤدده، فلا شيء أسود منه. وأخرج ~~ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال { الصمد } الذي ~~تصمد إليه الأشياء إذا نزل بهم كربة أو بلاء. وأخرج ابن جرير من طرق عنه ~~في قوله { ولم يكن له كفوا أحد } قال ليس له كفو ولا مثل. ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1-5] # { الفلق } الصبح، يقال هو أبين من فلق الصبح. وسمي فلقا، لأنه يفلق ~~عنه الليل. وهو فعل بمعنى مفعول. قال الزجاج لأن الليل ينفلق عنه الصبح، ~~ويكون بمعنى مفعول. يقال هو أبين من فلق الصبح، ومن فرق الصبح، وهذا قول ~~جمهور المفسرين، ومنه قول ذي الرمة # حتى إذا ما انجلى عن وجهه فلق هادئة في أخريات الليل منتصب # وقول الآخر # يا ليلة لم أنمها بت مرتفقا أرعى النجوم لي أن نور الفلق # وقيل هو سجن في جهنم. وقيل هو اسم من أسماء جهنم. وقيل شجرة في النار. ~~وقيل هو الجبال والصخور، لأنها تفلق بالمياه، أي تشقق. وقيل ms4327 هو التفليق ~~بين الجبال لأنها تنشق من خوف الله. قال النحاس يقال لكل ما اطمأن من ~~الأرض فلق، ومنه قول زهير # ما زلت أرمقهم حتى إذا هبطت أيدي الركاب بهم من راكس فلقا # والراكس بطن الوادي، ومثله قول النابغة # أتاني ودوني راكس فالضواجع # وقيل هو الرحم تنفلق بالحيوان. وقيل هو كل ما انفلق عن جميع ما خلق الله ~~من الحيوان والصبح والحب والنوى، وكل شيء من نبات، وغيره قاله الحسن، ~~والضحاك. قال القرطبي هذا القول يشهد له الانشقاق، فإن الفلق الشق، فلقت ~~الشيء فلقا شققته، والتفليق مثله، يقال فلقته، فانفلق وتفلق، فكل ما ~~انفلق عن شيء من حيوان، وصبح، وحب، ونوى، وماء فهو فلق، قال الله سبحانه # فالق الإصباح # الأنعام 96 وقال # فالق الحب والنوى # الأنعام 95. انتهى. والقول الأول أولى لأن المعنى، وإن كان أعم منه ~~وأوسع مما تضمنه لكنه المتبادر عند الإطلاق. وقد قيل في وجه تخصيص الفلق ~~الإيماء إلى أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم ~~يقدر أيضا أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه، ويخشاه. وقيل طلوع الصبح ~~كالمثال لمجيء الفرح فكما أن الإنسان في الليل يكون منتظرا لطلوع ~~الصباح. كذلك الخائف يكون مترقبا لطلوع صباح النجاح، وقيل غير هذا مما ~~هو مجرد بيان مناسبة ليس فيها كثير فائدة تتعلق بالتفسير. { من شر ~~ما خلق } متعلق ب { أعوذ } أي من شر كل ما خلقه سبحانه من جميع ~~مخلوقاته، فيعم جميع الشرور. وقيل هو إبليس وذريته. وقيل جهنم، ولا وجه ~~لهذا التخصيص، كما أنه لا وجه لتخصيص من خصص هذا العموم بالمضار ~~البدنية. وقد حرف بعض المتعصبين هذه الآية مدافعة عن مذهبه، وتقويما ~~لباطله، فقرءوا بتنوين " شر " على أن «ما» نافية. والمعنى من شر لم ~~يخلقه. ومنهم عمرو بن عبيد، وعمرو بن عائذ. { ومن شر غاسق إذا ~~وقب } الغاسق الليل. والغسق الظلمة. يقال غسق الليل يغسق إذا أظلم. ~~قال الفراء يقال غسق الليل، وأغسق إذا أظلم، ومنه قول قيس بن الرقيات # إن هذا الليل ms4328 قد غسقا واشتكيت الهم والأرقا # وقال الزجاج قيل لليل غاسق لأنه أبرد من النهار، والغاسق البارد، والغسق ~~البرد، ولأن في الليل تخرج السباع من آجامها، والهوام من أماكنها، ~~وينبعث أهل الشر على العبث والفساد، كذا قال، وهو قول بارد، فإن أهل ~~اللغة على خلافه، وكذا جمهور المفسرين ووقوبه دخول ظلامه، ومنه قول ~~الشاعر # وقب العذاب عليهم فكأنهم لحقتهم نار السموم فأخمدوا # أي دخل العذاب عليهم. ويقال وقبت الشمس إذا غابت. وقيل الغاسق الثريا. ~~وذلك أنها إذا سقطت كثرت الأسقام والطواعين، وإذا طلعت ارتفع ذلك، وبه ~~قال ابن زيد. وهذا محتاج إلى نقل عن العرب أنهم يصفون الثريا بالغسوق. ~~وقال الزهري هو الشمس إذا غربت، وكأنه لاحظ معنى الوقوب، ولم يلاحظ معنى ~~الغسوق. وقيل هو القمر إذا خسف. وقيل إذا غاب. وبهذا قال قتادة، وغيره. ~~واستدلوا بحديث أخرجه أحمد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو ~~الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن عائشة قالت نظر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوما إلى القمر لما طلع فقال # " يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب " # قال الترمذي بعد إخراجه حسن صحيح، وهذا لا ينافي قول الجمهور لأن القمر ~~آية الليل، ولا يوجد له سلطان إلا فيه، وهكذا يقال في جواب من قال إنه ~~الثريا. قال ابن الأعرابي في تأويل هذا الحديث وذلك أن أهل الريب يتحينون ~~وجبة القمر. وقيل الغاسق الحية إذا لدغت. وقيل الغاسق كل هاجم يضر ~~كائنا ما كان، من قولهم غسقت القرحة إذا جرى صديدها. وقيل الغاسق هو ~~السائل، وقد عرفناك أن الراجح في تفسير هذه الآية هو ما قاله أهل القول ~~الأول، ووجه تخصيصه أن الشر فيه أكثر، والتحرز من الشرور فيه أصعب، ~~ومنه قولهم الليل أخفى للويل. { ومن شر النفثت فى ~~العقد } النفاثات هن السواحر، أي ومن شر النفوس النفاثات، أو النساء ~~النفاثات، والنفث النفخ، كما يفعل ذلك من يرقي ويسحر. وقيل مع ريق. وقيل ~~بدون ريق، والعقد جمع عقدة، ms4329 وذلك أنهن كن ينفثن في عقد الخيوط حين يسحرن ~~بها، ومنه قول عنترة # فإن يبرأ فلم أنفث عليه وإن يعقد فحق له العقود # وقول متمم بن نويرة # نفث في الخيط شبيه الرقى من خشية الجنة والحاسد # قال أبو عبيدة النفاثات هي بنات لبيد الأعصم اليهودي، سحرن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. قرأ الجمهور { النفاثات } جمع نفاثة على المبالغة. وقرأ ~~يعقوب، وعبد الرحمن بن ساباط، وعيسى بن عمر النافثات جمع نافثة. وقرأ ~~الحسن النفاثات بضم النون. وقرأ أبو الربيع النفثات بدون ألف. # { ومن شر حاسد إذا حسد } الحسد تمني زوال النعمة التي أنعم ~~الله بها على المحسود. ومعنى { إذا حسد } إذا أظهر ما في نفسه من الحسد، ~~وعمل بمقتضاه، وحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود. قال عمر بن عبد ~~العزيز لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من حاسد، وقد نظم الشاعر هذا المعنى ~~فقال # قل للحسود إذا تنفس طعنة يا ظالما وكأنه مظلوم # ذكر الله سبحانه في هذه السورة إرشاد رسوله صلى الله عليه وسلم إلى ~~الاستعاذة من شر كل مخلوقاته على العموم، ثم ذكر بعض الشرور على الخصوص ~~مع اندراجه تحت العموم لزيادة شره، ومزيد ضره، وهو الغاسق، والنفاثات، ~~والحاسد، فكأن هؤلاء لما فيهم من مزيد الشر حقيقون بإفراد كل واحد منهم ~~بالذكر. وقد أخرج ابن مردويه عن عمرو بن عبسة قال صلى بنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقرأ { قل أعوذ برب الفلق } فقال # " يا ابن عبسة أتدري ما الفلق؟ " # قلت الله ورسوله أعلم، قال # " بئر في جهنم " # وأخرجه ابن أبي حاتم من قول عمرو بن عبسة غير مرفوع. وأخرج ابن مردويه ~~عن عقبة بن عامر قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اقرأ { قل أعوذ برب الفلق } هل تدري ما الفلق؟ باب في ~~النار إذا فتحت سعرت جهنم " # وأخرج ابن مردويه، والديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل { قل أعوذ برب ~~الفلق ms4330 } فقال # " هو سجن في جهنم يحبس فيه الجبارون والمتكبرون، وإن جهنم لتتعوذ بالله ~~منه " # وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " الفلق جب في جهنم " # وهذه الأحاديث لو كانت صحيحة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لكان المصير إليها واجبا، والقول بها متعينا. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس قال الفلق سجن في جهنم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه ~~عن جابر بن عبد الله قال الفلق الصبح. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس مثله. ~~وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال الفلق الخلق. وأخرج ~~ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله { ومن شر غاسق إذا وقب } وقال النجم هو الغاسق، ~~وهو الثريا. وأخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم من وجه آخر عنه غير مرفوع. ~~وقد قدمنا تأويل هذا، وتأويل ما ورد أن الغاسق القمر. وأخرج أبو الشيخ ~~عنه أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا ارتفعت النجوم رفعت كل عاهة عن كل بلد " # وهذا لو صح لم يكن فيه دليل على أن الغاسق هو النجم أو النجوم. وأخرج ~~ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس { ومن شر غاسق إذا وقب } ~~قال الليل إذا أقبل. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس { ومن شر ~~النفثت فى العقد } قال الساحرات. وأخرج ابن جرير عنه في ~~الآية قال هو ما خالط السحر من الرقي. وأخرج النسائي، وابن مردويه عن أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا ~~وكل إليه " # وأخرج ابن سعد، وابن ماجه، والحاكم، وابن مردويه عن أبي هريرة قال جاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم يعودني فقال # " ألا أرقيك برقية رقاني بها جبريل؟ " # فقلت بلى بأبي أنت وأمي، قال # " بسم الله أرقيك، والله يشفيك من كل داء فيك من ms4331 شر النفثت ~~فى العقد، ومن شر حاسد إذا حسد " # فرقى بها ثلاث مرات. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { ومن ~~شر حاسد إذا حسد } قال نفس ابن آدم وعينه. ### | [114 - سورة الناس] ### || [114.1-6] # وقرأ الجمهور { قل أعوذ } بالهمزة. وقرىء بحذفها، ونقل حركتها إلى ~~اللام. وقرأ الجمهور بترك الإمالة في الناس، وقرأ الكسائي بالإمالة. ~~ومعنى { رب الناس } مالك أمرهم، ومصلح أحوالهم، وإنما قال { رب الناس } ~~مع أنه رب جميع مخلوقاته للدلالة على شرفهم، ولكون الاستعاذة وقعت من ~~شر ما يوسوس في صدورهم. وقوله { ملك الناس } عطف بيان جيء به ~~لبيان أن ربيته سبحانه ليست كربية سائر الملاك لما تحت أيديهم من ~~مماليكهم، بل بطريق الملك الكامل، والسلطان القاهر. { إله الناس ~~} هو أيضا عطف بيان كالذي قبله لبيان أن ربوبيته، وملكه قد انضم إليهما ~~المعبودية المؤسسة على الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكلي ~~بالاتحاد والإعدام، وأيضا الرب قد يكون ملكا، وقد لا يكون ملكا، كما ~~يقال رب الدار، ورب المتاع، ومنه قوله # اتخذوا أحبرهم ورهبنهم أربابا من دون ~~الله # التوبة 31 فبين أنه ملك الناس. ثم الملك قد يكون إلها، وقد لا يكون، ~~فبين أنه إله لأن اسم الإله خاص به لا يشاركه فيه أحد، وأيضا بدأ ~~باسم الرب، وهو اسم لمن قام بتدبيره، وإصلاحه من أوائل عمره إلى أن صار ~~عاقلا كاملا، فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك، فذكر أنه ملك الناس. ~~ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه، وأنه عبد مخلوق، وأن خالقه ~~إله معبود بين سبحانه أنه إله الناس، وكرر لفظ الناس في الثلاثة ~~المواضع لأن عطف البيان يحتاج إلى مزية الإظهار ولأن التكرير يقتضي مزيد ~~شرف الناس. { من شر الوسواس } قال الفراء هو بفتح الواو بمعنى ~~الاسم، أي الموسوس، وبكسرها المصدر، أي الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة. ~~وقيل هو بالفتح اسم بمعنى الوسوسة، والوسوسة هي حديث النفس، يقال وسوست ~~إليه نفسه وسوسة، أي حدثته حديثا، وأصلها الصوت الخفي. ومنه قيل ~~لأصوات الحلي وسواس، ومنه ms4332 قول الأعشى # تسمع للحلى وسواسا إذا انصرفت # قال الزجاج الوسواس هو الشيطان، أي ذي الوسواس. ويقال إن الوسواس ابن ~~لإبليس، وقد سبق تحقيق معنى الوسوسة في تفسير قوله # فوسوس لهما الشيطن # الأعراف 20 ومعنى { الخناس } كثير الخنس، وهو التأخر، يقال خنس ~~يخنس إذا تأخر، ومنه قول العلاء بن الحضرمي يمدح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # فإذا دخسوا بالشر فاعف تكرما وإن خنسوا عند الحديث فلا تسل # قال مجاهد إذا ذكر الله خنس وانقبض. وإذا لم يذكر انبسط على القلب. ووصف ~~بالخناس لأنه كثير الاختفاء، ومنه قوله تعالى # فلا أقسم بالخنس # التكوير 15 يعني النجوم لاختفائها بعد ظهورها، كما تقدم. وقيل الخناس ~~اسم لابن إبليس، كما تقدم في الوسواس. { الذى يوسوس فى صدور ~~الناس } الموصول يجوز أن يكون في محل جر نعتا للوسواس، ويجوز أن ~~يكون منصوبا على الذم، ويجوز أن يكون مرفوعا على تقدير مبتدأ. # وقد تقدم معنى الوسوسة. قال قتادة إن الشيطان له خرطوم كخرطوم الكلب في ~~صدر الإنسان، فإذا غفل ابن آدم عن ذكر الله وسوس له، وإذا ذكر العبد ربه ~~خنس. قال مقاتل إن الشيطان في صورة خنزير يجري من ابن آدم مجرى الدم في ~~عروقه سلطه الله على ذلك، ووسوسته هي الدعاء إلى طاعته بكلام خفي يصل ~~إلى القلب من غير سماع صوت. ثم بين سبحانه الذي يوسوس بأنه ضربان جني، ~~وإنسي، فقال { من الجنة والناس } أما شيطان الجن، فيوسوس في ~~صدور الناس، وأما شيطان الإنس، فوسوسته في صدور الناس أنه يرى نفسه ~~كالناصح المشفق، فيوقع في الصدر من كلامه الذي أخرجه مخرج النصيحة ما ~~يوقع الشيطان فيه بوسوسته، كما قال سبحانه # شيطين الإنس والجن # الأنعام 112 ويجوز أن يكون متعلقا ب { يوسوس } أي يوسوس في صدورهم من ~~جهة الجنة، ومن جهة الناس، ويجوز أن يكون بيانا للناس. قال الرازي، وقال ~~قوم من الجنة والناس قسمان مندرجان تحت قوله { فى صدور الناس } ~~لأن القدر المشترك بين الجن والإنس يسمى إنسانا، والإنسان أيضا يسمى ~~إنسانا، فيكون ms4333 لفظ الإنسان واقعا على الجنس، والنوع بالاشتراك. والدليل ~~على أن لفظ الإنسان يندرج فيه لفظ الإنس والجن ما روي أنه جاء نفر من ~~الجن. فقيل لهم من أنتم؟ قالوا ناس من الجن. وأيضا قد سماهم الله ~~رجالا في قوله # وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن # الجن 6. وقيل يجوز أن يكون المراد أعوذ برب الناس من الوسواس الخناس ~~الذي يوسوس في صدور الناس، ومن الجنة والناس، كأنه استعاذ ربه من ذلك ~~الشيطان الواحد، ثم استعاذ بربه من جميع الجنة، والناس. وقيل المراد ~~بالناس الناسي، وسقطت الياء كسقوطها في قوله # يوم يدعو الداع # القمر 6 ثم بين بالجنة والناس لأن كل فرد من أفراد الفريقين في الغالب ~~مبتلى بالنسيان، وأحسن من هذا أن يكون قوله { والناس } معطوفا على ~~الوسواس، أي من شر الوسواس، ومن شر الناس كأنه أمر أن يستعيذ من شر ~~الجن والإنس. قال الحسن أما شيطان الجن، فيوسوس في صدور الناس، وأما ~~شيطان الإنس، فيأتي علانية. وقال قتادة إن من الجن شياطين، وإن من الإنس ~~شياطين، فنعوذ بالله من شياطين الجن والإنس. وقيل إن إبليس يوسوس في ~~صدور الجن، كما يوسوس في صدور الإنس، وواحد الجنة جني كما أن واحد ~~الإنس إنسي. والقول الأول هو أرجح هذه الأقوال، وإن كان وسوسة الإنس في ~~صدور الناس لا تكون إلا بالمعنى الذي قدمنا، ويكون هذا البيان تذكر ~~الثقلين للإرشاد إلى أن من استعاذ بالله منهما ارتفعت عنه محن الدنيا ~~والآخرة. # وقد أخرج ابن أبي داود عن ابن عباس في قوله { الوسواس الخناس ~~} قال مثل الشيطان كمثل ابن عرس واضع فمه على فم القلب، فيوسوس إليه، فإن ~~ذكر الله خنس، وإن سكت عاد إليه فهو الوسواس الخناس. وأخرج ابن أبي ~~الدنيا في مكايد الشيطان، وأبو يعلى، وابن شاهين، والبيهقي في الشعب عن ~~أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسيه ~~التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس " # وأخرج ms4334 ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { ~~الوسواس الخناس } قال الشيطان جاث على قلب ابن آدم، فإذا سها ~~وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس. وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن ~~المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والضياء في المختارة، والبيهقي عنه ~~قال ما من مولود يولد إلا على قلبه الوسواس، فإذا ذكر الله خنس، وإذا ~~غفل وسوس، فذلك قوله { الوسواس الخناس }. وقد ورد في معنى هذا ~~غيره، وظاهره أن مطلق ذكر الله يطرد الشيطان، وإن لم يكن على طريق ~~الاستعاذة، ولذكر الله سبحانه فوائد جليلة حاصلها الفوز بخيري الدنيا ~~والآخرة. ms4335