######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011437 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: 1250هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1250 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011437 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11437 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11437 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا #META# 041.EdNUMBER :: الطبعة الأولى 1419هـ - 1999م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتاب العربي #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المجلد الأول ### | المقدمة ### | مقدمة سماحة مفتي زحلة والبقاع والغربي الشيخ خليل الميس # ... # مقدمة سماحة مفتي زحلة والبقاع الغربي الشيخ خليل الميس: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد، وعلى آله وصحبه ~~والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. # وبعد: # فيعتبر القرن الخامس عشر الهجري من عصور نهضة العلوم الشرعية، بما في ذلك ~~علم أصول الفقه. حيث توجهت عناية العلماء به في منهجين. # الأول: التصنيف في هذا الفن، بما في ذلك الأطروحات العلمية المقدمة من ~~الباحثين لنيل درجات الماجستير والدكتوراه في الشريعة الإسلامية، وهنا ~~تشوقت النفوس إلى الاستزادة منه، وتعالت النداءات إلى تجديده تحت عنوان ~~"تأصيل الأصول". # الثاني: التوجه نحو تحقيق كتب التراث لتوفير المادة العلمية بين يدي ~~الباحثين، وتسهيل الحصول على تلك الكنوز التي كانت دفينة في خزائن المكتبات ~~العامة والخاصة قرونا طويلة. # وهنا تشوقت النفوس للوقوف على محتويات تلك الذخائر العلمية، بما في ذلك ~~المطبوع منها، وهو أحوج إلى التحقيق العلمي من المخطوط، ومن بين تلك ~~الأسفار العلمية النفيسة كتاب "إرشاد الفحول للإمام الشوكاني". # ولما كان هذا العلم لا تناله إلا أيدي الفحول من العلماء؛ لأنه كما قال ~~الإمام الغزالي: علم ازدوج فيه العقل والنقل، كان من نافلة القول إن ~~الاعتناء بتلك الكتب لا يقوى عليها إلا النخبة من العلماء وأهل التحقيق. ~~حيث لا يكفي أن يعزى القول إلى مصدره، بل لا بد من تعقب المصنف، واقتناص ~~غرر الكلام، ودرر القواعد، والتعليق عليها كلما اقتضى الأمر. # وهنا تبرز غزائم الرجال في إماطة اللثام عن مكنون النص، ومصادره؛ لنشرف ~~على التراث، ولو من خلال كتاب واحد. # كيف لا، والشوكاني هو المبرز في هذا الميدان، وهو الأمين في النقل، ~~والفقيه الأصولي في اختيار الراجح من القول، والمتبحر في تحرير المذاهب، ~~وإنه بحق لنقرأ من خلال إرشاده # PageV01P005 # علم الأصول على اختلاف مناهجه، ومدارسه. # وهنا تتجلى عناية فضلية الباحث المحقق الشيخ أحمد عزو عناية لتحقيق هذا ~~السفر الجليل، وقد اشتق جهده من اسمه، فتوافق الاسم والمسمى، ms001 وكان إخراج ~~هذا الكتاب بحلة جديدة، وباهتمام مميز وكأني به يرشد مرة ثانية القارئ إلى ~~مصادر هذا الكتاب من خلال تحقيقاته، واستدراكاته وتعليقاته فيلبس "إرشاد ~~الفحول" حلة جديدة ستكون بإذن الله تعالى واحدة من مآثر المحقق الفاضل ~~وتكرمة للمصنف الكبير، وقنية المنية لكل قارئ شغوف بهذا العلم من خلال ~~الكتاب المحقق. # والله ولي التوفيق # وكتبه # مفتي زحلة والبقاع الغربي الشيخ خليل الميس # 9/ شوال 1417ه # 16/ شباط 1997م # PageV01P006 ### | مقدمة الدكتور ولي الدين صالح فرفور الدمشقي # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله ملهم الوصول إلى علم الأصول، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ~~البحر الزخار ونور الأنوار ومعدن الأسرار النبي المختار وعلى آله وصحبه ~~الطيبين الأبرار. # اعلم أن الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع السماوية، المنزلة على نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم جامعة بين المعقول والمنقول، مشتملة على أصول ~~وفروع. # وعلم الأصول: من أجل العلوم شرفا وأعظمها قدرا، إذ إنه القطب الذي تدور ~~عليه أحكام الشريعة، يرتقي بالإنسان من أرض التقليد، إلى سماء الاجتهاد، مع ~~ملكة الاستنباط. # وعلم الخلاف: من أهم العلوم، تتجسد فيه عقلية العلماء وفقاهة الفقهاء بما ~~يخدم مصالح الأمة الإسلامية على مر الأزمان، ويكفل سعادتها ورقيها من بين ~~سائر الأمم، تتجلى فيه أسرار الرحمة الإلهية لهذه الأمة المحمدية. ~~فاختلافهم رحمة جامعة، واتفاقهم حجة قاطعة، وإن علماء الشريعة ما زالوا ~~يتوسعون في هذا العلم ومداركه، ويقعدون قواعده، ويبنون مسائله، ويوضحون ~~دلائله، ويخرجون فروعه على أصول صحيحه وكليات صريحة من كتاب وسنة متواترة. # وإذا كان الوحي الظاهر قد انقطع نزوله، فإن الوحي الباطن ما زال نابضا ~~لدى المجتهدين إلى ما شاء الله، له محاكمات في واقعات، وتأثيرات عن ~~انفعالات، عالمه الأمر، ميزانه الفهم، ميزابه الفضل، تكمن فيه العلوم ~~والمعارف، خص الله الشريعة الإسلامية به من بين سائر الشرائع، به يميز ~~المجتهد الصحيح من السقيم، ويعرف الأدلة القطعية والظنية والراجح والمرجوح، ~~وتقيس الأمور بأشباهها ونظائرها قياسا شرعيا صحيحا على ضوابط علمية ~~اجتهادية، حتى يسمو بهذه الشريعة إلى سماء الإرادة معرجا من شمس الوصول إلى ~~مغارب ms002 الأصول على مر الدهور. # وبعد: فإن كتاب إرشاد الفحول لمؤلفه الإمام محمد بن علي بن محمد بن عبد ~~الله الشوكاني، الصنعاني، اليماني، من الكتب المفيدة في هذا المجال، لما ~~احتوى عليه من كثرة النقول وعزو الأقوال إلى قائليها من أئمة هذا العلم. # ولقد سلك مؤلفه مسلك المتكلمين والفقهاء، واعتنى بإيراد القواعد والمسائل ~~الأصولية # PageV01P007 # واختلاف العلماء فيها مبينا دليل كل من غير تقيد بأصول مذهب معين، فهو ~~أشبه ما يكون بأصول الفقه المقارن. # وأخيرا: أشكر القائمين على هذا العمل من محقق وناشر وكل من ساهم في ~~إخراجه بثوب جديد يتماشى مع الزمان. # والله أسأل أن يرحمنا، وأن يتقبل منا أعمالنا، وأن يلهمنا الإخلاص في ~~القول والعمل، إنه خير مسئول، وهو على كل شيء قدير، وآخر دعوانا أن الحمد ~~لله رب العالمين. # كتبه # د. ولي الدين فرفور الدمشقي # حرر في 27/ رمضان /1417ه # 4/ شباط /1997م # PageV01P008 ### | مقدمة التحقيق # الحمد لله مصور النسم في ظلمات الأرحام، مقدر القسم للأنام، مشرع ~~الأحكام، مبين الحلال والحرام، محكم أصول الشريعة المنيعة بالتمام، ومنضج ~~ثمار فروعها المتصلة بكتابه أفضل الإحكام، بسنة نبيه الناسخ كل شريعة ماضية ~~بشريعة الإسلام، عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام. # ونشهد ألا إله إلا الله شهادة راسخة في صميم القلب، تؤمل صاحبها برضى ~~الرب، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي رفع عن الأمة باليسر كل عسير وصعب، ~~عليه وعلى آله وصحبه صلاة وسلاما يدفعان عنا كل كرب. # وبعد: # فلما كان الهدف من وجود الإنسان هو تحقيق العبودية لله عز وجل، وبما أنه ~~سبحانه وتعالى لم يكلنا إلى أنفسنا في تحقيق ذلك، بل أرسل إلينا الرسل، ~~وأيدهم بالوحي الأمين، فلا بد لنا من معرفة وفهم مرامية وأهدافه، وما فيها ~~من التعاليم التي تصلح لنا المعاش والمعاد، فكتاب الله وسنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم هما النبعان الصافيان اللذان تكفلا بسعادة الدنيا ونعيم الآخرة ~~لمن تمسك بهما. # ولكن لما فسدت السليقة، ودخلت العجمة، وأصابت اللسان آفة اللحن، لم يتسن ~~لكل فرد من أفراد هذه الأمة هذا ms003 الفهم، بل اختص بأناس توفرت فيهم شروط ~~وميزات تؤهلم لذلك، فأحاطوا بدقائق علم خاص سموه علم "أصول الفقه"، فلذلك ~~نص العلماء على أن حكم تعلمه فرض كفاية لحاجة الأمة إلى استنباط الأحكام ~~الشرعية للحادثات المتجددة. # وبرعت أقلام العلماء في وصف علم أصول الفقه، فقال الإمام الإسنوي: # هو المعلم الذي يكون المجتهد المبدع، والفقيه المثمر، ويقضي على أكذوبة ~~غلق باب الاجتهاد، ويذهب أسطورة سد طريق الاستنباط، وأنه لا يمكن أن يستغني ~~عنه من أراد أن يتأهل للنظر والاجتهاد أو من يهتم بعلم الفقه والخلاف. # وقال الإمام الغزالي: # هو العلم الذي ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، فأخذ من ~~صفوة # PageV01P009 # الشرع والعقل سواء السبيل، فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع ~~بالقبول، ولا مبني على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد ~~والتسديد. # أول من صنف في هذا الفن: # أول من قعد قواعد علم أصول الفقه، وأصل أصوله هو الإمام محمد بن إدريس ~~الشافعي، المجتهد صاحب المذهب في رسالته التي كتبها لعبد الرحمن بن مهدي. # المصنفات المؤلفة فيه على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه: # كثرت الكتب والتآليف المدونة في هذا العلم فمنها: ### | 1- # "البرهان": للإمام أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني. ### | 2- # "البحر المحيط": للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي. ### | 3- # "المستصفى من علم الأصول": للإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي. ### | 4- # "المحصول": للإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي. # ترجمة المؤلف: # اسمه ونسبه: # هو الإمام محمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن صلاح. # عرف هو ووالده في صنعاء بالشوكاني، وهي نسبة إلى قرية من قرى السحامية ~~تسمى شوكان، بينها وبين صنعاء دون مسافة يوم. # قال في معجم البلدان: شوكان قرية باليمن من ناحية ذمار. # مولده ونشأته: # ولد في يوم الاثنين، الثامن والعشرين من شهر ذي القعدة، سنة ثلاث وسبعين ~~ومائة وألف هجرية، بهجرة شوكان من بلاد خولان باليمن، ونشأ بصنعاء اليمن. # اهتمامه بالعلم: # - اهتم الإمام الشوكاني بالقرآن الكريم: ms004 فقرأه على جماعة من المعلمين، ~~وختمه على الفقيه حسن بن عبد الله الهبل، وجوده على مشايخ القرآن بصنعاء. # - واهتم بعلوم الحديث، فسمع البخاري من أوله إلى آخره، وسمع صحيح مسلم ~~والترمذي، وبعض موطأ الإمام مالك، وبعض شفاء القاضي عياض، وبعض سنن ~~النسائي، وبعض سنن ابن ماجة، وسمع جميع سنن أبي داود وتخريجها للمنذري، ~~وكذلك سمع بعض فتح # PageV01P010 # الباري، وبعض شرح مسلم للنووي، وسمع شرح بلوغ المرام وغيرها من علوم ~~الحديث. # - واهتم بعلوم العربية، فحفظ الكافية والشافية لابن الحاجب، وقرأ بعض ~~شروح الكافية كشرح الرضي، وشرح الخبيصي، وقرأ بعض شروح الشافية أيضا. # - واهتم بعلم الأصول فبرع فيه وألف وصنف، فمن مصنفاته الكتاب الذي بين ~~أيدينا. # - واهتم بعلوم أخرى كثيرة، منها علم الفقه، حتى إنه ترك التقليد واجتهد ~~رأيه اجتهادا مطلقا غير مقيد، وهو قبل الثلاثين من عمره، وولي القضاء ~~والإفتاء في صنعاء اليمن. # - شيوخه: # من شيوخه: ### | 1- # والده علي بن محمد الشوكاني. ### | 2- # الفقيه حسن بن عبد الله الهبل. ### | 3- # العلامة عبد الرحمن بن قاسم المداني. ### | 4- # العلامة أحمد بن عامر الحدائي. ### | 5- # العلامة أحمد بن محمد الحرازي، وقرأ عليه شرح الأزهار. ### | 6- # العلامة إسماعيل بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن الإمام القاسم بن محمد، ~~وقرأ عليه الملحة في النحو وشرحها. ### | 7- # العلامة القاسم بن يحيى الخولاني، وقرأ عليه شرح الغاية. ### | 8- # العلامة الحسن بن إسماعيل المغربي، وقرأ عليه التنقيح في علوم الحديث. ### | 9- # العلامة عبد الله بن إسماعيل النهمي، وقرأ عليه إيساغوجي للقاضي زكريا. ### | 10- # العلامة هادي بن حسين القارني، وقرأ عليه شرح الجزرية. # نشره للعلم: # استغرق الإمام الشوكاني جميع وقته في درس العلم وتحصيله، ونشره وتعليمه ~~للناس، حتى بلغت دروسه في اليوم والليلة ثلاثة عشر درسا، منها ما يأخذه عن ~~مشايخه، ومنها ما يأخذه عنه تلامذته، واستمر على ذلك مدة، حتى لم يبق عند ~~أحد من شيوخه ما لم يكن من جملة ما قرأه الإمام، ثم إنه بعد ذلك فرغ نفسه ~~لإفادة الطلبة، فكانوا يأخذون عنه في كل يوم زيادة على عشرة دورس في فنون ~~متعددة، منها التفسير ms005 والحديث والأصول، والنحو، والصرف، والمعاني، والبيان، ~~والمنطق، والفقه، والجدل، والعروض. # PageV01P011 # مؤلفاته: # حكى الزركلي في الأعلام، أن مؤلفات الإمام الشوكاني بلغت أربعة عشر ومائة ~~مؤلف، منها: ### | 1- # نيل الأوطار في شرح المنتقى من الأخبار. وهو مطبوع في ثمانية مجلدات. ### | 2- # حاشية شفاء الأوام واسمها "وبل الغمام على شفاء الأوام". ### | 3- # الدرر البهية في المسائل الفقهية. ### | 4- # البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، وهو مطبوع. ### | 5- # فتح القدير في علم التفسير، وهو مطبوع. ### | 6- # السير الجرار على حدائق الأزهار. وهو مطبوع. ### | 7- # الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، وهو مطبوع. # وفاته: # توفي سنة ألف ومائتين وخمسين ه رحمه الله تعالى عن سبعة وسبعين عاما1. # منهج التحقيق: # سرت في تحقيق هذا الكتاب على النحو التالي: ### | 1- # وضعت مقدمة تشتمل على: # أ- مقدمة التحقيق، ب- ترجمة للمؤلف. ### | 2- # قمت بمقابلة الكتاب على نسخة قديمة الطباعة ورمزت له ب "أ"، حيث اعتمدت ~~في ضبط النص على نشرة الدكتور شعبان محمد إسماعيل، ورمزت لها بالحرف "ب" ~~وذلك بعد أن عجزت عن الحصول على مخطوط للكتاب، إذ إنني أرسلت إلى مكتبة ~~الجامع الكبير في صنعاء PageV01P012 # اليمن، وطلبت الحصول على مخطوطة أصلية للكتاب، بعد أن علمت بوجودها هناك، ~~ولم يكن لنا نصيب بالحصول عليها. ### | 3- # قمت بتخريج الآيات القرآنية بردها إلى سورها، ووضع أرقامها، وجعلتها بين ~~قوسين مزهرين. {} . ### | 4- # قمت بتخريج الأحاديث النبوية والآثار، وجعلتها بين قوسين صغيرين " " ~~ورقمتها بأرقام مسلسلة موضوعة بين معكوفتين [] وذلك في التعليق. ### | 5- # ترجمة الأعلام الواردة أسماؤهم من غير الصحابة المعروفين. ### | 6- # عرفت بالكتب الواردة أسماؤها، ونسبتها إلى مؤلفيها. ### | 7- # شرحت غريب الألفاظ، وضبطتها. ### | 8- # وضعت علامات الترقيم في الكتاب. ### | 9- # علقت على بعض النقاط الغامضة بما يوضحها ويزيل غموضها. ### | 10- # وضعت عناوين لبعض فصول الكتاب، وجعلتها بين قوسين كبيرين " ". ### | 11- # قمت بتخريج الأبيات الشعرية ببيان بحرها ونسبتها إلى ناظميها. ### | 12- # وضعت ترجمة للفرق المذكورة في الكتاب. ### | 13- # وضعت للكتاب فهارس على النحو التالي: # أ- فهرس الآيات القرآنية. # ب- فهرس الأحاديث النبوية. # ج- فهرس الأعلام. # د- فهرس الفرق والمذاهب. # ه- فهرس الأماكن والبلدان. # و فهرس الأبيات الشعرية. # ز- فهرس الكتب الوارد ذكرها في المتن. # ح- فهرس مراجع التحقيق. # ط- فهرس الموضوعات. # PageV01P013 # وفي الختام: ms006 # وحيث إنني أتوجه بالشكر والثناء لإرادة "دار الكتاب العربي" حيث انتدبتني ~~لهذا العمل، أقول: إلى كل من يقرأ هذا الكتاب، أو يطلع على نقص أو خلل في ~~العمل بتحقيقه، إنني لم أدع العصمة، ولا الكمال في عملي، فإن العصمة ~~للأنياء، والكمال لله وحده، ولكنني أرجو ممن وجد خطأ في العمل أن يرسل به ~~إلي، وأنا له من الشاكرين، سائلا المولى تبارك وتعالى أن يحفظ ألسنتنا ~~وأقلامنا من الزلل، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، والحمد لله رب ~~العالمين. # المحقق: أحمد عزو عناية # دمشق - كفر بطنا # PageV01P014 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة المؤلف # إياك نعبد وإياك نستعين، يا من هو "المحمود"* المشكور على الحقيقة، إذ لا ~~منعم سواه، وكل نفع يجري على يد غيره فهو الذي أجراه، وكل خير يصل إلى بعض ~~مخلوقاته من بعض فهو الذي قدره وقضاه. # فأحمده حمدا يرضاه، وأشكره شكرا يقابل نعماه، وإن كانت غير محصاة، ~~امتثالا لأمره، لا قياما بحق شكره، فإن لساني وجناني1 وأركاني2 لا تقوم ~~بشكر أقل نعمة من نعمه العظمية، ولا تؤدي بعض البعض مما يجب علي من شكر ~~أياديه الجسيمة3. # والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، محمد المبعوث إلى الأحمر من العباد ~~والأسود صلاة وسلاما يتجددان بتجدد الأوقات، ويتكرران بتكرر الآنات4، وعلى ~~آله الأبرار وصحابته الأخيار. # وبعد: فإن علم "أصول الفقه" لما كان هو العلم الذي يأوي إليه الأعلام، ~~والملجأ الذي يلجأ إليه عند تحرير المسائل، وتقرير الدلائل، في غالب ~~الأحكام، وكانت مسائله المقررة، وقواعده المحررة، تؤخذ مسلمة عند كثير من ~~الناظرين، كما نراه في مباحث الباحثين وتصانيف المصنفين، فإن أحدهم إذا ~~استشهد لما قاله بكلمة من كلام أهل الأصول، أذعن له المنازعون، وإن كانوا ~~من الفحول، لاعتقادهم أن مسائل هذا الفن، قواعد مؤسسة على الحق، الحقيق ~~بالقبول، مربوطة بأدلة علمية من المعقول والمنقول، تقصير عن القدح في شيء ~~منها أيدي PageV01P015 # الفحول، وإن تبالغت في الطول، وبهذه الوسيلة صار كثير من أهل العلم واقعا ~~في الرأي، رافعا له أعظم راية، وهو يظن أنه ms007 لم يعمل بغير علم الرواية، ~~حملني ذلك بعد سؤال جماعة لي من أهل العلم على هذا التصنيف، في هذا العلم ~~الشريف، قاصدا به إيضاح راجحه، من مرجوحه، وبيان سقيمه من صحيحه، موضحا لما ~~يصلح منه للرد إليه، وما لا يصلح للتعويل عليه، ليكون العالم على بصيرة في ~~علمه يتضح له بها الصواب، ولا يبقى بينه وبين درك الحق الحقيق بالقبول ~~الحجاب. # فاعلم يا طالب الحق، أن هذا كتاب تنشرح له صدور "المنصفين"*، ويعظم قدره ~~بما اشتمل عليه من الفوائد الفرائد، في صدور قوم مؤمنين، ولا يعرف ما اشتمل ~~عليه من المعارف الحقة إلا من كان من المحققين. # ولم أذكر فيه من المبادئ التي يذكرها المصنفون في هذا الفن إلا ما كان ~~لذكره، مزيد فائدة، يتعلق به تعلقا تاما، وينتفع به فيه انتفاعا زائدا. # وأما المقاصد: فقد كشفت لك عنها الحجاب، كشفا يتميز به الخطأ من الصواب، ~~بعد أن كانت مستورة عن أعين الناظرين بأكثف جلباب، وإن هذا لهو أعظم فائدة ~~يتنافس فيها المتنافسون من الطلاب؛ لأن تحرير ما هو الحق هو غاية الطلبات، ~~ونهاية الرغبات، لا سيما في مثل هذا الفن الذي رجع كثير من المجتهدين ~~بالرجوع إليه إلى التقليد، من حيث لا يشعرون، ووقع غالب المتمسكين بالأدلة ~~بسببه في الرأي البحت وهم لا يعلمون، وسميته: "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق ~~من علم الأصول". # ورتبته على مقدمة، وسبعة مقاصد، وخاتمة. # أما المقدمة فهي "مشتملة"** على فصول أربعة: PageV01P016 ### | ### | مدخل # إلى علم الأصول ### | الفصل الأول في تعريف أصول الفقه وموضوعه وفائدته واستمداده # مدخل # ... # الفصل الأول: في تعريف أصول الفقه وموضوعه، وفائدته، واستمداده: # اعلم أن لهذا اللفظ اعتبارين: # أحدهما باعتبار الإضافة والآخر باعتبار العلمية. # أما الاعتبار الأول فيحتاج إلى تعريف المضاف، وهو الأصول، والمضاف إليه ~~وهو الفقه؛ لأن تعريف المركب1 يتوقف على تعريف مفرداته، ضرورة توقف معرفة ~~الكل على معرفة أجزائه، ويحتاج أيضا إلى تعريف الإضافة؛ لأنها بمنزلة الجزء ~~الصوري. # أما المضاف فالأصول: جمع أصل، وهو في اللغة ما ينبني عليه غيره. # وفي ms008 الاصطلاح: يقال على الراجح، والمستصحب، والقاعدة الكلية والدليل. # والأوفق بالمقام الرابع. # وقد قيل: إن النقل عن المعنى اللغوي هنا خلاف الأصل، ولا ضرورة هنا تلجئ ~~إليه؛ لأن الانبناء العقلي كانبناء الحكم على دليله يندرج تحت مطلق ~~الانبناء؛ لأنه يشمل الانبناء الحسي، كانبناء الجدار على أساسه، والانبناء ~~العقلي كانبناء الحكم على دليله. # ولما كان مضافا إلى الفقه هنا وهو معنى عقلي دل على أن المراد الانبناء ~~العقلي. # وأما المضاف إليه وهو الفقه فهو في اللغة الفهم2. # وفي الاصطلاح: العلم بالأحكام الشرعية، عن أدلته التفصيلية بالاستدلال. ~~PageV01P017 # وقيل: التصديق بأعمال المكلفين، التي تقصد لا لاعتقاد. # وقيل: معرفة النفس مالها وما عليها عملا. # وقيل: اعتقاد الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية. # وقيل: هو جملة من العلوم "بأحكام شرعية يستدل على أعيانها"* يعلم باضطرار ~~أنها من الدين. # وقد اعترض على كل واحد من هذه التعريفات باعتراضات، والأول أولاها إن حمل ~~العلم فيه على ما يشمل الظن؛ لأن غالب علم الفقه ظنون. وأما الإضافة ~~فمعناها اختصاص المضاف بالمضاف إليه، باعتبار مفهوم المضاف إليه. # فأصول الفقه ما "يختص"** بالفقه، من حيث كونه مبنيا عليه ومستندا إليه. # وأما الاعتبار الثاني: فهو إدراك القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط ~~الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية. # وقيل: هو العلم بالقواعد ... إلخ. # وقيل: هو نفس القواعد الموصلة بذاتها إلى استنباط الأحكام ... إلخ. # وقيل: هو طرق الفقه "على وجه الإجمال وكيفية الاستدلال بها، وما يتبع ~~الكيفية"***. # وفيه: أن ذكر الأدلة التفصيلية تصريح باللازم المفهوم ضمنا؛ لأن المراد ~~استنباط الأحكام تفصيلا، وهو لا يكون إلا عن أدلتها تفصيلا، ويزاد عليه: # على وجه التحقيق لإخراج علم الخلاف1، والجدل2، فإنهما وإن اشتملا على ~~القواعد الموصلة إلى مسائل الفقه، لكن لا على وجه التحقيق، بل الغرض منها ~~إلزام الخصم. # ولما كان العلم مأخوذا على أصول الفقه عند البعض، حسن ههنا أن نذكر تعريف ~~مطلق العلم: PageV01P018 # وقد اختلفت الأنظار في ذلك اختلافا كثيرا، حتى قال جماعة "منهم"* ~~الرازي1: بأن مطلق العلم ضروري، فيتعذر تعريفه، واستدلوا بما ليس ms009 فيه شيء ~~من الدلالة، ويكفي في دفع ما قالوه ما هو معلوم بالوجدان لكل عاقل، أن ~~العلم ينقسم إلى ضروري2، ومكتسب3. # وقال قوم منهم الجويني4: # إنه نظري، ولكنه يعسر تحديده5، ولا طريق إلى معرفته إلا القسمة والمثال، ~~فيقال مثلا: الاعتقاد إما جازم، أو غير جازم، والجازم إما مطابق أو غير ~~مطابق، والمطابق إما ثابت، أو غير ثابت فخرج من هذه القسمة اعتقاد جازم ~~مطابق ثابت وهو العلم. # وأجيب عن هذا بأن القسمة والمثال إن أفاد تمييزا لماهية العلم عما عداها، ~~صلحا للتعريف لها فلا يعسر، وإن لم يفيدا تمييزا لم يصلح بهما معرفة ماهية ~~العلم. # وقال الجمهور: إنه نظري، "لا"** يعسر تحديده، ثم ذكروا له حدودا. # فمنهم من قال: هو اعتقاد الشيء على ما هو به عن ضرورة أو دليل. # وفيه: أن الاعتقاد المذكور يعم الجازم وغير الجازم، وعلى تقدير تقييده ~~بالجازم يخرج عنه العلم بالمستحيل، فإنه ليس بشيء اتفاقا. # ومنهم من قال: هو معرفة المعلوم على ما هو به # وفيه: أنه يخرج عن ذلك علم الله عز وجل؛ إذ لا يسمى معرفة. PageV01P019 # ومنهم من قال: هو الذي يوجب كون من قام به عالما أو يوجب لمن قام به اسم ~~العالم. # وفيه: أن يستلزم الدور1 لأخذ العالم في تعريف العلم. # ومنهم من قال: هو ما يصح ممن قام به إتقان الفعل. # وفيه: أن في المعلومات ما لا يقدر العالم على إتقانه، كالمستحيل. # ومنهم من قال: هو اعتقاد جازم مطابق. # وفيه: أنه يخرج عنه التصورات وهي علم. # ومنهم من قال: هو حصول صورة الشيء في العقل، أو الصورة الحاصلة عند ~~العقل. # وفيه: أنه يتناول الظن، والشك والوهم2، والجهل المركب3. # وقد جعل بعضهم هذا حدا للعلم بالمعنى الأعم، الشامل للأمور المذكورة. # وفيه: أن إطلاق اسم العلم على الشك، والوهم والجهل المركب، يخالف مفهوم ~~العلم لغة واصطلاحا. # ومنهم من قال: هو حكم لا يحتمل طرفاه -أي: المحكوم عليه، وبه- نقيضه. # وفيه: أنه يخرج عنه التصور وهو علم. # ومنهم من قال: هو صفة توجب تمييزا ms010 لمحلها لا يحتمل النقيض بوجه. # وفيه: أن العلوم المستندة إلى العادة تحتمل النقيض، لإمكان خرق العادة ~~بالقدرة الإلهية. # ومنهم من قال: هو صفة يتجلى به المدرك للمدرك. # وفيه: أن الإدراك مجاز عن العلم فيلزم تعريف الشيء بنفسه، مع كون المجاز ~~مهجورا في التعريفات، ودعوى اشتهاره في المعنى الأعم الذي هو جنس الأخص غير ~~مسلمة. # ومنهم من قال: هو صفة يتجلى بها المذكور لمن قامت هي به. PageV01P020 # قال المحقق الشريف1: وهذا أحسن ما قيل في الكشف عن ماهية العلم؛ لأن ~~المذكور يتناول الموجود، والمعدوم، والممكن، والمستحيل، بلا خلاف، ويتناول ~~المفرد، والمركب، والكلي، والجزئي، والتجلي هو الانكشاف التام، فالمعنى أنه ~~صفة ينكشف بها لمن قامت به ما من شأنه أن يذكر، انكشافا تاما لا اشتباه ~~فيه. # فيخرج عن الحد الظن، والجهل المركب، واعتقاد المقلد المصيب أيضا لأنه في ~~الحقيقة عقدة على القلب، فليس فيه انكشاف تام، وانشراح ينحل به العقدة ~~انتهى. # وفيه: أنه يخرج عنه إدراك الحواس، فإنه لا مدخلية للمذكور فيه، إن أريد ~~به الذكر اللساني، كما هو الظاهر، وإن أريد به ما يتناول الذكر بكسر الذال، ~~والذكر بضمها، فإما أن يكون من الجمع بين "معنيي"* المشترك، أو من الجمع ~~بين الحقيقة والمجاز، وكلاهما مهجور في التعريفات. # هذا جملة ما قيل في تعريف العلم، وقد عرفت ما ورد على كل واحد منها. # والأولى عندي أن يقال في تحديده: هو صفة ينكشف بها المطلوب، انكشافا ~~تاما، وهذا لا يرد عليه شيء مما تقدم فتدبر. # وإذا عرفت ما قيل في "حد العلم"** فاعلم أن مطلق التعريف للشيء قد يكون ~~حقيقيا، وقد يكون اسميا، فالحقيقي تعريف الماهيات الحقيقية، والاسمي تعريف ~~الماهيات الاعتبارية. # وبيانه أن ما يتعقله الواضع ليضع بإزائه اسما إما أن يكون له ماهية ~~حقيقية أو لا، وعلى الأول إما أن يكون متعقله نفس حقيقة ذلك الشيء، أو ~~وجوها واعتبارات منه، فتعريف الماهية الحقيقية بمسمى الاسم من حيث إنها ~~ماهية حقيقية تعريف حقيقي، يفيد تصور الماهية في الذهن بالذاتيات، كلها أو ~~بعضها، أو ms011 بالعرضيات، أو "بالمركب"*** منهما، وتعريف مفهوم الاسم وما تعقله ~~الواضع. فوضع الاسم بإزائه تعريف اسمي، يفيد تبيين ما وضع الاسم بإزائه ~~بلفظ أشهر. # فتعريف المعدومات لا يكون إلا اسميا؛ إذ لا حقائق لها بل لها مفهومات ~~فقط، وتعريف PageV01P021 # الموجودات قد يكون اسميا. وقد يكون حقيقيا؛ إذ لها مفهومات وحقائق، ~~والشرط في كل واحد منهما الاطراد والانعكاس، فالاطراد: هو أنه كلما وجد ~~الحد وجد المحدود، فلا يدخل فيه شيء ليس من أفراد المحدود؛ فهو بمعنى طرد ~~الأغيار فيكون مانعا، والانعكاس: هو أنه كلما وجد المحدود وجد الحد؛ فلا ~~يخرج عنه شيء من أفراده فهو بمعنى جمع الأفراد، فيكون جامعا. # ثم العلم بالضرورة ينقسم إلى ضروري ونظري: # فالضروري: ما لا يحتاج في تحصيله إلى نظر. # والنظري: ما يحتاج إليه. # والنظر: هو الفكر المطلوب به علم أو ظن. # وقيل: هو ملاحظة المعقول لتحصيل المجهول. # وقيل: هو حركة النفس من المطالب التصورية، أو التصديقية، طالبة للمبادئ، ~~وهي المعلومات التصورية، أو التصديقية، باستعراض صورها صورة صورة. # وكل واحد من الضروري والنظري ينقسم إلى قسمين تصور1 وتصديق2، والكلام ~~فيهما مبسوط في علم المنطق. # والدليل ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري. # وقيل: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بالغير. # وقيل: ما يلزم من العلم به العلم بشيء آخر. # وقيل: هو ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى مجهول. # والأمارة هي التي يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيها إلى الظن. # والظن تجويز راجح. # والوهم تجويز مرجوح. # والشك تردد الذهن بين الطرفين. # فالظن فيه حكم لحصول الراجحية، ولا يقدح فيه احتماله للنقيض المرجوح. # والوهم لا حكم فيه، لاستحالة الحكم بالنقيضين؛ لأن النقيض الذي هو متعلق ~~الظن قد PageV01P022 # حكم به، فلو حكم بنقيضه المرجوح -وهو متعلق الوهم- لزم الحكم بهما جميعا. # والشك لا حكم فيه بواحد من الطرفين، لتساوي الوقوع واللاوقوع في نظر ~~العقل، فلو حكم بواحد منهما -لزم الترجيح بلا مرجح، ولو حكم بهما جميعا- ~~لزم الحكم بالنقيضين. # والاعتقاد في الاصطلاح: هو المعنى الموجب لمن اختص به كونه ms012 جازما بصورة ~~مجردة، أو بثبوت أمر أو نفيه. # وقيل: هو الجزم بالشيء من دون سكون نفس، ويقال على التصديق، سواء كان ~~جازما، أو غير جازم، مطابقا أو غير مطابق، ثابتا أو غير ثابت، فيندرج تحته ~~الجهل المركب؛ لأنه حكم غير مطابق، والتقليد لأنه جزم بثبوت أمر أو نفيه، ~~لمجرد قول الغير. # وأما الجهل البسيط: فهو مقابل للعلم والاعتقاد، مقابلة العدم للملكة؛ ~~لأنه عدم العلم، والاعتقاد عما من شأنه أن يكون عالما أو معتقدا. # PageV01P023 ### | موضوع علم أصول الفقه: # وأما موضوع علم أصول الفقه: فاعلم أن موضوع العلم ما يبحث فيه من أعراضه ~~الذاتية. والمراد بالعرض هنا المحمول على الشيء الخارج عنه. وإنما يقال له ~~إنما يقال له العرض الذاتي؛ لأنه يلحق الشيء لذاته، كالإدراك للإنسان، أو ~~بواسطة أمر يساويه كالضحك للإنسان بواسطة تعجبه، أو بواسطة أمر أعم منه ~~داخل فيه كالتحرك للإنسان بواسطة كونه حيوانا. # والمراد بالبحث عن الأعراض الذاتية: حملها على موضع العلم، كقولنا: ~~الكتاب يثبت به الحكم، أو على أنواعه، كقولنا: الأمر يفيد الوجوب، أو على ~~أعراضه الذاتية، كقولنا: النص يدل على مدلوله دلالة قطعية، أو على أنواع ~~أعراضه الذاتية، كقولنا: العام الذي خص منه البعض، يدل على بقية أفراده ~~دلالة ظنية. # وجميع مباحث أصول الفقه راجعة إلى إثبات أعراض ذاتية للأدلة والأحكام، من ~~حيث إثبات الأدلة للأحكام، وثبوت الأحكام بالأدلة، بمعنى أن جميع مسائل هذا ~~الفن هو الإثبات، والثبوت. # وقيل: موضوع علم أصول الفقه هو الدليل السمعي الكلي فقط، من حيث إنه يوصل ~~العلم بأحواله إلى قدرة إثبات الأحكام لأفعال المكلفين، أخذا من شخصياته1. # والمراد بالأحوال ما يرجع إلى الإثبات، وهو ذاتي للدليل والأول أولى. ~~PageV01P023 ### | فائدة علم أصول الفقه وثمرته # وأما فائدة هذا العلم: فهي العلم بأحكام الله سبحانه أو الظن بها. # ولما كانت هذه الغاية بهذه المنزلة من الشرف، كان علم طالبه بها ووقوفه ~~عليها مقتضيا لمزيد عنايته به، وتوفر رغبته فيه؛ لأنها سبب الفوز بسعادة ~~الدارين. # PageV01P024 ### | استمداد علم أصول الفقه # وأما استمداده فمن ثلاثة أشياء: # الأول: ms013 علم الكلام1، لتوقف الأدلة الشرعية على معرفة الباري سبحانه، وصدق ~~المبلغ، وهما مبنيان فيه، مقررة أدلتهما من مباحثه. # الثاني: اللغة العربية؛ لأن فهم الكتاب والسنة، والاستدلال بهما متوقفان ~~عليها، إذ هما عربيان. # الثالث: الأحكام الشرعية من حيث تصورها؛ لأن المقصود إثباتها أو نفيها، ~~كقولنا: الأمر للوجوب، والنهي للتحري، والصلاة واجبة، والربا حرام2. # وجه ذكرنا لما اشتمل عليه هذا الفضل أن يوجب زيادة بصيرة لطالب هذا العلم ~~كما لا يخفى على ذي فهم. PageV01P024 ### | الفصل الثاني في الأحكام ### | مدخل # ... # الفصل الثاني: في الأحكام # وإنما قدمنا الكلام في الأحكام على الكلام في اللغات؛ لأنه يتعلق ~~بالأحكام مسائل من مهمات علم الكلام، سنذكرها ههنا إن شاء الله تعالى. # وفيه أربعة أبحاث: ### | 1- # البحث الأول في الحكم. ### | 2- # الثاني في الحاكم. ### | 3- # الثالث في المحكوم به. ### | 4- # الرابع في المحكوم عليه. # PageV01P025 ### | المبحث الأول في الحكم # ... # أما البحث الأول في الحكم: # فاعلم أن الحكم هو: الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء1 أو ~~التخيير أو الوضع، فيتناول اقتضاء الوجود، واقتضاء العدم، إما مع الجزم، أو ~~مع جواز الترك، فيدخل في هذا الواجب والمحظور، والمندوب، والمكروه، وأما ~~التخيير فهو الإباحة. # وأما الوضع: فهو السبب، والشرط، والمانع. # فالأحكام التكليفية خمسة؛ لأن الخطاب إما أن يكون جازما، أو لا يكون ~~جازما، فإن كان جازما فإما أن يكون طلب الفعل، وهو الإيجاب، أو طلب الترك، ~~وهو التحريم. # وإن كان غير جازم، فالطرفان إما أن يكونا على السوية، وهو الإباحة، أو ~~يترجح جانب الوجود، وهو الندب، أو يترجح جانب الترك، وهو الكراهة، فكانت ~~الأحكام ثمانية، خمسة تكليفية وثلاثة وضعية. PageV01P025 # وتسمية الخمسة تكليفية تغليب؛ إذ لا تكليف في الإباحة بل ولا في الندب، ~~والكراهة التنزيهية عند الجمهور. # وسميت الثلاثة وضعية؛ لأن الشارع وضعها علامات لأحكام تكليفية، وجودا ~~وانتفاء. # فالواجب في الاصطلاح: ما يمدح فاعله، ويذم تاركه، على بعض الوجوه فلا يرد ~~النقض بالواجب المخير، وبالواجب على الكفاية، فإنه لا يذم في الأول، إذا ~~تركه مع الآخر، ولا يذم في الثاني إلا إذا لم يقم به غيره. # وينقسم إلى ms014 معين ومخير، ومضيق، وموسع، وعلى الأعيان، وعلى الكفاية. # ويرادفه الفرض عند الجمهور1، وقيل: الفرض ما كان دليله قطعيا، والواجب ما ~~كان دليله ظنيا والأول أولى؟ # والمحظور: ما يذم فاعله ويمدح تاركه، ويقال: له المحرم، والمعصية، ~~والذنب، والمزجور عنه، والمتوعد عليه، والقبيح. # والمندوب: ما يمدح فاعله، ولا يذم تاركه. # وقيل: هو الذي يكون فعله راجحا في نظر الشرع، ويقال له: مرغب فيه، ~~ومستحب، ونفل، وتطوع، وإحسان، وسنة. # وقيل: إنه لا يقال له سنة، إلا إذا داوم عليه الشارع، كالوتر، ورواتب ~~الفرائض. # والمكروه: ما يمدح تاركه، ولا يذم فاعله. # ويقال بالاشتراك على أمور ثلاثة: على ما نهي عنه نهي تنزيه، وهو الذي ~~أشعر فاعله أن تركه خير من فعله، وعلى ترك الأولى، كترك صلاة الضحى، وعلى ~~المحظور المتقدم. # والمباح: ما لا يمدح على فعله، ولا على تركه. # والمعنى: أنه أعلم فاعله أنه لا ضرر عليه، في فعله وتركه، وقد يطلق على ~~ما لا ضرر على فاعله، وإن كان تركه محظورا، كما يقال: دم المرتد مباح، أي: ~~لا ضرر على من أراقه، ويقال للمباح: الحلال، والجائز، والمطلق. PageV01P026 # والسبب: هو جعل وصف ظاهر منضبط مناطا1 لوجود حكم، أي: يستلزم وجوده ~~وجوده. # وبيانه: أن الله سبحانه في الزاني مثلا حكمين: أحدهما تكليفي، وهو وجوب ~~الحد عليه، والثاني وضعي، وهو جعل الزنا سببا لوجوب الحد؛ لأن الزنا لا ~~يوجب الحد بعينه وذاته، بل بجعل الشرع. # وينقسم السبب بالاستقراء إلى الوقتية، كزوال الشمس، لوجوب الصلاة، ~~والمعنوية كالإسكار للتحريم وكالملك للضمان، والمعصية للعقوبة. # والشرط: هو الحكم على الوصف بكونه شرطا للحكم. # وحقيقة الشرط: هو ما كان عدمه يستلزم عدم الحكم، فهو وصف ظاهر منضبط، ~~يستلزم ذلك، أو يستلزم عدم السبب، لحكمة في عدمه، تنافي حكمة الحكم أو ~~السبب. # وبيانه: أن الحول شرط في وجوب الزكاة، فعدمه يستلزم عدم وجوبها، والقدرة ~~على التسليم شرط في صحة البيع، فعدمها يستلزم عدم صحته، والإحصان شرط في ~~سببية الزنا للرجم، فعدمه يستلزم عدمها. # والمانع: هو وصف ظاهر منضبط، يستلزم وجوده حكمة، تستلزم ms015 عدم الحكم، أو ~~عدم السبب، كوجود الأبوة، فإنه يستلزم عدم ثبوت الاقتصاص للابن من الأب؛ ~~لأن كون الأب سببا لوجود الابن، يقتضي أن لا يصير الابن سببا لعدمه. # وفي هذا المثال الذي أطبق عليه جمهور أهل الأصول نظر؛ لأن السبب المقتضي ~~للقصاص هو فعله، لا وجود الابن ولا عدمه، ولا يصح أن يكون ذلك حكمة مانعة ~~للقصاص، ولكنه ورد الشرع بعدم ثبوت القصاص لفرع من أصل. # والأولى أن يمثل لذلك بوجود النجاسة المجمع عليها في بدن المصلي، أو ثوبه ~~فإنه سبب لعدم صحة الصلاة، عند من يجعل الطهارة شرطا، فههنا قد عدم شرط وهو ~~الطهارة، ووجد مانع وهو النجاسة، لا عند من يجعلها واجبة فقط. # وأما المانع الذي يقتضي وجوده حكمة تخل بحكمة السبب، فكالدين في الزكاة، ~~فإن حكمة السبب -وهو الغنى- مواساة الفقراء من فضل ماله، ولم يدع الدين في ~~المال فضلا يواسى به، هذا على قول من قال أن الدين مانع. PageV01P027 ### | المبحث الثاني في الحاكم # ... # البحث الثاني: في الحاكم # اعلم أنه لا خلاف في كون الحاكم الشرع بعد البعثة، وبلوغ الدعوة. # وأما قبل ذلك: فقالت الأشعرية1: لا يتعلق له سبحانه حكم بأفعال المكلفين، ~~فلا يحرم كفر ولا يجب إيمان. # وقالت المعتزلة2: إنه يتعلق له تعالى حكم بما أدرك العقل فيه صفة حسن، أو ~~قبح لذاته، أو لصفته، أو لوجوه واعتبارات على اختلاف بينهم في ذلك. # قالوا: والشرع كاشف عما أدركه العقل قبل وروده. # وقد اتفق الأشعرية والمعتزلة على أن العقل يدرك الحسن والقبح في شيئين: # الأول: ملاءمة الغرض للطبع ومنافرته له، فالموافق حسن عند العقل، ~~والمنافر قبيح عنده. # الثاني: صفة الكمال والنقص، فصفات الكمال حسنة عند العقل، وصفات النقص ~~قبيحة عنده. # ومحل النزاع بينهم -كما أطبق عليه جمهور المتأخرين، وإن كان مخالفا لما ~~كان عند كثير من المتقدمين- هو كون الفعل متعلق المدح، والثواب، والذم، ~~والعقاب، آجلا وعاجلا. # فعند الأشعرية ومن وافقهم: أن ذلك لا يثبت إلا بالشرع، وعند المعتزلة ومن ~~وافقهم: أن ذلك ليس لكون الفعل واقعا على وجه ms016 مخصوص، لأجله يستحق فاعله ~~الذم. # قالوا: وذلك الوجه قيد يستقل العقل بإدراكه، وقد لا يستقل. # أما الأول: فالعقل يعلم بالضرورة حسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار، ~~ويعلم نظرا حسن الصدق الضار، وقبح الكذب النافع. # وأما الثاني: فكحسن صوم آخر يوم من رمضان، وقبح صوم الذي بعده، فإن العقل ~~لا طريق له إلى العلم بذلك، لكن الشرع لما ورد علمنا الحسن والقبح فيهما. ~~PageV01P028 # وأجيب: بأن دخول هذه القبائح في الوجود. إما أن يكون على سبيل الاضطرار، ~~أو على سبيل الاتفاق، وعلى التقديرين فالقول بالقبح باطل. # بيان الأول: أن فاعل القبيح. إما أن يكون متمكنا من الترك أو لا يكون فإن ~~لم يتمكن من الترك فقد ثبت الاضطرار، وإن تمكن من الترك. فإما يتوقف رجحان ~~الفاعلية على التاركية، على مرجح أو لا يتوقف، إن لم يتوقف فاتفاقي، لا ~~اختياري، لعدم الإرادة، وإن توقف، فذلك المرجح إما أن يكون من العبد أو من ~~غيره، أو لا منه ولا من غيره، فالأول محال؛ لأن الكلام فيه كما في الأول، ~~فيلزم التسلسل1، وهو محال، والثاني يقال فيه: إن عند حصول ذلك المرجح إما ~~أن يجب "وقوع"*، الأثر أو لا، فإن وجب فقد ثبت الاضطرار؛ لأن قبل وجود هذا ~~المرجح كان الفعل ممتنع الوقوع، وعند وجوده صار واجب الوقوع، وليس وقوع هذا ~~المرجح بالعبد ألبتة، فلم يكن للعبد تمكن في شيء من الفعل والترك، ولا معنى ~~للاضطرار إلا ذلك، وإن لم يجب حصول هذا المرجح لا يمتنع وجود الفعل تارة، ~~وعدمه أخرى، فترجيح جانب الوجود على جانب العدم، إما أن يتوقف على انضمام ~~مرجح إليه أو لا يتوقف، إن توقف لم يكن الحاصل قبل ذلك مرجحا تاما، وقد ~~فرضناه مرجحا تاما هذا خلف، وإن لم يتوقف فلا ترجيح ألبتة وإلا لعاد القسم ~~الأول. # وإن كان حصول ذلك المرجح لا من العبد ولا من غير العبد، فحينئذ يكون ~~واقعا لا لمؤثر فيكون اتفاقيا. # ورد هذا الجواب: بأن القادر يرجح الفاعلية على التاركية من غير مرجح. # وأجيب عن ms017 هذا الرد: بأن ترجيح القادر إن كان له مفهوم زائد على كونه ~~قادرا، كان تسليما لكون رجحان الفاعلية على التاركية لا يمكن إلا عند ~~انضمام آخر إلى القادرية، فيعود الكلام الأول، وإن لم يكن له مفهوم زائد ~~"لم يبق"** لقولكم: القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر إلا مجرد أن صفة ~~القادرية مستمرة في الأزمان كلها، ثم إنه يوجد الأثر في بعض تلك الأزمنة ~~دون بعض، من غير أن يكون ذلك القادر قد رجحه، وقصد إيقاعه، ولا معنى ~~للاتفاق إلا ذلك. # ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف2، لاستلزامه نفي المرجح مطلقا، ~~والعلم الضروري حاصل لكل عاقل، بأن الظلم والكذب والجهل قبيحة عند العقل، ~~وأن العدل والصدق PageV01P029 # والعلم حسنة عنده، لكن حاصل ما يدركه العقل من "قبيح هذا القبح"*، وحسن ~~هذا الحسن هو أن فاعل الأول يستحق الذم وفاعل الثاني يستحق المدح، وأما كون ~~الأول متعلقا للعقاب الأخروي، والثاني متعلقا للثواب الأخروي فلا. # واحتج المثبتون للتحسين والتقبيح العقليين، بأن الحسن والقبح لو لم يكونا ~~معلومين قبل الشرع لاستحال أن يعلما عند وروده؛ لأنهما إن لم يكونا معلومين ~~قبله فعند وروده بهما، يكون واردا بما لا يعقله السامع ولا يتصوره، وذلك ~~محال، فوجب أن يكونا معلومين قبل وروده. وأجيب بأن الموقوف على الشرع ليس ~~تصور الحسن والقبح، فإنا قبل الشرع نتصور ماهية ترتب العقاب والثواب، ~~والمدح والذم على الفعل، ونتصور عدم هذا الترتب، فتصور الحسن والقبح لا ~~يتوقف على الشرع، إنما المتوقف عليه هو التصديق، فأين أحدهما من الآخر؟ ~~واحتج المثبتون أيضا بأنه لو لم يكن الحكم بالحسن والقبح إلا بالشرع لحسن ~~من الله سبحانه كل شيء ولو حسن منه كل شيء لحسن منه إظهار المعجزة على يد ~~الكاذب، ولو حسن منه ذلك لما أمكننا التمييز بين النبي والمتنبئ، وذلك يفضي ~~إلى بطلان الشرائع. # وأجيب بأن الاستدلال بالمعجز على الصدق مبني على أن الله إنما خلق ذلك ~~المعجز للصدق، وكل من صدقه الله فهو صادق، وبأن العقل يمنع من خلق المعجز ms018 ~~على يد الكاذب مطلقا؛ لأن خلقه عند الدعوى يوهم أن المقصود منه التصديق، ~~فلو كان المدعي كاذبا لكان ذلك إيهاما لتصديق الكاذب، وأنه قبيح، والله لا ~~يفعل القبيح. # واحتج المثبتون أيضا بأنه لو حسن من الله كل شيء لما قبح منه الكذب، وعلى ~~هذا لا يبقى اعتماد على وعده ووعيده. # وأجيب: بأن هذا وارد عليهم؛ لأن الكذب قد يحسن في مثل الدفع به عن قتل ~~إنسان ظلما، وفي مثل من توعد غيره بأن يفعل به ما لا يجوز من أنواع الظلم ~~ثم ترك ذلك، فإنه هنا يحسن الكذب ويقبح الصدق. # ورد بأن الحكم قد يتخلف عن المقتضي المانع، ولا اعتبار بالنادر، على أنه ~~يمكن أن يقع الدفع لمن أراد أن يفعل ما لا يحل بإيراد المعاريض، فإن فيها ~~مندوحة1 عن الكذب. # واحتج المثبتون أيضا بأنه لو قيل للعاقل: إن صدقت أعطيناك دينارا، وإن ~~كذبت أعطيناك دينارا، فإنا نعلم -بالضرورة- أن العاقل يختار الصدق، ولو لم ~~يكن حسنا لما اختاره. PageV01P030 # وأجيب: بأنه إنما يترجح الصدق على الكذب في هذه الصورة؛ لأن أهل العلم ~~اتفقوا على قبح الكذب، وحسن الصدق، لما أن نظام العالم لا يحصل إلا بذلك ~~والإنسان لما نشأ على هذا الاعتقاد واستمر عليه، لا جرم ترجح الصدق عنده ~~على الكذب. # ورد هذا بأن كل فرد من أفراد الإنسان، إذا فرض نفسه خالية عن الإلف، ~~والعادة، والمذهب، والاعتقاد، ثم عرض عليها عند هذا الفرض هذه القضية، ~~وجدها جازمة بترجيح الصدق على الكذب. # وبالجملة: فالكلام في هذا البحث يطول، وإنكار مجرد إدراك العقل لكون ~~الفعل حسنا أو قبيحا مكابرة1، ومباهتة2. وأما إدراكه لكون ذلك الفعل الحسن ~~متعلقا للثواب، وكون ذلك الفعل القبيح متعلقا للعقاب فغير مسلم. # وغاية ما تدركه العقول أن هذا الفعل الحسن يمدح فاعله، وهذا الفعل القبيح ~~يذم فاعله، ولا تلازم بين هذا وبين كونه متعلقا للثواب والعقاب. # ومما يستدل به على هذه المسألة في الجملة قوله سبحانه: {وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا} 3 وقوله: {ولو أنا أهلكناهم بعذاب ms019 من قبله لقالوا ربنا ~~لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى} 4 وقوله: {لئلا ~~يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} ونحو هذا. PageV01P031 ### | المبحث الثالث في المحكوم به ### | مدخل # ... # البحث الثالث: في المحكوم به # هو فعل المكلف، فمتعلق الإيجاب يسمى واجبا، ومتعلق الندب يسمى مندوبا، ~~ومتعلق الإباحة يسمى مباحا، ومتعلق الكراهة يسمى مكروها، ومتعلق التحريم ~~يسمى حراما، وقد تقدم1 حد كل واحد منها. # وفيه مسائل ثلاث: PageV01P031 ### | المسألة الأولى: # أن شرط الفعل الذي وقع التكليف به، أن يكون ممكنا فلا يجوز التكليف ~~بالمستحيل، عند الجمهور، وهو الحق، وسواء كان مستحيلا بالنظر إلى ذاته، أو ~~بالنظر إلى امتناع تعلق قدرة المكلف به. # وقال جمهور الأشاعرة: بالجواز مطلقا. # وقال جماعة منهم: أنه ممتنع في الممتنع لذاته، جائز في الممتنع لامتناع ~~تعلق قدرة المكلف به. # احتج الأولون: بأنه لو صح التكليف بالمستحيل لكان مطلوبا حصوله، واللازم ~~باطل؛ لأن تصور ذات المستحيل، مع عدم تصور ما يلزم ذاته لذاته، من عدم ~~الحصول، يقتضي أن تكون ذاته غير ذاته، فيلزم قلب الحقائق. # وبيانه: أن المستحيل لا يحصل له صورة في العقل، فلا يمكن أن يتصور شيء هو ~~اجتماع النقيضين فتصوره إما على طريق التشبيه، بأن يعقل بين السواد ~~والحلاوة أمر، هو الاجتماع، ثم يقال مثل هذا الأمر لا يمكن حصوله بين ~~السواد والبياض، وإما على سبيل النفي بأن يعقل أنه لا يمكن أن يوجد مفهوم ~~اجتماع السواد والبياض. # وبالجملة: فلا يمكن تعلقه بماهيته بل باعتبار من الاعتبارات. # والحاصل: أن قبح التكليف بما لا يطاق معلوم بالضرورة، فلا يحتاج إلى ~~استدلال، والمجوز لذلك لم يأت بما ينبغي الاشتغال بتحريره، والتعرض لرده، ~~ولهذا وافق كثير من القائلين بالجواز على امتناع الوقوع، فقالوا: يجوز ~~التكليف بما لا يطاق، مع كونه ممتنع الوقوع. # ومما يدل على هذه المسألة في الجملة: قوله سبحانه: {لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها} 1 {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} 2 {ربنا ولا تحملنا ما لا ~~طاقة لنا به} 3. # وقد ms020 ثبت في الصحيح: أن الله سبحانه قال عند هذه الدعوات المذكورة في ~~القرآن: "قد فعلت"4 وهذه الآيات ونحوها إنما تدل على عدم الوقوع، لا على ~~عدم الجواز، على أن PageV01P032 # الخلاف في مجرد الجواز لا يترتب عليه فائدة أصلا. # قال المثبتون للتكليف بما لا يطاق: لو لم يصح التكليف به لم يقع، وقد وقع ~~لأن العاصي مأمور بالإيمان، وممتنع منه الفعل؛ لأن الله قد علم أنه لا يؤمن ~~ووقوع خلاف معلومه سبحانه محال، وإلا لزم الجهل، واللازم باطل، فالملزوم ~~مثله. # وقالوا أيضا: بأنه لو لم يجز لم يقع، وقد وقع فإنه سبحانه كلف أبا جهل ~~بالإيمان، وهو تصديق رسوله في جميع ما جاء به، ومن جملة ما جاء به أن: أبا ~~جهل لا يصدقه، فقد كلفه بأن يصدقه في أنه لا يصدقه، وهو محال. # وأجيب عن الدليل الأول: بأن ذلك لا يمنع تصور الوقوع، لجواز وقوعه من ~~المكلف في الجملة، وإن امتنع لغيره، من علم أو غيره، فهو في غير محل ~~النزاع. وعن الثاني: بأنه لم يكلف إلا بتصديق، وهو ممكن في نفسه، متصور ~~وقوعه، إلا أنه ممن علم الله أنهم لا يصدقونه، كعلمه بالعاصي. # هذا الكلام في التكليف بما لا يطاق، وأما التكليف بما علم الله أنه لا ~~يقع: فالإجماع منعقد على صحته ووقوعه. # PageV01P033 ### | المسألة الثانية: # أن حصول الشرط الشرعي ليس شرطا في التكليف، عند أكثر الشافعية، ~~والعراقيين من الحنفية. # وقال جماعة منهم الرازي وأبو حامد1 وأبو زيد2 والسرخسي3: هو شرط. ~~PageV01P033 # وهذه المسألة ليست على عمومها؛ إذ لا خلاف في أن مثل الجنب، والمحدث، ~~مأموران بالصلاة، بل هي مفروضة في جزء منها، وهو أن الكفار مخاطبون ~~بالشرائع، أي: بفروع العبادات عملا عند الأولين، لا عند الآخرين. # وقال قوم من الآخرين: هم مكلفون بالنواهي؛ لأنها أليق بالعقوبات الزاجرة، ~~دون الأوامر. # والحق: ما ذهب إليه الأولون وبه قال الجمهور. # ولا خلاف في أنهم مخاطبون بأمر الإيمان؛ لأنه مبعوث إلى الكافة، ~~وبالمعاملات أيضا. # والمراد بكونهم مخاطبين بفروع العبادات: أنهم مؤاخذون بها في الآخرة، ms021 مع ~~عدم حصول الشرط الشرعي، وهو الإيمان. # استدل الأولون بالأوامر العامة كقوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} ~~1 ونحوها، وهم من جملة الناس. # واستدلوا أيضا بما ورد من الوعيد للكفار على الترك كقوله تعالى: {ما ~~سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين} 2. # لا يقال: قولهم ليس بحجة، لجواز كذبهم؛ لأنا نقول: ولو كذبوا لكذبوا. # واستدلوا أيضا بقوله سبحانه: {وويل للمشركين، الذين لا يؤتون الزكاة} 3. # وقوله تعالى: {ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~ويخلد فيه مهانا} 4. # والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا. # واستدل الآخرون بأنهم: لو كلفوا بها لصحت؛ لأن الصحة موافقة الأمر، ~~"ولأمكن"* الامتثال؛ لأن الإمكان شرط، ولا يصح منهم؛ لأن الكفر مانع، ولا ~~يمكن الامتثال حال الكفر، لوجود المانع، ولا بعده، وهو حال الموت، لسقوط ~~الخطاب. # وأجيب: بأنه غير محل النزاع؛ لأن حالة الكفر ليست قيدا للفعل في مرادهم ~~بالتكليف به PageV01P034 # مسبوقا للإيمان، والكافر يتمكن من أن يسلم، ويفعل ما وجب عليه، كالجنب ~~والمحدث، فإنهما مأموران بالصلاة، مع تلبسهما بمانع عنها، يجب عليهما ~~إزالته لتصح منهما، والامتناع الوصفي لا ينافي الإمكان الذاتي. # واستدلوا أيضا: بأنه لو وقع التكليف للكفار، لوجب عليهم القضاء. # وأجيب: بمنع الملازمة لأنه لم يكن بينه وبين وقوع التكليف وصحته ربط ~~عقلي، لا سيما على قول من يقول: إن القضاء لا يجب إلا بأمر جديد1. # وأيضا قوله سبحانه: {إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} 2 ودليل على "عدم"* ~~وجوب القضاء. # واحتج القائلون بالتفصيل: بأن النهي هي ترك المنهي عن فعله، وهو ممكن مع ~~الكفر. # وأجيب: بأن الكفر مانع من الترك كالفعل؛ لأنها عبادة يثاب العبد عليها، ~~ولا تصح إلا بعد الإيمان وأيضا: المكلف به في النهي هو الكف، وهو فعل3. ~~PageV01P035 ### | المسألة الثالثة: # إن التكليف بالفعل -والمراد به: أثر القدرة الذي هو الأكوان، لا التأثير ~~الذي هو أحد الأعراض النسبية- ثابت قبل حدوثه اتقافا، وينقطع بعده اتفاقا، ~~ولا اعتبار بخلاف من خالف في الطرفين، فهو بين السقوط، وما قالوه: من ms022 أنه ~~لو انقطع انعدم الطلب القائم بذات الله سبحانه، وصفاته أبدية، فهو مردود، ~~بأن كلامه سبحانه واحد، والتعدد في العوارض الحادثة من التعليق ككونه أمرا، ~~أو نهيا، وانتفاؤهما لا يوجب انتفاءه. # PageV01P035 # واختلفوا هل التكليف به باق حال حدوثه أم لا؟ # فقال جمهور الأشعرية: هو باق. # وقالت المعتزلة والجويني: ليس بباق. # وليس مراد من قال بالبقاء: أن تعلق التكليف بالفعل لنفسه؛ إذ لا انقطاع ~~له أصلا، ولا أن تنجيز التكليف باق؛ لأن التكليف بإيجاد الموجود محال؛ لأنه ~~طلب يستدعي مطلوبا غير حاصل، وهو تكليف بالمحال، ولا أن القدرة مع الفعل، ~~لاستلزمه أن لا تكليف قبله، وهو خلاف المعقول، وخلاف الإجماع، فإن القاعد ~~مكلف بالقيام إلى الصلاة. # بل مرادهم: أن التكليف باق عند التأثير لكن التأثير عين الأثر عندهم. # واستدلوا: بأن الفعل مقدور حال حدوثه؛ لأنه أثر القدرة فيوجد معها، وإذا ~~كان مقدورا حينئذ فيصح التكليف به؛ لأنه لا مانع إلا عدم القدرة وقد انتفى. # وأجيب: بأنه يلزم التكليف بإيجاد الموجود وهو محال. # ويرد: بأن ذلك لا يلزم؛ لأن المحال إنما هو إيجاد الموجود بوجود سابق، لا ~~بوجود حاصل. # PageV01P036 ### | المبحث الرابع في المحكوم عليه وهو المكلف # ... # البحث الرابع: في المحكوم عليه وهو المكلف # اعلم: أنه يشترط في صحة التكليف بالشرعيات فهم المكلف لما كلف به، بمعنى ~~تصوره، بأن يفهم من الخطاب القدر الذي يتوقف عليه الامتثال، لا بمعنى ~~التصديق به، وإلا لزم الدور1، ولزم عدم تكليف الكفار، لعدم حصول التصديق ~~"لهم"*. # واستدلوا على اشتراط الفهم بالمعنى الأول: بأنه لو لم يشترط لزم المحال؛ ~~لأن التكليف استدعاء حصول الفعل على قصد الامتثال، وهو محال عادة وشرعا ممن ~~لا شعور له بالأمر. # وأيضا: يلزم تكليف البهائم؛ إذ لا مانع من تكليفها إلا عدم الفهم، وقد ~~فرض أنه غير مانع في صورة النزاع "وقد اتفق المحققون على كون الفهم بالمعنى ~~المذكور شرطا لصحة التكليف. PageV01P036 # ولم يخالف في ذلك إلا بعض من قال بتكليف ما لا يطاق* وقد تقدم 1 بيان ~~فساد قولهم. # فتقرر بهذا أن ms023 المجنون غير مكلف، وكذلك الصبي الذي لم يميز؛ لأنهما لا ~~يفهمان خطاب التكليف، على الوجه المعتبر. # وأما لزوم أرش2 جنايتهما ونحو ذلك: فمن أحكام الوضع، لا من أحكام ~~التكليف. # وأما الصبي المميز فهو وإن كان يمكنه تمييز بعض الأشياء، لكنه تمييز ناقص ~~بالنسبة إلى تمييز المكلفين. # وأيضا: ورد الدليل برفع التكليف قبل البلوغ، ومن ذلك حديث: "رفع القلم عن ~~ثلاثة" 3. # وهو وإن كان في طرقه مقال، لكنه باعتبار كثرة طرقه من قسم الحسن، ~~وباعتبار تلقي الأمة له بالقبول، لكونهم بين عامل به، ومؤول له، صار دليلا ~~قطعيا. # ويؤيده حديث: "من اخضر مئزره فاقتلوه" 4 وأحاديث: النهي عن قتل الصبيان ~~حتى يبلغوا كما ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- في وصاياه لأمرائه، عند غزوهم ~~للكفار5، وأحاديث أنه -صلى الله عليه وسلم- كان لا PageV01P037 # يأذن في القتال إلا لمن بلغ سن التكليف1. # والأدلة في هذا الباب كثيرة. # ولم يأت من خالف في ذلك بشيء يصلح لإيراده كقولهم: إنه قد صح طلاق ~~السكران، ولزمه أرش جنايته، وقيمة ما أتلفه. # وهذا استدلال ساقط، لخروجه عن محل النزاع، في أحكام التكليف، لا في أحكام ~~الوضع، ومثل هذا من أحكام الوضع. # وأما استدلالهم بقوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ~~ما تقولون} 2، حيث قالوا: إنه أمر لمن لا يعلم ما يقول، ومن لا يعلم ما ~~يقول لا يفهم ما يقال له، فقد كلف من لا يفهم التكليف. # ورد بأنه نهي عن السكر عند إرادة الصلاة، فالنهي متوجه إلى القيد. # ورد أيضا بغير هذا مما لا حاجة إلى التطويل بذكره. # ووقع الخلاف بين الأشعرية، والمعتزلة: هل المعدوم مكلف أم لا؟. # فذهب الأولون إلى الأول والآخرون إلى الآخر. # وليس مراد الأولين بتكليف المعدوم أن الفعل، أو الفهم مطلوبان منه حال ~~عدمه، فإن بطلان هذا معلوم بالضرورة، فلا يرد عليهم ما أورده الآخرون من ~~أنه إذا امتنع تكليف النائم، والغافل، امتنع تكليف المعدوم "بطريق ~~الأولى"*، بل مرادهم التعليق العقلي، أي: توجه الحكم في الأزل إلى من علم ~~الله وجوده، ms024 مستجمعا شرائط التكليف. PageV01P038 # واحتجوا: بأنه لو لم يتعلق التكليف بالمعدوم، لم يكن التكليف أزليا؛ لأن ~~توقفه على الوجود الحادث، يستلزم كونه حادثا، واللازم باطل، فالملزوم مثله؛ ~~لأنه أزلي، لحصوله بالأمر والنهي، وهما كلام الله، وهو أزلي. # وهذا البحث يتوقف على مسألة الخلاف في كلام الله سبحانه، وهي مقررة في ~~علم الكلام. # واحتج الآخرون: بأنه لو كان المعدوم يتعلق به الخطاب، لزم أن يكون الأمر ~~والنهي، والخبر، والنداء، والاستخبار، من غير متعلق موجود، وهو محال. # ورد بعدم تسليم كونه محالا بل هو محل النزاع. # وتطويل الكلام في هذا البحث قليل الجدوى، بل مسألة الخلاف في كلام الله ~~سبحانه، وإن طالت ذيولها، وتفرق الناس فيها فرقا، وامتحن بها من امتحن، من ~~أهل العلم وظن من ظن أنها من أعظم مسائل أصول الدين، ليس لها "كبير"* ~~فائدة، بل هي من فضول العلم، ولهذا صان الله سلف هذه الأمة من الصحابة، ~~والتابعين، وتابعيهم عن التكلم فيها. PageV01P039 ### | الفصل الثالث في المبادئ اللغوية ### | المبحث الأول: عن ماهية الكلام # ... # الفصل الثالث: في المبادئ اللغوية # اعلم: أن البحث إما أن يقع عن ماهية الكلام، أو عن كيفية دلالته، ثم لما ~~كانت دلالته وضعية، فالبحث عن هذه الكيفية، إما أن يقع عن الواضع، أو ~~الموضوع، أو الموضوع له، أو عن الطريق التي يعرف بها الوضع فهذه أبحاث ~~خمسة: # البحث الأول: عن ماهية الكلام # وهو يقال بالاشتراك على المعنى القائم بالنفس، وعلى الأصوات المقطعة ~~المسموعة، ولا حاجة إلى البحث في هذا الفن عن المعنى الأول، بل المحتاج إلى ~~البحث عنه فيه هو المعنى الثاني. # فالأصوات كيفية للنفس، وهي الكلام المنتظم من الحروف المسموعة المتميزة، ~~المتواضع عليها. # والانتظام: هو التأليف للأصوات المتوالية على السمع. # وخرج بقوله الحروف الحرف، الواحد؛ لأن أقل الكلام حرفان، وبالمسموعة ~~الحروف المكتوبة، وبالمتميزة أصوات ما عدا "صوت"* الإنسان، وبالمتواضع ~~عليها المهملات، وقد خصص النحاة الكلام بما تضمن كلمتين بالإسناد، وذهب ~~كثير من أهل الأصول: إلى أن الكلمة الواحدة تسمى كلاما. PageV01P040 ### | المبحث الثاني: عن الواضع # ... # البحث الثاني: عن ms025 الواضع # اختلف في ذلك على أقوال: # الأول: أن الواضع هو الله سبحانه، وإليه ذهب الأشعري1، وأتباعه، وابن ~~فورك2. # القول الثاني: أن الواضع هو البشر، وإليه ذهب أبو هاشم3 ومن تابعه من ~~المعتزلة. # القول الثالث: أن ابتداء اللغة وقع بالتعليم من الله سبحانه، والباقي ~~بالاصطلاح. # القول الرابع: أن ابتداء اللغة وقع بالاصطلاح والباقي توقيف، وبه قال ~~الأستاذ أبو إسحاق4 وقيل: إنه قال بالذي قبله. # والقول الخامس: أن نفس الألفاظ دلت على معانيها بذاتها، وبه قال عباد بن ~~سليمان الصيمري5. # القول السادس: أنه يجوز كل واحد من هذه الأقوال، من غير جزم بأحدها، وبه ~~قال الجمهور كما حكاه صاحب "المحصول"6. PageV01P041 # احتج أهل القول الأول بالمنقول والمعقول: # أما المنقول فمن ثلاثة أوجه: # الأول: قوله سبحانه: {وعلم آدم الأسماء كلها} 1. # دل هذا على أن الأسماء توقيفية، وإذا ثبت ذلك في الأسماء، ثبت أيضا في ~~الأفعال، والحروف؛ إذ لا قائل بالفرق. # وأيضا: الاسم إنما سمي اسما لكونه علامة على مسماه، والأفعال، والحروف ~~كذلك، وتخصيص الاسم ببعض أنواع الكلام اصطلاح للنحاة. # الوجه الثاني: أن الله سبحانه ذم قوما على تسميتهم بعض الأشياء، دون ~~توقيف، بقوله تعالى: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله ~~بها من سلطان} 2. # فلو لم تكن اللغة توقيفية لما صح هذا الذم. # الوجه الثالث: قوله سبحانه: {ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ~~ألسنتكم وألوانكم} 3. # والمراد: اختلاف اللغات، لا اختلافات "تأليفات"* الألسن. # وأما المعقول فمن وجهين: # الأول: أن الاصطلاح إنما يكون بأن يعرف كل واحد منهم صاحبه ما في ضميره، ~~وذلك لا يعرف إلا بطريق، كالألفاظ، والكتابة، وكيفما كان، فإن ذلك الطريق. ~~إما الاصطلاح، ويلزم التسلسل، أو التوقيف وهو المطلوب. # الوجه الثاني: أنها لو كانت بالمواضعة لجوز العقل اختلافها، وأنها على ~~غير ما كانت عليه؛ لأن اللغات قد تبدلت، وحينئذ لا يوثق بها. وأجيب عن ~~الاستدلال بقوله: {وعلم آدم الأسماء} بأن المراد بالتعليم الإلهام، كما في ~~قوله: {وعلمناه صنعة لبوس لكم} 4، أو تعليم ما سبق وضعه من خلق آخر، أو ~~المراد ms026 PageV01P042 # بالأسماء المسميات، بدليل قوله: {ثم عرضهم} 1. # ويجاب عن الاستدلال بقوله: {إن هي إلا أسماء سميتموها} بأن المراد ما ~~اخترعوه من الأسماء للأصنام، من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام2. # ووجه الذم مخالفة ذلك لما شرعه الله. # وأجيب عن الاستدلال بقوله: {واختلاف ألسنتكم} بأن المراد التوقيف عليها ~~بعد الوضع، وإقرار الخلق على وضعها. # ويجاب على الوجه الأول من المعقول: بمنع لزوم التسلسل؛ لأن المراد وضع ~~الواضع هذا الاسم لهذا المسمى، ثم تعريف غيره بأنه وضعه كذلك. # ويجاب عن الوجه الثان: بأن تجويز الاختلاف خلاف الظاهر. # ومما يدفع هذا القول أن حصول اللغات لو كان بالتوقيف من الله عز وجل، ~~لكان ذلك بإرسال رسول لتعليم الناس لغتهم؛ لأنه الطريق المعتاد في التعليم ~~للعباد، ولم يثبت ذلك. # ويمكن أن يقال: إن آدم -عليه السلام- علمها، غيره. # وأيضا يمكن أن يقال: إن التعليم لا ينحصر في الإرسال، لجواز حصوله ~~بالإلهام، وفيه أن مجرد الإلهام لا يوجب كون اللغة توقيفية، بل هي من وضع ~~الناس بإلهام الله سبحانه لهم كسائر الصنائع. # احتج أهل القول الثاني: بالمنقول، والمعقول. # أما المنقول: فقوله سبحانه: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} 3. # أي: بلغتهم، فهذا يقتضي تقدم اللغة على بعثة الرسل، فلو كانت اللغة ~~توقيفية لم يتصور ذلك إلا بالإرسال، فيلزم الدور؛ لأن الآية تدل على سبق # اللغات للإرسال، والتوقيف يدل على سبق الإرسال لها. PageV01P043 # وأجيب: بأن كون التوقيف لا يكون إلا بالإرسال إنما يوجب سبق الإرسال على ~~التوقيف، لا سبق الإرسال على اللغات، حتى يلزم الدور؛ لأن الإرسال لتعليمها ~~إنما يكون بعد وجودها، معلومة للرسول عادة، لترتب فائدة الإرسال عليه. # وأجيب أيضا بأن آدم عليه السلام علمها، كما دلت عليه الآية، وإذا كان هو ~~الذي علمها لأقدم رسول اندفع الدور. # وأما المعقول: فهو أنها لو كانت توقيفية لكان إما أن يقال: إنه تعالى ~~يخلق العلم الضروري، بأن وضعها لتلك المعاني، أو لا يكون كذلك، والأول لا ~~يخلو. إما أن يقال: "الله"* خلق ذلك العلم في عاقل، أو في غير عاقل، وباطل ms027 ~~أن يخلقه في عاقل؛ لأن العلم بأنه سبحانه وضع تلك اللفظة لذلك المعنى يتضمن ~~العلم به سبحانه، فلو كان ذلك العلم ضروريا لكان العلم به سبحانه ضروريا، ~~ولو كان العلم بذاته سبحانه ضروريا لبطل التكليف، لكن ذلك باطل، لما ثبت أن ~~كل عاقل يجب أن يكون مكلفا. وباطل أن يخلقه في غير العاقل؛ لأن من البعيد ~~أن يصير الإنسان الغير العاقل عالما بهذه اللغات العجيبة، والتركيبات ~~اللطيفة. # احتج أهل القول الثالث: بأن الاصطلاح لا يصح إلا بأن يعرف كل واحد منهم ~~صاحبه ما في ضميره، فإن عرفه بأمر آخر اصطلاحي، لزم التسلسل، فثبت أنه لا ~~بد في أول الأمر من التوقيف، ثم بعد ذلك لا يمتنع أن تحدث لغات كثيرة بسبب ~~الاصطلاح، بل ذلك معلوم بالضرورة، فإن الناس يحدثون في كل زمان ألفاظا ما ~~كانوا يعلمونها قبل ذلك. # وأجيب: بمنع توقفه على الاصطلاح، بل يعرف ذلك بالترديد والقرائن، ~~كالأطفال. # وأما أهل القول الرابع: فلعلهم يحتجون على ذلك: بأن فهم ما جاء توقيفا لا ~~يكون إلا بعد تقدم الاصطلاح والمواضعة. # ويجاب عنه: بأن التعليم بواسطة رسول أو بإلهام يغني عن ذلك. # واحتج أهل القول الخامس: بأنه لو لم يكن بين الأسماء والمسميات مناسبة ~~بوجه ما، لكان تخصيص الاسم المعين للمسمى المعين ترجيحا بدون مرجح، وإن كان ~~بينهما مناسبة ثبت المطلوب. # وأجيب: بأنه إن كان الواضع هو الله سبحانه، كان تخصيص الاسم المعين ~~بالمسمى المعين، كتخصيص وجود العالم بوقت معين، دون ما قبله أو ما بعده. # وأيضا: لو سلمنا أنه لا بد من المناسبة المذكورة بين الاسم والمسمى، كان ~~ذلك ثابتا في وضعه سبحانه، وإن خفي علينا. PageV01P044 # وإن كان الواضع البشر، فيحتمل أن يكون السبب خطور ذلك اللفظ في ذلك الوقت ~~بالبال دون غيره، كما يخطر ببال الواحد منا أن يسمي ولده باسم خاص. # واحتج أهل القول السادس: على ما ذهبوا إليه من الوقف: بأن هذه الأدلة ~~التي استدل بها القائلون لا يفيد شيء منها القطع، بل لم ينهض شيء منها ~~لمطلق ms028 الدلالة، فوجب عند ذلك الوقف؛ لأن ما عداه هو من التقول على الله بما ~~لم يقل، وأنه باطل. وهذا هو الحق. # PageV01P045 ### | المبحث الثالث: عن الموضوع # ... # البحث الثالث: عن الموضوع # اعلم أنه لما كان الفرد الواحد من هذا النوع الإنساني لا يستقل وحده، ~~بإصلاح جميع ما يحتاج إليه، لم يكن بد في ذلك من جمع، ليعين بعضهم بعضا ~~فيما يحتاج إليه، وحينئذ يحتاج كل واحد منهم إلى تعريف صاحبه بما في نفسه ~~من الحاجات، وذلك التعريف لا يكون إلا بطريق من أصوات مقطعة، أو حركات ~~مخصوصة، أو نحو ذلك، فجعلوا الأصوات المقطعة هي الطريق إلى التعريف؛ لأن ~~الأصوات أسهل من غيرها، وأقل مؤنة، ولكون إخراج النفس أمرا ضروريا، فصرفوا ~~هذا الأمر الضروري إلى هذا التعريف، ولم يتكلفوا له طريقا أخرى غير ضرورية، ~~مع كونها تحتاج إلى مزاولة. # وأيضا: فإن الحركات والإشارات قاصرة عن إفادة جميع ما يراد فإن ما يراد ~~تعريفه قد لا تمكن الإشارة الحسية إليه كالمعدومات. # إذا عرفت هذا: فاعلم أن الموضوعات اللغوية هي كل لفظ وضع لمعنى. # فيخرج ما ليس بلفظ من الدلائل الموضوعة، وما ليس بموضوع من المحرفات، ~~والمهملات، ويدخل في اللفظ المفردات، والمركبات الستة، وهي الإسنادي، ~~والوصفي، والإضافي، والعددي، والمزجي، والصوتي. # ومعنى الوضع يتناول أمرين: أعم وأخص، فالأعم: تعيين اللفظ بإزاء معنى، ~~والأخص: تعيين اللفظ للدلالة على معنى. # PageV01P045 ### | المبحث الرابع: عن الموضوع له # ... # البحث الرابع: عن الموضوع له # قال الجويني والرازي وغيرهما: إن اللفظ موضوع للصورة الذهنية، سواء كانت ~~موجودة في الذهن والخارج، أو في الذهن فقط. # PageV01P045 # وقيل: هو موضع "للوجود"* الخارجي، وبه قال أبو إسحاق1. # وقيل: هو موضوع للأعم، من الذهبي والخارجي، ورجحه الأصفهاني2. # وقيل: أن اللفظ في الأشخاص، أي الأعلام الشخصية، موضوع "للموجود"** ~~الخارجي، ولا ينافي كونه للموجود الخارجي وجوب استحضار الصورة الذهنية ~~فالصورة الذهنية، آلة لملاحظة الوجود الخارجي، لا أنها هي الموضوع لها، ~~وأما فيما عدا الأعلام الشخصية، فاللفظ موضوع لفرد غير معين، وهو الفرد ~~المنتشر فيما وضع لمفهوم كلي، أفراده خارجية أو ms029 ذهنية، فإن كانت خارجية، ~~فالموضوع له فرد ما من تلك الأفراد الخارجية، وإن كانت ذهنية، له فرد ما من ~~الذهنية، وإن كانت ذهنية وخارجية، فالاعتبار بالخارجية. # وقد ألحق علم الجنس بالأعلام الشخصية من يفرق بينه وبين اسم الجنس، فيجعل ~~علم الجنس موضوعا للحقيقة المتحدة، واسم الجنس لفرد منها غير معين. # وفي اسم الجنس مذهبان: # أحدهما: أنه موضوع للماهية، مع وحدة لا بعينها ويسمى فردا منتشرا، وإلى ~~هذا ذهب الزمخشري3، وابن الحاجب4، ورجحه السعد5، وابن الهمام6. # والثاني: أنه موضوع للماهية من حيث هي، ورجحه الشريف7. # فالموضوع له على المذهب الأول هو الماهية بشرط شيء. وعلى المذهب الثاني ~~هو الماهية لا بشرط شيء. PageV01P046 ### | المبحث الخامس: عن الطريق التي يعرف بها الوضع # ... # البحث الخامس: عن الطريق التي يعرف بها الوضع # اعلم: أنه لما كان الكتاب والسنة واردين بلغة العرب، وكان العلم بهما ~~متوقفا على العلم بها كان العلم بها، من أهم الواجبات. # ولا بد في ذلك من معرفة الطريقة التي نقلت هذه اللغة العربية بها إلينا؛ ~~إذ لا مجال للعقل في ذلك؛ لأنها أمور وضعية، والأمور الوضعية لا يستقل ~~العقل بإدراكها فلا تكون الطريق إليها إلا نقلية. # والحق أن جميعها منقول بطريق التواتر. # وقيل: ما كان منها لا يقبل التشكيك كالأرض، والسماء، والحر، والبرد، ~~ونحوها، فهو منقول بطريق التواتر، وما كان منها يقبل التشكيك كاللغات التي ~~فيها غرابة، فهو منقول بطريق الآحاد. # ولا وجه لهذا، فإن الأئمة المشتغلين بنقل اللغة قد نقلوا غريبها كما ~~نقلوا غيره، وهم عدد لا يجوز العقل تواطأهم على الكذب، في كل عصر من ~~العصور، هذا معلوم لكل من له علم بأحوال المشتغلين بلغة العرب. # وقد أورد الرازي في "المحصول" تشكيكا على هذا، كعادته المستمرة في ~~مصنفاته، حتى في "تفسير الكتاب العزيز" فقال: "أما التواتر: فالإشكال عليه ~~من وجوه: # الأول: أنا نجد الناس مختلفين في معاني الألفاظ، التي هي أكثر الألفاظ ~~دورانا على ألسنة المسلمين، اختلافا لا يمكن "معه"* القطع بما هو الحق ~~كلفظة الله تعالى، فإن بعضهم زعم ms030 أنها PageV01P047 # ليست عربية بل سريانية، والذين جعلوها عربية اختلفوا في أنها من الأسماء ~~المشتقة، أو الموضوعة، والقائلون بالاشتقاق اختلفوا اختلافا شديدا، وكذا ~~القائلون بكونها موضوعة، اختلفوا أيضا اختلافا كثيرا. # ومن تأمل أدلتهم في تعيين مدلول هذه اللفظة علم أنها متعارضة وأن شيئا ~~منها لا يفيد الظن الغالب، فضلا عن اليقين. # "وكذلك"1 اختلفوا في الإيمان، والكفر، والصلاة، والزكاة، حتى إن كثيرا من ~~المحققين في علم الاشتقاق، زعم: أن اشتقاق الصلاة من "الصلوين" وهما عظما ~~الورك، ومن المعلوم أن هذا الاشتقاق غريب. # وكذلك اختلفوا في الأوامر، والنواهي، وصيغ العموم، مع شدة اشتهارها، وشدة ~~الحاجة إليها، اختلافا شديدا، وإذا كان الحال في هذه الألفاظ، التي هي أشهر ~~الألفاظ والحاجة إلى استعمالها ماسة جدا كذلك، فما ظنك بسائر الألفاظ؟ وإذا ~~كان كذلك: ظهر أن دعوى التواتر في اللغة والنحو متعذر انتهى. # ولا يخفاك أن محل النزاع هو كون نقل هذه اللغة العربية إلينا بطريق ~~التواتر، عن العرب الموثوق بعربيتهم، فالاختلاف في الاشتقاق والوضع وغير ~~ذلك خارج عن محل النزاع، ولا يصلح للتشكيك به بوجه من الوجوه. # وقد تنبه الرازي لهذا فقال فإن قلت: هب أنه لا يمكن دعوى التواتر في ~~معاني هذه الألفاظ، على سبيل التفصيل، ولكنا نعلم معانيها في الجملة، فنعلم ~~أنهم يطلقون لفظ "الله" تعالى على الإله سبحانه، وإن كنا لا نعلم مسمى هذا ~~اللفظ أهو الذات، أم المعبودية، أم القادرية، وكذا القول في سائر الألفاظ. # قلت: حاصل ما ذكره أنا لا نعلم إطلاق لفظة "الله" "على الإله"2 سبحانه ~~وتعالى من غير أن نعلم أن مسمى هذا الاسم ذاته أو كونه "محمودا أو كونه"3 ~~قادرا على الاختراع، أو كونه ملجأ الخلق أو كونه بحيث تتحير العقول في ~~إدراكه، إلى غير ذلك من المعاني المذكورة لهذا اللفظ، وذلك يفيد نفي القطع ~~بمسماه، وإذا كان الأمر كذلك في هذه اللفظة، مع نهاية شهرتها، ونهاية ~~الحاجة إلى معرفتها، كان تمكن الاحتمال فيما عداها أظهر انتهى. # وهذا الجواب باطل؛ لأن هذه اللفظة قد نقلت إلينا على ms031 طريقة التواتر، ونقل ~~إلينا الناقلون PageV01P048 # لها: أنها موضوعة للرب سبحانه وتعالى وهذا القدر يكفي في الاستدلال به ~~على محل النزاع وأما الاختلاف في مفهوم الإله سبحانه وتعالى فبحث آخر، لا ~~يقدح به على محل النزاع أصلا. # ثم قال مردفا لذلك التشكيك بتشكيك آخر، وهو: أن من شرط التواتر استواء ~~الطرفين "والوسطة"*. فهب أن علمنا حصول شرائط التواتر في حفاظ اللغة، ~~والنحو والتصريف، في زماننا، فكيف نعلم حصولها في سائر الأزمنة؟ انتهى. # ويجاب عنه: بأن علمنا حصولها فيهم في سائر الأزمنة بنقل الأئمة الثقات ~~الأثبات، المشتغلين بأحوال النقلة إجمالا وتفصيلا. # ثم أطال الكلام على هذا، ثم عاد إلى التشكيك في نقلها آحادا، وجميع ما ~~جاء به مدفوع مردود، فلا نشتغل بالتطويل بنقله والكلام عليه، ففيما ذكرنا ~~من الرد عليه ما يرشد إلى الرد لبقية ما شكك به. # وقد اختلف في جواز إثبات اللغة بطريق القياس: # فجوزه القاضي أبو بكر الباقلاني1، وابن شريح2، وأبو إسحاق الشيرازي، ~~والرازي، وجماعة من الفقهاء. # ومنعه الجويني، والغزالي، والآمدي3، وهو قول عامة الحنفية، وأكثر ~~الشافعية. واختاره ابن الحاجب، وابن الهمام، وجماعة من المتأخرين. وليس ~~النزاع فيما ثبت تعميمه بالنقل، كالرجل، والضارب، أو بالاستقراء، كرفع ~~الفعل، ونصب المفعول، بل النزاع فيما إذا سمي مسمى باسم في هذا الاسم ~~-باعتبار أصله من حيث PageV01P049 # الاشتقاق أو غيره- معنى يظن اعتبار هذا المعنى في التسمية، لأجل دوران ~~ذلك الاسم مع هذا المعنى، وجودا وعدما، ويوجد ذلك المعنى في غير ذلك الاسم. # فهل يتعدى ذلك الاسم المذكور إلى ذلك الغير بسبب وجود ذلك المعنى فيه، ~~فيطلق ذلك الاسم عليه حقيقة؛ إذ لا نزاع في جواز الإطلاق مجازا إنما الخلاف ~~في الإطلاق حقيقة، وذلك كالخمر، الذي هو اسم للنيء من ماء العنب، إذا غلى ~~واشتد وقذف بالزبد، إذا أطلق على النبيذ إلحاقا له بالنيء المذكور بجامع ~~المخامرة للعقل، فإنها معنى في الاسم، يظن اعتباره في تسمية النيء المذكور ~~به، لدوران التسمية معه، فمهما لم توجد في ماء العنب لا يسمى خمرا بل ~~عصيرا، وإذا ms032 وجدت فيه سمي به، وإذا زالت عنه لم يسم به، بل خلا، وقد وجد ~~ذلك في النبيذ، أو يخص اسم الخمر بمخامر للعقل، هو ماء العنب المذكور، فلا ~~يطلق حقيقة على النبيذ، وكذلك تسمية النباش سارقا للأخذ بالخفية، واللائط ~~زانيا للإيلاج المحرم. # احتج المجوزون: بأن دوران الاسم مع المعنى وجودا وعدما يدل على أنه ~~المعتب؛ لأن يفيد الظن. # وأجيب: بأن إفادة الدوران لذلك ممنوعة، لما سيأتي1 في مسالك العلة، ويعد ~~التسليم لإفادة الدوران، وكونه طريقا صحيحة، فنقول: إن أردتم بدوران الاسم ~~مع المعنى المذكور، دورانا مطلقا، سواء وجد في أفراد المسمى أو غيرها ~~بادعاء ثبوت الاسم في كل مادة يوجد فيها ذلك المعنى، وانتفائه في كل ما لم ~~يوجد فيه بطريق النقل، فغير المفروض؛ لأن ما يوجد فيه ذلك المعنى حينئذ ~~يكون من أفراد المسمى، فلا يتحقق إلحاق فرع بأصل، وإن أردتم بدوران الاسم ~~مع المسمى أن يدور معه في الأصل المقيس عليه فقط، لوجود الاسم في كل مادة ~~يوجد فيها المسمى، وانتفائه في كل ما لم يوجد فيه، منعنا كونه طريقا مثبتا ~~تسمية الشيء باسم لمشاركة المسمى في معنى دار الاسم معه وجودا وعدما، وإن ~~سلمنا كونه طريقا صحيحة لإثبات الحكم في الشرعيات، فذلك لا يستلزم إثبات ~~كونه طريقا صحيحة في إثبات الاسم، وتعديته من محل إلى محل آخر؛ لأن القياس ~~في الشرعيات سمعي، ثبت اعتباره بالسماع من الشارع، وتعبدنا به، لا أنه ~~عقلي. # وأجيب ثانيا: بالمعارضة على سبيل القلب، بأنه دار أيضا مع المحل، ككونه ~~ماء العنب، ومال الحي، ووطأ في القبل، فدل على أنه معتبر، والمعنى جزء من ~~العلة. # ومن قال بقطع النباش، وحد شارب النبيذ فذلك لعموم دليل السرقة، والحد، أو ~~لقياسهما على السارق والخمر قياسا شرعيا في الحكم، لا لأنه يسمى النباش ~~سارقا، والنبيذ خمرا بالقياس PageV01P050 # في اللغة، كما زعمتم، وأيضا القياس في اللغة إثبات بالمحتمل، وهو غير ~~جائز؛ لأنه كما يحتمل التصريح باعتباره، يحتمل التصريح بمنعه، وأيضا لا يصح ~~الحكم بالوضع بمجرد الاحتمال المجرد ms033 عن الرجحان وأيضا هذه اللغة العربية قد ~~تقدم1 الخلاف هل هي توقيفية، أو اصطلاحية، وعلى القولين، فلا طريق إليها ~~إلا النقل فقط، وعلى القول بالتفصيل كذلك؛ لأنه راجع إلى القولين. # وإذا عرفت هذا علمت أن الحق منع إثبات اللغة بالقياس. PageV01P051 ### | الفصل الرابع في تقسم اللفظ إلى مفرد ومركب ### | مدخل # ... # الفصل الرابع: في تقسيم اللفظ إلى مفرد ومركب # اعلم: أن اللفظ إن قصد بجزء منه الدلالة على جزء معناه، فهو مركب، وإلا ~~فهو مفرد. # والمفرد: إما واحد، أو متعدد، وكذلك معناه، فهذه أربعة أقسام: # الأول: # الواحد للواحد، إن لم يشترك في مفهومه كثيرون، لا محققا، ولا مقدرا، ~~فمعرفة لتعينه إما مطلقا، أي: وضعا واستعمالا فعلم، "شخصي، وجزئي" حقيقي، ~~إن كان فردا، أو مضافا بوضعه الأصلي، سواء كان العهد، أي: اعتبار الحضور ~~لنفس الحقيقة أو لحصة منها معينة مذكورة، أو في حكمها، أو مبهمة من حيث ~~الوجود، معينة من حيث التخصيص، أو لكل من الحصص، وإما بالإشارة الحسية ~~فاسمها وإما بالعقلية، فلا بد من دليلها سابقا كضمير الغائب، أو معا كضميري ~~المخاطب، والمتكلم، أو لاحقا، كالموصولات. # وإن اشترك في مفهومه كثيرون تحقيقا أو تقديرا فكلي، فإن تناول الكثير على ~~أنه واحد فجنس وإلا فاسم الجنس. # وأيا ما كان فتناوله لجزئياته: إن كان على وجه التفاوت بأولية، أو أولوية ~~أو أشدية، فهو المشكك، وإن كان تناوله لها على السوية فهو المتواطئ. # وكل واحد من هذه الأقسام إن لم يتناول وضعا إلا فردا معينا فخاص، خصوص ~~البعض، وإن تناول الأفراد واستغرقها فعام، سواء استغرقها مجتمعة، أو على ~~سبيل البدل، والأول يقال له العموم الشمولي، والثاني البدلي وإن لم ~~يستغرقها، فإن تناول مجموعا غير محصور فيسمى عاما عند من لم يشترط ~~الاستغراق، كالجمع المنكر، وعند من اشترط واسطة. # والراجح: أنه خاص؛ لأن دلالته على أقل الجمع قطعية، كدلالة المفرد على ~~الواحد. # وإن لم يتناول مجموعا بل واحدا أو اثنين أو يتناول محصورا فخاص، خصوص ~~الجنس أو النوع. # الثاني: # اللفظ المتعدد للمعنى المتعدد، ويسمى المتباين، سواء ms034 تفاصلت أفراده ~~كالإنسان، والفرس، أو تواصلت كالسيف، والصارم. # PageV01P052 # الثالث: # اللفظ الواحد للمعنى المتعدد فإن وضع لكل، فمشترك، وإلا فإن اشتهر في ~~الثاني فمنقول ينسب إلى ناقله، وإلا فحقيقة ومجاز. # الرابع: # اللفظ المتعدد للمعنى الواحد، ويسمى المترادف. # وكل من الأربعة ينقسم إلى مشتق، وغير مشتق، وإلى صفة وغير صفة. # ثم دلالة اللفظ على تمام ما وضع له مطابقة، وعلى جزئه تضمن، وعلى الخارج ~~التزام. # وجميع ما ذكرنا ههنا قد بين في علوم معروفة فلا نطيل البحث فيه، ولكنا ~~نذكرها ههنا خمس مسائل تتعلق بهذا العلم تعلقا تاما. # PageV01P053 ### | المسألة الأولى: في الاشتقاق # الاشتقاق: أن تجد بين اللفظين تناسبا في المعنى والتركيب، فترد أحدهما ~~إلى الآخر. # وأركانه أربعة: # أحدها: اسم موضوع لمعنى. # وثانيها: شيء آخر له نسبة إلى ذلك المعنى. # وثالثها: مشاركة بين هذين الاسمين في الحروف الأصلية. # ورابعها: تغيير يلحق ذلك الاسم في حرف فقط، أو حركة فقط، أو فيهما معا، ~~وكل واحد من هذه الأقسام الثلاثة إما أن يكون بالزيادة أو النقصان، أو بهما ~~معا، فهذه تسعة أقسام: # أحدها: زيادة الحركة. # ثانيها: زيادة الحرف. # ثالثها: زيادتهما. # رابعها: نقصان الحركة. # خامسها: نقصان الحرف. # سادسها: نقصانهما. # سابعها: زيادة لحركة مع نقصان الحرف. # ثامنها: زيادة الحرف مع نقصان الحركة. # تاسعها: أن يزاد فيه حركة وحرف، وينقص عنه حركة وحرف. # وقيل: تنتهي أقسامه إلى خمسة عشر، وذلك لأنه يكون إما بحركة، أو حرف ~~بزيادة أو نقصان، أو بهما، والتركيب مثنى وثلاث ورباع. # PageV01P053 # وينقسم إلى الصغير والكبير والأكبر لأن المناسبة أعم من الموافقة، فمع ~~الموافقة في الحروف والترتيب صغير، وبدون الترتيب كبير، نحو: جذب وجبذ1، ~~وكنى "ونكى"*2 وبدون الموافقة أكبر لمناسبة ما كالمخرج في ثلم وثلب3، أو ~~الصفة، كالشدة4 في الرجم والرقم5 فالمعتبر في الأولين الموافقة وفي الأخير ~~المناسبة. # والاشتقاق الكبير والأكبر ليس من غرض الأصولي؛ لأن المبحوث عنه في الأصول ~~إنما هو المشتق بالاشتقاق الصغير. # واللفظ ينقسم إلى قسمين: # صفة: وهي ما دل على ذات مبهمة غير معينة، بتعيين شخصي، ولا جنسي، متصفة ~~بمعين كضارب، ms035 فإن معناه: ذات ثبت لها الضرب. # وغير صفة وهو ما لا يدل على ذات مبهمة متصفة بمعين. # ثم اختلفوا، هل بقاء وجه الاشتقاق شرط لصدق الاسم المشتق، فيكون للمباشر ~~حقيقة اتفاقا، وفي الاستقبال مجازا اتفاقا، وفي الماضي الذي قد انقطع خلاف ~~مشهور بين الحنفية والشافعية: # فقالت الحنفية: مجاز. # وقالت الشافعية: حقيقة، وإليه ذهب ابن سينا6 من الفلاسفة7، وأبو هشام من ~~المعتزلة. PageV01P054 # احتج القائلون بالاشتراط: بأن الضارب بعد انقضاء الضرب يصدق عليه أنه ليس ~~بضارب، وإذا صدق عليه ذلك، وجب أن لا يصدق عليه أنه ضارب؛ لأن قولنا ضارب ~~يناقضه -في العرف- قولنا ليس بضارب. # وأجيب: بمنع أن نفيه في الحال يستلزم نفيه مطلقا، فإن الثبوت في الحال ~~أخص من الثبوت مطلقا، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، إلا أن يراد النفي ~~المقيد بالحال لا نفي المقيد بالحال. # وأجيب أيضا بأن اللازم النفي في الجملة، ولا ينافي الثبوت في الجملة، إلا ~~أن يقال: أن الاعتبار بالمنافاة في اللغة لا في العقل. # واحتجوا ثانيا: بأنه لو صح إطلاق المشتق إطلاقا حقيقيا، باعتبار ما قبله، ~~لصح باعتبار ما بعده، ولا يصح اتفاقا. # وأجيب: بمنع الملازمة فإنه قد يشترط المشترك بين الماضي والحال، وهو كونه ~~ثبت له الضرب. # واحتج النافون بإجماع أهل اللغة على صحة ضارب أمس والأصل في الإطلاق ~~الحقيقة. # وأجيب: بأنه مجاز بدليل إجماعهم على صحة ضارب غدا وهو مجاز اتفاقا. # ويجاب عنه: بأن مجازيته لعدم تلبسه بالفعل، لا في الحال، ولا في الماضي، ~~فلا يستلزم مجازية ضارب أمس. # والحق: أن إطلاق المشتق على الماضي الذي قد انقطع حقيقة؛ لاتصافه بذلك في ~~الجملة. # وقد ذهب قوم إلى التفصيل فقالوا: إن كان معناه ممكن البقاء اشترط بقاؤه، ~~فإذا مضى وانقطع فمجاز، وإن كان غير ممكن البقاء لم يشترط بقاؤه، فيكون ~~إطلاقه عليه حقيقة. # وذهب آخرون إلى الوقف ولا وجه له، فإن أدلة صحة الإطلاق الحقيقي على ما ~~مضى وانقطع ظاهرة قوية. # PageV01P055 ### | المسألة الثانية: في الترادف # هو توالي الألفاظ المفردة الدالة على مسمى واحد، باعتبار ms036 معنى واحد. # فيخرج عن هذه الأدلة اللفظين على "شيء"* واحد لا باعتبار واحد بل باعتبار ~~صفتين كالصارم والمهند، أو باعتبار الصفة وصفة الصفة، كالفصيح والناطق. # والفرق بين الأسماء المترادفة والأسماء المؤكدة، أن المترادفة تفيد فائدة ~~واحدة من غير تفاوت أصلا. # وأما المؤكدة: فإن الاسم الذي وقع به التأكيد يفيد تقوية المؤكد أو ~~"دفع"** توهم التجوز، أو السهو أو عدم الشمول. # وقد ذهب الجمهور إلى إثبات الترادف في اللغة العربية، وهو الحق. # وسببه إما تعدد "الوضع"***، أو توسيع دائرة التعبير، وتكثير وسائله، وهو ~~المسمى عند "أهل البيان"****، بالافتنان، أو تسهيل مجال النظم، والنثر، ~~وأنواع البديع، فإنه قد "يصلح"***** أحد اللفظين المترادفين للقافية، أو ~~الوزن، أو السجعة1 دون الآخر، وقد يحصل التجنيس2، والتقابل3، والمطابقة4، ~~ونحو ذلك: "بهذا"****** دون هذا، وبهذا يندفع ما قاله المانعون لوقوع ~~الترادف، في اللغة من أنه لو وقع لعري عن الفائدة، لكفاية أحدهما، فيكون ~~الثاني من باب PageV01P056 # العبث، ويندفع أيضا ما قالوه: من أنه يكون من تحصيل الحاصل، ولم يأتوا ~~بحجة مقبولة في مقابلة ما هو معلوم بالضرورة، من وقوع الترادف في لغة ~~العرب، مثل: الأسد والليث، والحنطة، والقمح، والجلوس والقعود، وهذا كثير ~~جدا وإنكاره مباهتة. # وقولهم: إن ما يظن أنه من الترادف، هو من اختلاف الذات والصفة، كالإنسان ~~والبشر، أو الصفات كالخمر لتغطية العقل والعقار لعقره أو لمعاقرته، أو ~~اختلاف الحالة السابقة كالقعود من القيام والجلوس من الاضطجاع، تكلف ظاهر، ~~وتعسف بحت، وهو وإن أمكن تكلف مثله في بعض المواد المترادفة، فإنه لا يمكن ~~في أكثرها، يعلم هذا كل عالم بلغة العرب، فالعجب من نسبة المنع من الوقوع ~~إلى مثل ثعلب1، وابن فارس2 مع توسعهما في هذا العلم. PageV01P057 ### | المسألة الثالثة: في المشترك # وهو اللفظة الموضوعة لحقيقتين مختلفتين أو أكثر، وضعا أولا، من حيث هما ~~كذلك. # فخرج بالوضع: ما يدل على الشيء بالحقيقة، وعلى غيره بالمجاز، "وخرج بقيد: ~~أولا: المنقول"*، وخرج بقيد الحيثية: المتواطئ فإنه يتناول الماهيات ~~المختلفة، لكن لا من حيث هي كذلك، بل من حيث إنها ms037 مشتركة في معنى واحد. # وقد اختلف أهل العلم في المشترك: فقال قوم: إنه واجب الوقوع في لغة ~~العرب، وقال آخرون: إنه ممتنع الوقوع وقالت طائفة: إنه جائز الوقوع. # احتج القائلون بالوجوب: بأن الألفاظ متناهية، والمعاني غير متناهية، ~~والمتناهي إذا وزع على غير المتناهي لزم الاشتراك، ولا ريب في عدم تناهي ~~المعاني؛ لأن الأعداد منها، وهي غير متناهية بلا خلاف. # واحتجوا ثانيا: بأن الألفاظ العامة -كالموجود، والشيء- ثابتة في لغة ~~العرب، وقد ثبت أن PageV01P057 # وجود كل شيء نفس ماهيته فيكون وجود الشيء مخالفا لوجود الآخر، مع أن كل ~~واحد منهما يطلق عليه لفظ الموجود بالاشتراك. # وأجيب عن الدليل الأول: بمنع عدم تناهي المعاني، إن أريد بها المختلفة، ~~أو المتضادة، وتسليمه مع منع عدم وفاء الألفاظ بها، إن أريد المتماثلة ~~المتحدة في الحقيقة، أو المطلقة فإن الوضع للحقيقة المشتركة كاف في ~~التفهيم. # وأيضا: لو سلم عدم تناهي كل منها، لكان عدم تناهي ما يحتاج إلى التعبير ~~والتفهيم ممنوعا. # وأيضا: لا نسلم تناهي الألفاظ، لكونها متركبة من المتناهي، فإن أسماء ~~العدد غير متناهية، مع تركبها من الألفاظ المتناهية. # وأجيب عن الدليل الثاني: بأنا لا نسلم أن الألفاظ العامة ضرورية في ~~اللغة، وإن سلمنا ذلك، لا نسلم أن الموجود مشترك لفظي، لم لا يجوز أن يكون ~~مشتركا معنويا؟ وإن سلمنا ذلك، لم لا يجوز اشتراك الموجودات كلها في حكم ~~واحد، سوى الوجود وهو المسمى بتلك اللفظة العامة؟ # واحتج القائلون بالامتناع: بأن المخاطبة باللفظ المشترك لا يفيد فهم ~~المقصود على التمام، وما كان كذلك يكون منشأ للمفاسد. # وأجيب: بأنه لا نزاع في أنه لا يحصل الفهم التام بسماع اللفظ المشترك، ~~لكن هذا القدر لا يوجب نفيه؛ لأن أسماء الأجناس غير دالة على أحوال تلك ~~المسميات، لا نفيا، ولا إثباتا، والأسماء المشتقة لا تدل على تعيين ~~الموصوفات البتة، ولم يستلزم ذلك نفيها، وكونها غير ثابتة في اللغة. # واحتج من قال بجواز الوقوع وإمكانه: بأن المواضعة تابعة لأغراض المتكلم، ~~وقد يكون للإنسان غرض في تعريف غيره شيئا على ms038 التفصيل، وقد يكون غرضه تعريف ~~ذلك الشيء على الإجمال، بحيث يكون ذكر التفصيل سببا للمفسدة، كما روي عن ~~أبي بكر -رضي الله عنه- أنه قال لمن سأله عن الهجرة عن النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- من هو؟ فقال: "هو رجل يهدني السبيل"1. # ولأنه ربما لا يكون المتكلم واثقا بصحة الشيء على التعيين، إلا أنه يكون ~~واثقا بصحة وجود أحدهما لا محالة، فحينئذ يطلق اللفظ المشترك لئلا يكذب، ~~ولا يكذب، ولا يظهر جهله PageV01P058 # بذلك فإن أي معنى لا يصح فله أن يقول إنه كان مرادي الثاني، وبعد هذا كله ~~فلا يخفاك أن المشترك موجود في هذه اللغة العربية لا ينكر ذلك إلا مكابر ~~كالقرء فإنه مشترك بين الطهر والحيض مستعمل فيهما من غير ترجيح وهو معنى ~~الاشتراك، وهذا لا خلاف فيه بين أهل اللغة وقد أجيب عن هذا بمنع كون القرء ~~حقيقة فيها لجواز مجازية أحدهما وخفاء موضع الحقيقة ورد بأن المجاز إن ~~استغنى عن القرينة التحق بالحقيقة وحصل الاشتراك وهو المطلوب وإلا فلا ~~تساوي، ومثل القرء العين فإنها مشتركة بين معانيها المعروفة وكذا الجون ~~مشترك بين الأبيض والأسود وكذا عسعس مشترك بين أقبل وأدبر وكما هو واقع في ~~لغة العرب بالاستقراء فهو أيضا واقع في الكتاب والسنة فلا اعتبار بقول من ~~قال إنه غير واقع في الكتاب فقط أو غير واقع فيهما لا في اللغة. # PageV01P059 ### | المسألة الرابعة: الخلاف في استعمال المشترك في أكثر من معنى # اختلف في جواز استعمال اللفظ المشترك في معنييه أو معانيه. # فذهب الشافعي1، والقاضي أبو بكر، وأبو علي الجبائي، والقاضي عبد الجبار ~~بن أحمد2، والقاضي جعفر3، والشيخ "الحسن"*4، وبه قال الجمهور، وكثير من ~~أئمة أهل PageV01P059 # البيت إلى جوازه. # وذهب أبو هاشم، "وأبو الحسن"*1 البصري، والكرخي2، إلى امتناعه. # ثم اختلفوا: فمنهم من منع منه لأمر يرجع إلى القصد، ومنهم من منع منه ~~لأمر يرجع إلى الوضع. # والكلام ينبني على بحث هو: هل يلزم من كون اللفظ لمعنيين، أو معان على ~~البدل، أن يكون موضوعا لهما أو لها على الجمع، ms039 أم لا؟ # فقال المانعون: إن المعلوم بالضرورة المغايرة بين المجموع، وبين كل واحد ~~من الأفراد؛ لأن الوضع تخصيص لفظ بمعنى، فكل وضع يوجب أن لا يراد باللفظ ~~إلا هذا "الموضوع"** له، ويوجب أن يكون هذا المعنى تمام المراد باللفظ، ~~فاعتبار كل من الوضعين ينافي اعتبار الآخر، فاستعماله للمجموع استعمال له ~~في غير ما وضع له وإنه غير جائز. # وإن قلنا: إن ذلك اللفظ وضع للمجموع، فلا يخلو إما أن يستعمل لإفادة ~~المجموع وحده، مع إفادة أفراده، فإن كان الأول لم يكن اللفظ مفيدا إلا لأحد ~~مفهوماته؛ لأن الواضع وضعه بإزاء أمور ثلاثة على البدل، وأحدها ذلك ~~المجموع، فاستعمال اللفظ فيه وحده لا يكون استعمالا له في كل مفهوماته، وإن ~~قلنا: إنه مستعمل في إفادة المجموع والأفراد على البدل، فهو محال كما ~~قدمنا. # واحتج المجوزون بأمور: # أحدها: أن الصلاة من الله رحمة، ومن الملائكة استغفار، ثم إن الله سبحانه ~~أراد بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} 3 كلا المعنيين، وهذا هو ~~الجمع بين معنى المشترك. PageV01P060 # وأجيب: بأن هذه الآية ليس فيها استعمال الاسم المشترك في أكثر من معنى ~~واحد؛ لأن سياق الآية لإيجاب اقتداء المؤمنين بالله، وملائكته في الصلاة ~~على النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا بد من اتحاد معنى الصلاة في الجميع؛ ~~لأنه لو قيل: إن الله يرحم النبي، والملائكة يستغفرون له، يا أيها الذين ~~آمنوا ادعوا له، لكان هذا الكلام في غاية الركاكة، فعلم أنه لا بد من اتحاد ~~معنى الصلاة، سواء كان معنى حقيقيا، أو معنى مجازيا، أما الحقيقي: فهو ~~الدعاء، فالمراد أنه سبحانه يدعو ذاته بإيصال الخير إلى النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- ثم من لوازم هذا الدعاء الرحمة، فالذي قال: إن الصلاة من الله ~~الرحمة، قد أراد هذا المعنى، لا أن الصلاة وضعت للرحمة. # وأما المجازي: فكإرادة الخير، ونحو ذلك، مما يليق بهذا المقام، ثم إن ~~اختلف ذلك لأجل اختلاف الموصوف فلا بأس به، ولا يكون هذا من باب الاشتراك، ~~بحسب الوضع. # واحتجوا -أيضا- بقوله سبحانه: {ألم تر ms040 أن الله يسجد له من في السماوات ~~ومن في الأرض} الآية1، فإنه نسب السجود إلى العقلاء وغيرهم، كالشجر، ~~والدواب، فما نسب إلى غير العقلاء يراد به الانقياد، لا وضع الجبهة على ~~الأرض، وما نسب إلى العقلاء يراد به وضع الجبهة على الأرض، إذ لو كان ~~المراد الانقياد لما قال {وكثير من الناس} 2؛ لأن الانقياد شامل لجميع ~~الناس. # وأجيب: بأنه يمكن أن يراد بالسجود الانقياد في الجميع، وما ذكروا من أن ~~الانقياد شامل لجميع الناس باطل؛ لأن الكفار لم ينقادوا. # ويمكن أن يراد بالسجود وضع الرأس على الأرض في الجميع، فلا يحكم ~~باستحالته من الجمادات، إلا من يحكم باستحالة التسبيح من الجمادات، ~~وباستحالة الشهادة من الجوارح والأعضاء يوم القيامة. # إذا عرفت هذا لاح لك عدم جواز الجمع بين معنى المشترك، أو معانيه، ولم ~~يأت من جوزه بحجة مقبولة. # وقد قيل: إنه يجوز الجمع مجازا، لا حقيقة، وبه قال جماعة من المتأخرين, # وقيل: يجوز إرادة الجمع لكن بمجرد القصد، لا من حيث اللغة، وقد نسب هذا ~~إلى الغزالي والرازي. # وقيل: يجوز الجمع في النفي لا في الإثبات، فيقال مثلا: ما رأيت عينا، ~~ومراده العين PageV01P061 # الجارحة، وعين الذهب، وعين الشمس، وعين الماء، ولا يصح أن يقال: عندي ~~عين، وتراد هذه المعاني بهذه اللفظ. # وقيل: بإرادة الجميع في الجمع، فيقال مثلا: عندي عيون، ويراد تلك ~~المعاني، وكذا المثنى، فحكمه حكم الجمع، فيقال مثلا: عندي جونان، ويراد ~~أبيض وأسود، ولا يصح إرادة المعنيين، أو المعاني بلفظ المفرد، وهذا الخلاف ~~إنما هو في المعاني التي يصح الجمع بينها، وفي المعنيين اللذين يصح الجمع ~~بينهما، لا في المعاني المتناقضة. # PageV01P062 ### | المسألة الخامسة: في الحقيقة والمجاز وفيها عشر أبحاث ### | البحث الأول: في تفسير لفظي الحقيقة والمجاز # ... # المسألة الخامسة في الحقيقة والمجاز وفيها عشرة أبحاث: # البحث الأول في تفسير لفظي الحقيقة والمجاز: # أما الحقيقة: فهي فعيلة من حق الشيء، بمعنى ثبت، والتاء لنقل اللفظ من ~~الوصفية إلى الاسمية الصرفة. # وفعيل في الأصل: قد يكون بمعنى الفاعل، وقد يكون بمعنى المفعول، ms041 فعلى ~~التقدير الأول: يكون معنى الحقيقة الثابتة، وعلى الثاني يكون معناها ~~المثبتة. # وأما المجاز: فهو مفعل، من الجواز الذي هو التعدي، كما يقال: جزت "موضع ~~كذا"* أي: جاوزته وتعديته، أو من الجواز الذي هو قسيم الوجوب والامتناع، ~~وهو راجع إلى الأول؛ لأن الذي لا يكون واجبا ولا ممتنعا، يكون مترددا بين ~~الوجود والعدم، فكأنه ينتقل من هذا إلى هذا، "ومن هذا إلى هذا"**. ~~PageV01P062 ### | البحث الثاني في حدهما: # فقيل في حد الحقيقة: إنها اللفظ المستعمل فيما وضع له. # فيشمل هذا الوضع اللغوي، والشرعي، والعرفي، والاصطلاحي. # وزاد جماعة في هذا الجد قيدا، وهو قولهم: في اصطلاح التخاطب؛ لأنه إذا ~~كان التخاطب # PageV01P062 # باصطلاح، واستعمل فيه ما وضع له في اصطلاح آخر، لمناسبة بينه وبين ما وضع ~~له في اصطلاح التخاطب، كان مجازا مع أنه لفظ مستعمل فيما وضع له. # وزاد آخرون في هذا الحد قيدا، فقالوا: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له ~~أولا لإخراج مثل ما ذكر. # وقيل في حد الحقيقة: إنها ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي ~~وقع التخاطب به. # وقيل في حدها: إنها كل كلمة أريد بها عين ما وضعت له في وضع واضع، وضعا ~~لا يستند فيه إلى غيره. # وأما المجاز: فهو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة. # وقيل هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أولا، على وجه يصح. # وزيادة قيد: على وجه يصح لإخراج مثل استعمال لفظ الأرض في السماء. # وقيل في حده -أيضا-: إنه ما كان بضد معنى الحقيقة. # PageV01P063 ### | البحث الثالث: الحقائق اللغوية والعرفية والشرعية والخلاف في ثبوتها وثمرة ذلك # قد اتفق أهل العلم على ثبوت الحقيقة اللغوية والعرفية. # واختلفوا في ثبوت الحقيقة الشرعية، وهي اللفظ الذي استفيد من "الشرع"* ~~وضعه للمعنى، سواء كان اللفظ والمعنى مجهولين عند أهل اللغة أو كانا ~~معلومين لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى، أو كان أحدهما مجهولا ~~والآخر معلوما. # وينبغي أن يعلم قبل ذلك الخلاف والأدلة من الجانبين أن الشرعية هي ms042 اللفظ ~~المستعمل فيما وضع له بوضع الشارع، لا بوضع أهل الشرع كما ظن. # فذهب الجمهور إلى إثباتها، وذلك كالصلاة، والزكاة، والصوم والمصلي ~~والمزكي والصائم وغير ذلك فمحل النزاع الألفاظ المتداولة شرعا، المستعملة ~~في غير "معانيها اللغوية"**. PageV01P063 # فالجمهور جعلوها حقائق شرعية بوضع الشارع لها. # وأثبت المعتزلة أيضا مع الشرعية حقائق دينية، فقالوا إن ما استعمله ~~الشارع في معان غير لغوية ينقسم إلى قسمين: # القسم الأول: الأسماء التي أجريت على الأفعال، وهي الصلاة والصوم والزكاة ~~ونحو ذلك. # والقسم الثاني: الأسماء التي أجريت على الفاعلين كالمؤمن والكافر والفاسق ~~ونحو ذلك. # فجعلوا القسم الأول حقيقة شرعية والقسم الثاني: حقيقة دينية، وإن كان ~~الكل على السواء في أنه عرف شرعي. # وقال القاضي أبو بكر الباقلاني وبعض المتأخرين ورجحه الرازي إنها مجازات ~~لغوية غلبت في المعاني الشرعية لكثرة دورانها على ألسنة أهل الشرع. # وثمرة الخلاف: أنها إذا وردت في كلام الشارع مجردة عن القرينة هل تحمل ~~على المعاني الشرعية أو على اللغوية؟ # فالجمهور قالوا بالأول والباقلاني ومن معه قالوا بالثاني. # قالوا أما في كلام المتشرعة فيحمل على الشرعي اتفاقا لأنها قد صارت حقائق ~~عرفية بينهم وإنما النزاع في كون ذلك بوضع الشارع وتعيينه إياها بحيث تدل ~~على تلك المعاني بلا قرينة فتكون حقائق شرعية أو بغلبتها في لسان أهل الشرع ~~فقط ولم يضعها الشارع بل استعملها مجازات لغوية لقرائن فتكون حقائق عرفية ~~خاصة لا شرعية. # احتج الجمهور بما هو معلوم شرعا أن الصلاة في لسان الشارع وأهل الشرع ~~لذات الأذكار والأركان والزكاة لأداء مال مخصوص والصيام لإمساك مخصوص والحج ~~لقصد مخصوص وأن هذه المدلولات هي المتبادرة عند الإطلاق وذلك علامة الحقيقة ~~بعد أن كانت الصلاة في اللغة للدعاء والزكاة للنماء والصيام للإمساك مطلقا ~~والحج للقصد مطلقا # وأجيب عن هذا بأنها باقية في معانيها اللغوية والزيادات شروط والشرط خارج ~~عن المشروط. # ورد بأنه يستلزم أن لا يكون مصليا من لم يكن داعيا كالأخرس. # وأجيب أيضا بأنه لا يلزم من سبق المعاني الشرعية عند الإطلاق ثبوت ~~الحقائق الشرعية ms043 لجواز صيرورتها بالغلبة حقائق عرفية خاصة لأهل الشرع وإن ~~لم تكن حقائق شرعية بوضع الشارع # PageV01P064 # ورد بأنه إن أريد بكون اللفظ مجازا أن الشارع استعمله في معناه لمناسبة ~~للمعنى اللغوي ثم اشتهر فأفاد بغير قرينة فذلك معنى الحقيقة الشرعية فثبت ~~المدعي وإن أريد أن أهل اللغة استعملوه في هذه المعاني وتبعهم الشارع في ~~ذلك فخلاف الظاهر للقطع بأنها معان حادثة ما كان أهل اللغة يعرفونها. # واحتج القاضي ومن معه بأن إفادة هذه ألفاظ لهذه المعاني لو لم تكن لغوية ~~لما كان القرآن كله عربيا وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم، أما الملازمة ~~فلأن هذه الألفاظ مذكورة في القرآن فلو لم تكن إفادتها لهذه المعاني عربية ~~لزم أن لا يكون القرآن عربيا. # وأما فساد اللازم فلقوله سبحانه: {قرآنا عربيا} 1 وقوله: {وما أرسلنا من ~~رسول إلا بلسان قومه} 2. # وأجيب بأن إفادة هذه الألفاظ لهذه المعاني وإن لم تكن عربية لكنها في ~~الجملة ألفاظ عربية فإنهم كانوا يتكلمون بها في الجملة وإن كانوا يعنون بها ~~غير هذه المعاني وإذا كان كذلك كانت هذه الألفاظ عربية فالملازمة ممنوعة. # وأجيب أيضا: بأنا لا نسلم أنها ليست بعربية على تسليم أنها مجازات لغوية ~~جعلها الشارع حقائق شرعية لأن المجازات عربية وإن لم "تصرح"* العرب بآحادها ~~فقد جوزوا نوعها وذلك يكفي في نسبة المجازات بأسرها إلى لغة العرب وإلا لزم ~~"أنها"** كلها ليست بعربية واللازم باطل فالملزوم مثله. # ولو سلمنا أن المجازات العربية التي صارت حقائق بوضع الشارع ليست بعربية ~~لم يلزم أن يكون القرآن غير عربي بدخولها فيه لأنها قليلة جدا والاعتبار ~~بالأغلب فإن الثور الأسود لا يمنع إطلاق اسم الأسود عليه بوجود شعرات بيض ~~في جلده على أن القرآن يقال بالاشتراك على مجموعه وعلى كل بعض منه فلا تدل ~~الآية على أنه كله عربي كما يفيده قوله في سورة يوسف {إنا أنزلناه قرآنا ~~عربيا} 3 والمراد منه تلك السورة. # وأيضا: الحروف المذكورة في أوائل السور ليست بعربية و"المشكاة"4 لغة ~~حبشية PageV01P065 # والإستبرق"1 و"السجيل"2 فارسيان و"القسطاس"3 ms044 من لغة الروم. # وإذا عرفت هذا تقرر لك ثبوت الحقائق الشرعية، وعلمت أن نافيها لم يأت ~~بشيء يصلح للاستدلال كما أوضحناه وهكذا الكلام فيما سمته المعتزلة حقيقة ~~دينية فإنه من جملة الحقائق الشرعية كما قدمنا4 فلا حاجة إلى تطويل البحث ~~فيه. PageV01P066 ### | البحث الرابع: المجاز في لغة العرب # ... # البحث الرابع: المجاز واقع في لغة العرب عند جمهور أهل العلم # وخالف في ذلك أبو إسحاق الإسفراييني وخلافه هذا يدل أبلغ دلالة على عدم ~~اطلاعه على لغة العرب وينادي بأعلى صوت بأن سبب هذا الخلاف تفريطه في ~~الاطلاع على ما ينبغي الاطلاع عليه من هذه اللغة الشريفة وما اشتملت عليه ~~من الحقائق والمجازات التي لا تخفى على من له أدنى معرفة بها. # وقد استدل بما هو أوهن من بيت العنكبوت، فقال: "إنه"* لو كان المجاز ~~واقعا في لغة العرب لزم الإخلال بالتفاهم إذ قد تخفى القرينة. # وهذا التعليل عليل فإن تجويز خفاء القرينة أخفى من السها1. PageV01P066 # واستدل صاحب المحصول لهذا القائل بأن اللفظ لو أفاد المعنى على سبيل ~~المجاز، فإما أن يفيد مع القرينة أو بدونها والأول باطل لأنه مع القرينة ~~المخصوصة لا يحتمل غير ذلك فيكون هو مع تلك القرينة حقيقة لا مجازا والثاني ~~باطل لأن اللفظ لو أفاد معناه المجازي بدون قرينة. لكان حقيقة فيه إذ لا ~~معنى للحقيقة إلا كونها مستقلة بالإفادة بدون قرينة. # وأجاب عنه بأن هذا نزاع في العبارة. # ولنا أن نقول اللفظ الذي لا يفيد إلا مع القرينة هو المجاز، ولا يقال ~~للفظة مع القرينة حقيقة فيها لأن دلالة القرينة ليست دلالة وضعية حتى يجعل ~~المجموع لفظا واحدا دالا على المسمى. # وعلى كل حال: فهذا "القول"* لا ينبغي الاشتغال بدفعه ولا التطويل في رده ~~فإن وقوع المجاز وكثرته في اللغة العربية أشهر من نار على علم وأوضح من شمس ~~النهار. # قال ابن جني1: أكثر اللغة مجاز. # وقد قيل إن أبا علي الفارسي2 قائل بمثل هذه المقالة التي قالها ~~الإسفراييني وما أظن مثل أبي علي يقول ذلك فإنه ms045 إمام اللغة العربية الذي لا ~~يخفى على مثله مثل هذا الواضح البين الظاهر الجلي. # وكما أن المجاز واقع في لغة العرب فهو أيضا واقع في الكتاب العزيز عند ~~الجماهير وقوعا كثيرا بحيث لا يخفى إلا على من لا يفرق بين الحقيقة ~~والمجاز. # وقد روي عن الظاهرية3: نفيه في الكتاب العزيز وما هذا بأول مسائلهم التي ~~جمدوا فيها جمودا يأباه الإنصاف وينكره الفهم ويجحده العقل. # وأما ما استدل به لهم من أن المجاز كذب لأنه ينفي فيصدق نفيه وهو باطل ~~لأن الصادق إنما هو نفي الحقيقة فلا ينافي صدق إثبات المجاز وليس في المقام ~~من الخلاف ما يقتضي ذكر بعض المجازات الواقعة في القرآن والأمر أوضح من ~~ذلك، وكما أن المجاز واقع في الكتاب العزيز وقوعا كثيرا فهو أيضا واقع في ~~السنة وقوعا كثيرا والإنكار لهذا الوقوع مباهتة لا يستحق المجاوبة. ~~PageV01P067 ### | البحث الخامس: علاقات الحقيقة والمجاز # إنه لا بد من العلاقة في كل مجاز فيما بينه وبين الحقيقة. # والعلاقة هي اتصال للمعنى المستعمل فيه بالموضوع له وذلك الاتصال إما ~~باعتبار الصورة كما في المجاز المرسل أو باعتبار المعنى كما في الاستعارة ~~وعلاقتها المشابهة وهي الاشتراك في معنى مطلقا لكن يجب أن تكون ظاهرة ~~الثبوت لمحله والانتفاء عن غيره كالأسد للرجل الشجاع لا الأبخر1. # والمراد الاشتراك في الكيف فيندرج تحت مطلق العلاقة المشاكلة الكلامية ~~كإطلاق الإنسان على الصورة المنقوشة ويندرج تحتها أيضا المطابقة2 ~~والمناسبة3 والتضاد المنزل منزلة التناسب لتهكم نحو: {فبشرهم بعذاب أليم} 4 ~~فهذا الاتصال المعنوي. # وأما الاتصال الصوري فهو إما في اللفظ وذلك في المجاز بالزيادة والنقصان ~~وفي المشاكلة البديعية وهي الصحبة الحقيقية أو التقديرية. # وقد تكون العلاقة باعتبار ما مضى وهو الكون عليه كاليتيم للبالغ أو ~~باعتبار المستقبل وهو الأول إليه كالخمر للعصير أو باعتبار الكلية والجزئية ~~كالركوع "في الصلاة"*، واليد فيما وراء الرسغ، والحالية والمحلية، كاليد في ~~القدرة، والسببية والمسببية، والإطلاق والتقييد واللزوم، والمجاورة، ~~والظرفية، والمظروفية، والبدلية، والشرطية، والمشروطية والضدية5. ~~PageV01P068 # ومن العلاقات: إطلاق المصدر على الفاعل، أو المفعول ms046 كالعلم في العالم أو ~~المعلوم. # ومنها: تسمية إمكان الشيء باسم وجوده، كما يقال للخمر التي في الدن: إنها ~~مسكرة. # ومنها: إطلاق اللفظ المشتق بعد زوال المشتق منه. # وقد جعل بعضهم في إطلاق اسم السبب على المسبب أربعة أنواع: القابل، ~~والصورة، والفاعل، والغاية، أي تسمية الشيء باسم قابله نحو سال الوادي، ~~وتسمية الشيء باسم صورته كتسمية القدرية باليد وتسمية الشيء باسم فاعله ~~حقيقة أو ظنا كتسمية المطر بالسماء والنبات بالغيث وتسمية الشيء باسم غايته ~~كتسمية العنب بالخمر. # وفي إطلاق اسم المسبب على السبب أربعة أنواع على العكس من هذه المذكورة ~~قبل هذا. # "وعند"* بعضهم من العلاقات الحلول في محل واحد، كالحياة في الإيمان ~~والعلم، وكالموت في ضدهما، والحلول في محلين متقاربين، كرضى الله في رضى ~~رسوله، والحلول في حيزين متقاربين، كالبيت في الحرم كما في قوله: {فيه آيات ~~بينات مقام إبراهيم} 1. # وهذه الأنواع راجعة إلى علاقة الحالية والمحلية كما أن الأنواع السابقة ~~مندرجة تحت علاقة السببية والمسببية فما ذكرناه ههنا مجموعه أكثر من ثلاثين ~~علاقة. # وعد بعضهم من العلاقات ما لا تعلق لها بالمقام كحذف المضاف نحو {واسأل ~~القرية} 2 يعني أهلها، وحذف المضاف إليه نحو: أنا ابن جلا3. PageV01P069 # أي أنا ابن رجل جلا. # والنكرة في الإثبات إذا جعلت للعموم نحو {علمت نفس ما أحضرت} 1 أي: كل ~~نفس والمعرف باللام إذا أريد به الواحد المنكر نحو {ادخلوا عليهم الباب} 2 ~~أي بابا من أبوابها والحذف نحو {يبين الله لكم أن تضلوا} 3 أي كراهة أن ~~تضلوا والزيادة كقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} 4. # ولو كانت هذه معتبرة لكانت العلاقات نحو أربعين علاقة لا كما قال بعضهم ~~إنها لا تزيد على إحدى عشرة. # وقال آخر لا تزيد على عشرين. # وقال آخر لا تزيد عن خمس وعشرين فتدبر. # واعلم أنه لا يشترط النقل في آحاد المجاز، بل العلاقة كافية، والمعتبر ~~نوعها، ولو كان نقل آحاد المجاز معتبرا لتوقف أهل العربية في التجوز على ~~النقل ولوقعت منهم التخطئة لمن استعمل غير المسموع من المجازات ms047 وليس كذلك ~~بالاستقراء. # ولذلك لم يدونوا المجازات كالحقائق وأيضا لو كان نقليا لاستغنى عن النظر ~~في العلاقة لكفاية النقل. # وإلى عدم اشتراط نقل آحاد المجاز ذهب الجمهور، وهو الحق. ولم يأت من ~~اشترط ذلك بحجة تصلح لذكرها وتستدعي التعرض لدفعها. وكل من له علم وفهم ~~يعلم أن أهل اللغة العربية ما زالوا يخترعون المجازات عند وجود العلاقة ~~ونصب القرينة وهكذا من جاء بعدهم من أهل البلاغة في فني النظم والنثر ~~ويتمادحون باختراع الشيء الغريب من المجازات عند وجود المصحح للتجوز ولم ~~يسمع عن واحد منهم خلاف هذا. PageV01P070 ### | البحث السادس: في قرائن المجاز # اعلم: أن القرينة إما خارجة عن المتكلم والكلام، أي: لا تكون معنى في ~~المتكلم وصفة له، ولا تكون من جنس الكلام، أو تكون معنى في المتكلم أو تكون ~~من جنس الكلام. # PageV01P070 # وهذه القرينة التي تكون من جنس الكلام إما لفظ خارج عن هذا الكلام الذي ~~يكون المجاز فيه بأن يكون في كلام آخر لفظ يدل على عدم إرادة المعنى ~~الحقيقي أو غير خارج عن هذا الكلام بل هو عينه أو شيء منه يكون دالا على ~~عدم إرادة الحقيقة. # ثم هذا القسم على نوعين: # إما أن يكون بعض الأفراد أولى من بعض في دلالة ذلك اللفظ عليه كما لو قال ~~كل مملوك لي حر فإنه لا يقع على المكاتب مع أنه عبد ما بقي عليه درهم فيكون ~~هذا اللفظ مجازا من حيث إنه مقصور على بعض الأفراد "أو لا يكون أولى وهو ~~ظاهر"*. # أما القرينة التي تكون لمعنى في المتكلم فكقوله سبحانه: {واستفزز من ~~استطعت منهم} الآية [64 من سورة الإسراء] فإنه سبحانه لا يأمر بالمعصية. # وأما القرينة الخارجة عن الكلام فكقوله: {فمن شاء فليؤمن} فإن سياق ~~الكلام وهو قوله: {إنا أعتدنا} [الكهف: 29] يخرجه عن أن يكون للتخيير. # "ونحو"**: طلق امرأتي إن كنت رجلا فإن هذا لا يكون توكيلا لأن قوله إن ~~كنت رجلا يخرجه عن ذلك فانحصرت القرينة في هذه الأقسام. # ثم القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي ms048 قد تكون عقلية وقد تكون حسية ~~وقد تكون عادية وقد تكون شرعية فلا تختص قرائن المجاز بنوع من هذه الأنواع ~~دون نوع. PageV01P071 ### | البحث السابع: في الأمور التي يعرف بها المجاز ويتميز عندها عن الحقيقة # اعلم: أن الفرق بين الحقيقة والمجاز إما أن يقع بالنص أو الاستدلال: # أما "النص"* فمن وجهين: # الأول: أن يقول الواضع: هذا حقيقة وذاك مجاز. # الثاني: أن يذكر الواضع حد كل واحد منهما بأن يقول: هذا مستعمل فيما وضع ~~له، وذاك مستعمل في غير ما وضع له، ويقوم مقام الحد ذكر خاصة كل واحد ~~منهما. PageV01P071 # وأما الاستدلال فمن وجوه ثلاثة: # الأول أن يسبق المعنى إلى أفهام أهل اللغة عند سماع اللفظ بدون قرينة ~~فيعلم بذلك أنه حقيقة فيه فإن كان لا يفهم منه المعنى المراد إلا بالقرينة ~~فهو المجاز. # واعترض على هذا بالمشترك المستعمل في معنييه أو معانيه فإنه لا يتبادر ~~أحدهما أو أحدها لولا القرينة المعينة للمراد مع أنه حقيقة. # وأجيب: بأنها "تتبادر"* جميعها عند من قال بجواز حمل المشترك على جميع ~~معانيه ويتبادر أحدها لا بعينه عند من منع من حمله على جميع معانيه. # ورد بأن علامة المجاز تصدق حينئذ على المشترك المستعمل في المعين إذ ~~يتبادر غيره وهو علامة المجاز مع أنه حقيقة فيه. # ودفع هذا الرد بأنه إنما يصح ذلك لو تبادر أحدهما لا بعينه على أنه ~~المراد واللفظ موضوع للقدر المشترك مستعمل فيه. # وأما إذا علم أن المراد أحدهما بعينه إذ اللفظ يصلح لهما وهو مستعمل في ~~أحدهما ولا يعلمه فذلك كاف في كون المتبادر غير المجاز فلا يلزم كونه ~~للمعين مجازا. # الثاني: صحة النفي للمعنى المجازي وعدم صحته للمعنى الحقيقي في نفس ~~الأمر، واعترض بأن العلم بعدم صحة النفي موقوف على العلم بكونه حقيقة ~~فإثبات كونه حقيقة به دور ظاهر وكذا العلم بصحة النفي موقوف على العلم بأن ~~ذلك المعنى ليس من المعاني الحقيقية وذلك موقوف على العلم بكونه مجازا ~~فإثبات كونه مجازا به دور. # وأجيب بأن سلب بعض المعاني الحقيقية ms049 كاف فيعلم أنه مجاز فيه وإلا لزم ~~الاشتراك وأيضا إذا علم معنى اللفظ الحقيقي والمجازي ولم يعلم أيهما المراد ~~أمكن أن يعلم "بصحة"** نفي المعنى الحقيقي أن المراد هو المعنى المجازي ~~وبعدم صحته أن المراد هو المعنى الحقيقي. # الثالث: عدم اطراد المجاز وهو أن لا يجوز استعماله في محل مع وجود سبب ~~الاستعمال المسوغ لاستعماله في محل آخر كالتجوز بالنخلة للإنسان الطويل دون ~~غيره مما فيه طول وليس الاطراد دليل الحقيقية فإن المجاز قد يطرد كالأسد ~~للشجاع. # واعترض: بأن عدم الاطراد قد يوجد في الحقيقة كالسخي، والفاضل، فإنهما لا ~~يطلقان PageV01P072 # على الله سبحانه مع وجودهما على وجه الكمال فيه، وكذا القارورة لا تطلق ~~على غير الزجاجة، مما يوجد معنى الاستقرار فيه كالدن1. وأجيب عنه: بأن ~~الأمارة عدم الاطراد لا لمانع لغة أو شرعا، ولم يتحقق فيما ذكرتم من ~~الأمثلة فإن الشرع منع من إطلاق السخي، والفاضل على الله سبحانه، واللغة ~~منعت من إطلاق القارورة على غير الزجاجة. # وقد ذكروا غير هذه الوجوه مثل قولهم من العلامات الفارقة بين الحقيقة ~~والمجاز أنها إذا علقت الكلمة بما يستحيل تعليقها به علم أنها في أصل اللغة ~~غير موضوعة له فيعلم أنها مجاز فيه. # ومنها: أن يضعوا اللفظة لمعنى، ثم يتركوا استعماله إلا في بعض معانيه ~~المجازية، ثم استعملوه بعد ذلك في غير ذلك الشيء، فإنا نعلم كونه من المجاز ~~العرفي مثل: استعمال لفظ الدابة في "الحمار"*. # ومنها: امتناع الاشتقاق، فإنه دليل على كون اللفظ مجازا. # منها: أن تختلف صيغة الجمع على الاسم، فيجمع على صيغة مخالفة لصيغة جمعه ~~لمسمى آخر، هو فيه حقيقة. # ومنها: أن المعنى الحقيقي إذا كان متعلقا بالغير، فإنه إذا استعمل فيما ~~لا يتعلق به شيء كان مجازا، وذلك كالقدرة إذا أريد بها الصفة كانت متعلقة ~~بالمقدور وإذا أطلقت على النبات الحسن لم يكن لها متعلق فيعلم كونها مجازا ~~فيه. # ومنها: أن يكون إطلاقه على أحد مسمييه متوقفا على تعلقه بالآخر نحو: ~~{ومكروا ومكر الله} 2؛ ولا يقال: مكر الله ابتداء. ms050 # ومنها: لا يستعمل إلا مقيدا ولا يستعمل للمعنى المطلق كنار الحرب، وجناح ~~الذل. PageV01P073 ### | البحث الثامن: عدم اتصاف اللفظ قبل الاستعمال بالحقيقة والمجاز # في أن اللفظ قبل الاستعمال لا يتصف بكونه حقيقة ولا بكونه مجازا لخروجه ~~عن حد كل واحد منهما، إذ الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له، والمجاز ~~هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له. # وقد اتفقوا على أن الحقيقة لا تستلزم المجاز؛ لأن اللفظ قد يستعمل في ما ~~وضع له، ولا يستعمل في غيره، وهذا معلوم لكل عالم بلغة العرب. # واختلفوا هل يستلزم المجاز الحقيقة؛ أم لا؟ بل يجوز أن يستعمل اللفظ في ~~غير ما وضع له، ولا يستعمل في ما وضع له أصلا. # فقال جماعة: إن المجاز يستلزم الحقيقة. واستدلوا على ذلك: بأنه لو لم ~~يستلزم لخلا الوضع عن الفائدة، وكان عبثا وهو محال. # أما الملازمة: فلأن ما لم يستعمل لا يفيد فائدة، وفائدة الوضع: إنما هي ~~إعادة المعاني المركبة، وإذا لم يستعمل لم يقع في التركيب فانتفت فائدته. # وأما بطلان اللازم فظاهر. # وأجيب بمنع انحصار "فائدة"* في إفادة المعاني المركبة، فإن صحة التجوز ~~فائدة. # واستدل القائلون: بعدم الاستلزام -وهم الجمهور- بأنه لو استلزم المجاز ~~الحقيقة لكانت لنحو شابت لمة الليل أي: ابيض الغسق، وقامت الحرب على ساق أي ~~اشتدت حقيقة واللازم منتف. # وأجيب عن هذا بجوابين، جدلي وتحقيقي: # أما الجدلي فبأن الإلزام مشترك لأن نفس الوضع لازم للمجاز، فيجب أن تكون ~~هذه المركبات موضوعة لمعنى متحقق وليس كذلك. # وأما التحقيقي: فباختيار أن لا مجاز في المركب، بل في المفردات، ولها وضع ~~واستعمال، ولا مجاز في التركيب حتى يلزم أن يكون له معنى. ومن اتبع عبد ~~القاهر1 في أن المجاز مفرد ومركب ويسمى عقليا، وحقيقة عقلية، PageV01P074 # لكونهما في الإسناد، سواء كان طرفاه حقيقتين، نحو: سرتني رؤيتك أو مجازين ~~نحو أحياني اكتحالي بطلعتك أو مختلفين فإن اتبعه في عدم الاستلزام -أيضا ~~فذاك وإلا فله أن يجيب: بأن مجازات الأطراف لا مدخل لها فيه، ولها حقائق ~~مجاز الإسناد ليس ms051 لفظا، حتى يطلب لعينه حقيقة ووضع بل له معنى حقيقة بغير ~~هذا اللفظ، واجتماع المجازات لا يستلزم اجتماع حقائقها. # ومن قال بإثبات المجاز المركب في الاستعارة التمثيلية1، نحو طارت به ~~العنقاء2، وأراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى، فلا بد أن يقول بعدم الاستلزام. ومن ~~نفى المجاز المركب أجاب عن المجاز العقلي بأنه من الاستعارة التبعية3 وذلك؛ ~~لأن عرف العرب أن يعتبروا القابل فاعلا، نحو مات فلان، وطلعت الشمس ولم ~~يلتزموا الإسناد إلى الفاعل الحقيقي كما في أنبت الله، وخلق الله فكذا ~~سرتني رؤيتك؛ لأنها قابلة لأحداث الفرح ونحوها من الصور الإسنادية. # وأشف ما استدلوا به قولهم: إن الرحمن مجاز في الباري سبحانه؛ لأنه معناه ~~ذو الرحمة، ومعناه الحقيقي -وهو رقة القلب- لا وجود له، ولم يستعمل في غيره ~~تعالى. # وأجيب: بأن العرب قد استعملته في المعنى الحقيقي، فقالوا لمسيلمة4: هو ~~رحمان اليمامة. # ورد: بأنهم لم يريدوا بهذا الإطلاق أن مسيلمة رقيق القلب حتى يرد النقض ~~به، ومما يستدل به للنافي أن أفعال المدح والذم هي أفعال ماضية ولا دلالة ~~لها على الزمان الماضي فكانت مجازات لا حقائق لها. PageV01P075 ### | البحث التاسع: في اللفظ إذا دار بين أن يكون مجازا أو مشتركا # هل يرجح المجاز على الاشترك أو الاشترك على المجاز؟ # فرجح قوم الأول، ورجح آخرون الثاني. # استدل الأولون بأن المجاز أكثر من الاشتراك في لغة العرب، فرجح الأكثر ~~على الأقل، قال ابن جني: أكثر اللغة مجاز وبأن المجاز معمول به مطلقا، فبلا ~~قرينة حقيقة، ومعها مجاز والمشترك بلا قرينة مهمل، والإعمال أولى من ~~الإهمال، وبأن المجاز أبلغ من الحقيقة كما هو مقرر في علم المعاني والبيان، ~~وبأنه أوجز كما في الاستعارة فهذه فوائد للمجاز، وقد ذكروا غيرها من ~~الفوائد التي لا مدخل لها في المقام، وذكروا للمشترك مفاسد منها: إخلاله ~~بالفهم عند خفاء القرينة عند من لا يجوز حمله على معنييه أو معانيه، بخلاف ~~المجاز فإنه عند خفاء القرينة يحمل على الحقيقة. # ومنها: تأديته إلى مستبعد من نقيض أو ضد كالقرء إذا أطلق ms052 مرادا به الحيض ~~فيفهم منه الطهر أو بالعكس. # ومنها احتياجه إلى قرينتين: إحداهما "معينة"* للمعنى المراد، والأخرى ~~"معينة"* للمعنى الآخر بخلاف المجاز فإنه تكفي فيه قرينة واحدة. # واحتج الآخرون: بأن للاشتراك فوائد لا توجد في المجاز، وفي المجاز مفاسد ~~لا توجد في المشترك. # فمن الفوائد: أن المشترك مطرد فلا يضطرب، بخلاف المجاز فقد لا يطرد كما ~~تقدم1. # ومنها: الاشتقاق منه بالمعنيين، فيتسع الكلام نحو أقرأت المرأة بمعنى ~~حاضت وطهرت والمجاز لا يشتق منه، وإن صلح له حال كونه حقيقة. # ومنها: صحة التجوز باعتبار "معنيي"** المشترك فتكثر بذلك الفوائد. # وأما مفاسد المجاز التي لا توجد في المشترك فمنها: احتياجه إلى الوضعين ~~الشخصي والنوعي، والشخصي باعتبار معناه الأصلي والفرعي للعلاقة. ~~PageV01P076 # والمشترك يكفي فيه الوضع الشخصي، ولا يحتاج إلى النوعي لعدم احتياجه إلى ~~العلاقة. # ومنها: أن المجاز مخالف للظاهر، فإن الظاهر المعنى الحقيقي، لا المجازي، ~~بخلاف المشترك، فإنه ليس ظاهرا في بعض، معانيه دون بعض، حتى يلزم بإرادة ~~أحدها مخالفة الظاهر. # ومنها: أن المجاز قد يؤدي إلى الغلط عند عدم القرينة، فيحمل على المعنى ~~الحقيقي، بخلاف المشترك، فإن معانيه كلها حقيقية. # وقد أجيب عن هذه الفوائد والمفاسد التي ذكرها الأولون والآخرون. والحق أن ~~الحمل على المجاز أولى من الحمل على الاشتراك لغلبة المجاز بلا خلاف، ~~والحمل على الأعم الأغلب دون القليل النادر متعين. # واعلم أن التعارض الحاصل بين أحوال الألفاظ لا يختص بالتعارض بين المشترك ~~والمجاز، فإن الخلل في فهم مراد المتكلم يكون على خمسة أوجه: # أحدها: احتمال الاشتراك. # وثانيها: احتمال النقل بالعرف أو الشرع. # وثالثها: احتمال المجاز. # ورابعها: احتمال الإضمار. # وخامسها: احتمال التخصيص. # ووجه كون هذه الوجوه تؤثر خللا في فهم مراد المتكلم: أنه إذا انتفى ~~احتمال الاشتراك والنقل، كان اللفظ موضوعا لمعنى واحد، وإذا انتفى احتمال ~~المجاز والإضمار كان المراد من اللفظ ما وضع له، وإذا انتفى احتمال التخصيص ~~كان المراد باللفظ جميع ما وضع له، فلا يبقى عند ذلك خلل في الفهم. # والتعارض بين هذه يقع في عشرة وجوه؛ لأنه ms053 يقع بين الاشتراك وبين الأربعة ~~الباقية، ثم بين النقل وبين الثلاثة الباقية، ثم بين المجاز والوجهين ~~الباقيين، ثم بين الإضمار والتخصيص. # فإذا وقع التعارض بين الاشتراك والنقل، فقيل: إن النقل أولى؛ لأنه يكون ~~اللفظ عند النقل لحقيقة واحدة مفردة في جميع الأوقات، والمشترك مشترك في ~~الأوقات كلها. # وقيل: الاشتراك أولى؛ لأنه لا يقتضي "نسخ"*وضع سابق، والنقل يقتضيه. # وأيضا: لم ينكر وقوع المشترك في لغة العرب أحد من أهل العلم، وأنكر النقل ~~كثير منهم. PageV01P077 # وأيضا قد لا يعرف النقل فيحمل السامع ما سمعه من اللفظ على المعنى ~~الأصلي، فيقع الغلط. # وأيضا: المشترك أكثر وجودا من المنقول. # وهذه الوجوه ترجح الاشتراك على النقل، وهي أقوى مما استدل به من رجح ~~النقل، وأما التعارض بين المشترك والمجاز: فقد تقدم1 تحقيقه في صدر هذا ~~البحث. # وأما التعارض بين الاشتراك والإضمار، فقيل: إن الإضمار أولى؛ لأن الإجمال ~~الحاصل بسبب الإضمار مختص ببعض الصور، والإجمال الحاصل بسبب الاشتراك عام ~~في كل الصور، فكان إخلاله بالفهم أكثر من إخلال الإضمار به. # وقيل: إن الاشتراك أولى؛ لأن الإضمار محتاج إلى ثلاث قرائن، قرينة تدل ~~على أصل الإضمار، وقرينة تدل على موضع الإضمار، وقرينة تدل على نفس المضمر، ~~والمشترك يفتقر إلى قرينتين كما سبق، فكان الإضمار أكثر إخلالا بالفهم. # وأجيب: بأن الإضمار وإن افتقر إلى تلك القرائن الثلاث، فذلك في صورة ~~واحدة، بخلاف المشترك، فإنه يفتقر إلى القرينتين في صور متعددة، فكان أكثر ~~إخلالا بالفهم، على أن الإضمار من باب الإيجاز، وهو من محسنات الكلام. # وأما التعارض بين الاشتراك والتخصيص فقيل: التخصيص أولى؛ لأن التخصيص ~~أولى من المجاز، وقد تقدم2 أن المجاز أولى من الاشتراك. وأما التعارض بين ~~النقل والمجاز، فقيل المجاز أولى؛ لأن النقل يحتاج إلى اتفاق أهل اللسان ~~على تغيير الوضع، وذلك متعذر أو متعسر، والمجاز يحتاج إلى قرينة مانعة عن ~~فهم الحقيقة وذلك متيسر. # وأيضا المجاز أكثر من النقل والحمل على الأكثر مقدم، وأيضا في المجاز ما ~~قدمنا3 من الفوائد وليس شيء من ذلك في المنقول. ms054 # وأما التعارض بين النقل والتخصيص، فقيل: التخصيص أولى لما تقدم من أن ~~التخصيص مقدم على المجاز، والمجاز مقدم على النقل. # وأما التعارض بين المجاز والإضمار، فقيل هما سواء، وقيل المجاز أولى؛ لأن ~~الإضمار يحتاج إلى ثلاث قرائن كما تقدم. PageV01P078 # وأما التعارض بين المجاز والتخصيص: فالتخصيص أولى؛ لأن السامع إذا لم يجد ~~قرينة تدل على التخصيص حمل اللفظ على عمومه، فيحصل مراد المتكلم، وأما في ~~المجاز فالسامع إذا لم يجد قرينة لحمله على الحقيقة، فلا يحصل مراد ~~المتكلم. # وأما التعارض بين الإضمار والتخصيص: فالتخصيص أولى لما تقدم من أن ~~التخصيص مقدم على المجاز، والمجاز هو والإضمار سواء، وهو أولى من الإضمار. # PageV01P079 ### | البحث العاشر: في الجمع بين الحقيقة والمجاز # ذهب جمهور أهل العربية، وجميع الحنفية، وجمع من المعتزلة، والمحققون من ~~الشافعية، إلى أنه لا يستعمل اللفظ في المعنى الحقيقي والمجازي، حال كونهما ~~مقصودين بالحكم، بأن يراد كل واحد منهما. # وأجاز ذلك بعض الشافعية، وبعض المعتزلة كالقاضي عبد الجبار، وأبي علي ~~الجبائي1 مطلقا إلا أن لا يمكن الجمع بينهما كافعل أمرا وتهديدا فإن الأمر ~~طلب الفعل، والتهديد يقتضي الترك فلا يجتمعان معا. # وقال الغزالي، وأبو الحسين: إنه يصح استعماله فيهما عقلا لا لغة، إلا في ~~غير المفرد كالمثنى والمجموع، فيصح استعماله فيهما لغة لتضمنه المتعدد ~~كقولهم: القلم أحد اللسانين2. # ورجح هذا التفصيل ابن الهمام، وهو قوي؛ لأنه قد وجد المقتضى وفقد المانع ~~فلا يمتنع عقلا إرادة غير المعنى الحقيقي، مع المعنى الحقيقي بالمتعدد. ~~واحتج المانعون مطلقا: بأن المعنى المجازي يستلزم ما يخالف المعنى الحقيقي، ~~وهو قرينة عدم إرادته، فيستحيل اجتماعهما. وأجيب: بأن ذلك الاستلزام إنما ~~هو عند عدم قصد التعميم، أما معه فلا، واحتجوا ثانيا: بأنه كما يستحيل في ~~الثوب الواحد أن يكون ملكا وعارية في وقت واحد، كذلك يستحيل في اللفظ ~~الواحد أن يكون حقيقة ومجازا. وأجيب بأن الثوب ظرف حقيقي للملك، والعارية، ~~واللفظ ليس بظرف حقيقي للمعنى. PageV01P079 # والحق امتناع الجمع بينهما لتبادر المعنى الحقيقي من اللفظ من غير أن ~~يشاركه غيره ms055 في التبادر عند الإطلاق، وهذا بمجرده يمنع من إرادة غير ~~الحقيقي بذلك اللفظ المفرد، مع الحقيقي، ولا يقال: إن اللفظ يكون عند قصد ~~الجمع بينهما مجازا لهما؛ لأن المفروض أن كل واحد منهما متعلق الحكم لا ~~مجموعهما ولا خلاف في جواز استعمال اللفظ في معنى مجازي، يندرج تحته المعنى ~~الحقيقي، وهو الذي يسمونه عموم المجاز. # واختلفوا هل يجوز استعمال اللفظ في معنييه، أو معانيه المجازية، فذهب ~~المحققون إلى منعه وهو الحق؛ لأن قرينة كل مجاز تنافي إرادة غيره من ~~المجازات. # وإلى هنا انتهى الكلام في المبادئ. # PageV01P080 ### | الخلاف في بعض حروف المعاني: # وقد ذكر جماعة من أهل الأصول في المبادئ مباحث في بعض الحروف، التي ربما ~~يحتاج إليها الأصولي، وأنت خبير بأنها مدونة في فن مستقل، مبينة بيانا ~~تاما، وذلك كالخلاف في الواو هل هي لمطلق الجمع، أو للترتيب؟ # فذهب إلى الأول جمهور النحاة، والأصوليون، والفقهاء. # قال أبو علي الفارسي: أجمع نحاة البصرة، والكوفة، على أنها للجمع المطلق. # وذكر سيبويه1 في سبعة عشر موضعا من "كتابه"2 أنها للجمع المطلق، "وهو ~~الحق"*. # وقال الفراء3 وثعلب، وأبو عبيد4: إنها للترتيب. PageV01P080 # وروي هذا عن الشافعي والمؤيد بالله1، وأبي طالب2. # احتج الجمهور بأن الواو قد تستعمل فيما يمتنع الترتيب فيه كقولهم: تقاتل ~~زيد وعمرو، ولو قيل: تقاتل زيد فعمرو، أو تقاتل زيد ثم عمرو، لم يصح، ~~والأصل الحقيقة، فوجب أن يكون حقيقة في غير الترتيب. # وأيضا: لو اقتضت الواو الترتيب لم يصح قولك: رأيت زيدا وعمرا بعده، أو ~~رأيت زيدا وعمرا قبله؛ لأن قولك: بعده يكون تكرارا لما تفيده الواو من ~~الترتيب، وقولك: قبله يكون مناقضا لمعنى الترتيب. # ويمكن أن يجاب عن هذا الاستدلال: بأنه امتنع جعل الواو هنا للترتيب لوجود ~~مانع، ولا يستلزم ذلك امتناعه عند عدمه. # واحتجوا أيضا بقوله تعالى: {وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة} 3 في سورة ~~البقرة. وقال في سورة الأعراف: {وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا} 4 وقوله: ~~{واسجدي واركعي مع الراكعين} 5، مع أن الركوع مقدم على السجود، وقوله: ~~{فتحرير رقبة ms056 مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} 6 وقوله: {أو تقطع أيديهم ~~وأرجلهم} 7 وقوله: {والسارق والسارقة} 8 و {الزانية والزاني} 9 وليست في ~~شيء من هذه المواضع للترتيب وهكذا في غيرها مما يكثر تعداده. # وعلى كل حال: فأهل اللغة العربية لا يفهمون من قول من قال اشتر الطعام ~~والإدام أو اشتر الإدام والطعام والترتيب أصلا، وأيضا لو كانت الواو ~~للترتيب لفهم الصحابة رضي الله عنهم PageV01P081 # في قوله سبحانه: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} 1 أن الابتداء يكون من ~~الصفا، من دون أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولكنهم ~~سألوه فقال: "ابدأوا بما بدأ الله به" 2. # واحتج القائلون بالترتيب، بما صح أن خطيبا قال في خطبته: "من يطع الله ~~ورسوله فقد اهتدى، ومن عصاهما فقد غوى"، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "بئس خطيب القوم أنت، قل ومن يعص الله ورسوله" 3. # ولو كان الواو لمطلق الجمع لما افترق الحال بين ما علمه الرسول وبين ما ~~قاله. # وأجيب عن هذا: بأنه إنما أمره صلى الله عليه وسلم بذلك؛ لأنه فهم منه ~~اعتقاد التسوية بين الله ورسوله، فأمره بعدم الجمع بينهما في ضمير واحد ~~تعظيما لله سبحانه. # والحاصل: أنه لم يأت القائلون بإفادة الواو للترتيب بشيء يصلح للاستدلال ~~به، ويستدعي الجواب عنه. # وكما أن الواو لمطلق الجمع من دون ترتيب ولا معية، فالفاء للتعقيب بإجماع ~~أهل اللغة، وإذا وردت لغير تعقيب فذلك لدليل آخر، مقترن معناه بمعناها. # وكذلك "في" للظرفية إما محققة أو مقدرة. # وكذلك "من" ترد لمعان. # وكذلك "الباء" لها معان مبينة في علم الإعراب، فلا حاجة لنا إلى التطويل ~~بهذه الحروف، التي لا يتعلق بتطويل الكلام فيها كثير فائدة، فإن معرفة ذلك ~~قد عرفت من ذلك العلم. # ولنشرع الآن بعون الله وإمداده وهدايته وتيسيره في المقاصد فنقول: ~~PageV01P082 ### | المقصد الأول: في الكتاب العزيز ### | الفصل الأول: فيما يتعلق بتعريفه # اعلم أن الكتاب لغة: يطلق على كل كتابة ومكتوب، ثم غلب في عرف أهل الشرع ~~على القرآن. # والقرآن ms057 في اللغة: مصدر بمعنى القراءة، غلب في العرف العام على المجموع ~~المعين من كلام الله سبحانه، المقروء بألسنة العباد، وهو في هذا المعنى ~~أشهر من لفظ الكتاب وأظهر، ولذا جعل تفسيرا له، فهذا تعريف الكتاب باعتبار ~~اللغة، وهو التعريف اللفظي الذي يكون بمرادف أشهر. # وأما حد الكتاب اصطلاحا: فهو الكلام المنزل على الرسول، المكتوب في ~~المصاحف، المنقول إلينا نقلا متواترا. # فخرج بقوله: المنزل على الرسول المكتوب في المصاحف: وسائر الكتب ~~والأحاديث القدسية، والأحاديث النبوية وغيرها، وخرج بقوله: المنقول إلينا ~~نقلا متواترا: القراءات الشاذة1. # وقد أورد على هذا الحد أن فيه دورا؛ لأنه عرف الكتاب بالمكتوب في ~~المصاحف، وذلك؛ لأنه إذا قيل: ما المصحف؟ فلا بد أن يقال: هو الذي كتب فيه ~~القرآن. # وأجيب: بأن المصحف معلوم في العرف، فلا يحتاج إلى تعريفه بقوله الذي كتب ~~فيه القرآن. # وقيل في حده: هو اللفظ العربي المنزل للتدبر والتذكر المتواتر. فاللفظ ~~جنس يعم الكتب السماوية وغيرها، والعربي يخرج غير العربي من الكتب السماوية ~~وغيرها، والمنزل يخرج ما ليس بمنزل من العربي، وقوله للتدبر والتذكر: ~~لزيادة التوضيح وليس من ضروريات هذا التعريف. والتدبير: التفهم لما يتبع ~~ظاهره من التأويلات الصحيحة، والمعاني المستنبطة. # والتذكر: الاتعاظ بقصصه وأمثاله. # وقوله: المتواتر يخرج ما ليس بمتواتر كالقراءات الشاذة، والأحاديث ~~القدسية. PageV01P085 # وقيل في حده: هو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه، فخرج الكلام الذي لم ~~ينزل، والذي نزل لا للإعجاز كسائر الكتب السماوية والسنة. والمراد ~~بالإعجاز: ارتقاؤه في البلاغة إلى حد خارج عن طوق البشر، ولهذا عجزوا عن ~~معارضته عند تحديهم، والمراد بالسورة: الطائفة منه المترجم أولها وآخرها ~~توقيفا. واعترض على هذا الحد: بأن الإعجاز ليس لازما بينا، وإلا لم يقع فيه ~~ريب، وبأن معرفة السورة تتوقف على معرفة القرآن. # وأجيب: بأن اللزوم بين وقت التعريف لسبق العلم بإعجازه، وبأن السورة اسم ~~للطائفة المترجمة من الكلام المنزل، قرآنا كان أو غيره، بدليل سورة ~~الإنجيل. # وقال جماعة في حده: هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف تواترا. # وقال جماعة: هو القرآن ms058 المنزل على رسولنا، المكتوب في المصاحف، المنقول ~~تواترا بلا شبهة. # فالقرآن تعريف لفظي للكتاب، والباقي رسمي ويعترض عليه بمثل ما سبق، ويجاب ~~عن الاعتراض بما مر. # وقيل: هو كلام الله العربي الثابت في اللوم المحفوظ للإنزال. # واعترض عليه: بأن الأحاديث القدسية والقراءات الشاذة بل وجميع الأشياء ~~ثابتة في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} ~~1 وأجيب بمنع كونها أثبتت في اللوح للإنزال. والأولى أن يقال: هو كلام الله ~~المنزل على محمد المتلو المتواتر، وهذا لا يرد عليه ما ورد على الحدود ~~فتدبر. PageV01P086 ### | الفصل الثاني: حكم المنقول آحادا # اختلف في المنقول آحادا هل هو قرآن أم لا؟ فقيل:" ليس بقرآن؛ لأن القرآن ~~"مما"* تتوفر الدواعي على نقله، لكونه كلام الرب سبحانه، وكونه مشتملا على ~~الأحكام الشرعية، وكونه معجزا، وما كان كذلك فلا بد أن يتواتر، فما لم ~~يتواتر "ليس"** بقرآن. PageV01P086 # هكذا قرر أهل الأصول "دليل"* التواتر، وقد ادعى تواتر كل واحدة من ~~القراءات السبع، وهي قراءة أبي عمرو1، ونافع2، وعاصم3، وحمزة4 والكسائي5، ~~وابن كثير6، وابن عامر7 دون غيرها، وادعى أيضا تواتر القراءات العشر، وهي ~~هذه مع قراءة يعقوب8، وأبي جعفر9، وخلف10 وليس على ذلك أثارة من علم، فإن ~~هذه القراءات كل واحدة منها منقولة PageV01P087 # نقلا آحاديا، كما يعرف ذلك من يعرف أسانيد هؤلاء القراء لقراءاتهم، وقد ~~نقل جماعة من القراء الإجماع على أن في هذه القرءات ما هو متواتر، وفيها ما ~~هو آحاد، ولم يقل أحد منهم بتواتر كل واحدة من السبع، فضلا عن العشر، وإنما ~~هو قول قاله بعض أهل الأصول، وأهل الفن أخبر بفنهم. # والحاصل: أن ما اشتمل عليه المصحف الشريف، واتفق عليه القراء المشهورون ~~فهو قرآن، وما اختلفوا فيه، فإن احتمل رسم المصحف قراءة كل واحد من ~~المختلفين مع مطابقتها للوجه الإعرابي. والمعنى العربي، فهي قرآن كلها. وإن ~~احتمل بعضها دون بعض، فإن صح إسناد ما لم يحتمله، وكانت موافقة للوجه ~~الإعرابي، والمعنى العربي، فهي الشاذة، ولها حكم أخبار الآحاد في الدلالة ms059 ~~على مدلولها، وسواء كانت من القراءات السبع أو من غيرها. # وأما ما لم يصح إسناده مما لم يحتمله الرسم فليس بقرآن، ولا منزل منزلة ~~أخبار الآحاد. # أما انتفاء كونه قرآنا فظاهر، وأما انتفاء تنزيله منزلة أخبار الآحاد، ~~فلعدم صحة إسناده، وإن وافق المعنى العربي والوجه الإعرابي فلا اعتبار ~~بمجرد الموافقة، مع عدم صحة الإسناد، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخبر بأن القرآن أنزل على سبعة أحرف1، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"أقرأني جبريل على حرف فلم أزل أستزيده حتى أقرأني على سبعة أحرف"2. # والمراد بالأحرف السبعة: لغات العرب، فإنها بلغت إلى سبع لغات، اختلفت في ~~قليل من الألفاظ، واتفقت في غالبها، فما وافق لغة من تلك اللغات، فقد وافق ~~المعنى العربي والإعرابي، وهذه المسألة محتاجة إلى بسط تتضح به حقيقة ما ~~ذكرنا، وقد أفردناها بتصنيف3 مستقل فليرجع إليه. # وقد ذكر جماعة من أهل الأصول في هذا البحث ما وقع من الاختلاف بين القراء ~~في PageV01P088 # البسملة، وكذلك ما وقع من الاختلاف فيها بين أهل العلم هل هي آية من كل ~~سورة1، أو آية من الفاتحة فقط2، أو آية مستقلة أنزلت للفصل بين كل سورتين3، ~~أو ليست بآية4، ولا هي من القرآن5، وأطالوا البحث في ذلك. وبالغ بعضهم فجعل ~~هذه المسألة من مسائل الاعتقاد وذكرها في مسائل أصول الدين. # الحق أنها آية من كل سورة لوجودها في رسم المصاحف، وذلك هو الركن الأعظم ~~في إثبات القرآنية للقرآن، ثم الإجماع على ثبوتها خطأ في المصحف في أوائل ~~السور، ولم يخالف في ذلك من لم يثبت كونها قرآنا من القراء وغيرهم. # وبهذا الإجماع حصل الركن الثاني وهو النقل، مع كونه نقلا إجماعيا بين ~~جميع الطوائف. # وأما الركن الثالث: وهو موافقها للوجه الإعرابي والمعنى فذلك ظاهر. # إذا تقرر لك هذا علمت أن نفي كونها من القرآن مع تسليم وجودها في الرسم ~~مجرد دعوى غير مقبولة. وكذلك دعوى كونها آية واحدة، أو آية من الفاتحة، مع ~~تسليم وجودها في الرسم ms060 في أول كل سورة، فإنها دعوى مجرد عن دليل مقبول تقوم ~~به الحجة. # وأما ما وقع من الخلاف في كونها تقرأ6 في الصلاة أو لا تقرأ7، وعلى القول ~~بكونها تقرأ هل يسر بها مطلقا8 أو تكون على صفة ما يقرأ من الإسرار في ~~السرية، والجهر في الجهرية9، فلا يخفاك أن هذا خارج عن محل النزاع، وقد ~~اختلفت الأحاديث في ذلك اختلافا كثيرا، وقد بسطنا القول في ذلك في رسالة ~~مستقلة10، وذكرنا في "شرح المنتقى"11 ما إذا رجعت إليه تحتج إلى غيره. ~~PageV01P089 ### | الفصل الثالث: في المحكم والمتشابه من القرآن # اعلم أنه لا اختلاف في وقوع النوعين فيه لقوله سبحانه: {منه آيات محكمات ~~هن أم الكتاب وأخر متشابهات} 1، واختلف في تعريفهما: فقيل: المحكم ما له ~~دلالة واضحة، والمتشابه ما له دلالة غير واضحة، فيدخل في المتشابه المجمل ~~والمشترك. # وقيل في المحكم: هو متضح المعنى، وفي المتشابه هو غير المتضح المعنى، وهو ~~كالأول2، ويندرج في المتشابه ما تقدم3. # والفرق بيهما4 أنه جعل في التعريف الأول الاتضاح وعدمه للدلالة، وفي ~~الثاني لنفس المعنى. # وقيل في المحكم هو: ما استقام نظمه للإفادة، والمتشابه ما اختل نظمه لعدم ~~الإفادة، وذلك لاشتماله على ما لا يفيد شيئا ولا يفهم منه معنى، هكذا قال ~~الآمدي ومن تابعه. # واعترض عليه بأن القول باختلاف نظم القرآن5 مما لا يصدر عن المسلم، ~~فينبغي أن يقال في حده هو: ما استقام نظمه لا للإفادة بل للابتداء. # وقيل المحكم: ما عرف المراد منه، إما بالظهور، وإما بالتأويل، والمتشابه: ~~ما استأثر الله بعلمه. # وقيل: المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه ما احتمل ~~أوجها. # وقيل: المحكم الفرائض، والوعد والوعيد، والمتشابه القصص والأمثال. # وقيل المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ. # وقيل: المحكم هو معقول المعنى، والمتشابه هو غير معقول المعنى، وقيل غير ~~ذلك. # وحكم المحكم هو وجوب العمل به، وأما المتشابه فاختلف فيه على أقوال: الحق ~~عدم جواز العمل به لقوله سبحانه: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ms061 تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به} 6 والوقف على قوله: {إلا PageV01P090 # الله} متعين ويكون قوله سبحانه: {والراسخون في العلم} مبتدأ وخبره: ~~{يقولون آمنا به} ولا يصح القول بأن الوقف على قوله: {والراسخون في العلم} ~~؛ لأن ذلك يستلزم أن يكون جملة: {يقولون آمنا به} حالية، ولا معنى لتقييد ~~علمهم به بهذه الحالة الخاصة، وهي حال كونهم يقولون هذا القول. وقد بسطنا ~~الكلام على هذا في تفسيرنا الذي سميناه "فتح القدير"1 فليرجع إليه، فإن فيه ~~ما يثلج خاطر المطلع عليه إن شاء الله. وليس ما ذكرناه من عدم جواز العمل ~~بالمتشابه لعلة كونه لا معنى له، فإن ذلك غير جائز بل لعلة قصور أفهام ~~البشر عن العلم به والاطلاع على مراد الله منه، كما في الحروف التي في ~~فواتح السور، فإنه لا شك أن لها معنى لم تبلغ أفهامنا إلى معرفته، فهي مما ~~استأثر الله بعلمه، كما أوضحناه في التفسير المذكور، ولم يصب من تمحل ~~لتفسيرها، فإن ذلك من التقول على الله بما لم يقل، ومن تفسير كلام الله ~~سبحانه بمحض الرأي، وقد ورد الوعيد الشديد عليه. PageV01P091 ### | الفصل الرابع: في المعرب هل هو موجود في القرآن أم لا؟ # والمراد به ما كان موضوعا لمعنى عند غير العرب ثم استعملته العرب في ذلك ~~المعنى. # كإسماعيل، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ونحوها، ومثل هذا لا ينبغي أن يقع ~~فيه خلاف. # والعجب ممن نفاه، وقد حكى ابن الحاجب، وشراح كتابه النفي لوجوده عن ~~الأكثرين، ولم يتمسكوا بشيء سوى تجويز أن يكون ما وجد في القرآن من المعرب ~~مما اتفق فيه اللغتان العربية والعجمية وما أبعد هذا التجويز، ولو كان يقوم ~~بمثله الحجة في مواطن الخلاف لقال من شاء ما شاء بمجرد التجويز، وتطرق ~~المبطلون إلى دفع الأدلة الصحيحة بمجرد الاحتمالات البعيدة، واللازم باطل ~~بالإجماع فالملزوم مثله، وقد أجمع أهل العربية على أن العجمة علة من العلل ~~المانعة للصرف في كثير من الأسماء الموجودة في القرآن، فلو كان لذلك ~~التجويز البعيد تأثير ms062 لما وقع منهم هذا الإجماع. # وقد استدل النافون بأنه لو وجد فيه ما ليس هو بعربي لزم أن لا يكون كله ~~عربيا وقد قدمنا الجواب عن هذا1. # وبالجملة فلم يأت الأكثرون بشيء يصلح للاستدلال به في محل النزاع، وفي ~~القرآن من اللغات الرومية، والهندية، والفارسية، والسريانية، ما لا يجحده ~~جاحد، ولا يخالف فيه مخالف، PageV01P091 # حتى قال بعض السلف: إن في القرآن من كل لغة من اللغات، ومن أراد الوقوف ~~على الحقيقة فليبحث كتب التفسير في مثل: المشكاة1 والإستبرق2، والسجيل3، ~~والقسطاس4، والياقوت5، وأباريق6، والتنور7. PageV01P092 ### | المقصد الثاني: في السنة ### | الفصل الأول: في معنى السنة لغة وشرعا # ... # البحث الأول: في معنى السنة لغة وشرعا # وأما لغة: فهي الطريقة المسلوكة، وأصلها من قولهم سننت الشيء بالمسن1 إذا ~~أمررته عليه حتى يؤثر فيه سنا أي: طريقا، وقال الكسائي: معناها الدوام ~~فقولنا: سنة معناه الأمر بالإدامة من قولهم: سننت الماء إذا واليت في صبه. # قال الخطابي2: أصلها الطريقة المحمودة، فإذا أطلقت انصرفت إليها، وقد ~~يستعمل في غيرها مقيدة كقوله: "من سن سنة سيئة" وقيل: هي الطريقة المعتادة، ~~سواء كانت حسنة أو سيئة، كما في الحديث الصحيح: "من سن سنة حسنة فله أجرها ~~وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من ~~عمل بها إلى يوم القيامة" 3. # وأما معناها شرعا: أي: في اصطلاح أهل الشرع فهي: قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم وفعله وتقريره، وتطلق بالمعنى العام على الواجب وغيره في عرف أهل ~~اللغة والحديث، وأما في عرف أهل الفقه فإنما يطلقونها على ما ليس بواجب، ~~وتطلق على ما يقابل البدعة كقولهم: فلان من أهل السنة. # قال ابن فارس في "فقه اللغة العربية"4: وكره العلماء قول من قال: سنة أبي ~~بكر وعمر، وإنما يقال: سنة الله وسنة رسوله. # ويجاب عن هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال في الحديث الصحيح: ~~"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين الهادين عضوا عليها بالنواجذ" 5. ويمكن ~~أن يقال: إنه صلى الله عليه وسلم أراد ms063 بالسنة هنا الطريقة. # وقيل في حدها اصطلاحا هي: ما يرجح جانب وجوده على جانب عدمه ترجيحا ليس ~~معه المنع من النقيض. # وقيل هي: ما واظب على فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع ترك ما بلا عذر. # وقيل هي: في العبادات النافلة، وفي الأدلة ما صدر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير، وهذا هو المقصود بالبحث عنه في ~~هذا العلم. PageV01P095 ### | الفصل الثاني: في حجية السنة واستقلالها بالتشريع # ... # البحث الثاني: في حجية السنة واستقلالها بالتشريع # اعلم أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على أن السنة المطهرة مستقلة ~~بتشريع الأحكام وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقد ثبت عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه" 1 أي: ~~أوتيت القرآن وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن، وذلك كتحريم ~~لحوم الحمر الأهلية وتحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، وغير ذلك ~~مما لا يأتي عليه الحصر. # وأما ما يروى من طريق ثوبان2 في الأمر بعرض الأحاديث على القرآن فقال ~~يحيى بن معين3: إنه موضع وضعته الزنادقة. # وقال الشافعي: ما رواه أحد عمن يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير. وقال ~~ابن عبد البر4 في كتاب "جامع العلم: قال عبد الرحمن بن مهدي5: الزنادقة ~~والخوارج وضعوا PageV01P096 # حديث: "ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق كتاب الله فأنا قلته ~~وإن خالف فلم أقله"1. # وقد عارض حديث العرض قوم فقالوا: عرضنا هذا الحديث الموضوع على كتاب الله ~~فخالفه، لأنا وجدنا في كتاب الله: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا} 3 ووجدنا فيه: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} 3 ~~ووجدنا فيه: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} 5 قال الأوزاعي6: الكتاب أحوج ~~إلى السنة من السنة إلى الكتاب. # قال ابن عبد البر: إنها تقضي عليه وتبين المراد منه. # وقال يحيى بن أبي كثير7: السنة قاضية على الكتاب. ms064 # والحاصل أن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة ~~دينية ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام. PageV01P097 ### | الفصل الثالث: في عصمة الأنبياء # ... # البحث الثالث: في عصمة الأنبياء # ذهب الأكثر من أهل العلم إلى عصمة الأنبياء بعد النبوة من الكبائر، وقد ~~حكى القاضي أبو بكر إجماع المسلمين على ذلك. وكذا حكاه ابن الحاجب وغيره من ~~متأخري الأصوليين، وكذا حكوا الإجماع على عصمتهم بعد النبوة مما يزري ~~بمناصبهم، كرذائل الأخلاق والدناءات وسائر ما ينفر عنهم، وهي التي يقال لها ~~صغائر الخسة، كسرقة لقمة، والتطفيف بحبة، وإنما اختلفوا في الدليل على ~~عصمتهم مما ذكر، هل هو الشرع أو العقل؟ # فقالت المعتزلة وبعض الأشعرية: إن الدليل على ذلك الشرع والعقل؛ لأنها ~~منفرة عن الاتباع، فيستحيل وقوعها منهم عقلا وشرعا، ونقله إمام الحرمين في ~~"البرهان"1 عن طبقات الخلق، قال: وإليه مصير جماهير أئمتنا. # وقال ابن فورك: إن ذلك ممتنع من مقتضى المعجزة. # قال القاضي عياض2: وإليه ذهب الأستاذ أبو إسحاق ومن تبعه. # وقال القاضي أبو بكر وجماعة من محققي الشافعية والحنفية: إن الدليل على ~~امتناعها السمع فقط، وروي عن القاضي أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: الدليل ~~على امتناعها الإجماع، وروي عنه أنه قال: إنها ممتنعة سمعا والإجماع دل ~~عليه، قال: ولو رددنا ذلك إلى العقل فليس فيه ما يحيلها، واختار هذا إمام ~~الحرمين، والغزالي، وإلكيا3 وابن برهان4. PageV01P098 # قال الهندي1: هذا الخلاف فيما إذا لم يسنده إلى المعجزة في التحدي، فإن ~~أسنده إليها كان امتناعه عقلا. # وهكذا وقع الإجماع على عصمتهم بعد النبوة من تعمد الكذب في الأحكام ~~الشرعية، لدلالة المعجزة على صدقهم، وأما الكذب غلطا فمنعه الجمهور وجوزه ~~القاضي أبو بكر. # واستدل الجمهور: بأن المعجزة تدل على امتناعه، واستدل القاضي بأن المعجزة ~~إنما تدل على امتناعه عمدا لا خطأ، وقول الجمهور أولى. وأما الصغائر التي ~~لا تزري بالمنصب، ولا كانت من الدناءات، فاختلفوا هل تجوز عليهم، وإذا جازت ~~هل وقعت منهم أم لا؟ فنقل إمام الحرمين وإلكيا ms065 عن الأكثرين الجواز عقلا، ~~وكذا نقل ذلك عن الأكثرين ابن الحاجب، ونقل إمام الحرمين وابن القشيري2 عن ~~الأكثرين -أيضا- عدم الوقوع. # قال إمام الحرمين: الذي ذهب إليه المحصلون أنه ليس في الشرع قاطع ذلك ~~نفيا أو إثباتا، والظواهر مشعرة بالوقوع. # ونقل القاضي عياض تجويز الصغائر ووقوعها عن جماعة من السلف، منهم أبو ~~جعفر الطبري3 جماعة من الفقهاء والمحدثين. قالوا ولا بد من تنبيههم عليه ~~إما في الحال على رأي جمهور المتكلمين، أو قبل وفاتهم على رأي بعضهم. # ونقل ابن حزم4 في "الملل والنحل"5 عن أبي إسحاق الإسفراييني، وابن فورك، ~~أنهم PageV01P099 # معصومون عن الصغائر والكبائر جميعا، وقال: إنه الذين ندين الله به. ~~واختاره ابن برهان، وحكاه النووي1 في "زوائد الروضة"2 عن المحققين. قال ~~القاضي حسين3: وهو الصحيح من مذهب أصحابنا يعني الشافعية، وما ورد من ذلك ~~فيحمل على ترك الأول. # قال القاضي عياض: يحمل على ما قبل النبوة، أو على أنهم فعلوه بتأويل. # واختار الرازي العصمة عمدا وجوزها سهوا. # واختلفوا في معنى العصمة فقيل: هو أن لا يمكن المعصوم من الإتيان ~~بالمعصية. # وقيل: هو أن يختص في نفسه أو بدنه بخاصية تقتضي امتناع إقدامه عليها. # وقيل: إنها القدرة على الطاعة وعدم القدرة على المعصية. # وقيل: إن الله منعهم منها بألطافه بهم فصرف دواعيهم عنها. # وقيل: إنها "تهيئة"* العبد للموافقة مطلقا، وذلك يرجع إلى خلق القدرة على ~~كل طاعة. # فإن قلت: فما تقول فيما ورد في القرآن الكريم منسوبا إلى جماعة من ~~الأنبياء وأولهم أبونا آدم عليه السلام. فإن الله يقول: {وعصى آدم ربه ~~فغوى} 4. # قلت: قد قدمنا5 وقوع الإجماع على امتناع الكبائر منهم بعد النبوة، فلا بد ~~من تأويل ذلك بما يخرجه عن ظاهره بوجه من الوجوه. وهكذا يحمل ما وقع من ~~إبراهيم عليه السلام من PageV01P100 # قوله: {إني سقيم} 1 وقوله: {بل فعله كبيرهم} 2 وقوله في سارة: "إنها ~~أخته"3 على ما يخرجه عن محض الكذب، لوقوع الإجماع على امتناعه منهم بعد ~~النبوة، وهكذا في قوله سبحانه وتعالى في يونس عليه السلام: ms066 {إذ ذهب مغاضبا ~~فظن أن لن نقدر عليه} 4 لا بد من تأويله بما يخرجه عن ظاهره، وهكذا ما فعله ~~أولاد يعقوب بأخيهم يوسف5، وهكذا يحمل ما ورد عن نبينا صلى الله عليه وسلم ~~أنه: "كان يستغفر الله في كل يوم، وأنه كان يتوب إليه في كل يوم" 6 على أن ~~المراد رجوعه من حالة إلى أرفع منها. # وأما النسيان فلا يمتنع وقوعه من الأنبياء، قيل إجماعا، وقد صح عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، ~~فإذا نسيت فذكروني" 7 قال قوم: ولا يقرون عليه بل ينبهون. # قال الآمدي: ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وكثير من الأئمة إلى ~~امتناع النسيان. # قال الزركشي8 في "البحر": وأما الإمام الرازي في بعض كتبه فادعى الإجماع ~~على الامتناع. وحكى القاضي عياض الإجماع على امتناع، السهو والنسيان في ~~الأقوال البلاغية، وخص PageV01P101 # الخلاف بالأفعال، وأن الأكثرين ذهبوا إلى الجواز، وتأول المانعون ~~الأحاديث الواردة في سهوه -صلى الله عليه وسلم- على أنه تعمد ذلك، وهذا ~~التأويل باطل بعد قوله: "أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني"، وقد اشترط ~~جمهور المجوزين للسهو والنسيان اتصال التنبيه بالواقعة. # وقال إمام الحرمين: يجوز التأخير. # وأما قبل الرسالة: فذهب الجمهور إلى أنه لا يمتنع من الأنبياء عقلا ذنب ~~كبير ولا صغير. # وقالت الروافض1: يمتنع قبل الرسالة منهم كل ذنب. # وقالت المعتزلة: يمتنع الكبائر دون الصغائر، واستدل المانعون مطلقا أو ~~مقيدا بالكبائر بأن وقوع الذنب منهم قبل النبوة منفر عنهم عن* أن يرسلهم ~~الله فيخل بالحكمة من بعثهم. وذلك قبيح عقلا. # ويجاب عنه: بأنا لا نسلم ذلك، والكلام على هذه المسألة مبسوط في كتب ~~الكلام. PageV01P102 ### | الفصل الرابع: في أفعاله صلى الله عليه وسلم # ... # البحث الرابع: في أفعاله صلى الله عليه وسلم # اعلم أن أفعاله صلى الله عليه وسلم تنقسم إلى سبعة أقسام: # الأول: # ما كان من هواجس1 النفس والحركات البشرية، كتصرف الأعضاء وحركات الجسد ~~فهذا القسم لا يتعلق به أمر باتباع، ولا نهي عن مخالفة وليس ms067 فيه أسوة، ~~ولكنه يفيد أن مثل ذلك مباح. # القسم الثاني: # ما لا يتعلق بالعبادات ووضح فيه أمر الجبلة2، كالقيام والقعود ونحوهما، ~~فليس فيه تأس، ولا به اقتداء ولكنه يدل على الإباحة عند الجمهور. ~~PageV01P102 # ونقل القاضي أبو بكر الباقلاني عن قوم أنه مندوب، وكذا حكاه الغزالي في ~~"المنخول"1 وقد كان عبد الله بن عمر رضي الله عنه يتتبع مثل هذا ويقتدي به، ~~كما هو معروف عنه منقول في كتب السنة المطهرة. # القسم الثالث: # ما احتمل أن يخرج عن الجبلة إلى التشريع بمواظبته عليه على وجه معروف ~~وهيئة مخصصة"* كالأجل والشرب واللبس والنوم، فهذا القسم دون ما ظهر فيه أمر ~~القربة، وفوق ما ظهر فيه أمر الجبلة على فرض أنه لم يثبت فيه إلا مجرد ~~الفعل. وأما إذا وقع منه صلى الله عليه وسلم الإرشاد إلى بعض الهيئات كما ~~ورد عنه الإرشاد إلى هيئة من هيئات الأكل والشرب واللبس والنوم فهذا خارج ~~عن هذا القسم داخل فيما سيأتي. # وفي هذا القسم قولان للشافعي ومن معه، يرجع فيه إلى الأصل، وهو عدم ~~التشريع، أو إلى الظاهر، وهو التشريع والراجح الثاني. وقد حكاه الأستاذ أبو ~~إسحاق عن أكثر المحدثين فيكون مندوبا. # القسم الرابع: # ما علم اختصاصه به صلى الله عليه وسلم كالوصال والزيادة على أربع فهو خاص ~~به لا يشاركه فيه غيره، وتوقف إمام الحرمين في أنه هل يمنع التأسي به أم ~~لا، وقال: ليس عندنا نقل لفظي أو معنوي في أن الصحابة كانوا يقتدون به صلى ~~الله عليه وسلم في هذا النوع ولم يتحقق عندنا ما يقتضي ذلك، فهذا محل ~~التوقف. # وفرق الشيخ أبو شامة المقدسي2 في "كتابه" في الأفعال بين المباح والواجب. ~~فقال: ليس لأحد الاقتداء به فيما هو مباح له كالزيادة على الأربع، ويستحب ~~الاقتداء به في الواجب عليه كالضحى والوتر، وكذا فيما هو محرم عليه كأكل ذي ~~الرائحة الكريهة، وطلاق من تكره صحبته. # والحق أنه لا يقتدى به فيما صرح لنا بأنه خاص به كائنا ما كان إلا بشرع ~~يخصنا، ms068 فإذا قال مثلا: هذا واجب علي مندوب لكم كان فعلنا لذلك الفعل لكونه ~~أرشدنا إلى كونه مندوبا لنا لا PageV01P103 # لكونه واجبا عليه، وإن قال: هذا مباح لي أو حلال "لي"*، ولم يزد على ذلك، ~~لم يكن لنا أن نقول: هو مباح لنا، أو حلال لنا، وذلك كالوصال فليس لنا أن ~~نواصل. # هذا على فرض عدم ورود ما يدل على كراهة الوصال لنا، أما لو ورد ما يدل ~~على ذلك، كما يثبت أنه صلى الله عليه وسلم "واصل أياما تنكيلا لمن لم ينته ~~عن الوصال"1 فهذا لا يجوز لنا فعله بهذا الدليل الذي ورد عنه، ولا يعتبر ~~باقتداء من اقتدى به فيه كابن الزبير. وأما لو قال: هذا حرام علي وحدي، ولم ~~يقل حلال لكم فلا بأس بالتنزه عن فعل ذلك الشيء، أما لو قال: حرام علي حلال ~~لكم، فلا يشرع التنزه عن فعل ذلك الشيء فليس في ترك الحلال ورع. # القسم الخامس: # ما أبهمه صلى الله عليه وسلم لانتظار الوحي، كعدم تعيين نوع الحج مثلا. ~~فقيل: يقتدى به في ذلك، وقيل: لا، قال إمام الحرمين في "النهاية"2 وهذا ~~عندي هفوة3 ظاهرة. فإن إبهام رسول الله صلى الله عليه وسلم محمول على ~~انتظار الوحي قطعا، فلا مساغ للاقتداء به من هذه الجهة. # القسم السادس: # ما يفعله مع غيره عقوبة له كالتصرف في أملاك غيره عقوبة له، فاختلفوا هل ~~يقتدى به فيه أم لا فقيل: يجوز، وقيل: لا يجوز، وقيل هو بالإجماع موقوف على ~~معرفة السبب. وهذا هو الحق فإن وضح لنا السبب، الذي فعله لأجله كان لنا أن ~~نفعل مثل فعله عند وجود مثل ذلك السبب، وإن لم يظهر السبب لم يجز. وأما إذا ~~فعله بين شخصين متداعيين فهو جار مجرى القضاء، فتعين علينا القضاء بما قضى ~~به. # القسم السابع: # الفعل المجرد عما سبق، فإن ورد بيانا كقوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا ~~كما رأيتموني PageV01P104 # أصلي" 1 و"خذوا عني مناسككم" 2 وكالقطع3 من الكوع4 بيانا لآية السرقة، ~~فلا خلاف أنه دليل ms069 في حقنا، وواجب علينا، وإن ورد بيانا لمجمل كان حكمه حكم ~~ذلك المجمل من وجوب وندب، كأفعال الحج وأفعال العمرة، وصلاة الفرض وصلاة ~~الكسوف. # وإن لم يكن كذلك بل ورد ابتداء، فإن علمت صفته في حقه من وجوب أو ندب أو ~~إباحة فاختلفوا في ذلك على أقوال: # الأول: # أن أمته مثله في ذلك الفعل، إلا أن يدل دليل على اختصاصه "به"* وهذا هو ~~الحق. # والثاني: # أن أمته مثله في العبادات دون غيرها. # والثالث: # الوقف. # والرابع: # لا يكون شرعا لنا إلا بدليل. # وإن لم تعلم صفته في حقه، وظهر فيه قصد القربة فاختلفوا فيه على أقوال: # الأول: أنه للوجوب # وبه قال جماعة من المعتزلة، وابن شريج، وأبو سعيد الأصطخري PageV01P105 # وابن خيران1، وابن أبي هريرة2. # واستدلوا على ذلك بالقرآن والإجماع والمعقول: # أما القرآن فبقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا} 3 وقوله: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} 4 وقوله: {فليحذر ~~الذين يخالفون عن أمره} 5 وقوله: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن ~~كان يرجو الله واليوم الآخر} 6 وقوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} 7. # وأما الإجماع: فلكون الصحابة كانوا يقتدون بأفعاله. وكانوا يرجعون إلى ~~رواية من يروي لهم شيئا منها في مسائل كثيرة منها: أنهم اختلفوا في الغسل ~~من التقاء الختانين فقالت عائشة: "فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم"8 فرجعوا إلى ذلك وأجمعوا عليه. # وأما المعقول فلكون الاحتياط يقتضي حمل الشيء على أعظم مراتبه. # وأجيب عن الآية الأولى: # بمنع تناول قوله: {وما آتاكم الرسول} للأفعال بوجهين: # الأول: # أن قوله: {وما نهاكم عنه فانتهوا} يدل على أنه أراد بقوله: {وما ءآتيتكم} ~~ما أمركم. # الثاني: # أن الإتيان إنما يأتي في القول. # والجواب عن الآية الثانية: # أن المراد بالمتابعة فعل مثل ما فعله، فلا يلزم وجوب فعل كل ما فعله، ما ~~لم يعلم أن فعله على وجه الوجوب، والمفروض خلافه. PageV01P106 # والجواب عن الآية الثالثة: # أن لفظ الأمر حقيقة في القول بالإجماع، ولا نسلم أنه يطلق على الفعل، ms070 على ~~أن الضمير في أمره يجوز أن يكون راجعا إلى الله سبحانه؛ لأنه أقرب ~~المذكورين. # والجواب عن الآية الرابعة: # أن التأسي هو الإتيان بمثل فعل الغير في الصورة والصفة، حتى لو فعل صلى ~~الله عليه وسلم شيئا على طريق التطوع وفعلناه على طريق الوجوب لم نكن ~~متأسين به فلا يلزم وجوب ما فعله إلا إذا دل دليل آخر على وجوبه، فلو فعلنا ~~الفعل الذي فعله مجردا عن دليل الوجوب، معتقدين أنه واجب علينا لكان ذلك ~~قادحا في التأسي. # والجواب عن الآية الخامسة: # أن الطاعة هي الإتيان بالمأمور أو المراد على اختلاف المذهبين، فلا يدل ~~ذلك على وجوب أفعاله صلى الله عليه وسلم. # وأما الجواب عن دعوى إجماع الصحابة: # فهم لم يجمعوا على كل فعل يبلغهم، بل أجمعوا على الاقتداء بالأفعال على ~~صفتها التي هي ثابتة لها من وجوب أو ندب أو نحوهما والوجوب في تلك الصورة ~~لمذكورة مأخوذ من الأدلة الدالة على وجوب الغسل من الجنابة. # وأما الجواب عن المعقول: # فالاحتياط إنما يصار إليه إذا خلا عن الغرر قطعا، وهاهنا ليس كذلك ~~لاحتمال أن يكون ذلك الفعل حراما على الأمة وإذا احتمل لم يكن المصير إلى ~~الوجوب احتياطا. # القول الثاني: أنه للندب # وقد حكاه الجويني في "البرهان" عن الشافعي فقال: وفي كلام الشافعي ما يدل ~~عليه، وقال الرازي في "المحصول": إن هذا القول نسب إلى الشافعي، وذكر ~~الزركشي في "البحر"1: أنه حكاه عن القفال2 وأبي حامد المروزي3 واستدلوا ~~بالقرآن والإجماع والمعقول. # أما القرآن فقوله تعالى: {لقد كانت لكم في رسول الله أسوة حسنة} 4، ولو ~~كان التأسي PageV01P107 # واجبا لقال عليكم، فلما قال {لكم} دل على عدم الوجوب ولما "أثبت"* الأسوة ~~دل على رجحان جانب الفعل على الترك، وإن يكن مباحا. # وأما الإجماع: فهو أنا رأينا أهل الأعصار متطابقين على الاقتداء بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم، وذلك يدل على انعقاد الإجماع على أنه يفيد الندب؛ لأنه ~~أقل ما يفيده جانب الرجحان. # وأما المعقول: فهو أن فعله إما أن يكون راجحا على العدم ms071 أو مساويا له أو ~~دونه، والأول متعين؛ لأن الثاني والثالث مستلزمان أن يكون فعله عبثا وهو ~~باطل وإذا تعين أنه راجح على العدم فالراجح على العدم قد يكون واجبا وقد ~~يكون مندوبا، والمتيقن هو الندب. # وأجيب عن الآية: بأن التأسي هو إيقاع الفعل على الوجه الذي أوقعه عليه ~~فلو فعله واجبا أو مباحا وفعلناه مندوبا لما حصل التأسي. وأجيب عن الإجماع: ~~بأنا لا نسلم أنهم استدلوا بمجرد الفعل، لاحتمال أنهم وجدوا مع الفعل قرائن ~~أخر. # وأجيب عن المعقول: بأنا لا نسلم أن فعل المباح عبث؛ لأن العبث هو الخالي ~~عن الغرض، فإذا حصل في المباح منفعة ناجزة لم يكن عبثا "بل"** من حيث حصول ~~النفع به خرج عن العبث، ثم حصول الغرض في التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~ومتابعة أفعاله بين، فلا يعد من أقسام العبث. # القول الثالث: أنه للإباحة # قال الرازي في "المحصول": وهو قول مالك1 ولم يحك الجويني قول الإباحة ~~هاهنا؛ لأن قصد القربة لا يجامع استواء الطرفين لكن حكاه غيره كما قدمنا عن ~~الرازي وكذلك حكاه ابن السمعاني2 والآمدي، وابن الحاجب حملا على أقل ~~الأحوال. واحتج من قال بالإباحة: بأنه قد ثبت أن فعله صلى الله عليه وسلم ~~لا يجوز أن يكون صادرا على وجه يقتضي الإثم لعصمته، فثبت أنه لا بد أن يكون ~~إما مباحا أو مندوبا أو واجبا. وهذه الأقسام الثلاثة مشتركة في رفع الحرج ~~عن الفعل. فأما رجحان الفعل فلم يثبت على وجوده دليل، فثبت PageV01P108 # بهذا أنه لا حرج في فعله، كما أنه لا رجحان في فعله، فكان مباحا وهو ~~المتيقن، فوجب التوقف عنده وعدم مجاوزته إلى ما ليس بمتيقن. ويجاب عنه: بأن ~~محل النزاع كما عرفت هو كون ذلك الفعل قد ظهر فيه قصد القربة وظهورها ينافي ~~مجرد الإباحة وإلا لزم أن لا يكون لظهورها معنى يعتد به. # القول الرابع: # الوقف، قال الرازي في "المحصول": وهو قول الصيرفي1 وأكثر المعتزلة، وهو ~~المختار انتهى. وحكاه الشيخ أبو إسحاق عن أكثر أصحاب الشافعي، وحكاه ms072 أيضا ~~عن الدقاق2، واختاره القاضي أبو الطيب الطبري3. وحكاه في "اللمع" عن ~~الصيرفي وأكثر المتكلمين. وعندي أنه لا معنى للوقف في الفعل الذي قد ظهر ~~فيه قصد القربة، فإن قصد القربة يخرجه عن الإباحة إلى ما فوقها، والمتيقن ~~مما هو فوقها الندب. # وأما إذا لم يظهر فيه قصد القربة، بل كان مجردا مطلقا فقد اختلفوا فيه ~~بالنسبة إلينا على أقوال: # الأول: أنه واجب علينا # وقد روي هذا عن ابن سريج، قال الجويني "وهو كذلك في النقل عنه، وهو أجل ~~قدرا من ذلك ولكن حكاه ابن الصباغ4 عن الإصطخري"* وابن خيران، وابن أبي ~~هريرة، والطبري، وأكثر متأخري الشافعية. PageV01P109 # وقال سليم الرازي1: إنه ظاهر مذهب الشافعي، واستدلوا بنحو ما استدل به ~~القائلون بالوجوب مع ظهور قصد القربة. # ويجاب عنهم بما أجيب به عن أولئك بل الجواب عن هؤلاء بتلك الأجوبة أظهر ~~لعدم ظهور قصد القربة في هذا الفعل، وقد اختار هذا القول أبو الحسين بن ~~القطان2 والرازي في "المعالم"3، قال القرافي4: وهو الذي نقله أئمة المالكية ~~في كتبهم الأصولية والفروعية، ونقله القاضي أبو بكر عن أكثر أهل العراق. # القول الثاني: أنه مندوب # قال الزركشي في"البحر": وهو قول أكثر الحنفية والمعتزلة ونقله القاضي ~~وابن الصباغ عن الصيرفي والقفال الكبير، قال الروياني5: هو قول الأكثرين. ~~وقال ابن القشيري: في كلام الشافعي ما يدل عليه. # قلت: هو الحق؛ لأن فعله صلى الله عليه وسلم وإن لم يظهر فيه قصد القربة ~~فهو لا بد أن يكون لقربة، وأقل ما يتقرب به هو المندوب، ولا دليل يدل على ~~زيادة على الندب، فوجب القول به ولا يجوز القول بأنه يفيد الإباحة فإن ~~الإباحة الشيء بمعنى استواء طرفيه موجودة قبل ورود الشرع به. فالقول بها ~~إهمال للفعل الصادر منه صلى الله عليه وسلم، فهو تفريط كما أن حمل فعله ~~المجرد على الوجوب إفراط الحق بين المقصر والغالي. PageV01P110 # القول الثالث: أنه مباح # نقله الدبوسي في "التقويم"1، عن أبي بكر الرازي، وقال: إنه الصحيح، ~~واختاره الجويني في "البرهان" وهو الراجح عند ms073 الحنابلة، ويجاب عنه بما ~~ذكرناه2 قريبا. # القول الرابع: الوقف حتى يقوم دليل # نقله ابن السمعاني عن أكثر الأشعرية، قال واختاره الدقاق وأبو القاسم، بن ~~كج3 قال الزركشي: وبه قال جمهور أصحابنا، وقال ابن فورك: إنه الصحيح، وكذا ~~صححه القاضي أبو الطيب في "شرح الكفاية"4، واستدلوا بأنه لما كان محتملا ~~للوجوب والندب والإباحة مع احتمال أن يكون من خصائصه كان التوقف متعينا، ~~ويجاب عنهم بمنع احتماله للإباحة لما قدمنا5، منع احتمال الخصوصية؛ لأن ~~أفعاله كلها محمولة على التشريع، ما لم يدل دليل على الاختصاص وحينئذ فلا ~~وجه للتوقف والعجب من اختيار مثل الغزالي والرازي له. PageV01P111 ### | الفصل الخامس: في تعارض الأفعال # ... # البحث الخامس: في تعارض الأفعال # اعلم أنه لا يجوز التعارض بين الأفعال، بحيث يكون البعث منها ناسخا لبعض ~~أو مخصصا له، لجواز أن يكون الفعل في ذلك الوقت واجبا وفي مثل ذلك الوقت ~~بخلافه؛ لأن الفعل لا عموم له، فلا يشمل جميع الأوقات المستقبلة، ولا يدل ~~على التكرار، هكذا قال جمهور أهل الأصول على اختلاف طبقاتهم وحكى ابن ~~العربي1 في كتاب "المحصول"2 ثلاثة أقوال: PageV01P111 # الأول التخيير. # الثاني: تقديم المتأخر، كالأقوال إذا تأخر بعضها. # الثالث: حصول التعارض وطلب الترجيح من خارج، قال: كما اتفق في صلاة الخوف ~~صليت على أربع وعشرين صفة، قال مالك والشافعي: إنه يرجح من هذه الصفات ما ~~هو أقرب إلى هيئة الصلاة وقدم بعضهم الأخير منها إذا علم، انتهى. # وحكي عن ابن رشد1 أن الحكم في الأفعال كالحكم في الأقوال، وقال القرطبي2: ~~يجوز التعارض بين الفعلين عند من قال بأن الفعل يدل على الوجوب فإن علم ~~التاريخ فالمتأخر ناسخ، وإن جهل فالترجيح وإلا فهما متعارضان كالقولين. # وأما على القول بأنه يدل على الندب أو الإباحة فلا تعارض، وقال الغزالي ~~في "المنخول": إذا نقل فعل وحمل على الوجوب ثم نقل فعل يناقضه فقال ~~القاضي3: لا يقطع بأنه ناسخ لاحتمال أنه انتهى "لمدة"* الفعل الأول. قال: ~~وذهب ابن مجاهد4 إلى أنه نسخ وتردد في القول الطارئ على الفعل وجزم إلكيا ms074 ~~بعدم تصور تعارض الفعلين ثم استثنى من ذلك ما إذا علم بدليل أنه أريد به ~~إدامته في المستقبل، بأنه يكون ما بعده ناسخا له، قال: وعلى مثله بنى ~~الشافعي مذهبه في سجود السهو قبل السلام وبعده. # والحق أنه لا يتصور تعارض الأفعال، فإنه لا صيغ لها يمكن النظر فيها ~~والحكم عليها، بل هي مجرد أكوان متغايرة واقعة في أوقات مختلفة، وهذا إذا ~~لم تقع بيانات للأقوال، أما إذا وقعت بيانات للأقوال فقد تتعارض في الصورة ~~ولكن التعارض في الحقيقة راجع إلى المبينات من PageV01P112 # الأقوال، لا إلى بيانها من الأفعال، وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: ~~"صلوا كما رأيتموني أصلي" 1 فإن آخر الفعلين ينسخ الأول كآخر القولين؛ لأن ~~هذا الفعل بمثابة القول قال الجويني: وذهب كثير من الأئمة فيما إذا نقل عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فعلان مؤرخان مختلفان أن الواجب التمسك بآخرهما، ~~واعتقاد كونه ناسخا للأول، قال: وقد ظهر ميل الشافعي إلى هذا، ثم ذكر ~~ترجيحه للمتأخر من صفات صلاة الخوف. # وينبغي حمل هذا على الأفعال التي وقعت بيانا كما ذكرنا فإن صلاة الخوف ~~على اختلاف صفاتها واقعة بيانا، وهكذا ينبغي حمل ما نقله المازري2 عن ~~الجمهور من أن المتأخر من الأفعال ناسخ على ما ذكرنا. PageV01P113 ### | الفصل السادس: في حكم التعارض بين القول والفعل # ... # البحث السادس: في حكم التعارض بين القول والفعل # إذا وقع التعارض بين قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وفيه صور. # وبين ذلك: أن ينقسم أولا إلى ثلاثة أقسام: # أحدها: أن يعلم تقدم القول على الفعل. # ثانيها: أن يعلم تقدم الفعل على القول. # ثالثهما: أن يجهل التاريخ. # وعلى الأولين: إما أن يتعقب الثاني الأول، بحيث لا يتخلل بينهما زمان أو ~~يتراخى أحدهما عن الآخر، وهذان قسمان إلى الثلاثة المتقدمة يكون الجميع ~~خمسة أقسام. # وعلى الثلاثة الأول: إما أن يكون القول عاما للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ولأمته، أو خاصا به، أو خاصا بأمته فتكون الأقسام ثمانية: # ثم الفعل إما أن يدل دليل على وجوب ms075 تكراره في حقه صلى الله عليه وسلم، ~~ووجوب تأسي الأمة به، أو لا يدل دليل على واحد منهما أو يقوم دليل على ~~التكرار دون التأسي، أو يقوم دليل على التأسي دون التكرار. فإذا ضربت ~~الأقسام الأربعة، وهي التي يعلم فيها تعقب الفعل للقول وتراخيه عنه وتعقب ~~القول للفعل وتراخيه عنه، في الثلاثة التي ينقسم إليها القول، من كونه يعم ~~النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P113 # وأمته، أو يخصه، أو يخص أمته، حصل منها اثنا عشر قسما، نضربها في أقسام ~~الفعل الأربعة بالنسبة إلى التكرار والتأسي، أو عدمهما أو وجود أحدهما دون ~~الآخر، فيحصل ثمانية وأربعون قسما، وقد قيل: إن الأقسام تنتهي إلى ستين ~~قسما وما ذكرناه أولى، وأكثر هذه الأقسام غير موجود في السنة فلنتكلم هاهنا ~~على ما يكثر وجوده فيها وهي أربعة عشر قسما: # الأول: # أن يكون القول مختصا به، مع عدم وجود دليل على التكرار والتأسي، وذلك نحو ~~أن يفعل صلى الله عليه وسلم فعلا ثم يقول بعد: لا يجوز لي مثل هذا الفعل، ~~فلا تعارض بين القول والفعل؛ لأن القول في هذا الوقت لا تعلق به بالفعل في ~~الماضي، إذ الحكم يختص بما بعده ولا في المستقبل، إذ لا حكم للفعل في ~~المستقبل؛ لأن الغرض عدم التكرار له. # القسم الثاني: # أن يتقدم القول مثل أن يقول: لا يجوز لي الفعل في وقت كذا ثم يفعله فيه، ~~فيكون الفعل ناسخا لحكم القول. # القسم الثالث: # أن يكون القول خاصا به، ويجهل التاريخ فلا تعارض في حق الأمة وأما في حقه ~~صلى الله عليه وسلم ففيه خلاف وقد رجح الوقف. # القسم الرابع: # أن يكون القول مختصا بالأمة وحينئذ فلا تعارض؛ لأن القول والفعل لم ~~يتواردا على محل واحد. # القسم الخامس: # أن يكون القول عاما له وللأمة، فيكون الفعل على تقدير تأخره مخصصا له من ~~عموم القول، وذلك كنهيه عن الصلاة بعد العصر1 ثم صلاته الركعتين بعدها قضاء ~~لسنة الظهر2، ومداومته عليهما3 وإلى ما ذكرنا من اختصاص الفعل به صلى الله ~~عليه ms076 وسلم ذهب الجمهور، قالوا: PageV01P114 # وسواء تقدم الفعل أو تأخر. # وقال الأستاذ أبو منصور1: إن تقدم الفعل دل على نسخه القول عند القائلين ~~بدخول المخاطب في عموم خطابه، هذا إذا كان القول شاملا له صلى الله عليه ~~وسلم بطريق الظهور، كأن يقول: لا يحل لأحد، أو لا يجوز لمسلم، أو لمؤمن، ~~وأما إذا كان متناولا له على سبيل التنصيص، كأن يقول: لا يحل لي ولا لكم، ~~فيكون الفعل ناسخا للقول في حقه صلى الله عليه وسلم لا في حقنا فلا تعارض. # القسم السادس: # أن يدل دليل على تكرار الفعل وعلى وجوب التأسي فيه ويكون القول خاصا به ~~وحينئذ فلا معارضة في حق الأمة، وأما في حقه فالمتأخر من القول أو الفعل ~~ناسخ، فإن جهل التاريخ، فقيل: يؤخذ بالقول في حقه، وقيل: بالفعل، وقيل: ~~بالوقف. # القسم السابع: # أن يكون القول خاصا بالأمة، مع قيام دليل التأسي والتكرار في الفعل، فلا ~~تعارض في حقه صلى الله عليه وسلم، وأما في حق الأمة، فالمتأخر من القول أو ~~الفعل ناسخ، وإن جهل التاريخ، فقيل: يعمل بالفعل وقيل: بالقول وهو الراجح؛ ~~لأن دلالته أقوى من دلالة الفعل، وأيضا هذا القول "الخاص"* أخص من الدليل ~~العام الدال على التأسي، والخاص مقدم على العام ولم يأت من قال بتقدم الفعل ~~بدليل يصلح للاستدلال به. # القسم الثامن: # أن يكون القول عاما له وللأمة، مع قيام الدليل على التكرار والتأسي، ~~فالمتأخر ناسخ في حقه صلى الله عليه وسلم وكذلك في حقنا، وإن جهل التاريخ، ~~فالراجح تقدم القول لما تقدم. # القسم التاسع: # أن يدل الدليل على التكرار في حقه صلى الله عليه وسلم دون التأسي به، ~~ويكون القول خاصا بالأمة، وحينئذ فلا تعارض أصلا لعدم التوارد على محل ~~واحد. # القسم العاشر: # أن يكون خاصا به صلى الله عليه وسلم مع قيام الدليل على عدم التأسي به ~~فلا تعارض أيضا. # القسم الحادي عشر: # أن يكون القول عاما له وللأمة، مع عدم قيام الدليل على التأسي به في ~~PageV01P115 # الفعل، فيكون الفعل مخصصا له ms077 من العموم، ولا تعارض بالنسبة إلى الأمة ~~لعدم وجود دليل يدل على التأسي به، وأما إذا جهل التاريخ، فالخلاف في حقه ~~صلى الله عليه وسلم كما تقدم1 في ترجيح القول على الفعل، أو العكس، أو ~~الوقف. # القسم الثاني عشر: # إذا دل الدليل على التأسي دون التكرار أو يكون القول مخصصا به فلا تعارض ~~في حق الأمة وأما في حقه، فإن تأخر القول فلا تعارض وإن تقدم فالفعل ناسخ ~~في حقه وإن جهل فالمذاهب الثلاثة في حقه كما تقدم2. # القسم الثالث عشر: # أن يكون القول خاصا بالأمة ولا تعارض في حقه صلى الله عليه وسلم، وأما في ~~حق الأمة فالمتأخر ناسخ لعدم الدليل على التأسي. # القسم الرابع عشر: # أن يكون القول عاما له وللأمة مع قيام الدليل على التأسي دون التكرار، ~~ففي حق الأمة المتأخر ناسخ. وأما في حقه صلى الله عليه وسلم فإن تقدم الفعل ~~فلا تعارض، وإن تقدم القول فالفعل ناسخ. # ومع جهل التاريخ فالراجح القول في حقنا وفي حقه صلى الله عليه وسلم لقوة ~~دلالته وعدم احتماله "ولقيام"* الدليل هاهنا على عدم التكرار. # واعلم أنه لا يشترط وجود دليل خاص يدل على التأسي، بل يكفي ما ورد في ~~الكتاب العزيز من قوله سبحانه: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} 3 ~~أسوة حسنة، وكذلك سائر الآيات الدالة على الائتمار بأمره والانتهاء بنهيه ~~ولا يشترط وجود دليل خاص يدل على التأسي به في كل فعل من أفعاله بل مجرد ~~فعله لذلك الفعل بحيث يطلع عليه غيره من أمته ينبغي أن يحمل على قصد التأسي ~~به إذا لم يكن من الأفعال التي لا يتأسى به فيها كأفعال الجبلة كما قررناه ~~في البحث الذي قبل هذا البحث4. PageV01P116 ### | الفصل السابع: في التقرير # ... # البحث السابع: في التقرير # وصورته أن يسكت النبي صلى الله عليه وسلم عن إنكار قول قيل بين يديه أو ~~في عصره وعلم به. أو "يسكت"* عن إنكار فعل فعل بين يديه أو في عصره وعلم ~~به، فإن ذلك يدل ms078 على الجواز وذلك كأكل العنب بين يديه قال ابن القشيري: ~~وهذا مما لا خلاف فيه وإنما اختلفوا في شيئين أحدهما أنه إذا دل التقرير ~~على انتفاء الحرج فهل يختص بمن قرر أو يعم سائر المكلفين؟ فذهب القاضي إلى ~~الأول؛ لأن التقرير ليس له صيغة تعم ولا يتعدى إلى غيره. # وقيل يعم للإجماع على أن التحريم إذا ارتفع في حق واحد ارتفع في حق الكل ~~وإلى هذا ذهب الجويني، وهو الحق؛ لأنه في حكم خطاب الواحد وسيأتي1 أنه يكون ~~غير المخاطب بذلك الحكم من المكلفين كالمخاطب به ونقل هذا القول المازري عن ~~الجمهور هذا إذا لم يكن التقرير مخصصا لعموم سابق أما إذا كان مخصصا لعموم ~~سابق فيكون لمن قرر من واحد أو جماعة وأما إذا كان التقرير في شيء قد سبق ~~تحريمه فيكون ناسخا لذلك التحريم كما صرح به جماعة من أهل الأصول وهو الحق. # ومما يندرج تحت التقرير إذا قال الصحابي كنا نفعل كذا أو كانوا يفعلون ~~كذا، وأضافه إلى عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مما لا يخفى مثله ~~عليه. وإن كان مما يخفى مثله عليه فلا ولا بد أن يكون التقرير على القول ~~والفعل منه صلى الله عليه وسلم مع قدرته على الإنكار كذا قال جماعة من ~~الأصوليين. وخالفهم جماعة من الفقهاء، فقالوا: إن من خصائصه صلى الله عليه ~~وسلم عدم سقوط وجوب تغيير المنكر بالخوف على النفس لإخبار الله سبحانه ~~بعصمته في قوله: {والله يعصمك من الناس} 2 ولا بد أن يكون المقرر منقادا ~~للشرع، فلا يكون تقرير الكافر على قول أو فعل دالا على الجواز. # قال الجويني: ويلحق بالكافر المنافق وخالفه المازري، وقال: إنا نجري على ~~المنافق أحكام الإسلام ظاهرا؛ لأنه من أهل الإسلام في الظاهر. وأجيب عنه: ~~بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان كثيرا ما يسكت عن المنافقين لعلمه أن ~~الموعظة لا تنفعهم. # وإذا وقع من النبي صلى الله عليه وسلم الاستبشار بفعل أو قول، فهو أقوى ~~في الدلالة على الجواز. ms079 PageV01P117 ### | الفصل الثامن: فيما هم بفعله ولم يفعله صلى الله عليه وسلم # ... # البحث الثامن: فيما هم بفعله ولم يفعله صلى الله عليه وسلم # ما هم به -صلى الله عليه وسلم- كما روي "أنه"* هم بمصالحة الأحزاب بثلث ~~ثمار المدينة1. ونحو ذلك فقال الشافعي ومن تابعه: إنه يستحب الإتيان بما هم ~~به صلى الله عليه وسلم، ولهذا جعل أصحاب الشافعي الهم من جملة أقسام السنة، ~~وقالوا: يقدم القول، ثم الفعل، ثم التقرير، ثم الهم. # والحق أنه ليس من أقسام السنة؛ لأنه مجرد خطور شيء على البال من دون ~~تنجيز له، وليس ذلك مما آتانا الرسول، ولا مما أمر الله سبحانه بالتأسي به ~~فيه وقد يكون إخباره صلى الله عليه وسلم بما هم به للزجر كما صح عنه أنه ~~قال: "لقد هممت أن أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم" 2. ~~PageV01P118 ### | الفصل التاسع: في حكم إشارته وكتابته صلى الله عليه وسلم # ... # البحث التاسع: في حكم إشارته وكتابته صلى الله عليه وسلم # الإشارة والكتابة، كإشارته صلى الله عليه وسلم بأصابعه العشر إلى أيام ~~الشهر ثلاث مرات، وقبض في الثالثة واحدة من أصابعه1، وككتابته صلى الله ~~عليه وسلم إلى عماله في الصدقات2 ونحوها، ولا خلاف في أن ذلك من جملة السنة ~~ومما تقوم به الحجة. PageV01P118 ### | الفصل العاشر: فيما تركه صلى الله عليه وسلم والقول في الحوادث التي لم يحكم بها # ... # البحث العاشر: فيما تركه صلى الله عليه وسلم والقول في الحوادث التي لم ~~يحكم بها # تركه صلى الله عليه وسلم للشيء، كفعله له في التأسي به فيه، قال ابن ~~السمعاني: إذا ترك الرسول صلى الله عليه وسلم شيئا وجب علينا متابعته فيه، ~~ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم إليه الضب فأمسك عنه، وترك أكله: ~~أمسك عنه الصحابة وتركوه إلى أن قال لهم: "إنه ليس بأرض قومي فأجدني أعافه" ~~وأذن لهم في أكله1، وهكذا تركه صلى الله عليه وسلم لصلاة الليل جماعة، خشية ~~أن تكتب على الأمة2. # ويتفرع على هذا البحث إذا حدثت ms080 حادثة بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ولم يحكم فيها بشيء، هل يجوز لنا أن نحكم في نظائرها؟ " # فقال القاضي أبو يعلى"*3: الصحيح: أنه يجوز خلافا لبعض المتكلمين في ~~قولهم: تركه صلى الله عليه وسلم للحكم في حادثة يدل على وجوب ترك الحكم في ~~نظائرها. PageV01P119 ### | الفصل الحادي عشر: في الأخبار وفيه أنواع ### | النوع الأول: في معنى الخبر لغة واصطلاحا # ... # البحث الحادي عشر: في الأخبار وفيه أنواع # النوع الأول: في معنى الخبر لغة واصطلاحا # أما معناه لغة: فهو مشتق من الخبار، وهي الأرض الرخوة؛ لأن الخبر يثير ~~الفائدة، كما أن # PageV01P119 # الأرض الخبار تثير الغبار إذا قرعها الحافر ونحوه وهو نوع مخصوص من ~~القول، وقسم من الكلام اللساني وقد يستعمل في غير القول كقول الشاعر: # تخبرك العينان ما القلب كاتم1 # وقول المعري2: # نبي من الغربان ليس على شرع ... يخبرنا أن الشعوب إلى صدع3 # ولكنه استعمال مجازي لا حقيقي؛ لأن من وصف غيره بأنه أخبر بكذا لم يسبق ~~إلى فهم السامع إلا القول. # وأما معناه اصطلاحا: فقال الرازي في "المحصول": ذكروا في حده أمور ثلاثة: # الأول: أنه الذي يدخله الصدق أو الكذب. # والثاني: أنه الذي يحتمل التصديق والتكذيب. # والثالث: ما ذكره أبو الحسين البصري أنه كلام مفيد بنفسه إضافة أمر من ~~الأمور، إلى أمر من الأمور نفيا أو إثباتا قال: واحترزنا بقولنا بنفسه عن ~~الأمر فإنه يفيد وجوب الفعل لكن لا بنفسه لأن ماهية الأمر استدعاء الفعل ~~والصيغة لا تفيد إلا هذا القدر ثم إنها تفيد كون الفعل واجبا تبعا لذلك ~~وكذلك القول في دلالة النهي على قبح الفعل. # قال الرازي: واعلم أن هذه التعريفات دورية أما الأول، فلأن الصدق والكذب ~~نوعان تحت جنس الخبر والجنس جزء من ماهية النوع وأعرف منها فإذا لا يمكن ~~تعريف الصدق والكذب إلا بالخبر فلو عرفنا الخبر بهما لزم الدور. # وأجيب عن هذا: بمنع كونهما لا يعرفان إلا بالخبر بل هما ضروريان. # ثم قال: واعترضوا عليه أيضا في ثلاثة أوجه: # الأول: أن كلمة أو للترديد وهو ينافي ms081 التعريف، ولا يمكن إسقاطها ههنا لأن ~~الخبر الواحد لا يكون صدقا وكذبا معا. PageV01P120 # الثاني: أن كلام الله تعالى لا يدخله الكذب فكان خارجا عن هذا التعريف. # الثالث: من قال محمد صلى الله عليه وسلم ومسيلمة صادقان، فهذا خبر مع أنه ~~ليس بصدق ولا كذب. # ويمكن أن يجاب عن الأول: بأن المعرف لماهية الخبر أمر واحد وهو إمكان ~~تطرق هذين الوصفين إليه وذلك لا ترديد فيه. # وعن الثاني أن المعتبر إمكان تطرق أحد هذين الوصفين إليه، وخبر الله ~~تعالى كذلك؛ لأنه صدق. # وعن الثالث: بأن قوله محمد ومسيلمة صادقان خبران، وإن كانا في اللفظ خبرا ~~واحدا لأنه يفيد إضافة الصدق إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإضافته إلى ~~مسيلمة وأحد الخبرين صادق والثاني كاذب، سلمنا أنه خبر واحد لكنه كاذب لأنه ~~يقتضي إضافة الصدق إليهما معا وليس الأمر كذلك فكان كاذبا لا محالة. # وأما التعريف الثاني: فالاعتراض عليه: أن التصديق والتكذيب عبارة عن كون ~~الخبر صدقا أو كذبا فقولنا الخبر ما يحتمل التصديق والتكذيب جار مجرى قولنا ~~الخبر هو الذي يحتمل الإخبار عنه بأنه صدق أو كذب فيكون هذا تعريفا للخبر ~~بالخبر وبالصدق والكذب والأول هو تعريف الشيء بنفسه والثاني تعريف الشيء ~~بما لا يعرف إلا به. # وأما التعريف الثالث: فالاعتراض عليه من ثلاثة وجوه: # الأول: أن وجود الشيء عند أبي الحسين عين ذاته، فإذا قلنا: السواد موجود ~~فهذا خبر مع أنه لا يفيد إضافة الشيء إلى شيء آخر. # والثاني: أنا إذا قلنا الحيوان الناطق يمشي فقولنا الحيوان الناطق يقتضي ~~نسبة الناطق إلى الحيوان مع أنه ليس بخبر؛ لأن الفرق بين النعت والخبر ~~معلوم بالضرورة. # والثالث: أن قولنا نفيا وإثباتا يقتضي الدور لأن النفي هو الإخبار عن عدم ~~الشيء والإثبات هو الإخبار عن وجوده فتعريف الخبر بهما دور. # قال الرازي: وإذا بطلت هذه التعريفات، فالحق عندنا أن تصور ماهية الخبر ~~غني عن الحد والرسم بدليلين: # الأول: أن كل أحد يعلم بالضرورة إما أنه موجود وإما أنه ليس بمعدوم وأن ~~الشيء الواحد ms082 لا يكون موجودا ومعدوما، ومطلق الخبر جزء من الخبر الخاص ~~والعلم بالكل موقوف على العلم بالجزء فلو كان تصور ماهية مطلق الخبر موقوفا ~~على الاكتساب لكان تصور الخبر الخاص أولى بأن يكون كذلك فكان يجب أن لا ~~يكون فهم هذه الأخبار ضروريا ولما لم يكن كذلك علمنا صحة ما ذكرنا. # الثاني: أن كل أحد يعلم بالضرورة الموضع الذي يحسن فيه الخبر ويميزه عن ~~الموضع الذي # PageV01P121 # يحسن فيه، الأمر ولولا أن هذه الحقائق متصورة تصورا بديهيا لم يكن الأمر ~~كذلك. # فإن قلت: الخبر نوع من أنواع الألفاظ وأنواع الألفاظ ليست تصوراتها ~~بديهية، فكيف قلت: إن ماهية الخبر متصورة تصورا بديهيا؟ # قلت: حكم الذهن بين أمرين بأن أحدهما له الآخر وليس له الآخر معقول واحد، ~~لا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وكل واحد يدرك من نفسه ويجد تفرقة بينه ~~وبين سائر أحواله النفسانية من ألمه ولذته وجوعه وعطشه. وإذا ثبت هذا فنقول ~~إن كان المراد من الخبر هو الحكم الذهني فلا شك أن تصوره في الجملة بديهي ~~مركوز في فطرة العقل وإن كان المراد منه اللفظة الدالة على هذه الماهية ~~فالإشكال غير وارد أيضا. لأن مطلق اللفظ الدال على المعنى بديهي التصور، ~~انتهى. # ويجاب عنه: بأن المراد اللفظ الدال والإشكال وارد، ولا نسلم أن مطلق ~~اللفظ الدال بديهي التصور. # وقد أجيب عما ذكره بأن كون العلم ضروريا كيفية لحصوله، وأنه يقبل ~~الاستدلال عليه والذي لا يقبله هو نفس الحصول الذي هو معروض الضرورة فإنه ~~يمتنع أن يكون حاصلا بالضرورة والاستدلال لتنافيهما. # وأجيب أيضا: بأن المعلوم ضرورة إنما هو نسبة الوجود إليه إثباتا، وهو غير ~~تصور النسبة التي هي ماهية الخبر، فلا يلزم أن تكون ماهية الخبر ضرورية. # وقيل: إن الخبر لا يحد لتعسره وقد تقدم بيانه في تعريف العلم1. # وقيل: الأولى في حد الخبر أن يقال هو الكلام المحكوم فيه بنسبة خارجية، ~~والمراد بالخارج ما هو خارج عن كلام النفس المدلول عليه بذلك اللفظ فلا يرد ~~عليه قم لأن مدلوله الطلب نفسه، وهو ms083 المعنى القائم بالنفس من غير أن يشعر ~~بأن له متعلقا واقعا في الخارج. وكذا يخرج جميع المركبات التقييدية2 ~~والإضافية. # واعترض على هذا الحد بأنه إن كان المراد أن النسبة أمر موجود في الخارج ~~لم يصح في مثل اجتماع الضدين وشريك الباري*. PageV01P122 # وأجيب بأن المراد: النسبة الخارجية عن المدلول، سواء قامت تلك النسبة ~~الخارجية بالذهن كالعلم أو بالخارج عن الذهن، كالقيام، أو لم تقم بشيء ~~منهما نحو شريك الباري ممتنع. # والأولى أن يقال في حد الخبر هو ما يصح أن يدخله الصدق والكذب لذاته، ~~وهذا الحد لا يرد عليه شيء مما سبق. # وقد اختلف هل الخبر حقيقة في اللفظي والنفسي، أم حقيقة في اللفظي مجاز في ~~النفسي أم العكس كما وقع الخلاف في الكلام على هذه الثلاثة أقوال لأن الخبر ~~قسم من أقسامه وإذا عرفت الاختلاف في تعريف الخبر عرفت بأن ما لا يكون كذلك ~~ليس بخبر ويسمونه إنشاء وتنبيها ويندرج فيه الأمر والنهي والاستفهام ~~والنداء والتمني والعرض والترجي والقسم. # PageV01P123 ### | النوع الثاني: أقسام الخبر من حيث الصدق والكذب # النوع الثاني: إن الخبر ينقسم إلى صدق وكذب، وخالف في ذلك القرافي، وادعى ~~أن العرب لم تضع الخبر إلا للصدق وليس لنا خبر كذب واحتمال الصدق والكذب ~~إنما هو من جهة المتكلم لا من جهة الواضع ونظيره قولهم الكلام يحتمل ~~الحقيقة والمجاز، وقد أجمعوا على أن المجاز ليس من الوضع الأول. # ثم استدل على ذلك باتفاق اللغويين والنحاة على أن معنى قولنا: قام زيد، ~~حصول القيام له في الزمن الماضي، ولم يقل أحد إن معناه صدور القيام أو ~~عدمه، وإنما احتماله له من جهة المتكلم لا من جهة اللغة. # وأجيب عنه: بأنه مصادم للإجماع على أن الخبر موضوع لأعم من ذلك، وما ~~ادعاه من أن معنى قام زيد حصول القيام له في الزمن الماضي باتفاق أهل اللغة ~~والنحو ممنوع فإن مدلوله الحكم بحصول القيام وذلك يحتمل الصدق والكذب. # ويجاب عن هذا الجواب: بأن هذا الاحتمال إن كان من جهة المتكلم، فلا يقدح ~~على ms084 القرافي بل هو معترف به، كما تقدم عنه وإن كان من جهة اللغة فذلك مجرد ~~دعوى ويقوي ما قاله القرافي إجماع أهل اللغة قبل ورود الشرع وبعده على مدح ~~الصادق وذم الكاذب ولو كان الخبر موضوعا لهما لما كان على من تكلم بما هو ~~موضوع من بأس. # ثم اعلم أنه قد ذهب الجمهور إلى أنه لا واسطة بين الصدق والكذب لأن الحكم ~~إما مطابق للخارج أو لا، والأول الصدق والثاني الكذب وأثبت الجاحظ1 الواسطة ~~بينهما، فقال: PageV01P123 # الخبر إما مطابق للخارج أو لا مطابق والمطابق إما مع اعتقاده أنه مطابق ~~أو لا، وغير المطابق إما مع اعتقاد أنه غير مطابق أو لا والثاني منهما وهو ~~ما ليس مع الاعتقاد ليس بصدق ولا كذب واستدل بقوله تعالى: {أفترى على الله ~~كذبا أم به جنة} 1. # ووجه الاستدلال بالآية: أنه حصر ذلك في كونه افتراء، أو كلام مجنون، فعلى ~~تقدير كونه كلام مجنون لا يكون صدقا لأنهم لا يعتقدون كونه صدقا وقد صرحوا ~~بنفي الكذب عنه لكونه قسيمه وما ذاك إلا "لأن"* المجنون لا يقول عن قصد ~~واعتقاد. # وأجيب: بأن المراد من الآية أفترى أم لم يفتر، فيكون مجنونا لأن المجنون ~~لا افتراء له والكذب من غير قصد يكون مجنونا أو المراد أقصد فيكون مجنونا ~~أم لم يقصد فلا يكون خبرا. # والحاصل: أن الافتراء أخص من الكذب، ومقابله قد يكون كذبا وإن سلم فقد لا ~~يكون خبرا فيكون هذا حصرا للكذب في نوعيه الكذب عن عمد والكذب لا عن عمد. # قال الرازي في "المحصول": والحق أن المسألة لفظية؛ لأنا نعلم بالبديهة أن ~~كل خبر "إما"** أن يكون مطابقا للمخبر عنه أو لا يكون مطابقا فإن أريد ~~بالصدق الخبر المطابق كيف كان وبالكذب الخبر الغير مطابق كيف كان وجب القطع ~~بأنه لا واسطة بين الصدق والكذب وإن أريد بالصدق ما يكون مطابقا مع أن ~~المخبر يكون عالما بكونه مطابقا وبالكذب الذي لا يكون مطابقا مع أن المخبر ~~يكون عالما بأنه غير مطابق كان هناك قسم ms085 ثالث بالضرورة وهو الخبر الذي لا ~~يعلم قائله أنه مطابق أم لا فثبت أن المسألة لفظية؛ انتهى. # وقال النظام2 ومن تابعه من أهل الأصول والفقهاء: إن الصدق مطابقة الخبر ~~للاعتقاد، والكذب عدم مطابقته للاعتقاد واستدل بالنقل والعقل. # أما النقل: فبقوله تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ~~والله يعلم إنك PageV01P124 # لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} 1 فإن الله سبحانه حكم "عليهم"* ~~في هذه الآية حكما مؤكدا بأنهم كاذبون في قولهم {إنك لرسول الله} مع ~~مطابقته للواقع فلو كان للمطابقة للواقع أو لعدمها مدخل في الصدق والكذب ~~لما كانوا كاذبين لأن خبرهم هذا مطابق للواقع ولا واسطة بن الصدق والكذب. # وأجيب: بأن التكذيب راجع إلى خبر تضمنه معنى: {نشهد إنك لرسول الله} وهو ~~أن شهادتهم هذه من صميم القلب وخلوص الاعتقاد لأن ذلك معنى الشهادة سيما ~~بعد تأكيده ب"إن واللام والجملة الاسمية". # وأجيب أيضا: بأن التكذيب راجع إلى زعمهم الفاسد واعتقادهم الباطل؛ لأنهم ~~يعتقدون أنه غير مطابق للواقع. # وأجيب أيضا: بأن التكذيب راجع إلى حلفهم المدلول عليه بقوله تعالى: {لئن ~~رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} 2. # ولا يخفى ما في الأجوبة من مزيد التكلف، ولكنه ألجأ إلى المصير إليها ~~الجمع بين الأدلة. وأما العقل فمن وجهين: # الأول: أن من غلب على ظنه أن زيدا في الدار "فأخبر عن كونه في الدار"**، ~~ثم ظهر أنه ما كان كذلك لم يقل أحد إنه كذب في هذا الخبر، بل يقال: أخطأ أو ~~وهم. # الثاني: أن أكثر العمومات والمطلقات مخصصة ومقيدة فلو كان الخبر الذي لا ~~يطابق المخبر عنه كذبا لتطرق الكذب إلى كلام الشارع. # واحتج الجمهور على ما قالوه من أن صدق الخبر مطابقته "للواقع"*** وكذبه ~~عدمها بقوله سبحانه: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله ~~إلا إله واحد} 3 فكذبهم الله سبحانه مع كونهم يعتقدون ذلك وبقوله: {وليعلم ~~الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} 4، والآيات في هذا المعنى كثيرة. ~~PageV01P125 # ويدل لذلك من السنة ما ثبت في ms086 الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع، وقد قال: ~~للنبي صلى الله عليه وسلم إن جماعة من الصحابة قالوا: بطل عمل عامر1 لما ~~رجع سيفه على نفسه فقتله، فقال صلى الله عليه وسلم: "كذب من قال ذلك بل له ~~أجر مرتين" 2. فكذبهم صلى الله عليه وسلم مع أنهم أخبروا بما كان في ~~اعتقادهم. # وفي البخاري وغيره أن أبا سفيان قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح: ~~إن سعد بن عبادة قال: اليوم تستحل الكعبة، فقال صلى الله عليه وسلم: "كذب ~~سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة" 3. # واحتجوا بالإجماع على تكذيب اليهود والنصارى في كفرياتهم مع أنا نعلم ~~أنهم يعتقدون صحة تلك الكفريات، وكذلك وقع الإجماع على تكذيب الكافر إذا ~~قال الإسلام باطل مع مطابقته لاعتقاده. # والذي يظهر لي: أن الخبر لا يتصف بالصدق إلا إذا جمع بين مطابقة الواقع ~~والاعتقاد، فإن خالفهما أو أحدهما فكذب فيقال في تعريفهما هكذا الصدق ما ~~طابق الواقع والاعتقاد. والكذب ما خالفهما أو أحدهما ولا يلزم على هذا ثبوت ~~واسطة؛ لأن المعتبر هو كلام العقلاء، فلا يرد كلام الساهي والمجنون والنائم ~~وجميع أدلة الأقوال المتقدمة تصلح للاستدلال بها على هذا، ولا يرد عليه شيء ~~مما ورد عليها. # فإن قلت: من جملة ما استدل به الجمهور الإجماع على تصديق الكافر إذا قال: ~~الإسلام حق وهو إنما طابق الواقع لا الاعتقاد، قلت ليس النزاع إلا في مدلول ~~الصدق والكذب لغة لا شرعا، وهذا الإجماع إنما هو من أهل الشرع لا من أهل ~~اللغة والدليل الذي "مستند"* إجماعهم شرعي لا لغوي، ولكن الكذب المذموم ~~شرعا هو المخالف للاعتقاد سواء طابق الواقع أو خالفه، وذلك لا يمنع من صدق ~~وصف ما خالف الواقع وطابق الاعتقاد بالكذب "لغة"**. PageV01P126 ### | النوع الثالث: في تقسيم الخبر # اعلم أن الخبر لغة من حيث هو محتمل للصدق والكذب، لكن قد يقطع بصدقه وقد ~~يقطع بكذبه لأمور خارجة وقد لا يقطع بواحد منهما لفقدان ما يوجب القطع فهذه ~~ثلاثة أقسام: # القسم الأول: المقطوع بصدقه ms087 # وهو إما أن يعلم بالضرورة أو النظر فالمعلوم بالضرورة بنفسه وهو المتواتر ~~أو بموافقة العلم الضروري وهي الأوليات كقولنا: الواحد نصف الاثنين. وأما ~~المعلوم بالنظر فهو ضربان: # الأول: أن يدل الدليل على صدق الخبر نفسه فيكون كل من يخبر به صادقا ~~كقولنا: العالم حادث. # والضرب الثاني: أن يدل الدليل على صدق المخبر فيكون كل ما يخبر به ~~"صدقا"* وهو ضروب. # الأول: خبر من دل الدليل على أن الصدق وصف واجب له وهو الله عز وجل. # الثاني: من دلت المعجزة على صدقه وهم الأنبياء صلوات الله عليهم. # الثالث: من صدقه الله سبحانه أو رسوله وهو خبر كل الأمة على القول بأن ~~الإجماع حجة قطعية. # القسم الثاني: المقطوع بكذبه # وهو ضروب: # الأول: المعلوم خلافه إما بالضرورة كالإخبار باجتماع النقيضين أو ~~ارتفاعهما. # الثاني: المعلوم خلافه إما بالاستدلال كالإخبار بقدم العالم أو بخلاف ما ~~هو من قطعيات الشريعة. # الثالث: الخبر الذي لو كان صحيحا لتوفرت الدواعي على نقله متواترا إما ~~لكونه من أصول الشريعة وإما لكونه أمر غريبا كسقوط الخطيب عن المنبر وقت ~~الخطبة. # الرابع: خبر مدعي الرسالة من غير معجزة. # الخامس: كل خبر استلزم باطلا ولم يقبل التأويل، ومن ذلك الخبر الآحادي ~~إذا خالف القطعي كالمتواتر. # القسم الثالث: ما لا يقطع بصدقه ولا كذبه # وذلك كخبر المجهول فإنه لا يترجح صدقه ولا كذبه، وقد يترجح صدقه ولا يقطع ~~بصدقه وذلك كخبر العدل وقد يترجح كذبه ولا يقطع بكذبه، كخبر الفاسق. ~~PageV01P127 ### | النوع الرابع: أقسام الخبر من حيث التواتر وعدمه ### | القسم الأول: المتواتر # ... # النوع الرابع: أقسام الخبر من حيث التواتر وعدمه # أن الخبر باعتبار آخر ينقسم إلى متواتر وآحاد. # القسم الأول: المتواتر # وهو في اللغة عبارة عن مجيء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما مأخوذ من ~~الوتر. # وفي الاصطلاح: خبر أقوام بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم. # وقيل في تعريفه: هو خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه. # وقيل: خبر جمع عن محسوس يمتنع تواطؤهم على الكذب من حيث كثرتهم فقولهم من ~~حيث كثرتهم لإخراج ms088 خبر قوم يستحيل كذبهم بسبب أمر خارج عن الكثرة كالعلم ~~بمخبرهم ضرورة أو نظرا، وكما يخرج من هذا الحد بذلك القيد ما ذكرنا كذلك ~~يخرج من قيد بنفسه في الحد الذي قبله. # وقد اختلف في العلم الحاصل بالتواتر هل هو ضروري أو نظري؟ # فذهب الجمهور إلى أنه ضروري. # وقال الكعبي1 وأبو الحسن البصري: إنه نظري. # وقال الغزالي: إنه قسم ثالث ليس أوليا ولا كسبيا، بل من قبيل القضايا ~~التي قياساتها معها "وقالت السمنية2 والبراهمة3: إنه لا يفيد العلم أصلا"*، ~~وقال المرتضى4 والآمدي بالوقف. PageV01P128 # والحق قول الجمهور، للقطع بأنا نجد نفوسنا جازمة بوجود البلاد الغائبة ~~عنا، ووجود الأشخاص الماضية قبلنا، جزما خاليا عن التردد، جاريا مجرى جزمنا ~~بوجود المشاهدات، فالمنكر لحصول العلم الضروري بالتواتر كالمنكر لحصول ~~العلم الضروري بالمشاهدات وذلك سفسطة1 لا يستحق صاحبها المكالمة. # وأيضا: لو لم يكن ضروريا لافتقر إلى توسيط2 المقدمتين3، واللازم4 منتف؛ ~~لأنا نعلم بذلك قطعا مع انتفاء المقدمتين لحصوله بالعادة لا بالمقدمتين ~~فاستغنى عن الترتيب. # واستدل القائل بأنه لا يفيد العلم بقولهم: لا ننكر حصول الظن القوي بوجود ~~ما ذكرتم لكن لا نسلم حصول اليقين وذلك لأنا إذا عرضنا على عقولنا وجود ~~المدينة الفلانية أو الشخص الفلاني مما جاء التواتر بوجودهما وعرضنا على ~~عقولنا أن الواحد نصف الاثنين وجدنا الجزم بالثاني أقوى من الجزم بالأول، ~~وحصول التفاوت بينهما يدل على تطرق النقيض إلى المرجوح. # وأيضا: جزمنا بهذه الأمور المنقولة بالتواتر ليس بأقوى من جزمنا بأن هذا ~~الشخص الذي رأيته اليوم هو الذي رأيته أمس، مع أن هذا الجزم ليس بيقين ولا ~~ضروري؛ لأنه يجوز أن يوجد شخص مساو له في الصورة من كل وجه. # ويجاب عن هذا: بأنه تشكيك في أمر ضروري فلا يستحق صاحبه الجواب، كما أن ~~من أنكر المشاهدات لا يستحق الجواب، فإنا لو جوزنا أن هذا الشخص المرئي ~~اليوم غير الشخص المرئي أمس لكان ذلك مستلزما للتشكيك في المشاهدات. ~~و"استدل"* والقائلون بأنه نظري بقولهم: لو كان ضروريا لعلم بالضرورة أنه ~~ضروري. # وأجيب: بالمعارضة ms089 بأنه لو كان نظريا لعمل بالضرورة كونه نظريا كغيره من ~~النظريات "وبالحس"**، وذلك أن الضرورية والنظرية صفتان للعمل، ولا يلزم من ~~ضرورية العلم ضرورية صفته. PageV01P129 # الجمهور أيضا: بأن العلم الحاصل بالتواتر لو كان نظريا لما حصل لمن لا ~~يكون من أهل النظر كالصبيان المراهقين وكثير من العامة، فلما حصل ذلك لهم ~~علمنا أنه ليس بنظري. # وكما يندفع بأدلة الجمهور قول من قال إنه نظري، يندفع أيضا قول من قال ~~إنه قسم ثالث، وقول من قال بالوقف؛ لأن سبب وقفه ليس إلا تعارض الأدلة ~~عليه، وقد اتضح بما ذكرنا أنه لا تعارض فلا وقف. # واعلم أنه لم يخالف أحد من أهل الإسلام ولا من العقلاء في أن خبر التواتر ~~يفيد العلم، وما روي من الخلاف في ذلك عن السمنية، والبراهمة فهو خلاف باطل ~~لا يستحق قائله الجواب عليه. # شروط إفادة الخبر المتواتر للعلم الضروي: # ثم اعلم أن الخبر المتواتر لا يكون مفيدا للعلم الضروري إلا بشروط، منها ~~ما يرجع إلى المخبرين، ومنها ما يرجع إلى السامعين: # فالتي ترجع إلى المخبرين أمور أربعة: # الأول: # أن يكونوا عالمين بما أخبروا به غير مجازفين، فلو كانوا ظانين لذلك فقط ~~لم يفد القطع، هكذا اعتبر هذا الشرط جماعة من أهل العلم منهم القاضي أبو ~~بكر الباقلاني. # وقيل: إنه غير محتاج إليه؛ لأنه إن أريد وجوب علم الكل به فباطل؛ لأنه لا ~~يمتنع أن يكون بعض المخبرين به مقلدا فيه أو ظانا له أو مجازفا وإن أريد ~~وجوب علم البعض فمسلم، ولكنه مأخوذ من شرط كونهم مستندين إلى الحس. # الشرط الثاني: # أن يعلموا ذلك عن ضرورة من مشاهدة أو سماع؛ لأن ما لا يكون كذلك يحتمل ~~دخول الغلط فيه. # قال الأستاذ أبو منصور: فأما إذا تواترت أخبارهم عن شيء قد علموه، ~~واعتقدوه بالنظر والاستدلال، أو عن شبهة فإن ذلك لا يوجب علما ضروريا لأن ~~المسلمين مع تواترهم يخبرون الدهرية1 بحدوث العالم وتوحيد الصانع، ويخبرون ~~أهل الذمة بصحة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فلا يقع ms090 لهم العلم ~~الضروري بذلك؛ لأن العلم به من طريق الاستدلال دون الاضطرار انتهى. ~~PageV01P130 # ومن تمام هذا الشرط: أن لا تكون المشاهدة، والسماع على سبيل غلط الحس، ~~كما في أخبار النصارى بصلب المسيح عليه السلام، وأيضا لا بد أن يكونوا على ~~صفة يوثق معها بقولهم، فلو أخبروا متلاعبين أو مكرهين على ذلك، لم يوثق ~~بخبرهم ولا يلتفت إليه. # الشرط الثالث: # أن يبلغ عددهم إلى مبلغ يمنع في العادة تواطؤهم على الكذب، ولا يقيد ذلك ~~بعدد معين، بل ضابطه: حصول العلم الضروري به، فإذا حصل ذلك علمنا أنه ~~متواتر، وإلا فلا، وهذا قول الجمهور. # وقال قوم منهم القاضي أبو الطيب الطبري: يجب أن يكونوا أكثر من الأربعة؛ ~~لأنه لو كان خبر الأربعة يوجب العلم لما احتاج الحاكم إلى السؤال عن ~~عدالتهم إذا شهدوا عنده. # وقال ابن السمعاني: ذهب أصحاب الشافعي إلى أنه لا يجوز أن يتواتر الخبر ~~بأقل من خمسة فما زاد، وحكاه الأستاذ أبو منصور عن الجبائي. واستدل بعض أهل ~~هذا القول بأن الخمسة عدد أولي العزم1 من الرسل "وهم"* على الأشهر، نوح، ~~وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله عليهم وسلامه. # ولا يخفى ما في هذا الاستدلال من الضعف، مع عدم تعلقه بمحل النزاع بوجه ~~من الوجوه. # وقيل: يشترط أن يكونوا سبعة، بعدد أهل الكهف، وهو باطل. # وقيل: يشترط عشرة، وبه قال الإصطخري، واستدل على ذلك بأن ما دونها جمع ~~قلة، وهذا استدلال ضعيف أيضا. # وقيل: يشترط أن يكونوا اثني عشر بعدد النقباء لموسى عليه السلام لأنهم ~~جعلوا كذلك لتحصيل العلم بخبرهم وهذا استدلال ضعيف أيضا. وقيل: يشترط أن ~~يكونوا عشرين لقوله سبحانه: {إن يكن منكم عشرون صابرون} 2، وهذا مع كونه في ~~غاية الضعف خارج عن محل النزاع، وإن قال المستدل به بأنهم إنما جعلوا كذلك ~~ليفيد خبرهم العلم بإسلامهم، فإن المقام ليس مقام "إخبار"**، خبر ولا ~~استخبار وقد روي هذا القول عن أبي الهذيل3 وغيره من المعتزلة. PageV01P131 # وقيل: يشترط أن يكونوا أربعين كالعدد المعتبر في الجمعة، وهذا مع كونه ~~خارجا ms091 عن محل النزاع باطل الأصل، فضلا عن الفرع. # وقيل: يشترط أن يكونوا سبعين لقوله تعالى: {واختار موسى قومه سبعين رجلا} ~~1، وهذا أيضا استدلال باطل. # وقيل: يشترط أن يكونوا ثلاثمائة وبضعة عشر، بعدد أهل بدر، وهذا أيضا ~~استدلال باطل، خارج عن محل النزاع. # وقيل: يشترط أن يكونوا خمس عشرة مائة، "بعدد أهل بيعة الرضون"*، وهذا ~~أيضا باطل. # وقيل: سبع عشرة مائة؛ لأنه عدد أهل بيعة الرضوان. # وقيل: أربع عشرة مائة؛ لأنه عدد أهل بيعة الرضوان. # وقيل: يشترط أن يكونوا جميع الأمة كالإجماع، حكي هذا القول عن ضرار بن ~~عمرو2، وهو باطل. # وقال جماعة من الفقهاء: لا بد أن يكونوا بحيث لا يحويهم بلد ولا يحصرهم ~~عدد. # ويا لله العجب من جري أقلام العلم بمثل هذه الأقوال التي لا ترجع إلى عقل ~~ولا نقل، ولا يوجد بينها وبين محل النزاع جامع، وإنما ذكرناه ليعتبر بها ~~المعتبر ويعلم أن القيل والقال قد يكون من أهل العلم في بعض الأحوال من جنس ~~الهذيان فيأخذ عند ذلك حذره من التقليد ويبحث عن الأدلة التي هي من شرع ~~الله الذي شرعه لعباده، فإنه لم يشرع لهم إلا ما في كتابه وسنة رسوله. # الشرط الرابع: # وجود العدد المعتبر في كل الطبقات، فيروي ذلك العدد عن مثله إلى أن يتصل ~~بالمخبر عنه، وقد اشترط عدالة النقلة لخبر التواتر فلا يصح أن يكونوا أو ~~بعضهم غير PageV01P132 # عدول، وعلى هذا لا بد أن لا يكونوا كفارا ولا فساقا. ولا وجه لهذا ~~الاشتراط، فإن حصول العلم الضروري بالخبر المتواتر لا يتوقف على ذلك، بل ~~يحصل بخبر الكفار والفساق، والصغار المميزين، والأحرار والعبيد، وذلك هو ~~المعتب. # وقد اشترط أيضا: اختلاف أنساب أهل التواتر. # واشترط أيضا: اختلاف أديانهم. # واشترط أيضا: اختلاف أوطانهم. # واشترط أيضا: كون المعصوم منهم كما يقول الإمامية1. # ولا وجه لشيء من هذه الشروط. # وأما الشروط التي ترجع إلى السامعين فلا بد أن يكونوا عقلاء؛ إذ يستحيل ~~حصول العلم لمن لا عقل له. # والثاني: أن يكونوا عالمين بمدلول الخبر. # والثالث: أن ms092 يكونوا خالين عن اعتقاد ما يخالف ذلك الخبر لشبهة تقليد أو ~~نحوه. PageV01P133 ### | القسم الثاني: الآحاد # وهو خبر لا يفيد بنفسه العلم سواء كان لا يفيد أصلا، أو يفيده بالقرائن ~~الخارجة عنه، فلا واسطة بين المتواتر والآحاد، وهذا قول الجمهور. # وقال أحمد بن حنبل1: إن خبر الواحد يفيد بنفسه العلم، وحكاه ابن حزم في ~~كتاب "الأحكام"2 عن داود الظاهري3، والحسين بن علي الكرابيسي4، والحارث ~~PageV01P133 # المحاسبي1. قال: وبه نقول. # وحكاه ابن خويزمنداد2 عن مالك بن أنس واختاره، وأطال في تقريره، ونقل ~~الشيخ في "التبصرة"3 عن بعض أهل الحديث أن منها ما يوجب العلم كحديث مالك، ~~عن نافع4 عن ابن عمر، وما أشبهه. وحكى صاحب "المصادر"5 عن أبي بكر القفال ~~أنه يوجب العلم الظاهر. # وقيل في تعريفه: هو ما لم ينته بنفسه إلى التواتر، سواء كثر رواته أو ~~قلوا، وهذا كالأول في نفي الواسطة بين التواتر والآحاد. # وقيل في تعريفه: هو ما يفيد الظن واعترض عليه بما لم يفد الظن من ~~الأخبار. # ورد بأن الخبر الذي لا يفيد الظن لا يراد دخوله في التعريف إذ لا يثبت به ~~حكم والمراد تعريف ما يثبت به الحكم. # وأجيب عن هذا الرد: بأن الحديث الضعيف الذي لم ينته تضعيفه إلى حد يكون ~~به باطلا موضوعا يثبت به الحكم، مع كونه لا يفيد الظن. ويرد هذا الجواب: ~~بأن الضعيف الذي يبلغ ضعفه إلى حد لا يحصل معه الظن لا يثبت به الحكم، ولا ~~يجوز الاحتجاج به في إثبات شرع عام وإنما يثبت الحكم بالصحيح والحسن لذاته ~~أو لغيره لحصول الظن بصدق ذلك وثبوته عن الشارع. # وقد ذهب الجمهور إلى وجوب العمل بخبر الواحد وأنه "قد"* وقع التعبد به، ~~وقال PageV01P134 # "القاساني"*1 والرافضة وابن داود2. لا يجب العمل به، وحكاه الماوردي3 عن ~~الأصم4 وابن علية5 وقال: إنهما قالا لا يقبل خبر الواحد في السنن ~~والديانات، ويقبل في غيره من أدلة الشرع. # وحكى الجويني6 في "شرح الرسالة" عن هشام7 والنظام أنه لا يقبل خبر الواحد ~~إلا بعد قرينة تنضم إليه، ms093 وهو علم الضرورة، بأن يخلق الله في قلبه ضرورة ~~الصدق، وقال: وإليه ذهب أبو الحسين بن اللبان الفرضي8 قال بعد حكاية هذا ~~عنه: فإن تاب فالله يرحمه وإلا فهو مسألة التكفير لأنه إجماع فمن أنكره ~~يكفر. # قال ابن السمعاني: واختلفوا، يعني القائلين بعدم وجوب العمل بخبر الواحد ~~في المانع من القبول فقيل: منع منه العقل، وينسب إلى ابن علية والأصم. ~~PageV01P135 # وقال "القاساني"* من أهل الظاهر، والشيعة: منع منه الشرع، فقالوا: إنه لا ~~يفيد إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا. # ويجاب عن هذا: بأنه عام مخصص، لما ثبت في الشريعة من العلم بأخبار ~~الآحاد. # ثم اختلف الجمهور في طريق إثباته، فالأكثر منهم قالوا يجب بدليل السمع. # وقال أحمد بن حنبل، والقفال، "وابن سريج"**، وأبو الحسين البصري من ~~المعتزلة، وأبو جعفر الطوسي1 من الإمامية، والصيرفي من الشافعية: إن الدليل ~~العقلي دل على وجوب العمل، لاحتياج الناس إلى معرفة بعض الأشياء، من جهة ~~الخبر الوارد عن الواحد. # وأما دليل السمع: فقد استدلوا من الكتاب بمثل قوله تعالى: {إن جاءكم فاسق ~~بنبأ} 2، وبمثل قوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} 3، ومن ~~السنة بمثل قصة أهل قباء لما أتاهم واحد فأخبرهم أن القبلة قد تحولت ~~فتحولوا وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليهم4. # وبمثل بعثه صلى الله عليه وسلم لعماله واحدا بعد واحد وكذلك بعثه بالفرد ~~من الرسل يدعو الناس إلى الإسلام. # ومن الإجماع بإجماع الصحابة والتابعين على الاستدلال بخبر الواحد وشاع ~~ذلك وذاع، ولم ينكره أحد، ولو أنكره منكر لنقل إلينا وذلك يوجب العلم ~~العادي باتفاقهم كالقول الصريح. # قال ابن دقيق العيد5: ومن تتبع أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة ~~والتابعين، وجمهور الأمة ما عدا هذه الفرقة اليسيرة علم ذلك قطعا انتهى. ~~PageV01P136 # وعلى الجملة: فلم يأت من خالف في العلم بخبر الواحد بشيء يصلح للتمسك به، ~~ومن تتبع عمل الصحابة، من الخلفاء وغيرهم وعمل التابعين فتابعيهم بأخبار ~~الآحاد وجد ذلك في غاية الكثرة بحيث لا ms094 يتسع له إلا مصنف بسيط وإذا وقع من ~~بعضهم التردد في العمل به في بعض الأحوال فذلك لأسباب خارجة عن كونه خبر ~~واحد من ريبة الصحة أو تهمة للراوي أو وجود معارض راجح أو نحو ذلك. # أقسام الآحاد: # واعلم: أن الآحاد تنقسم إلى أقسام: # فمنها: خبر الواحد، وهو هذا الذي تقدم ذكره1. # والقسم الثاني: المستفيض، وهو ما رواه ثلاثة فصاعدا، وقيل: ما زاد على ~~الثلاثة، وقال أبو إسحاق الشيرازي: أقل ما تثبت به الاستفاضة اثنان، قال ~~السبكي2: والمختار عندنا أن المستفيض ما يعده الناس شائعا. # القسم الثالث: المشهور، وهو ما اشتهر ولو في القرن الثاني، أو الثالث، ~~إلى حد ينقله ثقات لا يتوهم تواطؤهم على الكذب، ولا يعتبر الشهرة بعد ~~القرنين. # هكذا "قالت"* قال الحنفية، فاعتبروا التواتر في بعض طبقاته، وهي الطبقة ~~التي روته في القرن الثاني أو الثالث فقط، فبينه وبين المستفيض عموم وخصوص ~~من وجه، لصدقهما على ما رواه الثلاثة فصاعدا، ولم يتواتر في القرن الأول، ~~ثم تواتر في أحد القرنين المذكورين، وانفرد المستفيض إذا لم ينته في أحدهما ~~إلى التواتر وانفراد المشهور فيما رواه اثنان في القرن الأول ثم تواتر في ~~الثاني والثالث وجعل الجصاص3 المشهور قسما من المتواتر ووافقه جماعة من ~~أصحاب الحنفية. وأما جمهورهم فجعلوه قسيما للمتواتر لا قسما منه كما تقدم. ~~PageV01P137 # واعلم: أن الخلاف الذي ذكرناه1 في أول هذا البحث من إفادة خبر الآحاد ~~الظن أو العلم، مقيد بما إذا كان خبر واحد لم ينضم إليه ما يقويه، وأما إذا ~~انضم إليه ما يقويه، أو كان مشهورا، أو مستفيضا، فلا يجري فيه الخلاف ~~المذكور ولا نزاع في أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه فإنه ~~يفيد العلم لأن الإجماع عليه قد صيره من المعلوم صدقه وهكذا خبر الواحد إذا ~~تلقته الأمة بالقبول فكانوا بين عامل به ومتأول له. # ومن هذا القسم أحاديث صحيحي "البخاري2 ومسلم3" فإن الأمة تلقت ما فيهما ~~بالقبول، ومن لم يعلم بالبعض من ذلك فقد أوله والتأويل فرع القبول ms095 والبحث ~~مقرر بأدلته في غير هذا الموضع. # قيل: ومن خبر الواحد المعلوم صدقه أن يخبر به في حضور جماعة هي نصاب ~~التواتر، ولم يقدحوا في روايته مع كونهم ممن يعرف علم الرواية ولا مانع ~~يمنعهم من القدح في ذلك، وفي هذا نظر. # واختلفوا في خبر الواحد المحفوف بالقرائن، فقيل يفيد العلم، وقيل: لا ~~يفيده، وهذا خلاف لفظي لأن القرائن إن كانت قوية بحيث يحصل لكل عاقل عندها ~~العلم كان من المعلوم صدقه "وإلا فلا، وجه لما قاله الأكثرون من أنه لا ~~يحصل العلم به لا بالقرائن ولا بغيرها. ومن المعلوم صدقه"* أيضا إذا أخبر ~~مخبر بحضرته صلى الله عليه وسلم بخبر يتعلق بالأمور الدينية، وسمعه صلى ~~الله عليه وسلم، PageV01P138 # ولم ينكر عليه، لا إذا كان الخبر بغير الأمور الدينية. # شروط العمل بخبر الواحد: # العمل بخبر الواحد له شروط: # منها ما هو في المخبر، وهو الراوي، ومنها ما هو في المخبر عنه، وهو مدلول ~~الخبر، ومنها ما هو في الخبر نفسه وهو اللفظ الدال. # أما الشروط الراجعة إلى الراوي فخمسة: # الأول: التكليف # فلا تقبل رواية الصبي والمجنون، ونقل القاضي الإجماع على رد رواية الصبي. # واعترض عليه العنبري1. وقال: بل هما قولان للشافعي في إخباره عن القبلة، ~~كما حكاه القاضي حسين في تعليقه2، قال: ولأصحابنا خلاف مشهور في قبول ~~روايته في هلال رمضان وغيره. # قال الفوراني3: الأصح قبول روايته، والوجه في رد روايته أنه قد يعلم أنه ~~غير آثم لارتفاع قلم التكليف عنه فيكذب. وقد أجمع الصحابة على عدم الرجوع ~~إلى الصبيان مع أن فيهم من كان يطلع على أحوال النبوة، وقد رجعوا إلى ~~النساء وسألوهن من وراء حجاب. # قال الغزالي في "المنخول": محل الخلاف في المراهق المتثبت في كلامه، أما ~~غيره فلا يقبل قطعا. # وهذا الاشتراط إنما هو باعتبار وقت الأداء للرواية، أما لو تحملها صبيا ~~وأداها مكلفا، فقد أجمع السلف على قبولها كما في رواية ابن عباس، والحسنين4 ~~ومن كان مماثلا لهم، PageV01P139 # كمحمود بن الربيع فإنه روى حديثا: "أنه صلى ms096 الله عليه وسلم مج في فيه مجة ~~وهو ابن خمس سني"1، واعتمد العلماء روايته. # وقد كان من بعد الصحابة من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم يحضرون الصبيان ~~مجالس الروايات ولم ينكر ذلك أحد وهكذا لو تحمل وهو فاسق أو كافر ثم روى ~~وهو عدل مسلم، ولا أعرف خلافا في عدم قبول رواية المجنون في حال جنونه، أما ~~لو سمع في حال جنونه ثم أفاق فلا يصح ذلك؛ لأنه وقت الجنون غير ضابط. # وقد روى جماعة إجماع أهل المدينة على قبول رواية الصبيان بعضهم على بعض ~~في الدماء، لمسيس الحاجة إلى ذلك لكثرة وقوع الجنايات فيما بينهم إذا ~~انفردوا ولم يحضرهم من تصح شهادته وقيدوه بعدم تفرقهم بعد الجناية حتى ~~يؤدوا الشهادة والأولى عدم القبول وعمل أهل المدينة لا تقوم به الحجة على ~~ما سيأتي على أنا نمنع ثبوت هذا الإجماع الفعلي عنهم. # الشرط الثاني: الإسلام # فلا تقبل رواية الكافر؛ من يهودي أو نصراني، أو غيرهما إجماعا، قال ~~الرازي في "المحصول": أجمعت الأمة على أنه لا تقبل روايته سواء علم من دينه ~~الاحتراز عن الكذب أو لم يعلم، قال والمخالف من أهل القبلة إذا كفرناه ~~كالمجسم وغيره هل تقبل روايته أم لا؟ الحق أنه إن كان مذهبه جواز الكذب لا ~~تقبل روايته وإلا قبلناها وهو قول أبي الحسين البصري. # وقال القاضي أبو بكر، والقاضي عبد الجبار: لا تقبل روايتهم. # لنا: أن المقتضي للعمل بها قائم، ولا معارض، فوجب العمل بها. # بيان أن المقتضي قائم: أن الاعتقاد لحرمة الكذب يزجره عن الإقدام عليها، ~~فيحصل ظن الصدق، فيجب العمل بها، وبيان أنه لا معارض: أنهم أجمعوا على أن ~~الكافر الذي ليس من أهل القبلة لا تقبل روايته وذلك الكفر منتف ههنا، قال ~~واحتج المخالف بالنص والقياس أما النص فقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ ~~فتبينوا} 2 فأمر بالتثبت عند نبأ الفاسق، وهذا الكافر فاسق فوجب التثبت عند ~~خبره. # وأما القياس: فقد أجمعنا على أن الكافر الذي لا يكون من أهل القبلة لا ~~تقبل روايته، ms097 فكذا PageV01P140 # هذا الكافر، والجامع أن قبول الرواية تنفيذ لقوله على كل المسلمين، وهذا ~~منصب شريف، والكفر يقتضي الإذلال، وبينهما منافاة أقصى ما في الباب أن ~~يقال: هذا الكافر جاهل لكونه كافرا لكنه لا يصلح عذرا. # والجواب عن الأول: أن اسم الفاسق في عرف الشرع مختص بالمسلم المقدم على ~~الكبيرة. # وعن الثاني: الفرق بين الموضعين أن الكفر الخارج عن الملة أغلظ من كفر ~~صاحب التأويل، وقد رأينا الشرع فرق بينهما في أمور كثيرة، ومع ظهور الفرق ~~لا يجوز الجمع هكذا قال الرازي. # والحاصل: أنه إن علم من مذهب المبتدع جواز الكذب مطلقا لم تقبل روايته ~~قطعا، وإن علم من مذهبه جوازه في أمر خاص كالكذب فيما يتعلق بنصرة مذهبه، ~~أو الكذب فيما هو ترغيب في طاعة، أو ترهيب عن معصية، فقال الجمهور ومنهم ~~القاضيان: أبو بكر وعبد الجبار، والغزالي والآمدي، لا يقبل، قياسا على ~~الفاسق، بل هو أولى، وقال أبو الحسين البصري: يقبل، وهو رأي الجويني ~~وأتباعه. # والحق: عدم القبول مطلقا في الأول، وعدم قبوله في ذلك الأمر الخاص في ~~الثاني، ولا فرق في هذا بين المبتدع الذي يكفر ببدعته. # وبين المبتدع الذي لا يكفر ببدعته وأما إذا كان ذلك المبتدع لا يستجيز ~~الكذب فاختلفوا فيه على أقوال: # الأول: # رد روايته مطلقا لأنه قد فسق ببدعته فهو كالفاسق بفعل المعصية، وبه قال ~~القاضي، والأستاذ أبو منصور، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي. # والقول الثاني: # أنه يقبل وهو ظاهر مذهب الشافعي، وابن أبي ليلى1 والثوري2 وأبي يوسف3 ~~PageV01P141 # والقول الثالث: # أنه إذا كان داعية إلى بدعته لم يقبل، وإلا قبل وحكاه القاضي عبد الوهاب1 ~~في "المخلص" عن مالك وبه جزم سليم. # قال القاضي عياض: وهذا يحتمل أنه إذا لم يدع يقبل، ويحتمل أنه لا يقبل ~~مطلقا انتهى. # والحق: أنه لا يقبل فيما يدعو إلى بدعته ويقويها، لا في غير ذلك. قال ~~الخطيب2: وهو مذهب أحمد، ونسبه ابن الصلاح3 إلى الأكثرين. قال وهو أعدل ~~المذاهب وأولاها. # وفي الصحيحين كثير من أحاديث المبتدعة غير الدعاة احتجاجا واستشهادا، ms098 ~~كعمران بن حطان4 وداود بن الحصين5 وغيرهما ونقل أبو حاتم بن حبان6 في كتاب ~~"الثقات" الإجماع على ذلك. PageV01P142 # قال ابن دقيق العيد: جعل بعض المتأخرين من أهل الحديث هذا المذهب متفقا ~~عليه، وليس كما قال. # وقال ابن القطان في كتاب "الوهم والإيهام"1: الخلاف إنما هو في غير ~~الداعية، أما الداعية، فهو ساقط عند الجميع. # قال أبو الوليد الباجي2: الخلاف في الداعية بمعنى أنه يظهر بدعته بمعنى ~~حمل الناس عليها فلم يختلف في ترك حديثه. # الشرط الثالث: العدالة # قال الرازي في "المحصول": هي هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى ~~والمروءة جميعا حتى يحصل ثقة النفس بصدقة ويعتبر فيها الاجتناب عن الكبائر ~~وعن بعض الصغائر كالتطفيف بالحبة، وسرقة باقة من البقل، وعن المباحات ~~القادحة في المروءة، كالأكل في الطريق، والبول في الشارع، وصحبة الأرذال ~~والإفراط في المزاح، والضابط فيه أن كل ما لا يؤمن "معه"* جراءته على الكذب ~~يرد الرواية وما لا فلا، انتهى. # وأصل العدالة في اللغة: الاستقامة، يقال: طريق عدل أي مستقيم، وتطلق على ~~استقامة السيرة والدين، قال الزركشي في "البحر": واعلم أن العدالة شرط ~~بالاتفاق ولكن اختلف في معناها فعند الحنفية عبارة عن الإسلام مع عدم ~~الفسق. وعندنا ملكة في النفس تمنع عن اقتراف الكبائر وصغائر الخسة كسرقة ~~لقمة والرذائل المباحة كالبول في الطريق والمراد جنس الكبائر والرذائل ~~الصادق بواحدة. # قال ابن القشيري: والذي صح عن الشافعي أنه قال: في الناس من يمحض الطاعة ~~فلا يمزجها بمعصية وفي المسلمين من يمحض المعصية ولا يمزجها بالطاعة فلا ~~سبيل إلى رد الكل ولا إلى قبول الكل، فإن كان الأغلب على الرجل من أمره ~~الطاعة والمروءة قبلت شهادته وروايته، وإن كان الأغلب المعصية وخلاف ~~المروءة رددتها. PageV01P143 # قال ابن السمعاني: لا بد في العدل من أربع شرائط: المحافظة على فعل ~~الطاعة واجتناب المعصية، وأن لا يرتكب من الصغائر ما يقدح في دين أو عرض، ~~وأن لا يفعل من المباحات ما يسقط القدر ويكسب الندم، وأن لا يعتقد من ~~المذاهب ما يرده ms099 أصول الشرع. # قال الجويني: الثقة هي المعتمد عليها في الخبر، فمتى حصلت الثقة بالخبر ~~قبل. # وقال ابن الحاجب في حد العدالة: هي محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى ~~والمروءة ليس معها بدعة فزاد قيد عدم البدعة، وقد عرفت ما هو الحق في أهل ~~البدع في الشرط الذي مر قبل هذا. # والأولى أن يقال في تعريف العدالة: إنها التمسك بآداب الشرع فمن تمسك بها ~~فعلاوتركا فهو العدل المرضي، ومن أخل بشيء منها فإن كان الإخلال بذلك الشيء ~~يقدح في دين فاعله أو تاركه، كفعل الحرام وترك الواجب فليس بعدل، وأما ~~اعتبار العادات الجارية بين الناس المختلفة باختلاف الأشخاص والأزمنة ~~والأمكنة والأحوال، فلا مدخل لذلك في هذا الأمر الديني الذي تنبني عليه ~~قنطرتان عظيمتان وجسران كبيران وهما الرواية والشهادة. # نعم من فعل ما يخالف ما يعده الناس مروءة عرفا لا شرعا فهو تارك للمروءة ~~العرفية ولا يستلزم ذلك ذهاب مروءته الشرعية. # وقد اختلف الناس هل المعاصي منقسمة إلى صغائر وكبائر أم هي قسم واحد؟ # فذهب الجمهور إلى أنها منقسمة إلى صغائر وكبائر، ويدل على ذلك قوله ~~سبحانه: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} 1 وقوله: {وكره ~~إليكم الكفر والفسوق والعصيان} 2، ويدل عليه ما ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم متواترا من تخصيص بعض الذنوب باسم الكبائر وبعضها بأكبر الكبائر. # وذهب جماعة إلى أن المعاصي قسم واحد ومنهم الأستاذ أبو إسحاق، والجويني ~~وابن فورك، ومن تابعهم قالوا: إن المعاصي كلها كبائر. وإنما يقال لبعضها ~~صغيرة بالنسبة إلى ما هو أكبر كما يقال الزنا صغيرة بالنسبة إلى الكفر ~~والقبلة المحرمة صغيرة بالنسبة إلى الزنا وكلها كبائر. # قالوا: ومعنى قوله {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} : إن تجتنبوا الكفر ~~كفرت عنكم سيئاتكم التي هي دون الكفر، والقول الأول راجح. PageV01P144 # وههنا مذهب ثالث ذهب إليه الحلمي1 فقال: إن المعاصي "تنقسم"* إلى ثلاثة ~~أقسام: # صغيرة، وكبيرة، وفاحشة؛ فقتل النفس بغير حق كبيرة، فإن قتل ذا رحم له ~~ففاحشة، فأما الخدشة والضربة مرة أو ms100 مرتين فصغيرة وجعل سائر الذنوب هكذا. # ثم اختلفوا في الكبائر هل تعرف بالحد أو لا تعرف إلا بالعدد، فقال ~~الجمهور: إنها تعرف بالحد، ثم اختلفوا في ذلك فقيل إنها المعاصي الموجبة ~~للحد. وقال بعضهم هي ما يلحق صاحبها وعيد شديد. وقال آخرون ما يشعر بقلة ~~اكتراث مرتكبها بالدين. وقيل: ما كان فيه مفسدة. # وقال الجويني: ما نص الكتاب على تحريمه أو وجب في حقه حد، وقيل: ما ورد ~~الوعيد عليه مع الحد، أو لفظ يفيد الكبر. # وقال جماعة: إنها لا تعرف إلا بالعدد، ثم اختلفوا هل تنحصر في عدد معين ~~أم لا؟ فقيل: هي سبع، وقيل: تسع، وقيل: عشر، وقيل: اثنتا عشرة، وقيل: أربع ~~عشرة، وقيل: ست وثلاثون، وقيل: سبعون. وإلى السبعين أنهاها الحافظ الذهبي2 ~~في "جزء صنفه" في ذلك. # وقد جمع ابن حجر الهيتمي3 فيها مصنفا حافلا سماه الزواجر في الكبائر" ~~وذكر فيه نحو أربعمائة معصية. # وبالجملة فلا دليل يدل على انحصارها في عدد معين، ومن المنصوص عليه منها: ~~القتل، والزنا، واللواطة، وشرب الخمر، والسرقة، والغصب، والقذف، والنميمة، ~~وشهادة الزور، PageV01P145 # واليمين الفاجرة، وقطيعة الرحم، والعقوق والفرار من الزحف، وأخذ مال ~~اليتيم، وخيانة الكيل، والوزن، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وتقديم الصلاة وتأخيرها وضرب المسلم وسب الصحابة وكتمان الشهادة والرشوة ~~والدياثة1، ومنع الزكاة، واليأس من الرحمة وأمن المكر والظهار وأكل لحم ~~الخنزير والميتة وفطر رمضان والربا والغلول والسحر وترك الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر ونسيان القرآن بعد تعلمه وإحراق الحيوان بالنار وامتناع ~~الزوجة عن زوجها بلا سبب. # وقد قيل: إن الإصرار على الصغيرة حكمه حكم مرتكب الكبيرة، وليس على هذا ~~دليل يصلح للتمسك به، وإنما هي مقالة لبعض الصوفية فإنه قال لا صغيرة مع ~~إصرار. وقد روى بعض من لا يعرف علم الرواية هذا اللفظ وجعله حديثا ولا يصح ~~ذلك، بل الحق أن الإصرار حكمه حكم ما أصر عليه فالإصرار على الصغيرة صغيرة ~~والإصرار على الكبيرة كبيرة. # وإذا تقرر لك هذا فاعلم أنه لا عدالة لفاسق. # وقد ms101 حكى مسلم في "صحيحه"2 الإجماع على رد خبر الفاسق فقال: إنه غير مقبول ~~عند أهل العلم كما أن شهادته مردودة عند جميعهم. قال الجويني: والحنفية وإن ~~باحوا بقبول شهادة الفاسق فلم "يبوحوا"* بقبول روايته، فإن قال به قائل فهو ~~مسبوق بالإجماع. # قال الرازي في "المحصول": إذا أقدم على الفسق فإن علم كونه فسقا لم تقبل ~~روايته وإن لم يعلم كونه فسقا فإما أن يكون مظنونا، أو مقطوعا فإن كان ~~مظنونا قبلت روايته بالاتفاق، قال وإن كان مقطوعا به قبلت أيضا. # لنا: أن ظن صدقه راجح، والعلم بهذا الظن واجب والمعارض المجمع عليه منتف ~~فوجب العمل به. # احتج الخصم: بأن منصب الرواية لا يليق بالفاسق أقصى ما في الباب: أنه جهل ~~فسقه، لكن جهله بفسقه فسق آخر، فإذا منع أحد الفسقين عن قبول الرواية ~~فالفسقان أولى بذلك المنع. # والجواب: أنه إذا علم كونه فسقا دل إقدامه عليه على اجترائه على المعصية ~~بخلاف إذا لم يعلم ذلك. PageV01P146 # ويجاب عن هذا الجواب: أن إخلاله بأمور دينه إلى حد يجهل معه ما يوجب ~~الفسق يدل أبلغ دلالة على اجترائه على دينه وتهاونه بما يجب عليه من ~~معرفته. # واختلف أهل العلم في رواية المجهول، أي: مجهول الحال مع كونه معروف العين ~~برواية عدلين عنه، فذهب الجمهور كما حكاه ابن الصلاح وغيره عنهم: أن روايته ~~غير مقبولة، وقال أبو حنيفة1: تقبل روايته اكتفاء بسلامته من التفسيق ~~ظاهرا، وقال جماعة إن كان الراويان أو الرواة عنه لا يروون عن غير عدل قبل ~~وإلا فلا، وهذا الخلاف فيمن لا يعرف حاله ظاهرا ولا باطنا، وأما من كان ~~عدلا في الظاهر ومجهول العدالة في الباطن. فقال أبو حنيفة يقبل ما لم يعلم ~~الجرح. # وقال الشافعي: لا يقبل ما لم تعلم العدالة، وحكاه الكيا عن الأكثرين، ~~وذكر الأصفهاني أن المتأخرين من الحنفية قيدوا القول بالقبول بصدر الإسلام، ~~بغلبة العدالة على الناس إذ ذاك، قالوا وأما المستور في زماننا فلا يقبل ~~لكثرة الفساد وقلة الرشاد. # وقال الجويني: بالوقف -إذا روى التحريم- إلى ms102 ظهور حاله، "وأما"* مجهول ~~العين وهو من لم يشتهر ولم يرو عنه إلا راو واحد فذهب جمهور أهل العلم أنه ~~لا يقبل ولم يخالف في ذلك إلا من لم يشترط في الراوي إلا مجرد الإسلام. # وقال ابن عبد البر: إن كان المنفرد بالرواية عنه لا يروي إلا عن عدل كابن ~~مهدي وابن معين ويحيى القطان2 فإنه "يكفي"** وترتفع عنه الجهالة العينية ~~وإلا فلا. # وقال أبو الحسين بن القطان: إن زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل، مع ~~روايته، عنه وعمله بما رواه قبل، وإلا فلا، وهذا هو ظاهر تصرف ابن حبان في ~~"ثقاته" فإنه يحكم برفع الجهالة برواية واحدة. PageV01P147 # وحكي ذلك عن النسائي1 أيضا قال أبو الوليد الباجي: ذهب جمهور أصحاب ~~الحديث إلى أن الراوي إذا روى عنه اثنان فصاعدا انتفت عنه الجهالة، وهذا ~~ليس بصحيح عند المحققين من أصحاب الأصول لأنه قد يروي الجماعة عن الواحد لا ~~يعرفون حاله ولا يخبرون شيئا من أمره ويحدثون بما رووا عنه "ولا يخرجه ~~روايتهم عنه"* "عن"** على الجهالة؛ إذ لم يعرفوا عدالته؛ انتهى. # وفيه نظر؛ لأنهم إنما يقولون بارتفاع جهالة العين برواية الاثنين فصاعدا ~~عنه لا بارتفاع جهالة الحال كما سبق. # والحق لأنها لا تقبل رواية مجهول العين ولا مجهول الحال؛ لأن حصول الظن ~~بالمروي لا يكون إلا إذا كان الراوي عدلا وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة ~~على المنع من العمل بالظن كقوله سبحانه: {إن الظن لا يغني من الحق شيئا} 2 ~~وقوله: {ولا تقف ما ليس لك به علم} 3؛ وقام الإجماع على قبول رواية العدل ~~فكان كالمخصص لذلك العموم، فبقي من ليس بعدل داخلا تحت العمومات وأيضا قد ~~تقرر عدم قبول رواية الفاسق ومجهول العين أو الحال يحتمل أن يكون فاسقا وأن ~~يكون غير فاسق فلا تقبل روايته مع هذا الاحتمال لأن عدم الفسق شرط في جواز ~~الرواية عند فلا بد من العلم بوجود هذا الشرط وأيضا وجود الفسق مانع من ~~قبول روايته فلا بد من العلم بانتفاء هذا المانع. # وأما ms103 استدلال من قال بالقبول بما يروونه من قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"نحن نحكم بالظاهر"4. فقال PageV01P148 # الذهبي والمزي1 وغيرهما من الحفاظ لا أصل له، وإنما هو من كلام بعض السلف ~~ولو سلمنا أن له أصلا لم يصلح للاستدلال به على محل النزاع لأن صدق المجهول ~~غير ظاهر، بل صدقه وكذبه مستويان وإذا عرفت هذا فلا يصدهم ما استشهدوا به ~~لهذا الحديث الذي لم يصح بمثل قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما أقضي بنحو ما ~~أسمع" 2 وهو في الصحيح وبما روي من قوله صلى الله عليه وسلم لعمه العباس ~~يوم بدر لما اعتذر بأنه أكره على الخروج فقال: "كان ظاهرك علينا" 3، وبما ~~في صحيح البخاري عن عمر رضي الله عنه: "إنما نؤاخذكم بما ظهر لنا من ~~أعمالكم" 4. # الشرط الرابع: الضبط # فلا بد أن يكون الراوي ضابطا لما يرويه ليكون المروي له على ثقة منه في ~~حفظه وقلة غلطه وسهوه، فإن كان كثير الغلط والسهو ردت روايته إلا فيما علم ~~أنه لم يغلط فيه ولا سها عنه، وإن كان قليل الغلط قبل خبره إلا فيما يعلم ~~أنه غلط فيه، كذا قال ابن السمعاني وغيره، قال أبو بكر الصيرفي: من أخطأ في ~~حديث فليس بدليل على الخطأ في غيره، ولم يسقط لذلك حديثه، ومن كثر بذلك ~~خطؤه وغلطه لم يقبل خبره لأن المدار على حفظ الحكاية. # قال الترمذي5 في "العلل"6: كل من كان متهما في الحديث بالكذب، أو كان ~~مغفلا PageV01P149 # يخطئ الكثير فالذي اختاره أكثر أهل الحديث من الأئمة أن لا يشتغل ~~بالرواية عنه انتهى. # والحاصل أن الأحوال ثلاثة: إن غلب خطؤه وسهوه على حفظه فمردود إلا فيما ~~علم أنه لم يخطئ فيه وإن غلب حفظه على خطئه وسهوه فمقبول إلا فيما علم أنه ~~أخطأ فيه وإن استويا بالخلاف، قال القاضي عبد الجبار يقبل لأن جهة التصديق ~~راجحة في خبره لعقله ودينه، وقال الشيخ أبو إسحاق: إنه يرد وقيل إنه يقبل ~~خبره إذا كان مفسرا وهو أن يذكر من روى عنه ويعين ms104 وقت السماع منه وما أشبه ~~ذلك وإلا فلا يقبل وبه قال القاضي حسين وحكاه الجويني عن الشافعي في ~~الشهادة، ففي الرواية أولى، وقد أطلق جماعة من المصنفين في علوم الحديث: أن ~~الراوي إن كان تام الضبط مع بقية الشروط المعتبرة فحديثه من قسم الصحيح، ~~وإن خف ضبطه فحديثه من قسم الحسن، وإن كثر غلطه فحديثه من قسم الضعيف، ولا ~~بد من تقييد هذا بما إذا لم يعلم بأنه لم يخطئ فيما رواه. # قال الكيا الطبري: ولا يشترط انتفاء الغفلة ولا يوجب لحوق الغفلة له رد ~~حديثه إلا أن يعلم أنه قد لحقته الغفلة فيه بعينه، وما ذكره صحيح إذا كان ~~ممن تعتريه الغفلة في غير ما يرويه كما وقع ذلك لجماعة من الحفاظ فإنهم قد ~~تلحقهم الغفلة في كثير من أمور الدنيا فإذا رووا كانوا من أحذق الناس ~~بالرواية وأنبههم فيما يتعلق بها وليس من شرط الضبط أن يضبط اللفظ بعينه ~~كما سيأتي1. # الشرط الخامس: أن لا يكون الراوي مدلسا # وسواء كان التدليس في المتن أو في الإسناد. # أما التدليس في المتن فهو أن يزيد في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كلام غيره فيظن السامع أن الجميع من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وأما التدليس في الإسناد فهو على أنواع: # أحدها: أن يكون في إبدال الأسماء فيعبر عن الراوي وعن أبيه بغير اسميهما ~~وهذا نوع من الكذب. # وثانيهما: أن يسميه بتسمية غير مشهورة فيظن السامع أنه رجل آخر غير من ~~قصده الراوي وذلك مثل من يكون مشهورا باسمه فيذكره الراوي بكنيته أو العكس ~~إيهاما للمروي له بأنه رجل آخر غير ذلك الرجل، فإن كان مقصد الراوي بذلك ~~التغرير على السامع بأن المروي عنه غير ذلك PageV01P150 # الرجل فلا يخلو إما أن يكون ذلك الرجل المروي عنه ضعيفا وكان العدول إلى ~~غير المشهور من اسمه أو كنيته ليظن السامع أنه رجل آخر غير ذلك الضعيف. ~~فهذا التدليس قادح في عدالة الراوي، وإما أن يكون مقصد الراوي مجرد الإغراب ms105 ~~على السامع مع كون المروي عنه عدلا على كل حال فليس هذا النوع من التدليس ~~بجرح كما قال ابن الصلاح وابن السمعان، ي وقال أبو الفتح بن برهان هو جرح. # وثالثهما: أن يكون التدليس بإطراح اسم الراوي الأقرب وإضافة الرواية إلى ~~من هو أبعد منه مثل أن يترك شيخه ويروي الحديث عن شيخ شيخه، فإن كان ~~المتروك ضعيفا فذلك من الخيانة في الرواية ولا يفعله إلا من ليس بكامل ~~العدالة، وإن كان المتروك ثقة وترك ذكره لغرض من الأغراض التي لا تنافي ~~الأمانة والصدق ولا تتضمن التغرير على السامع فلا يكون ذلك قادحا في عدالة ~~الراوي، لكن إذا جاء في الرواية بصيغة محتملة نحو أن يقول: قال فلان أو روي ~~عن فلان أو نحو ذلك، أما لو قال حدثنا فلان أو أخبرنا وهو لم يحدث ولم ~~يخبره بل الذي حدثه أو أخبره هو من ترك ذكره فذلك كذب يقدح في عدالته. ~~والحاصل أن من كان ثقة واشتهر بالتدليس فلا يقبل إلا إذا قال حدثنا أو ~~أخبرنا أو سمعت لا إذا لم يقل كذلك لاحتمال أن يكون قد أسقط من لا تقوم ~~الحجة بمثله. # أما الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر: # فالأول: # منها أن لا يستحيل وجوده في العقل فإن أحاله العقل رد. # الشرط الثاني: # أن لا يكون مخالفا لنص مقطوع به على وجه لا يمكن الجمع بينهما بحال. # الشرط الثالث: # أن لا يكون مخالفا لإجماع الأمة عند من يقول بأنه حجة قطعية. وأما إذا ~~خالف القياس القطعي فقال الجمهور: أنه مقدم على القياس. وقيل: إن كانت ~~مقدمات القياس قطعية قدم القياس وإن كانت ظنية قدم الخبر، وإليه ذهب أبو ~~بكر الأبهري1، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: إنهما متساويان، وقال عيسى ~~بن أبان2: إن كان الراوي ضابطا عالما قدم خبره وإلا محل اجتهاد، وقال أبو ~~الحسين البصري: إن كانت العلة ثابتة بدليل قطعي فالقياس مقدم وإن كان حكم ~~الأصل مقطوعا به خاصة دون العلة فالاجتهاد فيه واجب حتى يظهر ترجيح ~~PageV01P151 # أحدهما ms106 فيعمل به، وإلا فالخبر مقدم. # وقال أبو الحسين الصيمري1: لا خلاف في العلة المنصوص عليها، وإنما الخلاف ~~في المستنبطة قال الكيا: قدم الجمهور خبر الضابط على القياس لأن القياس ~~عرضة الزلل انتهى. # والحق: تقديم الخبر الخارج من مخرج صحيح أو حسن على القياس مطلقا، إذا لم ~~يمكن الجمع بينهما بوجه من الوجوه، كحديث المصراة2 وحديث العرايا3 فإنهما ~~مقدمان على القياس، وقد كان الصحابة التابعون إذا جاءهم الخبر لم يلتفتوا ~~إلى القياس ولا ينظروا فيه، وما روي عن بعضهم من تقديم القياس في بعض ~~المواطن فبعضه غير صحيح، وبعضه محمول على أنه لم يثبت الخبر عند من قدم ~~القياس بوجه من الوجوه. # ومما يدل على تقديم الخبر على القياس حديث معاذ4 فإنه قدم العمل بالكتاب ~~والسنة على اجتهاده. # ومما يرجح تقديم الخبر على القياس أن الخبر يحتاج إلى النظر في أمرين: ~~وهما دلالته، عدالة الراوي ودلالة الخبر، والقياس يحتاج إلى النظر في ستة ~~أمور: حكم الأصل وتعليله في الجملة، وتعين الوصف الذي به التعليل ووجود ذلك ~~الوصف في الفرع ونفي المعارض في الأصل ونفيه في الفرع هذا إذا لم يكن دليل ~~الأصل خبرا، فإن كان خبرا كان النظر في ثمانية PageV01P152 # أمور الستة المذكورة مع الاثنين المذكورين في الخبر ولا شك أن ما كان ~~يحتاج إلى النظر في أمور كثيرة كان احتمال الخطأ فيه أكثر مما يحتاج إلى ~~النظر في أقل منها. # واعلم أنه لا يضر الخبر عمل أكثر الأمة بخلافه لأن قول الأكثر ليس بحجة. # ولا يضره عمل أهل المدينة بخلافه خلافا لمالك وأتباعه لأنهم بعض الأمة ~~ولجواز أنه لم يبلغهم الخبر. # ولا يضره عمل الراوي له بخلافه خلافا لجمهور الحنفية وبعض المالكية لأنا ~~متعبدون بما بلغ إلينا من الخبر ولم نتعبد بما فهمه الراوي ولم يأت من قدم ~~عمل الراوي على روايته بحجة تصلح للاستدلال بها، وسيأتي لهذا البحث مزيد ~~بسط في الشروط التي ترجع إلى لفظ الخبر1. # ولا يضره كونه مما تعم به البلوى خلافا للحنفية وأبي عبد الله ms107 البصري2 ~~لعمل الصحابة والتابعين بأخبار الآحاد في ذلك. # ولا يضره كونه في الحدود والكفارات خلافا للكرخي من الحنفية وأبي عبد ~~الله البصري في أحد قوليه ولا وجه لهذا الخلاف فهو خبر عدل في حكم شرعي ولم ~~يثبت في الحدود والكفارات دليل يخصها من عموم الأحكام الشرعية واستدلالهم ~~بحديث: "ادرءوا الحدود بالشبهات"3 باطل فالخبر الموجب للحد يدفع الشبهة على ~~فرض وجودها. # ولا يضره أيضا كونه زيادة على النص القرآني أو السنة القطعية خلافا ~~للحنفية فقالوا إن خبر الواحد إذا ورد بالزيادة في حكم القرآن أو السنة ~~القطعية كان نسخا لا يقبل. # والحق: القبول لأنها زيادة غير منافية للمزيد، فكانت مقبولة، ودعوى أنها ~~ناسخة ممنوعة، PageV01P153 # وهكذا إذا ورد الخبر مخصصا للعام من كتاب أو سنة فإنه مقبول ويبنى العام ~~على الخاص خلافا لبعض الحنفية، وهكذا إذا ورد مقيدا لمطلق الكتاب أو السنة ~~القطعية. وقسم الهندي خبر الواحد إذا خصص عموم الكتاب أو السنة المتواترة ~~أو قيد مطلقهما إلى ثلاثة أقسام: # أحدها: أن ما لا يعلم مقارنته له ولا تراخيه عنه فقال القاضي عبد الجبار: ~~يقبل لأن الصحابة رفعت كثيرا من أحكام القرآن بأخبار الآحاد ولم يسألوا ~~عنها هل كانت مقارنة أم لا؟ قال: وهو أولى لأن حمله على كونه مخصصا مقبولا ~~أولى من حمله على كونه ناسخا مردودا. # الثاني: أن يعلم مقارنته له فيجوز عند من يجوز تخصيص المقطوع بالمظنون. # الثالث: أن يعلم تراخيه عنه وهو ممن لم يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب. ~~لم يقبله؛ لأنه لو قبله لقبل ناسخا وهو غير جائز ومن جوزه قبله إن كان ورد ~~قبل حضور وقت العمل به وأما إذا ورد بعده فلا يقبل بالاتفاق انتهى. وسيأتي ~~تحقيق البحث في التخصيص للعام والتقييد للمطلق1. # حكم زيادة الثقة: # ولا يضره كون راويه انفرد بزيادة فيه على ما رواه غيره إذا كان عدلا فقد ~~يحفظ الفرد ما لا يحفظه الجماعة، وبه قال الجمهور إذا كانت تلك الزيادة غير ~~منافية للمزيد. أما إذا كانت منافية فالترجيح ورواية الجماعة ms108 أرجح من رواية ~~الواحد، وقيل: لا نقبل رواية الواحد إذا خالفت رواية الجماعة "بزيادة ~~عليها"* وإن كانت تلك الزيادة غير منافية للمزيد إذا كان مجلس السماع واحدا ~~وكانت الجماعة بحيث لا "تجوز"** عليهم الغفلة عن مثل تلك الزيادة وأما إذا ~~تعدد مجلس السماع فتقبل تلك الزيادة بالاتفاق. # ومثل انفراد العدل بالزيادة انفراده برفع الحديث إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الذي وقفه الجماعة وكذا انفراده بإسناد الحديث الذي أرسلوه وكذا ~~انفراده بوصل الحديث الذي قطعوه فإن ذلك مقبول منه؛ لأنه زيادة على ما رووه ~~وتصحيح لما أعلوه. # ولا يضره أيضا كونه خارجا مخرج ضرب الأمثال. وروي عن إمام الحرمين أنه ~~PageV01P154 # موضع تجوز، فأجيب عنه: بأنه وإن كان موضع تجوز، فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يقول إلا حقا لمكان العصمة. # وأما الشروط التي ترجع إلى لفظ الخبر: # "فاعلم"* أن للراوي في نقل ما يسمعه أحوالا: # الحال الأولى: # أن يرويه بلفظه فقد أدى الأمانة كما سمعها، ولكنه إذا كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم قاله جوابا عن سؤال سائل فإن كان الجواب مستغنيا عن ذكر السؤال ~~كقوله صلى الله عليه وسلم في ماء البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" 1 ~~فالراوي مخير بين أن يذكر السؤال أو يتركه وإن كان الجواب غير مستغن عن ذكر ~~السؤال كما في سؤاله صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر، فقال: "أينقص ~~إذا جف": فقيل: نعم. فقال: "فلا إذا" 2، فلا بد من ذكر السؤال، وهكذا لو ~~كان الجواب يحتمل أمرين، فإذا نقل الراوي السؤال لم يحتمل إلا أمرا واحدا ~~فلا بد من ذكر السؤال وعلى كل حال فذكر السؤال "والسبب"** مع ذكر الجواب ~~وما ورد على سبب أولى من الإهمال. # الحال الثانية: # أن يرويه بغير لفظه بل بمعناه، وفيه ثمانية مذاهب: # الأول منها: أن ذلك جائز من عارف بمعاني الألفاظ، لا إذا لم يكن عارفا. ~~فإنه لا يجوز له الرواية بالمعنى. قال القاضي في "التقريب": بالإجماع، ~~ومنهم من شرط أن يأتي بلفظ ms109 مرادف، كالجلوس مكان القعود أو العكس، ومنهم من ~~شرط أن يكون ما جاء به مساويا للأصل في الجلاء والخفاء فلا يأتي مكان الجلي ~~بما هو دونه في الجلاء ولا مكان العام بالخاص ولا مكان PageV01P155 # المطلق بالمقيد، ولا مكان الأمر بالخبر ولا عكس ذلك. # وشرط بعضهم أن لا يكون الخبر مما تعبدنا بلفظه، كألفاظ الاستفتاح، ~~والتشهد، وهذا الشرط لا بد منه، وقد قيل إنه مجمع عليه. # وشرط بعضهم أن لا يكون الخبر من باب المتشابه، كأحاديث الصفات. وحكى ~~الكيا الطبري الإجماع على هذا؛ لأن اللفظ الذي تكلم به النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يدري هل يساويه اللفظ الذي تكلم به الراوي، ويحتمل ما يحتمله من ~~وجوه التأويل أم لا. # وشرط بعضهم أن لا يكون الخبر من جوامع الكلم، فإن كان من جوامع الكلم، ~~كقوله: "إنما الأعمال بالنيات" 1 "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" 2، ~~"الحرب خدعة" 3، "الخراج بالضمان" 4، "العجماء جبار" 5، "البينة على ~~المدعي" 6: لم تجز روايته بالمعنى. PageV01P156 # وشرط بعضهم أن يكون الخبر من الأحاديث الطوال. وأما الأحاديث القصار فلا ~~يجوز روايتها بالمعنى ولا وجه لهذا. قال الأبياري1 في شرح البرهان للمسألة ~~ثلاث صور: # أحدها: أن يبدل اللفظ بمرادفه كالجلوس بالقعود "فهذا"*وهذا جائز بلا ~~خلاف. # وثانيها: أن يظن دلالته على مثل ما دل عليه الأول من غير أن يقطع بذلك ~~فلا خلاف في امتناع التبديل. # ثالثها: أن يقطع بفهم المعنى ويعبر عما فهم بعبارة يقطع بأنها تدل على ~~ذلك المعنى الذي فهمه من غير أن تكون الألفاظ مترادفة فهذا موضع الخلاف. ~~والأكثرون على أنه متى حصل القطع بفهم المعنى مستندا إلى اللفظ إما بمجرده ~~أو إليه مع القرائن التحق بالمترادف. # المذهب الثاني: المنع من الرواية بالمعنى مطلقا بل يجب نقل اللفظ بصورته ~~من غير فرق بين العارف وغيره. هكذا نقله القاضي عن كثير من السلف وأهل ~~التحري في الحديث. وقال إنه مذهب مالك ونقله الجويني والقشيري عن معظم ~~المحدثين وبعض الأصوليين. وحكي عن أبي بكر الرازي من الحنفية وهو ms110 مذهب ~~الظاهرية نقله عنهم القاضي عبد الوهاب ونقله ابن السمعاني عن عبد الله بن ~~عمر وجماعة من التابعين منهم ابن سيرين2 وبه قال الأستاذ أبو إسحق ~~الإسفراييني. ولا يخفى ما في هذا المذهب من الحرج البالغ والمخالفة لما كان ~~عليه السلف والخلف من الرواة كما تراه في كثير من الأحاديث التي يرويها ~~جماعة "من الصحابة"** فإن غالبها بألفاظ مختلفة مع الاتحاد في المعنى ~~المقصود بل قد ترى الواحد من الصحابة فمن بعدهم يأتي في بعض الحالات بلفظ ~~في "رواية"*** وفي أخرى بغير ذاك اللفظ مما يؤدي معناه وهذا أمر لا شك فيه ~~PageV01P157 # المذهب الثالث: الفرق بين الألفاظ التي لا مجال للتأويل فيها، وبين ~~الألفاظ التي للتأويل فيها مجال فيجوز: النقل بالمعنى في الأول دون الثاني، ~~حكاه أبو الحسين بن القطان عن بعض أصحاب الشافعي، واختاره الكيا الطبري. # المذهب الرابع: التفصيل بين أن يحفظ الراوي اللفظ أم لا، فإن حفظه لم يجز ~~له أن يرويه بغيره؛ لأن في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفصاحة ~~ما لا يوجد في غيره وإن لم يحفظ اللفظ جاز له الرواية بالمعنى، وبهذا جزم ~~الماوردي والروياني. # المذهب الخامس: التفصيل بين الأوامر والنواهي وبين الأخبار، فتجوز ~~الرواية بالمعنى في الأول دون الثاني، قال الماوردي والروياني: أما الأوامر ~~والنواهي فيجوز روايتها بالمعنى، كقوله: "لا تبيعوا الذهب بالذهب" 1 وروى ~~أنه نهى بيع الذهب بالذهب2، وقوله: صلى الله عليه وسلم: "اقتلوا الأسودين ~~في الصلاة" 3، وروي أنه "أمر بقتل الأسودين في الصلاة"4؛ قال: هذا جائز بلا ~~خلاف لأن افعل أمر ولا تفعل نهي فيتخير الراوي بينهما. "وإن كان اللفظ خفي ~~المعنى محتملا كقوله: "لا طلاق في إغلاق" 5* وجب نقله بلفظه ولا يعبر عنه ~~بغيره. PageV01P158 # المذهب السادس: التفصيل بين المحكم وغيره فتجوز الرواية بالمعنى في الأول ~~دون الثاني كالمجمل والمشترك والمجاز الذي لم يشتهر. # المذهب السابع: أن يكون المعنى مودعا في جملة لا يفهمه العامي إلا بأداء ~~تلك الجملة فلا يجوز روايته إلا بأداء تلك الجملة بلفظها، كذا ms111 قال أبو بكر ~~الصيرفي. # المذهب الثامن: التفصيل بين أن يورده على قصد الاحتجاج والفتيا أو يورده ~~لقصد الرواية "فتجوز"* الرواية بالمعنى في الأول دون الثاني. فهذه ثمانية ~~مذاهب. ويتخرج من الشروط التي اشترطها أهل المذاهب الأول مذاهب غير هذه ~~المذاهب. # الحال الثالثة: # أن يحذف الراوي بعض لفظ الخبر فينبغي أن ينظر فإن كان المحذوف متعلقا ~~بالمحذوف منه تعلقا لفظيا أو معنويا لم يجز بالاتفاق. حكاه الصفي الهندي ~~وابن الأبياري فالتعلق اللفظي كالتقييد بالاستثناء والشرط والغاية والصفة ~~والتعلق المعنوي كالخاص بالنسبة إلى العام والمقيد بالنسبة إلى المطلق ~~والمبين بالنسبة إلى المجمل والناسخ بالنسبة إلى المنسوخ، ويشكل على هذا ~~المحكي من الاتفاق ما نقله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في اللمع والقاضي في ~~التقريب من الجواز مطلقا سواء تعلق بعضه ببعض أم لا، وفي هذا ضعف. فإن ترك ~~الراوي لما هو متعلق بما رواه لا سيما ما كان متعلقا به تعلقا لفظيا خيانة ~~في الرواية. وإن لم يكن كذلك فاختلفوا على أقوال: # أحدها: إن كان قد نقل ذلك هو أو غيره مرة بتمامه جاز أن ينقل البعض وإن ~~لم ينقل ذلك لا هو ولا غيره لم يجز، كذا قال القاضي في "التقريب"1 والشيخ ~~الشيرازي في "اللمع"2 PageV01P159 # ثانيها: أنه يجوز إذا لم يتطرق إلى الراوي التهمة ذكره الغزالي. # وثالثها: أن الخبر إذا كان لا يعلم إلا من طريق الراوي وتعلق به حكم شرعي ~~لم يجز له أن يقتصر على بعضه دون بعض وإن لم يتعلق به حكم فإن كان الراوي ~~فقيها جاز له ذلك وإن كان غير فقيه لم يجز. قاله ابن فورك وأبو الحسين بن ~~القطان. # ورابعها: إن كان الخبر مشهورا بتمامه جاز الاقتصار من الراوي على البعض ~~وإلا فلا، قاله بعض شراح اللمع لأبي إسحاق. # وخامسها: المنع مطلقا. # وسادسها: التفصيل بين أن يكون المحذوف حكما متميزا عما قبله والسامع فقيه ~~عالم بوجه التميز* فيجوز الحذف وإلا لم يجز قال الكيا الطبري: وهذا التفصيل ~~هو المختار. قال الماوردي والروياني: لا يجوز إلا بشرط ms112 أن يكون الباقي ~~مستقلا بمفهوم الحكم كقوله في ماء البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" 1 ~~فيجوز للراوي أن يقتصر على رواية إحدى هاتين الجملتين وإن كان الباقي لا ~~يفهم معناه فلا يجوز وإن كان مفهوما ولكن ذكر المتروك يوجب خلاف ظاهر الحكم ~~المذكور كقوله صلى الله عليه وسلم في الأضحية لمن قال له ليس عندي إلا جذعة ~~من المعز فقال: "تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك" 2 فلا يجوز الحذف لأنه لو اقتصر ~~على قوله تجزئك لفهم من ذلك أنها تجزئ عن جميع الناس. # هذا حاصل ما قيل في هذه المسألة وأنت خبير بأن كثيرا من "الصحابة و"** ~~التابعين والمحدثين يقتصرون على رواية بعض الخبر عند الحاجة إلى رواية بعضه ~~لا سيما في الأحاديث الطويلة كحديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه ~~وسلم3 ونحوه من الأحاديث وهم قدوة لمن بعدهم PageV01P160 # في الرواية لكن بشرط أن لا يستلزم ذلك الاقتصاد على البعض مفسدة. # الحال الرابع: أن يزيد الراوي في روايته للخبر على ما سمعه من النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإن كان ما زاده يتضمن بيان سبب الحديث أو تفسير معناه فلا ~~بأس بذلك لكن بشرط أن يبين ما زاده حتى يفهم السامع أنه من كلام الراوي. # قال المارودي والروياني: يجوز من الصحابي زيادة بيان السبب لكونه مشاهدا ~~للحال ولا يجوز من التابعي. # وأما تفسير المعنى: فيجوز منهما، ولا وجه للاقتصار على الصحابي والتابعي ~~في تفسير معنى الحديث، فذلك جائز لكل من يعرف معناه معرفة صحيحة على مقتضى ~~اللغة العربية بشرط الفصل بين الخبر المروي وبين التفسير الواقع منه بما ~~يفهمه السامع. # الحال الخامس: إذا كان الخبر محتملا لمعنيين متنافيين فاقتصر الراوي على ~~تفسيره بأحدهما فإن كان المقتصر على أحد المعنيين هو الصحابي كان تفسيره ~~كالبيان لما هو المراد، وإن كان المقتصر غير صحابي ولم يقع الإجماع على أن ~~المعنى الذي اقتصر عليه هو المراد فلا يصار إلى تفسيره، بل يكون لهذا اللفظ ~~المحتمل للمعنيين المتنافيين حكم هو المراد ms113 المشترك أو المجمل فيتوقف العمل ~~به على ورود دليل يدل على أن المراد أحدهما بعينه، والظاهر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا ينطق بما يحتمل المعنيين المتنافيين لقصد التشريع ويخليه ~~عن قرينة حالية أو مقالية بحيث لا يفهم الراوي لذلك عنه من الصحابة ما ~~أراده بذلك اللفظ، بل لا بد من بيانه بما يتضح به المعنى المراد، فقد كانوا ~~يسألونه صلى الله عليه وسلم إذا أشكل عليهم شيء من أقواله أو أفعاله فكيف ~~لا يسألونه عن مثل هذا، وقد نقل القاضي أبو بكر والجويني عن الشافعي: أن ~~الصحابي إذا ذكر خبرا وأوله وذكر المراد منه فذلك مقبول، قال ابن القشيري: ~~إنما أراد والله أعلم إذا أول الصحابي أو خصص من غير ذكر دليل وإلا ~~فالتأويل المعتضد بالدليل مقبول من كل إنسان؛ لأنه اتباع للدليل لا اتباع ~~لذلك التأويل. # الحال السادس: أن يكون الخبر ظاهرا في شيء فيحمله الراوي من الصحابة على ~~غير ظاهره إما بصرف اللفظ عن حقيقته "إلى مجازه"*، أو بأن يصرفه عن الوجوب ~~إلى الندب أو عن التحريم إلى الكراهة ولم يأت بما يفيد صرفه عن الظاهر فذهب ~~الجمهور من أهل الأصول إلى أنه يعمل بالظاهر ولا يصار إلى خلافه لمجرد قول ~~الصحابي أو فعله. وهذا هو الحق لأنا PageV01P161 # متعبدون بروايته لا برأيه كما تقدم1. # وذهب أكثر الحنفية: إلى أنه يعمل بما حمله عليه الصحابي؛ لأنه أخبر بمراد ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # ويجاب عن هذا بأنه قد يحمله "على"* على ذلك على خلاف ظاهره اجتهادا منه، ~~والحجة إنما هي روايته لا في رأيه، وقد يحمله "على ذلك"** وهما منه. # وقال بعض المالكية: إن كان ذلك مما لا يمكن أن يدرى إلا بشواهد الأحوال ~~والقرائن المقتضية لذلك، وليس للاجتهاد فيه مساغ كان العمل بما حمله عليه ~~متعينا، وإن كان صرفه عن ظاهره يمكن أن يكون بضرب من الاجتهاد، كان الرجوع ~~إلى الظاهر متعينا لاحتمال أن لا يكون اجتهاده مطابقا لما في نفس الأمر فلا ~~يترك الظاهر بالمحتمل. ms114 # ويجاب عنه: بأن ذلك الحمل على خلاف الظاهر فيما ليس من مسارح الاجتهاد قد ~~يكون وهما، فلا يجوز اتباعه على الغلط، بخلاف العمل بما يقتضيه الظاهر فإنه ~~عمل بما يقتضيه كلام الشارع، فكان "الحمل"*** عليه أرجح. # وقال القاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري إن علم أنه لم يكن لمذهب ~~الراوي وتأويله وجه سوى علمه بقصد النبي صلى الله عليه وسلم لذلك التأويل ~~وجب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر، ~~وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك. # وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا2 الكلام عليه في ~~الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ولا وجه لما قيل من أنه "يحتمل أنه"**** ~~قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال ~~وأيضا "ربما"***** ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك PageV01P162 ### | في ألفاظ الرواية ### | مدخل # ... # فصل: في ألفاظ الرواية # اعلم أن الصحابي إذا قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أخبرني، ~~أو حدثني، فذلك لا يحتمل # PageV01P162 # الواسطة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان مرويا بهذه ~~الألفاظ "أو ما يؤدي معناها"1 كشافهني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ~~رأيته يفعل كذا فهو حجة بلا خلاف، وأما إذا جاء الصحابي بلفظ يحتمل الواسطة ~~بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن يقول: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كذا أو أمر بكذا أو نهى عن كذا أو قضى بكذا، فذهب الجمهور إلى أن ~~ذلك حجة سواء كان الراوي من صغار الصحابة أو من كبارهم لأن الظاهر أنه روى ~~ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى تقدير أن ثم واسطة فمراسيل الصحابة ~~مقبولة عند الجمهور وهو الحق وخالف في ذلك داود الظاهري فقال: إنه لا يحتج ~~به حتى ينقل لفظ الرسول ولا حجة لهذا؛ فإن الصحابي عدل عارف بلسان العرب، ~~وقد أنكر هذه الرواية عن داود بعض أصحابه فإن قال الصحابي أمرنا ms115 بكذا أو ~~نهينا عن كذا بصيغة "الفعل"2 المبني للمفعول، فذهب الجمهور إلى أنه حجة لأن ~~الظاهر أن الآمر والناهي هو صاحب الشريعة. وقال أبو بكر الصيرفي ~~والإسماعيلي3 والجويني والكرخي وكثير من المالكية إنه لا يكون حجة لأنه ~~يحتمل أن يكون الآمر أو الناهي بعض الخلفاء "أو"4 الأمراء. # ويجاب عنه: بأن هذا الاحتمال بعيد لا يندفع به الظهور. # وحكى ابن السمعاني قولا ثالثا وهو الوقف ولا وجه له؛ لأن رجحان ما ذهب ~~إليه الجمهور وظهور وجه يدفع الوقف إذ لا يكون إلا مع تعادل الأدلة من كل ~~وجه وعدم وجدان مرجح لأحدهما. # وحكى ابن الأثير في "جامع الأصول"5 قولا رابعا، وهو التفصيل بين أن يكون ~~قائل ذلك PageV01P163 # هو أبو بكر الصديق فيكون ما رواه بهذه الصيغة حجة لأنه لم يتأمر عليه أحد ~~وبين أن يكون القائل غيره فلا يكون حجة ولا وجه لهذا التفصيل لما عرفناه من ~~ضعف احتمال كون الآمر "أو"1 الناهي غير صاحب الشريعة. # وذكر ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام"2 قولا خامسا وهو الفرق بين كون ~~قائله من أكابر الصحابة كالخلفاء الأربعة وعلماء الصحابة كابن مسعود وزيد ~~بن ثابت ومعاذ بن جبل وأنس وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس فيكون حجة وبين ~~كون قائله من غيرهم فلا يكون حجة ولا وجه لهذا أيضا تقدم، وأيضا فإن ~~الصحابي إنما يورد ذلك مورد الاحتجاج والتبليغ للشريعة التي يثبت بها ~~التكليف لجميع الأمة ويبعد كل البعد أن يأتي بمثل هذه العبارة ويريد غير ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا حجة في قول غيره ولا فرق بين أن يأتي ~~الصحابي بهذه العبارة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعد موته ~~فإن لها حكم الرفع وبها تقوم الحجة. # ومثل هذا إذا قال من السنة كذا فإنه لا يحمل إلا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبه قال الجمهور وحكى ابن فورك عن الشافعي أنه قال في قوله ~~القديم أنه يحمل على سنة رسول الله صلى الله عليه ms116 وسلم في الظاهر وإن جاز ~~خلافه. وقال في الجديد: يجوز أن يقال ذلك على معنى سنة البلد وسنة الأئمة ~~ويجاب عنه بأن هذا احتمال بعيد والمقام مقام تبليغ للشريعة إلى الأمة ~~ليعملوا بها. فكيف يرتكب مثل ذلك من هو من خير القرون؟ قال الكرخي والرازي ~~والصيرفي إنه ليس بحجة لأن المتلقي من القياس قد يقال إنه سنة لاستناده إلى ~~الشرع، وحكى هذا الجويني عن المحققين ويجاب عنه بأن إطلاق السنة على ما هو ~~مأخوذ من القياس مخالف لاصطلاح أهل الشرع فلا يحمل عليه ونقل ابن الصلاح ~~والنووي عن أبي بكر الإسماعيلي الوقف ولا وجه له. وأما التابعي إذا قال من ~~السنة كذا فله حكم مراسيل التابعين هذا أرجح ما يقال فيه واحتمال كونه ~~"أراد"3 مذاهب الصحابة وما كان عليه العمل في عصرهم خلاف الظاهر، فإن ~~PageV01P164 # إطلاق ذلك في مقام الاحتجاج وتبليغه إلى الناس يدل على أنه أراد سنة صاحب ~~الشريعة. # قال ابن عبد البر إذا أطلق الصحابي السنة فالمراد به سنة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكذلك إذا أطلقها غيره ما لم تضف إلى صاحبها كقولهم سنة العمرين، ~~ونحو ذلك. # فإن قال الصحابي: كنا نفعل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو ~~كانوا يفعلون كذا فأطلق الآمدي وابن الحاجب والصفي الهندي أن الأكثرين على ~~أنه حجة، ووجه أنه نقل لفعل جماعتهم مع تقرير النبي صلى الله عليه وسلم على ~~ذلك، ولا بد أن يعتبر في هذا أن يكون مثل ذلك مما لا يخفى على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فتكون الحجة في التقرير، وأما كونه في حكم نقل الإجماع فلا، ~~فقد يضاف فعل البعض إلى الكل. # وحكى القرطبي في قول الصحابي كنا نفعل في عهده صلى الله عليه وسلم ثلاثة ~~أقوال فقال قبله أبو الفرج1 من أصحابنا ورده أكثر أصحابنا وهو الأظهر من ~~مذهبهم، قال القاضي أبو محمد2 والوجه التفصيل بين أن يكون شرعا "مستقرا"3 ~~كقول أبي سعيد: كنا نخرج صدقة عيد الفطر على عهد رسول الله ms117 صلى الله عليه ~~وسلم صاعا من تمر أو صاعا من شعير. الحديث4، فمثل هذا يستحيل خفاؤه عليه ~~صلى الله عليه وسلم فإن كان يمكن خفاؤه فلا يقبل كقول رافع بن خديج كنا ~~نخابر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى روى لنا بعض عمومتي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك5 ورجح هذا التفصيل الشيخ أبو ~~إسحاق الشيرازي، وقيل إن "ذكر الصحابي ذلك"6 في معرض الحجة حمل على الرفع ~~وإلا فلا، وأما لو قال الصحابي: كانوا يفعلون أو كنا نفعل ولا يقول على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلا تقوم بمثل هذه الحجة؛ لأنه ليس بمسند إلى ~~تقرير النبي صلى الله عليه وسلم، ولا هو حكاية للإجماع، "وقالت الحنفية ~~والحنابلة: إنه إجماع، قال الغزالي: إذا قال التابعي: كانوا يفعلون كذا فلا ~~يدل على فعل جميع الأمة، ولا حجة فيه، إلا أن يصرح بنقل الإجماع"7. ~~PageV01P165 # و ### | أما ألفاظ الرواية من غير الصحابي: # فلها مراتب بعضها أقوى من بعض # المرتبة الأولى: # أن يسمع الحديث من لفظ الشيخ، وهذه المرتبة هي الغاية في التحمل لأنها ~~طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه هو الذي كان يحدث أصحابه وهم ~~يسمعون وهي أبعد من الخطأ والسهو. # وقال أبو حنيفة: إن قراءة التلميذ على الشيخ أقوى من قراءة الشيخ على ~~التلميذ لأنه إذا قرأ التلميذ على الشيخ كانت المحافظة من الطرفين وإذا قرأ ~~الشيخ كانت المحافظة منه وحده، وهذا ممنوع فالمحافظة في الطريقين كائنة من ~~الجهتين، قال الماوردي والرويان: ي ويصح تحمل التلميذ عن الشيخ سواء كانت ~~القراءة عن قصد أو اتفاقا أو مذاكرة ويجوز أن يكون الشيخ أعمى "يملي من"* ~~حفظه، ويجوز أن يكون أصم ويجوز أن يكون التلميذ أعمى ولا يجوز أن يكون أصم، ~~وكما تجوز الرواية من حفظ الشيخ يجوز أن تكون من كتابه إذا كان واثقا به ~~ذاكرا لوقت سماعه له. # وروي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا تجوز الرواية من الكتاب ولا وجه ms118 لذلك ~~فإن يستلزم بطلان فائدة الكتاب ولا يبعد أن تكون الرواية من الكتاب الصحيح ~~المسموع أثبت من الرواية من الحفظ لأن الحفظ مظنة السهو والنسيان ~~والاشتباه. # وللتلميذ في هذه المرتبة التي هي أقوى المراتب أن يقول حدثني وأخبرني ~~وأسمعني وحدثنا وأخبرنا وأسمعنا، إذا كان الشيخ قاصدا لإسماعه وحده أو مع ~~جماعة فإن لم يقصد ذلك فيقول: سمعته يحدث. # المرتبة الثانية: # أن يقرأ التلميذ والشيخ يسمع وأكثر المحدثين يسمعون هذا عرضا وذلك لأن ~~التلميذ بقراءته على الشيخ. كأنه يعرض عليه ما يقرؤه، ولا خلاف أن هذه ~~طريقة صحيحة ورواية معمول بها، ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد بخلافه. # قال الجويني: وشرط صحة هذه الطريقة أن يكون الشيخ عالما بما يقرؤه ~~التلميذ عليه ولو فرض منه تصحيف أو تحريف لرده عليه. وإلا لم "تصح"** ~~الرواية عنه. # قال: وأي فرق بين شيخ يسمع أصواتا وأجراسا ولا يأمن تدليسا وإلباسا وبين ~~شيخ لا يسمع ما يقرأ عليه PageV01P166 # قال أبو نصر القشيري: وهذا الذي ذكره الإمام لم أره في كلام القاضي، فإنه ~~صرح بأن الصبي المميز يصح منه التحمل وإن لم يعرف معناه. وتصح رواية الحديث ~~عمن لم يعلم معناه، وهذا فيما أظن إجماع من أئمة الحديث، وكيف لا وفي ~~الحديث: "رب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" 1. ولو ~~شرطنا علم الراوي بمعنى الحديث لشرطنا معرفة جميع وجوهه وينسد بذلك باب ~~"الحديث"*. # قال: وقد صرح الإمام بجواز الإجازة والتعويل عليها، وقد يكون المجيز غير ~~محيط بجملة ما في الكتاب المجاز، وقد وافق الجويني على ذلك الشرط الذي ذكره ~~الكيا الطبري والمازري. # ويقول التلميذ في هذه الطريقة: قرأت على فلان، أو أخبرني أو حدثني قراءة ~~عليه، وأما إطلاق أخبرني أو حدثني بدون "تقييد"** تقييده بقوله: قراءة عليه ~~فمنع من ذلك جماعة منهم ابن المبارك2 ويحيى بن يحيى3، وأحمد بن حنبل ~~والنسائي؛ لأن ظاهر ذلك يقتضي أن الشيخ هو الذي قرأ بنفسه. # وقال الزهري4 ومالك وسفيان الثوري وابن عيينة5 ms119 ويحيى بن سعيد القطان، ~~PageV01P167 # والبخاري إنه يجوز لأن القراءة على الشيخ كالقراءة منه ونقله الصيرفي ~~والماوردي والروياني عن الشافعي. وروي عن الشافعي وأصحابه ومسلم بن الحجاج ~~صاحب الصحيح أنه يجوز في هذه الطريقة أن يقول أخبرنا ولا يجوز أن يقول ~~حدثنا. # قال الربيع1: قال الشافعي: إذا قرأت على العالم فقل: أخبرنا. وإذا قرأ ~~عليك فقل: حدثنا. # قال ابن دقيق العيد: وهو باصطلاح المحدثين في الآخر والاحتجاج له ليس ~~بأمر لغوي وإنما هو اصطلاح منهم أرادوا به التمييز بين النوعين. # قال ابن فورك: بين حدثني وأخبرني فرق لأن أخبرني يجوز أن يكون بالكتابة ~~إليه وحدثني لا يحتمل "غير"* السماع. # المرتبة الثالثة: # الكتابة المقترنة بالإجازة نحو أن يكتب الشيخ إلى التلميذ سمعت من فلان ~~كذا وقد أجزت لك أن ترويه عني وكان خط الشيخ معروفا، فإن تجردت الكتابة عن ~~الإجازة فقد أجاز الرواية بها كثير من المتقدمين حتى قال ابن السمعاني: ~~إنها أقوى من مجرد الإجازة. وقال الكيا الطبري: إنها بمنزلة السماع قال لأن ~~الكتابة أحد اللسانين. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبلغ بالكتابة ~~"للغائبين"** كما يبلغ بالخطاب للحاضرين. وكان صلى الله عليه وسلم يكتب إلى ~~عماله تارة ويرسل أخرى. قال البيهقي في "المدخل"2: الآثار في هذا كثيرة من ~~التابعين فمن بعدهم وفيها دلالة على أن جميع ذلك واسع عندهم وكتب النبي صلى ~~الله عليه وسلم "إلى عماله بالأحكام"*** شاهدة لقوله، قال: إلا أن ما سمعه ~~من الشيخ فوعاه "أو قرئ"**** عليه وأقر به أولى بالقبول مما كتب به إليه، ~~PageV01P168 # لما يخاف على الكتاب من التغيير. # وكيفية الرواية أن يقول: كتب إلي، أو أخبرني كتابة، فإن كان "الكاتب"* قد ~~ذكر الأخبار في كتابه فلا بأس بقوله أخبرنا، وجوز الرازي أن يقول التلميذ ~~أخبرني مجردا عن قوله كتابة. # قال ابن دقيق العيد: وأما تقييده بقوله كتابة فينبغي أن يكون هذا أدبا. ~~لأن القول إذا كان مطابقا جاز إطلاقه ولكن العمل مستمر على ذلك عند ~~الأكثرين، وجوز الليث بن سعد1 إطلاق حدثنا ms120 وأخبرنا في الرواية بالكتابة. # قال القاضي عياض: إن الذي عليه الجمهور من أرباب النقل وغيرهم جواز ~~الرواية لأحاديث الكتابة، ووجوب العمل بها وإنها داخلة في المسند، وذلك بعد ~~ثبوت صحتها عند المكتوب إليه ووثوقه بأنها عن كاتبها، ومنع قوم من الرواية ~~بها، منهم المازري والروياني، وممن نقل إنكار قبولها الحافظ الدارقطني2 ~~والآمدي. # المرتبة الرابعة: # المناولة وهو أن يناول الشيخ تلميذه صحيفة، وهي على وجهين: # " الوجه "** الأول: # أن تقترن بالإجازة، وذلك بأن يدفع أصله أو فرعا مقابلا عليه ويقول هذا ~~سماعي فاروه عني، أو يأتي التلميذ إلى الشيخ بجزء فيه سماعه فيعرضه على ~~الشيخ ثم يعيده إليه ويقول هو من مروياتي فاروه عني. # قال القاضي عياض في "الإلماع"3: إنها تجوز الرواية بهذه الطريقة ~~بالإجماع. # قال المازري: لا شك في وجوب العمل بذلك، ولا معنى للخلاف "فيه"***. # قال الصيرفي: ولا نقول حدثنا ولا أخبرنا في كل حديث. PageV01P169 # وروي عن أحمد وإسحاق1 ومالك: أن هذه المناولة المقترنة بالإجازة كالسماع ~~وحكاه الخطيب عن ابن خزيمة2. # الوجه الثاني: # أن لا تقترن بالإجازة. بل يناوله الكتاب ويقتصر على قوله: هذا سماعي من ~~فلان ولا يقول: اروه عني، فقال ابن الصلاح والنووي: لا تجوز الرواية بها ~~على الصحيح عند الأصوليين والفقهاء، وحكى الخطيب عن قوم أنهم جوزوا الرواية ~~بها وبه، قال ابن الصباغ والرازي، # قال البخاري: واحتج بعض أهل الحجاز للمناولة بحديث النبي صلى الله عليه ~~وسلم، حيث كتب لأمير السرية كتابا وقال: "لا تقرأه حتى تبلغ "مكان" * كذا ~~وكذا"، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم3، وأشار البيهقي إلى أنه لا حجة في ذلك. قال العبدري4: لا معنى ~~لإفراد المناولة حتى يقول أجزت لك أن تروي عني، وحينئذ فهو قسم من أقسام ~~الإجازة. # المرتبة الخامسة: # الإجازة "وهي"** أن يقول: أجزت لك أن تروي عني هذا الحديث بعينه، أو هذا ~~الكتاب، أو هذه الكتب، فذهب الجمهور إلى جواز الرواية بها ومنع ذلك ~~الجماعة. PageV01P170 # قال شعبة1: لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة. ms121 # وقال أبو زرعة الرازي2 لو صحت الإجازة لذهب العلم. # ومن المانعين إبراهيم الحربي3، وأبو الشيخ الأصفهاني4، والقاضي حسين، ~~والماوردي، والروياني، من الشافعية، وأبو طاهر الدباس5 من الحنفية، وقال: ~~من قال لغيره: أجزت لك أن تروي عني فكأنه قال: أجزت لك أن تكذب علي. # ويجاب عمن قال هؤلاء المانعون: بأن الإجازة لا تستلزم بطلان الرحلة، ~~وأيضا المراد من الرحلة تحصيل طريق الرواية وقد حصلت بالإجازة ولا تستلزم ~~ذهاب العلم غاية ما في الباب من روى بالإجازة ترك ما هو أقوى منها من طرق ~~الرواية وهي طريقة السماع والكل طرق للرواية والعلم محفوظ غير ذاهب بترك ما ~~هو الأقوى. # وأما قول الدباس: إن الإجازة بمنزلة قول الشيخ لتلميذه: أجزت لك أن تكذب ~~علي فهذا خلف من القول، وباطل من الكلام، فإن المراد من تحصيل طريق الرواية ~~هو حصول الثقة بالخبر وهي هنا حاصلة وإذا تحقق سماع الشيخ وتحقق إذنه ~~للتلميذ بالرواية فقد حصل المطلوب من الإسناد ولا فرق بين الطريق المقتضية ~~للرواية "جملة، وبين الطريق المقتضية PageV01P171 # للرواية"* تفصيلا في اتصاف كل واحدة منها بأنها طريق، وإن كان بعضها أقوى ~~من بعض. # وإذا عرفت هذا علمت أنه لا وجه لما قاله ابن حزم في كتاب الإحكام إنه ~~بدعة غير جائزة. # واختلفوا هل يجوز للتلميذ أن يقول في الإجازة حدثني أو أخبرني أو حدثنا ~~أو أخبرنا من غير تقييد بكون ذلك إجازة فمنهم من أجازه ومنهم من منعه إلا ~~بالقيد المذكور وهو أن يقول حدثني إجازة أو أخبرني إجازة. قال ابن دقيق ~~العيد وأجود العبارات في الإجازة أن يقول أجاز لنا "قيل"**: ويجوز أن يقول ~~أنبأني بالاتفاق. # وهذه الطريقة على أنواع: # النوع الأول: أن يجيز في معين لمعين، نحو أن يقول: أجزت لك أو لكم رواية ~~الكتاب الفلاني عني؛ وهذه الطريقة أعلى "أنواع"*** الإجازة. # النوع الثاني: أن يجيز "لمعين"**** في غير معين، نحو أن يقول: أجزت لك أو ~~لكم جميع مسموعاتي، فجوز هذا الجمهور ومنعه جماعة منهم الجويني. # النوع الثالث: أن يجيز غير معين ms122 بغير معين "لغير"***** معين نحو أن يقول: ~~أجزت للمسلمين، أو لمن أدرك حياتي، جميع مروياتي، وقد جوز هذا جماعة منهم ~~الخطيب وأبو الطيب الطبري، ومنعه آخرون وهذا فيما إذا كان المجاز له أهلا ~~للرواية. وأما إذا لم يكن أهلا لها كالصبي فجوز ذلك قوم ومنعه آخرون. # واحتج الخطيب للجواز: بأن الإجازة إباحة المجيز للمجاز له أن يرو ي عنه، ~~والإباحة تصح للمكلف وغيره، ولا بد من تقييد قول من قال بالجواز بأن لا ~~يروي من ليس بمتأهل للرواية إلا بعد أن يصير متأهلا لها. PageV01P172 ### | فصل: الحديث الصحيح والمرسل # الصحيح من الحديث: هو ما اتصل إسناده بنقل عدل ضابط من غير شذوذ ولا علة ~~قادحة. # فما لم يكن متصلا ليس بصحيح، ولا تقوم به الحجة. ومن ذلك المرسل، وهو أن ~~يترك التابعي. # PageV01P172 # الواسطة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هذا اصطلاح جمهور أهل الحديث. # وأما جمهور أهل الأصول فقالوا: المرسل، قول من لم يلق النبي صلى الله ~~عليه وسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان من التابعين أو من ~~تابعي التابعين أو ممن بعدهم. # وإطلاق المرسل على هذا وإن كان اصطلاحا، ولا مشاحة فيه لكن محل الخلاف هو ~~المرسل باصطلاح أهل الحديث فذهب الجمهور إلى ضعفه، وعدم قيام الحجة به ~~لاحتمال أن يكون التابعي سمعه من بعض التابعين فلم يتعين أن الواسطة صحابي ~~لا غير حتى يقال قد تقرر أن الصحابة عدول فلا يضر حذف الصحابي، وأيضا يحتمل ~~أنه سمعه من مدع يدعي أن له صحبة ولم تصح صحبته. # وذهب جماعة منهم أبو حنيفة، وجمهور المعتزلة، واختاره الآمدي إلى قبوله ~~وقيام الحجة به، حتى قال بعض القائلين بقبول المرسل: إنه أقوى من المسند ~~لثقة التابعي بصحته ولهذا أرسله وهذا غلو خارج عن الإنصاف. # والحق عدم القبول لما "ذكرنا"* من الاحتمال. # قال الآمدي: وفصل عيسى بن أبان، فقبل مراسيل الصحابة والتابعين وتابعي ~~التابعين دون من عداهم ولعله يستدل على ms123 هذا بحديث "خير القرون قرني ثم ~~الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب" 1، وقيل هذا من قال به بأن ~~يكون "ذلك"** الراوي من أئمة النقل، واختاره ابن الحاجب فإنه قال: فإن كان ~~من أئمة النقل قبل وإلا فلا. # قال ابن عبد البر: لا خلاف "في"*** أنه لا يجوز العمل بالمرسل إذا كان ~~مرسله غير محترز، يرسل عن غير الثقات، قال: وهذا الاسم واقع بالإجماع على ~~حديث التابعي الكبير عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل أن يقول عبيد الله بن ~~عدي بن الخيار2 أو أبو أمامة بن سهل بن حنيف3، أو PageV01P173 # عبد الله بن عامر بن ربيعة1 ومن كان مثلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كذلك من دون هؤلاء كسعيد بن المسيب2 وسالم بن عبد الله3 وأبي سلمة بن عبد ~~الرحمن4 والقاسم بن محمد5 ومن كان مثلهم وكذلك علقمة6 ومسروق بن الأجدع7 ~~والحسن8 وابن سيرين والشعبي9 PageV01P174 # وسعيد بن جبير1 ومن كان مثلهم الذين صح لهم لقاء جماعة من الصحابة، ~~ومجالستهم ونحوه مرسل من دونهم كحديث الزهري وقتادة2، وأبي حازم3، ويحيى بن ~~سعيد4 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمى مرسلا، كمرسل كبار التابعين، ~~وقال آخرون: حديث هؤلاء عن النبي صلى الله عليه وسلم يسمى منقطعا؛ لأنهم لم ~~يلقوا من الصحابة إلا الواحد والاثنين وأكثر روايتهم عن التابعين انتهى. # وفي هذا التمثيل نظر فأبو أمامة بن سهل بن حنيف وعبد الله بن عامر ~~معدودان في الصحابة. # وأيضا قوله في آخر كلامه: إن الزهري، ومن ذكر معه لم يلقوا إلا الواحد ~~والاثنين من الصحابة غير صحيح فقد لقي الزهري أحد عشر رجلا من الصحابة. # قال ابن عبد البر أيضا، وأصل مذهب مالك وجماعة من أصحابه أن مرسل الثقة ~~يجب به الحجة ويلزم به العمل كما يجب بالمسند سواء، قال طائفة من أصحابنا: ~~مراسيل الثقات مقبولة بطريق أولى واعتلوا بأن من أسند لك فقد أحالك على ~~البحث عن أحوال من سماه لك ومن أرسل من الأئمة حديثا مع علمه ودينه ms124 وثقته ~~فقد قطع لك بصحته. # قال: والمشهور أنهما سواء في الحجة؛ لأن السلف فعلوا الأمرين قال وممن ~~ذهب إليه أبو الفرج عمر بن محمد المالكي5 وأبو بكر الأبهري وهو قول أبي ~~جعفر الطبري، وزعم PageV01P175 # الطبري أن التابعين بأسرهم أجمعوا على قبول المرسل ولم يأت عنهم إنكاره ~~ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين انتهى. # ويجاب عن قوله من أرسل مع علمه ودينه # وثقته فقد قطع لك بصحته إن الثقة قد يظن من ليس بثقة ثقة عملا بالظاهر ~~ويعلم غيره من حاله ما يقدح فيه والجرح مقدم على التعديل ويجاب عن قول ~~الطبري إنه لم ينكره أحد إلى رأس المائتين بما رواه مسلم في مقدمة "صحيحه" ~~عن ابن عباس أنه لم يقبل مرسل بعض التابعين مع كون ذلك التابعي ثقة محتجا ~~به في الصحيحين وبما نقله مسلم أيضا عن ابن سيرين أنه قال: كانوا لا يسألون ~~عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قيل سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة ~~فيؤخذ عنهم وإلى أهل البدع فلا يؤخذ عنهم. # ونقل الحافظ أبو عبد الله الحاكم1: أن المرسل ليس بحجة عن إمام التابعين ~~سعيد بن المسيب، وعن مالك بن أنس، وجماعة من أهل الحديث، ونقله غيره عن ~~الزهري والأوزاعي. وصح ذلك عن عبد الله بن المبارك وغيره. # قال الخطيب: لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بتدليس هو ~~رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه كرواية سعيد بن المسيب وعروة بن ~~الزبير2 ومحمد بن المنكدر3 والحسن البصري وقتادة وغيرهم من التابعين عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قيل: هو مقبول إذا كان المرسل ثقة عدلا، ~~وهو قول مالك وأهل المدينة وأبي حنيفة وأهل العراق وغيرهم. # وقال الشافعي: لا يجب العمل وعليه أكثر الأئمة. # واختلف مسقطو العمل بالمرسل في قبول رواية الصحابة خبرا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولم يسمعه PageV01P176 # منه، كقول أنس بن مالك ذكر لي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: ~~"من ms125 لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة" الحديث1، فقال بعض من لا يقبل ~~مراسيل الصحابة: لا نشك في عدالتهم، ولكنه قد يروي الراوي عن تابعي أو عن ~~أعرابي لاتعرف صحبته ولو قال: لا أروي لكم إلا من سماعي أو من صحابي لوجب ~~علينا قبول مرسله. # وقال آخرون: مراسيل الصحابة كلهم مقبولة، لكون جميعهم عدولا، وأن الظاهر ~~فيما أرسلوه أنهم سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم أو من صحابي سمعه من ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأما ما رووه عن التابعين فقد بينوه، وهو أيضا ~~قليل نادر لا اعتبار به، قال: وهذا هو الأشبه بالصواب ثم رجح عدم قبول ~~مراسيل غير الصحابة فقال: والذي نختاره سقوط فرض الله بالمرسل بجهالة راويه ~~ولا يجوز قبول الخبر إلا عمن عرفت عدالته ولو قال المرسل: حدثني العدل ~~الثقة عندي بكذا لم يقبل حتى يذكر اسمه. PageV01P177 ### | حكم الحديث المنقطع والمعضل # مسألة: ولا تقوم الحجة بالحديث المنقطع، وهو الذي سقط من رواته واحد ممن ~~دون الصحابة ولا بالمعضل، وهو الذي سقط من رواته اثنان ولا بما سقط من ~~رواته أكثر من اثنين لجواز أن يكون الساقط أو الساقطان أو الساقطون أو ~~بعضهم غير ثقات، ولا عبرة بكون الراوي لما هذا حال ثقة متثبتا؛ لأنه قد ~~يخفى عليه من حال من يظنه ثقة ما هو جرح فيه. # ولا تقوم الحجة أيضا بحديث يقول فيه بعض رجال إسناده: عن رجل، أو عن شيخ، ~~أو عن ثقة أو نحو ذلك، لما ذكرنا من العلة، وهذا مما لا ينبغي أن يخالف فيه ~~أحد من أهل الحديث ولا اعتبار بخلاف غيرهم؛ لأن من لم يكن من أهل الفن لا ~~يعرف ما يجب اعتباره. # PageV01P177 ### | فصل: طرق ثبوت العدالة ### | مدخل # ... # فصل: طرق ثبوت العدالة # وإذ قد تقرر لك أن العدالة شرط فلا بد من معرفة الطريقة التي تثبت بها، ~~وأقوى الطرق المفيدة لثبوتها: الاختبار في الأحوال بطول الصحابة والمعاشرة ~~والمعاملة، فإذا لم يعثر عليه "على"* فعل كبيرة، ولا على ما يقتضي ms126 التهاون ~~بالدين والتساهل في الرواية، PageV01P177 # فهو ثقة، وإلا فلا. # ثم التزكية، وهي إما أن تكون بخبر عدلين مع ذكر السبب، ولا خلاف أن ذلك ~~تعديل أو بدون ذكره والجمهور على قبوله، ويكفي أن يقول: هو عدل. # قال القرطبي: لا بد أن يقول "هو"* عدل رضي، ولا يكفي الاقتصار على ~~أحدهما، ولا وجه لهذا بل الاقتصار على أحدهما أو على ما يفيد مفاد أحدهما ~~يكفي عند من يقبل الإجمال، وأما التعديل من واحد فقط، فقيل: لا يقبل من غير ~~فرق بين الرواية والشهادة، وحكاه القاضي أبو بكر، عن أكثر الفقهاء، قال ~~الأبياري: وهو قياس مذهب مالك، وقيل: يقبل. # قال القاضي: والذي يوجبه القياس وجوب قبول كل عدل مرضي، ذكرا أو أنثى، ~~حرا أو عبدا، شاهدا أو مخبرا، وقيل: يشترط في الشهادة اثنان، ويكفي في ~~الرواية واحد كما يكفي في الأصل؛ لأن الفرع لا يزيد على الأصل، وهو قول ~~الأكثرين كما حكاه الآمدي والصفي الهندي قال ابن الصلاح: وهو الصحيح الذي ~~اختاره الخطيب وغيره؛ لأن العدد لا يشترط في قبول الخبر فلا يشترط في جرح ~~رواته ولا في تعديلهم بخلاف الشهادة وأطلق في المحصول قبول تزكية المرأة، ~~وحكى القاضي أبو بكر عن أكثر الفقهاء أنه لا يقبل النساء في التعديل لا في ~~الشهادة ولا في الرواية ثم اختار قبول "قولها"** لها فيهما كما ~~"تقبل"***روايتها وشهادتها انتهى. # ولا بد من تقييد هذا بكونها ممن "يتمكن"**** من اختيار أحوال من زكته، ~~كأن تكون ممن تجوز لها مصاحبته والاطلاع على أحواله أو يكون الذي وقعت ~~تزيكة المرأة له "امرأة"***** مثلها، ويدل على هذا سؤاله صلى الله عليه ~~وسلم للجارية في قصة الإفك عن حال أم المؤمنين عائشة1. # وقد تكون التزكية بأن يحكم حاكم بشاهدته، كذا قال الجويني، والقاضي أبو ~~بكر، وغيرهما، قال القاضي: وهو أقوى من تزكيته باللفظ. وحكى الصفي الهندي ~~الاتفاق على هذا، PageV01P178 # قال: لأنه لا يحكم بشهادته إلا وهو عدل عنده، وقيده الآمدي بما إذا لم ~~يكن الحاكم ممن يرى قبول الفاسق الذي ms127 لا يكذب قال ابن دقيق العيد: وهذا إذا ~~منعنا حكم الحاكم بعلمه أما إذا أجزناه فعمله بالشهادة ظاهرا يقوم معه ~~احتمال أنه حكم بعلمه باطنا. # ومن طرق التزكية الاستفاضة فيمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم وشاع الثناء ~~عليه بالثقة والأمانة فإن ذلك يكفي. # قال ابن الصلاح: وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي، وعليه الاعتماد في أصول ~~الفقه، وممن ذكره من المحدثين الخطيب "ونقله عن"* مالك، وشعبة، ~~والسفيانين1، وأحمد، وابن معين، وابن المديني2 وغيرهم قال القاضي أبو بكر: ~~الشاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى التزكية متى لم يكونا مشهورين بالعدالة ~~"الرضا"** وكأن أمرهما متشكلا ملتبسا، وصرح بأن الاستفاضة أقوى من ~~"تزكية"*** الواحد والاثنين. # قال ابن عبد البر: كل حامل علم معروف العناية به، فهو عدل محمول في أمره ~~على العدالة حتى يتبين جرحه لقوله صلى الله عليه وسلم: "يحمل هذا العلم من ~~كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين" 3، وتبعه على ذلك ~~جماعة من المغاربة، وهذا الحديث رواه العقيلي في "ضعفائه"4 من جهة ابن ~~رفاعة السلامي5 عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري6 وقال: لا PageV01P179 # يعرف إلا به وهو مرسل أو معضل ضعيف وإبراهيم قال فيه القطان لا نعرفه ~~ألبتة في شيء من العلم غير هذا وقال الخلال في كتاب "العلل"1: سئل أحمد عن ~~هذا الحديث. فقيل له: ترى أنه موضوع؟ فقال: لا هو صحيح. قال ابن الصلاح: ~~وفيما قاله اتساع غير مرضي. # ومن طرق التزكية العمل بخبر الراوي حكاه أبو الطيب الطبري عن الشافعية ~~ونقل فيه الآمدي الاتفاق واعترض عليه بأنه قد حكى الخلاف فيه القاضي في ~~"التقريب"* والغزالي في المنخول. # وقال الجويني فيه أقوال: # أحدها: أنه تعديل له. # والثاني: أن ليس بتعديل. # والثالث: قال وهو الصحيح أنه إن أمكن أنه عمل بدليل آخر. ووافق "عمله"** ~~الخبر الذي رواه فعمله ليس بتعديل وإن كان العمل بذلك الخبر من غير أن يمكن ~~تجويز أنه عمل بدليل آخر فهو تعديل، واختار هذا القاضي في التقريب. # قال وفرق بين قولنا عمل بالخبر وبين ms128 قولنا "عمل"*** بموجب الخبر فإن ~~الأول يقتضي أنه مستنده والثاني لا يقتضي ذلك لجواز أن يعمل به لدليل آخر، ~~وقال الغزالي: إن أمكن حمله عمله"**** على الاحتياط فليس بتعديل وإلا فهو ~~تعديل، وكذا قال الكيا الطبري ويشترط في هذه الطريقة أن لا يوجد ما يقوي ~~ذلك الخبر، فإن وجد ما يقويه من عموم أو قياس وعلمنا أن العمل بخبره لم يكن ~~لاعتضاده بذلك فليس بتعديل. # ومن طريقة التزكية أن يروي عنه من عرف من حاله أنه لا يروي إلا عن عدل ~~كيحيى بن PageV01P180 # سعيد القطان، وشعبة، ومالك فإن ذلك تعديل كما اختاره الجويني، وابن ~~القشيري والغزالي، والآمدي والصفي الهندي، وغيرهم. قال الماوردي: هو قول ~~"الحذاق"*، ولا بد في هذه الطريقة من أن يظهر أن الراوي عنه لا يروي إلا عن ~~عدل ظهورا بينا إما بتصريحه بذلك أو بتتبع عادته بحيث لا تختلف في بعض ~~الأحوال فإن لم يظهر ذلك ظهورا بينا فليس بتعديل فإن كثيرا من الحفاظ يروون ~~أحاديث الضعفاء للاعتبار ولبيان حالها، ومن هذه الطريقة قولهم: رجاله رجال ~~الصحيح وقولهم: روى عنه البخاري ومسلم أو أحدهما. PageV01P181 ### | فرع: الخلاف في عدالة المبهم # اختلف أهل العلم في تعديل المبهم، كقولهم: حدثني الثقة أو حدثني العدل، ~~فذهب جماعة إلى عدم قبوله، ومنهم أبو بكر القفال الشاشي والخطيب البغدادي ~~والصيرفي، والقاضي أبو الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وابن ~~الصباغ والماوردي، والروياني، وقال أبو حنيفة: يقبل، والأول أرجح لأنه وإن ~~كان عدلا عنده فربما لو سماه "لكان"* مجروحا عند غيره، قال الخطيب: لو صرح ~~بأن جميع شيوخه ثقات ثم روى عمن لم يسمعه لم نعمل بروايته لجواز أن نعرفه ~~إذا ذكره بخلاف العدالة قال نعم لو قال العالم كل ما أروي عنه وأسميه فهو ~~عدل رضي مقبول الحديث، كان هذا القول تعديلا لكل من روى عنه وسماه كما سبق. ~~انتهى. # ومن هذا قول الشافعي في مواضع كثيرة: حدثني الثقة، وكذا كان يقول مالك، ~~وهذا إذا لم يعرف من لم يسمه، أما إذا عرف ms129 بقرينة حال أو مقال كان كالتصريح ~~باسمه فينظر فيه. # قال أبو حاتم: إذا قال الشافعي: أخبرني الثقة عن ابن أبي ذئب1، فهو ابن ~~أبي فديك2، وإذا قال: أخبرني الثقة عن الليث بن سعد فهو يحيى بن حسان3 وإذا ~~قال: أخبرني الثقة عن PageV01P181 # الوليد بن كثير1، فهو [أبو أسامة2، وإذا قال: أخبرني الثقة عن الأوزاعي ~~فهو] * عمرو بن أبي سلمة3، وإذا قال: أخبرني الثقة عن ابن جريح4، فهو مسلم ~~بن خالد الزنجي5، وإذا قال: أخبرني الثقة عن صالح مولى التوءمة6، فهو ~~إبراهيم بن أبي يحيى7. PageV01P182 ### | فرع آخر: الخلاف في قبول الجرح والتعديل من دون ذكر السبب # هل يقبل الجرح والتعديل من دون ذكر السبب أم لا؟ # PageV01P182 # فذهب جماعة إلى أنه لا بد من ذكر السبب فيهما، وذهب آخرون إلى أنه لا يجب ~~ذكر السبب فيهما، إذا كان بصيرا بالجرح والتعديل، واختار هذا القاضي أبو ~~بكر، وذهب جماعة إلى أنه يقبل التعديل من غير ذكر السبب بخلاف الجرح "فلا ~~يقبل إلا بذكر السبب؛ لأن أسباب التعديل كثيرة فيشق ذكرها"* بخلاف الجرح ~~فإنه يحصل بأمر واحد، وأيضا سبب الجرح مختلف فيه، بخلاف سبب التعديل، وإلى ~~هذا ذهب الشافعي. # قال القرطبي: وهو الأكثر من قول مالك، قال الخطيب: وذهب إليه الأئمة من ~~حفاظ الحديث ونقاده كالبخاري ومسلم، وذهب جماعة إلى أنه يقبل الجرح من غير ~~ذلك السبب، ولا يقبل التعديل إلا بذكر السبب، قالوا: لأن مطلق الجرح يبطل ~~الثقة ومطلق التعديل لا يحصل الثقة؛ لتسارع الناس إلى الظاهر، والحق أنه لا ~~بد من ذكر السبب في الجرح والتعديل؛ لأن الجارح والمعدل قد يظنان ما ليس ~~بجارح جارحا وقد يظنان ما لا يستقل بإثبات العدالة تعديلا، ولا سيما مع ~~اختلاف المذاهب في الأصول والفروع، فقد يكون ما أبهمه الجارح من الجرح هو ~~مجرد كونه على غير مذهبه، وعلى خلاف ما يعتقده، وإن كان حقا وقد يكون ما ~~أبهمه من التعديل هو مجرد كونه على مذهبه، وعلى ما يعتقده، وإن كان في ~~الواقع مخالفا للحق كما ms130 وقع ذلك كثيرا. # وعندي: أن الجرح المعمول به هو أن يصفه بضعف الحفظ أو بالتساهل في ~~الرواية أو بالإقدام على ما يدل على تساهله بالدين. والتعديل المعمول به: ~~هو أن يصفه بالتحري في الرواية والحفظ لما يرويه، وعدم الإقدام على ما يدل ~~على تساهله بالدين فاشدد على هذا يديك تنتفع به عند اضطراب أمواج الخلاف. # فإن قلت: إذا ورد الجرح المطلق كقول الجارح: ليس بثقة أو ليس بشيء أو هو ~~ضعيف، فهل يجوز العمل بالمروي مع هذا أم لا؟ قلت: يجب حينئذ التوقف حتى ~~يبحث المطلع على ذلك على حقيقة الحال في مطولات المصنفات في هذا الشأن ~~"كتهذيب الكمال" للمزي1 وفروعه وكذا "تاريخ الإسلام"2، PageV01P183 # و"تاريخ النبلاء"1، و"الميزان" للذهبي2. PageV01P184 ### | فرع ثالث: تعارض الجرح والتعديل والجمع بينهما # وفيه أقوال: # القول الأول: # أن الجرح مقدم على التعديل وإن كان المعدلون أكثر من الجارحين وبه قال ~~الجمهور كما نقله عنهم الخطيب والباجي، ونقل القاضي فيه الإجماع، قال ~~الرازي والآمدي وابن الصلاح: إنه الصحيح لأن مع الجارح زيادة علم لم يطلع ~~عليها المعدل، قال ابن دقيق العيد: وهذا إنما يصح على قول من قال إن الجرح ~~لا يقبل إلا مفسرا. وقد استثنى أصحاب الشافعي من هذا ما إذا جرحه بمعصية ~~وشهد الآخر أنه قد تاب منها، فإنه يقدم في هذه الصورة التعديل؛ لأن معه ~~زيادة علم. # القول الثاني: # أنه يقدم التعديل على الجرح؛ لأن الجارح قد يجرح بما ليس في نفس الأمر ~~جارحا، والمعدل إذا كان عدلا لا يعدل إلا بعد تحصيل الموجب لقبوله جرحا، ~~حكى هذا الطحاوي1 عن أبي حنيفة وأبي يوسف ولا بد من تقييد هذا القول بالجرح ~~المجمل؛ إذ لو كان الجرح مفسرا لم يتم ما علل به من أن الجارح قد يجرح بما ~~ليس في نفس الأمر جارحا إلخ. # القول الثالث: # أنه يقدم الأكثر من الجارحين والمعدلين. # قال في "المحصول": وعدد المعدل إذا زاد قيل إنه يقدم على الجارح وهو ضعيف ~~لأن سبب تقديم الجرح اطلاع الجارح على زيادة ولا ينتفي ms131 ذلك بكثرة العدد. # القول الرابع: # أنهما يتعارضان فلا يقدم أحدهما على الآخر إلا بمرجح حكى هذا القول ~~PageV01P184 # ابن الحاجب وقد جعل القاضي في "التقريب" محل الخلاف فيما إذا كان "عدد"* ~~المعدلين أكثر فإن استووا قدم الجرح بالإجماع وكذا قال الخطيب في ~~"الكفاية"1 وأبو الحسين بن القطان وأبو الوليد الباجي وخالفهم أبو نصر ~~القشيري فقال: محل الخلاف فيما إذا استوى عدد المعدلين والجارحين قال: فإن ~~كثر عدد المعدلين وقل عدد الجارحين فقيل: العدالة في هذه الصورة أولى ~~انتهى. # والحق الحقيق بالقبول: أن ذلك محل اجتهاد للمجتهد وقد قدمنا أن الراجح ~~أنه لا بد من التفسير في الجرح والتعديل، فإذا فسر الجارح ما جرح به ~~والمعدل ما عدل به لم يخف على المجتهد الراجح منهما من المرجوح، وأما على ~~القول بقبول الجرح والتعديل المجملين من عارف فالجرح مقدم على التعديل؛ لأن ~~الجارح لا يمكن أن يستند في جرحه إلى ظاهر الحال بخلاف المعدل فقد يستند ~~إلى ظاهر الحال وأيضا حديث من تعارض فيه الجرح والتعديل المجملان قد دخله ~~الاحتمال فلا يقبل PageV01P185 ### | فصل: عدالة الصحابة # القول الأول: # اعلم أن ما ذكرناه من وجوب تقديم البحث عن عدالة الراوي، إنما هو في غير ~~الصحابة، فأما فيهم فلا؛ لأن الأصل فيهم العدالة فتقبل روايتهم من غير بحث ~~عن أحوالهم، حكاه ابن الحاجب عن الأكثرين، قال القاضي: هو قول السلف وجمهور ~~الخلف، وقال الجويني بالإجماع. # ووجه هذا القول ما ورد من العمومات المقتضية لتعديلهم كتابا وسنة، كقوله ~~سبحانه: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} 1 وقوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} 2 ~~أي: عدولا وقوله: {لقد رضي الله عن المؤمنين} 3، وقوله: {والسابقون ~~الأولون} 4*، وقوله: PageV01P185 # {والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} 1، وقوله صلى الله عليه وسلم: ~~"خير القرون قرني" 2، وقوله في حقهم: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ ~~مد أحدكم ولا نصيفه" 3 وهما في الصحيح، وقوله: "أصحابي كالنجوم" 4 على مقال ~~فيه معروف. # قال الجويني: ولعل السبب في قبولهم من غير بحث عن أحوالهم أنهم ms132 نقلة ~~الشريعة، ولو ثبت التوقف في روايتهم، لانحصرت الشريعة على عصر الرسول ولما ~~استرسلت على سائر الأعصار. # قال الكيا الطبري: وأما ما وقع بينهم من الحروب والفتن فتلك أمور مبنية ~~على الاجتهاد، وكل مجتهد مصيب أو المصيب واحد، والمخطئ معذور بل مأجور، ~~وكما قال عمر بن عبد العزيز5: تلك دماء طهر الله منها سيوفنا فلا نخضب بها ~~ألسنتنا. # القول الثاني: # أن حكمهم في العدالة حكم غيرهم، فيبحث عنها، قال أبو الحسين بن القطان: ~~فوحشي قتل حمزة وله صحبة، والوليد6 شرب الخمر، فمن ظهر عليه خلاف العدالة ~~PageV01P186 # لم يقع عليه اسم الصحبة والوليد ليس بصحابي؛ لأن الصحابة إنما هم الذين ~~كانوا على الطريقة. انتهى. # وهذا كلام ساقط جدا فوحشي قتل حمزة، وهو كافر ثم أسلم، وليس ذلك مما يقدح ~~به فالإسلام يجب ما قبله، بلا خلاف. # وأما قوله: والوليد ليس بصحابي إلخ، فلم يقل قائل من أهل العلم إن ارتكاب ~~المعصية يخرج من كان صحابيا عن صحبته. # قال الرازي في "المحصول": وقد بالغ إبراهيم النظام في الطعن فيهم، على ما ~~نقله "الجاحظ"* عنه في كتاب "الفتيا"1، ونحن نذكر ذلك مجملا ومفصلا، أما ~~مجملا فإنه روى من طعن بعضهم في بعض أخبارا كثيرة يأتي تفصيلها، وقال رأينا ~~بعض الصحابة يقدح في بعض وذلك يقتضي توجه القدح إما في القادح إن كان كاذبا ~~وإما في المقدوح فيه إن كان القادح صادقا. # والجواب مجملا: أن آيات القرآن دالة على سلامة أحوال الصحابة، وبراءتهم ~~عن المطاعن، وإذا كان كذلك، وجب علينا أن نحسن الظن بهم إلى أن يقوم دليل ~~قاطع على الطعن فيهم إلى آخر كلامه. # القول الثالث: # أنهم كلهم عدول قبل الفتن لا بعدها فيجب البحث عنهم، وأما بعدها فلا يقبل ~~الداخلون فيها مطلقا أي: من الطرفين؛ لأن الفاسق من الفريقين غير معين، وبه ~~قال عمرو بن عبيد2 من المعتزلة، وهذا القول في غاية الضعف لاستلزامه إهدار ~~غالب السنة، فإن المعتزلين لتلك الحروب هم طائفة يسيرة بالنسبة إلى ~~الداخلين فيها، وأيضا فيه أن الباغي ms133 من الفريقين غير معي وهو معين بالدليل ~~الصحيح وأيضا التمسك بما تمسكت به طائفة يخرجها من إطلاق اسم البغي عليها ~~على تسليم أن الباغي من الفريقين غير معين. # القول الرابع: # أنهم كلهم عدول إلا من قاتل عليا، وبه قال جماعة من المعتزلة والشيعة، ~~PageV01P187 # ويجاب عنه بأن تمسكهم بما تمسكوا به من الشبه يدل على أنهم لم يقدموا على ~~ذلك جرأة على الله وتهاونا بدينه، وجناب الصحابة أمر عظيم فمن انتهك أعراض ~~بعضهم فقد وقع في هوة لا ينجو منها سالما، وقد كان في أهل الشام صحابة ~~صالحون عرضت لهم شبه لولا عروضها لم يدخلوا في تلك الحروب، ولا غمسوا فيها ~~أيديهم وقد عدلوا تعديلا عاما بالكتاب والسنة فوجب علينا البقاء "على ... ~~"* والتأويل لما يقتضي خلافه. # القول الخامس: أن من كان مشتهرا منهم بالصحبة، والملازمة فهو عدل لا يبحث ~~عن عدالته، دون من قلت صحبته، ولم يلازم، وإن كانت له رواية، كذا قال ~~الماوردي، وهو ضعيف لاستلزامه إخراج جماعة من خيار الصحابة الذين أقاموا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم قليلا ثم انصرفوا كوائل بن حجر ومالك بن الحويرث، ~~وعثمان بن أبي العاص وأمثالهم، قال المزي: إنها لم توجد رواية عمن يلمز ~~بالنفاق، وقال الأبياري: وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم واستحالة ~~المعصية عليهم، وإنما المراد: قبول رواياتهم من غير تكلف بحث عن أسباب ~~العدالة وطلب التزكية إلا أن يثبت ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك ولله الحمد ~~فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~يثبت خلافه، ولا التفات إلى ما يذكره أهل السير فإنه لا يصح، وما "صح"** ~~فله تأويل صحيح. انتهى. # وإذا تقرر لك عدالة جميع من ثبتت له الصحبة، علمت أنه إذا قال الراوي عن ~~رجل من الصحابة، ولم يسمه كان ذلك حجة ولا يضر الجهالة لثبوت عدالتهم على ~~العموم. PageV01P188 ### | فرع: التعريف بالصحابي # إذا عرفت أن الصحابة كلهم عدول، فلا بد من بيان من يستحق اسم الصحبة، وقد ~~اختلفوا في ذلك. ms134 # فذهب الجمهور إلى أنه من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ولو ~~ساعة، سواء روى عنه أم لا. # وقيل: هو من طالت صحبته، وروى عنه، فلا يستحق اسم الصحبة إلا من "جمع"* ~~بينهما. # وقيل: هو من ثبت له أحدهما إما طول الصحبة أو الرواية. # والحق ما ذهب إليه الجمهور، وإن كانت اللغة تقتضي أن الصاحب هو من كثرت ~~ملازمته. PageV01P188 # فقد ورد ما يدل على إثبات الفضيلة لمن لم يحصل له منه إلا مجرد اللقاء ~~القليل أو الرؤية ولو مرة. # وقد ذكر بعض أهل العلم اشتراط الإقامة مع النبي صلى الله عليه وسلم سنة ~~فصاعدا، أو الغزو معه، روي ذلك عن سعيد بن المسيب. # وقيل: ستة أشهر، ولا وجه لهذين القولين لاستلزامهما خروج جماعة من ~~الصحابة، الذين رووا عنه ولم يبقوا لديه إلا دون ذلك. # وأيضا: لا يدل عليهما دليل من لغة ولا شرع. # وحكى القاضي عياض عن الواقدي1 أنه يشترط أن يكون بالغا، وهو ضعيف ~~لاستلزامه "خروج"* كثير من الصحابة الذين أدركوا عصر النبوة ورووا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولم يبلغوا إلا بعد موته. # ولا تشترط الرؤية للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن من كان أعمى مثل ابن أم ~~مكتوم قد وقع الاتفاق على أنه من الصحابة. # وقد ذكر الآمدي وابن الحاجب وغيرهما من أهل الأصول أن الخلاف في مثل هذه ~~المسألة لفظي، ولا وجه لذلك فإن من قال بالعدالة على العموم لا يطلب تعديل ~~أحد منهم، ومن اشترط في شروط الصحبة شرطا لا يطلب التعديل مع وجود ذلك ~~الشرط ويطلبه مع عدمه فالخلاف معنوي لا لفظي. PageV01P189 ### | فرع آخر: طرق معرفة الصحابي # ... # فرع آخر: طريق معرفة الصحابي # ويعرف كون الصحابي صحابيا بالتواتر، والاستفاضة، وبكونه من المهاجرين، أو ~~من الأنصار، وبخبر صحابي آخر معلوم الصحبة. # واختلفوا هل يقبل قوله: إنه صحابي أم لا؟ # فقال القاضي، أبو بكر: يقبل؛ لأن وازع العدالة يمنعه من الكذب، إذا لم ~~يرو عن غيره ما # PageV01P189 # يعارض قوله، وبه قال ابن الصلاح، والنووي ms135 وتوقف ابن القطان في قبول قوله ~~بأنه صحابي، وروي عنه ما يدل على الجزم بعدم القبول. فقال: ومن يدع الصحبة ~~لا يقبل منه حتى نعلم صحبته وإذا علمناها فما رواه فهو على السماع حتى نعلم ~~غيره. انتهى. # واعلم: أنه لا بد من تقييد قول من قال بقبول خبره أنه صحابي، بأن تقوم ~~القرائن الدالة على صدق دعواه وإلا لزم قبول خبر كثير من الكذابين الذين ~~ادعوا الصحبة. # PageV01P190 ### | المقصد الثالث: الإجماع ### | الفصل الأول: في مسماه لغة واصطلاحا # ... # المقصد الثالث: الإجماع # البحث الأول: في مسماه لغة واصطلاحا # قال في "المحصول": الإجماع يقال بالاشتراك على معنيين: # أحدهما: العزم. قال الله تعالى: {فأجمعوا أمركم} 1. # وقال صلى الله عليه وسلم: "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل" 2. # وثانيهما: الاتفاق. يقال: أجمع القوم على كذا أي صاروا ذوي جمع كما يقال ~~ألبن، وأتمر إذا صار ذا لبن، وذا تمر. انتهى. # واعترض على هذا بأن إجماع الأمة يتعدى بعلى، والإجماع بمعنى العزيمة لا ~~يتعدى بعلى، وأجيب عنه بما حكاه ابن فارس في "المقاييس"3 فإنه قال: يقال: ~~أجمعت على الأمر إجماعا وأجمعته. # وقد جزم بكونه مشتركا بين المعنيين أيضا الغزالي. # وقال القاضي: العزم يرجع إلى الاتفاق؛ لأن من اتفق على شيء فقد عزم عليه. # وقال ابن برهان وابن السمعاني: الأول أي: العزم أشبه باللغة، والثاني أي: ~~الاتفاق أشبه بالشرع. انتهى. # ويجاب عنه: بأن الثاني وإن كان أشبه بالشرع فذلك لا ينافي كونه معنى ~~لغويا، وكون اللفظ مشتركا بينه وبين العزم قال أبو علي الفارسي: يقال: أجمع ~~القوم إذا صاروا ذوي جمع كما يقال: ألبن وأتمر إذا صار ذا لبن وتمر. وأما ~~في الاصطلاح: فهو اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في ~~عصر من الأعصار على أمر من الأمور. PageV01P193 # والمراد بالاتفاق الاشتراك: إما في الاعتقاد أو في القول، أو في الفعل. # ويخرج بقوله: مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، اتفاق العوام، فإنه لا ~~عبرة بوفاتهم ولا بخلافهم. ويخرج منه أيضا اتفاق بعض المجتهدين. ms136 # وبالإضافة إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم خرج اتفاق الأمم السابقة. # ويخرج بقوله بعد وفاته الإجماع في عصره صلى الله عليه وسلم فإنه لا ~~اعتبار به. # ويخرج بقوله في عصر من الأعصار ما يتوهم من أن المراد بالمجتهدين جميع ~~مجتهدي الأمة في جميع الأعصار إلى يوم القيامة فإن هذا توهم باطل؛ لأنه ~~يؤدي إلى عدم ثبوت الإجماع؛ إذ لا إجماع يوم القيامة وبعد يوم القيامة لا ~~حاجة للإجماع. # والمراد بالعصر عصر من كان من أهل الاجتهاد في الوقت الذي حدثت فيه ~~المسألة فلا يعتد بمن صار مجتهدا بعد حدوثها وإن كان المجتهدون فيها أحياء. # وقوله: على أمر من الأمور يتناول الشرعيات والعقليات والعرفيات، ~~واللغويات. # ومن اشترط في حجية الإجماع انقراض عصر المجتهدين المتفقين على ذلك الأمر ~~زاد في الحد قيد الانقراض. # ومن اشترط عدم سبق خلاف مستقر، زاد في الحد قيد عدم كونه مسبوقا بخلاف. # ومن اشترط عدالة المتفقين أو بلوغهم عدد التواتر زاد في الحد ما يفيد ~~ذلك. # PageV01P194 ### | الفصل الثاني: في إمكان الإجماع في نفسه # ... # البحث الثاني: في إمكان الإجماع في نفسه # المقام الأول: # فقال قوم منهم النظام وبعض الشيعة: بإحالة إمكان الإجماع. # قالوا: إن اتفاقهم على الحكم الواحد، الذي لا يكون معلوما بالضرورة محال، ~~كما أن اتفاقهم في الساعة الواحدة، على المأكول الواحد والتكلم بالكلمة ~~الواحدة محال. # وأجيب: بأن الاتفاق إنما يمتنع فيما يستوي فيه الاحتمال كالمأكول المعين ~~والكلمة المعينة أما عند الرجحان بقيام الدلالة أو الأمارة الظاهرة فذلك ~~غير ممتنع وذلك كاتفاق الجمع العظيم على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # قالوا ثانيا: إن اتفاقهم فرع تساويهم في نقل الحكم إليهم، وانتشارهم في ~~الأقطار يمنع نقل الحكم إليهم. # وأجيب: بمنع كون الانتشار يمنع ذلك من جدهم في الطلب، وبحثهم عن الأدلة، ~~وإنما # PageV01P194 # يمتنع ذلك على من قعد في قعر بيته لا يبحث ولا يطلب. # قالوا ثالثا: الاتفاق إما عن قاطع أو ظني وكلاهما باطل أما القاطع فلأن ~~العادة تحيل عدم نقله فلو كان لنقل، فلما ms137 لم ينقل علم أنه لم يوجد، كيف ولو ~~نقل لأغنى عن الإجماع. # وأما الظني: فلأنه يمتنع الاتفاق عادة لاختلاف الأفهام وتباين الأنظار. # وأجيب: بمنع ما ذكر في القاطع؛ إذ قد يستغني عن نقله بحصول الإجماع، الذي ~~هو أقوى منه. # وأما الظني فقد يكون جليا لا تختلف فيه الأفهام ولا تتباين فيه الأنظار، ~~فهذا -أعني منع إمكان الإجماع في نفسه- هو المقام الأول. # المقام الثاني: # على تقدير تسليم إمكانه في نفسه منع إمكان العلم به. # فقالوا: لا طريق لنا إلى العلم بحصوله لأن العلم بالأشياء إما أن يكون ~~وجدانيا، أو لا يكون وجدانيا. # أما الوجداني: فكما يجد أحدنا من نفسه من جوعه وعطشه ولذته، وألمه ولا شك ~~أن العلم باتفاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ليس من هذا الباب. # وأما الذي لا يكون وجدانيا فقد اتفقوا على أن الطريق إلى معرفته لا مجال ~~للعقل فيها؛ إذ كون الشخص الفلاني قال بهذا القول أو لم يقل به ليس من حكم ~~العقل بالاتفاق، ولا مجال أيضا للحس فيها لأن الإحساس بكلام الغير لا يكون ~~إلا بعد معرفته، فإذا العلم باتفاق الأمة لا يحصل إلا بعد معرفة كل واحد ~~منهم، وذلك متعذر قطعا ومن ذلك الذي يعرف جميع المجتهدين من الأمة في الشرق ~~والغرب وسائر البلاد الإسلامية فإن العمر يفنى دون مجرد البلوغ إلى كل مكان ~~من الأمكنة التي يسكنها أهل العلم فضلا عن اختبار أحوالهم، ومعرفة من هو من ~~أهل الإجماع منهم، ومن لم يكن من أهله ومعرفة كونه قال بذلك أو لم يقل به، ~~والبحث عمن هو خامل من أهل الاجتهاد بحيث لا يخفى على الناقل فرد من ~~أفرادهم فإن ذلك قد يخفى على الباحث في المدينة الواحدة، فضلا عن الإقليم ~~الواحد، فضلا عن جميع الأقاليم التي فيها أهل الإسلام، ومن أنصف من نفسه ~~علم أنه لا علم عند علماء الشرق بجملة علماء الغرب والعكس فضلا عن العلم ~~بكل واحد منهم على التفصيل وبكيفية مذهبه وبما يقوله في تلك المسألة بعينها # PageV01P195 # وأيضا: ms138 قد يحمل بعض من يعتبر في الإجماع على الموافقة، وعدم الظهور ~~بالخلاف التقية والخوف على نفسه، كما أن ذلك معلوم في كل طائفة من طوائف ~~أهل الإسلام فإنهم قد يعتقدون شيئا إذا خالفهم فيه مخالف خشي على نفسه من ~~مضرتهم. # وعلى تقدير إمكان معرفة ما عند كل واحد من أهل بلد وإجماعهم على أمر ~~فيمكن أن يرجعوا عنه أو يرجع بعضهم قبل أن يجمع "عليه"* أهل بلدة أخرى بل ~~لو فرضنا حتما اجتماع العالم بأسرهم في موضع واحد ورفعوا أصواتهم دفعة ~~واحدة قائلين قد اتفقنا على الحكم الفلاني فإن هذا مع امتناعه لا يفيد ~~العلم بالإجماع؛ لاحتمال أن يكون بعضهم مخالفا فيه وسكت تقية وخوفا على ~~نفسه. # وأما ما قيل: من أنا نعلم بالضرورة اتفاق المسلمين على نبوة نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم فإن أراد الاتفاق باطنا وظاهرا فذلك مما لا سبيل إليه ~~ألبتة والعلم بامتناعه ضروري، وإن أراد ظاهرا فقط استنادا إلى الشهرة ~~والاستفاضة، فليس هذا هو المعتبر في الإجماع، بل المعتبر فيه: العلم بما ~~يعتقده كل واحد من المجتهدين في تلك المسألة بعد معرفة أنه لا حاصل له على ~~الموافقة، وأنه يدين الله بذلك ظاهرا وباطنا، ولا يمكنه معرفة ذلك منه إلا ~~بعد معرفته بعينه ومن ادعى أنه يتمكن الناقل للإجماع من معرفة كل من يعتبر ~~فيه من علماء الدنيا، فقد أسرف في الدعوى وجازف في القول لما قدمنا من تعذر ~~ذلك تعذرا ظاهرا واضحا. # ورحم الله الإمام أحمد بن حنبل فإنه قال: من ادعى "وجود"** الإجماع فهو ~~كاذب. # والعجب من اشتداد نكير القاضي أبي بكر على من أنكر تصور وقوع الإجماع ~~عادة فإن إنكاره على المنكر هو المنكر. # وفصل الجويني بين كليات الدين، فلا يمتنع الإجماع عليها وبين المسائل ~~المظنونة قلا يتصور الإجماع عليها عادة. # ولا وجه لهذا التفصيل، فإن النزاع إنما هو في المسائل التي دليلها ~~الإجماع وكليات الدين معلومة بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة. # وجعل الأصفهاني الخلاف في غير إجماع الصحابة، وقال: الحق تعذر ms139 الاطلاع ~~على الإجماع لا إجماع الصحابة حيث كان المجمعون وهم العلماء منهم في قلة، ~~وأما الآن وبعد انتشار الإسلام وكثرة العلماء فلا مطمع للعلم به. # قال: وهو اختيار أحمد مع قرب عهده من الصحابة، وقوة حفظه وشدة اطلاعه على ~~الأمور PageV01P196 # الأمور النقلية. قال: والمنصف يعلم أنه لا خبر له من الإجماع إلا ما يجده ~~مكتوبا في الكتب، ومن البين أنه لا يحصل"الاطلاع"* إلا بالسماع منهم أو ~~بنقل أهل التواتر إلينا، ولا سبيل إلى ذلك إلا في عصر الصحابة، وأما من ~~بعدهم فلا. انتهى. # المقام الثالث: النظر في نقل الإجماع إلى من يحتج به # قالوا: لو سلمنا إمكان ثبوت الإجماع عند الإجماع عند الناقلين له لكان ~~نقله إلى من يحتج به من بعدهم مستحيل؛ لأن طريق نقله إما التواتر أو ~~الآحاد، والعادة تحيل النقل تواترا لبعد أن يشاهد أهل التواتر كل واحد من ~~المجتهدين شرقا وغربا "ويسمعون"** ذلك منهم، ثم "ينقلونه"*** إلى عدد ~~متواتر ممن بعدهم، ثم كذلك في كل طبقة إلى أن يتصل "بنا"****. # وأما الآحاد: فغير معمول به في نقل الإجماع كما سيأتي1. # وأجيب: بأنه تشكيك في ضروري للقطع بإجماع أهل كل عصر على تقديم القاطع ~~على المظنون، ولا يخفاك ما في هذا الجواب من المصادرة على المطلوب وأيضا ~~كون ذلك معلوما ليس من جهة نقل الإجماع عليه، بل من جهة كون كل متشرع لا ~~يقدم الدليل الظني على القطعي ولا يجوز منه ذلك لأنه إيثار للحجة الضعيفة ~~على الحجة القوية، وكل عاقل لا يصدر منه ذلك. # المقام الرابع: # اختلف على تقدير تسليم إمكانه في نفسه وإمكان العلم به وإمكان نقله ~~إلينا، هل هو حجة شرعية؟ # فذهب الجمهور إلى كونه حجة. # وذهب النظام والإمامية، وبعض الخوارج إلى أنه: ليس بحجة، وإنما الحجة ~~مستندة، PageV01P197 # إن ظهر لنا، وإن لم يظهر لم نقدر للإجماع دليلا تقوم به الحجة. # واختلف القائلون بالحجية، هل الدليل على حجيته العقل والسمع، أم السمع ~~فقط؟ # فذهب أكثرهم إلى أن الدليل على ذلك إنما هو السمع فقط، ms140 ومنعوا ثبوته من ~~جهة العقل. # قالوا: لأن العدد الكثير وإن بعد في العقل اجتماعهم على الكذب فلا يبعد ~~اجتماعهم على الخطأ كاجتماع الكفار على جحد النبوة. # وقال جماعة منهم أيضا: إنه لا يصح الاستدلال على ثبوت الإجماع بالإجماع، ~~كقولهم: إنهم أجمعوا على تخطئة المخالف للإجماع؛ لأن ذلك إثبات للشيء بنفسه ~~وهو باطل فإن قالوا: إن الإجماع دل على نص قاطع في تخطئة المخالف ففيه ~~إثبات الإجماع بنص يتوقف على الإجماع وهو دور. # وأجيب: بأن ثبوت هذه الصورة من الإجماع ودلالتها على وجود النص لا يتوقف ~~على كون الإجماع حجة فلا دور ولا يخفاك ما في هذا الجواب من التعسف الظاهر. # ولا يصح أيضا الاستدلال عليه بالقياس لأنه مظنون ولا يحتج بالمظنون على ~~القطعي فلم يبق إلا دليل النقل من الكتاب والسنة. # فمن جملة ما استدلوا به قوله سبحانه: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين ~~له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} 1. # ووجه الاستدلال بهذه الآية أنه سبحانه جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير ~~سبيل المؤمنين في الوعيد فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحا لما جمع ~~بينه وبين المحظور فثبت أن متابعة غير سبيل المؤمنين "محظورة، ومتابعة غير ~~سبيل المؤمنين"* عبارة عن متابعة قول أو فتوى يخالف قولهم أو فتواهم وإذا ~~كانت تلك محظورة وجب أن تكون متابعة قولهم وفتواهم واجبة. # وأجيب: بأنا لا نسلم أن المراد بسبيل المؤمنين في الآية هو إجماعهم ~~لاحتمال أن يكون المراد سبيلهم في متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أو في ~~مناصرته أو في الاقتداء به أو فيما به صاروا مؤمنين وهو الإيمان به ومع ~~الاحتمال لا يتم الاستدلال. # قال في "المحصول": إن المشاقة عبارة عن الكفر بالرسول وتكذيبه، وإذا كان ~~كذلك لزم PageV01P198 # وجوب العمل بالإجماع عند تكذيب الرسول وذلك باطل؛ لأن العلم بصحة الإجماع ~~متوقف على العلم بالنبوة. # ويجاب: بأن العمل به حال عدم العلم بالنبوة يكون تكليفا بالجمع بين ~~الضدين، وهو محال، ثم قال: لا ms141 نسلم أنه إذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين ~~حراما عند المشاقة كان اتباع سبيل المؤمنين، واجبا عند المشاقة لأن بين ~~القسمين ثالثا وهو عدم الاتباع أصلا. # سلمنا أنه يجب اتباع سبيل المؤمنين عند المشاقة، ولكن لا نسلم أنه ممتنع. # قوله: المشاقة لا تحصل إلا عند الكفر، وإيجاب العمل عند حصول الكفر محال. # قلنا: لا نسلم أن المشاقة لا تحصل إلا مع الكفر، بيانه: أن المشاقة مشتقة ~~من كون أحد الشخصين في شق والآخر في الشق الآخر، وذلك يكفي فيه أصل ~~المخالفة سواء بلغ حد الكفر أو لم يبلغه. # سلمنا أن المشاقة لا تحصل إلا عند الكفر فلم قلتم: إن حصول الكفر ينافي ~~العمل بالإجماع؟ فإن الكفر بالرسول كما يكون بالجهل بكونه صادقا فقد يكون ~~أيضا بأمور أخر كشد الزنار1 ولبس الغيار2 وإلقاء المصحف في القاذورات، ~~والاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم، مع الاعتراف بكونه نبيا وإنكار ~~نبوته باللسان مع العلم بكونه نبيا وشيء من هذه الأنواع "كفر"* لا ينافي ~~العلم بوجوب الإجماع. # ثم قال: سلمنا أن الآية تقتضي المنع من متابعة غير سبيل المؤمنين، لا ~~بشرط مشاقة الرسول لكن بشرط تبين الهدى أولا. بهذا الشرط الأول مسلم، ~~والثاني ممنوع؛ لأنه ذكر مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم وشرط فيها تبين ~~الهدى، ثم عطف عليها اتباع غير سبيل المؤمنين، فيجب أن يكون تبين الهدى ~~شرطا في التوعد على "اتباع"** غير سبيل المؤمنين "لأن ما كان شرطا في ~~المعطوف عليه يجب أن يكون شرطا في المعطوف، واللام في الهدي للاستغراق، ~~فليزم أن لا يحصل التوعد على"*** اتباع غير سبيل المؤمنين إلا عند تبين ~~جميع أنواع الهدى، ومن جملة PageV01P199 # أنواع الهدى ذلك الدليل الذي لأجله ذهب أهل الإجماع إلى ذلك الحكم وعلى ~~هذا التقدير لا يبقى للتمسك بالإجماع فائدة، "وأيضا"* فالإنسان إذا قال ~~لغيره: إذا تبين لك صدق فلان فاتبعه، فهم منه تبين صدق قوله بشيء غير قوله، ~~فكذا هنا وجب أن يكون تبين صحة إجماعهم بشيء وراء الإجماع، وإذا كنا لا ~~نتمسك ms142 بالإجماع إلا بعد دليل منفصل على صحة ما أجمعوا عليه لم يبق للتمسك ~~بالإجماع فائدة. # سلمنا أنها تقتضي المنع "من"** متابعة غير سبيل المؤمنين ولكن هل المراد ~~عن كل ما كان غير سبيل المؤمنين أو عن متابعة بعض ما كان كذلك. الأول ~~"ممتنع"*** وبتقدير التسليم فالاستدلال ساقط أما المنع فلأن لفظ الغير ولفظ ~~السبيل كل واحد منهما لفظ مفرد فلا يفيد العموم، وأما بتقدير التسليم ~~فالاستدلال ساقط لأنه يصير معنى الآية: أن من اتبع كل ما كان مغايرا لكل ما ~~كان سبيل المؤمنين يستحق العقاب، والثاني مسلم ونقول بموجبه فإن عندنا يحرم ~~بعض ما غاير بعض سبيل المؤمنين وهو السبيل الذي صاروا به مؤمنين والذي ~~يغايره هو الكفر بالله وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا التأويل ~~متعين لوجهين: # "أحدهما"****: "أنا"***** إذا قلنا: لا تتبع غير سبيل الصالحين فهم منه ~~المنع من متابعة غير سبيل الصالحين فيما صاروا به صالحين، ولا يفهم منه ~~المنع من متابعة سبيل غير الصالحين في كل شيء حتى الأكل والشرب. # والثاني: أن الآية نزلت في رجل ارتد وذلك يدل على أن الغرض منها المنع من ~~الكفر. # "سلمنا خطر اتباع"****** غير سبيلهم مطلقا لكن لفظ السبيل حقيقة في ~~الطريق الذي يحصل فيه المشي وهو غير مراد هنا بالاتفاق فصار الظاهر متروكا ~~ولا بد من صرفه إلى المجاز، وليس البعض أولى من البعض فتبقى الآية مجملة. # وأيضا: فإنه لا يمكن جعله مجازا عن اتفاق الأمة على الحكم لأنه لا مناسبة ~~ألبتة بين الطريق المسلوك وبين اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم على شيء ~~من الأحكام، وشرط حسن التجوز حصول المناسبة PageV01P200 # سلمنا أنه: يجوز جعله مجازا عن ذلك الاتفاق، لكن يجوز أيضا جعله مجازا عن ~~الدليل الذي لأجله اتفقوا على ذلك الحكم فإنهم إذا أجمعوا على الشيء فإما ~~أن يكون الإجماع عن استدلال "أو لا عن استدلال فإن كان عن استدلال"* فقد ~~حصل لهم سبيلان: الفتوى والاستدلال عليه فلم كان حمل الآية على الفتوى أولى ~~من حملها ms143 على الاستدلال؟ بل هذا أولى فإن بين الدليل الذي يدل على ثبوت ~~الحكم، وبين الطريق الذي يحصل فيه المشي مشابهة فإنه كما أن الحركة البدنية ~~في الطريق المسلوكة توصل البدن إلى المطلوب هكذا الحركة الذهنية في مقدمات ~~ذلك الدليل موصلة للذهن إلى المطلوب والمشابهة إحدى جهات حسن المجاز. # وإذا كان كذلك كانت الآية تقتضي إيجاب اتباعهم في سلوك الطريق الذي لأجله ~~اتفقوا على الحكم ويرجع حاصله إلى إيجاب الاستدلال، بما استدلوا به على ذلك ~~الحكم وحينئذ يخرج الإجماع عن كونه حجة. # وأما إن كان إجماعهم لا عن استدلال فالقول لا عن استدلال خطأ فيلزم ~~إجماعهم على الخطأ وذلك يقدح في صحة الإجماع. # ثم قال: سلمنا دلالة الآية على وجوب المتابعة، لكنها إما أن تدل على ~~"وجوب"** متابعة بعض المؤمنين أو كلهم الأول باطل لأن لفظ المؤمنين جمع ~~فيفيد الاستغراق لأن إجماع البعض غير معتبر بالإجماع ولأن أقوال الفرق ~~متناقضة، والثاني مسلم ولكن كل المؤمنين هم الذين يوجدون إلى يوم القيامة ~~فلا يكون الموجودون في العصر كل المؤمنين فلا يكون إجماعهم إجماع كل ~~المؤمنين. # فإن قلت: المؤمنون هم المصدقون "وهم"*** والموجودون، وأما الذين لم ~~يوجدوا بعد فليسوا المؤمنين. # قلت: إذا وجد أهل العصر الثاني لا يصح القول بأن أهل العصر الأول هم كل ~~المؤمنين فلا يكون إجماع أهل العصر الأول عند حضور أهل العصر الثاني. قولا ~~لكل المؤمنين فلا يكون إجماع أهل العصر الأول حجة على أهل العصر الثاني. # سلمنا أن أهل العصر هم كل المؤمنين، لكن الآية إنما نزلت في زمان الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فتكون الآية مختصة بمؤمني ذلك الوقت، وهذا يقتضي أن ~~يكون إجماعهم حجة لكن التمسك PageV01P201 # بالإجماع إنما ينفع بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فمهما لم يثبت أن ~~الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية بقوا بأسرهم إلى بعد وفاة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وأنها اتفقت كلمتهم على الحكم الواحد لم تدل هذه الآية ~~على صحة ذلك الإجماع، ولكن ذلك غير معلوم في ms144 شيء من الاجماعات الموجودة في ~~المسائل، بل المعلوم خلافه لأن كثيرا منهم مات زمان حياة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فسقط الاستدلال بهذه الآية. # ثم قال: سلمنا دلالة الآية على كون الإجماع حجة، لكن دلالة قطعية أم ~~ظنية؟ الأول ممنوع والثاني مسلم. لكن المسألة قطعية فلا يجوز التمسك فيها ~~بالأدلة الظنية. # قال: فإن قلت: إنا نجعل هذه المسألة ظنية. # قلت: إن أحدا من الأئمة لم يقل إن الإجماع المنعقد بصريح القول دليل ظني، ~~بل كلهم نفوا ذلك فإن منهم من نفى كونه دليلا أصلا، ومنهم من جعله دليلا ~~قاطعا فلو أثبتناه دليلا ظنيا لكان هذا تخطئة لكل الأمة وذلك يقدح في ~~الإجماع. # والعجب من الفقهاء أنهم أثبتوا الإجماع بعمومات الآيات والأخبار، وأجمعوا ~~على أن المنكر لما تدل عليه العمومات لا يكفر، ولا يفسق إذا كان ذلك ~~الإنكار لتأويل ثم يقولون الحكم الذي دل عليه الإجماع مقطوع، ومخالفه كافر ~~وفاسق فكأنهم قد جعلوا الفرع أقوى من الأصل وذلك غفلة عظيمة. # سلمنا دلالة هذه الآية على أن الإجماع حجة لكنها معارضة بالكتاب والسنة ~~والعقل. # أما الكتاب: فكل ما فيه منع لكل الأمة من القول "بالباطل"* والفعل الباطل ~~كقوله: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} 1 {ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل} 2؛ والنهي عن الشيء لا يجوز، إلا إذا كان المنهي عنه متصورا. # وأما السنة فكثير، منها: قصة معاذ فإنه لم يجر فيها ذكر الإجماع، ولو كان ~~ذلك مدرجا شرعيا لما جاز الإخلال بذكره عند اشتداد الحاجة إليه؛ لأن تأخير ~~البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. # ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة إلا على شرار أمتي" 3. ~~PageV01P202 # ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب ~~بعض" 1. # وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا من العباد، ~~ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا ~~فسألوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" 2. # وقوله صلى الله عليه وسلم: "تعلموا الفرائض، ms145 وعلموها الناس؛ فإنها أول ما ~~ينسى" 3. # وقوله صلى الله عليه وسلم: "من أشراط الساعة أن يرتفع العلم ويكثر الجهل" ~~4. # وهذه الأحاديث بأسرها تدل على خلو الزمان عمن يقوم بالواجبات. # وأما المعقول فمن وجهين: # الأول: أن كل واحد من الأمة جاز الخطأ عليه، فوجب جوازه على الكل كما أنه ~~لما كان كل واحد من الزنج أسود، كان الكل أسود. # الثاني: أن ذلك الإجماع إما أن يكون لدلالة أو لأمارة، فإن كان لدلالة ~~فالواقعة التي أجمع عليها كل علماء العالم تكون واقعة عظيمة، ومثل هذه ~~الواقعة مما تتوفر الدواعي على نقل الدليل القاطع الذي لأجله أجمعوا وكان ~~ينبغي اشتهار تلك الدلالة، وحينئذ لا يبقى في التمسك PageV01P203 # بالإجماع فائدة، وإن كان لأمارة فهو محال؛ لأن الأمارات يختلف حال الناس ~~فيها، فيستحيل اتفاق الخلق على مقتضاها، ولأن في الأمة من لم يقل بقول ~~الأمارة حجة، لا يمكن اتفاقهم لأجل الأمارة على الحكم وإن كان لا لدلالة ~~ولا لأمارة كان ذلك خطأ بالإجماع فلو اتفقوا عليه لكانوا متفقين على ~~الباطل، وذلك قادح في الإجماع، هذا كلام صاحب المحصول وقد أسقطنا منه ما ~~فيه ضعف وما اشتمل على تعسف وفي الذي ذكرناه ما يحتمل المناقشة. # وقد أجاب عن هذا الذي ذكرناه عنه بجوابات متعسفة، يستدعي ذكرها ذكر ~~الجواب عليها منا فيطول البحث جدا، ولكنك إذا عرفت ما قدمناه1 كما ينبغي، ~~علمت أن الآية لا تدل على مطلوب المستدلين منها. # ومن جملة ما استدلوا به قوله سبحانه: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا ~~شهداء على الناس} 2. # فأخبر سبحانه عن كون هذه الأمة وسطا، والوسط من كل شيء خياره فيكون تعالى ~~قد أخبر عن خيرية هذه الأمة، فلو أقدموا على شيء من المحظورات لما اتصفوا ~~بالخيرية، وإذا ثبت أنهم لم يقدمون على شيء من المحظورات وجب أن يكون قولهم ~~حجة. # لا يقال: الآية متروكة الظاهر؛ لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كل ~~واحد منهم بها، وخلاف ذلك معلوم بالضرورة لأنا نقول يتعين تعديلهم فيما ~~يجتمعون عليه وحينئذ تجب عصمتهم ms146 عن الخطأ قولا وفعلا، هذا تقرير الاستدلال ~~بهذه الآية. # وأجيب: بأن عدالة الرجل عبارة عن قيامه بأداء الواجبات واجتناب المقبحات ~~وهذا من فعله، وقد أخبر سبحانه أنه جعلهم وسطا فاقتضى ذلك أن كونهم وسطا من ~~فعل الله، وذلك يقتضي أن يكون غير عدالتهم التي ليست من فعل الله. # وأجيب أيضا: بأن الوسط اسم لما يكون متوسطا بين شيئين، فجعله حقيقة في ~~العدل يقتضي الاشتراك، وهو خلاف الأصل. # سلمنا أن الوسط من كل شيء خياره فلم قلتم: بأن خبر الله تعالى عن "خيرية ~~قوم"* يقتضي اجتنابهم لكل المحظورات، ولم لا يقال: إنه يكفي فيه اجتنابهم ~~للكبائر وأما الصغائر فلا، وإذا كان كذلك فيحتمل أن الذي أجمعوا عليه وإن ~~كان خطأ لكنه من الصغائر فلا يقدح ذلك في خيريتهم PageV01P204 # ومما يؤيد هذا أنه سبحانه حكم بكونهم عدولا ليكونوا شهداء على الناس، ~~وفعل الصغائر لا يمنع الشهادة. # سلمنا أن المراد اجتنابهم الصغائر والكبائر لكنه سبحانه قد بين أن ~~اتصافهم بذلك ليكونوا شهداء على الناس، ومعلوم أن هذه الشهادة إنما تكون في ~~الآخرة "فيلزم"* فيجب وجوب تحقق عدالتهم هنالك؛ لأن عدالة الشهود إنما ~~تعتبر حال الأداء، لا حال التحمل. # سلمنا وجوب كونهم عدولا في الدنيا، لكن المخاطب بهذا الخطاب هم الذين ~~كانوا موجودين عند نزول الآية وإذا كان كذلك فهذا يقتضي عدالة أولئك دون ~~غيرهم. # وقد أجيب عن هذا الجواب: بأن الله سبحانه عالم بالباطن والظاهر، فلا يجوز ~~أن يحكم بعدالة أحد إلا والمخبر عنه مطابق للخبر، فلما أطلق الله سبحانه ~~القول بعدالتهم، وجب أن يكونوا عدولا في كل شيء بخلاف شهود الحاكم حيث تجوز ~~شهادتهم وإن جازت عليهم الصغيرة؛ لأنه لا سبيل للحاكم إلى معرفة الباطن، ~~فلا جرم اكتفى بالظاهر. # وقوله: الغرض من هذه العدالة أداء هذه الشهادة في الآخرة وذلك يوجب ~~عدالتهم في الآخرة لا في الدنيا. # يقال: لو كان المراد صيرورتهم عدولا في الآخرة، لقال: سنجعلكم أمة وسطا، ~~ولأن جميع الأمم عدول في الآخرة، فلا يبقى في الآية تخصيص لأمة محمد ms147 صلى ~~الله عليه وسلم، بهذه الفضيلة وكونه الخطاب لمن كان موجودا عند نزول الآية ~~ممنوع وإلا لزم اختصاص التكاليف الشرعية بمن كان موجودا عند النزول، وهو ~~باطل. # ولا يخفاك ما في هذه الأجوبة من الضعف، وعلى كل حال فليس في الآية دلالة ~~على محل النزاع أصلا فإن ثبوت كون أهل الإجماع بمجموعهم عدولا لا يستلزم أن ~~يكون قولهم حجة شرعية تعم بها البلوى، فإن ذلك أمر "متروك"** إلى الشارع لا ~~إلى غيره، وغاية ما في الآية أن يكون قولهم مقبولا إذا أخبرونا عن شيء من ~~الأشياء، وأما كون اتفاقهم على أمر ديني يصيره دينا ثابتا عليهم، وعلى من ~~بعدهم إلى يوم القيامة فليس في الآية ما يدل على هذا ولا هي مسوقة لهذا ~~المعنى ولا تقتضيه بمطابقة ولا تضمن ولا التزام. # ومن جملة ما استدلوا به قوله سبحانه: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر} 1، "وتقرير الاستدلال بالآية: أنه سبحانه وصفهم ~~بالخيرية المفسرة PageV01P205 # على طريق الاستدلال بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"*. # وهذه الخيرية توجب "الحقية"** لما أجمعوا عليه وإلا كان ضلالا، فماذا بعد ~~الحق إلا الضلال. # وأيضا لو أجمعوا على الخطأ لكانوا آمرين بالمنكر وناهين عن المعروف وهو ~~خلاف المنصوص والتخصيص بالصحابة لا يناسب وروده في مقابلة أمم سائر ~~الأنبياء. # وأجيب: بأن الآية مهجورة الظاهر؛ لأنها تقتضي اتصاف كل واحد منهم بهذا ~~الوصف والمعلوم خلافه، ولو سلمنا ذلك لم نسلم أنهم يأمرون بكل معروف. # هكذا قيل في الجواب، ولا يخفاك أن الآية لا دلالة لها على محل النزاع ~~ألبتة، فإن اتصافهم بكونهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر لا يستلزم أن ~~يكون قولهم حجة شرعية تصير دينا ثابتا على كل الأمة بل المراد أنهم يأمرون، ~~بما هو معروف في هذه الشريعة وينهون عما هو منكر فيها فالدليل على كون ذلك ~~الشيء معروفا أو منكرا هو الكتاب أو السنة لا إجماعهم غاية ما في الباب أن ~~إجماعهم يصير قرينة على أن في الكتاب والسنة ما يدل على ما أجمعوا ms148 عليه، ~~وأما أنه دليل بنفسه فليس في هذه الآية ما يدل على ذلك. # ثم الظاهر: أن المراد من الأمة هذه الأمة بأسرها، لا أهل عصر من العصور، ~~بدليل مقابلتهم بسائر أمم الأنبياء فلا يتم الاستدلال بها على محل النزاع، ~~وهو إجماع المجتهدين في عصر من العصور. # ومن جملة ما استدلوا به من السنة، ما أخرجه الطبراني في "الكبير" من حديث ~~ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # "لن تجتمع أمتي على الضلالة" 1. # وتقرير الاستدلال بهذا الحديث: أن عمومه ينفي وجود الضلالة، والخطأ ~~ضلالة، فلا يجوز الإجماع عليه فيكون ما أجمعوا عليه حقا. # وأخرج أبو داود عن أبي مالك الأشعري عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~$"إن الله أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا، وأن لا ~~يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وأن لا تجتمعوا PageV01P206 # على ضلالة"1. # وأخرجه الترمذي عن ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تجتمع ~~أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار". وأخرج ابن أبي ~~عاصم عن أنس مرفوعا نحوه بدون قوله: "ويد الله مع الجماعة" الخ. # ويجاب عنه بمنع كون الخطأ المظنون ضلالة. # وأخرج البخاري ومسلم من حديث المغيرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا ~~تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون" 2. # وأخرج نحوه مسلم والترمذي وابن ماجه من حديث ثوبان. # وأخرج نحوه مسلم أيضا من حديث عقبة بن عامر. # ويجاب عن ذلك بأن غاية ما فيه: أنه صلى الله عليه وسلم أخبر عن طائفة من ~~أمته بأنهم يتمسكون بما هو الحق ويظهرون على غيرهم فأين هذا من محل النزاع. # ثم قد ورد تعيين هذا الأمر الذي يتمسكون به، ويظهرون على غيرهم بسببه، ~~فأخرج مسلم من حديث عقبة مرفوعا: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون عن أمر ~~الله قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك" ~~3. "ومن جملة ما استدلوا به حديث: "يحمل ms149 هذا العلم من كل خلف عدوله" وقد ~~قدمنا4 أنه غير صحيح"*. # وأخرجه بنحو هذا اللفظ أحمد، وأبو داود، من حديث عمران بن حصين5، وأخرجه ~~مسلم من حديث جابر بن سمرة مرفوعا لزهير6: "لا يزال هذا الدين قائما تقاتل ~~عنه عصابة من PageV01P207 # المسلمين حتى تقوم الساعة"1. # ومن جملة ما استدلوا به حديث: "من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة ~~الإسلام من عنقه" 2، أخرجه أحمد وأبو داود، والحاكم في "مستدركه" من حديث ~~أبي ذر. وليس فيه إلا المنع من مفارقة الجماعة، فأين هذا من محل النزاع؟ ~~وهو كون ما أجمعوا عليه حجة ثابتة شرعية "لا يجوز مخالفتها إلى آخر الدهر، ~~وأي ملجئ إلى التمسك بالإجماع وجعله حجة شرعية"* وكتاب الله وسنة رسوله ~~موجودان بين أظهرنا، وقد وصف الله سبحانه كتابه بقوله: {ونزلنا عليك الكتاب ~~تبيانا لكل شيء} 3، فلا يرجع في تبيين الأحكام إلا إليه وقوله سبحانه: {فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} 4 والرد إلى الله الرد إلى كتابه، ~~والرد إلى الرسول الرد إلى سنته. # والحاصل أنك إذا تدبرت ما ذكرناه في هذه المقامات، وعرفت ذلك حق معرفته ~~تبين لك ما هو الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة. # ولو سلمنا جميع ما ذكره القائلون بحجية الإجماع، وإمكانه، وإمكان العلم ~~به، فغاية ما يلزم من ذلك أن يكون ما أجمعوا عليه حقا، ولا يلزم من كون ~~الشيء حقا وجوب اتباعه، كما قالوا إن كل مجتهد مصيب، ولا يجب على مجتهد آخر ~~"بل ولا يجب على المقلد"** اتباعه في ذلك الاجتهاد بخصوصه. # وإذا تقرر لك هذا علمت ما هو الصواب، وسنذكر ما ذكره أهل العلم في مباحث ~~الإجماع من غير تعرض لدفع ذلك اكتفاء بهذا الذي حررناه هنا. PageV01P208 ### | الفصل الثالث: في ظنية الإجماع أو قطعيته # ... # البحث الثالث: في ظنية الإجماع أو قطعيته # اختلف القائلون بحجية الإجماع هل هو حجة قطعية أو ظنية؟ فذهب جماعة منهم ~~إلى أنه حجة قطعية، وبه قال الصيرفي وابن برهان، وجزم به من الحنفية ~~الدبوسي وشمس الأئمة. ms150 وقال الأصفهاني: إن هذا القول هو المشهور، وأنه يقدم ~~الإجماع على الأدلة كلها، ولا يعارضه دليل أصلا، ونسبه إلى الأكثرين، قال: ~~بحيث يكفر مخالفه أو يضلل يبدع. # وقال جماعة، منهم الرازي، والآمدي: أنه لا يفيد إلا الظن. # وقال جماعة بالتفصيل بين ما اتفق عليه المعتبرون فيكون حجة قطعية، وبين ~~ما اختلفوا فيه كالسكوتي، وما ندر مخالفه فيكون حجة ظنية. وقال البزدوي1 ~~وجماعة من الحنفية: الإجماع مراتب، فإجماع الصحابة مثل الكتاب والخبر ~~المتواتر، وإجماع من بعدهم بمنزلة المشهور من الأحاديث، والإجماع الذي سبق ~~فيه الخلاف في العصر السابق بمنزلة خبر الواحد واختار بعضهم في الكل أنه ما ~~يوجب العمل لا العلم فهذه مذاهب أربعة. # ويتفرع عليها الخلاف في كونه يثبت بأخبار الآحاد والظواهر أم لا، فذهب ~~الجمهور إلى أنه لا يثبت بهما، قال القاضي في "التقريب": وهو الصحيح، وذهب ~~جماعة إلى ثبوته بهما في العمل خاصة ولا ينسخ به قاطع كالحال في أخبار ~~الآحاد "فإنها تقبل في العمليات لا في العلمانيات"* وقال: دل الدليل على ~~قبولها في العمليات. # وأجاب الجمهور عن هذا بأن أخبار الآحاد قد دل الدليل على قبولها، ولم ~~يثبت مثل ذلك في الإجماع، فإن ألحقناه بها كان إلحاقا بطريق القياس "ولا ~~يجري ذلك في الأصول لأنها قواعد الشريعة فلا تنعقد لمجرد القياس"** وصحح ~~هذا القول عبد الجبار والغزال. قال الرازي في "المحصول": الإجماع المروي ~~بطريق الآحاد حجة، خلافا لأكثر الناس؛ لأن ظن وجوب العمل به حاصل فوجب ~~العمل به دفعا للضرر المظنون، ولأن الإجماع نوع من الحجة، فيجوز ~~PageV01P209 # التمسك بمظنونه، كما يجوز بمعلومه، قياسا على السنة ولأنا قد بينا أن أصل ~~الإجماع فائدة ظنية، فكيف القول في تفاصيله. انتهى. # قال الآمدي: والمسألة دائرة على اشتراط كون دليل الأصل مقطوعا به، وعلى ~~عدم اشتراطه، فمن شرط القطع منع أن يكون خبر الواحد مفيدا في نقل الإجماع، ~~ومن لم يشترط لم يمنع، وكلام الجويني يشعر بأن الخلاف ليس مبنيا على هذا ~~الأصل، بل هو جار مع القول بأن أصل الإجماع ms151 ظني. # وإذا قلنا بالاكتفاء بالآحاد في نقله كالسنة، فهل ينزل الظن المتلقى من ~~أمارات، وحالات منزلة الظن الحاصل من نقل العدول؟ قال الأبياري: فيه خلاف. # PageV01P210 ### | الفصل الرابع: فيماينعقد به الإجماع # ... # البحث الرابع: فيما ينعقد به الإجماع # اختلفوا فيما ينعقد به الإجماع، فقال جماعة: لا بد له من مستند؛ لأن أهل ~~الإجماع ليس لهم الاستقلال بإثبات الأحكام، فوجب أن يكون عن مستند، ولأنه ~~لو انعقد عن غير مستند لاقتضى إثبات "شرع"*بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وهو باطل. # وحكى عبد الجبار عن قوم: أنه يجوز أن يكون عن غير مستند، وذلك بأن يوفقهم ~~الله لاختيار الصواب من دون مستند، وهو ضعيف؛ لأن القول في دين الله لا ~~يجوز بغير دليل. # وذكر الآمدي أن الخلاف في الجواز لا في الوقوع، ورد عليه بأن ظاهر الخلاف ~~في الوقوع، قال الصيرفي: ويستحيل أن يقع الإجماع بالتواطؤ ولهذا كانت ~~الصحابة لا يرضى بعضهم من بعض بذلك، بل يتباحثون حتى أحوج بعضهم القول في ~~الخلاف إلى المباهلة1، فثبت أن الإجماع لا يقع منهم إلا عن دليل. # وجعل الماوردي والروياني أصل الخلاف، هل الإلهام دليل أم لا؟ وقد اتفق ~~القائلون بأنه لا بد له من مستند، إذا كان عن دلالة، واختلفوا فيما إذا كان ~~عن أمارة فقيل بالجواز مطلقا، سواء كانت الأمارة جلية أو خفيفة. ~~PageV01P210 # قال الزركشي في "البحر": ونص عليه الشافعي فجوز الإجماع عن قياس، وهو قول ~~الجمهور. # قال الروياني: وبه قال عامة أصحابنا، وهو المذهب. قال ابن القطان: لا ~~خلاف بين أصحابنا في جواز وقوع الإجماع عنه، في قياس المعنى على المعنى ~~وأما قياس الشبه فاختلفوا فيه على وجهين، وإذا وقع عن الأمارة وهي: المفيد ~~للظن وجب أن يكون الظن صوابا للدليل الدال على العصمة. # والثاني: المنع مطلقا، وبه قال الظاهرية ومحمد بن جرير الطبري، فالظاهرية ~~منعوه لأجل إنكارهم القياس، وأما ابن جرير فقال: القياس حجة ولكن الإجماع ~~إذا صدر عنه لم يكن مقطوعا بصحته، واحتج ابن القطان على ابن جرير بأنه قد ~~وافق على ms152 وقوعه عن خبر الواحد، وهم مختلفون فيه فكذلك القياس. # ويجاب عنه: بأن خبر الواحد قد أجمعت عليه الصحابة بخلاف القياس. # والمذهب الثالث: التفصيل بين كون الأمارة جلية فيجوز انعقاد الإجماع عنها ~~أو خفية فلا يجوز حكاه ابن الصباغ عن بعض الشافعية. # والمذهب الرابع: أنه لا يجوز الإجماع إلا عن أمارة ولا يجوز عن دلالة ~~للاستغناء بها عنه حكاه السمرقندي1 في "الميزان" عن مشايخهم، وهو قادح فيما ~~نقله البعض من الإجماع على جواز انعقاد الإجماع عن دلالة. # ثم اختلف القائلون بجوز انعقاد الإجماع عن غير دليل، هل يكون حجة؟ # فذهب الجمهور: إلى أنه حجة. # وحكى ابن فورك، وعبد الوهاب وسليم الرازي، عن قوم منهم: أنه لا يكون حجة. # ثم اخنلفوا: هل يجب على المجتهد أن يبحث عن مستند الإجماع أم لا؟ # فقال الأستاذ أبو إسحاق: لا يجب على المجتهد طلب الدليل الذي وقع الإجماع ~~به، فإن ظهر له ذلك أو نقل إليه كان أحد أدلة المسألة قال أبو الحسن ~~السهيلي2: إذا أجمعوا على حكم ولم يعلم أنهم أجمعوا عليه من دلالة آية أو ~~قياس أو غيره، فإنه يجب المصير إليه لأنهم لا يجمعون إلا عن دلالة ولا يجب ~~معرفتها. PageV01P211 ### | الفصل الخامس: في اعتبار المجتهد المبتدع في الإجماع # ... # البحث الخامس: في اعتبار المجتهد المبتدع في الإجماع # هل يعتبر في الإجماع المجتهد المبتدع، إذا كانت بدعته تقتضي تكفيره؟ # فقيل: لا يعتبر في الإجماع. قال الزركشي: بلا خلاف لعدم دخوله في مسمى ~~الأمة المشهود لهم بالعصمة وإن لم يعلم هو كفر نفسه، قال الصفي الهندي: لو ~~ثبت لكان لا يمكن الاستدلال بإجماعنا على كفره، بسبب ذلك الاعتقاد لأنه ~~إنما ينعقد إجماعنا وحده على كفره "لو ثبت كفره"* وإثبات كفره بإجماعنا ~~وحده دور. وأما إذا وافقنا هو على أن ما ذهب إليه كفر فحينئذ يثبت كفره؛ ~~لأن قوله معتبر في الإجماع "على أنه كافر، لا لإجماعنا وحده. # وأما إذا اعتقد ما لا يقتضي التكفير، بل التضليل والتبديع فاختلفوا فيه ~~على أقوال: # الأول: # اعتبار قوله في ms153 الإجماع"** لكونه من أهل الحل والعقد، قال الهندي: وهو ~~الصحيح. # الثاني: # لا يعتبر، قال الأستاذ أبو منصور: قال أهل السنة: لا يعتبر في الإجماع ~~وفاق القدرية1، والخوارج2، والرافضة PageV01P212 # وهكذا رواه أشهب1 عن مالك، ورواه العباس بن الوليد2 عن الأوزاعي، ورواه ~~أبو سليمان الجوزجاني3 عن محمد بن الحسن4. # وحكاه أبو ثور5 عن أئمة الحديث. # قال أبو بكر الصيرفي: ولا يخرج عن الإجماع من كان من أهل العلم، وإن ~~اختلفت بهم الأهواء كمن قال بالقدر، ومن رأى الإرجاء، وغير ذلك من اختلاف ~~آراء أهل الكوفة، والبصرة6، إذا كان من أهل الفقه. # فإذا قيل: قالت الخطابية7، والرافضة: كذا، لم يلتفت إلى هؤلاء في الفقه؛ ~~أنهم ليسوا من أهله. PageV01P213 # قال ابن القطان: الإجماع عندنا إجماع أهل العلم. فأما من كان من أهل ~~الأهواء فلا مدخل له فيه. # قال: قال أصحابنا في الخوارج: لا مدخل لهم في الإجماع، والاختلاف؛ لأنهم ~~ليس لهم أصل ينقلون عنه؛ لأنهم يكفرون سلفنا الذين أخذنا عنهم أصل الدين. # وممن اختار أنه لا يعتد به من الحنفية أبو بكر الرازي، ومن الحنابلة ~~القاضي أبو يعلى واستقرأه من "كلام"* أحمد لقوله: لا يشهد عندي رجل ليس هو ~~عندي بعدل، وكيف أجوز حكمه. قال القاضي يعني: الجهمي1. # القول الثالث: # أنه لا ينعقد عليه الإجماع، وينعقد على غيره، يعني أنه يجوز له مخالفة من ~~عداه إلى ما أدى إليه اجتهاده، ولا يجوز لأحد أن يقلده، كذا حكاه الآمدي ~~وتابعه المتأخرون. # القول الرابع: # التفصيل بين من كان من المجتهدين المبتدعين داعية، فلا يعتبر في الإجماع، ~~وبين من لم يكن داعية فيعتبر، حكاه ابن حزم في كتاب "الإحكام" ونقله عن ~~جماهير سلفهم من المحدثين، قال: وهو قول فاسد؛ لأنا نراعي العقيدة. # قال القاضي أبو بكر، والأستاذ أبو إسحاق: أنه لا يعتد بخلاف من أنكر ~~القياس، ونسبه الأستاذ إلى الجمهور، وتابعهم إمام الحرمين، والغزالي قالوا: ~~لأن من أنكره لا يعرف طرق الاجتهاد، وإنما هو متمسك بالظواهر فهو كالعامي، ~~الذي لا معرفة له. # ولا يخفاك أن هذا التعليل ms154 يفيد خروج من عرف القياس، وأنكر العمل به كما ~~كان من كثير من الأئمة، فإنهم أنكروه عن علم به، لا عن جهل له. # قال النووي في باب السواك من "شرح مسلم": إن مخالفة داود لا تقدح في ~~انعقاد الإجماع، على المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون. # وقال صاحب "المفهم"2: جل الفقهاء والأصوليين أنه لا يعتد بخلافهم، بل هم ~~من جملة PageV01P214 # العوام، وإن من اعتد بهم فإنما ذلك؛ لأن مذهبه أنه يعتبر خلاف العوام في ~~انعقاد الإجماع والحق خلافه. # وقال القاضي عبد الوهاب في "الملخص": يعتبر كما يعتبر خلاف من ينفي ~~المراسيل، ويمنع العموم، ومن حمل الأمر على الوجوب؛ لأن مدار الفقه على هذه ~~الطرق. # وقال الجويني: المحققون لا يقيمون لخلاف الظاهرية وزنا؛ لأن معظم الشريعة ~~صادرة عن الاجتهاد، ولا تفي النصوص بعضر معشارها. # ويجاب عنه: بأن من عرف نصوص الشريعة حق معرفتها وتدبر آيات الكتاب ~~العزيز، وتوسع في الاطلاع على السنة المطهرة، علم بأن نصوص الشريعة "تفي ~~بجميع ما تدعو الحاجة إليها في جميع الحوادث، وأهل الظاهر فيهم من أكابر ~~الأئمة وحفاظ الشريعة المتقيدين بنصوص الشريعة"* # جمع جم، ولا عيب لهم إلا ترك العمل بالآراء الفاسدة التي لم يدل عليها ~~كتاب، ولا سنة ولا قياس مقبول. # وتلك شكاة ظاهر عنك عارها1 # نعم قد جمدوا في مسائل كان ينبغي لهم ترك الجمود عليها، ولكنها بالنسبة ~~إلى ما وقع في مذهب غيرهم، من العمل بما لا دليل عليه ألبتة قليلة جدا. ~~PageV01P215 ### | الفصل السادس: اعتبار التابعي المجتهد في الإجماع # ... # البحث السادس: اعتبار التابعي المجتهد في الإجماع # إذا أدرك التابعي عصر الصحابة وهو من أهل الاجتهاد، لم ينعقد إجماعهم إلا ~~به، كما حكاه جماعة منهم: القاضي أبو الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق ~~الشيرازي، وابن الصباغ، وابن السمعاني وأبو الحسن السهيلي. # قال القاضي عبد الوهاب: إنه الصحيح، ونقله السرخسي -من الحنفية- عن أكثر ~~أصحابهم. قال: ولهذا قال أبو حنيفة: لا يثبت إجماع الصحابة في الإشعار1؛ ~~لأن إبراهيم PageV01P215 # النخعي1 كان يكرهه، وهو ممن أدرك عصر الصحابة فلا يثبت ms155 إجماعهم بدون ~~قوله. # والوجه في هذا القول: أن الصحابة عند إدراك بعض مجتهدي التابعين "لهم"* ~~هم بعض الأمة لا كلها، وقد سئل ابن عمر عن فريضة. فقال اسألوا ابن جبير ~~فإنه أعلم بها، وكان أنس يسأل فيقول: سلوا مولانا الحسن فإنه سمع وسمعنا ~~وحفظ ونسينا. # وسئل ابن عباس عن "ذبح"** الولد فأشار إلى مسروق. فلما بلغه جوابه تابعه ~~عليه. # وقال جماعة: إنه لا يعتبر المجتهد التابعي، الذي أدرك عصر الصحابة في ~~إجماعهم، وهو مروي عن إسماعيل بن علية، ونفاه القياس وحكاه الباجي عن ابن ~~خويز منداد واختاره ابن برهان في "الوجيز"2. # وقيل: إن بلغ التابعي رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة، ثم وقعت حادثة ~~فأجمعوا عليها، وخالفهم لم ينعقد إجماعهم، وإن أجمعوا قبل بلوغه رتبة ~~الاجتهاد، فمن اعتبر انقراض العصر اعتد بخلافه ومن لم يعتبره لم يعتد ~~بخلافه. # وقال القفال: إذا عاصرهم، وهو غير مجتهد، ثم اجتهد ففيه وجهان: يعتبر ~~"أو"*** لا يعتبر. # قال بعضهم: إنه إذا تقدم "إجماع"**** الصحابة على اجتهاد التابعي، فهو ~~محجوج بإجماعهم قطعا. # قال الآمدي: القائلون بأنه لا ينعقد إجماعهم "دونه"***** اختلفوا: فمن لم ~~يشترط انقراض العصر، قال: إن كان من أهل الاجتهاد قبل إجماع الصحابة لم ~~ينعقد إجماعهم "مع مخالفته، وإن PageV01P216 # بلغ رتبة الاجتهاد بعد انعقاد إجماعهم"* "لم"** يعتد بخلافه. قال: وهذا ~~مذهب الشافعي، وأكثر المتكلمين وأصحاب أبي حنيفة، وهي رواية عن أحمد، ومن ~~اشترط انقراض العصر قال: لا ينعقد إجماع الصحابة به مع مخالفته "سواء كان ~~مجتهدا حال إجماعهم أو صار مجتهدا بعد ذلك في عصرهم"*** وإن بلغ الاجتهاد ~~حال انعقاد إجماعهم أو بعد ذلك في عصرهم. # قال: وذهب قوم إلى أنه لا عبرة بمخالفته أصلا، وهو مذهب بعض المتكلمين ~~وأحمد بن حنبل في الرواية الأخرى. PageV01P217 ### | الفصل السابع: حكم إجماع الصحابة # ... # البحث السابع: حكم إجماع الصحابة # إجماع الصحابة حجة بلا خلاف، ونقل القاضي عبد الوهاب عن قوم من المبتدعة ~~أن إجماعهم ليس بحجة. # وقد ذهب إلى اختصاص حجية الإجماع بإجماع الصحابة داود الظاهري، وهو ظاهر ms156 ~~كلام ابن حبان في صحيحه، وهذا هو المشهور عن الإمام أحمد بن حنبل فإنه قال ~~في رواية أبي داود عنه: الإجماع أن يتبع ما جاء عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعن أصحابه، وهو في التابعين مخير. # وقال أبو حنيفة: إذا أجمعت الصحابة على شيء سلمنا، وإذا أجمع التابعون ~~زاحمناهم. # قال أبو الحسن السهيلي في "أدب الجدل"1: النقل عن داود بما إذا أجمعوا ~~على نص كتاب أو سنة، فأما إذا أجمعوا على حكم من جهة القياس فاختلفوا فيه. # وقال ابن وهب2 ذهب: داود وأصحابنا إلى أن الإجماع إنما هو إجماع الصحابة ~~فقط وهو قول لا يجوز خلافه؛ لأن الإجماع إنما يكون عن توقيف والصحابة هم ~~الذين شهدوا التوقيف. PageV01P217 # فإن قيل: فما تقولون في إجماع من بعدهم؟ قلنا: هذا لا يجوز لأمرين: # أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أنبأ عن ذلك فقال: "لا تزال طائفة ~~من أمتي على الحق ظاهرين" 1. # والثاني: أن سعة أقطار الأرض وكثرة العدد لا تمكن من ضبط أقوالهم، ومن ~~ادعى هذا لا يخفى على أحد كذبه. PageV01P218 ### | الفصل الثامن: حكم إجماع أهل المدينة # ... # البحث الثامن: حكم إجماع أهل المدينة # إجماع أهل المدينة على انفرادهم ليس بحجة عند الجمهور؛ لأنهم بعض الأمة. # وقال مالك: إذا أجمعوا لم يعتد بخلاف غيرهم. # قال الشافعي في كتاب "اختلاف الحديث"1: قال بعض أصحابنا: إنه حجة، وما ~~سمعت أحد ذكر قوله إلا عابه وإن ذلك عندي معيب. وقال الجرجاني: إنما أراد ~~مالك الفقهاء السبعة2 وحدهم، والمشهور عنه الأول. # ويشكل على ما روي عن مالك من حجية إجماع أهل المدينة "أنه نقل في الموطأ3 ~~في باب: العيب في الرقيق إجماع أهل المدينة"*على أن البيع بشرط البراءة لا ~~يجوز، ولا يبرئ من PageV01P218 # العيب أصلا علمه أو جهله، ثم خالفهم فلو كان يرى أن إجماعهم حجة لم تسع ~~مخالفته. # وقال الباجي: إنما أراد ذلك بحجية إجماع أهل المدينة، فيما كان طريقه ~~النقل المستفيض، كالصاع والمد والأذان والإقامة وعدم وجوب الزكاة في ~~الخضراوات مما تقتضي العادة بأن ms157 يكون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ~~لو تغير عما كان عليه لعلم، فأما مسائل الاجتهاد فهم وغيرهم سواء، وحكاه ~~القاضي في التقريب عن شيخه الأبهري، وقيل: يرجح نقلهم عن نقل غيرهم، وقد ~~أشار الشافعي إلى هذا في القديم ورجح رواية "أهل المدينة على غيرهم"*، وحكى ~~يونس بن عبد الأعلى1 قال: قال الشافعي: إذا وجدت متقدمي أهل المدينة على ~~شيء فلا يدخل في قلبك شك أنه الحق وكلما جاءك شيء غير ذلك فلا تلتفت إليه ~~ولا تعبأ به. # وقال القاضي عبد الوهاب: إجماع أهل المدينة على ضربين نقلي واستدلالي. # فالأول على ثلاثة أضرب، منه نقل شرع مبتدأ من جهة النبي صلى الله عليه ~~وسلم "من"** قول أو فعل أو إقرار فالأول: كنقلهم الصاع والمد والأذان ~~والإقامة والأوقات والأجناس ونحوه. # والثاني: نقلهم المتصل كعهدة الرقيق وغير ذلك كتركهم أخذ الزكاة من ~~الخضراوات مع أنها كانت تزرع بالمدينة وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~والخلفاء بعده لا "يأخذونها منها"*** قال: وهذا النوع من إجماعهم حجة يلزم ~~عندنا المصير إليه وترك الأخبار والمقاييس به لا اختلاف بين أصحابنا فيه ~~قال: # والثاني: وهو إجماعهم من طريق الاستدلال فاختلف أصحابنا فيه على ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: أنه ليس بإجماع ولا بمرجح، وهو قول أبي بكر، وأبي يعقوب الرازي2، ~~والقاضي أبي بكر، وابن فورك، والطيالسي3، وأبي الفرج والأبهري وأنكر كونه ~~مذهبا لمالك. PageV01P219 # ثانيها: أنه مرجح، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. # ثالثها: أنه حجة "وإن لم"* ولم يحرم خلافه، وإليه ذهب قاضي القضاة أبو ~~الحسين بن عمر1 قال أبي العباس القرطبي2: أما الضرب الأول فينبغي أن لا ~~يختلف فيه لأنه من باب النقل المتواتر، ولا فرق بين القول والفعل والإقرار ~~كل ذلك نقل محصل للعلم القطعي فإنهم عدد كثير وجم غفير تحيل العادة عليهم ~~التواطؤ على خلاف الصدق، ولا شك أن ما كان هذا سبيله أولى من أخبار الآحاد ~~والأقيسة والظواهر. # ثم قال: والنوع الاستدلالي إن عارضه خبر فالخبر أولى عند جمهور أصحابنا. ~~وقد صار جماعة ms158 "من أصحابنا"** إلى أنه أولى من الخبر، بناء منهم على أنه ~~إجماع وليس بصحيح لأن المشهود له بالعصمة إجماع كل الأمة لا بعضها. # وإجماع أهل الحرمين مكة والمدينة وأهل المصرين البصرة والكوفة ليس بحجة ~~لأنهم بعض الأمة، وقد زعم بعض أهل الأصول أن إجماع أهل الحرمين و"أهل"*** ~~المصرين حجة ولا وجه لذلك، وقد قدمنا قول من قال بحجية إجماع أهل المدينة، ~~فمن قال بذلك فهو قائل بحجية إجماع أهل مكة والمدينة والمصرين بالأولى، قال ~~القاضي: وإنما خصوا هذه المواضع يعني: القائلين بحجية إجماع أهلها ~~لاعتقادهم تخصيص الإجماع بالصحابة، وكانت هذه البلاد مواطن الصحابة ما خرج ~~منها إلا الشذوذ، قال الزركشي: وهذا صريح بأن القائلين بذلك لم يعمموا في ~~كل عصر، بل في عصر الصحابة فقط. قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي قيل: إن ~~المخالف أراد زمن الصحابة والتابعين، فإن كان هذا مراده فمسلم لو اجتمع ~~العلماء في هذه البقاع وغير مسلم أنهم اجتمعوا فيها. وذهب الجمهور "إلى أن ~~إجماع الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ليس بحجة لأنهم بعض ~~الأئمة"**** وذهب "الجمهور أيضا إلى أن إجماع PageV01P220 # الخلفاء الأربعة ليس بحجة لأنهم بعض الأمة"*. # وذهب بعض أهل العلم إلى أنه حجة لما ورد ما يفيد ذلك كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" 1، وقوله: "اقتدوا باللذين من ~~بعدي: أبي بكر وعمر" 2 وهما حديثان صحيحان، ونحو ذلك. # وأجيب: بأن في الحديثين دليلا على أنهم أهل للاقتداء بهم، لا على أن ~~قولهم حجة على غيرهم، فإن المجتهد "متعبد"** بالبحث عن الدليل حتى يظهر له ~~ما يظنه حقا، ولو كان مثل ذلك يفيد حجية قول الخلفاء أو بعضهم لكان حديث: ~~"رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد" 3 يفيد حجية قول ابن مسعود، وحديث: "إن ~~أبا عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة" 4 يفيد حجية قوله وهما، حديثان ~~صحيحان. # وهكذا حديث: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" 5 يفيد حجية قول كل ~~واحد منهم وفيه مقال معروف؛ لأن في رجاله ms159 عبد الرحيم "بن زيد6"*** العمي عن ~~أبيه وهما ضعيفان PageV01P221 # جدا، بل قال ابن معين: إن عبد الرحيم كذاب، وقال البخاري: متروك وكذا قال ~~أبو حاتم وله طريق أخرى فيها حمزة النصيبي1 وهو ضعيف جدا. قال البخاري: ~~منكر الحديث، وقال ابن معين: لا يساوي فلسا. وقال ابن عدي2: عامة مروياته ~~موضوعة، وروي أيضا من طريق جميل بن زيد3 وهو مجهول. # وذهب الجمهور أيضا إلى أن إجماع العترة وحدها ليس بحجة، وقالت الزيدية4 ~~والإمامية: هو حجة، واستدلوا بقوله سبحانه وتعالى: {إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} 5، والخطأ رجس فوجب أن يكونوا مطهرين ~~عنه. # وأجيب: بأن سياق الآية يفيد أنه في نسائه صلى الله عليه وسلم. # ويجاب عن هذا الجواب: بأنه قد ورد الدليل الصحيح أنها نزلت في علي وفاطمة ~~والحسنين، وقد أوضحنا الكلام في هذا في تفسيرنا الذي سميناه "فتح القدير"6 ~~فليرجع إليه ولكن لا يخفاك أن كون الخطأ رجس لا يدل عليه لغة ولا شرع فإن ~~معناه في اللغة القذر، ويطلق في الشرع على العذاب كما في قوله سبحانه ~~وتعالى: {قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب} 7 وقوله: {من رجز أليم} 8 والرجز ~~الرجس. واستدلوا بمثل قوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى} 9، وبأحاديث كثيرة جدا تشتمل على مزيد شرفهم وعظيم فضلهم، ولا ~~دلالة فيها على حجية قولهم وقد أبعد من استدل بها على ذلك، وقد عرفناك في ~~حجية إجماع أهل الأمة ما هو الحق، ووروده على القول بحجية بعضها أولى. ~~PageV01P222 ### | الفصل التاسع: في عدم اعتبار من سيوجد في الإجماع # ... # البحث التاسع: في عدم اعتبار من سيوجد في الإجماع # اتفق القائلون بحجية الإجماع أنه لا يعتبر من سيوجد، ولو اعتبر ذلك لم ~~يكن ثم إجماع إلا عند قيام الساعة، وعند ذلك لا تكليف فلا يكون في الإجماع ~~فائدة، وقد روي الخلاف في ذلك عن أبي عيسى "الوراق1"* وأبي عبد الرحمن ~~الشافعي، كما حكاه الأستاذ أبو منصور. PageV01P223 ### | الفصل العاشر: في حكم انقراض عصر ms160 أهل الإجماع في حجية إجماعهم # ... # البحث العاشر: في حكم انقراض عصر أهل الإجماع في حجية إجماعهم # اختلفوا هل يشترط انقراض عصر أهل الإجماع في حجية إجماعهم أم لا؟ # فذهب الجمهور إلى أنه لا يشترط، وذهب جماعة من الفقهاء، ومنهم أحمد بن ~~حنبل وجماعة من المتكلمين منهم الأستاذ أبو بكر بن فورك إلى أنه يشترط. # وقيل: إن كان الإجماع بالقول والفعل أو بأحدهما فلا يشترط، وإن كان ~~الإجماع بالسكوت عن مخالفة القائل فيشترط، روي هذا عن أبي علي الجبائي، ~~وقال الجويني: إن كان عن قياس كان شرطا وإلا فلا. # PageV01P223 ### | الفصل الحادي عشر: الإجماع السكوتي # ... # البحث الحادي عشر: الإجماع السكوتي # وهو أن يقول بعض أهل الاجتهاد بقول، وينتشر في المجتهدين من أهل ذلك ~~العصر فيسكتون، ولا يظهر منهم اعتراف، ولا إنكار. # PageV01P223 # وفيه مذاهب: # الأول: # أنه ليس بإجماع ولا حجة، قاله داود الظاهري، وابنه والمرتضى وعزاه القاضي ~~إلى الشافعي واختاره وقال: إنه آخر أقوال الشافعي. وقال الغزالي، والرازي، ~~والآمدي: إنه نص الشافعي في الجديد، وقال الجويني: إنه ظاهر مذهبه. # والقول الثاني: # أنه إجماع وحجة وبه قال جماعة من الشافعية، وجماعة من أهل الأصول، وروي ~~نحوه عن الشافعي. # قال الأستاذ أبو إسحاق: اختلف أصحابنا في تسميته إجماعا، مع اتفاقهم على ~~وجوب العمل به. # وقال أبو حامد الإسفراييني1: هو حجة مقطوع بها، وفي تسميته إجماعا ~~"وجهان"* أحدهما المنع وإنما هو حجة كالخبر، والثاني يسمى إجماعا وهو ~~قولنا. انتهى. # واستدل القائلون بهذا القول، بأن سكوتهم ظاهر في الموافقة إذ يبعد سكوت ~~الكل مع اعتقاد المخالفة عادة فكان ذلك محصلا للظن بالاتفاق. # وأجيب باحتمال أن يكون سكوت من سكت على الإنكار لتعارض الأدلة عنده، أو ~~لعدم حصول ما يفيده الاجتهاد في تلك الحادثة إثباتا أو نفيا أو للخوف على ~~نفسه أو ذلك من الاحتمالات. # القول الثالث: # أنه حجة وليس بإجماع، قاله أبو هاشم، وهو أحد الوجهين عند الشافعي كما ~~سلف، وبه قال الصيرفي واختاره الآمدي، قال الصفي الهندي: ولم يصر أحد إلى ~~عكس هذا القول يعني أنه ms161 اجتماع لا حجة، ويمكن القول به كالإجماع المروي ~~بالأحاديث عند من لم يقل بحجيته. # القول الرابع: # أنه إجماع بشرط انقراض العصر؛ لأنه يبعد مع ذلك أن يكون السكوت لا عن ~~رضا، وبه قال أبو علي الجبائي، وأحمد في رواية عنه، ونقله ابن فورك ~~"كتابه"2 في كتاب عن أكثر PageV01P224 # أصحاب الشافعي، ونقله الأستاذ أبو طاهر البغدادي1 عن الحذاق منهم، ~~واختاره ابن القطان والروياني. قال الرافعي2: إنه أصح الأوجه عند أصحاب ~~الشافعي، وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "اللمع": إنه المذهب قال: فأما ~~قبل الانقراض ففيه طريقان إحداهما: أنه ليس بحجة قطعا والثانية على وجهين. # القول الخامس: # أنه إجماع إن كان فتيا لا حكما، وبه قال ابن أبي هريرة كما حكاه عنه ~~الشيخ أبو إسحاق والماوردي والرافعي وابن السمعاني والآمدي وابن الحاجب. # ووجه هذا القول أنه لا يلزم من صدوره عن الحاكم أن يكون قاله على وجه ~~الحكم. # وقيل: وجهه أن الحاكم لا يعترض عليه في حكمه، فلا يكون السكوت دليل ~~الرضا، ونقل ابن السمعاني عن ابن أبي هريرة أنه احتج لقوله هذا بقوله: إنا ~~نحضر مجلس بعض الحكام ونراهم يقضون بخلاف مذهبنا ولا ننكر ذلك عليهم فلا ~~يكون سكوتنا رضا منا بذلك. # القول السادس: # أنه إجماع إن كان صادرا عن "حكم، لا إن كان صادرا عن"* فتيا، قاله أبو ~~إسحاق المروزي، وعلل ذلك بأن الأغلب أن الصادر من الحاكم يكون عن مشاورة، ~~وحكاه ابن القطان عن الصيرفي. # القول السابع: # أنه إن وقع في شيء يفوت استدراكه من إراقة دم، أو استباحة فرج كان إجماعا ~~وإلا فهو حجة وفي كونه إجماعا، وجهان حكاه الزركشي، ولم ينسبه إلى قائل. # القول الثامن: # إن كان الساكتون أقل كان إجماعا، وإلا فلا، قاله أبو بكر الرازي، وحكاه ~~شمس الأئمة السرخسي عن الشافعي قال: الزركشي، وهو غريب لا يعرفه أصحابه. # القول التاسع: # إن كان في عصر الصحابة كان إجماعا وإلا فلا، قال الماوردي في "الحاوي" ~~والروياني في "البحر": إن كان عصر الصحابة فإذا قال الواحد منهم قولا ms162 أو ~~PageV01P225 # حكم به فأمسك الباقون فهذا ضربان: # أحدهما: مما يفوت استدراكه كإراقة دم واستباحة فرج، فيكون إجماعا لأنهم ~~لو اعتقدوا خلافه لأنكروه؛ إذ لا يصح منهم أن يتفقوا على ترك إنكار منكر. ~~والثاني* إن كان مما لا يفوت استدراكه كان حجة لأن الحق لا يخرج عن غيرهم ~~وفي كونه إجماعا يمنع الاجتهاد وجهان لأصحابنا: أحدهما: يكون إجماعا لا ~~يسوغ معه الاجتهاد، والثاني: لا يكون إجماعا سواء كان القول فتيا أو حكما ~~على الصحيح. # القول العاشر: # أن ذلك إن كان مما يدوم ويتكرر وقوعه والخوض فيه فإنه يكون السكوت ~~إجماعا، وبه قال إمام الحرمين الجويني. # قال الغزالي في "المنخول": المختار أنه لا يكون حجة إلا في صورتين: # أحدهما: سكوتهم وقد قطع بين أيديهم قاطع لا في مظنة القطع والدواعي تتوفر ~~على الرد عليه. # الثاني: ما يسكتون عليه على استمرار العصر، وتكون الواقعة بحيث لا يبدي ~~أحد خلافا فأما إذا حضروا مجلسا فأفتى واحد وسكت آخرون فذلك اعتراض لكون ~~المسألة مظنونة، والأدب يقتضي أن لا يعترض على القضاة والمفتين. # القول الحادي عشر: # أنه إجماع بشرط إفادة القرائن العلم بالرضا، وذلك بأن يوجد من قرائن ~~الأحوال ما يدل على رضا الساكتين بذلك القول، واختار هذا الغزالي في ~~المستصفى1، وقال بعض المتأخرين: إنه أحق الأقوال لأن إفادة القرائن العلم ~~بالرضا، كإفادة النطق له فيصير كالإجماع القطعي. # القول الثاني عشر: # أنه يكون حجة قبل استقرار المذاهب لا بعدها، فإنه لا أثر للسكوت، لما ~~تقرر عند أهل المذاهب من عدم إنكار بعضهم على بعض إذا أفتى أو حكم بمذهبه ~~مع مخالفته لمذاهب غيره، وهذا التفصيل لا بد منه على جميع المذاهب السابقة ~~هذا في الإجماع السكوتي إذا كان سكوتا عن قول "لمذهب"**. PageV01P226 # وأما لو اتفق أهل الحل والعقد على عمل، ولم يصدر منهم قول واختلفوا في ~~ذلك، فقيل إنه كفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن العصمة ثابتة ~~لإجماعهم كثوبتها للشارع، فكانت أفعالهم كأفعاله وبه قطع الشيخ أبو إسحاق ~~الشيرازي وغيره. وقال الغزالي في المنخول: ms163 إنه المختار، وقيل بالمنع ونقله ~~الجويني عن القاضي إذ لا يتصور تواطؤ قوم لا يحصون عددا على فعل واحد من ~~غير "أرب"* فالتواطؤ عليه غير ممكن. # وقيل: إنه ممكن، ولكنه محمول على الإباحة حتى يقوم دليل على الندب أو ~~الوجوب، وبه قال الجويني. # قال القرافي: وهذا تفصيل حسن، وقيل إن كل فعل خرج مخرج البيان أو مخرج ~~الحكم لا ينعقد به الإجماع، وبه قال ابن السمعاني PageV01P227 ### | الفصل الثاني عشر: حكم الإجماع على شيء بعد الإجماع على خلافه # ... # البحث الثاني عشر: حكم الإجماع على شيء بعد الإجماع على خلافه # هل يجوز الإجماع على شيء قد وقع الإجماع على خلافه؟ # فقيل: إن كان الإجماع الثاني من المجمعين على الحكم الأول كما لو اجتمع ~~أهل "عصر"* على حكم ثم ظهر لهم ما يوجب الرجوع عنه وأجمعوا على ذلك الذي ~~ظهر لهم ففي جواز الرجوع خلاف مبني على الخلاف المتقدم في اشتراط انقراض ~~عصر أهل الإجماع، فمن اعتبره جوز ذلك ومن لم يعتبره لم يجوزه، أما إذا كان ~~الإجماع من غيرهم فمنعه الجمهور؛ لأنه يلزم تصادم الإجماعين، وجوزه أبو عبد ~~الله البصري، قال الرازي: وهو الأولى، واحتج الجمهور بأن كون الإجماع ~~"الأول"** حجة يقتضي امتناع حصول إجماع آخر مخالف له. وقال أبو عبد الله ~~البصري: إنه لا يقتضي ذلك، لإمكان تصور كونه حجة إلى غاية هي حصول إجماع ~~آخر، قال الصفي الهندي: ومأخذ أبي عبد الله قوي. وحكى أبو الحسن السهيلي ~~في"أدب*** الجدل" له في هذه المسألة أنها إذا أجمعت الصحابة على قول ثم ~~أجمع التابعون على قول آخر، فعن الشافعي جوابان: # أحدهما: وهو الأصح أنه لا يجوز وقوع مثله لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخبر أن أمته لا تجتمع على ضلالة # والثاني: لو صح وقوعه فإنه يجب على التابعين الرجوع إلى قول الصحابة، ~~قال: وقيل: إن كل واحد منهما حق وصواب، على قول من يقول: إن كل مجتهد مصيب، ~~وليس بشيء. انتهى. PageV01P227 ### | الفصل الثالث عشر: في حدوث الإجماع بعد سبق الخلاف # ... # البحث ms164 الثالث عشر: في حدوث الإجماع بعد سبق الخلاف # قال الرازي في "المحصول": إذا اتفق أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل ~~العصر الأول كان ذلك إجماعا لا تجوز مخالفته خلافا لكثير من المتكلمين ~~وكثير من "فقهاء"* الشافعية والحنفية. # وقيل: هذه المسألة على وجهين: # أحدهما: أن لا يستقر الخلاف، وذلك بأن يكون أهل الاجتهاد في مهلة النظر، ~~ولم يستقر لهم قول كخلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم في قتال مانعي ~~الزكاة، وإجماعهم عليه بعد ذلك. فقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "اللمع" ~~صارت المسألة إجماعية بلا خلاف، وحكى الجويني والهندي أن الصيرفي خالف في ~~ذلك. # الوجه الثاني: أن يستقر الخلاف ويمضي عليه مدة، فقال القاضي أبو بكر ~~بالمنع وإليه مال الغزالي ونقله ابن برهان في "الوجيز" عن الشافعي، وجزم به ~~الشيخ أبو إسحاق في "اللمع"، ونقل الجويني عن أكثر أهل الأصول الجواز، ~~واختاره الرازي والآمدي، وقيل بالتفصيل، وهو الجواز فيما كان دليل خلافه ~~"الأمارة والاجتهاد دون ما كان دليل خلافه"** القاطع عقليا كان أو نقليا، ~~ونقل الأستاذ أبو منصور إجماع أصحاب الشافعي على أنه حجة، وبذلك جزم ~~الماوردي والروياني. # فأما لو وقع الخلاف بين "أهل"*** عصر ثم ماتت إحدى الطائفتين من ~~المختلفين وبقيت الطائفة الأخرى، فقال الأستاذ أبو إسحاق: إنه يكون قول ~~الباقين إجماعا واختاره الرازي والهندي، قال الرازي في "المحصول": لأن ~~بالموت ظهر اندراج قول ذلك القسم وحده تحت أدلة الإجماع، ورجح القاضي في ~~التقريب أنه لا يكون إجماعا قال: لأن الميت في حكم الباقي الموجود، ~~والباقون هم بعض الأمة لا كلها، وجزم به الأستاذ أبو منصور البغدادي في ~~PageV01P228 # كتاب "الجدل"1، وكذا الخوارزمي في "الكافي"2، وحكى أبو بكر الرازي في هذه ~~المسألة قولا ثالثا، فقال: إن لم يسوغوا فيه الاختلاف صار حجة؛ لأن قول ~~الطائفة المتمسكة بالحق لا يخلو منه زمان، وقد شهدت ببطلان قول المنقرضة ~~فوجب أن يكون قولها حجة، وإن سوغوا فيه الاجتهاد لم يصر إجماعا لإجماع ~~الطائفتين على تسويغ الخلاف. PageV01P229 ### | الفصل الرابع عشر: إذا اختلفت أهل العصر ms165 في مسألة على قولين # ... # البحث الرابع عشر: إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين # فهل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث # اختلفوا في ذلك على أقوال: # الأول: # المنع مطلقا؛ لأنه كاتفاقهم على أنه لا قول سوى هذين القولين، قال ~~الأستاذ أبو منصور، وهو قول الجمهور، قال الكيا: إنه صحيح وبه الفتوى، وجزم ~~به القفال الشاشي والقاضي أبو الطيب الطبري والروياني، والصيرفي ولم يحكيا ~~خلافه إلا عن بعض المتكلمين، وحكى ابن القطان الخلاف في ذلك عن داود. # القول الثاني: # الجواز مطلقا حكاه ابن برهان وابن السمعاني عن بعض الحنفية والظاهرية، ~~ونسبه جماعة منهم القاضي عياض إلى داود وأنكر ابن حزم على من نسبه إلى ~~داود. # القول الثالث: # أن ذلك القول الحادث بعد القولين إن لزم منه رفعهما لم يجز إحداثه وإلا ~~جاز، وروي هذا التفصيل عن الشافعي واختاره المتأخرون من أصحابه، ورجحه ~~جماعة من الأصوليين منهم ابن الحاجب، واستدلوا له بأن القول الحادث الرافع ~~للقولين مخالف لما وقع الإجماع عليه، والقول الحادث الذي لم يرفع القولين ~~غير مخالف لهما، بل موافق لكل واحد منهما من بعض الوجوه. # ومثل الاختلاف على قولين: الاختلاف على ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك، ~~فإنه يأتي في القول الزائد على الأقوال التي اختلفوا فيها ما يأتي في القول ~~الثالث من الخلاف. # ثم لا بد من تقييد هذه المسألة بأن يكون الخلاف فيها على قولين أو أكثر ~~قد استقر أما إذا لم يستقر فلا وجه للمنع من إحداث قول آخر. # PageV01P229 ### | الفصل الخامس عشر: في حكم إحداث دليل أو تأويل من غير إلغاء الدليل أو التأويل الأول # ... # البحث الخامس عشر: في حكم إحداث دليل أو تأويل من غير إلغاء الدليل أو ~~التأويل الأول # إذا استدل أهل العصر بدليل وأولوا بتأويل فهل يجوز لمن بعدهم إحداث دليل ~~آخر من غير إلغاء للأول، أو إحداث تأويل غير التأويل الأول؟ # فذهب الجمهور: إلى جواز ذلك؛ لأن الإجماع والاختلاف إنما هو في الحكم على ~~الشيء بكونه كذا، وأما في الاستدلال ms166 بالدليل أو العمل بالتأويل فليس من هذا ~~الباب. # قال ابن القطان: وذهب بعض أصحابنا إلى أنه ليس لنا أن نخرج عن دلالتهم، ~~ويكون إجماعا على الدليل لا على الحكم. # وأجيب عنه: بأن المطلوب من الأدلة أحكامها لا أعيانها، نعم إن أجمعوا على ~~إنكار الدليل الثاني لم يجز إحداثه لمخالفة الإجماع، وذهب بعض أهل العلم ~~إلى الوقف، وذهب ابن حزم إلى التفصيل بين النص فيجوز الاستدلال به وبين ~~غيره فلا يجوز، "وذهب ابن برهان إلى تفصيل آخر بين الدليل الظاهر فلا ~~يجوز"* إحداثه وبين الخفي فيجوز، لجواز اشتباهه على الأولين. # قال أبو الحسين البصري: إلا أن يكون في صحة ما استدلوا به إبطال ما ~~أجمعوا عليه. وقال سليم الرازي: إلا أن يقولوا ليس فيها دليل إلا الذي ~~ذكرناه فيمتنع. # وأما إذا عللوا الحكم بعلة فهل يجوز لمن بعدهم أن يعلله بعلة أخرى؟ فقال ~~الأستاذ أبو منصور وسليم الرازي: هي كالدليل في جواز إحداثها، إلا إذا ~~قالوا: لا علة إلا هذه، أو تكون العلة الثانية مخالفة للعلة الأولى في بعض ~~الفروع فتكون حينئذ الثانية فاسدة PageV01P230 ### | الفصل السادس عشر: في وجود دليل لا معارض له لم يعلمه أهل الإجماع # ... # البحث السادس عشر: في وجود دليل لا معارض له لم يعلمه أهل الإجماع # هل يمكن وجود دليل لا معارض له اشتراك أهل الإجماع في عدم العلم به؟ # قيل: بالجواز إن كان عمل الأمة موافقا له، وعدمه إن كان مخالفا له، ~~واختار هذا الآمدي، وابن الحاجب، والصفي الهندي، وقيل: بالجواز مطلقا، ~~وقيل: بالمنع مطلقا. قال الرازي في "المحصول": يجوز اشتراك الأمة في عدم ~~العلم بما لم يكفلوا به؛ لأن عدم العلم بذلك الشيء # PageV01P230 # إذا كان صوابا لم يلزم من إجماعهم عليه محذور. # وللمخالف أن يقول: لو اجتمعوا على عدم العلم بذلك الشيء لكان عدم العلم ~~به سبيلا لهم، وكان يجب اتباعهم فيه حتى يحرم تفصيل العلم به. # قال الزركشي في "البحر": هما مسألتان: # إحداهما: هل يجوز اشتراك الأمة في الجهل بما لم يكلفوا به؟ فيه ms167 قولان. # الثانية: هل يمكن وجود خبر أو دليل لا معارض له وتشترك الأمة في عدم ~~العلم به. # وأما "إذا ذكر"* واحد من المجمعين خبرا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~يشهد بصحة الحكم الذي انعقد عليه الإجماع. # فقال ابن برهان في "الوجيز": إنه يجب عليه ترك العمل بالحديث "والإصرار ~~على الإجماع، وقال قوم من الأصوليين: بل يجب عليه الرجوع إلى موجب ~~الحديث"**، وقال قوم: إن ذلك يستحيل وهو الأصح من المذاهب فإن الله سبحانه ~~عصم الأمة عن نسيان حديث في الحادثة، ولولا ذلك خرج الإجماع عن أن يكون ~~قطعيا، وبناه في "الأوسط"1 على الخلاف في انقراض العصر، فمن قال: ليس بشرط ~~منع الرجوع، ومن اشترط جوزه، والجمهور على الأول لأنه يتطرق إلى الحديث ~~احتمالات من النسخ، والتخصيص ما لا يتطرق إلى الإجماع PageV01P231 ### | الفصل السابع عشر: قول العوام في الإجماع ### | مدخل # ... # البحث السابع عشر: قول العوام في الإجماع # لا اعتبار بقول العوام في الإجماع، ولا وفاقا ولا خلافا، عند الجمهور ~~لأنهم ليسوا من أهل النظر في الشرعيات، ولا يفهمون الحجة ولا يعقلون ~~البرهان. # وقيل: يعتبر قولهم لأنهم من جملة الأمة، وإنما كان قول الأمة حجة لعصمتها ~~من الخطإ ولا يمتنع أن تكون العصمة لجميع الأمة عالمها وجاهلها، حكى هذا ~~القول ابن الصباغ وابن برهان عن بعض المتكلمين، واختاره الآمدي ونقله ~~الجويني، وابن السمعاني، والصفي الهندي عن القاضي أبي بكر # PageV01P231 # قال في "مختصر التقريب"1: فإن قال قائل: فإذا أجمع "علماء"* الأمة على ~~حكم من الأحكام "فهل يطلقون القول بأن الأمة أجمعت عليه؟ قلنا: من ~~الأحكام"** مما يحصل فيه اتفاق الخاص والعام، كوجوب الصلاة والزكاة، ~~وغيرهما فما هذا سبيله يطلق القول بأن الأمة أجمعت عليه، وأما ما أجمع عليه ~~العلماء من أحكام الفروع التي تشذ عن العوام فقد اختلف أصحابنا في ذلك، ~~فقال بعضهم: العوام يدخلون في حكم الإجماع، وذلك أنهم وإن لم يعرفوا تفاصيل ~~الأحكام فقد عرفوا على الجملة أن ما أجمع عليه علماء الأمة في تفاصيل ~~الأحكام فهو مقطوع به فهذا ms168 مساهمة منهم في الإجماع وإن لم يعلموا على ~~التفصيل. # ومن أصحابنا من زعم "أنهم"*** لا يكونون مساهمين في الإجماع، فإنه إنما ~~يتحقق الإجماع في التفاصيل بعد العلم بها، فإذا لم يكونوا عالمين بها فلا ~~يتحقق كونهم من أهل الإجماع. # قال أبو الحسين في "المعتمد"2: اختلفوا في اعتبار قول العامة في المسائل ~~الاجتهادية، فقال قوم العامة وإن وجب عليها اتباع العلماء، فإن إجماع ~~العلماء لا يكون حجة على أهل العصر حتى لا تسوغ مخالفتهم إلا بأن يتبعهم ~~العامة من أهل عصرهم، فإن لم يتبعوهم لم يجب على أهل العصر الثاني من ~~العلماء اتباعهم. # وقال آخرون: بل هو حجة مطلقا، وحكى القاضي عبد الوهاب، وابن السمعاني أن ~~العامة معتبرة في الإجماع في العام دون الخاص. # قال الروياني في "البحر"3: إن اختص بمعرفة الحكم العلماء كنصب الزكوات، ~~وتحريم نكاح المرأة وعمتها وخالتها لم يعتبر، وفاق العامة معهم وإن اشترك ~~في معرفته الخاصة والعامة كأعداد الركعات وتحريم بنت البنت فهل يعتبر إجماع ~~العوام معهم فيه وجهان أصحهما لا يعتبر لأن الإجماع إنما يصح عن نظر ~~واجتهاد والثاني يعم لاشتراكهم في العلم به. # قال سليم الرازي: إجماع الخاصة هل يحتاج معهم فيه إلى إجماع العامة، فيه ~~وجهان والصحيح أنه لا يحتاج فيه إليهم. قال الجويني: حكم المقلد حكم العامي ~~في ذلك؛ إذ لا واسطة بين المقلد والمجتهد. PageV01P232 ### | فرع: إجماع العوام # إجماع العوام عند خلو الزمان عن مجتهد عند من قال بجواز خلوه عنه هل يكون ~~حجة أم لا؟ فالقائلون باعتبارهم في الإجماع، مع وجود المجتهدين يقولون بأن ~~إجماعهم حجة، والقائلون بعدم اعتبارهم لا يقولون بأنه حجة، وأما من قال بأن ~~الزمان لا يخلو عن قائم بالحجة فلا يصح عنده هذا التقدير. # PageV01P233 ### | الفصل الثامن عشر: الإجماع المعتبر # ... # البحث الثامن عشر: الإجماع المعتبر # الإجماع المعتبر في فنون العلم هو إجماع أهل ذلك الفن العارفين به دون من ~~عداهم، فالمعتبر في الإجماع في المسائل الفقهية قول جميع الفقهاء، وفي ~~المسائل الأصولية قول جميع الأصوليين، وفي المسائل النحوية قول ms169 جميع ~~النحويين ونحو ذلك، ومن عدا أهل ذلك الفن هو في حكم العوام فمن اعتبرهم في ~~الإجماع اعتبر غير أهل الفن ومن لا فلا. # وخالف في ذلك ابن جني فقال في كتاب "الخصائص"1: إنه لا حجة في إجماع ~~النحاة. قال الزركشي في "البحر": ولا خلاف في اعتبار قول المتكلم في ~~الكلام، والأصولي في الأصول وكل واحد يعتبر قوله إذا كان من أهل الاجتهاد ~~في ذلك الفن، وأما الأصولي الماهر المتصرف في الفقه ففي اعتبار خلافه في ~~الفقه وجهان حكاهما الماوردي، وذهب القاضي إلى أن خلافه معتبر، قال ~~الجويني: وهو الحق. # وذهب معظم الأصوليين منهم أبو الحسن ابن القطان إلى أن خلافه لا يعتبر ~~لأنه ليس من المفتين، ولو وقعت له واقعة لزم أن يستفتي المفتي فيها، قال ~~إلكيا: والحق قول الجمهور لأن من أحكم "الأصلين"* الأصوليين فهو مجتهد ~~فيهما، قال الصيرفي في كتاب "الدلائل"2: إجماع العلماء لا مدخل لغيرهم فيه ~~سواء المتكلم وغيره وهم الذين تلقنوا العلم من الصحابة وإن اختلفت آراؤهم ~~وهم القائمون بعلم الفقه، وأما من انفرد بالكلام لم يدخل في جملة العلماء ~~فلا يعد خلافا على من ليس مثله وإن كانوا حذاقا بدقائق الكلام. PageV01P233 ### | الفصل التاسع عشر: مخالفة واحد من المجتهدين لأهل الإجماع # ... # البحث التاسع عشر: مخالفة واحد من المجتهدين لأهل الإجماع # إذا خالف أهل الإجماع واحد من المجتهدين فقط فذهب الجمهور إلى أنه لا ~~يكون إجماعا ولا حجة، قال الصيرفي: ولا يقال لهذا شاذ؛ لأن الشاذ من كان في ~~الجملة ثم شذ "عنهم"* كيف يكون محجوجا بهم ولا يقع اسم الإجماع إلا به قال: ~~إلا أن يجمعوا على شيء من جهة الحكاية فيلزمه قبول قولهم أما من جهة ~~الاجتهاد فلا لأن الحق قد يكون معه. وقال الغزالي: والمذهب انعقاد إجماع ~~الأكثر مع مخالفة الأقل ونقله الآمدي عن محمد بن جرير الطبري وأبي الحسين ~~الخياط1 من معتزلة بغداد. # قال الشيخ أبو محمد الجويني2 والد إمام الحرمين والشرط أن يجمع جمهور تلك ~~الطبقة ووجوههم ومعظمهم ولسنا نشترط قول ms170 جميعهم، وكيف نشترط ذلك وربما يكون ~~في أقطار الأرض من المجتهدين من لم نسمع به فإن السلف الصالح كانوا ~~"يعلمون"** ويتسترون بالعلم فربما كان الرجل قد أخذ الفقه الكثير ولا يعلم ~~به جاره قال: والدليل على هذا أن الصحابة لما استخلفوا "أبا بكر" انعقدت ~~خلافته بإجماع الحاضرين ومعلوم أن من الصحابة من غاب قبل وفاة النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى بعض البلدان ومن حاضري المدينة من لم يحضر البيعة، ولم ~~يعتبر ذلك مع اتفاق الأكثرين PageV01P234 # قال الصفي الهندي والقائلون بأنه إجماع مرادهم أنه ظني لا قطعي. # واحتج ابن جرير على عدم اعتبار قول الأقل بارتكابه الشذوذ المنهي عنه. # وأجيب عنه: بأن الشذوذ المنهي عنه هو ما يشق عصا المسلمين لا في أحكام ~~الاجتهاد. # وقال الأستاذ أبو إسحاق: أن ابن جرير قد شذ عن الجماعة في هذه المسألة، ~~فينبغي أن لا يعتبر خلافه. # وقيل: إنه حجة، وليس بإجماع، ورجحه ابن الحاجب فإنه قال: لو قدر المخالف ~~مع كثرة المجمعين، لم يكن إجماعا قطعيا، والظاهر: أنه حجة لبعد أن يكون ~~الراجح متمسك المخالف. # وقيل: إن عدد الأقل إن بلغ عدد التواتر لم ينعقد إجماع غيرهم، وإن كانوا ~~دون عدد التواتر انعقد الإجماع دونهم كذا حكاه الآمدي. # قال القاضي أبو بكر: إنه الذي يصح عن ابن جرير. # وقيل: اتباع الأكثر أولى ويجوز خلافه حكاه الهندي. # وقيل: إنه لا ينعقد "الإجماع"* مع مخالفة الاثني دون الواحد. # وقيل: لا ينعقد مع مخالفة الثلاثة دون الاثنين والواحد، حكاهما الزركشي ~~في "البحر". # وقيل: إن استوعب الجماعة الاجتهاد فيها يخالفهم، كان خلاف المجتهد معتدا ~~به، كخلاف ابن عباس في العول1 وإن أنكروه لم يعتد بخلافه، وبه قال أبو بكر ~~الرازي، وأبو عبد الله الجرجاني2 من الحنفية، قال شمس الأئمة السرخسي: إنه ~~الصحيح. PageV01P235 ### | الفصل الموفي عشرين: الإجماع المنقول بطريق الآحاد وحجيته # ... # البحث الموفي عشرين: الإجماع المنقول بطريق الآحاد وحجيته # الإجماع المنقول بطريق الآحاد حجة، وبه قال الماوردي، وإمام الحرمين ~~والآمدي، ونقل عن الجمهور اشتراط عدد التواتر، وحكى الرازي ms171 في "المحصول" عن ~~الأكثر أنه ليس بحجة. # فقال: الإجماع المروي بطريق الآحاد حجة "خلافا"* لأكثر الناس؛ لأن ظن ~~وجوب العمل به حاصل، فوجب العمل به دفعا للضرر المظنون، ولأن الإجماع نوع ~~من الحجة، فيجوز التمسك بمظنونه، كما يجوز بمعلومه، قياسا على السنة ولأنا ~~بينا أن أصل الإجماع فائدة ظنية، فكذا القول في تفاصيله انتهى. # وأما عدد أهل الإجماع: فقيل: لا يشترط بلوغهم عدد التواتر خلافا للقاضي، ~~ونقل ابن برهان عن معظم العلماء: أنه يجوز انحطاط عددهم عقلا عن عدد ~~التواتر: وعن طوائف من المتكلمين أنه لا يجوز عقلا، وعلى القول بالجواز فهل ~~يكون إجماعهم حجة أم لا؟ فذهب جماعة من أهل العلم: إلى أنه حجة، وهو قول ~~الأستاذ أبي إسحاق. وقال إمام الحرمين الجويني: يجوز ولكن لا يكون إجماعهم ~~حجة. "قال الصفي الهندي: المشترطون اختلفوا فقيل: إنه لا يتصور أن ينقص ~~عدد"** المجمعين عن عدد التواتر ما دام التكليف بالشريعة باقيا، ومنهم من ~~زعم أن ذلك وإن كان يتصور، لكن يقطع بأن ما ذهب إليه دون عدد التواتر ليس ~~سبيل المؤمنين؛ لأن إخبارهم عن إيمانهم لا يفيد القطع فلا تحرم مخالفته، ~~ومنهم من زعم أنه وإن أمكن أن يعلم إيمانهم بالقرائن لا يشترط "فيه ذلك"*** ~~بل يكفي فيه الظهور، لكن الإجماع إنما يكون حجة لكونه كاشفا عن دليل قاطع، ~~وهو يوجب كونه متواترا، وإلا لم يكن قاطعا فيما يقوم مقام نقله متواترا وهو ~~الحكم بمقتضاه يجب أن يكون صادرا عن عدد التواتر، وإلا لم يقطع بوجوده. # قال الأستاذ: وإذا لم يبق في العصر إلا مجتهد واحد فقوله حجة ~~"كالإجماع"****، ويجوز أن يقال للواحد أمة كما قال تعالى: {إن إبراهيم كان ~~أمة} 1 ونقله الصفي الهندي عن الأكثرين. PageV01P236 # قال الزركشي في "البحر": وبه جزم ابن سريج في كتاب "الودائع"1 فقال: ~~وحقيقة الإجماع، هو القول بالحق ولو من واحد فهو إجماع وكذا إن حصل من ~~اثنين أو ثلاثة. # والحجة على أن الواحد إجماع ما اتفق عليه الناس في أبي بكر رضي الله ms172 عنه ~~"لما منعت بنو حنيفة من الزكاة"* فكانت "بمطالبة"** أبي بكر لها حقا عند ~~الكل، وما انفرد لمطالبتها غيره، هذا كلامه، وخلاف إمام الحرمين فيه أولى، ~~وهو الظاهر لأن الإجماع لا يكون إلا من اثنين فصاعدا، ونقل ابن القطان عن ~~أبي هريرة أنه حجة. # قال إلكيا: المسألة مبنية على تصور اشتمال العصر على المجتهد الواحد، ~~والصحيح تصوره، وإذا قلنا به ففي انعقاد الإجماع بمجرد قوله خلاف، وبه قال ~~الأستاذ أبو إسحاق. قال: والذي حمله على ذلك أنه "لم ير في اختصاص"*** ~~الإجماع بمحل معنى يدل عليه، فسوى بين العدد والفرد. وأما المحققون سواء ~~فإنهم يعبرون العدد، ثم يقولون: المعتبر عدد التواتر، فإذا مستند الإجماع ~~مستند إلى طرد العادة بتوبيخ من يخالف العصر الأول، وهو يستدعي وفور عدد من ~~الأولين وهذا لا يتحقق فيما إذا كان في العصر إلا مجتهد واحد، فإنه لا يظهر ~~فيه استيعاب مدارك الاجتهاد. PageV01P237 ### | خاتمة: # قول القائل: لا أعلم خلافا بين أهل العلم في كذا، قال الصيرفي: لا يكون ~~إجماعا، لجواز الاختلاف، وكذا قال ابن حزم في "الأحكام"؛ وقال في كتاب ~~"الإعراب"1: أن الشافعي نص عليه في "الرسالة"2، وكذلك أحمد بن حنبل، وقال ~~ابن القطان: قول القائل لا أعلم خلافا إن كان من أهل العلم فهو حجة، وإن لم ~~يكن من الذين كشفوا الإجماع والاختلاف فليس بحجة. # وقال الماوردي: إذا قال لا أعرف بينهم خلافا، فإن لم يكن من أهل الاجتهاد ~~وممن أحاط PageV01P237 # بالإجماع والاختلاف، لم يثبت الإجماع بقوله، وإن كان من أهل الاجتهاد ~~فاختلف أصحابنا فأثبت الإجماع "به قوم، ونفاه آخرون"*. # "قال ابن حزم"**: وزعم قوم أن العالم إذا قال لا أعلم خلافا فهو إجماع، ~~وهو قول فاسد، و"لو"*** قال ذلك محمد بن نصر المروزي1 فإنا لا نعلم أحدا ~~منه لأقاويل أهل العلم، ولكن فوق كل ذي علم عليم. وقد قال الشافعي في زكاة ~~البقر لا أعلم خلافا في أنه ليس في أقل من ثلاثين منها تبيع، والخلاف في ~~ذلك مشهور فإن قوما يرون الزكاة على ms173 خمس كزكاة الإبل. # وقال مالك في "موطئه" -وقد ذكر الحكم برد اليمين-: وهذا مما لا خلاف فيه ~~بين أحد من الناس، ولا بلد من البلدان. والخلاف فيه شهير. وكان عثمان رضي ~~الله عنه لا يرى رد اليمين، ويقضي بالنكول، وكذلك ابن عباس، ومن التابعين ~~الحكم2 وغيره، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة وأصحابه، وهم كانوا القضاة في ذلك ~~الوقت، فإذا كان مثل من ذكرنا يخفى عليه الخلاف فما ظنك بغيره. PageV01P238 ### $ المقصد الرابع: في الأوامر والنواهي والعموم ... ### | الفصل الأول: في مباحث الأمر ### | الفصل الأول: حقيقة لفظ الأمر # ... # المقصد الرابع: في الأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، والإطلاق ~~والتقييد، والإجمال والتبيين، والناسخ والمنسوخ، والمؤول والمنطوق ~~والمفهوم. # الفصل الأول: حقيقة لفظ الأمر # قال في "المحصول": اتفقوا على أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص، ~~واختلفوا في كونه حقيقة في غيره، فزعم بعض الفقهاء أنه حقيقة في الفعل ~~أيضا، والجمهور على أنه مجاز فيه، وزعم أبو الحسين أنه مشترك بين القول ~~المخصوص، وبين الشيء، وبين الصفة، وبين الشأن والطريق، والمختار أنه حقيقة ~~في القول المخصوص فقط. لنا أجمعنا على أنه حقيقة في القول المخصوص، فوجب أن ~~لا يكون حقيقة في غيره دفعا للاشتراك. انتهى. # ويجاب عنه: بأن مجرد الإجماع على كون أحد المعاني حقيقة لا ينفي حقيقة ما ~~عداه، والأولى أن يقال: أن الذي سبق إلى الفهم من لفظ ألف، ميم، راء، عند ~~الإطلاق هو القول المخصوص، والسبق إلى الفهم دليل الحقيقة، والأصل عدم ~~الاشتراك، ولو كان مشتركا لتبادر إلى الفهم جميع ما هو مشترك فيه ولو كان ~~متواطئا لم يفهم منه القول المخصوص على انفراده "واستدل أيضا"* على أنه ~~حقيقة في القول المخصوص: بأنه لو كان حقيقة في الفعل لاطرد و"كان"** يسمى ~~الأكل أمرا، والشرب أمرا، ولكان يشتق للفاعل اسم الأمر وليس كذلك لأن من ~~قام أو قعد لا يسمى آمرا. # وأيضا الأمر له لوازم، ولم يوجد منها شيء في الفعل، فوجب أن لا يكون ~~الأمر حقيقة في الفعل. # وأيضا يصح نفي الأمر عن الفعل، فيقال: ms174 ما أمر به ولكن فعله. # وأجيب: بمنع كون من شأن الحقيقة الاطراد، وبمنع لزوم الاشتقاق في كل ~~الحقائق، وبمنع عدم وجود شيء من اللوازم في الفعل وبمنع تجويزهم لنفيه ~~مطلقا. # واستدل القائلون بأنه حقيقة في الفعل بوجهين: # الأول: # أن أهل اللغة يستعملون لفظ الأمر في الفعل، وظاهر الاستعمال الحقيقة، ومن ~~ذلك PageV01P241 # قوله سبحانه: {حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور} 1 والمراد منه هنا العجائب ~~التي أظهرها الله عز وجل وقوله: {أتعجبين من أمر الله} 2 أي: من فعله، ~~وقوله: {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} 3 وقوله: {تجري في البحر بأمره} ~~4 وقوله: {مسخرات بأمره} 5، ومن ذلك قول الشاعر: # لأمر ما يسود من يسود6 # وقول العرب في أمثالها المضروبة: لأمر ما جدع قصير أنفه7، والأصل في ~~الإطلاق الحقيقة. # الوجه الثاني: # أنه قد خولف بين جمع الأمر بمعنى القول "وبين جمعه بمعنى الفعل"* فقيل في ~~الأول: أوامر وفي الثاني أمور، والاشتقاق علامة الحقيقة. # وأجيب عن الأول: بأنا لا نسلم استعمال اللفظ في الفعل، من حيث أنه فعل ~~أما قوله: {حتى إذا جاء أمرنا} فلا مانع من أن يراد منه القول أو الشأن، ~~وإنما يطلق اسم الأمر على الفعل لعموم كونه شأنا لا لخصوص كونه فعلا، وكذا ~~الجواب عن الآية الثانية. # وأما قوله سبحانه: {وما أمر فرعون برشيد} 8 فلم لا يجوز أن يكون المراد ~~هو القول، بل الأظهر ذلك لما تقدم من قوله: {فاتبعوا أمر فرعون} أي أطاعوه ~~فيما أمرهم به. # سلمنا أنه ليس المراد القول فلم لا يجوز أن يكون المراد شأنه وطريقته، ~~وأما قوله: {وما أمرنا إلا واحدة} فلم لا يجوز إجراؤه على الظاهر ويكون ~~معناه: أن من شأنه سبحانه أنه إذا أراد PageV01P242 # شيئا وقع كلمح البصر. # وأما قوله: {تجري في البحر بأمره} وقوله: {مسخرات بأمره} فلا يجوز حمل ~~الأمر فيهما على الفعل؛ لأن الجري والتسخير إنما حصل بقدرته لا بفعله، فوجب ~~حمله على الشأن والطريق، وهكذا قول الشاعر المذكور والمثل المشهور. # وأما قولهم: أن الأصل الحقيقة فمعارض بأن ms175 الأصل عدم الاشتراك. # وأجيب عن الوجه الثاني بأنه يجوز أن يكون الأمور جمع الأمر بمعنى الشأن، ~~لا بمعنى الفعل، سلمنا لكن لا نسلم أن الجمع من علامات الحقيقة. # واستدل أبو الحسين بقوله: بأن من قال هذا أمر لم يدر السامع أي هذه ~~الأمور أراد، فإذا قال هذا أمر بالفعل، أو أمر فلان مستقيم، أو تحرك هذا ~~الجسم لأمر، وجاء زيد لأمر، عقل السامع من الأول القول، ومن الثاني الشأن، ~~ومن الثالث أن الجسم تحرك "بشيء"*. ومن الرابع أن زيدا جاء لغرض من ~~الأغراض، وتوقف الذهن عند السماع يدل على أنه متردد بين الكل. # وأجيب: بأن هذا التردد ممنوع، بل لا يفهم ما عدا القول إلا بقرينة مانعة ~~من حمل اللفظ عليه، كما إذا استعمل في موضع لا يليق بالقول PageV01P243 ### | الفصل الثاني: الخلاف في حد الأمر بمعنى القول # اختلف في حد الأمر بمعنى القول، فقال القاضي أبو بكر، وارتضاه جماعة من ~~أهل الأصول: إنه القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به، قال في ~~"المحصول": وهذا خطأ لوجهين: # أما أولا: فلأن لفظي المأمور، والمأمور به مشتقان من الأمر، فيمتنع ~~تعريفهما إلا بالأمر، فلو عرفنا الأمر بهما لزم الدور. # وأما ثانيا: فلأن الطاعة عند أصحابنا موافقة الأمر، وعند المعتزلة موافقة ~~الإرادة فالطاعة على قول أصحابنا لا يمكن تعريفها إلا بالأمر، فلو عرفنا ~~الأمر بها لزم الدور. # وقال أكثر المعتزلة في حده: إنه قول القائل لمن دونه افعل أو ما يقوم ~~مقامه. # قال في "المحصول": وهذا خطأ من وجوه: # PageV01P243 # الأول: أنا لو قدرنا أن الواضع ما وضع لفظة "افعل" لشيء أصلا، حتى كانت ~~هذه اللفظة من المهملات، ففي تلك الحالة لو تلفظ الإنسان بها مع دونه لا ~~يقال فيه إنه أمر، ولو أنها صدرت عن النائم أو الساهي، أو على سبيل انطلاق ~~اللسان بها اتفاقا أو على سبيل الحكاية"لا"* يقال فيه: إنه أمر، ولو قدرنا ~~أن الواضع وضع بإزاء معنى لفظ افعل وبإزاء معنى "الخبر"** لفظة "افعل"***، ~~لكان المتكلم بلفظ "افعل"**** آمرا وبلفظ افعل ms176 مخبرا، فعلمنا أن تحديد ~~ماهية الأمر بالصيغة المخصوصة باطل. # الوجه الثاني: أن تحديد ماهية الأمر من حيث هو أمر، وهي حقيقة لا تختلف ~~باختلاف اللغات، فإن التركي قد يأمر وينهى، وما ذكروه لا يتناول "إلا"***** ~~الألفاظ العربية. # فإن قلت: قولنا: أو ما يقوم مقامه احتراز عن هذين الإشكالين الذين ~~ذكرتهما. # قلت: قوله أو ما يقوم مقامه يعني به كونه قائما مقامه في الدلالة على ~~كونه طلبا للفعل، أو يعني به شيئا آخر، فإن كان المراد هو الثاني فلا بد من ~~بيانه، وإن كان المراد هو الأول صار معنى حد الأمر هو قول القائل لمن دونه ~~افعل أو ما يقوم مقامه في الدلالة على طلب الفعل "وإذا ذكرناه على هذا ~~الوجه كان قولنا: الأمر هو اللفظ الدال على طلب الفعل"****** كافيا، وحينئذ ~~يقع التعرض بخصوص صيغة افعل ضائعا. # الوجه الثالث: "أنا"******* سنبين أن الرتبة غير معتبرة، وإذا ثبت فساد ~~هذين الحدين فنقول: الصحيح أن يقال: الأمر طلب الفعل بالقول على سبيل ~~الاستعلاء، ومن الناس من لم يعتبر هذا القيد الأخير. انتهى. # ولا يخفاك أن ما أجاب به من هذه الوجوه الثلاثة لا يرد على ذلك الحد. أما ~~الوجه الأول فتقدير الإهمال أو الصدور لا عن قصد ليس مما يقتضي النقض به ~~لخروجه عن الكلام المعتبر عند أهل اللغة، وأما النقض بغير لغة العرب فغير ~~وارد فإن مراد من حد الأمر بذلك الحد ليس إلا باعتبار ما يقتضيه لغة العرب ~~لا غيرها، وأما عدم اعتبار الرتبة فمصادرة على المطلوب ويرد على الحد الذي ~~ارتضاه آخر وقال إنه الصحيح النهي فإن طلب الفعل بالقول؛ لأن الكف ~~PageV01P244 # فعل، ويرد على قيد الاستعلاء، قوله تعالى حكاية عن فرعون {فماذا تأمرون} ~~1 والأصل الحقيقة. # وقد أورد على الحد الذي ذكرته المعتزلة أنه يرد على طرده قول لقائل لمن ~~دونه فعل "تهديدا أو تعجيزا أو غيرها، فإنه يرد لمعان كثيرة كما سيأتي2، ~~ويرد في طرده قول القائل لمن دونه افعل"* إذا صدر عن مبلغ لأمر الغير، أو ms177 ~~حاك له، ويرد على عكسه افعل إذا صدر من الأدنى على سبيل الاستعلاء، ولذلك ~~يذم بأنه أمر من هو أعلى منه. # وأجيب عن الإيراد الأول: بأن المراد قول افعل مرادا به ما يتبادر منه عند ~~الإطلاق. # وعن الثاني: بأنه ليس قولا لغيره افعل. # وعن الثالث: بمنع كونه أمرا عندهم لغة، وإنما سمي به عرفا. # وقال قوم في حده: هو صيغة افعل مجردة عن القرائن الصارفة عن الأمر. # واعترض عليه: بأنه تعريف الأمر بالأمر ولا يعرف الشيء بنفسه، وإن أسقط ~~هذا القيد بقي صيغة افعل مجردة فيلزم تجرده مطلقا، حتى عما يؤكدكونه أمرا. # وأجيب عنه: بأن المراد القرائن الصارفة عما يتبادر منها إلى الفهم عند ~~إطلاقها. # وقيل في حده: هو اقتضاء فعل غير كف على جهة الاستعلاء. # واعترض على عكسه باكفف وانته واترك وذر فإنها أوامر لا يصدق عليها الحد ~~لعدم اقتضاء الفعل غير الكف فيها. # واعترض على طرده بلا تترك، ولا تنته ونحوهما، فإنها نواه ويصدق عليها ~~الحد. # وأجيب: بأن المحدود هو النفسي، فيلتزم أن معنى لا تترك معنى الأمر ~~النفسي، ومعنى اكفف وذر النهي فاطرد وانعكس. # وقيل في حده: هو صيغة افعل بإرادات ثلاث، وجود اللفظ، ودلالتها على ~~الأمر، والامتثال. # واحترز بالأولى عن النائم، إذ يصدر عنه صيغة افعل من غير إرادة وجود ~~اللفظ، وبالثانية عن التهديد والتخيير والإكرام والإهانة ونحوها، وبالثالثة ~~عن الصيغة التي تصدر عن المبلغ، والحاكي، فإنه لا يريد الامتثال ~~PageV01P245 # واعترض عليه: بأنه إن أريد بالأمر المحدود "اللفظ، أي الأمر الصيغي فلذلك ~~الحد إرادة دلالتها، أي الصيغة على الأمر؛ لأن اللفظ غير مدلول عليه، وإن ~~أريد بالأمر المحدود"* المعنى النفسي أفسد الحد جنسه فإن المعنى ليس بصيغة. # وأجيب: بأن المراد بالمحدود اللفظ، وبما في الحد المعنى الذي هو الطالب، ~~واستعمل المشترك الذي هو لفظ الأمر في معنييه اللذين هما الصيغة المعلومة، ~~والطلب بالقرينة العقلية. # وقيل في حده: إنه إرادة "الفعل"**. # واعترض عليه بأنه غير جامع لثبوت الأمر ولا إرادة، كما في أمر السيد ~~لعبده بحضرة من ms178 توعد السيد على ضربه لعبده بالإهلاك إن ظهر أنه لا يخالف ~~أمر سيده والسيد يدعي مخالفة العبد في أمره ليدفع عن نفسه الإهلاك، فإنه ~~يأمر عبده بحضرة المتوعد له ليعصيه ويشاهد المتوعد عصيانه ويخلص من الهلاك ~~فههنا قد أمر وإلا لم يظهر عذره، وهو مخالف الأمر ولا يريد منه العمل لا ~~أنه لا يريد ما يفضي إلى هلاكه، وإلا كان مريدا هلاك نفسه وإنه محال. # وأجيب عنه: بأنه مثله يجيء في الطلب؛ لأن العاقل لا يطلب ما يستلزم ~~هلاكه، وإلا كان "طالبا"*** لهلاكه. ودفع بالمنع، لجواز أن يطلب العاقل ~~الهلاك لغرض إذا علم عدم وقوعه. # ورد هذا الدفع: بأن ذلك إنما يصح في اللفظي، أما النفسي فالطلب النفسي ~~كالإرادة النفسية فلا يطلب الهلاك بقلبه كما لا يريده. # وقال الآمدي: لو كان الأمر إرادة لوقعت المأمورات بمجرد الأمر؛ لأن ~~الإرادة صفة تخصص المقدور بوقت وجوده، فوجودها فرع وجود مقدور مخصص. ~~والثاني باطل لأن إيمان الكفار المعلوم عدمه عند الله تعالى لا شك أنه ~~مأمور به فيلزم أن يكون مرادا ويستلزم وجوده مع أنه محال. # وأجيب عن هذا: بأن ذلك لا يلزم من حد الأمر بإرادة الفعل؛ لأنه من ~~المعتزلة والإرادة عندهم بالنسبة "إلى العباد"**** ميل يتبع اعتقاد النفع ~~أو دفع الضرر، وبالنسبة إليه سبحانه وتعالى العلم بما في الفعل من المصلحة. # إذا تقرر لك ما ذكرناه وعرفت ما فيه، فاعلم أن الأولى بالأصول تعريف ~~الأمر الصيغي؛ لأن PageV01P246 # بحث هذا العلم عن الأدلة السمعية، وهي الألفاظ الموصلة من حيث "العلم"* ~~بأحوالها من عموم وخصوص وغيرهما إلى قدرة إثبات الأحكام، والأمر الصيغي في ~~اصطلاح أهل العربية صيغته المعلومة سواء كانت على سبيل الاستعلاء، أو لا. ~~وعند أهل اللغة في صيغته المعلومة، المستعملة في الطلب الجازم مع ~~الاستعلاء، هذا باعتبار لفظ الأمر الذي هو ألف، ميم، راء، بخلاف فعل الأمر ~~نحو اضرب، فإنه لا يشترط فيه ما ذكر، بل يصدق مع العلو وعدمه، وعلى هذا ~~أكثر أهل الأصول. ولم يعتبر الأشعري1 قيد العلو، وتابعه ms179 أكثر الشافعية، ~~واعتبر العلو المعتزلة جميعا إلا أبا الحسين منهم ووافقهم أبو إسحاق ~~الشيرازي وابن الصباغ وابن السمعاني من الشافعية PageV01P247 ### | الفصل الثالث: حقيقة صيغة أفعل ### | مدخل # ... # الفصل الثالث: حقيقة صيغة افعل # اختلف أهل العلم في صيغة "افعل" وما في معناها هل هي حقيقة في الوجوب، أو ~~فيه مع غيره، أو في غيره؟ # فذهب الجمهور إلى أنها حقيقة في الوجوب فقط، وصححه ابن الحاجب ~~والبيضاوي1. # قال الرازي: وهو الحق. # وذكر الجويني أنه مذهب الشافعي، قيل: وهو الذي أملاه الأشعري على أصحابه. # وقال أبو هاشم، وعامة المعتزلة، وجماعة من الفقهاء، وهو رواية الشافعي: ~~أنها حقيقة الندب. # وقال الأشعري والقاضي: بالوقف، فقيل: إنهما توقفا في أنه موضوع للوجوب ~~والندب، وقيل توقفا بأن قالا: لا ندري بما هو حقيقة فيه أصلا. PageV01P247 # وحكى السعد في "التلويح"1 عن الغزالي، وجماعة من المحققين، أنهم ذهبوا ~~إلى الوقف في تعيين المعنى الموضوع له حقيقة، وحكى أيضا عن ابن سريج الوقف ~~في تعيين المعنى المراد عند الاستعمال، لا في تعيين الموضوع له عنده؛ لأنه ~~موضوع عنده بالاشتراك للوجوب والندب، والإباحة والتهديد. # وقيل: أنها مشتركة بين الوجوب والندب اشتراكا لفظيا، وهو قول الشافعي في ~~رواية عنه. # وقيل: إنها مشتركة اشتراكا لفظيا بين الوجوب والندب والإباحة. # وقيل: إنها موضوعة للقدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو الطلب: أي ترجيح ~~الفعل على الترك، ونسبه شارح التحرير2 إلى أبي منصور الماتريدي3 ومشايخ ~~سمرقند. # وقيل: إنها للقدر المشترك بين الوجوب والندب، والإباحة، وهو الإذن برفع ~~الحرج عن الفعل، وبه قال المرتضي من الشيعة. # وقال جمهور الشيعة: إنها مشتركة بين الثلاثة المذكورة والتهديد. # استدل القائلون بأنها حقيقة في الوجوب لغة وشرعا كما ذهب إليه الجمهور، ~~أو شرعا فقط كما ذهب إليه البلخي4، وأبو عبد الله البصري، والجويني وأبو ~~طالب بدليل العقل والنقل. # أما العقل، فإنا نعلم من أهل اللغة، قبل ورود الشرع أنهم أطبقوا على ذم ~~عبد لم يمتثل أمر سيده، وأنهم يصفونه بالعصيان ولا يذم ويوصف بالعصيان إلا ~~من كان تاركا لواجب عليه، وأما المنقول ms180 فقد تكرر استدلال السلف بهذه الصيغة ~~مع تجردها عن القرائن على الوجوب. وشاع ذلك وذاع بلا نكير. فأوجب العلم ~~العادي باتفاقهم "على أنه له"*. # واعترض: بأن استدلالهم بها على الوجوب كان في صيغ من الأمر محتفة بقرائن ~~الوجوب، بدليل استدلالهم بكثير منها على الندب PageV01P248 # وأجيب: بأن استدلالهم منها على الندب إنما كان بقرائن صارفة عن المعنى ~~الحقيقي وهو الوجوب، معينة للمعنى المجازي وهو الندب، علمنا ذلك باستقراء ~~الواقع منهم في الصيغ المنسوب إليها الوجوب، والصيغ المنسوب إليها الندب في ~~الكتاب والسنة، وعلمنا بالتتبع أن فهم الوجوب لا يحتاج إلى قرينة لتبادره ~~إلى الذهن بخلاف فهم الندب فإنه يحتاج إليها. # واعترض على هذا الدليل أيضا بأنه استدلال بالدليل الظني في الأصول؛ لأنه ~~إجماع سكوتي مختلف في حجيته كما تقدم1، ولا يستدل بالأدلة الظنية في ~~الأصول. # وأجيب: بأنه لو سلم كون ذلك الدليل ظنيا لكفى في الأصول، وإلا تعذر العمل ~~بأكثر الظواهر؛ لأنها لا تفيد إلا الظن، والقطع لا سبيل إليه، كما لا يخفى ~~على من تتبع مسائل الأصول. وأيضا نحن نقطع بتبادر الوجوب من الأوامر ~~المجردة عن القرائن الصارفة، وذلك يوجب القطع به لغة وشرعا. # واستدلوا أيضا بقوله تعالى لإبليس: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} 2 وليس ~~المراد منه الاستفهام بالاتفاق، بل الذم، وأنه لا عذر له في الإخلال ~~بالسجود بعد ورود الأمر به له في ضمن قوله سبحانه للملائكة: {اسجدوا لآدم ~~فسجدوا إلا إبليس} 3 فدل ذلك على أن معنى الأمر المجرد عن القرائن الوجوب، ~~ولو لم يكن دالا على الوجوب لما ذمه الله سبحانه وتعالى على الترك، ولكان ~~لإبليس أن يقول: إنك ما ألزمتني السجود. # واستدلوا أيضا بقوله تعالى: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} 4 فذمهم على ~~ترك فعل ما قيل لهم افعلوه، ولو كان الأمر يفيد الندب لما حسن هذا الكلام، ~~كما أنه لو قال لهم: الأولى أن تفعلوا ويجوز لكم تركه فإنه ليس له أن يذمهم ~~على تركه. # واعترض على هذا: بأنه سبحانه وتعالى إنما ms181 ذمهم لأنهم لم يعتقدوا حقية ~~الأمر، لا لأنهم تركوا المأمور به، والدليل عليه قوله: {ويل يومئذ ~~للمكذبين} 5. # وأيضا فصيغة افعل قد تفيد الوجوب عند اقتران بعض القرائن بها، فلعله ~~سبحانه وتعالى إنما ذمهم لأنه "كان قد"* وجدت قرينة دالة على الوجوب. ~~PageV01P249 # وأجيب عن الاعتراض الأول بأن المكذبين في قوله: {ويل يومئذ للمكذبين} إما ~~أن يكونوا هم الذين تركوا الركوع لما قيل لهم اركعوا أو غيرهم، فإن كان ~~الأول جاز أن يستحقوا الذم بترك الركوع، والويل بسبب التكذيب، وإن "كان"* ~~الثاني لم يكن إثبات الويل للإنسان بسبب التكذيب منافيا لثبوت الذم لإنسان ~~آخر بسبب تركه للمأمور به. # وأجيب عن الاعتراض الثاني: بأن الله سبحانه وتعالى إنما ذمهم لمجرد أنهم ~~تركوا الركوع لما قيل لهم اركعوا. فدل على أن منشأ الذم هذا القدر لا ~~القرينة. # واستدلوا أيضا بقوله سبحانه: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} 1 أي يعرضون ~~عنه بترك مقتضاه: {أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} لأنه رتب على ترك ~~مقتضى أمره إصابة الفتنة في الدنيا أو العذاب الأليم في الآخرة، فأفادت ~~الآية بما تقتضيه إضافة الجنس من العموم أن لفظ الأمر يفيد الوجوب شرعا، مع ~~تجرده عن القرائن؛ إذ لولا ذلك لقبح التحذير. # واستدلوا أيضا بقوله تعالى: {أفعصيت أمري} 2 أي تركت مقتضاه، فدل على أن ~~تارك المأمور به عاص، وكل عاص متوعد، وهو دليل الوجوب لهذه الآية، ولقوله ~~تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم} 3، والأمر الذي أمره به هو ~~قوله تعالى: {اخلفني في قومي} 4 وهو أمر مجرد عن القرائن. # واعترض على هذا بأن السياق لا يفيد ذلك. # وأجيب: بمنع كونه لا يفيد ذلك. # واستدلوا أيضا بقوله سبحانه: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة} 5 والقضاء بمعنى الحكم و"أمرا" مصدر من ~~غير لفظه، أو حال، أو تمييز، ولا يصح أن يكون المراد بالقضاء ما هو المراد ~~في قوله: {فقضاهن سبع سماوات} 6؛ لأن عطف الرسول عليه يمنع ذلك، فتعين ms182 أن ~~المراد الحكم، والمراد من الأمر القول لا الفعل. PageV01P250 # واستدلوا أيضا بقوله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون} 1 والمراد منه الأمر حقيقة، وليس بمجاز عن سرعة الإيجاد كما قيل، ~~وعلى هذا يكون الوجود مرادا بهذا الأمر، أي: أراد الله أنه كلما وجد الأمر ~~يوجد المأمور به، فكذا في كل أمر من الله تعالى، ومن رسوله صلى الله عليه ~~وسلم. # واستدلوا أيضا بما صح عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: "لولا أن أشق على ~~أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" 2 وكلمة "لولا" تفيد انتفاء الشيء لوجود ~~غيره "فههنا"* تفيد انتفاء الأمر لوجود المشقة. فهذا الحديث يدل على أنه لم ~~يوجد الأمر بالسواك عند كل صلاة، والإجماع قائم على أنه مندوب، فلو كان ~~المندوب مأمورا به لكان الأمر قائما عند كل صلاة. فلما لم يوجد الأمر علمنا ~~أن المندوب غير مأمور به. واعترض على هذا الاستدلال: بأنه لم لا يجوز أن ~~يقال: إن مراده لأمرتهم على وجه يقتضي الوجوب بقرائن تدل عليه لا مجرد ~~الأمر. # ورد بأن كلمة "لولا" دخلت على الأمر، فوجب أن لا يكون الأمر حاصلا، ~~والندب حاصل فوجب أن لا يكون الندب أمرا، والإلزام التناقض والمراد مجرد ~~الأمر. # واستدلوا أيضا بما وقع في قصة بريرة لما رغبها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الرجوع إلى زوجها، فقالت: أتأمرني بذلك؟ فقال: "لا، إنما أنا شافع" ~~3 فنفى صلى الله عليه وسلم الأمر منه، مع ثبوت الشفاعة الدالة على الندب، ~~وذلك يدل على أن المندوب غير مأمور به، وإذا كان كذلك وجب أن لا يتناول ~~الأمر الندب. # واستدلوا أيضا بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يستدلون بالأوامر على ~~الوجوب، ولم يظهر مخالف منهم، ولا من غيرهم في ذلك فكان إجماعا. ~~PageV01P251 # واستدلوا أيضا بأن لفظ "افعل" إما أن يكون حقيقة في الوجوب فقط، أو في ~~الندب فقط، أو في غيرهما، والأقسام الثلاثة الآخرة باطلة، فتعين الأول لأنه ~~لو كان للندب فقط لما كان ms183 الواجب مأمورا به فيمتنع أن يكون الأمر للندب ~~فقط، ولو كان لما لزم الجمع بين الراجح فعله مع جواز تركه، وبين الراجح ~~فعله مع المنع من تركه والجمع بينهما محال، ولو كان حقيقة في غيرهما لزم أن ~~يكون الواجب والمندوب غير مأمور بهما، وأن يكون الأمر حقيقة فيما لا ~~"ترجيح"* فيه وهو باطل، ومعلوم أن الأمر يفيد رجحان الوجود على العدم، وإذا ~~كان كذلك وجب أن يكون مانعا من الترك. # واستدل القائلون بأنها حقيقة في الندب بما في الصحيحين وغيرهما من حديث ~~أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما نهيتكم عنه ~~فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما هلك الذين من قبلكم من ~~كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" 1 فرد ذلك إلى مشيئتنا وهو معنى ~~الندب. # وأجيب عن هذا: بأنه دليل للقائلين بالوجوب لا للقائلين بالندب؛ لأن ما لا ~~نستطيعه لا يجب علينا؛ وإنما يجب علينا ما نستطيعه، والمندوب لا حرج في ~~تركه مع الاستطاعة. # واحتجوا أيضا: بأنه لا فرق بين قول القائل لعبده اسقني "وقوله"** أريد أن ~~تسقيني "فإن أهل اللغة يفهمون من أحدهما ما يفهمون من الآخر. وأجيب عنه: ~~بأن قوله: اسقني يفيد طلب، الفعل مع الإرادة، بخلاف قوله: أن تسقيني"*** ~~فليس إلا مجرد الإخبار بكونه مريدا للفعل وليس فيه طلب للفعل، وهذا أشف ما ~~احتجوا به مع كونه مدفوعا بما سمعت، وقد احتجوا بغير ذلك مما لا يفيد شيئا. # واحتج القائلون بأن صيغة الأمر مشتركة بين الوجوب والندب، أو بينهما وبين ~~الإباحة اشتراكا لفظيا بأنه قد ثبت إطلاقها عليهما، أو عليها، والأصل في ~~الإطلاق الحقيقة. # وأجيب بما تقدم، من أن المجاز أولى من الاشتراك، وأيضا كان يلزم أن تكون ~~الصيغة PageV01P252 # حقيقة في جميع معاني الأمر التي سيأتي1 بيانها لأنه قد أطلق عليها ولو ~~نادرا ولا قائل بذلك. # واحتج القائلون بأن الصيغة موضوعة لمطلق الطلب: بأنه قد ثبت الرجحان في ~~المندوب، كما ثبت في الواجب، وجعلها للوجوب بخصوصه لا دليل عليه. ms184 # وأجيب: بأنه قد دل الدليل عليه كما تقدم في أدلة القائلين بالوجوب، وأيضا ~~ما ذكروه هو إثبات اللغة بلوازم الماهيات، وذلك أنهم جعلوا الرجحان لازما ~~للوجوب والندب، وجعلوا صيغة الأمر لهما بهذا الاعتبار، واللغة لا تثبت ~~بذلك. # واحتج القائلون بالوقف، بأنه لو ثبت تعيين الصيغة لمعنى من المعاني لثبت ~~بدليل ولا دليل. # وأجيب: بأن الدليل قد دل على تعيينها باعتبار المعنى الحقيقي للوجوب كما ~~قدمنا2. # وإذا تقرر لك هذا عرفت أن الراجح ما ذهب إليه القائلون بأنها حقيقة في ~~الوجوب، فلا تكون لغيره من المعاني إلا بقرينة لما ذكرناه3 من الأدلة، ومن ~~أنكر استحقاق العبد المخالف لأمر سيده للذم، وأنه يطلق عليه بمجرد هذه ~~المخالفة اسم العصيان، فهو مكابر ومباهت، فهذا يقطع النزاع باعتبار العقل. # وأما باعتبار ما ورد في الشرع وما ورد من حمل أهله للصيغ المطلقة من ~~الأوامر على الوجوب ففيما ذكرناه سابقا ما يغني عن التطويل، ولم يأت من ~~خالف هذا بشيء يعد به أصلا. PageV01P253 ### | صيغ الأمر ومعانيه # واعلم أن هذا النزاع إنما هو في المعنى الحقيقي للصيغة كما عرفت، وأما ~~مجرد استعمالها فقد تستعمل في معان كثيرة، قال الرازي في "المحصول": قال ~~الأصوليون: صيغة افعل مستعملة في خمسة عشر وجها: # للإيجاب كقوله تعالى: {أقيموا الصلاة} 1. # وللندب كقوله: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} 2، ويقرب منه التأديب كقوله ~~صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "كل مما يليك" 3؛ فإن الأدب مندوب إليه وإن ~~كان قد جعله بعضهم قسما مغايرا PageV01P253 # للمندوب. # وللإرشاد كقوله: {واستشهدوا} 1 {فاكتبوه} 2. # والفرق بين الندب والإرشاد أن الندب لثواب الآخرة، والإرشاد لمنافع ~~الدنيا، فإنه لا ينتقص الثواب بترك الاستشهاد في المداينات ولا يزيد بفعله. # وللإباحة مثل قوله تعالى: {كلوا واشربوا} 3. # وللتهديد مثل: {اعملوا ما شئتم} 4، {واستفزز من استطعت} 5، ويقرب منه ~~الإنذار كقوله تعالى: {قل تمتعوا} 6 وإن كان قد جعلوه قسما آخر. # وللامتنان مثل: {فكلوا مما رزقكم الله} 7. # وللإكرام: {ادخلوها بسلام آمنين} 8. # وللتسخير: {كونوا قردة} 9. # وللتعجيز: {فأتوا بسورة من مثله} 10. # وللإهانة: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} ms185 11. # وللتسوية: {فاصبروا أو لا تصبروا} 12. # وللدعاء: {رب اغفر لي} 13. # وللتمني كقول الشاعر: "ألا أيها الليل الطويل ألا انجل"14. PageV01P254 # وللاحتقار كقوله تعالى: {ألقوا ما أنتم ملقون} 1. # وللتكوين: {كن فيكون} 2 انتهى. # فهذه خمسة عشر معنى، ومن جعل التأديب والإنذار معنيين مستقلين جعلها سبعة ~~عشر معنى، وجعل بعضهم من المعاني الإذن نحو قوله تعالى: {كلوا من الطيبات} ~~3، والخبر نحو: {فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا} 4، والتفويض نحو: {فاقض ما ~~أنت قاض} 5 والمشورة كقوله: {فانظر ماذا ترى} 6، والاعتبار نحو: {انظروا ~~إلى ثمره إذا أثمر} والتكذيب نحو: {قل هاتوا برهانكم} 8، والالتماس كقولك ~~لنظيرك: "افعل". والتلهيف9 نحو: {قل موتوا بغيظكم} 10 والتصبير نحو: {فذرهم ~~يخوضوا ويلعبوا} 11 فتكون جملة المعاني ستة وعشرين معنى. PageV01P255 ### | الفصل الرابع: هل الأمر يفيد تكرار أم لا # ... # الفصل الرابع: هل الأمر يفيد التكرار أم لا # ذهب جماعة من المحققين إلى أن صيغة الأمر باعتبار الهيئة الخاصة موضوعة ~~لمطلق الطلب، من غير إشعار بالوحدة والكثرة، واختاره الحنفية، والآمدي، ~~وابن الحاجب، والجويني، والبيضاوي. # قال السبكي: وأراه رأي أكثر أصحابنا، يعني الشافعية، واختاره أيضا من ~~المتعزلة أبو الحسين البصري، وأبو الحسن الكرخي قالوا جميعا: إلا أنه لا ~~يمكن تحصيل المأمور به بأقل من # PageV01P255 # مرة فصارت المرة من ضروريات الإتيان بالمأمور به، لا أن الأمر يدل عليها ~~بذاته. # وقال جماعة: إن صيغة الأمر تقتضي المرة الواحدة لفظا، وعزاه الأستاذ أبو ~~إسحاق الإسفراييني إلى أكثر الشافعية، وقال: إنه مقتضى كلام الشافعي، وإنه ~~الصحيح الأشبه بمذاهب العلماء وبه قال أبو علي الجبائي وأبو هاشم، وأبو عبد ~~الله البصري، وجماعة من قدماء الحنفية، وقال جماعة: إنها تدل على التكرار ~~مدة العمر مع الإمكان، وبه قال أبو إسحاق الشيرازي، والأستاذ أبو إسحاق ~~الإسفراييني، وجماعة من الفقهاء والمتكلمين، وإنما قيدوه بالإمكان لتخرج ~~أوقات ضروريات الإنسان. # وقال الغزالي في "المستصفى": إن مرادهم من التكرار العموم، قال أبو زرعة: ~~يحتمل أنهم أرادوا التكرار المستوعب لزمان العمر، وهو كذلك عند القائل لكن ~~بشرط الإمكان دون أزمنة قضاء الحاجة والنوم وضروريات الإنسان ويحتمل أنهم ~~أرادوا ms186 ما ذهب إليه بعض الحنفية والشافعية من أن الصيغة المقتضية للتكرار ~~هي المعلقة على شرط أو صفة. # وقيل: إنها للمرة، وتحتمل التكرار وهذا مروي عن الشافعي. # وقيل: بالوقف، واختلف في تفسير معنى هذا الوقف، فقيل: المراد منه لا ندري ~~أوضع للمرة أو للتكرار أو للمطلق، وقيل المراد منه لا يدري مراد المتكلم ~~للاشتراك بينها، وبه قال القاضي أبو بكر وجماعة وروي عن الجويني. # احتج الأولون بإطباق أهل العربية على هيئة الأمر لا دلالة لها إلا على ~~الطلب في خصوص زمان وخصوص المطلوب من قيام وقعود، وغيرهما إنما هو من ~~المادة ولا دلالة لها إلا على مجرد الفعل فحصل من مجموع الهيئة والمادة أن ~~تمام مدلول الصيغة هو طلب الفعل فقط والبراءة بالخروج عن عهدة الأمر تحصل ~~بفعل المأمور به مرة واحدة لتحقق ما هو المطلوب بإدخاله في الوجود بها، ~~ولهذا يندفع ما احتج به من قال: إنها للمرة حيث قال: إن الامتثال يحصل ~~بالمرة فيكون لها، وذلك لأن حصوله بها لا يستدعي اعتبارها جزءا من مدلول ~~الأمر لأن ذلك حاصل على تقدير الإطلاق كما عرفت. # واحتج الأولون أيضا بأن مدلول الصيغة طلب حقيقة الفعل، والمرة والتكرار ~~خارجان عن حقيقته فوجب أن يحصل الامتثال به في أيهما وجد ولا يتقيد ~~بأحدهما. # واعترض على هذا: بأنه استدلال بمحل النزاع، فإن منهم من يقول: هي الحقيقة ~~المقيدة بالمرة، ومنهم من يقول: هي الحقيقة المقيدة بالتكرار. واحتجوا أيضا ~~بأن المرة والتكرار من صفات الفعل، كالقلة والكثرة، ولا دلالة للموصوف على ~~الصفة المعينة منهما. # PageV01P256 # واعترض على هذا بأنه إنما يقتضي انتفاء دلالة المادة على المرة والتكرار، ~~والكلام في الصيغة هل هي تدل على شيء منهما أم لا؟ واحتمال الصيغة لهما لا ~~يمنع ظهور أحدهما، والمدعي إنما هو للدلالة ظاهرا لا نصا. # "واحتج"* القائلون بالتكرار: أنه تكرر المطلوب في النهي فعم الأزمان فوجب ~~التكرار في الأمر لأنهما طلب. # وأجيب: بأن هذا قياس في اللغة وقد تقرر بطلانه. # وأجيب أيضا: بالفرق بينهما لأن النهي لطلب الترك ولا ms187 يتحقق إلا بالترك، ~~في كل الأوقات والأمر لطلب الإتيان بالفعل وهو يتحقق بوجوده مرة. # واعترض على هذا: بأنه مصادرة على المطلوب؛ لأن كون إثباته يحصل بمرة هو ~~عين النزاع إذ المخالف يقول هو للتكرار لا للمرة. # وأجيب عن أصل التكرار: بأنه يستلزم المنع من فعل غير المأمور به؛ لأنه ~~يستغرق جميع الأوقات ومن ضروريات البشر أنه يشغله شأن عن شأن آخر، فيتعطل ~~عما سواه مما هو مأمور به وعن مصالح دينه ودنياه بخلاف النهي فإن دوام ~~الترك لا يشغله عن شيء من الأفعال، واعترض على هذا بأن النزاع إنما هو في ~~مدلول الصيغة هل تدل على التكرار أم لا؟ وإرادة المتكلم التكرار لا تستلزم ~~كون التكرار مدلولا للصيغة فيجوز أن يكون اللفظ دالا على التكرار لكن ~~المتكلم لا تتعلق به إرادته. # واستدل القائلون بالتكرار أيضا بأن الأمر نهي عن أضداده، وهي كل ما لا ~~يجتمع مع المأمور به ومنها تركه، وهو أي النهي يمنع من المنهي عنه دائما ~~فيتكرر الأمر في المأمور به إذ لو لم يتكرر واكتفي بفعله مرة في وقت واحد ~~لم يمنع من أضداده في سائر الأوقات. # وأجيب: بأن تكرر النهي الذي تضمنه الأمر فرع تكرر الأمر فإثبات تكرر ~~الأمر بتكرر النهي دور لتوقف كل من التكرارين على الآخر. # واحتج من قال: بأنه يتكرر إذا كان معلقا على شرط أو صفة، بأنه قد تكرر في ~~نحو قوله: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} 1. # وأجيب: بأن الشرط هنا علة، فيتكرر المأمور به بتكررها اتفاقا، ضرورة تكرر ~~المعلول بتكرر علته، والنزاع إنما هو في دلالة الصيغة مجردة. PageV01P257 # قال الرازي في "المحصول": أن صيغة "افعل" لطلب إدخال ماهية المصدر في ~~الوجود، فوجب أن لا تدل على التكرار، بيان الأولى: أن المسلمين أجمعوا على ~~أن أوامر الله تعالى منها ما جاء على التكرار كما في قوله تعالى: {وأقيموا ~~الصلاة} 1 ومنها ما جاء على غير التكرار، كما في الحج وفي حق العباد أيضا ~~قد لا يفيد التكرار، فإن السيد إذا أمر عبده بدخول ms188 الدار أو بشراء اللحم لم ~~يعقل منه التكرار، ولو ذمه السيد على ترك التكرار للأمة العقلاء، ولو كرر ~~العبد الدخول حسن من السيد أن يلومه، ويقول له إني أمرتك بالدخول، وقد دخلت ~~فيكفي ذلك وما "أمرتك"* بتكرار الدخول، وقد يفيد التكرار فإنه إذا قال: ~~احفظ دابتي فحفظها ثم أطلقها يذم. # إذا ثبت هذا فنقول: الاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فلا بد من جعل اللفظ ~~حقيقة في القدر المشترك بين الصورتين، وما ذلك إلا طلب إدخال ماهية المصدر ~~في الوجوه وإذا ثبت ذلك، وجب أن لا يدل على التكرار لأن اللفظ الدال على ~~القدر المشترك بين الصورتين المختلفتين لا دلالة فيه على ما به تمتاز إحدى ~~الصورتين عن الأخرى لا بالوضع ولا بالاستلزام, والأمر لا دلالة فيه ألبتة ~~على التكرار، ولا على المرة الواحدة به على طلب الماهية من حيث هي هي إلا ~~أنه لا يمكن إدخال تلك الماهية في الوجود بأقل من المرة الواحدة فصارت ~~المرة الواحدة من "ضرورات"** الإتيان بالمأمور به، فلا جرم دل على المرة ~~الواحدة من هذا الوجه ثم أطال الكلام استدلالا للمذهب الأول ودفعا لحجج ~~المذاهب الآخرة "بما"*** قد تقدم حاصل معناه. # وإذا عرفت جميع ما حررناه تبين أن القول الأول هو الحق الذي لا محيص عنه ~~وأنه لم يأت أهل الأقوال المخالفة له بشيء يعتد به. # هذا إذا كان الأمر مجردا عن التعليق بعلة أو صفة أو شرط. # أما إذا كان معلقا بشيء من هذه فإن كان معلقا على علة فقد وقع الإجماع ~~على وجوب اتباع العلة وإثبات الحكم بثبوتها فإذا تكررت تكرر، وليس التكرار ~~مستفادا ههنا من الأمر وإن كان معلقا على شرط أو صفة، فقد ذهب كثير ممن قال ~~إن الأمر لا يفيد التكرار إلى أنه مع هذا التعليق يقتضي التكرار و"لكن"**** ~~لا من حيث الصيغة، بل من حيث التعليق لها على ذلك PageV01P258 # الشرط، أو الصفة، إن كان في الشرط أو الصفة ما يقتضي ذلك "أما لو لم يكن ~~فيها ما يقتضي ذلك"* "فلا ms189 تكرار"**، وإلا فلا تكرار كقول السيد لعبده: اشتر ~~اللحم إن دخلت السوق، وقول الرجل لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، وكذا ~~لو قال: أعط الرجل العالم درهما أو اعط الرجل الفقير درهما. # والحاصل: أنه لا دلالة للصيغة على التكرار إلا بقرينة تفيد وتدل عليه، ~~فإن حصلت حصل التكرار وإلا فلا يتم استدلال المستدلين على التكرار بصورة ~~خاصة اقتضى الشرع أو اللغة أن الأمر فيها يفيد التكرار؛ لأن ذلك خارج عن ~~محل النزاع وليس النزاع إلا في مجرد دلالة الصيغة مع عدم القرينة، فالتطويل ~~في مثل هذا المقام بذكر الصور التي ذكرها أهل الأصول لا يأتي بفائدة. ~~PageV01P259 ### | الفصل الخامس: هل يقتضي الأمر الفور أم لا # اختلف في الأمر هل يقتضي الفور أم لا؟ فالقائلون "إنه"* يقتضي التكرار ~~يقولون: بأنه يقتضي الفور؛ لأنه يلزم القول بذلك مما لزمهم من استغراق ~~الأوقات بالفعل المأمور على ما مر، وأما من عداهم فيقولون المأمور به لا ~~يخلو إما أن يكون مقيدا بوقت يفوت الأداء بفواته، أو لا وعلى الثاني يكون ~~لمجرد الطلب فيجوز التأخير على وجه لا يفوت المأمور به، وهذا هو الصحيح عند ~~الحنفية، وعزي إلى الشافعي وأصحابه، واختاره الرازي والآمدي وابن الحاجب ~~والبيضاوي. # قال ابن برهان: لم ينقل عن أبي حنيفة والشافعي نص، وإنما فروعهما تدل على ~~ذلك. # قال في "المحصول": والحق أنه موضوع لطلب الفعل، وهو القدر المشترك بين ~~طلب الفعل على الفور وطلبه على التراخي من غير أن يكون في اللفظ إشعار ~~بخصوص كونه فورا أو تراخيا. انتهى. # وقيل: إنه يقتضي الفور، فيحب الإتيان به في أول أوقات الإمكان للفعل ~~المأمور به، وعزي إلى المالكية والحنابلة وبعض الحنفية والشافعية، وقال ~~القاضي: الأمر يوجب إما الفور أو العزم على الإتيان به في ثاني الحال. ~~PageV01P259 # وتوقف الجويني في أنه باعتبار اللغة للفور أو التراخي قال: فيمتثل ~~المأمور بكل من الفور والتراخي لعدم رجحان أحدهما على الآخر مع التوقف في ~~إثمه بالتراخي لا بالفور لعدم احتمال وجوب التراخي، وقيل بالوقف في ~~الامتثال، أي لا ms190 ندري هل يأثم إن بادر أو إن أخر لاحتمال وجوب التراخي. # استدل القائلون بالتكرار المستلزم لاقتضاء الفور بما تقدم في الفصل الذي ~~قبل هذا، وقد تقدم1 دفعه. # واحتج من قال: بأنه في غير المقيد بوقت لمجرد الطلب بما تقدم2 أيضا، من ~~أن دلالته لا تزيد على مجرد الطلب بفور أو تراخي لا بحسب المادة، ولا بحسب ~~الصيغة لأن هيئة الأمر لا دلالة لها إلا على الطلب في خصوص زمان، وخصوص ~~المطلوب من المادة، ولا دلالة لها إلا على مجرد الفعل فلزم أن تمام مدلول ~~الصيغة طلب الفعل فقط، وكونها دالة على الفور، أو التراخي خارج عن مدلوله، ~~وإنما يفهم ذلك بالقرائن فلا بد من جعلها حقيقة للقدر المشترك بين القسمين ~~دفعا للاشتراك والمجاز والموضوع لإفادة القدر المشترك بين القسمين لا يكون ~~فيه إشعار بخصوصية أحدهما على التعيين؛ لأن تلك الخصوصية مغايرة لمسمى ~~اللفظ وغير لازمة "له"* فثبت أن اللفظ لا إشعار له بخصوص كونه فورا ولا ~~بخصوص كونه تراخيا. # واحتجوا أيضا بأنه يحسن من السيد أن يقول لعبده: افعل الفعل الفلاني في ~~الحال، أو غدا، ولو كان كونه فورا داخلا في لفظ "افعل" لكان الأول تكرارا ~~والثاني نقضا وأنه غير جائز. # واحتجوا أيضا بأن أهل اللغة قالوا: لا فرق بين قولنا: تفعل وبين قولنا ~~افعل إلا أن الأول خبر3 والثاني إنشاء4، لكن قولنا تفعل لا إشعار له بشيء ~~من الأوقات فإنه يكفي في صدقه الإتيان به في أي وقت كان فكذلك الأمر، وإلا ~~لكان بينهما فرق سوى كون أحدهما خبرا والثاني إنشاء. # واحتج القائلون بالفور: بأن كل مخبر بكلام خبري كزيد قائم، ومنشئ كبعت ~~وطالق، يقصد الحاضر عند الإطلاق عن القرائن حتى يكون موجودا للبيع والطلاق ~~بما ذكر، فكذا الأمر PageV01P260 # والجامع بينه وبين الخبر كون كل منهما من أقسام الكلام، وبينه وبين سائر ~~الإنشاءات التي يقصد بها الحاضر كون كل منها إنشاء. # وأجيب: بأن ذلك قياس في اللغة؛ لأنهم قاسوا الأمر في إفادته الفور على ~~الخبر والإنشاء للجامع المذكور، وهو ms191 مع اتحاد الحكم غير جائز فكيف مع ~~اختلافه فإنه في الخبر والإنشاء تعين الزمان الحاضر "للظرفية"* ويمتنع ذلك ~~في الأمر لأن الحاصل لا يطلب. # واحتجوا ثانيا: بأن النهي يفيد الفور فكذا الأمر، والجامع بينهما كونهما ~~طلبا. # وأجيب: بأنه قياس في اللغة وقد تقدم1 بطلانه. # وأيضا: الفور في النهي ضروري؛ لأن المطلوب الترك مستمرا على ما مر، بخلاف ~~الأمر. # وأيضا: المطلوب بالنهي وهو "الامتثال إنما يحصل بالفور، فالفور يثبت ~~بضرورة"** الامتثال "لا أنه"*** يفيد الفور، فالمراد أن الفور ضروري في ~~الامتثال للنهي. # واحتجوا ثالثا: بأن الأمر نهي عن الأضداد، والنهي للفور فيلزم أن يكون ~~الأمر للفور. # وأجيب بما تقدم من الدفع بمثل هذا في الفصل الذي قبل هذا. # واحتجوا رابعا: بأن الله ذم إبليس على عدم الفور بقوله: {ما منعك ألا ~~تسجد إذ أمرتك} 2، حيث قال: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا} 3 فدل ~~على أنه للفور، وإلا لما استحق الذم لأنه لم يتضيق عليه. # وأجيب عن هذا: بأن ذلك حكاية حال فلعله كان مقرونا بما يدل على الفور، ~~ولا يخفى ما في هذا الجواب من الضعف، فإنه لو كان مجرد التجويز مسوغا لدفع ~~الأدلة لم يبق دليل إلا وقيل فيه مثل ذلك. # وأجيب أيضا: بأن هذا الأمر لإبليس مقيد بوقت، وهو وقت نفخ الروح في آدم ~~بدليل قوله: # {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} 4 فذم إبليس على تركه ~~الامتثال للأمر في ذلك الوقت المعين. PageV01P261 # واحتجوا خامسا بقوله سبحانه: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} 1 وقوله تعالى: ~~{فاستبقوا الخيرات} 2. # وأجيب: بأن هاتين الآيتين لو دلتا على وجوب الفور لما فيهما من الأمر ~~بالمسارعة والاستباق، لم يلزم منه دلالة نفس الأمر على الفور. واحتجوا ~~سادسا: بأنه لو جاز التأخير لجاز إما إلى بدل أو "إلى"* غير بدل، والقسمان ~~باطلان، فالقول بجواز التأخير باطل. # أما فساد القسم الأول: فهو أن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل من كل ~~الوجوه فإذا أتى بهذا البدل وجب أن يسقط عنه التكليف وبالاتفاق ms192 ليس كذلك. # وأما فساد القسم الثاني: فذلك يمنع من كونه واجبا؛ لأنه يفهم من قولنا ~~ليس بواجب إلا أنه يجوز تركه إلى غير بدل. # وأجيب: باختيار الشق الأول، ويقوم البدل مقام المبدل في ذلك الوقت لا في ~~كل الأوقات فلا يلزم من الإتيان بالبدل سقوط الأمر بالمبدل. ورد بأنه إذا ~~كان مقتضى الأمر الإتيان بتلك الماهية مرة واحدة في أي وقت كان، فهذا البدل ~~قائم مقامه في هذا المعنى فقد حصل ما هو المقصود من الأمر بتمامه فوجب سقوط ~~الأمر بالكلية، وإنما يتم ما ذكروه من الجواب بتقدير اقتضاء الأمر للتكرار، ~~وهو باطل كما تقدم3. # واحتجوا سابعا: بأنه لو جاز التأخير لوجب أن يكون إلى وقت معين أو إلى ~~آخر أزمنة الإمكان، والأول منتف لأن الكلام في غير المؤقت، والثاني تكليف ~~ما لا يطلق لكونه غير معين عند المكلف، والتكليف بإيقاع الفعل في وقت مجهول ~~تكليف بما لا يطاق. # وأجيب بالنقض الإجمالي والنقض التفصيلي، أما الإجمالي فلجواز التصريح ~~بالإطلاق، بأن يقول الشارع افعل ولك التأجير فإنه جائز إجماعا، وما ذكرتم ~~من الدليل جار فيه، وأما التفصيل، فبأنه إنما يلزم تكليف ما لا يطاق بإيجاب ~~التأخير إلى آخر أزمنة الإمكان، أما جواز التأخير إلى وقت يعينه المكلف فلا ~~يلزم منه تكليف ما لا يطاق لتمكنه من الامتثال في أي وقت أراد إيقاع الفعل ~~فيه. PageV01P262 # واحتج القاضي لما ذهب إليه أنه ثبت في خصال الكفارة1 بأنه لو أتى بإحداها ~~أجزأ، ولو أخل بها عصى، وأن العزم يقوم مقام الفعل فلا يكون عاصيا إلا ~~بتركهما. # وأجيب: بأن الطاعة إنما هي بالفعل بخصوصه، فهو مقتضى الأمر؛ فوجوب العزم ~~ليس مقتضاه. # واستدل الجويني على ما ذهب إليه من الوقف بأن الطلب متحقق، والشك في جواز ~~التأخير فوجب الفور ليخرج عن العهدة بيقين. # واعترض عليه: بأن هذا الاستدلال لا يلائم ما تقدم له من التوقف في كون ~~الأمر للفور وأيضا وجوب المبادرة ينافي قوله المتقدم، حيث قال: أقطع بأن ~~المكلف مهما أتى بالمأمور به فهو موقع ms193 بحكم الصيغة للمطلوب. # واعتراض عليه أيضا: بأن التأخير لا نسلم أنه مشكوك فيه، بل التأخير جائز ~~حقا لما تقدم2 من الأدلة، فالحق قول من قال إنه لمطلق الطلب من غير تقييد ~~بفور ولا تراخ، ولا ينافي هذا اقتضاء بعض الأوامر للفور كقول القائل: اسقني ~~أطعمني فإنما ذلك من حيث إن مثل هذا الطلب يراد منه الفور فكان ذلك قرينة ~~على إرادته به، وليس النزاع في مثل هذا إنما النزاع في الأوامر المجردة عن ~~الدلالة على خصوص الفور أو التراخي كما عرفت. PageV01P263 ### | الفصل السادس: الأمر بالشيء نهي عن ضده # ذهب الجمهور من أهل الأصول، من الحنفية والشافعية والمحدثين إلى أن الشيء ~~المعين إذا أمر به، كان ذلك الأمر به نهيا عن الشيء المعين المضاد له سواء ~~كان الضد واحدا كما إذا أمره بالإيمان فإنه يكون نهيا عن الكفر، وإذا أمره ~~بالحركة فإنه يكون نهيا عن السكون، أو كان الضد متعددا كما إذا أمره ~~بالقيام فإنه يكون نهيا عن القعود والاضطجاع والسجود وغير ذلك، وقيل: ليس ~~نهيا عن الضد ولا يقتضيه عقلا، واختاره الجويني والغزالي وابن الحاجب، وقيل ~~إنه نهي عن واحد من الأضداد غير معين وبه قال جماعة من الحنفية والشافعية، # PageV01P263 # والمحدثين، ومن هؤلاء القائلين بأنه نهي عن الضد من عمم فقال: إنه نهي عن ~~الضد في الأمر الإيجابي والأمر الندبي، ففي الأول نهي تحريم، وفي الثاني ~~نهي كراهة، ومنهم من خصص ذلك بالأمر الإيجابي دون الندبي، ومنهم أيضا من ~~جعل النهي عن الشيء أمرا بضده كما جعل الأمر بالشيء نهيا عن ضده، ومنهم من ~~اقتصر على كون الأمر بالشيء نهيا عن ضده، وسكت عن النهي وهذا معزو إلى ~~الأشعري ومتابعيه. واتفق المعتزلة على أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده، ~~والنهي عن الشيء ليس أمرا بضده؛ وذلك لنفيهم الكلام النفسي، ومع اتفاقهم ~~على هذا النفي أي نفي كون كل واحد منهما عينا لإثبات ضده أو نفيه اختلفوا ~~هل يوجب كل من الصيغتين حكما في الضد أم لا فأبو هاشم ومتابعوه ms194 قالوا: لا ~~يوجب شيء منهما حكما في الضد بل الضد مسكوت عنه، وأبو الحسين، وعبد الجبار ~~قالا: الأمر يوجب حرمة الضد، وفي عبارة أخرى عنهم يدل عليها، وفي عبارة ~~ثالثة عنهم يقتضيها. # وقال الرازي، والقاضي أبو زيد، وشمس الأئمة السرخسي، وصدر الإسلام1 ~~وأتباعهم من المتأخرين: الأمر يقتضي كراهة الضد، ولو كان إيجابا والنهي ~~يقتضي كون الضد سنة مؤكدة، ولو كان النهي تحريما. # وقال جماعة منهم صدر الإسلام، وشمس الأئمة وغيرهما: أن النزاع إنما هو في ~~أمر الفور لا التراخي، وفي الضد الوجودي المستلزم للترك لا في الترك، ~~قالوا: وليس النزاع في لفظ الأمر، والنهي بأن يقال للفظ الأمر نهي، وللفظ ~~نهي، وللفظ النهي أمر للقطع بأن الأمر موضوع بصيغة افعل والنهي موضوع بصيغة ~~لا تفعل، وليس النزاع أيضا "مفهومهما"* للقطع بأنهما متغايران، بل النزاع ~~في أن طلب الفعل الذي هو الأمر عين طلب ترك ضده الذي هو النهي "وفي أن"** ~~وطلب الترك الذي هو النهي عين طلب فعل ضده، الذي هو الأمر. "هكذا"***حرروا ~~محل النزاع. # وفائدة الخلاف في كون الأمر بالشيء نهيا عن ضده استحقاق العقاب بترك ~~المأمور به فقط، إذا قيل بأنه ليس نهيا عن ضده أو به وبفعل الضد إذا قيل ~~بأنه نهي عن فعل الضد؛ لأنه خالف أمرا ونهيا وعصى بهما وهكذا في النهي. ~~PageV01P264 # استدل القائلون بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده: بأنه لو لم يكن الأمر ~~بالشيء نهيا عن ضده، لكان إما مثله أو ضده أو خلافه، واللازم باطل بأقسامه، ~~أما الملازمة فلأن كل متغايرين إما أن يتساويا في صفات النفس، أو لا، ~~والمعنى بصفات النفس: ما لا يحتاج الوصف به إلى تعقل أمر زائد عليه ~~كالإنسانية للإنسان، والحقيقة والوجود بخلاف الحدوث، والتحيز فإن تساويا ~~فيها فهما مثلان كسوادين، أو بياضين وإلا فإما أن يتنافيا بأنفسهما، أي ~~يمتنع اجتماعهما في محل، واحد بالنظر إلى ذاتيهما أو لا، فإن تنافيا ~~بأنفسهما فضدان كالسواد والبياض، وإلا فخلافان كالسواد والحلاوة. # وأما انتفاء اللازم بأقسامه، فلأنهما لو كانا ضدين أو ms195 مثلين لم يجتمعا في ~~محل واحد وهما يجتمعان إذ جواز الأمر بالشيء والنهي عن ضده معا ووقوعه ~~ضروري، ولو كانا خلافين لجاز اجتماع كل واحد منهما مع ضد الآخر، ومع خلافه ~~لأن الخلافين حكمهما كذلك كما يجتمع السواد وهو خلاف الحلاوة مع الحموضة ~~ومع الرائحة، فكان يجوز أن يجتمع الأمر بالشيء مع ضد النهي عن ضده، وهو ~~الأمر بضده، وذلك محال لأنه يكون الأمر "بالشيء"* حينئذ طلب ذلك الشيء في ~~وقت طلب فيه عدمه. # وأجيب: بمنع كون لازم كل خلافين ذلك، أي جواز اجتماع كل مع ضد الآخر، ~~لجواز تلازمهما "على ما هو التحقيق من عدم اشتراط"** جواز الانفكاك في ~~المتغايرين كالجوهر1 مع العرض والعلة مع المعلول فلا يجامع أحد الخلافين ~~على تقدير تلازمهما الضد للآخر، وحينئذ فالنهي إذا ادعى كون الأمر إياه إذا ~~كان طلب ترك ضد المأمور به: اخترنا كونهما خلافين، ولا يجب اجتماع النهي ~~اللازم من الأمر مع ضد طلب المأمور به كما زعموا كالأمر بالصلاة والنهي عن ~~الأكل فإنهما خلافان، ولا يلزم من كونهما خلافين اجتماع الصلاة المأمور بها ~~مع إباحة الأكل "التي هي"*** ضد النهي عن الأكل. # واستدلوا أيضا: بأن فعل السكون عين ترك الحركة، وطلب فعل السكون طلب لترك ~~الحركة، وطلب تركها هي النهي. PageV01P265 # وأجيب: بأن النزاع على هذا يرجع لفظيا في تسمية فعل المأمور به تركا ~~لضده، وفي تسميته طلبه نهيا، فإن كان ذلك باعتبار اللغة فلم يثبت فيها ما ~~يفيده ذلك. # ورد بمنع كون النزاع لفظيا، بل هو في وحدة الطلب القائم بالنفس، بأن يكون ~~طلب الفعل عين طلب ترك ضده. # وأجيب ثانيا: بحصول القطع بطلب الفعل مع عدم خطور الضد، وإنما يتم ما ~~ذكروه من كون فعل السكون عين ترك الحركة فيما كان أحدهما ترك الآخر لا في ~~الأضداد الوجودية، فطلب ترك أحدهما لا يكون طلبا للمأمور به لأنه يتحقق ~~تركه في ضمن ضد آخر. # واستدل القائلون بأن الأمر بالشيء ليس نهيا عن "الضد"* ولا نقيضه. بأنه: ~~لو كان الأمر بالشيء ms196 عين النهي عن الضد ومستلزما له لزم تعقل الضد، والقطع ~~حاصل بتحقق الأمر بالشيء مع عدم خطور الضد على البال "وهكذا الكلام في ~~النهي"**. # واعترض "على هذا الاستدلال"*** بأن الذي لا يخطر بالبال من الأضداد إنما ~~هو الأضداد الجزئية، وليست مرادة للقائل بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده ~~والنهي عن الشيء أمر بضده، بل المراد الضد العام، وهو ما لا يجامع المأمور ~~به، وتعقله لازم للأمر والنهي؛ إذ طلب الفعل موقوف على العلم بعدمه لانتفاء ~~طلب الحاصل المعلوم حصوله، والعلم بالعدم ملزوم للعلم بالضد الخاص، والضد ~~الخاص ملزوم للضد العام، فلا بد من تعقل الضد العام في الأمر بالشيء، وكذلك ~~لا بد منه في النهي عن الشيء. # ولا يخفى ما في هذا الاعتراض من عدم التوارد، فإن شرط التوارد الذي هو ~~مدار الاعتراض كون مورد الإيجاب1 والسلب2 للمتخاصمين، بحيث يكون قول كل ~~منهما على طرف النقيض لقول الآخر، والمستدل إنما نفى خطور الضد الخاص على ~~الإطلاق فقول المعترض: إن الذي لا يخطر هو الأضداد الجزئية موافقة معه فيها ~~فلا تتحقق المناظرة بينهما باعتبار ذلك، نعم يجاب عنه بأن مراد المعترض من ~~ذلك بيان غلط المستدل من حيث إنه اشتبه عليه مراد القائل بأن الأمر بالشيء ~~نهي عن الضد، فزعم أن مراده الأضداد الجزئية، وليس كذلك، بل الضد العام، ~~ولا يصح نفي خطوره بالبال لما تقدم فحينئذ تنعقد المناظرة3 بينهما ويتحقق ~~التوارد PageV01P266 # وأيضا: هذا الاعتراض متناقض في نفسه، فإن قول المعترض: إن ما لا يخطر ~~بالبال هو الأضداد الجزئية، يناقض قوله: إن العلم بعدم الفعل ملزوم العلم ~~بالضد الخاص؛ لأن الإيجاب الجزئي1 نقيض السلب الكلي2 عند اتحاد النسبة. # وأجيب: بمنع توقف الأمر بالفعل على العمل بعدم التلبس بذلك الفعل في حال ~~الأمر به؛ لأن المطلوب مستقبل، فلا حاجة للطالب إلى الالتفات إلى ما في ~~الحال من وجود الفعل أو عدمه، ولو سلم توقف الأمر بالفعل على "الفعل"* بعدم ~~التلبس به فالكف عن الفعل المطلوب مشاهد محسوس، فقد تحقق ما توقف عليه ms197 ~~الأمر بالفعل من العلم بعدم التلبس به، ولا يستلزم شهود الكف "عن الفعل ~~المأمور به العلم بفعل ضد خاص لحصول شهود الكف"** بالسكون عن الحركة ~~اللازمة لمباشرة الفعل المأمور به، ولو سلم لزوم تعقل الضد في الجملة فمجرد ~~تعقله ليس ملزوما؛ لتعلق الطلب بتركه الذي هو معنى النهي عن الضد لجواز ~~الاكتفاء في الأمر بالشيء بمنع ترك الفعل المأمور به، فترك المأمور به ضد ~~له، وقد تعقل حيث منع عنه لكنه فرق بين المنع عن الترك وبين طلب الكف عن ~~الترك. # وتوضيحه: أن الآمر بفعل غير مجوز تركه، فقد يخطر بباله تركه من حيث إنه ~~لا يجوز ملحوظا بالتبع لا قصدا، وبهذا الاعتبار يقال منع تركه، ولا يقال ~~طلب الكف عن تركه؛ لأنه يحتاج إلى توجه قصدي. # واستدل القائلون بأن الأمر بالشيء يتضمن النهي عن ضده بأن أمر الإيجاب ~~طلب فعل يذم بتركه فاستلزم النهي عن تركه وعما يحصل الترك به، وهو الضد ~~للمأمور به فاستلزم الأمر المذكور النهي عن ضده. # واعترض على هذا الدليل: بأنه لو تم لزم تصور الكف عن الكف عن المأمور به ~~لكل أمر إيجاب، وتصور الكف عن الكف لازم لطلب الكف عن الكف، واللازم باطل ~~للقطع بطلب الفعل مع عدم خطور الكف عن الكف، ولو سلم تصور الكف عن الكف منع ~~كون الذم بالترك جزء الأمر الإيجابي أو لازم مفهومه لزوما عقليا، واستلزام ~~الأمر الإيجابي النهي عن تركه فرع كون PageV01P267 # الذم بالترك جزءا أو لازما. # وما قيل: من أنه لو سلم أن الأمر بالشيء متضمن للنهي عن ضده لزم أن لا ~~مباح؛ إذ ترك المأمور به وضده يعم المباحات، والمفروض أن الأمر يستلزم ~~النهي عنها والمنهي منه لا يكون مباحا، فغير لازم؛ إذ المراد من الضد ~~المنهي عنه الضد المفوت للأمر، وليس كل ضد مفوتا ولا كل مقدر من المباحات ~~ضدا مفوتا، كخطوة في الصلاة، وابتلاع ريقه، وفتح عينه ونحو ذلك، فإنها أمور ~~مغايرة بالذات للصلاة، وبهذا الاعتبار يطلق "عليها"* الضد للصلاة لكنها لا ~~تفوت ms198 الصلاة. # وزاد القائلون بأن النهي عن الشيء يتضمن الأمر بضده، كما أن الأمر بشيء ~~يتضمن النهي عن ضده دليلا آخر فقالوا: إن النهي طلب ترك فعل وتركه بفعل أحد ~~أضداده، فوجب أحد أضداده وهو الأمر؛ لأن ما لا يحصل الواجب إلا به واجب. # ودفع بأنه يلزم كون كل من المعاصي المضادة واجبا كالزنا، فإنه من حيث ~~كونه تركا للواط لكونه ضدا له يكون واجبا، ويكون اللواط من حيث كونه تركا ~~للزنا واجبا. # ودفع أيضا: بأنه يستلزم أن لا يوجد مباح؛ لأن كل مباح ترك المحرم وضد له. # فإن قيل: غاية ما يلزم وجوب أحد المباحات المضادة لا كلها، فيقال: إن ~~وجوب أحد الأشياء لا على التعيين، بحيث يحصل ما هو الواجب بأداء كل واحد ~~منها ينافي الإباحة كما في خصال الكفارة. # ودفع أيضا: بمنع وجوب ما لا يتم الواجب أو المحرم إلا به. # ورد بأنه لو لم يجب ما لا يتم الواجب أو المحرم إلا به لجاز تركه، وذلك ~~يستلزم جواز ترك المشروط في الواجب، وجواز فعل المشروط في المحرم بدون شرطه ~~الذي لا يتم إلا به. # واستدل المخصصون لأمر الإيجاب: بأن استلزام الذم للترك المستلزم ~~"للنهي"** إنما هو في أمر الوجوب. # واستدل القائل: بأن الأمر يقتضي كراهة الضد ولو إيجابا، والنهي يقتضي كون ~~الضد سنة مؤكدة بمثل ما استدل به القائلون: بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده إن ~~كان واحد وإلا فعن الكل، وأن النهي أمر بالضد المتحد وفي المتعدد بواحد غير ~~معين. # ويجاب عنه: بأن ذكر الكراهة في جانب الأمر، وذكر السنية في جانب النهي ~~يوجب الاختلاف بينهم. PageV01P268 # وإذا عرفت ما حررناه من الأدلة والردود "لها"* فاعلم: أن الأرجح في هذه ~~المسألة أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده بالمعنى الأعم، فإن اللازم ~~بالمعنى الأعم: هو أن يكون تصور الملزوم واللازم معا كافيا في الجزم ~~باللزوم، بخلاف اللازم بالمعنى الأخص فإن العلم بالملزوم هناك يستلزم العلم ~~باللازم، وهكذا النهي عن الشيء فإنه يستلزم الأمر بضده بالمعنى الأعم. ~~PageV01P269 ### | الفصل ms199 السابع: الإتيان بالمأمور به # اعلم أن الإتيان بالمأمور به على وجهه، الذي أمر به الشارع قد وقع الخلاف ~~فيه بين أهل الأصول، هل يوجب الإجزاء أم لا؟ وقد فسر الإجزاء بتفسيرين: # أحدهما: حصول الامتثال به. # والآخر: سقوط القضاء به، فعلى التفسير الأول "لا شك"* أن الإتيان ~~بالمأمور به على وجهه يقتضي تحقق الإجزاء المفسر بالامتثال، وذلك متفق ~~عليه، فإنه معنى الامتثال وحقيقته ذلك، وإن فسر بسقوط القضاء فقد اختلف ~~فيه: فقال جماعة من أهل الأصول: أن الإتيان بالمأمور به على وجهه يستلزم ~~سقوط القضاء. # وقال القاضي عبد الجبار: لا يستلزم. # استدل القائلون بالاستلزام: بأنه لو لم يستلزم سقوط القضاء لم يعلم ~~امتثال أبدا، واللازم منتف فالملزوم مثله، أما الملازمة فلأنه حينئذ يجوز ~~أن يأتي بالمأمور به، ولا يسقط عنه بل يجب عليه فعله مرة أخرى قضاء، وكذلك ~~القضاء إذا فعله لم يسقط كذلك، وأما انتفاء اللازم فمعلوم قطعا واتفاقا. # وأيضا إن القضاء عبارة عن استدراك ما قد فات من مصلحة الأداء، والفرض أنه ~~قد جاء بالمأمور به على وجهه، ولم يفت منه شيء، وحصل المطلوب بتمامه، فلو ~~أتى به استدراكا لكان تحصيلا للحاصل. # قال في "المحصول": فعل المأمور به يقتضي الإجزاء، خلافا لأبي هاشم ~~وأتباعه. # لنا وجوه: # الأول: أنه أتى بما أمر به فوجب أن يخرج عن العهدة، وإنما قلنا إنه أتى ~~بما أمر به لأن PageV01P269 # المسألة مرفوضة فيما إذا كان الأمر كذلك، وإنما قلنا يلزم أن يخرج عن ~~العهدة؛ لأنه لو بقي الأمر بعد ذلك لبقي إما متناولا للمأتي أو لغيره، ~~والأول باطل؛ لأن الحاصل لا يمكن تحصيله، والثاني باطل؛ لأنه يلزم أن يكون ~~الأمر قد كان متناولا لغيره ذلك الذي وقع مأتيا به، ولو كان كذلك لما كان ~~المأتي به تمام متعلق الأمر، وقد فرضناه كذلك هذا خلف. # والثاني: أنه لا يخلو إما يجب عليه فعله ثانيا، وثالثا، أو ينقصى عن ~~عهدته بما ينطلق عليه الاسم، والأول باطل لما بينا على أن الأمر لا يفيد ~~التكرار، والثاني هو ms200 المطلوب لأنه لا معنى للإجزاء إلا كونه كافيا في ~~الخروج عن عهدة الأمر. # والثالث: أنه لو لم يقتض الإجزاء لكان يجوز أن يقول السيد لعبده: افعل ~~فإذا فعلت لا يجزئ عنك، لو قال ذلك أحد لعد مناقضا. # احتج المخالف بوجوه: # الأول: أن النهي لا يدل على الفساد بمجرده فالأمر يجب أن لا يدل على ~~الإجزاء بمجرده. # والثاني: أن كثيرا من العبادات يجب على الشارع فيها إتمامها، والمضي ~~فيها، ولا تجزئه عن المأمور به كالحجة الفاسدة والصوم الذي جامع فيه. # والثالث: أن الأمر بالشيء لا يفيد إلا كونه مأمورا به، فأما أن الإتيان ~~به يكون سببا لسقوط التكليف فذاك لا يدل عليه بمجرد الأمر. # والجواب عن الأول: أنا إن سلمنا أن النهي لا يدل على الفساد، لكن الفرق ~~بينه وبين الأمر أن نقول: النهي يدل على "أنه"* منعه من فعله وذلك لا ينافي ~~أن يقول: إنك لو أتيت به لجعلته سببا لحكم آخر، أما الأمر فلا دلالة فيه ~~إلا على اقتضائه المأمور به مرة واحدة، فإذا أتى به فقد أتى بتمام المقتضى ~~فوجب أن لا يبقى الأمر بعد ذلك مقتضيا لشيء. # وعن الثاني: أن تلك الأفعال مجزئة بالنسبة إلى الأمر الوارد بإتمامها، ~~وغير مجزئة بالنسبة إلى الأمر الأول؛ لأن الأمر الأول اقتضى إيقاع المأمور ~~به لا على حد الوجه الذي وقع، بل على وجه آخر وذلك الوجه لم يوجد. # وعن الثالث: أن الإتيان بتمام المأمور به يوجب أن لا يبقى الأمر مقتضيا ~~بعد ذلك، وذلك هو المراد بالإجزاء. PageV01P270 ### | الفصل الثامن: هل يجب القضاء بأمر جديد أم بالأمر الأول # اختلفوا هل القضاء بأمر جديد أو بالأمر الأول؟ هذه المسألة لها صورتان: # الصورة الأولى: # الأمر المقيد، كما إذا قال افعل في هذا الوقت، فلم يفعل حتى مضى، فالأمر ~~الأول هل يقتضي إيقاع ذلك الفعل فيما بعد ذلك الوقت، فقيل لا يقتضي لوجهين: # الأول: أن قول القائل لغيره "افعل" هذا الفعل يوم الجمعة لا يتناول الأمر ~~"بفعله بعده"* وإذا لم يتناوله لم يدل عليه ms201 بنفي ولا إثبات. # الثاني: أن أوامر الشرع تارة لا تستلزم وجوب القضاء كما في صلاة الجمعة ~~وتارة تستلزمه ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال، فلا يلزم القضاء إلا بأمر ~~جديد وهو الحق، وإليه ذهب الجمهور، "جماعة من الحنابلة"** والحنفية ~~والمعتزلة إلى أن وجوب القضاء يستلزمه الأمر بالأداء في الزمان المعين؛ لأن ~~الزمان غير داخل في الأمر بالفعل. # ورد: بأنه داخل لكونه من ضروريات الفعل المعين وقته، وإلا لزم أن يجوز ~~التقديم على ذلك الوقت المعين، واللازم باطل فالملزوم مثله. # الصورة الثانية: # الأمر المطلق، وهو أن يقول: افعل، ولا يقيده بزمان معين، فإذا لم يفعل ~~المكلف ذلك في أول أوقات الإمكان فهل يجب فعله فيما بعد، أو يحتاج إلى دليل ~~فمن لم يقل بالفور يقول إن ذلك الأمر المطلق يقتضي الفعل مطلقا فلا يخرج ~~المكلف عن العهدة إلا بفعله، ومن قال بالفور قال إنه يقتضي الفعل بعد أول ~~أوقات الإمكان، وبه قال أبو بكر الرازي. # ومن القائلين بالفور من يقول: إنه لا يقتضيه، بل لا بد في ذلك من دليل ~~زائد. # قال في "المحصول": ومنشأ الخلاف أن قول القائل لغيره: افعل هل معناه افعل ~~في الزمان الثاني، فإن عصيت ففي الثالث، فإن عصيت ففي الرابع ثم كذلك أبدا، ~~أو معناه في الثاني من غير بيان حال الزمان الثالث والرابع، فإن قلنا ~~بالأول اقتضى الأمر الأول الفعل في سائر الأزمان، وإن قلنا بالثاني لم ~~يقتضه. # والحق: أن الأمر المطلق يقتضي الفعل من غير تقييد بزمان، فلا يخرج المكلف ~~عن عهدته إلا بفعله، وهو أداء وإن طال التراخي لأن تعيين بعض أجزاء الوقت ~~له لا دليل عليه، واقتضاؤه PageV01P271 # الفور لا يستلزم أنه بعد أول أوقات الإمكان قضاء، بل غاية ما يستلزمه أن ~~يكون المكلف آثما بالتأخير عنه إلى وقت آخر. # وقد استدل للقائلين بأن الأمر المقيد بوقت معين لا يقتضي إيقاع ذلك الفعل ~~في وقت آخر: بأنه لو وجب القضاء بالأمر الأول لكان مقتضيا للقضاء، واللازم ~~باطل فالملزوم مثله، أما الملازمة فبينة؛ إذ الوجوب ms202 أخص من الاقتضاء، وثبوت ~~الأخص يستلزم ثبوت الأعم، وأما انتفاء اللازم فلأنا قاطعون بأن قول القائل ~~"صم يوم الخميس" لا يقتضي "صوم"* يوم الجمعة بوجه من وجوه الاقتضاء، ولا ~~يتناوله أصلا. # واستدل لهم أيضا بأنه لو وجب القضاء بالأمر الأول لاقتضاه، ولو اقتضاه ~~لكان أداء فيكونان سواء فلا يأثم بالتأخير. # وأجيب عن "هذا"** بأن الأمر المقيد بوقت أمر بإيقاع الفعل في ذلك الوقت ~~المعين، فإذا فات قبل إيقاع الفعل فيه بقي الوجوب مع نقص فيه فكان إيقاعه ~~فيما بعد قضاء. # ويرد هذا بمنع بقاء الوجوب بعد انقضاء الوقت المعين. # واستدل القائلون بأن القضاء بالأمر الأول بقولهم: الوقت للمأمور به ~~كالأجل للدين، فكما أن الدين لا يسقط بترك تأديته في أجله المعين، بل يجب ~~القضاء فيما بعده، فكذلك المأمور به إذا لم يفعل في وقته المعين. # ويجاب عن هذا: بالفرق بينهما بالإجماع على عدم سقوط الدين إذا انقضى ولم ~~يقضه من هو عليه، وبأن الدين يجوز تقديمه على أجله المعين بالإجماع ~~"بخلاف"*** محل النزاع فإنه لا يجوز تقديمه عليه بالإجماع. # واستدلوا أيضا بأنه لو وجب بأمر جديد لكان أداء لأنه أمر بفعله بعد ذلك ~~الوقت المعين، فكان كالأمر بفعله ابتداء. # ويجاب عنه: بأنه لا بد في الأمر بالفعل بعد انقضاء ذلك الوقت من قرينة ~~تدل على أنه يفعل استدراكا لما فات، أما مع عدم القرينة الدالة على ذلك فما ~~قالوه "ملتزم"**** ولا يضرنا ولا ينفعهم. PageV01P272 ### | الفصل التاسع: هل الأمر بالأمر بالشيء أمر به أم لا # اختلفوا هل الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء أم لا؟ فذهب الجمهور إلى ~~الثاني، وذهب جماعة إلى الأول. # احتج الأولون: بأنه لو كان الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء لكان قول ~~القائل لسيد العبد: مر عبدك ببيع ثوبي تعديا على صاحب العبد بالتصرف في ~~عبده بغير إذنه، ولكان قول صاحب الثوب بعد ذلك للعبد لا تبعه مناقضا لقوله ~~للسيد مر عبدك ببيع ثوبي لورود الأمر والنهي على فعل واحد. # وقال السبكي: إن لزوم التعدي ممنوع؛ لأن ms203 التعدي هو أمر عبد الغير بغير ~~أمر سيده "وهنا أمره بأمر سيده"* فإن أمره للعبد متوقف على أمر سيده وليس ~~بشيء؛ لأن النزاع في أن قوله: مر عبدك إلخ، هل هو أمر للعبد ببيع الثوب أم ~~لا، لا في أن السيد إذا أمر عبده بموجب "مر عبدك" هل يتحقق عند ذلك أمر ~~للعبد من قبل القائل "مر عبدك" " بجعل"** السيد سفيرا أو وكيلا "أم لا؟ ~~"***. # وأما استدلالهم بما ذكروه من المناقضة، فقد أجيب عنه: بأن المراد هنا ~~منعه من البيع بعد طلبه منه، وهو نسخ لطلبه منه. # واحتج الآخرون بأوامر الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يأمرنا، ~~فإنا مأمورون بتلك الأوامر، وكذلك أمر الملك لوزيره بأن يأمر فلانا بكذا، ~~فإن الملك هو الآمر بذلك المأمور، لا الوزير. # وأجيب: بأنه فهم ذلك في الصورتين من قرينة أن المأمور أولا هو رسول ومبلغ ~~عن الله وأن الوزير هو مبلغ عن الملك، لا من لفظ الأمر المتعلق بالمأمور ~~"الأول"****، ومحل النزاع هو هذا. # أما لو قال: قل لفلان افعل كذا، فالأول آمر والثاني مبلغ بلا نزاع، كذا ~~نقل عن السبكي وابن الحاجب. # واختار السعد التسوية بينهما، والأول أولى، قال في "المحصول": فلو قال ~~زيد لعمرو كل PageV01P273 # ما أوجب عليك زيد فهو واجب عليك، فالأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء في ~~هذه الصورة، ولكنه بالحقيقة إنما جاء من قوله كل ما أوجب عليك فلانا فهو ~~واجب، وأما لو لم يقل ذلك كما في قوله صلى الله عليه وسلم و"مروهم بالصلاة ~~وهم أبناء سبع" 1 فإن ذلك لا يقتضي الوجوب على الصبي. انتهى. وهذا الحديث ~~ثابت في السنن. # ومما يصلح مثالا لمحل النزاع ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من قوله صلى ~~الله عليه وسلم لعمر وقد طلق ابنه عبد الله امرأته وهي حائض "مره ~~فليراجعها" 2. # وقيل: إنه ليس مما يصلح مثالا لهذه المسألة لأنه قد صرح فيه بالأمر من ~~الشارع بالمراجعة، حيث قال: "فليراجعها" بلام الأمر، وإنما يكون مثالا لو ~~قال: مره بأن ms204 يراجعها، والظاهر أنه من باب قل لفلان افعل كذا، وقد تقدم ~~الخلاف فيه3. PageV01P274 ### | الفصل العاشر: الأمر بالماهية ومقتضاه # اختلفوا أهل الأمر بالماهية الكلية، يقتضي الأمر بها، أو بشيء من ~~جزئياتها اختلفوا أم هو أمر بفعل مطلق تصدق عليه الماهية ويخبر به عنها صدق ~~الكلي على جزئياته من غير تعيين؟ # فذهب الجمهور إلى الثاني. # وقال بعض الشافعية: بالأول. # احتج الأولون: بأن الماهية الكلية يستحيل وجودها في الأعيان فلا تطلب، ~~وإلا امتنع الامتثال وهو خلاف الإجماع. # PageV01P274 # ووجه ذلك: أنها لو وجدت في الأعيان لزم تعددها كلية في ضمن الجزئية، فمن ~~حيث إنها موجودة تكون شخصية جزئية، ومن حيث إنها الماهية الكلية تكون كلية ~~وأنه محال، فمن قال لآخر: "بع هذا الثوب" فإن هذا لا يكون أمر ببيعه ~~بالغبن، ولا بالثمن الزائد، ولا بالثمن المساوي؛ لأن هذه الأنواع مشتركة في ~~مسمى البيع، وتمييزه كل واحد منها بخصوص كونه بالغبن أو بالثمن الزائد أو ~~المساوي، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، وغير مستلزم له، فالأمر ~~بالبيع الذي هو جهة الاشتراك لا يكون أمرا بما به يمتاز كل واحد من الأنواع ~~عن الآخر لا بالذات ولا بالاستلزام، وإذا كان كذلك فالأمر بالجنس لا يكون ~~ألبتة أمرا بشيء من أنواعه، لكن إذا دلت القرينة على إرادة بعض الأنواع حمل ~~اللفظ عليه. # قال في "المحصول": وهذه قاعدة شريفة برهانية ينحل بها كثير من القواعد ~~الفقهية إن شاء الله. # ومما يوضح المقام ويحصل به المرام من هذا الكلام، ما ذكره أهل علم ~~المعقول من أن الماهيات ثلاث: # الأول: # الماهية1 لا بشرط شيء من القيود، ولا بشرط عدمها، وهي التي يسميها أهل ~~المنطق الماهية المطلقة، ويسمونها الكلي الطبيعي، والخلاف في وجودها في ~~الخارج معروف. # والحق: أن وجود الطبيعي بمعنى وجود أشخاصه. # والثانية: # الماهية بشرط لا شيء، أي: بشرط خلوها عن القيود، ويسمونها الماهية ~~المجردة ولا خلاف بينهم في أنها لا توجد في الخارج. # والثالثة: # الماهية بشرط شيء من القيود، ولا خلاف في وجودها في الخارج. # وتحقيقه: أن الماهية ms205 قد تؤخذ بشرط أن تكون مع بعض العوارض، كالإنسان بقيد ~~الوحدة، فلا يصدق على المتعدد وبالعكس، وكالمقيد بهذا الشخص، فلا يصدق على ~~فرد آخر، وتسمى الماهية المخلوطة، والماهية بشرط شيء، ولا ارتياب في وجودها ~~في الأعيان، وقد تؤخذ بشرط التجرد عن جميع العوارض، وتسمى المجردة، ~~والماهية بشرط لا شيء، ولا خفاء في أنها لا توجد في الأعيان، بل في ~~الأذهان، وقد تؤخذ لا بشرط أن تكون مقارنة أو مجردة، بل مع تجويز أن ~~يقارنها شيء من العوارض، وأن لا يقارنها، وتكون مقولا على المجموع حال ~~المقارنة، وهي الكلي الطبيعي، والماهية لا بشرط شيء، والحق وجودها في ~~الأعيان، لكن لا من حيث كونها جزءا من الجزئيات المحققة، على ما هو رأي ~~الأكثرين، بل من حيث إنه يوجد شيء تصدق هي عليه، وتكون عينه بحسب الخارج، ~~وإن تغايرا بحسب المفهوم، وبمجموع ما ذكرناه يظهر لك بطلان قول: من قال إن ~~الأمر بالماهية الكلية يقتضي الأمر بها، ولم يأتوا بدليل يدل على ذلك دلالة ~~مقبولة. PageV01P275 ### | الفصل الحادي عشر: تعاقب الأمرين المتماثلين والمتغايرين # اختلفوا إذا تعاقب أمران بمتماثلين، هل يكون الثاني للتأكيد، فيكون ~~المطلوب الفعل مرة واحدة، أو للتأسيس1، فيكون المطلوب الفعل مكررا، وذلك ~~نحو أن يقول: صل ركعتين، صل ركعتين. فقال الجبائي، وبعض الشافعية: إنه ~~للتأكيد، وذهب الأكثر: إلى أنه للتأسيس. وقال أبو بكر الصيرفي: بالوقف في ~~كونه تأسيسا أو تأكيدا وبه قال أبو الحسن البصري. # واحتج القائلون بالتأكيد: بأن التكرير قد كثر في التأكيد، فكان الحمل على ~~ما هو أكثر وإلحاق الأقل به أولى، وبأن الأصل البراءة من التكليف المتكرر، ~~فلا يصار إليه مع الاحتمال. # ويجاب بمنع كون التأكيد أكثر في محل النزاع، فإن دلالة كل لفظ على مدلول ~~مستقل هو "الأصل والظاهر"*، الأصل الظاهر وبمنع صحة الاستدلال بأصلية ~~البراءة أو ظهورها، فإن تكرار اللفظ يدل على مدلول كل واحد منهما أصلا ~~وظاهرا؛ لأن أصل كل كلام وظاهره الإفادة لا الإعادة. # وأيضا التأسيس "أكثري"** والتأكيد "أقلي"*** وهذا معلوم عند كل من يفهم ms206 ~~لغة العرب. # وإذا تقرر لك رجحان هذا المذهب عرفت منه بطلان ما احتج به القائلون ~~بالوقف: من أنه قد تعارض الترجيح في التأسيس والتأكيد. # أما لو لم يكن الفعلان من نوع واحد فلا خلاف أن العمل بهما متوجه نحو صل ~~ركعتين، صم يوما، وهكذا إذا كانا من نوع واحد، ولكن قامت القرينة الدلالة ~~على أن المراد التأكيد نحو صم اليوم صم اليوم، ونحو صل ركعتين صل الركعتين، ~~فإن التقيد باليوم، وتعريف الثاني يفيدان أن المراد بالثاني هو الأول، ~~وهكذا إذا اقتضت العادة أن المراد التأكيد نحو اسقني ماء، PageV01P276 # اسقني ماء، وهكذا إذا كان التأكيد بحرف العطف نحو: صل ركعتين وصل ~~الركعتين؛ لأن التكرير المفيد للتأكيد لم يعهد إيراده بحرف العطف، وأقل ~~الأحوال أن يكون قليلا والحمل على الأكثر أولى. # أما لو كان الثاني مع العطف معرفا فالظاهر التأكيد نحو صل ركعتين وصل ~~الركعتين؛ لأن دلالة اللام على إرادة التأكيد أقوى من دلالة حرف العطف على ~~إرادة التأسيس. # PageV01P277 ### | الفصل الثاني: في النواهي ### | المبحث الأول: في معنى النهي لغة واصطلاحا # ... # الباب الثاني: في النواهي # وفيه مباحث ثلاثة: # المبحث الأول: في معنى النهي لغة واصطلاحا # اعلم: أن النهي في اللغة معناه المنع، يقال: نهاه عن كذا أي منعه عنه، ~~ومنه سمي العقل نهية؛ لأنه ينهى صاحبه عن الوقوع فيما يخالف الصواب ويمنعه ~~عنه، وهو في الاصطلاح القول الإنشائي الدال على طلب كف عن فعل على جهة ~~الاستعلاء، فخرج الأمر؛ لأنه طلب فعل غير كف، وخرج الالتماس والدعاء؛ لأنه ~~لا استعلاء فيهما. # وأورد على هذا الحد قول القائل: "كف عن كذا"*. # وأجيب بأنه "ملتزم لكونه"** من جملة أفراد النهي، فلا يرد النقض به، ~~ولهذا قيل إن اختلافهما باختلاف الحيثيات والاعتبارات، فقولنا: كف عن الزنا ~~باعتبار الإضافة إلى الكف أمر وإلى الزنا نهي. # وأوضح صيغ النهي: "لا تفعل كذا" ونظائرها، ويلحق بها اسم لا تفعل من ~~أسماء الأفعال1، "كمه" فإن معناه لا تفعل، و"صه" فإن معناه لا تتكلم. وقد ~~تقدم2 في حد الأمر ما إذا ms207 رجعت إليه عرفت ما يرد في هذا المقام من الكلام ~~اعتراضا ودفعا PageV01P278 ### | المبحث الثاني: النهي الحقيقي ومعناه # اختلفوا في معنى النهي الحقيقي، فذهب الجمهور إلى أن معناه الحقيقي هو ~~التحريم، وهو الحق، ويرد فيما عداه مجازا كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"لا تصلوا في مبارك الإبل" 1 فإنه للكراهة. وكما في قوله تعالى: {ربنا لا ~~تزغ قلوبنا} 2 فإنه للدعاء، وكما في قوله تعالى: {لا تسألوا عن أشياء} 3 ~~فإنه للإرشاد، وكما في قول السيد لعبده الذي لم يمتثل أمره: لا تمتثل ~~أمري؟! فإنه للتهديد، وكما في قوله تعالى: {ولا تمدن عينيك} 4 فإنه ~~للتحقير، وكما في قوله تعالى: {ولا تحسبن الله غافلا} 5 فإنه لبيان ~~العاقبة، وكما في قوله تعالى: {لا تعتذروا اليوم} 6 فإنه للتأييس، وكما في ~~قولك لمن يساويك: "لا تفعل" فإنه للالتماس. # والحاصل: أنه يرد مجازا لما ورد له الأمر كما تقدم7، ولا يخالف الأمر إلا ~~في كونه يقتضي التكرار في جميع الأزمنة، وفي كونه للفور فيجب ترك الفعل في ~~الحال. # قيل: ويخالف الأمر أيضا في كون تقدم الوجوب قرينة دالة على أنه للإباحة، ~~ونقل الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني الإجماع على أنه لا يكون تقدم الوجوب ~~قرينة للإباحة، وتوقف الجويني في نقل الإجماع، ومجرد هذا التوقف لا يثبت له ~~الطعن في نقل الأستاذ. # واحتج القائلون: بأنه حقيقة في التحريم: بأن العقل يفهم الحتم من الصيغة ~~المجردة "عن القرائن"* وذلك دليل الحقيقة. PageV01P279 # واستدلوا أيضا باستدلال السلف بصيغة النهي المجردة "على"* التحريم. # وقيل: إنه حقيقة في الكراهة واستدلوا على ذلك: بأن النهي إنما يدل على ~~مرجوحية المنهي عنه، وهو لا يقتضي التحريم. # وأجيب بمنع ذلك بل السابق إلى الفهم عند التجرد هو التحريم. # وقيل: مشترك بين التحريم والكراهة، فلا يتعين أحدهما إلا بدليل، وإلا كان ~~جعله لأحدهما ترجيحا من غير مرجح. # وقالت الحنفية: إنه يكون للتحريم إذا كان الدليل قطعيا، ويكون للكراهة ~~إذا كان الدليل ظنيا. # ورد: بأن النزاع إنما هو في طلب الترك، وهذا طلب ms208 قد يستفاد بقطعي فيكون ~~قطعيا، وقد يستفاد بظني فيكون ظنيا. PageV01P280 ### | المبحث الثالث: في اقتضاء النهي للفساد # فذهب الجمهور إلى أنه إذا تعلق النهي بالفعل، بأن طلب الكف عنه فإن كان ~~لعينه، أي لذات الفعل أو لجزئه، وذلك بأن يكون منشأ النهي قبحا ذاتيا كان ~~النهي مقتضيا للفساد المرادف للبطلان، سواء كان ذلك الفعل حسيا كالزنا وشرب ~~الخمر، أو شرعيا كالصلاة والصوم، والمراد عندهم أنه يقتضيه شرعا لا لغة. # وقيل: إنه يقتضي الفساد لغة كما يقتضيه شرعا. # وقيل: إن النهي لا يقتضي الفساد إلا في العبادات فقط دون المعاملات، وبه ~~قال أبو الحسين البصري، والغزالي، والرازي، وابن الملاحمي1 والرصاص2. # واستدل الجمهور على اقتضائه للفساد شرعا: بأن العلماء في جميع الأعصار لم ~~يزالوا يستدلون به على الفساد في أبواب الربويات، والأنكحة والبيوع، ~~وغيرها. # وأيضا لو لم يفسد لزم من نفيه حكمة يدل عليها النهي، ومن ثبوته حكمة تدل ~~عليها الصحة، واللازم باطل؛ لأن الحكمتين إن كانتا متساويتين تعارضتا ~~وتساقطتا، فكان فعله كلا PageV01P280 # فعل، "فامتنع"* النهي عنه لخلوه عن الحكمة. وإن كانت حكمة النهي مرجوحة ~~فأولى؛ لفوات الزائد من مصلحة الصحة، وهي مصلحة خالصة، وإن كانت راجحة ~~امتنعت الصحة، لخلوه عن المصلحة أيضا، بل لفوت قدر الرجحان من مصلحة النهي. # واستدلوا على عدم اقتضائه للفساد لغة، بأن فساد الشيء عبارة عن سلب ~~أحكامه، وليس في لفظ النهي ما يدل عليه لغة قطعا. # واستدل القائلون بأنه يقتضيه لغة كما يقتضيه شرعا، بأن العلماء لم يزالوا ~~يستدلون به على الفساد. # وأجيب: بأنهم إنما استدلوا به على الفساد لدلالة الشرع عليه، لا لدلالة ~~اللغة. # واستدلوا ثانيا: بأن الأمر يقتضي الصحة لما تقدم1، والنهي نقيضه، ~~والنقيضان لا يجتمعان فيكون النهي مقتضيا للفساد. # وأجيب: بأن الأمر يقتضي الصحة شرعا، لا لغة فاقتضاء الأمر للصحة لغة ~~ممنوع، كما أن اقتضاء النهي للفساد لغة ممنوع. # واستدال القائلون: بأنه لا يقتضي الفساد إلا في العبادات دون المعاملات: ~~بأن العبادات المنهي عنها لو صحت لكانت مأمورا بها ندبا؛ لعموم أدلة ~~مشروعية العبادات ms209 فيجتمع النقيضان؛ لأن الأمر لطلب الفعل والنهي لطلب الترك ~~وهو محال. # وأما عدم اقتضائه للفساد في غير العبادات فلأنه لو اقتضاه في غيرها لكان ~~غسل النجاسة بماء مغصوب، والذبح بسكين مغصوبة، وطلاق البدعة، والبيع في وقت ~~النداء، والوطء في زمن الحيض غير مستتبعة لآثارها من زوال النجاسة، وحل ~~الذبيحة، وأحكام الطلاق، والملك، وأحكام الوطء، واللازم باطل، فالملزوم ~~مثله. # وأجيب: بمنع كون النهي في الأمور المذكورة لذات الشيء أو لجزئه، بل لأمر ~~خارج، ولو سلم لكان عدم اقتضائها للفساد لدليل خارجي، فلا يرد النقض بها. # وذهب جماعة من الشافعية، والحنفية، والمعتزلة: إلى أنه لا يقتضي الفساد ~~لا لغة ولا شرعا، لا في العبادات ولا في المعاملات، قالوا: لأنه لو دل على ~~الفساد لغة أو شرعا، لناقض التصريح بالصحة لغة أو شرعا واللازم باطل أما ~~الملازمة فظاهرة، وأما بطلان اللازم: فلأن PageV01P281 # الشارع لو قال نهيتك عن الربا نهي تحريم ولو فعلت لكان البيع المنهي عنه ~~موجبا للملك لصح من غير تناقض، لا لغة ولا شرعا. # وأجيب: بمنع الملازمة؛ لأن التصريح بخلاف النهي قرينة صارفة له عن ~~الظاهر، ولم ندع إلا أن ظاهره الفساد فقط. # وذهبت الحنفية إلى: أن ما لا تتوقف معرفته على الشرع كالزنا، وشرب الخمر ~~يكون النهي عنه لعينه، ويقتضي الفساد إلا أن يقوم الدليل على أنه منهي عنه ~~لوصفه، أو المجاور له، فيكون النهي حينئذ عنه لغيره، فلا يقتضي الفساد ~~كالنهي عن قربان الحائض، وأما الفعل الشرعي وهو ما يتوقف معرفته على الشرع ~~فالنهي عنه لغيره فلا يقتضي الفساد، ولم يستدلوا على ذلك بدليل مقبول. # والحق: أن كل نهي من غير فرق بين العبادات والمعاملات يقتضي تحريم المنهي ~~عنه، وفساده المرادف للبطلان، اقتضاء شرعيا، ولا يخرج من ذلك إلا ما قام ~~الدليل على عدم اقتضائه لذلك فيكون هذا الدليل قرينة صارفة له من معناه ~~الحقيقي إلى معناه المجازي. # ومما يستدل به على هذا ما ورد في الحديث المتفق عليه وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم: "كل أمر ليس عليه ms210 أمرنا فهو رد" 1 والمنهي عنه ليس عليه أمرنا ~~فهو رد، وما كان ردا أي: مردودا كان باطلا، وقد أجمع العلماء مع اختلاف ~~أعصارهم على الاستدلال بالنواهي على أن المنهي عنه ليس من الشرع، وأنه باطل ~~لا يصح، وهذا هو المراد بكون النهي مقتضيا للفساد، وصح عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإن نهيتكم عن شيء ~~فاجتنبوه" 2 فأفاد وجوب اجتناب المنهي عنه، وذلك هو المطلوب، ودع عنك ما ~~"راوغوا3"*به من الرأي. PageV01P282 # هذا إذا كان النهي عن الشيء لذاته أو لجزئه؛ أما لو كان النهي عنه لوصفه، ~~وذلك نحو النهي عن عقد الربا لاشتماله على الزيادة، فذهب الجمهور: إلى أنه ~~لا يدل على فساد المنهي عنه، بل على فساد نفس الوصف. # واحتجوا لذلك: بأن النهي عن الشيء لوصفه لو دل على فساد الأصل لناقض ~~التصريح بالصحة كما مر. # وأيضا كان يلزم أن لا يعتبر طلاق الحائض، ولا ذبح ملك الغير لحرمته ~~إجماعا. # وذهب جماعة: إلى أنه يقتضي فساد الأصل، محتجيين بأن النهي ظاهر في الفساد ~~من غير فرق بين كونه لذاته أو "لوصفه"* وما قيل من جواز التصريح بالصحة ~~فملتزم إن وقع، ويكون دليلا على خلاف ما يقتضيه الظاهر. # وقد استدل أهل العلم على فساد صوم يوم العيد بالنهي الوارد عن صومه1 وليس ~~ذلك لذاته، ولا لجزئه؛ لأنه صوم، وهو مشروع بل لكونه صوما في يوم العيد، ~~وهو وصف لذات الصوم. # قال بعض المحققين من أهل الأصول: إن النهي عن الشيء لوصفه هو أن ينهي عن ~~الشيء مقيدا بصفة نحو "لا تصل كذا" ولا "تبع كذا" وحاصله ما ينهى عن وصفه ~~لا ما يكون الوصف علة للنهي. # وأما النهي عن الشيء لغيره نحو النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة، فقيل: ~~لا يقتضي الفساد لعدم مضادته لوجوب أصله لتغاير المتعلقين، والظاهر أنه ~~يضاد وجود أصله لأن التحريم هو إيقاع الصلاة في ذلك المكان، كما صرح به ~~الشافعي وأتباعه، وجماعة من أهل العلم، فهو ms211 كالنهي عن الصوم في يوم العيد، ~~لا فرق بينهما. # وأما الحنفية فيفرقون بين النهي عن الشيء لذاته، ولجزئه، ولوصف لازم، ~~ولوصف مجاور، ويحكمون في بعض بالصحة وفي بعض بالفساد في الأصل، أو في الوصف ~~ولهم في PageV01P283 # ذلك فروق وتدقيقات لا تقوم بمثلها الحجة. # نعم النهي عن الشيء لذته أو لجزته الذي لا يتم إلا به يقتضي فساده في ~~جميع الأحوال والأزمنة، والنهي عنه للوصف الملازم يقتضي فساده ما دام ذلك ~~الوصف، والنهي عنه لوصف مفارق أو لأمر خارج يقتضي النهي عنه عند إيقاعه ~~متصفا بذلك الوصف، وعند إيقاعه في ذلك الأمر الخارج عنه؛ لأن النهي عن ~~إيقاعه مقيدا بهما يستلزم فساده ما داما قيدا له. # PageV01P284 ### | الفصل الثالث: في العموم ### | المسألة الأولى: في حده # ... # الباب الثالث: في العموم # وفيه ثلاثون مسألة # المسألة الأولى: في حده # وهو في اللغة شمول أمر لمتعدد، سواء كان الأمر لفظا أو غيره، ومنه قولهم: ~~عمهم الخير إذا شملهم وأحاط بهم. # وأما حده في الاصطلاح: فقال في "المحصول": هو اللفظ المستغرق لجميع ما ~~يصلح له بحسب وضع واحد، كقوله الرجال فإنه مستغرق لجميع ما يصلح له، ولا ~~تدخل عليه النكرات، كقولهم رجل لأنه يصلح لكل واحد من رجال الدنيا، ولا ~~يستغرقهم، ولا التثنية، ولا الجميع؛ لأن لفظ رجلان ورجال يصلح لكل اثنين ~~وثلاثة ولا يفيدان الاستغراق، ولا ألفاظ العدد كقولنا: خمسة؛ لأنه يصلح لكل ~~خمسة ولا يستغرقه. وقولنا: بحسب وضع واحد احتراز عن اللفظ المشترك، والذي ~~له حقيقة ومجاز، فإن عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معا. انتهى. # وقد سبقه إلى بعض ما ذكره في هذا الحد أبو الحسين البصري فقال: العام هو ~~اللفظ المستغرق لما يصلح له. # ورد عليه المشترك إذا استغرق جميع أفراد معنى واحد، واندفع الاعتراض عنه ~~بزيادة قيد بوضع واحد ثم ورد عليه نحو عشرة ومائة ونحوهما لأنه يستغرق ما ~~يصلح له من المتعدد الذي يفيده، وهو معنى الاستغراق. # ودفع بمثل ما ذكره في "المحصول". # وقال أبو علي الطبري1: هو مساواة بعض ما ms212 تناوله لبعض. PageV01P285 # واعترض عليه بلفظ التثنية، فإن أحدهما مساو للآخر وليس بعام. # وقال القفال الشاشي: أقل العموم شيئان، كما أن الخصوص واحد، وكأنه نظر ~~إلى المعنى اللغوي، وهو الشمول، والشمول حاصل في التثنية، وإلا فمن المعلوم ~~أن التثنية لا تسمى عموما لا سيما إذا قلنا: أقل الجمع ثلاثة، فإذا سلب عن ~~التثنية أقل الجمع، فسلب العموم عنها أولى. وقال المازري: العموم عند أئمة ~~الأصول هو القول المشتمل على شيئين فصاعدا، والتثنية عندهم عموم لما يتصور ~~فيها من معنى الجمع والشمول، الذي لا يتصور في الواحد. ولا يخفى ما يرد ~~عليه. # وقال الغزالي: هو اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدا ~~واعترض عليه: أنه ليس بجامع ولا مانع، أما كونه ليس بجامع، فلخروج لفظ ~~المعدوم، والمستحيل فإنه عام ومدلوله ليس بشيء، وأيضا الموصولات مع صلاتها ~~مع جملة العام وليست بلفظ واحد، وأما أنه ليس بمانع فلأن كل مثنى يدخل في ~~الحد مع أنه ليس بعام، وكذلك كل جمع لمعهود وليس بعام. # وقد أجيب عن الأول: بأن المعدوم والمستحيل شيء لغة، وإن لم يكن شيئا في ~~الاصطلاح. # وعن الثاني: بأن الموصولات هي التي "ثبت لها العموم""1". # وقال ابن فورك: اشتهر من كلام الفقهاء أن العموم هو اللفظ المستغرق، وليس ~~كذلك؛ لأن الاستغراق عموم وما دونه عموم وأقل العموم اثنان. # وقال ابن الحاجب: إن العام هو ما دل على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه ~~مطلقا ضربة؛ فقوله: ما دل جنس، وقوله: على مسميات يخرج نحو زيد، وقوله: ~~باعتبار أمر اشتركت فيه يخرج نحو عشرة، فإن العشرة دلت على آحاد لا باعتبار ~~أمر اشتركت فيه لأن آحاد العشرة أجزاء العشرة لا جزئياتها، فلا يصدق على ~~واحد واحد أنه عشرة. # وقوله: "مطلقا" ليخرج المعهود، فإنه يدل على مسميات باعتبار ما اشتركت ~~فيه مع قيد خصصه بالمعهودين وقوله: "ضربة" أي دفعة واحدة ليخرج نحو "رجل" ~~مما يدل على مفرداته بدلا لا شمولا. # ويرد عليه خروج نحو علماء البلد مما يضاف من العمومات إلى ما ms213 يخصصه، مع ~~أنه عام قصد به الاستغراق، ووجه ورود ذلك عليه من حيث اعتباره في التعريف ~~"لقيد""2" الإطلاق، مع PageV01P286 # أن العام المضاف قد قيد بما أضيف هو إليه. # وأجيب: بأن الذي اشتركت المسميات فيه هو علماء البلد مطلقا لا ~~"العلماء"*، وعالم البلد لم يتقيد بقيد وإنما قيد العلماء، "فأورد"** عليه ~~أيضا أنه قد اعتبر الإفراد في العام، وعلماء البلد مركب. # وأجيب: بأن العام إنما هو المضاف، من حيث إنه مضاف والمضاف إليه خارج. # وأورد عليه الجمع المنكر، كرجال فإنه يدل على مسميات، وهي آحاده باعتبار ~~ما اشتركت فيه، وهو مفهوم رجل مطلقا لعدم العهد وليس بعام عند من يشترط ~~الاستغراق. # وقد أورد على المعتبرين للاستغراق في حد العام مطلقا, مفردا كان أو جمعا ~~أن دلالته على الفرد تضمنيه؛ إذ ليس الفرد مدلولا مطابقيا؛ لأن المدلول ~~المطابقي هو مجموع الأفراد المشتركة في المفهوم المعتبر فيه على ما صرحوا ~~به، ولا خارجا ولا لازما، ولا يمكن جعله أي: الفرد مما صدق عليه العام ~~لصيرورته بمنزلة كلمة واحدة في اصطلاح العلماء، وليس مما يصدق على إفراده ~~بدلا، بل شمولا، ولا يلزم من تعليقه بالكل تعليقه بكل جزئي. # وأجيب: بأنه يلزم من تعليقه بالكل تعليقه بالجزء لزوما لغويا "لا ~~عقليا"*** وأن ذلك مما يكفي في الرسوم؛ وفيه نظر. # وإذا عرفت ما قيل في حد العام علمت أن أحسن الحدود المذكورة هو ما قدمنا1 ~~عن صاحب "المحصول"، لكن مع زيادة قيد "دفعة"، فالعام هو اللفظ المستغرق ~~لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد دفعة. PageV01P287 ### | المسألة الثانية: "العموم من عوارض الألفاظ" # ذهب الجمهور إلى أن العموم من عوارض الألفاظ فإذا قيل: هذا لفظ عام، صدق ~~على سبيل الحقيقة. # وقال القاضي أبو بكر: إن العموم والخصوص يرجعان إلى الكلام، ثم الكلام ~~الحقيقي هو # PageV01P287 # المعنى القائم بالنفس "وهو الذي يعم ويخص، والصيغ والعبارات دالة عليه، ~~ولا يسمى بالعموم والخصوص إلا تجوزا، كما أن الأمر والنهي يرجعان إلى ~~المعنى العام بالنفس"* دون الصيغ. انتهى. # واختلف الأولون في اتصاف المعاني ms214 بالعموم، بعد اتفاقهم على أنه حقيقة في ~~الألفاظ. فقال بعضهم: إنها تتصف به حقيقة كما تتصف به الألفاظ. # وقال بعضهم: إنها تتصف به مجازا. # وقال بعضهم: إنها لا تتصف به لا حقيقة ولا مجازا. # احتج القائلون بأنه حقيقة فيهما: بأن العموم حقيقة في شمول أمر لمتعدد، ~~فكما صح في الألفاظ باعتبار شمول لفظ لمعان متعددة بحسب الوضع، صح في ~~المعاني باعتبار شمول "معنى"** لمعان متعددة "لأنه"*** لا يتصور شمول أمر ~~معنوي لأمور متعددة، كعموم المطر والخصب "والقحط للبلاد، وكذلك يقال: عم ~~المطر وعم الخصب"**** ونحوهما، وكذلك ما يتصوره الإنسان من المعاني الكلية ~~فإنها شاملة لجزئياتها المتعددة الداخلة تحتها. ولذلك يقول المنطقيون: ~~العام ما لا يمنع تصوره، وقوع الشركة فيه والخاص بخلافه. # وأجيب: بأن العام شمول أمر لمتعدد، وشمول المطر والخصب ونحوهما ليس كذلك؛ ~~إذ لموجود في مكان غير الموجود في المكان الآخر، وإنما هو أفراد من المطر ~~والخصب. # وأيضا ما ذكروه عن المنطقيين غير صحيح، فإنهم "إنما"***** يطلقون ذلك على ~~الكلي لا على العام. # ورد بمنع كونه يعتبر في معنى العموم لغة هذا القيد، بل يكفي الشمول، سواء ~~كان هناك أمر واحد أو لم يكن. # ومنشأ الخلاف هذا، هو ما وقع من الخلاف في معنى العموم، فمن قال معناه ~~شمول أمر لمتعدد "واعتبروا وحدة الأمر وحدة شخصية"****** منع من إطلاقه ~~حقيقة على المعاني، فلا يقال هذا المعنى عام؛ لأن الواحد بالشخص لا شمول ~~له، ولا يتصف بالشمول لمتعدد إلا الموجود PageV01P288 # الذهني، ووحدته ليست بشخصية، فيكون عنده إطلاق العموم على المعاني مجازا ~~لا حقيقة كما صرح به الرازي. # ومن فهم من اللغة أن الأمر الواحد الذي أضيف إليه الشمول في معنى العموم ~~أعم من الشخصي ومن النوعي أجاز إطلاق العام على المعاني حقيقة. # وقيل: إن محل النزاع إنما هو من صحة تخصيص المعنى العام، كما يصح تخصيص ~~اللفظ العام لا في اتصاف المعاني بالعموم، وفيه بعد، فإن نصوص هؤلاء ~~المختلفين مصرحة بأن خلافهم في اتصاف المعاني بالعموم. # PageV01P289 ### | المسألة الثالثة: "تصور العموم ms215 في الأحكام" # هل يتصور العموم في الأحكام حتى يقال حكم قطع السارق عام؟ # أنكره القاضي، وأثبته الجويني وابن القشيري. # وقال المازري: الحق بناء هذه المسألة على أن الحكم يرجع إلى قول أو إلى ~~وصف يرجع إلى الذات فإن قلنا بالثاني لم يتصور العموم لما تقدم1 في ~~الأفعال، وإن قلنا يرجع إلى قول فقوله سبحانه: {والسارق} 2 يشمل كل سارق ~~فنفس القطع فعل، والأفعال لا عموم لها، قال القاضي أبو عبد الله الصيمري3 ~~الحنفي في كتابه "مسائل الخلاف في أصول الفقه"4: دعوى العموم في الأفعال لا ~~تصح عند أصحابنا، ودليلنا: أن العموم ما اشتمل على أشياء متغايرة، والفعل ~~لا يقع إلا على درجة واحدة. # وقال الشيخ أبو إسحاق: لا يصح العموم إلا في الألفاظ، وأما في الأفعال ~~فلا يصح؛ لأنها تقع على صفة واحدة، فإن عرفت اختص الحكم بها، وإلا صار ~~مجملا، فما عرفت صفته مثل قول الراوي: "جمع بين الصلاتين في السفر"5 فهذا ~~مقصور على السفر، ومن الثاني قوله في PageV01P289 # السفر "فلا يدرى أنه كان طويلا أو قصيرا"1 فيجب التوقف فيه، ولا يدعى فيه ~~العموم. # وقال ابن القشيري: أطلق الأصوليون أن العموم والخصوص لا "يتصوران"* إلا ~~في الأقوال ولا يدخل في الأفعال، أعني في ذواتها، فأما في أسمائها فقد ~~يتحقق، ولهذا لا يتحقق ادعاء العموم في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم. # قال شمس الأئمة السرخسي: ذكر أبو بكر الجصاص أن العموم حقيقة في المعاني ~~والأحكام، كما هو في الأسماء والألفاظ، وهو غلط، فإن المذهب عندنا أنه لا ~~يدخل المعاني حقيقة، وإن كان يوصف به مجازا. # قال القاضي عبد الوهاب في "الإفادة"2: الجمهور على أنه لا يوصف بالعموم ~~إلا القول فقط، وذهب قوم من أهل العراق: إلى أنه يصح ادعاؤه في المعاني ~~والأحكام، ومرادهم بذلك: حمل الكلام على عموم الخطاب وإن لم يكن هناك صيغة ~~"تعم"** كقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} 3 فإنه لما لم يصح تناول التحريم ~~لها عمها بتحريم جميع التصرفات من الأكل، والبيع واللمس وسائر أنواع ~~الانتفاع ms216 وإن لم يكن للأحكام ذكر في التحريم بعموم ولا خصوص، وكذلك قوله: ~~"إنما الأعمال بالنيات" 4 عام في الإجزاء والكمال "قال"***: والذي يقوله ~~أكثر الأصوليين والفقهاء: اختصاصه بالقول وإن وصفهم بالجور والعدل بأنه عام ~~مجاز. انتهى. # فعرفت بما ذكرناه وقوع الخلاف في اتصاف الأحكام بالعموم كما وقع الخلاف ~~في اتصاف المعاني به. PageV01P290 ### | المسألة الرابعة: "الفرق بين العام والمطلق" # اعلم: أن العام عمومه شمولي، وعموم المطلق بدلي، وبهذا يصح الفرق بينهما، ~~فمن أطلق على المطلق اسم العموم، فهو باعتبار أن موارده غير منحصرة، فصح ~~إطلاق اسم العموم عليه # PageV01P290 # "من هذه"* الحيثية. # والفرق بين عموم الشمول وعموم البدل، أن عموم الشمول كلي يحكم فيه على كل ~~فرد، وعموم البدل كلي من حيث أنه لا يمنع تصور مفهومه من وقوع الشركة فيه، ~~ولكن لا يحكم فيه على كل فرد فرد، بل على فرد شائع في أفراده يتناولها على ~~سبيل البدل، ولا يتناول أكثر من واحد منها دفعة. # قال في "المحصول": اللفظ الدال على الحقيقة من حيث هي هي من غير أن يكون ~~فيها دلالة على شيء من قيود تلك الحقيقة، سلبا كان ذلك القيد أو إيجابا فهو ~~المطلق، وأما اللفظ الدال على تلك الحقيقة مع قيد الكثرة فإن كانت الكثرة ~~كثرة معينة بحيث لا تتناول ما يدل عليها فهو اسم العدد، وإن لم تكن الكثرة ~~كثرة معينة فهو العام، وبهذا ظهر خطأ من قال المطلق هو الدال على واحد لا ~~بعينه فإن كونه واحدا وغير معين قيدان زائدان على الماهية. انتهى. # فيجعل في كلامه هذا معنى المطلق عن التقييد، فلا يصدق إلا على الحقيقة من ~~حيث هي هي، وهو غير ما عليه الاصطلاح عند أهل هذا الفن وغيرهم كما عرفت مما ~~قدمنا. # وقد تعرض بعض أهل العلم للفرق بين العموم والعام، فقال: العام هو اللفظ ~~المتناول، والعموم تناول اللفظ لما يصلح له، فالعموم مصدر، والعام، فاعل ~~مشتق من هذا المصدر وهما متغايران؛ لأن المصدر والفعل غير الفاعل. قال ~~الزركشي في "البحر": ومن هذا ms217 يظهر الإنكار على عبد الجبار وابن برهان ~~وغيرهما في قولهم: العموم اللفظ المستغرق، فإن قيل: أرادوا بالمصدر اسم ~~الفاعل، قلنا: استعماله فيه مجاز، ولا ضرورة لارتكابه مع إمكان الحقيقة. # وفرق القرافي بين الأعم والعام، بأن الأعم إنما يستعمل في المعنى والعام ~~في اللفظ، فإذا قيل هذا أعم تبادر الذهن للمعنى، وإذا قيل هذا عام تبادر ~~الذهن للفظ. PageV01P291 ### | المسألة الخامسة: "صيغ العموم" # ذهب الجمهور إلى العموم له صيغة موضوعة له حقيقة، وهي أسماء الشرط، ~~والاستفهام والموصولات، والجموع المعرفة تعريف الجنس، والمضافة، واسم ~~الجنس، والنكرة المنفية، والمفردة المحلي باللام، ولفظ كل، وجميع ونحوها، ~~وسنذكر إن شاء الله الاستدلال على عموم هذه الصيغ ونحوه ذكرا مفصلا. # PageV01P291 # قالوا: لأن الحاجة ماسة إلى الألفاظ العامة لتعذر جمع الآحاد على ~~المتكلم، فوجب أن يكون لها ألفاظ موضوعة حقيقة؛ لأن الغرض من وضع اللغة ~~الإعلام والإفهام. # واحتجوا أيضا بأن السيد إذا قال لعبده لا تضرب أحدا، فهم منه العموم حتى ~~لو ضرب واحدا عد مخالفا، والتبادر دليل الحقيقة والنكرة في النفي للعموم ~~حقيقة فللعموم صيغة، وأيضا لم يزل العلماء يستدلون بمثل {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا} 1 و {الزانية والزاني فاجلدوا} 2، وقد كان الصحابة يحتجون عند ~~حدوث الحادثة "بمثل"* عند الصيغ المذكورة على العموم، ومنه ما ثبت عنه صلى ~~الله عليه وسلم لما سئل عن الحمر الأهلية، فقال: "لم ينزل علي في شأنها إلا ~~هذه الآية الجامعة {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره} " 3 وما ثابت أيضا من احتجاج عمرو بن العاص لما أنكر عليه ترك الغسل ~~من الجنابة، والعدول إلى التيمم مع شدة البرد. فقال سمعت الله يقول: {ولا ~~تقتلوا أنفسكم} 4 فقرر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم5؛ وكم يعد العاد ~~من مثل هذه المواد. # وما أجيب به عن ذلك: بأنه إنما فهم بالقرائن جواب ساقط لا يلتفت إليه ولا ~~يعول عليه. # وقال محمد بن المنتاب6 من المالكية، ومحمد بن شجاع البلخي7 من الحنفية: ~~أنه ليس للعموم صيغة تخصه، وأن ms218 ما ذكروه من الصيغ موضوع في الخصوص، وهو أقل ~~الجمع أما PageV01P292 # اثنان، أو ثلاثة، على الخلاف في أقل الجمع، ولا يقتضي العموم إلا بقرينة. # قال القاضي في "التقريب"، والإمام في "البرهان": يزعمون أن الصيغ ~~الموضوعة للجمع نصوص في الجمع محتملات فيما عداه إذا لم تثبت قرينة تقتضي ~~تعديها على أقل المراتب. انتهى. # ولا يخفاك أن قولهم موضوع للخصوص مجرد دعوى ليس عليها دليل، والحجة قائمة ~~عليهم لغة وشرعا وعرفا، وكل من يفهم لغة العرب واستعمالات الشرع لا يخفى ~~عليه هذا. # وقال جماعة من المرجئة1: إن شيئا من الصيغ لا يقتضي العموم بذاته، ولا مع ~~القرائن، بل إنما يكون العموم عند إرادة المتكلم، ونسب هذا إلى أبي الحسن ~~الأشعري. # قال في "البرهان": نقل مصنفوا المقامات عن أبي الحسن الأشعري والواقفية2 ~~أنهم لا يثبتون لمعنى العموم صيغة لفظية، وهذا النقل على الإطلاق زلل، فإن ~~أحدا لا ينكر إمكان التعبير عن معنى الجمع بترديد ألفاظ تشعر به، كقول ~~القائل: رأيت القوم واحدا واحدا، لم يفتني منهم أحد، وإنما كرر هذه الألفاظ ~~لقطع توهم من يحسبه خصوصا إلى غير ذلك، وإنما أنكر الواقفية لفظة واحدة ~~مشعرة بمعنى الجمع. انتهى. # ولا يخفاك: أن هذا المذهب مدفوع بمثل ما دفع به الذي قبله، وبزيادة على ~~ذلك وهو أن إهمال القرائن المقتضية لكونه عاما شاملا عناد ومكابرة. # وقال قوم بالوقف، ونقله القاضي في "التقريب" عن أبي الحسن الأشعري ومعظم ~~المحققين وذهب إليه. # واحتجوا بأنهم سبروا اللغة ووضعها، فلم يجدوا في وضع اللغة صيغة دالة على ~~العموم، "سواء وردت مطلقة أو مقيدة"* بالقرائن فإنها لا تشعر بالجمع، بل ~~تبقى على التردد، هذا وإن صح النقل فيه فهو مخصوص عندي بالتوابع المؤكدة ~~لمعنى الجمع، كقول القائل: رأيت القوم PageV01P293 # أجمعين أكتعين أبصعين1، فلا يظن بذي عقل أن يتوقف فيها. انتهى. # وقد اختلف الواقفية في محل الوقف على تسعة أقوال: # الأول: # وهو المشهور من مذهب أئمتهم: القول به على الإطلاق من غير تفصيل. # الثاني: # أن الوقف إنما هو في الوعد والوعيد، ms219 دون الأمر والنهي، حكاه أبو بكر ~~الرازي عن الكرخي. قال: وربما ظن مذهب أبي حنيفة؛ لأنه كان لا يقطع بوعيد ~~أهل الكبائر من المسلمين، ويجوز أن يغفر الله لهم في الآخرة. # الثالث: # القول بصيغ العموم في الوعد والوعيد، والتوقف فيما عدا ذلك وهو قول جمهور ~~المرجئة. # الرابع: الوقف في الوعيد بالنسبة إلى عصاة هذه الأمة دون غيرها. # الخامس: # الوقف في الوعيد دون الوعد، قال القاضي: وفرقوا بينهما بما يليق بالشطح، ~~والترهات2 دون الحقائق. # السادس: # الفرق بين أن لا يسمع قبل اتصالها به شيئا من أدلة السمع وكانت وعدا أو ~~وعيدا، فيعلم أن المراد بها للعموم، وإن كان قد سمع قبل اتصالها به أدلة ~~الشرع، وعلم انقسامها إلى العموم والخصوص، فلا يعلم حينئذ العموم في ~~الأخبار التي اتصلت به، حكاه القاضي في "مختصر التقريب". # السابع: # الوقف في حق من لم يسمع خطاب الشرع "منه"* صلى الله عليه وسلم، وأما من ~~سمع منه وعرف تصرفاته فلا وقف فيه، كذا حكاه المازري. # الثامن: # التفصيل بين أن يتقيد بضرب من التأكيد فيكون للعموم، دون ما إذا لم ~~يتقيد. # التاسع: # أن لفظة المؤمن والكافر حيثما وقعت في الشرع أفادت العموم دون غيرها، ~~حكاه المازري عن بعض المتأخرين. # وقد علمت اندفاع مذهب الوقف على الإطلاق بعدم توازن الأدلة التي تمسك بها ~~المختلفون في العموم، بل ليس بيد غير أهل المذهب الأول شيء مما يصح إطلاق ~~اسم الدليل عليه، فلا وجه للتوقف ولا مقتضى له. # والحاصل: أن كون المذهب الأول هو الحق الذي لا سترة به ولا شبهة فيه، ~~ظاهر لكل من يفهم فهما صحيحا، ويعقل الحجة، ويعرف مقدارها في نفسها ومقدار ~~ما يخالفها. PageV01P294 ### | المسألة السادسة: في الاستدلال على أن كل صيغة من تلك الصيغ للعموم وفيه فروع # الفرع الأول في: # من، وما، وأين، ومتى، للاستفهاز؟ # فهذه الصيغ إما أن تكون للعموم فقط، أو للخصوص فقط أو لهما على سبيل ~~الاشتراك، أو لا لواحد منهما؛ والكل باطل إلا الأول. # أما أنه لا يجوز أن يقال: إنها موضوعة ms220 للخصوص فقط فلأنه لو كان كذلك لما ~~حسن من المجيب أن يجيب بذكر كل العقلاء؛ لأن الجواب يجب أن يكون مطابقا ~~للسؤال، لكن لا نزاع في حسن ذلك. # وأما أنه لا يجوز أن يقال بالاشتراك، فلأنه لو كان كذلك لما حسن الجواب ~~إلا بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة. # مثلا إذا قال: من عندك؟ فلا بد أن تقول: سألتني عن الرجال أو النساء، ~~فإذا قال: عن الرجال، فلا بد أن تقول: سألتني عن العرب أو العجم، فإذا قال: ~~عن العرب، فلا بد أن تقول: عن ربيعة أو مضر، وهكذا إلى أن تأتي على جميع ~~"التقسيمات"* الممكنة، وذلك لأن اللفظ إما أن يقال إنه مشترك بين الاستغراق ~~وبين مرتبة معينة في الخصوص، أو بين الاستغراق وبين جميع المراتب الممكنة ~~في الخصوص، والأول باطل؛ لأن أحدا لم يقل به، والثاني يقتضي أن لا يحسن من ~~المجيب ذكر الجواب إلا بعد الاستفهام عن كل تلك الأقسام؛ لأن الجواب لا بد ~~أن يكون مطابقا للسؤال، فإذا كان السؤال محتملا لأمور كثيرة فلو أجاب قبل ~~أن يعرف ما عنه وقع السؤال لاحتمل أن لا يكون الجواب مطابقا للسؤال، وذلك ~~غير جائز، فثبت أن لو صح الاشتراك لوجبت هذه الاستفهامات، لكنها غير واجبة. # أما أولا: فلأنه لا عام إلا وتحته عام آخر، وإذا كان كذلك كانت التقسيمات ~~الممكنة غير PageV01P295 # متناهية، والسؤال عنها على سبيل التفصيل محال. # وأما ثانيا: فإنا نعلم بالضرورة من عادة أهل اللسان أنهم يستقبحون مثل ~~هذه الاستفهامات. # وأما أنه لا يجوز أن تكون هذه الصيغة غير موضوعة للعموم والخصوص، فمتفق ~~عليه، فبطلت هذه الثلاثة ولم يبق إلا القسم الأول. # الفرع الثاني: # في صيغة من وما في المجازاة فإنها للعموم، ويدل عليه أن قول القائل: من ~~دخل داري فأكرمه؛ لو كان مشتركا بين العموم والخصوص لما حسن من المخاطب أن ~~يجري على موجب الأمر إلا عند الاستفهام عن جميع الأقسام، لكنه قد حسن ذلك ~~بدون استفهام فدل على عدم الاشتراك كما سبق في الفرع ms221 الذي قبل هذا. # وأيضا لو قال من دخل داري فأكرمه، حسن منه استثناء كل واحد من العقلاء من ~~هذا الكلام، وحسن ذلك معلوم من عادة أهل اللغة ضرورة، والاستثناء يخرج من ~~الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه، وذلك أنه لا نزاع أن المستثنى من الجنس ~~"لا بد أن"* يصح دخوله تحت المستثنى منه، فإما أن لا يعتبر مع الصحة الوجوب ~~أو يعتبر، والأول باطل، وإلا لم يبق فرق بين الاستثناء من الجمع المنكر ~~كقولك: جاءني فقهاء إلا زيدا، وبين الاستثناء من الجمع المعرف، كقولك: ~~جاءني الفقهاء إلا زيدا، والفرق بينهما معلوم بالضرورة من عادة العرب، ~~فعلمنا أن الاستثناء من الجمع المعرف يقتضي إخراج ما لولاه لوجب دخوله تحت ~~اللفظ وهو المطلوب. # الفرع الثالث: # في أن صيغة كل وجميع يفيدان الاستغراق، ويدل على ذلك أنك إذا قلت: جاءني ~~كل عالم في البلد أو جميع علماء البلد، فإنه يناقضه قولك: ما جاءني كل عالم ~~في البلد، وما جاءني جميع علماء البلد، ولذلك يستعمل كل واحد من هذين ~~الكلامين في تكذيب الآخر، والتناقض لا يتحقق إلا إذا أفاد الكل الاستغراق؛ ~~لأن النفي عن الكل لا يناقض الثبوت في البعض، وأيضا صيغة الكل والجميع ~~مقابلة لصيغة البعض، ولولا أن صيغتهما غير محتملة للبعض، لم تكن مقابلة، ~~وأيضا إذا قال القائل: ضربت كل من في الدار أو ضربت جميع من في الدار سبق ~~إلى الفهم الاستغراق، ولو كانت صيغة الكل أو الجمع مشتركة بين الكل والبعض ~~لما كان كذلك؛ لأن اللفظ المشترك لما كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية ~~امتنع أن تكون مبادرة الفهم إلى أحدهما أقوى منها إلى الآخر."وأيضا إذا"** ~~قال السيد لعبده: اضرب كل من دخل داري، أو جميع من دخل داري، فضرب كل واحد ~~ممن دخل لم يكن للسيد أن يعترض عليه بضرب جميعهم، وله أن يعترض عليه إذا ~~ترك البعض منهم، ومثله لو قال رجل لرجل: أعتق كل عبيدي، أو جميع عبيدي ثم ~~مات لم يحصل الامتثال إلا بعتق كل عبد ms222 له، ولا يحصل PageV01P296 # امتثاله بعتق البعض، وأيضا لا يشك عارف بلغة العرب أن بين قول القائل: ~~جاءني رجال، وجاءني كل الرجال، وجميع الرجال، فرقا ظاهرا، وهو دلالة الثاني ~~على الاستغراق دون الأول، وإلا لم يكن بينهما فرق، ومعلوم أن أهل اللغة إذا ~~أرادوا التعبير عن الاستغراق جاءوا بلفظ كل، وجميع، وما يفيد مفادهما، ولو ~~لم يكونا للاستغراق لكان استعمالهم لهما عند إرادتهم للاستغراق عبثا. # قال القاضي عبد الوهاب: ليس بعد كل في كلام العرب كلمة أعم منها، ولا فرق ~~بين أن تقع مبتدأ بها أو تابعة، تقول: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، وجاءني ~~القوم كلهم، فيفيد أن المؤكد به عام وهي تشمل العقلاء، وغيرهم والمذكر ~~والمؤنث، والمفرد والمثنى والمجموع فلذلك كانت أقوى صيغ العموم، وتكون في ~~الجميع بلفظ واحد، تقول كل النساء، وكل القوم، وكل رجل، وكل امرأة. # قال سيبويه: معنى قولهم: كل رجل: كل رجال، فأقاموا رجلا مقام رجال؛ لأن ~~رجلا شائع في الجنس، والرجال الجنس، ولا يؤكد بها المثنى استغناء عنه بكل، ~~ولا يؤكد بها إلا ذو أجزاء، ولا يقال: جاء زيد كله. انتهى. # وقد ذكر علماء النحو والبيان الفرق بين أن يتقدم النفي على كل، وبين أن ~~تتقدم هي عليه، فإذا تقدمت على حرف النفي نحو: كل القوم لم يقم أفادت ~~التنصيص على انتفاء قيام كل فرد فرد، وإن تقدم النفي عليها مثل: لم يقم كل ~~القوم لم تدل إلا على نفي المجموع، وذلك بصدق بانتفاء القيام عن بعضهم، ~~ويسمى الأول عموم السلب والثاني سلب العموم، من جهة أن الأول يحكم فيه ~~بالسلب عن كل فرد، والثاني لم يفد العموم في حق كل أحد إنما أفاد نفي الحكم ~~عن بعضهم. # قال "القرافي"*: وهذا شيء اختصت به كل من بين سائر صيغ العموم، قال: وهذه ~~القاعدة متفق عليها عند أرباب البيان، وأصلها قوله صلى الله عليه وسلم: "كل ~~ذلك لم يكن" لما قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت1. انتهى. ~~PageV01P297 # وإذا عرفت هذا في معنى كل فقد ms223 تقرر أن لفظ جميع هو بمعنى كل الإفرادي، ~~وهو معنى قولهم: أنها للعموم الإحاطي، وقيل: يفترقان من جهة كون دلالة على ~~كل فرد بطريق النصوصية بخلاف جميع. # وفرقت الحنفية بينهما بأن كل تعم الأشياء على سبيل الانفراد، وجميع تعمها ~~على سبيل الاجتماع، وقد روي أن الزجاج1 حكى هذا الفرق عن المبرد2. # الفرع الرابع: # لفظ أي فإنها من جملة صيغ العموم، إذا كانت شريطة أو استفهامية، كقوله ~~تعالى: {أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} 3 وقوله تعالى: {أيكم يأتيني ~~بعرشها} 4؛ وقد ذكرها في صيغ العموم الأستاذ أبو منصور البغدادي والشيخ أبو ~~إسحاق الشيرازي، وإمام الحرمين الجويني، وابن الصباغ، وسليم الرازي، ~~والقاضيان أبو بكر وعبد الوهاب والرازي والآمدي والصفي الهندي وغيرهم، ~~قالوا: وتصلح للعاقل وغيره. # قال القاضي عبد الوهاب في "التخليص"5: إلا أنها تتناول على جهة الانفراد ~~دون الاستغراق، ولهذا إذا قلت: أي الرجلين عندك، لم يجب إلا بذكر واحد. قال ~~ابن السمعاني في "القواطع"6: وأما كلمة أي فقيل: كالنكرة لأنها تصحبها لفظا ~~ومعنى، تقول: أي رجل فعل هذا وأي دار دخل؟ قال الله تعالى: {أيكم يأتيني ~~بعرشها} وهي في المعنى نكرة لأن المراد بها واحد منهم. انتهى. # قال الزركشي في "البحر": وحاصل كلامهم: أنها للاستغراق البدلي لا ~~الشمولي، لكن ظاهر كلام الشيخ أبي إسحاق أنها للعموم والشمولي، وتوسع ~~القرافي فعدى عمومها إلى الموصولة والموصوفة في النداء، ومنهم من لم يعده ~~كالغزالي وابن القشيري لأجل قول النحاة: إنها بمعنى بعض إذا أضيفت إلى ~~معرفة، وقول الفقهاء أي وقت دخلت الدار فأنت طالق لا يتكرر PageV01P298 # الطلاق بتكرار الدخول كما في كلما. # والحق: أن عدم التكرار لا ينافي العموم، وكون مدلولها أحد الشيئين قدر ~~مشترك بينهما وبين بقية الصيغ في الاستفهام. # وقال صاحب "اللباب"1 من الحنفية، وأبو زيد في "التقويم": كلمة أي نكرة لا ~~تقتضي العموم بنفسها إلا بقرينة، ألا ترى إلى قوله: {أيكم يأتيني بعرشها} ~~ولم يقل يأتوني، لو قال لغيره: أي عبيدي ضربته فهو حر فضربهم لم يعتق إلا ~~واحد، فإن وصفها ms224 بصفة عامة كانت للعموم بقوله: أي عبيدي ضربك فهو حر، ~~فضربوه جميعا عتقوا، لعموم فعل الضرب، وصرح إلكيا الطبري بأنها ليست من صيغ ~~العموم فقال: وأما أي فهي اسم مفرد يتناول جزءا من الجملة المضافة، قال ~~الله سبحانه وتعالى: {أيكم يأتيني بعرشها} فجاء به واحد وقال: {أيكم أحسن ~~عملا} 2، وصرح القاضي حسين، والشاشي أنه لا فرق بين الصورتين المذكورتين، ~~وأن العبيد يعتقون جميعا فيهما وجزم ابن الهمام في "التحرير"3 بأنها في ~~الشرط والاستفهام ككل مع النكرة، وكالبعض مع المعرفة وهو المناسب لما ~~"قرره"* النحاة فيها فإن الفرق بين قول القائل: أي رجل تضرب أضرب، وبين أي ~~"الرجلين"** تضرب أضرب ظاهر لا يخفى. # الفرع الخامس: # النكرة في النفي فإنها تعم وذلك لوجهين: # الأول: أن الإنسان إذا قال: أكلت اليوم شيئا، فمن أراد تكذيبه قال: ما ~~أكلت اليوم شيئا، فذكرهم هذا النفي عن تكذيب ذلك الإثبات يدل على اتفاقهم ~~على كونه مناقضا له فلو كان قوله: ما أكلت اليوم شيئا لا يقتضي العموم لما ~~تناقضا؛ لأن السلب الجزئي لا يناقض الإيجاب الجزئي. # الوجه الثاني: أنها لو لم تكن النكرة في النفي للعموم لما كان قولنا: لا ~~إله إلا الله نفيا لجميع الآلهة سوى الله سبحانه وتعالى، فتقرر بهذا أن ~~النكرة المنفية بما أو لن أو لم أو ليس أو PageV01P299 # لا مفيدة للعموم، وسواء دخل حرف النفي على فعل نحو: ما رأيت رجلا، أو على ~~الاسم نحو: لا رجل في الدار، ونحو ما أحد قائما وما قام أحد. # وقال القاضي عبد الوهاب في "الإفادة": قد فرق أهل اللغة بين النفي في ~~قوله: ما جاءني أحد، وما جاءني من أحد، وبين دخوله على النكرة من أسماء ~~الجنس، فيما جاءني رجل، وما جاءني من رجل، فرأوا تساوي اللفظين في الأول، ~~وأن من زائدة فيه، وافتراق المعنى في الثاني؛ لأن قوله: ما جاءني رجل يصلح ~~أن يراد به الكل، وأن يراد به رجل واحد، فإذا دخلت من أخلصت النفي ~~للاستغراق. # وقال إمام الحرمين الجويني: هي للعموم ms225 ظاهرا عند تقدير من، فإن دخلت من ~~كانت نصا، والمشهور في علم النحو الخلاف بين سيبويه والمبرد، فسيبويه قال: ~~إن العموم مستفاد من النفي قبل دخول من، والمبرد قال: أنه مستفاد من لفظ ~~من؛ والحق ما قاله سيبويه، وكون من تفيد النصوصية بدخولها، لا ينافي الظهور ~~الكائن قبل دخولها. # قال أبو حيان1: مذهب سيبويه أن ما جاءني من أحد، وما جاءني من رجل؛ من في ~~الموضعين لتأكيد استغراق الجنس، وهذا هو الصحيح. انتهى. # ولو لم تكن من صيغ العموم قبل دخول من لما كان نحو قوله تعالى: {لا يعزب ~~عنه مثقال ذرة} 2 و {لا تجزي نفس عن نفس شيئا} 3 مقتضيا للعموم، وقد فرق ~~بعضهم بين حروف النفي الداخلة على النكرة بفرق لا طائل تحته فلا نطول ~~بذكره. # واعلم: أن حكم النكرة الواقعة في سياق النهي حكم النكرة الواقعة في سياق ~~النفي، وما خرج عن ذلك من الصور فهو لنقل العرف له عن الوضع اللغوي. # الفرع السادس: # لفظ معشر ومعاشر وعامة، وكافة وقاطبة، وسائر من صيغ العموم في مثل قوله ~~تعالى: PageV01P300 # {يا معشر الجن والأنس} 1 و"نحن معاشر الأنبياء لا نورث" 2 وجاءني القوم ~~عامة، {وقاتلوا المشركين كافة} و"ارتدت العرب قاطبة"4 وجاءني سائر الناس إن ~~كانت مأخوذة من سور البلد وهو المحيط بها كما قاله الجوهري5، وإن كانت من ~~أسأر بمعنى أبقى فلا تعم. # وقد حكى الأزهري6 الاتفاق على أنها مأخوذة من المعنى الثاني، وغلطوا ~~الجوهري. # وأجيب عن الأزهري بأنه قد وافق الجوهري على ذلك السيرافي في "شرح كتاب ~~سيبويه"7 وأبو منصور الجواليقي في شرح أدب الكاتب"8 وابن بري وغيرهم ~~والظاهر أنها للعموم PageV01P301 # وإن كانت بمعنى الباقي؛ لأن المراد بها شمول ما "دلت"* عليه سواء كانت ~~بمعنى الجميع أو الباقي كما نقول: اللهم اغفر لي ولسائر المسلمين، وخالف في ~~ذلك القرافي والقاضي عبد الوهاب. # الفرع السابع: # الألف واللام الحرفية لا الاسمية، تفيد العموم إذا دخلت على الجمع، سواء ~~كان سالما أو مكسرا، وسواء كان من جموع القلة أو الكثرة، ms226 وكذا إذا دخلت على ~~اسم الجمع كركب وصحب، وقوم ورهط، وكذا إذا دخلت على اسم الجنس # وقد اختلف في اقتضائها للعموم إذا دخلت على هذه المذكورات على مذاهب ~~ثلاثة: # الأول: أنه إذا كان هناك معهود حمل على العهد، فإن لم يكن حملت على ~~الاستغراق، وإليه ذهب جمهور أهل العلم. # الثاني: أنها تحمل على الاستغراق إلا أن يقوم دليل على العهد. # الثالث: أنها تحمل عند فقد العهد على الجنس من غير استغراق، وحكاه صاحب ~~"الميزان"1، عن أبي علي الفارسي وأبي هاشم. # والراجح المذهب الأول. وقال ابن الصباغ هو إجماع الصحابة. # قال في "المحصول" مستدلا على هذا المذهب: لنا وجوه. # الأول: أن الأنصار لما طلبوا الإمامة احتج عليهم أبو بكر بقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "الأئمة من قريش" 2، والأنصار سلموا تلك الحجة، ولو لم يدل ~~الجمع المعرف بلام الجنس على الاستغراق لما صحت تلك الدلالة؛ لأن قوله صلى ~~الله عليه وسلم: "الأئمة من قريش"، لو كان معناه بعض الأئمة من قريش لوجب ~~أن لا ينافي وجود إمام من قوم آخرين. PageV01P302 # فال: الوجه الثاني: أن هذا الجمع يؤكد بما يقتضي الاستغراق، فوجب أن يفيد ~~في أصله الاستغراق، أما أنه يؤكد فكقوله تعالى: {فسجد الملائكة كلهم ~~أجمعون} 1 وأما أنه بعد التأكيد يقتضي الاستغراق فبالإجماع. # "الوجه الثالث"*: الألف واللام إذا دخلا في الاسم صار "بهما"** معرفة كما ~~نقل عن أهل اللغة فيجب صرفه إلى ما به تحصل المعرفة، وإنما تحصل المعرفة ~~عند إطلاقه بالصرف إلى الكل معلوم للمخاطب، فأما الصرف إلى ما دون فإنه لا ~~يفيد المعرفة؛ لأن بعض المجموع ليس أولى من بعض فكان مجهولا. # قال: الوجه الرابع: أنه يصح استثناء أي واحد كان منه "ذلك"***. # وذلك يفيد العموم على ما تقدم. وممن حكى إجماع الصحابة على إفادة هذا ~~التعريف للعموم ابن الهمام في "التحرير"، وحكى أيضا إجماع أهل اللغة على ~~صحة الاستثناء. # قال الزركشي في "البحر": وظاهر كلام الأصوليين أنها تحمل على الاستغراق ~~لعموم فائدته ولدلالة اللفظ عليه، ونقله ابن القشيري عن ms227 المعظم، وصاحب ~~"الميزان" عن أبي بكر السراج النحوي2، فقال: إذا تعارض جهة العهد والجنس ~~يصرف إلى الجنس، وهذا هو الذي أورده الماوردي والروياني في أول كتاب البيع ~~قالا لأن الجنس يدخل تحته العهد، والعهد لا يدخل تحت الجنس، وروي عن إمام ~~الحرمين الجويني أنه مجمل؛ لأن عمومه ليس من صيغته، بل من قرينة نفي ~~المعهود فتعين الجنس؛ لأنه لا يخرج عنها وهو قول ابن القشيري. # قال إلكيا الهراس3: إنه الصحيح؛ لأن الألف واللام للتعريف وليست إحدى ~~جهتي التعريف بأولى من الثانية، فيكتسب اللفظ جهة الإجمال لاستوائه بالنسبة ~~إليهما. انتهى. # والكلام في هذا البحث يطول جدا فقد تكلم فيه أهل الأصول، وأهل النحو، ~~وأهل البيان، بما هو معروف، وليس المراد هنا إلا بيان ما هو الحق وتعيين ~~الراجح من المرجوح، ومن أمعن PageV01P303 # النظر وجود التأمل علم أن الحق الحمل على الاستغراق، إلا أن يوجد هناك ما ~~يقتضي العهد، وهو ظاهر في تعريف الجنس. # وأما تعريف الجمع مطلقا واسم الجمع فكذلك أيضا؛ لأن التعريف يهدم الجمعية ~~ويصيرها للجنس، وهذا يدفع ما قيل من أن استغراق المفرد أشمل. # الفرع الثامن: # تعريف الإضافة: وهو من مقتضيات العموم، كالألف واللام، من غير فرق بين ~~كون المضاف جمعا نحو عبيد زيد أو اسم جمع، نحو جاءني ركب المدينة، أو اسم ~~جنس نحو {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} 1، ومنعت العراق درهمها ودينارها، ~~ومنعت الشام قفيزها، وصاعها، وقد صرح الرازي: بأن المفرد المضاف يعم مع ~~اختياره بأن المعرف بالألف واللام لا يعم. # قال الصفي الهندي في "النهاية"2: وكون المفرد المضاف للعموم وإن لم يكن ~~منصوصا "لهم"*، لكن نفيه التسوية بين الإضافة ولام التعريف يقتضي العموم. # والحق: أن عموم الإضافة أقوى، ولهذا لو حلف لا يشرب الماء حنث بشرب ~~القليل منه، لعدم تناهي أفراده، ولو حلف لا يشرب ماء البحر لا يحنث إلا ~~بكله. انتهى. # وفي هذا الفرق نظر، ولا ينافي إفادة إضافة اسم الجنس للعموم ما وقع من ~~الخلاف فيمن قال: زوجتي طالق، وله أربع زوجات، فإن ms228 من قال: إنها لا تطلق ~~إلا واحدة استدل بأن العرف قد خص هذه الصورة وأمثالها عن الموضوع اللغوي، ~~على أنه قد حكى الروياني في "البحر" عن ابن عباس وأحمد بن حنبل أنها تطلق ~~الأربع جميعا، بخلاف ما عدا هذه الصورة وأمثالها، فإنه يحمل على العموم، ~~كما لو قال: مالي صدقة، ومن هذا قوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث ~~إلى نسائكم} 3 وقوله صلى الله عليه وسلم: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" 4. # الفرع التاسع: # الأسماء الموصولة، كالذي، والتي، والذين، واللات، وذو الطائية5، ~~PageV01P304 # وجمعها، وقد صرح القرافي والقاضي عبد الوهاب بأنها من صيغ العموم. # وقال ابن السمعاني: جميع الأسماء المبهمة تقتضي العموم. # وقال أصحاب الأشعري: إنها تجري في بابها مجرى اسم منكور "كقولنا: رجل، ~~ويمكن أن يكون زيدا أو عمرا، فلا يصار إلى أحدهما إلا بدليل، والإبهام لا ~~يقتضي الاستغراق، بل يحتاج إلى قرينة، والحق أنها من صيغ العموم"* كقوله ~~سبحانه: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} 1 {إن الذين سبقت ~~لهم منا الحسنى} 2، {الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} 3، وما خرج من ذلك ~~فلقرينة تخصصه عن موضوعه اللغوي. # الفرع العاشر: # نفي المساواة بين الشيئين كقوله تعالى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب ~~الجنة} 4، فذهب جمهور الشافعية وطوائف من الأصوليين والفقهاء إلى أنه يقتضي ~~العموم. # وذهبت الحنفية والمعتزلة والغزالي والرازي إلى أنه ليس بعام. # استدل الأولون بأنه نكرة في سياق النفي؛ لأن الجملة نكرة باتفاق النحاة، ~~وكذلك توصف بها النكرات دون المعارف. # واستدل الرازي في "المحصول" للآخرين بوجهين: # الأول: أن نفي الاستواء مطلقا -أي: في الجملة- أعم من نفي الاستواء من كل ~~الوجوه، أو من بعضها والدال على القدر المشترك بين الأمرين لا إشعار فيه ~~بهما فلا يلزم من نفيه نفيهما. # الثاني: أنه إما أن يكفي في إطلاق لفظ المساواة الاستواء من بعض الوجوه، ~~أو لا بد فيه من الاستواء من كل الوجوه، والأول باطل، وإلا لوجوب إطلاق لفظ ~~المساواة على جميع الأشياء؛ لأن كل شيئين لا بد أن يستويا في ms229 بعض الأمور، ~~من كونهما معلومين، وموجودين، ومذكورين، وفي سلب ما عداهما عنهما، ومتى صدق ~~عليه المساوي وجب أن يكذب عليه غير المساوي؛ لأنهما في العرف كالمتناقضين، ~~فإن من قال: هذا يساوي ذاك، فمن أراد تكذيبه قال: لا يساويه، والمناقضان لا ~~يصدقان معا فوجب أن لا يصدق على شيئين ألبتة؛ لأنهما متساويان، وغير ~~متساويين، ولما كان ذلك باطلا علمنا أنه يعتبر في المساواة المساواة من كل ~~الوجوه PageV01P305 # وحينئذ يكفي في نفي المساواة نفي الاستواء من بعض الوجوه؛ لأن نقيض الكلي ~~هو الجزئي، فإذا قلنا لا يستويان لا يفيد نفي الاستواء من جميع الوجوه. # وأجيب عن الدليل الأول: بأن عدم إشعار الأعم بالأخص إنما هو في طريق ~~الإثبات لا في طريق النفي، فإن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، ولولا ذلك لجاز ~~مثله في كل نفي، فلا يعم نفي أبدا إذ يقال في لا رجل: رجل أعم من الرجل ~~بصيغة العموم، فلا يشعر به وهو خلاف ما ثبت بالدليل. # وأجيب عن الدليل الثاني: بأنه إذا قيل: لا مساواة فإنما يراد نفي مساواة ~~يصح انتفاؤها وإن كان ظاهرا في العموم، وهو من قبيل ما يخصصه العقل نحو ~~قوله تعالى: {الله خالق كل شيء} 1 أي خالق كل شيء يخلق. # والحاصل: أن مرجع الخلاف إلى أن المساواة في الإثبات هل مدلولها لغة ~~المشاركة في كل الوجوه حتى يكون اللفظ شاملا أو مدلولها المساواة في بعض ~~الوجوه، حتى يصدق بأي وجه، فإن قلنا بالأول لم يكن النفي للعموم؛ لأن نقيض ~~الكلي الموجب جزئي سالب، وإن قلنا بالثاني كان للعموم؛ لأن نقيض الجزئي ~~الموجب كلي سالب. # وخلاصة هذا أن صيغة "لا يستوي"* الاستواء إما لعموم سلب التسوية، أو لسلب ~~عموم التسوية، فعلى الأول يمتنع ثبوت شيء من أفرادها، وعلى الثاني ثبوت ~~البعض، وهذا يقتضي ترجيح المذهب الثاني؛ لأن حرف النفي سابق وهو يفيد سلب ~~العموم لا عموم السلب، وأما الآية التي وقع المثال بها فقد صرح فيها بما ~~يدل على أن النفي باعتبار بعض الأمور وذلك قوله ms230 تعالى: {أصحاب الجنة هم ~~الفائزون} 2 فإن ذلك يفيد أنهما لا يستويان في الفوز بالجنة، وقد رجح الصفي ~~الهندي بأن نفي الاستواء من باب المجمل من المتواطئ لا من باب العام، ~~وتقدمه إلى ترجيح الإجمال إليكا الطبري. # الفرع الحادي عشر: # إذا وقع الفعل في سياق النفي أو الشرط، فإن كان غير متعد فهل يكون النفي ~~له نفيا لمصدره، وهو نكرة فيقتضي العموم أم لا؟ حكى القرافي عن الشافعية ~~والمالكية أنه يعم، وقال: إن القاضي عبد الوهاب في "الإفادة" نص على ذلك، ~~وإن كان متعديا ولم يصرح بمفعوله نحو: لا أكلت، وإن أكلت، ولا كان له دلالة ~~على مفعول معين، فذهبت الشافعية والمالكية وأبو يوسف وغيرهم إلى أنه يعم. ~~PageV01P306 # وقال أبو حنيفة: لا يعم واختاره القرطبي من المالكية، والرازي من ~~الشافعية، وجعله القرطبي من باب الأفعال اللازمة نحو: يعطي ويمنع فلا يدل ~~على مفعول لا بالخصوص ولا بالعموم. # قال الأصفهاني: لا فرق بين المتعدي واللازم، والخلاف فيهما على السواء. # وظاهر كلام إمام الحرمين الجويني، والغزالي، والآمدي والصفي الهندي، أن ~~الخلاف إنما هو في الفعل المتعدي إذا وقع في سياق النفي، أو الشرط هل يعم ~~مفاعيله أم لا، لا في الفعل اللازم فإنه لا يعم. # والذي ينبغي التعويل عليه أنه لا فرق بينهما في نفس مصدريهما، فيكون ~~النفي لهما نفيا لهما، ولا فرق بينهما وبين وقوع النكرة في سياق النفي، ~~وأما فيما عدا المصدر فالفعل المتعدي لا بد له من مفعول به فحذفه مشعر ~~بالتعميم كما تقرر في علم المعاني. # وذكر القرطبي أن القائلين بتعميمه قالوا لا يدل على جميع ما يمكن أن يكون ~~مفعولا على جهة الجمع، بل على جهة البدل. قال: وهؤلاء أخذوا الماهية مقيدة، ~~ولا ينبغي لأبي حنيفة أن ينازع في ذلك. # الفرع الثاني عشر: # الأمر للجميع بصيغة الجمع كقوله: {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} 1 عمومه ~~وخصوصه يكون باعتبار ما يرجع إليه، "والدليل على ذلك"* أن السيد إذا أشار ~~إلى جماعة من غلمانه وقال: قوموا، فمن تخلف عن القيام ms231 منهم استحق الذم، ~~وذلك يدل على أن اللفظ للشمول، فلا يجوز أن يضاف ذلك إلى القرينة. # قال في "المحصول": لأن تلك القرينة إن كانت من لوازم هذه الصيغة فقد حصل ~~مرادنا، وإلا فلنفرض هذه الصيغة مجردة عنها ويعود الكلام. انتهى. # وممن صرح أن عموم صيغة الجمع في الأمر وخصوصها يكون باعتبار مرجعها ~~الإمام الرازي في "المحصول"، والصفي الهندي في "النهاية"، وذكر القاضي عبد ~~الجبار عن الشيخ أبي عبد الله البصري، أن قول القائل افعلوا يحمل على ~~الاستغراق، وقال أبو الحسين البصري: الأولى أن يصرف إلى المخاطبين، سواء ~~كانوا ثلاثة أو أكثر، وأطلق سليم الرازي في "التقريب"2 أن المطلقات لا عموم ~~فيها PageV01P307 # فائدة: قال إمام الحرمين الجويني وابن القشيري: أن أعلى صيغ العموم أسماء ~~الشرط، والنكرة في النفي، وادعيا القطع بوضع ذلك للعموم، وصرح الرازي في ~~"المحصول" أن أعلاها أسماء الشرط، والاستفهام ثم النكرة المنفية لدلالتها ~~بالقرينة لا بالوضع، وعكس الصفي الهندي فقدم النكرة المنفية على الكل، وقال ~~ابن السمعاني: أبين وجوه العموم، وألفاظ "الجموع"* ثم اسم الجنس المعرف ~~باللام، وظاهره أن الإضافة دون ذلك في المرتبة، وعكس الإمام الرازي في ~~"تفسيره"1 فقال: الإضافة أدل على العموم من الألف واللام، والنكرة المنفية ~~أدل على العموم منها إذا كانت في سياق النفي والتي بمن أدل من المجردة عنها ~~قال أبو علي الفارسي: إن مجيء أسماء الأجناس معرفة بالألف واللام أكثر من ~~مجيئها مضافة. # وقال إلكيا الطبري في "التلويح"2: ألفاظ العموم أربعة: # أحدها: عام بصيغته ومعناه كالرجال والنساء. # والثاني: عام بمعناه لا بصيغته كالرهط ونحوه من أسماء الأجناس، قال: وهذا ~~لا خلاف فيه. # والثالث: ألفاظ مبهمة نحو ما ومن، وهذا يعم كل أحد. # والرابع: النكرة في سياق النفي نحو لم أر رجلا، وذلك يعم لضرورة صحة ~~الكلام، وتحقيق غرض المتكلم من الإفهام إلا أنه لا يتناول الجميع بصيغته. # فالعموم فيه من القرينة فلهذا لم يختلفوا فيه، وقد قدمنا3 في الفرع ~~الثالث ما يفيد أن لفظ كل أقوى صيغ العموم. PageV01P308 ### | المسألة السابعة: في عموم ms232 الجمع المنكر للقلة أو للكثرة # قال جمهور أهل الأصول: إن جمع القلة المنكر ليس بعام لظهوره في العشرة، ~~فما دونها؛ وأما "جموع"* الكثرة المنكرة، فذهب جمهور المحققين إلى أنه ليس ~~بعام، وخالف في ذلك PageV01P308 # الجبائي، وبعض الحنفية، وابن حزم، وحكاه ابن برهان عن المعتزلة، واختاره ~~البزدوي وابن الساعاتي1 وهو أحد وجهي الشافعي، كما حكاه الشيخ أبو حامد ~~الإسفراييني والشيخ أبو إسحاق الشيرازي "وسليم الرازي"*. # احتج الجمهور: بأن الجمع المنكر لا يتبادر منه عند إطلاقه عن قرينة ~~العموم، نحو رأيت رجالا، استغراق الرجال، كما أن رجلا عند الإطلاق لا ~~يتبادر منه الاستغراق لأفراد مفهومه، ولو كان للعموم لتبادر منه ذلك فليس ~~الجمع المنكر عاما كما أن رجلا "كذلك"**. # قال في "المحصول" لنا أن لفظ رجال يمكن نعته بأي جمع شئنا، فيقال: رجال ~~ثلاثة وأربعة وخمسة، فمفهوم قولك: رجال يمكن أن يجعل مورد التقسيم لهذه ~~الأقسام، والمورد للتقسيم بالأقسام يكون مغايرا لكل واحد من تلك الأقسام ~~"وغير مستلزم لها، فاللفظ الدال على ذلك المراد لا يكون له إشعار بتلك ~~الأقسام"*** فلا يكون دالا عليها، وأما الثلاثة فهي مما لا بد فيه فثبت أنه ~~يفيد الثلاث فقط. # احتج القائلون أنه يفيد العموم بأنه قد ثبت إطلاقه على كل مرتبة من مراتب ~~الجموع، فإذا حملناه على الجميع فقد حملناه على جميع حقائقه، فكان أولى. # وأجيب بمنع إطلاقه على كل مرتبة حقيقة، بل هو القدر المشترك بينها كما ~~تقدم2، ولا دلالة له على الخصوص أصلا. # واحتجوا ثانيا: بأنه لو لم يكن للعموم لكان مخصصا بالبعض، واللازم منتف ~~لعدم المخصص وامتناع التخصيص بلا "مخصص"****. # وأجيب بالنقض برجل ونحوه، مما ليس للعموم ولا مختصا بالبعض، بل شائع يصلح ~~للجمع، ولا يخفاك ضعف ما استدل به هؤلاء القائلون بأنه للعموم، فإن دعوى ~~عموم رجال لكل رجل مكابرة لما هو معلوم من اللغة، ومعاندة لما "يفهمه"***** ~~كل عارف بها. PageV01P309 ### | المسألة الثامنة: في أقل الجمع # اختلفوا في أقل الجمع، وليس النزاع في لفظ الجمع المركب من الجيم والميم ~~والعين، كما ms233 ذكر ذلك إمام الحرمين الجويني، وإلكيا الهراس، وسليم الرازي، ~~فإن "ج، م، ع" موضوعها يقتضي ضم شيء إلى شيء، وذلك حاصل في الاثنين ~~والثلاثة وما زاد على ذلك بلا خلاف. # قال سليم الرازي: بل قد يقع على الواحد كما يقال: جمعت الثوب بعضه إلى ~~بعض. # قال الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني: لفظ الجمع في اللغة له معنيان، الجمع ~~من حيث الفعل المشتق منه الذي هو مصدر جمع يجمع جمعا، والجمع الذي هو ~~اللقب، وهو اسم العدد قال: وبعض من لم يهتد إلى الفرق خلط الباب، فظن أن ~~الجمع الذي هو بمعنى اللقب من جملة الجمع الذي هو بمعنى الفعل، فقال: إذا ~~كان الجمع بمعنى الضم، فالواحد إذا أضيف إلى الواحد فقد جمع بينهما، فوجب ~~أن يكون جمعا، وثبت أن الاثنين أقل الجمع، وخالف بهذا القول جميع أهل اللغة ~~وسائر أهل العلم. # وذكر إمام الحرمين الجويني أن الخلاف ليس في مدلول مثل قوله: {فقد صغت ~~قلوبكما} 1، وقول القائل: ضربت رءوس الرجلين، وقطعت بطونهما، بل الخلاف في ~~الصيغ الموضوعة للجمع، سواء كان للسلامة أو التكسير، وذكر مثل هذا الأستاذ ~~أبو منصور والغزالي. # إذا عرفت هذا ففي أقل الجمع مذاهب: # الأول: أن أقله اثنان، وهو المروي عن عمر، وزيد بن ثابت، وحكاه عبد ~~الوهاب عن الأشعري وابن الماجشون2. # قال الباجي: وهو قول القاضي أبي بكر بن العربي، وحكاه ابن خوازمنداد، عن ~~مالك، واختاره الباجي ونقله صاحب "المصادر"3 عن القاضي أبي يوسف، وحكاه ~~الأستاذ أبو منصور PageV01P310 # عن أهل الظاهر، وحكاه ابن الدهان1 النحوي عن محمد بن داود2 وأبي يوسف، ~~والخليل3 ونفطويه4. # قال: وسأل سيبويه الخليل فقال: الاثنان جمع. # وعن ثعلب أن التثنية جمع عند أهل اللغة، واختاره الغزالي. # واستدلوا بقوله سبحانه: {قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} 5 ~~لأنهم طلبوا إلها مع الله، ثم قالوا: {كما لهم آلهة} فدل على أنه إذا صار ~~لهم إلهان صاروا بمنزلة الآلهة. # واستدلوا أيضا بقوله تعالى: {فإن كان له إخوة} 6 فأطلق الإخوة والمراد ~~أخوان فما ms234 فوقهما إجماعا. # وأجيب: بأنه قد ورد للاثنين مجازا كما يدل على ذلك ما روي عن ابن عباس ~~أنه قال لعثمان: "ليس الأخوان إخوة في لسان قومك"، فقال عثمان: "لا أنقض ~~أمرا كان قبلي وتوارثه الناس"7، أخرجه ابن خزيمة، والحاكم، وصححه، وابن عبد ~~البر والبيهقي، فلم ينكر ذلك عثمان، بل عدل إلى التأويل، وهو الحمل على ~~خلاف الظاهر بالإجماع. # وبمثل هذا يجاب عما استدلوا به من قوله تعالى: {إنا معكم مستمعون} 8، ~~والمراد موسى وهارون PageV01P311 # وأيضا قد قيل بمنع كون المراد موسى وهارون فقط بل هما من فرعون وأما ~~استدلالهم بما عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «الاثنان فما فوقهما جماعة» ~~فهو استدلال خارج عن محل النزاع لأنه لم يقل الاثنان فما فوقهما جمع بل قال ~~جماعة يعني أنهما تنعقد بهما صلاة الجماعة. # المذهب الثاني: أن أقل الجمع ثلاثة وبه قال الجمهور وحكاه ابن الدهان ~~النحوي عن جمهور النحاة وقال ابن خروف في شرح كتاب سيبويه إنه مذهب سيبويه ~~وهذا هو القول الحق الذي عليه أهل اللغة والشرع وهو السابق إلى الفهم عند ~~إطلاق الجمع والسبق دليل الحقيقة ولم يتمسك من خالفه بشيء يصلح للاستدلال ~~به. # المذهب الثالث: أن أقل الجمع واحد هذا حكاه بعض أهل الأصول وأخذه من كلام ~~إمام الحرمين وقد ذكر ابن فارس في فقه العربية صحة إطلاق الجمع وإرادة ~~الواحد ومثله قوله تعالى: {فناظرة بم يرجع المرسلون} المراد بالمرسلين نوح ~~قال القفال # PageV01P312 # الشاشي في كتابه في "الأصول"1 بعد ذكر الأدلة: وقد يستوي حكم التثنية وما ~~دونها بديل كالمخاطب للواحد بلفظ الجمع، في قوله: {قال رب ارجعون} 2 و {إنا ~~له لحافظون} 3، وقد تقول العرب للواحد: افعلا، افعلوا، وهو ظاهر في أن ذلك ~~مجاز، وظاهر كلام الغزالي أنه مجاز بالاتفاق، وذكر المازري أن القاضي أبا ~~بكر حكى الاتفاق على أنه مجاز، ولم يأت من ذهب إلى أنه حقيقة بشيء يعتد به ~~أصلا، بل جاء باستعمالات وقعت في الكتاب العزيز وفي كلام العرب خارجة على ~~طريقة المجاز كما تقدم، ms235 وليس النزاع في جواز التجوز بلفظ الجمع عن الواحد ~~أو الاثنين، بل النزاع في كون ذلك معناه حقيقة. # المذهب الرابع: الوقف، حكاه الأصفهاني في "شرح المحصول"4 عن الآمدي، قال ~~الزركشي: وفي ثبوته نظر، وإنما أشعر به كلام الآمدي فإنه قال في آخر ~~المسألة: وإذا عرف مأخذ الجمع من الجانبين فعلى الناظر الاجتهاد في ~~الترجيح، وإلا فالوقف لازم، هذا كلامه، ومجرد هذا لا يكفي في حكايته مذهبا. ~~انتهى. # ولا يخفاك أن هذا الموطن ليس من مواطن الوقف، فإن موطنه إذا توازنت ~~الأدلة موازنة يصعب الترجيح بينها، وأما مثل هذه المسألة فلم يأت من خالف ~~الجمهور بشيء يصدق عليه اسم الدليل، فضلا عن أن يكون صالحا لموازنة ما ~~يخالفه. PageV01P313 ### | المسألة التاسعة: "الخلاف في عموم الفعل المثبت" # الفعل المثبت إذا كان له جهات فليس بعام في أقسامه؛ لأنه يقع على صفة ~~وحدة فإن عرف تعين وإلا كان مجملا يتوقف فيه، مثل قول الراوي: "صلى بعد ~~غيبوبة الشفق"1 فلا يحمل على PageV01P313 # الأحمر والأبيض، وكذلك "صلى في الكعبة"1 فلا يعم الفرض والنفل، هكذا قال ~~القاضي "أبو بكر"*، والقفال الشاشي، والأستاذ أبو منصور، والشيخ أبو حامد ~~الإسفراييني، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وسليم الرازي وابن السمعاني، ~~وإمام الحرمين الجويني، وابن القشيري. والإمام فخر الدين الرازي واستدلوا ~~على ذلك بأنه إخبار عن فعل، ومعلوم أن الفاعل لم يفعل كل ما اشتمل عليه ~~تسمية ذلك الفعل مما لا يمكن استيعاب فعله فلا معنى للعموم في ذلك. # قال الغزالي: وكما لا عموم له بالنسبة إلى أحوال الفعل، فلا عموم له ~~بالنسبة إلى الأشخاص، بل يكون خاصا في حقه صلى الله عليه وسلم إلا أن يدل ~~دليل من خارج لقوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 2، وهذا ~~غير مسلم، فإن دليل التأسي به صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: {وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} 3 وقوله: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني} 4 ونحو ذلك يدل على أن ما فعله صلى الله عليه وسلم، فسائر أمته ms236 ~~مثله، إلا أن يدل دليل على أنه خاص به. # وأطلق ابن الحاجب أن الفعل المثبت ليس بعام في أقسامه، ثم اختار في نحو ~~قوله: "نهى عن بيع الغرر"5 "وقضى بالشفعة للجار"6 أنه يعم الغرر والجار ~~مطلقا، وقد تقدمه إلى ذلك شيخه الإبياري، والآمدي وهو الحق؛ لأن مثل هذا ~~ليس بحكاية للفعل الذي فعله، بل حكاية لصدور النهي منه عن بيع الغرر، ~~والحكم منه بثبوت الشفعة للجار؛ لأن عبارة الصحابي يجب أن PageV01P314 # تكون مطابقة للمقول لمعرفته باللغة وعدالته، ووجوب مطابقة الرواية ~~لمسموع. # وبهذا تعرف ضعف ما قاله في "المحصول" من أن قول الصحابي نهى عن بيع الغرر ~~والحكم منه ثبوت الشفعة لا يفيد العموم؛ لأن الحجة في المحكي، لا في ~~الحكاية، والذي رآه الصحابي حتى روى النهي يحتمل أن يكون خاصا بصورة، واحدة ~~وأن يكون عاما، ومع الاحتمال لا يجوز القطع بالعموم. # قال: وأيضا قول الصحابي "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاهد ~~واليمين"1 لا يفيد العموم، وكذا "إذا قال"* سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "قضيت بالشفعة" لاحتمال كونه حكاية عن قضاء لجار معروف ويكون ~~الألف واللام للتعريف، وقوله: قضيت، حكاية عن فعل معين ماض، فأما قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "قضيت بالشفعة" وقول الراوي: أنه قضى بالشفعة للجار، ~~فالاحتمال فيهما قائم، ولكن جانب العموم راجح "انتهى. ولا يخفاك أن جانب ~~العموم راجح"** في الصورتين كليهما. أما في قوله: "نهى عن بيع الغرر" "وقضى ~~بالشاهد واليمين" فرجحان عمومه وضعف دعوى احتمال كونه خاصا في غاية الوضوح ~~لما قدمنا، وقد نقل الآمدي عن الأكثرين مثل ما ذكره صاحب "المحصول" وهو ~~خلاف الصواب، وإن قال به الأكثرون؛ لأن الحجة في الحكاية لثقة الحاكي ~~ومعرفته. # وحكي عن بعض أهل الأصول التفصيل بين أن يقترن الفعل بحرف أن فيكون ~~للعموم، كقوله: "قضى أن الخراج بالضمان"2 وبين أن لا يقترن فيكون خاصا نحو ~~"قضى بالشفعة للجار"، وقد حكى هذا القول القاضي في "التقريب"، والأستاذ أبو ~~منصور، والشيخ أبو إسحاق، والقاضي عبد ms237 الوهاب، وصححه، وحكاه عن أبي بكر ~~القفال، وجعل بعض المتأخرين النزاع لفظيا من جهة أن المانع للعموم ينفي ~~عموم الصيغة المذكورة، نحو أمر وقضى، والمثبت للعموم فيها هو باعتبار دليل ~~خارجي. انتهى. # وأما نحو قول الصحابي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كذا فلا يجري ~~فيه الخلاف المتقدم؛ لأن لفظ كان هو الذي دل على التكرار لا لفظ الفعل الذي ~~بعدها نحو كان يجمع، وإنما الخلاف في قول الراوي "جمع"*** ونحوه، وهذا إذا ~~دلت قرينة على عدم الخصوص كوقوعه بعد إجمال أو إطلاق أو عموم "صيغة أو صفة" ~~فيفهم أنه بيان فنتبعه. PageV01P315 ### | المسألة العاشرة: في عموم نحو قوله تعالى: خذ من أموالهم صدقة # ... # المسألة العاشرة: في عموم نحو قوله تعالى: خذ من أمولهم صدقة # ذهب الجمهور إلى أن قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} 1 يقتضي أخذ الصدقة ~~من كل نوع من أنواع المال إلا أن يخص بدليل. # قال الشافعي: مخرج هذه الآية عام في الأموال، وكان يحتمل أن يكون بعض ~~الأموال دون بعض الأموال دون بعض، فدلت السنة على أن الزكاة في بعض المال ~~دون بعض. # قال في موضع آخر: ولولا دلالة السنة لكان ظاهر القرآن أن الأموال كلها ~~سواء، وأن الزكاة في جميعها لا في بعضها دون بعض. # واستدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بأن هذه الصيغة من صيغ العموم؛ لأنها ~~جمع مضاف، وقد تقدم أن ذلك من صيغ العموم، فيكون المعنى: خذ من كل واحد ~~واحد من أموالهم صدقة؛ إذ معنى العموم ذلك، وهو المطلوب. # وأجيب عن هذا: بمنع كون معنى العموم ذلك. # وذهب الكرخي من الحنفية وبعض أهل الأصول، ورجحه ابن الحاجب إلى أنه لا ~~يعم، بل إذا أخذ من جميع أموالهم صدقة واحدة فقد أخذ من أموالهم صدقة، وإلا ~~لزم أخذ الصدقة من كل درهم ودينار ونحوهما، واللازم باطل بالإجماع فالملزوم ~~مثله. # وأجيب: بأن الجمع لتضعيف المفرد، والمفرد خصوصا مثل المال والعلم، والمال ~~قد يراد به المفرد فيكون معنى الجمع المعرف باللام أو الإضافة ms238 جميع الأفراد ~~وقد يراد به الجنس فيكون معناه جميع الأنواع بالأموال والعلوم والتعويل على ~~القرائن، وقد دل العرف وانعقد الإجماع على أن المراد في مثل {خذ من ~~أموالهم} الأنواع لا الأفراد، وأما ما يتوهم من أن معنى الجمع PageV01P316 # العام هو المجموع، من حيث هو مجموع، أو كل واحد من الجموع لا من الآحاد، ~~حتى بنوا عليه أن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع، فمدفوع بأن اللام ~~والإضافة يهدمان الجمع ويصيرانه للجنس. # وذهب الآمدي إلى الوقف فقال: وبالجملة فالمسألة محتملة ومأخذ الكرخي ~~دقيق. انتهى. # وقد اختلف النقل عن الكرخي، فنقل عنه ابن برهان ما تقدم، ونقل عنه أبو ~~بكر الرازي أنه ذهب إلى أنه يقتضي عموم وجوب "الحق"* في سائر أصناف ~~الأموال. # ومن جملة ما احتج به القائلون بعدم العموم أن لفظ من الداخلة على الأموال ~~تمنع من العموم. # وأجاب عن ذلك القرافي بأن من لا بد من تعلقها بمحذوف، وهو صفة للصدقة، ~~والتقدير كائنة أو مأخوذة من أموالهم، وهذا لا ينافي العموم لأن معنى كائنة ~~أو مأخوذة من أموالهم أن لا يبقى نوع من المال إلا ويؤخذ منه الصدقة. # وقال بعضهم: الجار والمجرور الذي هو {من أموالهم} إن كان متعلقا بقوله ~~{خذ} فالمتجه "قول"** الكرخي؛ لأن التعلق مطلق، والصدقة نكرة في سياق ~~الإثبات فيحصل الامتثال بصدقة واحدة من نوع واحد، وإن كان متعلقا بقوله ~~{صدقة} "فالأقوى"*** قول الجمهور؛ لأن الصدقة إنما تكون من أموالهم. إذا ~~كانت من كل نوع من أموالهم. # قال الزركشي: وفيه نظر؛ لأنه إذا كان المعتبر دلالة العموم الكائنة في ~~أموالهم، فإنها كلية، فالواجب حينئذ أخذها من كل نوع من أنواع الأموال، ~~عملا بمقتضى العموم ولا نظر إلى تنكير صدقة "لأنها مضافة للأموال، سواء قيل ~~إنها متعلقة بخذ وإن اعتبر لفظ صدقة"**** وأنه نكرة في سياق الإثبات فلا ~~عموم له على الوجهين أيضا. انتهى. # ولا يخفاك أن دخول من ههنا على الأموال لا ينافي ما قاله الجمهور، بل هو ~~عين مرادهم؛ لأنها لو حذفت لكانت الآية دالة ms239 على أخذ جميع أنواع الأموال، ~~فلما دخلت أفاد ذلك أنه يؤخذ من كل "نوع"***** بعضه، وذلك البعض هو ما ورد ~~تقديره في السنة المطهرة من العشر في بعض، ونصف العشر في بعض آخر، وربع ~~العشر في بعض آخر، ونحو هذه المقادير الثابتة بالشريعة كزكاة المواشي، ثم ~~هذا العموم المستفاد من هذه الآية قد جاءت السنة المطهرة بما يفيد تخصيصه ~~ببعض الأنواع دون بعض، فوجب بناء العام على الخاص PageV01P317 ### | المسألة الحادية عشر: الألفاظ الدالة على الجمع # ... # المسألة الحادية عشرة: "الألفاظ الدالة على الجمع" # الألفاظ الدالة على الجمع بالنسبة إلى دلالتها على المذكر والمؤنث على ~~أقسام: # الأول: ما يختص به أحدهما ولا يطلق على الآخر بحال، كرجال للمذكر ونساء ~~للمؤنث، فلا يدخل أحدهما في الآخر بالإجماع إلا بدليل خارج من قياس أو ~~غيره. # الثاني: ما يعم الفريقين بوضعه، وليس لعلامة التذكير والتأنيث فيه مدخل ~~كالناس، والإنس، والبشر فيدخل فيه كل منهما بالإجماع. # الثالث: ما يشملهما بأصل وضعه، ولا يختص بأحدهما إلا ببيان، وذلك نحو ~~"ما، ومن" فقيل: إنه لا يدخل فيه النساء إلا بدليل، ولا وجه لذلك، بل ~~الظاهر أنه مثل الناس والبشر ونحوهما، كما في قوله سبحانه وتعالى: {ومن ~~يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى} 1 فلولا عمومه لهما لم يحسن التقسيم من ~~بعد ذلك، وممن حكى الخلاف في هذه الصورة من الأصوليين أبو الحسين في ~~المعتمد وإلكيا الهراس في "التلويح" وحكاه غيرهما عن بعض الحنفية، وأنهم ~~لأجل ذلك قالوا: أن المرتدة لا تقتل لعدم دخولها في قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" 2، لكن الموجود في كتبهم أنها تعم الجميع، ~~وصرح به البزدوي، وشراح كتابه3، وابن الساعاتي وغيرهم؛ إذ نقل الرازي في ~~"المحصول" الإجماع على أنه لو قال: من دخل داري من أرقائي فهو حر، دخل فيه ~~الإماء، وكذلك لو علق بهذا اللفظ وصية، أو توكيلا، أو إذنا في أمر، لم يختص ~~بالذكور، وأما إمام الحرمين الجويني فخص الخلاف بما إذا كانت شرطية. # قال الصفي الهندي: والظاهر ms240 أنه لا فرق بينهما وبين من الموصولة ~~والاستفهامية، وأن الخلاف جار في الجميع. انتهى. PageV01P318 # ولا يخفاك أن دعوى اختصاص من بالذكور لا ينبغي أن ينسب "إلى من يعرف لغة ~~العرب، بل لا ينبغي أن ينسب"* إلى من له أدنى فهم. # الرابع: ما يستعمل بعلامة التأنيث في المؤنث، وبحذفها في المذكر، وذلك ~~الجمع السالم نحو مسلمين للذكور ومسلمات للإناث، ونحو فعلوا وفعلن، فذهب ~~الجمهور إلى أنه لا يدخل النساء فيما هو للذكور إلا بدليل كما لا يدخل ~~الرجال فيما هو النساء إلا بدليل. # قال القفال: وأصل هذا أن الأسماء وضعت للدلالة على المسمى فحصل كل نوع ~~بما يميزه فالألف والتاء جعلتا علما لجمع الإناث، والواو والياء والنون ~~لجمع الذكور والمؤمنات غير المؤمنين، وقاتلوا خلاف قاتلن، ثم قد تقوم قرائن ~~تقتضي استواءهما فيعلم بذلك دخول الإناث في الذكور، وقد لا تقوم قرائن ~~فيلحقن بالذكور بالاعتبار والدلائل، كما يلحق المسكوت عنه بالمذكور بدليل. # ومما يدل على هذا إجماع أهل اللغة على أنه إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب ~~المذكر، فلولا أن التسمية للمذكر لم يكن هو الغالب، ولم يكن حظه فيها كحظ ~~المؤنث، ولكن معناه أنهما إذا اجتمعا "استقل"** إفراد كل منهما بوصف فغلب ~~المذكر وجعل الحكم له، فدل على أن المقصود هو الرجال والنساء توابع. انتهى. # قال الأستاذ أبو المنصور وسليم الرازي: وهذا قول أصحابنا، واختاره القاضي ~~أبو الطيب، وابن السمعاني، وإلكيا الهراس، ونصره ابن برهان والشيخ أبو ~~إسحاق الشيرازي، ونقله عن معظم الفقهاء، ونقله ابن القشيري عن معظم أهل ~~اللغة، وذهبت الحنفية كما حكاه عنهم سليم الرازي وابن السمعاني وابن ~~الساعاتي إلى أنه يتناول الذكور والإناث، وحكاه القاضي أبو الطيب عن أبي ~~حنيفة، وحكاه الباجي عن ابن خوازمنداد وروي نحوه عن الحنابلة والظاهرية. # والحق: ما ذهب إليه الجمهور من عدم التناول إلا على طريقة التغليب عند ~~قيام المقتضي لذلك لاختصاص الصيغة لغة ووقوع التصريح بما يختص بالنساء مع ~~ما يختص بالرجال في نحو {إن المسلمين والمسلمات} 1، وقد ثبت في سبب نزول ~~هذه ms241 الآية أن أم سلمة قالت: يا رسول الله إن النساء قلن: ما نرى الله ~~سبحانه ذكر إلا الرجال ... فنزلت2. PageV01P319 # قال الإبياري: لا خلاف بين الأصوليين، والنحاة أن جمع المذكر لا يتناول ~~المؤنث بحال، وإنما ذهب بعض الأصوليين إلى تناوله الجنسين لأنه لما كثر ~~اشتراك الذكور والإناث في الأحكام لم تقصر الأحكام على الذكور. # قال الزركشي في "البحر": وحاصله الإجماع على عدم الدخول حقيقة، وإنما ~~النزاع في ظهوره لاشتهاره عرفا. # قال الصفي الهندي: وكلام إمام الحرمين يشعر بتخصيص الخلاف بالخطابات ~~الواردة من الشرع لقرينة عليه وهي المشاركات في الأحكام الشرعية. قال: ~~واتفق الكل أن المذكر لا يدخل تحته وإن ورد مقترنا بعلامة التأنيث. # ومن أقوى ما احتج به القائلون بالتعميم: إجماع أهل اللغة على أنه إذا ~~اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر، وعلى هذا ورد قوله تعالى: {قلنا اهبطوا ~~منها جميعا} 1 في خطاب آدم وحواء وإبليس. # ويجاب على هذا: بأنه لم يكن ذلك بأصل الوضع، ولا بمقتضى اللغة، بل بطريق ~~التغليب، لقيام الدليل عليه، وذلك خارج عن محل النزاع، ولا يلزم من صحة ~~إرادة الشيء من الشيء إرادته منه. إذا ورد مطلقا بغير قرينة، ولم يذكر أحد ~~من أهل اللغة ولا من علماء العربية أن صيغة الذكور عند إطلاقها موضوعة ~~لتناول الجميع، وهذا ظاهر واضح لا ينبغي الخلاف في مثله، ولم يأت القائلون ~~بالتناول بدليل يدل على ما قالوه لا من جهة اللغة، ولا من جهة الشرع، ولا ~~من جهة العقل. PageV01P320 ### | المسألة الثانية عشر: في عموم الخطاب بمثل يا أيها الناس # ... # المسألة الثانية عشرة: في عموم الخطاب بمثل "يا أيها الناس ... " # ذهب الجمهور إلى أن الخطاب بمثل يا أيها الناس، ونحوها من الصيغ يشمل ~~العبيد والإماء. # وذهب جماعة إلى أنه لا يعمهم شرعا. # وقال أبو بكر الرازي من الحنفية: إن كان الخطاب في حقوق الله تعالى فإنه ~~يعمهم دون حقوق الآدميين فلا يعمهم. # والحق ما ذهب إليه الأولون، ولا ينافي ذلك خروجهم في بعض الأمور الشرعية، ~~فإن ذلك إنما كان "لدليل ms242 يدل على رفع"* الخطاب عنهم بها، قال الأستاذ أبو ~~منصور، والقاضي أبو الطيب، وإلكيا الطبري: إن الذي عليه أتباع الأئمة ~~الأربعة، وهو الصحيح من مذهب الشافعي أنهم يدخلون اتباعا لموجب الصيغة، ولا ~~يخرجون إلا بدليل ولم يأت القائلون بخلاف ما ذهب إليه الجمهور بدليل يدل ~~على ما ذهبوا إليه، فإن ما زعموه من إجماع أهل العلم على عدم وجوب بعض ~~الأمور الشرعية عليهم لا يصلح للاستدلال على محل النزاع؛ لأن عدم وجوب ذلك ~~عليهم لدليل خارجي اقتضى ذلك فكان كالمخصص لعموم الصيغة الشاملة لهم. ~~PageV01P320 ### | المسألة الثالثة عشرة: "دخول الكافر في الخطاب الصالح له وللمسلمين" # ذهب الجمهور إلى دخول الكافر في الخطاب الصالح له وللمسلمين نحو: {يا ~~أيها الناس} إذا ورد مطلقا. # وذهب بعض الشافعية إلى اختصاصه بالمسلمين، وقيل: يدخلون في حقوق الله ~~تعالى، لا في حقوق الآدميين. # قال الصفي الهندي: والقائلون بعدم دخول العبيد والكفار إن زعموا أنه لا ~~يتناولهم من حيث اللغة فهو مكابرة، وإن زعموا التناول لكن الكفر والرق في ~~الشرع خصصهم، فهو باطل، للإجماع على أنهما مكلفان في الجملة، وأما الخطاب ~~الخاص بالمسلمين أو المؤمنين فحكى ابن السمعاني عن بعض الحنفية أنه لا يشمل ~~غيرهم من الكفار، ثم اختار التعميم لهم ولغيرهم لعموم التكليف بهذه الأمور، ~~وأن المؤمنين والمسلمين "إنما"* خصصوا "بالذكر"** من باب خطاب التشريف لا ~~خطاب التخصيص بدليل قوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من ~~الربا} 1، وقد ثبت تحريم الربا في حق أهل الذمة، قال الزركشي: وفيه نظر؛ ~~لأن الكلام في التناول بالصيغة لا بأمر خارج. # وقال بعضهم: لا يتناولهم لفظا وإن قلنا أنهم مخاطبون إلا بدليل منفصل. ~~PageV01P321 ### | المسألة الرابعة عشرة: "الخطاب الشفاهي" # الخطاب الوارد شفاها في عصر النبي صلى الله عليه وسلم نحو: {يا أيها ~~الناس} 1 {يا أيها الذين آمنوا} 2، ويسمى خطاب المواجهة، قال الزركشي: لا ~~خلاف في شموله من بعدهم من المعدومين حال صدوره، لكن هل باللفظ أو بدليل ~~آخر من إجماع أو قياس. # فذهب جماعة من الحنفية ms243 والحنابلة إلى أنه يشملهم باللفظ، وذهب الأكثرون ~~إلى أنه لا يشملهم باللفظ لما عرف بالضرورة من دين الإسلام أن كل حكم تعلق ~~بأهل زمانه صلى الله عليه وسلم فهو شامل لجميع الأمة إلى يوم القيامة، كما ~~في قوله سبحانه: {لأنذركم به ومن بلغ} 3، وقوله صلى الله عليه وسلم: "بعثت ~~إلى الناس كافة" 4، وقوله تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا} 5 منهم ~~إلى قوله: {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} 6، قال ابن دقيق العيد في "شرح ~~العنوان": الخلاف في أن خطاب المشافهة هل يشمل غير المخاطبين قليل الفائدة ~~ولا ينبغي أن يكون فيه خلاف عند التحقيق لأنه إما أن ينظر إلى مدلول اللفظ ~~لغة، ولا شك أنه لا يتناول غير المخاطبين، وإما أن يقال إن المحكم يقصر على ~~المخاطبين إلا أن يدل دليل على العموم في تلك المسألة بعينها، وهذا باطل ~~لما علم قطعا من الشريعة أن الأحكام عامة إلا حيث يرد التخصيص. انتهى. # وبالجملة فلا فائدة لنقل ما احتج بها المختلفون في هذه المسألة لأنا نقطع ~~بأن الخطاب الشفاهي إنما يتوجه إلى الموجودين "باعتبار اللفظ لا إلى ~~المعدومين، ونقطع بأن غير الموجودين"* وإن لم يتناولهم الخطاب، فلهم حكم ~~الموجودين في التكليف بتلك الأحكام، حيث كان الخطاب مطلقا، ولم يرد ما يدل ~~على تخصيصهم بالموجودين. PageV01P322 ### | المسألة الخامسة عشرة: "الخطاب الخاص بالأمة" # الخطاب الخاص بالأمة نحو: يا أيها الأمة، لا يشمل الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، قال الصفي الهندي: بلا خلاف، وكذا قال القاضي عبد الوهاب في كتاب ~~"الإفادة": وأما إذا كان الخطاب بلفظ يشمل الرسول نحو: {يا أيها الناس} 1 ~~{يا أيها الذين آمنوا} 2 {يا عبادي} 3 فذهب الأكثرون إلى أنه يشمله، وقال ~~جماعة لا يشمله، "وقال أبو بكر الصيرفي والحليمي: إن كان يتناوله بالقول ~~نحو قل فلا يشمله"* وإن لم يكن كذلك كان شاملا، له واستنكر هذا التفصيل ~~إمام الحرمين الجويني؛ لأن القول فيهما جميعا مسند إلى الله سبحانه، ~~والرسول مبلغ خطابه إلينا فلا معنى للتفرقة. # وفصل بعض أهل ms244 الأصول بتفصيل آخر فقال: إن كان الخطاب من الكتاب فهو مبلغ ~~عن الله سبحانه، والمبلغ مندرج تحت عموم الخطاب، وإن كان من السنة فإما أن ~~يكون مجتهدا أو لا، فإن قلنا مجتهد فيرجع إلى أن المخاطب هل يدخل تحت ~~الخطاب أم لا، وإن لم يكن مجتهدا فهو مبلغ والمبلغ "إذن"** داخل تحت ~~الخطاب. # والحق: أن الخطاب بالصيغة التي تشمله يتناوله بمتقضى اللغة العربية لا شك ~~في ذلك، ولا شبهة حيث كان الخطاب من جهة الله سبحانه تعالى. وإن كان الخطاب ~~من جهته صلى الله عليه وسلم، فعلى الخلاف الآتي في دخول المخاطب في خطابه. # وما قيل: من أنه لا فائدة في الخلاف في هذه المسألة مدفوع بظهور الفائدة ~~في الخطابات العامة "إذا"*** فعل صلى الله عليه وسلم ما يخالفها، فإن قلنا: ~~أنه داخل في العموم كان فعله تخصيصا، وإن قلنا: ليس بداخل لم يكن فعله ~~مخصصا لذلك العموم، بل يبقى على عمومه. وأما الخطاب المختص بالرسول صلى ~~الله عليه وسلم نحو {يا أيها الرسول} 4 {يا أيها النبي} 5 فذهب PageV01P323 # الجمهور إلى أنه لا يدخل تحته الأمة إلا بدليل من خارج، وقيل إه يشمل ~~الأمة؛ روي ذلك عن أبي حنيفة وأحمد، واختاره إمام الحرمين، وابن السمعاني. # قال في "المحصول": وهؤلاء إن زعموا أن ذلك مستفاد من اللفظ فهو جهالة، ~~وإن زعموا أنه مستفاد من دليل آخر، وهو قوله: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا} 1 وما يجري مجرى ذلك فهو "خرج"* عن هذه المسألة؛ لأن ~~الحكم عندنا إنما أوجب على الأمة لا بمجرد الخطاب المتناول للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فقط، بل بالدليل الآخر. انتهى. # قال الزركشي: وما قالوه بعيد إلا أن يحمل على التعبير بالكبير عن أتباعه ~~فيكون مجازا لا حقيقة. # وحكي "عن"** إمام الحرمين أنه قال: إما أن ترد الصيغة في التخصيص أو لا، ~~فإن وردت فهو خاص، وإلا فهو عام لأنا لم نجد دليلا قاطعا على التخصيص، ولا ~~على التعميم. انتهى. # ولا يخفاك ضعف هذا ms245 التفصيل وركاكة مأخذه؛ لأن النزاع إنما هو في نفس ~~الصيغة، وهي خاصة بلا شك فورودها، في محل التخصيص لا يزيدها تخصيصا باعتبار ~~اللفظ، ورودها في محل التعميم لا يوجب من حيث اللفظ أن تكون عامة، فإن كان ~~ذلك في حكم الدليل "الدال على التعميم"*** فهو غير محل النزاع. PageV01P324 ### | المسألة السادسة عشرة: حكم الخطاب الخاص بواحد من الأمة # الخطاب الخاص بواحد من الأمة إن صرح بالاختصاص به كما في قوله صلى الله ~~عليه وسلم: "تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك" 1 فلا شك في اختصاصه بذلك المخاطب؛ ~~وإن لم يصرح فيه بالاختصاص بذلك المخاطب، فذهب الجمهور إلى أنه مختص بذلك ~~المخاطب، ولا يتناول غيره إلا بدليل من خارج. PageV01P324 # وقال بعض الحنابلة وبعض الشافعية: إنه يعم بدليل ما روي من قوله صلى الله ~~عليه وسلم: "حكمي على الواحد كحكمي على الجماعة"1، وما روى عنه صلى الله ~~عليه وسلم: "إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة" 2، ونحو ذلك؛ ولا ~~يخفاك أن الاستدلال بهذا خارج عن محل النزاع، فإنه لا خلاف أنه إذا دل دليل ~~من خارج على أن حكم غير ذلك المخاطب كحكمه، كان له حكمه بذلك الدليل، وإنما ~~النزاع في نفس تلك الصيغة الخاصة، هل تعم بمجردها أم لا؟ # فمن قال: إنها تعمها بلفظها فقد جاء بما لا تفيده لغة العرب، ولا تقتضيه ~~بوجه من الوجوه. # قال القاضي أبو بكر: هو عام بالشرع لا "بوضع اللغة"* للقطع باختصاصه به ~~لغة. # قال إمام الحرمين الجويني: لا ينبغي أن يكون في هذه المسألة خلاف؛ إذ لا ~~شك أن الخطاب خاص لغة بذلك الواحد، ولا خلاف أنه عام بحسب العرف الشرعي، ~~وقيل: بل الخلاف معنوي لا لفظي، لأنا نقول: الأصل ما هو؟ هل هو مورد الشرعي ~~أو مقتضى اللغة؟ # قال الصفي الهندي: لا نسلم أن الخطاب عام في العرف الشرعي. # قال الزركشي: والحق أن التعميم منتف لغة ثابت شرعا، والخلاف في أن للعادة ~~هل تقتضي بالاشتراك بحيث يتبادر فهم أهل العرب إليها أولا، فأصحابنا -يعني ~~الشافعية- يقولون: ms246 لا قضاء للعادة في ذلك، كما لا قضاء للغة والخصم يقول ~~إنها تقتضي بذلك. انتهى. # والحاصل في هذه المسألة على ما يقتضيه الحق. ويوجبه الإنصاف عدم التناول ~~لغير المخاطب من حيث الصيغة، بل بالدليل الخارجي، وقد ثبت عن الصحابة فمن ~~بعدهم الاستدلال بأقضيته صلى الله عليه وسلم الخاصة بالواحد، أو الجماعة ~~المخصوصة على ثبوت مثل ذلك لسائر الأمة فكان هذا مع الأدلة الدالة على عموم ~~الرسالة، وعلى استواء أقدام هذه الأمة في الأحكام الشرعية مفيدا لإلحاق غير ~~ذلك المخاطب به في ذلك الحكم عند الإطلاق "إلا"** إلى أن يقوم الدليل الدال ~~على اختصاصه بذلك. # فعرفت بهذا أن الراجح التعميم حتى يقوم دليل التخصيص، لا كما قيل: إن ~~الراجح التخصيص حتى يقوم دليل التعميم؛ لأنه قد قام كما ذكرناه. ~~PageV01P325 ### | المسألة السابعة عشرة: حكم دخول المخاطب تحت عموم خطابه # اختلفو افي المخاطب -بكسر الطاء- هل يدخل في عموم خطابه، فذهب الجمهور ~~إلى أنه يدخل ولا يخرج عنه إلا بدليل "يخصصه. وقال أكثر أصحاب الشافعي إنه ~~لا يدخل إلا بدليل"*. # قال الأستاذ أبو منصور: وهو الصحيح من مذهب الشافعي، قال الأستاذ أبو ~~منصور: وفائدة الخلاف فيما إذا ورد منه صلى الله عليه وسلم لفظ عام في ~~إيجاب "حكم"** حكمه أو حظره، أو إباحته، هل يدل ذلك على دخوله فيه أم لا؟ ~~قال ابن برهان في "الأوسط"1: ذهب معظم العلماء إلى أن الآمر لا يدخل تحت ~~الخطاب، ونقل عبد الجبار وغيره من المعتزلة دخوله. انتهى. # ونقله لهذا القول عن معظم العلماء يخالف نقل الأستاذ أبي منصور، والرازي ~~في "المحصول" وابن الحاجب في "مختصر المنتهى"2 وغيرهم فإنهم جعلوا دخول ~~المخاطب في خطابه مذهب الأكثرين. # وقال إمام الحرمين الجويني: إن خطابه يتناوله بنفسه، ولكنه خارج عنه ~~عادة؛ فذهب إلى التفصيل، وتابعه على هذا التفصيل إلكيا الهراس. قال الصفي ~~الهندي: هذه المسألة قد تعرض في الأمر مرة، وفي النهي مرة، وفي الخبر مرة، ~~والجمهور على دخوله. انتهى. # والذي ينبغي اعتماده أن يقال: إن كان مراد القائل بدخوله في ms247 خطابه أن ما ~~وضع للمخاطب يشمل المتكلم وضعا، فليس كذلك وإن كان المراد أنه يشمله حكما ~~فمسلم إذا دل عليه دليل أو كان الوضع شاملا له كألفاظ العموم. PageV01P326 ### | المسألة الثامنة عشرة: عموم المقتضى # اختلفوا في المقتضى هل هو عام أم لا؟ ولا بد من تحرير تصويره قبل نصب ~~الخلاف فيه، فنقول: المقتضي بكسر الضاد، هو اللفظ الطالب للإضمار، بمعنى أن ~~اللفظ لا يستقيم إلا بإضمار شيء، وهناك مضمرات متعددة فهل تقدر جميعها، أو ~~يكتفى بواحد منها، وذلك التقدير هو المقتضى بفتح الضاد. # وقد ذكروا لذلك أمثلة، مثل قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} 1 و"قدره ~~بعضهم: وقت إحرام الحج أشهر معلومات، وبعضهم قدره: وقت أفعال الحج أشهر ~~معلومات"*، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" 2 ~~فإن هذا الكلام لا يستقيم بلا تقدير، لوقوعهما من الأمة، فقدروا في ذلك ~~تقديرات مختلفة، كالعقوبة، والحساب، والضمان، ونحو ذلك، ونحو قوله صلى الله ~~عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" 3 وأمثال ذلك كثيرة، فذهب بعض أهل العلم ~~إلى أنه يحمل على العموم في كل ما يحتمله؛ لأنه أعم فائدة، وذهب بعضهم إلى ~~أنه يحمل على الحكم المختلف فيه لأن ما سواه معلوم بالإجماع. # قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: وهذا كله خطأ لأن الحمل على الجميع لا ~~يجوز، وليس هناك لفظ يقتضي العموم، ولا يحمل على موضع الخلاف؛ لأنه ترجيح ~~بلا مرجح انتهى. # وذهب الجمهور إلى أنه لا عموم له، بل يقدر منها ما دل الدليل على إرادته ~~فإن لم يدل دليل على إرادته، واحد منها بعينه كان مجملا بينها وبتقدير ~~الواحد منها الذي قام الدليل على أنه المراد يحصل المقصود، وتندفع الحاجة ~~فكان ذكر ما عداه مستغنى عنه. # وأيضا قد تقرر أنه يجب التوقف فيما تقتضيه الضرورة على قدر الحاجة، وهذا ~~هو الحق، وقد اختاره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والغزالي، وابن السمعاني ~~وفخر الدين الرازي، PageV01P327 # والآمدي، وابن الحاجب. # قال الرازي في "المحصول" مستدلا للقائلين بعموم المقتضى: بأن إضمار أحد ~~الحكمين ليس ms248 بأولى من إضمار الآخر، فإما أن لا يضمر حكم أصلا وهو غير جائز؛ ~~لأنه تعطيل لدلالة اللفظ، أو يضمر الكل وهو المطلوب. # هكذا استدل لهم ولم يجب عن ذلك. # وأجاب الآمدي عنه: بأن قولهم ليس إضمار البعض أولى من البعض إنما يلزم أن ~~لو قلنا بإضمار حكم معين، وليس كذلك، بل إضمار حكم ما، والتعيين إلى ~~"الدليل"*؛ ثم أورد عليه بأنه يلزم الإجمال. # وأجاب: بأن إضمار الكل يلزم منه تكثير مخالفة "الدليل"** وكل منهما، ~~يعني: الإجمال، وإضمار الكل خلاف الأصل. # قال ابن برهان: وإذا قلنا ليس بمجمل فقيل: يصرف إطلاقه في كل عين إلى ~~المقصود واللائق به، وقيل: يضمر الموضع المختلف فيه؛ لأن المجمع عليه مستغن ~~عن الدليل، حكى ذلك الشيخ أبو إسحاق الشيرازي. # قال الأصفهاني في "شرح المحصول": إن قلنا المقتضى له عموم أضمر الكل، وإن ~~قلنا لا عموم له فهل يضمر ما يفهم من اللفظ بعرف الاستعمال قبل الشرع، أو ~~يضمر حكم من غير تعيين وتعيينه إلى المجتهد، والأول اختيار الغزالي، ~~والثاني اختيار الآمدي، والثالث التوقف. انتهى. # وهذا الخلاف في هذه المسألة إنما هو فيما إذا لم يفهم بدليل يدل على ~~تعيين أحد الأمور الصالحة لتقديرها، أما إذا قام الدليل على ذلك فلا خلاف ~~في أنه يتعين للتقدير ما قام الدليل على تقديره كقوله سبحانه: {حرمت عليكم ~~الميتة} 1 {حرمت عليكم أمهاتكم} 2 فإنه قد قام الدليل على أن المراد في ~~الآية الأولى تحريم الأكل وفي الثانية الوطء PageV01P328 ### | المسألة التاسعة عشرة: عموم المفهوم # اختلفوا في المفهوم هل له عموم أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أن له عموما، ~~وذهب القاضي أبو بكر الغزالي، وجماعة من الشافعية إلى أنه لا عموم له. # قال الغزالي: من يقول بالمفهوم قد يظن أن له عموما ويتمسك به، ثم رده بأن ~~العموم من عوارض الألفاظ، والمفهوم ليست دلالته لفظية فإذا قال "في سائمة ~~الغنم الزكاة" 1، فنفي الزكاة عن المعلوفة ليس بلفظ حتى يعم أو يخص. # ورد ذلك صاحب "المحصول" فقال: إن كنت لا تسميه ms249 عموما لأنك لا تطلق لفظ ~~العام إلا على الألفاظ، فالنزاع لفظي وإن كنت تعني به أنه لا يعرف منه ~~انتفاء الحكم عن جميع ما عداه فهو باطل؛ لأن البحث على أن المفهوم هل له ~~عموم أم لا "فرع على أن المفهوم حجة أم لا؟ "*، ومتى ثبت كون المفهوم حجة ~~لزم القطع بانتفائه عما عداه؛ لأنه لو ثبت الحكم في غير المذكور لم يكن ~~لتخصيصه بالذكر فائدة. انتهى. # قال القرافي: والظاهر من حال الغزالي أنه إنما خالف في التسمية؛ لأن لفظ ~~العموم إنما وضع للفظ لا للمعنى. # قال ابن الحاجب: إنما أراد الغزالي أن العموم لم يثبت بالمنطوق به فقط، ~~بل بواسطته، وهذا مما لا خلاف فيه، وقال: الخلاف لا يتحقق في هذه المسألة. # قال الإبياري في "شرح البرهان"2: أن القائل بأن للمفهوم عموما مستنده أنه ~~إذا قيل له "في سائمة الغنم الزكاة" فقد تضمن ذلك قولا آخر، وهو لا زكاة في ~~المعلوفة، وهو ولو صرح بذلك لكان عاما في المقصود، أما إذا وجدنا صورة من ~~صور المفهوم موافقة للمنطوق به، فهل نقول بطل المفهوم بالكلية حتى لا يتمسك ~~به في غير تلك الصورة، أو نقول يتمسك به فيما وراء ذلك، هذا موضع نظر. # قال: والأشبه بناء ذلك على أن مستند المفهوم ماذا؟ هل هو البحث عن فوائد ~~التخصيص؛ كما هو اختيار الشافعي، فلا يصح أن يكون له عموم، وإن قلنا ~~استناده إلى عرف لغوي فصحيح، PageV01P329 # وخرج من كلامه وكلام الشيخ أن الخلاف معنوي، وليس الخلاف لفظيا كما ~~زعموا. انتهى. # قال العضد1 في "شرحه لمختصر المنتهى": وإذا حرر محل النزاع لم يتحقق ~~خلاف؛ لأنه إن فرض النزاع في أن مفهومي المرافقة والمخالفة يثبت بهما الحكم ~~في جميع ما سوى المنطوق من الصور أول، فالحق "الإثبات، وهو مراد الأكثر ~~والغزالي لا يخالفهم فيه، وإن فرض أن ثبوت الحكم فيهما بالمنطوق أو لا، ~~فالحق"* النفي وهو مراد الغزالي، وهم لا يخالفونه فيه، ولا ثالث ههنا يمكن ~~فرضه محل النزاع. # والحاصل: أنه نزاع لفظي ms250 يعود إلى تفسير العام بأنه ما يستغرق في محل ~~النطق أو ما يستغرق في الجملة. انتهى. # قال الزركشي: ما ذكروه من عموم المفهوم حتى يعمل به فيما عدا المنطوق، ~~يجب تأويله على أن المراد ما إذا كان المنطوق جزئيا، وبيانه أن الإجماع على ~~أن الثابت بالمفهوم إنما هو نقيض المنطوق، والإجماع على أن نقيض الكلي ~~المثبت جزئي سالب ونقيض الجزئي المثبت كلي سالب، ومن هاتين المقدمتين يعلم ~~أن ما كان منطوقه كليا سالبا كان مفهومه جزئيا سالبا، فيجب تأويل قولهم إن ~~المفهوم عام على ما إذا كان المنطوق به خالصا ليجتمع أطراف الكلام. انتهى. # وقد تقدم في مسألة الخلاف في كون العموم من عوارض الألفاظ فقط أم من ~~عوارض الألفاظ والمعاني، وكذلك سيأتي2 إن شاء الله تعالى في بحث المفهوم ما ~~إذا تأملته زادك بصيرة. PageV01P330 ### | المسألة الموفية للعشرون: الاستفصال # ... # المسألة الموفية للعشرين: الاستفصال # قال الإمام الشافعي: ترك الاستفصال، في حكاية الحال، مع قيام الاحتمال، ~~ينزل منزلة العموم في المقام. # قال في "المحصول": مثاله أن ابن غيلان1 أسلم على عشر نسوة، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "أمسك أربعا منهن وفارق سائرهن" 2 ولم يسأل عن كيفية ~~ورود عقده عليهن، في الجمع والترتيب، فكان إطلاقه القول دالا على أنه لا ~~فرق بين أن تتفق تلك العقود معا أو على الترتيب. # وهذا فيه نظر، لاحتمال أنه صلى الله عليه وسلم عرف "خصوص الحال"* فأجاب ~~بناء على معرفته ولم يستفصل. انتهى. # ويجاب عنه بأن هذا الاحتمال إنما يصار إليه إذا كان راجحا وليس بمساو ~~فضلا عن أن يكون راجحا. PageV01P330 ### | المسألة الحادية والعشرون: حذف المتعلق # ... # المسألة الحادية والعشرين: حذف المتعلق # ذكر علماء البيان أن حذف المتعلق يشعر بالتعميم، نحو زيد: يعطي ويمنع، ~~ونحو قوله تعالى: {والله يدعو إلى دار السلام} 1، فينبغي أن يكون ذلك من ~~أقسام العموم، وإن لم يذكره أهل الأصول. # قال الزركشي: وفيه بحث فإن ذلك مما أخذ من القرائن، وحينئذ فإن دلت ~~القرينة على أن المقدر يجب أن يكون عاما فالتعميم ms251 من عموم المقدر سواء ذكر ~~أو حذف وإلا فلا دلالة على التعميم فالظاهر أن العموم فيما ذكر إنما هو ~~لدلالة القرينة على أن المقدر عام، والحذف إنما هو لمجرد الاختصار لا ~~للتعميم. انتهى. PageV01P331 ### | المسألة الثانية والعشرون: حكم الكلام الوراد في جهة المدح أو الذم # ... # المسألة الثانية والعشرين: حكم الكلام الوارد في جهة المدح أو الذم # الكلام العام في طريقة المدح أو الذم نحو: {إن الأبرار لفي نعيم، وإن ~~الفجار لفي جحيم} 1، ونحو {والذين هم لفروجهم حافظون} 2، ذهب الجمهور إلى ~~أنه عام ولا يخرج عن كونه عاما حسبما تقضيه الصيغة كونه مدحا أو ذما، وذهب ~~الشافعي وبعض أصحابه إلى أنه لا يقتضي العموم، وحكى أبو الحسين بن القطان، ~~والأستاذ أبو منصور، وسليم الرازي وابن السمعاني وجهين في ذلك لأصحاب ~~الشافعي وروي القول بعدم عمومه عن القاساني والكرخي، نقله عن الأول أبو بكر ~~الرازي وعن الثاني ابن برهان. # وقال إلكيا الهراس: إنه الصحيح، وبه جزم القفال الشاشي، وقال: لا يحتج ~~بقوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة} 3 على وجوب الزكاة في قليل ~~الذهب والفضة وكثيرهما، بل مقصود الآية الوعيد لتارك الزكاة، وكذا لا يحتج ~~بقوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم} 4 على ما يحل منها وما لا يحل، وكان فيها بيان أن الفرج لا يجب ~~حفظه عنهما ثم إذا احتيج إلى تفصيل ما يحل بالنكاح أو بملك اليمين صير فيه ~~إلى ما قصد تفصيله، مثل {حرمت عليكم أمهاتكم} 5. انتهى. # والراجح ما ذهب إليه الجمهور لعدم التنافي بين قصد العموم والمدح أو ~~الذم، ومع عدم التنافي يجب التمسك بما يفيده اللفظ من العموم، ولم يأت من ~~منع من عمومه عند قصد المدح أو الذم بما تقوم به الحجة. PageV01P331 ### | المسألة الثالثة والعشرون: حكم العام الوارد على سبب خاص # ورود العام على سبب خاص: وقد أطلق جماعة من أهل الأصول أن الاعتبار بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب، وحكوا ذلك إجماعا كما رواه الزركشي في "البحر". # قال: ولا بد ms252 في ذلك من تفصيل، وهو أن الخطاب إما أن يكون جوابا لسؤال ~~سائل أو لا، فإن كان جوابا فإما أن يستقل بنفسه أو لا، فإن لم يستقل بحيث ~~لا يحصل الابتداء به فلا خلاف في أنه تابع للسؤال في عمومه وخصوصه، حتى كأن ~~السؤال معاد فيه، فإن كان السؤال عاما فعام، وإن كان خاصا فخاص. # PageV01P332 # مثال خصوص السؤال قوله تعالى: {فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم} 1، ~~وقوله في الحديث: "أينقص الرطب إذا جف" قالوا: نعم. قال: "فلا إذا"2، وكقول ~~القائل: وطأت في نهار رمضان عامدا فيقول: عليك الكفارة؛ فيجب قصر الحكم على ~~السائل ولا يعم غيره إلا بدليل من خارج يدل على أنه عام في المكلفين، أو في ~~كل من كان بصفته. # ومثال عمومه ما لو سئل عمن جامع امرأته في نهار رمضان فقال: يعتق رقبة، ~~فهذا عام في كل واطئ في نهار رمضان، وقوله: يعتق وإن كان خاصا بالواحد، ~~لكنه لما كان جوابا عمن جامع امرأته بلفظ يعم كل من جامع، كان الجواب كذلك ~~وصار السؤال معادا في الجواب. # قال الغزالي: وهذا يشترط فيه أن يكون حال غير المحكوم عليه كحاله في كل ~~وصف مؤثر للحكم3. # وجعل القاضي في "التقريب" من هذا الضرب قوله: أنتوضأ بماء البحر، فقال: ~~"هو الطهور ماؤه" 4 قال: لأن الضمير لا بد له من أن يتعلق بما قبله ولا ~~يحسن أن يبتدأ به. # قال الزركشي: وفي هذا نظر؛ لأن هذا ضمير شأن، ومن شأنه صدر الكلام وإن لم ~~يتعلق بما قبله. # قال: وقد رجع القاضي في موضع آخر فجعله من القسم الثاني، وهو الصواب، وبه ~~صرح ابن برهان وغيره. # وإن استقل الجواب بنفسه، بحيث لو ورد مبتدأ لكان كلاما تاما مفيدا ~~للعموم، فهو على ثلاثة أقسام؛ لأنه إما أن يكون أخص أو مساويا أو أعم. # الأول: أن يكون الجواب مساويا له، يزيد عليه ولا ينقص، كما لو سئل عن ماء ~~البحر. # فقال ماء البحر لا ينجسه شيء، فيجب حمله على ظاهره بلا ms253 خلاف، وكذلك قال ~~ابن فورك، والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وابن القشيري وغيرهم. # الثاني: أن يكون الجواب أخص من السؤال، مثل أن يسأل عن أحكام المياه ~~فيقول: ماء البحر طهور فيختص ذلك بماء البحر ولا يعم بلا خلاف كما حكاه ~~الأستاذ أبو منصور وابن القشيري وغيرهما. # الثالث: أن يكون الجواب أعم من السؤال وهما قسمان: PageV01P333 # أحدهما: أن يكون أعم منه في حكم آخر غير ما سئل عنه، كسؤالهم عن التوضؤ ~~بماء البحر، وجوابه صلى الله عليه وسلم بقوله: "هو الطهور ماؤه والحل ~~ميتته" 1 فلا خلاف أنه عام لا يختص بالسائل، ولا بمحل السؤال من ضرورتهم ~~إلى الماء وعطشهم، بل يعم حال الضرورة والاختيار، كذا قال ابن فورك، وصاحبا ~~"المعتمد" و"* "المحصول" وغيرهما، وظاهر كلام القاضي أبي الطيب، وابن برهان ~~أنه يجري في هذا الخلاف الآتي في القسم الثاني، وليس بصواب كما لا يخفى. # القسم الثاني: أن يكون الجواب أعم من السؤال في ذلك الحكم الذي وقع ~~السؤال عنه، كقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ماء بئر بضاعة: "الماء ~~طهور لا ينجسه شيء" 2، وكقوله لما سئل عمن اشترى عبدا فاستعمله ثم وجد فيه ~~عيبا: "الخراج بالضمان" 3، وهذا القسم محل الخلاف، وفيه مذاهب: # المذهب الأول: الأول أنه يجب قصره على ما خرج عليه السؤال، وإليه ذهب بعض ~~أصحاب الشافعي، وحكاه الشيخ أبو حامد، والقاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، ~~وسليم الرازي، وابن برهان، وابن السمعاني، عن المزني4، وأبي ثور القفال، ~~والدقاق، وحكاه أيضا الشيخ أبو منصور عن أبي الحسن الأشعري، وحكاه أيضا بعض ~~المتأخرين عن الشافعي، وحكاه القاضي عبد الوهاب، والباجي عن أبي الفرج من ~~أصحابهم وحكاه الجويني في البرهان عن أبي حنيفة، وقال إنه الذي صح عندنا من ~~مذهب الشافعي، وكذا قال الغزالي في المنخول، وتبعه فخر الدين الرازي في ~~"المحصول". قال الزركشي: والذي في كتب الحنفية، وصح عن الشافعي خلافه ونقل ~~هذا المذهب القاضي أبي الطيب والماوردي وابن برهان وابن السمعاني عن مالك ~~PageV01P334 # المذهب الثاني: أنه يجب حمله على ms254 العموم؛ لأن عدول المجيب عن الخاص ~~المسئول عنه إلى العام دليل على إرادة العموم، ولأن الحجة قائمة بما يفيده ~~اللفظ، وهو يقتضي العموم، ووروده على السبب لا يصلح معارضا، وإلى هذا ذهب ~~الجمهور. # قال الشيخ أبو حامد، والقاضي أبو الطيب، والماوردي، وابن برهان: وهو مذهب ~~الشافعي. واختاره أبو بكر الصيرفي، وابن القطان. # قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وابن القشيري، وإلكيا الطبري، والغزالي: ~~إنه الصحيح، وبه جزم القفال الشاشي. قال: والأصل أن العموم له حكمه إلا أن ~~يخصه دليل، والدليل قد اختلف فإن كان في الحال دلالة يعقل بها المخاطب أن ~~جوابه العام يقتصر به على ما أجيب عنه، أو على جنسه فذاك، وإلا فهو عام في ~~جميع ما يقع عليه عمومه، وحكا هذا المذهب ابن كج، عن أبي حنيفة، والشافعي، ~~وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أكثر الشافعية والحنفية، وحكاه القاضي عبد ~~الوهاب عن الحنفية، وأكثر الشافعية والمالكية، وحكاه الباجي عن أكثر ~~المالكية والعراقيين. # قال القاضي في "التقريب": وهو الصحيح؛ لأن الحكم معلق بلفظ الرسول، دون ~~ما وقع عليه السؤال، ولو قال ابتداء وجب حمله على العموم، فكذلك إذا صدر ~~جوابا. انتهى. # وهذا المذهب هو الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة؛ لأن التعبد للعباد إنما هو ~~باللفظ الوارد عن الشارع، وهو عام ووروده على سؤال خاص لا يصلح قرينة لقصره ~~على ذلك السبب، ومن ادعى أنه يصلح لذلك فليأت بدليل تقوم به الحجة، ولم يأت ~~أحد من القائلين بالقصر على السبب بشيء يصلح لذلك، وإذا ورد في بعض المواطن ~~ما يقتضي قصر ذلك العام الوارد فيه على سببه لم يجاوز به محله، بل يقصر ~~عليه، ولا جامع بين الذي ورد فيه بدليل يخصه وبين سائر العمومات الواردة ~~على أسباب خاصة حتى يكون ذلك الدليل في ذلك الموطن شاملا لها. # المذهب الثالث: الوقف، حكاه القاضي في "التقريب"، ولا وجه له؛ لأن الأدلة ~~هنا لم تتوازن حتى يقتضي ذلك التوقف. # المذهب الرابع: التفصيل بين أن يكون السبب هو سؤال سائل فيختص به، ms255 وبين ~~أن يكون السبب مجرد وقوع حادثة كان وذلك القوم العام واردا عند حدوثها فلا ~~يختص بها كذا حكاه عبد العزيز في "شرح البزدوي"1. # المذهب الخامس: أنه إن عارض هذا العام الوارد على سبب عموم آخر خرج ~~ابتداء بلا سبب، فإنه يقصر على سببه وإن لم يعارضه فالعبرة بعمومه. # قال الأستاذ أبو منصور: هذا هو الصحيح. انتهى. # وهذا لا يصلح أن يكون مذهبا مستقلا، فإن هذا العام الخارج ابتداء من غير ~~سبب إذا صلح للدلالة فهو دليل خارج يوجب القصر، ولا خلاف في ذلك على ~~المذاهب كلها. PageV01P335 ### | المسألة الرابعة والعشرون: خلاف العلماء فيما إذا ذكر بعض أفراد العام الموافق له في الحكم # ذكر بعض أفراد العام الموافق له في الحكم لا يقتضي التخصيص عند الجمهور، ~~والحاصل: أنه إذا وافق الخاص العام في الحكم فإن كان بمفهومه ينفي الحكم عن ~~غيره، فمن أخذ بمثل ذلك المفهوم خصص به على الخلاف الآتي1 في مسألة التخصيص ~~بالمفهوم. # وأما إذا لم يكن له مفهوم فلا يخصص به. # ومثال ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" 2 مع قوله ~~صلى الله عليه وسلم في حديث آخر في شاة ميمونة: "دباغها طهورها" 3 فالتنصيص ~~على الشاة في الحديث الآخر لا يقتضي تخصيص عموم أيما إهاب دبغ فقد طهر؛ ~~لأنه تنصيص على بعض أفراد العام بلفظ لا مفهوم له إلا مجرد مفهوم اللقب، ~~فمن أخذ به خصص به، ومن لم يأخذ به لم يخصص به، ولا متمسك لمن قال بالأخذ ~~به كما سيأتي4. # ومن أمثلة المسألة قوله: صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا" 5 وفي لفظ آخر "وتربتها PageV01P336 # ظهورا"1 وقوله: "الطعام بالطعام" 2 مع قوله في حديث آخر "البر بالبر" 3 ~~إلخ، وقد احتج الجمهور على عدم التخصيص بالمواقف للعام "بأن المخصص لا بد ~~أن يكون منافيا للعام"* وذكر الحكم على بعض الأفراد التي شملها العام ليس ~~بمناف فلا يكون ذكره مخصصا، وقد أنكر بعض أهل العلم وقوع الخلاف في ms256 هذه ~~المسألة. وقال لما كان أبو ثور ممن يقول بمفهوم اللقب ظن أنه يقول بالتخصيص ~~وليس كذلك. # قال الزركشي: فإن قلت: فعلى قول الجمهور ما فائدة هذا الخاص مع دخوله في ~~العام؟ # قلت: يجوز أن تكون فائدته عدم جواز تخصيصه أو التفخيم له أو إثبات المزيد ~~له على غيره من الأفراد، قال ابن دقيق العيد: إن كان أبو ثور نص على هذه ~~القاعدة فذاك، وإن كان أخذها له بطريق الاستنباط من مذهبه في مفهوم اللقب ~~فلا يدل على ذلك PageV01P337 ### | المسألة الخامسة والعشرون: في عموم العلة المعلقة بالحكم # إذا علق الشارع حكما على علة هل تعم تلك العلة حتى يوجد الحكم بوجودها في ~~كل صورة، فقال الجمهور بالعموم في جميع صور وجود العلة، وقال القاضي أبو ~~بكر: لا يعم، ثم اختلف القائلون بالعموم هل العموم باللغة أو بالشرع، ~~والظاهر أن ذلك العموم بالشرع لا باللغة فإنه لم يكن في الصيغة ما يقتضي ~~ذلك، بل اقتضى ذلك القياس، وقد ثبت التعبد به كما سيأتي1. # واحتج من قال بعدم العموم، بأنه يحتمل أن يكون المذكور جزء علة والجزء ~~الآخر خصوصية المحل. # وأجيب عنه: بأن مجرد الاحتمال لا ينتهض للاستدلال، فلا يترك به ما هو ~~الظاهر، ولكنه ينبغي تقييد هذه المسألة بأن يكون القياس الذي اقتضته العلة ~~من الأقيسة التي ثبتت بدليل نقل أو عقل، لا بمجرد محض الرأي والخيال ~~المختل، وسيأتي2 بمعونة الله إيضاح ذلك مستوفى. PageV01P337 ### | المسألة السادسة والعشرون: العام المخصوص هل هو حقيقة في الباقي أم مجاز # اختلفوا في العام إذا خص هل يكون حقيقة في الباقي أم مجازا، فذهب ~~الأكثرون إلى أنه مجاز في الباقي مطلقا، سواء كان ذلك التخصيص بمتصل أو ~~منفصل، وسواء كان بلفظ أو بغيره واختاره البيضاوي، وابن الحاجب، والصفي ~~الهندي. # قال ابن برهان في "الأوسط": وهو المذهب الصحيح، ونسبه إلكيا الطبري إلى ~~المحققين ووجهه أنه موضوع للمجموع، فإذا أريد به البعض فقد أريد به غير ما ~~وضع له، وذلك هو المجاز. # وأيضا لو كان حقيقة في البعض ms257 كما كان حقيقة في الكل لزم أن يكون مشتركا ~~فيكون حقيقة في معنيين مختلفين، والمفروض أنه حقيقة في معنى واحد. # وأيضا قد تقرر أن المجاز خير من الاشتراك كما تقدم1، فيكون مقدما عليه. # وذهب جماعة عن أهل العلم إلى أنه حقيقة فيما بقي مطلقا، قال الشيخ أبو ~~حامد الإسفراييني: وهذا مذهب الشافعي وأصحابه، وهو قول مالك وجماعة من ~~أصحاب أبي حنيفة، ونقله ابن برهان عن أكثر الشافعية. # وقال إمام الحرمين: هو مذهب جماعة الفقهاء وحكاه ابن الحاجب عن الحنابلة. # قالوا: ووجه ذلك أن اللفظ إذا كان متناولا حقيقة باتفاق فالتناول باق على ~~ما كان عليه، ولا يضره طرد عدم تناول الغير. # وأجيب: بأنه كان يتناوله مع غيره، والآن يتناوله وحده وهما متغايران. # وقالوا أيضا: إنه يسبق إلى الفهم من غير قرينة. PageV01P338 # وأجيب: بأنه إنما يسبق إلى الفهم مع القرينة؛ إذ السابق مع عدمها هو ~~العموم، وهذا دليل المجاز. # قال العضد: وقد يقال إرادة الباقي معلومة دون القرينة، إنما المحتاج إلى ~~القرينة عدم إرادة الإخراج. انتهى. # ويجاب عنه: بأن إرادة الباقي وحده دون غيره يحتاج إلى قرينة. # وذهب جماعة: إلى أنه إن خص بمتصل لفظي كالاستثناء فحقيقة، وإن خص بمنفصل ~~فمجاز، حكاه الشيخ أبو حامد، وابن برهان وعبد الوهاب عن الكرخي وغيره من ~~الحنفية، قال عبد الوهاب: هو قول أكثرهم. قال ابن برهان: وإليه مال القاضي، ~~ونقله عنه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "اللمع". # واحتجوا بأنه مع التخصيص بمتصل كلام واحد. # ويجاب: بأن ذلك المخصص المتصل هو القرينة التي كانت سببا لفهم إرادة ~~الباقي من لفظ العموم وهو معنى المجاز، ولا فرق بين قرينة قريبة أو بعيدة ~~متصلة أو منفصلة. # وذهب عبد الجبار إلى عكس هذا القول، حكى ذلك عنه ابن برهان في "الأوسط" ~~ولا وجه له، وحكى الآمدي أنه إن خص بدليل لفظي كان حقيقة في الباقي، سواء ~~كان ذلك المخصص اللفظ متصلا أو منفصلا، وإن خص بدليل غير لفظي كان مجازا، ~~ولا وجه لهذا أيضا؛ لأن القرينة قد تكون ms258 لفظية وقد تكون غير لفظية، وحكى ~~أبو الحسين في "المعتمد" عن عبد الجبار أنه: إن خص بالشرط والصفة فهو ~~حقيقة، وإلا فهو مجاز، ولا وجه له أيضا، وقد استدل له بما لا يصلح للاحتجاج ~~به على محل النزاع. # وقال أبو الحسين البصري: إن كان المخصص مستقلا فهو مجاز، سواء كان عقليا ~~أو لفظيا، وذلك كقول المتكلم بالعام أردت به البعض الباقي بعد الإخراج، وإن ~~لم يكن مستقلا فهو حقيقة، كالاستثناء والشرط، والصفة. # واختار هذا فخر الدين الرازي، فإنه قال في "المحصول": والمختار قول أبي ~~الحسين، وهو أن القرينة المخصصة إن استقلت بنفسها صار مجازا وإلا فلا، ~~وتقريره أن القرينة المخصصة المستقلة ضربان: عقلية ولفظية، أما العقلية ~~فكالدلالة الدالة على أن غير القادر غير مراد بالخطاب بالعبادات، وأما ~~اللفظية فيجوز أن يقول المتكلم بالعام أردت به البعض الفلاني، وفي هذين ~~القسمين يكون العام مجازا، والدليل عليه أن اللفظ موضوع في اللغة ~~للاستغراق، فإذا استعمل هو بعينه في البعض فقد صار اللفظ مستعملا في غير ~~مسماه لقرينة مخصصة، وذلك هو المجاز. # فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال لفظ العموم وحده حقيقة في الاستغراق، ومع ~~القرينة # PageV01P339 # المخصصة حقيقة في الخصوص. # قلت: فتح هذا الباب يفضي إلى أن لا يوجد في الدنيا مجازا أصلا؛ لأنه لا ~~لفظ إلا ويمكن أن يقال إنه وحده حقيقة في كذا، ومع القرينة حقيقة في المعنى ~~الذي جعل مجازا عنه، والكلام في أن العام المخصوص بقرينة مستقلة بنفسها هل ~~هو مجاز أم لا. انتهى. # ويجاب عنه بمنع كونه يفضي إلى ذلك، ومجرد إمكان أن يقال لا اعتبار به، بل ~~الاعتبار بالدلالة الكائنة في نفس الدال مع عدم فتح باب الإمكان المفضي إلى ~~سد باب الدلالة مطلقا، فضلا عن سد باب مجرد المجاز. # وحكى الآمدي عن أبي بكر الرازي أنه إن بقي بعد التخصيص جمع فهو حقيقة، ~~وإلا فهو مجاز، واختاره الباجي من المالكية، وهذا لا ينبغي أن يعد مذهبا ~~مستقلا لأنه لا بد "من"* أن يبقى أقل الجمع، ms259 وهو محل الخلاف، ولهذا قال ~~القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي: إن محل الخلاف فيما إذا كان الباقي ~~أقل الجمع، فأما إذا بقي واحد أو اثنان، كما لو قال لو تكلم الناس، ثم قال ~~أردت زيدا خاصة، فإنه يصير مجازا بل خلاف؛ لأنه اسم جمع، والواحد والاثنان ~~ليسا بجمع. انتهى. # وهكذا لا ينبغي أن يعد مذهبا مستقلا ما اختاره إمام الحرمين، من أنه يكون ~~حقيقة فيما بقي ومجازا فيما أخرج؛ لأن محل النزاع هو فيما بقي فقط، هل يكون ~~العام فيه حقيقة أم لا؟ PageV01P340 ### | المسألة السابعة والعشرون: حجية العام بعد التخصيص # اختلفوا في العام بعد تخصيصه هل يكون حجة أم لا، ومحل الخلاف فيما إذا خص ~~بمبين، أما إذا خص بمبهم كما لو قال تعالى: "اقتلوا المشركين إلا بعضهم"1، ~~فلا يحتج به على شيء من الأفراد، بلا خلاف؛ إذ ما من فرد إلا ويجوز أن يكون ~~هو المخرج، وأيضا إخراج المجهول من المعلوم يصيره مجهولا، وقد نقل الإجماع ~~على هذا جماعة منهم القاضي أبو بكر، وابن السمعاني، والأصفهاني. # قال الزركشي في "البحر": وما نقلوه من الاتفاق فليس بصحيح. PageV01P340 # وقد حكى ابن برهان في "الوجيز" الخلاف في هذه الحالة، وبالغ فصحح العمل ~~به مع "الإبهام"*، واعتل بأنا إذا نظرنا إلى فرد شككنا فيه هل هو من المخرج ~~والأصل عدمه، فيبقى على الأصل، ونعمل به إلى أن "نعلم"** بالقرينة بأن ~~الدليل المخصص معارض للفظ العام، وإنما يكون معارضا عند العلم به. # قال الزركشي: وهو صريح في الإضراب عن المخصص، والعمل بالعام في جميع ~~أفراده، وهو بعيد، وقد رد الهندي هذا البحث بأن المسألة مفروضة في الاحتجاج ~~به في الكل المخصوص وغيره ولا قائل به. انتهى. # وقال بعض الشافعية بإحالة هذا محتجا بأن البيان لا يتأخر، وهذا يؤدي إلى ~~تأخره. # وأما إذا كان التخصيص بمبين، فقد اختلفوا في ذلك على أقوال: # الأول: أنه حجة في الباقي، وإليه ذهب الجمهور، واختاره الآمدي، وابن ~~الحاجب، وغيرهما من محققي المتأخرين، وهو الحق الذي لا شك فيه ولا ms260 شبهة؛ ~~لأن اللفظ العام كان متناولا للكل فيكون حجة في كل واحد من أقسام ذلك الكل، ~~ونحن نعلم بالضرورة أن نسبة اللفظ إلى كل الأقسام على السوية فإخراج البعض ~~منها بمخصص لا يقتضي إهمال دلالة اللفظ على ما بقي، ولا يرفع التعبد به، ~~ولو توقف كونه حجة في البعض على كونه حجة في الكل للزم الدور، وهو محال. # وأيضا المقتضي للعمل به فيما بقي موجود، وهو دلالة اللفظ عليه، والمعارض ~~مفقود فوجد المقتضي وعدم المانع، فوجب ثبوت الحكم. وأيضا قد ثبت عن سلف هذه ~~الأمة ومن بعدهم الاستدلال بالعمومات المخصوصة، وشاع ذلك وذاع. # وأيضا قد قيل: إنه ما من عموم إلا وقد خص، وأن لا يوجد عام غير مخصص، فلو ~~قلنا إنه غير حجة فما بقي للزم إبطال كل عموم، ونحن نعلم أن غالب هذه ~~الشريعة المطهرة إنما ثبتت بعمومات. # القول الثاني: أنه ليس بحجة فيما بقي، وإليه ذهب عيسى بن أبان وأبو ثور، ~~كما حكاه عنهما صاحب "المحصول"، وحكاه القفال الشاشي عن أهل العراق وحكاه ~~الغزالي عن القدرية، قال: ثم منهم من قال: يبقى أقل الجمع؛ لأنه المتيقن. # قال إمام الحرمين: ذهب كثير من الفقهاء الشافعية، والمالكية، والحنفية، ~~والجبائي، PageV01P341 # وابنه1 إلى أن الصيغة الموضوعة للعموم إذا خصت صارت مجملة، ولا يجوز ~~الاستدلال بها في بقية المسميات إلا بدليل، كسائر المجازات، وإليه مال عيسى ~~بن أبان. انتهى. # واستدلوا بأن معنى العموم حقيقة غير مراد مع تخصيص البعض، وسائر ما تحته ~~من المراتب مجازات، وإذا كانت الحقيقة غير مرادة، وتعددت المجازات، كان ~~اللفظ مجملا فيها، فلا يحمل على شيء منها "والباقي أحد المجازات فلا يحمل ~~على شيء منها"*. # وأجيب: بأن ذلك إنما يكون إذا كانت المجازات متساوية، ولا دليل على تعين ~~أحدها، وما قدمنا من الأدلة فقد دلت على حمله على الباقي فيصار إليه. # القول الثالث: أنه إن خص بمتصل كالشرط و"الاستثناء"** والصفة فهو حجة ~~فيما بقي، وإن خص بمنفصل فلا، بل يصير مجملا، حكاه الأستاذ أبو منصور، عن ~~الكرخي، ومحمد ms261 بن شجاع الثلجي، بالمثلثة والجيم. # قال أبو بكر الرازي: كان شيخنا أبو الحسن الكرخي يقول: في العام إذا ثبت ~~خصوصه سقط الاستدلال باللفظ، وصار حكمه موقوفا على دلالة أخرى من غيره، ~~فيكون بمنزلة اللفظ، وكان يفرق بين الاستثناء المتصل باللفظ وبين الدلالة ~~من غير اللفظ، فيقول: إن الاستثناء غير مانع بقاء اللفظ فيما عدا المستثنى. ~~انتهى. # ولا يخفاك أن قوله سقط الاستدلال باللفظ مجرد دعوى، ليس عليها دليل، ~~وقوله: وصار حكمه ... إلخ ضم دعوى إلى دعوى، والأصل بقاء الدلالة، والظاهر ~~يقتضي ذلك، فمن قال برفعها أو بعدم ظهورها لم يقبل منه ذلك إلا بدليل، ولا ~~دليل أصلا. # القول الرابع: إن التخصيص إن لم يمنع استفادة الحكم بالاسم وتعلقه بظاهره ~~جاز التعلق به، كما في قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} 2؛ لأن القيام ~~الدلالة على المنع من قتل أهل الذمة لا يمنع من تعلق الحكم وهو القتل باسم ~~المشركين، وإن كان يمنع من تعلق الحكم بالاسم العام، ويوجب تعلقه بشرط لا ~~ينبئ عنه الظاهر لم يجز التعلق به، كما في قوله تعالى: {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما} 3؛ لأن قيام الدلالة على اعتبار النصاب والحرز، وكون ~~PageV01P342 # المسروق لا شبهة للسارق فيه يمنع من تعلق الحكم، وهو القطع بعموم اسم ~~السارق، ويوجب تعلقه بشرط لا ينبئ عنه ظاهر اللفظ، وإليه ذهب أبو عبد الله ~~البصري تلميذ الكرخي. # ويجاب عنه: بأن محل النزاع دلالة اللفظ العام على ما بقي بعد التخصيص، ~~وهي كائنة في الموضعين، والاختلاف بكون الدلالة في البعض الآخر باعتبار أمر ~~خارج لا يقتضي ما ذكره من التفرقة المفضية إلى سقوط دلالة الدال أصلا ~~وظاهرا. # القول الخامس: # إن كان لا يتوقف على البيان قبل التخصيص، ولا يحتاج إليه ك {اقتلوا ~~المشركين} فهو حجة؛ لأن مراده بين قبل إخراج الذمي، وإن كان يتوقف على ~~البيان، ويحتاج إليه قبل التخصيص فليس بحجة كقوله تعالى: {أقيموا الصلاة} 1 ~~فإنه يحتاج إلى البيان قبل إخراج الحائض ونحوها، وإليه ذهب عبد الجبار، ~~وليس هو بشيء ولم يدل عليه دليل من ms262 عقل ولا نقل. # القول السادس: # أنه يجوز التمسك به في أقل الجمع؛ لأنه المتعين، ولا يجوز فيما زاد عليه، ~~هكذا حكى هذا المذهب القاضي أبو بكر، والغزالي، وابن القشيري، وقال إنه ~~تحكم، وقال الصفي الهندي: لعله قول من لا يجوز "التخصيص ألبتة"*. # وقد استدل لهذا القائل: بأن أقل الجمع هو المتيقن، والباقي مشكوك فيه، ~~ورد بمنع كون الباقي مشكوكا فيه لما تقدم من الأدلة. # القول السابع: # أنه يتمسك به في واحد فقط، حكاه في "المنخول" عن أبي هاشم، وهو أشد تحكما ~~مما قبله. # القول الثامن: # الوقف، فلا يعمل به إلا بدليل، حكاه أبو الحسين بن القطان، وجعله مغايرا ~~لقول عيسى بن أبان ومن معه، وهو مدفوع بأن الوقف إنما يحسن عند توازن الحجج ~~وتعارض الأدلة، وليس هناك شيء من ذلك. PageV01P343 ### | المسألة الثامنة والعشرون: عطف بعض أفراد العام عليه # إذا ذكر العام وعطف عليه بعض أفراده مما حق العموم أن يتناوله، كقوله ~~تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} 1، فهل يدل ذكر الخاص على أنه ~~غير مراد باللفظ العام أم PageV01P343 # لا؟ وقد حكى الروياني في "البحر" عن والده في "كتاب الوصية" أنه حكى ~~اختلاف العلماء في هذه المسألة فقال بعضهم: هذا المخصوص "بالذكر"* لا يدخل ~~تحت العام؛ لأنا لو جعلناه داخلا تحته لم يكن لإفراده بالذكر فائدة. # قال الزركشي في "البحر": وعلى هذا جرى أبو علي الفارسي، وتلميذه ابن جني، ~~وظاهر كلام الشافعي يدل عليه، فإنه قال في حديث عائشة في الصلاة الوسطى، ~~وصلاة العصر1 إنه يدل على أن الصلاة الوسطى ليست العصر لأن العطف يقتضي ~~المغايرة. # قال الروياني أيضا: وقال بعضهم هذا المخصوص بالذكر هو داخل تحت العموم، ~~وفائدته التأكيد، وكأنه ذكر مرة بالعموم، ومرة بالخصوص وهذا هو الظاهر، وقد ~~أوضحنا هذا المقام بما لا مزيد عليه في "شرحنا للمنتقى". # وإذا كان المعطوف خاصا فاختلفوا: هل يقتضي تخصيص المعطوف عليه أم لا؟ # فذهب الجمهور إلى أنه لا يوجبه، وقالت الحنفية يوجبه، وقيل بالوقف. # ومثال هذه المسألة صلى الله عليه وسلم: "لا ms263 يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد ~~في عهده" 2 فقال الأولون: لا يقتل المسلم بالذمي، لقوله: "لا يقتل مؤمن ~~بكافر"، وهو عام في الحربي والذمي؛ لأنه نكرة في سياق النفي. # وقالت الحنفية بل هو خاص، والمراد به الكافر الحربي، بقرينة عطف الخاص ~~عليه، وهو قوله: "ولا ذو عهد في عهده" فيكون التقدير: ولا ذو عهد في عهده ~~بكافر قالوا: والكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي فقط بالإجماع؛ ~~لأن المعاهد يقتل بالمعاهد، فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو ~~الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه. # قال الأولون: وهذا التقدير ضعيف لوجوه: PageV01P344 # أحدها: أن العطف لا يقتضي الاشتراك بين المتعاطفين من كل وجه. # الثاني: أن قوله: "ولا ذو عهد في عهده" كلام تام، فلا يحتاج إلى إضمار ~~قوله بكافر لأن الإضمار خلاف الأصل، والمراد حينئذ أن العهد عاصم من القتل، ~~وقد صرح أبو عبيد في "غريب الحديث"1 بذلك، فقال: إن قوله: "ولا ذو عهد" ~~جملة مستأنفة وإنما قيده بقوله: "في عهده" لأنه لو اقتصر على قوله: "ولا ذو ~~عهد" لتوهم أن من وجد منه العهد ثم خرج منه لا يقتل، فلما قال: "في عهده" ~~علمنا اختصاص النهي بحالة العهد. # الثالث: أن حمل الكافر المذكور على الحرب لا يحسن؛ لأن إهدار دمه معلوم ~~من الدين بالضرورة، فلا يتوهم أحد قتل مسلم به. # وقد أطال أهل الأصول الكلام في هذه المسألة، وليس هناك ما يقتضي التطويل. # وقد قيل -على ما ذهب إليه الأولون-: ما وجه الارتباط بين الجملتين؟ إذ لا ~~يظهر مناسبة لقوله: "ولا ذو عهد في عهده" مطلقا مع قوله: "لا يقتل مسلم ~~بكافر". # وأجاب عن ذلك الشيخ أبو إسحاق المروزي2: بأن عداوة الصحابة رضي الله عنهم ~~للكفار كانت شديدة جدا فلما قال عليه الصلاة والسلام: "لا يقتل مسلم بكافر" ~~"خشي"* أن ينجرد هذا الكلام فتحملهم العداوة الشديدة بينهم على قتل كل كافر ~~من معاهد وغيره، فعقبه بقوله: # "ولا ذو عهد في عهده". PageV01P345 ### | المسألة التاسعة والعشرون: هل ms264 يجوز العمل بالعام قبل البحث عن المخصص؟ # نقل الغزالي، والآمدي، وابن الحاجب الإجماع على منع العمل بالعام قبل ~~البحث على المخصص. # واختلفوا في قدر البحث، والأكثرون قالوا إلى أن يغلب الظن بعدمه، وقال ~~القاضي أبو بكر # PageV01P345 # الباقلاني إلى القطع به، وهو ضعيف؛ إذ القطع لا سبيل إليه واشتراطه يفضي ~~إلى عدم العمل بكل عموم. # واعلم: أن في حكاية الإجماع نظرا، فقد قال في "المحصول": قال ابن سريج لا ~~يجوز التمسك بالعام ما لم يستقص في طلب المخصص، فإذا لم يوجد بعد ذلك ~~المخصص فحينئذ يجوز التمسك به في إثبات الحكم. # وقال الصيرفي: يجوز التمسك به ابتداء، ما لم يظهر دلالة مخصصة. # واحتج الصيرفي بأمرين: # أحدهما: لو لم يجز التمسك بالعام إلا بعد طلب المخصص، لم يجز التمسك ~~بالحقيقة إلا بعد البحث هل يوجد ما يقتضي صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز، ~~وهذا باطل فذاك مثله. # بيان الملازمة: أنه لو لم يجز التمسك بالعام إلا بعد طلب المخص، لكان ذلك ~~لأجل الاحتراز عن الخطأ المحتمل، وهذا المعنى قائم في التمسك بحقيقة اللفظ ~~فيجب اشتراكهما في الحكم، وبيان أن التمسك بالحقيقة لا يتوقف على طلب ما ~~يوجب العدول إلى المجاز، هو أن ذلك غير واجب في العرف، بدليل أنهم يحملون ~~الألفاظ على ظاهرها من غير بحث عن أنه هل وجد ما يوجب العدول أم لا؟، وإذا ~~وجب ذلك في العرف، وجب أيضا في الشرع، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما رآه ~~المسلمون حسنا فهو عند الله حسن" 1. # والأمر الثاني: أن الأصل عدم التخصيص، وهذا يوجب ظن عدم التخصيص، فيكفي ~~في إثبات ظن الحكم. # واحتج ابن سريج أن بتقدير قيام المخصص لا يكون العموم حجة في صورة ~~التخصيص، فقبل البحث عن وجود المخصص يجوز أن يكون العموم حجة، وأن لا يكون، ~~والأصل أن لا يكون حجة إبقاء للشيء على حكم الأصل. # الجواب: أن ظن كونه حجة أقوى من ظن كونه غير حجة؛ لأن إجراءه على العموم ~~أولى من حمله على التخصيص. # ولما ظهر ms265 هذا القدر من التفاوت كفى ذلك في ثبوت. انتهى كلام "المحصول". ~~PageV01P346 # وما ذكره من أن ما وجب في العرف وجب في الشرع ممنوع. # وما استدل به زاعما أنه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم باطل، فإن ~~ذلك ليس من قوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يثبت من وجه معتبر، ولا ~~شك أن الأصل عدم التخصيص، فيجوز التمسك بالدليل العام لمن كان من أهل ~~الاجتهاد الممارسين لأدلة الكتاب والسنة العارفين بها، فإن عدم وجود المخصص ~~لمن كان كذلك يسوغ له التمسك بالعام، بل هو فرضه الذي تعبده الله به، ولا ~~ينافي ذلك تقدير وجود المخصص فإن مجرد هذا التقدير لا يسقط قيام الحجة ~~بالعام، ولا يعارض أصالة عدم الوجود وظهوره. # PageV01P347 ### | المسألة الموفية للثلاثين: في الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص # ... # المسألة الموفية ثلاثين: في الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به ~~الخصوص # قال الشيخ أبو حامد في "تعليقه"1 في كتاب البيع: والفرق بينهما أن الذي ~~أريد به الخصوص ما كان المراد أقل، وما ليس بمراد هو الأكثر، وقال أبو علي ~~بن أبي هريرة: العام المخصوص المراد به هو الأكثر، وما ليس بمراد هو الأقل. ~~قال: ويفترقان أن العام الذي أريد به الخصوص "لا يصح الاحتجاج بظاهره، ~~والعام المخصوص يصح الاحتجاج بظاهره اعتبارا بالأكثر. وقال المرودي في ~~"الحاوي"2: الفرق بينهما في وجهين: # أحدهما: أن العام المخصوص ما يكون المراد باللفظ أكثره، وما ليس المراد ~~باللفظ أقل، والعام الذي أريد به الخصوص"*. ما يكون المراد باللفظ أقل، وما ~~ليس بمراد باللفظ أكثر. # والثاني: أن المراد فيما أريد به الخصوص متقدم على اللفظ، وفيما أريد به ~~العموم متأخر عن اللفظ أو مقترن به. # وقال ابن دقيق العيد في "شرح العنوان"3: يجب أن يتنبه للفرق بين قولنا: ~~هذا عام أريد به PageV01P347 # الخصوص، وبين قولنا: هذا عام مخصوص، فإن الثاني أعم من الأول، ألا ترى أن ~~المتكلم إذا أراد باللفظ أولا ما دل عليه ظاهر العموم، ثم أخرج ms266 بعد ذلك بعض ~~ما دل عليه اللفظ، كان عاما مخصوصا، ولم يكن عاما أريد به الخصوص، ثم ~~ويقال: إنه منسوخ بالنسبة إلى البعض الذي أخرج، وهذا متوجه إذا قصد العموم، ~~بخلاف ما إذا نطق بالعام مريدا به بعض ما يتناوله. # قال الزركشي: وفرق بعض الحنابلة بينهما بوجهين آخرين: # أحدهما: أن المتكلم إذا أطلق اللفظ العام فإن أراد به بعضا معينا، فهو ~~العام الذي أريد به الخصوص، وإن أراد سلب الحكم عن بعض منه فهو العام ~~المخصوص. # مثاله: قام الناس، فإذا أردت به إثبات القيام لزيد مثلا لا غير، فهو عام ~~أريد به الخصوص، وإن أردت به سلب القيام عن زيد فهو عام مخصوص. # والثاني: أن العام الذي أريد به الخصوص إنما يحتاج إلى دليل معنوي يمنع ~~إرادة الجميع، فيتعين له البعض، والعام المخصوص يحتاج إلى تخصيص اللفظ ~~غالبا، كالشرط والاستثناء والغاية. # قال: وفرق بعض المتأخرين بأن العام الذي أريد به الخصوص: هو أن يطلق ~~العام ويراد به بعض ما يتناوله، وهو مجاز قطعا؛ لأنه استعمال اللفظ في بعض ~~مدلوله، وبعض الشيء غيره، قال: وشرط الإرادة في هذا أن تكون مقارنة لأول ~~اللفظ ولا يكفي طردها في أثنائه؛ لأن المقصود منها نقل اللفظ من معناه إلى ~~غيره، واستعماله في غير موضعه، وليست الإرادة فيه إخراجا لبعض المدلول، بل ~~إرادة استعمال اللفظ في شيء آخر غير موضعه، كما يراد باللفظ مجازه. # وأما العام المخصوص، فهو العام الذي أريد به معناه مخرجا منه بعض أفراده ~~فلا يشترط مقارنتها لأول اللفظ، ولا تأخرها عنه بل يكفي كونها في أثنائه ~~كالمشيئة في الطلاق. # وهذا موضع خلافهم في أن العام المخصوص مجاز أو حقيقة. # ومنشأ التردد: أن إرادة إخراج بعض المدلول هل يصير اللفظ مرادا به الباقي ~~أو لا؟ وهو يقوي كونه حقيقة، لكن الجمهور على المجاز، والنية فيه مؤثرة في ~~نقل اللفظ عن معناه إلى غيره. # وقال علي بن عيسى1 النحوي: إذا أتى بصورة العموم والمراد به الخصوص، فهو ~~مجاز PageV01P348 # إلا في بعض المواضع، إذا ms267 صار الأظهر الخصوص، كقولهم: غسلت ثيابي وصرمت1 ~~نخلي، وجاءت بنو تميم، وجاءت الأزد2. انتهى. # قال الزركشي: وظن بعضهم أن الكلام في الفرق بينهما مما أثاره المتأخرون، ~~وليس وكذلك، فقد وقعت التفرقة بينهما في كلام الشافعي، وجماعة من أصحابنا، ~~في قوله تعالى: {وأحل الله البيع} 3 هل هو عام مخصوص، أو عام أريد به ~~الخصوص. انتهى. # ولا يخفاك أن العام الذي أريد الخصوص هو ما كان مصحوبا بالقرينة عند ~~التكلم به على إرادة المتكلم به بعض ما يتناوله بعمومه، وهذا لا شك في كونه ~~مجازا لا حقيقة لأنه استعمال اللفظ في بعض ما وضع له سواء كان المراد منه ~~أكثره أو أقله، فإنه لا مدخل للتفرقة بما قيل من إرادة الأقل في العام الذي ~~أريد به الخصوص، وإرادة الأكثر في العام المخصوص. # وبهذا يظهر لك أن العام الذي أريد به الخصوص مجاز على كل تقدير، وأما ~~العام المخصوص، فهو الذي لا تقوم قرينة عند تكلم المتكلم به على أنه أراد ~~بعض أفراده، فيبقى متناولا لأفراده على العموم، وهو عند هذا التناول حقيقة ~~فإذا جاء المتكلم بما يدل على إخراج البعض منه، كان على الخلاف المتقدم هل ~~هو حقيقة في الباقي أم مجاز؟ PageV01P349 ### | الفصل الرابع: في الخاص والتخصيص والخصوص وفيه ثلاثون مسألة ### | المسألة الأولى: في حده # ... # الباب الرابع: في الخاص والتخصيص والخصوص وفيه ثلاثون مسألة # المسألة الأولى: في حده # فقيل: الخاص هو اللفظ الدال على مسمى واحد. # ويعترض عليه بأن تقييده بالوحدة غير صحيح، فإن تخصيص العام قد يكون ~~بإخراج أفراد كثيرة من أفراد العام، وقد يكون بإخراج نوع من أنواعه، أو صنف ~~من أصنافه، إلا أن يراد بالمسمى الواحد ما هو أعم من أن يكون فردا أو نوعا ~~أو صنفا، لكنه يشكل عليه إخراج أفراد متعددة، نحو: أكرم القوم إلا زيدا، ~~وعمرا، وبكرا. # ثم يرد على هذا الحد أيضا أنه يصدق على كل دال على مسمى واحد، سواء كان ~~مخرجا "من عموم"* أو لا. # وقيل في حده: هو ما دل على ms268 كثرة مخصوصة. # ويعترض عليه: بأن التخصيص قد يكون بفرد من الأفراد نحو: أكرم القوم إلا ~~زيدا، وليس زيد وحده بكثرة. # وأيضا يعترض عليه: بأنه يصدق على كل لفظ يدل على كثرة، سواء كان مخرجا من ~~عموم أم لا، إلا أن يراد بهذين الحدين تحديد الخاص من حيث هو خاص "من غير ~~اعتبار كونه مخرجا من عموم، ولكنه يأبى ذلك كون المقام مقام تحديد الخاص ~~المخرج من العام، لا تحديد الخاص من حيث هو خاص"**. # وأما التخصيص وهو المقصود بالذكر هنا، فهو في اللغة: الإفراد، ومنه ~~الخاصة. # وفي الاصطلاح: تمييز بعض الجملة بالحكم. كذا قال ابن السمعاني. # ويرد عليه: العام الذي أريد به الخصوص. PageV01P350 # وقيل: بيان ما لم يرد بلفظ العام. # ويرد عليه أيضا: بيان ما لم يرد بالعام الذي أريد به الخصوص، وليس من ~~التخصيص. # وقال العبادي1: التخصيص بيان المراد بالعام ويعترض عليه: بأن التخصيص هو ~~بيان ما لم يرد بالعام، لا بيان ما أريد به. # وأيضا: يدخل فيه العام الذي أريد به الخصوص. # وقال ابن الحاجب: التخصيص: قصر العام على بعض مسمياته. # واعترض عليه: بأن لفظ القصر يحتمل القصر في التناول أو الدلالة، أو ~~الحمل، أو الاستعمال. # وقال أبو الحسين: هو إخراج بعض ما يتناوله الخطاب عنه. # واعترض عليه: بأن ما أخرج فالخطاب لم يتناوله. # وأجيب: بأن المراد ما يتناوله الخطاب بتقدير عدم المخصص. # وقيل: هو تعريف أن العموم للخصوص. # وأورد عليه: أنه تعريف التخصيص بالخصوص، وفيه دور. # وأجيب: بأن المراد بالتخصيص المحدود، التخصيص في الاصطلاح، وبالخصوص ~~المذكور في الحد هو الخصوص في اللغة فتغايرا فلا دور. # قال القفال الشاشي: إذا ثبت تخصيص العام ببعض ما اشتمل عليه علم أنه غير ~~مقصود بالخطاب، وأن المراد ما عداه، ولا نقول إنه داخل في الخطاب فخرج منه ~~بدليل وإلا لكان نسخا ولم يكن تخصيصا، فإن الفارق بينهما أن النسخ رفع ~~الحكم بعد ثبوته، والتخصيص بيان ما قصد "له اللفظ"* العام. # قال إلكيا الطبري، والقاضي عبد الوهاب: معنى قولنا إن العموم مخصوص، ms269 أن ~~المتكلم به قدر أراد بعض ما وضع له دون بعض وذلك مجاز؛ لأنه شبيه بالمخصوص ~~الذي يوضع في الأصل للخصوص، وإرادة البعض لا تصيره موضوعا في الأصل لذلك، ~~ولو كان حقيقة لكان العام خاص وهو متناف وإنما يصير خاصا بالقصد، كالأمر ~~يصير أمرا بالطلب والاستدعاء، وقد ذكر مثل هذا القاضي أبو بكر الباقلاني ~~والغزالي. PageV01P351 # وأما الخصوص: فقيل هو كون اللفظ متناولا لبعض ما يصلح له لا لجميعه. # ويعترض عليه: بالعام الذي أريد به الخصوص. # وقيل: هو كون اللفظ متناولا للواحد المعين، الذي لا يصلح إلا له. # ويعترض على تقييده بالوحدة مثل ما تقدم. # قال العسكري: الفرق بين الخاص والخصوص، بأن الخاص هو ما يراد به بعض ما ~~ينطوي عليه لفظه بالوضع، والخصوص ما اختص بالوضع لا بالإرادة. # وقيل: الخاص ما يتناول أمرا واحدا بنفس الوضع، والخصوص أن يتناول شيئا ~~دون غيره، وكان يصح أن يتناوله ذلك الغير. # وأما المخصص: فيطلق على معان مختلفة، فيوصف المتكلم بكونه مخصصا للعام، ~~بمعنى أنه أراد به بعض ما تناوله، ويوصف الناصب لدلالة التخصيص بأنه مخصص، ~~ويوصف الدليل بأنه مخصص، كما يقال: السنة تخصص الكتاب، ويوصف المعتقد لذلك ~~بأنه مخصص. # وإذا عرفت أن المقصود في هذا الباب ذكر حد التخصيص دون الخاص والخصوص، ~~فالأولى في حده أن يقال هو إخراج بعض ما كان داخلا تحت العموم، على تقدير ~~عدم المخصص. # PageV01P352 ### | المسألة الثانية: في الفرق بين النسخ والتخصيص # اعلم: أنه لما كان التخصيص شديد الشبه بالنسخ لاشتراكهما في اختصاص الحكم ~~بعض ما يتناوله اللفظ، احتاج أئمة الأصول إلى بيان الفرق بينهما من وجوه: # الأول: أن التخصيص ترك بعض الأعيان، والنسخ ترك "بعض الأزمان"*، كذا قال ~~الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني. # الثاني: أن التخصيص يتناول الأزمان، والأعيان، والأحوال بخلاف النسخ فإنه ~~لا يتناول إلا الأزمان. # قال الغزالي: وهذا ليس بصحيح، فإن الأعيان والأزمان ليسا من أفعال ~~المكلفين، والنسخ يرد على الفعل في بعض الأزمان، والتخصيص يرد على الفعل في ~~بعض الأحوال. انتهى. # وهذا الذي ذكره هو فرق ms270 مستقل، فينبغي أن يكون هو الوجه الثالث. ~~PageV01P352 # الرابع: أن التخصيص لا يكون إلا لبعض الأفراد، بخلاف النسخ فإنه يكون لكل ~~الأفراد ذكره البيضاوي. # الخامس: أن النسخ تخصيص الحكم بزمان معين، بطريق خاص بخلاف التخصيص، قاله ~~أيضا الأستاذ، واختاره البيضاوي. واعترض عليه إمام الحرمين. # السادس: أن التخصيص تقليل، والنسخ تبديل، حكاه القاضي أبو الطيب عن بعض ~~أصحاب الشافعي، واعترض بأنه قليل الفائدة. # السابع: أن النسخ يتطرق إلى كل حكم، سواء كان ثابتا في حق شخص واحد، أو ~~أشخاص كثيرة، والتخصيص لا يتطرق إلا إلى الأول، ومنهم من عبر عن هذا بعبارة ~~أخرى فقال: التخصيص لا يدخل في الأمر بمأمور، واحد والنسخ يدخل فيه. # الثامن: أن التخصيص يبقي دلالة اللفظ على ما بقي تحته، حقيقة كان أو ~~مجازا، على الخلاف السابق، والنسخ يبطل دلالة حقيقة المنسوخ في مستقبل ~~الزمان بالكلية. # الوجه التاسع: أنه يجوز تأخير النسخ عن وقت العمل بالمنسوخ، ولا يجوز ~~تأخير التخصيص عن وقت العمل بالمخصوص. # العاشر: أنه يجوز نسخ شريعة بشريعة أخرى، ولا يجوز التخصيص. # قال القرافي: وهذا الإطلاق وقع في كتب العلماء كثيرا "وهو غير ~~مسلم"*."والمراد"** أن الشريعة المتأخرة قد تنسخ بعض أحكام الشريعة ~~المتقدمة، أما كلها فلا؛ لأن قواعد العقائد لم تنسخ "وكذلك حفظ الكليات ~~الخمس"***. # الحادي عشر: أن النسخ رفع الحكم بعد ثبوته بخلاف التخصيص، فإنه بيان ~~المراد باللفظ العام، ذكره القفال الشاشي، والعبادي في "زياداته"1. # الثاني عشر: أن التخصيص بيان ما أريد بالعموم، والنسخ بيان ما لم يرد ~~بالمنسوخ؛ ذكره الماوردي. PageV01P353 # الثالث عشر: # أن التخصيص يجوز أن يكون مقترنا بالعام، أو متقدما عليه، أو متأخرا عنه، ~~ولا يجوز أن يكون الناسخ متقدما على المنسوخ، ولا مقترنا به، بل يجب أن ~~يتأخر عنه. # الرابع عشر: # أن النسخ لا يكون إلا بقول وخطاب، والتخصيص قد يكون بأدلة العقل، ~~والقرائن وسائر أدلة السمع. # الخامس عشر: # أن التخصيص يجوز أن يكون بالإجماع، والنسخ لا يجوز أن يكون بالإجماع. # السادس عشر: # أن التخصيص يجوز أن يكون في الأخبار والأحكام، والنسخ ms271 يختص بأحكام الشرع. # السابع عشر: # أن التخصيص على الفور، والنسخ على التراخي، ذكره الماوردي، قال الزركشي: ~~وفيه نظر. # الثامن عشر: # أن تخصيص المقطوع بالمظنون واقع، ونسخه به غير واقع، وهذا فيه ما سيأتي1 ~~من الخلاف. # التاسع عشر: # أن التخصيص لا يدخل في غير العام، بخلاف النسخ، فإنه يرفع حكم العام ~~والخاص. # الموفي عشرين: # أن التخصيص يؤذن بأن المراد بالعموم عند الخطاب ما عداه، والنسخ يحقق أن ~~كل ما يتناوله اللفظ مراد في الحال، وإن كان غير مراد فيما بعده، هذا جملة ~~ما ذكروه من الفروق. وغير خاف عليك أن بعضها غير مسلم، وبعضها يمكن دخوله ~~في البعض الآخر منها. PageV01P354 ### | المسألة الثالثة: تخصيص العمومات وجوازه # اتفق أهل العلم، سلفا وخلفا، على أن التخصيص للعمومات جائز، ولم يخالف في ~~ذلك أحد ممن يعتد به، وهو معلوم من هذه الشريعة المطهرة، لا يخفى على من له ~~أدنى تمسك بها، حتى قيل: إنه لا عام إلا وهو مخصوص، إلا قوله تعالى: {والله ~~بكل شيء عليم} 1، قال الشيخ علم الدين العراقي2: ليس في القرآن عام غير ~~مخصوص إلا أربعة مواضع: PageV01P354 # أحدها: قوله {حرمت عليكم أمهاتكم} 1 فكل ما سميت أما من نسب أو رضاع "أو ~~أم أم"* وإن علت فهي حرام. # ثانيها: قوله: {كل من عليها فان} 2 {كل نفس ذائقة الموت} 3. # ثالثها: قوله تعالى: {والله بكل شيء عليم} 4. # رابعها: قوله: {والله على كل شيء قدير} 5 واعترض على هذا: بأن القدرة لا ~~تتعلق بالمستحيلات، وهي أشياء، وقد ألحق بهذه المواضع الأربعة قوله تعالى: ~~{وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} 6. # وقد استدل من لا يعتد به بما لا يعتد به، فقال: إن التخصيص يستلزم الكذب، ~~كما قال من قال بنفس المجاز: إنه ينفي فيصدق في نفيه، ورد ذلك بأن صدق ~~النفي إنما يكون بقيد العموم، وصدق الإثبات بقيد الخصوص، فلم يتوارد النفي ~~والإثبات على محل واحد. # وما قالوه: من أنه يلزم البداء مردود بأن ذلك إنما يلزم لو أريد العموم ~~الشامل لما ms272 خصص، لكنه لم يرد ابتداء، وإنما أريد الباقي بعد التخصيص، وقد ~~قيد بعض المتأخرين خلاف من خالف في جواز التخصيص، ممن لا يعتد به بالأخبار ~~لا بغيرها من الإنشاءات، ومن جملة من قيده بذلك الآمدي. # وعلى كل حال، فهو قول باطل، ومذهب عن حلية التحقيق والحق عاطل. ~~PageV01P355 ### | المسألة الرابعة: قولهم في المقدار الذي لا بد من بقائه بعد التخصيص # اختلفوا في المقدر الذي لا بد من بقائه بعد التخصيص على مذاهب: # المذهب الأول: # أنه لا بد من بقاء جمع يقرب من مدلول العام، وإليه ذهب الأكثر، وحكاه ~~الآمدي # PageV01P355 # عن أكثر أصحاب الشافعي. # قال: وإليه مال إمام الحرمين ونقله الرازي عن أبي الحسين البصري، ونقله ~~ابن برهان عن المعتزلة. # قال الأصفهاني: ما نسبه الآمدي إلى الجمهور ليس بجيد، نعم اختاره الغزالي ~~والرازي. # المذهب الثاني: # أن العام إن كان مفردا كمن، والألف واللام، نحو اقتل من في الدار، واقطع ~~السارق، جاز التخصيص إلى أقل المراتب وهو واحد؛ لأن الاسم يصلح لهما جميعا ~~وإن كان بلفظ الجمع كالمسلمين جاز إلى أقل الجمع وذلك إما ثلاثة أو اثنان ~~على الخلاف، قاله القفال الشاشي وابن الصباغ. # قال الشيخ: أبو إسحاق الإسفراييني: لا خلاف في جواز التخصيص إلى واحد، ~~فيما إذا لم تكن الصيغة جمعا، كمن والألف واللام. # المذهب الثالث: # التفصيل بين أن يكون التخصيص بالاستثناء، والبدل، فيجوز إلى الواحد، وإلا ~~فلا يجوز، قال الزركشي: حكاه ابن المطهر1، وهذا المذهب داخل في المذهب ~~السادس كما سيأتي2. # المذهب الرابع: # أنه يجوز إلى أقل الجمع مطلقا، على حسب اختلافهم في أقل الجمع، حكاه ابن ~~برهان وغيره. # المذهب الخامس: # أنه يجوز إلى الواحد في جميع ألفاظ العموم، حكاه إمام الحرمين في ~~"التلخيص"3 عن معظم أصحاب الشافعي، قال: وهو الذي اختاره الشافعي. ونقله ~~ابن السمعاني في "القواطع"4 عن سائر أصحاب الشافعي، ما عدا القفال. وحكاه ~~الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في "أصوله"5 عن إجماع الشافعية، وحكاه ابن ~~الصباغ في "العدة"6 عن أكثر PageV01P356 # الشافعية، وصححه القاضي أبو الطيب، والشيخ أبو إسحاق، ونسبه ms273 القاضي عبد ~~الوهاب في الإفادة إلى الجمهور. # المذهب السادس: إن كان التخصيص بمتصل، فإن كان بالاستثناء أو البدل جاز ~~إلى الواحد نحو: أكرم الناس إلا الجهال، وأكرم الناس إلا تميما، وإن كان ~~بالصفة أو الشرط فيجوز إلى اثنين، نحو: أكرم القوم الفضلاء، أو إذا كانوا ~~فضلاء. # وإن كان التخصيص بمنفصل، وكان في العام المحصور القليل كقولك: قتلت كل ~~زنديق، وكانوا ثلاثة أو أربعة، ولم تقتل سوى اثنين جاز إلى اثنين وإن كان ~~العام غير محصور، أو كان محصورا كثيرا جاز بشرط كون الباقي قريبا من مدلول ~~العام، هكذا ذكره ابن الحاجب واختاره. # قال الأصفهاني في "شرح المحصول": ولا نعرفه لغيره. # احتج الأولون بأنه لو قال قائل: قتلت كل من في المدينة، ولم يقتل إلا ~~ثلاثة عد لاغيا مخطئا في كلامه، وهكذا لو قال: أكرمت كل العلماء، ولم يكرم ~~إلا ثلاثة أو قتلت جميع بني تميم، ولم يقتل إلا ثلاثة. # واحتج القائلون بجواز التخصيص إلى اثنين، أو ثلاثة، بأن ذلك أقل الجمع، ~~على الخلاف المتقدم. # ويجاب: بأن ذلك خارج عن محل النزاع، فإن الكلام إنما هو في العام والجمع ~~ليس بعام ولا تلازم بينهما. # واستدل القائلون بجواز التخصيص إلى واحد، بأنه يجوز أن يقول: أكرم الناس ~~إلا الجهال، وإن كان العالم واحدا. # ويجاب عنه: بأن محل النزاع هو أن يكون مدلول العام موجودا في الخارج، ~~ومثل هذه الصورة اتفاقية، ولا يعتبر بها فالناس ههنا ليس بعام، بل هو ~~للمعهود كما في قوله تعالى: {الذين قال لهم الناس} 1 فإن المراد بالناس ~~المعهود، وهو نعيم بن مسعود، والمعهود ليس بعام. # استدلوا أيضا بأنه يجوز أن يقول القائل: أكلت الخبز، وشربت الماء، ~~والمراد الشيء اليسير مما يتناوله الماء والخبز. PageV01P357 # وأجيب عن ذلك بأنه غير محل النزاع، فإن كل واحد من الخبز والماء في ~~المثالين ليس بعام، بل هو للبعض الخارجي المطابق للمعهود والذهني، وهو ~~الخبز والماء المقرر في الذهني أنه يؤكل ويشرب، وهو مقدار معلوم. # والذي ينبغي اعتماده في مثل هذا المقام، أنه ms274 لا بد أن يبقى بعد التخصيص ~~ما يصح أن يكون مدلولا للعام، ولو في بعض الحالات، وعلى بعض التقادير، كما ~~تشهد لذلك الاستعمالات القرآنية، والكلمات العربية، ولا وجه لتقييد الباقي ~~بكونه أكثر مما قد خصص، أو بكونه أقرب إلى مدلول العام، فإنه هذه الأكثرية ~~والأقربية لا تقتضيان كون ذلك الأكثر الأقرب هما مدلولا العام على التمام، ~~فإنه بمجرد إخراج فرد من أفراد العام يصير العام غير شامل لأفراده، كما ~~يصير غير شامل لها عند إخراج أكثرها، ولا يصح أن يقال ههنا: إن الأكثر في ~~حكم الكل؛ لأن النزاع في مدلول اللفظ، ولهذا يأتي الخلاف السابق في كون ~~دلالة العام على ما بقي بعد التخصيص من باب الحقيقة، أو المجاز، ولو كان ~~المخرج فردا واحدا. # وإذا عرفت أنه لا وجه للتقييد يكون الباقي بعد التخصيص أكثر أو أقرب إلى ~~مدلول العام، عرفت أيضا أنه لا وجه للتقييد بكونه جمعا؛ لأن النزاع في معنى ~~العموم لا في معنى الجمع، ولا وجه لقول من قال بالفرق بين كون الصيغة مفردة ~~لفظا كمن وما والمعرف باللام، وبين كونها غير مفردة، فإن هذه الصيغ التي ~~ألفاظها مفردة لا خلاف في كون معانيها متعددة، والاعتبار إنما هو بالمعاني ~~لا بمجرد الألفاظ # PageV01P358 ### | المسألة الخامسة: المخصص # اختلفوا في المخصص على قولين حكاهما القاضي عبد الوهاب في "الملخص" وابن ~~برهان في "الوجيز". # أحدهما: # إنه إرادة المتكلم، والدليل كاشف عن تلك الإرادة. # وثانيهما: # إنه الدليل الذي وقع به التخصيص، واختار الأول ابن برهان، وفخر الدين ~~الرازي في "محصوله" فإنه قال: المخصص في الحقيقة هو إرادة المتكلم، لأنها ~~المؤثرة، ويطلق على الدال على الإرادة مجازا. # وقال أبو الحسين في "المتعمد": العام يصير عندنا خاصا بالأدلة، ويصير ~~خاصا في نفس الأمر بإرادة المتكلم. # والحق: أن المخصص حقيقة هو المتكلم، لكن لما كان المتكلم يخصص بالإرادة ~~أسند # PageV01P358 # التخصيص إلى إرادته، فجعلت الإرادة مخصصة. ثم جعل ما دل على إرادته، وهو ~~الدليل اللفظي أو غيره مخصصا في الاصطلاح، والمراد هنا إنما هو الدليل، ~~فنقول: ms275 المخصص للعام إما أن يستقل بنفسه، فهو المنفصل، وإما أن لا يستقل، ~~بل يتعلق معناه باللفظ إلى قبله فهو المتصل. فالمنفصل سيأتي1 إن شاء الله. # وأما المتصل: فقد جعله الجمهور أربعة أقسام: الاستثناء المتصل، والشرط ~~والصفة، والغاية. وزاد القرافي، وابن الحاجب: بدل البعض من الكل، "ونازع"* ~~الأصفهاني في ذلك قائلا: إنه في نية طرح ما قبله. # قال القرافي: وقد وجدتها بالاستقراء اثني عشر، هذه الخمسة وسبعة أخرى، ~~وهي: الحال، وظرف الزمان، وظرف المكان، والمجرور مع الجار، والتمييز، ~~والمفعول معه، والمفعول لأجله، فهذه اثنا عشر ليس فيها واحد يستقل بنفسه. # ومتى اتصل بما يستقل بنفسه عموما كان أو غيره صار غير مستقل بنفسه. ~~PageV01P359 ### | المسألة السادسة: حكم الاستثناء من الجنس # لا خلاف في جواز الاستثناء من الجنس، كقام القوم إلا زيدا، وهو المتصل، ~~ولا تخصيص إلا به. # وأما المنقطع: فلا يخصص به نحو: جاءني القوم إلا حمارا، فالمتصل ما كان ~~اللفظ الأول منه يتناول الثاني "والمنقطع ما كان اللفظ الأول منه لا يتناول ~~الثاني"*، وفي معنى هذا ما قيل: إن المتصل ما كان الثاني جزءا من الأول، ~~والمنقطع ما لا يكون الثاني جزءا من الأول. # قال ابن السراج1: ولا بد في المنقطع من أن يكون الكلام الذي قبل إلا قد ~~دل على ما يستثنى منه. # قال ابن مالك2: لا بد فيه من تقدير الدخول في الأول، كقولك: قام القوم ~~إلا حمارا، PageV01P359 # فإنه لما ذكر القوم تبادر الذهن إلى أتباعهم المألوفة، فذكر الحمار في ~~الاستثناء لذلك، هو فمستثنى تقديرا. # قال أبو بكر الصيرفي: يجوز الاستثناء من غير الجنس، ولكن بشترط أن يتوهم ~~دخوله في المستثنى منه بوجه ما، وإلا لم يجز كقوله: # وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس1 # فاليعافير قد تؤانس، فكأنه قال: ليس بها من يؤانس به إلا هذا النوع. # وقد اختلف في الاستثناء المنقطع، هل وقع في اللغة أم لا، فقال الزركشي: ~~من أهل اللغة من أنكره، وأوله تأويلا رده به إلى الجنس، وحينئذ فلا خلاف في ~~المعنى. # وقال ms276 العضد في شرحه ل"مختصر المنتهى": لا نعرف خلافا في صحته لغة. # واختلفوا أيضا: هل وقع في القرآن أم لا، فأنكر بعضهم وقوعه فيه. # وقال ابن عطية2: لا ينكر وقوعه في القرآن إلا أعجمي. # واختلفوا أيضا: هل هو حقيقة أم مجاز على مذاهب: # المذهب الأول: # أنه حقيقة واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني، ونقله ابن الخباز3 عن ابن ~~جني. # قال الإمام الرازي: وهو ظاهر كلام النحويين، وعلى هذا فإطلاق لفظ ~~الاستثناء على المستثنى "المتصل"* المنقطع هو بالاشتراك اللفظي. ~~PageV01P360 # المذهب الثاني: # أنه مجاز، وبه قال الجمهور، قالوا لأنه ليس فيه معنى الاستثناء، وليس في ~~اللغة ما يدل على تسميته بذلك. # المذهب الثالث: # أنه لا يسمى استثناء، لا حقيقة ولا مجازا، حكاه القاضي في "التقريب" ~~والماوردي، وقال الخلاف لفظي. # قال الزركشي: بل هو معنوي، فإن من جعله حقيقة جوز التخصيص به، وإلا فلا. # ثم بعد الاختلاف في كونه حقيقة أو مجازا، اختلفوا في حده ولا يتعلق بذلك ~~كبير فائدة، فقد عرفت أنه لا يخصص به، وبحثنا إنما هو في التخصيص، ولا يخصص ~~إلا بالمتصل فلنقتصر على الكلام المتعلق به. # PageV01P361 ### | المسألة السابعة: إقامة الحجة على من أنكر الاستثناء # قد قال قائل: إن الاستثناء في لغة العرب متعذر لأنه إذا قيل: قام القوم ~~إلا زيدا فلا يخلو إما أن يكون داخلا في العموم، أو غير داخل قال: والقسمان ~~باطلان: # أما الأول: فلأن الفعل لما نسب إليه مع القوم امتنع إخراجه من النسبة، ~~وإلا لزام توارد الإثبات والنفي على محل واحد، وهو محال. # وأما الثاني: فلأن ما لا يدخل لا يصح إخراجه. # وأجاب الجمهور عن هذا بأنه إنما يلزم توارد النفي والإثبات على محل واحد، ~~لو لم يكن الحكم بالنسبة بعد تقدير الإخراج، أما إذا كان كذلك فلا توارد، ~~فإن المراد بقول القائل: جاءني عشرة إلا ثلاثة، إنما هو سبعة، وإلا ثلاثة ~~قرينة إرادة السبعة من العشرة، إرادة الجزء باسم الكل، كما في سائر ~~المخصصات للعموم. # ورده ابن الحاجب بالإجماع على أن الاستثناء المتصل إخراج، والعشرة نص ms277 في ~~مدلولها، والنص لا يتطرق إليه تخصيص، وإنما التخصيص في الظاهر. # قال الزركشي: وما قاله من الإجماع مردود، فإن مذهب الكوفيين أن الاستثناء ~~لا يخرج شيئا فإذا قلت: قام القوم إلا زيدا، فإنك أخبرت بالقيام عن القوم، ~~الذين ليس فيهم زيد وزيد، مسكوت عنه، لم يحكم عليه بالقيام ولا بنفيه. # قال بعض المحققين: وهذا الجواب الذي أجاب به الجمهور لا يستقيم غيره؛ لأن ~~الله سبحانه قال: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} 1، فلو أراد الألف من ~~لفظ الألف لم PageV01P361 # تخلف مراده عن إرادته فعلم أنه ما أراد، إلا تسعمائة وخمسين من لفظ ~~الألف. # وأجاب القاضي أبو بكر الباقلاني: بأن قول القائل جاءني عشرة إلا ثلاثة، ~~بمنزلة سبعة من غير إخراج، وأنهما كاسمين وضعا لمسمى واحد أحدهما مفرد، ~~والآخر مركب وجرى صاحب "المحصول" على هذا، واختاره إمام الحرمين واستنكر ~~قول الجمهور، وقال إنه محال لا يعتقده لبيب. # قال ابن الحاجب: وهذا المذهب خارج عن قانون اللغة؛ إذ لم يعهد فيها لفظ ~~مركب من ثلاثة ألفاظ، وضع لمعنى واحد، لأنا نقطع بأن دلالة الاستثناء بطريق ~~الإخراج. # وأجاب آخرون: بأن المستثنى منه مراد بتمامه، ثم أخرج المستثنى، ثم حكم ~~بالإسناد بعده تقديرا، وإن كان قبله ذكرا، فالمراد بقولك عشرة إلا ثلاثة: ~~عشرة باعتبار الأفراد، ثم أخرجت ثلاثة، ثم أسند إلى الباقي تقديرا، فالمراد ~~بالإسناد ما يبقى بعد الإخراج. # قال ابن الحاجب: وهو الصحيح، ورجحه الصفي الهندي، وجماعة من أهل الأصول. # والفرق بين هذا الجواب، والجواب الذي قبله، بأن الأفراد في غير هذا مرادة ~~بكمالها، وفي الجواب الذي قبله هي مرادة بكمالها، والاستثناء إنما هو ~~لتفسير النسبة لا للدلالة على عدم المراد. # وأيضا الفرق بين هذه الثلاثة الأجوبة، أن جواب الجمهور يدل على أن ~~الثلاثة تخصيص، وعلى الجواب الثاني ليست بتخصيص، وعلى الثالث محتملة. فقيل ~~الأظهر أنها تخصيص، وقيل ليست بتخصيص. # قال "المازري"*: أصل هذه الخلاف في الاسثناء من العدد هل يكون الاستثناء ~~فيه كقرينة غيرت وضع الصيغة أو لم تغيره، وإنما كشفت ms278 عن المراد بها، فمن ~~جعل أسماء العدد كالنصوص التي لا تحتمل سوى ما يفهم منها، قال بالأول، ~~وينزل المستثنى والمستثنى منه كالكلمة الواحدة الدالة على عدد ما، ويكون ~~المستثنى كجزء من أجزاء هذه الكلمة لمجموع هو الدال على العدد المنفي، ومن ~~لم يجعل أسماء العدد كالنصوص فإن العشرة استعملت في عشرة ناقصة جعل ~~الاستثناء قرينة لفظية دلت على المراد بالمستثنى منه كما دل قوله: "لا ~~تقتلوا الرهبان" على المراد بقوله: {اقتلوا المشركين} 1. # قال: فالحاصل أن مذهب الأكثرين أنك استعملت العشرة في سبعة مجازا، دل ~~عليه قوله: PageV01P362 # إلا ثلاثة، والقاضي وإمام الحرمين عندهما أن المجموع يستعمل في السبعة، ~~وابن الحاجب عنده أنك تصورت ماهية العشرة، ثم حذفت منها ثلاثة، ثم حكمت ~~بالسبعة، فكأنه قال: له علي الباقي من عشرة، أخرج منها ثلاثة، أو عشرة إلا ~~ثلاثة له عندي، وكل من أراد أن يحكم على شيء بدأ باستحضاره في ذهنه، فهذا ~~القائل بدأ باستحضار العشرة في ذهنه، ثم أخرج الثلاثة، ثم حكم، كما أنك ~~تخرج عشرة دراهم من الكيس، ثم ترد منها إليه ثلاثة ثم تهب الباقي، وهي ~~السبعة. انتهى. # والظاهر: ما ذهب إليه الجمهور لأن الإسناد إنما يتبين معناه بجميع أجزاء ~~الكلام. # وعلى كل حال: فالمسألة قليلة الفائدة؛ لأن الاستثناء قد تقرر وقوعه في ~~لغة العرب، تقررا مقطوعا به، لا يتيسر لمنكر أن ينكره، وتقرر أن ما بعد آلة ~~الاستثناء خارج عن الحكم لما قبلها بلا خلاف، وليس النزاع إلا في صحة توجيه ~~ما تقرر وقوعه وثبت استعماله. # وما ذكرنا في المقام يكفي في ذلك، ويندفع به تشكيك من شك في هذا الأمر ~~المقطوع به، فلا نطول باستيفاء ما قيل في أدلة تلك الأجوبة وما قيل عليها. # PageV01P363 ### | المسألة الثامنة: شروط صحة الاستثناء # يشترط في صحة الاستثناء شروط. # الأول: # الاتصال بالمستثنى منه لفظا: بأن يكون الكلام واحدا غير منقطع، ويلحق به ~~ما هو في حكم الاتصال، وذلك بأن يقطعه لعذر كسعال أو عطاس أو نحوهما، مما ~~لا يعد فاصلا بين أجزاء الكلام، ms279 فإن انفصل لا على هذا الوجه كان لغوا ولم ~~يثبت حكمه. # قال في "المحصول": الاستثناء إخراج بعض الجملة عن الجملة بلفظ إلا أو ~~أقيم مقامه. # والدليل على هذا التعريف: أن الذي يخرج بعض الجملة عنها، إما أن يكون ~~معنويا، كدلالة العقل، والقياس، وهذا خارج عن هذا التعريف. وإما أن يكون ~~لفظيا، وهو إما أن يكون منفصلا، فيكون مستقلا بالدلالة، وإلا كان لغوا، ~~وهذا أيضا خارج عن الحد، أو متصلا، وهو إما للتقييد بالصفة أو الشرط أو ~~الغاية، أو الاستثناء. # أما التقييد بالصفة، فالذي خرج لم يتناوله لفظ التقييد بالصفة، لأنك إذا ~~قلت أكرمني بنو تميم الطوال خرج منهم القصار، ولفظ الطوال لا يتناول ~~القصار، بخلاف قولنا أكرم بني تميم إلا زيدا، فإن الخارج وهو زيد تتناوله ~~صيغة الاستثناء، وهذا هو الاحتراز عن التقييد بالشرط. وأما التقييد ~~بالغاية، فالغاية قد تكون داخلة كما في قوله تعالى: {إلى المرافق} 1 بخلاف ~~PageV01P363 # الاستثناء، فثبت أن التعريف المذكور للاستثناء منطبق عليه. انتهى. # وقد ذهب إلى اشتراط الاتصال جمهور أهل العلم. # وروي عن ابن عباس: أنه يصح الاستثناء وإن طال الزمان، ثم اختلف عنه فقيل: ~~إلى شهر، وقيل: إلى سنة، وقيل: أبدا. # وقد رد بعض أهل العلم وقالوا: لم يصح عن ابن عباس ومنهم إمام الحرمين ~~والغزالي، لما يلزم من ارتفاع الثقة بالعهود والمواثيق لإمكان تراخي ~~الاستثناء. # وقال القرافي: المنقول عن ابن عباس إنما هو في التعليق على مشيئة الله ~~تعالى خاصة، كمن حلف وقال: إن شاء الله، وليس هو في الإخراج بإلا وأخواتها. # قال: ونقل العلماء أن مدركه في ذلك قوله تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ~~ذلك غدا، إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت} 1 # قال: المعنى إذا نسيت قول إن شاء الله فقل بعد، ذلك، ولم يخصص. انتهى. # ومن قال: بأن هذه المقالة لم تصح عن ابن عباس لعله لم يعلم بأنها ثابتة ~~في "مستدرك الحاكم"2 وقال: صحيح على شرط الشيخين بلفظ: "إذا حلف الرجل على ~~يمين فله أن يستثني ms280 إلى سنة"3. # وقد روى عنه هذا غير الحاكم من طرق كما ذكره أبو موسى المديني4 وغيره. # وقال سعيد بن منصور5: ... حدثنا PageV01P364 # أبو معاوية1 قال: حدثنا الأعمش2 عن مجاهد3 عن ابن عباس أنه كان يرى ~~الاستثناء بعد سنة، ورجال هذا الإسناد كلهم أئمة ثقات، فالرواية عن ابن ~~عباس قد صحت، ولكن الصواب خلاف ما قاله. # ويدفعه ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من ~~حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" 4 ولو ~~كان الاستثناء جائزا على التراخي لم يوجب التكفير على التعيين، ولقال: ~~فليستثن أو يكفر. # وأيضا: هو قول يستلزم بطلان جميع الإقرارات والإنشاءات لأن من وقع ذلك ~~منه يمكن أن يقول من بعد: قد استثنيت فيبطل حكم ما وقع منه، وهو خلاف ~~الإجماع. # وأيضا يستلزم أنه لا يصح صدق ولا كذب لجواز أن يرد على ذلك الاستثناء ~~فيصرفه عن ظاهره. # وقد احتج لما قاله ابن عباس بما أخرجه أبو داود5 وغيره، أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال: "والله لأغزون قريشا" ثم سكت ثم قال: "إن شاء الله" 6 وليس ~~في هذا ما تقوم به الحجة؛ لأن ذلك السكوت يمكن أن يكون بعارض يعرض يمنع عن ~~الكلام PageV01P365 # وأيضا غاية ما فيه أنه يجوز له أن يستثني في اليمين بعد سكوته وقتا ~~يسيرا، ولا دليل على الزيادة على ذلك، وقول ابن عباس "هو ما عرفت من جوازه ~~بعد سنة. قال ابن القيم في "مدرج السالكين"1: إن مراد ابن عباس"* أنه إذا ~~قال شيئا ولم يستثن، فله أن يستثني عند الذكر قال: وقد غلط عليه من لم يفهم ~~كلامه. انتهى. # وهذا التأويل يدفعه ما تقدم عنه. # وروي عن سعيد بن جبير أنه يجوز الاستثناء ولو بعد يوم أو أسبوع أو سنة. # وعن طاوس2: يجوز ما دام في المجلس. وعن عطاء3: يجوز له أن يستثني على ~~مقدار حلب ناقة غزيرة. # وروي عن مجاهد أنه يجوز إلى سنتين. # واعلم: أن الاسثناء بعد ms281 الفصل اليسير وعند التذكر قد دلت عليه الأدلة ~~الصحيحة، منها حديث: "لأغزون قريشا" المتقدم. # ومنها: ما ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: "ولا يعضد شجرها ~~ولا يختلى خلاها" فقال العباس: إلا الإذخر، فإن لقينهم وبيوتهم فقال صلى ~~الله عليه وسلم: "إلا الإذخر" 4. PageV01P366 # ومنها ما ثبت في الصحيح -أيضا في حديث سليمان- عليه السلام لما قال: ~~"لأطوفن الليلة"1. # ومنها قوله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية: "إلا سهيل بن بيضاء" 2. # الشرط الثاني: # أن يكون الاستثناء غير مستغرق، فإن كان مستغرقا فهو باطل بالإجماع، كما ~~حكاه جماعة من المحققين، منهم الرازي في "المحصول" فقال: أجمعوا على فساد ~~الاستثناء المستغرق، ومنهم ابن الحاجب فقال في "مختصر المنتهى": الاستثناء ~~المستغرق باطل بالاتفاق. # واتفقوا أيضا على جواز الاستثناء إذا كان المستثنى أقل مما بقي من ~~المستثنى منه "أي: يكون قليلا من كثير"* واختلفوا "فيما إذا كان المستثنى ~~أكثر مما بقي من المستثى منه"** فمنع ذلك قوم من النحاة: منهم الزجاج، وقال ~~لم ترد به اللغة، ولأن الشيء إذا نقص يسيرا لم يزل عنه اسم ذلك الشيء، فلو ~~استثنى أكثر لزال الاسم. # قال ابن جني: لو قال له عندي مائة إلا تسعة وتسعين، ما كان متكلما ~~بالعربية، وكان عبثا من القول. # وقال ابن قتيبة في كتاب "المسائل"3: إن ذلك، يعني استثناء الأكثر لا يجوز ~~في اللغة، PageV01P367 # لأن تأسيس الاستثناء على تدارك قليل من كثير، أغفلته أو نسيته لقلته، ثم ~~تداركته بالاستثناء، ثم ذكر مثل كلام الزجاج. # قال الشيخ أبو حامد: إنه مذهب البصريين من النحاة، وأجازه أكثر أهل ~~الكوفة منهم، وأجازه أكثر الأصوليين: نحو: عندي له عشرة إلا تسعة، فيلزمه ~~درهم، وهو قول السيرافي وأبي عبيدة من النحاة محتجين بقوله تعالى: {إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} 1 والمتبعون له هم ~~الأكثر بدليل قوله تعالى: {وقليل من عبادي الشكور} 2 وقوله تعالى: {وما ~~أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} 3. # ومن ذلك ما ثبت في الصحيح من حديث أبي بكر ms282 رضي الله عنه من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، عن الرب عز وجل: "يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ~~فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم" 4 وقد ~~أطعم سبحانه وكسا الأكثر من عباده بلا شك. # وقد أجيب عن هذا الدليل: بأنه استثناء منقطع ولا وجه لذلك. # ومن جملة المانعين من استثناء الأكثر أحمد بن حنبل وأبو الحسن الأشعري، ~~وابن درستويه5 من النحاة، وهو أحد قولي الشافعي. # والحق: أنه لا وجه للمنع، لا من جهة اللغة، ولا من جهة الشرع، ولا من جهة ~~العقل. # وأما جواز استثناء المساوي فبالأولى، وإليه ذهب الجمهور، وهو واقع في ~~اللغة، وفي الكتاب العزيز نحو قوله سبحانه: {قم الليل إلا قليلا، نصفه أو ~~انقص منه قليلا} 6. # وقد نقل القاضي أبو الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والمازري، ~~والآمدي عن الحنابلة أنه لا يصح استثناء المساوي ولا وجه لذلك. PageV01P368 # ومن المانعين استثناء المساوي ابن قتيبة فإنه قال: القليل الذي يجوز ~~استثناؤه هو الثلث فما دونه. # الشرط الثالث: # أن يلي الكلام بلا عاطف، فأما إذا وليه حرف العطف، نحو: عندي له عشرة ~~دراهم، وإلا درهما، أو فإلا درهما كان لغوا، قال الأستاذ أبو إسحاق ~~الإسفراييني: بالاتفاق. # الشرط الرابع: # أن لا يكون الاستثناء من شيء معين مشار إليه كما لو أشار إلى عشرة دراهم، ~~فقال: هذه الدراهم لفلان إلا هذا وهذا، فقال: إمام الحرمين في "النهاية": ~~أن ذلك لا يصح لأنه إذا أضاف الإقرار إلى معين اقتضى الإقرار الملك المطلق ~~فيها، فإذا أراد الاستثناء في البعض كان رجوعا عن الإقرار. انتهى. # والحق جوازه، ولا مانع منه ومجرد الإقرار في ابتداء الكلام موقوف على ~~انتهائه، من غير فرق بين مشار إليه وغير مشار إليه. # PageV01P369 ### | المسألة التاسعة: الاستثناء من النفي والخلاف فيه # اتفقوا على أن الاستثناء من الإثبات نفي. # وأما الاستثناء من النفي فذهب الجمهور إلى أنه إثبات، وذهبت الحنفية إلى ~~أن الاستثناء لا يكون إثباتا وجعلوا بين الحكم بالإثبات والحكم بالنفي ~~واسطة وهي ms283 عدم الحكم، قالوا: فمقتضى الاستثناء بقاء المستثنى غير محكوم ~~عليه، لا بالنفي ولا بالإثبات. # واختلف كلام فخر الدين الرازي، فوافق الجمهور في "المحصول" واختار مذهب ~~الحنفية في "تفسيره". # والحق ما ذهب إليه الجمهور، ودعوى الواسطة مردودة، على أنها لو كان لها ~~وجه لكان مثل ذلك لازما في الاستثناء من الإثبات، واللازم باطل بالإجماع ~~فالملزوم مثله. # وأيضا نقل الأئمة عن اللغة يخالف ما قالوه ويرد عليه، ولو كان ما ذهبوا ~~إليه صحيحا لم تكن كلمة التوحيد توحيدا، فإن قولنا: لا إله إلا الله، هو ~~استثناء من نفي؛ وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" 1. PageV01P369 # وقد استدلت الحنفية بأن الاستثناء هو مأخوذ من قولك: ثنيت الشيء إذا ~~صرفته عن وجهه: فإذا قلت: لا عالم إلا زيد فههنا أمران: # أحدهما: # هذا الحكم. # والثاني: # نفس العلم. # فقولك: إلا زيد، يحتمل أن يكون عائدا إلى الأول، وحينئذ لا يلزم تحقق ~~الثبوت؛ إذ الاستثناء إنما يزيل الحكم بالعلم، فيبقى المستثنى مسكوتا عنه ~~غير محكوم عليه بنفي ولا إثبات، ويحتمل أن يكون عائدا إلى الثاني، وحينئذ ~~يلزم تحقق الثبوت؛ لأن ارتفاع العدم يحصل الوجود لا محالة؛ لكون عود ~~الاستثناء إلى الأول أولى؛ إذ الألفاظ وضعت دالة على الأحكام الذهنية لا ~~على الأعيان الخارجية، فثبت أن عود الاستثناء إلى الأول أولى. # وحكى عنهم الرازي في "المحصول" أنهم احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: ~~"لا نكاح إلا بولي" 1 و"لا صلاة إلا بطهور" 2 ولم يلزم منه تحقق النكاح عند ~~حضور الولي، ولا تحقق الصلاة عند حضور الوضوء، بل يدل على عدم صحتها عند ~~عدم هذين الشرطين. # هكذا حكى عنهم في "المحصول" ولم يتعرض للرد عليهم. # ويجاب عن الأول: بمنع ما قالوه، ولو سلم أنه لا يستفاد الإثبات من الوضع ~~اللغوي، لكان مستفادا من الوضع الشرعي. # وعن الثاني: بأنه إن كان النزاع فيما يفيد ذلك باعتبار الوضع الشرعي فلا ~~بد من اعتبار تمام ما اشترط الشرع في ms284 النكاح والصلاة، وإن كان النزاع فيما ~~يفيد ذلك باعتبار الوضع اللغوي، فدخول الباء في المستثنى قد أفاد معنى غير ~~المعنى الذي مع عدمها، فإن دخولها ليس بمخرج مما قبله؛ لأنا لم نقل لا نكاح ~~إلا الولي، ولا صلاة إلا الطهور، بل قلنا: "إلا بولي" و"إلا بطهور" فلا بد ~~من تقدير متعلق هو المستثنى منه فيكون التقدير: لا نكاح يثبت بوجه إلا ~~PageV01P370 # مقترنا بولي، أو نحو ذلك من التقديرات. # قال ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام": وكل هذا عندي تشغيب. ومراوغات ~~جدلية والشرع خاطب الناس بهذه الكلمة، يعني كلمة الشهادة، وأمرهم بها ~~لإثبات مقصود التوحيد وحصل الفهم منهم بذلك والقبول له من غير زيادة ولا ~~احتياج إلى أمر آخر، ولو كان وضع اللفظ لا يفيد التوحيد لكان أهم المهمات ~~تعليم اللفظ الذي يقتضيه؛ لأنه المقصود الأعظم. # PageV01P371 ### | المسألة العاشرة: اختلاف العلماء في الاستثناء الوارد بعد جمل متعاطفة، هل يعود إلى الجميع أم لا # اختلفوا في الاستثناء الوارد بعد جمل متعاطفة، هل يعود إلى الجميع، أو ~~إلى الأخيرة كقوله سبحانه: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق} إلى قوله: {إلا من تاب} 1. # فذهب الشافعي وأصحابه، إلى أنه يعود إلى جميعها، ما لم يخصه دليل. # وقد نسب ابن القصار2 هذا المذهب إلى مالك. # قال الزركشي: وهو الظاهر من مذاهب أصحاب مالك. # ونسبه صاحب "المصادر" إلى القاضي عبد الجبار، وحكاه القاضي أبو بكر عن ~~الحنابلة قال: ونقلوه عن نص أحمد فإنه قال: في قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"لا يؤمن الرجل في سلطانه ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه" 3 قال: أرجو أن ~~يكون الاستثناء على كله. PageV01P371 # وذهب أبو حنيفة، وجمهور أصحابه "أنه يعود"* إلى الجملة الأخيرة، إلا أن ~~يقوم دليل على التعميم، واختاره الفخر الرازي. # وقال الأصفهاني في "القواعد"1: أنه الأشبه، ونقله صاحب "المعتمد" عن ~~الظاهرية. # وحكى عن أبي عبد الله البصري، وأبي الحسن الكرخي، وإليه ذهب أبو علي ~~الفارسي، كما حكاه عنه إلكيا الطبري، وابن ms285 برهان. # وذهب جماعة إلى الوقف، حكاه صاحب "المحصول" عن القاضي أبي بكر، والمرتضى ~~من الشيعة. # قال سليم الرازي في "التقريب": وهو مذهب الأشعرية، واختاره إمام الحرمين ~~الجويني، والغزالي، وفخر الدين الرازي. # قال في "المحصول" بعد حكاية الوقف عن أبي بكر، والمرتضى: إلا أن المرتضى ~~توقف للاشتراك، والقاضي لم يقطع بذلك. # ومنهم من فصل القول فيه، وذكروا وجوها. # وأدخلها في التحقيق: ما قيل إن الجملتين من الكلام إما أن يكونا من نوع ~~واحد، أو من نوعين، فإن كان الأول، فإما أن تكون إحدى الجملتين متعلقة ~~بالأخرى، أو لا تكون كذلك، فإن كان الثاني، فإما أن تكونا مختلفتي الاسم ~~والحكم، أو متفقتي الاسم مختلفتي الحكم، أو مخنلفتي الاسم متفقتي الحكم. # فالأول: كقولك: أطعم ربيعة، واخلع على مضر، إلى الطوال، والأظهر ههنا ~~اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة؛ لأن الظاهر أنه لم ينتقل عن الجملة ~~المستقلة بنفسها "إلى جملة أخرى مستقلة بنفسها"** إلا وقد تم غرضه من ~~الأولى، فلو كان الاستثناء راجعا إلى جميع الجمل، لم يكن قد تم غرضه ~~ومقصوده من الجملة الأول. # والثاني: كقولنا أطعم ربيعة واخلع على ربيعة إلا الطوال. # والثالث: كقولنا أطعم ربيعة، وأطعم مضر، إلا الطوال، والحكم أيضا ههنا ~~كما ذكرنا؛ لأن كل واحدة من الجملتين مستقلة، فالظاهر أنه لم ينتقل إلى ~~أخراهما إلا وقد تم غرضه من الأولى بالكلية. PageV01P372 # وأما إن كانت إحدى الجملتين متعلقة بالأخرى، فإما أن يكون حكم الأولى ~~مضمرا في الثانية كقوله: أكرم ربيعة ومضر، إلا الطوال، أو اسم الأولى مضمرا ~~في الثانية، كقوله: أكرم ربيعة واخلع عليهم، إلا الطوال فالاستثناء راجع ~~إلى الجملتين؛ لأن الثانية لا "تستقل إلا"* مع الأولى، فوجب رجوع حكم ~~الاستثناء إليهما. # وأما إن كانت الجملتان نوعين من الكلام، فإما أن تكون القصة واحدة أو ~~مختلفة، فإن كانت مختلفة فهو كقولنا: أكرم ربيعة، والعلماء هم المتكلمون، ~~إلا أهل البلدة الفلانية، فالاستثناء راجع إلى ما يليه، لاستقلال كل واحدة ~~من تلك الجملتين بنفسها. # وأما إن كانت القصة واحدة فكقوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات} ms286 الآية1، ~~فالقصة واحدة، وأنواع الكلام مختلفة، فالجملة الأولى أمر، والثانية نهي، ~~والثالثة خبر، فالاستثناء فيها يرجع إلى الجملة الأخيرة؛ لاستقلال كل واحدة ~~من تلك الجملتين بنفسها، "والإنصاف أن هذا التقسيم"** حق، لكنا إذا أردنا ~~المناظرة اخترنا التوقف، لا بمعنى "دعوى"*** الاشتراك، بل بمعنى أنا لا ~~نعلم حكمه في اللغة ماذا، وهذا هو اختيار القاضي. انتهى. # قال ابن فارس في كتاب "فقه العربية": إن دل الدليل على عوده إلى الجميع ~~عاد كآية المحاربة2، وإن دل على منعه امتنع كآية القذف3، انتهى. # ولا يخفاك أن هذا خارج عن محل النزاع، فإنه لا خلاف أنه إذا دل الدليل ~~كان المعتمد ما دل عليه، وإنما الخلاف حيث لم يدل الدليل على أحد الأمرين. # واستدل أهل المذهب الأول: بأن الجمل إذا تعاطفت صارت كالجملة الواحدة، ~~قالوا بدليل الشرط، والاستثناء، بالمشيئة، فإنهما يرجعان إلى ما تقدم ~~إجماعا. # وأجيب: بأن ذلك مسلم في المفردات، وأما في الجمل فممنوع. PageV01P373 # وأجيب أيضا عن القياس على الشرط بالفرق بينهما، وذلك بأن الشرط قد يتقدم ~~كما يتأخر. # ويجاب عن الأول: بأن الجمل المتعاطفة لها حكم المفردات، ودعوى اختصاص ذلك ~~بالمفردات لا دليل عليها. # وعن الثاني: بأنه يمنع مثل هذا الفرق. لأن الاستثناء يفيد مفاد الشرط في ~~المعنى. # واستدل أهل المذهب الثاني: بأن رجوع الاستثناء إلى ما يليه من الجمل هو ~~الظاهر فلا يعدل عنه إلا بدليل، ويجاب عنه بمنع دعوى الظهور، والحق الذي لا ~~ينبغي العدول عنه أن القيد الواقع بعد جمل إذا لم يمنع مانع من عوده إلى ~~جميعها لا من نفس اللفظ، ولا من خارج عنه فهو عائد إلى جميعها، وإن منع ~~مانع فله حكمه، ولا يخالف هذا ما حكوه عن عبد الجبار، وجعلوه مذهبا رابعا ~~من أن الجمل إن كانت كلها مسوقة لمقصود واحد انصرف إلى الجميع، وإن سيقت ~~لأغراض مختلفة اختص بالأخيرة، فإن كونها مسوقة لأغراض مختلفة هو مانع من ~~الرجوع إلى الجميع. # وكذا لا ينافي هذا ما جعلوه مذهبا خامسا، وهو أنه إن ظهر أن الواو ms287 ~~للابتداء كقوله: أكرم بني تميم، والنحاة البصريين إلا البغاددة فإنه يختص ~~بالأخيرة لأن كون الواو للابتداء هو مانع من الرجوع إلى الجميع. # وكذلك لا ينافي هذا ما حكوه مذهبا سادسا، من كون الجملة الثانية إن كانت ~~إعراضا وإضرابا عن الأولى اختص بالأخيرة لأن الإعراض والإضراب مانع من ~~الرجوع إلى الجميع، وقد أطال أهل الأصول الكلام في هذه المسألة وساقوا من ~~أدلة المذاهب ما لا طائل تحته فإن بعضها احتجاج بقصة خاصة في الكتاب أو ~~السنة قد قام الدليل على اختصاصها بما اختصت به، وبعضها يستلزم القياس في ~~اللغة وهو ممنوع. # PageV01P374 ### | المسألة الحادية عشرة: حكم الوصف الوارد بعد المستثنى # إذا وقع بعد المستثنى والمستثنى منه جملة تصلح أن تكون صفة لكل واحد ~~منهما، فعند الشافعية أن تلك الجملة ترجع إلى المستثنى منه، وعند الحنفية ~~إلى المستثنى فإذا قال: عندي له ألف درهم إلا مائة، قضيت ذلك فعند الشافعية ~~أنه يكون هذا الوصف راجعا إلى المستثنى منه فيكون مقرا بتسعمائة مدعيا ~~لقضائها فإن برهن على دعواه فذلك وإلا فعليه ما أقر به، وعند الحنفية يرجع ~~الوصف إلى المستثنى فيكون مقرا بألف مدعيا لقضاء مائة منه. # وهكذا إذا جاء بعد الجمل ضمير يصلح لكل واحدة منها، نحو: أكرم بني هاشم، ~~وأكرم بني المطلب وجالسهم. # أما إذا كان الضمير أو الوصف لا يصلح إلا لبعض الجمل دون بعض، كان للتي ~~يصلح لها دون غيرها: نحو: أكرم القوم، وأكرم زيدا العالم، وأكرم القوم، ~~وأكرم زيدا وعظمه. # PageV01P374 ### | المسألة الثانية عشرة: التخصيص بالشرط ### | مدخل # ... # المسألة الثانية عشرة: التخصيص بالشرط # وحقيقته في اللغة العلامة، كذا قيل. # واعترض عليه: بما في "الصحاح"1 وغيره من كتب اللغة، بأن الذي بمعنى ~~العلامة هو الشرط بالتحريك، وجمعه أشراط، ومنه أشراط الساعة، أي: علاماتها. # وأما الشرط، بالسكون: فجمعه شروط، هذا جمع الكثرة فيه، ويقال في جمع ~~القلة منه أشرط كفلوس وأفلس. # وأما حقيقته في الاصطلاح: فقال الغزالي: الشرط ما لا يوجد المشروط دونه، ~~ولا يلزم أن يوجد عنده. # واعترض عليه: بأنه يستلزم الدور؛ ms288 لأنه عرف الشرط بالمشروط، وهو مشتق منه ~~فيتوقف "تعقله"* على تعلقه، وبأنه غير مطرد لأن جزء السبب كذلك، فإنه لا ~~يوجد المسبب بدونه، ولا يلزم أن يوجد عنده وليس بشرط. # وأجيب عن الأول: بأن ذلك بمثابة قولنا: شرط الشيء ما لا يوجد ذلك الشيء ~~بدونه، وظاهر أن تصور حقيقة المشروط غير محتاج إليه في تعقل ذلك. # وعن الثاني: بأن جزء السبب قد يوجب المسبب بدونه إذا وجد سبب آخر. # وقال في "المحصول": إن الشرط هو الذي يتوقف عليه المؤثر في تأثيره، لا في ~~ذاته. # وقال: ولا ترد عليه العلة، لأنها نفس المؤثر، والشيء لا يتوقف على نفسه، ~~ولا جزء العلة، PageV01P375 # ولا شرط العلة؛ لأن العلة تتوقف عليه في ذاتها. انتهى. # واعترض عليه: بأنه غير منعكس؛ لأن الحياة شرط في العلم القديم، ولا يتصور ~~ههنا تأثير ومؤثر "إذا"* إذ المحوج إلى المؤثر هو الحدوث. وقيل: الشرط ما ~~يستلزم نفيه نفي أمر آخر، لا على جهة السببية، فيخرج السبب وجزؤه. # ورد بأن الفرق بين السبب والشرط يتوقف على فهم المعنى المميز بينهما، ~~ففيه تعريف الشيء بمثله في الخفاء. # وقيل: هو ما استلزم عدمه عدم أمر مغاير، وهو كالذي قبله. # وأحسن ما قيل في حده: أنه ما يتوقف عليه الوجود، ولا دخل له في التأثير ~~والإفضاء، فيخرج جزء السبب؛ لأنه وإن توقف عليه السبب، لكن له دخل في ~~الإفضاء إليه ويخرج سبب الشيء بالنسبة إليه بالطريق الأولى، وتخرج العلة ~~لأنها وإن توقف عليها الوجود فهي مع ذلك مؤثرة. PageV01P376 ### | أقسام الشرط: # والشرط ينقسم إلى أربعة أقسام: عقلي، وشرعي، ولغوي، وعادي. # فالعقلي: كالحياة للعلم، فإن العقل هو الذي يحكم بأن العلم لا يوجد إلا ~~بحياة، فقد توقف وجوده على وجودها عقلا. # والشرعي: كالطهارة للصلاة، فإن الشرع هو الحاكم بأن الصلاة لا توجد إلا ~~بطهارة، فقط توقف وجود الصلاة على وجود الطهارة شرعا. # واللغوي: كالتعليقات، نحو إن قمت قمت، ونحو أنت طالق إن دخلت الدار، فإن ~~أهل اللغة وضعوا هذا التركيب ليدل على أن ما دخلت ms289 عليه أداة الشرط هو ~~الشرط، والمعلق عليه هو الجزاء، ويستعمل الشرط اللغوي في السبب الجعلي، كما ~~يقال: إن دخلت الدار فأنت طالق، والمراد: أن الدخول سبب الطلاق، يستلزم ~~وجوده وجوده، لا مجرد كون عدمه مستلزما لعدمه، من غير سببيته، وبهذا صرح ~~الغزالي، والقرافي، وابن الحاجب، وشراح "كتابه"1. PageV01P376 # ويدل على هذا قول النحاة في الشرط والجزاء: بأن الأول سبب، والثاني مسبب. # والشرط العادي: كالسلم لصعود السطح، فإن العادة قاضية بأن لا يوجد الصعود ~~إلا بوجود السلم أو نحوه، مما يقوم مقامه. # ثم الشرط قد يتحد، وقد يتعدد ومع التعدد قد يكون كل واحد شرطا "على ~~الجمع، فيتوقف المشروط على حصولها جميعا، وقد يكون لكل واحد شرطا"* مستقلا ~~فيحصل المشروط بحصول أي واحد منها، فإذا قال: إن دخلت الدار وأكلت وشربت ~~فأنت طالق، لم تطلق إلا بالدخول والأكل، والشرب، وإن قال: إن دخلت الدار أو ~~أكلت أو شربت فأنت طالق، طلقت بواحدة منها. # واعلم: أن الشرط كالاستثناء في اشتراط الاتصال، وفي تعقبه لجمل متعددة. # قال الرازي في "المحصول" اختلفوا في أن الشرط الداخل على الجمل، هل يرجع ~~حكمه إليها بالكلية؟ # فاتفق الإمامان: أبو حنيفة، والشافعي، على رجوعه إلى الكل. # وذهب بعض الأدباء إلى أنه يختص بالجملة التي تليه، حتى إنه إذا كان ~~متأخرا اختص بالجملة الأخيرة، وإن كان متقدما اختص بالجملة الأولى. # والمختار التوقف كما تقدم1 في مسألة الاستثناء. # ثم قال: اتفقوا على وجوب اتصال الشرط بالكلام، ودليله ما مر في ~~الاستثناء، واتفقوا على أنه "يحسن"** التقييد بشرط يكون الخارج به أكثر من ~~الباقي، وإن اختلفوا فيه على الاستثناء. انتهى. # فقد حكي الاتفاق في هاتين الصورتين كما نراه PageV01P377 ### | المسألة الثالثة عشرة: التخصيص بالصفة # وهي كالاستثناء إذا وقعت بعد متعدد، والمراد بالصفة هنا هي المعنوية على ~~ما حققه علماء البيان، لا مجرد النعت المذكور في علم النحو. # PageV01P377 # قال إمام الحرمين الجويني في "النهاية": الوصف عند أهل اللغة معناه ~~التخصيص، فإذا قلت: رجل شاع هذا في الرجال، فإذا قلت: طويل اقتضى ذلك ~~تخصيصا، فلا ms290 تزال تزيد وصفا، فيزداد الموصوف اختصاصا، وكلما كثر الوصف قل ~~الموصوف. # قال المازري: ولا خلاف في اتصال التوابع، وهي النعت والتوكيد، والعطف ~~والبدل، وإنما الخلاف في الاستثناء. # وقال الرازي في "المحصول": الصفة إما أن تكون مذكورة عقيب شيء واحد، ~~كقولنا: رقبة مؤمنة، ولا شك في عودها إليها أو عقيب شيئين، وههنا فإما أن ~~يكون أحدهما متعلقا بالآخر، كقولك: أكرم العرب والعجم المؤمنين، فههنا ~~الصفة تكون عائدة إليهما، وإما أن لا يكون كذلك، كقولك: أكرم العلماء وجالس ~~الفقهاء الزهاد، فههنا الصفة عائدة إلى الجملة الأخيرة، وإن كان للبحث فيه ~~مجال كما في الاستثناء والشرط. انتهى. # قال الصفي الهندي: إن كانت الصفات كثيرة، وذكرت على "الجمع"* عقب جملة ~~تقيدت بها، أو على البدل، فلواحدة غير معينة منها، وإن ذكرت "عقب"** جمل، ~~ففي العود إلى كلها أو إلى الأخيرة خلاف. انتهى. # وأما إذا توسطت الصفة بين جمل، ففي عودها إلى الأخيرة خلاف، كذا قيل، ولا ~~وجه للخلاف في ذلك، فإن الصفة تكون لما قبلها لا لما بعدها لعدم جواز تقدم ~~الصفة على الموصوف. PageV01P378 ### | المسألة الرابعة عشرة: التخصيص بالغاية # وهي نهاية الشيء المقتضية لثبوت الحكم قبلها، وانتفائه بعدها ولها لفظان، ~~وهما: حتى وإلى كقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} 1 وقوله تعالى: ~~{وأيديكم إلى المرافق} 2. # قال الرازي في "المحصول": التقييد بالغاية يقتضي أن يكون الحكم فيما وراء ~~الغاية بالخلاف؛ لأن الحكم لو بقي فيما وراء الغاية لم تكن الغاية مقطعا، ~~فلم تكن الغاية غاية، قال: PageV01P378 # ويجوز اجتماع الغايتين، كما لو قيل: لا تقربوهن حتى يطهرن وحتى يغتسلن، ~~فههنا الغاية في الحقيقة هي الأخيرة، عبر عن الأولى بالغاية مجازا لقربها ~~منها واتصالها بها. # قال الزركشي: ونوزع بأن هاتين الغايتين لشيئين؛ لأن التحريم الناشئ عن دم ~~الحيض غاية انقطاع الدم، فإذا انقطع حدث تحريم آخر، ناشئ عن عدم الغسل، ~~والغاية الثانية غاية هذا التحريم. # وقد أطلق الأصوليون كون الغاية من المخصصات، ولم يقيدوا ذلك، وقيد ذلك ~~بعض المتأخرين بالغاية التي تقدمها لفظ يشملها، لو لم يؤت ms291 بها كقوله تعالى: ~~{حتى يعطوا الجزية} 1 فإن هذه الغاية لو لم يؤت بها لقاتلنا المشركين، ~~أعطوا الجزية أو لم يعطوها. # واختلفوا في الغاية نفسها، هل تدخل في المغيا، كقولك: أكلت حتى قمت، هل ~~يكون القيام محلا للأكل أم لا، وفي ذلك مذاهب: # الأول: # أنها تدخل فيما قبلها. # والثاني: # لا تدخل، وبه قال الجمهور كما حكاه في "البرهان". # والثالث: # إن كانت من جنسه دخلت وإلا فلا، حكاه أبو إسحاق المروزي عن المبرد. # والرابع: # إن تميزت عما قبلها بالحس، نحو {أتموا الصيام إلى الليل} 2 لم تدخل، وإن ~~لم تتميز بالحس مثل {وأيديكم إلى المرافق} 3 دخلت الغاية وهي المرافق، ورجح ~~هذا الفخر الرازي. # والخامس: # إن اقترنت ب: من لم يدخل نحو: بعتك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة لم ~~تدخل، وإن لم تقترن جاز أن تكون تحديدا وأن تكون بمعنى مع، وحكاه إمام ~~الحرمين في "البرهان" عن سيبويه وأنكره عليه ابن خروف، وقال لم يذكر سيبويه ~~"منها حرفا"* منهما ولا هو مذهبه. # والسادس: # الوقف، واختاره الآمدي. # وهذه المذاهب في غاية الانتهاء. # وأما في غاية الابتداء ففيها مذهبان: الدخول وعدمه. PageV01P379 # وجعل الأصفهاني الخلاف في الغايتين، غاية الابتداء وغاية الانتهاء على ~~السواء، فقال: وفيها مذاهب تدخلان، ولا تدخلان، وتدخل غاية الابتداء دون ~~الانتهاء، وتدخلان إن اتحد الجنس لا إن اختلف وتدخلان إن لم يتميز ما ~~بعدهما عما قبلهما بالحس، وإلا لم تدخلا فيما قبلهما، "وفيما قاله"* نظر، ~~بل الظاهر أن الأقوال المتقدمة هي في غاية الانتهاء، لا في غاية الابتداء. # وأظهر الأقوال وأوضحها عدم الدخول إلا بدليل، من غير فرق بين غاية ~~الابتداء والانتهاء. # والكلام في الغاية الواقعة بعد متعدد كما تقدم1 في الاستثناء. ~~PageV01P380 ### | المسألة الخامسة عشرة: التخصيص بالبدل # أعني: بدل البعض من الكل، نحو: أكلت الرغيف ثلثه، وأكرم القوم علماءهم، ~~ومنه قوله سبحانه: {ثم عموا وصموا كثير منهم} 1؛ وقد جعله من المخصصات ~~جماعة من أهل الأصول منهم ابن الحاجب وشراح "كتابه". # قال السبكي: ولم يذكره الأكثرون؛ لأن المبدل منه في نية ms292 الطرح، فلا تحقق ~~فيه لمحل يخرج منه، فلا تخصيص به. # وفيه نظر؛ لأن الذي عليه المحققون كالزمخشري، أن المبدل منه في غير بدل ~~الغلط ليس في حكم المهدر، بل هو للتمهيد والتوطئة، وليفاد بمجموعها فضل ~~تأكيد وتبيين لا يكون "إلا"* في الأفراد. # قال السيرافي: زعم النحويون أنه في حكم تنحية الأول، وهو المبدل منه، ولا ~~يريدون إلغاءه، وإنما مرادهم: أن البدل قائم بنفسه، وليس تبيينه الأول ~~كتبيين النعت الذي هو من تمام المنعوت، وهو معه كالشيء الواحد. انتهى. # ولا يشترط فيه ما يشترط في الاستثناء، من بقاء الأكثر عند من اعتبر ذلك، ~~بل يجوز إخراج الأكثر وفاقا نحو: أكلت الرغيف ثلثه أو نصفه، أو ثلثيه. # ويلحق ببدل البعض بدل الاشتمال؛ لأن كل واحد منهما فيه بيان وتخصيص. ~~PageV01P380 ### | المسألة السادسة عشرة: التخصيص بالحال # وهو في المعنى كالصفة؛ لأن قولك: أكرم من جاءك راكبا، يفيد تخصيص الإكرام ~~بمن ثبتت له صفة الركوب، وإذا جاء بعد جمل فإنه يكون للجميع قال البيضاوي ~~بالاتفاق، نحو: أكرم بني تميم، وأعط بني هاشم نازلين بك. # وفي دعوى الاتفاق نظر، فإنه ذكر الفخر الرازي في "المحصول" أنه يختص ~~بالجملة الأخيرة، على قول أبي حنيفة، أو بالكل، على قول الشافعي. # PageV01P381 ### | المسألة السابعة عشرة: التخصيص بالظرف والجار والمجرور # نحو: أكرم زيدا اليوم، أو في مكان كذا، وإذا تعقب أحدهما جملا، كان عائدا ~~إلى الجميع. # وقد ادعى البيضاوي الاتفاق على ذلك، كما ادعاه في الحال. ويعترض عليه بما ~~في "المحصول" فإنه قال في الظرف والجار والمجرور: إنهما يختصان بالجملة ~~الأخيرة، على قول أبي حنيفة، أو بالكل على قول الشافعي، كما قال في الحال، ~~صرح بذلك في مسألة الاستثناء المذكور عقب جمل. # ويؤيد ما قاله البيضاوي ما قاله أبو البركات ابن تيمية1، فإنه قال: فأما ~~الجار والمجرور، فإنه ينبغي أن يتعلق بالجميع قولا واحدا. # وأما لو توسط، فقد ذكر ابن الحاجب في مسألة، لا يقتل مسلم بكافر، أن ~~قولنا: ضربت زيدا يوم الجمعة، وعمرا يقتضي أن الحنفية يقيدونه بالثاني. ~~PageV01P381 ### | المسألة الثامنة ms293 عشرة: التخصيص بالتمييز # التخصيص بالتمييز نحو: عندي له رطل ذهبا، وعندي له عشرون درهما، فإن ~~الإقرار يتقيد بما وقع به التمييز من الأجناس، أو الأنواع، وإذا جاء بعد ~~جمل نحو: عندي له ملء هذا أو عندي له رطل فإنه يعود إلى الجميع، وظاهر كلام ~~البيضاوي عوده إلى الجميع بالاتفاق. # PageV01P381 ### | المسألة التاسعة عشرة: "التخصيص" * بالمفعول له والمفعول معه # فإن كل واحد منهما يقيد الفعل بما تضمنه من المعنى، فإن المفعول له معناه ~~التصريح بالعلة التي لأجلها وقع الفعل، نحو ضربته تأديبا، فيفيد تخصيص ذلك ~~الفعل بتلك العلة، والمفعول معه معناه تقييد الفعل بتلك المعية نحو ضربته ~~وزيدا، فيفيد أن ذلك الضرب الواقع على المفعول به مختص بتلك الحالة التي هي ~~المصاحبة بين ضربه وضرب زيد. PageV01P382 ### | المسألة الموفية عشرون: التخصيص بالفعل # ... # المسألة الموفية عشرين: التخصيص بالعقل # فقد فرغنا بمعونة الله من ذكر المخصصات المتصلة، وهذا شروع في المخصصات ~~المنفصلة. # وقد حصروها في ثلاثة أقسام: العقل، والحس، والدليل السمعي. # قال القرافي: والحصر غير ثابت، فقد يقع التخصيص بالعوائد كقولك: رأيت ~~الناس، فما رأيت أفضل من زيد، فإن العادة تقضي أنك لم تر كل الناس، وكذا ~~التخصيص بقرائن الأحوال، كقولك لغلامك: ائتني بمن يخدمني، فإن المراد ~~الإتيان بمن يصلح لذلك، ولعل القائل بانحصار المخصصات المنفصلة في الثلاثة ~~المذكورة يجعل التخصيص بالقياس مندرجا تحت الدليل السمعي. # وقد اختلف في جواز التخصيص بالعقل: # فذهب الجمهور إلى التخصيص به. # وذهب شذوذ من أهل العلم إلى عدم جواز التخصيص به. # قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني: ولا خلاف بين أهل العلم في جواز التخصيص ~~بالعقل، ولعله لم يعتبر بخلاف من "شذ"*. # قال الفخر الرازي في "المحصول": إن التخصيص بالعقل قد يكون بضرورته كقوله ~~تعالى: PageV01P382 # {الله خالق كل شيء} 1 فإنا نعلم بالضرورة أنه ليس خالقا لنفسه، وبنظره ~~كقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} 2 فإن تخصيص ~~الصبي والمجنون، لعدم الفهم في حقهما، ومنهم من نازع في تخصيص العموم بدليل ~~العقل. # والأشبه عندي: أنه لا ms294 خلاف في المعنى، بل في اللفظ، أما أنه لا خلاف في ~~المعنى، فلأن اللفظ، لما دل على ثبوت الحكم في جميع الصور، والعقل منع من ~~ثبوته في بعض الصور، فإما أن يحكم بصحة مقتضى العقل والنقل، فيلزم من ذلك ~~صدق النقيضين وهو محال، أو يرجح النقل على العقل وهو محال؛ لأن العقل أصل ~~للنقل، فالقدح في العقل قدح في أصل النقل والقدح في الأصل لتصحيح الفرع ~~يوجب القدح فيهما معا، وإما أن يرجح حكم العقل على مقتضى العموم، وهذا هو ~~مرادنا من تخصيص العموم بالعقل. # وأما البحث اللفظي: فهو أن العقل هل يسمى مخصصا أم لا؟ # فنقول: إن أردنا بالمخصص: الأمر الذي يؤثر في اختصاص اللفظ العام ببعض ~~مسمياته، فالعقل غير مخصص؛ لأن المقتضي لذلك الاختصاص هو الإرادة القائمة ~~بالمتكلم "والعقل"* يكون دليلا على تحقق تلك الإرادة، فالعقل يكون دليل ~~المخصص، لا نفس المخصص، ولكن على هذا التفسير وجب أن لا يكون الكتاب مخصصا ~~للكتاب، ولا السنة مخصصة للسنة؛ لأن المؤثر في ذلك التخصيص هو الإرادة لا ~~تلك الألفاظ. انتهى. # قال القاضي أبو بكر الباقلاني: وصورة المسألة أن صيغة العام إذا وردت، ~~واقتضى العقل عدم تعميمها فيعلم من جهة العقل أن المراد بها خصوص ما لا ~~يحيله العقل، وليس المراد أن للعقل صلة لصيغة نازلة بمنزلة المتصل بالكلام، ~~ولكن المراد به ما قدمناه أنا نعلم بالعقل أن مطلق الصيغة لم يرد تعميمها. # وفصل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "اللمع" بين ما يجوز ورود الشرع ~~بخلافه، وهو ما يقتضيه العقل من براءة الذمة فيمتنع التخصيص به فإن ذلك ~~إنما يستدل به لعدم الشرع، فإذا ورد الشرع سقط الاستدلال به، وصار الحكم ~~للشرع، فأما ما لا يجوز ورود الشرع بخلافه كالذي دل العقل على نفيه فيجوز ~~التخصيص به نحو: {الله خالق كل شيء} فقلنا: المراد ما خلا الصفات، لدلالة ~~العقل على ذلك. انتهى. PageV01P383 # ولا يخفاك أن هذا التفصيل لا طائل تحته، فإنه لم يرد بتخصيص العقل إلا ~~الصورة الثانية، أما الصورة الأولى: ms295 فلا خلاف أن الشرع ناقل عما يقتضيه ~~العقل من البراءة. # قال القاضي أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين الجويني، وابن القشيري، ~~والغزالي وإلكيا الطبري، وغيرهم: إن النزاع لفظي؛ إذ مقتضى ما يدل عليه ~~العقل ثابت إجماعا، لكن الخلاف في تسميته تخصيصا، فالخصم لا يسميه؛ لأن ~~المخصص هو المؤثر في التخصيص، وهو الإرادة لا العقل، وكذا قال الأستاذ أبو ~~منصور: إنهم "أجمعوا"* على صحة دلالة العقل على خروج شيء عن حكم العموم، ~~واختلفوا في تسميته تخصيصا. # وقيل: الخلاف راجع إلى مسألة التحسين والتقبيح العقليين، فمن منع من ~~تخصيص العقل، فهو رجوع منه إلى أن العقل لا يحسن ولا يقبح، وأن الشرع يرد ~~بما لا يقتضيه العقل. # وقد أنكر هذا الأصفهاني، وهو حقيق بأن يكون منكرا فالكلام في تلك ~~المسألة، غير الكلام في هذه المسألة كما سبق تقريره. # وقد جاء المانعون من تخصيص العقل بشبه مدفوعة كلها راجعة إلى اللفظ، لا ~~إلى المعنى، وقد عرفت أن الخلاف لفظي فلا نطيل بذكرها. قال الرازي في ~~"المحصول": فإن قيل: لو جاز التخصيص بالعقل، فهل يجوز النسخ به، قلنا نعم؛ ~~لأن من سقطت رجلاه عنه سقط عنه فرض غسل الرجلين، وذلك إنما عرف بالعقل. ~~انتهى. # وأجاب غيره: بأن النسخ إما بيان مدة الحكم، وإما رفع الحكم على ~~التفسيرين، وكلاهما محجوب عن نظر العقل، بخلاف التخصيص، فإن خروج البعض عن ~~الخطاب قد يدركه العقل فلا ملازمة. # وليس التخصيص بالعقل من الترجيح لدليل على دليل الشرع، بل من الجمع ~~بينهما لعدم إمكان استعمال الدليل الشرعي على عمومه المانع قطعي، وهو دليل ~~العقل. PageV01P384 ### | المسألة الحادية والعشرون: التخصيص بالحس # فإذا ورد الشرع بعموم يشهد الحس باختصاصه ببعض ما اشتمل عليه العموم، كان ~~ذلك مخصصا للعموم، قالوا: ومنه قوله تعالى: {وأوتيت من كل شيء} 1 مع أنها ~~لم تؤت بعض الأشياء، التي من جملتها ما كان في يد سليمان، كذلك قوله: {تدمر ~~كل شيء بأمر ربها} 2 وقوله: {يجبى إليه ثمرات كل شيء} 3. # قال الزركشي: وفي عد هذا نظر؛ لأنه من ms296 العام الذي أريد به الخصوص وهو ~~خصوص، ما أوتيته هذه ودمرته الريح لا من العام المخصوص. # قال: ولم يحكوا الخلاف السابق في التخصيص بالعقل، وينبغي طرده. # ونازع العبدري في تفريقهم بين دليل الحس ودليل العقل؛ لأن أصل العلوم ~~كلها الحس. # ولا يخفاك أن ما ذكره الزركشي في دليل الحس يلزمه مثله في دليل العقل، ~~فيقال له: إن قوله تعالى: {الله خالق كل شيء} 4 وقوله: {ولله على الناس حج ~~البيت} 5 من العام الذي أريد به الخصوص، لا من العام المخصوص، وإلا فما ~~الفرق بين شهادة العقل وشهادة الحس. PageV01P385 ### | المسألة الثانية والعشرون: التخصيص بالكتاب العزيز وبالنسبة المطهرة والتخصيص لهما ### | مدخل # ... # المسألة الثانية والعشرون: التخصيص بالكتاب العزيز وبالسنة المطهرة ~~والتخصيص لهما # ذهب الجمهور إلى جواز تخصيص الكتاب بالكتاب. # وذهب بعض الظاهرية إلى عدم جوازه، وتمسكوا بأن التخصيص بيان للمراد ~~باللفظ، ولا يكون إلا بالسنة، لقوله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} 1. # ويجاب عنه: بأن كونه صلى الله عليه وسلم مبينا لا يستلزم أن لا يحصل بيان ~~الكتاب بالكتاب، وقد وقع ذلك، والوقوع دليل الجواز، فإن قوله سبحانه: ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} 2 PageV01P385 # يعم الحوامل وغيرهن فخص أولات الأحمال بقوله تعالى: {وأولات الأحمال ~~أجلهن أن يضعن حملهن} 1 وخص منه أيضا المطلقة قبل الدخول بقوله تعالى: {فما ~~لكم عليهن من عدة تعتدونها} 2 وهكذا قد خصص عموم قوله تعالى: {والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} 3 بقوله ~~تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} 4 ومثل هذا كثير في الكتاب ~~العزيز. وأيضا ذلك الدليل الذي ذكروه معارض بما هو أوضح منه دلالة، وهو ~~قوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} 5، وقد جعل ابن الحاجب في ~~"مختصر المنتهى" الخلاف في هذه المسألة لأبي حنيفة، والقاضي أبي بكر ~~الباقلاني، وإمام الحرمين الجويني، وحكى عنهم أن الخاص إن كان متأخرا وإلا ~~فالعام ناسخ، وهذه مسألة أخرى سيأتي6 الكلام فيها، ولا اختصاص لها بتخصيص ~~الكتاب بالكتاب. PageV01P386 ### | جواز تخصيص السنة بالكتاب ms297 # وكما يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، فكذلك يجوز تخصيص السنة المتواترة ~~بالكتاب، عند جمهور أهل العلم، وعن أحمد بن حنبل روايتان، وعن بعض أصحاب ~~الشافعي المنع. # قال ابن برهان: وهو قول بعض المتكلمين. # قال مكحول1 ويحيى بن كثير2: السنة تقضي على الكتاب، والكتاب لا يقضي على ~~السنة، ولا وجه للمنع، فإن استدلوا بقوله تعالى: {لتبين للناس ما نزل ~~إليهم} 3 فقد عرفت عدم دلالته على المطلوب، مع كونه معارضا بما هو أوضح ~~دلالة منه كما تقدم. PageV01P386 ### | جواز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة: # ويجوز تخصيص عموم الكتاب بالسنة المتواترة إجماعا، كذا قال الأستاذ أبو ~~منصور، وقال الآمدي: لا أعرف فيه خلافا، وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني: ~~لا خلاف في ذلك إلا ما يحكى عن داود في إحدى الروايتين. # قال ابن كج: لا شك في الجواز؛ لأن الخبر المتواتر يوجب العلم، كما أن ~~ظاهر الكتاب يوجبه. # وألحق الأستاذ أبو منصور بالمتواتر الأخبار التي يقطع بصحتها. # PageV01P387 ### | جواز تخصيص السنة المتواترة بالمتواترة: # ويجوز تخصيص السنة المتواترة بالسنة المتواترة، وهو مجمع عليه، إلا أنه ~~حكى الشيخ أبو حامد الإسفراييني عن داود أنهما يتعارضان، ولا يبنى أحدهما ~~على الآخر، ولا وجه لذلك. # PageV01P387 ### | جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد: # واختلفوا في جواز تخصيص الكتاب العزيز بخبر الواحد. # فذهب الجمهور إلى جوازه مطلقا، وذهب بعض الحنابلة إلى المنع مطلقا، وحكاه ~~الغزالي في "المنخول" عن المعتزلة، ونقله ابن برهان عن طائفة من المتكلمين ~~والفقهاء، ونقله أبو الحسين بن القطان عن طائفة من أهل العراق. # وذهب عيسى بن أبان إلى الجواز إذا كان العام قد خص من قبل بدليل قطعي، ~~متصلا كان أو منفصلا كذا حكاه صاحب "المحصول" وابن الحاجب في مختصر ~~"المنتهى" عنه. # وقد سبق إلى حكاية ذلك عنه إمام الحرمين الجويني في "التلخيص"، وحكى غير ~~هؤلاء عنه أنه يجوز تخصيص العام بالخبر الأحادي إذا كان قد دخله التخصيص من ~~غير تقييد لذلك يكون المخصص الأول قطعيا. # وذهب الكرخي إلى الجواز إذا كان العام قد خص من قبل بدليل منفصل، سواء ~~كان ms298 قطعيا أو ظنيا، وإن خص بدليل متصل أو لم يخص أصلا لم يجز وذهب القاضي ~~أبو بكر إلى الوقف # PageV01P387 # وحكي عنه أنه قال: يجوز التعبد بوروده، ويجوز أن يرد لكنه لم يقع. # وحكي عنه أيضا أنه لم يرد، بل ورد المنع، ولكن الذي اختاره لنفسه هو ~~الوقف، كما حكى ذلك عنه الرازي في "المحصول". # واستدل في "المحصول" على ما ذهب إليه الجمهور: بأن العموم وخبر الواحد ~~دليلان متعارضان، وخبر الواحد أخص من العموم، فوجب تقديمه على العموم. # واحتج ابن السمعاني على الجواز بإجماع الصحابة، فإنهم خصوا قوله تعالى: ~~{يوصيكم الله في أولادكم} 1 بقوله صلى الله عليه وسلم: "إنا معشر الأنبياء ~~لا نورث" 2، وخصوا التوارث بالمسلمين عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~يرث المسلم الكافر" 3. وخصوا قوله: {اقتلوا المشركين} 4 بخبر عبد الرحمن بن ~~عوف في المجوس5 وغير ذلك كثير. # وأيضا يدل على جواز التخصيص، دلالة بينة واضحة ما وقع من أوامر الله عز ~~وجل باتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، من غير تقييد، فإذا جاء عنه الدليل ~~كان اتباعه واجبا، وإذا عارضه عموم قرآني كان سلوك طريقة الجمع ببناء العام ~~على الخاص متحتما، ودلالة العام على أفراده ظنية لا قطعية فلا وجه لمنع ~~تخصيصه بالأخبار الصحيحة الآحادية. # وقد استدل المانعون مطلقا بما ثبت عن عمر رضي الله عنه في قصة فاطمة بنت ~~قيس حيث لم يجعل لها سكنى ولا نفقة كما في حديثها الصحيح فقال عمر: "كيف ~~نترك كتاب ربنا لقول امرأة"6 يعني قوله: {أسكنوهن} 7. PageV01P388 # وأجيب عن ذلك: بأنه إنما قال هذه المقالة لتردده في صحة الحديث، لا لرده ~~تخصيص عموم الكتاب بالسنة الآحادية، فإنه لم يقل كيف نخصص عموم كتاب ربنا ~~بخبر آحادي بل قال: "كيف نترك كتاب ربنا لقول امرأة". # ويؤيد ذلك ما في صحيح مسلم وغيره بلفظ: "قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة ~~نبينا قول امرأة لعلها حفظت أو نسيت"1. # فأفاد هذا أن عمر رضي الله عنه إنما تردد في كونها حفظت أو نسيت، ms299 ولو علم ~~بأنها حفظت ذلك وأدته كما سمعته لم يتردد في العمل بما روته. # قال ابن السمعاني: إن محل الخلاف في أخبار الآحاد التي لم تجمع الأمة على ~~العمل بها. # أما ما أجمعوا عليه كقوله: "لا ميراث لقاتل" 2 و"لا وصية لوارث" 3 فيجوز ~~تخصيص العموم به قطعا، ويصير ذلك كالتخصيص بالمتواتر، لانعقاد الإجماع على ~~حكمها ولا يضر عدم انعقاده على روايتها. # وكما يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الآحاد، كذلك يجوز "تخصيص العموم ~~المتواتر من السنة بأخبار الآحاد، ويجري فيه الخلاف السابق في تخصيص عموم ~~القرآن السابق كما صرح القاضي أبو بكر الباقلاني وإمام الحرمين الجويني ~~وغيرهما. PageV01P389 # وكما يجوز تحصيص عموم القرآن بخبر الآحاد كذلك يجوز"* تخصيصه بالقراءة ~~الشاذة عند من نزلها منزلة الخبر الآحادي. # وقد سبق1 الكلام في القراءات في مباحث الكتاب. # وهكذا يجوز التخصيص لعموم الكتاب وعموم المتواتر من السنة، بما ثبت من ~~فعله صلى الله عليه وسلم، إذا لم يدل دليل على اختصاصه به، كما يجوز ~~بالقول. # وهكذا يجوز التخصيص بتقريره صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم البحث في فعله ~~صلى الله عليه وسلم وفي تقريره في مقصد السنة2، بما يغني عن الإعادة. ~~PageV01P390 ### | التخصيص بموافقة العام وبعطف الخاص على العام # ... # التخصيص بموافق العام وبعطف الخاص على العام: # وأما التخصيص بموافق العام فقد سبق1 الكلام عليه في باب العموم، وكذلك ~~سبق الكلام على العام إذا عطف عليه ما يقتضي الخصوص، وعلى العام الوارد على ~~سبب خاص، فهذه المباحث لها تعلق بالعام وتعلق بالخاص. PageV01P390 ### | المسألة الثانية والعشرون: في التخصيص بالقياس # ... # المسألة الثالثة والعشرون: في التخصيص بالقياس # ذهب الجمهور إلى جوازه. # قال الرازي في "المحصول": وهو قول أبي حنيفة والشافعي، ومالك، وأبي ~~الحسين البصري والأشعري وأبي هاشم أخيرا. # وحكاه ابن الحاجب في "مختصر المنتهى" عن هؤلاء، وزاد معهم الإمام الرابع ~~أحمد بن حنبل، وكذا حكى ابن الهمام في "التحرير". # وحكى القاضي عبد الجبار عن الحنابلة عن أحمد روايتين. # PageV01P390 # وحكاه الشيخ أبو حامد، وسليم الرازي، عن ابن سريج. # وذهب أبو علي ms300 الجبائي إلى المنع مطلقا. # ونقله الشيخ أبو حامد وسليم الرازي، عن أحمد بن حنبل، وقيل: إن ذلك إنما ~~هو في رواية عنه قال بها طائفة من أصحابه. # ونقله القاضي أبو بكر الباقلاني، عن طائفة من المتكلمين، وعن الأشعري. # وذهب عيسى بن أبان إلى أنه يجوز إن كان العام قد خصص قبل ذلك بنص قطعي، ~~كذا حكاه عنه القاضي أبو بكر في "التقريب"1، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، ~~وأطلق صاحب المحصول الحكاية عنه ولم يقيدها بكون النص قطعيا، وحكى هذا ~~المذهب الشيخ أبو إسحاق الشيرازي عن بعض العراقيين. # وذهب الكرخي إلى أنه يجوز إن كان قد خص بدليل منفصل، وإلا فلا، كذا حكاه ~~عنه "صاحب" المحصول وغيره. # وذهب الإصطخري إلى أنه يجوز إن كان القياس جليا وإلا فلا، كذا حكاه عنه ~~الشيخ أبو حامد، وسليم الرازي، وحكاه الشيخ أبو حامد أيضا عن إسماعيل بن ~~مروان2 من أصحاب الشافعي. # وحكاه الأستاذ أبو منصور، عن أبي القاسم الأنماطي3، ومبارك بن أبان4، ~~وأبي علي الطبري. وحكاه ابن الحاجب في "مختصر المنتهى"، عن ابن سريج، ~~والصحيح عنه ما تقدم. # وذهب الغزالي إلى أنه: إن تفاوت القياس والعام في غلبة الظن رجح الأقوى، ~~فإن تعادلا فالوقف. واختاره المطرزي5، ورجحه الفخر الرازي، واستحسنه ~~القرافي، والقرطبي. # وذهب الآمدي إلى أن العلة إن كانت منصوصة أو مجمعا عليها جاز التخصيص به، ~~وإلا فلا. PageV01P391 # وقد حكى إمام الحرمين في النهاية مذهبين لم ينسبهما إلى من قالهما. # أحدهما: أنه يجوز إن كان الأصل المقيس عليه مخرجا من "عام وإلا فلا. # والثاني: أنه يجوز إن كان الأصل المقيس عليه مخرجا من غير"* ذلك العام ~~وإلا فلا. # وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني: القياس إن كان جليا مثل {فلا تقل لهما ~~أف} 1 جاز التخصيص به الإجماع، وإن كان واضحا وهو المشتمل على جميع معنى ~~الأصل، كقياس الربا، فالتخصيص به جائز في قول عامة أصحابنا إلا طائفة شذت ~~لا يعتد بقولهم وإن كان خفيا، وهو قياس علته الشبه، فأكثر أصحابنا أنه لا ~~يجوز التخصيص به، ms301 ومنهم من شذ فجوزه. # قال الأستاذ أبو منصور، والأستاذ أبو إسحاق: أجمع أصحابنا على جواز ~~التخصيص بالقياس الجلي. # واختلفوا في الخفي على وجهين، والصحيح الذي عليه الأكثرون جوازه أيضا، ~~وكذا قال أبو الحسين بن القطان والماوردي والروياني، وذكر الشيخ أبو إسحاق ~~الشيرازي أن الشافعي نص على جواز التخصيص بالخفي في مواضع. # واحتج الجمهور: بأن العموم والقياس دليلان متعارضين والقياس خاص فوجب ~~تقديمه. # وبهذا يعرف أنه لا ينتهض احتجاج المانعين بقولهم: لو قدم القياس على عموم ~~الخبر لزم تقديم الأضعف على الأقوى، وأنه باطل؛ لأن هذا التقديم إنما يكون ~~عند إبطال أحدهما بالآخر، فأما عند الجمع بينهما وإعمالهما جميعا فلا. # وقد طول أهل الأصول الكلام في هذا البحث بإيراد شبه زائفة لا طائل تحتها. # وسيأتي تحقيق الحق إن شاء الله تعالى في باب القياس، فمن منع من العمل به ~~مطلقا منع من التخصيص به، ومن منع من بعض أنواعه دون بعض منع من التخصيص ~~بذلك البعض، ومن قبله مطلقا خصص به مطلقا. # والتفاصيل المذكورة هنا من جهة القابلين له مطلقا، إنما هي باعتبار كونه ~~وقع هنا مقابلا لدلالة العموم. # والحق الحقيق بالقبول: أنه يخصص بالقياس الجلي لأنه معمول به لقوة ~~دلالته، وبلوغها إلى حد يوازن النصوص، وكذلك يخصص بما كانت علته منصوصة، أو ~~مجمعا عليها، أما العلة المنصوصة فالقياس الكائن بها في قوة النص، وأما ~~العلة المجمع عليها، فلكون ذلك الإجماع قد دل على دليل مجمع عليه، وما عدا ~~هذه الثلاثة الأنواع من القياس، فلم تقم الحجة بالعمل به من أصله. # وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا في القياس، على وجه يتضح به الحق ~~اتضاحا لا يبقى عنده ريب لمرتاب. PageV01P392 ### | المسألة الرابعة والعشرون: في التخصيص بالمفهوم # ذهب القائلون بالعمل بالمفهوم إلى جواز التخصيص به. # قال الآمدي: لا أعرف خلافا في تخصيص العموم بالمفهوم بين القائلين ~~بالعموم والمفهوم، وسيأتي1 الكلام على المفاهيم والمعمول به منها، وغير ~~المعمول به، وقد تقدم الكلام على التخصيص بمفهوم اللقب. # وحكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي عن ms302 الحنفية، وابن سريج المنع من التخصيص ~~بالمفهوم، وذلك مبني على مذهبهم في عدم العمل بالمفهوم. # قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، في "شرح الإلمام": قد رأيت في بعض ~~مصنفات المتأخرين ما يقتضي تقديم العموم، وفي كلام صفي الدين الهندي أن ~~الخلاف إنما هو في مفهوم المخالفة، أما مفهوم الموافقة فاتفقوا على التخصيص ~~به. # قال الزركشي: والحق أن الخلاف ثابت فيهما. # أما مفهوم المخالفة، فكما إذا ورد عام في إيجاب الزكاة في الغنم، كما في ~~قوله: "في أربعين شاة شاة" 3 ثم قال: "في سائمة الغنم الزكاة" 4 فإن ~~المعلوفة خرجت بالمفهوم فيخصص به، عموم الأول، وذكر أبو الحسين بن القطان ~~أنه لا خلاف في جواز التخصيص به ومثل بما ذكرنا. PageV01P393 # وكذا قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: إذا ورد العام مجردا على صفة ثم ~~أعيدت الصفة متأخرة عنه كقوله: {فاقتلوا المشركين} 1 مع قوله قبله أو بعده ~~"اقتلوا أهل الأوثان من المشركين" كان ذلك موجبا للتخصيص بالاتفاق، ويوجب ~~المنع من قتل أهل الكتاب، وتخصيص ما بعده من العموم. انتهى. # وإنما حكى الصفي الهندي الإجماع على التخصيص بمفهوم الموافقة؛ لأنه أقوى ~~من مفهوم المخالفة، ولهذا يسميه بعضهم دلالة النص، وبعضهم يسميه القياس ~~الجلي، وبعضهم يسميه المفهوم الأولى، وبعضهم يسميه فحوى الخطاب، وذلك كقوله ~~تعالى: {فلا تقل لهما أف} 2 وقد اتفقوا على العمل به، وذلك يستلزم الاتفاق ~~على التخصيص به. # والحاصل: أن التخصيص بالمفاهيم فرع العمل بها، وسيأتي3 بيان ما هو الحق ~~فيها إن شاء الله تعالى PageV01P394 ### | المسألة الخامسة والعشرون: في التخصيص بالإجماع # قال الآمدي: لا أعرف فيه خلافا، وكذلك حكى الإجماع على جواز التخصيص ~~بالإجماع الأستاذ أبو منصور. # قال: ومعناه أن يعلم بالإجماع أن المراد باللفظ العام بعض ما يقتضيه ~~ظاهره، وفي الحقيقة يكون التخصيص بدليل الإجماع لا بنفس الإجماع. # وقال ابن القشيري: إن من خالف في التخصيص بدليل العقل يخالف هنا. # وقال القرافي: الإجماع أقوى من النص الخاص؛ لأن النص يحتمل نسخه، ~~والإجماع لا ينسخ؛ لأنه إنما ينعقد بعد ms303 انقطاع الوحي. # وجعل الصيرفي من أمثلته قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا إلى ذكر الله} 1. قال: وأجمعوا على أنه لا جمعة على عبد ولا امرأة. # ومثله ابن حزم بقوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} 2، ~~واتفقت الأمة على أنهم لو بذلوا فلسا أو فلسين لم يجز بذلك حقن دمائهم، ~~قال: والجزية بالألف واللام، فعلمنا أنه أراد جزية معلومة. # ومثله ابن الحاجب بآية حد القذف، وبالإجماع على التنصيف للعبد. # والحق: أن المخصص هو دليل الإجماع، لا نفس الإجماع كما تقدم3. ~~PageV01P394 ### | المسألة السادسة والعشرون: في التخصيص بالعادة # ذهب الجمهور إلى عدم جواز التخصيص بها، وذهب الحنفية إلى جواز التخصيص ~~بها. # قال الصفي الهندي: وهذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أوجب أو حرم شيئا بلفظ عام، ثم ~~رأينا العادة جارية بترك بعضها أو بفعل بعضها، فهل تؤثر تلك العادة حتى ~~يقال: المراد من ذلك العام ما عدا ذلك البعض الذي جرت العادة بتركه، أو ~~بفعله أو لا تؤثر في ذلك بل هو باق على عمومه متناول لذلك البعض ولغيره. # الثاني: أن تكون العادة جارية بفعل معين، كأكل طعام معين مثلا، ثم إنه ~~عليه السلام نهاهم عن تناوله بلفظ متناول له ولغيره، كما لو قال: نهيتكم عن ~~أكل الطعام فهل يكون النهي مقتصرا على ذلك الطعام بخصوصه أم لا، بل يجري ~~على عمومه ولا تؤثر عاداتهم. # قال والحق: أنها لا تخصص لأن الحجة في لفظ الشارع وهو عام، والعادة ليست ~~بحجة حتى تكون معارضة له. انتهى. # وقد اختلف كلام أهل الأصول؛ وصاحب "المحصول" وأتباعه تكلموا على الحالة ~~الأولى، واختار فيها أنه إن علم جريان العادة في زمن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مع عدم منعه عنها فيخصص بها، والمخصص في الحقيقة هو تقريره صلى الله ~~عليه وسلم. # وإن علم عدم جريانها ولم يخصص بها إلا أن يجمع على فعلها، فيكون تخصيصا ~~بالإجماع. # وأما الآمدي وابن الحاجب فتكلموا على الحالة الثانية. # قال الرزكشي: وهما مسألتان ms304 لا تعلق لإحداهما بالأخرى، فتفطن لذلك، فإن ~~بعض من لا خبرة له حاول الجمع بين كلام الإمام الرازي في "المحصول" وكلام ~~الآمدي وابن الحاجب ظنا منه أنهما تواردا على محل واحد وليس كذلك، وممن صرح ~~بأنهما حالتان القرافي في "شرح # PageV01P395 # التنقيح"، وفرق بأن العادة السابقة على العموم تكون مخصصة، والعادة ~~الطارئة بعد العموم لا يقضى بها على العموم. انتهى. # والحق: أن تلك العادة إن كانت مشتهرة في زمن النبوة، بحيث يعلم أن اللفظ ~~إذا أطلق كان المراد ما جرت عليه دون غيره فهي مخصصة؛ لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنما يخاطب الناس بما يفهمون، وهم لا يفهمون إلا ما جرى عليه ~~التعارف بينهم، وإن لم تكن العادة كذلك فلا حكم لها ولا التفات إليها. # والعجب ممن يخصص كلام الكتاب والسنة بعادة حادثة بعد انقراض زمن النبوة ~~تواطأ عليها قوم وتعارفوا بها، ولم تكن كذلك في العصر الذي تكلم فيه ~~الشارع، فإن هذا من الخطأ البين والغلط الفاحش. # أما لو قال المخصص بالعادة الطارئة إنه يخصص بها ما حدث بعد أولئك ~~الأقوام المصطلحين عليها من التحاور في الكلام، والتخاطب بالألفاظ، فهذا ~~مما لا بأس به، ولكن لا يخفى أن بحثنا في هذا العلم إنما هو عن المخصصات ~~الشرعية، فالبحث عن المخصصات العرفية لما وقع التخاطب به من العمومات ~~الحادثة من الخلط لهذا الفن بما ليس منه والخبط في البحث بما لا فائدة فيه. # PageV01P396 ### | المسألة السابعة والعشرون: في التخصيص بمذهب الصحابي # ذهب الجمهور إلى أنه لا يخصص بذلك. # وذهبت الحنفية والحنابلة إلى أنه يجوز التخصيص به، على خلاف في ذلك ~~بينهم، فبعضهم يخصص به مطلقا، وبعضهم يخصص به إن كان هو الراوي للحديث. # قال الأستاذ أبو منصور، والشيخ أبو حامد الإسفراييني، وسليم الرازي، ~~والشيخ أبو إسحاق الشيرازي: إنه يجوز التخصيص بمذهب الصحابي إذا لم يكن هو ~~الراوي للعموم، وكان ما ذهب إليه منتشرا ولم يعرف له مخالف في الصحابة؛ ~~لأنه إما إجماع أو حجة مقطوع بها على الخلاف. # وأما إذا لم ms305 ينتشر، فإن خالفه غيره فليس بحجة قطعا، وإن لم يعرف له ~~مخالف، فعلى قول الشافعي الجديد ليس بحجة، فلا يخصص به، وعلى قوله القديم ~~هو حجة يقدم على القياس، وهل يخصص به العموم فيه وجهان. # وأما إذا كان الصحابي الذي ذهب إلى التخصيص هو الراوي للحديث، فقد اختلف ~~قول # PageV01P396 # الشافعي في ذلك، والصحيح عنه وعن أصحابه وعن جمهور أهل العلم، أنه لا ~~يخصص به خلافا لمن تقدم، والدليل على ذلك أن الحجة إنما هي في العموم، ~~ومذهب الصحابي ليس بحجة فلا يجوز التخصيص به. # واستدل القائلون بجواز التخصيص، بأن الصحابي العدل لا يترك ما سمعه من ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويعمل بخلافه إلا لدليل قد ثبت عنده يصلح ~~للتخصيص. # وأجيب عنه: بأنه قد يخالف ذلك لدليل في ظنه، وظنه لا يكون حجة على غيره، ~~فقد يظن ما ليس بدليل دليلا، والتقليد للمجتهد من مجتهد مثله لا يجوز، لا ~~سيما في مسائل الأصول، فالحق عدم التخصيص بمذهب الصحابي، وإن كانوا جماعة ~~ما لم يجمعوا على ذلك فيكون من التخصيص بالإجماع، وقد تقدم1 الكلام عليه ~~PageV01P397 ### | المسألة الثامنة والعشرون: في التخصيص بالسياق # قد تردد قول الشافعي في ذلك، وأطلق الصيرفي جواز التخصيص به، ومثله بقوله ~~سبحانه: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} 1 وكلام الشافعي في ~~"الرسالة" يقتضيه، فإنه بوب لذلك بابا فقال: باب الصنف الذي قد بين سياقه ~~معناه، وذكر قوله سبحانه: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} 2 ~~قال: فإن السياق أرشد إلى أن المراد أهلها وهو قوله: {إذ يعدون في السبت} ~~3. # قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، في "شرح الإلمام": نص بعض الأكابر ~~من الأصوليين أن العموم يخص بالقرائن القاضية بالتخصيص، قال: ويشهد له ~~مخاطبات الناس بعضهم بعضا، حيث يقطعون في بعض المخاطبات بعدم العموم، بناء ~~على القرينة، والشرع يخاطب الناس بحسب تعارفهم. قال: ولا يشتبه عليك ~~التخصيص بالقرائن بالتخصيص بالسبب، كما اشتبه على كثير من الناس، فإن ~~التخصيص بالسبب غير مختار، فإن السبب ms306 وإن كان خاصا فلا يمنع أن يورد لفظ ~~عام يتناوله وغيره كما في "قوله تعالى"*: {والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما} 4 ولا PageV01P397 # ينتهض السبب بمجرده قرينة لرفع هذا بخلاف السياق فإنه يقع به التبيين ~~والتعيين، أما التبيين ففي المجملات، وأما التعيين ففي المحتملات، وعليك ~~باعتبار هذا في ألفاظ الكتاب والسنة والمحاورات تجد منه ما لا يمكنك حصره. ~~انتهى. # والحق: أن دلالة السياق إن قامت مقام القرائن القوية المقتضية لتعيين ~~المراد، كان المخصص هو ما "اشتمل"* عليه من ذلك، وإن لم يكن السياق بهذه ~~المنزلة ولا أفاد هذا المفاد فليس بمخصص. PageV01P398 ### | المسألة التاسعة والعشرون: في التخصيص بقضايا الأعيان # وذلك كإذنه صلى الله عليه وسلم بلبس الحرير للحكة1، وفي جواز التخصيص ~~بذلك قولان للحنابلة. # ولا يخفى أنه إذا وقع التصريح بالعلة التي لأجلها وقع الإذن بالشيء، أو ~~الأمر به، أو النهي عنه فهو من باب التخصيص بالعلة المعلقة على الحكم، ولا ~~يجوز التخصيص بالاستصحاب، قال أبو الخطاب الحنبلي2: إنه لا يجوز التخصيص ~~للعموم بالبقاء على حكم الأصل الذي هو الاستصحاب بلا خلاف. # قال القاضي عبد الوهاب في "الإفادة": ذهب بعض ضعفاء المتأخرين إلى أن ~~العموم يخص باستصحاب الحال، قال: لأنه دليل يلزم المصير إليه ما لم ينقل ~~عنه ناقل، فيجوز التخصيص به كسائر الأدلة. وهذا في غاية التناقض؛ لأن ~~الاستصحاب من حقه أن يسقط بالعموم، فكيف يصح تخصيصه به! إذ معناه التمسك ~~بالحكم لعدم دليل ينقل عنه، والعموم دليل ناقل. PageV01P398 ### | المسألة الموفية للثلاثون: في بناء العام على الخاص # ... # المسألة الموفية ثلاثين: في بناء العام على الخاص # قد تقدم ما يجوز التخصيص به وما لا يجوز، فإذا كان العام الوارد من كتاب ~~أو سنة، قد ورد معه خاص يقتضي إخراج بعض أفراد العام من الحكم الذي حكم به ~~عليها، فإما أن يعلم تاريخ كل واحد منهما أو لا يعلم، فإن علم فإن كان ~~المتأخر الخاص فإما أن يتأخر عن وقت العمل بالعام أو عن وقت الخطاب، فإن ~~تأخر عن وقت العمل بالعام فههنا يكون ms307 الخاص ناسخا لذلك القدر الذي تناوله ~~من أفراد العام. # قال الزركشي في "البحر": وفاقا، ولا يكون تخصيصا لأن تأخير بيانه عن وقت ~~العمل غير جائز قطعا. # وإن تأخر عن وقت الخطاب بالعام دون وقت العمل به، ففي ذلك خلاف مبني على ~~جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، فمن جوزه جعل الخاص بيانا للعام، وقضى به ~~عليه، ومن منعه حكم بنسخ العام في القدر الذي عارضه فيه الخاص، كذا قال ~~الشيخ أبو حامد الإسفراييني، وسليم الرازي، قال: ولا يتصور في هذه المسألة ~~خلاف يختص بها، وإنما يعود الكلام فيها إلى جواز تأخير البيان، وكذا ذكر ~~الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "اللمع" وابن الصباغ في "العدة". # قال الصفي الهندي: من لم يجوز تأخير بيان التخصيص عن وقت الخطاب ولم يجوز ~~نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به كالمعتزلة، أحال المسألة، ومنهم من ~~جوزهما، فاختلفوا فيه، فالذي عليه الأكثرون من أصحابنا وغيرهم، أن الخاص ~~مخصص للعام؛ لأنه وإن جاز أن يكون ناسخا لذلك القدر من العام، لكن التخصيص ~~أقل مفسدة من النسخ، وقد أمكن حمله عليه فتعين. # ونقل عن معظم الحنفية أن الخاص إذا تأخر عن العام، وتخلل بينهما ما يمكن ~~المكلف بهما من العمل أو الاعتقاد بمقتضى العام، كان الخاص ناسخا لذلك ~~القدر الذي تناوله من العام؛ لأنهما دليلان، وبين حكميهما تناف، فيجعل ~~المتأخر ناسخا للمتقدم "عند"* الإمكان، دفعا للتناقض، قال: وهو ضعيف. ~~انتهى. # فإن تأخر العام عن وقت العمل بالخاص، فعند الشافعية: يبنى العام على ~~الخاص؛ لأن ما تناوله الخاص متيقن، وما تناوله العام ظاهر مظنون، والمتيقن ~~أولى. PageV01P399 # وذهب أبو حنيفة، وأكثر أصحابه والقاضي عبد الجبار، إلى أن العام المتأخر ~~ناسخ للخاص المتقدم. # وذهب بعض المعتزلة إلى الوقف. # وقال أبو بكر الرازي: إذا تأخر العام كان ناسخا لما تضمنه الخاص ما لم ~~يقم له دلالة من غيره على أن العموم مرتب على الخصوص. انتهى. # والحق في هذه الصورة البناء. # وإن تأخر العام عن وقت الخطاب بالخاص، لكنه قبل وقت العمل به، ms308 فحكمه حكم ~~الذي قبله في البناء والنسخ؛ إلا على رأي من لم يجوز منهم نسخ الشيء قبل ~~حضور وقت العمل به، كالقاضي عبد الجبار، فإنه لا يمكنه الحمل على النسخ، ~~فتعين عليه البناء أو التعارض فيما تنافيا فيه. وجعل إلكيا الطبري الخلاف ~~في هذه المسألة مبنيا على تأخير البيان فقال: من لم يجوز تأخيره عن مورد ~~اللفظ جعله ناسخا للخاص. # "هذه"* الأربع الصور إذا كان تاريخهما معلوما، فإن جهل تاريخهما، فعند ~~الشافعي وأصحابه والحنابلة والمالكية وبعض الحنفية والقاضي عبد الجبار أنه ~~يبنى العام على الخاص. # وذهب أبو حنيفة وأكثر أصحابه إلى التوقف إلى ظهور التاريخ، أو إلى ما ~~يرجح أحدهما، على الآخر من غيرهما، وحكي نحو ذلك عن القاضي أبي بكر ~~الباقلاني والدقاق. # والحق الذي لا ينبغي العدول عنه: في صورة الجهل البناء، وليس عنه مانع ~~يصلح للتشبث به، والجمع بين الأدلة ما أمكن هو الواجب، ولا يمكن الجمع مع ~~الجهل إلا بالبناء، وما علل به المانعون في الصور المتقدمة من عدم جواز ~~تأخير البيان عن وقت الحاجة غير موجود هنا، وقد تقرر أن الخاص أقوى دلالة ~~من العام، والأقوى أرجح، وأيضا إجراء العام على عمومه إهمال للخاص، وإعمال ~~الخاص لا يوجب إهمال العام. # وأيضا قد نقل أبو الحسين الإجماع على البناء مع جهل التاريخ. # والحاصل: أن البناء هو الراجح على جميع التقادير المذكورة في هذه ~~المسألة. # وما احتج به القائلون بأن العام المتأخر ناسخ من قولهم دليلان تعارضا، ~~وعلم التاريخ بينهما، فوجب تسليط المتأخر على السابق، كما لو كان المتأخر ~~خاصا، فيجاب عنه بأن العام المتأخر ضعيف الدلالة، فلا ينتهض لترجيحه على ~~قوي الدلالة. PageV01P400 # وأيضا في البناء جمع، وفي العمل بالعام ترجيح، والجمع مقدم على الترجيح. # وأيضا في العمل بالعام إهمال للخاص، وليس في التخصيص إهمال للعام كما ~~تقدم. # وسيأتي1 لهذه المسألة مزيد بيان في الكلام على جواز تأخير البيان عن وقت ~~الحاجة، وفي الكلام على جواز النسخ قبل إمكان العمل"* إن شاء الله. # "تم الجزء الأول بعون الله ms309 تعالى وفضله ويليه الجزء الثاني إن شاء الله ~~تبارك وتعالى" PageV01P401 ### | فهرس المحتويات # الموضوع الصفحة # مقدمة سماحة مفتي زحلة والبقاع الغربي الشيخ خليل الميس 5 # مقدمة الدكتور ولي الدين صالح فرفور الدمشقي 7 # مقدمة التحقيق 9 # مقدة الإمام الشوكاني 15 # الفصل الأول: تعريف أصول الفقه وموضوعه وفائدته واستمداده 17 # موضوع علم أصول الفقه 23 # فائدته وثمرته 24 # استمداد علم أصول الفقه 24 # الفصل الثاني: في الأحكام 25 # البحث الأول: في الحكم 25 # البحث الثاني: في الحاكم 28 # البحث الثالث: في المحكوم به 31 # البحث الرابع: في المحكوم عليه وهو المكلف 36 # الفصل الثالث: في المبادئ اللغوية 40 # البحث الأول: عن ماهية الكلام 40 # البحث الثاني: عن الواضع 41 # البحث الثالث: عن الموضوع 45 # البحث الرابع: عن الموضوع له 46 # البحث الخامس: في الطريق التي يعرف بها الوضع 47 # الفصل الرابع: في تقسيم اللفظ إلى مفرد ومركب 52 # المسألة الأولى: في الاشتقاق 53 # المسألة الثانية: في الترادف 56 # المسألة الثالثة: في المشترك 57 # المسألة الرابعة: في استعمال المشترك في أكثر من معنى 59 # PageV01P402 # الموضوع الصفحة # المسألة الخامسة: في الحقيقة والمجاز 62 # البحث الأول: في تفسير لفظي الحقيقة والمجاز 62 # البحث الثاني: في حدهما 62 # البحث الثالث: في الحقائق اللغوية والعرفية والشرعية والخلاف في ثبوتها ~~63 # البحث الرابع: المجاز في لغة العرب 66 # البحث الخامس: في علاقات الحقيقة والمجاز 68 # البحث السادس: في قرائن المجاز 70 # البحث السابع: في الأمور التي يعرف بها المجاز ويتميز عندها عن الحقيقة ~~71 # البحث الثامن: في عدم اتصاف اللفظ قبل الاستعمال بالحقيقة والمجاز 74 # البحث التاسع: في اللفظ إذا دار بين الحقيقة والمجاز، أيهما يرجح 76 # البحث العاشر: في الجمع بين الحقيقة والمجاز 79 # الخلاف في بعض حروف المعاني 80 # المقصد الأول: في الكتاب العزيز # الفصل الأول: فيما يتعلق بتعريفه 85 # الفصل الثاني: في حكم المنقول آحادا 86 # الفصل الثالث: في المحكم والمتشابه من القرآن 90 # الفصل الرابع: في المعرب هل هو موجود في القرآن أم لا؟ ms310 91 # المقصد الثاني: في السنة المطهرة # البحث الأول: في معنى السنة لغة وشرعا 95 # البحث الثاني: في حجية السنة واستقلالها بالتشريع 96 # البحث الثالث: في عصمة الأنبياء 98 # البحث الرابع: في أفعاله صلى الله عليه وسلم 102 # البحث الخامس: في تعارض الأفعال 111 # البحث السادس: في حكم التعارض بين القول والفعل 113 # البحث السابع: في التقرير 117 # البحث الثامن: فيما هم بفعله ولم يفعله صلى الله عليه وسلم 118 # البحث التاسع: في حكم إشارته وكتابته صلى الله عليه وسلم 118 # البحث العاشر: فيما تركه صلى الله عليه وسلم والقول في الحوادث التي لم ~~يحكم بها 119 # البحث الحادي عشر: في الأخبار 119 # PageV01P403 # الموضوع الصفحة # النوع الأول: في معنى الخبر لغة واصطلاحا 119 # النوع الثاني: أقسام الخبر من حيث الصدق والكذب 123 # النوع الثالث: في تقسيم الخبر 127 # النوع الرابع: أقسام الخبر من حيث التواتر وعدمه 128 # القسم الأول: المتواتر 128 # شروط إفادة الخبر المتواتر للعلم الضروري 130 # القسم الثاني: الآحاد 133 # أقسام الآحاد 137 # شروط العمل بخبر الواحد 139 # الشروط الراجعة إلى الراوي 139 # الشروط الراجعة إلى مدلول الخبر 151 # حكم زيادة الثقة 154 # الشروط الراجعة إلى لفظ الخبر 155 # الحال الأول: أن يرويه الراوي بلفظه 155 # الحال الثاني: أن يرويه بغير لفظه بل بمعناه 155 # الحال الثالث: حكم حذف الراوي لبعض الخبر 159 # الحال الرابع: حكم زيادة الراوي 161 # الحال الخامس: اقتصار الراوي على أحد محتملي الخبر 161 # الحال السادس: صرف الخبر إلى غير ظاهره 161 # فصل: في ألفاظ الرواية من الصحابي 162 # ألفاظ الرواية من غير الصحابي ومراتبها 166 # المرتبة الأولى: أن يسمع الحديث من لفظ الشيخ 166 # المرتبة الثانية: القراءة وقول العلماء فيها 166 # المرتبة الثالثة: الكتابة المقرونة بالإجازة 168 # المرتبة الرابعة: المناولة 169 # المرتبة الخامسة: الإجازة 170 # فصل: في الحديث الصحيح 172 # حكم الحديث المنقطع والمعضل 177 # فصل: في طرق ثبوت العدالة 177 # فرع: في الخلاف في عدالة المبهم 181 # فرع آخر: الخلاف في قبول الجرح ms311 والتعديل من دون ذكر السبب 182 # فرع ثالث: في تعارض الجرح والتعديل والجمع يبنهما 184 # PageV01P404 # الموضوع الصحفة # فصل: في عدالة الصحابة 185 # فرع: في التعريف بالصحابي 188 # فرع آخر: في طرق معرفة الصحابي 189 # المقصد الثالث: في الإجماع # البحث الأول: في مسماه لغة واصطلاحا 193 # البحث الثاني: في إمكان الإجماع في نفسه 194 # المقام الأول: منع إمكان الإجماع في نفسه 194 # المقام الثاني: في إمكان العلم بالإجماع 195 # المقام الثالث: النظر في نقل الإجماع إلى من يحتج به 197 # المقام الرابع: في حجية الإجماع 197 # البحث الثالث: في ظنية الإجماع أو قطعيته 209 # البحث الرابع: فيما ينعقد به الإجماع 210 # البحث الخامس: في اعتبار المجتهد المبتدع في الإجماع 212 # البحث السادس: في اعتبار التابعي المجتهد في الإجماع 215 # البحث السابع: في حكم إجماع الصحابة 217 # البحث الثامن: في حكم إجماع أهل المدينة 218 # البحث التاسع: في عدم اعتبار من سيوجد في الإجماع 223 # البحث العاشر: في حكم انقراض عصر أهل الإجماع في حجية إجماعهم 223 # البحث الحادي عشر: في الإجماع السكوتي 223 # البحث الثاني عشر: في حكم الإجماع على شيء بعد الإجماع على خلافه 227 # البحث الثالث عشر: في حدوث الإجماع بعد سبق الخلاف 228 # البحث الرابع عشر: فيما إذا اختلف أهل العصر على قولين في مسألة فهل يجوز ~~لمن بعدهم إحداث قول ثالث؟ 229 # البحث الخامس عشر: في حكم إحداث دليل أو تأويل من غير إلغاء الدليل أو ~~التأويل الأول 230 # البحث السادس عشر: في إمكان وجود دليل لا معارض له لم يعلمه أهل الإجماع ~~230 # البحث السابع عشر: في حكم قول العوام في الإجماع 231 # فرع: في إجماع العوام 233 # البحث الثامن عشر: في الاجماع المعتبر 233 # البحث التاسع عشر: في مخالفة واحد من المجتهدين لأهل الإجماع 234 # البحث الموفى عشرين: في حجية الإجماع المنقول بطريق الآحاد 236 # PageV01P405 # الموضوع الصفحة # المقصد الرابع: في الأوامر والنواهي والعموم والخصوص والإطلاق والتقييد ~~والإجمال والتبيين والظاهر والمؤول والمنطوق والمفهوم والناسخ والمنسوخ # الباب ms312 الأول: في مباحث الأمر # الفصل الأول: حقيقة لفظ الأمر 241 # الفصل الثاني: الخلاف في حد الأمر بمعنى القول 243 # الفصل الثالث: حقيقة صيغة "أفعل" 247 # صيغ الأمر ومعانية 253 # الفصل الرابع: هل الأمر يفيد التكرار أم لا؟ 255 # الفصل الخامس: هو الأمر يقتضي الفور أو لا؟ 259 # الفصل السادس: في أن الأمر بالشيء نهي عن ضده 263 # الفصل السابع: الإتيان بالمأمور به 269 # الفصل الثامن: القضاء. هل يجب بأمر جديد أم بالأمر الأول؟ 271 # الفصل التاسع: هل الأمر بالأمر بالشيء أمرا به أم لا؟ 273 # الفصل العاشر: الأمر بالماهية ومقتضاه 274 # الفصل الحادي عشر: تعاقب الأمرين المتماثلين أو المتغايرين 276 # الباب الثاني: في النواهي # المبحث الأول: في معنى النهي لغة واصطلاحا 278 # المبحث الثاني: في النهي الحقيقي ومعناه 279 # المبحث الثالث: في اقتضاء النهي للفساد 280 # الباب الثالث: في العموم # المسألة الأولى: في حده 285 # المسألة الثانية: في أن العموم من عوارض الألفاظ 287 # المسألة الثالثة: في تصور العموم في الأحكام 289 # المسألة الرابعة: في الفرق بين العام والمطلق 290 # المسألة الخامسة: في صيغ العموم 291 # المسألة السادسة: في الاستدلال على أن كل صيغة من تلك الصيغ للعموم 295 # PageV01P406 # الموضوع الصحفة # المسألة السابعة: في عموم الجمع المنكر للقلة أو للكثرة 308 # المسألة الثامنة: في أقل الجمع 310 # المسألة التاسعة: الخلاف في عموم الفعل المثبت 313 # المسألة العاشرة: في عموم قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} 316 # المسألة الحادية عشرة: في الألفاظ الدالة على الجمع 318 # المسألة الثانية عشرة: في عموم الخطاب 320 # المسألة الثالثة عشرة: في دخول الكافر في الخطاب الصالح له وللمسلمين 321 # المسألة الرابعة عشرة: في الخطاب الشفاهي 322 # المسألة الخامسة عشرة: في الخطاب الخاص بالأمة 323 # المسألة السادسة عشرة: في الخطاب الخاص بواحد من الأمة 324 # المسألة السابعة عشرة: في دخول المخاطب تحت عموم خطابه 326 # المسألة الثامنة عشرة: في عموم المقتضى 327 # المسألة التاسعة عشرة: في عموم المفهوم 329 # المسألة الموفية العشرين: في الاستفصال 330 # المسألة ms313 الحادية والعشرون: في حذف المتعلق 331 # المسألة الثانية والعشرون: في الكلام العام الوارد في جهة المدح أو الذم ~~331 # المسألة الثالثة والعشرون: في حكم العام الوارد على سبب خاص 332 # المسألة الرابعة والعشرون: فيما إذا ذكر بعض أفراد العام الموافق له في ~~الحكم 336 # المسألة الخامسة والعشرون: في عموم العلة المعلقة بالحكم 337 # المسألة السادسة والعشرون: في العام المخصوص هل هو حقيقة في الباقي أم ~~مجاز 338 # المسألة السابعة والعشرون: في حجية العام بعد التخصيص 340 # المسألة الثامنة والعشرون: عطف بعد أفراد العام عليه 343 # المسألة التاسعة والعشرون: في جواز العمل بالعام قبل البحث عن المخصص 345 # المسألة الثلاثون: في الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به ~~الخصوص 347 # الباب الرابع: في الخاص والتخصيص والخصوص # المسألة الأولى: في حده 350 # المسألة الثانية: في الفرق بين النسخ والتخصيص 352 # المسألة الثالثة: في تخصيص العمومات وجوازه 354 # المسألة الرابعة: في المقدار الذي لا بد من بقائه بعد التخصيص 355 # المسألة الخامسة: في المخصص 358 # المسألة السادسة: في حكم الاستثناء من الجنس 359 # PageV01P407 # الموضوع الصفحة # المسألة السابعة: في إقامة الحجة على من أنكر الاستنثاء 361 # المسألة الثامنة: في شروط صحة الاستثناء 363 # المسألة التاسعة: في الاستثناء من النفي والخلاف فيه 369 # المسألة العاشرة: في الاستثناء الوارد بعد جمل متعاطفة 371 # المسألة الحادية عشرة: في حكم الوصف الوارد بعد المستثنى 374 # المسألة الثانية عشرة: التخصيص بالشرط 375 # أقسام الشرط 376 # المسألة الثالثة عشرة: التخصيص بالصفة 377 # المسألة الرابعة عشرة: التخصيص بالغاية 378 # المسألة الخامسة عشرة: التخصيص بالبدل 380 # المسألة السادسة عشرة: التخصيص بالحال 381 # المسألة السابعة عشرة: التخصيص بالظروف والجار والمجرور 381 # المسألة الثامنة عشرة: التخصيص بالتمييز 381 # المسألة التاسعة عشرة: التخصيص بالمفعول به والمفعول معه 382 # المسألة الموفية العشرون: التخصيص بالعقل 382 # المسألة الحادية والعشرون: التخصيص بالحس 385 # المسألة الثانية والعشرون: التخصيص بالكتاب العزيز وبالسنة المطهرة ~~والتخصيص لهما 385 # جواز تخصيص السنة بالكتاب 386 # جواز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة 387 # جواز تخصيص ms314 السنة المتواترة بالمتواترة 387 # جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد 387 # التخصيص بموافق العام وبعطف الخاص على العام 390 # المسألة الثالثة والعشرون: في التخصيص بالقياس 390 # المسألة الرابعة والعشرون: في التخصيص بالمفهوم 393 # المسألة الخامسة والعشرون: في التخصيص بالإجماع 394 # المسألة السادسة والعشرون: في التخصيص بالعادة 395 # المسألة السابعة والعشرون: في التخصيص بمذهب الصحابي 396 # المسألة الثامنة والعشرون: في التخصيص بالسياق 397 # المسألة التاسعة والعشرون: في التخصيص بقضايا الأعيان 398 # المسألة الموفية ثلاثين: في بناء العام على الخاص 399 # فهرس المحتويات 403 # PageV01P408 ### | المجلد الثاني ### | تابع المقصد الرابع ### | الباب الخامس: في المطلق والمقيد ### | الفصل الأول: في حد المطلق والمقيد # ... # الباب الخامس: في المطلق والمقيد # وفيه مباحث أربعة: # الفصل الأول: في حدهما # أما المطلق: فقيل في حده: ما دل على شائع في جنسه. ومعنى هذا: أن يكون ~~حصة محتملة لحصص كثيرة مما "يندرج"* تحت أمر. فيخرج من قيد الدلالة ~~المهملات، ويخرج من قيد الشيوع العارف كلها، لما فيها من التعيين، إما ~~شخصا، نحو: زيد وهذا، أو حقيقة، نحو: الرجل وأسامة، أو حصة، نحو: {فعصى ~~فرعون الرسول} 1، أو استغراقا نحو: الرجال، وكذا كل عام ولو نكرة، نحو: كل ~~رجل ولا رجل. # وقيل في حده: هو ما دل على الماهية بلا قيد من حيث هي هي. # "قال في "المحصول" في حده: هو ما دل على الماهية من حيث هي هي"** من غير ~~أن تكون له دلالة على شيء من قيوده، والمراد بها عوارض الماهية اللاحقة لها ~~في الوجود. # وقد اعترض عليه بأنه جعل المطلق والنكرة سواء، وبأنه يرد عليه أعلام ~~الأجناس، كأسامة وثعالة، فإنها تدل على الحقيقة من حيث هي هي. # وأجاب عن ذلك الأصفهاني في "شرحة المحصول": بأنه لم يجعل المطلق والنكرة ~~سواء، بل غاير بينهما، فإن المطلق الدال على الماهية من حيث هي هي، والنكرة ~~الدالة على الماهية بقيد الوحدة الشائعة. # قال: وأما إلزامه بعلم الجنس فمردود، بأنه وضع للماهية الذهنية بقيد ~~التشخص الذهني، بخلاف اسم الجنس، وإنما يرد الاعتراض بالنكرة على الحد ms315 الذي ~~أورده الآمدي للمطلق، فإنه PageV02P005 # قال: هو الدال على الماهية بقيد الوحدة. وكذا يرد الاعتراض بها على ابن ~~الحاجب، فإنه قال في حده: هو ما دل على شائع في جنسه. وقيل: المطلق هو ما ~~دل على الذات دون الصفات. # وقال الصفي الهندي: المطلق الحقيقي: ما دل على الماهية فقط، والإضافي ~~مختلف، نحو: رجل، ب ورقبة، فإنه مطلق بالإضافة إلى رجل عالم، ورقبة مؤمنة، ~~ومقيد بالإضافة إلى الحقيقي؛ لأنه يدل على واحد شائع، وهما قيدان زائدان ~~على الماهية. # وأما المقيد: فهو ما يقابل المطلق، على اختلاف هذه الحدود المذكورة في ~~المطلق، فيقال فيه: هو ما دل لا على شائع في جنسه، فتدخل فيه المعارف ~~والعمومات كلها، أو يقال في حده: هو ما دل على الماهية بقيد من قيودها، أو ~~ما كان له دلالة على شيء من القيود. # PageV02P006 ### | الفصل الثاني: حمل المطلق على المقيد # اعلم: أن الخطاب إذا ورد مطلقا لا "مقيد له"* حمل على إطلاقه، وإن ورد ~~مقيدا حمل على تقييده، وإن ورد مطلقا في موضع، مقيدا في موضع آخر، فذلك على ~~أقسام: # الأول: # أن يختلفا في السبب والحكم، فلا يحمل أحدهما على الآخر بالاتفاق، كما ~~حكاه القاضي أبوبكر الباقلاني: وإمام الحرمين الجويني، وإلكيا الهراس، وابن ~~برهان، والآمدي وغيرهم. # القسم الثاني: # أن يتفقا في السبب والحكم فيحمل أحدهما على الآخر، كما لو قال: إن ظاهرت ~~فأعتق رقبة؛ وقال في موضوع آخر: إن ظاهرت فأعتق رقبة مؤمنة. وقد نقل ~~الاتفاق في هذا القسم القاضي أبو بكر الباقلاني، والقاضي عبد الوهاب، وابن ~~فورك وإلكيا الطبري وغيرهم. # وقال ابن برهان في "الأوسط" اختلف أصحاب أبي حنيفة في هذا القسم، فذهب ~~بعضهم إلى أنه لا يجمل، والصحيح من مذهبهم أنه يحمل، ونقل أبو زيد الحنفي ~~وأبو منصور الماتريدي في "تفسيره"1: أن أبا حنيفة يقول بالحمل في هذه ~~الصورة، وحكي "الطرطوسي2" الخلاف فيه PageV02P006 # عن المالكية، وبعض الحنابلة، وفيه نظر، فإن من جملة من نقل الاتفاق ~~القاضي عبد الوهاب، وهو من المالكية. # ثم بعد الاتفاق المذكور وقع ms316 الخلاف بين المتفقين، فرجح ابن الحاجب وغيره ~~أن هذا الحمل هو بيان للمطلق، أي: دال على أن المراد بالمطلق هو المقيد، ~~وقيل: إنه يكون نسخا، أي: دالا على نسخ حكم المطلق السابق بحكم المقيد ~~اللاحق، والأول أولى. وظاهر إطلاقهم أنه لا فرق في هذا القسم بين أن يكون ~~المطلق متقدما أو متأخرا، أو جهل السابق، فإنه يتعين الحمل، كما حكاه ~~الزركشي. # القسم الثالث: # أن يختلفا في السبب دون الحكم، كإطلاق الرقبة في كفارة الظهار1،وتقييدها ~~بالإيمان في كفارة القتل2، فالحكم واحد وهو وجوب الإعتاق في الظهار والقتل، ~~مع كون الظهار والقتل سببين مختلفين، فهذا القسم هو موضع الخلاف. # فذهب كافة الحنفية إلى عدم جواز التقييد، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن ~~أكثر المالكية. # وذهب جمهور الشافعية إلى التقييد. # وذهب جماعة من محققي الشافعية إلى أنه يجوز تقييد المطلق بالقياس على ذلك ~~المقيد، ولا يدعى وجوب هذا القياس، بل يدعى أنه إن حصل القياس الصحيح ثبت ~~التقييد وإلا فلا. # قال الرازي في "المحصول": وهو القول المعتدل، قال: واعلم أن صحة هذا ~~القول إنما تثبت إذا أفسدنا القولين الأولين، أما الأول -يعني مذهب جمهور ~~الشافعية- فضعيف جدا؛ لأن الشارع لو قال: أوجبت في كفارة القتل رقبة مؤمنة، ~~وأوجبت في كفارة الظهار رقبة كيف كانت لم يكن أحد الكلامين مناقضا للآخر، ~~فعلمنا أن تقييد أحدهما لا يقتضي تقييد الآخر لفظا. # وقد احتجوا بأن القرآن كالكلمة الواحدة، وبأن الشهادة لما قيدت بالعدالة ~~مرة واحدة، وأطلقت في سائر الصور، حملنا المطلق على المقيد فكذا ههنا. # والجواب عن الأول: بأن القرآن كالكلمة الواحدة في أنها لا تتناقض لا في ~~كل شيء، وإلا وجب أن يتقيد كل عام ومطلق بكل خاص ومقيد. # وعن الثاني: أنا إنما قيدناه بالإجماع. # وأما القول الثاني -يعني مذهب الحنفية- فضعيف؛ لأن دليل القياس، وهو أن ~~العمل به دفع PageV02P007 # للضرر المظنون عام في كل الصور. انتهى. # قال إمام الحرمين الجويني -في دفع ما قاله من أن كلام الله في حكم الخطاب ~~الواحد-: إن هذا الاستدلال من فنون ms317 الهذيان، فإن قضايا الألفاظ في كتاب ~~الله مختلفة متباينة، لبعضها حكم التعلق والاختصاص، ولبعضها حكم الاستقلال ~~والانقطاع. فمن ادعى تنزيل جهات الخطاب على حكم كلام واحد، مع العلم بأن ~~كتاب الله فيه النفي والإثبات، والأمر والزجر، والأحكام المتغايرة؛ فقد ~~ادعى أمرا عظيما. انتهى. # ولا يخفاك أن اتحاد الحكم بين المطلق والمقيد يقتضي حصول التناسب بينهما ~~بجهة الحمل، ولا نحتاج في مثل ذلك إلى هذا الاستدلال البعيد. فالحق ما ذهب ~~إليه القائلون بالحمل. # وفي المسألة مذهب رابع لبعض الشافعية، وهو أن حكم المطلق بعد المقيد من ~~جنسه موقوف على الدليل، فإن قام الدليل على تقييده قيد، وإن لم يقم الدليل ~~صار كالذي لم يرد فيه نص، فيعدل عنه إلى غيره من الأدلة. # قال الزركشي: وهذا أفسد المذاهب؛ لأن النصوص المحتملة يكون الاجتهاد فيها ~~عائدا إليها، ولا يعدل إلى غيره. # وفي المسألة مذهب خامس: وهو أن يعتبر أغلظ الحكمين في "المطلق و"* ~~المقيد، فإن كان حكم المقيد أغلظ حمل المطلق على المقيد. # ولا يحمل على إطلاقه إلا بدليل؛ لأن التغليظ إلزام، وما تضمنه الإلزام لا ~~يسقط التزامه باحتمال. # قال الماوردي: وهذا أولى المذاهب. قلت: بل هو أبعدها من الصواب. # القسم الرابع: # أن يختلفا في الحكم، نحو: اكس يتيما، أطعم يتيما عالما، فلا خلاف في أنه ~~لا يحمل أحدهما على الآخر بوجه من الوجوه، سواء كانا مثبتين أو منفيين أو ~~مختلفين، اتحد سببهما أو اختلف. "وقد" ** حكى الإجماع جماعة من المحققين ~~آخرهم ابن الحاجب. PageV02P008 ### | الفصل الثالث: شروط حمل المطلق على المقيد # اشترط القائلون بالحمل شروطا سبعة: # الأول: # أن يكون المقيد من باب الصفات، مع ثبوت الذوات في الموضعين، فأما في ~~إثبات أصل الحكم من زيادة أو عدد فلا يحمل أحدهما على الآخر، وهذا كإيجاب ~~غسل الأعضاء الأربعة في الوضوء، مع الاقتصار على عضوين في التيمم، فإن ~~الإجماع منعقد على أنه لا يحمل إطلاق التيمم على تقييد الوضوء، حتى يلزم ~~التيمم في الأربعة الأعضاء، لما فيه من إثبات حكم لم يذكر، وحمل المطلق على ms318 ~~المقيد يختص بالصفات كما ذكرنا. # وممن ذكر هذا الشرط القفال الشاشي، والشيخ أبو حامد الإسفراييني، ~~والماوردي، والروياني، ونقله الماوردي عن الأبهري من المالكية، ونقل ~~الماوردي أيضا عن ابن خيران من الشافعية: أن المطلق يحمل على المقيد في ~~الذات، وهو قول باطل. # الشرط الثاني: # أن لا يكون للمطلق إلا أصل واحد، كاشتراط العدالة في الشهود على الرجعة ~~والوصية، وإطلاق الشهادة في البيوع وغيرها، فهي شرط في الجميع، وكذا تقييد ~~ميراث الزوجين بقوله تعالى: {من بعد وصية توصون بها أو دين} 1، وإطلاق ~~الميراث فيما أطلق فيه، فيكون ما أطلق من المواريث كلها بعد الوصية والدين، ~~فأما إذا كان المطلق دائرا بين قيدين متضادين نظر، فإن كان السبب مختلفا لم ~~يحمل إطلاقه على أحدهما إلا بدليل، فيحمل على ما كان القياس عليه أولى، أو ~~ما كان دليل الحكم عليه أقوى. # وممن ذكر هذا الشرط الأستاذ أبو منصور، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي في ~~"اللمع" والماوردي، وحكى القاضي عبد الوهاب الاتفاق على اشتراطه. قال ~~الزركشي: وليس كذلك، فقد حكى القفال الشاشي فيه خلافا لأصحابنا، ولم يرجح ~~شيئا. # الشرط الثالث: # أن يكون في باب الأوامر والإثبات. أما في جانب النفي والنهي فلا؛ فإنه ~~يلزم منه الإخلال باللفظ المطلق مع تناول النفي والنهي، وهو غير سائغ. # وممن ذكر هذا الشرط الآمدي، وابن الحاجب، وقالا: لا خلاف في العمل ~~بمدلولهما والجمع بينهما؛ لعدم التعذر، فإذا قال: لا تعتق مكاتبا، لا تعتق ~~مكاتبا كافرا "لم يعتق مكاتبا كافرا"* ولا مسلما؛ إذ لو أعتق واحدا منهما ~~لم يعمل بهما. وأما صاحب "المحصول" فسوى PageV02P009 # بين الأمر والنهي، ورد عليه القرافي بمثل ما ذكره الآمدي وابن الحاجب. ~~وأما الأصفهاني فتبع صاحب "المحصول"، وقال: حمل المطلق على المقيد لا يختص ~~بالأمر والنهي، بل يجري في جميع أقسام الكلام. # قال الزركشي: وقد يقال: لا يتصور توارد المطلق والمقيد في جانب النفي ~~والنهي، وما ذكروه من المثال إنما هو من قبيل أفراد بعض مدلول العام، وفيه ~~ما تقدم من خلاف أبي ثور، فلا وجه لذكره ms319 ههنا. انتهى. # والحق: عدم الحمل في النفي والنهي، وممن اعتبر هذا الشرط ابن دقيق العيد، ~~وجعله أيضا شرطا في بناء العام على الخاص. # الشرط الرابع: # أن لا يكون في جانب الإباحة. قال ابن دقيق العيد: إن المطلق لا يحمل على ~~المقيد في جانب الإباحة؛ إذ لا تعارض بينهما، وفي المطلق زيادة. # قال الزركشي: وفيه نظر: # الشرط الخامس: # أن لا يمكن الجمع بينهما إلا بالحمل، فإن أمكن بغير إعمالهما فإنه أولى ~~من تعطيل ما دل عليه أحدهما، ذكره ابن الرفعة1 في "المطلب"2. # الشرط السادس: # أن لا يكون المقيد ذكر معه قدر زائد يمكن أن يكون القيد لأجل ذلك القدر ~~الزائد، فلا يحمل المطلق على المقيد ههنا قطعا. # الشرط السابع: # أن لا يقوم دليل يمنع من التقييد، فإن قام دليل على ذلك فلا تقييد. ~~PageV02P010 ### | الفصل الرابع: جريان ما ذكر في تخصيص العام في تقييد المطلق # اعلم: أن ما ذكر في التخصيص للعام فهو جار في تقييد المطلق، فارجع في ~~تفاصيل ذلك إلى ما تقدم في باب التخصيص، فذلك يغنيك عن تكثير المباحث في ~~هذا الباب. # فائدة: قال في "المحصول": إذا أطلق الحكم في موضع، وقيد مثله في موضعين ~~بقيدين # PageV02P010 # متضادين، كيف يكون حكمه؟! # مثاله: قضاء رمضان الوارد مطلقا في قوله سبحانه: {فعدة من أيام أخر} 1، ~~وصوم التمتع الوارد مقيدا بالتفريق في قوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة ~~أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} 2، وصوم كفارة الظهار الوارد مقيدا بالتتابع ~~في قوله تعالى: {فصيام شهرين متتابعين} 3. قال: فمن زعم أن المطلق يتقيد ~~بالمقيد لفظا ترك المطلق ههنا على إطلاقه؛ لأنه ليس تقييده بأحدهما أولى من ~~تقييده بالآخر، ومن حمل المطلق على المقيد لقياس حمله ههنا على ما كان ~~القياس عليه أولى. انتهى. # وقد نقدم في الشرط الثاني -من المبحث الذي قبل هذا المبحث4- الكلام في ~~المطلق الدائر بين قيدين متضادين، وإنما ذكرنا هذه الفائدة لزيادة الإيضاح. ~~PageV02P011 ### | الباب السادس: في المجمل والمبين ### | الفصل الأول: في حدهما ### | تعريف المجمل # ... # الباب السادس: في المجمل والمبين # وفيه ms320 ستة فصول: # الفصل الأول: في حدهما # تعريف المجمل: # فالمجمل في اللغة: المبهم، من أجمل الأمر: إذا أبهم. وقيل: هو المجموع، ~~من أجمل الحساب: إذا جمع وجعل جملة واحدة. # وقيل: هو المتحصل من أجمل الشيء إذا حصله. # وفي الاصطلاح: ما له دلالة على أحد معنيين، لا مزية لأحدهما على الآخر ~~بالنسبة إليه، كذا قال الآمدي. # وفي "المحصول": هو ما أفاد شيئا من جملة أشياء، وهو متعين في نفسه، ~~واللفظ لا يعينه. # قال: ولا يلزم عليه قولك: اضرب رجلا؛ لأن هذا اللفظ أفاد ضرب رجل وليس ~~بمتعين في نفسه، فأي رجل ضربته جاز، وليس كذلك اسم القرء؛ لأنه يفيد إما ~~الطهر وحده، وإما الحيض وحده، واللفظ لا يعينه، وقول الله تعالى: {وأقيموا ~~الصلاة} 1 يفيد وجوب فعل معين في نفسه، غير متعين بحسب اللفظ. # وقال ابن الحاجب: هو في الاصطلاح: ما لم تتضح دلالته "وأورد عليه المهمل. ~~وأجيب: بأن المراد بما لم تتضح دلالته: ما كان له دلالة في الأصل ولم تتضح، ~~فلا يرد المهمل"* # وقيل: هو اللفظ الذي لا يفهم منه عند الإطلاق شيء. PageV02P012 # واعترض عليه: بأنه لا يطرد ولا ينعكس. # أما عدم اطراده فلأن المهمل كذلك وليس بمجمل، وأيضا المستحيل كذلك؛ لأن ~~المفهوم منه ليس بشيء اتفاقا، وليس بمجمل لوضوح مفهومه. # وأما عدم الانعكاس: فلأنه يجوز أن يفهم من المجمل أحد محامله لا بعينه، ~~كما في المشترك فلا يصدق الحد عليه. # وقال القفال الشاشي، وابن فورك: ما لا يستقل بنفسه في المراد منه حتى ~~يأتي تفسيره. والأولى أن يقال: هو ما دل دلالة لا يتعين المراد بها إلا ~~بمعين، سواء كان عدم التعيين بوضع اللغة، أو بعرف الشرع، أو بالاستعمال. # PageV02P013 ### | تعريف المبين: # وأما المبين: فهو في اللغة المظهر، من بان إذا ظهر، يقال: بين فلان كذا ~~إذا أظهره، وأوضح معناه. # وفي الاصطلاح: هو ما افتقر إلى البيان. # والبيان هو مشتق من البين، وهو الفراق؛ لأنه يوضح الشيء ويزل أشكاله، كذا ~~قال ابن فورك، وفخر الدين الرازي في "المحصول". # قال أبو ms321 بكر الرازي: سمي بيانا لانفصاله عما يلتبس من المعاني. # وأما في الاصطلاح: فهو الدال على المراد بخطاب لا يستقل بنفسه في الدلالة ~~على المراد. # كذا قال في "المحصول". ويطلق ويراد به الدليل على المراد، ويطلق على فعل ~~المبين. # ولأجل إطلاقه على المعاني الثلاثة اختلفوا في تفسيره بالنظر إليها، ~~فالصيرفي لاحظ فعل المبين، فقال: البيان إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى ~~حيز التجلي. # وقال القاضي في "مختصر التقريب": وهذا ما ارتضاه من خاض في الأصول من ~~أصحاب الشافعي. # واعترضه ابن السمعاني بأن لفظ البيان أظهر من لفظ إخراج الشيء من حيز ~~الإشكال إلى حيز التجلي. # ولاحظ القاضي أبو بكر، وإمام الحرمين، والغزالي، والآمدي، والفخر الرازي، ~~وأكثر المعتزلة الدليل، فقالوا: هو الموصل بصحيح النظر فيه إلى العلم أو ~~الظن بالمطلوب. ولاحظ أبو عبد الله البصري "نفس العلم"* فحده بحد العلم، ~~وحكى أبو الحسين عنه: أنه العلم الحادث؛ PageV02P013 # لأن البيان هو ما به يتبين الشيء، والذي يتبين به الشيء هو العلم الحادث، ~~قال: ولهذا لا يوصف الله سبحانه بأنه مبين؛ لأن علمه لذاته لا بعلم حادث. # قال العبدري بعد حكاية المذاهب: الصواب أن البيان هو مجموع هذه الأمور. # وقال شمس الأئمة السرخسي الحنفي: اختلف أصحابنا في معنى البيان، فقال ~~أكثرهم: هو إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب، وقال بعضهم: هو ظهور المراد ~~للمخاطب، والعلم بالأمر الذي حصل له عند الخطاب. # قال: وهو اختيار أصحاب الشافعي؛ لأن الرجل يقول: بان هذا المعنى، أي ظهر، ~~والأول أصح، أي الإظهار. انتهى. # وقال الأستاذ أبو "إسحاق"* الإسفراييني: قال أصحابنا: إنه الإفهام بأي ~~لفظ كان. # وقال أبو بكر الدقاق: إنه العلم الذي يتبين به المعلوم. # وقال الشافعي في "الرسالة": إن البيان اسم جامع لأمور مجتمعة الأصول، ~~متشعبة الفروع. PageV02P014 ### | الفصل الثاني: وقوع الإجمال في الكتاب والسنة # اعلم: أن الإجمال واقع في الكتاب والسنة، قال أبو بكر الصيرفي: ولا أعلم ~~أحدا أبى هذا غير داود الطاهري. # وقيل: إنه لم يبق مجمل في كتاب الله تعالى بعد موت النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ms322 # وقال إمام الحرمين: إن "المختار أن"* ما يثبت التكليف به لا إجمال فيه؛ ~~لأن التكليف بالمجمل تكليف بالمحال، وما لا يتعلق به تكليف؛ فلا يبعد ~~استمرار الإجمال فيه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم. # قال الماوردي والروياني: يجوز التعبد بالخطاب المجمل قبل البيان؛ لأنه ~~صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن، وقال: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله ~~إلا الله" 1 الحديث. PageV02P014 # "وتعهدهم"* بالتزام الزكاة قبل بيانها، قالا: وإنما جاز الخطاب بالمجمل، ~~وإن كانوا لا يفهمونه لأحد أمرين: # الأول: # أن يكون إجماله توطئة للنفس على قبول ما يتعقبه من البيان، فإنه لو بدأ ~~في تكليف الصلاة "وبينها"** لجاز أن تنفر النفوس منها ولا تنفر من إجمالها. # والثاني: # أن الله تعالى جعل من الأحكام جليا، وجعل منها خفيا، ليتفاضل الناس في ~~"العلم"*** بها، ويثابوا على الاستنباط لها، فلذلك جعل منها مفسرا جليا، ~~وجعل منها مجملا خفيا. # قال الأستاذ أبو إسحاق الشيرازي: وحكم المجمل: التوقف فيه إلى أن يفسر، ~~ولا يصح الاحتجاج بظاهره في شيء يقع فيه النزاع. # قال الماوردي: إن كان الإجمال من جهة الاشتراك، واقترن به تبينه أخذ به، ~~فإن تجرد عن ذلك واقترن به عرف يعمل به، فإن تجرد عنهما وجب الاجتهاد في ~~المراد منه، وكان من خفي الأحكام التي وكل العلماء فيها إلى الاستنباط، ~~فصار داخلا في المجمل، لخفائه وخارجا منه، لإمكان "استنباطه"****. ~~PageV02P015 ### | الفصل الثالث: وجوه الإجمال # الإجمال إما أن يكون في حال الإفراد أو التركيب، والأول إما أن يكون ~~بتصريفه، نحو: قال من القول، والقيلولة، ونحو مختار فإنه صالح للفاعل، ~~والمفعول. # قال العسكري1: ويفترقان، تقول في الفاعل: مختار لكذا، وفي المفعول: مختار ~~من PageV02P015 # كذا، ومنه قوله تعالى: {لا تضار والدة بولدها} 1 {ولا يضار كاتب ولا ~~شهيد} 2. # وإما أن يكون بأصل وضعه، فإما أن تكون معانيه متضادة كالقرء للطهو ~~والحيض، والناهل للعطشان والريان، أو متشابهة غير متضادة، فإما أن يتناول ~~معاني كثيرة، بحسب خصوصياتها، فهو المشترك، وإما بحسب معنى تشترك فيه فهو ~~المتواطئ. # الإجمال كما يكون ms323 في الأسماء على ما قدمنا، يكون في الأفعال ك عسعس بمعنى ~~أقبل، وأدبر، ويكون في الحروف كتردد الواو بين العطف والابتداء. وكما يكون ~~في المفردات يكون في المركبات، نحو قوله تعالى: {أو يعفو الذي بيده عقدة ~~النكاح} 3 لتردده بين الزوج، والولي، ويكون أيضا في مرجع الضمير إذا تقدمه ~~أمران، أو أمور يصلح لكل واحد منها، ويكون في الصفة نحو: طبيب ماهر لترددها ~~بين أن تكون للمهارة مطلقا، أو للمهارة في الطب. ويكون في تعدد المجازات ~~المتساوية مع مانع يمنع من حمله على الحقيقة، فإن اللفظ يصير مجملا بالنسبة ~~إلى تلك المجازات؛ إذ ليس الحمل على بعضها أولى من الحمل على البعض الآخر، ~~كذا قال الآمدي؛ والصفي الهندي، وابن الحاجب. # وقد يكون في فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا فعل فعلا يحتمل وجهين ~~احتمالا واحدا. # وقد يكون فيما ورد من الأوامر بصيغة الخبر، كقوله تعالى: {والجروح قصاص} ~~4، وقوله: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن} 5. فذهب الجمهور إلى أنها تفيد ~~الإيجاب، وقال آخرون: يتوقف فيها حتى يرد دليل يبين المراد بها. ~~PageV02P016 ### | الفصل الرابع: فيما لا إجمال فيه # وهو أمور قد يحصل فيها الاشتباه على البعض، فيجعلها داخلة في قسم المجمل ~~وليست منه. # الأول: في الألفاظ التي علق التحريم فيها على الأعيان كقوله تعالى: {حرمت ~~عليكم الميتة} 1، {حرمت عليكم أمهاتكم} 2. PageV02P016 # فذهب الجمهور: إلى أنه لا إجمال في ذلك. # وقال الكرخي، والبصري: إنها مجملة. # احتج الجمهور: بأن الذي يسبق إلى الفهم من قول القائل: هذا طعام حرام، هو ~~تحريم أكله، ومن قول القائل: هذه المرأة حرام هو تحريم وطئها. # وتبادر الفهم دليل الحقيقة، فالمفهوم من قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} ~~هو تحريم الأكل؛ لأن ذلك هو المطلوب من تلك الأعيان، وكذا قوله تعالى: ~~{حرمت عليكم أمهاتكم} فإن المفهوم منه هو تحريم الوطء. # واحتج الكرخي، والبصري: بأن هذه الأعيان غير مقدورة لنا لو كانت معدومة، ~~فكيف إذا كانت موجودة؟ فإذا لا يمكن إجراء اللفظ على ظاهره، بل المراد ~~تحريم فعل من الأفعال المتعلقة بتلك الأعيان، وذلك ms324 الفعل غير مذكور، وليس ~~بعضها أولى من بعض، فإما أن يضمر الكل، وهو محال؛ لأنه إضمار من غير حاجة، ~~وهو غير جائز، أو يتوقف في الكل، وهو المطلوب. # وأيضا "فإنها"* لو دلت على تحريم فعل معين. لوجب أن يتعين ذلك الفعل في ~~كل المواضع، وليس كذلك. # وأجيب: بأنه لا نزاع في أنه لا يمكن إضافة التحريم إلى الأعيان، لكن ~~قوله: ليس إضمار بعض الأحكام أولى من بعض ممنوع، فإن العرف يقتضي إضافة ~~التحريم إلى الفعل المطلوب منه، وهو تحريم الاستمتاع، وتحريم الأكل، فهذا ~~البعض متضح متعين بالعرف. # الثاني: لا إجمال في مثل قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} 1 وإلى ذلك ذهب ~~الجمهور. # وذهب الحنفية إلى أنه مجمل، لتردده بين الكل والبعض، والسنة بينت البعض، ~~وحكاه في "المعتمد" عن أبي عبد الله البصري. # ثم اختلف القائلون بأنه لا إجمال، فقالت المالكية: إنه يقتضي مسح الجميع؛ ~~لأن الرأس حقيقة في جميعه، والباء إنما دخلت للإلصاق. # وقال الشريف المرتضى فيما حكاه عنه صاحب "المصادر": إنه يقتضي التبعيض. # قال: لأن المسح فعل متعد بنفسه، غير محتاج إلى حرف التعدية، بدليل قوله: ~~مسحته PageV02P017 # كله، فينبغي أن يفيد دخول الباء فائدة جديدة، فلو لم يفد البعض لبقي ~~اللفظ عاريا عن الفائدة. # وقالت طائفة: إنه حقيقة فيما ينطلق عليه الاسم، وهو القدر المشترك بين ~~مسح الكل والبعض، فيصدق بمسح البعض، ونسبه في "المحصول" إلى الشافعي. # قال البيضاوي: وهو الحق. # ونقل ابن الحاجب عن الشافعي، وأبي الحسين، وعبد الجبار: ثبوت البعض ~~بالعرف. # والذي في "المعتمد" لأبي الحسين عن عبد الجبار: أنها تفيد في اللغة تعميم ~~مسح الجميع؛ لأنه متعلق بما سمي رأسا، وهو اسم لجملة الرأس، لا للبعض، ولكن ~~العرف يقتضي إلصاق المسح بالرأس، إما بجميعه، وإما ببعضه "فيحمل"* الاسم ~~عليه. # وعبارة الشافعي في كتاب "أحكام القرآن"1: أن من مسح من رأسه شيئا فقد مسح ~~برأسه، ولم تحتمل الآية إلا هذا. قال: فدلت السنة أنه ليس على المرء مسح ~~رأسه كله، وإذا دلت السنة على ذلك، فمعنى الآية: أن ms325 من مسح شيئا من رأسه ~~أجزأه. انتهى. # فلم يثبت التبعيض بالعرف كما زعم ابن الحاجب. # ولا يخفاك أن الأفعال المنسوبة إلى الذوات تصدق بالبعض حقيقة لغوية، فمن ~~قال: ضربت رأس زيد، وضربت برأسه، صدق بذلك بوقوع الفعل على جزء من الرأس، ~~فهكذا مسحت رأس زيد، ومسحت برأسه. # وعلى كل حال، فقد جاء في السنة المطهرة مسح كل الرأس2، ومسح بعضه3 فكان ~~PageV02P018 # ذلك دليلا مستقلا على أنه يجزئ مسح البعض، سواء كانت الآية من قبيل ~~المجمل أم لا. # الثالث: لا إجمال في مثل قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا} 1 عند ~~الجمهور. # وقال بعض الحنفية: إنها مجملة؛ إذ اليد العضو من المنكب، والمرفق، ~~والكوع، لاستعمالها فيها، والقطع للإبانة، والشق، لاستعماله فيهما. # وأجاب الجمهور: بأن اليد تستعمل مطلقة ومقيدة، فالمطلقة تنصرف إلى الكوع ~~بدليل آية التيمم2، وآية السرقة3، وآية المحاربة4. # وأجاب بعضهم: بأن اليد حقيقة في العضو إلى المنكب، ولما دونه مجاز، فلا ~~إجمال في الآية، وهذا هو الصواب. # وقد جاءت السنة بأن القطع من الكوع5، فكان ذلك مقتضيا للمصير إلى المعنى ~~المجازي في الآية. # ويجاب عما ذكر في القطع: بأن الإجمال إنما يكون مع عدم الظهور في أحد ~~المعنيين، وهو ظاهر في القطع، لا في الشق الذي هو مجرد قطع بدون إبانة. # الرابع: لا إجمال في نحو: "لا صلاة إلا بطهور" 6، "لا صلاة إلا بفاتحة ~~الكتاب" 7، "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" 8، "لا نكاح إلا بولي" ~~9، "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"10. PageV02P019 # وإلى ذلك ذهب الجمهور، قالوا: لأنه إن ثبت عرف شرعي في إطلاقه للصحيح كان ~~معناه لا صلاة صحيحة، ولا صيام صحيح، ولا نكاح صحيح، فلا إجمال. # وإن لم يثبت عرف شرعي، فإن ثبت فيه عرف لغوي، وهو أن مثله يقصد منه نفي ~~الفائدة والجدوى، نحو: لا علم إلا ما نفع، ولا كلام إلا ما أفاد، فيتعين ~~ذلك فلا إجمال. # وإن قدر انتفاؤهما فالأولى حمله على نفي الصحة دون الكمال؛ لأن ما لا يصح ~~كالعدم في عدم الجدوى، ms326 بخلاف ما لا يكمل فكان أقرب المجازين إلى الحقيقة ~~المتعذرة، فلا إجمال، وهذا بناء منهم على أن الحقيقة متعذرة "لوجود"* الذات ~~في الخارج. # ويمكن أن يقال: إن المنفي هو الذات الشرعية، والتي وجدت ليست بذات شرعية، ~~فيبقى حمل الكلام على حقيقته، وهي نفي الذات الشرعية، فإن دل دليل على أنه ~~لا يتوجه النفي إليها كان توجهه إلى الصحة أولى؛ لأنها أقرب المجازين؛ إذ ~~توجيهه إلى نفي الصحة يستلزم نفي الذات حقيقة بخلاف توجيهه إلى الكمال، ~~فإنه لا يستلزم نفي الذات، فكان توجيهه إلى الصحة أقرب المجازين إليها فلا ~~إجمال، وليس هذا من باب إثبات اللغة بالترجيح، بل من باب ترجيح أحد ~~المجازين على الآخر بدليل. # وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني، والقاضي عبد الجبار، وأبو علي الجبائي، ~~وابنه أبو هاشم، وأبو عبد الله البصري إلى أنه مجمل، ونقله الأستاذ أبو ~~منصور عن أهل الرأي. # واختلف هؤلاء في تقرير الإجمال على ثلاثة وجوه. # الأول: أنه ظاهر في نفي الوجود، وهو لا يمكن؛ لأنه واقع قطعا، فاقتضى ذلك ~~الإجمال. # الثاني: أنه ظاهر في نفي الوجود، ونفي الحكم، فصار مجملا. # الثالث: أنه متردد بين نفي الجواز، ونفي الوجوب، فصار مجملا، قال بعض ~~هؤلاء في تقرير الإجمال: "إنه"** إما أن يحمل على الكل وهو إضمار من غير ~~ضرورة، ولأنه قد يفضي أيضا إلى التناقض؛ لأنا لو حملناه على نفي الصحة ونفي ~~الكمال معا كان نفي الصحة يقتضي PageV02P020 # نفيها، ونفيها يستلزم نفي الذات، وكان نفي الكمال يقتضي ثبوت الصحة، فكان ~~مجملا من هذه الحيثية، وهذا كله مدفوع بما تقدم. # الخامس: # لا إجمال في نحو قوله: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" 1 مما ينفي فيه صفة، ~~والمراد نفي لازم من لوازمه، وإلى ذلك ذهب الجمهور؛ لأن العرف في مثله قبل ~~ورود الشرع نفي المؤاخذة، ورفع العقوبة، فإن السيد إذا قال لعبده، رفعت عنك ~~الخطأ، كان المفهوم منه، أني لا أؤاخذك به، ولا أعاقبك عليه، فلا إجمال. # قال الغزالي: قضية اللفظ رفع نفس الخطأ والنسيان، وهو غير معقول، ms327 فالمراد ~~به رفع حكمه، لا على الإطلاق، بل الحكم الذي علم بعرف الاستعمال قبل الشرع، ~~وهو رفع الإثم فليس بعام في جميع أحكامه، من الضمان ولزوم القضاء وغيرهما. # وقال أبو الحسين، وأبو عبد الله البصري: إنه مجمل؛ لأن ظاهره رفع نفس ~~الخطأ والنسيان، وقد وقعا. # وقد حكى شارح "المحصول" في هذه المسألة ثلاثة مذاهب: # أحدها: أنه مجمل. # والثاني: الحمل على رفع العقاب آجلا، والإثم عاجلا، قال: وهو مذهب ~~الغزالي. # والثالث: رفع جميع الأحكام الشرعية، واختاره الرازي في "المحصول". # وممن حكى هذه الثلاثة المذاهب القاضي عبد الوهاب في "الملخص"، ونسب ~~الثالث إلى أكثر الفقهاء من الشافعية، والمالكية، واختار هو الثاني. # والحق: ما ذهب إليه الجمهور للوجه الذي قدمنا ذكره. # السادس: # إذا دار لفظ الشارع بين مدلولين: إن حمل على أحدهما أفاد معنى واحدا، وإن ~~حمل على الآخر أفاد معنيين ولا ظهور له في أحد المعنيين اللذين دار بينهما. # قال الصفي الهندي: ذهب الأكثرون إلى أنه ليس بمجمل، بل هو ظاهر في إفادة ~~المعنيين اللذين هما أحد مدلوليه. # وذهب الأقلون إلى أنه مجمل، وبه قال الغزالي، واختاره ابن الحاجب. # واختار الأول الآمدي، لتكثير الفائدة. # قال الآمدي، والهندي: محل الخلاف إنما هو فيما إذا لم يكن حقيقة في ~~المعنيين، فإنه PageV02P021 # يكون مجملا أو حقيقة في أحدهما، فالحقيقة مرجحة "قطعا"* وظاهره جعل ~~الخلاف فيما إذا كانا مجازين؛ لأنهما إذا لم يكونا حقيقتين، ولا أحدهما ~~حقيقة والآخر مجازا؛ فما بقي إلا أن يكونا مجازين. # قال الزركشي: والحق أن صورة المسألة أعم من ذلك، وهو اللفظ المحتمل ~~لمتساويين، سواء كانا حقيقتين أو مجازين أو أحدهما حقيقة مرجوحة، والآخر ~~مجازا راجحا عند القائل بتساويهما، ويكون ذلك باعتبار الظهور والخفاء. ~~انتهى. # والحق: أنه مع عدم الظهور في أحد مدلوليه يكون مجملا، ولا يصح جعل تكثير ~~الفائدة مرجحا، ولا رافعا للإجمال، فإن أكثر الألفاظ ليس لها إلا معنى ~~واحد، فليس الحمل على كثرة الفائدة بأولى من الحمل على المعنى الواحد لهذه ~~الكثرة التي لا خلاف فيها. # السابع: # لا إجمال ms328 فيما كان له مسمى لغوي، ومسمى شرعي، كالصوم والصلاة عند ~~الجمهور، بل يجب الحمل على المعنى الشرعي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعث لبيان الشرعيات، لا لبيان معاني الألفاظ اللغوية، والشرع طارئ على ~~اللغة، وناسخ لها، فالحمل على الناسخ المتأخر أولى. # وذهب جماعة إلى أنه مجمل، ونقله الأستاذ أبو منصور عن أكثر أصحاب ~~الشافعي. # وذهب جماعة إلى التفصيل بين أن يرد على طريقة الإثبات، فيحمل على المعنى ~~الشرعي، وبين أن يرد على طريقة النفي فمجمل لتردده. # فالأول: # كقوله صلى الله عليه وسلم: "إني صائم" 1 فيستفاد منه صحة نية النهار. # والثاني: # كالنهي عن صوم أيام التشريق2، فلا يستفاد منه صحة صومها، واختار هذا. ~~PageV02P022 # التفصيل الغزالي وليس بشيء. # وثم مذهب رابع، وهو أنه لا إجمال في الإثبات الشرعي، والنهي اللغوي، ~~واختاره الآمدي، ولا وجه له أيضا. # والحق: ما ذهب إليه الأولون لما تقدم. # وهكذا إذا كان للفظ محمل شرعي، ومحمل لغوي، فإنه يحمل على المحمل الشرعي ~~لما تقدم. # وهكذا إذا كان له مسمى شرعي ومسمى لغوي، فإنه يحمل على الشرعي لما تقدم ~~أيضا. # وهكذا إذا تردد اللفظ بين المسمى العرفي والمسمى اللغوي، فإنه يقدم ~~العرفي على اللغوي؛ "لأنه المتبادر عند المخاطبين"*. PageV02P023 ### | الفصل الخامس: في مراتب البيان للأحكام # وهي خمسة بعضها أوضح من بعض # الأول: # بيان التأكيد، وهو النص الجلي الذي لا يتطرق إليه تأويل، كقوله تعالى في ~~صوم التمتع: {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة} 1. # وسماه بعضهم بيان التقرير: # وحاصله: أنه في الحقيقة التي تحتمل المجاز والعام المخصوص، فيكون البيان ~~قاطعا للاحتمال، مقررا للحكم على ما اقتضاه الظاهر. # الثاني: # النص الذي ينفرد بإدراكه العلماء، كالواو وإلى في آية الوضوء2. فإن هذين ~~الحرفين مقتضيان لمعان معلومة عند أهل اللسان. # الثالث: # نصوص السنة الواردة بيانا لمشكل في القرآن، كالنص على ما يخرج عند الحصاد ~~مع قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} 3 ولم يذكر في القرآن مقدار هذا ~~الحق. PageV02P023 # الرابع: # نصوص السنة المبتدأة، مما ليس في القرآن ms329 نص عليها "لا"* بالإجمال، ولا ~~بالتبيين، ودليل كون هذا القسم من بيان الكتاب قوله تعالى: {وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} 1. # الخامس: # بيان الإشارة، وهو القياس المستنبط من الكتاب والسنة، مثل الألفاظ التي ~~استنبطت منها المعاني، وقيس عليها غيرها؛ لأن الأصل إذا استنبط منه معنى، ~~وألحق به غيره، لا يقال لم يتناوله النص، بل تناوله؛ لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أشار إليه بالتنبيه، كإلحاق المطعومات في باب الربويات بالأربعة ~~المنصوص عليها2؛ لأن حقيقة القياس: بيان المراد بالنص، وقد أمر الله سبحانه ~~وتعالى أهل التكليف بالاعتبار والاستنباط والاجتهاد. # ذكر هذه المراتب الخمس للبيان الشافعي في أول "الرسالة". # وقد اعترض عليه قوم، وقالوا: قد أهمل قسمين، وهما الإجمال، وقول المجتهد ~~إذا انقرض عصره، وانتشر من غير نكير. # قال الزركشي في "البحر": إنما أهملهما الشافعي؛ لأن كل واحد منهما إنما ~~يتوصل إليه بأحد الأقسام الخمسة التي ذكرها الشافعي؛ لأن الإجماع لا يصدر ~~إلا عن دليل، فإن كان نصا فهو من الأقسام الأول، وإن كان استنباطا فهو ~~الخامس. # قال ابن السمعاني: يقع بيان المجمل بستة أوجه: # أحدها: # بالقول، وهو الأكثر. # والثاني: # بالفعل. # والثالث: # بالكتاب، كبيان أسنان الديات، وديات الأعضاء، ومقادير الزكاة، فإنه صلى ~~الله عليه وسلم بينها بكتبه المشهورة. # والرابع: # بالإشارة، كقوله: "الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا" 3 يعني ثلاثين يوما، ثم ~~أعاد PageV02P024 # الإشارة بأصابعه ثلاث مرات، وحبس إبهامه في الثالثة، إشارة إلى أن الشهر ~~قد يكون تسعة وعشرين. # الخامس: # بالتنبيه، وهو المعاني والعلل التي نبه بها على بيان الأحكام، كقوله في ~~بيع الرطب بالتمر: "أينقص الرطب إذا جف" 1، وقوله في قبلة الصائم: "أرأيت ~~لو "تمضمضت * " 2. # السادس: # ما خص العلماء بيانه عن اجتهاد، وهو ما فيه الوجوه الخمسة، إذا كان ~~الاجتهاد موصلا إليه من أحد وجهين، إما من أصل يعتبر هذا الفرع به، وإما من ~~طريق أمارة تدل عليه. وزاد شارح "اللمع" وجها سابعا، وهو البيان بالترك، ~~كما روي "أن آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار"3. # قال الأستاذ أبو منصور: قد ms330 رتب بعض أصحابنا ذلك، فقال: أعلاها رتبة ما ~~وقع من الدلالة بالخطاب، ثم بالفعل، ثم بالإشارة، ثم بالكتابة، ثم بالتنبيه ~~على العلة. # قال: ويقع بيان من الله سبحانه وتعالى بها كلها خلا الإشارة. انتهى. # قال الزركشي: لا خلاف أن البيان يجوز بالقول، واختلفوا في وقوعه بالفعل، ~~والجمهور على أنه يقع بيانا، خلافا لأبي إسحاق المروزي منا، والكرخي من ~~الحنفية، حكاه الشيخ أبو إسحاق في "التبصرة". انتهى. # ولا وجه لهذا الخلاف، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين الصلاة والحج ~~بأفعاله، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 4. "حجوا كما رأيتموني أحج" 5. ~~"وخذوا عني مناسككم" 6 ولم يكن لمن منع من ذلك متمسك، لا من شرع ولا من ~~عقل، بل مجرد مجادلات ليست من الأدلة في شيء. PageV02P025 # وإذا ورد بعد المجمل قول وفعل، وكل واحد منهما صالح لبيانه، فإن اتفقا ~~وعلم سبق أحدهما فهو البيان، قولا كان أو فعلا، والتالي تأكيد له. # وقيل: إن المتأخر إن كان الفعل لم يحمل على التأكيد؛ لأن الأضعف لا يؤكد ~~الأقوى، وإن جهل المتقدم منهما فلا يقضى على واحد منهما بأنه المبين بعينه ~~بل يقضي البيان بحصول البيان بواحد منهما لم نطلع عليه، وهو الأول في نفس ~~الأمر. # وقيل: يكونان بمجموعهما بيانا، قيل: هذا إذا تساويا في القوة، فإن اختلفا ~~فالأشبه أن المرجوح هو المتقدم ورودا، وإلا لزم التأكيد بالأضعف، هذا إذا ~~اتفق القول والفعل. # أما إذا اختلفا، فذهب الجمهور أن المبين هو القول، ورجح هذا فخر الدين ~~الرازي، وابن الحاجب، سواء كان متقدما أو متأخرا، ويحمل الفعل على الندب؛ ~~لأن دلالة القول على البيان بنفسه، بخلاف الفعل، فإنه لا يدل إلا بواسطة ~~انضمام القول إليه، والدال بنفسه أولى. # وقال أبو الحسين البصري: المتقدم منهما هو البيان، كما في صورة إتفاقهما. # PageV02P026 ### | الفصل السادس: في تأخير البيان عن وقت الحاجة # اعلم: أن كل ما يحتاج إلى البيان، من مجمل، وعام، ومجاز، ومشترك، وفعل ~~متردد، ومطلق، إذا تأخر بيانه فذلك على وجهين: # الأول: # أن يتأخر عن وقت الحاجة، وهو ms331 الوقت الذي إذا تأخر البيان عنه لم يتمكن ~~المكلف من المعرفة لما تضمنه الخطاب، وذلك في الواجبات الفورية لم يجز؛ لأن ~~الإتيان بالشيء مع عدم العلم به ممتنع عند جميع القائلين بالمنع من تكليف ~~ما لا يطاق. # وأما من جوز التكليف بما لا يطاق، فهو يقول بجوازه فقط، لا بوقوعه، فكان ~~عدم الوقوع متفقا عليه بين الطائفتين، ولهذا نقل أبو بكر الباقلاني إجماع ~~أرباب الشرائع على امتناعه. # قال ابن السمعاني: لا خلاف في امتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى ~~الفعل، ولا خلاف في جوازه إلى وقت الفعل؛ لأن المكلف قد يؤخر النظر، وقد ~~يخطئ إذا نظر، "فهذا الضربان"* لا خلاف فيهما. انتهى. # الوجه الثاني: # تأخيره عن وقت ورود الخطاب إلى وقت الحاجة إلى الفعل، وذلك في الواجبات ~~التي ليست بفورية، حيث يكون الخطاب لا ظاهر له، كالأسماء المتواطئة، ~~والمشتركة، PageV02P026 # أو له ظاهر، وقد استعمل في خلافة، كتأخر التخصيص، والنسخ، ونحو ذلك. # وفي ذلك مذاهب: # الأول: # الجواز مطلقا. قال ابن برهان: وعليه عامة علمائنا، من الفقهاء، ~~والمتكلمين، ونقله ابن فورك، والقاضي أبو الطيب، والشيخ أبو إسحاق ~~الشيرازي، وابن السمعاني، عن ابن سريج، والإصطخري، وابن أبي هريرة، وابن ~~خيران، والقفال، وابن القطان، والطبري، والشيخ أبي الحسن الأشعري، والقاضي ~~أبي بكر الباقلاني، ونقله القاضي في "مختصر التقريب" عن الشافعي، واختاره ~~الرازي في "المحصول"، وابن الحاجب، وقال الباجي: عليه أكثر أصحابنا، وحكاه ~~القاضي عن مالك. # واستدلوا بقوله سبحانه: {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه} 1، ~~وثم للتعقيب مع التراخي، وقوله تعالى في قصة نوح: {وأهلك} 2 وعمومه تناول ~~ابنه، وبقوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} 3، ثم لما سأل ~~ابن الزبعرى4 عن عيسى والملائكة نزل قوله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى} 5، الآية، وبقوله تعالى: {فأن لله خمسه} 6 لم يبين بعد ذلك أن ~~السلب للقاتل7، وبقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} 8. ثم وقع بيانها بعد ذلك ~~بصلاة جبريل، وبصلاة النبي صلى الله عليه وسلم9، وبقوله تعالى: PageV02P027 # {وآتوا الزكاة} 1، وبقوله ms332 تعالى: {السارق والسارقة فاقطعوا} 2، وبقوله ~~تعالى: {ولله على الناس حج البيت} 3، ثم وقع البيان لهذه الأمور بعد ذلك ~~بالسنة، ونحو هذا كثيرا جدا. # المذهب الثاني: # المنع مطلقا، ونقله القاضي أبو بكر الباقلاني، والشيخ أبو إسحاق ~~الشيرازي، وسليم الرازي، وابن السمعاني، عن أبي إسحاق المروزي، وأبي بكر ~~الصيرفي، وأبي حامد المروزي، ونقله الأستاذ أبو إسحاق، عن أبي بكر الدقاق. # قال القاضي: وهو قول المعتزلة، وكثير من الحنيفية، وابن داود الظاهري، ~~ونقله ابن القشيري عن داود الظاهري، ونقله المازري والباجي عن الأبهري. # قال القاضي عبد الوهاب: قالت المعتزلة والحنفية: لا بد أن يكون الخطاب ~~متصلا بالبيان، أو في حكم المتصل؛ احترازا من انقطاعه بعطاس ونحوه من عطف ~~الكلام بعضه على بعض. # قال ووافقهم بعض المالكية والشافعية. # واستدل هؤلاء بما لا يسمن ولا يغني من جوع، فقالوا: لو جاز ذلك، فإما أن ~~يكون إلى مدة معينة، أو إلى الأبد، وكلاهما باطل. أما إلى مدة معينة، ~~فلكونه تحكما، ولكونه لم يقل به أحد، وأما إلى الأبد، فلكونه يلزم المحذور، ~~وهو الخطاب والتكليف به مع عدم الفهم. # وأجيب عنهم: باختيار جوازه إلى مد معينة عند الله، وهو الوقت الذي يعلم ~~أنه يكلف به فيه، فلا تحكم. # هذا أنهض ما استدلوا به على ضعفه، وقد استدلوا بما هو دونه في الضعف، فلا ~~حاجة لنا إلى تطويل البحث بما لا طائل تحته. # المذهب الثالث: # أنه يجوز تأخير بيان المجمل دون غيره، حكاه القاضي أبو الطيب، والقاضي ~~عبد الوهاب، وابن الصباغ عن الصيرفي، وأبي حامد المروزي. # قال أبو الحسين ابن القطان: لا خلاف بين أصحابنا في جواز تأخير بيان ~~المجمل، كقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} 4، وكذا لا يختلفون أن البيان في ~~الخطاب العام يقع بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، والفعل يتأخر عن القول؛ ~~لأن بيانه بالقول أسرع منه بالفعل. PageV02P028 # وأما العموم الذي يعقل مراده من ظاهره، كقوله تعالى: {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا} 1، فقد اختلفوا فيه، فمنهم من لم يجوز تأخير بيانه، كما هو مذهب ~~أبي بكر الصيرفي، وكذا حكى ms333 اتفاق أصحاب الشافعي على جواز تأخير بيان المجمل ~~ابن فورك، والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، ولم يأتوا بما يدل على عدم جواز ~~التأخير فيما عدا ذلك إلا ما لا يعتد به ولا يلتفت إليه. # المذهب الرابع: # أنه يجوز تأخير بيان العموم؛ لأنه قبل البيان مفهوم، ولا يجوز تأخير بيان ~~المجمل؛ لأنه قبل البيان غير مفهوم، حكاه الماوردي والروياني وجها لأصحاب ~~الشافعي، ونقله ابن برهان في "الوجيز" عن عبد الجبار، ولا وجه له. # المذهب الخامس: # أنه لا يجوز تأخير بيان الأوامر والنواهي، ولا يجوز تأخير بيان الأخبار، ~~كالوعد والوعيد، حكاه الماوردي عن الكرخي وبعض المعتزلة، ولا وجه له أيضا. # المذهب السادس: # عكسه، حكاه الشيخ أبو إسحاق مذهبا، ولم ينسبه إلى أحد، ولا وجه له أيضا ~~ونازع بعضهم في حكاية هذا وما قبله مذهبا، قال: لأن موضوع المسألة الخطاب ~~التكليفي، فلا تذكر فيها الأخبار. # قال الزركشي: وفيه نظر. # المذهب السابع: # أنه يجوز تأخير بيان النسخ دون غيره، ذكر هذا المذهب أبو الحسين في ~~"المعتمد"، وأبو علي، وأبو هاشم، وعبد الجبار، ولا وجه له أيضا لعدم الدليل ~~الدال على عدم جواز التأخير فيما عدا النسخ، وقد عرفت قيام الأدلة المتكثرة ~~على الجواز مطلقا، فالاقتصار على بعض ما دلت عليه دون بعض بلا مخصص باطل. # المذهب الثامن: # التفصيل بين ما ليس له ظاهر كالمشترك، دون ما له ظاهر كالعام، والمطلق، ~~والمنسوخ، ونحو ذلك، فإنه لا يجوز التأخير في الأول، ويجوز في الثاني، نقله ~~فخر الدين الرازي. عن أبي الحسين البصري، والدقاق، والقفال، وأبي إسحاق، ~~وقد سبق النقل عن هؤلاء بأنهم يذهبون إلى خلاف ما حكاه عنهم، ولا وجه لهذا ~~التفصيل. # المذهب التاسع: # أن بيان المجمل إن لم يكن تبديلا ولا تغييرا، جاز مقارنا وطارئا، وإن كان ~~تغييرا جاز مقارنا، ولا يجوز طارئا "بحال"* نقله ابن السمعاني، عن أبي زيد ~~من الحنفية ولا وجه له أيضا. PageV02P029 # فهذه جملة المذاهب المروية في هذه المسألة، وأنت إذا تتبعت موارد هذه ~~الشريعة المطهرة، وجدتها قاضية بجواز تأخير البيان عن ms334 وقت الخطاب قضاء ~~ظاهرا واضحا، لا ينكره من له أدنى خبرة بها، وممارسة لها، وليس على هذه ~~المذاهب المخالفة لما قاله المجوزون أثارة من علم. # وقد اختلف القائلون بجواز التأخير في جواز "تأخير"* البيان على التدريج، ~~بأن يبين بيانا أولا، ثم يبين بيانا ثانيا، كالتخصيص بعد التخصيص. # والحق: الجواز، لعدم المانع من ذلك لا من شرع، ولا عقل، فالكل بيان. ~~PageV02P030 ### | الباب السابع: في الظاهر والمؤول ### | الفصل الأول: في حدهما # ... # الباب السابع: في الظاهر والمؤول # وفيه ثلاثة فصول: # الفصل الأول: في حدهما # فالظاهر في اللغة هو الواضح. قال الأستاذ، والقاضي أبو بكر: لفظه يغني عن ~~تفسيره. # وقال الغزالي: هو المتردد بين أمرين، وهو في أحدهما أظهر. وقيل: هو ما دل ~~على معنى مع قبوله لإفادة غيره إفادة مرجوحة، فاندرج تحته ما دل على المجاز ~~الراجح. # ويطلق على اللفظ الذي يفيد معنى، سواء أفاد معه إفادة مرجوحة أو لو يفد، ~~ولهذا يخرج النص، فإن إفادته ظاهرة بنفسه. # ونقل إمام الحرمين أن الشافعي كان يسمي الظاهر نصا. # وقيل: هو في الاصطلاح: ما دل دلالة ظنية، إما بالوضع، كالأسد للسبع ~~المفترس، وبالعرف، كالغائط للخارج المستقذر؛ إذ غلب فيه بعد أن كان في ~~الأصل للمكان المطمئن من الأرض. # والتأويل مشتق من آل يؤول، إذا رجع، تقول: آل الأمر إلى كذا، أي: رجع ~~إليه، ومآل الأمر مرجعه. # وقال النضر بن شميل1: إنه مأخوذ من الإيالة، وهي السياسة، يقال لفلان: ~~علينا إيالة، وفلان آيل علينا، أي: سائس، فكان المؤول بالتأويل كالمتحكم ~~على الكلام المتصرف فيه. PageV02P031 # وقال ابن فارس في "فقه العربية" التأويل: آخر الأمر وعاقبته، يقال: مآل ~~هذا الأمر مصيره، واشتقاق الكلمة من الأول وهو العاقبة والمصير. واصطلاحا: ~~صرف الكلام عن ظاهره إلى معنى يحتمله. # وفي الاصطلاح: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح. وهذا يتناول التأويل ~~الصحيح والفاسد، فإن أردت تعريف التأويل الصحيح زدت في الحد: بدليل يصيره ~~راجحا؛ لأنه بلا دليل، أو مع دليل مرجوح، أو مساو فاسد. # قال ابن برهان: وهذا الباب أنفع كتب الأصول وأجلها، ms335 ولم يزل الزال إلا ~~بالتأويل الفاسد. # وأما ابن السمعاني فأنكر على إمام الحرمين إدخاله لهذا الباب في أصول ~~الفقه، وقال: ليس هذا من "أصول"* الفقه في شيء، إنما هو كلام يورد في ~~الخلافيات. # واعلم: أن الظاهر دليل شرعي يجب اتباعه، ولعمل به، بدليل إجماع الصحابة ~~على العمل بظواهر الألفاظ. # وإذا عرفت معنى الظاهر فاعلم: أن النص ينقسم إلى قسمين: # أحدهما: # يقبل التأويل، وهو قسم من النص مرادف للظاهر. # والقسم الثاني: # لا يقبله، وهو النص الصريح، وسيأتي1 الكلام على هذا في الباب الذي بعد ~~هذا الباب. PageV02P032 ### | الفصل الثاني: فيما يدخله التأويل # وهو قسمان: أحدهما: أغلب الفروع، ولا خلاف في ذلك. # والثاني: الأصول: كالعقائد، وأصول الديانات، وصفات الباري عز وجل. # وقد اختلفوا في هذا القسم على ثلاثة مذاهب: # الأول: # أنه لا مدخل للتأويل فيها، بل يجري على ظاهرها، ولا يؤول شيء منها، وهذا ~~قول المشبهة1. PageV02P032 # والثاني: # أن لها تأويلا، ولكنا نمسك عنه، مع تنزيه اعتقادنا عن التشبيه والتعطيل، ~~لقوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله} 1 قال ابن برهان: وهذا قول السلف. # قلت: وهذا هو الطريقة الواضحة، والمنهج المصحوب بالسلامة عن الوقوع في ~~مهاوي التأويل، لما لا يعلم تأويله إلا الله، وكفى بالسلف الصالح قدوة لمن ~~أراد الاقتداء، وأسوة لمن أحب التأسي على تقدير عدم ورود الدليل القاضي ~~بالمنع من ذلك، فكيف وهو قائم موجود في الكتاب والسنة. # والمذهب الثالث: # أنها مؤولة. قال ابن برهان: والأول من هذه المذاهب باطل، والآخران ~~منقولان عن الصحابة. ونقل هذا المذهب الثالث عن علي، وابن عباس، وابن ~~مسعود، وأم سلمة. # قال أبو عمرو ابن الصلاح: الناس في هذه الأشياء الموهمة للجهة ونحوها فرق ~~ثلاث: # ففرقة تؤول، وفرقة تشبه، وثالثة ترى أنه لم يطلق الشارع مثل هذه اللفظة ~~إلا وإطلاقه سائغ وحسن قبولها مطلقة، كما قال مع التصريح بالتقديس ~~والتنزيه، والتبري من التحديد والتشبيه. قال: وعلى هذه الطريقة مضى صدر ~~الأمة وسادتها، "وإياها"* اختارها أئمة الفقهاء وقادتها، وإليها دعا أئمة ~~الحديث وأعلامه، ولا أحد من المتكلمين يصدف ms336 عنها ويأباها، وأفصح الغزالي في ~~غير موضع "بتهجير"** ما سواها، حتى ألجم آخرا في إلجامه كل عالم وعامي عما ~~عداها. قال: "وهو"*** كتاب "إلجام العوام عن علم الكلام" وهو آخر تصانيف ~~الغزالي مطلقا، حث فيه على مذهب السلف ومن تبعهم. # قال الذهبي في "النبلاء"2 في ترجمة فخر الدين الرازي ما لفظه: وقد اعترف ~~في آخر عمره، حيث يقول: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما ~~رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ ~~في الإثبات: {الرحمن على العرش استوى} 3، {إليه يصعد الكلم الطيب} 4، واقرأ ~~في النفي: {ليس كمثله شيء} 5؛ PageV02P033 # ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. انتهى. # وذكر الذهبي في "النبلاء" في ترجمة إمام الحرمين الجويني، أنه قال: ذهب ~~أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض ~~معانيها إلى الرب تعالى، والذي نرتضيه رأيا وندين الله به عقدا اتباع سلف ~~الأمة. # هكذا نقل عنه صاحب "النبلاء" في ترجمته، وقال في موضع آخر في ترجمته في ~~"النبلاء" إنه قال ما لفظه: اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف ~~السلف. انتهى. # وهؤلاء الثلاثة أعني: الجويني، والغزالي، الرازي. هم الذين وسعوا دائرة ~~التأويل، وطولوا ذيوله، وقد رجعوا آخرا إلى مذهب السلف كما عرفت، فلله ~~الحمد كما هو له أهل. # وقال ابن دقيق العيد: "ونقول"* في الألفاظ المشكلة إنها حق وصدق، وعلى ~~الوجه الذي أراده الله، ومن أول شيئا منها، فإن كان تأويله قريبا على ما ~~يقتضيه لسان العرب، وتفهمه في مخاطباتهم لم ننكر عليه، ولم نبدعه، وإن كان ~~تأويله بعيدا توقفنا عنه، واستبعدناه، ورجعنا إلى القاعدة في الإيمان ~~بمعناه، مع التنزيه. وقد تقدمه إلى مثل هذا ابن عبد السلام1 كما حكاه عنهما ~~الزركشي في "البحر"، والكلام في هذا يطول لما فيه من كثرة النقول عن الأئمة ~~الفحول. PageV02P034 ### | الفصل الثالث: في شروط التأويل # الأول: # أن يكون موافقا لوضع اللغة، أو عرف الاستعمال، "أو"* عادة صاحب الشرع، ~~وكل تأويل خرج عن هذا فليس بصحيح. # الثاني: # أن ms337 يقوم الدليل على أن المراد بذلك اللفظ هو المعنى الذي حمل عليه إذا ~~كان لا يستعمل كثيرا فيه. # الثالث: # إذا كان التأويل بالقياس فلا بد أن يكون جليا، لا خفيا. PageV02P034 # وقيل: أن يكون مما يجوز التخصيص به على ما تقدم. # وقيل: لا يجوز التأويل بالقياس أصلا. # والتأويل في نفسه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قد يكون قريبا، فيترجح بأدنى ~~مرجح، وقد يكون بعيدا، فلا يترجح إلا بمرجح قوي، ولا يترجح بما ليس بقوي، ~~وقد يكون متعذرا، لا يحتمله اللفظ، فيكون مردودا لا مقبولا. # وإذا عرفت هذا تبين لك ما هو مقبول من التأويل مما هو مردود، ولم يحتج ~~إلى تكثير الأمثلة، كما وقع في كثير من كتب الأصول. # PageV02P035 ### | الباب الثامن: في المنطوق والمفهوم ### | المسألة الأولى: في حدهما ### | مدخل # ... # الباب الثامن: في المنطوق والمفهوم # وفيه أربع مسائل: # المسألة الأولى: في حدهما # فالمنطوق: ما دل عليه اللفظ في محل النطق، أي: يكون حكما للمذكور، وحالا ~~من أحواله. # والمفهوم: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، أي: يكون حكما لغير ~~المذكور، وحالا من أحواله. # والحاصل: أن الألفاظ قوالب للمعاني المستفاد منها، فتارة تستفاد منها من ~~جهة النطق تصريحا، وتارة من جهته تلويحا، فالأول: المنطوق، والثاني: ~~المفهوم. # PageV02P036 ### | أقسام المنطوق # والمنطوق ينقسم إلى قسمين: # الأول: ما لا يحتمل التأويل، وهو النص. # والثاني: ما يحتمله، وهو الظاهر. # والأول أيضا ينقسم إلى قسمين: صريح إن دل عليه اللفظ بالمطابقة1، أو ~~التضمن2. # وغير صريح إن دل عليه بالالتزام3. # وغير الصريح ينقسم إلى دلالة: اقتضاء، وإيماء وإشارة. # فدلالة الاقتضاء: هي إذا توقف الصدق أو الصحة العقلية أو الشرعية عليه، ~~مع كون ذلك مقصودا للمتكلم. PageV02P036 # ودلالة الإيماء: أن يقترب اللفظ بحكم، لو لم يكن للتعليل لكان بعيدا؛ ~~وسيأتي بيان هذا في القياس. # ودلالة الإشارة حيث لا يكون مقصودا للمتكلم. # PageV02P037 ### | أقسام المفهوم: # والمفهوم ينقسم إلى مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة. # فمفهوم الموافقة: حيث يكون المسكوت عنه موافقا للملفوظ به، فإن كان أولى ~~بالحكم من المنطوق به فيسمى فحوى الخطاب، وإن كان مساويا ms338 فيسمى لحن الخطاب. # وحكى الماوردي والروياني في الفرق بين فحوى الخطاب، ولحن الخطاب وجهين: # أحدهما: أن الفحوى ما نبه عليه اللفظ، واللحن ما لاح في "أثناء"* اللفظ. # وثانيهما: أن الفحوى ما دل على ما هو أقوى منه، واللحن ما دل على مثله. # وقال القفال: إن فحوى الخطاب ما دل المظهر على المسقط، واللحن ما يكون ~~محالا على غير المراد، والأولى ما ذكرناه أولا. # وقد شرط بعضهم في مفهوم الموافقة أن يكون أولى من المذكور، وقد نقله إمام ~~الحرمين الجويني في "البرهان" عن الشافعي، وهو ظاهر كلام الشيخ أبي إسحاق ~~الشيرازي، ونقله الهندي عن الأكثرين. # وأما الغزالي، وفخر الدين الرازي، وأتباعهما، فقد جعلوه قسمين: تارة يكون ~~أولى، وتارة يكون مساويا، وهو الصواب، فجعلوا شرطه أن لا يكون المعنى في ~~المسكوت عنه أقل مناسبة للحكم من المعنى المنطوق به. # قال الزركشي: وهو ظاهر كلام الجمهور من أصحابنا وغيرهم. # وقد اختلفوا في دلالة النص على مفهوم الموافقة، هل هي لفظية أو قياسية ~~على قولين، حكاهما الشافعي في الأمر، وظاهر كلامه ترجيح أنه قياس، ونقله ~~الهندي في "النهاية" عن الأكثرين. # قال الصيرفي: ذهبت طائفة جلة سيدهم الشافعي إلى أن هذا هو القياس الجلي. # وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "شرح اللمع": إنه الصحيح، وجرى عليه ~~القفال الشاشي، فذكره في أنواع القياس. PageV02P037 # قال سليم الرازي: الشافعي يومئ إلى أنه قياس جلي، لا يجوز ورود الشرع ~~بخلافه، قال: وذهب المتكلمون بأسرهم -الأشعرية والمعتزلة- إلى أنه مستفاد ~~من النطق، وليس بقياس. # قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني: الصحيح من المذاهب أنه جار مجرى النطق، ~~لا مجرى "القياس، وسماه الحنفية دلالة النص، وقال آخرون: ليس بقياس ولا ~~يسمى"* دلالة النص، لكن دلالته لفظية. # ثم اختلفوا، فقيل: إن المنع من التأفيف1 منقول بالعرف عن موضوعه اللغوي ~~إلى المنع من أنواع الأذى. # وقيل: إنه فهم السياق والقرائن، وعليه المحققون من أهل هذا القول، ~~كالغزالي، وابن القشيري، والآمدي، وابن الحاجب، والدلالة عندهم مجازية، من ~~باب إطلاق الأخص وإرادة الأعم. # قال الماوردي: والجمهور على ms339 أن دلالته من جهة اللغة لا من القياس. # قال القاضي أبو بكر الباقلاني: القول بمفهوم الموافقة من حيث الجملة مجمع ~~عليه. # قال ابن رشد: لا ينبغي للظاهرية أن يخالفوا في مفهوم الموافقة؛ لأنه من ~~باب السمع، والذي رد ذلك يرد نوعا من الخطاب. # قال الزركشي: وقد خالف فيه ابن حزم. # قال ابن تيمية: وهو مكابرة. PageV02P038 ### | المسألة الثانية: مفهوم المخالفة # وهو حيث يكون المسكت عنه مخالفا للمذكور في الحكم، إثباتا ونفيا، فيثبت ~~للمسكوت عنه نقيض حكم المنطوق به، ويسمى دليل الخطاب؛ لأن دليله من جنس ~~الخطاب، أو لأن الخطاب دال عليه. # قال القرافي: وهل المخالفة بين المنطوق والمسكوت بضد الحكم المنطوق به، ~~أو نقيضه؟ # الحق: الثاني. # PageV02P038 # ومن تأمل المفهومات وجدها كذلك. # وجميع مفاهيم المخالفة حجة عند الجمهور، إلا مفهوم اللقب. # وأنكر أبو حنيفة الجميع، وحكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "شرح اللمع" ~~عن القفال الشاشي، وأبي حامد المروزي. # وأما الأشعري، فقال القاضي: إن النقلة نقلوا عنه القول بالمفهوم، كما ~~نقلوا عنه نفي صيغ العموم، وقد أضيف إليه خلاف ذلك وأنه قال بمفهوم الخطاب. # وذكر شمس الأئمة السرخسي من الحنفية في كتاب "السير"1: أنه ليس بحجة في ~~خطابات الشرع، قال: وأما في مصطلح الناس وعرفهم فهو حجة، وعكس ذلك بعض ~~المتأخرين من الشافعية، فقال: هو حجة في كلام الله ورسوله، وليس بحجة في ~~كلام المصنفين وغيرهم، كذا حكاه الزركشي. # واختلف المثبتون للمفهوم في مواضع. # أحدها: # هل هو حجة من حيث اللغة، أو الشرع؟ # وفي ذلك وجهان للشافعية، حكاهما "المازري"* والروياني. # قال ابن السمعاني: والصحيح أنه حجة من حيث اللغة. # وقال الفخر الرازي: لا يدل على النفي بحسب اللغة، لكنه يدل عليه بحسب ~~العرف العام. # وذكر في "المحصول" في باب العموم: أنه يدل عليه العقل. # الموضع الثاني: # اختلفوا أيضا في تحقيق مقتضاه، أنه هل يدل على نفي الحكم عما عدا المنطوق ~~به مطلقا، سواء كان من جنس المثبت، أو لم يكن، أو تختص دلالته بما إذا كان ~~من جنسه، فإذا قال: "في الغنم ms340 السائمة الزكاة" 2 فهل نفى الزكاة عن ~~المعلوفة مطلقا، سواء كانت من الإبل أو البقر أو الغنم، أو هو مختص ~~بالمعلوفة من الغنم؟ # وفي ذلك وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد الإسفراييني، والشيخ أبو إسحاق ~~الشيرازي، وسليم الرازي، وابن السمعاني، والفخر الرازي. # قال الشيخ أبو حامد: والصحيح تخصيصه بالنفي عن معلوفة الغنم فقط. ~~PageV02P039 # قلت: هو الصواب. # الموضع الثالث: # هل المفهوم المذكور يرتقي إلى أن يكون دليلا قاطعا، أو لا يرتقي إلى ذلك؟ ~~قال إمام الحرمين الجويني: إنه "قد"* يكون قطعيا، وقيل: لا. # الموضع الرابع: # إذا دل "دليل"** على إخراج صور من صور المفهوم، فهل يسقط المفهوم ~~بالكلية، أو يتمسك به في البقية؟ وهذا يتمشى على الخلاف في حجية العموم إذا ~~خص، وقد تقدم الكلام في ذلك. # الموضع الخامس: # هل يجب العمل به قبل البحث عما يوافقه، أو يخالفه من منطوق أو مفهوم آخر؟ ~~فقيل: حكمه حكم العمل بالعام قبل البحث عن المخصص، وحكى القفال الشاشي في ~~ذلك وجهين. PageV02P040 ### | المسألة الثالثة: شروط القول بمفهوم المخالفة # الأول: # أن لا يعارضه ما هو أرجح منه، من منطوق أو مفهوم موافقة، أما إذا عراضه ~~قياس، فلم يجوز القاضي أبو بكر الباقلاني ترك المفهوم به، مع تجويزه ترك ~~العموم بالقياس، كذا قال. # ولا شك أن القياس المعمول به يخصص عموم المفهوم، كما يخصص عموم المنطوق، ~~وإذا تعارضا على وجه لا يمكن الجمع بينهما، وكان كل واحد منهما معمولا به، ~~فالمجتهد لا يخفى عليه الراجح منهما من المرجوح، وذلك يختلف باختلاف ~~المقامات، وبما يصاحب كل واحد منهما من القرائن المقوية له. # قال شارح "اللمع": دليل الخطاب إنما يكون حجة إذا لم يعارضه ما هو أقوى ~~منه، كالنص والتنبيه، فإن عارضه أحدهما سقط، وإن عارضه عموم صح التعلق ~~بعموم دليل الخطاب على الأصح، وإن عارضه قياس جلي، قدم القياس، وأما الخفي، ~~فإن جعلناه حجة كالنطق قدم دليل الخطاب، وإن جعلناه كالقياس فقد رأيت بعض ~~أصحابنا يقدمون كثيرا القياس في كتب الخلاف. # والذي يقتضيه المذهب أنهما يتعارضان. # الشرط الثاني: ms341 # أن لا يكون المذكور قصد به الامتنان، كقوله تعالى: {لتأكلوا منه لحما ~~طريا} 1 PageV02P040 # فإنه لا يدل على منع أكل ما ليس بطري. # الشرط الثالث: # أن لا يكون المنطوق خرج جوابا عن سؤال متعلق بحكم خاص، ولا حادثة خاصة ~~بالمذكور، هكذا قيل، ولا وجه لذلك، فإنه لا اعتبار بخصوص السبب، ولا بخصوص ~~السؤال. # وقد حكى القاضي أبو يعلى في ذلك احتمالين. قال الزركشي: ولعل الفرق -يعني ~~بين عموم اللفظ، وعموم المفهوم- أن دلالة المفهوم ضعيفة تسقط بأدنى قرينة ~~بخلاف اللفظ العام. # قلت: وهذا فرق قوي، لكنه إنما يتم في المفاهيم التي دلالتها ضعيفة، أما ~~المفاهيم التي دلالتها قوية قوة تلحقها بالدلالات اللفظية فلا. # قال: ومن أمثلته قوله تعالى: {لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} 1 فلا ~~مفهوم للأضعاف؛ لأنه جاء على النهي عما كانوا يتعاطونه بسبب الآجال، كان ~~الواحد منهم إذا حل دينه يقول: إما أن تعطي، وإما أن تربي، فيتضاعف بذلك ~~أصل دينه مرارا كثيرة، فنزلت الآية على ذلك. # الشرط الرابع: # أن لا يكون المذكور قصد به التفخيم، وتأكيد الحال، كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد" 2 الحديث، فإن ~~التقييد "بالإيمان" لا مفهوم له، وإنما ذكر لتفخيم الأمر. # الشرط الخامس: # أن يذكر مستقلا، فلو ذكر على وجه التبعية لشيء آخر، فلا مفهوم له، كقوله ~~تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} 3 فإن قوله تعالى: {في ~~المساجد} فلا مفهوم له؛ لأن المعتكف ممنوع من المباشرة مطلقا. # الشرط السادس: # أن لا يظهر من السياق قصد التعميم، فإن ظهر فلا مفهوم له، كقوله ~~PageV02P041 # تعالي: {والله على كل شيء قدير} 1، للعلم بأن الله سبحانه قادر على ~~المعدوم، والممكن. وليس بشيء، فإن المقصود بقوله تعالى: {على كل شيء} ~~التعميم. # الشرط السابع: # أن لا يعود على أصله الذي هو المنطوق بالإبطال، أما لو كان كذلك فلا يعمل ~~به. # الشرط الثامن: # أن لا يكون قد خرج مخرج الأغلب، كقوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في ~~حجوركم} 2. فإن الغالب كون الربائب في ms342 الحجور، فقيد به لذلك، لا لأن حكم ~~اللاتي لسن في الحجور بخلافه، ونحو ذلك كثير في الكتاب والسنة. PageV02P042 ### | المسألة الرابعة: في أنواع مفهوم المخالفة # النوع الأول: مفهوم الصفة # وهي تعلق الحكم على الذات بأحد الأوصاف، نحو: "في سائمة الغنم زكاة" 1. # والمراد بالصفة عند الأصوليين: تقييد لفظ مشترك المعنى بلفظ آخر، يختص ~~ببعض معانيه، ليس بشرط، ولا غاية، ولا يريدون به النعت فقط، وهكذا عند أهل ~~البيان، فإن المراد بالصفة عندهم: هي المعنوية، لا النعت، وإنما يخص الصفة ~~بالنعت أهل النحو فقط. # وبمفهوم الصفة أخذ الجمهور، وهو الحق، لما هو معلوم من لسان العرب أن ~~الشيء إذا كان له وصفان، فوصف بأحدهما دون الآخر، كان المراد به ما فيه تلك ~~الصفة دون الآخر. # وقال أبو حنيفة، وأصحابه، وبعض الشافعية، والمالكية: إنه لا يؤخذ به، ولا ~~يعمل عليه، ووافقهم من أئمة اللغة الأخفش2، وابن فارس، وابن جني. # وقال الماوردي من الشافعية بالتفصيل بين أن يقع ذلك جواب "سؤال"* فلا ~~يعمل به، وبين أن يقع ابتداء فيعمل به؛ لأنه لا بد لتخصيصه بالذكر من موجب. ~~PageV02P042 # وفي جعل هذا التفصيل مذهبا مستقلا نظر، فإنه قد تقدم أن من شرط الأخذ ~~بالمفهوم عند القائلين به أن لا يقع جوابا لسؤال. # وقال أبو عبد الله البصري: إنه حجة في ثلاث صور: # أن يرد مورد البيان، كقوله: "في سائمة الغنم الزكاة"، أو مورد التعليم، ~~كقوله صلى الله عليه وسلم في خبر التخالف والسلعة قائمة1، أو يكون ما عدا ~~الصفة داخلا تحت الصفة، كالحكم بالشاهدين، فإنه يدل على أنه لا يحكم ~~بالشاهد الواحد؛ لأنه داخل تحت الشاهدين، ولا يدل على نفي الحكم فيما سوى ~~ذلك. # وقال إمام الحرمين الجويني بالتفصيل بين الوصف المناسب وغيره، فقال ~~بمفهوم الأول دون الثاني، وعليه يحمل نقل الرازي عنه للمنع، ونقل ابن ~~الحاجب عنه الجواز. # وقد طول أهل الأصول الكلام على استدلال هؤلاء المختلفين لما قالوا به، ~~وليس في ذلك حجة واضحة؛ لأن المبحث لغوي، واستعمال أهل اللغة والشرع لمفهوم ~~الصفة، وعملهم به ms343 معلوم لكل من له علم بذلك. # النوع الثاني: مفهوم العلة # وهو تعليق الحكم بالعلة، نحو: حرمت الخمر لإسكارها، والفرق بين هذا النوع ~~والنوع الأول، أن الصفة قد تكون علة كالإسكار، وقد لا تكون علة، بل متممة ~~كالسوم، فإن الغنم هي العلة، والسوم متمم لها. # قال القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي: والخلاف فيه وفي مفهوم الصفة ~~واحد. # النوع الثالث: مفهوم الشرط # والشرط في اصطلاح المتكلمين: ما يتوقف عليه المشروط، ولا يكون داخلا في ~~المشروط، ولا مؤثرا فيه. # وفي اصطلاح النحاة: ما دخل عليه أحد الحرفين: إن أو إذا أو ما يقوم ~~مقامهما، مما يدل على سببية الأول، ومسببية الثاني، وهذا هو الشرط اللغوي، ~~وهو المراد هنا، لا الشرعي، ولا PageV02P043 # العقلي، وقد قال به القائلون بمفهوم الصفة، ووافقهم على القول به بعض من ~~خالف في مفهوم الصفة، ولهذا نقله أبو الحسين السهيلي في "أدب الجدل" عن ~~أكثر الحنفية. # ونقله ابن القشيري عن معظم أهل العراق، ونقله إمام الحرمين عن أكثر ~~العلماء. # وذهب أكثر المعتزلة، كما نقله عنهم صاحب "المحصول" إلى المنع من الأخذ ~~به. ورجح المنع المحققون من الحنفية، وروي عن أبي حنيفة، ونقله ابن ~~التلمساني1 عن مالك، واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي، والآمدي. # وقد بالغ إمام الحرمين في الرد على المانعين، ولا ريب أنه قول مردود، وكل ~~ما جاءوا به لا تقوم به الحجة، والأخذ به معلم من لغة العرب والشرع، فإن من ~~قال لغيره: إن أكرمتني أكرمتك، ومتى جئتني أعطيتك، ونحو ذلك مما لا ينبغي ~~أن يقع فيه الخلاف بين كل من يفهم لغة العرب، وإنكار ذلك مكابرة، وأحسن ما ~~يقال لمن أنكره: عليك بتعلم لغة العرب، فإن إنكارك لهذا يدل على أنك لا ~~تعرفها. # النوع الرابع: مفهوم العدد # وهو تعليق الحكم بعدد مخصوص، فإنه يدل على انتفاء الحكم فيما عدا ذلك ~~العدد، زائدا كان أو ناقصا. # وقد ذهب إليه الشافعي، كما نقله عنه أبو حامد، وأبو الطيب الطبري ~~والماوردي، وغيرهم. # ونقله أبو الخطاب الحنبلي2 عن أحمد بن حنبل، ms344 وبه قال مالك، وداود ~~الظاهري، وبه قال صاحب "الهداية"3 من الحنفية، ومنع من العمل به المانعون ~~بمفهوم الصفة. PageV02P044 # قال الشيخ أبو حامد، وابن السمعاني: وهو دليل كالصفة سواء. # والحق ما ذهب إليه الأولون، والعمل به معلوم من لغة العرب، ومن الشرع، ~~فإن من أمر بأمر، وقيده بعدد مخصوص، فزاد المأمور على ذلك العدد، أو نقص ~~عنه، فأنكر عليه الآمر الزيادة أو النقص، كان هذا الإنكار مقبولا عند كل من ~~يعرف لغة العرب، فإن ادعى المأمور أنه قد فعل ما أمر به، مع كونه نقص عنه ~~أو زاد عليه، كانت دعواه هذه مردودة عند كل من يعرف لغة العرب. # النوع الخامس: مفهوم الغاية # وهو مد الحكم ب إلى أو حتى: # وغاية الشيء آخره، وإلى العمل به ذهب الجمهور، وبه قال بعض من لم يعمل ~~بمفهوم الشرط، كالقاضي أبي بكر الباقلاني، والغزالي، والقاضي عبد الجبار، ~~وأبي الحسين. # قال ابن القشيري: وإليه ذهب معظم نفاة المفهوم، وكذا قال القاضي أبو بكر ~~حاكيا لذلك. # وحكى ابن برهان وصاحب "المعتمد" الاتفاق عليه. # قال سليم الرازي: لم يختلف أهل العراق في ذلك. # وقال القاضي في "التقريب": صار معظم نفاة دليل الخطاب إلى أن التقييد ~~بحرف الغاية يدل على انتفاء الحكم عما وراء الغاية. قال: ولهذا أجمعوا على ~~تسميتها "حروف الغاية؛ وغاية الشيء: نهايته، فلو ثبت الحكم بعدها لم تعد ~~تسميتها"* غاية، وهذا من توقيف اللغة معلوم، فكان بمنزلة قولهم: تعليق ~~الحكم بالغاية موضوع للدلالة على أن ما بعدها بخلاف ما قبلها. انتهى. # ولم يخالف في ذلك إلا طائفة من الحنفية، والآمدي، ولم يتمسكوا بشيء يصلح ~~للتمسك به قط، بل صمموا على منعه طردا لباب المنع، من العمل بالمفاهيم، ~~وليس ذلك بشيء. # النوع السادس: مفهوم اللقب # وهو تعليق الحكم بالاسم العلم، نحو: قام زيد، أو اسم النوع، نحو: في ~~الغنم زكاة، ولم يعمل به أحد إلا أبو بكر الدقاق. كذا قيل. # وقال سليم الرازي في "التقريب": صار إليه الدقاق وغيره من أصحابنا -يعني ~~الشافعية- وكذا حكاه عن بعض ms345 الشافعية ابن فورك. ثم قال: وهو الأصح. قال ~~إلكيا الطبري في "التلويح": PageV02P045 # إن ابن فورك كان يميل إليه، وحكاه السهيلي في "نتائج الفكر"1 عن أبي بكر ~~الصيرفي، ونقله عبد العزير في "التحقيق"2 عن أبي حامد المروزي. # قال الزركشي: والمعروف عن أبي حامد إنكار القول بالمفهوم مطلقا. # وقال إمام الحرمين الجويني في "البرهان": وصار إليه الدقاق، وصار إليه ~~طوائف من أصحابنا، ونقله أبو الخطاب الحنبلي في "التمهيد"3 عن منصوص أحمد، ~~قال: وبه قال مالك، وداود، وبعض الشافعية. انتهى. # ونقل القول به عن ابن خويزمنداد والباجي، وابن القصار. # وحكى ابن برهان في "الوجيز" التفصيل عن بعض الشافعية، وهو أنه يعمل به في ~~أسماء الأنواع لا في أسماء الأشخاص. # وحكى ابن حمدان4، وأبو يعلى من الحنابلة تفصيلا آخر، وهو: العمل بما دلت ~~عليه القرينة دون غيره. # والحاصل: أن القائل به كلا أو بعضا، لم يأت بحجة لغوية، ولا شرعية، ولا ~~عقلية، ومعلوم من لسان العرب أن من قال: رأيت زيدا، لم يقتض أنه لم ير غيره ~~قطعا، وأما إذا دلت القرينة على العمل به، فذلك ليس إلا للقرينة، فهو خارج ~~عن محل النزاع. # النوع السابع: مفهوم الحصر # وهو أنواع، أقواها: ما وإلا، نحو، ما قام إلا زيد؛ وقد وقع الخلاف فيه: ~~هل هو من قبيل المنطوق، أو المفهوم؟. # وبكونه منطوقا جزم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "الملخص"، ورجحه القرافي ~~في "القواعد"5. PageV02P046 # وذهب الجمهور إلى أنه من قبيل المفهوم، وهو الراجح، والعمل به معلوم من ~~لغة العرب، ولم يأت من لم يعمل به بحجة مقبولة. # ثم الحصر ب إنما، وهو قريب مما قبله في القوة. # قال إلكيا الطبري: وهو أقوى من مفهوم الغاية. # وقد نص عليه الشافعي في "الأم"1، وصرح هو وجمهور أصحابه أنها في قوة ~~الإثبات والنفي، ب: ما، وإلا. # وذهب ابن سريج وأبو حامد المروزي "إلى"* أن حكم ما عدا الإثبات موقوف على ~~الدليل، "لما"** تضمنه من الاحتمال، وقد وقع الخلاف على هل منطوق أو مفهوم؟ # والحق: أنه مفهوم، وأنه معمول به ms346 كما يقتضيه لسان العرب. # ثم حصر المبتدأ في الخبر، وذلك بأن يكون معرفا باللام، أو الإضافة، نحو: ~~العالم زيد، وصديقي عمرو، فإنه يفيد الحصر؛ إذ المراد بالعالم وبصديقي هو ~~الجنس، فيدل على العموم؛ إذ لم "تكن"*** هناك قرينة تدل على العهد، فهو يدل ~~بمفهومه على نفي العلم عن غير زيد، ونفي الصداقة عن غير عمرو، وذلك أن ~~الترتيب الطبيعي أن يقدم الموصوف على الوصف، فإذا قدم الوصف على الموصوف ~~معرفا باللام أو الإضافة، أفاد العدول مع ذلك التعريف أن نفي ذلك الوصف عن ~~غير الموصوف مقصود للمتكلم، وقيل: إنه يدل على ذلك بالمنطوق. # والحق: أن دلالته مفهومية لا منطوقية، وإلى ذلك ذهب جماعة من الفقهاء ~~والأصوليين، ومنهم إمام الحرمين الجويني، والغزالي. وأنكره جماعة، منهم ~~القاضي أبو بكر الباقلاني، والآمدي، وبعض المتكلمين. والكلام في تحقيق ~~أنواع الحصر محرر في علم البيان، وله صور غير ما ذكرناه ههنا، وقد تتبعتها ~~من مؤلفاتهم، ومن مثل "كشاف الزمخشري"2 وما هو على PageV02P047 # نمطه، فوجدتها تزيد على خمسة عشر نوعا، وجمعت في تقرير ذلك بحثا. # النوع الثامن: مفهوم الحال # أي: تقييد الخطاب بالحال، وقد عرفت أنه من جملة مفاهيم الصفة؛ لأن المراد ~~الصفة المعنوية لا النعت، وإنما أفردناه بالذكر تكميلا للفائدة. # قال ابن السمعاني: ولم يذكره المتأخرون لرجوعه إلى الصفة، وقد ذكره سليم ~~الرازي في "التقريب"، وابن فورك. # النوع التاسع: مفهوم الزمان # كقوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} 1، وقوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من ~~يوم الجمعة} 2. وهو حجة عند الشافعي، كما نقله "الفخر الرازي، والغزالي"*، ~~وهو في التحقيق داخل في مفهوم الصفة، باعتبار متعلق الظرف المقدر، كما تقرر ~~في علم العربية. # النوع العاشر: مفهوم المكان # نحو: جلست أمام زيد. وهو حجة عند الشافعي، كما نقله الغزالي، وفخر الدين ~~الرازي، ومن ذلك لو قال: بع في مكان كذا، فإنه يتعين. وهو أيضا راجع إلى ~~مفهوم الصفة، لما عرفت في النوع الذي قبله. PageV02P048 ### | الباب التاسع: في النسخ وفيه سبع عشرة مسألة ### | المسألة الأولى: في حده # وهو في اللغة: الإبطال ms347 والإزالة، ومنه: نسخت الشمس الظل، والريح آثار ~~القدم، ومنه: تناسخ القرون، وعليه اقتصر العسكري. ويطلق ويراد به النقل ~~والتحويل، ومنه نسخت الكتاب، أي: نقلته، ومنه قوله تعالى: {إنا كنا نستنسخ ~~ما كنتم تعملون} 1، ومنه تناسخ المواريث2. # ثم اختلفوا: هل هو حقيقة في المعنيين أم في أحدهما دون الآخر؟ فحكى الصفي ~~الهندي عن الأكثرين أنه حقيقة في الإزالة، مجاز في النقل. # وقال القفال الشاشي: إنه حقيقة في النقل. # وقال القاضي أبو بكر الباقلاني، والقاضي عبد الوهاب، والغزالي: إنه حقيقة ~~فيهما، مشترك بينهما لفظا، لاستعماله فيهما. # وقال ابن المنير في "شرح البرهان"3: إنه مشترك بينهما اشتراكا معنويا؛ ~~لأن بين نسخ الشمس الظل، ونسخ الكتاب مقدارا مشتركا، وهو الرفع، وهو في ~~الظل بين؛ لأنه زال بضده، وفي نسخ الكتاب متعذر، من حيث إن الكلام المنسوخ ~~بالكتابة لم يكن مستفادا إلا من الأصل، فكان للأصل بالإفادة خصوصية، فإذا ~~"نسخت"* الأصل ارتفعت تلك الخصوصية، وارتفاع PageV02P049 # الأصل والخصوصية سواء في مسمى الرفع. # وقيل: القدر المشترك بينهما هو التغيير، وقد صرح به الجوهري. # قال في "المحصول": فإن قيل: وصفهم الريح بأنها ناسخة للآثار "والشمس ~~بأنها ناسخة للظل مجاز؛ لأن المزيل للآثار والظل"* هو الله تعالى، وإذا كان ~~ذلك مجازا امتنع الاستدلال به على كون اللفظ حقيقة في مدلوله، ثم نعارض ما ~~ذكرتموه، ونقول: النسخ هو: النقل والتحويل، ومنه نسخ الكتاب إلى كتاب آخر، ~~كأنك تنقله إليه، أو تنقل حكايته، ومنه تناسخ الأرواح1، وتناسخ القرون، ~~قرنا بعد قرن، وتناسخ المواريث، إنما هو التحول من واحد إلى آخر، بدلا عن ~~الأول، فوجب أن يكون اللفظ حقيقة في النقل، ويلزم أن لا يكون حقيقة في ~~الإزالة، دفعا للاشتراك، وعليكم الترجيح. # الجواب عن الأول من وجهين: # أحدهما: أنه لا يمتنع أن يكون الله تعالى هو الناسخ لذلك، من حيث فعل ~~الشمس والريح المؤثرين "في تلك الإزالة، ويكونان أيضا ناسخين، لكونهما ~~مختصين بذلك التأثير. # وثانيهما: أن أهل اللغة إنما أخطئوا في إضافة النسخ إلى الشمس والريح"**. # فهب أنه كذلك لكن متمسكنا إطلاقهم ms348 لفظ النسخ على الإزالة، لا إسنادهم هذا ~~الفعل إلى الريح والشمس. # وعن الثاني: أن النقل أخص من الزوال؛ لأنه حيث وجد النقل فقد عدمت صفة ~~حصلت عقيبها صفة أخرى، فإذا مطلق العدم أعم من عدم تحصل شيء آخر عقبية، ~~وأنه دار اللفظ بين العام والخاص، كان جعله حقيقة في العام أولى من جعله ~~حقيقة في الخاص، على ما تقدم تقريره في كتاب اللغات. انتهى. # وأما في الاصطلاح: فقال جماعة، منهم القاضي أبو بكر الباقلاني، والصيرفي، ~~والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والغزالي، والآمدي، وابن الأنباري2 وغيرهم: هو ~~الخطاب الدال على ارتفاع PageV02P050 # الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه. # وإنما آثروا الخطاب على النص، ليكون شاملا للفظ، والفحوى، والمفهوم، فإنه ~~يجوز نسخ جميع ذلك. # وقالوا: الدال على ارتفاع الحكم، ليتناول الأمر، والنهي، والخبر، وجميع ~~أنواع الحكم. # وقالوا بالخطاب المتقدم، ليخرج إيجاب العبادات ابتداء، فإنه يزيل حكم ~~العقل ببراءة الذمة، ولا يسمى نسخا؛ لأنه لم يزل حكم خطاب. # وقالوا: على وجه لولاه لكان ثابتا؛ لأنه حقيقة النسخ الرفع، وهو إنما ~~يكون رافعا لو كان المتقدم بحيث لولا طريانه لبقي. # وقالوا: مع تراخيه عنه؛ لأنه لو اتصل لكان بيانا لمدة العبادة لا نسخا. # وقد اعترض على هذا الحد بوجوه: # الأول: أن النسخ هو نفس الارتفاع، والخطاب إنما هو دال على الارتفاع، ~~وفرق بين الرافع وبين نفس الارتفاع. # الثاني: أن التقييد بالخطاب خطأ؛ لأن الناسخ قد يكون فعلا، كما يكون ~~قولا. # الثالث: أن الأمة إذا اختلفت على قولين، ثم أجمعت بعد ذلك على أحدهما، ~~فهذا الإجماع خطاب، مع أن الإجماع لا ينسخ به. # الرابع: أن الحكم الأول قد يثبت بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وليس ~~"بخطاب"* # قال الرازي في "المحصول": والأولى أن يقال: الناسخ طريق شرعي، يدل على أن ~~مثل الحكم الذي كان ثابتا بطريق شرعي لا يوجد بعد ذلك، مع تراخيه عنه على ~~وجه لولاه لكان ثابتا. # وفيه أن قوله: مثل الحكم الذي إلخ، يشمل ما كان مماثلا له ms349 في وجه من ~~الوجوه، فلا يتم النسخ لحكم إلا برفع جميع المماثلات له في شيء مما يصح ~~عنده إطلاق المماثلة عليه. # وقال الزركشي: المختار في حده اصطلاحا أنه رفع الحكم الشرعي بخطاب. # وفيه: أن الناسخ قد يكون فعلا لا خطابا. وفيه أيضا: أنه أهمل تقييده ~~بالتراخي، ولا يكون نسخ إلا به. PageV02P051 # وقال ابن الحاجب في "مختصر المنتهى": إنه في الاصطلاح: رفع الحكم الشرعي ~~بدليل شرعي متأخر. # واعترض عليه: بأن الحكم راجع إلى كلام الله سبحانه، وهو قديم، والقديم لا ~~يرفع ولا يزول. # وأجيب: بأن المرفوع تعلق الحكم بالمكلف لا ذاته، ولا تعلقه الذاتي. # وقال جماعة: هو في الاصطلاح: الخطاب الدال على انتهاء الحكم الشرعي، مع ~~التأخير عن موارده، ويرد على قيد الخطاب ما تقدم، فالأولى أن يقال: هو رفع ~~حكم شرعي بمثله مع تراخيه عنه. # PageV02P052 ### | المسألة الثانية: النسخ جائز عقلا واقع شرعا ### | مدخل # ... # المسألة الثانية: النسخ جائز عقلا واقع شرعا # النسخ جائز عقلا واقع سمعا، بلا خلاف في ذلك بين المسلمين، إلا ما يروي ~~عن أبي مسلم الأصفهاني1، فإنه قال: إنه جائز، غير واقع. وإذا صح هذا عنه ~~فهو دليل على أنه جاهل بهذه الشريعة المحمدية جهلا فظيعا، وأعجب من جهله ~~بها حكاية من حكي عنه الخلاف في كتب الشريعة، فإنه إنما يعتد بخلاف ~~المجتهدين، لا بخلاف من بلغ في الجهل إلى هذه الغاية. # وأما الجواز: فلم يحك الخلاف فيه إلا عن اليهود، وليس بنا إلى نصب الخلاف ~~بيننا وبينهم حاجة، ولا هذه بأول مسألة خالفوا فيها أحكام الإسلام، حتى ~~يذكر خلافهم في هذه المسألة، ولكن هذه من غرائب أهل الأصول. # على أنا قد رأينا في التوراة في غير موضع أن الله سبحانه رفع عنهم أحكاما ~~لما تضرعوا إليه، وسألوا منه رفعها، وليس النسخ إلا هذا، ولهذا لم يحكه من ~~له معرفة بالشريعة الموسوية إلا عن طائفة من اليهود، وهم الشمعونية2، ولم ~~يذكروا لهم دليلا، إلا ما ذكره بعض أهل الأصول من أن النسخ بداء، والبداء3 ~~ممتنع عليه، وهذا مدفوع ms350 بأن النسخ لا يستلزم البداء لا PageV02P052 # عقلا، ولا شرعا، وقد جوزت الرافضة البداء عليه؛ عز وجل، لجواز النسخ، ~~وهذه مقالة توجب الكفر بمجردها. # والحاصل: أن النسخ جائز عقلا واقع شرعا، من غير فرق بين كونه في الكتاب ~~أو السنة. # وقد حكى جماعة من أهل "الأصول"* اتفاق أهل الشرائع عليه، فلم يبق في ~~المقام ما يقتضي تطويل "المقال"**. # وقد أول جماعة خلاف أبي مسلم الأصفهاني المذكور سابقا بما يوجب أن يكون ~~الخلاف لفظيا. # قال ابن دقيق العيد: نقل عن بعض المسلمين إنكار النسخ، لا بمعنى أن الحكم ~~الثابت لا يرتفع، بل بمعنى أنه ينتهي بنص دل على انتهائه فلا يكون نسخا. ~~ونقل عنه أبو إسحاق الشيرازي، والفخر الرازي، وسليم الرازي: أنه إنما أنكر ~~الجواز، وأن خلافه في القرآن خاصة، لا كما نقل عنه الآمدي، وابن الحاجب: ~~أنه أنكر الوقوع. # وعلى كلا التقديرين فذلك جهالة منه عظيمة للكتاب والسنة، ولأحكام العقل، ~~فإنه إن اعترف بأن شريعة الإسلام ناسخة لما قبلها من الشرائع، فهذا بمجرده ~~يوجب عليه الرجوع عن قوله، وإن كان لا يعلم ذلك فهو جاهل بما هو من ~~الضروريات الدينية، وإن كان مخالفا لكونها ناسخة للشرائع، فهو خلاف كفري1 ~~لا يلتفت إلى قائله. # نعم إذا قال: إن الشرائع المتقدمة مغياة بغاية هي البعثة المحمدية، وأن ~~ذلك ليس بنسخ؛ فذلك أخف من إنكار كونه نسخا غير مقيد بهذا القيد. ~~PageV02P053 ### | الحكمة من النسخ: # فإن قلت: ما الحكمة في النسخ؟ # قلت: قال الفخر الرازي في "المطالب العالية"1: إن الشرائع قسمان: منها ما ~~يعرف نفعها بالعقل في المعاش والمعاد. PageV02P053 # ومنها: سمعية لا يعرف الانتفاع بها إلا من السمع. # فالأول: يمتنع طروء النسخ عليه، كمعرفة الله، وطاعته أبدا. ومجامع هذه ~~الشرائع العقلية أمران: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، قال الله ~~تعالى: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين ~~إحسانا} 1. # والثاني: ما يمكن طريان النسخ والتبديل عليه، وهو أمور تحصل في كيفية ~~إقامة الطاعات الفعلية، والعبادات الحقيقية. # وفائدة نسخها: أن الأعمال البدنية ms351 إذا تواطئوا عليها خلفا عن سلف، صارت ~~كالعادة عند الخلق، وظنوا أن أعيانها مطلوبة لذاتها، ومنعهم ذلك عن الوصول ~~إلى المقصود، وعن معرفة الله وتمجيده، فإذا غير ذلك الطريق إلى نوع من ~~الأنواع وتبين أن المقصود من هذه "الأعمال"* رعاية أحوال القلب والأرواح في ~~المعرفة والمحبة، انقطعت الأوهام من الاشتغال بتلك "الصور و"** الظواهر إلى ~~علام السرائر. # وقيل: الحكمة أن هذا الخلق طبع على الملالة من الشيء فوضع في كل عصر ~~شريعة جديدة لينشطوا في أدائها. # وقيل: بيان شرف نبينا صلى الله عليه وسلم، فإنه نسخ بشريعته شرائعهم، ~~وشريعته لا ناسخ لها. # وقيل: الحكمة حفظ مصالح العباد، فإذا كانت المصلحة لهم في تبديل حكم ~~بحكم، وشريعة بشريعة، كان التبديل لمراعاة هذه المصلحة. # وقيل: الحكمة بشارة المؤمنين برفع الخدمة عنهم، "ورفع"*** مؤنتها عنهم في ~~الدنيا مؤذن برفعها في الجنة. # وذكر الشافعي في "الرسالة" أن فائدة النسخ رحمة الله بعباده، والتخفيف ~~عنهم. # وأورد عليه أنه قد يكون بأثقل. # ويجاب عنه: بأن الرحمة قد تكون بالأثقل أكثر من الأخف، لما يستلزمه من ~~تكثير الثواب، والله لا يضيع عمل عامل، فتكثير الثواب في الأثقل يصيره ~~خفيفا على العامل، يسيرا عليه، لما يتصوره من جزالة الجزاء. PageV02P054 ### | المسألة الثالثة: شروط النسخ # للنسخ شروط: # الأول: أن يكون المنسوخ شرعيا لا عقليا. # الثاني: أن يكون الناسخ منفصلا عن المنسوخ، متأخرا عنه، فإن المقترن ~~كالشرط، والصفة، والاستثناء لا يسمى نسخا بل تخصيصا. # الثالث: أن يكون النسخ بشرع، فلا يكون ارتفاع الحكم بالموت نسخا، بل هو ~~سقوط تكليف. # الرابع: أن لا يكون المنسوخ مقيدا بوقت، أما لو كان كذلك فلا يكون انقضاء ~~وقته الذي قيد به نسخا له. # الخامس: أن يكون الناسخ مثل المنسوخ في القوة، أو أقوى منه، لا إذا كان ~~دونه في القوة؛ لأن الضعيف لا يزيل القوي. # قال إلكيا: وهذا مما قضى به العقل، بل دل الإجماع عليه، فإن الصحابة لم ~~ينسخوا نص القرآن بخبر واحد. # وسيأتي لهذا الشرط مزيد بيان. # السادس: أن يكون المقتضى للمنسوخ غير ms352 المقتضى للناسخ، حتى لا يلزم ~~البداء، كذا قيل. # قال إلكيا: لا ويشترط بالاتفاق أن يكون اللفظ الناسخ متناولا لما تناوله ~~المنسوخ، أعني: بالتكرار والبقاء؛ "إذ لا يمتنع"* فهم البقاء بدليل آخر سوى ~~اللفظ. # السابع: أن يكون مما يجوز نسخه، فلا يدخل النسخ أصل التوحيد؛ لأن الله ~~سبحانه بأسمائه وصفاته لم يزل ولا يزال، ومثل ذلك ما علم بالنص أنه يتأبد ~~ولا يتأقت. # قال سليم الرازي: وكل ما لا يكون إلا على صفة واحدة، كمعرفة الله، ~~ووحدانيته، ونحوه، فلا يدخله النسخ، ومن ههنا يعلم أنه لا نسخ في الأخبار؛ ~~إذ لا يتصور وقوعها على خلاف ما أخبر به الصادق، وكذا قال إلكيا الطبري، ~~وقال: الضابط فيما ينسخ ما يتغير حاله من حسن إلى قبح. # قال الزركشي: واعلم أن في جواز نسخ الحكم المعلق بالتأبيد وجهين، حكاهما ~~الماوردي، والروياني، وغيرهما. PageV02P055 # أحدهما: المنع؛ لأن صريح التأبيد مانع من احتمال النسخ. # والثاني: الجواز، قالا: وأنسبهما الجواز. قال: ونسبه ابن برهان إلى معظم ~~العلماء، ونسبه أبو الحسين في "المعتمد" إلى المحققين، "قال"* لأن العادة ~~في لفظ التأبيد المستعمل في لفظ الأمر المبالغة لا الدوام. PageV02P056 ### | المسألة الرابعة: جواز النسخ بعد اعتقاد المنسوخ والعمل به # اعلم: أنه يجوز النسخ بعد اعتقاد المنسوخ والعمل به، بلا خلاف. # قال الماوردي: وسواء عمل به كل الناس، كاستقبال بيت المقدس، أو بعضهم، ~~كفرض الصدقة عند مناجاة الرسول. # ولا خلاف أيضا في جواز النسخ بعد "التمكن"* من الفعل الذي تعلق به الحكم ~~بعد علمه بتكليفه به، وذلك بأن يمضي من الوقت المعين ما يسع الفعل. # وقد حكي الخلاف في ذلك عن الكرخي. # وأما النسخ قبل علم المكلف بوجوب ذلك الفعل عليه، كما إذا أمر الله تعالى ~~جبريل عليه السلام أن يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بوجوب شيء على الأمة، ~~ثم ينسخه قبل أن يعلموا به، فحكى السمعاني في ذلك الاتفاق على المنع. # قال الزركشي: وليس كذلك، ففي المسألة وجهان لأصحابنا، حكاهما الأستاذ أبو ~~منصور، وإلكيا. انتهى. # ويرد على المنع ما ثبت ms353 في ليلة المعراج من فرض خمسين صلاة ثم استقرت على ~~خمس1. # ولا وجه لما قيل: إن ذلك كان على سبيل التقرير، دون النسخ. # قال ابن برهان في "الوجيز": نسخ الحكم قبل علم المكلف بوجوبه جائز عندنا، ~~ومنعت من PageV02P056 # ذلك المعتزلة، وأصحاب أبي حنيفة، وزعموا أن النسخ قبل العلم يتضمن تكليف ~~المحال. # قال: وهذه المسألة فرع تكليف ما لا يطاق، فإذا قضينا بصحته، صح النسخ ~~حينئذ. # قال: واحتج علماؤنا في هذه المسألة بقصة المعراج، فإن الله تعالى أوجب ~~على الأمة خمسين صلاة، ثم نسخها قبل علمهم بوجوبها، وهذا لا حجة فيه؛ لأن ~~النسخ إنما كان بعد العلم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد المكلفين، ~~وقد علم، ولكنه قبل "علم"* جميع الأمة، وعلم الجميع لا يشترط، فإن التكليف ~~استقر بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا اعتماد على هذا الحديث ~~"انتهى"**. # ويجاب عنه: بأن عدم علم الأمة يقتضي وقوع النسخ قبل علم المكلفين بما ~~كلفوا به، وهو محل النزاع. # وحكى القاضي أبو بكر وغيره، عن جمهور الفقهاء والمتكلمين أن مثل هذا لا ~~يكون نسخا. # وقال بعض المتأخرين: نسخ الحكم قبل علم المكلف بالحكم المنسوخ اتفقت ~~الأشاعرة على جوازه، والمعتزلة على منعه. # وحكى الفقهاء في المسألة طريقين: # أحدهما: أن للشافعي في المسألة قولين: # والثاني: الفرق بين الأحكام التكليفية، والأحكام التعريفية، فمنعوه في ~~الأول وجوزوه في الثاني، كتكليف الغافل، وهو مذهب أبي حنيفة. انتهى. # وأما إذا كان المكلف قد علم بوجوبه عليه، ولكن لم يكن قد دخل وقته، وسواء ~~كان موسعا، كما لو قال: اقتلوا المشركين غدا، ثم نسخ عنهم في ذلك اليوم، أو ~~يكون على الفور، ثم نسخ قبل التمكن من الفعل، ويؤمر بالعبادة مطلقا، ثم نسخ ~~قبل مضي وقت يمكن فعلها فيه، فذهب الجمهور إلى الجواز، ونقله ابن برهان عن ~~الأشعرية، وجماعة من الحنفية، ونقله غيرهم عن معتزلة البصرة. # قال القاضي في "التقريب": وهو قول جميع أهل الحق. # وذهب أكثر الحنفية -كما قاله ابن السمعاني- والحنابلة، والمعتزلة إلى ~~المنع، وبه ms354 قال الكرخي، والجصاص، والماتريدي، والدبوسي، والصيرفي. # احتج الجمهور: بأنه لا مانع من ذلك لا عقلا ولا شرعا مع أن المقتضى ~~موجود، وهو أنه PageV02P057 # رفع تكليف قد ثبت على المكلف، فكان نسخا، وليس في ذلك ما يستلزم البداء، ~~ولا المحال؛ لأن المصلحة التي جاز النسخ لأجلها بعد التمكن من الفعل، وبعد ~~دخول الوقت يصح اعتبارها قبل التمكن من الفعل، وقبل دخول الوقت، للقطع بأن ~~تبديل حكم بحكم، ورفع شرع بشرع "كائن"* فيهما. # وأما إذا كان قد دخل وقت المأمور به، لكن وقع نسخه قبل فعله، إما لكونه ~~موسعا، أو لكونه أراد أن يشرع فيه، فنسخ، فقال سليم الرازي، وابن الصباغ: ~~إنه لا خلاف بين أهل العلم في جوازه، وجعلوا صورة الخلاف فيما إذ كان النسخ ~~قبل دخول الوقت. وكذا نقل الإجماع في هذه الصورة ابن برهان، وبعض الحنابلة، ~~والآمدي، وبه صرح إمام الحرمين في "البرهان". # وأما إذا كان قد دخل وقته وشرع في فعله، فنسخ قبل تمام الفعل. فقال ~~القرافي: لم أر فيه نقلا. وجعلها الأصفهاني في "شرح المحصول" من صور ~~الخلاف. فمن قال بالجواز جوز هذه الصورة، ومن قال بالمنع منعها. # وأما إذا وقع النسخ بعد خروج الوقت قبل الفعل. # قال الزركشي: فمقتضى استدلال ابن الحاجب أنه يمتنع بالاتفاق، ووجه بأن ~~التكليف بذلك الفعل المأمور به بعد مضي وقته ينتفي لانتفاء الوقت، وإذا ~~انتفى فلا يمكن رفعه، لامتناع رفع المعدوم، لكن صرح الآمدي في "الإحكام" ~~بالجواز، وأنه لا خلاف فيه. # قيل: ولا يتأتى إلا ذا صرح بوجوب القضاء، أو على القول بأن الأمر بالأداء ~~يستلزم القضاء. PageV02P058 ### | المسألة الخامسة: أنه لا يشترط في النسخ أن يخلفه بدل # أنه لا يشترط في النسخ أن يخلفه بدل، وإليه ذهب الجمهور، وهو الحق الذي ~~لا سترة به، فإنه قد وقع النسخ في هذه الشريعة المطهرة لأمور معروفة لا إلى ~~بدل. # ومن ذلك نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول1، ونسخ ادخار لحوم ~~الأضاحي2، PageV02P058 # ونسخ تحريم المباشرة بقول سبحانه: {فالآن باشروهن} 1، ونسخ قيام الليل في ms355 ~~حقه صلى الله عليه وسلم2. وأما ما تمسك به المخالفون، وهم بعض المعتزلة، ~~وقيل: كلهم، والظاهرية، من قوله سبحانه: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير ~~منها أو مثلها} 3، فلا دلالة في ذلك على محل النزاع، فإن المراد نسخ لفظ ~~الآية، كما "يدل عليه"* قوله تعالى: {نأت بخير منها أو مثلها} فليس لنسخ ~~الحكم ذكر في الآية، ولو سلمنا لجاز أن يقال: إن إسقاط ذلك الحكم المنسوخ ~~خير من ثبوته في ذلك الوقت. # وقد نص الشافعي في "الرسالة" على أنه يختار ما ذهب إليه القائلون باشتراط ~~البدل، فقال: وليس ينسخ فرض أبدا إلا أثبت مكانه فرض، كما نسخت قبلة بيت ~~المقدس، فأثبت مكانها الكعبة. قال: وكل منسوخ في كتاب الله سبحانه وسنة ~~نبيه صلى الله عليه وسلم هكذا. # قال الصيرفي، وأبو إسحاق "المروزي"**: إنما أراد الشافعي بهذه العبارة ~~أنه ينقل من حظر إلى إباحة، أو من إباحة إلى حظر، أو يخير على حسب أحوال ~~المفروض، كما في المناجاة، فإنه كان يناجي النبي صلى الله عليه وسلم بلا ~~تقديم صدقة، ثم فرض الله تقديم الصدقة، ثم أزال ذلك فردهم على ما كانوا ~~عليه، وهذا الحمل هو الذي ينبغي تفسير كلام الشافعي به، فإن مثله لا يخفى ~~عليه وقوع النسخ في هذه الشريعة بلا بدل، ولا شك في أنه يجوز ارتفاع ~~التكليف بالشيء، والنسخ مثله، لأنه رفع تكليف، ولم يمنع من ذلك شرع ولا ~~عقل، بل دل الدليل على الوقوع. PageV02P059 ### | المسألة السادسة: في النسخ إلى بدل يقع على وجوه # ... # المسألة السادسة: النسخ إلى بدل يقع على وجوه # الأول: أن يكون الناسخ مثل المنسوخ في التخفيف والتغليظ، وهذا لا خلاف ~~فيه، وذلك كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة1. # الثاني: نسخ الأغلظ بالأخف، وهو أيضا مما لا خلاف فيه، وذلك كنسخ العدة ~~حولا بالعدة أربعة أشهر وعشرا2. # الثالث: نسخ الأخف إلى الأغلظ، فذهب الجمهور إلى جوازه، خلافا للظاهرية. # والحق: الجواز والوقوع كما في نسخ وضع القتال في أول الإسلام بفرضه بعد ~~ذلك3، ونسخ ms356 التخيير بين الصوم والفدية بفرضية الصوم4، ونسخ تحليل الخمر ~~بتحريمها5، ونسخ PageV02P060 # نكاح المتعة بعد تجويزها1، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان2. # واستدل المانعون بقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} ~~3، وبقوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} 4. # وأجيب: بأن المراد اليسر في الآخرة، وهذا الجواب وإن كان بعيدا لكن وقوع ~~النسخ في هذه الشريعة للأخف بالأغلظ يوجب تأويل الآية، ولو بتأويل بعيد، ~~على أنه يمكن أن يقال: إن الناسخ والمنسوخ هما من اليسر، والأغلظية في ~~الناسخ إنما هي بالنسبة إلى المنسوخ، وهو بالنسبة إلى غيره تخفيف ويسر. # وأما الجواب عن الآية الثانية فظاهر؛ لأن الناسخ الأغلظ ثوابه أكثر، فهو ~~خير من المنسوخ من هذه الحيثية. PageV02P061 ### | المسألة السابعة: في جواز نسخ الأخبار # وفيه تفصيل، وهو أن يقال: إن كان خبرا عما لا يجوز تغيره، كقولنا: العالم ~~حادث، فهذا لا يجوز نسخه بحال. # PageV02P061 # وإذا كان خبرا عما يجوز تغيره، فإما أن يكون ماضيا أو مستقبلا، والمستقبل ~~إما أن يكن وعدا أو وعيدا، أو خبرا عن حكم، كالخبر عن وجوب الحج. # فذهب الجمهور إلى جواز النسخ لهذا الخبر بجميع هذه الأقسام. # وقال أبو علي، وأبو هاشم: لا يجوز النسخ لشيء منها. # وقال في "المحصول": وهو قول أكثر المتقدمين. # استدل الجمهور على الجواز أن الخبر إن عن أمر ماض كقوله: عمرت نوحا ألف ~~سنة. جاز أن يبين من بعد أنه عمره ألف سنة إلا خمسين عاما. # وإن كان مستقبلا، وكان وعدا أو وعيدا كقوله: لأعذبن الزاني أبدا، فيجوز ~~أن يبين من بعد أنه أراد ألف سنة، وإن كان خبرا عن حكم الفعل في المستقبل، ~~كان الخبر كالأمر في تناوله الأوقات المستقبلة، فصح إطلاق الكل مع إرادة ~~البعض لما تناوله بموضوعه. # قال الزركشي: إن كان مدلول الخبر مما لا يمكن تغيره، بأن لا يقع إلا على ~~وجه واحد، كصفات الله، وخبر ما كان من الأنبياء والأمم، وما يكون من الساعة ~~وآياتها، كخروج الدجال1 فلا يجوز نسخه بالاتفاق، ms357 كما قاله أبو إسحاق ~~المروزي، وابن برهان في "الأوسط"؛ لأنه يفضي إلى الكذب، وإن كان مما يصح ~~تغيره، بأن يقع على الوجه المخبر عنه ماضيا كان أو مستقبلا، وعدا أو وعيدا، ~~أو خبرا عن حكم شرعي، فهو "موضع"* الخلاف. # فذهب أبو عبد الله، وأبو الحسين البصريان، وعبد الجبار، والفخري الرازي، ~~إلى جوازه مطلقا، ونسبه ابن برهان في "الأوسط" إلى المعظم. # وذهب جماعة إلى المنع، منهم أبو بكر الصيرفي، كما رأيته في كتابه2، وأبو ~~إسحاق المروزي كما رأيته في كتابه3 في "الناسخ والمنسوخ". والقاضي أبو بكر، ~~وعبد الوهاب، PageV02P062 # والجبائي، وابنه أبو هاشم، وابن السمعاني، وابن الحاجب. # وقال الأصفهاني: إنه الحق. # ومنهم من فصل، ومنع في الماضي؛ لأنه يكون تكذيبا، دون المستقبل لجريانه ~~مجرى الأمر والنهي، فيجوز أن يرفع؛ لأن الكذب يختص بالماضي، ولا يتعلق ~~بالمستقبل. # قال الشافعي: لا يجب الوفاء بالوعد، وإنما يسمى من لم يف بالوعد مخلفا لا ~~كاذبا. # وهذا التفصيل جزم به سليم، وجرى عليه البيضاوي في "المنهاج"1، وسبقهما ~~إليه أبو الحسين ابن القطان. # أقول: والحق: منعه في الماضي مطلقا، وفي بعض المستقبل، وهو الخبر بالوعد، ~~لا بالوعيد، ولا بالتكليف، أما بالتكليف فظاهر؛ لأنه رفع حكم عن مكلف، وأما ~~بالوعيد، فلكونه عفوا، و"هو"* لا يمتنع من الله سبحانه، بل هو حسن يمدح ~~فاعله من غيره، ويتمدح به في نفسه، وأما الماضي فهو كذب صراح، إلا أن يتضمن ~~تخصيصا، أو تقييدا، أو تبيينا لما تضمنه الخبر الماضي، فليس بذلك بأس. # وهذه المسألة لها إلمام بمسألة الحسن والقبح، المتقدم ذكرها في بعض ~~أطرافها دون بعض. # وقد استدل المانعون مطلقا باستلزام ذلك الكذب، وهو استدلال باطل، فإن ذلك ~~الاستلزام إنما هو في بعض الصور كما عرفت، لا في كلها، وقد نقل أبو الحسين ~~في "المعتمد" عن شيوخ المعتزلة منع النسخ في الوعد والوعيد. # قال الزركشي: وأما عندنا فكذلك في الوعد؛ لأنه إخلاف، والخلف في الإنعام ~~يستحيل على الله، وبه صرح الصيرفي في كتابه. وأما في الوعيد فنسخه جائز، ~~كما قال ابن السمعاني. ms358 # قال: ولا يعد ذلك خلفا، بل عفوا وكرما. PageV02P063 ### | المسألة الثامنة: في نسخ التلاوة دون الحكم والعكس ونسخهما معا # وقد جعل أبو إسحاق المروزي، وابن السمعاني، وغيرهما ذلك ستة أقسام. # الأول: # ما نسخ حكمه وبقي رسمه، كنسخ آية الوصية للوالدين والأقربين1 بآية ~~PageV02P063 # المواريث1، ونسخ العدة حولا بالعدة أربعة أشهر وعشرا2. # فالمنسوخ ثابت التلاوة "مرفوع"* الحكم "والناسخ ثابت التلاوة والحكم"** ~~وإلى جواز ذلك ذهب الجمهور، بل ادعى بعضهم الإجماع عليه. # وقد حكى جماعة من الحنفية، والحنابلة عدم الجواز عن بعض أهل الأصول، ~~قالوا: لأنه إذا انتفى الحكم فلا فائدة في التلاوة، وهذا قصور عن معرفة ~~الشريعة، وجهل كبير بالكتاب العزيز، فإن المنسوخ حكمه، الباقية تلاوته في ~~الكتاب العزيز مما لا ينكره من له أدنى قدم في العلم. # الثاني: # ما نسخ حكمه ورسمه، وثبت حكم الناسخ ورسمه، كنسخ استقبال بيت المقدس ~~باستقبال الكعبة3، ونسخ صيام عاشوراء بصيام رمضان4. # قال أبو إسحاق المروزي: ومنهم من جعل القبلة من نسخ السنة بالقرآن، وزعم ~~أن استقبال بيت المقدس بالسنة لا بالقرآن. # الثالث: # ما نسخ حكمه وبقي رسمه، ورفع رسم الناسخ، وبقي حكمه، كقوله تعالى: ~~{فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا} 5 بقوله ~~تعالى: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله"، وقد ثبت ~~في الصحيح أن هذا كان قرآنا يتلى، ثم نسخ لفظه وبقي حكمه6. PageV02P064 # الرابع: # ما نسخ حكمه ورسمه، ونسخ رسم الناسخ وبقي حكمه، كما ثبت في الصحيح عن ~~عائشة أنها قالت: "كان فيما أنزل عشر رضعات متتابعات يحرمن فنسخن بخمس ~~رضعات"، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يتلى من القرآن1. # قال البيهقي: فالعشر مما نسخ رسمه وحكمه، والخمس مما نسخ رسمه وبقي حكمه، ~~بدليل أن الصحابة حين جمعوا القرآن لم يثبتوها رسما، وحكمها باق عندهم. # قال ابن السمعاني: وقولها: "وهن مما يتلى من القرآن" بمعنى أنه يتلى حكمه ~~دون لفظه. # وقال البيهقي: المعنى أنه يتلوه من لم يبلغه نسخ تلاوته. # ومنع قوم من نسخ اللفظ ms359 مع بقاء حكمه، وبه جزم شمس الأئمة السرخسي؛ لأن ~~الحكم لا يثبت بدون دليله، ولا وجه لذلك، فإن الدليل ثابت موجود محفوظ، ~~ونسخ كونه قرآنا لا يستلزم عدم وجوده، ولهذا رواه الثقات في مؤلفاتهم. # الخامس: # ما نسخ رسمه لا حكمه، ولا يعلم الناسخ له، وذلك كما ثبت في الصحيح: "لو ~~كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى لهما ثالثها، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا ~~التراب، ويتوب الله على من تاب" 2. # فإن هذا كان قرآنا ثم نسخ رسمه. # قال ابن عبد البر في "التمهيد3: قيل: إنه في سورة ص. # وكما ثبت في الصحيح أيضا أنه نزل في القرآن حكاية عن أهل بئر معونة أنهم ~~قالوا: "بلغوا PageV02P065 # قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا"1. # وكما أخرجه الحاكم في "مستدركه"، من حديث زر بن حبيش2 عن أبي بن كعب أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليه: {لم يكن الذين كفروا} 3 وقرأ فيها: "إن ~~ذات الدين عند الله الحنيفية، لا اليهودية والنصرانية، ومن يعمل خيرا فلن ~~يكفر"4. قال الحاكم: صحيح الإسناد؛ فهذا مما نسخ لفظه، وبقي معناه. # وعده ابن عبد البر في "التمهيد" مما نسخ خطه وحكمه، وحفظه "ينسى مع رفع ~~خطه من المصحف، وليس حفظه على وجه التلاوة، ولا يقطع بصحته عن الله، ولا ~~يحكم به اليوم أحد"* قال: ومنه قول من قال: إن سورة الأحزاب كانت نحو سورة ~~البقرة5. # السادس: ناسخ صار منسوخا، وليس بينهما لفظ متلو، كالمواريث بالحلف ~~والنصرة، فإنه نسخ بالتوارث بالإسلام والهجرة، ونسخ التوارث بالإسلام ~~والهجرة بآي المواريث.. # قال ابن السمعاني: وعندي أن القسمين الأخيرين تكلف، وليس يتحقق فيهما ~~النسخ. # وجعل أبو إسحاق المروزي التوريث بالهجرة من قسم ما علم أنه منسوخ، ولم ~~يعلم ناسخه. # والحاصل: أن نسخ التلاوة دون الحكم، أو الحكم دون التلاوة، أو نسخهما معا ~~لم يمنع منه مانع شرعي ولا عقلي، فلا وجه للمنع منه؛ لأن جواز تلاوة الآية ~~حكم من أحكامها، وما PageV02P066 # تدل عليه من الأحكام حكم آخر لها، ولا ms360 تلازم بينهما، وإذا ثبت ذلك فيجوز ~~نسخهما ونسخ أحدهما، كسائر الأحكام المتباينة. # ولنا أيضا: الوقوع، وهو دليل الجواز، كما عرفت مما أوردناه. # PageV02P067 ### | المسألة التاسعة: وجوه نسخ القرآن والسنة # لا خلاف في جواز نسخ القرآن بالقرآن، ونسخ السنة بالسنة المتواترة، وجواز ~~نسخ الآحاد بالآحاد، ونسخ الآحاد بالمتواتر. # وأما نسخ القرآن، أو المتواتر من السنة بالآحاد، فقد وقع الخلاف في ذلك ~~في الجواز والوقوع. # أما الجواز عقلا: فقال به الأكثرون، وحكاه سليم الرازي عن الأشعرية، ~~والمعتزلة. # ونقل ابن برهان في "الأوسط" الاتفاق عليه، فقال: لا يستحيل عقلا نسخ ~~الكتاب بخبر الواحد، بلا خلاف، وإنما الخلاف في جوازه شرعا # وأما الوقوع: فذهب الجمهور، كما حكاه ابن برهان، وابن الحاجب، وغيرهما ~~إلى أنه غير واقع. # ونقل ابن السمعاني، وسليم في "التقريب" الإجماع على عدم وقوعه، وهكذا حكى ~~الإجماع القاضي أبو الطيب في "شرح الكفاية"، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي في ~~"اللمع". # وذهب جماعة من أهل الظاهر، منهم ابن حزم إلى وقوعه، وهي رواية عن أحمد. # وذهب القاضي في "التقريب"، والغزالي، وأبو الوليد الباجي، والقرطبي إلى ~~التفصيل بين زمان النبي صلى الله عليه وسلم وما بعده، فقالوا بوقوعه في ~~زمانه. # احتج المانعون بأن الثابت قطعا لا ينسخه مظنون. # واستدل القائلون بالوقوع بما ثبت من أن أهل قباء لما سمعوا مناديه صلى ~~الله عليه وسلم وهم في الصلاة يقول: "ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة، ~~فاستداروا"1 ولم ينكر ذلك عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وأجيب: بأنهم علموا بالقرائن. # واستدل أيضا القائلون بالوقوع بأنه صلى الله عليه وسلم كان يرسل رسله ~~لتبليغ الأحكام "وهم آحاد"*، PageV02P067 # وكانوا يبلغون الأحكام المبتدأة وناسخها. # ومن الوقوع: نسخ قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه} 1 الآية. "بنهيه صلى الله عليه وسلم عن أكل ذي ناب من السباع ومخلب ~~من الطير"2 وهو آحاد. # وأجيب: بأن المعنى: لا أجد الآن، والتحريم وقع في المستقبل. # ومن الوقوع نسخ نكاح المتعة3 بالنهي عنها، وهو آحاد. ونحو ذلك ms361 كثير. # ومما يرشدك إلى جواز النسخ بما صح من الآحاد لما هو أقوى متنا أو دلالة ~~منها: أن الناسخ في الحقيقة إنما جاء رافعا لاستمرار حكم المنسوخ ودوامه، ~~وذلك ظني وإن كان دليله قطعيا، فالمنسوخ إنما هو هذا الظني، لا ذلك القطعي، ~~فتأمل هذا. PageV02P068 ### | المسألة العاشرة: نسخ القرآن بالسنة المتواترة ### | مدخل # ... # المسألة العاشرة: نسخ القرآن بالسنة المتواترة # يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة عند الجمهور، كما حكى ذلك عنهم أبو ~~الطيب الطبري، وابن برهان، وابن الحاجب. # قال ابن فورك في "شرح مقالات الأشعري"1: وإليه ذهب شيخنا أبو الحسن ~~الأشعري، وكان يقول: إن ذلك وجد في قوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم ~~الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} 2، فإنه منسوخ بالسنة ~~المتواترة، وهي قوله: "لا وصية لوارث " 3 "وكان يقول: إنه لا يجوز أن يقال ~~إنها نسخت بآية المواريث"* لأنه يمكن أن يجمع بينهما. # قال ابن السمعاني: وهو مذهب أبي حنيفة، وعامة المتكلمين. PageV02P068 # وقال سليم الرازي: هو قول أهل العراق، قال: وهو مذهب الأشعري، والمعتزلة، ~~وسائر المتكلمين. # قال الدبوسي: إنه قول علمائنا، يعني: الحنفية. # قال الباجي: قال به عامة شيوخنا، وحكاه "أبو"* الفرج عن مالك. قال: ولهذا ~~لا تجوز عنده الوصية للوارث للحديث، فهو ناسخ لقوله تعالى: {كتب عليكم إذا ~~حضر أحدكم الموت} الآية. # وذهب الشافعي في عامة كتبه -كما قال ابن السمعاني- إلى أنه لا يجوز نسخ ~~القرآن بالسنة بحال، وإن كانت متواترة. وبه جزم الصيرفي، والخفاف1، ونقله ~~عبد الوهاب عن أكثر الشافعية. # وقال الأستاذ أبو منصور: أجمع أصحاب الشافعي على المنع، وهذا يخالف ما ~~حكاه ابن فورك عنهم، فإنه حكى عن أكثرهم القول بالجواز، ثم اختلف المانعون، ~~فمنهم من منعه عقلا وشرعا، ومنهم من منعه شرعا لا عقلا. # واستدل على ذلك بقوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها} 2 الآية. # قالوا: ولا تكون السنة خيرا من القرآن، "ولا"** مثله، قالوا: ولم نجد في ~~القرآن آية منسوخة بالسنة. # وقد استنكر جماعة من العلماء ما ذهب إليه الشافعي من المنع، ms362 حتى قال ~~إلكيا الهراس: هفوات الكبار على أقدارهم، ومن عد خطؤه عظم قدره. # قال: وقد كان عبد الجبار كثيرا ما "ينصر"*** مذهب الشافعي في الأصول ~~والفروع، فلما وصل إلى هذا الموضع قال: هذا الرجل كبير، ولكن الحق أكبر ~~منه، قال: ولم نعلم أحدا منع من جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد عقلا، فضلا عن ~~المتواتر، فلعله يقول: دل عرف الشرع على المنع منه، وإذا لم يدل قاطع من ~~السمع توقفنا، وإلا فمن الذي يقول: إنه عليه السلام لا يحكم بقوله في نسخ ~~ما ثبت في الكتاب، وأن هذا مستحيل في العقل؟ PageV02P069 # والمغالون في حب الشافعي لما رأوا هذا القول لا يليق بعلو قدره، وهو الذي ~~مهد هذا الفن ورتبه، وأول من أخرجه، قالوا: لا بد أن يكون لهذا القول من ~~هذا العظيم محمل، فتعمقوا في محامل ذكروها، انتهى. # ولا يخفاك أن السنة شرع من الله عز وجل، كما أن الكتاب شرع منه سبحانه، ~~وقد قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} 1، وأمر ~~سبحانه باتباع رسوله في غير موضع في القرآن، فهذا بمجرده يدل على أن السنة ~~الثابتة عنه ثبوتا على حد ثبوت الكتاب العزيز حكمها حكم القرآن في النسخ ~~وغيره، وليس في العقل ما يمنع من ذلك، ولا في الشرع. # وقوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} 2، ليس ~~فيه إلا أن ما يجعله الله منسوخا من الآيات القرآنية سيبدله بما هو خير ~~منه، أو بما هو مثله للمكلفين، وما أتانا على لسان رسوله، فهو كما أتانا ~~منه، كما قال سبحانه: {إن هو إلا وحي يوحى} 3 وكما قال تعالى: {قل ما يكون ~~لي أن أبدله من تلقاء نفسي} 4. # قال أبو منصور البغدادي: لم يرد الشافعي مطلق السنة، بل أراد السنة ~~المنقولة آحادا، واكتفى بهذا الإطلاق؛ لأن الغالب في السنة الآحاد. # قال الزركشي في "البحر": والصواب أن مقصود الشافعي أن الكتاب والسنة لا ~~يوجدان مختلفين إلا ومع أحدهما مثله ناسخ له، وهذا تعظيم ms363 عظيم، وأدب مع ~~الكتاب والسنة، وفهم لموقع أحدهما من الآخر، وكل من تكلم في هذه المسألة لم ~~يقع على مراد الشافعي، بل فهموا خلاف مراده، حتى غلطوه وأولوه. انتهى. # ومن جملة ما قيل: إن السنة فيه نسخت القرآن الآية المتقدمة، أعني قوله ~~تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت} 5 الآية، وقوله تعالى: {وإن فاتكم ~~شيء من أزواجكم إلى الكفار} 6، وقوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي ~~محرما} 7 الآية منسوخة بالنهي "عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من ~~الطير"8، وقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} 9، فإنها منسوخة بأحاديث ~~الدباغ10 على نزاع طويل في كون ما في هذه الآيات منسوخة بالسنة. ~~PageV02P070 ### | نسخ السنة بالقرآن: # وأما نسخ السنة بالقرآن فذلك جائز عند الجمهور، وبه قال بعض من منع من ~~نسخ القرآن بالسنة. # وللشافعي في ذلك قولان حكاهما القاضي أبو الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق ~~الشيرازي، وسليم الرازي، وإمام الحرمين، وصححوا جميعا الجواز. # قال ابن برهان: هو قول المعظم. # وقال سليم: هو قول عامة المتكلمين والفقهاء. # وقال السمعاني1: إنه الأولى بالحق، وجزم به الصيرفي، ولا وجه للمنع قط، ~~ولم يأت في ذلك ما يتشبث به المانع، لا من عقل، ولا من شرع، بل ورد في ~~الشرع نسخ السنة بالقرآن في غير موضع. # فمن ذلك: قوله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} 2 الآية. # وكذلك نسخ صلحه صلى الله عليه وسلم لقريش على أن يرد لهم النساء، بقوله ~~تعالى: {فلا ترجعوهن إلى الكفار} 3. PageV02P071 # ونسخ تحليل الخمر بقوله تعالى: {إنما الخمر والميسر} 1 الآية: # ونسخ تحريم المباشرة بقوله تعالى: {فالآن باشروهن} 2 # ونسخ صوم يوم عاشوراء بقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} 3. ونحو ~~ذلك مما يكثر تعداده. PageV02P072 ### | المسألة الحادية عشرة: نسخ القول والفعل من السنة # ذهب الجمهور إلى أن الفعل من السنة ينسخ القول، كما أن القول ينسخ الفعل، ~~وحكى الماوردي، والروياني عن ظاهر قول الشافعي: أن القول لا ينسخ إلا ~~بالقول، وأن الفعل لا ينسخ إلا بالفعل، ولا ms364 وجه لذلك، فالكل سنة وشرع. # ولا يخالف في ذلك الشافعي ولا غيره، وإذا كان كل واحد منهما شرعا ثابتا ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا وجه للمنع من نسخ أحدهما بالآخر، ولا ~~سيما وقد وقع ذلك في السنة كثيرا. # ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في السارق: "فإن عاد في الخامسة فاقتلوه" 1 ~~ثم رفع إليه سارق في الخامسة فلم يقتله2. فكان هذا الترك ناسخا للقول. ~~PageV02P072 # وقال: "الثيب بالثيب جلد مائة والرجم" 1، ثم رجم ماعزا، ولم يجلده2، فكان ~~ذلك ناسخا لجلد من ثبت عليه الرجم. # ومنه ما ثبت في الصحيح من قيامه صلى الله عليه وسلم للجنازة3، ثم ترك ~~ذلك4، فكان نسخا، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا كما رأيتموني ~~أصلي" 5، ثم فعل غير ما كان يفعله، وترك بعض ما كان يفعله، فكان ذلك نسخا، ~~وهذا كثير في السنة لمن تتبعه. # ولم يأت المانع بدليل يدل على ذلك، لا من عقل، ولا من شرع، وقد تابع ~~الشافعي في المنع من نسخ الأقوال بالأفعال ابن عقيل6 من الحنابلة، وقال: ~~الشيء إنما ينسخ بمثله أو بأقوى منه، يعني: والقول أقوى من الفعل. ~~PageV02P073 ### | المسألة الثانية عشرة: القول في نسخ الإجماع والنسخ به # الإجماع لا ينسخ، ولا ينسخ به عند الجمهور. # أما كونه لا ينسخ، فلأن الإجماع لا يكون إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، والنسخ لا يكون بعد موته، وأما في حياته فالإجماع لا ينعقد ~~بدونه، بل يكون قولهم المخالف لقوله لغوا باطلا، لا يعتد به، ولا يلتفت ~~إليه، وقولهم الموافق "لقوله"* لا اعتبار به، بل الاعتبار بقوله وحده، ~~والحجة فيه لا في غيره. # فإذا عرفت هذا علمت أن الإجماع لا ينعقد إلا بعد أيام النبوة، وبعد أيام ~~النبوة فقد انقطع الكتاب والسنة، فلا يمكن أن يكون الناسخ منهما. # ولا يمكن أن يكون الناسخ للإجماع إجماعا آخر؛ لأن هذا الإجماع الثاني إن ~~كان لا عن دليل فهو خطأ، وإن كان عن دليل، فذلك يستلزم أن يكون ms365 الإجماع ~~الأول خطأ، والإجماع لا يكون خطأ، فبهذا يستحيل أن يكون الإجماع ناسخا أو ~~منسوخا. # ولا "يصح"** أيضا: أن يكون الإجماع منسوخا بالقياس؛ لأن من شرط العمل به ~~أن لا يكون مخالفا للإجماع. # وقد استدل من جوز ذلك، بما قيل: من أن الأمة إذا اختلفت على قولين فهو ~~إجماع، على أن المسألة اجتهادية يجوز الأخذ بكليهما، ثم يجوز إجماعهم على ~~أحد القولين -كما مر في الإجماع1- فإذا أجمعوا بطل الجواز، الذي هو مقتضى ~~ذلك الإجماع، وهذا هو النسخ. # وأجيب: بأنا لا نسلم ذلك لوقوع الخلاف فيه كما تقدم، ولو سلم فلا يكون ~~نسخا، لما تقدم من أن الإجماع الأول مشروط بعدم الإجماع الثاني. # وقال الشريف المرتضى: إن دلالة الإجماع مستقرة في كل حال قبل انقطاع ~~الوحي وبعده. # قال: فالأقرب أن يقال: إن الأمة أجمعت على أن ما ثبت بالإجماع لا ينسخ، ~~ولا ينسخ به، أي: لا يقع ذلك لا أنه غير جائز، ولا يلتفت إلى قول عيسى بن ~~أبان: إن الإجماع ناسخ لما وردت به السنة، من "وجوب الغسل من غسل الميت"2. ~~انتهى. PageV02P074 # قال الصيرفي: ليس لإجماع حظ في نسخ الشرع؛ لأنهم لا يشرعون، ولكن إجماعهم ~~يدل على الغلط في الخبر، أو رفع حكمه، لا أنهم رفعوا الحكم، وإنما هم أتباع ~~لما أمروا به. # وقال بعض الحنابلة: يجوز النسخ بالإجماع، لكن لا بنفسه، بل بسنده، فإذا ~~رأينا "نصا"* صحيحا، والإجماع بخلافه، استدللنا بذلك على نسخ، وأن أهل ~~الإجماع اطلعوا على ناسخ، وإلا لما خالفوه، وقال ابن حزم: جوز بعض أصحابنا ~~أن يرد حديث صحيح، والإجماع على خلافه، قال: وذلك دليل على أنه منسوخ، قال: ~~وهذا عندنا غلط فاحش؛ لأن ذلك معدوم، لقوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر ~~وإنا له لحافظون} 1 وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم وحي محفوظ. انتهى. # وممن جوز كون الإجماع ناسخا الحافظ البغدادي في كتاب "الفقيه والمتفقه"2 ~~ومثله بحديث الوادي، الذي في الصحيح حين نام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، فما أيقظهم إلا حر الشمس. ms366 # وقال في آخره: "فإذا سها أحدكم عن صلاة فليصلها حين يذكرها، ومن الغد ~~للوقت" 3. # قال: فإعادة الصلاة المنسية بعد قضائها حال الذكر وفي الوقت منسوخ بإجماع ~~المسلمين "أنه"** لا يجب ولا يستحب. PageV02P075 ### | المسألة الثالثة عشرة: القياس لا يكون ناسخا # ذهب الجمهور إلى أن القياس لا يكون ناسخا. # ونقله القاضي أبو بكر في "التقريب" عن الفقهاء، والأصوليين، قالوا: لا ~~يجوز نسخ شيء من القرآن والسنة بالقياس؛ لأن القياس يستعمل مع عدم النص، ~~فلا يجوز أن ينسخ النص، ولأنه دليل محتمل، والنسخ يكون بأمر مقطوع؛ ولأن ~~شرط القياس أن لا يكون في الأصول ما يخالفه، ولأنه إن عارض نصا أو إجماعا، ~~فالقياس فاسد الوضع، وإن عارض قياسا آخر، فتلك المعارضة إن كانت بين أصلي ~~القياس، فهذا يتصور فيه النسخ قطعا؛ إذ هو من باب نسخ النصوص، وإن كانت بين ~~العلتين، فهو من باب المعارضة في الأصل والفرع، لا من باب القياس. # قال الصيرفي: لا يقع النسخ إلا بدليل توقيفي، ولا حظ للقياس فيه أصلا. # وحكى القاضي أبو بكر عن بعضهم: أن القياس ينسخ به المتواتر، ونص القرآن. # وحكى عن آخرين: أنه "إنما"* ينسخ به أخبار الآحاد فقط. # وحكى الأستاذ أبو منصور عن أبي القاسم الأنماطي: "أنه يجوز النسخ بالقياس ~~الجلي لا الخفي، وقيل: يجوز النسخ بالقياس"** إذا كانت علته منصوصة، لا ~~مستنبطة. # وجعل الهندي محل الخلاف في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأما بعده فلا ~~ينسخ به بالاتفاق. وأما كونه منسوخا فلا شك أن القياس يكون منسوخا بنسخ ~~أصله، وهل يصح نسخه مع بقاء أصله؟. # في ذلك خلاف، الحق منعه، وبه قال قوم من الأصوليين. # وقال آخرون: إنه يجوز نسخه في زمن الرسول بالكتاب والسنة، والقياس، وأما ~~بعد موته فلا، ورجحه صاحب "المحصول" وجماعة من الشافعية. PageV02P076 ### | المسألة الرابعة عشرة: في نسخ المفهوم # وقد تقدم تقسميه إلى مفهوم مخالفة، ومفهوم موافقة. # أما مفهوم المخالفة: فيجوز "نسخه"* مع نسخ أصله، وذلك ظاهر، ويجوز نسخه ~~بدون نسخ أصله، وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: ms367 "الماء من الماء" 1 فإنه ~~نسخ مفهومه، بما ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا قعد بين شعبها ~~الأربع وجهدها فقد وجب الغسل" 2 وفي لفظ: "إذا لاقى الختان الختان" 3 فهذا ~~نسخ مفهوم "الماء من الماء" وبقي منطوقه محكما، غير منسوخ؛ لأن الغسل واجب ~~من الإنزال بلا خلاف. # وأما نسخ الأصل دون المفهوم، ففي جوازه احتمالان، ذكرهما الصفي الهندي، ~~قال: والأظهر أنه لا يجوز. # وقال سليم الرازي في "التقريب": من أصحابنا من قال: يجوز أن يسقط اللفظ ~~ويبقى دليل الخطاب. # والمذهب: أنه لا يجوز ذلك؛ لأن الدليل إنما هو تابع للفظ يستحيل أن يسقط ~~الأصل ويكون الفرع باقيا4. PageV02P077 # وأما مفهوم الموافقة: فاختلفوا هل يجوز نسخه، والنسخ به، أم لا؟ # أما جواز النسخ به، فجزم القاضي بجوازه في "التقريب" وقال: لا فرق في ~~جواز النسخ بما اقتضاه نص الكتاب وظاهره، وجوازه بما اقتضاه فحواه ولحنه، ~~ومفهومه، وما أوجبه العموم ودليل الخطاب عند مثبتها؛ لأنه كالنص أو أقوى ~~منه. انتهى. # وكذا جزم بذلك ابن السمعاني. قال: لأنه مثل النطق وأقوى. # ونقل الآمدي، والفخر الرازي الاتفاق على أنه ينسخ به ما ينسخ بمنطوقه. ~~قال الزركشي في "البحر": وهو عجيب، فإن في المسألة وجهين لأصحابنا وغيرهم، ~~حكاهما الماوردي في "الحاوي"، والشيخ أبو إسحاق في "اللمع"، وسليم الرازي، ~~وصححوا المنع، والماوردي نقله عن الأكثرين. قال: لأن القياس فرع النص، الذي ~~هو أقوى، فلا يجوز أن يكون ناسخا له. # قال: والثاني، وهو اختيار ابن أبي هريرة وجماعة الجواز. # وأما جواز نسخه: فهو ينقسم إلى قسمين: # الأول: أن ينسخ مع بقاء أصله. # الثاني: أن ينسخ تبعا لأصله. # ولا شك في جواز الثاني. # وأما الأول: فقد اختلف فيه الأصوليون على قولين: # أحدهما: الجواز، وبه قال أكثر المتكلمين، وجعلوه مع أصله كالنصين، يجوز ~~نسخ أحدهما مع بقاء الآخر، ونقله سليم عن الأشعري وغيره من المتكلمين. ~~"قال"*: بناء على أصلهم أن ذلك مستفاد من اللفظ، فكانا بمنزلة لفظين، فجاز ~~نسخ أحدهما، مع بقاء حكم الآخر. # والقول الثاني: المنع، ms368 وصححه سليم الرازي، وجزم به الروياني، والماوردي، ~~ونقله ابن السمعاني عن أكثر الفقهاء؛ لأن ثبوت لفظه موجب لفحواه ومفهومه، ~~فلم يجز نسخ الفحوى مع بقاء موجبه، كما لا ينسخ القياس مع بقاء أصله. # وذهب بعض المتأخرين إلى التفصيل، فقال: إن كانت علة المنطوق لا تحتمل ~~التغيير، PageV02P078 # كإكرام الوالدين بالنهي عن التأفيف، فيمتنع نسخ الفحوى؛ لأنه يناقض ~~المقصود، وإن احتملت النقض جاز، كما لو قال لغلامه: لا تعط زيدا درهما، ~~قاصدا بذلك حرمانه "لأكثر منه"*، ثم يقول: أعطه أكثر من درهم، ولا تعطه ~~درهما، لاحتمال أنه انتقل من علة حرمانه إلى العلة مواساته. # وهذا التفصيل قوي جدا. PageV02P079 ### | المسألة الخامسة عشرة: في الزيادة على النص # هل تكون نسخا لحكم النص أم لا؟ وذلك يختلف باختلاف الصور، فالزائد إما أن ~~يكون مستقلا بنفسه أو لا. # الأول: # المستقل: "وهو"* إما أن يكون من غير جنس الأول، كزيادة وجوب الزكاة على ~~الصلاة، فليس بناسخ، لما "تقدمه"** من العبادات بلا خلاف. # قال في "المحصول": اتفق العلماء على أن زيادة عبادة على العبادات لا تكون ~~نسخا للعبادات. انتهى. ومعلوم أنه لا يخالف في مثل هذا أحد من أهل الإسلام؛ ~~لعدم التنافي. # وإما أن تكون من جنسه، كزيادة صلاة على الصلوات الخمس، فهذا ليس بنسخ على ~~قول الجمهور. # وذهب بعض أهل العراق إلى أنها تكون نسخا لحكم المزيد عليه، كقوله تعالى: ~~{حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} 1؛ لأنها تجعلها غير الوسطي، ~~و"هذا"*** قول باطل، لا دليل عليه، ولا شبهة دليل، فإن الوسطى ليس المراد ~~بها المتوسطة في العدد، بل المراد بها الفاضلة. # ولو سلمنا أن المراد بها المتوسطة في العدد، لم تكن تلك الزيادة مخرجة ~~لها عن كونها مما يحافظ عليه، فقد علم توسطها عند نزول الآية، وصارت مستحقة ~~لذلك الوصف، وإن خرجت عن كونها وسطى. PageV02P079 # قال القاضي عبد الجبار: ويلزمهم زيادة عبادة على العبادة الأخيرة؛ لأن ~~هذه المزيدة تصير أخيرة، وتجعل تلك التي كانت أخيرة غير أخيرة، وهو خلاف ~~الإجماع، وألزمهم صاحب "المحصول": بأنه لو كان عدد كل ms369 الوجبات قبل الزيادة ~~عشرة، فبعد الزيادة لا يبقى ذلك العدد، فيكون نسخا، يعني: وهو خلاف ~~الإجماع1. # الثاني: الذي لا يستقل، كزيادة ركعة على الركعات، وزيادة التغريب على ~~الجلد، وزيادة وصف الرقبة بالإيمان، وقد اختلفوا فيه على أقوال: # الأول: أن ذلك لا يكون نسخا مطلقا، وبه قالت الشافعية، والمالكية، ~~والحنابلة، وغيرهم من المعتزلة كأبي علي، وأبي هاشم*، وسواء اتصلت بالمزيد ~~عليه أم لا، ولا فرق بين أن تكون هذه الزيادة مانعة من إجزاء المزيد عليه ~~بدونها، أو غير مانعة. # الثاني: أنها نسخ، وهو قول الحنفية، قال شمس الأئمة السرخسي الحنفي: ~~وسواء كانت الزيادة في السبب، أو في الحكم. # قال ابن السمعاني: أما أصحاب أبي حنيفة، فقالوا: إن الزيادة على النص بعد ~~استقرار حكمة توجب النسخ. حكاه الصيمري عن أصحابه على الإطلاق، واختاره بعض ~~أصحابنا. # قال ابن فورك، وإلكيا: وعزي إلى الشافعية أيضا. # الثالث: إن كان المزيد عليه ينفي الزيادة بفحواه، فإن تلك الزيادة نسخ، ~~كقوله: "في سائمة الغنم الزكاة" 2 فإنه يفيد نفي الزكاة عن المعلوفة. # وإن كان لا ينفي تلك الزيادة فلا يكون نسخا، حكاه ابن برهان، وصاحب ~~"المعتمد"، وغيرهما. # الرابع: أن الزيادة إن غيرت المزيد عليه تغيرا شرعيا، حتى صار لو فعل بعد ~~الزيادة على حد. PageV02P080 # ما كان يفعلها قبلها لم يتعد به، وذلك كزيادة ركعة "كانت"* نسخا، وإن كان ~~المزيد عليه يصح فعله بدون الزيادة لم تكن نسخا، كزيادة التغريب على الجلد، ~~وإليه ذهب عبد الجبار، كما حكاه عنه صاحب "المعتمد"، وابن الحاجب، وغيرهما، ~~وحكاه سليم عن اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني، والإسترابادي1، والبصري2. # الخامس: التفصيل بين أن تتصل به فهي نسخ، وبين أن تنفصل عنه، فلا تكون ~~نسخا، حكاه ابن برهان عن عبد الجبار أيضا، واختاره الغزالي. # السادس: إن تكن الزيادة مغيرة لحكم المزيد عليه في المستقبل، كانت نسخا، ~~وإن لم تغير حكمه في المستقبل، بأن كانت مقارنة، لم تكن نسخا، حكاه ابن ~~فورك عن أصحاب أبي حنيفة. # قال صاحب "المعتمد": وبه قال شيخنا أبو الحسن الكرخي، ms370 وأبو عبد الله ~~البصري. # السابع: أن الزيادة إن رفعت حكما عقليا، أو ما ثبت باعتبار الأصل، كبراءة ~~الذمة، لم تكن نسخا؛ لأنا لا نعتقد أن العقل يوجب الأحكام، ومن يعتقد ~~إيجابه لا يعتقد أن رفعها يكون نسخا، وإن تضمنت رفع حكم شرعي، كانت نسخا. # حكى هذا التفصيل ابن برهان في "الأوسط" عن أصحاب الشافعي، وقال: إنه ~~الحق، واختاره الآمدي، وابن الحاجب، والفخر الرازي، والبيضاوي، وهو اختيار ~~أبي الحسين البصري في "المعتمد"، وهو ظاهر كلام القاضي أبي بكر الباقلاني ~~في "مختصر التقريب"، وظاهر كلام إمام الحرمين الجويني في "البرهان". # قال الصفي الهندي: إنه أجود الطرق وأحسنها، فهذه الأقوال كما ترى. # قال بعض المحققين: إن هذه التفاصيل لا حاصل لها، وليست في محل النزاع، ~~فإنه لا ريب عند الكل أن ما رفع حكما شرعيا كان نسخا حقيقة، وليس الكلام ~~هنا في مقام أن النسخ رفع أو بيان، وما لم يكن كذلك فليس بنسخ، فإن القائل: ~~"أنا أفصل"** بين ما رفع حكما PageV02P081 # شرعيا، وما لا يرفع، كأنه قال: إن كانت الزيادة نسخا فهي نسخ، وإلا فلا، ~~وهذا لا حاصل له، وإنما النزاع منهم هل ترفع حكما شرعيا فتكون نسخا، أو لا ~~فلا تكون نسخا؟ فلو وقع الاتفاق على أنها ترفع حكما شرعيا لوقع الاتفاق على ~~أنها "تنسخ، أو وقع الاتفاق على أنها لا ترفع حكما شرعيا لوقع الاتفاق على ~~أنها"* ليست بنسخ، ولكن النزاع في الحقيقة إنما هو في أنها رفع أم لا. ~~انتهى. # قال الزركشي في "البحر": واعلم أن فائدة هذه المسألة أن ما ثبت أنه من ~~باب النسخ، وكان مقطوعا به، فلا ينسخ إلا بقاطع، كالتغريب1، فإن أبا حنيفة ~~لما كان عنده نسخا نفاه؛ لأنه نسخ للقرآن بخبر الواحد، ولما لم يكن عند ~~الجمهور نسخا قبلوه؛ إذ لا معارضة. # وقد ردوا -يعني الحنفية- بذلك أخبارا صحيحة، لما اقتضت زيادة على القرآن، ~~والزيادة نسخ، ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد، فردوا أحاديث تعين الفاتحة ~~في الصلاة2، وما ورد في الشاهد واليمين3، وما ورد ms371 في إيمان الرقبة4، وما ~~ورد في اشتراط النية في الوضوء5. انتهى. # وإذا عرفت أن هذه هي الفائدة في هذه المسألة التي طالت ذيولها، وكثرت ~~شعبها، هان عليك الخطب، وقد قدمنا في المسألة التاسعة من مسائل هذا الباب ~~ما عرفته. PageV02P082 ### | المسألة السادسة عشر: في النقصان من العبادة هل يكون نسخا # ... # المسألة السادسة عشرة: في النقصان من العبادة هل يكون نسخا # لا خلاف في أن النقصان من العبادة نسخ لما أسقط منها؛ لأنه كان واجبا في ~~جملة العبادة ثم أزيل وجوبه، ولا خلاف أيضا في أن ما لا يتوقف عليه صحة ~~العبادة لا يكون نسخه نسخا لها، كذا نقل الإجماع الآمدي، والفخر الرازي. # وأما نسخ ما يتوقف عليه صحة العبادة، سواء كان جزءا لها، كالشطر، أو ~~خارجا كالشرط، فاختلفوا فيه على مذاهب. # الأول: أن نسخه لا يكون نسخا للعبادة، بل يكون بمثابة تخصيص العام، قال ~~ابن برهان: وهو قول علمائنا. # وقال ابن السمعاني: إليه ذهب الجمهور من أصحاب الشافعي، واختاره الفخر ~~الرازي، والآمدي، قال الأصفهاني: إنه الحق، وحكاه صاحب "المعتمد" عن ~~الكرخي. # الثاني: أنه نسخ للعبادة، وإليه ذهب الحنفية، كما حكاه عنهم ابن برهان، ~~وابن السمعاني. # الثالث: التفصيل بين الشرط، فلا يكون نسخه نسخا للعبادة، وبين الجزء ~~كالقيام، والركوع في الصلاة، فيكون نسخه نسخا لها، وإليه ذهب القاضي عبد ~~الجبار، ووافقه الغزالي، وصححه القرطبي. # قالوا: لأن الشرط خارج عن ماهية المشروط، بخلاف الجزء، وهذا في الشرط ~~المتصل، أما الشرط المنفصل، فقيل: لا خلاف في أن نسخه ليس بنسخ للعبادة؛ ~~لأنهما عبادتان منفصلتان. # وقيل: إن كان مما لا تجزئ العبادة قبل النسخ إلا به، فيكون نسخه نسخا ~~لها، من غير فرق بين الشرط والجزء، وإن كان مما تجزئ العبادة قبل النسخ ~~بدونه فلا يكون نسخه نسخا لها. # وهذا هو المذهب الرابع، حكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "اللمع". # احتج القائلون: بأنه لا يكون نسخا مطلقا، من غير فرق بين الشرط1 والشطر2، ~~بأنهما أمران، فلا يقتضي نسخ أحدهما نسخ الآخر. PageV02P083 # وأيضا لو كان نسخا ms372 للعبادة لافتقرت في وجوبها إلى دليل آخر غير الدليل ~~الأول. وإنه باطل بالاتفاق. # واحتج القائلون: بأن نسخ الشطر يقتضي نسخ العبادة، دون نسخ الشرط، بأن ~~نقصان الركعة من الصلاة يقتضي رفع وجوب تأخير التشهد، ورفع إجزائها من دون ~~الركعة؛ لأن تلك العبادة قبل النسخ كانت غير مجزئة بدون الركعة. # وأجيب بأن للباقي من العبادة أحكاما مغايرة لأحكامها قبل رفع ذلك الشطر، ~~فكان النسخ مغايرا لنسخ تلك العبادة. # وأيضا الثابت في الباقي هو الوجوب الأصلي، والزيادة باقية على الجواز ~~الأصلي، وإنما الزائل وجوبها، فارتفع حكم شرعي لا إلى حكم شرعي، فلا يكون ~~ذلك نسخا1. PageV02P084 ### | المسألة السابعة عشرة: في الطريق التي يعرف بها كون الناسخ ناسخا # وذلك أمور: # الأول: # أن يقتضي ذلك اللفظ، بأن يكون فيه ما يدل على تقدم أحدهما وتأخر الآخر. # قال الماوردي: المراد بالتقدم التقدم في النزول، لا في التلاوة، فإن ~~العدة بأربعة شهور وعشر سابقة على العدة بالحول في التلاوة، مع أنها ناسخة ~~لها. # ومن ذلك التصريح في اللفظ بما يدل على النسخ كقوله تعالى: {الآن خفف الله ~~عنكم} 1، فإن يقتضي نسخه لثبات الواحد للعشرة، ومثل قوله تعالى: {أأشفقتم ~~أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} 2. # الثاني: # أن يعرف الناسخ من المنسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم، كأن يقول: هذا ناسخ ~~لهذا، أو ما في معنى ذلك، كقوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا ~~فزوروها" 3. PageV02P084 # الثالث: # أن يعرف ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم كرجمه لماعز ولم يجلده1 فإنه ~~يفيد نسخ قوله: "الثيب بالثيب جلد مائة ورجمه بالحجارة" 2. # قال ابن السمعاني: وقد قالوا: إن الفعل لا ينسخ القول، في قول أكثر ~~الأصوليين وإنما يستدل بالفعل على تقدم النسخ للقول بقول آخر، فيكون القول ~~منسوخا بمثله من القول، والفعل مبين لذلك. # الرابع: # إجماع الصحابة على أن هذا ناسخ، وهذا منسوخ، كنسخ صوم يوم عاشوراء بصوم ~~"شهر"* رمضان، ونسخ الحقوق المعلقة بالمال بالزكاة. ذكر معنى ذلك ابن ~~السمعاني. # قال الزركشي: وكذا حديث "من غل صدقته" فقال صلى الله عليه وسلم: ms373 "إنا ~~آخذوها وشطر ماله" 3، قال: فإن الصحابة اتفقت على ترك استعمالهم لهذا ~~الحديث، فدل ذلك على نسخه. انتهى. # وقد ذهب الجمهور إلى أن إجماع الصحابة من أدلة بيان الناسخ والمنسوخ. # قال القاضي: يستدل بالإجماع على أن معه خبرا وقع به النسخ؛ لأن الإجماع ~~لا ينسخ به، ولم يجعل الصيرفي الإجماع دليلا على تعين النص للنسخ، بل جعله ~~مترددا بين النسخ والغلط. # الخامس: # نقل الصحابي لتقدم أحد الحكمين، وتأخر الآخر؛ إذ لا مدخل للاجتهاد فيه. # قال ابن السمعاني: وهو واضح إذا كان الخبران غير متواترين، أما إذا قال ~~في المتواتر: إنه كان قبل الآحاد، ففي ذلك خلاف، وجزم القاضي في "التقريب" ~~بأنه لا يقبل، ونقله الصفي الهندي عن الأكثرين؛ لأنه يتضمن نسخ المتواتر ~~بالآحاد وهو غير جائز، وقال القاضي عبد الجبار: يقبل. وشرط ابن السمعاني ~~كون الراوي لهما واحدا. # السادس: # كون أحد الحكمين شرعيا، والآخر موافقا للعادة، فيكون الشرعي ناسخا. # وخالف في ذلك القاضي أبو بكر، والغزالي؛ لأنه يجوز ورود الشرع بالنقل عن ~~العادة، ثم يرد نسخه ورده إلى مكانه. # وأما حداثة الصحابي وتأخر إسلامه، فليس ذلك من دلال النسخ. # وإذا لم يعلم الناسخ من المنسوخ، بوجه من الوجوه، فرجح قوم، منهم ابن ~~الحاجب الوقف. PageV02P085 # وقال الآمدي: إن علم افتراقهما مع تعذر الجمع بينهما فعندي أن ذلك غير ~~متصور الوقوع، وإن جوزه قوم، وبتقدير وقوعه، فالواجب إما الوقف عن العمل ~~بأحدهما، أو التخيير بينهما إن أمكن، وكذلك الحكم فيما إذا لم يعلم شيء من ~~ذلك1. PageV02P086 ### | المقصد الخامس: من مقاصد هذا الكتاب في القياس وما يتصل به من الاستدلال ### | الفصل الأول: في تعريفه # ... # الفصل الأول: في تعريفه # وهو في اللغة: تقدير شيء على مثال شيء آخر، وتسويته به، ولذلك سمي ~~المكيال مقياسا، وما يقدر به النعال مقياسا، ويقال: فلان لا يقاس بفلان، ~~أي: لا يساويه. # وقيل: هو مصدر قست الشيء، إذا اعتبرته، أقيسه قيسا وقياسا، ومنه قيس ~~الرأي، وسمي امرؤ القيس1 لاعتبار الأمور برأيه. # وذكر صاحب "الصحاح"، وابن أبي البقاء2 فيه لغة ms374 بضم القاف، يقال: قسته ~~أقوسه قوسا؛ هو على اللغة الأولى من ذوات الياء، وعلى اللغة الثانية من ~~ذوات الواو. # وفي الاصطلاح: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما، ~~بأمر جامع بينهما، من حكم أو صفة3. # كذا قال القاضي أبو بكر الباقلاني. # قال في "المحصول": واختاره جمهور المحققين منا. # وإنما قال: معلوم، ليتناول الموجود والمعدوم، فإن القياس يجري فيهما ~~جميعا. # واعترض عليه بأنه إن أريد بحمل أحد المعلومين على الآخر، إثبات مثل حكم ~~أحدهما للآخر، فقوله بعد ذلك في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما إعادة لذلك ~~فيكون تكرارا من غير فائدة. PageV02P089 # واعترض عليه أيضا: بأن قوله: في إثبات حكم لهما مشعر بأن الحكم في الأصل ~~والفرع "مثبت"* بالقياس، وهو باطل، فإن المعتبر في ماهية القياس إثبات مثل ~~حكم معلوم لمعلوم آخر، بأمر جامع. # واعترض عليه "أيضا"**: بأن إثبات لفظ أو في الحد للإبهام، وهو ينافي ~~التعيين الذي هو مقصود الحد. # وقال جماعة من المحققين: إنه مساواة فرع لأصل في علة الحكم، أو زيادته ~~عليه في المعنى المعتبر في الحكم. # وقال أبو الحسين البصري: هو تحصيل حكم الأصل في الفرع، لاشتباههما في علة ~~الحكم عند المجتهد. # وقيل: إدراج خصوص في عموم. # وقيل: إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به. # وقيل: إلحاق المختلف فيه بالمتفق عليه. # وقيل: استنباط الخفي من الجلي. # وقيل: حمل الفرع على الأصل ببعض أوصاف الأصل. # وقيل: "الجمع بين النظيرين"***، وإجراء حكم أحدهما على الآخر. # وقيل: بذل الجهد في طلب الحق1. # وقيل: حمل الشيء على غيره، وإجراء حكمه عليه2. # وقيل: حمل الشيء على الشيء في بعض أحكامه، بضرب من الشبه3. # وعلى كل حد من هذه الحدود اعتراضات يطول الكلام بذكرها. # وأحسن ما يقال في حده: استخراج مثل حكم المذكور، لما لم يذكر، بجامع ~~بينهما؛ فتأمل هذا تجده صوابا إن شاء الله. PageV02P090 # وقال إمام الحرمين: يتعذر الحد الحقيقي في القياس؛ لاشتماله على حقائق ~~مختلفة، كالحكم فإنه قديم، والفرع والأصل فإنهما حادثان، والجامع فإنه علة، ~~ووافقه ابن المنير على ms375 ذلك. # وقال "الإبياري"*: الحقيقي إنما يتصور فيما يتركب من الجنس والفصل، ولا ~~يتصور ذلك في القياس. # قال الأستاذ أبو إسحاق: اختلف أصحابنا فيما وضع له اسم القياس على قولين: # أحدهما: أنه استدلال المجتهد، وفكرة المستنبط. # والثاني: أنه المعنى الذي يدل على الحكم في أصل الشيء وفرعه، قال: وهذا ~~هو الصحيح. انتهى. # واختلفوا في موضوع1 القياس: "فقال"** الروياني: وموضوعه طلب أحكام الفروع ~~المسكوت عنها، من الأصول المنصوصة بالعلل المستنبطة من معانيها؛ ليلحق كل ~~فرع بأصله. # وقيل غير ذلك، مما هو دون ما ذكرناه. PageV02P091 ### | الفصل الثاني: في حجية القياس ### | مدخل # ... # الفصل الثاني: في حجية القياس # اعلم: أنه قد وقع الاتفاق على أنه حجة في الأمور الدنيوية. # قال الفخر الرازي: كما في الأودية، والأغذية. # وكذلك اتفقوا على حجية القياس الصادر منه صلى الله عليه وسلم، وإنما وقع ~~الخلاف في القياس الشرعي: فذهب الجمهور من الصحابة، والتابعين، والفقهاء، ~~والمتكلمين إلى "أن القياس الشرعي"* أصل من أصول الشريعة، يستدل به على ~~الأحكام التي "لم"** يرد بها السمع. PageV02P091 # قال في "المحصول": اختلف الناس في القياس الشرعي، فقالت طائفة: العقل ~~يقتضي جواز التعبد به في الجملة، وقالت طائفة: العقل يقتضي المنع من التعبد ~~به، والأولون قسمان: # القسم الأول: # منهم من قال: وقع التعبد به، ومنهم من قال: لم يقع1. # أما من اعترف بوقوع التعبد به، فقد اتفقوا على أن السمع "دل"* عليه، ثم ~~اختلفوا في ثلاثة مواضع: # الأول: # أنه هل في العقل ما يدل عليه؟ فقال: القفال منا، وأبو الحسين البصري من ~~المعتزلة: العقل يدل على وجوب العمل به، وأما الباقون منا، ومن المعتزلة ~~فقد أنكروا ذلك. # والثاني: # أن أبا الحسن البصري زعم أن دلالة الدلائل السمعية عليه ظنية، والباقون ~~قالوا: قطعية. # والثالث: # أن القاساني والنهرواني2 ذهبا إلى العمل بالقياس في صورتين: # إحداهما: إذا كانت العلة منصوصة بصريح اللفظ، أو يإيمائه3. # والصورة الثانية: كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف. # وأما جمهور العلماء فقد قالوا بسائر الأقيسة. # وأما القائلون بأن التعبد لم يقع به، فمنهم من قال: لم ms376 يوجد في السمع ما ~~يدل على وقوع التعبد به، فوجب الامتناع من العمل به. # ومنهم من لم يقنع بذلك، بل تمسك في نفيه بالكتاب، والسنة، وإجماع ~~الصحابة، وإجماع العترة. PageV02P092 # وأما القسم الثاني: # وهم الذين قالوا: بأن العقل يقتضي المنع من التعبد به، فهم فريقان: # أحدهما: # خصص ذلك المنع بشرعنا، وقال: لأن مبنى شرعنا الجمع بين المختلفات، والفرق ~~بين المتماثلات، وذلك يمنع من القياس، وهو قول النظام. # والفريق الثاني: # الذين قالوا: يمتنع ورود التعبد به في كل الشرائع. انتهى. # قال الأستاذ أبو منصور: المثبتون للقياس اختلفوا فيه على أربعة مذاهب: # أحدها: ثبوته في العقليات، والشرعيات، وهو قول أصحابنا من الفقهاء، ~~والمتكلمين، وأكثر المعتزلة. # والثاني: ثبوته في العقليات، دون الشرعيات، وبه قال جماعة من أهل الظاهر. # والثالث: نفيه في العلوم العقلية، وثبوته في الأحكام الشرعية، التي ليس ~~فيها نص، ولا إجماع، وبه قال طائفة من القائلين بأن المعارف ضرورية. # والرابع: نفيه في العقليات والشرعيات. # وبه قال أبو بكر بن داود الأصفهاني. انتهى. # والمثبتون له اختلفوا أيضا. # قال الأكثرون: هو دليل بالشرع. # وقال القفال، وأبو الحسين البصري: هو دليل بالعقل، والأدلة السمعية وردت ~~مؤكدة له. # وقال الدقاق: يجب العمل به بالعقل والشرع، وجزم به ابن قدامة في ~~"الروضة"1، وجعله مذهب أحمد بن حنبل لقوله: لا يستغني أحد عن القياس. قال: ~~وذهب أهل الظاهر، والنظام إلى امتناعه عقلا وشرعا، وإليه ميل أحمد بن حنبل ~~لقوله: يجتنب المتكلم في الفقه المجمل والقياس. # وقد تأوله القاضي أبو يعلى على ما إذا كان القياس مع وجود النص؛ لأنه ~~حينئذ يكون فاسد الاعتبار. # ثم اختلف القائلون به أيضا اختلافا آخر، وهو: هل دلالة السمع عليه قطعية ~~أو ظنية؟ فذهب الأكثرون إلى الأول، وذهب أبو الحسين، والآمدي إلى الثاني. ~~PageV02P093 # وأما المنكرون للقياس، فأول من باح بإنكاره النظام، وتابعه قوم من ~~المعتزلة، كجعفر بن حرب1، وجعفر بن مبشر2، ومحمد بن عبد الله الإسكافي3، ~~وتابعهم على نفيه في "الأحكام" داود الظاهري. # قال أبو القاسم البغدادي4 فيما حكاه عنه ابن عبد البر ms377 في كتاب "جامع ~~العلم" أيضا: لا خلاف بين فقهاء الأمصار وسائر أهل السنة في نفي القياس في ~~التوحيد، وإثباته في الأحكام إلا داود، فإنه نفاه فيهما جميعا. # قال: ومنهم من أثبته في التوحيد، ونفاه في الأحكام. # وحكى القاضي أبو الطيب الطبري عن داود، والنهرواني، والمغربي5، ~~والقاساني: أن القياس محرم بالشرع. # قال الأستاذ أبو منصور: وأما داود فزعم أنه لا حادثة إلا وفيها حكم منصوص ~~عليه في القرآن، أو السنة، أو معدول عنه بفحوى النص ودليله، وذلك يغني عن ~~القياس. # قال ابن القطان: ذهب داود وأتباعه إلى أن القياس في دين الله باطل، ولا ~~يجوز القول به. # قال ابن حزم في "الأحكام": ذهب أهل الظاهر إلى إبطال القول بالقياس جملة، ~~وهو قولنا الذي ندين الله به، والقول بالعلل باطل. انتهى. PageV02P094 # والحاصل: أن داود الظاهري وأتباعه لا يقولون بالقياس، ولو كانت العلة ~~منصوصة. # ونقل القاضي أبو بكر، والغزالي عن القاساني، والنهرواني القول به فيما ~~إذا كانت العلة منصوصة. # وقد استدل المانعون من القياس بأدلة عقلية ونقلية، ولا حاجة لهم إلى ~~الاستدلال، فالقيام في مقام المنع يكفيهم، وإيراد الدليل على القائلين بها، ~~وقد جاءوا بأدلة عقلية لا تقوم بها الحجة، فلا نطول البحث بذكرها. # وجاءوا بأدلة نقلية1، فقالوا: دل على ثبوت التعبد بالقياس الشرعي الكتاب، ~~والسنة، والإجماع. PageV02P095 ### | الأدلة من القرآن الكريم # ... # الأدلة من القرن الكريم: # أما الكتاب، فقوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} 1. # ووجه الاستدلال بهذه الآية: أن الاعتبار مشتق من العبور، وهو "المرور"*، ~~يقال: عبرت على النهر، "وعبرت النهر"**، والمعبر: الموضع الذي يعبر عليه، ~~والمعبر: السفينة التي يعبر فيها، كأنها أداة العبور، والعبرة: الدمعة التي ~~عبرت من الجفن، وعبر الرؤيا: جاوزها إلى ما يلازمها. قالوا: فثبت بهذه ~~الاستعمالات أن الاعتبار حقيقة في المجاوزة، فوجب أن لا يكون حقيقة في ~~غيرها دفعا للاشتراك، والقياس عبور من حكم الأصل إلى حكم الفرع، فكان داخلا ~~تحت الأمر. # قال في "المحصول": فإن قيل: لا نسلم أن الاعتبار هو المجاوزة فقط، بل هو ~~عبارة عن الاتعاظ لوجوه: ms378 # الأول: # أنه لا يقال لمن يستعمل القياس العقلي: إنه معتبر. # الثاني: # أن المتقدم في إثبات الحكم من طريق القياس إذا لم يتفكر في أمر معاده ~~يقال: إنه غير معتبر، أو قليل الاعتبار. # الثالث: # قوله تعالى: {إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} 2، {وإن لكم في الأنعام ~~لعبرة} 3، والمراد الاتعاظ. PageV02P095 # الرابع: # يقال: السعيد من اعتبر بغيره، والأصل في الكلام الحقيقة، فهذه الأدلة تدل ~~على أن الاعتبار حقيقة في الاتعاظ، لا في المجاوزة، فحصل التعارض بين ما ~~قلتم وما قلنا، فعليكم بالترجيح، ثم الترجيح معنا، فإن الفهم أسبق إلى ما ~~ذكرناه. # سلمنا أن ما ذكرتموه حقيقة، لكن شرط حمل اللفظ على الحقيقة أن لا يكون ~~هناك ما يمنع، "وقد وجد ههنا مانع"* فإنه لو قال: {يخربون بيوتهم بأيديهم ~~وأيدي المؤمنين} 1 فقيسوا الذرة على البر كان ذلك ركيكا، لا يليق بالشرع، ~~وإذا كان كذلك، ثبت أنه وجد ما يمنع من حمل اللفظ على حقيقته. # سلمنا أنه لا مانع من حمله على المجاوزة، لكن لا نسلم أن الأمر بالمجاوزة ~~أمر بالقياس الشرعي. # بيانه أن كل من تمسك بدليل على مدلوله، فقد عبر من الدليل إلى المدلول، ~~فسمي الاعتبار مشترك فيه بين الاستدلال بالدليل العقلي القاطع، وبالنص، ~~وبالبراءة الأصلية، وبالقياس من الشرع، وكل واحد من هذه الأنواع يخالفه ~~الآخر بخصوصيته، وما به الاشتراك غير دال على ما به الامتياز، لا بلفظه، ~~ولا بمعناه، فلا يكون دالا على النوع، الذي ليس إلا عبارة عن مجموع جهة ~~الاشتراك "وجهه الامتياز، فلفظ الاعتبار غير دال على القياس الشرعي، لا ~~بلفظه ولا بمعناه"**. # قال: وأيضا فنحن نوجب اعتبارات أخر: # الأول: # إذا نص الشارع على علة الحكم، فههنا القياس عندنا واجب. # والثاني: # قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف2. # والثالث: # الأقيسة في أمور الدنيا، فإن العمل بها عندنا واجب. # والرابع: # أن يشبه الفرع بالأصل، في أن لا نستفيد حكمه إلا من النص. # والخامس: # الاتعاظ والانزجار، بالقصص والأمثال. # فثبت بما تقدم أن الآتي بفرد من أفراد ما يسمى اعتبارا؛ يكون خارجا عن ms379 ~~عهدة هذا الأمر، وثبت أن بيانه في صورة كثيرة، فلا يبقى فيه دلالة ألبتة ~~على الأمر بالقياس الشرعي. PageV02P096 # ثم "قال"*: جعله حقيقة في المجاوزة أولى لوجهين: # الأول: # أنه يقال: فلان "اعتبر فاتعظ"** فيجعلون الاتعاظ معلول الاعتبار، وذلك ~~بوجب التغاير. # الثاني: # أن معنى المجاوزة حاصل في الاتعاظ، فإن الإنسان ما لم يستدل بشيء آخر على ~~حال نفسه؛ لا يكون متعظا، ثم أطال في تقرير هذا بما لا طائل تحته. # ويجاب عن الوجه الأول: بالمعارضة، فإنه يقال: فلان قاس هذا على هذا، ~~فاعتبر، والجواب الجواب. # ويجاب عن الثاني: بمنع وجود معنى المجاوزة في الاتعاظ، فإن من نظر في شيء ~~من المخلوقات، فاتعظ به؛ لا يقال فيه: "إنه"*** متصف بالمجاوزة، لا لغة، ~~ولا شرعا، ولا عقلا. # وأيضا يمنع وجود المجاوزة في القياس الشرعي، وليس في اللغة ما يفيد ذلك ~~ألبتة، ولو كان القياس مأمورا به في هذه الآية لكونه فيه معنى الاعتبار، ~~لكان كل اعتبار، أو عبورا مأمورا به، واللازم باطل، فالملزوم مثله. # وبيانه أنه لم يقل أحد من المتشرعين، ولا من العقلاء: أنه يجب على ~~الإنسان أن يعبر من هذا المكان إلى هذا المكان، أو يجري دمع عينه، أو يعبر ~~رؤيا الرائي، مع أن هذه الأمور أدخل في معنى العبور والاعتبار من القياس ~~الشرعي. # والحاصل: أن هذه الآية لا تدل على القياس الشرعي، لا بمطابقة، ولا تضمن، ~~ولا التزام، ومن أطال الكلام في الاستدلال بها على ذلك، فقد شغل الحيز بما ~~لا طائل تحته. # واستدل الشافعي في "الرسالة" على إثبات القياس بقوله تعالى: {فجزاء مثل ~~ما قتل من النعم} 1. # قال: فهذا تمثيل الشيء بعدله. # وقال تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} 2. # وأوجب المثل، ولم يقل أي مثل، فوكل ذلك إلى اجتهادنا ورأينا. PageV02P097 # وأمر بالتوجه إلى القبلة بالاستدلال، وقال: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره} 1.انتهى. # ولا يخفاك أن غاية ما في آية الجزاء هو المجيء بمثل ذلك الصيد، وكونه ~~مثلا له موكول إلى العدلين، ومفوض إلى اجتهادهما، وليس في هذا دليل على ms380 ~~القياس الذي هو إلحاق فرع بأصل لعلة جامعة، وكذلك الأمر بالتوجه إلى ~~القبلة، فليس فيه إلا إيجاب تحري الصواب في أمرها، وليس ذلك من القياس في ~~شيء. # واستدل ابن سريج على إثبات القياس بقوله تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول ~~وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} 2 "فأولو الأمر"* هم ~~العلماء، والاستنباط هو القياس. # ويجاب عنه: بأن الاستنباط هو استخراج الدليل عن المدلول، بالنظر فيما ~~يفيده من العموم أو الخصوص، أو الإطلاق أو التقييد، أو الإجمال أو التبيين ~~في نفس النصوص، أو نحو ذلك مما يكون طريقا إلى استخراج الدليل منه. # ولو سلمنا اندراج القياس تحت مسمى الاستنباط، لكان ذلك مخصوصا "بمثل ~~القياس"** المنصوص على علته، وقياس الفحوى ونحوه، لا بما كان ملحقا بمسلك ~~من مسالك العلة، التي هي محض رأي لم يدل عليها دليل من الشرع، فإن ذلك ليس ~~من الاستنباط من الشرع بما أذن الله به، بل من الاستنباط بما لم يأذن الله ~~به. # واستدل أيضا بقوله تعالى: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها} 3 الآية. قال: لأن القياس تشبيه الشيء بالشيء، فما جاز من فعل من لا ~~يخفى عليه خافية فهو ممن لا يخلو من الجهالة والنقص أجوز. # و"يجاب عنه بمنع كون هذا من القياس الشرعي، ولا مما يدل عليه بوجه من ~~وجوه الدلالة، ولو سلمنا لجاز لنا أن نقول على وجه المعارضة: إنما جاز"*** ~~ذلك من فعل من لا يخفى عليه خافية؛ لأنا نعلم أنه صحيح، فلا يجوز من فعل من ~~لا يخلو من الجهالة والنقص؛ لأنا لا نقطع بصحته، بل ولا نظن ذلك، لما في ~~فاعله من الجهالة والنقص. PageV02P098 # واستدل غيره "أيضا"* بقوله تعالى: {قال من يحيي العظام وهي رميم، قل ~~يحييها الذي أنشأها أول مرة} 1. # ويجاب عنه: بمنع كون هذه الآية تدل على المطلوب، لا بمطابقة، ولا تضمن، ~~ولا التزام، وغاية ما فيها الاستدلال بالأثر السابق على الأثر اللاحق، وكون ~~المؤثر فيهما واحدا، وذلك غير القياس الشرعي، الذي ms381 هو إدراج فرع تحت أصل ~~لعلة جامعة بينهما. # واستدل ابن تيمية على ذلك بقوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} ~~2. وتقريره: أن العدل هو التسوية، والقياس هو التسوية بين مثلين في الحكم، ~~فيتناوله عموم الآية. # ويجاب عنه: بمنع كون الآية دليلا على المطلوب بوجه من الوجوه، ولو سلمنا ~~لكان ذلك في الأقيسة التي قام الدليل على نفي الفارق فيها، فإنه لا تسوية ~~إلا في الأمور المتوازنة، ولا توازن إلا عند القطع بنفي الفارق، لا في ~~الأقيسة التي هي شعبة من شعب الرأي، ونوع من أنواع الظنون الزائفة، وخصلة ~~من خصال الخيالات المختلفة. PageV02P099 ### | أدلة القياس من السنة: # وإذا عرفت الكلام على ما استدلوا به من الكتاب العزيز لإثبات القياس، ~~فاعلم، أنهم قد استدلوا لإثباته من السنة بقوله صلى الله عليه وسلم فيما ~~أخرجه أحمد، أبو داود، والترمذي، وغيرهم من حديث الحارث بن عمرو1 -ابن أخي ~~المغيرة بن شعبة- قال: حدثنا ناس من أصحاب معاذ عن معاذ قال: لما بعثه ~~النبي صلى الله عليه وسلم، إلى اليمن قال: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " ~~قال: أقضي بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال: فبسنة رسول ~~الله. قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله، ولا في كتاب الله؟ " قال: أجتهد ~~رأيي ولا آلو. قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره، وقال: "الحمد ~~لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله" 2. # والكلام في إسناد هذا الحديث يطول، وقد قيل: إنه مما تلقي بالقبول. # وأجيب عنه: أن اجتهاد الرأي هو عبارة عن استفراغ الجهد في الطلب للحكم من ~~النصوص الخفية. PageV02P099 # ورد: بأنه قال: أجتهد رأيي، بعد عدم وجوده لذلك الحكم في الكتاب والسنة، ~~وما دلت عليه النصوص الخفية لا يجوز أن يقال: إنه غير موجود في الكتاب ~~والسنة. # وأجيب عن هذا الرد: بأن القياس عند القائلين به مفهوم من الكتاب والسنة، ~~فلا بد من حمل الاجتهاد في الرأي على ما عدا القياس فلا يكون الحديث حجة ~~لإثباته، واجتهاد ms382 الرأي كما يكون باستخراج الدليل من الكتاب والسنة يكون ~~بالتمسك بالبراءة الأصلية، أو بأصالة الإباحة في الأشياء، أو الحظر، على ~~اختلاف الأقوال في ذلك، أو التمسك بالمصالح، أو التمسك بالاحتياط. # وعلى تسليم دخول القياس في اجتهاد الرأي، فليس المراد كل قياس، بل المراد ~~القياسات التي يسوغ العمل بها، والرجوع إليها، كالقياس الذي علته منصوصة، ~~والقياس الذي قطع فيه بنفي الفارق في الدليل الذي يدل على الأخذ بتلك ~~القياسات المبنية على تلك المسالك التي ليس فيها إلا مجرد الخيالات ~~المختلة، والشبه الباطلة. # وأيضا فعلى التسليم لا دلالة للحديث إلا على العمل بالقياس في أيام ~~النبوة؛ لأن الشريعة؛ إذ ذاك لم تكمل، فيمكن عدم وجدان الدليل في الكتاب ~~والسنة، وأما بعد أيام النبوة فقد كمل الشرع، لقوله تعالى: {اليوم أكملت ~~لكم دينكم} 1؛ ولا معنى للإكمال إلا وفاء النصوص بما يحتاج إليه أهل الشرع، ~~إما بالنص على كل فرد فرد، أو باندراج ما يحتاج إليه تحت العمومات الشاملة. # ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} 2، وقوله: {ولا ~~رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} 3. # واستدلوا أيضا بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، من القياسات، كقوله: ~~"أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان يجزئ عنه؟ " قالت: نعم. قال: ~~"فدين الله أحق أن يقضى" 4 PageV02P100 # وقوله لرجل سأله، فقال: أيقضي أحدنا شهوته، ويؤجر عليها؟ فقال: "أرأيت لو ~~وضعها في حرام، أكان عليه وزر؟ " قال: نعم. قال: "فكذلك إذا وضعها في حلال، ~~كان له أجر" 1. # وقال لمن أنكر ولده الذي جاءت به امرأته أسود: "هل لك من إبل؟ " قال: ~~نعم. قال: "فما ألوانها؟ " قال: حمر، قال: "فهل فيها من أورق؟ " قال: نعم. ~~قال: "فمن أين؟ " قال: لعله نزعه عرق، قال: "وهذا لعله نزعه عرق" 2. # وقال لعمر، وقد قبل امرأته، وهو صائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء" 3. # وقال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" 4. # وهذه الأحاديث ثابتة في دواوين الإسلام، وقد وقع منه صلى الله عليه وسلم ~~قياسات كثيرة، حتى ms383 صنف الناصح الحنبلي5 جزءا في أقيسته صلى الله عليه وسلم. # ويجاب عن ذلك: بأن هذه الأقيسة صادرة عن الشارع المعصوم، الذي يقول الله ~~سبحانه فيما جاءنا به عنه: {إن هو إلا وحي يوحى} 6. ويقول في وجوب اتباعه: ~~{وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} 7، وذلك خارج عن محل ~~النزاع، فإن القياس الذي كلامنا فيه إنما هو قياس من لم تثبت له العصمة، ~~ولا وجب اتباعه، ولا كان كلامه وحيا، بل من جهة نفسه. # الأمارة، وبعقله المغلوب بالخطإ، وقد قدمنا أنه قد وقع الاتفاق على قيام ~~الحجة بالقياسات الصادرة عنه صلى الله عليه وسلم. PageV02P101 ### | الأدلة من الإجماع # واستدلوا أيضا بإجماع الصحابة على القياس1. # قال ابن عقيل الحنبلي: وقد بلغ التواتر المعنوي عن الصحابة باستعماله، ~~وهو قطعي. # وقال الصفي الهندي: دليل الإجماع هو المعول عليه لجماهير المحققين من ~~الأصوليين. # وقال الرازي في "المحصول": مسلك الإجماع هو الذي عول عليه جمهور ~~الأصوليين. # وقال ابن دقيق العيد: عندي أن المعتمد اشتهار العمل بالقياس في أقطار ~~الأرض، شرقا وغربا، قرنا بعد قرن، عند جمهور الأمة إلا عند شذوذ متأخرين. # قال: وهذا "من"* أقوى الأدلة. # ويجاب عنه: بمنع ثبوت هذا الإجماع، فإن المحتجين بذلك إنما جاءونا ~~بروايات عن أفراد من الصحابة محصورين، في غاية القلة، فكيف يكون ذلك إجماعا ~~لجميعهم، مع تفرقهم في الأقطار، واختلافهم في كثير من المسائل، ورد بعضهم ~~على بعض، وإنكار بعضهم لما قاله البعض، كما ذلك معروف؟! # بيانه أنهم اختلفوا في الجد مع الإخوة على أقوال معروفة2، وأنكر بعضهم ~~على بعض "ما سلكه من القياس في ذلك، وكذلك اختلفوا في مسألة الحرام3 على ~~أقوال، وأنكر بعضهم على بعض"**. PageV02P102 # وكذلك اختلفوا في مسألة زوج، وأم، وإخوة لأم، وإخوة لأب وأم، وأنكر بعضهم ~~على بعض. # وكذلك اختلفوا في مسألة الخلع1. # وهكذا وقع الإنكار من جماعة من الصحابة على من عمل بالرأي منهم، والقياس ~~إن كان منه فظاهر، وإن لم يكن منه فقد أنكره منهم من أنكره، كما في هذه ~~المسائل التي ذكرناها. # ولو ms384 سلمنا لكان ذلك الإجماع إنما هو على القياسات التي وقع النص على ~~علتها، والتي قطع فيها بنفي الفارق. فما الدليل على أنهم قالوا بجميع أنواع ~~القياس، الذي اعتبره كثير من الأصوليين، وأثبتوه بمسالك تنقطع فيها أعناق ~~الإبل، وتسافر فيها الأذهان، حتى تبلغ إلى ما ليس بشيء، وتتغلغل فيها ~~العقول، حتى تأتي بما ليس من الشرع في ورد ولا صدر2، ولا من الشريعة السمحة ~~السهلة، في قبيل ولا دبير3. # وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تركتكم على الواضحة، ليلها ~~كنهارها" 4. # وجاءت نصوص الكتاب العزيز بما قدمنا من إكمال الدين، وبما يفيد هذا ~~المعنى، ويصحح دلالته ويؤيد براهينه. # وإذا عرفت ما حررناه وتقرر لديك جميع ما قررناه؛ فاعلم أن القياس المأخوذ ~~به هو ما وقع النص على علته، وما قطع فيه بنفي الفارق، وما كان من باب فحوى ~~الخطاب، أو لحن الخطاب، على اصطلاح من يسمي ذلك قياسا، وقد قدمنا أنه من ~~مفهوم الموافقة. PageV02P103 # ثم اعلم: أن نفاة القياس لم يقولوا بإهدار كل ما يسمى قياسا، وإن كان ~~منصوصا على علته، أو مقطوعا فيه بنفي الفارق، بل جعلوا هذا النوع من القياس ~~مدلولا عليه بدليل الأصل، مشمولا به، مندرجا تحته، وبهذا يهون عليك الخطب ~~ويصغر عندك ما استعظموه، ويقرب لديك ما بعدوه؛ لأن الخلاف في هذا النوع ~~الخاص صار لفظيا، وهو من حيث المعنى متفق على الأخذ به، والعمل عليه، ~~واختلاف طريقة العمل لا يستلزم الاختلاف المعنوي، لا عقلا، ولا شرعا، ولا ~~عرفا، وقد قدمنا لك أنما جاءوا به من الأدلة العقلية لا تقوم الحجة بشيء ~~منها، ولا تستحق تطويل ذيول البحث بذكرها. # وبيان ذلك أن أنهض ما قالوه في ذلك: أن النصوص لا تفي بالأحكام، فإنها ~~متناهية، والحوادث غير متناهية. # ويجاب عن هذا بما قدمنا من إخباره عز وجل لهذه الأمة بأنه قد أكمل لها ~~دينها، وبما أخبرها رسوله صلى الله عليه وسلم، من أنه قد تركها على الواضحة ~~التي ليلها كنهارها. # ثم لا يخفى على ذي لب ms385 صحيح، وفهم صالح أن في عمومات الكتاب والسنة، ~~ومطلقاتهما، وخصوص نصوصهما ما يفي بكل حادثة تحدث، ويقوم ببيان كل نازلة ~~تنزل، عرف ذلك من عرفه، وجهله من جهله. # PageV02P104 ### | الفصل الثالث: في أركان القياس ### | مدخل # ... # الفصل الثالث: في أركان القياس # وهي أربعة: الأصل، والفرع، والعلة، والحكم. # ولا بد من هذه الأربعة الأركان في كل قياس، ومنهم من ترك التصريح بالحكم. # وذهب الجمهور إلى أنه لا يصح القياس إلا بعد التصريح به. # قال ابن السمعاني: ذهب بعضهم إلى جواز القياس بغير أصل، قال: وهو من خلط ~~الاجتهاد بالقياس، والصحيح: أنه لا بد من أصل، "لأن الفروع"* لا تتفرع إلا ~~عن أصول. انتهى. # والأصل يطلق على أمور منها: ما يقتضي العلم به العلم بغيره. # ومنها: ما لا يصح العلم بالمعنى إلا به. # ومنها: الذي يعتبر به ما سواه. PageV02P104 # ومنها الذي يقع القياس عليه، وهو المراد هنا1. # وقد وقع الخلاف فيه، فقيل: هو النص الدال على ثبوت الحكم في محل الوفاق2، ~~وبه قال القاضي أبو بكر، والمعتزلة. # وقال الفقهاء: هو محل الحكم المشبه به. قال ابن السمعاني: وهذا هو ~~الصحيح. # قال الفخر الرازي: الأصل هو الحكم الثابت في محل الوفاق، باعتبار تفرع ~~العلة عليه. # وقال جماعة، منهم ابن برهان: إن هذا النزاع لفظي، يرجع إلى الاصطلاح، فلا ~~مشاحة3 فيه، أو إلى اللغة "فهو يجوز"* إطلاقه على ما ذكر4، بل يرجع إلى ~~تحقيق المراد بالأصل، وهو يطلق تارة على الغالب، وتارة على الوضع اللغوي، ~~كقولهم: الأصل عدم الاشتراك، وتارة على إرادة التعبد الذي لا يعقل معناه، ~~كقولهم: خروج النجاسة من محل، وإيجاب الطهارة في محل آخر على خلاف الأصل. # قال الآمدي: يطلق الأصل على ما يتفرع عليه غيره، وعلى ما يعرف بنفسه، وإن ~~"لم"** يبن عليه غيره، كقولنا: تحريم الربا في النقدين أصل. وهذا منشأ ~~الخلاف في أن الأصل في تحريم النبيذ الخمر أو النص، أو الحكم. قال: واتفقوا ~~على أن العلة ليست أصلا. انتهى. # وعلى الجملة: إن الفقهاء يسمون محل الوفاق أصلا، ومحل الخلاف ms386 فرعا، ولا ~~مشاحة في الاصطلاحات، ولا يتعلق بتطويل البحث في هذا كثير فائدة. # فالأصل: هو المشبه به، ولا يكون ذلك إلا لمحل الحكم، لا لنفس الحكم، ولا ~~لدليله. # والفرع: هو المشبه، لا لحكمه. # والعلة: هي الوصف الجامع بين الأصل والفرع. # والحكم: هو ثمرة القياس، والمراد به ما ثبت للفرع بعد ثبوته لأصله. ~~PageV02P105 ### | شروط القياس المعتبرة في المقيس عليه # ... # الشروط المعتبرة في الأصل: # ولا يكون القياس صحيحا إلا بشروط اثني عشر، لا بد من اعتبارها في الأصل. # الأول: # أن يكون الحكم الذي أريد تعديته إلى الفرع، ثابتا في الأصل، فإنه لو لم ~~يكن ثابتا. # PageV02P105 # فيه بأن لم يشرع فيه حكم ابتداء، أو شرع ونسخ ولم يمكن بناء الفرع عليه. # الثاني: # أن يكن الحكم الثابت في الأصل شرعيا، فلو كان عقليا أو لغويا لم يصح ~~القياس عليه؛ لأن بحثنا إنما هو في القياس الشرعي. # واختلفوا: هل يثبت القياس على النفي الأصلي، وهو ما كان قبل الشرع؟ # فمن قال: إن نفي الحكم الشرعي حكم شرعي، جوز القياس عليه، ومن قال: إنه ~~ليس بحكم شرعي لم يجوز القياس عليه. # الثالث: # أن يكون الطريق إلى معرفته سمعية؛ لأن ما لم تكن طريقه سمعية لا يكون ~~حكما شرعيا، وهذا عند من ينفي التحسين والتقبيح العقلين، لا عند من يثبتها. # الرابع: # أن يكون الحكم ثابتا بالنص، وهو الكتاب أو السنة. وهل يجوز القياس على ~~الحكم الثابت بمفهوم الموافقة أو المخالفة. # قال الزركشي: لم يتعرضوا له، ويتجه أن يقال: إن قلنا إن حكمهما "حكم"* ~~النطق فواضح، وإن قلنا: كالقياس "فيلحق"** به. انتهى1. # والظاهر: أنه يجوز القياس عليهما عند من أثبتهما؛ لأنه يثبت بهما الأحكام ~~الشرعية، كما يثبتهما بالمنطوق. # وأما ما ثبت بالإجماع، ففيه وجهان: قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وابن ~~السمعاني أصحهما الجواز وحكاه ابن برهان عن جمهور أصحاب الشافعي والثاني ~~عدم الجواز ما لم يعرف النص الذي أجمعوا لأجله قال ابن السمعاني: وهذا ليس ~~بصحيح؛ لأن الإجماع أصل في إثبات الأحكام، كالنص، فإذا جاز القياس على ~~الثابت ms387 بالنص، جاز على الثابت بالإجماع. # الخامس: # أن لا يكون الأصل المقيس عليه فرعا لأصل آخر، وإليه ذهب الجمهور. # وخالف في ذلك بعض الحنابلة، والمعتزلة فأجازوه. # واحتج الجمهور على المنع؛ بأن العلة الجامعة بين القياسين إن اتحدت كان ~~ذكر الأصل الثاني تطويلا بلا فائدة، فيستغنى عنه بقياس الفرع الثاني على ~~الأصل الأول، وإن اختلفت لم PageV02P106 # ينعقد القياس الثاني، لعدم اشتراك الأصل والفرع في علة الحكم. # وقسم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي هذه المسألة إلى قسمين: # أحدهما: أن يستنبط من الثابت بالقياس نفس المعنى، الذي ثبت به، ويقاس ~~عليه غيره، قال: وهذا لا خلاف في جوازه. # والثاني: أن يستنبط منه معنى غير المعنى الذي قيس به على غيره، ويقاس ~~غيره عليه. قال: وهذا فيه وجهان: # أحدهما: وبه قال أبو عبد الله البصري: الجواز. # والثاني: وبه قال الكرخي: المنع، وهو الذي يصح "عندي"* الآن؛ لأنه يؤدي ~~إلى إثبات حكم في الفرع بغير علة الأصل، وذلك لا يجوز، وكذا صححه في ~~"القواطع"، ولم يذكر الغزالي غيره. # السادس: # أن لا يكون دليل حكم الأصل شاملا لحكم الفرع، أما لو كان شاملا له، خرج ~~عن كونه فرعا، وكان القياس ضائعا، لخلوه عن الفائدة بالاستغناء عنه بدليل ~~الأصل، ولأنه لا يكون جعل أحدهما أصلا والآخر فرعا أولى من العكس. # السابع: # أن يكون الحكم في الأصل متفقا عليه؛ لأنه لو كان مختلفا فيه احتيج إلى ~~إثباته أولا، وجوز جماعة القياس على الأصل المختلف فيه؛ لأن القياس في نفسه ~~لا يشترط الاتفاق عليه في جواز التمسك به، فسقوط ذلك في ركن من أركانه ~~أولى. # واختلفوا في كيفية الاتفاق على الأصل، فشرط بعضهم أن يتفق عليه الخصمان ~~فقط، لينضبط فائدة المناظرة. # وشرط آخرون أن يتفق عليه الأمة. # قال الزركشي: والصحيح الأول. واختار في "المنتهى" أن المعترض إن كان ~~مقلدا لم يشترط الإجماع؛ إذ ليس له منع ما ثبت مذهبا له، وإن كان مجتهدا ~~اشترط الإجماع؛ لأنه ليس مقتديا بإمام، فإذا لم يكن الحكم مجمعا عليه، ولا ~~منصوصا عليه جاز أن يمنعه. ms388 # الثامن: # أن لا يكون حكم الأصل ذا قياس مركب، وذلك إذا اتفقا على إثبات الحكم في ~~الأصل، ولكنه معلل عند أحدهما بعلة "وعند الآخر بعلة"** أخرى يصلح كل منهما ~~أن يكون علة، وهذا يقال له: مركب الأصل، "وإن اتفقا على علة الأصل*** ~~لاختلافهم في نفس PageV02P107 # الوصف، ولكن منع أحدهما وجودها في الفرع، وهذا يقال له مركب الوصف، ~~لاختلافهم في نفس الوصف، هل له وجود في الأصل أم لا؟ # وكلام الصفي الهندي يقتضي تخصيص القياس المركب بالأول، وخالفه الآمدي، ~~وابن الحاجب، وغيرهما، فجعلوه متناولا لقسمين، وقد اختلف في اعتبار هذا ~~الشرط، والجمهور على اعتباره، وخالفهم جماعة، فلم يعتبروه، وقد طول ~~الأصوليون، والجدليون الكلام على هذا الشرط بما لا طائل تحته. # التاسع: # أن لا نكون متعبدين في ذلك الحكم بالقطع، فان تعبدنا فيه بالقطع، لم يجز ~~فيه القياس؛ لأنه لا يفيد إلا الظن، وقد ضعف الإبياري القول بالمنع، وقال: ~~بل ما تعبدنا فيه بالعلم جاز أن يثبت بالقياس، الذي يفيده1. وقد قسم ~~المحققون القياس إلى ما لا يفيد العلم، وإلى ما يفيده. وقال ابن دقيق العيد ~~في "شرح العنوان": لعل هذا الشرط مبني على أن دليل "القياس ظني، فلو كان ~~قطعيا، وعلمنا العلة قطعا، ووجودها في الفرع قطعا، فقد علمنا الحكم قطعا، ~~ومن نظر لأن دليل"* الأصل وإن كان قطعيا، وعلمنا العلة ووجودها في الفرع ~~قطعا فنفس الإلحاق، وإثبات مثل حكم الأصل للفرع ليس بقطعي. # وقد تقدم ابن دقيق العيد إلى مثل هذا الفخر الرازي. # العاشر: # أن لا يكون معدولا به عن قاعدة القياس، كشهادة خزيمة2، وعدد الركعات، ~~ومقادير الحدود، وما يشابه ذلك؛ لأن إثبات القياس عليه إثبات للحكم مع ~~منافيه، وهذا هو معنى قول الفقهاء: الخارج عن القياس لا يقاس عليه. # وممن ذكر هذا الشرط الفخر الرازي، والآمدي، وابن الحاجب وغيره. وأطلق ابن ~~برهان أن مذهب أصحاب الشافعي، جواز القياس على ما عدل به عن سنن القياس. ~~وأما الحنفية وغيرهم فمنعوه، وكذلك منع منه الكرخي إلا بإحدى خلال: ~~PageV02P108 # إحداها: أن يكون ms389 ما ورد على خلاف الأصول قد نص على علته. # ثانيتها: أن تكون الأمة مجمعة على تعليل ما ورد به الخبر، وإن اختلفوا في ~~علته. # ثالثتها: أن يكون الحكم الذي ورد به الخبر موافقا للقياس على بعض الأصول، ~~وإن كان مخالفا للقياس على أصل آخر. # الحادي عشر: # أن لا يكون حكم الأصل مغلظا، على خلاف في ذلك. # الثاني عشر: # أن لا يكون الحكم في الفرع ثابتا قبل الأصل؛ لأن الحكم المستفاد متأخر عن ~~المستفاد منه بالضرورة، فلو تقدم لزم اجتماع النقيضين، أو الضدين1، وهو ~~محال. # هذا حاصل ما ذكروه من الشروط المعتبرة في الأصل. # وقد ذكر بعض أهل الأصول شروطا، والحق عدم اعتبارها. # فمنها: أن يكون الأصل قد انعقد الإجماع على أن حكمه معلل، ذكر ذلك بشر ~~المريسي2 والشريف المرتضى. # ومنها: أن يشترط في الأصل أن لا يكون غير محصور بالعدد. قال ذلك جماعة، ~~وخالفهم الجمهور. # ومنها: الاتفاق على وجود العلة في الأصل، قاله البعض، وخالفهم الجمهور. # ومنها: تأثير الأصل في كل بوضوح، ذكره البعض وخالفهم الجمهور* ~~PageV02P109 ### | مباحث العلة ### | تعريف العلة # واعلم: أن العلة ركن من أركان القياس كما تقدم، فلا يصح بدونها؛ لأنها ~~الجامعة بين الأصل والفرع. # PageV02P109 # قال ابن فورك: من الناس من اقتصر على الشبه، ومنع القول بالعلة. # وقال ابن السمعاني: ذهب بعض القياسيين، من الحنفية وغيرهم إلى صحة القياس ~~من غير علة إذا لاح بعض الشبه. # والحق: ما ذهب إليه الجمهور من أنها معتبرة لا بد منها في كل قياس. # وهي في اللغة: اسم لما يتغير الشئ بحصوله، أخذا من العلة التي هي المرض؛ ~~لأن تأثرها في الحكم كتأثير العلة في ذات المريض، يقال: اعتل فلان، إذا حال ~~عن الصحة إلى السقم. # وقيل: إنها مأخوذة من العلل بعد النهل، وهو معاودة الشرب مرة بعد مرة؛ ~~لأن المجتهد في استخراجها يعاود النظر مرة بعد مرة. # وأما في الاصطلاح فاختلفوا فيها على أقوال: # الأول: # أنها المعرفة للحكم، بأن جعلت علما على الحكم، إن وجد المعنى وجد الحكم، ~~قاله الصيرفي، وأبو ms390 زيد من الحنفية، وحكاه سليم الرازي في "التقريب" عن بعض ~~الفقهاء، واختاره صاحب "المحصول"، وصاحب "المنهاج"1. # الثاني: # أنها الموجبة للحكم بذاتها، لا بجعل الله، وهو قول المعتزلة، بناء على ~~قاعدتهم في التحسين والتقبيح العقليين، والعلة وصف ذاتي لا يتوقف على جعل ~~جاعل. # الثالث: # أنها الموجبة للحكم، على معنى: أن الشارع جعلها موجبة بذاتها، وبه قال ~~الغزالي، وسليم الرازي. قال الصفي الهندي: وهو قريب لا باس به. # الرابع: # أنها الوجبة بالعادة، واختاره الفخر الرازي. # الخامس: # أنها الباعث على التشريع، بمعنى: أنه لا بد أن يكون الوصف مشتملا على ~~مصلحة صالحة لأن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم. # السادس: # أنها التي يعلم الله صلاح المتعبدين بالحكم لأجلها، وهو اختيار الرازي، ~~وابن الحاجب. # السابع: # أنها المعنى الذي كان الحكم على ما كان عليه لأجلها. # وللعلة أسماء تختلف باختلاف الاصطلاحات، فيقال لها: السبب، والأمارة، ~~والداعي، والمستدعي، والباعث، والحامل، والمناط، والدليل، والمقتضي، ~~والموجب، والمؤثر. PageV02P110 # وقد ذهب المحققون إلى أنه لا بد من دليل على "صحتها؛ لأنها شرعية كالحكم، ~~فكما أنه لا بد من دليل على الحكم، كذلك لا بد من دليل على"* العلة. # ومنهم من قال: إنها تحتاج إلى دليلين يعلم بأحدهما أنها علة، وبالآخر ~~أنها صحيحة. # وقال ابن فورك: من أصحابنا من قال: يعلم صحة العلة بوجود الحكم بوجودها، ~~وارتفاعه بارتفاعها. PageV02P111 ### | الشروط المعتبرة في العلة: # ولها شروط أربعة وعشرون: # الأول: # أن تكون مؤثرة في الحكم، فإن لم تؤثر فيه لم يجز أن تكون علة. # هكذا قال جماعة من أهل الأصول. ومرادهم بالتأثير: المناسبة، قال القاضي ~~في "التقريب": معنى كون العلة مؤثرة في الحكم: هو أن يغلب على ظن المجتهد ~~أن الحكم حاصل عند ثبوتها لأجلها، دون شيء سواها. # وقيل معناه: إنها جالبة لحكم ومقتضية له. # الثاني: # أن تكون وصفا ضابطا، بأن يكون تأثيرها لحكمة مقصودة للشارع، لا حكمة ~~مجردة لخفائها، فلا يظهر إلحاق غيرها بها. # وهل يجوز كونها نفس الحكم، وهي الحاجة إلى جلب مصلحة، أو دفع مفسدة؟ # قال الرازي في "المحصول": يجوز. وقال ms391 غيره: يمتنع. # وقال آخرون: إن كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها جاز التعليل بها، ~~واختاره الآمدي، والصفي الهندي. # واتفقوا على جواز التعليل بالوصف المشتمل عليها، أي: مظنتها بدلا عنها، ~~ما لم يعارضه قياس1. PageV02P111 # الثالث: # أن تكون ظاهرة جلبة، وإلا لم يمكن إثبات الحكم بها في الفرع، على تقدير ~~أن تكون أخفى منه، أو مساويه له في الخفاء. # كذا ذكره الآمدي في "جدله"1. # الرابع: # أن تكون سالمة بحيث لا يردها نص، ولا إجماع. # الخامس: # أن لا يعارضها من العلل ما هو أقوى منها. # ووجه ذلك: أن الأقوى أحق بالحكم، كما أن النص أحق بالحكم من القياس. # السادس: # أن تكون مطردة، أي: كلما وجدت وجد الحكم، لتسلم من النقض والكسر، فإن ~~عارضها نقض أو كسر بطلت. # السابع: # أن لا تكون عدما في الحكم الثبوتي، أي: لا يبطل الحكم الوجودي بالوصف ~~العدمي، قاله الجماعة. # وذهب الأكثرون إلى جوازه. # قال المانعون: لو كان العدم علة للحكم الثبوتي؛ لكان مناسبا أو مظنة، ~~واللازم باطل. وأجيب يمنع بطلان اللازم. # الثامن: # أن لا تكون العلة المتعدية هي المحل، أو جزء منه؛ لأن ذلك يمنع من ~~تعديتها. # التاسع: # أن ينتفي الحكم بانتفاء العلة، والمراد انتفاء العلم أو الظن به؛ إذ لا ~~يلزم من عدم الدليل عدم المدلول. # العاشر: # أن تكون أوصافها مسلمة، أو مدلولا عليها. كذا قال الأستاذ أبو منصور. # الحادي عشر: # أن يكون الأصل المقيس عليه معللا بالعلة التي يعلق عليها الحكم في الفرع، ~~بنص أو إجماع "كذا قال الأستاذ أبو منصور2*. # الثاني عشر: # أن لا تكون موجبة للفرع حكما، وللأصل حكما آخر غيره3. # الثالث عشر: # أن لا توجب ضدين؛ لأنها حينئذ تكون شاهدة لحكمين متضادين، قاله الأستاذ ~~أبو منصور. PageV02P112 # الرابع عشر: # أن لا يتأخر ثبوتها عن ثبوت حكم الأصل، خلافا لقوم. # الخامس عشر: # أن يكون الوصف معينا؛ لأن رد الفرع إليها لا يصح إلا بهذه الواسطة. # السادس عشر: # أن يكون طريق إثباتها شرعيا كالحكم. ذكره الآمدي في "جدله". # السابع عشر: # أن لا يكون وصفا مقدرا. # قال الهندي: ms392 ذهب الأكثرون إلى أنه لا يجوز التعليل بالصفات المقدرة، ~~خلافا للأقلين من المتأخرين. # الثامن عشر: # إن كانت مستنبطة، فالشرط أن لا تر جع على الأصل بإبطاله، أو إبطال بعضه، ~~لئلا يفضي إلى ترك الراجح إلى المرجوح؛ إذ الظن المستفاد من النص أقوى من ~~الظن المستفاد من الاستنباط؛ لأنه فرع له، والفرع لا يرجع على إبطال أصله، ~~وإلا لزم أن يرجع إلى نفسه بالإبطال. # التاسع عشر: # إن كانت مستنبطة، فالشرط أن لا تعارض بمعارض مناف، موجود في الأصل1. # العشرون: # إن كانت مستنبطة، فالشرط أن لا تتضمن زيادة على النص، أي: حكما غير ما ~~أثبته النص. # الحادي والعشرون: # أن لا تكون معارضة لعلة أخرى، تقتضي نقيض حكمها. # الثاني والعشرون: # إذا كان الأصل فيه شرط: فلا يجوز أن تكون العلة موجبة لإزالة ذلك الشرط. # الثالث والعشرون: # أن لا يكون الدليل الدال عليها متناولا لحكم الفرع، لا بعمومه ولا ~~بخصوصه، للاستغناء حينئذ عن القياس. # الرابع والعشرون: # أن لا تكون مؤيدة لقياس أصل منصوص عليه بالإثبات على أصل منصوص عليه ~~بالنفي. # فهذه شرط العلة. PageV02P113 ### | ما لا يعتبر من الشروط في العلة # وقد ذكرت لها شروط غير معتبرة على الأصح. # منها: ما شرطه فيها الحنفية، وأبو عبد الله البصري: وهو تعدي العلة من ~~الأصل إلى غيره، فلو وقفت على حكم النص لم تؤثر في غيره. # PageV02P113 # وهذا يرجع إلى التعليل بالعلة القاصرة، وقد وقع الاتفاق على أنها إذا ~~كانت منصوصة، أو مجمعا عليها: صح التعليل بها1. # حكى ذلك القاضي أبو بكر، وابن برهان، والصفي الهندي، وخالفهم القاضي عبد ~~الوهاب، فنقل عن قوم: أنه لا يصح التعليل بها على الإطلاق، سواء كانت ~~منصوصة أو مستنبطة. # قال: وهذا قول أكثر أهل العراق. انتهى. # وأما إذا كانت العلة القاصرة مستنبطة: فهي محل الخلاف. # فقال أبو بكر القفال: بالمنع. # وبمثله قال ابن السمعاني، ونقله إمام الحرمين عن الحليمي. # وقال القاضي أبو بكر، وجمهور أصحاب الشافعي: بالجواز. # قال القاضي عبد الوهاب: هو قول جميع أصحابنا، وأصحاب الشافعي، وحكاه ~~الآمدي عن أحمد. # قال ms393 ابن برهان في "الوجيز": كان الأستاذ أبو إسحاق من الغلاة في تصحيح ~~العلة القاصرة، ويقول: هي أولى من المتعدية، واحتج بأن وقوفها يقتضي نفي ~~الحكم عن الأصل "كما أوجب تعديها ثبوت حكم الأصل فيغيره فصار وقوفها ~~مؤثرا"* في النفي، كما كان تعديها مؤثرا في الإثبات، وهذا احتجاج فاسد، ~~واستدلال باطل. # ومنها: أن لا يكون وصفها حكما شرعيا، عند قوم؛ لأنه معلول، فكيف يكون ~~علة؟! # والمختار جواز تعليل الحكم الشرعي بالوصف الشرعي. # ومنها: أن تكون مستنبطة من أصل مقطوع بحكمه عند قوم. # والمختار عدم اعتبار ذلك بل يكتفى بالظن # ومنها: القطع بوجود العلة في الفرع عند قوم، منهم: البزدوي. # والمختار الاكتفاء بالظن. # ومنها: أن لا تكون مخالفة لمذهب صحابي، وذلك عند من يقول بحجية قول ~~الصحابي، لا عند الجمهور. PageV02P114 ### | القول في تعدد العلل: # وقد اختلفوا في جواز تعدد العلل مع اتحاد الحكم1؛ فإن كان الاتحاد ~~بالنوع، مع الاختلاف بالشخص، كتعليل إباحة قتل زيد بردته، وقتل عمرو ~~بالقصاص، وقتل خالد بالزنا مع الإحصان، فقد اتفقوا على الجواز، وممن نقل ~~الاتفاق على ذلك الأستاذ أبو منصور البغدادي، والآمدي، والصفي الهندي. # وأما إذا كان الاتحاد بالشخص، فقيل: لا خلاف في امتناعه بعلل عقلية. # وحكى القاضي الخلاف في ذلك، فقال: ثم اختلفوا إذا وجب الحكم العقلي ~~بعلتين، فقيل: لا يرتفع إلا بارتفاعهما جميعا. # وقيل: يرتفع بارتفاع إحداهما. # وأما تعدد العلل الشرعية، مع الاتحاد في الشخص، كتعليل قتل زيد بكونه قتل ~~من يجب عليه فيه القصاص، وزنى مع الإحصان، فإن كل واحد منهما يوجب القتل ~~بمجرده، فهل يصح تعليل إباحة دمه بهما معا أم لا؟ اختلفوا في ذلك على ~~مذاهب. # الأول: # المنع مطلقا، منصوصة كانت أو مستنبطة. # حكاه القاضي عبد الوهاب عن متقدمي أصحابهم، وجزم به الصيرفي، واختاره ~~الآمدي، ونقله القاضي، وإمام الحرمين. # الثاني: # الجواز مطلقا، وإليه ذهب الجمهور، كما حكاه القاضي في "التقريب". # قال: وبهذا نقول؛ لأن العلل علامات وأمارات على الأحكام، لا موجبة لها، ~~فلا يستحيل ذلك. # قال ابن برهان في "الوجيز": إنه الذي ms394 استقر عليه رأي إمام الحرمين. # الثالث: # الجواز في المنصوصة دون المستنبطة2، وإليه ذهب أبو بكر بن فورك، والفخر ~~الرازي، وأتباعه. # وذكر إمام الحرمين أن القاضي يميل إليه، وكلام إمام الحرمين هذا هو الذي ~~اعتمده ابن الحاجب في نقل هذا المذهب عن القاضي، كما صرح به في "مختصر ~~المنتهى"، ولكن النقل عن القاضي مختلف كما عرفته. PageV02P115 # الرابع: # الجواز في المستنبطة دون المنصوصة، حكاه ابن الحاجب في "مختصر المنتهى"، ~~وابن المنير في "شرحه للبرهان"، وهو قول غريب. # والحق: ما ذهب إليه الجمهور من الجواز. # وكما ذهبوا إلى الجواز فقد ذهبوا أيضا إلى الوقوع، ولم يمنع من ذلك عقل ~~ولا شرع. # PageV02P116 ### | الشروط المعتبرة في الفرع: # وأما ما يشترط في الفرع فأمور أربعة: # أحدهما: # مساواة علته لعلة الأصل. # والثاني: # مساواة حكمه لحكم الأصل. # والثالث: # أن لا يكون منصوصا عليه. # والرابع: # أن لا يكون متقدما على حكم الأصل. # PageV02P116 ### | الفصل الرابع: في الكلام على مسالك العلة وهي طرقها الدالة عليها ### | مدخل # ... # الفصل الرابع: في الكلام على مسالك العلة وهي طرقها الدالة عليها # ولما كان لا يكتفى في القياس بمجرد وجود الجامع في الأصل والفرع، بل لا ~~بد في اعتباره من دليل يدل عليه، وكانت الأدلة إما بالنص، أو الإجماع، أو ~~الاستنباط، احتاجوا إلى بيان مسالك العلة. # وقد أضاف القاضي عبد الوهاب إلى الأدلة الثلاثة دليلا رابعا، وهو العقل، ~~ولم يعتبره الجمهور، بل جعلوا طريق إثبات العلة هو السمع فقط. # وقد اختلفوا في عدد هذه المسالك. # فقال الرازي في "المحصول": هي عشرة: النص، والإيماء، والإجماع، ~~والمناسبة، والتأثير، والدوران، والسبر والتقسيم، والشبه، والطرد، وتنقيح ~~المناط. # قال: وأمور أخر اعتبرها قوم، هي عندنا ضعيفة. انتهى. # واختلف أهل الأصول في تقديم مسلك الإجماع على مسلك النص، أو مسلك النص ~~على مسلك الإجماع. فمن قدم الإجماع نظر إلى كونه أرجح من ظواهر النصوص؛ ~~لأنه لا يتطرق إليه احتمال النسخ. ومن قدم النص نظر إلى كونه أشرف من غيره، ~~وكونه مستند الإجماع، وهذا مجرد اصطلاح في التأليف، فلا مشاحة فيه1. # وسنذكر من ms395 المسالك ههنا أحد عشر مسلكا: PageV02P116 ### | المسلك الأول: الإجماع # وهو نوعان: # إجماع على علة معينة، كتعليل ولاية المال بالصغر، وإجماع على أصل التعليل ~~-وإن اختلفوا في عين العلة- كإجماع السلف على أن الربا في الأصناف الأربعة ~~معلل، وإن اختلفوا في العلة ماذا هي1. # وقد ذهب إلى كون الإجماع من مسالك العلة جمهور الأصوليين، كما حكاه ~~القاضي في "التقريب"، ثم قال: وهذا لا يصح عندنا، فإن القياسيين ليسوا كل ~~الأمة، ولا تقوم الحجة بقولهم، وهذا الذي قاله صحيح، فإن المخالفين في ~~القياس كلا أو بعضا هم بعض الأمة، فلا تتم دعوى الإجماع بدونهم. # وقد تكلف إمام الحرمين الجويني في "البرهان" لدفع هذا فقال: بأن منكري ~~القياس ليسوا من علماء الأمة، ولا من حملة الشريعة، فإن معظم الشريعة صدرت ~~عن الاجتهاد والنصوص لا تفي بعشر معشار الشريعة. انتهى. # وهذا كلام يقتضي من قاله العجب، فإن كون منكري القياس ليسوا من علماء ~~الأمة من أبطل الباطلات، وأقبح التعصبات، ثم دعوى أن نصوص الشريعة لا تفي ~~بعشر معشارها لا تصدر إلا عمن لم يعرف نصوص الشريعة حق معرفتها. # وحكى ابن السمعاني عن بعض أصحاب الشافعي أنه لا يجوز القياس على الحكم ~~المجمع عليه، ما لم يعرف النص الذي أجمعوا عليه. انتهى. # وهذا يعود عند التحقيق إلى نفي كون الإجماع من مسالك العلة. ثم القائلون ~~بأن الإجماع من مسالك العلة لا يشترطون فيه أن يكون قطعيا، بل يكتفون فيه ~~بالإجماع الظني فزادوا هذا المسلك ضعفا إلى ضعفه. PageV02P117 ### | المسلك الثاني: النص على العلة # قال في "المحصول" ونعني بالنص: ما يكون دلالته على العلة ظاهرة، سواء ~~كانت قاطعة أو محتملة. # أما القاطع: فما يكون صريحا، وهو قولنا: لعلة كذا، أو لسبب كذا، أو لمؤثر ~~كذا، أو لموجب كذا، أو لأجل كذا، كقوله تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني ~~إسرائيل} 1. # وأما الذي لا يكون قاطعا فثلاثة: اللام، وإن، والباء. # أما اللام: فكقولنا ثبت لكذا، كقوله تعالى: {وما خلقت الجن والأنس إلا ~~ليعبدون} 2. # وأما "إن" فكقوله صلى الله عليه وسلم: ms396 "إنها من الطوافين" 3. # وأما الباء: فكقوله تعالى: {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} 4 # هذا حاصل كلامه. # قال الإمام الشافعي: متى وجدنا في كلام الشارع ما يد ل على نصبه أدلة ~~وإعلاما ابتدرنا إليه، وهو أولى ما يسلك. # واعلم: أنه لا خلاف في الأخذ بالعلة إذا كانت منصوصة، وإنما اختلفوا هل ~~الأخذ بها من باب القياس، أم من العمل بالنص؟ # فذهب إلى الأول الجمهور، وذهب إلى الثاني النافون للقياس، فيكون الخلاف ~~على هذا لفظيا، وعند ذلك يهون الخطب، ويصغر ما تعاظم من الخلاف في هذه ~~المسألة. # قال ابن فورك: إن الأخذ بالعلة المنصوصة ليس قياسا وإنما هو استمساك بنص ~~لفظ الشارع، فإن لفظ التعليل إذا لم يقبل التأويل عن كل ما تجري العلة فيه، ~~كان المتعلق به مستدلا بلفظ قاض بالعموم5. PageV02P118 # واعلم أن التعليل قد يكون مستفادا من حرف من حروفه، وهي: كي، واللام، ~~وإذن، ومن، والباء، والفاء، وإن، ونحو ذلك، وقد يكون مستفادا من اسم من ~~أسمائه، وهي: لعلة كذا، لموجب كذا، بسبب كذا، لمؤثر كذا، لأجل كذا، "لجزاء ~~كذا، لعلم كذا"*، لمقتضى كذا، ونحو ذلك، وقد يكون مستفادا من فعل من ~~الأفعال الدالة على ذلك، كقوله: عللت بكذا، وشبهت كذا بكذا، ونحو ذلك، وقد ~~يكون مستفادا من السياق، فإنه قد يدل على العلة كما يدل على غيرها. # وقد قسموا النص على العلة إلى صريح، وظاهر. # قال الآمدي: فالصريح هو الذي لا يحتاج فيه إلى نظر واستدلال، بل يكون ~~اللفظ موضوعا في اللغة له. # قال الإبياري: ليس المراد بالصريح المعنى الذي لا يقبل التأويل، بل ~~المنطوق بالتعليل فيه على حسب دلالة اللفظ الظاهر على المعنى. انتهى. # ثم الصريح ينقسم إلى أقسام. # أعلاها أن يقول: لعلة كذا، أو لسبب كذا، أو نحو ذلك، وبعده أن يقول: لأجل ~~كذا، أو من أجل كذا. # قال ابن السمعاني: وهو دون ما قبله؛ لأن لفظ العلة تعلم به العلة من غير ~~واسطة، بخلاف قوله: لأجل، فإنه يفيد معرفة العلة، بواسطة أن العلة ما ~~لأجلها الحكم، ms397 والدال بلا واسطة أقوى، وكذا قال الأصفهاني. # وبعده أن يقول: كي يكون كذا، فإن الجويني في "البرهان" جعلها من الصريح، ~~وخالفه الرازي. # وبعده: إذا، فإن أبا إسحاق الشيرازي، والغزالي، جعلاه من الصريح، وجعله ~~الجويني في "البرهان" من الظاهر. # وبعده: ذكر المفعول له نحو: ضربته تأديبا. # وأما الظاهر: فينقسم إلى أقسام، أعلاها: اللام، ثم أن المفتوحة المخففة، ~~ثم إن المكسورة الساكنة، بناء على أن الشروط اللغوية أسباب، ثم إن المشددة، ~~كقوله صلى الله عليه وسلم: "إنها من الطوافين عليكم" 1. PageV02P119 # قال صاحب "التنقيح": كذا عدوها من هذا القسم، والحق: أنها لتحقيق الفعل، ~~ولا حظ لها في التعليل، والتعليل في الحديث مفهوم من سياق الكلام. # وقد نقل الإبياري إجماع النحاة على أنها لا ترد للتعليل، قال: وهي في ~~قوله: "إنها من الطوافين عليكم" للتأكيد؛ لأن علة طهارة سؤرها هي الطواف، ~~ولو قدرنا مجيء قوله: "من الطوافين" بغير إن لأفاد التعليل، فلو كانت ~~للتعليل لعدمت العلة بعدمها، ولا يمكن أن يكون التقدير لأنها، وإلا لوجب ~~فتحها، ولاستفيد التعليل من اللام. # ثم الباء، قال ابن مالك: وضابطه أن يصلح غالبا في موضوعها اللام، كقوله ~~تعالى: {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} 1، وقوله سبحانه: {فبظلم من الذين ~~هادوا حرمنا عليهم} 2؛ وجعل من ذلك الآمدي، والصفي الهندي قوله تعالى: ~~{جزاء بما كانوا يعملون} 3. ونسبه بعضهم إلى المعتزلة، وقيل: هي المقابلة، ~~كقوله: هذا بذلك؛ لأن المعطي بعوض قد يعطي مجانا. # ثم الفاء: إذا علق بها الحكم على الوصف، وذلك نوعان. # أحدهما: # أن يدخل على السبب والعلة، ويكون الحكم متقدما، كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "لا تخمروا رأسه، فإنه يبعث ملبيا" 4. # الثاني: # أن يدخل على الحكم، وتكون العلة متقدمة، كقوله تعالى: {الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} 5، {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ~~6. # لأن التقدير من زنى فاجلدوه، ومن سرق فاقطعوه. # ثم لعل؛ على رأي الكوفيين من النحاة، فإنهم قالوا: إنها في كلام الله ~~للتعليل المحض، مجردة عن معنى الترجي، لاستحالته عليه. # ثم إذ: ذكره ابن مالك نحو: {وإذ اعتزلتموهم ms398 وما يعبدون إلا الله فأووا ~~إلى الكهف} 7. PageV02P120 # ثم حتى: كما ذكره ابن "مالك"*، نحو قوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية} 1، ~~{حتى نعلم المجاهدين منكم} 2، {حتى لا تكون فتنة} 3 ولا يخفى ما في عد هذه ~~الثلاثة المتأخرة من جملة دلائل التعليل من الضعف الظاهر. # وقد عد منها صاحب "التنقيط": لا جرم، نحو: {لا جرم أن لهم النار} 4. وعد ~~أيضا جميع أدوات الشرط والجزاء. # وعد إمام الحرمين منها الواو. وفي هذا من الضعف ما لا يخفى على عارف ~~بمعاني اللغة العربية. PageV02P121 ### | المسلك الثالث: الإيماء والتنبيه # وضابطه: الاقتران بوصف، لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل لكان بعيدا، فيحمل ~~على التعليل دفعا للاستبعاد. # وحاصله: أن ذكره يمتنع أن يكون لا لفائدة؛ لأنه عبث، فيتعين أن يكون ~~لفائدة، وهي إما كونه علة، أو جزء علة، أو شرطا، "والأطهر"*: كونه علة؛ ~~لأنه الأكثر في تصرفات الشرع، وهو أنواع: # الأول: # تعليق الحكم على العلة بالفاء، وهو على وجهين: # أحدهما: أن تدخل الفاء على العلة، ويكون الحكم متقدما، كقوله صلى الله ~~عليه وسلم في المحرم الذي وقصته ناقته: " فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا" 1. # ثانيهما: أن تدخل الفاء على الحكم، وتكون العلة متقدمة، وذلك أيضا على ~~وجهين: # أحدهما: أن تكون الفاء دخلت على كلام الشارع، مثل قوله تعالى: {والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما} 2، {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} 3. ~~PageV02P121 # وثانيهما: أن تدخل على رواية الراوي، كقوله: "سها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فسجد"1، و"زنى ماعز فرجم"2، كذا في "المحصول" وغيره. # النوع الثاني: # أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا، لو لم يكن علة لعرى عن الفائدة إما مع ~~سؤال في محله، أو سؤال في نظيره. # فالأول: كقول الأعرابي: واقعت أهلي في رمضان. فقال: "اعتق رقبة" 3. فإنه ~~يدل على أن الوقاع علة للإعتاق، والسؤال مقدر في الجواب، كأنه قال: إذا ~~واقعت فكفر. # الثاني كقوله: وقد سألته الخثعمية: إن أبي أدركته الوفاة، وعليه فريضة ~~الحج، أفينفعه إن حججت عنه؟ فقال: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان ~~ينفعه؟ " قالت: نعم4. # فذكر ms399 نظيره، وهو دين الآدمي، فنبه على كونه، علة في النفع، وإلا لزم ~~العبث. # وذهب جماعة من الأصوليين إلى أن شرط فهم التعليل من هذا النوع أن يدل ~~الدليل على أن الحكم وقع جوابا؛ إذ من الممكن أن يكون الحكم استئنافا، لا ~~جوابا، وذلك كمن تصدى للتدريس، فأخبره تلميذه بموت السلطان، فأمره عقب ~~الإخبار بقراءة درسه، فإنه لا يدل على تعليل القراءة بذلك الخبر، بل الأمر ~~بالاشتغال بما هو بصدده، وترك ما لا يعنيه. # النوع الثالث: # أن يفرق بين الحكمين لوصف، نحو قوله صلى الله عليه وسلم: "للراجل سهم ~~وللفارس سهمان" 5. فإن ذلك يفيد أن الموجب للاستحقاق للسهم والسهمين هو ~~الوصف المذكور. PageV02P122 # النوع الرابع: # أن يذكر عقب الكلام أو في سياق شيئا، لو لم يعلل به الحكم المذكور لم ~~ينتظم الكلام، كقوله تعالى: {وذروا البيع} 1؛ لأن الآية سيقت لبيان وقت ~~الجمعة وأحكامها، فلو لم يعلل النهي عن البيع بكونه مانعا من الصلاة، أو ~~شاغلا عن المشي إليها؛ لكان ذكره عبثا؛ لأن البيع لا يمنع منه مطلقا. # النوع الخامس: # ربط الحكم باسم مشتق، فإن تعليق الحكم به مشعر بالعلية، نحو: أكرم زيدا ~~العالم، فإن ذكر الوصف المشتق مشعر بأن الإكرام لأجل العلم. # النوع السادس: # ترتب الحكم على الوصف بصيغة الشرط والجزاء كقوله تعالى: {ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا} 2. أي: لأجل تقواه، {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} 3. أي: ~~لأجل توكله؛ لأن الجزاء يتعقب الشرط. # النوع السابع: # تعليل عدم الحكم بوجود المانع منه، كقوله تعالى: {ولولا أن يكون الناس ~~أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن} 4. {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا ~~في الأرض} 5، {ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته} 6. # النوع الثامن: # إنكاره سبحانه على من زعم أنه لم يخلق الخلق لفائدة، ولا لحكمة بقوله: ~~{أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} 7، وقوله: {أيحسب الأنسان أن يترك سدى} 8، ~~وقوله: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} 9. # النوع التاسع: # إنكاره سبحانه أن يسوي بين المختلفين، ويفرق بين المتماثلين. # فالأول: كقوله: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} 10. # والثاني: ms400 كقوله: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} 11 PageV02P123 # وقد اختلف في اشتراط مناسبة الوصف المومإ إليه للحكم في الأنواع السابقة، ~~فاشترطه إمام الحرمين الجويني، والغزالي. # وذهب الأكثرون إلى عدم اشتراطه. # وذهب قوم إلى التفصيل، فقالوا: إن كان التعليل فهم من المناسبة، كما في ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقض القاضي وهو غضبان" 1 اشترط، وأما غيره ~~فلا يشترط، واختاره ابن الحاجب. # وحكى الهندي تفصيلا، وهو اشتراطه في ترتيب الحكم على الاسم دون غيره،. ~~وحكى ابن المنير تفصيلا آخر: وهو إن كان الاسم المشتق يتناول معهودا معينا؛ ~~فلا يتعين للتعليل ولو كان مناسبا، بل يحتمل أن يكون تعريفا، وأما إذا علق ~~بعام ومنكر فهو تعليل. PageV02P124 ### | المسلك الرابع: الاستدلال على علية الحكم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم: # كذا قال القاضي في "التقريب" وصورته: أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~فعلا بعد وقوع شيء، فيعلم أن ذلك الفعل إنما كان لأجل ذلك الشيء الذي وقع، ~~كأن يسجد صلى الله عليه وسلم للسهو، فيعلم أن ذلك السجود إنما كان لسهو قد ~~وقع منه. # وقد يكون ذلك الفعل من غيره بأمره، كرجم ماعز. # وهكذا الترك له حكم الفعل، كتركه صلى الله عليه وسلم للطيب، والصيد، وما ~~يجتنبه المحرم، فإن المعلوم من شاهد الحال أن ذلك لأجل الإحرام. # PageV02P124 ### | المسلك الخامس: السبر والتقسيم: # وهو في اللغة: الاختبار، ومنه الميل الذي يختبر به الجرح، فإنه يقال له ~~المسبار، وسمي # PageV02P124 # هذا به؛ لأن المناظر يقسم الصفات ويختبر كل واحدة منها "في أنه"* هل تصلح ~~للعلية أم لا؟ # وفي الاصطلاح هو قسمان: # أحدهما: # أن يدور بين النفي والإثبات، وهذا هو المنحصر. # والثاني: # أن لا يكون كذلك، وهذا هو المنتشر. # فالأول: # أن تحصر الأوصاف التي يمكن التعليل بها للمقيس عليه، ثم اختبارها في ~~المقيس، وإبطال ما لا يصلح منها بدليله، وذلك الإبطال إما بكونه ملغى، أو ~~وصفا طرديا، أو يكون فيه نقض، أو كسر، أو خفاء، أو اضطراب، فيتعين الباقي ~~للعلية1. # وقد يكون في القطعيات، كقولنا: العالم إما أن ms401 يكون قديما، أو حادثا، بطل ~~أن يكون قديما، فثبت أنه حادث. # وقد يكون في الظنيات، نحو أن نقول: في قياس الذرة على البر في الربوية: ~~بحثت عن أوصاف البر فما وجدت ثم ما يصلح للربوية في بادئ الرأي إلا الطعم، ~~والقوت، والكيل، لكن الطعم والقوت لا يصلح لذلك بدليل كذا، فتعين الكيل2. # قال الصفي الهندي: وحصول هذا القسم في الشرعيات عسر جدا. # ويشترط في صحة هذا المسلك أن يكون الحكم في الأصل معللا بمناسب، خلافا ~~للغزالي، وأن يقع الاتفاق على أن العلة لا تركيب فيها، كما في مسألة الربا، ~~فأما لو لم يقع الاتفاق لم يكون هذا المسلك صحيحا؛ لأنه إذا بطل كونه علة ~~مستقلة، جاز أن يكون جزءا من أجزائها، وإذا انضم إلى غيره صار علة مستقلة، ~~فلا بد من إبطال كونه علة أو جزء علة. # ويشترط أيضا أن يكون حاصرا لجميع الأوصاف، وذلك بأن يوافقه الخصم على ~~انحصارها في ذلك، أو يعجز عن إظهار وصف زائد، وإلا فيكفي المستدل أن يقول: ~~بحثت عن الأوصاف فلم أجد سوى ما ذكرته، والأصل عدم ما سواها، وهذا إذا كان ~~أهلا للبحث. # ونازع في ذلك بعض الأصوليين، ومنهم: الأصفهاني، فقال: قول المعلل في جواب ~~طالب الحصر: بحثت وسبرت فلم أجد غير هذه الأشياء، فإن ظفرت بعلة أخرى ~~فأبرزها، وإلا فليلزمك PageV02P125 # ما يلزمني، قال: وهذا فاسد؛ لأن سبره لا يصلح دليلا؛ لأن الدليل ما يعلم ~~به المدلول، ومحال أن يعلم طالب الحصر الانحصار ببحثه ونظره، وجهله لا يجوب ~~على خصمه أمرا، واختار ابن برهان التفصيل بين المجتهد وغيره. # القسم الثاني: # المنتشر، وذلك بأن لا يدور بين النفي والإثبات، أو دار ولكن كان الدليل ~~على نفي علية ما عدا الوصف المعين فيه ظنيا. # فاختلفوا في ذلك على مذاهب: # الأول: # أنه ليس بحجة مطلقا، لا في القطعيات، ولا في الظنيات، حكاه في "البرهان" ~~عن بعض الأصوليين. # الثاني: # أنه حجة في العمليات فقط؛ لأنه يحصل غلبة الظن، واختاره إمام الحرمين ~~الجويني، وابن برهان، وابن السمعاني. قال ms402 الصفي الهندي: هو الصحيح. # الثالث: # أنه حجة للناظر دون المناظر، واختاره الآمدي. # وقال إمام الحرمين في "الأساليب"1: إنه يفيد الطالب مذهب الخصم، دون ~~تصحيح مذهب المستدل؛ إذ لا يمتنع أن يقول: ما أبطلته باطل، وما اخترته ~~باطل. # وحكى ابن العربي أنه دليل قطعي، وعزاه إلى الشيخ أبي الحسن والقاضي، ~~وسائر أصحاب الشافعي، قال: وهو الصحيح، فقد نطق به القرآن ضمنا، وتصريحا، ~~في مواطن كثيرة2. # فمن الضمن، قوله تعالى: {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام} إلى قوله: {حكيم ~~عليم} 3، ومن التصريح قوله: {ثمانية أزواج} إلى قوله: {الظالمين} 4. # وقد أنكر بعض أهل الأصول أن يكون السبر والتقسيم مسلكا. # قال الأبياري في شرح "البرهان": السبر يرجع إلى اختبار أوصاف المحل ~~وضبطها، والتقسيم يرجع إلى إبطال ما يظهر إبطاله منها، فإذا لا يكون من ~~الأدلة بحال، وإنما تسامح الأصوليون بذلك. # قال ابن المنير: "ومن الأسئلة"* القاصمة لمسلم السبر والتقسيم أن المنفي ~~لا يخلو في. PageV02P126 # نفس الأمر من أن يكون مناسبا، أو شبها، أو طردا، "لأنه"* إما إن يشتمل ~~على مصلحة أو لا، فإن اشتمل على مصلحة، فإما أن تكون منضبطة للفهم أو كلية ~~لا تنضبط. # فالأول: # المناسبة. # والثاني: # الشبه. # وإن لم يشتمل على مصلحة أصلا فهو الطرد المردود، فإن كان ثم مناسبة أو ~~شبه "يعني لغي"** السبر والتقسيم، وإن كان عريا عن المناسبة قطعا، لم ينفع ~~السبر والتقسيم أيضا1. PageV02P127 ### | المسلك السادس: المناسبة ### | مدخل # ... # المسلك السادس: المناسبة # ويعبر عنها بالإخالة، وبالمصلحة، وبالاستدلال، وبرعاية المقاصد، ويسمى ~~استخراجها: تخريج المناط وهي عمدة كتاب القياس، ومحل غموضه ووضوحه. # ومعنى المناسبة: هي تعيين العلة بمجرد إبداء المناسبة، مع السلامة عن ~~القوادح، لا بنص ولا غيره. # والمناسبة في اللغة: الملاءمة، والمناسب الملائم. # قال في "المحصول": الناس ذكروا في تعريف المناسب شيئين: # الأول: # أنه المفضي إلى ما يوافق الإنسان تحصيلا وإبقاء، وقد يعبر عن التحصيل ~~بجلب المنفعة، وعن الإبقاء بدفع المضرة لأن ما قصد إبقاؤه فإزالته مضرة، ~~وإبقاؤه دفع للمضرة. # ثم هذا التحصيل والإبقاء، قد يكون معلوما، وقد يكون مظنونا وعلى ms403 ~~التقديرين، فإما أن يكون دينيا أو دنيويا. # والمنفعة عبارة عن اللذة، أو ما يكون طريقا إليها، والمضرة عبارة عن ~~الألم، أو ما يكون طريقا إليه، واللذة قيل في حدها: إنها إدراك الملائم، ~~والألم: إدراك المنافي. # والصواب عندي: أنه لا يجوز تحديدهما؛ لأنهما من أظهر ما يجده الحي من ~~نفسه، ويدرك بالضرورة التفرقة بين كل واحد منهما، وبينهما وبين غيرهما، وما ~~كان كذلك يتعذر تعريفه بما هو أظهر منه. # الثاني: # أنه الملائم لأفعال العقلاء في العادات، فإنه يقال: هذه اللؤلؤة تناسب ~~هذه اللؤلؤة # PageV02P127 # في الجمع بينها في سلك واحد متلائم. انتهى. # وقد اختلف في تعريفها القائلون بمنع تعليل أفعال الله سبحانه بالأغراض، ~~والقائلون بتعليلها بها. # فالأولون قالوا: إنها الملائم لأفعال العقلاء في العادات، أي: ما يكون ~~بحيث يقصد العقلاء تحصيله على مجاري العادة بتحصيل مقصود مخصوص. # والآخرون قالوا: إنها ما تجلب للإنسان نفع، أو تدفع عنه ضرا1. # وقيل: هي ما لو عرض على العقول تلقته بالقبول، كذا قال الدبوسي. # وقيل: وعلى هذا فإثباتها على الخصم متعذر؛ لأنه ربما يقول: عقلي لا يتلقى ~~هذا بالقبول، ومن ثم قال الدبسوي: هو حجة للناظر؛ لأنه لا يكابر نفسه: لا ~~للمناظر. # قال الغزالي: والحق بأنه يمكن إثباته على الجاحد بتبيين معنى المناسبة ~~على وجه مضبوط، فإذا أبداه المعلل فلا يلتفت إلى جحده. انتهى. # وهذا صحيح، فإنه لا يلزم المستدل إلا ذلك. # وقال ابن الحاجب: إن المناسب وصف ظاهر منضبط يحصل عقلا من ترتيب الحكم ~~عليه ما يصلح أن يكون مقصودا من حصول مصلحة ودفع مفسدة، فإن كان الوصف ~~خفيا، أو غير منضبط اعتبر ملازمه، وهو المظنة؛ لأن الغيب لا يعرف الغيب، ~~كالسفر للمشقة، والفعل المقضي عرفا عليه بالعمد في العمدية. # قال الصفي الهندي: وهو ضعيف؛ لأنه اعتبر في ماهية المناسبة ما هو خارج ~~عنه، وهو اقتران الحكم بالوصف، وهو خارج عن ماهية المناسب، بدليل أنه يقال: ~~المناسبة مع الاقتران دليل العلة، ولو كان الاقتران داخلا في الماهية لما ~~صح هذا. # وأيضا فهو غير جامع؛ لأن ms404 التعليل "بالظاهرة"* المنضبطة جائز على ما ~~اختاره قائل هذا الحد، والوصفية غير متحققة فيها مع تحقق المناسبة. # وقد احتج إمام الحرمين على إفادتها للعلية بتمسك الصحابة بها، فإنهم ~~يلحقون غير المنصوص بالمنصوص، إذا غلب على "ظنهم"** أنه يضاهيه لمعنى أو ~~يشبهه. # ورد2 بأنه لم ينقل إلينا أنهم كانوا يتمسكون بكل ظن غالب، فلا يبعد ~~التعبد مع نوع من الظن الغالب، ونحن "لا" *** نعلم ذلك النوع. # ثم قال إمام الحرمين: فالأولى الاعتماد على العمومات الدالة على الأمر ~~بالقياس. PageV02P128 ### | انقسام المناسب من حيث الظن واليقين # واعلم: أنه قد يحصل بالمناسب المقصود به من شرع الحكم يقينا، كمصلحة ~~البيع للحل، أو ظنا، كمصلحة القصاص لحفظ النفس، وقد يحتملهما على السواء، ~~كحد الخمر، لحفظ العقل؛ لأن الإقدام مساو للإحجام، وقد يكون نفي الحصول ~~أرجح، كنكاح الآيسة لتحصيل التناسل، ويجوز التعليل بجميع هذه الأقسام، ~~وأنكر بعضهم صحة التعليل بالثالث، وبعضهم بالرابع. # قال الصفي الهندي: الأصح يجوز إن كان في آحاد الصور الشاذة، وكان ذلك ~~الوصف في أغلب الصور من الجنس مفضيا إلى المقصود، وإلا فلا. # أما إذا حصل القطع بأن المقصود من شرع الحكم غير ثابت1، فقالت الحنفية: ~~يعتبر التعليل به، والأصح لا يعتبر، سواء ما لا تعبد فيه، كلحوق نسب ~~المشرقي بالمغربية، وما فيه تعبد، كاستبراء جارية اشتراها بائعها في ~~المجلس. PageV02P129 ### | انقسام المناسب إلى حقيقي وإقناعي # المناسب ينقسم إلى حقيقي وإقناعي. # والحقيقي ينقسم إلى ما هو واقع في محل الضرورة، ومحل الحاجة، ومحل ~~التحسين. # الأول: الضروري # وهو المتضمن "حفظ"* قصود من المقاصد الخمس، التي لم تختلف فيها الشرائع، ~~بل هي مطبقة على حفظها، وهي خمسة: # أحدها: حفظ النفس بشرعية القصاص، فإنه لولا ذلك لتهارج الخلق، واختل نظام ~~المصالح. # ثانيها: حفظ المال بأمرين: أحدهما: إيجاب الضمان على المتعدي، فإن المال ~~قوام العيش، وثانيهما: القطع بالسرقة. # ثالثها: حفظ النسل بتحريم الزنا، وإيجاب العقوبة عليه بالحد. PageV02P129 # رابعها: حفظ الدين بشرعية القتل بالردة، والقتال للكفار. # خامسها: حفظ العقل بشرعية الحد على شرب المسكر، فإن العقل هو قوام كل ms405 فعل ~~تتعلق به مصلحة، فاختلاله يؤدي إلى مفاسد عظيمة. # واعترض على دعوى اتفاق الشرائع على الخمسة المذكورة بأن الخمر كانت مباحة ~~في الشرائع "السابقة"*، وفي صدر الإسلام. ورد بأن المباح منها في تلك ~~الشرائع هو ما لا يبلغ إلى حد السكر المزيل للعقل، فإنه محرم في كل ملة، ~~كذا قال الغزالي. # وحكاه ابن القشيري عن القفال، ثم نازعه فقال: تواتر الخبر أنها كانت ~~مباحة على الإطلاق، ولم يثبت أن الإباحة كانت إلى حد لا يزيل العقل. # وكذا قال النووي في "شرح مسلم"1، ولفظه: وأما ما يقوله من لا تحصيل عنده ~~أن المسكر لم يزل محرما فباطل، لا أصل له. انتهى. # قلت: وقد تأملت التوراة والإنجيل، فلم أجد فيهما إلا إباحة الخمر مطلقا، ~~من غير تقييد بعدم السكر، بل فيهما التصريح بما يتعقب الخمر من السكر، ~~وإباحة ذلك؛ "فلا"** يتم دعوى اتفاق الملل على التحريم، وهكذا تأملت كتب ~~أنبياء بني إسرائيل؛ فلم أجد فيها ما يدل على التقييد أصلا. # وقد زاد بعض المتأخرين سادسا، وهو حفظ الأعراض، فإن عادة العقلاء بذل ~~نفوسهم وأموالهم دون أعراضهم، وما فدي بالضروري فهو بالضرورة أولى، وقد شرع ~~في الجناية عليه بالقذف الحد، وهو أحق بالحفظ من غيره، فإن الإنسان قد ~~يتجاوز عمن جنى على نفسه أو ماله، ولا يكاد أحد أن يتجاوز عمن جنى على ~~عرضه، ولهذا يقول قائلهم: # يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتسلم أعراض لنا وعقول2 # قالوا: ويلتحق بالخمسة المذكورة مكمل الضروري، كتحريم قليل المسكر، ووجوب ~~الحد فيه، وتحريم البدعة، والمبالغة في عقوبة المبتدع، الداعي إليها، ~~والمبالغة في حفظ النسب، بتحريم النظر، واللمس والتعزير على ذلك. ~~PageV02P130 # القسم الثاني: الحاجي # وهو ما يقع في محل الحاجة، لا محل الضرورة، كالإجارة، فإنها مبنية على ~~مسيس الحاجة إلى المساكن، مع القصور عن تملكها، وامتناع مالكها عن بذلها ~~عارية، وكذلك المساقاة والقراض. # ثم اعلم: أن المناسبة قد تكون جلية، فتنتهي إلى القطع، كالضروريات، وقد ~~تكون خفية كالمعاني المستنبطة لا لدليل إلى مجرد احتمال اعتبار الشرع لها، ~~وقد ms406 يختلف التأثير بالنسبة إلى الجلاء والخفاء. # القسم الثالث: التحسيني # وهو قسمان: # الأول: # ما هو غير معارض للقواعد، كتحريم القاذورات، فإن نفرة الطباع عنها ~~لقذارتها معنى يناسب حرمة تناولها، حثا على مكارم الأخلاق، كما قال الله ~~تعالى: {ويحرم عليهم الخبائث} 1، "وحمله الشافعي على المستحب"*، وكما قال ~~صلى الله عليه وسلم: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" 2. # ومنه سلب العبد أهلية الشهادة؛ لأنها منصب شريف، والعبد نازل القدر، ~~والجمع بينهما غير ملائم. # وقد استشكل هذا ابن دقيق العيد؛ لأن الحكم بالحق بعد ظهور الشاهد، ~~وإيصاله إلى مستحقه، ودفع اليد الظالمة عنه من مراتب الضرورة، واعتبار ~~نقصان العبد في الرتبة والمنصب من مراتب التحسين، وترك مرتبة الضرورة رعاية ~~لمرتبة التحسين بعيد جدا، نعم لو وجد لفظ يستند إليه في رد شهادته، ويعلل ~~بهذا التعليل، لكان له وجه، فأما مع الاستقلال بهذا التعليل، ففيه هذا ~~الإشكال. # وقد ذكر بعض أصحاب الشافعي أنه لا يعلم لمن رد شهادة العبد مستندا أو ~~وجها. # وأما سلب ولايته، فهو في محل الحاجة؛ "إذ ولاية"** الأطفال تستدعي ~~استغراقا وفراغا، PageV02P131 # والعبد مستغرق بخدمة سيده، فتفويض أمر الطفل إليه إضرار بالطفل، أما ~~الشهادة فتتفق أحيانا، كالرواية والفتوى"1. PageV02P132 ### | انقسام المناسب باعتبار شهادة الشرع وعدمها # ثم اعلم: أن المناسب ينقسم باعتبار شهادة الشرع له، بالملاءمة والتأثير، ~~وعدمها، إلى ثلاثة أقسام؛ لأنه إما أن يعلم أن الشارع اعتبره، أو يعلم أنه ~~ألغاه، أو لا يعلم واحد منهما. # القسم الأول: # ما علم اعتبار الشرع له، والمراد بالعلم الرجحان، والمراد بالاعتبار: ~~إيراد الحكم على وفقه، لا التنصيص عليه، ولا الإيماء إليه، وإلا لم تكن ~~العلة مستفادة من المناسبة، وهو المراد بقولهم: شهد له أصل معين. # PageV02P132 # قال الغزالي في "شفاء العليل"1: المعنى بشهادة أصل معين للوصف أنه مستنبط ~~منه، من حيث إن الحكم أثبت شرعا على وفقه. # وله أربعة أحوال: لأنه إما أن يعتبر نوعه في نوعه، أو في جنسه، أو جنسه ~~في نوعه، أو في جنسه. # الحالة الأولى: أن يعتبر نوعه في نوعه، وهو خصوص الوصف في خصوص ms407 الحكم، ~~وعمومه في عمومه، كقياس القتل بالمثقل على القتل "بالجارح"*، في وجوب ~~القصاص، بجامع كونه قتلا عمدا عدوانا، فإنه قد عرف تأثير خصوص كونه قتلا ~~عمدا عدوانا في خصوص الحكم، وهو وجوب القصاص في النفس في القتل بالمحدد. ~~ومثل هذا أن يقال: إنه إذا ثبت أن حقيقة السكر اقتضت حقيقة التحريم، ~~فالنبيذ يلحق بالخمر؛ لأنه لا تفاوت بين العلتين، وبين الحكمين وهذا القسم ~~يسمى المناسب الملائم، وهو متفق عليه بين القياسين. # الحالة الثانية: أن يعتبر نوعه في جنسه، كقياس تقديم الإخوة لأبوين على ~~الإخوة لأب في النكاح على تقديمهم في الإرث، فإن الإخوة من الأب والأم نوع ~~واحد في الصورتين، ولم يعرف تأثيره في التقديم في ولاية النكاح، ولكن عرف ~~تأثيره في جنسه؛ وهو التقدم عليهم، فيما ثبت لكل واحد منهم عند عدم ~~"الأمر"**، كما في الإرث، وهذا القسم دون ما قبله؛ لأن المقارنة بين ~~المثلين بحسب اختلاف المحلين أقرب من المقارنة بين نوعين مختلفين. # الحالة الثالثة: أن يعتبر جنسه في نوعه، كقياس إسقاط القضاء عن الحائض، ~~على إسقاط قضاء الركعتين الساقطتين عن المسافر، بتعليل المشقة، والمشقة ~~جنس، وإسقاط قضاء الصلاة نوع واحد، يستعمل على صنفين، إسقاط قضاء الكل، ~~وإسقاط قضاء البعض، وهذا أولى من الذي قبله؛ لأن الإبهام في العلة أكبر ~~محذورا من الإبهام في المعلول. # الحالة الرابعة: اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم، وذلك كتعليل كون حد ~~الشرب ثمانين بأنه مظنة القذف، لكونه مظنة الافتراء، فوجب أن يقام مقامه ~~قياسا على الخلوة، فإنها لما كانت مظنة الوطء أقيمت مقامه، وهذا كالذي ~~قبله. # القسم الثاني: # ما علم إلغاء الشرع له، كما قال بعضهم: بوجوب الصوم ابتداء في كفارة ~~الملك الذي واقع في رمضان؛ لأن القصد منها الانزجار، وهو لا ينزجر بالعتق، ~~فهذا وإن كان. PageV02P133 # قياسا لكن الشرع ألغاه، حيث أوجب الكفارة مرتبة من غير فصل بين المكلفين، ~~فالقول به مخالف للنص فكان باطلا. # القسم الثالث: # ما لا يعلم اعتباره ولا إلغاؤه، وهو الذي لا يشهد له أصل معين من ms408 أصول ~~الشريعة بالاعتبار، وهو المسمى بالمصالح المرسلة. # وقد اشتهر انفراد المالكية بالقول به، قال الزركشي: وليس كذلك، فإن ~~العلماء في جميع المذاهب يكتفون بمطلق المناسبة، ولا معنى للمصلحة المرسلة ~~إلا ذلك. # قال الفخر الرازي في "المحصول": وبالجملة فالأوصاف إنما يلتفت إليها إذا ~~ظن التفات الشرع إليها، وكل ما كان التفات الشرع إليه أكثر كان ظن كونه ~~معتبرا أقوى، وكلما كان الوصف والحكم أخص كان ظن كون ذلك الوصف معتبرا في ~~حق ذلك الحكم آكد، فيكون لا محالة مقدما على ما يكون أعم منه. # وأما المناسب الذي علم أن الشرع ألغاه فهو غير معتبر أصلا. # وأما المناسب الذي لا يعلم أن الشارع ألغاه، أو اعتبره، فذلك يكون بحسب ~~أوصاف هي أخص من كونه وصفا مصلحيا، وإلا فعموم كونه وصفا مصلحيا مشهود له ~~بالاعتبار، وهذا القسم المسمى بالمصالح المرسلة. انتهى. # قال ابن الحاجب في "مختصر المنتهى": وغير المعتبر هو المرسل، فإن كان ~~غريبا، أو ثبت إلغاؤه فمردود اتفاقا، وإن كان ملائما فقد صرح الإمام، ~~والغزالي بقبوله، وذكر عن مالك، والشافعي، والمختار رده، وشرط الغزالي فيه ~~أن تكون المصلحة ضرورية، قطعية، كلية. انتهى. # وسنذكر للمصالح المرسلة بحثا مستقلا في الفصل السابع إن شاء الله1. ~~PageV02P134 ### | انقسام المناسب من حيث التأثير والملاءمة وعدمهما # القسم الرابع: # أن المناسب: إما مؤثر، أو غير مؤثر، وغير المؤثر: إما ملائم، أو غير ~~ملائم. "وغير الملائم"* إما غريب، أو مرسل، أو ملغى. # الصنف الأول: # المؤثر: وهو أن يدل النص، أو الإجماع على كونه علة، تدل على تأثير عين ~~الوصف في عين الحكم أو نوعه في نوعه. PageV02P134 # الصنف الثاني: # الملائم: وهو أن يعتبر الشارع عينه في عين الحكم، بترتيب الحكم على وفق ~~الوصف، لا بنص ولا إجماع، وسمي ملائما لكونه موافقا لما اعتبره الشارع، ~~وهذه المرتبة دونما قبلها. # الصنف الثالث: # الغريب: وهو أن يعتبر عينه في عين الحكم، بترتيب الحكم على وفق الوصف ~~فقط، ولا يعتبر عين الوصف في جنس الحكم، ولا عينه ولا جنسه في جنسه بنص ~~وإجماع، كالإسكار في ms409 تحريم الخمر، فإنه اعتبر عين الإسكار في عين الحكم، ~~بترتيب التحريم على الإسكار فقط. # ومن أمثلة الغريب: توريث المبتوتة في مرض الموت، إلحاقا بالقاتل الممنوع ~~من الميراث، تعليلا بالمعارضة بنقيض القصد، فإن المناسبة ظاهرة، لكن هذا ~~النوع من المصلحة لم يعهد اعتباره في غير هذا الخاص، فكان غريبا لذلك. # الصنف الرابع: # المرسل غير الملائم، وقد عرفت مما تقدم من كلام ابن الحاجب الا تفاق على ~~رده، وحكاه غيره عن الأكثرين. # الصنف الخامس: # الغريب غير الملائم، وهو مردود بالاتفاق، واختلفوا: هل تنخرم المناسبة ~~بالمعاوضة التي تدل على وجود مفسدة، أو فوات مصلحة تساوي المصلحة، أو ترجح ~~عليها؟ على قولين: # الأول: # أنها تنخرم، وإليه ذهب الأكثرون، واختاره الصيدلاني1 وابن الحاجب؛ لأن ~~دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح؛ ولأن المناسبة أمر عرفي، والمصلحة إذا ~~عارضها ما يساويها لم تعد عند أهل العرف مصلحة. # الثاني: # أنها لا تنخرم، واختاره الفخر الرازي في "المحصول"، والبيضاوي في ~~"المنهاج"، وهذا الخلاف إنما هو إذا لم تكن المعارضة دالة على انتفاء ~~المصلحة، أما إذا كانت كذلك فهي قادحة "بلا خلاف*. PageV02P135 ### | المسلك السابع: الشبه ### | مدخل # ... # المسلك السابع: الشبه # ويسميه بعض الفقهاء: الاستدلال بالشيء على مثله، وهو عام أريد به خاص؛ إذ ~~الشبه يطلق على جميع أنواع القياس؛ لأن كل قياس لا بد فيه من كون الفرع ~~شبيها بالأصل، بجامع بينهما، وهو من أهم ما يجب الاعتناء به1. قال ~~الإبياري: لست أرى في مسائل الأصول مسألة أغمض منه، وقد اختلفوا في تعريفه، ~~فقال إمام الحرمين الجويني، لا يمكن تحديده، وقال غيره: يمكن تحديده، فقيل: ~~هو الجمع بين الأصل والفرع بوصف يوهم اشتماله على الحكمة المقتضية للحكم من ~~غير تعيين، كقول الشافعي في النية في الوضوء والتيمم: طهارتان فأنى ~~تفترقان؟! كذا قال الخوارزمي في "الكافي". # قال في "المحصول": ذكروا في تعريفه وجهين: # الأول: # ما قاله القاضي أبو بكر، وهو أن الوصف: إما أن يكون مناسبا للحكم بذاته، ~~وإما لا يناسبه بذاته، لكنه يكون مستلزما لما يناسبه بذاته، وإما أن لا ~~يناسبه ms410 بذاته، ولا يستلزم ما يناسبه بذاته. # فالأول: هو الوصف المناسب. والثاني: الشبه. والثالث: الطرد. # الثاني: # الوصف الذي لا يناسب الحكم، إما أن يكون عرف بالنص تأثير جنسه القريب في ~~الجنس القريب لذلك الحكم، وإما أن لا يكون كذلك. # والأول هو الشبه؛ لأنه من حيث هو غير مناسب يظن أنه غير معتبر في حق ذلك ~~الحكم، ومن حيث إنه علم تأثير جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم مع ~~أن سائر الأوصاف ليس كذلك يكون ظن إسناد الحكم إليه أقوى من ظن إسناده إلى ~~غيره. انتهى. # وحكى الإبياري في "شرح البرهان" عن القاضي: أنه ما يوهم الاشتمال على وصف ~~مخيل، ثم قال: وفيه نظر، من جهة أن الخصم قد ينازع في إيهام الاشتمال على ~~مخيل، إما حقا أو عنادا، ولا يمكن التقرير عليه. # قال الزركشي: والذي في "مختصر التقريب" من كلام القاضي أن قياس الشبه هو ~~إلحاق فرع بأصل لكثرة إشباهه للأصل في الأوصاف من غير أن يعتقد أن الأوصاف ~~التي شابه الفرع بها الأصل علة حكم الأصل. # وقيل: الشبه: هو الذي لا يكون مناسبا للحكم، ولكن عرف اعتبار جنسه القريب ~~في الجنس القريب. PageV02P136 # واختلف في الفرق بينه وبين الطرد، فقيل: إن الشبه الجمع بينهما بوصف يوهم ~~المناسبة، كما تقدم، والطرد: الجمع بينهما بمجرد الطرد، وهو السلامة عن ~~النقض ونحوه. # وقال الغزالي في "المستصفى"1: الشبه لا بد أن يزيد على الطرد بمناسبة ~~الوصف الجامع لعلة الحكم وإن لم يناسب الحكم، قال: وإن لم يريدوا بقياس ~~الشبه هذا، فلا أدري ما أرادوا به، وبما فصلوه عن الطرد المحض. # والحاصل: أن الشبهي والطردي يجتمعان في عدم الظهور في المناسب، ويتخالفان ~~في أن الطردي عهد من الشارع عدم الالتفات إليه، وسمي شبها؛ لأنه باعتبار ~~عدم الوقوف على المناسبة يجزم المجتهد بعدم مناسبته، ومن حيث اعتبار الشرع ~~له في بعض الصور يشبه المناسب، فهو بين المناسب والطردي. # وفرق إمام الحرمين بين الشبه والطرد؛ بأن الطرد نسبة ثبوت الحكم إليه ~~ونفيه على السواء، والشبه نسبة الثبوت ms411 إليه مترجحة على نسبة النفي، ~~فافترقا. # قال ابن الحاجب في "مختصر المنتهى": ويتميز، يعني: الشبه عن الطردي، بأن ~~وجوده كالعدم، وعن المناسب الذاتي بأن مناسبته عقلية، وإن لم يرد الشرع به ~~كالإسكار في التحريم. # مثاله: طهارة تراد للصلاة، فيتعين الماء كطهارة الحدث، فالمناسبة غير ~~ظاهرة، واعتبارها في مس المصحف والصلاة يوهم المناسبة. انتهى. PageV02P137 ### | الخلاف في حجية الشبه: # واختلفوا في كونه حجة أم لا على مذاهب. # الأول: # أنه حجة، وإليه ذهب الأكثرون. # الثاني: # أنه ليس بحجة، قال ابن السمعاني: وبه قال أكثر الحنفية، وإليه ذهب من ~~ادعى التحقيق منهم، وإليه ذهب القاضي أبو بكر، والأستاذ أبو منصور، وأبو ~~إسحاق المروزي، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو بكر الصيرفي، والقاضي أبو الطيب ~~الطبري1. # الثالث: # اعتباره في الأشباه الراجعة إلى الصورة. # الرابع: # اعتباره فيما غلب على الظن أنه مناط الحكم، بأن يظن أنه مستلزم لعلة ~~الحكم، فمتى كان كذلك صح القياس، سواء كانت المشابهة في الصورة أو المعنى، ~~وإليه ذهب الفخر PageV02P137 # الرازي، وحكاه القاضي في "التقريب" عن ابن سريج. # الخامس: # إن تمسك به المجتهد كان حجة في حقه، إن حصلت غلبة الظن، وإلا فلا، وأما ~~المناظر فيقبل منه مطلقا، هذا ما اختاره الغزالي في "المستصفى"1. # وقد احتج القائلون بأنه حجة، بأنه يفيد غلبة الظن، فوجب العمل به. # واحتج القائلون بأنه ليس بحجة بوجهين: # الأول: # أن الوصف الذي "سميتموه"* شبها إن كان مناسبا فهو معتبر بالاتفاق، وإن ~~كان غير مناسب فهو الطرد المردود بالاتفاق. # الثاني: # أن المعتمد في إثبات القياس على عمل الصحابة، ولم يثبت عنهم أنهم تمسكوا ~~بالشبه. # وأجيب عن الأول: بأنا لا نسلم أن الوصف إذا لم يكن مناسبا كان مردودا ~~بالاتفاق، بل ما لا يكون مناسبا إن كان مستلزما للمناسب، أو عرف بالنص ~~تأثير جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم، فهو غير مردود. # وعن الثاني: بأنا نعول في إثبات هذا النوع من القياس على عموم قوله ~~تعالى: {فاعتبروا} 2 على ما ذكرنا أنه يجب العمل بالظن. # ويجاب عن هذين الجوابين: أنا لا ms412 نسلم أن ما كان مستلزما للمناسب ~~كالمناسب، ولا يحصل به الظن بحال، ولا تدل عليه الآية بوجه من وجوه ~~الدلالة، كما سبق تقريره في أول مباحث القياس3. PageV02P138 ### | المسلك الثامن: الطرد # قال في "المحصول": والمراد منه: الوصف الذي لم يكن مناسبا، ولا مستلزما ~~للمناسب، إذا كان الحكم حاصلا مع الوصف في جميع الصور المغايرة لمحل ~~النزاع، وهذا المراد من الاطراد والجريان، وهو قول كثير من فقهائنا، ومنهم ~~من بالغ فقال: مهما رأينا الحكم حاصلا مع الوصف في صورة واحدة، يحصل ظن ~~العلية. # PageV02P138 # احتجوا على التفسير الأول بوجهين: # أحدهما: # أن استقراء الشرع يدل على أن النادر في كل باب يلحق بالغالب، فإذا رأينا ~~الوصف في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع مقارنا للحكم، ثم رأينا الوصف ~~حاصلا في الفرع، وجب أن يستدل "به"* على ثبوت الحكم إلحاقا لتلك الصورة ~~بسائر الصور. # وثانيهما: # إذا رأينا فرس القاضي واقفا على باب الأمير، غلب على ظننا كون القاضي في ~~دار الأمير، وما ذاك إلا لأن مقارنتهما في سائر الصور أفاد ظن مقارنتهما في ~~هذه الصورة المعينة. # واحتج المخالف بأمرين: # أولهما: # أن الاطراد: عبارة عن كون الوصف بحيث لا يوجد إلا ويوجد معه الحكم، وهذا ~~لا يثبت إلا إذا ثبت أن الحكم حاصل معه في الفرع، فإذا أثبتم ثبوت الحكم في ~~الفرع بكون ذلك الوصف علة، وأثبتم عليته بكونه مطردا، لزم الدور وهو باطل. # وثانيهما: # أن الحد مع المحدود، والجوهر مع العرض، وذات الله مع صفاته: حصلت ~~المقارنة فيها مع عدم العلية. # والجواب "عن الأول"**: أن نستدل بالمصاحبة في كل الصور غير الفرع على ~~العلية، وحينئذ لا يلزم الدور. # وعن الثاني: أن غاية كلامكم حصول الطرد في بعض الصور، منفكا عن العلية، ~~وهذا لا يقدح في دلالته على العلية ظاهرا، كما أن الغيم الرطب دليل المطر، ~~ثم عدم نزول المطر في بعض الصور لا يقدح في كونه دليلا. # وأيضا: المناسبة، والدوران، والتأثير، والإيماء قد ينفك كل واحد منها عن ~~العلية،، ولم يكن ذلك قدحا في كونها دليلا ms413 على العلية ظاهرا "فكذا ~~ههنا"***. انتهى. # وقد جعل بعض أهل الأصول الطرد والدوران شيئا واحدا، وليس كذلك، فإن الفرق ~~بين الطرد والدوران: أن الطرد عبارة عن المقارنة في الوجود دون العدم، ~~والدوران عبارة عن المقارنة وجودا وعدما. # والتفسير الأول للطرد المذكور في "المحصول" قال الهندي: هو قول الأكثرين. # وقد اختلفوا1 في كون الطرد حجة، فذهب بعضهم إلى أنه ليس بحجة مطلقا. ~~PageV02P139 # وذهب آخرون إلى أنه حجة مطلقا. # وذهب بعض أهل الأصول إلى التفصيل، فقال: هو حجة على التفسير الأول دون ~~الثاني. # ومن القائلين بالمذهب الأول جمهور الفقهاء والمتكلمين، كما نقله القاضي ~~عنهم. # قال القاضي حسين: لا يجوز أن يدان الله به، واختار الرازي، والبيضاوي أنه ~~حجة، وحكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "التبصرة" عن الصيرفي. قال الكرخي: ~~هو مقبول جدلا، ولا يسوغ التعويل عليه عملا و"لا"* الفتوى به. # قال القاضي أبو الطيب الطبري: ذهب بعض متأخري أصحابنا إلى أنه يدل على ~~صحة العلية، واقتدى به قوم من أصحاب أبي حنيفة بالعراق، فصاروا يطردون ~~الأوصاف على مذاهبهم، ويقولون إنها قد صحت، كقولهم في مس الذكر "مس"** آلة ~~الحدث، فلا ينتقض الوضوء بلمسه؛ لأنه طويل مشقوق، فأشبه البوق، وفي السعي ~~بين الصفا والمروة: إنه سعي بين جبلين، فلا يكون ركنا، كالسعي بين جبلين ~~بنيسابور1، ولا يشك عاقل أن هذا سخف. قال ابن السمعاني: وسمى أبو زيد الذين ~~يجعلون الطرد حجة، والاطراد دليلا على صحة العلية حشوية أهل القياس. قال: ~~ولا يعد هؤلاء من جملة الفقهاء. PageV02P140 ### | المسلك التاسع: الدوران # وهو: أن يوجد الحكم عند وجود الوصف، ويرتفع بارتفاعه في صورة واحدة، ~~كالتحريم مع السكر في العصير، فإنه لما لم يكن مسكرا لم يكن حراما، فلما ~~حدث السكر فيه وجدت الحرمة، ثم لما زال السكر بصيرورته خلا زال التحريم، ~~فدل على أن العلة السكر1. # وقد اختلف أهل الأصول في إفادته للعلية. # فذهب بعض المعتزلة إلى أنه يفيد القطع بالعلية. # وذهب الجمهور إلى أنه يفيد ظن العلية، بشرط عدم المزاحم؛ لأن العلة ~~الشرعية لا توجب ms414 PageV02P140 # الحكم بذاتها، وإنما هي علامة منصوبة، فإذا دار الوصف مع الحكم غلب على ~~الظن "كونه معرفا"*. # قال الصفي الهندي: هو المختار. قال إمام الحرمين: ذهب كل من يعزي إلى ~~الجدل إلى أنه أقوى ما تثبت به العلل، وذكر القاضي أبو الطيب الطبري أن هذا ~~المسلك من أقوى المسالك. # وذهب بعض أهل الأصول إلى أنه لا يفيد بمجرده، لا قطعا ولا ظنا، واختاره ~~الأستاذ أبو منصور، وابن السمعاني، والغزالي، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، ~~والآمدي، وابن الحاجب. # واحتجوا: بأنه قد وجد مع عدم العلية، فلا يكون دليلا عليها، ألا ترى أن ~~المعلول دار مع العلة وجودا وعدما، مع أن المعلول ليس بعلة لعلته قطعا، ~~والجوهر والعرض متلازمان، مع أن أحدهما ليس بعلة في الآخر اتفاقا، ~~والمتضايفان كالأبوة والبنوة متلازمان وجودا وعدما، مع أن أحدهما ليس بعلة ~~في الآخر، لوجوب تقدم العلة على المعلول، ووجوب تصاحب المتضايفين، وإلا لما ~~كانا متضايفين. PageV02P141 ### | المسلك العاشر تنقيح النماط # ... # المسلك العاشر: تنقيح المناط 1 # التنقيح في اللغة: التهذيب والتميز، يقال: كلام منقح، أي: لا حشو فيه، ~~والمناط هو العلة. # قال ابن دقيق العيد: وتعبيرهم بالمناط عن العلة من باب المجازي اللغوي؛ ~~لأن الحكم لما علق بها كان كالشيء المحسوس الذي تعلق بغيره، فهو من باب ~~تشبيه المعقول بالمحسوس، وصار ذلك في اصطلاح الفقهاء بحيث لا يفهم عند ~~الإطلاق غيره. انتهى. # ومعنى تنقيح المناط عند الأصوليين: إلحاق الفرع بالأصل بإلغاء الفارق، ~~بأن يقال: لا فرق بين الأصل والفرع إلا كذا، وذلك لا مدخل له في الحكم ~~ألبتة، فيلزم اشتراكهما في الحكم لاشتراكهما في الموجب له، كقياس الأمة على ~~العبد في السراية، فإنه لا فارق بينهما إلا الذكورة، وهو ملغى بالإجماع؛ إذ ~~لا مدخل له في العلية. # قال الصفي الهندي: والحق أن تنقيح المناط قياس خاص، مندرج تحت مطلق ~~القياس، PageV02P141 # وهو عام يتناوله وغيره. # وكل منهما قد يكون ظنيا، وهو الأكثر، وقطعيا ولكن حصول القطع فيما فيه ~~الإلحاق بإلغاء الفارق أكثر من الذي الإلحاق فيه بذكر الجامع، لكن ليس ms415 ذلك ~~فرقا في المعنى، بل في الوقوع، وحينئذ: لا فرق بينهما في المعنى. # قال الغزالي: تنقيح المناط يقول به أكثر منكري القياس، ولا نعرف بين ~~الأمة خلافا في جوازه، ونازعه العبدري بأن الخلاف فيه ثابت بين من يثبت ~~القياس وينكره، لرجوعه إلى القياس. # وقد زعم الفخر الرازي أن هذا المسلك هو مسلك السبر والتقسيم، فلا يحسن ~~عده نوعا آخر، ورد عليه بأن بينهما فرقا ظاهرا، وذلك أن الحصر في دلالة ~~السبر والتقسيم لتعيين العلة، إما استقلالا أو اعتبارا، وفي تنقيح المناط ~~لتعيين الفارق وإبطاله، لا لتعيين العلة. # PageV02P142 ### | المسلك الحادي عشر: تحقيق المناط # وهو: أن يقع الاتفاق على علية وصف بنص، وإجماع، فيجتهد في وجودها في صورة ~~النزاع، كتحقيق أن النباش سارق. # وسمي تحقيق المناط؛ لأن المناط وهو الوصف علم أنه مناط، وبقي النظر في ~~تحقيق وجوده في الصورة المعينة. # قال الغزالي: وهذا النوع من الاجتهاد لا خلاف فيه بين الأمة، والقياس ~~مختلف فيه، فكيف يكون هذا قياسا1. # واعلم أنهم قد جعلوا القياس من أصله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: # قياس علة. # وقياس دلالة. # وقياس في معنى الأصل. # فقياس العلة: ما صرح فيه بالعلة، كما يقال في النبيذ: إنه مسكر فيحرم ~~كالخمر. # وقياس الدلالة: هو أن لا يذكر فيه العلة، بل وصف ملازم لها، كما لو علل ~~في قياس النبيذ على الخمر برائحة المشتد. PageV02P142 # والقياس الذي في معنى الأصل، هو أن يجمع بين الأصل والفرع بنفي الفارق، ~~وهو تنقيح المناط كما تقدم. # وأيضا قسموا القياس إلى جلي، وخفي. # فالجلي: ما قطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع، كقياس الأمة على العبد ~~في أحكام العتق، فإنا علم قطعا أن الذكورة والأنوثة فيها مما لم يعتبره ~~الشارع، وأنه لا فارق بينهما إلا ذلك، فحصل لنا القطع بنفي الفارق. # والخفي بخلافه، وهو ما يكون نفي الفارق فيه مظنونا في كقياس النبيذ على ~~الخمر في الحرمة؛ إذ لا يمتنع أن تكون خصوصية الخمر معتبرة، ولذلك اختلفوا ~~في تحريم النبيذ. # PageV02P143 ### | الفصل الخامس: فيما لا يجري فيه القياس: ms416 ### | حكم جريان القياس في الأسباب # فمن ذلك الأسباب # وقد اختلفوا في ذلك: # فذهب أصحاب أبي حنيفة، وجماعة من الشافعية، وكثير من أهل الأصول إلى أنه ~~لا يجري فيها. # وذهب جماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يجري فيها. # ومعنى القياس في الأسباب: أن يجعل الشارع وصفا سببا لحكم، فيقاس عليه وصف ~~آخر، فيحكم بكونه سببا. # وذلك نحو: جعل الزنا سببا للحد، فيقاس عليه اللواط، في كونه سببا للحد. # احتج المانعون بأن علية سببية المقيس عليه، وهي قدر من الحكمة، يتضمنها ~~الوصف الأول منتفية في المقيس، وهو الوصف الآخر، أي: لم يعلم ثبوتها فيه ~~لعدم انضباط الحكمة، وتغاير الوصفين، فيجوز اختلاف قدر الحكمة الحاصلة ~~بهما، وإذا كان كذلك امتنع الجمع بينهما في الحكم، وهو السببية؛ لأن معنى ~~القياس الاشتراك في العلة، وبه يمكن التشريك في الحكم. # وأيضا: الحكمة المشتركة: إما أن تكون ظاهرة منضبطة، يمكن جعلها مناطا ~~للحكم أو لا تكون. # فعلى الأول: قد استغنى القياس عن الالتفات إلى الوصفين، وصار القياس في ~~الحكم. # PageV02P143 # المترتب على الحكمة، وهي الجامع بينهما، فتحد الحكم والسبب، وهو خلاف ~~المفروض. # وعلى الثاني: فإما أن يكون لها مظنة، أي: وصف ظاهر منضبط، تنضبط هي به ~~أولا، فعلى الأول صار القياس في الحكم المترتب على ذلك الوصف، فاتحد الحكم ~~والسبب أيضا. # وعلى الثاني: لا جامع بينهما من حكمة أو مظنة، فيكون قياسا خاليا عن ~~الجامع، وهو لا يجوز. # واحتج القائلون بالجواز: بأنه قد ثبت القياس في الأسباب، وذلك كقياس ~~المثقل على المحدد في كونه سببا للقصاص، وقياس اللواطة على الزنا في كونها ~~سببا للحد. # وأجيب: بأن ذلك خارج عن محل النزاع؛ لأن النزاع إنما هو فيما تغاير فيه ~~السبب في الأصل والفرع، أي: الوصف المتضمن للحكمة، وكذا العلة، وهي الحكمة، ~~وههنا السبب سبب واحد، يثبت لهما، أي: لمحلي الحكم، وهما الأصل والفرع بعلة ~~واحدة. ففي المثقل والمحدد السبب هو القتل العمد العدوان، والعلة الزجر ~~لحفظ النفس، والحكم القصاص، وفي الزنا واللواطة السبب إيلاج فرج في فرج ~~محرم شرعا، ms417 مشتهى طبعا، والعلة الزجر لحفظ النسب، والحكم وجوب الحد. # وهذا الجواب لا يرد على الحنفية المانعين من القياس في الأسباب؛ لأنهم لا ~~يقولون بالقصاص في المثقل، ولا بالحد في اللواط، وإنما يرد على من قال بمنع ~~القياس في الأسباب من الشافعية، فإنهم يقولون بذلك. # قال المحقق السعد: والحق أن رفع النزاع بمثل ذلك يعني: بكونه ليس محل ~~النزاع ممكن في كل صورة، فإن القائلين بصحة القياس في الأسباب لا يقصدون ~~إلا ثبوت الحكم بالوصفين؛ لما بينهما من الجامع، ويعود إلى ما ذكرتم من ~~اتحاد الحكم والسبب. # PageV02P144 ### | القياس في الحدود والكفارات # واختلفوا أيضا: هل يجري القياس في الحدود، والكفارات، أم لا؟ فمنعه ~~الحنفية، وجوزه غيرهم1. # احتج المانعون بأن الحدود مشتملة على تقديرات لا تعقل، كعدد المائة في ~~الزنا، والثمانين في القذف، فإن العقل لا يدرك الحكمة في اعتبار خصوص هذا ~~العدد، والقياس فرع تعقل المعنى في حكمة الأصل، وما كان يعقل منها، كقطع يد ~~السارق، لكونها قد جنت بالسرقة. PageV02P144 # فقطعت، فإن الشبهة في القياس لاحتماله الخطأ توجب المنع من إثباته ~~بالقياس، وهكذا اختلاف تقديرات الكفارات، فإنه لا يعقل، كما لا تعقل أعداد ~~الركعات. # وأجيب عن ذلك: بأن جريان القياس إنما يكون فيما يعقل معناه منها، لا فيما ~~لا يعقل، فإنه لا خلاف في عدم جريان القياس فيه، كما في غير الحدود، ~~والكفارات، ولا مدخل لخصوصيتهما في امتناع القياس. # وأجيب عما ذكروه من الشبهة في القياس، لاحتماله الخطأ، بالنقض بخبر ~~الواحد، وبالشهادة، فإن احتمال الخطإ فيهما قائم؛ لأنهما لا يفيدان القطع، ~~وذلك يقتضي عدم ثبوت الحد بهما. # والجواب: الجواب. # واحتج القائلون بإثبات القياس في الحدود والكفارات، بأن الدليل الدال على ~~حجية القياس يتناولهما بعمومه، فوجب العمل به فيهما. ويؤيد ذلك أن الصحابة ~~حدوا في الخمر بالقياس، حتى تشاوروا فيه، فقال علي رضي الله عنه: "إذا شرب ~~سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فأرى عليه حد الافتراء"1. # فأقام مظنة الشيء مقامه، وذلك هو القياس. # واحتجوا أيضا: بأن القياس إنما يثبت في غير ms418 الحدود والكفارات، لاقتضائه ~~الظن، وهو حاصل فيهما، فوجب العمل به. # واعلم: أن عدم جريان القياس فيما لا يعقل معناه، كضرب الدية على العاقلة، ~~قد قيل: إنه إجماع، وقيل: إنه مذهب الجمهور، وأن المخالف في ذلك شذوذ. # ووجه المنع: أن القياس فرع تعقل المعنى المعلل به الحكم في الأصل. # واستدل من أثبت القياس فيما لا يعقل معناه: بأن الأحكام الشرعية متماثلة؛ ~~لأنه يشتملها حد واحد، وهو حد الحكم الشرعي، والمتماثلان يجب اشتراكهما ~~فيما يجوز عليهما؛ لأن حكم الشيء حكم مثله. # وأجيب: بأن هذا القدر لا يوجب التماثل، وهو الاشتراك في النوع، فإن ~~الأنواع المتخالفة قد تندرج تحت جنس واحد، فيعمها حد واحد، وهو حد ذلك ~~الجنس، ولا يلزم من ذلك تماثلها، بل تشترك في الجنس، ويمتاز كل نوع منها ~~بأمر يميزه، وحينئذ فما كان يلحقها باعتبار القدر المشترك من الجواز ~~والامتناع يكون عاما، لا ما كان يلحقها باعتبار غيره. PageV02P145 ### | الفصل السادس: في الاعتراضات ### | مدخل # ... # الفصل السادس: في الاعتراضات # أي: ما يعترض به المعترض على كلام المستدل، وهي في الأصل تنقسم إلى ثلاثة ~~أقسام: # مطالبات، وقوادح، ومعارضة؛ لأن الكلام المعترض: إما أن يتضمن تسليم ~~مقدمات الدليل أو لا. # الأول: المعارضة. # والثاني: إما أن يكون جوابه ذلك الدليل أو لا. # الأول: المطالبة. والثاني: القدح. # وقد أطنب الجدليون في هذه الاعتراضات، ووسعوا دائرة الأبحاث فيها، حتى ~~ذكر بعضهم منها ثلاثين اعتراضا، وبعضهم خمسة وعشرين، وبعضهم جعلها عشرة، ~~وجعل الباقية راجعة إليها، فقال هي: فساد الوضع، فساد الاعتبار، عدم ~~التأثير، القول بالموجب، النقض، القلب، المنع، التقسيم، المعارضة، ~~المطالبة. # قال: ولكل مختلف فيه إلا المنع، والمطالبة، وهذا يدل على الإجماع على ~~المنع والمطالبة، وفيه أنه قد خالف في المنع غير واحد، منهم الشيخ أبو ~~إسحاق "العنبري"*، وخالف في المطالبة شذوذ من أهل العلم. # وقال ابن الحاجب في "المختصر": إنها راجعة إلى منع، أو معارضة، وإلا لم ~~تسمع، وهي خمسة وعشرون. انتهى. # وقد ذكرها جمهور أهل الأصول في أصول الفقه، وخالف في ذلك الغزالي، فأعرض ~~عن ذكرها ms419 في أصول الفقه، وقال: إنها كالعلاوة عليه، وأن موضع ذكرها علم ~~الجدل. # وقال صاحب "المحصول": إنها أربعة: النقض، وعدم التأثير، والقول بالموجب، ~~والقلب. انتهى. # وسنذكر ههنا منها ثمانية وعشرين اعتراضا. PageV02P146 ### | الاعتراض الأول: النقض # وهو تخلف الحكم مع وجود العلة، ولو في صورة واحدة، فإن اعترف المستدل ~~بذلك كان نقضا صحيحا، عند من يراه قادحا، وأما من لم يره قادحا فلا يسميه ~~نقضا، بل يجعله من باب تخصيص العلة. # وقد بالغ أبو زيد في الرد على من يسميه نقضا1. # وينحصر النقض في تسع صور؛ لأن العلة إما منصوصة قطعا، أو ظنا، أو ~~مستنبطة، وتخلف الحكم عنها: إما لمانع، أو فوات شرط، أو بدونها. # وقد اختلف الأصوليون في هذا الاعتراض على مذاهب: # الأول: # أنه يقدح في الوصف المدعى علة مطلقا، سواء كانت منصوصة أو مستنبطة عن ~~سواء كان تخلف الحكم لمانع أو لا لمانع، وهو مذهب المتكلمين، وهو اختيار ~~أبي الحسين البصري، والأستاذ أبي إسحاق، والفخر الرازي، وأكثر أصحاب ~~الشافعي، ونسبوه إلى الشافعي، ورجحوا أنه مذهبه2. # المذهب الثاني: # أنه لا يقدح مطلقا في كونها علة فيما وراء النقض، ويتعين بتقدير مانع، أو ~~تخلف شرط، وإليه ذهب أكثر أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد. # المذهب الثالث: # أنه لا يقدح في المنصوصة، ويقدح في المستنبطة، حكاه إمام الحرمين عن ~~المعظم، فقال: ذهب معظم الأصوليين إلى أن النقض يبطل العلة المستنبطة. # وقال في "المحصول": زعم الأكثرون أن علية الوصف إذا ثبتت بالنص لم يقدح ~~التخصيص في عليته. # المذهب الرابع: # أنه يقدح في المنصوصة دون المستنبطة، عكس الذي قبله، حكاه بعض أهل ~~الأصول، وهو ضعيف جدا. # المذهب الخامس: # أنه لا يقدح في المستنبطة إذا كان لمانع أو عدم شرط، ويقدح في المنصوصة، ~~حكاه ابن الحاجب، وقد أنكروه عليه، وقالوا: لعله فهم ذلك من كلام الآمدي، ~~وفي كلام الآمدي ما يدفعه. PageV02P147 # المذهب السادس: # أنه لا يقدح حيث وجود مانع مطلقا، سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة، ~~فإن لم يكن مانع قدح، واختاره البيضاوي، والصفي الهندي. # المذهب السابع: # أنه ms420 يقدح في المستنبطة في صورتين، إذا كان التخلف لمانع، أو انتفاء شرط، ~~ولا يقدح في صورة واحدة، وهي ما إذا كان التخلف بدونهما. # وأما المنصوصة: فإن كان النص ظنيا، وقدر مانع، أو فوات شرط جاز، وإن كان ~~قطعيا لم يجز، أي: لم يكن وقوعه؛ لأن الحكم لو تخلف لتخلف الدليل. # وحاصله: أنه لا يقدح في المنصوصة إلا بظاهر عام، ولا يقدح في المستنبطة ~~إلا لمانع، أو فقد شرط، واختاره ابن الحاجب، وهو قريب من كلام الآمدي. # المذهب الثامن: # أنه يقدح في علة الوجوب والحل، دون علة الحظر، حكاه القاضي عن بعض ~~المعتزلة. # المذهب التاسع: # أنه يقدح إن انتقضت على أصل من جعلها علة، ولم يلزمه الحكم بها، وإن ~~اطردت على أصله ألزم، حكاه الأستاذ أبو إسحاق عن بعض المتأخرين، قال: وهو ~~من حشو الكلام، لولا أنه أودع كتابا مستعملا لكان تركه أولى. # المذهب العاشر: # إن كانت العلة مؤثرة لم يرد النقض عليها؛ لأن تأثيرها لا يثبت إلا بدليل ~~مجمع عليه، ومثله لا ينقض، حكاه ابن السمعاني عن أبي زيد، ورده بأن النقض ~~يفيد عدم تأثير العلة. # المذهب الحادي عشر: # إن كانت العلة مستنبطة، فإن اتجه فرق بين محل التعليل، وبين صورة النقض ~~بطلت عليته؛ لكونه المذكور أولا جزء من العلة، وليست علة تامة، وإن لم يتجه ~~فرق بينهما، فإن لم يكن الحكم مجمعا عليه، أو ثابتا بمسلك قاطع "سمعي"* ~~بطلت عليته، وإلا فلا، واختاره إمام الحرمين الجويني. # المذهب الثاني عشر: # إن "تخلف"** الحكم عن العلة "له"*** ثلاث صور. # الصورة الأولى: أن يعرض في جريان العلة ما يقتضي عدم اطرادها، فإنه يقدح. # الثانية: أن تنتفي العلة لا لخلل في نفسها، لكن لمعارضة علة أخرى، فهذه ~~لا تقدح. # الثالثة: أن يختلف الحكم لا لخلل في ركن العلة، لكن لعدم مصادفتها محلها، ~~أو شرطها، فلا يقدح، وهذا اختيار الغزالي، وفي كلامه طول. # المذهب الثالث عشر: # إن كان النقص من جهة المستدل فلا يقدح؛ لأن الدليل قد يكون PageV02P148 # صحيحا في نفسه، وينقضه المستدل، فلا ms421 يكون نقضه دليلا على فساده؛ لأنه قد ~~ينقضه على أصله، ويكون أصل غيره مخالفا له، وإن كان النقض من جهة المعترض ~~قدح، حكاه الأستاذ أبو منصور. # المذهب الرابع عشر: # أن علية الوصف إن ثبتت بالمناسبة، أو الدوران، وكان النقض بتخلف الحكم ~~عنها لمانع، لم يقدح في عليته، وإن كان التخلف لا لمانع قدح، حكاه صاحب ~~"المحصول"، ونسبه إلى الأكثرين. # المذهب الخامس عشر: # أن الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لأن العلة إن فسرت بالموجبة، فلا يتصور ~~عليتها مع الانتقاض، وإن فسرت بالمعرفة، فيتصور عليتها مع الانتقاض، وهذا ~~رجحه الغزالي، والبيضاوي، وابن الحاجب، وفيه نظر. فإن الخلاف معنوي، لا ~~لفظي، على كل حال. # قال الزركشي: في "البحر": واعمل أنه إذا قال المعترض: ما ذكرت من العلة ~~منقوض بكذا؛ فللمستدل أن يقول: لا نسلم، ويطالبه بالدليل على وجودها في محل ~~النقض، وهذه المطالبة مسموعة بالاتفاق. انتهى1. # قال الأصفهاني: لا يشترط في القيد الدافع للنقض أن يكون مناسبا، بل غير ~~المناسب مقبول، مسموع اتفاقا، والمانعون من التعليل بالشبه يوافقون على ~~ذلك. # وقال في "المحصول": هل يجوز دفع النقض بقيد طردي؟ أما الطاردون فقد ~~جوزوه، وأما منكرو الطرد فمنهم من جوزوه، والحق: أنه لا يجوز؛ لأن أحد ~~أجزاء العلة إذا لم يكون مؤثرا لم يكن مجموع العلة مؤثرا، وهكذا قال إمام ~~الحرمين في "البرهان"، ثم اختار التفصيل بين أن يكون القيد الطردي يشير إلى ~~مسألة تفارق مسألة النزاع بفقه، فلا يجوز نقض العلة، وإلا فلا يفيد ~~الاحتراز عنه، قال: ولو فرض التقييد باسم غير مشعر بفقه، ولكن مباينة ~~المسمى به لما عداه مشهورة بين النظار، فهل يكون التقييد بمثله تخصيصا ~~للعلة؟ اختلف فيه الجدليون، والأقرب تصحيحه؛ لأنه اصطلاح2. PageV02P149 ### | الاعتراض الثاني: الكسر # وهو إسقاط وصف من أوصاف العلة المركبة، وإخراجه عن الاعتبار، بشرط أن ~~يكون المحذوف مما لا يمكن أخذه في حد العلة1. PageV02P149 # هكذا قال أكثر الأصوليين، والجدليين، ومنهم من فسره: بأنه وجود المعنى في ~~صورة، مع عدم الحكم فيه، والمراد: وجود معنى تلك العلة في ms422 موضع آخر، ولا ~~يوجد معها ذلك الحكم، وعلى هذا التفسير يكون كالنقض. # ولهذا قال ابن الحاجب في "المختصر": الكسر: وهو نقض المعنى، والكلام فيه ~~كالنقض. ومثاله: أن يعلل المستدل على القصر في السفر بالمشقة، فيقول ~~المعترض: ما ذكرته من المشقة ينتقض بمشقة أرباب الصنائع الشاقة في الحضر. # وقد ذهب الأكثرون إلى أن الكسر غير مبطل. # وأما جماعة من الأصوليين، منهم: الفخر الرازي، والبيضاوي، فجعلوه من ~~القوادح. # قال الصفي الهندي: الكسر نقض يرد على بعض أوصاف العلة، وذلك هو ما عبر ~~عنه الآمدي بالنقض المكسور. قال الصفي الهندي: وهو مردود عند الجماهير، إلا ~~إذا بين الخصم إلغاء القيد، ونحن لا نعني بالكسر إلا إذا بين أما إذا لم ~~يبين، فلا خلاف أنه مردود، وأما إذا بين، فالأكثرون على أنه قادح، وقول ~~الآمدي، والأكثرون على أنه غير قادح مردود. # قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "التلخيص": واعلم أن الكسر سؤال مليح، ~~والاشتغال به ينتهي إلى بيان الفقه، وتصحيح العلة، وقد اتفق أكثر أهل العلم ~~على صحته، وإفساد العلة به، ويسمونه النقض من طريق المعنى، والإلزام من ~~طريق الفقه، وأنكره طائفة من الخراسانيين، قال: وهذا غير صحيح؛ لأن الكسر ~~نقض من حيث المعنى، فهو بمنزلة النقض من طريق اللفظ. انتهى. # وقد جعلوا منه ما رواه البيهقي عنه صلى الله عليه وسلم: أنه دعي إلى دار ~~فأجاب، ودعي إلى دار أخرى فلم يجب، فقيل له في ذلك، فقال: "إن في دار فلان ~~كلبا"، فقيل: وفي هذه الدار سنور، فقال: "السنور سبع" 1. PageV02P150 # ووجه الدلالة: أنهم ظنوا أن الهرة يكسر المعنى، فأجاب بالفرق، هو أن ~~الهرة سبع، أي: ليست بنجسة، كذا قيل. # قال في "المنخول": قال الجدليون: الكسر يفارق النقض، فإنه يرد على إخالة ~~المعلل، لا على عبارته، والنقض يرد على العبارة، قال: وعندنا لا معنى ~~للكسر، فإن كل عبارة لا إخالة فيها، فهي طرد محذوف، فالوارد على الإخالة ~~نقض، ولو أورد على أحد الوصفين مع كونهما مختلفين، فهو باطل لا يقبل1. ~~PageV02P151 ### | الاعتراض الثالث: عدم العكس ms423 # وهو وجود الحكم بدون الوصف في صورة أخرى، كاستدلال الحنفي على منع تقديم ~~أذان الصبح بقوله: صلاة لا تقصر، فلا يجوز تقديم أذانها كالمغرب، فيقال له: ~~هذا الوصف لا ينعكس؛ لأن الحكم الذي هو منع التقديم للأذان على الوقت موجود ~~فيما قصر من الصلوات لعلة أخرى. # قال إمام الحرمين: إذا قلنا: إن اجتماع العلل على معلول واحد غير واقع، ~~فالعكس لازم ما لم يثبت الحكم عند انتفاء العلة "بتوقيف"*، لكن لا يلزم ~~المستدل بيانه، بخلاف ما ألزمناه في النقض؛ لأن ذاك داع إلى الانتشار، ~~وسببه أن إشعار النفي بالنفي منحط عن إشعار الثبوت بالثبوت. # وقال الآمدي: لا يرد سؤال العكس، إلا أن يتفق المتناظران على اتحاد ~~العلة. PageV02P151 ### | الاعتراض الرابع: عدم التأثير # وقد ذكر جماعة من أهل الأصول أن هذا الاعتراض قوي، حتى قال ابن الصباغ: ~~إنه من أصح ما يعترض به على العلة. # وقال ابن السمعاني: ذكر كثير من أصحابنا سؤال عدم التأثير، ولست أرى له ~~وجها بعد أن يبين المعلل التأثير لعلته، وقد ذكرنا أن العلة الصحيحة ما ~~أقيم الدليل على صحتها بالتأثير، وقد # PageV02P151 # جعله القائلون به منقسما إلى أقسام: # الأول: # عدم التأثير في الوصف "لكونه"* طرديا وهو راجع إلى عدم العكس السابق قبل ~~هذا كقولهم صلاة الصبح لا تقصر فلا تقدم على وقتها كالمغرب فقولهم: لا تقصر ~~"وصف"** طردي بالنسبة إلى عدم التقديم. # الثاني: # عدم التأثير في الأصل "بكونه"*** مستغنى عنه في الأصل لوجود معنى آخر ~~مستقل بالغرض، كقولهم في بيع الغائب مبيع غير مرئي كالطير في الهواء؛ فلا ~~يصح فيقال: لا أثر لكونه غير مرئي فإن العجز عن التسليم كاف؛ لأن بيع الطير ~~لا يصح، وإن كان مرئيا. # وحاصله: معارضة في الأصل؛ لأن المعترض يلغي من العلة وصفا، ثم يعارضه ~~المستدل بما بقي. # قال إمام الحرمين: والذي صار إليه المحققون فساد العلة بما ذكرنا. # وقيل: بل يصح؛ لأن ذلك القيد له أثر في الجمل، وإن كان مستغنى عنه، ~~كالشاهد الثالث بعد شهادة عدلين، وهو مردود؛ لأن ذلك ms424 القيد ليس محله، ولا ~~وصفا له، فذكره لغو، بخلاف الشاهد الثالث، فإنه متهيئ لأن يصير عند عدم صحة ~~شهادته أحد الشاهدين ركنا. # الثالث: # عدم التأثير في الأصل والفرع جميعا؛ بأن يكون له فائدة في الحكم، إما ~~ضرورية، كقول من اعتبر الاستنجاء بالأحجار "عبادة متعلقة بالأحجار لم ~~يتقدمها معصية، فاشترط فيها العد كالجمار"****. # وإما غير ضرورية، كقولهم: الجمعة صلاة مفروضة فلم تفتقر إلى إذن الإمام ~~كالظهر، فإن قولهم: مفروضة حشو لو حذف لم يضر. # الرابع: # عدم التأثير في الفرع، كقولهم: زوجت نفسها فلا يصح، كما لو: "تزوجت***** ~~من غير كفء، "فيقال"******: غير كفء لا أثر له، فإن النزاع في الكفء وغيره ~~سواء. وقد اختلف فيه على أقوال: # الأول: الجواز، قال الأستاذ أبو بكر: وهو الأصح. # والثاني: المنع. PageV02P152 # والثالث: التفصيل، وهو عدم الجواز مع تبيين محل السؤال، والجواز مع عدمه، ~~واختاره إمام الحرمين. # الخامس: # عدم التأثير في الحكم، وهو أن يذكر في الدليل وصفا لا تأثير له في الحكم ~~المعلل به، كقولهم في المرتدين الذين يتلفون الأموال: مشركون أتلفوا في دار ~~الحرب، فلا ضمان عليهم كالحربي، فإن دار الحرب لا مدخل لها في الحكم، فلا ~~فائدة لذكرها؛ لأن من أوجب الضمان يوجبه وإن لم يكن في دار الحرب، وكذا من ~~نفاه ينفيه مطلقا. # PageV02P153 ### | الاعتراض الخامس: القلب # قال الآمدي: هو أن يبين القالب أن ما ذكره المستدل يدل عليه لا له، أو ~~يدل عليه وله، والأول قلما يتفق في الأقيسة. # ومثله في المنصوص: باستدلال الحنفي في توريث الخال بقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "الخال وارث من لا وارث له" 1. فأثبت إرثه عند عدم الوارث، فيقول ~~المعترض: هذا يدل عليك لا لك؛ لأن معناه نفي توريث الخال بطريق المبالغة، ~~كما يقال: الجوع زاد من لا زاد له، والصبر حيلة من لا حيلة له، أي: ليس ~~الجوع زادا، ولا الصبر حيلة. # قال الفخر الرازي في "المحصول": القلب معارضة إلا في أمرين: # أحدهما: # أنه لا يمكن فيه الزيادة في العلة، وفي سائر المعارضات يمكن. # والثاني: # لا ms425 يمكن منع وجود العلة في الفرع والأصل؛ لأن أصله وفرعه أصل المعلل ~~وفرعه، ويمكن ذلك في سائر المعارضات، أما فيما وراء هذين الوجهين، فلا فرق ~~بينه وبين المعارضة. # قال الهندي: والتحقيق أنه دعوى؛ "لأن"* ما ذكره المستدل عليه لا له في ~~تلك المسألة على ذلك الوجه. انتهى. PageV02P153 # وجعله ابن الحاجب وشراح كلامه قسمين: # أحدهما: # تصحيح مذهب المعترض، فيلزم منه بطلان مذهب المستدل لتنافيهما. # وثانيهما: # إبطال مذهب المستدل ابتداء، إما صريحا، أو بالالتزام. # ومثال الأول: أن يقول الحنفي: الاعتكاف يشترط فيه الصوم؛ لأنه لبث، فلا ~~يكون بمجرده قربة، كالوقوف بعرفة. # فيقول الشافعي: فلا يشترط فيه الصوم كالوقوف بعرفة. # ومثال الثاني: أن يقول الحنفي في أنه يكفي مسح ربع الرأس عضو من أعضاء ~~الوضوء، فلا يكفي أقله، كسائر الأعضاء، فيقول الشافعي: فلا يقدر بالربع، ~~كسائر الأعضاء، هذا الصريح. # وأما الالتزام: فمثاله أن يقول الحنفي: بيع غير المرئي بيع معاوضة، فيصح ~~مع الجهل بأحد العوضين: كالنكاح، فيقول الشافعي: فلا يثبت فيه خيار الرؤية، ~~كالنكاح. # وقد ذهب إلى اعتبار هذا الاعتراض الجمهور، وأنه قادح. # وأنكره بعض أهل الأصول، وقال: إن الحكمين، أي: ما يثبته المستدل، وما ~~يثبته القالب، إن لم يتنافيا فلا قلب؛ إذ لا منع من اقتضاء العلة الواحدة ~~لحكمين غير متنافيين، وإن استحال اجتماعهما في صورة واحدة، فلم يمكن الرد ~~إلى ذلك الأصل بعينه، فلا يكون قلبا؛ إذ لا بد فيه من الرد إلى ذلك الأصل. # وأجاب الجمهور عن هذا: بأن الحكمين غير متنافيين لذاتهما، فلا جرم يصح ~~اجتماعهما في الأصل، لكن قام الدليل على امتناع اجتماعهما في الفرع، فإذا ~~أثبت القالب الحكم الآخر في الفرع بالرد إلى الأصل، امتنع ثبوت الحكم ~~الأول، وظاهر كلام إمام الحرمين أنه لازم جدلا لا دينا1. # وقال أبو الطيب الطبري: إن هذا القلب إنما ذكره المتأخرون من أصحابنا، ~~حيث استدل أبو حنيفة بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار" 2 في ~~مسألة الساحة، قال: وفي "هدم"* البناء ضرار PageV02P154 # بالغاصب، فقال له أصحابنا: وفي بيع ms426 صاحب الساحة "لساحته"* إضرار به1. # قال: ومن أصحابنا من قال: "لا"** يصح سؤال القلب، قال: وهو شاهد زور، ~~يشهد لك ويشهد عليك، قال: وهذا باطل؛ لأن القالب عارض المستدل بما لا يمكن ~~الجمع بينه وبين دليله، فصار كما لو عارضه بدليل آخر. # وقيل: هو باطل؛ إذ لا يتصور إلا في الأوصاف الطردية. # ومن أنواع القلب، جعل المعلول علة، والعلة معلولا، وإذا أمكن ذلك تبين أن ~~لا علة، فإن العلة هي الموجبة، والمعلول هو الحكم الواجب لها. # وقد فرقوا بين القلب والمعارض بوجوه: # منها ما قدمنا عن الفخر الرازي. # وقال القاضي أبي الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي: إنه معارضة، ~~فإنه لا يفسد العلة. # وقال ابن الحاجب في "مختصر المنتهى": والحق أنه نوع معارضة، اشترك فيه ~~الأصل والجامع، فكان أولى بالقبول. PageV02P155 ### | الاعتراض السادس: القول بالموجب # بفتح الجيم، أي: القول بما أوجبه دليل المستدل. # قال في "المحصول": وحده: تسليم ما جعله المستدل موجب العلة، مع استبقاء ~~الخلاف. انتهى. # قال الزركشي في "البحر": وذلك بأن يظن المعلل أن ما أتى به مستلزم ~~لمطلوبه، من حكم المسألة المتنازع فيها، مع كونه غير مستلزم. # قال: وهذا أولى من تعريف الرازي له بموجب العلة؛ لأنه لا يختص بالقياس. # قال ابن المنير: حدوه بتسليم مقتضى الدليل، مع بقاء النزاع فيه، وهو غير ~~مستقيم؛ لأنه يدخل فيه ما ليس منه، وهو بيان غلظ المستدل على إيجاب النية ~~في الوضوء بقوله صلى الله عليه وسلم: "في أربعين شاة شاة" 1 فقال المعترض: ~~أقول بموجب هذا الدليل، لكنه لا يتناول محل النزاع، "فهذا ينطبق عليه ~~الحد"*، وليس قولا بالموجب؛ لأن شرطه أن يظهر عذر للمستدل عذر معتبر. # ومن أنواع القول بالموجب: أن يذكر المستدل إحدى المقدمتين، ويسكت عن ~~الأخرى، ظنا منه أنها مسلمة، فيقول الخصم بموجب المقدمة، ويبقى على المنع ~~لما عداها. # ومنها: أن يعتقد المستدل تلازما بين محل النزاع، وبين محل آخر، فينصب ~~الدليل على ذلك المحل بناء منه على أن ما ثبت به الحكم في ذلك المحل يستلزم ms427 ~~ثبوته في محل النزاع. # فيقول المعترض بالموجب ومنع الملازمة. # والفرق بينه وبين المعارضة: أن حاصله يرجع إلى خروج الدليل عن محل ~~النزاع، والمعارضة فيها اعتراف بأن للدليل دلالة على محل النزاع. # قال إمام الحرمين، وابن السمعاني: وهو سؤال صحيح إذا خرج مخرج الممانعة، ~~ولا بد في "توجهه"** من شرط، وهو أن يسند الحكم الذي ينصب له العلة إلى ~~شيء، مثل قول الحنفي في ماء الزعفران: ماء خالطه طاهر، والمخالطة لا تمنع ~~صحة الوضوء، فيقول المعترض: المخالط لا يمنع، لكنه ليس بماء مطلق2. ~~PageV02P156 # قال في "المنخول"1: الأصوليون يقولون تارة: إن القول بالموجب ليس ~~اعتراضا، وهو لعمري كذلك، فإنه لا يبطل العلة؛ لأنها إذا جرت العلة وحكمها ~~مختلف فيه؛ فلأن تجري وحكمها متفق عليه أولى. # واختلفوا هل يجب على المعترض إبداء سند القول بالموجب أم لا؟ # فقيل: يجب لقربه إلى ضبط الكلام، وصونه عن الخبط، وإلا فقد يقول بالموجب ~~على سبيل العناد. # وقيل: لا يجب؛ لأنه قد وفى بما عليه وعلى المستدل الجواب، وهو أعرف بمآخذ ~~مذهبه، قال الآمدي، وهو المختار. PageV02P157 ### | الاعتراض السابع: الفرق # وهو إبداء وصف في الأصل يصلح أن يكون علة مستقلة، أو جزء علة، وهو معدوم ~~في الفرع، سواء كان مناسبا أو شبها إن كانت العلة شبيهة، بأن يجمع المستدل ~~بين الأصل والفرع بأمر مشترك بينهما فيبدي المعترض وصفا فارقا بينه وبين ~~الفرع. # قال في "المحصول": الكلام فيه مبني على أن تعليل الحكم بعلتين، هل يجوز ~~أم لا؟ انتهى. # وقد اشترطوا فيه أمرين: # أحدهما: # أن يكون بين الأصل والفرع فرق بوجه من الوجوه، وإلا لكان هو هو، وليس ~~كلما انفرد "به"* الأصل بوصف من الأوصاف يكون مؤثرا، مقتضيا للحكم، بل قد ~~يكون ملغى للاعتبار بغيره، فلا يكون الوصف الفارق قادحا. # والثاني: # أن يكون قاطعا للجمع: "بأن"** كون أخص من الجمع فيقدم عليه، أو مثله ~~فيعارضه. # قال جمهور الجدليين في حده: الفرق قطع الجمع بين الأصل والفرع؛ إذ اللفظ ~~أشعر به. # وهو الذي يقصد منه. # وقال بعضهم: حقيقته المنع من ms428 الإلحاق بذكر وصف في الفرع، أو في الأصل. # قال إمام الحرمين، والأستاذ أبو إسحاق: إن الفرق ليس سؤالا على حياله، ~~وإنما هو PageV02P157 # معارضة الأصل بمعنى أو معارضة العلة التي نصبها المستدل في الفرع بعلة ~~مستقلة، وهو سؤال صحيح، كما اختاره إمام الحرمين، وجمهور المحققين من ~~الأصوليين، والفقهاء. # قال إمام الحرمين: ويعترض على الفارق مع قبوله في الأصل بما يعترض به على ~~العلل المستقلة. # PageV02P158 ### | الاعتراض الثامن: الاستفسار # وقد قدمه جماعة من الأصوليين على الاعتراضات، ومعناه: طلب شرح معنى اللفظ ~~إن كان غريبا، أو مجملا، ويقع بهل، أو الهمزة، أو نحوهما، مما يطلب به شرح ~~الماهية، وهو سؤال مقبول معول عليه عند الجمهور، وقد غلط من لم يقبله من ~~الفقهاء؛ لأن محل النزاع إذا لم يكن متحققا، لم يظهر وفاق ولا خلاف. # وقد يرجع المخالف إلى الموافقة "عن* أن يتضح له محل النزاع، ولكن لا يقبل ~~إلا بعد بيان اشتمال اللفظ على إجمال، أو غرابة، فيقول المعترض. # أولا: اللفظ الذي ذكره المستدل مجمل، أو غريب بدليل كذا، فعند ذلك يتوجه ~~على المستدل التفسير. # وحكى الصفي الهندي أن بعض الجدليين أنكر كونه اعتراضا؛ لأن التصديق فرع ~~دلالة الدليل على المتنازع فيه1. # قال بعض أهل الأصول: إن هذا الاعتراض للاعتراضات قد جعلوه طليعة جيشها، ~~وليس من جنسها؛ إذ الاعتراض عبارة عما يخدش به كلام المستدل، والاستفسار ~~ليس من هذا القبيل. PageV02P158 ### | الاعتراض التاسع: فساد الاعتبار # أي: أنه لا يمكن اعتبار القياس في ذلك الحكم، لمخالفه للنص، أو الإجماع، ~~أو كان الحكم ما لا يمكن إثباته بالقياس1، أو كان تركيبه مشعرا بنقيد الحكم ~~المطلوب. PageV02P158 # وخص فساد الاعتبار جماعة من أهل الأصول بمخالفته للنص، وهذا الاعتراض ~~مبني على أن خبر الواحد مقدم على القياس، وهو الحق. وخالف في ذلك طائفة من ~~الحنفية، والمالكية، فقدموا القياس على خبر الواحد. # وجواب هذا الاعتراض بأحد وجوه: # الأول: الطعن في سند النص إن لم يكن من الكتاب، أو السنة المتواترة. # أو منع ظهوره فيما يدعيه المستدل، # أو بيان أن المراد به ms429 غير ظاهرة، # وأن مدلوله لا ينافي حكم القياس. # أو المعارضة له بنص آخر حتى يتساقطا، ويصح القياس. # أو أن القياس الذي اعتمده أرجح من النص الذي عورض "به"*، ويقيم الدليل ~~على ذلك. PageV02P159 ### | الاعتراض العاشر: فساد الوضع # 1 # وذلك بإبطال ضع القياس المخصوص في إثبات الحكم المخصوص، بأن يبين المعترض ~~أن الجامع الذي ثبت به الحكم قد ثبت اعتباره بنص، أو إجماع في نقيض الحكم. ~~والوصف الواحد لا يثبت به النقيضان؛ وذلك بأن يكون أحدهما مضيقا، والآخر ~~موسعا، أو أحدهما مخففا، والآخر مغلظا، أو أحدهما إثباتا، والآخر نفيا. # والفرق بين هذا الاعتراض والاعتراض الذي قبله: أن فساد الاعتبار أعم من ~~فساد الوضع، فكل فاسد الوضع فاسد الاعتبار، ولا عكس # وجعلهما أبو إسحاق الشيرازي واحدا. # وقال ابن برهان: هما شيئان من حيث المعنى، لكن الفقهاء فرقوا بينهما، ~~وقالوا: فساد الوضع، وهو: أن يعلق على العلة "ضد ما يقتضيه، وفساد الاعتبار ~~هو: أن يعلق على العلة"* خلاف ما يقتضيه النص. PageV02P159 # وقيل: فساد الوضع: هو إظهار كون الوصف ملائما لنقيض الحكم، مع اتحاد ~~الجهة، ومنه: الاحتراز عند تعدد الجهات لتنزيلها منزلة تعدد الأوصاف، وعن ~~ترك حكم العلة بمجرد ملاءمة الوصف للنقيض دون دلالة الدليل؛ إذ هو عند فرض ~~اتحاد الجهة خروج عن فساد الوضع إلى القدح في المناسبة. # قال ابن السمعاني: وذكر أبو زيد أن هذا السؤال لا يرد إلا على الطرد، ~~والطرد ليس بحجة. # وقيل: هو أقوى من النقيض؛ لأن الوضع إذا فسد لم يبق إلا الانتقال، والنقض ~~يمكن الاحتراز عنه. # وقال الأصفهاني في "شرح المحصول": هو مقبول عند المتقدمين، ومنعه ~~المتأخرون؛ إذ لا توجه له لكونه خارجا عن المنع والمعارضة. # وجواب هذا الاعتراض ببيان وجود المانع في أصل المعترض. # PageV02P160 ### | الاعتراض الحادي عشر: المنع # قال ابن السمعاني: الممانعة: أرفع سؤال على العلل. # وقيل: "إنها"* أساس المناظرة، وهو يتوجه على الأصل من وجهين: # أحدهما: # منع كون الأصل معللا؛ لأن الأحكام تنقسم بالاتفاق إلى ما يعلل، وإلى ما ~~لا يعلل، فمن ادعى تعليل شيء كلف ms430 ببيانه. # قال إمام الحرمين: إنما "يتجه"** هذا الاعتراض على من لم يذكر تحريرا، ~~فإن الفرع في العلة المحررة يرتبط بالأصل. # قال إلكيا: هذا الاعتراض باطل؛ لأن المعلل إذا أتى بالعلة لم يكن لهذا ~~السؤال معنى, # الثاني: # منع الحكم في الأصل. # واختلفوا هل هذا الاعتراض يقتضي انقطاع المستدل أم لا؟ # فقيل: إنه يقتضي انقطاعه. # وقيل: إنه لا يقتضي ذلك، وبه جزم إمام الحرمين، وإلكيا الطبري. # قال ابن برهان: إنه المذهب الصحيح، المشهور بين النظار، واختاره الآمدي، ~~وابن الحاجب. PageV02P160 # وقيل: إن كان المنع جليا فهو انقطاع، وإن كان خفيا فلا، واختاره الأستاذ ~~أبو إسحاق. # وقيل: يتبع عرف البلد الذي وقعت فيه المناظرة، فإن الجدل مراسيم، فيجب ~~إتباع العرف، وهو اختيار الغزالي. # وقيل: إن لم يكن له مدرك غيره جاز، واختاره الآمدي1 PageV02P161 ### | الاعتراض الثاني عشر: التقسيم # وهو كون اللفظ مترددا بين أمرين: أحدهما ممنوع، والآخر مسلم، واللفظ ~~محتمل لهما، غير ظاهر في أحدهما. # قال الآمدي: وليس من شرطه أن يكون أحدهما ممنوعا، والآخر مسلما، بل قد ~~يكونان مسلمين، لكن الذي يرد على أحدهما غير "ما"* يرد على الآخر؛ إذ لو ~~اتحد "ما"** يرد عليهما لم يكن للتقسيم معنى، ولا خلاف في أنه لا يجوز ~~كونهما ممنوعين؛ لأن التقسيم لا يفيد. # وقد منع قوم من قبول هذا السؤال؛ لأن إبطال أحد محتملي كلام المستدل لا ~~يكون إبطالا له؛ إذ لعله غير مراده. # مثال: في الصحيح الحاضر، إذا فقد الماء وجد سبب جواز التيمم -وهو تعذر ~~الماء- فيجوز التيمم، فيقول المعترض: ما المراد بكون تعذر الماء سببا ~~للتيمم، هل تعذر الماء مطلقا، أو تعذره في السفر، أو المرض؟ # الأول ممنوع. # وحاصله: أنه منع بعد تقسيم، فيأتي فيه ما تقدم في صريح المنع من كونه ~~مقبولا أو مردودا، وموجبا للانقطاع أو غير موجب. # وجوابه: أن يعين المستدل أن اللفظ موضوع له، ولو عرفا أو ظاهرا. ~~PageV02P161 ### | الاعتراض الثالث عشر: اختلاف الضابط بين الأصل والفرع # اختلاف الضابط بين الأصل والفرع، لعدم الثقة بالجامع، كقولهم في شهود ~~القصاص: # PageV02P161 # تسببوا للقتل ms431 عمدا، فلزمهم القصاص زجرا لهم عن التسبب، كالمكره، فالمشترك ~~بين الأصل والفرع إنما هو الحكمة، وهي الزجر، والضابط في الفرع الشهادة، ~~وفي الأصل الإكراه، ولا يمكن التعدية بالحكمة وحدها، وضابط الفرع يحتمل أن ~~يكون مساويا لضابط الأصل في الإفضاء إلى المقصود، وأن لا يكون. # وجوابه: ببيان كون التعليل بالقدر المشترك بينهما مضبوطا عرفا، أو ببيان ~~المساواة في الضابط1. PageV02P162 ### | الاعتراض الرابع عشر: اختلاف حكمي الأصل والفرع # قيل: إنه قادح؛ لأن شرط القياس مماثلة الفرع للأصل في علته وحكمه، فإن ~~اختلف الحكم لم تتحقق المساواة، وذلك كإثبات الولاية على الصغيرة في ~~نكاحها، قياسا على إثباتها في مالها. # PageV02P162 ### | الاعتراض الخامس عشر: منع كون ما يدعيه المستدل علة لحكم الأصل # منع كون ما يدعيه المستدل علة لحكم الأصل، موجودا في الأصل، فضلا أن يكون ~~هو العلة. # مثاله: أن يقول في الكلب: حيوان يغسل من ولوغه سبعا، فلا يقبل جلده ~~الدباغ، كالخنزير، فيقول المعترض: لا نسلم أن الخنزير يغسل من ولوغه سبعا. # والجواب عن هذا الاعتراض: بإثبات وجود الوصف في الأصل بما هو طريق ثبوت ~~مثله، إن كان حسيا فبالحس، وإن كان عقليا فبالعقل، وإن كان شرعيا فبالشرع. # PageV02P162 ### | الاعتراض السادس عشر: منع كون الوصف المدعى عليته علة # قال ابن الحاجب في "مختصر المنتهى": وهو من أعظم الأسئلة لعمومه، وتشعب ~~مسالكه، والمختار قبوله، وإلا لأدى إلى اللعب في التمسك بكل طردي. انتهى. # مثاله: أن يقول في الكلب: حيوان يغسل من ولوغه سبعا، فلا يقبل جلده ~~الدباغ "كالخنزير، فيقول: لا نسلم أن كون جلد الخنزير لا يقبل الدباغ"*، ~~معللا بكونه يغسل من ولوغه. # وجوابه: بإثبات العلية بمسلك من مسالكها المذكورة سابقا. PageV02P162 ### | الاعتراض السابع عشر: القدح في المناسبة # وهو إبداء مفسدة راجحة، أو مساوية، لما تقدم من أن المناسبة تنخرم ~~بالمعارضة. # وجوابه: ترجيح المصلحة على المفسدة إجمالا أو تفصيلا. # PageV02P163 ### | الاعتراض الثامن عشر: القدح في إفضائه إلى المصلحة المقصودة من شرع الحكم له # مثاله: أن يقال في علة تحريم مصاهرة المحارم على التأبيد: إنها الحاجة ~~إلى ارتفاع الحجاب. # ووجه ms432 المناسبة: أنه يفضي إلى رفع الفجور، وتقريره أن رفع الحجاب، وتلاقي ~~الرجال والنساء يفضي إلى الفجور، وأنه يرتفع بتحريم التأبيد؛ إذ يرتفع ~~الطمع المفضي إلى مقدمات الهم والنظر، المفضية إلى الفجور. # فيقول المعترض: لا يفضي إلى ذلك، بل سد باب النكاح أفضى إلى الفجور؛ لأن ~~النفس حريصة على ما منعت منه، وقوة داعية الشهوة مع اليأس عن الحل مظنة ~~الفجور. # وجوابه ببيان الإفضاء إليه، بأن يقول في هذه المسألة: التأبيد يمنع عادة ~~ما ذكرناه من مقدمات الهم والنظر، وبالدوام يصير كالأمر الطبيعي. # PageV02P163 ### | الاعتراض التاسع عشر: كون الوصف غير ظاهر # كون الوصف غير ظاهر، كالرضا في العقود. # وجوابه بالاستدلال على كونه ظاهرا، كضبط الرضا بصيغ العقود، ونحو ذلك. # PageV02P163 ### | الاعتراض العشرون: كون الوصف غير منضبط # كون الوصف غير منضبط، كالحكم، والمصالح، مثل الحرج، والمشقة، والزجر، ~~فإنها أمور ذوات مراتب غير محصورة، ولا متميزة، وتختلف باختلاف الأشخاص ~~والزمان، والأحوال. # وجوابه بتقرير الانضباط، إما بنفسه أو بوصفه. # PageV02P163 ### | الاعتراض الحادي والعشرون: المعارضة ### | مدخل # ... # الاعتراض الحادي والعشرون: المعارضة # وهي: إلزام المستدل الجمع بين شيئين، والتسوية بينهما في الحكم، إثباتا ~~أو نفيا. # كذا قال الأستاذ أبو منصور. # وقيل: هي إلزام الخصم أن يقول قولا قال بنظيره، وهي من أقوى الاعتراضات، ~~وهي "أعم"* من اعتراض النقض، فكل نقض معارضة، ولا عكس، كذا قيل1. # وفيه نظر؛ لأن النقض هو تخلف الحكم مع وجود العلة، وهذا المعنى يخالف ~~معنى المعارضة. # وقد أثبت اعتراض المعارضة الجمهور من أهل الأصول، والجدل، وزعم قوم أنها ~~ليست بسؤال صحيح. # واختلف القائلون بها في الثابت منها، فقيل: إنما يثبت منها معارضة ~~الدلالة بالدلالة والعلة بالعلة، ولا يجوز معارضة الدعوى بالدعوى "وذكر ~~الكعبي في "جدله"2 أنه يجوز معارضة الدعوى بالدعوى"**. PageV02P164 ### | أقسام المعارضة: # والمعارضة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: # معارضة في الأصل. # ومعارضة في الفرع. # ومعارضة في الوصف. # أما المعارضة في الأصل: # فبأن يذكر علة أخرى في الأصل سوى العلة التي علل بها. # PageV02P164 # المستدل، وتكون تلك العلة معدومة "في الفرع"* ويقول: إن الحكم في الأصل ~~إنما كان بهذه ms433 العلة التي ذكرها المعترض، لا بالعلة التي ذكرها المستدل. # قال ابن السمعاني، والصفي الهندي: وهذا هو سؤال الفرق. # وذكر بعض أهل الأصول: أنه لا فرق بين أن تكون العلة التي يبديها المعترض ~~مستقلة بالحكم، كمعارضة الكيل بالطعم، أو غير مستقلة، بل هي جزء علة، ~~كزيادة الجارح في القتل العمد العدوان في مسألة القتل بالمثقل، وهذا إذا ~~كانت العلة التي جاء بها المعترض مسلمة من خصمه، أو محتملة احتمالا راجحا، ~~أما إذا تعارضت الاحتمالات، فقيل: يرجح وصف المستدل. # وقيل: وصف المعترض. # وقيل: لا وجه لترجيح أحدهما على الآخر، بل هو من التحكم المحض. # ثم اختلفوا مع عدم الترجيح، هل تقتضي هذه المعارضة إبطال دليل المستدل أم ~~لا؟ على قولين، حكاهما الأستاذ أبو منصور. # ثم اختلفوا هل يجب على المعترض بيان انتفاء الوصف الذي عارض به الأصل عن ~~الفرع على أقوال: # الأول: # أنه لا يجب، بل على المستدل أن يبين ثبوته في الفرع، ليصح الإلحاق وإلا ~~بطل الجمع. # الثاني: # أنه يجب على المعترض البيان؛ لأن الفرق لا يتم إلا بذلك. # الثالث: # أنه إن قصد الفرق بين الأصل والفرع، وجب عليه ذلك، وإلا لم يجب، وهو ~~اختيار الآمدي، وابن الحاجب. # وجواب هذه المعارضة يكون إما بمنع وجود الوصف في الأصل، أو بمنع ~~المناسبة، أو منع الشبه، إن أثبته بأحدهما؛ لأن المعارضة لا تتم من ~~المعترض، إلا إذا كان الوصف الذي عارض به في الأصل مناسبا، أو "شبها"**؛ إذ ~~لو كان طرديا لم تصح المعارضة، أو بمنع كون الوصف الذي أبداه المعترض ~~ظاهرا، أو بمنع كونه منضبطا، أو ببيان إلغاء الوصف الذي وقعت به المعارضة، ~~أو ببيان رجوعه إلى عدم وجود وصف في الفرع، لا إلى ثبوت معارض في الأصل. # وأما المعارضة في الفرع: # فهي أن يعارض حكم الفرع لما يقتضي نقيضه أو ضده بنص أو إجماع أو بوجود ~~مانع أو بفوات شرط فيقول: ما ذكرت من الوصف وإن اقتضى ثبوت PageV02P165 # الحكم في الفرع، فعندي وصف آخر، يقتضي نقيضه، أو ضده، بنص هو كذا، ms434 أو ~~بإجماع على كذا، أو بوجود مانع، لما ذكرته من الوصف، أو بفوات شرط له. # وقد قبل هذا الاعتراض، أعني: المعارضة في الفرع، بعض أهل الأصول والجدل، ~~ونفاه آخرون فقالوا: إن دلالة المستدل على ما ادعاه قد تمت. # قال الصفي الهندي: وهو ظاهر "إلا فيما"* إذا كانت المعارضة بفوات شرط. # وأما المعارضة في الوصف # فهي على قسمين: # أحدهما: # أن يكون بضد حكمه. # والثاني: # أن يكون في عين حكمه، مع تعذر الجمع بينهما. # مثال الأول: أن يقول المستدل في الوضوء: إنها طهارة حكمية، فتفتقر إلى ~~النية، قياسا على التيمم. # فيقول المعارض: طهارة بالماء، فلا تفتقر إلى النية، قياسا على إزالة ~~النجاسة، فلا بد عند ذلك من الترجيح. # ومثال الثاني: أن يقول المعترض: نفس هذا الوصف الذي ذكرته "يدل"** على ~~خلاف ما تريده، ثم يوضح ذلك بما يكون محتملا. PageV02P166 ### | الاعتراض الثاني والعشرون: سؤال التعدية # وهو أن يعين المعترض في الأصل معنى غير ما عينه المستدل، ويعارضه بم ثم ~~يقول للمستدل: ما عللت به، وإن تعدى إلى فرع مختلف فيه، فكذا ما عللت به ~~أنا، يتعدى إلى فرع آخر، مختلف فيه، وليس أحدهما أولى من الآخر. # وذلك كأن يقول المستدل: بكر، فجاز خيراها كالصغيرة، فيقول المعترض: ~~البكارة، وإن تعدت إلى البكر البالغة، فالصغر متعد إلى الثيب الصغيرة. # وقد اختلفوا في "قبول هذا الاعتراض"*، فقبله البعض ورده البعض، وأدرجه ~~الصفي الهندي في اعتراض المعارضة في الأصل. # وجوابه: إبطال ما اعترض به وحذفه عن درجة الاعتبار. PageV02P166 # واختلفوا: هل يجب على المستدل أن يبين أنه لا أثر لما أشار إليه المعترض ~~من التسوية في التعدية، أو لا يجب؟ # فقال الأكثرون: لا يجب، وقال بعض أهل الأصول: يجب. # PageV02P167 ### | الاعتراض الثالث والعشرون: سؤال التركيب # وهو أن يقول المعترض: شرط حكم الأصل أن لا يكون ذا قياس مركب، وهو قسمان: # مركب الأصل. # ومركب الوصف. # ومرجع الأول: منع حكم الأصل، أو منع العلة. # ومرجع الثاني: منع الحكم، أو منع وجود العلة في الفرع. # وقد اختلفوا في قبوله، فبعضهم قبله، وبعضهم ms435 رده. # PageV02P167 ### | الاعتراض الرابع والعشرون: منع وجود الوصف المعلل به في الفرع # ... # الاعتراض الرابع والعشرون: منع وجود الوصف المعلل به في الوصف # كأن يقول المستدل في أمان العبد: أمان صدر عن أهله، كالعبد المأذون له في ~~القتال. # فيقول المعترض: لا نسلم أن العبد أهل للأمان. # وجوابه ببيان ما يثبت "به"*أهليته من حس، أو عقل، أو شرع، وقد جعل بعضهم ~~هذا الاعتراض مندرجا فيما تقدم. PageV02P167 ### | الاعتراض الخامس والعشرون: المعارضة في الفرع # وقد تقدم بيانه في الاعتراض الحادي والعشرين # PageV02P167 ### | الاعتراض السادس والعشرون: المعارضة في الوصف # وقد تقدم بيانه أيضا في الاعتراض الحادي والعشرين، وإنما ذكرناهما هنا ~~وهناك؛ لأن كثيرا من أهل الأصول والجدل جعلوا المعارضة "ثلاثة اعتراضات: ~~المعارضة"* في الأصل اعتراضا، والمعارضة في الفرع اعتراضا، والمعارضة في ~~الوصف اعتراضا، وبعضهم جعلوا الثلاث المعارضات اعتراضا واحدا، ولا مشاحة في ~~مثل ذلك، فهو مجرد اصطلاح. PageV02P167 ### | الاعتراض السابع والعشرون: اختلاف جنس المصلحة في الأصل والفرع # كأن يقول المستدل: يحد اللائط كما يحد الزاني؛ لأنهما إيلاج محرم شرعا، ~~مشتها طبعا. # فيقول المعترض: المصلح في تحريمهما مختلفة: ففي الزنا منع اختلاط ~~الأنساب، وفي اللواطة دفع رذيلة اللواطة. # وحاصله: معارضة في الأصل، بإبداء خصوصية، ولهذا أدرجه بعضهم في اعتراض ~~المعارضة في الأصل، وبعضهم جعله اعتراضا مستقلا. # وجوابه بإلغاء الخصوصية. # PageV02P168 ### | الاعتراض الثامن والعشرون: أن يدعي المعترض المخالفة بين حكم الأصل وحكم الفرع ### | مدخل # ... # الاعتراض الثامن والعشرون: أن يدعي المعترض المخالفة بين حكم الأصل وحكم ~~الفرع # أن يدعي المعترض المخالفة بين حكم الأصل وحكم الفرع، وهو اعتراض متوجه ~~إلى المقدمة القائلة، فيوجد الحكم في الفرع كما وجد في الأصل. # وحاصل هذا: أن دعوى المعترض للمخالفة: إما أن تكون بدليل المستدل، فيرجع ~~إلى اعتراض القلب، أو بغيره، فيكون اعتراضا خاصا، خارجا عما تقدم، وقد جعله ~~بعضهم مندرجا فيما تقدم. # وههنا فوائد متعلقة بهذه الاعتراضات: # PageV02P168 ### | الفائدة الأولى: في لزوم إيراد الأسئلة مرتبة # ... # الفائدة الأولى: # اختلفوا: هل يلزم المعترض أن يورد الأسئلة مرتبة بعضا مقدم على البعض إذا ~~أورد أسئلة متعددة، أم لا يلزمه ms436 ذلك، بل يقدم ما شاء، ويؤخر ما شاء؟ # فقال جماعة: لا يلزمه الترتيب. # وقال آخرون: يلزمه؛ لأنه لو جاز إيرادها على أي وجه اتفق لأدى إلى ~~التناقض، كما لو # PageV02P168 # جاء بالمنع بعد المعارضة، أو بعد النقض، أو بعد "المطالبة"* فإنه ممتنع؛ ~~لأنه منع بعد تسليم، وإنكار بعد إقرار. # قال الآمدي: وهذا هو المختار. وقيل: إن اتحد جنس السؤال كالنقض، ~~والمعارضة، والمطالبة، جاز إيرادها من غير ترتيب؛ لأنها بمنزلة سؤال واحد، ~~فإن تعددت أجناسها، كالمنع مع المطالبة، ونحو ذلك، لم يجز، وحكاه الآمدي عن ~~أهل الجدل، وقال: اتفقوا على ذلك، ونقل عن أكثر الجدليين أنه يقدم المنع، ~~ثم المعارضة، ونحوها، ولا يعكس هذا الترتيب، وإلا لزم الإنكار بعد الإقرار. # قال جماعة من المحققين منهم: الترتيب المستحسن أن يبدأ بالمطالبات أولا؛ ~~لأنه إذا لم يثبت أركان القياس لم يدخل في جملة الأدلة، ثم بالقوادح؛ لأنه ~~لا يلزم من كونه على صورة الأدلة أن يكون صحيحا، ثم إذا بدأ بالمنع، ~~فالأولى أن يقدم منع وجود الوصف في الفرع؛ لأنه دليل الدعوى، ثم منع ظهره، ~~ثم منع انضباطه، ثم منع كونه علة في الأصل، فإذا فرغ من المنوع شرع في ~~القوادح، فيبدأ بالقول بالموجب، لوضوح مأخذه، ثم بفساد الوضع، ثم بالقدح في ~~المناسبة، ثم بالمعاوضة. # وقال الأكثر من القدماء كما حكاه عنهم أبو الحسن السهيلي في "أدب الجدل": ~~إنه يبدأ بالمنع من الحكم في الأصل؛ لأنه إذا كان ممنوعا لم يجب على السائل ~~أن يتكلم على كون الوصف ممنوعا، أو مسلما، ولا كون الأصل معللا بتلك العلة، ~~أو بغيرها، ثم يطالبه بإثبات الوصف في الفرع، ثم باطراد العلة، ثم بتأثيرها ~~ثم بكونه غير فاسد الوضع، ثم بكونه غير فاسد الاعتبار، ثم بالقلب، ثم ~~بالمعارضة. # وقال جماعة من الجدليين، والأصوليين: إن أول ما يبدأ به الاستفسار، ثم ~~فساد الاعتبار، ثم فساد الوضع، ثم منع حكم الأصل، ثم منع وجود العلة في ~~الأصل، ثم منع علية الوصف، ثم المطالبة، وعدم التأثير، والقدح في المناسبة، ~~والتقسيم، وعدم ms437 ظهور الوصف، وانضباطه وكون الحكم غير صالح للإفضاء إلى ذلك ~~المقصود، ثم النقض والكسر، ثم المعارضة، والتعدية، والتركيب، ثم منع وجود ~~العلة في الفرع، ومخالفة حكمه حكم الأصل، ثم القلب، ثم القول بالموجب. # وقد قدمنا1 قول من قال: إن جميع الأسئلة ترجع إلى المنع والمعارضة، ووجه ~~ذلك: أنه PageV02P169 # متى حصل الجواب عن المنع والمعارضة، فقد تم الدليل، وحصل الغرض، من إثبات ~~المدعي، ولم يبق للمعترض مجال، فيكون ما سواهما من الأسئلة باطلا، فلا ~~يسمع؛ لأنه لا يحصل الجواب عن جميع المنوع إلا بإقامة الدليل على جميع ~~المقدمات، وكذلك لا يحصل الجواب عن المعارضة إلا ببيان انتفاء المعارضة عن ~~جميعها. # PageV02P170 ### | الفائدة الثانية: في الانتقال عن محل النزاع إلى غيره قبل امام تمام الكلام فيه # ... # الفائدة الثانية: في الانتقال عن محل النزاع إلى غيره قبل تمام الكلام ~~فيه # منعه الجمهور؛ لأنا لو جوزناه لم يتأت إفحام الخصم، ولا إظهار الحق؛ لأنه ~~ينتقل من كلام إلى كلام، ثم كذلك إلى ما لا نهاية له، فلا يحصل المقصود من ~~المناظرة، وهو إظهار الحق، وإفحام المخالف له، وهذا إذا كان الانتقال من ~~المستدل. # وأما إذا كان من السائل، بأن ينتقل من سؤاله قبل تمامه، ويقول: ظننت أنه ~~لازم، فبان خلافه، فمكنوني من سؤال آخر، فقال بعضهم: الأصح أنه يمكن من ~~ذلك، إذا كان انحدارا من الأعلى إلى الأدنى، فإن كان ترقيا من الأدنى إلى ~~الأعلى، كما لو أراد الترقي من المعارضة إلى المنع، لم يمكن من ذلك؛ لأنه ~~يكذب نفسه، وقيل: يمكن؛ لأن مقصوده الإرشاد. # PageV02P170 ### | الفائدة الثالثة: في الفرض والبناء # قالوا: إنه يجوز للمستدل في الاستدلال ثلاث طرق: # الأولى: # أن يدل على المسألة بعينها. # والثانية: # أن يفرض الدلالة في بعض شعبها وفصولها. # والثالثة: # أن يبني المسألة على غيرها. # فإن استدل عليها بعينها فواضح، وإن أراد أن يفرض الكلام في بعض أحوالها ~~جاز؛ لأنه إذا كان الخلاف في الكل، وثبت الدليل في بعضها، ثبت في الباقي ~~بالإجماع، وإن أراد أن يفرض الدلالة في غير فرد من ms438 أفراد المسألة لم يجز. # وأما إذا أراد أن يبني المسألة على غيرها، فإما أن يبنيها على مسألة ~~أصولية، وإما أن يبنيها على مسألة فروعية1، وعلى التقديرين: إما أن يكون ~~طريقها واحدة، أو مختلفة، فإن كانت. PageV02P170 # واحدة جاز، وإن كانت مختلفة لم يجز، وهذا قول جمهور أهل الجدل. # وقال ابن فورك: لا يجوز الفرض والبناء؛ لأن حق الجواب أن يطابق السؤال. # وقال إمام الحرمين: إنما يجوز إذا كانت علة الفرض شاملة لسائر الأطراف. # قال: المستحسن منه هو الواقع في طرف يشتمل عليه عموم سؤال السائل، وذلك ~~محمول على استشعار انتشار الكلام في جميع الأطراف، وعدم وفاء مجلس واحد ~~باستتمام الكلام فيها. # وحاصله: إن ظهر انتظام العلة العامة في الصورتين كان مستحسنا، وإلا كان ~~مستهجنا، وفائدته كون العلة قد تخفى في بعض الصور، وتظهر في بعض آخر، ~~فالتفاوت بالأولية خاصة، والعلة واحدة. # PageV02P171 ### | الفائدة الرابعة: في جواز التعلق بمناقضات الخصوم # قد وقع الاتفاق على أنه لا يجوز إثبات المذهب إلا بدليل شرعي، ولكن ~~اختلفوا في التعلق بمناقضات الخصوم في المناظرة. # فذهب جماعة إلى جوازه من حيث إن المقصود من الجدل تضييق الأمر على الخصم. # وذكر القاضي تفصيلا حسنا، فقال: إن كانت المناقضة عائدة إلى تفاصيل أصل ~~لا يرتبط فسادها وصحتها بفساد الأصل وصحته، فلا يجوز التعلق بها، وإلا جاز. # PageV02P171 ### | الفائدة الخامسة: في السؤال والجواب # قال الصيرفي: السؤال إما استفهام مجرد، وهو الاستخبار عن المذهب، أو عن ~~العلة، وإما استفهام عن "الدلالة"* أي: التماس وجه دلالة البرهان، ثم ~~المطالبة بنفوذ الدليل وجريانه. # وسبيل الجواب أن يكون إخبارا مجردا، ثم الاستدلال، ثم طرد الدليل، ثم ~~السائل في الابتداء، إما أن يكون غير عالم بمذهب من يسأله، أو يكون عالما ~~به، ثم إما أن يعلم صحته، فسؤاله لا معنى له، وإما أن لا يعلم فسؤاله راجع ~~إلى الدليل. # والحاصل: أن من أنكر الأصل الذي يستشهد به المجيب، فسؤاله عنه أولى؛ لأن ~~الذي أحوجه إلى المسألة هو الخلاف، فأما إذا كان الخلاف في الشاهد، فالسؤال ~~عنه أولى. ms439 PageV02P171 ### | الفصل السابع: في الاستدلال ### | مدخل # ... # الفصل السابع: في الاستدلال # وهو في اصطلاحهم، ما ليس بنص، ولا إجماع، ولا قياس. # لا يقال: هذا من تعريف بعض الأنواع ببعض، وهو تعريف بالمساوي، في الجلاء ~~والخفاء، بل هو تعريف للمجهول بالمعلوم؛ لأنه قد سبق العلم بالنص، ~~والإجماع، والقياس. # واختلفوا في أنواعه: فقيل هي ثلاثة: # الأول: التلازم بين الحكمين، من غير تعيين علة، وإلا كان قياسا. # الثاني: استصحاب الحال. # الثالث: شرع من قبلنا. # قال الحنفية: ومن أنواعه نوع رابع، وهو الاستحسان. # وقالت المالكية: ومن أنواعه نوع خامس، وهو المصالح المرسلة. # وسنفرد لكل واحد من هذه الأنواع بحثا، ونلحق بها فوائد، لاتصالها بها ~~بوجه من الوجوه. # PageV02P172 ### | البحث الأول: في التلازم # وهو أربعة أقسام: # لأن التلازم إنما يكون بين حكمين، وكل واحد منهما إما مثبت أو منفي، ~~وحاصله: إذا كان تلازم تساو فثبوت كل يستلزم ثبوت الآخر، ونفيه نفيه، وإن ~~كان مطلق اللزوم، فثبوت الملزوم يستلزم ثبوت اللازم، من غير عكس، ونفي ~~اللازم يستلزم نفي الملزوم من غير عكس "وأنه إذا كان بين الشيئين انفصال ~~حقيقي فثبوت كل يستلزم نفي الآخر، ونفيه ثبوته، وإن كان منع جمع، فثبوت كل ~~يستلزم نفي الآخر من غير عكس، وإن كان منع خلو فنفي كل يستلزم ثبوت الآخر ~~من غير عكس"*. # وخلاصة هذا البحث يرجع إلى الاستدلال بالأقسية الاستثنائية، والاقترانية. # قال الآمدي: ومن أنواع الاستدلال قولهم: وجد السبب والمانع أو فقد الشرط. # ومنها: انتفاء الحكم لانتفاء مدركه. PageV02P172 # ومنها: الدليل المؤلف من أقوال، يلزم من تسليمها لذاتها قول آخر، ثم قسمه ~~إلى الاقتراني والاستثنائي، وذكر الأشكال الأربعة وشروطها، وضروبها. انتهى. ~~فليرجع في هذا البحث إلى ذلك الفن. # وإذا كان هذا لا يجري إلا فيما فيه تلازم، أو تناف، فالتلازم: إما أن ~~يكون طردا أو عكسا، أي: من الطرفين، أو طردا لا عكسا، أي: من طرف واحد، ~~والتنافي لا بد أن يكون من الطرفين، لكنه إما أن يكون طردا وعكسا، أي: ~~إثباتا ونفيا، وإما طردا فقط، أي: إثباتا، وإما عكسا فقط، أي: ms440 نفيا. # الأول: # المتلازمان طردا وعكسا، وذلك كالجسم والتأليف؛ إذ كل جسم مؤلف، وكل مؤلف ~~جسم، وهذا يجري فيه التلازم بين الثبوتين، وبين النفيين، كلامهما طردا ~~وعكسا، كلما كان جسما كان مؤلفا، وكلما كان مؤلفا كان جسما، وكلما لم يكن ~~مؤلفا لم يكن جسما، وكلما لم يكن جسما لم يكن مؤلفا. # الثاني: # المتلازمان طردا فقط، كالجسم والحدوث؛ إذ كل جسم حادث، ولا ينعكس في ~~الجوهر الفرد، فهذا يجري فيه التلازم بين الثبوتين طردا فيصدق كلما كان ~~جسما كان حادثا، لا عكسا، فلا يصدق كلما كان حادثا كان جسما، ويجري فيه ~~التلازم بين النفيين، عكسا، فيصدق كلما لم يكن حادثا لم يكن جسما، لا طردا، ~~فلا يصدق كلما لم يكن جسما لم يكن حادثا. # الثالث: # المتنافيان طردا وعكسا، كالحدوث ووجوب البقاء، فإنهما لا يجتمعان في ذات، ~~فتكون حادثة واجبة البقاء، ولا يرتفعان، فيكون قديما غير واجب البقاء، فهذا ~~يجري فيه التلازم بين الثبوت والنفي، وبين النفي والثبوت، طردا وعكسا، أي: ~~من الطرفين فيصدق لو كان حادثا لم يجب بقاؤه، ولو وجب بقاؤه لم يكن حادثا، ~~ولو لم يكن حادثا فلا يجب بقاؤه، ولو لم يجب بقاؤه فلا يكون حادثا. # الرابع: # المتنافيان طردا لا عكسا، إي: إثباتا لا نفيا، كالتأليف والقدم؛ إذ لا ~~يجتمعان، فلا يوجد شيء هو مؤلف وقديم، لكنهما قد يرتفعان، كالجزء الذي لا ~~يتجزأ، وهذا يجري فيه التلازم بين الثبوت والنفي، طردا وعكسا، أي: من ~~الطرفين، فيصدق كلما كان جسما لم يكن قديما، وكلما كان قديما "لم يكن جسما، ~~ولا يصدق كلما كان جسما لم يكن قديما، وكلما كان قديما"* كان جسما. # الخامس: # المتنافيان عكسا، أي: نفيا، كالأساس والخلل، فإنهما لا يرتفعان، فلا يوجد ~~ما ليس له أساس، ولا يختل، وقد يجتمعان في كل ما له أساس قد يختل بوجه آخر، ~~وهذا يجري PageV02P173 # فيه تلازم النفي والإثبات، طردا وعكسا، فيصدق كل ما لم يكن له أساس، فهو ~~مختل، وكل ما لم يكن مختلا فليس له أساس، ولا يصدق كل ما ms441 كان له أساس فليس ~~بمختل، وكل ما كان مختلا فليس له أساس. # وما قدمنا عن الآمدي: أن من أنواع الاستدلال قولهم: وجب السبب إلخ، هو ~~أحد الأقوال لأهل الأصول. # وقال بعضهم: إنه ليس بدليل، وإنما هو دعوى دليل، فهو بمثابة قولهم: وجد ~~دليل الحكم، لا يكون دليلا ما لم يعين، وإنما الدليل ما يستلزم المدلول. ~~وقال بعضهم: هو دليل، إذ لا معنى للدليل إلا ما يلزم من العلم به العلم ~~بالمدلول. # والصواب: القول الأول، أنه استدلال، لا دليل، ولا مجرد دعوى. # واعلم: أنه يرد على جميع أقسام التلازم من الاعتراضات السابقة جميع ما ~~تقدم، ما عدا الاعتراضات الواردة على نفس العلة. # PageV02P174 ### | البحث الثاني: الاستصحاب # أي: استصحاب الحال لأمر وجودي، أو عدمي، عقلي، أو شرعي1. # ومعناه: أن ما ثبت في الزمن الماضي فالأصل بقاؤه في الزمن المستقبل، ~~مأخوذ من المصاحبة، وهو بقاء ذلك الأمر ما لم يوجد ما يغيره، فيقال: الحكم ~~الفلاني قد كان فيما مضى، وكلما كان فيما مضى، ولم يظن عدمه، فهو مظنون ~~البقاء. # قال الخوارزمي في "الكافي": وهو آخر مدار الفتوى، فإن المفتي إذا سئل عن ~~حادثة، يطلب حكمها في الكتاب، ثم في السنة، ثم في الإجماع، ثم في القياس، ~~فإن لم يجده فيأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي، والإثبات، فإن كان ~~التردد في زواله فالأصل بقاؤه، وإن كان التردد في ثبوته فالأصل عدم ثبوته، ~~انتهى. # واختلفوا هل هو حجة عند عدم الدليل على أقوال2: # الأول: # أنه حجة، وبه قالت الحنابلة، والمالكية، وأكثر الشافعية، والظاهرية، سواء ~~كان في النفي أو الإثبات، وحكاه ابن الحاجب عن الأكثر. # الثاني: # أنه ليس بحجة، وإليه ذهب أكثر الحنفية، والمتكلمين، كأبي الحسين البصري، ~~PageV02P174 # قالوا: لأن الثبوت في الزمان الأول يفتقر إلى الدليل، فكذلك في الزمان ~~الثاني؛ لأنه يجوز أن يكون وأن لا يكون، وهذا خاص عندهم بالشرعيات، بخلاف ~~الحسيات، فإن الله سبحانه أجرى العادة فيها بذلك، ولم يجر العادة به في ~~الشرعيات، فلا تلحق بالحسيات. # ومنهم من نقل عنه تخصيص النفي بالأمر ms442 الوجودي. # ومنهم من نقل عن الخلاف مطلقا. # قال الصفي الهندي: وهو يقتضي تحقق الخلاف في الوجودي والعدمي جميعا، لكنه ~~بعيد؛ إذ تفاريعهم تدل على أن استصحاب العدم الأصلي حجة. # قال الزركشي: والمنقول في كتب أكثر الحنفية أنه لا يصح حجة على الغير، ~~ولكن يصلح للرفع والدفع. # وقال أكثر المتأخرين منهم: إنه حجة لإبقاء ما كان، ولا يصلح حجة لإثبات ~~أمر لم يكن "وذلك كحياة المفقود، فإنه لما كان الظاهر بقاؤها، صلح حجة ~~لإبقاء ما كان، فلا يورث ماله، ولا يصلح حجة لإثبات أمر لم يكن فلا يرث عن ~~أقاربه"* # الثالث: # أنه حجة على المجتهد فيما بينه وبين الله عز وجل، فإنه "لم"**كلف إلا ما ~~يدخل تحت مقدوره، فإذا لم يجد دليلا سواه جاز له التمسك "به"***ولا يكون ~~حجة على الخصم عند المناظرة، فإن المجتهدين إذا تناظروا لم ينفع المجتهد ~~قوله لم أجد دليلا على هذا؛ لأن التمسك بالاستصحاب لا يكون إلا عند عدم ~~الدليل. # الرابع: # أنه يصلح حجة للدفع لا للرفع، وإليه ذهب أكثر الحنفية، قال إلكيا: ~~ويعبرون عن هذا "بأن"**** استصحاب الحال صالح لإبقاء ما كان على ما كان، ~~إحالة على عدم الدليل، لا لإثبات أمر لم يكن، وقد قدمنا1 أن هذا قول أكثر ~~المتأخرين منهم. # الخامس: # أنه يجوز الترجيح به لا غير، نقله الأستاذ أبو إسحاق عن الشافعي، وقال: ~~إنه الذي يصح عنه، لا أنه يحتج به. # السادس: # أن المستصحب إن لم يكن غرضه سوى نفي ما نفاه، صح ذلك2، وإن كان ~~PageV02P175 # غرضه إثبات خلاف قول خصمه، من وجهة يمكن استصحاب الحال في نفي ما أثبته ~~فلا يصح1. حكاه الأستاذ أبو منصور البغدادي، عن بعض أصحاب الشافعي. # قال الزركشي: لا بد من تنقيح موضع الخلاف، فإن أكثر الناس يطلقه، ويشتبه ~~عليهم موضع النزاع، فنقول: للاستصحاب صور: # إحداها: # استصحاب ما دل العقل أو الشرع على ثبوته ودوامه، كالملك عند جريان القول ~~المقتضي له، وشغل الذمة عند جريان إتلاف أو التزام، ودوام الحل في المنكوحة ~~بعد تقرير المنكاح، فهذا لا ms443 خلاف في وجوب العمل به إلى أن يثبت معارض. # قال، الثانية: # استصحاب العدم الأصلي المعلوم بدليل العقل في الأحكام الشرعية، كبراءة ~~الذمة من التكليف حتى يدل دليل شرعي على تغيره، كنفي صلاة سادسة. # قال القاضي أبو الطيب: وهذا حجة بالإجماع "أي"*: من القائلين بأنه لا حكم ~~قبل الشرع. # قال، الثالثة: # استصحاب الحكم العقلي عند المعتزلة، فإن عندهم أن العقل يحكم في بعض ~~الأشياء إلى أن يرد الدليل السمعي، وهذا لا خلاف بين أهل السنة في أنه لا ~~يجوز العمل به؛ لأنه لا حكم للعقل في الشرعيات. # قال، الرابعة: # استصحاب الدليل، مع احتمال المعارض، إما تخصيصا إن كان الدليل ظاهرا، أو ~~نسخا إن كان الدليل نصا، فهذا أمر معمول به "بالإجماع"**. # وقد اختلف في تسمية هذا النوع بالاستصحاب، فأثبته جمهور الأصوليين، ومنعه ~~المحققون، منهم إمام الحرمين في "البرهان"، وإلكيا في "تعليقه"، وابن ~~السمعاني في "القواطع"؛ لأن ثبوت الحكم فيه من ناحية اللفظ، لا من ناحية ~~الاستصحاب2. # قال، الخامسة: # الحكم الثابت بالإجماع في محل النزاع وهو راجع إلى الحكم الشرعي، بأن ~~يتفق على حكم في حاله، ثم يتغير صفة المجمع عليه، فيختلفون فيه، فيستدل من ~~لم يغير الحكم باستصحاب الحال. PageV02P176 # مثاله: إذا استدل من يقول إن المتيمم إذا رأى الماء في أثناء صلاته لا ~~تبطل صلاته؛ لأن الإجماع منعقد على صحتها قبل ذلك، فاستصحب إلى أن يدل دليل ~~على أن رؤية الماء مبطلة. # وكقول الظاهرية: يجوز بيع أم الولد؛ لأن الإجماع انعقد على جواز بيع هذه ~~الجارية قبل الاستيلاء، فنحن على ذلك الإجماع بعد الاستيلاد1. # وهذا النوع ومحل الخلاف، كما قاله في "القواطع" وهكذا فرض أئمتنا ~~الأصوليون الخلاف فيها، فذهب الأكثرون منهم القاضي، والشيخ أبو إسحاق ~~الشيرازي، وابن الصباغ، والغزالي، إلى أنه ليس بحجة. # قال الأستاذ أبو منصور: وهو قول جمهور أهل الحق من الطوائف. # وقال الماوردي، والروياني، في كتاب القضاء: إنه قول الشافعي، وجمهور ~~العلماء، فلا يجوز الاستدلال بمجرد الاستصحاب، بل إن اقتضى القياس أو غيره ~~إلحاقه بما قبل ألحق به ms444 وإلا فلا. # قال: وذهب أبو ثور، وداود الظاهري إلى الاحتجاج به، ونقله ابن السمعاني ~~عن المزني، وابن سريج، والصيرفي، وابن خيران، وحكاه الأستاذ أبو منصور عن ~~أبي الحسين بن القطان، قال: واختاره الآمدي، وابن الحاجب. # قال سليم الرازي في "التقريب": إنه الذي ذهب إليه شيوخ أصحابنا، فيستصحب ~~حكم الإجماع حتى يدل الدليل على ارتفاعه. انتهى. # والقول الثاني: هو الراجح؛ لأن المتمسك بالاستصحاب باق على الأصل، قائم ~~في مقام المنع، فلا يجب عليه الانتقال عنه إلا بدليل يصلح لذلك، فمن ادعاه ~~جاء به. PageV02P177 ### | البحث الثالث: شرع من قبلنا ### | المسألة الأولى: هل كان صلى الله عليه وسلم متعبدا قبل البعثة بشرع أم لا؟ # ... # البحث الثالث: شرع من قبلنا # وفي ذلك مسألتان: # المسألة الأولى: هل كان صلى الله عليه وسلم متعبدا بشرع أم لا؟ # كان نبينا صلى الله عليه وسلم قبل البعثة متعبدا بشرع أم لا؟ وقد اختلفوا ~~في ذلك على مذاهب: # فقيل: إنه صلى الله عليه وسلم كان متعبدا قبل البعثة بشريعة آدم؛ لأنها ~~أول الشرائع. # وقيل: بشريعة نوح لقوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} 2. # PageV02P177 # وقيل: بشريعة إبراهيم لقوله تعالى: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ~~وهذا النبي} 1 وقوله تعالى: {أن اتبع ملة إبراهيم} 2. # قال الواحدي: وهذا هو الصحيح. # قال ابن القشيري في "المرشد"3: وعزى إلى الشافعي. # قال الأستاذ أبو منصور: وبه نقول، وحكاه صاحب "المصادر" عن أكثر أصحاب ~~أبي حنيفة، وإليه أشار أبو علي الجبائي. # وقيل: كان متعبدا بشريعة موسى. # وقيل: بشريعة عيسى؛ لأنه أقرب الأنبياء، ولأنه الناسخ لما قبله من ~~الشرائع، وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني كما حكاه عنه الواحدي4. # وقيل كان على شرع من الشرائع، ولا يقال: كان من أمة نبي من الأنبياء، أو ~~على شرعه. # قال ابن القشيري في "المرشد": وإليه كان يميل الأستاذ أبو إسحاق. # وقيل: كان متعبدا بشريعة كل من قبله من الأنبياء، إلا ما نسخ منها ~~واندرس، حكاه صاحب "الملخص". # وقيل: كان متعبدا بشرع، ولكن لا ندري بشرع من ms445 تعبده الله، حكاه ابن ~~القشيري. # وقيل: لم يكن قبل البعثة متعبدا بشرع، حكاه في "المنخول" عن إجماع ~~المعتزلة. # قال القاضي في "مختصر التقريب" وابن القشيري: هو الذي صار إليه جماهير ~~المتكلمين، قال جمهورهم: إن ذلك محال عقلا؛ إذ لو تعبد باتباع أحد لكان غضا ~~من نبوته. # وقال بعضهم: بل كان على شريعة العقل. # قال ابن القشيري: وهذا باطل؛ إذ ليس للعقل شريعة، ورجح هذا المذهب، أعني: ~~عدم التعبد بشرع قبل البعثة القاضي، وقال: هذا ما نرتضيه وننصره؛ لأنه لو ~~كان على دين لنقل، ولذكره صلى الله عليه وسلم، إذ لا يظن به الكتمان. ~~PageV02P178 # وعارض ذلك إمام الحرمين وقال: لو لم يكن على دين أصلا لنقل، فإن ذلك أبعد ~~عن المعتاد مما ذكره القاضي. # قال: فقد تعارض الأمران. # والوجه أن يقال: كانت العادة انخرقت في أمور الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بانصراف "همم"* الناس عن أمر دينه، والبحث عنه، ولا يخفى ما في هذه ~~المعارضة من الضعف وسقوط ما "رتبه"* عليها. # وقيل: بالوقف، وبه قال إمام الحرمين، وابن القشيري، وإلكيا، والغزالي، ~~والآمدي، والشريف المرتضى، واختار النووي في "الروضة"، قالوا: إذ ليس فيه ~~دلالة عقل، ولا ثبت فيه نص، ولا إجماع. # قال ابن القشيري في "المرشد" بعد حكاية الاختلاف في ذلك: وكل هذه أقوال ~~متعارضة وليس فيها دلالة قاطعة، والعقل يجوز ذلك لكن أين السمع فيه. انتهى. # قال إمام الحرمين: هذه المسألة لا تظهر لها فائدة، بل تجري مجرى التواريخ ~~المنقولة، ووافقه المازري، والماوردي، وغيرهما، وهذا صحيح، فإنه لا يتعلق ~~بذلك فائدة، باعتبار هذه الأمة ولكنه يعرف به في الجملة شرف تلك الملة التي ~~تبعد بها، وفضلها على غيرها من الملل المتقدمة على ملته. # وأقرب هذه الأقوال، قول من قال: إنه كان متعبدا بشريعة إبراهيم عليه ~~السلام، فقد كان صلى الله عليه وسلم كثير البحث عنها، عاملا بما بلغ إليه ~~منها، كما يعرف ذلك من كتب السيرة، وكما تفيده الآيات القرآنية من أمره صلى ~~الله عليه وسلم بعد البعثة باتباع تلك الملة، ms446 فإن ذلك يشعر بمزيد خصوصية ~~لها، فلو قدرنا أنه كان على شريعة قبل البعثة لم يكن إلا عليها. ~~PageV02P179 ### | المسألة الثانية: هل كان صلى الله عليه وسلم بعد البعثة متعبدا بشرع من قبله أم لا؟ # اختلفوا هل كان متعبدا بعد البعثة بشرع من قبله أم لا على أقوال: # الأول: أنه لم يكن متعبدا باتباعها1، بل كان منهيا عنها، وإليه ذهب الشيخ ~~أبو إسحاق الشيرازي في آخر قوليه، واختاره الغزالي في آخر عمره. # PageV02P179 # قال ابن السمعاني: إنه المذهب الصحيح، وكذا قال الخوارزمي في "الكافي"، ~~واستدلوا بأنه صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن1 لم يرشده إلا ~~إلى العمل بالكتاب والسنة، ثم اجتهاد الرأي. # وصحح هذا القول ابن حزم. # واستدلوا أيضا بقوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} 2. # وبالغت المعتزلة فقالت: باستحالة ذلك عقلا، وقال غيرهم: العقل لا يحيله، ~~ولكنه ممتنع شرعا، واختاره الفخر الرازي، والآمدي. # القول الثاني: أنه كان متعبدا بشرع من قبله، إلا ما نسخ منه، نقله ابن ~~السمعاني عن أكثر الشافعية، وأكثر الحنفية، وطائفة من المتكلمين. # قال ابن القشيري: هو الذي صار إليه الفقهاء، واختاره "ابن برهان"*. وقال: ~~إنه قول أصحابهم، وحكاه الأستاذ أبو منصور عن محمد بن الحسن واختاره الشيخ ~~أبو إسحاق الشيرازي واختاره ابن الحاجب. # قال ابن السمعاني: وقد أومأ إليه الشافعي في بعض كتبه. # قال القرطبي: وذهب إليه معظم أصحابنا، يعني المالكية، قال القاضي عبد ~~الوهاب: إنه الذي تقتضيه أصول مالك. # واستدلوا بقوله سبحانه: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} 3 الآية، ~~فإن ذلك مما استدل به في شرعنا على وجوب القصاص، ولو لم يكن متعبدا بشرع من ~~قبله لما صح الاستدلال بكون القصاص واجبا في شرع بني إسرائيل على كونه ~~واجبا في شرعه. # واستدلوا أيضا بأنه صلى الله عليه وسلم قال: " من نام عن صلاة أو نسيها ~~فليصلها إذا ذكرها" 4 وقرأ قوله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} 5 وهي مقولة ~~لموسى، فلو لم يكن متعبدا بشرع من قبله، لما كان لتلاوة الآية عند ذلك ms447 ~~فائدة. # واستدلوا بما ثبت عن ابن عباس أنه سجد في صورة ص، وقرأ قوله تعالى: ~~{أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} 6 فاستنبط التشريع من هذه الآية. ~~PageV02P180 # واستدلوا أيضا بما ثبت في الصحيح أنه كان صلى الله عليه وسلم يحب موافقة ~~أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه1 "فإن هذا يفيد أنه كان متعبدا فيما لم ينزل ~~عليه"* ولولا ذلك لم يكن لمحبته للموافقة فائدة. # ولا أوضح ولا أصرح في الدلالة على هذا المذهب من قوله تعالى: {فبهداهم ~~اقتده} وقوله: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا} 2. # القول الثالث: الوقف، حكاه ابن القشيري وابن برهان. # وقد فصل بعضهم تفصيلا حسنا فقال: إنه إذا بلغنا شرع من قبلنا على لسان ~~الرسول، أو لسان من أسلم كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار3 ولم يكن منسوخا، ~~ولا مخصوصا، فإنه شرع لنا، وممن ذكر هذا القرطبي، ولا بد من هذا التفصيل ~~على قول القائلين بالتعبد، لما هو معلوم من وقوع التحريف والتبديل، ~~فإطلاقهم مقيد بهذا القيد، ولا أظن أحدا منهم يأباه. PageV02P181 ### | البحث الرابع: الاستحسان # واختلف في حقيقته: فقيل: هو دليل ينقدح في نفس المجتهد، ويعسر عليه ~~التعبير عنه. # وقيل: هو العدول عن قياس إلى قياس أقوى1. PageV02P181 # وقيل: هو العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس. # وقيل: تخصيص قياس بأقوى منه. # ونسب القول به إلى أبي حنيفة، وحكى عنه أصحابه، ونسبه إمام الحرمين إلى ~~مالك، وأنكره القرطبي فقال: ليس معروفا من مذهبه، وكذلك أنكر أصحاب أبي ~~حنيفة ما حكي عن أبي حنيفة من القول به، وقد حكي عن الحنابلة. # قال ابن الحاجب في "المختصر": قالت به الحنفية، والحنابلة، وأنكره غيرهم. ~~انتهى. # وقد أنكره الجمهور، حتى قال الشافعي: من استحسن فقد شرع. # قال الروياني: ومعناه أنه ينصب من جهة نفسه شرعا غير الشرع. # وفي رواية عن الشافعي أنه قال: القول بالاستحسان باطل. # وقال الشافعي في "الرسالة": الاستحسان تلذذ1، ولو جاز لأحد الاستحسان في ~~الدين؛ لجاز ذلك لأهل العقول من غير أهل العلم، ولجاز أن يشرع ms448 في الدين في ~~كل باب، وأن يخرج كل أحد لنفسه شرعا. # قال جماعة من المحققين: الحق أنه لا يتحقق استحسان مختلف فيه؛ لأنهم ~~ذكروا في تفسيره أمورا لا تصلح للخلاف؛ لأن بعضها مقبولا اتفاقا، وبعضها ~~متردد بين ما هو مقبول اتفاقا، وما هو مردود اتفاقا، وجعلوا من صور الاتفاق ~~على القبول قول من قال: إن الاستحسان العدول عن قياس إلى قياس أقوى، وقول ~~من قال: إنه تخصيص قياس بأقوى منه، وجعلوا من المتردد بين القبول والرد قول ~~من قال: إنه دليل ينقدح في نفس المجتهد، ويعسر عليه التعبير عنه لأنه إن ~~كان معنى قوله ينقدح أنه يتحقق ثبوته "فالعمل"* به واجب عليه، فهو مقبول ~~اتفاقا، وإن كان بمعنى أنه شاك، فهو مردود اتفاقا؛ إذ لا تثبت الأحكام ~~بمجرد الاحتمال والشك. # وجعلوا من المتردد أيضا قول من قال: إنه العدول عن حكم الدليل إلى العادة ~~لمصلحة الناس، فقالوا: إن كانت العادة هي الثابتة في زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقد ثبت بالسنة، وإن كانت هي الثابتة في عصر الصحابة، من غير ~~إنكار، فقد ثبت بالإجماع، وأما غيرها، فإن كان نصا "أو"** قياسا، مما ثبت ~~حجيته، فقد ثبت ذلك به، وإن كان شيئا آخر، لم تثبت حجيته، فهو مردود قطعا. ~~PageV02P182 # وقد ذكر الباجي أن الاستحسان الذي ذهب إليه أصحاب مالك هو القول بأقوى ~~الدليلين، كتخصيص بيع العرايا من بيع الرطب بالتمر1. # قال: وهذا هو الدليل، فإن سموه استحسانا فلا مشاحة في التسمية. # وقال الأبياري: الذي يظهر من مذهب مالك القول بالاستحسان، لا على ما سبق، ~~بل حاصله استعمال مصلحة جزئية في مقابلة قياس كلي، فهو يقدم الاستدلال ~~المرسل على القياس. # ومثال: لو اشترى سلعة بالخيار، ثم مات وله ورثة، فقيل: يرد، وقيل: يختار ~~الإمضاء. قال أشهب: القياس الفسخ، ولكنا نستحسن إن أراد الإمضاء أن يأخذ من ~~لم يمض، إذا امتنع البائع من قبوله نصيب الراد. # قال ابن السمعاني: إن كان الاستحسان هو القول بما يستحسنه الإنسان، ~~ويشتهيه من غير دليل، فهو ms449 باطل، ولا أحد يقول به، ثم ذكر أن الخلاف لفظي، ~~ثم قال: فإن تفسير الاستحسان بما يشنع به عليهم لا يقولون به "والذي يقولون ~~به أنه العدول في الحكم من دليل إلى دليل أقوى منه"*، فهذا مما لم ينكره ~~أحد عليه، لكن هذا الاسم لا يعرف اسما لما "يقال به"** وقد سبقه إلى مثل ~~هذا القفال، فقال: إن كان المراد بالاستحسان ما دلت عليه الأصول بمعانيها، ~~فهو حسن، لقيام الحجة به، قال: فهذا لا ننكره ونقول به، وإن كان ما يقع في ~~الوهم من استقباح الشيء واستحسانه، من غير حجة دلت عليه، من أصل ونظيره، ~~فهو محظور، والقول به غير سائغ. # قال بعض المحققين: الاستحسان كلمة يطلقها أهل العلم على ضربين: # أحدهما: واجب بالإجماع، وهو أن يقدم الدليل الشرعي أو العقلي، لحسنه2، ~~فهذا يجب العمل به؛ لأن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع. # والضرب الثاني: أن يكون على مخالفة الدليل، مثل أن يكون الشيء محظورا ~~بدليل شرعي، وفي عادات الناس "إباحته، أو يكون في الشرع دليل يغلظه وفي ~~عادات الناس التخفيف"*** فهذا عندنا يحرم القول به، ويجب اتباع الدليل، ~~وترك العادة والرأي، سواء كان ذلك الدليل نصا، أو إجماعا أو قياسا. انتهى. ~~PageV02P183 # فعرفت بمجموع ما ذكرنا أن ذكر الاستحسان في بحث مستقل لا فائدة فيه أصلا؛ ~~لأنه إن كان راجعا إلى الأدلة المتقدمة فهو تكرار، وإن كان خارجا عنها فليس ~~من الشرع في شيء، بل هو من التقول على هذه الشريعة بما لم يكن فيها تارة، ~~وبما يضادها أخرى. # PageV02P184 ### | البحث الخامس: المصالح المرسلة # قد قدمنا الكلام فيها في مباحث القياس، وسنذكر ههنا بعض ما يتعلق بها ~~تتميما للفائدة، ولكونها قد ذكرها جماعة من أهل الأصول في مباحث الاستدلال، ~~ولهذا سماها بعضهم بالاستدلال المرسل، وأطلق إمام الحرمين، وابن السمعاني ~~عليها اسم الاستدلال1. # قال الخوارزمي: والمراد بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، بدفع المفاسد ~~عن الخلق. # قال الغزالي: هي أن يوجد معنى يشعر بالحكم، مناسب عقلا، ولا يوجد أصل ~~متفق عليه. ms450 # وقال ابن برهان: هي ما لا تستند إلى أصل كلي ولا جزئي. # وقد اختلفوا في القول بها على مذاهب. # الأول: منع التمسك بها مطلقا وإليه ذهب الجمهور. # والثاني: الجواز مطلقا، وهو المحكي عن مالك، قال الجويني في "البرهان": ~~وأفرط في القول بها حتى جره إلى استحلال القتل وأخذ المال لمصالح يقتضيها ~~في غالب الظن، وإن لم يجد لها مستندا، وقد حكي القول بها عن الشافعي، في ~~"قوله"* القد يم، وقد أنكر جماعة من المالكية ما نسب إلى مالك من القول ~~بها، ومنهم القرطبي. وقال: ذهب الشافعي، ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى عدم ~~الاعتماد عليها، وهو مذهب مالك، قال: وقد اجترأ إمام الحرمين الجويني، ~~وجازف فيما نسبه إلى مالك من الإفراط في هذا الوصل، وهذا لا يوجد في كتب ~~مالك ولا في شيء من كتب أصحابه. # قال ابن دقيق العيد: الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحا على غيره من ~~الفقهاء، في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرهما من ~~اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيح في الاستعمال لها على غيرهما. انتهى. ~~PageV02P184 # قال القرافي: هي عند التحقيق في جميع المذاهب؛ لأنهم يقومون ويقعدون ~~بالمناسبة، ولا يطلبون شاهدا بالاعتبار، ولا نعني بالمصلحة المرسلة إلا ~~ذلك. # الثالث: إن كانت ملائمة لأصل كلي من أصول الشرع، أو لأصل جزئي، جاز بناء ~~الأحكام عليها، وإلا فلا. # وحكاه ابن برهان في "الوجيز" عن الشافعي، وقال: إنه الحق المختار. # قال إمام الحرمين: ذهب الشافعين ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى "اعتماد"* ~~تعليق الأحكام بالمصالح المرسلة، بشرط "ملائمته"** للمصالح المعتبرة ~~المشهود لها بالأصول. # الرابع: إن كانت تلك المصلحة ضرورية، قطعية، كلية، كانت معتبرة، فإن فقد ~~أحد هذه الثلاثة لم تعتبر، والمراد بالضرورية أن تكون من الضروريات الخمس1، ~~وبالكلية أن تعم جميع المسلمين، لا لو كانت لبعض الناس دون بعض، أو في حالة ~~مخصوصة دون حالة، واختار هذا الغزالي، والبيضاوي، ومثل الغزالي للمصلحة ~~المستجمعة "الشرائط"*** بمسألة الترس؛ وهي ما إذا تترس الكفار بجماعة من ~~المسلمين، وإذا رمينا ms451 قتلنا مسلما من دون جريمة منه، ولو تركنا الرمي ~~لسلطنا الكفار على المسلمين، فيقتلونهم، ثم يقتلون الأسارى الذين تترسوا ~~بهم، فحفظ المسلمين بقتل من تترسوا به من المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع؛ ~~لأنا نقطع أن "الشارع"**** يقصد تقليل القتل، كما يقصد حسمه عند الإمكان، ~~فحيث لم نقدر على الحسم، فقد قدرنا على التقليل، وكان هذا التفاتا إلى ~~مصلحة، علم بالضرورة كونها مقصودة للشرع، لا بدليل واحد، بل بأدلة خارجة عن ~~الحصر ولكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق، وهو قتل من لم يذنب لم يشهد له ~~أصل "معين"*****، فينقدح اعتبار هذه المصلحة بالأوصاف الثلاثة، وهي كونها ~~ضرورية، كلية، قطعية، فخرج بالكلية ما إذا أشرف جماعة في سفينة على الغرق، ~~ولو غرق بعضهم لنجوا، فلا يجوز تغريق البعض، وبالقطعية ما إذا شككنا في كون ~~الكفار يتسلطون عند عدم رمي الترس "وبالضرورية ما إذا تترسوا في قلعة بمسلم ~~فلا يحل رمي الترس"****** إذ لا ضرورة بنا إلى أخذ القلعة. PageV02P185 # قال القرطبي: هي بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها، وأما ابن ~~المنير، فقال: هو احتكام من قائله، ثم هو تصوير بما لا يمكن عادة، ولا ~~شرعا، أما عادة: فلأن القطع في الحوادث المستقلة لا سبيل إليه؛ إذ هو عبث ~~وعناد، وأما شرعا: فلأن الصادق المعصوم قد أخبرنا بأن الأمة لا يتسلط عدوها ~~عليها ليستأصل شأفتها1. # قال: وحاصل كلام الغزالي رد الاستدلال بها، لتضييقه في قبولها باشتراط ما ~~لا يتصور وجوده. انتهى. # قال الزركشي: وهذا تحامل منه، فإن الفقيه يفرض المسائل النادرة، لاحتمال ~~وقوعها، بل المستحيلة لرياضة "الأذهان"*، ولا حجة له في الحديث؛ لأن المراد ~~به كافة الخلق، وتصوير الغزالي إنما هو في أهل محلة بخصوصهم، استولى عليهم ~~الكفار، لا جميع العالم، وهذا واضح. انتهى. # قال ابن دقيق العيد: لست أنكر على من اعتبر أصل المصالح، لكن الاسترسال ~~فيها، وتحقيقها محتاج إلى نظر سديد، وربما يخرج عن الحد، وقد نقلوا عن عمر ~~رضي الله عنه أنه قطع لسان الحطيئة2 بسبب الهجو، فإن صح ms452 ذلك فهو من باب ~~العزم على المصالح المرسلة، وحمله على التهديد الرادع للمصلحة أولى من حمله ~~على حقيقة القطع للمصلحة، وهذا يجر إلى النظر فيما يسمى مصلحة مرسلة. # قال: وشاورني بعض القضاة في قطع أنملة شاهد، والغرض منعه عن الكتابة بسبب ~~قطعها، وكل "هذه"** منكرات عظيمة الموقع في الدين، واسترسال قبيح في أذى ~~المسلمين. انتهى. # ولنذكر ههنا فوائد لها بعض اتصال بمباحث الاستدلال. PageV02P186 ### | فوائد تتعلق بالاستدلال ### | الفائدة الأولى: في قول الصحابي # اعلم: أنهم قد اتفقوا على أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس بحجة على ~~صحابي آخر، وممن نقل هذا الاتفاق القاضي أبو بكر، والآمدي، وابن الحاجب، ~~وغيرهم. # واختلفوا هل يكون حجة على من بعد الصحابة من التابعين، ومن بعدهم، على ~~أقوال1: # الأول: # أنه ليس بحجة مطلقا، وإليه ذهب الجمهور. # الثاني: # أنه حجة شرعية، مقدمة على القياس، وبه قال أكثر الحنفية، ونقل عن مالك، ~~وهو قديم قولي الشافعي. # الثالث: # أنه حجة إذا انضم إليه القياس، فيقدم حينئذ على قياس ليس معه قول صحابي، ~~وهو ظاهر قول الشافعي في "الرسالة". # قال: وأقوال الصحابة إذا تفرقا نصير منها إلى ما وافق الكتاب، أو السنة، ~~أو الإجماع، أو كان أصح في القياس، وإذا قال واحد منهم القول لا يحفظ عن ~~غيره منهم له فيه موافقة ولا مخالفة، صرت إلى اتباع قول واحدهم إذا لم أجد ~~كتابا، ولا سنة، ولا إجماعا، ولا شيئا يحكم له بحكمه، أو وجد معه قياس. ~~انتهى. # وحكى القاضي حسين، وغيره من أصحاب الشافعي عنه أنه يرى في الجديد أن قول ~~الصحابي حجة، إذا عضده القياس، وكذا حكاه عنه القفال الشاشي، وابن القطان. # قال القاضي في "التقريب": إنه الذي قاله الشافعي في الجديد، واستقر عليه ~~مذهبه، وحكاه عنه المزني، وابن أبي هريرة. # الرابع: أنه حجة إذا خالف القياس؛ لأنه لا محمل له إلا التوقيف، وذلك أن ~~القياس والتحكم في دين الله باطل، فيعلم أنه لم يقلد إلا توقيفا. # قال ابن برهان في "الوجيز": وهذا هو الحق المبين، قال: ومسائل الإمامين ms453 ~~أبي حنيفة، والشافعي رحمهما الله تدل عليه. انتهى2. # ولا يخفاك أن الكلام في قول الصحابي إذا كان ما قاله من مسائل الاجتهاد، ~~أما إذا لم يكن منها، ودل دليل على التوقيف، فليس مما نحن بصدده. ~~PageV02P187 # والحق: أنه ليس بحجة فإن الله سبحانه لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبينا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، وليس لنا إلا رسول واحد، وكتاب واحد، وجميع ~~الأمة مأمورة باتباع كتابه، وسنة نبيه، ولا فرق بين الصحابة "وبين"* من ~~بعدهم، في ذلك، فكلهم مكلفون بالتكاليف الشرعية، وباتباع الكتاب والسنة، ~~فمن قال: إنها تقوم الحجة في دين الله عز وجل بغير كتاب الله، وسنة رسوله، ~~وما يرجع إليهما، فقد قال في دين الله بما "لم"** يثبت، وأثبت في هذه ~~الشريعة الإسلامية شرعا لم يأمر الله به، وهذا أمر عظيم، وتقول بالغ فعن ~~الحكم لفرد أو أفراد من عباد الله بأن قوله، أو أقوالهم حجة على المسلمين ~~يجب عليهم العمل بها وتصير شرعا ثابتا متقررا تعم به البلوى، مما لا يدان ~~الله عز وجل به، ولا يحل لمسلم الركون إليه، ولا العمل عليه، فإن هذا ~~المقام لم يكن إلا لرسل الله، الذين أرسلهم بالشرائع إلى عباده لا لغيرهم، ~~وإن بلغ فالعلم والدين عظم المنزلة أي مبلغ، ولا شك أن مقام الصحبة مقام ~~عظيم، ولكن ذلك في الفضيلة، وارتفاع الدرجة، وعظمة الشأن، وهذا مسلم لا شك ~~فيه، ولهذا "صار مد"*** أحدهم لا "تبلغ إليه"**** من غيرهم الصدقة بأمثال ~~الجبال، ولا تلازم بين هذا وبين جعل كل واحد منهم بمنزلة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في حجية قوله، وإلزام الناس باتباعه، فإن ذلك مما لم يأذن ~~الله به، ولا ثبت عنه فيه حرف واحد. # وأما ما تمسك به بعض القائلين بحجية قول الصحابي، مما روي عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" 1 فهذا لم يثبت ~~قط، والكلام فيه معروف عند أهل هذا الشأن، بحيث لا يصح العمل بمثله في أدنى ~~حكم من ms454 أحكام الشرع، فكيف مثل هذا الأمر العظيم والخطب الجليل، على أنه لو ~~ثبت من وجه صحيح لكان معناه أن مزيد عملهم بهذه الشريعة المطهرة، الثابتة ~~من الكتاب والسنة، وحرصهم على اتباعها، ومشيهم "في"***** طريقتها، يقتضي أن ~~اقتداء الغير بهم في العمل بها، واتباعها هداية كاملة؛ لأنه لو قيل لأحدهم ~~لم قلت كذا "أو"****** لم فعلت كذا، لم يعجز من إبراز الحجة من الكتاب ~~والسنة، ولم يتلعثم في بيان ذلك. # وعلى مثل هذا الحمل يحمل ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: " اقتدوا ~~باللذين من بعدي؛ أبي بكر PageV02P188 # وعمر" 1 وما صح عنه من قوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين الهادين" 2. # فاعرف هذا، واحرص عليه، فإن الله لم يجعل إليك وإلى سائر هذه الأمة رسولا ~~إلا محمدا صلى الله عليه وسلم، ولم يأمرك باتباع غيره، ولا شرع لك على لسان ~~سواه من أمته حرفا واحدا ولا جعل شيئا من الحجة عليك في قول غيره، كائنا من ~~كان. PageV02P189 ### | الفائدة الثانية: الأخذ بأقل ما قيل # فإنه أثبته الشافعي، والقاضي أبو بكر الباقلاني، قال القاضي عبد الوهاب: ~~وحكى بعض الأصوليين إجماع أهل النظر عليه. # قال ابن السمعاني: وحقيقته أن يختلف المختلفون في أمر على أقاويل، فيأخذ ~~بأقلها إذا لم يدل على الزيادة دليل. # قال القفال الشاشي: هو أن يرد الفعل عن النبي صلى الله عليه وسلم مبنيا ~~لمجمل، ويحتاج إلى تحديده، فيصار إلى اقل ما يوجد، كما قال الشافعي في أقل ~~الجزية إنه دينار1. # وقال ابن القطان: هو أن يختلف الصحابة في تقدير، فيذهب بعضهم إلى مائة ~~مثلا، وبعضهم إلى خمسين، فإن كان ثم دلالة تعضد أحد القولين صير إليها، وإن ~~لم يكن دلالة، فقد اختلف فيه أصحابنا، فمنهم من قال يأخذ بأقل ما قيل. # ويقول: إن هذا مذهب الشافعي؛ لأنه قال: إن دية اليهودي الثلث، وحكى ~~اختلاف الصحابة فيه، وأن بعضهم قال بالمساواة، وبعضهم قال بالثلث فكان هذا ~~أقلها. # وقسم ابن السمعاني المسألة إلى قسمين: # أحدهما: # أن ms455 يكون ذلك فيما أصله البراءة، فإن كان الاختلاف في وجوب الحق وسقوطه ~~كان سقوطه أولى، لموافقة براءة الذمة، ما لم يقم دليل الوجوب، وإن كان ~~الاختلاف في قدره بعد الاتفاق على وجوبه، كدية الذمي إذا وجبت على قاتله، ~~فهل يكون الأخذ بأقله دليلا؟ اختلف أصحاب الشافعي فيه. # القسم الثاني: # أن يكون مما هو ثابت في الذمة، كالجمعة الثابت فرضها مع اختلاف العلماء ~~في عدد انعقادها، فلا يكون الأخذ بالأقل دليلا لارتهان الذمة بها، فلا تبرأ ~~الذمة بالشك. # وهل يكون الأخذ بالأكثر دليلا؟ فيه وجهان. PageV02P189 # أحدهما: # أن يكون دليلا، ولا ينتقل عنه إلا بدليل؛ لأن الذمة تبرأ بالأكثر إجماعا، ~~وفي الأقل خلاف، فلذلك جعلها الشافعي تنعقد بأربعين؛ لأن هذا العدد أكثر ما ~~قيل. # الثاني: # لا يكون دليلا؛ لأنه لا ينعقد من الخلاف دليل. انتهى1. # والحاصل: أنهم جعلوا الأخذ بأقل ما قيل متركبا من الإجماع والبراءة ~~الأصلية، وقد أنكر جماعة الأخذ بأقل ما قيل. # قال ابن حزم: وإنما يصح إذا أمكن ضبط أقوال جميع أهل الإسلام، ولا سبيل ~~إليه، وحكى قولا بأنه يؤخذ بأكثر ما قيل، ليخرج عهدة التكليف بيقين. # ولا يخفاك أن الاختلاف في التقدير بالقليل والكثير إن كان باعتبار الأدلة ~~ففرض المجتهد "أن يأخذ"* بما صح له منها، مع الجمع بينهما إن أمكن، أو ~~الترجيح إن لم يمكن، وقد تقرر أن الزيادة الخارجة من مخرج صحيح، الواقعة ~~غير منافية للمزيد مقبولة، يتعين الأخذ بها، والمصير إلى مدلولها، وإن كان ~~الاختلاف في التقدير باعتبار المذاهب، فلا اعتبار عند "المجتهد"** بمذاهب ~~الناس، بل هو متعبد باجتهاده، وما يؤدي إليه نظره، من الأخذ بالأقل، أو ~~بالأكثر، أو بالوسط. # وأما المقلد فليس له من الأمر شيء، بل هو أسير إمامه في جميع "مسائل"** ~~دينه، وليته لم يفعل، وقد أوضحنا الكلام في التقليد في المؤلف الذي سميناه ~~"أدب الطلب"2، وفي الرسالة المسماة "القول المفيد في حكم التقليد"3. # وكما وقع الخلاف في مسألة الأخذ بأقل ما قيل، كذلك وقع الخلاف في الأخذ ~~بأخف ما قيل، وقد ms456 صار بعضهم إلى ذلك، لقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر} 4 وقوله: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} 5 وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: "بعثت بالحنيفية السمحة PageV02P190 # السهلة" 1 وقوله: "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا" 2 وبعضهم صار إلى ~~الأخذ بالأشق، ولا معنى للخلاف في مثل هذا؛ لأن الدين كله يسر، والشريعة ~~جميعها سمحة سهلة. # والذي يجب الأخذ به ويتعين العمل عليه هو ما صح دليله، فإن تعارضت الأدلة ~~لم يصلح أن يكون الأخف مما دلت عليه، أو الأشق مرجحا، بل يجب المصير إلى ~~المرجحات المعتبرة. PageV02P191 ### | الفائدة الثالثة: النافي للحكم هل يلزمه الدليل؟ # لا خلاف أن المثبت للحكم يحتاج إلى إقامة الدليل عليه. # وأما النافي له، فاختلفوا في ذلك على مذاهب: # الأول: # أنه يحتاج إلى إقامة الدليل على النفي. # نقله الأستاذ أبو منصور عن طوائف أهل الحق، ونقله ابن القطان عن أكثر ~~أصحاب الشافعي، وجزم به القفال، والصيرفي. # وقال الماوردي: إنه مذهب الشافعي، وجمهور الفقهاء والمتكلمين. # وقال القاضي في "التقريب": إنه الصحيح، وبه قال الجمهور، قالوا: لأنه ~~مدع، والبينة على المدعي، ولقوله تعالى: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ~~ولما يأتهم تأويله} 1 فذمهم على نفي ما لم يعلموه مبينا، ولقوله تعالى: {قل ~~هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} 2 في جواب قولهم: {لن يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا أو نصارى} 3، ولا يخافك أن الاستدلال بهذه الأدلة واقع في غير موضعه، ~~فإن النافي غير مدع، بل قائم مقام المنع، متمسك بالبراءة الأصلية، ولا هو ~~مكذب بما لم يحط بعلمه، بل واقف حتى يأتيه الدليل، وتضطره الحجة إلى العمل. ~~PageV02P191 # وأما قوله تعالى: {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} فهو نصب للدليل في ~~غير موضعه، فإنه إنما طلب منهم البرهان لادعائهم أنه لن يدخل الجنة إلا من ~~كان هودا أو نصارى. # المذهب الثاني: # أنه لا يحتاج إلى إقامة دليل، وإليه ذهب أهل الظاهر، إلا ابن حزم، فإنه ~~رجح المذهب الأول.. # قالوا: لأن الأصل في الأشياء النفي ms457 والعدم، فمن نفى الحكم فله أن يكتفي ~~بالاستصحاب، وهذا المذهب قوي جدا. # فإن النافي عهدته أن يطلب الحجة من المثبت حتى يصير إليها، ويكفيه في عدم ~~إيجاب الدليل عليه التمسك بالبراءة الأصلية، فإنه لا ينقل عنها إلا دليل ~~يصلح للنقل. # المذهب الثالث: # أنه يحتاج إلى إقامة الدليل في النفي العقلي، دون الشرعي، حكاه القاضي في ~~"التقريب"، وابن فورك: # المذهب الرابع: # أنه يحتاج إلى إقامة الدليل في غير الضروري، بخلاف الضروري، وهذا اختاره ~~الغزالي، ولا وجه له، فإن الضروري يستغنى بكونه ضروريا، ولا يخالف فيه ~~مخالف إلا على جهة الغلط، أو اعتراض الشبهة، ويرتفع عنه ذلك ببيان ضروريته، ~~وليس النزاع إلا في غير الضروري. # المذهب الخامس: # أن النافي إن كن شاكا فنفيه لم يحتج إلى دليل، وإن كان نافيا له عن معرفة ~~احتاج إلى ذلك إن كانت تلك المعرفة استدلالية لا إن كانت ضرورية، فلا نزاع ~~في الضروريات. كذا قال القاضي عبد الوهاب في الملخص ولا وجه له، فإن النافي ~~عن معرفة يكفيه "تكليف"* المثبت بإقامة الدليل، حتى يعمل به، أو يرده؛ لأنه ~~هو الذي جاء بحكم يدعي أنه واجب عليه، وعلى خصمه، وعلى غيرهما. # المذهب السادس: # أن النافي نفى العلم عن نفسه فقال: لا أعلم ثبوت هذا الحكم، فلا يلزمه ~~الدليل، وإن نفاه مطلقا احتاج إلى الدليل؛ لأن نفي الحكم حكم، كما أن ~~الإثبات حكم. # قال ابن برهان في "الأوسط": وهذا التفصيل هو الحق. انتهى1. # قلت: بل الحق هو ما قدمناه. # المذهب السابع: # أنه إن ادعى لنفسه علما بالنفي احتاج إلى الدليل، وإلا فلا. # هكذا ذكر هذا المذهب بعض أهل الجدل، واختاره المطرزي، وهو قريب من المذهب ~~الخامس. PageV02P192 # المذهب الثامن: # أنه إذا قال لم أجد فيه دليلا بعد الفحص عنه، وكان من أهل الاجتهاد لم ~~يحتج إلى دليل، وإلا احتاج، هكذا قال ابن فورك. # المذهب التاسع: # أنه حجة دافعة لا موجبة، حكاه أبو زيد. # ولا وجه له، فإن النفي ليس بحجة موجبة على جميع الأقوال، وإنما النزاع في ~~كونه يحتاج ms458 إلى الاستدلال على النفي، فيطالب به مطالبة مقبولة في المناظرة ~~أم لا! # واختلفوا إذا قال العالم: بحثت وفحصت فلم أجد دليلا، هل يقبل منه ذلك، ~~ويكون عدم الوجدان دليلا له، فقال البيضاوي، يقبل؛ لأنه يغلب ظن عدمه. # وقال ابن برهان في "الأوسط": إن صدر هذا عن المجتهد في باب الاجتهاد ~~والفتوى قبل منه، ولا يقبل منه في المناظرة؛ لأن قوله: "بحثت فلم أظفر" ~~يصلح أن يكون عذرا فيما بينه وبين الله، أما انتهاضه في حق خصمه فلا. # PageV02P193 ### | الفائدة الرابعة: سد الذرائع # الذريعة: هي المسألة التي ظاهرها الإباحة، ويتوصل بها إلى فعل المحظور. # قال الباجي: ذهب مالك إلى المنع من الذرائع. # وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا يجوز منعها. # استدل المانع بمثل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} ~~1وقوله: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} 2 وما صح عنه صلى الله ~~عليه وسلم من قوله: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها ~~وأكلوا أثمانها" 3. # وقوله صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" 4. PageV02P193 # وقوله: "الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، والمؤمنون ~~وقافون عند الشبهات" 1. # وقوله صلى الله عليه وسلم: "من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه" 2. # قال القرطبي: سد الذرائع ذهب إليه مالك وأصحابه، وخالفه أكثر الناس ~~تأصيلا، وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلا، ثم قرر موضع الخلاف فقال: اعلم ~~أن ما يفضي إلى الوقوع" في المحظور إما أن يلزم منه الوقوع"* قطعا أو لا؟ ~~الأول ليس من هذا الباب، بل من باب ما لا خلاص من الحرام إلا باجتنابه، ~~ففعله حرام من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. # والذي لا يلزم، إما أن يفضي إلى المحظور غالبا، أو ينفك عنه غالبا، أو ~~يتساوى الأمران، وهو المسمى بالذرائع عندنا، فالأول لا بد من مراعاته، ~~والثاني والثالث اختلف الأصحاب فيه، فمنهم من يراعيه، "ومنهم من لا ~~يراعيه"**، وربما يسميه التهمة البعيدة، والذرائع الضعيفة. # قال القرافي: مالك لم ينفرد بذلك، بل كل ms459 أحد يقول بها، ولا خصوصية ~~للمالكية بها، إلا من حيث زيادتهم فيها. # قال: فإن من الذرائع ما هو معتبر بالإجماع، كالمنع من حفر الآبار في طريق ~~المسلمين، وإلقاء السم في طعامهم، وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب ~~الله. # ومنها ما هو ملغى إجماعا، كزراعة العنب، فإنها لا تمنع خشية الخمر، وإن ~~كانت وسيلة إلى المحرم. PageV02P194 # ومنها ما هو مختلف فيه، كبيوع الآجال، فنحن "نعتبر"* الذريعة فيها، ~~وخالفنا غيرنا في أصل القضية، أنا قلنا بسد الذرائع أكثر من غيرنا، لا أنها ~~خاصة بنا. # قال: وبهذا تعمل بطلان استدلال أصحابنا على الشافعية في هذه المسألة ~~بقوله تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله} 1، وقوله ~~{ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت} 2 فقد ذمهم بكونهم تذرعوا للصيد ~~يوم السبت المحرم عليهم، لحبس الصيد يوم الجمعة. # وقوله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم" 3 ~~الحديث. وبالإجماع على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين ~~للذريعة إلى الربا، وبقوله صلى الله عليه وسلم**: "لا تقبل شهادة خضم و ~~[لا] ظنين"4 خشية الشهادة بالباطل، ومنع شهادة الآباء للأبناء. # قال: وإنما قلنا إن هذه الأدلة لا تفيد في محل النزاع لأنها تدل على ~~اعتبار الشرع سد الذرائع في الجملة، وهذا أمر مجمع عليه، وإنما النزاع في ~~ذريعة خاصة، وهو بيوع الآجال ونحوها، فينبغي أن يذكروا أدلة خاصة بمحل ~~النزاع، وإن قصدوا القياس على هذه الذرائع المجمع عليها، فينبغي أن تكون ~~حجتهم القياس، وحينئذ فليذكروا الجامع، حتى يتعرض الخصم لدفعه بالفارق، وهم ~~لا يعتقدون أن دليلهم القياس. # قال: بل من أدل محل النزاع حديث زيد بن أرقم أن أمة قالت لعائشة: "إني ~~بعت منه عبدا بثمانمائة إلى العطاء واشتريته منه نقدا بستمائة. فقالت ~~عائشة: بئسما اشتريت، وأخبري زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب"5 # قال أبو الوليد ابن رشد: وهذه المبايعة كانت بين أم ولد زيد بن أرقم ms460 ~~ومولاها قبل العتق، فيخرج قول عائشة على تحريم الربا بين السيد وعبده. مع ~~القول بتحريم هذه الذرائع، ولعل زيدا لا يعتقد تحريم الربا بين السيد ~~وعبده. PageV02P195 # قال الزركشي: وأجاب أصحابنا عن ذلك بأن عائشة إنما قالت ذلك باجتهادها، ~~واجتهاد واحد من الصحابة لا يكون حجة على الآخر بالإجماع، ثم قولها معارض ~~بفعل زيد بن أرقم، ثم إنها إنما أنكرت ذلك لفساد التعيين، فإن الأول فاسد ~~لجهالة الأجل، فإن وقت العطاء غير معلوم، والثاني بناء على الأول فيكون ~~فاسدا. # قال ابن الرفعة: الذريعة ثلاثة أقسام: # أحدها: # ما يقطع بتوصيله إلى الحرام، فهو حرام عندنا وعندهم، يعني: عند الشافعية ~~والمالكية. # والثاني: # ما يقطع بأنه لا يوصل، ولكن اختلط بما يوصل، فكان من الاحتياط سد الباب، ~~وإلحاق الصورة النادرة، التي قطع بأنها لا توصل إلى الحرام بالغالب منها، ~~الموصل إليه، وهذا غلو في القول بسد الذرائع. # والثالث: # ما يحتمل ويحتمل، وفيه مراتب "متفاوتة"* ويختلف الترجيح عندهم بسبب ~~تفاوتها. # قال: ونحن نخالفهم "في جميعها"** إلا القسم الأول؛ لانضباطه وقيام الدليل ~~عليه. انتهى. # ومن أحسن ما يستدل به على هذا الباب ما قدمنا ذكره من قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "ألا وإن حمى الله معاصيه، فمن حام حول الحمى يوشك أن يواقعه" 1 وهو ~~حديث صحيح. # ويلحق به ما قدمنا ذكره من قوله صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلى ما ~~لا يريبك" 2 وهو حديث صحيح أيضا، وقوله صلى الله عليه وسلم: "الإثم ما حاك ~~في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس" 3 وهو حديث حسن، وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "استفت قلبك وإن أفتاك المفتون" 4 وهو حديث حسن أيضا. PageV02P196 ### | الفائدة الخامسة: دلالة الاقتران # وقد قال بها جماعة من أهل العلم، فمن الحنفية أبو يوسف، ومن الشافعية ~~المزني، وابن أبي هريرة، وحكى ذلك الباجي عن بعض المالكية، قال: ورأيت ابن ~~نصر1 يستعملها كثيرا. # ومن ذلك استدلال مالك على سقوط الزكاة في الخيل بقوله تعالى: {والخيل ~~والبغال والحمير لتركبوها وزينة} 2 قال: فقرن ms461 بين الخيل والبغال والحمير، ~~والبغال والحمير لا زكاة فيها إجماعا، فكذلك الخيل. # وأنكر دلالة الاقتران الجمهور فقالوا: إن الاقتران في النظم لا يستلزم ~~الاقتران في الحكم. # واحتج المثبتون "لها"* بأن العطف يقتضي المشاركة. # وأجاب الجمهور: بأن الشركة إنما تكن في المتعاطفات الناقصة، المحتاجة إلى ~~ما تتم به، فإذا تمت بنفسها فلا مشاركة، كما في قوله تعالى: {محمد رسول ~~الله والذين معه أشداء على الكفار} 3 فإن الجملة الثانية معطوفة على ~~الأولى، ولا تشاركها في الرسالة، ونحو ذلك كثير من الكتاب والسنة، والأصل ~~في كل كلام تام أن ينفرد بحكمه، ولا يشاركه غيره فيه، فمن ادعى خلاف هذا في ~~بعض المواضع فلدليل خارجي، ولا نزاع فيما كان كذلك، ولكن الدلالة فيه ليست ~~للاقتران، بل للدليل الخارجي، أما إذا كان المعطوف ناقصا، بأن لا يذكر ~~خبره، كقول القائل: فلانة طالق وفلانة، فلا خلاف في المشاركة، ومثله عطفت ~~المفردات، وإذا كان بينهما مشاركة في العلة، فالتشارك في الحكم إنما كان ~~لأجلها، لا لأجل الاقتران. PageV02P197 # وقد احتج الشافعي على وجوب العمرة بقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة ~~لله} 1. # قال البيهقي: قال الشافعي: الوجوب أشبه بظاهر القرآن؛ لأنه قرنها بالحج. ~~انتهى. # قال القاضي أبو الطيب: قول ابن عباس: إنها لقرينتها، إنما أراد أنها ~~قرينة الحج في الأمر وهو قوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} ، والأمر يقتضي ~~الوجوب، فكان احتجاجه بالأمر دون الاقتران. # وقال الصيرفي في "شرح الرسالة"2: في حديث أبي سعيد: "غسل الجمعة على كل ~~محتلم، والسواك، وأن يمس الطيب"3 "فيه"* دلالة على أن الغسل غير واجب؛ لأنه ~~قرنه بالسواك، والطيب، وهما غير واجبين بالاتفاق. # والمروي عن الحنفية، كما حكاه الزركشي عنهم في "البحر" أنها إذا عطفت ~~جملة على جملة، فإن كانتا تامتين كانت المشاركة في أصل الحكم، لا في جميع ~~صفاته، "وقد"** لا تقتضي المشاركة أصلا، وهي التي تسمى واو الاستئناف كقوله ~~تعالى: {فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل} 4 فإن قوله: {ويمح ~~الله الباطل} جملة مستأنفة، لا تعلق لها بما قبلها، ولا ms462 هي داخل في جواب ~~الشرط. # وإن كانت الثانية ناقصة شاركت الأولى في جميع ما هي عليه، قال: وعلى هذا ~~بنوا بحثهم المشهور في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقتل مسلم بكافر" 5 ~~وقد سبق الكلام فيه. PageV02P198 ### | الفائدة السادسة: دلالة الإلهام # ذكرها بعض الصوفية، وحكى الماوردي والروياني، في "باب"* القضاء في حجية ~~الإلهام خلافا وفرعا عليه أن الإجماع هل يجوز انعقاده لا عن دليل "فإن ~~قلنا: يصح جعله دليلا شرعيا جوزنا الانعقاد لا عن دليل"**، وإلا فلا. # قال الزركشي في "البحر": وقد اختار جماعة من المتأخرين اعتماد الإلهام، ~~منهم في "تفسيره" في أدلة القبلة، وابن الصلاح في "فتاويه"1، فقال: إلهام ~~خاطر الحق من الحق. قال: ومن علامته أن ينشرح له الصدر، ولا يعارضه معارض ~~"من خاطر آخر"***. # قال أبو علي التميمي في كتاب "التذكرة في أصول الدين"2: ذهب بعض الصوفية ~~إلى أن المعارف تقع اضطرارا للعباد على سبيل الإلهام، بحكم وعد الله سبحانه ~~وتعالى، بشرط التقوى، واحتج بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا ~~الله يجعل لكم فرقانا} 3 أي: ما تفرقون به بين الحق والباطل، وقوله تعالى: ~~{ومن يتق الله يجعل له مخرجا} 4 أي: عن كل ما يلتبس على غيره وجه الحكم فيه ~~وقوله تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله} 5. # فهذه العلوم الدينية تحصل للعباد إذا زكت أنفسهم، وسلمت قلوبهم لله ~~تعالى، بترك المنهيات وامتثال المأمورات؛ "إذ"**** وخبره صدق ووعده حق. # واحتج شهاب الدين السهروردي6 على الإلهام بقوله تعالى: PageV02P199 # {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} 1 وبقوله: {وأوحى ربك إلى النحل} 2 فهذا ~~الوحي هو مجرد الإلهام. # ثم إن من "الإلهام"* علوما تحدث في النفوس الزكية المطمئنة، قال صلى الله ~~عليه وسلم: # "إن من أمتي المحدثين والمكلمين *، وإن عمر لمنهم" 3 وقال تعالى: {ونفس ~~وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها} 4 فأخبر أن النفوس ملهمة. # قلت: وهذا الحديث الذي ذكره هو ثابت في الصحيح بمعناه، قال ابن وهب5 في ~~تفسير الحديث: أي: ملهمون، ولهذا قال صاحب "نهاية الغريب"6: جاء ms463 في الحديث ~~تفسيره أنهم الملهمون، والملهم: هو الذي يلقى في نفسه الشيء، فيخبر به حدسا ~~وفراسة، وهو نوع يخص به الله من يشاء من عباده، كأنهم حدثوا بشيء فقالوه. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "استفت قلبك، وإن أفتاك الناس" 7 فذلك في ~~الواقعة التي تتعارض فيها الأدلة. PageV02P200 # قال الغزالي: واستفتاء القلب إنما هو حيث أباح المفتي، أما حيث حرم فيجب ~~الامتناع، ثم لا نقول على كل قلب، فرب قلب موسوس ينفي كل شيء، ورب قلب ~~متساهل يطير إلى كل شيء، فلا اعتبار بهذين القلبين، وإنما الاعتبار بقلب ~~العالم الموفق لدقائق الأحوال، فهو المحك الذي يمتحن به حقائق الأمور، وما ~~أعز هذا القلب. # قال البيهقي في "شعب الإيمان"1: هذا محمول على أنه يعرف في منامه من عالم ~~الغيب ما عسى يحتاج إليه، أو يحدث على لسان ملك بشيء من ذلك كما ورد في بعض ~~طرق الحديث بلفظ: "وكيف يحدث؟ قال: يتكلم الملك على لسانه"2. # وقد روي عن إبراهيم بن سعد 3 أنه قال في هذا الحديث يعني: يلقي في روعه. # قال القفال: لو تثبت العلوم بالإلهام لم "يكن"* للنظر معنى، ونسأل القائل ~~بهذا عن دليله، فإن احتج بغير الإلهام "فقد** ناقض قوله. انتهى. # ويجاب عن هذا الكلام: بأن مدعي الإلهام لا يحصر الأدلة في الإلهام، حتى ~~يكون استدلاله بغير الإلهام مناقضا لقوله، نعم إن استدل على إثبات الإلهام ~~بالإلهام، كان في ذلك مصادرة على المطلوب؛ لأنه استدل على محل النزاع بمحل ~~النزاع. # ثم على تقدير الاستدلال لثبوت الإلهام بمثل ما تقدم من الأدلة، من أين ~~لنا أن دعوى هذا الفرد لحصول الإلهام له صحيحة، وما الدليل على أن قلبه من ~~القلوب التي ليست بموسوسة ولا بمتساهلة. PageV02P201 # "الفائدة"* السابعة: في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم # ذكر جماعة من أهل العلم منهم الأستاذ أبو إسحاق: أنه يكون حجة ويلزم ~~العمل به. # وقيل: لا يكون حجة، لا يثبت به حكم شرعي، وإن كانت رؤية النبي صلى الله ~~عليه وسلم حق، والشيطان لا ms464 يتمثل به لكن النائم ليس من أهل التحمل للرواية، ~~لعدم حفظه. # وقيل: إنه يعمل به، ما لم يخالف شرعا ثابتا. # ولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا صلى الله عليه ~~وسلم قد كمله الله عز وجل، وقال: {اليوم أكملت لكم دينكم} 1، ولم يأتنا ~~دليل يدل على أن رؤيته في النوم بعد موته صلى الله عليه وسلم، إذا قال فيها ~~بقول، أو فعل فيها فعلا يكون دليلا وحجة، بل قد قبضه الله إليه بعد أن كمل ~~لهذه الأمة ما شرعه لها على لسانه، ولم يبق بعد ذلك حاجة للأمة في أمر ~~دينها، وقد انقطعت البعثة لتبليغ الشرائع، وتبيينها بالموت، وإن كان رسولا ~~حيا وميتا، وبهذا تعلم أن لو قدرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله صلى ~~الله عليه وسلم وفعله حجة عليه، ولا على غيره من الأمة. PageV02P202 ### | المقصد السادس: من مقاصد هذا الكتاب في الاجتهاد والتقليد ### | الفصل الأول: في الإجتهاد ### | المسألة الأولى: في حد الاجتهاد ### | مدخل # ... # المقصد السادس: في الاجتهاد والتقليد # أما الفصل الأول: في الاجتهاد # ففيه تسع مسائل: # المسألة الأولى: في حد الاجتهاد # وهو في اللغة مأخوذ من الجهد، وهو المشقة والطاقة، فيختص بما فيه مشقة، ~~ليخرج عنه ما لا مشقة فيه. # قال "في المحصول": وهو في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع، في أي فعل كان. # يقال: استفرع وسعه في حمل الثقيل، ولا يقال: استفرغ وسعه في حمل النواة. # وأما في عرف الفقهاء: فهو استفراغ الوسع في النظر فيما لا يلحقه فيه لوم، ~~مع استفراغ الوسع فيه، و"هذا"* سبيل مسائل الفروع، و"لذلك"** تسمى هذه ~~المسائل مسائل الاجتهاد، والناظر فيها مجتهدا، وليس هكذا حال الأصول. ~~انتهى. # وقيل: هو في الاصطلاح: بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي، بطريق الاستنباط. # فقولنا: بذل الوسع يخرج ما يحصل مع التقصير، فإن معنى بذل الوسع: أن يحس ~~من نفسه العجز عن مزيد طلب. # ويخرج بالشرعي اللغوي، والعقلي، والحسي، فلا يسمى من بذل وسعه في تحصيلها ~~مجتهدا اصطلاحا، وكذلك بذل ms465 الوسع في تحصيل الحكم العلمي، فإنه لا يسمى ~~اجتهادا عند الفقهاء، وإن كان يسمى اجتهادا عند المتكلمين1. # ويخرج بطريق الاستنباط نيل الأحكام من النصوص ظاهرا، أو حفظ المسائل، أو ~~استعلامها من المفتي، أو بالكشف عنها في كتب العلم، فإن ذلك وإن كان يصدق ~~عليه الاجتهاد اللغوي، فإنه لا يصدق عليه الاجتهاد الاصطلاحي. PageV02P205 # وقد زاد بعض الأصوليين في هذا الحد لفظ الفقيه فقال: بذل الفقيه الوسع ~~ولا بد من ذلك، فإن بذل غير الفقيه وسعه لا يسمى اجتهادا اصطلاحا. # ومنهم من قال: هو استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي فزاد قيد ~~الظن؛ لأنه لا اجتهاد في القطعيات. # ومنهم من قال: هو طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه. # قال ابن السمعاني: وهو أليق بكلام الفقهاء. # وقال أبو بكر الرازي: الاجتهاد يقع على ثلاثة معان: # أحدها: # القياس الشرعي؛ لأن العلة لما لم تكن موجبة للحكم، لجواز وجودها خالية ~~عنه، لم يوجب ذلك العلم بالمطلوب، فلذلك كان طريقة الاجتهاد. # والثاني: # ما يغلب في الظن من غير علة، كالاجتهاد في الوقت، والقبلة، والتقويم. # والثالث: # الاستدلال بالأصول. # وقال الآمدي: هو في الاصطلاح: استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام ~~الشرعية، على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه، وبهذا القيد خرج ~~اجتهاد المقصر، فإنه لا يعد في الاصطلاح اجتهادا معتبرا. # PageV02P206 ### | الشروط الواجب توفرها في المجتهد # إذا عرفت هذا، فالمجتهد: هو الفقيه المستفرغ لوسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي، ~~ولا بد أن يكون بالغا عاقلا، قد ثبت له ملكة يقتدر بها على استخراج الأحكام ~~من مآخذها، وإنما يتمكن من ذلك بشروط. # الأول: # أن يكون عالما بنصوص الكتاب والسنة، فإن قصر في أحدهما لم يكن مجتهدا، ~~ولا يجوز له الاجتهاد، ولا يشترط معرفته بجميع الكتاب والسنة، بل ما يتعلق ~~منهما بالأحكام. # قال الغزالي، وابن العربي: والذي في الكتاب العزيز من ذلك قدر خمسمائة ~~آية، ودعوى الانحصار في هذا المقدار إنما هو باعتبار الظاهر، للقطع بأن في ~~الكتاب العزيز من الآيات التي تستخرج منها الأحكام الشرعية أضعاف أضعاف ms466 ~~ذلك، بل من له فهم صحيح، وتدبر كامل، يستخرج الأحكام من الآيات الواردة ~~لمجرد القصص والأمثال. # قيل: ولعلهم قصدوا بذلك الآيات الدالة على الأحكام دلالة أولية بالذات، ~~لا بطريق التضمن والالتزام. # وقد حكى الماوردي عن بعض أهل العلم أن اقتصار المقتصرين على العدد ~~المذكور إنما هو # PageV02P206 # لأنهم رأوا مقاتل بن سليمان1 أفرد آيات الأحكام في تصنيف وجعلها خمسمائة ~~آية. # قال الأستاذ أبو منصور: يشترط معرفة ما يتعلق بحكم الشرع، ولا يشترط ~~معرفة ما فيها من القصص والمواعظ. # واختلفوا في القدر الذي يكفي المجتهد من السنة، فقيل: خمسمائة حديث، وهذا ~~من أعجب ما يقال، فإن الأحاديث التي تؤخذ منها الأحكام الشرعية ألوف مؤلفة. # وقال ابن العربي في "المحصول": هي ثلاثة آلاف. # وقال أبو علي الضرير: قلت لأحمد بن حنبل: كم يكفي الرجل من الحديث حتى ~~يمكنه أن يفتي: يكفيه مائة ألف؟ قال: لا. قلت: "مائتا ألف؟ قال: لا. قلت"* ~~ثلاثمائة ألف؟ قال: لا. قلت: أربعمائة ألف؟ قال: لا. قلت: خمسمائة ألف؟ ~~قال: أرجو. # قال بعض أصحابه: هذا محمول على الاحتياط، والتغليظ في الفتيا، أو يكون ~~أراد وصف أكمل الفقهاء، فأما ما لا بد منه، فقد قال أحمد رحمه الله: الأصول ~~التي يدور عليها العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تكون ألفا ~~ومائتين. # قال أبو بكر الرازي: لا يشترط استحضار جميع ما ورد في ذلك الباب؛ إذ لا ~~يمكن الإحاطة به، ولو تصور لما حضر في ذهنه عند الاجتهاد جميع ما روي. # وقال الغزالي، وجماعة من الأصوليين: يكفيه أن يكون عنده أصل يجمع أحاديث ~~الأحكام، كسنن أبي داود2، ومعرفة السنن للبيهقي3، أو أصل وقعت العناية فيه ~~بجميع أحاديث الأحكام، ويكتفى فيه بمواقع كل باب، فيراجعه وقت الحاجة، ~~وتبعه على ذلك الرافعي، ونازعه النووي وقال: لا يصح التمثيل بسنن أبي داود، ~~فإنها لم تستوعب الصحيح من أحاديث الأحكام، PageV02P207 # ولا معظمها، وكم في صحيح البخاري ومسلم من حديث حكمي ليس في سنن أبي ~~داود، وكذا قال ابن دقيق العيد في "شرح ms467 العنوان": التمثيل بسنن أبي داود ~~ليس بجيد عندنا، لوجهين: # الأول: # أنها لا تحوي السنن المحتاج إليها. # الثاني: # أن في بعضها ما لا يحتج به في الأحكام. انتهى. # ولا يخفاك أن كلام أهل العلم في هذا الباب بعضه من قبيل الإفراط، وبعضه ~~من قبيل التفريط. # والحق الذي لا شك فيه ولا شبهة أن المجتهد لا بد أن يكون عالما بما ~~اشتملت عليه مجاميع السنة التي صنفها أهل الفن، كالأمهات الست1 وما يلتحق ~~بها: مشرفا على ما اشتملت عليه المسانيد2، والمستخرجات3، والكتب التي التزم ~~مصنفوها الصحة، ولا يشترط في هذا أن تكون محفوظة له، مستحضرة في ذهنه، بل ~~أن يكون ممن يتمكن من استخراجها من مواضعها، بالبحث عنها عند الحاجة إلى ~~ذلك، وأن يكون ممن له تمييز بين الصحيح منها، والحسن، والضعيف، بحيث يعرف ~~حال رجال الإسناد معرفة يتمكن بها من الحكم على الحديث بأحد الأوصاف ~~المذكورة، وليس من شرط ذلك أن يكون حافظا لحال الرجال عن ظهر قلب، بل ~~المعتبر أن يتمكن بالبحث في كتب الجرح والتعديل من معرفة حال الرجال، مع ~~كونه ممن له معرفة تامة بما يوجب الجرح، وما لا يوجبه من الأسباب، وما هو ~~مقبول منها، وما هو مردود، وما هو قادح من العلل، وما هو غير قادح. # الشرط الثاني: أن يكون عارفا بمسائل الإجماع، حتى لا يفتي بخلاف ما وقع ~~الإجماع عليه، إن كان ممن يقول بحجية الإجماع ويرى أنه دليل شرعي، وقل أن ~~يلتبس على من بلغ رتبة الاجتهاد ما وقع عليه الإجماع من المسائل. # الشرط الثالث: # أن يكون عالما بلسان العرب، بحيث يمكنه تفسير ما ورد في الكتاب والسنة من ~~الغريب ونحوه، ولا يشترط أن يكون حافظا لها عن ظهر قلب، بل المعتبر أن يكون ~~متمكنا PageV02P208 # من استخراجها من مؤلفات الأئمة المشتغلين بذلك، وقد قربوها أحسن تقريب، ~~وهذبوها أبلغ تهذيب، ورتبوها على حروف المعجم ترتيبا لا يصعب الكشف عنه، ~~ولا يبعد الاطلاع عليه، وإنما يتمكن من معرفة معانيها، وخواص تراكيبها، وما ~~اشتملت عليه من لطائف ms468 المزايا من كان عالما بعلم النحو، والصرف، والمعاني، ~~والبيان، حتى يثبت له في كل فن من هذه "الفنون"* ملكة، يستحضر بها كل ما ~~يحتاج إليه عند وروده عليه، فإنه ذلك ينظر في الدليل نظرا صحيحا، ويستخرج ~~منه الأحكام استخراجا قويا. # ومن جعل المقدار المحتاج إليه من هذه الفنون هو معرفة "مختصر من"** ~~ختصراتها، أو كتاب متوسط من المؤلفات الموضوعة فيها، فقد أبعد، بل ~~الاستكثار من الممارسة لها، والتوسع في الاطلاع على مطولاتها مما يزيد ~~المجتهد قوة في البحث، وبصرا في الاستخراج، وبصيرة في حصول مطلوبه. # والحاصل: أنه لا بد أن تثبت له الملكة القوية في هذه العلوم، وإنما تثبت ~~هذه الملكة بطول الممارسة، وكثرة الملازمة لشيوخ هذا الفن. # قال الإمام الشافعي: يجب على كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما يبلغه ~~جهده في أداء فرضه. # قال الماوردي: ومعرفة لسان العرب فرض على كل مسلم من مجتهد1 وغيره. # الشرط الرابع: # أن يكون عالما بعلم أصول الفقه، لاشتماله على "ما تمس"*** حاجة إليه، ~~وعليه أن يطول الباع فيه، ويطلع على مختصراته، ومطولاته، بما تبلغ ~~"إليه"****طاقته، فإن هذا العلم هو عماد فسطاط الاجتهاد، وأساسه الذي تقوم ~~عليه أركان بنائه، وعليه أيضا أن ينظر في كل مسألة من مسائله نظرا يوصله ~~إلى ما هو الحق فيها، فإنه إذا فعل ذاك تمكن من رد الفروع إلى أصولها، ~~بأيسر علم، وإذا قصر في هذا الفن صعب عليه الرد، وخبط فيه وخلط. # قال الفخر الرازي في "المحصول"؛ وما أحسن ما قال: إن أهم العلوم للمجتهد ~~علم أصول الفقه. انتهى. PageV02P209 # قال الغزالي: إن أعظم علوم الاجتهاد يشتمل على ثلاثة فنون: الحديث، ~~واللغة، وأصول الفقه. # الشرط الخامس: # أن يكون عارفا بالناسخ والمنسوخ، بحيث لا يخفى عليه شيء من ذلك، مخافة أن ~~يقع في الحكم بالمنسوخ1. # وقد اختلفوا في اشتراط العلم بالدليل العقلي، فشرطه جماعة منهم الغزالي، ~~والفخر الرازي، ولم يشترطه الآخرون، وهو الحق؛ لأن الاجتهاد إنما يدور على ~~الأدلة الشرعية، لا على الأدلة العقلية، ومن جعل العقل حاكما ms469 فهو لا يجعل ~~ما حكم به داخلا في مسائل الاجتهاد. # واختلفوا أيضا في اشتراط علم أصول الدين، فمنهم من "اشتراط"* ذلك، وإليه ~~ذهب المعتزلة، ومنهم من لم يشترط ذلك، وإليه ذهب الجمهور. # ومنهم من فصل، فقال: يشترط العلم بالضروريات، كالعلم بوجود الرب سبحانه ~~وصفاته وما يستحقه والتصديق "بالرسول وما جاء به"**. # ولا يشترط علمه بدقائقه، وإليه ذهب الآمدي. # واختلفوا أيضا في اشتراط علم الفروع، فذهب جماعة منهم الأستاذ أبو إسحاق، ~~والأستاذ أبو منصور إلى اشتراطه، واختاره الغزالي وقال: إنما يحصل الاجتهاد ~~في زماننا بممارسته فهو طريق لتحصيل الدربة في هذا الزمان. # وذهب آخرون إلى عدم اشتراطه، قالوا: وإلا لزم الدور، وكيف يحتاج إليه، ~~وهو الذي يولدها، بعد حيازته لمنصب الاجتهاد. # وقد جعل قوم من جملة علوم الاجتهاد علم الجرح والتعديل، وهو كذلك، ولكنه ~~مندرج تحت العلم بالسنة، فإنه لا يتم العلم بها بدونه كما قدمنا2. # وجعل قوم من جملة علوم الاجتهاد معرفة القياس بشروطه وأركانه، قالوا: ~~لأنه مناط الاجتهاد وأصل الرأي، ومنه يتشعب الفقه، وهو كذلك، ولكنه مندرج ~~تحت علم أصول الفقه فإنه باب من أبوابه، وشعبة من شعبه. PageV02P210 ### | موضع الاجتهاد # وإذا عرفت معنى الاجتهاد، والمجتهد، فاعلم: أن المجتهد فيه، هو الحكم ~~الشرعي العملي1. # قال في "المحصول": المجتهد فيه: هو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قاطع، ~~واحترزنا بالشرعي عن العقليات، ومسائل الكلام. # وبقولنا: ليس فيه دليل قاطع عن وجوب الصلوات الخمس، والزكاة، وما اتفقت ~~عليه الأئمة من جليات الشرع. # قال أبو الحسين البصري: المسألة الاجتهادية هي التي اختلف فيها ~~المجتهدون، من الأحكام الشرعية، وهذا ضعيف؛ لأن جواز اختلاف المجتهدين ~~مشروط بكون المسألة اجتهادية، فلو عرفنا كونها اجتهادية باختلافهم فيها لزم ~~الدور. PageV02P211 ### | المسألة الثانية: هل يجوز خلو العصر عن المجتهدين أم لا؟ # فذهب جمع إلى أنه لا يجوز خلو الزمان عن مجتهد، قائم بحجج الله، يبين ~~للناس ما نزل إليهم. # قال بعضهم: ولا بد أن يكون في كل قطر من يقوم به الكفاية؛ لأن الاجتهاد ~~من فروض الكفايات. # قال ابن ms470 الصلاح: الذي رأيته في "كلام"* الأئمة يشعر بأنه لا يتأتى فرض ~~الكفاية بالمجتهد المقيد، قال: والظاهر أنه لا يتأتى في الفتوى. # وقال بعضهم: الاجتهاد في حق العلماء على ثلاثة أضرب: فرض عين، وفرض ~~كفاية، وندب. # فالأول: على حالين: # "أحدهما" **: اجتهاد في حق نفسه عند نزول الحادثة. # والثاني: اجتهد فيما تعين عليه الحكم فيه، فإن ضاق فرض الحادثة كان على ~~الفور، وإلا كان على التراخي. PageV02P211 # والثاني: على حالين: # أحدهما: إذا نزلت بالمستفتي حادثة، فاستفتى أحد العلماء، توجه الفرض على ~~جميعهم، وأخصهم بمعرفتها من خص بالسؤال عنها، فإن أجاب هو أو غيره سقط ~~الفرض، وإلا أثموا جميعا. # والثاني: أن يتردد الحكم بين قاضيين مشتركين في النظر، فيكون فرض ~~الاجتهاد مشتركا بينهما، فأيهما تفرد بالحكم فيه سقط فرضه عنها. # والثالث: على حالين: # أحدهما: فيما يجتهد فيه العالم من غير النوازل، يسبق إلى معرفة حكمه قبل ~~نزوله. # والثاني: أن يستفتيه قبل نزولها. انتهى. # ولا يخافك أن القول بكون الاجتهاد فرضا، يستلزم عدم خلو الزمان عن مجتهد، ~~ويدل على ذلك ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: "لا تزال طائفة من ~~أمتي على الحق ظاهرين حتى تقوم الساعة" 1. # وقد حكى الزركشي في "البحر" عن الأكثرين: أنه يجوز خلو العصر عن المجتهد، ~~وبه جزم صاحب "المحصول". # قال الرافعي: الخلق كالمتفقين على أنه لا مجتهد اليوم. # قال الزركشي: ولعله أخذه من كلام الإمام الرازي، أو من قول الغزالي في ~~"الوسيط"2: قد خلا العصر عن المجتهد المستقل. # قال الزركشي: ونقل الاتفاق عجيب، والمسألة خلافية بيننا وبين الحنابلة، ~~وساعدهم بعض أئمتنا. # والحق: أن الفقيه الفطن للقياس كالمجتهد في حق العامي، لا الناقل فقط. # وقالت الحنابلة: لا يجوز خلو العصر عن مجتهد، وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق، ~~والزبيري3، ونسبه أبو إسحاق إلى الفقهاء، قال ومعناه: أن الله تعالى لو ~~أخلى زمانا من قائم بحجة، زال. PageV02P212 # التكليف؛ إذ التكليف لا يثبت إلا بالحجة الظاهرة، وإذا زال التكليف بطلت ~~الشريعة. # قال الزبيري: لن تخلو الأرض من قائم لله بالحجة في ms471 كل وقت، ودهر وزمان، ~~وذلك قليل في كثير، فأما أن يكون غير موجود، كما قال الخصم، فليس بصواب؛ ~~لأنه لو عدم الفقهاء لم تقم الفرائض كلها، ولو عطلت الفرائض كلها لحلت ~~النقمة بالخلق، كما جاء في الخبر: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس "1 ~~ونحن نعوذ بالله أن نؤخر مع الأشرار. انتهى. # قال ابن دقيق العيد: هذا هو المختار عندنا، لكن إلى الحد الذي ينتقض به ~~القواعد، بسبب زوال الدنيا في آخر الزمان. # وقال في "شرح خطبة الإلمام": والأرض لا تخلو من قائم لله بالحجة، والأمة ~~الشريفة لا بد لها من سالك إلى الحق على وضاح الحجة، إلى أن يأتي أمر الله ~~في أشراط الساعة الكبرى. انتهى. # وما قاله الغزالي رحمه الله: من أنه قد خلا العصر عن المجتهد، قد سبقه ~~إلى القول به القفال، ولكنه ناقض ذلك فقال: إنه ليس بمقلد للشافعي، وإنما ~~وافق رأيه رأيه، كما "نقل"* ذلك عنه الزركشي2، وقال: قول هؤلاء القائلين ~~بخلو العصر عن المجتهد، مما يقضي منه العجب، فإنهم إن قالوا ذلك باعتبار ~~المعاصرين لهم، فقد عاصر القفال، والغزالي، والرازي، والرافعي، من الأئمة ~~القائمين بعلوم الاجتهاد على الوفاء والكمال جماعة منهم، ومن كان له إلمام ~~بعلم التاريخ، واطلاع على أحوال علماء الإسلام في كل عصر لا يخفى عليه مثل ~~هذا، بل قد جاء بعدهم من أهل العلم من جمع الله له من العلوم فوق ما ~~"اعتبره"** أهل العلم في الاجتهاد. # وإن قالوا ذلك لا بهذا الاعتبار، بل باعتبار أن الله عز وجل رفع ما تفضل ~~به على من قبل هؤلاء من هذه "الأمة"*** من كمال الفهم، وقوة الإدراك، ~~والاستعداد للمعارف، فهذه دعوى من أبطل الباطلات، بل هي جهالة من الجهالات. # وإن كان ذلك باعتبار تيسر العلم لمن قبل هؤلاء المنكرين، وصعوبته عليهم، ~~وعلى أهل عصورهم، فهذه أيضا دعوى باطلة، فإنه لا يخفى على من له أدنى فهم ~~أن الاجتهاد قد يسره الله. PageV02P213 # للمتأخرين تيسيرا لم يكن للسابقين؛ لأن التفاسير للكتاب العزيز قد دونت، ms472 ~~وصارت في الكثرة إلى حد لا يكن حصره، والسنة المطهرة قد دونت، وتكلم ~~"الأئمة"* على التفسير والترجيح، والتصحيح، والتجريح بما هو زيادة على ما ~~يحتاج إليه المجتهد، وقد كان السلف الصالح، ومن قبل هؤلاء المنكرين يرحل ~~للحديث الواحد من قطر إلى قطر، فالاجتهاد على المتأخرين أيسر وأسهل من ~~الاجتهاد على المتقدمين، ولا يخالف في هذا من له فهم صحيح، وعقل سوي. # وإذا أمعنت النظر وجدت هؤلاء المنكرين إنما أتوا من قبل أنفسهم، فإنهم ~~لما عكفوا على التقليد، واشتغلوا بغير علم الكتاب والسنة، حكموا على غيرهم ~~بما وقعوا فيه، "واستصعبوا"** ما سهله الله على من رزقه العلم والفهم، ~~وأفاض على قلب أنواع علوم الكتاب والسنة. # ولما كان هؤلاء الذين صرحوا بعدم وجود المجتهدين شافعية، فها نحن ~~"نوضح"*** لك من وجد من الشافعية بعد عصرهم، ممن لا يخالف مخالف في أنه جمع ~~أضعاف علوم الاجتهاد، فمنهم ابن عبد السلام، وتلميذه ابن دقيق العيد، ثم ~~تلميذه ابن سيد الناس1، ثم تلميذه زين الدين العراقي2، ثم تلميذه ابن حجر ~~العسقلاني3، ثم تلميذه السيوطي4؛ فهؤلاء ستة PageV02P214 # أعلام، كل واحد منهم تلميذ من قبله، قد بلغوا من المعارف العلمية ما ~~يعرفه من يعرف مصنفاتهم حق معرفتنا، وكل واحد منهم إمام كبير في الكتاب ~~والسنة، محيط بعلوم الاجتهاد إحاطة متضاعفة، عالم بعلوم خارجة عنها. # ثم في المعاصرين لهؤلاء كثير من المماثلين لهم، وجاء بعدهم من لا يقصر عن ~~بلوغ مراتبهم، والتعداد لبعضهم، فضلا عن كلهم يحتاج إلى بسط طويل. # وقد قال الزركشي في "البحر" ما لفظه: ولم يختلف اثنان في أن ابن عبد ~~السلام بلغ رتبة الاجتهاد، وكذلك ابن دقيق العيد. انتهى. # و"حكاية"* هذا الإجماع من هذا الشافعي يكفي في مقابلة حكاية الاتفاق من ~~ذلك الشافعي الرافعي. وبالجملة فتطويل البحث في مثل هذا لا يأتي بكثير ~~إفادة، فإن أمره أوضح من كل واضح، وليس ما يقوله من كان من أسراء التقليد ~~بلازم لمن فتح الله على أبواب المعارف، ورزقه من العلم ما يخرج به عن تقليد ~~الرجال، ms473 وما هذه بأول فاقرة1 جاء بها المقلدون، ولا هي أول مقالة قالها ~~المقصرون. # ومن حصر فضل الله على بعض خلقه، وقصر فهم هذه الشريعة المطهرة على من ~~تقدم عصره، فقد تجرأ على الله عز وجل، ثم على شريعته الموضوعة لكل عباده، ~~ثم على عباده الذين تعبدهم الله بالكتاب والسنة. # ويا لله العجب من مقالات هي جهالات، وضلالات، فإن هذه المقالة تستلزم رفع ~~التعبد بالكتاب والسنة، وأنه لم يبق إلا تقليد الرجال، الذين هم متعبدون ~~بالكتاب والسنة، كتعبد من جاء بعدهم على حد سواء، فإن كان التعبد بالكتاب ~~والسنة مختصا بمن كانوا في العصور السابقة، ولم يبق لهؤلاء إلا التقليد لمن ~~تقدمهم، ولا يتمكنون من معرفة أحكام الله، من كتاب الله وسنة رسوله، فما ~~الدليل على هذه التفرقة الباطلة، والمقالة الزائفة، وهل النسخ إلا هذا ~~{سبحانك هذا بهتان عظيم} 2. PageV02P215 ### | المسألة الثالثة: في تجزء الاجتهاد # ... # المسألة الثالثة: في تجزؤ الاجتهاد # وهو أن يكون العالم قد تحصل له في بعض المسائل ما هو مناط الاجتهاد من ~~الأدلة دون غيرها، فإذا حصل له ذلك فهل له أن يجتهد فيها أو لا، بل لا بد ~~أن يكون مجتهدا مطلقا، عنده ما يحتاج إليه في جميع المسائل؟ # فذهب جماعة إلى أنه يتجزأ، وعزاه الصفي الندي إلى الأكثرين، وحكاه صاحب ~~"النكت"1 عن أبي علي الجبائي، وأبي عبد الله البصري. # قال ابن دقيق العيد: وهو المختار؛ لأنها قد تمكن العناية بباب من الأبواب ~~الفقهية، حتى تحصل المعرفة بمآخذ أحكامه، وإذا حصلت المعرفة بالمآخذ أمكن ~~الاجتهاد. # قال الغزالي: والرافعي: يجوز أن يكون العالم منتصبا للاجتهاد في باب دون ~~باب. # وذهب آخرون إلى المنع؛ لأن المسألة في نوع من الفقه، ربما كان أصلها في ~~نوع آخر منه. # احتج الأولون: بأنه لو لم يتجزأ الاجتهاد لزم أن يكون المجتهد عالما ~~بجميع المسائل، واللازم منتف، فكثير من المجتهدين قد سئل فلم يجب، وكثير ~~منهم سئل عن مسائل، فأجاب في البعض، وهم مجتهدون بلا خلاف. # ومن ذلك ما روي أن مالكا سئل عن ms474 أربعين مسألة، فأجاب في أربع منها، وقال ~~في الباقي: لا أدري. # وأجيب: بأنه قد يترك ذلك لمانع، أو للورع، أو لعلمه بأن السائل متعنت، ~~وقد يحتاج بعض المسائل إلى "مزيد"* بحث، يشغل المجتهد عنه شاغل في الحال. # واحتج "النافون"** بأن كل ما يقدر جهله به يجوز تعلقه بالحكم المفروض، ~~فلا يحصل له ظن عدم المانع. # وأجيب: بأن المفروض حصول جميع ما يتعلق بتلك المسألة. # ويرد هذا الجواب: بمنع حصول ما يحتاج إليه المجتهد في مسألة دون غيرها، ~~فإن من لا PageV02P216 # يقتدر على الاجتهاد في بعض المسائل لا يقتدر عليه في البعض الآخر، وأكثر ~~علوم الاجتهاد يتعلق بعضها ببعض، ويأخذ بعضها بحجزة بعض، ولا سيما ما كان ~~من علومه مرجعه إلى ثبوت الملكة، فإنها إذا تمت كان مقتدرا على الاجتهاد في ~~جميع المسائل، وإن احتاج بعضها إلى "مزيد"* بحث، وإن نقصت لم يقتدر على شيء ~~من ذلك، ولا يثق من نفسه لتقصيره، ولا يثق به الغير لذلك، فإن ادعى بعض ~~المقصرين بأنه قد اجتهد في مسألة "دون مسألة"** فتلك الدعوى يتبين بطلانها ~~بأن يبحث معه من هو مجتهد اجتهادا مطلقا، فإنه يورد عليه من المسالك ~~والمآخذ "ما لا يتعقله"***، قال الزركشي: وكلامهم يقتضي تخصيص الخلاف بما ~~إذا عرف بابا دون باب، أما مسألة دون مسألة فلا يتجزأ قطعا، والظاهر جريان ~~الخلاف في الصورتين، وبه صرح الأبياري1. انتهى. # ولا فرق عند التحقيق "بين الصورتين"**** في امتناع تجزؤ الاجتهاد، فإنهم ~~قد اتفقوا على أن المجتهد لا يجوز له الحكم بالدليل حتى يحصل له غلبة الظن ~~بحصول المقتضى وعدم المانع، وإنما يحصل ذلك للمجتهد المطلق، وأما من ادعى ~~الإحاطة بما يحتاج في باب دون باب، أو في مسألة دون مسألة، فلا يحصل له شيء ~~من غلبة الظن بذلك؛ لأنه لا يزال يجوز للغير ما قد بلغ إليه علمه، فإن قال: ~~قد غلب ظنه بذلك؛ فهو مجازف، وتتضح مجازفته بالبحث معه. PageV02P217 ### | المسألة الرابعة: جواز الاجتهاد للأنبياء # ... # المسألة الرابعة: جوز الاجتهاد للأنبياء # اختلفوا في جواز الاجتهاد ms475 للأنبياء، صلوات الله عليهم، بعد أن أجمعوا على ~~أنه يجوز عقلا تعبدهم بالاجتهاد كغيرهم من المجتهدين، حكى هذا الإجماع ابن ~~فورك، والأستاذ أبو منصور وأجمعوا أيضا على أنه يجوز لهم الاجتهاد فيما ~~يتعلق بمصالح الدنيا، وتدبير الحروب، ونحوها، حكى هذا الإجماع سليم الرازي، ~~وابن حزم. # وذلك كما قلت وقع من نبينا صلى الله عليه وسلم من إرادته بأن يصالح غطفان ~~على "ثلث"* ثمار PageV02P217 # المدينة1، وكذلك ما كان قد عزم عليه من ترك تلقيح ثمار المدينة2. # فأما اجتهادهم في الأحكام الشرعية، والأمور الدينية، فقد اختلفوا في ذلك ~~على مذاهب: # الأول: # ليس لهم ذلك، لقدرتهم على النص بنزول الوحي، وقد قال سبحانه: {إن هو إلا ~~وحي يوحى} 3 والضمير يرجع إلى النطق المذكور قبله بقوله: {وما ينطق عن ~~الهوى} 4؛ وقد حكى هذا المذهب الأستاذ أبو منصور عن أصحاب الرأي. # وقال القاضي في "التقريب": كل من نفى القياس أحال تعبد النبي صلى الله ~~عليه وسلم "به"*. # قال الزركشي: وهو ظاهر اختيار ابن حزم. # واحتجوا أيضا بأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سئل ينتظر الوحي، ويقول: ~~"ما أنزل علي في هذا شيء"، كما قال لما سئل عن زكاة الحمير؟ فقال: "لم ينزل ~~علي "في ذلك" ** إلا هذه الآية الجامعة {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره} 5"6، وكذا انتظر الوحي في كثير مما سئل عنه. # ومن الذاهبين إلى هذا المذهب، أبو علي، وأبو هاشم. # المذهب الثاني: # أنه يجوز لنبينا صلى الله عليه وسلم، ولغيره من الأنبياء، وإليه ذهب ~~الجمهور. # واحتجوا بأن الله سبحانه خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم كما خاطب عباده، ~~وضرب له الأمثال، وأمره PageV02P218 # بالتدبر والاعتبار، وهو أجل المتفكرين في آيات الله، وأعظم المعتبرين ~~"بها"* # وأما قوله: {وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى} فالمراد به القرآن؛ ~~لأنهم قالوا: {إنما يعلمه بشر} 1؛ ولو سلم لم يدل على نفي اجتهاده؛ لأنه ~~صلى الله عليه وسلم إذا كان متعبدا بالاجتهاد بالوحي، لم يكن نطقا عن ~~الهوى، ms476 بل عن الوحي، وإذا جاز لغيره من الأمة أن يجتهد بالإجماع، مع كونه ~~معرضا للخطأ، فلأن يجوز لمن هو معصوم عن الخطأ بالأولى. # وأيضا قد وقع "ذلك"** كثيرا منه صلى الله عليه وسلم، ومن غيره من ~~الأنبياء فأما منه فمثل قوله: "أرأيت لو تمضمضت" 2 "أرأيت لو كان على أبيك ~~دين" 3، وقوله للعباس: "إلا الإذخر" 4 لم ينتظر الوحي في هذا، ولا في كثير ~~مما سئل عنه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ألا وإني أوتيت القرآن ومثله ~~معه" 5 # وأما من غيره فمثل قصة داود وسليمان6. # وأما ما احتج به المانعون، من أنه صلى الله عليه وسلم لو جاز له ~~الاجتهاد؛ لجازت مخالفته، واللازم باطل. # وبيان الملازمة: أن ذلك الذي قاله بالاجتهاد هو حكم من أحكام الاجتهاد، ~~ومن لوازم أحكام الاجتهاد جواز المخالفة؛ إذ لا قطع بأنه حكم الله، لكونه ~~محتملا للإصابة، ومحتملا للخطأ، فقد أجيب عنه بمنع كون اجتهاده يكون له حكم ~~اجتهاد غيره، فإن ذلك إنما كان لازما لاجتهاد غيره، لعدم اقترانه بما اقترن ~~به اجتهاده صلى الله عليه وسلم من الأمر باتباعه. # وأما ما احتجوا به من أنه لو كان متعبدا بالاجتهاد لماتأخر في جواب سؤال ~~سائل، فقد أجيب عنه بأنه إنما تأخر في بعض المواطن، لجواز أن ينزل عليه فيه ~~الوحي الذي عدمه شرط في صحة اجتهاده، على أنه قد يتأخر الجواب لمجرد ~~الاستثبات في الجواب، والنظر فيما ينبغي النظر PageV02P219 # فيه في الحادثة، كما يقع ذلك من غيره من المجتهدين. # المذهب الثالث: # الوقف عن القطع بشيء من ذلك، زعم الصيرفي في "شرح الرسالة" أنه مذهب ~~الإمام الشافعي؛ لأنه حكى الأقوال ولم يختر شيئا منها. # واختار هذا القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي. # ولا وجه للوقف في هذه المسألة لما قدمنا من الأدلة الدالة على الوقوع، ~~على أنه يدل على ذلك دلالة واضحة ظاهرة قول الله عز وجل: {عفا الله عنك لم ~~أذنت} 1 فعاتبه على ما وقع منه، ولو كان ذلك بالوحي لم يعاتبه. # ومن ذلك ms477 ما صح عنه صلى الله عليه وسلم، من قوله: "لو استقبلت من أمري ما ~~استدبرت لما سقت الهدي" 2 أي: لو علمت أولا ما علمت آخرا ما فعلت، ذلك ومثل ~~ذلك لا يكون فيما عمله صلى الله عليه وسلم بالوحي، وأمثال ذلك كثيرة، ~~كمعاتبته صلى الله عليه وسلم على أخذ الفداء من أسرى بدر بقوله تعالى: {ما ~~كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} 3. وكما في معاتبته صلى الله ~~عليه وسلم بقوله تعالى: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك ~~عليك زوجك} 4 إلى آخر ما قصه الله من ذلك في كتابه العزيز. # والاستيفاء لمثل هذا يفضي إلى بسط طويل، وفيما ذكرنا يغني عن ذلك، ولم ~~يأت المانعون بحجة تستحق المنع، أو التوقف لأجلها. PageV02P220 ### | المسألة الخامسة: في جواز الاجتهاد في عصره صلى الله عليه وسلم # فذهب "الأكثر"* إلى جوازه ووقوعه، واختاره جماعة من المحققين، منهم ~~القاضي. # ومنهم من منع ذلك، كما روي عن أبي علي، وأبي هاشم. # ومنهم من فصل بين الغائب والحاضر، فأجازه لمن غاب عن حضرته صلى الله عليه ~~وسلم، كما وقع في حديث معاذ1، دون من كان في حضرته الشريفة صلى الله عليه ~~وسلم، واختاره الغزالي، وابن الصباغ، ونقله إلكيا عن أكثر الفقهاء، ~~والمتكلمين، ومال إليه إمام الحرمين. # قال القاضي عبد الوهاب: إنه الأقوى على أصول أصحابهم. # قال ابن فورك: بشرط تقريره عليه. # وقال ابن حزم: إن كان اجتهاد الصحابي في عصره صلى الله عليه وسلم، في ~~الأحكام، كإيجاب شيء، أو تحريمه، فلا يجوز، كما وقع من أبي السنابل2 من ~~الإفتاء باجتهاده في الحامل المتوفى عنها زوجها، أنها تعتد بأربعة أشهر ~~وعشر فأخطأ في ذلك، وإن كان اجتهاده في غير ذلك فيجوز، كاجتهادهم فيما ~~يجعلونه علما للدعاء إلى الصلاة3؛ لأنه لم يكن فيه إيجاب شريعة تلزم. # وكاجتهاد قوم بحضرته صلى الله عليه وسلم فيمن هم السبعون ألفا الذين ~~يدخلون الجنة ووجوههم كالقمر PageV02P221 # ليلة البدر، فأخطئوا في ذلك، وبين لهم النبي صلى الله ms478 عليه وسلم من هم1، ~~ولم يعنفهم في اجتهادهم. # ومنهم من قال: وقع ظنا لا قطعا، واختاره الآمدي، وابن الحاجب. # ومنهم من قال: إنه يجوز للحاضر في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يجتهد إذا أمره بذلك، كما وقع منه صلى الله عليه وسلم من أمره لسعد بن معاذ ~~أن يحكم في بني قريطة2. وإن لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم لم يجز له ~~الاجتهاد، إلا أن يجتهد، ويعلم به النبي صلى الله عليه وسلم فيقرره عليه، ~~كما وقع من أبي بكر رضي الله عنه في سلب القتيل، فإنه قال: لاها الله إذا ~~لا يعمد إلى أسد من أسد الله فيعطيك سلبه"3 فقرره النبي صلى الله عليه وسلم ~~"وكذلك امتناع علي رضي الله عنه من محو اسم النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الصحيفة4"*. # والحق: ما تقدم من التفصيل بين من كان بحضرته صلى الله عليه وسلم "فلا ~~يجوز له الاجتهاد لتعين السؤال PageV02P222 # منه للنبي صلى الله عليه وسلم"* فيما نابه من الأمر، وبين من كان غائبا ~~عها، فيجوز له الاجتهاد. # وقد وقع من ذلك واقعات متعددة، كما وقع من عمرو بن العاص من صلاته ~~بأصحابه، وكان جنبا ولم يغتسل، بل تيمم وقال: سمعت الله تعالى يقول: {ولا ~~تقتلوا أنفسكم} 1، فقرره النبي على ذلك2. # وكما وقع منه صلى الله عليه وسلم من الأمر بالنداء يوم انصرافه من ~~الأحزاب بأنه "لا يصلين أحد إلا في بني قريظة" فتخوف ناس من فوت الوقت، ~~فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وإن فات الوقت فما عنف أحدا من الفريقين3. # ومن أدل ما يدل على هذا التفصيل: تقرير معاذ على اجتهاد رأيه لما بعثه ~~إلى اليمن، وهو حديث مشهور4، له طرق متعددة، ينتهض مجموعها للحجية، كما ~~أوضحنا ذلك في مجموع مستقل5. # ومنه بعثه صلى الله عليه وسلم لعلي قاضيا، فقال: لا علم لي بالقضاء، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم اهد قلبه ms479 وثبت لسانه" 6 أخرجه أبو داود، ~~والنسائي، وابن ماجه، والحاكم في المستدرك. # ومن ذلك ما رواه أحمد في المسند: أن ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر، فأتوا ~~عليا يختصمون في الولد، فأقرع بينهم، فبلغ "ذلك"** النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: PageV02P223 # "لا أعلم فيها إلا ما قال علي" 1، وإسناده صحيح، وأمثال هذا "كثير"*. # قال الفخر الرازي في "المحصول": الخلاف في هذه المسألة لا ثمرة له في ~~الفقه. # وقد اعترض عليه في ذلك، ولا وجه للاعتراض؛ لأن الاجتهاد الواقع من ~~الصحابي إن قرره النبي صلى الله عليه وسلم كان حجة وشرعا بالتقرير، لا ~~باجتهاد الصحابي، وإن لم يبلغه كان اجتهاد الصحابي فيه الخلاف المتقدم في ~~قول الصحابي، عند من قال بجوازه في عصره صلى الله عليه وسلم "لا عند من منع ~~منه، وإن بلغ النبي صلى الله عليه وسلم"** وأنكره، أو قال بخلافه، فليس في ~~ذلك الاجتهاد فائدة؛ لأنه قد بطل بالشرع. PageV02P224 ### | المسألة السادسة: فيما ينبغي للمجتهد أن يعمله في اجتهاده ويعتمد عليه # فعيه أولا: أن ينظر في نصوص الكتاب والسنة، فإن وجد ذلك فيهما قدمه على ~~غيره، فإن لم يجده أخذ بالظواهر منهما، وما يستفاد بمنطوقهما ومفهومهما، ~~فإن لم يجد نظر في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، ثم في تقريراته لبعض ~~أمته، ثم في الإجماع، إن كان يقول بحجيته، ثم في القياس، على ما يقتضيه ~~اجتهاده من العمل بمسالك العلة، كلا أو بعضا1. # وما أحسن ما قاله الإمام الشافعي فيما حكاه عنه الغزالي: أنها إذا وقعت ~~الواقعة للمجتهد، فليعرضها على نصوص الكتاب، فإن أعوزه عرضها على الخبر ~~المتواتر، ثم الآحاد، فإن أعوزه لم يخض في القياس، بل يلتفت إلى ظواهر ~~الكتاب، فإن وجد ظاهرا نظر في المخصصات، من قياس، وخبر، فإن لم يجد مخصصا ~~حكم به، وإن لم يعثر على ظاهر، من كتاب ولا سنة، نظر إلى المذاهب فإن وجدها ~~مجمعا عليها اتبع الإجماع، وإن لم يجد إجماعا خاض في القياس، ويلاحظ ~~القواعد الكلية أولا، ويقدمها على الجزئيات، كما ms480 في القتل بالمثقل، فتقدم ~~قاعدة الردع على مراعاة الاسم، فإن عدم قاعدة كلية نظر في المنصوص، ومواقع ~~الإجماع، فإن وجدها في معنى واحد ألحق به، وإلا انحدر به إلى القياس، فإن ~~أعوزه تمسك بالشبه، ولا يعول على طرد. انتهى. PageV02P224 # وإذا أعوزه ذلك كله تمسك بالبراءة الأصلية، وعليه عند التعارض بين الأدلة ~~أن يقدم طريق الجمع على وجه مقبول، فإن أعوزه ذلك رجع إلى الترجيح ~~بالمرجحات التي سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى1. # قال الماوردي: الاجتهاد بعد النبي صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى ثمانية ~~أقسام: # أحدها: # ما كان الاجتهاد مستخرجا من معنى النص، كاستخراج علة الربا، فهذا صحيح ~~عند القائلين بالقياس. # ثانيها: # ما استخرجه من شبه النص، كالعبد، لتردد شبهه بالحر في أنه يملك؛ لأنه ~~مكلف، وشبهه بالبهيمة في أنه لا يملك؛ لأنه مملوك، فهذا صحيح، غير مدفوع ~~عند القائلين بالقياس والمنكرين له، غير أن المنكرين له جعلوه داخلا في ~~عموم أحد الشبهين. # ثالثها: # ما كان مستخرجا من عموم النص، كالذي بيده عقدة النكاح في قوله تعالى: {أو ~~يعفو الذي بيده عقدة النكاح} 2 فإنه "يعم الأب والزوج والمراد به"* أحدهما، ~~وهذا صحيح يتوصل إليه بالترجيح. # رابعها: # ما استخرج من إجماع النص كقوله في المتعة {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى ~~المقتر قدره} 3 فيصح الاجتهاد في قدرة المتعة باعتبار حال الزوجين. # خامسها: # ما استخرج من أحوال النص كقوله في التمتع: {فصيام ثلاثة أيام في الحج ~~وسبعة إذا رجعتم} 4 فاحتمل صيام السبعة إذا رجع في طريقه، وإذا رجع إلى ~~أهله، فيصح الاجتهاد في تغليب إحدى الحالتين على الأخرى. # سادسها: # ما استخرج من دلائل النص، كقوله: {لينفق ذو سعة من سعته} 5 فاستدللنا على ~~تقدير نفقة الموسر بمدين، بأن أكثر ما جاءت به السنة في فدية الآدمي أن لكل ~~مسكين مدين، واستدللنا على تقدير نفقة المعسر بمد بأنه أقل ما جاءت به ~~السنة في كفارة الوطء، أن لكل مسكين مدا. PageV02P225 # سابعا: # ما استخرج من أمارات النص، كاستخراج دلائل القبلة لمن خفيت ms481 عليه من قوله ~~تعالى: {وعلامات وبالنجم هم يهتدون} 1 فيكون الاجتهاد في القبلة بالأمارات ~~والدلائل عليها، من هبوب الرياح، ومطالع النجوم. # ثامنها: # ما استخرج من غير نص ولا أصل، فاختلف في صحة الاجتهاد، فقيل لا يصح حتى ~~يقترن بأصل. # وقيل: يصح لأنه في الشرع أصل. انتهى. # وعندي: أن من استكثر من تتبع الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وجعل ~~كل ذلك دأبه، ووجه إليه همته، واستعان بالله عز وجل، واستمد منه التوفيق، ~~وكان معظم همه، ومرمى قصده، الوقوف على الحق، والعثور على الصواب، من دون ~~تعصب لمذهب من المذاهب، وجد فيهما ما يطلبه، فإنهما الكثير الطيب، والبحر ~~الذي لا ينزف، والنهر الذي يشرب منه كل وارد عليه العذب الزلال، والمعتصم ~~الذي يأوي إليه كل خائف، فاشدد يديك على هذا، فإنك إن قبلته بصدر منشرح، ~~وقلب موفق، وعقل قد حلت به الهداية، وجدت فيهما كل ما تطلبه من أدلة ~~الأحكام التي تريد الوقوف على دلائلها كائنا ما كان. # فإن استبعدت هذا المقال، واستعظمت هذا الكلام، وقلت كما قاله كثير من ~~الناس: إن أدلة الكتاب والسنة لا تفي بجميع الحوادث، فمن نفسك أتيت، ومن ~~قبل تقصيرك أصبت، وعلى نفسها براقش تجني2، وإنما تنشرح لهذا الكلام صدور ~~قوم "موفقين"* وقلوب رجال مستعدين لهذه المرتبة العلية. # لا تعذل المشتاق في أشواقه ... حتى تكن حشاك في أحشائه3 # لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها4 # دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى ... فإذا "عشقت"** فعند ذلك عنف5 ~~PageV02P226 ### | المسألة السابعة: في المسائل التي كل مجتهد فيها مصيب والتي الحق فيها مع واحد ### | الفرع الأول: العقليات # ... # المسألة السابعة: في المسائل التي كل مجتهد فيه مصيب والتي الحق فيها مع ~~واحد # اختلفوا في المسائل التي كل مجتهد فيها مصيب، والمسائل التي الحق فيها مع ~~واحد من المجتهدين. # وتلخيص الكلام في ذلك يحصل في فرعين. # الفرع الأول: العقليات # وهي على أنواع: # الأول: # لم يكن الغلط فيه مانعا من معرفة الله ورسوله، كما في إثبات العلم ~~بالصانع، والتوحيد، والعدل. # قالوا: ms482 فهذه الحق فيها واحد، فمن أصابه أصاب الحق، ومن أخطأه فهو كافر. # النوع الثاني: # مثل مسألة الرؤية1، وخلق القرآن2، وخروج الموحدين من النار3، وما ~~PageV02P227 # يشابه ذلك، فالحق فيها واحد، فمن أصابه فقد أصاب، ومن أخطأ فقيل: يفكر. # ومن القائلين بذلك الشافعي، فمن أصحابه من حمله على ظاهره، ومنهم من حمله ~~على كفران النعم. # النوع الثالث: # إذا لم تكن المسألة دينية، كما في تركب الأجسام من ثمانية أجزاء، وانحصار ~~اللفظ في المفرد والمؤلف، قالوا: فليس المخطئ فيها بآثم، ولا المصيب فيها ~~بمأجور؛ إذ هذه وما يشابهها يجري مجرى الاختلاف في كون "مكة"* أكبر من ~~المدينة أو أصغر منها. # وقد حكى ابن الحاجب في "المختصر" أن المصيب في العقليات واحد، ثم حكى عن ~~العنبري1 أن كل مجتهد في العقليات مصيب، وحكي أيضا عن الجاحظ أنه لا إثم ~~على المجتهد، بخلاف المعاند. # قال الزركشي: وأما "الجاحظ"** فجعل الحق فيها واحدا، ولكنه يجعل المخطئ ~~في جميعها غير آثم. # قال ابن السمعاني: وكان العنبري يقول في مثبتي القدر: هؤلاء عظموا الله، ~~وفي نافي القدر: هؤلاء نزهوا الله، وقد استبشع هذا القول منه، فإنه يقتضي ~~تصويب اليهود، والنصارى، وسائر الكفار في اجتهادهم، قال: ولعله أراد أصول ~~الديانات التي اختلف فيها أهل القبلة، كالرؤية، وخلق الأفعال، ونحوه. # وأما ما اختلف فيه المسلمون وغيرهم من أهل الملل، كاليهود، والنصارى، ~~والمجوس؛ فهذا مما يقطع فيه بقول أهل الإسلام. # قال القاضي في "مختصر التقريب": اختلفت الروايات عن العنبري، فقال في ~~أشهر الروايتين: إنما أصوب كل مجتهد "في الدين تجمعهم الملة"***، وأما ~~الكفرة فلا يصوبون، وفي رواية عنه أنه صوب الكافرين المجتهدين دون الراكبين ~~البدعة. PageV02P228 # قال: ونحن نتكلم معهما، يعني: العنبري، والجاحظ، فنقول: # أنتما أولا: محجوجان "بالإجماع"* قبلكما وبعدكما. # ثانيا: إن أردتما بذلك مطابقة الاعتقاد للمعتقد، فقد خرجتما عن حيز ~~العقلاء، وانخرطتما في سلك الأنعام، وإن أردتما الخروج عن عهدة التكليف، ~~ونفي الحرج، كما نقل عن الجاحظ، فالبراهين العقلية من الكتاب، والسنة، ~~والإجماع، الخارجة عن حد الحصر ترد هذه المقالة. # وأما ms483 تخصيص التصويب بأهل الملة الإسلامية فنقول: مما خاض فيه المسلمون ~~القول بخلق القرآن، وغير ذلك مما يعظم خطره، وأجمعوا قبل العنبري على أنه ~~يجب على المرء إدراك بطلانه. # وقد حكى القاضي أيضا في موضع آخر عن داود بن علي الأصفهاني، إمام مذهب ~~الظاهر، أنه قال بمثل قول العنبري. # وحكى قوم عن العنبري والجاحظ أنهما قالا ذلك فيمن علم الله من حاله ~~استفراغ الوسع في طلب الحق، ومن أهل ملتنا وغيرهم، وقد نحا الغزالي "قريبا ~~من هذا"** المنحى في كتاب "التفرقة بين الإسلام والزندقة"1 # وقال ابن دقيق العيد: ما نقل عن العنبري، والجاحظ، إن أرادا أن كل واحد ~~من المجتهدين مصيب لما في نفس الأمر، فباطل، وإن أريد به أن من بذل الوسع، ~~ولم يقصر في الأصوليات، يكون معذورا غير معاقب، فهذا أقرب؛ لأنه قد يعتقد ~~فيه أنه لو عوقب، وكلف بعد استفراغه غاية الجهد، لزم تكليفه بما لا يطاق. # قال: وأما الذي حكي عنه من الإصابة في العقائد القطعية، فباطل قطعا، ~~ولعله لا يقوله إن شاء الله تعالى. # وأما المخطئ في الأصول: "كالمجسمة2"*** فلا شك في تأثيمه وتفسيقه ~~وتضليله. # واختلف في تكفيره، وللأشعري قولان، قال إمام الحرمين، وابن القشيري، ~~وغيرهما: وأظهر مذهبه ترك التكفير، وهو اختيار القاضي في كتاب "إكفار"**** ~~المتأولين3 PageV02P229 # وقال ابن عبد السلام: رجع الإمام أبو الحسن الأشعري عند موته عن تكفير ~~أهل القبلة؛ لأن الجهل بالصفات ليس جهلا "بالموصوفات"*. # قال الزركشي: وكان الإمام أبو سهل الصعلوكي1 لا يفكر، فقيل له: ألا تكفر ~~من يكفرك، فعاد إلى القول بالتفكير، وهذا مذهب المعتزلة، فهم يكفرون ~~خصومهم، ويكفر كل فريق منهم الآخر. # وقد حكى إمام الحرمين عن معظم أصحاب الشافعي ترك التكفير، وقالوا: إنما ~~يكفر من جهل وجود الرب، أو علم وجوده، ولكن فعل فعلا، أو قال قولا أجمعت ~~الأمة على أنه لا يصدر ذلك إلا عن كافر. انتهى. # واعلم: أن التكفير لمجتهدي الإسلام بمجرد الخطأ في الاجتهاد في شيء من ~~مسائل العقل عقبة كئود لا يصعد إليها إلا من ms484 لا يبالي بدينه، ولا يحرص ~~عليه؛ لأنه مبني على شفا جرف هار، وعلى ظلمات بعضها فوق بعض، وغالب القول ~~به ناشئ عن العصبية، وبعضه ناشئ عن شبه واهية، وليست من الحجة في شيء، ولا ~~يحل التمسك بها في أيسر أمر من أمور الدين، فضلا عن هذا الأمر الذي هو مزلة ~~الأقدام، ومدحضة كثير من علماء الإسلام. # والحاصل: أن الكتاب، والسنة، ومذهب خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم ~~الذين يلونهم يدفع ذلك دفعا لا شك فيه، ولا شبهة، فإياك أن تغتر بقول من ~~يقول منهم: إنه يدل على ما ذهب إليه الكتاب، والسنة، فإن ذلك دعوى باطلة، ~~مترتبة على شبهة داحضة، وليس هذا المقام مقام بسط الكلام على هذا المرام، ~~فموضعه علم الكلام. PageV02P230 ### | الفرع الثاني: المسائل الشرعية # فذهب الجمهور، ومنهم الأشعري، والقاضي أبو بكر الباقلاني، ومن المعتزلة ~~أبو الهذيل، وأبو علي، وأبو هاشم، وأبتاعهم إلى أنها تنقسم إلى قسمين: # الأول: ما كان منها قطعيا # ما كان منها قطعيا معلوما بالضرورة أنه من الدين، كوجوب الصلوات الخمس، ~~وصوم رمضان، وتحريم الزنا، والخمر، فليس كل مجتهد فيها بمصيب، بل الحق فيها ~~واحد، فالموافق له مصيب، والمخطئ غير معذور وكفره جماعة منهم لمخالفته ~~للضروري، وإن كان. # PageV02P230 # فيها دليل قاطع، وليست من الضروريات الشرعية، فقيل: إن قصر فهو مخطئ آثم، ~~وإن لم يقصر فهو مخطئ غير آثم. # قال ابن السعاني: ويشبه أن يكون سبب غموضها امتحان من الله لعباده، ~~ليفاضل بينهم في درجات العلم، ومراتب الكرامة، كما قال تعالى: {يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} 1 وقال: {وفوق كل ذي علم عليم} ~~2. # القسم الثاني: المسائل الشرعية التي لا قاطع فيها # وقد اختلفوا في ذلك اختلافا طويلا، واختلف النقل عنهم في ذلك اختلافا ~~كثيرا، فذهب جمع جم إلى أن كل قول من أقوال المجتهدين فيها حق، وأن كل واحد ~~منهم مصيب، وحكاه الماوردي، والروياني، عن الأكثرين. # قال الماوردي: وهو قول أبي الحسن الأشعري والمعتزلة. # وذهب أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأكثر الفقهاء إلى أن ms485 الحق في أحد ~~الأقوال، ولم يتعين لنا، وهو عند الله متعين، لاستحالة أن يكون الشيء ~~الواحد، في الزمان الواحد، في الشخص الواحد حلالا وحراما، وقد كان الصحابة ~~رضي الله عنهم يخطئ بعضهم بعضا، ويعترض بعضهم على بعض، ولو كان اجتهاد كل ~~مجتهد حقا، لم يكن للتخطئة وجه. # ثم اختلف هؤلاء بعد اتفاقهم على أن الحق واحد، هل كل مجتهد مصيب أم لا؟ # فعند مالك، والشافعي، وغيرهما أن المصيب منهم واحد، وإن لم يتعين، وأن ~~جميعهم مخطئ إلا ذلك الواحد. # وقال جماعة، منهم أبو يوسف: إن كل مجتهد مصيب، وإن كان الحق مع واحد، وقد ~~حكى بعض أصحاب الشافعي عن الشافعي مثله. # وأنكر ذلك أبو سحاق المروزي، وقال: إنما نسبه إليه قوم من المتأخرين، ممن ~~لا معرفة له بمذهبه. # قال القاضي أبو الطيب الطبري: واختلف النقل عن أبي حنيفة، فنقل عنه أنه ~~قال في بعض المسائل كقولنا، وفي بعضها كقول أبي يوسف، وقد روي عن أهل ~~العراق، وأصحاب مالك وابن "سريج"*، وأبي حامد، بمثل قول أبي يوسف. # واستدل ابن كج على هذا بإجماع الصحابة على تصويب بعضهم بعضا، فيما ~~اختلفوا فيه، PageV02P231 # ولا يجوز إجماعهم على خطأ. # قال ابن فورك: في المسألة ثلاثة أقوال: # أحدهما: # أن الحق في واحد، وهو المطلوب، وعليه دليل منصوب، فمن وضع النظر موضعه ~~أصاب، ومن قصر عنه وفقد الصواب؛ فهو مخطئ، ولا إثم عليه، ولا نقول إنه ~~معذور؛ لأن المعذور من يسقط عنه التكليف، لعذر في تركه، كالعاجز عن القيام ~~في الصلاة، وهو عندنا قد كلف إصابة العين، لكنه خفف أمر خطابه، وأجر على ~~قصده الصواب، وحكمه نافذ على الظاهر، وهذا مذهب الشافعي، وأكثر أصحابه، ~~وعليه نص في كتاب "الرسالة" و"أدب القاضي"1. # والثاني: # أن الحق واحد، إلا أن المجتهدين لم يتكلفوا إصابته، وكلهم مصيبون لما ~~كلفوا من الاجتهاد، وإن كان بعضهم مخطئا. # والثالث: # أنهم كلفوا الرد إلى الأشبه على طريق الظن. انتهى. # وذهب قوم: إلى أن الحق واحد والمخالف له مخطئ آثم، ويختلف خطؤه على قدر ~~ما ms486 يتعلق به الحكم، فقد يكون كبيرة، وقد يكون صغيرة. # ومن القائلين بهذا القول الأصم والمريسي وابن علية، وحكي عن أهل الظاهر، ~~وعن جماعة من الشافعية، وطائفة من الحنفية. # وقد طول أئمة الأصول الكلام في هذه المسألة، وأوردوا من الأدلة ما لا ~~تقوم به الحجة، واستكثر من ذلك الرازي في "المحصول"، ولم يأتوا بما يشفي ~~طالب الحق. # وههنا دليل يرفع النزاع، ويوضح الحق إيضاحا لا يبقى بعده ريب لمرتاب، وهو ~~الحديث الثابت في الصحيح، ومن طرق: "أن الحاكم إذا اجتهد فأصاب، فله أجران، ~~وإن اجتهد فأخطأ فله أجرا" 2. # فهذا الحديث يفيدك أن الحق واحد، وأن بعض المجتهدين يوافقه، فيقال له: ~~مصيب، ويستحق أجرين، وبعض المجتهدين يخالفه، ويقال له مخطئ، واستحقاقه ~~الأجر لا يستلزم كونه. PageV02P232 # مصيبا، و"إطلاق"* اسم الخطأ عليه لا يستلزم أن لا يكون له أجر، فمن قال: ~~كل مجتهد مصيب، وجعل الحق متعددا بتعدد المجتهدين، فقد أخطأ خطأ بينا، ~~وخالف الصواب مخالفة ظاهرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل المجتهدين ~~قسمين، قسما مصيبا، وقسما مخطئا، ولو كان كل واحد منهم مصيبا لم يكن لهذا ~~التقسيم معنى. # وهكذا من قال: إن الحق واحد، ومخالفه آثم، فإن هذا الحديث يرد عليه ردا ~~بينا، ويدفعه دفعا ظاهرا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى من لم يوافق ~~الحق في اجتهاده مخطئا، ورتب على ذلك استحقاقه للأجر، فالحق الذي لا شك ~~فيه، ولا شبهة أن الحق واحد، ومخالفه مخطئ مأجور، إذا كان قد وفى الاجتهاد ~~حقه، ولم يقصر في البحث، بعد إحرازه لما يكون به مجتهدا. # ومما يحتج به على هذا حديث: "القضاة ثلاثة" 1 فإنه لو لم يكن الحق واحدا، ~~لم يكن للتقسيم معنى، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم لأمير السرية: "وإن ~~طلب منك أهل حصن النزول على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، فإنك لا ~~تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا" 2. # وما أشنع ما قاله هؤلاء الجاعلون لحكم الله عز وجل متعددا بتعدد ~~المجتهدين، تابعا لما يصدر عنهم ms487 من الاجتهادات، فإن هذه المقالة مع كونها ~~مخالفة للأدب مع الله عز وجل، ومع شريعته المطهرة، هي أيضا صادرة عن محض ~~الرأي، الذي لم يشهد له دليل، ولا عضدته شبهة تقبلها العقول، وهي أيضا ~~مخالفة لإجماع الأمة، سلفها خلفها، فإن الصحابة ومن بعدهم في كل عصر من ~~العصور، ما زالوا يخطئون من خالف في اجتهاده ما هو أنهض مما تمسك به، ومن ~~شك في ذلك، وأنكره، فهو لا يدري بما في بطون الدفاتر الإسلامية بأسرها من ~~التصريح في كثير من المسائل بتخطئه بعضهم البعض واعتراض بعضهم على بعض. ~~PageV02P233 # وأما الاستدلال من القائلين بهذه المقالة بمثل قصة داود وسليمان1 فهو ~~عليهم لا لهم، فإن الله سبحانه وتعالى صرح في كتابه العزيز بأن الحق هو ما ~~قاله سليمان، فقال: {ففهمناها سليمان} 2 ولو كان الحق بيد كل واحد منهما؛ ~~لما كان لتخصيص سليمان بذلك المعنى. # وأما استدلالهم بمثل قوله تعالى: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة ~~على أصولها فبإذن الله} 3 فهو خارج عن محل النزاع؛ لأن الله سبحانه قد صرح ~~في هذه الآية بأن ما وقع منهم، من القطع والترك هو بإذنه عز وجل، فأفاد ذلك ~~أن حكمه في هذه الحادثة بخصوصها، هو كل واحد من الأمرين، وليس النزاع إلا ~~فيما لم يرد النص فيه "بأنه سبحانه يريد"* بخصوصها، هو كل واحد من الأمرين، ~~وأن حكمه على التخيير بين أمور، يختار المكلف ما شاء منها، كالواجب المخير، ~~وأن حكمه يجب على الكل، حتى يفعله البعض، فيسقط عن الباقين، كفروض ~~الكفايات، فتدبر هذا وافهمه حق فهمه. # وأما استدلالهم بتصويب كل طائفة ممن صلى قبل الوصول إلى بني قريظة، لمن ~~خشي فوت الوقت، وممن ترك الصلاة حتى وصل إلى بني قريظة، امتثالا لقوله صلى ~~الله عليه وسلم: "لا يصلين أحد إلا في بني قريظة" 4 فالجواب عنه كالجواب ~~عما قبله، على أن ترك التثريب لمن قد عمل باجتهاده لا يدل على أنه قد أصاب ~~الحق، بل يدل على أنه قد أجزأه ما ms488 عمله باجتهاده، وصح صدوره عنه، لكونه قد ~~بذل وسعه في تحري الحق، وذلك لا يستلزم أن يكون هو الحق الذي طلبه الله من ~~عباده، وفرق بين الإصابة والصواب، فإن إصابة الحق "هي"** الموافقة، بخلاف ~~الصواب فإنه قد يطلق على من أخطأ الحق ولم يصبه، من حيث كونه قد فعل ما كلف ~~به، واستحق الأجر عليه، وإن لم يكن مصيبا للحق وموافقا له. # وإذا عرفت هذا الحق معرفته، لم تحتج إلى زيادة عليه وقد حرر الصفي الهندي ~~هذه المسألة، وما فيها من المذاهب تحريرا جيدا فقال: الواقعة التي وقعت إما ~~أن يكون عليها نص أو لا، فإن كان الأول، فإما أن "يجتهد"*** المجتهد أو لا، ~~الثاني على قسمين؛ لأنه إما أن يقصر في PageV02P234 # طلبه أو لا يقصر، فإن وجده وحكم بمقتضاه فلا كلام، وإن لم يحكم بمقتضاه، ~~فإن كان مع العلم بوجه دلالته على المطلوب، فهو مخطئ وآثم، وفاقا، وإن لم ~~يكن مع العلم، ولكن قصر في البحث عنه، فكذلك، وإن لم يقصر، بل بالغ في ~~الاستشكاف والبحث، ولم يعثر على وجه دلالته على المطلوب، فحكمه حكم "ما إذا ~~لم"* يجده، مع الطلب الشديد وسيأتي1. # وإن لم يجده، فإن كان "للتقصير"** في الطلب فهو مخطئ وآثم، وإن لم يقصر ~~بل بالغ في التنقيب عنه، وأفرغ الوسع في طلبه، ومع ذلك لم يجده، فإن خفي ~~عليه الراوي الذي عنده النص، أو عرفه و"لكن"*** مات قبل وصوله إليه فهو غير ~~آثم قطعا، وهل هو مخطئ أو مصيب، على الخلاف الآتي فيما لا نص فيه، والأولى ~~بأن يكون مخطئا، وأما "التي لا نص"**** فيها، فإما أن يقال: لله فيها قبل ~~اجتهاد المجتهد حكم معين أو لا، بل "حكمه"***** تابع لاجتهاد المجتهدين، ~~فهذا الثاني قول من قال: كل مجتهد مصيب، وهو مذهب جمهور المتكلمين، كالشيخ ~~أبي الحسن الأشعري، والقاضي، والغزالي، والمعتزلة، كأبي الهذيل، وأبي علي، ~~وأبي هاشم، وأتباعهم، ونقل عن الشافعي، وأبي حنيفة، والمشهور عنهما خلافه. # فإن لم يوجد في الواقعة حكم معين، فهل وجد ms489 فيها ما لو حكم الله تعالى ~~فيها بحكم، لما حكم إلا به، أو لم يوجد ذلك، والأول هو القول بالأشبه، وهو ~~قول كثير من المصوبين، وإليه صار أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن سريج، في ~~إحدى الروايتين عنه، قال: وأما الثاني: فقول الخلص من المصوبة. انتهى. ~~PageV02P235 ### | المسألة الثامنة: أنه لا يجوز أن يكون للمجتهد في مسألة واحدة قولان متناقضان في وقت واحد # ... # المسألة الثامنة: لا يجوز أن يكون للمجتهد في مسألة قولان متناقضان في ~~وقت واحد # لا يجوز أن يكون للمجتهد في مسألة قولان متناقضان في وقت واحد بالنسبة ~~إلى شخص واحد؛ لأن دليلهما إن تعادلا من كل وجه، ولم يمكن الجمع ولا ~~الترجيح، وجب عليه الوقف، وإن أمكن الجمع بينهما، وجب عليه المصير إلى ~~الصورة الجامعة بينهما، وإن ترجح أحدهما على الآخر، تعين عليه الأخذ به، ~~وبهذا تعلم امتناع أن يكون له قولان متناقضان في وقت واحد باعتبار شخص ~~واحد. # PageV02P235 # وأما في وقتين فجائز، لجواز تغير الاجتهاد الأول، وظهور ما هو أولى، بأن ~~يأخذ به "ويدع"* ما كان قد أخذ به. # وأما بالنسبة إلى شخصين فيكون ذلك على اختلاف المذهبين المعروفين، عند ~~تعادل الأمارتين، فمن قال بالتخيير جوز ذلك له. ومن قال بالوقف لم يجوز. # فإن كان لمجتهد قولان واقعان في وقتين فالقول الآخر رجوع عن القول الأول ~~بدلالته على تغيير اجتهاده الأول. # وإذا أفتى المجتهد مرة بما أدى إليه اجتهاده، ثم سئل ثانيا عن تلك ~~الحادثة، فإما أن يكون ذاكرا لطريق الاجتهاد الأول أو لا يكون ذاكرا، فإن ~~كان ذاكرا جاز له الفتوى به، وإن نسيه لزمه أن يستأنف الاجتهاد، فإن أداه ~~اجتهاده إلى خلاف فتواه في الأول أفتى بما أدى إليه اجتهاده ثانيا، وإن ~~"أداه"** إلى موافقة ما قد أفتى به أو لا "أفتى به"*** وإن لم يستأنف ~~الاجتهاد، لم يجز له الفتوى. # قال الرازي في "المحصول": ولقائل أن يقول: لما كان الغالب على ظنه أن ~~الطريق الذي تمسك به كان طريقا قويا، حصل له الآن ظن ms490 أن ذلك القوي حق، جاز ~~له الفتوى به؛ لأن العمل بالظن واجب، وأما إذا حكم المجتهد باجتهاده، فليس ~~له أن ينقضه إذا تغير اجتهاده، وترجح له ما يخالف الاجتهاد الأول؛ لأن ذلك ~~يؤدي إلى عدم استقرار الأحكام الشرعية. # وهكذا ليس له أن ينقض باجتهاده ما حكم به حاكم آخر باجتهاده؛ لأنه يؤدي ~~إلى ذلك، ويتسلسل، وتفوت مصلحة نصب الحكام، وهي فصل الخصومات، ما لم يكن ما ~~حكم به الحاكم الأول مخالفا لدليل قطعي، فإن كان مخالفا للدليل القاطع نقضه ~~اتفاقا، وإذا حكم المجتهد بما يخالف اجتهاده، فحكمه باطل؛ لأنه متعبد بما ~~أدى إليه اجتهاده، وليس له أن يقول بما يخالفه، ولا يحل له أن يقلد مجتهدا ~~آخر، فيما يخالف اجتهاده، بل يحرم عليه التقليد مطلقا، إذا كان قد اجتهد في ~~المسألة، فأداه اجتهاده إلى حكم، ولا خلاف في هذا. # وأما قبل أن يجتهد، فالحق: أنه لا يجوز له تقليد مجتهد آخر مطلقا. # وقيل: يجوز له فيما يخصه من الأحكام، لا فيما لا يخصه، فلا يجوز. # وقيل: يجوز له تقليد من هو أعلم منه. # وقيل: يجوز له أن يقلد مجتهدا من مجتهدي الصحابة. # ولأهل الأصول في هذه المباحث كلام طويل، وليست محتاجة إلى التطوير، فإن ~~القول فيها لا مستند له إلا محض الرأي. PageV02P236 ### | المسألة التاسعة: في جواز تفويض المجتهد # ... # المسألة التاسعة: في جوز تفويض المجتهد # قال الرازي في "المحصول": اختلفوا في أنه هل يجوز أن يقول الله تعالى ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، أو للعالم: احكم، فإنك لا تحكم إلا بالصواب؟ # فقطع بوقوعه مويس بن عمران1 من المعتزلة، وقطع جمهور المعتزلة بامتناعه. # وتوقف الشافعي في امتناعه وجوازه، وهو المختار. انتهى. # ولا خلاف في جواز التفويض إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو المجتهد، أن ~~يحكم بما رآه بالنظر والاجتهاد، وإنما الخلاف في تفويض الحكم بما شاء ~~المفوض، وكيف اتفق له. # واستدل من قال بالجواز: بأنه ليس بممتنع لذاته، والأصل عدم امتناعه ~~لغيره. # وهذا الدليل ساقط جدا، وتفويض من كان ذا علم، ms491 بأن يحكم بما أراد من غير ~~تقييد بالنظر والاجتهاد، مع كون الأحكام الشرعية تختلف مسالكها، وتتباين ~~طرائقها، ولا علم للعبد بما عند الله عز وجل فيها، ولا بما هو الحق الذي ~~يريده من عباده، ولا ينبغي لمسلم أن يقول بجوازه، ولا يردد في بطلانه، فإن ~~العالم الجامع لعلوم الاجتهاد، المتمكن من النظر والاستدلال، إذا بحث وفحص، ~~وأعطى النظر حقه، فليس معه إلا مجرد الظن بأن ذلك الذي رجحه، وقاله هو الحق ~~الذي طلبه الله عز وجل، فكيف يحل له أن يقول ما أراد، ويفعل ما اختار، من ~~دون نظر واجتهاد، وكيف يجوز مثل ذلك على الله عز وجل، مع القطع: بأن هذا ~~العالم الذي زعم الزاعم جواز تفويضه مكلف بالشريعة الإسلامية؛ لأنه واحد من ~~أهلها، مأخوذ بما أخذوا به، مطلوب منه ما طلب منهم، فما الذي رفع عنه ~~التكليف الذي كلف به غيره، وما الذي أخرجه مما كان فيه من الخطاب، بما كلف ~~به، وهل هذه المقالة إلا مجرد جهل بحت، ومجازفة ظاهرة، وكيف يصح أن يقال ~~بتفويض العبد، مع جهله بما في أحكام الله من المصالح، فإن من كان "هكذا"* ~~قد يقع اختياره على ما فيه مصلحة، وعلى ما لا مصلحة فيه. PageV02P237 # وأما الاستدلال بقوله سبحانه: {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما ~~حرم إسرائيل على نفسه} 1 فهو خارج عن محل النزاع؛ لأن هذا تفويض لنبي من ~~أنبياء الله، وهم معصومون من الخطأ، وإذا وقع منهم نادرا فلا يقرون عليه، ~~وجميع إصدارهم وإيرادهم هو بوحي من الله عز وجل، أو باجتهاد يقرره الله عز ~~وجل، ويرضاه، وهكذا يقال فيما استدلوا به من اجتهادات نبينا صلى الله عليه ~~وسلم، ووقع الجوابات منه على "من"* سأله من دون انتظار الوحي، وبمثل قوله ~~صلى الله عليه وسلم: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت" 2 وبمثل قوله لما سمع ~~أبيات قتيلة بنت الحارث"3: "لو بلغني هذا لمننت عليه" أي: على أخيها النضر ~~بن الحارث4 أحد أسرى بدر، والقصة والشعر معروفان. # وأما ms492 اعتذار من اعتذر عن القائل بصحة ذلك، بأنه إنما قال بالجواز، ولم ~~يقل بالوقوع، فليس هذا الاعتذار بشيء، فإن تجويز مثل هذا على الله عز وجل، ~~مما لا يحل لمسلم أن يقول به. # وقد عرفت أنه لا خلاف في جواز التفويض إلى الأنبياء، وإلى المجتهدين ~~بالنظر والاجتهاد، فليس محل النزاع إلا التفويض "لمن"** كان من أهل العلم، ~~أن يحكم بما شاء، وكيف اتفق، وحينئذ يتبين لك أن غالب ما جاءوا به "في هذه ~~المسألة من الأدلة واقع في غير موقعه، وأنه لا يمكن الاستدلال به في محل ~~الخلاف، ولم يأتوا بشيء تقبله العقول، ولا بدليل يدل عليه الشرع، بل جميع ~~ما جاءوا به"*** جهل على جهل، وظلمات بعضها فوق بعض. PageV02P238 ### | الفصل الثاني: في التقليد وما يتعلق به من أحكام المفتي والمستفتي ### | المسألة الأولى: في حد التقليد، والمفتي، والمستفي # ... # الفصل الثاني: في التقليد وما يتعلق به من أحكام المفتي والمستفتي # وفيه ست مسائل: # المسألة الأولى: في حد التقليد، والمفتي، والمستفتي # أما التقليد: فأصله في اللغة مأخوذ من القلادة، التي يقلد غيره بها، ومنه ~~تقليد الهدي، فكأن المقلد جعل ذلك الحكم، الذي قلد فيه المجتهد كالقلادة في ~~عنق من قلده. # وفي الاصطلاح: هو العمل بقول الغير من غير حجة1. # فيخرج العمل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعمل بالإجماع، ورجوع ~~العامي إلى المفتي، ورجوع القاضي إلى شهادة العدول، فإنها قد قامت الحجة في ~~ذلك. # أما العمل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالإجماع، فقد تقدم ~~الدليل على ذلك في مقصد السنة، وفي مقصد الإجماع. # وأما رجوع القاضي إلى قول الشهود: فالدليل عليه ما في الكتاب والسنة، من ~~الأمر بالشهادة، والعمل بها، وقد وقع الإجماع على ذلك. # وأما رجوع العامي إلى قول المفتي، فللإجماع على ذلك. # ويخرج عن ذلك قبول رواية الرواة، فإنه قد دل الدليل على قبولها، ووجوب ~~العمل بها، وأيضا: ليست قول الراوي، بل قول من روى عنه، إن كان ممن تقوم به ~~الحجة. # وقال ابن الهمام في "التحرير": ms493 التقليد العمل بقول من ليس قوله إحدى ~~الحجج بلا حجة. وهذا الحد أحسن من الذي قبله. # وقال القفال: هو قبول قول القائل، وأنت لا تعلم من أين قاله. # وقال الشيخ أبو حامد، والأستاذ أبو منصور: هو قبول القول من غير حجة تظهر ~~على قوله. # وقيل: هو قبول قول الغير دون حجته، أي: حجة القول. # والأولى أن يقال: هو قبول رأي من لا تقوم به الحجة بلا حجة. # وفوائد هذه القيود معروفة بما تقدم. PageV02P239 # وأما المفتي فهو المجتهد، وقد تقدم بيانه، ومثله قول من قال: إن المفتي ~~الفقيه؛ لأن المراد به المجتهد في مصطلح أهل الأصول. # والمستفتي من ليس بمجتهد، ومن ليس بفقيه، وقد عرفت من حد المقلد، على ~~جميع الحدود، المذكورة، أن قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم والعمل به ~~ليس من التقليد في شيء؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم وفعله نفس الحجة1. # قال القاضي حسين في "التعليق": لا خلاف أن قبول قول غير النبي صلى الله ~~عليه وسلم، من الصحابة، والتابعين، يسمى تقليدا، وأما قبول قوله صلى الله ~~عليه وسلم، فهل يسمى تقليدا؟ فيه وجهان "يبنيان"* على الخلاف في حقيقة ~~التقليد ما هو؟ # وذكر الشيخ أبو حامد أن الذي نص عليه الشافعي أنه يسمى تقليدا، فإنه قال ~~في حق قول الصحابي لما ذهب إلى أنه لا يجب الأخذ به، ما نصه: وأما أن ~~يقلده، فلم يجعل الله ذلك لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى. # ولا يخفاك أن مراده بالتقليد ههنا غير ما وقع عليه الاصطلاح، ولهذا قال ~~الروياني في "البحر": أطلق الشافعي على جعل القبول من النبي صلى الله عليه ~~وسلم تقليدا، ولم يرد حقيقة التقليد، وإنما أراد القبول من غير السؤال عن ~~وجهه، وفي وقوع اسم التقليد عليه وجهان. # قال: والصحيح من المذهب أنه يتناول هذا الاسم. # قال الزركشي في "البحر"2: وفي هذا إشارة إلى رجوع الخلاف إلى اللفظ، وبه ~~صرح إمام الحرمين في "التخليص" حيث قال: وهو اختلاف في عبارة يهون موقعها ms494 ~~عن ذوي التحقيق. انتهى. # وبهذا تعرف أن التقليد بالمعنى المصطلح "عليه"** لا يشمل ذلك، وهو ~~المطلوب. # قال ابن دقيق العيد: إن قلنا إن الأنبياء لا يجتهدون، فقد علمنا أن سبب ~~أقوالهم الوحي، فلا يكون تقليدا، وإن قلنا إنهم يجتهدون، فقد علمنا أن ~~السبب أحد الأمرين: إما الوحي، أو الاجتهاد، وعلى كل تقدير، فقد علمنا ~~السبب، واجتهادهم اجتهاد معلوم العصمة. انتهى. # وقد نقل القاضي في "التقريب" الإجماع على أن الآخذ بقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم والراجع إليه ليس بمقلد، بل هو صائر إلى دليل وعلم يقين. انتهى. ~~PageV02P240 ### | المسألة الثانية: حكم التقليد في أصول الدين # اختلفوا في المسائل العقلية، وهي المتعلقة بوجود الباري وصفاته، هل يجوز ~~التقليد فيها أم لا؟ # فحكى الرازي في "المحصول" عن كثير من الفقهاء أنه يجوز، ولم يحكه ابن ~~الحاجب في "المختصر" إلا عن العنبري. # وذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز. # وحكاه الأستاذ أبو إسحاق في "شرح الترتيب"1 عن إجماع أهل العلم من أهل ~~الحق وغيرهم من الطوائف. # قال أبو الحسين بن القطان: لا نعلم خلافا في امتناع التقليد في التوحيد. # وحكاه ابن السمعاني عن جميع المتكلمين، وطائفة من الفقهاء. # وقال إمام الحرمين في "الشامل"2: لم يقل بالتقليد في الأصول إلا ~~الحنابلة. # وقال الإسفراييني: لا يخالف فيه إلا أهل الظاهر. # واستدل الجمهور بأن الأمة أجمعت على وجوب معرفة الله عز وجل، وأنها لا ~~تحصل بالتقليد؛ لأن المقلد ليس معه إلا الأخذ بقول من يقلده، ولا يدري أهو ~~صواب أم خطأ. # قال الأستاذ أبو منصور: فلو اعتقد من غير معرفة بالدليل، فاختلفوا فيه: ~~فقال أكثر الأئمة: إنه مؤمن من أهل الشفاعة، وإن فسق بترك الاستدلال، وبه ~~قال أئمة الحديث. # وقال الأشعري، وجمهور المعتزلة: لا يكون مؤمنا حتى يخرج فيها عن جملة ~~المقلدين. انتهى. # فيا لله العجب من هذه المقالة التي تقشعر لها الجلود، وترجف عند سماعها ~~الأفئدة، فإنها جناية على جمهور هذه الأمة المرحومة، وتكليف لهم بما ليس في ~~وسعهم ولا يطيقونه، وقد كفى الصحابة الذين لم يبلغوا ms495 درجة الاجتهاد، ولا ~~قاربوها الإيمان الجملي، ولم يكلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بين ~~أظهرهم بمعرفة ذلك، ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم ~~بذلك أدلته. PageV02P241 # وما حكاه الأستاذ أبو منصور عن أئمة الحديث من أنه مؤمن، وإن فسق، فلا ~~يصح التفسيق عنهم بوجه من الوجوه، بل مذهب سابقهم ولاحقهم الاكتفاء ~~بالإيمان الجملي، وهو الذي كان عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين ~~يلونهم، بل حرم كثير منهم النظر إلى ذلك، وجعله في الضلالة والجهالة، ولم ~~يخف هذا من مذهبهم، حتى على أهل الأصول والفقه. # قال الأستاذ أبو إسحاق1: ذهب قوم من كتبة الحديث إلى أن طلب الدليل فيما ~~يتعلق بالتوحيد غير واجب، وإنما الغرض هو الرجوع إلى قول الله ورسوله، ~~ويرون الشروع في موجبات العقول كفرا، وأن الاستدلال والنظر ليس هو المقصود ~~في نفسه، وإنما هو طريق إلى حصول العلم، حتى يصير بحيث لا يتردد، فمن حصل ~~له هذا الاعتقاد الذي لا شك فيه، من غير دلالة قاطعة، فقد صار مؤمنا، وزال ~~عنه كلفة طلب الأدلة، ومن أحسن الله إليه وأنعم الله عليه بالاعتقاد ~~الصافي، من الشبهة والشكوك، فقد أنعم الله عليه بأكمل أنواع النعم وأجلها، ~~حين لم يكله إلى النظر والاستدلال، لا سيما العوام، فإن كثيرا منهم تجده في ~~صيانة اعتقاده أكثر ممن يشاهد ذلك بالأدلة. انتهى. # ومن أمعن النظر في أحوال العوام "وجد هذا"* صحيحا، فإن كثيرا منهم نجد ~~الإيمان في صدره كالجبال الرواسي، ونجد بعض المتعلقين بعلم الكلام، ~~المشتغلين به، الخائضين في معقولاته التي يتخبط فيها أهلها لا يزال ينقص ~~إيمانه، وتنتقض منه عروة عروة، فإن أدركته الألطاف الربانية نجا، وإلا هلك، ~~ولهذا تمنى كثير من الخائضين في هذه العلوم، المتبحرين في أنواعها، في آخر ~~أمره، أن يكون على دين العجائز، ولهم في ذلك من الكلمات المنظومة والمنثورة ~~ما لا يخفى على من له إطلاع على أخبار الناس. # وقد أنكر القشيري، والشيخ أبو محمد الجويني، وغيرهما، من المحققين صحة ~~هذه الرواية ms496 المتقدمة عن أبي الحسن الأشعري. # قال ابن السمعاني: إيجاب معرفة الأصول على ما يقوله المتكلمون بعيد جدا ~~عن الصواب، ومتى أوجبنا ذلك فمتى يوجد من العوام من يعرف ذلك، وتصدر عقيدته ~~عنه، كيف وهم لو عرضت عليهم تلك "الأدلة** لم يفهموها، وإنما غاية العامي ~~أن يتلقن ما يريد أن يعتقده، ويلقى به ربه، من العلماء يتبعهم في ذلك، ثم ~~يسلم عليها بقلب طاهر عن الأهواء، والأدغال2، ثم PageV02P242 # يعض عليها بالنواجز، فلا يحول ولا يزول، ولو قطع أربا، فهنيئا لهم ~~بالسلامة، والبعد عن الشبهات الداخلية على أهل الكلام، والورطات التي ~~توغلوها، حتى أدت بهم إلى المهاوي والمهالك، ودخلت عليهم الشبهات العظيمة، ~~فصاروا متحيرين، ولا يوجد فيهم متورع عفيف، إلا القليل، فإنهم أعرضوا عن ~~ورع الألسنة، وأرسلوها في صفات الله بجرأة وعدم مهابة وحرمة. # قال: ولأنه ما من دليل لفريق منهم يعتمدون عليه إلا ولخصومهم عليه من ~~الشبه القوية، ونحن لا ننكر من الدلائل العقلية بقدر ما ينال المسلم به برد ~~الخاطر، وإنما "المنكر"* إيجاب التوصل إلى العقائد في الأصول بالطريق الذي ~~اقتعدوه وساموا به الخلق، وزعموا أن من لم يعرف ذلك لم يعرف الله تعالى، ثم ~~أداهم ذلك إلى تكفير العوام أجمع، وهذا هو الخطة الشنعاء، والداء العضال، ~~وإذا كان السواد الأعظم هم العوام، وبهم قوم الدين، وعليهم مدار رحى ~~الإسلام، ولعله لا يوجد في البلدة الواحدة، التي تجمع المائة الألف من يقوم ~~بالشرائط التي يعتبرونها، إلا العدد الشاذ النادر، ولعله لا يبلغ عدد ~~العشرة. انتهى. PageV02P243 ### | المسألة الثالثة: حكم التقليد في المسائل الشرعية الفرعية # اختلفوا في المسائل الشرعية الفرعية، هل يجوز التقليد فيها أم لا1؟ # المذهب الأول: # ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يجوز مطلقا2. # قال القرافي: مذهب مالك، وجمهور العلماء: وجوب الاجتهاد، وإبطال التقليد، ~~وادعى ابن حزم الإجماع على النهي عن التقليد. # قال: ونقل عن مالك أنه قال: أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فما ~~وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق فاتركوه، وقال عند موته: ms497 وددت ~~أني ضربت بكل مسألة تكلمت فيها برأيي سوطا، على أنه لا صبر لي على السياط. # قال ابن حزم: فههنا مالك ينهى عن التقليد، وكذلك الشافعي، وأبو حنيفة، ~~وقد روى المزني عن الشافعي في أول "مختصره"3 أنه لم يزل ينهى عن تقليده، ~~وتقليد غيره. انتهى. PageV02P243 # وقد ذكرت نصوص الأئمة الأربعة المصرحة بالنهي عن التقليد في الرسالة التي ~~سميتها "القول المفيد في حكم التقليد" فلا نطول المقام بذكر ذلك. وبهذا ~~تعلم أن المنع من التقليد إن لم يكن إجماعا، فهو مذهب الجمهور، ويؤيد هذا ~~ما سيأتي في المسألة التي بعد هذه، من حكاية الإجماع على عدم جواز تقليد ~~الأموات، وكذلك ما سيأتي من أن عمل المجتهد برأيه إنما هو رخصة له، عند عدم ~~الدليل، ولا يجوز لغيره أن يعمل به بالإجماع، فهذان الإجماعان يجتثان ~~التقليد من أصله، فالعجب من كثير من أهل الأصول، حيث لم يحكوا هذا القول ~~إلا عن بعض المعتزلة. # والمذهب الثاني: # وقابل مذهب القائلين بعدم الجواز بعض الحشوية وقال: يجب مطلقا1، ويحرم ~~النظر، وهؤلاء لم يقنعوا بما هم فيه من الجهل، حتى أوجبوه على أنفسهم، وعلى ~~غيرهم، فإن التقليد جهل وليس بعلم. # والمذهب الثالث: # التفصيل، وهو أنه يجب على العامي، ويحرم على المجتهد، وبهذا قال كثير من ~~أتباع الأئمة الأربعة، ولا يخفاك أنه إنما يعتبر في الخلاف أقوال ~~المجتهدين، وهؤلاء هم مقلدون، فليسوا ممن يعتبر خلافه، ولا سيما وأئمتهم ~~الأربعة يمنعونهم من تقليدهم وتقليد غيرهم، وقد تعسفوا فحملوا كلام أئمتهم ~~هؤلاء على أنهم أرادوا المجتهدين من الناس، لا المقلدين، فيا لله العجب. # وأعجب من هذا: أن بعض المتأخرين ممن صنف في الأصول نسب هذا القول إلى ~~الأكثر، وجعل الحجة لهم بالإجماع على عدم الإنكار على المقلدين، فإن أراد ~~إجماع خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، فتلك دعوى باطلة، ~~فإنه لا تقليد فيهم ألبتة، ولا عرفوا التقليد، ولا سمعوا به، بل كان المقصر ~~منهم يسأل العالم عن المسألة التي تعرض له، فيفتيه بالنصوص التي يعرفها من ~~الكتاب ms498 والسنة، وهذا ليس من التقليد في شيء، بل هو من باب طلب حكم الله في ~~المسألة، والسؤال عن الحجة الشرعية. # وقد عرفت في أول هذا الفصل أن التقليد إنما هو العمل بالرأي، لا ~~بالرواية، وليس المراد بما احتج به الموجبون للتقليد، والمجوزون له من قوله ~~سبحانه: {فاسألوا أهل الذكر} 2 إلا السائل عن حكم الله في المسألة، لا عن ~~آراء الرجال، هذا على تسليم أنها واردة في عموم السؤال، كما زعموا، وليس ~~الأمر كذلك، بل هي واردة في أمر خاص، وهو السؤال عن كون أنبياء الله رجالا، ~~كما يفيده أول الآية وآخرها، حيث قال: PageV02P244 # {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون بالبينات والزبر} 1؛ وإن أراد إجماع الأئمة الأربعة، فقد عرفت أنهم ~~قالوا بالمنع من التقليد، ولم يزل في عصرهم من ينكر ذلك، وإن أراد إجماع من ~~بعدهم، فوجود المنكرين لذلك منذ ذلك الوقت إلى هذه الغاية معلوم لكل من ~~يعرف أقوال أهل العلم، وقد عرفت مما نقلناه سابقا أن المنع قول الجمهور، ~~إذا لم يكن إجماعا، وإن أراد إجماع المقلدين للأئمة الأربعة خاصة، فقد عرفت ~~مما قدمنا في مقصد الإجماع أنه لا اعتبار بأقوال المقلدين في شيء، فضلا عن ~~أن ينعقد بهم إجماع. # والحاصل: أنه لم يأت من جوز التقليد، فضلا عمن أوجبه، بحجة ينبغي ~~الاشتغال بجوابها قط، ولم نؤمر برد شرائع الله سبحانه إلى آراء الرجال، بل ~~أمرنا بما قاله سبحانه: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} 2 أي: ~~كتاب الله، وسنة رسوله، وقد كان صلى الله عليه وسلم يأمر من يرسله من ~~أصحابه بالحكم بكتاب الله، فإن لم يجد فبسنة رسول الله، فإن لم يجد فبما ~~يظهر له من الرأي كما في حديث معاذ3. # وأما ما ذكروه من استبعاد أن يفهم المقصرون نصوص الشرع، وجعلوا ذلك مسوغا ~~للتقليد، فليس الأمر كما ذكروه، فههنا واسطة بين الاجتهاد والتقليد، وهي ~~سؤال الجاهل للعالم عن الشرع فيما يعرض له، لا عن ms499 رأيه البحث واجتهاده ~~المحض، وعلى هذا كان عمل المقصرين من الصحابة والتابعين، وتابعيهم، ومن لم ~~يسعه ما وسع أهل هذه القرون الثلاثة، الذين هم خير قرون هذه الأمة على ~~الإطلاق، فلا وسع الله عليه، وقد ذم الله تعالى المقلدين في كتابه العزيز ~~في كثير من الآيات: {إنا وجدنا آباءنا} 4 {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ~~من دون الله} 5، {إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} 6، وأمثال ~~هذه الآيات، ومن أراد استيفاء هذا البحث على التمام، فليرجع إلى الرسالة ~~التي قدمت الإشارة إليها وإلى المؤلف الذي سميته "أدب الطلب ومنتهى الأرب". ~~وما أحسن ما حكاه الزركشي في "البحر" عن المزني أنه قال: يقال لمن حكم ~~بالتقليد هل لك من حجة؟ فإن قال: نعم أبطل التقليد؛ لأن الحجة أوجبت ذلك ~~عنده، لا التقليد، وإن قال بغير علم، قيل له: فلم أرقت الدماء، وأبحت ~~الفروج، والأموال؟، وقد حرم الله ذلك إلا بحجة، فإن قال: أنا أعلم أني أصبت ~~وإن لم أعرف الحجة؛ لأن معلمي من كبار العلماء، قيل له: تقليد معلم معلمك ~~أولى من تقليد معلمك؛ لأنه لا يقول PageV02P245 # إلا بحجة خفيت عن معلمك، كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عنك، فإن قال: ~~نعم ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه، "و"* كذلك حتى ينتهي إلى العالم ~~من الصحابة، فإن أبى ذلك نقض قوله، وقيل له: كيف يجوز تقليد من هو أصغر، ~~وأقل علما، ولا يجوز تقليد من هو أكبر، وأغزر علما، وقد روي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه حذر من زلة العالم1. # وعن ابن مسعود أنه قال: "لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن، وإن كفر ~~كفر، فإنه لا أسوة في الشر"2. انتهى. # قلت: تتميما لهذا الكلام: وعندما ينتهى إلى العالم من الصحابة يقال له: ~~هذا الصحابي أخذ علمه من أعلم البشر، المرسل من الله تعالى إلى عباده، ~~المعصوم من الخطأ في أقواله وأفعاله، فتقليده أولى من تقليد الصحابي، الذي ~~لم يصل إليه إلا شعبة من شعب علومه، وليس ms500 له من العصمة شيء، ولم يجعل الله ~~سبحانه قوله، ولا فعله، ولا اجتهاده حجة على أحد من الناس. # واعلم: أنه لا خلاف في أن رأي المجتهد، عند عدم الدليل، إنما هو رخصة له، ~~يجوز له العمل بها عند فقد الدليل، ولا يجوز لغيره العمل بها بحال من ~~الأحوال، ولهذا نهى كبار الأئمة عن تقليدهم، وتقليد غيرهم، وقد عرفت "من ~~تحقيق"** حال المقلد أنه إنما يأخذ بالرأي، لا بالرواية، ويتمسك بمحض ~~الاجتهاد غير مطالب بحجة، فمن قال: إن رأي المجتهد يجوز لغيره التمسك به، ~~ويسوغ له أن يعمل به، فيما كلفه الله، فقد جعل هذا المجتهد صاحب شرع، ولم ~~يجعل الله ذلك لأحد من هذه الأمة، بعد نبينا صلى الله عليه وسلم ولا يتمكن ~~كامل ولا مقصر أن يحتج على هذا بحجة قط. # وأما مجرد الدعاوى، والمجازفات في شرع الله تعالى، فليست بشيء، ولو جازت ~~الأمور الشرعية بمجرد الدعاوى، لادعى من شاء ما شاء، وقال من شاء بما شاء. ~~PageV02P246 ### | المسألة الرابعة: حكم إفتاء المقلد # اختلفو هل يجوز لمن ليس بمجتهد أن يفتي بمذهب إمامه الذي يقلده، أو بمذهب ~~إمام آخر؟ # فقيل: لا يجوز، وإليه ذهب جماعة من أهل العلم، منهم أبو الحسين البصري، ~~والصيرفي، وغيرهما، قال الصيرفي: وموضوع هذا الاسم، يعني: المفتي، لمن قام ~~للناس بأمر دينهم و"علم"* حمل عموم القرآن وخصوصه، وناسخه ومنسوخه، وكذلك ~~السنن، والاستنباط، ولم يوضع لمن علم مسألة وأدرك حقيقتها، فمن بلغ هذه ~~المرتبة سموه بهذا الاسم، ومن استحقه أفتى فيما استفتي. # قال ابن السمعاني: المفتي من استكمل فيه ثلاث شرائط: الاجتهاد، والعدالة، ~~والكف عن الترخيص والتساهل، قال: ويلزم الحاكم من الاستظهار في الاجتهاد ~~أكثر مما يلزم المفتي. # قال الرازي في "المحصول": اختلفوا في غير المجتهد، هل يجوز له الفتوى بما ~~يحكيه عن المفتين، فنقول: لا يخلو إما أن يحكي عن ميت أو حي، فإن حكى عن ~~ميت لم يجز له الأخذ بقوله؛ لأنه لا قول للميت، "بدليل أن"** الإجماع لا ~~ينعقد على خلافه حيا، وينعقد على ms501 موته، وهذا يدل على أنه لم يبق له قول بعد ~~موته. # فإن قلت: لم صنفت كتب الفقه مع فناء أرباها؟ # قلت: لفائدتين: # إحداهما: # استفادة طرق الاجتهاد من تصرفهم في الحوادث، وكيف بني بعضها على بعض. # والثانية: # معرفة المتفق عليه من المختلف فيه، فلا يفتى بغير المتفق عليه. انتهى. # وفي كلامه هذا التصريح بالمنع من تقليد الأموات، وقد حكى الغزالي في ~~"المنخول" إجماع أهل الأصول على المنع من تقليد الأموات1. PageV02P247 # قال الروياني في "البحر": إنه القياس، وعللوا ذلك بأن الميت ليس من أهل ~~الاجتهاد، كمن تجدد فسقه بعد عدالته فإنه لا يبقى حكم عدالته، وإما لأن ~~قوله وصف له، وبقاء الوصف بعد زوال الأصل محال، وإما لأنه لو كان حيا لوجب ~~عليه تجديد الاجتهاد، وعلى تقدير تجديده لا يتحقق بقاؤه، على القول الأول، ~~فتقليده بناء على وهم أو تردد، والقول بذلك غير جائز. # وبهذا تعرف أن قول من قال بجواز فتوى المقلد، حكاية عن مجتهد، ليس على ~~إطلاقه. # وذهب جماعة إلى أنه يجز للمقلد أن يفتي بمذهب مجتهد من المجتهدين، بشرط ~~أن يكون ذلك المفتي أهلا للنظر، مطلعا على مأخذ ذلك القول الذي أفتى به، ~~وإلا فلا يجوز. # وحكاه القاضي عن القفال، ونسبه بعض المتأخرين إلى الأكثرين، وليس كذلك، ~~ولعله يعني الأكثرين من المقلدين، وبعضهم نسبه إلى الرازي، وهو غلط عليه، ~~فإن اختياره المنع. # واحتج بعض أهل هذا القول بانعقاد الإجماع في زمنه على جواز العمل بفتاوى ~~الموتى. # قال الهندي: وهذا فيه نظر؛ لأن الإجماع إنما يعتبر من أهل الحل والعقد، ~~وهم المجتهدون، والمجمعون ليسوا بمجتهدين، فلا يعتبر إجماعهم بحال1. # قال ابن دقيق العيد: توقيف الفتيا على حصول المجتهد، يفضي إلى حرج عظيم ~~أو استرسال الخلق في أهويتهم، فالمختار أن الراوي عن الأئمة المتقدمين، إذا ~~كان عدلا متمكنا من فهم كلام الإمام، ثم حكى لمقلد قوله، فإنه يكتفى به؛ ~~لأن ذلك مما يغلب على ظن العامي أنه حكم الله عنده، وقد انعقد الإجماع في ~~زماننا على هذا النوع من الفتيا، هذا ms502 مع العلم الضروري بأن نساء الصحابة كن ~~يرجعن في أحكام الحيض وغيره إلى ما يخبر به أزواجهن عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكذلك فعل علي رضي الله عنه حين أرسل المقداد بن الأسود في قصة ~~المذي2، وفي مسألتنا أظهر، فإن مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ ذاك ~~ممكنة، ومراجعة المقلد الآن للأئمة السابقين متعذرة، وقد أطبق الناس على ~~تنفيذ أحكام القضاة، مع عدم شرائط الاجتهاد اليوم. انتهى. # قلت: وفي كلام هذا المحقق ما لا يخف على الفطن، أما قوله: يفضي إلى حرج ~~عظيم إلخ فغير مسلم، فإن من حدثت له الحادثة لا يتعذر عليه أن يستفتي من ~~يعرف ما شرعه الله في PageV02P248 # المسألة في كتابه، أو على لسان رسوله، كما يمكنه أن يسأل من يعرف مذهب ~~مجتهد من الأموات عن رأي ذلك المجتهد في حادثته. # وأما استدلاله على الجواز بقوله: لأن ذلك مما يغلب على ظن العامي إلخ، ~~فمن أغرب ما يسمعه السامع، لا سيما عن مثل هذا الإمام، وأي ظن لهذا العامي ~~بالنسبة إلى الأحكام الشرعية، وأي تأثير لظنون العامة، الذين لا يعرفون ~~الشريعة، ومعلوم أن ظن غالبهم لا يكون إلا فيما يوافق هواه {ولو اتبع الحق ~~أهواءهم لفسدت السماوات والأرض} 1. # وأما قوله مع العلم الضروري، بأن نساء الصحابة إلخ، فنقول: نعم ذلك أمر ~~ضروري، فكان ماذا، فإن ذلك ليس باستفتاء عن رأي من ليس بحجة، بل استفتاء عن ~~الشرع في ذلك الحكم، فإن كان المسول يعلمه رواه للسائل، وإن لم يعلمه أحال ~~"السائل"* على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو على من يعلمه من أصحابه، ~~وهكذا فيمن بعدهم، ونحن لا نطلب من العامي والمقصر إذا نابته نائبة وحدثت ~~له حادثة إلا أن يفعل هكذا، فيسأل علماء عصره، كما كان الصحابة والتابعون ~~فتابعوهم يسألون أهل العلم فيهم، وما كانوا يسألونهم عن مذاهبهم، ولا عما ~~يقولونه بمحض الرأي. # فإن قلت: ليس مراد هذا المحقق إلا أنهم يستفتون المقلد عما صح لذلك ~~المجتهد بالدليل. # قلت: إذا كان مراده ms503 هذا، فأي فائدة لإدخال "المجتهد"** في البين، وما ~~ثمرة ذلك، فينبغي له أن يسأل عن الثابت في الشريعة ويكون المسئول "ممن"*** ~~لا يجهله، فيفتيه حينئذ بفتوى قرآنية، أو نبوية، ويدع السؤال عن مذاهب ~~النسا، ويستغني بمذهب إمامهم الأول، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وأما إرسال علي للمقداد فهو إنما أرسله ليروي له ما يقوله الصادق ~~المصدوق، المعصوم عن الخطأ، وأين هذا مما نحن بصدده. # وأما قوله: وقد أطبق الناس على تنفيذ أحكام القضاة، مع عدم شرائط ~~الاجتهاد، فيجاب عنه: بأن هذا الإطباق إن كان من المجتهدين فممنوع، وإن كان ~~من العامة المقلدين فلا اعتبار به، وعلى كل حال فغير المجتهد لا يدري بحكم ~~الله في تلك الحادثة، وإذا لم "يدر به"**** فهو حاكم. PageV02P249 # بالجهل، "والحكم بالجهل"* ليس بحجة على أحد. # وذهبت طائفة إلى أنه يجوز للمقلد أن يفتي إذا عدم المجتهد، وإلا فلا. # وقال آخرون: إنه يجوز للمقلد الحي أن يفتي بما شافهه به أو ينقله إليه ~~موثوق بقوله، أو وجده مكتوبا في كتاب معتمد عليه، ولا يجوز له تقليد الميت. # قال الروياني، والماوردي: إذا علم العامي حكم الحادثة ودليلها، فهل له أن ~~يفتي؟ فيه أوجه: # ثالثها: # إن كان الدليل نصا من كتاب أو سنة جاز، وإن كان نظرا واستنباطا لم يجز # قالا: والأصح أنه لا يجوز مطلقا؛ لأنه قد يكون هناك دلالة تعارضها أقوى ~~منها. # وقال الجويني في "شرح الرسالة": من حفظ نصوص الشافعي، وأقوال الناس ~~بأسرها، غير أنه لا يعرف حقائقها ومعانيها؛ لا يجوز له أن يجتهد ويقيس، ولا ~~يكون من أهل الفتوى، ولو أفتى فإنه لا يجوز. PageV02P250 ### | المسألة الخامسة: حكم سؤال العالم بالكتاب والسنة # إذا تقرر لك أن العامي يسأل العالم، والمقصر يسأل الكامل، فعليه أن يسأل ~~أهل العلم المعروفين بالدين، وكمال الورع، عن العالم بالكتاب والسنة، ~~العارف بما فيهما، المطلع على ما يحتاج إليه في فهمهما، من العلوم الآلية، ~~حتى يدلوه عليه، ويرشدوه إليه، فيسأله عن حادثته "طالبا"* منه أن يذكر له ~~فيها ما ms504 في كتاب الله سبحانه، أو ما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فحينئذ يأخذ الحق من معدنه، ويستفيد الحكم من موضعه، ويستريح من الرأي الذي ~~لا يأمن المتمسك به أن يقع في الخطأ، المخالف للشرع، المباين للحق، ومن سلك ~~هذا المنهج، ومشى في هذا الطريق، لا يعدم مطلبه، ولا يفقد من يرشده إلى ~~الحق، فإن الله سبحانه وتعالى قد أوجد لهذا الشأن من يقوم به، ويعرفه حق ~~معرفته، وما من مدينة من المدائن إلا وفيها جماعة من علماء الكتاب والسنة، ~~وعند ذلك يكون حكم هذا المقصر حكم المقصرين من الصحابة، والتابعين، ~~وتابعيهم، فإنهم كانوا يستروون النصوص من العلماء، ويعملون على ما يرشدونهم ~~إليه، ويدلونهم عليه، وقد ذكر أهل الأصول أنه يكفي العامي في الاستدلال على ~~من له أهلية الفتوى بأن يرى الناس متفقين على سؤاله، مجتمعين على الرجوع ~~إليه، ولا يستفتي من "كان"** مجهول. PageV02P250 # الحال، كما صرح به الغزالي، والآمدي، وابن الحاجب. # وحكى في "المحصول" الاتفاق على المنع، وشرط القاضي أخبار من يوجب خبره ~~العلم بكونه عالما في الجملة، ولا يكفي خبر الواحد والاثنين، وخالفه غيره ~~في ذلك، فاكتفوا بخبر عدلين، وممن صرح بذلك صاحب "المنخول"*، فقال: واشتراط ~~تواتر الخبر بكونه مجتهدا، كما قاله الأستاذ غير سديد، واشترط القاضي، ~~وجماعة من المحققين امتحانه بالمسائل المتفرقة، ومراجعته فيها، فإن أصاب في ~~الجواب غلب على ظنه كونه مجتهدا، وذهب جماعة من الشافعية إلى أنها تكفي ~~الاستفاضة بين الناس. # قال ابن برهان في "الوجيز": قيل: يقول له مجتهد أنت، وأقلدك؟ فإن أجابه ~~قلده. قال: وهذا أصح المذاهب، وجزم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي بأنه يكفيه ~~خبر العدل الواحد من فقهه وأمانته؛ لأن طريقه طريق الأخبار. انتهى. # وإذا كان في البلد جماعة متصفون بهذه الصفة، المسوغة للأخذ عنهم، ~~فالمستفتي مخير بينهم، كما صرح به عامة أصحاب الشافعي. # قال الرافعي: وهو الأصح. # وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وإلكيا: إنه يبحث عن الأعلم منهم، ~~فيسأله، وقد سبقه إلى القول بذلك ابن سريج، والقفال، قالوا: لأن ms505 الأعلم ~~أهدى إلى أسرار الشرع. # وإذا اختلف عليه فتوى علماء عصره، فقيل: هو مخير يأخذ بما شاء منها، وبه ~~قال أكثر أصحاب الشافعي، وصححه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والخطيب ~~البغدادي، وابن الصباغ، والقاضي، والآمدي. # واستدلوا بإجماع الصحابة على عدم إنكار العمل بقول المفضول، مع وجود ~~الأفضل. # وقيل: يأخذ بالأغلظ، حكاه الأستاذ أبو منصور، عن أهل الظاهر. # وقيل: يأخذ بالأخف. # وقيل: يبحث عن الأعلم منهم، فيأخذ بقوله، وهو قول من قال: إنه يبحث عن ~~الأعلم كما تقدم. # وقيل: يأخذ بقول الأول، حكاه الروياني. # وقيل: يأخذ بقول من يعمل على الرواية دون الرأي، حكاه الرافعي. # وقيل: يجب عليه أن يجتهد فيما يأخذ، مما اختلفوا فيه، حكاه ابن السمعاني. # وقيل: إن كان في حق الله أخذ بالأخف، وإن كان في حق العباد أخذ بالأغلظ، ~~حكاه الأستاذ أبو منصور. # وقيل: إنه يسأل المختلفين عن حجتهما إن اتسع عقله لفهم ذلك، فيأخذ بأرجح ~~الحجتين عنده، وإن لم يتسع عقله لذلك أخذ بقول المعتبر عنده، قاله الكعبي. ~~PageV02P251 ### | المسألة السادسة: حكم الالتزام بمذهب معين # اختلف المجوزون للتقليد، هل يجب على العامي التزام مذهب معين في كل ~~واقعة؟ # فقال جماعة منهم: يلزمه؛ ورجحه إلكيا. # وقال آخرون: لا يلزمه، ورجحه ابن برهان والنووي. # واستدلوا بأن الصحابة رضي الله عنهم لم ينكروا على العامة تقليد بعضهم في ~~بعض المسائل، وبعضهم في البعض الآخر. # وذكر بعض الحنابلة أن هذا مذهب أحمد بن حنبل، فإنه قال لبعض أصحابه: لا ~~تحمل الناس على مذهبك فيحرجوا، دعهم يترخصوا بمذاهب الناس. # وسئل عن مسألة من الطلاق فقال: يقع يقع، فقال له السائل: فإن أفتاني أحد ~~أنه لا يقع يجوز؟ قال: نعم. وقال: وقد كان السلف يقلدون من شاءوا قبل ظهور ~~المذاهب1. # وقال ابن المنير: الدليل يقتضي التزام مذهب معين بعد الأربعة، لا قبلهم. ~~انتهى. # وهذا التفصيل مع زعم قائله أنه اقتضاه الدليل من أعجب ما يسمعه السامعون، ~~وأغرب ما يعتبر به المنصفون. # أما إذا التزم العامي مذهبا معينا فلهم في ذلك خلاف آخر، وهو أنه ms506 هل يجوز ~~له أن يخالف إمامه في بعض المسائل، ويأخذ بقول غيره؟ # فقيل: لا يجوز. # وقيل: يجوز. # وقيل: إن كان قد عمل بالمسألة لم يجز له الانتقال، وإلا جاز. # وقيل: إن كان بعد حدوث الحادثة التي قلد فيها لم يجز له الانتقال، وإلا ~~جاز، واختار هذا إمام الحرمين. # وقيل: إن غلب على ظنه أن مذهب غير إمامه في تلك المسألة أقوى من مذهبه ~~جاز له، وإلا لم يجز، وبه قال القدوري الحنفي2. PageV02P252 # وقيل: إن كان المذهب الذي أراد الانتقال إليه مما ينقض الحكم لم يجز له ~~الانتقال، وإلا جاز، واختاره ابن عبد السلام. # وقيل: يجوز بشرط أن ينشرح له صدره، وأن لا يكون قاصدا للتلاعب، وأن لا ~~يكون ناقضا لما قد حكم عليه به، واختاره ابن دقيق العيد. # وقد ادعى الآمدي، وابن الحاجب: أنه يجوز قبل العلم، لا بعده بالاتفاق. # واعترض عليهما: بأن الخلاف جار فيما ادعيا الاتفاق عليه. # أما لو اختار المقلد من كل مذهب ما هو الأهون عليه، والأخف له، فقال أبو ~~إسحاق المروزي: يفسق. # وقال ابن أبي هريرة: لا يفسق. # قال الإمام أحمد بن حنبل: لو أن رجلا عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ، ~~وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة، كان فاسقا. وخص القاضي من ~~الحنابلة التفسيق بالمجتهد، إذا لم يؤد اجتهاده إلى الرخصة، واتبعها العامي ~~العامل بها من غير تقليد؛ لإخلاله بفرضه وهو التقليد، فأما العامي إذا قلد ~~في ذلك فلا يفسق؛ لأنه قلد من سوغ اجتهاده. # وقال ابن عبد السلام: "إنه"* ينظر إلى الفعل الذي فعله؛ فإن كان مما ~~اشتهر تحريمه في الشرع أثم، وإلا لم يأثم. # وفي "السنن" للبيهقي عن الأوزاعي: "من أخذ بنوادر العلماء خرج عن ~~الإسلام". وروى عنه أنه قال: "يترك من قول أهل مكة المتعة، والصرف، ومن قول ~~أهل المدينة السماع، وإتيان النساء في أدبارهن، ومن قول أهل الشام الحرب ~~والطاعة، ومن قول أهل الكوفة النبيذ"1. # وحكى البيهقي عن إسماعيل القاضي2 قال: "دخلت على المعتضد3 فرفع إلي كتابا ~~PageV02P253 # "نظرت"* ms507 فيه، وقد جمع فيه الرخص، من زلل العلماء وما احتج به كل منهم، ~~فقلت: مصنف هذا زنديق، فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ "فقلت: الأحاديث"** على ~~ما رويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح ~~الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء، ثم أخذ بها ~~ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب. PageV02P254 ### | المقصد السابع: من مقاصد هذا الكتاب في التعادل والترجيح ### | المبحث الأول: في معناهما، وفي العمل بالترجيح، وفي شروطه # ... # المقصد السابع: في التعادل والترجيح # المبحث الأول: في معناهما، وفي العمل بالترجيح، وفي شروطه # أما التعادل: فهو التساوي، وفي الشرع استواء الأمارتين. # وأما الترجيح: فهو إثبات الفضل في أحد جانبي المتقابلين، أو جعل الشيء ~~راجحا، ويقال مجازا لاعتقاد الرجحان. # وفي الاصطلاح: اقتران الأمارة بما تقوى على معارضتها. # قال في "المحصول": الترجيح تقوية أحد الطرفين على الآخر، فيعلم الأقوى ~~فيعمل به، ويطرح الآخر، وإنما قلنا طرفين؛ لأنه لا يصح الترجيح بين الأمرين ~~إلا بعد تكامل كونهما "طريقين لو*" انفرد كل واحد منهما فإنه لا يصح ترجيح ~~الطرف على ما ليس بطرف. انتهى. # والقصد منه تصحيح الصحيح، وإبطال الباطل. # قال الزركشي في "البحر": اعلم أن الله لينصب على جميع الأحكام الشرعية ~~أدلة قاطعة، بل جعلها ظنية، قصدا للتوسيع على المتكلفين، لئلا ينحصروا في ~~مذهب واحد، لقيام الدليل القاطع عليه، وإذا ثبت أن المعتبر في الأحكام ~~الشرعية الأدلة الظنية، فقد تتعارض في الظاهر، بحسب جلائها وخفائها، فوجب ~~الترجيح بينهما، والعمل الأقوى. والدليل على تعيين الأقوى أنه إذا تعارض ~~دليلان، وأمارتان، فإما أن يعملا جميعا، أو "يلغيا جميعا، أو"** يعمل ~~بالمرجوح أو الراجح، وهذا متعين. # قال: أما حقيقته، يعني التعارض فهو تفاعل، من العرض، بضم العين، وهو ~~الناحية والجهة، كأن الكلام المتعارض يقف بعضه في عرض بعض، أي ناحيته ~~وجهته، فيمنعه من النفوذ إلى حيث وجه. PageV02P257 # وفي الاصطلاح: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة. # وللترجيح شروط: # الأول: # التساوي في الثبوت، فلا تعارض بين الكتاب وخبر الواحد ms508 إلا من حيث الأدلة. # الثاني: # التساوي في القوة، فلا تعارض بين المتواتر والآحاد، بل يقدم المتواتر ~~بالاتفاق، كما نقله إمام الحرمين. # الثالث: # اتفاقهما في الحكم، مع اتحاد الوقت والمحل والجهة، فلا تعارض بين النهي ~~عن البيع مثلا في وقت النداء مع الإذن به في غيره. # وحكى إمام الحرمين في تعارض الظاهرين من الكتاب والسنة مذاهب: # أحدهما: يقدم الكتاب لخبر معاذ1. # وثانيهما: تقدم السنة؛ لأنها المفسرة للكتاب، والمبينة له. # وثالثها: التعارض، وصححه، واحتج عليه بالاتفاق، وزيف2 الثاني بأنه ليس ~~الخلاف في السنة المفسرة للكتاب، بل المعارضة له. # وأقسام التعادل والترجيح بحسب القسمة العقلية عشرة؛ لأن الأدلة أربعة: ~~الكتاب، والسنة، والإجماع، "والقياس"*. # فيقع التعارض بين الكتاب والكتب، وبين الكتاب والسنة، وبين الكتاب ~~والإجماع، وبين الكتاب والقياس؛ فهذه أربعة. # ويقع بين السنة والسنة، وبين السنة والإجماع، وبين السنة والقياس؛ فهذه ~~ثلاثة. # ويقع بين الإجماع والإجماع، وبين الإجماع والقياس، وبين القياسين؛ فهذه ~~ثلاثة، والجميع عشرة. # قال الرازي في "المحصول": الأكثرون اتفقوا على جواز التمسك بالترجيح، ~~وأنكره بعضهم، وقال: عند التعارض يلزم التخيير، أو التوقف، لنا وجوه: # الأول: # إجماع الصحابة على العمل بالترجيح، فإنهم قدموا خبر عائشة بوجوب الغسل ~~عند التقاء الختانين3 على خبر "الماء من الماء"4، وقدموا خبر من روى من ~~أزواجه أنه كان صلى الله عليه وسلم PageV02P258 # يصبح جنبا1 على ما روى أبو هريرة أنه "من أصبح جنبا فلا صوم له" 2. # وقبل علي خبر أبي بكر ولم يحلفه، وكان لا يقبل من غيره إلا بعد تحليفه3، ~~وقيل أبو بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة لموافقة محمد بن مسلمة له4. # وقبل عمر خبر أبي موسى في الاستئذان لموافقة أبي سعيد الخدري له5. # الثاني: # أن الظنين إذا تعارضا، ثم ترجح أحدهما على الآخر، كان العمل بالراجح ~~متعينا عرفا، فيجب شرعا، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما رآه المسلمون حسنا ~~فهو عند الله حسن" 6. # الثالث: # أنه لو لم يعمل بالراجح، لزم العمل بالمرجوح على الراجح، وترجيح المرجوح ~~على الراجح ممتنع في بداهة العقل. # واحتج المنكر بأمرين: ms509 # أحدهما: أن الترجيح لو اعتبر في الأمارات لاعتبر في البينات والحكومات؛ ~~لأنه لو اعتبر لكانت العلة في اعتباره ترجيح الأظهر على الظاهر، وهذا ~~المعنى قائم هنا. # الثاني: أن قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} 7 وقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "نحن نحكم بالظاهر" 8 يقتضي إلغاء زيادة الظن. PageV02P259 # والجواب عن الأول والثاني: أن ما ذكرتموه دليل ظني، وما ذكرناه قطعي، ~~والظني لا يعارض القطعي. انتهى. # وما ذكره من الأحاديث ههنا صحيح إلا حديث: "ما رآه المسلمون حسنا" وحديث: ~~"نحن نحكم بالظاهر" فلا أصل لهما، لكن معناهما صحيح، وقد ورد في أحاديث أخر ~~ما يفيد ذلك كما في قوله صلى الله عليه وسلم للعباس لما قال له إنه خرج يوم ~~بدر مكرها، فقال: "كان ظاهرك علينا" 1، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"إنما أقضي بما أسمع" 2 وكما في أمره صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة وذم ~~من خرج عنها، وأمره بلزوم السواد الأعظم3. # ويجاب عما ذكره المنكرون بجواب أحسن مما ذكره، أما عن الأول: فيقال: نحن ~~نقول بموجب ما ذكرتم، فإن ظهر الترجيح لإحدى البينتين على الأخرى، أو لأحد ~~الحكمين على الآخر، كان العمل على الراجح. # وأما عن الثاني: فيقال: لا دلالة على محل النزاع في الآية، بوجه من ~~الوجوه، وما قوله: "نحن نحكم بالظاهر" "فلا يبقى" * الظاهر ظاهرا بعد وجود ~~ما هو أرجح منه. PageV02P260 ### | المبحث الثاني: في التعارض بين دليلين قطعيين ### | مدخل # ... # المبحث الثاني: في التعارض بين دليلين قطعيين # أنه لا يمكن التعارض بين دليلين قطعيين اتفاقا، سواء كانا عقليين أو ~~نقليين، هكذا حكى الاتفاق الزركشي في "البحر". # قال الرازي في "المحصول": الترجيح لا يجوز في الأدلة اليقينية لوجهين: # الأول: # أن شرط اليقيني أن يكون مركبا من مقدمات ضرورية، أو لازمة عنها لزوما ~~ضروريا: إما بواسطة واحدة، أو وسائط شأن كل واحدة منها ذلك، وهذا لا يتأتى ~~إلا عند اجتماع علوم أربعة. # PageV02P260 # الأول: العلم الضروري بأحقية المقدمات، إما ابتداء أو انتهاء. # والثاني: العلم الضروري "بصحة تركيبها. # والثالث: العلم ms510 الضروري بلزوم النتيجة عنها. # والرابع: العلم الضروري"* بأن ما يلزم عن الضروري لزوما ضروريا فهو ~~ضروري. # فهذه العلوم الأربعة يستحيل حصولها في النقيضين معا، وإلا لزم القدح في ~~الضروريات، وهو سفسطة، وإذا علم ثبوتها امتنع التعارض. # الثاني: # الترجيح عبارة عن التقوية، والعلم اليقيني لا يقبل التقوية؛ لأنه إن ~~قارنه احتمال النقيض، ولو على أبعد الوجوه، كان ظنا لا علما، وإن لم يقارنه ~~ذلك لم يقبل التقوية. انتهى. # وقد جعل أهل المنطق شروط التناقض في القضايا الشخصية ثمانية: اتحاد ~~الموضوعان والمحمول، والإضافة، والكل، والجزء، في القوة والفعل، وفي ~~الزمان، والمكان. # وزاد بعض المتأخرين "تاسعا"* وهو: اتحادهما في الحقيقة والمجاز، نحو قوله ~~تعالى: {وترى الناس سكارى وما هم بسكارى} 1 ورد هذا بعضهم بأنه راجع إلى ~~وحدة الإضافة، أي: تراهم بالإضافة إلى أهوال يوم القيامة سكارى، مجازا، وما ~~هم بسكارى، بالإضافة إلى الخمر. # ومنهم من رد الثمانية إلى ثلاثة: الاتحاد في الموضوع، والمحمول، والزمان. # ومنهم من ردها إلى اثنين: الاتحاد في الموضوع، والمحمول؛ لاندراج وحدة ~~الزمان تحت وحدة المحمول. # ومنهم من ردها إلى أمر واحد، وهو الاتحاد في النسبة. # وهذه الشروط على هذا الاختلاف فيها لا يخص الضروريات، وإنما ذكرناها ههنا ~~لمزيد الفائدة بها. # ومما لا يصح التعارض فيه إذا كان أحد المتناقضين قطعيا، والآخر ظنيا؛ لأن ~~الظن ينتفي بالقطع النقيض، وإنما يتعارض الظنيان، سواء كان المتعارضان ~~نقليين، أو عقليين، أو كان أحدهما نقليا، والآخر عقليا، ويكون الترجيح ~~بينهما بما سيأتي. # وقد منع جماعة وجود دليلين ينصبهما الله تعالى في مسألة متكافئين في نفس ~~الأمر، بحيث [لا يكون لأحدهما مرجح وقالوا لا بد أن يكون أحدهما أرجح من ~~الآخر في نفس الأمر وإن جاز خفاؤه على بعض المجتهدين ولا يجوز تعارضهما في ~~نفس الأمر من كل وجه. # قال إلكيا وهو الظاهر من مذهب عامة الفقهاء وبه قال العنبري. # وقال ابن السمعاني وهو مذهب الفقهاء ونصره وحكاه الآمدي عن أحمد بن حنبل ~~عن أحمد القاضي وأبو الخطاب من أصحابه وإليه ذهب أبو علي ms511 وأبو هاشم عن ~~القاضي أبي بكر الباقلاني. # قال إلكيا وهو المنقول عن الشافعي وقرره الصيرفي في شرح الرسالة فقال قد ~~صرح الشافعي بأنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أبدا حديثات صحيحان ~~متضادان ينفي أحدهما ما يثبته الآخر من غير جهة الخصوص والعموم والإجمال ~~والتفسير إلا على وجه النسخ وإن لم يجده انتهى. # وفصل القاضي من الحنابلة بين مسائل الأصول فيمتنع وبين مسائل الفروع ~~فيجوز، وحكى الماوردي والرياني عن الأكثرين أن التعارض على جهة التكافؤ في ~~نفس الأمر بحيث لا يكون أحدهما أرجح من الآخر جائز وواقع. # وقال القاضي أبو بكر والأستاذ أبو منصور والغزالي وابن الصباغ الترجيح ~~بين الظواهر المتعارضة إنما يصح على قول من قال إن المصيب في الفروع واحد، ~~وأما القائلون بأن كل مجتهد مصيب فلا معنى لترجيح ظاهر على ظاهر لأن الكل ~~صواب عنده. # واختاره الفخر الرازي وأتباعه أن تعادل الأمارتين على حكم في فعلين ~~متابيين جائز واقع وأما تعارضهما متباينين في فعل واحد كالإباحة والتحريم ~~فإنه جائز عقلا ممتنع شرعا.] (2) PageV02P261 ### | عمل المجتهد عند العجز عن الترجيح # واختلفوا على فرض وقوع التعادل في نفس الأمر، مع عجز المجتهد عن الترجيح ~~بينهما وعدم وجود دليل آخر، فقيل: إنه مخير، وبه قال أبو علي، وأبو هاشم، ~~ونقله الرازي، والبيضاوي عن القاضي أبي بكر الباقلاني. # وقيل: إنهما يتساقطان، ويطلب الحكم من موضع آخر، أو يرجع المجتهد إلى ~~عموم، أو إلى البراءة الأصلية، ونقله إلكيا عن القاضي، ونقله الأستاذ أبو ~~منصور عن أهل الظاهر، وبه قطع ابن كج، وأنكر ابن حزم نسبته إلى الظاهرية، ~~وقال: إنما هو قول بعض شيوخنا وهو خطأ، بل # PageV02P262 # الواجب الأخذ بالزائد إذا لم يقدر على استعمالهما جميعا. # وقيل: إن كان التعارض بين حديثين تساقطا، ولا يعمل بواحد منهما، وإن كان ~~بين قياسين فيخير، حكاه ابن برهان في "الوجيز" عن القاضي ونصره. # وقيل: بالوقف، حكاه الغزالي، وجزم به سليم الرازي في "التقريب" واستبعده ~~الهندي؛ إذ الوقف فيه لا إلى غاية وأمد؛ إذ لا يرجى ms512 فيه ظهور الرجحان، وإلا ~~لم يكن من مسألتنا، بخلاف التعادل الذهني، فإنه يتوقف إلى أن يظهر المرجح. # وقيل: يأخذ بالأغلظ، حكاه الماوردي والروياني. # وقيل: يصير إلى التوزيع، إن أمكن تنزيل كل أمارة على أمر، حكاه الزركشي ~~في "البحر". # وقيل: إن كان بالنسبة إلى الواجبات فالتخيير، وإن كان في الإباحة ~~والتحريم فالتساقط، والرجوع إلى البراءة الأصلية، ذكره في "المستصفى". # وقيل: يقلد عالما أكبر منه، ويصير كالعامي لعجزه عن الاجتهاد، حكاه إمام ~~الحرمين. # وقيل: إنه كالحكم قبل ورود الشرع، فتجيء فيه الأقوال المشهورة، حكاه ~~إلكيا الطبري، فهذه تسعة مذاهب فيما كان متعارضا في نفس الأمر، مع عدم ~~إمكان الترجيح. # PageV02P263 ### | المبحث الثالث: في وجوه الترجيح بين المتعارضين لا في نفس الأمر، بل في الظاهر ### | مدخل # ... # المبحث الثالث: في وجوه الترجيح بين المتعارضين لا في نفس الأمر، بل في ~~الظاهر # وقد قدمنا في المبحث الأول أنه متفق عليه، ولم يخالف في ذلك إلا من لا ~~يعتد به. # ومن نظر في أحوال الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، ومن بعدهم، وجدهم متفقين ~~على العمل بالراجح وترك المرجوح، وقد سمى بعضهم هذا المخالف في العمل ~~بالترجيح فقال هو البصري الملقب ب"جعل"* كما حكاه القاضي، واستبعد الإبياري ~~وقوع ذلك من مثله، وعلى كل حال فهو مسبوق بالإجماع على استعمال الترجيح في ~~كل طبقة من طبقات "أهل"** الإسلام. # وشرط القاضي في الترجيح شرطا غير ما قد ذكرنا في المبحث الأول، فقال: لا ~~يجوز العمل بالترجيح المظنون؛ لأن الأصل امتناع العمل بشيء من الظنون، وخرج ~~من ذلك الظنون المستقلة بأنفسها؛ لانعقاد إجماع الصحابة عليها، وما راء ذلك ~~يبقى على الأصل، والترجيح. PageV02P263 # عمل بظن لا يستقل بنفسه "دليلا"*. # وأجيب عنه: بأن الإجماع انعقد على وجوب العمل بالظن الذي لا يستقل كما ~~انعقد على المستقل. # ومن شروط الترجيح التي لا بد من اعتبارها أن لا يمكن الجمع بين ~~المتعارضين بوجه مقبول، فإن أمكن ذلك تعين المصير إليه، ولم يجز المصير إلى ~~الترجيح. # قال في "المحصول": العمل بكل منهما من وجه أولى من العمل بالراجح ms513 من كل ~~وجه، وترك الآخر. انتهى. # وبه قال الفقهاء جميعا. PageV02P264 ### | أنواع الترجيح ### | الترجيح باعتبار الإسناد # ... # أنواع الترجيح: # واعلم: أن الترجيح قد يكون باعتبار الإسناد، وقد يكون باعتبار المتن، وقد ~~يكون باعتبار المدلول، وقد يكون باعتبار أمر خارج، فهذه أربعة أنواع. # والنوع الخامس: الترجيح بين الأقيسة. # والنوع السادس: الترجيح بين الحدود السمعية. # النوع الأول: الترجيح باعتبار الإسناد 1 # الصورة الأولى: # الترجيح بكثرة الرواة، فيرجح ما رواته أكثر على ما رواته أقل، لقوة الظن ~~به، وإليه ذهب الجمهور. # وذهب الشافعي في القديم إلى أنهما سواء وشبهه بالشهادات، وبه قال الكرخي. # قال إمام الحرمين: إن لم يمكن الرجوع إلى دليل آخر قطع باتباع الأكثر، ~~فإنه أولى من الإلغاء؛ لأنا نعلم أن الصحابة لو تعارض لهم خبران هذه صفتهما ~~لم يعطلوا الواقعة، بل كانوا يقدمون هذا. # قال: وأما إذا كان في المسألة قياس، وخبران متعارضان، كثرت رواة أحدهما، ~~فالمسألة ظنية، والاعتماد على ما يؤدي إليه اجتهاد الناظر. PageV02P264 # وفي المسألة قول رابع صار "إليه"* القاضي، والغزالي، وهو أن الاعتماد على ~~ما غلب على ظن المجتهد، فرب عدل أقوى في النفس من عدلين، لشدة يقظته وضبطه. ~~انتهى. # وهذا صحيح، لكن المفروض في الترجيح بالكثرة، وهو كون الأكثر من الرواة ~~مثل الأقل في وصف العدالة ونحوها. # قال ابن دقيق العيد: هو مرجح من أقوى المرجحات، فإن الظن يتأكد عند ترادف ~~الروايات، ولهذا يقوى الظن إلى أن يصير العلم به متواترا. انتهى. # أما لو تعارضت الكثرة من جانب، والعدالة من الجانب الآخر، ففيه قولان1: # أحدهما: ترجيح الكثرة. # وثانيهما: ترجيح العدالة، فإنه رب عدل يعدل ألف رجل في الثقة، كما قيل: ~~إن شعبة بن الحجاج كان يعدل "مائتين"**، وقد كان الصحابة يقدمون رواية ~~الصديق على رواية غيره. # النوع الثاني: # أنه يرجح ما كانت الوسائط فيه قليلة، وذلك بأن يكون إسناده عاليا؛ لأن ~~الخطأ والغلط فيما كانت وسائطه أقل، دون ما كانت وسائطه أكثر. # النوع الثالث: # أنها ترجح رواية الكبير على رواية الصغير؛ لأنه أقرب إلى الضبط، إلا أن ~~يعلم ms514 أن الصغير مثله في الضبط، وأكثر ضبطا منه. # النوع الرابع: "أنها"*** ترجح رواية من كان فقيها على من لم يكن كذلك، ~~لأنه أعرف بمدلولات الألفاظ. # النوع الخامس: # "أنها"**** ترجح رواية من كان عالما باللغة العربية؛ لأنه أعرف بالمعنى ~~ممن لم يكن كذلك. # النوع السادس: # أن يكون أحدهما أوثق من الآخر. # النوع السابع: # أن يكون أحدهما أحفظ من الآخر. # النوع الثامن: # أن يكون أحدهما من الخلفاء الأربعة دون الآخر. PageV02P265 # النوع التاسع: # أن يكون أحدهما متبعا والآخر مبتدعا. # النوع العاشر: # أن يكون أحدهما صاحب الواقعة؛ لأنه أعرف بالقصة. # النوع الحادي عشر: # أن يكون أحدهما مباشرا لما رواه دون الآخر1. # النوع الثاني عشر: # أن يكون أحدهما كثير المخالطة للنبي صلى الله عليه وسلم دون الآخرة؛ لأن ~~كثرة المخالطة تقتضي زيادة في الاطلاع. # النوع الثالث عشر: # أن يكون أحدهما أكثر ملازمة للمحدثين من الآخر. # النوع الرابع عشر: # أن يكون أحدهما قد طالت صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم دون الآخر. # النوع الخامس عشر: # أن يكون أحدهما قد ثبتت عدالته بالتزكية، والآخر بمجرد الظاهر. # النوع السادس عشر: # أن يكون أحدهما قد ثبتت عدالته بالممارسة والاختبار، والآخر بمجرد ~~التزكية، فإنه ليس الخبر كالمعاينة. # النوع السابع عشر: # أن يكون أحدهما قد وقع الحكم بعدالته دون الآخر. # النوع الثامن عشر: # أن يكون أحدهما قد عدل مع ذكر أسباب التعديل، والآخر عدل بدونها. # النوع التاسع عشر: # أن يكون المزكون لأحدهما أكثر من المزكين للآخر. # النوع العشرون: # أن يكون المزكون لأحدهما أكثر بحثا عن أحوال الناس من المزكين للآخر. # النوع الحادي والعشرون: # أن يكون المزكون لأحدهما أعلم من المزكين للآخر؛ لأنه مزيد العلم له مدخل ~~في الإصابة. # النوع الثاني والعشرون: # أن يكون أحدهما قد حفظ اللفظ، فهو أرجح ممن روى بالمعنى، أو اعتمد على ~~الكتابة، وقيل: إن رواية من اعتمد على الكتابة أرجح من رواية من اعتمد على ~~الحفظ. # النوع الثالث والعشرون: # أن يكون أحدهما أسرع حفظا من الآخر، وأبطأ نسيانا منه، فإنه أرجح، أما لو ~~كان أحدهما أسرع حفظا، ms515 وأسرع نسيانا، والآخر أبطأ حفظا، وأبطأ نسيانا، ~~فالظاهر أن الآخر أرجح من الأول؛ لأنه يوثق بما حفظه ورواه وثوقا زائدا على ~~ما رواه الأول2. PageV02P266 # النوع الرابع والعشرون: # أنها ترجح رواية من يوافق الحافظ على رواية من يتفرد عنهم في كثير من ~~رواياته. # النوع الخامس والعشرون: # أنها ترجح رواية من دام حفظه، وعقله ولم يختلط على من اختلط في آخر عمره، ~~ولم يعرف هل روى الخبر حال سلامته أو حال اختلاطه. # النوع السادس والعشرون: # أنها ترجح رواية من كان أشهر بالعدالة والثقة من الآخر؛ لأن ذلك ~~"يمنعه"*من الكذب. # النوع السابع والعشرون: # أنها ترجح رواية من كان مشهور النسب على من لم يكن مشهورا؛ لأن احتراز ~~المشهور عن الكذب أكثر. # النوع الثامن والعشرون: # أن يكون أحدهما معروف الاسم، ولم يلتبس اسمه باسم أحد من الضعفاء على من ~~يلتبس اسمه باسم ضعيف. # النوع التاسع والعشرون: # أنها تقدم رواية من "تحمل بعد البلوغ على رواية من تحمل قبل البلوغ. # النوع الثلاثون: # أنها تقدم رواية من"**أخر إسلامه على من تقدم إسلامه؛ لاحتمال أن يكون ما ~~رواه من تقدم إسلامه منسوخا، وهكذا قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وابن ~~برهان، والبيضاوي، وقال الآمدي بعكس ذلك. # النوع الحادي والثلاثون: # أنها تقدم رواية الذكر على الأنثى؛ لأن الذكور أقوى فهما، وأثبت حفظا، ~~وقيل: لا تقدم. # النوع الثاني والثلاثون: أنها تقدم رواية الحر على العبد؛ لأن تحرزه عن ~~الكذب أكثر، وقيل: لا تقدم. # النوع الثالث والثلاثون: # أنها تقدم رواية من ذكر سبب الحديث على من لم يذكر سببه. # النوع الرابع والثلاثون: # أنها تقدم رواية من لم يختلف الرواة عليه على من اختلفوا عليه. # النوع الخامس والثلاثين: # أن يكون أحدهما أحسن استيفاء للحديث من الآخر، فإنها ترجح روايته. # النوع السادس والثلاثون: # أنها تقدم رواية من سمع شفاها على من سمع من وراء حجاب. # النوع السابع والثلاثون: # أن يكون أحد الخبرين بلفظ حدثنا وأخبرنا فإنه أرجح من لفظ أنبأنا. ~~PageV02P267 # ونحوه، قيل: ويرجح لفظ حدثنا على لفظ أخبرنا. # النوع الثامن والثلاثون: # أنها تقدم ms516 رواية من سمع من لفظ الشيخ على رواية من سمع بالقراءة عليه. # النوع التاسع والثلاثون: # أنها تقدم رواية من روى بالسماع على رواية من روى بالإجازة. # النوع الأربعون: # أنها تقدم رواية من روى المسند على رواية من روى المرسل. # النوع الحادي والأربعون: # أنها تقدم الأحاديث التي في الصحيحين على الأحاديث الخارجة عنهما. # النوع الثاني والأربعون: # أنها تقدم رواية من لم ينكر عليه على رواية من أنكر عليه. # واعلم: أن وجوه الترجيح كثيرة، وحاصلها: أن ما كان أكثر إفادة للظن فهو ~~راجح، فإن وقع التعارض في بعض هذه المرجحات، فعلى المجتهد أن يرجح بين ما ~~تعارض منها. # PageV02P268 ### | الترجيح باعتبار المتن: # وأما المرجحات باعتبار المتن فهي أنواع: # النوع الأول: # أن يقدم الخاص على العام، كذا قيل، ولا يخفاك أن تقديم الخاص على العام ~~بمعنى العمل به فيما تناوله، والعمل بالعام فيما بقي ليس من باب الترجيح، ~~بل من باب الجمع، وهو مقدم على الترجيح. # النوع الثاني: # أنه يقدم الأفصح على الفصيح؛ لأن الظن بأنه لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ~~أقوى. # وقيل: لا يرجح بهذا؛ لأن البليغ يتكلم بالأفصح والفصيح. # النوع الثالث: # أن يقدم العام الذي لم يخصص على العام الذي قد خصص، كذا نقله إمام ~~الحرمين عن المحققين، وجزم به سليم الرازي، وعللوا ذلك بأن دخول التخصيص ~~يضعف اللفظ، ويصير به مجازا، قال الفخر الرازي؛ لأن الذي قد خصص قد أزيل عن ~~تمام مسماه. # واعترض على ذلك الصفي الهندي: بأن المخصص راجح، من حيث كونه خاصا بالنسبة ~~إلى العام، الذي لم يخصص، "واختار ابن المنير تقديم العام المخصوص على ~~العام الذي لم يخصص"*؛ لأن المخصوص قد قلت أفراده، حتى قارب النص؛ إذ كان ~~عام لا بد أن يكون نصا في أقل متناولاته. # النوع الرابع: # أنه يقدم العام الذي لم يرد على سبب على العام الوارد على سبب، كذا قال ~~PageV02P268 # إمام الحرمين في "البرهان"، وإلكيا، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي في ~~"اللمع"، وسليم الرازي في "التقريب" والرازي في "المحصول". قالوا: لأن ~~الوارد على ms517 غير سبب متفق على عمومه، والوارد على سبب مختلف في عمومه. # قال الصفي الهندي: ومن المعلوم أن هذا الترجيح إنما يتأتى بالنسبة إلى ~~ذلك السبب، وأما بالنسبة إلى سائر الأفراد المندرجة تحت العامين فلا. ~~انتهى1. # وفيه نظر؛ لأن الخلاف في عموم الوارد على سبب هو كائن في سائر الأفراد. # النوع الخامس: # أنها تقدم الحقيقة على المجاز، لتبادرها إلى الذهن، هذا إذا لم يغلب ~~المجاز. # النوع السادس: # أنه يقدم المجاز الذي هو أشبه بالحقيقة على المجاز الذي لم يكن كذلك. # النوع السابع: # أنه يقدم ما كان حقيقة شرعية، أو عرفية على ما كان حقيقة لغوية. قال في ~~"المحصول": وهذا ظاهر في اللفظ الذي "صار"* شرعيا، لا فيما لم يكن كذلك. ~~كذا قال، ولا يخفى أن الكلام فيما صار شرعيا، لا فيما لا يثبت كونه شرعيا، ~~فإنه خارج عن هذا. # النوع الثامن: # أنه يقدم ما كان مستغنيا عن الإضمار في دلالته على ما هو مفتقر إليه. # النوع التاسع: # أنه يقدم الدال على المراد من وجهين على ما كان دالا على المراد من وجه ~~واحد. # النوع العاشر: # أنه يقدم ما دل على المراد بغير واسطة على ما دل عليه بواسطة. # النوع الحادي عشر: # أنه يقدم ما كان فيه الإيماء إلى علة الحكم على ما لم يكن كذلك؛ لأن ~~دلالة المعلل أوضح من دلالة ما لم يكن معللا. # النوع الثاني عشر: # أنه يقدم ما ذكرت فيه العلة متقدمة على ما ذكرت فيه العلة متأخرة، وقيل ~~بالعكس. # النوع الثالث عشر: # أنه يقدم ما ذكر فيه معارضة على ما لم يذكر، كقوله: "كنت نهيتكم عن زيارة ~~القبور، فزوروها" 2 على الدال على تحريم الزيارة مطلقا. # النوع الرابع عشر: # أنه يقدم المقرون بالتهديد على ما لم يقرن به. PageV02P269 # النوع الخامس عشر: # أنه يقدم المقرون بالتأكيد على ما لم يقرن به. # النوع السادس عشر: # أنه يقدم ما كان مقصودا به البيان على ما لم يقصد به. # النوع السابع عشر: # أنه يقدم مفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة، وقيل بالعكس، ms518 "قيل"*: لا ~~يرجح أحدهما على الآخر، والأول أولى. # النوع الثامن عشر: # أنه يقدم النهي على الأمر. # النوع التاسع عشر: # أنه يقدم النهي على الإباحة. # النوع العشرون: # أنه يقدم الأمر على الإباحة. # النوع الحادي والعشرون: # أنه يقدم الأقل احتمالا على الأكثر احتمالا. # النوع الثاني والعشرون: # أنه يقدم المجاز على المشترك. # النوع الثالث والعشرون: # أنه يقدم الأشهر في الشرع، أو اللغة، أو العرف، على غير الأشهر فيها. # النوع الرابع والعشرون: # أنه يقدم ما يدل بالاقتضاء على ما يدل بالإشارة، وعلى ما يدل بالإيماء ~~على ما يدل بالمفهوم، موافقة ومخالفة. # النوع الخامس والعشرون: # أنه يقدم ما يتضمن تخصيص العام على ما يتضمن تأويل الخاص؛ لأنه أكثر. # النوع السادس والعشرون: # أنه يقدم المقيد على المطلق. # النوع السابع والعشرون: # أنه يقدم ما "كانت"** صيغة عمومه بالشرط الصريح، على ما كان صيغة عمومه ~~بكونه نكرة في سياق النفي، أو جمعا معرفا أو مضافا ونحوهما. # النوع الثامن والعشرون: # أنه يقدم الجمع المحلى والاسم الموصول على اسم الجنس المعرف باللام، ~~لكثرة استعماله في المعهود، فتصير دلالته أضعف، على خلاف معروف في هذا، وفي ~~الذي قبله. PageV02P270 ### | الترجيح باعتبار المد لول # وأما المرجحات باعتبار المدلول فهي أنواع. # النوع الأول: # أنه يقدم ما كان مقررا لحكم الأصل والبراءة على ما كان ناقلان وقيل # PageV02P270 # بالعكس، وإليه ذهب الجمهور، واختار الأول الفخر الرازي، والبيضاوي1. # والحق ما ذهب إليه الجمهور. # النوع الثاني: # أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط، فإنه أرجح. # النوع الثالث: # أنه يقدم المثبت على المنفي، نقله إمام الحرمين عن جمهور الفقهاء؛ لأن مع ~~المثبت زيادة علم، وقيل: يقدم النافي، وقيل: هما سواء، واختاره في ~~"المستصفى". # النوع الرابع: # أنه يقدم ما يفيد سقوط الحد على ما يفيد لزومه. # النوع الخامس: # أنه يقدم ما كان حكمه أخف على ما كان حكمه أغلظ، وقيل بالعكس. # النوع السادس: # أنه يقدم ما لا تعم به البلوى على ما تعم به. # النوع السابع: # أن يكون أحدهما موجبا لحكمين، والآخر موجبا لحكم واحد، فإنه يقدم الموجب ~~لحكمين، لاشتماله على ms519 زيادة لم ينقلها الآخر. # النوع الثامن: # أنه يقدم الحكم الوضعي على الحكم التكليفي؛ لأن الوضعي لا يتوقف على ما ~~يتوقف عليه التكليفي، من أهلية المكلف. # وقيل بالعكس؛ لأن التكليفي أكثر مثوبة، وهي مقصودة للشارع. # النوع التاسع: # أنه يقدم ما فيه تأسيس على ما فيه تأكيد. # واعلم: أن المرجع في مثل هذه الترجيحات هو نظر المجتهد المطلق، فيقدم ما ~~كان عنده أرجح على غيره إذا تعارضت. PageV02P271 ### | الترجيح بحسب الأمور الخارجة # وأما المرجحات بحسب الأمور الخارجة فهي أنواع: # النوع الأول: # أنه يقدم ما عضده دليل آخر على ما لم يعضده دليل آخر1. # النوع الثاني: # أن يكون أحدهما قولا والآخر فعلا، فيقدم القول؛ لأن له صيغة، والفعل لا ~~صيغة له. # النوع الثالث: أنه يقدم ما كان فيه التصريح بالحكم، على ما لم يكن كذلك، ~~كضرب PageV02P271 # الأمثال ونحوها، فإنها ترجح العبارة على الإشارة. # النوع الرابع: # أنه يقدم ما عمل أكثر السلف على ما ليس كذلك؛ لأن الأكثر أولى بإصابة ~~الحق. وفيه نظر؛ لأنه لا حجة في قول الأكثر، ولا في عملهم، فقد يكون الحق ~~في كثير من المسائل مع الأقل، ولهذا مدح الله القلة في غير موضع من كتابه. # النوع الخامس: # أن يكون أحدهما موافقا لعمل الخلفاء الأربعة دون الآخر، فإنه يقدم ~~الموافق، وفيه نظر. # النوع السادس: # أن يكون أحدهما توارثه أهل الحرمين دون الآخر، وفيه نظر. # النوع السابع: # أن يكون أحدهما موافقا لعمل أهل المدينة، وفيه نظر أيضا1. # النوع الثامن: # أن يكون أحدهما موافقا للقياس دون الآخر، فإنه يقدم الموافق. # النوع التاسع: # أن يكون أحدهما أشبه بظاهر القرآن، دون الآخر، فإنه يقدم الأشبه. # النوع العاشر: # أنه يقدم ما فسره الراوي له بقوله أو فعله على ما لم يكن كذلك. # وقد ذكر بعض أهل الأصول مرجحات في هذا القسم زائدة على ما ذكرناه ههنا، ~~وقد ذكرناه في الأنواع المتقدمة؛ لأنها بها ألصق، ومن أعظم ما يحتاج إلى ~~المرجحات الخارجة إذا تعارض عمومان، بينهما عموم وخصوص من وجه، وذلك كقوله ~~تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} ms520 2 مع قوله: {أو ما ملكت أيمانكم} 3 فإن ~~الأولى خاصة في الأختين، عامة في الجمع بين الأختين في الملك، أو بعقد ~~النكاح، والثانية عامة في الأختين وغيرهما، خاصة في ملك اليمين، وكقوله صلى ~~الله عليه وسلم: "من نام عن صلاة ونسيها فليصلها إذا ذكرها" 4 مع نهيه عن ~~الصلاة في الأوقات المكروهة5، فإن الأول عام في الأوقات، خاص في الصلاة ~~المقضية، والثاني عام في الصلاة، خاص في الأوقات، فإن علم المتقدم من ~~العموميين، والمتأخر منهما، كان المتأخر PageV02P272 # ناسخا عند من يقول: إن العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم. # وأما من لا يقول ذلك فإنه يعمل بالترجيح بينهما. # وإن لم يعلم المتقدم منهما من المتأخر وجب الرجوع إلى الترجيح، على ~~القولين جميعا، بالمرجحات المتقدمة. # وإذا استويا إسنادا ومتنا، ودلالة رجع إلى المرجحات الخارجية. # فإن لم يوجد مرجح خارجي وتعارضا من كل وجه فعلى الخلاف المتقدم: هل يخير ~~المجتهد في العمل بأحدهما، أو يطرحهما، ويرجع إلى دليل آخر إن وجد، أو إلى ~~البراءة الأصلية؟. # ونقل سليم الرزي عن أبي حنيفة أنه يقدم الخبر الذي فيه ذكر الوقت، ولا ~~وجه لذلك. # قال ابن دقيق العيد: هذه المسألة من مشكلات الأصول، والمختار عند ~~المتأخرين الوقف، إلا بترجيح يقوم على أحد اللفظين بالنسبة إلى الآخر، وكأن ~~مرادهم الترجيح العام، الذي لا يخص مدلول العموم، كالترجيح بكثرة الرواة، ~~وسائر الأمور الخارجة عن مدلول العموم، ثم حكي عن الفاضل أبي سعيد محمد بن ~~يحيى1 أنه ينظر فيهما، فإن دخل أحدهما تخصيص مجمع عليه فهو أولى بالتخصيص، ~~وكذلك إذا كان أحدهما مقصودا بالعموم رجح على ما كان عمومه اتفاقيا. # قال الزركشي في "البحر": وهذا هو اللائق بتصرف الشافعي في أحادث النهي عن ~~الصلاة في الأوقات المكروهة، فإنه قال: لما دخلها التخصيص بالإجماع في صلاة ~~الجنازة ضعفت دلالتها، فتقدم عليه أحاديث المقضية، وتحية المسجد، وغيرهما، ~~وكذلك نقول دلالة: {وأن تجمعوا بين الأختين} على تحريم الجمع مطلقا في ~~النكاح والملك أولى من دلالة الآية الثانية على جواز الجمع في ملك ms521 اليمين؛ ~~لأن هذه الآية ما سبقت لبيان حكم الجمع. PageV02P273 # الترجيح بين الأقسية: # وأما ### | الترجيح بين الأقيسة: # فلا خلاف "أنه يكون"* بين ما هو معلوم منها. PageV02P273 # وأما ما كان مظنونا، فذهب الجمهور إلى أنه يثبت الترجيح بينها، وحكى إمام ~~الحرمين عن القاضي أنه ليس في الأقيسة المظنونة ترجيح، وإنما المظنون على ~~حسب الاتفاق، قال إمام الحرمين: "وبناء"* على أصله أنه ليس في مجال المظنون ~~مطلوب، وإذا لم يكن فيها مطلوب فلا طريق على التعيين، وإنما المظنون على ~~حسب الوفاق. # قال إمام الحرمين: وهذه هفوة عظيمة، ثم ألزمه القول بأنه لا أصل ~~للاجتهاد. # قال الزركشي1: والحق أن القاضي لم يرد ما حكاه عنه، وقد عقد فصولا في ~~"التقريب" في تقديم بعض العلل على بعض، فعلم أنه ليس يعني إنكار الترجيح ~~فيها، وإنما مراده أنه لا يقدم نوع على نوع، على الإطلاق، بل ينبغي أن يرد ~~الأمر في ذلك إلى ما "يظنه"** المجتهد راجحا، والظنون تختلف، فإنه قد يتفق ~~في آحاد النوع القوي شيء يتأخر عن النوع الضعيف. انتهى. # والترجيح بين الأقيسة يكون على نوع: # النوع الأول: # بحسب العلة. # النوع الثاني: # بحسب الدليل الدال على وجود العلة # النوع الثالث: # بحسب الدليل الدال على علية الوصف للحكم. # النوع الرابع: # بحسب دليل الحكم. # النوع الخامس: # بحسب كيفية الحكم. # النوع السادس: # بحسب الأمور الخارجة. # النوع السابع: # بحسب الفرع. ### | 1- # أما الترجيح بينها بحسب العلة، فهو أقسام: # الأول: # أنه يرجح القياس المعلل بالوصف الحقيقي الذي هو مظنة الحكمة على القياس ~~المعلل بنفس "الحكمة"***، للإجماع بين أهل القياس على صحة التعليل بالمظنة، ~~فيرجح التعليل بالسفر الذي هو مظنة المشقة على التعليل بنفس المشقة. # القسم الثاني: # "أنه يرجح"**** التعليل بالحكمة على التعليل بالوصف العدمي؛ لأن العدم لا ~~PageV02P274 # يكون علة، إلا إذا علم اشتماله على الحكمة. # القسم الثالث: # أنه يرجح المعلل حكمة بالوصف العدمي على المعلل حكمة بالحكم الشرعي؛ لأن ~~التعليل بالعدمي يستدعي كونه مناسبا للحكم، والحكم الشرعي لا يكون علة إلا ~~بمعنى الأمارة، والتعليل بالمناسب أولى من التعليل بالأمارة، هكذا ms522 قال صاحب ~~"المنهاج" واختاره. # وذكر إمام الحرمين الجويني في هذا احتمالين. # القسم الرابع: # أنه يرجح المعلل بالحكم الشرعي على غيره. # القسم الخامس: # أنه يرجح المعلل بالمتعدية على المعلل بالقاصرة، قاله القاضي، والأستاذ ~~أبو منصور، وابن برهان. # قام إمام الحرمين: وهو المشهور، فإنه أكثر فائدة. # وقال الأستاذ أبو إسحاق: أنها ترجح القاصرة؛ لأنها معتضدة بالنص، ورجحه ~~في "المستصفى"1. # القسم السادس: # أنها ترجح العلة المتعدية التي فروعها أكثر على العلة المتعدية التي ~~فروعها أقل، لكثرة الفائدة. قال الأستاذ أبو منصور، "وزيفه"* صاحب ~~"المنخول"، وكلام إمام الحرمين يقتضي أنه لا ترجيح بذلك. # القسم السابع: # أنها ترجح العلل البسيطة على العلة المركبة، كذا قال الجدليون، وأكثر ~~الأصوليين؛ إذ يحتمل في العلل المركبة أن تكون العلة فيها هي بعض الأجزاء ~~لا كلها، وأيضا البسيطة يكثر فروعها وفوائدها، ويقل فيها الاجتهاد، فيقل ~~الغلط، على ما في المركبة من الخلاف في جواز التعليل بها كما تقدم. # وقال جماعة: المركبة أرجح، قال القاضي في "مختصر التقريب": ولعله الصحيح. # وقال إمام الحرمين: إن هذا المسلك باطل عند المحققين. # القسم الثامن: # أنها ترجح العلة القليلة الأوصاف على العلة الكثيرة الأوصاف؛ لأن الوصف ~~الزائد لا أثر له في الحكم؛ ولأن كثرة الأوصاف يقل فيها التفريع. # قيل: وهو مجمع على هذا المرجح بين المحققين من الأصوليين، إذا كانت ~~القليلة PageV02P275 # الأوصاف داخلة تحت الكثيرة الأوصاف، فإن كانت غير داخلة، مثل أن تكون ~~أوصاف إحداهما غير أوصاف الأخرى، فاختلفوا في ذلك، فقيل: ترجح القليلة ~~الأوصاف، وقيل: "ترجح"* الكثيرة الأوصاف. # القسم التاسع: # أنه يرجح الوصف الوجودي على العدمي، وكذا الوصف المشتمل على وجودين على ~~الوصف المشتمل على وجودي وعدمي، كذا في "المحصول". # القسم العاشر: # أنها ترجح العلة "المحسوسة"** على الحكمية، وقيل بالعكس. # القسم الحادي عشر: # أنها ترجح العلة التي مقدماتها قليلة على العلة التي مقدماتها كثيرة؛ لأن ~~صدق الأولى وغلبة الظن بها أكثر من الأخرى. وقيل: هما سواء. # القسم الثاني عشر: # "أنها تقدم العلة المطردة المنعكسة على العلة التي تطرد ولا تنعكس؛ لأن ~~الأولى مجمع ms523 على صحتها بخلاف الأخرى1. # القسم الثالث عشر ***: # أنها ترجح العلة المشتملة على صفة ذاتية على العلة # المشتملة على صفة حكمية، وقيل: بالعكس، ورجحه ابن السمعاني. # القسم الرابع عشر: # أنها ترجح العلة الموجبة للحكم على العلة المقتضية للتسوية بين حكم وحكم، ~~للإجماع على جواز التعليل بالأولى، بخلاف الثانية ففيها خلاف. # وقال أبو سهل الصعلوكي: إن علة التسوية أولى، لكثرة الشبه فيها. ### | 2- # وأما الترجيح بحسب الدليل الدال على وجود العلة فهو على أقسام: # القسم الأول: # أنها تقدم العلة المعلومة، سواء كان العلم بوجودها بديهيا أو ضروريا على ~~العلة التي ثبت وجودها بالنظر والاستدلال، كذا قال جماعة. # وذهب الأكثرون إلى أنه لا يجري الترجيح بين العلتين المعلومتين إذا كانت ~~إحداهما معلومة "بالبديهة"****، والأخرى بالنظر والاستدلال. # القسم الثاني: # أنها ترجح العلة التي وجودها بديهي على العلة التي "وجودها حسي". ~~PageV02P276 # القسم الثالث: # أنها ترجح العلة المعلوم وجودها على العلة المظنون وجودها. # والحاصل أن ما كان دليل وجوده"* أجلى وأظهر عند العقل فهو أرجح مما لم ~~يكن كذلك. ### | 3- # وأما الترجيح بحسب الدليل الدال على علية الوصف للحكم، فهو على أقسام 1: # القسم الأول: # أنها ترجح العلة التي ثبت عليتها بالدليل القاطع على العلة التي لم يثبت ~~عليتها بدليل قاطع. # وخالف في ذلك صاحب "المحصول"، ولا وجه لخلافه. # القسم الثاني: # أنها ترجح العلة التي ثبتت عليتها بدليل ظاهر على العلة التي ثبتت عليتها ~~بغيره من الأدلة التي ليست بنص ولا ظاهر. # القسم الثالث: # أنها ترجح العلة التي ثبتت عليتها بالمناسبة على العلة التي ثبتت عليتها ~~بالشبه والدوران، لقوة لمناسبة واستقلالها بإثبات العلية. وقيل: بالعكس، ~~ولا وجه له. # القسم الرابع: # أنها ترجح العلة الثابتة عليتها بالمناسبة على العلة الثابتة عليتها ~~بالسبر، وقيل: بالعكس، وليس هذا الخلاف في السبر المقطوع، فإن العمل به ~~متعين، لوجوب تقديم المقطوع على المظنون، بل الخلاف في السبر المظنون. # القسم الخامس: # "أنه يرجح ما كان من المناسبة واقعا في محل الضرورة على ما كان واقعا في ~~محل الحاجة. # القسم السادس **: # أنه يرجح ما كان من ms524 المناسبة ثابتا بالضرورة الدينية على الضرورة ~~الدنيوية. # القسم السابع: # أنه يقدم ما كان من المناسبة معتبرا نوعه في نوع الحكم على ما كان منها ~~معتبرا نوعه في جنس الحكم، وعلى ما كان منها معتبرا جنسه في نوع الحكم، ~~وعلى ما كان منها مغيرا جنسه في جنس الحكم، ثم يقدم المعتبر نوعه في جنس ~~الحكم، والمعتبر جنسه في نوع الحكم على المعتبر جنسه في جنس الحكم. # قال الهندي: الأظهر تقديم المعتبر نوعه في جنس الحكم على "عكسه***. ~~PageV02P277 # القسم الثامن: # أنها تقدم العلة الثابتة عليتها بالدوران على الثابتة بالسبر وما بعده، ~~وقيل: بالعكس. # القسم التاسع: # أنها تقدم العلة الثابتة عليتها "بالسبر على الثابتة عليتها بالشبه وما ~~بعده. # القسم العاشر: # أنها تقدم العلة عليتها بالشبه"* على العلة الثابتة عليتها بالطرد. # قال البيضاوي: وكذا ترجح على العلة الثابتة عليتها بالإيماء وادعى في ~~"المحصول" اتفاق الجمهور على أن ما ثبتت عليته بالإيماء راجح على ما ثبتت ~~عليته بالوجوه العقلية، من المناسبة، والدوران، والسبر، وهو ظاهر كلام إمام ~~الحرمين في "البرهان". # قال الصفي الهندي: هذا ظاهر إن قلنا لا تشترط المناسبة في الوصف المومأ ~~إليه، وإن قلنا تشترط فالظاهر ترجيح بعض الطرق العقلية عليها، كالمناسبة؛ ~~لأنها تستقل بإثبات العلية، بخلاف الإيماء، فإنه لا يستقل بذلك بدونها. # القسم الحادي عشر: # أنها تقدم العلة الثابتة بنفي الفارق على غيرها. ### | 4- # وأما الترجيح بحسب دليل الحكم، فهو على أقسام 1: # الأول: # أنه يقدم ما دليل أصله قطعي على ما دليل أصله ظني. # القسم الثاني: # أنه يقدم ما كان دليل أصله الإجماع على ما كان دليل أصله النص؛ لأن النص ~~يقبل التخصيص، والتأويل، والنسخ، والإجماع لا يقبلها. # قال إمام الحرمين: ويحتمل تقدم الثابت بالنص على الإجماع؛ لأن الإجماع ~~فرع النص، لكونه المثبت له، والفرع لا يكون أقوى من الأصل، وبهذا جزم صاحب ~~"المنهاج". # القسم الثالث: # أنه يقدم القياس الذي هو مخرج من أصل منصوص عليه على ما كان مخرجا من أصل ~~غير منصوص عليه، قاله ابن برهان. # القسم الرابع: # أنه يقدم القياس ms525 الخاص بالمسألة على القياس العام الذي يشهد له القواعد، ~~قاله القاضي. # القسم الخامس: # أنه يقدم ما كان على سنن القياس على ما لم يكن كذلك. # القسم السادس: # أنه يقدم ما دل دليل خاص على تعليله دون ما لم يكن كذلك. # القسم السابع: أنه يقدم ما لم يدخله النسخ بالاتفاق على ما وقع فيه ~~الخلاف. PageV02P278 # والحاصل أنه يقدم ما كان دليل أصله أقوى بوجه من الوجوه المعتبرة. ### | 5- # وأما المرجحات بحسب كيفية الحكم، فهي على أقسام 1: # الأول: # أنه يقدم ما كانت علته ناقلة عن حكم العقل على ما كانت علته مقررة، كما ~~قاله الغزالي، وابن السمعاني، وغيرهما؛ لأن الناقلة أثبتت حكما شرعيا، ~~والمقررة لم تثبت شيئا. # وقيل: إن المقررة أولى؛ لاعتضادها بحكم العقل المستقل بالنفي، لولا هذه ~~العلة الناقلة، قال الأستاذ أبو منصور: ذهب أكثر أصحابنا إلى ترجيح الناقلة ~~عن العادة، وبه جزم إلكيا؛ لأن النافية مستفادة من الشرع، والأخرى ترجع إلى ~~عدم الدليل، فلا معارضة بينهما. # وقيل: هنا مستويان؛ لأن النسخ بالعلل لا يجوز. # القسم الثاني: # أنه يقدم ما كانت علته مثبتة على ما كانت علته نافية، كذا قال الأستاذ ~~أبو إسحاق وغيره. # قال الغزالي: قدم قوم المثبتة على النافية، وهو غير صحيح؛ لأن النفي الذي ~~لا يثبت إلا شرعا كالإثبات، وإن كان نفيا أصليا يرجع إلى ما قدمناه في ~~الناقلة والمقررة. # وقال الأستاذ أبو منصور: الصحيح أن الترجيح في العلة لا يقع بذلك، ~~لاستواء المثبت والنافي في الافتقار إلى الدليل، قال: وإلى هذا القول ذهب ~~أصحاب الرأي. # القسم الثالث: # أنه يقدم ما يقتضي الحظر على ما يقتضي الإباحة. قال ابن السمعاني: وهو ~~الصحيح وقيل: هما سواء. # القسم الرابع: # أن يكون أحدهما يقتضي حدا، والآخر يسقطه، فالمسقط "مقدم"*. # القسم الخامس: # أن يكون أحدهما يقتضي "العتق"** والآخر يسقطه، فالمقتضي "للعتق"*** مقدم. ~~وقيل: هما سواء. # القسم السادس: # أن يكون أحدهما مبقيا للعموم "على عمومه والآخر موجبا لتخصيصه. # وقيل: يجب ترجيح ما كان مبقيا للعموم"****؛ لأنه كالنص في وجوب استغراق ~~الجنس، ومن حق العلة ms526 أن لا ترفع "النصوص"*****، فإذا أخرجت ما اشتمل عليه ~~العام كانت مخالفة للأصول التي PageV02P279 # يجب سلامتها عنه، كذا قال القاضي في "التقريب"، وحكى الزركشي عن الجمهور ~~أن المخصصة له أولى؛ لأنها زائدة. ### | 6- # وأما المرجحات بحسب بالأمور الخارجة، فهي على أقسام: # الأول: # أنه يقدم القياس الموافق للأصول، بأن تكون علة أصله على وفق الأصول ~~الممهدة في الشرع على ما كان موافقا لأصل واحد؛ لأن وجود العلة في الأصول ~~الكثيرة دليل على قوة اعتبارها في نظر الشرع. هكذا قال الشيخ أبو إسحاق ~~الشيرازي، وابن السمعاني، وغيرهما. # وقيل: هما سواء، "واختاره القاضي في "التقريب". # القسم الثاني: # أنه يرجح ما كان أكثر فروعا على ما كان أقل، لكثرة الفائدة، وقيل: هما ~~سواء"* وجزم بالأول الأستاذ أبو منصور "وزيفه"** الغزالي. # القسم الثالث: # أنه يقدم ما كان حكم أصله موافقا للأصول على ما ليس كذلك، للاتفاق على ~~الأول، والاختلاف في الثاني. # القسم الرابع: # أنه يرجح ما كان مطردا في الفروع بحيث يلزم الحكم به في جميع الصور على ~~ما لم يكن كذلك. # القسم الخامس: # أنه يرجح ما انضمت علته علة أخرى على ما لم ينضم إليه علة أخرى؛ لأن ذلك ~~الانضمام يزيد قوة، وقيل: "لا يرجح"*** بذلك، وصححه أبو زيد من الحنفية. # القسم السادس: # أنه يقدم ما انضم إليه فتوى صحابي على ما لم يكن كذلك، وهو مبني على ~~الخلاف المتقدم في حجية قول الصحابي. # وأما المرجحات بحسب الفرع، فهي على أقسام: # الأول: # أنه يقدم ما كان مشاركا في عين الحكم وعين العلة على المشارك في جنس ~~الحكم وعين العلة، أو عين الحكم وجنس العلة، أو جنس الحكم وجنس العلة. # القسم الثاني: # أنه يقدم ما كان مشاركا في عين الحكم وجنس العلة، أو عين العلة وجنس ~~الحكم على المشارك في جنس الحكم وجنس العلة. # القسم الثالث: # أنه يقدم المشارك في عين العلة وجنس الحكم على المشارك في عين الحكم وجنس ~~العلة؛ لأن العلة هي العمدة في التعدية. PageV02P280 # القسم الرابع: # أنه يقدم ما كان مقطوعا بوجود علته ms527 في الفرع على المظنون وجودها فيه. # القسم الخامس: # أنه يقدم ما كان حكم الفرع ثابتا فيه جملة لا تفصيلا، وقد دخل بعض هذه ~~"المرجحات فيما تقدم"* "لصلاحية ما هناك هنا"** لذكر ذلك فيه. # وأما المرجحات بين الحدود السمعية، فهي على أقسام: # الأول: # أنه يرجح الحد المشتمل على الألفاظ الصريحة، الدالة على المطلوب ~~بالمطابقة أو التضمن على الحد المشتمل على الألفاظ المجازية أو المشتركة أو ~~الغريبة، أو المضطربة، وعلى ما دل على المطلوب بالالتزام؛ لأن الأول قريب ~~إلى الفهم، بعيد عن الخلل والاضطراب. # القسم الثاني: # أن يكون أحدهما أعرف من الآخر، فإنه يقدم الأعرف على الأخفى؛ "لأن ~~الأعرف"*** أدل على المطلوب من الأخفى. # القسم الثالث: # أنه يقدم الحد المشتمل على الذاتيات على المشتمل على العرضيات، لإفادة ~~الأول تصور حقيقة المحدود، دون الثاني. # القسم الرابع: # أنه يقدم ما كان مدلوله أعم من مدلول الآخر، لتكثير الفائدة، وقيل: بل ~~يقدم الأخص، للاتفاق على ما تناوله. # القسم الخامس: # أنه يقدم ما كان موافقا لنقل الشرع واللغة على ما لم يكن كذلك، لكون ~~الأصل عدم النقل. # القسم السادس: # أنه يقدم ما أقرب إلى المعنى المنقول عنه شرعا، أو لغة. # القسم السابع: # أنه يقدم ما كان طريق اكتسابه أرجح من طريق اكتساب الآخر؛ لأنه أغلب على ~~الظن. # القسم الثامن: # أنه يقدم ما كان موافقا لعمل أهل مكة والمدينة، ثم ما كان موافقا ~~لأحدهما. # القسم التاسع: # أنه يقدم ما كان موافقا لعمل الخلفاء الأربعة. # القسم العاشر: # أنه يقدم ما كان موافقا للإجماع. # القسم الحادي عشر: # أنه يقدم ما كان موافقا لعمل أهل العلم. # القسم الثاني عشر: # أنه يقدم ما كان مقررا لحكم الحظر على ما كان مقررا لحكم الإباحة. # القسم الثالث عشر: # أنه يقدم ما كان مقررا لحكم النفي على ما كان مقررا لحكم الإثبات. ~~PageV02P281 # القسم الرابع عشر: # أنه يرجح ما كان مقررا لإسقاط الحدود على ما كان موجبا لها. # القسم الخامس عشر: # أنه يقدم ما كان مقررا لإيجاب العتق على ما لم يكن كذلك. # وفي غالب ms528 هذه المرجحات خلاف يستفاد من مباحثه المتقدمة في هذا الكتاب، ~~ويعرف به ما هو الراجح في جميع ذلك، وطرق الترجيح كثيرة جدا، وقد قدمنا أن ~~مدار الترجيح على ما يزيد الناظر قوة في نظره، على وجه صحيح، مطابق للمسالك ~~الشرعية، فما كان محصلا لذلك فهو مرجح معتبر. # PageV02P282 ### | خاتمة لمقاصد هذا الكتاب ### | مدخل # ... # خاتمة لمقاصد هذا الكتاب: # اعلم: أنا قد قدرنا في أول هذا الكتاب الخلاف في كون العقل حاكما أو لا. # وذكرنا أنه لا خلاف في أن بعض الأشياء يدركها العقل، ويحكم فيها، كصفات ~~الكمال، والنقص، وملاءمة الغرض، ومنافرته. # وأحكام العقل باعتبار مدركاته تنقسم إلى خمسة أحكام، كما انقسمت الأحكام ~~الشرعية إلى خمسة أقسام. # الأول: الوجوب، كقضاء الدين. # والثاني: التحريم، كالظلم. # والثالث: الندب، كالإحسان. # والرابع: الكراهة، كسوء الأخلاق. # والخامس: الإباحة، كتصرف المالك في ملكه. # وهما مسألتان. # PageV02P283 ### | المسألة الأولى: # هل الأصل فيما وقع فيه الخلاف، ولم يرد فيه دليل يخصه، أو يخص نوعه، ~~الإباحة، أو المنع، أو الوقف1؟ # فذهب جماعة من الفقهاء، وجماعة من الشافعية، ومحمد بن عبد الله بن عبد ~~الحكم2، ونسبه بعض المتأخرين إلى الجمهور إلى أن الأصل الإباحة. # وذهب الجمهور إلى أنه لا يعلم حكم الشيء إلا بدليل يخصه، أو يخص نوعه، ~~فإذا لم. PageV02P283 # يوجد الدليل كذلك فالأصل المنع. # وذهب الأشعري، وأبو بكر الصيرفي، وبعض الشافعية، إلى الوقف بمعنى لا يدري ~~هل "هناك"* حكم أم لا؟ # وصرح الرازي في "المحصول": أن الأصل في المنافع الإذن، وفي المضار المنع. # احتج الأولون بقوله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق} 1 فإنه سبحانه أنكر على من حرم ذلك، فوجب أن لا تثبت ~~حرمته، وإذا لم تثبت حرمته امتنع ثبوت الحرمة في فرد من أفراده؛ لأن المطلق ~~جزء من المقيد، فلو ثبتت الحرمة في فرد من أفراده، لثبتت الحرمة في زينة ~~الله، وفي الطيبات من الرزق، وإذا انتفت الحرمة بالكلية ثبتت الإباحة. # واحتجوا أيضا بقوله تعالى: {أحل لكم الطيبات} 2 وليس المراد من الطيب ~~الحلال، وإلا ms529 لزم التكرار، فوجب تفسيره بما يستطاب طبعا، وذلك يقتضي حل ~~المنافع بأسرها. # واحتجوا أيضا بقول تعالى: " {خلق لكم ما في الأرض جميعا} 3، واللام تقتضي ~~الاختصاص بما فيه منفعة. # واحتجوا أيضا بقوله تعالى"**: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة} 4 الآية فجعل الأصل الإباحة، والتحريم مستثنى. # وبقوله سبحانه: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} 5. # وبما ثبت في الصحيحين وغيرهما، من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "إن أعظم "المسلمين في المسلمين جرما من" *** سأل ~~عن شيء فحرم على "المسلمين " **** من أجل مسألته " 6. PageV02P284 # وبما أخرجه الترمذي، وابن ماجه عن سلمان الفارسي قال: سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن السمن، "والجبن"*، والفراء، قال: "الحلال ما أحله الله ~~في كتابه، والحرام ما حرمه الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" 1 # واحتجوا أيضا بأنه انتفاع بما لا ضرر فيه على المالك قطعا، ولا على ~~المنتفع، فوجب أن لا يمتنع، كالاستضاءة بضوء السراج، والاستظلال بظل ~~الجدار. # ولا يرد على هذا الدليل ما قيل: من أنه يقتضي إباحة كل المحرمات؛ لأن ~~فاعلها ينتفع بها، ولا ضرر فيها على المالك، ويقتضي سقوط التكاليف بأسرها. # ووجه عدم وروده أنه قد وقع الاحتراز عنه بقوله: ولا على المنتفع، ولا ~~انتفاع بالمحرمات، وبترك الواجبات يضرره ضررا ظاهرا؛ لأن الله سبحانه قد ~~بين حكمها، وليس النزاع في ذلك، إنما النزاع فيما لم يبين حكمه ببيان يخصه ~~أو يخص نوعه. # واحتجوا أيضا بأنه سبحانه إما أن يكون خلقه لهذه الأعيان لحكمة، أو لغير ~~حكمة، والثاني باطل؛ لقوله تعالى: {خلقنا السماوات والأرض وما بينهما ~~لاعبين} 2، وقوله تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} 3 والعبث لا يجوز على ~~الحكمة، فثبت أنها مخلوقة لحكمة، ولا تخلو هذه الحكمة إما أن تكون لعود ~~النفع إليه سبحانه، أو إلينا، والأول باطل، لاستحالة الانتفاع عليه عز وجل، ~~فثبت أنه إنما خلقها لينتفع بها المحتاجون ms530 إليها، وإذا كان كذلك كان نفع ~~المحتاج مطلوب الحصول أينما كان، فإن منع منه فإنما هو يمنع منه لرجوع ضرره ~~إلى المحتاج إليه، وذلك بأن ينهى الله عنه، فثبت أن الأصل في المنافع ~~الإباحة. PageV02P285 # وقد احتج القائلون بأن الأصل المنع بمثل قوله تعالى: {وقد فصل لكم ما حرم ~~عليكم} 1 وهذا خارج عن محل النزاع، فإن النزاع إنما هو فيما لم ينص على ~~حكمه، أو حكم نوعه، وأما ما قد فصله وبين حكمه، فهو كما بينه بلا خلاف. # واحتجوا أيضا بقوله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال ~~وهذا حرام} 2 قالوا: فأخبر الله سبحانه أن التحريم والتحليل ليس إلينا، ~~وإنما هو إليه فلا نعلم الحلال والحرام إلا بإذنه. # ويجاب عن هذا: بأن القائلين بأصالة الإباحة لم يقولوا بذلك من جهة ~~أنفسهم، بل قالوه بالدليل الذي استدلوا به من كتاب الله وسنة رسوله، كما ~~تقدم3، فلا ترد هذه الآية عليهم، ولا تعلق لها بمحل النزاع. # واستدل بعضهم بالحديث الصحيح الثابت في دواوين الإسلام عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات والمؤمنون ~~وقافون عند الشبهات" 4 الحديث. # قال: فأرشد صلى الله عليه وسلم إلى ترك ما بين الحلال والحرام، ولم يجعل ~~الأصل فيها أحدهما. # ولا يخفاك أن هذا الحديث لا يدل على مطلوبهم من أن الأصل المنع. # فإن استدل به القائلون بالوقف فيجاب عنه: بأن الله سبحانه قد بين حكم ما ~~سكت عنه بأنه حلال بما سبق من الأدلة، وليس المراد بقوله: "وبينهما أمور ~~مشتبهات" إلا ما لم يدل الدليل على أنه حلال طلق، أو حرام واضح، بل تنازعه ~~أمران، أحدهما يدل على إلحاقه بالحلال، والآخر يدل على إلحاقه بالحرام، كما ~~يقع ذلك عند تعارض الأدلة أما ما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه، كما تقدم ~~في حديث5، سلمان وقد أوضحنا الكلام على هذا الحديث في رسالة مستقلة6 فليرجع ~~إليها. # واستدلوا أيضا بالحديث الصحيح وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "إن ms531 دمائكم ~~وأموالكم عليكم حرام" 7 الحديث. PageV02P286 # ويجاب عنه: بأنه خارج عن محل النزاع؛ لأنه خاص بالأموال التي قد صارت ~~مملوكة لمالكيها، ولا خلاف في تحريمها على الغير، وإنما النزع في الأعيان ~~التي خلقها الله لعباده، ولم تصر في ملك أحد منهم، وذلك كالحيوانات التي لم ~~ينص الله عز وجل على تحريمها، لا بدليل عام ولا خاص، وكالنباتات التي ~~تنبتها الأرض، مما لم يدل دليل على تحريمها، ولا كانت مما يضر مستعمله بل ~~مما ينفعه. # PageV02P287 ### | المسألة الثانية # اختلفو في وجوب شكر المنعم عقلا: # فالمعتزلة ومن وافقهم وجبوه بالعقل على من لم يبلغه الشرع. # وخالف في ذلك جمهور الأشعرية، ومن وافقهم؛ لأنهم يقولون لا حكم للعقل، ~~كما تقدم تحقيقه. # قالوا: وعلى تقدير التسليم لحكم العقل "تنزلا"* فلا حكم لعقل بوجوب شكر ~~المنعم، فلا إثم في تركه على من لم تبلغه دعوة النبوة؛ لأنه لو وجب لوجب ~~لفائدة، واللازم باطل، فالملزوم مثله. # وتقرير الملازمة: أنه لو وجب لا لفائدة، لكان عبثا، وهو قبيح، فلا يجب ~~عقلا، ولا يجوز على الله سبحانه إيجاب ما كان عبثا. # وأما تقرير بطلان اللازم، فلأن الفائدة إما أن تكون لله تعالى، أو تكون ~~للعبد، إما في الدنيا، أو في الآخرة، والكل باطل؛ لأن الله سبحانه متعال ~~"عن الفائدة"**، ولأنه لا منفعة فهي للعبد في الدنيا؛ لأنه تعب ومشقة عليه، ~~ولا حظ للنفس فيه، وما كان كذلك لا يكون له فائدة دنيوية، وأما انتفاع ~~العبد به في الآخرة؛ فلأن أمور الآخرة من الغيب الذي لا مجال للعقل فيه. # وأجيب عن ذلك: بمنع كونه لا فائدة للعبد فيه، وسند هذا المنع، بأن فائدته ~~للعبد في PageV02P287 # الدنيا هي دفع ضرر خوف العقاب، وذلك للزوم الخطور على باب كل عاقل، إذا ~~رأى ما عليه من النعم المتجددة، وقتا بعد وقت، أن المنعم قد ألزمه بالشكر ~~كما يخطر على بال من أنعم عليه ملك من الملوك بأصناف النعم أنه مطالب له ~~بالشكر عليها. # ومنع الأشعرية لزوم الخطور الموجب للخوف فلا يتعين وجوده. # وأجيب ms532 عن هذا المنع: بأنه غير متوجه؛ لأن ما ذكره القائلون بالوجوب هو ~~منع، فإن أرادوا بهذا المنع لذلك المنع أن سنده لا يصلح للسندية، فذلك منع ~~مجرد للسند، وهو غير مقبول، وعلى التسليم فيقال: إنه وإن لم يتعين وجود ~~الخوف، فهو على خطر الوجود، وبالشكر يندفع احتمال وجوده، وهو فائدة جليلة. # ثم "جاءت"* الأشعرية بمعارضة لما ذكرته المعتزلة، فقالوا: ولو سلم فخوف ~~العقاب على الترك معارض بخوف العقاب على الشكر، إما لأنه تصرف في ملك الغير ~~بغير إذن المالك، فإن ما يتصرف به العبد من نفسه وغيرها ملك لله تعالى، ~~وإما لأنه كالاستهزاء، وما مثله إلا كمثل فقير حضر مائدة ملك عظيم، فتصدق ~~عليه بلقمة، فطفق يذكرها في المجامع، "ويشكره"** عليها شكرا كثيرا مستمرا، ~~فإن ذلك يعد استهزاء من الشاكر بالملك؛ فكذا هنا، بل اللقمة بالنسبة إلى ~~الملك وما يملكه أكثر مما أنعم الله به على العبد بالنسبة إلى الرب سبحانه، ~~وشكر العبد أقل قدرا في جنب الله من شكر الفقير للملك على الصفة المذكورة. # ولا يخفاك أن هذه المعارضة الركيكة والتمثيل الواقع على غاية من السخف، ~~يندفعان بما قصه الله سبحانه علينا في الكتاب العزيز، من تعظيم شأن ما أنعم ~~به على عباده، وكرر ذلك تكريرا كثيرا، فإن كان ذلك مطابقا للواقع سقط ما ~~جاءوا به، وإن كان غير مطابق للواقع فهو التكذيب البحت والرد الصراح. # ثم لا يخفى على أحد أن النعمة التي وجب الشكر عليها هي على غاية العظمة ~~عند الشاكر، فإن أولها وجوده، ثم تكميل آلائه، ثم إفاضة النعم عليه على ~~اختلاف أنواعها، فكيف يكون شكره عليها استهزاء. # وقد اعترض جماعة من المحققين على ما ذكره الأشاعرة في هذه المسألة، منهم ~~ابن الهمام في "تحريره"، فقال: ولقد طال رواج هذه الجملة على تهافتها، يعني ~~جملة الاستدلال والاعتراض. # ثم ذكر أن حكم المعتزلة بتعلق الوجوب والحرمة بالفعل قبل البعثة تابع ~~لعقلية ما في الفعل، PageV02P288 # فإذا عقل فيه حسن يلزم بترك ما هو فيه القبح، كحسن شكر المنعم، ms533 المستلزم ~~تركه القبح، الذي هو الكفران بالضرورة، فقد أدرك العقل حكم الله الذي هو ~~وجوب الشكر قطعا، وإذا ثبت الوجوب بلا مرد، لم يبق لنا حاجة في تعيين ~~فائدة، بل نقطع بثبوتها في نفس الأمر، علم عينها أو لا، ولو منعوا، يعني: ~~الأشعرية اتصاف الشكر بالحسن، واتصاف الكفران بالقبح، لم تصر مسألة على ~~التنزل معنى، والمفروض أنها مسألة على التنزيل. # ثم ذكر أن انفصال المعتزلة بدفع ضرر خوف العقاب إنما يصح حاملا على العمل ~~الذي يتحقق به الشكر، وهو بعد العلم بوجوب الشكر بالطريق الموصلة إليه، وهو ~~محل النزاع. # ثم قال: وأما معارضتهم بأنه يشبه الاستهزاء، فيقضي منه العجب. قال شارحه: ~~لغرابته وسخافته، كيف ويلزم منه انسداد باب الشكر قبل البعثة وبعدها. ~~انتهى. # ومن كان مطلعا على مؤلفات المعتزلة لا يخفى عليه أنهم إنما ذكروا هذا ~~الدليل للاستدلال به على وجوب النظر، فقالوا: من رأى النعم التي هو فيها، ~~دقيقها وجليلها، وتواتر أنواعها خشي أن لها صانعا يحق له الشكر؛ إذ وجوب ~~شكر كل منعم ضروري، ومن خشي ذلك خاف ملاما على الإخلال، وتبعه على الإخلال ~~ضرر عاجل، والنظر كاشف للحيرة، دافع لذلك الخوف، فمن أخل بالنظر حسن في ~~العقل ذمه، وهو معنى الوجوب، فإذا نظر زال ذلك الضرر، فيلزمه فائدة الأمن ~~من العقاب، على التقديرين إما بأن يشكر، وإما بأن يكشف له النظر أنه لا ~~منعم، فلا عقاب. # هذا حاصل كلامهم في الوجوب العقلي. # وأما الوجوب الشرعي: فلا نزاع فيه بينهم، وقد صرح الكتاب العزيز بأمر ~~العباد بشكر ربهم، وصرح أيضا بأنه سبب في زيادة النعم، والأدلة القرآنية ~~والأدلة النبوية في هذا كثيرة جدا. # وحاصلها: فوز الشاكر بخير الدنيا والآخرة، وفقنا الله تعالى لشكر نعمه، ~~ودفع عنا جميع قمه. # قال المؤلف رحمه الله: وإلى هنا انتهى ما أردنا جمعه، بقلم مؤلفه المفتقر ~~إلى نعم ربه، الطالب منه مزيدها عليه ودوامها له، محمد بن علي بن محمد ~~الشوكاني، غفر الله ذنوبه، وكان الفراغ منه يوم الأربعاء، لعله الرابع من ~~شهر ms534 محرم، سنة 1231، والحمد لله أولا وآخرصا، والصلاة والسلام على سيدنا ~~محمد وآله صحبه. # PageV02P289 ### | الفهارس ### | فهرس الآيات القرآنية # ... ### | 1- # فهرس الآيات القرآنية: # الآية رقمها الجزء/ الصفحة # سورة البقرة # {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} 4 1/ 305 # {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} 21 1/ 34 # {يا أيها الناس} 21 1/ 322، 323 # {فأتوا بسورة من مثله} 23 1/ 254 # {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة # فما فوقها} 26 2/ 98 # {خلق لكم ما في الأرض جميعا} 29 2/ 284 # {وعلم آدم الأسماء كلها} 31 1/ 43 # {ثم عرضهم} 31 1/ 43 # {وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا} 34 1/ 249، 261 # {قلنا اهبطوا منها جميعا} 38 1/ 320 # {واقيموا الصلاة} 43 1/ 253، 258 # و2/ 12 # {لا تجزي نفس عن نفس شيئا} 48 1/ 300 # {وادخلوا الباب سجدا} 58 1/ 81 # {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت} 65 2/ 195 # {كونوا قردة} 65 1/ 254 # {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون # إلا الله وبالوالدين إحسانا} 83 2/ 54 # {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} 104 2/ 193 # {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير # منها أو مثلها} 106 2 / 59، 61، 69 # ، 70 # {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} 110 1/ 307 # {وأقيموا الصلاة} 110 1/ 343 و2/ 27 # {وآتوا الزكاة} 110 2/ 28 # PageV02P291 # الآية رقمها الجزء/ الصفحة # {لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} 111 2/ 191 # {قل هاتوا برهانكم} 111 1/ 255 # و2/ 191 # {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} 143 1/185، 204 # {قد نرى تقلب وجهك في السماء} 144 2/ 71 # {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} 150 2/ 98 # {يا أيها الذين أمنوا} 153 1/ 322، 323 # {إن الصفا والمروة من شعائر الله} 158 1/ 82 # {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} 158 2/ 190 # {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} 169 1/ 202 # {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك # خيرا الوصية للوالدين والأقربين} 180 2/ 68، 70 # {فعدة من أيام آخر} 184 2/ 11 # {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} 185 2/ 72 # {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} 185 2/ 61، 190 ms535 # {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} 187 1/ 304 # {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} 187 2/ 41 # {وأتموا الصيام إلى الليل} 187 1/ 379 # فالآن باشروهن} 187 2/ 59، 72 # {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} 188 1/ 202 # {حتى لا تكون فتنة} 193 2/121 # {وأتموا الحج والعمرة لله} 196 2/198 # {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج # وسبعة إذا رجعتم} 196 2/11 # {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا # رجعتم تلك عشرة كاملة} 196 2/ 23، 225 # {الحج أشهر معلومات} 197 1/327 # و2/ 48 # {ولا تقربوهن حتى يطهرن} 222 1/ 378 # {والمطلقات يتربصن بأنفسهن} 228 1/ 385 # و2/ 16 # {لا تضار والدة بولدها} 233 2/ 16 # {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن # بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} 234 1/ 386 # {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} 236 2/ 225 # PageV02P292 # الآية رقمها الجزء/ الصفحة # {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} 237 2/ 16، 225 # {حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى} 238 1/ 343 و2/ 79 # {وأحل الله البيع} 275 1/ 349 # {يا أيها الذين آمنوا تقوا الله وذروا ما # بقي من الربا} 278 1/ 321 # {ولا يضار كاتب ولا شهيد} 282 2/ 16 # {واستشهدوا} 282 1/ 254 # {واتقوا لله ويعلمكم الله} 282 2/ 199 # {والله على كل شيء قدير} 284 2/ 42 # {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} 286 1/ 32 # {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} 286 1/ 32 # سورة آل عمران # {منه آيات محكمات هن أم الكتاب # وأخر متشابهات} 7 1/ 90 # {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما # تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما # يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم # يقولون آمنا به} 7 1/ 90 # {وما يعلم تأويله إلا الله} 7 2/ 33 # {ربنا لا تزغ قلوبنا} 8 1/279 # {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} 31 1/ 97، 106، # 314 # {واسجدي واركعي مع الراكعين} 43 1/ 82 # {ومكروا ومكر الله} 54 1/ 73 # {فإن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه # وهذا النبي} 68 2/ 178 # {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما # حرم إسرائيل على نفسه} 93 2/ 238 # {ولله على الناس حج ms536 البيت من استطاع # إليه سبيلا} 97 1/ 383، 385 # و2/ 82 # {فيه آيات بينات مقام إبراهيم} 97 1/ 69 # {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون # بالمعروف وتنهون عن المنكر} 110 1/ 185، 205 # {قل موتوا بغيظكم} 119 1/ 255 # {لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} 130 2/ 41 # {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} 133 1/ 262 # {الذين قال لهم الناس} 173 1/ 397 # PageV02P293 # الآية رقمها الجزء/ الصفحة # {كل نفس ذائقة الموت} 185 1/ 355 # {والله على كل شيء قدير} 189 1/ 355 # سورة النساء # {أو ما ملكت أيمانكم} 3 2/ 272 # {الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} 10 1/ 305 # {يوصيكم الله في أولادكم} 11 1/ 388 # {فإن كان له إخوة} 11 1/ 311 # {من بعد وصية توصون بها أو دين} 12 2/ 9 # {فأمسكوهن في البيوت حتى يتوافهن # الموت أو يجعل الله لهن سبيلا} 15 2/ 64 # {حرمت عليكم أمهاتكم} 23 1/ 328، 332، # 355 و2/ 16، 17 # {وأن تجمعوا بين الأختين} 23 2/ 272 # {ربائبكم اللاتي في حجوركم} 23 2/ 42 # {ولا تقتلوا أنفسكم} 29 1/ 292 # و2/ 223 # {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم # سيئاتكم} 31 1/ 144 # {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا # ما تقولون} 43 1/ 38 # {طيعوا الله وأطيعوا الرسول} 59 1 /106 # في شيء فردوه إلى الله ورسوله} 59 1/ 208 # و2/ 245 # {وأقيموا الصلاة} 77 2/ 28 # {من يطع الرسول فقد أطاع الله} 80 1/ 97 # {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر # منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} 83 2/ 98 # {فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} 92 1/ 81 # {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له # الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما # تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} 115 1/ 198 # {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى} 124 1/ 318 # {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم} 160 2/ 120 # PageV02P294 # الآية رقمها الجزء/ الصفحة # {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} 165 1/ 31 # {يبين الله لكم أن تضلوا} 176 1/ 70 # سورة المائدة # {وأيديكم إلى المرافق} 2 1/ 391 # {حرمت عليكم الميتة} 3 1/ 290، 328 # و2/ 16، 17، 70 # {اليوم أكملت لكم دينكم} 3 2/ 100، 202 ms537 # {أحل لكم الطيبات} 5 2/ 284 # {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة # فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق # وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} 6 2/ 27 # إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} 6 2/ 121 # {وأيديكم إلى المرافق} 6 1/ 378، 379 # {إلى المرافق} 6 1/ 363 # {وامسحوا برءوسكم} 6 2/ 17 # {وإن كنتم جنبا فاطهروا} 6 1/ 257 # {ادخلوا عليهم الباب} 23 1/ 70 # {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل} 32 2/ 118 # {أو تقطع أيديهم وأرجلهم} 33 1/ 81 # {والسارق} 38 1/ 289 # {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} 38 1/ 81، 292، # 342، 397 # و2/ 19، 28، 29 # 120، 121 # {يا أيها الرسول} 40 1/ 323 # {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} 45 2/ 180 # {والجروح قصاص} 45 2/ 160 # {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} 48 2/ 180 # {فاستبقوا الخيرات} 48 1/ 262 # {والله يعصمك من الناس} 67 1/ 117 # {ثم عموا وصموا كثير منهم} 71 1/ 380 # PageV02P295 # الآية رقمها الجزء/ الصفحة # {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة # وما من إله إلا الله واحد} 73 1/ 125 # {إنما الخمر والميسر} 90 2/ 72 # {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} 92 1/ 97 # {فجزاء مثل ما قتل من النعم} 95 2/ 97 # {يحكم به ذوا عدل منكم} 95 2/ 97 # {لا تسألوا عن أشياء} 101 1/ 279 # سورة الأنعام # {لأنذركم به ومن بلغ} 19 1/ 322 # {ما فرطنا في الكتاب من شيء} 38 2/ 100 # {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} 59 1/ 86 و2/ 100 # {أولئك الذي هدى الله فبهداهم اقتده} 90 2/ 180 # {انظروا إلى ثمره إذا أثمر} 99 1/ 255 # {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله # فيسبوا الله} 108 2/ 195 # {وقد فصل لكم ما حرم عليكم} 119 2/ 286 # {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام} # إلى قوله: {حكيم عليم} 139 2/ 126 # {وآتوا حقه يوم حصاده} 141 2/ 23 # {ثمانية أزواج} إلى قوله: # {الظالمين} 142-143 2/ 126 # {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما # على طاعم يطعمه} 145 2/ 68، 70، # 284 # سورة الأعراف # {ما منعك أن تسجد إذ أمرتك} 12 1/ 249، 261 # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده # والطيبات من الرزق} 32 2/ 284 # {فهل ms538 وجدتم ما وعبد ربكم حقا قالوا نعم} 44 1/ 333 # {مسخرات بأمره} 54 1/ 242، 243 # {قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب} 71 1/ 222 # {فماذا تأمرون} 110 1/ 245 # {قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} 138 1/ 311 # {اخلفني في قومي} 142 1/ 250 # {واختار موسى قومه سبعين رجلا} 155 1/ 132 # {ويحرم عليهم الخبائث} 157 2/ 131 # {وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا} 161 1/ 81 # PageV02P296 # الآية رقمها الجزء/ الصفحة # {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} 163 1/ 397 و2/ 193 # سورة الأنفال # {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} 13 2/ 108، 120 # {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} 29 2/ 199 # {إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} 38 1/ 35 # {فأن لله خمسه} 41 2/ 27 # {إن يكن منكم عشرون صابرون} 65 1/ 131 # {الآن خفف الله عنكم} 66 2/ 84 # {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن # في الأرض} 67 2/ 233 # سورة التوبة # {فاقتلوا المشركين} 5 1/ 342، 362، # 388، 394 # {حتى يعطوا الجزية} 29 1/ 379، 394 # و2/ 121 # {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} 31 2/ 245 # {والذين يكنزون الذهب والفضة} 34 1/ 332 # {فبشرهم بعذاب أليم} 34 1/ 68 # {وقاتلوا المشركين كافة} 36 1/ 301 # {عفا الله عنك لم أذنت لهم} 43 2/ 220 # {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} 71 2/ 123 # {فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا} 82 1/ 255 # {والسابقون الأولون} 100 1/ 185 # {خذ من أموالهم صدقة} 103 1/ 316 # {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} 122 1/ 136 # سورة يونس # {فأجمعوا أمركم} 7 1/ 193 # {قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} 15 2/ 70 # {والله يدعو إلى دار السلام} 25 1/ 331 # {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله} 39 2/ 191 # PageV02P297 # الآية رقمها الجزء/ الصفحة # {ألقوا ما أنتم ملقون} 80 1/ 255 # سورة هود # {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} 6 1/ 355 # {حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور} 40 1/ 242 # {وأهلك} 40 2/ 27 # {أتعجبين من أمر الله} 73 1/ 242 # {وما أمر فرعون برشيد} 97 1/ 242 # سورة يوسف # {إنا أنزلناه ms539 قرآنا عربيا} 2 1/ 65 # {وفوق كل ذي علم عليم} 76 2/ 231 # {واسأل القرية} 82 1/ 69 # {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} 103 1/ 368 # سورة الرعد # {الله خالق كل شيء} 16 1/ 383 # سورة إبراهيم # {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} 4 1/ 43، 65 # {قل تمتعوا} 30 1/ 254 # {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} 34 1/ 304 # {ولا تحسبن الله غافلا} 42 1/ 279 # سورة الحجر # {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} 9 2/ 75 # {وإنا له لحافظون} 9 1/ 313 # {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} 30 1/ 303 # {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من # اتبعك من الغاوين} 42 1/ 368 # {ادخلوها بسلام آمنين} 46 1/ 254 # {وما خلقنا السموات والأرض وما # بينهما إلا بالحق} 85 2/ 123 # {ولا تمدن عينيك} 88 1/ 279 # PageV02P298 # الآية رقمها الجزء/ الصفحة # سورة النحل # {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} 8 2/ 197 # {لتأكلوا منه لحما طريا} 14 2/ 41 # {وعلامات وبالنجم هم يهتدون} 16 2/ 226 # {وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} 39 1/ 125 # {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له # كن فيكون} 40 1/ 251 # {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي # إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا # تعلمون بالبينات والزبر} 43-44 2/ 245 # {لتبين للناس ما نزل إليهم} 44 1/ 385، 387 # {لا جرم أن لهم النار} 62 2/ 131 # {وأوحى ربك إلى النحل} 68 2/ 200 # {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} 89 1/ 208، 386 # {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} 90 2/ 99 # {إنما يعلمه بشر} 103 2/ 219 # {فكلوا مما رزقكم الله} 114 1/ 254 # {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا # حلال وهذا حرام} 116 2/ 286 # {إن إبراهيم كان أمة} 120 1/ 236 # {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا} 123 2/ 178، 180 # سورة الإسراء # {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} 15 1/ 31 # {فلا تقل لهما أف} 23 1/ 392، 394 # {ولا تقف ما ليس لك به علم} 36 1/ 148 # {واستفزز من استطعت} 64 1/ 71، 254 # {أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} 110 1/ 298 # سورة الكهف # {أيكم أحسن عملا} 7 1/ 299 # {وإذا اعتزلتموهم ms540 وما يعبدون إلا الله # فأووا إلى الكهف} 16 2/ 120 # {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا # أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت} 23-24 1/ 364 # PageV02P299 # الآية رقمها الجزء/ الصفحة # {فمن شاء فليؤمن ... } 29 1/71 # سورة طه # {الرحمن على العرش استوى} 5 2/ 33 # {وأقم الصلاة لذكري} 14 2/ 180 # {فاقض ما أنت قاض} 72 1/ 255 # {أفعصيت أمري} 93 1/ 250 # {وعصى آدم ربه فغوى} 121 1/ 100 # {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا # ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك # من قبل أن نذل ونخزى} 134 1/ 31 # سورة الأنبياء # {فسألوا أهل الذكر} 7 2/ 244 # {بل فعله كبيرهم هذا} 63 1/ 101 # {ففهمناها سليمان} 79 2/ 234 # {وعلمناه صنعة لبوس لكم} 80 1/ 42 # {إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه} 87 1/ 101 # {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} 98 2/ 27 # {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} 101 1/ 305و 2/ 27 # سورة الحج # {وترى الناس سكارى وما هم بسكارى} 2 2/ 261 # {ألم تر أن الله يسجد له من في السموات # ومن في الأرض} 18 1/ 61 # {وكثير من الناس} 81 1/ 61 # {تجري في البحر بأمره} 65 1/ 242، 243 # {وما جعل عليكم في الدين من حرج} 78 2/ 190 # سورة المؤمنون # {والذين هم لفروجهم، حافظون إلا على # أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} 5-6 1/ 332 # {وإن لكم في الأنعام لعبرة} 21 2/ 95 # {كلوا من الطيبات} 51 1/ 255 # {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت # السموات والأرض} 71 2/ 249 # PageV02P300 # الآية رقمها الجزء/ الصفحة # {قال رب ارجعون} 99 1/313 # {أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا} 115 2/123، 285 # سورة النور # {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما # مائة جلدة} 2 1/ 292 # و2/ 120 # {الزانية والزاني} 2 1/ 81 # {والذين يرمون المحصنات} 4 1/ 373 # {سبحانك هذا بهتان عظيم} 16 2/ 215 # {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} 33 1/ 253 # {إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} 44 2/ 95 # {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} 63 1/ 106، 250 # سورة الفرقان # {ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب # يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} 68-69 ms541 1/ 34 # {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون # النفس التي حرم الله إلا بالحق} 68-69-70 1/ 34 # سورة الشعراء # {إنا معكم مستمعون} 15 1/ 311 # {بل ألقوا ما أنتم ملقون} 43 1/ 255 # {كذبت قوم نوح المرسلين} 105 1/ 312 # سورة النمل # {وأوتيت من كل شيء} 23 1/ 385 # {فناظرة بم يرجع المرسلون} 35 1/ 312 # {فلما جاء سليمان} 36 1/ 312 # {أيكم يأتيني بعرشها} 38 1/ 298، 299 # سورة القصص # {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} 7 2/ 200 # {يجبى إليه ثمرات كل شيء} 57 1/ 385 # PageV02P301 # الآية رقمها الجزء/ الصفحة # سورة العنكبوت # {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} 14 1/ 361 # سورة الروم # {ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف # ألسنتكم وألوانكم} 22 1/ 42 # سورة الأحزاب # {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} 21 1/ 106، 107، # 116 # {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل # البيت ويطهركم تطهيرا} 33 1/ 222 # {إن المسلمين والمسلمات} 35 1/ 319 # {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله # ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة} 36 1/ 250 # {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت # عليه أمسك عليك زوجك} 37 2/ 220 # {فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} 49 1/ 386 # {إن الله وملائكته يصلون على النبي} 56 1/ 60 # {إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيلا} 67 2/ 245 # سورة سبأ # {لا يعزب عنه مثقال ذرة} 3 1/ 300 # {من رجز أليم} 5 1/ 222 # {افترى على الله كذبا أم به جنة} 8 1/ 124 # {وقليل من عبادي الشكور} 13 1/ 368 # سورة فاطر # {إليه يصعد الكلم الطيب} 10 2/ 33 # سورة يس # {قال من يحيي العظام وهي رميم} 78 2/ 99 # {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} 79 2/ 99 # {كن فيكون} 82 1/ 255 # PageV02P302 # الآية رقمها الجزء/ الصفحة # سورة الصافات # {إني سقيم} 89 1/ 101 # {فانظر ماذا ترى} 102 1/ 255 # سورة ص # {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي # فقعوا له ساجدين} 72 1/ 257 # ر # {قرآنا عربيا} 28 1/ 65 # {يا عبادي} 53 1/ 323 # {الله خالق كل شيء} 62 1/ 306، 383، # 385 # سورة فصلت # {وويل للمشركين، ms542 الذين لا يؤتون الزكاة} 6-7 1/ 34 # {فقضاهن سبع سموات} 11 1/ 250 # {اعلموا ما شئتم} 40 1/ 254 # {ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا # فصلت آياته} 44 2/ 123 # سورة الشورى # {ليس كمثله شيء} 11 1/ 70و 2/33 # {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} 13 2/ 172 # {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في # القربى} 23 1/222 # {فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمحو الله # الباطل} 24 2/ 198 # {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} 27 2/ 123 # سورة الزخرف # {إنا وجدنا آباءنا} 23 2/ 245 # {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن # يكفر بالرحمن} 33 2/ 123 # سورة الدخان # {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما # لاعبين} 38 2/ 285 # {ذق إنك أنت العزيز الكريم} 49 1/ 254 # PageV02P303 # الآية رقمها الجزء/ الصفحة # سورة الجاثية # {وسخر لكم ما في السموات وما في # الأرض جميعا منه} 13 2/ 284 # {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} 29 2/ 49 # سورة الأحقاف # {جزاء بما كانوا يعملون} 14 2/ 120 # {تدمر كل شيء بأمر ربها} 25 1/ 385 # سورة محمد # {حتى نعلم المجاهدين منكم} 31 2/121 # سورة الفتح # {لقد رضي الله عن المؤمنين} 18 1/ 185 # {محمد رسول الله والذين معه أشداء # على الكفار} 29 1/185 # و2/197 # سورة الحجرات # {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} 6 1/ 136، 140 # {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} 7 1/ 144 # {والله بكل شيء عليم} 16 1/ 354، 355 # سورة الذاريات # {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} 56 2/ 118 # سورة الطور # {فاصبروا أو لا تصبروا} 16 1/ 254 # سورة النجم # {وما ينطق عن الهوى} 3 2/ 218 # {إن هو إلا وحي يوحى} 4 2/ 70، 101، # 218 # {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم # ما أنزل الله بها من سلطان} 23 1/ 42، 43 # PageV02P304 # الآية رقمها الجزء/ الصفحة # {وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} 28 1/ 148 # سورة القمر # {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} 50 1/ 242 # سورة الرحمن # {كل من عليها فان} 26 1/ 355 # {يا معشر الجن والإنس} 33 1/ 301 # سورة المجادلة # {فصيام شهرين متتابعين} 4 2/ 11 # {يرفع الله الذين آمنوا ms543 منكم والذين أتوا العلم # درجات} 11 2/ 231 # {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} 13 2/ 84 # سورة الحشر # {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} 2 2/ 96 # {فاعتبروا يا أولي الأبصار} 2 2/ 95، 273 # {فاعتبروا} 2 2/ 138 # {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} 4 2/ 118، 130 # {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على # أصولها فبإذن الله} 5 2/ 234 # {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه # فانتهوا} 7 1/ 97، 106، # 314، 324 # و2/ 24، 72، # 101 # {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} 20 1/ 305 # {أصحاب الجنة هم الفائزون} 20 1/ 306 # سورة الممتحنة # {فلا ترجعوهن إلى الكفار} 10 2/ 71 # {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار} 11 2/ 70 # سورة الجمعة # {هو الذي بعث في الأمين رسولا منهم} 2 1/ 322 # {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} 3 1/ 322 # PageV02P305 # الآية رقمها الجزء/ الصفحة # {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا # إلى ذكر الله} 9 1/ 394 و2/48 # {وذروا البيع} 9 2/ 123 # سورة المنافقون # {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك # لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله # والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} 1 1/ 124 # {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز # منها الأذل} 8 1/ 126 # سورة الطلاق # {يا أيها النبي} 1 1/ 323 # {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} 2 2/ 123، 199 # {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} 3 2/ 123 # {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} 4 1/ 386 # {أسكنوهن} 6 1/388 # {لينفق ذو سعة من سعته} 7 2/ 225 # {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} 7 1/32 # سورة التحريم # {فقد صنعت قلوبكما} 4 1/ 310 # {لا تعتذروا اليوم} 7 1/ 279 # سورة القلم # {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} 35 2/ 123 # سورة الحاقة # {كلوا واشربوا} 24 1/ 254 # سورة المعارج # {فذرهم يخوضوا ويلعبوا} 28 1/ 254 # سورة نوح # {رب اغفر لي} 28 1/ 254 # سورة الجن # {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم} 23 1/ 250 # PageV02P306 # الآية رقمها الجزء/ الصفحة # سورة المزمل # {قم الليل إلا قليلا، نصفه أو انقص منه قليلا} 2-3 1/ 368 # {فعصى فرعون الرسول} 16 2/ 5 # سورة المدثر # {ما سلككم من سقر، قالوا لم نك من ms544 المصلين} 42-43 1/ 34 # سورة القيامة # {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} 18 2/27 # {ثم إن علينا بيانه} 19 2/ 27 # {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} 36 2/ 123 # سورة المرسلات # {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} 48 1/ 249 # {ويل يومئذ للمكذبين} 49 1/ 249 # سورة التكوير # {علمت نفس ما أحضرت} 14 1/ 70 # {والليل إذا عسعس} 17 1/ 59 # سورة الانفطار # {إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم} 13-14 1/ 332 # سورة الشمس # {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها} 7-8 2/ 200 # سورة البينة # {لم يكن الذين كفروا} 1 2/ 66 # سورة الزلزلة # {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل # مثقال ذرة شرا يره} 7-8 1/ 292 و2/ 218 # PageV02P307 ### $ 2- فهرس أطراف الأحاديث النبوية: # طرف الحديث الجزء والصفحة # "أ" # ابدءوا بما بدأ الله 1/ 82 # أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة 1/ 221 # أتأمرني بذلك "ألا تفارق زوجها" 1/ 251 # أتي بسارق فقعيه من المفصل 1/ 105 # أتاهم واحد "أهل قباء" فأخبرهم أن القبلة تحولت 1/ 136 و2/ 67 # أجاركم الله من ثلاث خلال 1/ 206 # اجتهد رأيي ولا آلو "قول معاذ" 1/ 152 # آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار 2/ 25 # ادرءوا الحدود بالشبهات 1/ 153 # ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله 2/ 14 # إذا اختلف البيعان 2/ 43 # إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم 1/ 282 # إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستثني 1/ 364 # إذا سها أحدكم عن صلاة فليصلها حين يذكرها 2/ 75 # إذا شرب سكر 2/ 145 # إذا قعد بين شعبها الأربع 2/ 77 # إذا لاقى الختان الختان 2/ 77، 258 # إذا وضعها في الحلال كان له بها أجر 2/ 101 # أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبس الحرير "للحكة" 1/ 398 # أرأيت لو تمضمضت بماء 2/ 25، 101، 219 # أرأيت لو كان على أبيك دين 2/ 100، 122، 219 # أرأيت لو وضعها في حرام 2/ 101 # PageV02P308 # ارتدت العرب قاطبة 1/ 301 # استفت قلبك 2/ 196، 200 # أشار بأصابعه إلى أيام الشهر ثلاث مرات 1/ 118 # أصحابي كالنجوم 1/ 186، 221، 2/ 188 # أعتق رقبة 2/ 112 # أفينفعه إن حججت عنه 2/ 112 # اقتدوا باللذين من بعدي أبو بكر وعمر 1/ 122 و2/ 188 # اقتلوا أهل ms545 الأوثان 1/ 394 # اقتلوا الأسودين في الصلاة 1/ 158 # أقرأني جبريل على حرف 1/ 88 # أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ 1/ 297 # أقضي بنحو ما أسمع 1/ 149 # إلا الإذخر 1/ 366 و2/ 219 # ألا إن القبلة قد حولت. 2/ 67 # ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه 1/ 96 و2/ 219 # إلا سهيل بين بيضاء 1/ 367 # امحه واكتب محمد 2/ 222 # أمر بقتل الأسودين في الصلاة 1/ 158 # أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله 1/ 369 # أمسك أربعا منهن وفارق سائرهن 1/ 331 # أمين هذه الأمة أبو عبيدة 1/ 221 # إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام 2/ 286 # إن عاد "السارق" في الخامسة فاقتلوه 2/ 72 # أنزل القرآن على سبعة أحرف 1/ 88 # أن آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار 2/ 25 # أن الخراج بالضمان 1/ 156 # أن الحاكم إذا اجتهد 2/ 232 # إن اله أجاركم من ثلاث خلال 1/ 206 # أن الله عز وجل قال "قد فعلت" عند الدعوات 1/ 32 # إن الله لا يقبض العلم انتزاعا 1/ 203 # PageV02P309 # إن للموت فزعا 2/ 73 # إن النساء قلن ما نرى الله سبحانه ذكر إلا الرجال # فنزل قوله تعالى {إن المسلمين والمسلمات} 1/ 319 # إن في دار فلان كلبا 2/ 150 # إن من أمتي المحدثين والمكلمين 2/ 200 # إنا آخذوها وشطر ماله 2/ 85 # إنا معاشر الأنبياء لا نورث 1/ 388 # إنما أقضي بنحو ما أسمع 1/ 149 و2/ 260 # إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون 1/ 101، 102 # إنما أنا شافع 1/ 251 # إنما الأعمال بالنيات 1/ 156، 290، 327 و2/ 82 # إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة 1/ 325 # إنما نؤاخذكم بما ظهر لنا من أعمالكم 1/ 149 # إنما هلك الذين من قبلكم من كثرة مسائلهم 1/ 252 # أنه مج في فيه "محمود بن الربيع" مجة 1/ 140 # أنه دعي إلى دار فأجاب 2/ 150 # أنه واصل أياما تنكيلا لمن لم ينته عن الوصال 1/ 104 # أنه ليس بأرض قومي فأجدني أعافه 1/ 119 # إنها من الطوافين عليكم 2/ 118، 119 # إنها أخته "قول سيدنا إبراهيم في سارة" 1/ 101 # إني أوتيت القرآن ومثله معه 1/ 96 # إني بعت منه عبدا 2/ 195 # إني صائم 2/ 22 # أيما إهاب دبغ فقد ms546 طهر 1/ 336 و2/ 71 # أينقص إذا جف 1/ 155، 333، و2/ 25 # الأئمة من قريش 1/ 302 # الإثم ما حاك في صدرك 2/ 196 # الاثنان فما فوقهما جماعة 1/ 312 # الأعمال بالنيات 1/ 156 # PageV02P310 # "ب" # بئس خطيب القوم أنت 1/ 82 # بئما اشتريت 2/ 195 # بشروا ولا تنفروا 2/ 190 # بعثت إلى الناس كافة 1/ 322 # بعثت بالحنيفية السمحة 2/ 190 # بعثت لأتمم مكارم الأخلاق 2/ 131 # بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا 2/ 65 # البينة على المدعي 1/ 156 # البر بالبر والذهب بالذهب 1/ 337 # "ت" # تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك 1/ 160 # تحول أهل قباء عن بيت المقدس وهم في الصلاة 1/ 136 # ترك رسول الله صلاة الليل جماعة 1/ 120 # تركتكم على الواضحة ليلها كنهارها 1/ 103 # تعلموا الفرائض وعلموها الناس 1/ 203 # تيمم عمرو بن العاص للجنابة 1/ 292 و2/ 223 # "ث" # الثيب الثيب جلد مائة والرجم 2/ 73، 85 # "ج" # جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا 1/ 336 # جمع رسول الله بين الصلاتين في السفر 1/ 289 # "ح" # حجة النبي صلى الله عليه وسلم 1/ 160 # حجوا كما رأيتموني أحج 2/ 25 # الحرب خدعة 1/ 156 # حكمي على الواحد كحكمي على الجماعة 1/ 325 # الحلال بين والحرام بين 2/ 194، 286 # الحلال ما أحله الله 2/ 285 # PageV02P311 # الحنطة بالحنطة 2/ 24 # "خ" # خذوا عني مناسككم 1/ 105 و2/ 25 # خير القرون قرني 1/ 173، 186 # الخال وارث من لا وارث له 2/ 153 # الخراج بالضمان 1/ 156، 334 # "د " # دباغها ظهورها 1/ 336 # دع ما يريبك إلى ما لا يريبك 2/ 193، 196 # "ر" # رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه 1/ 167 # رخص رسول الله لصاحب العرايا 1/ 152 # رجم رسول الله ماعزا ولم يجلده 2/ 73، 85 # رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد 1/ 221 # رفع القلم عن ثلاث 1/ 37 # رفع إليه سارق في الخامسة فلم يقتله 2/ 72 # رفع عن أمتي الخطأ النسيان 1/ 327 و2/ 21 # "ز" # زنى ماعز فرجم 2/ 112 # "س" # سأل النبي الجارية عن حال أم المؤمنين عائشة # رضي الله عنها 1/ 178 # سئل عن زكاة الحمير فقال لم ينزل علي في ذلك # إلا هذه الآية الجامعة {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} 2/ 218 # سمعت رسول الله صلى ms547 الله عليه وسلم {ولا تقتلوا أنفسكم} 1/ 292 # السنور سبع 2/ 150 # سها النبي صلى الله عليه وسلم فسجد 2/ 112 # سيكون في آخر الزمان ناس من أمتي 2/ 246 # "ش" # الشهر هكذا وهكذا وأشار بيده 2/ 24 # PageV02P312 # "ص" # صلوا كما رأيتموني أصلي 1/ 104، 113، 314 و2/ 25، 73 # صلى بعد العصر ركعتين قضاء لسنة الظهر 1/ 115 # صلى بعد العصر ركعتين وداوم عليهما 1/ 115 # الصلاة الوسطي 1/ 344 # صلى بعد غيبوبة الشفق 1/ 313 # صلى في الكعبة 1/ 314 # "ط" # الطعام بالطعام 1/ 337 # "ع" # عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي 1/ 95، 221 و2/ 189 # عليكم بالسواد الأعظم 2/ 260 # العجماء جبار 1/ 156 # "غ" # غسل الجمعة على كل محتمل 2/ 198 # "ف" # فإن عاد في الخامسة فاقتلوه 2/ 72 # فرضت الصلاة خمسين صلاة 2/ 56 # فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم # قول السيدة عائشة رضي الله عنها 1/ 106 # فلا يدري أنه "السفر" كان طويلا أو قصيرا 1/ 290 # في أربعين شاة شاة 1/ 393 # في الغنم السائمة زكاة 2/ 39 # في سائمة الغنم زكاة 1/ 329، 393 و2/ 43 # "ق" # قال سليمان: لأطوفن الليلة 1/ 367 # قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا 2/ 66 # PageV02P313 # قرأ {لم يكن الذين كفروا} وقرأ فيها إن ذات الدين عند الله 2/ 66 # قضى رسول الله أن الخراج بالضمان 1/ 315 # قضى رسول الله بالشاهد واليمين 1/ 315 و2/ 82 # قضى رسول الله بالشفعة للجار 1/ 314 # قضى رسول الله يد سارق من المفصل 1/ 105 # القضاة ثلاثة 2/ 233 # "ك" # كان ظاهرك علينا 1/ 149 و2/ 260 # كان فيما أنزل علينا عشر رضعات متتابعات فنسخ بخمس 2/ 65 # كان لا يأذن بالقتال إلا لمن بلغ سن التكليف 1/ 38 # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالقيام في الجنازة2/ 73 # كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه 2/ 181 # كان يستغفر الله في كل يوم 1/ 101 # كان يصبح جنبا 2/ 259 # كتب إلى عماله في الصدقات 1/ 118 # كذب سعد ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة 1/ 126 # كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد 1/ 282 # كذب من قال ذلك بل له أجره مرتين ms548 1/ 126 # كل ذلك لم يكن 1/ 297 # كل مما يليك 1/ 253 # كلوا وأطعموا وادخروا 2/ 59 # كنا نخابر على عهد رسول الله فنهى عن ذلك 1/ 166 # كنا نخرج صدقة عيد الفطر صاعا من تمر 1/ 165 # كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزورها 2/ 84، 269 # كيف نترك كتاب ربنا لقول امرأة 1/ 388 # كيف تقضي إذا عرض لك قضاء 1/ 152 و2/ 99-223، # 245 # كيف يحدث؟ قال يتكلم الملك على لسانه 1/ 153 و2/ 201 # "ل" # لا أعلم فيها إلا ما قال علي 2/ 223 # PageV02P314 # لا أنقض أمرا كان قبلي 1/ 311 # لا إنما أنا شافع 1/ 251 # لا تبيعوا الذهب بالذهب 1/ 158 # لا تجتمع أمتي على ضلالة 1/ 207 # لا تخمروا رأسه فإنه يبعث ملبيا 2/ 120 # لا ترجعوا بعدي كفارا 1/ 203 # لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله 1/ 207، 218 # لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون عن أمر الله 1/ 207 # لا تصروا الإبل 1/ 152 # لا تصلوا في مبارك الإبل 1/ 279 # لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين 2/ 195 # لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا كذا 1/ 170 # لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق 2/ 213 # لا تقوم الساعة إلا على شرار أمتي 1/ 202 # لا صلاة إلا بطهور 1/ 370 و2/ 19 # لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب 2/ 19، 82 # لا صلا ة لجار المسجد إلا في المسجد 2/ 19 # لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل 2/ 19 # لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل 1/ 193 # لا ضرر ولا ضرار 2/ 154 # لا طلاق في إغلاق 1/ 158 # لا ميراث لقاتل 1/ 389 # لا نترك كتاب ربنا لقول امرأة 1/ 389 # لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد 2/ 222 # لا نكاح إلا بولي 1/ 370 و2/ 19 # لا وصية لوارث 1/ 389 و2/ 68 # لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد 2/ 41 # لا يرث المسلم الكافر 1/ 388 # لا يزال هذا الدين قائما تقاتل عنه عصابة من المسلمين 2/ 207 # لا يسلط على الأمة عدو يستأصل شافتها 2/ 186 # لا يصلين أحد إلا في بني قريظة 2/ 223، 234 # PageV02P315 # لا يقتل مسلم ms549 بكافر 1/ 344، 345 و2/ 198 # لا يقضي القاضي وهو غضبان 2/ 124 # لا يؤمن الرجل في سلطانه 1/ 371 # لا يقلدن أحدكم دينه رجلا 2/ 246 # لأغزون قريشا 1/ 365 # لأطوفن الليلة 1/ 367 # لعن الله اليهود 2/ 193، 195 # لقد همت أن أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة 1/ 118 # للراجل سهم وللفارس سهمان 2/ 122 # لم ينزل علي في شأنها إلا هذه الآية 1/ 292 # لن تجتمع أمتي على الضلالة 1/ 206 # لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي 2/ 220، 238 # لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم 1/ 186 # لو بلغني هذا لمننت عليه 2/ 238 # لو كان لابن آدم واديان من ذهب 2/ 65 # لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك 1/ 251 # ليس الأخوان إخوة في لسان قومك 1/ 311 # "م" # ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله 1/ 97 # ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن 1/ 346 و2/ 259، 260 # ما نهيتكم عنه فاجتنبوه 1/ 252 # مره فليراجعها 1/ 274 # مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع 1/ 274 # مسح كل رأسه في الوضوء 2/ 18 # مسح بعض رأسه في الوضوء 2/ 18 # من أخضر مئزره فاقتلوه 1/ 38 # من أشراط الساعة أن يرتفع العلم 1/ 203 # من أصبح جنبا فلا صوم له 2/ 259 # PageV02P316 # من بدل دينه فاقتلوه 1/ 318 # من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه 2/ 194 # من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه 1/ 156 # من حلف على شيء فرأى 1/ 365 # من سن سنة حسنة فله أجرها 1/ 95 # من غسل ميتا 2/ 74 # من فارق الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام 1/ 208 # من قتل قتيلا فله سلبه 2/ 27 # من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة 1/ 177 # من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها 2/ 75، 180، 272 # الماء طهور لا ينجسه شيء 1/ 334 # الماء من الماء 2/ 77، 258 # "ن" # نحن معاشر الأنبياء لا نورث 1/ 301 # نحن نحكم بالظاهر 1/ 148 و2/ 259، 260 # نهى رسول الله عن أكل كل ذي ناب من السباع 2/ 68، 77 # نهى رسول الله عن الصلاة بعد العصر 1/ 115 # نهى عن بيع الذهب بالذهب 1/ 158 # نهى عن الصوم في ms550 يوم العيد 1/ 283 # نهى عن صوم أيام التشريق 2/ 22 # نهى عن بيع الغرر 1/ 314، 315 # نهى عن قتل الصبيان حتى يبلغوا 1/ 38 # "ه" # هل لك من إبل 2/ 108 # هم بمصالحة الأحزاب على ثلث ثمار المدينة 1/ 118 # هو الطهور ماؤه 1/ 155، 160، 304 # هو رجل يهديني السبيل 1/ 58 # PageV02P317 # "و" # وإن طلب منك أهل حصن النزول على حكم الله 2/ 233 # والله لأغزون قريشا 1/ 365، 366 # ولا يعضد شجرها 1/ 366 # "ي" # يا رسول الله إن النساء قلن ما نرى الله # ذكر إلا الرجال فنزلت {إن المسلمين والمسلمات} 1/ 319 # يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته 1/ 368 # يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب 2/ 101 # يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله 1/ 179، 207 # يسروا ولا تعسروا 2/ 190 # PageV02P318 ### $ 3 - فهرس الأعلام المترجمين: # اسم العلم المترجم له الجزء / الصفحة # "أ" # الآمدي = علي بن أبي علي بن محمد التغلبي # إبراهيم الحربي = إبراهيم بن إسحاق البغدادي الحربي 1/ 171 # إبراهيم بن أحمد أبو إسحاق المروزي 1/ 345 # إبراهيم بن إسماعيل الطوسي العنبري 1/ 139 # إبراهيم بن أبي يحيى أبو إسحاق 1/ 182 # إبر اهيم بن خالد أبو ثور البغدادي 1/ 213 # إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق الزجاج 2/ 298 # إبراهيم بن سعد بن إبراهيم "أبو إسحاق" 1/ 201 # إبراهيم بن سيار أبو إسحاق النظام 1/ 124 # إبراهيم بن عبد الرحمن العذري 2/ 179 # إبراهيم بن علي بن أحمد "الطرطوسي" 1/ 6 # إبراهيم بن علي بن يوسف "جمال الدين الشيرازي" 1/ 46 # إبراهيم بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق الإسفراييني 1/ 41 # إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي "نفطويه" 1/ 311 # إبراهيم بن يزيد بن قيس أبو عمران النخعي 1/ 216 # الأبهري = محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح أبو بكر # الأبياري = علي بن إسماعيل بن علي # ابن الأثير = المبارك بن محمد بن محمد الشيباني # أحمد بن إبراهيم الجرجاني أبو بكر الإسماعيلي 1/ 163 # أحمد بن إدريس "شهاب الدين" أبو العباس القرافي 1/ 110 # أحمد بن بشر بن عامر أبو حامد المروزي 1/ 107 # أحمد بن حسن الرصاص 1/ 280 # أحمد بن الحسين بن أحمد الإربلي "ابن الخباز" ms551 1/ 360 # PageV02P319 # أحمد بن الحسين بن علي أبو بكر البيهقي 1/ 168 # أحمد بن حمدان بن شبيب الحراني "أبو عبد الله" 2/ 46 # أحمد بن حنبل صاحب المذهب 1/ 133 # أحمد بن سليمان البصري 2/ 212 # أحمد بن شعيب بن علي النسائي 1/ 148 # أحمد بن أبي طاهر أبو حامد الإسفراييني 1/ 224 # أحمد بن بن طلحة أبو العباس "المعتضد بالله" 2/ 253 # أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري 1/ 120 # أحمد بن عبد الغفار الفارسي أبو علي 1/ 67 # أحمد بن علي بن برهان أبو الفتح 1/ 98 # أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي 1/ 142 # أحمد بن علي بن ثعلب بن ساعاتي 1/ 309 # أحمد بن علي الرازي الجصاص 1/ 137 # أحمد بن علي بن عبيد الله أبو طاهر البغدادي 1/ 225 # أحمد بن علي بن محمد "ابن حجر العسقلاني" 2/ 214 # أحمد بن عمر بن إبراهيم أبو العباس القرطبي 1/ 220 # أحمد بن عمر بن سريج البغدادي "شيخ الإسلام" 1/ 49 # أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي 1/ 57 # أحمد بن محمد بن أحمد أبو الحسين بن القطان 1/ 110 # أحمد بن محمد بن جعفر 2/ 252 # أحمد بن محمد بن سلامة أبو جعفر الطحاوي 1/ 184 # أحمد بن محمد بن علي الأنصاري "ابن الرفعة" 2/ 10 # أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي 1/ 145 # أحمد بن محمد بن منصور 2/ 49 # أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر الخلال 1/ 180 # أحمد بن نصر الداودي 2/ 197 # أحمد بن يحيى بن زيد أبو العباس إمام الكوفيين 1/ 57 # أحمد بن يحيى بن عبد العزيز أبو عبد الرحمن الشافعي 1/ 223 # الأحوال = عثمان بن سعيد # الأخفش = سعيد بن مسعدة أبو الحسن # PageV02P320 # الأزهري = محمد بن أحمد بن الأزهر # الأستراباذي = الحسن بن محمد بن شرفشاه # إسحاق = إسحاق بن راهويه 1/ 170 # أبو إسحاق الزجاج = إبراهيم بن السري # بو إسحاق = إبراهيم بن يوسف جمال الدين الشيرازي # أبو إسحاق = إبراهيم بن محمد الإسفراييني # أبو إسحاق النظام = إبراهيم بن سيار بن هانئ # أبو إسحاق المروزي = إبراهيم بن أحمد # أبو إسحاق = كعب بن ماتع # أسعد بن ms552 سهل بن حنيف 1/ 174 # الإسفراييني = إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن إسحاق # إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم بن عليه 1/ 135 # إسماعيل بن إسحاق بن حماد 2/ 253 # إسماعيل بن حماد الجوهري أبو نصر 1/ 301 # إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المزني 1/ 334 # الإسماعيلي = أحمد بن إبراهيم الجرجاني # الإسكافي = محمد بن عبد الله # الاشعري = علي بن إسماعيل بن إسحاق أبو الحسن # أشهب = عبد العزيز القيسي أبو عمرو 1/ 213 # الأصبحي = مالك بن أنس بن مالك إمام دار الهجرة # الإصطخري = الحسن بن أحمد بن يزيد أبو سعيد # الأصفهاني = محمد بن محمود بن محمد "شمس الدين" # الأصم = محمد بن يعقوب بن يوسف أبو العباس # الأعمش = سليمان بن مهران الأسدي # إلكيا الهراسي = علي بن محمد بن علي "عماد الدين" # إلكيا الطبري = إلكيا الهراسي # إمام الحرمين = عبد الملك بن عبد الله بن يوسف # أبو أمامة = أسعد بن سهل بن حنيف # امرؤ القيس بن حجر بن الحارث 2/ 89 # ابن الأنباري = أبو بكر محمد بن القاسم # الأوزاعي = عبد الرحمن بن عمرو بن يخمد أبو عمرو # PageV02P321 # "ب" # الباجي = سليمان بن خلف أبو الوليد # البخاري = عبيد الله بن مسعود "صدر الإسلام" # البخاري = محمد بن إسماعيل بن إبراهيم أبو عبد الله # أبو البركات ابن تيمية = عبد السلام بن عبد الله الحراني "مجد الدين" # ابن برهان = أحمد بن علي بن برهان أبو الفتح # ابن بري = عبد الله بن بري بن عبد الجبار المقدسي # البزدوي = علي بن محمد بن الحسين أبو الحسن # البستي = محمد بن حبان أبو حاتم # بشر المريسي بن غياث المغزلي 2/ 109 # ابن أبي البقاء = عبد الله بن الحسين # أبو بكر = محمد بن عبد الله التميمي # أبو بكر السراج = محمد بن السري بن سهل السراج # أبو بكر الأصبهاني = محمد بن الحسن بن فورك # أبو بكر الباقلاني = محمد بن الطيب # أبو بكر = عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني # أبو بكر = محمد بن أحمد "علاء الدين" السمرقندي # ابو بكر = محمد بن العباس الخوارزمي # أبو بكر = محمد بن عبد الله بن محمد بن العربي # البلخي = الحكم ms553 بن عبد الله بن مسلمة أبو مطيع # البيضاوي = عبد الله بن عمر أبو سعيد "ناصر الدين" # البيهقي = أحمد بن الحسين بن علي أبو بكر # "ت" # الترمذي = محمد بن عيسى بن سورة الضرير # "ث" # ثعلب = أحمد بن يحيى بن زيد أبو العباس # الثلجي = محمد بن شجاع أبو عبد الله # التلمساني = عبد الله بن محمد بن علي # ثوبان بن جحدر "مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم 1/ 96 # أبو ثور = إبراهيم بن خالد البغدادي # PageV02P322 # الثوري = سفيان بن سعيد بن مسروق # "ج" # الجاحظ = عمرو بن بحر بن محبوب أبو عثمان # الجبائي = محمد بن عبد الوهاب بن سلام أبو علي # جرول بن أوس العبسي 2/ 186 # الجرجاني = عبد القاهر بن عبد الرحمن أبو بكر # الجرجاني = علي بن محمد # الجرجاني = محمد بن يحيى أبوعبيد الله # ابن جريح = عبد الملك بن عبد العزيز # الجصاص = أحمد بن علي الرازي # جعفر بن حرب أبو الفضل 2/ 94 # جعفر بن علي بن تاج الدين الظفيري الزيدي 1/ 59 # جعفر بن مبشر 2/ 94 # أبو جعفر الطوسي = محمد بن الحسين بن علي # أبو جعفر = محمد بن جرير الطبري # أبو جعفر = يزيد بن القعقاع # جعل = الحسن بن علي بن إبراهيم # جميل بن زيد 1/ 222 # ابن جني = عثمان بن جني أبو الفتح # جهم بن صفوان السمرقندي 1/ 214 # الجواليقي = موهوب بن أحمد أبو منصور # الجوزجاني = إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق أبو سليمان # الجوهري = إسماعيل بن حماد # الجويني = عبد الملك بن عبد الله إمام الحرمين # "ح" # ابن الحاجب = عثمان بن عمر أبو عمرو "جمال الأئمة" # الحارث بن أسد المحاسبي أبو عبد الله 1/ 134 # الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة 2/ 99 # أبو حاتم = محمد بن حبان بن أحمد # أبو حازم = سلمة بن دينار المخزومي # PageV02P323 # الحاكم = محمد بن عبد الله بن حمدوية # أبو حامد = محمد بن محمد بن أحمد الغزالي # أبو حامد الإسفراييني = أحمد بن أبي طاهر # أبو حامد المروزي = أحمد بن بشر بن عامر # ابن حبان = محمد بن حبان بن أحمد # ابن حجر الهيثمي = أحمد بن محمد ms554 بن علي بن حجر # ابن حجر العسقلاني = أحمد بن علي بن محمد # الحربي =إبراهيم بن إسحاق بن بشير # ابن حزم = علي بن أحمد بن سعيد عالم الأندلس # الحسن بن أحمد بن عبد الغفار أبو علي الفارسي 1/ 67 # الحسن بن أحمد بن زيد أبو سعيد الإصطخري 1/ 105 # الحسن بن إسماعيل 1/ 59 # الحسن بن إسماعيل بن الحسين المغربي الصنعاني 1/ 116 # الحسن بن الحسين بن أبي هريرة أبو علي 1/ 106 # أبو الحسن الأشعري = علي بن إسماعيل بن إسحاق # أبو الحسن الرماني = علي بن عيسى بن عبد الله # أبو الحسن السهيلي = علي بن أحمد # الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري 2/ 15 # الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي 1/ 301 # الحسن بن علي بن أبي طالب 1/ 139 # الحسن بن محمد بن شرفشاه الأستراباذي 2/ 81 # الحسن = الحسن بن يسار أبو سعيد 1/ 174 # أبو الحسن = علي بن محمد بن الحسين # أبو الحسن الكرخي = عبيد الله بن الحسن بن دلال # الحسين بن صالح بن خيران أبو علي 1/ 106 # الحسين بن عبد الله أبو علي ابن سينا الرئيس 1/ 54 # الحسين بن علي الزيدي المؤيد بالله 1/ 81 # الحسين بن علي بن أبي طالب 1/ 139 # الحسين بن علي بن إبراهيم أبو عبد الله البصري المعروف بجعل 1/ 153 # الحسين بن علي أبو عبد الله الصيمري 1/ 289 # الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي 1/ 133 # PageV02P324 # الحسين "أو الحسن" بن القاسم أبو علي الطبري 1/ 285 # الحسين بن الحسن بن محمد أبو عبد الله الحليمي 1/ 145 # حسين بن محمد بن أحمد أبو علي "القاضي" 1/ 100 # الحسين بن يوسف بن علي = ابن المطهر الحلي 1/ 356 # أبو الحسين الخياط = عبد الرحيم بن محمد # أبو الحسين بن القطان = أحمد بن محمد بن أحمد البغدادي # أبو الحسين البصري = محمد بن علي بن الطيب # أبو الحسين الصيمري = مفلح بن الحسين # أبو الحسين بن اللبان = محمد بن عبد الله بن اللبان # الحطيئة = جرول بن أوس العبسي # الحكم بن عبد الله أبو مطيع البلخي 1/ 248 # الحكم بن عتيبة أبو محمد 1/ 238 # حماد ms555 بن أسامة 1/ 182 # حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي 1/ 95 # ابن حمدان = أحمد بن حمدان "أبو عبد الله" # حمزة بن حبيب بن عمارة شيخ القراء 1/ 87 # حمزة بن أبي حمزة النصيبي 1/ 222 # الحليمي = الحسين بن الحسن بن محمد أبو عبد الله # أبو حنيفة = النعمان بن ثابت # أبو حيان = محمد بن يوسف بن علي # "خ" # ابن الخباز = أحمد بن الحسين بن أحمد الإربلي # ابن خروف = علي بن محمد بن علي الحضرمي # ابن خزيمة = محمد بن إسحاق # أبو الخطاب الحنبلي = محفوظ بن أحمد بن الحسن # الخطابي = حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطابي # الخطيب = أحمد بن علي بن ثابت البغدادي # الخلال = أحمد بن محمد بن هارون # خلف بن هشام بن ثعلب أبو محمد البزار 1/ 87 # الخليل بن أحمد بن عمر أبو عبد الرحمن الفراهيدي 1/ 311 # الخوارزمي = محمد بن العباس # PageV02P325 # الخوارزمي = محمد بن محمد بن العباس # ابن خويز منداد = محمد بن أحمد بن عبد الله # ابن خيران = الحسين بن صالح أبو علي # "د" # الدارقطني = علي بن عمر بن أحمد # داود بن الحصين أبو سليمان 1/ 142 # أبو داود = سليمان بن الأشعث السجستاني # داود بن علي بن خلف الظاهري 1/ 133 # الدبوسي = عبد الله بن عمر أبو زيد # ابن درستويه = عبد الله بن جعفر النحوي # الدقاق = محمد بن محمد بن جعفر # ابن دقيق العيد = محمد بن علي بن وهب # ابن الدهان = سعيد بن المبارك بن علي الأنصاري أبو محمد # الدينوري = يوسف # "ذ" # ابن أبي ذئب = محمد بن عبد الرحمن أبو الحارث # الذهبي = محمد بن أحمد بن عثمان # "ر" # ابن الرفعة = أحمد بن محمد بن علي # الرازي = سليم بن أيوب أبو الفتح # الرازي = محمد بن عمر المعروف "بالفخر الرازي" # الرافعي = عبد الكريم بن محمد أبو القاسم # الربيع = الربيع بن سليمان بن عبد الجبار 1/ 168 # رزين بن معاوية بن عمار العبدري الأندلسي أبو الحسن 1/ 170 # ابن رشد = محمد بن أحمد بن رشد أبو الوليد المالكي # الرصاص = أحمد بن حسن # ابن رفاعة السلامي = معان بن رفاعة # الروياني = عبد الواحد ms556 بن إسماعيل أبو المحاسن # "ز" # زبان بن العلاء بن عمار التميمي 1/ 87 # PageV02P326 # ابن الزبعري = عبد الله بن الزبعري بن قيس # الزجاج = إبراهيم بن السري بن سهل # زر بن حبيش 2/ 66 # الزركشي = محمد بن بهادر بن عبد الله # أبو زرعة الرازي = عبيد الله بن عبد الكريم # أبو زكريا = يحيى بن زياد بن عبد الله الفراء # أبو زكريا = يحيى بن شرف النووي. # ابو زكريا = يحيى بن معين # الزمخشري = محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي "جار الله" # الزنجي = مسلم بن خالد # الزهري = محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب # زهير بن حرب بن شداد الحرشي 1/ 207 # أبو زيد = عبد الله بن عمر الدبوسي # زين الدين العراقي = عبد الرحيم بن الحسين # "س" # ابن الساعاتي = أحمد بن علي بن ثعلب # سالم بن عبد الله 1/ 174 # السبكي = عبد الوهاب بن علي أبو نصر # السراج = محمد بن السري أبو بكر النحوي # السرخسي = محمد بن أحمد "شمس الأئمة" # ابن سريج = أحمد بن عمر البغدادي شيخ الإسلام # السعد = مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني # سعيد بن جبير أبو محمد الكوفي 1/ 175 # أبو سعيد الإصطخري = حسن بن أحمد بن يزيد # أبو سعيد = عبد الرحمن بن مهدي بن حسان # أبو سعيد = محمد بن يحيى بن منصور # سعيد بن المبارك بن علي الأنصاري بن الدهان أبو محمد 1/ 311 # سعيد بن مسعدة البلخي "أبو الحسن الأخفش" 2/ 42 # سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي 1/ 174 # سعيد بن منصور 1/ 364 # سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري 1/ 141 # PageV02P327 # سفيان بن عيينة بن أبي عمران 1/ 167 # سلمة بن دينار المخزومي أبو حازم 1/ 175 # أبو سلمة بن عبد الله بن عبد الرحمن الزهري 1/ 174 # سليمان بن الأشعث السجستاني أبو داود 1/ 365 و2/ 207 # سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي 1/ 219 # سليمان بن خلف الوليد الباجي 1/ 143 # سليمان بن مهران الأسدي الأعمش 1/ 365 # أبو سليمان الجوزجاني = موسى بن سليمان الحنفي # أبو سليمان = حمد بن محمد بن إبراهيم # سليم بن أيوب الرازي أبو الفتح 1/ 110 # ابن السمعاني = منصور ms557 بن محمد # السمرقندي = محمد بن أحمد أبو بكر # أبو السنابل بن بعكك الصحابي الجليل 2/ 221 # السهروردي = عمر بن محمد بن عبد الله "شهاب الدين" # أبو سهل الصعلوكي = محمد بن سليمان # السهيلي = عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد أبو الحسن الخثعمي # سيبويه = عمرو بن عثمان أبو بشر # ابن سيد الناس = محمد بن محمد بن أحمد # السيرافي = الحسن بن عبد الله بن المزربان # ابن سيرين = محمد بن سيرين # ابن سينا = الحسين بن عبد الله أبو علي الرئيس # السيوطي = عبد الرحمن بن أبي بكر "جلال الدين" # "ش" # الشافعي = محمد بن إدريس أبو عبد الله صاحب المذهب # أبو شامة المقدسي = عبد الرحمن بن إسماعيل # الشريف = علي بن محمد الجرجاني # الشريف المرتضى = علي بن الحسين # شعبة = شعبة بن الحجاج 1/ 171 # الشعبي = عامر بن شراحيل # شمس الأئمة = محمد بن أحمد السرخسي # الشيخ الحسن = الحسن بن إسماعيل بن الحسين بن محمد المغربي # PageV02P328 # أبو الشيخ الأصفهاني = عبد الله بن محمد بن جعفر # الشيرازي = إبراهيم بن علي أبو إسحاق # "ص" # صاحب المصادر = محمود بن علي الرازي # صاحب المفهم = أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي # صاحب الميزان = محمد بن أحمد السمرقندي # صاحب النكت = الحسين بن عيسى # صاحب اللباب = مطهر بن الحسن # صاحب الهداية = علي بن أبي بكر المرغيناني # صالح مولى التوءمة المدني 1/ 182 # ابن الصباغ = عبد السيد بن محمد أبو نصر # الصيدلاني = محمد بن داود بن محمد # صفي الدين الهندي = محمد بن عبد الرحيم # ابن الصلاح = عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان # الصيرفي = محمد بن عبد الله أبو بكر # "ض" # ضرار بن عمرو 1/ 132 # "ط" # أبو طالب = عبد الرحمن بن عمر بن أبي القاسم # أبو طاهر البغدادي = أحمد بن علي بن عبيد الله # أبو طاهر الدباس = محمد بن محمد بن سفيان # طاهر بن عبد الله بن طاهر أبو الطيب الطبري 1/ 109 # طاوس بن كيسان أبو عبد الرحمن الفارسي 1/ 366 # الطائي = محمد بن أحمد أبو عبد الله # الطبري = محمد بن جرير أبو جعفر # الطحاوي = أحمد بن محمد بن سلامة أبو ms558 جعفر # الطرسوسي = إبراهيم بن علي بن أحمد # الطيالسي = سليمان بن داود بن الجارود # أبو الطيب الطبري = طاهر بن عبد الله بن طاهر # PageV02P329 # "ع" # عاصم بن أبي النجود 1/ 87 # عامر بن سنان الصحابي 1/ 126 # عامر بن شراحيل 1/ 174 # ابن عامر = عبد الله بن عامر بن يزيد # عباد بن سليمان بن علي أبو سهل الصيمري 1/ 41 # العبادي = محمد بن أحمد بن محمد بن عباد # أبو العباس = أحمد بن إدريس شهاب الدين القرافي # أبو العباس القرطبي = أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي # العباس بن الوليد أبو الفضل العذري البيروتي 1/ 213 # عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة 2/ 93 # عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي أبو القاسم 1/ 128 # عبد الله بن بري بن عبد الجبار المقدسي 1/ 302 # عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي 1/ 368 # عبد الله بن الحسين بن أبي البقاء 2/ 89 # عبد الله بن الزبعرى "أبو سعد" 2/ 27 # عبد الله بن عامر بن ربيعة الأموي 1/ 174 # عبد الله بن عامر بن يزيد "مقرئ الشام 1/ 87 # عبد الله بن عدي بن عبد الله 1/ 222 # عبد الله بن عمر بن عيسى أبو زيد الدبوسي 1/ 33 # عبد الله بن عمر بن ناصر الدين البيضاوي أبو سعيد 1/ 247 # عبد الله بن محمد بن علي "ابن التلمساني 2/ 44 # عبد الله بن كثير بن عمرو 1/ 87 # عبد الله بن المبارك الحنظلي 1/ 167 # عبد الله بن محمد بن جعفر الأصفهاني 1/ 171 # عبد الله بن مسلم بن قتيبة 1/ 367 # عبد الله بن وهب أبو محمد الدينوري 1/ 217 و2/ 200 # عبد الله بن يوسف أبو محمد الجويني 1/ 135، 234 # أبو عبد الله البصري = الحسين بن علي # أبو عبد الله الصمري = الحسين بن علي بن محمد # أبو عبد الله الحاكم = محمد بن عبد الله بن حمدويه # PageV02P330 # أبو عبد الله = محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني # أبو عبد الله الثلجي = محمد بن شجاع الثلجي البغدادي # أبو عبد الله = محمد بن علي بن عمر المكي المازري # أبو عبد الله الجرجاني = محمد بن يحيى ms559 # ابن عبد الباري 1/ 96 # ابن عبد البر = يوسف بن عبد الله بن محمد الأندلسي # عبد الجبار بن أحمد أبو الحسن الهمذاني "القاضي" 1/ 59 # عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن 1/ 360 # عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار "عضد الدين" 1/ 330 # عبد الرحمن بن إسماعيل أبو شامة المقدسي 1/ 103 # عبد الرحمن بن أبي بكر "جلال الدين السيوطي" 2/ 214 # عبد الرحمن بن عبد الوهاب الناصح الحنبلي 2/ 101 # عبد الرحمن بن عمر بن أبي القاسم أبو طالب 1/ 81 # عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي 1/ 97 # عبد الرحمن بن محمد بن فوران 1/ 139 # عبد الرحمن بن مهدي العنبري أبو سعيد 1/ 96 # أبو عبد الرحمن الشافعي = أحمد بن يحيى بن عبد العزيز # عبد الرحيم بن الحسين "زين الدين العراقي" 2/ 214 # عبد الرحيم بن زيد بن الحواري العمي 1/ 221 # عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري 1/ 99، 143 # عبد الرحيم بن محمد أبو الحسين الخياط 1/ 234 # عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني "مجد الدين" 1/ 381 # عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي أبو هاشم 1/ 41 # ابن عبد السلام = عبد العزيز بن عبد السلام "سلطان العلماء" # عبد السيد بن محمد أبو نصر بن الصباغ 1/ 109 # عبد العزيز بن أحمد بن محمد البخاري 1/ 336 # عبد العزيز بن عبد السلام "سلطان العلماء" 2/ 34 # عبد العزيز القيسي = أشهب # عبد القاهر بن طاهر أبو منصور البغدادي 1/ 115 # عبد القاهر بن عبد الرحمن أبو بكر الجرجاني "شيخ العربية" 1/ 74 # عبد الكريم بن محمد أبو القاسم الرافعي 1/ 225 # PageV02P331 # عبد الملك بن عبد الله بن يوسف أبو المعالي الجويني 1/ 19 # عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح 1/ 182 # عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون 1/ 310 # عبد الواحد بن إسماعيل أبو المحاسن الروياني 1/ 110 # عبد الوهاب بن علي أبو نصر السبكي 1/ 137 # عبد الوهاب بن علي بن نصر أبو محمد القاضي 1/ 142 # عبد الوهاب بن عطاء أبو نصر الخفاف 2/ 69 # العبدري = رزين بن معاوية # أبو عبيد = القاسم بن سلام ms560 النحوي # عبيد الله بن الحسن 2/ 228 # عبيد الله بن الحسين الكرخي الحنفي 1/ 60 # عبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي 1/ 171 # عبيد الله بن عدي بن الخيار 1/ 173 # عبيد الله بن عمر البغدادي أبو القاسم 2/ 94 # عثمان بن جني أبو الفتح 1/ 67 # عثمان بن سعيد بن بشار أبو القاسم الأنماطي "الأحول" 1/ 391 # عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان أبو عمرو بن الصلاح 1/ 142 # عثمان بن عمر بن أبي بكر أبو عمرو "جمال الدين" 1/ 46 # أبو عثمان = عمرو بن بحر بن محبوب الجاحظ # ابن عدي = عبد الله بن عدي بن عبد الله 1/ 176 # ابن العربي = محمد بن عبد الله بن محمد أبو بكر # عروة بن الزبير بن العوام القرشي أبو عبد الله 1/ 176 # العسكري = الحسن بن عبد الله بن سهل # العضد = عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار # ابن عطية = عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن أبو بكر # عطاء بن أبي رباح بن أسلم القرشي 1/ 366 # العقيلي = محمد بن عمرو بن موسى أبو جعفر # العكبري = عبد الله بن الحسين # علقمة بن قيس بن عبد الله 1/ 174 # علم الدين العراقي 1/ 354 # علي بن أحمد أبو الحسن السهيلي 1/ 212 # PageV02P332 # علي بن أحمد بن سعيد بن حزم عالم الأندلسي 1/ 99 # علي بن أحمد بن محمد الواحدي 2/ 178 # علي بن إسماعيل بن إسحاق أبو الحسن الأشعري 1/ 41، 247 # علي بن إسماعيل بن علي الأبياري 1/ 157 # علي بن أبي بكر المرغيناني 2/ 44 # علي بن الحسين بن موسى "الشريف المرتضى" 1/ 128 # علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي 1/ 87 # أبو علي الطبري = الحسين بن القاسم # أبو علي الفارسي = الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي # علي بن عقيل بن محمد شيخ الحنابلة 2/ 73 # علي بن أبي علي محمد التغلبي الآمدي 1/ 49 # ابن عقيل = علي بن عقيل بن محمد # علي بن عمر أحمد البغدادي "ابن القصار" 1/ 371 # علي بن عمر بن أحمد "الدارقطني" 1/ 169 # علي بن عيسى الرماني النحوي 1/ 348 # علي بن محمد بن عبد الملك "ابن ms561 القطان" 1/ 143 # علي بن محمد الماوردي أبو الحسن 1/ 135 # علي بن محمد بن الحسين البزدوي أبو الحسن 1/ 209 # علي بن محمد بن علي "إلكيا الهراسي" 1/ 98 # علي بن محمد الشريف الجرجاني 1/ 21 # علي بن محمد بن علي الحضرمي "ابن خروف" 1/ 312 # علي بن المديني بن عبد الله أبو الحسن 1/ 179 # أبو علي الجبائي = محمد بن عبد الوهاب بن سلام # ابن علية = إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم # عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم 1/ 186 # عمر بن محمد بن عبد الله السهروردي 2/ 199 # عمران بن حطان 1/ 142 # أبو عمران = إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي # عمرو بن بحر بن محبوب أبو عثمان الجاحظ 1/ 123 # عمرو بن أبي سلمة أبو حفص التنيسي 1/ 182 # عمرو بن عبيد أبو عثمان البصري 2/ 187 # PageV02P333 # عمرو بن عثمان أبو بشر الفارسي "سيبويه" 1/ 80 # عمرو "أو عمر" بن محمد الليثي "أبو الفرج المالكي" 1/ 175 # أبو عمرو = زبان بن العلاء بن عمار # أبو عمرو = عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي # العنبري = إبراهيم بن إسماعيل الطوسي # عياض بن موسى أبو الفضل 1/ 98 # عيسى بن أبان بن صدقة أبو موسى 1/ 151 # أبو عيسى الوراق = محمد بن هارون # ابن عيينة = سفيان بن عيينة بن أبي عمران # "غ" # الغزالي = محمد بن محمد بن أحمد أبو حامد # ابن غيلان = غيلان بن سلمة الثقفي 1/ 331 # "ف" # ابن فارس = أحمد بن فارس بن زكريا أبو الحسين # أبو الفتح = سليم بن أيوب بن سليم الرازي # أبو الفتح = عثمان جني # ابن أبي فديك = محمد بن إسماعيل بن مسلم # الفراء = محمد بن الحسين بن محمد أبو يعلى # الفراء = يحيى بن زياد الأسدي أبو زكريا # أبو الفرج = عمرو بن محمد الليثي المالكي # الفوراني = عبد الرحمن بن محمد بن فوران # ابن فورك = محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني # الفيروزآبادي 1/ 46 # "ق" # أبو القاسم الأنماطي = عثمان بن سعيد بن بشار البغدادي # أبو القاسم الرافعي = عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم # القاسم بن سلام أبو عبيد اللغوي 1/ 80 # أبو القاسم ms562 بن كج = يوسف بن أحمد بن كج القاضي # القاساني = محمد بن إسحاق أبو بكر # القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق 1/ 174 # PageV02P334 # القاضي جعفر = جعفر بن علي بن تاج الدين الظفيري # أبو القاسم البغدادي = عبيد الله بن عمر # ابن قتيبة = عبد الله بن مسلم بن قتيبة # القاضي حسين = حسين بن محمد بن أحمد أبو علي # القاضي عياض = عياض بن موسى أبو الفضل # قتادة = قتادة بن عامة أبو الخطاب البصري 1/ 175 # القدوري = أحمد بن محمد بن جعفر أبو الحسين # القرافي = أحمد بن إدريس شهاب الدين أبو العباس # القرطبي = أحمد بن عمر بن إبراهيم أبو العباس # القرطبي = محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري # ابن القشيري = عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن # ابن القصار = علي بن عمر بن أحد البغدادي # القطان = يحيى بن سعيد بن فروخ # القفال = محمد بن علي بن إسماعيل أبو بكر # ابن قيم الجوزية = محمد بن أبي بكر # "ك" # ابن كج = يوسف بن أحمد بن يوسف بن كج # ابن كثير = عبد الله بن كثير بن عمرو # الكرابيسي = الحسين بن علي بن يزيد # الكرخي = عبيد الله بن الحسين الحنفي # الكسائي = علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي # كعب بن ماتع الحميري "كعب الأحبار" 2/ 181 # الكعبي = عبد الله بن أحمد بن محمود أبو القاسم # "ل" # الليث بن سعد أبو الحارث 1/ 169 # ابن ابي ليلى = محمد بن عبد الرحمن # "م" # الماتريدي = محمد بن محمد بن محمود أبو منصور # ابن الماجشون = عبد الملك بن عبد العزيز # المازري = محمد بن علي بن عمر أبو عبد الله المكي # PageV02P335 # مالك بن أنس بن مالك صاحب المذهب 1/ 108 # ابن مالك = محمد بن عبد الله # الماوردي = علي بن محمد أبو الحسن # المبارك بن محمد بن محمد الشيباني ابن الأثير 1/ 163 # مبارك بن أبان 1/ 391 # ابن المبارك = عبد الله بن المبارك # المبرد = محمد بن يزيد أبو العباس # مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي شيخ القراء 1/ 365 # ابن مجاهد = محمد بن أحمد بن محمد أبو عبد الله # المحاسبي = الحارث ms563 بن أسد أبو عبد الله # أبو المحاسن = عبد الواحد بن إسماعيل # محفوظ بن أحمد بن الحسن أبو الخطاب البغدادي 1/ 398 و2/ 44 # محمد بن أحمد بن الأزهر 1/ 301 # محمد بن أحمد أبو بكر "وأبو منصور" علاء الدين السمرقندي 1/ 211 # محمد بن أحمد بن أبي بكر أبو عبد الله القرطبي 1/ 112 # محمد بن أحمد "شمس الأئمة السرخسي" 1/ 33 # محمد بن أحمد بن عبد الله بن خويز منداد 1/ 134 # محمد بن أحمد بن عثمان "شمس الدين الذهبي" 1/ 145 # محمد بن أحمد بن رشد أبو الوليد المالكي 1/ 112 # محمد بن أحمد بن محمد بن عباد "العبادي" 1/ 351 # محمد بن أحمد بن محمد الطائي أبو عبد الله 1/ 112 # محمد بن إدريس صاحب المذهب 1/ 59 # محمد بن إسحاق القاساني أبو بكر 1/ 135 # محمد بن إسحاق بن خزيمة 1/ 170 # محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري 1/ 138 # محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك 1/ 181 # محمد بن بحر الأصفهاني أبو مسلم 2/ 52 # محمد بن أبي بكر بن أيوب "ابن قيم الجوزية" 1/ 366 # محمد بن بهادر بن عبد الله "بدر الدين" الزركشي 1/ 101 # محمد بن جرير أبو جعفر الطبري 1/ 99 # أبو محمد الجويني = عبد الله بن يوسف # PageV02P336 # محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم البستي 1/ 142 # محمد بن الحسن بن علي الطوسي أبو جعفر 1/ 136 # محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني 1/ 213 # محمد بن الحسن بن فورك أبو بكر الأصبهاني 1/ 41 # محمد بن الحسين محمد أبو يعلى الفراء 1/ 119 # محمد بن خازم أبو معاوية السعدي 1/ 365 # محمد بن داود 1/ 311 # محمد بن داود بن علي بن خالف الظاهري 1/ 135 # محمد بن داود بن محمد الصيدلاني 2/ 135 # محمد بن السري أبو بكر بن السراج النحوي 1/ 303 # محمد بن سليمان أبو سهل الصعلوكي 2/ 230 # محمد بن سيرين البصري 1/ 157 # محمد بن شجاع الثلجي أبو عبد الله 1/ 292 # محمد بن الطيب أبو بكر الباقلاني 1/ 49 # محمد بن عبد الله أبو بكر الصيرفي 1/ 109 # محمد بن عبد الله بن حمدوية أبو ms564 عبد الله 1/ 176 # محمد بن عبد الله بن الحسن أبو الحسين ابن اللبان 1/ 135 # محمد بن عبد الله الإسكافي 2/ 94 # محمد بن عبد الله بن عبد الحكم 2/ 283 # محمد بن عبد الله بن مالك "جمال الدين" النحوي 1/ 359 # محمد بن عبد الله التميمي أبو بكر الأبهري 1/ 151 # محمد بن عبد الله محمد أبو بكر ابن العربي 1/ 111 # محمد بن عبد الرحمن أبو الحارث ابن أبي ذئب 1/ 181 # محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى 1/ 141 # محمد بن عبد الرحيم أبو عبد الله صفي الدين الهندي 1/ 99 # محمد بن عبد الواحد كمال الدين ابن الهمام 1/ 47 # محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي أبو علي 1/ 79 # محمد بن علي بن إسماعيل أبو بكر القفال الشاشي 1/ 107 # محمد بن علي بن الطيب أبو الحسين البصري 1/ 60 # محمد بن علي بن عمر أبو عبد الله المكي المازري 1/ 113 # محمد بن علي بن وهب بن دقيق العيد 1/ 136 # PageV02P337 # محمد بن عمر بن أحمد أبو موسى المديني 1/ 364 # محمد بن عمر بن الحسين "الفخر الرازي" 1/ 19 # محمد بن عمر بن واقد الأسلمي 1/ 189 # محمد بن عمرو بن موسى أبو جعفر العقيلي 1/ 179 # محمد بن عيسى بن سورة الترمذي الضرير 1/ 149 # محمد بن عيسى أبو عبد الله المغربي 2/ 94 # محمد بن القاسم بن بشار أبو بكر الأنباري 2/ 50 # محمد بن محمد بن أحمد "ابن سيد الناس" 2/ 214 # محمد بن محمد بن أحمد الغزالي 1/ 33 # محمد بن محمد بن جعفر الدقاق 1/ 109 # محمد بن محمد بن سفيان أبو طاهر الدباس 1/ 171 # محمد بن محمد بن العباس الخوارزمي 1/ 229 # محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي 1/ 248 # محمد بن محمود بن محمد "شمس الدين الأصفهاني" 1/ 46 # محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري 1/ 167 # محمد بن المنكدر بن عبد الله القرشي التيمي 1/ 176 # محمد بن المنتاب 1/ 292 # محمد بن نصر المروزي أبو عبد الله 1/ 238 # محمد بن هارون أبو عيسى الوراق 1/ 223 # محمد بن الهذيل ms565 البصري أبو هذيل 1/ 131 # محمد بن يحيى بن منصور "أبو سعيد" 2/ 273 # محمد بن يحيى بن مهدي أبو عبد الله الجرجاني 1/ 235 # محمد بن يزيد المبرد "أبو العباس" 1/ 298 # محمد بن يعقوب بن يوسف أبو العباس الأصم 1/ 135 # محمد بن يوسف بن علي أبو حيان 1/ 300 # محمود بن علي الرازي 1/ 310 # محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي # "جار الله الزمخشري" أبو القاسم 1/ 46 # المرتضى = علي بن الحسين بن موسى # ابن المديني = علي بن المديني عبد الله أبو الحسن # المرغيناني = علي بن أبي بكر # PageV02P338 # المروزي = محمد بن نصر أبو عبد الله # المريسي = بشر بن غياث # المزني = إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل # المزي = يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف # مسروق بن الأجدع بن مالك 1/ 174 # مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني "سعد الدين" 1/ 46 # مسلم بن الحجاج بن مسلم أبو الحسين القشيري 1/ 138 # مسلم بن خالد بن مسلم الزنجي المخزومي 1/ 182 # أبو مسلم الأصفهاني = محمد بن بحر الأصفهاني # مسيلمة بن ثمامة الكذاب 1/ 75 # المطرزي = ناصر بن أبي المكارم عبد السيد بن علي # مطهر بن الحسن أبو سعد 1/ 299 # ابن المطهر = الحسين بن يوسف بن علي # معان بن رفاعة السلامي 1/ 179 # أبو معاوية = محمد بن خازم السعدي # المعتضد بالله = أحمد بن طلحة أبو العباس # المعري = أحمد بن عبد الله بن سليمان # المعظم = عيسى بن محمد الحنفي # المغربي = محمد بن عيسى أبو عبد الله المغربي # مفلح بن الحسين الصيمري 1/ 152 # مقاتل بن سليمان أبو الحسن البلخي 2/ 207 # مكحول = مكحول الشامي أبو عبد الله الفقيه 1/ 386 # أبو منصور الماتريدي = محمد بن محمد بن محمود # أبو منصور الجواليقي = موهب بن أحمد # أبو منصور = عبد القاهر بن طاهر البغدادي # منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني الشافعي 1/ 108 و2/ 71 # ابن مهدي = عبد الرحمن بن مهدي العنبري # موسى بن سليمان الحنفي أبو سليمان الجوزجاني 1/ 213 # أبو موسى المديني = محمد بن عمر بن أحمد # موهوب بن أحمد أبو منصور الجواليقي 1/ 301 # المؤيد بالله = الحسين بن علي الزيدي ms566 # PageV02P339 # "ن" # الناصح الحنبلي = عبد الرحمن بن عبد الوهاب # ناصر بن أبي المكارم عبد السيد بن علي المطرزي 1/ 391 و2/ 206 # نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي 1/ 87 # نافع مولى ابن عمر 1/ 134 # النخعي = إبراهيم بن يزيد بن قيس أبو عمران # النسائي = أحمد بن شعيب بن علي # أبو نصر = عبد السيد بن محمد الصباغ # ابن نصر = أحمد بن نصر الداودي # النصيبي = حمزة بن أبي حمزة # النضر بن شميل بن خرشة أبو الحسن 2/ 31 # النظام = إبراهيم بن سيار أبو إسحاق # النعمان بن ثابت أبو حنيفة صاحب المذهب 1/ 147 # نفطويه = إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي # النهرواني 2/ 92 # النووي = يحيى بن شرف أبو زكريا # النضر بن الحارث بن علقمة 2/ 238 # "ه" # أبو هاشم = عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي # أبو الهذيل = محمد بن الهذيل البصري # ابن أبي هريرة = الحسن بن الحسين أبو علي # هشام بن الحكم 1/ 135 # ابن الهمام = محمد بن عبد الواحد "كمال الدين" # الهندي = محمد بن عبد الرحيم "صفي الدين" # "و" # الواقدي = محمد بن عمر بن واقد الأسلمي # أبو الوفا = علي بن عقيل بن محمد شيخ الحنابلة # الواحدي = علي بن أحمد بن محمد # أبو الوليد = سليمان بن خلف الباجي # الوليد بن عبد الملك بن مروان أبو العباس 1/ 186 # PageV02P340 # الوليد بن كثير الحافظ المخزومي 1/ 182 # أبو الوليد = محمد بن أحمد بن رشد المالكي # ابن وهب = عبد الله بن وهب أبو محمد # "ي" # يحيى بن كثير بن درهم العنبري 1/ 386 # يحيى بن حسان أبو زكريا 1/ 181 # يحيى بن زياد الأسدي أبو زكريا الفراء 1/ 80 # يحيى بن سعيد بن فروخ القطان 1/ 147 # يحيى بن سعيد = يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو 1/ 175 # يحيى بن شرف النووي أبو زكريا 1/ 100 # يحيى بن أبي كثير أبو نصر الطائي 1/ 97 # يحيى بن معين أبو زكريا البغدادي 1/ 96 # يحيى بن يحيى بن بكر بن عبد الرحمن 1/ 167 # يزيد بن القعقاع أبو جعفر 1/ 87 # يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف الأنصاري 1/ 141 # يعقوب بن إسحاق ms567 بن زيد 1/ 87 # أبو يعقوب الرازي = يوسف بن الحسين # أبو يعلى = محمد بن الحسين بن محمد "القاضي" # يوسف بن أحمد بن كج أبو القاسم "القاضي" 1/ 111 # يوسف بن الزكي 1/ 183 # يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف أبو الحجاج المزي 1/ 149 # يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر الأندلسي 1/ 96 # يوسف بن الحسين أبو يعقوب الرازي 1/ 219 # أبو يوسف = يعقوب بن إبراهيم الأنصاري # PageV02P341 ### $ 4- فهرس الكتب الواردة في المتن: # اسم الكتاب المؤلف الجزء والصفحة # "أ" # الإحكام لابن حزم 1/ 163، 196، 214، # 37، و2/ 58، 94 # أحكام القرآن للإمام الشافعي رضي الله عنه 2/ 18، 94 # اختلاف الحديث للإمام الشافعي رضي الله عنه 1/ 318 # أدب الجدل لأبي الحسن السهيلي 1/ 213، 227 و2/ 44، 169 # أدب الطلب ومنتهى الأدب للإمام الشوكاني 2/ 190، 245 # أدب القاضي للإمام الشافعي 2/ 232 # الأساليب لأبي المعالي الجويني 2/ 126 # الأصول للإمام الشاشي 1/ 313 # الإعراب لابن حزم 1/ 237 # الإفادة للقاضي عبد الوهاب 1/ 300، 314، # 32، 357، 398 # إكفار المتأولين 2/ 229 # إلجام العوام عن علم الكلام لأبي حامد الغزالي 2/ 33 # الإلماع للقاضي عياض 1/ 169 # الأم للإمام الشافعي 2/ 47 # أنواع البروق في أنواع الفروق = القواعد للقرافي # PageV02P342 # الأوسط لابن برهان 1/ 231، 326، 338 # و2/ 6، 62، 67، 81، 192، 193 # "ب" # البحر للروياني 1/ 231، 238، 2/ 248 # البحر المحيط للزركشي 1/ 101، 107، 110، 143، 211، 225 232، 240، 241، ~~298، 303، 308، 320، 333، 339، 391 و2/ 24، 34، 56، 70، 78، 82، 149، 156، ~~198، 199، 212 215، 240، 257، 260 # البرهان لإمام الحرمين الجويني 1/ 98، 107، 111 293، 334، 344 و2/ 37، ~~46، 58، 117، 119، 126، 149، 176 184، 269 # "ت" # تاريخ الإسلام للحافظ الذهبي 1/ 183 # تاريخ النبلاء للحافظ الذهبي 1/ 183 و2/ 33، 34 # التبصرة لأبي إسحاق الشيرازي 1/ 134 و2/ 29، 140 # التحرير للمحقق ابن الهمام 1/ 299، 304، 390، و2/ 288 # التحقيق لعبد العزيز بن أحمد 2/ 46 # التذكرة في أصول الدين للتميمي 2/ 199 # التعليقة لأبي حامد الغزالي 1/ 347 # التعليقة للقاضي حسين 1/ 139 و2/ 176، 240 # التفرقة بين الإسلام والزندقة لأبي حامد الغزالي 2/ 229 # تفسير خمسمائة آية من القرآن لمقاتل بن سليمان 2/ 210 # تفسير الرازي للإمام الرازي 1/ 308، 382 # تفسير الماتريدي لأبي منصور الماتريدي 2/ 6 # التقريب للرازي 1/ 307 و2/ 45، 57 # PageV02P343 # التقريب لأبي بكر الباقلاني 1/ 155، 159، 180، # 185، 215، 223، 232، 293، 315، 333، 335، 372، # 391 و2/ 45، 48، 57، 67، 77، 1110، 117، 124، 138، # 177، 187، 191، 218، 240، 263، 269، 280 # التقويم لأبي زيد الدبوسي 1/ 111، 308 # التلخيص للإمام الجويني 1/ 356، 400 و2/ 240 # التلخيص للقاضي عبد الوهاب 1/ 298 و2/ 150 # التلويح لإلكيا الطبري 1/ 308، 318، 2/ 45 # التلويح ms568 للسعد التفتازاني 1/ 248 # التمهيد لأبي الخطاب الحنبلي 2/ 46 # التمهيد لابن عبد البر 2/ 65، 66 # تهذيب الكمال للحافظ المزي 1/ 183 # التنقيح 2/ 120، 121 # "ث" # الثقات لابن حبان 1/ 142، 150 # "ج" # جامع الأصول لابن الأثير 1/ 163 # جامع العلم لابن عبد البر 1/ 96 و2/ 94 # الجدل لأبي منصور البغدادي 1/ 229 # الجدل للكعبي 2/ 164 # الجدل للآمدي 2/ 112، 113 # "خ" # الخصائص لابن جني 1/ 233 # "د" # الدلائل "دلائل الأعلام" للصيرفي 1/ 233 و2/ 62 # PageV02P344 # "ر" # الرسالة للإمام الشافعي 1/ 237، 410 و2/ 24، # 54، 59، 182، 187، 232 # الرسالة المكملة في أدلة البسملة للشوكاني 1/ 89 # الروضة لابن قدامة 2/ 93 # "ز" # الزواجر في الكبائر لابن حجر 1/ 145 # زوائد الروضة للحافظ النووي 1/ 100 و2/ 93 # الزيادات للعبادي 1/ 353 # "س" # سنن البيهقي لأحمد بن الحسين 2/ 253 # سنن أبو داود لأبي داود 2/ 207، 208 # السير الكبير للشيباني 2/ 39 # "ش" # الشامل لإمام الحرمين الجويني 2/ 241 # شرح أدب الكاتب لأبي منصور الجواليقي 1/ 311 # شرح الإمام لابن دقيق العيد 1/ 165، 371، 393، # 397 و2/ 213 # شرح البرهان للأبياري 1/ 157، 164، 329 # و2/ 116، 126، 136 # شرح البرهان لابن المنير 2/ 49 # شرح البزدوي = كشف الأسرار # شرح الترتيب للإسفراييني 2/ 141 # شرح الرسالة للجويني 1/ 135 و2/ 198، 220، # 232، 250 # PageV02P345 # شرح السير للسرخسي 2/ 45 # شرح العنوان لابن دقيق العبد 1/ 322، 347 و2/ 108، 213 # شرح كتاب سيبويه للسيرافي 1/ 301 # شرح الكفاية لأبي الطيب 1/ 111 و2/ 67 # شرح اللمع للشيرازي 2/ 37، 39 # شرح المحصول للأصفهاني 1/ 213، 329، 354، # 357 و2/ 5، 58، 160 # شرح مختصر المنتهى لعضد الدين 1/ 330، 359 # شرح صحيح مسلم للنووي 2/ 130 # شرح مقالات الأشعري لابن فورك 2/ 68 # شرح المنتقى للشوكاني = نيل الأوطار # شعب الإيمان للبيهقي 2/ 101 # شفاء العليل للغزالي 2/ 133 # "ص" # الصحاح للجوهري 1/ 375 و2/ 89 # صحيح البخاري للإمام البخاري 1/ 138 و2/ 211 # صحيح مسلم للإمام مسلم 1/ 138، 146، 389 و2/ 211 # "ض" # الضعفاء للعقيلي 1/ 179 # "ع" # العدة لابن الصباغ 1/ 356، 412 # العلل للترمذي 1/ 49 # العلل للخلال 1/ 180 # PageV02P346 # "غ" # غريب الحديث لأبي عبيد 1/ 344 # "ف" # فتاوى ابن الصلاح لابن الصلاح 2/ 199 # الفتيا للجاحظ 1/ 187 # فتح القدير للإمام الشوكاني 1/ 91 # فقه العربية لابن فارس 1/ 95، 312، 372 # و2/ 32 # الفقيه والمتفقه للحافظ البغدادي 2/ 75 # "ق" # القواطع لابن السمعاني 1/ 298، 356 # و2/ 107، 176 ms569 # القواعد للأصفهاني 1/ 372 # القواعد للقرافي 2/ 46 # القول المفيد في حكم التقليد للشوكاني 2/ 190، 244 # "ك" # الكافي للخوارزمي 1/ 229 و2/ 136، # 174، 180 # الكفاية للخطيب البغدادي 1/ 185 # الكتاب للصيرفي 2/ 50 # الكتاب لأبي إسحاق المروزي 2/ 59 # كتاب سيبويه لسيبويه 1/ 81، 312 # كتاب ابن فورك 1/ 224 # الكشاف للزمخشري 2/ 47 # كشف الأسرار = شرح البزدوي العلاء البخاري 1/ 335 # PageV02P347 # "ل" # اللباب لمطهر بن الحسن 1/ 299 # اللمع للشيرازي 1/ 109، 159، 160، # 229، 232، 340، 383 و2/ 9، 25، 40، 67، 78، 73، # 269 # "م" # المحصول لابن العربي 1/ 111 # المحصول للرازي 1/ 41، 47، 67، 91، # 107، 108، 111، 120، 143، 146، 180، 184، # 193، 198، 206، 213، 236، 241، 247، 258، 259، # 269، 273، 285، 305، 307، 309، 315، 318، 324، # 326، 328، 329، 331، 334، 339، 341، 346، 348، # 358، 363، 369، 370، 375، 378، 381، 382، 384، # 388، 390 و2/ 5، 7، 9، 10، 12، 13، 21، 27، 39، # 44، 50، 51، 62، 76، 79، 80، 89، 92، 110، 111، # 116، 118، 122، 127، 134، 125، 136، 138، 139، # 146، 147، 149، 153، 156، 157، 205، 207، 209، # 211، 212، 224، 236، 237، 241، 247، 251، 257، # 258، 260، 264، 269، 276، 277، 278، 284 # المختصر للمزني 2/ 146، 150، 240، 243 # مختصر التقريب للجويني 1/ 232 و2/ 13، 27، 136، 178 # مختصر المنتهى لابن الحاجب 1/ 326، 360، 390، 391 # و2/ 52، 115، 116، 134، 137، 155، 162، 182، # 228، 275 # مدارج السالكين لابن القيم 1/ 366 # المدخل للبيهقي 1/ 168 # المرشد لابن القشيري 2/ 178، 179 # المسائل لابن قتيبة 1/ 367 # PageV02P348 # مسائل الخلاف في أصول الفقه لأبي عبد الله الصيمري 1/ 289 # المستدرك للحاكم النيسابوري 1/ 364 و2/ 66 # المستصفى للغزالي 1/ 226، 262، # و22/ 137، 138، 263، # 271، 275 # المصادر في الأصول لمحمود بن علي الرازي 1/ 134، 310 و2/ 17 # المطالب العالية للفخر الرازي 2/ 53 # المطلب لابن الرفعة 2/ 10 # المعالم للرازي 1/ 110 # المعتمد لأبي الحسين 1/ 232، 325، 334، 358 # و2/ 18، 29، 45، 80، # 81، 83 # المعتمد لأبي عبد الله البصري 2/ 17 # معرفة السنن للبيهقي 2/ 207 # المفهم شرح مسلم للقرطبي المالكي 1/ 314 # المقاييس لابن فارس 1/ 193 # الملخص للقاضي عبد الوهاب 1/ 142، 217، 358 # و2/ 21، 46 # الملل والنحل لابن حزم 1/ 99 # المنتهى 2/ 107 # المنخول للغزالي 1/ 103، 112، 139، # 184، 226، 227، 334 و2/ 15، 157، 178، 251، 257 # المنهاج للبيضاوي 2/ 63، 110، 135 # الموطأ للإمام مالك 1/ 218، 238 # الميزان للذهبي 1/ 184 # ميزان الأصول لعلاء الدين السمرقندي 1/ 215، 302، 303 # "ن" # الناسخ والمنسوخ 2/ 62 # PageV02P349 # نتائج الفكر للسهيلي 2/ 46 # النكت للشيرازي 2/ 216 # النهاية للجويني 1/ 104، 308، 378، 392 # النهاية للصفي الهندي 1/ 304 و2/ 37 # نهاية الغريب = النهاية في # غريب المحدثين لابن الأثير 2/ 200 # نيل الأوطار في شرح المنتقى # من الأخبار للشوكاني 1/ 89 # "ه" # الهداية للمرغيناني 2/ 44 # "و" # الوجيز لابن برهان 1/ 216، 231، 233، 358 # و2/ 29، 46، 114، 115، 178، 185، 263 # الوسيط للغزالي 2/ 212 # الودائع لابن سريج 1/ 237 # الوهم والإيهام لابن القطان 1/ 143 # PageV02P350 ### $ 5- فهرس الفرق: # الفرقة الجزء / الصفحة # الأشعرية 1/ 28، 32، 36، 38، 98، 111، 133، 136، # 222، 375، و2/ 38، 57، 67، 87، 88، 89 # الإمامية 1/ 133، 136، 222 # البراهمة 1/ 128، 131 # الخطابية 1/ 213 # الخوارج 1/ 201، 212، 213 # الدهرية 1/ 130 # الرافضة 1/ 102، 135، 212، 213، و2/ 53 # الزيدية 1/ 222 # السمنية 1/ 128، 131 # الشمعونية 2/ 52 # الظاهرية 1/ 67، 160، 212، 213، 229، 330، 383 # و2/ 38، 52، 59، 60، 174 # القدرية 1/ 212 # الفلاسفة ms570 1/ 55 # المجسمة 2/ 229 # المجوس 2/ 228 # المرجئة 1/ 293 # المشبهة 2/ 32 # المعتزلة 1/ 28، 36، 38، 41، 64، # PageV02P351 # 66، 79، 89، 102، 105، 109، 111، 136، # 175، 189، 212، 245، 247، 248، 249، # 258، 264، 275، 284، 305، 307، 326، # 357، 393 و2/ 13، 28، 29، 38، 44، 57، # 59، 67، 69، 93، 94، 105، 120، 140، 180، # 230، 231، 235، 237، 241، 287، 288، 289 # النصاري 1/ 126 و2/ 288 # الموسوية 2/ 52 # الواقفية 1/ 293، 294 # اليهود 1/ 126 و2/ 193، 195، 228 # PageV02P352 ### $ 6- فهرس الأبيات الشعرية والأمثال العربية: # تخبرك العينان ما القلب كاتم ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر # لم يعرف قائله 1/ 120 # لأمر ما يسود من يسود # قائله: أنس بن مدركة 1/ 242 # وبلده ليس بها أنس إلا اليعافير ولا العيس # قائله: جران العود 1/ 360 # نبي من الغربان ليس على شرع يخبرنا أن الشعوب إلى صدع # قائله: أبو العلاء المعري 1/ 120 # دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى فإذا عشقت فعند ذلك عنف # قائله: عمرو بن الفارض 2/ 227 # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل # قائله: امرؤ القيس 1/ 254 # يهون علينا أن تصاب جسومنا وتسلم أعراض لنا وعقول # قائله: أبو الطيب المتنبي 2/ 130 # لا تعذل المشتاق في أشواقه حتى يكون حشاك في أحشائه # قائله: أبو الطيب المتنبي 2/ 226 # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني # قائله: سحيم بن وثيل الرياحي 1/ 69 # لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها # قائله: الأبلة البغدادي 2/ 226 # فهرس الأمثال: # لأمر ما جدع قصير أنفه 1/ 242 # على نفسها جنت براقش 2/ 226 # PageV02P353 ### $ 7- فهرس الأماكن والبلدان: # المكان أو البلد الجزء/ الصفحة # بئر معونة 2/ 65 # البصرة 1/ 80، 213، 220 # سمرقند 1/ 248 # الصفا 1/ 82 # قباء 1/ 136 # الكوفة 1/ 30، 213، 220 # المدينة 1/ 176، 220 # مصر 1/ 220 # المروة 1/ 82 # مكة 1/ 220 # نيسابور 2/ 140 # اليمامة 1/ 75 # PageV02P354 ### $ 8- فهرس مراجع التحقيق: # الإتقان في علوم القرآن، للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، تحقيق ~~محمد أبي الفضل إبراهيم، الطبعة الثانية، منشورات رضى ببيدار عزيزي. # أحكام القرآن، لأبي بكر محمد بن عبد الله "ابن العربي"، تحقيق علي محمد ~~البيجاوي، طبعة دار إحياء التراث العربي بيروت. # إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، لمحمد ناصر الدين الألباني، ~~طبعة المكتب الإسلامي بيروت الطبعة الثانية سنة 1985 # الاستيعاب في أسماء الأصحاب، لأبي عمر يوسف بن عبد الله "ابن عبد البر"، ~~طبعة دار الكتاب العربي بيروت مطبوع ms571 مع كتاب الإصابة. # الإصابة في تمييز الصحابة، لشهاب الدين أحمد بن علي بن محمد "ابن حجر ~~العسقلاني"، طبعة دار الكتاب العربي بيروت. # أصول الشاشي، لنظام الدين الشاشي، طبعة دار الكتاب العربي بيروت. # أصول السرخسي، للإمام محمد بن أحمد السرخسي، تحقيق أبي الوفا الأفغاني، ~~طبعة دار المعرفة بيروت. # إعلاء السنن، للتهانوي، الطبعة الثانية في الباكستان عام 1383 ه. # الأعلام، لخير الدين الزركلي، بطبعة دار العلم للملايين بيروت، الطبعة ~~العاشرة 1992. # الأم، لأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، طبعة دار المعرفة بيروت، ~~بإشراف محمد زهدي النجار. # البداية والنهاية في التاريخ، للحافظ إسماعيل بن عمر المعروف بابن كثير، ~~طبعة مكتبة المعارف بيروت. # البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، للقاضي محمد بن علي الشوكاني، ~~طبعة دار المعرفة بيروت. # البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف، للشيخ إبراهيم بن محمد ~~الحسيني، طبعة مكتبة مصر، تحقيق عبد المجيد هاشم. # تاج التراجم في طبقات الحنفية، لزين الدين قاسم بن قطلوبغا، تحقيق محمد ~~خير رمضان يوسف، طبعة دار القلم دمشق 1992. # تاريخ بغداد، لأحمد بن علي البغدادي الخطيب، طبعة دار الكتب العلمية ~~بيروت. # PageV02P355 # التبصرة في اصول الفقه، للشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي، تحقيق ~~الدكتور محمد حسين هيتو، طبعة دار الفكر دمشق. # تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد، للشيخ إبراهيم بن محمد البيجوري، طبعة ~~دار الكتب العلمية بيروت. # دريب الراوي في شرح تقريب النواوي، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي، ~~تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، طبعة دار الفكر بيروت. # تذكرة الحفاظ، للإمام الحافظ شمس الدين الذهبي طبعة دار إحياء التراث ~~العربي بيروت. # التعريفات، لعلي بن محمد الجرجاني، تحقيق إبراهيم الأبياري، طبعة دار ~~الكتاب العربي بيروت. # تفسير ابن كثير "تفسير القرآن العظيم"، لإسماعيل بن عمر بن كثير، طبعة ~~دار المعرفة بيروت بتقديم الدكتور يوسف عبد الرحمن المرعشلي. # تفسير الصاوي "حاشية الصاوي على الجلالين" طبعة دار الفكر بيروت 1986. # تفسير القرطبي "الجامع لأحكام القرآن"، لأبي عبد الله محمد بن أحمد ~~القرطبي، طبعة دار الشام للتراث بيروت. # التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي ms572 الكبير. # التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه، لسعد الدين التفتازاني، ~~طبعة دار الكتب العلمية بيروت. # التمهيد، لابن عبد البر، طبعة مطبعة فضالة في المغرب. # تهذيب التهذيب، للحافظ أحمد بن علي "ابن حجر العسقلاني"، طبعة دار إحياء ~~التراث العربي بيروت. # جامع بيان العلم وفضله، لأبي عمر يوسف بن عبد البر. # جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، للسيد أحمد الهاشمي، طبعة دار ~~إحياء التراث العربي بيروت الطبعة الثانية عشرة. # الجواهر المضية في طبقات الحنيفية، لأبي محمد عبد القادر بن محمد القرشي، ~~تحقيق الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو، الطبعة الثانية في هجر 1993. # حاشية الدمياطي على شرح الورقات، لأحمد بن محمد الدمياطي، طبعة دار إحياء ~~الكتب العربية بمصر. # خلاصة الأفكار شرح مختصر المنار، لزين الدين قاسم بن قطلوبغا، تحقيق ~~الدكتور زهير بن ناصر الناصر، الطبعة الأولى دار ابن كثير. # خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال، لصفي الدين أحمد بن عبد الله ~~الخزرجي الأنصاري، طبعة مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب، تقديم عبد الفتاح ~~أبو غدة. # الدراية في تخريج أحاديث الهداية، للحافظ ابن حجر العسقلاني، طبعة دار ~~المعرفة. # ذيل تذكرة الحفاظ، للحافظ أبي المحاسن محمد بن علي الدمشقي، طبعة دار ~~إحياء التراث العربي بيروت. # الرسالة، للإمام محمد بن إدريس الشافعي، طبعة مصطفي البابي الحلبي ~~بالقاهرة. # PageV02P356 # روضة الطالبين وعمدة المفتين، للإمام يحيى بن شرف النووي، طبعة المكتب ~~الإسلامي بيروت، 1991. # سنن الترمذي، لمحمد بن عيسى الترمذي طبعة دار الفكر، تحقيق عبد الرحمن ~~محمد. # سنن الدراقطني، للحافظ علي بن عمر الدارقطني، طبعة عالم الكتب بيروت. # سنن الدارمي، لعبد الرحمن بن الفضل بن بهرام، طبعة دار الريان سنة 1407ه. # سنن أبي داود، لسليمان بن الأشعث السجستاني، طبعة دار الجنان بيروت. # السنن الكبرى، لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، طبعة دار الفكر. # سنن ابن ماجة، لأبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق محمد فؤاد عبد ~~الباقي، طبعة دار الحديث القاهرة. # سنن النسائي، لأحمد بن شعيب النسائي، طبعة دار المعرفة بيروت 1994. # سير أعلام النبلاء، للحافظ شمس الدين الذهبي، طبعة ms573 مؤسسة الرسالة، الطبعة ~~العاشرة 1990. # السيرة النبوية، لأبي محمد عبد الملك بن هشام، تقديم طه عبد الرءوف سعد، ~~طبعة شركة الطباعة المتحدة مصر. # شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن العماد الحنبلي، طبعة دار إحياء ~~التراث العربي بيروت. # شرح السراجية، للسيد الشريف الجرجاني، تحقيق الشيخ عدنان درويش. # شرح السلم المنورق لدمنهوري، تحقيق عبد السلام شنار. # شرح شواهد المغني "فتح القريب المجيد في إعراب شواهد مغني اللبيب"، لشيخ ~~محمد علي طه الدرة، طبعة الرازي دمشق. # شرح صحيح مسلم، ليحيى بن شرف النووي، طبعة دار مكتبة الغزالي دمشق. # الصحاح في اللغة والعلوم، لإسماعيل بن حماد الجوهري، طبعة دار الحضارة ~~العربية بيروت، الطبعة الأولى 1974، تقديم الشيخ عبد الله العلايلي. # صحيح البخاري "الجامع الصحيح"، لمحمد بن إسماعيل البخاري، طبعة دار ~~المعرفة مع فتح الباري. # صحيح ابن خزيمة، لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، طبعة المكتب الإسلامي ~~بيروت، 1992، تحقيق الدكتور محمد مصطفي الأعظمي. # صحيح مسلم، لأبي الحسين مسلم بن الحجاج، طبعة دار إحياء التراث العربي ~~بيروت، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. # ضوابط المعرفة، لعبد الرحمن حسن حبنكة، طبعة دار القلم. # فتح العزيز في شرح الوجيز، لأبي القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي، طبعة ~~دار الفكر بيروت، وهو بهامش المجموع. # الفوائد البهية في تراجم الحنفية، لأبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي، ~~طبعة دار المعرفة بيروت. # فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، لعبد العلي محمد بن نظام الدين ~~الأنصاري، طبعة دار إحياء التراث العربي بيروت، 1993، بهامش المستصفى. # كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، للإمام علاء الدين عبد العزيز ~~بن أحمد البخاري، # PageV02P357 # طبعة دار الكتاب الإسلامي القاهرة. # كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، ~~لإسماعيل بن محمد العجلوني، طبعة دار إحياء التراث العربي بيروت. # كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، لمصطفي بن عبد الله "حاجي خليفة"، ~~طبعة دار إحياء التراث العربي بيروت. # لسان العرب، لأبي الفضل محمد بن منظور، طبعة دار صادر بيروت، 1992. # لسان الميزان، لابن حجر العسقلاني "أحمد بن علي"، طبعة مؤسسة الأعلمي ms574 ~~للمطبوعات بيروت. # مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، ~~تحقيق عبد الله محمد درويش، طبعة دار الفكر بيروت. # المجموع شرح المهذب، للإمام يحيى بن شرف النووي، طبعة دار الفكر بيروت. # المحصول في علم الأصول، لفخر الدين الرازي، طبعة مطبعة جامعة الأمير محمد ~~بن سعود الإسلامية، تحقيق الدكتور طه جابر العلواني. # مختصر المزني، لأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، طبعة دار المعرفة ~~بيروت، وهو ملحق بالأم للشافعي. # المستدرك على الصحيحين، للإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله "الحاكم ~~النيسابوري"، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، طبعة دار الكتب العلمية بيروت ~~1990. # المستصفى من علم الأصول، للإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي، طبعة دار ~~إحياء التراث العربي. # مسند الإمام أحمد بن حنبل، طبعة دار المكتب الإسلامي ودار صادر بيروت، ~~1978. # مسند أبو عوانة الإسفراييني، طبعة دار المعرفة. # مسند أبي يعلي، للإمام الحافظ أحمد بن علي الموصلي، تحقيق حسين سليم أسد، ~~طبعة دار الثقافة العربية، 1992 دمشق بيروت. # مصابيح السنة، للحسين بن محمود البغوي، طبعة دار المعرفة بيروت، تحقيق ~~الدكتور يوسف عبد الرحمن المرعشلي. # المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، للرافعي للإمام أحمد بن محمد ~~الفيومي، طبعة المكتبة العلمية بيروت. # المصنف، للحافظ أبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعائي، تحقيق حبيب الرحمن ~~الأعظمي، طبعة المكتب الإسلامي بيروت، 1983. # المصنف، لابن أبي شيبة، تحقيق عبد الخالق الأفغاني، طبعة الدار السلفية ~~الهند. # معجم الأدباء لياقوت بن عبد الله الحموي، طبعة دار إحياء التراث العربي ~~بيروت. # معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة، طبعة دار إحياء التراث العربي بيروت. # معجم مقاييس اللغة، لأحمد بن فارس، تحقيق عبد السلام محمد هارون، طبعة ~~مركز مكتب الإعلام الإسلامي 1984. # PageV02P358 # المعجم الوسيط، قام بإخراجه الدكتور إبراهيم أنيس وجماعة، طبعة دار ~~الفكر. # مفاتيح العلوم، للإمام محمد بن أحمد بن يوسف الخوارزمي، تحقيق إبراهيم ~~الأبياري، طبعة دار الكتاب العربي بيروت 1984. # مقدمة ابن الصلاح، لأبي عمرو بن الصلاح، طبعة دار الفكر دمشق، تحقيق ~~الدكتور مصطفي ديب البغا. # الملل والنحل، للشهرستاني "محمد بن عبد ms575 الكريم" طبعة دار المعرفة، تحقيق ~~محمد سيد كيلاني. # المنتقى، لأبي محمد بن عبد الله بن الجارود، طبعة مؤسسة الكتب الثقافية ~~دار الجنان، تعليق عبد الله البارودي. # المنخول من تعليقات الأصول، للإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي، تحقيق ~~الدكتور محمد حسين هيتو، طبعة دار الفكر دمشق،1980. # الموطأ، للإمام مالك بن أنس، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة دار إحياء ~~التراث العربي، 1985. # ميزان الأصول في نتائج العقول، للشيخ علاء الدين أبو بكر محمد بن أحمد ~~السمرقندي، تحقيق الدكتور عبد الملك عبد الرحمن السعدي، طبعة وزارة الأوقاف ~~والشئون الدينية. # نسمات الأسحار شرح إفاضة الأنوار، للإمام محمد بن عابدين الحنفي، طبعة ~~دار الكتب العربية الكبرى بمصر. # نصب الراية، لعبد الله بن يوسف الزيلعي، طبعة دار إحياء التراث العربي، ~~الطبعة الثالثة 1407ه. # الهداية "شرح بداية المبتدي" للإمام برهان الدين علي بن أبي بكر ~~المرغيناني، تحقيق محمد عدنان درويش، طبعة دار الأرقم بن أبي الأرقم. # هدية العارفين، لإسماعيل باشا البغدادي، طبعة دار إحياء التراث العربي. # PageV02P359 ### | فهرس موضوعات الجزء الثاني # الموضوع الصفحة # الباب الخامس: في المطلق والمقيد # المبحث الأول: في حدهما 5 # المبحث الثاني: في حمل المطلق على المقيد 6 # المبحث الثالث: في شرط حمل المطلق على المقيد 9 # المبحث الرابع: في جريان ما ذكر في تخصيص العام في تقييد المطلق 10 # الباب السادس: في المجمل والمبين # الفصل الأول: في حدهما 12 # تعريف المجمل 12 # تعريف المبين 13 # الفصل الثاني: في وقوع الإجمال في الكتاب والسنة 14 # الفصل الثالث: في وجوه الإجمال 15 # الفصل الرابع: فيما لا إجمال فيه 16 # الفصل الخامس: في مراتب البيان للأحكام 23 # الفصل السادس: في تأخير البيان عن وقت الحاجة 26 # الباب السابع: في الظاهر والمؤول # الفصل الأول: في حدهما 31 # الفصل الثاني: فيما يدخله التأويل 32 # الفصل الثالث: في شروط التأويل 34 # PageV02P360 # الباب الثامن: في المنطوق والمفهوم # المسألة الأولى: في حدهما 36 # أقسام المنطوق 36 # أقسام المفهوم 37 # المسألة الثانية: في مفهوم المخالفة 38 # المسألة الثالثة: في شروط القول بمفهوم ms576 المخالفة 40 # المسألة الرابعة: في أنواع مفهوم المخالفة 42 # النوع الأول: مفهوم الصفة 42 # النوع الثاني: مفهوم العلة 43 # النوع الثالث: مفهوم الشرط 43 # النوع الرابع: مفهوم العدد 44 # النوع الخامس: مفهوم الغاية 45 # النوع السادس: مفهوم اللقب 45 # النوع السابع: مفهوم الحصر 46 # النوع الثامن: مفهوم الحال 48 # النوع التاسع: مفهوم الزمان 48 # النوع العاشر: مفهوم المكان 48 # الباب التاسع: من المقصد الرابع في النسخ # المسألة الأولى: في حده 49 # المسألة الثانية: في جواز النسخ عقلا ووقوعه شرعا 52 # الحكمة من النسخ 53 # المسألة الثالثة: في شروط النسخ 55 # المسألة الرابعة: في جواز النسخ بعد اعتقاد المنسوخ والعمل به 56 # المسألة الخامسة: أنه لا يشترط في النسخ أن يخلفه بدل 58 # المسألة السادسة: في النسخ إلى بدل يقع على وجوه 60 # المسألة السابعة: في جواز نسخ الأخبار 61 # المسألة الثامنة: في نسخ التلاوة دون الحكم والعكس ونسخهما معا 63 # PageV02P361 # المسألة التاسعة: في وجوه نسخ القرآن والسنة 67 # المسألة العاشرة: في نسخ القرآن بالسنة المتواترة 68 # نسخ السنة بالقرآن 71 # المسألة الحادية عشرة: في نسخ القول والفعل من السنة 72 # المسألة الثانية عشرة: في القول في نسخ الإجماع والنسخ به 74 # المسالة الثالثة عشرة: في القياس لا يكون ناسخا 76 # المسألة الرابعة عشرة: في نسخ المفهوم 77 # المسألة الخامسة عشرة: في الزيادة على النص 79 # المسألة السادسة عشرة: في النقصان من العبادة هل يكون نسخا 83 # المسألة السابعة عشرة: في الطريق التي يعرف بها كون الناسخ ناسخا 84 # المقصد الخامس: من مقاصد هذا الكتاب في القياس وما يتصل به من الاستدلال # الفصل الأول: في تعريفه 89 # الفصل الثاني: في حجية القياس 91 # الأدلة من القرآن الكريم 95 # الأدلة من السنة المطهرة 99 # الأدلة من الإجماع 102 # الفصل الثالث: في أركان القياس 104 # شروط القياس المعتبرة في المقيس عليه 105 # مباحث العلة 109 # الشروط المعتبرة في العلة 111 # ما لا يعتبر من الشروط في العلة 113 # القول في تعدد العلل 115 ms577 # شروط المقيس "الفرع" 116 # الفصل الرابع: في الكلام عن مسالك العلة 116 # المسلك الأول: الإجماع 117 # المسلك الثاني: النص على العلة 118 # المسلك الثالث: الإيماء والتنبيه 121 # المسلك الرابع: الاستدلال على علية الحكم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~124 # PageV02P362 # المسلك الخامس: السبر والتقسيم 124 # المسلك السادس: المناسبة 127 # أقسام المناسب من حيث الظن واليقين 129 # انقسام المناسب إلى حقيقي وإقناعي 129 # انقسام المناسب باعتبار شهادة الشرع وعدمها إلى ثلاثة أقسام 132 # انقسام المناسب من حيث التأثير وعدمه والملاءمة وعدمها 134 # المسلك السابع: الشبه 136 # الخلاف في حجيته 137 # المسلك الثامن: الطرد 138 # المسلك التاسع: الدوران 140 # المسلك العاشر: تنقيح المناط 141 # المسلك الحادي عشر: تحقيق المناط 142 # الفصل الخامس: فيما لا يجري فيه القياس 143 # حكم جريان القياس في الأسباب 144 # القياس في الحدود والكفارات 144 # الفصل السادس: في الاعتراضات 146 # الاعتراض الأول: النقض 147 # الاعتراض الثاني: الكسر 149 # الاعتراض الثالث: عدم العكس 151 # الاعتراض الرابع: عدم التأثير 151 # الاعتراض الخامس: القلب 153 # الاعتراض السادس: القول بالموجب 156 # الاعتراض السابع: الفرق 157 # الاعتراض الثامن: الاستفسار 158 # الاعتراض التاسع: فساد الاعتبار 158 # الاعتراض العاشر: فساد الوضع 159 # الاعتراض الحادي عشر: المنع 160 # الاعتراض الثاني عشر: التقسيم 161 # الاعتراض الثالث عشر: في اختلاف الضابط بين الأصل والفرع 161 # الاعتراض الرابع عشر: في اختلاف حكمي الأصل والفرع 162 # الاعتراض الخامس عشر: منع كون ما يدعيه المستدل علة لحكم الأصل 162 # الاعتراض السادس عشر: منع كون الوصف المدعى عليته علة 162 # الاعتراض السابع: القدح في المناسبة 163 # PageV02P363 # الاعتراض الثامن عشر: القدح في إفضائه إلى المصلحة المقصودة # من شرع الحكم له 163 # الاعتراض التاسع عشر: كون الوصف غير ظاهر 163 # الاعتراض الموفي عشرين: كون الوصف غير منضبط 163 # الاعتراض الحادي والعشرون: المعارضة 164 # أقسام المعارضة 164 # الاعتراض الثاني والعشرين: سؤال التعدية 166 # الاعتراض الثالث والعشرون: سؤال التركيب 167 # الاعتراض الرابع والعشرون: منع وجود الوصف المعلل به في الفرع 167 # الاعتراض الخامس والعشرون: المعارضة في ms578 الفرع 167 # الاعتراض السادس والعشرون: المعارضة في الوصف 167 # الاعتراض السابع والعشرون: اختلاف جنس المصلحة في الأصل والفرع 168 # الاعتراض الثامن والعشرون: أن يدعي المعترض المخالفة # بين حكم الأصل وحكم الفرع 168 # الفائدة الأولي: في لزوم إيراد الأسئلة مرتبة 168 # الفائدة الثانية: في الانتقال عن محل النزاع إلى غيره 170 # الفائدة الثالثة في الفرض والبناء 170 # الفائدة الرابعة: في جواز التعلق بمناقضات الخصوم 171 # الفائدة الخامسة: في السؤال والجواب 171 # الفصل السابع: في الاستدلال 172 # البحث الأول: في التلازم 172 # البحث الثاني: في الاستصحاب 174 # البحث الثالث: في شرع من قبلنا وفيه مسألتان 177 # المسألة الأولى: هل كان صلى الله عليه وسلم متعبدا قبل البعثة بشرع أم ~~لا؟ 177 # المسألة الثانية: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم بعد البعثة متعبدا # بشرع من قبله أم لا؟ 179 # البحث الرابع: الاستحسان 181 # البحث الخامس: المصالح المرسلة 184 # فوائد تتعلق بالاستدلال 187 # الفائدة الأولى: في قول الصحابي 187 # الفائدة الثانية: الأخذ بأقل من قيل 189 # الفائدة الثالثة: النافي للحكم هل يلزمه الدليل أم لا؟ 191 # الفائدة الرابعة: سد الذرائع 193 # الفائدة الخامسة: دلالة الاقتران 197 # PageV02P364 # الفائدة السادسة: دلالة الإلهام 199 # الفائدة السابعة: في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم 202 # المقصد السادس: من مقاصد هذا الكتاب في الاجتهاد والتقليد # الفصل الأول: في الاجتهاد 205 # المسالة الأولى: في حده 205 # الشروط الواجب توافرها في المجتهد 206 # موضع الاجتهاد 211 # المسلة الثانية: هل يجوز خلو العصر من المجتهدين أم لا؟ 211 # المسألة الثالثة: في تجزؤ الاجتهاد 216 # المسالة الرابعة: في جواز الاجتهاد للأنبياء 217 # المسألة الخامسة: في جواز الاجتهاد في عصره صلى الله عليه وسلم 221 # المسألة السادسة فيما ينبغي للمجتهد أن يعمله في اجتهاده ويعتمد عليه 224 # المسألة السابعة: في المسائل التي كل مجتهد فيها مصيب 227 # الفرع الأول: العقليات وهي على أنواع 227 # الفرع الثاني: المسائل الشرعية 230 # القسم الثاني: المسائل الشرعية التي لا قاطع بها 231 # المسألة الثامنة: أنه لا يجوز ms579 أن يكون للمجتهد في مسألة واحدة # قولان متناقضان في وقت وحد 235 # المسألة التاسعة: في جواز تفويض المجتهد 237 # الفصل الثاني: في التقليد وما يتعلق به من أحكام المفتي والمستفتي 239 # المسألة الأولى: في حد التقليد والمفتي والمستفتي 239 # المسألة الثانية: في حكم التقليد في أصول الدين 241 # المسالة الثالثة: في حكم التقليد في المسائل الشرعية الفرعية 243 # المسألة الرابعة: في حكم إفتاء المقلد 247 # المسألة الخامسة: في حكم سؤال العالم بالكتاب والسنة 250 # المسالة السادسة: في حكم الالتزام بمذهب معين 252 # PageV02P365 # المقصد السابع: من مقاصد هذا الكتاب في التعادل والترجيح # المبحث الأول: في معناهما وفي العمل بالترجيح وفي شروطه 257 # المبحث الثاني: في عدم التعارض بين دليلين قطعيين 260 # عمل المجتهد عند العجز عن الترجيح 262 # المبحث الثالث: في وجوه الترجيح بين المتعارضين 263 # أنواع الترجيح 264 # الترجيح باعتبار الإسناد 264 # القول في الترجيح باعتبار المتن 268 # الترجيح باعتبار المدلول 270 # الترجيح بحسب الأمور الخارجة 271 # الترجيح بين الأقيسة 273 # الترجيح بحسب الدليل الدال على وجود العلة 276 # الترجيح بحسب الدليل الدال على علية الوصف للحكم 277 # الترجيح بحسب دليل الحكم 278 # الترجيح بحسب كيفية الحكم 279 # الترجيح بحسب الأمور الخارجة 280 # الترجيح بحسب الفرع 280 # الترجيح بحسب الحدود السمعية 281 # خاتمة لمقاصد هذا الكتاب: وفيها مسألتان # المسألة الأولى: هل الأصل فيما وقع الخلاف الإباحة أو المنع أو الوقف 283 # المسألة الثانية: في وجوب شكرا المنعم عقلا 287 # PageV02P366 # الفهارس # فهرس الآيات القرآنية 291 # فهرس أطراف الأحاديث النبوية 308 # فهرس الأعلام المترجمين 319 # فهرس الكتب الوارد ذكرها في المتن 342 # فهرس الفرق 351 # فهرس الآبيات الشعرية والأمثال العربية 353 # فهرس الأماكن والبلدان 354 # فهرس مراجع التحقيق 355 # فهرس موضوعات الجزء الثاني 360 PageV02P367 ms580